welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الذريعة إلى اصول الشريعة*
نویسنده :السيد الشريف المرتضى علم الهدى *

الذريعة إلى اصول الشريعة

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الذريعة
إلى اصول الشريعة

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
تقديم وإشراف آية الله العظمى جعفر السبحاني
الذريعة
إلى اصول الشريعة
تأليف
الشريف المرتضى
علي بن الحسين بن موسى الموسوي
(355 ـ 436 هـ . ق)
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
السيد الشريف المرتضى علم الهدى 355 ـ 436 ق
الذريعة إلى أُصول الشريعة / تأليف الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي; تقديم وإشراف جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)،1429 ق. = 1387 .
أُنجزت الفهرسة وفقاً لمعلومات فيبا.
624 ص    ISBN: 978 - 964 - 357 - 326 - 3
4ذ8ع/ 5 / 158 BP   312 / 297
اسم الكتاب:   الذريعة إلى أُصول الشريعة
المؤلف:    الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي
إشراف:   العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:   1429 هـ . ق
الكمية:   2000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 37745457

صفحه 7
مقدّمة المشرف
آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحاني
بسم الله الرحمن الرحيم

الشريف المرتضى

حياته وآثاره

الحمد للّه على جزيل إفضاله وعظيم إنعامه، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه، محمد وآله الطيبين الطاهرين عيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد: فليس من السهل اليسير ترجمة حياة الشريف المرتضى، الذي فاق أقرانه، وزان أمثاله، فصار يشار إليه بالبنان في مختلف العلوم، فهو في الفقه إمامه، وفي أُصوله مؤسسه، وفي الكلام رائده، وفي الحديث راويته، وبالجملة هو أُسوة في العلم والفضل والأخلاق.
كيف لا يكون الشريف المرتضى كذلك، وقد اكتسب من العلوم النصيب الأوفر ولم يترك فضيلة من الفضائل إلاّ حازها.
وكان رحمه اللّه من الشخصيات اللامعة التي اتّفق المترجمون على الثناء عليه

صفحه 8
وإطرائه، والإشادة بنبوغه وفضله وعلمه، وانّه القدوة في العلوم الإسلامية، وهو غصن الدوحة العلوية.

نسبه الشريف

هو السيد علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادقعليمها السَّلام، أبو القاسم العلوي الموسوي، البغدادي، الملقب بالشريف المرتضى، وبعلم الهدى.
وأُمّه السيدة فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن حسن بن الناصر الأصم، والتي ينتهي نسبها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليمها السَّلام.
شرف تتابع كابرٌ عن كـابر *** كالرمح انبوب على انبوب

نشأته وسيرته

ولد في بغداد عام 355هـ، وتوفّـي فيها سنة 436هـ، ونشأ في بيت علوي طاهر، وعلميّ عريق، وقد درس أوّليات العلوم هو وأخوه الشريف الرضي على ابن نباتة وابن جنّي إلى أن تأهّلا لحضور دروس شيخ الأُمّة المفيدرحمه اللّه ، وقصّة تتلمذهما على يد الشيخ المفيد معروفة ومشهورة، ملخّصها: أنّ أُمّهما (العلوية فاطمة بنت الناصر) أخذت بأيديهما ودخلت على الشيخ المفيد فقام لها وسلّم عليها فقالت له: هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلّمهما الفقه، فبكى الشيخ وقال: رأيت البارحة في المنام أنّ فاطمة الزهراءعليها السَّلام بنت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)دخلت عليّ وأنا في مسجدي بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسينعليمها السَّلام صغيرين فسلّمتهما إليّ وقالت: علّمهما الفقه، فانتبهت من النوم، وتعجّبت من ذلك.

صفحه 9
ولذلك تولّيرحمه اللّه تعليمهما وفتح اللّه لهما على يديه من العلوم والفضائل ما لا يحصى، وهي باقية ما بقي الدهر.

كلمات العلماء في حقّه

لقد أثنى عليه علماء الفريقين، على نحو قلّما يتّفق لغيره مثل هذا الثناء، ونحن نذكر شيئاً من ذلك.
قال تلميذه النجاشي: أبو القاسم المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلّماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا.1
وقال تلميذه الآخر الشيخ الطوسي: إنّه أكثر أهل زمانه أدباً وفضلاً، متكلّم فقيه جامع العلوم كلّها مدّ اللّه في عمره.2
وقال السيد ابن زهرة: علم الهدى الفقيه النظّار، سيد الشيعة وإمامهم، فقيه أهل البيت، العالم المتكلّم، البعيد المثل، الشاعر المجيد، كان له برٌّ وصدقة وتفقّد في السرّ.3
وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن.4
وقال ابن خلّكان: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أُصول الدين.5
وقال ابن أبي طي: هو أوّل من جعل داره دار العلم وقدّرها للمناظرة، ويقال:

1 . رجال النجاشي: 270 برقم 708.
2 . رجال الطوسي:484; الفهرست:164، برقم 431.
3 . غاية الاختصار:76.
4 . يتيمة الدهر:5/69برقم 49.
5 . وفيات الأعيان:3/313برقم 443.

صفحه 10
إنّه أُمّر ولم يبلغ العشرين، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا والعلم مع العمل الكثير، والمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام الليل وإفادة العلم، وكان لا يؤثر على العلم شيئاً مع البلاغة وفصاحة اللهجة.1
وأخير قال الدكتور عبدالرزاق محيي الدين:كان من سابقيهم ـ يعني الشيعة ـ دعوة إلى فتح باب الاجتهاد في الفقه، وأسبقهم تأليفاً في الفقه المقارن، وأنّه كان واضع الأُسس لأُصول الفقه لديهم، ومجلي الفروق بينها و بين أُصول العقائد لدى الشيعة وسواهم، وأنّه في علم الكلام كان قرن القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة، وإنّه في جماع ذلك كان يعتبر مجدد المذهب الشيعي الإمامي.2
وللشاعر الكبير أبي العلاء المعرّي قصيدة غرّاء، رثى بها النقيب أبا أحمد الموسوي، والتفت فيها إلى مدح ولَديْه: الشريفين المرتضى والرضيّ في أبيات رائعة، مطلعها:
أودى فليتَ الحادثاتِ كَفافِ *** مالُ المُسيفِ وعنبرُ المُستـافِ
ومنها:
أبقيتَ فينا كوكبيْن سناهُما *** في الصبح والظّلماء ليس بخافِ
متأنّقين، وفي المكارم أرتعا *** متألِّقينِ بسؤدد وعفافِ
قَدَرَيْن في الإرداء، بل مَطَريْنِ في الـ *** إجداء، بل قَمَريْن في الإسلاف
رُزقا العلاء، فأهلُ نجد كلّما *** نَطَقا الفصاحةَ مثلُ أهلِ ديافِ
ساوى الرضيّ المرتضى وتقاسما *** خِطط العُلا بتناصف وتصافِ3

1 . انظر: لسان الميزان:4/257برقم 5797.
2 . انظر: موسوعة طبقات الفقهاء:5/235.
3 . ديوان سقط الزّند: 301، طبع القاهرة.

صفحه 11

آثاره العلمية

إنّ التعرف على شخصية لامعة يحصل من طريقين: تارة بسماع أقوال العلماء بحقّه، وأُخرى بالتعرف على آثاره التي تركها. فإنّ مكانة الإنسان ب آرائه وأفكاره.
وقد تعرفت على الطريق الأوّل، وأمّا الطريق الثاني فإنّ الإمعان في الآثار يدلّ بوضوح على أنّ السيد الشريف ما ترك حقلاً من حقول العلم والمعرفة إلاّ ورده، ومصنّفاته تدلّ على أنّه كان متخصّصاً في أكثر العلوم الإسلامية و مشاركاً في بعضها. وقد استقصى الشيخ الأميني رحمه اللّه مؤلّفاته، وقال:ومن هذه الفضائل ما خطّه مزبره القويم من كتب ورسائل استفاد بها أعلام الدين في أجيالهم وأدوارهم، وإليك أسماءَها:
1. الشافي في الإمامة
2. الملخّص في الأُصول
3. الذخيرة في الأُصول
4. جمل العلم والعمل
5. الغُرر والدرر
6. تكملة الغُرر
7. المقنع في الغَيْبة
8. الخلاف في الفقه
9. الناصريّة في الفقه
10. الحلبيّة الأُولى
11. الحلبيّة الأخيرة
12. المسائل الجرجانيّة
13. المسائل الطوسيّة
14. المسائل الصباويّة
15. المسائل التبّانيات1
16. المسائل السلاّريّة
17. مسائل في عدّة آيات
18. المسائل الرازيّة

1 . سألها الشيخ أبو عبداللّه محمد بن عبد الملك التبّان (المتوفّى 419هـ)، وهي(66) مسألة في عشرة فصول. (الأميني).

صفحه 12
19. المسائل الكلاميّة
20. المسائل الصيداويّة
21. الديلميّة في الفقه
22. كتاب البرق
23. طيف الخيال
24. الشيب والشباب
25. المقمصة
26. المصباح في الفقه
27. نصر الرواية
28. الذريعة في أُصول الفقه
29. شرح بائيّة الحميري
30. تنزيه الأنبياء
31. إبطال القول بالعدد
32. المحكم والمتشابه
33. النجوم والمنجّمون
34. متولِّي غسل الإمام
35. الأُصول الاعتقاديّة
36. أحكام أهل الآخرة
37. معنى العصمة
38. الوجيزة في الغَيْبة
39. تقريب الأُصول
40. طبيعة المسلمين
41. رسالة في علم اللّه
42. رسالة في الإرادة
43. أيضاً رسالة في الإرادة
44. رسالة في التوبة
45. رسالة في التأكيد
46. رسالة في المتعة
47. دليل الخطاب
48. طرق الاستدلال
49. كتاب الوعيد
50. شرح قصيدة له
51. الحدود والحقائق
52. مفردات في أُصول الفقه
53. الموصليّة، ثلاث مسائل
54. الموصليّة الثانية، تسع مسائل
55. الموصليّة الثالثة(109) مسائل
56.المسائل الطرابلسيّة الأُولى
57. الطرابلسيّة الأخيرة (13) مسألة1
58. مسائل ميافارقين(65) مسألة

1 . سألها الشيخ أبو الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني.(الأميني).

صفحه 13
59. المسائل الرازيّة (14) مسألة
60. المسائل المحمديّات (5) مسائل
61. المسائل البادرات(24) مسألة
62. المسائل المصريّة الأُولى(5) مسائل
63. المصريّات الثانية
64. المسائل الرمليّات (7) مسائل
65. مسائل في فنون شتّى، نحو مائة مسألة
66. المسائل الرسيّة الأولى1
67. المسائل الرسيّة الثانية
68. الانتصار فيما انفردت به الإماميّة
69. تفضيل الأنبياء على الملائكة
70. النقض على ابن جنّي في الحكاية والمحكي
71. ديوان شعره يزيد على عشرين ألف بيت
72. الصِّرفة في بيان إعجاز القرآن
73. الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة
74. نقض مقالة ابن عديّ فيما لا يتناهى
75. جواب الملاحدة في قِدَم العالم
76. تتمّة الأعراض من جمع أبي رشيد
77. نكاح أمير المؤمنين ابنته من عمر
78. إنقاذ البشر من القضاء والقدر

1 . 28 مسألة سألها العلاّمة أبوالحسين الحسين بن محمد بن الناصر الحسيني الرسّي.(الأميني).

صفحه 14
79. الردّ على أصحاب العدد في شهر رمضان
80. تفسير الحمد وقطعة من سورة البقرة
81. الردّ على ابن عديّ في حدوث الأجسام
82. تفسير قوله تعالى:>>قُلْ تَعالَوا أَتلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ<<1
83. كتاب الثمانين2
84. الكلام على من تعلّق بقوله: >>وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ<<3
85. تفسير قوله :>>لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا<<4
86. تتبّع أبيات للمتنبّي التي تكلّم عليها ابن جنّي.5

فضائله ومكارم أخلاقه

كان الشريف المرتضيقدَّس سرَّه زاهداً في الدنيا، راغباً عنها، ذامّاً لها، سالكاً طريق أجداده الكرام. وكانقدَّس سرَّه مشهوراً بالبذل والعطاء، والجود والسخاء، مغضياً الطرف عن الحسّاد والأعداء، وإليك غيض من فيض جوده وكرمه ومحاسن أخلاقه:
1. وقف الشريف المرتضى موارد قرية من أملاكه على قرطاس الفقهاء حتى لا يواجهوا أيّة مصاعب في ما يحتاجون لتحرير كتبهم.

1 . الأنعام:151.
2 . قاله القاضي التنوخي كما في المستدرك[على وسائل الشيعة للعلاّمة النوري]:3/516.(الأميني).
3 . الإسراء:70.
4 . المائدة:93.
5 . الغدير:4/355ـ 357.

صفحه 15
2. روي أنّه كان يملك أراضي كثيرة بين بغداد وكربلاء، وكانت في غاية الإعمار، وقد نُقل في وصف عمارتها أنّه كان بين بغداد وكربلاء نهر كبير، وعلى حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات، وكان يعمل في ذلك السفائن، فإذا كان في موسم الثمار كانت السفائن المارّة في ذلك النهر تمتلئ من سقطات تلك الأشجار الواقعة على حافتي النهر، وكان الناس يأكلون منها بلا محذور.
3. نقل أصحاب السير أنّ الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوته، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، وأمر له بجائزة تجري عليه كلّ يوم، فقرأ عليه برهة، ثمّ أسلم على يده.1
4. قال الخطيب: إنّ أبا الحسن علي بن أحمد بن عليّ بن سلّك الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب «الجمهرة» لابن دُريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى بستين ديناراً، فتصفّحها فوجد بها أبياتاً بخطّ بائعها، وهي:
أنِسْتُ بها سبعين حولاً وبعتُها *** لقد طال وَجْدي بعدها وحنيني
وما كان ظنّي أنّني سأبيعها *** ولو خلَّدتْني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية *** صغار عليهم تستهلُّ شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عَبرة *** مقالة مكويّ الفؤاد حزينِ
«وقد تُخرج الحاجات يا أُمّ مالك *** كرائم من ربّ بهنّ ضنين»
وقال الخطيب: فأرجع السيد النسخة إليه وترك له الدنانير.2

1 . رياض العلماء:4/20ـ 23; روضات الجنات:4/296.
2 . وفيات الأعيان:3/316.

صفحه 16
5. حكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنّه قال: كان الشريف المرتضى ثابت الجأش، ينطق بلسان المعرفة ويردّد الكلمة المسدّدة، فتمرق مروق السهم من الرمية ما أصاب أصمى، وما أخطأ أشوى.1
6. روى أصحاب التراجم أنّ السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته حتى أنّه قرّر للشيخ الطوسي كلّ شهر أيّام قراءته عليه اثني عشر ديناراً وعلى ابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير ليتفرّغوا بكلّ جهدهم إلى الدراسة من غير تفكير بأزمات المعيشة ومشاكل الحياة.2
7. قال ابن أبي طيّ: هو أوّل من جعل داره دار العلم وقدّرها للمناظرة... وأنّه أُمِّر ولم يبلغ العشرين.3
ولعلّ هذا المقدار يكفي في تبيين عظمة سيدنا الشريف المرتضى في مجال العلم والفضل والأخلاق والسجايا الحسنة.

أشهر تلامذته

أحصى الشيخ الأميني في «الغدير» اثنين وعشرين عالماً ممّن درس على يد الشريف المرتضيرحمه اللّه ، نذكر منهم:
1. شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (المتوفّى460هـ).
2. أبو يعلى سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(المتوفّى 448هـ).

1 . لسان الميزان:4/223، نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ. ومعنى(أصمى): رمى الصيد فقتله مكانه وهو يراه، أمّا قوله: (وما أخطأ أشوى) فيُراد به أنّ السهم إذا أخطأ الصيد، أصاب شواه، والشوى، ما كان غير مقتل من الأعضاء، كاليدين والرجلين.
2 . روضات الجنات:4/203.
3 . مرّ مصدره، راجع ص 9ـ10.

صفحه 17
3. أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، خليفته في بلاد حلب(المتوفّى447هـ).
4. القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي(المتوفّى481هـ).
5. الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفـري (المتوفّى 463هـ).1

إلفات نظر

بقيت أُمور تتعلّق ببعض آرائه الخاصة وما نسب إليه من تهم وافتراءات يجب إلفات نظر القارئ إليها، وهي:
1. انّ السيد الشريف المرتضى مع كونه علماً من أعلام الطائفة ، ومرجعاً يرجع إليه في المعارف والعقائد والأحكام والشريعة، فمع ذلك كلّه فله آراء تختصّ به ولا يشاركه فيها إلاّ القليل، وإليك بعضها:
أ. قوله بعدم حجّية خبر العدل الواحد واختصاص الحجية بالمتواتر أو المحفوف بالقرينة المفيدة للعلم، وفي الوقت نفسه هو يعمل بأكثر الأحاديث الواردة في الجوامع الحديثية، وذلك لزعم تواترها أو كونها محفوفة بالقرينة. وقد خالفه في هذه المسألة تلميذه الجليل شيخ الطائفة في كتاب العدّة بوجه مبسوط.
ب. قوله بالصرفة في إعجاز القرآن، وقد ألّف رسالة باسم الصرفة طبعت أخيراً، وهذا قول غير مرضي عند الطائفة الإمامية ، وقد أوضحنا القول الصحيح حول ذلك في كتابنا «الإلهيات».2

1 . روضات الجنات:4/29; الغدير:4/362.
2 . لاحظ الإلهيات:3/337ـ344. وستوافيك الإشارة إلى بعض آرائه التي اختصّ بها في تعاليق الكتاب.

صفحه 18
2. ترجم الذهبيّ للشريف المرتضى في «ميزان الاعتدال» ولكنّه (عفا اللّه عنه) أتى ببعض الكلمات التي يناقض بعضها بعضاً، فيصفه بقوله: المتكلّم الرافضي المعتزلي.1 فهو يجمع له بين الرفض والاعتزال، مع أنّ الاعتزال منهج كلامي من أغصان مدرسة الخلافة المعروفة.
وأمّا الرافضة فتتمثل بالإمامية والزيدية والإسماعيلية، وأين هؤلاء من المعتزلة؟! مع أنّ وصف هؤلاء بالرفض من مصاديق قوله سبحانه:>>وَلا تَنابَزوا بِالأَلْقابِ بِئْسَ الاسمُ الْفُسُوق بَعْدَ الإِيمان<<.2
والعجب أنّه نسب تأليف «نهج البلاغة»، إلى الشريف المرتضى، قائلاً: وهو المتّهم بوضع كتاب «نهج البلاغة»!! مع أنّ الكتاب ليس موضوعاً أوّلاً، ثم هو من جمع أخيه الشريف الرضيّ ثانياً.
وأعجب منه ما نقله ابن حجر عن ابن حزم أنّه قال:«إنّ الشريف المرتضى كان من كبار المعتزلة الدعاة، وكان إمامياً!!»3 مع أنّ الإمامية عن بكرة أبيهم هم غير المعتزلة، وإن كانوا يشاركونهم في القول في بعض الأُصول، ومن أراد أن يقف على الأُصول المشتركة بين الفريقين فليرجع إلى كتابنا«رسائل ومقالات».4
3. انّ الشريف المرتضى وأخيه الرضي قد رميا بالتهم الباطلة وهم برآء منها، مع أنّهما كوكبان في سماء العلم والفضيلة، وقد مضى قول أبي العلاء المعري فيهما:
أبقيــت فينـــا كـوكبين سنــاهمـا *** في الصبـح والظلمـاء ليس بخـاف
ساوى الرضي المرتضى وتقاسمـا *** خطـط العُـلا بتنـاصـف وتصــاف

1 . ميزان الاعتدال:3/124 برقم 5827.
2 . الحجرات:11.
3 . لسان الميزان:4/257 برقم 5797.
4 . رسائل و مقالات:1/367ـ 385.

صفحه 19
وقد كتبنا مقالاً في الأكاذيب التي رمي بها العلمان الجليلان،تحت عنوان:«المرتضى والرضي كوكبان في سماء العلم والعمل» وأُلقي في مؤتمر تكريمي انعقد بمناسبة مرور ألف عام على تأليف «نهج البلاغة»1.
نكتفي بهذا المقدار اليسير من الكلام حول هذه الشخصية الفذّة وننتقل للكلام عن كتابه القيم «الـذريعـة إلى أُصـول الشريعة» الذي نحن بصدد التقديم له.

دور أُصول الفقه في الاجتهاد

إذا كان الاجتهاد عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية من مصادرها، فهو رهن تأسيس قواعد ممهّدة لاستنباط هذه الأحكام والوظائف.
فإذا كان الاجتهاد سر خلود الدين الإسلامي وحياته، وجعله غضّاً طرياً مصوناً عن الاندراس عبر القرون ومغنياً للمسلمين عن التطفّل على موائد الأجانب، فعلم أُصول الفقه في طريق هذا الهدف السامي. ولذلك عرّفوا علم أُصول الفقه بأنّه عبارة عن القواعد الممهَّدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، فالمجتهد يبذل وسعه لاستنباط أحد أمرين:
1. استنباط حكم اللّه الواقعي الذي جاء به صاحب الشريعة من الكتاب أو السنّة.
2. استنباط الوظيفة العملية عندما تقصر يد المجتهد ولم يتوصّل إلى الحكم الواقعي، فيلتجئ إلى الأُصول العملية كأصل البراءة والاحتياط والتخيير

1 . اقرأ ذلك المقال في كتابنا: تذكرة الأعيان: 31 ـ 49.

