welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : أُصول البلاغة*
نویسنده :الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني*

أُصول البلاغة

صفحه 1
أُصول البلاغة

صفحه 2

صفحه 3
         إشراف وتقديم
آية الله العظمى جعفر السبحاني دام ظلّه
أُصول البلاغة
رسالة موجزة تبحث عن مفهوم البلاغة والفصاحة وتعريفهما وموضوعهما وأقسامهما وما يتعلّق بهما من المعاني والبيان
تأليف
الشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني
(636 ـ 699 هـ)
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي، 636 ـ 689 ق .
      أُصول البلاغة: رسالة موجزة تبحث عن مفهوم البلاغة والفصاحة وتعريفهما وموضوعهما واقسامهما وما يتعلق بهما من المعاني والبيان / تأليف كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، اشراف وتقديم جعفر السبحاني، تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1433 ق . = 1391 .
      231 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 501 - 4
أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . اللغة العربية ـ ـ المعاني والبيان. الف. السبحاني التبريزي، جعفر، المشرف 1347. ب. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ج. العنوان.
6الف 2الف/ 6161 PJ    7 / 492
1391
اسم الكتاب:   … أُصول البلاغة
المؤلف:   … كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1433 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   …231 صفحة
القطع:    …وزيري
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر: 714   تسلسل الطبعة الأُولى: 386
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6
   
    أُصول البلاغة
مقدّمة المشرف: الإعجاز البياني للقرآن الكريم   

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

بقلم آية الله جعفر السبحاني دام ظله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطاهرين.

الإعجاز البياني للقرآن الكريم

إنّ إعجاز القرآن في عصر الرسالة، كان يتمثّل في فصاحة ألفاظه، وبلاغة معانيه، وروعة نظمه، وبداعة أُسلوبه الخاص، فَعَرَبُ عَصْر الرسالة وبُلَغاؤهم وحذّاقُهم في الخطابة والشعر، لمسوا أنّ القرآن في ظل عُذوبة ألفاظه وسحر معانيه وجمال تأليفه ونظمه، وبداعة سبكه، لا يُشبه الشعر ولا النثر، وأنّه كتاب جاء في قالب، لم يسبق له نظير فله جذابية خاصة، وهيبة رائعة تهتزّ بها النفوس تارة، وتقشعرّ منها

صفحه 8
الجلود أُخرى. فأحسّوا بضعف الفطرة عن معارضته، ولمسوا أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه، ووجدوا منه ما يغمر القوة، ويخاذل النفس، مصادمةً، لا حيلةً ولا خدعة، مع أنّه مؤلّف من نفس الحروف الّتي هي المادة الأُولى لكلماتهم وكلمهم.
إنّ المحقّقين في علوم القرآن، ومبيّني وجوه إعجازه، وإن ذكروا وجوهاً كثيرة لكون هذا الكتاب معجزاً، غير أنّ جهة إعجازه في عصر الرسالة كان متمركزاً في جانبه البياني الّذي يتمثّل في لفظه الجميل، ومعناه البليغ، ونظمه المعجب، وأُسلوبه الرائق. ولذلك أدهش عُقول الفصحاء والبُلغاء في عصر النبي، ولم يزل يدهش كلَّ عربي مُلِمّ بلغته، أو غير عربي عارف باللغة العربية، من غير فرق بين جيل وجيل.
إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصّة يمتاز بها عن كلّ كلام سواه، سواء أصدر من أعظم الفُصَحاء والبُلغاء أو من غيرهم، وهذا هو الّذي لمسه العرب المعاصرون لعصر الرسالة، كما أنّهم أذعنوا بأنّ القرآن كتاب سماوي معجز، لا يقدر الإنسان ـ مهما عظمت طاقاته ـ على الإتيان بمثله. ولكن عندما يُتسَاءل عن سرّ إعجازه، يتوقّف الكثير منهم في ذلك ولا يأتون بكلمة شافية تغني السائل.
فمنهم من ذهب إلى أنّ شأن الإعجاز عجيب، يُدْرَك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن، تُدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة.

صفحه 9
وأضافوا: «إنّ مُدرك الإعجاز هو الذوق ليس إلاّ، وطريق اكتساب الذوق، طول خدمة علمَيْ المعاني والبيان. نعم، للبلاغة وجوه متلثمة، وربّما تيسرت إماطة اللثام عنها لتتجلّى عليك. أمّا نفس الإعجاز، فلا1.
ومنهم مَن يحيل سبب الإعجاز إلى فرط الفصاحة والبلاغة، من دون أن يشرح السبب، ويطرحَ آيات من القرآن على منضدة التشريح، ويقارنها بكلام من كلم فصحاء العرب وبلغائهم، وأقصى ما عندهم هو التصديق بكونه معجزاً بحجة أنّ أساطين البلاغة وأساتذتها عجزوا عن الإتيان بمثله في عصر نزول القرآن. ولكن هذا دليل إقناعي، ورجوع إلى أهل الخبرة.
إلاّ أنّ هناك جماعة من المحقّقين لم يقنعوا بهذا القدر دون البحث عن حقيقة إعجازه، فبحثوا ونقبوا حتى رفعوا اللثام عن وجه إعجازه، وبيّنوا الدعائم والأركان الّتي يقوم عليها تفوّقه على كلام البشر، قائلين:
هل يمكن أن يُعَرِّف سبحانه كتابَه النازلَ على نبيّه، معجزاً وخارقاً، ويباري الناس ويدعوهم إلى مقابلته والإتيان بمثله، ثم لا يوجد فيه حتى إشارات إلى ملاك إعجازه ووجه تفوّقه؟! إنّ مثل هذا

1 . مفتاح العلوم، للسكاكي: 176، قسم البيان .

صفحه 10
لا يصدر عن الحكيم تعالى.
فعلى ضوء ذلك، لا بُدّ لنا من الإمعان في آيات القرآن الكريم حتى نلمس ونستكشف ملاك إعجازه وخرقه للعادة، وهذا هو ما نتعاطاه في هذا التحليل والّذي تَبَيَّن لنا بعد دراسة ما كتبه المحقّقون حول إعجاز القرآن، وبعد الإمعان في نفس آيات الذكر الحكيم، أنّ ملاك تفوّقه هو الأُمور الأربعة الّتي نذكرها بعد قليل.
أجل، إنّ ما نركّز البحث عليه في المقام راجع إلى الإعجاز البياني للقرآن، الّذي كان هو محور الإعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة، وبُلغائهم، وبه وقع التحدي. وأمّا إعجازه من جهات أُخرى، ككون حامله أُميّاً، وكونه مبيِّناً للعلوم الكونية الّتي وصل إليها البشر بعد أحقاب من الزمن، أو إخباره عن المُغَيَّبات، أو كونه مصدراً لتشريع مُتْقَن ومتكامل، أو غير ذلك من الجهات، فلا يمكن أن نعدّها ملاكاً للتحدّي يوم ذاك ، ووجه ذلك أنّ القرآن أبهر عقول العرب منذ اللحظة الأُولى لنزوله، سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام، أو من جعل على بصره غشاوة. وكان القرآن هو العامل الحاسم في أوائل أيام الدعوة، يوم لم يكن للنبي حول ولا طول، ولم يكن للإسلام قوة ولا منعة.
فلا بُدّ أن نبحث عن منبع ذلك في القرآن، قبل التشريع المُحكَم،

صفحه 11
وقبل النبوءة الغيبيَّة، وقبل العلوم الكونية، وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشتمل على هذه المزايا. فقليل القرآن الّذي كان في أيام الدعوة الأُولى، كان مجرّداً عن هذه الأشياء الّتي جاءت فيما بعد، وكان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الّذي تذوقه العرب، فقالوا: إنْ هذا إلاّ سحر يُوْثَر.
إنّنا نقرأ الآيات الكثيرة في هذه السور فلا نجد فيها تشريعاً محكماً، ولا علوماً كونية، ولا نجد إخباراً بالغيب يقع بعد سنين، ومع ذلك أدهش عقول العرب وتحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير، بما ذكره عنه في الكتاب العزيز: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)1
لا بدّ إذن أنّ السحر الّذي عناه، كان كامناً في مظهر آخر غير التشريع والغيبيات والعلوم الكونية، لا بدّ أنّه كامن في صميم النسق القرآني ذاته، وكان هذا يتجلّى من خلال التعبير الجميل المؤثر المعتبر المصوّر.
وعلى ذلك فالجمال الفنّي الخاص، عنصر مستقل في إثبات إعجاز القرآن2، ويتجلّى ذلك في أُمور أربعة تضفي على القرآن ـ مجتمعة ـ إعجازه وتفوّقه، وهي:

1 . المدّثر: 24 .
2 . لاحظ التصوير الفنّي في القرآن الكريم لسيد قطب : 11 ـ 23، فصل سحر القرآن.

صفحه 12
1 . فصاحةُ ألفاظه وجمالُ عباراته.
2 . بلاغةُ معانيه وسموُّها.
3 . روعة نظمه1 وتأليفه. ويراد منه: ترابط كلماته وجُمَله، وتناسق آياته، وتآخي مضامينه، حتى كأنّها بناء واحد، متلاصق الأجزاء، متناسب الأشكال، لا تجد فيه صَدْعاً ولا انشقاقاً.
4 . بداعة أُسلوبه الّذي ليس له مثيل في كلام العرب، فإنّ لكل من الشعر والنثر بأقسامه، أسلوباً وسبكاً خاصاً، والقرآن على أُسلوب لا يماثل واحداً من الأساليب الكلامية والمناهج الشعرية.
وهذه الدعائم الأربع إذا اجتمعت، تخلق كلاماً له وقع في القلوب، وتأثير في النفوس. فإذا قرع السمع، ووصل إلى القلب، يحسّ الإنسان فيه لذّة وحلاوة في حال، وروعةً ومهابةً في أُخرى، تقشعرّ منه الجلود، وتلين به القلوب، وتنشرح به الصدور، وتغشى النفوس خشية ورهبة ووجداً وانبساطاً، ويحسّ البليغ بعجزه عن المباراة والمقابلة. ولأجل ذلك، كم من عدوّ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من رجال العرب وفُتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين قرعت مسامعهم; أن تَحَوّلوا عن رأيهم الأوّل، ومالوا إلى مسالمته، ودخلوا في دينه، وانقلب عداءهم موالاةً، وكفرهم إيماناً.

1 . ربما يطلق النظم في كلماتهم ويراد منه الأُسلوب والسبك الّذي هو الأمر الرابع .

صفحه 13
يقول سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)1.
ويقول سبحانه: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ)2.
ويقول سبحانه: (وَ إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)3.
هذا ما يثبته التحليل الآتي لكلٍّ من هذه الدعائم. فليس المُدَّعى كون كلّ واحدة منها، وجهاً مستقلاً للإعجاز، وإنّما المراد أنّ كلّ واحدة منها توجِد أَرْضِيَّةً خاصةً، ليتشكّل باجتماعها كلامٌ معجزٌ خارق، مُبهر للعقول، ومدهش للنفوس. فيجد الإنسان في نفسه العجز عن المباراة، والضعف عن التحدّي.
ولأجل توضيح هذه الدعائم الأربع نأتي بمقدمة نبينّ فيها معنى الفصاحة والبلاغة، حتى يتبيّن نسبة كلّ واحدة من هذه الدعائم إلى الأُخرى.

1 . الحشر: 21.
2 . الزمر: 23.
3 . المائدة: 83 .

صفحه 14

تعريف الفصاحة

الفصاحة يوصف بها المفرد كما يوصف بها الكلام.
والفصاحة في المفرد عبارة عن خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس اللغوي المستنبط من استقراء اللغة العربية.
وقد ذكر القوم للتنافر وجهاً أو وجوهاً، والحق أنّه أمْر ذوقي، وليس رهن قرب المخارج، ولا بعدها دائماً.
وأمّا الفصاحة في الكلام، فهي خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحتها، أي يشترط مضافاً إلى الشرائط المعتبرة في فصاحة المفرد، الأُمور الثلاثة الواردة في صدر التعريف.
ثم إنّ التعقيد تارة يحصل بسبب خلل في نظم الكلام، بمعنى تقديم ما حقّه التأخير وبالعكس، وأُخرى بسبب بُعْد المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الكنائي المقصود.
والمتكفّل لبيان الخلل في النظم هو النحو. والمتكفّل لبيان الخلل في الانتقال من المعنى اللغوي إلى المقصود هو علم البيان، فبما أنّه علم يبحث فيه عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه وخفائه، يشرح لنا التعقيد المعنوي ومراتبه، فإنّ لكل معنى لوازم، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، فيمكن إيراده بعبارات مختلفة في الوضوح والخفاء.

صفحه 15

تعريف البلاغة

البلاغة في الكلام عبارة عن مطابقته لمقتضى الحال، أي مطابقته للغرض الداعي إلى التكلّم على وجه مخصوص. مثلاً: كون المخاطب منكراً للحكم، حال يقتضي تأكيده، والتأكيد مقتضى الحال. كما أنّ كون المخاطب مستعداً لقبول الحكم، يقتضي كون الكلام عارياً عن التأكيد، والإطلاق مقتضاها، وهكذا في سائر الأبواب.
هذا كلّه مع لزوم اعتبار فصاحة الكلام في تحقّق البلاغة، فالبلاغة لها عمادان. أحدهما: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والثاني: فصاحة الكلام.
وها هنا نكتة وهي أنّ القوم حصروا معنى البلاغة في هذا المعنى، وحاصله: كون عرض المعنى موافقاً للغرض الداعي إلى التكلّم (مع فصاحة الكلام)، وجعلوا للبلاغة بهذا المعنى طرفين:
أحدهما: أعلى، وهو حدّ الإعجاز، وهو أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته.
والثاني: ما لا يبلغ إلى هذا الحدّ.
ولكل واحد درجات ومراتب.
ولا يخفى أنّ جعل البلاغة بهذا المعنى (أي العرض الصحيح المطابق للغرض) لا يكون ركن الإعجاز وإن بلغ الكلام إلى نهاية

صفحه 16
الإتقان في العرض، ما لم يضمّ إليه شيء آخر، وهو إتقان المعاني وسموّ المضامين. وإلاّ فالمعاني المبتذلة، والمضامين المتوفّرة بين الناس إذا عرضت بشكل مطابق للغرض الداعي إلى التكلّم، لا يصير الكلام معها معجزاً خارقاً للعادة.
ولأجل ذلك كان على القوم الذين جعلوا الفصاحة والبلاغة ركنين للإعجاز، وملاكين له، إضافة قيد آخر، وهو كون المعاني والمضامين عالية وسامية، تسرح فيها النفوس، وتغوص فيها العقول.
ومن هنا نرى أنّ بعض أساتذة هذا الفن المعاصرين، عرّفوا البلاغة بشكل آخر، وقالوا: هي تأدية المعنى الجليل واضحاً بعبارة صحيحة فصيحة، مع ملائمة كلّ كلام للموطن الّذي يقال فيه، والأشخاص الذين يخاطبون1.
فترى أنّه أُضيف في التعريف وراء ملائمة كلّ كلام للموطن (مطابقة الكلام لمقتضى الحال)، كون المعنى جليلاً.
نعم هذا المقدار من التعريف أيضاً غير واف للرقيّ بالكلام إلى حدّ الإعجاز، بل يحتاج إلى دعامة أُخرى وهي بداعة الأُسلوب ورقيّه.
   
***

1 . البلاغة الواضحة: 8 .

صفحه 17
ثم إنّ علماء الإسلام قديمهم وحديثهم قاموا ـ لأجل تحليل الإعجاز البياني للقرآن الكريم ـ بتأسيس علمي المعاني والبيان حتّى يتعرّف الناشئ ـ عن طريق دراسة هذين العلمين ـ على كون القرآن معجزة خالدة لا يمكن لأحد من البشر تحدّيه ومعارضته .
لقد بذل علماء الإسلام جهوداً مضنية لإغناء المكتبة الإسلامية بكتب البلاغة وما يتعلّق بها من علوم المعاني والبيان والبديع، فقاموا بتأليف المطوّلات والمختصرات، وكان للشيعة قدم السبق في هذا المجال كما هو شأنهم دائماً، ولأجل إيقاف القارئ على ما قدّموه نستعرض أبرز إنجازاتهم بشكل موجز.

