welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 2*
نویسنده :السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي*

منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 2

صفحه 1
    منية اللبيب في شرح التهذيب/ج2
   
 
منية اللبيب
في شرح التهذيب
2

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ
 
منية اللبيب
 
في شرح التهذيب
 
تأليف
السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي (بعد681 ـ كان حيّاً 740هـ. )
الجزء الثاني
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم - إيران

صفحه 4
الأعرجي، عبد الله بن محمد، بعد681ـ كان حيّاً740هـ
منية اللبيب في شرح التهذيب/ تأليف ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي; إشراف وتقديم جعفر السبحاني; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصّادق7،قم: مؤسسة الإمام الصادق7،1431ق.= 1389
680ص.   (دورة)9 ـ 423ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(ج.2)4 ـ 460ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا
1. العلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف، 648ـ 726ق. تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ـ ـ نقد و تفسير. أُصول الفقه ـ القرن 8 ق. الف. اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق7ـ المحقّق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1308 ـ ، المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق7. د. العنوان. هـ .العنوان :منية اللبيب في شرح التهذيب . شرح.
1389 9022ت 8ع/8/158BP                              312/297
اسم الكتاب:    منية اللبيب في شرح التهذيب
الجزء:    الثاني
المؤلّف:   السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي
إشراف و تقديم:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
تحقيق:    اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التاريخ:    1389ش/1431ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:626            تسلسل الطبعة الأُولى:369
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 5
            مقدّمة المشرف
آية الله الشيخ جعفر السبحاني دام ظله
مقاصد الشريعة
ودورها في حلّ المسائل المستجدّة
لا شكّ أنّ أفعاله سبحانه تكويناً وتشريعاً معلّلة بالأغراض والغايات، وليس المراد من الغرض هو الأمر العائد إليه سبحانه، بل المراد به الغرض المترتّب على الفعل ولكن المستفيد منه غيره سبحانه. وقد خالفت الأشاعرة ذلك الأصل فزعموا خلوّ فعله سبحانه في كلا المجالين عن أي غرض وغاية، لكن أعرض غير واحد من كبار الأشاعرة عمّا نُسب إلى إمامهم، منهم أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين(419ـ478هـ)، ومحمد بن محمد الغزالي(450ـ505هـ) مؤلّف المستصفى في أُصول الفقه وإرشاد العقول إلى علم الأُصول، فقد اعترفا بمقاصد الشريعة ومع ذلك كلّه فلم يؤدّيا حق الأصل، إلى أن وصلت النوبة لأبي إسحاق بن إبراهيم بن موسى الغرناطي المالكي(المتوفّى 790هـ)فقد خصّص تمام الجزء الثاني من كتابه «الموافقات » لبيان المقاصد العامة للتشريع، وهو أوّل مَن كتب في الموضوع. بإسهاب وقُرِنَ اسمه بمقاصد

صفحه 6
الشريعة. ولكن طرأ الركود على البحث فترة زمنية لا يستهان بها استمرت إلى بداية القرن الرابع عشر حيث أخذ البحث ينتعش من جديد. وقد ألف غير واحد من العلماء كتاباً في ذلك الموضوع، منهم: الشيخ محمد طاهر بن عاشور (1296ـ 1393هـ) مؤلّف كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية » ثم توالى التأليف في هذا الموضوع على يد كثير من علماء العصر الحاضر.
وكنّا قد درسنا الموضوع في كتابنا أُصول الفقه المقارن فيما لا شك فيه، وذكرنا النتائج الصحيحة وغير الصحيحة المترتّبة على ذلك الأصل.
والذي يمكن أن أُشير إليه هنا هو خطورة الموضوع، وذلك لأنّ ما دلّ من الآيات والروايات على مقاصد الشريعة على قسمين:
1. تارة يكون الغرض أو الغاية علّة للحكم وسبباً تامّاً له، بحيث يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، فعندئذ لا غبار على هذا الأصل وما يترتّب عليه، وذلك كقول الشارع: اجتنب المسكر، أو اجتنب الخمر لأنّه مسكر، والمفهوم من التعبيرين عند العرف أنّ الإسكار هو السبب التام الذي يدور الحكم مداره.
2. ما يكون حكمة للحكم دون أن يدور الحكم مداره، وذلك كالإنجاب وتكثير النسل في النكاح فإنّه حكمة وليس بعلّة، ولذلك يصحّ النكاح في الموارد التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.
3. نكاح اليائسة.
4. نكاح الصغيرة.
5. نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

صفحه 7
ونظير المقام التربّص لأجل تبيّن وضع الرحم، قال سبحانه:(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).1
فالتربّص ـ لأجل تبيّن وضع الرحم ـ حكمة الحكم لا علّته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يجب التربّص على من نعلم بعدم وجود حمل في رحمها لغيبة الزوج عنها أكثر من سنة.
وعلى هذا فمن يريد أن يدرس مقاصد الشريعة يجب عليه التدقيق والتفكيك بين العلّة والحكمة. وهذا هو الأصل الأصيل في كون مقاصد الشريعة مبنى للاستنباط.
هذا إذا علم أحد الأمرين وأمّا إذا جهل، فالتماس علل الحكم بالحدس والتظنّي من مزالق الأقدام وأنّى للعقل أن يصل إلى علله ويميز العلّة عن الحكمة; ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يندّد بمن يستعمل العقل لالتماس العلل دون أن يعتمد على دليل قطعي، بل على التظنّي والتخمين; فقد روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان!!
فقال: «مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجع إلى النصف، يا أبان أنّك أخذتني بالقياس،

1. البقرة:228.

صفحه 8
والسنّة إذا قيست محق الدين ».1
وقد أراد الإمام الصادق(عليه السلام) بالقياس: التماس العلل للحكم الشرعي بالتظنّي والتخمين وهو من المزالق الخطرة. ولم يرد القياس المصطلح وهو استخراج حكم الفرع من الأصل بعد الاشتراك في أمر.
فعلى السادة الذين يدرسون مقاصد الشريعة التفريق بين ما دلّ الدليل القطعي على علية الغرض والمصلحة، فتنحل به قسم من المستجدة، دون ما كان حكمة للحكم أو لم يعلم كونه علّة أو حكمة، ففي القسمين الأخيرين يجب السكوت عمّا سكت الله عنه.
***
لقد وردتنا ملاحظات على مقدّمتنا على الجزء الأوّل نستعرض المهم منها:
1. ذكرتم بعض الأُمور نقلاً عن الشيخ آقا بزرگ، وهي:
أ. في ص 17 س 3 قال: «وممّن قام بشرحه في عصر المؤلّف ».
ب. في ص 19 ذيل الرقم 2 عن آقا بزرگ أيضاً: «والشرحان كلاهما موجودان في الخزانة الرضوية، وهما مختلفان عبارة ومطلباً وتاريخاً ».
ج. في ص 20 برقم 4 يقول الشيخ آقا بزرگ: «إنّ الشهيد ألّفه في أوائل شبابه... ». وقد تتبعنا هذه الأقوال وراجعنا المكتبة الرضوية والمصادر الأُخرى فلاحظنا أنّ هذه الأقوال غير صحيحة، وقد التبس الأمر على آقا بزرگ إمّا بسبب نقصان النسخة الخطية بداية ونهاية وظنّ أنّهما نسختان، كما في المورد ب; أو بسبب النسبة الموجودة في النسخة الخطية للمكتبة الرضوية التي تحتوي على دعاء يدلّ على حياة العلاّمة في ذلك الوقت، كما في المورد أ، وقد علم خطأ

1. الوسائل:20، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 9
النسبة إليه، فيكون هذا الادّعاء بدون دليل أيضاً; أمّا المورد الأخير فقد تبيّن لنا أنّ الشهيد الأوّل هاجر إلى العراق وقد بلغ 26 عاماً، وقد أخذ الإجازة من السيد عميد الدين وهو في هذا العمر، ولكنّه في متن جامع البين كان يكرّر عبارة (شيخنا) نسبة إلى أُستاذه السيد عميد الدين، وهذا يدلّ على أنّه نقل عن أُستاذه بعد هذه السن.
2. قلتم إنّ اسم شرح السيد عميد الدين هو«النقول في شرح تهذيب الأُصول إلى علم الأُصول » نقلاً عن ابن الفوطي وقد جزمتم بذلك، ولقد تبعكم في ذلك بعض المحقّقين... .
يلاحظ عليه: أوّلاً: نحن لم نجزم بأنّ اسم شرح السيد عميد الدين هو «النقول في شرح تهذيب الأُصول » إنّما ذكرناه فقط نقلاً عن «مجمع الآداب في معجم الألقاب » لابن الفوطي:2/230 برقم 1380.
ثانياً: أنّ ابن الفوطي البغدادي الشيباني كان مؤرّخاً عاش في فترة سقوط بغداد دار الخلافة العباسية على يد التتر، وعايش العصر الأوّل والثاني لهم وزار أشهر حواضرهم، واتّصل بحكامهم وعلمائهم، ودرس حالة عصره من شتّى نواحيها، وحرّر حوادث هذا العصر وترجم لرجاله، وحفظ لنا ذلك كلّه في كتبه ومعاجمه، فكتب ابن الفوطي والحالة هذه من أصحّ المستندات العربية التي يعول عليها في تاريخ تلك الحقبة، وقد ساعده على ذلك ارتباطاته العامة مع العلماء والأُمراء، ورحلاته المتعدّدة في مدن العراق وإيران، وإشرافه على خزانة الكتب في دار الرصد بمراغة ومن ثم خزانة الكتب بالمستنصرية ببغداد، وهما من أعظم المكتبات في تلك الحقبة; كما أنّه أكثر في أخذه من أعلام العراق خصوصاً في الأدب وعلوم الشريعة، وقد وضع معجماً خاصاً بمن أخذ عنهم

صفحه 10
بلغ عددهم إلى الخمسمائة.
هذا وفي سنة إحدى وثمانين وستمائة زار ابن الفوطي الحلّة وكانت مركزاً من مراكز العلم والأدب فاتّصل بكثير من زعمائها وعلمائها وأدبائها وترجم لهم، ويمكن أن يقال: إنّ كتابه حفظ لنا جانباً من تاريخ الحلّة ونهضتها العلمية1، كما أنّه كان معاصراً للسيد عميد الدين. فعليه لا نستبعد حصوله على نسخة من شرح التهذيب للسيد عميد الدين عليها الاسم المذكور، أو حصل عليه من مصدر موثّق آخر وهو من أصحاب هذا الفن كما عرفت، ولكن لا نجزم ولا نقطع بذلك. والله العالم.
وفي الختام نقدّم جزيل شكرنا للأخوة الأفاضل الذين يتابعون كتبنا ويتحفونا بملاحظاتهم القيّمة مع تمنياتنا لهم بالموفقية وخدمة الإسلام.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الأوّل من ذي القعدة الحرام(مولد كريمة
أهل البيت فاطمة المعصومة(عليها السلام)) 1431هـ

1. راجع ترجمته المفصّلة في أعيان الشيعة:8/5ـ9، ففيها تفاصيل كثيرة تعرب عن باعه الطويل في علم التراجم والفهرسة والتاريخ بحيث اعتبر السيد محسن الأمين كتبه من أصحّ المستندات التي يعوّل عليها كما ذكرنا.

صفحه 11
 
قال قدس الله روحه:

المقصد الخامس:

في المجمل والمبيّن

   
                                                   وفيه فصول:

صفحه 12

صفحه 13

[الفصل] الأوّل:

في المجمل

وفيه مباحث:
الأوّل: الإجمال قد يكون في اللفظ إمّا حال استعماله في موضوعه، كالمشترك المحتمل لمعانيه، والمتواطئ المحتمل لكلّ فرد من جزئياته عند الأمر بأحدها، مثل (وآتوا حقّه يوم حصاده)، أو حال استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصّص بالمجمل، مثل (وأُحلّ لكم ماوراء ذلكم... محصنين) حيث قيّد بالإحصان المجهول، ومثل (أُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم)، و مثل: (فاقتلوا المشركين)، ثم يقول الرسول(صلى الله عليه وآله): المراد البعض، أو حال كونه مستعملاً لا في موضوعه ولا في بعضه كالأسماء الشرعية والمجازية وقد يكون في الفعل، إذ الوقوع لا يدلّ على الوجه.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عن عوارض الأدلّة باعتبار مدلولاتها من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد، شرع في البحث عن عوارضها باعتبار دلالاتها من الإجمال والبيان وغيرهما، ولمّا كان المدلول متقدّماً على الدلالة لكونها نسبة بينه وبين الدليل، كان العارض اللاحق للدليل باعتبار المدلول متقدّماً على العارض اللاحق له باعتبار الدلالة، فلهذا قدّم المصنّف ـ طاب ثراه ـ البحث عن الأوّل وعقبه بالبحث عن الثاني.

صفحه 14

[في ماهية المجمل وأقسامه]

إذا عرفت هذا فنقول: الإجمال لغة: الجمع، يقال: أجمل الحساب إذا جمعه ورفع تفاصيله.
وفي الاصطلاح: عبارة عن كون اللفظ بحيث يفهم منه معنى مع احتمال إرادة غيره به احتمالاً متساوياً على ما عرفت في أوائل الكتاب.1
وقال بعض الأشاعرة: المجمل هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
وهو منقوض طرداً بالمهمل وبمثل قولنا: ممتنع ومستحيل ومنفي، فإنّ المفهوم منه ليس شيئاً .
وعكساً بمثل قوله: (وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ).2 وهو ـ أعني: الإجمال ـ قد يكون في اللفظ، وقد يكون في الفعل .

1. وقد عُرّف المجمل بتعاريف أُخرى، منها: تعريف السيد المرتضى في الذريعة:245 حيث قال: إنّه الخطاب الذي لا يستقل بنفسه في معرفة المراد به. ومنها: ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:1/406 حيث حدّد استعماله على ضربين: أحدهما: ما يتناول جملة من الأشياء، وذلك مثل العموم وألفاظ الجموع وما أشبههما، ويُسمّى ذلك مجملاً لأنّه يتناول جملة من المسمّيات. والضرب الآخر: هو ما أنبأ عن الشيء على جهة الجملة دون التفصيل ولا يمكن أن يعلم المراد به على التفصيل. ومنها: ما أشار إليه أبو الحسين في المعتمد:1/293 وذكر له ثلاثة حدود: الأوّل: أنّه ما أفاد جملة من الأشياء ويدخل فيه العام والمركبات. الثاني: ما لا يمكن معرفة المراد به. الثالث: ما أفاد شيئاً من جملة أشياء هو متعين في نفسه واللفظ لا يعنيه.
ومنها: ما قاله الغزالي في المستصفى:2/28: إنّه اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعيّن معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال.
وتوجد تعاريف أُخرى ذكرها الأُصوليون في كتبهم. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/394; الإحكام:3/6.
2. الأنعام:141.

صفحه 15
والأوّل إمّا أن يكون حال استعمال اللفظ في موضوعه، كاللفظ المشترك عند من يمنع حمله على جميع معانيه، أو يكون متقابلة كالقرء للحيض والطهر.
أو المتواطئ المحتمل لكلّ واحد من أفراده عند الأمر بأحدها على التعيين، مثل قوله تعالى: (وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فإنّه قبل بيان مقداره مجمل، إذ نسبته إلى كلّ واحد من أبعاضه كنسبته إلى غيره.
أو حال استعماله في بعض موضوعه كالعام المخصّص بالمجمل، مثل قوله تعالى: (وأُحِلَّ لَكُم ماوراءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ)1، فقيد الحل بالإحصان وهو غير معلوم حينئذ.
وكقوله:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)2،فالمستثنى مجهول قبل التلاوة، وهو مستلزم لجهالة الباقي بعد الاستثناء.
ومثل قوله: (فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ)3، ثم يقول الرسول(صلى الله عليه وآله):«المراد البعض » ولم يعينه فإنّه يكون مجملاً.
والمثال الأوّل مجمل باعتبار تخصيص العام بالصفة المجهولة .
والثاني مجمل باعتبار تخصيصه بالاستثناء المجهول، وهما تخصيص بالمتصل.
والثالث باعتبار تخصيصه بقول الرسول (صلى الله عليه وآله)،وهو تخصيص بالمنفصل من السنّة.

1. النساء:24.
2. المائدة:1.
3. التوبة:5.

صفحه 16
أو حال استعماله في غير موضوعه وجزء موضوعه، كالأسماء الشرعية والمجازية. فالأوّل مثل قوله تعالى:(أقِمِ الصلاَةَ)1، (َو للهِ عَلَى الناسِ حِجُّ البَيْتِ)2، فإنّ المراد بالصلاة والحج الأفعال المخصوصة المغايرة لموضوع اللفظ ولجزئه لغة، وهي قبل بيانها غير معلومة فيتحقّق الإجمال. هذا إذا علم النقل عن الموضوع اللغوي إلى غيره ولم يعلم ذلك الغير; أمّا لو لم يعلم النقل فإنّه لا يكون مجملاً، لوجوب حمله على موضوعه الأصلي.
والثاني كما لو دلّ دليل على عدم إرادة حقيقة اللفظ منه والمجازات متعدّدة ولا أولوية لأحدها، فإنّه يتحقّق الإجمال.
وقد يكون الإجمال في الفعل، كما لو صلّى(صلى الله عليه وآله) ولم يعلم على أي وجه أوقع الصلاة من وجوب أو ندب فإنّه يكون مجملاً محتاجاً إلى البيان إلاّ أن يقترن بتلك الصلاة ما يدلّ على الوجه، كما لو صلى بأذان وإقامة فإنّه قرينة الوجوب.

1. الإسراء:78.
2. آل عمران:97.

صفحه 17
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: المجمل جائز في الحكمة وواقع كالآيات المتقدّمة.
احتج المخالف بأنّ القصد الإفهام وإلاّ لزم العبث، فإن ذكر معه البيان طال بغير فائدة، وإلاّ لزم التكليف بالمحال.
والجواب: المنع من الملازمة الأُولى إن كان المطلوب الإفهام التفصيلي، والمنع من الثانية لجواز اقتران التطويل لمصلحة خفية أو ظاهرة وهي الاستعداد للامتثال قبل البيان فيحصل الثواب.*

*[في إمكان ورود المجمل في كلامه تعالى وكلام رسوله]

أقول: اتفق المحقّقون على جواز وقوع المجمل في كلام الله تعالى، ومنعه شاذ.
لنا: إنّ المصلحة قد تكون متعلّقة بالتعبير عن الشيء إجمالاً دون التفصيل فيقع تحصيلاً لتلك المصلحة. ولأنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فكما في الآيات المقدّم ذكرها من قوله تعالى: (وآتوا حقّه يوم حصاده)ومابعدها.
وأمّا الثاني فظاهر.
احتجّ المانع بأنّه لو خاطب الله تعالى بالمجمل لكان إمّا أن لا يقصد به الإفهام، فيكون عبثاً، وهو قبيح تعالى الله عنه; أو يقصد به الإفهام فإمّا أن يضم إليه ما يدلّ على المراد به أو لا.
فإن كان الأوّل لزم التطويل بغير فائدة. ولأنّ التنصيـص على المعنى أسهل وأدخل في باب الفصاحة من المجمل المتعقّب بما يدلّ على المراد منه.
وإن كان الثاني لزم تكليف ما لا يطاق، إذ فهم المعنى المراد من اللفظ الذي لا يدلّ عليه محال غيرمقدور.

صفحه 18
والجواب: أنّ مراده بالإفهام المقصود بالكلام إن كان التفصيلي لم يلزم العبث على تقدير انتفائه، فإنّه لا يلزم من انتفاء قصد الإفهام التفصيلي انتفاء قصد الإفهام مطلقاً أو انتفاء القصد مطلقاً حتى يلزم العبث، وهو مراد المصنّف ـ طاب ثراه ـ بقوله: «المنع من الملازمة الأُولى إن كان المطلوب الإفهام التفصيلي ».
وإن كان المراد الإفهام مطلقاً أو الإجمالي لم يلزم تكليف مالا يطاق على تقدير تجريده عن البيان، ولا التطويل بغير فائدة على تقدير اقترانه به، لاحتمال اشتمال التطويل المذكور على فائدة خفية يعلمها الله تعالى ولا تهتدي عقولنا إلى إدراكها أو على فائدة ظاهرة وهي استعداد المكلّف للامتثال عند المخاطبة بالمجمل واجتهاده في طلب البيان الموجب لحصول الثواب، وإليه أشار المصنّف ـ طاب ثراه ـ بقوله: «والمنع من الملازمة الثانية ».1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/402; المحصول:1/465.