صفحه 20
والاستصحاب. فالأُصول العملية تقع في الدرجة الثانية من الاستنباط لا يعتمد عليها المجتهد إلاّ بعد اليأس من الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي في المصدرين الرئيسيين ، ولذلك وقع علم الأُصول موضع عناية واهتمام العلماء من الفريقين.
إنّ علم الأُصول بمحتواه لم يكن أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمة(عليهم السلام) ، فقد أملى الإمام الباقر وأعقبه ولده الإمام الصادقعليمها السَّلام على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط، رواها أصحاب الحديث في كتبهم، كما قام لفيف من أصحاب الأئمة بتأليف رسائل مختصرة في بعض الأبواب:
فألّف يونس بن عبد الرحمن(المتوفّى 208هـ) كتاب «اختلاف الحديث ومسائله»1، وهو أشبه بباب التعادل والترجيح.
كما ألّف إسماعيل بن علي النوبختي(237ـ 311هـ) كتاب «الخصوص والعموم والأسماء والأحكام». وألّف كتا2باً آخر باسم «إبطال القياس».3
وجاء بعده الحسن بن موسى النوبختي، فألّف رسالة في خبر الواحد والعمل به.4
وقد جمع الحرّ العاملي قدَّس سرَّه هذه الأحاديث في كتاب مستقل أسماه: «الفصول المهمة في أُصول الأئمّة».
هذه هي المرحلة الأُولى من مراحل تدوين أُصول الفقه، وقد اتّسعت حركة التأليف في المرحلة الثانية، فأفردوا لجميع مسائل أُصول الفقه باباً خاصاً في

1 . رجال النجاشي برقم1209.
2 . رجال النجاشي برقم 67.
3 . فهرست ابن النديم:225.
4 . فهرست ابن النديم:225.

صفحه 21
التأليف.
وفي مقدّمة هؤلاء شيخ الأُمة محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد، فألّف كتاباً باسم «التذكرة في أُصول الفقه»1 وهو مطبوع ومنتشر.
وقد اقتدى به تلامذته ، فألف سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(المتوفّى 448هـ) كتاباً في ذلك المضمار أسماه «التقريب في أُصول الفقه».2
كما ألّف تلميذه الآخر الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) كتاباً آخر باسم «العدة في أُصول الفقه» وقد طبع عدة مرات.
لكن الّذي شمّر عن ساعد الجدّ في هذه المرحلة وألّف كتباً عديدة في أُصول الفقه هو السيد الشريف المرتضى، فله ت آليف ثلاثة في هذا الصدد، هي:
1. مسائل الخلاف في أُصول الفقه
2. مسائل منفردات في أُصول الفقه
3. الذريعة في أُصول الشريعة.3
وهذا الكتاب هو الأثر الوحيد الباقي في هذا الصدد لهقدَّس سرَّه، ولم نجد أثراً للكتابين المتقدّمين.
ولم يزل هذا الكتاب منذ تدوينه مرجعاً للفقهاء والمجتهدين ومورد اهتمام العلماء عبر القرون، وقد قاموا بتحريره تارة وتلخيصه أُخرى وشرحه ثالثة، وإليك بيان ذلك:
1. قام العلاّمة الحلّي بتحريره وأسماه: «النكت البديعة في تحرير الذريعة»،

1 . لاحظ: الذريعة لآقا بزرگ الطهراني:4/365.
2 . لاحظ: الذريعة لآقا بزرگ الطهراني:4/365.
3 . وهو هذا الكتاب الماثل بين يديك.

صفحه 22
كما ذكر ذلك في كتابه«خلاصة الأقوال».1
2. قام الشيخ أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد بن محمد البيهقي فريد خراسان (499ـ565هـ) بتلخيص الكتاب وأسماه «تلخيص مسائل الذريعة» ذكر ذلك تلميذه محمد بن شهرآشوب في «معالم العلماء».2
3. وشرحه الشيخ عماد الدين الطبري صاحب «بشارة المصطفى».3
4. وشرحه ـ أيضاً ـ السيد كمال الدين المرتضى بن المنتهى بن الحسين بن علي الحسيني المرعشي، من مشايخ منتجب الدين كما في فهرسته.4
والكتاب يحتوي على مقدمة وأربعة عشر باباً، هي كما يلي:
1. الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه.
2. القول في الأمر وأحكامه وأقسامه.
3. في أحكام النهي.
4. الكلام في العموم والخصوص.
5. في المجمل والبيان.
6. الكلام في النسخ.
7. الكلام في الأخبار.
8. صفة المتحمّل للخبر.
9. الكلام في الأفعال.
10. الكلام في الإجماع.

1 . لاحظ: الذريعة:24/303.
2 . لاحظ: الذريعة:4/427.
3 . الذريعة :10/26.
4 . فهرست منتجب الدين، برقم 371. قال: شاهدته ولي عنه رواية.

صفحه 23
11. الكلام في القياس.
12. الكلام في الاجتهاد.
13. الكلام في الحظر والإباحة.
14. في النافي والمستصحب للحال.
وقد صنّف السيد الشريف هذا الكتاب في السنوات الأخيرة من عمره الشريف، إذ فرغ من تأليفه عام 430هـ، وقد ذرّف على السبعين ، أي أنّه ألّفه بعد أن نضجت أفكاره وأحاط بالعلوم جميعاً واستخرج دقائقها، ولذا صار مصدراً دراسياً منذ تأليفه إلى عدة قرون.
و كان الكتاب مخطوطاً مستوراً عن الأعين إلى أن قام الأُستاذ الكبير الدكتور أبو القاسم الگُرجي بتحقيقه وبذل جهده في مقابلته مع ثلاث نسخ خطية، وبهذا قدم للعلم والعلماء خدمة كبيرة، ومع ذلك لم يكن المطبوع خالياً من هَن وهَن.
فقد اهتم المحقق بتسويد الهوامش وشحنها بالإشارة إلى النسخ المختلفة التي لا حاجة لذكرها لوضوح عدم صحّتها، في حين أهمل تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة وأقوال العلماء وآرائهم، ومع ذلك فالفضل يرجع إليه لأنّنا استفدنا من جهوده وعمله.

صفحه 24

شكر وتقدير

وفي الختام لا يسعني إلاّ تقديم شكري وتقديري وامتناني إلى الأعزّاء الأفاضل الذين قاموا بتحقيق الكتاب، وبذلوا جهودهم في تصحيحه وتنقيحه، وتقويم نصّه وضبطه، وتخريج مصادره، وإعراب آياته، وترتيب عناوينه وفصوله، وحلّ معضلاته والتعليق عليها، وتنظيم فهارس كاملة للكتاب في آخره، وهم:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.
3. محمد الكناني.
كما أتقدّم بالشكر والامتنان إلى الشيخ الجليل محمود باقرپور الذي قام بطبع الكتاب وإخراجه فنياً، وبذل غاية جهده ليخرج بهذه الحلّة القشيبة.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.

النسخ المعتمدة

اعتمدنا في عملنا على النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد أسد اللّه مجد القزويني التي تمّ الانتهاء من كتابتها في يوم الأربعاء المصادف للسادس عشر من شهر صفر من سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين(1247هـ) كتبها مصطفى ابن المرحوم الحاج ملا أحمد الخوئيني. والنسخة غير مرقمة الصفحات، تحتوي كلّ صفحة على عشرين سطراً، ذات أبعاد 5/20*5/14. وقد رمزنا لها بالحرف «م».
كما اعتمدنا على النسخة المطبوعة من قِبل جامعة طهران سنة 1346هـ.ش

صفحه 25
بتحقيق الدكتور أبو القاسم الگُرجي الذي اعتمد بدوره على ثلاث نسخ خطية رمز لها: أ، ب، ج.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخ ومقابلتها، قمنا بتقويم نص الكتاب وضبطه وتنقيحه، وتعيين المصحَّف من الصحيح مع تثبيت الصحيح في المتن للحصول على نص قريب ممّا تركه المؤلفقدَّس سرَّه. وقد أشرنا إلى اختلاف النسخ في الحالات الضرورية فقط.
2. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
3. تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة الواردة في متن الكتاب وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.
4. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم مع ذكر مصادر هذه الأقوال.
5. كتابة بعض التعاليق الضرورية حول مواضيع الكتاب المختلفة وعلى الخصوص المتعلّقة بالأُمور العقائدية والكلامية.
6. قام المشرف على الكتاب سماحة آية اللّه العظمى جعفر السبحاني بكتابة بعض التعاليق المهمّة ، وضّح فيها ما غمض من متن الكتاب، وأشار إلى ما التبس وصعب فهمه. وقد وضعنا في نهاية تعليقاته كلمة (المشرف) لتمييزها عن بقية الهوامش.
7. كلّ ما بين المعقوفتين [ ] فهو إضافة منا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
8. قمنا بكتابة عناوين استنتاجية ووضعها بين معقوفتين تسهيلاً للقارئ الكريم، وتنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته.

صفحه 26
9. قمنا بترقيم أبواب الكتاب وفصوله بغية تنظيمه بصورة مطلوبة.
10. إتماماً للفائدة قمنا بترجمة الأعلام الذين ذكرهم المؤلف في متن كتابه.
11. وفي الختام قمنا بتنظيم مجموعة من الفهارس الفنية تسهّل على القارئ الكريم الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، وتساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسرعة ويسر.
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق، شكر اللّه مساعي الجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المقدّسة
23 صفر1429هـ

صفحه 27
الصفحة الأُولى من نسخة «م»

صفحه 28
الصفحة الأخيرة من نسخة «م»

صفحه 29
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه حمد الشاكرين الذاكرين، المعترفين بجميل آلائه وجزيل نعمائه، المستبصرين بتبصيره، المتذكّرين بتذكيره، الّذين تأدّبوا بتثقيفه، وتهذّبوا بتوفيقه، واستضاؤوا بأضوائه، وتروّوا من أنوائه حتّى هجموا بالهداية إلى الدراية، وعلموا بعد الجهالة ، واهتدوا بعد الضلالة، فلزموا القصد، ولم يتعدّوا الحدّ، فيقلّوا في موضع الإكثار، ويطيلوا في مكان الاختصار، ويمزجوا بين متباينين، ويجمعوا بين متنافرين، فربّ مصيب حُرم في صوابه ترتيبَه له في مراتبه وتنزيله في منازله، فعدّ مخطئاً، وعن الرَّشاد مبطئاً. وصلّى اللّه على أفضل بريّته وأكمل خليقته سيّدنا محمّد وآله الطاهرين من عترته وسلّم.
أمّا بعد: فإنّني رأيت أن أُمِلي كتاباً متوسّطاً في أُصول الفقه لا ينتهي بتطويل إلى الإملال، ولا باختصار إلى الإخلال، بل يكون للحاجة سداداً وللبصيرة زناداً، وأخصُّ مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء، فإنّ مسائل الوفاق تقلُّ الحاجة فيها إلى ذلك.
فقد وجدت بعض من أفرد في أُصول الفقه كتاباً، وإن كان قد أصاب في كثير من معانيه وأوضاعه ومبانيه، قد شرد من قانون أُصول الفقه وأُسلوبها، وتعدّاها كثيراً وتخطّاها، فتكلّم على حدّ العلم والظنّ وكيف يولِّد النظر العلم، والفرق بين وجوب المسبّب عن السَّبب، وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى العادة،

صفحه 30
وما تختلف فيه العادة وتتفق، والشروط الّتي يعلم بها كون خطابه تعالى دالاً على الأحكام وخطاب الرسول عليه السلام، والفرق بين خطابيهما بحيث يفترقان أو يجتمعان، إلى غير ذلك من الكلام الّذي هو محض صرف خالص للكلام في أُصول الدين دون أُصول الفقه.
فإن كان دعا إلى الكلام على هذه المواضع أنّ أُصول الفقه لا تتمُّ ولا تثبت إلاّ بعد ثبوت هذه الأُصول، فهذه العلّة تقتضي أن نتكلّم على سائر أُصول الدين من أوّلها إلى آخرها وعلى ترتيبها، فإنّ أُصول الفقه مبنيّة على جميع أُصول الدين مع التأمّل الصحيح، وهذا يوجب علينا أن نبتدئ في أُصول الفقه بالكلام على حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد، ثم بجميع أبواب التعديل والنبوّات، ومعلوم أنّ ذلك ممّا لا يجوز فضلاً عن أن يجب. والحجّة في إطراح الكلام على هذه الأُصول هي الحجّة في إطراح الكلام على النظر وكيفيّة توليده وجميع ما ذكرناه.
وإذا كان مضيّ 1 ذكر العلم والظنّ في أُصول الفقه اقتضى أن يذكر ما يولّد العلم ويقتضي الظنّ ويتكلّم في أحوال الأسباب وكيفيّة توليدها، فألاّ اقتضانا ذكرنا الخطاب الّذي هو العمدة في أُصول الفقه والمدار عليه أن نذكر الكلام في الأصوات وجميع أحكامها، وهل الصَّوت جسم أو صفة لجسم أو عرض؟ وحاجته إلى المحلّ وما يولِّده، وكيفيّة توليده، وهل الكلام معنى في النَّفس أو هو جنس الصوت أو معنى يوجد مع الصوت؟ على ما يقوله أبو عليّ2. فما التشاغل

1 . في «ب»: معنى.
2 . هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي(235ـ 303هـ)، أبو علي من أئمّة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبت الطائفة الجبائية، نسبته إلى (جبى) قرية من قرى البصرة، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وله تفسير مطول. الأعلام:6/256.

صفحه 31
بذلك كلّه إلاّ كالتشاغل بما أشرنا إليه ممّا تكلّفه، وما تركه إلاّ كتركه. والكلام في هذا الباب إنّما هو الكلام في أُصول الفقه بلا واسطة من الكلام فيما هو أُصول لأُصول الفقه. والكلام في هذا الفنّ إنّما هو مع من تقرّرت معه أُصول الدين1 وتمهّدت ، ثمّ تعدّاها إلى غيرها ممّا هو مبنيّ عليها. فإذا كان المخالف لنا مخالفاً في أُصول الدين، كما أنّه مخالف في أُصول الفقه، أحلناه على الكتب الموضوعة للكلام في أُصول الدين، ولم نجمع له في كتاب واحد بين الأمرين.
ولعلّ القليل التافة من مسائل أُصول الفقه، ممّا لم أُمل فيه مسألة مفردة مستوفاة مستقلّة مستقصاة، لا سيّما مسائله المهمّات الكبار. فأمّا الكلام في الإجماع فهو في الكتاب الشافي والذخيرة مستوفى. وكذلك الكلام في الأخبار. والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه وشرحناه في جواب مسائل أهل الموصل الأُولى.
وقد كنّا قديماً أملينا قطعة من مسائل الخلاف في أُصول الفقه، وعلّق عنّا دفعات لا تحصى من غير كتاب يقرأه المعلّق علينا من مسائل الخلاف على غاية الاستيفاء دفعات كثيرة. وعلّق عنا كتاب العمدة مراراً لا تحصى. والحاجة مع ذلك إلى هذا الكتاب الّذي قد شرعنا فيه ماسّة تامّة، والمنفعة به عامّة، لأنّ طالب الحقّ من هذا العلم يهتدي بأعلامه إليه، فيقع من قرب عليه. ومن يعتقد من الفقهاء مذهباً بعينه تقليداً أو إلفاً في أُصول الفقه، ينتفع بما أوضحناه من نصرة ما يوافق فيه، ممّا كان لا يهتدي إلى نصرته وكشف قناع حجّته، ولا يجده في كتب موافقيه ومصنّفيه ويستفيد أيضاً فيما يخالفنا فيه، إنّا حرّرنا في هذا الكتاب شبهه الّتي هي عنده حجج وقرّرناها، وهذّبناها، وأظهرنا من معانيها ودقائقها ما كان مستوراً، وإن كنّا من بعد عاطفين على نقضها وإبانة فسادها، فهو على كلّ حال

1 . في «ب»: الفقه.

صفحه 32
متقلّب بين فائدتين، متردّد بين منفعتين.
فهذا الكتاب إذا أعان اللّه تعالى على إتمامه وإبرامه، كان بغير نظير من الكتب المصنّفة في هذا الباب. ولم نعن في تجويد وتحرير وتهذيب، فقد يكون ذلك فيما سبق إليه من المذاهب والأدلّة، وإنّما أردنا أنّ مذاهبنا في أُصول الفقه ما اجتمعت لأحد من مصنّفي كتب أُصول الفقه. وعلى هذا فغير ممكن أن يستعان بكلام أحد من مصنّفي الكلام في هذه الأُصول، لأنّ الخلاف في المذاهب والأدلّة والطُّرق والأوضاع يمنع من ذلك، ألا ترى أنّ الكلام في الأمر والنهي الغالب على مسائله والأكثر والأظهر أُخالف القوم فيه، والعموم والخصوص فخلافي لهم وما يتفرّع عليه أظهر، وكذلك البيان والمجمل والإجماع والأخبار والقياس والاجتهاد ممّا خلافي1 جميعه أظهر من أن يحتاج إلى إشارة، فقد تحقّق استبداد هذا الكتاب بطرق مجددة لا استعانة عليها بشيء من كتب القوم المصنّفة في هذا الباب. وما توفيقنا إلاّ باللّه تعالى.
وقد سمّيته بـ«الذريعة إلى أُصول الشَّريعة» لأنّه سبب ووصلة إلى علم هذه الأُصول. وهذه اللّفظة في اللغة العربية وما تتصرّف إليه تفيد هذا المعنى الّذي أشرنا إليه، لأنّهم يسمُّون الحبل الّذي يحتبل به الصائد الصَّيد ذريعة، واسم الذراع من هذا المعنى اشتقّ، لأنّ بها يتوصّل إلى الأغراض والأوطار، والذراع أيضاً صدر القناة. وذرع القيء إذا غلب، وبلغ من صاحبه الوطر. فبان أنّ التصرّف يعود إلى المعنى الّذي ذكرناه. وما توفيقنا إلاّ باللّه عليه توكّلنا وإليه ننيب.

1 . في«ج» بزيادة : في.

صفحه 33

الباب الأوّل:

الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه

إعلم أنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو على الحقيقة كلام في أدلّة الفقه، يدلّ عليه أنّا إذا تأمّلنا ما يسمّى بأنّه أُصول الفقه، وجدناه لا يخرج من أن يكون موصلاً إلى العلم بالفقه أو متعلّقاً به وطريقاً إلى ما هذه صفته، والاختبار يحقّق ذلك. ولا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلّة والطرق إلى أحكام فروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أُصولاً للفقه، لأنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو كلام في كيفيّة دلالة ما يدلّ من هذه الأُصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلّة الفقهاء إنّما هي على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل.
وإذا كان مدار الكلام في أُصول الفقه إنّما هو على الخطاب وجب أن نبدأ بذكر أحكام الخطاب.
والخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، وليس كلّ كلام خطاباً، وكلّ خطاب كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب لكونه خطاباً لمن هو خطاب له ومتوجّهاً إليه والّذي يدلّ على ذلك أنّ الخطاب قد يوافقه في جميع

صفحه 34
صفاته من وجود وحدوث وصيغة وترتيب ما ليس بخطاب، فلابدّ من أمر زائد به كان خطاباً، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل جماعة ويكون الخطاب لبعضهم دون بعض لأجل القصد الّذي أشرنا إليه المخصّص لبعضهم دون بعض، ولهذا جاز أن يتكلّم النائم، ولم يجز أن يخاطب، كما لم يجز أن يأمر وينهى.1

أقسام الخطاب

وينقسم الخطاب إلى قسمين: مهمل، ومستعمل.
فالمهمل: ما لم يوضع في اللّغة الّتي أُضيف أنّه مهمل إليها لشيء من المعاني، والفوائد.
وأمّا المستعمل: فهو الموضوع لمعنى، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمّي به كنحو الألقاب، مثل قولنا: زيد وعمرو، وهذا القسم جعله القوم بدلاً من الإشارة ولهذا لا يستعمل في اللّه تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أنّ اللّقب يجوز تبديله وتغييره، واللّغة على ما هي عليه، والمفيد لا يجوز ذلك فيه. ولهذا كان الصحيح أنّ لفظة شيء ليست لقباً، بل هي من قسم مفيد الكلام، لأنّ تبديلها وتغييرها لا يجوز، واللّغة على ما هي عليه. وإنّما لم تفد لفظة شيء، لاشتراك جميع المعلومات في

1 . للخطاب تعاريف أُخرى ذكرها الأُصوليون نذكر قسماً منها:
قال الغزالي (في المستصفى:1/112): إنّه خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين، وقال آخرون زيادة على ذلك بالاقتضاء، أو التخيير. وقيل: إنّه الكلام الذي يفهم السامع منه شيئاً. وقيل: اللفظ المفيد الذي يقصد به إفهام من هو متهيّئ لفهمه.
راجع الإحكام في أُصول الأحكام:1/71; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/86.

صفحه 35
معناها، فتعذّرت فيها طريقة الإبانة والتمييز. فلأمر يرجع إلى غيرها لم تفد، واللّقب لا يفيد لأمر يرجع إليه.
والقسم الثاني من القسمة المتقدّمة: هو المفيد الّذي يقتضي الإبانة. وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يبيّن نوعاً من نوع، كقولنا: لون، وكون، واعتقاد، وإرادة.
وثانيها: أن يبيّن جنساً من جنس كقولنا: جوهر، وسواد، وحياة، وتأليف.
وثالثها: أن يبيّن عيناً من عين كقولنا: عالم، وقادر، وأسود، وأبيض.

البحث في الحقيقة والمجاز

وينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة، ومجاز. فاللّفظ الموصوف بأنّه حقيقة هو ما أُريد به ما وضع ذلك اللّفظ لإفادته إمّا في لغة، أو عرف، أو شرع. ومتى تأمّلت ما حُدَّت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه أسلم وأبعد من القدح. وحدُّ المجاز هو اللفظ الّذي أُريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة، ولا عرف، ولا شرع.1

1 . ووافقه على هذا التعريف أبو الحسين البصري في المعتمد:1/12، والرازي في المحصول:1/112. وذكرت تعاريف أُخرى منها: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل. قاله أبو علي وأبو هاشم وأبو عبد اللّه البصري أوّلاً.
ومنها: ما ذكره أبو عبد اللّه البصري ثانياً، فقال: الحقيقة ما أُفيد بها ما وضعت له. والمجاز ما أُفيد غير ما وضع له.
ومنها: ما ذكره ابن جنّي وهو أنّ الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة.
ومنها: ما ذكره عبد القاهر النحوي فقال: الحقيقة كلّ كلمة أُريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره، كالأسد للبهيمة المخصوصة. وقد ردّ الرازي على هذه التعاريف واعتبرها باطلة.
راجع المحصول في علم الأُصول:1/113ـ 116.