تقدّم الشيعة في علم البيان والمعاني والبديع

كان للشيعة دور أساسي في ازدهار العلوم الإسلامية، وكان علماؤهم في طليعة مَن تقدّموا في تأسيس فنون العلم منذ الصدر الأوّل لبزوغ الإسلام إلى وقتنا الحاضر، وأغنوا المكتبة الإسلامية في مختلف العلوم، كعلم الحديث، والفقه، وأُصول الفقه، والدراية، والرجال، والكلام والعقائد، والفرق والأديان، والنحو، والصرف، واللغة، والمعاني والبيان والبديع، والعروض، والشعر، وغيرها وقد كتبنا بحثاً مفصّلاً حول هذا الموضوع تحت عنوان «دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية» طبع في الجزء السادس من موسوعتنا

صفحه 18
«بحوث في الملل والنحل» الّذي تناول تاريخ الشيعة وعقائدهم وفرقهم وشخصياتهم،1 كما طبع على شكل رسالة مستقلة، وقد سلّطنا الضوء على أبرز علمائهم وكتبهم الّتي ألّفوها، فمن أراد المزيد فليرجع إليه .
تقدّم الشيعة في علم البيان والفصاحة والبديع، ومن أبرز علمائهم في هذا المضمار:
1. الإمام المرزباني أبو عبدالله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبدالله المرزباني الخراساني الأصل، البغدادي المولد والمنشأ والمدفن (المتوفّى 378 هـ)، صنّف كتاب: «المفضّل في علم البيان والفصاحة» قال عنه ابن النديم في «الفهرست»: وهو نحو ثلاثمائة ورقة.
2. محمد بن أحمد العميدي (المتوفّى 423 هـ) صنّف «تنقيح البلاغة» كما في كشف الظنون. وقد تقدم العلمان على عبدالقاهر الجرجاني (المتوفّى 444 هـ) أوّل مَن صنّف من السنّة في هذا المجال.
3 . قدامة بن جعفر بن زياد البغدادي الكاتب (المتوفّى 337 هـ) صنّف كتاب «نقد الشعر» المعروف بنقد قدامة، وهو في البديع.
4. ميثم بن علي بن ميثم البحراني (المتوفّى 699 هـ) صنّف كتاب

1 . راجع بحوث في الملل والنحل: 6 / 639 ـ 716، الفصل الثاني عشر.

صفحه 19
«تجريد البلاغة» أو ما يُسمى بـ «أُصول البلاغة» وهو الكتاب الماثل بين يديك.
5. حسام الدين المؤذني، شرح مفتاح السكاكي وفرغ منه سنة 742 هـ .
6. الشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي، من تلامذة العلاّمة الحلّي، له شرح مفتاح السكاكي.
7. بدر الدين حسن بن جعفر بن فخر الدين حسن بن نجم الدين بن الأعرج الحسيني العاملي الكركي (المتوفّى 933 هـ) صنّف كتاب «مقنع الطلاب في ما يتعلّق بكلام الإعراب» وهو كتاب حسن الترتيب، ضخم في النحو والتصريف والمعاني والبيان.
ومن أئمة علم البديع:
8. صفي الدين الحلّي، الشاعر المعروف (677 ـ 750 هـ) صنّف كتاب «الكافية البديعية في مدح خير البرية» جمع فيها جميع أنواع البديع على نمط بديع.
9. الشيخ إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح العاملي الكفعمي (المتوفّى سنة 905 هـ) صنّف كتاب «فرج الكرب» وهو شرح بديعيته الّتي نهج فيها منهج صفي الدين الحلي في نظم البديعية وشرحها.1

1 . راجع تأسيس الشيعة: 168 ـ 176 .

صفحه 20
10. السيد علي خان الشيرازي (المتوفّى 1120 هـ) صاحب السلافة، نظم فيه بديعيته وشرحها وطبعت مع الشرح، واسمه «أنوار الربيع».1
وكذلك ممّن ألّف من علماء الشيعة البارزين في علم البلاغة وما فيه من البيان والمعاني والّذي يؤكّد ريادة الشيعة لهذا المضمار:
11. جلال الدين محمد بن عبدالرحمن القزويني (المتوفّى 739 هـ) صنّف كتاب «الإيضاح» .
12. السيد عبدالوهاب بن علي الحسيني الاسترآبادي الجرجاني (من أعلام القرن التاسع) صنّف كتاب «الأنموذج في علوم البلاغة».
13. السيد اختيار بن السيد غياث الدين الحسيني، صنّف كتاب «الاقتباس» ألّفه في سنة 897 هـ .
14. بهاء الدين العاملي (المتوفّى 1031 هـ) صنّف كتاب «أسرار البلاغة» طبع في مصر وبيروت.
15. الفاضل الهندي (المتوفّى 1137 هـ) صنّف كتابي: «تمحيص التخليص». و «التنصيص على معاني تمحيص التخليص» .
16. الميرزا محمد رضا بن إسماعيل المشهدي القمّي (المتوفّى 1125 هـ) صنّف كتاب «إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب» شرح

1 . أعيان الشيعة: 1 / 166.

صفحه 21
المنظومة المحبية لابن الشحنة الحنفي. طبع في مجلة تراثنا: 25 / 115 .
17. قوام الدين محمد بن محمد مهدي القزويني الحلّي (من أعلام القرن الثاني عشر) صنّف «منظومة البيان» نظمها في 274 بيتاً سنة 1135 هـ .
18. هبة الدين الشهرستاني (1301 ـ 1386 هـ) صنّف «الدر والمرجان في علمي المعاني والبيان» وهي منظومة من 300 بيت نظمها سنة 1321 هـ .
19. الميرزا عبدالرزاق الأحمد الآبادي الاصفهاني (المتوفّى بعد 1340 هـ) صنّف «بساتين الجنان في علمي المعاني والبيان».
20. محمد بن محمد طاهر السماوي الفضلي (المتوفّى 1370 هـ) صنّف «بلغة البلاغة» وهو أُرجوزة في علوم البلاغة 1.
21. السيد محسن الأمين (المتوفّى 1371 هـ) له حواش على كتاب «المطول» للتفتازاني.
22. الشيخ أحمد أمين الشيرازي (المعاصر) صنّف كتاب «البليغ في المعاني والبيان والبديع». المطبوع في قم من قبل مؤسسة النشر

1 . راجع مجلة تراثنا: 25 / 117 ـ 120 .

صفحه 22
الإسلامي، سنة 1422 هـ. وهو كتاب يسير وفق منهج كتاب «المطول» للتفتازاني مع توضيح لبعض الأُمور الّتي جاءت فيه غير واضحة. وأُسلوبه واضح وسهل ومنظم ومرتّب بشكل جيد وقد استفدنا منه كثيراً في تحقيق كتابنا هذا.
إلى غيرها من الكتب الكثيرة نكتفي بما ذكرناه خوف الإطالة، ومن أراد المزيد فعليه مراجعة كتاب «الذريعة» للطهراني.
نعم لا يمكن لنا هنا الإشادة بجلّ ما أُلّف في هذين المضمارين أو الإشارة إليه، غير أنّنا قد تعرّفنا منذ عقود على رسالة صغيرة الحجم، كبيرة المضمون حول الفصاحة والبلاغة، بترتيب خاصّ فرأينا تحقيقها وتقديمها لطلاب العلوم الإسلامية وعشّاق القرآن الكريم .
والرسالة هي من آثار علماء القرن السابع الهجري، الّذي عمّت فيه الفتن والمصائب أكثر البلدان الإسلامية، وذلك بسبب استيلاء الوثنيين عليها، ومع ذلك نرى أنّ علمائنا لم تثن عزائمهم هذه الظروف الصعبة عن خدمة الدين وإبلاغ رسالتهم الدينية.
ومنهم العلاّمة ميثم البحراني الّذي ألّف هذه الرسالة في أظلم العصور وأدهمها.
ولأجل إيقاف القارئ على حياة المؤلّف والبصمات الّتي تركها على المكتبة الإسلامية، نأتي بترجمة موجزة عن حياته وآثاره.
   
***

صفحه 23

ترجمة المؤلّف1

هو الفيلسوف المحقّق، والحكيم المدقّق، قدوة المتكلّمين، وزبدة الفقهاء والمحدّثين: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم بن المعلّى، أبو الفضل البحراني، شارح «نهج البلاغة». ومَيثم بالفتح ، وقيل: كلّ ميثم بالكسر إلاّ ميثم البحراني (المصنّف) وجدّه فبالفتح. ولد في إحدى قرى البحرين سنة 636 هـ .

1 . مصادر ترجمة المؤلّف الّتي أخذنا عنها : مجمع الآداب في معجم الألقاب: 4 / 266 برقم 3819 ; أمل الآمل: 2 / 332 برقم 1022 ; رياض العلماء وحياة الفضلاء: 5 / 226 ـ 227 ; لؤلؤة البحرين: 254 ـ 261 ; روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: 7 / 216 برقم 626 ; هدية العارفين: 6 / 486 ; تنقيح المقال: 3 / 262 برقم 12343 ; أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين: 62 ـ 69 ; أعيان الشيعة: 1 / 166 و ج 10 / 197 ; تأسيس الشيعة: 169 ; طبقات أعلام الشيعة: 4 / 187 ; الفوائد الرضوية: 689 ; معجم رجال الحديث: 19 / 94 برقم 12915; الأعلام: 7 / 336 ; معجم المؤلّفين: 13 / 55 ; موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 285 برقم 2627 ; معجم طبقات المتكلّمين: 2 / 418 ; رسائل ومقالات: 6 / 460 ; ومقدّمة كتبه المطبوعة: شرح نهج البلاغة الكبير، شرح مائة كلمة لأمير المؤمنين، النجاة في القيامة، قواعد المرام في علم الكلام.

صفحه 24

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

كان المصنّف على جانب كبير من العلم والدراية، مشبعاً بفنون المعارف المتداولة في عصره، مبجّلاً عند أساطين العلم والمعرفة، ينقلون آراءه وأقواله مع إجلال وتعظيم، وينظرون إلى تحقيقاته الرشيقة بإكبار وتكريم. ويكفيك دليلاً على جلالة شأنه وسطوع برهانه اتّفاق كلمة أئمة الأعصار وأساطين الفضلاء في جميع الأعصار على تسميته بالعالم الربّاني، وشهادتهم له بأنّه لم يوجد مثله في تحقيق الحقائق وتنقيح المباني.
إنّ الحكيم الفيلسوف سلطان المحقّقين وأُستاذ الحكماء والمتكلّمين نصير الملّة والدين محمد الطوسي شهد له بالتبحّر في الحكمة والكلام .
كما شهد سيد المحقّقين الشريف الجرجاني (المتوفّى 816 هـ) على جلال قدره في أوائل فن البيان من شرح المفتاح قد نقل بعض تحقيقاته الأنيقة وتعليقاته الرشيقة، وعبّر عنه ببعض مشايخنا، ناظماً نفسه في سلك تلامذته، ومفتخراً بالانخراط في سلك المستفيدين من حضرته، المقتبسين من مشكاة فطرته.
   
والسيد السند الفيلسوف الأوحد مير صدر الدين محمد الشيرازي أكثر النقل عنه في حاشية شرح التجريد، لاسيّما في مباحث

صفحه 25
الجواهر والأعراض، والتقط فرائد التحقيقات الّتي أبدعها في كتاب «المعراج السماوي» وغيره من مؤلّفاته، لم تسمح بمثله الأعصار مادار الفلك الدوّار.

عصر المؤلّف

كانت ولادة المؤلّف في أواخر عصر المستنصر بالله العباسي (623 ـ 640 هـ) وفي الرابعة من عمره توفّي المستنصر; وخلفه ابنه عبدالله المستعصم بالله الّذي اشتغل باللعب بالطيور، وضرب الطنبور، واللهو والفجور إلى أن انتهى ملكه على يد المغول بقيادة هولاكو، وكان ذلك في سنة 656 هـ ، وبمقتله كان نهاية الدولة العباسية، وبدء حقبة سوداء مليئة بالأهوال والمآسي حيث استباح المغول بعد قتل الحاكم العباسي وابنه والمقرّبين له استباحوا بغداد أربعين يوماً، وقتلوا سائر أولاد المستعصم واسترقّوا بناته، ووقع الناس بأيدي أعداء لا يرضون إلاّ بالقتل والسبي حيث لم ينجو منهم إلاّ المختفون في الخفايا والآبار. ورجع هولاكو إلى تبريز الّتي اتخذها عاصمة له بعد سنة من دخول بغداد، وترك محمد الجويني والياً عليها إلى أن توفّي في سنة 661 هـ ، ففوض هولاكو حكومة بغداد إلى ابنه علاء الدين عطاء ملك الجويني واستوزر له أخاه شمس الدين، وكان فيهما كرم وسؤدد وخبرة بالأُمور، وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد حتّى بالغ بعض

صفحه 26
الناس وقال: عمّر صاحب الديوان بغداد حتّى كانت أجود من أيام الخلافة، ووجد أهل بغداد به راحة.1 وهذه هي الفترة الّتي اتّصل بها المصنّف بالأخوين عطاء ملك ومحمد لما شاهده فيهما من حب العلم وتقدير العلماء فألّف بعض كتبه باسمهما، وهذا ما نلاحظه في مقدّمة بعض كتبه، كشرحه الكبير على نهج البلاغة حيث قال في مقدّمته: (إلى أن قضت صروف الزمن بمفارقة الأهل والوطن، وأوجبت تقلّبات الأيام دخول دار السلام (بغداد)، فوجدتها نزهة للناظر وآية للحكيم القادر، بانتهاء أحوال تدبيرها، وإلقاء مقاليد أُمورها، إلى من خصّه الله تعالى بأشرف الكمالات الإنسانية... صاحب ديوان الممالك... علاء الحق والدين عطاء ملك ابن الصاحب... بهاء الدنيا والدين محمد الجويني... وشدّ أزره بدوام عز صنوه وشقيقه... مولى ملوك العرب والعجم شمس الحق والدين محمد... ولمّا اتّفق اتصالي بخدمته وانتهيت إلى شريف حضرته) .
أساتذته وشيوخه    
وقد كانت مدة ولاية عطاء ملك الجويني على بغداد إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر وتوفّي في سنة 681 هـ . وبعد هذا التاريخ لم تحدثنا كتب التراجم والتاريخ عن نشاطات المؤلّف وما جرى عليه، والظاهر أنّه رجع إلى البحرين وبقي فيها إلى سنة وفاته.
فعليه كانت الفترة الّتي عاش فيها المؤلّف فترة حرجة ومأساوية

1 . تاريخ الإسلام: 51 / 80 ـ 83 .

صفحه 27
ومظلمة من تاريخ الإسلام انعكست على قلّة المعلومات الواصلة إلينا بحقّه، فلم تصلنا ترجمة وافية عنه، ولا عن تفاصيل حياته وأسفاره، ولا عن شيوخه وأساتذته ومن تربّى على يده ونقل عنه إلاّ بهذا المقدار اليسير الّذي ذكرناه، وهذا ما يعتبر خسارة عظمى للتراث الإسلامي .

أساتذته وشيوخه

نهل ابن ميثم العلم عن أساتذة عصره وكبار علمائه وشبّ في حوزاتهم الدراسية مكبّاً على طلب العلم والتحصيل، وذهب إلى العراق سعياً وراء الثقافة، وكان من أبرز أساتذته :
1. الحكيم المتكلّم علي بن سليمان بن يحيى البحراني (المتوفّى حدود 670 هـ) أحد كبار متكلّمي الإمامية.
2. الفيلسوف الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي (597 ـ 672 هـ ) الّذي يضن الدهر بمثله.
3. الشيخ أبو السعادات أسعد بن عبدالقاهر بن أسعد الأصفهاني.
4. المحقّق الحلّي جعفر بن الحسن الهذلي (المتوفّى 676 هـ) صاحب التصانيف القيمة، وعلى رأسها كتاب: «شرائع الإسلام»، وكذلك: النافع، والمعتبر، ونكت النهاية.

صفحه 28

تلامذته والراوون عنه

لقد تلمّذ عليه وروى عنه الكثير من فطاحل العلماء، نذكر منهم:
1. العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر (المتوفّى 726 هـ) الّذي يضرب به المثل في عالم الذكاء، ومثله لا يحضر إلاّ عند عالم كبير يشار له بالبنان.
2. الشيخ محمد بن جهم الأسدي الحلّي .
3. السيد عبدالكريم بن أحمد ابن طاووس الحلّي (المتوفّى 693 هـ).
4. الشيخ عبدالله بن صالح البحراني.
5. علي بن الحسين بن حمّاد الليثي.
   
6. ابن الفوطي فقد اجتمع به وكتب عنه، ووصفه بالفقيه الأديب وقال: كان ظاهر البشر، حسن الأخلاق.