صفحه 19
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان ليس مجملاً، لسبق فهم تحريم الأكل في (حُرِّمت عليكم الميتة)، والوطء في: (حُرِّمت عليكم أُمّهاتكم).
احتجّ الكرخي بأنّ متعلّقهما غير مقدور، فلابد من إضمار ولا اختصاص.
والجواب: المنع من عدم الاختصاص.*

*[إضافة الأحكام إلى الأعيان ليس مجملاً]

أقول:قد اشتمل هذا البحث على ذكر أشياء ظن أنّها مجملة وليست كذلك فمنها التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان، مثل قوله تعالى: (إنّا أحْلَلْنالَكَ أزْواجَكَ)1، وقوله:(اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ)2،و(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيَمةُ الأنْعامِ)3 و قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدمُ)4،و(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ)5، فذهب محقّقو المعتزلة والأشاعرة إلى أنّها ليست مجملة6، خلافاً لأبي عبد الله

1. الأحزاب:50.
2. المائدة:5.
3. المائدة:1.
4. المائدة:3.
5. النساء:23.
6. فمن الإمامية ذهب إليه: السيد المرتضى في الذريعة:263، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/436، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/403. وأمّا الجمهور فقد ذهب إليه أبو علي وأبو هاشم الجبائيّان والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/307، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:201، والرازي في المحصول:1/466، والغزالي في المستصفى:2/28، والآمدي في الإحكام:3/9، وغيرهم.

صفحه 20
البصري وأبي الحسن الكرخي.1
لنا: إنّه يسبق إلى الفهم حلّ الأكل وتحريمه من قوله: (أُحلّت لكم بهيمة الأنعام)و(حُرِّمت عليكم الميتة)، وحلّ الوطء وتحـريمـه مـن قوله: (إنّا أحللنا لك أزواجك)و(حُرِّمت عليكم أُمّهاتكم)، ومبادرة المعنى إلى الفهم عند إطلاق اللفظ دليل على كونه حقيقة فيه على ما تقدّم، وإن كان مجازاً بحسب الوضع اللغوي لكنّه بالنظر إلى العرف الطارئ حقيقة.
سلّمنا، لكنّه مجاز راجح على غيره من المجازات، وقد تعذّر حمل اللفظ على حقيقته، فتعيّن حمله عليه على التقديرين.
احتجّ المخالف بأنّ الأعيان غير مقدورة فلا يتعلّق التحليل والتحريم بها، لأنّهما من عوارض أفعال المكلّفين فلابد من إضمار ما يصحّ تعلّقهما به من الأفعال لئلاّ يلغو الخطاب، فإمّا أن يضمر جميع ما يمكن إضماره منها، أو بعضها. والأوّل باطل لأصالة عدم الإضمار الموجب لتقديره بما يدفع الضرورة، فتعيّن الثاني. وليس إضمار بعض معيّن بها2 أولى من غيره، فيجب إضمار بعض غير معيّن، فيتحقّق الإجمال.
في أنّ قوله تعالى:(وامسحوا برءُوسكم) ليس بمجمل   
والجواب: المنع من الاحتياج إلى الإضمار فإنّه إنّما يتحقّق إذا لم يكن اللفظ ظاهراً بحسب العرف في الفعل المقصود غالباًمن تلك العين; وليس كذلك، فإنّ كلّ أحد مارس الألفـاظ العـربية تبـادر إلى فهمـه عنـد قـول القـائل:«أحللت لك المـذكّى وحـرّمـت عليـك الميتـة » تحليـل الأكـل
قال قدس الله روحه:و آية المسح ليست مجملة، لأنّ الباء إن كانت للتبعيض ثبت التواطؤ، وإلاّ وجب

1. وهو مختار قوم من القدرية.
2. في«أ »: منها.

صفحه 21
الاستيعاب.
احتجّت الحنفية باحتمال الجميع والبعض، فثبت الإجمال. وقد تقدّم جوابه.*
وتحريمه.
سلّمنا، لكن لا نسلّم بطلان إضمار الجميع وكونه موجباً لزيادة الإضمار المخالف للأصل معارض بما أنّ إضمار البعض مفض إلى الإجمال الموجب لتعطيل اللفظ. ولأنّ العمل به موجب ليقين البراءة والخروج عن العهدة.
سلّمنا، لكن لا نسلّم عدم أولوية إضمار بعض معيّن1 فإنّ إضمار المنفعة المقصودة من العين غالباً كالاستمتاع من النساء والأكل من البهيمة أولى، لكونه مفهوماً عند إطلاق اللفظ دون غيره ممّا يمكن إضماره.

*[في أنّ قوله تعالى:(وامسحوا برءُوسكم) ليس بمجمل]

أقول: المحقّقون على أنّه لا إجمال في آية المسح، وهي قوله تعالى:(وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)2، وخالف في ذلك بعض الحنفية .3

1. في «م » بزيادة: من إضمار غير المعين.
2. المائدة:6.
3. نقله عنهم أبو الحسين البصري في المعتمد:1/308 قائلاً: ومن ذلك قول العراقيين ـ و يقصد بهم أحناف العراق ـ : إن قول الله سبحانه:(وامسحوا برءُوسكم) مجمل، لأنّه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه. فإذا احتمل مسح كل واحد منهما بدلاً من الآخر، افتقر إلى بيان; فإذا روي:«أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مسح بناصيته » كان ذلك بياناً للآية، ووجب مسح ذلك المقدار من الرأس.
وقد ذهب إلى الإجمال السيد المرتضى في الذريعة:261 خلافاً للإمامية.

صفحه 22
لنا: إنّ الباء إمّا أن تكون مفيدة للتبعيض كما هو مذهب بعض الشافعية1، أو الإلصاق كما ذهب إليه أكثر الأدباء2، وعلى التقديرين فلا إجمال.
أمّـا على التقـديـر الأوّل، فـلأنّ البعض صـادق علـى كلّ واحـد مـن الأبعـاض بـالتـواطـؤ، فالأمـر بـه يـوجب تخييـر المكلّف في مسـح أي بعض شاء منه، لأنّ المأمور به كلّي وهو موجود في كلّ واحد منها، فلا إجمال.
وأمّا على التقدير الثاني، فلأنّه يجب مسح الجميع وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني3، لأنّ الباء دخلت على المسح وقرنته بالرأس، وهو اسم للعضو بتمامه لا لبعضه فيجب مسح الكلّ، فلا إجمال

1. وهو مذهب الإمامية والشافعي على ما نسبه الآمدي والعلاّمة في نهايته. وإليه ذهب الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/440 قائلاً: والذي نقوله في هذه الآية: إنّ الباء تُفيد عندنا التبعيض ـ على ما بيّنّاه ـ من أنّها تدخل للإلصاق إذا كان الفعل لا يتعدّى إلى المفعول به بنفسه، فيحتاج إلى إدخال الباء ليلصق الفعل به، فأمّا إذا كان الفعل ممّا يتعدّى بنفسه فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك، فإذا ثبت ذلك فقوله:(وامسحوا برءُوسكم) يتعدّى بنفسه، لأنّه يحسن أن يقول: «امسحوا رءُوسكم » فيجب أن يكون دخولها لفائدة أُخرى وهي التبعيض، إلاّ أنّ ذلك البعض لمّا لم يكن معيّناً، كان مخيّراً بين أىّ بعض شاء، فإن عُلم بدليل أنّه أُريد منه موضع معيّن لا يجوز غيره، وقف ذلك على البيان، وصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
2. وإليه ذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني وأبو علي الجبّائي والحسن البصري والسرخسي والآمدي وغيرهم. راجع: المعتمد:1/308; أُصول السرخسي1/229; الإحكام3/10.
3. قال ابن جني: لا فرق في اللغة بين أن يقال: مسحت بالرأس، وبين: مسحتُ الرأس »، والرأس اسم للعضو بتمامه، فوجب مسحه بتمامه. نقله عنه الرازي في المحصول:1/468، والعلاّمة في نهايته:2/408.

صفحه 23
أيضاً.
وقال آخرون: إنّ الصيغة المذكورة حقيقة في القدر المشترك بين مسح الجميع والبعض لاستعمالها فيهما. أمّا في الكلّ فبالاتفاق، وأمّا في البعض فكما يقال: «مسحت رأس اليتيم » وإن كان قد مسح بعضه، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فتعيّن كونه حقيقة في القدر المشترك بينهما، وحينئذ لا يتحقّق الإجمال ويتخيّر المكلّف فيهما.
احتجّت الحنفية بأنّه يحتمل أن يكون المراد مسح جميع الرأس ومسح بعضه ولا أولوية لأحدهما، فكان مجملاً.
والجواب: المنع من عدم الأولوية، فإنّ الباء إن كانت للتبعيض فحملها على إرادة مسح البعض أولى، عملاً بظاهر اللفظ; ولأنّه متيقّن الإرادة لكونه لازم لمسح الكل.
وإن لم تكن للتبعيض كان حملها على إرادة الجميع أولى لما بيّنا. ولأنّ به يحصل يقين البراءة والامتثال.

صفحه 24
قال قدس الله روحه: ولا إجمال في الفعل المنفي (إذا قرب مجازه)1 إلى نفي الحقيقة المستلزم لنفي جميع الصفات نفي الصحة المشاركة في العموم، ودلالة المطابقة هنا وإن انتفت لا يلزم انتفاء دلالة الالتزام، لأنّ اللفظ بعد استقرار الدلالة صار كالعام، فإذا خص في بعض الموارد وهي الذات، بقي الباقي مندرجاً تحت الإرادة.
احتجّ أبو عبد الله البصري بأنّ الفعل موجود ولابد من مضمر ينصرف النفي إليه، ولا تخصيص لبعض المضمرات دون بعض.
والجواب قد بيّنا الأولوية.*
   

*[في أنّ الأفعال المنفية ليست مجملة]

أقول:أكثر الناس على أنّه لا إجمال في اللفظ الدال على نفي الفعل2; مثل: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب »3، و«لا عمل إلاّ بنيّة »4، و«لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل »5، ونحوها. خلافاً لأبي عبد الله البصري6،

1. في المطبوع: 161: إذ أقرب المجاز.
2. ذهب الأكثر أو الكلّ ـ حسب تعبير العلاّمة الحلّي والآمدي ـ إلى نفي الإجمال فيه. راجع: الذريعة:264; عدة الأُصول:2/442; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/410; التبصرة:203; المستصفى:2/31; المحصول:1/468; الإحكام:3/12.
3. سنن الدارمي:1/283; سنن الترمذي:1/156 برقم 247، باب ما جاء أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب; سنن البيهقي:2/63; عوالي اللآلي:1/196 برقم 2; مستدرك الوسائل:4/158،ح5، الباب 1 من أبواب القراءة.
4. الكافي:2/84 ح1، باب النية; دعائم الإسلام:1/105، ذكر صفات الوضوء; وسائل الشيعة: 1/46 ح1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات; مستدرك الوسائل:1/90، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات; مناقب آل أبي طالب:1/261; عوالي اللآلي:2/190 ح80; بحار الأنوار:67/185 ح1 و ج81/371 ح23.
5. سنن الترمذي:2/166 برقم 726، باب ما جاء: لا صيام لمن لم يعزم من الليل; سنن النسائي:4/197; كنز العمال:8/494 برقم 23792; عوالي اللآلي:3/132برقم 5; بحار الأنوار:80/90.
6. وذهب إليه أيضاً القاضي أبو بكر الباقلاني في الإرشاد والتقريب:3/88ـ 90 وبعض الشافعية، كما نسبه إليهم أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:203.

صفحه 25
لأنّ اللفظ إن كان له مسمّى شرعي ـ كالصلاة والصيام ـ حمل على ظاهره من نفي مسمّـاه عنـد انتفـاء الأُمـور المـذكـورة، كالقـراءة فـي الصلاة وتبييت النيـة فـي الصيـام، وهـو يقتضي كـونها أجـزاء من تلك الأفعـال المنفية أو شرائط لها.
وإن لم يكن له مسمّى شرعي مثل:«لا عمل إلاّ بنية » حمل على نفي الصحة، لأنّ نفي الذات غير مقصود لتحقّقها، فلابدّ من إضمار حكم أو صفة ليضاف النفي إليه حذراً من تعطيل اللفظ وإضمار الصحة أوّلاً، لأنّ نفيها أقرب إلى نفي الذات من نفي باقي الصفات، لمشاركة الصحة الحقيقة في أنّ نفي كلّ منهما ملزوم لنفي جميع الصفات، ونفي غيرهما كالفضيلة والكمالية ليس كذلك فكان أبعد من نفي الحقيقة، وحمل اللفظ على ما هو أقرب إلى موضوعه أولى من حمله على الأبعد عنه وفاقاً.
ولأنّ اللفظ دال علـى نفـي الـذات، والـدال على نفـي الـذات دال علـى نفـي جميـع الصفـات، لاستحـالة بقـاء الصفـة عند عـدم الـذات، وحينئـذ يكـون قوله: «لا عمل إلاّ بنية » مثلاً دالاًّ على نفي الذات ونفي الصفة، ونفي الكمـال ترك العمل به في نفي الذات لتحقّقها، فوجب أن يبقى معمولاً به في الباقي.
لا يقال: اللفظ ليس دالاًّ على نفي الصفات بالمطابقة بل بالالتزام به، وهي تابعة لدلالة المطابقة ـ أعني: دلالة اللفظ على نفي الذات ـ فإذا انتفت وجب انتفاء دلالة الالتزام، لاستحالة بقاء التابع عند ارتفاع متبوعه.

صفحه 26
لأنّا نقول: إنّ اللفظ بعد استقرار الدلالة وتحقّق الوضع يصير بالنسبة إلى معانيه المطابقية والالتزامية كالعام بالنسبة إلى أفراده، فإذا قام الدليل على انتفاء إرادة المعنى المطابقي، بقي معمولاً به في المعاني الالتزامية لعدم المعارض.
احتجّ المخـالف بـأنّ الصلاة والعمل مثلاً موجودان، فامتنع صرف النفي إليهما ووجب صـرفه إلـى حكم من أحكامهما، وليس بعض الأحكام أولى من البعض الآخر، وإضمار الجميع يلزم منه زيادة الإضمار من غير ضرورة، وهو خلاف الأصل، فتعيّن إضمار بعض غير معيّن، وهو معنى الإجمال.
والجـواب: المنع من وجود ما له مسمّى شرعي، كالصلاة والصيام عند عدم قراءة الفاتحة وتبييت النية، لأنّهما إنّما يصدقان حقيقة على الصحيح منهما و ما ليس له مسمّى شرعي كالعمل المتحقّق، فلا نسلّم أنّه لا أولوية لبعض ما يمكن إضماره على البعض الآخر، فإنّ إضمار أعمّ الأحكام ـ كالصحة مثلاً ـ أولى، لكونها أشبه بالحقيقة من الوجه الذي ذكرناه، فيحمل لفظ الحقيقة عليها مجازاً.
واعلم أنّه قد يرد النفي للنهي عن الفعل المنفي، مثل قوله تعالى:(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِـدالَ فِـي الْحَـجِّ)1; وقـد يكـون لنفــي وجــوبـه،
قال قدس الله روحه: ولا إجمال في آية السرقة، إذ القطع حقيقة في الإبانة، واليد في العضو من المنكب.*

1. البقرة:197.

صفحه 27
كقوله(عليه السلام):«لا هجرة بعد الفتح ».1

*[في أنّ آية السرقة ليست مجملة]

أقول: ذهب السيد المرتضى(رحمه الله)2 وأتباعه إلى أنّ آية السرقة، وهي قوله تعالى:(والسارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْديَهُما)3 مجملة، لأنّ لفظ اليد يطلق عليها من أُصول الأصابع، ومن الكوع، ومن المرفق، ومن المنكب; والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركاً بينها، والاشتراك ملزوم للإجمال عند التجرد عمّا يعيّن المراد.
وقال آخرون: إنّها مجملة في القطع أيضاً، لأنّه يصدق على الإبانة، كما يقال: «قطعت الغصن »، وعلى الشق كما يقال:«قطعت يدي عند بري القلم » ويريد الجرح، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
والجـواب: المنع مـن الاشتراك، وقـد بيّنّا أنّ مجرد الاستعمال لا يدلّ
قال قدس الله روحه: ولا في قوله(عليه السلام):«رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان » لأنّ المفهوم رفع المؤاخذة.*
   
في أنّ رفع الخطأ ليس مجملاً
على الحقيقة، ولفظ اليد موضوع لها من المنكب، وصدقه على الأبعاض

1. صحيح البخاري:3/200 و 210، كتاب الجهاد والسير; صحيح مسلم:6/28، باب المبايعة بعد فتح مكة; سنن الترمذي:3/75 برقم 1638; مسند أحمد:1/226 و 355 و ج3/22 و 468 و 469 و ج5/187; سنن الدارمي:2/239، باب لا هجرة بعد الفتح; الخصال:193 ح268; عوالي اللآلي:1/44 برقم 57 و 162 برقم 156; بحار الأنوار:33/94 وج 41/170 وج 76/182.
2. الذريعة:262. وقد خالف السيد المرتضى برأيه هذا أكثر الأُصوليين والمتكلّمين. راجع: عدة الأُصول:2/440; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/416; المعتمد:1/310; المحصول:1/471; الإحكام:3/13.
3. المائدة:38.

صفحه 28
المذكورة إنّما هو على سبيل المجاز من باب تسمية الجزء باسم الكل، وهو أولى من الاشتراك على ما تقدّم، والقطع حقيقة في الإبانة والتجوّز في قوله:«قطعت يدي عند بري القلم » إنّما هو في لفظ اليد، لأنّ المراد منها ذلك البعض المبان لا في الإبانة لأنّها متحقّقة.

* [ في أنّ رفع الخطأ ليس مجملاً]

أقول: أكثر الأُصوليين على أنّه لا إجمال في قوله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان »1 خلافاً لأبي الحسين2 وأبي عبد الله البصريين حيث زعما أنّه مجمل، لأنّ الخطأ والنسيان غير مرفوعين عن الأُمّة، وكلام الرسول(صلى الله عليه وآله) صادق، فلابد من إضمار ما يستقيم معه الكلام، فإمّا أن يضمر جميع الأحكام، وهو باطل لمخالفة الإضمار الأصل، فيقتصر على ما يندفع به الضرورة وهو البعض.
ولأنّ الإجماع واقع على ثبوت بعض الأحكام، وهو لزوم ضمان المتلفات وقضاء العبادات وذلك البعـض الـواجب إضمـاره إمّا أن يكون
قال قدس الله روحه:ولا إجمال في الأمر بالعدد المنكَّر للخروج عن العهدة بأقل مراتبه، وهو الثلاثة. قال السيد المرتضى(رحمه الله): إن أراد الحاكم بالإجمال هنا عدم قصر اللفظ على الثلاثة فهو حق، وإن أراد عدم تناوله الثلاثة فهو خطاء.*
معيّناً وهو باطل لعدم دلالة اللفظ عليه، أو غير معيّن وهو عين الإجمال .

1. التوحيد:353 ح52; الخصال:417 ح9. مرّ الحديث مع مصادره في الجزء الأوّل ص 292 و446، فلاحظ.
2. المعتمد:1/310. وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض الشافعية. راجع التبصرة:203; المستصفى:2/30،نهاية الأُصول إلى علم الأُصول:2/418.

صفحه 29
والجواب: لا نسلّم عدم دلالة اللفظ على بعض معيّن، فإنّه ظاهر في عدم المؤاخذة بعرف أهل اللغة قبل ورود الشرع، فإنّ كلّ عاقل عارف باللغة يتبادر إلى ذهنه فهم رفع المؤاخذة عند قول السيد لعبده: رفعت عنك الخطأ والنسيان في الشيء الفلاني.
وأيضاً فيه نظر، لمنع وجوب الإضمار، إذ المراد بالأُمّة مجموع المسلمين، والخطاء والنسيان مرتفعان عنهم، ولا ينافي ذلك وقوعهما من بعض الأُمّة. وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«ولا في قوله(عليه السلام) » معطوف على ما تقدّم، وهو قوله:«لا إجمال في آية السرقة ».
* أقول: ذهب بعض الناس إلى تحقّق الإجمال في العدد المنكَّر، مثل قوله :أعطه دراهم، أو اعتق عبيداً لأنّه كما يصدق على الثلاثة يصدق على ما زاد عليها من المراتب. وهو خطأ، لأنّ اللفظ دال على الثلاثة قطعاً، إذ هو موضوع للقدر المشترك بين جميع المراتب، وهو مطلق الجمع، والثلاثة لازمة لذلك المشترك فهي منتفية الإرادة بخلاف ما عداها من المراتب، وحينئذ لا إجمال.
قال السيد المرتضى(رحمه الله): إن أراد الحاكم بالإجمال في ذلك عدم قصر اللفظ على الثلاثة، أي عدم اختصاص هذه المرتبة بهذه الصيغة، فهو حق، لمشاركة غيرها من مراتب الجمع إيّاها في صدقها عليها; وإن أراد عدم تناوله الثلاثة، فهو خطاء لما بيّنّا.1

1. الذريعة:260.