صفحه 36
ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها لا بدليل. والمجاز بالعكس من ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة أنّ المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب الحكيم قوماً بلغتهم وجرّد كلامه عمّا يقتضي العدول عن ظاهره، فلابدّ من أن يريد به ما تقتضيه المواضعة في تلك اللّفظة الّتي استعملها.
ومن شأن الحقيقة أن تجري في كلّ موضع تثبت فيه فائدتها من غير تخصيص، إلاّ أن يعرض عارض سمعيّ يمنع من ذلك. هذا إن لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: أبلق1، فإنّه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذوات2 دون بعض، لأنّهم يقولون: فرس أبلق، ولا يقولون: ثورٌ أبلق.3
وإنّما أوجبنا اطّراد الحقيقة في فائدتها، لأنّ المواضعة تقتضي ذلك، والغرض فيها لا يتمُّ إلاّ بالاطّراد، فلو لم تجب تسمية كلّ من فعل الضرب بأنّه ضارب، لنُقض ذلك القول بأنّ أهل اللّغة إنّما سمّوا الضارب ضارباً، لوقوع هذا الحدث المخصوص الّذي هو الضرب منه.
وإنّما استثنينا المنع السمعيّ لأنّه ربما عرض في إجراء الاسم على بعض ما فيه

1 . بلق: سواد وبياض، وكذا البلقة ـ بالضم ـ يقال: فرس أبلق وفرس بلقاء.
لسان العرب: 10/25، مادة «بلق».
2 . في «ج»: الدواب.
3 . لا يقال: ثور أبلق، بل يقال: ثور أشيه. والشية: أسود في بياض أو بياض في سواد، وكلّ لون يخالف معظم لون الحيوان، والجمع شيات، وقوله تعالى:(لاشية فيها) أي ليس فيها لون يخالف سائر لونها.
صحاح الجوهري:6/2524، مادة «وشى»; لسان العرب:15/392، مادة «وشى».

صفحه 37
فائدته مفسدة، فيقبح إجراؤه، فيمنع السمع منه، كما قلنا في تسميته تعالى بأنّه فاضل.
واعلم أنّ الحقيقة يجوز أن يقلّ استعمالها، ويتغيّر حالها فتصير كالمجاز. وكذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف فيلحق بحكم الحقائق. وإنّما قلنا ذلك، من حيث كان إجراء هذه الأسماء على فوائدها في الأصل ليس بواجب، وإنّما هو بحسب الاختيار، وإذا صحّ في أصل اللّغة التغيير والتبديل، فكذلك في فرعها، والمنع من جواز ذلك متعذّر. وإذا كان جائزاً، فأقوى ما ذكر في وقوعه وحصوله أنّ قولنا: غائط، كان في الأصل، اسم للمكان المطمئن من الأرض، ثم غلب عليه الاستعمال العرفيّ، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة والحدث المخصوص، ولهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللّفظة في العرف إلاّ ما ذكرناه، دون ما كانت عليه في الأصل.
وأمّا استشهادهم على ذلك بالصلاة والصيام، وأنّ المفهوم في الأصل من لفظة الصلاة الدعاء، ثمّ صار بعرف الشرع المعروف سواه، وفي الصيام الإمساك، ثمّ صار في الشرع لما كان يخالفه، فإنّه يضعف، من حيث أمكن أن يقال إنّ ذلك ليس بنقل، وإنّما هو تخصيص، وهذا غير ممكن في لفظة الغائط.

ما تعرف به الحقيقة

وأقوى ما يعرف به كون اللّفظ حقيقة هو نصُّ أهل اللّغة، وتوقيفهم على ذلك، أو يكون معلوماً من حالهم ضرورة.
ويتلوه في القوّة أن يستعملوا اللّفظ في بعض الفوائد، ولا يدلُّونا على أنّهم متجوّزون بها مستعيرون لها، فيعلم أنّها حقيقة، ولهذا نقول: إنّ ظاهر استعمال أهل

صفحه 38
اللّغة اللّفظة في شيء دلالة على أنّها حقيقة فيه إلاّ أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر.
وقد قيل فيما يعرف به الحقيقة أشياء غيرها عليها ـ إذا تأمّلتها حقّ التأمّل ـ طعن، وفيها قدح. وما ذكرناه أبعدُ من الشبهة.1

تحقيق معنى قولهم: المجاز لا يستعمل في غير مواضعه

ويمضي في الكتب كثيراً أنّ المجاز لا يجوز استعماله إلاّ في الموضع الّذي استعمله فيه أهل اللّغة من غير تعدّ له. ولابدّ من تحقيق هذا الموضع فإنّه ملتبس.
والّذي يجب، أن يكون المجاز مستعملاً فيما استعمله فيه أهل اللّغة أو في نوعه وقبيله. ألا ترى أنّهم لمّا حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مقامه في قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتي أَقْبَلْنا فِيها)2، أشعرونا بأنّ حذف المضاف توسّعاً جائز، فساغ لنا أن نقول: سل المنازل الّتي نزلناها، والخيلَ الّتي ركبناها، على هذه الطريقة في الحذف.
ولمّا وصفوا البليد بأنّه حمار تشبيهاً له به في البلادة، والجواد بالبحر تشبيهاً له به في كثرة عطائه، جاز أن نصف البليد بغير ذلك من الأوصاف المنبئة عن عدم الفطنة، فنقول: إنّه صخرة، وإنّه جماد، وما أشبه ذلك.
ولمّا أجروا على الشيء اسم ما قارنه في بعض المواضع، فقلنا مثل ذلك للمقارنة في موضع آخر. ألا ترى أنّهم قالوا سل القرية في قرية معيّنة، وتعدَّيناها إلى غيرها بلا شبهة للمشاركة في المعنى. وكذلك في النوع والقبيل. وليس هذا هو القياس في اللّغة المطرح، كما لم يكن ذلك قياساً في تعدّي العين الواحدة في القرية.

1 . في «ب» و «ج» و «م»: الشبه.
2 . يوسف:82.

صفحه 39
وبعد فإنّا نعلم أنّ ضروب المجازات الموجودة الآن في اللّغة لم يستعملها القوم ضربة واحدة في حال واحدة، بل في زمان بعد زمان، ولم يخرج من استعمل ذلك ـ ما لم يكن بعينه مستعملاً ـ عن قانون اللّغة، فكذلك ما ذكرناه.
واعلم أنّ الخطاب إذا انقسم إلى لغويّ، وعرفيّ، وشرعيّ، وجب بيان مراتبه وكيفية تقديم بعضه على بعض، حتّى يُعتمد ذلك فيما يرد منه تعالى من الخطاب.
وجملة القول فيه: إنّه إذا ورد منه تعالى خطاب، وليس فيه عرف، ولا شرع، وجب حمله على وضع اللّغة، لأنّه الأصل.
فإن كان فيه وضع، وعرف، وجب حمله على العرف دون أصل الوضع، لأنّ العرف طار على أصل الوضع، وكالناسخ له والمؤثّر فيه.
فإذا كان هناك وضع، وعرف، وشرع، وجب حمل الخطاب على الشرع دون الأمرين المذكورين، للعلّة الّتي ذكرناها. ولأنّ الأسماء الشرعيّة صادرة عنه تعالى ، فتجري مجرى الأحكام في أنّه لا يتعدّى عنها.
واعلم أنّ الناس قد طوّلوا في أقسام الكلام، وأورد بعضهم في أُصول الفقه ما لا حاجة إليه.
وأخصر ما قسّم الكلام المفيد إليه، أنّه إمّا أن يكون خبراً أو ما معناه معنى الخبر. وعند التأمّل يعلم دخول جميع أقسام الكلام تحت ما ذكرناه. لأنّ الأمر من حيث دلّ على أنّ الآمر مريد للمأمور به كان في معنى الخبر. والنهي إنّما كان نهياً، لأنّ الناهي كاره لما نهى عنه، فمعناه معنى الخبر. ولأنّ المخاطب غيره إمّا أن يعرّفه حال نفسه، أو حال غيره، وتعريفه حال غيره يكون بالخبر دون الأمر، وتعريفه حال نفسه يكون بالأمر والنهي، وإن جاز أن يكون بالخبر.

صفحه 40

[في جواز الاشتراك ووقوعه]

واعلم أنّ المفيد من الأسماء إمّا أن يختصّ بعين واحدة ولا يتعدّاها، أو يكون مفيداً لما زاد عليها. فمثال الأوّل قولنا: إله وقديم وما جرى مجرى ذلك ممّا يختصُّ به القديم تعالى ولا يشاركه فيه غيره. فأمّا ما يفيد أشياء كثيرة فينقسم إلى قسمين: إمّا أن يفيد في الجميع فائدة واحدة، أو أن يفيد فوائد مختلفة، فمثال الأوّل قولنا: لون، وإنسان. ومثال الثاني قولنا: قرء،وعين ، وجارية.
ومن خالف في جواز وقوع الاسم على مختلفين أو على ضدّين، لا يلتفت إلى خلافه، لخروجه عن الظاهر من مذهب أهل اللّغة.

[جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى]

واعلم أنّه غير ممتنع أن يراد باللّفظة الواحدة في الحال الواحدة من المعبّـر الواحد المعنيان المختلفان. وأن يراد بها أيضاً الحقيقة والمجاز.1 بخلاف ما حكي عمّن خالف في ذلك من أبي هاشم2 وغيره.3
والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه أنّ ذلك لو كان ممتنعاً لم يخل امتناعه من أن يكون لأمر يرجع إلى

1 . وهو مختار الشافعي والقاضي أبو بكر والجبّائي والقاضي عبد الجبار. ذكره الرازي في المحصول:1/102.
2 . هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبّائي(277ـ 321هـ) أبو هاشم من كبار المعتزلة، عالم بالكلام، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سمّيت «البهشمية» نسبة إلى كنيته أبي هاشم، له مصنفات منها: الشامل في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في الأُصول.الأعلام:4/7.
3 . نذكر منهم: أبو الحسين البصري في المعتمد:1/300، والغزالي في المستصفى:2/141، والرازي في المحصول:1/102، والعلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/219.

صفحه 41
المعبَّر، أو لما يعود إلى العبارة، وما يستحيل لأمر يرجع إلى المعبَّر، تجب استحالته مع فقد العبارة، كما أنّ ما صحّ لأمر يعود إليه، تجب صحّته مع ارتفاع العبارة، وقد علمنا أنّه يصحّ من أحدنا أن يقول لغيره: لا تنكح ما نكح أبوك، ويريد به لا تعقد على من عقد عليه ولا على من وطئه. ويقول أيضاً لغيره: إن لمست امرأتك فأعد الطهارة، ويريد به الجماع واللّمس باليد. وإن كنت محدثاً فتوضّأ، ويريد به جميع الأحداث. وإذا جاز أن يريد الضدّين في الحالة الواحدة، فأجوز منه أن يريد المختلفين.
فأمّا العبارة فلا مانع من جهتها يقتضي تعذّر ذلك، لأنّ المعنيين المختلفين قد جعلت هذه العبارة في وضع اللّغة عبارة عنهما، فلا مانع يمنع من أن يرادا بها. وكذلك إذا استعملت هذه اللّفظة في أحدهما مجازاً شرعاً أو عرفاً، فغير ممتنع أن يراد بالعبارة الواحدة، لأنّه لا تنافي ولا تمانع. وإنّما لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة الأمر والنهي، لتنافي موجبيهما، لأنّ الأمر يقتضي إرادة المأمور به، والنهي يقتضي كراهة المنهيّ عنه، ويستحيل أن يكون مريداً كارهاً للشيء الواحد على الوجه الواحد. وكذلك لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة الاقتصار على الشيء وتعدّيه، لأنّ ذلك يقتضي أن يكون مريداً للشيء وأن لا يريده.
وقولهم: لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة استعمالها فيما وضعت له والعدول بها عمّا وضعت له، ليس بصحيح، لأنّ المتكلّم بالحقيقة والمجاز ليس يجب أن يكون قاصداً إلى ما وضعوه وإلى ما لم يضعوه، بل يكفي في كونه متكلّماً بالحقيقة، أن يستعملها فيما وضعت له في اللّغة، وهذا القدر كاف في كونه متكلّماً باللّغة، من غير حاجة إلى قصد استعمالها فيما وضعوه. وهذه الجملة كافية في إسقاط الشبهة.
واعلم أنّ الغرض في أُصول الفقه الّتي بيّنا أنّ مدارها إنّما هو على الخطاب، ـ

صفحه 42
و قد ذكرنا مهمّ أقسامه، وما لا بدّ منه من أحواله ـ لمّا كان لابدّ فيه من العلم بأحكام الأفعال، ليُفعل ما يجب فعله، ويُجتنب ما يجب اجتنابه، وجب أن نشير إلى العلم ما هو، وما يشتبه به من الظنّ، وما يقتضي كلّ واحد منهما من دلالة أو أمارة بأخصر قول، فإنّ الجمل المعقولة في هذه المواضع كافية.
فأمّا الأفعال وأحكامها ومراتبها، فسيجيء القول فيه من هذا الكتاب عند الكلام على أفعال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكيفيّة دلالتها بإذن اللّه تعالى ومشيّته.

[ في حدّ العلم وأقسامه]

واعلم أنّ العلم ما اقتضى سكون النفس.1 وهذه حالة معقولة يجدها الإنسان من نفسه عند المشاهدات، ويفرّق فيها بين خبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ زيداً في الدار وخبر غيره. غير أنّ ما هذه حاله، لابدّ من كونه اعتقاداً يتعلّق بالشيء على ما هو به. وإن لم يجز إدخال ذلك في حدّ العلم، لأنّ الحدّ يجب أن يميّز المحدود، ولا يجب أن يذكر في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. ولئن جاز لنا أن نقول في حدّ العلم: إنّه اعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس. ونعتذر ، بأنّا أبنّاه، بقولنا: اعتقاد، من سائر الأجناس. وبتناوله المعتقد على ما هو به، من الجهل.

1 . اختلف القائلون بتحديد العلم في حدّه، فقال أبو الحسن الأشعري: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالماً. لاحظ المنخول للغزّالي:94.
وقال بعض الأشاعرة: العلم تبيين المعلوم على ما هو به. لاحظ البرهان في أُصول الفقه:1/97.
وقال أبو بكر ابن فورك الأنصاري: العلم ما يصحّ من المتّصف به إحكام الفعل وإتقانه. نقله عنه الجويني في البرهان:1/98.
وقال المعتزلة: العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس. وهو يوافق ما ذهب إليه السيد المرتضى. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/79.

صفحه 43
وبسكون النفس، من التقليد. فألاّ جاز أن نقول في حدّه عرضٌ، لِبَيْنِه عن الجوهر. ويوجب حالاً للحيّ، لِبَيْنِهِ 1 ممّا يوجب حالاً للمحلّ. ويحلُّ القلب ولا يوجد إلاّ فيه، لِبَيْنِهِ 2 ممّا يحلّ الجوارح.
والعلم ينقسم إلى قسمين.
أحدهما: لا يتمكّن العالم به من نفيه عن نفسه بشبهة إن انفرد، وإن شئت قلت: لأمر يرجع إليه; وإن شئت قلت: على حال من الحالات.
والقسم الآخر: يتمكّن من نفيه عن نفسه على بعض الوجوه.
والقسم الأوّل على ضربين: أحدهما : مقطوع على أنّه علم ضروريّ ومن فعل اللّه تعالى فينا، كالعلم بالمشاهدات وكلّ ما يكمل به العقل من العلوم.
والقسم الثاني: مشكوك فيه ويجوز أن يكون ضروريّاً ومن فعل اللّه فينا، كما يجوز أن يكون من فعلنا، كالعلم بمخبر الإخبار عن البلدان والحوادث الكبار. وهذا ممّا يستقصى في الكلام على الأخبار من هذا الكتاب بعون اللّه ومشيّته. وإنّما شرطنا ما ذكرناه من الشروط، احترازاً من العلم المكتسب إذا قارنه علمٌ ضروريٌّ، ومتعلّقهما واحد. وأمّا العلم الّذي يمكن نفيه عن العالم على الشروط التي ذكرناها، فهو مكتسب، ومن شأنه أن يكون من فعلنا ، لا من فعل غيرنا فينا. وما بعد هذا من أقسام العلوم الضروريّة، وما يتفرّع عليه، غير محتاج إليه في هذا الكتاب.
والنظر في الدلالة على الوجه الّذي يدلّ عليه، يجب عنده العلم و يحصل لا محالة. وهذا القدر كاف لمن ينظر في أُصول الفقه، ولا حاجة به ماسّة لا يتمُّ ما

1 . في «ج» و «م»: لنبيّنه.
2 . في «ج» و «م»: لنبيّنه.

صفحه 44
قصده من أُصول الفقه إلاّ بها، إلى أن يحقَّق كيفيّة كون النظر سبباً للعلم وشروط توليده.

[في الظن و الأمارة]

وأمّا الظنّ فهو ما يقوّى كون ما ظنّه على ما يتناوله الظنّ، وإن جوّز خلافه.فالّذي يبيّن به الظنّ التقوية والترجيح. ولا معنى لتحقيق كون الظنّ من غير قبيل الاعتقاد هاهنا، وإن كان ذلك هو الصحيح، لأنّه لا حاجة تمسُّ إلى ذلك.
وما يحصل عنده الظنّ، يسمّى أمارة.1
ويمضي في الكتب كثيراً، أنّ حصول الظن عند النظر في الأمارة ليس بموجب عن النظر، كما نقوله في العلم الحاصل عند النظر في الدلالة، بل يختاره الناظر في الأمارة لا محالة لقوّة الداعي.
وليس ذلك بواضح، لأنّهم إنّما يعتمدون في ذلك على اختلاف الظنون من العقلاء والأمارة واحدة، وهذا يبطل باختلاف العقلاء في الاعتقادات والدلالة واحدة. فإن ذكروا اختلال الشُّروط وأنّ عند تكاملها يجب العلم، أمكن أن يقال مثل ذلك بعينه في النظر في الأمارة. وتحقيق ذلك أيضاً ممّا لا يحتاج إليه هاهنا، لأنّ الأغراض في أُصول الفقه تتمُّ بدونه.
وإن قيل: ما دليلكم على أنّ تكليفكم في أُصول الفقه إنّما هو العلم دون العمل التابع للظنّ وإذا كنتم تجوّزون أن تكليفكم الشرائع تكليفٌ يتبع الظنّ

1 . في «ب» و «ج» و «م» بزيادة: وربما يسمى دلالة والأولى إفراد الدلالة بما يحصل عنده العلم.

صفحه 45
الراجع إلى الأمارة فألاّ كان التكليف في أُصول الفقه كذلك؟
قلنا: ليس كلُّ أُصول الفقه يجوز فيه أن يكون الحقُّ في جهتين مختلفتين، لأنّ القول بأنّ المؤثّر في كون الأمر أمراً إنّما هو إرادة المأمور به وأنّه لا تعلُّق لذلك بصفات الفعل في نفسه، وأنّه تعالى لا يجوز أن يريد إلاّ ما له صفة زائدة على حسنه ولا ينسخ الشيء قبل وقت فعله وما أشبه ذلك، وهو الغالب والأكثر، فلا يجوز أن يكون الحقُّ فيه إلاّ واحداً، كما لا يجوز في أُصول الديانات أن يكون الحقُّ إلاّ في واحد.
اللّهمّ إلاّ أن يقول: جوّزوا أن يكلّف اللّه تعالى من ظنّ بأمارة مخصوصة تظهر له أنّ الفعل واجب، أن يفعله على وجه الوجوب، ومن ظنّ بأمارة أُخرى أنّه ندب، أن يفعله على هذا الوجه، وكذلك القول في الخصوص والعموم، وسائر المسائل، لأنّ العمل فيها على هذا الوجه هو المقصود دون العلم، واختلاف أحوال المكلَّفين فيه جائز، كما جاز في فروع الشريعة.
فإذا سئلنا على هذا الوجه، فالجواب أنّ ذلك كان جائزاً، لكنّا قد علمنا الآن خلافه، لأنّ الأدلة الموجبة للعلم قد دلّت على أحكام هذه الأُصول، كما دلّت على أُصول الديانات، وما إليه طريقُ علم لا حكم للظنّ فيه، و إنّما يكون للظنّ حكم فيما لا طريق إلى العلم إلاّ به، ألا ترى أنّنا لو تمكّنا من العلم بصدق الشُّهود، لما جاز أن نعمل في صدقهم على الظنّ، وكذلك في أُصول العقليّات لو أمكن أن نعلم أنّ في الطريق سبعاً، لما عملنا على قول من نظنُّ صدقه من المخبرين عن ذلك، وإذا ثبتت هذه الجملة، وعلمنا أنّ على هذه الأُصول أدلّة، يوجب النظر فيها العلم، لم يجز أن نعمل فيما يتعلّق بها على الظنّ والأمارات، ومعنا علم وأدلّة.

صفحه 46
وأيضاً فلو كانت العبادة وردت بالعمل فيها على الظُّنون، لوجب أن يكون على ذلك دليل مقطوع به، كما نقول لمن ادّعى مثل ذلك في الأحكام الشرعيّة، وفي فقد دلالة على ذلك صحّة ما قلناه.
وأيضاً فليس يمكن أن يدّعى أنّ المختلفين يعذر بعضهم بعضاً في الخلاف الجاري في هذه الأُصول، ويصوّبه، ولا يحكم بتخطئته، كما أمكن أن يدّعى ذلك في المسائل الشرعيّة، فإنّ من نفى القياس في الشريعة، لا يعذر مثبتيه، ولا يصوّبه، ومن أثبته، لا يعذرنا فيه، ولا يصوّبه، وكذلك القول في الإجماع وأكثر مسائل الأُصول.

صفحه 47

الباب الثاني:

القول في الأمر وأحكامه وأقسامه

[وفيه عشرون فصلاً]

الفصل الأوّل

فِيمَ الأمر؟

اختلف الناس في هذه اللّفظة، فذهب قوم إلى أنّها مختصّة بالقول دون الفعل1، ومتى عبّر بها عن الفعل كانت مجازاً.2
وقال آخرون: هي مشتركة بين القول والفعل، وحقيقة فيهما معاً.3 والّذي يدلّ على صحّة ذلك، أنّه لا خلاف في استعمال لفظة الأمر في اللّغة العربيّة تارة

1 . وهو مختار الرازي في المحصول:1/184.
2 . وهو مختار الجمهور والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/359.
3 . وهو قول جماعة من الفقهاء. وقال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/39: إنّه مشترك بين القول المخصوص وبين الشيء وبين الصفة، وبين الشأن والطريق.

