welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 2*
نویسنده :السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي*

منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 2

صفحه 1
    منية اللبيب في شرح التهذيب/ج2
   
 
منية اللبيب
في شرح التهذيب
2

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ
 
منية اللبيب
 
في شرح التهذيب
 
تأليف
السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي (بعد681 ـ كان حيّاً 740هـ. )
الجزء الثاني
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم - إيران

صفحه 4
الأعرجي، عبد الله بن محمد، بعد681ـ كان حيّاً740هـ
منية اللبيب في شرح التهذيب/ تأليف ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي; إشراف وتقديم جعفر السبحاني; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصّادق7،قم: مؤسسة الإمام الصادق7،1431ق.= 1389
680ص.   (دورة)9 ـ 423ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(ج.2)4 ـ 460ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا
1. العلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف، 648ـ 726ق. تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ـ ـ نقد و تفسير. أُصول الفقه ـ القرن 8 ق. الف. اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق7ـ المحقّق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1308 ـ ، المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق7. د. العنوان. هـ .العنوان :منية اللبيب في شرح التهذيب . شرح.
1389 9022ت 8ع/8/158BP                              312/297
اسم الكتاب:    منية اللبيب في شرح التهذيب
الجزء:    الثاني
المؤلّف:   السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي
إشراف و تقديم:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
تحقيق:    اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التاريخ:    1389ش/1431ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:626            تسلسل الطبعة الأُولى:369
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 5
            مقدّمة المشرف
آية الله الشيخ جعفر السبحاني دام ظله
مقاصد الشريعة
ودورها في حلّ المسائل المستجدّة
لا شكّ أنّ أفعاله سبحانه تكويناً وتشريعاً معلّلة بالأغراض والغايات، وليس المراد من الغرض هو الأمر العائد إليه سبحانه، بل المراد به الغرض المترتّب على الفعل ولكن المستفيد منه غيره سبحانه. وقد خالفت الأشاعرة ذلك الأصل فزعموا خلوّ فعله سبحانه في كلا المجالين عن أي غرض وغاية، لكن أعرض غير واحد من كبار الأشاعرة عمّا نُسب إلى إمامهم، منهم أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين(419ـ478هـ)، ومحمد بن محمد الغزالي(450ـ505هـ) مؤلّف المستصفى في أُصول الفقه وإرشاد العقول إلى علم الأُصول، فقد اعترفا بمقاصد الشريعة ومع ذلك كلّه فلم يؤدّيا حق الأصل، إلى أن وصلت النوبة لأبي إسحاق بن إبراهيم بن موسى الغرناطي المالكي(المتوفّى 790هـ)فقد خصّص تمام الجزء الثاني من كتابه «الموافقات » لبيان المقاصد العامة للتشريع، وهو أوّل مَن كتب في الموضوع. بإسهاب وقُرِنَ اسمه بمقاصد

صفحه 6
الشريعة. ولكن طرأ الركود على البحث فترة زمنية لا يستهان بها استمرت إلى بداية القرن الرابع عشر حيث أخذ البحث ينتعش من جديد. وقد ألف غير واحد من العلماء كتاباً في ذلك الموضوع، منهم: الشيخ محمد طاهر بن عاشور (1296ـ 1393هـ) مؤلّف كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية » ثم توالى التأليف في هذا الموضوع على يد كثير من علماء العصر الحاضر.
وكنّا قد درسنا الموضوع في كتابنا أُصول الفقه المقارن فيما لا شك فيه، وذكرنا النتائج الصحيحة وغير الصحيحة المترتّبة على ذلك الأصل.
والذي يمكن أن أُشير إليه هنا هو خطورة الموضوع، وذلك لأنّ ما دلّ من الآيات والروايات على مقاصد الشريعة على قسمين:
1. تارة يكون الغرض أو الغاية علّة للحكم وسبباً تامّاً له، بحيث يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، فعندئذ لا غبار على هذا الأصل وما يترتّب عليه، وذلك كقول الشارع: اجتنب المسكر، أو اجتنب الخمر لأنّه مسكر، والمفهوم من التعبيرين عند العرف أنّ الإسكار هو السبب التام الذي يدور الحكم مداره.
2. ما يكون حكمة للحكم دون أن يدور الحكم مداره، وذلك كالإنجاب وتكثير النسل في النكاح فإنّه حكمة وليس بعلّة، ولذلك يصحّ النكاح في الموارد التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.
3. نكاح اليائسة.
4. نكاح الصغيرة.
5. نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

صفحه 7
ونظير المقام التربّص لأجل تبيّن وضع الرحم، قال سبحانه:(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).1
فالتربّص ـ لأجل تبيّن وضع الرحم ـ حكمة الحكم لا علّته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يجب التربّص على من نعلم بعدم وجود حمل في رحمها لغيبة الزوج عنها أكثر من سنة.
وعلى هذا فمن يريد أن يدرس مقاصد الشريعة يجب عليه التدقيق والتفكيك بين العلّة والحكمة. وهذا هو الأصل الأصيل في كون مقاصد الشريعة مبنى للاستنباط.
هذا إذا علم أحد الأمرين وأمّا إذا جهل، فالتماس علل الحكم بالحدس والتظنّي من مزالق الأقدام وأنّى للعقل أن يصل إلى علله ويميز العلّة عن الحكمة; ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يندّد بمن يستعمل العقل لالتماس العلل دون أن يعتمد على دليل قطعي، بل على التظنّي والتخمين; فقد روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان!!
فقال: «مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجع إلى النصف، يا أبان أنّك أخذتني بالقياس،

1. البقرة:228.

صفحه 8
والسنّة إذا قيست محق الدين ».1
وقد أراد الإمام الصادق(عليه السلام) بالقياس: التماس العلل للحكم الشرعي بالتظنّي والتخمين وهو من المزالق الخطرة. ولم يرد القياس المصطلح وهو استخراج حكم الفرع من الأصل بعد الاشتراك في أمر.
فعلى السادة الذين يدرسون مقاصد الشريعة التفريق بين ما دلّ الدليل القطعي على علية الغرض والمصلحة، فتنحل به قسم من المستجدة، دون ما كان حكمة للحكم أو لم يعلم كونه علّة أو حكمة، ففي القسمين الأخيرين يجب السكوت عمّا سكت الله عنه.
***
لقد وردتنا ملاحظات على مقدّمتنا على الجزء الأوّل نستعرض المهم منها:
1. ذكرتم بعض الأُمور نقلاً عن الشيخ آقا بزرگ، وهي:
أ. في ص 17 س 3 قال: «وممّن قام بشرحه في عصر المؤلّف ».
ب. في ص 19 ذيل الرقم 2 عن آقا بزرگ أيضاً: «والشرحان كلاهما موجودان في الخزانة الرضوية، وهما مختلفان عبارة ومطلباً وتاريخاً ».
ج. في ص 20 برقم 4 يقول الشيخ آقا بزرگ: «إنّ الشهيد ألّفه في أوائل شبابه... ». وقد تتبعنا هذه الأقوال وراجعنا المكتبة الرضوية والمصادر الأُخرى فلاحظنا أنّ هذه الأقوال غير صحيحة، وقد التبس الأمر على آقا بزرگ إمّا بسبب نقصان النسخة الخطية بداية ونهاية وظنّ أنّهما نسختان، كما في المورد ب; أو بسبب النسبة الموجودة في النسخة الخطية للمكتبة الرضوية التي تحتوي على دعاء يدلّ على حياة العلاّمة في ذلك الوقت، كما في المورد أ، وقد علم خطأ

1. الوسائل:20، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 9
النسبة إليه، فيكون هذا الادّعاء بدون دليل أيضاً; أمّا المورد الأخير فقد تبيّن لنا أنّ الشهيد الأوّل هاجر إلى العراق وقد بلغ 26 عاماً، وقد أخذ الإجازة من السيد عميد الدين وهو في هذا العمر، ولكنّه في متن جامع البين كان يكرّر عبارة (شيخنا) نسبة إلى أُستاذه السيد عميد الدين، وهذا يدلّ على أنّه نقل عن أُستاذه بعد هذه السن.
2. قلتم إنّ اسم شرح السيد عميد الدين هو«النقول في شرح تهذيب الأُصول إلى علم الأُصول » نقلاً عن ابن الفوطي وقد جزمتم بذلك، ولقد تبعكم في ذلك بعض المحقّقين... .
يلاحظ عليه: أوّلاً: نحن لم نجزم بأنّ اسم شرح السيد عميد الدين هو «النقول في شرح تهذيب الأُصول » إنّما ذكرناه فقط نقلاً عن «مجمع الآداب في معجم الألقاب » لابن الفوطي:2/230 برقم 1380.
ثانياً: أنّ ابن الفوطي البغدادي الشيباني كان مؤرّخاً عاش في فترة سقوط بغداد دار الخلافة العباسية على يد التتر، وعايش العصر الأوّل والثاني لهم وزار أشهر حواضرهم، واتّصل بحكامهم وعلمائهم، ودرس حالة عصره من شتّى نواحيها، وحرّر حوادث هذا العصر وترجم لرجاله، وحفظ لنا ذلك كلّه في كتبه ومعاجمه، فكتب ابن الفوطي والحالة هذه من أصحّ المستندات العربية التي يعول عليها في تاريخ تلك الحقبة، وقد ساعده على ذلك ارتباطاته العامة مع العلماء والأُمراء، ورحلاته المتعدّدة في مدن العراق وإيران، وإشرافه على خزانة الكتب في دار الرصد بمراغة ومن ثم خزانة الكتب بالمستنصرية ببغداد، وهما من أعظم المكتبات في تلك الحقبة; كما أنّه أكثر في أخذه من أعلام العراق خصوصاً في الأدب وعلوم الشريعة، وقد وضع معجماً خاصاً بمن أخذ عنهم

صفحه 10
بلغ عددهم إلى الخمسمائة.
هذا وفي سنة إحدى وثمانين وستمائة زار ابن الفوطي الحلّة وكانت مركزاً من مراكز العلم والأدب فاتّصل بكثير من زعمائها وعلمائها وأدبائها وترجم لهم، ويمكن أن يقال: إنّ كتابه حفظ لنا جانباً من تاريخ الحلّة ونهضتها العلمية1، كما أنّه كان معاصراً للسيد عميد الدين. فعليه لا نستبعد حصوله على نسخة من شرح التهذيب للسيد عميد الدين عليها الاسم المذكور، أو حصل عليه من مصدر موثّق آخر وهو من أصحاب هذا الفن كما عرفت، ولكن لا نجزم ولا نقطع بذلك. والله العالم.
وفي الختام نقدّم جزيل شكرنا للأخوة الأفاضل الذين يتابعون كتبنا ويتحفونا بملاحظاتهم القيّمة مع تمنياتنا لهم بالموفقية وخدمة الإسلام.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
الأوّل من ذي القعدة الحرام(مولد كريمة
أهل البيت فاطمة المعصومة(عليها السلام)) 1431هـ

1. راجع ترجمته المفصّلة في أعيان الشيعة:8/5ـ9، ففيها تفاصيل كثيرة تعرب عن باعه الطويل في علم التراجم والفهرسة والتاريخ بحيث اعتبر السيد محسن الأمين كتبه من أصحّ المستندات التي يعوّل عليها كما ذكرنا.

صفحه 11
 
قال قدس الله روحه:

المقصد الخامس:

في المجمل والمبيّن

   
                                                   وفيه فصول:

صفحه 12

صفحه 13

[الفصل] الأوّل:

في المجمل

وفيه مباحث:
الأوّل: الإجمال قد يكون في اللفظ إمّا حال استعماله في موضوعه، كالمشترك المحتمل لمعانيه، والمتواطئ المحتمل لكلّ فرد من جزئياته عند الأمر بأحدها، مثل (وآتوا حقّه يوم حصاده)، أو حال استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصّص بالمجمل، مثل (وأُحلّ لكم ماوراء ذلكم... محصنين) حيث قيّد بالإحصان المجهول، ومثل (أُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتلى عليكم)، و مثل: (فاقتلوا المشركين)، ثم يقول الرسول(صلى الله عليه وآله): المراد البعض، أو حال كونه مستعملاً لا في موضوعه ولا في بعضه كالأسماء الشرعية والمجازية وقد يكون في الفعل، إذ الوقوع لا يدلّ على الوجه.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عن عوارض الأدلّة باعتبار مدلولاتها من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد، شرع في البحث عن عوارضها باعتبار دلالاتها من الإجمال والبيان وغيرهما، ولمّا كان المدلول متقدّماً على الدلالة لكونها نسبة بينه وبين الدليل، كان العارض اللاحق للدليل باعتبار المدلول متقدّماً على العارض اللاحق له باعتبار الدلالة، فلهذا قدّم المصنّف ـ طاب ثراه ـ البحث عن الأوّل وعقبه بالبحث عن الثاني.

صفحه 14

[في ماهية المجمل وأقسامه]

إذا عرفت هذا فنقول: الإجمال لغة: الجمع، يقال: أجمل الحساب إذا جمعه ورفع تفاصيله.
وفي الاصطلاح: عبارة عن كون اللفظ بحيث يفهم منه معنى مع احتمال إرادة غيره به احتمالاً متساوياً على ما عرفت في أوائل الكتاب.1
وقال بعض الأشاعرة: المجمل هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
وهو منقوض طرداً بالمهمل وبمثل قولنا: ممتنع ومستحيل ومنفي، فإنّ المفهوم منه ليس شيئاً .
وعكساً بمثل قوله: (وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ).2 وهو ـ أعني: الإجمال ـ قد يكون في اللفظ، وقد يكون في الفعل .

1. وقد عُرّف المجمل بتعاريف أُخرى، منها: تعريف السيد المرتضى في الذريعة:245 حيث قال: إنّه الخطاب الذي لا يستقل بنفسه في معرفة المراد به. ومنها: ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:1/406 حيث حدّد استعماله على ضربين: أحدهما: ما يتناول جملة من الأشياء، وذلك مثل العموم وألفاظ الجموع وما أشبههما، ويُسمّى ذلك مجملاً لأنّه يتناول جملة من المسمّيات. والضرب الآخر: هو ما أنبأ عن الشيء على جهة الجملة دون التفصيل ولا يمكن أن يعلم المراد به على التفصيل. ومنها: ما أشار إليه أبو الحسين في المعتمد:1/293 وذكر له ثلاثة حدود: الأوّل: أنّه ما أفاد جملة من الأشياء ويدخل فيه العام والمركبات. الثاني: ما لا يمكن معرفة المراد به. الثالث: ما أفاد شيئاً من جملة أشياء هو متعين في نفسه واللفظ لا يعنيه.
ومنها: ما قاله الغزالي في المستصفى:2/28: إنّه اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعيّن معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال.
وتوجد تعاريف أُخرى ذكرها الأُصوليون في كتبهم. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/394; الإحكام:3/6.
2. الأنعام:141.

صفحه 15
والأوّل إمّا أن يكون حال استعمال اللفظ في موضوعه، كاللفظ المشترك عند من يمنع حمله على جميع معانيه، أو يكون متقابلة كالقرء للحيض والطهر.
أو المتواطئ المحتمل لكلّ واحد من أفراده عند الأمر بأحدها على التعيين، مثل قوله تعالى: (وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فإنّه قبل بيان مقداره مجمل، إذ نسبته إلى كلّ واحد من أبعاضه كنسبته إلى غيره.
أو حال استعماله في بعض موضوعه كالعام المخصّص بالمجمل، مثل قوله تعالى: (وأُحِلَّ لَكُم ماوراءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسافِحينَ)1، فقيد الحل بالإحصان وهو غير معلوم حينئذ.
وكقوله:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)2،فالمستثنى مجهول قبل التلاوة، وهو مستلزم لجهالة الباقي بعد الاستثناء.
ومثل قوله: (فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ)3، ثم يقول الرسول(صلى الله عليه وآله):«المراد البعض » ولم يعينه فإنّه يكون مجملاً.
والمثال الأوّل مجمل باعتبار تخصيص العام بالصفة المجهولة .
والثاني مجمل باعتبار تخصيصه بالاستثناء المجهول، وهما تخصيص بالمتصل.
والثالث باعتبار تخصيصه بقول الرسول (صلى الله عليه وآله)،وهو تخصيص بالمنفصل من السنّة.

1. النساء:24.
2. المائدة:1.
3. التوبة:5.

صفحه 16
أو حال استعماله في غير موضوعه وجزء موضوعه، كالأسماء الشرعية والمجازية. فالأوّل مثل قوله تعالى:(أقِمِ الصلاَةَ)1، (َو للهِ عَلَى الناسِ حِجُّ البَيْتِ)2، فإنّ المراد بالصلاة والحج الأفعال المخصوصة المغايرة لموضوع اللفظ ولجزئه لغة، وهي قبل بيانها غير معلومة فيتحقّق الإجمال. هذا إذا علم النقل عن الموضوع اللغوي إلى غيره ولم يعلم ذلك الغير; أمّا لو لم يعلم النقل فإنّه لا يكون مجملاً، لوجوب حمله على موضوعه الأصلي.
والثاني كما لو دلّ دليل على عدم إرادة حقيقة اللفظ منه والمجازات متعدّدة ولا أولوية لأحدها، فإنّه يتحقّق الإجمال.
وقد يكون الإجمال في الفعل، كما لو صلّى(صلى الله عليه وآله) ولم يعلم على أي وجه أوقع الصلاة من وجوب أو ندب فإنّه يكون مجملاً محتاجاً إلى البيان إلاّ أن يقترن بتلك الصلاة ما يدلّ على الوجه، كما لو صلى بأذان وإقامة فإنّه قرينة الوجوب.

1. الإسراء:78.
2. آل عمران:97.

صفحه 17
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: المجمل جائز في الحكمة وواقع كالآيات المتقدّمة.
احتج المخالف بأنّ القصد الإفهام وإلاّ لزم العبث، فإن ذكر معه البيان طال بغير فائدة، وإلاّ لزم التكليف بالمحال.
والجواب: المنع من الملازمة الأُولى إن كان المطلوب الإفهام التفصيلي، والمنع من الثانية لجواز اقتران التطويل لمصلحة خفية أو ظاهرة وهي الاستعداد للامتثال قبل البيان فيحصل الثواب.*

*[في إمكان ورود المجمل في كلامه تعالى وكلام رسوله]

أقول: اتفق المحقّقون على جواز وقوع المجمل في كلام الله تعالى، ومنعه شاذ.
لنا: إنّ المصلحة قد تكون متعلّقة بالتعبير عن الشيء إجمالاً دون التفصيل فيقع تحصيلاً لتلك المصلحة. ولأنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فكما في الآيات المقدّم ذكرها من قوله تعالى: (وآتوا حقّه يوم حصاده)ومابعدها.
وأمّا الثاني فظاهر.
احتجّ المانع بأنّه لو خاطب الله تعالى بالمجمل لكان إمّا أن لا يقصد به الإفهام، فيكون عبثاً، وهو قبيح تعالى الله عنه; أو يقصد به الإفهام فإمّا أن يضم إليه ما يدلّ على المراد به أو لا.
فإن كان الأوّل لزم التطويل بغير فائدة. ولأنّ التنصيـص على المعنى أسهل وأدخل في باب الفصاحة من المجمل المتعقّب بما يدلّ على المراد منه.
وإن كان الثاني لزم تكليف ما لا يطاق، إذ فهم المعنى المراد من اللفظ الذي لا يدلّ عليه محال غيرمقدور.

صفحه 18
والجواب: أنّ مراده بالإفهام المقصود بالكلام إن كان التفصيلي لم يلزم العبث على تقدير انتفائه، فإنّه لا يلزم من انتفاء قصد الإفهام التفصيلي انتفاء قصد الإفهام مطلقاً أو انتفاء القصد مطلقاً حتى يلزم العبث، وهو مراد المصنّف ـ طاب ثراه ـ بقوله: «المنع من الملازمة الأُولى إن كان المطلوب الإفهام التفصيلي ».
وإن كان المراد الإفهام مطلقاً أو الإجمالي لم يلزم تكليف مالا يطاق على تقدير تجريده عن البيان، ولا التطويل بغير فائدة على تقدير اقترانه به، لاحتمال اشتمال التطويل المذكور على فائدة خفية يعلمها الله تعالى ولا تهتدي عقولنا إلى إدراكها أو على فائدة ظاهرة وهي استعداد المكلّف للامتثال عند المخاطبة بالمجمل واجتهاده في طلب البيان الموجب لحصول الثواب، وإليه أشار المصنّف ـ طاب ثراه ـ بقوله: «والمنع من الملازمة الثانية ».1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/402; المحصول:1/465.

صفحه 19
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان ليس مجملاً، لسبق فهم تحريم الأكل في (حُرِّمت عليكم الميتة)، والوطء في: (حُرِّمت عليكم أُمّهاتكم).
احتجّ الكرخي بأنّ متعلّقهما غير مقدور، فلابد من إضمار ولا اختصاص.
والجواب: المنع من عدم الاختصاص.*

*[إضافة الأحكام إلى الأعيان ليس مجملاً]

أقول:قد اشتمل هذا البحث على ذكر أشياء ظن أنّها مجملة وليست كذلك فمنها التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان، مثل قوله تعالى: (إنّا أحْلَلْنالَكَ أزْواجَكَ)1، وقوله:(اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ)2،و(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيَمةُ الأنْعامِ)3 و قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدمُ)4،و(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ)5، فذهب محقّقو المعتزلة والأشاعرة إلى أنّها ليست مجملة6، خلافاً لأبي عبد الله

1. الأحزاب:50.
2. المائدة:5.
3. المائدة:1.
4. المائدة:3.
5. النساء:23.
6. فمن الإمامية ذهب إليه: السيد المرتضى في الذريعة:263، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/436، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/403. وأمّا الجمهور فقد ذهب إليه أبو علي وأبو هاشم الجبائيّان والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/307، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:201، والرازي في المحصول:1/466، والغزالي في المستصفى:2/28، والآمدي في الإحكام:3/9، وغيرهم.

صفحه 20
البصري وأبي الحسن الكرخي.1
لنا: إنّه يسبق إلى الفهم حلّ الأكل وتحريمه من قوله: (أُحلّت لكم بهيمة الأنعام)و(حُرِّمت عليكم الميتة)، وحلّ الوطء وتحـريمـه مـن قوله: (إنّا أحللنا لك أزواجك)و(حُرِّمت عليكم أُمّهاتكم)، ومبادرة المعنى إلى الفهم عند إطلاق اللفظ دليل على كونه حقيقة فيه على ما تقدّم، وإن كان مجازاً بحسب الوضع اللغوي لكنّه بالنظر إلى العرف الطارئ حقيقة.
سلّمنا، لكنّه مجاز راجح على غيره من المجازات، وقد تعذّر حمل اللفظ على حقيقته، فتعيّن حمله عليه على التقديرين.
احتجّ المخالف بأنّ الأعيان غير مقدورة فلا يتعلّق التحليل والتحريم بها، لأنّهما من عوارض أفعال المكلّفين فلابد من إضمار ما يصحّ تعلّقهما به من الأفعال لئلاّ يلغو الخطاب، فإمّا أن يضمر جميع ما يمكن إضماره منها، أو بعضها. والأوّل باطل لأصالة عدم الإضمار الموجب لتقديره بما يدفع الضرورة، فتعيّن الثاني. وليس إضمار بعض معيّن بها2 أولى من غيره، فيجب إضمار بعض غير معيّن، فيتحقّق الإجمال.
في أنّ قوله تعالى:(وامسحوا برءُوسكم) ليس بمجمل   
والجواب: المنع من الاحتياج إلى الإضمار فإنّه إنّما يتحقّق إذا لم يكن اللفظ ظاهراً بحسب العرف في الفعل المقصود غالباًمن تلك العين; وليس كذلك، فإنّ كلّ أحد مارس الألفـاظ العـربية تبـادر إلى فهمـه عنـد قـول القـائل:«أحللت لك المـذكّى وحـرّمـت عليـك الميتـة » تحليـل الأكـل
قال قدس الله روحه:و آية المسح ليست مجملة، لأنّ الباء إن كانت للتبعيض ثبت التواطؤ، وإلاّ وجب

1. وهو مختار قوم من القدرية.
2. في«أ »: منها.

صفحه 21
الاستيعاب.
احتجّت الحنفية باحتمال الجميع والبعض، فثبت الإجمال. وقد تقدّم جوابه.*
وتحريمه.
سلّمنا، لكن لا نسلّم بطلان إضمار الجميع وكونه موجباً لزيادة الإضمار المخالف للأصل معارض بما أنّ إضمار البعض مفض إلى الإجمال الموجب لتعطيل اللفظ. ولأنّ العمل به موجب ليقين البراءة والخروج عن العهدة.
سلّمنا، لكن لا نسلّم عدم أولوية إضمار بعض معيّن1 فإنّ إضمار المنفعة المقصودة من العين غالباً كالاستمتاع من النساء والأكل من البهيمة أولى، لكونه مفهوماً عند إطلاق اللفظ دون غيره ممّا يمكن إضماره.

*[في أنّ قوله تعالى:(وامسحوا برءُوسكم) ليس بمجمل]

أقول: المحقّقون على أنّه لا إجمال في آية المسح، وهي قوله تعالى:(وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)2، وخالف في ذلك بعض الحنفية .3

1. في «م » بزيادة: من إضمار غير المعين.
2. المائدة:6.
3. نقله عنهم أبو الحسين البصري في المعتمد:1/308 قائلاً: ومن ذلك قول العراقيين ـ و يقصد بهم أحناف العراق ـ : إن قول الله سبحانه:(وامسحوا برءُوسكم) مجمل، لأنّه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه. فإذا احتمل مسح كل واحد منهما بدلاً من الآخر، افتقر إلى بيان; فإذا روي:«أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مسح بناصيته » كان ذلك بياناً للآية، ووجب مسح ذلك المقدار من الرأس.
وقد ذهب إلى الإجمال السيد المرتضى في الذريعة:261 خلافاً للإمامية.

صفحه 22
لنا: إنّ الباء إمّا أن تكون مفيدة للتبعيض كما هو مذهب بعض الشافعية1، أو الإلصاق كما ذهب إليه أكثر الأدباء2، وعلى التقديرين فلا إجمال.
أمّـا على التقـديـر الأوّل، فـلأنّ البعض صـادق علـى كلّ واحـد مـن الأبعـاض بـالتـواطـؤ، فالأمـر بـه يـوجب تخييـر المكلّف في مسـح أي بعض شاء منه، لأنّ المأمور به كلّي وهو موجود في كلّ واحد منها، فلا إجمال.
وأمّا على التقدير الثاني، فلأنّه يجب مسح الجميع وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني3، لأنّ الباء دخلت على المسح وقرنته بالرأس، وهو اسم للعضو بتمامه لا لبعضه فيجب مسح الكلّ، فلا إجمال

1. وهو مذهب الإمامية والشافعي على ما نسبه الآمدي والعلاّمة في نهايته. وإليه ذهب الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/440 قائلاً: والذي نقوله في هذه الآية: إنّ الباء تُفيد عندنا التبعيض ـ على ما بيّنّاه ـ من أنّها تدخل للإلصاق إذا كان الفعل لا يتعدّى إلى المفعول به بنفسه، فيحتاج إلى إدخال الباء ليلصق الفعل به، فأمّا إذا كان الفعل ممّا يتعدّى بنفسه فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك، فإذا ثبت ذلك فقوله:(وامسحوا برءُوسكم) يتعدّى بنفسه، لأنّه يحسن أن يقول: «امسحوا رءُوسكم » فيجب أن يكون دخولها لفائدة أُخرى وهي التبعيض، إلاّ أنّ ذلك البعض لمّا لم يكن معيّناً، كان مخيّراً بين أىّ بعض شاء، فإن عُلم بدليل أنّه أُريد منه موضع معيّن لا يجوز غيره، وقف ذلك على البيان، وصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
2. وإليه ذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني وأبو علي الجبّائي والحسن البصري والسرخسي والآمدي وغيرهم. راجع: المعتمد:1/308; أُصول السرخسي1/229; الإحكام3/10.
3. قال ابن جني: لا فرق في اللغة بين أن يقال: مسحت بالرأس، وبين: مسحتُ الرأس »، والرأس اسم للعضو بتمامه، فوجب مسحه بتمامه. نقله عنه الرازي في المحصول:1/468، والعلاّمة في نهايته:2/408.

صفحه 23
أيضاً.
وقال آخرون: إنّ الصيغة المذكورة حقيقة في القدر المشترك بين مسح الجميع والبعض لاستعمالها فيهما. أمّا في الكلّ فبالاتفاق، وأمّا في البعض فكما يقال: «مسحت رأس اليتيم » وإن كان قد مسح بعضه، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فتعيّن كونه حقيقة في القدر المشترك بينهما، وحينئذ لا يتحقّق الإجمال ويتخيّر المكلّف فيهما.
احتجّت الحنفية بأنّه يحتمل أن يكون المراد مسح جميع الرأس ومسح بعضه ولا أولوية لأحدهما، فكان مجملاً.
والجواب: المنع من عدم الأولوية، فإنّ الباء إن كانت للتبعيض فحملها على إرادة مسح البعض أولى، عملاً بظاهر اللفظ; ولأنّه متيقّن الإرادة لكونه لازم لمسح الكل.
وإن لم تكن للتبعيض كان حملها على إرادة الجميع أولى لما بيّنا. ولأنّ به يحصل يقين البراءة والامتثال.

صفحه 24
قال قدس الله روحه: ولا إجمال في الفعل المنفي (إذا قرب مجازه)1 إلى نفي الحقيقة المستلزم لنفي جميع الصفات نفي الصحة المشاركة في العموم، ودلالة المطابقة هنا وإن انتفت لا يلزم انتفاء دلالة الالتزام، لأنّ اللفظ بعد استقرار الدلالة صار كالعام، فإذا خص في بعض الموارد وهي الذات، بقي الباقي مندرجاً تحت الإرادة.
احتجّ أبو عبد الله البصري بأنّ الفعل موجود ولابد من مضمر ينصرف النفي إليه، ولا تخصيص لبعض المضمرات دون بعض.
والجواب قد بيّنا الأولوية.*
   

*[في أنّ الأفعال المنفية ليست مجملة]

أقول:أكثر الناس على أنّه لا إجمال في اللفظ الدال على نفي الفعل2; مثل: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب »3، و«لا عمل إلاّ بنيّة »4، و«لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل »5، ونحوها. خلافاً لأبي عبد الله البصري6،

1. في المطبوع: 161: إذ أقرب المجاز.
2. ذهب الأكثر أو الكلّ ـ حسب تعبير العلاّمة الحلّي والآمدي ـ إلى نفي الإجمال فيه. راجع: الذريعة:264; عدة الأُصول:2/442; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/410; التبصرة:203; المستصفى:2/31; المحصول:1/468; الإحكام:3/12.
3. سنن الدارمي:1/283; سنن الترمذي:1/156 برقم 247، باب ما جاء أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب; سنن البيهقي:2/63; عوالي اللآلي:1/196 برقم 2; مستدرك الوسائل:4/158،ح5، الباب 1 من أبواب القراءة.
4. الكافي:2/84 ح1، باب النية; دعائم الإسلام:1/105، ذكر صفات الوضوء; وسائل الشيعة: 1/46 ح1، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات; مستدرك الوسائل:1/90، الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات; مناقب آل أبي طالب:1/261; عوالي اللآلي:2/190 ح80; بحار الأنوار:67/185 ح1 و ج81/371 ح23.
5. سنن الترمذي:2/166 برقم 726، باب ما جاء: لا صيام لمن لم يعزم من الليل; سنن النسائي:4/197; كنز العمال:8/494 برقم 23792; عوالي اللآلي:3/132برقم 5; بحار الأنوار:80/90.
6. وذهب إليه أيضاً القاضي أبو بكر الباقلاني في الإرشاد والتقريب:3/88ـ 90 وبعض الشافعية، كما نسبه إليهم أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:203.

صفحه 25
لأنّ اللفظ إن كان له مسمّى شرعي ـ كالصلاة والصيام ـ حمل على ظاهره من نفي مسمّـاه عنـد انتفـاء الأُمـور المـذكـورة، كالقـراءة فـي الصلاة وتبييت النيـة فـي الصيـام، وهـو يقتضي كـونها أجـزاء من تلك الأفعـال المنفية أو شرائط لها.
وإن لم يكن له مسمّى شرعي مثل:«لا عمل إلاّ بنية » حمل على نفي الصحة، لأنّ نفي الذات غير مقصود لتحقّقها، فلابدّ من إضمار حكم أو صفة ليضاف النفي إليه حذراً من تعطيل اللفظ وإضمار الصحة أوّلاً، لأنّ نفيها أقرب إلى نفي الذات من نفي باقي الصفات، لمشاركة الصحة الحقيقة في أنّ نفي كلّ منهما ملزوم لنفي جميع الصفات، ونفي غيرهما كالفضيلة والكمالية ليس كذلك فكان أبعد من نفي الحقيقة، وحمل اللفظ على ما هو أقرب إلى موضوعه أولى من حمله على الأبعد عنه وفاقاً.
ولأنّ اللفظ دال علـى نفـي الـذات، والـدال على نفـي الـذات دال علـى نفـي جميـع الصفـات، لاستحـالة بقـاء الصفـة عند عـدم الـذات، وحينئـذ يكـون قوله: «لا عمل إلاّ بنية » مثلاً دالاًّ على نفي الذات ونفي الصفة، ونفي الكمـال ترك العمل به في نفي الذات لتحقّقها، فوجب أن يبقى معمولاً به في الباقي.
لا يقال: اللفظ ليس دالاًّ على نفي الصفات بالمطابقة بل بالالتزام به، وهي تابعة لدلالة المطابقة ـ أعني: دلالة اللفظ على نفي الذات ـ فإذا انتفت وجب انتفاء دلالة الالتزام، لاستحالة بقاء التابع عند ارتفاع متبوعه.

صفحه 26
لأنّا نقول: إنّ اللفظ بعد استقرار الدلالة وتحقّق الوضع يصير بالنسبة إلى معانيه المطابقية والالتزامية كالعام بالنسبة إلى أفراده، فإذا قام الدليل على انتفاء إرادة المعنى المطابقي، بقي معمولاً به في المعاني الالتزامية لعدم المعارض.
احتجّ المخـالف بـأنّ الصلاة والعمل مثلاً موجودان، فامتنع صرف النفي إليهما ووجب صـرفه إلـى حكم من أحكامهما، وليس بعض الأحكام أولى من البعض الآخر، وإضمار الجميع يلزم منه زيادة الإضمار من غير ضرورة، وهو خلاف الأصل، فتعيّن إضمار بعض غير معيّن، وهو معنى الإجمال.
والجـواب: المنع من وجود ما له مسمّى شرعي، كالصلاة والصيام عند عدم قراءة الفاتحة وتبييت النية، لأنّهما إنّما يصدقان حقيقة على الصحيح منهما و ما ليس له مسمّى شرعي كالعمل المتحقّق، فلا نسلّم أنّه لا أولوية لبعض ما يمكن إضماره على البعض الآخر، فإنّ إضمار أعمّ الأحكام ـ كالصحة مثلاً ـ أولى، لكونها أشبه بالحقيقة من الوجه الذي ذكرناه، فيحمل لفظ الحقيقة عليها مجازاً.
واعلم أنّه قد يرد النفي للنهي عن الفعل المنفي، مثل قوله تعالى:(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِـدالَ فِـي الْحَـجِّ)1; وقـد يكـون لنفــي وجــوبـه،
قال قدس الله روحه: ولا إجمال في آية السرقة، إذ القطع حقيقة في الإبانة، واليد في العضو من المنكب.*

1. البقرة:197.

صفحه 27
كقوله(عليه السلام):«لا هجرة بعد الفتح ».1

*[في أنّ آية السرقة ليست مجملة]

أقول: ذهب السيد المرتضى(رحمه الله)2 وأتباعه إلى أنّ آية السرقة، وهي قوله تعالى:(والسارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيْديَهُما)3 مجملة، لأنّ لفظ اليد يطلق عليها من أُصول الأصابع، ومن الكوع، ومن المرفق، ومن المنكب; والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركاً بينها، والاشتراك ملزوم للإجمال عند التجرد عمّا يعيّن المراد.
وقال آخرون: إنّها مجملة في القطع أيضاً، لأنّه يصدق على الإبانة، كما يقال: «قطعت الغصن »، وعلى الشق كما يقال:«قطعت يدي عند بري القلم » ويريد الجرح، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
والجـواب: المنع مـن الاشتراك، وقـد بيّنّا أنّ مجرد الاستعمال لا يدلّ
قال قدس الله روحه: ولا في قوله(عليه السلام):«رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان » لأنّ المفهوم رفع المؤاخذة.*
   
في أنّ رفع الخطأ ليس مجملاً
على الحقيقة، ولفظ اليد موضوع لها من المنكب، وصدقه على الأبعاض

1. صحيح البخاري:3/200 و 210، كتاب الجهاد والسير; صحيح مسلم:6/28، باب المبايعة بعد فتح مكة; سنن الترمذي:3/75 برقم 1638; مسند أحمد:1/226 و 355 و ج3/22 و 468 و 469 و ج5/187; سنن الدارمي:2/239، باب لا هجرة بعد الفتح; الخصال:193 ح268; عوالي اللآلي:1/44 برقم 57 و 162 برقم 156; بحار الأنوار:33/94 وج 41/170 وج 76/182.
2. الذريعة:262. وقد خالف السيد المرتضى برأيه هذا أكثر الأُصوليين والمتكلّمين. راجع: عدة الأُصول:2/440; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/416; المعتمد:1/310; المحصول:1/471; الإحكام:3/13.
3. المائدة:38.

صفحه 28
المذكورة إنّما هو على سبيل المجاز من باب تسمية الجزء باسم الكل، وهو أولى من الاشتراك على ما تقدّم، والقطع حقيقة في الإبانة والتجوّز في قوله:«قطعت يدي عند بري القلم » إنّما هو في لفظ اليد، لأنّ المراد منها ذلك البعض المبان لا في الإبانة لأنّها متحقّقة.

* [ في أنّ رفع الخطأ ليس مجملاً]

أقول: أكثر الأُصوليين على أنّه لا إجمال في قوله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان »1 خلافاً لأبي الحسين2 وأبي عبد الله البصريين حيث زعما أنّه مجمل، لأنّ الخطأ والنسيان غير مرفوعين عن الأُمّة، وكلام الرسول(صلى الله عليه وآله) صادق، فلابد من إضمار ما يستقيم معه الكلام، فإمّا أن يضمر جميع الأحكام، وهو باطل لمخالفة الإضمار الأصل، فيقتصر على ما يندفع به الضرورة وهو البعض.
ولأنّ الإجماع واقع على ثبوت بعض الأحكام، وهو لزوم ضمان المتلفات وقضاء العبادات وذلك البعـض الـواجب إضمـاره إمّا أن يكون
قال قدس الله روحه:ولا إجمال في الأمر بالعدد المنكَّر للخروج عن العهدة بأقل مراتبه، وهو الثلاثة. قال السيد المرتضى(رحمه الله): إن أراد الحاكم بالإجمال هنا عدم قصر اللفظ على الثلاثة فهو حق، وإن أراد عدم تناوله الثلاثة فهو خطاء.*
معيّناً وهو باطل لعدم دلالة اللفظ عليه، أو غير معيّن وهو عين الإجمال .

1. التوحيد:353 ح52; الخصال:417 ح9. مرّ الحديث مع مصادره في الجزء الأوّل ص 292 و446، فلاحظ.
2. المعتمد:1/310. وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض الشافعية. راجع التبصرة:203; المستصفى:2/30،نهاية الأُصول إلى علم الأُصول:2/418.

صفحه 29
والجواب: لا نسلّم عدم دلالة اللفظ على بعض معيّن، فإنّه ظاهر في عدم المؤاخذة بعرف أهل اللغة قبل ورود الشرع، فإنّ كلّ عاقل عارف باللغة يتبادر إلى ذهنه فهم رفع المؤاخذة عند قول السيد لعبده: رفعت عنك الخطأ والنسيان في الشيء الفلاني.
وأيضاً فيه نظر، لمنع وجوب الإضمار، إذ المراد بالأُمّة مجموع المسلمين، والخطاء والنسيان مرتفعان عنهم، ولا ينافي ذلك وقوعهما من بعض الأُمّة. وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«ولا في قوله(عليه السلام) » معطوف على ما تقدّم، وهو قوله:«لا إجمال في آية السرقة ».
* أقول: ذهب بعض الناس إلى تحقّق الإجمال في العدد المنكَّر، مثل قوله :أعطه دراهم، أو اعتق عبيداً لأنّه كما يصدق على الثلاثة يصدق على ما زاد عليها من المراتب. وهو خطأ، لأنّ اللفظ دال على الثلاثة قطعاً، إذ هو موضوع للقدر المشترك بين جميع المراتب، وهو مطلق الجمع، والثلاثة لازمة لذلك المشترك فهي منتفية الإرادة بخلاف ما عداها من المراتب، وحينئذ لا إجمال.
قال السيد المرتضى(رحمه الله): إن أراد الحاكم بالإجمال في ذلك عدم قصر اللفظ على الثلاثة، أي عدم اختصاص هذه المرتبة بهذه الصيغة، فهو حق، لمشاركة غيرها من مراتب الجمع إيّاها في صدقها عليها; وإن أراد عدم تناوله الثلاثة، فهو خطاء لما بيّنّا.1

1. الذريعة:260.

صفحه 30
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني :

في المبيّن

وفيه مباحث: الأوّل: البيان قد يكون بالقول، وهو ظاهر.
وبالفعل، كما بيّن (عليه السلام) الصلاة والحج ويعلم كونه بياناً إمّا بالضرورة من قصده، أو بقوله هذا بيان، وشبهه مثل: صلّوا وخذوا، أو بالنظر كما لو ذكر مجملاً وقت الحاجة وفعل ما يصلح للبيان ولم يبين، فإنّه يكون بياناً وإلاّ لتأخّر البيان عن وقت الحاجة.
وبالترك، كما لو ركع في الثانية بغير قنوت، فيعلم نفي وجوبه، أو يسكت عن بيان الحادثة، فيعلم انتفاء الحكم، أو يترك فعلاً يتناوله وأُمّته خطابه، فيدلّ على تخصيصه إن كان قبل فعله، أو نسخه عنه إن كان بعد فعله.
ومن قال: إنّ الفعل يطول فلا يقع بياناً فقد أخطأ، لأنّ القول قد يكون أطول.*

* [في حقيقة البيان]

أقـول: لمّـا فـرغ من ذكـر المجمل وأقسامه وأحكامه شرع في ذكر المبيّن.
   
واعلم أنّ البيان لغة مأخوذ من البين، وهو الفرقة بين الشيئين، يقال: بيّن تبييناً وبياناً كما يقال: كلّم تكليماً وكلاماً.
وأمّا في الاصطلاح فقال فخر الدين: هو الذي دلّ على المراد بخطاب

صفحه 31
لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد.1 وينبغي التقييد بقوله: من حيث هو كذلك، أي مراد بذلك الخطاب، وإلاّ لانتقض طرداً بما لو خاطب بلفظ مشترك قاصداً أحد معانيه ثم خاطب هو أو غيره بلفظ موضوع لذلك المعنى المراد خاصة، كما لو قال: «رأيت ذهباً » بعد قوله:«رأيت عيناً » قاصداً به الذهب، فإنّه ليس بياناً مع صدق الحد عليه لولا الزيادة، وينبغي تقييد قوله: «لا يستقل بنفسه » بقوله :بالنسبة إلى المخاطب، وإلاّ انتقض عكساً بالترجمة، كمن خوطب بلغة لا يعرفها فإنّها بيان مع استقلال الخطاب بالدلالة بالنسبة إلى العارف بتلك اللغة.
وأيضاً ينتقض عكساً ببيان المراد من العام المخصوص، كما لو قال:«اقتلوا المشركين » ثم قال: «المراد من عدا أهل الذمّة » فإنّه بيان مع كذب الحد عليه لاستقلال العام بالدلالة على المراد، وهو «من عدا أهل

1. المحصول:1/461. وقد عُرّف البيان بتعاريف مختلفة منها ما ذكره السيد المرتضى في الذريعة:249: بأنّ البيان هو الدلالة على اختلاف أحوالها، وإلى ذلك ذهب أبو علي وأبو هاشم الجبّائيان. وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/293، والغزالي في المستصفى:2/38، والآمدي في الإحكام:3/17، والسمرقندي في ميزان الأُصول:352; والقاضي أبي بكر كما في الإحكام، وغيرهم.
وقريب منه ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:1/403: البيان عبارة عن الأدلّة التي تُبيّن بها الأحكام. ويعبّر عنه بأنّه «هداية »، وبأنّه «دلالة » وبأنّه«بيان » كل ذلك يراد به معنى واحد.
وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنّ البيان :هو العلم الحادث الذي به يُبيَّن الشيء.
وذهب الصيرفي إلى أنّ البيان هو: ما أخرج الشيء من حد الإشكال إلى التجلّي.
وقال الشافعي: البيان اسم جامع لمعان متشعّبة الأُصول متشعبة الفروع، وأقلُّ ما فيه أنّه بيان لمن نزل القرآن بلسانه.
وتوجد أقوال أُخرى فمن أراد مزيد الاطّلاع فليراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/427ـ430.

صفحه 32
الذمّة » فإنّ البيان هنا إنّما دلّ على عدم إرادة أهل الذمّة.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأنّ المراد بالدلالة دلالة المطابقة، ودلالة العام على البعض المقصود إنّما هي بالتضمّن.
وينتقض في عكسه أيضاً ببيان وجوه أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) فإنّه بيان مع أنّه ليس دالاًّ على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه.
والأجود أن يقال: البيان ما دلّ على تعيين أمر مبهم من أمرين أو أُمور محتملة الإرادة من قول أو فعل من حيث هو كذلك.

[في أقسام البيانات]

إذا تقرر هذا فاعلم أنّ البيان نسبة بين المبيَّن والمبيِّن. والمبيَّن يقال على البين بنفسه وعلى ما ورد عليه بيانه، كالعام إذا ورد عليه المخصّص، والمطلق إذا ورد عليه المقيّد، والمجمل إذا ورد عليه ما يفيد تعيين المراد منه.
وأمّا المبيِّن فقد يكون مبيِّناً للأحكام الشرعية وقد يكون لغيرها والمقصود هنا إنّما هو الأوّل.
وهو قد يكون قولاً، كما لو قال: المراد من القروء في العدة الأطهار، أو المراد من المشركين في قوله: «اقتلوا المشركين » أهل الحرب.
وقد يكون فعلاً إمّا بأن يكون دلالته على البيان بمواضعة، كالكتابة وعقد الأصابع وقد وقع البيان به، كما كان النبي(صلى الله عليه وآله) يكتب بالأحكام إلى عماله; أو لا بمواضعة كالإشارة مثل قوله(عليه السلام):الشهر هكذا وهكذا وهكذا، أو أشار بأصابعه، وكما بيّن(عليه السلام) الصلاة والحج بفعله.
وقد يكون تركاً، كما لو ركع (عليه السلام) في الثانية بغير قنوت، فإنّه يدلّ على

صفحه 33
انتفاء وجوبه قبل الركوع; أو يسكت عن بيان الحادثة، فيعلم انتفاء الحكم الشرعي فيها; أو يترك مدلول ظاهر الأمر المتناول له ولأُمّته، فيعلم أنّه مخصوص، وأنّ حكم العام مختص بأُمّته دونه، ولو كان تركه بعد أن فعله مرة أو مراراً علم أنّه منسوخ عنه، ثم إن ثبت مساواة أُمّته له فيه كان منسوخاً عنهم أيضاً.

[ في وقوع البيان بالأفعال]

ثم العلم بكون الفعل بياناً قد يكون ضرورياً، كما لو أمر بفعل ثم أتى به مقترناً بما أفاد العلم الضروري بكونه بياناً للمأمور به.
وقد يكون بالدليل اللفظي، كما لو قال(عليه السلام):هذا بيان للمجمل وشبهه، كما بيّن (عليه السلام)الصلاة والحج والوضوء بقوله(عليه السلام):«صلوا كما رأيتموني أُصلّي »1، وقوله: «خذوا عنّي مناسككم »2، وقوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به ».3
وقد يكون بالدليل العقلي، كما لو أمر بفعل مضيّق بلفظ مجمل وفعل(عليه السلام)فعلاً صالحاً لبيانه ولم يبيّن بالقول إنّ ذلك بيان، فإنّه يعلم كونه بياناً له بدليل العقل، وهو أنّه لو لم يكن الفعل بياناً لزم عدم البيان عند الحاجة إليه. والتالي باطل وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق، فالمقدّم مثله.

1. عوالي اللآلي:1/198 و ج3/85 برقم 76; بحار الأنوار:82/279; سنن البيهقي:2/345; سنن الدارقطني:1/280.
2. عوالي اللآلي:1/215 برقم73; سنن البيهقي:5/125.
3. من لا يحضره الفقيه:1/38 ح76، باب صفة وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله); عوالي اللآلي:2/7 برقم 4 و 202، و ج3/24 برقم 63; وسائل الشيعة:1/438 ح11، الباب31 من أبواب الوضوء; سنن البيهقي:1/80; مجمع الزوائد:1/239; فتح الباري:1/205.

صفحه 34
والملازمة ظاهرة، إذ المقدّر عدم وجود ما يصلح أن يكون بياناً سوى الفعل المذكور.
واعلم أنّ بعض الناس ذهب إلى أنّ الفعل لا يكون بياناً1 وهـو باطل، لما بيّنّا من بيانه (عليه السلام)الصلاة والحج والوضوء به ولأنّه قد يكون أدلّ من القول.
احتجّ المخالف بأنّ الفعل قد يطول فيفضي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل.
والجواب: أنّ القول قد يكون أطول وحينئذ نقول:إنّ البيان إذا كان ممكناً بكلّ منهما وكان بأحدهما أطول بحيث يوجب تأخير البيان عن وقت الحاجة والآخر ليس كذلك، وجب إطراح البيان بالأوّل قولاً كان أو فعلاً، وتعيّن البيان بالثاني; وإن تساويا في إمكان البيان بهما مع عدم الطول المفضي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، جاز بكلّ منهما.
والهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«ويعلم كونه بياناً » عائدة إلى الفعل. والهاء في «قصده » و«قوله » عائدة إلى النبي(صلى الله عليه وآله).
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الفعل والقول إن اتّفقا فالأوّل بيان والثاني تأكيد.
وإن تنافيا، كما لو طاف طوافين وأمر بواحد، قال أبو الحسين: المتقدّم بيان. وقيل: القول لأنّه بيان بذاته، ولأنّه جمع بين الدليلين، إذ الفعل يحتمل أنّه من خواصه(عليه السلام).*

1. وهو قول طائفة شاذة، وحكي ذلك عن أبي إسحاق الإسفرائيني وأبي الحسن الكرخي. راجع التبصرة:247.
وقد ردّ السيد المرتضى في الذريعة:255 هذا القول بقوله: اعلم أنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الأفعال يقع بها البيان في المجمل، كما يقع بالقول، وقد رجعوا إلى أفعاله(صلى الله عليه وآله) في البيان، كما رجعوا إلى أقواله، ومن قال أخيراً بخلاف ذلك مخالف للإجماع.

صفحه 35
وقوله: «أو بالنظر » عطف على قوله:«بالضرورة »، وقوله:«وبالترك » معطوف على قوله:«وبالفعل ».1

*[في أنّ القول هل يقدّم في البيان على الفعل؟]

أقول: القول والفعل إذا صلح كلّ واحد منهما لبيان خطاب متقدّم عليهما محتاج إلى البيان فأيّهما أولى بكونه بياناً.
والحق أنّهما إن توافقا بأن يكون مدلولهما واحداً، فالسابق منهما بيان واللاحق تأكيد له، لأنّ الكشف وزوال اللبس قد حصل بالأوّل فلم يبق للثاني فائدة إلاّ التأكيد.
فإن علم تاريخهما بمعنى نسبة أحدهما إلى الآخر بالتقدّم والتأخر، فالبيان هو الأوّل والثاني مؤكّد له; وإن جهل علم في الجملة أنّ أحدهما بيان والثاني مؤكّد له. هذا إذا كانا متساويين في قوة الكشف والإيضاح.
أمّا لو تفاوتا فيه لم يصلح الأضعف لتأكيد الأقوى، فإن علم تقدّم الأضعف كان الأقوى مؤكّداً، وكذا إن جهل إذ لا يمكن تقدّم الأقوى وتأخّر الأضعف، وإلاّ لزم تأكيد الأقوى بالأضعف، هكذا قيل.
وفيه نظر، للمنع من عدم تأكيد الأقوى بالأضعف، فإنّ من المعلوم أنّ الظن الحاصل بشهادة الشاهدين يتأكّد بانضمام ثالث إليهما ويترجّح بسببه على شاهدين غيرهما عند التعارض.
سلّمنا، لكن التأكيد ليس بالأضعف وحده، بل بالمجموع منهما فإنّه أشد كشفاً وإيضاحاً من أحدهما وإن كان أقوى من الآخر.

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/432ـ434; المعتمد:1/311ـ312.

صفحه 36
وإن تنافيا ظاهراً كما روي عنه(عليه السلام) أنّه قال:«من قرن الحجّ إلى العُمرة فليطف لهما طوافاً واحداً »1 مع ما روي عنه(عليه السلام) أنّه قرن بينهما فطاف لهما طوافين وسعى سعيين2; فإن تقدّم أحدهما الآخر كان المتقدّم بياناً عند أبي الحسين3، فإن كان القول كان الطواف الثاني غير واجب، وإن كان الفعل كان واجباً.
وقال صاحب الإحكام: إن كان القول متقدّماً فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي(صلى الله عليه وآله)يجب حمله على الندب، وإلاّ لزم نسخ ما دلّ عليه القول، والجمع بين الدليلين أولى من نسخ أحدهما، وفعله الطواف يكون تأكيداً للقول .
وإن كان الفعل متقدّماً فهو وإن دلّ على وجوب الطواف الثاني، إلاّ أنّ القول بعده يدلّ على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ممتنع، فلم يبق إلاّ أن يكون ناسخاً لوجوب الطواف الثاني في حقّه دون أُمّته، وأن يحمل قوله على وجوب الأوّل دون الثاني في حق أُمّته دونه.
وأمّا إن جهل المتقدّم منهما، فالأولى تقدير تقدّم القول وجعله بياناً لكونه مستقلاً في الدلالة بنفسه بخلاف الفعل المفتقر إلى اقتران ما يدلّ على كونه بياناً به.
ولأنّه على تقدير تقدّم القول يمكن حمل الفعل على ندبية الطواف الثاني، ولو قدّر تقدّم الفعل لزم تعطيل دلالة القول أو كونه ناسخاً لحكم

1. روي هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في سنن ابن ماجة:2/990 برقم 2973، باب طواف القارن; ومسند أحمد:2/67 باسناديهما عن جابر وابن عمر.
2. كنز العمال:5/160 برقم 12461.
3. المعتمد:1/313.

صفحه 37
الفعل أو أن يكون الفعل بياناً لوجوب الطواف في حقّه(عليه السلام) دون أُمّته والقول دليل عدم وجوبه في حق أُمّته دونه، والإهمال والفسخ خلاف الأصل، والافتراق بين النبي(عليه السلام)وبين أُمّته في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنسبة إلى الاشتراك، إذ هو الغالب في الأحكام.1
وقـال آخـرون: يكـون القـول بيـاناً، سـواء كـان متقـدّمـاً أو متأخّراً2، لأنّه بيان بنفسه، بخلاف الفعل المحتاج في كونه بياناً إلى قرينة حالية أو مقالية. ولأنّ فيه جمعاً بين الدليلين، لاحتمال كون فعلـه(عليه السلام)من خواصه.
ولو جهل التاريخ، قال أبو الحسين3: يكون البيان القول كما ذكرنا.
ولأنّ فرض تأخّر القول مفض إلى كونه ناسخاً أو معطلاً بخلاف عكسه لجواز كونه من خواصه فلا نسخ ولا تعطيل فيه.
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: البيان قد يساوي المبيّن في القوة والضعف، وقد يكون معلوماً والمبيّن مظنوناً، وبالعكس كما في تخصيص المعلوم بالمظنون، ولا فرق بين الواجب وغيره في وجوب بيانهما.*
ويمكـن أن يقـال: إنّ ما ذكـروه من المثال غير مطابق، إذ ليس القولوارداً على مجمل ليكون بياناً له، بل هو حكم مبتدأ، وفعله(عليه السلام)لا

1. الإحكام:3/20.
2. وإليه ذهب فخر الدين الرازي في المحصول:1/476 وأتباعه، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:249، وهو رأي الجمهور، وابن الحاجب وابن السبكي وابن الهمام من الحنفية.
وقد ردّ العلاّمة الحلّي هذا القول في نهايته:2/436 بقوله: وليس بجيد لأن الغرض كون كل منهما صالحاً للبيان، فإذا فرضنا تقدّم الفعل فهو بيان لوقوعه بعد إجمال ورد التعبّد به، فيكون بياناً له على ما تقدّم.
3. المعتمد:1/313.

صفحه 38
ينافي قوله إلاّ بتقدير أن يقول:«فليطف لهما طوافاً واحداً » لا أزيد، أو يحضر وقت التكليف بالخطاب لئلاّ يتأخّر البيان عن وقت الحاجة; أمّا على تقدير عدم هذه الزيادة أو عدم حضور وقت العمل بمدلول القول فلا منافاة، إذ إيجاب طوافين لا ينافي إيجاب واحد ولا يوجب نسخاً إلاّ عند مَن يزعم أنّ الزيادة في العبادة نسخ.

*[في أنّ البيان كالمبيَّن]

أقـول: مسـاواة البيـان للمبيّـن في القـوة والضعف أو عدمها تارة تكون في طريقهما أي دليل صدورهما عن الشارع، وتارة في دلالتهما على معناهما.
أمّا الأوّل: فذهب أبو الحسن الكرخي إلى وجوب كون البيان معلوماً إذا كان المبيّن معلوماً، ولهذا ردّ خبر الأوساق وهو قوله(عليه السلام): «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة »1، وعمل بعموم قوله(عليه السلام):«فيما سقت السماء العشـر ».23 والمحقّقـون على خلافـه، وجـواز كلّ واحـد مـن الأقسـام الأربعـة الممكنـة فـي ذلك ـ أعنـي: كونهمـا معلوميـن، ومظنونين، وكون البيان معلوماً والمبيّن مظنوناً، وبالعكس ـ كما في تخصيص عموم الكتاب والسنّة المتواترة بخبر الواحد، وقد ظهر ذلك فيما تقـدّم في

1. صحيح البخاري:2/121، باب زكاة الورق; و ص 133، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة; صحيح مسلم:3/66، كتاب الزكاة; سنن أبي داود:1/348 برقم 1558; سنن النسائي:5/17 و 18.
2. صحيح البخاري:2/133، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء; مسند أحمد:5/233; سنن أبي داود:1/353 برقم 1572، باب في الزكاة السائمة; سنن النسائي:5/42; سنن البيهقي:4/130; كنز العمال:6/328 برقم 15880 و ص 553 برقم 16909.
3. نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد:1/313، والرازي في المحصول:1/476.

صفحه 39
بـاب تخصيص العمـوم.
وأمّا الثاني: فإن كان المبيّن مجملاً، كفى في بيانه تعيين أحد احتماليه بأدنى ما يفيد ترجيحه على الآخر لوجوب العمل بالراجح.
وإن كان ظاهراً في أحدهما كالعام والمطلق، وجب كون المخصص أقوى دلالة من العام على صورة التخصيص وكون المقيّد أقوى دلالة على التقييد من المطلق على الإطلاق، إذ لو تساويا لزم الوقف.
ولو كان البيان مرجوحاً استحال العمل به وإلغاء الراجح، بل يتعيّن عكسه.
أمّـا مسـاواتهما فـي الحكـم فقـال قـوم: إنّ بيـان الـواجب واجـب، فإن أرادوا أنّ بيـانه على الرسول(صلى الله عليه وآله)واجب وبيان غيره من المندوب والمباح والمكروه ليس واجباً عليه وإن كان مجملاً، فهو باطل، فإنّ بيان المجمل واجب مطلقاً، سواء تضمّن فعلاً واجباً أو غيره من الأحكام، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق.
وفيه نظر، للمنع من اللزوم المذكور، فإنّ ماعدا الواجب فعله أو تركه من المباح والمندوب والمكروه ليس فيه تكليف على ما تقدّم، فلا يلزم من عدم بيانه تكليف مالا يطاق.
وقال شيخنا ـ طاب ثراه ـ إنّ المندوب والمكروه وإن لم يكونا من التكليف، إلاّ أنّ أحدهما مطلوب الفعل والآخر مطلوب الترك، فيجب فيهما البيان، لأنّ طلب الفعل والترك يستدعي الفهم، ولأنّ الخطاب بهما أو بالمباح لابد فيه من البيان تحصيلاً للغرض من الخطاب وهو الإفهام.
وفيه نظر، للمنع من وجوب البيان فيهما فإنّه نفس النزاع واستدعاء الطلب الفهم ممنوع.

صفحه 40
سلّمنا، لكنّه يستدعي فهم الطلب لا فهم المطلوب.
سلّمنا، لكن الفهم حاصل على سبيل الإجمال من دون البيان فهو كاف، وكذلك الغرض من الخطاب إنّما هو الإفهام مطلقاً لا التفصيلي.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/437ـ 440; الإحكام:3/20ـ21.

صفحه 41
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: الإجماع على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلاّ عند مَن يجوِّز تكليف المحال. ومنع أبو الحسين من تأخّره إلى وقت الحاجة في كلّ خطاب له ظاهر يراد منه غيره، مثل عام المخصوص، والمجاز، والنسخ، وتعيين النكرة، واكتفى بالإجمالي، وجوَّز في مثل المتواطئة والمشتركة. وجوَّز الأشاعرة التأخير في الجميع إلى وقت الحاجة، وجمهور المعتزلة على المنع في الجميع إلاّ النسخ.
احتج أبو الحسين بأنّ إرادة ما يُعلم من الخطاب خلافه مع عدم الإشعار إغراءٌ بالجهل، فيكون قبيحاً.
احتجّت الأشاعرة بقوله:(فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثم إنّ علينا بيانه)، وبأنّه أمر بذبح بقرة معيّنة لقوله تعالى:(إنّها بقرة لا ذلول)ولم يبيّنها وقت الخطاب وإلاّ لما سألوا وبقول ابن الزبعرى لما نزل: (إنّكم وما تعبدون): لأخصمنَّ محمداً قد عُبدتِ الملائكة والمسيح. وبأنّه يجوز تخصيص الميت قبل الفعل إجماعاً وذلك يقتضي الشك في المراد بالخطاب مع عدم تقدّم البيان .
والجواب عن الأوّل: إنّما يلزم الإغراء لو لم يتقرّر في العقل تجويز التخصيص، كما في المتشابه.
وعن الثاني: أنّه يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وكذا عن الثالث.
وعـن الـرابـع: أنّـه جهـل من السائل، فإنّ «ما » لا تَتناول العقلاء حقيقة.
وعـن الخـامس: أنّ التكليـف مشـروط بـالسلامـة، وهـو ثـابت عند كلّ عاقل، ونحن مكلّفون باعتقاد عموم التكليف قبل الموت بشرط السـلامة.*

* [في عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة]

أقول: اتّفق الأُصوليّون على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلاّ الذين جوّزوا تكليف مالا يطاق.1

1. كالأشعرية.

صفحه 42
وأمّا تأخيره عن وقت الخطاب فقد اختلفوا فيه: فجوّزه جماعة من الأشاعرة والحنفية مطلقاً.1
ومنعه آخرون، كأبي إسحاق المروزي2، والصيرفي مطلقاً. 3
وفصّل آخرون فقال السيد المرتضى(رحمه الله)4وأبو الحسن الكرخي: يجوز تأخير بيان المجمل خاصة.5
وقال أكثر المعتزلة كالجبائيين والقاضي عبد الجبار: يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره.6
وقال أبو الحسين البصري: يجوز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، إمّا بأن يكون اللفظ مشتركاً بين معان متعددة، أو متواطئاً بأن يكون موضوعاً لمعنى يشترك فيه كثيرون على السواء. وأمّا ما له ظاهر قد استعمل في خلاف ظاهره; كالعام المخصوص، والمطلق المراد منه

1. وهـو مـذهب الشـافعي وعمـوم أصحـابه، وهـو مختـار إسمـاعيل بن يحيـى المـزني وابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وأبي بكر القفّال وابن السبكي والغزّالي والرازي والآمدي وغيرهم. راجع: التبصرة:207; المستصفى:2/40; المحصول:1/477; الإحكام:3/22; ميزان الأُصول:363.
2. هو إبراهيم بن أحمد المروزي، أبو إسحاق، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج. مولده بمرو الشاهجان (قصبة خراسان)، وأقام ببغداد أكثر أيامه، وتوفّي بمصر سنة 340هـ. له تصانيف، منها: شرح مختصر المزني. الأعلام:1/28.
3. وهو مذهب بعض الشافعية والحنابلة والظاهرية والمعتزلة، وهو مختار القاضي أبي حامد وأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأبي حاتم الرازي.
4. الذريعة:271.
5. وهو الموافق لما ذهب إليه الإمامية، واختاره الشيخ المفيد في التذكرة:39، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/450. وهو المحكي أيضاً عن أبي عبد الله البصري وجماعة من الفقهاء وجماعة من أصحاب الشافعي.
6. المعتمد:1/315.

صفحه 43
المقيّد، والمنسوخ ـ أعني: الحكم ـ الذي يتعقّبه ما ينسخه، والحقيقة المراد بها المجاز، والمنكر المراد به المعيّن; فلا يجوز تأخير بيانه مطلقاً لا عن وقت الحاجة، ولا عن وقت الخطاب.
نعـم يجـوز تأخيـر بيانه التفصيلي ويكتفـي فيه بالبيـان الإجمـالي إلى وقت الحاجة، كما لو قال: هذا العام مخصوص، أو هذا المطلق مقيّد، أو هذا الحكم سينسخ، أو المراد من هذا اللفظ مجازه دون حقيقته، أو المـراد بالنكـرة معيّن.
فإذن له ثلاث دعاو:
إحداها: امتناع تأخير البيان فيما له ظاهر عن وقت الخطاب.
وثانيها: الاكتفاء فيه بالبيان الإجمالي إلى وقت الحاجة.
وثالثها: جواز تأخير بيان ما لا ظاهر له كالمشترك والمتواطي.1والمصنّف ـ طاب ثراه ـ اقتصر على ذكر حجته على الدعوى الأُولى.2
وتقريرها أن يقال: لو خاطب الشارع بما له ظاهر غير مراد من دون القرينة، لزم أحد الأُمور الثلاثة وهي: إمّا خروج الخطاب عن كونه خطاباً، أو الإغراء بالجهل، أو تكليف مالا يطاق. واللازم بأقسامه باطل فالملزوم مثله. أمّا الملازمة فلأنّه إن لم يقصد به الإفهام أصلاً لزم الأوّل، إذ الخطاب الكلام المقصود به الإفهام، فما لم يقصد به الإفهام لا يكون خطاباً. وإن قصد به إفهام ظاهره مع عدم إرادته لزم الثاني، لأنّه يوجب اعتقاد المكلّف إرادة الشارع ذلك الظاهر وهو جهل. وإن قصد به إفهام

1. المعتمد:1/316. ووافقه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/442.
2. لكنّه ذكر حججه على الدعوى الثانية والثالثة في نهايته:2/444ـ 445، فلاحظ.

صفحه 44
خلاف ظاهره لزم الثالث، فإن فهم غير موضوع اللفظ وما يتبعه من غير قرينة تدلّ عليه، محال غير مقدور، فالتكليف به تكليف بمالا يطاق. وأمّا بطلان اللازم بأقسامه فظاهر.
وأمّا الدعوى الثانية فظاهرة، فإنّ المفسدة وهي الإغراء بالجهل يرتفع بالبيان الإجمالي كارتفاعها بالتفصيلي.
وأمّا الثالثة فلإمكان تعلّق الغرض بالخطاب إجمالاً، لاشتماله على مصلحة لا توجد في غيره، والمفسدة وهي الإغراء بالجهل منفية عنه.
وأجاب المصنف ـ طاب ثراه ـ عن الأوّل بالمنع من لزوم الإغراء بالجهل، وإنّما يتحقّق أن لو لم يتقرّر في العقل جواز إرادة خلاف ظاهر الخطاب، أمّا مع تحقّق ذلك وهو الواقع فلا إغراء، كما في المتشابهات مثل: (يَدُ اللهِ فَوقَ أيْدِيهِمْ)1،(فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)2، (تَجْرِي بِأعْيُنِنا)3.
وفيه نظر، فإنّ الدليل العقلي الدال على امتناع كونه تعالى جسماً قائم وهو يمنع من اعتقاد مدلول ظواهر الآيات المذكورة، بخلاف ما نحن فيه فإنّه ليس عند المكلّف دليل عقلي ولا نقلي يمنع من إرادة ظاهر اللفظ ويوجب العدول عنه إلى غيره، وجواز إرادة خلاف الظاهر لا ينافي اعتقاده إرادة الظاهر. نعم يكون ذلك الاعتقاد ظناً لخلوّه عن الجزم .
واحتجّت الأشاعرة على جواز تأخير البيان مطلقاً ـ أي فيما له ظاهر، وما لا ظاهر له ـ بأنّ ذلك واقع فيكون جائزاً.

1. الفتح:10.
2. البقرة:115.
3. القمر:14.

صفحه 45
أمّا الثاني فظاهر.
وأمّا الأوّل فمن وجوه:
أحدها: قوله تعالى: (فَإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ* ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ)1ولفظة (ثم) موضوعة للتراخي على ما تقدّم، ومعنى (قَرَأناهُ): أنزلناه، وهو صريح في تأخير بيان الجميع.
وفيه نظر، فإنّ هذه الآية إنّما تدلّ على تأخير البيان عن الإنزال والمتابعة في التلاوة، وذلك لا يدلّ على تأخيره عن الخطاب، فإنّ التلاوة وتلقين القرآن ليس خطاباً لأنّه قد لا يقصد به الإفهام.
الثاني: أنّه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معيّنة غير منكرة، ولم يعيّنها لهم إلاّ بعد سؤالهم البيان. أمّا أمره تعالى بذلك فلقوله تعالى: (إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً).2وأمّا كونها معيّنة فلقوله تعالى:(إنّها بَقَرَةٌ صَفْراءٌ)3، (إنّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)4، (إنّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمةٌ لاشِيَةَ فِيها)5، وهذه الكنايات عائدة إلى ما أُمروا بذبحه ولأنّهم سألوا تعيّنها بقوله تعالى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنا ما هِيَ)6، و(ما لَوْنُها)7، ولو كانت منكرة لما احتاجوا إلى ذلك لخروجهم حينئذ عن العهدة بذبح أي بقرة كانت. وأمّا أنّه لم يبيّنها لهم إلاّ بعد

1. القيامة:18ـ 19.
2. البقرة:67.
3. البقرة:69.
4. البقرة:68.
5. البقرة:71.
6. البقرة:70.
7. البقرة:69.

صفحه 46
السؤال المكرر فظاهر، وهذا يختصّ بجواز تأخير بيان تعيّن النكرة.
الثالث: لمّا نزل قوله تعالى: (إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)1 قال ابن الزبعرى2: لأخصمنّ محمداً، قد عبدت الملائكة والمسيح فهؤلاء حصب جهنم، فتأخّر بيان ذلك إلى أن نزل قوله تعالى: (إنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُون)3،وهذا يدلّ على جواز تأخّر بيان مخصّص العام في الخبر.
الـرابع: الإجمـاع واقـع علـى جـواز أمـر الله تعـالى المكلّفيـن بالأفعـال مع جواز موت كلّ واحد منهم قبل الفعل، وذلك يوجب الشك في المـراد بالخطاب، وعلـى تقـدير وقوع ذلك الجائز يكون تخصيصاً لم يتقدّم بيانه.4
والجواب عن الأوّل والثاني: أنّ ظاهرهما يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو باطل إجماعاً، فلابدّ من التأويل والعدول عن الظاهر فيهما فنقول:
أمّا الأوّل، فالمراد بالبيان هنا الإظهار والإشهار، وهو على وفق اللغة

1. الأنبياء:98.
2. هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد شاعر قريش في الجاهلية، كان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، فقال فيه حسّان أبياتاً، فلمّا بلغته عاد إلى مكة فأسلم واعتذر، ومدح النبي(صلى الله عليه وآله) فأمر له بحلّة. توفّي نحو 15هـ . الأعلام:4/87.
3. الأنبياء:101. وقد نقل قصة ابن الزبعرى هذه: القمي في تفسيره:2/76، والطبرسي في مجمع البيان:7/116.
4. وهناك وجوه أُخرى احتجّ بها الأشاعرة على جواز تأخير البيان، مطلقاً ذكرها الرازي في المحصول:1/478ـ 488، والآمدي في الإحكام:3/22ـ 30; وقد أجاب عنها العلاّمة في نهايته:2/458ـ 474، فلاحظ.

صفحه 47
كما يقال:«بان لنا الكوكب الفلاني » إذا ظهر، وكذا: «بان سور المدينة » وهو أولى من حمل البيان على بيان المجمل والعام والمقيّد، لأنّ الهاء في قوله تعالى:(ثمّ إنّ علينا بيانه)عائدة إلى مجموع القرآن، ومن المعلوم أنّ مجموع القرآن ليس محتاجاً إلى البيان بالمعنى الثاني، فلو حمل اللفظ عليه لزم عود الضمير في قوله: (بيانه) إلى البعض، وهو خلاف الظاهر، فتعيّن حمله على ما قلناه.
وأيضاً فإنّ البيان في الآية مضاف إلى القرآن، والبيان بالمعنى الثاني إنّما هو بيان للمراد من القرآن لا له، وأمّا البيان بالمعنى الأوّل فهو مضاف إلى القرآن لا إلى مدلوله والمراد منه فكان أولى.
وعن الثاني المنع من أمرهم بذبح بقرة معيّنة، بل المأمور به ذبح بقرة منكرة عملاً بظاهر الآية. ولأنّهم لو كانوا مأمورين بذبح بقرة معيّنة لما استحقّوا بالسؤال والبحث عن التعيين، التوبيخ والتعنيف، بل كان استحقاقهم للمدح والثناء أحرى، وحينئذ لا يحتاج إلى بيان، لإمكان الامتثال بذبح أي بقرة شاءوا وسؤالهم البيان إمّا لغلطهم حيث حملوا لفظ النكرة على المعيّنة، أو ليمتحنوه في الإخبار بالمغيّبات لأنّهم وإن كانوا مكلّفين بذبح أي بقرة شاؤوا إلاّ أنّهم لا يذبحون إلاّ معيّنة1، أو أنّه تعالى كلّفهم بذبح بقرة معيّنة بعد سؤالهم كما روي عن ابن عباس: أنّهم لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأتهم لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم.2

1. في أ: إلاّ بقرة معيّنة.
2. تفسير الطبري(جامع البيان):1/493; تفسير الرازي:3/116; تفسير ابن كثير:1/113; الدر المنثور:1/77. وقد وردت هذه القصة عن طريق أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في عيون أخبار الرضا(عليه السلام):1/16، في بيان قصة بقرة بني إسرائيل، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الإمام الرضا(عليه السلام); وفي تفسير العياشي:1/47 برقم 58 باسناده عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الكاظم(عليه السلام).

صفحه 48
وعن الثالث: أنّا لا نسلّم أنّ فيه تخصيصاً للعام المذكور، لما عرفت من أنّ لفظة «ما » لا تتناول العقلاء، وحينئذ لا يكون الملائكة والمسيح داخلين فيما يعبدون. ولأنّه خطاب للعرب وليسوا عابدين للملائكة ولا للمسيح وإنّما كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فإنّ ابن الزبعرى غلط وقال ما قال لسوء فهمه وعدم تفطّنه لذلك.
وعن الرابع: أنّ التكليف مشروط بسلامة المكلّف، وهذا القدر معلوم لكلّ عاقل، ونحن مكلّفون باعتقاد عموم التكليف بشرط بقاء المكلّف وسلامته ممّا يزيل التكليف كالجنون وما أشبهه .
قال قدس الله روحه: تنبيه: جوّز السيد المرتضى(رحمه الله) تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، لإمكان اقتضاء المصلحة ذلك. والأمر بالتبليغ لا يقتضي الفور ولا العموم، لانصراف المنزل إلى القرآن عرفاً.*
واحتجّ المعتزلة على امتناع تأخّر البيان مطلقاً بأنّ المقصود من الخطاب الإفهام على ما عرفت، وهو غير متحقّق في المجمل لحصول التردّد بين معانيه.
والجواب: المنع من عدم الإفهام فإنّ المكلّف يفهم منه أنّه مكلّف بأحد الأمرين أو الأُمور فيحصل بالثواب على العزم على الامتثال عند حضور وقت الفعل المأمور به وتحقق بيانه.
واعترض المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك بأنّ النزاع فيما لو كانت

صفحه 49
صيغة الأمر مشتركة كما في صورة المأمور .
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع ذلك، وكيف لا والأمثلة المنقولة عن الأُصوليّين مصرّحة بأنّ النزاع إنّما هو في الإجمال في المأمور به لا في الأمر وكذا حججهم.
سلّمنا، لكن على ذلك التقدير يفهم المكلّف أنّه يجوز أن يكون مأموراً بأحد الأمرين، فيعزم على الامتثال حينئذ ويحصل الثواب.