مصنّفاته وآثاره العلمية

الآثار العلمية الّتي تركها كثيرة، فقد صنّف في غير واحد من العلوم، إلاّ أنّ الجانب الفلسفي والعرفاني غلب على آثاره ومصنّفاته، وها نحن نذكر عناوين مصنّفاته الّتي تدلّ على علو كعبه، وسموّ مقامه في غير واحد من العلوم الإسلامية :

صفحه 29
1. مصباح السالكين (الشرح الكبير لنهج البلاغة) الّذي فرغ منه سنة 677 هـ ، طبع في خمسة أجزاء .
2. اختيار مصباح السالكين (الشرح الصغير لنهج البلاغة) وقد فرغ منه سنة 681 هـ .
3. الشرح المتوسط على نهج البلاغة، ذكره الشيخ يوسف البحراني في «لؤلؤة البحرين» .
4. قواعد المرام في علم الكلام، ويسمّى بالقواعد الإلهية، وقد يُسمّى بـ «القواعد في أُصول الدين». فرغ منه في 20 ربيع الأوّل سنة 676 هـ . وقد طبع في قم سنة 1406 هـ ، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي. كما طبع طبعات أُخرى.
5. النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة، وقد طبع عام 1417 هـ في قم، نشر مجمع الفكر الإسلامي .
6. استقصاء النظر في إمامة الأئمة الإثني عشر، ذكره بعض المشايخ المحقّقين، ووصفه بأنّه لم يعمل مثله.
7. شرح الإشارات في الحكمة والكلام، لأُستاذه علي بن سليمان. وهو كتاب في غاية المتانة والدقّة على قواعد الحكماء الإلهيين.
8. شرح «مائة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام)»، الّتي جمعها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى 255 هـ)، ويسمّى: «منهاج العارفين

صفحه 30
في شرح كلام أمير المؤمنين» .
وقد وصف المترجم تلكم الكلم بأنّ كلّ كلمة منها تفي بألف من محاسن كلام العرب، وقد طبع مرّتين.
9. المعراج السماوي، والّذي أكثر النقل عنه صدر الدين الشيرازي (المتوفّى 1050 هـ) في حاشية شرح التجريد.
10. رسالة في الوحي والإلهام، والفرق بينهما والإشراق.
11. رسالة في آداب البحث.
نظرة حول كتاب «أُصول البلاغة»   
12. رسالة في شرح حديث المنزلة.
13. البحر الخضم في الإلهيات.
14. الدرّ المنثور.
15. أُصول البلاغة، أو تجريد البلاغة (كتابنا الحالي) .
إلى غير ذلك من التآليف المنسوبة له، والتي قد لا يخلو بعضها عن نظر; مثل كتاب: «الاستغاثة في بدع الثلاثة» فقد نسبه صاحب رسالة «السلافة البهية في الترجمة الميثمية» إلى الشيخ ميثم البحراني. وقد ردّ صاحب روضات الجنات ذلك في موضع، وقال في موضع آخر: وقد عرفت بطلان نسبة كتاب «الاستغاثة» إلى الشيخ ميثم البحراني من كلام صاحب اللؤلؤة ; وهو عندنا من القطعيات

صفحه 31
الأوّلية، وإنّما مصنّف هذا الكتاب على الحقيقة هو: علي بن أحمد بن موسى الرضوي الموسويّ.1

«تجريد البلاغة» أو «أُصول البلاغة» نظرة حول الكتاب

قد تقدّم أنّ المؤلّف قد شرح كتاب نهج البلاغة وأسماه بـ «مصباح السالكين»، وذكر في مقدّمته ما يرجع إلى علم الفصاحة والبلاغة حيث قال: رتّبت هذه المقدّمة على ثلاث قواعد:
القاعدة الأُولى: في مباحث الألفاظ. وهي مرتّبة على قسمين:
القسم الأوّل: في دلالة الألفاظ وأقسامها وأحكامها.
القسم الثاني: في كيفيات تلحق الألفاظ بالنسبة إلى معانيها فتوجب لها الحسن والزينة، وتعدّها أتمّ الإعداد لأداء المعاني، وتهيّئ الذهن للقبول، وهو مرتّب على مقدّمة وجملتين .2
والقسم الثاني هو الّذي جرّده المصنّف من المقدّمة وقام بتلخيصه وتهذيبه وتنظيم مطالبه وبحوثه، وجعله على شكل رسالة مستقلّة أسماها «تجريد البلاغة» أو «أُصول البلاغة» وقدّمها إلى نظام الدين أبي المظفر منصور محمد الجويني لإعداد ذهنه اللطيف بقواعد

1 . راجع روضات الجنات: 7 / 220 و 221.
2 . راجع مقدمة شرح نهج البلاغة: 1 / 5 و 18 .

صفحه 32
علم البلاغة ; كما قدّم شرح نهج البلاغة الكبير المسمّى بـ «مصباح السالكين» إلى والده علاء الدين عطاء ملك بن بهاء الدين محمد الجويني.
وحافظ المصنّف على ترتيب الرسالة كما كانت من احتوائها على مقدّمة وجملتين:
أمّا المقدّمة فتحتوي على ثلاثة بحوث في مفهومي الفصاحة والبلاغة، وتعريفهما، وموضوعهما.
والجملة الأُولى فيها ستة فصول بحث فيها عن: المحاسن المتعلّقة بآحاد الحروف، وتركيبها، وفي الحقيقة والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية .
والجملة الثانية فيها ستة فصول أيضاً بحث فيها عن: حقيقة النظم، وأقسامه، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والإضمار، وختمها بفوائد انّ وإنّما ونحوهما.
هذا وقد نشر الكتاب مرّتين:
الأُولى: نشر دار الشروق في مصر سنة 1401 هـ / 1981 م، تحقيق الدكتور عبدالقادر حسين أُستاذ البلاغة المساعد بكلّية البنات في جامعة الأزهر. وقد بذل المحقّق جهوداً مشكورة في تحقيقه وتنقحيه والتعليق عليه وإيضاح ما أُبهم من عباراته وشرح ما صعب

صفحه 33
من ألفاظه، فجزاه الله خير الجزاء.
الثانية: نشر مكتبة العزيزي في قم المقدّسة سنة 1410 هـ . وهذه الطبعة اعتمدت بشكل رئيسي على طبعة دار الشروق فهي لا تختلف عنها إلاّ في موارد يسيرة.
ولأهمية الكتاب وفائدته الكبيرة لطلبة العلوم الدينية ـ على وجه الخصوص ـ ولتسليط الضوء على دور الشيعة في علم البلاغة وما قدّموه للمكتبة الإسلامية في هذا العلم كما هو شأنهم في كلّ العلوم الإسلامية، ارتأينا تحقيق هذا الكتاب وطبعه بحلّة جديدة، فشمّر محقّقو اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)عن ساعد الجد، وقاموا بتحقيق هذا الكتاب بعد الحصول على نسخة خطية نفيسة قريبة من عهد المؤلّف، وزيّنوها بتعاليق مهمة لاسيّما ما يتعلّق بالبلاغة وأقسامها من البيان والمعاني والبديع، وهي تعليقات لا يستغني عنها طلاب العلم، فخرج كتاباً جديداً محقّقاً متكاملاً بحلة قشيبة زاهية، فشكر الله سعي المحقّقين الأفاضل على ما بذلوه من جهد متميّز.

صفحه 34
   
بحث حول اسم الكتاب
وقد عنون الكتاب باسم «أُصول البلاغة» في الطبعتين، وقد جاء بهذا الاسم في بعض المصادر، واشتهر بين المتأخّرين بهذا الاسم، لكنّنا وجدنا أكثر المعاجم وفهارس الكتب والمؤلّفين تذكره باسم «تجريد البلاغة». فهذا هو الشيخ آغابزرگ الطهراني ـ وهو خرّيت هذا الفن ـ يذكره في الذريعة قائلاً: «تجريد البلاغة» في المعاني والبيان للشيخ كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني (المتوفّى 679 هـ) ويقال له: أُصول البلاغة، لكن اسمه التجريد، وبلحاظ الجناس سمّى الفاضل المقداد شرحه له بـ : «تجويد البراعة في شرح تجريد البلاغة». أوّله: الحمد لله الّذي خلق الإنسان علّمه البيان... ألّفه باسم نظام الدين أبي المظفر منصور بن علاء الدين عطاء ملك بن بهاء الدين محمد الجويني. ورتّبه على مقدّمة وجملتين.1
وذكره باسم «تجريد البلاغة» الكثير من الأعلام، منهم: إسماعيل باشا البغدادي في «هدية العارفين» 2، والزركلي في الأعلام 3،

1 . الذريعة: 3 / 352 برقم 1275. وراجع أيضاً: ج 2 / 179، وج 3 / 360 .
2 . هدية العارفين: 2 / 470 .
3 . الأعلام: 7 / 336 .

صفحه 35
وعمر كحالة في «معجم المؤلّفين» 1، ومحسن الأمين في «أعيان الشيعة»2، والسيد حسن الصدر في «الشيعة وفنون الإسلام» و «تأسيس الشيعة» 3، وغيرها من المصادر 4 الّتي تُوصل الباحث إلى الاطمئنان بأنّ الاسم الأصلي للكتاب هو «تجريد البلاغة». ولكن لمّا ذُكر في بعض المصادر وطُبع مرتين باسم «أُصول البلاغة»، واشتهر بين المتأخّرين بهذا الإسلام، فقد اقتفينا أثر المشهور.

1 . معجم المؤلّفين: 13 / 55 .
2 . أعيان الشيعة: 1 / 166 .
3 . الشيعة وفنون الإسلام: 128 ; تأسيس الشيعة: 169 .
4 . راجع: مجلة تراثنا: 20 / 230 وج 25 / 119 .

صفحه 36
وفاته (رحمه الله)   

وفاته

اختلف أصحاب التراجم في تاريخ وفاة المصنّف (رحمه الله)، ونلاحظ في أكثر المصادر أنّ وفاته كانت سنة 679 هـ . والظاهر أن أوّل من أرّخ ذلك الشيخ بهاء الدين العاملي (المتوفّى 1030 هـ) في «الكشكول»1، وتبعه في ذلك صاحب الذريعة وروضات الجنّات وهدية العارفين وإيضاح المكنون ومعجم المؤلّفين.
ومنهم من لم يحدّد وفاته، كالزركلي في «الأعلام» حيث ذكر أنّ وفاته كانت بعد 681 هـ .
   
ومنهم من ذكر أنّ وفاته كانت سنة 699 هـ ـ وهو الأقوى ـ كالسيد إعجاز حسين الهندي في «كشف الحجب عن أسماء المؤلّفين والكتب»2، والشيخ الطهراني في «طبقات أعلام الشيعة» وأصلح ما ذكره في الذريعة وخدش على سليمان الماحوزي (المتوفّى 1121 هـ) على ما ذكره في كتابه «تراجم علماء البحرين» من أنّ وفاته كانت سنة 679 هـ قائلاً: لكن التاريخ مخدوش; لأنّ فراغ ابن ميثم من الشرح الصغير لنهج البلاغة كان في 681، وفرغ من الشرح الكبير للنهج في 677، فالصحيح من تاريخ وفاته هو ما ذكره صاحب كشف الحجب وهو 699 هـ ظاهراً 3. كما احتمله الزركلي في الأعلام حيث قال في

1 . الكشكول: 3 / 389، الطبعة الحجرية .
2 . كشف الحجب: 357 .
3 . طبقات أعلام الشيعة: 4 / 188 .

صفحه 37
هامش ترجمته: والصحيح: إمّا 699 هـ كما في كشف الحجب، أو 689 هـ على احتمال ذلك، لأنّه كان حيّاً في 681 هـ ، وقد فرغ في تلك السنّة من شرحه الصغير لنهج البلاغة.
فعليه نحن نرجّح أنّ وفاته كانت سنة 699 هـ ، لما ذكره صاحب كشف الحجب وآغا بزرگ والزركلي، وعلى هذا التاريخ يكون عمره ثلاثاً وستين سنة، وهو عمر يكاد يكون طبيعياً ومنسجماً مع كثرة كتبه ومؤلّفاته ; على خلاف تاريخ 679 هـ حيث يكون عمره ثلاثاً وأربعين سنة، وهو عمر قصير، ولو كان لذكر بقصر العمر، ولم يذكر ذلك أحد .
إذن فالمختار في تاريخ حياة المؤلّف المترجم له هو أنّه عاش ثلاثاً وستين سنة من 636 إلى 699 هـ . والله العالم.

مدفنه وقبره (رحمه الله)

أمّا مدفنه فقد دفن في قرية «هلتا»، وفي قرية «الدُّونَج» قبر جدّه الميثم بن المعلّى.
و«هلتا» و «الدونج» قريتان تابعتان لمنطقة الماحوز الّتي تتكون من ثلاث قرى بإضافة الغُرَيفَة لهما. والغريفة قرية مازالت موجودة ومعروفة بهذا الاسم حتّى الآن وهي منفصلة عن الماحوز، بينما قريتا «هلتا» و «الدونج» غير معروفتين بهذا الاسم إنّما يطلق عليهما تغليباً الماحوز.

صفحه 38
وقد ذكر الشيخ علي بن الحسن البلادي البحراني (المتوفّى 1340 هـ) في كتابه: «أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين» أنّ في «الدونج» و «هلتا» بقعتان كلتاهما مشهورتان بأنّهما بقعة ابن ميثم البحراني .
والأرجح هو القول الأوّل وهو قول المحقّق يوسف البحراني (المتوفّى 1186 هـ) في «لؤلؤة البحرين».
***
هذه نبذة مختصرة عن حياة هذا العالم الكبير الّذي ترك آثاراً خالدة، وربّى جيلاً من كبار العلماء، على رغم الفترة الحرجة الّتي عاشها، والّتي أشرنا إليها أثناء الترجمة، وهي فترة سقوط الدولة العباسية واجتياح المغول للبلاد الإسلامية، تزامناً مع الحروب الصليبية المسعورة ضد المسلمين، والّتي أدّت إلى القتل الفضيع للمسلمين، والتدمير الشنيع لبلدانهم، والأنكى من ذلك ضياع آثار علمائهم وحرقها من قبل تلك الجيوش الحاقدة، وهذا ما انعكس على قلّة المعلومات الواصلة إلينا عن المؤلّف، وعن الكثير من العلماء الذين عاشوا في تلك الفترة المظلمة، فيا لها من خسارة عظمى، وإلى الله المشتكى...
شكر وتقدير   

صفحه 39

شكر وتقدير

وفي الختام لا يسعني إلاّ أن أتقدّم بالشكر والثناء وكمال التقدير إلى المحقّقين الأفاضل الذين قاموا بتحقيق الكتاب وبذلوا الجهد في التصحيح والتنقيح، وتقويم النص، وتخريج المصادر وإعراب الآيات، وترتيب العناوين، والتعليق على ما أُشكل من متن الكتاب، وتوضيح ما أُبهم، علاوة على ترجمة الرجال وشرح الأبيات الشعرية، وتنظيم فهارس كاملة للكتاب في آخره، وهم:
1. السيد عبدالكريم الموسوي.
2. محمد عبدالكريم بيت الشيخ.
3. الشيخ محمد الكناني.
كما أتقدّم بالشكر والامتنان إلى السيد محسن البطاط الّذي قام بإخراج الكتاب فنياً، وبذل غاية الجهد وكمال الوسع ليخرج بهذه الحلّة القشيبة.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.

صفحه 40
النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق   

النسخ المعتمدة

1. اعتمدنا في عملنا على النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم 13684 ضمن مجموعة رسائل.
تمّ الانتهاء من كتابتها يوم الثلاثاء ثاني عشر من شهر ذي القعدة لسنة خمس وثلاثين وسبعمائة، كتبها محمد بن أبي طالب الآوي. والرسالة تتكون من 24 صفحة، وكلّ صفحة تحتوي على 23 سطراً، ذات أبعاد 18 × 7. وهي نسخة نفيسة كتبت في عهد ملازم لزمان حياة المؤلّف، وربّما كتبت على نسخة المؤلّف أو قرئت عليه; وكذلك كتبت عليها حواش وتعليقات قيّمة، وقد وضع في نهاية كلّ تعليقة علامة 0 ، وهي ترمز إلى كاتب هذه الحواشي، والظاهر أنّها من الناسخ لتشابه الخط. والله العالم. وقد رمزنا لها بالحرف: «م» .
2. كما اعتمدنا على النسخة المطبوعة من قِبل دار الشروق المصرية بتحقيق الدكتور عبدالقادر حسين الّذي اعتمد بدوره على نسختين خطيّتين:
الأُولى: النسخة المصوّرة من مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنوّرة، ولم يدّون تاريخ نسخها.
   
الثانية: نسخة المكتبة الأحمدية بتونس، تاريخ نسخها 942 هـ . كما استعان بمقدّمة شرح نهج البلاغة.

صفحه 41
وقد ذكرنا سابقاً أنّ المحقّق بذل جهوداً مشكورةً في تحقيق الكتاب، وكان له قدم السبق في إحياء هذا الأثر الخالد.
وقد رمزنا لهذه الطبعة بالحرف: «ش».
3. كما راجعنا مقدّمة شرح نهج البلاغة الّتي استلّ منها المصنّف هذه الرسالة بعد القيام بتهذيبها وتنظيمها واختصارها.
وراجعنا أيضاً النسخة المطبوعة من قبل مكتبة العزيزي، وهي نسخة لا تختلف عن طبعة دار الشروق إلاّ في موارد يسيرة جداً ذكرناها في الهامش.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخة الخطية وطباعتها قمنا بمقابلتها مع النسخ المطبوعة في دار الشروق ومكتبة العزيزي ومقدّمة شرح نهج البلاغة، وقد استخدمنا طريقة التلفيق بين النسخ وتثبيت الصحيح في المتن مع الإشارة إلى الاختلافات المهمة في الهامش.
2. بعد الانتهاء من المقابلة قمنا بتقويم نص الكتاب وضبطه وتنقيحه .
3. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
4. تخريج الأحاديث والروايات الواردة في متن الكتاب.

صفحه 42
5. تخريج وضبط الأبيات الشعرية وتعيين قائلها إذا لم يذكر في المتن، وأكمالها إذا جاء بشطر منها.
6. شرح الأبيات الشعرية لغوياً وتبيين مقصودها على ضوء علم البلاغة والبيان.
7. شرح الألفاظ الصعبة وتبيين معانيها لغةً واصطلاحاً.
8. تخريج أقوال العلماء واستعراض الآراء المتعلّقة بالموضوع.
9. كتابة بعض التعاليق الضرورية حول مواضيع الكتاب المختلفة، لاسيّما ما يتعلّق بعلم البلاغة بأقسامه من البيان والمعاني والبديع.
10. لأهمية الحواشي الموجودة في نسخة «م» وقيمتها قمنا بكتابتها في الهامش تحت عنوان: في حاشية «م».
11. قمنا بكتابة عناوين استنتاجية للبحوث الّتي لم يُذكر لها عنوان في متن الكتاب، ووضعناها بين معقوفتين تسهيلاً للقارئ، وتنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته.
12. إتماماً للفائدة قمنا بترجمة الأعلام الذين ذكرهم المؤلّف في متن كتابه.
13. كلّ ما بين المعقوفتين [ ] فهو إضافة منّا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.