صفحه 30
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني :

في المبيّن

وفيه مباحث: الأوّل: البيان قد يكون بالقول، وهو ظاهر.
وبالفعل، كما بيّن (عليه السلام) الصلاة والحج ويعلم كونه بياناً إمّا بالضرورة من قصده، أو بقوله هذا بيان، وشبهه مثل: صلّوا وخذوا، أو بالنظر كما لو ذكر مجملاً وقت الحاجة وفعل ما يصلح للبيان ولم يبين، فإنّه يكون بياناً وإلاّ لتأخّر البيان عن وقت الحاجة.
وبالترك، كما لو ركع في الثانية بغير قنوت، فيعلم نفي وجوبه، أو يسكت عن بيان الحادثة، فيعلم انتفاء الحكم، أو يترك فعلاً يتناوله وأُمّته خطابه، فيدلّ على تخصيصه إن كان قبل فعله، أو نسخه عنه إن كان بعد فعله.
ومن قال: إنّ الفعل يطول فلا يقع بياناً فقد أخطأ، لأنّ القول قد يكون أطول.*

* [في حقيقة البيان]

أقـول: لمّـا فـرغ من ذكـر المجمل وأقسامه وأحكامه شرع في ذكر المبيّن.
   
واعلم أنّ البيان لغة مأخوذ من البين، وهو الفرقة بين الشيئين، يقال: بيّن تبييناً وبياناً كما يقال: كلّم تكليماً وكلاماً.
وأمّا في الاصطلاح فقال فخر الدين: هو الذي دلّ على المراد بخطاب

صفحه 31
لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد.1 وينبغي التقييد بقوله: من حيث هو كذلك، أي مراد بذلك الخطاب، وإلاّ لانتقض طرداً بما لو خاطب بلفظ مشترك قاصداً أحد معانيه ثم خاطب هو أو غيره بلفظ موضوع لذلك المعنى المراد خاصة، كما لو قال: «رأيت ذهباً » بعد قوله:«رأيت عيناً » قاصداً به الذهب، فإنّه ليس بياناً مع صدق الحد عليه لولا الزيادة، وينبغي تقييد قوله: «لا يستقل بنفسه » بقوله :بالنسبة إلى المخاطب، وإلاّ انتقض عكساً بالترجمة، كمن خوطب بلغة لا يعرفها فإنّها بيان مع استقلال الخطاب بالدلالة بالنسبة إلى العارف بتلك اللغة.
وأيضاً ينتقض عكساً ببيان المراد من العام المخصوص، كما لو قال:«اقتلوا المشركين » ثم قال: «المراد من عدا أهل الذمّة » فإنّه بيان مع كذب الحد عليه لاستقلال العام بالدلالة على المراد، وهو «من عدا أهل

1. المحصول:1/461. وقد عُرّف البيان بتعاريف مختلفة منها ما ذكره السيد المرتضى في الذريعة:249: بأنّ البيان هو الدلالة على اختلاف أحوالها، وإلى ذلك ذهب أبو علي وأبو هاشم الجبّائيان. وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/293، والغزالي في المستصفى:2/38، والآمدي في الإحكام:3/17، والسمرقندي في ميزان الأُصول:352; والقاضي أبي بكر كما في الإحكام، وغيرهم.
وقريب منه ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:1/403: البيان عبارة عن الأدلّة التي تُبيّن بها الأحكام. ويعبّر عنه بأنّه «هداية »، وبأنّه «دلالة » وبأنّه«بيان » كل ذلك يراد به معنى واحد.
وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنّ البيان :هو العلم الحادث الذي به يُبيَّن الشيء.
وذهب الصيرفي إلى أنّ البيان هو: ما أخرج الشيء من حد الإشكال إلى التجلّي.
وقال الشافعي: البيان اسم جامع لمعان متشعّبة الأُصول متشعبة الفروع، وأقلُّ ما فيه أنّه بيان لمن نزل القرآن بلسانه.
وتوجد أقوال أُخرى فمن أراد مزيد الاطّلاع فليراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/427ـ430.

صفحه 32
الذمّة » فإنّ البيان هنا إنّما دلّ على عدم إرادة أهل الذمّة.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنّ المراد بالدلالة دلالة المطابقة، ودلالة العام على البعض المقصود إنّما هي بالتضمّن.
وينتقض في عكسه أيضاً ببيان وجوه أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) فإنّه بيان مع أنّه ليس دالاًّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه.
والأجود أن يقال: البيان ما دلّ على تعيين أمر مبهم من أمرين أو أُمور محتملة الإرادة من قول أو فعل من حيث هو كذلك.

[في أقسام البيانات]

إذا تقرر هذا فاعلم أنّ البيان نسبة بين المبيَّن والمبيِّن. والمبيَّن يقال على البين بنفسه وعلى ما ورد عليه بيانه، كالعام إذا ورد عليه المخصّص، والمطلق إذا ورد عليه المقيّد، والمجمل إذا ورد عليه ما يفيد تعيين المراد منه.
وأمّا المبيِّن فقد يكون مبيِّناً للأحكام الشرعية وقد يكون لغيرها والمقصود هنا إنّما هو الأوّل.
وهو قد يكون قولاً، كما لو قال: المراد من القروء في العدة الأطهار، أو المراد من المشركين في قوله: «اقتلوا المشركين » أهل الحرب.
وقد يكون فعلاً إمّا بأن يكون دلالته على البيان بمواضعة، كالكتابة وعقد الأصابع وقد وقع البيان به، كما كان النبي(صلى الله عليه وآله) يكتب بالأحكام إلى عماله; أو لا بمواضعة كالإشارة مثل قوله(عليه السلام):الشهر هكذا وهكذا وهكذا، أو أشار بأصابعه، وكما بيّن(عليه السلام) الصلاة والحج بفعله.
وقد يكون تركاً، كما لو ركع (عليه السلام) في الثانية بغير قنوت، فإنّه يدلّ على

صفحه 33
انتفاء وجوبه قبل الركوع; أو يسكت عن بيان الحادثة، فيعلم انتفاء الحكم الشرعي فيها; أو يترك مدلول ظاهر الأمر المتناول له ولأُمّته، فيعلم أنّه مخصوص، وأنّ حكم العام مختص بأُمّته دونه، ولو كان تركه بعد أن فعله مرة أو مراراً علم أنّه منسوخ عنه، ثم إن ثبت مساواة أُمّته له فيه كان منسوخاً عنهم أيضاً.

[ في وقوع البيان بالأفعال]

ثم العلم بكون الفعل بياناً قد يكون ضرورياً، كما لو أمر بفعل ثم أتى به مقترناً بما أفاد العلم الضروري بكونه بياناً للمأمور به.
وقد يكون بالدليل اللفظي، كما لو قال(عليه السلام):هذا بيان للمجمل وشبهه، كما بيّن (عليه السلام)الصلاة والحج والوضوء بقوله(عليه السلام):«صلوا كما رأيتموني أُصلّي »1، وقوله: «خذوا عنّي مناسككم »2، وقوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به ».3
وقد يكون بالدليل العقلي، كما لو أمر بفعل مضيّق بلفظ مجمل وفعل(عليه السلام)فعلاً صالحاً لبيانه ولم يبيّن بالقول إنّ ذلك بيان، فإنّه يعلم كونه بياناً له بدليل العقل، وهو أنّه لو لم يكن الفعل بياناً لزم عدم البيان عند الحاجة إليه. والتالي باطل وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق، فالمقدّم مثله.

1. عوالي اللآلي:1/198 و ج3/85 برقم 76; بحار الأنوار:82/279; سنن البيهقي:2/345; سنن الدارقطني:1/280.
2. عوالي اللآلي:1/215 برقم73; سنن البيهقي:5/125.
3. من لا يحضره الفقيه:1/38 ح76، باب صفة وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله); عوالي اللآلي:2/7 برقم 4 و 202، و ج3/24 برقم 63; وسائل الشيعة:1/438 ح11، الباب31 من أبواب الوضوء; سنن البيهقي:1/80; مجمع الزوائد:1/239; فتح الباري:1/205.

صفحه 34
والملازمة ظاهرة، إذ المقدّر عدم وجود ما يصلح أن يكون بياناً سوى الفعل المذكور.
واعلم أنّ بعض الناس ذهب إلى أنّ الفعل لا يكون بياناً1 وهـو باطل، لما بيّنّا من بيانه (عليه السلام)الصلاة والحج والوضوء به ولأنّه قد يكون أدلّ من القول.
احتجّ المخالف بأنّ الفعل قد يطول فيفضي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل.
والجواب: أنّ القول قد يكون أطول وحينئذ نقول:إنّ البيان إذا كان ممكناً بكلّ منهما وكان بأحدهما أطول بحيث يوجب تأخير البيان عن وقت الحاجة والآخر ليس كذلك، وجب إطراح البيان بالأوّل قولاً كان أو فعلاً، وتعيّن البيان بالثاني; وإن تساويا في إمكان البيان بهما مع عدم الطول المفضي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، جاز بكلّ منهما.
والهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«ويعلم كونه بياناً » عائدة إلى الفعل. والهاء في «قصده » و«قوله » عائدة إلى النبي(صلى الله عليه وآله).
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الفعل والقول إن اتّفقا فالأوّل بيان والثاني تأكيد.
وإن تنافيا، كما لو طاف طوافين وأمر بواحد، قال أبو الحسين: المتقدّم بيان. وقيل: القول لأنّه بيان بذاته، ولأنّه جمع بين الدليلين، إذ الفعل يحتمل أنّه من خواصه(عليه السلام).*

1. وهو قول طائفة شاذة، وحكي ذلك عن أبي إسحاق الإسفرائيني وأبي الحسن الكرخي. راجع التبصرة:247.
وقد ردّ السيد المرتضى في الذريعة:255 هذا القول بقوله: اعلم أنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الأفعال يقع بها البيان في المجمل، كما يقع بالقول، وقد رجعوا إلى أفعاله(صلى الله عليه وآله) في البيان، كما رجعوا إلى أقواله، ومن قال أخيراً بخلاف ذلك مخالف للإجماع.

صفحه 35
وقوله: «أو بالنظر » عطف على قوله:«بالضرورة »، وقوله:«وبالترك » معطوف على قوله:«وبالفعل ».1

*[في أنّ القول هل يقدّم في البيان على الفعل؟]

أقول: القول والفعل إذا صلح كلّ واحد منهما لبيان خطاب متقدّم عليهما محتاج إلى البيان فأيّهما أولى بكونه بياناً.
والحق أنّهما إن توافقا بأن يكون مدلولهما واحداً، فالسابق منهما بيان واللاحق تأكيد له، لأنّ الكشف وزوال اللبس قد حصل بالأوّل فلم يبق للثاني فائدة إلاّ التأكيد.
فإن علم تاريخهما بمعنى نسبة أحدهما إلى الآخر بالتقدّم والتأخر، فالبيان هو الأوّل والثاني مؤكّد له; وإن جهل علم في الجملة أنّ أحدهما بيان والثاني مؤكّد له. هذا إذا كانا متساويين في قوة الكشف والإيضاح.
أمّا لو تفاوتا فيه لم يصلح الأضعف لتأكيد الأقوى، فإن علم تقدّم الأضعف كان الأقوى مؤكّداً، وكذا إن جهل إذ لا يمكن تقدّم الأقوى وتأخّر الأضعف، وإلاّ لزم تأكيد الأقوى بالأضعف، هكذا قيل.
وفيه نظر، للمنع من عدم تأكيد الأقوى بالأضعف، فإنّ من المعلوم أنّ الظن الحاصل بشهادة الشاهدين يتأكّد بانضمام ثالث إليهما ويترجّح بسببه على شاهدين غيرهما عند التعارض.
سلّمنا، لكن التأكيد ليس بالأضعف وحده، بل بالمجموع منهما فإنّه أشد كشفاً وإيضاحاً من أحدهما وإن كان أقوى من الآخر.

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/432ـ434; المعتمد:1/311ـ312.

صفحه 36
وإن تنافيا ظاهراً كما روي عنه(عليه السلام) أنّه قال:«من قرن الحجّ إلى العُمرة فليطف لهما طوافاً واحداً »1 مع ما روي عنه(عليه السلام) أنّه قرن بينهما فطاف لهما طوافين وسعى سعيين2; فإن تقدّم أحدهما الآخر كان المتقدّم بياناً عند أبي الحسين3، فإن كان القول كان الطواف الثاني غير واجب، وإن كان الفعل كان واجباً.
وقال صاحب الإحكام: إن كان القول متقدّماً فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي(صلى الله عليه وآله)يجب حمله على الندب، وإلاّ لزم نسخ ما دلّ عليه القول، والجمع بين الدليلين أولى من نسخ أحدهما، وفعله الطواف يكون تأكيداً للقول .
وإن كان الفعل متقدّماً فهو وإن دلّ على وجوب الطواف الثاني، إلاّ أنّ القول بعده يدلّ على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ممتنع، فلم يبق إلاّ أن يكون ناسخاً لوجوب الطواف الثاني في حقّه دون أُمّته، وأن يحمل قوله على وجوب الأوّل دون الثاني في حق أُمّته دونه.
وأمّا إن جهل المتقدّم منهما، فالأولى تقدير تقدّم القول وجعله بياناً لكونه مستقلاً في الدلالة بنفسه بخلاف الفعل المفتقر إلى اقتران ما يدلّ على كونه بياناً به.
ولأنّه على تقدير تقدّم القول يمكن حمل الفعل على ندبية الطواف الثاني، ولو قدّر تقدّم الفعل لزم تعطيل دلالة القول أو كونه ناسخاً لحكم

1. روي هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في سنن ابن ماجة:2/990 برقم 2973، باب طواف القارن; ومسند أحمد:2/67 باسناديهما عن جابر وابن عمر.
2. كنز العمال:5/160 برقم 12461.
3. المعتمد:1/313.

صفحه 37
الفعل أو أن يكون الفعل بياناً لوجوب الطواف في حقّه(عليه السلام) دون أُمّته والقول دليل عدم وجوبه في حق أُمّته دونه، والإهمال والفسخ خلاف الأصل، والافتراق بين النبي(عليه السلام)وبين أُمّته في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنسبة إلى الاشتراك، إذ هو الغالب في الأحكام.1
وقـال آخـرون: يكـون القـول بيـاناً، سـواء كـان متقـدّمـاً أو متأخّراً2، لأنّه بيان بنفسه، بخلاف الفعل المحتاج في كونه بياناً إلى قرينة حالية أو مقالية. ولأنّ فيه جمعاً بين الدليلين، لاحتمال كون فعلـه(عليه السلام)من خواصه.
ولو جهل التاريخ، قال أبو الحسين3: يكون البيان القول كما ذكرنا.
ولأنّ فرض تأخّر القول مفض إلى كونه ناسخاً أو معطلاً بخلاف عكسه لجواز كونه من خواصه فلا نسخ ولا تعطيل فيه.
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: البيان قد يساوي المبيّن في القوة والضعف، وقد يكون معلوماً والمبيّن مظنوناً، وبالعكس كما في تخصيص المعلوم بالمظنون، ولا فرق بين الواجب وغيره في وجوب بيانهما.*
ويمكـن أن يقـال: إنّ ما ذكـروه من المثال غير مطابق، إذ ليس القولوارداً على مجمل ليكون بياناً له، بل هو حكم مبتدأ، وفعله(عليه السلام)لا

1. الإحكام:3/20.
2. وإليه ذهب فخر الدين الرازي في المحصول:1/476 وأتباعه، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:249، وهو رأي الجمهور، وابن الحاجب وابن السبكي وابن الهمام من الحنفية.
وقد ردّ العلاّمة الحلّي هذا القول في نهايته:2/436 بقوله: وليس بجيد لأن الغرض كون كل منهما صالحاً للبيان، فإذا فرضنا تقدّم الفعل فهو بيان لوقوعه بعد إجمال ورد التعبّد به، فيكون بياناً له على ما تقدّم.
3. المعتمد:1/313.

صفحه 38
ينافي قوله إلاّ بتقدير أن يقول:«فليطف لهما طوافاً واحداً » لا أزيد، أو يحضر وقت التكليف بالخطاب لئلاّ يتأخّر البيان عن وقت الحاجة; أمّا على تقدير عدم هذه الزيادة أو عدم حضور وقت العمل بمدلول القول فلا منافاة، إذ إيجاب طوافين لا ينافي إيجاب واحد ولا يوجب نسخاً إلاّ عند مَن يزعم أنّ الزيادة في العبادة نسخ.

*[في أنّ البيان كالمبيَّن]

أقـول: مسـاواة البيـان للمبيّـن في القـوة والضعف أو عدمها تارة تكون في طريقهما أي دليل صدورهما عن الشارع، وتارة في دلالتهما على معناهما.
أمّا الأوّل: فذهب أبو الحسن الكرخي إلى وجوب كون البيان معلوماً إذا كان المبيّن معلوماً، ولهذا ردّ خبر الأوساق وهو قوله(عليه السلام): «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة »1، وعمل بعموم قوله(عليه السلام):«فيما سقت السماء العشـر ».23 والمحقّقـون على خلافـه، وجـواز كلّ واحـد مـن الأقسـام الأربعـة الممكنـة فـي ذلك ـ أعنـي: كونهمـا معلوميـن، ومظنونين، وكون البيان معلوماً والمبيّن مظنوناً، وبالعكس ـ كما في تخصيص عموم الكتاب والسنّة المتواترة بخبر الواحد، وقد ظهر ذلك فيما تقـدّم في

1. صحيح البخاري:2/121، باب زكاة الورق; و ص 133، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة; صحيح مسلم:3/66، كتاب الزكاة; سنن أبي داود:1/348 برقم 1558; سنن النسائي:5/17 و 18.
2. صحيح البخاري:2/133، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء; مسند أحمد:5/233; سنن أبي داود:1/353 برقم 1572، باب في الزكاة السائمة; سنن النسائي:5/42; سنن البيهقي:4/130; كنز العمال:6/328 برقم 15880 و ص 553 برقم 16909.
3. نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد:1/313، والرازي في المحصول:1/476.

صفحه 39
بـاب تخصيص العمـوم.
وأمّا الثاني: فإن كان المبيّن مجملاً، كفى في بيانه تعيين أحد احتماليه بأدنى ما يفيد ترجيحه على الآخر لوجوب العمل بالراجح.
وإن كان ظاهراً في أحدهما كالعام والمطلق، وجب كون المخصص أقوى دلالة من العام على صورة التخصيص وكون المقيّد أقوى دلالة على التقييد من المطلق على الإطلاق، إذ لو تساويا لزم الوقف.
ولو كان البيان مرجوحاً استحال العمل به وإلغاء الراجح، بل يتعيّن عكسه.
أمّـا مسـاواتهما فـي الحكـم فقـال قـوم: إنّ بيـان الـواجب واجـب، فإن أرادوا أنّ بيـانه على الرسول(صلى الله عليه وآله)واجب وبيان غيره من المندوب والمباح والمكروه ليس واجباً عليه وإن كان مجملاً، فهو باطل، فإنّ بيان المجمل واجب مطلقاً، سواء تضمّن فعلاً واجباً أو غيره من الأحكام، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق.
وفيه نظر، للمنع من اللزوم المذكور، فإنّ ماعدا الواجب فعله أو تركه من المباح والمندوب والمكروه ليس فيه تكليف على ما تقدّم، فلا يلزم من عدم بيانه تكليف مالا يطاق.
وقال شيخنا ـ طاب ثراه ـ إنّ المندوب والمكروه وإن لم يكونا من التكليف، إلاّ أنّ أحدهما مطلوب الفعل والآخر مطلوب الترك، فيجب فيهما البيان، لأنّ طلب الفعل والترك يستدعي الفهم، ولأنّ الخطاب بهما أو بالمباح لابد فيه من البيان تحصيلاً للغرض من الخطاب وهو الإفهام.
وفيه نظر، للمنع من وجوب البيان فيهما فإنّه نفس النزاع واستدعاء الطلب الفهم ممنوع.

صفحه 40
سلّمنا، لكنّه يستدعي فهم الطلب لا فهم المطلوب.
سلّمنا، لكن الفهم حاصل على سبيل الإجمال من دون البيان فهو كاف، وكذلك الغرض من الخطاب إنّما هو الإفهام مطلقاً لا التفصيلي.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/437ـ 440; الإحكام:3/20ـ21.

