welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الذريعة إلى اصول الشريعة*
نویسنده :السيد الشريف المرتضى علم الهدى *

الذريعة إلى اصول الشريعة

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الذريعة
إلى اصول الشريعة

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
تقديم وإشراف آية الله العظمى جعفر السبحاني
الذريعة
إلى اصول الشريعة
تأليف
الشريف المرتضى
علي بن الحسين بن موسى الموسوي
(355 ـ 436 هـ . ق)
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
السيد الشريف المرتضى علم الهدى 355 ـ 436 ق
الذريعة إلى أُصول الشريعة / تأليف الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي; تقديم وإشراف جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)،1429 ق. = 1387 .
أُنجزت الفهرسة وفقاً لمعلومات فيبا.
624 ص    ISBN: 978 - 964 - 357 - 326 - 3
4ذ8ع/ 5 / 158 BP   312 / 297
اسم الكتاب:   الذريعة إلى أُصول الشريعة
المؤلف:    الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي
إشراف:   العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:   1429 هـ . ق
الكمية:   2000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 37745457

صفحه 7
مقدّمة المشرف
آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحاني
بسم الله الرحمن الرحيم

الشريف المرتضى

حياته وآثاره

الحمد للّه على جزيل إفضاله وعظيم إنعامه، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه، محمد وآله الطيبين الطاهرين عيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد: فليس من السهل اليسير ترجمة حياة الشريف المرتضى، الذي فاق أقرانه، وزان أمثاله، فصار يشار إليه بالبنان في مختلف العلوم، فهو في الفقه إمامه، وفي أُصوله مؤسسه، وفي الكلام رائده، وفي الحديث راويته، وبالجملة هو أُسوة في العلم والفضل والأخلاق.
كيف لا يكون الشريف المرتضى كذلك، وقد اكتسب من العلوم النصيب الأوفر ولم يترك فضيلة من الفضائل إلاّ حازها.
وكان رحمه اللّه من الشخصيات اللامعة التي اتّفق المترجمون على الثناء عليه

صفحه 8
وإطرائه، والإشادة بنبوغه وفضله وعلمه، وانّه القدوة في العلوم الإسلامية، وهو غصن الدوحة العلوية.

نسبه الشريف

هو السيد علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادقعليمها السَّلام، أبو القاسم العلوي الموسوي، البغدادي، الملقب بالشريف المرتضى، وبعلم الهدى.
وأُمّه السيدة فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن حسن بن الناصر الأصم، والتي ينتهي نسبها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليمها السَّلام.
شرف تتابع كابرٌ عن كـابر *** كالرمح انبوب على انبوب

نشأته وسيرته

ولد في بغداد عام 355هـ، وتوفّـي فيها سنة 436هـ، ونشأ في بيت علوي طاهر، وعلميّ عريق، وقد درس أوّليات العلوم هو وأخوه الشريف الرضي على ابن نباتة وابن جنّي إلى أن تأهّلا لحضور دروس شيخ الأُمّة المفيدرحمه اللّه ، وقصّة تتلمذهما على يد الشيخ المفيد معروفة ومشهورة، ملخّصها: أنّ أُمّهما (العلوية فاطمة بنت الناصر) أخذت بأيديهما ودخلت على الشيخ المفيد فقام لها وسلّم عليها فقالت له: هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلّمهما الفقه، فبكى الشيخ وقال: رأيت البارحة في المنام أنّ فاطمة الزهراءعليها السَّلام بنت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)دخلت عليّ وأنا في مسجدي بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسينعليمها السَّلام صغيرين فسلّمتهما إليّ وقالت: علّمهما الفقه، فانتبهت من النوم، وتعجّبت من ذلك.

صفحه 9
ولذلك تولّيرحمه اللّه تعليمهما وفتح اللّه لهما على يديه من العلوم والفضائل ما لا يحصى، وهي باقية ما بقي الدهر.

كلمات العلماء في حقّه

لقد أثنى عليه علماء الفريقين، على نحو قلّما يتّفق لغيره مثل هذا الثناء، ونحن نذكر شيئاً من ذلك.
قال تلميذه النجاشي: أبو القاسم المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلّماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا.1
وقال تلميذه الآخر الشيخ الطوسي: إنّه أكثر أهل زمانه أدباً وفضلاً، متكلّم فقيه جامع العلوم كلّها مدّ اللّه في عمره.2
وقال السيد ابن زهرة: علم الهدى الفقيه النظّار، سيد الشيعة وإمامهم، فقيه أهل البيت، العالم المتكلّم، البعيد المثل، الشاعر المجيد، كان له برٌّ وصدقة وتفقّد في السرّ.3
وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن.4
وقال ابن خلّكان: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أُصول الدين.5
وقال ابن أبي طي: هو أوّل من جعل داره دار العلم وقدّرها للمناظرة، ويقال:

1 . رجال النجاشي: 270 برقم 708.
2 . رجال الطوسي:484; الفهرست:164، برقم 431.
3 . غاية الاختصار:76.
4 . يتيمة الدهر:5/69برقم 49.
5 . وفيات الأعيان:3/313برقم 443.

صفحه 10
إنّه أُمّر ولم يبلغ العشرين، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا والعلم مع العمل الكثير، والمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام الليل وإفادة العلم، وكان لا يؤثر على العلم شيئاً مع البلاغة وفصاحة اللهجة.1
وأخير قال الدكتور عبدالرزاق محيي الدين:كان من سابقيهم ـ يعني الشيعة ـ دعوة إلى فتح باب الاجتهاد في الفقه، وأسبقهم تأليفاً في الفقه المقارن، وأنّه كان واضع الأُسس لأُصول الفقه لديهم، ومجلي الفروق بينها و بين أُصول العقائد لدى الشيعة وسواهم، وأنّه في علم الكلام كان قرن القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة، وإنّه في جماع ذلك كان يعتبر مجدد المذهب الشيعي الإمامي.2
وللشاعر الكبير أبي العلاء المعرّي قصيدة غرّاء، رثى بها النقيب أبا أحمد الموسوي، والتفت فيها إلى مدح ولَديْه: الشريفين المرتضى والرضيّ في أبيات رائعة، مطلعها:
أودى فليتَ الحادثاتِ كَفافِ *** مالُ المُسيفِ وعنبرُ المُستـافِ
ومنها:
أبقيتَ فينا كوكبيْن سناهُما *** في الصبح والظّلماء ليس بخافِ
متأنّقين، وفي المكارم أرتعا *** متألِّقينِ بسؤدد وعفافِ
قَدَرَيْن في الإرداء، بل مَطَريْنِ في الـ *** إجداء، بل قَمَريْن في الإسلاف
رُزقا العلاء، فأهلُ نجد كلّما *** نَطَقا الفصاحةَ مثلُ أهلِ ديافِ
ساوى الرضيّ المرتضى وتقاسما *** خِطط العُلا بتناصف وتصافِ3

1 . انظر: لسان الميزان:4/257برقم 5797.
2 . انظر: موسوعة طبقات الفقهاء:5/235.
3 . ديوان سقط الزّند: 301، طبع القاهرة.

صفحه 11

آثاره العلمية

إنّ التعرف على شخصية لامعة يحصل من طريقين: تارة بسماع أقوال العلماء بحقّه، وأُخرى بالتعرف على آثاره التي تركها. فإنّ مكانة الإنسان ب آرائه وأفكاره.
وقد تعرفت على الطريق الأوّل، وأمّا الطريق الثاني فإنّ الإمعان في الآثار يدلّ بوضوح على أنّ السيد الشريف ما ترك حقلاً من حقول العلم والمعرفة إلاّ ورده، ومصنّفاته تدلّ على أنّه كان متخصّصاً في أكثر العلوم الإسلامية و مشاركاً في بعضها. وقد استقصى الشيخ الأميني رحمه اللّه مؤلّفاته، وقال:ومن هذه الفضائل ما خطّه مزبره القويم من كتب ورسائل استفاد بها أعلام الدين في أجيالهم وأدوارهم، وإليك أسماءَها:
1. الشافي في الإمامة
2. الملخّص في الأُصول
3. الذخيرة في الأُصول
4. جمل العلم والعمل
5. الغُرر والدرر
6. تكملة الغُرر
7. المقنع في الغَيْبة
8. الخلاف في الفقه
9. الناصريّة في الفقه
10. الحلبيّة الأُولى
11. الحلبيّة الأخيرة
12. المسائل الجرجانيّة
13. المسائل الطوسيّة
14. المسائل الصباويّة
15. المسائل التبّانيات1
16. المسائل السلاّريّة
17. مسائل في عدّة آيات
18. المسائل الرازيّة

1 . سألها الشيخ أبو عبداللّه محمد بن عبد الملك التبّان (المتوفّى 419هـ)، وهي(66) مسألة في عشرة فصول. (الأميني).