صفحه 48
في القول وأُخرى في الفعل، لأنّهم يقولون: أمر فلان مستقيم، وإنّما يريدون طرائقه وأفعاله، دون أقواله ، ويقولون: هذا أمر عظيم، كما يقولون: هذا خطبٌ عظيم، ورأيت من فلان أمراً أهالني، أو أعجبني، ويريدون بذلك الأفعال لا محالة.
ومن أمثال العرب في خبر الزَّبّاء1: لأمر ما جدع قصير أنفه.2
وقال الشاعر : لأمر ما يسود من يسود.3
وممّا يمكن أن يستشهد به على ذلك من القرآن قوله تعالى: (حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ)4 وإنّما يريد اللّه تعالى بذلك الأهوال والعجائب، الّتي فعلها جلّ اسمه، وخرق بها العادة.
وقوله تعالى: (أَتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)5 وأراد الفعل لا محالة.

1 . هي الزَّبّاء بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع، الملكة المشهورة في العصر الجاهلي، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة. يسمّيها الإفرنج زنوبيا، وأُمّها يونانية من ذرية كليوبطرة ملكة مصر، كانت غزيرة المعارف، بديعة الجمال، مولعة بالصيد والقنص، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، كتبت تاريخاً للشرق. وليت تدمر واستقلت بالملك بعد طرد الرومان منها، وامتد حكمها من الفرات إلى بحر الروم ومن صحراء العرب إلى آسيا الصغرى، واستولت على مصر مدة. توفّيت سنة 358ق.هـ/285م. الأعلام:3/41.
2 . مثل مشهور وفيه قصة مشهورة خلاصتها:
انّ الزباء قتلت جذيمة الوضاح ملك العراق فاحتال ابن أُخت له اسمه: عمرو بن عدي عن طريق قصير بن سعد الذي جدع أنفه وقطع أُذنه ولحق بالزباء زاعماً أنّ عمرو بن عدي صنع به ذلك وأنّه لجأ إليها هارباً منه وأخذ يتلطّف إليها إلى أن وثقت به، فوضع خطة استطاع بها عمرو بن عدي من دخول قصر الزباء وهمّ بقتلها فامتصت سمّاً قاتلاً وقالت : بيدي لا بيد عمرو. راجع خزانة الأدب:8/276; الأعلام:3/41.
3 . البيت للشاعر أنس بن نهيك، وتمامه كما في الصحاح:1/380:
عزمت على إقامة ذي صباح *** لأمر مـا يســود مـن يســود
4 . هود:40.
5 . هود:73.

صفحه 49
وإذا صحّت هذه الجملة، وكان ظاهر استعمال أهل اللّغة اللّفظة في شيئين أو أشياء، يدلُّ على أنّها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما، إلاّ أن يقوم دليل قاهر يدلُّ على أنّه مجاز في أحدهما ـ و قد بسطنا هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كلامنا، وستجيء مشروحة مستوفاة في مواضعها من كتابنا هذا ـ وجب القطع على اشتراك هذه اللّفظة بين الأمرين، ووجب على من ادّعى أنّها مجازٌ في أحدهما، الدليل.
فإن قالوا: قد استعمل لفظ الخبر فيما ليس بخبر على الحقيقة، كما قال الشاعر: تُخبِرني العينان مَا القلبُ كاتمٌ.1
قلنا: قد بيّنّا أنّ ظاهر الاستعمال يدلُّ على الحقيقة، إلاّ أن تقوم دلالة، ولو خُلّينا وظاهر استعمال لفظة الخبر في غير القول، لحكمنا فيه بالحقيقة، لكنّا علمنا ضرورة من مذاهب القوم أنّهم لذلك مستعيرون ومتجوّزون ، فانتقلنا عمّا يوجبه ظاهر الاستعمال، وليس ذلك ينافي استعمالهم لفظة الأمر في الفعل.

[أدلّة القائلين باختصاص الأمر بالقول]

وقد تعلّق المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء:
منهـا: أنّ الأمر يشتـقّ منه في اللّغة العربيّة الوصف لفاعله بأنّه آمر، وهذا لا يليق إلاّ بالقول دون الفعل، لأنّهم لا يسمُّون من فعل فعلاً ليس بقول، بأنّه آمر.
ومنها: أنّه لو كان اسماً للفعل في الحقيقة لاطّرد في كلّ فعل حتّى يسمّى الأكل والشُّرب بأنّه أمرٌ، ألا ترى أنّ القول لمّا كان أمراً، اطّرد في كلّ ما هو

1 . البيت لأبي جندب الهذلي وتمامه:
تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وما جُنّ بالبغضاء والنظر شرز
شرح نهج البلاغة:18/137; تاج العروس:18/120.

صفحه 50
بصفته.
ومنها: أنّ من شأن الأمر أن يقتضي مأموراً ومأموراً به، كما يقتضي الضرب ذلك، ومعلوم أنّ ذلك لا يليق إلاّ بالقول دون الفعل.
ومنها: أنّ الأمر يدخل فيه الوصف بمطيع وعاص، وذلك لا يتأتّى إلاّ في القول.
ومنها: أنّ الأمر نقيضه النهي، فإذا لم يدخل النهي إلاّ في الأقوال دون الأفعال، فكذلك الأمر.
ومنها: أنّ الأمر يمنع من الخرس والسكوت، لأنّهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقولوا وقع منه أمرٌ، كما يستهجنون أن يقولوا وقع منه خبرٌ، أو ضرب من ضروب الكلام.
ومنها: أنّ لفظة الأمر لو كانت مشتركة بين القول والفعل، لم تخل من أن يفيد فيهما فائدة واحدةً، أو فائدتين مختلفتين، وفي تعذّر الإشارة إلى فائدة تعمُّهما، أو فائدتين يخصُّ كلَّ واحدة منهما، دلالة على فساد كون هذه اللّفظة حقيقة في الأمرين.

[رد أدلّة القائلين باختصاص الأمر بالقول]

فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً من دلالة الاشتقاق: ما أنكرتم أن يكون الاشتقاق الّذي أوجبه أهل اللّغة لفاعل الأمر إنّما هو الّذي هو قول دون ما ليس بقول من الأفعال، ومعلوم ضرورة أنّهم إنّما اشتقّوا آمراً من الأمر الّذي هو القول، فأيّ دلالة في ذلك على أنّ الفعل لا يسمّى أمراً، ومن الّذي يحفظ عن أهل اللّغة القول بأنّ كلّ ما يوصف بأنّه أمر على الحقيقة يوصف فاعله بأنّه آمر، وإذا لم يكن هذا محفوظاً عنهم، ولا منقولاً، فلا دلالة فيما ذكروه. وهذه الطريقة توجب عليهم أن

صفحه 51
تكون لفظة عين غير مشتركة، لأنّ لقائل أن يقول إنّ هذه اللّفظة إنّما تجري على ما يشتقّ منه أعين وعيناء، وهذا لا يليق إلاّ بالجارحة، فيجب أن تكون مقصورة عليها. وبمثل ما يدفعون به هذا القول، يدفع قولهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: نحن نقول بما ظننتم أنّا نمنع منه، ولا نفرّق بين وقوع هذا الاسم الّذي هو الأمر على الأفعال كلّها، على اختلافها وتغايرها، وإلاّ فضعوا أيديكم على أيّ فعل شئتم، فإنّا نبيّن أنّ أهل اللّغة لا يمتنعون من أن يسمُّوه أمراً.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به ثالثاً: إنّ اقتضاء الأمر لمأمور ومأمور به إنّما هو في الأمر الّذي هو القول دون الفعل ، وإنّما كان كذلك، لأنّ الأمر له تعلُّق بغير فاعله، والفعل لا تعلُّق له بغير فاعله، فلذلك احتاج الأمر بمعنى القول من مأمور به ومأمور، إلى ما لا يحتاج إليه الفعل، وإن سمّي أمراً، وأنتم لا يمكنكم أن تنقلوا عن أهل اللّغة أنّ كلّ ما سمّي أمراً ـ و إن لم يكن قولاً ـ يقتضي مأموراً به ومأموراً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّ الوصف بالطاعة والمعصية أيضاً لا يليق إلاّ بالأمر الّذي هو القول للعلّة الّتي ذكرناها، وهو أنّ المطيع مَنْ فَعَلَ ما أُمر به، والعاصي من خالف ما أُمر به، والأمر الّذي هو الفعل لا يقتضي طاعةً ولا معصيةً، لأنّه لا يتعلّق بمطيع ولا عاص. على أنّ قولهم إنّ دخول الطاعة والمعصية علامة لكون الأمر أمراً، ينتقض بقول القائل لغلامه: أُريد أن تسقيني الماء، ونحن نعلم أنّه إذا لم يفعل يوصف بأنّه عاص، وإذا فعل يوصف بأنّه مطيع، وقد علمنا أنّ قوله: أُريد أن تفعل، ليس بأمر، لفقد صيغة الأمر فيه، فبطل أن تكون الطاعة أو المعصية موقوفة على الأمر.

صفحه 52
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّ النهي نقيض الأمر الّذي هو القول، دون الفعل، فمن أين لكم أنّ النهي نقيض كلّ ما سمّي أمراً، وإن لم يكن قولاً. والّذين قالوا لنا من أهل اللّغة: إنّ النهي نقيض الأمر، هم الّذين قالوا لنا: إنّ الفعل يسمّى بأنّه أمر وجرى ذلك في كلامهم وأشعارهم.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به سادساً: إنّ الخرس والسكوت يمنعان من الأمر الّذي هو القول، ولا يمنعان من الأمر الّذي هو الفعل، يدلّ على هذا أنّا نقول في الأخرس: إنّ أمره مستقيم أو غير مستقيم، ورأيت منه أمراً جميلاً أو قبيحاً، وكذلك في الساكت. ويوضح ماذكرناه أنّه لو كان الأخرس لا يقع منه ما يسمّى أمراً من الأفعال، ـ كما لا يكون آمراً ـ لوجب أن يستقبحوا وصف فعله بأنّه أمر، كما استقبحوا وصفه بأنّه آمر. فقد علمنا الفرق بين الأمرين ضرورة. ولمن خالف في اشتراك لفظة عين أن يطعن بمثل ما ذكروه، فيقول: إنّ هذه اللّفظة تجري على ما يؤثّر فيه العمى والآفة، وهذا لا يليق إلاّ بالجارحة، فيجب أن تكون مختصة بها. ولا جواب عن هذا الطَّعن إلاّ ما قدّمناه من الجواب عن طعنهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: إنّا لا ندّعي أنّ الفائدة واحدة، فيما سمّي أمراً من القول، وسمّي أمراً من الفعل، بل ندّعي اختلافهما، ويجري وقوع هذه التَّسمية على المختلف، مجرى وقوع قولهم عين على أشياء مختلفة لا تفيد في كلّ واحد منها فائدتها في الآخر، لأنّ العين الّتي هي الجارحة لا تشارك العين الّتي هي الذهب أو عين الماء في فائدة واحدة، بل الفوائد مختلفة، وكذلك لفظة أمر تفيد تارة القول الّذي له الصيغة المعيّنة، وتارة الفعل، وهما فائدتان مختلفتان. ولهذا نقول: إنّ هذه اللّفظة تقع على كلّ فعل، ولا تقع إذا استعملت في القول على كلّ قول، حتّى يكون بصيغة مخصوصة.

صفحه 53

الفصل الثاني:

في وجوب اعتبار الرتبة في الأمر

اعلم أنّه لا شبهة في اعتبارها1، لأنّهم يستقبحون قول القائل: أمرت الأمير، أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقولوا: أخبرته، أو سألته، فدلَّ على أنّها معتبرة، ويجب أن لا تطلق إلاّ إذا كان الآمر أعلى رتبة من المأمور. فأمّا إذا كان دون رتبته، أو كان مساوياً له، فإنّه لا يقال أمره. والنهي جار مجرى الأمر في هذه القضيّة.
وما له معنى الأمر وصيغته من الشفاعة تعتبر أيضاً فيه الرتبة، لأنّهم يقولون: شفع الحارس إلى الأمير، ولا يقولون شفع الأمير إلى الحارس، فالشفاعة إنّما يعتبر فيها الرتبة بين الشافع والمشفوع إليه، كما أنّ الأمر إنّما تعتبر الرتبة فيه بين الآمر والمأمور.
ولا اعتبار بالرتبة في المشفوع فيه، على ما ظنّه من خالفنا في الوعيد، لأنّ الكلام على ضربين: ضرب لا تعتبر فيه الرتبة، وضرب تعتبر فيه. فما اعتبرت فيه الرتبة، إنّما اعتبرت بين المخاطِب والمخاطَب، دون من يتعلّق به

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30ـ 33، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/159، وجمهور المعتزلة.
وذهب آخرون إلى نفي العلو واعتبروا الاستعلاء . وهو مختار العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/385، وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/43.
وقالت الأشاعرة: لا يعتبر العلو ولا الاستعلاء، كما نقله الرازي في المحصول:1/198.

صفحه 54
الخطاب، ولذلك جاز أن يكون أحدنا شافعاً لنفسه، وفي حاجة نفسه، ولو اعتبرت الرتبة في المشفوع فيه، لما جاز ذلك، كما لا يجوز أن يكون آمراً نفسه وناهيها.1

[أدلّة القائلين بسقوط اعتبار الرتبة والرد عليها]

وقد تعلّق من خالفنا بأشياء:
أوّلها: أنّهم حملوا الأمر على الخبر في إسقاط الرتبة.
وثانيها: قوله تعالى: (مَا للِظّالِمينَ مِنْ حَميم وَلا شَفيع يُطاعُ)2 والطاعة تعتبر فيها الرتبة كالأمر.
وثالثها: قول الشاعر:
رُبَّ مَنْ أَنضَجْتُ غَيْظاً قَلْبَهُ *** قَـد تَمَنّـى لـي مـوتاً لم يُطَـعْ3
والموت من فعل اللّه ـ تعالى ـ، والطاعة لا تجوز عليه ـ تعالى ـ عند من اعتبر الرتبة.
فيقـال لهم فـي الأوّل: لو كان الأمر كالخبر في سقوط اعتبار الرتبة، جاز أن يقال: أمرت الأمير، كما يقال: أخبرت الأمير; فلمّا لم يجز ذلك، بان

1 . أجاب العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/387 عن كلام السيد المرتضى بقوله: مسلّم أنّه قبيح، وهو دليلنا على عدم اعتبار الرتبة، ودليل يدلّ على أنّ الرتبة معتبرة في حسن الأمر لا فيه، ونمنع اعتبار الرتبة في الشفاعة بين الشافع والمشفوع فيه.
2 . غافر:18.
3 . القائل هو سويد بن أبي كاهل (غطيف، أو شبيب) ابن حارثة بن حسل الذبياني الكناني اليشكري، أبو سعد، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، عدّه ابن سلام في طبقة عنترة، توفّي بعد سنة 60هـ.
الأعلام:3/146; خزانة الأدب:6/117.

صفحه 55
الفرق.
والجواب عن الثاني: أنّه استعار للإجابة لفظة الطاعة بدلالة أنّ أحداً لا يقول إنّ اللّه أطاعني في كذا، إذا أجابه إليه.
وأيضاً فإنّ ظاهر القول يقتضي أنّه ما للظالمين من شفيع يطاع وليس يعقل من ذلك نفي شفيع يُجاب.
فإذا قيل: فكلُّ شفيع لا يطاع على مذهبكم، كان في ظالم أو في غيره، لأنّ الشفيع يدلُّ على انخفاض منزلته عن منزلة المشفوع إليه، والطاعة تقتضي عكس ذلك.
قلنا: القول بدليل الخطاب باطل، وغير ممتنع أن يخصّ الظالمون بأنّهم لا شفيع لهم يطاع، وإن كان غيرهم بهذه المنزلة.
وأيضاً فيمكن أن يكون المراد بيطاع غير اللّه تعالى من الزبانية والخزنة، والطاعة من هؤلاء لمن هو أعلى منزلةً منهم، من الأنبياء(عليهم السلام)والمؤمنين صحيحة واقعة في موقعها.
والجواب عن الثالث: أنّ الشاعر تجوّز، واستعمل لفظة يطع في موضع يُجَب، وهذه عادة الشُّعراء.
وأيضاً فيمكن أن يكون إنّما تمنّى في عدوّه أن يقتله بعض البشر ، ـ فقد يسمّى القتل موتاً، والموت قتلاً، للتقارب بينهما ـ فلم يطعه ذلك القاتل، ولم يبلغه أمنيّته. والشبهة في مثل هذه المسألة ضعيفة جداً.

صفحه 56

الفصل الثالث:

في صيغة الأمر

اختلف الناس في صيغة الأمر، فذهب الفقهاء كلُّهم وأكثر المتكلّمين إلى أنّ للأمر صيغة مفردة مختصّة به، متى استعملت في غيره كانت مجازاً، وهي قول القائل لمن دونه في الرُّتبة: افعل.
وذهب آخرون إلى أنّ هذه اللّفظة مشتركة بين الأمر وبين الإباحة، وهي حقيقة فيهما، ومع الإطلاق لا يفهم أحدهما، إنّما يفهم واحد دون صاحبه بدليل، وهو الصحيح.1
والّذي يدلّ عليه أنّ هذه اللّفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في التخاطب والقرآن والشعر، قال اللّه تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلوةَ)2 وهو آمرٌ، وقال تعالى:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطادوا)3 وهو مبيحٌ، وكذلك قوله تعالى:(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلوةُ فَانْتَشِروا فِي الأَرْضِ)4والانتشارُ مباح وغير مأمور به، وظاهر الاستعمال يدلّ على الحقيقة، إلاّ أن تمنع دلالة. وما نراهم يفزعون إذا أرادوا أن يبيحوا إلاّ إلى هذه اللّفظة، كما يفزعون إليها في الأمر. ولا يعترض على هذا

1 . لا يخفى أنّ ما ذكره يخالف ما اختاره فيما بعد من أنّه حقيقة في الإيجاب والندب، والعجب أنّه قال هنا:(وهو الصحيح); انظر ص 65.(المشرف)
2 . الأنعام:72.
3 . المائدة:2.
4 . الجمعة:10.

صفحه 57
بقولهم: أبحتُ، لأنّ ذلك خبرٌ محض. وهو جار مجرى أمرت في أنّه خبر، وإذا أرادوا أن يبيحوا بغير لفظة الخبر، فلا مندوحة لهم عن هذه اللّفظة، كما لا مندوحة لهم في الأمر.
وأمّا ما تعلّق به المخالف في اختصاص هذه الصيغة بالأمر، بأنّ معنى الأمر ـ و هو الطلب ـ يهجس في النفس، وتدعو الحاجة إليه ، فلابدّ من أن يضعوا له لفظاً تتمُّ به أغراضهم. وإذا وجب ذلك، فلا لفظ إلاّ هذه الصيغة المخصوصة.
فإنّه يبطل بالإباحة، لأنّ هذا المعنى موجود فيها، وما وضعوا عندهم لها لفظاً مخصوصاً. على أنّ أكثر ما في اعتلالهم أن يضعوا له لفظاً، فمن أين لهم أنّه لابدّ من أن يكون خاصّاً غير مشترك.
وأمّا تعلُّقهم بما سطره أهل العربيّة في كتبهم من قولهم: باب الأمر، وأنّهم لا يذكرون شيئاً سوى هذه اللّفظة المخصوصة، فدلّ على أنّها مخصوصة غير مشتركة، فباطلٌ أيضاً، لأنّ أهل العربيّة أكثر ما قالوا هو أنّ الأمر قول القائل: افعل، وأنّ هذه الصيغة صيغة الأمر، ولم يذكروا اختصاصاً ولا اشتراكاً، فظاهر قولهم لا ينافي مذهبنا، لأنّنا نذهب إلى أنّ هذه صيغة الأمر وأنّ الآمر إذا أراد أن يأمر فلا مندوحة له عنها، لكنّها مع ذلك صيغة للإباحة.
وبعد، فإنّ أهل اللّغة كما نصّوا في الأمر على لفظة افعل، فقد نصّوا في الإباحة على هذه اللّفظة، فلا يبيحون إلاّ بها. فإن كان ما ادّعوه دليل الاختصاص بالأمر، فهو بعينه دليل الاختصاص بالإباحة، والصحيح نفيُّ الاختصاص وثبوت الاشتراك.

صفحه 58

الفصل الرابع

فيما به صار الأمر أمراً

اختلف الناس في ذلك; فذهب قوم إلى أنّ الأمر إنّما كان أمراً بجنسه ونفسه.1
وقال آخرون: إنّما كان كذلك بصورته وصيغته.
وقال آخرون: إنّما كان كذلك لأنّ الآمر أراد كونه أمراً، وأجروه في هذه القضيّة مجرى الخبر.
وقال آخرون: إنّما كان الأمر أمراً، لأنّ الآمر أراد الفعل المأمور به. 2 وهو الصحيح.
والّذي يدلّ عليه أنّ الأمر إذا ثبت أنّه قد يكون من جنس ما ليس بأمر، وأنّ الأمر بعينه يجوز أن يقع غير أمر، فلابدّ والحال هذه من أمر يقتضي كونه أمراً. وإذا بيّنّا أنّه لا مقتضى لذلك سوى كون فاعله مريداً للمأمور به، تمّ ما أردناه.
والّذي يدلّ على أنّ الجنس واحد التباسهما على الإدراك، كالتباس السوادين،

1 . وهو اختيار أبي القاسم البلخي من المعتزلة.
2 . وهو مذهب محقّقي المعتزلة. راجع الأقوال في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/390.
أمّا الشيخ الطوسي فقد خالف هذه الأقوال قائلاً: واعلم أنّ هذه الصيغة التي هي قول القائل:«افعل» وضعها أهل اللغة لاستدعاء الفعل وطلبه، ومجاز في غيره من التهديد والإباحة والتحدّي وتكوين الشيء وما أشبه ذلك، وهو مذهب كثير من الفقهاء والمتكلّمين. راجع عدة الأُصول:1/163ـ 164.