صفحه 43
14. تنظيم مجموعة كاملة من الفهارس الفنية ـ تأتي في آخر الكتاب ـ تسهّل على القارئ الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، وتساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسهولة وبسرعة.
***
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق.
وها نحن إذ نقدّم باقة من أزاهير البلاغة والفصاحة لطلبة العلوم الدينية وطلاب الجامعة، ولعشّاق البلاغة بفروعها المختلفة، نأمل أن يحظى بقبول الأساتذة والطلاب وذوي الاختصاص، وأن يكون كتاباً دراسياً مفيداً يُغني الطلاب عن المطوّلات، ويتناسب مع مدّة الدراسة القصيرة، والله ولي التوفيق.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة
12 صفر 1433 هـ

صفحه 44
الصفحة الأخيرة من نسخة «م»   
الصحفة الأُولى من نسخة «م» المحفوظة
في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي

صفحه 45
الصفحة الأخيرة من نسخة «م» المحفوظة في مكتبة
مجلس الشورى الإسلامي

صفحه 46

صفحه 47
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله الذي خلق الإنسان، علّمه البيان;1 والصلاة على محمّد المبعوث بأشرف الأديان، الناطق بأفصح لسان; وعلى آله الهادين لسبيل الإيمان، المنزّهين عن الزيغ والطغيان، وعلى أصحابه أُولي المناقب والخلائق الحسان، وعلى التابعين لهم بإحسان.
وبعد: فهذه أُصول من2 علم البلاغة جرّدتها عن 3 الحشو المذموم، وضبطتها بالحدود والرسوم، ليسهل حفظُها، ويكثُر

1 . اقتباس من قوله تعالى: (خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(الرحمن: 3 ـ 4) .
والبيان: أي النطق والكتابة والخط والفهم والإفهام، حتّى يعرف ما يقول وما يقال له; وقيل: البيان هو الكلام الذي يبيّن به عن مراده، وبه يتميّز عن سائر الحيوانات، فالبيان هو الأدلّة الموصلة إلى العلم; وقيل: البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميّز به عن غيره، كتميّز معنى رجل من معنى فرس، ومعنى قادر من معنى عاجز، ومعنى عام من معنى خاص، ومعنى شيء من معنى هذا بعينه... التبيان: 9 / 463 ; مجمع البيان: 9 / 330 .
2 . في «م»: في .
3 . في «ش»: من .

صفحه 48
نفعُها، وخدمتُ بها مجلس من خُصّ بكمال الفضل النفساني، وذكاء1 الأصل الإنساني، حتّى لقد برَّز2 الأقران في حلبة العلم، ولم يبلغ سنُّه أوانَ الحلُم; وهو الأمير المعظّم، والصدر المكرّم، العالم العادل، الفاضل الكامل، نظام الدنيا والدين: أبو المظفر منصور بن الصاحب الأعظم ـ دُستور 3 ممالك العالم، آصف 4

1 . في «ش»: زكاء. أقول: الذكاء: سرعة الفطنة، وقيل: حدّة الفؤاد، ويقال: ذكا يذكو ذكاءً فهو ذكي، ويقال: ذكا قلبه يذكو إذا حيا بعد بلادة. لسان العرب: 14 / 287، مادة «ذكو».
2 . في «ش»: بذّ. أقول: برز الرجل: فاق على أصحابه. صحاح الجوهري: 3 / 864، مادة «برز».
وبذّ فلان فلاناً يبذّه بذّاً إذا ما علاه وفاقه في حسن أو عمل كائناً ما كان، وبذّ القائلين: سبقهم وغلبهم. لسان العرب: 3 / 477، مادة «بذ». وحاصل الكلام: أنّ كلمتي «برَّز» و «بذّ» تأتي بنفس المعنى وهو الغلبة والتفوّق على الأقران.
3 . الدستور ـ بالضم ـ : هو اسم النسخة المعمولة للجماعات كالدفاتر الّتي منها تحريرها ويجمع فيها قوانين الملك وضوابطه، جمع دساتير. واستعمله الكاتب في الّذي يدير أمر الملك تجوّزاً، وقيل: الدستور: نسخة الجماعة، ثمّ لقب به الوزير الكبير الّذي يرجع إليه فيما يرسم في أحوال الناس، لكونه صاحب هذا الدفتر. تاج العروس: 6 / 402، مادة «دستر».
4 . وصفه بآصف الزمان تعبيراً عن قوته وقدرته ومكانته المرموقة.
وآصف هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا، وهو وزير النبي سليمان (عليه السلام) وابن أُخته وكاتبه، وكان صدّيقاً يعرف اسم الله الأعظم، وقد دعا الله به فرأى سليمان (عليه السلام)عرش بلقيس مستقراً عنده. راجع: المحبّر للبغدادي: 392 ; تفسير الثعلبي: 7 / 210 ; بحار الأنوار: 14 / 123 .

صفحه 49
الزمان، قطب 1 نوع الإنسان، علاء الحق والدين ـ : عطاء ملك2 بن الصاحب المعظم ـ السعيد الشهيد، (سلطان

1 . قطب: سيد، يقال: فلان قطب بني فلان: أي سيدهم الّذي يدور عليه أمرهم. وصاحب الجيش قطب رحى الحرب. صحاح الجوهري: 1 / 204، مادة «قطب».
2 . هو الصاحب علاء الدين أبو المظفر عطاء ملك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي الجويني، أخو الوزير شمس الدين، كان جليل الشأن، تأدّب بخراسان، وكتب بين يدي والده، وتنقّل في المناصب إلى أن ولي العراق بعد أبيه، فاستوطنها وعمّر النواحي، وسدّ البثوق، ورفد الأموال، وساق الماء من الفرات إلى النجف، وعمل رباطاً بالمشهد. ولم يزل مطاع الأُمور، رفيع القدر، إلى أن بلي بمجد الملك في آخر أيام أباقا (أبغا) بن هولاكو. وكان موعوداً من السلطان أحمد أن يعيده إلى العراق، فحالت المنيّة دون الأُمنية، وسقط عن فرسه فمات، ونقل إلى تبريز فدفن فيها. وله رسائل ونظم. وكان مولده في سنة 623 هـ ، ومدة ولايته على بغداد إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر، وتوفّي في رابع ذي الحجّة سنة 681 هـ . ذكر ذلك ابن الفوطي في تاريخه في ترجمة وافية لعطاء الملك.
وترجم له الذهبي قائلاً: علاء الدين صاحب الديوان الخراساني، أخو الصاحب الكبير الوزير شمس الدين، كان إليهما الحل والعقد في دولة أبغا بن هولاكو، ونالا من الجاه والحشمة ما يتجاوز الوصف. وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة بالأُمور، وفيهما عدل ورفق بالرعية وعمارة للبلاد. ولي علاء الدين نظر العراق فأخذ في عمارة القرى، وأسقط عن الفلاحين مغارم كثيرة إلى أن تضاعف دخل العراق، وعظم سوادها، وجرّ نهراً من الفرات مبدأه من الأنبار ومنتهاه إلى مشهد علي (عليه السلام)، وأنشأ عليه مائة وخمسين قرية. ولقد بالغ بعض الناس وقال: عمّر صاحب الديوان بغداد حتّى كانت أجود من أيام الخلافة. ووجد أهل بغداد به راحة. وكان الرجل الفاضل إذا صنّف كتاباً ونسبه إليه وإلى أخيه شمس الدين تكون جائزته ألف دينار. وكان لهما إحسان إلى العلماء والصلحاء، وفيهما إسلام ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية. وله مصنّف في التاريخ باسم «تاريخ جهانگشا» بالفارسية وله ديوان باسمه. راجع: تاريخ الإسلام: 51 / 80 ـ 83 برقم 34 ; الوافي بالوفيات: 20 / 84 ; فوات الوفيات: 2 / 64 ـ 65 برقم 327 ; الذريعة: 9 ق 3 / 728 برقم 5009.

صفحه 50
العز1 سحبان 2 البلغاء )3، بهاء الحق والدين ـ : محمد الجويني 4، بلّغه الله أقصى مراتب الكمال، ووفّقه

1 . الكلمة غير واضحة في «م». والظاهر أنّها كما اخترناه في المتن.
2 . هو سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، خطيب يضرب به المثل في البيان، يقال: أخطب من سحبان، و: أفصح من سحبان. اشتهر في الجاهلية وأسلم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يجتمع به، وأقام في دمشق أيام معاوية. وله شعر قليل، وأخبار. وكان إذا خطب يسيل عرقاً، ولا يعيد كلمة، ولا يتوقّف ولا يقعد حتّى يفرغ. توفّي سنة 54 هـ . الأعلام: 3 / 79.
3 . في «ش»: سلطان البلغاء.
4 . هو بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن أيوب بن الفضل بن الربيع الجويني والد الصاحب علاء الدين وشمس الدين، استوزر لهولاكو بعنوان صاحب الديوان لإدارة الدولة في إيران، ثم جعله على بغداد بعد عام من دخوله بغداد سنة 657 هـ ، ورجع هولاكو هو ونصير الدين الطوسي إلى عاصمته تبريز في إيران. توفّي سنة 661 هـ ببغداد ففوّض هولاكو حكومة بغداد إلى ابنه علاء الدين عطاء الملك الجويني واستوزر له أخاه شمس الدين محمد. تاريخ الإسلام: 51 / 82 ; النجاة في القيامة: 12 .

صفحه 51
للحال 1 والمآل لبلوغ الآمال، وأعز الإسلام وأهله ببقاء باقيه، وغشى بأنوار رحمته أرواح سلفه وماضيه، محبّةً منّي لإعداد ذهنه اللطيف لقواعد هذا العلم للمطالب الجليلة، وإخلاصاً للعبودية 2 والشكر لما سلف، ورهن 3 من أياديهم الجزيلة، وبالله اعتضد فيما أعتمد، واعتصم ممّا يُصم.
وَرتّبتها على مقدّمة وجملتين:

1 . في «ش»: في الحال.
2 . في «ش»: في العبودية.
3 . في «ش»: وذهن. وقال محقّق الكتاب في الهامش: في الأصل زهن بالزاي، وفي نسخة «ت»: ورهن. أقول: رهن الشيء: أي دام وثبت، والراهن: الثابت. صحاح الجوهري: 5 / 2128، مادة «رهن».
وفي حاشية «م»: أي ثبت ودام، والشيء الراهن: الثابت الدائم، ورهن لك الشيء: أقامَ، وأرهنته: أقمته.

صفحه 52

صفحه 53
في مفهومي الفصاحة والبلاغة، موضوع علم الفصاحة   
أمّا المقدّمة
ففيها أبحاث:

الأوّل: [ الدلالة اللفظية ]

دلالة اللفظ على تمام مسمّاه يسمّى 1: مطابقة. وعلى جزء مسمّاه من حيث هو كذلك: تضمّناً. 2 وعلى لازم مسمّاه من حيث هو كذلك: التزاماً.
والدلالة الأُولى وضعية صرفة، والباقيتان بِشركة من الوضع والعقل.

الثاني: في مفهومي الفصاحة والبلاغة

أمّا الفصاحة: فهي خلوص الكلام من التعقيد الموجب لقرب

1 . في «ش»: ويسمّى .
2 . في حاشية «م»: هذا القيد واجب في المطابقة أيضاً ليحترز به عن دلالة اللفظ المشترك من الكلّ والجزء على الجزء بالتضمّن، فإنّه إذا دلّ على الجزء بالتضمّن فقد دلّ على المسمّى أيضاً، لكون الجزء مسمّى له، وإنّما أهمله المصنّف (رحمه الله) بناءً على قول الإمام: إنّ المطابقة أقوى الدلالتين، فإذا فهم الجزء بالمطابقة لم يفهم بالمضمر، وهو باطل.

صفحه 54
فهمه ولذاذة استماعه، وأصله من الفصح 1، وهو اللبن إذا أخذت رُغوته 2، وذهب لباؤه. 3
وأمّا البلاغة 4: فهي كون الكلام الفصيح موصلاً للمتكلّم إلى أقصى مراده. وأكثر البلغاء لا يكادون يميّزون بينهما.5

1 . في «ش»: الفصيح. أقول: أفصح اللبن: ذهب اللبأ عنه، والمفصح من اللبن كذلك، وفصح اللبن: إذا أُخذت عنه الرغوة. لسان العرب: 2 / 544، مادة «فصح».
2 . رغى اللبن ترغية: أي أزبد، والرغوة: زبد اللبن; والجمع: رغا، ورغاية ـ بالضم والياء ـ ورغاوة بالكسر والواو. صحاح الجوهري: 6 / 2359، مادة «رغا».
3 . اللبأ على فعل ـ بكسر الفاء وفتح العين ـ : أوّل اللبن في النتاج، وقيل: أوّل الألبان اللبأ عند الولادة، وأكثر ما يكون ثلاث حلبات وأقلّه حلبة. وقيل: اللبأ: أوّل ما يحلب عند الولادة. لسان العرب: 1 / 150، مادة «لبأ».
4 . في حاشية «م»: قيل: البليغ: من عمد إلى معان كثيرة فأدّاها بلفظ قليل، أو معان قليلة وفخّمها بلفظ جليل.
5 . في حاشية «م»: بل يستعملونها استعمال اللفظين المترادفين على معنى واحد، ومنهم من يجعل البلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ، والأقرب أنّ الفصاحة سبب للبلاغة، والبلاغة أعمّ منها لغة، إذ قد يبلغ غير الفصيح بعبارته أقصى مراده، ومساوية لها في عرف العلماء. وتلخيص مفهومهما: أنّ الفصاحة هي خلوص الكلام في دلالته على معناه من التعقيد الموجب لقرب فهمه ولذاذة استماعه، والبلاغة هي كون الكلام الفصيح موصلاً للمتكلّم إلى أقصى مراده.

صفحه 55

الثالث: موضوع علم الفصاحة

هو الكلام الدالّ على معناه بإحدى الدلالات الثلاث من حيث هو على حالة موجبة لقرب فهمه، ولذاذة استماعه. وموضوع البلاغة هو الكلام الفصيح.

صفحه 56

صفحه 57
الجملة الأُولى
في
الفصاحة العائدة إلى المفردات
وفيها فصول:
[ الفصل الأوّل: المحاسن المتعلّقة بآحاد الحروف
الفصل الثاني: فيما يتعلّق بالكلمات المركّبة
الفصل الثالث: في الحقيقة والمجاز
الفصل الرابع: في التشبيه
الفصل الخامس: في الاستعارة
الفصل السادس: في الكناية ]

صفحه 58

صفحه 59
مخارج الحروف   
الفصل الأوّل:   

[ المحاسن المتعلّقة بآحاد الحروف ]

في المحاسن المتعلّقة بآحاد الحروف وتركيبها وحال الكلمة، وفيه أبحاث:

البحث الأوّل: [ في مخارج الحروف ]

مخارج الحروف 1 ستة عشر2:

1 . إنّ مخرج كلّ حرف ما ينقطع الحرف عنده من الحلق والفم والشفتين، وإذا أردت أن تختبر ذلك فزد على الحرف الّذي تريد معرفة مخرجه همزة الوصل مكسورة ثم انطق به ساكناً، فعند ذلك تجد جرس الحرف منقطعاً فثم مخرجه، نحو: إعْ، إقْ، إصْ، ومن هاهنا لم يكن للألف مخرج، لأنّ صوتها لا ينقطع عند جزء ممّا ذكرنا، بل هي نفس مستطيل بحيث يمكن مدّه من غير حصر. أُصول النحو: 2 / 461 ; اللباب: 2 / 461 .
2 . اختلف في مخارج الحروف، فمنهم مَن قال بأنّها ستة عشر; ذهب إلى ذلك سيبويه في كتابه المسمّى باسمه: 4 / 433، وابن السرّاج في أُصول النحو: 2 / 462 وج 3 / 400; والزمخشري في المفصّل:1/546 ; وأبو البقاء العكبري في اللباب:2 / 462، والدويني النحوي المعروف بابن الحاجب في الشافية في علم التصريف: 1 / 121، وكثير من النحاة أيضاً ذهبوا إلى ذلك; فقد أسقطوا الحروف الجوفية، وهي حروف المد واللين، وجعلوا مخرج الألف من أقصى الحلق، والواو من مخرج المتحركة وكذا الياء. وهذا ما ذهب إليه المصنّف كما هو صريح عبارته.
ومنهم من قال: إنّها أربعة عشر مخرجاً كالفرّاء وقطرب والجرمي وابن كيسان، فجعلوا اللام والراء والنون من مخرج واحد، وهو طرف اللسان. راجع: إبراز المعاني من حرز الأماني: 2 / 746 ; همع الهوامع: 3 / 490.
ومنهم مَن قال: إنّها خمسة عشر مخرجاً، كما قال صاحب مفتاح الكرامة في رسالته في التجويد مدّعياً بأنّه المشهور، وذكره الطوفي البغدادي في الإكسير: 105 قائلاً: إنّ المخارج خمسة عشر، وهذه النون ـ المخرج السادس عشر: من الخياشيم ـ ليست من التسعة والعشرين، وهي خيشومية لا عمل للّسان فيها.
ومنهم مَن قال بأنّها سبعة عشر مخرجاً، كما ذكره السيوطي في إتقانه قائلاً: وأمّا مخارج الحروف فالصحيح عند القرّاء ومتقدّمي النحاة كالخليل أنّها سبعة عشر بإضافة الحروف الجوفية الّتي أسقطها من قال بالستة عشر كما ذكرنا. وقال ابن الحاجب: وكلّ ذلك تقريب، وإلاّ فلكلّ حرف مخرج على حدة. راجع الإتقان في علوم القرآن: 1 / 267 .