صفحه 41
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: الإجماع على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلاّ عند مَن يجوِّز تكليف المحال. ومنع أبو الحسين من تأخّره إلى وقت الحاجة في كلّ خطاب له ظاهر يراد منه غيره، مثل عام المخصوص، والمجاز، والنسخ، وتعيين النكرة، واكتفى بالإجمالي، وجوَّز في مثل المتواطئة والمشتركة. وجوَّز الأشاعرة التأخير في الجميع إلى وقت الحاجة، وجمهور المعتزلة على المنع في الجميع إلاّ النسخ.
احتج أبو الحسين بأنّ إرادة ما يُعلم من الخطاب خلافه مع عدم الإشعار إغراءٌ بالجهل، فيكون قبيحاً.
احتجّت الأشاعرة بقوله:(فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إنّ علينا بيانه)، وبأنّه أمر بذبح بقرة معيّنة لقوله تعالى:(إنّها بقرة لا ذلول)ولم يبيّنها وقت الخطاب وإلاّ لما سألوا وبقول ابن الزبعرى لما نزل: (إنّكم وما تعبدون): لأخصمنَّ محمداً قد عُبدتِ الملائكة والمسيح. وبأنّه يجوز تخصيص الميت قبل الفعل إجماعاً وذلك يقتضي الشك في المراد بالخطاب مع عدم تقدّم البيان .
والجواب عن الأوّل: إنّما يلزم الإغراء لو لم يتقرّر في العقل تجويز التخصيص، كما في المتشابه.
وعن الثاني: أنّه يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وكذا عن الثالث.
وعـن الـرابـع: أنّـه جهـل من السائل، فإنّ «ما » لا تَتناول العقلاء حقيقة.
وعـن الخـامس: أنّ التكليـف مشـروط بـالسلامـة، وهـو ثـابت عند كلّ عاقل، ونحن مكلّفون باعتقاد عموم التكليف قبل الموت بشرط السـلامة.*

* [في عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة]

أقول: اتّفق الأُصوليّون على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلاّ الذين جوّزوا تكليف مالا يطاق.1

1. كالأشعرية.

صفحه 42
وأمّا تأخيره عن وقت الخطاب فقد اختلفوا فيه: فجوّزه جماعة من الأشاعرة والحنفية مطلقاً.1
ومنعه آخرون، كأبي إسحاق المروزي2، والصيرفي مطلقاً. 3
وفصّل آخرون فقال السيد المرتضى(رحمه الله)4وأبو الحسن الكرخي: يجوز تأخير بيان المجمل خاصة.5
وقال أكثر المعتزلة كالجبائيين والقاضي عبد الجبار: يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره.6
وقال أبو الحسين البصري: يجوز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، إمّا بأن يكون اللفظ مشتركاً بين معان متعددة، أو متواطئاً بأن يكون موضوعاً لمعنى يشترك فيه كثيرون على السواء. وأمّا ما له ظاهر قد استعمل في خلاف ظاهره; كالعام المخصوص، والمطلق المراد منه

1. وهـو مـذهب الشـافعي وعمـوم أصحـابه، وهـو مختـار إسمـاعيل بن يحيـى المـزني وابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وأبي بكر القفّال وابن السبكي والغزّالي والرازي والآمدي وغيرهم. راجع: التبصرة:207; المستصفى:2/40; المحصول:1/477; الإحكام:3/22; ميزان الأُصول:363.
2. هو إبراهيم بن أحمد المروزي، أبو إسحاق، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج. مولده بمرو الشاهجان (قصبة خراسان)، وأقام ببغداد أكثر أيامه، وتوفّي بمصر سنة 340هـ. له تصانيف، منها: شرح مختصر المزني. الأعلام:1/28.
3. وهو مذهب بعض الشافعية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة، وهو مختار القاضي أبي حامد وأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأبي حاتم الرازي.
4. الذريعة:271.
5. وهو الموافق لما ذهب إليه الإمامية، واختاره الشيخ المفيد في التذكرة:39، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/450. وهو المحكي أيضاً عن أبي عبد الله البصري وجماعة من الفقهاء وجماعة من أصحاب الشافعي.
6. المعتمد:1/315.

صفحه 43
المقيّد، والمنسوخ ـ أعني: الحكم ـ الذي يتعقّبه ما ينسخه، والحقيقة المراد بها المجاز، والمنكر المراد به المعيّن; فلا يجوز تأخير بيانه مطلقاً لا عن وقت الحاجة، ولا عن وقت الخطاب.
نعـم يجـوز تأخيـر بيانه التفصيلي ويكتفـي فيه بالبيـان الإجمـالي إلى وقت الحاجة، كما لو قال: هذا العام مخصوص، أو هذا المطلق مقيّد، أو هذا الحكم سينسخ، أو المراد من هذا اللفظ مجازه دون حقيقته، أو المـراد بالنكـرة معيّن.
فإذن له ثلاث دعاو:
إحداها: امتناع تأخير البيان فيما له ظاهر عن وقت الخطاب.
وثانيها: الاكتفاء فيه بالبيان الإجمالي إلى وقت الحاجة.
وثالثها: جواز تأخير بيان ما لا ظاهر له كالمشترك والمتواطي.1والمصنّف ـ طاب ثراه ـ اقتصر على ذكر حجته على الدعوى الأُولى.2
وتقريرها أن يقال: لو خاطب الشارع بما له ظاهر غير مراد من دون القرينة، لزم أحد الأُمور الثلاثة وهي: إمّا خروج الخطاب عن كونه خطاباً، أو الإغراء بالجهل، أو تكليف مالا يطاق. واللازم بأقسامه باطل فالملزوم مثله. أمّا الملازمة فلأنّه إن لم يقصد به الإفهام أصلاً لزم الأوّل، إذ الخطاب الكلام المقصود به الإفهام، فما لم يقصد به الإفهام لا يكون خطاباً. وإن قصد به إفهام ظاهره مع عدم إرادته لزم الثاني، لأنّه يوجب اعتقاد المكلّف إرادة الشارع ذلك الظاهر وهو جهل. وإن قصد به إفهام

1. المعتمد:1/316. ووافقه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/442.
2. لكنّه ذكر حججه على الدعوى الثانية والثالثة في نهايته:2/444ـ 445، فلاحظ.

صفحه 44
خلاف ظاهره لزم الثالث، فإن فهم غير موضوع اللفظ وما يتبعه من غير قرينة تدلّ عليه، محال غير مقدور، فالتكليف به تكليف بمالا يطاق. وأمّا بطلان اللازم بأقسامه فظاهر.
وأمّا الدعوى الثانية فظاهرة، فإنّ المفسدة وهي الإغراء بالجهل يرتفع بالبيان الإجمالي كارتفاعها بالتفصيلي.
وأمّا الثالثة فلإمكان تعلّق الغرض بالخطاب إجمالاً، لاشتماله على مصلحة لا توجد في غيره، والمفسدة وهي الإغراء بالجهل منفية عنه.
وأجاب المصنف ـ طاب ثراه ـ عن الأوّل بالمنع من لزوم الإغراء بالجهل، وإنّما يتحقّق أن لو لم يتقرّر في العقل جواز إرادة خلاف ظاهر الخطاب، أمّا مع تحقّق ذلك وهو الواقع فلا إغراء، كما في المتشابهات مثل: (يَدُ اللهِ فَوقَ أيْدِيهِمْ)1،(فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)2، (تَجْرِي بِأعْيُنِنا)3.
وفيه نظر، فإنّ الدليل العقلي الدال على امتناع كونه تعالى جسماً قائم وهو يمنع من اعتقاد مدلول ظواهر الآيات المذكورة، بخلاف ما نحن فيه فإنّه ليس عند المكلّف دليل عقلي ولا نقلي يمنع من إرادة ظاهر اللفظ ويوجب العدول عنه إلى غيره، وجواز إرادة خلاف الظاهر لا ينافي اعتقاده إرادة الظاهر. نعم يكون ذلك الاعتقاد ظناً لخلوّه عن الجزم .
واحتجّت الأشاعرة على جواز تأخير البيان مطلقاً ـ أي فيما له ظاهر، وما لا ظاهر له ـ بأنّ ذلك واقع فيكون جائزاً.

1. الفتح:10.
2. البقرة:115.
3. القمر:14.

صفحه 45
أمّا الثاني فظاهر.
وأمّا الأوّل فمن وجوه:
أحدها: قوله تعالى: (فَإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ* ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ)1ولفظة (ثم) موضوعة للتراخي على ما تقدّم، ومعنى (قَرَأناهُ): أنزلناه، وهو صريح في تأخير بيان الجميع.
وفيه نظر، فإنّ هذه الآية إنّما تدلّ على تأخير البيان عن الإنزال والمتابعة في التلاوة، وذلك لا يدلّ على تأخيره عن الخطاب، فإنّ التلاوة وتلقين القرآن ليس خطاباً لأنّه قد لا يقصد به الإفهام.
الثاني: أنّه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معيّنة غير منكرة، ولم يعيّنها لهم إلاّ بعد سؤالهم البيان. أمّا أمره تعالى بذلك فلقوله تعالى: (إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً).2وأمّا كونها معيّنة فلقوله تعالى:(إنّها بَقَرَةٌ صَفْراءٌ)3، (إنّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)4، (إنّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمةٌ لاشِيَةَ فِيها)5، وهذه الكنايات عائدة إلى ما أُمروا بذبحه ولأنّهم سألوا تعيّنها بقوله تعالى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنا ما هِيَ)6، و(ما لَوْنُها)7، ولو كانت منكرة لما احتاجوا إلى ذلك لخروجهم حينئذ عن العهدة بذبح أي بقرة كانت. وأمّا أنّه لم يبيّنها لهم إلاّ بعد

1. القيامة:18ـ 19.
2. البقرة:67.
3. البقرة:69.
4. البقرة:68.
5. البقرة:71.
6. البقرة:70.
7. البقرة:69.

صفحه 46
السؤال المكرر فظاهر، وهذا يختصّ بجواز تأخير بيان تعيّن النكرة.
الثالث: لمّا نزل قوله تعالى: (إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)1 قال ابن الزبعرى2: لأخصمنّ محمداً، قد عبدت الملائكة والمسيح فهؤلاء حصب جهنم، فتأخّر بيان ذلك إلى أن نزل قوله تعالى: (إنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُون)3،وهذا يدلّ على جواز تأخّر بيان مخصّص العام في الخبر.
الـرابع: الإجمـاع واقـع علـى جـواز أمـر الله تعـالى المكلّفيـن بالأفعـال مع جواز موت كلّ واحد منهم قبل الفعل، وذلك يوجب الشك في المـراد بالخطاب، وعلـى تقـدير وقوع ذلك الجائز يكون تخصيصاً لم يتقدّم بيانه.4
والجواب عن الأوّل والثاني: أنّ ظاهرهما يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل إجماعاً، فلابدّ من التأويل والعدول عن الظاهر فيهما فنقول:
أمّا الأوّل، فالمراد بالبيان هنا الإظهار والإشهار، وهو على وفق اللغة

1. الأنبياء:98.
2. هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد شاعر قريش في الجاهلية، كان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، فقال فيه حسّان أبياتاً، فلمّا بلغته عاد إلى مكة فأسلم واعتذر، ومدح النبي(صلى الله عليه وآله) فأمر له بحلّة. توفّي نحو 15هـ . الأعلام:4/87.
3. الأنبياء:101. وقد نقل قصة ابن الزبعرى هذه: القمي في تفسيره:2/76، والطبرسي في مجمع البيان:7/116.
4. وهناك وجوه أُخرى احتجّ بها الأشاعرة على جواز تأخير البيان، مطلقاً ذكرها الرازي في المحصول:1/478ـ 488، والآمدي في الإحكام:3/22ـ 30; وقد أجاب عنها العلاّمة في نهايته:2/458ـ 474، فلاحظ.

صفحه 47
كما يقال:«بان لنا الكوكب الفلاني » إذا ظهر، وكذا: «بان سور المدينة » وهو أولى من حمل البيان على بيان المجمل والعام والمقيّد، لأنّ الهاء في قوله تعالى:(ثمّ إنّ علينا بيانه)عائدة إلى مجموع القرآن، ومن المعلوم أنّ مجموع القرآن ليس محتاجاً إلى البيان بالمعنى الثاني، فلو حمل اللفظ عليه لزم عود الضمير في قوله: (بيانه) إلى البعض، وهو خلاف الظاهر، فتعيّن حمله على ما قلناه.
وأيضاً فإنّ البيان في الآية مضاف إلى القرآن، والبيان بالمعنى الثاني إنّما هو بيان للمراد من القرآن لا له، وأمّا البيان بالمعنى الأوّل فهو مضاف إلى القرآن لا إلى مدلوله والمراد منه فكان أولى.
وعن الثاني المنع من أمرهم بذبح بقرة معيّنة، بل المأمور به ذبح بقرة منكرة عملاً بظاهر الآية. ولأنّهم لو كانوا مأمورين بذبح بقرة معيّنة لما استحقّوا بالسؤال والبحث عن التعيين، التوبيخ والتعنيف، بل كان استحقاقهم للمدح والثناء أحرى، وحينئذ لا يحتاج إلى بيان، لإمكان الامتثال بذبح أي بقرة شاءوا وسؤالهم البيان إمّا لغلطهم حيث حملوا لفظ النكرة على المعيّنة، أو ليمتحنوه في الإخبار بالمغيّبات لأنّهم وإن كانوا مكلّفين بذبح أي بقرة شاؤوا إلاّ أنّهم لا يذبحون إلاّ معيّنة1، أو أنّه تعالى كلّفهم بذبح بقرة معيّنة بعد سؤالهم كما روي عن ابن عباس: أنّهم لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأتهم لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم.2

1. في أ: إلاّ بقرة معيّنة.
2. تفسير الطبري(جامع البيان):1/493; تفسير الرازي:3/116; تفسير ابن كثير:1/113; الدر المنثور:1/77. وقد وردت هذه القصة عن طريق أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في عيون أخبار الرضا(عليه السلام):1/16، في بيان قصة بقرة بني إسرائيل، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الإمام الرضا(عليه السلام); وفي تفسير العياشي:1/47 برقم 58 باسناده عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الكاظم(عليه السلام).

صفحه 48
وعن الثالث: أنّا لا نسلّم أنّ فيه تخصيصاً للعام المذكور، لما عرفت من أنّ لفظة «ما » لا تتناول العقلاء، وحينئذ لا يكون الملائكة والمسيح داخلين فيما يعبدون. ولأنّه خطاب للعرب وليسوا عابدين للملائكة ولا للمسيح وإنّما كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فإنّ ابن الزبعرى غلط وقال ما قال لسوء فهمه وعدم تفطّنه لذلك.
وعن الرابع: أنّ التكليف مشروط بسلامة المكلّف، وهذا القدر معلوم لكلّ عاقل، ونحن مكلّفون باعتقاد عموم التكليف بشرط بقاء المكلّف وسلامته ممّا يزيل التكليف كالجنون وما أشبهه .
قال قدس الله روحه: تنبيه: جوّز السيد المرتضى(رحمه الله) تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، لإمكان اقتضاء المصلحة ذلك. والأمر بالتبليغ لا يقتضي الفور ولا العموم، لانصراف المنزل إلى القرآن عرفاً.*
واحتجّ المعتزلة على امتناع تأخّر البيان مطلقاً بأنّ المقصود من الخطاب الإفهام على ما عرفت، وهو غير متحقّق في المجمل لحصول التردّد بين معانيه.
والجواب: المنع من عدم الإفهام فإنّ المكلّف يفهم منه أنّه مكلّف بأحد الأمرين أو الأُمور فيحصل بالثواب على العزم على الامتثال عند حضور وقت الفعل المأمور به وتحقق بيانه.
واعترض المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك بأنّ النزاع فيما لو كانت

صفحه 49
صيغة الأمر مشتركة كما في صورة المأمور .
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع ذلك، وكيف لا والأمثلة المنقولة عن الأُصوليّين مصرّحة بأنّ النزاع إنّما هو في الإجمال في المأمور به لا في الأمر وكذا حججهم.
سلّمنا، لكن على ذلك التقدير يفهم المكلّف أنّه يجوز أن يكون مأموراً بأحد الأمرين، فيعزم على الامتثال حينئذ ويحصل الثواب.

*[في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة لاقتضاء المصلحة]

أقول: ذهب السيد المرتضى(رحمه الله) إلى جواز تأخير تبليغ النبي(عليه السلام)بعض
ما أوحى الله تعالى إليه من الأحكام إلى وقت الحاجة.1 وهو اختيار المحقّقين2، ومنع منه قوم.
احتجّ السيد المرتضى(رحمه الله) بأنّ تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة قد يتضمّن مصلحة لا تحصل في تقديمه فيجب التأخير تحصيلاً لتلك المصلحة، وقد يتساوى التقديم والتأخير في المصلحة فلا يتعيّن أحدهما، وحينئذ لا يكون تقديم التبليغ متعيّناً على الإطلاق، وهو المدّعى.
احتجّ المانعون بقوله تعالى: (ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ

1. الذريعة:270.
2. وهو المختار عند الإمامية، كالشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/447، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/476، وذهب المعتزلة إليه أيضاً كما نقل عن أبي الحسين البصري في المعتمد:1/315، وهو مختار الآمدي في الإحكام:3/33، والرازي في المحصول:1/477، وأكثر المحققين على ذلك.

صفحه 50
رَبِّك)1 والأمر للفور.
والجواب: المنع من اقتضاء مطلق الأمر للفور، وقد تقدّم.

1. المائدة:67.

صفحه 51
قال قدس الله روحه: تذنيب: يجوز أن يُسمِع الله تعالى المكلّف العام من غير إسماع المخصّص، ويكون مكلفاً له بطلب الخاص، فإن وجده عمل به وإلاّ عمل بظاهر العام، لأنّهم سمعوا: «اقتلوا المشركين »، ولم يسمعوا: «سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » إلاّ بعد حين، ولجواز إسماع العام المخصوص بالعقل وإن افتقر إلى نظر.
احتجّ أبو الهذيل وأبو علي بأنّ فيه إغراءً بالجهل، ومنعاً عن العمل بالعموم إلاّ بعد البحث عن المخصّص في أقطار الأرض.
والجواب: لا إغراء مع ظن التخصيص وعدم اليقين بالعموم، وظن الاستغراق كاف في الاحتجاج والعمل بالعام، فعلى هذا لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصّص إجماعاً.*
سلّمنا، لكن المراد بالمنزل إنّما هو بالقرآن عرفاً، وهو لا يعمّ الأحكام المدّعى وجوب تبليغها.
سلّمنا، لكن ذلك إنّما يتناول ما أُنزل إليه(عليه السلام) من الأحكام قبل وقت الأمر بالتبليغ، ولا يتناول ما سينزل إليه منها، لأنّ لفظة (أُنزلَ)، ماض فلا يتناول الحال ولا الاستقبال.

* [ في جواز سماع المخاطب العام وإن لم يسمع الخاص]

أقول: القائلون بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز إسماع الله تعالى المكلّف العام دون إسماعه الدليل المخصّص ويكون مكلّفاً له بطلب ذلك الدليل المخصّص فإن وجده عمل بمقتضاه، وإلاّ عمل بظاهر العموم مع اتّفاقهم على الجواز إذا كان الدليل عقلياً.
فذهب أبو هاشم1 والنظّام وأبو الحسين البصري إلى الجواز.2

1. لأبـي هـاشـم الجبّـائي قـولان: الأوّل: المنع، والثاني: الجواز وهو قوله الأخير. راجع الذريعة:285.
2. المعتمد:1/331. وهو مختار الإمامية وعلمائها، كالسيد المرتضى في الذريعة:285، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/466.
وذهب إليه أيضاً الرازي في المحصول:1/499، والآمدي في الإحكام:3/34، وهو الذي يدلّ عليه قول الشافعي وغيره من الفقهاء كما نقله الشيخ الطوسي في العدة.