صفحه 12
19. المسائل الكلاميّة
20. المسائل الصيداويّة
21. الديلميّة في الفقه
22. كتاب البرق
23. طيف الخيال
24. الشيب والشباب
25. المقمصة
26. المصباح في الفقه
27. نصر الرواية
28. الذريعة في أُصول الفقه
29. شرح بائيّة الحميري
30. تنزيه الأنبياء
31. إبطال القول بالعدد
32. المحكم والمتشابه
33. النجوم والمنجّمون
34. متولِّي غسل الإمام
35. الأُصول الاعتقاديّة
36. أحكام أهل الآخرة
37. معنى العصمة
38. الوجيزة في الغَيْبة
39. تقريب الأُصول
40. طبيعة المسلمين
41. رسالة في علم اللّه
42. رسالة في الإرادة
43. أيضاً رسالة في الإرادة
44. رسالة في التوبة
45. رسالة في التأكيد
46. رسالة في المتعة
47. دليل الخطاب
48. طرق الاستدلال
49. كتاب الوعيد
50. شرح قصيدة له
51. الحدود والحقائق
52. مفردات في أُصول الفقه
53. الموصليّة، ثلاث مسائل
54. الموصليّة الثانية، تسع مسائل
55. الموصليّة الثالثة(109) مسائل
56.المسائل الطرابلسيّة الأُولى
57. الطرابلسيّة الأخيرة (13) مسألة1
58. مسائل ميافارقين(65) مسألة

1 . سألها الشيخ أبو الفضل إبراهيم بن الحسن الأباني.(الأميني).

صفحه 13
59. المسائل الرازيّة (14) مسألة
60. المسائل المحمديّات (5) مسائل
61. المسائل البادرات(24) مسألة
62. المسائل المصريّة الأُولى(5) مسائل
63. المصريّات الثانية
64. المسائل الرمليّات (7) مسائل
65. مسائل في فنون شتّى، نحو مائة مسألة
66. المسائل الرسيّة الأولى1
67. المسائل الرسيّة الثانية
68. الانتصار فيما انفردت به الإماميّة
69. تفضيل الأنبياء على الملائكة
70. النقض على ابن جنّي في الحكاية والمحكي
71. ديوان شعره يزيد على عشرين ألف بيت
72. الصِّرفة في بيان إعجاز القرآن
73. الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة
74. نقض مقالة ابن عديّ فيما لا يتناهى
75. جواب الملاحدة في قِدَم العالم
76. تتمّة الأعراض من جمع أبي رشيد
77. نكاح أمير المؤمنين ابنته من عمر
78. إنقاذ البشر من القضاء والقدر

1 . 28 مسألة سألها العلاّمة أبوالحسين الحسين بن محمد بن الناصر الحسيني الرسّي.(الأميني).

صفحه 14
79. الردّ على أصحاب العدد في شهر رمضان
80. تفسير الحمد وقطعة من سورة البقرة
81. الردّ على ابن عديّ في حدوث الأجسام
82. تفسير قوله تعالى:>>قُلْ تَعالَوا أَتلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ<<1
83. كتاب الثمانين2
84. الكلام على من تعلّق بقوله: >>وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ<<3
85. تفسير قوله :>>لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا<<4
86. تتبّع أبيات للمتنبّي التي تكلّم عليها ابن جنّي.5

فضائله ومكارم أخلاقه

كان الشريف المرتضيقدَّس سرَّه زاهداً في الدنيا، راغباً عنها، ذامّاً لها، سالكاً طريق أجداده الكرام. وكانقدَّس سرَّه مشهوراً بالبذل والعطاء، والجود والسخاء، مغضياً الطرف عن الحسّاد والأعداء، وإليك غيض من فيض جوده وكرمه ومحاسن أخلاقه:
1. وقف الشريف المرتضى موارد قرية من أملاكه على قرطاس الفقهاء حتى لا يواجهوا أيّة مصاعب في ما يحتاجون لتحرير كتبهم.

1 . الأنعام:151.
2 . قاله القاضي التنوخي كما في المستدرك[على وسائل الشيعة للعلاّمة النوري]:3/516.(الأميني).
3 . الإسراء:70.
4 . المائدة:93.
5 . الغدير:4/355ـ 357.

صفحه 15
2. روي أنّه كان يملك أراضي كثيرة بين بغداد وكربلاء، وكانت في غاية الإعمار، وقد نُقل في وصف عمارتها أنّه كان بين بغداد وكربلاء نهر كبير، وعلى حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات، وكان يعمل في ذلك السفائن، فإذا كان في موسم الثمار كانت السفائن المارّة في ذلك النهر تمتلئ من سقطات تلك الأشجار الواقعة على حافتي النهر، وكان الناس يأكلون منها بلا محذور.
3. نقل أصحاب السير أنّ الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوته، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، وأمر له بجائزة تجري عليه كلّ يوم، فقرأ عليه برهة، ثمّ أسلم على يده.1
4. قال الخطيب: إنّ أبا الحسن علي بن أحمد بن عليّ بن سلّك الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب «الجمهرة» لابن دُريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى بستين ديناراً، فتصفّحها فوجد بها أبياتاً بخطّ بائعها، وهي:
أنِسْتُ بها سبعين حولاً وبعتُها *** لقد طال وَجْدي بعدها وحنيني
وما كان ظنّي أنّني سأبيعها *** ولو خلَّدتْني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية *** صغار عليهم تستهلُّ شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عَبرة *** مقالة مكويّ الفؤاد حزينِ
«وقد تُخرج الحاجات يا أُمّ مالك *** كرائم من ربّ بهنّ ضنين»
وقال الخطيب: فأرجع السيد النسخة إليه وترك له الدنانير.2

1 . رياض العلماء:4/20ـ 23; روضات الجنات:4/296.
2 . وفيات الأعيان:3/316.

صفحه 16
5. حكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنّه قال: كان الشريف المرتضى ثابت الجأش، ينطق بلسان المعرفة ويردّد الكلمة المسدّدة، فتمرق مروق السهم من الرمية ما أصاب أصمى، وما أخطأ أشوى.1
6. روى أصحاب التراجم أنّ السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته حتى أنّه قرّر للشيخ الطوسي كلّ شهر أيّام قراءته عليه اثني عشر ديناراً وعلى ابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير ليتفرّغوا بكلّ جهدهم إلى الدراسة من غير تفكير بأزمات المعيشة ومشاكل الحياة.2
7. قال ابن أبي طيّ: هو أوّل من جعل داره دار العلم وقدّرها للمناظرة... وأنّه أُمِّر ولم يبلغ العشرين.3
ولعلّ هذا المقدار يكفي في تبيين عظمة سيدنا الشريف المرتضى في مجال العلم والفضل والأخلاق والسجايا الحسنة.

أشهر تلامذته

أحصى الشيخ الأميني في «الغدير» اثنين وعشرين عالماً ممّن درس على يد الشريف المرتضيرحمه اللّه ، نذكر منهم:
1. شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (المتوفّى460هـ).
2. أبو يعلى سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(المتوفّى 448هـ).

1 . لسان الميزان:4/223، نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ. ومعنى(أصمى): رمى الصيد فقتله مكانه وهو يراه، أمّا قوله: (وما أخطأ أشوى) فيُراد به أنّ السهم إذا أخطأ الصيد، أصاب شواه، والشوى، ما كان غير مقتل من الأعضاء، كاليدين والرجلين.
2 . روضات الجنات:4/203.
3 . مرّ مصدره، راجع ص 9ـ10.

صفحه 17
3. أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، خليفته في بلاد حلب(المتوفّى447هـ).
4. القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي(المتوفّى481هـ).
5. الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفـري (المتوفّى 463هـ).1

إلفات نظر

بقيت أُمور تتعلّق ببعض آرائه الخاصة وما نسب إليه من تهم وافتراءات يجب إلفات نظر القارئ إليها، وهي:
1. انّ السيد الشريف المرتضى مع كونه علماً من أعلام الطائفة ، ومرجعاً يرجع إليه في المعارف والعقائد والأحكام والشريعة، فمع ذلك كلّه فله آراء تختصّ به ولا يشاركه فيها إلاّ القليل، وإليك بعضها:
أ. قوله بعدم حجّية خبر العدل الواحد واختصاص الحجية بالمتواتر أو المحفوف بالقرينة المفيدة للعلم، وفي الوقت نفسه هو يعمل بأكثر الأحاديث الواردة في الجوامع الحديثية، وذلك لزعم تواترها أو كونها محفوفة بالقرينة. وقد خالفه في هذه المسألة تلميذه الجليل شيخ الطائفة في كتاب العدّة بوجه مبسوط.
ب. قوله بالصرفة في إعجاز القرآن، وقد ألّف رسالة باسم الصرفة طبعت أخيراً، وهذا قول غير مرضي عند الطائفة الإمامية ، وقد أوضحنا القول الصحيح حول ذلك في كتابنا «الإلهيات».2

1 . روضات الجنات:4/29; الغدير:4/362.
2 . لاحظ الإلهيات:3/337ـ344. وستوافيك الإشارة إلى بعض آرائه التي اختصّ بها في تعاليق الكتاب.