صفحه 60
1. أقصى الحلق 1: وهو مخرج الهمزة والألف والهاء.
2. وسط الحلق: وهو مخرج العين والحاء .2

1 . الحلق: مساغ الطعام والشراب في المريء، وقيل: مخرج النفس من الحلقوم وموضع الذبح هو أيضاً من الحلق، وقيل: الحلق موضع الغلصمة والمذبح. لسان العرب: 10 / 58، مادة «حلق».
2 . قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب «العين»: 1 / 58: فأقصى الحروف   2
كلّها العين، ثم الحاء ولولا بحّة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين، ثم الهاء ولولا هتّة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء، فهذه ثلاثة أحرف في حيز واحد.

صفحه 61
3. أدناه إلى الفم 1: وهو مخرج الغين والخاء.2
4. اللسان فما فوقه من الحَنَك 3: وهو مخرج القاف.
5. أسفل من موضع القاف (من اللسان) 4 قليلاً وممّا يليه من الحَنَك: وهو مخرج الكاف.5
6. من وسط اللسان بينه وبين وسط الحَنَك: وهو مخرج الجيم والشين والياء.6

1 . في «ش»: (جـ) الثالث أدناه إلى الفم. والظاهر أنّه تصحيف. وقال رضي الدين الاسترآباذي في «شرح شافية ابن الحاجب»: 3 / 251: «وللغين والخاء أدناه»: أي ادناه إلى الفم، وهو رأس الحلق .
2 . قال الخليل في كتاب «العين»: 1 / 58: فالعين والحاء والخاء والغين حلقية; لأنّ مبدأها من الحلق.
3 . الحنك من الإنسان والدابة: باطن أعلى الفم من داخل، وقيل: هو الأسفل في طرف مقدّم اللحيين من أسفلهما، وقيل: الحنك الأسفل والفقم الأعلى من الفم. لسان العرب: 10 / 416، مادة «حنك» .
4 . ليس في «م».
5 . القاف والكاف لهويتان، لأنّ مبدأهما من اللهاة. العين: 1 / 58 .
6 . قال الاسترآباذي في «شرح شافية ابن الحاجب»: 3 / 252: الجيم أقرب إلى   2
أصل اللسان، وبعده إلى خارج الفم الشين، وبعده إلى خارجه الياء، قال سيبويه: بين وسط اللسان وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء.

صفحه 62
في مخارج الحروف   
7. أوّل حافّة اللسان 1 وما يليها من الأضراس 2: وهو مخرج الضاد .3

1 . الحافّة: الجانب، وللسان حافتان من أصله إلى رأسه كحافتي الوادي، ويريد بأوّل الحافّة ما يلي أصل اللسان، وبآخر الحافّة ما يلي رأسه. شرح شافية ابن الحاجب: 3 / 252 .
2 . في «ش»: الأخراس. وفي طبعة العزيزي كما في المتن.
والضرس: السن، والجمع: أضراس وللإنسان ثمان وعشرون سنّاً، وقد جاءت الروايات بذلك : أربع عشرة في الفك الأعلى، ومثلها في الفك الأسفل، فمنها الثنايا، وهي أربع من قدّام: ثنتان من فوق، ومثلهما من أسفل ; ثم الرباعيات، وهي أربع أيضاً: رباعيتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل; وخلفهما الأنياب الأربع: نابان ضاحكتان من فوق يمنةً ويسرة، ومثلهما من أسفل ; وخلف الأنياب الضواحك، وهي أربع: ضاحكتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل ; وخلف الضواحك الأضراس (وهي الأرحية جمع الرحى) وهي اثنتا عشرة: ستّة من فوق: ثلاث يمنة وثلاث يسرة، ومثلها من أسفل. ومن الناس من ينبت له خلف الأضراس النواجذ وهي أربع من كل جانب: ثنتان فوق، وثنتان أسفل فيصير اثنان وثلاثين سناً. ومنهم من جعلها ست وثلاثين سنّاً بإضافة أربع أضراس: اثنان في الفك الأعلى، واثنان في الأسفل. راجع شرائع الإسلام: 4 / 266 في ديات الأعضاء ; وسائل الشيعة: 29 / 342، الباب 38 من أبواب الديات ; شرح الشافية: 3 / 252 .
3 . الضاد حرف مستطيل، ويقال له: طويل ; لأنّه من أقصى الحافّة إلى أدنى الحافّة، أي إلى أوّل مخرج اللام، فاستغرق أكثر الحافّة. والضاد أحد الأحرف الشجرية مع الجيم والشين، وسمّيت بالشجرية لأنّ مبدأها من شجر الفم، وهو مخرج الفم. راجع: شرح الشافية: 3 / 252 ـ 253 ; لسان العرب: 7 / 110 ; تفسير جوامع الجامع: 3 / 738 ; العين: 1 / 58 .

صفحه 63
8 . حافّة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما 1بينها وبين ما يليها من الحَنَك الأعلى (ممّا فُويق) (2) الضاحك
والناب والرباعية والثنية: 2 وهو مخرج اللام .3
9. من طرف اللسان بينه وبين ما فُويق الثنايا: مخرج النون.4

1 . في «م»: وما.    2. في «م»: فما فوق.
2 . وهو قول سيبويه. أي أنّ اللام ابتداؤه من الضاحك إلى الثنية; لأنّ الضاد يخرج من بين الأضراس وحافّة اللسان، واللام يخرج من فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية، لا من نفس الأسنان وحافّة اللسان، وجميع علماء هذا الفن على ما ذكر سيبويه، وخالفهم ابن الحاجب في شافيته قائلاً: «واللام ما دون طرف اللسان وما فوق ذلك» يريد بما دون طرفه ما يقارب رأس اللسان من جانب ظهره إلى منتهاه، أي إلى رأس اللسان. وقوله: وما فوق ذلك أي ما فوق مادون طرف اللسان إلى رأسه وهو من الحنك ما فوق الثنية. ورأي ابن الحاجب ليس بصواب. راجع: شرح الشافية: 3 / 253.
3 . تخرج اللام من حرف اللسان معارضاً لأُصول الثنايا والرباعيات، وهو الحرف المنحرف المشارك لأكثر الحروف. تاج العروس: 7 / 198، باب اللام.
4 . النون من الحروف المهجورة، ومن حروف الذلق، والراء واللام والنون في حيز واحد. لسان العرب: 13 / 3، حرف النون.

صفحه 64
10. مخرج النون غير أنّه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه إلى اللام 1: وهو مخرج الراء .2
11. فيما بين طرف اللسان وفُويق الثنايا: مخرج الطاء والتاء والدال.3
12. فيما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا: مخرج الزاي والسين والصاد.4
13. فيما بين طرف اللسان والطرف الأدنى من الثنايا:

1 . أي الراء مائل إلى اللام.
2 . وهو أيضاً من الحروف المهجورة. والراء مع اللام والنون تسمّى الحروف الذلقية; لأنّ مبدأها من ذلق اللسان وهو تحديد طرفي ذلق اللسان. العين: 1 / 58 ; لسان العرب: 4 / 3، حرف الراء.
3 . الطاء والتاء والدال تسمّى الحروف النطعية; لأنّ مبدأها من نطع الغار الأعلى. كتاب العين: 1 / 58 .
4 . الصاد والسين والزاء تسمّى الحروف الأسلية; لأن مبدأها من أسلة اللسان وهي مستدق طرف اللسان. وقال ابن جنّي والزمخشري: وللصاد والزاي والسين طرف اللسان والثنايا، يعنون أنّها تخرج من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتّصل طرف اللسان بالثنايا كما اتّصل بأُصولها لإخراج الطاء والدال، بل يحاذيها ويسامتها; وعبارة سيبويه والمصنّف: «طرف اللسان وطرف الثنايا»: أي رؤوس الثنايا العليا; فعلى ما قالا فإنّ مخرج هذه الحروف هو مخرج النون. راجع: شرح الشافية: 3 / 253 ـ 254 ; العين: 1 / 58 .

صفحه 65
مخرج الظاء والثاء والذال.1
14. من باطن الشفة 2 السفلى وأطراف الثنايا العليا: مخرج الفاء.
15. ما بين الشفتين: مخرج الباء والميم 3 والواو . 4
16. من الخياشيم 5: مخرج النون الخفيفة .6

1 . الظاء والذال والثاء تسمّى الحروف اللثوية; لأنّ مبدأها من اللثة. العين: 1 / 58 .
2 . الشفة: أصلها شفهة; لأن تصغيرها شفيهة، والجمع شفاه بالهاء. والشفتان من الإنسان: طبقا الفم. لسان العرب: 13 / 507، مادة «شفه».
3 . الفاء والباء والميم تسمّى الحروف الشفوية، وقال مرّة: شفهية ; لأنّ مبدأها من الشفة. وكان الخليل يسمّي الميم مطبقة لأنها تطبق الفم إذا نطق بها. العين: 1 / 58 .
4 . الواو والياء والألف والهمزة هوائية في حيز واحد، لأنّها لا يتعلّق بها شيء. العين: 1 / 58 .
5 . الخيشوم من الأنف: ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها من خشارم الرأس. والخياشيم: غراضيف في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ أو عروق في بطن الأنف، وقيل: الخيشوم الحاجز بين المنخرين، وقيل: الخيشوم أقصى الأنف، ومنهم من يطلقه على الأنف. القاموس المحيط: 4 / 106، مادة «خشم»; مجمع البحرين: 1 / 650، مادة «خشم».
6 . هذا ما عليه أغلب العلماء كما ذكرنا وعلى رأسهم سيبويه، وقد خالف الفرّاء سيبويه في موضعين: أحدهما: أنّه جعل مخرج الياء والواو واحداً، والآخر: أنّه جعل الفاء والميم بين الشفتين. وأحسن الأقوال ما ذكره سيبويه. شرح الشافية: 3 / 254 .

صفحه 66
حروف الذلاقة والحروف الشفهية   

البحث الثاني: [ حروف الذلاقة والحروف الشفهية ]

قال الخليل 1: الذلاقة 2 في المنطق إنّما هي بطرف أُسَلَة 3 اللسان. وذَلْقُ 4 اللسان: تحديد طرفه، 5 كذلق السنان.6

1 . هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، أبو عبدالرحمن، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أُستاذ سيبويه. ولد في البصرة سنة 100 هـ ، وعاش فقيراً صابراً. كان شعث الرأس، شاحب اللون، قشف الهيئة، متمزّق الثياب، متقطع القدمين، مغموراً في الناس لا يعرف. له: كتاب العين في اللغة مطبوع، ومعاني الحروف، والعروض، والنغم. وقال اللغوي في «مراتب النحويين»: أبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها فمن ذلك تأليفه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمّى بكتاب العين فإنّه هو الّذي رتّب أبوابه، وتوفّي قبل أن يحشوه، وقال ثعلب: إنّما وقع الغلط في كتاب العين لأنّ الخليل رسمه ولم يحشه. توفّي في البصرة سنة 175 هـ . الأعلام: 2 / 314 .
2 . في حاشية «م»: حروف الذلاقة ما لا ينفك رباعي أو خماسي عن شيء منها لسهولتها ويجمعها: «مر بنفل». والمصمتة بخلافها لأنّه صمت عنها في بناء رباعي أو خماسي منها.
3 . أسلة اللسان: أي طرفه، وقيل: مستدق طرفه. لسان العرب: 11 / 15، مادة «أسل».
4 . في حاشية «م»: الذلق طرف اللسان، والذلاقة حدّ اللسان، وكلّ محدّد مذلق، وقرن الثور مذلق.
5 . في «م»: طرفيه.
6 . كتاب العين: 1 / 51 بتصرّف.

صفحه 67
قال: ولا ينطق 1 طرف شباة 2 اللسان إلاّ بثلاثة أحرف، وهي: الراء واللام والنون، فلذلك تسمّى هذه الحروف 3: حروف الذلاقة. ويلحق بها الحروف الشفهية، وهي ثلاثة: الفاء والباء والميم.
قال: ولمّا ذلقت هذه الحروف وسهلت على اللسان في المنطق كثرت في أبنية الكلام، فليس شيء من بناء الخماسي التام 4 (يعرى عنها)5، فإن وردت عليك كلمة خماسية أو رباعية معرّاة من 6 حروف الذلق أو الشفهية، فليست 7 من كلام العرب.8
وقال أيضاً: العين والقاف لا يدخلان في بناء إلاّ حسّناه;

1 . في «م»: ينطلق.
2 . شباة كلّ شيء: حد طرفه، والجمع: الشبا والشبوات. صحاح الجوهري: 6 / 2389، مادة «شبا».
3 . ليس في «م».
4 . في حاشية «م»: المراد بالتام أن يكون اللفظ في الأصل عربياً غير معرب.
5 . في «ش»: بعريّ منها.
6 . في «م»: عن.
7 . في «ش»: فليس.
8 . كتاب العين: 1 / 52 بتصرّف .

صفحه 68
لأنّهما أطلق الحروف، فالعين أفصحها جرساً، 1 وألذّها سماعاً، والقاف أمتنها وأصحّها جرساً، 2 وكذلك السين والدال في البناء
إذا كان اسماً ; لِلِين الدال على (3) صلابة الطاء وكزازتها 3وارتفاعها عن خفوت التاء، وكذلك حال السين بين مخرج الصاد 4 والزاي.5
في المحاسن العائدة إلى آحاد الحروف   
قال: والهاء تستعمل 6 في البناء للينها وهشاشتها 7،

1 . في حاشية «م»: صوت خفي.
2 . في حاشية «م»: الجرَس والجرْس: الصوت الخفي، يقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله. [ راجع النهاية لابن الأثير: 1 / 252، مادة «جرس». ]   3 . في «م»: عن.
3 . في حاشية «م»: الكزازة: الانقباض. أقول: الكززة: الانقباض واليبس. ويقال: رجل كز، وقوم كز ـ بالضم ـ ورجل كز اليدين: أي بخيل، مثل جعد اليدين. وقوس كزة إذا كان في عودها يبس عن الانعطاف، وكززت الشيء: ضيّقته. صحاح الجوهري: 3 / 893، مادة «كزز».
4 . في «م» والإكسير: الضاد، وفي المصدر كما في المتن.
5 . كتاب العين: 1 / 53 ـ 54 باختلاف بالألفاظ.
6 . في «م»: تحتمل. وفي الإكسير كما في المتن. وقال محقّق نسخة «ش» في الهامش: في الأصل: تحتمل، وتستعمل أوضح.
7 . في حاشية «م»: هشاشتها: خفتها .
أقول: شيء هش وهشيش: أي رخو ليّن. والهشاشة: الارتياح والخفة للمعروف. صحاح الجوهري: 3 / 1028، مادة «هشش».

صفحه 69
ولابدّ من رعاية هذه الاعتبارات ليكون الكلام سلساً 1 على اللسان .2

البحث الثالث: في المحاسن العائدة إلى آحاد الحروف

فمنها 3 الحذف: وهو الاحتراز (4) عن حرف أو حرفين في
الكلام إظهاراً للحذق 4 في تلك اللغة. مثاله: كان واصل 5

1 . شيء سلس: أي سهل، ورجل سلس: أي لين منقاد بين السلس والسلاسة. صحاح الجوهري: 3 / 938، مادة «سلس». وفي حاشية «م»: أي ليناً عذباً رقيقاً.
2 . كتاب العين: 1 / 54. وقد نقل الطوفي البغدادي البحث كاملاً في كتابه «الإكسير في علم التفسير»: 109 .
3 . ليس في «ش» .   4. في «ش»: الاحتزاز، وفي طبعة العزيزي كما في المتن.
4 . في حاشية «م»: أي المهارة والكمال. أقول: حذق الصبي القرآن والعمل: إذا مهر فيه، والحاذق: الماهر وقيل: القاطع. صحاح الجوهري: 4 / 1456، مادة «حذق».
5 . في حاشية «م»: بن عطاء المعروف بعنق النعامة، لطول عنقه. أقول: هو واصل بن عطاء الغزّال، أبو حذيفة، رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين سُمّي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس أُستاذه الحسن البصري، ومنهم طائفة تنسب إليه تسمّى الواصلية، وهو الّذي نشر مذهب الاعتزال في الآفاق. ولد بالمدينة سنة 80 للهجرة، ونشأ بالبصرة. وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً، فتجنّب الراء في خطابه وضرب به المثل في ذلك. وكان ممّن بايع لمحمد بن عبدالله بن الحسن في قيامه على أهل الجور. ولم يكن غزّالاً، وإنّما لقّب به لتردّده على سوق الغزّالين بالبصرة. له تصانيف، منها: أصناف المرجئة، المنزلة بين المنزلتين، معاني القرآن وغيرها. توفّي سنة 131 هـ . الأعلام: 8 / 108 .