*[في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة لاقتضاء المصلحة]

أقول: ذهب السيد المرتضى(رحمه الله) إلى جواز تأخير تبليغ النبي(عليه السلام)بعض
ما أوحى الله تعالى إليه من الأحكام إلى وقت الحاجة.1 وهو اختيار المحقّقين2، ومنع منه قوم.
احتجّ السيد المرتضى(رحمه الله) بأنّ تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة قد يتضمّن مصلحة لا تحصل في تقديمه فيجب التأخير تحصيلاً لتلك المصلحة، وقد يتساوى التقديم والتأخير في المصلحة فلا يتعيّن أحدهما، وحينئذ لا يكون تقديم التبليغ متعيّناً على الإطلاق، وهو المدّعى.
احتجّ المانعون بقوله تعالى: (ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ

1. الذريعة:270.
2. وهو المختار عند الإمامية، كالشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/447، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/476، وذهب المعتزلة إليه أيضاً كما نقل عن أبي الحسين البصري في المعتمد:1/315، وهو مختار الآمدي في الإحكام:3/33، والرازي في المحصول:1/477، وأكثر المحققين على ذلك.

صفحه 50
رَبِّك)1 والأمر للفور.
والجواب: المنع من اقتضاء مطلق الأمر للفور، وقد تقدّم.

1. المائدة:67.

صفحه 51
قال قدس الله روحه: تذنيب: يجوز أن يُسمِع الله تعالى المكلّف العام من غير إسماع المخصّص، ويكون مكلفاً له بطلب الخاص، فإن وجده عمل به وإلاّ عمل بظاهر العام، لأنّهم سمعوا: «اقتلوا المشركين »، ولم يسمعوا: «سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » إلاّ بعد حين، ولجواز إسماع العام المخصوص بالعقل وإن افتقر إلى نظر.
احتجّ أبو الهذيل وأبو علي بأنّ فيه إغراءً بالجهل، ومنعاً عن العمل بالعموم إلاّ بعد البحث عن المخصّص في أقطار الأرض.
والجواب: لا إغراء مع ظن التخصيص وعدم اليقين بالعموم، وظن الاستغراق كاف في الاحتجاج والعمل بالعام، فعلى هذا لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصّص إجماعاً.*
سلّمنا، لكن المراد بالمنزل إنّما هو بالقرآن عرفاً، وهو لا يعمّ الأحكام المدّعى وجوب تبليغها.
سلّمنا، لكن ذلك إنّما يتناول ما أُنزل إليه(عليه السلام) من الأحكام قبل وقت الأمر بالتبليغ، ولا يتناول ما سينزل إليه منها، لأنّ لفظة (أُنزلَ)، ماض فلا يتناول الحال ولا الاستقبال.

* [ في جواز سماع المخاطب العام وإن لم يسمع الخاص]

أقول: القائلون بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز إسماع الله تعالى المكلّف العام دون إسماعه الدليل المخصّص ويكون مكلّفاً له بطلب ذلك الدليل المخصّص فإن وجده عمل بمقتضاه، وإلاّ عمل بظاهر العموم مع اتّفاقهم على الجواز إذا كان الدليل عقلياً.
فذهب أبو هاشم1 والنظّام وأبو الحسين البصري إلى الجواز.2

1. لأبـي هـاشـم الجبّـائي قـولان: الأوّل: المنع، والثاني: الجواز وهو قوله الأخير. راجع الذريعة:285.
2. المعتمد:1/331. وهو مختار الإمامية وعلمائها، كالسيد المرتضى في الذريعة:285، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/466.
وذهب إليه أيضاً الرازي في المحصول:1/499، والآمدي في الإحكام:3/34، وهو الذي يدلّ عليه قول الشافعي وغيره من الفقهاء كما نقله الشيخ الطوسي في العدة.

صفحه 52
ومنعه أبو علي الجبّائي وأبو الهذيل العلاّف1.
واختار المصنّف (رحمه الله)الأوّل.2 واحتجّ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ ذلك واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلأنّ الصحابة سمعوا قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)3 وذلك ممّا يوجب قتل المجوس لشمول المشركين لهم، ولم يسمعوا مخصّص ذلك العام وهو قوله(عليه السلام): «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » إلاّ بعد مدة طويلة واختلافهم في حكمهم في خلافة عمر لما روى ذلك عبد الرحمن.4
وأمّا الثاني فظاهر.
الثاني: أنّه يجوز إسماع المخصوص بدليل العقل وإن كان مفتقراً إلى نظر، ومتى كان كذلك جاز استماع العام المخصوص بدليل السمع بدون

1. هـو محمـد بن محمـد بن الهـذيل بن عبـد الله بـن مكحـول العبـدي، أبـو الهـذيل العلاّف مـن أئمـة المعتـزلـة. ولـد في البصـرة سنة 135هـ واشتهر بعلم الكلام، كفّ بصره في آخر عمره وتوفّي بسامراء سنة 235هـ ، له كتب كثيرة ومقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات. الأعلام:7/131.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/479.
3. التوبة:5.
4. روى البيهقي في سننه:9/189 أنّ عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول:«سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب ». ورواه المتقي الهندي في كنز العمال:4/502 برقم 11490، والصدوق مرسلاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في «من لا يحضره الفقيه »:2/53 برقم 1678، الخراج والجزية.

صفحه 53
إسماعه، لأنّ العلّة في الجواز هناك إنّما هو تمكّن المكلّف من معرفة المراد بالخطاب العام، وهي بعينها متحقّقة في صورة النزاع فثبت الحكم.
احتجّ أبو علي وأبو الهذيل بوجهين:
الأوّل: أنّ ذلك يوجب الإغراء بالجهل، ومتى كان كذلك امتنع وقوعه من الشارع.
أمّا الأوّل، فلأنّ إسماع المكلّف العام من دون سماعه المخصّص يوجب اعتقاده إرادة الاستغراق منه، وذلك جهل، لأنّ الواقع خلافه.
وأمّا الثاني، فلأنّ الإغراء بالجهل قبيح ،والله تعالى منزّه عنه .
الثاني: لو جاز ذلك لما جاز لمجتهد العمل بشيء من العمومات إلاّ بعد طوافه في أقطار الأرضين وسؤاله هل للعام مخصّص أم لا؟ وبطلان التالي وهو ظاهر يوجب بطلان المقدّم، والملازمة ظاهرة.
وأُجيب عن الأوّل بالمنع من إيجابه الإغراء بالجهل، وكيف والمخصّص مظنون التحقّق باعتبار كون أكثر العمومات الشرعية مخصوصاً والعموم غير متيقّن الإرادة من اللفظ الموضوع له.
وعن الثاني بالمنع من الملازمة، أعني: توقّف العمل بالعام على طواف أقطار الأرضين للتفحّص عن المخصّص، وإنّما يلزم ذلك أن لو لم يكن يتحقّـق ظن الاستغراق عند البحث عن المخصّص الذي لا يعد معه المكلّف مقصّراً وعدم الظفر به، أمّا مع تحقّقـه وهـو الواقع فلا، وذلك لأنّ
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: كلّ مَن يريد الله تعالى إفهامه بالخطاب وجب بيانه له، إمّا لأن يعمل به كالعالم في الصلاة، أو لا لذلك كالعالم المكلّف بمعرفة أحكام الحيض وشبهه.

صفحه 54
ومن لا يريد1 إفهامه لا يجب عليه بيانه له.
ثم قد يراد منه العمل كالعامي، فإنّه يراد منه التكليف بما يفتيه المفتي.*
عدم الظفر بالمخصّص مع البحث عنه يوجب انتفاء ظن التخصيص، وينضم إلى ذلك كون العام حقيقة في الاستغراق فيحصل ظن انتفاء التخصيص والعمل بالظن واجب، فعلى هذا ـ أي على تقدير جواز إسماع المكلّف العام المخصوص من دون مخصّصه ـ لا يجوز العمل بالعام إلاّ بعد البحث عن المخصّص إجماعاً.

* [في ذكر من يجب له البيان]

أقول: لمّا ذكر أنّ البيان واجب في الجملة امّا عند الخطاب، أو الحاجة على ما مر من الخلاف، أشار إلى بيان من يجب البيان له.
واعلم أنّ كلّ مَن أراد الله تعالى إفهامه خطابه المحتاج إلى البيان وجب عليه أن يبيّنه له، ومن لا يريد إفهامه لا يجب عليه بيانه له.
أمّا الأوّل، فلأنّه لو لم يبيّنه له لزم التكليف بالمحال، إذ فهم ما لا يفهم إلاّ بالبيان من دونه، محال.
وأمّا الثاني، فظاهر فإنّه لا تعلّق له بالخطاب، ثم الذي أراد الله تعالى منه فهم خطابه قد يراد منه فعل ما تضمّنه الخطاب إن تضمّن فعلاً، كالعالم في الصلاة فإنّه مكلّف بفعلها; وقد لا يراد منه ذلك، كالعالم في مسائل الحيض وما أشبهه من الأُمور التي لا تعرض إلاّ للنساء

1. في المطبوع: 167 بزيادة: الله.

صفحه 55
كالاستحاضة والنفاس والإرضاع.
وأمّا الذين لا يريد منهم فهم خطابه فقد لا يراد منهم فعل ما تضمّنه الخطاب، كالعوام بالنسبة إلى مسائل الحيض وما جرى مجراها، وكالنساء بالنسبة إلى ما يختص بالرجال; وقد يراد منه فعله، كالعوام بالنسبة إلى العبادات، وكالنساء في مسائل الحيض، فإنّ المراد منهم العمل بما يفتيهم المفتي به، وليسوا مكلّفين بسماع الآيات الإلهية والأخبار النبوية المتضمّنة لتلك الأحكام فضلاً عن معرفة وجوه دلالالتها.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/478.

صفحه 56
قال قدس الله روحه:

الفصل الثالث:

في الظاهر والمأوّل

وقد مضى تعريفهما. ومن التأويل بعيد وقريب.
فمن البعيد تأويل الحنفية قوله(عليه السلام) لابن غيلان وقد أسلم على عشر: «أمسك أربعاً وفارق سائرهن » بابتداء النكاح، أو إمساك المتقدّمات، لقرب عهده بالإسلام.
وأبعد منه في قوله(عليه السلام) لفيروز الديلمي ـ عند الإسلام على الأُختين ـ : «أمسك أيّتهما شئت » فإنّه اقتضى التخيير من غير تفصيل.
ومنه:(فإطعام ستين)بإضمار طعام للتساوي في دفع الحاجة بين ستين يوماً وبين واحد ستين يوماً، لإمكان قصد فضل الجماعة وحصول مستجاب الدعوة فيهم.
وليس ببعيد حمل آية الزكاة على بيان المصرف، لأنّ سياق الآية للرد على لمزهم في المعطين، ورضاهم إن أخذوا، وسخطهم إن منعوا.*
* أقول: قد مرّ في صدر الكتاب تقسيم اللفظ باعتبار احتمال غير ما فهم عنه وعدمه إلى النص والظاهر والمجمل والمأوّل، وعلم منه تعريف

صفحه 57
كلّ واحد منها1، إذ التقسيم يفيد للتعريف، بل قد يكون مفيداً للتحديد التام، وذلك عندما يكون المقسوم جنساً قريباً لأقسامه والمقسّمات فصولاً لها، فإذن لا حاجة إلى إعادة تعريف الظاهر والمأوّل. ولمّا كان الرجحان قابلاً للشدة والضعف بحيث يكون تارة مانعاً من النقيض وأُخرى دون ذلك، وانقسم اللفظ بذلك الاعتبار إلى النص والظاهر كان مقابله وهو المرجوحية كذلك، فلهذا كان من التأويل ما هو قريب وما هو بعيد، وينبغي أن يعلم أنّه لا يصار إلى التأويل إلاّ إذا تعذّر حمل اللفظ على ظاهره لدليل راجح عليه، فحينئذ يتعيّن التأويل، ولابد أن يكون اللفظ محتملاً لما صرف إليه وإن كان بعيداً، ولابد أن يكون المؤوّل ذا فطنة وعلم بمدلولات الألفاظ بحيث يعرف تفاوتها في احتمال إرادتها منها.
في الظاهر والمأوّل   
فمن التأويلات البعيدة تأويل أصحاب أبي حنيفة قوله(عليه السلام)لابن غيلان، ونُقل غيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر:«أمسك أربعاً وفارق سائرهن ».2 وقد أوّلوه بثلاثة تأويلات3:
الأوّل: حمل لفظ الإمساك على ابتداء النكاح، فمعنى قوله:«أمسك أربعاً »:أنكح أربعاً منهن، ومعنى قوله: «وفارق سائـرهن » أي لا تتزوجهن.
الثاني: أنّه يحتمل أن يكون النكاح واقعاً في ابتداء الإسلام قبل حصر عدد النساء في أربع فكان ذلك صحيحاً، لأنّ نكاح الكفّار لا يبطل

1. راجع الجزء الأوّل، ص 141.
2. سنن البيهقي:7/181 و 182; صحيح ابن حبان:9/466; كنز العمال:16/230 برقم 44765. وقد مرت الرواية في الجزء الأوّل:510 فراجع.
3. نقلها عنهم الآمدي في الإحكام:3/38.

صفحه 58
منه إلاّ ما كان مخالفاً لشرع الإسلام حال وقوعه.
الثالث: أنّه يحتمل أنّه أمر الزوج باختيار أوائل النساء.
وهذه التأويلات بعيدة، لأنّ ما اقترن باللفظ من القرائن يمنع من حمله عليها.
أمّا الأوّل: فلأنّ المتبادر إلى الفهم من لفظ الإمساك إنّما هو الاستدامة دون التجديد. ولأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) فوّض الإمساك والمفارقة إلى الزوج، وهما غير واقعين باختياره عندهم، لوقوع الفراق بنفس إسلامه وتوقّف ابتداء النكاح على رضا الزوجات. ولأنّه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر ومفارقة الباقي، والأمر إمّا للوجوب أو للندب على ما مر، وحصر التزويج في العشر ليس واجباً ولا مندوباً، وإن كان النكاح في الجملة مندوباً لجواز نكاح غيرهن، والمفارقة ليست من فعل الزوج حتى يكون مأموراً بها.
والثاني: أيضاً ضعيف، لأنّ الحصر كان في ابتداء الإسلام، إذ لو لم يكن ثابتاً في ابتدائه لم يخل المسلمون بأجمعهم من الزيادة على الأربع عادة، ولو كان ذلك واقعاً لنقل، ولمّا لم ينقل علم ثبوته في ابتداء الإسلام.
والثالث: ضعيف أيضاً، لأنّ الذي أسلم لم يكن عارفاً بالأحكام الثابتة في الإسلام بحيث يعرف وجوب اختيار السابقات لقرب عهده بالإسلام. ولما روي من أنّ واحداً أسلم على خمس، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله):«أمسك منهنّ أربعاً وفارق واحدة »، قال المأمور: فعمدت إلى أقدمهنّ عندي ففارقتها.

صفحه 59
ومنها1: تأويل قوله(عليه السلام) لفيروز الديلمي2 وقد أسلم على الأُختين: «أمسك أيّتهما شئت »3 بالتأويلات الثلاثة المتقدّمة، لما تقدّم من بيان ضعفها، وهذا أبعد من الأوّل، لأنّه هنا صريح بتخيّره حيث أمره بإمساك مَن تعلّقت مشيته بها منهما من غير تفصيل بخلاف الأوّل.4
ومنها: تأويل أصحاب أبي حنيفة أيضاً قوله تعالى:(فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)5 من أنّ المراد لطعامُ6 طعامِ ستين مسكيناً، زاعمين أنّ المقصود إنّما هو دفع الحاجة، وأنّه لا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكين يوماً واحداً وبين دفع حاجة مسكين واحد ستين يوماً.
وهو ضعيف. أمّا أوّلاً: فلأنّه لا حاجة إلى هذا الإضمار المخالف للأصل من غير ضرورة، وما ذكـروه من المقصود وإن سلّم فليس مقصوداً وحده، بل هو وفضل الاجتماع واغتنام بركة الجماعة وحصول مستجاب الدعوة فيهم، فـإنّه قـلّ أن يخلـو هـذا العدد المذكور من المسلمين من ولي من أولياء الله تعالى تحصل به البركة ويكون دعاؤه مستجاباً،

1. أي من التأويلات البعيدة التي ذكرها الشارح في ص 58.
2. هو أبو الضحاك فيروز الديلمي، صحابي يماني، فارسي الأصل من أبناء الذين بعثهم كسرى لقتال الحبشة، كان يقال له الحميري لنزوله بـ«حمير » ومحالفته إيّاهم، وفد على النبي(صلى الله عليه وآله)وروى عنه أحاديث، وعاد إلى اليمن فأعان على قتل الأسود العنسي، سكن مصر وتوفّي بها سنة 53هـ . الأعلام:5/164.
3. راجع: سنن البيهقي:7/184; سنن الدارقطني:3/191 برقم 3656. وقد وردت هذه الرواية من طرق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، راجع: وسائل الشيعة:20/478، الباب25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة; مستدرك الوسائل:14/405، الباب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة.
4. راجع: الإحكام:3/38ـ39.
5. المجادلة:4.
6. في «أ » و «ج » و «م »: اِطعام.

صفحه 60
وحصول ذلك في الواحد نادر.1
وليس من التأويلات البعيدة حمل علمائنا آية الزكاة، وهي قوله تعالى:(إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَسَاكِينِ)2 الآية، على بيان المصرف دون تملّك كلّ صنف من الأصناف، لأنّ المقصود بها إنّما هو بيان مصارف الصدقات وشرط الاستحقاق ورفع الحاجة عن صنف من الأصناف المذكورة لا رفع الحاجة عن الكل، وحينئذ يجوز صرفها إلى واحد من الأصناف.
واستبعده الشافعي محتجّاً بأنّه تعالى أضاف الصدقة إليهم بلام التمليك وعطف بواو التشريك البعضَ على البعض، وكون الآية لبيان المصرف وشروط الاستحقاق لا ينافي ما قلناه لجواز كونه مقصوداً، وكون الاستحقاق بصفة التشريك أيضاً، مقصوداً أيضاً وهو أولى لموافقته ظاهر الإضافة والعطف والصرف إلى واحد إبطال لذلك، فلا يجوز.3
وهو ضعيف، لأنّ سياق الآية يدلّ على ما قالوه، وهو قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ)4الآية، ويقولون: إنّ محمداً(صلى الله عليه وآله)يعطي الصدقات من أحب، وإن أعطاهم كثيراً رضوا، وإن أعطاهم قليلاً أو منعهم سخطوا، فردّ الله عليهم بقوله:(وَلَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤتِينا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنّا إلَى اللهِ راغِبُون)5، وأشار

1. راجع: الإحكام:3/40.
2. التوبة:60.
3. لاحظ: الإحكام:3/39ـ40.
4. التوبة:58.
5. التوبة:59.

صفحه 61
إلى أنّ محمداً(صلى الله عليه وآله)يعطيها أهلها ومستحقّها ومن حصلت فيه شرائط الاستحقاق وعدّ ذلك بقوله: (إنّما الصَّدَقَاتُ)1 الآية، وإجراء اللفظ على ظاهره إنّما يتعيّن عند عدم المعارض من القرائن وغيرها، وقد بيّنّا القرينة الصارفة له عن الظاهر إلى ما قلناه على أنّ لقائل أن يمنع كون اللام حقيقة في التمليك، لأنّها مستعملة في غيره كالاستحقاق والاشتراك، والمجاز خلاف الأصل، وحينئذ فيتعيّن كونها للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الاختصاص.
وقوله:«لا منافاة بين ما قلناه و بين كون الآية لبيان المصرف » باطل، لأنّ ما قاله يقتضي التشريك، ولا كذلك لو قلنا: إنّها لبيان المصرف.2

1. التوبة:60.
2. راجع البحث في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/500ـ 502; المستصفى:2/55ـ57; الإحكام:3/38ـ40.

صفحه 62
قال قدس الله روحه:

المقصد السادس

في الأفعال

                                                   وفيه مباحث

صفحه 63
 

صفحه 64
 
الأوّل: ذهبت الإمامية إلى امتناع صدور الذنب عن1 الأنبياء، سواء كان الذنب صغيراً أو كبيراً، ولا فرق بين العمد والنسيان لا قبل النبوة ولا بعدها. وإلاّ لوجب اتّباعهم لعموم الأمر بالاتّباع مع الجهل بكونه معصية، ولارتفع2 الأمان عن إخباره، فتنتفي فائدة البعثة، ولعدم الانقياد إلى طاعتهم مع العلم بسقوط محلهم وهو نقض الغرض.
واتّفق العقلاء على امتناع وقوع الكفر منهم إلاّ الفضلية حيث جوّزوا الذنب3، وكلّ ذنب عندهم كفر.
وجوّز بعض الجمهور صدور الخطاء في الاعتقاد الذي لا يوجب كفراً، كالحكم بعدم بقاء الأعراض مثلاً.
وأمّا ما يتعلّق بالتبليغ فقد أجمعوا على عصمتهم فيه.
وما يتعلق بالفتوى كذلك، إلاّ الخطاء سهواً فقد جوّزه بعضهم.
والحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأنّه وقع وأبو بكر جوّزه عقلاً، ومنعه سمعاً. والجبّائي منع من الصغيرة والكبيرة إلاّ على سبيل التأويل. وبعضهم منع من العمد والتأويل وجوّزه سهواً، إلاّ أنّهم لقوة عقولهم مطالبون بالتحفّظ من ذلك. وأكثر المعتزلة منعوا من الكبيرة وجوّزوا الصغيرة سهواً وخطاءً وعمداً وتأويلاً إلاّ المنفِّر.
والحقّ ما ذكرناه4 . *
   

*[في عصمة الأنبياء]

أقول: لمّا توقّف كون بعض أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) من مبادئ الأحكام

1. في المطبوع: 173: من.
2. في المطبوع:173 بزيادة: الوثوق و.
3. في المطبوع:173 بزيادة: عليهم.
4. في المطبوع: 174 بزيادة: أوّلاً.

صفحه 65
الشرعية على عصمته(عليه السلام)، بحث عمّا هو أعمّ من ذلك، وهو مطلق أفعال الأنبياء(عليهم السلام).
واعلم أنّ الإمامية ذهبوا إلى عصمة كلّ نبي من كلّ ذنب، صغيراً كان أو كبيراً، عمداً أو سهواً أو خطأً في التأويل، قبل النبوة وبعدها.
لأنّه لو جاز عليهم شيء من ذلك لوجب اتّباعهم مع جهل المكلّف بكونه معصية فيه، لعموم الأمر الوارد بالاتّباع، مثل قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ)1(إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي).2 والتالي باطل، وإلاّ لزم وجوب الحرام.
ولأنّ النبي لو لم يكن معصوماً لجاز إخباره بالكذب، وحينئذ ينتفي الوثوق بإخباره، وهو ملزوم لانتفاء فائدة البعثة، إذ الغرض منها تعريف المكلّفين ما لم تستقل عقولهم بإدراكه من القبيح والحسن والوجوب بإخبار النبي بذلك بحيث يتابعونه على فعل الواجب واجتناب المحرم; فلو جوّزت الأُمّة الكذب في إخباره بحيث يجوز كون ما أخبر بحسنه قبيحاً، وما أخبر بقبحه حسناً، وما أخبر بوجوبه حراماً، وبالعكس; لم يتبعه أحد منهم، ولم ينقادوا إلى امتثال أوامره ونواهيه.
ولأنّ جواز الخطاء عليهم يسقط محلّهم من قلوب أُمّتهم، ويوجب الاحتقار بهم، والإعراض عن متابعتهم، والإقدام على مخالفتهم; وذلك نقض للغرض من النبوة. وانفردت الإمامية بهذا التنزيه عن جميع الفِرَق.

1. الأنعام:153 و155.
2. آل عمران:31.

صفحه 66
أمّا المعتزلة فلتجويزهم وقوع الصغائر منهم.1
وأمّا الأشاعرة فالأكثر منهم على تجويز المعصية عليهم، صغيرة كانت أو كبيرة، بل ولا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم عن كفر. ووافقهم بعض المعتزلة على ذلك لعدم ما يدلّ على عصمتهم عن ذلك، فإنّ دليل العقل مبني على الحسن والقبح العقليين ووجوب رعاية الحكم في أفعاله تعالى، وهم لا يقولون به.
واختلف الجمهور منهم بعد النبوة وحاصل اختلافهم يرجع إلى أربعة أشياء:
أحدها: ما يتعلّق بالاعتقاد وقد اتّفقوا على أنّه لا يجوز عليهم الكفر، إلاّ الفضلية2 من الخوارج فإنّهم قالوا بوقوع الذنب منهم وكلّ ذنب عندهم كفر، وأمّا ما لا يبلغ الكفر من الاعتقاد الفاسد مثل كون الأعراض باقية أو غير باقية فجوّزه قوم ومنعه آخرون لكونه منفرّاً.
وثانيها: ما يتعلّق بالتبليغ واتّفقوا على امتناع التغيير عليهم وإلاّ لزال الوثوق عمّا يخبرون به من الأحكام، وجوّز بعضهم وقوع ذلك منهم سهواً لا عمداً.
وثالثها: ما يتعلّق بالفتوى والأكثر على امتناع خطائهم فيه، وجوّزه قوم سهواً.

1. قبل النبوة وبعدها.
2. في «م »: الفضيلية. والفضلية فرقة من الخوارج أتباع فضل بن عبد الله، ومن عقائدهم أنّ مَن قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه بل اعتقد الدهرية أو اليهودية أو النصرانية فهو مسلم عند الله مؤمن، ولا يضرّه إذا قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه. معجم الفرق الإسلامية: 186.

صفحه 67
أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) هل تدلّ على حكم في حقّنا؟   
ورابعها: ما يتعلّق بأفعالهم فمنهم من جوّز عليهم الكبائر عمداً، والحشوية قالوا بوقوع هذا الجائز، والقاضي جوّزه عقلاً لا سمعاً.
ومنع الجبّائي من ارتكابهم الكبائر والصغائر عمداً، وجوّز ذلك منهم على سبيل الخطأ في التأويل.
وبعضهم منع من ذلك عمداً وخطاء في التأويل; وجوّزه سهواً لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم على جهة السهو وإن كان موضوعاً عن أُمّتهم، لقوة معرفتهم وتمكّنهم من التحفّظ.
وأكثر المعتزلة منعوا من وقوع الكبائر، وجوّزوا عليهم الصغائر عمداً وسهواً وخطأً في التأويل، إلاّ المنفّر كالكذب والتطفيف وسرقة القليل كباقة من بقل.
ومنهم من قال: لم يقع منهم ذنب صغير ولا كبير عمداً، وأمّا سهواً فقد يقع لكن بشرط أن يذكروه في الحال ويعرّفوا غيرهم أنّهم سهوا عنه.
والحق الأوّل لما تقدّم، والاستقصاء في ذلك مذكور في الكتب الكلامية.1
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الحق عندي أنّ فعله(عليه السلام) إذا لم يظهر فيه قصد القربة لم يدلّ على حكم في حقّنا، لاحتمال الإباحة.
احتجّ الموجبون بقوله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، (فاتبعوه)، (فاتبعوني)، (وما آتاكم الرسول فخذوه)، (

1. راجع: الاعتقادات للصدوق:96; أوائل المقالات:62; الذخيرة: 337; تنزيه الأنبياء:17; كشف المراد:217; دلائل الصدق:1/368; نهج الحق وكشف الصدق:142ـ 158; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/525ـ 527; المواقف للإيجي: 358; شرح الأُصول الخمسة:575; المحصول:1/501; الإحكام للآمدي:1/119ـ 120.

صفحه 68
وأطيعوا الرسول)، (زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج).
ولأنّه أحوط.
والجـواب الأمـر حقيقـة فـي القـول. سلّمنـا الاشتـراك، لكـن لا يـدلّ علـى الفعـل خصـوصاً مع سبـق ذكـر الدعـاء. والأُسـوة إنّمـا تتحقّق مع علـم وجـه الفعـل. وكـذا الاتِّبـاع والمـراد بالإيتـاء القـول، لقـرينـة1:(ومـا نهـاكـم). والطاعـة مـوافقـة الأمـر. ونفـي الحـرج يـدلّ علـى الإبـاحـة لا على مطلـوبهم. والاحتيـاط إنّمـا يصـحّ فيمـا علم وجهـه. ويلحـق بذلك الأفعـال الطبيعيـة، كالقيـام والقعـود والأكـل، ومـا ثبت تخصيصه (عليه السلام) به، كالوصال والزيادة على أربع. أمّا ما وقع بياناً فإنّه يتبـع فيـه إجمـاعاً، كقطـع السـارق والغسـل مـن المـرفـق ومـاعـدا ذلك ممّـا علمـت صفتـه وجـب التـأسّي بـه، فـإن كـان واجبـاً كنّـا متعبّـدين بإيقاعه واجبـاً، وإن كان نـدباً تعبّـدنا بالنـدب، وإن كـان مباحاً تعبّدنا باعتقاد إباحته، لقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله)والأُسوة الإتيان بفعل الغير لأنّه فعله، وقوله: (لمن كان يرجوا الله )تخويف على الترك، والإجماع على الرجوع في الأحكام إلى أفعاله(عليه السلام)كقبلة الصائم.*

* [أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) هل تدلّ على حكم في حقّنا؟]

أقول: أفعال الرسول(صلى الله عليه وآله) إمّا أن تكون طبيعية كالأكل والشرب والقيام والقعود، وما جرى مجرى ذلك كالنوم والاستيقاظ، ولا نزاع في كونها مباحة بالنسبة إليه وإلى أُمّته أيضاً.
أو غير طبيعية; فإمّا أن يثبت كونها من خواصّه(عليه السلام)، كوجوب الوتر والتهجّد بالليل وإباحة الوصال في الصوم والزيادة على أربع في النكاح الدائم، وذلك لا يدلّ على مشاركتنا إيّاه فيه إجماعاً، بل يدلّ على عدم

1. في المطبوع:175: بقرينة.

صفحه 69
مشاركتنا إيّاه فيه، وإلاّ لم يكن مختصّاً به.
أو لا يثبت; فإن عرف أنّ فعله بيان لنا فهو دليل بغير خلاف، والأصح أنّه لا يدلّ على وجه الفعل بمجرّده، بل هو تابع للمبيّن، وحينئذ يكون بياناً لصفة الفعل لا لوجهه كقطع يد السارق وغسل اليدين في الوضوء من المرفقين.
وإن لم يعرف كونه بياناً، فإن علم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)قصد بإيقاعه القرب1 إلى الله تعالى، كان دالاًّ على الوجوب في حقّه وحقّ أُمّته عند جماعة من الأُصوليّين، كابن سريج وابن أبي هريرة وابن خيران2والحنابلة وجماعة من المعتزلة.3
ونقل عن الشافعي أنّه للندب وهو مذهب الجويني.4
وعن مالك أنّه الإباحة.5

1. في حاشية «ب » و «م »: التقرب.
2. هو أبو علي الحسن بن صالح بن خيران البغدادي الفقيه الشافعي، عُرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر فرفض، توفّي سنة 320هـ . سير أعلام النبلاء:15/58 برقم 27; وفيات الأعيان:2/133 برقم 182.
3. وهو قول مشايخ الأحناف في العراق وسمرقند، وبه قال أبو سعيد الاصطخري، وهو مذهب مالك على ما نقله أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:243، والسيد المرتضى في الذريعة: 401.
4. وهو مذهب أكثر الحنفية والمعتزلة والظاهرية، وذهب إليه إمام الحرمين الجويني في البرهان في أُصول الفقه:1/324، ونسب إلى الشافعي وبعض أتباعه كالقفّال والقاضي أبي حامد. راجع: التبصرة:242; المحصول:1/503.
5. ونسبه إليه الرازي في المحصول:1/503، والآمدي في الإحكام:1/122; خلافاً للسيد المرتضى وأبي إسحاق الشيرازي حيث نسبا إليه الوجوب، كما مر في الهامش رقم 2، وهو مذهب بعض مشايخ أحناف العراق، كالكرخي والبزدوي والدبوسي.

صفحه 70
ومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب السيد المرتضى(رحمه الله)1، والصيرفي2، والغزالي3، وجماعة من أصحاب الشافعي.4
والأولى أنّه للقدر المشترك بين الوجوب والندب، لأنّ التقرّب إلى الله تعالى بالفعل يرفع كونه مباحاً ومحظوراً ومكروهاً، وخصوصية كل من الوجوب والندب لا يعلم قصدها على التعيين وكذلك في حقّ أُمّته، وإن لم يعلم قصده به القربة.
وهذا هو القسم الذي ذكره المصنّف ـ طاب ثراه ـ وبحث عنه .5
وقد اختلفوا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر منه قصد القربة، والأصح أنّه يدلّ على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح وهو رفع الحرج عن الفعل، لأنّ عصمته(عليه السلام)تمنع من وقوع المحظور، وندور وقوع المكروه منه، وأغلبية الواجب والندب والمباح في أفعاله يقتضي إطراحه هذا في حقّه، وأمّا في حقّنا فكذلك أيضاً، لأنّه(عليه السلام) وإن كان قد اختص بخصائص إلاّ أنّ مشاركة أُمّته إيّاه في الأحكام أغلب وأكثرمن عدم مشاركته، وإدراج النادر تحت الغالب أولى.

1. الذريعة:402.
2. نقله عنه الشيرازي في اللمع، وابن السبكي في الإبهاج ورفع الحاجب والبيضاوي في المنهاج ونهاية السول، والآمدي في الإحكام، خلافاً لأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة حيث نسب إليه القول بالندب. راجع: التبصرة:242; الإحكام: 1/122.
3. المستصفى:2/219.
4. كالقاضي أبي الطيب الباقلاني، وأبي القاسم بن كج، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:242، والرازي في المحصول:1/503، وهو مختار أبي بكر الدقّاق وأكثر المتكلّمين وأكثر المعتزلة وعامة الأشعرية.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/535. وهو مختار الآمدي في الإحكام:1/122ـ123.

صفحه 71
وقد احتجّ القائلون بالوجوب بوجوه ذكر المصنّف ـ طاب ثراه ـ منها ثمانية:1
الأوّل: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)2 ولفظ الأمر يطلق على الفعل كما يطلق على القول على ما مرّ، والتحذير على مخالفة فعله دليل وجوب موافقته وهو الإتيان بمثله.
الثـاني: قـولـه تعـالى: (لَقَـدْ كـانَ لَكُـمْ فِي رَسُـولِ اللهِ أُسْـوَةٌ حَسَنَـةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ)3 وتقديره من كان يرجو الله واليوم الآخر فله فيه(عليه السلام)أُسوة حسنة، ويلزمه بعكس النقيض أنّ من لم يكن له فيه أُسوة حسنـة لم يكـن راجيـاً لله ولا اليـوم الآخـر، وهذا توعّد و زجر، وذلك دليل الوجوب.
الثالث: قوله تعالى:(فَاتَّبِعُوه)4 أمر الله تعالى بمتابعته وهي الإتيان بمثل فعله، والأمر للوجوب على ما تقدّم.
الرابع: قوله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي)5 دلّ على أنّ اتّباعه لازم لمحبة الله تعالى الواجبة اتّفاقاً، ولازم الواجب واجب.
وفيه نظر، للمنع من دلالة الآية على اللزوم المدّعى، فإنّ الأمر بالاتّباع فيها مشروط بالمحبة، والشرط غير مستلزم للمشروط.

1. لكنّه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/535ـ 549 ذكر إحدى وعشرين وجهاً وأجاب عنها بالتفصيل، فلاحظ.
2. النور:63.
3. الأحزاب:21.
4. الأنعام:153 و 155; سبأ:20.
5. آل عمران:31.

صفحه 72
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ لازم الواجب واجب فإنّ بعض لوازم الواجب قد لا يكون مطلوباً للموجب فضلاً عن كونه مطلوباً طلباً جازماً.
الخـامس: قـولـه تعـالـى: (وَمَـا آتَـاكُـمُ الـرَّسُـولُ فَخُـذُوه)1 وإذا فعـل فعـلاً فقـد أتـانا به، فيجب علينا أخذه وهو العمل به، وذلك يفيد الوجوب كما مرّ.
السادس: قوله تعالى: (أطِيعُوا اللهَ وَ أطِيعُوا الرَّسُولَ)2 أمر بطاعة الرسول والإتيان بمثل فعل الغير، لأنّه فعله طاعة له، فيكون واجباً عملاً بظاهر الأمر.
وفيه نظر، لأنّ امتثال الأمر يحصل بطاعته في القول وإن لم يتابعه في الفعل.
السابع: قوله تعالى: (فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَىْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنينَ حَرَجٌ فِي أزوَاجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً)3بيّن تعالى أنّه إنّما زوّجه بها ليكون حكم أُمّته مساوياً لحكمه، وهو المطلوب.
الثامن: أنّه أحوط، لأنّه إن كان واجباً فقد تخلّص المكلّف منه بالقيام به، وإن لم يكن واجباً لم يكن عليه حرج في فعله، أمّا لو تركه أمكن أن يكون مكلّفاً بمثل ذلك الفعل فلحقه الذم والحرج.
والجواب عن الأوّل: المنع من كون الأمر حقيقة في الفعل، بل الحق أنّه حقيقة في القول خاصّة على ما تقدّم، ولو سلّمنا اشتراكه بين القول

1. الحشر:7.
2. النساء:59; النور: 54; محمد:33.
3. الأحزاب:37.

صفحه 73
والفعل لم يدلّ على إرادة للفعل لعدم دلالة اللفظ المشترك على أحد معنييه بعينه خصوصاً مع وجود القرينة الدالّة على إرادة القول وهي سبق ذكر الدعاء في الآية، وهي قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيم).1
وعن الثاني: أنّ الأُسوة إنّما تتحقّق مع العلم بوجه الفعل، إذ التأسّي عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير على وجهه لا مطلقاً، وفعل الرسول(صلى الله عليه وآله)قد يكون واجباً وقد لا يكون، فهو بمجرده لا يدلّ على الوجوب لعدم دلالة العام على الخاص .2
وهذا بعينه جواب عن الثالث.
وأيضـاً فظـاهر الأمـر إنّما هو وجوب اتّباع شخصه(صلى الله عليه وآله)، وليس مراداً قطعاً فلابدّ من إضمـار شيء يتّبع فيـه، وهـو إمّا قولـه، أو فعلـه، أو هما معاً. والثالث باطل لاستلزامه زيادة الإضمار المخالف للأصل، فتعيّن

1. النور:63.
2. أجاب أبو الحسين البصري في المعتمد:1/349ـ 350 عن قولهم:(وقوله:(لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) تهديد يدلّ على وجوب التأسّي به في فعله) قائلاً: إنّ ذلك ليس بتهديد، لأنّ الإنسان يرجو المنافع كما يرجو دفع المضار، ولو كان ذلك تهديداً لدلّ على وجوب التأسّي، وقد بيّنّا أنّ التأسّي في الفعل هو إيقاعه على الوجه الذي أوقعه عليه، فالآية إذن تدلّ على ما نقوله.
وقد قيل: إنّ قوله: (لكم) ليس من ألفاظ الوجوب، ولو دلّ على الوجوب لقال: عليكم؟
والجواب: أنّه لا يصح الاستدلال بذلك على نفي الوجوب، لأنّ معنى قولنا: «لنا أن نفعل كذلك » هو أنّه لا حظر علينا في فعله، والواجب ليس بمحظور فعله. وتنظّر فيه العلاّمة في نهايته:2/542 قائلاً: فإنّ المعترض منع من الاستدلال به على الوجوب، ولم يستدلّ به على نفيه.

صفحه 74
أحدهما، ويجب أن يكون هو القول لوقوع الإجماع على وجوب اتّباعه فيه بخلاف الفعل.
وفيه نظر، فإنّ المتابعة إنّما تتحقّق في الفعل، أمّا القول فإنّ المتابعة فيه غير مقصودة.
وقوله: «المتابعة في القول واجبة بالإجماع » إن أراد بها العمل بموافقة القول، فهو مسلّم، لكنّ ذلك يسمّى طاعة لا متابعة; وإن أراد أن يقول مثل قوله كان ممنوعاً ولم يقل به أحد لكونه غير معقول لاستلزامه خطاب الإنسان نفسه.
وهو الجواب عن الرابع أيضاً.
وعن الخامس: أنّ المراد بالمأتي به القول دون الفعل، لدلالة القرينة ـ وهي قوله في مقابلته: (وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)1ـ عليه، إذ النهي لا يكون إلاّ بالقول.
وأيضاً فلا نسلّم أنّه إذا فعل فعلاً فقد أتانا به فإنّ العرف يأباه .
وعن السادس: أنّ الطاعة موافقة الأمر وهو حقيقة في القول دون الفعل على ما سبق.
وعن السابع: أنّ غايتها الدلالة على أنّ حكم أُمّته مساو لحكمه في انتفاء الحرج عند تزويجهم بأزواج أدعيائهم، وذلك يدلّ على الإباحة لا على الوجوب، ولا يلزم من ذلك كون كلّما فعله واجباً بحيث يكون مثله واجباً علينا.
وعن الثامن: أنّ الاحتياط إنّما يتحقّق إذا علمنا وجه الفعل أمّا إذا لم

1. الحشر:7.

صفحه 75
نعلم ذلك فلا، لاحتمال كونه حراماً علينا كما في الوصال ومجاوزة الأربع، وأن يكون مندوباً أو مباحاً فيكون اعتقاد كونه واجباً جهلاً.
وبالجملة فالاحتياط إنّما يتحقّق فيما يخلو عن احتمال الضرر وما نحن فيه ليس كذلك.
وأمّـا مـا علـم وجهـه مـن أفعـالـه(صلى الله عليه وآله) ممّـا ليس مـن خصـائصه فيجب علينـا التأسّي به عنـد الأكثـر من المعتـزلة والفقهاء1، بمعنى أنّه إن كان واجباً وجب علينا أن نوقعه على وجه الوجوب، وإن كـان نفلاً كنّـا متعبّـدين به على وجه النفل، وإن كان مباحاً كنّا متعبّدين باعتقاد إباحتـه وكان لنـا فعلـه وتركه.
وأوجب بعضهم2 التأسّي به في العبادات دون المناكحات والمعاملات، وأنكر آخرون ذلك كلّه.
لنا: ما تقدّم من قوله تعالى:(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَاليَوم الآخر)3 وغيرها من الآيات.4
ولإجماع الصحابة على الرجوع في الأحكام إلى أفعاله كما روي عن أُم سلمة أنّها سألته عن قبلة الصائم؟ فقال لها: لِم لَمْ تقولِ لهم إنّي أُقبّل

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/552، والمعتمد:1/354، والمحصول:1/511، والإحكام:1/130.
2. وهو قول أبي علي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي الفارسي(المتوفّى 360هـ) تلميذ أبي هاشم من المعتزلة.
3. الأحزاب:21.
4. كقوله تعالى:(فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطراً)(الأحزاب:37)، و قوله تعالى:(قُلْ إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله)(آل عمران:31)، وقوله تعالى:(فاتّبعوه)(الأنعام:155).

صفحه 76
وأنا صائم »1 ولو لم يجب اتّباعه في أفعاله لما كان لذلك معنى.
ولأنّ الصحابة اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة: فعلته أنا ورسول الله(صلى الله عليه وآله)واغتسلنا.2 فاتّفقوا لذلك على وجوبه.
وخلع(عليه السلام) نعله، فخلعوا نعالهم .3
وكان عمر يقبّل الحجر الأسود ويقول: إنّي أعلم أنّك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقبّلك لما قبّلتك.4
وقوله طاب ثراه:«لم يدل على حكم في حقّنا » أي من وجوب أو ندب، لاستدلاله عليه باحتمال الإباحة والإشارة بذلك في قوله:«ويلحق بذلك الأفعال الطبيعية » إلى ما لم يظهر فيه قصد القربة من أفعاله(صلى الله عليه وآله) في عدم الدلالة على حكم في حقّنا.
في طريق معرفة أفعاله(صلى الله عليه وآله)   

1. لم نجده في المصادر الحديثية بهذا اللفظ. راجع: المحصول:1/505; الإحكام:1/124; إمتاع الأسماع للمقريزي:3/163.
نعم ورد في الروايات عن عائشة بأنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يقبّل وهو صائم. راجع: مسند أحمد:6/134، 162، 176، و270; سنن النسائي:2/199 برقم 3050; سنن البيهقي:4/233.
2. سنن ابن ماجة:1/199 برقم 608، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان; سنن الترمذي:1/72 برقم 108; مسند أحمد:6/161; سنن البيهقي:1/164.
3. سنن الدارمي:1/320، باب الصلاة في النعلين; مسند أبي يعلى الموصلي:2/409 برقم 1194.
4. صحيح البخاري:2/160، كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد; سنن أبي داود:1/419 برقم 1873; مسند أحمد:1/51; مستدرك الحاكم:1/457.

صفحه 77
قال قدّس الله روحه: البحث الثالث: يعلم الوجه بالنص، وبوقوعه امتثالاً أو بياناً. والإباحة بالفعل الخالي عن البيان مع الحكم بامتناع الذنب. والندب بقصد القرب مع أصالة عدم الوجوب وبفعله على وجه القربة، أو دائماً ثم يتركه من غير نسخ، وبأن يخيَّر بينه وبين مندوب، وبوقوعه قضاءً لمندوب.
والوجوب بالتخيير بينه وبين واجب، وبإيقاعه مع أمارة الوجوب كالأذان، وبوقوعه قضاءً للواجب، أو جزاءً لشرط موجب كالنذر، وبتحريمه لولا الوجوب كالجمع بين ركوعين في الكسوف.*

* [ في طريق معرفة أفعاله(صلى الله عليه وآله)]

أقول: لمّا بيّن كون التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله) واجباً وأنّ ذلك متوقّف على معرفة وجه فعله(عليه السلام)، أشار إلى ما به يعرف وجوه أفعاله، وهي منحصرة في ثلاثة: الوجوب والندب والإباحة، لأنّ عصمته(عليه السلام) تمنع من دخول المحظور فيها وندور وقوع المكروه منه(عليه السلام)، وأغلبية الأقسام الثلاثة المذكورة تقتضي إلحاق ما لم يعلم وجهه بها، ولمعرفة ذلك طرق.
منها: ما يشترك الثلاثة فيه، بمعنى أنّه يصلح لبيان كلّ واحد منها على التعيين.
ومنها: ما يختص ببيان واحد منها دون غيره.
فالأوّل ثلاثة:
أحدها: النص على وجه الفعل; مثل قوله(عليه السلام): هذا الفعل واجب، وهذا مندوب، وهذا مباح.
وثانيها: أن يقع امتثالاً لآية دالّة على أحد الوجوه الثلاثة، كما لو صلّى

صفحه 78
امتثالاً لقوله تعالى: (أقِمِ الصَّلاةَ)1 الدالّ على الوجوب، وكما لو كاتب عبيده امتثالاً لقوله تعالى:(فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً)2 المقصود به الندبية، أو اصطاد بعد إحلاله عقيب قوله تعالى: (وَإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)3 المقصود به الإباحة، فإنّه يعلم به وجوب تلك الصلاة وندبية الكتابة وإباحة الاصطياد.
وثالثها: أن يقع فعله(عليه السلام) بياناً لما علم وجهه، فإنّ ذلك الفعل موافق للمبيّن في وجهه إن كان واجباً كان واجباً، وإن كان مندوباً كان مندوباً، وإن كان مباحاً كان مباحاً.
وأمّا الثاني: فيعرف إباحة الفعل بتجرّده عمّا يدلّ على وجه مغاير لوجه الإباحة مع استحالة وقوع الذنب منه، وأصالة نفي مازاد على حسنه من كيفية وجوب وندب وكراهة.
ويعرف ندبيته بوجوه:
الأوّل: بقصد الرسول(عليه السلام) به التقرّب إلى الله تعالى فيعلم كونه راجحاً، وينضم إلى ذلك انتفاء الوجوب بحكم البقاء على أصل العدم فيتعيّن الندبية.
الثاني: أن يوقعه على وجه القربة ثم يتركه من غير نسخ ولا عذر، فإنّ التقرّب به إلى الله تعالى يوجب رجحانه، وتركه من غير عذر ولا نسخ ينفي الوجوب، فيتعيّن الندب. والحق أنّه لابدّ من اعتبار عصمته مع ذلك،

1. الإسراء:78، لقمان:17.
2. النور:33.
3. المائدة:2.

صفحه 79
وإلاّ لجاز كونه واجباً وكون حكمه مستمراً وإلاّ لجاز كونه واجباً مرة أو مراراً محصورة أو مدة محصورة فيترك عند انقضائها.
الثالث: أن يداوم عليه ثم يتركه من غير عذر ولا نسخ، فإنّ المداومة تؤذن برجحان الفعل، والترك من غير عذر ولا نسخ ينفي الوجوب، فيتعيّن الندب. والحق أنّه لابدّ من اعتبار العصمة والعلم باستمرار الحكم كما تقدّم.
الرابع: أن يخير بينه وبين مندوب آخر، لامتناع التخيير بين المندوب وبين غيره.
الخامس: كونه قضاءً لعبادة مندوبة لاستحالة ترجيح الفرع وهو القضاء على أصله.
ويعرف وجوبه بوجوه:
الأوّل: نصه(عليه السلام) على أنّه مخيّر بينه وبين فعل ثبت وجوبه، لاستحالة التخيير بين الواجب وما ليس بواجب.
الثاني: اقترانه بأمارة الوجوب شرعاً، كالأذان والإقامة للصلاة.
الثالث: معرفة كونه قضاء لعبادة واجبة لوجوب موافقة القضاء الأداء.
وفيه نظر، للمنع من المساواة بينهما فإنّ كثيراً من الفقهاء يقولون باستحباب صوم المسافر في رمضان مع وجوب قضائه عليه اتفاقاً، وبعضهم باستحباب قضاء زكاة الفطرة مع وجوب أدائها إجماعاً، وحينئذ لا يبقى في معرفة وجه المقضي دلالة على وجه القضاء.
الرابع: وقوعه جزاء لشرط موجب للفعل، كما لو نذر إن رزق ولداً تصدّق، فرزق فتصدّق، فيُعلَم وجوبه .

صفحه 80
الخامس: أن يكون فعلاً لو لم يجب لم يجز، كالجمع بين الركوعين في صلاة الكسوف.
واعلم أنّه ليس المراد بالعلم في قوله ـ طاب ثراه ـ:«يعلم الوجه » حقيقة، أعني: الجازم المطابق الثابت، بل ما هو أعمّ من ذلك بحيث يندرج فيه الظن، ويعلم ذلك من الطرق المذكورة.1
في التعارض في أفعال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأقواله   

1. راجع تفاصيل البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/562ـ564; المعتمد:1/356ـ357; المحصول:1/514ـ515.

صفحه 81
قال قدّس الله روحه: البحث الرابع: الفعلان إذا تعارضا وكانا من الرسول(عليه السلام)علم أنّ السابق منسوخ إذا علم تعبّده(عليه السلام) به مالم ينسخ.
ولو كان أحدهما منه والآخر من غيره وأقرّه(عليه السلام) عُلم خروج الفاعل من التأسّي.
وإن عارض فعله(عليه السلام) قوله، وتقدّم القول مع عدم تراخي الفعل واختصّ القول به(عليه السلام)، جاز عند مَن يجوِّز النسخ قبل الوقت لا عند مَن يمنعه. وإن اختصّ بأُمّته عُمل بالقول، لئلاّ يلغى بالكلية. وإن اشترك فكذلك، جمعاً بين الدليلين.
وإن تراخى الفعل وكان القول عامّاً كان منسوخاً عنّا وعنه. وإن اختصّ بنا كان نسخاً عنّا. وإن اختصّ به كان نسخاً عنه، ثم يجب علينا مثل فعله للتأسّي.
وإن تقدّم الفعل وتعقّبه القول واختصّ به، دلّ على تخصيصه من العموم الدالّ على وجوب الفعل لكلّ أحد. وإن اختصّ بأُمّته دلّ على اختصاصه بالفعل. وإن اشترك دلّ على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم.
وإن تراخى القول كان نسخاً فيمن يدلّ عليه.
وإن جهل تقدّم الفعل قدّم القول، لقوة دلالته، لاستغنائه عن الفعل دون العكس، وللعلم بتناول القول لنا دون الفعل، لجواز تأخّره فيكون متناولاً، وتقدّمه فلا يتناولنا.*

* [في التعارض في أفعال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأقواله]

أقول: الفعلان لا يتعارضان، إذ التعارض لا يتم إلاّ مع تنافي المتعارضين، وإنّما يتنافى الفعلان إذا تضادّا واتّحد وقتهما ومحلّهما، ومن المعلوم استحالة وجود فعل وضده في محل واحد في وقت واحد.
أمّا الفعلان المتضادان المتّحد محلّهما دون وقتهما أو بالعكس فلا يتعارضان بأنفسهما لعدم تنافي وجودهما، بل قد يتعارضان باعتبار عروض ما يوجب شمول حكم أحدهما لمحل الآخر أو لزمانه كما لو فعل(عليه السلام) فعلاً بعد أن فعل ضده الذي دلّ الدليل على تعبّده به دائماً ما لم

صفحه 82
ينسخ عنه فإنّه يدلّ على أنّ حكم السابق منسوخ عنه واللاحق ناسخ.
وكما لو فعل فعلاً وعلم بالدليل أنّ مَن عداه متعبّد به على وجه الوجوب دائماً ما لم يرد الناسخ له، ثم يفعل بعض المكلّفين ما يضاد ذلك الفعل ويقرّه(عليه السلام) عليه فيعلم أنّه خارج عن التأسّي بالرسول(صلى الله عليه وآله) في ذلك الفعل ويكون تخصيصاً له إن كان مقارناً، ونسخاً عنه إن كان متراخياً.
إذا تقرر ذلك فاعلم أنّ المعارض للفعل قد يكون فعلاً، وقد يكون قولاً.
والفعل قد يكون من الرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد يكون من غيره. وقد تقدّم ذكر هذين القسمين.
وأمّا القول فإمّا أن يكون متقدّماً على الفعل، أو متأخّراً عنه.
وعلى التقديرين فإمّا أن يكون المتأخّر متراخياً، أو غير متراخ.
وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يكون القول مختصّاً به عليه، أو بأُمّته، أو شاملاً لهما معاً، فالأقسام اثنى عشر:
الأوّل: أن يتقدّم القول المختصّ به ويتأخّر عنه الفعل من غير تراخ; كما لو قال: الطواف واجب علىّ عند الزوال، ثم صلّى في ذلك الوقت; وهذا جائزٌ عند من يجوّز نسخ الشيء قبل وقت فعله، محالٌ عند غيره; ثم يجب على أُمّته مثل ذلك الفعل إذا علم أنّه أوقعه على وجه الوجوب، لما ثبت من وجوب التأسّي.
الثاني: أن يكون الفعل المتأخّر متراخياً فيكون منسوخاً عنه دون أُمّته، لعدم تناول القول لهم، ويلزمهم مثل الفعل الناسخ مع علمهم بإيقاعه إيّاه على وجه الوجوب.

صفحه 83
الثالث: أن يتقدّم فعله على قوله المختص به من غير تراخ فيكون دالاًّ على تخصيصه عن العموم المستفاد من الفعل المقترن بما يدلّ على لزوم مثله لكل مكلّف فيما بعد من الأوقات ما لم يرد الناسخ.
الرابع: أن يتراخى قوله المختص به عن فعله، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنه دون أُمّته .
الخامس: أن يكون القول مختصّاً بأُمّته ويتأخّر عنه الفعل من غير تراخ فيجب العمل بالقول، إذ لو تابعناه في الفعل لزم إلغاء القول بالكلّية، ولو عملنا بالقول لم يلغ الفعل لبقاء حكمه في حقه(عليه السلام) فكان فيه جمعاً بين الدليلين، فيكون أولى من إلغاء أحدهما بالكلّية.
السادس: أن يتأخّر الفعل عن القول المختص بنا متراخياً، فيكون منسوخاً عنّا ويلزمنا حكم الفعل للتأسّي.
السابع: يتأخّر القول المختصّ بنا من غير تراخ، فيكون دالاًّ على أنّ حكم الفعل مختصّ به.
الثامن: أن يتأخّر القول المختصّ بنا متراخياً، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنّا دونه.
التاسع: أن يتقدم القول المتناول له ولأُمّته ويتعقّبه الفعل المنافي، فيدلّ على تخصيصه من عموم ذلك القول.
العاشر: أن يتراخى الفعل عن القول المتناول له ولأُمّته، فيكون حكم القول منسوخاً عنه وعنهم.
الحادي عشر: أن يتأخّر القول العام من غير تراخ، فيدلّ على سقوط حكم الفعل عنه وعدم لزومه لأُمّته.

صفحه 84
الثاني عشر: أن يتأخّر القول العام متراخياً، فيكون حكم الفعل منسوخاً عنه وعن أُمّته.
وإن جهل تقدّم أحدهما على الآخر قدّم القول، لقوة دلالته على الفعل، والأقوى أرجح.1
هـل كان النبـي (صلى الله عليه وآله) متعبّـداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) قبل النبوّة؟   
أمّا الأوّل فلأنّ دلالة الفعل محتاجة إلى القول من غير عكس، والمحتاج إليه أقوى من المحتاج بالضرورة.
وأمّا الثاني فظاهر. ولأنّ تناول القول لنا معلوم، لأنّه مقدّر; وتناول الفعل لنا غير معلوم، لأنّه كما يحتمل تأخّره فيكون متناولاً لنا، كذا يحتمل تقدّمه فلا يكون متناولاً لنا، والمعلوم مقدّم على ما ليس بمعلوم اتّفاقاً.

1. وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/360; وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:249; والرازي في المحصول:1/517; والآمدي في الإحكام:1/135; وغيرهم. ومن أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/589; والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/576 على تفصيل حيث قال: إذا كان القول خاصّاً بنا أو عامّاً لنا وله فالعمل بالقول عندي أقوى. وتوقّف السيد المرتضى في الذريعة:411 قائلاً: والأولى أن يقال: إنّه لابد إذا تعارضا من أن ينصب الله للمكلّف دليلاً يعلم به المتقدّم من المتأخّر.

صفحه 85
قال قدّس الله روحه: البحث الخامس: الأقرب أنّه(صلى الله عليه وآله) قبل النبوة لم يكن متعبّداً بشرع أحد، وإلاّ لاشتهر ولافتخر به أربابها ونمنع عمومية دعوة من سبقه(صلى الله عليه وآله)، أو وصول شرعه إليه بالتواتر. وركوب الدابة حسن عقلاً، وكذا أكل اللحم المـذكّى، إذ لا ضرر فيه. وطوافه بالبيت لا يدلّ على وجوبه.
وأمّا بعد النبوة فالحق أنّه كذلك. وأخطأ مَن زعم أنّه متعبّد بشرع إبراهيم أو موسى أو عيسى(عليهم السلام)، لأنّه(صلى الله عليه وآله) أُوحي إليه كما أُوحي إليهم، فشرعه أصل، ولم يجب رجوعه إليهم في الحوادث، بل كان ينتظر الوحي. وغضب(صلى الله عليه وآله) على عمر حيث اطّلع في التوراة وقال(عليه السلام):«لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلاّ اتّباعي ». ولأنّه كان يجب علينا البحث في الوقائع للتأسّي به وحفظ كتب الأنبياء.
وقوله تعالى:(فبِهُداهُمُ اقتده) أمره بالاقتداء بالهدى المشترك من التوحيد وشبهه.
وقوله تعالى: (إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح)شبّه الوحي بالوحي لا1 بالموحى به.
وقوله تعالى:(يحكم بها النبيون)يريد بعضها، إذ جميع الأنبياء لم يحكموا بالجميع.*

* [هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) قبل النبوة؟]

أقول: هذا من جملة فروع التأسّي واعلم أنّ الناس اختلفوا في أنّ نبيّنا ـ صلوات الله عليه وآله ـ هل كان متعبداً بشريعة أحد ممّن سواه من الأنبياء(عليهم السلام)أم لا؟
أمّا قبل النبوة فمنعه الأكثر2، وأثبته قوم3، وتوقّف آخرون.4

1. وفي المطبوع:179 بزيادة: الموحى به.
2. ومذهب أكثر المتكلّمين على ذلك، وهو مختار أبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري كما في المعتمد:2/337. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ الطوسي في العدّة:2/590 حيث قال: عندنا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن مُتعبّداً بشريعة مَن تقدّمه من الأنبياء، لا قبل النبوة ولا بعدها، وأنّ جميع ما تعبّد به كان شرعاً له. ويقول أصحابنا: إنّه(عليه السلام) قبل البعثة كان يُوحى إليه بأشياء تخصّه، وكان يعملُ بالوحي لا اتّباعاً لشريعة قبله.
3. اختلف أصحاب هذا القول فمنهم مَن قال: إنّه كان متعبّداً بشرع نوح، وقال آخرون: بشرع إبراهيم، وقال بعضهم: بشرع موسى، وقال آخرون: بشرع عيسى، وقال آخرون: بما ثبت أنّه شرع. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:4/407.
4. وهو مختار السيد المرتضى في الذريعة:412، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 4/408. وهو مذهب القاضي عبد الجبار، والغزالي في المستصفى:1/391، والآمدي في الإحكام:4/294، وغيرهم. واستدلّ أصحاب هذا الرأي ـ وكما ذكر السيد المرتضى ـ بأنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم الله أنّه لا مصلحة للنبي(صلى الله عليه وآله) قبل نبوّته في العبادة بشيء من الشرائع، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له(صلى الله عليه وآله)في ذلك مصلحة، وإذا كان كلّ واحد من الأمرين جائزاً، ولا دلالة توجب القطع على أحدهما، وجب التوقّف.

صفحه 86
أمّا المنكرون فاحتجّوا على ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّه لو كان متعبّداً بشريعة أحد منهم لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة واستفتائهم والعمل بقولهم، ولو حصل ذلك لنقل كما نقلت أحواله وأخلاقه(صلى الله عليه وآله)، ولمّا لم ينقل علمنا انتفاؤه .
وفيه نظر، للمنع من الملازمة فإنّه يجوز أن يعلم أحكام تلك الشريعة بطريق الوحي من الله تعالى كما علم قصصهم وأحوالهم .
الثاني: أنّه لو كان متعبّداً بشريعة أحد، لافتخر أهل تلك الشريعة بذلك ولنسبوه إلى أنفسهم، ولو ثبت ذلك لاشتهر، وبطلان التالي دليل بطلان المقدّم.
احتجّ الآخرون بوجهين: الأوّل: أنّ دعوة مَن تقدّمه كانت عامّة فوجب دخوله فيها.
الثاني: أنّه (صلى الله عليه وآله) كان يركب البهيمة ويأكل اللحم المذكّى ويطوف بالبيت.
والجواب عن الأوّل بالمنع من عموم دعوة مَن تقدّمه سلّمنا، لكن لا

صفحه 87
نسلّم وصول تلك الدعوة إليه بطريق يفيد العلم أو الظن الغالب.
وعن الثاني: أنّه لا يدلّ على أنّه متعبّد بشريعة أحد في ذلك، فإنّ ركوب البهيمة حسن عقلاً. ولأنّه طريق إلى حفظها ونفعها بالعلف والسقي والحراسة من السباع الضارية، ففعله لذلك لا للإذن فيه شرعاً. وكذا أكله اللحم المذكّى فإنّه حسن في العقل أيضاً، لأنّه نافع خال عن الضرر. وأمّا طوافه بالبيت على تقدير ثبوته فإنّه لا يدلّ على كونه واجباً شرعاً، بل ولا على أنّه مأذون فيه شرعاً فضلاً عن دلالته على أنّه مأذون فيه من شرع مَن تقدّمه.1

[هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام)بعد النبوّة؟]

وأمّا بعد نبوته (صلى الله عليه وآله) فالجمهور من المعتزلة وكثير من الفقهاء منعوا منه2، وأثبته بعض الفقهاء إلاّ فيما يرفعه الدليل الناسخ.3

1. أجاب الشيخ الطوسي في عدّته:2/595 عن هذا الوجه قائلاً: وهذا لا يلزمنا على ما قرّرنا من مذهبنا في هذا الباب، لأنّا قُلنا: إنّه قبل بعثته كان مُوحىً إليه بما يخصّه، فلأجل ذلك كان يفعل ما يفعله من الأشياء التي ذكروها إن صحّ منه فعلها. وأمّا مَن وافقنا في هذا المذهب وخالفنا في هذه الطريقة فإنّه يقول: إنّ تذكية البهائم وفعله الحج والعمرة لو ثبت لدلّ، لكن ذلك لم يثبت، وما يُروى من ذلك فإنّما طريقه أخبار الآحاد وهي لا يعوّل عليها في هذا الباب.
2. وهو مختار الإمامية وعلمائهم كالسيد المرتضى في الذريعة:414، و الشيخ الطوسي في العدّة:2/590، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:4/411 وغيرهم; وإليه ذهب جماهير المعتزلة والأشاعرة، كالغزالي في المستصفى:1/394، والآمدي في الإحكام:4/296. وراجع المعتمد:2/336، والمحصول:1/519.
3. وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الروايتين، وعن بعض أصحاب الشافعي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان متعبّداً بما صحّ من شرائع مَن قبله بطريق الوحي إليه. راجع الإحكام:4/296 وغيره من المصادر المذكورة أعلاه.

صفحه 88
ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إنّه كان متعبّداً بشرع إبراهيم، وقال آخرون: بشرع موسى، وقيل: عيسى ـ على نبينا وعليهم السلام ـ والكلّ باطل لما بيّنا.
هل كان النبي(صلى الله عليه وآله) متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء(عليهم السلام) بعد النبوّة؟   
والحق أن يقال: إمّا أن يكون مراد القائل بتعبّده(صلى الله عليه وآله) بشرع من قبله أنّه كان يوحى إلى نبينا(صلى الله عليه وآله) مثل ما يوحى إلى غيره من الأحكام، أو أنّه كان مأموراً باقتباس الأحكام الشرعية من علمائهم وكتبهم.
فإن كان الأوّل، فإمّا في كلّ شرعه، أو بعضه. والأوّل معلوم البطلان، لمخالفة شرعنا ما تقدّمه من الشرائع في كثيرمن الأحكام. وإن كان البعض فهو مسلّم، لكن لا يستلزم إطلاق كونه(عليه السلام) متعبّداً بشرع غيره، لأنّ ذلك يوهم التبعية للغير في شرعه مع أنّه أصل في نفسه، لأنّه تعالى أوحى إليه كما أوحى إلى غيره.
وأمّا الاحتمال الثاني، وهو أنّه كان مأموراً باقتباس الأحكام من كتبهم وعلمائهم فهو باطل قطعاً، لأنّه (صلى الله عليه وآله) لم يرجع إليهم في شيء من الوقائع والحوادث، وإلاّ لنقل، بل كان ينتظر الوحي.
ولأنّه لو كان يراجع كتبهم في شيء من الأحكام لما غضب من عمر لمّا رآه يطالع في التوراة. وقال: «لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلاّ اتّباعي ».1
ولأنّه كان يجب علينا حفظ الكتب السابقة والتفكّر في معانيها والرجوع إليها عند وقوع الحوادث وخفاء أحكامها لوجوب التأسّي به(صلى الله عليه وآله)والتوالي باطلة بالإجماع.
احتجّوا بقوله تعالى:(فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)2 أمر نبينا(صلى الله عليه وآله) بالاقتداء

1. عوالي اللآلي:4/121 برقم199; تفسير الآلوسي:3/42، و ج20/84.
2. الأنعام:90.

صفحه 89
بهديهم، وبقوله تعالى: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَمَا أوْحَيْنا إلَى نُوح وَالنَّبِيّينَ مِنْ بَعْدِه)1، وقوله تعالى: (إنّا أنْزَلْنا التَّورَاةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّون)2، وقوله تعالى: (اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهِيمَ حَنِيفاً)3، وقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصّى بِهِ نُوحاً).4
والجواب عن الآية الأُولى: أنّه أمره بالاقتداء بالهدى المضاف إلى كلّهم، وهو الهدى الذي اشترك الجميع فيه، وذلك إنّما هو ما يتعلّق بالأُصول كالتوحيد والعدل دون الأحكام الشرعية التي هي معرضة للنسخ والتغيير .
وعن الثانية: أنّ مقتضاها تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه الحكم الموحى به بالحكم الموحى به.
وعن الثالثة: أنّ قوله: (يحكم بها النبيّون) يمتنع حمله على ظاهره من حكم كلّ الأنبياء(عليهم السلام) العلم بكل ما في التوراة، لما علم من مخالفة أكثرهم لكثير ممّا فيها، فوجب التخصيص: إمّا في التوراة بأن يكون المراد يحكم ببعضها النبيّون وهو مسلم لاشتمالها على التوحيد والعدل وتحريم الظلم وأمثال ذلك ممّا يشترك فيها الشرائع، أو في الأنبياء بأن يكون المراد يحكم بها بعض النبيين وحينئذ لا يدلّ على دخول نبيّنا(صلى الله عليه وآله)في ذلك البعض.
وعن الرابعة: أنّه محمول على أمره بالاتّباع في الأُصول بدليل قوله عقيب ذلك: (وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ولأنّ شريعة إبراهيم(عليه السلام) كانت

1. النساء:163.
2. المائدة:44.
3. النحل:123.
4. الشورى:13.

صفحه 90
مندرسة فكيف يكون مأموراً بها؟!1
وعن الخامسة: أنّها تدلّ على أنّه وصى محمداً(صلى الله عليه وآله) بما وصّى به نوحاً والنبيّين من أمرهم بإقامة الدين وعدم الفرقة فيه، وغير ذلك من كلّيات الشرائع كما تقدّم.

1. أجاب الشيخ الطوسي في عدّته:2/597 عن المحتجّين بهذه الآية قائلاً: أمّا الملّة التي أُمرنا باتّباعها فهو دين إبراهيم(عليه السلام)، لأنّ الملّة هي الدين، لأنّ المراد بذلك التوحيد والعدل، يبيّن ذلك قوله:(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ إبراهيم إلاّ مَنْ سَفهَ نفسه)(البقرة:130) وقد علمنا أنّ الملّة التي يستحقّ الراغب عنها هذا الوصف هي العقليات.

صفحه 91
قال قدّس الله روحه:

المقصد السابع:

في النسخ

                                                   وفيه مباحث:

صفحه 92

صفحه 93
الأوّل: النسخ لغة: الإبطال.
وعرفاً: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً. فالحكم: شامل للوجودي والعدمي. وخرج بالشرعي: الشرع المبتدأ الرافع لحكم عقلي، والعجز، لارتفاع الحكم بالعقل لا بدليل شرعي. وخرج بالمتأخّر: الاستثناء، والشرط، والصفة. وبقولنا: «على وجه لولاه لكان ثابتاً » نهي الله عن مثل فعل مأمور به، لأنّه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً.
وهل هو رفع، أو بيان انتهاء مدّة الحكم؟ فالقاضي أبوبكر على الأوّل، لتعلّق الخطاب بالفعل، فلا يعدم لذاته، فالمعدم هو الناسخ. وأبو إسحاق على الثاني، إذ ليس انتفاء الباقي بطريان الحادث أولى من العكس، وكون الطاري متعلّق السبب مشترك، وتجويز كثرته يبطل بامتناع اجتماع الأمثال; ولأنّ خطابه تعالى كلامه، وهو قديم; ولأنّه تعالى إن علم الدوام فلا نسخ، وإلاّ انتهى الحكم لذاته.
والجواب: يجوز أن يكون أولى من غير علم السبب، والخطاب عندنا حادث، وجاز تعلّق علمه تعالى برفعه بالناسخ.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عمّا يفيد ثبوت معرفة الحكم الشرعي، بحث عمّا يفيد معرفة زوال ذلك الحكم بعد تحقّقه وهو النسخ، ولمّا كان التصديق مسبوقاً بالتصوّر بدأ بذكر تعريف النسخ، وعقّبه بذكر أقسامه وأحكامه.

[النسخ لغة واصطلاحاً]

   
واعلم أنّ لفظ النسخ لغة عبارة عن الإبطال، أعني: الإعدام، يقال: نسخت الريح آثار القوم أي أزالتها وأبطلتها، ونسخت الشمس الظل عند

صفحه 94
توهّم انتقاله من موضع إلى آخر.
ويُستعمل أيضاً في النقل والتحويل، يقال: نسخت الكتاب إلى آخر، عند نقل ما فيه إليه أو حكايته.
ومنه تناسخ الأرواح الذي هو عبارة عن انتقالها من بدن إلى آخر، وتناسخ المواريث عبارة عن انتقالها من وارث إلى آخر; فقال القاضي1والغزالي2: إنّه مشترك بينهما; وقال أبو الحسين البصري: إنّه حقيقة في الأوّل، مجاز في الثاني.3 وبعكسه قال القفّال.4
والمصنّف ـ طاب ثراه ـ وافق أبا الحسين5، وهو الحق، لما عرفت من رجحان المجاز على الاشتراك عند التعارض، ومن أنّ الإزالة أعم من النقل، لأنّه عبارة عن عدم صفة وتجدد أُخرى، والإزالة عدم مطلقاً، والمطلق أعم من المقيّد، ووضع اللفظ للأعم أولى لما تقدّم.
وأمّا بحسب عرف الأُصوليّين فقد عرّفه المصنّف ـ طاب ثراه ـ بأنّه رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً.

1. هو: القاضي أبو بكر الباقلاّني. نقله عنه الآمدي في الإحكام:3/71، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/580.
2. المستصفى:1/207.
3. المعتمد:1/364. وهو مذهب الأكثرين، وهو مختار أبي هاشم الجبّائي، وابن الهمّام، والفخر الرازي في المحصول:1/525.
4. يعني القفّال الشاشي من الشافعية. نقله عنه الآمدي والعلاّمة كما مرّ.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/581. أمّا الشيخ الطوسي فقد خالف أباالحسين البصري والعلاّمة والفخر الرازي ومَن على رأيهم، وقال في العدة:2/485: والأولى أن يقال: إنّه حقيقة فيهما، لأنّا وجدنا أهل اللغة يستعملون ذلك لأنّهم يعتقدون أنّ ذلك نُقِلَ على الحقيقة، وإن كان اعتقادهم فاسداً... .