صفحه 52
ومنعه أبو علي الجبّائي وأبو الهذيل العلاّف1.
واختار المصنّف (رحمه الله)الأوّل.2 واحتجّ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ ذلك واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلأنّ الصحابة سمعوا قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)3 وذلك ممّا يوجب قتل المجوس لشمول المشركين لهم، ولم يسمعوا مخصّص ذلك العام وهو قوله(عليه السلام): «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » إلاّ بعد مدة طويلة واختلافهم في حكمهم في خلافة عمر لما روى ذلك عبد الرحمن.4
وأمّا الثاني فظاهر.
الثاني: أنّه يجوز إسماع المخصوص بدليل العقل وإن كان مفتقراً إلى نظر، ومتى كان كذلك جاز استماع العام المخصوص بدليل السمع بدون

1. هـو محمـد بن محمـد بن الهـذيل بن عبـد الله بـن مكحـول العبـدي، أبـو الهـذيل العلاّف مـن أئمـة المعتـزلـة. ولـد في البصـرة سنة 135هـ واشتهر بعلم الكلام، كفّ بصره في آخر عمره وتوفّي بسامراء سنة 235هـ ، له كتب كثيرة ومقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات. الأعلام:7/131.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/479.
3. التوبة:5.
4. روى البيهقي في سننه:9/189 أنّ عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول:«سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب ». ورواه المتقي الهندي في كنز العمال:4/502 برقم 11490، والصدوق مرسلاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في «من لا يحضره الفقيه »:2/53 برقم 1678، الخراج والجزية.

صفحه 53
إسماعه، لأنّ العلّة في الجواز هناك إنّما هو تمكّن المكلّف من معرفة المراد بالخطاب العام، وهي بعينها متحقّقة في صورة النزاع فثبت الحكم.
احتجّ أبو علي وأبو الهذيل بوجهين:
الأوّل: أنّ ذلك يوجب الإغراء بالجهل، ومتى كان كذلك امتنع وقوعه من الشارع.
أمّا الأوّل، فلأنّ إسماع المكلّف العام من دون سماعه المخصّص يوجب اعتقاده إرادة الاستغراق منه، وذلك جهل، لأنّ الواقع خلافه.
وأمّا الثاني، فلأنّ الإغراء بالجهل قبيح ،والله تعالى منزّه عنه .
الثاني: لو جاز ذلك لما جاز لمجتهد العمل بشيء من العمومات إلاّ بعد طوافه في أقطار الأرضين وسؤاله هل للعام مخصّص أم لا؟ وبطلان التالي وهو ظاهر يوجب بطلان المقدّم، والملازمة ظاهرة.
وأُجيب عن الأوّل بالمنع من إيجابه الإغراء بالجهل، وكيف والمخصّص مظنون التحقّق باعتبار كون أكثر العمومات الشرعية مخصوصاً والعموم غير متيقّن الإرادة من اللفظ الموضوع له.
وعن الثاني بالمنع من الملازمة، أعني: توقّف العمل بالعام على طواف أقطار الأرضين للتفحّص عن المخصّص، وإنّما يلزم ذلك أن لو لم يكن يتحقّـق ظن الاستغراق عند البحث عن المخصّص الذي لا يعد معه المكلّف مقصّراً وعدم الظفر به، أمّا مع تحقّقـه وهـو الواقع فلا، وذلك لأنّ
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: كلّ مَن يريد الله تعالى إفهامه بالخطاب وجب بيانه له، إمّا لأن يعمل به كالعالم في الصلاة، أو لا لذلك كالعالم المكلّف بمعرفة أحكام الحيض وشبهه.

صفحه 54
ومن لا يريد1 إفهامه لا يجب عليه بيانه له.
ثم قد يراد منه العمل كالعامي، فإنّه يراد منه التكليف بما يفتيه المفتي.*
عدم الظفر بالمخصّص مع البحث عنه يوجب انتفاء ظن التخصيص، وينضم إلى ذلك كون العام حقيقة في الاستغراق فيحصل ظن انتفاء التخصيص والعمل بالظن واجب، فعلى هذا ـ أي على تقدير جواز إسماع المكلّف العام المخصوص من دون مخصّصه ـ لا يجوز العمل بالعام إلاّ بعد البحث عن المخصّص إجماعاً.

* [في ذكر من يجب له البيان]

أقول: لمّا ذكر أنّ البيان واجب في الجملة امّا عند الخطاب، أو الحاجة على ما مر من الخلاف، أشار إلى بيان من يجب البيان له.
واعلم أنّ كلّ مَن أراد الله تعالى إفهامه خطابه المحتاج إلى البيان وجب عليه أن يبيّنه له، ومن لا يريد إفهامه لا يجب عليه بيانه له.
أمّا الأوّل، فلأنّه لو لم يبيّنه له لزم التكليف بالمحال، إذ فهم ما لا يفهم إلاّ بالبيان من دونه، محال.
وأمّا الثاني، فظاهر فإنّه لا تعلّق له بالخطاب، ثم الذي أراد الله تعالى منه فهم خطابه قد يراد منه فعل ما تضمّنه الخطاب إن تضمّن فعلاً، كالعالم في الصلاة فإنّه مكلّف بفعلها; وقد لا يراد منه ذلك، كالعالم في مسائل الحيض وما أشبهه من الأُمور التي لا تعرض إلاّ للنساء

1. في المطبوع: 167 بزيادة: الله.

صفحه 55
كالاستحاضة والنفاس والإرضاع.
وأمّا الذين لا يريد منهم فهم خطابه فقد لا يراد منهم فعل ما تضمّنه الخطاب، كالعوام بالنسبة إلى مسائل الحيض وما جرى مجراها، وكالنساء بالنسبة إلى ما يختص بالرجال; وقد يراد منه فعله، كالعوام بالنسبة إلى العبادات، وكالنساء في مسائل الحيض، فإنّ المراد منهم العمل بما يفتيهم المفتي به، وليسوا مكلّفين بسماع الآيات الإلهية والأخبار النبوية المتضمّنة لتلك الأحكام فضلاً عن معرفة وجوه دلالالتها.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/478.

صفحه 56
قال قدس الله روحه:

الفصل الثالث:

في الظاهر والمأوّل

وقد مضى تعريفهما. ومن التأويل بعيد وقريب.
فمن البعيد تأويل الحنفية قوله(عليه السلام) لابن غيلان وقد أسلم على عشر: «أمسك أربعاً وفارق سائرهن » بابتداء النكاح، أو إمساك المتقدّمات، لقرب عهده بالإسلام.
وأبعد منه في قوله(عليه السلام) لفيروز الديلمي ـ عند الإسلام على الأُختين ـ : «أمسك أيّتهما شئت » فإنّه اقتضى التخيير من غير تفصيل.
ومنه:(فإطعام ستين)بإضمار طعام للتساوي في دفع الحاجة بين ستين يوماً وبين واحد ستين يوماً، لإمكان قصد فضل الجماعة وحصول مستجاب الدعوة فيهم.
وليس ببعيد حمل آية الزكاة على بيان المصرف، لأنّ سياق الآية للرد على لمزهم في المعطين، ورضاهم إن أخذوا، وسخطهم إن منعوا.*
* أقول: قد مرّ في صدر الكتاب تقسيم اللفظ باعتبار احتمال غير ما فهم عنه وعدمه إلى النص والظاهر والمجمل والمأوّل، وعلم منه تعريف

صفحه 57
كلّ واحد منها1، إذ التقسيم يفيد للتعريف، بل قد يكون مفيداً للتحديد التام، وذلك عندما يكون المقسوم جنساً قريباً لأقسامه والمقسّمات فصولاً لها، فإذن لا حاجة إلى إعادة تعريف الظاهر والمأوّل. ولمّا كان الرجحان قابلاً للشدة والضعف بحيث يكون تارة مانعاً من النقيض وأُخرى دون ذلك، وانقسم اللفظ بذلك الاعتبار إلى النص والظاهر كان مقابله وهو المرجوحية كذلك، فلهذا كان من التأويل ما هو قريب وما هو بعيد، وينبغي أن يعلم أنّه لا يصار إلى التأويل إلاّ إذا تعذّر حمل اللفظ على ظاهره لدليل راجح عليه، فحينئذ يتعيّن التأويل، ولابد أن يكون اللفظ محتملاً لما صرف إليه وإن كان بعيداً، ولابد أن يكون المؤوّل ذا فطنة وعلم بمدلولات الألفاظ بحيث يعرف تفاوتها في احتمال إرادتها منها.
في الظاهر والمأوّل   
فمن التأويلات البعيدة تأويل أصحاب أبي حنيفة قوله(عليه السلام)لابن غيلان، ونُقل غيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر:«أمسك أربعاً وفارق سائرهن ».2 وقد أوّلوه بثلاثة تأويلات3:
الأوّل: حمل لفظ الإمساك على ابتداء النكاح، فمعنى قوله:«أمسك أربعاً »:أنكح أربعاً منهن، ومعنى قوله: «وفارق سائـرهن » أي لا تتزوجهن.
الثاني: أنّه يحتمل أن يكون النكاح واقعاً في ابتداء الإسلام قبل حصر عدد النساء في أربع فكان ذلك صحيحاً، لأنّ نكاح الكفّار لا يبطل

1. راجع الجزء الأوّل، ص 141.
2. سنن البيهقي:7/181 و 182; صحيح ابن حبان:9/466; كنز العمال:16/230 برقم 44765. وقد مرت الرواية في الجزء الأوّل:510 فراجع.
3. نقلها عنهم الآمدي في الإحكام:3/38.

صفحه 58
منه إلاّ ما كان مخالفاً لشرع الإسلام حال وقوعه.
الثالث: أنّه يحتمل أنّه أمر الزوج باختيار أوائل النساء.
وهذه التأويلات بعيدة، لأنّ ما اقترن باللفظ من القرائن يمنع من حمله عليها.
أمّا الأوّل: فلأنّ المتبادر إلى الفهم من لفظ الإمساك إنّما هو الاستدامة دون التجديد. ولأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) فوّض الإمساك والمفارقة إلى الزوج، وهما غير واقعين باختياره عندهم، لوقوع الفراق بنفس إسلامه وتوقّف ابتداء النكاح على رضا الزوجات. ولأنّه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر ومفارقة الباقي، والأمر إمّا للوجوب أو للندب على ما مر، وحصر التزويج في العشر ليس واجباً ولا مندوباً، وإن كان النكاح في الجملة مندوباً لجواز نكاح غيرهن، والمفارقة ليست من فعل الزوج حتى يكون مأموراً بها.
والثاني: أيضاً ضعيف، لأنّ الحصر كان في ابتداء الإسلام، إذ لو لم يكن ثابتاً في ابتدائه لم يخل المسلمون بأجمعهم من الزيادة على الأربع عادة، ولو كان ذلك واقعاً لنقل، ولمّا لم ينقل علم ثبوته في ابتداء الإسلام.
والثالث: ضعيف أيضاً، لأنّ الذي أسلم لم يكن عارفاً بالأحكام الثابتة في الإسلام بحيث يعرف وجوب اختيار السابقات لقرب عهده بالإسلام. ولما روي من أنّ واحداً أسلم على خمس، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله):«أمسك منهنّ أربعاً وفارق واحدة »، قال المأمور: فعمدت إلى أقدمهنّ عندي ففارقتها.

صفحه 59
ومنها1: تأويل قوله(عليه السلام) لفيروز الديلمي2 وقد أسلم على الأُختين: «أمسك أيّتهما شئت »3 بالتأويلات الثلاثة المتقدّمة، لما تقدّم من بيان ضعفها، وهذا أبعد من الأوّل، لأنّه هنا صريح بتخيّره حيث أمره بإمساك مَن تعلّقت مشيته بها منهما من غير تفصيل بخلاف الأوّل.4
ومنها: تأويل أصحاب أبي حنيفة أيضاً قوله تعالى:(فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)5 من أنّ المراد لطعامُ6 طعامِ ستين مسكيناً، زاعمين أنّ المقصود إنّما هو دفع الحاجة، وأنّه لا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكين يوماً واحداً وبين دفع حاجة مسكين واحد ستين يوماً.
وهو ضعيف. أمّا أوّلاً: فلأنّه لا حاجة إلى هذا الإضمار المخالف للأصل من غير ضرورة، وما ذكـروه من المقصود وإن سلّم فليس مقصوداً وحده، بل هو وفضل الاجتماع واغتنام بركة الجماعة وحصول مستجاب الدعوة فيهم، فـإنّه قـلّ أن يخلـو هـذا العدد المذكور من المسلمين من ولي من أولياء الله تعالى تحصل به البركة ويكون دعاؤه مستجاباً،

1. أي من التأويلات البعيدة التي ذكرها الشارح في ص 58.
2. هو أبو الضحاك فيروز الديلمي، صحابي يماني، فارسي الأصل من أبناء الذين بعثهم كسرى لقتال الحبشة، كان يقال له الحميري لنزوله بـ«حمير » ومحالفته إيّاهم، وفد على النبي(صلى الله عليه وآله)وروى عنه أحاديث، وعاد إلى اليمن فأعان على قتل الأسود العنسي، سكن مصر وتوفّي بها سنة 53هـ . الأعلام:5/164.
3. راجع: سنن البيهقي:7/184; سنن الدارقطني:3/191 برقم 3656. وقد وردت هذه الرواية من طرق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، راجع: وسائل الشيعة:20/478، الباب25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة; مستدرك الوسائل:14/405، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
4. راجع: الإحكام:3/38ـ39.
5. المجادلة:4.
6. في «أ » و «ج » و «م »: اِطعام.

صفحه 60
وحصول ذلك في الواحد نادر.1
وليس من التأويلات البعيدة حمل علمائنا آية الزكاة، وهي قوله تعالى:(إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَسَاكِينِ)2 الآية، على بيان المصرف دون تملّك كلّ صنف من الأصناف، لأنّ المقصود بها إنّما هو بيان مصارف الصدقات وشرط الاستحقاق ورفع الحاجة عن صنف من الأصناف المذكورة لا رفع الحاجة عن الكل، وحينئذ يجوز صرفها إلى واحد من الأصناف.
واستبعده الشافعي محتجّاً بأنّه تعالى أضاف الصدقة إليهم بلام التمليك وعطف بواو التشريك البعضَ على البعض، وكون الآية لبيان المصرف وشروط الاستحقاق لا ينافي ما قلناه لجواز كونه مقصوداً، وكون الاستحقاق بصفة التشريك أيضاً، مقصوداً أيضاً وهو أولى لموافقته ظاهر الإضافة والعطف والصرف إلى واحد إبطال لذلك، فلا يجوز.3
وهو ضعيف، لأنّ سياق الآية يدلّ على ما قالوه، وهو قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ)4الآية، ويقولون: إنّ محمداً(صلى الله عليه وآله)يعطي الصدقات من أحب، وإن أعطاهم كثيراً رضوا، وإن أعطاهم قليلاً أو منعهم سخطوا، فردّ الله عليهم بقوله:(وَلَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤتِينا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنّا إلَى اللهِ راغِبُون)5، وأشار

1. راجع: الإحكام:3/40.
2. التوبة:60.
3. لاحظ: الإحكام:3/39ـ40.
4. التوبة:58.
5. التوبة:59.

صفحه 61
إلى أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله)يعطيها أهلها ومستحقّها ومن حصلت فيه شرائط الاستحقاق وعدّ ذلك بقوله: (إنّما الصَّدَقَاتُ)1 الآية، وإجراء اللفظ على ظاهره إنّما يتعيّن عند عدم المعارض من القرائن وغيرها، وقد بيّنّا القرينة الصارفة له عن الظاهر إلى ما قلناه على أنّ لقائل أن يمنع كون اللام حقيقة في التمليك، لأنّها مستعملة في غيره كالاستحقاق والاشتراك، والمجاز خلاف الأصل، وحينئذ فيتعيّن كونها للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الاختصاص.
وقوله:«لا منافاة بين ما قلناه و بين كون الآية لبيان المصرف » باطل، لأنّ ما قاله يقتضي التشريك، ولا كذلك لو قلنا: إنّها لبيان المصرف.2

1. التوبة:60.
2. راجع البحث في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/500ـ 502; المستصفى:2/55ـ57; الإحكام:3/38ـ40.

صفحه 62
قال قدس الله روحه:

المقصد السادس

في الأفعال

                                                   وفيه مباحث

صفحه 63
 

صفحه 64
 
الأوّل: ذهبت الإمامية إلى امتناع صدور الذنب عن1 الأنبياء، سواء كان الذنب صغيراً أو كبيراً، ولا فرق بين العمد والنسيان لا قبل النبوة ولا بعدها. وإلاّ لوجب اتّباعهم لعموم الأمر بالاتّباع مع الجهل بكونه معصية، ولارتفع2 الأمان عن إخباره، فتنتفي فائدة البعثة، ولعدم الانقياد إلى طاعتهم مع العلم بسقوط محلهم وهو نقض الغرض.
واتّفق العقلاء على امتناع وقوع الكفر منهم إلاّ الفضلية حيث جوّزوا الذنب3، وكلّ ذنب عندهم كفر.
وجوّز بعض الجمهور صدور الخطاء في الاعتقاد الذي لا يوجب كفراً، كالحكم بعدم بقاء الأعراض مثلاً.
وأمّا ما يتعلّق بالتبليغ فقد أجمعوا على عصمتهم فيه.
وما يتعلق بالفتوى كذلك، إلاّ الخطاء سهواً فقد جوّزه بعضهم.
والحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأنّه وقع وأبو بكر جوّزه عقلاً، ومنعه سمعاً. والجبّائي منع من الصغيرة والكبيرة إلاّ على سبيل التأويل. وبعضهم منع من العمد والتأويل وجوّزه سهواً، إلاّ أنّهم لقوة عقولهم مطالبون بالتحفّظ من ذلك. وأكثر المعتزلة منعوا من الكبيرة وجوّزوا الصغيرة سهواً وخطاءً وعمداً وتأويلاً إلاّ المنفِّر.
والحقّ ما ذكرناه4 . *
   

*[في عصمة الأنبياء]

أقول: لمّا توقّف كون بعض أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) من مبادئ الأحكام

1. في المطبوع: 173: من.
2. في المطبوع:173 بزيادة: الوثوق و.
3. في المطبوع:173 بزيادة: عليهم.
4. في المطبوع: 174 بزيادة: أوّلاً.

صفحه 65
الشرعية على عصمته(عليه السلام)، بحث عمّا هو أعمّ من ذلك، وهو مطلق أفعال الأنبياء(عليهم السلام).
واعلم أنّ الإمامية ذهبوا إلى عصمة كلّ نبي من كلّ ذنب، صغيراً كان أو كبيراً، عمداً أو سهواً أو خطأً في التأويل، قبل النبوة وبعدها.
لأنّه لو جاز عليهم شيء من ذلك لوجب اتّباعهم مع جهل المكلّف بكونه معصية فيه، لعموم الأمر الوارد بالاتّباع، مثل قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ)1(إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي).2 والتالي باطل، وإلاّ لزم وجوب الحرام.
ولأنّ النبي لو لم يكن معصوماً لجاز إخباره بالكذب، وحينئذ ينتفي الوثوق بإخباره، وهو ملزوم لانتفاء فائدة البعثة، إذ الغرض منها تعريف المكلّفين ما لم تستقل عقولهم بإدراكه من القبيح والحسن والوجوب بإخبار النبي بذلك بحيث يتابعونه على فعل الواجب واجتناب المحرم; فلو جوّزت الأُمّة الكذب في إخباره بحيث يجوز كون ما أخبر بحسنه قبيحاً، وما أخبر بقبحه حسناً، وما أخبر بوجوبه حراماً، وبالعكس; لم يتبعه أحد منهم، ولم ينقادوا إلى امتثال أوامره ونواهيه.
ولأنّ جواز الخطاء عليهم يسقط محلّهم من قلوب أُمّتهم، ويوجب الاحتقار بهم، والإعراض عن متابعتهم، والإقدام على مخالفتهم; وذلك نقض للغرض من النبوة. وانفردت الإمامية بهذا التنزيه عن جميع الفِرَق.

1. الأنعام:153 و155.
2. آل عمران:31.

صفحه 66
أمّا المعتزلة فلتجويزهم وقوع الصغائر منهم.1
وأمّا الأشاعرة فالأكثر منهم على تجويز المعصية عليهم، صغيرة كانت أو كبيرة، بل ولا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم عن كفر. ووافقهم بعض المعتزلة على ذلك لعدم ما يدلّ على عصمتهم عن ذلك، فإنّ دليل العقل مبني على الحسن والقبح العقليين ووجوب رعاية الحكم في أفعاله تعالى، وهم لا يقولون به.
واختلف الجمهور منهم بعد النبوة وحاصل اختلافهم يرجع إلى أربعة أشياء:
أحدها: ما يتعلّق بالاعتقاد وقد اتّفقوا على أنّه لا يجوز عليهم الكفر، إلاّ الفضلية2 من الخوارج فإنّهم قالوا بوقوع الذنب منهم وكلّ ذنب عندهم كفر، وأمّا ما لا يبلغ الكفر من الاعتقاد الفاسد مثل كون الأعراض باقية أو غير باقية فجوّزه قوم ومنعه آخرون لكونه منفرّاً.
وثانيها: ما يتعلّق بالتبليغ واتّفقوا على امتناع التغيير عليهم وإلاّ لزال الوثوق عمّا يخبرون به من الأحكام، وجوّز بعضهم وقوع ذلك منهم سهواً لا عمداً.
وثالثها: ما يتعلّق بالفتوى والأكثر على امتناع خطائهم فيه، وجوّزه قوم سهواً.