صفحه 18
2. ترجم الذهبيّ للشريف المرتضى في «ميزان الاعتدال» ولكنّه (عفا اللّه عنه) أتى ببعض الكلمات التي يناقض بعضها بعضاً، فيصفه بقوله: المتكلّم الرافضي المعتزلي.1 فهو يجمع له بين الرفض والاعتزال، مع أنّ الاعتزال منهج كلامي من أغصان مدرسة الخلافة المعروفة.
وأمّا الرافضة فتتمثل بالإمامية والزيدية والإسماعيلية، وأين هؤلاء من المعتزلة؟! مع أنّ وصف هؤلاء بالرفض من مصاديق قوله سبحانه:>>وَلا تَنابَزوا بِالأَلْقابِ بِئْسَ الاسمُ الْفُسُوق بَعْدَ الإِيمان<<.2
والعجب أنّه نسب تأليف «نهج البلاغة»، إلى الشريف المرتضى، قائلاً: وهو المتّهم بوضع كتاب «نهج البلاغة»!! مع أنّ الكتاب ليس موضوعاً أوّلاً، ثم هو من جمع أخيه الشريف الرضيّ ثانياً.
وأعجب منه ما نقله ابن حجر عن ابن حزم أنّه قال:«إنّ الشريف المرتضى كان من كبار المعتزلة الدعاة، وكان إمامياً!!»3 مع أنّ الإمامية عن بكرة أبيهم هم غير المعتزلة، وإن كانوا يشاركونهم في القول في بعض الأُصول، ومن أراد أن يقف على الأُصول المشتركة بين الفريقين فليرجع إلى كتابنا«رسائل ومقالات».4
3. انّ الشريف المرتضى وأخيه الرضي قد رميا بالتهم الباطلة وهم برآء منها، مع أنّهما كوكبان في سماء العلم والفضيلة، وقد مضى قول أبي العلاء المعري فيهما:
أبقيــت فينـــا كـوكبين سنــاهمـا *** في الصبـح والظلمـاء ليس بخـاف
ساوى الرضي المرتضى وتقاسمـا *** خطـط العُـلا بتنـاصـف وتصــاف

1 . ميزان الاعتدال:3/124 برقم 5827.
2 . الحجرات:11.
3 . لسان الميزان:4/257 برقم 5797.
4 . رسائل و مقالات:1/367ـ 385.

صفحه 19
وقد كتبنا مقالاً في الأكاذيب التي رمي بها العلمان الجليلان،تحت عنوان:«المرتضى والرضي كوكبان في سماء العلم والعمل» وأُلقي في مؤتمر تكريمي انعقد بمناسبة مرور ألف عام على تأليف «نهج البلاغة»1.
نكتفي بهذا المقدار اليسير من الكلام حول هذه الشخصية الفذّة وننتقل للكلام عن كتابه القيم «الـذريعـة إلى أُصـول الشريعة» الذي نحن بصدد التقديم له.

دور أُصول الفقه في الاجتهاد

إذا كان الاجتهاد عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية من مصادرها، فهو رهن تأسيس قواعد ممهّدة لاستنباط هذه الأحكام والوظائف.
فإذا كان الاجتهاد سر خلود الدين الإسلامي وحياته، وجعله غضّاً طرياً مصوناً عن الاندراس عبر القرون ومغنياً للمسلمين عن التطفّل على موائد الأجانب، فعلم أُصول الفقه في طريق هذا الهدف السامي. ولذلك عرّفوا علم أُصول الفقه بأنّه عبارة عن القواعد الممهَّدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، فالمجتهد يبذل وسعه لاستنباط أحد أمرين:
1. استنباط حكم اللّه الواقعي الذي جاء به صاحب الشريعة من الكتاب أو السنّة.
2. استنباط الوظيفة العملية عندما تقصر يد المجتهد ولم يتوصّل إلى الحكم الواقعي، فيلتجئ إلى الأُصول العملية كأصل البراءة والاحتياط والتخيير

1 . اقرأ ذلك المقال في كتابنا: تذكرة الأعيان: 31 ـ 49.

صفحه 20
والاستصحاب. فالأُصول العملية تقع في الدرجة الثانية من الاستنباط لا يعتمد عليها المجتهد إلاّ بعد اليأس من الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي في المصدرين الرئيسيين ، ولذلك وقع علم الأُصول موضع عناية واهتمام العلماء من الفريقين.
إنّ علم الأُصول بمحتواه لم يكن أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمة(عليهم السلام) ، فقد أملى الإمام الباقر وأعقبه ولده الإمام الصادقعليمها السَّلام على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط، رواها أصحاب الحديث في كتبهم، كما قام لفيف من أصحاب الأئمة بتأليف رسائل مختصرة في بعض الأبواب:
فألّف يونس بن عبد الرحمن(المتوفّى 208هـ) كتاب «اختلاف الحديث ومسائله»1، وهو أشبه بباب التعادل والترجيح.
كما ألّف إسماعيل بن علي النوبختي(237ـ 311هـ) كتاب «الخصوص والعموم والأسماء والأحكام». وألّف كتا2باً آخر باسم «إبطال القياس».3
وجاء بعده الحسن بن موسى النوبختي، فألّف رسالة في خبر الواحد والعمل به.4
وقد جمع الحرّ العاملي قدَّس سرَّه هذه الأحاديث في كتاب مستقل أسماه: «الفصول المهمة في أُصول الأئمّة».
هذه هي المرحلة الأُولى من مراحل تدوين أُصول الفقه، وقد اتّسعت حركة التأليف في المرحلة الثانية، فأفردوا لجميع مسائل أُصول الفقه باباً خاصاً في

1 . رجال النجاشي برقم1209.
2 . رجال النجاشي برقم 67.
3 . فهرست ابن النديم:225.
4 . فهرست ابن النديم:225.

صفحه 21
التأليف.
وفي مقدّمة هؤلاء شيخ الأُمة محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد، فألّف كتاباً باسم «التذكرة في أُصول الفقه»1 وهو مطبوع ومنتشر.
وقد اقتدى به تلامذته ، فألف سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(المتوفّى 448هـ) كتاباً في ذلك المضمار أسماه «التقريب في أُصول الفقه».2
كما ألّف تلميذه الآخر الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) كتاباً آخر باسم «العدة في أُصول الفقه» وقد طبع عدة مرات.
لكن الّذي شمّر عن ساعد الجدّ في هذه المرحلة وألّف كتباً عديدة في أُصول الفقه هو السيد الشريف المرتضى، فله ت آليف ثلاثة في هذا الصدد، هي:
1. مسائل الخلاف في أُصول الفقه
2. مسائل منفردات في أُصول الفقه
3. الذريعة في أُصول الشريعة.3
وهذا الكتاب هو الأثر الوحيد الباقي في هذا الصدد لهقدَّس سرَّه، ولم نجد أثراً للكتابين المتقدّمين.
ولم يزل هذا الكتاب منذ تدوينه مرجعاً للفقهاء والمجتهدين ومورد اهتمام العلماء عبر القرون، وقد قاموا بتحريره تارة وتلخيصه أُخرى وشرحه ثالثة، وإليك بيان ذلك:
1. قام العلاّمة الحلّي بتحريره وأسماه: «النكت البديعة في تحرير الذريعة»،

1 . لاحظ: الذريعة لآقا بزرگ الطهراني:4/365.
2 . لاحظ: الذريعة لآقا بزرگ الطهراني:4/365.
3 . وهو هذا الكتاب الماثل بين يديك.

صفحه 22
كما ذكر ذلك في كتابه«خلاصة الأقوال».1
2. قام الشيخ أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد بن محمد البيهقي فريد خراسان (499ـ565هـ) بتلخيص الكتاب وأسماه «تلخيص مسائل الذريعة» ذكر ذلك تلميذه محمد بن شهرآشوب في «معالم العلماء».2
3. وشرحه الشيخ عماد الدين الطبري صاحب «بشارة المصطفى».3
4. وشرحه ـ أيضاً ـ السيد كمال الدين المرتضى بن المنتهى بن الحسين بن علي الحسيني المرعشي، من مشايخ منتجب الدين كما في فهرسته.4
والكتاب يحتوي على مقدمة وأربعة عشر باباً، هي كما يلي:
1. الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه.
2. القول في الأمر وأحكامه وأقسامه.
3. في أحكام النهي.
4. الكلام في العموم والخصوص.
5. في المجمل والبيان.
6. الكلام في النسخ.
7. الكلام في الأخبار.
8. صفة المتحمّل للخبر.
9. الكلام في الأفعال.
10. الكلام في الإجماع.

1 . لاحظ: الذريعة:24/303.
2 . لاحظ: الذريعة:4/427.
3 . الذريعة :10/26.
4 . فهرست منتجب الدين، برقم 371. قال: شاهدته ولي عنه رواية.