صفحه 70
ألثغ1، وكان يحترز عن الراء، فجُرّب في أنّه كيف يعبّر عن معنى قولنا: اركب فرسك واطرح رمحك؟ فقال في الحال: إلق قناتك واعلُ جوادك.
في المحاسن العائدة إلى التركيب   
ونحو الأشعار الّتي حذف الحريري 2 عنها الحروف المنقوطة، والّتي حذف عنها غير المنقوطة.

1 . اللثغة: أن تعدل الحرف إلى حرف غيره. والألثغ: الّذي لا يستطيع أن يتكلّم بالراء، وقيل: هو الّذي يجعل الراء غيناً أو لاماً، أو يجعل الراء في طرف لسانه، وقيل:
هو الّذي لا يتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل. لسان العرب: 8 / 448، مادة
«لثغ».
2 . هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري، الأديب الكبير، صاحب المقامات الحريرية ـ مطبوع، ومن كتبه: درّة الغواص في أوهام الخواص ـ ط ، ملحة الإعراب ـ ط ، وصدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور في التاريخ، وله شعر في ديوان، وديوان رسائل. وكان دميم الصورة، غزير العلم. مولده بالمشان (بليدة في البصرة) سنة 446 هـ . ونسبته إلى عمل الحرير أو بيعه. وكان ينتسب إلى ربيعة الفرس. تُرجمت نماذج من مقاماته إلى اللاتينية، وظهرت لها تراجم في كثير من اللغات الأُوربية الحديثة كالألمانية والانجليزية. توفّي في البصرة سنة 516 هـ ، وقيل: في سنة 515 هـ كما في الكامل: 10 / 596 . راجع: سير أعلام النبلاء: 19 / 465 ; الأعلام: 5 / 177 .

صفحه 71
ومنها: الإعنات1 أو الردف 2: وهو التزام حرف قبل حرف الروِيّ 3، كقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ )4.

[ في المحاسن العائدة إلى التركيب ]

وأمّا ما يرجع إلى التركيب، فالشرط أن يكون معتدلاً غير

1 . العنت: إدخال المشقّة على إنسان، وعنت فلان: أي لقي مشقّة. والإعنات: التضييق والتشديد، والإيقاع في الشدة، وتكليف ما لا يطاق. كتاب العين: 2 / 72 مادة «عنت»; معجم ألفاظ الفقه الجعفري: 62 .
وفي حاشية «م»:الإعنات: التضييق والتشديد، ويقال له: لزوم ما لا يلزم، وهو أنّ العنت لغة في التزام ردف أو دخل أو حرف مخصوص قبل حرف الروِيّ أو حركة من الحركات.
2 . في حاشية «م»: الردف «ألف» ، أو «واو »، أو «ياء» سواكن قبل حرف الروِيّ بلا فصل عنها، نحو: النور والثور، والماد والزاد، والبصير والأسير.
الرديف كلمة أو أكثر بعد حرف الروِيّ، ومنه في الأشعار الفارسية كثيراً، وذلك الشعر يسمّى مردفاً، وليس ذلك في الأشعار العربية القديمة، وقد تكلّف المحدّثون كالزمخشري وغيره، قال:
               الفضل حصله علا الدوله      والمجد أثيله علا الدوله
3 . حرف الرويّ: حرف القافية، يقال: قصيدتان على رويٍّ واحد أي قافية واحدة. صحاح الجوهري: 6 / 2365، مادة «روى».
وفي حاشية «م»: هو الحرف الّذي تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال: قصيدة لاميّة، كاللام في منزل.
4 . الضحى: 9 ـ 10 .

صفحه 72
متنافر، كقوله:
وقَبْرُ حَرْب 1 بِمكان قَفْر 2 *** وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْب قَبْرُ3
فيما يتعلّق بالكلمة الواحدة   
وأن لا يكون ثقيلاً كقوله:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى *** (معي ومتى)(4) لمته لمته وحدي4

1 . هو حرب بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي، والد أبي سفيان، وجد معاوية بن أبي سفيان، من قضاة العرب في الجاهلية، وكان معاصراً لعبد المطلب بن هاشم. مات بالشام سنة 36 ق هـ ، وتزعم العرب أنّ الجن قتلته. الأعلام: 2 / 172 .
2 . القفر من الأرض: المفازة الّتي لا ماء فيها ولا نبات، ودار قفر أو قفار: أي خالية من أهلها. وأقفرت الدار: خلت. مجمع البحرين: 3 / 534، مادة «قفر».
3 . في حاشية «م» قيل: إنّه من أبيات الجن، ولا يستطيع أحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع ولا يتردد من حصر أو عيّ.
أقول: وكذا قال الجاحظ في البيان. وقال القونوي في شرح تلخيص المفتاح: وفي البيت الإقواء، وهو من عيوب الشعر. وإنّما قلنا فيه الإقواء ; لأنّ البيت مصرع، وكل واحد من المصراعين فيه كبيت كامل. راجع: شرح الشافية: 4 / 487 ; البيان والتبيين: 1 / 49; حياة الحيوان الكبرى: 2 / 243 .   4 . في «م»: جميعاً ومهما.
4 . البيت للشاعر أبي تمّام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي (188 ـ 231 هـ) أحد أُمراء البيان. ستأتي ترجمته.
والبيت من قصيدة يمدح فيها أبا المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي، ويعتذر إليه ممّا بلغه عنه أنّه هجاه أوّلها:
      شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي      ومحت كما محت وشائع من برد
ومعنى البيت: إنّ الناس جميعاً يمتدحونك معي، وإذا ما لمتك خلِّفت وحيداً لم يشاركني مشارك، لمعرفة الناس بفضلك. شرح ديوان أبي تمّام: 239 برقم 56 .
وقد عابوا على أبي تمّام قوله هذا، فقد ذكر الصاحب إسماعيل بن عبّاد أنّه جارى أبا الفضل بن العميد في محاسن هذه القصيدة حتّى انتهى إلى هذا البيت، فذكر له في أنّ قوله: أمدحه أمدحه، معيب; لثقله من جهة تدارك حروف الحلق. ثم رأيت بعد ذلك المتقدّمين قد تكلّموا في هذه النكتة، فعلمت أنّ ذلك شيء عند أهل الصنعة معروف. إعجاز القرآن للباقلاني: 227 .   1 . في «ش»: وهي.

صفحه 73

البحث الرابع: فيما يتعلّق بالكلمة الواحدة

وهو (1) أُمور:
1. توسّطها في قلّة الحروف وكثرتها، وأعذبها الثلاثية 1; لاشتمالها على المبدأ والوسط والنهاية، فإنّ الحرف الواحد لا يفيد، والّتي عن 2 الحرفين ليست في غاية العذوبة، والرباعية والخماسية ظاهرتا الثقل .3

1 . في حاشية «م»: وذلك لأنّ الصوت رهن الحركة وتابع لها، والحركة لابدّ لها من هذه الأُمور الثلاثة فمتى ظهرت هذه الثلاثة فيها، كان الكلام أسهل جرياناً على اللسان.
2 . في «ش»: من.
3 . في حاشية «م»: لزيادتها على الدرجات الثلاث الّتي يتعلّق بها كمال الصوت.

صفحه 74
2. الاعتدال في حركتها 1، وأعدلها حركتان وساكن، فإن أعوز فثلاث حركات، وأمّا توالي أربع حركات ففي غاية الثقل، والخمس بالأولى، ولذلك لا يحتملهما (2) الشعر.
3. كونها عربية غير مولدة 2، ولا صادرة عن خطأ العامة.
4. أن يكون أُجري على مقاييس كلام العرب 3 .
5. ألاّ تكون غريبة وحشية 4، ولذلك كانت في الكتاب

1 . في «ش»: حركاتها.   2 . في «ش»: يحتملها.
2 . في حاشية«م»: بين العربي الصميم وغيره. أقول: كلام مولد: مستحدث لم يكن من كلام العرب، وكلام مولد وحديث مولد: أي ليس من أصل لغتهم، وفي اللسان: إذا استحدثوه ولم يكن من كلامهم فيما مضى، ورجل مولد إذا كان عربياً غير محض. كتاب العين: 2 / 283 ; تاج العروس: 2 / 542، مادة «ولد».
3 . في حاشية «م»: مثل أن يكون محافظاً على قوانين النحو والإعراب والاحتراز عن اللحن. ذكره الإمام الجرجاني في نهاية الإيجاز.
4 . في حاشية «م»: والدليل على كون ذلك معتبراً أنّك تقرأ من الطوال فلا تجد فيها من الغريب، فإذا تأمّلت ما جمعه العلماء في غريب القرآن لم تكن الغرابة إلاّ بسبب الاستعارات والتمثيلات، كقوله تعالى: (وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)[ البقرة: 93 ]، وقوله: (خَلَصُوا نَجِيًّا)[ يوسف: 80 ]، وقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)[ الحجر: 94 ]. وقيل: لو كان أكثر القرآن غريباً لما صحّ التحدّي ; لأنّ ذلك إمّا أن يكون مع من يعلم أمثال.... الغراب أو مع من لا يعلمها، فإن كان مع الأوّل أمكنه معارضتها، وإن كان مع الثاني كان ذلك نازلاً منزلة مخاطبة الزنجي بالعربية، وذلك غير جائز، فظهر أنّ استعمال الغريب لا يُفيد الكلام حُسناً.
أقول: غريبة وحشية أي لا يفهمها عامّة الناس، كما هو المعروف عن بعض القبائل الذين كانوا يتكلّمون بألفاظ غريبة لا يفهمها أكثر العرب، وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب كلّ قوم بلغتهم، وذلك من أنواع بلاغته واستحداثاً للأُلفة والمحبة. ومثال ذلك ما رواه المتّقي الهندي في كنز العمال: 10 / 617 برقم 30317 عن عمران بن حصين قال: قدم وفد بني نهد (قبيلة باليمن) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال يشكو إليه الجدب ويسأل الدعاء: يا رسول الله أتيناك من غوري تهامة على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصبير (أي نستدر السحاب) ونستخلب الخبير (أي قطع الأعشاب)، ونستعضد البرير (أي نقطع ثمر الأراك لقلة الزاد)، نستخيل الرهام (أي نتخيل الماء في السحاب القليل) ونستجيل الجهام (السحاب الّذي فرغ ماؤه)، من أرض غائلة النطا (أي المهلكة للبعد)، غليظة الوطا (منخفضة من الأرض)، قد نشف المدهن (أي كناية عن الجفاف)، ويبس الجعثن (أي أصل النبات)، وسقط الأملوج من البكارة (أي السمين من الإبل)، ومات العسلوج (أي يبست الأغصان)، وهلك الهدي، ومات الودي (أي هلكت الإبل ويبست النخيل)، برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن (أي الشرك والظلم)... إلى آخر كلامه تركناه للاختصار، فمن أراد فليرجع إليه.

صفحه 75
العزيز نادرة .1

1 . في حاشية «م»: النوادر الّتي في القرآن مثل: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا)[ ص: 16 ]، و: (ذَاتِ أَلْوَاح وَ دُسُر) [ القمر: 13 ]، و: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) [ مريم: 24 ]. فإنّ هذه في أنفسها غريبة ولكنّها كلمات معدودة.

صفحه 76
الفصل الثاني:

فيما يتعلّق بالكلمات المركّبة

وفيه أبحاث:

البحث الأوّل: في التجنيس 1

وله عدة أنواع 2 :
في التجنيس   
1. التام: وهو أن يتّحد اللفظان مع اختلاف معناهما، كقول الحريري: ولاملأ الراحة من استوطأ الراحة.3
2. الناقص: والنقصان إمّا باختلاف الكلمتين في هيئة الحركة، كقولهم: جُبَّةُ البُرد 4 جُنَّةُ 5 البَرْدِ.

1 . التجنيس أن يتّفق اللفظ ويختلف المعنى، ولا يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً، بل يكونان حقيقيّين. الإتقان في علوم القرآن: 2 / 244 .
2 . ليس في أصل نسخة «ش» والمحقّق أضاف كلمة: (وجوه).
3 . الراحة الأُولى بمعنى الكف، والثانية من الاستراحة.
4 . البُرْد: نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبرود، والبردة: الشملة المخطّطة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب، وجمعها بُرَد. النهاية لابن الأثير: 1 / 116، مادة «برد».
5 . الجُنّة ـ بالضم ـ : الوقاية، وفي الحديث: «الصوم جُنّة» أي يقي صاحبه ما يؤذيه   2
من الشهوات، ومنه الحديث: «الإمام جُنّة» لأنّه يقي المأموم الزلل والسهو. النهاية لابن الأثير: 1 / 297، مادة «جنن».

صفحه 77
أو بالحركة 1 والسكون، كقولهم: البدعة شَرَك الشِّرْكِ.
أو في التخفيف، كقولهم: الجاهل إمّا مُفْرِط أو مُفَرِّط .
3. يسمّى المذيّل: وهو أن تتساوى الكلمتان في الحروف والهيئة، ثم يزيد في إحداهما حرف ليس في الأُخرى. فإمّا في أوّل الكلمة، كقوله تعالى: (وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ 2* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَسَاقُ)(3).
أو في وسطها، كقولهم: كمد كميد. 3
أو في آخرها كقول أبي تمّام 4 :

1 . في «ش»: في الحركة.
2. في حاشية «م»:الساق كناية عن الشدّة، أي شدّة الدنيا بشدّة الآخرة.   3. القيامة:29ـ 30.
3 . في حاشية «م»: الكمد: الحزن، يقال: كمد الرجل فهو كمد وكميد. في «ش»: كبد كبيد .
أقول: الكمد: الحزن المكتوم. تقول: كمد الرجل فهو كمد وكميد. صحاح الجوهري: 2 / 531، مادة «كمد».
4 . هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمّام الشاعر الأديب، أحد أُمراء البيان .
ولد في جاسم (من قرى حوران بسورية) في سنة 188 هـ ، وقيل: 190 هـ ، ورحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، فأجازه وقدّمه على شعراء وقته فأقام في العراق، ثمّ ولي بريد الموصل فلم يتم سنتين حتّى توفّي بها سنة 231 هـ . وكان أسمر طويلاً، فصيحاً حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، في شعره قوة وجزالة. له تصانيف منها: (ديوان الحماسة ـ مطبوع)، فحول الشعراء، مختار أشعار القبائل، وديوان شعره، وغيرها. وممّا كتب في سيرته: (أخبار أبي تمّام. مطبوع) لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، و (أبو تمّام الطائي: حياته وشعره ـ ط) لنجيب البهبيتي، وغيرهما. الأعلام: 2 / 165 .

صفحه 78
يمُدّونَ مِن أيد عواص 1 عواصِمُ2 *** تصولُ 3 بأسياف قواض 4 قواضبُ56

1 . عصى فلان أميره يعصيه عصياً وعصياناً ومعصية إذا لم يطعه، فهو عاص وعصي. وعصى العبد ربّه إذا خالف أمره، والعصيان: خلاف الطاعة. لسان العرب: 15 / 67، مادة «عصا» .
2 . عصم: حفظ ووقى، وعصمه الله من المكروه: حفظه ووقاه، وعصمة الله للعبد: منعه من المعصية. والعصمة: المنع، والمعصوم: الممتنع من جميع محارم الله. مجمع البحرين: 3 / 194، مادة «عصم».
3 . صال عليه: إذا استطال، وصال عليه: وثب، والمصاولة: المواثبة. وفي الدعاء: بك أصول، وفي رواية: أصاول أي أسطو وأقهر. لسان العرب: 11 / 387، مادة «صول».
4 . قواض جمع قاضية أي قاطعة، ويقال: سمّ قاض أي قاتل. مجمع البحرين: 3 / 517، مادة «قضى».
5 . قواضب جمع قاضب، وسيف قاضب وقضيب: أي قطّاع، ورجل قضابة: قطّاع للأُمور مقتدر عليها. صحاح الجوهري: 1 / 203، مادة «قضب».
6 . البيت من قصيدة لأبي تمّام يمدح فيها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي   2
(المتوفّى 225 هـ) أحد قواد المأمون ثم المعتصم، وكان: كريماً سرياً جواداً ممدحاً شجاعاً مقداماً، وقد مدحه أبو تمّام بأحسن المدائح وأخذ جوائزه، ومطلع القصيدة:
      على مثلها من أربع وملاعب      أذيلت مصونات الدموع السواكب
ومعنى البيت: أي إنّهم يمدّون أيديهم الصلبة الّتي تأبى الذلّ بسيوف قاطعة تقطع بالحق على الباطل. شرح ديوان أبي تمّام:86 برقم 15 ; أعيان الشيعة: 4 / 477 .
وقيل: أي يمدّون أيدياً ضاربات للأعداء، حاميات للأولياء، صائلات على الأقران بسيوف حاكمة بالقتل قاطعة. مختصر المعاني للتفتازاني: 289 .