صفحه 95
فالرفع جنس وبإضافته إلى الحكم خرج رفع الذوات والصفات الحقيقية.
والحكم شامل للوجودي كالوجوب والندب، والعدمي كالتحريم والكراهة.
وتقييد الحكم بالشرعي يخرج الشرع المبتدأ الرافع لحكم العقل من البراءة الأصلية، ويندرج في الحكم الشرعي ما استفيد من خطاب الشارع منطوقه ومفهومه وصريحه وفحواه وما استفيد من فعل الرسول(صلى الله عليه وآله).
وتقييده الدليل الرافع بالشرعي يخرج رفع الحكم الشرعي بالعجز، فإنّه وإن كان رفع حكم شرعي إلاّ أنّه ليس مستنداً إلى دليل شرعي بل إلى دليل عقلي.
وتقييده بالتأخّر عنه يخرج ارتفاع الحكم بما تقارن الدليل الشرعي الدالّ عليه من الأُمور المتّصلة به كالاستثناء والشرط والصفة والغاية.
وقوله:«على وجه لولاه لكان ثابتاً نهي الله تعالى عن مثل فعل مأمور به »، كما لو قال: صوموا يوم الجمعة، ثم قال بعد صوم جمعة لا تصوموا يوم الجمعة، فإنّه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً، لأنّ مقتضاه صيام يوم جمعة لا صيام كلّ جمعة، إذ الأمر لا يدلّ على التكرار ممّا تقدّم.
وفيه نظر، فإنّ رفع الحكم بالعجز لا يجب إخراجه من حدّ النسخ إلاّ إذا لم يكن نسخاً، وهو ممنوع، وقد اعترف المصنّف ـ طاب ثراه ـ بذلك فيما تقدّم من جواز التخصيص بالعقل.
سلّمنا، لكن لا يخرج بالقيد المذكور، لأنّ دلالة العقل عليه لا يمنع من

صفحه 96
دلالة الشرع عليه، وهو ظاهر من قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)1، وقيد التأخّر لا يخرج الصفة والاستثناء والشرط والغاية، لأنّها تقع متأخّرة لكنّها ليست متراخية، ومطلق التأخّر لا يدل على التراخي.
ولأنّ هذه المخصصات لا تتضمّن رفع الحكم الشرعي بل تدلّ على أنّ المخرج بها غير مراد من الخطاب، وحينئذ لا يحتاج إلى قيد يخرجها منه.
وقوله:«خرج بقولنا على وجه لولاه لكان ثابتاً » نهي الله تعالى عن مثل فعل مأمور به ممنوع، لأنّه ليس فيه رفع حكم شرعي، إذ الأمر بالشيء لا يدلّ على التكرار بحيث يكون النهي عن مثله نسخاً لولا القيد المذكور.
وقد ذكر صاحب الإحكام2 أنّ هذا القيد ذكر للاحتراز عمّا إذا ورد الخطاب بحكم مؤقّت ثم ورد الخطاب عند تصرّم ذلك الوقت بحكم يناقض الأوّل، كما لو ورد قوله: عند غروب الشمس كلوا بعد قوله: (ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلَى اللَّيْلِ)3، فإنّه لا يكون نسخاً للخطاب الأوّل، حيث إنّا لو قدَّرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب الأوّل مستمراً، بل منتهياً بالغروب.
وضعف هذا بيّن ممّا ذكرناه وأيضاً كان ينبغي تقييد رفع الحكم بقوله: لا لعذر، وإلاّ انتقض الحد في طرده برفع وجوب الصوم عن الحائض والمسافر والمريض وتحريم أكل الميتة في المخمصة، فإنّه ليس نسخاً

1. البقرة:286.
2. الإحكام:3/73.
3. البقرة:187.

صفحه 97
مع صدق الحدّ المذكورعليه.

[هل النسخ رفع أو بيان؟]

وهل النسخ رفع الحكم بعد ثبوته بمعنى أنّ خطاب الله تعالى تعلّق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لبقي، وأنّه زال لطريان الناسخ.
أو بيان انتهاء مدة الحكم بمعنى أنّ حكم الخطاب الأوّل انتهى لذاته في ذلك الوقت وحصل بعده حكم آخر؟
القاضي أبو بكر على الأوّل، لأنّ الحكم تعلّق بالفعل فلا يعدم لذاته وإلاّ لما وجد فلابدّ وأن يكون متعدّماً بطريان الناسخ لمضادته إيّاه.
وأبو إسحاق الاسفرائيني على الثاني.1
واحتجّ عليه بوجوه:
الأوّل: أنّه لو لم ينته حكم الأوّل بنفسه لما ارتفع أصلاً، لأنّ ارتفاعه حينئذ لا يكون إلاّ بطريان الضد، وهو محال، لأنّ المضادة ثابتة من الجانبين، فكما أنّ الطاري ضد للباقي فكذا الباقي ضد الطاري، فلو أعدم الطاري الباقي من غير عكس لزم الترجيح من غير مرجّح، وأنّه محال.
فإن قلت: لا نسلّم لزوم الترجيح من غير مرجّح من إعدام الطاري الباقي، وإنّما يكون كذلك أن لو لم يكن الطاري أقوى من الباقي، أمّا على ذلك التقدير وهو الواقع فلا.
وبيانه: أنّ الطاري متعلّق السبب والباقي منقطع السبب، لما ثبت في علم الكلام من كون الباقي مستغنياً عن المؤثر ومتعلّق السبب أقوى من

1. نقله عنهما: الرازي في المحصول:1/528ـ 529، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/590.

صفحه 98
منقطعه والقوة موجبة للرجحان، ولجواز كون الطاري أكثر أفراداً من الباقي، فيترجّح عليه من هذا الوجه.
قلت: يمنع من قوة الطاري على الباقي قوله: لأنّه متعلّق السبب.
قلنا: والباقي أيضاً متعلّق السبب، لما ظهر في علم الكلام من أنّ علة احتياج الأثر إلى المؤثّر إنّما هي الإمكان، وهو وصف يشترك فيه الطاري والباقي.
قوله:«ولجواز كون الطاري أكثر أفراداً من الباقي » ممنوع لاستحالة اجتماع الأمثال.
الثاني: أنّ حكم الله تعالى خطابه على ما تقدّم، وخطابه كلامه، وهو قديم فلا يصحّ عدمه.
الثالث: أنّ الله تعالى إمّا أن يعلم دوام الحكم، أو يعلم انقطاعه. فإن كان الأوّل استحال نسخه، لاستحالة انقلاب علمه تعالى جهلاً; وإن كان الثاني انتهى الحكم بذاته لا بطريان الضد، وهو المطلوب.
والجواب عن الأوّل: أنّه يجوز كون الحادث أقوى من الباقي وإن لم يعلم سبب قوته، وحينئذ لا يلزم من إعدامه إيّاه الترجيح من غير مرجّح، وإبطال استناد قوته إلى اختصاصه بتعلّق السبب أو بكثرة أفراده، لا يستلزم إبطال قوته مطلقاً، فإنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام.
وعن الثاني: أنّ خطاب الله تعالى عندنا حادث وليس هو نفس الحكم بل دليلاً عليه.
وعن الثالث: أنّ المختار أنّه تعالى علم انقطاعه ولكن لا يلزم من ذلك انتهاء الحكم وانقطاعه بنفسه، لاحتمال علم الله تعالى بانتهائه وانقطاعه

صفحه 99
يرفع الناسخ إيّاه.

صفحه 100
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: النسخ جائز عقلاً وواقع سمعاً، لإمكان اشتمال الفعل على المصلحة في وقت دون آخر، وللقطع بثبوت نبوة محمد(صلى الله عليه وآله) والإجماع على كون شرعه ناسخاً لما تقدّم.1 واحتجاج اليهود بأنّ موسى(عليه السلام) إن بَيَّن دوام شرعه بطل النسخ، وإلاّ اقتضى الفعل مرّة إن لم يبيّن انقطاعه، ووجب نقل المدة إن بيَّن. وبقوله(عليه السلام):«تمسّكوا بالسبت أبداً ». وبأنّ الفعل إن كان حسناً امتنع النهي عنه، أو قبيحاً فيمتنع الأمر به ضعيف لاحتمال ذكر المدة إجمالاً ولم ينقل لانقطاع تواتر اليهود حيث استأصلهم بخت نصّر إلاّ من شذ2، وقول موسى(عليه السلام) لو سلِّم لكن الأبدية قد يراد بها الزمان المتطاول، كما في التوراة:«يستخدم العبد ست سنين ثم يعتق في السابعة فإن أباه فلتثقب أُذنه ويستخدم أبداً ». وفي موضع آخر:«يستخدم خمسين سنة ثم يعتق » وكون الفعل حسناً أو قبيحاً قد يختلف باختلاف الأزمان والأحوال المتجدّدة، ومعارض3 بوقوع النسخ عندهم، كما في البقرة التي أُمروا بذبحها، فإنّه جعله مؤبداً عليهم ثمّ نسخه، وأمر بتقريب خروفين كلّ يوم بكرةً وعشيةً ثم نسخه.*

* [في جواز النسخ]

أقول: أكثر الناس على أنّ النسخ ممكن عقلاً وواقع سمعاً; خلافاً لأبي مسلم بن بحر الاصفهاني4 في الثاني5، ولبعض اليهود فيهما.6

1. في المطبوع:184 بزيادة: من الشرائع.
2. في المطبوع:184 بزيادة: منهم.
3. في المطبوع: 185: وهو معارض.
4. هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المعتزلي، ولد سنة 254هـ.، وكان شاعراً عالماً بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، ولي أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي، واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان سنة 321هـ ، فعزل. من كتبه: الناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو، وجامع التأويل في التفسير(14مجلداً). توفّي سنة 322هـ. خلافاً لما وقع في لسان الميزان من أنّه مات سنة 372هـ ولعلّه خطأ مطبعي. لسان الميزان:5/89 برقم 292; الأعلام للزركلي:6/50.
وقد وقع الالتباس في اسمه فذكره أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:251 بعنوان أبو مسلم عمرو بن يحيى الاصبهاني، وزعم بعضهم أنّه الجاحظ، ولكنّ المعروف عند الأُصوليين بأنّ أبا مسلم الذي يخالف في النسخ هو أبومسلم محمد بن بحر الاصفهاني، هكذا ذكره ابن السبكي وابن السمعاني وغيرهما.
راجع: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:4/46ـ 47.
5. لقد كثرت النقول عن أبي مسلم الأصفهاني في مسألة جواز النسخ وعدمه، فقيل: يمنعه بين الشرائع، وقيل: في الشريعة الواحدة، وقيل: في القرآن خاصة; لكنّ ابن السبكي في رفع الحاجب:4/47 جعل الاختلاف فيها لفظياً وقال: الإنصاف أنّ الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أنّ أبا مسلم يجعل ما كان مغيّاً في علم الله تعالى كما هو مغيّاً باللفظ، ويسمّى الجميع تخصيصاً، ولا فرق عنده بين أن يقول: (وأتمّوا الصيام إلى الليل)(البقرة:187) وأن يقول: صوموا مطلقاً، وعلمه محيط بأنّه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأوّل تخصيصاً والثاني نسخاً. ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى(صلى الله عليه وآله)وإنّما يقول:كانت شريعة السابقين مغيّاة إلى مبعثه عليه الصلاة والسلام، وبهذا يتّضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أنّ هذه الشريعة مخصّصة للشرائع السابقة أو ناسخة. وهذا معنى الخلاف.
6. اليهود في منع النسخ ثلاث فرق:
الأُولى: الشمعونيّة وذهبت إلى امتناعه عقلاً.
الثانية: العنانية، وذهبت إلى امتناعه سمعاً وعقلاً.
الثالثة: العيسوية ـ و هم أتباع عيسى الاصفهاني المعترفون بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله) لكن إلى العرب خاصة لا إلى كافّة الأُمم ـ ذهبوا إلى جوازه عقلاً ووقوعه سمعاً. راجع: الإحكام:3/79; نهاية السول:2/554ـ 555.

صفحه 101
لنـا: علـى الأوّل: أنّ الأحكـام الشـرعيـة إمّـا أن تكـون معلّلـة بالمصالح والأغراض كما يقوله أصحابنا والمعتزلة، أولا كما يقـولـه الأشاعرة.
وعلى التقديرين فالنسخ ممكن أمّا على قولنا فلأنّ المصالح تختلف باختلاف المكلّفين وأوقاتهم وأحوالهم، فيكون الفعل مصلحة لبعض المكلّفين فيأمره به، ومفسدة لبعضهم فينهاه عنه; أو مصلحة لمكلّف معيّن في وقت ومفسدة له في آخر، فيؤمر به في الوقت الأوّل وينهى عنه

صفحه 102
في الثاني.
وأمّا على قول المجبّرة فظاهر، فإنّ له تعالى إثبات الأحكام ورفعها وتبديلها بحسب مشيته وإرادته، فـ (لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون).
وعلى الثاني بوجهين:
أحدهما: أنّا نقطع بنبوّة محمد(صلى الله عليه وآله) بالبراهين القاطعة والأدلّة الواضحة، وذلك ملزوم لتحقّق النسخ.
وثانيهما: إجماع الأُمّة فإنّهم لا يختلفون في وقوع النسخ في الأحكام كما في نسخ التوجّه إلى بيت المقدس بالتوجّه إلى الكعبة، والاعتداد من الوفاة بالحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام، وأنّ شريعة محمد(صلى الله عليه وآله)ناسخة لما تقدّمها من الشرائع.
احتجّت اليهود 1بوجوه:
الأوّل: أنّ موسى(عليه السلام) بيّن دوام شرعه، ومتى كان كذلك استحال نسخه.
أمّا الأوّل فلأنّه لو لم يبيّن دوام شرعه لكان إمّا أن يبيّن انقطاعه، أو لا يبيّن شيئاً منهما.
والأوّل باطل، وإلاّ لنقل متواتراً، لأنّه ممّا تتوفّر الدواعي على نقله،

1. قال الشريف المرتضى في الذريعة: 308:«اعلم أنّه لا خلاف بين المسلمين في هذه المسألة(جواز النسخ)، وإنّما الخلاف فيها مع اليهود. ولا معنى للكلام على اليهود في أبواب أُصول الفقه، وقد تكلّمنا عليهم في كتابنا المعروف بالذخيرة وغيره بما فيه كفاية ». وهو كذلك، لأنّ الكلام في أُصول الفقه يتعلّق بما هو مقرر في الإسلام وفي اختلاف الفرق والمذاهب الإسلامية; أمّا خلاف الكفّار في هذه المسألة فالمناسب ذكرها في كتب أُصول الدين. ولكن برغم ذلك فقد تعرض أغلب الأُصوليين لأقوال اليهود وأجابوا عنها. راجع: عدة الأُصول:2/507; التبصرة:252; المستصفى:1/213; الإحكام للآمدي:3/79; الإحكام لابن حزم:4/470; المعتمد:1/370.

صفحه 103
ولمّا لم ينقل متواتراً عُلم انتفاؤه.
والثاني باطل أيضاً، وإلاّ لاكتفى من شرعه بالمرة الواحدة، لما تقدّم من أنّ الأمر لا يدلّ على التكرار، وهو باطل إجماعاً، ولعدم قبوله النسخ حينئذ; وأمّا الثاني فلأنّه نبي معصوم، وبيانه الدوام مع عدمه تلبيس، فلا يجوز عليه .
الثاني: قول موسى(عليه السلام): «تمسّكوا بالسبت أبداً » وقوله حجّة، والأبد عبارة عمّا لا يتناهى في جانب المستقبل فيستحيل نسخه.
الثالث: أنّ الفعل المأمور به شرعاً إن كان حسناً امتنع النهي عنه، لأنّ النهي عن الشيء ملزوم لقبحه; وإن كان قبيحاً استحال كونه مأموراً به، وهو خلاف المقدّر.
والجواب عن الأوّل: المنع من بيانه (عليه السلام) دوام شرعه، والمدّعى أنّه بيّن انقطاعه ولا يلزم نقله متواتراً.
أمّا أوّلاً فلأنّ تواتر اليهود انقطع، فإنّ بخت نصّر1 قتل أكثرهم ولم يبق منهم إلاّ شذّاذاً لا يبلغون عدد التواتر.
وأمّا ثانياً فلجواز كون بيان الانقطاع على سبيل الإجمال فلم ينقل متواتراً، لعدم توفّر الدواعي على نقله .

1. بخت نصّر ـ بالتشديد ـ إنّما أصله بوخت ومعناه ابن، ونصر كبقم: صنم وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه، وقيل: بخت نصر أي ابن الصنم. ويقال له: نَبوخَذ نَصَّر ملك بابل (562 ق.م ـ 605ق.م) احتلّ فلسطين، قتل اليهود وأفناهم إلاّ عدداً يسيراً أخذهم أسرى وأحرق التوراة وخرّب أُورشليم وذلك في سنة 586ق.م. تاج العروس:7/529، مادة «نصر »; المنجد:706، قسم الأعلام، حرف النون.

صفحه 104
وعن الثاني: المنع من صحّة الخبر المذكور1، ولا يمكنهم دعوى تواتره، لما بيّنّا من انقطاع تواتر اليهود.
سلّمنا، لكن الأبد يطلق على الزمان المتطاول، وقد ورد ذلك في التوراة، كما في قوله: «يستخدم العبد ست سنين ثم يعتق في السابعة فإن أبى العتق فلتثقب أُذنه ويستخدم أبداً ».
وفي موضع آخر منها:«يستخدم خمسين سنة ثم يعتق » فإن كان المراد بالأبد المدة المذكورة فهو المدّعى، وإن كان حقيقة لزم النسخ وهو المطلوب.
وعن الثالث: أنّ الفعل المأمور به حسن عند الأمر به، قبيح عند النهي عنه، فإنّ الحسن والقبح قد يكونان ذاتيين للأفعال وقد يكونان عرضيين يختلفان بحسب اختلاف الأوقات والأحوال والمكلفين كما تقدّم، وما يعرض له النسخ والتغيير في الشرائع من قبيل القسم الثاني خاصّة، وما كان من قبيل القسم الأوّل فنسخه محال لما ذكروه كحسن الصدق والعدل وقبح الكذب والجور هذا عند أصحابنا والمعتزلة. وأمّا الأشاعرة فلا

1. أي«تمسّكوا بالسبت أبداً » فهو موضوع، وضعه ابن الراوندي أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق الراوندي من سكّان بغداد، كان معتزلياً ثم اعتنق مذهب الشيعة الإمامية، ورُمي بالزندقة، اختُلف فيه ودافع عنه الشريف المرتضى، توفّي سنة 245هـ.، وقيل غير ذلك. وقد ذمّه العلاّمة في هذا المورد قائلاً: نسب وضع هذا القول إلى ابن الراوندي ليعارض به دعوى الرسالة من محمد(صلى الله عليه وآله)، لما ظهر من استهزائه بالدين، ولهذا لمّا أسلم أحبارهم، مثل كعب الأحبار وابن سلام ووهب بن منبه وغيرهم، وقد كانوا أعرف من غيرهم بالتوراة، لم يذكروا ذلك، ولو كان ذلك حقّاً لعارضوا به النبي(صلى الله عليه وآله).
راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/609ـ 610; أعيان الشيعة:3/204برقم592; معجم طبقات المتكلّمين:1/363برقم 58.

صفحه 105
يقولون بكونهما ذاتيين لشيء من الأفعال، فيصحّ عندهم انقلاب كلّ حسن قبيحاً وبالعكس، فلا استحالة في أن يصير المأمور به في وقت، منهي عنه في وقت آخر. ثم يعارض اليهود بأنّ النسخ قد وقع في شرعهم كما في البقرة التي أُمروا بذبحها حيث قال: يكون ذلك أبداً، ثم انقطع التعبّد بذلك عندهم.
وفي السفر الثاني من التوراة: قرّبوا لي في كل يوم خروفين خروفاً غدوة وخروفاً عشيّة قرباناً دائماً لاحقاً بكم، ثم نسخه عنهم.
واعلم أنّ الحجّة الأُولى على تقدير صحّتها إنّما تدلّ على استحالة نسخ شرع موسى(عليه السلام)، والثانية على امتناع نسخ التعبّد بالسبت، وهما لا يوجبان استحالة النسخ مطلقاً.1

1. راجع تفاصيل البحث في: عدّة الأُصول:2/506ـ513; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/602ـ 616.

صفحه 106
وقال قدس الله روحه: البحث الثالث: في القرآن ما هو منسوخ، خلافاً لأبي مسلم بن بحر الأصفهاني. كآية العدَّة، وتقديم الصدقة على المناجاة، وثبات الواحد للعشرة، والقبلة.
واحتجاجه بقوله تعالى:(لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)واعتذاره ببقاء حكم العدَّة في الحامل، وبأنّ الغرض في تقديم الصدقة التمييز بين المؤمنين والمنافقين، فلمَّا حصل زال التعبّد، وببقاء الاستقبال لبيت المقدس عند الاشتباه.
باطل لأنّ المراد أنّه لم يتقدّم من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتيه المبطل من بعده، وعدَّة الحامل بوضع الحمل سواء كان سنة أو أقل، فجعل السنة عدَّة زال بالكلية، وكون الصدقة للتمييز يقتضي كون الصحابة بأسرهم منافقين غير علي(عليه السلام)، فإنّه لم يتصدّق سواه، وهو باطل، والاستقبال إلى بيت المقدس كغيره عند الاشتباه، فالخصوصية التي تعبد بها زائلة بالكلية.*

* [في جواز النسخ بالقرآن]

أقول: اتّفقت الأُمّة على وقوع النسخ في القرآن العزيز، وخالف في ذلك أبومسلم بن بحر الأصفهاني.
لنا: وجوه: الأوّل: أنّه تعالى أمر المتوفّى عنها زوجها بالاعتداد حولاً حيث قال: (وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْواجاً وَصِيَّةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إلى الحَولِ)1،ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (والذِينَ يُتوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً).2
الثاني: أنّه تعالى أمر بتقديم الصدقة على المناجاة بقوله تعالى:(يا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْويكُمْ صَدَقَةً)3 ثم

1. البقرة:240.
2. البقرة:234.
3. المجادلة:12.

صفحه 107
نسخ ذلك.
الثالث: أنّه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله:(إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)1، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:(الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).2
الرابع: أنّه تعالى أمر بالتوجّه إلى بيت المقدس في الصلاة، ثم نسخ ذلك بإيجاب التوجّه إلى الكعبة بقوله جل من قائل:(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ).3
وفيه نظر، لأنّ التوجّه إلى بيت المقدس لم يكن واجباً بالقرآن، إذ ليس فيه ما يدلّ عليه، بل بالسنّة. وحينئذ لا يكون إيجاب التوجّه إلى المسجد الحرام بالآية المذكورة دالاًّ على كون بعض القرآن منسوخاً، بل على كونه ناسخاً.
احتجّ أبو مسلم بقوله تعالى في صفة كتابه العزيز: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)4، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهو خلاف مدلول الآية.
واعتذر عن الوجوه المذكورة:
أمّا عن الأوّل: فبأنّ حكم الاعتداد بالحول لم يزل بالكلّية، فإنّ الزوجة لو كانت حاملاً ومدة حملها حول اعتدت به، وإذا بقي الحكم في بعض الصور كان تخصيصاً لا نسخاً.

1. الأنفال:65.
2. الأنفال:66.
3. البقرة:144 و 149 و 150.
4. فصّلت:42.

صفحه 108
وأمّا عن الثاني: فلأنّ وجوب الصدقة إنّما زال لزوال سببه، وذلك أنّ الغرض من هذا الأمر تمييز المؤمنين من المنافقين بالامتثال وعدمه، فلمّا حصل ذلك الامتياز، ارتفع ذلك الحكم لارتفاع سببه.
وأمّا عن الثالث: فيمكن أن يقال:إنّ حكمه باق، إذ لو كانوا أبطالاً والمائتان في غاية الجبن والضعف بحيث يعلم قصورهم عن مقاومة العشرين، وجب الثبات فيكون تخصيصاً.
وعن الرابع: بأنّ حكم التوجّه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلّية لوجوب التوجّه إليها عند الاشتباه أو العذر، فهو تخصيص لا نسخ.
والجواب عن حجّته: أنّ المراد بالآية ـ والله اعلم ـ أنّه لم يتقدّمه من الكتب الإلهية ما يقتضي بطلانه، ولا يأتيه من بعده منها ما يبطله، لا ما توهّمه أبو مسلم من عدم تطرّق النسخ إلى أبعاضه.
وعن اعتذاره الأوّل: بأنّ عدّة الحامل تنقضي بأبعد الأجلين من وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كان ذلك في أقلّ من الحول أو فيه إن أمكن، فالاعتداد بخصوصية الحول زال بالكلّية.
وعن الثاني: بأنّه لو كان الغرض ما ذكره، لزم كون أكابر الصحابة غير أمير المؤمنين(عليه السلام) منافقين، وهو باطل اتّفاقاً.
وعن الثالث: بعد التسليم أنّ خصوصية العدد زال بالكلّية لتحقّق الحكم في غيره، كما لو فرض زيادة الضعفاء على المائتين، والحال كما ذكر.
وعن الرابع: بأنّ التوجّه إلى بيت المقدس حال الاشتباه ليس مقصوداً لذاته، بل ليحقّق المصلّي التوجّه إلى الكعبة، فهو مساو لغيره من الجهات،

صفحه 109
وماكان مختصّاً ببيت المقدس عن غيره من الجهات زال بالكلّية.1

1. راجع تفاصيل البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/617ـ621، المحصول:1/538ـ541.

صفحه 110
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: في شرائط النسخ وهي:
الاستمرار، فإنّ المنقطع لا يُنسخ.
وصحة تغيّره كالقيام والقعود، ووجوه التصرّف، والنفع والضر، لا ما وجب استمراره إمّا لكونه لطفاً لا يتغيّر كالمعرفة، أو لكونه على صفة هو عليها كوجوب الإنصاف وقبح الكذب والجهل.
وثبوت المنسوخ والناسخ بالشرع. وتأخّر الناسخ. وعدم توقيت الفعل بغاية معلومة كـ :(أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيلِ) لا بمجهولة كـ:«دوموا عليه إلى أن أنسخه عنكم.
ووقوعه في الأحكام الشرعية دون أجناس الأفعال.
ولا يشترط تناول لفظ المنسوخ للمنسوخ لتساوي ما علم استمرار الحكم فيه بظاهر الخطاب أو بقرينة.
ثم النسخ قد يكون لا إلى بدل فيشترط وجود لفظ يدل على الزوال، وقد يكون إلى بدل مضاد فيكفي ثبوت المضاد، وقد يكون إلى مخالف كنسخ عاشوراء برمضان، وسائر الحقوق بالزكاة، ويشترط وجود ما يدل على زوال الأوّل، لعدم التنافي بين الحكمين.*

* [في شرائط النسخ]

أقول: شرائط النسخ تارة تتعلّق بالمنسوخ، وتارة بالناسخ.
أمّا الأوّل فأُمور: أحدها: أن يكون الحكم مستمراً، فإنّه لو كان منقطعاً أو مقيّداً بمرة واحدة أو مطلقاً لم يكن ارتفاعه نسخاً.
وأن يكون ممّا يصح تغيّره، كالقيام والقعود اللّذين يكون كلّ واحد منهما في حالة واجباً وفي حالة حراماً وفي حالة مباحاً كما في حال الصلاة والخروج منها; ووجوه التصرّف، كالبيع المحرّم وقت النداء المباح في غيره; وكالنفع والضر، فإنّ الشيء قد يكون نافعاً في وقت كالأكل عند السغب، وضارّاً في غيره كالأكل عند الشبع. ولا يتحقّق

صفحه 111
النسخ فيما يجب استمراره إمّا لكونه لطفاً مطلقاً كمعرفة الله تعالى، أو بكونه على صفة هو عليها لازمة له، كوجوب الإنصاف فإنّه معلّل بصفة الإنصاف، وكقبح الكذب والجهل، فإنّهما معلّلان بعدم مطابقتهما لمتعلّقهما، وهي صفة لازمة لهما.
ولا فيمـا يكـون مؤقّتـاً بغـاية معلومة، مثل: (أتِمُّوا الصِّيامَ إلَى اللَّيْلِ).1
أمّا المقيّد بغاية مجهولة فيتحقّق النسخ فيه، مثل أن يقول: دوموا على الفعل الفلاني إلى أن أنسخه عنكم، ولقوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتّى يَتَوفَّيهُنَّ الْمَوتُ أوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)2 المنسوخ بقوله(عليه السلام):«قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ».3
وأن يكون من الأحكام الشرعية دون أجناس الأفعال وصورها ودون الأحكام العقلية، فإنّ الصلاة إلى بيت المقدس وصورتها لم ترتفع بالناسخ لإمكان وقوعها، وإنّما ارتفع وجوبها، ورفع حكم البراءة الأصلية بإيجاب الصلاة مثلاً أو تحريم الخمر لا يسمّى نسخاً.
ولا يشترط تناول لفظ المنسوخ للحكم المنسوخ الذي دلّ الناسخ على رفعه بمعنى أن يكون موضوعاً له أو لما هو جزؤه أو لملزومه، بل لو

1. البقرة:187.
2. النساء:15.
3. صحيح مسلم:5/115، باب حدّ الزنا; سنن ابن ماجة:2/853 برقم 2550; سنن الترمذي: 2/445برقم 1461; سنن الدارمي:2/181; مسند أحمد:3/476 و ج5/313 و 327; عوالي اللآلي:1/237 برقم 149، و ج2/349 برقم7; مستدرك الوسائل:18/62 برقم22048.

صفحه 112
علم استمرار الحكم بقرينة صارحة1 عن الخطاب لساوى ما علم استمرار الحكم فيه من ظاهر الخطاب في صحة ورود النسخ عليه، ألا ترى أنّ الأمر لا يدلّ على التكرار مع أنّه لو دلّت قرينة على إرادة التكرار منه ثم دلّ دليل على رفع الحكم عن بعض المرّات لكان نسخاً اتّفاقاً مع عدم تناول اللفظ له.
وأمّا الثاني فيشترط في الناسخ أن يكون دليلاً شرعياً لا عقلياً، فإنّ ارتفاع الحكم بموت المكلّف وعجزه لا يسمّى نسخاً وأن يكون متراخياً عن المنسوخ، وإلاّ لكان تخصيصاً لما عرفت في شرح حدّ النسخ، وأن لا يراد بالناسخ غير ما أُريد بالمنسوخ، وإلاّ لزم البداء.
ثم النسخ قد يكون لا إلى بدل فيشترط فيه وجود ما يدلّ على زوال الحكم المنسوخ من لفظ أو فعل أو ترك.
في النسخ قبل الفعل   
وقد يكون إلى بدل، فإن كان مضادّاً لحكم الأوّل، كفى دليل ثبوته في رفع مضادّه، كنسخ وجوب التوجّه إلى بيت المقدس بالتوجّه إلى الكعبة. وإن كان مخالفاً غير مضادّ، كنسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان، ونسخ سائر الحقوق بالزكاة لم يكف في نسخ الحكم الأوّل، لعدم المنافاة بينهما، بل يشترط وجود ما يدلّ على رفعه قولاً كان أو فعلاً أو تركاً.2
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: يجوز نسخ الشيء قبل فعله إجماعاً، فإنّ العاصي والكافر مخاطبان بالناسخ والمنسوخ.
وهل يجوز نسخه قبل حضور وقته؟ المعتزلة على المنع خلافاً للأشعرية.

1. في حاشية نسخة «ب »: لعلّه مأخوذ من الصراحة وهو الكشف.(منه). وفي «م »: صارفة.
2. راجع البحث في: الذريعة:301; عدة الأُصول:2/487; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/600.

صفحه 113
لنـا: لـو جـاز ذلك لـزم البـداء، إذ شـروط البـداء أربعـة، وهـي: اتّحاد الفعل، والوجه، والوقت، والمكلف، وهي ثابتة هنا، ولأنّ الفعل بالنسبة إلى ذلك الوقت إن كان حسناً استحال النهي عنه أو1 قبيحاً فيستحيل الأمر به.
لا يقال: نمنع اتّحاد المتعلّق، لتناول النهي مثل متناول الأمر، أو لتناول الأمر بالاعتقاد والنهي بالفعل.
لأنّا نقول: المتماثلان يستحيل كون أحدهما مصلحة في وقت والآخر مفسدة فيه والأمر الأوّل يتناولهما، فكذا النهي، ولامتناع التمييز بينهما، فيستحيل الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر، وأمّا تناول الأمر الاعتقاد فليس كذلك، لأنّ لفظ الأمر يتناول الفعل ولو سلِّم فلا نزاع، لتغاير متعلّق الأمر والنهي.
احتجّوا بأنّ إبراهيم(عليه السلام) أُمر بالذبح ولم يفعل للفداء، ولأنّ السيد قد يأمر عبده بفعل بشرط أنْ لا ينهاه2، ولاحتمال كون الفعل والأمر مصلحة قبل النسخ، ثم تتغيّر مصلحة الأمر خاصّة.
والجواب: المنع من أمر إبراهيم(عليه السلام) بالذبح، لقوله تعالى: (قد صدّقت الرؤيا)، نعم أُمر بمقدّماته، وهو مع ظن الأمر به بلاء عظيم، والفداء عن ظنه أنّه يؤمر بالذبح. سلّمنا لكن قد ورد أنّه ذبح، لكن الله تعالى يوصل ما يقطعه. والسيد إنّما يحسن منه ذلك، لجواز البداء عليه، بخلافه تعالى. وحسن الأمر تابع لحسن الفعل.*

* [في النسخ قبل الفعل]

أقول: اتّفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ الشيء بعد التمكّن من فعله وحضور وقته، سواء فعل أو لم يفعل، لجواز كون الفعل مصلحة في وقت فيأمر به ومفسدة في آخر فينهى عنه. والمطيع والعاصي متساويان في تناول الخطاب بالناسخ والمنسوخ لهما، وسواء كان العاصي كافراً أو فاسقاً، لما تقدّم من بيان كون الكفّار مخاطبين بفروع الشريعة.

1. في المطبوع:188: وإن كان.
2. في المطبوع:189 بزيادة: عنه.

صفحه 114
واختلفوا في جواز نسخه قبل حضور وقته، كما لو قال الشارع في أوّل النهار: صلّوا عند غروب الشمس ركعتين، ثم قال عند الزوال: لا تصلّوا عند غروب الشمس شيئاً .
فمنع منه أصحابنا، وجماهير المعتزلة، وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض الحنابلة.1
وجوّزه الأشاعرة، وأكثر الشافعية. 2
واختار المصنّف ـ طاب ثراه ـ الأوّل3، وهو الحق .
لنا: وجهان: الأوّل: لو جاز ذلك، لزم البداء، أعني: ظهور حال الشيء بعد خفائه على الله تعالى، والتالي باطل فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فلأنّ شروط البداء التي يتحقّق معها أربعة: اتّحاد الفعل، ووقته، ووجهه، والمكلّف به.4 وهي متحقّقة في صورة النزاع، فيجب تحقّقه. وأمّا بطلان

1. وهو مختار أبي الحسين البصري وأبي الحسن الكرخي والماتريدي والدبوسي. راجع المعتمد:1/376، والتبصرة:260. ومن الإمامية ذهب إليه السيد المرتضى في الذريعة:313، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/519.
2. وإليه ذهب الحنابلة والظاهرية، وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:260، والرازي في المحصول:1/541، والآمدي في الإحكام:3/86، والغزّالي في المستصفى:1/215، وابن حزم في الإحكام:4/499. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ المفيد على ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:2/519.
3. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/24.
4. قال الشيخ المفيد: قول الإمامية في البداء طريقه السمع دون العقل وقد جاء الإخبار به عن أئمّة الهدى(عليهم السلام)، والأصل في البداء هو الظهور... وتقول العرب: قد بدا لفلان عمل حسن، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللاّم قائمة مقام من، فالمعنى في قول الإمامية: بدا لله في كذا، أي ظهر منه، وليس المراد منه تعقب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة له فيما لم يزل. وقال في موضع آخر: إنّ لفظ البداء أُطلق في اللغة على تعقّب الرأي والانتقال من عزيمة إلى عزيمة وإنّما أطلق على الله تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازاً غير حقيقة.... راجع تصحيح الاعتقاد:65ـ67. وقد ذكر الشيخ الطوسي في عدة الأصول:2/496 وجهاً آخر حول البداء نقله عن السيد المرتضى واستحسنه وقوّاه، وهو جيد ومفيد نترك نقله خوف الإطالة.
واعتبر المصلح الكبير كاشف الغطاء في كتاب «الدين والإسلام »:1/168ـ169 أنّ النزاع بين السنّة والشيعة حول البداء هو نزاع لفظي.
وذهب إلى ذلك أيضاً السيد شرف الدين في أجوبة مسائل جار الله:101ـ103، وقد فصّل في هذه المسألة تفصيلاً رائعاً نأتي بمقتطفات من كلامه لأهميته: إنّ الله قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء، وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى:(يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيثبت وعنده أُمّ الكتاب). وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا(عليهم السلام) في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن المأثورة أنّ الصدقة وبرّ الوالدين واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر... هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة... راجع بقية كلامه(قدس سره) فهو جدير بالمطالعة. وللعلامة المحقق جعفر السبحاني رسالة بعنوان: «البداء في الكتاب والسنّة » بحث فيها مسألة البداء بالتفصيل وردّ على الشبهات المثارة حول هذه المسألة. وقد ذكر البخاري في صحيحه(4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل) حديثاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّ ثلاثة في بني إسرائيل بدا لله أن يبتليهم، وذكر الحديث وهو نفس ما يقصده الشيعة من البداء.

صفحه 115
التالي، فلاستحالة الجهل على الله تعالى.
وفيه نظر، فاِنّ المراد باتّحاد الفعل إن كان اتّحاده مع اتّحاد مشخّصاته، استغنى عن ذكر اتّحاد الوقت، وإلاّ احتاج إلى ذكر المكان، لاختلاف حال الفعل باختلافه.
الثاني: أنّ الفعل المأمور به إن كان مصلحة، استحال النهي عنه، لما يتضمّن من تفويت تلك المصلحة الباعثة على الأمر به; ولأنّ علّة طلبه تلك المصلحة وهي ثابتة، فيجب استمرار الطلب، وحينئذ يستحيل

صفحه 116
النهي عنه; وإن كان مفسدة استحال الأمر به، وكذا لو خلا عن المصلحة والمفسدة، لاستحالة إيجاب ما لا وجه له يقتضي وجوبه.
اعترض بالمنع من اتّحاد متعلّق الأمر والنهي ـ أعني: الفعل ـ لجواز أن يكون متعلّق النهي مثل متعلّق الأمر لا نفسه، أو أنّ متعلّق الأمر اعتقاد وجوب الفعل أو العزم عليه ومتعلّق النهي نفس الفعل.
وأُجيب عن الأوّل: بأنّ حكم المثلين يجب اتّحاده عند اتّحاد باقي الأُمور الأربعة، فيستحيل كون أحدهما مصلحة والآخر مفسدة، فيكون الأمر الأوّل متناولاً لهما على سبيل البدل لا الجمع، لاستحالة الجمع بين المثلين. ولأنّ المكلّف لا يميّز أحدهما عن الآخر، فكونه مأموراً بأحدهما ومنهيّاً عن الآخر في وقت يوجب تكليف ما لا يطاق.
وعن الثاني: أنّ لفظ المأمور به كالصلاة مثلاً ظاهر في نفس الصلاة، واستعماله في اعتقاد وجوبها أو العزم عليها خلاف الظاهر من دون القرينة، وقد تقدّم بيان استحالته.
سلّمنا، لكن ذلك خروج عن محل النزاع، لأنّ متعلّق الأمر حينئذ أمر مغاير لتعلّق النهي، والنزاع إنّما هو فيما إذا اتّحد متعلّقهما في الأُمور الأربعة المذكورة.
احتجّ الخصم بوجوه:
الأوّل: أنّه واقع، فيكون جائزاً. أمّا الأوّل فلأنّ إبراهيم ـ على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام ـ كان مأموراً بذبح ولده إسماعيل، بدليل قوله تعالى: (إنّي أرَى فِي الْمَنامِ أنّي أذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذا تَرَى قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا

صفحه 117
تُؤْمَرُ)1، وقوله: (إنّ هَذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِين)2، ولم يذبح لقوله تعالى:(وَفَدَيْناهُ بِذِبْح عَظِيم)3، ولو كان قد ذبح لما احتاج إلى الفداء، وذلك دليل النسخ لاستحالة إخلاله (عليه السلام) بالواجب، وأمّا الثاني فظاهر.
الثاني: أنّه يحسن أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب بشرط أن لا أنهاك عن خياطته، فكذا يحسن من الشارع .
الثالث: أنّ الفعل المأمور به في الوقت المعيّن قد يكون مصلحة والأمر به كذلك، ثم تزول مصلحة الأمر به خاصّة في وقت آخر ويتضمن مفسدة فيحسن النهي عنه، وإن كان الفعل المأمور به مصلحة في وقتي الأمر والنهي لما يتضمن الأمر من المفسدة.
والجواب عن الأوّل: بالمنع من أمر إبراهيم (عليه السلام) بالذبح، بل إنّما كان مأموراً بمقدّماته من الإضجاع وأخذ المدية، وذلك مع حصول الظن الغالب بأنّه مأمور بالذبح وهو بلاء مبين ويؤيده قوله تعالى:(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا)4، ولو فعل بعض ما أمر به لقال: «قد صدقت بعض الرؤيا » والفداء لا يدلّ على أنّه كان مأموراً بالذبح حقيقة، بل جاز أن يكون عمّا حصل في ظنه من أمره بالذبح.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه لم يذبحه، فقد روي أنّه (عليه السلام) ذبحه، وكان كلّما قطع منه عضواً وصله الله تعالى.
فإن قلت: لو كان قد ذبح لما احتاج إلى الفداء.

1. الصافات:102.
2. الصافات:106.
3. الصافات:107.
4. الصافات:105.

صفحه 118
قلت: لا نسلّم، وذلك لأنّ الفداء ليس عن نفس الذبح، بل عن إزهاق الروح وإبطال الحياة المترتبين عليه.
وعن الثاني: بالمنع من الملازمة، وظاهر أنّ علّة حسن ذلك من سيد العبد جواز البداء عليه وتجويز ظهور مفسدة في المأمور به، وذلك ممتنع في حقّه تعالى، لكونه عالماً بكلّ معلوم.
وعن الثالث: أنّ الأمر إنّما يحسن باعتبار حسن الفعل المأمور به، فإذا فرضت مصلحة الفعل باقية كان حسنه باقياً. وأيضاً فاستلزام الأمر المفسدة مع بقاء مصلحة الفعل يوجب رفع الأمر لا النهي عن الفعل، لأنّ فيه تفويتاً لتلك المصلحة، والصورة المذكورة تتضمّن النهي عمّا أمر به وإن كان المتنازع هو أعم من ذلك، وهو نسخ الشيء قبل فعله، فإنّه أعم من كونه بالنهي عنه أو بإباحة تركه. والعجب أنّ الأشاعرة ذهبوا إلى أنّ الأمر إنّما يتوجّه على المأمور عند مباشرته الفعل المأمور به، وهاهنا صرّحوا بأنّ الأمر كان موجوداً قبل الفعل ومصلحة ثم صار مفسدة قبل الفعل أيضاً، وقالوا: إنّ الأمر السابق على الفعل إعلام وإخبار للمكلّف بأنّه مكلّف بالفعل في وقته، فيلزمهم الكذب على الشارع بتقدير نسخه قبل ذلك الوقت.1

1. راجع تفاصيل البحث في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/23ـ43.

صفحه 119
قـال قـدس الله روحـه: البحـث السـادس: يجـوز نسـخ الشـيء لا إلـى بـدل، كآيـة تقـديـم الصـدقـة علـى المنـاجاة، وقـوله تعـالى:(يـأت بخيـر منها أو مثلها)لا يدلّ على مطلوبهم، لجواز كون العدم خيراً من ثبوت الحكم في وقت نسخه، أو أنّ المراد بـ :(خير منها) في اللفظ، إذ هو المفهوم هنا.
ويجوز النسخ إلى أثقل، كما في الصوم الناسخ للتخيير بينه و بين الفدية، والحبس منسوخ بالجلد، وصوم عاشوراء بصوم رمضان.
قالوا: الخير أخف. وجوابه: بل الأكثر ثواباً.
ويجوز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، لأنّهما عبادتان لا تلازم بينهما، وقد وجد في الاعتداد بالحول، والرجم للشيخين.
ويجوز نسخ المقيّد بالتأبيد، لأنّه كالعموم القابل للتخصيص، ولأنّ شرط النسخ الدوام، ولا تعاند بين الشيء وشرطه.
والخبر إن امتنع تغيّر مخبره كحدوث العالم، امتنع نسخه، وإلاّ جاز، مثل عمر نوح ألف سنة، ثم تبيّن من بعد (ألف سنة إلاّ خمسين عاماً)، والكذب غير لازم، لأنّ الناسخ دلّ على أنّ المراد البعض، كما دلّ النهي الناسخ للأمر على أنّ المراد بالأمر البعض، وامتنع في مثل: أهلك الله تعالى عاداً، و لم يهلكهم لاتّحاد المخبر عنه.
   
ويجوز نسخ الإخبار عن الشيء، لأنّه لا استبعاد في أن يزيل الله تعالى عنّا التكليف بالإخبار عن الشيء حتّى الخبر عن التوحيد، كما منع الجنب القرآن، وصدق الخبر لا يمنع من زوال التعبّد به إذا اشتمل على مفسدة، ولا يجوز نسخه بالإخبار بنقيضه مع امتناع تغيّره، والعلم الذي علم وجوبه ـ لكونه مصلحة لا يتغير كالمعرفة ـ لا يجوز نسخه، ويجوز في غيره إذا اشتمل على وجه قبح.*
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل:

الأُولى: [ في جواز نسخ الشيء لا إلى بدل]

يجوز نسخ الشيء لا إلى بدل، خلافاً لقوم .
لنا: إنّه يجوز اشتمال المنسوخ حال النسخ على مفسدة فيجب رفعه،

صفحه 120
فإذا لم يشتمل البدل على مصلحة لم يجب إتيانه.1 ولأنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ وجوب تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول(صلى الله عليه وآله)المستفاد من قوله تعالى:(يا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إذا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْويكُمْ صَدَقَة)2 منسوخ من غير بدل اتّفاقاً وأمّا الثاني فظاهر.
احتجّ المانع بقوله تعالى:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آية أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أوْ مِثْلِها).3
والجواب: أنّ عدم الحكم قد يكون خيراً من ثبوته في وقت نسخه، إذ المراد بالخير ما هو أكثر ثواباً أو يقول: إنّ المراد نسخ لفظ الآية، ولهذا قال (نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أوْ مِثْلِها)، وليس للحكم ذكر فيكون المراد ما هو أفصح منها أو مثلها في الفصاحة.
وفي الأوّل نظر من حيث إنّ العدم شر فلا يكون خيراً، ولأنّه لا يوصف بكونه مأتياً به ولا يحصل بالفاعل، ولعدم الفائدة في ذلك لأنّ كل أحد يعلم أنّ رفع كلّ شيء يوجب تحقّق نقيضه، ولأنّه رتّب الإتيان على النسخ الّذي هو رفع4 الحكم فتجب مغايرته له.5

1. في«م »: إثباته.
2. المجادلة:12.
3. البقرة:106.
4. في «م » بزيادة: موافقة.
5. راجع البحث في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/43ـ45; المحصول:1/546.

صفحه 121

الثانية: يجوز نسخ الشيء إلى أثقل منه

خلافاً لبعض الشافعية1، وجوّزه قوم ومنعوا من وقوعه.
لنا: إنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلأنّه تعالى في ابتداء الإسلام خَيَّرَ المكلّف بين صوم شهر رمضان والفدية بالمال2، ثم نسخ ذلك التخيير بتعيين الصوم3، وهو أشق ولأنّه أوجب الحبس في البيوت والتعنيف حدّاً على الزنا4، ونسخ ذلك بالضرب بالسياط والجز والتغريب في حقّ البكر والرجم بالحجارة في حقّ المحصن5، وهو أشق. ونسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان، وهو أشق.
وأمّا الثاني فظاهر.
احتجّوا بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آية أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها)أي أخف، أو مثلها أي مساو لها، والأثقل ليس كذلك.
والجواب: المنع من كون المراد بالخير والمثل ما ذكرتموه، بل المراد

1. و نسب هذا القول أيضاً إلى ابن داود الظاهري. وقال ابن حزم الأندلسي الظاهري في الإحكام:4/493:(قال قوم من أصحابنا...). وهو خلاف مذهب جمهور المتكلّمين والفقهاء. راجع: الذريعة:303; عدة الأُصول:2/492; نهاية الوصول إلى علم الأصول:3/45; التبصرة:258; الإحكام:3/94.
2. إشارة إلى قوله تعالى:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ومن تطوّع خيراً فهو خير له وإن تصوموا خير لكم). البقرة:185.
3. إشارة إلى قوله سبحانه:(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) البقرة:185.
4. إشارة إلى قوله سبحانه:(واللاّتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً). النساء:15.
5. إشارة إلى قوله سبحانه:(الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة...). النور:2.

صفحه 122
ـ والله أعلم ـ بالخير أكثر ثواباً وبالمثل المساوي فيه.

الثالثة:[ في جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس]

يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة، خلافاً لشاذ من المعتزلة.1
لنا: إنّ كلاًّ من التلاوة والحكم عبادة مستقلة يجوز انفكاكها عن الأُخرى، فإنّ قراءة القرآن بمجردها موجبة لحصول الثواب والأجر، لقوله(عليه السلام): «مَن قرأ القرآن فأعربه، فله بكلّ حرف منه عشر حسنات ».2والقيام بالعبادات المشتمل عليها القرآن موجب لحصول الثواب وإن تجرّد عن تلاوة ما دلّ عليها منه كالصلاة والصيام والحج، وإذا كان كذلك لم يكن رفع إحداهما موجباً لرفع الأُخرى. ولأنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل: فلنسخ حكم الاعتداد في الوفاة بالحول مع عدم نسخ تلاوة الآية المتضمّنة له.3 ونسخ تلاوة ما روي من قوله:(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالاً من الله تعالى)4 مع بقاء الحكم.5

1. اتّفق أكثر العلماء والأُصوليّين على ذلك. وكذلك جوّزوا دخول النسخ فيهما معاً بحسب المصلحة. راجع: الذريعة:311; عدة الأُصول:2/514; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/47; المعتمد:1/386; الإحكام:3/96.
2. مجمع الزوائد:7/163; المعجم الأوسط للطبراني:7/307.
3. إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة الآية240:(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج...) التي نسخت بالآية 234 من نفس السورة وهي قوله تعالى:(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربَصْنَ بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً...).
4. سنن ابن ماجة:2/853 برقم2553; مسند أحمد:5/132 و 183; كنز العمال:2/567برقم 4743، و ج5/430 برقم13516.
5. علّق السيد المرتضى في الذريعة:311 على هذا القول قائلاً: ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، لأنّه من جهة خبر الآحاد.
وكذلك قول الشيخ الطوسي في عدّته:2/517 بعد ذكره روايتي عمر وعائشة: وإنّما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال، ولو لم يقع شيء منها لما أخلّ بجواز ما ذكرناه وصحّته، لأنّ الذي أجاز ذلك ما قدّمناه من الدليل، وذلك كاف في هذا الباب.
وللسيد الخوئي بحث قيّم حول هذا الموضوع في كتابه:«البيان في تفسير القرآن » نأتي بنصه لأهميته حيث قال(قدس سره) في فصل (النسخ في القرآن) مبحث (نسخ التلاوة دون الحكم):وقد مثّلوا لذلك بآية الرجم فقالوا:إنّ هذه الآية كانت من القرآن ثم نُسخت تلاوتها وبقي حكمها. وقد قدّمنا لك في بحث التحريف أنّ القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف وأوضحنا أنّ مستند هذا القول أخبار آحاد، وأنّ أخبار الآحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام، فقد أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أنّ القرآن لا يثبت به. والوجه في ذلك ـ مضافاً إلى الإجماع ـ أنّ الأُمور المهمّة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطأه. وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجم من القرآن وأنّها قد نُسخت تلاوتها وبقي حكمها. نعم قد تقدّم أنّ عمر أتى بآية الرجم وادعى أنّها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون، لأنّ نقل هذه الآية كان منحصراً به، ولم يثبتوها في المصاحف فالتزم المتأخرون بأنّها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم. البيان في تفسير القرآن:285.
وأمّا الآية المزعومة فإذا دقّقنا النظر في أُسلوبها وقارناه مع أُسلوب القرآن الكريم وبلاغته يؤدّي بالنتيجة إلى إنكار كونها قرآناً، هذا فضلاً عن أنّ أصحاب السنن والمسانيد يروون عن علي(عليه السلام)أنّه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وعقّب على ذلك بقوله:«جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسنّة ».(راجع سنن البيهقي:8/220، عوالي اللآلي:2/152 و 3/553) فلو كان(عليه السلام)يرى أنّ حكم الرجم ثابت بآية قرآنية قد نسخت تلاوتها كما رأى عمر، لم يقل ذلك.
والعجب أنّ أهل السنّة يجوّزون هذا النوع من النسخ الذي هو عين التحريف، ثم يتّهمون الشيعة بتحريف القرآن الكريم!!

صفحه 123
وأمّا الثاني: فظاهر.
احتجّوا بأنّ بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ممّا يوهم بقاؤه فيؤدّي ذلك إلى الجهل القبيح، ولخلو القرآن عن الفائدة حينئذ; ونسخ التلاوة دون

صفحه 124
الحكم مشعر بزواله، لكون الآية وسيلة إلى معرفة الحكم، وارتفاعها يوهم زوال حكمها، فيؤدّي إلى الجهل أيضاً.
والجواب: انّما يتوهّم بقاء الحكم مع بقاء التلاوة إذا لم يقم دليل على نسخه، أمّا على تقدير قيام دليل عليه فلا، ولا يلزم من ارتفاع الحكم ارتفاع فائدة التلاوة، كما في تلاوة ما خلا عن الحكم وهو حصول الثواب والبركة، وجواز اشتمالها على حكم يعلمها الله تعالى وهي خفية على البشر; وكذا لا يتوهم ارتفاع الحكم عند نسخ التلاوة مع بقاء مقتضيه وعدم طريان ما ينافيه .

الرابعة:[في جواز نسخ الأمر المقيّد بالتأبيد]

يجوز نسخ الأمر المقيّد بالتأبيد، خلافاً لقوم.1
لنا: إنّ لفظ التأبيد يقتضي استغراق الزمان المستقبل كما يقتضي اللفظ العام استغراق الأشخاص المندرجة تحته، وكما جاز إخراج بعض الأشخاص عن العموم كذا يجوز إخراج بعض الأزمنة بلفظ يدلّ على النسخ، والجامع هو الحكمة الداعية إلى التخصيص. ولأنّ تطرّق النسخ إلى الحكم مشروط بدوامه لولا الناسخ، فإنّ المطلق والمقيّد بغاية معيّنة لا ينسخ، والشيء لا يعانده شرطه.
احتجّ المانع بأنّ تقييد الأمر بالتأبيد مساو للتنصيص على المأمور به

1. وهو مذهب جمع من أعيان الحنفية، كالقاضي أبي زيد الدبّوسي وأبي منصور الماتريدي والبزدوي والسرخسي وأبي بكر الجصّاص وغيرهم. خلافاً لجمهور الفقهاء والمتكلّمين والأُصوليّين الذين جوّزوا النسخ وإن اقترن بالتأبيد. راجع: الذريعة:303; عدة الأُصول:2/490; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/56; المعتمد:1/383; التبصرة:255; الإحكام للآمدي:3/92; أُصول السرخسي:2/60; ميزان الأُصول:709.

صفحه 125
في كلّ وقت من الأوقات، وكما أنّ نسخ الثاني ممتنع فكذا الأوّل.
والجواب: المنع من المساواة، فإنّ الأوّل قابل للتخصيص بالاستثناء وغيره، والثاني ليس كذلك.

الخامسة: في جواز نسخ الخبر

منع منه أبو علي، وأبو هاشم، وأصحابهما مطلقاً.1
وجوّزه أبو عبد الله البصري، وقاضي القضاة، والسيّد المرتضى2، وأبو الحسين البصري. 3
وفصّل آخرون فقالوا: إن كان مدلول الخبر ممّا يصح تغيّره، مثل قولنا: «الشيء الفلاني واجب أو مندوب »، أو «زيد مؤمن وعمر كافر »، جاز نسخه عند تغييره إمّا بالمنع من الإخبار به، أو بالإخبار بنقيضه لولا تغاير الوقت وإن كان ممّا يمتنع تغيّره، مثل قولنا:«العالم حادث والباري قديم » لم يجز.
وهو الأصحّ عندنا4 وعند المعتزلة، لأنّه يكون كذباً والله تعالى منزّه عنه. هذا إذا أُريد بنسخ الخبر الإخبار بنقيضه لو اتّحد وقتهما، أمّا إذا

1. وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني كما في الإحكام:3/98، وأبي إسحاق الشيرازي في شرح اللمع:1/489، وابن حزم الأندلسي في الإحكام:4/474.
2. الذريعة:309، حيث قال: اعلم أنّ النسخ إذا دخل في الأمر والنهي، فإنّما هو على الحقيقة داخل على مقتضاهما ومتناولهما، لا عليهما أنفسهما. والخبر في هذا الحكم كالأمر والنهي، لأنّ مقتضاه كمقتضاهما.
وأمّا الشيخ الطوسي فقد وافق السيد المرتضى في الأمر والنهي وفصّل في الخبر المحض. راجع عدّة الأُصول:2/503ـ504.
3. المعتمد:1/387.
4. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/51.

صفحه 126
أُريد به رفع حكم الخبر ـ أعني: وجوب الإخبار به أو ندبه أو إباحته ـ جاز مطلقاً، حتى أنّه يجوز تحريم الإخبار بالتوحيد والرسالة في بعض الأحوال لاشتماله على مفسدة، كما حرم على الجنب والحائض قراءة بعض القرآن العزيز، وكون الخبر صدقاً لا يمنع من زوال التعبّد بالإخبار به إذا كان مشتملاً على مفسدة عند النسخ، لكن لا يجوز نسخه بالإخبار بنقيضه، لأنّه يكون كذباً وكذا يجوز نسخه ببيان المراد منه مثل قول: عمّرت نوحاً ألف سنة، ثم تبيّن بعد أنّه إنّما عمّره ألف سنة إلاّ خمسين عاماً وفي كون هذا نسخاً نظر لعدم صدق حدّه عليه، إذ ليس المرتفع به حكماً شرعياً وإنّما هو بيان إرادة المجاز من قوله ألف سنة وتعيّن المراد به.
احتجّ الجبّائيان بأنّ تطرّق النسخ إلى الخبر يوهم كونه كذباً، ولأنّه لو جاز ذلك لجاز أن يقول: أهلك الله عاداً ولم يهلكهم، ومعلوم أنّ ذلك لو قيل لكان كذباً.
والجواب: أنّه معارض بإيهام النسخ في الأمر البداء، فإنّه لمّا لم يمنع من تطرّق النسخ إليه كذلك الخبر.
وعن الثاني: أنّ إهلاك عاد غير متكرّر، لاستحالة التعدّد في إهلاكهم، فقوله: «أهلك الله عاداً » إنّما يتناول المرّة الواحدة، فقوله بعد ذلك: ما أهلكهم برفع تلك المرة فيكون كذباً، أمّا لو قال: المراد إهلاك بعض عاد، جاز لكنّه لا يكون نسخاً، بل تخصيصاً، لأنّه تخصيص بالأشخاص لا بالزمان.
والتحقيق: أنّ النسخ رفع حكم شرعي على ما عرفت، فعروضه للخبر إمّا لحكم شرعي يتعلّق به، أو بمدلوله، أو بهما جميعاً وعلى

صفحه 127
التقادير فالنسخ إمّا أن يكون بالإخبار بنقيضه أو لا، وأيضاً فإمّا أن يكون مدلول الخبر ممّا يصحّ تغيّره أو لا، والنسخ في كلّ ذلك جائز إلاّ فيما يستلزم الكذب فإنّه محال عندنا وعند المعتزلة.

السادسة: [عدم نسخ العلم إن وجب لمصلحة لازمة]

نسخ الكتاب بمثله   
العلم إن وجب لكونه مصلحة، وكانت مصلحته لازمة له لا تتغيّر بتغير الأزمان والمكلّفين والأحوال، كان وجوبه دائماً واستحال نسخه، لأنّ فيه تفويتاً لتلك المصلحة، وذلك كوجوب معرفة الله تعالى وصفاته، وإلاّ جاز نسخه عند اشتماله على نوع قبح أو عند خلوّه من المصلحة الباعثة على إيجابه، كالعلم بالكتب المنسوخة وتفاصيل أحكام الشرائع المتقدّمة.

صفحه 128
قال قدس الله روحه: البحث السابع: يجوز نسخ الكتاب بمثله، كالعدّة وبالسنّة المتواترة، لأنّهما قطعيّان تعارضا، ولا يجوز العمل بهما، ولا إهمالهما، ولا العمل بالمتقدّم، فتعيّن المتأخّر.
احتجّ الشافعي بقوله تعالى:(نأت بخير منها) أسند الإتيان ـ الذي هو الناسخ ـ إليه، ووصفه بالخيرية أو المساواة، وإنّما يتحقّق في القرآن وأبعاضه، ولقوله:(لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم) والناسخ ليس بمبيّن، وقوله:(قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي).
والجواب: لا يلزم أن يكون المأتي به ناسخاً، خصوصاً وقد رتّب على النسخ; ولأنّ السنّة منه والنسخ من البيان، لأنّه تخصيص بالأزمان، فهو بيان مدة العبادة، أو المراد بالبيان التبليغ، وهو أولى لاقتضائه العموم، بخلاف ما قصدوه لاختصاصه بالمجمل، وإنكار التبديل منه يدلّ على أنّه بوحي من الله بقرآن أو سنّة.
أمّا نسخه بخبر الواحد فلا، لإجماع الصحابة على ترك خبر الواحد إذا رفع حكم الكتاب.
احتجّ الظاهريون بقياس النسخ على التخصيص; ولأنّه دليل عارض المتواتر، وهو متأخّر، ولوقوعه في تحريم أكل كلّ ذي ناب الناسخ لقوله:(قل لا أجد)، وكذا نسخ قوله:(وأحل لكم ما وراء ذلكم)بـ«لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها »، وأهل قبا قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.
والجواب: الإجماع فرّق بين النسخ والتخصيص، والمتواتر مقطوع في متنه بخلاف الخبر، فلا مساواة، فلا يعارضه، ونفي الوجدان إلى تلك الغاية لا يدلّ على العدم فيما بعد; وتحريم نكاح العمّة والخالة مخصّص لا ناسخ، وأهل قبا جاز أن يكونوا قد سمعوا منه(عليه السلام) انّه ينسخ حكم القبلة، أو سمعوا الصياح في المسجد لقربهم منه.
ويجوز نسخ السنّة بالكتاب، لأنّ الاستقبال ناسخ للتوجّه إلى بيت المقدس الثابت بالسنّة، وقوله: (فالآن باشروهن) ناسخ لتحريم المباشرة وليست في القرآن، وصوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، وصلاة الخوف ناسخة لتأخّرها حتى ينقضي القتال.
احتجّ الشافعي بقوله: (لتبين للناس ما نزّل إليهم)والناسخ بيان، فيكون كلّ منهما بياناً للآخر.
والجواب لا يدلّ على حصر كلامه في البيان وما تقدّم.
ويجوز نسخ السنّة المتواترة بمثلها (والآحاد بمثلها)1 لقوله(عليه السلام): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها ».
وخبر الواحد بالمتواتر، وبالعكس عقلاً لا سمعاً.*

1. في المطبوع:195: خبر الواحد بمثله.

صفحه 129
نسخ الكتاب بمثله وبالسنّة المتواترة   
* أقول: لمّا فرغ من البحث عن المنسوخ باعتبار متعلّقه ـ أعني: الفعل وعوارضه ـ شرع في البحث عن الناسخ، وقد عرفت من حد النسخ أنّه الدليل الشرعي الرافع للحكم الشرعي السابق عليه على وجه لولاه لكان ثابتاً. ولمّا كان الدليل الشرعي الذي يمكن عروض النسخ لمدلوله منحصراً في الكتاب والسنّة المنقولة تارة تواتراً، وتارة آحاداً على ما يأتي، كان كلّ واحد من دليل إثبات الحكم المنسوخ ودليل ارتفاعه ـ أعني: الناسخ ـ لا يخلو من الأقسام الثلاثة، فكانت أقسامهما تسعة، وقد ذكرها ـ طاب ثراه ـ هنا مفصّلة.

الأوّل: نسخ الكتاب بمثله

أي نسخ الحكم المستفاد من الكتاب العزيز بدليل مستفاد منه أيضاً، وهو جائز اتّفاقاً إلاّ ما نقل عن أبي مسلم.1 وقد تقدّم بيانه في إثبات وقوع النسخ في القرآن العزيز.

الثاني: نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة

وهو جائز أيضاً عند جمهور المتكلّمين من المعتزلة والأشاعرة والإمامية; ومن الفقهاء: مالك، وأصحاب أبي حنيفة، وابن سريج.2

1. راجع: الذريعة:327; عدة الأُصول:2/537; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/75; التذكرة:43; المعتمد:1/390; الإحكام:3/99; شرح اللمع:1/98.
2. وهو مذهب المتكلّمين وأكثر الفقهاء. وهو مختار السيد المرتضى في الذريعة:331; والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/75; وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/391; والغزالي في المستصفى:1/236; والرازي في المحصول:1/555; والآمدي في الإحكام:3/104، وغيرهم.

صفحه 130
ومنعه الشافعي1، وأحمد بن حنبل، وكثير من الظاهرية.2
احتج الأوّلون بأنّهما ـ أعني: الكتاب والسنّة ـ دليلان قطعيان تعارضا فلا يمكن العمل بهما، لأنّ فيه جمعاً بين النقيضين; ولا إهمالهما، لأنّ المانع من العمل بكل منهما إنّما هو العمل بالآخر، فإذا زال المانع لزم العمل بهما حال عدم العمل بهما، وأنّه محال; وأمّا أن يعمل بالمتقدّم خاصة، وهو باطل، لاستلزامه إلغاء المتأخّر بالكلّية، فتعيّن العمل بالمتأخّر، وهو المطلوب.
   
احتجّ الشافعي بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى:(ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أوْ مِثْلِها)3أسند الإتيان إليه تعالى، وذلك إنّما يتحقّق في القرآن لا السنّة، لأنّها كلام الرسول(صلى الله عليه وآله) ولأنّه وصف المأتي به بكونه خيراً من الآية المنسوخة أو

1. حيث قال في كتاب «الرسالة »:106: إنّ السنّة لا ناسخة للكتاب، وإنّما هي تبع للكتاب.
2. وهو مذهب طائفة من الفقهاء، كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:264، وذهب الحارث بن أسد المحاسبي وعبد الله بن سعيد القلانسي إلى امتناعه عقلاً، وذهب أبو حامد الإسفرائيني وأبو الطيّب سهل بن أبي سهل الصعلوكي وأبو إسحاق الإسفرائيني وأبو منصور عبد القاهر البغدادي إلى جوازه عقلاً وامتناعه سمعاً. وقال أبو العباس ابن سريج: يجوز نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة ولكنّه لم يقع. راجع: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:4/90ـ 91; ونهاية السول في شرح منهاج الأُصول:2/579.
وأمّا من الإمامية فقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد في التذكرة:43، حيث قال: العقول تجوّز نسخ الكتاب بالسنّة والسنّة بالكتاب، غير أنّ السمع ورد بأنّ الله تعالى لا ينسخ كلامه بغير كلامه بقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها) الآية، فعلمنا أنّه لا ينسخ الكتاب بالسنّة.
3. البقرة:106.

صفحه 131
مماثلاً لها، ويستحيل في غير القرآن أن يكون خيراً منه أو مماثلاً له، لأنّ ذلك يقتضي أن يكون المأتي به من جنس المنسوخ، كما لو قال إنسان:«ما أُخذ منك من ثوب آتيك بخير منه أو مثله » فإنّه يفيد عرفاً إتيانه بثوب خير منه أو مماثل له، وجنس القرآن قرآن.
الثاني: السنّة مبيّنة للقرآن والناسخ ليس مبيّناً له، فالسنّة ليست ناسخة له. أمّا الأوّل فلقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ)1، وأمّا الثاني فلما تقدّم من كون الناسخ رافعاً للمنسوخ، والرافع للشيء ليس مبيّناً له بل ضداً.
الثالث: قوله تعالى:(قَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرآن غَيْرِ هَذَا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إِلَىَّ)2، وذلك دليل على أنّ السنّة لا تكون ناسخة للقرآن.
والجواب عن الأوّل: أنّه مبني على كون المأتي به هو الناسخ، وهو ممنوع لجواز كونه أمراً مغايراً له، بل يتعيّن ذلك، لأنّه تعالى رتّبه على النسخ وجعله مشروطاً به، فيكون متأخّراً عن النسخ المتأخّر عن الناسخ، لأنّه أثره فلو كان المأتي به هو الناسخ دار.
فإن قلت: إنّما رتّب على النسخ الإتيان لا المأتي به.
قلت: الإتيان متقدّم على المأتي به، لأنّه عبارة عن إيجاده، فترتّبه على النسخ يوجب ترتّب المأتي به على النسخ وهو المدّعى وإسناد الإتيان إليه تعالى لا يدلّ على كونه ليس من السنّة، لأنّها منه تعالى لقوله تعالى:

1. النحل:44 .
2. يونس:15.

صفحه 132
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌّ يُوحَى).1 والمراد بكون المأتي به خيراً إنّما هو في كثرة الثواب على ما تقدّم، ومن الجائز كون القيام بالحكم المستفاد من السنّة أعظم ثواباً للمكلّفين من المنسوخ وأصلح لهم في التكليف حال النسخ والمثال المذكور من وجوب كون المأتي به من جنس المنسوخ ضعيف مع أنّه معارض بقول الملك لرعيته: «من يلقني منكم بحمد وشكر وثناء ألقه بخيرمنه » فإنّه لا يفهم منه كون الجزاء من جنس الحمد والشكر والثناء، بل من العطاء والإنعام والرفد والإكرام.
وعن الثاني: المنع من الكبرى فإنّ النسخ بيان، لأنّه تخصيص في الأزمان فهو مندرج تحت مطلق التخصيص الذي هو نوع من البيان، ولا منافاة بين كونه رفعاً للحكم وبياناً لانتهاء مدته، لكون الثاني لازماً للأوّل.
سلّمنا، لكن لا نسلّم انحصار السنّة في البيان، فجاز كون بعضها مبيّناً لبعض القرآن وبعضها ناسخاً لبعض آخر منه.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ المراد بالبيان هنا بيان المجمل أو بيان إرادة خلاف الظاهر، لأنّ ذلك مختص ببعض القرآن العزيز، إذ فيه ما لا يحتاج إلى بيان أصلاً كالمحكمات، فلو كان مراداً لزم خلاف ظاهر العموم، وهو قوله: (ما نُزِّلَ إليهم)، وحينئذ يجب حمله على التبليغ والإظهار ليكون شاملاً لجميع القرآن على ما تقدّم.
وعلى الثالث: أنّ الآية إنّما دلّت على أنّه ليس للرسول(صلى الله عليه وآله) تبديل القرآن من تلقاء نفسه وليس فيها دلالة على أنّه ليس له ذلك بوحي من الله تعالى من كتاب أو سنّة، بل الحق أنّها دالّة على أنّه له ذلك من حيث

1. النجم:3ـ4.

صفحه 133
المفهوم.

الثالث: نسخ الكتاب بخبر الواحد

[وهو] جائز عقلاً عند جمهور الأصوليّين القائلين بأنّ خبر الواحد حجّة لأنّ كلاًّ منهما دليل يجب العمل به، وقد تعارضا، فيجب العمل بالمتأخّر منهما جمعاً بين الدليلين.
ولأنّه ليس في العقل ما يمنع من أن يتعبّدنا الله تعالى برفع حكم متواتر بما يصل إلينا من أخبار الآحاد.
واختلفوا في وقوعه فمنعه المحقّقون سمعاً وجوّزه أهل الظاهر.1
لنا: إجماع الصحابة على ترك خبر الواحد إذا عارض المتواتر من الكتاب العزيز أو السنّة.
قال علي(عليه السلام): لا ندع كتاب ربنا ولا سنّة نبيّنا بقول أعرابي بوّال على عقبيه.2
وقال عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.3
وفيه نظر، لأنّ علياً(عليه السلام) وصف الراوي بما يدلّ على فسقه، وعدم قبول خبر مثل هذا الراوي لا يدلّ على عدم قبول خبر العدل الثقة، كما لو علّل بذلك ردّ شهادته. ولأنّه(عليه السلام)علّل رد الخبر بعوارضه، وهو يفيد كونه غير

1. وهو مذهب داود الظاهري وجلّ أصحابه، وعليه ابن حزم الظاهري في الإحكام:4/477.
2. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية بهذا اللفظ. راجع: عون المعبود:6/106; نيل الأوطار:6/318; الإحكام للآمدي:3/100; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/87.
3. سنن الدارمي:2/165; عمدة القاري:20/311.

صفحه 134
مردود لذاته. وعمر علّل الرد بكون المخبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، ولا يلزم من ذلك ردّ مطلق الخبر كما لو ردّ شهادتها.
احتجّ أهل الظاهر بوجوه:
الأوّل: أنّه يجوز تخصيص المتواتر من الكتاب أو السنّة بخبر الواحد على ما تقدّم، فكذا نسخهما به قياساً عليه، والجامع كون كلّ منهما دافعاً لضرر مظنون، أو لأنّ فيه جمعاً بين الدليلين.
الثاني: أنّ خبر الواحد دليل شرعي عارض المتواتر، وهو متأخّر عنه، فوجب تقديمه عليه كغيره من الأدلة الشرعية.
الثالث: أنّه واقع، فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلنسخ قوله تعالى:(قُلْ لاَ أجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طاعِم يَطْعَمُهُ إلاّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَماً مَسْفُوحاً أوْ لَحْمَ خِنْزِير)1 بما نقل عنه عليه الصلاة والسلام بطريق الآحاد من نهيه عن أكل كلّ ذي ناب من السباع.2
ولنسخ قوله تعالى:(وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ)3بقوله(عليه السلام)المنقول

1. الأنعام:145.
2. روى البخاري في صحيحه:6/230، كتاب الذبائح والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. ورواه أيضاً في ج7/33، كتاب الطب، باب ألبان الأتن. ورواه مسلم في صحيحه:6/59ـ 60، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع; وابن ماجة في سننه:2/1077برقم3232ـ 3234; وأبو داود في سننه:2/208، باب النهي عن أكل السباع; سنن النسائي:7/201; مسند أحمد:1/332 و ج4/194. ورواه ابن شعبة الحرّاني في «تحف العقول »:105 عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ضمن حديث الأربعمائة.
3. النساء:24.

صفحه 135
آحاداً: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ».1
ولأنّ أهل قبا قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد، ولم ينكر الرسول(عليه السلام)عليهم في ذلك.
وأمّا الثاني فظاهر.
والجواب عن الأوّل: الإجماع من الصحابة فرق بين التخصيص والنسخ، فبطل قياسه عليه .
وعن الثاني: أنّ المتواتر مقطوع في متنه وخبر الواحد مظنون فلا يكون مساوياً له، ومع تحقّق هذا التفاوت بينهما لا تتحقّق المعارضة.
وفيه نظر، فإنّ خبر الواحد وإن كان مظنوناً في متنه إلاّ أنّه مقطوع في دلالته والمتواتر بالعكس، فتساويا كما قلناه في التخصيص.
وعن الثالث: بالمنع من النسخ المدّعى فيما ذكرتم.
أمّا الآية الأُولى فإنّ عدم وجدانه(عليه السلام) فيما أوحى إليه إلى تلك الغاية محرماً غير الأشياء المذكورة لا يدلّ على أنّه لا يجد فيما يوحى إليه فيما بعد محرّماً غيرها .
وأيضاً لا يلزم من عدم تحريم ماعدا الأُمور المذكورة إباحته شرعاً، بل جاز كونه مباحاً بالأصل فتحريمه فيما بعد لا يكون نسخاً، لأنّه رفع

1. صحيح البخاري:6/128، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها; صحيح مسلم:4/136، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها; سنن ابن ماجة:2/621، نفس الباب; سنن أبي داود:1/458 برقم 2065; سنن الترمذي:2/297، نفس الباب. ومن الإمامية رواه الكليني في الكافي: 5/425، باب المرأة تزوّج على عمتها أو خالتها باسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام); والصدوق في من لا يحضره الفقيه:3/411 برقم 4436، نفس الباب عن أبي عبد الله(عليه السلام); والطوسي في الاستبصار:3/178، نفس الباب عن أبي عبد الله(عليه السلام); وتهذيب الأحكام:7/292برقم 1229 باسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام).

صفحه 136
حكماً عقلياً لا شرعياً، وحينئذ لا يكون النهي عن أكل كلّ ذي ناب ناسخاً.
وأمّا الآية الثانية فليست منسوخة بقوله(عليه السلام):«لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها » بل مخصّصة به، لأنّ الأُمّة تلقّته بالقبول.
وأمّا أهل قبا فلا نسلّم أنّهم قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد، لجواز أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله)أسمعهم من قبل ما يدلّ على تحويل القبلة إلى الكعبة، أو أنّه انضم إلى إخبارهم بذلك من القرائن ما اقتضى إفادة ذلك الإخبار العلم، حيث إنّهم قريبون من المسجد يسمعون الصياح وارتفاع الأصوات بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله)بأنّ القبلة قد استدارت.