صفحه 23
11. الكلام في القياس.
12. الكلام في الاجتهاد.
13. الكلام في الحظر والإباحة.
14. في النافي والمستصحب للحال.
وقد صنّف السيد الشريف هذا الكتاب في السنوات الأخيرة من عمره الشريف، إذ فرغ من تأليفه عام 430هـ، وقد ذرّف على السبعين ، أي أنّه ألّفه بعد أن نضجت أفكاره وأحاط بالعلوم جميعاً واستخرج دقائقها، ولذا صار مصدراً دراسياً منذ تأليفه إلى عدة قرون.
و كان الكتاب مخطوطاً مستوراً عن الأعين إلى أن قام الأُستاذ الكبير الدكتور أبو القاسم الگُرجي بتحقيقه وبذل جهده في مقابلته مع ثلاث نسخ خطية، وبهذا قدم للعلم والعلماء خدمة كبيرة، ومع ذلك لم يكن المطبوع خالياً من هَن وهَن.
فقد اهتم المحقق بتسويد الهوامش وشحنها بالإشارة إلى النسخ المختلفة التي لا حاجة لذكرها لوضوح عدم صحّتها، في حين أهمل تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة وأقوال العلماء وآرائهم، ومع ذلك فالفضل يرجع إليه لأنّنا استفدنا من جهوده وعمله.

صفحه 24

شكر وتقدير

وفي الختام لا يسعني إلاّ تقديم شكري وتقديري وامتناني إلى الأعزّاء الأفاضل الذين قاموا بتحقيق الكتاب، وبذلوا جهودهم في تصحيحه وتنقيحه، وتقويم نصّه وضبطه، وتخريج مصادره، وإعراب آياته، وترتيب عناوينه وفصوله، وحلّ معضلاته والتعليق عليها، وتنظيم فهارس كاملة للكتاب في آخره، وهم:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.
3. محمد الكناني.
كما أتقدّم بالشكر والامتنان إلى الشيخ الجليل محمود باقرپور الذي قام بطبع الكتاب وإخراجه فنياً، وبذل غاية جهده ليخرج بهذه الحلّة القشيبة.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.

النسخ المعتمدة

اعتمدنا في عملنا على النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة السيد أسد اللّه مجد القزويني التي تمّ الانتهاء من كتابتها في يوم الأربعاء المصادف للسادس عشر من شهر صفر من سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين(1247هـ) كتبها مصطفى ابن المرحوم الحاج ملا أحمد الخوئيني. والنسخة غير مرقمة الصفحات، تحتوي كلّ صفحة على عشرين سطراً، ذات أبعاد 5/20*5/14. وقد رمزنا لها بالحرف «م».
كما اعتمدنا على النسخة المطبوعة من قِبل جامعة طهران سنة 1346هـ.ش

صفحه 25
بتحقيق الدكتور أبو القاسم الگُرجي الذي اعتمد بدوره على ثلاث نسخ خطية رمز لها: أ، ب، ج.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخ ومقابلتها، قمنا بتقويم نص الكتاب وضبطه وتنقيحه، وتعيين المصحَّف من الصحيح مع تثبيت الصحيح في المتن للحصول على نص قريب ممّا تركه المؤلفقدَّس سرَّه. وقد أشرنا إلى اختلاف النسخ في الحالات الضرورية فقط.
2. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
3. تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة الواردة في متن الكتاب وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.
4. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم مع ذكر مصادر هذه الأقوال.
5. كتابة بعض التعاليق الضرورية حول مواضيع الكتاب المختلفة وعلى الخصوص المتعلّقة بالأُمور العقائدية والكلامية.
6. قام المشرف على الكتاب سماحة آية اللّه العظمى جعفر السبحاني بكتابة بعض التعاليق المهمّة ، وضّح فيها ما غمض من متن الكتاب، وأشار إلى ما التبس وصعب فهمه. وقد وضعنا في نهاية تعليقاته كلمة (المشرف) لتمييزها عن بقية الهوامش.
7. كلّ ما بين المعقوفتين [ ] فهو إضافة منا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
8. قمنا بكتابة عناوين استنتاجية ووضعها بين معقوفتين تسهيلاً للقارئ الكريم، وتنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته.

صفحه 26
9. قمنا بترقيم أبواب الكتاب وفصوله بغية تنظيمه بصورة مطلوبة.
10. إتماماً للفائدة قمنا بترجمة الأعلام الذين ذكرهم المؤلف في متن كتابه.
11. وفي الختام قمنا بتنظيم مجموعة من الفهارس الفنية تسهّل على القارئ الكريم الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، وتساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسرعة ويسر.
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق، شكر اللّه مساعي الجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المقدّسة
23 صفر1429هـ

صفحه 27
الصفحة الأُولى من نسخة «م»

صفحه 28
الصفحة الأخيرة من نسخة «م»

صفحه 29
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه حمد الشاكرين الذاكرين، المعترفين بجميل آلائه وجزيل نعمائه، المستبصرين بتبصيره، المتذكّرين بتذكيره، الّذين تأدّبوا بتثقيفه، وتهذّبوا بتوفيقه، واستضاؤوا بأضوائه، وتروّوا من أنوائه حتّى هجموا بالهداية إلى الدراية، وعلموا بعد الجهالة ، واهتدوا بعد الضلالة، فلزموا القصد، ولم يتعدّوا الحدّ، فيقلّوا في موضع الإكثار، ويطيلوا في مكان الاختصار، ويمزجوا بين متباينين، ويجمعوا بين متنافرين، فربّ مصيب حُرم في صوابه ترتيبَه له في مراتبه وتنزيله في منازله، فعدّ مخطئاً، وعن الرَّشاد مبطئاً. وصلّى اللّه على أفضل بريّته وأكمل خليقته سيّدنا محمّد وآله الطاهرين من عترته وسلّم.
أمّا بعد: فإنّني رأيت أن أُمِلي كتاباً متوسّطاً في أُصول الفقه لا ينتهي بتطويل إلى الإملال، ولا باختصار إلى الإخلال، بل يكون للحاجة سداداً وللبصيرة زناداً، وأخصُّ مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء، فإنّ مسائل الوفاق تقلُّ الحاجة فيها إلى ذلك.
فقد وجدت بعض من أفرد في أُصول الفقه كتاباً، وإن كان قد أصاب في كثير من معانيه وأوضاعه ومبانيه، قد شرد من قانون أُصول الفقه وأُسلوبها، وتعدّاها كثيراً وتخطّاها، فتكلّم على حدّ العلم والظنّ وكيف يولِّد النظر العلم، والفرق بين وجوب المسبّب عن السَّبب، وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى العادة،

صفحه 30
وما تختلف فيه العادة وتتفق، والشروط الّتي يعلم بها كون خطابه تعالى دالاً على الأحكام وخطاب الرسول عليه السلام، والفرق بين خطابيهما بحيث يفترقان أو يجتمعان، إلى غير ذلك من الكلام الّذي هو محض صرف خالص للكلام في أُصول الدين دون أُصول الفقه.
فإن كان دعا إلى الكلام على هذه المواضع أنّ أُصول الفقه لا تتمُّ ولا تثبت إلاّ بعد ثبوت هذه الأُصول، فهذه العلّة تقتضي أن نتكلّم على سائر أُصول الدين من أوّلها إلى آخرها وعلى ترتيبها، فإنّ أُصول الفقه مبنيّة على جميع أُصول الدين مع التأمّل الصحيح، وهذا يوجب علينا أن نبتدئ في أُصول الفقه بالكلام على حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته وجميع أبواب التوحيد، ثم بجميع أبواب التعديل والنبوّات، ومعلوم أنّ ذلك ممّا لا يجوز فضلاً عن أن يجب. والحجّة في إطراح الكلام على هذه الأُصول هي الحجّة في إطراح الكلام على النظر وكيفيّة توليده وجميع ما ذكرناه.
وإذا كان مضيّ 1 ذكر العلم والظنّ في أُصول الفقه اقتضى أن يذكر ما يولّد العلم ويقتضي الظنّ ويتكلّم في أحوال الأسباب وكيفيّة توليدها، فألاّ اقتضانا ذكرنا الخطاب الّذي هو العمدة في أُصول الفقه والمدار عليه أن نذكر الكلام في الأصوات وجميع أحكامها، وهل الصَّوت جسم أو صفة لجسم أو عرض؟ وحاجته إلى المحلّ وما يولِّده، وكيفيّة توليده، وهل الكلام معنى في النَّفس أو هو جنس الصوت أو معنى يوجد مع الصوت؟ على ما يقوله أبو عليّ2. فما التشاغل

1 . في «ب»: معنى.
2 . هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي(235ـ 303هـ)، أبو علي من أئمّة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبت الطائفة الجبائية، نسبته إلى (جبى) قرية من قرى البصرة، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وله تفسير مطول. الأعلام:6/256.