صفحه 79
4. يسمّى المضارع والمطرف 1: وهو أن يختلفا في أنواع الحروف بحرف أو بحرفين.
وهو إمّا في أوّل الكلمة، كقوله 2: (بيني وبين كنّي)3 ليل

1 . ليس في «ش». والمطرف اختلاف الفاصلتين في الوزن، مثل وقاراً وأطواراً في قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [نوح: 13 ـ 14 ]. والمراد بالوزن هو الوزن العروضي لا الصرفي، فيلاحظ جنس الحركة لانوعها، ويعد التنوين وكذا الكسرة حرفاً; لأنّ الاعتبار في الوزن العروضي بالحروف الملفوظة لا المكتوبة. البليغ في المعاني والبيان والبديع: 295 .
2 . في «م»: كقولهم.
3 . في «ش»: بيني وبينه. أقول: في المقامات الحريرية: 1 / 36 كما في المتن. راجع: مختصر المعاني: 290 ; والبليغ في المعاني والبيان والبديع: 287 ; والإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 122، باب في علم البديع.
والكنّ: ما يرد الحرّ والبرد من الأبنية والمساكن، ويقال: استكنّ أي استتر. النهاية لابن الأثير: 4 / 206، مادة «كنن».

صفحه 80
دامس 1 وطريق طامس. 2
أو في وسطها كقوله تعالى: (وَ إِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)(3).
أو في آخرها، كقوله (عليه السلام): «الخيل معقود بنواصيها 3الخير»4.

1 . ليل دامس: شديد الظلمة، ودمس الظلام وأدمس وليل دامس: إذا اشتدّ وأظلم. لسان العرب: 6 / 87 ، مادة «دمس».
2 . الطموس: الدروس والانمحاء. وطمس الطريق يطمس طموساً: درس وأُمحي أثره. لسان العرب: 6 / 126، مادة «طمس».   3 . العاديات: 7 ـ 8 .
3 . الناصية: واحدة النواصي: قصاص الشعر في مقدّم الرأس، وقيل: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدّم الرأس لا الشعر الّذي تسمّيه العامة الناصية، وفي قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) [ العلق: 15 ] أي لنسوّدنّ وجهه فكفت الناصية لأنّها في مقدّم الوجه.لسان العرب: 15 / 327، مادة «نصا».
4 . في «ش»: الخير معقود بنواصي الخيل. وفي حاشية «م»: ويروى: الخير معقود بنواصي الخيل.
أقول: ورد الحديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مصادر الفريقين، راجع: صحيح البخاري: 3 / 215، باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، كتاب الجهاد والسير; صحيح مسلم: 6 / 32، باب الخيل في نواصيها الخير; سنن الترمذي: 3 / 95 برقم 1686 ; محاسن البرقي: 2 / 631 برقم 112 ; الكافي: 5 / 48 ح 2، باب فضل ارتباط الخيل; من لا يحضره الفقيه: 2 / 283 برقم 2459 ; وغيرها كثير.

صفحه 81
5. التجنيس بالإشارة 1: دون التصريح، كقوله: حلقت لحية موسى باسمه .2
6. المصحَّف: هو أن تتشابه الكلمات في الخط دون اللفظ. (كقول علي (عليه السلام))(3): «غرَّك عزّك فصار قصار 3 ذلك ذلّك، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدى بهذا».4
7. المفروق: وهو أن يتشابها لفظاً فقط 5، كقوله:

1 . هو عدم ظهور التجنيس باللفظ في الشعر لعدم مساعدة الوزن، بل بالإشارة بأن يؤتى لفظ بمعنى ويشار إلى معناه الآخر بضمير أو قلب أو تصحيف أو غير ذلك. مثاله قول الشاعر:
      حلقت لحية موسى باسمه      وبهارون إذا ما قلبا
فموسى ذكر مرّة بلفظه بمعنى شخص وأُخرى بالإشارة بضمير راجع إليه بمعنى آلة تزيل الشعر. وكذا هارون ذكر مرّة بلفظه بمعنى شخص وأُخرى بالإشارة بقلبه بمعنى النورة، وهي مادة تزيل الشعر. البليغ في المعاني والبيان والبديع: 288 .
2 . في حاشية «م»: تمامه: وبهارون إذا ما قلبا.   3 . في «ش»: كقوله .
3 . في حاشية «م»: قصار الشيء وقصاراه وقصره: غايته.
4 . رواه الجاحظ في كتاب «الغرّة» قائلاً: كتب علي إلى معاوية. كما في المناقب لابن شهرآشوب: 1 / 326 ; بحار الأنوار: 40 / 163، وج 75 / 83 ح 86 ; مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 301.
5 . أي يختلفا في صورة الكتابة.

صفحه 82
كلكم قد أخذ الجا *** م1 ولا جام لنا
ما الّذي ضر مدير الـ *** جام 2 لو جاملنا3
8 . المقرون: وهو أن يتشابها لفظاً وخطّاً، كقوله:
إذا ملك لم يكن (4) ذا هبه *** فدعه فدولته ذاهبه4

1 . الجام: إناء من فضة. لسان العرب: 12 / 112، مادة «جوم».
2 . في أصل نسخة «ش»: مدير الكأس. وأضاف المحقّق في الهامش: وبذلك لا يتحقّق الجناس، فأوردنا ما ذكر في كثير من الكتب.
3 . في حاشية «م»: المجاملة: المقابلة بالجميل.
أقول: البيتان لأبي الفتح علي بن محمد بن الحسين بن يوسف البستي (المتوفّى 400 هـ) من كتّاب الدولة السامانية في خراسان، وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكتين وخدم ابنه السلطان محمود قبل أن يخرجه إلى بلاد ما وراء النهر، فمات في بلدة أوزجند ببخارى غريباً. له ديوان شعر مطبوع. وفي كتب الأدب الكثير من نظمه غير مدوّن. الأعلام: 4 / 326 .
قال صاحب البليغ في المعاني: 284: المركّب المفروق هو ما كان اللفظان أحدهما مفرد والآخر مركب من كلمتين ولم يتّفقا في الخط والكتابة، مثل: «جام لنا» مركبة من «جام» و «لنا»، و «جاملنا» مفرد بسيط بمعنى عاملنا بالجميل. وراجع مختصر المعاني: 289 ; إنجاح المطالب للشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المطبوع في مجلة تراثنا ج 25 / 222 .   4. في «م»: إذا لم يكن ملك ذا هبه.
4 . أي: إذا ملك لم يكن صاحب هبة وعطاء فاتركه فدولته غير باقية. والبيت للشاعر أبي الفتح البستي. راجع: الإكسير في علم التفسير: 341 ; مختصر المعاني: 288 .

صفحه 83

تنبيه 1

المتجانسات (2) قد يكون بعضها في مقابلة البعض (3) حالة التسجيع وهو ظاهر كما سبق.
وقد يضم بعضها إلى بعض (4) في أواخر الأسجاع وتسمّى مزدوجاً 2، كقولهم: النبيذ بغير النغم 3 غم وبغير الدسم (7)
سم4 ; وكقولهم: من طلب وجدّ وجد، ومن قرع الباب 5 ولجّ ولج6.7

1 . ليس في «ش».   2. في «ش»: المجانسات.   3. في «ش»: بعض.   4. في «ش»: البعض .
2 . وقيل: هو إتيان أحد المتجانسين بعد الآخر أي تجانس كان، مثل سبأ ونبأ في قوله تعالى:(جِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين) [النمل:22 ]. البليغ في المعاني والبيان والبديع: 287.
3 . في «ش»: نغم .   7. في «ش»: دسم.
4 . نسب الثعالبي في كتابه خاص الخاص: 1 / 60، فصل في لطائف الظرفاء في الشراب نسب هذا القول إلى هبة الله بن المنجم قائلاً: اتّفق له هذه اللفظة البديعة البليغة الظريفة أيضاً في تفريق التجنيس ومفارقة الإعجاز... وهي قوله: الشراب على غير الدسم سم، وعلى غير النغم غم. ورواه كما في المتن السكاكي في مفتاح العلوم.
5 . في «ش»: باباً.
6 . ورد في حكم أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَن استدام قرع الباب ولجّ ولج». عيون الحكم والمواعظ: 456 .
7 . راجع البحث في: مفتاح العلوم: 1 / 186 ; نهاية الأرب في فنون الأدب: 7 / 78 ; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 359 .

صفحه 84

البحث الثاني: في الاشتقاق 1 وما يشبهه

أمّا الأوّل: فهو أن يأتي بألفاظ يجمعها أصل واحد، كقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ )2 .
وأمّا الثاني: فكقوله تعالى: (وَ جَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان )3.
في ردّ العجز على الصدر   

1 . في حاشية «م»: المشتق ما وافق أصلاً بحروفه الأُصول ومعناه....
2 . الروم: 43 .
3 . الرحمن: 54. وفي حاشية «م»: وكقوله تعالى: (قَالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ) [ الشعراء: 168]. الأوّل من القول، والثاني من القلى وهو المبغض.

صفحه 85
البحث الثالث: في ردّ العجز على الصدر
وهو الكلام الّذي يوجد في نصفه الأخير لفظ يشبه لفظاً في نصفه الأوّل .1 وله أقسام كثيرة:
1. أن يتّفق لفظا الصدر والعجز صورة ومعنى ويكونا طرفين، كقولهم: الحيلة ترك الحيلة; وكقوله:
سكران سكر هوى وسكر 2 مدامة3 *** أنّى يفيق فتىً به سُكران 4
2. أن يتّفقا صورة لا معنى وهما طرفان، كقوله:

1 . وقيل: هو كلّ كلام منثور أو منظوم يلاقي آخره أوّله بوجه من الوجوه. نهاية الأرب في فنون الأدب: 7 / 91 .
2 . في «ش»: سكر.
3 . المدامة والمدام: الخمر، سمّيت مدامة لأنّه ليس شيء تستطاع إدامة شربه إلاّ هي، وقيل: لإدامتها في الدن زماناً حتّى سكنت بعدما فارت، وقيل: سمّيت مدامة لعتقها. لسان العرب: 12 / 214، مادة «دوم».
4 . في حاشية «م»: أوله: صور الهوان من الهوى مسروقة. وتروى:
      لفظ الهوان من الهوان مشتقة      والتف كلّ هوى خلف هوان
أقول: البيت للشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي المسامر. والبيت مذكور في: نهاية الأرب في فنون الأدب: 7 / 92 ; خزانة الأدب: 1 / 255; الإيضاح في علوم البلاغة: 1 / 360 .

صفحه 86
يسار من سجيتها المنايا1 *** ويمنى 2 من عطيتها اليسار3
3. بالعكس وهما طرفان، كقوله:
واسْتَبدَّتْ مرّةً واحدةً *** إنّما العاجزُ مَن لا يَستبدْ4

1 . السجية: الطبيعة والخلق، وفي الحديث: «كان خلقه سجية»أي طبيعة من غير تكلّف. لسان العرب: 14 / 372، مادة «سجا» .
والمنايا جمع المنية يعني الموت. صحاح الجوهري: 6 / 2498، مادة «منا».
2 . في «م»: «وأُخرى» بدل: ويمنى. وفي خ ل مثل ما في المتن.
3 . البيت للشاعر السري بن أحمد بن السري الرفّاء الكندي الموصلي، مهر في الأدب وقصد سيف الدولة بحلب فمدحه وأقام عنده مدّة، ثم انتقل إلى بغداد بعد وفاته ومدح جماعة الوزراء والأعيان إلى أن تصدى له الخالديان محمد وسعيد فآذياه وأبعداه عن مجالس الكبراء، فضاقت دنياه واضطر للعمل في النسخ والتجليد، فجلس يورق شعره ويبيعه، وركبه الدين. ومات ببغداد سنة 366 هـ . وهو على تلك الحال. الأعلام: 3 / 81. والبيت من قصيدة مطلعها:
            أغُرّتُكَ الشهابُ أم النهارُ         وراحتك السحاب أم البحار
ديوان السري الرفّاء: 1 / 332. وراجع: نهاية الأرب في فنون الأدب: 2 / 300 ; يتيمة الدهر: 1 / 4 .
4 . في حاشية «م»: [ يسار: ] أي له يسار. [ واليسار: ] الغناء.
أقول: البيت للشاعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، أبو الخطّاب، من طبقة جرير والفرزدق. وقيل: لم يكن في قريش أشعر منه. له ديوان شعر ـ مطبوع. ولد في الليلة الّتي توفّي فيها عمر سنة 23 هـ ، ومات سنة 93 هـ . الأعلام: 5 / 52 .
وهذا البيت من قصيدة اسمها: «بعد غد» من بحر الرمل، ومطلعها:
      ليتَ هِنداً أنجزتنا ما تَعِدْ      وشَفتْ أنفسَنا ممّا تجدْ
وتعتبر هذه القصيدة من أشهر ما نظم عمر، وكان يفتخر بها كما يفتخر برائيته في «نُعم». ديوان عمر بن أبي ربيعة: 88 .
و «نُعْم» امرأة قرشية تكنّى أُم بكر، وهي حبيبة مفترضة للشاعر ذكرها في قصيدة رائعة تحت عنوان: ليلة ذي دوران، وقد قال جرير حين سمعها: ما زال هذا القرشي يهذي حتّى قال الشعر. ونظراً لروعة القصيدة ذكرها الأصفهاني في «الأغاني»، وابن عبد ربه في «العقد الفريد»، والقالي في «أماليه»، والمبرّد في «الكامل»، والبغدادي في «خزائنه». ومطلع القصيدة.
      أمِنْ آلِ نُعْم أنت غاد فمُبْكرُ      غَداةَ غد أم رائحٌ فمُهَجِّرُ
راجع ديوانه: 105 .

صفحه 87
4. أن يلتقيا في الاشتقاق دون الصورة وهما طرفان، كقوله:
ضرائب 1 أبدعتها في السماح *** فلسنا نرى لك فيها ضريبا 2

1 . في حاشية «م»: جمع ضريبة وهي الطبيعة والسجية.
2 . البيت للسري الرفّاء من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد مطلعها:
      تعنفني إن أطلت النحيبا      وأسبلت للعين دمعاً سكوبا
والبيت قد أخذه من قول البحتري:
      بلونا ضرائب من قد نرى      فما إن رأينا لفتح ضريبا
يتيمة الدهر: 1 / 199 ; نهاية الأرب في فنون الأدب: 2 / 300 .

صفحه 88
5. أن يلتقيا صورة ومعنى، ويكون أحدها حشواً في صدر البيت والآخر طرفاً في عجزه.
كقول أبي تمّام:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء *** من الأشياء كالمال المضاع 1
6. أن يقعا كذلك ويتّفقا صورة لا معنى، كقول بعضهم 2:
لا كان إنسانٌ تيمّم صائداً *** صيد المها 3 فاصطادَهُ إنسانُها(4)

1 . في «ش»: «المال» بدل «المجد». والبيت من قصيدة يمدح فيها المهدي بن أصرم أحد قوّاد الجيش في عصر المأمون العباسي مطلعها:
      خذي عبرات عينك عن زماعي      وصوني ما أزلت من القناع
ومعنى البيت: إنّ العطاء يحفظ مجد صاحبه. شرح ديوان أبي تمّام: 355 .
2 . في حاشية «م»: هو للمطرزي صاحب المغرّب. أقول: المطرزي هو ناصر بن عبد السيد أبي المكارم بن علي، أبو الفتح الخوارزمي المطرزي. أديب، عالم باللغة، من فقهاء الحنفية. ولد في جرجانية خوارزم سنة 538 هـ ، وتوفّي بها سنة 610 هـ . كان رأساً في الاعتزال. له مصنّفات، منها: المغرّب في ترتيب المعرّب ـ مطبوع في جزأين، المعرّب في اللغة، المصباح في النحو، وغيرها، وله شعر. الأعلام: 7 / 348 .
3 . المها ـ بالفتح ـ جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية. صحاح الجوهري: 6 / 2499، مادة «مها».   4 . في حاشية «م»: يريد إنسان عينها.

صفحه 89
7. أن يتّفقا كذلك ويلتقيا معنى لا صورة، كقول امرئ القيس1:
إذا المرء لم يخزن 2 عليه لسانه *** فليس على شيء سواه بخزان 34

1 . هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق. يماني الأصل، مولده بنجد نحو 130 قبل الهجرة. اشتهر بلقبه، واختلف في اسمه، فقيل: حندج، وقيل: مليكة، وقيل: عدي. وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وأُمّه أُخت المهلهل الشاعر، فلقّنه المهلهل الشعر، فقاله وهو غلام، اشتغل باللهو واللعب إلى أن ثار بنو أسد على أبيه وقتلوه، فبلغ ذلك امرأ القيس وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي! ضيّعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً، لاصحو اليوم ولا سكر غداً! اليوم خمر وغداً أمر. ونهض من غده فلم يزل حتّى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك شعراً كثيراً. ولاّه قيصر الروم إمرة فلسطين، ولقّبه فيلارق أي الوالي، فرحل يريدها فلمّا كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح، فأقام إلى أن مات بها سنة 80 قبل الهجرة. له ديوان شعر مطبوع. ويعرف امرؤ القيس بالملك الضليل لاضطراب أمره طول حياته، وذي القروح لما أصابه في مرض موته. وكتب الأدب مشحونة بأخباره، وأُلّفت مؤلّفات كثيرة حول حياته وشعره. الأعلام: 2 / 12 .
2 . في «ش»: يحزن. أقول: خزنت السر واختزنته: كتمته. وخزنت المال: جعلته في الخزانة. صحاح الجوهري: 5 / 2108، مادة «خزن».
3 . في «ش»: بحرّان.
4 . ديوان امرئ القيس: 173. والبيت من قصيدة أنشدها في طريقه إلى قيصر وكان قد أصابه المرض ومطلعها:
      قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان      ورسم عفت آياتُه منذ أزمان
ومعنى البيت: أي إذا لم يحفظ المرء لسانه على نفسه ممّا يعود ضرره إليه، فلا يحفظه على غيره ممّا لا ضرر له فيه. مختصر المعاني: 293 .