صفحه 59
فكما نقضي بتماثل السوادين، كذلك يجب أن نقضي بتماثل ما جرى مجراهما.
وإنّما قلنا: إنّهما يشتبهان على الإدراك، لأنّ من سمع قائلاً يقول: قم، وهو آمر، لا يفصل بين قوله هذا، وبين نطقه بهذه اللّفظة مبيحاً، أو متحديّاً، أو ساهياً، أو حاكياً عن غيره. ولقوّة هذا الالتباس كان من يجوّز على الكلام الإعادة، يجوّز أن يكون ما سمعه ثانياً هو ما سمعه أوّلاً، وكذلك من اعتقد بقاء الكلام.
وأمّا الّذي يدلّ على أنّ نفس ما يقع فيكون أمراً، كان يجوز أن يقع غير أمر، فوجوه:
منها: أنّ الألفاظ العربيّة إنّما تفيد بالتواضع من أهل اللّغة، وتواضعهم يتبع اختيارهم، وليس هناك وجوب، وقد كان يجوز أن لا يتواضعوا في هذا اللّفظ المخصوص أنّه للأمر، ولو كان كذلك، لكانت هذه الحروف بعينها توجد، ولا تكون أمراً.
ومنها: أنّه لو كان الأمر يتعلّق بالمأمور من غير قصد المخاطب به، لم يمتنع أن يقول أحدنا لغيره: افعل، ويريد منه الفعل، ولا يكون قوله أمراً; أو لا يريد منه الفعل، فيكون قوله أمراً، وقد علمنا خلاف ذلك.
ومنها: أنّ لفظ الأمر لو كان مغايراً للفظ ما ليس بأمر، لوجب أن يكون للقادر سبيل إلى التمييز بين ما يوجد فيكون أمراً، وبين ما يوجد فيكون تهديداً، أو إباحة، وفي علمنا بفقد طريق التمييز دليلٌ على أنّ اللّفظ واحد.
ومنها: أنّ هذا القول يقتضي صحّة أن نعلم أنّ أحدنا أمر وإن لم نعلمه مريداً، إذا كان القصد لا تأثير له، ولا خلاف في أنّ أحدنا إذا كان آمراً، فلابدّ من

صفحه 60
كونه مريداً لما أمر به. وإنّما الخلاف بيننا وبين المجبّرة في اللّ1ه تعالى.
ومنها: أنّ هذا القول يقتضي انحصار عدد من نقدر أن نأمره في كلّ حال حتّى يكون القويّ بخلاف الضعيف، وإنّما أوجبنا ذلك، لأنّ القدرة الواحدة لا تتعلّق في الوقت الواحد في المحلّ الواحد من الجنس الواحد بأكثر من جزء واحد، وحروف قول القائل قم مماثلة لكلّ ما هذه صورته من الكلام، فيجب أن يكون أحدنا قادراً من عدد هذه الحروف في كلّ وقت على قدر ما في لسانه من القدرة، وهذا يقتضي انحصار عدد من يصحّ أن نأمره ، ومعلوم خلاف ذلك.
وليس لأحد أن يقول: إذا جاز أن يفعل أحدنا بالقدرة الواحدة في كلّ محلّ كوناً في جهة بعينها، ولم يجب أن يقدر على كون واحد يصحّ وجوده في المحالّ على البدل بالإرادة، فألاّ جاز مثله في الألفاظ.
وذلك أنّ القدرة الواحدة لا ينحصر متعلّقها في المتماثل إذا اختلفت المحالّ، كما لا ينحصر متعلّقها في المختلف والوقت والمحلّ واحد، وليس كذلك ما يتعلّق به من المتماثل في المحلّ الواحد والوقت واحد، لأنّها لا تتعلّق على هذه الشروط بأكثر من جزء واحد.
وليس له أن يدّعي أنّ محالّ الحروف المتماثلة متغايرة كما قلناه في الأكوان.
وذلك أنّ من المعلوم أنّ مخرج الزاء مثلاً كلّه مخرج واحد، وكذلك مخارج كلّ حرف، ولهذا متى لحقت بعض محالّ هذه الحروف آفة، أثّر ذلك في كلّ حروف ذلك المخرج.

1 . المجبّرة أو الجبرية وهم القائلون بأنّ الإنسان مجبور في أعماله لا اختيار له فيها، بل هو كالجماد، والجبرية اثنتان: متوسطة، تثبت للعبد كسباً في الفعل كالأشعرية. وخالصة لا تثبت كالجهمية والنجارية والضرارية وبهذا يلزمهم نفي التكليف الذي أوجبه الشرع. معجم الفرق الإسلامية:81.

صفحه 61
فإذا صحّ ما ذكرناه من أنّ نفس ما وقع أمراً قد كان يجوز أن يكون غير أمر، فلابدّ من وقوعه أمراً من وجه له اختص بذلك.
ولا يخلو ذلك الأمر من أن يكون ما يرجع إليه ويتعلّق به، أو ما يرجع إلى فاعله، والّذي يرجع إليه، لا يخلو من أن يكون جنسه، أو وجوده، أو حدوثه، أو حدوثه على وجه، أو عدمه، أو عدم معنى أو وجود معنى.
فإن كان المؤثّر حالاً يرجع إلى فاعله، لم يخل من أن يكون ذلك كونه قادراً، أو عالماً، أو مدركاً، أو مشتهياً، أو مريداً، لأنّ ماعدا ما ذكرناه، من كونه موجوداً، أو حيّاً، لا تعلُّق له بغيره، ونحن نبطل من الأقسام ماعدا ما ذهبنا إليه منها.
ومعلوم أنّ ما معه يكون الكلام تارة أمراً، وأُخرى غير أمر، لا يجوز أن يكون مؤثّراً في كونه أمراً، فسقط بذلك أن يكون أمراً لوجوده، وحدوثه، وجنسه، وصفته، لأنّ كلّ ذلك يوجد، ولا يكون أمراً.
وممّا يفسد أن يكون أمراً لجنسه أيضاً، أنّ صفة النَّفس ترجع إلى الآحاد دون الجمل، فكان يجب في كلّ جزء من الأمر أن يكون أمراً. ولأنّه كان يجب أن يتناوله الإدراك على هذه الصفة، فيعرف بالسمع كونه أمراً من لا يعرف اللّغة. ولأنّ صفات النَّفس تحصل في حال العدم والوجود، فكان يجب أن يكون في حال العدم أمراً.
وليس يجوز أن يكون أمراً لحدوثه على وجه، ويراد بذلك ترتيب صيغته، لأنّا قد بيّنا أنّ نفس هذه الصيغة قد تستعمل في غير الأمر. وإن أرادوا غير ما ذكرناه ، فلا وجه يشار إليه، إلاّ وقد تحدث عليه ولا يكون أمراً، حتّى يكون فاعله مريداً.

صفحه 62
ولا يصحّ أن يكون كذلك لعدمه، لأنّ عدمه يحيل هذه الصفة، وما أحال الصفة لا يكون علّة فيها.
ولا يجوز أن يكون كذلك لعدم معنى، لأنّ ذلك لا اختصاص له به دون غيره.
ولا يجوز أن يكون كذلك لوجود معنى، لأنّ كلّ معنى يشار إليه دون الإرادة قد يوجد ولا يكون أمراً. على أنّ المعنى لابدّ من اختصاصه به حتّى يوجب الحكم له، فلا يخلو من أن يختصّه بالحلول فيه، أو في محلّه، والأمر لا يصحّ أن يكون محلاً لغيره، وما يحلُّ محلّه ليس بأن يوجب كونه أمراً بأولى من أن يوجب كون غيره أمراً ممّا يحلُّ ذلك المحلّ، لأنّ الصَّدى قد يحلُّه في حال واحدة الكلامان من زيد وعمرو، فيكون أحدهما أمراً والآخر غير أمر.
وأمّا كون فاعله قادراً فلا يجوز أن يكون المؤثّر في كونه أمراً، لأنّ تعلّق هذه الصفة به وهو آمرٌ كتعلُّقها به وهو غير آمر. ولأنّ كونه قادراً لا يؤثّر إلاّ في الإيجاد، وكونه أمراً حكم زائد على الوجود.
وأمّا كونه عالماً فلا يخلو من أن يراد به كونه عالماً بذات الآمر، أو بالمأمور به، أو يراد بذلك كونه عالماً بأنّ الكلام أمر، والوجهان الأوّلان يفسدان بأنّه قد يكون عالماً بذات الآمر وبالمأمور به ولا يكون كلامه أمراً، والوجه الثالث يفسد بأنّ كلامنا إنّما هو فيما به صار أمراً، فيجب أن يذكر الوجه فيه، ثمّ يعلّق العلم به، لأنّ العلم لا يؤثّر في المعلوم، وإنّما يتعلّق به على ما هو به من غير أن يصير لأجله على صفة، بل لو قيل: إنّ العلم إنّما كان علماً لأجل أنّ المعلوم على ما هو به، كان أقرب من القول بأنّ المعلوم على ما هو به بالعلم، ألا ترى أنّ العلم كالتابع للمعلوم، من حيث يتعلّق به على ما هو عليه. ويجري هذا القائل مجرى من قال:

صفحه 63
إنّ الجسم إنّما صار متحرّكاً بعلم العالم بأنّه يتحرّك. وبعد فإنّ هذا يؤدّي إلى أن يكون علمنا بصفات القديم ـ تعالى ـ و صفات الأجناس هو المؤثّر في كونه ـ تعالى ـ على صفاته، وكون الأجناس على ما هي عليه، وبطلان ذلك ظاهر.
والّذي يفسد أن يكون المؤثّر في الأمر كون فاعله مدركاً أو مشتهياً أو نافراً أنّه قد يكون كذلك، ويكون كلامه تارة أمراً وأُخرى غير أمر.
فلم يبق بعد ما أفسدناه إلاّ أن يكون المؤثّر هو كون فاعله مريداً.

[إرادة المأمور به هو المؤثّر في كون الأمر أمراً]

وإذا كان المؤثّر هو كون فاعله مريداً، فلا يخلو من أن يكون المؤثّر كونه مريداً للمأمور به، أو كونه مريداً لكونه أمراً، والأوّل هو الصحيح. والّذي يبطل الثاني أنّه يقتضي أن يكون أمراً بما لا يريده، أو بما يكرهه غاية الكراهية، وقد علمنا تعذُّر ذلك، وأنّه محال أن يأمر أحدنا بما يكرهه.
وممّا يدلّ على ما ذكرناه أنّه لا يصحّ أن يأمر الآمر إلاّ بما يصحّ أن يريده، ألا ترى أنّه لا يصحّ أن يأمر بالماضي ولا بالقديم لما لم يصحّ أن يراد، فلولا أنّ الإرادة المؤثّرة في كونه أمراً هي المتعلّقة بحدوث المراد، لم يجب ذلك، ألا ترى أنّ الخبر لما احتاج إلى إرادة تتناول كونه خبراً، ولا تتناول المخبر عنه، جاز أن يخبر عن القديم والماضي، فدلّ هذا الاعتبار على مفارقة الأمر للخبر فيما يتناوله الإرادة.
فأمّا الكلام فيما وضع له الأمر ليفيده، فهو أنّه وضع ليفيد أنّ الآمر مريد للمأمور به. ولهذا نقول: إنّ الأمر ـ من حيث كان أمراً ـ لا يدلُّ إلاّ على حال الآمر، ولا يدلُّ على حال المأمور به، لأنّه قد يأمر بالحسن، والقبيح، والواجب، وما

صفحه 64
ليس بواجب، فإذا كان الآمر حكيماً لا يجوز أن يريد القبيح، ولا المباح، علمنا أنّه لم يأمر إلاّ بما له صفة زائدة على حسنه من واجب أو ندب.
والّذي يدلُّ على ما ذكرناه أنّه لا فرق عند أهل اللّغة بين قول القائل لغيره: أُريد منك أن تفعل وبين قوله: افعل.
وأيضاً فإنّ الظاهر من أهل اللّغة أنّهم يجعلون قول القائل لغيره:«افعل» أمراً، إذا كان فوقه في الرُّتبة، وسؤالاً، إذا كان دونه، فجعلوا الرُّتبة فاصلة بين الأمرين، ولا خلاف في أنّ السؤال يقوم مقام قول السائل للمسؤول: أُريد منك أن تفعل كذا وكذا. فلم يفصلوا بين السؤال والأمر إلاّ بالرتبة، وإلاّ فلا فصلَ بينهما في الفائدة والمعنى.

الفصل الخامس:

هل الأمر يقتضي الوجوب أو الإيجاب؟

اختلف الناس في ذلك، فذهب جميع الفقهاء وطائفة من المتكلّمين إلى أنّ الأمر يقتضي إيجاب الفعل على المأمور به، وربّما قالوا وجوبه.1
وقال آخرون: مطلق الأمر إذا كان من حكيم، اقتضى كون المأمور به مندوباً إليه، وإنّما يعلم الوجوب بدلالة زائدة، وهذا هو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم ومن وافقهما.2

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/171، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/51، والجويني في البرهان في أُصول الفقه:1/162، وهو مختار الأشاعرة كما في المحصول:1/204، والظاهرية كما في الإحكام:3/269، وغيرهم.
2 . وهو مذهب بعض الفقهاء ومعتزلة البصرة. أُنظر المعتمد:1/51.

صفحه 65
وذهب آخرون إلى وجوب الوقف في مطلق الأمر بين الإيجاب والندب، والرجوع في كلّ واحد من الأمرين إلى دلالة غير الظاهر1وهو الصحيح.
وتحقيقه أنّ الأمر إذا صدر من حكيم نأمن أن يريد القبيح أو المباح، فلابدّ من القطع على أنّ للمأمور به مدخلاً في استحقاق المدح والثواب، إلا أنّ هذا القدر غير كاف في أنّه ندب، ولا كاف في أنّه واجب، فيحتاج إلى دلالة إمّا على أنّ تركه قبيح، فيعلم أنّه واجب. أو أنّه ليس بقبيح، فيعلم أنّه ندب.
والّذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه، أنّا قد بيّنّا أنّ الأمر إنّما يكون أمراً، لأنّ الآمر أراد المأمور به، وإرادة الحكيم له تقتضي ما ذكرناه من الصفة الزائدة على حسنه، وهذه الصفة الزائدة على الحسن قد تثبت في الندب والواجب، فلابدّ من دلالة زائدة تدلّ على حكم الترك، فيبنى على ذلك الوجوب أو الندب.
وليس لأحد أن يقول: أراد الفعل على جهة الإيجاب، لأنّ ذلك لا يعقل، إن لم يكن المقصود به أنّه أراده وكره تركه، فإذا كان مطلق الأمر لا تعلّق بينه و بين هذه الكراهيّة، لم يجز أن يدلّ عليها.
ويدلُّ أيضاً على ما اخترناه من المذهب أنّه لا شبهة في استعمال صيغة الأمر في الإيجاب والندب معاً في اللّغة، والتعارف، والقرآن و السنّة، وظاهر الاستعمال يقتضي الحقيقة2، وإنّما يعدل عنها بدليل، وما استعمال اللّفظة الواحدة في

1 . وهو مختار الأشعري وجماعة من أصحابه، كالقاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد الصغير:2/27 و 35 و الغزالي كما في المستصفى:2/70.
وذكر العلاّمة الحلّي أقوالاً أُخرى وخلص إلى القول: والوجه عندي أنّها من حيث اللغة موضوعة للطلب مطلقاً ومن حيث الشرع للوجوب. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/400ـ 402.
2 . ما ذكره مبني على أنّ الاستعمال آية الحقيقة، وهو ليس بتام، لأنّ الاستعمال أعمّ منها ومن المجاز، فإذا كان كذلك فلا يكون الاستعمال دليلاً على أحد الأمرين.(المشرف)

صفحه 66
الشَّيئين أو الأشياء إلاّ كاستعمالها في الشيء الواحد في الدلالة على الحقيقة. وإذا ثبت اشتراك هذه الصيغة بين الوجوب والندب، لم يجز أن يفهم أحدهما من ظاهر القول إلاّ بدليل منفصل.
ونحن وإن ذهبنا إلى أنّ هذه اللّفظة مشتركة في اللّغة بين الندب والإيجاب، فنحن نذهب إلى أنّ العرف الشرعيّ المتّفق المستمرّ قد أوجب أن يحمل مطلق هذه اللّفظة ـ إذا وردت عن اللّه تعالى أو عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على الوجوب دون الندب، وعلى الفور دون التراخي، وعلى الإجزاء، و تعلّق الأحكام الشرعيّة به. وفي النهي أنّه يقتضي فساد المنهيّ عنه، وفقد إجزائه. وكذلك نقول في اللّفظ الّذي يذهب الفقهاء إلى أنّه موضوع للاستغراق و الاستيعاب في اللّغة، ونذهب نحن إلى اشتراكه، فنذهب إلى أنّ العرف الشرعيّ قرّر ومهَّد حمل هذه الألفاظ ـ إذا وردت عن اللّه تعالى أو عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مع الإطلاق والتجريد على الاستغراق، وإنّما يرجع في التخصيص إلى الدلالة.
والّذي يدلُّ على صحّة هذه الجملة ما هو ظاهر لا يدخل على أحد فيه شبهة، من حمل الصحابة كلّ أمر وارد في قرآن أو سنّة على الوجوب، وكان يناظر بعضهم بعضاً في مسائل مختلفة، فمتى أورد أحدهم على صاحبه أمراً من اللّه تعالى أو من رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يقل صاحبه: هذا أمرٌ، والأمر يقتضي الندب، أو الوقوف بين الوجوب والندب، بل اكتفوا في الوجوب واللّزوم بالظاهر. وكذلك في جميع المسائل الّتي ذكرناها، لأنّهم مازالوا يكتفون في وجوب تعجيل الفعل بأنّ اللّه تعالى أو رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)أوجبه وألزمه، وفي فساده وعدم إجزائه، أنّه نهى عنه، وحظره.
والعموم يجري مجرى ما ذكرناه. وما كانوا يطلبون عند المنازعة والمناظرة

صفحه 67
والمطالبة في ألفاظ العموم الّتي يحتجّ بها عليهم إلاّ المخصّصات لها، وقد كان يجب أن يقولوا : هذه ألفاظٌ مشتركة بين العموم والخصوص، فكيف يحتجّ بها في العموم بغير دلالة. وهذا معلوم ضرورة من عاداتهم الّتي ما اختلفت، ومعلوم أيضاً أنّ ذلك من شأن التابعين لهم وتابعي التابعين، فطالما اختلفوا وتناظروا فلم يخرجوا عن القانون الّذي ذكرناه، وهذا يدلُّ على قيام الحجّة عليهم بذلك، حتّى جرت عادتهم به، وخرجوا عمّا يقتضيه مجرّد وضع اللّغة في هذا الباب.1
وأمّا أصحابنا معشر الإماميّة فلا يختلفون في هذا الحكم الّذي ذكرناه، وإن اختلفوا في أحكام هذه الألفاظ في وضع اللّغة، ولم يحملوا قطُّ ظواهر الألفاظ إلاّ على ما بيّنّاه، ولم يتوقّفوا على الأدلّة، وقد بيّنا في مواضع من كتبنا أنّ إجماع أصحابنا حجّة.

[أدلّة القائلين بدلالة الأمر على الوجوب لغة ]

وقد تعلّق من ذهب إلى وجوب الأمر بطرق اعتباريّة، وطرق سمعيّة، وهي على ضربين: قرآنيّة وأخباريّة. ونحن نذكر أقوى ذلك شبهة، فإنّ الّذي تعلّق به الفقهاء في ذلك لا يكاد ينحصر وينتظم.
فأمّا الطرق الاعتباريّة: فأوّلها: قولهم: السيّد إذا أمر غلامه بفعل، عقل منه الإيجاب، ولذلك يوبِّخه العقلاء، ويذمّونه ، إذا خالفه.

1 . التحقيق انّ هيئة الأمر وضعت للبعث نحو المأمور به والمادة وضعت للطبيعة فليس في الأمر ما يدلّ على الوجوب. نعم انّما يستفاد الوجوب من حكم العقل من أنّ بعث المولى لا يترك بلا جواب ولا يمكن ترك إطاعته باحتمال كونه غير واجب، ولعلّ الصحابة والتابعين ومن تبعهم من العلماء يصدرون من حكم العقل.(المشرف)

صفحه 68
وثانيها: قولهم: لو لم يكن لفظة افعل موضوعة للإيجاب، لم يكن للإيجاب لفظة موضوعة في اللّغة مع الضرورة الداعية إلى ذلك.
وثالثها: أنّه لا شبهة في تسمية من خالف الأمر المطلق بأنّه عاص، والمعصية لا تكون إلاّ في خلاف الواجب.
ورابعها: قولهم: إنّ غاية ما يفعله من يريد الإيجاب والإلزام أن يقول لغيره افعل.
وخامسها: أنّ الأمر بشيء بعينه يقتضي أنّه حصر المأمور به، وقصره عليه، وذلك يمنع من تعدّيه وتجاوزه.
وسادسها: أنّه لو لم يقتض الإيجاب، لم يكن بعض الوجوه بأن يستفاد به أولى من بعض مع تضادّها، فيجب أن يقتضي الوجوب.
وسابعها: قولهم: إذا كان الآمر لابدّ من أن يكون مريداً للمأمور به، وإذا أراده فقد كره تركه، وربّما قال بعضهم: إنّ إرادة الفعل كراهة لضدّه.
وثامنها: قولهم: إنّ الأمر بالشيء يقتضي في المعنى النهي عن ضدّه، كما أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بتركه.
وتاسعها: أنّ لفظ الأمر يجب أن يقتضي ضدّ ما يقتضيه لفظ النهي في المعنى، وإذا كان النهي يقتضي التحريم، فالأمر يقتضي الإيجاب.
وعاشرها: قولهم: إنّ الأمر لا يخلو من أقسام ثلاثة: إمّا أن يقتضي الإيجاب، أو المنع، أو التخيير، والمنع معلوم أنّه لا يستفاد بالأمر، وإنّما يستفاد المنع بالنهي، ولا يجوز أن يفيد التخيير لفقد ألفاظ التخيير، فلم يبق إلاّ الإيجاب.
وحادي عشرها: قولهم: إذا احتمل لفظ الأمر الإيجاب والندب، وجب حمله على الإيجاب، لأنّه أعمّ فوائده، كما يقال في ألفاظ العموم.
وثاني عشرها: طريقة الاحتياط، وأنّ حمله على الإيجاب أحوط للدين.