1. قبل النبوة وبعدها.
2. في «م »: الفضيلية. والفضلية فرقة من الخوارج أتباع فضل بن عبد الله، ومن عقائدهم أنّ مَن قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه بل اعتقد الدهرية أو اليهودية أو النصرانية فهو مسلم عند الله مؤمن، ولا يضرّه إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه. معجم الفرق الإسلامية: 186.

صفحه 67
أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) هل تدلّ على حكم في حقّنا؟   
ورابعها: ما يتعلّق بأفعالهم فمنهم من جوّز عليهم الكبائر عمداً، والحشوية قالوا بوقوع هذا الجائز، والقاضي جوّزه عقلاً لا سمعاً.
ومنع الجبّائي من ارتكابهم الكبائر والصغائر عمداً، وجوّز ذلك منهم على سبيل الخطأ في التأويل.
وبعضهم منع من ذلك عمداً وخطاء في التأويل; وجوّزه سهواً لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم على جهة السهو وإن كان موضوعاً عن أُمّتهم، لقوة معرفتهم وتمكّنهم من التحفّظ.
وأكثر المعتزلة منعوا من وقوع الكبائر، وجوّزوا عليهم الصغائر عمداً وسهواً وخطأً في التأويل، إلاّ المنفّر كالكذب والتطفيف وسرقة القليل كباقة من بقل.
ومنهم من قال: لم يقع منهم ذنب صغير ولا كبير عمداً، وأمّا سهواً فقد يقع لكن بشرط أن يذكروه في الحال ويعرّفوا غيرهم أنّهم سهوا عنه.
والحق الأوّل لما تقدّم، والاستقصاء في ذلك مذكور في الكتب الكلامية.1
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الحق عندي أنّ فعله(عليه السلام) إذا لم يظهر فيه قصد القربة لم يدلّ على حكم في حقّنا، لاحتمال الإباحة.
احتجّ الموجبون بقوله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، (فاتبعوه)، (فاتبعوني)، (وما آتاكم الرسول فخذوه)، (

1. راجع: الاعتقادات للصدوق:96; أوائل المقالات:62; الذخيرة: 337; تنزيه الأنبياء:17; كشف المراد:217; دلائل الصدق:1/368; نهج الحق وكشف الصدق:142ـ 158; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/525ـ 527; المواقف للإيجي: 358; شرح الأُصول الخمسة:575; المحصول:1/501; الإحكام للآمدي:1/119ـ 120.

صفحه 68
وأطيعوا الرسول)، (زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج).
ولأنّه أحوط.
والجـواب الأمـر حقيقـة فـي القـول. سلّمنـا الاشتـراك، لكـن لا يـدلّ علـى الفعـل خصـوصاً مع سبـق ذكـر الدعـاء. والأُسـوة إنّمـا تتحقّق مع علـم وجـه الفعـل. وكـذا الاتِّبـاع والمـراد بالإيتـاء القـول، لقـرينـة1:(ومـا نهـاكـم). والطاعـة مـوافقـة الأمـر. ونفـي الحـرج يـدلّ علـى الإبـاحـة لا على مطلـوبهم. والاحتيـاط إنّمـا يصـحّ فيمـا علم وجهـه. ويلحـق بذلك الأفعـال الطبيعيـة، كالقيـام والقعـود والأكـل، ومـا ثبت تخصيصه (عليه السلام) به، كالوصال والزيادة على أربع. أمّا ما وقع بياناً فإنّه يتبـع فيـه إجمـاعاً، كقطـع السـارق والغسـل مـن المـرفـق ومـاعـدا ذلك ممّـا علمـت صفتـه وجـب التـأسّي بـه، فـإن كـان واجبـاً كنّـا متعبّـدين بإيقاعه واجبـاً، وإن كان نـدباً تعبّـدنا بالنـدب، وإن كـان مباحاً تعبّدنا باعتقاد إباحته، لقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله)والأُسوة الإتيان بفعل الغير لأنّه فعله، وقوله: (لمن كان يرجوا الله )تخويف على الترك، والإجماع على الرجوع في الأحكام إلى أفعاله(عليه السلام)كقبلة الصائم.*

* [أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) هل تدلّ على حكم في حقّنا؟]

أقول: أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) إمّا أن تكون طبيعية كالأكل والشرب والقيام والقعود، وما جرى مجرى ذلك كالنوم والاستيقاظ، ولا نزاع في كونها مباحة بالنسبة إليه وإلى أُمّته أيضاً.
أو غير طبيعية; فإمّا أن يثبت كونها من خواصّه(عليه السلام)، كوجوب الوتر والتهجّد بالليل وإباحة الوصال في الصوم والزيادة على أربع في النكاح الدائم، وذلك لا يدلّ على مشاركتنا إيّاه فيه إجماعاً، بل يدلّ على عدم

1. في المطبوع:175: بقرينة.

صفحه 69
مشاركتنا إيّاه فيه، وإلاّ لم يكن مختصّاً به.
أو لا يثبت; فإن عرف أنّ فعله بيان لنا فهو دليل بغير خلاف، والأصح أنّه لا يدلّ على وجه الفعل بمجرّده، بل هو تابع للمبيّن، وحينئذ يكون بياناً لصفة الفعل لا لوجهه كقطع يد السارق وغسل اليدين في الوضوء من المرفقين.
وإن لم يعرف كونه بياناً، فإن علم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)قصد بإيقاعه القرب1 إلى الله تعالى، كان دالاًّ على الوجوب في حقّه وحقّ أُمّته عند جماعة من الأُصوليّين، كابن سريج وابن أبي هريرة وابن خيران2والحنابلة وجماعة من المعتزلة.3
ونقل عن الشافعي أنّه للندب وهو مذهب الجويني.4
وعن مالك أنّه الإباحة.5

1. في حاشية «ب » و «م »: التقرب.
2. هو أبو علي الحسن بن صالح بن خيران البغدادي الفقيه الشافعي، عُرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر فرفض، توفّي سنة 320هـ . سير أعلام النبلاء:15/58 برقم 27; وفيات الأعيان:2/133 برقم 182.
3. وهو قول مشايخ الأحناف في العراق وسمرقند، وبه قال أبو سعيد الاصطخري، وهو مذهب مالك على ما نقله أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:243، والسيد المرتضى في الذريعة: 401.
4. وهو مذهب أكثر الحنفية والمعتزلة والظاهرية، وذهب إليه إمام الحرمين الجويني في البرهان في أُصول الفقه:1/324، ونسب إلى الشافعي وبعض أتباعه كالقفّال والقاضي أبي حامد. راجع: التبصرة:242; المحصول:1/503.
5. ونسبه إليه الرازي في المحصول:1/503، والآمدي في الإحكام:1/122; خلافاً للسيد المرتضى وأبي إسحاق الشيرازي حيث نسبا إليه الوجوب، كما مر في الهامش رقم 2، وهو مذهب بعض مشايخ أحناف العراق، كالكرخي والبزدوي والدبوسي.

صفحه 70
ومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب السيد المرتضى(رحمه الله)1، والصيرفي2، والغزالي3، وجماعة من أصحاب الشافعي.4
والأولى أنّه للقدر المشترك بين الوجوب والندب، لأنّ التقرّب إلى الله تعالى بالفعل يرفع كونه مباحاً ومحظوراً ومكروهاً، وخصوصية كل من الوجوب والندب لا يعلم قصدها على التعيين وكذلك في حقّ أُمّته، وإن لم يعلم قصده به القربة.
وهذا هو القسم الذي ذكره المصنّف ـ طاب ثراه ـ وبحث عنه .5
وقد اختلفوا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر منه قصد القربة، والأصح أنّه يدلّ على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح وهو رفع الحرج عن الفعل، لأنّ عصمته(عليه السلام)تمنع من وقوع المحظور، وندور وقوع المكروه منه، وأغلبية الواجب والندب والمباح في أفعاله يقتضي إطراحه هذا في حقّه، وأمّا في حقّنا فكذلك أيضاً، لأنّه(عليه السلام) وإن كان قد اختص بخصائص إلاّ أنّ مشاركة أُمّته إيّاه في الأحكام أغلب وأكثرمن عدم مشاركته، وإدراج النادر تحت الغالب أولى.

1. الذريعة:402.
2. نقله عنه الشيرازي في اللمع، وابن السبكي في الإبهاج ورفع الحاجب والبيضاوي في المنهاج ونهاية السول، والآمدي في الإحكام، خلافاً لأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة حيث نسب إليه القول بالندب. راجع: التبصرة:242; الإحكام: 1/122.
3. المستصفى:2/219.
4. كالقاضي أبي الطيب الباقلاني، وأبي القاسم بن كج، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:242، والرازي في المحصول:1/503، وهو مختار أبي بكر الدقّاق وأكثر المتكلّمين وأكثر المعتزلة وعامة الأشعرية.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/535. وهو مختار الآمدي في الإحكام:1/122ـ123.

صفحه 71
وقد احتجّ القائلون بالوجوب بوجوه ذكر المصنّف ـ طاب ثراه ـ منها ثمانية:1
الأوّل: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)2 ولفظ الأمر يطلق على الفعل كما يطلق على القول على ما مرّ، والتحذير على مخالفة فعله دليل وجوب موافقته وهو الإتيان بمثله.
الثـاني: قـولـه تعـالى: (لَقَـدْ كـانَ لَكُـمْ فِي رَسُـولِ اللهِ أُسْـوَةٌ حَسَنَـةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ)3 وتقديره من كان يرجو الله واليوم الآخر فله فيه(عليه السلام)أُسوة حسنة، ويلزمه بعكس النقيض أنّ من لم يكن له فيه أُسوة حسنـة لم يكـن راجيـاً لله ولا اليـوم الآخـر، وهذا توعّد و زجر، وذلك دليل الوجوب.
الثالث: قوله تعالى:(فَاتَّبِعُوه)4 أمر الله تعالى بمتابعته وهي الإتيان بمثل فعله، والأمر للوجوب على ما تقدّم.
الرابع: قوله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي)5 دلّ على أنّ اتّباعه لازم لمحبة الله تعالى الواجبة اتّفاقاً، ولازم الواجب واجب.
وفيه نظر، للمنع من دلالة الآية على اللزوم المدّعى، فإنّ الأمر بالاتّباع فيها مشروط بالمحبة، والشرط غير مستلزم للمشروط.

1. لكنّه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/535ـ 549 ذكر إحدى وعشرين وجهاً وأجاب عنها بالتفصيل، فلاحظ.
2. النور:63.
3. الأحزاب:21.
4. الأنعام:153 و 155; سبأ:20.
5. آل عمران:31.

صفحه 72
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ لازم الواجب واجب فإنّ بعض لوازم الواجب قد لا يكون مطلوباً للموجب فضلاً عن كونه مطلوباً طلباً جازماً.
الخـامس: قـولـه تعـالـى: (وَمَـا آتَـاكُـمُ الـرَّسُـولُ فَخُـذُوه)1 وإذا فعـل فعـلاً فقـد أتـانا به، فيجب علينا أخذه وهو العمل به، وذلك يفيد الوجوب كما مرّ.
السادس: قوله تعالى: (أطِيعُوا اللهَ وَ أطِيعُوا الرَّسُولَ)2 أمر بطاعة الرسول والإتيان بمثل فعل الغير، لأنّه فعله طاعة له، فيكون واجباً عملاً بظاهر الأمر.
وفيه نظر، لأنّ امتثال الأمر يحصل بطاعته في القول وإن لم يتابعه في الفعل.
السابع: قوله تعالى: (فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَىْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنينَ حَرَجٌ فِي أزوَاجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً)3بيّن تعالى أنّه إنّما زوّجه بها ليكون حكم أُمّته مساوياً لحكمه، وهو المطلوب.
الثامن: أنّه أحوط، لأنّه إن كان واجباً فقد تخلّص المكلّف منه بالقيام به، وإن لم يكن واجباً لم يكن عليه حرج في فعله، أمّا لو تركه أمكن أن يكون مكلّفاً بمثل ذلك الفعل فلحقه الذم والحرج.
والجواب عن الأوّل: المنع من كون الأمر حقيقة في الفعل، بل الحق أنّه حقيقة في القول خاصّة على ما تقدّم، ولو سلّمنا اشتراكه بين القول

1. الحشر:7.
2. النساء:59; النور: 54; محمد:33.
3. الأحزاب:37.

صفحه 73
والفعل لم يدلّ على إرادة للفعل لعدم دلالة اللفظ المشترك على أحد معنييه بعينه خصوصاً مع وجود القرينة الدالّة على إرادة القول وهي سبق ذكر الدعاء في الآية، وهي قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيم).1
وعن الثاني: أنّ الأُسوة إنّما تتحقّق مع العلم بوجه الفعل، إذ التأسّي عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير على وجهه لا مطلقاً، وفعل الرسول(صلى الله عليه وآله)قد يكون واجباً وقد لا يكون، فهو بمجرده لا يدلّ على الوجوب لعدم دلالة العام على الخاص .2
وهذا بعينه جواب عن الثالث.
وأيضـاً فظـاهر الأمـر إنّما هو وجوب اتّباع شخصه(صلى الله عليه وآله)، وليس مراداً قطعاً فلابدّ من إضمـار شيء يتّبع فيـه، وهـو إمّا قولـه، أو فعلـه، أو هما معاً. والثالث باطل لاستلزامه زيادة الإضمار المخالف للأصل، فتعيّن

1. النور:63.
2. أجاب أبو الحسين البصري في المعتمد:1/349ـ 350 عن قولهم:(وقوله:(لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) تهديد يدلّ على وجوب التأسّي به في فعله) قائلاً: إنّ ذلك ليس بتهديد، لأنّ الإنسان يرجو المنافع كما يرجو دفع المضار، ولو كان ذلك تهديداً لدلّ على وجوب التأسّي، وقد بيّنّا أنّ التأسّي في الفعل هو إيقاعه على الوجه الذي أوقعه عليه، فالآية إذن تدلّ على ما نقوله.
وقد قيل: إنّ قوله: (لكم) ليس من ألفاظ الوجوب، ولو دلّ على الوجوب لقال: عليكم؟
والجواب: أنّه لا يصح الاستدلال بذلك على نفي الوجوب، لأنّ معنى قولنا: «لنا أن نفعل كذلك » هو أنّه لا حظر علينا في فعله، والواجب ليس بمحظور فعله. وتنظّر فيه العلاّمة في نهايته:2/542 قائلاً: فإنّ المعترض منع من الاستدلال به على الوجوب، ولم يستدلّ به على نفيه.

صفحه 74
أحدهما، ويجب أن يكون هو القول لوقوع الإجماع على وجوب اتّباعه فيه بخلاف الفعل.
وفيه نظر، فإنّ المتابعة إنّما تتحقّق في الفعل، أمّا القول فإنّ المتابعة فيه غير مقصودة.
وقوله: «المتابعة في القول واجبة بالإجماع » إن أراد بها العمل بموافقة القول، فهو مسلّم، لكنّ ذلك يسمّى طاعة لا متابعة; وإن أراد أن يقول مثل قوله كان ممنوعاً ولم يقل به أحد لكونه غير معقول لاستلزامه خطاب الإنسان نفسه.
وهو الجواب عن الرابع أيضاً.
وعن الخامس: أنّ المراد بالمأتي به القول دون الفعل، لدلالة القرينة ـ وهي قوله في مقابلته: (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)1ـ عليه، إذ النهي لا يكون إلاّ بالقول.
وأيضاً فلا نسلّم أنّه إذا فعل فعلاً فقد أتانا به فإنّ العرف يأباه .
وعن السادس: أنّ الطاعة موافقة الأمر وهو حقيقة في القول دون الفعل على ما سبق.
وعن السابع: أنّ غايتها الدلالة على أنّ حكم أُمّته مساو لحكمه في انتفاء الحرج عند تزويجهم بأزواج أدعيائهم، وذلك يدلّ على الإباحة لا على الوجوب، ولا يلزم من ذلك كون كلّما فعله واجباً بحيث يكون مثله واجباً علينا.
وعن الثامن: أنّ الاحتياط إنّما يتحقّق إذا علمنا وجه الفعل أمّا إذا لم

1. الحشر:7.

صفحه 75
نعلم ذلك فلا، لاحتمال كونه حراماً علينا كما في الوصال ومجاوزة الأربع، وأن يكون مندوباً أو مباحاً فيكون اعتقاد كونه واجباً جهلاً.
وبالجملة فالاحتياط إنّما يتحقّق فيما يخلو عن احتمال الضرر وما نحن فيه ليس كذلك.
وأمّـا مـا علـم وجهـه مـن أفعـالـه(صلى الله عليه وآله) ممّـا ليس مـن خصـائصه فيجب علينـا التأسّي به عنـد الأكثـر من المعتـزلة والفقهاء1، بمعنى أنّه إن كان واجباً وجب علينا أن نوقعه على وجه الوجوب، وإن كـان نفلاً كنّـا متعبّـدين به على وجه النفل، وإن كان مباحاً كنّا متعبّدين باعتقاد إباحتـه وكان لنـا فعلـه وتركه.
وأوجب بعضهم2 التأسّي به في العبادات دون المناكحات والمعاملات، وأنكر آخرون ذلك كلّه.
لنا: ما تقدّم من قوله تعالى:(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَاليَوم الآخر)3 وغيرها من الآيات.4
ولإجماع الصحابة على الرجوع في الأحكام إلى أفعاله كما روي عن أُم سلمة أنّها سألته عن قبلة الصائم؟ فقال لها: لِم لَمْ تقولِ لهم إنّي أُقبّل

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/552، والمعتمد:1/354، والمحصول:1/511، والإحكام:1/130.
2. وهو قول أبي علي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي الفارسي(المتوفّى 360هـ) تلميذ أبي هاشم من المعتزلة.
3. الأحزاب:21.
4. كقوله تعالى:(فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطراً)(الأحزاب:37)، و قوله تعالى:(قُلْ إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله)(آل عمران:31)، وقوله تعالى:(فاتّبعوه)(الأنعام:155).

صفحه 76
وأنا صائم »1 ولو لم يجب اتّباعه في أفعاله لما كان لذلك معنى.
ولأنّ الصحابة اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة: فعلته أنا ورسول الله(صلى الله عليه وآله)واغتسلنا.2 فاتّفقوا لذلك على وجوبه.
وخلع(عليه السلام) نعله، فخلعوا نعالهم .3
وكان عمر يقبّل الحجر الأسود ويقول: إنّي أعلم أنّك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقبّلك لما قبّلتك.4
وقوله طاب ثراه:«لم يدل على حكم في حقّنا » أي من وجوب أو ندب، لاستدلاله عليه باحتمال الإباحة والإشارة بذلك في قوله:«ويلحق بذلك الأفعال الطبيعية » إلى ما لم يظهر فيه قصد القربة من أفعاله(صلى الله عليه وآله) في عدم الدلالة على حكم في حقّنا.
في طريق معرفة أفعاله(صلى الله عليه وآله)   

1. لم نجده في المصادر الحديثية بهذا اللفظ. راجع: المحصول:1/505; الإحكام:1/124; إمتاع الأسماع للمقريزي:3/163.
نعم ورد في الروايات عن عائشة بأنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يقبّل وهو صائم. راجع: مسند أحمد:6/134، 162، 176، و270; سنن النسائي:2/199 برقم 3050; سنن البيهقي:4/233.
2. سنن ابن ماجة:1/199 برقم 608، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان; سنن الترمذي:1/72 برقم 108; مسند أحمد:6/161; سنن البيهقي:1/164.
3. سنن الدارمي:1/320، باب الصلاة في النعلين; مسند أبي يعلى الموصلي:2/409 برقم 1194.
4. صحيح البخاري:2/160، كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد; سنن أبي داود:1/419 برقم 1873; مسند أحمد:1/51; مستدرك الحاكم:1/457.