صفحه 90
8 . أن يقعا طرفين في آخر الصدر والعجز ويتّفقا صورة ومعنى، كقول أبي تمّام:
من كان بالبيض الكواعب مُغرماً *** فما زلت بالبيض القواضب مُغْرما1

1 . البيت من قصيدة يمدح فيها محمد بن يوسف الطائي مطلعها:
      عسى وطن يَدْنُو بهم ولَعَلَّما      وأن تُعتِبَ الأيامُ فيها فرُبّما
شرح ديوان أبي تمّام: 543 برقم 145 .
البيض: الجواري، والجارية بيضة الخدر لأنّها في خدرها مكنونة. كتاب العين: 7 / 69، مادة «بيض».
والكواعب جمع كاعب، وهي المرأة الّتي يبدو ثديها للنهود. مجمع البحرين: 4 / 47، مادة «كعب».
والأبيض: السيف، والجمع: البيض، صحاح الجوهري: 3 / 1067، مادة «بيض».
قضب: قطع، واقتضبته: اقتطعته من الشيء، وسيف قاضب وقضيب: أي قطّاع، والجمع قواضب وقضب. صحاح الجوهري: 1 / 203، مادة «قطع».
الغرام: الولوع، وقد أغرم بالشيء: أي أولع به. صحاح الجوهري: 5 / 1996، مادة «غرم».

صفحه 91
9. أن يقعا كذلك ويتّفقا صورة لا معنى، كقول الحريري:
فمشغوفٌ بآيات المثاني 1 *** ومفتونٌ برنّات المثاني 23
10. أن يقعا كذلك ويتّفقا في الاشتقاق 4، كقول البحتري 5:

1 . في حاشية «م»: يعني القرآن لأنّ الأنباء والقصص تثنّى فيه، وهو جمع المثنى.
أقول: المثاني: آيات فاتحة الكتاب، وقيل: سور أوّلها: البقرة وآخرها: براءة، وقيل: القرآن كلّه; لأنّ القصص والأنباء تثنّى فيه. كتاب العين: 8 / 243، مادة «ثنى».
وقيل: فالمثاني الأوّل هو آيات الفاتحة، وسمّيت مثاني لأنّها تثنّى في الصلاة. والمثاني الثاني، هو ما يثنّى من الأوتار. الطراز لأسرار البلاغة: 2 / 207 .
2 . في حاشية «م»: جمع المثنى وهو اسم من أوتار العود وهي: المثنى والمثلث والزمر والبم.
3 . مقامات الحريري: 1 / 115، المقامة الحرامية.
4 . أي: يلاقي أحد اللفظين الآخر في الاشتقاق ويخالفه في الصورة.
5 . هو الشاعر الكبير الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي، أبو عبادة البحتري. يقال لشعره: سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم: المتنبي، وأبو تمّام، والبحتري. قيل لأبي العلاء المعرّي: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبي وأبو تمّام حكيمان، وإنّما الشاعر البحتري. ولد بمنبج بين حلب والفرات سنة 206 هـ ، ورحل إلى العراق فاتّصل بجماعة من الخلفاء أوّلهم المتوكل العباسي، ثم عاد إلى الشام وتوفّي بمنبج سنة 284 هـ . له «ديوان شعر» مطبوع، وكتاب «الحماسة» مطبوع. الأعلام: 8 / 121 .

صفحه 92
ففعلك إن سُئلت لنا مطيعٌ *** وقولُك إن سَألت لنا مُطاعُ1
11. أن يتّفقا في شبه 2 الاشتقاق ويختلفا صورة ومعنى، كقول ابن الحريري:
ومضطلع 3 بتلخيص المعاني *** ومطّلعٌ إلى تخليص عاني45
(12. أن يقع أحدهما في أوّل العجز والثاني في آخره: كقول

1 . مطيع ومطاع كلاهما مشتق من الطاعة، لكنّ الأوّل اسم فاعل من أطاع، والثاني اسم مفعول من أطاع أيضاً. الطراز لأسرار البلاغة: 2 / 208 .
والبيت من قصيدة تحت عنوان: «فدتك» يمدح فيها إبراهيم بن المدبر، مطلعها:
      فَدتكَ أكفُّ قوم ما استطاعوا      مَساعيك الّتي لا تُستطاعُ
ديوان البحتري: 1 / 259 .
2 . في «م»: شبهة.
3 . مضطلع بهذا الأمر: أي قوى عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، وقيل: يقال هو مضطلع بهذا الأمر ومطّلع له. فالاضطلاع من الضلاعة وهي القوة، والاطّلاع من العلو، من قولهم: أطلعت الثنية أي عولتها، أي هو عال لذلك الأمر مالك له. صحاح الجوهري: 3 / 1251، مادة «ضلع».
4 . في حاشية«م»: مضطلع: قوي الضلع. والعاني: أي الأسير. [ كتاب العين: 2 / 252، مادة «عنو»] .
5 . مقامات الحريري: 1 / 115، المقامة الحرامية.

صفحه 93
الحماسي:
وإن لم يكن 1 إلاّ مُعرَّجُ ساعة *** قليلاً فإنّي نافعٌ لي قليلُها2)3
13. أن يقعا كذلك ويلتقيا في الاشتقاق دون الصورة، كقول أبي تمّام:
ثوى في الثرى (4) من كان يحيى به الثرى (5) *** ويغمر صَرف الدهر نائلُه الغَمْرُ4

1 . اسمه ضمير مستتر راجع إلى الإلمام المفهوم من البيت السابق وخبره: معرج ساعة، وهو اسم مفعول بمعنى التعريج أي الإقامة. البليغ في المعاني والبيان والبديع: 293 .
2 . البيت للشاعر ذي الرمّة وهو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، من فحول الطبقة الثانية في عصره. وكان شديد القصر، دميماً، يضرب لونه إلى السواد. أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين. له ديوان شعر مطبوع. ولد سنة 77 هـ ، وتوفّي بإصبهان، وقيل: بالبادية سنة 117 هـ . الأعلام: 5 / 124.
وفي الديوان: تعلّل بدل معرّج: والبيت من قصيدة مطلعها:
      أخرقاء للبين استقلّت حُمولُها      نغم غربة فالعين يجري مسيلها
ديوان ذي الرمّة: 1 / 423 برقم 28 .
3 . ما بين القوسين ليس في «م».       4. في «ش»: ثرى بالثرى.   5. في «م»: الورى.
4 . في حاشية «م»: الغمر: الماء الكثير الساتر لما يرد عليه.
أقول: نائله الغمر: أُعطياته الكثيرة. شرح ديوان أبي تمّام: 673. والبيت من قصيدة يرثي بها محمد بن حميد الطائي الطوسي المكنّى بأبي نصر مطلعها:
      كذا فليجلّ الخَطبُ وَلْيفدَحِ الأمرُ      فليس لعين لم يَفض ماؤها عُذْرُ
راجع: شرح ديوان أبي تمّام: 670 برقم 188 ; نهاية الأرب في فنون الأدب: 2 / 99 ـ 100 وص 300 .

صفحه 94
ووراء هذه الأقسام أقسامٌ أُخرى، وفيما ذكرناه مقنع.
في القلب   

البحث الرابع: في القلب 1

وأنّه 2 إمّا أن يقع في كلمة أو كلمات. والأوّل إمّا في كلّ حروفها، أو في بعضها، فهي أقسام ثلاثة:
1. مقلوب الكلّ، كالفتح والحتف 3 في قوله:

1 . اختلف في كون القلب من أساليب البلاغة، فأنكره جماعة، منهم حازم في كتاب «منهاج البلغاء» وقال: إنّه ممّا يجب أن ينزّه كتاب الله عنه ; لأنّ العرب إن صدر ذلك منهم فبقصد العبث أو التهكّم أو المحاكاة أو حال اضطرار، والله منزّه عن ذلك. وقبله جماعة مطلقاً بشرط عدم اللبس كالمبرّد. وفصّل آخرون بين أن يتضمّن اعتباراً لطيفاً فبليغ، وإلاّ فلا، ولهذا قال ابن الضائع: يجوز القلب على التأويل، ثم قد يقرب التأويل فيصح في فصيح الكلام، وقد يبعد فيختصّ بالشعر. راجع: البرهان للزركشي: 3 / 288.
2 . في «ش»: وهو.
3 . الحتف: الموت، والجمع: الحتوف. يقال: مات حتف أنفه، إذا مات من غير قتل ولا ضرب. صحاح الجوهري: 4 / 1340، مادة «حتف».

صفحه 95
حسامُكَ فيه للأحباب فتح *** ورمحك فيه للأعداء حَتْفُ
ثمّ إن كانت الكلمتان طرفين سمّي مقلوباً مُجنَّحاً 1، كقوله: ساق هذا الشاعر الحين 2 إلى مَن قلبُه قاس 3 .
2. مقلوب البعض 4، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا»5. 6

1 . أي يقع أحد اللفظين المتجانسين تجانس القلب في أوّل البيت والآخر في آخره. وسمّي مقلوباً مجنّحاً; لأنّ اللفظين بمنزلة جناحين للبيت. مختصر المعاني: 290 .
2 . في «ش»: الحتف.
3 . في حاشية «م»: وبعده: سار حي القوم فالهم علينا جبل راسي.
4 . وهو أن تكون الكلمة الثانية مركّبة من حروف الكلمة الأُولى مع بقاء بعض حروف الكلمة الأُولى، كقوله تعالى: (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)(طه: 94) فبني مركّب من حروف «بين» وهو مفرق، إلاّ أنّ الباقي بعضها في الكلمتين، وهو أوّلها. البرهان للزركشي: 3 / 293 .
5 . الروع ـ بالفتح ـ : الفزع. صحاح الجوهري: 3 / 1223، مادة «روع».
6 . روى الطبرسي في «مجمع البيان»: 8 / 124 عن أبي سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال: قولوا: «اللّهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا». وراجع أيضاً: بحار الأنوار: 20 / 192 ; مجمع الزوائد: 10 / 136 ; كنز العمال: 2 / 194 برقم 3714 وص 225 برقم 3863 ; جامع البيان: 21 / 153 برقم 21614 ; الدر المنثور: 5 / 185 ; السيرة الحلبية: 2 / 648 .

صفحه 96
3. في الكلمات بحيث تُقرأ مقلوبة، 1 كقول الحريري:
أُسْ 2 أرْمَلاً 3 إذا عرى 4 *** وارعَ 5 إذا المرءُ أسَا 6
في السجع   

1 . في «ش»: معكوسة.
2 . في حاشية «م»: أُس أي اعط.
أقول: آساه بماله: أناله منه وجعله فيه أُسوة، وقيل: لا يكون ذلك إلاّ من كفاف. والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق. لسان العرب: 14 / 35، مادة «أسا» .
3 . أرمل القوم: إذا نفد زادهم، وعام أرمل: أي قليل المطر. صحاح الجوهري: 4 / 1713، مادة «رمل» .
4 . في حاشية «م»: عرى أي ترك.
أقول: عروت الرجل أعروه عرواً: إذا ألممت به وأتيته طالباً. وفلان تعروه الأضياف وتعتريه: أي تغشاه. صحاح الجوهري: 6 / 2423، مادة «عرا».
5 . ارع من المراعاة: أي الحفظ والرفق، ومنه الحديث: «كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» أي حافظ مؤتمن، والرعية كلّ من شمله حفظ الراعي ونظره. النهاية لابن الأثير: 2 / 236، مادة «رعى».
6 . أسَا من الإساءة. مقامات الحريري: 1 / 35، المقامة المغربية.
وفي حاشية «م»: أسا: داوى وعالج.

صفحه 97

البحث الخامس: في السجع 1

وهو أقسام ثلاثة:
1. يُسمّى المتوازي: وهو أن تتّفق الكلمتان في عدد الحروف ونوع الحرف الأخير 2، كقول علي (عليه السلام): «كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شقاق».3
2. المطرَّف: وهو أن يختلفا في عدد الحروف ويتّفقا
في الحرف الأخير، كقوله تعالى: (وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)4.
3. المتوازن: وهو أن يتّفقا في عدد الحروف ويختلفا في

1 . في حاشية «م»: هو تكلّف التقفية من غير تأدية الوزن، وأصله من سجع الحمامة.
أقول: السجع في اللغة صوت معه فواصل وتكرير كتغريد الحمام ونحوه; وفي الاصطلاح: توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر، سواء توافقا في الوزن أم لا ; فإن توافقا سمّي متوازياً، وإن لم يتوافقا سمّي مطرّفاً. البليغ في المعاني والبيان والبديع: 294 .
2 . في حاشية «م»: كقوله تعالى: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ)[الغاشية: 13 ـ 14 ].
3 . عيون الحكم والمواعظ: 389; شرح مائة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام): 126 ; مناقب الخوارزمي: 376; الفصول المهمة لابن الصباغ: 544 .
4 . المدثر: 6 ـ 7 .

صفحه 98
نوع الحرف الأخير 1، كقول علي (عليه السلام): «الحمد لله غير مفقود الإنعام، ولا مُكافَأ 2 الأفضال 3».4

البحث السادس: في تضمين المزدوج

في الترصيع   
وهو أن يجمع المتكلّم بعد رعاية السجع في أثناء القرائن بين لفظين متشابهي الوزن والرويّ; كقوله تعالى: (وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَأ بِنَبَإ يَقِين)5، وكقول علي (عليه السلام): «كثرة الوفاق نفاق»(6)، (وكقول
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون هيّنون ليّنون»6).7

1 . في حاشية «م»: كقوله تعالى: (وَ آتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [ الصافات: 117 ـ 118 ] .
2 . كافأته على ما كان منه مكافأة وكفاء: جازيته. صحاح الجوهري: 1 / 68، مادة «كفأ» .
3 . الإفضال: الإحسان. صحاح الجوهري: 5 / 1791، مادة «فضل».
4 . نهج البلاغة: 1 / 97، الخطبة 48 (عند مسيره (عليه السلام)إلى الشام).
روي أنّه (عليه السلام)خطب بها وهو بالنخيلة خارجاً من الكوفة متوجّهاً إلى صفّين لخمس بقين من شوال سنة 37 هـ . راجع بحار الأنوار: 32 / 421 .
5 . النمل: 22.    6. مرّ مصدره. راجع الهامش 3 من الصفحة السابقة.
6 . الكافي: 2 / 234 ح 14، باب المؤمن وعلاماته; وسائل الشيعة: 12 / 159 ح 2، الباب 106 من أبواب أحكام العشرة; مستدرك الوسائل: 8 / 451 برقم 9973 ; بحار الأنوار: 4 / 355 و 356 ; الجامع الصغير: 2 / 663 برقم 9163 ; كنز العمال: 1 / 143 برقم 693 ; الكشاف: 3 / 99 .
7 . ما بين القوسين ليس في «ش».

صفحه 99

البحث السابع: في الترصيع

وهو أن تتساوى أوزان الألفاظ، وتتّفق أعجازُها; كقوله تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم )1، وكقول 2علي (عليه السلام)في كتاب الله: «بيت لا تهدم أركانه، وعزٌّ لا تُهزَمُ أعوانُه»3.

1 . الانفطار: 13 ـ 14 .
2 . في «ش»: وقول.
3 . نهج البلاغة: 2 / 16، الخطبة 133.

صفحه 100
في حدّ الحقيقة والمجاز   

الفصل الثالث:

في الحقيقة والمجاز 1

وفيه أبحاث:

البحث الأوّل: في حدّيهما

أمّا الحقيقة: فهي الكلمة الّتي أُفيد بها ما وضعت له في 2أصل الاصطلاح المتخاطب به; وتشمل: اللغوية، والشرعية،

1 . إنّ لفظ الحقيقة فعيلة من الحق، والحق هو الثابت; لأنّه يقال في مقابلة الباطل الّذي هو المعدوم، ومقابل المعدوم الموجود وهو الثابت. وفعيل يأتي تارة بمعنى الفاعل كعليم وقدير، وتارة بمعنى مفعول كقتيل وجريح. فإن كانت الحقيقة بالمعنى الأوّل فهي الثابتة، وإن كانت بالمعنى الثاني فهي المثبتة. والتاء في فعيلة لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة، فلا يقال: شاة أكيلة ولا شاة نطيحة.
وأمّا لفظ المجاز فهو مفعل من الجواز الّذي هو التعدّي من قولهم: جزت المكان الفلاني، أو من الجواز الّذي هو الإمكان. والثاني يرجع إلى الأوّل; لأنّه يفيد التردّد بين الوجود والعدم، فكأنّه ينتقل من الوجود إلى العدم أو بالعكس. واللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي انتقل عن ذلك الموضوع إلى غيره، فكأنّه جاز موضعه فسُمّي مجازاً. منية اللبيب في شرح التهذيب: 1 / 197 ـ 198 .
2 . ليس في أصل نسخة «ش».
Website Security Test