صفحه 69
وثالث عشرها: أنّ الأمر لابدّ له من فائدة، ومحال حمله على الإيجاب والندب معاً، لتنافي الفائدتين، فلو كانت فائدته هي الندب، لوجب أن يكون متى حمل على الإيجاب أن يكون مجازاً، وأجمعنا على خلاف ذلك.
فأمّا الطُّرق القرآنيّة: فأوّلها: قوله تعالى:(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)1، والتحذير يقتضي وجوب الامتثال.
وثانيها: قوله تعالى:(فَلا وَربِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنِهمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ).2
وثالثها: قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).3
ورابعها: قوله تعالى:(أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).4
وخامسها: قوله تعالى:(وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّم).5
والطرق الأخباريّة: أوّلها: ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:«لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتُهم بالسواكِ عِندَ كلِّ صَلاة».6 وقد ندب إلى ذلك عند كلّ صلاة، فثبت أنّه أراد الإيجاب.
وثانيها: خبر بريرة7 حين أشار عليها بمراجعة زوجها، وأنّها قالت له(صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . النور:63.
2 . النساء:65.
3 . الأحزاب:36.
4 . النساء:59.
5 . الجن:23.
6 . الكافي:3/22 ح1، باب السواك; من لا يحضره الفقيه:1/55 ح123، باب علة الوضوء; صحيح البخاري:1/214، كتاب الجمعة; سنن ابن ماجة:1/105 برقم 287.
7 . بريرة مولاة عائشة بنت أبي بكر فأعتقتها ، صحابية، قيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وقيل لبني هلال. الإصابة:8/50برقم 10934.

صفحه 70
أتأمرني بذلك، فقال: «إنّما أنا شافع»، فقالت عند ذلك: فلا حاجة لي فيه.1 وفرقت بين الأمر والشفاعة، وليس ذلك إلاّ لوجوب الأمر.
وثالثها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) للأقرع بن حابس2 ـ وقد سأله عن الحجّ: ألعامنا هذا أم للأبد؟، ـ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا بل للأبد، ولو قلت: نعم، لوجب، ولو لم تفعلوا، لضللتم».3 وهذا صريح في أنّ الأمر يقتضي الإيجاب.
ورابعها: توبيخه(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سعيد الخدريّ لمّا دعاه وهو في الصلاة، فلم يجبه، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)له: «ألم تسمع اللّه تعالى يقول:(يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ)4».5

[الجواب عن أدلّة القائلين بالوجوب]

فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّنا لا نسلّم ما ادّعيتموه لا حكماً ولا علّة، لأنّه ليس كلّ عبد يستحقّ الذمّ إذا لم يفعل ما أمره مولاه، ومن استحقّ الذمّ منهم فليس العلّة في استحقاقه مجرّد خلاف الأمر، لأنّا لو فرضنا عبداً سمع مجرّد الأمر من مولاه، وهو لا يعرف العادة العامّة، ولا عادة مولاه الخاصّة، وفوّت منفعة مولاه

1 . مسند أحمد:1/215; سنن الدارمي:2/170; سنن أبي داود:1/497برقم 2231.
2 . هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي، صحابي، كان من سادات العرب في الجاهلية، شهد حنيناً وفتح مكة والطائف وسكن المدينة، وكان من المؤلّفة قلوبهم، وهو المنادي من وراء الحجرات، وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه، وقتل بالجوزجان سنة 31هـ. الأعلام:2/6; رجال الطوسي:26برقم 59.
3 . مسند أحمد:1/255، 291، 352، 371; سنن النسائي:5/111; مستدرك الحاكم:1/470; مستدرك الوسائل:ج8، الباب3 من أبواب وجوب الحج، الحديث4; عوالي اللآلي:1/169 برقم 189.
4 . الأنفال:24.
5 . فقه القرآن:1/121; الدر المنثور:1/13.

صفحه 71
بمخالفة أمره، فإنّه لا يستحقّ الذمّ. ولو أمره مولاه بما يختصّ بمصالح العبد، من غير أن يعود على السيّد منه نفع أو ضرر، لما ذمّه أحد من العقلاء إذا لم يفعل، فالحكم الّذي قضوا به، نحن نخالف فيه، ثمّ لو عرف العبد كراهية مولاه لمخالفته، إمّا بالعادة، أو بشاهد الحال، نحو أن يأمره بأن يسقيه الماء وقد غصَّ بلقمة، فاستحقّ الذمّ على خلافه، ولما كانت العلّة في ذلك ما ادّعي من مجرّد خلاف الأمر، بل ما ذكرناه.
وممّا يوضح ما ذهبنا إليه أنّ الأمر لو أفاد الإيجاب لأمر يرجع إليه، لم يفترق الحال بين الكبير والصغير، والجليل والوضيع، فكيف يختصّ الإيجاب بأمر الأعلى للأدون، لولا أنّ ذلك ليس بموجب عن الأمر. وإنّما يقتضي الإيجاب لأسباب عارضة من أحوال وعادات.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: قد وضعوا للإيجاب لفظاً في اللّغة، وهو أوجبت، وألزمت، ومتى لم تفعل استحققت الذمّ والعقاب، فإذا قالوا: هذه صيغة الخبر، وأردنا ما هو بصيغة الأمر، قلنا: هذا تحكّم على أهل اللّغة، وإذا أوجبنا أن يضعوا لهذا المعنى لفظاً، فأيّ فرق في الإنباء عن مرادهم بين ما هو بصيغة الخبر وبين ما هو بصيغة الأمر. على أنّ ذلك يعكس عليهم، فيقال: معنى الندب معقول لهم، فيجب أن يضعوا له لفظاً ينبئ عنه، ولا لفظ إلاّ قولهم: افعل. فإن عدلوا إلى أن يقولوا: قد وضعوا لذلك ندبت، قلنا في الإيجاب مثله.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به ثالثاً: لا نسلّم لكم أنّ لفظة «عاص» لا تدخل إلاّ في الوجوب أو الإيجاب، لأنّ من خالف في الشاهد ما ندب إليه أو أُرشد إليه يقال: عصى، بل يقال ذلك في المشورة ولا خلاف أنّه لا إيجاب فيها. ولفظة «عاص» لا تفيد فعل قبيح، كما أنّ إطلاق لفظ مطيع لا يدلّ على فعل حسن، وإذا أضفنا

صفحه 72
فقلنا: أطاع اللّه تعالى فهو دالٌّ على زيادة على الحسن، فإنّ اللّه تعالى لا يأمر إلاّ بما له صفة الوجوب أو الندب، وإذا قلنا: عصى اللّه سبحانه في كذا، فالمعنى أنّه خالف أمره وإرادته. وقد يدخل ذلك في الوجوب والندب معاً، فإذا اقترن بذلك ذمٌّ أو توبيخ، خلص للإخلال بالواجب.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: مازدتم على الدعوى، فمن أين قلتم إنّه غاية ما يفعله الموجب هي أن يقول: افعل، ففي ذلك الخلاف، بل إذا أراد الإيجاب والإلزام قال: أوجبت أو ألزمت أو إن لم تفعل ذممتك.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: هذه عبارة موهمة، فما مرادكم بقولكم: حصره وقصره، أتريدون أنّه أراد المأمور بعينه دون غيره، فهو مسلّم، ولا إيجاب في ذلك، أم تريدون أنّه حصره على وجوبه، ففيه الخلاف، ولصاحب الندب أن يقول: حصره وقصره على أن ندبه إليه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: هاهنا وجه معقول مستفاد من مطلق الأمر، وهو دلالته على أنّ الآمر مريد للفعل، وإذا كان الآمر حكيماً، استفدنا كون الفعل عبادة، وممّا يستحقّ به الثواب ، وهذه فائدة معقولة.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: لو كان الآمر بالشيء إذا أراده فلابدّ من كونه كارهاً لتركه، لوجب أن تكون النوافل كلّها واجبة ولاحقة بالفرائض، والّذي يدلُّ على أنّه تعالى أمر بالنوافل أنّه لا خلاف في وصفنا فاعلها بأنّه مطيعٌ للّه تعالى، والطاعة إنّما هي امتثال الأمر أو الإرادة.
ولا خلاف في أنّه تعالى رغَّب في النَّوافل، وذلك يقتضي كونها مرادة للّه تعالى.
ولا خلاف أيضاً في أنّ النوافل كالفرائض في تناول التكليف لها، وذلك

صفحه 73
يقتضي كونه تعالى مريداً لها. وقوله سبحانه : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَـدْلِ وَالإِحْسانِ)1 دليل على أنّ النوافل مأمورٌ بها، لأنّ الإحسان له صفة النفل دون الوجوب.
فأمّا من ذهب إلى أنّ نفس إرادة الفعل تكون كراهة لتركه، فقوله يفسد بما ذكرناه في النوافل. ولأنّه محال أن يكون الشيء بصفة ضدّه، وما كون الإرادة كراهة إلاّ ككون العلم جهلاً، والقدرة عجزاً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثامناً: من أنّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه، سنبيّن بطلان هذه الشبهة في باب مفرد على أنّ ذلك ينتقض بالنوافل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به تاسعاً: ما أنكرتم أن يكون الأمر يقتضي ضدّ ما يقتضيه النهي فيما يجوز أن يدلّ عليه الأمر والنهي، والأمر إذا دلّ على كون الآمر مريداً للفعل، فالنهي يدلُّ على أنّه كاره له، والتحريم ما علمناه في متناول النهي إلاّ بواسطة، وهي أنّ اللّه تعالى إذا نهى عن فعل، فلابدّ أن يكون كارهاً له، وهو تعالى لا يكره إلاّ القبيح، والقبيح محظور محرَّم، وهذا الاعتبار ليس بموجود في الأمر، لأنّه إذا أمر بشيء، وأراده ، فلابدّ من كونه طاعة وممّا يستحقّ به المدح والثواب، وما هو بهذه الصفة ينقسم إلى واجب وندب، فلا يجب أن يقطع على أحدهما، وما يكرهه تعالى فهو غير منقسم، ولا يكون إلاّ قبيحاً، فافترق الأمران.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به عاشراً: قد أخللتم في القسمة بقسم، وهو مذهبنا، ونحن نعلم أنّ الترغيب في الفعل وجه معقول كالإلزام وليس كونه ندباً يقتضي التخيير، لأنّ التخيير إنّما يقتضي المساواة بين الشيئين المخيّر بينهما، وليس الندب مساوياً لتركه فيجوز التخيير بينهما.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به حادي عشر: قد اقتصرتم على دعوى، فمن أين قلتم:

1 . النحل:90.

صفحه 74
إنّه يجب حمله على أعمّ الفوائد، وما الفرق بينكم، وبين من يقول:بل يجب حمله على اليقين وهو الأقل في الفائدة، وذلك هو الندب. وإنّما يسوغ ما قالوه، إذا كان اللّفظ يتناول الجميع تناولاً واحداً، فأمّا إذا كان محتملاً، وما يحتمله كا لمتضاد، فما ادّعاء الأعمّ إلاّ كا دّعاء الأخصّ.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثاني عشر: الّذي ذكرتموه ضدُّ الاحتياط، لأنّه يقتضي أفعالاً قبيحة، منها اعتقاد وجوب الفعل، وذلك جهل، وعزم على أدائه على هذا الوجه، وهو أيضاً قبيح. ولابدّ من أن يعتقد هذا الفاعل قبح ترك هذا الفعل، فيكون جهلاً ثانياً. وربّما كرهه، فيكون قبيحاً زائداً. فما هذه حاله، كيف يكون احتياطاً. وليس يجري ذلك مجرى من ترك صلاة من خمس صلوات من غير أن يعرفها بعينها، والقول في إيجاب كلّ الصَّلوات عليه، لأنّ ذلك يقتضي دخول ما أخلّ به في جملة ما فعله، من غير فعل قبيح وقع منه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالث عشر: إنّا قد بيّنا أنّ الأمر يفيد كون الآمر مريداً للفعل، وليس يفيد في الأفعال حكماً على وجه، فالندب كالواجب في معنى دلالة الأمر، وهو أنّ الآمر مريد للفعل، فإذا قامت دلالة على وجوبه، فإنّما هي دالّة على أنّ تركه مكروه، وذلك لا يوجب كونه مجازاً، لأنّ دلالته وهو واجب، كدلالته وهو ندب فيما يرجع إلى الأمر به. وبعد، فإنّ كلّ لفظة مشتركة بين أمرين على سبيل الحقيقة، لا يجب أن تكون مجازاً في كلّ واحد منهما، إذا أُريد بها كسائر الألفاظ المشتركة مثل عين ولون.
ويقال لهم في أوّل ما تعلّقوا به من القرآن: أوّل ما نقوله: إنّه لو ثبت في القرآن أو السُّنّة ما يدلُّ على وجوب المأمور به، لم يكن ذلك نافعاً لمخالفنا، ولا ضارّاً لنا، لأنّنا لا ننكر على الجملة أن يدلّ دليل على وجوب الأمر، وإنّما ننكر أن يكون ذلك

صفحه 75
يجب بوضع اللّغة. وإنّما نتكلّم فيما استدلّوا به من قرآن أو سنّة على وجوب الأمر، لا لأنّه إن صحّ، قدح فيما أصّلناه، وإنّما نتكلّم فيه لأنّه لا يدلُّ على المقصود. وهذه جملة يجب أن تكون محصّلة مراعاةً.
ثمّ نقول: اقتران الوعيد بهذا الأمر هو الدلالة على وجوبه، فمن أين لكم أنّ الأمر المطلق يدلّ على الوجوب.
ثمّ إنّ المراد ظاهرٌ، وهو أنّه أراد الخلاف على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل جحد النُّبوة، بدلالة أوّل الآية بقوله تعالى:(لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بعضكم بعضاً)1، وهذا إنكار على من لم يلتزم الانقياد له لأجل النُّبوة، ولا محالة إنّ خلافه على هذا الوجه كفر.
وبعد، فإنّ مخالفة الأمر هو ضدُّ الموافقة، وفعل ما ندب إليه على وجه الوجوب مخالفة له، كما أنّ فعل ما أوجبه مقصوداً به إلى الندب مخالفة أيضاً، والآية تضمّنت التحذير من المخالفة فمن أين له وجوب ما أُمر به، حتّى يكون من فعله على غير هذا الوجه مخالفاً. فعلم أنّ ظاهر الآية مشترك بيننا وبينهم، وأنّه لا حجّة فيها لهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ليس المراد بالقضاء هاهنا الأمر المطلق، بل الإلزام، كما نقول: قضى القاضي بكذا وكذا، بمعنى حكم وألزم، ولهذا لا تسمّى الفتوى قضاء.
والكلام فيما تعلّقوا به ثالثاً، كالكلام في هذه الآية، فلا معنى لإعادته.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً، من قوله تعالى:(أَطيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسولَ): إنّ هذا أمرٌ، والخلاف فيه نفسه، فكيف يستدلّ به على نفسه. والطاعة هي امتثال

1 . النور:63.

صفحه 76
الأمر، وقد بيّنا أنّ الطاعة تدخل في الندب والإيجاب جميعاً، فكيف يعقل من الظاهر أحدهما؟!
وأيضاً فإنّ الطاعة هي امتثال الأمر على الوجه الّذي تعلّق به الأمر إمّا بإيجاب أو ندب، حسبما مضى من الكلام في المخالفة، فمن أين لهم أنّ أمره على الوجوب، حتّى يكون من فعله على هذا الوجه مطيعاً له، وإلاّ كان على الندب، وطاعته إنّما هي فعله على هذا الوجه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّا قد بيّنا أنّ المعصية قد تدخل في الندب كما تدخل في الواجب، وأنّه قد يكون عاصياً لمخالفة الأمر على وجه لا يستحقُّ به الوعيد، فيجب أن تحمل الآية لأجل الوعيد على مخالفة الأمر الواجب.
ويقال لهم في أوّل الطرق الأخباريّة: إنّه ليس يجوز أن يثبت حكم الأمر في وجوب أو ندب وهو أمرٌ معلوم، بأخبار الآحاد الّتي لا توجب إلاّ الظنّ.
وبعدُ، فإنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقَّ على أُمّتي لأَمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة» لو تجرّد، ما علمنا به الوجوب، لكنّا لمّا علمنا أنّ السِّواك مندوبٌ إليه، كان ذلك قرينة في أنّه أراد الوجوب.
ويقال لهم في خبر بريرة: أكثر ما فيه التفرقة بين الأمر والشفاعة، وبينهما تفرقة وإن لم يكن لأجل وجوب الأمر، وهي أنّ الأمر منه(صلى الله عليه وآله وسلم)يتعلّق بالديانات والعبادات، والشفاعة ليست كذلك، لأنّها تكون في المنافع الحاضرة العاجلة ، وفي الأغراض الدنياويّة.
وأمّا خبر الأقرع بن حابس، فإنّه لم يسأل عن مطلق الأمر، وإنّما سأل عن تكرار ما ثبت وجوبه، وهو الحجّ، فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لو قال نعم، لوجب، لأنّ قوله نعم يكون بياناً، وبيان الواجب واجب.

صفحه 77
وأمّا الجواب عن خبر أبي سعيد الخدري، فإنّ دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف أمره، لأنّ إجابة دعائه واجبة ولذلك صحّ أن يأمره لمكان الإجابة بقطع الصلاة، ومثل ذلك لا يصحّ في الأمر. والدعاء هو أن يناديه: يا فلان، فيجب عليه الإجابة، والأمر أن يقول له: افعل، وقد بيّنّا أنّه متردّد بين الندب والإيجاب.
وقد تعلّق من قطع في مجرّد الأمر على أنّ المراد به الندب بأن قال: إذا كان الأمر من الحكيم لابدّ من أن يريد المأمور به، ولابدّ من كونه مع الحكمة، ممّا له مدخل في العبادة واستحقاق الثواب، فيجب أن يكون ندباً، لأنّه أقلُّ أحواله، وما لابدّ منه، وإنّما يكون واجباً إذا علمنا كراهة الترك.
فيقال لهم: هذا الّذي قدّمتموه صحيح، لكنّكم بنيتم عليه ما لا يليق به، فمن أين لكم أنّه إذا أراد المأمور به، فإنّه لم يكره تركه، وأنتم لا تستفيدون من مطلق الأمر حكم الترك، وإنّما تستفيدون أنّ الآمر مريد للمأمور به. وقولكم: نحمله على أقلّ أحواله، تحكُّم، ولم يجب ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الآمر مع أنّه مريد للمأمور به، كارهاً لتركه، كما أنّه من الجائز أن لا يكون كارهاً لتركه، فالقطع على أحد الأمرين بغير دليل ظلم.
فإن قالوا: لو كره الترك، لبيّنه.
قلنا: ولو لم يكن كارهاً، لبيّنه.
فإن قالوا: الأصل في العقل كون الفعل والترك جميعاً غير مرادين ولا مكروهين، فإذا تعلّق الأمر بأحدهما، علمناه مراداً، وبقي الترك على ما كان عليه، فلو تغيّرت حاله، وصار قبيحاً، وممّا يجب أن يكرهه الحكيم، وجب على المخاطب بهذا الأمر أن يبيّن ذلك من حاله، فإنّ البيان لا يتأخّر عن حال الخطاب. وهذا الّذي حكيناه أقوى ما يمكن أن يتعلّق به في نصرة مذهبهم.

صفحه 78
والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم ـ أوّلاً ـ أنّ الفعل والترك جميعاً كانا في العقل سواء في أنّهما غيـر مـرادين ولا مكروهيـن، لأنّـه إذا أُمـرنا بالصلاة مثلاً، فقد أُمرنا بفعل كان في العقل ـ لولا هذا الأمر ـ محظوراً، وكان تركه واجباً، لأنّه إدخال مشقّة وكلفـة على النَّفس بغير فائدة، فإذا قال لنا صلّوا، فقد دلّ ذلك على أنّ للصلاة صفة زائدة على حسنها، يستحقُّ بها المدح والثواب، ولابدّ من أن يكون صفة ترك الصلاة الّذي كان في العقل واجباً، قد تغيّرت عند ورود هذا الأمر، وتغيُّرها ينقسم إلى أن يكون مكروهاً، فيكون الفعل واجباً، وإلى أن لا يكون مراداً ولا مكروهاً، فيكون الفعل ندباً، وإلى أن يكون مراداً، فيكون مخيّراً بين الفعل والترك، فثبت بهذه الجملة أنّه لا يجوز مع ورود الأمر بهذه العبادات أن تبقى في تروكها على الأصل العقليّ، بل لابدّ من تغيّره على ما بيّنّاه.
على أنّا لو سلّمنا أنّ حكم الترك في أصل العقل على ما ذكروه، لكان إنّما يجب البيان في وقت الحاجة، لا في وقت الخطاب، على ما سنبيّنه في موضعه من هذا الكتاب بمشيّة اللّه تعالى وعونه، فلو قال الحكيم لغيره : افعل كذا وكذا غداً أو بعد شهر، لما وجب أن يبيّن له حكم الترك في هذا الوقت، وليس بوقت للحاجة، وأنتم لا تفرّقون في حمل الأمر على الندب بين أن يكون على الفور أو على التراخي. وهذه جملة كافية في الاطّلاع على سرّ هذا الباب فليحسن تأمّلها.

صفحه 79

الفصل السادس:

في حكم الأمر الوارد بعد الحظر

اعلم أنّ أكثر المتكلّمين في أُصول الفقه أطبقوا على أنّ الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي الإباحة; وإطلاق الحظر الّذي تقدّم، وإن كانوا يذهبون إلى أنّه لو انفرد وكان مبتدأ، اقتضى الوجوب1. ولسنا ندري ما السبب في استمرار هذه الشبهة الضعيفة.
والصحيح أنّ حكم الأمر الواقع بعد الحظر هو حكم الأمر المبتدأ، فإن كان مبتدأه على الوجوب أو الندب أو الوقف بين الحالين، فهو كذلك بعد الحظر.2
والّذي يدلُّ على ذلك أنّ الأمر إنّما يدلُّ على ما يدلُّ عليه، لأمر يرجع إلى كونه أمراً، وإذا كانت هذه الصفة لا تتغيّر بوقوعه بعد الحظر، فدلالته يجب ألاّ تتغيّر.

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشافعي ومن تابعه، ومالك وأصحابه، وأحمد كما في المعتمد:1/75، وروضة الناظر:174.
2 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/183، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/432، والرازي في المحصول:1/236، والمعتزلة كما في الإحكام:3/333، وابن السمعاني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق الشيرازي كما في المعتمد:1/75 وروضة الناظر:174.