صفحه 77
قال قدّس الله روحه: البحث الثالث: يعلم الوجه بالنص، وبوقوعه امتثالاً أو بياناً. والإباحة بالفعل الخالي عن البيان مع الحكم بامتناع الذنب. والندب بقصد القرب مع أصالة عدم الوجوب وبفعله على وجه القربة، أو دائماً ثم يتركه من غير نسخ، وبأن يخيَّر بينه وبين مندوب، وبوقوعه قضاءً لمندوب.
والوجوب بالتخيير بينه وبين واجب، وبإيقاعه مع أمارة الوجوب كالأذان، وبوقوعه قضاءً للواجب، أو جزاءً لشرط موجب كالنذر، وبتحريمه لولا الوجوب كالجمع بين ركوعين في الكسوف.*

* [ في طريق معرفة أفعاله(صلى الله عليه وآله)]

أقول: لمّا بيّن كون التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله) واجباً وأنّ ذلك متوقّف على معرفة وجه فعله(عليه السلام)، أشار إلى ما به يعرف وجوه أفعاله، وهي منحصرة في ثلاثة: الوجوب والندب والإباحة، لأنّ عصمته(عليه السلام) تمنع من دخول المحظور فيها وندور وقوع المكروه منه(عليه السلام)، وأغلبية الأقسام الثلاثة المذكورة تقتضي إلحاق ما لم يعلم وجهه بها، ولمعرفة ذلك طرق.
منها: ما يشترك الثلاثة فيه، بمعنى أنّه يصلح لبيان كلّ واحد منها على التعيين.
ومنها: ما يختص ببيان واحد منها دون غيره.
فالأوّل ثلاثة:
أحدها: النص على وجه الفعل; مثل قوله(عليه السلام): هذا الفعل واجب، وهذا مندوب، وهذا مباح.
وثانيها: أن يقع امتثالاً لآية دالّة على أحد الوجوه الثلاثة، كما لو صلّى

صفحه 78
امتثالاً لقوله تعالى: (أقِمِ الصَّلاةَ)1 الدالّ على الوجوب، وكما لو كاتب عبيده امتثالاً لقوله تعالى:(فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً)2 المقصود به الندبية، أو اصطاد بعد إحلاله عقيب قوله تعالى: (وَإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)3 المقصود به الإباحة، فإنّه يعلم به وجوب تلك الصلاة وندبية الكتابة وإباحة الاصطياد.
وثالثها: أن يقع فعله(عليه السلام) بياناً لما علم وجهه، فإنّ ذلك الفعل موافق للمبيّن في وجهه إن كان واجباً كان واجباً، وإن كان مندوباً كان مندوباً، وإن كان مباحاً كان مباحاً.
وأمّا الثاني: فيعرف إباحة الفعل بتجرّده عمّا يدلّ على وجه مغاير لوجه الإباحة مع استحالة وقوع الذنب منه، وأصالة نفي مازاد على حسنه من كيفية وجوب وندب وكراهة.
ويعرف ندبيته بوجوه:
الأوّل: بقصد الرسول(عليه السلام) به التقرّب إلى الله تعالى فيعلم كونه راجحاً، وينضم إلى ذلك انتفاء الوجوب بحكم البقاء على أصل العدم فيتعيّن الندبية.
الثاني: أن يوقعه على وجه القربة ثم يتركه من غير نسخ ولا عذر، فإنّ التقرّب به إلى الله تعالى يوجب رجحانه، وتركه من غير عذر ولا نسخ ينفي الوجوب، فيتعيّن الندب. والحق أنّه لابدّ من اعتبار عصمته مع ذلك،

1. الإسراء:78، لقمان:17.
2. النور:33.
3. المائدة:2.

صفحه 79
وإلاّ لجاز كونه واجباً وكون حكمه مستمراً وإلاّ لجاز كونه واجباً مرة أو مراراً محصورة أو مدة محصورة فيترك عند انقضائها.
الثالث: أن يداوم عليه ثم يتركه من غير عذر ولا نسخ، فإنّ المداومة تؤذن برجحان الفعل، والترك من غير عذر ولا نسخ ينفي الوجوب، فيتعيّن الندب. والحق أنّه لابدّ من اعتبار العصمة والعلم باستمرار الحكم كما تقدّم.
الرابع: أن يخير بينه وبين مندوب آخر، لامتناع التخيير بين المندوب وبين غيره.
الخامس: كونه قضاءً لعبادة مندوبة لاستحالة ترجيح الفرع وهو القضاء على أصله.
ويعرف وجوبه بوجوه:
الأوّل: نصه(عليه السلام) على أنّه مخيّر بينه وبين فعل ثبت وجوبه، لاستحالة التخيير بين الواجب وما ليس بواجب.
الثاني: اقترانه بأمارة الوجوب شرعاً، كالأذان والإقامة للصلاة.
الثالث: معرفة كونه قضاء لعبادة واجبة لوجوب موافقة القضاء الأداء.
وفيه نظر، للمنع من المساواة بينهما فإنّ كثيراً من الفقهاء يقولون باستحباب صوم المسافر في رمضان مع وجوب قضائه عليه اتفاقاً، وبعضهم باستحباب قضاء زكاة الفطرة مع وجوب أدائها إجماعاً، وحينئذ لا يبقى في معرفة وجه المقضي دلالة على وجه القضاء.
الرابع: وقوعه جزاء لشرط موجب للفعل، كما لو نذر إن رزق ولداً تصدّق، فرزق فتصدّق، فيُعلَم وجوبه .

صفحه 80
الخامس: أن يكون فعلاً لو لم يجب لم يجز، كالجمع بين الركوعين في صلاة الكسوف.
واعلم أنّه ليس المراد بالعلم في قوله ـ طاب ثراه ـ:«يعلم الوجه » حقيقة، أعني: الجازم المطابق الثابت، بل ما هو أعمّ من ذلك بحيث يندرج فيه الظن، ويعلم ذلك من الطرق المذكورة.1
في التعارض في أفعال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأقواله   

1. راجع تفاصيل البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/562ـ564; المعتمد:1/356ـ357; المحصول:1/514ـ515.

صفحه 81
قال قدّس الله روحه: البحث الرابع: الفعلان إذا تعارضا وكانا من الرسول(عليه السلام)علم أنّ السابق منسوخ إذا علم تعبّده(عليه السلام) به مالم ينسخ.
ولو كان أحدهما منه والآخر من غيره وأقرّه(عليه السلام) عُلم خروج الفاعل من التأسّي.
وإن عارض فعله(عليه السلام) قوله، وتقدّم القول مع عدم تراخي الفعل واختصّ القول به(عليه السلام)، جاز عند مَن يجوِّز النسخ قبل الوقت لا عند مَن يمنعه. وإن اختصّ بأُمّته عُمل بالقول، لئلاّ يلغى بالكلية. وإن اشترك فكذلك، جمعاً بين الدليلين.
وإن تراخى الفعل وكان القول عامّاً كان منسوخاً عنّا وعنه. وإن اختصّ بنا كان نسخاً عنّا. وإن اختصّ به كان نسخاً عنه، ثم يجب علينا مثل فعله للتأسّي.
وإن تقدّم الفعل وتعقّبه القول واختصّ به، دلّ على تخصيصه من العموم الدالّ على وجوب الفعل لكلّ أحد. وإن اختصّ بأُمّته دلّ على اختصاصه بالفعل. وإن اشترك دلّ على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم.
وإن تراخى القول كان نسخاً فيمن يدلّ عليه.
وإن جهل تقدّم الفعل قدّم القول، لقوة دلالته، لاستغنائه عن الفعل دون العكس، وللعلم بتناول القول لنا دون الفعل، لجواز تأخّره فيكون متناولاً، وتقدّمه فلا يتناولنا.*

* [في التعارض في أفعال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأقواله]

أقول: الفعلان لا يتعارضان، إذ التعارض لا يتم إلاّ مع تنافي المتعارضين، وإنّما يتنافى الفعلان إذا تضادّا واتّحد وقتهما ومحلّهما، ومن المعلوم استحالة وجود فعل وضده في محل واحد في وقت واحد.
أمّا الفعلان المتضادان المتّحد محلّهما دون وقتهما أو بالعكس فلا يتعارضان بأنفسهما لعدم تنافي وجودهما، بل قد يتعارضان باعتبار عروض ما يوجب شمول حكم أحدهما لمحل الآخر أو لزمانه كما لو فعل(عليه السلام) فعلاً بعد أن فعل ضده الذي دلّ الدليل على تعبّده به دائماً ما لم

صفحه 82
ينسخ عنه فإنّه يدلّ على أنّ حكم السابق منسوخ عنه واللاحق ناسخ.
وكما لو فعل فعلاً وعلم بالدليل أنّ مَن عداه متعبّد به على وجه الوجوب دائماً ما لم يرد الناسخ له، ثم يفعل بعض المكلّفين ما يضاد ذلك الفعل ويقرّه(عليه السلام) عليه فيعلم أنّه خارج عن التأسّي بالرسول(صلى الله عليه وآله) في ذلك الفعل ويكون تخصيصاً له إن كان مقارناً، ونسخاً عنه إن كان متراخياً.
إذا تقرر ذلك فاعلم أنّ المعارض للفعل قد يكون فعلاً، وقد يكون قولاً.
والفعل قد يكون من الرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد يكون من غيره. وقد تقدّم ذكر هذين القسمين.
وأمّا القول فإمّا أن يكون متقدّماً على الفعل، أو متأخّراً عنه.
وعلى التقديرين فإمّا أن يكون المتأخّر متراخياً، أو غير متراخ.
وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يكون القول مختصّاً به عليه، أو بأُمّته، أو شاملاً لهما معاً، فالأقسام اثنى عشر:
الأوّل: أن يتقدّم القول المختصّ به ويتأخّر عنه الفعل من غير تراخ; كما لو قال: الطواف واجب علىّ عند الزوال، ثم صلّى في ذلك الوقت; وهذا جائزٌ عند من يجوّز نسخ الشيء قبل وقت فعله، محالٌ عند غيره; ثم يجب على أُمّته مثل ذلك الفعل إذا علم أنّه أوقعه على وجه الوجوب، لما ثبت من وجوب التأسّي.
الثاني: أن يكون الفعل المتأخّر متراخياً فيكون منسوخاً عنه دون أُمّته، لعدم تناول القول لهم، ويلزمهم مثل الفعل الناسخ مع علمهم بإيقاعه إيّاه على وجه الوجوب.

صفحه 83
الثالث: أن يتقدّم فعله على قوله المختص به من غير تراخ فيكون دالاًّ على تخصيصه عن العموم المستفاد من الفعل المقترن بما يدلّ على لزوم مثله لكل مكلّف فيما بعد من الأوقات ما لم يرد الناسخ.
الرابع: أن يتراخى قوله المختص به عن فعله، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنه دون أُمّته .
الخامس: أن يكون القول مختصّاً بأُمّته ويتأخّر عنه الفعل من غير تراخ فيجب العمل بالقول، إذ لو تابعناه في الفعل لزم إلغاء القول بالكلّية، ولو عملنا بالقول لم يلغ الفعل لبقاء حكمه في حقه(عليه السلام) فكان فيه جمعاً بين الدليلين، فيكون أولى من إلغاء أحدهما بالكلّية.
السادس: أن يتأخّر الفعل عن القول المختص بنا متراخياً، فيكون منسوخاً عنّا ويلزمنا حكم الفعل للتأسّي.
السابع: يتأخّر القول المختصّ بنا من غير تراخ، فيكون دالاًّ على أنّ حكم الفعل مختصّ به.
الثامن: أن يتأخّر القول المختصّ بنا متراخياً، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنّا دونه.
التاسع: أن يتقدم القول المتناول له ولأُمّته ويتعقّبه الفعل المنافي، فيدلّ على تخصيصه من عموم ذلك القول.
العاشر: أن يتراخى الفعل عن القول المتناول له ولأُمّته، فيكون حكم القول منسوخاً عنه وعنهم.
الحادي عشر: أن يتأخّر القول العام من غير تراخ، فيدلّ على سقوط حكم الفعل عنه وعدم لزومه لأُمّته.

صفحه 84
الثاني عشر: أن يتأخّر القول العام متراخياً، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنه وعن أُمّته.
وإن جهل تقدّم أحدهما على الآخر قدّم القول، لقوة دلالته على الفعل، والأقوى أرجح.1
هـل كان النبـي (صلى الله عليه وآله) متعبّـداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) قبل النبوّة؟   
أمّا الأوّل فلأنّ دلالة الفعل محتاجة إلى القول من غير عكس، والمحتاج إليه أقوى من المحتاج بالضرورة.
وأمّا الثاني فظاهر. ولأنّ تناول القول لنا معلوم، لأنّه مقدّر; وتناول الفعل لنا غير معلوم، لأنّه كما يحتمل تأخّره فيكون متناولاً لنا، كذا يحتمل تقدّمه فلا يكون متناولاً لنا، والمعلوم مقدّم على ما ليس بمعلوم اتّفاقاً.

1. وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/360; وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:249; والرازي في المحصول:1/517; والآمدي في الإحكام:1/135; وغيرهم. ومن أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/589; والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/576 على تفصيل حيث قال: إذا كان القول خاصّاً بنا أو عامّاً لنا وله فالعمل بالقول عندي أقوى. وتوقّف السيد المرتضى في الذريعة:411 قائلاً: والأولى أن يقال: إنّه لابد إذا تعارضا من أن ينصب الله للمكلّف دليلاً يعلم به المتقدّم من المتأخّر.

صفحه 85
قال قدّس الله روحه: البحث الخامس: الأقرب أنّه(صلى الله عليه وآله) قبل النبوة لم يكن متعبّداً بشرع أحد، وإلاّ لاشتهر ولافتخر به أربابها ونمنع عمومية دعوة من سبقه(صلى الله عليه وآله)، أو وصول شرعه إليه بالتواتر. وركوب الدابة حسن عقلاً، وكذا أكل اللحم المـذكّى، إذ لا ضرر فيه. وطوافه بالبيت لا يدلّ على وجوبه.
وأمّا بعد النبوة فالحق أنّه كذلك. وأخطأ مَن زعم أنّه متعبّد بشرع إبراهيم أو موسى أو عيسى(عليهم السلام)، لأنّه(صلى الله عليه وآله) أُوحي إليه كما أُوحي إليهم، فشرعه أصل، ولم يجب رجوعه إليهم في الحوادث، بل كان ينتظر الوحي. وغضب(صلى الله عليه وآله) على عمر حيث اطّلع في التوراة وقال(عليه السلام):«لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلاّ اتّباعي ». ولأنّه كان يجب علينا البحث في الوقائع للتأسّي به وحفظ كتب الأنبياء.
وقوله تعالى:(فبِهُداهُمُ اقتده) أمره بالاقتداء بالهدى المشترك من التوحيد وشبهه.
وقوله تعالى: (إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح)شبّه الوحي بالوحي لا1 بالموحى به.
وقوله تعالى:(يحكم بها النبيون)يريد بعضها، إذ جميع الأنبياء لم يحكموا بالجميع.*

* [هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) قبل النبوة؟]

أقول: هذا من جملة فروع التأسّي واعلم أنّ الناس اختلفوا في أنّ نبيّنا ـ صلوات الله عليه وآله ـ هل كان متعبداً بشريعة أحد ممّن سواه من الأنبياء(عليهم السلام)أم لا؟
أمّا قبل النبوة فمنعه الأكثر2، وأثبته قوم3، وتوقّف آخرون.4

1. وفي المطبوع:179 بزيادة: الموحى به.
2. ومذهب أكثر المتكلّمين على ذلك، وهو مختار أبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري كما في المعتمد:2/337. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ الطوسي في العدّة:2/590 حيث قال: عندنا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن مُتعبّداً بشريعة مَن تقدّمه من الأنبياء، لا قبل النبوة ولا بعدها، وأنّ جميع ما تعبّد به كان شرعاً له. ويقول أصحابنا: إنّه(عليه السلام) قبل البعثة كان يُوحى إليه بأشياء تخصّه، وكان يعملُ بالوحي لا اتّباعاً لشريعة قبله.
3. اختلف أصحاب هذا القول فمنهم مَن قال: إنّه كان متعبّداً بشرع نوح، وقال آخرون: بشرع إبراهيم، وقال بعضهم: بشرع موسى، وقال آخرون: بشرع عيسى، وقال آخرون: بما ثبت أنّه شرع. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:4/407.
4. وهو مختار السيد المرتضى في الذريعة:412، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 4/408. وهو مذهب القاضي عبد الجبار، والغزالي في المستصفى:1/391، والآمدي في الإحكام:4/294، وغيرهم. واستدلّ أصحاب هذا الرأي ـ وكما ذكر السيد المرتضى ـ بأنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم الله أنّه لا مصلحة للنبي(صلى الله عليه وآله) قبل نبوّته في العبادة بشيء من الشرائع، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له(صلى الله عليه وآله)في ذلك مصلحة، وإذا كان كلّ واحد من الأمرين جائزاً، ولا دلالة توجب القطع على أحدهما، وجب التوقّف.

صفحه 86
أمّا المنكرون فاحتجّوا على ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّه لو كان متعبّداً بشريعة أحد منهم لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة واستفتائهم والعمل بقولهم، ولو حصل ذلك لنقل كما نقلت أحواله وأخلاقه(صلى الله عليه وآله)، ولمّا لم ينقل علمنا انتفاؤه .
وفيه نظر، للمنع من الملازمة فإنّه يجوز أن يعلم أحكام تلك الشريعة بطريق الوحي من الله تعالى كما علم قصصهم وأحوالهم .
الثاني: أنّه لو كان متعبّداً بشريعة أحد، لافتخر أهل تلك الشريعة بذلك ولنسبوه إلى أنفسهم، ولو ثبت ذلك لاشتهر، وبطلان التالي دليل بطلان المقدّم.
احتجّ الآخرون بوجهين: الأوّل: أنّ دعوة مَن تقدّمه كانت عامّة فوجب دخوله فيها.
الثاني: أنّه (صلى الله عليه وآله) كان يركب البهيمة ويأكل اللحم المذكّى ويطوف بالبيت.
والجواب عن الأوّل بالمنع من عموم دعوة مَن تقدّمه سلّمنا، لكن لا

صفحه 87
نسلّم وصول تلك الدعوة إليه بطريق يفيد العلم أو الظن الغالب.
وعن الثاني: أنّه لا يدلّ على أنّه متعبّد بشريعة أحد في ذلك، فإنّ ركوب البهيمة حسن عقلاً. ولأنّه طريق إلى حفظها ونفعها بالعلف والسقي والحراسة من السباع الضارية، ففعله لذلك لا للإذن فيه شرعاً. وكذا أكله اللحم المذكّى فإنّه حسن في العقل أيضاً، لأنّه نافع خال عن الضرر. وأمّا طوافه بالبيت على تقدير ثبوته فإنّه لا يدلّ على كونه واجباً شرعاً، بل ولا على أنّه مأذون فيه شرعاً فضلاً عن دلالته على أنّه مأذون فيه من شرع مَن تقدّمه.1

[هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام)بعد النبوّة؟]

وأمّا بعد نبوته (صلى الله عليه وآله) فالجمهور من المعتزلة وكثير من الفقهاء منعوا منه2، وأثبته بعض الفقهاء إلاّ فيما يرفعه الدليل الناسخ.3

1. أجاب الشيخ الطوسي في عدّته:2/595 عن هذا الوجه قائلاً: وهذا لا يلزمنا على ما قرّرنا من مذهبنا في هذا الباب، لأنّا قُلنا: إنّه قبل بعثته كان مُوحىً إليه بما يخصّه، فلأجل ذلك كان يفعل ما يفعله من الأشياء التي ذكروها إن صحّ منه فعلها. وأمّا مَن وافقنا في هذا المذهب وخالفنا في هذه الطريقة فإنّه يقول: إنّ تذكية البهائم وفعله الحج والعمرة لو ثبت لدلّ، لكن ذلك لم يثبت، وما يُروى من ذلك فإنّما طريقه أخبار الآحاد وهي لا يعوّل عليها في هذا الباب.
2. وهو مختار الإمامية وعلمائهم كالسيد المرتضى في الذريعة:414، و الشيخ الطوسي في العدّة:2/590، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:4/411 وغيرهم; وإليه ذهب جماهير المعتزلة والأشاعرة، كالغزالي في المستصفى:1/394، والآمدي في الإحكام:4/296. وراجع المعتمد:2/336، والمحصول:1/519.
3. وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الروايتين، وعن بعض أصحاب الشافعي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان متعبّداً بما صحّ من شرائع مَن قبله بطريق الوحي إليه. راجع الإحكام:4/296 وغيره من المصادر المذكورة أعلاه.