صفحه 31
بذلك كلّه إلاّ كالتشاغل بما أشرنا إليه ممّا تكلّفه، وما تركه إلاّ كتركه. والكلام في هذا الباب إنّما هو الكلام في أُصول الفقه بلا واسطة من الكلام فيما هو أُصول لأُصول الفقه. والكلام في هذا الفنّ إنّما هو مع من تقرّرت معه أُصول الدين1 وتمهّدت ، ثمّ تعدّاها إلى غيرها ممّا هو مبنيّ عليها. فإذا كان المخالف لنا مخالفاً في أُصول الدين، كما أنّه مخالف في أُصول الفقه، أحلناه على الكتب الموضوعة للكلام في أُصول الدين، ولم نجمع له في كتاب واحد بين الأمرين.
ولعلّ القليل التافة من مسائل أُصول الفقه، ممّا لم أُمل فيه مسألة مفردة مستوفاة مستقلّة مستقصاة، لا سيّما مسائله المهمّات الكبار. فأمّا الكلام في الإجماع فهو في الكتاب الشافي والذخيرة مستوفى. وكذلك الكلام في الأخبار. والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه وشرحناه في جواب مسائل أهل الموصل الأُولى.
وقد كنّا قديماً أملينا قطعة من مسائل الخلاف في أُصول الفقه، وعلّق عنّا دفعات لا تحصى من غير كتاب يقرأه المعلّق علينا من مسائل الخلاف على غاية الاستيفاء دفعات كثيرة. وعلّق عنا كتاب العمدة مراراً لا تحصى. والحاجة مع ذلك إلى هذا الكتاب الّذي قد شرعنا فيه ماسّة تامّة، والمنفعة به عامّة، لأنّ طالب الحقّ من هذا العلم يهتدي بأعلامه إليه، فيقع من قرب عليه. ومن يعتقد من الفقهاء مذهباً بعينه تقليداً أو إلفاً في أُصول الفقه، ينتفع بما أوضحناه من نصرة ما يوافق فيه، ممّا كان لا يهتدي إلى نصرته وكشف قناع حجّته، ولا يجده في كتب موافقيه ومصنّفيه ويستفيد أيضاً فيما يخالفنا فيه، إنّا حرّرنا في هذا الكتاب شبهه الّتي هي عنده حجج وقرّرناها، وهذّبناها، وأظهرنا من معانيها ودقائقها ما كان مستوراً، وإن كنّا من بعد عاطفين على نقضها وإبانة فسادها، فهو على كلّ حال

1 . في «ب»: الفقه.

صفحه 32
متقلّب بين فائدتين، متردّد بين منفعتين.
فهذا الكتاب إذا أعان اللّه تعالى على إتمامه وإبرامه، كان بغير نظير من الكتب المصنّفة في هذا الباب. ولم نعن في تجويد وتحرير وتهذيب، فقد يكون ذلك فيما سبق إليه من المذاهب والأدلّة، وإنّما أردنا أنّ مذاهبنا في أُصول الفقه ما اجتمعت لأحد من مصنّفي كتب أُصول الفقه. وعلى هذا فغير ممكن أن يستعان بكلام أحد من مصنّفي الكلام في هذه الأُصول، لأنّ الخلاف في المذاهب والأدلّة والطُّرق والأوضاع يمنع من ذلك، ألا ترى أنّ الكلام في الأمر والنهي الغالب على مسائله والأكثر والأظهر أُخالف القوم فيه، والعموم والخصوص فخلافي لهم وما يتفرّع عليه أظهر، وكذلك البيان والمجمل والإجماع والأخبار والقياس والاجتهاد ممّا خلافي1 جميعه أظهر من أن يحتاج إلى إشارة، فقد تحقّق استبداد هذا الكتاب بطرق مجددة لا استعانة عليها بشيء من كتب القوم المصنّفة في هذا الباب. وما توفيقنا إلاّ باللّه تعالى.
وقد سمّيته بـ«الذريعة إلى أُصول الشَّريعة» لأنّه سبب ووصلة إلى علم هذه الأُصول. وهذه اللّفظة في اللغة العربية وما تتصرّف إليه تفيد هذا المعنى الّذي أشرنا إليه، لأنّهم يسمُّون الحبل الّذي يحتبل به الصائد الصَّيد ذريعة، واسم الذراع من هذا المعنى اشتقّ، لأنّ بها يتوصّل إلى الأغراض والأوطار، والذراع أيضاً صدر القناة. وذرع القيء إذا غلب، وبلغ من صاحبه الوطر. فبان أنّ التصرّف يعود إلى المعنى الّذي ذكرناه. وما توفيقنا إلاّ باللّه عليه توكّلنا وإليه ننيب.

1 . في«ج» بزيادة : في.

صفحه 33

الباب الأوّل:

الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه

إعلم أنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو على الحقيقة كلام في أدلّة الفقه، يدلّ عليه أنّا إذا تأمّلنا ما يسمّى بأنّه أُصول الفقه، وجدناه لا يخرج من أن يكون موصلاً إلى العلم بالفقه أو متعلّقاً به وطريقاً إلى ما هذه صفته، والاختبار يحقّق ذلك. ولا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلّة والطرق إلى أحكام فروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أُصولاً للفقه، لأنّ الكلام في أُصول الفقه إنّما هو كلام في كيفيّة دلالة ما يدلّ من هذه الأُصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلّة الفقهاء إنّما هي على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل.
وإذا كان مدار الكلام في أُصول الفقه إنّما هو على الخطاب وجب أن نبدأ بذكر أحكام الخطاب.
والخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، وليس كلّ كلام خطاباً، وكلّ خطاب كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب لكونه خطاباً لمن هو خطاب له ومتوجّهاً إليه والّذي يدلّ على ذلك أنّ الخطاب قد يوافقه في جميع

صفحه 34
صفاته من وجود وحدوث وصيغة وترتيب ما ليس بخطاب، فلابدّ من أمر زائد به كان خطاباً، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل جماعة ويكون الخطاب لبعضهم دون بعض لأجل القصد الّذي أشرنا إليه المخصّص لبعضهم دون بعض، ولهذا جاز أن يتكلّم النائم، ولم يجز أن يخاطب، كما لم يجز أن يأمر وينهى.1

أقسام الخطاب

وينقسم الخطاب إلى قسمين: مهمل، ومستعمل.
فالمهمل: ما لم يوضع في اللّغة الّتي أُضيف أنّه مهمل إليها لشيء من المعاني، والفوائد.
وأمّا المستعمل: فهو الموضوع لمعنى، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمّي به كنحو الألقاب، مثل قولنا: زيد وعمرو، وهذا القسم جعله القوم بدلاً من الإشارة ولهذا لا يستعمل في اللّه تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أنّ اللّقب يجوز تبديله وتغييره، واللّغة على ما هي عليه، والمفيد لا يجوز ذلك فيه. ولهذا كان الصحيح أنّ لفظة شيء ليست لقباً، بل هي من قسم مفيد الكلام، لأنّ تبديلها وتغييرها لا يجوز، واللّغة على ما هي عليه. وإنّما لم تفد لفظة شيء، لاشتراك جميع المعلومات في

1 . للخطاب تعاريف أُخرى ذكرها الأُصوليون نذكر قسماً منها:
قال الغزالي (في المستصفى:1/112): إنّه خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين، وقال آخرون زيادة على ذلك بالاقتضاء، أو التخيير. وقيل: إنّه الكلام الذي يفهم السامع منه شيئاً. وقيل: اللفظ المفيد الذي يقصد به إفهام من هو متهيّئ لفهمه.
راجع الإحكام في أُصول الأحكام:1/71; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/86.

صفحه 35
معناها، فتعذّرت فيها طريقة الإبانة والتمييز. فلأمر يرجع إلى غيرها لم تفد، واللّقب لا يفيد لأمر يرجع إليه.
والقسم الثاني من القسمة المتقدّمة: هو المفيد الّذي يقتضي الإبانة. وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يبيّن نوعاً من نوع، كقولنا: لون، وكون، واعتقاد، وإرادة.
وثانيها: أن يبيّن جنساً من جنس كقولنا: جوهر، وسواد، وحياة، وتأليف.
وثالثها: أن يبيّن عيناً من عين كقولنا: عالم، وقادر، وأسود، وأبيض.