صفحه 80
وأيضاً فإنّ الحظر العقليّ آكد من السَّمعيّ، وقد علمنا أنّ ورود الأمر بعد الحظر العقليّ لا يمنع من اقتضائه الوجوب، وكذلك وروده بعد الحظر الشرعيّ.
وبعد، فإنّ كونه محظوراً لا يمنع من وجوبه أو كونه ندباً بعد هذه الحال، وإذا كان لا يمنع من ذلك، لم تتغيّر الدلالة.
فإن قيل: ورود الأمر بعد الحظر يقتضي إطلاق الحظر.
قلنا: لا شبهة في ذلك غير أنّ إطلاق الحظر يكون بالإيجاب والندب، كما يكون بالإباحة، فمن أين أنّه يقتضي إطلاق الحظر من غير زيادة على ذلك.
واعتلالهم بأنّهم لم يجدوا في الكتاب أمراً وارداً بعد الحظر إلاّ ويقتضي الإباحة المحضة، باطل، لأنّ الوجود إذا صحّ، ليس بدلالة لأنّه يمكن خلاف ما استمرّ عليه الوجود، ولأنّا لا نسلّم ذلك أيضاً، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّه)1 وحلق الرأس هاهنا نسك، وليس بمباح صرف.

الفصل السابع:

في أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع

وهل يدخل العبد و الصبيُّ في الخطاب؟

الصحيح أنّ الكفّار مخاطبون بالعبادات الشرعيّة، وذهب كثير من المتكلّمين وأكثر الفقهاء إلى أنّهم غير مخاطبين.2
وفائدة الخلاف في هذه المسألة ـ وإن كانوا متّفقين على أنّ الكفّار مع عقابهم

1 . البقرة:196.
2 . قالت أكثر المعتزلة والأشاعرة بأنّهم مخاطبون بالشرائع، وخالف جمهور أصحاب أبي حنيفة وأبو حامد الاسفراييني وزعما أنّ الكفّار غير مخاطبين بالفروع، ومنهم من قال: إنّهم مكلّفون بالنواهي دون الأوامر وهو مختار بعض أصحاب الشافعي.(انظر المحصول:1/316; والمنخول:88).
وأمّا الإمامية فقد ذهب الشيخ الطوسي في العدة:1/191، والعلامة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/571 إلى ما ذهب إليه الشريف المرتضى.

صفحه 81
على كفرهم، لا نطالبهم بفعل العبادات الشرعيّة ـ أنّ من قال: إنّهم مخاطبون، يذهب إلى أنّهم يستحقّون مع عقابهم على الكفر العقاب من اللّه تعالى على الإخلال بهذه العبادات، ومنّا الذمّ على ذلك; ومن ذهب إلى أنّهم غير مخاطبين، يلزمه ألاّ يستحقّوا عقاباً ولا ذمّاً على الإخلال بالعبادات.

[الأدلّة الدالة على تكليف الكفّار]

والّذي يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه أشياء:
أوّلها: أنّ الاعتبار في دخول المكلّف في التكليف إنّما هو بشيئين: أحدهما صفة المكلّف، والآخر صفة الخطاب. وقد علمنا أنّ الكافر كالمؤمن في استيفاء شروط التكليف، لأنّه يتمكّن من أن يؤمن فيصحّ وقوع جميع العبادات منه، فصحّة تكليفه العبادات كصحّة تكليفه نفس الإيمان والإسلام. وأمّا اعتبار صفة الخطاب، فإنّه إذا كان مطلقاً ومتوجّهاً إلى الناس، دخل الكافر فيه لتناوله إيّاه.
ومنها: أنّ الكفّار لو لم يتعبّدوا بالشرائع، لكانوا معذورين في تكذيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والامتناع من تصديقه، لأنّ الغرض في إيجاب تصديقه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المعرفة بشرائعه، كما أنّ الغرض في بعثته هو أداء الشرائع، فمن لم يكلّف ما هو الغرض في إيجاب التصديق، لا يجوز أن يكون مكلّفاً بالتصديق، ولا خلاف في وجوب تصديقه(صلى الله عليه وآله وسلم) على كلّ الكفّار.
ومنها: أنّه لا خلاف في أنّ الكفّار يحدّون على الزنا على وجه العقوبة والاستحقاق، فلو لم يكونوا مخاطبين بهذه الشرعيّات، لم يستحقّوا العقوبة على فعل القبائح منها. وليس لهم أن يقولوا: إنّما عوقب على أنّه لم يخلّص نفسه من الكفر، فيعرف قبح الزنا، لأنّ هذا تصريح بأنّه يعاقب على كفره لا على الزنا، وهذا يوجب

صفحه 82
أن يعاقبه وإن لم يزن.
وقد كان شيخ من متقدّمي أصحاب الشافعيّ، وقد استدللتُ بهذه الطريقة، قال لي: فأنا أقول: إنّ الكفّار مخاطبون من الشرائع بالتروك دون الأفعال، لأنّ الأفعال تفتقر إلى كونها قربة، ولا يصحّ ذلك مع الكفر، والتروك لا تفتقر إلى ذلك. فقلت له: هذا ـ و اللّه ـ خلاف الإجماع، لأنّ الناس بين قائلين: قائل يذهب إلى أنّ الكفّار مخاطبون بكلّ الشرائع من غير تفرقة، وقائل يذهب إلى أنّهم غير مخاطبين بالكلّ، فالفصل بين الأمرين خلاف الإجماع.
ثمّ إنّ القربة معتبرة في تروك هذه القبائح، كما أنّها معتبرة في الأفعال الشرعيّة، لأنّا إنّما أُمرنا بأن نترك الزنا ولا نفعله قربة إلى اللّه تعالى، فمن لم يتركه لذلك، لا يستحقُّ مدحاً ولا ثواباً، ولا يكون مطيعاً للّه تعالى، ولا ممتثلاً لأمره، فالقربة إذا لم تصحّ من الكافر وهو كافر، لم يجز أن يقع منه على الوجه المشروع لا فعلاً ولا تركاً.
ومنها: قوله تعالى حاكياً عن الكفّار:(مَا سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ)1 وهذا يقتضي أنّهم عوقبوا مع كفرهم على أنّهم لم يصلّوا، وهذا يقتضي كونهم مخاطبين بالصلاة.
وليس لأحد أن يقول: أيّ حجّة في قول أصحاب النار، ولعلّ الأمر بخلاف ما قالوه، وذلك أنّ جميع معارف أهل الآخرة ضروريّة، فلا يجوز أن يعتقدوا جهلاً، وهم ملجَؤن إلى الامتناع من فعل القبيح، فلا يجوز أن يقع منهم كذب، ولا ما جرى مجراه.
وليس له أن يحمل قوله تعالى: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) على أنّ المراد لم نكن من

1 . المدثر:42ـ 46.

صفحه 83
أهل الصلاة والإيمان. وذلك أنّ هذا يقتضي التكرار للمعنى الواحد، لأنّ قوله سبحانه: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدينِ) يُغني عن أن يُنفى أن يكونوا من أهل الصلاة والإيمان. وأيضاً فإنّ الظاهر من قول القائل: لم أكُ مصلّياً، نفي فعل الصلاة، دون الإيمان بها.

[أدلّة القائلين بعدم تكليف الكفّار]

وقد تعلّق من خالفنا بأنّ الكافر لا يصحّ منه مع كفره شيء من العبادات، فيجب أن لا يكون مخاطباً بها، كما لو كان عاجزاً أو ممنوعاً.
والجواب عن ذلك أنّ الكافر تصحّ منه العبادات، بأن يقدّم الإيمان عليها، ثم يفعلها، وجرى مجرى المحدث الّذي هو مخاطب بالصلاة، وإن لم تصحّ منه مع الحدث، لكنّه يقدر على تقديم إزالة الحدث ثم فعل الصلاة. ويجب على هذا أن لا يكون القاعد مخاطباً بالصلاة، ولا القائم أيضاً إليها، لأنّه لا يتمكّن في الحال الثانية من جميع أركان الصلاة، وإنّما يقع منه على ترتيب. والعاجز أو الممنوع لا يشبه الكافر، لأنّه لا يتمكّن من إزالة عجزه أو منعه، والكافر متمكّن من إزالة كفره.
وقد تعلَّقوا أيضاً بأنّ الكفّار لو كانوا مخاطبين بالعبادات، لوجب متى أسلموا أن يلزمهم قضاء ما فات منها، وقد علم خلاف ذلك.
والجواب: أنّ القضاء لا يتبع في وجوبه وجوب المقضي، بل هو منفصلٌ عنه، وقد يجب كلُّ واحد من الأمرين وإن لم يجب الآخر، ألا ترى أنّ الحائض يلزمها قضاء الصوم وإن لم يكن الأداء عليها واجباً، والجمعة إذا فاتت لا يجب قضاؤها ، وإن وجب أداؤها، فما المنكر من وجوب العبادات على الكفّار، وإن لم يجب

صفحه 84
عليهم قضاء ما فات منها؟
وأقوى ما يعترض به هاهنا شبهة قولهم: ما ذكرتموه إنّما يتمّ في العبادات المختصّة بأوقات، فأمّا الزكاة فالأوقات كلُّها متساوية في أنّ فعلها فيها هو الأداء لا قضاءٌ، ولا خلاف في أنّ الكافر إذا أسلم، وقد حال الحول على ماله وهو قدر النصاب، أنّ الزكاة عن الماضي لا تجب عليه.
والجواب الصحيح أنّ الزكاة وجبت، ثم سقطت بالإسلام لأنّ الإسلام ـ على ما روي في الخبر1 ـ يجبّ كلّ ما تقدّمه.

[كيفية دخول العبد والمرأة والصبي تحت الخطاب]

وأمّا العبد فيدخل في الخطاب، إذا تكامل شروطه في نفسه، وكان ظاهر الخطاب يصحّ أن يتناوله.2 وإنّما يكون الخطاب بهذه الصفة، إذا لم يكن مقيّداً بالحريّة، أو يتعلّق بالأملاك، لأنّ العبد لا يملك، والعبد في هذه القضيّة كالحرّ، وكونه مملوكاً عليه تصرُّفه لا يمنع من وجوب العبادات عليه، لأنّ المولى إنّما يملك تصرُّفه عليه في غير وقت وجوب عبادة، فأوقات العبادات مستثناة من ذلك.
ودخول المرأة في الخطاب كدخول الرجل. والصحيح أنّها تدخل بالظاهر ومن

1 . روى ابن أبي جمهور الأحسائي في العوالي:2/54برقم 145 عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الإسلام يجبّ ما قبله».
وورد هذا الحديث أيضاً في: مجمع الزوائد:1/31، باب الإسلام يجبّ ما قبله; كنز العمال: 11/751 برقم 33664; مستدرك الوسائل:ج7، الباب15 من أبواب أحكام رمضان، الحديث2.
2 . وهو مختار الطوسي في عدة الأُصول:1/194.

صفحه 85
غير حاجة إلى دليل في خطاب المذكَّر، لأن قولنا: «القائمون» عبارة عن الذكور والإناث، إذا اجتمعا، كما أنّه عبارة عن الذكور، على الانفراد. وليس يمنع من دخول المؤنّث تحت هذه الصيغة أنّهم خصُّوا المؤنّث بصيغة أُخرى، لأنّ تلك الصيغة خُصّ بها المؤنث، إذا انفرد، ومع الاقتران بالذكر، لابدّ من الصيغة الّتي ذكرناها.1
وأمّا الصبيّ فإن كان في المعلوم أنّه يبلغ، وتتكامل له شروط التكليف، فالخطاب يتناوله على هذا الوجه، وهو داخل في قوله تعالى:(أَقيمُوا الصَّلوةَ)2 ، لأنّ الخطاب لا يتجدّد بتجدّد كمال هذا الصبيّ وبلوغه، وفي حال الطفوليّة لا يتعلّق عليه خطاب بفعل في هذا الوقت، لا فيما يتعلّق ببدن، ولا بمال، لأنّه في حال الصبا ليس من أهل الأفعال. ومعنى القول بأنّ الخطاب يتعلّق بماله، أنّ وليّه مخاطب بما يفعله في ماله من أخذ أرش متلف وقيمة جناية وما يجري مجرى ذلك.

1 . أكثر الأُصوليين من العامة على عدم دخول النساء في خطاب الرجال. وهو مختار الشافعي وأصحابه، والأشاعرة والمعتزلة، والحنفية والحنابلة وبعض المالكية وابن حزم الأندلسي; وذهب جمع منهم إلى دخولهن، وهو مذهب الظاهري وبعض الأحناف كالسرخسي.(لاحظ الإحكام:3/336ـ 342; وأُصول السرخسي:1/234).
وأمّا أصحابنا الإمامية فقد وافق الشيخ الطوسي في العدة: 1/194 ما ذهب إليه السيد المرتضى، وكذلك الشيخ المفيد في التذكرة:31، إلاّ أنّه اختلف معه بالأمر الوارد بلفظ المذكّر فهو متوجّه بظاهره إلى الرجال دون النساء إلاّ بدليل سواه، وأمّا إذا ورد الخطاب بصيغة الجمع المذكر فتدخل المرأة فيه لأنّ مذهب أهل اللغة تغليب التذكير.
2 . الأنعام:72.

صفحه 86

الفصل الثامن:

في هلِ الأمر بالشيء أمر بما لا يتمُّ إلاّ به؟

اعلم أنّ كلّ من تكلّم في هذا الباب أطلق القول بأنّ الأمر بالشيء هو بعينه أمر بمالا يتمّ ذلك الشيء إلاّ به1، والصحيح أن يُقسّم ذلك، فنقول: إن كان الّذي لا يتمُّ ذلك الشيء إلاّ به سبباً، فالأمر بالمسبّب يجب أن يكون أمراً به، وإن كان غير سبب، وإنّما هو مقدّمة للفعل وشرط فيه، لم يجب أن يعقل من مجرّد الأمر أنّه أمرٌ به.2
والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه أنّ ظاهر الأمر يقتضي ما تناوله لفظه، وليس يجوز أن يفهم منه وجوب غيره ممّا لم يتناوله اللفظ إلاّ بدليل غير الظاهر، لأنّه إذا قال: «صلّ» فالأمرُ يتناول الصلاة، والوضوء الّذي ليس بصلاة إنّما نعلم وجوبه بدليل غير الظاهر.
وممّا يوضح ذلك أنّ الأمر في الشريعة قد ورد على ضربين: أحدهما يقتضي إيجاب الفعل دون إيجاب مقدّماته، نحو الزكاة والحجّ، فإنّه لا يجب علينا أن نكتسب المال لتحصيل النصاب، أو لنتمكّن به من الزاد و الراحلة، بل متى اتّفق

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:31، والغزالي في المنخول:117.
2 . اختلف الأُصوليون في هذا الأمر فقال المعتزلة والأشاعرة كما في المحصول:1/289بوجوب ما يتوقّف عليه وجود المأمور به بشرطين: القدرة عليه، وأن يكون الأمر ورد مطلقاً ، سواء كان سبباً أو لا، وهو مختار العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/519. أمّا الشيخ الطوسي في العدة:1/186ـ 187 فقد فصّل بين ورود الأمر مطلقاً ووروده متناولاً لمن كان على صفة مخصوصة،وهو مذهب الشيرازي في شرح اللمع:1/259.

صفحه 87
لنا النصاب، وحال عليه الحول، وجبت الزكاة، وكذلك في الزاد والراحلة.
والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل، كما يجب هو في نفسه، وهو الوضوء للصّلاة ، وما جرى مجراها، وإذا انقسم الأمر في الشرع إلى قسمين، فكيف نجعلهما قسماً واحداً.
فإذا قيل: مطلق الأمر يقتضي تحصيل مقدّماته، فأمّا ما كان مشروطاً منه بصفة كالزكاة والحجّ فلا يجب ذلك فيه.
قلنا: هذه دعوى، ما الفرق بينكم، وبين من عكسها، فقال: إنّ مطلق الأمر يقتضي إيجابه دون غيره، فإذا علمنا وجوب المقدّمات كالوضوء في الصلاة ، علمناه بدليل خارج عن الظاهر.
والصحيح أنّ الظاهر يحتمل الأمرين احتمالاً واحداً، وإنّما يعلم كلّ واحد منهما بعينه بدليل.
فإن تعلّقوا بالسبب والمسبَّب، وأنّ إيجاب المسبّب إيجاب للسبب لا محالة.
قلنا: هو كذلك، والفرق بين الأمرين أنّه محال أن يوجب علينا المسبَّب بشرط اتّفاق وجود السَّبب، وإنّما فسد ذلك، لأنّ مع وجود السَّبب لابدّ من وجود المسبَّب، إلاّ لمنع، ومحال أن يكلّفني الفعل بشرط وجود الفعل، وليس كذلك مقدّمات الأفعال، لأنّه يجوز أن يكلّفني الصلاة بشرط أن أكون قد تكلّفت الطهارة، كما جرى ذلك في الزكاة والحجّ، فبان الفرق بين الأمرين.
وإذا كان إيجاب المسبَّب إيجاباً لسببه، فإباحة المسبَّب إباحة للسَّبب. وكذلك تحريمه. وفي الجملة أحكام المسبَّب لابدّ من كونها متعديّة إلى السبب، فأمّا أحكام السَّبب في إباحة أو حظر أو إيجاب فغير متعديّة إلى المسبب، لأنّه يمكن مع وجود السبب المنع من المسبَّب.

صفحه 88

الفصل التاسع:

في أنّ الأمر بالشيء ليس بنهي

عن ضدّه لفظاً ولا معنى1

اعلم أنّه من البعيد أن يذهب محصِّل إلى أنّ لفظ الأمر يكون نهياً عن ضدّه، لأنّ الأمر مسموع، وما يدرك لا يجب أن يقع فيه خلاف بين العقلاء مع السلامة، وما يسمع من قول القائل: افعل، لا تفعل.
وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب أن يكون الآمر في المعنى ناهياً عن ضدّ ما أمر به؟ والمجبِّرة يبنون ذلك على أنّ إرادة الشيء كراهة لضدّه، وكراهته إرادة لضدّه. والفقهاء يقولون: إنّ الموجب للشيء يجب أن يكون حاظراً لضدّه، وهذا معنى النهي.2 وفيهم من يقسّم ذلك، ويقول: إذا لم يكن للفعل إلاّ ضدٌّ واحد، فالأمر

1 . وهو مذهب علماء المعتزلة ، كقاضي القضاة وأبي هاشم وأبي الحسين البصري.(راجع المعتمد: 1/97) وهو مختار إمام الحرمين الجويني في «البرهان في أُصول الفقه»:1/180، والغزالي في «المستصفى»:1/155.
أمّا أصحابنا الإمامية فقد ذهب الشيخ المفيد في التذكرة:31 إلى أنّه ليس الأمر بالشيء هو بنفسه نهياً عن ضدّه، ولكنّه يدلّ على النهي عنه بحسب دلالته على حظره، وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحّة النهي العقلي عن ضدّ ما أمر به. أمّا الشيخ الطوسي فقد أثبته معنى لا لفظاً، وهو مختار الرازي في المحصول:1/294، وأبي إسحاق الشيرازي في شرح اللمع:1/261، وهو مذهب جمهور الفقهاء وبعض المعتزلة كالكعبي. راجع الإحكام للآمدي:2/252.
2 . وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد:2/198. وهو مختار الأشاعرة، تبعاً لشيخهم أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي وأبي منصور الماتريدي والجصاص وابن حزم الأندلسي.ونسب إلى عامة العلماء من الشافعية والحنفية والمحدثين.
(انظر الإحكام للآمدي:2/252، والإحكام في أُصول الأحكام لابن حزم:3/326).

صفحه 89
بأحدهما نهي عن الآخر، والنهي عن أحدهما أمر بالآخر، وإذا كانت له أضداد كثيرة، لم تجب فيه هذه القضيّة.
وقد دللنا فيما تقدّم على ما يبطل هذا المذهب، وبيّنّا أنّ الّذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريداً للمأمور به، وأنّه ليس من الواجب أن يكره الترك، بل يجوز أن يكون مريداً له، أو لا مريداً ولا كارهاً.
وهذا كلّه يسقط بالنوافل، فإنّ اللّه تعالى قد أمر بها، وما نهى عن تروكها ولا كره أضدادها، وكون نفس الإرادة كراهة قد بيّنا فساده، وأنّه يؤدّي إلى انقلاب الجنس.
فإن قيل: أفيجب عندكم في الأمر إذا كان بفعل واجب أن يكون الآمر به كارهاً لتركه؟
قلنا: لا يجب ذلك، ولهذا جاز عندنا أن يجتمع الضدّان بل الأضداد في الوجوب، ألا ترى أنّ المصلّي في آخر الوقت هو مخيّر بين أن يصلّي في أيّ زوايا البيت شاء، والصلاة في الزوايا متضادّة، وكلّ واحد يقوم مقام الآخر في الوجوب ، مع التضادّ.
فإن قدّرنا أنّه لا ينفكُّ عن الواجب إلاّ بفعل واحد أو أفعال، فذلك محرّم عليه، لأنّ الواجب المضيَّق هو الذي ليس له أن يخل به، فكلّ فعل لا يكون مخلاً بالواجب إلاّ به، ولا ينفك مع الإخلال منه، فلابدّ من كونه محظوراً.
وأمّا النهي، فيقتضي أن لا يفعل المكلّف ذلك المنهيّ عنه، وأضداد هذا الفعل موقوفة على الدليل، فإن كان المكلَّف لا ينفك متى لم يفعل، من أمر واحد، فهو واجب عليه بلا شبهة، لأنّ ما أوجب مجانبة الفعل المحرّم، وأن لا يفعله ، يقتضي فعل ذلك.

صفحه 90
وممّا يبيّن فساد مذهب من ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء في المعنى نهي عن ضدّه، أنّ اللّه تعالى قد كره الزِّنا وأراد الصلاة، وأمر بالصلاة ونهى عن الزنا، وهذا يقتضي أن يكون الفعل الواحد الّذي هو قعوده عنهما مراداً مكروهاً، أو مأموراً به منهيّاً عنه.
وكان يجب أيضاً أن يكون أحدنا متى أراد خروج الغاصب من أحد بابي الدار، أن يكون كارهاً لخروجه من الباب الآخر، كما يكره تصرّفه في الدار، وفساد ذلك ظاهر.