صفحه 88
ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إنّه كان متعبّداً بشرع إبراهيم، وقال آخرون: بشرع موسى، وقيل: عيسى ـ على نبينا وعليهم السلام ـ والكلّ باطل لما بيّنا.
هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) بعد النبوّة؟   
والحق أن يقال: إمّا أن يكون مراد القائل بتعبّده(صلى الله عليه وآله) بشرع من قبله أنّه كان يوحى إلى نبينا(صلى الله عليه وآله) مثل ما يوحى إلى غيره من الأحكام، أو أنّه كان مأموراً باقتباس الأحكام الشرعية من علمائهم وكتبهم.
فإن كان الأوّل، فإمّا في كلّ شرعه، أو بعضه. والأوّل معلوم البطلان، لمخالفة شرعنا ما تقدّمه من الشرائع في كثيرمن الأحكام. وإن كان البعض فهو مسلّم، لكن لا يستلزم إطلاق كونه(عليه السلام) متعبّداً بشرع غيره، لأنّ ذلك يوهم التبعية للغير في شرعه مع أنّه أصل في نفسه، لأنّه تعالى أوحى إليه كما أوحى إلى غيره.
وأمّا الاحتمال الثاني، وهو أنّه كان مأموراً باقتباس الأحكام من كتبهم وعلمائهم فهو باطل قطعاً، لأنّه (صلى الله عليه وآله) لم يرجع إليهم في شيء من الوقائع والحوادث، وإلاّ لنقل، بل كان ينتظر الوحي.
ولأنّه لو كان يراجع كتبهم في شيء من الأحكام لما غضب من عمر لمّا رآه يطالع في التوراة. وقال: «لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلاّ اتّباعي ».1
ولأنّه كان يجب علينا حفظ الكتب السابقة والتفكّر في معانيها والرجوع إليها عند وقوع الحوادث وخفاء أحكامها لوجوب التأسّي به(صلى الله عليه وآله)والتوالي باطلة بالإجماع.
احتجّوا بقوله تعالى:(فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)2 أمر نبينا(صلى الله عليه وآله) بالاقتداء

1. عوالي اللآلي:4/121 برقم199; تفسير الآلوسي:3/42، و ج20/84.
2. الأنعام:90.

صفحه 89
بهديهم، وبقوله تعالى: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَمَا أوْحَيْنا إلَى نُوح وَالنَّبِيّينَ مِنْ بَعْدِه)1، وقوله تعالى: (إنّا أنْزَلْنا التَّورَاةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّون)2، وقوله تعالى: (اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهِيمَ حَنِيفاً)3، وقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصّى بِهِ نُوحاً).4
والجواب عن الآية الأُولى: أنّه أمره بالاقتداء بالهدى المضاف إلى كلّهم، وهو الهدى الذي اشترك الجميع فيه، وذلك إنّما هو ما يتعلّق بالأُصول كالتوحيد والعدل دون الأحكام الشرعية التي هي معرضة للنسخ والتغيير .
وعن الثانية: أنّ مقتضاها تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه الحكم الموحى به بالحكم الموحى به.
وعن الثالثة: أنّ قوله: (يحكم بها النبيّون) يمتنع حمله على ظاهره من حكم كلّ الأنبياء(عليهم السلام) العلم بكل ما في التوراة، لما علم من مخالفة أكثرهم لكثير ممّا فيها، فوجب التخصيص: إمّا في التوراة بأن يكون المراد يحكم ببعضها النبيّون وهو مسلم لاشتمالها على التوحيد والعدل وتحريم الظلم وأمثال ذلك ممّا يشترك فيها الشرائع، أو في الأنبياء بأن يكون المراد يحكم بها بعض النبيين وحينئذ لا يدلّ على دخول نبيّنا(صلى الله عليه وآله)في ذلك البعض.
وعن الرابعة: أنّه محمول على أمره بالاتّباع في الأُصول بدليل قوله عقيب ذلك: (وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ولأنّ شريعة إبراهيم(عليه السلام) كانت

1. النساء:163.
2. المائدة:44.
3. النحل:123.
4. الشورى:13.

صفحه 90
مندرسة فكيف يكون مأموراً بها؟!1
وعن الخامسة: أنّها تدلّ على أنّه وصى محمداً(صلى الله عليه وآله) بما وصّى به نوحاً والنبيّين من أمرهم بإقامة الدين وعدم الفرقة فيه، وغير ذلك من كلّيات الشرائع كما تقدّم.

1. أجاب الشيخ الطوسي في عدّته:2/597 عن المحتجّين بهذه الآية قائلاً: أمّا الملّة التي أُمرنا باتّباعها فهو دين إبراهيم(عليه السلام)، لأنّ الملّة هي الدين، لأنّ المراد بذلك التوحيد والعدل، يبيّن ذلك قوله:(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ إبراهيم إلاّ مَنْ سَفهَ نفسه)(البقرة:130) وقد علمنا أنّ الملّة التي يستحقّ الراغب عنها هذا الوصف هي العقليات.

صفحه 91
قال قدّس الله روحه:

المقصد السابع:

في النسخ

                                                   وفيه مباحث:

صفحه 92

صفحه 93
الأوّل: النسخ لغة: الإبطال.
وعرفاً: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً. فالحكم: شامل للوجودي والعدمي. وخرج بالشرعي: الشرع المبتدأ الرافع لحكم عقلي، والعجز، لارتفاع الحكم بالعقل لا بدليل شرعي. وخرج بالمتأخّر: الاستثناء، والشرط، والصفة. وبقولنا: «على وجه لولاه لكان ثابتاً » نهي الله عن مثل فعل مأمور به، لأنّه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً.
وهل هو رفع، أو بيان انتهاء مدّة الحكم؟ فالقاضي أبوبكر على الأوّل، لتعلّق الخطاب بالفعل، فلا يعدم لذاته، فالمعدم هو الناسخ. وأبو إسحاق على الثاني، إذ ليس انتفاء الباقي بطريان الحادث أولى من العكس، وكون الطاري متعلّق السبب مشترك، وتجويز كثرته يبطل بامتناع اجتماع الأمثال; ولأنّ خطابه تعالى كلامه، وهو قديم; ولأنّه تعالى إن علم الدوام فلا نسخ، وإلاّ انتهى الحكم لذاته.
والجواب: يجوز أن يكون أولى من غير علم السبب، والخطاب عندنا حادث، وجاز تعلّق علمه تعالى برفعه بالناسخ.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عمّا يفيد ثبوت معرفة الحكم الشرعي، بحث عمّا يفيد معرفة زوال ذلك الحكم بعد تحقّقه وهو النسخ، ولمّا كان التصديق مسبوقاً بالتصوّر بدأ بذكر تعريف النسخ، وعقّبه بذكر أقسامه وأحكامه.

[النسخ لغة واصطلاحاً]

   
واعلم أنّ لفظ النسخ لغة عبارة عن الإبطال، أعني: الإعدام، يقال: نسخت الريح آثار القوم أي أزالتها وأبطلتها، ونسخت الشمس الظل عند

صفحه 94
توهّم انتقاله من موضع إلى آخر.
ويُستعمل أيضاً في النقل والتحويل، يقال: نسخت الكتاب إلى آخر، عند نقل ما فيه إليه أو حكايته.
ومنه تناسخ الأرواح الذي هو عبارة عن انتقالها من بدن إلى آخر، وتناسخ المواريث عبارة عن انتقالها من وارث إلى آخر; فقال القاضي1والغزالي2: إنّه مشترك بينهما; وقال أبو الحسين البصري: إنّه حقيقة في الأوّل، مجاز في الثاني.3 وبعكسه قال القفّال.4
والمصنّف ـ طاب ثراه ـ وافق أبا الحسين5، وهو الحق، لما عرفت من رجحان المجاز على الاشتراك عند التعارض، ومن أنّ الإزالة أعم من النقل، لأنّه عبارة عن عدم صفة وتجدد أُخرى، والإزالة عدم مطلقاً، والمطلق أعم من المقيّد، ووضع اللفظ للأعم أولى لما تقدّم.
وأمّا بحسب عرف الأُصوليّين فقد عرّفه المصنّف ـ طاب ثراه ـ بأنّه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً.

1. هو: القاضي أبو بكر الباقلاّني. نقله عنه الآمدي في الإحكام:3/71، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/580.
2. المستصفى:1/207.
3. المعتمد:1/364. وهو مذهب الأكثرين، وهو مختار أبي هاشم الجبّائي، وابن الهمّام، والفخر الرازي في المحصول:1/525.
4. يعني القفّال الشاشي من الشافعية. نقله عنه الآمدي والعلاّمة كما مرّ.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/581. أمّا الشيخ الطوسي فقد خالف أباالحسين البصري والعلاّمة والفخر الرازي ومَن على رأيهم، وقال في العدة:2/485: والأولى أن يقال: إنّه حقيقة فيهما، لأنّا وجدنا أهل اللغة يستعملون ذلك لأنّهم يعتقدون أنّ ذلك نُقِلَ على الحقيقة، وإن كان اعتقادهم فاسداً... .

صفحه 95
فالرفع جنس وبإضافته إلى الحكم خرج رفع الذوات والصفات الحقيقية.
والحكم شامل للوجودي كالوجوب والندب، والعدمي كالتحريم والكراهة.
وتقييد الحكم بالشرعي يخرج الشرع المبتدأ الرافع لحكم العقل من البراءة الأصلية، ويندرج في الحكم الشرعي ما استفيد من خطاب الشارع منطوقه ومفهومه وصريحه وفحواه وما استفيد من فعل الرسول(صلى الله عليه وآله).
وتقييده الدليل الرافع بالشرعي يخرج رفع الحكم الشرعي بالعجز، فإنّه وإن كان رفع حكم شرعي إلاّ أنّه ليس مستنداً إلى دليل شرعي بل إلى دليل عقلي.
وتقييده بالتأخّر عنه يخرج ارتفاع الحكم بما تقارن الدليل الشرعي الدالّ عليه من الأُمور المتّصلة به كالاستثناء والشرط والصفة والغاية.
وقوله:«على وجه لولاه لكان ثابتاً نهي الله تعالى عن مثل فعل مأمور به »، كما لو قال: صوموا يوم الجمعة، ثم قال بعد صوم جمعة لا تصوموا يوم الجمعة، فإنّه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً، لأنّ مقتضاه صيام يوم جمعة لا صيام كلّ جمعة، إذ الأمر لا يدلّ على التكرار ممّا تقدّم.
وفيه نظر، فإنّ رفع الحكم بالعجز لا يجب إخراجه من حدّ النسخ إلاّ إذا لم يكن نسخاً، وهو ممنوع، وقد اعترف المصنّف ـ طاب ثراه ـ بذلك فيما تقدّم من جواز التخصيص بالعقل.
سلّمنا، لكن لا يخرج بالقيد المذكور، لأنّ دلالة العقل عليه لا يمنع من

صفحه 96
دلالة الشرع عليه، وهو ظاهر من قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)1، وقيد التأخّر لا يخرج الصفة والاستثناء والشرط والغاية، لأنّها تقع متأخّرة لكنّها ليست متراخية، ومطلق التأخّر لا يدل على التراخي.
ولأنّ هذه المخصصات لا تتضمّن رفع الحكم الشرعي بل تدلّ على أنّ المخرج بها غير مراد من الخطاب، وحينئذ لا يحتاج إلى قيد يخرجها منه.
وقوله:«خرج بقولنا على وجه لولاه لكان ثابتاً » نهي الله تعالى عن مثل فعل مأمور به ممنوع، لأنّه ليس فيه رفع حكم شرعي، إذ الأمر بالشيء لا يدلّ على التكرار بحيث يكون النهي عن مثله نسخاً لولا القيد المذكور.
وقد ذكر صاحب الإحكام2 أنّ هذا القيد ذكر للاحتراز عمّا إذا ورد الخطاب بحكم مؤقّت ثم ورد الخطاب عند تصرّم ذلك الوقت بحكم يناقض الأوّل، كما لو ورد قوله: عند غروب الشمس كلوا بعد قوله: (ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلَى اللَّيْلِ)3، فإنّه لا يكون نسخاً للخطاب الأوّل، حيث إنّا لو قدَّرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب الأوّل مستمراً، بل منتهياً بالغروب.
وضعف هذا بيّن ممّا ذكرناه وأيضاً كان ينبغي تقييد رفع الحكم بقوله: لا لعذر، وإلاّ انتقض الحد في طرده برفع وجوب الصوم عن الحائض والمسافر والمريض وتحريم أكل الميتة في المخمصة، فإنّه ليس نسخاً

1. البقرة:286.
2. الإحكام:3/73.
3. البقرة:187.

صفحه 97
مع صدق الحدّ المذكورعليه.

[هل النسخ رفع أو بيان؟]

وهل النسخ رفع الحكم بعد ثبوته بمعنى أنّ خطاب الله تعالى تعلّق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لبقي، وأنّه زال لطريان الناسخ.
أو بيان انتهاء مدة الحكم بمعنى أنّ حكم الخطاب الأوّل انتهى لذاته في ذلك الوقت وحصل بعده حكم آخر؟
القاضي أبو بكر على الأوّل، لأنّ الحكم تعلّق بالفعل فلا يعدم لذاته وإلاّ لما وجد فلابدّ وأن يكون متعدّماً بطريان الناسخ لمضادته إيّاه.
وأبو إسحاق الاسفرائيني على الثاني.1
واحتجّ عليه بوجوه:
الأوّل: أنّه لو لم ينته حكم الأوّل بنفسه لما ارتفع أصلاً، لأنّ ارتفاعه حينئذ لا يكون إلاّ بطريان الضد، وهو محال، لأنّ المضادة ثابتة من الجانبين، فكما أنّ الطاري ضد للباقي فكذا الباقي ضد الطاري، فلو أعدم الطاري الباقي من غير عكس لزم الترجيح من غير مرجّح، وأنّه محال.
فإن قلت: لا نسلّم لزوم الترجيح من غير مرجّح من إعدام الطاري الباقي، وإنّما يكون كذلك أن لو لم يكن الطاري أقوى من الباقي، أمّا على ذلك التقدير وهو الواقع فلا.
وبيانه: أنّ الطاري متعلّق السبب والباقي منقطع السبب، لما ثبت في علم الكلام من كون الباقي مستغنياً عن المؤثر ومتعلّق السبب أقوى من

1. نقله عنهما: الرازي في المحصول:1/528ـ 529، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/590.

صفحه 98
منقطعه والقوة موجبة للرجحان، ولجواز كون الطاري أكثر أفراداً من الباقي، فيترجّح عليه من هذا الوجه.
قلت: يمنع من قوة الطاري على الباقي قوله: لأنّه متعلّق السبب.
قلنا: والباقي أيضاً متعلّق السبب، لما ظهر في علم الكلام من أنّ علة احتياج الأثر إلى المؤثّر إنّما هي الإمكان، وهو وصف يشترك فيه الطاري والباقي.
قوله:«ولجواز كون الطاري أكثر أفراداً من الباقي » ممنوع لاستحالة اجتماع الأمثال.
الثاني: أنّ حكم الله تعالى خطابه على ما تقدّم، وخطابه كلامه، وهو قديم فلا يصحّ عدمه.
الثالث: أنّ الله تعالى إمّا أن يعلم دوام الحكم، أو يعلم انقطاعه. فإن كان الأوّل استحال نسخه، لاستحالة انقلاب علمه تعالى جهلاً; وإن كان الثاني انتهى الحكم بذاته لا بطريان الضد، وهو المطلوب.
والجواب عن الأوّل: أنّه يجوز كون الحادث أقوى من الباقي وإن لم يعلم سبب قوته، وحينئذ لا يلزم من إعدامه إيّاه الترجيح من غير مرجّح، وإبطال استناد قوته إلى اختصاصه بتعلّق السبب أو بكثرة أفراده، لا يستلزم إبطال قوته مطلقاً، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام.
وعن الثاني: أنّ خطاب الله تعالى عندنا حادث وليس هو نفس الحكم بل دليلاً عليه.
وعن الثالث: أنّ المختار أنّه تعالى علم انقطاعه ولكن لا يلزم من ذلك انتهاء الحكم وانقطاعه بنفسه، لاحتمال علم الله تعالى بانتهائه وانقطاعه

صفحه 99
يرفع الناسخ إيّاه.

صفحه 100
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: النسخ جائز عقلاً وواقع سمعاً، لإمكان اشتمال الفعل على المصلحة في وقت دون آخر، وللقطع بثبوت نبوة محمد(صلى الله عليه وآله) والإجماع على كون شرعه ناسخاً لما تقدّم.1 واحتجاج اليهود بأنّ موسى(عليه السلام) إن بَيَّن دوام شرعه بطل النسخ، وإلاّ اقتضى الفعل مرّة إن لم يبيّن انقطاعه، ووجب نقل المدة إن بيَّن. وبقوله(عليه السلام):«تمسّكوا بالسبت أبداً ». وبأنّ الفعل إن كان حسناً امتنع النهي عنه، أو قبيحاً فيمتنع الأمر به ضعيف لاحتمال ذكر المدة إجمالاً ولم ينقل لانقطاع تواتر اليهود حيث استأصلهم بخت نصّر إلاّ من شذ2، وقول موسى(عليه السلام) لو سلِّم لكن الأبدية قد يراد بها الزمان المتطاول، كما في التوراة:«يستخدم العبد ست سنين ثم يعتق في السابعة فإن أباه فلتثقب أُذنه ويستخدم أبداً ». وفي موضع آخر:«يستخدم خمسين سنة ثم يعتق » وكون الفعل حسناً أو قبيحاً قد يختلف باختلاف الأزمان والأحوال المتجدّدة، ومعارض3 بوقوع النسخ عندهم، كما في البقرة التي أُمروا بذبحها، فإنّه جعله مؤبداً عليهم ثمّ نسخه، وأمر بتقريب خروفين كلّ يوم بكرةً وعشيةً ثم نسخه.*

* [في جواز النسخ]

أقول: أكثر الناس على أنّ النسخ ممكن عقلاً وواقع سمعاً; خلافاً لأبي مسلم بن بحر الاصفهاني4 في الثاني5، ولبعض اليهود فيهما.6

1. في المطبوع:184 بزيادة: من الشرائع.
2. في المطبوع:184 بزيادة: منهم.
3. في المطبوع: 185: وهو معارض.
4. هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المعتزلي، ولد سنة 254هـ.، وكان شاعراً عالماً بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، ولي أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي، واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان سنة 321هـ ، فعزل. من كتبه: الناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو، وجامع التأويل في التفسير(14مجلداً). توفّي سنة 322هـ. خلافاً لما وقع في لسان الميزان من أنّه مات سنة 372هـ ولعلّه خطأ مطبعي. لسان الميزان:5/89 برقم 292; الأعلام للزركلي:6/50.
وقد وقع الالتباس في اسمه فذكره أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:251 بعنوان أبو مسلم عمرو بن يحيى الاصبهاني، وزعم بعضهم أنّه الجاحظ، ولكنّ المعروف عند الأُصوليين بأنّ أبا مسلم الذي يخالف في النسخ هو أبومسلم محمد بن بحر الاصفهاني، هكذا ذكره ابن السبكي وابن السمعاني وغيرهما.
راجع: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:4/46ـ 47.
5. لقد كثرت النقول عن أبي مسلم الأصفهاني في مسألة جواز النسخ وعدمه، فقيل: يمنعه بين الشرائع، وقيل: في الشريعة الواحدة، وقيل: في القرآن خاصة; لكنّ ابن السبكي في رفع الحاجب:4/47 جعل الاختلاف فيها لفظياً وقال: الإنصاف أنّ الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أنّ أبا مسلم يجعل ما كان مغيّاً في علم الله تعالى كما هو مغيّاً باللفظ، ويسمّى الجميع تخصيصاً، ولا فرق عنده بين أن يقول: (وأتمّوا الصيام إلى الليل)(البقرة:187) وأن يقول: صوموا مطلقاً، وعلمه محيط بأنّه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأوّل تخصيصاً والثاني نسخاً. ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى(صلى الله عليه وآله)وإنّما يقول:كانت شريعة السابقين مغيّاة إلى مبعثه عليه الصلاة والسلام، وبهذا يتّضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أنّ هذه الشريعة مخصّصة للشرائع السابقة أو ناسخة. وهذا معنى الخلاف.
6. اليهود في منع النسخ ثلاث فرق:
الأُولى: الشمعونيّة وذهبت إلى امتناعه عقلاً.
الثانية: العنانية، وذهبت إلى امتناعه سمعاً وعقلاً.
الثالثة: العيسوية ـ و هم أتباع عيسى الاصفهاني المعترفون بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله) لكن إلى العرب خاصة لا إلى كافّة الأُمم ـ ذهبوا إلى جوازه عقلاً ووقوعه سمعاً. راجع: الإحكام:3/79; نهاية السول:2/554ـ 555.
Website Security Test