البحث في الحقيقة والمجاز

وينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة، ومجاز. فاللّفظ الموصوف بأنّه حقيقة هو ما أُريد به ما وضع ذلك اللّفظ لإفادته إمّا في لغة، أو عرف، أو شرع. ومتى تأمّلت ما حُدَّت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه أسلم وأبعد من القدح. وحدُّ المجاز هو اللفظ الّذي أُريد به ما لم يوضع لإفادته في لغة، ولا عرف، ولا شرع.1

1 . ووافقه على هذا التعريف أبو الحسين البصري في المعتمد:1/12، والرازي في المحصول:1/112. وذكرت تعاريف أُخرى منها: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل. قاله أبو علي وأبو هاشم وأبو عبد اللّه البصري أوّلاً.
ومنها: ما ذكره أبو عبد اللّه البصري ثانياً، فقال: الحقيقة ما أُفيد بها ما وضعت له. والمجاز ما أُفيد غير ما وضع له.
ومنها: ما ذكره ابن جنّي وهو أنّ الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة.
ومنها: ما ذكره عبد القاهر النحوي فقال: الحقيقة كلّ كلمة أُريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره، كالأسد للبهيمة المخصوصة. وقد ردّ الرازي على هذه التعاريف واعتبرها باطلة.
راجع المحصول في علم الأُصول:1/113ـ 116.

صفحه 36
ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها لا بدليل. والمجاز بالعكس من ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة أنّ المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب الحكيم قوماً بلغتهم وجرّد كلامه عمّا يقتضي العدول عن ظاهره، فلابدّ من أن يريد به ما تقتضيه المواضعة في تلك اللّفظة الّتي استعملها.
ومن شأن الحقيقة أن تجري في كلّ موضع تثبت فيه فائدتها من غير تخصيص، إلاّ أن يعرض عارض سمعيّ يمنع من ذلك. هذا إن لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: أبلق1، فإنّه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذوات2 دون بعض، لأنّهم يقولون: فرس أبلق، ولا يقولون: ثورٌ أبلق.3
وإنّما أوجبنا اطّراد الحقيقة في فائدتها، لأنّ المواضعة تقتضي ذلك، والغرض فيها لا يتمُّ إلاّ بالاطّراد، فلو لم تجب تسمية كلّ من فعل الضرب بأنّه ضارب، لنُقض ذلك القول بأنّ أهل اللّغة إنّما سمّوا الضارب ضارباً، لوقوع هذا الحدث المخصوص الّذي هو الضرب منه.
وإنّما استثنينا المنع السمعيّ لأنّه ربما عرض في إجراء الاسم على بعض ما فيه

1 . بلق: سواد وبياض، وكذا البلقة ـ بالضم ـ يقال: فرس أبلق وفرس بلقاء.
لسان العرب: 10/25، مادة «بلق».
2 . في «ج»: الدواب.
3 . لا يقال: ثور أبلق، بل يقال: ثور أشيه. والشية: أسود في بياض أو بياض في سواد، وكلّ لون يخالف معظم لون الحيوان، والجمع شيات، وقوله تعالى:(لاشية فيها) أي ليس فيها لون يخالف سائر لونها.
صحاح الجوهري:6/2524، مادة «وشى»; لسان العرب:15/392، مادة «وشى».

صفحه 37
فائدته مفسدة، فيقبح إجراؤه، فيمنع السمع منه، كما قلنا في تسميته تعالى بأنّه فاضل.
واعلم أنّ الحقيقة يجوز أن يقلّ استعمالها، ويتغيّر حالها فتصير كالمجاز. وكذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف فيلحق بحكم الحقائق. وإنّما قلنا ذلك، من حيث كان إجراء هذه الأسماء على فوائدها في الأصل ليس بواجب، وإنّما هو بحسب الاختيار، وإذا صحّ في أصل اللّغة التغيير والتبديل، فكذلك في فرعها، والمنع من جواز ذلك متعذّر. وإذا كان جائزاً، فأقوى ما ذكر في وقوعه وحصوله أنّ قولنا: غائط، كان في الأصل، اسم للمكان المطمئن من الأرض، ثم غلب عليه الاستعمال العرفيّ، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة والحدث المخصوص، ولهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللّفظة في العرف إلاّ ما ذكرناه، دون ما كانت عليه في الأصل.
وأمّا استشهادهم على ذلك بالصلاة والصيام، وأنّ المفهوم في الأصل من لفظة الصلاة الدعاء، ثمّ صار بعرف الشرع المعروف سواه، وفي الصيام الإمساك، ثمّ صار في الشرع لما كان يخالفه، فإنّه يضعف، من حيث أمكن أن يقال إنّ ذلك ليس بنقل، وإنّما هو تخصيص، وهذا غير ممكن في لفظة الغائط.

ما تعرف به الحقيقة

وأقوى ما يعرف به كون اللّفظ حقيقة هو نصُّ أهل اللّغة، وتوقيفهم على ذلك، أو يكون معلوماً من حالهم ضرورة.
ويتلوه في القوّة أن يستعملوا اللّفظ في بعض الفوائد، ولا يدلُّونا على أنّهم متجوّزون بها مستعيرون لها، فيعلم أنّها حقيقة، ولهذا نقول: إنّ ظاهر استعمال أهل

صفحه 38
اللّغة اللّفظة في شيء دلالة على أنّها حقيقة فيه إلاّ أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر.
وقد قيل فيما يعرف به الحقيقة أشياء غيرها عليها ـ إذا تأمّلتها حقّ التأمّل ـ طعن، وفيها قدح. وما ذكرناه أبعدُ من الشبهة.1

تحقيق معنى قولهم: المجاز لا يستعمل في غير مواضعه

ويمضي في الكتب كثيراً أنّ المجاز لا يجوز استعماله إلاّ في الموضع الّذي استعمله فيه أهل اللّغة من غير تعدّ له. ولابدّ من تحقيق هذا الموضع فإنّه ملتبس.
والّذي يجب، أن يكون المجاز مستعملاً فيما استعمله فيه أهل اللّغة أو في نوعه وقبيله. ألا ترى أنّهم لمّا حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مقامه في قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتي أَقْبَلْنا فِيها)2، أشعرونا بأنّ حذف المضاف توسّعاً جائز، فساغ لنا أن نقول: سل المنازل الّتي نزلناها، والخيلَ الّتي ركبناها، على هذه الطريقة في الحذف.
ولمّا وصفوا البليد بأنّه حمار تشبيهاً له به في البلادة، والجواد بالبحر تشبيهاً له به في كثرة عطائه، جاز أن نصف البليد بغير ذلك من الأوصاف المنبئة عن عدم الفطنة، فنقول: إنّه صخرة، وإنّه جماد، وما أشبه ذلك.
ولمّا أجروا على الشيء اسم ما قارنه في بعض المواضع، فقلنا مثل ذلك للمقارنة في موضع آخر. ألا ترى أنّهم قالوا سل القرية في قرية معيّنة، وتعدَّيناها إلى غيرها بلا شبهة للمشاركة في المعنى. وكذلك في النوع والقبيل. وليس هذا هو القياس في اللّغة المطرح، كما لم يكن ذلك قياساً في تعدّي العين الواحدة في القرية.

1 . في «ب» و «ج» و «م»: الشبه.
2 . يوسف:82.

صفحه 39
وبعد فإنّا نعلم أنّ ضروب المجازات الموجودة الآن في اللّغة لم يستعملها القوم ضربة واحدة في حال واحدة، بل في زمان بعد زمان، ولم يخرج من استعمل ذلك ـ ما لم يكن بعينه مستعملاً ـ عن قانون اللّغة، فكذلك ما ذكرناه.
واعلم أنّ الخطاب إذا انقسم إلى لغويّ، وعرفيّ، وشرعيّ، وجب بيان مراتبه وكيفية تقديم بعضه على بعض، حتّى يُعتمد ذلك فيما يرد منه تعالى من الخطاب.
وجملة القول فيه: إنّه إذا ورد منه تعالى خطاب، وليس فيه عرف، ولا شرع، وجب حمله على وضع اللّغة، لأنّه الأصل.
فإن كان فيه وضع، وعرف، وجب حمله على العرف دون أصل الوضع، لأنّ العرف طار على أصل الوضع، وكالناسخ له والمؤثّر فيه.
فإذا كان هناك وضع، وعرف، وشرع، وجب حمل الخطاب على الشرع دون الأمرين المذكورين، للعلّة الّتي ذكرناها. ولأنّ الأسماء الشرعيّة صادرة عنه تعالى ، فتجري مجرى الأحكام في أنّه لا يتعدّى عنها.
واعلم أنّ الناس قد طوّلوا في أقسام الكلام، وأورد بعضهم في أُصول الفقه ما لا حاجة إليه.
وأخصر ما قسّم الكلام المفيد إليه، أنّه إمّا أن يكون خبراً أو ما معناه معنى الخبر. وعند التأمّل يعلم دخول جميع أقسام الكلام تحت ما ذكرناه. لأنّ الأمر من حيث دلّ على أنّ الآمر مريد للمأمور به كان في معنى الخبر. والنهي إنّما كان نهياً، لأنّ الناهي كاره لما نهى عنه، فمعناه معنى الخبر. ولأنّ المخاطب غيره إمّا أن يعرّفه حال نفسه، أو حال غيره، وتعريفه حال غيره يكون بالخبر دون الأمر، وتعريفه حال نفسه يكون بالأمر والنهي، وإن جاز أن يكون بالخبر.