الرابع والخامس:[في جواز نسخ السنّة بالكتاب]

يجوز نسخ السنّة مطلقاً بالكتاب، سواء كانت منقولة بالتواتر أو بالآحاد. وهو قول الأكثر، خلافاً للشافعي.1
لنا: إنّه واقع، فيكون جائزاً.
أمّا الثاني فظاهر.
وأمّا الأوّل فلوجوه:

1. وهو مذهب الإمامية وجمهور الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والحنابلة وأكثر الفقهاء. وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:272، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/391، والغزالي في المستصفى:1/236، والرازي في المحصول:1/553، والآمدي في الإحكام:3/101، والسرخسي في أُصوله:2/67، وابن حزم في الإحكام:4/505، وغيرهم. ومن الإمامية فهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:43ـ44، والسيد المرتضى في الذريعة:337، والشيخ الطوسي في العدة:2/551، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/83.

صفحه 137
الأوّل: أنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان واجباً في ابتداء الإسلام، وهو ثابت بالسنّة خاصة، إذ ليس في القرآن العزيز ما يدلّ عليه، وقد نسخ بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرام)1.
فإن قلت: لِمَ لا يجوز استناد وجوب استقبال بيت المقدس إلى قرآن نسخت تلاوته، أو أنّه نسخ بالسنّة والأمر باستقبال الكعبة لا ينافي ذلك؟
قلت: هذا مخالف للأصل. ولأنّ فتح هذا الباب يفضي إلى عدم العلم بالناسخ أصلاً.
الثاني: أنّ مباشرة النساء في الليل كانت محرّمة على الصائمين بالسنّة لعدم وجود ما يدلّ عليه في القرآن العزيز، وقد نسخ بقوله تعالى:(فَالآنَ باشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).2
الثالث: أنّ صوم عاشوراء كان واجباً بالسنّة لما ذكرناه، ثم نسخ بصوم شهر رمضان بقوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).3
وفيه نظر، فإنّ الأمر بصوم شهر رمضان غير مناف لصوم عاشوراء، فكيف يكون ناسخاً له؟! بل الناسخ في الحقيقة ما دلّ على ارتفاع حكمه، سواء غير رمضان للبدلية أو لا.
الرابع: جواز تأخير الصلاة في الحرب إلى انقضاء القتال كان ثابتاً بالسنّة، ولهذا قال يوم الخندق وقد أخّر الصلاة:«حشى الله قبورهم

1. البقرة:144.
2. البقرة:187.
3. البقرة:185.

صفحه 138
ناراً ».1 وقد نسخ ذلك الجواز بوجوب صلاة الخوف الدالّ عليها القرآن العزيز.
احتجّ الشافعي بقوله تعالى:(لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ)2،وهذا يدلّ على أنّ كلامه بيان للقرآن العزيز، فلو كان القرآن ناسخاً للسنّة لكان بياناً لها، إذ الناسخ بيان للمنسوخ فيكون كلّ منهما بياناً للآخر، وأنّه محال.
والجواب: ليس في الآية ما يدلّ على انحصار كلامه(عليه السلام) في بيان المنزل، أو كون كلّ المنزل محتاجاً إلى البيان مع أنّ كلاًّ منهما معلوم البطلان إذا لم يرد بالبيان الإظهار، وحينئذ يجوز أن يكون بعض الأحكام الشرعية مستفاداً من السنّة ثم ينسخه الله تعالى بآية من الكتاب العزيز وبالعكس، ولا يلزم من ذلك كون كلّ منهما بياناً للآخر.
وأيضاً في ما تقدّم من تعيين حمل البيان على التبليغ والإظهار.
وأيضاً فالآية إنّما دلّت على أنّه مبيّن لما أنزل الله تعالى إليه إلى حين نزول الآية المذكورة، ولا يدلّ على كونه مبيّناً لما سينزله الله تعالى فيما بعد.
واعلـم أنّ الشـافعـي ذكـر في استـدلاله علـى امتناع نسخ القرآن بالسنّة أنّ الناسخ ليس مبيّناً، وفي استـدلاله علـى عكسـه أنّه مبيّن، وهو

1. روى البخاري في صحيحه:5/162، كتاب تفسير القرآن، باب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، باسناده عن علي(عليه السلام) أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال يوم الخندق: حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً. ورواه أيضاً في ج7/165، باب الدعاء على المشركين من كتاب الدعوات. وقد روي الحديث بهذا المضمون وباختلاف يسير بالألفاظ في: صحيح مسلم:2/111 و 112; سنن ابن ماجة:1/224 برقم 686; مسند أحمد:1/82 و 113 و 126 و 137.
2. النحل:44.

صفحه 139
تناقض.
نسخ خبر الواحد بالسنّة المتواترة وبالعكس   

السادس: يجوز نسخ السنة المتواترة بمثلها1

اتّفاقاً، لأنّهما دليلان قطعيان تعارضا، فيجب العمل بالمتأخّر منهما، لما تقدّم.

السابع: يجوز نسخ السنّة المنقولة بالآحاد بمثلها2

لما قلناه. ولأنّه واقع، فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلقوله(عليه السلام) المنقول آحاداً: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ».3 والنهي المخبر عنه ليس منقولاً بالتواتر.
وقوله في شارب الخمر:«فإن شربها رابعة فاقتلوه »4 ثم حمل إليه من

1 . راجع: الذريعة:327; عدة الأُصول:2/537; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/83.
2 . راجع: الذريعة:327; عدة الأُصول:2/537; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/86.
3. ورد هذا الحديث بهذا المعنى والمضمون مع تفاوت بالألفاظ في العديد من المصادر المعتبرة عند الفريقين. فقد روى مسلم في صحيحه: 6/82، باب «بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه وإباحته » بإسناده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم... ». ورواه أيضاً: ابن ماجة في سننه:1/501، باب ما جاء في زيارة القبور، و ج2/1055 برقم 3160، باب ادّخار لحوم الأضاحي; والترمذي في سننه:2/259 برقم 1060، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، وج3/33 برقم 1546; والنسائي في سننه:7/234، كتاب الضحايا، و ج8/310; والحاكم في مستدركه:1/374 و 375 و 376; والبيهقي في سننه:4/76 و 77; وأحمد في مسنده:1/145 و 452 و ج3/237 و 250، و ج5/355 و 356 و 357 و 359.
4. وردت هذه الرواية بتفاوت في الألفاظ في كتب الفريقين. راجع: مسند أحمد:4/96; سنن الدارمي:2/175، باب في شارب الخمر إذا أُوتي به في الرابعة; الكافي:7/218، ح4; وسائل الشيعة:28/233، الباب 11 من أبواب حد المسكر، الحديث7.

صفحه 140
شربها رابعة فلم يقتله وهما منقولان آحاداً.
وأمّا الثاني فظاهر .

الثامن: نسخ خبر الواحد بالسنّة المتواترة

وهو جائز قطعاً1

التاسع: نسخ السنّة المتواترة بخبر الواحد

وهو جائز عقلاً، ممتنع سمعاً، لما تقدّم ذكره في نسخ الكتاب بخبر الواحد.

1 راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/86ـ87.

صفحه 141
قال قدس الله روحه: البحث الثامن: الإجماع لا ينسخ، لأنّ دلالته متوقّفة على وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فلا ينسخ بالكتاب ولا بالسنّة، لأنّهما سابقان عليه، فيقع باطلاً، لأنّ إجماعهم على خلافهما خطأ. ولا بالإجماع، لأنّ الثاني إمّا أن يكون عن دليل فيكون الأوّل خطاء، أو لا عنه فيكون الثاني خطاء. وكذا لا ينسخ به، لأنّه إن نسخ نصاً كان خطاء، أو إجماعاً لزم تخطئة أحدهما. والإجماع عقيب الخلاف المستقر ليس بناسخ لتخيير العامّي في الأخذ بأيّهما شاء، بل مبيّن لزوال شرط الأوّل.
والقياس لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً، لأنّه ليس بحجّة عندنا.
وأمّا نسخ الفحوى دون الأصل فممتنع، وإلاّ انتقض الغرض، وكذا العكس، لأنّ بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع محال ويجوز نسخهما معاً.*
   
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل:

الأُولى: في أنّ الإجماع لا يكون منسوخاً

بمعنى أنّ الحكم المجمع عليه لا يتطرّق إليه النسخ. وهو اختيار أكثر الأُصوليّين1، خلافاً لبعضهم.2
لنا: إنّ الإجماع لا ينعقد إلاّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، لأنّه مادام موجوداً لم ينعقد الإجماع من دونه، لأنّه سيّد المؤمنين، ومتى وجد قوله(عليه السلام) لم يكن بقول غيره عبرة. وحينئذ نقول: لو تطرّق النسخ إلى الإجماع لكان

1. بل الظاهر هو الإجماع حسب ما ذكره السيد المرتضى في الذريعة:328 وقال: اعلم أنّ مصنّفي أُصول الفقه ذهبوا كلّهم إلى أنّ الإجماع لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً... ولكنّه خالفهم قائلاً: وهذا القدر غير كاف، لأنّ لقائل أن يعترضه فيقول: أمّا الإجماع عندنا; فدلالته مستقرة في كلّ حال قبل انقطاع الوحي، وبعده،... فإذا ثبت ذلك سقطت هذه العلّة.
2. وهو مختار بعض المعتزلة وعيسى بن أبان والسيد المرتضى. راجع: الذريعة:328; عدّة الأُصول:2/538; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/91; شرح اللمع:1/490; المحصول:1/559; الإحكام للآمدي:3/108.

صفحه 142
الناسخ له: إمّا من الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع، إذ القياس ليس بحجّة على ما يأتي. والكلّ محال.
أمّا الكتاب والسنّة، فلأنّهما لابد وأن يكونا موجودين قبل الإجماع، لاستحالة تجدّد الكتاب والسنّة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وحينئذ يكون خلاف مقتضاهما خطأ، فالإجماع عليه يكون إجماعاً على الخطأ وهو محال لما يأتي.
وأمّا الإجماع فمحال، لأنّه إن كان الثاني لا عن دليل كان خطأ، وهو محال; وبتقدير جوازه لا يكون ناسخاً، لأنّه حينئذ ليس دليلاً شرعياً. وإن كان عن دليل كان الإجماع الأوّل خطأ، لأنّ ذلك الدليل لابد وأن يكون من الكتاب والسنّة، وهما سابقان على الإجماع الأوّل ومنافيان له.
لا يقال: نسخ الإجماع للإجماع واقع فيكون جائزاً. أمّا الأوّل فلأنّ الأُمّة إذا اختلفت على قولين فقد أجمعت على أنّ العامّي مخيّر في الأخذ بأيّهما شاء، فإذا اتفقت بعد ذلك على أحدهما فقد أجمعت على زوال ذلك التخيير.وأمّا الثاني فظاهر.
لأنّا نقول: إجماع الأُمّة على تخيير العامّي مشروط ببقاء الخلاف، فإذا تحقّق الاتّفاق ارتفع الخلاف،فارتفع الإجماع المشروط به لوجوب عدم المشروط عند عدم شرطه، لا أنّ الإجماع الثاني رفعه.
ولقائل أن يقول: لا نسلّم توقّف حجّية الإجماع على وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) أخبر أنّ أُمّته لا تجتمع على الخطأ ولا على ضلالة1، وحينئذ تحقّق الإجماع من دون اندراج قوله(عليه السلام) في أقوالهم،

1. روى ابن ماجة في سننه:2/1303 برقم 3950، باب السواد الأعظم، بإسناده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة ». وقد ورد هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في الكثير من المصادر السنّية. راجع: سنن أبي داود:2/302برقم 4253; سنن الدارمي:1/29; سنن الترمذي:3/315برقم 2255، باب لزوم الجماعة; مسند أحمد:6/396; مستدرك الحاكم:1/115، باب لا يجمع الله هذه الأُمة على الضلالة; شرح نهج البلاغة:8/123; نهج الإيمان:618.
وفي صحّة الحديث نظر. راجع: الذريعة:427; قوانين الأُصول للميرزا القمي: 354 و 361; والميزان:4/393.

صفحه 143
لأنّ لفظ الأُمّة لا يتناوله; وما ذكروه من كون التخيير مشروطاً ببقاء الخلاف وكونه مرتفعاً لارتفاع شرطه، لا ينافي كونه منسوخاً ولا كون الإجماع الثاني ناسخاً، لأنّ حكم الإجماع الأوّل ارتفع بارتفاع الخلاف الحاصل بالإجماع الثاني، فيكون مرتفعاً به، لأنّ المرتفع بالمرتفع بالشيء مرتفع بذلك الشيء; على أنّ هذا وارد في كلّ حكم منسوخ، فإنّه مشروط بعدم ورود دليل يدلّ على نقيضه، فإذا ثبت ذلك الدليل ارتفع المنسوخ لارتفاع شرطه، فإذا لم يكن ذلك نسخاً لم يتحقّق نسخ أبداً.

الثانية: أنّ الإجماع لا يكون ناسخاً

خلافاً لعيسى بن أبان.
لنا: لو كان ناسخاً لكان المنسوخ به إمّا نصاً، أو إجماعاً.
والأوّل محال، لأنّ خلاف النص خطأ، فالإجماع عليه يكون إجماعاً على الخطأ.
والثاني محال أيضاً، لما تقدّم من لزوم كون أحدهما خطأ.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/91.

صفحه 144

الثالثة: القياس لا يكون منسوخاً ولا ناسخاً عندنا1

لأنّه ليس بحجّة على ما يأتي; هذا إذا لم يكن منصوص العلّة، ولم يكن الحكم في الفرع أقوى من الأصل، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف; وأمّا إذا كان أحدهما، جاز كونه ناسخاً ومنسوخاً عند المصنّف ـ طاب ثراه ـ وموافقيه.2
وأمّا عند الجمهور القائلين بأنّه حجّة مطلقاً فجوّزوا نسخه بالنص في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعده بالإجماع، لجواز نصّه على خلاف الحكم المستفاد من القياس السابق. وكذا، إذا اختلفت الأُمّة على قولين قياساً ثم أجمعت على أحدهما، كان ذلك ناسخاً لذلك القياس. وأمّا كون القياس ناسخاً فلا يجوز نسخه للنص ولا للإجماع اتّفاقاً ويجوز نسخه لقياس آخر، كما لو اقتضى القياس حكماً مخصوصاً ثم نص الشارع على صورة مشاركة لمحلّ ذلك الحكم في وصف بما يناقض ذلك الحكم ونصّ على علّيّة ذلك الوصف، فإنّه يكون ناسخاً للأوّل، كما لو حكم بإباحة النبيذ قياساً على الدبس مثلاً، ثم نصّ الشارع على تحريم الخمر لعلّة كونه مسكراً، وهو وصف حاصل في النبيذ حكم بتحريمه، وكان ذلك ناسخاً للحكم الأوّل.

1. وهو ما اتّفقت عليه الإمامية لاعتقادهم ببطلان القياس، وسيأتي التفصيل في المقصد العاشر المختص بالقياس.
2. كالنظّام والشيخ المفيد من الإمامية. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/94.

صفحه 145

الرابعة: اتّفقوا على جواز نسخ الفحوى مع أصله

كما في قوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُما)1 الدال بفحواه على تحريم الضرب برفع تحريم التأفيف والضرب معاً، وهل يجوز نسخ الفحوى دون أصله أو بالعكس؟ منع منهما المصنف ـ طاب ثراه ـ 2 أمّا الأوّل فلأنّه نقض الغرض من حكم الأصل، إذ الغرض من قوله تعالى:(فَلاَ تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) إعظام الوالدين، فرفع تحريم ضربهما ينافي ذلك. ولأنّ الفحوى لازم للأصل فيكون رفعه مستلزماً لرفعه. وهو مذهب أبي الحسين البصري; وتردّد القاضي عبد الجبار3 فمنع منه تارة لما قلناه، وجوّزه أُخرى لأنّ ذلك يجري مجرى التنصيص على تحريمه وتحريم الضرب، فكأنّه قال: لا تقل لهما أُفٍّ ولا تضربهما، ولا يلزم من رفع أحد التحريمين رفع الآخر.
الزيادة على النصّ هل هي نسخ أم لا؟   
وأمّا الثاني وهو نسخ الأصل دون فحواه، فلأنّ الفحوى تابع لأصله، فإذا ارتفع الأصل ارتفع الفحوى، لاستحالة بقاء التابع عند ارتفاع متبوعه.

1.الإسراء:23.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/67.
3. قال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/404: فأمّا نسخ الفحوى مع ثبات الأصل، فقد أجازه قاضي القضاة في كتاب «العمد »، وقال في شرحه: يجوز ذلك إلاّ أن يكون فيه نقض الغرض; ومنع منه في «الدرس »، وهو الصحيح.

صفحه 146
قال قدس الله روحه: البحث التاسع: زيادة عبادة على العبادات ليس نسخاً. وأمّا الزيادة على النص في العبادة الواحدة فعند الحنفية نسخ، وليست نسخاً عند الشافعي. وأحسن ما قيل هنا تفصيل أبي الحسين، وهو أنّ البحث هنا يتعلّق بأُمور ثلاثة:
الأوّل: كون الزيادة هل تقتضي زوال شيء أم لا؟ والحق ذلك لأنّها أقل ما تقتضي زوال عدمها.
الثاني: أنّ هذا الزوال هل يسمّى نسخاً؟ الحق أنّ الزائل إن كان حكماً شرعياً وكان المزيل متراخياً فهو نسخ، وإلاّ فلا.1
الثالث: هل يجوز الزيادة2 بخبر الواحد والقياس؟ والحق أنّ الزائد إن كان حكم العقل جاز، وإلاّ فلا إلاّ أن يجوز نسخ الزائل بالظنّي، فزيادة التغريب أو عشرين لا يزيل إلاّ نفيهما الثابت عقلاً، لأنّ إيجاب الثمانين مشترك بين نفي الزائد وعدمه، فليس نسخاً فجاز ثبوته بخبر الواحد، وإيجاب3 الثمانين وكونها كمال الحدّ وتعلّق رد الشهادة عليها تابع لنفي وجوب الزيادة، كما لو زيد على الفرائض الخمس، لتوقّف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على فعله مع جوازه بخبر الواحد، أمّا لو قال:«الثمانون كمال الحد » لم يقبل في الزيادة خبر الواحد.
وتقييد الرقبة بالإيمان إن تأخّر كان نسخاً، لعموم الكتاب الدال على جواز عتق الكافر، فلا يقبل فيه خبر الواحد وإن قارن كان تخصيصاً يقبل فيه. وإباحة قطع رِجْل السارق ثانياً رافعة لحظره4 الثابت بالعقل، فيجوز إثباتها بخبر الواحد.
والتخيير بين واجب معيّن وغيره رافع لحكم عقلي، لأنّ قوله:«أوجبت هذا » لا يمنع من قيام غيره مقامه، فإنّما علم عدم قيام غيره5 بأنّ الأصل عدم وجوبه، أمّا لو نص على عدم قيام غيره مقامه، فإنّ إثبات البدل ناسخ فالحكم بالشاهد واليمين زيادة للتخيير بين الحكم بالشاهدين والشاهد والمرأتين يقبل6 فيه خبر الواحد.
وزيادة ركعة على الصبح قبل التشهد ليس نسخاً للركعتين، لعدم تناول النسخ الأفعال، ولا لوجوبهما، ولا لأجزائهما، لبقاء

1. في المطبوع:197 بزيادة: أم لا.
2. في المطبوع: 197: إثبات الزيادة.
3. في المطبوع: 197: إجزاء.
4. في المطبوع: 197: لحظر قطعها.
5. في المطبوع:198 بزيادة: مقامه.
6. في المطبوع:198: فيقبل.

صفحه 147
وجوبهما، وإجزاؤهما تابع لنفي الركعة المعلوم بالعقل، نعم هو نسخ لوجوب التشهّد عقيب الركعتين، ولو زيدت بعد التشهّد قبل التحلّل لنسخت وجوب التحلّل بالتسليم، أو كونه ندباً، وكلاهما حكم شرعي لا يقبل فيه خبر الواحد.
وزيادة غسل عضو في الطهارة يرفع نفي وجوبه العقلي. وإيجاب الصوم بعد الليل رافع لقوله:(إلى الليل) الثابت بالشرع، فلا يقبل فيه خبر الواحد.
أمّا صوم النهار ثم يوجب بعض الليل، فإنّه رفع حكماً عقلياً، فجاز إثباته بخبر الواحد. وإثبات بدل الشرط يرفع نفي كون البدل شرطاً، وهو حكم عقلي.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عن أقسام الناسخ شرع في البحث عمّا ظنّ أنّه ناسخ وليس كذلك، وفيه مسائل:

[الزيادة على النصّ هل هي نسخ أم لا؟]

الأُولى: اتّفق الأُصوليّون على أنّ زيادة عبادة على العبادات ليس نسخاً للمزيد عليه، صلاة كانت تلك العبادة أو غيرها، إلاّ ما ذهب إليه العراقيون من أنّ زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخ، لأنّه يصيّر الوسطى غير وسطى، وقد قال تعالى: (حافِظُوا على الصَّلَواتِ والصلاَةِ الوُسْطَى). 1
وغلّطهم الباقون من حيث إنّ كون الوسطى وسطى ليس حكماً شرعياً حتى يكون ارتفاعه نسخاً وألزموهم كون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخاً، لأنّ ذلك يخرج الأخيرة عن كونها أخيرة وهو غير لازم لهم، لأنّ الشارع لم يرتّب عليه حكماً بخلاف الوسطى المختصّة بوجوب زيادة المحافظة عليها، بل الحق أنّه نسخ إن كان ذلك لأجل كونها وسطى الصلوات المفروضات مطلقاً، لأنّ ذلك الوصف يزول بزيادة فريضة

1. البقرة:238.

صفحه 148
فيزول الحكم المعلّق عليه، ولو كان لكونها وسطى الخمس لم يزل الحكم، لعدم زوال الوصف المذكور بزيادة أُخرى.
واختلفوا في الزيادة على النصّ في العبادة الواحدة، فذهب أبو هاشم والشافعي إلى أنّه ليس نسخاً.1
وقالت الحنفية: إنّه نسخ. 2
وفصّل آخرون فقال بعضهم: إن أفاد النص المذكور من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة كانت نسخاً; مثل قوله: «في سائمة الغنم زكاة »3، أو: «زكّوا عن الغنم إن كانت سائمة »، وزيد قوله: في معلوفة الغنم زكاة.
وقال القاضي عبد الجبار: إن كانت الزيادة قد غيّرت المزيد عليه تغييراً شديداً بحيث لو فعل بعد الزيادة على حد ما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه ووجب استينافه، كانت نسخاً، مثل زيادة ركعة على صلاة ركعتين; وإلاّ فلا، مثل زيادة التغريب، وزيادة عشرين على الثمانين في حد القذف .4
وفصّل أبو الحسين البصري5 تفصيلاً استحسنه المصنّف6 ـ طاب

1. وهو مذهب الشافعية والحنابلة وبعض المعتزلة كأبي علي الجبّائي، وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:276.
2. وهو مختار أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي.
3. تهذيب الأحكام:1/234برقم 643.
4. كما نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد:1/405. وهو مختار الشيخ المفيد، والسيد المرتضى في الذريعة:321، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/529.
5. المعتمد:1/405.
6. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/103. واستحسنه فخر الدين الرازي في المحصول:1/564، واختاره الآمدي في الإحكام:3/116، وابن الحاجب في مختصره كما في رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب للسبكي:4/116 و 122. وهو مذهب الباقلاني والجويني والبيضاوي والاسترآبادي.

صفحه 149
ثراهـ وهو أنّ النظر في هذه المسألة يتعلق بأُمور ثلاثة:
أحدها: أنّ الزيادة على النصّ هل تقتضي زوال شيء أم لا؟
والحق أنّها تقتضيه، لأنّ إثبات أي شيء أقلّ ما يقتضي زوال عدمه الذي كان قبله.
وثانيها: أنّ هذه الزيادة هل تسمّى نسخاً؟
والحق أنّ الذي يزول بها إن كان حكماً شرعياً وكانت الزيادة متراخية عنه سمّيت نسخاً، وإن كان حكماً عقلياً وهو البراءة الأصلية لم تسمّ تلك الإزالة نسخاً.
وثالثها: أنّ تلك الزيادة هل تثبت بخبر الواحد والقياس أم لا؟
والحق إن كان الزائل حكم العقل جاز، إلاّ أن يمنع مانع خارجي، كما لو قيل خبر الواحد لا يكون حجّة فيما يعمّ به البلوى، أو أنّ القياس ليس حجّة في الكفّارات والحدود، غير أنّ هذه الموانع لا تعلّق لها بالنسخ من حيث هو نسخ.
وإن كان الزائل حكماً شرعياً فلينظر في دليل الزيادة وإن كان بحيث يجوز كونه ناسخاً لدليل حكم الزائل جاز، وإلاّ فلا.
هذا ما يتعلّق بالأُصول. ويتفرّع على ذلك مسائل فقهية:
الأُولى: زيادة التغريب على حدّ الزاني البكر أو زيادة عشرين على جلد ثمانين في حدّ القذف ليس نسخاً، لأنّها إنّما رفعت نفي التغريب أو مازاد على الثمانين، وهذا النفي غير معلوم بالشرع، لأنّ إيجاب الثمانين

صفحه 150
قدر مشترك بين جلد الثمانين مع الزيادة وبدونها فهو أعمّ منهما، والعام لا يدلّ على الخاص، وكذا الكلام في التغريب، بل ذلك معلوم بالبراءة الأصلية، وهي حكم عقلي فليس نسخاً، وحينئذ يجوز إثباته بخبر الواحد ما لم يمنع من ذلك مانع.
وأمّا كون الثمانين كمال الحد وتعليق ردّ الشهادة عليها فإنّه تابع لنفي وجوب الزيادة المستفادة من العقل، فلا يعد رفعه نسخاً، كما لو زيد على الفرائض الخمس فريضة فإنّه لا يكون نسخاً، ويقبل فيه خبر الواحد مع أنّ قبول الشهادة والخروج عن عهدة الأمر بالصلاة كان متوقّفاً على أداء الخمس وصار متوقّفاً على أداء المجموع.
وفيه نظر، فإنّ توقّفه على أداء الخمس لم يرتفع بتوقّفه على أداء المجموع، بخلاف كون الثمانين كمال الحد فإنّ زيادة العشرين رافعة له; أمّا لو قال: الثمانون كمال الحد أو ردّ الشهادة معلّقة عليها خاصة، كانت الزيادة نسخاً فلا يقبل فيها خبر الواحد ولا القياس إذا كان حكم المزيد عليه متواتراً.1
الثانية: لو قيّد الرقبة المأمور بعتقها مطلقاً في الكتاب العزيز بالإيمان وكان التقييد متراخياً عن الإطلاق كان نسخاً، لعموم الكتاب الدالّ على إجزاء عتق الكافر، ولم يقبل فيه خبر الواحد، لما عرفت من امتناع نسخ الكتاب به; وإن كان مقارناً كان تخصيصاً له، فيقبل فيه خبر الواحد، لما تقدّم من جواز تخصيص عموم الكتاب به.2
وفيه نظر، فإنّ إجزاء عتق الكافر تابع لنفي التقييد بالإيمان المستفاد

1. راجع: الذريعة:323; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/105ـ106.
2. الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد:1/412.

صفحه 151
من حكم العقل، إذ الإطلاق لا يدلّ على العموم. نعم إذا تراخى التقييد عن وقت العمل بالخطاب دلّ على إجزائه على إطلاقه وانتفاء التقييد حينئذ، وإلاّ لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويكون إثبات التقييد بعد ذلك نسخاً.1
الثالثة: إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه ثم سرق فأُبيح قطع رجله الأُخرى لم يكن ذلك نسخاً، لأنّ تلك الإباحة رافعة بخطر قطعها الثابت بالعقل وجاز إثباته بخبر الواحد.
الرابعة: إذا أوجب الله تعالى علينا فعلاً مطلقاً ثم خيّرنا بينه وبين فعل آخر، كان ذلك التخيير رافعاً لحكم عقلي، وهو أصالة عدم إيجاب ذلك الفعل وعدم قيامه مقام الفعل المأمور به أو لا، وليس الأمر الأوّل دالاًّ على شيء منهما، فإنّ قول الشارع:«أوجبت هذا الفعل » ليس فيه دلالة على عدم إيجاب غيره وإقامته مقامه، وحينئذ لا يكون نسخاً.
وفيه نظر، فإنّ إيجاب الفعل مستلزم للمنع من تركه وإيجاب غيره وإقامته مقامه برفع ذلك وهو حكم شرعي. ولأنّ الوجوب كان متعلّقاً بخصوصية الفعل الأوّل بالذات، وبالتخيير بينه وبين غيره صار متعلّقاً بالأمر الكلّي المشترك بينهما دون خصوصية الأوّل; وإن كان وجوبها على سبيل التخيير بينها وبين خصوصية الآخر ثابتاً، إلاّ أنّه بالعرض من حيث إنّ القيام بذلك الكلّي لا يتم إلاّ بخصوصية أحد الفعلين، وذلك غير الوجوب الأوّل، وحينئذ يكون نسخاً. أمّا لو نصّ على عدم قيام غيره مقامه بأن قال: «أوجبت هذا الفعل لا إلى بدل » كان إثبات التخيير نسخاً،

1 . راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/106.

صفحه 152
ولم يقبل فيه خبر الواحد إن كان ذلك النصّ متواتراً.1
الخامسة: زيادة التخيير كالحكم بالشاهد واليمين ليس نسخاً2، لتخيير الحاكم بين الحكم بالشاهدين، والشاهد والمرأتين المستفاد من قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتان)3، لأنّه إنّما يرفع حكماً عقلياً، وهو أصالة عدم كونه حجّة، إذ ليس في الآية دلالة على أنّ الحكم لا يكون إلاّ بهما، فجاز إثباتها بخبر الواحد.4
السادسة: لو زيد على ركعتي صلاة الصبح ركعة أُخرى قبل التشهّد بحيث صارت ثلاثاً لم يكن ذلك نسخاً، لأنّه لو كان نسخاً فإمّا للركعتين، وهو باطل لأنّ النسخ لا يرد على الأفعال، بل على الأحكام; وإمّا لوجوبهما، وهو باطل أيضاً لأنّه ثابت لم يرتفع بالزيادة; وإمّا لإجزائهما، وهو باطل، لأنّهما مجزئتان غير أنّهما كانتا مجزئتين عند عدم الركعة الزائدة والآن لا تجزيان إلاّ معها، وذلك تابع لوجوب ضم الركعة الزائدة إليهما، وذلك الوجوب إنّما يرفع عدمه وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً.
نعم يكون ذلك نسخاً لوجوب التشهّد عقيب الركعتين، لأنّه حكم شرعي ارتفع بإثبات الركعة الزائدة قبله، فلا يقبل فيه خبر الواحد.
أمّا لو زيدت الركعة بعد التشهّد قبل التحلّل بالتسليم كان ذلك رفعاً لوجوب التحلّل بالتسليم أو ندبه عقيب الركعتين وكلاهما حكم شرعي،

1. راجع: الذريعة:322; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/106ـ108; المعتمد:1/412.
2. وهو مختار السيد المرتضى في الذريعة:322.
3. البقرة:282.
4. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/108ـ109.

صفحه 153
فكان نسخاً، فلا يقبل فيه خبر الواحد.1
السابعة: زيادة غسل عضو في الطهارة ليس بنسخ لنفس الطهارة ولا لوجوبها ولا لإجزائها كما تقدّم، وإنّما هو رفع لنفي وجوب غسل ذلك العضو، وذلك حكم عقلي، فلا يكون ارتفاعه نسخاً، فيقبل فيه خبر الواحد.
وفيه نظر، لأنّ الزيادة ترفع كون الطهارة المزيد عليها رافعة للحدث ومبيحة للدخول في الصلاة ومسّ كتابة المصحف وهي أحكام شرعية، فرفعها يكون نسخاً.2
الثامنة: قوله تعالى:(وَأتِمُّوا الصِيامَ إلى الليلِ)مفيد لكون الليل طرفاً وغاية للصوم، فإيجاب الصوم إلى ثلث الليل مثلاً يرفع كون الليل غاية وطرفاً، وهو حكم شرعي فيكون نسخاً، ولا يقبل فيه خبر الواحد.
أمّا لو قال: صوموا النهار، ثم زيد عليه: صوموا أول الليل، كانت تلك الزيادة رافعة لنفي وجوبها، وهو حكم عقلي، إذ إيجاب صوم النهار ليس فيه دلالة على وجوب صوم شيء من الليل ولا على عدمه، فلا يكون نسخاً، ويقبل فيه خبر الواحد.3
التاسعة: لو قال الشارع:«صلّوا إن كنتم متطهّرين » كان مفيداً لكون وجوب الصلاة مشروطاً بالطهارة فلو أمر بالصلاة عند حصول أمر آخر بحيث يكون شرطاً آخر لوجوب الصلاة لم يكن الأمر الثاني نسخاً، لأنّه إنّما رفع كون ذلك الآخر غير شرط، وهو حكم عقلي، لأنّ قوله:«الصلاة

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/109ـ111.
2. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/111.
3. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/112.

صفحه 154
واجبة عند حصول الطهارة » لا يلزمه كونها غير واجبة عند عدمها وتحقّق أمر آخر يكون بدلاً عنها إذا لم نقل بدلالة المفهوم.
وفيه نظر، لما تقدّم من أنّ عدم الشرط موجب لعدم المشروط، وحينئذ يكون عدم الطهارة موجباً لعدم وجوب الصلاة، وهو حكم شرعي وإثبات شرط آخر يرفعه فيكون نسخاً والفرق متحقّق بين قوله: «صلّوا إن كنتم متطهّرين » وبين قوله: «الصلاة واجبة عند حصول الطهارة »، لأنّ الطهارة في الأوّل شرط للوجوب دون الثاني.1
قال قدس الله روحه: البحث العاشر: نقص العبادة نسخ للمنقوص، وليس نسخاً لما لا تتوقّف العبادة عليه.
   
وهل يكون نسخاً للعبادة؟ فصّل السيد المرتضى جيداً2 فقال: إن كان الباقي بعد النقصان متى فعل لم يكن له حكم في الشريعة ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان، كنقصان ركعتين، فهذا النقصان نسخ، وإلاّ فلا، كما لو نقص من الحد عشرين، فنسخ الركعتين يُغيّر حكم الصلاة الشرعي، فإنّها لو فعلت بعد النسخ على الحد الذي كانت تفعل عليه قبل3 لم يجز، فجملة الصلاة منسوخة. وليس نسخ الوضوء نسخاً للصلاة، لأنّ حكم الصلاة باق على ما كان، ولو نسخ القبلة بالتوجّه إلى غيرها كان نسخاً للصلاة، كما في بيت المقدس، فإنّ الصلاة لو وقعت إليه لم تُجز، أمّا لو أسقط التوجّه بالتحريم للاستقبال إلى ما كان أوّلاً فهو نسخ للصلاة أيضاً، إذ لو توجّه إلى ما كان أوّلاً لم يجز، ولو خيّر بين جميع الجهات لم يكن نسخاً، لأنّه لو صلّى إلى ما كان أوّلاً أجزأه، وإنّما نسخ التعيين.*

* [في أنّ النقصان من النصّ هل يقتضي النسخ أم لا؟]

أقول: اتّفق الأُصوليّون على أنّ النقصان من العبادة نسخ لذلك المنقوص، وعلى أنّ نسخ ما لا يتوقّف عليه صحّة العبادة ليس نسخاً لها،

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/112ـ113.
2. في المطبوع:199: تفصيلاً جيداً.
3. في المطبوع:199: قبله.

صفحه 155
كما لو أوجب الصلاة والزكاة ثم نسخ إحداهما، فإنّه لا يكون نسخاً للأُخرى. واختلفوا في نسخ ما يتوقّف عليه صحّة العبادة .
فقال أبو الحسين البصري1 وأبوالحسن الكرخي:إنّه لا يكون موجباً لنسخ العبادة، سواء كان جزءاً لهاً كركعة من الصلاة، أو شرطاً خارجاً عنها كالطهارة.2
وقال قوم من المتكلّمين: إنّه يكون نسخاً للعبادة مطلقاً وهو اختيار الغزالي.3
وفصّل السيّد المرتضى4(رحمه الله)تفصيلاً حسناً اختاره المصنّف5 ـ طاب ثراه ـ فقال:إن كانت العبادة المنقوص منها لو فعلت بعد النقصان بتمامها كما كانت تفعل قبله لم يكن لها حكم في الشريعة ولم يجر مجرى فعلها قبل النقصان، كنقصان ركعة من الصلاة، كان نسخاً، وإلاّ فلا، كما لو نقص من حدّ الزاني عشرين.
واحتجّ على ذلك بأنّ نقص ركعة من الصلاة موجب لنسخ أصل الصلاة، لا أنّه نسخاً للبعض وإبقاء للباقي، فإنّ الركعتين الباقيتين ليست بعض الثلاث، بل هي عبادة أُخرى، وإلاّ لكان من صلّى الصبح ثلاثاً آتياً بالواجب وزيادة، كما لو وجب عليه أن يتصدّق بدرهم فتصدّق باثنين مع

1. المعتمد:1/414.
2. وهو مذهب الحنابلة وجمهور أصحاب الشافعي، وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:281، والرازي في المحصول:1/569ـ570، والآمدي في الإحكام:3/121.
3. المستصفى:1/221. وفصّل القاضي عبد الجبار قائلاً: نقصان الجزء يقتضي نسخ الباقي، ونقصان الشرط المنفصل لا يقتضي نسخ الباقي. راجع: المحصول:1/570.
4. الذريعة:325. وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/535.
5. اختاره المصنّف هنا ولكنّه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/117 ذهب إلى ما ذهب إليه أبو الحسين البصري ومن وافقه. وسيأتي لاحقاً.

صفحه 156
أنّه خلاف التقدير. ويتفرّع على ذلك فروع:
الأوّل: نسخ ركعتين من الأربع يغيّر حكم الصلاة الشرعي، لأنّها لو فعلت بعد النقصان على الحد الذي كانت تفعل قبله لم تجز، وجرى وجودها مجرى عدمها، فجملة الصلاة منسوخة.
الثاني: نسخ الوضوء ليس نسخاً للصلاة، لأنّ حكم الصلاة باق، فإنّها لو فعلت بعد النسخ على ما كانت تفعل قبله كانت مجزية.
الثالث: نسخ القبلة إن كان بالتوجّه إلى غيرها كان نسخاً، لأنّها لو فعلت على ما كانت تفعل عليه قبل النسخ لم تكن مجزية، كما في نسخ استقبال بيت المقدس بالتوجّه إلى الكعبة .
ولو نسخ استقبال بيت المقدس بتحريم التوجّه إليه وتسويغ التوجّه إلى غيره من الجهات، كانت نسخاً للصلاة أيضاً، لما ذكرنا من أنّه لو أوقعها متوجّهاً إلى تلك الجهة لم تكن مجزية.
ولو خيّر بين جميع الجهات لم يكن نسخاً للصلاة، لأنّه لو صلّى إلى ما كان قبله أوّلاً لأجزاه، وإنّما نسخ التعيين، وقد تقدّم أنّ إثبات التخيير ليس نسخاً وفيه ما تقدّم.
واختار المصنّف ـ طاب ثراه ـ في «النهاية »1 مذهب أبي الحسين، واستدلّ عليه بأنّ المقتضي للكل إن كان متناولاً للجزأين معاً، فخروج أحدهما لا يقتضي نسخ الآخر كسائر أدلّة التخصيص.
وأجاب عن حجّة السيد بالمنع من استلزام نقص الركعة نسخ أصل الصلاة، وإن كان نسخاً لوجوب الكل من حيث هو كل. وكون الركعتين الباقيتين غير جزء من الثلاث ممنوع، وإلاّ لافتقر وجوبها إلى أمر جديد،

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/117.

صفحه 157
وهو خلاف الإجماع. وعدم صحّة صلاة الصبح إذا زيد فيها ركعة ليس لعدم وجودها مع الزيادة، بل لإدخال ما ليس من الصلاة فيها.
قال قدس الله روحه: البحث الحادي عشر: يعرف كون الخطاب ناسخاً بالتنصيص عليه، وبالتضاد مع معرفة المتأخّر.
ويقبل قول الصحابي في أنّ هذا الخبر متأخّر. ولا يقبل قوله في أنّه ناسخ. وكذا لا يقبل لو قال: إنّه منسوخ، سواء عين الناسخ أو أبهمه، خلافاً للكرخي في الثاني.*

*[في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ]

أقول: يعرف كون الخطاب ناسخاً لغيره بالتنصيص عليه إمّا من الرسول(صلى الله عليه وآله)، أو من الإمام المعصوم،أو من جميع الأُمّة بأن يوجد لفظ النسخ فيقول: هذا الخطاب ناسخ لذلك، وهذا منسوخ بذاك، أو نسخ كذا بكذا.
وبـالتنـافي فـي مـدلـولهما مع علـم المتـأخّـر وتحقّـق باقـي شـرائط النسخ بأن لا يكون الجمع بين الحكمين المدلول عليهما بالخطاب ممكنـاً إمّا بأن يكونا متناقضين، مثل قوله تعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ)1، فإنّ التخفيف نفي التثقيل; أو متضادين، كتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. ومع عدم علم المتأخّر، يعلم كون أحدهما ناسخاً للآخر في الجملة.
وعلم التاريخ يكون من جهة اللفظ بأن يقال: هذا الخبر قبل هذا.

1. الأنفال:66.

صفحه 158
أو يوجد في اللفظ ما يدلّ عليه; مثل قوله(صلى الله عليه وآله):«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها »1 و(الآن خفّف الله عنكم)، فإنّه يعلم منه أنّ النهي قبل الأمر، والتثقيل قبل التخفيف.
أو يقال: هذا الخبر ورد في سنة كذا، وهذا في سنة كذا.
أو تعلّق أحدهما على زمان معلوم التأخّر، كقوله: هذا قاله في غزاة بدر، وهذا قاله في غزاة أُحد، ونزلت هذه الآية قبل الهجرة وهذه بعدها، وغير ذلك ممّا يذكر في باب التراجيح إن شاء الله تعالى.
ولو قال الصحابي: هذا الخبر متأخّر عن ذاك قبل، مثل قولهم:إنّ خبر:«إنّما الماء من الماء »2 متقدّم على قوله(صلى الله عليه وآله):«إذا التقى الختانان وجب الغسل »3، إذ ليس ذلك مستنداً إلى اجتهاد وبحث قد يقع فيه الغلط، بخلاف قوله:«هذا الخبر ناسخ » أو «هذا الخبر منسوخ »، لأنّه قد يستند في ذلك إلى اجتهاده ولا يكون صواباً، سواء أبهم كما قلناه، أو عيّن الناسخ والمنسوخ، كما لو قال: هذا منسوخ بكذا وهذا ناسخ لكذا.
وفصّل الكرخي فقال:إنّ عيّن الناسخ، لم يقبل لاحتمال استناده في ذلك إلى اجتهاده فلا يجب الرجوع إليه; وإن أبهمه وقال:«هذا منسوخ » قبل، لأنّه لولا ظهور النسخ فيه لم يطلق.

1. مر الحديث مع مصادره في ص 143، فلاحظ. وفي «م » بزيادة:وكنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي ألا فادّخروها.
2. روى مسلم في صحيحه:1/186، باب «إنّما الماء من الماء » بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما الماء من الماء ». ورواه الترمذي في سننه:1/74 برقم 112; وأحمد في مسنده:3/47، والمتقي الهندي في كنز العمال:9/376برقم 26545.
3. سنن الترمذي:1/72، باب ما جاء: إذا التقى الختانان وجب الغسل; مسند أحمد:6/239; مستدرك الوسائل:1/453 برقم 1138.

صفحه 159
وهو ضعيف، لجواز ظهوره في ظنّه لا في نفس الأمر.1
***
[كتب مصنّف الكتاب السيد ضياء الدين عبد الله ابن الأعرج بخط يده:]
وليكن هذا آخر الجزء الأوّل من شرح التهذيب ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى. قال قدس الله روحه: المقصد الثامن في الإجماع. والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.
وكتب مصنّفه عبد الله ابن الأعرج الحسيني حامداً لله تعالى ومصلّياً على سيد رسله محمد النبي وآله الطاهرين.2

1. راجع: الذريعة:339ـ 340; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/96.
2. هذا النص من نسخة «ب » التي ذكرنا في مقدّمة الكتاب بأنّها كُتبت بخط المؤلّف إلى نهاية الجزء الأوّل وعدّة صفحات من الجزء الثاني، وهذا النص المذكور للمصنّف دليل واضح على نسبة الكتاب إلى السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي كما أسلفنا، ومن أراد التفصيل يرجع إلى مقدّمة الكتاب في الجزء الأوّل، ص 18 و 25.

صفحه 160
 

صفحه 161
 
بسم الله الرحمن الرحيم
قال قدس الله روحه:

المقصد الثامن:

في الإجماع

                                                   وفيه مباحث:

صفحه 162
 

صفحه 163

الأوّل: في تحقّقه

وهو عبارة عن اتّفاق أهل الحل والعقد من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) على أمر من الأُمور، وهو حجّة.
أمّا عندنا فظاهر، لأنّ المعصوم سيد أُمّة محمد(صلى الله عليه وآله) فإذا فرض اتّفاقهم دخل الإمام(عليه السلام) فيهم، فيكون حجّة.
وأمّا الجمهور فلقوله تعالى:(ويتبع غير سبيل المؤمنين)،(وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً)،(كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)وهو يقتضي التعميم، ولقوله(عليه السلام): «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ » وهو متواتر المعنى، وبأنّ العادة تحيل اجتماع الخلق الكثير على الخطأ.*
* أقول: الكلام في الإجماع تارة في ماهيته، وتارة في تحقّقه أي ثبوته، وتارة في حجّيته.

[في ماهية الإجماع]

أمّـا الأوّل فـالإجمـاع فـي اللغـة: العـزم، قـال الله تعالـى:(فَـأَجْمِعُـوا أَمْـرَكُمْ وَشُـرَكـاءَكُـمْ)1، وقـال(عليه السلام): «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل »2 أي يعزم.
ويقـال علـى الاتّفـاق أيضـاً، يقـال: أجمـع القـوم علـى كـذا إذا

1. يونس:71.
2. سنن النسائي:4/196ـ197، باب النية في الصيام; سنن الترمذي:3/108 برقم 730.

صفحه 164
اتّفقوا عليه. ويقال:«أجمع الرجل » إذا صار ذا جمع، كما يقـال:«ألبـن وأتمر » إذا صار ذا لبن وتمر، ويقال:«أجمعوا على كذا » إذا صاروا ذوي جمع عليه.
وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفه المصنّف ـ طاب ثراه ـ بما ذكره فخر الدين في «المحصول » وهو: أنّه عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أُمّة محمد(صلى الله عليه وآله)على أمر من الأُمور. قال: والمراد بالاتّفاق الاشتراك إمّا في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل الدالّين عليه; أو بعضهم على الاعتقاد، والبعض الآخر على القول، أو الفعل الدالّين عليه. وبأهل الحلّ والعقد: المجتهدون في الأحكام الشرعية. وإنّما قال:«على أمر من الأُمور » ليتناول العقليات والشرعيات واللغويات.1
إذا تقرّر هذا فنقول: الاتّفاق كالجنس; وبإضافته إلى أهل الحلّ والعقد، يخرج اتّفاق غيرهم من العوام وغير المكلّفين; وتقييدهم بكونهم من أُمّة محمد(صلى الله عليه وآله)،ليخرج اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أرباب الشرائع المتقدّمة، كاليهود والنصارى.
وفي تعريفه أهل الحل والعقد بالمجتهدين في الأحكام الشرعية نظر، لأنّ إجماع المتكلّمين على حكم عقلي يكون إجماعاً وحجّة وإن لم يكونوا مجتهدين في الأحكام الشرعية، وكذا أهل اللغة وغيرهم من أرباب العلوم الدينية، وإجماع المجتهدين في الأحكام الشرعية على حكم عقلي أو لغوي ليس إجماعاً ولا حجّة إذا لم يكونوا مجتهدين في الكلام واللغة، وقد صرّح هو بذلك فيما بعد. فإذن الحدّ منقوض عكساً و

1. المحصول:2/3ـ4.

صفحه 165
طرداً.

[في تحقّق الإجماع]

وأمّا الثاني وهو تحقّقه فقد منع منه جماعة قالوا:إنّ ما لا يكون معلوماً بالضرورة يمتنع اتّفاق الخلق عليه، كما يمتنع اتّفاقهم في الساعة الواحدة على الكلمة الواحدة أو المأكول الواحد.
وردّ بأنّ امتناع الاتّفاق في ذلك إنّما هو لتساوي الاحتمال فيه، وهو مفقود فيما نحن فيه، لتحقّق الرجحان المستند إلى دليل الحكم، والاتّفاق على مثل ذلك غير ممتنع، كاتّفاق الخلق العظيم على نبوة محمد(صلى الله عليه وآله).
وآخرون سلّموا إمكان وقوعه ومنعوا من العلم به، لعدم الطريق إليه، إذ ليس معلوماً بالوجدان كعلمنا بلذّاتنا وآلامنا، ولا بالحس وهو ظاهر، ولا بالنظر العقلي للقطع بانتفاء طريق عقلي يعلم به أنّ فلاناً أفتى بكذا، فلم يبق إلاّ الخبر وهو محال لتوقّفه على معرفة المجتهد ليخبر عن نفسه، ومعرفة كلّ واحد من المجتهدين المنتشرين شرقاً وغرباً في الوقت الواحد متعذّر، وبتقدير حصوله جاز أن يكتم بعضهم مذهبه ويبدي خلافه لتقية أو خوف. ومن هنا قال فخرالدين:الإنصاف يقتضي أنّه لا طريق إلى معرفة حصول الإجماع إلاّ في زمن الصحابة، حيث كان المؤمنون قليلين لا يتعذّر معرفتهم بالتفصيل.1
وفيه نظر، فإنّ ذلك يدفع الامتناع الناشئ من الجهل بالمجتهدين، ولا

1. المحصول:2/8. وعلّق العلاّمة على هذا القول في نهايته:3/131 قائلاً: وليس بجيّد، فإنّا نجزم بالمسائل المجمع عليها جزماً قطعياً، ونعلم اتّفاق الأُمّة عليها علماً وجدانياً، حصل بالتسامع وتطابق الأخبار عليه.

صفحه 166
يدفع الامتناع الناشئ من الجهل بمذاهبهم للاحتمال المذكور.

[في حجّية الإجماع]

وأمّا الثالث وهو كونه حجّة فعليه الأكثر1، خلافاً للخوارج والنظّام.2
أمّا على رأي أصحابنا الإمامية فظاهر، لأنّ المعصوم موجود في كلّ زمان التكليف عندهم، وهو سيّد الأُمّة، فقوله لابد من اعتباره في تحقّق الإجماع، فيكون حقاً لا باعتبار انضمام أقوال غيره إلى قوله، بل قوله وحده حجّة، سواء وافقه الباقون أو خالفوه.3
وأمّا الجمهور فقد احتجّوا عليه بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى :(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً).4

1. قال الشيخ الطوسي في عدّته:2/602: واختلف من قال: إنّه حجّة; فمنهم من قال: إنّه حجّة من جهة العقل وهم الشذّاذ; وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أنّ طريق كونه حجّة السمعُ دون العقل; ثم اختلفوا فذهب داود بن علي بن خلف الأصفهانى الظاهري وكثير من أصحاب الظاهر إلى أنّ إجماع الصحابة هو الحجّة دون غيرهم من أهل الأعصار، وذهب مالك ومن تابعه إلى أنّ الإجماع المراعى هو إجماع أهل المدينة دون غيرهم غير أنّه حجّة في كلّ عصر. وذهب الباقون إلى أنّ الإجماع حجّة في كلّ عصر ولا يختص ذلك بعصر الصحابة ولا بإجماع أهل المدينة.
2. وهو المحكي عن جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي(177ـ236هـ) وجعفر بن مبشّر بن أحمد الثقفي المعتزلي(المتوفّى 234هـ). راجع عدّة الأُصول:2/601.
3. وهو ما اتّفقت عليه الإمامية. راجع: تذكرة الأُصول:45; أوائل المقالات:121; الذريعة:420; عدّة الأُصول:2/602; تلخيص الشافي:1/59ـ102; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/131; وغيرها.
4. النساء:115. هذه الآية احتجّ بها الشافعي لأوّل مرة على حجّية الإجماع وتبعه الآخرون عبر القرون.

صفحه 167
وجه الاستدلال: أنّه تعالى جمع بين مشاقّة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، وذلك يوجب كون اتّباع غير سبيل المؤمنين محرّماً، إذ لو لم يكن كذلك لم يحسن أن يرتّب الوعيد عليهما، فإنّه لا يحسن أن يقال: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، ومعنى تحريم اتّباع غير سبيل المؤمنين تحريم اتّباع قول وفتوى مخالف قولهم وفتواهم، فيكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة، إذ لا خروج عن هذين القسمين ـ أعني: اتّباع غير سبيل المؤمنين، واتّباع سبيلهم ـ وهو المطلوب.
وفيه نظر، لاستلزامه كون اتّباع قول أي مجتهد كان إمّا واجباً أو حراماً، لأنّه إمّا سبيل المؤمنين أو غير سبيلهم.
الثاني: قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).1 والوسط العدل، ولهذا رتّب عليه الشهادة، وإذا كانوا عدولاً استحال إجماعهم على الخطاء.
وفيه نظر، إذ العدالة لا توجب العصمة بحيث يستحيل اجتماعهم على الخطاء.
الثالث: قوله تعالى:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَر).2وذلك يؤذن بأمرهم لكلّ معروف ونهيهم عن كلّ منكر، لما تقدّم من أنّ الألف واللام للاستغراق، فلو أجمعوا على الخطاء لكانوا آمرين بالمنكر غير ناهين عنه.
وفيه نظر، إذ لا يلزم من أمرهم بالمعروف قيامهم به، ولا من نهيهم عن

1. البقرة:143.
2. آل عمران:110.

صفحه 168
المنكر امتناعهم منه، كيف وقد قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ الناسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَونَ أنْفُسَكُمْ).1
سلمنا، لكن يكفي في صدق الإخبار عنهم بذلك أمرهم بكلّ معروف ونهيهم عن كلّ منكر مرة واحدة في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولا ينافي ذلك ارتكابهم المنكر فيما بعد.
الرابع: قوله(صلى الله عليه وآله): «لا تجتمع أُمّتي على الخطاء ».2 وهذا وإن لم يكن متواتر اللفظ، إلاّ أنّه متواتر المعنى، فإنّه قد نقل عنه (صلى الله عليه وآله) هذا المعنى بصيغ مختلفة مشتركة في الدلالة عليه. مثل:
لا تجتمع أُمّتي على ضلالة. 3
يد الله على الجماعة .4
سألت ربي أن لا تجتمع أُمّتي على الضلالة فأعطانيها.5
لم يكن الله ليجمع أُمّتي على ضلال. وروي: ولا على خطأ.6
عليكم بالسواد الأعظم.7

1. البقرة:44.
2. ورد هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في العديد من المصادر. راجع: سنن أبي داود:2/302 برقم 4253; سنن الدارمي:1/29; سنن الترمذي:3/315 برقم 2255، باب لزوم الجماعة; مسند أحمد:6/396; مستدرك الحاكم:1/115، باب لا يجمع الله هذه الأُمّة على الضلالة.
3. سنن ابن ماجة:2/1303 ح3950، باب السواد الأعظم; سنن الترمذي:4/405 برقم 2167; كنز العمال:1/206 برقم 1029 و 1031.
4. سنن الترمذي:4/405 برقم 2166و 2167; سنن النسائي:7/92; مستدرك الحاكم:1/115; بحارالأنوار:65/289.
5. كنز العمال:14/49برقم 37904; شرح نهج البلاغة:8/123.
6. شرح نهج البلاغة:8/123. وراجع الأُصول العامة للفقه المقارن:261.
7. مسند أحمد:4/278 و 375; مجمع الزوائد:5/217.

صفحه 169
والمتواتر بحسب المعنى يفيد العلم على ما يأتي.
الخامس: من طريق العقل، وهو الذي عوّل عليه الجويني.1 وتقريره: أنّ إجماع الخلق الكثير على الحكم الواحد يستحيل عادة أن لا يكون عن دلالة ولا أمارة. فإن كان الأوّل كان الإجماع كاشفاً عن تلك الدلالة، فخلاف الإجماع يكون خلاف تلك الدلالة، فيكون خطاء، فالإجماع حق. وإن كان الثاني فكذلك، لأنّا رأينا التابعين قاطعين بالمنع من مخالفة هذا الإجماع ـ أعني: الصادر عن أمارة ـ ولولا اطّلاعهم على دلالة قاطعة تمنع من مخالفته لما كان كذلك.
وفيه نظر، للمنع من استناد قطعهم بذلك إلى دلالة قاطعة، لاحتمال استنادهم فيه إلى ما اعتقدوا أنّه دليل وليس كذلك.

1. نقله عنه الرازي في المحصول:2/46.

صفحه 170
قال قدس الله روحه: ويشكل الأوّل باشتراط تبيّن الهدى كالمعطوف عليه، ومن جملته الدليل الدال على الحكم. ولأنّ السبيل ليس للعموم، وكذا لفظة «غير ». ولأنّ مفهومه فيما به صاروا مؤمنين. ولأنّ السبيل: الدليل، لمشاركته الطريق في الإيصال، والتجوّز فيه أولى من الاتفاق على الحكم، إذ لا مناسبة فيه.
ولأنّ الآية تدلّ على نقيض المطلوب، إذ سبيل المؤمنين وجوب التمسّك بالدليل لا بالإجماع، ولعدم الملازمة بين تحريم اتّباع غير سبيل المؤمنين ووجوب اتّباع سبيلهم، لثبوت الواسطة وهي ترك الاتّباع، ولانتفاء العموم، إذ لو اتّفقوا على مباح فإن وجب تناقض، وإلاّ فالمطلوب.
قال المرتضى: إنّها تدلّ على وجوب اتّباع مَن علم إيمانه لا من يكون باطنه بخلاف ظاهره، وإنّما يتحقّق ذلك في المعصوم.*

* [الإشكالات الواردة على أدلّة الجمهور]

أقول: لمّا ذكر أدلّة الجمهور على كون الإجماع حجّة، شرع في إيراد الإشكالات عليها مفصّلاً.
أمّا على[الوجه] الأوّل: فلأنّ الآية لا تدلّ على تحريم متابعة غير سبيل المؤمنين مطلقاً، بل إن دلّت فبشرط تبيّن الهدى، لكونه شرطاً في المعطوف عليه ـ أعني: مشاقّة الرسول(صلى الله عليه وآله)ـ والمعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة فيجب اشتراكهما في الشرط، واللاّم في الهدى للاستغراق، فيكون الشرط فيهما تبيّن جميع أنواع الهدى، ومن جملة ذلك الدليل الدالّ على الحكم المجمع عليه، وحينئذ لا يبقى للإجماع فائدة، لأنّه عند العلم بذلك الدليل يستند الحكم إليه لا إلى الإجماع، وعند عدمه لا تحرم مخالفة الإجماع لعدم الشرط فيسقط اعتباره بالكلّية.
سلّمنا دلالتها على المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين مطلقاً، ولكن

صفحه 171
عن متابعة كلّ ما كان غير سبيل المؤمنين أو متابعة بعض ما كان كذلك.
والأوّل ممنوع، لأنّ كلاًّ من لفظي «غير » و«سبيل » مفرد، فلا يفيد العموم، وبتقدير تسليمه يسقط الاستدلال على المدّعى، لأنّ معنى الآية حينئذ أنّ كلّ مَن اتّبع كلّ ما كان مغايراً لكلّ ما كان سبيل المؤمنين استحق العقاب، وظاهراً أنّ ذلك لا يدلّ على أنّ المتّبع لبعض ما غاير سبيل المؤمنين مستحق للعقاب.
والثاني مسلّم نقول بموجبه وهو تحريم اتّباع بعض ما غاير سبيل المؤمنين، أو بعض ما غاير كلّ سبيل المؤمنين، أو كلّما غاير بعض سبيل المؤمنين، وهو ما به صاروا مؤمنين، فإنّ الذي يغايره هو الكفر بالله ورسوله ويتعيّن حمل الآية على ذلك، لأنّه المتبادر إلى الفهم فإنّ قول القائل: لا يتبع غير سبيل الصالحين، يفهم منه المنع من متابعة غير سبيلهم فيما به صاروا صالحين لا في كلّ شيء حتى في الأكل والشرب، وغير ذلك ممّا لا مدخل له في الصلاح. ولأنّ الآية نزلت في رجل ارتد، وهو دليل على أنّ الغرض منها المنع من الكفر.
سلّمنا، لكن لفظة السبيل حقيقة في الطريق الذي هو موضع المرور والحركة، وهو غير مراد هنا اتّفاقاً، فيجب صرفه إلى المجاز، وليس بعض المجازات أولى من غيره، فتبقى الآية مجملة. وأيضاً فإنّه لا يمكن حمله على اتّفاقهم على الحكم، لعدم المناسبة بينهما التي هي شرط التجوّز، ولو سلّم لكن يمكن حمله على دليل الحكم، وهو أولى لتحقّق المناسبة بينهما وهي اشتراكهما في كون كلّ منهما مفض إلى المطلوب، فتكون الآية دالّة على وجوب متابعة المؤمنين في أخذ الحكم المجمع عليه من

صفحه 172
دليله، وحينئذ لا يكون الإجماع حجّة.
سلّمنا، لكن الآية تدلّ على نقيض المدّعى، وهو كون الإجماع ليس حجّة، لأنّ سبيل المؤمنين وجوب التمسّك بالدليل وأخذ الحكم منه فالمتبع لسبيلهم يكون آخذاً للحكم من دليله لا من الإجماع .
سلّمنا، لكن لا يلزم من تحريم اتّباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتّباع سبيلهم وإنّما يلزم ذلك إن لو لم يكن بينهما واسطة، وليس كذلك فإنّ بينهما واسطة هي ترك الاتّباع مطلقاً.
سلّمنا، لكن الآية ليست عامة بمعنى اقتضائها وجوب اتّباع سبيل المؤمنين في كلّ شيء، وإلاّ لكانوا إذا اتّفقوا على فعل مباح فإن وجب اتّباعهم فيه تناقض لخروجه عن كونه مباحاً، وإن لم يجب ثبت المطلوب وهو انتفاء العموم.
وقال المرتضى(رحمه الله): هذه الآية إنّما تدلّ على وجوب اتّباع سبيل المؤمنين ـ أعني: الذين علم منهم الإيمان ـ وهو مَن يكون باطنه موافقاً لظاهره، وذلك لا يتحقّق إلاّ في المعصوم، أمّا غيره فلا، لعدم القطع بموافقة باطنه لظاهره، وهو حق.1

1. الذريعة:424. وراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/145ـ167.

صفحه 173
قال قدس الله روحه: والثاني بأنّ وصف الأُمّة بالعدالة يستلزم وصف كلّ واحد منها بها، وهو باطل إجماعاً. ولأنّ العدالة ليكونوا شهوداً لا تؤثر فيها الصغائر. ولأنّ شهادتهم في الآخرة، فالعدالة تتحقّق هناك.
والثالث بأنّ الظاهر بعض الأُمّة فيحمل على المعصوم، ولأنّ المفرد المحلّى بلام التعريف لا يدل على العموم.
والخبر من باب الآحاد، والمعنى يقتضي اشتراط التواتر.*
* أقول: لمّا فرغ من الإشكالات الواردة على الوجه الأوّل شرع في ذكر الإشكالات الواردة على باقي الوجوه.
أمّا على الوجه الثاني، فإنّ ظاهر الآية يقتضي وصف كلّ واحد من الأُمّة بالعدالة، وهو معلوم البطلان. وحينئذ إمّا أن يقال:إنّ المراد بالوسط غير العدل فتسقط دلالتها على المدّعى، أو أنّ المراد بالأُمّة البعض ونحن نقول بموجبه ونحملها على المعصوم، لأنّه معلوم العدالة ولأنّه جعل غاية هذه العدالة كونهم شهداء على الناس، والشهادة لا يقدح فيها الصغائر، وحينئذ يجوز وقوع الصغائر منهم، وهو خطأ، فتحقّق جواز إجماعهم على الخطأ. ولأنّ شهادتهم التي هي الغاية في العدالة إنّما تكون في الآخرة فيكون باعتبار العدالة حينئذ، إذ العدالة غير معتبرة في التحمّل بل في الأداء، ولا يلزم من كونهم عدولاً في الآخرة كونهم في الدنيا كذلك.1
وأمّا على الوجه الثالث، فلأنّ الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، لاستلزامه وصف كلّ واحد من الأُمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو باطل بالوجدان، فيجب حملها على البعض وهو المعصوم.
سلّمنا، لكن لا نسلّم العموم بمعنى كونهم آمرين بكلّ معروف ناهين عن كلّ منكر، لما تقدّم من أنّ المفرد المحلّى بلام الجنس ليس

1. راجع: الذريعة:425ـ 426; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/167ـ173.

صفحه 174
للعموم.1
وأمّا على الرابع، وهو الخبر المذكور فإنّه من باب الآحاد، وهو لا يفيد إلاّ الظن، فكيف يثبت به الإجماع وهو من الأدلّة القطعية عندهم؟! والتواتر المعنوي مشروط ببلوغ الألفاظ المذكورة حدّ التواتر في الطرفين والواسطة، واشتمال كلّ واحد منها على ذلك المعنى، وكلاهما مفقود فيما نحن فيه.
أمّا الأوّل فظاهر. وأمّا الثاني فلأنّه محتاج إلى بيان كون كلّ واحد من هذه الأخبار دالاًّ على أنّ الإجماع حجّة دلالة قاطعة، لأنّها لو كانت ظاهرة ولو في بعض تلك الأخبار لم يحصل الغرض، لجواز كونه هو الصحيح وماعداه كذباً ويكون المراد منه خلاف ظاهره.2
والخامس ضعيف جداً، للمنع من قضاء العادة باستحالة اجتماع الخلق الكثير على الخطأ، كيف وخصوم المسلمين من أصناف الكفّار وأرباب الملل المنسوخة مجمعون على الطعن في الإسلام، وهو من أعظم الخطأ، وهم أضعاف أضعاف المسلمين .3
واعلم أنّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ جعل هذا البحث في تحقّق الإجماع ولم يبحث إلاّ عن ماهيته وكونه حجّة، وقوله: والثاني، معطوف على قوله: ويشكـل الأوّل، أي ويشكل الثـاني، وكـذا الثالث، وإنّمـا لـم يـورد على
قال قدس الله روحه: البحث الثاني4: قال السيد المرتضى: لا يجوز إحداث قول ثالث، للعلم بأنّ أحد

1. راجع: الذريعة:426; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/173ـ176.
2. راجع: الذريعة:427ـ 431; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/180ـ 188.
3. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/188.
4. هذا آخر ما كتبه المصنّف بخط يده في نسخة«ب »، وقد أتمّ كتابتها عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار، كما ذكرنا في مقدّمة الكتاب ص 25، فراجع.

صفحه 175
القولين الأوّلين حق، إذ التقدير أنّ الإمام المعصوم قائل بأحدهما، فإنّا فرضنا انقسام الأُمّة بأجمعها على قولين، فيكون الثاني باطلاً، وكذا الثالث.
وأمّا الجمهور فقد جوّزه بعضهم إذا لم يشتمل على رفع ما أجمعوا عليه، كحرمان الجد بعد قول بعضهم بتخصيصه، وبعضهم بمقاسمته الأخ، إذ لا يلزم منه مخالفة الإجماع. ومنعه آخرون، للإجماع من كلّ منهما على وجوب الأخذ بقولهم أو بالقول الآخر. وإذا حكمت الأُمّة بعدم الفصل بين المسألتين في جميع الأحكام امتنع الفصل، سواء اتّحد الحكم كالتحليل و التحريم فيهما، أو اختلف بأن يحكم البعض بالتحليل فيهما والآخر بالتحريم فيهما، أو لا ينقل إلينا منهم حكم. وكذا إذا لم يفرّق أحد، ولم ينقل الحكم عنهم بعدم الفرق واتّحد طريق الحكم، كالعمة والخالة المندرجتين تحت حكم ذوي الأرحام. وإن اختلفت الطريق جاز الفرق لانتفاء الإجماع، ولزوم أنّ من يوافق مجتهداً في حكم يوافقه في الجميع.*
الخامس شيئاً من الإشكالات لظهور ضعفه.

* [في إحداث القول الثالث]

أقول: كلّ مسألة اشتملت على موضع كلّي فالحكم فيها إمّا بالإيجاب الكلّي، أو السلب الكلّي، أو بالإيجاب في البعض والسلب في الباقي، فهذه احتمالات ثلاثة لا مزيد عليها، فإذا اختلفت الأُمّة على قولين فيها بأن قال بعضهم بالإيجاب الكلّي، والباقون بالسلب الكلّي أو بالاقتسام، أو قال بعضهم بالسلب الكلّي والباقون بالاقتسام، فهل لمن بعدهم أن يقول بالثالث أم لا؟
قال السيد المرتضى(رحمه الله)1: لا يجوز ذلك مطلقاً، وهو مذهب الإمامية كافّة.2 وحجّتهم عليه ظاهرة، وهي أنّ المعصوم لابد وأن يكون قائلاً

1. الذريعة:440.
2. وهو مذهب الإمامية والشافعي والجمهور، وعليه نصّ محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:387، والغزالي في المنخول:417، والقاضي عبد الجبار كما في الإحكام للآمدي:1/185، وغيرهم.

صفحه 176
بأحد ذينك القولين، إذ التقدير أنّ جميع الأُمّة انقسموا إلى قسمين كلّ واحد منهما قائل بواحد من القولين، فيكون ذلك القول حقّاً والثاني وهو قول القسم الآخر باطلاً، وكذا الثالث أعني: القول المحدث.
وأيضاً فإن كان الحق في أحد ذينك القولين كان الآخر باطلاً والثالث أولى بالبطلان، وإن لم يكن لزم إجماع الأُمّة على الخطأ وهو اعتقاد بطلان الثالث.
وأمّا الجمهور فاختلفوا في ذلك فمنع منه الأكثر مطلقاً، وجوّزه بعض الحنفية والظاهرية مطلقاً.
وقال آخرون: إن لزم من القول الثالث نفي ما أجمعوا عليه لم يجز، وإلاّ جاز.1
مثال الأوّل: ميراث الجد مع الأخ: قال بعض الصحابة باختصاص الجد بالإرث، وقال آخرون بمشاركة الأخ إيّاه فيه، فالقول باختصاص الأخ بالإرث يرفع ما وقع الإجماع عليه وهو أنّ للجد قسطاً من الميراث.
ومثال الثاني: ميراث الزوج مع الأبوين: قال بعضهم: للزوج نصيبه من الأصل وللأُم ثلث الأصل أيضاً وللأب الباقي، وقال آخرون: للزوج نصف الأصل وللأُم ثلث الباقي وللأب ثلثاه، ومن جعل لها ثلث الأصل مع الزوج جعله لها مع الزوجة، ومن جعل لها ثلث الباقي مع الزوج جعله

1. وإليه ذهب الرازي في المحصول:2/62، والآمدي في الإحكام:1/185، وابن الحاجب في مختصره، والسبكي في رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:2/229، والبيضاوي في منهاج الأُصول كما في نهاية السول في شرح منهاج الأُصول:3/269.

صفحه 177
لها مع الزوجة، فالقول بإعطائهما ثلث الباقي مع الزوج وثلث الأصل مع الزوجة قول ثالث لا يرفع ما وقع الإجماع عليه، فكان جائزاً.
احتجّ المانعون بأنّ الأُمّة لمّا اختلفت على القولين أوجب كلّ من الفريقين الأخذ بقوله أو بقول الآخر، وذلك إجماع منهما على التخيير، وإحداث القول الثالث يرفعه فكان باطلاً. وهذه الحجّة منقولة عن القاضي عبد الجبار1، وهي ضعيفة فإنّ إجماعهم على ذلك مشروط باستمرار الخلاف وعدم ظهور قول ثالث لمجتهد آخر، فعلى تقدير ظهور ذلك القول الثالث، يرتفع ذلك الإجماع لارتفاع شرطه.

[في عدم الفصل بين المسألتين]

وإذا لم تفصل الأُمّة بين المسألتين في الحكم، فهل لمن بعدهم الفصل بينهما فيه؟
والحق أن يقال: إن نصّوا على عدم الفصل بينهما بأن قالوا: لا فصل بين هاتين المسألتين في الحكم الفلاني، أو في شيء من الأحكام، امتنع الفصل بينهما في ذلك الحكم أو في شيء من الأحكام، لكونه رافعاً للإجماع. وهذا يقع على أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يقولوا في المسألتين بالتحليل، أو التحريم.
الثاني: أن يقول بعضهم بالتحليل فيهما والبعض الآخر بالتحريم فيهما.
والثالث: أن لا ينقل إلينا عنهم حكم معيّن فيهما، وعلى هذا إذا ثبت

1. نقله عنه: الآمدي في الإحكام:1/185، والعلاّمة في نهايته:3/194.

صفحه 178
حكم لإحدى المسألتين ثبت للأُخرى، وإلاّ لزم رفع ما أجمعوا عليه من عدم الفصل.
وإن لم ينصّوا على عدمه لكنّهم لم يفصلوا بينهما، فإن علم اتّحاد طريقة الحكم فيهما، جرى ذلك مجرى النص على عدم الفصل، كتوريث العمّة والخالة فإنّ الأُمّة لم تفصل بينهما، بل كلّ من ورّث إحداهما ورّث الأُخرى وطريقة توريثهما واحدة معلومة، وهي كونهما مندرجتين تحت أُولي الأرحام الذين عناهم الله تعالى بقوله:(وَ أُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ).1
وإن لم تتحد طريقة الحكم كما في منع الشافعي من شرب النبيذ وبيع الغائب وإباحتهما عند أبي حنيفة، فإنّه يجوز الفصل بأن يقول بعض الناس بتحريم شرب النبيذ وجواز بيع الغائب عملاً بالأصل السالم عن معارضة مخالفة الإجماع. ولأنّه لو لم يجز الفصل لزم أنّ مَن وافق الشافعي في تحريم النبيذ مثلاً لدليل، أن يوافقه في كلّ حكم وإن فقد الدليل عليه. والتالي باطل وفاقاً فكذا المقدّم. والملازمة ظاهرة، لأنّ كلّ حكم قال به الشافعي إمّا أن يوافقه أبو حنيفة فيه، أو يخالفه. فإن كان الأوّل، وجب على موافق الشافعي القول به لكونه إجماعاً. وإن كان الثاني فكذلك، وإلاّ لزم الفصل، وهو خلاف المقدّر وهو بناء على انحصار المجتهدين فيهما.
واعلم أنّ القسم الأوّل من أقسام عدم الفصل المذكورة إجماع فالفرق رافع له، فلا يجوز مطلقاً، سواء نصّوا على عدم الفصل أو لم

1. الأنفال:75; الأحزاب:6.

صفحه 179
ينصّوا، ولا يجوز أيضاً مخالفته لغير الفصل و القسم الثاني يمتنع الفرق بينهما على قولنا وإن لم ينصّوا على عدمه، لأنّ المعصوم قائل بأحد الجمعين1 فالفرق رافع له فيكون باطلاً. وأمّا الثالث فلا يمتنع الفصل بينهما إذا لم ينصّوا على عدمه لجواز كونهم متوقّفين فيهما، أو قائلين بحكم إحدى المسألتين دون الأُخرى منه، وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ : «كحرمان الجد » مثال للمشتمل على رفع ما أجمعوا عليه لا لما ليس بمشتمل على ذلك.2

1. كتب المصنّف بخط يده في حاشية نسخة «ب »: أي الجمع بينهما في التحليل أو الجمع بينهما في التحريم.
2. راجع: الذريعة:442; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/200; المحصول:2/64.