الفصل العاشر:

في الأمر بالشيء على وجه التخيير

اعلم أنّ الصحيح أنّ الكفّارات الثلاث في حنث اليمين واجبات كلّهنّ، لكن على جهة التخيير، بخلاف ما قاله الفقهاء من أنّ الواجب منهنّ واحدة لا بعينها.1 وفي كشف المذهب هاهنا وتحقيقه إزالة للشُّبهة فيه.
ونحن نعلم أنّ تكليفه تعالى للشَّرائع تابع للمصلحة والألطاف، وليس يمتنع أن يعلم في أمر معيَّن أنّ المكلَّف لا يصلح في دينه إلاّ عليه، وأنّه لا يقوم غيره في ذلك مقامه، فلابدّ من إيجابه على جهة التَّضييق. وغير ممتنع أن يعلم في أمرين أو أُمور مختلفة أنّ كلّ واحد في مصلحة المكلّف في دينه كالآخر من غير ترجيح،

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/220 وذهب إليه كثير من المتكلّمين وأعيان المعتزلة ; واختار الشيخ المفيد في التذكرة:31 أنّ الواجب واحد لا بعينه وهو مذهب أئمة المذاهب وأكثر الفقهاء وجماعة من المتكلّمين. وحكى أبو عبد اللّه البصري عن أبي الحسن الكرخي القولين. راجع العدة:1/219ـ 220.

صفحه 91
فلابدّ والحال هذه من الإيجاب على طريقة التخيير، للتّساوي في وجه المصلحة، والشاهد يقضي بما ذكرناه، لأنّ أحدنا إذا أراد مصلحة ولده، وعلم، أو غلب في ظنّه أنّه لا يصلح إلاّ بأن يفعل به فعلاً مخصوصاً، وجب ذلك الفعل معيّناً; وإذا غلب في ظنّه تساوي فعلين أو أفعال في مصلحته، كان مخيّراً فيها. والقول بوجوب بعض ذلك دون بعض كالمتناقض.
وأقوى ما دلّ على ما ذكرناه أنّ الكفّارات الثلاث متساوية في جميع الأحكام الشرعيّة، لأنّ كلّ واحدة منها تقوم مقام الأُخرى في براءة ذمّة المكلّف وإسقاط الحنث عنه، وكلّ حكم شرعيّ لواحدة منها فهو للأُخرى، فلا يجوز مع التساوي في الأحكام أن يختلف في الصفة، لأنّ اختلاف الصفات يقتضي اختلاف الأحكام، من حيث كانت الأحكام صادرة عن الأحوال والصفات، فكيف يجوز أن يكون الواجب من الكفّارات واحدة، وأحكام الكلّ الشرعيّة متساوية متعادلة، وهل ذلك إلاّ مناقضة؟! ولو جاز أن تتساوى أُمور في الأحكام، ويختصّ الوجوب بأحدها، جاز أن تتساوى أُمور في كونها مفسدة في الدين، وتكون مختلفة في القبح أو التحريم والحظر.
وأيُّ فرق بين القول بأنّ الواجب من الكفّارات واحدة، والكلُّ متساو في الأحكام، وبين القول بأنّ المحظور من أُمور متساوية في المفسدة هو واحد لا بعينه.
وممّا يستدلّ به: أنّ الواجب من الكفّارات لو كان واحداً لا بعينه، لوجب أن يجعل اللّه تعالى للمكلّف طريقاً إلى تمييزه قبل أن يفعله، لأنّ تكليفه أن يفعل واحداً لا بعينه من جملة ثلاث يجري مجرى تكليفه ما لا يطاق.
وليس لهم أن يقولوا: أيُّ حاجة به إلى التَّمييز ، وأيُّ شيء فعله كان الواجب، وذلك أنّ الأمر إذا كان على ما ذكروه، فهو تصريح بوجوب الثلاث، لأنّه إذا كان

صفحه 92
أيُّ شيء فعله منها فهو الواجب، فهل هذا إلاّ تصريح بأنّ الكلّ واجب.
فإن قالوا: ليس يمتنع أن يكون اختيار المكلّف له علماً على وجوبه وتعيُّنه.
قلنا: هذا يؤدّي إلى مذهب مويس بن عمران1، في أنّ اللّه تعالى يكلّف العبد أن يختار ما يشاء من العبادات، ويكون مصلحة باختياره، لأنّ اللّه تعالى علم أنّه لا يختار إلاّ الصلاح من غير أمارة مميّزة متقدّمة. ويلزم عليه أن يكلّف تمييز نبيّ صادق ممّن ليس بنبيّ من غير أمارة ولا دلالة مميّزة متقدّمة.
وبعد، فإنّ اختيار المكلّف إنّما يكون تابعاً لأحوال الفعل وصفاته، ولا تكون أحوال الفعل تابعة لاختيار المكلّف وإرادته، ألا ترى أنّ وجوب الفعل هو الداعي إلى اختياره له على غيره، فيجب أن يتقدّم العلم بالوجوب على الاختيار، ولا يجعل الاختيار متقدّماً على الوجوب.
وبعد، فليس يخلو الاختيار من أن يكون مؤثّراً في وجود الفعل، أومؤثّراً في حصول الصفة الّتي لأجلها كان مصلحة في الدين. والأوّل هو الصحيح، والثاني باطل، لأنّ كونه مصلحة لا يجوز أن يؤثّر فيه حال القادر، وحال القادر لا يؤثّر إلاّ في مجرّد الوجوب، ألا ترى أنّ ما أوجبه اللّه تعالى من الفعل المعيّن لا يؤثّر حال القادر في الصفة الّتي لأجلها كان واجباً، بل في مجرّد الوجود، فكذلك الواجب على جهة التخيير.
فإذا قالوا: أليس قد يصحّ البيع بقدر مخصوص من الكيل من جملة صبرة ، ويتعيّن باختيار القابض وقت القبض، فكيف أحلتم أن يكون للاختيار مدخل في التَّعيين؟
قلنا: إنّما أنكرنا أن يكون للاختيار مدخل في المصالح الدينيّة ووجوب

1 . مويس بن عمران أحد المتكلّمين ، ذكره الجاحظ وحكى عنه حكايات. إكمال الكمال:7/300.

صفحه 93
الواجبات منها، فأمّا ما لا يتعلّق بالمصالح الدينيّة من المعاملات فقد يجوز أن يتعيّن عند القبض بالاختيار.
وممّا يدلُّ أيضاً أنّه لو كان الواحدة من الكفّارات هو الواجب لا بعينه، لما صحّ القول بأنّ للمكفّر أن يكفّر بأيّ الثلاث شاء.
وأيضاً فإنّ الواجب وإن لم يتعيّن للمكفّر، فإنّ اللّه تعالى يعلمه، لأنّه يعلم ما الّذي يكفّر به المكفّر من جملة الثلاث، فيجب على هذا القول أن يكون اللّه تعالى موجباً لذلك بعينه، ولو كان كذلك لما اجتمعت الأُمّة على أنّه لو كفّر بغيره، لأجزأه، كما لا يجوز أن يجزيه، لو كفّر برابع.
وليس لهم أن يقولوا: جوازه عند الأُمّة لا يدلُّ على وجوبه، لأنّه قد يجزي ما ليس بواجب عن الواجب كالطهارة قبل دخول الوقت، وذلك أنّهم لمّا أجمعوا على جواز ما لم يكفِّر به وإجزائه، فقد أجمعوا على أنّه كان يجزي على وجه لا فرق بينه وبين ما اختاره.

[في أدلّة القائلين بوجوب واحد لا بعينه والرد عليها]

وقد تعلّق من خالفنا بأشياء:
منها: أنّ القول بالتخيير يؤدّي إلى أن يكون المكلَّف مخيّراً بين عبيد الدنيا كلّها، وكذلك الكسوة والإطعام، وذلك فاسدٌ.
ومنها: أنّه تعالى لو نصّ على أنّي أوجبت واحداً لا بعينه، لكان هو الواجب، فكذلك إذا خيّر فيه، لأنّ المعنى واحد.
ومنها: أنّه لو فعل الكلّ، لكان الواجب واحداً بإجماع، فكذلك يجب أن يكون الواجب واحداً قبل أن يفعل.

صفحه 94
ومنها: أنّ الجميع لو وجب على جهة التخيير، والجمع بين الثلاث ممكن، لوجب أن تكون واجبة على سبيل الجمع، كما أنّ ما نهي عنه تخييره كجمعه.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّ التخيير لا يكون إلاّ بين أُمور تدخل في الإمكان، فالمكفّر مخيّر بين عتق من يتمكّن من عتقه في الحال، وكذلك القول في الإطعام والكسوة، فإذا لم يملك المكفّر إلاّ رقبة واحدة، زال التخيير في الرقاب، لأنّه لا يجوز أن يكون مخيّـراً بين عتق عبد يملكه وبين عتق عبد لا يملكه، ولهذا نقول: إنّه متى ضاق وقت الصلاة، فالمصلّي مخيّر بين البقاع المتقاربة دون المتباعدة، وإذا كان الوقت واسعاً، جاز أن يتعدّى التخيير إلى الأماكن المتباعدة.
على أنّ هذا المعترض يلزمه أن يكون المكفّر مأموراً بعتق واحد من عبيد الدنيا كلّها، وكذلك في الإطعام والكسوة، فليس ينفصل من ذلك إلاّ بمثل ما ذكرناه من اعتبار الطاقة والإمكان.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ومَنْ الّذي يسلّم لكم جواز أن ينصّ اللّه تعالى على أنّي أوجبت واحداً لا بعينه؟ أو ليس قد بيّنّا أنّ ذلك لا يصحّ في التكليف، وبيّنّا أيضاً أنّ الأُمور المتساوية في وجه المصلحة لا يجوز أن يوجب بعضها دون بعض؟
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّا لا نقول فيما فعله: إنّه واجب إلاّ على وجه دون وجه، ولابدّ من تفصيل بيان هذه الجملة، فنقول: إنّ قولنا: واجب، قد يطلق، وقد يضاف: فإذا أُطلق، أفاد وقوعه على وجه الوجوب، ولم يجز إجراء هذه العبارة على المعدوم إلاّ مجازاً واتّساعاً، ويجري «واجب» في هذه القضيّة مجرى قولنا في الفعل: إنّه حسن.
فأمّا المضاف فقولنا: واجب على المكلّف، وهذا وجه يختصّ المعدوم، فإنّ

صفحه 95
الموجود لا يصحّ أن يفعل، وكلامنا في الكفّارات الثلاث أيّها هو الواجب؟ وإنّما المراد به ما الّذي يجب أن يفعله المكلّف منها؟ فإذا فعل واحداً منها، فقد خرج من أن يجب عليه، وإنّما نقول: كان واجباً عليه، وكذلك: إذا فعل الثلاث، فقد خرجت من أن تكون واجبة عليه على سبيل التخيير لأنّه لا تخيير بعد الوجود.
فإن قيل: إذا جمع بين الكلّ، ما الواجب المطلق منها؟
قلنا: إن كان جمع بينها، لم يخل من أن يكون فعل واحداً بعد الآخر، أو كان وقت الجميع واحداً، فإن كان الأوّل، فالّذي يستحقُّ عليه ثواب الواجب هو الأوّل، وإن جمع بينها في وقت واحد، استحقّ ثواب الواجب على أعلاها وأكثرها ثواباً، ولا معنى للنظر في تعيين ما يستحقّ به ثواب الواجب، لأنّه لا فائدة له فيما يتعلّق بالتكليف، ولا حجّة للفقهاء فيما اختلفنا فيه، لأنّا إنّما نخالفهم فيما يجب أن يفعله المكلّف من الكفّارات قبل أن يفعله، فنقول: إنّ الجميع واجب على سبيل التخيير، ويقولون: الواجب واحد لا بعينه، فأيّ منفعة لهم في أن يكون المستحقّ به ثواب الواجب بعد الفعل هو واحد؟ ومعنى قولنا هاهنا: إنّه واجب، غير المعنى فيما اختلفنا فيه، ولا شاهد في أحد الأمرين على الآخر مع اختلاف المعنى، وإنّما تشاغل بذلك من الفقهاء من لا قدرة له على التفرقة بين هذه المعاني وترتيبها مراتبها.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: ليس بواجب فيما وجب على سبيل التخيير أن يكون واجباً على طريقة الجمع ـ وإن كان الجمع بينه ممكناً ـ لأنّا قد بيّنّا أنّ الأُمور المتساوية في حكم من الأحكام إنّما تجب على التخيير دون الجمع، لأنّه لا وجه لوجوبها جميعاً، ألا ترى أنّ من غلب في ظنّه أنّ مصلحة ولده تكون في أفعال متغايرة يقوم كلُّ واحد منها مقام صاحبه، إنّما يجب عليه هذه الأفعال على سبيل

صفحه 96
التخيير، ولا يجوز أن يجب عليه الجمع بينها، لأنّه لا وجه لوجوبه على هذا الوجه. فأمّا قياسهم ذلك على ما يتناوله النهي، فسيجيء الكلام فيه في باب النهي، ونذكر الصحيح منه بمشيّة اللّه تعالى.
واعلم أنّ ما كلّفه اللّه تعالى ينقسم إلى وجوه ثلاثة:
أوّلها: أن يكلّف اللّه تعالى الفعل بأن يريده، ويكره كلّ تروكه، فعبّرنا عمّا هذه حاله بأنّه واجب مضيّق.
والقسم الثاني: أن يريد تعالى الأفعال، ولا يكره ترك كلّ واحد منها إلى الآخر، ويكره تروكها أجمع، فعبّرنا عنها بأنّها واجبة على سبيل التخيير، كالكفّارات.
والقسم الثالث: أن يريد تعالى الفعل، ولا يكره شيئاً من تروكه، فعبّرنا عن ذلك بأنّه ندب.
وينقسم ما خيّر اللّه تعالى فيه إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يريد اللّه ـ تعالى ـ كلَّ أحد من ما خيّر فيه مجتمعاً أو منفرداً ، وإن كان عند الوجود الواجب منه الواحد، كالكفّارات.
وثانيها: أن يريد كلّ واحد، ويكره فعله مع الآخر، مثاله أمر الوليّ بتزويج من إليه أمره من النساء، لأنّه أُريد منه تزويجها من كلّ زوج بانفراده، وكره ذلك منه مع غيره.
وثالثها: أن يريد كلَّ واحد على الانفراد، ومع اجتماع غيره إليه لا يريده، ولا يكرهه، ومثاله ستر العورة للصلاة، لأنّه مخيّر في سترها، والجمع في ذلك مباح، ليس بمراد ولا مكروه.

صفحه 97

الفصل الحادي عشر:

في الأمر المطلق هل يقتضي

المرّة الواحدة أو التكرار؟

اُختلف في ذلك، فذهب قوم إلى أنّ مطلق الأمر يفيد التكرار، وينزّلونه منزلة أن يقول له: افعل أبداً.1
وذهب آخرون إلى أنّه يقتضي بظاهره المرّة الواحدة من غير زيادة عليها.2
وذهب آخرون إلى الوقف في مطلق الأمر بين التكرار والاقتصار على المرّة الواحدة.
وتحقيق موضع الخلاف إنّما هو في الزيادة على المرّة الواحدة، لأنّ الأمر قد تناول المرّة الواحدة بلا خلاف بين الجماعة، وإنّما ادّعى أصحاب التكرار أنّه أرادها وأراد الزيادة عليها، وقال المقتصرون على المرّة الواحدة: إنّه أرادها ولم يرد زيادة عليها، وقال صاحب الوقف: أراد المرّة بلا شكّ، وما زاد عليها لست أعلم هل أراده، كما قال أصحاب التكرار، أو لم يرده، كما قال أصحاب المرّة، فأنا واقف

1 . وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي حاتم الرازي كما في شرح اللمع:1/219، وأبي إسحاق الاسفراييني وجماعة من الفقهاء والمتكلّمين كما في نهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلامة الحلّي:1/435.
2 . وهو مختار أكثر المتكلّمين والفقهاء، وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي، والظاهر من قول الشافعي. ومن أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه المفيد في التذكرة:30 وتبعه الشيخ الطوسي في العدة:1/200.

صفحه 98
فيما زاد على المرّة لا فيها نفسها، وهذا هو الصحيح.1
والّذي يدلُّ عليه أشياء:
أوّلها: أنّه لا يجوز أن يفهم من اللّفظ ما لا يقتضيه ظاهره، وكيفيّة تناوله لما هو متناولٌ له، وقد علمنا أنّ ظاهر قول القائل: «اضرب» غير متناول لعدد في كثرة وقلّة، كما أنّه غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب، فيجب أن لا يفهم من إطلاقه ما لا يقتضيه لفظه، وإنّما يقطع على المرّة الواحدة، لأنّها أقلُّ ما يمتثل به الأمر، فلابدّ من كونها مرادة.
وثانيها: أنّه لا خلاف أنّ لفظ الأمر قد يرد في القرآن وعرف الاستعمال، ويراد به تارة التكرار، وأُخرى المرّة الواحدة من غير زيادة، وقد بيّنا أنّ ظاهر استعمال اللّفظة في معنيين مختلفين يدلُّ على أنّها حقيقة فيهما ومشتركة بينهما إلاّ أن تقوم دلالة.
وثالثها: حسن استفهام من أمر أمراً مطلقاً ولا عهد ولا عادة ولا قرينة على المراد، وهل هو الاقتصار على المرّة الواحدة أو التكرار، وحسن الاستفهام دالٌّ على اشتراك اللّفظ وعدم اختصاصه.
ورابعها: أنّا نعلم حسن قول القائل لغيره: افعل كذا وكذا أبداً، أو: افعله مرّة واحدة بلا زيادة عليها، فلو كان مطلق اللّفظ موضوعاً للتكرار، لما حسن أن يقول له: افعل أبداً، لأنّه مفهوم من قوله الأوّل، ولو كان موضوعاً للمرّة الواحدة بلا زيادة عليها، لما حسن أن يقول: افعل مرّة واحدة ولا تزد عليها، لأنّ ذلك عبث

1 . وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/98. أمّا الرازي فقد قال في محصوله:1/237: الأمر المطلق لا يفيد التكرار، بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة، إلاّ أنّ ذلك المطلوب لما حصل بالمرة الواحدة لا جرم يكتفى بها. وتبعه في ذلك العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/435.

صفحه 99
غير مفيد.
فإن ذكروا: أنّه يفيد التأكيد وهو معنى مقصود.
قلنا: التأكيد إن لم يفد فائدة زائدة على فائدة اللّفظ المؤكّد، كان عبثاً ولغواً، والكلام موضوع للإفادة، فلا يجوز أن يستعمل منه ما لا فائدة فيه.

[أدلّة القائلين بدلالة الأمر على التكرار والجواب عنها]

وقد تعلّق من قال بالتكرار بأشياء:
أوّلها: قولهم: «إنّ أوامر القرآن المطلقة تقتضي التكرار».
ثانيها: قياس الأمر على النهي في اقتضائه التكرار.
ثالثها: إنّ الأمر المطلق ليس بأن يتناول بعض الأوقات أولى من بعض، فيجب تناوله الكلّ.
ورابعها: قولهم:«لو لم يقتض التكرار، لما صحّ دخول النَّسخ فيه».
وخامسها: قولهم: «لو لم يقتض التكرار، لما حسن أن يقول افعل مرّة واحدة».
وسادسها: قولهم:«لو لم يقتض التكرار، لكان المفعول ثانياً قضاء لا أداء».
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّا لا نسلّم لكم أنّ أوامر القرآن كلّها تقتضي التكرار، فإنّ فيها ما يقتضي المرّة الواحدة كالحجّ والعمرة عند من أوجبها، والّذي يتكرّر من ذلك فتكرّره مختلف غير متّفق، ألا ترى أنّ الصيام والزكاة يتكرّران في كلّ عام مرّة، والصلاة تتكرّر في كلّ يوم خمس مرّات، فالتكرار مختلف كما تراه، ولو كان مجرّد الأمر يقتضي التكرار، لما اختلف هذا الاختلاف.
وبعد، فالتكرار إنّما علم بدليل، وخلافنا إنّما هو في موضوع اللّغة و مقتضى الأمر المطلق، والصحيح أنّ كلّ أمر في القرآن حملناه على المرّة الواحدة فإنّما حملناه

صفحه 100
عليها بدليل غير الظاهر، وكلّ أمر حملناه على التكرار فإنّما حملناه عليه بدليل سوى الظاهر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: إنّ النهي عندنا كالأمر في أنّه لا يقتضي التكرار بإطلاقه وبمجرّده، وإنّما نحمله عليه متى حملناه بدليل غير الظاهر، ونحن نسوّي بين الأمر والنهي في هذه القضيّة.
وقد فصّل قوم بين الأمر والنهي بأنّ النهي يقتضي قبح الفعل، وقبحه مستمرٌّ، فتكرّر لذلك. وهذا ليس بشيء، لأنّ نهي الحكيم يقتضي قبح الفعل لا محالة، غير أنّ قبحه ربما اختصّ بوقت دون وقت، فلا يجب استمراره في جميع الأوقات المستقبلة، ولا يمتنع أن يختصّ ببعضها دون بعض، كما قلناه في الوجوب الصادر عن الأمر، فإذا لم يجب في الأمر التكرار، فكذلك في النهي.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّما يجب ـ إذا لم يختصّ لفظ الأمر وقتاً دون وقت ـ أن لا يحمل على شيء من الأوقات، إلاّ بدليل، ولا نحمله على الجميع، فكيف نحمله على الجميع، ولم يتناول بلفظه الجميع، كما لم يتناول المرّة الواحدة بلفظه، وهذه الطريقة تدلُّ على وجوب التوقّف على الدليل والبيان.
ويعارض من سلك هذه الطريقة بقول القائل: لقيت رجلاً، أو أكلت شيئاً، ونحن نعلم أنّ قوله ليس بأن يتناول بعض من له صفة مخصوصة من الرجال بأدون من بعض، وكذلك في الشيء المأكول: إنّه ليس بأن يتناول مأكولاً بعينه أولى من غيره، ولا يجب مع ذلك أن يحمل قوله: لقيت رجلاً، على أنّه لقي رجلاً له كلُّ الصفات الّتي تكون للرجال ممّا ليس بمتضادّ، كأنّه لقي رجلاً طويلاً أسود عاقلاً فقيهاً قرشيّاً له كلُّ الصفات الّتي ليس قوله بأن يتناول بعضها أولى من بعض، وكذلك في المأكول وصفاته، ومعلوم خلاف ذلك.
Website Security Test