صفحه 40

[في جواز الاشتراك ووقوعه]

واعلم أنّ المفيد من الأسماء إمّا أن يختصّ بعين واحدة ولا يتعدّاها، أو يكون مفيداً لما زاد عليها. فمثال الأوّل قولنا: إله وقديم وما جرى مجرى ذلك ممّا يختصُّ به القديم تعالى ولا يشاركه فيه غيره. فأمّا ما يفيد أشياء كثيرة فينقسم إلى قسمين: إمّا أن يفيد في الجميع فائدة واحدة، أو أن يفيد فوائد مختلفة، فمثال الأوّل قولنا: لون، وإنسان. ومثال الثاني قولنا: قرء،وعين ، وجارية.
ومن خالف في جواز وقوع الاسم على مختلفين أو على ضدّين، لا يلتفت إلى خلافه، لخروجه عن الظاهر من مذهب أهل اللّغة.

[جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى]

واعلم أنّه غير ممتنع أن يراد باللّفظة الواحدة في الحال الواحدة من المعبّـر الواحد المعنيان المختلفان. وأن يراد بها أيضاً الحقيقة والمجاز.1 بخلاف ما حكي عمّن خالف في ذلك من أبي هاشم2 وغيره.3
والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه أنّ ذلك لو كان ممتنعاً لم يخل امتناعه من أن يكون لأمر يرجع إلى

1 . وهو مختار الشافعي والقاضي أبو بكر والجبّائي والقاضي عبد الجبار. ذكره الرازي في المحصول:1/102.
2 . هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبّائي(277ـ 321هـ) أبو هاشم من كبار المعتزلة، عالم بالكلام، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سمّيت «البهشمية» نسبة إلى كنيته أبي هاشم، له مصنفات منها: الشامل في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في الأُصول.الأعلام:4/7.
3 . نذكر منهم: أبو الحسين البصري في المعتمد:1/300، والغزالي في المستصفى:2/141، والرازي في المحصول:1/102، والعلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/219.

صفحه 41
المعبَّر، أو لما يعود إلى العبارة، وما يستحيل لأمر يرجع إلى المعبَّر، تجب استحالته مع فقد العبارة، كما أنّ ما صحّ لأمر يعود إليه، تجب صحّته مع ارتفاع العبارة، وقد علمنا أنّه يصحّ من أحدنا أن يقول لغيره: لا تنكح ما نكح أبوك، ويريد به لا تعقد على من عقد عليه ولا على من وطئه. ويقول أيضاً لغيره: إن لمست امرأتك فأعد الطهارة، ويريد به الجماع واللّمس باليد. وإن كنت محدثاً فتوضّأ، ويريد به جميع الأحداث. وإذا جاز أن يريد الضدّين في الحالة الواحدة، فأجوز منه أن يريد المختلفين.
فأمّا العبارة فلا مانع من جهتها يقتضي تعذّر ذلك، لأنّ المعنيين المختلفين قد جعلت هذه العبارة في وضع اللّغة عبارة عنهما، فلا مانع يمنع من أن يرادا بها. وكذلك إذا استعملت هذه اللّفظة في أحدهما مجازاً شرعاً أو عرفاً، فغير ممتنع أن يراد بالعبارة الواحدة، لأنّه لا تنافي ولا تمانع. وإنّما لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة الأمر والنهي، لتنافي موجبيهما، لأنّ الأمر يقتضي إرادة المأمور به، والنهي يقتضي كراهة المنهيّ عنه، ويستحيل أن يكون مريداً كارهاً للشيء الواحد على الوجه الواحد. وكذلك لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة الاقتصار على الشيء وتعدّيه، لأنّ ذلك يقتضي أن يكون مريداً للشيء وأن لا يريده.
وقولهم: لا يجوز أن يريد باللّفظة الواحدة استعمالها فيما وضعت له والعدول بها عمّا وضعت له، ليس بصحيح، لأنّ المتكلّم بالحقيقة والمجاز ليس يجب أن يكون قاصداً إلى ما وضعوه وإلى ما لم يضعوه، بل يكفي في كونه متكلّماً بالحقيقة، أن يستعملها فيما وضعت له في اللّغة، وهذا القدر كاف في كونه متكلّماً باللّغة، من غير حاجة إلى قصد استعمالها فيما وضعوه. وهذه الجملة كافية في إسقاط الشبهة.
واعلم أنّ الغرض في أُصول الفقه الّتي بيّنا أنّ مدارها إنّما هو على الخطاب، ـ

صفحه 42
و قد ذكرنا مهمّ أقسامه، وما لا بدّ منه من أحواله ـ لمّا كان لابدّ فيه من العلم بأحكام الأفعال، ليُفعل ما يجب فعله، ويُجتنب ما يجب اجتنابه، وجب أن نشير إلى العلم ما هو، وما يشتبه به من الظنّ، وما يقتضي كلّ واحد منهما من دلالة أو أمارة بأخصر قول، فإنّ الجمل المعقولة في هذه المواضع كافية.
فأمّا الأفعال وأحكامها ومراتبها، فسيجيء القول فيه من هذا الكتاب عند الكلام على أفعال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكيفيّة دلالتها بإذن اللّه تعالى ومشيّته.

[ في حدّ العلم وأقسامه]

واعلم أنّ العلم ما اقتضى سكون النفس.1 وهذه حالة معقولة يجدها الإنسان من نفسه عند المشاهدات، ويفرّق فيها بين خبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ زيداً في الدار وخبر غيره. غير أنّ ما هذه حاله، لابدّ من كونه اعتقاداً يتعلّق بالشيء على ما هو به. وإن لم يجز إدخال ذلك في حدّ العلم، لأنّ الحدّ يجب أن يميّز المحدود، ولا يجب أن يذكر في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. ولئن جاز لنا أن نقول في حدّ العلم: إنّه اعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس. ونعتذر ، بأنّا أبنّاه، بقولنا: اعتقاد، من سائر الأجناس. وبتناوله المعتقد على ما هو به، من الجهل.

1 . اختلف القائلون بتحديد العلم في حدّه، فقال أبو الحسن الأشعري: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالماً. لاحظ المنخول للغزّالي:94.
وقال بعض الأشاعرة: العلم تبيين المعلوم على ما هو به. لاحظ البرهان في أُصول الفقه:1/97.
وقال أبو بكر ابن فورك الأنصاري: العلم ما يصحّ من المتّصف به إحكام الفعل وإتقانه. نقله عنه الجويني في البرهان:1/98.
وقال المعتزلة: العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس. وهو يوافق ما ذهب إليه السيد المرتضى. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/79.

صفحه 43
وبسكون النفس، من التقليد. فألاّ جاز أن نقول في حدّه عرضٌ، لِبَيْنِه عن الجوهر. ويوجب حالاً للحيّ، لِبَيْنِهِ 1 ممّا يوجب حالاً للمحلّ. ويحلُّ القلب ولا يوجد إلاّ فيه، لِبَيْنِهِ 2 ممّا يحلّ الجوارح.
والعلم ينقسم إلى قسمين.
أحدهما: لا يتمكّن العالم به من نفيه عن نفسه بشبهة إن انفرد، وإن شئت قلت: لأمر يرجع إليه; وإن شئت قلت: على حال من الحالات.
والقسم الآخر: يتمكّن من نفيه عن نفسه على بعض الوجوه.
والقسم الأوّل على ضربين: أحدهما : مقطوع على أنّه علم ضروريّ ومن فعل اللّه تعالى فينا، كالعلم بالمشاهدات وكلّ ما يكمل به العقل من العلوم.
والقسم الثاني: مشكوك فيه ويجوز أن يكون ضروريّاً ومن فعل اللّه فينا، كما يجوز أن يكون من فعلنا، كالعلم بمخبر الإخبار عن البلدان والحوادث الكبار. وهذا ممّا يستقصى في الكلام على الأخبار من هذا الكتاب بعون اللّه ومشيّته. وإنّما شرطنا ما ذكرناه من الشروط، احترازاً من العلم المكتسب إذا قارنه علمٌ ضروريٌّ، ومتعلّقهما واحد. وأمّا العلم الّذي يمكن نفيه عن العالم على الشروط التي ذكرناها، فهو مكتسب، ومن شأنه أن يكون من فعلنا ، لا من فعل غيرنا فينا. وما بعد هذا من أقسام العلوم الضروريّة، وما يتفرّع عليه، غير محتاج إليه في هذا الكتاب.
والنظر في الدلالة على الوجه الّذي يدلّ عليه، يجب عنده العلم و يحصل لا محالة. وهذا القدر كاف لمن ينظر في أُصول الفقه، ولا حاجة به ماسّة لا يتمُّ ما

1 . في «ج» و «م»: لنبيّنه.
2 . في «ج» و «م»: لنبيّنه.

صفحه 44
قصده من أُصول الفقه إلاّ بها، إلى أن يحقَّق كيفيّة كون النظر سبباً للعلم وشروط توليده.