صفحه 180
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: يجوز الإجماع بعد الخلاف، وهو كثير، كاتّفاق التابعين على منع بيع أُمّهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه، والإجماع على تسويغ الأخذ بأي القولين شاء مع الاجتهاد مشروط بعدم الاتّفاق على أحدهما مع منعه.
وإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأوّل كان إجماعاً.
واحتجاج أكثر الحنفية والشافعية وجماعة من المتكلّمين بقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول)، وبتدافع الإجماعين، وبالمعارضة بالموت، ولأنّه إن كان لدليل لم يخف عن الصحابة، ولأنّ الإجماع يستلزم القطع، وهو قول ثالث، باطل لعدم التنازع، ولأنّ العمل بالإجماع ردّ إلى الله تعالى ورسوله.
والإجماع على تسويغ الأخذ بأي القولين مشروط بعدم الاتّفاق، وهو يقدح في الإجماع مطلقاً.
والحق في الجواب: المنع من الإجماع على التخيير، فإنّ كلّ طائفة تعتقد أنّ الحق في قولها. والموت ليس حجة، بل هو كاشف عن كون قول الأُخرى حجّة، لأنّهم كلّ الأُمّة، ولا يلزم انقلاب الخطأ حقّاً، لمنع فرض موت المصيبين قبل المصير إلى قولهم من الأحياء.
ويجوز خفاء الدليل عن بعضهم.
والقول الثالث هنا جائز، لأنّ الإجماع على أحد القولين لا بعينه مشروط بعدم الاتّفاق.*

* [في جواز الإجماع بعد الخلاف]

أقول: في هذا البحث مسألتان:
الأُولى: إذا اختلفت الأُمّة على قولين، فهل يجوز لهم الاتّفاق على أحد ذينك القولين والمنع من الباقي ويكون ذلك إجماعاً واجب الاتّباع، أم لا؟
الأكثرون على جوازه1 ومنع منه الصيرفي. أمّا أصحابنا فجوازه

1. وفيهم مَن فصّل بين أن يكون المجمعون ثانياً هم المختلفون أوّلاً، فقال: إذا كان المجمعون هم المختلفون، كان إجماعاً يمنع من القول الآخر، وإن كانوا غيرهم، لم يكن كذلك. وذهب إلى هذا القول أحمد بن حنبل و أبوالحسن الأشعري وإمام الحرمين والغزالي والآمدي وجماعة من الأُصوليّين. راجع: الذريعة:439; المستصفى:1/355; والإحكام للآمدي:1/189.

صفحه 181
عندهم ظاهر1، لأنّ المعصوم قائل بأحد ذينك القولين فمصير الباقين إلى قوله واجب ويكون إجماعهم حقّاً. وأمّا الجمهور فقد احتجّوا عليه بأنّ ذلك واقع، فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل، فلأنّ الصحابة اختلفوا عند وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) في موضع دفنه، ثم اتّفقوا على قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في دفنه في موضع قبضه (صلى الله عليه وآله); واختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين، ثم اتّفقوا على وجوبه; وفي بيع أُمّهات الأولاد، ثم اتّفق التابعون على منعه; وفي قتال مانعي الزكاة ثم اتّفقوا على جوازه.
وأمّا الثاني، فظاهر. ولأنّه سبيل المؤمنين فيجب اتّباعه لما تقدّم.
احتجّ المانع بأنّ الطائفتين جميعاً أجمعوا على جواز أخذ المجتهد بأي القولين شاء إذا أدّاه اجتهاده إليه، فلو أجمعوا على أحدهما فإمّا أن يكون الإجماعان حقّين، فيكون الثاني ناسخاً للأوّل، وقد تقدّم استحالته; أو لا، فيلزم الإجماع على الخطأ وأنّه محال.
والجواب: أنّ الإجماع على جواز الأخذ بأي القولين شاء مشروط بعدم الاتّفاق على أحدهما أو على غيرهما عند مَن يجوّزه، فإذا حصل، زال شرط ذلك الإجماع، فيزول هو لزوال شرطه على أنّا نمنع من الإجماع على التخيير، كيف وكلّ واحدة من الطائفتين توجب الأخذ بقولها وتزعم أنّ الأُخرى على الخطأ.

1. وإليه ذهب علماء الإمامية، كالسيد المرتضى في الذريعة:439، والعلاّمة الحلّي في نهايته:3/200. ووافقهم الرازي في محصوله:2/66.

صفحه 182

الثانية: [في جواز اتّفاق أهل العصر الثاني]

إذا اختلف أهل العصر الأوّل على قولين، فهل يجوز أن يجمع من بعدهم على أحد ذينك القولين ويكون ذلك إجماعاً يحرم مخالفته؟
منع منه أحمد بن حنبل والصيرفي والأشعري والجويني والغزالي، وأجازه أصحابنا والمعتزلة وأكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة.1
لنا: إنّ إجماع أهل العصر الثاني ممكن، فإنّا نعلم عدم امتناع مصير أحد المجتهدين إلى ما صار إليه الآخر لظهور دليله، وإذا جاز ذلك في الواحد جاز في الجميع، والعلم بذلك ضروري، وحينئذ يكون حجّة، لتناول أدلّة الإجماع له.
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)2، أوجب الردّ إلى كتاب الله تعالى عند التنازع، وهو حاصل، لأنّ حصول الاتّفاق في الحال لا ينافي التنازع فيما تقدّم.
الثاني: اختلاف أهل العصر الأوّل على القولين يتضمّن الاتّفاق على جواز الأخذ بأيّهما شاء، فلو انعقد الإجماع في العصر الثاني على أحدهما تدافع الإجماعان، وأنّه محال.
الثالث: لو كان قول أهل العصر الثاني حجّة، لكان قول إحدى الطائفتين حجّة عند موت الأُخرى. والتالي باطل، لأنّ الموت لا يصيّر ممّا ليس بحجّة حجّة. والملازمة ظاهرة، لأنّ المقتضي لكون إجماع أهل

1. كما في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/203; المعتمد:2/54; المحصول:2/66.
2. النساء:59.

صفحه 183
العصر الثاني حجّة كونهم كلّ المؤمنين حينئذ، وهو ثابت هنا.
الرابع: لو تحقّق إجماع أهل العصر الثاني لكان إمّا لا لدليل فيكون خطأ، أو لدليل، وهو محال، وإلاّ لم يخف عن أهل العصر الأوّل.
الخامس: أهل العصر الأوّل لمّا اختلفوا على القولين لم يكن القطع بالحكم المفروض وقوع الإجماع عليه قولاً لأحدهما، فيكون القطع به قولاً ثالثاً، وقد تقدّم المنع منه.
وفيه نظر، لاحتمال كون القائلين به من أهل العصر الأوّل، قاطعين به .
والجواب عن الأوّل: أنّ الشرط في الرد إلى الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله)التنازع، والتقدير ارتفاعه، وارتفاع الشرط يوجب ارتفاع المشروط على ما تقدّم.
سلّمنا، لكن العمل بالإجماع الثاني رد إلى الله والرسول، لأنّ وجوب اتّباعه مستفاد من الكتاب والسنّة .
وعن الثاني: ما تقدّم من أنّ الإجماع على التخيير مشروط ببقاء الخلاف، فحيث زال الخلاف زال الإجماع. والمصنّف ـ طاب ثراه ـ لم يرتض هذا الجواب وقال: إنّ ذلك يقدح في الإجماع مطلقاً، لأنّه يمكن أن يقال:إنّ وجوب اتّباع الإجماع الوجداني مشروط بعدم ظهور وجه القول المنافي له، فإذا ظهر ذلك الوجه، زال وجوب اتّباع ذلك الإجماع لزوال شرطه.
فإن قلت: هذا وإن كان جائزاً عقلاً، إلاّ أنّه غير جائز من حيث وقوع الإجماع على انتفاء اشتراط الإجماع الوجداني به.
قلت: إجماعهم على انتفاء الاشتراط جاز كونه مشروطاً بذلك كما

صفحه 184
جاز في الأوّل.
ثم أجاب بالمنع من إجماع الطائفتين على التخيير، وذلك لأنّ كلّ طائفة تزعم أنّ الحق معها وأنّه يتعين العمل بقولها ولا يجوز العمل بقول مخالفيها كما تقدّم .
وعن الثالث: إنّا تبيّنا بموت إحدى الطائفتين وبقاء الأُخرى حقّية قول الباقين لاندراجهم تحت أدلة الإجماع، فالموت إذن كاشف عن حجّية قول الطائفة الباقية لا أنّه مقتض لذلك.
فإن قلت: يجوز موت المصيبين فينقلب قول المخطئين صواباً.
قلت: لا نسلّم جواز موت المصيبين بأجمعهم قبل مصير بعض المخطئين إلى قولهم.
وعن الرابع: أنّ إجماعهم لدليل يجوز خفاؤه عن بعض أهل العصر الأوّل لا عن الكلّ .
وعن الخامس: أنّ إحداث قول ثالث لا يتضمّن رفع ما أجمعوا عليه مطلقاً جائز كما تقدّم وهنا كذلك، وإجماعهم على أحد ذينك القولين لا بعينه مشروط بعدم الاتّفاق، فإذا زال الشرط زال هو كما تقدّم.
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: إذا مات أحد القسمين، صار القسم الثاني كلّ الأُمّة; وكذا إذا كفر أحدهما. ولو رجع أحدهما إلى قول الآخر كان إجماعاً.
ويجوز تعاكس الطائفتين في القولين عند الجمهور لا عندنا.
وانقراض العصر غير شرط، لعموم الأدلّة، ولعدم انعقاد الإجماع لو شرط. والبحث والتأمّل إنّما يصحّ مع الخلاف لا مع الإجماع.

صفحه 185
ونقل الإجماع بخبر الواحد جائز يوجب العمل، لحصول الظن به.*
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل:

الأُولى: [إذا انقسم أهل العصر إلى قسمين ثم مات أحدهما]

إذا انقسم أهل العصر إلى قسمين كلّ منهما يقول في المسألة بخلاف الآخر ثم مات أحد ذينك القسمين وبقي الآخر، كان ذلك إجماعاً واجب الاتّباع. أمّا على قولنا فظاهر، لوجوب كون المعصوم في القسم الباقي. وأمّا على قول الجمهور فلأنّ القسم الثاني كلّ المؤمنين فيندرج تحت عموم الأدلّة السابقة.
وكذلك إذا كفر أحدهما كان قول الباقي هو الحجّة. أمّا عندنا فلاستحالة الكفر على المعصوم، فيجب كونه في القسم الآخر. وأمّا على رأي الجمهور فلأنّ القسم الباقي صار كلّ المؤمنين فتتناوله أدلّة الإجماع.
ولو رجع أحدهما إلى القول الآخر كان إجماعاً أيضاً لما تقدّم.1

الثانية:[هل يجوز التعاكس في القول؟]

هل يجوز تعاكس الطائفتين اللتين انقسم جميع المؤمنين إليهما في القول في المسألة الواحدة بأن تقول الأُولى فيها بقول الثانية، والثانية بقول الأُولى؟
منع منه أصحابنا، وهو ظاهر، لأنّ المعصوم في إحداهما فالحق

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/208; المحصول:2/70.

صفحه 186
معها، وقول الأُخرى باطل فيستحيل قول المعصوم به.
وأمّا الجمهور فجوّزه الأكثر منهم، لأنّ كلاًّ منهما إنّما خالف بعض المؤمنين وهو غير ممنوع منه.
وتردّد بعضهم في ذلك، وهو مبني على أنّه هل يجوز تخطئة كل الأُمّة في المسألة الواحدة على البدل؟ فمن أجازه جوّز التعاكس في القول، ومن منعه منع منه.

الثالثة: [انقراض أهل العصر غير معتبر في الإجماع]

انقراض أهل العصر ـ أعني: المجمعين ـ غير شرط في كون إجماعهم حجّة1، خلافاً لبعض الفقهاء والمتكلّمين.2
أمّا على قولنا فظاهر، لأنّ الحجّة في قول المعصوم، وهو موجود في أقوال المجمعين، سواء انقرضوا أو لم ينقرضوا .
وأمّا على قول الجمهور فلأنّ الموجودين هم كلّ المؤمنين، فيكون قولهم إجماعاً واجب الاتّباع، لاندراجهم تحت عموم أدلّة الإجماع. ولأنّ انقراض المجمعين لو كان شرطاً في كون إجماعهم حجّة لم يتحقّق الإجماع، لأنّه قد حدث في زمن الصحابة من التابعين جماعة مجتهدون، وحينئذ يجوز لهم مخالفة الصحابة لعدم انقراضهم، ولا يتحقّق إجماعهم

1. وهو مذهب المعتزلة والأشاعرة، وأبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:375، والرازي في المحصول:2/71. وهو مذهب الإمامية كافّة، كالسيد المرتضى في الذريعة:438، والعلامة في نهايته:3/209.
2. كأحمد بن حنبل و أبي بكر بن فورك اللّذين قالا: إنّه شرط.
وفصّل آخرون بالقول: إن كان اتّفاقهم عن قول أو فعل أو عنهما لم يكن شرطاً، وإن كان عن قول بعضهم وسكوت الباقين كان شرطاً. وهو مختار الآمدي في الإحكام:1/176.

صفحه 187
مع مخالفتهم. ثم الكلام في التابعين كالكلام في الصحابة، فإنّه لم ينقرض التابعون حتى تجدّد من تابعي التابعين مجتهدون لا يتحقّق إجماع التابعين مع مخالفتهم، وهلمّ جرّاً.
احتجّ المخالف بأنّ المجتهد مادام حياً يكون مشتغلاً بالبحث والنظر والتأمّل والفحص عن مآخذ الأحكام، فربما تغيّر اجتهاده ورجع عن قوله إلى غيره فلا يستقر له قول إلاّ بعد وفاته.
والجواب: أنّ النظر والتأمّل في المسألة إنّما يكون مع بقاء الخلاف أمّا مع تحقّق الإجماع فلا، لأنّ الإجماع دليل قطعي فلا يرجع عنه بالاجتهاد.

الرابعة: الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة

وهو اختيار جماعة من الشافعية والحنفية والحنابلة.
ومنعه جماعة من الحنفية والغزالي.
لنـا: إنّ ظـن وجوب العمل به حاصل، فيكون العمل به واجباً دفعاً للضرر المظنون. ولأنّ الإجماع نوع من الحجج فجـاز التمسّـك بمظنـونه
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: قول البعض وسكوت الباقين عن الإنكار ليس بإجماع، لاحتمال السكوت عدمَ الاجتهاد، أو ثبوته لكن يعتقد إصابة كلّ مجتهد، أو حصول مانع من إظهار معتقده، أو انتظار وقت الإنكار، أو علمه بعدم القبول، أو خوفه، أو ظن قيام غيره مقامه في الإنكار، أو اعتقد أنّه صغيرة، فليس بحجّة.
احتجّ الجبّائي على أنّه حجّة بعد انقراض العصر بجريان العادة بالإنكار أو إظهار ما يعتقدونه من القول مع عدم التقية، ولا تقية هنا وإلاّ لاشتهرت.
والجواب: المنع من العادة.
وكذا إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يعرف له مخالف.

صفحه 188
وإذا استدلّ أهل العصر بدليل أو ذكروا تأويلاً، جاز لمن بعدهم الاستدلال بآخر، أو ذكر تأويل لا يستلزم عدم التأويل الأوّل. فلو تأوّل الأوّلون المشترك بأحد معنييه لم يكن لأهل العصر الثاني تأويله بالمعنى الآخر.*
كما يتمسّك بمعلومه، قياساً على السنّة لجامع تضمّنه دفع الضرر المظنون.1

* [في ما أُدخل في الإجماع وليس منه]

أقول: هذا البحث مشتمل على مسائل مشتركة في أنّها ليست إجماعاً وأُدخلت فيه، كما أنّ البحث السابق مشتمل على مسائل مشتركة في أنّها إجماع وأُخرجت عنه، وهي:

الأُولى: [الإجماع السكوتي]

إذا قال بعض أهل العصر قولاً وكان الباقون حاضرين لكنّهم سكتوا ولم ينكروا، هل يكون ذلك إجماعاً وحجّة؟
قال الشافعي: لا. 2
وقال الجبّائي: إنّه إجماع وحجّة بعد انقراض العصر.3
وزعم ابنه أبو هاشم أنّه ليس إجماعاً لكنّه حجّة.4

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/215.
2. وهو مختار القاضي أبي بكر الأشعري وعيسى بن أبان وداود الظاهري وبعض أصحاب أبي حنيفة. واختاره الرازي في المحصول:2/76، والغزالي في المستصفى:1/358. ومن الإمامية السيد المرتضى في الذريعة:449، والعلامة في نهايته:3/226.
3. وهو مختار أكثر الحنفية، وأحمد بن حنبل، وبعض أصحاب الشافعي كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:391.
4. وهو اختيار ابن الحاجب والآمدي في الإحكام:1/174.

صفحه 189
وابن أبي هريرة قال: إن كان هذا القول من حاكم لم يكن إجماعاً ولا حجّة، وإلاّ كان إجماعاً وحجّة.1
والحق أنّ القائل إن كان معصوماً كان حجّة وإلاّ فلا، أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ السكوت يحتمل أن يكون للرضا وأن يكون لغيره، ومتى كان كذلك لم يتحقّق العلم بالموافقة في الحكم.
أمّا الأوّل: فلأنّ سكوت الساكت يحتمل أن يكون لعدم اجتهاده في المسألة، أو أنّه اجتهد وأدّاه اجتهاده إلى خلاف القول المذكور وسكت عن الإنكار لاعتقاده أنّ كل مجتهد مصيب كما هو مذهب جماعة، أو أنّه حصل مانع منه ومن إظهار مذهبه من خوف أو تقية، أو كان ينتظر فرصة التمكّن من الإنكار ولا يرى المبادرة إليه مصلحة.
أو اعتقد عدم تأثير إنكاره، أو غلب على ظنّه قيام غيره مقامه في الإنكار فيسقط عنه لأنّه من الواجبات على الكفاية، أو اعتقد أنّ ذلك القول خطأ لكنّه من الصغائر وهي تقع مكفّرة فلا يجب الإنكار على فاعلها.
وأمّـا الثـاني: فلأنّ السكـوت عن الإنكـار حينئـذ أعمّ مـن المـوافقة في الحكم التي لا يتحقّق الإجماع إلاّ معها، بل أعمّ من عدم المخالفة، والعامّ لا يدلّ على الخاص، ومن هنا قال الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول .
احتجّ الجبّائي بأنّ العادة جارية بأنّ المجتهدين إذا تفكّروا في المسألة زماناً طويلاً واعتقدوا خلاف ما انتشر من القول فيها أظهروه إذا لم يكن

1. وفي المسألة أقوال أُخرى ذكرها الشيرازي في التبصرة:392، فلاحظ.

صفحه 190
هناك خوف أو تقية، ولو تحقّق الخوف والتقية لظهر واشتهر، ولمّا لم يظهر خلاف القول المذكور ولم يظهر الخوف ولا التقية، علمنا حصول الموافقة.
والجواب: المنع من جريان العادة بذلك. وأيضاً فاللازم من حجّته على تقدير تسليمها إنّما هو عدم اعتقادهم خلاف القول المنتشر، ولا يلزم من عدم اعتقادهم خلاف الموافقة في اعتقاده.
واحتجّ أبو هاشم بأنّ الناس في كلّ عصر يحتجّون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف.
والجواب: المنع من ذلك.
احتجّ ابن أبي هريرة بأنّا نحضر مجالس الحكّام فنجدهم يحكمون بما يخالف مذهبنا ولا ننكر عليهم، وأمّا إذا لم يكونوا حكّاماً فلابد وأن ننكر ذلك ولا نسكت إلاّ للرضا، فيكون حينئذ إجماعاً.
ولا يخفى عليك ضعف هذا الكلام مع تحقّق ما تقدّم.

الثانية: [في قول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف]

إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يعرف له مخالف، لم يكن إجماعاً ولا حجّة إذا لم يكن القائل معصوماً1، لاحتمال ذهول المجتهدين عنه ولا يكون لهم قول يوافقه، فلا يكون إجماعاً ولا حجّة، عملاً بالأصل السالم عن معارضة أدلّة الإجماع.

1. وعليه الأكثر. راجع: الذريعة:451; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/231; المحصول:2/76; الإحكام:1/176.

صفحه 191

الثالثة:[في استدلال أهل العصر بدليل]

إذا استدلّ أهل العصر بدليل أو ذكروا تأويلاً لآية أو حديث، فهل يجوز لمن بعدهم الاستدلال بآخر أو ذكر تأويل آخر؟
والحق نعم. أمّا الدليل فظاهر، لأنّ المجتهدين في كلّ عصر يتفكّرون ويستنبطون كثيراً من الأدلّة والحجج على الأحكام المستدلّ عليها قبل من غير نكير فكان إجماعاً.
وأمّا التأويل فإذا لم يلزم من التأويل الثاني القدح في الأوّل، جاز عملاً بالأصل السالم عن معارضة مخالفة الإجماع. ولأنّ العلماء في كلّ وقت يستخرجون وجوهاً من التأويل ولم ينكر عليهم، فكان ذلك إجماعاً.
أمّا إذا كان التأويل الثاني منافياً للأوّل أو اتّفقوا على بطلانه فإنّه لا يجوز، لاستلزامه تخطئة إجماعهم السابق، فلو تأوّل الأوّلون اللفظ المشترك بأحد معنييه لم يجز لمن بعدهم حمله على المعنى الآخر; لأنّ المعنيين إن تنافيا لزم تخطئة التأويل الأوّل، وهو محال لوقوع الإجماع عليه; وإن لم يتنافيا فكذلك، لما تقدّم من عدم جواز استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه، ولا يقال:إنّه يجوز أن يكون الشارع قد تكلّم باللفظ المشترك مرتين وعنى به في المرة الأُولى أحد المعنيين وفي الأُخرى الآخر، لأنّ الإجماع منعقد على خلافه.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/231; المحصول:2/77; الإحكام:1/189.

صفحه 192
قال قدس الله روحه: البحـث السادس: إجمـاع العتـرة حجّـة لقولـه تعالى:(إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)ولمّا نزلت أخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كساءً ووضعه عليه وعلى علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي » فقالت أُم سلمة: ألست من أهل البيت؟ فقال: «إنّك على خير » والخطأ رجس، فيكون منفياً.
ولقوله(صلى الله عليه وآله):«إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ». ولأنّهم أعرف بالأحكام، لاستفادتها من الوحي، وهم(عليهم السلام)مهبطه، والنبي(صلى الله عليه وآله) فيهم ومنهم وملازم لهم، فأفعاله غير خفيّة عنهم وأفعالهم كذلك، ومعاشرتهم له أكثرمن غيرهم، فهم أعرف بالأحكام، وهم عن الخطأ أبعد.
وحمل الآية على الزوجات باطل، لمخالفته الخبر المتواتر من لفّ الكساء. ولأنّه لو كان ذلك لقال الله تعالى: عنكن. ولأن نفي حقيقة الرجس يقتضي نفي جزئياته أجمع، خصوصاً مع تأكيد التطهير، وهو غير ثابت في حق الزوجات، لوقوع الذنب منهنّ، فلم يبق لها محمل سوى المعصومين، وهم مَن ذكرناه، إذ لا قائل بغيرهم. ولأنّ نفي الرجس عن أهل البيت يقتضي نفيه عمّن ذكرنا، لأنّهم من أهل البيت إجماعاً، ولا قائل بقصره على الزوجات.*

* [في أنّ إجماع العترة حجّة]

أقول: إجماع العترة ـ أعني: أهل البيت(عليهم السلام)ـ حجّة عندنا وعند الزيدية1، خلافاً للباقين.

1. الزيدية هم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) وإمامة ابنه يحيى من بعده. وكان زيد قد خرج على والي الكوفة يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك وقُتل سنة 121هـ .
وخرج ابنه يحيى بناحية الجوزجان وقتل هناك سنة 126هـ.، والزيدية قالت: إنّ الإمامة بالاختيار، ولا يشترط أن يكون معصوماً ولا أفضل أهل زمانه، وإنّما يشترط أن يكون من ولد فاطمة وأن يكون عالماً فاضلاً زاهداً سائساً شجاعاً يخرج بالسيف، ويجوّزون خروج إمامين في وقت واحد. وأكثر الزيدية اليوم موجودون في اليمن. وتفرّقت من الزيدية عدة طوائف، منها: الجريرية والبترية والجارودية. معجم الفرق الإسلامية:127ـ129.
وللعلاّمة السبحاني دراسة شاملة للزيدية ضمن موسوعته القيّمة«بحوث في الملل والنحل » الجزء السابع، تناول فيها تاريخ الزيدية وعقائدهم وفقههم وعلمائهم وأبرز مؤلّفاتهم، وهي جديرة بالمطالعة، فلاحظ.

صفحه 193
لنا: وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (إنّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)1، والخطأ رجس فيكون منفيّاً عنهم.
وقد أكّد الله تعالى ذلك بلفظة (إنّما) الموضوعة للحصر والتأكيد، واللام المؤكّدة في قوله: (ليذهب)، والإتيان بلفظ الإذهاب الدالّ على إزالة الرجس بالكلّية، والإتيان بلفظ الرجس الدال على نفس حقيقته المستلزم نفيها نفي كلّ فرد من أفرادها، وتقديم لفظة (عنكم)على (الرجس) الدالّ على شدة العناية، والعدول عن ذكر أسمائهم والإتيان بالأمر الشامل لهم تعظيماً لشأنهم، والنداء على وجه الاختصاص في قوله أهل البيت، والإتيان بلفظة التطهير الدالّ على التنزيه عن كلّ دنس، وتأكيد ذلك بمصدره وهو قوله:(تطهيراً).
والمراد بأهل البيت: علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله)لمّا نزلت هذه الآية أخذ كساءً ولفّه عليه وعليهم وقال:«اللّهم هؤلاء أهل بيتي » فقالت أُمّ سلمة: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال لها:«إنّك على خير ».2

1. الأحزاب:33.
2. ورد هذا الحديث في العديد من مصادر الفريقين باختلاف في الألفاظ واتحاد المضمون، منها: سنن الترمذي:5/351 برقم 3205، كتاب التفسير; و ص 663 برقم 3787، باب مناقب أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله); و ص 699برقم 3871، باب فضل فاطمة(عليها السلام); مسند أحمد:6/92; مستدرك الحاكم:2/416 وصحّحه على شرط البخاري; مجمع الزوائد:9/167; جامع الأُصول:10/100ـ103; المعجم الكبير:3/53ـ55 و ج23/336; كنزالعمال:3/645 برقم 37629; تفسير الطبري:22/11 برقم 21732 و ص 12 برقم 21736 و 21739; الدر المنثور:5/198ـ 199; تفسير القرطبي:14/183; تفسير ابن كثير:3/492ـ494; شواهد التنزيل:2/37ـ39 و 62ـ63; وغيرها كثير.

صفحه 194
ولأنّ لفظة (إنّما) للحصر على ما تقدّم، فظاهر الآية يدلّ على أنّه تعالى ما أراد أن يزيل الرجس عن أحد إلاّ عن أهل البيت، وليس مراداً لأنّه تعالى يريد إذهاب الرجس عن كلّ أحد، فيحمل لفظ الإرادة على مجازه وهو إزالة الرجس، لأنّ الإرادة سبب له، وإطلاق لفظ السبب على المسبب من أحسن وجوه المجاز، وزوال الرجس عبارة عن العصمة، فهذه الآية دالّة على عصمة أهل البيت، وكلّ مَن قال بذلك حصر المراد في علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)،فحمل الآية على غيرهم خرق الإجماع، والخطاء في الحكم رجس فيكون منفياً عنهم(عليهم السلام).
الثاني: النقل المتواتر من قوله(عليه السلام):«إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان متّصلان لن يفترقا حتى يردا علي الحوض »1 حصر المتمسّك به الذي يتحقّق معه نفي الضلال

1. إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة رواه الفريقان بألفاظ مختلفة مع اتحاد المضمون في عشرات المصادر من طرق مختلفة، نذكر منها ما يلي: صحيح مسلم:7/123، باب فضائل علي; سنن الترمذي:5/329 برقم 3876; مسند أحمد:3/14و 18 و ج4/367 وج5/182 و 189; سنن الدارمي:2/432; مستدرك الحاكم:3/110 و 148; سنن البيهقي:10/114; مجمع الزوائد:9/162و 163; المعجم الأوسط:3/374 و ج4/33; المعجم الكبير:3/65 و ج5/154و 166 و 170 و 182; كنز العمال:1/172 برقم 872 و 873 و ص 185ـ 187 برقم 943 و 945 و 947 و 950 و 952; تفسير الثعلبي:3/163 و ج8/40 و 9/186; تفسير الرازي:8/173; تفسير ابن كثير:4/122 و 123; الدر المنثور:2/60. وغيرها كثير فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة «خلاصة عبقات الأنوار » للسيد حامد النقوي ج2، وبحار الأنوار ج23 و ج37، وحديث الثقلين لنجم الدين العسكري.

صفحه 195
المؤبّد فيهما وليست حجّية قولهم موقوفة على انضمام الكتاب إليه كما هو في عكسه. ولأنّه لو كان كذلك لم يكن لهم مزية، لأنّ من عداهم بهذه المثابة، فكان قولهم وحده حجّة، وهو المطلوب.
الثالث: أهل البيت(عليهم السلام)أعرف من غيرهم بالأحكام، لأنّها متلقّاة من الوحي، وهم مهبطه والنبي(صلى الله عليه وآله)منهم وفيهم، وهم ملازمون له، شاهدو أفعاله، وسامعو أقواله، ومعاشروه ومحاوروه، وهو(صلى الله عليه وآله)يشاهدهم ويشاهد أفعالهم وأحوالهم ويواجههم بالخطاب على وجه الاختصاص في أكثر الأوقات ومعظم الأحوال، ومن هذه حاله فهوأعرف بالأحكام من غيره فيمتنع خطاؤه فيها.
اعترض على الأوّل: بأنّ الآية ظاهرة في أزواجه(عليه السلام)، لأنّ ما قبلها ومابعدها خطاب معهن. وأيضاً فإنّ لفظ الرجس المنفي لا يدلّ على نفي كلّ رجس، لأنّه ليس للاستغراق على ما تقدّم.
وعلى الثاني: أنّه خبر واحد والإمامية تأبى حجّيته.
وعلى الثالث: أنّه منقوض بالزوجات فإنّهن يخالطنه في معظم أوقاته.
والجواب عن الأوّل: أنّ حمله على الزوجات باطل من وجوه:
أحدها: أنّه كان يجب أن يقول: عنكن، ويطهركن، كما قال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن).

صفحه 196
وثانيها: بيانه(صلى الله عليه وآله)بلف الكساء على أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، وعدم إجابة أُمّ سلمة ـ عند قولها: ألست من أهل البيت ـ ببلى، بل عدل عن ذلك وقال لها:إنّك على خير.
وثالثها: أنّ المراد بالآية يجب كونه معصوماً على ما تقدّم، والزوجات لسن بمعصومات اتّفاقاً، وقد وقع الخطأ من أكثرهن إجماعاً. ولأنّ نفي الرجس عمّن ذكرنا ثابت اتّفاقاً، لأنّهم إمّا كلّ المراد من أهل البيت كما هو مذهبنا، أو بعضه كما هو مذهب الخصم، إذ لا قائل بقصره على الزوجات. واللام في الرجس إمّا للاستغراق فيثبت المطلوب، أو للعهد ولم يسبق ذكر الرجس، فتعيّن أنّه لتعريف المهية والطبيعة التي إذا انتفت انتفى كلّ جزئياتها، إذ لو ثبت شيء من جزئياتها حال ارتفاعها لزم وجود الكلّ بدون جزئه، وأنّه محال.
وعن الثاني: أنّ الخبر المذكور متواتر قد اتّفقت الأُمّة على نقله، إمّا للاستدلال به على حجّية إجماعهم، وإمّا على فضيلتهم .
وعن الثالث: أنّ الفرق بين أهل البيت(عليهم السلام)وبين الزوجات ظاهر، فإنّ حرص الرسول(صلى الله عليه وآله)على تكميلهم بالمعارف والعلوم أعظم من حرصه على تكميل زوجاته، إذ من المعلوم أنّ كلّ عاقل يواظب على تكميل ذريته وأولاده لا على أزواجه. وأيضاً فإنّ حرص الزوجات على ملابسته وملازمته إنّما هي لما يختصّ بهنّ من الاستمتاع وما يجري مجراه من الأُنس، بخلاف أهل البيت(عليهم السلام)فإنّ حرصهم على ملازمة الرسول(عليه السلام) إنّما هي للتعلّم والاستكمال وتحصيل المعارف واقتناء الفضائل العلمية والعملية، كما قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام):«علّمني رسول الله ألف باب من

صفحه 197
العلم، فانفتح لي من كل باب ألف باب »1.2

1. الخصال:572، أبواب السبعين ومافوقه; إرشاد المفيد:1/34; مناقب ابن شهرآشوب:1/204; فضائل ابن شاذان:102; بحار الأنوار:22/470 و 522 و ج28/74 و ج38/189 و ج40/144 ح50 و... .
2. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/217ـ 223; التبصرة:368; المحصول:2/80ـ83; الإحكام:1/170.

صفحه 198
قال قدس الله روحه: البحث السابع: إجماع أهل المدينة ليس بحجّة، لأنّهم بعض المؤمنين. ولأنّ المعصوم إن لم يكن فيهم لم يعتد بقولهم، وإلاّ فالحجّة في قوله(صلى الله عليه وآله).
وحجّة مالك بقوله(صلى الله عليه وآله): إنّ المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد، لا يدلّ على المطلوب، لمنعه أوّلاً، ولنفي دلالته ثانياً، لاحتمال ذلك في زمانه وعدم عمومه بعده.
وإجماع المشايخ الثلاثة أو الشيخين ليس بحجّة لعدم تناول الأدلة لهم.
وإجماع الصحابة مع مخالفة التابعين البالغين رتبة الاجتهاد ليس بحجة، لأنّهم رجعوا إلى أقوالهم،فلو كانت خطأ لما رجعوا إليها، و لا يتأتّى عندنا لدخول المعصوم فيه.*

* [إجماع أهل المدينة ليس حجّة]

أقول: أكثر الناس على أنّ إجماع أهل المدينة لمجرد كونهم أهل المدينة ليس حجّة خلافاً لمالك.1
لنا: إنّهم بعض المؤمنين وبعض الأُمة فلا تتناولهم أدلّة الإجماع، لأنّها بلفظ المؤمنين ولفظ الأُمّة وبعض المؤمنين وبعض الأُمّة لا يصدق عليهم ذلك، فيبقى أصل عدم كون إجماعهم حجّة سليماً عن معارضة الأدلّة. نعم لو كان المعصوم فيهم أو كلّ المجتهدين كان إجماعهم حجّة، لكن لا باعتبار كونهم أهل المدينة، وإلاّ لما كان إجماعهم عند كونهم في

1. الذريعة:444; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/234; التبصرة:365; المستصفى:1/351; المحصول:2/78; الإحكام:1/302.
وقد أنكر جماعة من أصحاب مالك هذا الرأي، منهم: أبو بكير، وأبو يعقوب الرازي، والطيالسي، والقاضي أبوالفرج، والقاضي أبو بكر. وقيل: إنّه أراد ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. وقيل: أراد أنّ اتّباع إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته. وقيل: أراد بذلك أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله).

صفحه 199
غيرها حجّة، وهو باطل اتّفاقاً.
احتجّ مالك بقوله(صلى الله عليه وآله):«إنّ المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ».1 والخطأ خبث فيكون منفياً عنهم.
والجواب: المنع من صحّة الخبر المذكور فإنّه لم ينقل إلينا من جهة يعوّل عليها.
سلّمناه، لكنّه خبر واحد فلا يتمسّك به في العلميات.
سلّمنا، لكنّه لا يدلّ على المطلوب، لاحتمال أن يكون مختصّاً بزمانه(صلى الله عليه وآله)، ويكون المراد بالخبث الكفّار. ونمنع من كون الخطأ مع الاجتهاد وعدم العلم بكونه خطأ خبثاً خصوصاً على قول من يصوّب كل مجتهد.
سلّمنا، لكن هذه الصيغة ليست للعموم فلا يدلّ على انتفاء كلّ خبث.
سلّمنا، لكن الخبر متروك الظاهر إجماعاً، لأنّه من المعلوم استيطان جماعة من المنافقين والعصاة وأهل الشر بها إلى آخر أعمارهم. والحق أنّ الخبر إن صحّ فالمراد به ـ والله أعلم ـ المبالغة في مدح المدينة والترغيب في المهاجرة إليها في زمانه(عليه السلام) أو استيطانها، لما فيها من البركة والشرف.

1. عوالي اللآلي:1/429 ح123; بحار الأنوار:51/96; مستدرك الوسائل:10/208 ح11868. وقد نقل مسلم في صحيحه:4/120، باب المدينة تنفي شرارها بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ المدينة كالكير تخرج الخبيث لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ».

صفحه 200

[في إجماع الخلفاء الأربعة]

وأمّا إجماع الخلفاء الأربعة فهو حجّة عندنا، لأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)فيهم وهو معصوم، فلا يتطرّق الخطأ إلى إجماعهم.
وأمّا الجمهور فقال بعضهم بكونه حجّة. حكاه أبو بكر الرازي عن القاضي أبي خازم1 من الحنفية، ولهذا لم يعتبر خلاف زيد بن ثابت في توريث أُولي الأرحام، وحكم برد أموال حصلت في بيت مال المعتضد عليهم، وقبل المعتضد فتواه، وأنفذ قضاءه وكتب به إلى الآفاق. وهو منقول عن أحمد بن حنبل.2
واحتجّ على ذلك بقوله(صلى الله عليه وآله): عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي .3

[في إجماع الخلفاء الثلاثة]

أمّا إجماع المشايخ الثلاثة ـ أعني: أبو بكر وعمر وعثمان ـ وإجماع الشيخين الأوّلين فليس حجّة.
أمّا عندنا فظاهر، لأنّ الإجماع إنّما يكون حجّة إذا اشتمل على قول

1. هو القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني البصري، ثم البغدادي الحنفي. ولي القضاء بالشام والكوفة وكرخ بغداد. له شعر، وكتب منها: أدب القاضي، والفرائض، والمحاضر والسجلات. مات ببغداد سنة اثنتين وتسعين ومائتين. الأعلام: 3/287.
2. نقله عنه الرازي في المحصول:2/83، والآمدي في الإحكام:1/172، والعلامة في نهايته:3/237.
3. سنن الدارمي:1/45; صحيح ابن حبّان:1/179. والرواية مرفوضة سنداً ومتناً وتعارضها أحاديث صحاح. راجع: خلاصة عبقات الأنوار: 1/29 و90، وج3/118 و 126 و 136; الأُصول العامّة في الفقه المقارن:137و 441; معالم المدرستين:2/233.

صفحه 201
المعصوم، ولا واحد من الثلاثة المذكورين بمعصوم إجماعاً، فلا يكون قولهم حجّة.
أمّا الجمهور فالأكثر منهم على أنّه ليس بحجّة، لأنّهم بعض المؤمنين وبعض الأُمّة، فلا تتناولهم أدلّة الإجماع.
وقال بعضهم: إنّه حجّة لقوله(صلى الله عليه وآله): اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر1; واستضعفه الأوّلون بمنع صحّة الخبر، وباحتمال مواجهة قوم من العوام المقلّدين بذلك الخطاب، وبالمعارضة بقوله(صلى الله عليه وآله): أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.2

[في إجماع الصحابة مع مخالفة مَن أدركهم من التابعين]

وأمّا إجماع الصحابة مع مخالفة مَن أدركهم من التابعين البالغين رتبة الاجتهاد فقال قوم بحجّيته والأكثرون على خلافه.
احتجّ الأوّلون بقوله(صلى الله عليه وآله): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديم اهتديتم »، «لو أنفق غيرهم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم »3، وإذا كان الاهتداء

1. كنز العمال:11/560 برقم 32646. وهو مردود أيضاً. راجع: الإفصاح:219; الغدير:5/347.
2. فتح الباري:4/49; تخريج الأحاديث والآثار:2/229 و 230; تفسير الرازي:2/5 و ج25/186 و 217; تفسير النسفي:2/268.
والحديث موضوع يرفضه الإمامية، ورفضه الكثير من علماء السنّة، فهذا ابن حزم في الإحكام:5/642 يصفه بقوله: أمّا الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ذكرها، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي(صلى الله عليه وآله)، إلى غيرها من الكلمات فمن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التالية: الإيضاح:521; الطرائف:523; الصوارم المهرقة:3ـ5; الأُصول العامة للفقه المقارن:138 و441. ولآية الله السبحاني رد على هذا الحديث في كتابه محاضرات في الإلهيات:491، فلاحظ.
3. صحيح البخاري:4/195، باب مناقب المهاجرين وفضلهم; صحيح مسلم:7/188; سنن ابن ماجة:1/57برقم 161; سنن أبي داود:2/404برقم 4658; سنن الترمذي:5/358 برقم 3952. وقد ورد في هذه المصادر عبارة «مثل أحد » بدلاً عن «ملء الأرض ».

صفحه 202
يحصل بالاقتداء بأحدهم فبالجميع أولى.
والجواب: أنّ الخبر إن صحّ فإنّما يدلّ على فضلهم وعلوّ منزلتهم وتشرّفهم بمصاحبته(صلى الله عليه وآله)،لا على أنّ إجماعهم حجّة. ولجواز كون المشافهة بالخطاب قوماً من أهل التقليد يسوّغ لهم تقليد مَن شاءوا من الصحابة المجتهدين. ولا يمكن حمل الخبر على ظاهره من أنّ الاهتداء لازم للاقتداء بأحدهم، لتحقّق اختلافهم وتباين مذاهبهم.
احتجّ الآخرون بأنّ الصحابة رجعوا إلى قول التابعين، ولو كان باطلاً لما جاز لهم ذلك.
أمّا الأوّل فلما روي أنّ ابن عمر سُئل عن فريضة؟ فقال: سلوا سعيد بن جبير فإنّه أعلم بها.1
وعن أنس بن مالك أنّه سُئل عن شيء؟ فقال: سلوا مولانا الحسين فإنّه سمع وسمعنا، وحفظ ونسينا.2
وسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد؟ فأشار إلى مسروق، ثم أتاه السائل بجوابه فتابعه عليه.3 وغير ذلك.
وأمّا الثاني فظاهر.
وفيه نظر، فإنّ مدّعي حجّية إجماع الصحابة لا يلزمه بطلان قول التابعين مطلقاً، بل القول المخالف لإجماعهم ورجوع الصحابة إليهم في

1. الطبقات الكبرى:5/141.
2. مصنّف ابن أبي شيبة:8/306 برقم 74; الطبقات الكبرى:7/176.
3. خلاصة عبقات الأنوار:3/233.

صفحه 203
هذه المسائل لم يكن بعد إجماعهم على خلاف ما أفتى به التابعون، بل الظاهر أنّهم لم يجتهدوا في تلك المسائل.
سلّمنا، لكن لا نسلّم رجوع مجموع الصحابة إلى أقوال التابعين، والجماعة المذكورون بعض الصحابة وليسوا معصومين، فجاز عليهم الخطأ في رجوعهم، والحسين(عليه السلام)من سادات الصحابة لا من التابعين، ولا يتأتّى هذا عند الإمامية، لأنّ المعصوم موجود في الصحابة، فيكون إجماعهم حجّة، والقول المخالف لقولهم باطلاً.1

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/239; المحصول:2/83; الإحكام:1/166.

صفحه 204
قال قدس الله روحه: البحث الثامن: الإجماع إنّما هو حجّة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة ـ كثرت أو قلّت ـ وكان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجّة لأجله لا لأجل الإجماع.
أمّا الجمهور فقد اختلفوا في انعقاد الإجماع مع مخالفة المخطّئين من أهل القبلة في مسائل الأُصول، فإن كفروا بالمخالفة لم يعد بخلافهم، لكن لا يجوز التمسّك بإجماعنا على كفرهم في تلك المسائل، لأنّ خروجهم من الإجماع متوقّف على كفرهم في تلك المسائل، فلو أثبتناه بإجماعنا خاصة دار، وإن لم يكفروا لم ينعقد الإجماع بدونهم، لأنّ مَن عداهم بعض المؤمنين، فيعتبر عندهم قول العصاة، لأنّهم مؤمنون.
ولا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين، لأنّ مَن عداهم بعض المؤمنين.
احتجّ أبو بكر الرازي والخياط والطبري بأنّ المؤمنين يصدق عليهم مع خروج الواحد والاثنين كالأسود. ولتعذر العلم بالإجماع حينئذ.
والجواب عن الأوّل أنّه مجاز. والثاني أنّه معلوم في زمن الصحابة لضبطهم.*
* أقول: في هذا البحث مسألتان:

الأُولى:[في انعقاد الإجماع مع مخالفة المخطّئين في الأُصول]

في أنّ الإجماع مع مخالفة المخطّئين من أهل القبلة في مسائل الأُصول هل هو حجّة أم لا؟
الحق عندنا أنّه حجّة، لأنّ المعصوم غير داخل في المخطّئين وإلاّ لما كان معصوماً، فيكون داخلاً في الباقين فيكون قولهم حجّة، إذ العبرة عندنا إنّما هي بقول المعصوم، فكلّ جماعة قلّت أو كثرت كان قول المعصوم في جملة أقوالها فإجماعها حجّة لأجل قول المعصوم لا لأجل الإجماع، حتى لو تجرّد قول المعصوم عن قول الباقين كان حجّة وكان ماعداه من الأقوال المخالفة له باطلاً.

صفحه 205
وأمّا الجمهور فقالوا: لا يخلو إمّا أن تكون مخالفته موجبة لكفره ومخرجة له عن الإيمان، أو لا.
فإن كان الأوّل لم يعتدّ بقوله، وكان إجماع من عداه حجّة، لأنّهم كلّ المؤمنين حينئذ فتتناولهم أدلّة الإجماع، لكن لا يجوز الاستدلال بإجماعنا على كفرهم، لأنّ كون إجماعنا حجّة ودليلاً يتوقّف على انحصار المؤمنين فينا، وهو إنّما يتمّ بكفرهم، فلو استفيد كفرهم في تلك المسائل من إجماعنا لزم الدور.
وإن كان الثاني لم ينعقد الإجماع من دونهم، لأنّ مَن عداهم بعض المؤمنين، إذ العصيان لا يخرجهم عن الإيمان فلا تتناولهم أدلّة الإجماع فلا يكون حجّة.
والحق أن يقال: إن منعنا من خطأ كلّ واحد من شطري الأُمّة في المسألة لم يعتد بهم وكان إجماع من عداهم حجّة، وإلاّ فلا.1

الثانية: هل يتم الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين؟

قال أبو بكر الرازي، وأبو الحسين الخياط2 من المعتزلة، ومحمد بن جرير الطبري3: نعم4. ومنعه الباقون.5

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/223; المحصول:2/84.
2. هو أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان ابن الخياط، شيخ المعتزلة ببغداد، تنسب إليه فرقة منهم تدعى: الخياطية. ذكره الذهبي في الطبقة السابعة عشرة، وهو أُستاذ الكعبي(المتوفّى 319هـ). له كتب، منها: الانتصار(مطبوع) في الرد على ابن الراوندي، الاستدلال، ونقض نعت الحكمة. توفّي حدود سنة 300هـ . الأعلام:3/347.
3. هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري المؤرّخ المفسّر. ولد في آمل طبرستان سنة 224هـ ، واستوطن بغداد وتوفّي بها سنة 310هـ . له مصنّفات منها: أخبار الرسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري(مطبوع)، وجامع البيان في تفسير القرآن المعروف بتفسير الطبري(مطبوع)، اختلاف الفقهاء، والمسترشد. الأعلام:6/69.
4. وهو قول أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. راجع: الإحكام:1/162.
5. وهو مذهب أكثر الجمهور من الأُصوليين والفقهاء والمتكلّمين. راجع: التبصرة:361; المستصفى:1/347; المحصول:2/85; الإحكام:1/162.

صفحه 206
احتجّ الأوّلون بأنّ لفظ المؤمنين والأُمة يصدق عليهم مع خروج الواحد والاثنين، كما يصدق على الزنجي أنّه أسود مع بياض أسنانه وأظفاره.
ولأنّه لو اعتبر مخالفة الواحد و الاثنين لتعذّر علينا العلم بتحقّق الإجماع، لأنّه لا يمكننا أن نقطع في شيء من الإجماعات بانتفاء مخالفة واحد أو اثنين.
والجواب عن الأوّل: بالمنع من صدق المؤمنين والأُمّة عليهم على سبيل الحقيقة، فكيف واللفظ موضوع للجميع فلو كان حقيقة في البعض وإن كثر لزم الاشتراك المخالف للأصل، وصدق الأسود على الزنجي مجاز بدليل صحّة قولنا: إنّه ليس أسود كله بل بعضه، كما يقال: هؤلاء ليسوا كلّ الأُمّة ولا كلّ المؤمنين بل بعضهم.
ولأنّه يصحّ استثناء ذلك الواحد والاثنين، فيقال: أجمع المؤمنون إلاّ
قال قدس الله روحه: البحث التاسع: لا يجوز الإجماع إلاّ عن دليل أو أمارة، وإلاّ لكان خطأً، والفائدة منع المخالفة وترك البحث عن الدليل، وبيع المراضاة وأُجرة الحمام إن سُلِّم الإجماع فلدليل لم يُنقل، وعدم العلم لا يدلّ على العدم، والأمارة جاز أن تكون ظاهرة فيتّفق الإجماع بها.
ولا يجب بموافقة الإجماع لخبر صدوره عنه، خلافاً لأبي عبد الله.*

صفحه 207
فلاناً وفلاناً، كما يقال: هذا الزنجي أسود إلاّ ظفره وإلاّ سنّه.
وعن الثاني: أنّ ذلك غير متعذّر في زمن الصحابة لقلّة المؤمنين حينئذ وانحصارهم وضبطهم.1

* [لا يجوز الإجماع إلاّ عن دليل وأمارة]

أقول: أكثر الناس على أنّه لا يجوز حصول الإجماع إلاّ عن دليل أو أمارة.
وقال قوم: يجوز صدوره عن التبخيت والاتّفاق.2
احتجّ الأوّلون بأنّ القول في الدين بغير دليل ولا أمارة خطأ، لقوله تعالى:(وأنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُون)3، فلو اتّفقوا عليه لكانوا مجمعين على الخطأ، وذلك يقدح في حجّية الإجماع.
واعترض المصنّف ـ طاب ثراه ـ في «النهاية » بأنّ المراد من الخطأ إن كان مخالفة ما اتّفقوا عليه بحكم الله تعالى فهو ممنوع، لجواز كونه هو الحكم الذي أوجبه الله تعالى; وإن كان عبارة عن أنّ قولهم من غير دليل حرام فهو المتنازع .4
وفيه نظر، فإنّ المراد من الخطأ المعنى الثاني وليس هو المتنازع للاتّفاق عليه، بل المتنازع أنّه هل يمكن وقوع الإجماع على هذا الوجه أم لا؟

1. الذريعة:435; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/242; المحصول:2/85; الإحكام:1/162.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/248; المعتمد:2/56; المحصول:2/88; الإحكام:1/180.
3. الأعراف:33.
4. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/249.

صفحه 208
واحتجّ الآخرون بأنّه لو لم ينعقد الإجماع إلاّ عن دليل أو أمارة لكان ذلك الدليل والأمارة هو الحجّة، فلا يبقى للإجماع فائدة. ولأنّ الإجماع لا عن دليل ولا أمارة واقع فيكون جائزاً.
أمّا الأوّل فلإجماعهم على بيع المراضاة وأُجرة الحمّام من غير دليل ولا أمارة.
وأمّا الثاني فظاهر.
والجواب عن الأوّل: المنع من عدم فائدة الإجماع حينئذ، فإنّه يفيد العلم بوجود الدليل على ذلك الحكم في الجملة، وتحريم مخالفته وقطع النظر والبحث عن كيفية دلالته وتقديمه على ما يعارضه من الأدلّة. وأيضاً لا يلزم من انتفاء فائدته انتفاؤه، لأنّه قد يقع اتّفاقاً وإن كان عن دليل، إذ لا يجب في الإجماع قصد المجمعين إليه.
وعن الثاني: المنع من تحقّق الإجماع على بيع المراضاة وأُجرة الحمّام.
سلّمنا، لكن لا نسلم أنّه لا عن دليل ولا أمارة ولا حجّة لكم على ذلك، بل غايتكم أن تقولوا: إنّه لم ينقل إلينا دليل ولا أمارة عليهما، لكن ذلك لا يوجب نفيهما، فإنّ عدم نقلهما إليكم لا يدلّ على عدمهما، لجواز تحقّقهما والاستغناء عن نقلهما بالإجماع عليهما أو نقلهما إلى غيركم، وعدم علمكم بذلك لا يدلّ على عدمه.
ثم إنّ القائلين بأنّه لا يتحقّق الإجماع إلاّ عن مأخذ اختلفوا في جواز وقوعه عن أمارة من قياس أو اجتهاد. فمنع منه الإمامية وداود وابن جرير الطبري، وجوّزه الباقون.1
أمّا الإمامية فلأنّ الإجماع عندهم لابدّ فيه من قول المعصوم، وهو لا

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/252; المحصول:2/89; الإحكام:1/182.

صفحه 209
يكون إلاّ عن دليل قطعي.
وأمّا داود وموافقوه فاحتجّوا على ذلك بأنّ الأُمّة على كثرتها واختلاف دواعيها يمتنع أن تجمعها الأمارة مع خفائها، كما لا يمكن اجتماعها في الوقت الواحد على تناول نوع واحد من الغذاء والنطق بالكلمة الواحدة.
والجواب: أنّ الأمارة جاز أن تكون ظاهرة فتجتمع الأُمّة على مقتضاها مع أنّ ذلك منقوض باتّفاق الشافعية على مذهب الشافعي والحنفية على مذهب أبي حنيفة.

[في الإجماع الموافق للخبر]

واعلم أنّ أبا عبد الله البصري1 ذهب إلى أنّ الإجماع إذا كان موافقاً لخبر دلّ على أنّ ذلك الإجماع لأجل ذلك الخبر.
والحق أنّ ذلك غير واجب لإمكان صدوره عن دليل مغاير له، نعم يحصل الظن بذلك من حيث إنّه لابد للإجماع من مأخذ، والأصل عدم غير هذا الخبر، فتعيّن هو لذلك.2
قال قدس الله روحه: البحث العاشر: لا يشترط في الإجماع قول كلّ الأُمّة من زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة، وإلاّ لانتفت فائدته. ولا قول الكفّار، لأنّ آية المشاقّة تدلّ على اتّباع المؤمنين; وكذا الأُخرى، لأنّ لفظ الأُمّة منصرف إلينا. ولا قول العوام، لأنّ قولهم لا لدليل، فيكون خطأً، فلو كان قول العلماء أيضاً خطأً لزم الإجماع على الخطأ.
ولا عبرة بقول المجتهد في فنّ فيما أجمعوا عليه في غير ذلك الفنّ. ولا عبرة بقول المتكلّم في الفقه وبالعكس. ولا بقول الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يتمكن من الاجتهاد، لأنّه عامي.

1. نقله عنه الرازي في المحصول:2/90، والعلاّمة في نهايته:3/255.
2. راجع: الذريعة:445.

صفحه 210
ويعتبر قول الأُصولي المتمكّن من الاجتهاد وإن لم يحفظ الأحكام، لتمكّنه من معرفة الخطأ والصواب.*

* [لا يعتبر في الإجماع اتّفاق الأُمّة إلى يوم القيامة]

أقول: لا يعتبر في الإجماع اتّفاق أُمّة محمد(صلى الله عليه وآله) من زمانه إلى يوم القيامة، لأنّ الأدلّة الدالّة على حقيّة الإجماع دالة على الاستدلال به، وذلك الاستدلال إن كان قبل يوم القيامة لم يتحقّق الإجماع على هذا التقدير، لأنّ المجمعين حينئذ بعض الأُمّة، لجواز تجدّد آخرين بعد المجمعين; وإن كان بعده كان محالاً، لانقطاع التكليف المقتضي للاستغناء عن الاستدلال.1

[في عدم اعتبار قول الكفّار]

ولا عبرة في الإجماع بقول الكفّار.
أمّا عندنا فظاهر، لأنّ الاعتبار إنّما هو بقول المعصوم، ولا يتوقّف على موافقة غيره له، سواء كان الغير مسلماً أو كافراً.
وأمّا الجمهور فلأنّ آية المشاقّة دلّت على وجوب اتّباع المؤمنين، وسائر الأدلّة دالّة على وجوب اتّباع الأُمّة، والمفهوم من الأُمّة بحسب عرف شرعنا الذين قبلوا دين النبي(صلى الله عليه وآله)، فيجب حمل اللفظ عليه، وحينئذ لا يعتبر قول الكفّار لخروجهم عن المؤمنين والأُمّة.2

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/257; المحصول:2/91.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/259; المحصول:2/92.

صفحه 211

[في قول العامّي]

وأمّا العوام من المؤمنين ـ أعني: الذين ليس لهم أهلية الاجتهاد ـ فهل يعتبر قولهم في الإجماع؟
قال القاضي أبو بكر: نعم، لأنّ أدلّة الإجماع إنّما اقتضت وجوب اتّباع كلّ المؤمنين أو كلّ الأُمّة، والعوام من جملتهم.
وقال الباقون: لا، لأنّ قول العوام حكم في الدين بغير دليل ولا أمارة، فيكون خطأ، فلو جاز أن يكون قول المجتهدين المخالف له خطأ، لزم تخطئة كل الأُمّة في مسألة واحدة وإن كان الخطأ من وجهين، فإنّ خطأ العوام إنّما هو في إقدامهم على القول بالحكم فيها بغير دليل ولا أمارة، وخطأ المجتهدين في عدم إصابتهم لحكم الله تعالى والحكم فيها بخلافه، وأنّه محال.
واعلم أنّ مَن يجوّز إحداث القول الثالث ويزعم أنّ المصيب من المجتهدين المختلفين واحد خاصّة، يمنع من استحالة اللازم، ويلزمه تخطئة كلّ الأُمّة في مسألة واحدة من جهة واحدة.1

[في اشتراط إجماع أهل كلّ فنٍّ بأهله]

إذا تقرّر هذا فالمعتبر في كلّ فن إنّما هو إجماع المجتهدين في ذلك الفن، وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره. مثلاً يعتبر إجماع المجتهدين في علم الكلام في المسائل الكلامية، ولا عبرة بإجماعهم في مسائل الفقه إذا لم يكونوا من أهل الاجتهاد فيه، وبالعكس لأنّ كلّ واحد

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/260; المحصول:2/92.

صفحه 212
من هؤلاء عامّي بالنسبة إلى الفن الذي لا يتمكّن من الاجتهاد فيه، وقد تقدّم أنّ قول العوام غير معتبر في الإجماع.
وأمّا الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يكن له قوة الاجتهاد، فالأكثر على أنّ قوله غير معتبر، لأنّه لمّا كان قاصراً عن استنباط الأحكام من مأخذها، واقفاً دون معرفة صحيحها من فاسدها، كان عامّياً، فلا يكون قوله معتبراً.
وأمّا العالم بأُصول الفقه البالغ رتبة الاجتهاد في الفقه، فإنّ خلافه معتبر في المسائل الفقهية، وإن لم يكن حافظاً للأحكام، خلافاً لقوم، لأنّه متمكّن من استنباط الأحكام الشرعية من أُصولها والتمييز بين الصواب والخطأ من الأقوال، فوجب اعتبار قوله كغيره من المجتهدين.1

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/263; المحصول:2/93.

صفحه 213
قال قدس الله روحه: البحث الحادي عشر: لا يشترط بلوغ التواتر في المجمعين، لتناول الأدلّة من عداهم، ولا كونهم صحابة، لأنّ قول التابعين(سبيل المؤمنين).
واحتجاج الظاهرية ـ بأنّ الخطاب يتناولهم، وبإمكان ضبطهم، وبأنّ قول أهل العصر الثاني إنْ لم يكن لدليل فهو خطأ، وإلاّ لم يخف عن الصحابة، وبأنّ إجماع الصحابة على جواز الاجتهاد في ما لم يجمعوا عليه ـ ضعيف، لاقتضائه سقوط الإجماع بموت واحد، وأنتم لا تقولون به. وعدم الضبط ينافي الفرض، لأنّا فرضنا الإجماع. وظفر التابعين بالدليل لوقوع الواقعة معهم فبحثوا، ولم يقع في زمن الصحابة. وبأنّ الإجماع على الاجتهاد مشروط بعدم الاتّفاق.*

* [في عدم اشتراط عدد التواتر]

أقول: لا يشترط في المجمعين أن يبلغوا عدد التواتر.
أمّا عندنا فظاهر، لأنّ الحجّة في قول المعصوم ولا عبرة بقول غيره، سواء قلّ أو كثر.
وأمّا الجمهور، فلأنّ أدلّة الإجماع تتناول المؤمنين والأُمّة وإن لم يبلغوا عدد التواتر، حتى لو بلغ المؤمنون والعياذ بالله تعالى إلى الثلاثة أو الاثنين لصدق عليهم المؤمنون والأُمّة، فيكون قولهم حجّة عملاً بمقتضاها.
أمّا لو انحصروا في واحد هل يكون قوله حجّة؟
قال قوم: نعم، لأنّ اسم الأُمّة قد يصدق على الواحد لقوله تعالى:(إنَّ إبراهيمَ كانَ أُمّةً قانِتاً )1
وقال آخرون: لا، لأنّ الإجماع مشعر بالإجماع، وهو لا يتحقّق في

1. النحل:120.

صفحه 214
الواحد.1

[في عدم اشتراط كون المجمعين من الصحابة]

وهل يشترط أن يكونوا صحابة بحيث لا يكون إجماع غيرهم حجّة؟
قال داود الظاهري ومتابعوه: نعم.
وأنكره الباقون، وهو الحق. أمّا على قولنا فظاهر، لأنّ الحجّة في قول المعصوم، وهو موجود في كلّ زمان التكليف.
وأمّا الجمهور فاحتجّوا عليه بأنّ إجماع التابعين سبيل المؤمنين فيجب اتّباعه عملاً بمقتضى آية المشاقّة .2
واحتجّ المخالف بوجوه: الأوّل: أدلّة الإجماع إنّما تتناول الصحابة دون غيرهم، فلا يكون إجماع غيرهم حجّة.
أمّا الأوّل فلأنّ قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)3، وقوله:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ)4خطاب مواجهة لا يتناول إلاّ الحاضرين المواجهين بالخطاب وهم الصحابة، وقوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيِلِ الْمُؤْمِنِين)5 كذلك لأنّ من لم يوجد ليس من المؤمنين فلم تتناول الآية إلاّ من كان مؤمناً حال نزولها، وكذا قوله(عليه السلام): «لا تجتمع أُمّتي على

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/264; البرهان في أُصول الفقه:1/443; المحصول:2/93; الإحكام:1/172.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/266; المحصول:2/93.
3. البقرة:143.
4. آل عمران:110.
5. النساء:115.

صفحه 215
الخطأ ».1
وأمّا الثاني فلأصالة عدم حجّية إجماعهم السالم عن معارضة الأدلّة.
الثاني: الإجماع لا يتحقّق إلاّ باتّفاق كلّ المجتهدين، والعلم بذلك يتوقّف على ضبطهم ومعرفتهم، وهو إنّما يكون في زمن الصحابة، أمّا بعدهم فلا لانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها.
الثالث: إجماع مَن عدا الصحابة إن كان لا لدليل كان خطأ، وإن كان لدليل فإمّا أن يكون قياساً أو نصاً.
والأوّل باطل، لأنّ القياس ليس حجّة عند الكلّ، فلا يكون طريقاً لإجماع الكلّ.
والثاني باطل أيضاً، لأنّه لو كان هناك نصّ لما خفي عن الصحابة ولكانوا عاملين2 بمقتضاه، ولمّا لم يتحقق ذلك، علمنا انتفاءه.
الرابع: الصحابة أجمعوا على أنّ كلّ مسألة لم يجمعوا على حكمها فهي محلّ للاجتهاد، فلو أجمع التابعون عليها وكان إجماعهم حجّة، خرجت عن كونها محلاًّ للاجتهاد، فيتناقض الإجماعان، وأنّه محال.
والجواب عن الأوّل: أنّه لو صحّ لزم من موت واحد من أُولئك الحاضرين وقت نزول الآيات المذكورة أن لا يكون إجماع الباقين حجّة، وأنتم موافقون على بطلانه وأيضاً فإنّ كثيراً من معتبري الصحابة المشافهين بالخطاب مات قبل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)، والإجماع لا يعتبر إلاّ بعدها على ما تقدّم، فلا يكون حجّة مطلقاً.

1. مر الحديث مع مصادره في ص 172.
2. في «م »: عالمين.

صفحه 216
وعن الثاني : أنّ ما ذكرتموه ينافي ما فرضناه من حصول الإجماع، إذ الكلام في كونه حجّة إنّما يكون بعد تحقّقه.
وعن الثالث: بالمنع من الملازمة، لجواز خفاء النصّ أو دلالته على الحكم عن بعض الصحابة وظهوره للتابعين، لاختصاصهم بوقوع الواقعة معهم، الموجب لبحثهم وتفحّصهم عن الدليل وظفرهم به باعتبار نقل بعض آخر من الصحابة له .
وعن الرابع: ما تقدّم من أنّ حكم ذلك الإجماع مشروط بعدم الاتّفاق، فيزول بزوال شرطه.

صفحه 217
قال قدس الله روحه: البحث الثاني عشر: كلّ ما يتوقّف صحّة الإجماع عليه لا يجوز التمسّك فيه به،وإلاّ دار، وما لا يتوقّف جائز، فيجوز إثبات حدوث الأجسام به لإمكان الاستدلال على وجود الصانع بحدوث الأعراض، ولا يجوز إثبات القادر والعالم به.
وهل هو حجّة في الآراء والحروب؟ الأقرب أنّه حجّة، لأنّ غيره غير سبيل المؤمنين.
وهل يجوز خطأ بعض الأُمّة في مسألة والآخر في أُخرى؟ أمّا عندنا فلا، لأنّ المعصوم لا يخطئ في شيء. وأمّا الجمهور فالأكثر منع، كقول بعضهم: القاتل لا يرث والعبد يرث، وقول آخرين بالعكس، لاستلزامه تخطئة كلّ الأُمّة; وبعضهم جوّز، لأنّ الممتنع خطأ كلّ الأُمّة والمخطئ هنا في كلّ مسألة بعض الأُمّة، ولا يلزم من إصابة مجتهد في حكم إصابته في الجميع.
وهل يجوز اتّفاق الأُمّة على الكفر؟ أمّا عندنا فلا، لوجود المعصوم. وأمّا الجمهور فقال بعضهم به، لخروجهم عن الأُمّة وعن المؤمنين حينئذ; ومنع آخرون، لأنّ وجوب اتّباع سبيل المؤمنين يستلزم ثبوته.
ويجوز اشتراك الأُمّة في عدم علم ما لم يكلّفوا به، إذ لا محذور فيه إذا لم يكن عدم العلم به خطأ.*

* [في ضابط ما يثبت بالإجماع]

أقول: هذا ضابط ما يصحّ إثباته بالإجماع وما لا يصحّ، وذلك أنّ كل ما يتوقّف عليه العلم بأنّ الإجماع حجّة لا يصحّ إثباته بالإجماع، مثل كونه تعالى موجوداً قادراً عالماً مريداً مرسلاً للرسل، وصدق الرّسول(صلى الله عليه وآله)، لأنّ كون الإجماع حجّة إنّما استفيد من قول الرسول(صلى الله عليه وآله) إمّا حكاية لكلام الله تعالى وإخباره بكونه كلامه تعالى كالآيات المتقدّم ذكرها، أولا مثل قوله(صلى الله عليه وآله):«لا تجتمع أُمّتي على الخطأ »، وكون ذلك القول مفيداً للعلم، متوقّف على العلم بصدقه المستفاد من دلالة المعجزة عليه المتوقّفة على وجوده تعالى وقدرته وعلمه وإرادته وحكمته، فلو استفيد العلم بصدقه أو بشيء ممّا يتوقّف عليه العلم بصدقه كالمقدّمات

صفحه 218
المذكورة من الإجماع، لزم الدور.
وأمّا ما لا يتوقّف العلم بصحّة الإجماع عليه ولم تكن الفطرة قاضية بثبوته ولا نفيه، فيصح إثباته بالإجماع، مثل حدوث الأجسام فإنّ العلم بثبوت الصانع تعالى وصفاته وإرساله الأنبياء وصدقهم لا يتوقّف على العلم به، لإمكان التوصّل إلى معرفة ذلك بحدوث الأعراض، ثم يعرف من قول الرسول (عليه السلام)كون الإجماع حجّة ويستدّل حينئذ به على حدوث الأجسام.1

[الإجماع في الأُمور الدنيوية]

وهل الإجماع حجّة في الآراء والحروب مثل تدبير الجيوش، واختصاص الحرب بموضع معيّن أو وقت مخصوص؟
قال قوم: نعم، وهو الحق، لأنّ المعصوم لابدّ وأن يكون في جملة المجمعين ومخالفته محرمة. ولأنّ غيره غير سبيل المؤمنين فيحرم اتّباعه للآية.
وقال آخرون: لا، لأنّ حال الأُمّة لا يكون أعظم من حال الرسول(صلى الله عليه وآله)مع أنّه كان يراجع في أمثال ذلك. وهو ضعيف، لأنّ مراجعته لتحقيق أمره وتأكيده طلبه لا للمخالفة.2

[عدم جواز تخطئة الأُمّة في الأحكام المتعددة]

وهـل يجـوز أن يخطـئ أحـد شطـري الأُمّـة فـي مسألة والشطر

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/271; المحصول:2/96.
2. راجع: الذريعة:433; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/272; المحصول:2/97.

صفحه 219
الآخر في أُخرى، مثل أن يذهب أحدهما إلى أنّ القـاتل لا يـرث والعبـد يرث، والآخر إلى أنّ العبد لا يرث والقاتل يرث مع أنّ الحق أنّهمـا لا يرثان؟
أمّا عندنا فلا، لأنّ المعصوم في أحد الشطرين فلا يتطرّق إليه خطأ أصلاً.
وأمّا الجمهور فالأكثر منهم على منعه، لأنّ خطأهم وإن كان في مسألتين فإنّه لا يخرجهم عن كونهم مجمعين على الخطأ، وهو قولهم بنقيض الحق، وهو منفي عنهم، لما تقدّم من الأدلّة. وجوّزه بعضهم، لأنّ الخطأ ممتنع على كلّ الأُمّة بموجب الأدلّة المذكورة لا على بعضها، والمخطئ في كلّ واحدة من المسألتين بعض الأُمّة لا كلّها، ولا يلزم من إصابة المجتهد في حكم إصابته في كلّ حكم، فيجوز أن يصيب أحدهما في منع القاتل ويخطئ في توريث العبد، والآخر بالعكس.
وفيه نظر، فإنّ الحق لمّا كان في منعهما جميعاً من الإرث والشطران متّفقان على نقيضه وهو خطأ، لزم إجماع الأُمّة على الخطأ في مسألة واحدة، وأنّه محال.1

[في امتناع الكفر على الأُمّة]

أمّا اتّفاق الأُمّة على الكفر فمحال عندنا، لامتناعه على المعصوم وهو موجود في كلّ عصر التكليف وأمّا الجمهور فجوّزه بعضهم، لخروجهم بالكفر عن كونهم مؤمنين وكونهم من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، والعصمة

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/274; المحصول:2/97.

صفحه 220
إنّما تثبت للأُمّة والمؤمنين; ومنعه آخرون، لأنّ الله تعالى أوجب علينا اتّباع سبيل المؤمنين، واتّباع سبيلهم مشروط بوجود سبيلهم، وما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به فهو واجب.
وفيه نظر، للمنع من إيجابه تعالى اتّباع سبيل المؤمنين مطلقاً، بل الظاهر أنّه مشروط بوجوده.
سلّمنا، لكن ما لا يتمّ الواجب إلاّ به إنّما يجب إذا كان مقدوراً للمكلّف، وليس الإجماع مقدوراً للمأمور باتّباعه.
سلّمنا، لكن لا يلزم من وجوبه على المكلّفين وجوده منهم، لجواز إخلالهم به وإن كان واجباً عليهم.
سلّمنا، لكن كلّ واحد من الإجماعات السابقة سبيل المؤمنين فيكفي اتّباعها في الامتثال.
والحق أنّ إيجاب اتّباع سبيل المؤمنين مشروط بوجوده، لأنّه بدونه ممتنع فالتكليف به تكليف بالممتنع، وأنّه محال.1

[في جواز اشتراك الأُمّة في عدم العلم بما لم يكلّفوا به]

وأمّا اشتراك الأُمّة في عدم علم ما لم يكلّفوا به إمّا لعدم تمكّنهم منه، مثل عدد الملائكة والكواكب ووقت قيام الساعة; أو لا، مثل قيام العرض بمثله أو عدمه، و كون البياض لوناً حقيقياً أو تخيلياً، فهو جائز.2
ولأنّ عدم العلم بذلك إن كان صواباً لم يلزم من اجتماعهم عليه

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/274; المحصول:2/97.
2. وهو مذهب الأكثر; واختاره العلاّمة في نهايته:3/276، والرازي في محصوله:2/98، والآمدي في إحكامه:1/341.

صفحه 221
محذور، وإن كان خطأ كانوا مكلّفين باجتنابه، والتقدير خلافه.
وقال آخرون: لا يجوز، لأنّه لو جاز لكان عدم ذلك العلم سبيلاً لهم، فيجب اتّباعهم فيه. وهو ضعيف، لأنّ سبيل المؤمنين الطريق المستند إليهم، وعدم علمهم بالأُمور المذكورة ليس كذلك. هذا إذا كان عدم علمهم مجرداً عن اعتقاد نقيض الواقع، أمّا لو كان مقارناً له فإنّه لا يجوز، لاستلزامه إجماع الأُمّة على الخطأ، وهو الجهل المركّب.

صفحه 222
قال قدس الله روحه: البحث الثالث عشر: الحكم المجمع عليه إن كان له مدخل في الإسلام، كان جاحده كافراً، وإلاّ فلا.
والإجماع الصادر عن الاجتهاد حق عند الجمهور، وهذا لا يتأتّى على قولنا، لأنّ قول المعصوم شرط في الإجماع، ولا يكون عن اجتهاد.
وجوّز أبو عبد الله البصري انعقاد الإجماع عقيب إجماع على خلافه، لجواز أن يقع مشروطاً، إلاّ أنّه لم يقع، لأنّ أهل الإجماع أجمعوا على العمل بما أجمعوا عليه في كلّ عصر، ويلزم تطرّق التجويز إليه، والأكثرون منعوه لاستلزامه الخطاء على أحد الإجماعين.*

* [في جاحد الحكم المجمع عليه]

أقول: اختلفوا في جاحد الحكم المجمع عليه، فقال قوم من الفقهاء: يكون كافراً، ومنعه آخرون، لأنّ أدلّة الإجماع ليست مفيدة للعلم، فما يفرّع عليها أولى أن لا يفيد العلم، بل غايته إفادة الظن، وإنكار حكم المظنون لا يكون كفراً اتّفاقاً. ولو سلّم أنّه معلوم لكن العلم به ليس من جملة أركان الإسلام التي لا يتحقّق بدونها، وإلاّ لكان يجب على الرسول(عليه السلام) أن لا يحكم بإسلام أحد حتى يعرّفه أنّ الإجماع حجّة ويعترف هو به، ومن المعلوم خلاف ذلك.
وفصّل آخرون فقالوا: إن كان الحكم المجمع عليه داخلاً في مفهوم اسم الإسلام كالعبادات الخمس واعتقاد التوحيد والرسالة، كان جاحده كافراً، وإلاّ فلا كالعلم بصحّة الإجارة والرهن.
وفي هذا التمثيل نظر، فإنّ العبادات من تفاريع الإسلام لا من أركانه، واعتقاد الرسالة ليس طريقه الإجماع، فيكون جاحده كافراً ليس لأنّه

صفحه 223
مجمع عليه. 1
وهل الإجماع الصادر عن الاجتهاد بالنسبة إلى كلّ المجمعين حجّة يحرم مخالفته؟ قال الأكثرون:نعم2، لأنّهم لمّا أجمعوا على الحكم صار سبيلاً لهم فوجب اتّباعه للآية .
وأنكره الأقلّون للاتّفاق على جواز القول بخلاف ما اقتضاه الاجتهاد عند ظهور وجه آخر أقوى من الأوّل.
وأُجيب بأنّ ذلك الجواز مشروط بما إذا لم يتحقّق الإجماع على مقتضى الاجتهاد الأوّل، فعند تحقّقه يزول الإجماع على الجواز لزوال شرطه. وهذا الفرع ساقط عندنا لما عرفت من استحالة تحقّق الإجماع عن الاجتهاد، لأنّ قول المعصوم معتبر فيه، وهو لا يكون إلاّ عن دليل قطعي.

[في امتناع تجدّد إجماع مخالف لسابق]

وهل يجوز انعقاد إجماع عقيب إجماع آخر مخالف له؟
قال أبو عبد الله البصري: نعم3، لأنّه لا امتناع في إجماع الأُمّة على قول بشرط أن لا يطرأ عليه إجماع آخر ولكنّه لم يقع، لأنّ أهل الإجماع لمّا اتّفقوا على أنّ كلّ ما أجمعوا عليه فاتّباعه واجب في كلّ الأعصار أمِنَّا4 من وقوع هذا الجائز. ومنعه الباقون.
أمّا أصحابنا فظاهر، لأنّ المعصوم داخل في المجمعين والخطأ عليه

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/278; المحصول:2/98; الإحكام:1/344.
2. المعتمد:2/36; المحصول:2/99.
3. نقله عنه الرازي وقد قوّاه في المحصول:2/100.
4. في «ج » و «م »: منعوا.

صفحه 224
ممتنع.
وأمّا الجمهور فلأنّه يستلزم خطأ أحد الإجماعين، وهو محال لما تقدّم من الأدلّة.
وقول أبي عبد الله البصري ضعيف لتطرّق الاحتمال في إجماعهم على وجوب العمل بإجماعهم في كلّ الأعصار، لجواز كونه مشروطاً لعدم ظهور وجه يقتضي خلافه.1

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/279; المحصول:2/99ـ100.

صفحه 225
 

صفحه 226
قال قدس الله روحه:

المقصد التاسع

في الأخبار

                                                   وفيه فصول:

صفحه 227
   

صفحه 228
 

الأوّل:

في ماهيته

وفيه مباحث: الأوّل: إذا حكمت النفس بأمر على آخر ـ إيجاباً أو سلباً ـ سُمِّي ذلك الحكم خبراً ومعاني هذه المفردات ضرورية.
ثم تَعرُض لهذه الماهية أعراض ذاتية، كالصدق والكذب أو التصديق أو التكذيب، فتذكر هذه الأعراض عند اشتباه التركيب الخبري بغيره من أنواع التركيبات، كالاستفهام وشبهه على سبيل التنبيه لما هو معلوم الماهيّة ليتميّز عن غيره، ولو أُخذت هذه الأشياء على سبيل التعريف الحقيقي كان دوراً.
و هو يطلق بالحقيقة على قول المحتمل للصدق والكذب.
وبالمجاز على غيره، كقوله: تخبرني العينان ما القلب كاتم.*

* [في لفظ الخبر]

أقول: الكلام في الخبر تارة في لفظه، وتارة في معناه.
أمّا الأوّل فهو يطلق على القول الدالّ بالوضع على حكم النفس وبأمر على آخر إيجاباً مثل زيد كاتبٌ، أو سلباً مثل زيد ليس بكاتب. ويطلق أيضاً على غير القول من الإشارات والدلائل والأحوال إذا كانت بحيث يفهم منها معنى الخبر.

صفحه 229
ومنه قول الشاعر: تخبرني العينان ما القلب كاتم.1
وقول الآخر:
وكم لظلام الليل عندك من يد *** تخبر أنّ المانوية تكذب2
وقول أبي العلاء: 3
نبيّ من الغربان ليس على شرع *** يخبرنا أنّ الشعوب إلى صدع
وهو حقيقة في الأوّل اتّفاقاً ولتبادره إلى الذهن عند إطلاق لفظ

1. تمام البيت هو:
تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وما جنّ بالبغضاء والنظر الشزر
والبيت منسوب إلى أبي جندب الهذلي. شرح نهج البلاغة:8/142 و ج20/46; شرح أشعار الهذليين:1/367; تاج العروس:18/120، مادة «جنن ».
2. القائل هو أبو الطيّب المتنبي.نور البراهين:2/30; فتح الباري:12/238.
وأبو الطيب هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي المتنبي، الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي، ولد بالكوفة سنة 303هـ، ونشأ بالشام، ثم تنقّل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وقال الشعر صبياً، وكان شجاعاً طموحاً محبّاً للمغامرات، أفضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك على صياغة قوية محكمة، تجوّل في البلدان ومدح الأُمراء كسيف الدولة الحمداني وكافور الاخشيدي وابن العميد وعضد الدولة، له ديوان شرحه طائفة من كبار الأُدباء كابن جنّي وأبي العلاء المعري والواحدي والعكبري، قُتل في النعمانية سنة 354هـ على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي وهو خال ضبة بن يزيد الأسدي الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة. الأعلام:1/115; المنجد(قسم الأعلام):633.
3. هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعرّي(363ـ 449هـ) شاعر فيلسوف، ولد ومات في معرّة النعمان، كان نحيف الجسم أُصيب بالجدري صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهو من بيت علم كبير في بلده، ولمّا مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه، له ديوان شعر ومصنّفات كثيرة، منها: رسالة الغفران، الرسالة الأغريقية، الفصول والغايات، وغيرها كثير. الأعلام:1/157.

صفحه 230
الخبر، كما لو قيل أخبرني فلان أو أخبرت فلاناً; ومجاز في الثاني، لتخلّفه عنه عند الإطلاق، واحتياجه في الدلالة عليه إلى قرينة، ولصحّة سلب الخبر عنه كما يقال: ما أخبرت بعزم الملك مثلاً، بل علمت ذلك من اضطرابه، وهذه آيات المجاز وقيل بل هو مشترك بينهما; وهو باطل لما ذكرناه، ولرجحانه على الاشتراك عند التعارض كما تقدّم.
وأمّا الثاني فالكلام إمّا في ماهيته، أو أقسامه، أو أحكامه.
أمّا الأوّل فقال أكثر المحقّقين: إنّه غني عن التعريف، لأنّه لمّا كان عبارة عن حكم الذهن بأمر على آخر إيجاباً أو سلباً وكان ذلك أمراً معقولاً مركوزاً في الفطرة لا يختلف باختلاف الأوضاع والأزمان والأحوال ويدركه كل عاقل من نفسه ويفرّق بينه وبين غيره من العوارض النفسانية كالألم واللذة والطلب وغير ذلك كان ضروري التصوّر، والضروري لا يحتاج إلى تعريف.
هذا إذا كان الخبر عبارة عن الحكم المذكور كما ذكره المصنّف ـ طاب ثراه ـ; وإن كان عبارة عن اللفظ الدال بالوضع عليه فكذلك، لأنّ مطلق اللفظ معلوم، وكذا القيدان المذكوران، فكان المجموع غنيّاً عن التعريف.
ثمّ إنّ ماهية الخبر قد تعرض لها أعراض ذاتية، كالصدق وهو عبارة عن كون الخبر مطابقاً، والكذب وهو عبارة عن كونه غير مطابق، والتصديق والتكذيب وهما عبارة عن الإخبار بكون الخبر صدقاً أو كذباً فيذكر في تعريف التركيب الخبري عند التباسه بغيره من أنواع الكلام المركّب كالاستفهام والأمر والنهي وغير ذلك، كقول القائل:«زيد عندك » ويقصد الاستفهام، أو يقول:«ألست قلت كذا » ويريد أنّك قلت كذا، وذلك إنّما هو

صفحه 231
على سبيل التنبيه، لما هو معلوم الماهية لتمييزه عمّا يلتبس به.
ولا يجوز أخذ هذه الأشياء ـ أعني: الصدق والكذب والتصديق والتكذيب ـ على أنّها معرفات لماهية الخبر تعريفاً حقيقياً:
أمّا أوّلاً فلما بيّنّا من كونها ضرورية غنية عن التعريف.
وأمّا ثانياً فلاستلزامه الدور المحال، إذ الصدق هو الخبر المطابق، والكذب هو الخبر الذي ليس بمطابق، والتصديق الإخبار بصدق الخبر، والتكذيب الإخبار بكذبه، فهي أنواع لمطلق الخبر. وحينئذ يتوقّف معرفة كلّ منهما على معرفة مطلق الخبر لكونه جزءاً منها، فلو توقّفت معرفة مطلق الخبر على شيء منها دار. هكذا قيل.
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع كون الصدق والكذب نوعين للخبر، بل الحق أنّهما عرضان ذاتيان له كما تقدّم، ورسم الشيء بعوارضه جائز غير مستلزم للدور.
سلّمنا، لكن لا نسلّم توقّف معرفتهما على معرفة مطلق الخبر وإن كان جزءاً منهما. لاحتمال معرفتهما بوجه ما من غير معرفة جنسهما، ثم ينتقل الذهن من الرسم المؤلف منهما إلى معرفته.
وقيل: المعرّف بالصّدق والكذب لفظ الخبر، والمعرّف لهما معناه، فلا دور.
وقوله طاب ثراه: و«معاني هذه المفردات ضرورية » يريد به الحكم والنفس والأمر والإيجاب والسلب.1
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: قال السيد المرتضى (رضي الله عنه): لابدّ في كون الصيغة خبراً من قصد المخبر

1. راجع البحث في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/283 وما بعدها.

صفحه 232
لوجودها1 عن الساهي والحاكي والنائم.والمتجوز في الأمر كقوله تعالى: (والجروج قصاص). والأقرب خلافه، لأنّه لفظ موضوع للخبرية، فلا يتوقف على الإرادة في الدلالة كغيره من الألفاظ. وزعم الجبائيان أنّ للصيغة صفة معلّلة بتلك الإرادة. وهو خطأ، لأنّ تلك الصفة ليست قائمة بمجموع الحروف، لعدم الاجتماع ولا بالبعض، وإلاّ لاستغنى عن الباقي.*

* [في أنّه هل يشترط في الخبرية الإرادة؟]

أقول: ذهب السيد المرتضى(رحمه الله) إلى أنّه لابد في كون الصيغة الموضوعة للخبر خبراً من إرادة اللافظ كونها خبراً.2 ووافقه على ذلك أبو الحسين البصري.3 واحتجّ على ذلك بأنّ الصيغة المذكورة قد توجد ولا تكون خبراً إمّا لصدورها من غير قصد اللافظ بها معنى أصلاً، كالصيغة الصادرة من الساهي والنائم والحاكي خبر غيره; أو عن قصد غير الخبر على سبيل المجاز، كاستعمالها في الأمر، مثل قوله تعالى: (والجُرُوحَ قِصاصٌ)4، وقوله: (ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِناً)5; أو في النهي، مثل (فَلا رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجّ )6; وإذا كانت تارة تكون خبراً وتارة غير خبر، كانت إفادتها للخبرية دون غيرها مفتقرة إلى مرجّح وهو الإرادة المذكورة، والأصحّ خلافه لأنّها صيغة موضوعة للخبر فلا تتوقّف دلالتها عليه إلى مرجّح غير الوضع كغيرها من الألفاظ الموضوعة

1. في المطبوع:219: لصدورها.
2. الذريعة:342.
3. المعتمد:2/73.
4. المائدة:45.
5. آل عمران:97.
6. البقرة:197.

صفحه 233
لمعانيها والمرجّح اختصاص الخبر بكونه موضوعاً للصيغة دون باقي الأقسام.
وذهب أبو علي وأبو هاشم الجبائيان إلى أنّ للصيغة حال كونها خبراً صفة معلّلة بتلك الإرادة هي الخبرية.1
وهو باطل، لأنّ تلك الصفة إن قامت بمجموع الحروف لزم اجتماعها في الوجود، وهو باطل بالضرورة; وإن قامت ببعضها لزم كون ذلك البعض خبراً واستغني عن الباقي، وبطلانه ظاهر. وقد تقدّم القول في ذلك في مباحث الأمر.2

1. المعتمد:2/74.
2. راجع: منية اللبيب:1/309; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/294; المحصول:2/105.

صفحه 234
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: إذا قلنا: «زيد قائم » فمدلول الخبر الحكم بثبوت القيام لزيد، لا ثبوت قيامه في نفس الأمر، وإلاّ لم يدخل الكذب في جنس الخبر. ثم هذا الحكم إن طابق المخبر عنه فهو صادق، وإلاّ فهو كاذب.
وأثبت الجاحظ واسطة، لقوله تعالى:(افترى على الله كذباً أم به جنة).
ولأنّ المخبر عن الظن لا يوصف بالكذب إذا لم يطابق.
والحق خلافه، والواسطة في الآية ثابتة، لأنّ افتراء الكذب غيره. ونمنع من عدم الوصف في الظن، والجاحظ بنى ذلك على مذهبه من أنّ المعارف ضرورية، وأنّ غير العارف معذور، وأنّ الوصف بالكذب يقتضي الذم.
ومن قال:«محمد ومسيلمة صادقان أو كاذبان » كاذب إن جعلناه خبراً واحداً، وإلاّ كان صادقاً في أحد الخبرين دون الآخر.*

* [في مدلول الخبر]

أقول:إذا قلنا:«زيد قائم » مثلاً كان مدلول هذا القول الحكم بثبوت القيام لزيد، سواء كان هذا الحكم مطابقاً أو غير مطابق ولا يدل على ثبوت القيام لزيد في نفس الأمر، إذ لو كان دالاًّ على ثبوت القيام لزيد في نفس الأمر، لكان متى وجد هذا القول كان زيد قائماً، وحينئذ يمتنع دخول الكذب في مسمّى الخبر. والتالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم.
وفيه نظر، للمنع من الملازمة، إذ الدلالة ليست عقلية حتى يلزم من حصول الدليل تحقّق مدلوله وإنّما هي وضعية يمكن تخلّف الدليل بها عن مدلوله، كما لو وجدت هذه الصيغة ممّن لا يعتقد قيام زيد، فإنّ الحكم به حينئذ لا يتحقّق. نعم يتحقّق فهمه. ثم الحكم بقيام زيد إن كان مطابقاً للمخبر عنه بأن يكون زيد قائماً في نفس الأمر كان الخبر صادقاً، وإلاّ كان كاذباً.
وعلى هذا تكون قسمة الخبر إلى الصادق والكاذب قسمة حاصرة

صفحه 235
يمتنع الجمع بينهما والخلو عنهما لتردّدها بين النفي والإثبات، خلافاً لأبي عثمان الجاحظ1، فإنّه زعم أنّ بينهما واسطة. واستدلّ على ذلك بالقرآن والعقل.
أمّا الأوّل، فقوله تعالى حكاية عن الكفّار (أفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أمْ بِهِ جِنَّةٌ)2، فقد جعلوا إخباره عن نبوّة نفسه إمّا كذباً وإمّا جنوناً مع اعتقادهم عدم صدقه في دعواه النبوة، وذلك مقتض لكون إخباره حال الجنون ليس كذباً، لأنّهم جعلوه في مقابلة الكذب; ومقابل الكذب لا يكون كذباً ولا صدقاً، لاعتقادهم عدمه.
وأمّا الثاني، فلأنّ من أخبر بأنّ زيداً في الدار بناء على ما في ظنّه، لأمارة حصلت عنده ثم ظهر أنّه ليس فيها، لا يقال إنّه كاذب ولايستحق بذلك ذماً، ولا إنّه صادق لكونه غير مطابق. وكذا لو قال:«ليس في الدار » والحال هذه لا يقال:إنّه صادق ولا يستحق بذلك مدحاً، ولا كاذب لأنّه مطابق.
والجواب عن الأوّل: أنّ الواسطة المذكورة في الآية وهي إخباره حالة الجنون إنّما هي ثابتة بين افتراءالكذب وبين الصدق، لا بين نفس الكذب والصدق، وذلك لأنّ افتراء الكذب مغاير لمطلق الكذب الذي هو نقيض

1. هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، أبو عثمان الشهير بالجاحظ، أديب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، ولد في البصرة سنة 163هـ.، وكان مشوّه الخلقة، فلج في آخر عمره، ومات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه، وذلك سنة 255هـ. في البصرة. له تصانيف كثيرة، منها: الحيوان، البيان والتبيين، البخلاء، مسائل القرآن، فضيلة المعتزلة، وغيرها. الأعلام:5/74.
2. سبأ:8.

صفحه 236
الصدق، لكونه أخصّ منه ومندرجاً تحته، فإنّ الكاذب ـ أعني: غير المطابق ـ إن كان صادراً عن قصد كان افتراء، وإن كان لا عن قصد كان عن جِنَّة.
وأُجيب أيضاً: بأنّ الخبر ما قصد به الإخبار، والمجنون لا قصد له كالساهي والنائم إذا صدرت عنهما صورة الخبر فإنّه لا يكون خبراً، ولمّا اعتقد الكفّار انتفاء صدقه(صلى الله عليه وآله) انحصرت صيغة الخبر الصادرة عنه في الكذب، وصورة الخبر من غير خبر وهي الصادرة عنه حالة الجِنّة.
وعن الثاني: بالمنع من عدم وصف الكذب في إخبار الإنسان عن ظنه إذا لم يكن مطابقاً وعدم وصف الصدق إذا كان مطابقاً، ولو سلّم أنّ الكذب إنّما يكون مع علم المخبر بعدم مطابقته خبره، كان ذلك اصطلاحاً جديداً على وضع لفظ الكذب، لما هو أخصّ من مفهومه وكذا الصدق، وقد ظهر من ذلك أنّ النزاع لفظي.
واعلم أنّ أبا عثمان الجاحظ بنى قوله بثبوت الواسطة بين الصدق والكذب على مذهبه من أنّ المعارف كلّها ضرورية يفعلها الله تعالى بالمكلّفين وليست مقدورة لهم، فغير العارف يكون معذوراً في جهله، وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق; وإن وصف الكذب يقتضي ذم المخبر به، والصدق لابد فيه من المطابقة، فإذا أخبر الإنسان بخبر غير مطابق وهو غير عارف بعدم مطابقته لا يكون صادقاً لعدم مطابقته، ولا كاذباً، وإلاّ لكان مذموماً، والتقدير أنّه معذور.
وفيه نظر، فإنّ كونه معذوراً في عدم العلم بالمطابقة لا يقتضي كونه معذوراً في الإخبار بما لا يعلم مطابقته، والذم إنّما هو عليه لا على

صفحه 237
الجهل.
وقول الإنسان:«إنّ محمداً(صلى الله عليه وآله)ومسيلمة صادقان، أو كاذبان » لا يستلزم ثبوت الواسطة، إذ لا يسلب عنه الصدق والكذب، بل هو كاذب لعدم المطابقة إن كان خبراً واحداً، لأنّ مدلوله في الأوّل ثبوت الصدق لمحمد(صلى الله عليه وآله)ولمسيلمة ـ لعنه الله ـ وهو خلاف الواقع، لأنّ مسيلمة غير صادق. وفي الثاني ثبوت الكذب لهما، وهو خلاف الواقع أيضاً، لأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله) صادق دائماً وليس بكاذب، وإن كانا خبرين بحيث يجري الأوّل مجرى قولنا:«محمد(صلى الله عليه وآله)صادق ومسيلمة صادق » كان الأوّل صدقاً والثاني كذباً، وبالعكس في الثاني.1

1. راجع البحث في: الذريعة:342; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/295; المحصول:2/106ـ107.

صفحه 238
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: الخبر إمّا أن يُعلم صدقه، أو كذبه، أو يخفى الأمران.
والأوّل: إمّا ضروري، كالمتواتر، وما علم وجود مخبره بالضرورة; وإمّا كسبي، كالخبر المطابق لما علم وجود مخبره اكتساباً، وخبر الله تعالى، وخبر رسوله(صلى الله عليه وآله)، وخبر الأئمة(عليهم السلام)، وخبر الأُمّة، وخبر المتواتر معنى، والمحتف بالقرائن.
والثاني: ما علم منافاته الضروري أو الكسبي، ومنه قول من لم يكذب:أنا كاذب، لأنّ الخبر والمخبر عنه متغايران، فلا يكون هذا إخباراً عن نفسه، وكذا الخبر المنافي لدليل قاطع.*

* [في أقسام الأخبار]

أقول: لمّا فرغ من البحث عن ماهية الخبر، شرع في البحث عن أقسامه، وقد عرفت أنّه ينقسم إلى: صادق وكاذب في نفس الأمر قسمة حاصرة يمتنع الجمع بينهما والخلو عنهما. وله قسمة أُخرى باعتبار تعلّق علومنا بكونه صادقاً أو كاذباً على التعيين إلى أقسام ثلاثة: معلوم الصدق، ومعلوم الكذب، ومجهولهما. لأنّ الخبر إمّا أن يعلم صدقه، أو لا. والثاني إمّا أن يعلم كذبه، أو لا. ولمّا كان صدق الخبر عبارة عن مطابقته للمخبر عنه، وهي نسبة بينهما، وكان العلم بالنسبة ممتنعاً من دون العلم بالمنتسبين، امتنع العلم بصدقه من دون العلم بالمخبر عنه.
ثمّ إنّ العلم بالمخبر عنه قد يكون ضرورياً، وقد يكون كسبياً.
والضروري قد يكون مستفاداً من نفس الخبر، كالأشياء المعلومة بالتواتر، كوجود الهند والصين; وقد يكون مستفاداً من غيره، وهو إمّا بديهة العقل كالعلم بأنّ الكلّ أعظم من الجزء. والحس، أمّا الظاهر ككون النار حارة والشمس مضيئة، أو الباطن مثل العلم بأنّ لنا لذّة وألماً والعلم بصدق الخبر تابع له، فما كان العلم بالمخبر عنه ضرورياً كان العلم بصدق

صفحه 239
الخبر ضرورياً، وما كان كسبياً كان العلم بصدقه كسبياً.
إذا تقرر هذا فنقول: الضابط في الخبر الضروري الصدق ما كان وجود مخبره معلوماً بالضرورة، ويدخل في ذلك المتواتر، لما يأتي من إفادته العلم الضروري، إلاّ أنّ العلم بالمخبر عنه مستفاد من نفس الخبر كما تقدّم بخلاف ماعداه.
وأمّا الكسبي فضابطه ما كان وجود مخبره معلوماً بالاكتساب، ثم قد لا يكون للخبر مدخل في اكتساب ذلك العلم مثل قولنا: العالم حادث، الباري تعالى واحد، محمد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد يكون، وهو خبر الله تعالى عمّا لا يعلم إلاّ من خبره، كالخبر عن أمره الملائكة بالسجود لآدم(عليه السلام)، وكذلك خبر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وخبر الأئمة المعصومين سلام الله عليهم، وخبر كلّ الأُمّة لما ثبت في الإجماع، مع أنّ العلم بصدق هذه الأخبار على سبيل الإجمال مقدّم على العلم بالمخبر عنه فيها تفصيلاً، والعلم الحاصل بالمخبر عنه في خبر المتواتر معنى والمحتف بالقرائن مكتسب منهما كما قلناه في المتواتر لفظاً.
وأمّا العلم بكذب الخبر فإنّما يتحقّق عند العلم بعدم مطابقته للمخبر عنه، فهو إذن متوقّف على العلم بالمخبرعنه كما قلناه في العلم بصدقه.
ثم العلم بذلك قد يكون ضرورياً، وقد يكون كسبياً .
فالأوّل كلّما علم بالضرورة منافاة مدلوله لأمر معلوم بالضرورة، مثل قول القائل: الكلّ مساو للجزء أو أقل منه، أو النار ليست حارة أو باردة.
والثاني كلّما علم بالضرورة منافاة مدلوله لأمر معلوم بالاكتساب، مثل: العالم ليس محدثاً; أو علم بالاكتساب منافاة مدلوله لأمر معلوم بالضرورة، أو الاكتساب. فالأوّل، مثل: ليس كلّما ليس بحارٍّ فهو ليس

صفحه 240
بنار، فإنّ مدلول هذا القول ينافي قولنا:«كلّ نار حارّة » المعلوم بالضرورة، لكن المنافاة ليست معلومة ضرورة، بل من حيث إنّه مناف لعكس نقيضه اللازم له، ومنافاة اللازم بشيء يستلزمه لمنافاة الملزوم. والثاني، مثل: ليس كلّما ليس بمحدث فليس بجسم.
ومن هذا القسم ـ أعني: المعلوم كذبه ـ قول من لم يكذب قط:«أنا كاذب » فإنّ هذا القول كذب قطعاً، لأنّ المخبر عنه فيه إمّا بالأخبار الماضية وقد فرض صدقه فيها، فإخباره عنها بالكذب يكون كذباً قطعاً; وإمّا نفس قوله:«أنا كاذب » وهو محال، لأنّ الخبر متأخّر عن المخبر عنه، لكونه حكاية عنه كالعلم المتأخّر عن المعلوم، فلو كان خبراً عن نفسه لزم تأخّر الشيء عن نفسه، وأنّه محال.
وفيه نظر، لعدم الحصر لجواز كذبه في أخباره المستقبلة، فإنّ اسم الفاعل يكون بمعنى الماضي والحال والاستقبال، ولو مثّل بصيغة الماضي كان أولى لعدم تناوله المستقبل.
وكذلك الخبر المنافي لدليل قاطع سمعي لا يحتمل التأويل، وإلاّ لزم الكذب على الشارع، فإن احتمله أمكن صدقه، لجواز أن يريد به الشارع ذلك المعنى المحتمل كما في إنزال المتشابهات. وأمّا ما يحتمل التأويل على بعد، قال قوم: يحكم بكذبه أو أنّه قد حذف منه، أو زيد فيه
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: إنكار السُّمَّنيَّة إفادة التواتر العلم، ضروري البطلان، وتجويز الكذب على كلّ واحد لا يستلزمه على الجميع.
والحق أنّ العلم عقيبه ضروري، وإلاّ لافتقر إلى دليل، فلا يحصل للعوام.
وقال أبو الحسين البصري والكعبي والجويني والغزّالي:إنّه نظري لتوقّفه على العلم بمقدّمات نظرية، كانتفاء المواطاة

صفحه 241
والدواعي إلى الكذب، وكون المخبَر عنه محسوساً لالبس فيه، واستحالة كون الخبر كذباً عند هذه فيجب كونه صدقاً. وهو ضعيف، لأنّ المقتضي لحصول هذه الأشياء العلم.
والسيد المرتضى توقّف في القولين.*
ما يصحّ الكلام معه من دون التأويل البعيد.
والحق هذا إن أُريد بالحكم بكذبه الحكم الظنّي، وإن أُريد القطعي كان ممنوعاً، إذ التقدير قبوله للتأويل وإن كان بعيداً غاية ما في الباب إن كان هناك ظناً غالباً بإرادة ظاهرة، وليس الحكم المستند إلى الظن الغالب قطعياً.1

* [في الخبر المتواتر]

أقول: الكلام في الخبر المتواتر إمّا في ماهيته، أو أحكامه.
أمّا الأوّل فاعلم أنّ لفظ التواتر لغة عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا)2، أي رسولاً بعد رسول بفترة بينهما.
وأمّا بحسب الاصطلاح، فهو: عبارة عن خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.3

1. راجع البحث في: الذريعة:345; عدة الأُصول:1/63; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/296; المعتمد:2/75ـ76; المحصول:2/107; الإحكام:2/202ـ205.
2. المؤمنون:44.
3. وقد عرّفه المتأخّرون بأنّه عبارة عن إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعاً عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس، على أن يجري هذا المستوى في الأخبار في جميع طبقات الرواة، حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة، فلو تأخّر التعدّد في طبقة ما، أو فقد أحد تلكم الشروط، خرج عن كونه متواتراً إلى أخبار الآحاد، لأنّ النتائج ـ كما يقول علماء الميزان ـ تتبع دائماً أخس المقدّمات. ومثل هذا الخبر ـ أعني المتواتر ـ ممّا يوجب علماً بصدور مضمونه، والعلم حجّة ذاتية لا تقبل الوضع والرفع. الأُصول العامة للفقه المقارن:194.

صفحه 242
فقولنا:«خبر » جنس للمتواتر والآحاد، وبإضافته إلى «أقوام » خرج خبر الشخص الواحد. وقولنا: «بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم » خرج خبر أقوام لم يبلغوا الحد المذكور، وهو يشعر بأنّ إفادته العلم بسبب الكثرة، فخرج خبر جماعة معصومين أو بعضهم معصوم فإنّه ليس متواتراً وإن أفاد العلم، لأنّ إفادته العلم ليست بسبب الكثرة. والباء في قولنا:«بقولهم » للسببية وهي متعلّقة بحصل لا بالعلم، فخرج أيضاً من الأخبار ما وافق دليلاً قطعياً يدلّ على مدلول الخبر، فإنّ حصول العلم ليس بسبب قولهم بل بالدليل.
وأمّا أحكامه فمسائل:

صفحه 243

الأُولى: في إفادته العلم بمخبره

وذلك ممّا اتّفق عليه أكثر العقلاء، وحُكي عن السُّمَّنية1 أنّه لا يفيد العلم اليقيني البتة وإنّما يحصل به ظن غالب.
ومنهم من وافق على إفادته العلم إذا كان خبراً عن أُمور موجودة في زماننا دون ما كان خبراً عن أُمور سالفة.
والحق الأوّل، وبطلان كلام السُّمَّنية معلوم بالضرورة، فإنّ كلّ عاقل يجد من نفسه العلم الضروري بالبلاد النائية كالهند والصين، والأنبياء(عليهم السلام)مثل موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليه وعليهما، والملوك الماضية مثل كسرى وقيصر، والفضلاء المشاهير كأفلاطون2وأرسطو3، ولا يكاد العلم بذلك يقصر عن العلم بالمحسوسات، ولا طريق لنا إلى ذلك إلاّ الأخبار، والمنكر لذلك كالمنكر للمشاهدات فلا

1. السمنية ـ بضم السين ـ قوم بالهند يعبدون الأوثان ويقولون بالتناسخ وينكرون حصول العلم بالاخبار، وأنّه لا معلوم إلاّ من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث، وكانوا يعتقدون بأنّ أعظم الأُمور التي لا تحل ولا يسع الإنسان أن يعتقدها ولا يفعلها قول لا في الأُمور كلّها فإنّها من فعل الشيطان. المصباح المنير:4/238، ط. مصر; فهرست ابن النديم:408; المواقف للإيجي:1/130.
2. أفلاطون(427ـ347ق.م) من مشاهير فلاسفة اليونان،تلميذ سقراط ومعلم ارسطاطاليس، درّس في بستان أكاذيمس في أثينا. أساس فلسفته«نظرية الأفكار » فالحقيقة ليست في الظواهر العابرة ولكن في الأفكار السابقة لوجود الكائن والتي هي مثال له، أسمى هذه الأفكار«فكرة الخير »، من مؤلّفاته: الجمهورية، السياسي، المحاورات، الشرائع، الوليمة، كريتون، فيدون، تيمِه. وقد وصلت نصوصها في الغالب إلى العرب ملخّصة أو مجزّأة ما عدا الشرائع. المنجد، قسم الأعلام:55.
3. أرسطو(384ـ322ق.م): مربي الاسكندر، فيلسوف يوناني من كبار مفكّري البشرية، مؤسس فلسفة المشائين، مؤلّفاته في المنطق والطبيعيات والإلهيات والأخلاق أهمها: المقولات، الجدل، الخطابة، السياسة، النفس، كتاب مابعد الطبيعة. المنجد، قسم الأعلام:34.

صفحه 244
يستحق المكالمة.1 وربما تمسّك الخصم بأنّ كلّ واحد من المخبرين البالغين حدّ التواتر يجوز عليه الكذب عند انفراده وعند اجتماعه يكون كذلك، وإلاّ لانقلب الجائز ممتنعاً، وأنّه محال، وحينئذ يجوز الكذب على الجميع فلا يكون قولهم مفيداً للعلم.
والجواب: أنّ هذا تشكيك على ما هو معلوم بالضرورة، فلا يكون مقبولاً .
سلّمنا، لكن جواز الكذب على كلّ واحد لا يستلزم جوازه على الجميع، فإنّ حكم المجموع كثيراً ما يخالف حكم أفراده، ولا يلزم انقلاب الجائز ممتنعاً، إذ المحكوم عليه بجواز الكذب خبر الواحد حال انفراده، وبعدمه خبر المجموع، وأحدهما غير الآخر. وأيضاً فإنا عرّفنا المتواتر بما أفاد العلم، فما لا يكون مفيداً للعلم لا يكون متواتراً.

الثانية: [في صفة العلم الواقع عند الأخبار]

الذين أقرّوا بإفادته العلم اختلفوا: فقال أكثرهم:إنّ ذلك العلم ضروري.2 وقال أبو الحسين البصري وأبو القاسم الكعبي والجويني

1. قال السيد المرتضى في الذريعة:344 في معرض ردّه على السمنية: والذي يدلّ على بطلان هذا المذهب أنّا نجد من سكون أنفسنا إلى اعتقاد وجود البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده عند المشاهدات، فمن تشكّك في أنّ ذلك علم يقين كمن تشكّك في الآخر، ومن ادّعى أنّه ظنٌّ قويٌ كمن ادّعاه في الأمرين. والأشبه أن يكون مَن خالف في ذلك إنّما خالف في الاسم دون المعنى، واشتبه عليه العلم بالظن، كما نقوله في السوفسطائية. وراجع عدة الأُصول:1/69.
2. وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلّمين من الأشاعرة والمعتزلة، كأبي علي وأبي هاشم الجبّائيين ومن تبعهما. وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:293، والغزّالي في المستصفى:1/252، والرازي في المحصول:1/110; ومن الإمامية العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/304.

صفحه 245
والغزالي: إنّه كسبي.1 وتوقّف السيّد المرتضى(رحمه الله) في ذلك.2
والحق الأوّل، لأنّه لو كان مكتسباً، لما حصل لمن لم يمارس النظر والاستدلال. والتالي باطل ضرورة حصوله للعوام والصبيان القاصرين عن أهلية النظر، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
احتجّ الخصم بأنّ حصول هذا العلم متوقّف على مقدّمات نظرية، وهي عدم المواطاة على الكذب، وانتفاء دواعي المخبرين إليه، وأن يخبروا عن أمر محسوس لا لبس فيه واستحالة كونه كذباً عند تحقّق هذه المقدّمات، فتعيّن كونه صدقاً، وإلاّ لارتفع النقيضان، ومتى اختلّ شيء من هذه المقدّمات لم يحصل العلم بمدلول الخبر، وكلّ علم توقّف حصوله على مقدّمات مترتبة فهو نظري. وهذه حجّة أبي الحسين.3
والجواب: أنّ حصول العلم عن الخبر لا يتوقّف على العلم بحصول هذه المقدّمات بالضرورة، فإنّا نعلم البلاد النائية والقرون الماضية علماً ضرورياً، ولا يخطر ببالنا شيء من المقدّمات المذكورة، نعم هو متوقّف على حصولها في نفس الأمر لا على العلم به، وحصول العلم لنا بالمخبر عنه بسبب الأخبار موجب للعلم بتحقّق هذه المقدّمات بشرط التفطّن لها.
وقوله ـ طاب ثراه ـ : «لأنّ المقتضي لحصول هذه » الأشياء ـ يعني: المقدّمات المذكورة ـ إنّما يريد حصولها في علمنا لا في نفس الأمر، فهو من باب الانتقال من المعلول إلى العلّة.

1. وهو مختار الدقاق من الشافعية. راجع المعتمد:2/81; الإحكام:2/208.
ومن الإمامية ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد في أوائل المقالات:89، الباب73.
2. الذريعة إلى أُصول الشريعة:347. ونصر رأيه هذا أيضاً في كتابيه: الذخيرة في علم الكلام:345، والشافي في الإمامة:2/68.
وإليه ذهب الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/71، والآمدي في الإحكام:2/211.
3. المعتمد:2/81.

صفحه 246
قال قدس الله روحه: البحث السادس: يشترط في العلم انتفاؤه اضطراراً عن السامع، لاستحالة تحصيل الحاصل ومثله، وتقوية الضروري، وأن لا تسبق شبهة إلى السامع أو تقليد ينافي موجب الخبر، وهذا شرط اختصّ به السيد المرتضى، وهو جيّد.
وأن يستند المخبرون إلى الإحساس، واستواء الطرفين والواسطة في ذلك.
ولا يشترط العدد، خلافاً للقاضي حيث اعتبره وتوقّف في الخمسة، ولبعضهم حيث اعتبر اثني عشر عدد النقباء، ولأبي الهذيل حيث اعتبر العشرين لقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون)، ولآخرين حيث اعتبروا أربعين لقوله تعالى:(ومن اتّبعك من المؤمنين)، ولقوم حيث اعتبروا سبعين لقوله تعالى:(واختار موسى قومه سبعين). ولآخرين حيث اعتبروا ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر; لعدم الضابط في ذلك كله.
ولا يشترط أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، ولا عدم اتّفاقهم في الدين، خلافاً لليهود، ولا في النسب، ولا وجود المعصوم، خلافاً لابن الراوندي. والمتواتر معنى يفيد العلم بأمر مشترك تدلّ عليه الجزئيات المنقولة آحاداً بالتضمّن.*

* [في شرائط التواتر]

أقول: من جملة أحكام التواتر كونه مشروطاً بما يأتي ذكره.
واعلم أنّ شرائط إفادة التواتر العلم، منها ما يتعلّق بالسامع، ومنها ما يتعلّق بالمخبرين .
أمّا الأوّل1 فأمران:
الأوّل: أن لا يكون عالماً بمدلول الخبر اضطراراً كمن أخبر عمّا شاهده، لأنّه لو أفاد ذلك الخبر علماً لكان إمّا عين للعلم الحاصل له بالمشاهدة فيلزم تحصيل الحاصل وهو محال بالضرورة، أو غيره فيلزم

1. أي الشروط المتعلّقة بالسامع.

صفحه 247
اجتماع المثلين وهو محال أيضاً. ولا يجوز أن يكون مفيداً بقوته العلم الحاصل أوّلاً، لأنّا فرضناه ضرورياً، والضروري يستحيل أن يتقوّى بغيره.
وفيه نظر، للمنع من لزوم اجتماع المثلين على تقدير أن يحصل بالخبر علم مغاير للأوّل لجواز مخالفته إيّاه بالنوع وإن ساواه في التعلّق بالمعلوم، ومن استحالة تقوية الضروري بغيره.
الثاني: أن لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسامع يوجب اعتقاده نفي موجب الخبر أي مدلوله. وهذا الشرط اختصّ باعتباره السيد المرتضى1(رحمه الله)، وتابعه على ذلك محقّقو الأُصوليين، وهو الحق.
وبـه ينـدفـع مـا قـد يحتجّ به المشركون من اليهود والنصارى وغيرهم على انتفاء معجـزات الرسول(صلى الله عليه وآله)،كانشقاق القمر2، وحنين الجذع3، وتسبيح الحصى4، وما يحتجّ به مخالفونا في انتفاء النص على

1.الذريعة:350. ونصّ قوله هو: لابدّ من شرط نختصّ نحن به، وهو أن يكون من أخبر بالخبر الذي فعل الله تعالى عنده العلم الضروري لم يسبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر، لأنّ هذا العلم إذا كان مستنداً إلى العادة وليس بموجب عن سبب، جاز في شروطه النقصان والزيادة بحسب ما يعلم الله تعالى... .
2. راجع: صحيح البخاري: 4/186، باب علامات النبوّة; و ص 243، باب انشقاق القمر; صحيح مسلم:8/133، باب انشقاق القمر; سنن الترمذي:3/322، باب ما جاء في انشقاق القمر، روضة الواعظين:63; بحار الأنوار:17/348ـ 350.
3. راجع: سنن الدارمي:1/16; صحيح ابن حبان:14/435; كنز العمال:12/411 برقم 35446; إعلام الورى بأعلام الهدى:76; كشف الغمّة:1/24، بحار الأنوار:8/163 ح 106، و ج17/327، و ج65/33 ح70.
4. راجع: مجمع الزوائد:8/298، باب تسبيح الحصى; فتح الباري:6/433.

صفحه 248
أميرالمؤمنين(عليه السلام)بالإمامة، وهو أنّها لو كانت متواترة لشاركناكم في العلم بمدلولاتها، كما في الأخبار المتواترة بوجود البلدان النائية والقرون الماضية. والتالي باطل، فكذا المقدّم والملازمة ظاهرة.
فيقال في الجواب: إنّ شرط إفادة التواتر العلم وهو عدم إفادة السبق بالشبهة أو التقليد المذكورين حاصل في الإخبار عن البلاد النائية والقرون الخالية للكلّ فكان العلم شاملاً للجميع; بخلاف معجزات الرسول(صلى الله عليه وآله)والنص على أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإنّ الشرط المذكور موجود عند المسلمين والإمامية، مفقود عند خصومهم، لأنّ أسلافهم نصبوا لهم شبهاً تقرّرت في أذهانهم تقتضي اعتقاداً منافياً للأخبار المذكورة، فلهذا حصل الافتراق، بحصول العلم للأوّلين دون الآخرين. 1

[الشروط المتعلّقة بالمخبرين]

وأمّا الثاني فأُمور:
الأوّل: أن يبلغوا في الكثرة إلى حد يمتنع تواطؤهم على الكذب.
الثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانين.
الثالث: أن يستندوا في علمهم بذلك إلى الإحساس، فلو اتّفقوا على الإخبار بمعقول، كحدوث العالم ووحدة الصانع، لم يفد العلم .
الرابع: استواء الطرفين والواسطة في ذلك بأن تكون كلّ واحدة من الطبقات عالمة بما أخبرت به لا ظانّة، لكن الطبقة الأُولى عالمة بذلك بالمشاهدة، والثانية والثالثة بالتواتر.

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/320; المحصول:2/127ـ128; الإحكام: 2/213; المعتمد:2/86.

صفحه 249
والمراد بالطرفين: الطبقة الأُولى المشاهدون لمدلول الخبر، والطبقة الأخيرة الناقلون عن الواسطة إلى المخبر آخراً. و الواسطة الطبقة التي بينهما، وقد تتّحد الواسطة، وقد تتعدّد، فيشترط في كلّ واحدة منها أن تكون عالمة بمدلول الخبر. وقد علم ممّا ذكرناه أنّ استواء الطرفين والواسطة إنّما يعتبر فيما إذا كان بين المخبرين والمشاهدين طبقتان أُخراوان، وحينئذ لا يكون الشرط عامّاً في كلّ متواتر، ولا في مطلق خبر التواتر، فإنّ ما ينقله المشاهدون إلى غيرهم بغير واسطة متواتر و ليس له طرفان وواسطة.

[في عدد المخبرين]

وهل يشترط عدد مخصوص في إفادته العلم؟
قال الأكثرون: لا، لأنّ كثيراً من الأعداد قد يحصل العلم بخبره تارة ويتخلّف عنه أُخرى.
وقال الباقون: نعم. فقال القاضي أبو بكر: يشترط أن يكونوا زائدين على أربعة، لعدم إفادة خبر الأربعة العدول الصادقين العلم، وإلاّ لأفاد خبر كلّ أربعة عدول صادقين العلم. والتالي باطل، فكذا المقدّم.
أمّا الملازمة فلأنّه لو أفاد العلم في بعض الصور دون غيرها، لكان إمّا لمرجّح فلا يكون إخبارهم بمجرده مفيداً للعلم، بل لابد من اعتبار انضمام ذلك المرجّح إليه; وإن كان لا لمرجّح لزم الترجيح من غير مرجّح وأنّه محال.
وأمّا بطلان التالي فلاستلزامه استغناء القاضي عن طلب مزكّي شهود الزنا، لأنّه إن أفاده خبرهم العلم بالزنا حكم به، وإن لم يفده علم كذبهم

صفحه 250
فيحدّهم للفرية. وهو باطل اتفاقاً.
وتوقّف في الخمسة لعدم اطّراد الدليل المذكور فيها، وعدم الظفر بما يدلّ على إفادته العلم ولا على عدمها، فوجب الوقف.
واعتبر آخرون اثني عشر عدد نقباء بني إسرائيل لقوله تعالى:(وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً)1 خصّهم بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم.
وقال أبو الهذيل العلاّف: أقلّه عشرون، لقوله تعالى:(إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)2، وإنّما خصّهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به.
وقال آخرون: أربعون، لقوله تعالى: (يَا أَيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)3نزلت في الأربعين.
وقال آخرون: سبعون، لقوله تعالى:(وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً)4، وإنّما كان كذلك ليحصل اليقين بإخبارهم أصحابهم ما يشاهدونه من المعجزات.
وقال آخرون: ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر، وإنّما خصّهم بذلك ليحصل للمشركين العلم بما يخبرونهم به من معجزات الرسول(عليه السلام). وهذه الأقوال كلّها باطلة، لأنّ كلّ واحد من هذه الأعداد قد يحصل العلم معه وقد يتخلّف عنه، فلا يكون ضابطاً له.
وزعم قوم أنّه يشترط فيهم أن لا يحويهم بلد، ولا يحصرهم عدد.

1. المائدة:12.
2. الأنفال:65.
3. الأنفال:64.
4. الأعراف:155.

صفحه 251
وهو باطل. فإنّ أهل بلد لو أخبرونا بقتل ملكهم أو ما جرى مجراه لم يمتنع إفادتهم العلم، وكذا العدد المحصور. ولأنّه منقوض بما علم من أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله) بتواتر الصحابة مع انحصار عددهم واتّحاد بلدهم.
ولا يشترط عدم اتّفاقهم في الدين، خلافاً لليهود، لأنّه لو كان شرطاً لم يحصل العلم بإخبار أهل ملّة واحدة، ومن المعلوم خلاف ذلك.
ولا يشتـرط عـدم اتّفـاقهـم فـي النسـب لحصـول العلـم بـإخبـار المتّفقيـن فيــه مـع تحقّـق مــا مــرّ ذكــره مــن الشـرائط. وكـذا لا يشتـرط وجـود المعصـوم فـي المخبـرين1، خلافـاً لابـن الـراونـدي2، لتحقّـق العلم من دونه.3

1. نسب الغزّالي في المستصفى:1/264، والآمدي في الإحكام:2/216 هذا القول إلى الشيعة، وهو خطأ فادح من المؤسف وقوع أمثالهم في مثله. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/326; عدة الأُصول:1/81.
2. هو أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي، أو ابن الراوندي، فيلسوف مجاهر بالإلحاد، من سكان بغداد، نسبته إلى راوند من قرى أصبهان، وقد انفرد بمذاهب نقلوها عنه في كتبهم. قال ابن حجر: ابن الراوندي الزنديق الشهير كان أوّلاً من متكلّمي المعتزلة ثم تزندق واشتهر بالإلحاد. ولكنّ السيد المرتضى ذكر في كتابه «الشافي في الإمامة » أنّه إنّما عمل الكتب التي شنع بها عليه مغالطة للمعتزلة ليبيّن لهم عن استقصاء نقصانها وكان يتبرّأ منها تبرّؤاً ظاهراً وينتحي من عملها وتصنيفها إلى غيره. مات برحبة مالك بن طوق (بين الرقّة وبغداد) سنة 298هـ . له كتب عدّة، منها: فضيحة المعتزلة، الإمامة، والعروس. الأعلام:1/267; الكنى والألقاب:1/277.
3. راجع البحث في: عدة الأُصول:1/76; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/321; المعتمد:2/89; المستصفى:1/259; المحصول:2/129; الإحكام:2/213.

صفحه 252

[في التواتر المعنوي]

وأمّا التواتر المعنوي فقد عرفت أنّه عبارة عن إخبار جماعة بلغوا في الكثرة إلى حد يمتنع تواطؤهم على الكذب بأخبار كثيرة عن أُمور متعددة مشتركة في معنى كلّي، فإن كان كلّ واحد من تلك الأخبار غير متواتر، فإنّ ذلك الكلّي المشترك يكون متواتراً، لأنّ كلّ واحد من تلك الأخبار الكثيرة دلّ عليه إمّا تضمّناً أو التزاماً. كما لو روى واحد أنّ حاتماً أعطى واحداً ألفاً من الإبل، وآخر أنّه أعطى واحداً مائة من الخيل، وآخر أنّه وهب واحداً مائة من العبيد، وهلمّ جراً، فإنّ كلّ واحد من هذه الأخبار لمّا كان دالاًّ على سخاء حاتم كان سخاؤه متواتراً.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/327; المحصول:2/134; الإحكام:2/217.

صفحه 253
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني:

في الأخبار المعلوم صدقها أو كذبها

وفيه بحثان:
الأوّل: خبر الله تعالى صدق، وهو ظاهر عندنا، إذ الكذب قبيح ضرورة، والله تعالى منزّه عن القبائح فلا يصدر عنه .
واستدلال الغزّالي بأنّ كلامه تعالى قائم بالنفس، فيستحيل فيه الكذب، لاستحالة الجهل عليه; ضعيف، لأنّ النزاع في الكلام المسموع، ونمنع الملازمة بين استحالة الجهل واستحالة الكذب.
وخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) صدق، لأنّ المعجزة دلّت على صدقه، وإلاّ لزم الإغراء بالقبيح، وعدم الفرق بين النبي والمتنبي.
ولا يتأتى شيء من ذلك على قواعد الأشاعرة، وإنّما يتم على مذهبنا.
وأنكر جماعة إفادة المحتف بالقرائن العلم، للتخلّف عنه في بعض المواضع، وهو خطأ، لجواز عدم1 الشرائط، خصوصاً مع عدم الضبط لهذه الجهات بالعبارة2.*
* أقول: لمّا فرغ من مباحث الخبر المتواتر، شرع في البحث عن باقي أقسام الأخبار المعلومة الصدق والمعلومة الكذب بالاكتساب، وذلك قسمان:

1. في المطبوع:226 بزيادة: بعض.
2. في المطبوع:226: بالعادة.

صفحه 254

الأوّل: في الأخبار المعلومة الصدق

وهي ثلاثة:
الأوّل: خبر الله تعالى صدق اتّفاقاً. واختلفوا في طريق العلم بذلك فقال أصحابنا والمعتزلة هو:إنّ الكذب قبيح عقلاً، وكلّ قبيح عقلاً فهو ممتنع الوقوع من الله تعالى. أمّا الصغرى فضرورته على ما تقدّم، وأمّا الكبرى فلما برهنوا عليه في علم الكلام.
وأمّا الأشاعرة فقد احتجّ الغزّالي منهم على ذلك بما ذكره المصنّف ـ طاب ثراه ـ هنا وهو: أنّ كلامه تعالى قائم بذاته، لأنّ الكلام عنده عبارة عن المعنى القائم بالنفس الذي تدلّ عليه العبارات، ويستحيل الكذب في كلام النفس على مَن يستحيل عليه الجهل، فإنّ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل على الله تعالى محال.1
واعترض بأنّ النزاع إنّما هو في الكلام المسموع ـ أعني: المركّب من الحروف والأصوات ـ إذ بحث الأُصولي لا يتعلّق إلاّ به لا بالكلام النفساني، ولا يلزم من كون الكلام النفساني صدقاً كون الكلام المسموع كذلك.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ الكلام النفساني يستحيل الكذب فيه، والملازمة بين استحالة الجهل واستحالة الكذب غير ظاهرة، فما الدليل عليها؟
وقال غيره: إنّ الكذب نقص، والنقص على الله تعالى محال إجماعاً.
الثاني: خبر الرسول (صلى الله عليه وآله) صدق، لأنّ المعجز الذي ظهر على يده

1. المستصفى من علم الأُصول:1/264.

صفحه 255
مطابق لدعواه، دالّ على تصديق الله تعالى إيّاه، وكلّ مَن صدّقه الله تعالى فهو صادق قطعاً، لأنّ تصديق الكاذب قبيح تعالى الله عنه.
ولأنّه لو جاز إظهار المعجز على يد الكاذب لزم الإغراء بالجهل، وهو اعتقاد صدق من ليس بصادق، وذلك قبيح، والله تعالى منزّه عن كلّ قبيح لما ثبت في علم الكلام.
ولأنّه لو جاز ذلك لارتفع الفرق بين النبي الصادق والمتنبّي الكاذب، إذ الإجماع على أنّه لا طريق إلى العلم بصدق مدّعي النبوّة إلاّ ظهور المعجز على يده، فإذا جاز أن يوجد تارة مع صدق المدّعي وتارة مع كذبه، كان أعم من كلّ واحد منهما، والعام لا يدلّ على الخاص. ولا يتأتّى شيء من هذه المقدّمات على قواعد الأشاعرة، لأنّهم لا يعلّلون أفعاله تعالى بالأغراض والحكم، ويجوّزون عليه فعل القبيح، فجاز الكذب في خبره وتصديقه للكاذب1 وإغراؤه بالجهل، وإنّما يتم ذلك على مذهب الإمامية وموافقيهم في مسائل العدل.
الثالث: الخبر إذا لم يعلم صدقه لمجرده قد يحتف بقرائن بحيث يصير معها مفيداً للعلم. وهو مذهب النظّام والغزالي2 والجويني3، خلافاً للباقين.4
لنا: إنّا نعلم علماً ضرورياً بصدق بعض الأخبار عند اقتران أُمور خارجة عنه; كمن أخبر عن موت إنسان، واقترن به صياح أهله، وشقّهم

1. في «م »: وتصديق الكاذب.
2. المستصفى من علم الأُصول:1/266.
3. البرهان في أُصول الفقه:1/378.
4. كما في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/338; والمحصول:2/141.

صفحه 256
ثيابهم، ونوحهم عليه، واجتماع ورثته، وقسمة تركته، وهدم أبوابه، وتسويد حيطانه، وما يجري مجرى ذلك، والمنكر لذلك مكابر وحجّة الخصم بأنّه لو أفاد العلم لم ينكشف عن الباطل.
والتالي باطل فإنّه قد يظهر خلاف الخبر في بعض الأوقات، كالإخبار عن الموت وحصول القرائن المذكورة بأن يكون قد أُغمي عليه، أو عرض له سكتة.
والجواب: أنّ ما يظهر فيه خلاف مدلول الخبر والقرائن يستبان1 فيه أنّه لم يحصل شروط إفادته العلم من كثرة القرائن وأحوالها التي قد تختلف خصوصاً مع أنّ تلك القرائن الموجبة لإفادة الخبر العلم وأحوالها غير مضبوطة بالعبارت، بل الضابط فيها حصول العلم عند تحقّقها كما قلنا في المتواتر.2

1. في «م »: لاستبان.
2. راجع البحث في: الذريعة:359; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/331ـ340; المحصول:2/135ـ 143; المعتمد:2/77.

صفحه 257
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الخبر إذا نافى مخبره وجود ما علم بالضرورة ـ حساً أو وجداناً أو بديهة ـ أو بالاستدلال كاذب قطعاً.
وكذا قول من لم يكذب: أنا كاذب، لأنّه إخبار عن صفة ما تقدّم من الأخبار الصادقة، لا عن نفسه، لوجوب تأخّر الحكاية عن المحكي في الرتبة.
ومثل هذه الإخبارات يستحيل ورودها عن النبي(صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يقبل تأويلاً قريباً.
ولا يجب كون الخبر الذي تتوفر الدواعي على نقله متواتراً، إذا حصل خوف أو تقية.
ولا شك في وقوع الكذب في الأخبار المروية عن الرسول(صلى الله عليه وآله)لقوله(عليه السلام):«سيكذب عليّ » فإنّ هذا الخبر إن كان صدقاً ثبت المطلوب في غيره، وإلاّ ففيه. وقد وجد في الأخبار ما يستحيل نسبتها إليه (عليه السلام)، ولا يقع من السلف تعمده، بل ربما نقل الخبر بالمعنى فبدل بما توهّمه مطابقاً أو نسي البعض أو المسند إليه، فتوهم أنّه عنه(عليه السلام)، أو أهمل السبب كقوله:«التاجر فاجر » فإنّه ورد في مَن دلّس.*

* [في الأخبار المعلومة الكذب]

أقول: لما ذكر الأخبار المعلومة الصدق شرع في ذكر الأخبار المعلومة الكذب، ويشملها أمر واحد، وهو ما نافى مخبره ـ أي مدلوله ـ وجود ماعلم وجوده إمّا بالضرورة، أو بالاستدلال.
فالأوّل قد يكون حسياً، مثل: النار باردة والقار أبيض والعاج أسود; وقد يكون وجدانياً، كمن قال لجائع: أنت شبعان أو لست بجائع، ولمن علم شيئاً: أنت جاهل به; أو بديهة، مثل: الكل مساو للجزء.
والثاني مثل العالم قديم، وكذا قول من لم يكذب قط:«أنا كاذب » فإنّه لمّا كان صدق الأخبار التي أخبر عنها بالكذب واقعاً وهي الأخبار السابقة على قوله هذا، كان إخباره عنها بالكذب كاذباً، ولا يجوز أن يكون إخباراً

صفحه 258
عن نفسه، لأنّ الخبر حكاية عن المخبر عنه، فلو كان خبراً عن نفسه كان حكاية عنها، وهو محال، لوجوب تأخّر الحكاية عن المحكي. وقد تقدّم ذلك كلّه.
ومراد المصنّف ـ طاب ثراه ـ بالوجود في قوله: نافى مخبره وجود ما علم بالضرورة: الوقوع، سواء كان وجوداً أو عدماً.
ومثل هذه الأخبار ـ أعني: الكاذبة ـ لا يجوز صدورها عن النبي(عليه السلام)لعصمته; وكذا لا يجوز صدورها عندنا عن الإمام، لأنّه معصوم أيضاً; أمّا لو كان ظاهرها الكذب وهي قابلة لتأويل قريب، جاز صدورها عن المعصوم، ويكون المراد فيها خلاف ظاهرها; ولو لم تكن قابلة للتأويل إلاّ على وجه بعيد، فقد تقدّم القول فيه والحق أنّه لا يقتضي تكذيبه لثبوت احتمال صدقه وإن بعد.
أمّا إذا لم يكن الخبر الذي تتوفّر الدواعي على نقله متواتراً ولم يكن قد وجد ما يقتضي إخفاؤه من تقية أو خوف، فإنّه يكون كاذباً. مثل قول من قال: إنّ بين بغداد والبصرة بلداً أكبر منهما، أو: إنّ الملك الفلاني قتل يوم الجمعة في الجامع بمشهد من خلق عظيم، أو كان متعلّقاً بتشريع عام كإيجاب صلاة سادسة.
ولو اقترن بذلك ما يوجب إخفاؤه من تقية أو خوف لم يدلّ على كونه كذباً، لأنّ عدم التواتر هنا ليس لعدم المخبر عنه، بل لوجود الصارف عن الإخبار به، كما يقوله أصحابنا في النص على أمير المؤمنين(عليه السلام)بالإمامة مع تواتره عندهم وعدم تواتره عند خصومهم كما يزعمون.1

1. راجع البحث في: الذريعة:361; عدة الأُصول:1/91; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/345; المعتمد:2/78; المحصول:2/146.

صفحه 259

[في وجود الكذب في الأخبار]

وهل في الأخبار المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله) ما هو كذب؟
قال الأكثرون: نعم، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: «سيكذب عليّ »1 فإمّا أن يكون هذا الخبر صادقاً، أو كاذباً. فإن كان الأوّل وجب وجود مطابقه من الأخبار الكاذبة فيتحقّق المدّعى في غيره.
وإن كان كاذباً مع أنّه منسوب إليه (صلى الله عليه وآله)تحقّق المدعى فيه والحق أنّه لا يدلّ على تحقّق الكذب في الأخبار المروية عنه(صلى الله عليه وآله) إلى هذه الغاية، لاحتمال صدق هذا الخبر ومطابقه لم يوجد إلى الآن، لكن يجب القطع بأنّه لابدّ من وجوده في الجملة، وقد وجد في الأخبار المنسوبة إلى الرسول(صلى الله عليه وآله)ما يستحيل صدوره منه.
وقد استدلّ بعضهم على ذلك بما تقدّم ذكره من قوله(صلى الله عليه وآله): «سيكذب عليّ ». وقد بيّنا أنّه غير دال على أنّه قد وقع الكذب عليه، ولو سلّم لم يلزم منه صدور ما يستحيل صدوره عنه(صلى الله عليه وآله)،لاحتمال كون الكذب في نسبة الخبر إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) مع كونه صادقاً في نفسه.
وبعضهم استدلّ على ذلك بما ورد عنه(صلى الله عليه وآله) بما يدلّ على كونه تعالى جسماً وفي جهة. والداعي إلى الكذب إمّا من جهة السلف وهم منزّهون عن تعمّده عند الجمهور، وإبراهيم النظّام جوّز ذلك وأورد أخباراً كثيرة

1. قرب الإسناد:92; بحار الأنوار:2/227 ح5; فيض القدير:6/280.
وقد جاء مضمون هذا الحديث أو ما يشابهه مع اختلاف في الألفاظ في العديد من مصادر الفريقين، راجع: صحيح البخاري:2/81، باب في الجنائز; صحيح مسلم:1/8، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع; سنن ابن ماجة:1/13، باب التغليظ في تعمّد الكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله); الكافي:1/62; من لا يحضره الفقيه:4/364; بحار الأنوار:2/225 و 229، و ج34/169، وج36/273.

صفحه 260
توجب القدح في الصدر الأوّل.
وذكر الأوّلون لوقوع الغلط منهم أسباباً:
منها: أن يكون الراوي نقل الخبر بالمعنى فيدلّ لفظ الرسول(عليه السلام) بلفظ آخر توهم أنّه بمنزلته وليس كذلك.
أو: أنّه نسى من الخبر لفظة يصحّ الخبر عند تحقّقها ويفسد بدونها.
أو: روى الخبر عن بعض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) ونسي ذلك فأسنده إليه(صلى الله عليه وآله)توهّماً أنّه سمعه منه لكثرة صحبته له.
أو: أنّه أدرك الرسول(صلى الله عليه وآله) وهو يروي متن الخبر ولم يذكر إسناده إلى غيره فيظن أنّ الخبر من جهته(صلى الله عليه وآله)،ولهذا كان النبي(صلى الله عليه وآله) يستأنف الحديث إذا دخل عليه شخص ليكمل له الرواية.
ويؤكّد ذلك ما روي أنّه(صلى الله عليه وآله)قال:«الشؤم في ثلاثة: المرأة والدار والفرس »1 فقالت عائشة: إنّما قال ذلك حكاية عن غيره.2
أو ربما كان الحديث وارداً على سبب، وهو مقصور عليه فيصحّ مع ذكر سببه، ومع إهماله يوهم الخطأ; كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله)قال: «التاجر فاجر »3 فقالت عائشة:إنّما قاله في تاجر دلّس.4
وأمّا من جهة الخلف فأسباب:

1. صحيح البخاري: 3/217، باب ما يذكر من شؤم الفرس، كتاب الجهاد والسير; صحيح مسلم:7/34، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم; سنن الترمذي:4/208 برقم 2979; سنن النسائي:6/220; من لا يحضره الفقيه:3/556 برقم 4912; تهذيب الأحكام:7/399 ح2.
2. شرح نهج البلاغة:20/26; المحصول:2/152.
3. روى الصدوق في «من لا يحضره الفقيه »:3/194 ح3729: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «التاجر فاجر، والفاجر في النار، إلاّ من أخذ الحق وأعطى الحق ».
4. فيض القدير:6/280; المحصول:2/152.

صفحه 261
منها: أنّ الملاحدة وضعوا أباطيل نسبوها إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) لينفّروا الناس عن اتّباعه.
ومنها: أنّه ربما كان رأي الراوي جواز الكذب المؤدّي إلى صلاح الأُمّة، كما هو مذهب الكرامية1 فإنّهم يجوّزون وضع الأخبار الكاذبة في المذاهب إذا صحّ عندهم أنّ ذلك يوجب ترويج الحق أو الترغيب، كما وضع في ابتداء دولة بني العباس أخبار في النص عليه بالإمامة .2
قال قدس الله روحه:

1. الكرّامية فرقة منسوبة إلى محمد بن كرّام السجستاني(المتوفّى 255هـ) الذي قال عنه الذهبي:ساقط الحديث على بدعته...، وقال عنه ابن حبّان: خذل، حتى التقط من المذاهب أردأها... وكانت الحركة الكرامية حركة رجعية بحتة حيث دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وأنّه جسم له حدّ ونهاية من تحت والجهة التي منها يلاقي عرشه. وقال البغدادي: وهذا شبيه بقول الثنوية. ومن عقائدهم: أنّ معبودهم محلّ للحوادث، وزعموا أنّ أقواله وإرادته وإدراكاته للمرئيات وإدراكاته للمسموعات وملاقاته للصفحة العليا من العالم أعراض حادثة فيه وهو محلّ لتلك الحوادث الحادثة فيه، ومن غرائب آرائه أنّه وصف الله سبحانه وتعالى بالثقل وذلك أنّه قال في كتاب «عذاب القبر » في تفسير قوله تعالى:(إذا السماء انفطرت): أنّها انفطرت من ثقل الرحمان عليها،ولهم آراء وعقائد أُخرى غريبة. راجع بحوث في الملل والنحل:3/201ـ203; الفَرق بين الفِرق:215ـ225.
2. راجع البحث في: الذريعة:363، عدّة الأُصول:1/89; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3/349; المحصول:2/151; المعتمد:2/79.

صفحه 262

الفصل الثالث:

في خبر الواحد

وفيه مباحث:
الأوّل: الأكثر على جواز التعبّد به. وهل وقع؟ منع السيد المرتضى منه. وأثبته أبوالحسين عقلاً، وأبو جعفر الطوسي سمعاً.
والحق ثبوت التعبّد به لقوله تعالى:(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين)أوجب الحذر لامتناع الترجّي منه تعالى بقول الطائفة التي لا يفيد قولهم العلم، لأنّ الثلاثة فرقة، ويجب على كلّ فرقة خروج بعضها إلى التفقّه، وإنّما يجب الحذر مع المخالفة عند قيام الموجب، وهو ترك القبول.
واعترض عليه بسؤال واقع، وهو الدلالة على وجوب القبول من المفتي.
ولقوله تعالى: (إنْ جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا)أوجب التبيُّن1 عند خبر الفاسق، لكونه فاسقاً للمناسبة. ولانتفاء الفائدة في القيد2 لولاه، إذ تعليق الحكم على الذاتي ـ وهو كونه خبر الواحد ـ أولى من تعليقه على العرضي، فمع الانتفاء إن وجب الترك كان العدل أسوأ حالاً من الفاسق، هذا خلف، فتعيّن العمل به.
ولأنّه(صلى الله عليه وآله)كان يبعث الرسل إلى القبائل بالأحكام. ويرد الإشكال الصعب، فإنّ حاجة القبائل ـ الغالب عليهم الجهل ـ إلى المفتي أشد من حاجتهم إلى الراوي.
ولإجماع الصحابة على العمل به. ولاشتمال العمل به على دفع ضرر مظنون، إذ إخبار العدل عن الرسول(عليه السلام) يثمر الظن، فترك العمل به يشتمل على الضرر ظناً.
احتجّ المانعون بقياس الفروع على الأُصول، وبالنهي عن اتّباع الظن.
والجواب: الفرق فإنّ3 المراد في الأُصول العلم، وفي الفروع الظن، والنهي عن اتّباع الظن ليس بعام، للعمل به في الفتوى

1. في المطبوع:229: التثبت.
2. في المطبوع:229: التقييد.
3. في المطبوع:230: بأنّ.

صفحه 263
والشهادة وأخبار القبلة والطهارة.*
* أقول: لمّا ذكر الأخبار المعلوم صدقها والمعلوم كذبها، شرع في ذكر ما لا يعلم فيه أحدهما على التعيين، وهو على أقسام ثلاثة: راجح الصدق وهو خبر العدل، وراجح الكذب وهو خبر الكذوب، وما تساوى فيه الأمران وهو خبر المجهول.
والأوّل هو خبر الواحد وهو المقصود بالبحث هنا، والكلام إمّا في ماهيّته، أو أحكامه.

[في ماهية خبر الواحد]

أمّا الأوّل فقد قيل في تعريفه1: ما أفاد الظن ونقض طرداً بالقياس وغيره من الأمارات; وعكساً بما لم يفد الظن من أخبار الآحاد، كخبر الكذوب وغير المميّز. وبأنّ الظن قد يراد به العلم، لقوله تعالى:(الذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِم)2أي يعلمون فيكون مشتركاً لا يجوز استعماله في الحد.
وفيه نظر، إذ المراد ما أفاد الظن من الأخبار لا ما أفاد الظنّ مطلقاً، لأنّ البحث إنّما هو في الخبر، وما لم يفد الظن من الأخبار وإن كان خبراً واحداً لغة، إلاّ أنّه ليس خبراً واحداً بحسب الاصطلاح، كما في الأخبار المفيدة للعلم مثل خبر المعصوم، واستعمال لفظ الظن في العلم لا يدلّ على

1. القائل هو بعض الأشاعرة، كما ذكره الآمدي في الإحكام:2/47 وقد عرّفه بأنّه ما كان من الأخبار غير المنتهية إلى حد التواتر.
2. البقرة:46.

صفحه 264
الاشتراك.
وقيل: ما لم يفد العلم من الأخبار ويدخل فيه ما لم يفد الظن منها. والأولى تقييده بقولنا: مع إفادته الظن، فإن زاد رواته على الثلاثة سُمّي مشهوراً أو مستفيضاً.1
وأمّا أحكامه فمسائل:

الأُولى: [في جواز التعبّد بخبر الواحد]

أكثر الناس على جواز التعبّد به عقلاً، ومنعه الجبّائي وجماعة من المتكلّمين.2
والحق الأوّل، لأنّ فرض ورود التعبّد به لا يلزم منه محال في العقل،

1. اختلف الناس في خبر الواحد هل يوجب علماً أو لا؟ فحكي عن أبي إسحاق إبراهيم بن يسار النظّام أحد أئمة المعتزلة أنّه كان يقول: إنّه يوجب العلم الضروري إذا قارنه سبب، مثل أن يرى رجلاً مُخرّق الثياب ثم يخبر بموت أبيه، ويجعل العمل تابعاً للعلم، فمهما لم يحصل علم فلا عمل. وتابع النظّام في مذهبه هذا: إمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزّالي والبيضاوي والرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. راجع: المعتمد:2/92ـ93; المستصفى:1/258; الإحكام:2/218; مختصر ابن الحاجب:2/309; التبصرة:298.
وحُكي عن قوم من أهل الظاهر وأحمد بن حنبل أنّ خبر الواحد يوجب العلم الظاهر.
وذهب الباقون من العلماء، من المتكلّمين والفقهاء، كالحنفية والشافعية وجمهور المالكية والمعتزلة والخوارج والإمامية، إلى أنّه لا يوجب العلم. وهو مختار السيد المرتضى والشيخ الطوسي والعلاّمة من أصحابنا. راجع: الذريعة:364; عدّة الأُصول:1/100; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/371; التبصرة:298; الإحكام لابن حزم:1/112.
2. كما في الإحكام:2/227، ونسبه أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:301 إلى بعض أهل البدع، ونسبه السبكي في رفع الحاجب:2/331 إلى جمهور القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر كالقاساني وغيره. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ المفيد في التذكرة في أُصول الفقه:28، وأوائل المقالات:122 برقم 130 وقال: لا يجب العلم ولا العمل بشيء من أخبار الآحاد... إلاّ أن يقترن به ما يدلّ على صدق راويه على البيان.

صفحه 265
وهو المراد من جواز التعبّد به عقلاً. وجواز الكذب عليه لا يمنع من ذلك، لوقوع الإجماع على التعبّد بقبول1 خبر المفتي والشاهد مع تطرّق احتمال الكذب إليهما.
وهل وقع؟ قال السيد المرتضى(رحمه الله): لا، لعدم ما يدلّ على ذلك من الأدلّة السمعية.2
وقال أبو الحسين البصري وجماعة: نعم. واتّفقوا على أنّ في الأدلة السمعية ما يدلّ عليه. واختلفوا في دلالة الدليل العقلي عليه، فقال القفّال وابن سريج وأبوالحسين به.3
وأنكره جماعة، منهم الشيخ أبو جعفر الطوسي(رحمه الله)منّا4 وكثير من

1. في «م »: بقول.
2. نص عبارة السيد المرتضى(قدس سره) هي: الصحيح أنّ العبادة ما وردت بذلك، وإن كان العقل يجوّز التعبّد بذلك وغير محيل له، ووافق على ذلك كل من منع عقلاً من العبادة به من النظّام وغيره من المتكلّمين. الذريعة:371. وذهب إلى هذا القول أيضاً القاساني وابن داود كما في التبصرة:303.
3. المعتمد:2/106.
4. عدة الأُصول:1/100. حيث قال(قدس سره): وقد ورد جواز العمل به في الشرع، إلاّ أنّ ذلك موقوف على طريق مخصوص، وهو ما يرويه مَن كان من الطائفة المحقّة، ويختصُّ بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها.
وقال في ص 126: إنّ خبر الواحد إذا كان وارداً من أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مروياً عن النبي(صلى الله عليه وآله)أو عن واحد من الأئمة(عليهم السلام)، وكان ممّا لا يطعن في روايته، ويكون سديداً في نقله... جاز العمل به.
والحاصل: إنّ شيخ الطائفة يفصّل بين الأخبار، فأخبار أصحابنا الإمامية إذا كانت متوفّرة فيها الشروط سنداً ومتناً، فيجوز العمل بها شرعاً وعقلاً; وأمّا أخبار غير أصحابنا فلا تصحّ شرعاً وإن كان يجوز عقلاً.

صفحه 266
المعتزلة، وزعموا أنّ الذي دلّ عليه السمع فقط .1
والحق ثبوت التعبّد به سمعاً، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ.وأمّا أنّ الدليل العقلي غير دالٍّ عليه فغير معلوم.2
لنا وجوه:
الأوّل: قوله تعالى:(فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون)3أوجب الله تعالى الحذر بإخبار الطائفة، والطائفة هنا عدد لا يفيد قولهم العلم، ومتى كان كذلك وجب العمل بخبر الواحد.
أمّا إيجابه تعالى الحذر بإخبار الطائفة، فلأنّه أوجب الحذر بإنذار الطائفة، لأنّ كلمة لعلّ للترجّي المستحيل في حقّه تعالى، ومع تعذّر حمل اللفظ على حقيقته، يتعيّن حمله على مجازه، ولمّا كان الطلب لازماً للترجّي لكون المترجّي طالباً حمل لفظ الترجّي على الطلب، لعدم ظهور مجاز راجح عليه أو مساو له، وطلبه تعالى أمره وهو للوجوب على ما تقدّم.
والإنذار: الإخبار، لأنّه عبارة عن الخبر المخوف، والخبر المطلق داخل فيه، فثبت أنّه تعالى أوجب الحذر عند إخبار الطائفة.
وأمّا أنّ الطائفة هنا عبارة عن قوم لا يحصل العلم بقولهم، فلأنّ

1. كأبي علي وأبي هاشم الجبّائيين والقاضي عبد الجبار، وهو مختار أكثر الأشاعرة أيضاً كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:303، والغزّالي في المستصفى:1/276، والرازي في المحصول:1/170، والآمدي في الإحكام:2/237، وغيرهم.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/383.
3. التوبة:122.

صفحه 267
الطائفة هنا بعض الفرقة، والفرقة صادقة على الثلاثة، فإنّ كلّ ثلاثة فرقة، فالطائفة اثنان أو واحد، وقول الواحد والاثنين غير مفيد للعلم قطعاً.
وأمّا الثاني فلأنّ قوماً لو أقدموا على فعل فروى لهم راو خبراً يقتضي المنع منه فإمّا أن يجب عليهم تركه حينئذ، أو لا. فإن وجب فهو المطلوب، إذ هو المراد من وجوب العمل بخبر الواحد، وإذا وجب العمل به في هذه الصورة، وجب ذلك في كلّ صورة لعدم القائل بالفرق، وإن لم يجب، لم يكن الحذر واجباً، وهو مناف لمدلول الآية.
واعترض على ذلك بالمنع من كون الإنذار هو الإخبار، بل هو من جنس التخويف، فتحمل الآية على التخويف الحاصل من الفتوى، بل هذا أولى، لأنّه تعالى أوجب التفقّه لأجل الإنذار، ومن المعلوم أنّ التفقّه إنّما يحتاج إليه في الفتوى لا في الرواية.
فإن قلت: حمله على الفتوى متعذّر لوجهين:
أحدهما: أنّه يلزم اختصاص لفظ القوم بغيرالمجتهدين، إذ المجتهد لا يجوز له العمل بفتوى مجتهد آخر وهو غير جائز، لأنّ الآية مطلقة في وجوب إنذار القوم مجتهدين كانوا أو غير مجتهدين، فالتقييد خلاف الظاهر أمّا حمله على الرواية فلا يلزم منه ذلك، لأنّ الخبر كما يُروى لغير المجتهد فقد يُروى للمجتهد.
الثاني: أنّ مَن أقدم على فعل محرّم كشرب النبيذ مثلاً، فروى له إنسان خبراً دالاًّ على أنّ شارب النبيذ في النار، فقد أخبره بخبر مخوف، ولانعني بالإنذار إلاّ ذلك، فصحّ وقوع لفظ الإنذار على الرواية. وحينئذ إمّا أن لا يصح وقوعه على الفتوى، أو يصحّ. فإن كان الأوّل فقد ثبت

صفحه 268
المطلوب من كون المراد من الآية الرواية لا الفتوى، وإن كان الثاني لم يجز جعله حقيقة في كلّ واحد منهما ولا في أحدهما خاصّة، للزوم الاشتراك والمجاز المخالفين للأصل، فتعيّن كونه حقيقة في القدر المشترك، وهو الخبر المخوف مطلقاً، فيكون الإنذار متناولاً للرواية والفتوى جميعاً، وذلك لا يضرنا، إذ مطلوبنا كونه متناولاً للرواية في الجملة.
قلت: الجواب عن الأوّل: أنّه كما يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص لفظ القوم بغير المجتهد، فكذا يلزم من حمله على الرواية تخصيصه بالمجتهد للإجماع على أنّه لا يجوز للعامي الاستدلال بالأحاديث على الأحكام، ثم لابدّ من الترجيح بين التقييدين، وهو معنا: فإنّ غير المجتهد أكثر من المجتهد، وكلّما قلّ التقييد، أي كان الخارج بالقيد أقل كان أولى.
وعلى الثاني: أنّ حمل الإنذار على القدر المشترك يوجب الاكتفاء في القيام بالأمر بالإتيان بصورة واحدة منه، فالقول بكون الفتوى حجّة يكفي في العمل بمقتضى النص.
وفيه نظر، للمنع من الاكتفاء بذلك، وإنّما يتحقّق الاكتفاء به إن لو لم يكن الأمر بالحذر متكرراً بتكرار الإنذار، أمّا على تقديره وهو الواقع اتّفاقاً فلا.
وأيضاً فلا نسلّم أنّ المراد من الطائفة عدد لا يفيد قولهم العلم.
قوله: لأنّ كلّ ثلاثة فرقة، والخارج منها اثنان أو واحد.
قلنا: لا نسلّم فإنّه يصدق على الشافعية أنّها فرقة واحدة، ولا يصدق عليها أنّها فرق. ولأنّه يلزم من ذلك وجوب خروج واحد من كلّ ثلاثة

صفحه 269
للتفقّه، وهو باطل إجماعاً.
والحق أنّه لا يلزم من صدق كلّ ثلاثة فرقة، صدق عكسه كليّاً وهو كلّ فرقة ثلاثة كما في الجماعة.
وأيضاً فقوله:( ليتفقّهوا... ولينذروا) ضمير جمع ولا يجوز عوده إلى كلّ واحدة من الطوائف لما تقدّم من كون أقل الجمع ثلاثة، وحينئذ يكون عائداً إلى مجموع الطوائف، فجاز بلوغهم حدّ التواتر.
والجواب: أنّ حمله على الفتوى ملزوم لتخصيص القوم بغير المجتهد كما تقدّم، وهو خلاف الظاهر.
قوله: حمله على الرواية ملزوم لتخصيصه بالمجتهد، وهو خلاف الظاهر أيضاً.
قلنا: ممنوع، فإنّ الخبر كما يُروى للمجتهد فقد يُروى لغيره، وكون العامي ممنوعاً من استخراج الأحكام من الأحاديث لا يلزم منه عدم انتفاعه بها من وجوه أُخر، كالانزجار عن المحرّمات والإقبال على الطاعات، وربما كان ذلك باعثاً له على الرجوع إلى المفتي و البحث والنظر الموجبين للاطلاع على معناه.
وكون كلّ ثلاثة فرقة ظاهر من اللغة، بل هي حقيقة لغة في كلّ واحد من الأشخاص، لأنّها فعلة من فرق أو فرَّق كالقطعة من قطع أو قطَّع، وإنّما خصصناها في الآية بالثلاثة لتمكّن خروج الطائفة منها. واتحاد فرق الشافعية لامتيازهم بحسب المذهب عن غيرهم فلهذا أطلق عليهم لفظ الفرقة وإن كانوا بحسب الشخص فرقاً متعددة، ولمّا دلّ الإجماع على عدم وجوب خروج طائفة من كل ثلاثة بقي معمولاً به في الباقي.

صفحه 270
قوله: ليتفقّهوا ولينذروا ضمير جمع فلا يصدق على الواحد ولا على الاثنين .
قلنا: يعود إلى مجموع الطوائف المقابل لمجموع القوم المقتضي توزيع البعض على البعض ولا يمكن إرادة المجموع بمعنى إنذار المجموع لكلّ واحد من القوم، لقوله تعالى:(إذا رجعوا إليهم)وإنّما يصحّ الرجوع إلى الموضع بعد الكون فيه، ومعلوم أنّ الطائفة من كل فرقة لم يكن في غير تلك الفرقة، فلا يكون رجوعها إلى كل الفرق ممكناً، بل إلى فرقتها الخاصّة.
واعلم أنّه كما يمكن أن يكون الضمير في قوله: (ليتفقّهوا)و(لينذروا)عائداً إلى النافرين كما فهمه أكثر الأُصوليّين، فكذا يمكن أن يعود إلى المتخلّفين من المؤمنين بعد نفور الطوائف منهم إلى الجهاد، وعليه جماعة من المفسّرين، ويكون تفقّههم إمّا بسماعهم ما يتجدّد من النصوص الدالة على الأحكام والمبتدأة والناسخة لما تقدّمها من الرسول(عليه السلام)،أو بالاجتهاد و استخراج الأحكام من أدلّتها، وصدر الآية دالّ على هذا، وهو قوله: (ومَا كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافّةً)1 أي إلى الجهاد، وقوله: (إذَا رَجَعُوا إلَيْهِم)2يحتمل أن يكون المراد به الرجوع (إلى النفر)3 كما فهمه الأكثر وأن يكون المراد الرجوع إليهم في الأحكام والحوادث، وهذا أولى لعمومه.

1. التوبة:122.
2.التوبة:122.
3. في «ب » و «م »: من السفر.

صفحه 271
الثاني: قوله: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا)1، أوجب الله تعالى التثبّت عند إخبار الفاسق; وقد اجتمع فيه وصفان: ذاتي لازم وهو كونه خبر واحد، وعرضي مفارق وهو كونه خبر فاسق. والمقتضي للتثبّت هو الثاني للمناسبة والاقتران، فإنّ الفسق يناسب التثبّت وعدم القبول وحينئذ يمتنع كون الأوّل صالحاً للعلّيّة، وإلاّ لوجب استناد الحكم إليه لحصوله قبل حصول العرضي، (فيحصل الحكم به قبل حصول العرضي)2 وذلك يمنع من التعليل به، لاستحالة كون اللاحق علّة للسابق، فإذا أخبر العدل لم يجب التثبّت، لانتفاء علّته; فإمّا أن يجب الرد فيكون أسوأ حالاً من الفاسق، وهو باطل قطعاً; أو القبول، وهو المطلوب.
وفيه نظر، لمنع الحصر إذ انتفاء وجوب التثبّت غير ملزوم لأحد الوجوبين ـ أعني: وجوب الرد ووجوب القبول ـ بل قد يجامع جواز القبول وجواز التثبّت. ثم إنّ ذلك معارض بخبر المجهول، فإنّه غير مقبول عند الأكثر مع اقتضاء ما ذكرتموه من الدليل قبوله.
الثالث: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يبعث رسله إلى القبائل لتعليم الأحكام الشرعية مع أنّ المرسلين إلى كلّ قبيلة ما كانوا عدد التواتر، ولا كانوا معصومين، ولو لم يكن خبر الواحد حجّة لما كان كذلك.
واعترض أبو الحسين بجواز كون إنفاذ الرسل إلى القبائل للفتوى لا للرواية. ويؤيد ذلك أنّ العوام والجهّال فيهم أكثر من المجتهدين

1. الحجرات:6.
2. ليس في «أ » و «م ».

صفحه 272
بأضعاف كثيرة، فاحتياجهم إلى المفتي أشد من احتياجهم إلى الراوي، ومهما لم يبطل هذا الاحتمال لا يتمّ الدليل.
وفيه نظر، لأنّ هذا الاحتمال يوجب كون كلّ واحد من المرسلين فقيهاً بالغاً رتبة الفتوى، ومن المعلوم خلاف ذلك.
الرابع: إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد، فيكون العمل به حقاً.
أمّا الأوّل فلما روي أنّ أبا بكر قضى بقضية بين اثنين، فأخبره بلال أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)قضى بخلاف قضائك، فنقضه.
وأنّ عمر قضى في الأصابع بنصف الدية وفصّل بينها، فكان يجعل في الخنصر ستة أبعرة، وفي البنصر تسعة أبعرة، وفي كلّ واحدة من الوسطى والسبابة عشرة أبعرة. وفي الإبهام خمسة عشر بعيراً. فلمّا روي أنّ في كتاب عمرو بن حزم1 أنّ في كلّ إصبع عشرة أبعرة رجع عن رأيه.
وقال عمر في الجنين: رحم الله امرءاً سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الجنين شيئاً، فقام إليه حمل بن مالك2 فأخبره أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قضى فيه بغرة، فقال عمر: لو لم يسمع هذا لقضينا فيه بغيره.

1. هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي الأنصاري، أبو الضحاك، له صحبة، شهد الخندق مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبعثه إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وروى عنه: زياد بن نعيم الحضرمي، وابنه محمد، والنضر بن عبد الله السلمي. مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين وخمسين. تهذيب الكمال:21/585برقم 4347.
2. هو حمل بن مالك بن النابغة بن جابر بن ربيعة، أبو نضلة الهذلي، له صحبة، روى عنه ابن عباس، نزل البصرة وله بها دار، عاش إلى خلافة عمر. الإصابة:2/108 برقم 1836.

صفحه 273
وكان عمر يرى أنّ المرأة لا ترث من دية زوجها، فأخبره الضحّاك1أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي2 من زوجها، فرجع إليه.
وقال في المجوس: ما أدري ما أصنع بهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف3: أشهد أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب »، فأخذ منهم الجزية وأقرّهم على دينهم.4
ورجع عثمان إلى خبر فريعة بنت مالك5 أُخت أبي سعيد الخدري لمّا قالت: جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله)بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال(عليه السلام):«اسكني في بيتك حتى تنقضي عدّتك »6 ولم ينكر عليها الخروج للاستفتاء، فأخذ عثمان بقولها في الحال في أنّ المتوفّى عنها

1. هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، أبو سعيد، صحابي كان من عمال النبي(صلى الله عليه وآله) على الصدقات. تقريب التهذيب:1/442 برقم 2978.
2. أشيم الضبابي قُتل خطأً في حياة النبي(صلى الله عليه وآله)، وكتب النبي(صلى الله عليه وآله) إلى الضحاك في توريث زوجته، ولم نقف على ترجمة له أكثر من ذلك. راجع أُسد الغابة:1/99.
3. هو عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري الصحابي، ابن عم سعد بن أبي وقاص، وصهر عثمان بن عفان، ولد بعد الفيل بعشر سنين وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وروى عن النبي(صلى الله عليه وآله) عدة أحاديث، وهو أحد الستة الذين رشّحهم عمر للخلافة، بل جعله المقدّم عليهم إذ قال: وإذا اختلفتم فكونوا في الشق الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، وقد لعب دوراً كبيراً في إقصاء الإمام علي(عليه السلام) عن الخلافة وإيصالها إلى عثمان. توفّي سنة 32هـ ودفن بالبقيع تاركاً ثروة ضخمة وأموالاً طائلة. راجع: موسوعة طبقات الفقهاء:1/153 برقم 47.
4. سنن البيهقي:9/189; كنز العمال:4/502 برقم 11490.
5. هي فريعة بنت مالك بن سنان أُخت أبي سعيد الخدري كان يقال لها: الفارعة، شهدت بيعة الرضوان، وأُمّها حبيبة بنت عبد الله بن أبي سلول. الاستيعاب:4/1903 برقم 4066.
6. الموطأ:2/591.

صفحه 274
تبقى في منزل الزوج ولا تخرج ليلاً وتخرج نهاراً إذا لم يكن لها من يقوم بأحوالها.
ورجع أكثر الصحابة إلى قول عائشة في الغسل من التقاء الختانين.
وهذه الأخبار1 قطرة من بحار الأخبار المعمول بها عندهم من غير إنكار من بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعاً.
وأمّا الثاني فلما تقدّم في الإجماع.
وفيه نظر، فإنّ هذه الروايات أخبار آحاد فيتوقّف العلم بتحقّق الإجماع على قبولها، فلو استفيد قبولها من ذلك الإجماع لزم الدور.
الخامس: دليل العقل وهو أنّ العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون فيكون واجباً.
أمّا الأوّل، فلأنّ الواحد العدل إذا أخبر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر بكذا، حصل ظن أنّه وجد من رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذا الأمر، وعنده علم أنّ مخالفة الرسول(عليه السلام)سبب لاستحقاق العقاب، فيحصل من ذلك الظن وذلك العلم، الظن بأنّ تارك ذلك الأمر مستحق للعقاب، فالعمل به مقتض لدفع الضرر المظنون.
وأمّا الثاني، فلأنّ دفع الضرر المظنون واجب بالضرورة .
ولأنّه لا يمكن العمل بالمرجوح خاصّة مع إمكان العمل بالراجح، لاستحالة ترجيح المرجوح على الراجح، ولا العمل بهما لما بينهما من

1. لم نعثر على هذه الأخبار بهذه النصوص في الجوامع الحديثية، لكن نقلها الأُصوليون في كتبهم. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/397ـ400; المحصول:2/181ـ183; الإحكام:2/237.

صفحه 275
المنافاة ولا تركهما لذلك، فتعيّن العمل بالراجح، وهو المطلوب.
احتجّ المانعون بأنّ خبر الواحد لا يجوز العمل به في الأُصول كمعرفة الله تعالى، فكذا لا يجوز العمل به في الفروع قياساً للفروع على الأُصول.
ولأنّ خبر الواحد إنّما يفيد الظن، واتّباع الظن غير جائز. أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني لقوله تعالى:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)1، وقوله:(إنّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)2، (إنّ بعض الظن إثمٌ).
والجواب عن الأوّل: بالفرق فإنّ المطلوب في الأُصول العلم وخبر الواحد لا يفيده، وأمّا الفروع فالمطلوب فيها أحد الأمرين إمّا العلم أو الظن، وخبر الواحد مفيد للظن قطعاً.
وعن الثاني: أنّ النهي عن اتّباع الظن ليس عامّاً، لوجوب العمل به في الفتاوى والشهادات وأخبار القبلة والطهارة والأُمور الدنيوية إجماعاً.
وفيه نظر، فإنّ عدم عموم النهي عن اتّباع الظن يستلزم جواز العمل به في صورة معينة، إلاّ إذا علم أنّها غير مندرجة تحت المنهي عنه، والظن الحاصل في الأُمور المذكورة خارج عن المنهي عنه لتحقّق الإجماع على جواز العمل به فيبقى ماعداه في حيز الاحتمال وقوله تعالى:(يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ)3، يوجب اجتناب الظن فيما لم يعلم بالدليل كونه غير إثم.

1. الإسراء:36.
2. يونس:36.
3. الحجرات:12.

صفحه 276

صفحه 277
قال قدس الله روحه :البحث الثاني: يجب كون المخبر راجح الصدق عند السامع، وإنّما يحصل مع عقل الراوي، وبلوغه، وإسلامه، وعدالته، وضبطه، وغلبة ذكره على نسيانه.
فإنّ الصبي إن لم يكن مميِّزاً فلا عبرة بقوله، وإن كان مميِّزاً عرف عدم المؤاخذة على الكذب فلم ينزجر عنه.
وتقبل روايته صبياً عند التحمّل، بالغاً عند الأداء، لوجود المقتضي للقبول وانتفاء المانع.
ولا تقبل رواية الكافر وإن علم من دينه التحرّز عن الكذب، لوجوب التثبت عند خبر الفاسق.
والمخالف من المسلمين المبتدع: إن كفّرناه فكذلك، وإن علم منه تحريم الكذب، خلافاً لأبي الحسين، لاندراجه تحت الآية، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم. ولأنّ قبول الرواية تنفيذ حكم على المسلمين، فلا يقبل، كالكافر الذي ليس من أهل القبلة.
احتج أبو الحسين بأنّ أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف، كالحسن البصري وقتادة وعمرو بن عبيد مع علمهم بمذهبهم وإنكارهم على من يقول بقولهم.
والجواب: المنع من المقدّمتين. ومع التسليم: فنمنع الإجماع عليه، وغيره ليس بحجة.
والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضاً، لاندراجه تحت اسم الفاسق.*

* [في شرائط الراوي]

* أقول:القائلون بأنّ خبر الواحد حجّة اعتبروا في حجّيته شروطاً خمسة1 متعلّقة بالمخبر وينظمها شيء واحد، وهو كونه راجح الصدق على الكذب عند السامع .
الأوّل: كونه عاقلاً
فإنّ المجنون عاجز عن الضبط والاحتراز عن الخلل، فلا يحصل الظن بخبره.
الثاني: كونه بالغاً
فإنّ الصبي إن لم يكن مميزاً لم يكن بقوله اعتبار ولا يحصل به ظن;

1. الشروط هي: العقل، البلوغ،الإسلام، العدالة، الضبط.

صفحه 278
وإن كان مميزاً عرف عدم مؤاخذة الشارع إيّاه على الكذب، فلم يحصل انزجاره عنه، وحينئذ لا يحصل الظن بقوله. ولأنّ عدم قبول رواية الفاسق يستلزم أولوية عدم قبول رواية الصبي، لأنّ الفاسق يخاف الله تعالى من إقدامه على الكذب والصبي ليس كذلك.
أمّا لو كان صبياً حال تحمّل الرواية بالغاً عند أدائها، قبلت. وهو قول الأكثر، لوجود المقتضي للقبول، وهو كونه حال الأداء كاملاً جامعاً للشرائط المعتبرة فيه، وانتفاء المانع وهو اعتقاده عدم المؤاخذة على الكذب المستند إلى الصبي.
الثالث: الإسلام
فــلا تقبــل روايــة الكــافــر مطلقــاً، ســواء كــان مــن غيــر أهــل القبلـة كاليهـودي والنصـرانـي، أو منهـم كالمجسّمــة1والخـوارج2 والغـلاة3 عند من يكفّرهم.

1. المجسّمة: هم الذين قالوا: إنّ لله تعالى جسماً. ومنهم من قال بالنهاية له من ست جهات. ومنهم من قال: إن له يدين ورجلين، وغير ذلك من اللحم والدم وسائر الأعضاء. معجم الفرق الإسلامية:213.
2. الخوارج هم الذين خرجوا على علي(عليه السلام) في صفين بعد قبول التحكيم، وفيهم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«إنّ بعدي من أُمّتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرّ الخلق والخليقة ».وهم يكفّرون علياً، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين ومَن صوّبهما أو صوّب أحدهما أو رضي بالتحكيم; ويقدّمون ذلك على كل طاعة، ولا يصحّحون المناكحات إلاّ على ذلك، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنّة حقاً وواجباً، وقالوا بجواز الإمامة في غير قريش. أمّا كبار فرقهم فهي: المحكّمة الأُولى، والأزارقة والنجدات والبيهسية والثعالبة والعجاردة والإباضية. معجم الفرق الإسلامية:112.
3. الغلاة: هم عدة طوائف من المسلمين، غَلَوْا في حق الأئمة، حتى أخرجوهم من حدود الخليقة، وحكموا فيهم بأحكام إلهية، فربّما شبّهوا واحداً من الأئمة بالإله، وربّما شبّهوا الإله بالخلق. ثم إنّ الغلو استغرق أشخاص زعماء الغلو أنفسهم نقلاً للإمامة إليهم عن إمام شيعي، ومن هؤلاء: المفوّضة والخطابية والعجلية والبيانية. وعلى الجملة هم الذين قالوا بالأُلوهية والحلول والتشبيه والتناسخ. كما قال بالغلو كثير من فرق المعتزلة والمرجئة والصوفية والمشبهة مثل الحائطية والحلاجية والحمارية والحلمانية وغيرها. معجم الفرق الإسلامية:180.

صفحه 279
أمّا الأوّل فمجمع عليه، سواء كان من مذهبه تحريم الكذب أم لم يكن. وإن كان أبو حنيفة يقبل شهادة الذمّي على مثله1، لأنّه صرّح بعدم قبول روايته2; فلم يكن ذلك قادحاً في الإجماع. ولأنّه فاسق، لقوله تعالى:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون )3فيكون مردود الرواية لما تقدّم .
وأمّا الثاني فقد اختلفوا فيه فقال القاضيان: لا تقبل مطلقاً.4
وقال أبو الحسين: إن كان مذهبه تحريم الكذب قبلت، وإلاّ فلا.5والحق الأوّل.6
لنا: إنّه مندرج تحت الآية، وهي قوله تعالى: (إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا)7 لكونه فاسقاً، بدليل قوله تعالى:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون)8، فيكون مردود الرواية. وعدم علمه بكونه كافراً

1. راجع: بدائع الصنائع:6/404.
2. راجع: المبسوط للسرخسي:16/160.
3. المائدة:47.
4. نقله عنهما الرازي في المحصول:2/195. والقاضيان هما:القاضي عبد الجبار والقاضي أبو بكر.
5. المعتمد:2/135.
6. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/417.
7. الحجرات:6.
8. المائدة:47.

صفحه 280
لا يخرجه عن اسم الفسق وليس عذراً، لأنّه ضم جهلاً إلى كفر ولأنّ في قبول روايته تنفيذ حكم على المسلمين إلى يوم القيامة، فيكون ممنوعاً منه قياساً على الكافر الذي ليس من أهل القبلة، لاشتراكهما في مطلق الكفر الذي هو مظنّة الكذب.
احتــجّ أبـو الحسيـن[البصــري]1 بــأنّ أصحــاب الحـديــث قبلــوا أخبــار السلـف، كـالحسـن البصــري2 وقتــادة3 وعمرو بن عبيد4، مع علمهم بمذهبهم واعتقادهم كفر القائل به.

1. المعتمد في أُصول الفقه:2/135.
2. هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، ولد بالمدينة سنة 21هـ ، وسكن البصرة، وكان أبوه من أهل ميسان مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأُمّه خيرة مولاة أُم المؤمنين أُم سلمة. وكان عالماً فقيهاً فصيحاً، له تفسير رواه عنه جماعة وكتاب في فضائل مكة. نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف » إحدى وستين فتوى، وقال أبو سلمة التبوذكي: حفظت عن الحسن ثمانية آلاف مسألة. وأخبار الحسن كثيرة; وله مع الحجّاج الثقفي مواقف، وسلم من أذاه. وكان تكلّم في القدر بالمعنى الذي خالف ما اعتمده وفرضه حكام بني أُميّة، ولمّا خوّفه بعض أصدقائه من السلطان وعد أن لا يعود. توفّي بالبصرة سنة عشر ومائة. الأعلام:2/226; موسوعة طبقات الفقهاء:1/323 برقم 119.
3. هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن الحارث بن سدوس، أبو الخطاب البصري، الضرير الأكمه. ولد سنة 60، وقيل: واحد وستين. كان فقيهاً محدّثاً مفسّراً، وكان رأساً في العربية وأيام العرب وأنسابها. وكان يرى القدر، وقد يدلّس في الحديث. توفّي بواسط في الطاعون سنة 118هـ وهو ابن 56 أو 57. الأعلام:5/189; موسوعة طبقات الفقهاء:1/493برقم 237.
4. هو أبو عثمان وقيل: أبو مروان عمرو بن عبيد بن باب البصري التميمي، أحد رجالات المعتزلة القدرية، كان متكلماً أديباً شاعراً، عامّي المذهب، والعامّة اتّهموه بالكذب وتركوا حديثه. ولد سنة 80هـ ، وسكن البصرة، وصحب بها الحسن البصري دهراً من الزمن ثم اختلف معه واعتزل مجلسه وتبعه جماعة سمّوا بالمعتزلة العمروية. توفّي بمرّان (في طريق مكة) سنة 144هـ . الأعلام:5/81; معجم رجال الحديث:13/112; طبقات المعتزلة:35.

صفحه 281
والجواب: المنع من المقدّمتين، وهما قبول أصحاب الحديث أخبار المذكورين وعلمهم بمذهبهم واعتقادهم كفر من يقول به.
سلّمنا، لكن إن كان المراد مجموع أصحاب الحديث بحيث يكون ذلك إجماعاً منهم منعناه وكيف وهو في محل الخلاف، وإن كان المراد البعض لم يكن حجّة.
وأمّا المخالف في العقائد الذي لا يبلغ إلى حد الكفر فلا تقبل روايته عندنا، لاندراجه تحت اسم الفاسق للآية المذكورة.

صفحه 282
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: في العدالة: إنّما تقبل رواية العدل، لأنّ إيجاب التثبّت عقيب الفسق تقتضيه.
والعدالة: كيفية نفسانية راسخة تبعث على ملازمة التقوى والمروة.
ويقدح فيها فعل الكبيرة والإصرار على الصغيرة. وتعود بالتوبة. ولا تقدح فيها الصغيرة نادراً. وإنّما تحصل المعرفة بها بالاختبار الحاصل من الصحبة المتكررة المتأكدة، أو التزكية من العدل. والفاسق إذا لم يعلم كونه فاسقاً، فإن كان فسقه مقطوعاً به لم تقبل روايته، وفي المظنون كذلك على الأقوى، وإن علم رُدَّت روايته إجماعاً. وهل تقبل رواية المجهول؟ الأقوى المنع، لأنّ المقتضي لنفي العمل بخبر الواحد ـ وهو الظن ـ ثابت، تُرِك العمل به في العدل لقوة الظن. ولأنّ عدم الفسق شرط قبول الرواية، ومع الجهل بالشرط يتحقّق الجهل بالمشروط. ولأنّ الصحابة ردّوا روايته.
احتجّ أبو حنيفة بقبول قوله في تذكية اللحم، وطهارة الماء، ورقّ الجارية. ولأنّ الفسق شرط التثبّت فإذا لم يعلم الوصف لم يجب التثبت.
والجواب لا يلزم من قبول الرواية في هذه الأشياء الناقصة مع جهالة الراوي، قبولها في المناصب الجليلة، والفسق لمّا كان علّة التثبت وجب العلم بنفيه حتى يعلم انتفاء وجوب التثبت.*

* [في عدالة الراوي]

أقول: هذا إشارة إلى الشرط الرابع من الشرائط الخمسة السابقة، وهو العدالة. والمراد بها: كيفية راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، بحيث تحصل طمأنينة نفس السامع بصدق المخبر.
ويعتبر فيها: اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، واجتناب بعض الصغائر المؤدّية بدناءة النفس، كالتطفيف في الحبّة وسرقة باقة بقل، وبعض المباحات القادحة في المروءة، كالأكل في الطرق، ومصاحبة الأرذال، والإفراط في المزاح.

صفحه 283
والضابط أنّ كلّ ما لا يؤمن معه من الإقدام على الكذب، فاجتنابه يعتبر في العدالة.
أمّا الصغيرة نادراً فلا تقدح في العدالة إذا لم تؤذن بدناءة النفس.
وإذا زالت العدالة باقتراف شيء من الكبائر، أو الإصرار على الصغائر; عادت بالتوبة، وهي الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة إليها.
واختلف في الكبائر فقال بعضهم: هو كلّما توعّد الله تعالى عليه بخصوصيته، كقتل النفس والزنا.
وقال آخرون: الكبائر تسع: الشرك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في بيت الله الحرام أي الظلم فيه. روى ذلك ابن عمر، عن أبيه، عن النبي(صلى الله عليه وآله).
ورواه أبو هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله)وزاد عليه: أكل الربا.
وروي عن علي(عليه السلام)زيادة على ذلك: شرب الخمر، والسرقة.1
ولمّا كانت العدالة كامنة لم يكن لنا وسيلة إلى معرفتها إلاّ بظواهر الأفعال الدالّة عليها، فهي إذن تحصل من الاختبار الحاصل من الممازجة

1. وردت روايات كثيرة في مصادر الفريقين عن الكبائر بتفاوت في الألفاظ والمضمون ولكن من حيث المجموع أنّ ما ذكر هنا يشكّل الثقل الأساسي لهذه الروايات. راجع: الكافي:2/277، باب الكبائر; الخصال:273 و 363 و 411، باب الكبائر خمس، سبع، ثمان; عيون أخبار الرضا:2/258; وسائل الشيعة:15/315، الباب45 و 46 من أبواب جهاد النفس; مستدرك الحاكم:1/23; السنن الكبرى للبيهقي3/169; مجمع الزوائد:1/48 و 103 و 104; كنز العمال:2/387 و 3/540 و 541 و 544 و 831.

صفحه 284
المتأكّدة، والصحبة المتكررة خلوةً وجلوةً، ومن تزكية العدل المختبر.
وقوله ـ طاب ثراه ـ : إنّما يقبل رواية العدل بتضمين حكمين:
أحدهما إيجابي وهو قبول روايته; والثاني سلبي وهو عدم قبول رواية غيره1، لما عرفت من كون «إنّما » للحصر.
ويدلّ عليهما قوله تعالى:(إن جاءَكُم فاسق بنبأ فتبيّنوا)، لكن دلالته على الثاني بصريحه وعلى الأوّل بفحواه.
واعلم أنّ الفاسق إمّا أن يكون عالماً بفسقه، أو لا.
والأوّل مردود الرواية إجماعاً، سواء كان فسقه معلوماً أو مظنوناً.
والثاني إن كان فسقه مقطوعاً، لم تقبل روايته.
وإن كان مظنوناً فالأقوى أنّه كذلك، لاندراج كلّ منهما تحت اسم الفاسق فوجب التثبّت في خبره للآية.
ولأنّه ضم إلى فسقه جهلاً وهو فسق آخر، وإذا كان أحد الفسقين كافياً في وجوب التثبت في الخبر، فمجموعهما أولى.
وقال فخر الدين: إنّه مقبول الرواية بالاتّفاق.2 وكلام صاحب الإحكام يؤذن بأنّ فيه اختلافاً واختار قبول رواية مَن كان فسقه مقطوعاً.3
وهو مذهب الشافعي حيث قال: وأقبل رواية أهل الأهواء إلاّ الخطابية4 من الرافضة، لأنّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم; خلافاً

1. في «م »: روايته.
2. المحصول:2/197.
3. الإحكام:2/249.
4. الخطابية فرقة من الغلاة المشبّهة،وهم أصحاب محمد بن مقلاص بن أبي زينب، المكنّى تارة أبو الخطاب وأُخرى أبو الظبيان، قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور سنة 138هـ ، بعدما كان جماعته دعوا الناس إلى نبوته. عزا نفسه إلى الإمام الصادق(عليه السلام)، وكان أبو الخطاب قد ذهب إلى إلوهية الصادق وكان في زمانه، فلمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقّه تبرّأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه. وكان أبو الخطاب يقول:إنّ الأئمة أنبياء ثم آلهة، وأنّ الحسن والحسين وأولادهما أبناء الله وأحبّاؤه. وكان أبو الخطاب يأمر أتباعه بشهادة الزور على مخالفيهم في العقيدة... وقد أحلّوا المحارم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وترك جميع الفرائض. وتفرّق بعده أتباعه إلى عدة فرق، منها: المفضلية والعجلية والبزيعية والعمرية. راجع معجم الفرق الإسلامية:110.

صفحه 285
للقاضي أبي بكر.
وقال: أقبل شهادة الحنفي وأحدّه في النبيذ.1
احتجّ فخر الدين بأنّ ظنّ صدقه راجح، والعمل عند الظن واجب، والمعارض المجمع عليه منتف، فيجب العمل به.
والجواب: المنع من وجوب العمل بالظن مطلقاً، خصوصاً مع تحقّق المانع من القبول، وهو الفسق.2

[في رواية المجهول]

وأمّا المجهول حاله في العدالة والفسق إذا كان معلوم الإسلام، فالأكثر على عدم قبول روايته، وهو مذهب أصحابنا والشافعي3، وقال

1. نقله عنه الرازي في المحصول:2/197.
2. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/420; جامع البين من فوائد الشرحين للشهيد الأوّل:2/148ـ 151.
3. وهو مذهب أحمد بن حنبل وأهل الحديث وأكثر أهل العلم. وهو الحق كما ذكره العلاّمة. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/421; التبصرة:337; المحصول:2/197ـ 198، الإحكام:2/246.

صفحه 286
أبو حنيفة: يقبل.1
لنا وجوه: الأول: أنّ الدليل ينفي العمل بخبر الواحد; لقوله تعالى:(إنّ الظنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً)2،خالفناه في حق من عرفنا عدالته، لقوة الظن في خبره، فيبقى في المجهول على الأصل.
الثاني: أنّ عدم الفسق شرط لجواز قبول الرواية، لما عرفت من وجوب التثبّت عند خبر الفاسق، فالمجهول حاله لا يعلم عدم فسقه، فلا يكون جواز قبول روايته معلوماً، لأنّ الجهل بالشرط ملزوم للجهل بالمشروط.
والثالث: إجماع الصحابة على رد خبر المجهول، فإنّ علياً(عليه السلام) ردّ خبر الأشجعي3 في المفوّضة، وكان يحلّف الرواة.
وردّ عمر خبر فاطمة بنت قيس4 وقال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت.5

1. قال محقق التبصرة: قيّد بعض أصحاب أبي حنيفة قبول الرواية من المستور بالصدر الأوّل، وهم أهل القرون الثلاثة الأُولى، وأمّا في زماننا فلا، لكثرة الفسق والفساد في الناس، فالمستور كالفاسق لا يقبل حتى تعرف عدالته، كما قاله البزدوي في أُصوله(3/20) بل ذهب السرخسي في أُصوله(1/370) إلى عدم قبول روايته مطلقاً ما لم تتبيّن عدالته. راجع التبصرة:337، الهامش3.
2. النجم:28.
3. الظاهر هو معقل بن سنان بن مظهر الأشجعي، صحابي، كانت معه راية قومه يوم حنين ويوم فتح مكة، وسكن الكوفة وقدم المدينة، قتل سنة 63هـ في وقعة الحرّة على يد مسلم بن عقبة. الأعلام:7/270.
4. هي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أُخت الضحاك بن قيس الأمير، صحابية من المهاجرات الأُول، لها رواية للحديث وكانت ذات عقل،وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر. الأعلام:5/131.
5. راجع: تفسير الآلوسي:4/218; المجموع:18/165; المغني: 9/180. وقد وردت الرواية باختلاف في سنن الترمذي:2/325 برقم 1191، باب ما جاء في المطلّقة ثلاثاً باسناده عن الشعبي، قال: قالت فاطمة بنت قيس: طلقني زوجي ثلاثاً على عهد النبي(صلى الله عليه وآله)فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لا سكنى لك ولا نفقة. قال مغيرة: فذكرته لإبراهيم، فقال: قال عمر: لا ندع كتاب الله وسنّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله)لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت،وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة.

صفحه 287
وردّ عمر أيضاً خبر أبي موسى الأشعري1 في الاستيذان، وهو قوله: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف، حتى رواه معه أبو سعيد الخدري2.3
احتجّ أبو حنيفة بإجماع المسلمين على قبول قول المسلم في تذكية اللحم، وطهارة الماء، ورقّ الجارية، وكونه على طهارة، وجهة القبلة للأعمى. وإن كان مجهولاً فيقبل قوله في غيره. ولأنّ الأمر بالتثبّت معلّق على الفسق، مشروط به، والمعلّق على الشرط عدم عند عدمه كما تقدّم، فما لم يعلم تحقّق الفسق لم يجب التثبّت.
والجواب عن الأوّل: المنع من الملازمة، فإنّه لا يلزم من قبول قول

1. هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار التميمي، أبو موسى الأشعري، صحابي أسلم بعد فتح خيبر هو وجماعة من الأشعريين، ولاّه عمر بن الخطاب البصرة وأقرّه عثمان عليها ثم عزله، فانتقل إلى الكوفة ثم ولاّه عثمان الكوفة ولم يزل عليها إلى أن قُتل عثمان، فأقرّه الإمام علي(عليه السلام)عليها، كان يخذّل الناس عن نصرة علي(عليه السلام) يوم الجمل،فعزله الإمام(عليه السلام)، وأقام بالكوفة إلى أن كان التحكيم، اختاره الخوارج برغم معارضة الإمام ووصفه إيّاه بالتائه عن الحق، فاحتال عليه عمرو بن العاص وغلبه والقضية مشهورة. توفّي سنة 44، وقيل: 42هـ ، وقيل: 52 هـ . راجع: موسوعة طبقات الفقهاء:1/181 برقم 55.
2. هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد الخدري، شهد الخندق ومابعدها من المشاهد مع رسول الله(عليه السلام)، وعدّ من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن الموالين لأهل البيت(عليهم السلام)، روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) حديثاً كثيراً. توفّي بالمدينة سنة أربع وسبعين،وقيل غير ذلك. راجع: موسوعة طبقات الفقهاء:1/117 برقم 34.
3. وردت الرواية بتفصيل واختلاف. راجع صحيح البخاري:7/130، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان; صحيح مسلم:6/177، باب الاستئذان، كتاب الآداب.

صفحه 288
المجهول في هذه الأُمور الناقصة الجزئية قبول قوله في المناصب الجليلة والأُمور الكلية، فإنّ الرواية تستلزم شرعاً عاماً وحكماً كلياً. ولأنّ تلك الأُمور الجزئية ممّا يعمّ بها البلوى، واعتبار العدالة في المخبر بها حرج ومشقّة، فكان منفياً بقوله تعالى:(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1بخلاف الرواية. ولأنّ قول الفاسق مقبول في كثير منها اتّفاقاً مع عدم قبول روايته في شيء ما.
وعن الثاني: أنّ الفسق لمّا كان علّة لوجوب2 التثبّت وجب العلم بنفيه حتى يعلم انتفاء وجوب التثبت الذي هو معلوله.
وقبل العلم بنفي الفسق، لا يكون انتفاء وجوب التثبّت معلوماً.
وفيه نظر، فإنّ التثبّت إنّما يجب عند ظهور الفسق لا عند احتماله، وإلاّ لوجب التثبّت عند إخبار العدل الذي ليس بمعصوم، لتحقّق احتمال فسقه في نفس الأمر،وفسق المجهول حاله، المعلوم إسلامه ليس ظاهراً، بل الظاهر عدالته، لأنّ اعتقاده دين الإسلام ممّا يزجره عن الفسق غالباً.

[في كون الراوي ضابطاً]

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشرط الخامس هو كون الراوي ضابطاً يغلب ذكره الأشياء المعلومة له على نسيانه إيّاها، فلو كان بحيث لا يضبط الأحاديث ولا يفرّق بين مزايا الألفاظ ولا يتمكّن من حفظ بعضها، لم تقبل روايته. وكذا لو كان مختلّ الطبع بحيث يغلب عليه النسيان والذهول والسهو والغفول، لأنّه لا يحصل عن خبره ظن غالب، بل ولا ظن مطلقاً،

1. الحج:78.
2. في «م »: لوجود.

صفحه 289
فوجب إطراح خبره.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/433; الإحكام:1/87.

صفحه 290
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: في الجرح والتعديل.
يشترط العدد في المزكّي والجارح في الشهادة دون الرواية، لأنّ شرط الشيء لا يزيد على أصله، كالإحصان يثبت بشاهدين والزنا بأربعة. ثمّ المزكّي إن كان عالماً بأسباب الجرح والتعديل، اكتفي بالإطلاق فيهما منه، وإلاّ وجب استفساره فيهما. ويشترط كون المزكّي والجارح عدلاً.
وإذا تعارض الجرح والتعديل، قُدّم الجرح إن أمكن الجمع، وإلاّ فالترجيح إن حصل، أو الوقف.
وأعلى مراتب التزكية الحكم بشهادته، ثم قول المزكّي: هو عدل لأنّي عرفت منه كذا وكذا، أو يطلق مع علمه بالشرائط، أو الرواية عنه إن عرف أنّه لا يروي إلاّ عن عدل وإلاّ فلا، أو العمل بروايته إن عرف استناد العمل إليها.
ولا يحصل الجرح بترك الحكم بالشهادة، لاختصاصها ـ بعد الاشتراك مع الرواية في العقل والبلوغ والإسلام والعدالة ـ بالحرية، والذكورة، والبصر، والعدد وانتفاء العداوة والصداقة، وإن لم يكن بعضها عامّاً.*

* [في الجرح والتعديل]

أقول: لمّا بيّن أنّ العدالة شرط في قبول الرواية، وأنّها تعلم تارة بالاختبار وتارة بالإخبار، وقد تقدم الأوّل، والثاني هو التزكية والفسق المانع من قبول الشهادة كذلك، والإخبار به يسمّى جرحاً; أشار هنا إلى مسائل من أحكام التزكية والجرح:
الأُولى: شرط بعضهم العدد في المزكّي والجارح في الرواية والشهادة معاً عملاً بالاحتياط.
وقال القاضي أبو بكر: لا يعتبر العدد فيهما، غير أنّ الأحوط اعتباره في الشهادة.1

1. نقله عنه الغزّالي والرازي والآمدي.

صفحه 291
واعتبره آخرون في الشهادة دون الرواية. وهو الأظهر.1
أمّا اعتباره في الشهادة فللاحتياط، حتى أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ مزكّي شهود الزنا يشترط كونهم أربعة. ولأنّ الظن الحاصل بهما يجب العمل به اتّفاقاً، والظن الحاصل بالواحد ليس كذلك، لفقد ما يدلّ على تسويغه مع قيام ما يدلّ على أنّ بعض الظن إثم، وذلك البعض غير معيّن، فجاز كون ما يحصل بتزكية الواحد أو جرحه منه.
وأمّا عدم اعتباره في الرواية، فلأنّ العدالة شرط لقبول الرواية التي يقبل فيها الواحد، فتكون أولى بقبول الواحد فيها، لأنّ طريق ثبوت الأصل أقوى من طريق ثبوت شرطه، كما في الإحصان الذي هو شرط تأثير الزنا في الرجم، فإنّه يثبت بشاهدين، والأصل ـ أعني: الزنا ـ لا يثبت إلاّ بأربعة.
إذا تقرّر هذا، فاعلم أنّه يقبل تزكية العبد والمرأة كما يقبل روايتهما.
[المسألة] الثانية: اختلفوا في أنّه هل يجب ذكر السبب في التعديل والجرح؟
فذهب الشافعي إلى اعتباره في الثاني دون الأوّل، لاختلاف المذاهب في الأحكام الشرعية فربما جرح بما ليس جارحاً، وعكس آخرون وأوجبوا ذكر السبب في العدالة دون الجرح، لأنّ مطلق الجرح كاف في إبطال الثقة برواية المجروح وشهادته، وليس مطلق التعديل كذلك لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر منها فلابدّ من ذكر السبب.
وقال آخرون: هو معتبر فيهما أخذاً بمجامع كلام الفريقين.

1. وهو الذي ذهب إليه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/431، والغزّالي في المستصفى:1/304، والرازي في المحصول:2/200، والآمدي في الإحكام:2/251.

صفحه 292
وقال القاضي أبو بكر: لا يجب ذكر السبب فيهما، لأنّه إن لم يكن من أُولي البصائر بهذا الشأن لم يصلح للتزكية، وإن كان منهم لم يكن للسؤال والاستفسار معنى، وهذا حق إن كان مذهبه موافقاً لمذهب الحاكم أو المجتهد، وإلاّ وجب الاستفسار لجواز جرحه بما لا يوجب الجرح عند الحاكم، كما لو قال الشافعي: هو فاسق بناء منه على أنّه شرب النبيذ مع كون الحاكم حنفياً، أو قال الحنفي: هو عدل مع علمه بشربه النبيذ وكون الحاكم شافعياً.1
[المسألة] الثالثة: إذا تعارض الجرح والتعديل بأن يقول أحد العدلين: هو عدل، ويقول الآخر: هو فاسق; فإن أمكن الجمع بأن يكون الجارح مطّلعاً من أحواله على ما لم يطّلع عليه المعدّل، قُدّم الجرح ; وإن لم يمكن، كما لو جرح أحدهما بأمر صرّح الآخر ـ أعني: المعدّل ـ بنفيه، وجب الترجيح، فإن كان أحدهما أتقى وأورع أو أشدّ ضبطاً أو اختصّ بغير ذلك ممّا يوجب ترجيح خبره، عمل على الراجح وأُلغي المرجوح، وإلاّ وجب الوقف.2
[المسألة] الرابعة: للتزكية مراتب أربعة :
1. أعلاها أن يحكم بشهادته، لأنّ كلّما يعتبر في قبول الرواية من البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والضبط فهو معتبر في الشهادة; وقد يعتبر في الشهادة أُمور أُخر، كالحرية والذكورة والبصر.
2. أن يقول: هو عدل لأنّي عرفت منه كذا وكذا، ولو لم يذكر السبب

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/430; المستصفى:1/304; المحصول: 2/200ـ201; الإحكام:2/251.
2. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/432; المحصول:2/201; الإحكام:2/252.

صفحه 293
وكان عارفاً بشروط العدالة وأسبابها كفى على ما تقدم، إلاّ أنّه يكون أخفض من ذكر السبب .
3. أن يروي عنه خبراً وقد اختلف في أنّه هل يكون ذلك تعديلاً أم لا؟ والحق أنّه إن عرف أنّه لا يروي إلاّ عن الثقات، إمّا من عادته أو تصريح قوله كان تعديلاً، وإلاّ فلا، لأنّ عادة كثير من السلف الرواية عن العدل وغيره.
4. أن يعمل بروايته، أي بالحكم الذي تضمّنته روايته، إذا علم أنّه إنّما عمل بالحكم المذكور للرواية المذكورة، وإنّما كان ذلك تعديلاً، لأنّه لو لم يكن عدلاً عنده لكان هو فاسقاً. هذا إن قلنا بالمنع من العمل برواية المجهول، أمّا لو جوّزناه لم يكن تعديلاً ولو احتمل استناده في العمل بذلك الحكم إلى الاحتياط أو رواية أُخرى لم يكن تعديلاً.1
المسألة الخامسة: ترك الحكم بشهادة الشاهد ليس جرحاً بما يوجب ردّ الرواية، لأنّ الرواية والشهادة تشتركان في اعتبار الشرائط الأربعة، أعني البلوغ والعقل والإسلام والعدالة.
وتختصّ الشهادة باعتبار أُمور ستة غير معتبرة في الرواية، وهي الحرّية، والذكورة، والبصر، والعدد، وانتفاء العداوة، والصداقة; للاتفاق على قبول رواية العبد، والمرأة، والعدو عن عدوه وغيره، والصديق عن صديقه وغيره.
وأمّا البصر فليس شرطاً للرواية، لأنّ الصحابة رووا عن زوجات النبي(صلى الله عليه وآله)أخباراً كثيرة وهم في حقّهن كالضرير لتحريم نظرهم إليهنّ، وحينئذ لا يكون ترك الحكم بالشهادة ملزوماً لعدم قبول الرواية، لجواز

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/429; المحصول:2/201ـ 202.

صفحه 294
استناده إلى فقد أحد الأُمور الستة المعتبرة في الشهادة، خاصّة مع تحقّق الأُمور الأربعة المعتبرة فيها وفي الرواية جميعاً.
واعلم أنّ كون كلّ واحد من الأُمور الستة المذكورة شرطاً لقبول الشهادة ليس عاماً ـ أي في كلّ شهادة ـ إلاّ الحرية عند مَن يرد شهادة العبد مطلقاً.
وأمّا عند مَن يرى قبول شهادته على غير مولاه دونه أو بالعكس، فلا يكون عنده شرطاً في مطلق الشهادة.
وأمّا الذكورة فليست شرطاً فيما يقبل فيه شهادة النساء، كعيوبهنّ وميراث المستهل وغير ذلك.
وأمّا البصر فليس شرطاً في الشهادة بما لا يفتقر العلم به إلى المشاهدة، كالعقود والإيقاعات.
والعدد غير معتبر عند بعض الفقهاء في الشهادة بهلال رمضان.
وانتفاء العداوة غير شرط في الشهادة للعدو وغيره، ولا في الشهادة على غيره.
وانتفاء الصداقة ليست شرطاً في الشهادة على الصديق وغيره ولغيره ولا في الشهادة له عند الأكثر.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/432; المحصول:2/205.

صفحه 295
قال قدس الله روحه:البحث الخامس: في ما عدّ شرطاً وليس كذلك.
لا يشترط في الرواية تعدّد الراوي، فيقبل الواحد وإن لم يعتضد بظاهر أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو انتشار، وإن كان في الزنا، لعمل الصحابة بالواحد من دون ذلك، ولدلالة (إن جاءكم فاسق بنبأ) عليه. ولا يشترط تصديق الأصل رواية الفرع، نعم يشترط عدم التكذيب، وبينهما واسطة.
ولا يشترط فقه الراوي، وإن خالفت روايته القياس، خلافاً لأبي حنيفة، للعموم. ولأنّ الحجة في قول الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولقوله(صلى الله عليه وآله): «نضّر الله ».
ولاعلمه بالعربية ولا معنى1 الخبر، لأنّ الحجة في قوله(صلى الله عليه وآله).
ولا تعدّد روايته، فلو روى خبراً واحداً قُبل. وإن أكثر مع قلّة المخالطة فإن أمكن ضبط مثله لذلك قُبل، وإلاّ فلا.
ولا يشترط اشتهار نسب الراوي، بل تقبل روايته مع الشرائط، وإن جُهل نسبه.
ولو كان له اسمان، وهو مجروح بأحدهما، لم يقبل، لإمكان أن يكون هو المجروح.*

* [في ما عدّ شرطاً لقبول رواية الراوي وليست كذلك]

أقول: هذه أُمور ذهب قوم إلى أنّها شروط لقبول رواية الراوي وليست كذلك:
فمنها: العدد: قال أبو علي الجبائي: لا يقبل في الرواية إلاّ عدلان، وأمّا رواية العدل الواحد فهي غير مقبولة ما لم يعضدها ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد، أو يكون الحديث منتشراً فيهم.
وحكى القاضي عبد الجبار عنه أنّه لا يقبل في الزنا إلاّ خبر أربعة كالشهادة عليه.2

1. في المطبوع:235: بمعنى.
2. نقله عنهما: أبو الحسين البصري في المعتمد:2/138، والرازي في المحصول:2/205.

صفحه 296
والحق خلافه، لأنّ الصحابة عملوا على خبر الواحد المجرد عن الأُمور المذكورة كما تقدّم، وإجماعهم حجّة لما مر.
ولأنّ قوله تعالى:(إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا)1 دال على قبول خبر الواحد العدل مطلقاً، كما سبق تقريره.
احتجّ الخصم بقياس الرواية على الشهادة، بل اعتبار العدد في الرواية أولى، لأنّها تتضمّن شرعاً عامّاً وحكما كلّياً بخلاف الشهادة. ولأنّ الدليل ينفي العمل بخبر الواحد، لقوله تعالى:(إنَّ الظنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)2 ترك العمل به في خبر العدلين; لقوة الظن، ولاعتبار الشارع إيّاه في الشهادة، فيبقى في غيره على أصل المنع.
والجواب عن الأوّل: أنّه منقوض بالحرية والذكورة وغيرهما من الأُمور المعتبرة في الشهادة دون الرواية.
وعن الثاني: أنّ الله تعالى أمر بالتمسّك بخبر الواحد كما تقدّم، وحينئذ يكون التمسّك به معلوماً لا مظنوناً فلا يندرج تحت النهي عن العمل بالظنّ.3
ومنها: تصديق الأصل: وهو غير شرط في قبول رواية الفرع، نعم يشترط عدم تكذيبه الفرع، وبين التصديق والتكذيب واسطة وهي السكوت أو التشكيك.
أمّا الأوّل، فلوجود المقتضي للعمل بالرواية من دونه، وهو خبر

1. الحجرات:6.
2. يونس:36.
3. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/437ـ439.

صفحه 297
العدل السالم عن معارضة تكذيب الأصل، فأشبه موت الأصل أو جنونه.
وأمّا الثاني، فلكون تكذيبه الفرع ملزوماً لكذب أحدهما، إمّا في التكذيب أو في الرواية، وذلك موجب لعدم قبولها.1
ومنها: فقه الراوي: وليس شرطاً، سواء وافقت روايته القياس أو خالفته. خلافاً لأبي حنيفة في الثاني، لعموم الدليل الدال على قبول رواية العدل الفقيه وغيره مع موافقته القياس ومخالفته.
ولأنّ الحجة إنّما هي في قول الرسول(صلى الله عليه وآله)، وحينئذ لا فرق بين كون ناقله فقيهاً أو غير فقيه. ولقوله(صلى الله عليه وآله):«نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه وليس بفقيه ».2
احتجّ المخالف بأنّ الدليل ينفي العمل بخبر الواحد كما تقدّم، خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيهاً، لأنّ الاعتماد على روايته أوثق، فيبقى في غيره على الأصل.
والجواب ما مرّ من قيام الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد العدل3 مطلقاً .4
ومنها: علم الراوي بالعربية ومعنى الخبر: وليس ذلك شرطاً، لأنّ الحجّة إنّما هي في قول الرسول(صلى الله عليه وآله)، لا في قول الراوي.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/440; المحصول:2/207.
2. الكافي:1/403 ح2; وسائل الشيعة:27/90 ح44، الباب8 من أبواب صفات القاضي; مستدرك الوسائل:17/288 ح14، الباب8 من أبواب صفات القاضي; مسند أحمد:3/225 و ج4/80 و 82; سنن الدارمي:1/75; كنز العمال:10/228 برقم 29200.
3. ليس في «م ».
4. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/442; المحصول:2/208.

صفحه 298
والأعجمي وجاهل معنى الخبر يمكنهما حفظ لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله) كما يتمكّنان من حفظ القرآن العزيز.1
ومنها: تعدد الرواية: وليس ذلك شرطاً، فلو لم يرو إلاّ خبراً واحداً قُبل، لعموم الدليل الدال على قبول خبر الواحد العدل، أمّا لو كثّر من الحديث مع قلة مخالطة أهله فإن كان بحيث يضبط مثله ما رواه في مثل زمانه ومخالطته أرباب الحديث قبلت روايته، وإلاّ توجّه الطعن على كلّ رواياته.2
ومنها: كون الراوي معروف النسب: وهو غير شرط، فتقبل روايته مع تحقّق شرائط القبول وإن كان نسبه مجهولاً، لشمول دليل وجوب قبول خبر الواحد العدل معروف النسب ومجهوله.
نعم لو كان له اسمان وهو مجروح بأحدهما معدّل بالآخر، لم تقبل روايته، لاحتمال كونه هو المجروح .
هذا إذا كان متردّداً بينهما، ولو كان بأحدهما أشهر من الآخر وهو معدّل بالأشهر قُبلت روايته، لحصول الظن بعدالته حينئذ.
وهذا إنّما يتأتى إذا كان له مشارك في أحد الاسمين، ولو كانا مختصّين به أو علم أنّه مراد من كلّ منهما، قُدّم الجرح على التعديل أو تعارضا، كما تقدّم.
ولو كان له مشارك في الاسم الذي عُدِّل به ولم يعلم إرادته منه، لم تثبت عدالته، لاحتمال كون المعدّل مشاركه دونه.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/443; المحصول:2/208.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/444; المحصول:2/208.

صفحه 299
ولو كان له مشارك في الاسم الذي جرح به خاصة، لم يقدح في العدالة، لاحتمال كون المجروح مشاركه.
ولو كان له مشارك فيهما كان مجهول العدالة والفسق مع تساوي نسبة الاسمين إليه وإلى مشاركه.1
في التعارض بين خبر الواحد وبين غيره   

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/444; المحصول:2/209.

صفحه 300
قال قدس الله روحه: البحث السادس: في التعارض بينه وبين غيره: الدليل القطعي العقلي إذا عارض الخبر فإن قبل الخبر التأويل ـ ولو على أبعد الوجوه ـ حُمل عليه، وإلاّ رُدّ. وإن عارضه كتاب، أو سنّة متواترة، أو إجماع فكذلك، إلاّ على وجه1 التخصيص، لعموم الكتاب و السنّة، فإنّه جائز.
ولا امتناع في أن يكلّفنا الله تعالى العمل بالكتاب أو السنّة المتواترة أو الإجماع ما لم يرد خبر واحد يعارضها، إلاّ أنّ هذا الاحتمال غير واقع إجماعاً.
ولمّا لم يكن القياس عندنا حجّة، كان العمل بمضمون الخبر عند معارضة القياس متعيّناً. نعم قد يكون القياس منصوص العلّة فالأقوى حينئذ قبوله، فيتعيّن الترجيح.
فإن كانت العلّة قطعية العليّة والثبوت فيهما قُدّم، وإن كان الأصل ثابتاً بذلك الخبر قُدّم الخبر.
وإذا عارضه فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) وساوى حكمه حكمنا وتناوله الخبر، وأمكن تخصيص أحدهما بالآخر، خُصّ به، وإلاّ فالترجيح إن لم يمكن.
وعمل أكثر الأُمّة بخلاف مقتضاه لا يوجب ردّه لكنّه مرجِّح.
ولو خالف مذهب الراوي روايته لا يقدح، لجواز استناده إلى ما ظنّه دليلاً وليس به.
ولو اقتضى الخبر العلم، وفي القطعية موافق له، قُبل، وإلاّ رُدَّ، لجواز إسماع البعض والاقتصار بالقطعي للآخر، أمّا مع عدم الموافقة فإنّه لمّا كان التكليف يتضمن العلم، وليس له صلاحية، لزم تكليف ما لا يطاق.
وإن اقتضى العمل، وجب قبوله وإن عمّت البلوى به، لعموم الأدلّة، ولثبوت أحكام القيء والرعاف والقهقهة به. ونعارض أبا حنيفة ـ في قوله: لو كان صحيحاً لأسمعه عدد التواتر لئلاّ ينقطع عمّن كُلِّف به ـ بما لا تعمُّ به البلوى.*
   

* [في التعارض بين خبر الواحد وبين غيره]

أقول: لمّا ذكر شرائط قبول خبر الواحد الراجعة إلى حال الراوي ذكر ما يرجع إلى معنى الرواية منها، وذلك أُمور:

1. في المطبوع:236: جهة.

صفحه 301

الأوّل: عدم المعارض

واعلم أنّ المتعارضين هما اللذان لا يمكن الجمع بين مدلوليهما. إمّا بأن يكون أحدهما ينفي ما أثبته الآخر من الحيثية التي أثبتها مطابقهُ، كما لو قال: صلّ في الوقت الفلاني فرضاً. ثم قال: لا تصلّ في ذلك الوقت فرضاً أو التزاماً، كما لو قال: طف في ذلك الوقت، أو: صلِّ فيه نفلاً.
إذا تقرر هذا فاعلم أنّ الدليل القاطع المعارض لخبر الواحد إن كان عقلياً، فإمّا أن يقبل الخبر التأويل ولو على أبعد الوجوه، أو لا.
فإن كان الأوّل أوّلناه ولم نحكم بردّه، وإن كان الثاني قطعنا بكذبه، لأنّ الدليل العقلي لا يحتمل النقيض، فإذا كان خبر الواحد غير محتمل للنقيض في دلالته وهو محتمل للنقيض في متنه ـ لما عرفت من عدم إفادة خبر الواحد العلم ـ وجب القطع بوقوع ذلك المحتمل، وإلاّ لزم الكذب على الشارع، وأنّه محال.
وإن كان سمعيّاً ـ وهو منحصر في الكتاب والسنة المتواترة والإجماع ـ فقد قيل1: إنّه غير ممتنع أن يقول الله تعالى: أمرتكم بالعمل بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع بشرط أن لا يرد خبر الواحد2 على مناقضته، وإن ورد فاعملوا بالخبر لا بهذه الدلالة القطعية، لكن الإجماع دلّ على نفي هذا المحتمل.
وفيه نظر، لأنّ ذلك يخرج الأدلّة المذكورة عن كونها قطعية، لأنّ احتمال ورود الخبر الصادق على مناقضتها ثابت، اللّهم إلاّ أن يكون

1. القائل هو الرازي في المحصول:2/210.
2. في «ب » و «م »: واحد.

صفحه 302
المراد بذلك كونها قطعية في متنها، لا في دلالتها، وحينئذ إمّا أن لا يكون أحدهما قابلاً للتأويل، أو يكون. والأوّل يتعيّن فيه العمل بالقطعي والقطع بكذب خبر الواحد، وإلاّ لزم البداء. وأمّا الثاني فإن كان القابل للتأويل هو القطعي خاصة أُوّل ولم يرد خبر الواحد، لأنّ فيه جمعاً بين الدليلين كما تقدّم في باب التخصيص، وبالعكس يعمل بالقطعي; وكذا لو كان كلّ منهما قابلاً للتأويل، لأنّ كلّ واحد من الأدلة القطعية لمّا ساوى خبر الواحد في كون دلالته ظنية، واختصّت هي بمزيد القوة من حيث إنّ متنها قطعي وجب تقديمها عليه.
ولو عارضه دليل ظنّي، فإن كان خبراً مثله، كان الحكم فيه ما يأتي في باب التراجيح; وإن كان قياساً عمل بالخبر، لأنّ القياس ليس حجّة عندنا مع عدم المعارض، فكيف معه؟!
نعم لو كان القياس منصوص العلة كان حجّة عند المصنّف ـ طاب ثراه ـ وموافقيه، وحينئذ إمّا أن يكون الخبر مقتضياً لتخصيص القياس أو بالعكس، أو يتنافيا بالكلية.
فإن كان الأوّل وجب الجمع بينهما عند مجوّزي تخصيص العلّة، وعند غيرهم يجري مجرى ما لو تنافيا بالكلّية.
وإن كان الثاني جمع بينهما، لأنّ تخصيص عموم الكتاب أو السنّة المتواترة بالقياس المذكور جائز، فتخصيص خبر الواحد به أولى بالجواز.
وإن كان الثالث فإن كان أصل القياس ثابتاً بذلك الخبر عمل بالخبر، وقدّم على القياس وفاقاً.

صفحه 303
وإن كان ثابتاً بغيره، فإن كانت مقدّمات القياس من ثبوت الحكم في الأصل وكونه معلّلاً بالوصف المخصوص، وثبوت ذلك الوصف في الفروع كلّها قطعية، قدّم على الخبر، لأنّ الحكم الثابت بالقياس المذكور حينئذ قطعي، فلا يعارضه خبر الواحد المفيد للظن.
وإن كانت بأجمعها ظنية، قُدّم الخبر، لعلّة ما يتوقّف عليه من الظنون.
والحق اعتبار الترجيح، لاحتمال توقّف الخبر على مقدّمات ظنية زائدة على مقدّمات القياس.
ولو عارضه فعل الرسول(صلى الله عليه وآله) بأن روي أنّه (صلى الله عليه وآله) فعل فعلاً ينافي مقتضى الخبر وكان الخبر متناولاً لنا وله، وثبت التأسي به مطلقاً أو في تلك الواقعة.
فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر خصّ مطلقاً، وإن لم يمكن، فإن كان أحدهما متواتراً والآخر آحاداً قدّم المتواتر لكونه قطعياً، وإن لم يتفاوتا في ذلك وجب الترجيح بينهما، والعمل بالراجح منهما إمّا في متنه، أو في دلالته على الحكم.
وإن لم يكن الخبر متناولاً له(عليه السلام) أو لم يثبت التأسي به في ذلك الفعل، لم يتحقّق التعارض.
وعمل أكثر الأُمّة بخلاف مدلول الخبر لا يوجب ردّه، لأنّهم بعض الأُمّة فلا يكون قولهم بمجرده حجّة.
نعم ذلك معدود من المرجّحات لمعارضه بمعنى أنّه لو كان هناك خبر واحد دالّ على ما عمل عليه الأكثر يرجّح على الأوّل، لأنّ عدول الأكثر عن ذلك الخبر وعملهم بمقتضى منافيه لا يكون غالباً، إلاّ لاطّلاعهم على ما يوجب ذلك من المرجّحات.

صفحه 304
أمّا لو كان مذهب الراوي منافياً لمدلول روايته، فالحق أنّه لا يقدح فيها، لاحتمال استناده في مذهبه إلى ما ظنّه دليلاً، وليس به دلالة عليه، وقد تقدّم ذلك في باب التخصيص.
ولو كان خبر الواحد مقتضياً للعلم بشيء فإن كان التكليف به شاملاً لمن سمعه ومن لم يسمعه، وكان في الأدلة القطعية ما يدلّ عليه جاز، ولم يقدح ذلك في الخبر، لاحتمال أن يكون(صلى الله عليه وآله)قاله واقتصر على إسماع آحاد الناس، واقتصر في غيرهم على الدليل القطعي الدال عليه.
وإن لم يكن في الأدلّة القطعية ما يدلّ عليه قدح ذلك في صحّة الخبر ووجب ردّه، سواء اقتضى عملاً أو لا، لأنّه لمّا لم يفد العلم لغير سامعيه مع تضمّنه تكليف الجميع به لزم تكليف مالا يطاق.
أمّا لو كان التكليف به مقصوراً على سامعيه لم يقدح ذلك فيه، لإفادة قوله(عليه السلام)إيّاهم العلم.
ولو اقتضى العمل خاصّة قُبل وإن عمّت به البلوى; كخبر ابن مسعود في نقض الوضوء بمسّ الذكر1; وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند

1. المعروف أنّ ابن مسعود يقول بعدم نقض الوضوء بمس الذكر، فقد نقل عنه المتقي الهندي في كنز العمال:9/508 برقم 27185 أنّه قال: ما أُبالي أذكري مسست أو أُذني. وقد قال عموم أهل السنّة بنقض الوضوء إذا مسّ الرجل ذكره خلافاً للشيعة. قال العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء:1/107، باب مس الذكر والدبر لا يوجب الوضوء: مسّ الذكر والدبر لا يوجب الوضوء، سواء مس الباطنين أو الظاهرين، وكذا لو مسّت المرأة قبلها أو دبرها، سواء كان بباطن الكف أو ظاهره، وسواء مس بشهوة أو غيرها. ذهب إليه أكثر علمائنا; وبه قال: علي(عليه السلام)، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس في إحدى الروايتين،وحذيفة، وعمران بن الحصين، وأبو الدرداء، وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، والحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي: مَن مسّ ذكراً ببطن كفه وجب عليه الوضوء. وحكاه ابن المنذر عن: عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس; ومن التابعين: عطاء بن أبي رباح،وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد. وبه قال: مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور، والمزني.

صفحه 305
القيام من النوم1، خلافاً للحنفية، لأنّ أدلة وجوب العمل بخبر الواحد عامّة فيما يعمّ به البلوى وغيره; ولإجماع الصحابة على العمل به فيما يعمّ به البلوى، لرجوعهم إلى خبر عائشة في التقاء الختانين2; وعمل أبو بكر على خبر المغيرة في توريث الجدّة السدس حيث قال لها: لم أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً، فقال له المغيرة: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أطعمها السدس3; ورجوعهم في أحكام القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة ووجوب الوتر إلى أخبار الآحاد، وقبول الحنفية أخبار الآحاد فيها يناقض مذهبهم.
احتجّوا بأنّه لو كان صحيحاً لأشاعه الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولأوجب نقله على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1. روى أحمد في مسنده:2/403 و 455 و 471 باسناده عن أبي هريرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليفرغ على يديه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في الإناء، فإنّه لا يدري فيم باتت. ورواه الدارمي في سننه:1/196، باب إذا استيقظ أحدكم من منامه; ومسلم في صحيحه:1/146، باب الايثار في الاستنثار والاستجمار، باختلاف في اللفظ، والترمذي في سننه: 1/19، باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه; سنن النسائي:1/99; وغيرها.
2. ذكر الترمذي في سننه:1/72 ح108 و 109، باب ما جاء: إذا التقى الختانان وجب الغسل بإسناده عن عائشة قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله(صلى الله عليه وآله)فاغتسلنا. وفي حديث آخر قالت: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. وقد ورد أيضاً بهذا المضمون في مسند أحمد:6/123و 227 و 239; و سنن ابن ماجة:1/199 برقم 608.
3. لم نجده بهذا اللفظ في المجاميع الحديثية، ولكن ذكره العلاّمة في نهايته:5/301، والآمدي في الإحكام:2/237.

صفحه 306
جهة التواتر، حذراً من أن لا يصل إلى من كُلّف به، فلا يكون قادراً على العمل به، ولو فعل (صلى الله عليه وآله)ذلك لنقل متواتراً، لتوفّر الدواعي على نقله، ولمّا لم ينقل كذلك علم كذبه.
والجواب: المنع من وجوب إشاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) إيّاه، وإنّما يلزم ذلك أن لو تضمّن العلم أو إيجاب العمل به على كلّ حال، أمّا إذا لم يتضمن علماً أو كان إيجابه مشروطاً ببلوغه إلى المكلّف فلا محذور، ولا يستلزم عدم نقله حينئذ تكليف بغير المقدور، مع أنّه معارض بما لا يعمّ به البلوى; فإنّ تجويز عدم وصول الحكم إلى المكلّف به قائم، مع أنّ ذلك جائز عنده، وغير قادح في الخبر.
فإن اعتذر بأنّ التكليف هنا مشروط بأن يبلغ المكلّف ذلك .
قلنا: وكذا يقول فيما يعمّ به البلوى.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/444 و 456; التبصرة:314ـ 315; المحصول:2/210و 216.

صفحه 307
قال قدس الله روحه: البحث السابع: في كيفية الرواية.
أعلى المراتب: قول الصحابي: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول، أو أخبرني، أو حدّثني، أو شافهني; ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) كذا; ثم أمر النبي(صلى الله عليه وآله) بكذا أو نهى عن كذا; ثم أمرنا بكذا أو نهينا; ثم من السنة كذا; ثم عن النبي(صلى الله عليه وآله) كذا; ثم كنّا نفعل كذا.
وأعلى المراتب في غيره: حدّثني فلان، أو: أخبرني، أو: «سمعته » إن قصده إجمالاً أو تفصيلاً، وإلاّ «سمعته » دون الأوّلين.
ثم أن يقال للراوي: هل سمعت الحديث عن فلان؟ فيقول: نعم، أو يقول بعد القراءة عليه: الأمر كما قُرئ علىَّ، فيجوز «حدّثني » و«أخبرني » و«سمعته ».
ثم أن يكتب إلى غيره بأنّي سمعت كذا من فلان، فللمكتوب إليه العمل به مع ظنه أنّه خطه، فيقول:«أخبرني » دون «سمعته » أو «حدّثني ».
ثم أن يقال له: هل سمعت هذا؟ فيشير برأسه نعم، فيجب العمل، ولا يجوز: «حدّثني » ولا «أخبرني » ولا«سمعته ».
ثم أن يقرأ عليه: «حدّثك فلان » فيسكت مع ظن أنّ السكوت للصدق، فالأولى العمل حينئذ.
واختلفوا فمنع المتكلّمون من الرواية، وجوّزها الفقهاء، لأنّ الإخبار لإفادة العلم، والسكوت هنا أفاد العلم بأنّ المسموع كلام الرسول(صلى الله عليه وآله).
ثم المناولة بأن يشير الشيخ إلى كتاب يعرف مافيه فيقول:«قد سمعت ما فيه » فإنّه يكون محدّثاً وراوياً لغيره وإن لم يقل لغيره: «أروه عنّي ». ولو قال له:«حدّث عنّي ما فيه » ولم يقل:«إنّي سمعته » لم يكن محدّثاً، وإنّما أجاز له التحدّث به، وليس له أن يحدّث به عنه، فإنّه يكون كاذباً.
ثم الإجازة، وهي أن يقول الشيخ لغيره:«قد أجزت لك أن تروي عني ما صحّ عندك من أحاديثي ». وهذا وإن اقتضى ظاهره الكذب، لأنّه أباح له أن يحدّث عنه بما لم يحدّثه، لكنّه في العرف يجري مجرى أن يقول: «ما صح عندك أنّي سمعته فاروه عنّي ».*
* أقول: لمّا ذكر الأُمور الراجعة إلى معنى الرواية، شرع في ذكر ما يرجع إلى لفظها.
واعلم أنّ الراوي عن النبي(صلى الله عليه وآله) قد يكون صحابياً، وقد لا يكون.

صفحه 308

[ما هو المراد من الصحابي؟]

والمراد من الصحابي من رأى النبي(صلى الله عليه وآله)وصحبه ولو ساعة واحدة، سواء اختصّ به اختصاص المصحوب أو لا، وسواء روى عنه أو لا، لأنّه مأخوذ من الصحبة المشتركة بين طويل المدة وقصيرها، وبين من روى عنه ومن لم يرو، لقبولها التقسيم إلى هذه الأقسام. ولأنّه لو حلف لا يصحب فلاناً لحنث بمصاحبته لحظة واحدة، ولصدقها مع سلب القيود المذكورة.1
وقال قوم: إنّما يطلق الصحابي على من رأى النبي(صلى الله عليه وآله) إذا اختصّ به اختصاص المصحوب، وطالت مدته وإن لم يرو عنه.2
وشرط آخرون3 في صدقه أخذ العلم عنه.4 والنزاع في ذلك لفظي.

1. وهو ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو المظفر السمعاني، وأكثر الأشاعرة. وأضاف إليه الواقدي شرط البلوغ، وردّه السيوطي بقوله: ولا يشترط البلوغ وإلاّ لخرج من أجمع على عدّه في الصحابة. أُسد الغابة:1/11; الإصابة:1/7.
2. وهو قول شيوخ المعتزلة، وإليه ذهب أبو الحسين البصري والكيا الطبري وابن فورك. وحدّدها التابعي سعيد بن المسيب بالإقامة مع الرسول(صلى الله عليه وآله) سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب وأبو حامد الغزّالي بالمعنى اللغوي للصحبة لكنّهما أذعنا بأنّ للأُمة عرفاً يخصّص الصحبة بمن كثرت صحبته. أُسد الغابة:1/12; الإصابة:1/7ـ8.
3. وهو قول عمر بن يحيى.
4. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/475; الإحكام:2/255، وقد ذهب صاحب الإحكام إلى القول الأوّل.

صفحه 309

[في مراتب ألفاظ الصحابي في الرواية]

ومراتب ألفاظ الصحابي في الرواية سبع:
الأُولى ـ وهي أعلاهاـ : أن يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول كذا، أو أخبرني، أو حدّثني، أو شافهني
الثانية: أن يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)كذا، وإنّما كانت هذه أخفض من الأُولى، لأنّ في الأُولى تصريحاً بأنّه روى عن النبي(صلى الله عليه وآله) بلا واسطة، وفي الثانية يحتمل التوسّط، لأنّ كثيراً ما يقول الواحد:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) » اعتماداً على ما نقل إليه عنه، لكن إذا صدر ذلك من الصحابي كان ذلك ظاهراً في سماعه من الرسول(صلى الله عليه وآله)ويكون حجّة عند الأكثر.
وقال القاضي أبوبكر: لا يحكم بذلك، لتردّده بين سماعه من الرسول(صلى الله عليه وآله)ومن غيره.1
وبتقدير سماعه من غيره فمن قال بعدالة كلّ واحد من الصحابة يجعل حكمه حكم ما لو سمعه من الرسول(صلى الله عليه وآله).
وفيه نظر، لجواز رواية الصحابي عن صحابي آخر بواسطة غير صحابي.
ومن أجرى الصحابة مجرى غيرهم في احتمال العدالة وعدمها يجعل حكمه حكم المرسل.
الثالثة: أن يقول أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بكذا، أو نهى عن كذا، وإنّما كانت هذه أدون من الثانية، لأنّ فيها مع احتمال التوسط احتمالاً آخر، وهو توهّم ما ليس بأمر ولا نهي أمراً أو نهياً، لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي

1. نقله عنه: الآمدي في الإحكام:2/257، والعلاّمة في نهايته:3/477.

صفحه 310
وشرائطهما، ولهذا اختلفوا في حجّيته، والأكثرون على أنّه حجّة، لأنّ الظاهر من حال الراوي أنّه لا يطلق هذه اللفظة إلاّ مع تيقّنه مراد الرسول(صلى الله عليه وآله) من لفظه.
واعترض بجواز اكتفائه بظن ذلك.
فإن قيل: هذه الصيغة حجّة، فلو أطلقها الراوي مع تجويزه خلاف ذلك، كان إيجاباً على الناس ما لا يكون واجباً عليهم، وذلك يقدح في عدالته.
قلنا: هذا دور ظاهر، لأنّه لا يمكنهم العلم بأنّ الراوي ما أطلق هذه اللفظة، إلاّ بعد علمه بمراد الرسول(صلى الله عليه وآله)، إلاّ إذا علمتم أنّه حجّة، وإنّما أثبتّم كونه حجّة بذلك فيدور.
وأيضـاً فقـوله: أمـر الـرسول (صلى الله عليه وآله) بكـذا، ليس فيه ما يدلّ على أنّ المأمور به كلّ المكلّفين أو بعضهم، وهـل أمر بذلك الفعل دائماً أو غير دائم؟ فلا يكون بمجرّده حجّة ما لم ينضم إليه ما يدلّ على العموم، مثل قوله(صلى الله عليه وآله): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة »1 وما جرى مجراه.
الرابعة: أن يقول:«أمرنا بكذا »، أو «نهينا عن كذا »، أو «أوجب كذا »، أو «أُبيح كذا »، أو «حرّم ». وهذه أدون من الثالثة، لأنّ كلّ ما ذكر من الاحتمالات في الثالثة فهو حاصل هنا، ويزيد عليه احتمال آخر، وهو كون الآمر والناهي والموجب والمبيح والمحرّم غيرالرسول(عليه السلام).

1. عوالي اللآلي:1/456 برقم 197، و ج2/98 برقم 270; بحارالأنوار:2/272 ح4; شرح سنن النسائي:2/188.

صفحه 311
وهل ذلك حجّة؟ قال الشافعي: نعم، لأنّه يفيد أنّ الآمر والناهي هو الرسول(صلى الله عليه وآله)ظاهراً1، فإنّ من التزم طاعة رئيس وقال:«أُمرنا بكذا » أو «نهينا عن كذا »، فهم منه أمر ذلك الرئيس ونهيه.
ولأنّ غرض الصحابي أن يعلّمنا الشرع، فيجب حمله على الشارع دون غيره، ولايحمل على أمر الله تعالى، لأنّه ظاهر للكلّ، فلا يستفاد من قول الصحابي، ولا على أمر جماعة الأُمّة، لأنّ الصحابي منهم، وهو لا يأمر نفسه.
وفيه نظر، فإنّ أمر الله تعالى إنّما يكون ظاهراً للكلّ إذا كان صريحاً، مثل قوله تعالى: (وأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)2،أمّا ما يكون مستفاداً من خطاب تفتقر دلالته على الأمر إلى بحث وتأمل فلا، ولا يلزم من كون الآمر مجموع الأُمّة الذين يعتبر قولهم في الإجماع كونه آمراً لنفسه، لاحتمال كونه عامّياً لا يعتبر قوله في الإجماع، ويمنع انحصار غرض الصحابي في تعليمنا الشرع.
الخامسة: أن يقول: من السنّة كذا، وهي أخفض من الرابعة، لاحتمال كون السنّة غير سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله)،فإنّ السنّة لغة الطريقة من غير تخصيص بشخص دون غيره، ولقوله(صلى الله عليه وآله):«مَن سنّ سنّة خير فله أجرها وأجر العامل بها إلى يوم القيامة ».3 ولهذا قال الكرخي:إنّ هذه الصيغة ليست حجة.4

1. وهو مذهب الشافعي وأكثر الأئمة ـ حسب تعبير الآمدي ـ و خالف فيه الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الأُصوليين. راجع الإحكام:2/258.
2. البقرة:275.
3. سنن ابن ماجة:1/74، باب من سنّ سنة حسنة أو سيئة; سنن الترمذي:4/149، برقم 2815; مسند أحمد:4/361 و 362; سنن البيهقي:4/176; الكافي:5/9 ح1، باب وجوه الجهاد; الخصال:240 ح 89; وغيرها كثير.
4. نقله عنه: الآمدي في الإحكام:2/258، والعلاّمة في نهايته:3/481.

صفحه 312
والأكثر على أنّها حجّة للوجهين المتقدّم ذكرهما في الرابعة، وما ذكرتموه وإن كان محتملاً وموافقاً للوضع اللغوي، فهو لا يمنع من كون اللفظ ظاهراً في سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله) ; للقرينة، والعرف الطارئ.
السادسة: أن يقول: عن النبي(صلى الله عليه وآله) كذا، قال قوم: هو حجّة، لأنّ الأظهر أنّه سمعه منه، وآخرون جوّزوا أن يكون قد أخبره مخبر عن النبي(صلى الله عليه وآله)وهو لم يسمعه، فلا يكون حجّة.
السابعة: أن يقول:«كنّا نفعل كذا » وهذا بمجرده ليس حجّة ما لم ينضم إليه ما يدلّ على أنّه يريد بذلك أن يعلّمنا شرعاً. وحينئذ يكون ذلك محمولاً على أنّهم كانوا يفعلون ذلك في عهده(عليه السلام) مع علمه بذلك وتقريرهم عليه. ولا يخفى كون هذه الصيغة أدون ممّا تقدّمها.1

[في مراتب ألفاظ غير الصحابي في الرواية]

وأمّا غير الصحابي فمراتب ألفاظ روايته سبع أيضاً:
الأُولى: أن يقول الراوي: حدّثني أو أخبرني فلان، أو سمعت فلاناً، فإنّ السامع يلزمه العمل بهذا الخبر، ولا يسوغ للراوي ذلك، إلاّ أن يكون فلان المرويّ عنه تكلّم بذلك وقصد إسماعه إيّاه خاصّة، أو قصد إسماع جماعة هو أحدهم، ولو لم يقصد إسماعه تفصيلاً ولا إجمالاً لم يكن له أن يقول: حدّثني، ولا أخبرني، لأنّه لم يحدّثه ولم يخبره، فلو قال ذلك كان كاذباً، بل يقول: سمعته يحدّث عن فلان بكذا.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/475ـ482.

صفحه 313
الثانية: أن يقول الراوي للشيخ: هل سمعت هذا الحديث عن فلان؟ فيقول: نعم، أو يقول بعد الفراغ من قراءة الحديث عليه: الأمر كما قرئ عليّ، وهنا يلزم السامع العمل بالخبر. وله أن يقول: حدّثني وأخبرني وسمعت فلاناً. 1
ألا ترى أنّه لا فرق في الشهادة على البيع بين قول البائع :بعت، وبين أن يقرأ عليه كتاب البيع فيقول: الأمر كما قرئ عليّ.2
الثالثة: أن يكتب إلى غيره بأنّي سمعت كذا من فلان، فللمكتوب إليه العمل بكتابه إذا علم أنّه كتابه، وأنّه كتب مافيه عن قصد وتفطّن; ولو غلب على ظنّه ذلك جاز أيضاً، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله)كان ينفذ الكتب إلى البلاد النائية عنه، وكذا الأئمة(عليهم السلام).ولا يجوز للمكتوب إليه أن يقول: حدّثني ولا سمعته، ويجوز أن يقول: أخبرني، لأنّ مَن كتب إلى غيره كتاباً يعرّفه أمراً من الأُمور يجوز أن يقول لغيره: أخبرني فلان بكذا.
الرابعة: أن يقال له: هل سمعت هذا الخبر؟ فيشير بإصبعه أو برأسه

1. قال السيد المرتضى في الذريعة:388: والصحيح أنّه إذا قرأه عليه، وأقرّ له به، أنّه يجوز أن يعمل به إذا كان ممّن يذهب إلى العمل بخبر الواحد، ويعلم أنّه حديثه، وأنّه سمعه لإقراره له بذلك، ولا يجوز أن يقول: «حدّثني » ولا «أخبرني » كما لا يجوز أن يقول: «سمعت »، لأنّ معنى «حدّثني » و «أخبرني » أنّه نقل حديثاً وخبراً عن ذلك، وهذا كذب محض.
2. أجاب السيد المرتضى عن جواز الشهادة بالإقرار بالبيع إذا أقرأ عليه وأشهد على نفسه بما فيه بعد تسليمه قائلاً: إنّ قراءته عليه وإقراره له به لا يقتضيان أن يكذب، فيقول: «حدّثني » ولم يحدّثه، أو «أخبرني » ولم يخبره، كما لا يقتضيان أن يقول: سمعت منه، وإنّما يقتضي ذلك الثقة بأنّه حديثه وسماعه وروايته... والشاهد لا يحسن منه أن يقول: «حدّثني بما فيها » أو «سمعت لفظه بها »، وإنّما يشهد على إقراره واعترافه. وللراوي أن يقول كالشاهد: اعترف لي أنّه سمعه ورواه على ما قرأته عليه، وليس له أن يقول: حدّثني وأخبرني... راجع الذريعة:388ـ 389.

صفحه 314
إشارة دالّة على معنى نعم، فالإشارة هنا كالعبارة في وجوب العمل بالخبر. ولا يجوز أن يقول:«حدّثني » ولا «أخبرني » ولا «سمعته »، لأنّه لم يسمع منه شيئاً.
فإن قلت: كيف جاز في صورة المكاتبة أن يقول: «أخبرني » ولم يجز هاهنا، مع أنّه يتطرّق من الاحتمالات في الكتابة ما لا يتطرّق إلى الإشارة؟
قلت: لفظة الخبر حقيقة في اللفظ المحتمل للصدق والكذب، والكتابة موضوعة للألفاظ، فصحّ إطلاق الخبر على الكتابة مجازاً، وليس كذلك الإشارة، لأنّها لا تدلّ على لفظ أصلاً، بل على معنى.
الخامسة: أن يقرأ عليه:«حدّثك فلان كذا » فلا ينكر ولا يقرّ بعبارة ولا إشارة، بل يسكت، فإن غلب على الظن أنّه لا يسكت إلاّ إذا كان الأمر كما قرئ عليه وإلاّ كان ينكره، لزم السامع العمل به، لحصول ظن أنّه قول الرسول (صلى الله عليه وآله)، والعمل بالظن واجب.
وهل يتسلّط بذلك على الرواية عنه؟
قال عامّة الفقهاء: نعم. وأنكره المتكلّمون.
وقال بعض المحدّثين: ليس له أن يقول: «أخبرني » ويطلق، بل يقيّده بقوله: «قراءة عليه »1، لأنّ الإطلاق يؤذن بنطق الشيخ، والواقع أنّه لم ينطق فيكون كذباً.
وكذا لو قال الراوي بعد أن قرأ الحديث على الشيخ: أرويه عنك؟ فيقول: نعم.
احتجّ الفقهاء بأنّ الإخبار في أصل اللغة لإفادة العلم، وهذا السكوت أفاد الراوي العلم بأنّ المسموع كلام النبي(صلى الله عليه وآله)، فوجب أن يكون إخباراً

1. نقل الأقوال: الرازي في المحصول:2/222، والآمدي في الإحكام:2/260.

صفحه 315
لتحقّق المعنى فيه، والمراد بالعلم هنا ما هو أعمّ من مفهومه بحيث يندرج فيه الظن.
وأيضاً فإنّ لكلّ قوم اصطلاحاً على وضع ألفاظ مخصوصة لمعان مخصوصة، إمّا بأن نقلوها عن موضوعاتها اللغوية إليها، أو بأن استعملوها في تلك المعاني على سبيل التجوّز ثم شاع ذلك التجوّز، ولفظ «أخبرني » و«حدّثني » من هذا الباب، فإنّ السكوت المذكور لمّا شابه الإخبار في إفادة الظن، والمشابهة أحد وجوه التجوّز، جاز إطلاق لفظ الإخبار عليه مجازاً، ثم استقرّ عرف المحدّثين عليه.
واحتجّ المتكلمون1 بأنّه لم يسمع من الراوي شيئاً، فقوله:«أخبرني » أو «حدّثني » يكون كذباً.
وجـوابـه معلـوم ممّـا تقـدّم، فـإنّه إنّمـا يكـون كذباً أن لو أراد بالأخبار والحديث حقيقته اللغوية، أمّا إذا أراد ما هو متعارف عند المحدّثين فلا.
السـادسـة: المنـاولـة، وهـو أن يشيـر الشيـخ إلـى كتـاب يعـرف مـا فيـه فيقـول: «قـد سمعت ما في هذا الكتاب » فإنّه يكون محدّثاً، ويكون لسامعه أن يرويه عنـه، سـواء قـال:«اروه عنـي » أو لـم يقل2; أمّا لو

1. وبعض الظاهرية. المحصول:2/223.
2. قال السيد المرتضى في ذريعته:390 في تعريف المناولة: أمّا المناولة فهو أن يشافه المحدّث غيره، ويقول له في كتاب أشار إليه: «هذا الكتاب سماعي من فلان »، فجرى ذلك مجرى أن يقرأه عليه ويعترف له به في علمه بأنّه حديثه وسماعه، فإن كان ممّن يذهب إلى العمل بأخبار الآحاد، عمل به، ولا يجوز أن يقول: «حدّثني » ولا «أخبرني » ولا «سمعت » كما لا يقول فيما هو أقوى من المناولة، وهو أن يقرأ ذلك عليه، ويعترف له به.
وقال ابن الأثير في جامع الأُصول:1/100: صورة المناولة أن يكون الراوي متقناً حافظاً، فيقدّم إليه المستفيد جزءاً من حديثه، فيناوله إيّاه، فيتأمّله الراوي، فإذا عرف أنّه من حديثه قال له: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت ما فيه، وأنّه روايتي، فحدّث بها عنّي.
وقال الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث:259، النوع الثاني والخمسون نقلاً عن مطرف بن عبد الله قال: صحبت مالكاً سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجزيه إلاّ السماع، ويقول: كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن، والقرآن أعظم؟! وكيف لا يقنعك أن تأخذه عرضاً والمحدّث أخذ عرضاً؟!...

صفحه 316
قال:«حدّث عنّي هذا الخبر » ولم يقل: قد سمعته،فإنّه لا يكون محدّثاً، وإنّما أجاز له التحدّث، فليس له أن يحدّث به عنه، لأنّـه يكـون حينئذ كاذباً.
وإذا سمع نسخةً من كتاب مشهور، فليس له أن يشير إلى غيرها من نسخه، ويقول: «سمعت هذا »، لأنّ في النسخ تفاوتاً واختلافاً، اللّهم إلاّ أن يعلم أنّهما متّفقتان ولا تفاوت بينهما في شيء .
السابعة: الإجازة، وهي أن يقول الشيخ لغيره:«قد أجزت لك أن تروي ما صحّ عنّي من أحاديثي ». فظاهره يقتضي أنّ الشيخ أباح له التحدّث عنه بما لم يحدّثه به، وذلك إباحة الكذب، إلاّ أنّه يجري مجرى أن يقول: «ما صحّ عندك أنّي سمعته فاروه عني ».1

1. جوّز أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر المحدّثين الرواية بالإجازة واتّفقوا على تسليط الراوي على قوله: أجاز لي فلان كذا، وحدّثني إجازة، وأخبرني إجازة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالإجازة مطلقاً. وقال أبو بكر الرازي الحنفي: إن كان المجيز والمجاز له قد علما ما في الكتاب الذي أجاز له روايته بقوله: أخبرني وحدّثني وإلاّ فلا. راجع الإحكام:2/260; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/488.
أمّا السيد المرتضى فقد قال في ذريعته:390: فأمّا الإجازة فلا حكم لها، لأنّ ما للمتحمّل أن يرويه، له ذلك أجازه له أو لم يجزه، وما ليس له أن يرويه، محرّم عليه مع الإجازة وفقدها. وليس لأحد أن يجري الإجازة مجرى الشهادة على الشهادة، في أنّها تفتقر إلى أن يحملها شاهد الأصل لشاهد الفرع، وذلك أنّ الرواية بلا خلاف لا يحتاج فيها إلى ذلك... وأمّا من يفصّل في الإجازة بين «حدّثني » و «أخبرني » فغير مصيب، لأنّ كلّ لفظ من ذلك كذب، لأنّ المُخبر ما خَبّر كما أنّه ما حدّث.

صفحه 317

صفحه 318
قال قدس الله روحه: البحث الثامن: في المرسل.
الأقوى عندي عدم قبوله، لأنّ الشرط وهو عدالة الأصل غير معلوم، إذ الرواية عنه ليست تعديلاً.
احتجّ أبو حنيفة ومالك وجمهور المعتزلة بأنّ الفرع لا يجوز له أن يخبر عن الرسول(صلى الله عليه وآله) إلاّ وله الإخبار عنه، وإنّما يكون له ذلك إذا ظنّ العدالة. ولأنّ علّة التثبّت منتفية، فيجب القبول. ولأنّ المسند جاز أن يكون مرسلاً، لأنّ قول الراوي: عن فلان، جاز أن يخبره آخر عنه، فلا يقبل1 إلاّ أن يفصّل.2
والجواب: ليس حمل إخبار الراوي عن الرسول(عليه السلام) على ظن أنّه قال، أولى من حمله على أنّه سمع أنّه قال. وإنّما يعلم انتفاء علّة التثبّت إذا علمت العدالة.
وقول الراوي المصاحب: عن فلان، يقتضي ظاهراً الرواية عنه بغير واسطة.
ولو أسنده غيره قبل إجماعاً، ولو أوصل الحديث إلى النبي(صلى الله عليه وآله) وأوقفه غيره فهو متّصل.*

* [في المرسل]

أقول: أكثر الناس على قبول الخبر المرسل3 وصورته أن يقول

1. في المطبوع: 240 بزيادة: عنه.
2. في المطبوع: 240: يستفصل.
3. الإرسال لغة: الإطلاق، وهو مأخوذ من إرسال الدابة، بمعنى رفع القيد والربط عنها، فكأنّ المحدّث بإسقاط الراوي رفع الربط الذي بين رجال السند بعضهم ببعض، وفسّره الشهيد الثاني في «الرعاية في علم الدراية »:136 بقوله: ما رواه عن المعصوم مَن لم يدركه، سواء أكان الراوي تابعياً أم غيره، صغيراً أم كبيراً، وسواء أكان الساقط واحداً أم أكثر، وسواء رواه بغير واسطة أو بواسطة نسيها أو أبهمها. ولا يخفى أنّ المرسل بهذا المعنى يشمل المرفوع والموقوف والمعلّق والمنقطع والمعضل. ولأجل ذلك خصّه بعضهم بمعنى آخر وهو: كل حديث أسنده التابعي إلى النبي من غير ذكر الواسطة، كما إذا قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله، وقد أكثر سعيد من قوله: قال رسول الله، وقد تعامل محدّثو العامّة مع مراسيله معاملة المسند. فقال إمام الحرمين: والمرسل ما لم يتصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجّة، إلاّ مراسيل ابن المسيب، فإنّها فتّشت فوجدت مسانيد. راجع أُصول الحديث وأحكامه:107ـ 108; مقباس الهداية: 60.

صفحه 319
العدل الذي لم يرَ النبي(صلى الله عليه وآله): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) كذا. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أشهر الروايتين، وجماهير المعتزلة1، ومنقول عن محمد بن خالد البرقي2 من قدماء الإمامية.3
وذهب المحقّقون إلى عدم قبوله.
وشرط الشافعي في قبوله أحد أُمور سبعة: كون الراوي صحابياً، أو يُسنده مُرْسِله مرة أُخرى4، أو يُسنده غير مُرْسِلِهِ5، أو يرسله غيره ويكون رجال أحدهما غير رجال الآخر، أو يعضده قول صحابي، أو فتوى أكثر العلماء، أو يعلم أنّ الراوي لو نصّ على الواسطة لما نصّ إلاّ على عدل يسوغ قبول خبره. قال: وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب6

1. كأبي هاشم الجبّائي وأتباعه.
2. هو أبو عبد الله محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، مولى أبي موسى الأشعري، ينسب إلى برق رود قرية من سواد قم، وكان كوفياً نزل بقم مع جدّه عبد الرحمن، وكان أديباً، حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العرب، وعُدّ من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والجواد(عليهم السلام)، وثّقه الطوسي والعلاّمة في رجالهما. وصنّف كتاب المحاسن وغيره. طعن عليه القميّون، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أبعده عن قم، ثم أعاده إليها واعتذر إليه، ولمّا توفّي مشى في جنازته حافياً حاسراً ليبرئ نفسه ممّا قذفه به. توفّي سنة 274هـ أو 280هـ بقم. الكنى والألقاب:2/78; رجال النجاشي:335 برقم 898.
3. نقل الأقوال عنهم: أبو الحسين البصري في المعتمد:2/143، والرازي في المحصول:2/224، والآمدي في الإحكام:2/276، والعلاّمة في نهايته:3/459.
4. أي تكون الرواية التي أرسلها مرّةً قد أسندها في رواية أُخرى.
5. أي تسند المرسلَ، روايةٌ مسندة من غيره.
6. هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، تابعي، ولد سنة 13هـ وكان يعيش من التجارة بالزيت لا يأخذ عطاءً، توفي بالمدينة سنة 94هـ . الأعلام:3/102; تهذيب الكمال:11/66 برقم 2358.

صفحه 320
لأنّي اعتبرتها فوجدتها بهذه المثابة، ومن هذا حاله أحببت قبول مراسيله، ولا أستطيع أن أقول: إنّ الحجّة تثبت به كثبوتها بالمتّصل. 1
ووافقه على ذلك القاضي أبو بكر، وجماعة من الفقهاء.2
واختار المصنّف ـ طاب ثراه ـ المنع من كونه حجّةً ما لم يعلم أنّه لا يرسل إلاّ عن عدل، كمراسيل محمد بن أبي عمير3 من الإمامية.4
واحتجّ على ذلك بأنّ عدالة الأصل ـ أعني: الواسطة بينه وبين الرسول(صلى الله عليه وآله) ـ مجهولة لنا، ومتى كان كذلك لم تقبل روايته .
أمّا الأوّل، فلأنّ عينه غير معلومة لنا، فصفته ـ أعني: عدالته ـ أولى أن

1. نقله عنه الرازي في المحصول:2/228، وأبو الحسين في المعتمد:2/143، وغيرهما.
2. وهو مذهب أهل الظاهر، وأحمد في أحد قوليه، وأبوزرعة الرازي، وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد القطّان، واختاره الرازي والغزّالي وأبو إسحاق الشيرازي. راجع: المستصفى:1/318; المحصول:2/228; التبصرة:326.
3. هو أبو أحمد محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي، بغدادي الأصل، لقي أبا الحسن موسى(عليه السلام) وسمع منه أحاديث وروى عن الرضا(عليه السلام)، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، وكان من أوثق الناس عند الخاصّة والعامّة، وأنسكهم نسكاً، وأورعهم وأعبدهم، وله مصنّفات كثيرة، منها كتاب النوادر، كتاب الإمامة، البداء، مسائله عن الرضا(عليه السلام)، وغير ذلك. معجم رجال الحديث:15/290 برقم 10043.
4. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/461. وتوجد في حجّية المرسل آراء أُخرى:
منها: تقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابع التابعين، ولا تقبل مراسيل من بعدهم إلاّ أن يكون من أئمّة النقل مطلقاً. قاله عيسى بن أبان.
ومنها: إن كان الراوي ممّن عُرف أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة فهو مقبول مطلقاً، وإلاّ فيشترط أن لا يكون له معارض من المسانيد الصحيحة، وهو خيرة الشيخ الطوسي.
ومنها: التوقّف; وهو الظاهر من المحقّق في معارج الأُصول:92.
ومنها: التفريق بين حذف الواسطة وإسقاطه مع العلم به وبين ذكره مبهماً، فيقبل في الأُولى دون الثانية.
ومنها: الصورة السابقة ولكن مع إسنادها إلى المعصوم جزماً، كما عليه الصدوق في الفقيه حيث يقول: قال الصادق(عليه السلام). قوانين الأُصول:1/478; أُصول الحديث وأحكامه:108ـ109.

صفحه 321
لا تكون معلومة لنا، ولأنّا لم نعلم من صفاته إلاّ رواية الفرع عنه، وليست تعديلاً، إذ العدل قد يروي عن العدل وغيره، وعمّن لو سئل عنه لتوقّف فيه أو جرحه، ولو عدّله مطلقاً ـ أي من غير تعيينه ـ لم يصر عدلاً، لجواز خفاء حاله عنه وعدم معرفته بفسق، ولو عيّنه لعرفنا فسقه.
وأمّا الثاني، فلما تقدّم في عدم قبول رواية المجهول حاله من كون العدالة شرطاً في قبول الرواية.
احتجّ أبو حنيفة وموافقوه بوجوه:
الأوّل: أنّ العدل لا يجوز أن يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)إلاّ وله ذلك، وإنّما يكون له ذلك إذا علم أو غلب على ظنّه أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قاله، إذ لو ظن عدم قول النبي(صلى الله عليه وآله) ذلك أو تشكّك فيه، لم يحلّ له النقل الجازم، لما فيه من التدليس على السامعين. وحينئذ يكون إطلاق هذا القول مستلزماً ظنّه أو علمه عدالة الواسطة فيكون تعديلاً لها.
الثاني: أنّ علّة التثبّت الفسق، لما تقدّم، وهي منتفية ظاهراً، لعدم علمها وأصالة بقائها على العدم، فينتفي التثبّت، وإلاّ لتحقّق الحكم مع ارتفاع العلّة; وإذا انتفى التثبّت، وجب القبول لما تقدّم .
الثالث: لو لم يقبل المرسل لم يقبل ما يجوز كونه مرسلاً وكان إذا قال الراوي عن فلان، لم يقبل حتى يصرّح بأنّه رواه عنه بغير واسطة أو بواسطة عدل، وذلك يوجب سقوط الأحاديث المعنعنة مع عدم التنصيص على انتفاء الواسطة وعلى عدالتها، وهو باطل اتّفاقاً.
والجواب عن الأوّل: أنّ الفرع إذا قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقد أتى بالصيغة المقتضية للجزم بكون القول المذكور قول الرسول(صلى الله عليه وآله)، فالجزم بالشيء مع تجويز نقيضه كذب، وذلك يقدح في عدالة الراوي، سواء روى عن عدل أو عن غيره فوجب صرف اللفظ عن ظاهره بإضمار ما يزيل

صفحه 322
المفسدة المذكورة، وليس إضمار «أظن » بحيث يصير تقدير الكلام:«أظن أنّه قال » أولى من إضمار «سمعت أنّه قال »، ومعلوم أنّه لو صرّح بذلك ـ أي بكونه سمع أنّه قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ لم يكن تعديلاً وفاقاً، وكذا إذا لم يصرّح.
وفيه نظر، للمنع من عدم الأولوية، فإنّ الذهن يتبادر إلى فهم المعنى الأوّل دون الثاني. ولأنّه لو كان المراد «سمعت أنّه قال »، لجاز أن يخبر بما يعلم انتفاؤه عن الرسول(صلى الله عليه وآله)إذا سمع الإخبار به عنه. وأيضاً لا نسلّم أنّه على تقدير إضمار «أظن » يكون تعديلاً، لأنّ الظنّ قد يحصل من اخبار الفاسق، ولا يجوز العمل به إجماعاً.
وعن الثاني: أنّ انتفاء علّة التثبّت ـ أعني: الفسق ـ لا يعلم إلاّ بثبوت ضدها التي هي العدالة، فما لم تكن العدالة معلومة التحقّق لم يكن انتفاء التثبّت معلوماً، ونمنع من كون نفيها ظاهراً، وأصالة بقائها على العدم معارض بأصالة عدم امتثاله ما توجّه عليه من أوامر الشارع ونواهيه.
وعن الثالث: أنّ الراوي إذا كان مصاحباً لمن روى عنه، غلب على الظن أنّه سمعه منه من غير واسطة; ولو لم يعلم صحبته له، لم يقبل روايته، لتردّده بين كونه مسنداً ومرسلاً من غير ترجيح.
ويتفرّع على ذلك مسائل:
الأولى: إذا أرسل الحديث وأسنده عدلٌ غيره، قُبل وفاقاً. أمّا عند مَن يقبل المراسيل فظاهر; وأمّا غيره فلأنّ المقتضي لقبوله وهو إسناد العدل موجود والمانع مفقود، إذ ليس إلاّ إرسال الآخر، وهو غير صالح للمانعية، لجواز أن يكون سمعه مرسلاً أو متّصلاً ونسي شيخ نفسه وإن كان يعلم في الجملة عدالته.
وكذا إذا أرسله تارة وأسنده أُخرى لما ذكرناه بعينه.

صفحه 323
الثانية: إذا أوصل الراوي الحديث بالنبي(صلى الله عليه وآله) مرة وأوقفه غيره على الصحابي فهو متّصل، لجواز كون الصحابي رواه عن النبي (صلى الله عليه وآله) تارة وذكره عن نفسه على سبيل الفتوى أُخرى، فرواه كلّ منهما بحسب سماعه، أو سمعه يرويه عن النبي(صلى الله عليه وآله) فنسي ذلك وظنّ أنّه ذكره عن نفسه.
وبالجملة، فثبوت موجب اتّصاله معلوم، والمانع منه معدوم.
الثالثة: إذا أوصله بالنبي(صلى الله عليه وآله) تارة وأوقفه هو على الصحابي أُخرى، كان متّصلاً، لما تقدم .
أمّا لو أرسله أو أوقفه على الصحابي مدة طويلة ثم أسنده أو أوصله بالنبي(صلى الله عليه وآله)بعد تلك المدّة كان قادحاً في اتّصاله، فإنّ نسيانه طول تلك المدّة بعيد، اللّهم إلاّ أن يكون له كتاب يرجع إليه فيذكر ما نسيه، فلا يكون قادحاً في اتّصاله.

صفحه 324
قال قدس الله روحه: البحث التاسع: يجوز نقل الحديث بالمعنى إذا لم يقصر لفظ الراوي عن المعنى، وعدم الزيادة والنقصان والمساواة في الجلاء، لأنّ الصحابة لم يكتبوا ألفاظ النبي(صلى الله عليه وآله) ولم يكرّروها فيعلم اقتصارهم على المعنى. ولأنّه يجوز التعبير بالعجمية للأعجمي، فبالعربية أولى.
احتجّ ابن سيرين بقوله(صلى الله عليه وآله):«رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » والأداء كما سمع إنّما هو بنقل اللفظ المسموع، ونقل الفقيه إلى الأفقه ليستفيد من اللفظ ما لا يستفيده الفقيه. ولأنّه مع تطاول الأزمنة وكثرة الطبقات ربما استحال المعنى.
والجواب: أنّ أداء المعنى كما هو داخل تحت الأداء كما سمع. والاستحالة إنّما تلزم لو قصر عن المعنى، والتقدير خلافه.*

* [في نقل الحديث بالمعنى]

أقول: اختلفوا في جواز نقل الحديث بغير لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله) ممّا يدلّ على معناه، فجوّزه الفقهاء الأربعة والحسن البصري، لكن بشروط:
أحدها: أن لا تكون الترجمة قاصرة عن الأصل في إفادة المعنى.
وثانيها: أن لا يكون فيها زيادة ولا نقصان.
وثالثها: أن تساوي الأصل في الجلاء والخفاء، لأنّ الخطاب الشرعي تارةً يكون بالمحكم، وتارةً بالمتشابه، لِحكَم وأسرار لا تصل إليها عقول البشر.1
ومنع منه ابن سيرين2 وبعض المحدّثين. 3

1. نقله عنهم أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:346، والرازي في المحصول:2/231، والآمدي في الإحكام:2/261.
2. هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، تابعي، ولد في البصرة سنة 33هـ.، نشأ بزازاً في أُذنه صمم، وتفقّه وروى الحديث واشتهر بتعبير الرؤيا، وينسب له كتاب«تعبير الرؤيا » المطبوع كما ذكره ابن النديم، توفّي في البصرة سنة 110هـ.. الأعلام:6/154.
3. وهو معروف عن عبد الله بن عمر ومحمد بن داود، واختاره ثعلب بن أحمد بن يحيى وأبوبكر الرازي من الحنفية. راجع التبصرة:346; الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي: 2/383.

صفحه 325
واختار المصنّف ـ طاب ثراه ـ الأوّل.1 واحتجّ عليه بوجهين:
أحدهما: أنّا نعلم بالضرورة أنّ الصحابة الذين رووا عن الرسول(صلى الله عليه وآله)هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا كانوا يكرّرون عليها بحيث تصير محفوظة لهم، بل كانوا يتركونها ولا يذكرونها إلاّ بعد مدة، ومن المعلوم أنّ بقاء تلك الألفاظ التي خاطبهم الرسول(صلى الله عليه وآله) بها على أذهانهم بحيث لا يشذّ منها شيء متعذّر، فعلم من ذلك اقتصارهم على حفظ المعنى دون لفظه.
الثاني: أنّه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم وفاقاً، وإذا جاز إبدال ألفاظه(صلى الله عليه وآله)العربية بألفاظ عجمية مفيدة للمعنى، فجواز إبدالها بألفاظ عربية أولى، فإنّه من المعلوم أنّ التفاوت بين العربية وترجمتها العربية أقلّ ممّا بينها وبين ترجمتها العجمية.
وفيه نظر، للمنع من الأولوية، وذلك لأنّ الترجمة العربية تقتضي اعتقاد سامعها أنّها من ألفاظ النبي(صلى الله عليه وآله)، وهو جهل بخلاف الترجمة العجمية.
احتجّ المخالف بالنصّ والمعقول .
أمّا الأول: فقوله(صلى الله عليه وآله):«رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ».2 وأداؤه كما سمعه إنّما

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/471.
2. سنن الدارمي:1/75; سنن ابن ماجة:1/86; مسند أحمد:4/80 و 82; مستدرك الحاكم:1/87 و 88; كنز العمال:10/220 برقم 29163 و 29164.

صفحه 326
يتحقّق بنقل اللفظ المسموع، ونقل الفقه إلى الأفقه، لأنّ الأفقه قد يتفطّن بفضل معرفته من فوائد اللفظ إلى ما لا يتفطّن إليه الفقيه الذي رواه.
وأمّا المعقول: فلأنّه لو جاز للراوي تبديل لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله)بلفظ نفسه لجاز للراوي عنه تبديل لفظه بلفظ آخر، لكونه أولى إذ جواز تبديل لفظ الرسول(صلى الله عليه وآله)يستلزم أولوية جواز تبديل لفظ الراوي قطعاً، وإذا جاز هذا في الطبقة الثانية جاز في الثالثة والرابعة وهكذا، وذلك يفضي إلى سقوط الكلام الأوّل، واستحالته وضياع معناه، لأنّه ربما ذهل بعضهم عن لفظه أو عن تركيبه فاختلّ معناه، وكذلك الآخر ومن بعده، فإنّ الإنسان لو حاول ترجمة ألفاظ بما يقوم مقامها من غير تفاوت أصلاً لتعذّر عليه.
والجواب عن الأوّل: أنّ مَن أدّى تمام معنى الكلام الذي سمعه يصدق عليه أنّه أدّاه كما سمعه وإن كان بغير لفظه، وهكذا الشاهد والمترجم يوصف كلّ منهما بأنّه مؤدٍّ كما سمع وإن خالف لفظ الشاهد لفظ المشهود عليه، ولفظ المترجم لفظ الأصل مع اتّحاد المعنى.
وعن الثـاني: أنّ استحـالـة المعنـى إنّمـا تتطرّق لو كانت الترجمة غير مطابقة للأصل، والمقدّر خلافه، لأنّا شرطنا في جواز الرواية بالمعنى
قال قدس الله روحه: البحث العاشر: إذا انفرد أحد الراويين بزيادة، فإن تعدّد المجلس قبلت، لإمكان ذكر النبي(صلى الله عليه وآله) لها مرّة وإسقاطها أُخرى. وإن اتّحد: فإن كان النافي عدداً يمتنع ذهولهم عنها، لم تقبل، وكذا إن كان أضبط. وإن تساويا قبلت إن لم يغيّر الإعراب، فإنّ السهو عمّا سمع أظهر من توهم السماع لما لم يسمع، إلاّ أن يقول النافي:«إنّي انتظرته بعد المتن فلم يأت بغيره » فالترجيح، وكذا إن غيَّر الإعراب.*
عدم الزيادة والنقصان، وعدم قصورها عن الأصل، وعدم تفاوتهما في

صفحه 327
الجلاء والخفاء، ومع تحقّق هذه الشرائط يمتنع ما ذكروه من المفسدة.
واعلم أنّ قوله في الشرط الثاني:«والنقصان » عطف على قوله:«وعدم الزيادة » لا حاجة إليه، لأنّ الشرط الأوّل وهو عدم قصوره عن المعنى يتضمّن ذلك.

* [إذا انفرد أحد الراويين بزيادة ]

أقول: إذا روى اثنان أو جماعة ممّن تقبل روايتهم خبراً وانفرد أحدهم بزيادة، ولم يخالف الزيادة المزيد عليه; سواء كانت في أفعاله كما لو روى بعضهم أنّه(صلى الله عليه وآله)دخل البيت، و روى آخر أنّه دخل البيت وصلّى فيه; أو في أقواله، كما لو روى واحد أنّه سئل عن ماء البحر؟ فقال:«هو الطهور ماؤه »، وقال الآخر:إنّه قال:«هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته »، فإن تعدّد المجلس قبلت الزيادة، فإنّه من الجائز أن يدخل(صلى الله عليه وآله) تارةً البيت ولا يصلّي فيه، وتارةً يدخل ويصلّي فيه، أو يهمل الآخر نقل الصلاة. وكذا يجوز أن يقول في مجلس عقيب السؤال عن البحر:«هو الطهور ماؤه » ويقتصر على ذلك، وفي مجلس آخر:«هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته » لأنّ المقتضي لقبول الزيادة وهو عدالة الراوي موجود، والمعارض له مفقود، إذ ليس إلاّ إمساك الآخر عن الزيادة، وذلك غير موجب لنفيها، لما قلناه.
وإن اتّحد المجلس فإن كان تاركو الزيادة عدداً لا يجوز ذهولهم عمّا يضبطه الواحد لم تقبل الزيادة وحملت رواية راويها على سهوه، وأنّه قد سمعها من غير الرسول(صلى الله عليه وآله) وتوهّم أنّه قد سمعها منه. وكذا لو كان تارك الزيادة أشد ضبطاً من راويها. هذا إن نفوا الزيادة، وإلاّ فالأقوى قبولها،

صفحه 328
لوجود المقتضي السالم عن معارضة تكذيب الباقين.
وإن لم يكونوا كذلك قبلت إن لم يغيّر الإعراب، لما ذكرناه. ولأنّ سهو الإنسان عمّا سمع أظهر من توهّمه فيما لم يسمعه أنّه سمعه، إلاّ أن يقول النافي:«إنّي انتظرته بعد تلفّظه بالمتن ـ أعني: الأصل المزيد عليه ـ فلم يأت بغيره » فحينئذ يتحقّق التعارض، ويجب الترجيح. ولو غيّرت الإعراب مثل:«أدّوا عن كلّ حرّ أو عبد صاعاً من برّ » وقال الآخر:«أدّوا عن كلّ حر أو عبد نصف صاع من برّ » فالحق عدم قبول الزيادة، لتحقّق التعارض، فإنّ إحدى الصيغتين مغايرة للأُخرى، ويجب الترجيح والعمل بالراجح منهما .1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/492; المحصول:2/233; الإحكام:2/265.

صفحه 329
 

صفحه 330
 
قال قدس الله روحه:

المقصد العاشر

في القياس

                                                   وفيه فصول:

صفحه 331
 

صفحه 332
 

الأوّل:

في مقدماته

وفيه مباحث: الأوّل: في ماهيته: وهو تعدية الحكم المتّحد من الأصل إلى الفرع بعلة متّحدة فيهما.
وقيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنه.*
* أقول: لمّا فرغ من البحث عن الأدلّة السمعية على الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة والإجماع وما يتعلّق بذلك شرع في الدليل العقلي، وهو القياس، إذ هو من جملة طرق الأحكام الشرعية عند الجمهور; خلافاً لكثير من المعتزلة، وجمهور الإمامية، وسيأتي ذكر اختلافهم فيه مفصّلاً. والكلام فيه إمّا في ماهيته، وإمّا في أركانه، أو شرائطه، أو أحكامه.

[في ماهية القياس]

أمّا الأوّل فاعلم أنّ لفظ القياس لغة: التقدير، يقال: قست الأرض بالقصبة، وقست الثوب بالذراع، أي قدّرتهما بهما.1

1. لسان العرب:6/186، مادة «قوس ». وقيل: هو التسوية، يقال: قاس هذا بهذا أي سوّى بينهما، قال علي(عليه السلام): «لا يقاس بآل محمد(صلى الله عليه وآله) من هذه الأُمّة أحد » أي لا يسوّى بهم أحد. الوسيط في أُصول الفقه للسبحاني:2/67.

صفحه 333
وأمّا بحسب الاصطلاح فاختلفوا في تعريفه، فقال المصنّف ـ طاب ثراه ـ إنّه عبارة عن تعدية الحكم المتّحد من الأصل إلى الفرع بعلّة متّحدة فيهما.1
والتعدية لغة المجاوزة من الشيء إلى غيره، يقال: عدّيته فتعدّى، أي تجاوز.2 والمراد بالاتّحاد الاتّحاد النوعي، إذ لو كان الاتّحاد الشخصي لم يصدق، لاستحالة تجاوز الحكم الشخصي الثابت للأصل منه إلى

1. وتوجد تعاريف أُخرى للقياس ذكرها جماعة من أعيان الأُصوليّين: منها ما ذكره السيد المرتضى في الذريعة:460، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/648 قالا: القياس هو إثبات مثل حكم المقيس عليه للمَقيس.
وقال أبو هاشم الجبّائي: القياس حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه.
وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي: هو حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لضرب من الشبه.
وقال أبو الحسين البصري: إنّه تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علّة الحكم عند المجتهد.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنه. واختار هذا جمهور الأشاعرة وأكثرهم، كالغزالي والرازي.
وقال الآمدي: القياس عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل.
وقال السبحاني في الوسيط: هو استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ، عن حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه. الإحكام:3/130. وراجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/501; المعتمد:2/195; المستصفى:2/236; المحصول:2/236; الوسيط في أُصول الفقه:2/67.
2. الصحاح للجوهري:6/2420، مادة«عدا ».

صفحه 334
الفرع، وكذا المراد بالاتّحاد في العلّة.
وفي هذا التعريف نظر، لانتقاضه عكساً بالقياس المفيد لإثبات الصفة، وبالقياس الفاسد. ولأنّ تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع نتيجة القياس وثمرته المتأخّرة عنه، فلا يجوز أخذها في حدّه.
فإن قلت: تعريف الشيء بغايته جائز، كما يقال: الكوز وعاء يشرب به الماء.
قلت: مسلّم، لكنّه لا يكون حدّاً، بل رسماً.
وأيضـاً فتعـريف ذي الغـايـة بهـا إنّمـا يكـون بأن يشتـقّ منهـا مـا يحمـل علـى ذي الغـايـة ـ كمـا فـي المثـال المـذكور ـ لا بأن يحمـل نفس الغايـة عليـه، كمـا ذكرت فـي التعـريف مـن قـولك:«القيـاس تعـدية الحكم » ألا ترى أنّه لا يقال: الكوز شرب الماء وأيضاً فالأصل والفرع من الأُمور الإضافيّة لا يعرف كلّ منهما إلاّ بعد معرفة ما يضاف إليه، وليس في التعريف ما يدلّ على ذلك، ولو أُضيفا أو أحدهما إلى القيـاس دار. ولأنّ اللفظ ظاهـر فـي أنّ العلّـة للتعدية، وليس فيه إشعار بأنّها علّة الحكم. ولأنّ تقييد الحكم بالاتّحاد زائد مع أنّ فيه إبهاماً، لأنّه يقع على وجوه الاتّحاد بأسرها، فيجب التعرّض في الحد للمقصود منها، وكذا في العلة.
وقال القاضي أبو بكر: القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما عنهما.1

1. نقله عنه فخر الدين الرازي وارتضاه وأكثر جمهور الأشاعرة كما قلنا في الهامش السابق. راجع: المستصفى:2/236; المحصول:2/236.

صفحه 335
وذكـر المعلـوم ليتناول الموجود والمعدوم، فإنّ القياس يجري فيهما جميعاً، ولو أتى بلفظ الشيء لكان مختصّاً بالموجود على المذهب الحق.
ولو قال: حمل فرع على أصل، لأوهم اختصاصه بالموجود، من حيث إنّ وصف أحدهما بكونه أصلاً والآخر بكونه فرعاً، قد يظن أنّها صفة وجـوديـة، وذلك ملـزوم لكـون المـوصوف بهمـا مـوجـوداً، وإن كـان ذلك الظـن فاسـداً، فكـان لفـظ «المعلـوم » أجمـع وأمنـع وأبعـد عـن الـوهم الفـاسـد، وإنّمـا قـال: «حمل معلوم على معلوم »، لأنّ المقايسة أمر نسبي لا يعقل إلاّ بين شيئين. ولأنّه لولاه لكان إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، بل لمجرد التحكّم والتشهّي، وذلك ممتنع. وإنّما قال:«في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما »، لأنّ المراد بحمل أحد المعلومين على الآخر التشريك بينهما في الحكم، وحكم الأصل ـ أعني: المحمول عليه ـ قد يكون إثباتاً وقد يكون نفياً، فكان ما ذكره شاملاً لهما.
وإنّما قال:«بأمر جامع بينهما » لأنّ القياس لا يتمّ إلاّ بالجامع بين الأصل والفرع، وإلاّ لكان حمل الفرع على الأصل من غير دليل، وهو باطل.
وإنّما قال:«من إثبات حكم أو صفة لهما » فلأنّ الجامع بين الأصل والفرع قد يكون حكماً شرعياً، كما لو قال في تحريم بيع الكلب: نجس فلا يجوز بيعه كالخنزير، وقد يكون وصفاً حقيقياً كما لو قال في النبيذ:

صفحه 336
مسكر فكان حراماً كالخمر.
وقـولـه: «أو نفيهما عنهما » فلأنّ الجامع قد يكون ثبوتياً ـ كما ذكرناه ـ وقد يكون عدميّاً إمّا في الحكم، فكما لو قال: في الثوب النجس المغسول بالخل ـ مثلاً ـ غير طاهر، فلا تصحّ الصلاة فيه، كالمغسول باللبن والمرق; وإمّا في الصفة، فكما لو قال في الصبي: غير عاقل، فلا يكلّف كالمجنون .
والضمير في قوله:«لهما » و«عنهما » عائد إلى الأصل والفرع. وفي «نفيهما » عائد إلى الحكم والصفة، وفي قوله: عنهما أخيراً1 عائد إلى الأصل والفرع.
والمصنّف ـ طاب ثراه ـ قال:«أو نفيهما عنه » فوحّد الضمير، والمذكور في المحصول والإحكام ضمير المثنى كما ذكرناه.

1. في «ب » و«م »: آخر.

صفحه 337
قال قدس الله روحه: واعترض بالتكرير في الحمل والإثبات. إن أُريد بهما معنى واحد، وإلاّ فلا معنى للحمل; وبأنّ إثبات الحكم لهما ليس بالقياس، فإنّ الحكم في الأصل بدليل آخر، لأنّ القياس فرعه. ولأنّ القياس أعمّ منه، لأنّ الصفة قد تثبت بالقياس، كما يقال: الله تعالى عالم، فله علم كالشاهد، فلا يُعرّف بإثبات الحكم خاصة. ولأنّ إثبات الحكم أو الصفة أو نفيهما أقسام الجامع، فلا تذكر في التحديد.
وقال أبو الحسين: إنّه تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علّة الحكم عند المجتهد.*

* [في أدلّة مَن اعترض على تعريف القاضي أبي بكر]

أقول: اعترض على تعريف القاضي أبي بكر المذكور من وجوه:
الأوّل: أن المراد بحمل أحد المعلومين على الآخر إن كان إثبات حكم أحدهما للآخر كان قوله بعد ذلك: «في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما » مكرّراً من غير فائدة، وإن كان معنى آخر فلابدّ من بيانه، وبتقدير ظهوره لا يجوز ذكره في تحديد القياس، لأنّ ماهيته تتمّ من دونه، فيكون خارجاً عنه، فلا يجوز ذكره في الحدّ.
الثاني: قوله:«في إثبات حكم لهما » مشعر بأنّ الحكم في الأصل والفرع ثابت بالقياس، وهو باطل، فإنّ القياس متفرّع على ثبوت الحكم في الأصل، فلو تفرّع على القياس دار .
الثالث: أنّه غير جامع، لأنّ القياس كما ثبت به الحكم ونفيه، كذا تثبت به الصفة، كما في قولهم: «الله تعالى عالم » فيكون له علم قياساً على الشاهد، إذ القياس أعمّ من الشرعي والعقلي، وحينئذ لا يكون الحد منعكساً.
فإن اعتذر بأنّ الصفة تندرج في الحكم.

صفحه 338
قلنا: فقوله:«بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة » يكون مكرّراً من غير ضرورة، لأنّ الصفة حينئذ أحد أقسام الحكم، فيكون الحد إمّا ناقصاً أو زائداً.
الرابع: المعتبر في ماهية القياس إنّما هو مطلق الجامع بين الأصل والفرع، أمّا كونه تارةً حكماً، وتارةً صفةً، وتارةً نفي حكم، وتارة نفي صفة، فتلك أقسامه، وأقسام الجامع غير معتبرة في القياس بالذات، بل باعتبار اشتمالها على ماهية الجامع، إذ ما به يمتاز كلّ واحد منها عن باقيها خارج عن ماهية الجامع لتحقّقه من دونها، فلا يذكر في تحديده، وإلاّ لوجب ذكر أقسام الحكم، من تحريم، أو وجوب، أو إباحة، أو غير ذلك .
الخامس: كلمة «أو » موضوعة للإبهام والتخيير، وهو ينافي التحديد المقصود به الإيضاح والبيان.
وقال أبو الحسين البصري: إنّه تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علّة الحكم عند المجتهد.1
ثم اعترض على نفسه بانتقاضه عكساً بقياس العكس، فإنّ الفقهاء يسمّونه قياساً مع كذب الحدّ عليه، لأنّه عبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره، لافتراقهما في علّة الحكم، كما يقال: لو لم يكن الصوم شرطاً للاعتكاف في نفس الأمر لم يكن شرطاً له بنذر الاعتكاف صائماً قياساً على الصلاة، فإنّها لم تكن له شرطاً في نفس الأمر لم تكن شرطاً له بنذر الاعتكاف مصلّياً، فالأصل هو الصلاة والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنّها ليست شرطاً للاعتكاف، والثابت في الصوم نقيضه وهو كونه

1. المعتمد:2/196.

صفحه 339
شرطاً للاعتكاف، وقد افترقا في علة الحكم، لأنّ علّة حكم الصلاة التي لأجلها لم يكن شرطاً للاعتكاف في نفس الأمر، هي كونها ليست شرطاً له حال النذر، وهي غير موجودة في الصوم، لأنّه شرط للاعتكاف حال النذر إجماعاً.
وأجاب بأنّ تسميتهم قياس العكس قياساً، مجاز.1
واعترض عليه أيضاً بأنّ الحاصل في الفرع ليس نفس حكم الأصل بل مثله، وبأنّ تحصيل حكم الأصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس، فلا يكون جزؤه فلا يعرف به.
وأجاب المصنّف ـ طاب ثراه ـ في «النهاية » عن الأوّل بأنّه لمّا كان حكم الأصل مساوياً لحكم الفرع، جاز إطلاق الوحدة عليهما.
وعن الثاني: أنّ الشيء قد يعرّف بغايته، كما يقال: الكوز آلة يشرب بها الماء، والكرسي ما يجلس عليه.2
وفيه نظر: أمّا الأوّل: فإنّ ذلك الإطلاق من باب المجاز، وهو ممّا يجب الاحتراز عنه في التعريفات. على أنّه لم يأت بلفظ الوحدة وإنّما أضاف «الحكم » إلى «الأصل »، وحصوله في الفرع محال.
وأمّا الثاني: فلما تقدّم في الكلام على تعريفه ـ طاب ثراه ـ. وقوله: «عند المجتهد » ليندرج فيه القياس الفاسد.
قال قدّس الله روحه: البحث الثاني: في أركانه، وهي أربعة: الأصل، والفرع، والعلّة، والحكم.
أمّا الأصل فعند الفقهاء عبارة عن: محل الحكم المقيس عليه كالخمر، وعند المتكلمين: النصّ الدالّ على ذلك الحكم. وهما ضعيفان، لأنّ الأصل ما يتفرّع عليه غيره، وليس الحكم في النبيذ متفرّعاً على الخمر، فإنّه لو انتفى التحريم عنه لم يمكن القياس عليه،

1. المعتمد:2/196.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/503ـ504.

صفحه 340
ولو علمنا تحريم الخمر بالضرورة أمكن القياس عليه وإن لم يكن هناك نصّ، فيبقى الأصل إمّا حكم محل الوفاق أو علّته، فالحكم أصل في محل الوفاق فرع في المتنازع، والعلّة بالخلاف. وتسمية العلّة في المتنازع أصلاً أولى من تسمية محل الحكم في المتّفق أصلاً، لأنّ العلّة مؤثرة في الحكم، والمحل غير مؤثر.
والفرع عند الفقهاء: محل النزاع، وعند الأُصوليّين: الحكم المتنازع، وهو أولى، لأنّ الأوّل ليس متفرعاً عن الأصل، بل الثاني. وإطلاق لفظ الأصل على محل الوفاق أولى من إطلاق لفظ الفرع على محل الخلاف، لأنّ محل الوفاق أصل للحكم فيه الذي هو أصل القياس، فهو أصل أصل القياس، ومحل الخلاف أصل للحكم فيه الذي هو فرع القياس، فهو أصل فرع. والبحث هنا على مصطلح الفقهاء.*

* [في أركان القياس]

أقول: لمّا كان القياس عبارة عن تعدية الحكم من الأصل ـ أعني: المقيس عليه ـ إلى الفرع ـ أعني: المقيس ـ لا مجّاناً، بل لوجود علّة ذلك الحكم في الفرع، كانت أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلّة، والحكم.1
أمّا الأصل فاعلم أنّا إذا قسنا النبيذ على الخمر في التحريم، فإمّا أن يكون الأصل عبارة عن محل ذلك الحكم المطلوب إثباته في الفرع وهو المقيس عليه، كالخمر في هذا المثال، أو نفس2 الحكم المذكور وهو

1. توضيح: الأصل: وهو المقيس عليه; والفرع: وهو المقيس; والعلّة: وهو الوصف الجامع الذي يجمع بين المقيس والمقيس عليه ويكون هو السبب للقياس، مثلاً إذا قال الشارع: «الخمر حرام لكونه مسكراً » فإذا شككنا في حكم سائر السوائل المسكرة كالنبيذ والفقّاع يحكم عليهما بالحرمة، لاشتراكهما مع الخمر في الجهة الجامعة; والحكم: وهو ما يحكم به على الثاني بعد الحكم به على الأوّل. الوسيط في أُصول الفقه:2/67ـ68.
2. في«م »: ليس ذلك بل.

صفحه 341
التحريم، أو علّته ـ أعني: الوصف الباعث عليه ـ كالإسكار، أو النصّ الدالّ على ذلك الحكم.
فذهب الفقهاء إلى الأوّل، والمتكلّمون إلى الرابع، واستضعفهما فخر الدين في «المحصول » والمصنّف ـ طاب ثراه ـ .1
أمّا قول الفقهاء: فلأنّ أصل الشيء ما تفرّع عليه غيره، وكان ينبغي أن يقول: ما تفرّع عليه ذلك الشيء، ونفس الحكم المطلوب إثباته في النبيذ ـ أعني: التحريم ـ ليس متفرّعاً على نفس الخمر، إذ لو لم ينص الشارع على تحريم الخمر لم يمكن تفريع حرمة النبيذ عليه، ولو وجد التحريم في غير الخمر أمكن تفريع حرمة النبيذ عليه، وينبغي تقييد ذلك الغير بما يشارك النبيذ في علّة تحريمه; ولمّا ظهر إمكان انفكاك كل واحد من ماهية الخمر وتحريم النبيذ عن الآخر، استحال أن يكون تحريم النبيذ متفرّعاً على ماهية الخمر.
وأمّا قول المتكلمين فضعيف أيضاً لهذا الوجه، وذلك لأنّا لو قدّرنا علمنا بتحريم الخمر ضرورة، أو بدليل عقلي لأمكننا أن نفرّع عليه تحريم النبيذ على تقدير مشاركته إيّاه في علّة التحريم، ولو قدّرنا أنّ النصّ ورد على تحريم الخمر لا لخصوصية2، بل على أمر شامل له وللنبيذ لم يكن تفريع النبيذ على ذلك النصّ تفريعاً قياسيّاً، وحينئذ لا يكون النصّ أصلاً للقياس.
ولمّا ظهر فساد هذين القسمين تعيّن كون الأصل إمّا الحكم الثابت في

1. المحصول:2/241ـ242; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/510ـ511.
2. في «ب »: بخصوصيّته،وفي «ل »: بخصوصه.

صفحه 342
محلّ الوفاق، كتحريم الخمر في المثال المذكور، أو علّة ذلك الحكم كالإسكار فيه.
وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الحكم أصل في محلّ الوفاق، فرع في محل الخلاف، وأمّا علّة الحكم فبالعكس، فإنّها أصل في محلّ الخلاف، وفرع في محل الوفاق.
أمّا الأوّل: فلأنّا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محلّ الوفاق لا نطلب علّة ذلك الحكم، وقد نعلم الحكم ولا نطلب علّته أصلاً، فقد توقّف إثبات علّة الحكم في محلّ الوفاق على ثبوت ذلك الحكم فيه، من غير عكس، وذلك يؤذن بكون العلّة فرعاً على الحكم.
وفيه نظر، فإنّ توقّف طلب العلّة وكونها فرعاً عليه على ثبوت الحكم لا يوجب افتقار العلّة إلى الحكم، واستغناء الحكم عن طلب العلّة لا يوجب استغناؤه عن نفس العلة وكونه أصلاً لها.
وأمّا الثاني: فلأنّا ما لم نعلم تحقّق علّة الحكم في المتنازع لا يمكننا أن نحكم بثبوت ذلك الحكم فيه قياساً، ولا ينعكس، إذ يمكننا الحكم بتحقّق العلّة من دون تحقّق الحكم فيه، فقد توقّف ثبوت الحكم فيه على ثبوت العلّة من غير عكس، وذلك دالّ على تفريع الحكم على العلّة في محل النزاع.
وينبغي أن يعلم أنّ تسمية العلّة في محلّ النزاع أصلاً للحكم فيه أولى من تسمية محلّ الحكم في المتّفق عليه أصلاً، لأنّ علّة الحكم مؤثّرة فيه، والمؤثّر في الشيء أصل له، لابتنائه عليه، وليس المحلّ مؤثراً في الحكم. ولأنّ تعلق المؤثر بأثره أقوى من تعلّق المحلّ بالحال، لأنّ المؤثّر موجب للأثر، والمحلّ غير موجب للحال، لاستحالة كون القابل

صفحه 343
فاعلاً.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ لكلّ من قولي المتكلّمين والفقهاء وجهاً.
أمّا الأوّل: فلأنّه قد ظهر أنّ الحكم الحاصل في محلّ الوفاق أصل للحكم في محلّ الخلاف، وثبت أنّ النصّ أصل لذلك، فقد صار النص أصل أصل الحكم المطلوب إثباته، وأصل أصل الشيء أصل لذلك الشيء، فصحّ إطلاق لفظ «الأصل » عليه، وهو قول المتكلمين.
وأمّا الثاني: فلأنّ الحكم الذي هو الأصل محتاج إلى محلّه، فكان محل الحكم أصلاً للأصل، فجاز تسميته أصلاً، وهو قول الفقهاء.
وفيهما نظر: أمّا الأوّل فللمنع من كون النصّ أصلاً للحكم; أمّا عندنا وعند المعتزلة فظاهر، لأنّه مبيّن للحكم، والمبيّن للشيء لا يجب كونه أصلاً له; وأمّا عند الأشاعرة فلأنّ النصّ عندهم نفس الحكم، لأنّه عندهم عبارة عن خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين كما تقدّم، فكيف يكون أصلاً لنفسه؟
وأمّا كون المقيس عليه محلاًّ للحكم فهو محال عندهم لذلك.
وأمّا الفرع فعند الفقهاء عبارة عن محل الحكم المتنازع فيه، كالنبيذ في المثال المذكور، وعند آخرين1 نفس الحكم المطلوب إثباته في محل الخلاف، كتحريم النبيذ في المثال، لأنّ نفس النبيذ ليس متفرّعاً على تحريم الخمر، إنّما المتفرّع عليه تحريم النبيذ.
واعلم أنّ إطلاق لفظ «الأصل » على محل الوفاق أولى من إطلاق لفظ «الفرع » على محلّ الخلاف، لأنّ محل الوفاق أصل أصل القياس، لأنّه أصل للحكم الحاصل فيه الذي هو أصل القياس، وأصل أصل الشيء

1. منهم: أبو الحسين البصري في المعتمد:2/199، والرازي في المحصول:2/243.

صفحه 344
يجب كونه أصلاً.
وأمّا محلّ الخلاف فإنّه أصل للحكم الذي يطلب إثباته، وهو فرع القياس، فكان أصل فرع القياس، وأصل الفرع لا يجب كونه فرعاً، وقد عرفت ما في ذلك .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ إطلاق هذه الألفاظ في المباحث الآتية إنّما هي على مصطلحات الفقهاء، من أنّ الأصل محل الحكم المتفق عليه كالخمر، والفرع محل الحكم المختلف فيه كالنبيذ.
وأمّا العلّة فهي عبارة عن الوصف الجامع بين الأصل والفرع، كالإسكار في المثال المذكور، وهو قد يكون باعثاً على الحكم، وقد يكون أمارةً عليه. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا الحكم فهو المطلوب إثباته، كتحريم النبيذ في المثال، ولابدّ من كونه من الأحكام الشرعية الخمسة التي هي الوجوب ومقابلاته، أو الثابتة بخطاب الوضع كالصحة والبطلان وغيرهما ـ إن لم نقل بالقياس في غيره ـ كالعقليات واللغويات.
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: في أنّه هل هو حجة أم لا؟ منع الشيعة من التعبّد به شرعاً وإن جاز عقلاً، ومنع آخرون منه عقلاً.
وقال أبو الحسين البصري: إنّ العقل دالّ على التعبّد به، ودليل الشرع عليه ظنّي.
والأقوى عندي أنّ العلّة إذا كانت منصوصة وعُلم وجودها في الفرع،كان حجّة،كقوله(عليه السلام) لمّا سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر قال: أينقص إذا جفّ؟ قيل: نعم، قال(عليه السلام): فلا إذن . وكذا قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. وأمّا في غير هذين فلا يجوز التعبّد به لقوله تعالى:(وان تقولوا على الله ما لا تعلمون)، (ولا تقف ماليس لك به علم)، (ان يتبعون إلاّ الظن وانّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً).
وقوله(عليه السلام): ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرِّمون الحلال ويحلّلون

صفحه 345
الحرام.
ولإجماع أهل البيت(عليهم السلام) عليه، فإنّ المعلوم من قول الصادق والباقر والكاظم(عليهم السلام) إنكاره.
ولأنّ مبنى شرعنا على اختلاف المتوافقات وتوافق المختلفات، كإيجاب صوم آخر رمضان، وتحريم أوّل شوال، وإيجاب الوضوء من النوم والبول.
ولأنّ أكثر الصحابة منعوا منه، قال علي(عليه السلام):«من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل فى الجدّ برأيه »، وقال(عليه السلام):«لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخفّ أولى بالمسح من ظاهره »، وإنكاره العمل به متواتر.
وقال أبو بكر: أيّ سماء تظلّني وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله برأيي.
وقال عمر: إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا.
وقال ابن عباس: تذهب قرّاؤكم وصلحاؤكم ويتّخذ الناس رؤساء جهّالاً يقيسون الأُمور برأيهم. ولم ينكر عليهم أحد.*

* [هل القياس حجّة أم لا؟]

أقول: اختلف الناس في التعبّد بالقياس عقلاً على طرفين وواسطة. فأوجبه أبو الحسين البصري1 والقفّال.2
وأحاله بعض الشيعة3 والنظّام4 وكثير من المعتزلة. ثم منهم مَن

1. المعتمد:2/201.
2. كما في المحصول:2/245; الإحكام:4/209. ونسبه الشيرازي في اللمع إلى أبي بكر الدقّاق، راجع: شرح اللمع:2/760.
3. نسبه السيد المرتضى إلى بعض شيوخه في رسالة «جوابات المسائل الموصلية الثالثة » المطبوعة ضمن رسائله:1/202 حيث قال: وقد تجاوز قوم من شيوخنا رحمهم الله في إبطال القياس في الشريعة والعمل بأخبار الآحاد أن قالوا: إنّه مستحيل من طريق العقول العبادة بالقياس في الأحكام...
وكذلك نفاه الشيخ المفيد في «التذكرة في أُصول الفقه »:38: قائلاً: فأمّا القياس والرأي فإنّهما عندنا في الشريعة ساقطان لا يثمران علماً، ولا يخصّان عاماً، ولا يعمّان خاصاً، ولا يدلاّن على حقيقة. وقد شرح الشريف المرتضى استدلال الشيخ المفيد على إبطال القياس شرحاً وافياً في ذريعته:468ـ 469، وذكر أنّ لهذه الطريقة بعض القوة.
4. نقل أبو الحسين البصري في المعتمد:2/230 عن النظّام قوله: إنّ الله عزّ وجلّ قد دلّ بوضع الشريعة على أنّه منعنا من القياس، لأنّه فرّق بين المتفقين وجمع بين المفرّقين، فأباح النظر إلى شعر الأمة الحسناء، وحظر النظر إلى شعر الحرّة وإن كانت شوهاء... وتابعه على هذا الرأي قوم من المعتزلة البغداديين، كجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ويحيى الإسكافي. وذهب أبو عبد الله المغربي إلى هذا القول. راجع: التبصرة:419; والإحكام:4/209; والذريعة:463ـ 464.

صفحه 346
خصّ الاستحالة بشرعنا، ومنهم مَن عمّم الحكم بالاستحالة في كلّ الشرائع.
وجوّزه أكثر الصحابة والتابعين، والفقهاء الأربعة، وأكثر المتكلّمين1، ومن الإمامية السيد المرتضى(رحمه الله).2

1. راجع التبصرة:419; الإحكام:4/209; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/518.
2. الذريعة:464 حيث قال: والذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله لأنّ العبادة لم ترد به، وإن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله. وإليه ذهب الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/652 حيث قال: والذي نذهب إليه وهو الذي اختاره المرتضى(رحمه الله) في كتابه.
هذا وقد أجمعت الإمامية على نفي العبادة بالقياس واستدلّ السيد المرتضى في الذريعة: 477 على نفي العبادة بالقياس بإجماع الإمامية على نفيه وإبطاله في الشريعة وقد بيّنّا أنّ في إجماعهم الحجّة.
وقال الشيخ الطوسي في العدة:2/666ـ 667: إنّ أقوى ما اعتمد في نفي العبادة بالقياس هو إجماع الطائفة المحقّة، وقد ثبت أنّ إجماعهم حجّة، لأنّه يشتمل على قول معصوم لا يجوز عليه الخطأ. وليس لأحد أن يُعارض هذا الإجماع لمن يذهب إلى مذهب الزيدية والمعتزلة، من أهل البيت(عليهم السلام) وقال مع ذلك بالقياس، لأنّ هؤلاء لا اعتبار بمثلهم، لأنّ مَن خالف في الأُصول الخلاف الذي يوجب التكفير أو التفسيق لا يدخل قوله في جملة مَن يُعتبر إجماعهم ويجعله حجّة، لأنّ كلّ من علمنا أنّه ليس بإمام فإنّا لا نعتدّ بخلافه ونرجع إلى الفرقة الأُخرى الّتي نعلم كون الإمام المعصوم في جملتهم.

صفحه 347
واختلف مجوّزوه في وقوعه، فذهب إليه الجمهور مطلقاً، والقاساني1 والنهرواني في صورتين:
إحداهما: إذا كانت علّة الحكم منصوصاً عليها بصريح اللفظ أو بإيمائه، وعلم ثبوتها في الفرع.
والثانية: ما إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من أصله، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وأمّا في غيرهما فلا، لوجود ما يمنع من ذلك سمعاً.2 وهو اختيار المصنّف طاب ثراه.3
ومنـع منـه السيـد المـرتضـى(رحمه الله)4وجمـاعـة مطلقـاً، لعـدم مـا يـدلّ علـى وجـوده عقـلاً وشـرعاً، وآخـرون لـوجـود ما يدلّ على عدمه سمعاً. 5
والحق ما اختاره المصنّف طاب ثراه.
لنـا علـى المقـام الأوّل ـ وهـو الجـواز عقلاً ـ أنّـا نعلم قطعـاً أنّ كلّ عـاقل إذا لم يعتبـر سـوى حكم عقله لا يمتنع عنـده أن يقـول الشـارع: حرّمت شرب الخمر، ومتى غلب على ظنّكم أن علّة تحريمه الإسكار

1. هو أبو بكر محمد بن إسحاق القاساني، نسبة إلى قاسان وهي بلدة قريبة من قم، وقيل:القاشاني، وقد ضبطه ابن حجر والتفتازاني بالسين. أخذ العلم عن داود، إلاّ أنّه خالفه في مسائل كثيرة من الأُصول والفروع، له كتاب الرد على داود في إبطال القياس، وكتاب إثبات القياس. طبقات الشيرازي: 149; الفهرست للنديم:314.
2. كما في المحصول:2/245; والإحكام:4/221.
3. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/519.
4. الذريعة:469ـ 470.
5. وهو الذي حكاه أبو إسحاق الإسفراييني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشّر وجعفر بن حرب وبعض أهل الظاهر. راجع الإحكام:4/240.

صفحه 348
المفضـي إلى وقوع الفتن والعداوة والبغضاء، فقيسوا عليه كلّ ما شاركه في هذا المعنى، كالنبيذ وغيره، ولو قال ذلك لتلقّته العقول بالقبول، ولاستحسنـه كلّ ذي عقل سليم ونظر مستقيم. ولا نعني بالجواز عقلاً إلاّ هذا.
وعلى الثاني ـ وهو أنّه ممتنع سمعاً في غير الصورتين المذكورتين ـ وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون)1، والقياس قول على الله تعالى بما لا يعلم، فيكون منهياً عنه.
الثاني: قوله تعالى:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)2، والقول بالقياس كذلك، فيكون منهياً عنه.
وفيه نظر، لاختصاصه بالرسول(صلى الله عليه وآله) المتمكّن من أخذ الأحكام من الوحي المفيد للقطع.
الثالث: قوله تعالى:(إنْ يَتَّبِعُونَ إلاّ الظَّنَّ وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)3والقياس ظنّ خرج عنه ما وقع الاتّفاق على العمل به، فبقي الباقي على النهي.
الـرابـع: قـولـه(صلى الله عليه وآله):«ستفتـرق أُمّتـي علـى بضع وسبعين فـرقة، أعظمهم فتنـة قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام ».4

1. البقرة:169.
2. الإسراء:36.
3. النجم:28.
4. مستدرك الحاكم:3/547; مجمع الزوائد:1/179; كنزالعمال:1/210 برقم 1056 و 1058.

صفحه 349
وفيه نظر، لاختصاص الذمّ فيه بالقائسين الموصوفين بالصفة المذكورة. والبضع ما بين الثلاث إلى التسع.
الخـامس: إجمـاع أهـل البيت(عليهم السلام) علـى المنـع مـن العمـل بالقيـاس، فـإنّ المعلـوم مـن قـول البـاقر والصـادق والكاظـم(عليهم السلام)إنكـاره وذمّ العمـل بـه.1
السادس: أنّ مبنى شرعنا على اختلاف المتوافقات في الأحكام واتّفاق المختلفات فيه، وذلك يمنع من القياس.
أمّا الأوّل فظاهر، فإنّ الشارع شرّف بعض الأزمنة والأمكنة على غيره منها مع تساويهما في الحقيقة، فقال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْر)2، وقال تعالى:(وإذْ جَعَلْنا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأمْناً)3، وأوجب الحج إليه دون غيره من البقاع، وأوجب صوم آخر رمضان، وحرّم صوم أوّل شوال، وساوى بين النوم والبول في إيجاب الوضوء مع اختلافهما، وأسقط الصلاة والصوم عن الحائض، وأوجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة مع كونها أعظم منه قدراً، وحرّم النظر إلى العجوز الشوهاء وأباحه إلى وجه الجارية الحسناء .
وأمّـا الثـاني، فـلأنّ مقتضـى القيـاس جمـع المتشابهات في الأحكام، كما في قياس الطرد، والفرق بين المختلفـات فيـه كما في قياس العكس.

1. راجع الكافي:1/54، باب البدع والرأي والمقاييس.
2. القدر:3.
3. البقرة:125.

صفحه 350
السابع: إجماع الصحابة على المنع من القياس وذمّ العامل به متحقّق، فلا يجوز العمل به.
أمّا الأوّل فلما روي عن علي(عليه السلام) من قوله: «مَن أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه ».1 والجراثيم: جمع جرثوم، وهي جمعة من تراب أو طين تعلو الأرض.2 والتقحّم: التقدم والوقوع في أهوية، يقال:اقتحم الإنسان وهو رميه بنفسه في أهوية أو في وهدة.3
وقال(عليه السلام):«لو كان الدين بالرأي أو يؤخذ قياساً لكان باطن الخفّ أولى بالمسح من ظاهره »4 وإنكاره العمل بالقياس متواتر.
وقال أبو بكر: أيّ سماء تظلّني وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله برأيي.5
وقـال عمـر: إيّـاكـم وأصحـاب الـرأي، فـإنّهـم أعـداء السنن أعيتهـم الأحـاديث أن يحفظـوها، فقالوا في الدين برأيهم فضلّوا وأضلّوا.6
وعنه: إيّاكم والمكايلة، فقيل: وما المكايلة؟ فقال: المقايسة.7

1. من لا يحضره الفقيه:4/286 برقم5650، باب ميراث الأجداد. سنن الدارمي: 2/352، باب الجد; سنن البيهقي:6/245.
2. النهاية في غريب الحديث:1/254، مادة «جرثم »; لسان العرب:12/95، مادة «جرثم ».
3. لسان العرب:12/463، مادة «قحم ».
4. سنن أبي داود:1/44 ح162، باب كيف المسح; سنن الدار قطني:1/205 ح4، سنن البيهقي:1/292، باب الاقتصار بالمسح على ظاهر الخفّين.
5. كنز العمال:2/327 برقم 4151; تفسير الطبري:1/55.
6. كنز العمال:10/269 برقم 29410.
7. كنز العمال:1/373 برقم 1630.

صفحه 351
وكتـب إلى شـريح وهـو قـاض مـن قبلـه: اقـضِ بمـا فـي كتـاب الله، فـإن جـاءك مـا ليس فيـه فاقضِ بمـا فـي سنّـة رسول الله، فإن جاءك ما ليس فيها فاقضِ بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك ألاّ تقضي.1
وقال ابن عباس: يذهب قرّاؤكم وصلحاؤكم، ويتّخذ الناس رؤساء جهّالاً يقيسون الأُمور برأيهم.2
وقال: إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً ممّا حرّم الله، وحرّمتم كثيراً ممّا أحلّ الله.3
ولم ينكر عليهم في ذلك أحد فكان إجماعاً.
وأمّا الثاني فلما تقدّم في بيان حجّية إجماعهم.

1. الطرائف:525; سنن الدارمي:1/60، باب الفتيا وما فيه من الشدّة; سنن البيهقي:10/115 باختلاف.
2. الصراط المستقيم:3/208; الأربعين لمحمد طاهر القمّي:341 عن ابن مسعود.
3. إبطال القياس:58; الإحكام:4/234.

صفحه 352
قال قدس الله روحه: احتجّوا بقوله تعالى:(فاعتبروا يا أُولي الأبصار)، وبخبر معاذ، وبقوله(عليه السلام): «أرأيت لو تضمضمت بماء »، «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته »
والجواب: المراد بالاعتبار الاتّعاظ، لأنّه حقيقة فيه، وسياق الآية يدلّ عليه.
وخبر معاذ نقل «فإن لم تجد؟ » قال: اجتهد برأيي، فقال:لا بل إبعث إلي أبعث إليك. وعن الخبرين أنّ المراد التمثيل لا القياس، لأنّه(عليه السلام) ممنوع منه بقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى).
سلّمنا، لكنّه (عليه السلام) بيّن العلّة فيهما، مع أنّهما خبر واحد.*

* [في أدلّة مَن قال بالقياس]

أقول: لمّا بيّن أنّ القياس ليس حجّة بالأدلّة المذكورة، شرع في ذكر ما عارض به الخصم، وهو من وجوه:
الأوّل: قوله تعالى:(فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصار).1 وجه الاستدلال: أنّه تعالى أمر بالاعتبار، وهو مأخوذ من العبور وهو حقيقة في المرور والمجاوزة بدليل قولهم عبرت النهر، وتسميتهم السفينة التي هي أداة العبور معبراً، والعَبرة: الدمعة التي عبرت من الجفن، والأصل في الاستعمال الحقيقة، وإذا كان حقيقة في العبور لم يكن حقيقة في غيره، وإلاّ لزم الاشتراك المخالف للأصل، والقياس اعتبار، لأنّه عبور ومجاوزة للحكم من الأصل إلى الفرع، فيكون مأموراً به.
الثاني: أنّه (عليه السلام) بعث معاذاً قاضياً إلى اليمن، وقال له:«بِمَ تحكم؟ » قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟ » قال: فبسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال: «فإن لم

1. الحشر:2.

صفحه 353
تجد؟ » قال: اجتهد رأيي، فأقرّه النبي(صل