[في الظن و الأمارة]

وأمّا الظنّ فهو ما يقوّى كون ما ظنّه على ما يتناوله الظنّ، وإن جوّز خلافه.فالّذي يبيّن به الظنّ التقوية والترجيح. ولا معنى لتحقيق كون الظنّ من غير قبيل الاعتقاد هاهنا، وإن كان ذلك هو الصحيح، لأنّه لا حاجة تمسُّ إلى ذلك.
وما يحصل عنده الظنّ، يسمّى أمارة.1
ويمضي في الكتب كثيراً، أنّ حصول الظن عند النظر في الأمارة ليس بموجب عن النظر، كما نقوله في العلم الحاصل عند النظر في الدلالة، بل يختاره الناظر في الأمارة لا محالة لقوّة الداعي.
وليس ذلك بواضح، لأنّهم إنّما يعتمدون في ذلك على اختلاف الظنون من العقلاء والأمارة واحدة، وهذا يبطل باختلاف العقلاء في الاعتقادات والدلالة واحدة. فإن ذكروا اختلال الشُّروط وأنّ عند تكاملها يجب العلم، أمكن أن يقال مثل ذلك بعينه في النظر في الأمارة. وتحقيق ذلك أيضاً ممّا لا يحتاج إليه هاهنا، لأنّ الأغراض في أُصول الفقه تتمُّ بدونه.
وإن قيل: ما دليلكم على أنّ تكليفكم في أُصول الفقه إنّما هو العلم دون العمل التابع للظنّ وإذا كنتم تجوّزون أن تكليفكم الشرائع تكليفٌ يتبع الظنّ

1 . في «ب» و «ج» و «م» بزيادة: وربما يسمى دلالة والأولى إفراد الدلالة بما يحصل عنده العلم.

صفحه 45
الراجع إلى الأمارة فألاّ كان التكليف في أُصول الفقه كذلك؟
قلنا: ليس كلُّ أُصول الفقه يجوز فيه أن يكون الحقُّ في جهتين مختلفتين، لأنّ القول بأنّ المؤثّر في كون الأمر أمراً إنّما هو إرادة المأمور به وأنّه لا تعلُّق لذلك بصفات الفعل في نفسه، وأنّه تعالى لا يجوز أن يريد إلاّ ما له صفة زائدة على حسنه ولا ينسخ الشيء قبل وقت فعله وما أشبه ذلك، وهو الغالب والأكثر، فلا يجوز أن يكون الحقُّ فيه إلاّ واحداً، كما لا يجوز في أُصول الديانات أن يكون الحقُّ إلاّ في واحد.
اللّهمّ إلاّ أن يقول: جوّزوا أن يكلّف اللّه تعالى من ظنّ بأمارة مخصوصة تظهر له أنّ الفعل واجب، أن يفعله على وجه الوجوب، ومن ظنّ بأمارة أُخرى أنّه ندب، أن يفعله على هذا الوجه، وكذلك القول في الخصوص والعموم، وسائر المسائل، لأنّ العمل فيها على هذا الوجه هو المقصود دون العلم، واختلاف أحوال المكلَّفين فيه جائز، كما جاز في فروع الشريعة.
فإذا سئلنا على هذا الوجه، فالجواب أنّ ذلك كان جائزاً، لكنّا قد علمنا الآن خلافه، لأنّ الأدلة الموجبة للعلم قد دلّت على أحكام هذه الأُصول، كما دلّت على أُصول الديانات، وما إليه طريقُ علم لا حكم للظنّ فيه، و إنّما يكون للظنّ حكم فيما لا طريق إلى العلم إلاّ به، ألا ترى أنّنا لو تمكّنا من العلم بصدق الشُّهود، لما جاز أن نعمل في صدقهم على الظنّ، وكذلك في أُصول العقليّات لو أمكن أن نعلم أنّ في الطريق سبعاً، لما عملنا على قول من نظنُّ صدقه من المخبرين عن ذلك، وإذا ثبتت هذه الجملة، وعلمنا أنّ على هذه الأُصول أدلّة، يوجب النظر فيها العلم، لم يجز أن نعمل فيما يتعلّق بها على الظنّ والأمارات، ومعنا علم وأدلّة.

صفحه 46
وأيضاً فلو كانت العبادة وردت بالعمل فيها على الظُّنون، لوجب أن يكون على ذلك دليل مقطوع به، كما نقول لمن ادّعى مثل ذلك في الأحكام الشرعيّة، وفي فقد دلالة على ذلك صحّة ما قلناه.
وأيضاً فليس يمكن أن يدّعى أنّ المختلفين يعذر بعضهم بعضاً في الخلاف الجاري في هذه الأُصول، ويصوّبه، ولا يحكم بتخطئته، كما أمكن أن يدّعى ذلك في المسائل الشرعيّة، فإنّ من نفى القياس في الشريعة، لا يعذر مثبتيه، ولا يصوّبه، ومن أثبته، لا يعذرنا فيه، ولا يصوّبه، وكذلك القول في الإجماع وأكثر مسائل الأُصول.

صفحه 47

الباب الثاني:

القول في الأمر وأحكامه وأقسامه

[وفيه عشرون فصلاً]

الفصل الأوّل

فِيمَ الأمر؟

اختلف الناس في هذه اللّفظة، فذهب قوم إلى أنّها مختصّة بالقول دون الفعل1، ومتى عبّر بها عن الفعل كانت مجازاً.2
وقال آخرون: هي مشتركة بين القول والفعل، وحقيقة فيهما معاً.3 والّذي يدلّ على صحّة ذلك، أنّه لا خلاف في استعمال لفظة الأمر في اللّغة العربيّة تارة

1 . وهو مختار الرازي في المحصول:1/184.
2 . وهو مختار الجمهور والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/359.
3 . وهو قول جماعة من الفقهاء. وقال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/39: إنّه مشترك بين القول المخصوص وبين الشيء وبين الصفة، وبين الشأن والطريق.

صفحه 48
في القول وأُخرى في الفعل، لأنّهم يقولون: أمر فلان مستقيم، وإنّما يريدون طرائقه وأفعاله، دون أقواله ، ويقولون: هذا أمر عظيم، كما يقولون: هذا خطبٌ عظيم، ورأيت من فلان أمراً أهالني، أو أعجبني، ويريدون بذلك الأفعال لا محالة.
ومن أمثال العرب في خبر الزَّبّاء1: لأمر ما جدع قصير أنفه.2
وقال الشاعر : لأمر ما يسود من يسود.3
وممّا يمكن أن يستشهد به على ذلك من القرآن قوله تعالى: (حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ)4 وإنّما يريد اللّه تعالى بذلك الأهوال والعجائب، الّتي فعلها جلّ اسمه، وخرق بها العادة.
وقوله تعالى: (أَتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)5 وأراد الفعل لا محالة.

1 . هي الزَّبّاء بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع، الملكة المشهورة في العصر الجاهلي، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة. يسمّيها الإفرنج زنوبيا، وأُمّها يونانية من ذرية كليوبطرة ملكة مصر، كانت غزيرة المعارف، بديعة الجمال، مولعة بالصيد والقنص، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، كتبت تاريخاً للشرق. وليت تدمر واستقلت بالملك بعد طرد الرومان منها، وامتد حكمها من الفرات إلى بحر الروم ومن صحراء العرب إلى آسيا الصغرى، واستولت على مصر مدة. توفّيت سنة 358ق.هـ/285م. الأعلام:3/41.
2 . مثل مشهور وفيه قصة مشهورة خلاصتها:
انّ الزباء قتلت جذيمة الوضاح ملك العراق فاحتال ابن أُخت له اسمه: عمرو بن عدي عن طريق قصير بن سعد الذي جدع أنفه وقطع أُذنه ولحق بالزباء زاعماً أنّ عمرو بن عدي صنع به ذلك وأنّه لجأ إليها هارباً منه وأخذ يتلطّف إليها إلى أن وثقت به، فوضع خطة استطاع بها عمرو بن عدي من دخول قصر الزباء وهمّ بقتلها فامتصت سمّاً قاتلاً وقالت : بيدي لا بيد عمرو. راجع خزانة الأدب:8/276; الأعلام:3/41.
3 . البيت للشاعر أنس بن نهيك، وتمامه كما في الصحاح:1/380:
عزمت على إقامة ذي صباح *** لأمر مـا يســود مـن يســود
4 . هود:40.
5 . هود:73.

صفحه 49
وإذا صحّت هذه الجملة، وكان ظاهر استعمال أهل اللّغة اللّفظة في شيئين أو أشياء، يدلُّ على أنّها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما، إلاّ أن يقوم دليل قاهر يدلُّ على أنّه مجاز في أحدهما ـ و قد بسطنا هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كلامنا، وستجيء مشروحة مستوفاة في مواضعها من كتابنا هذا ـ وجب القطع على اشتراك هذه اللّفظة بين الأمرين، ووجب على من ادّعى أنّها مجازٌ في أحدهما، الدليل.
فإن قالوا: قد استعمل لفظ الخبر فيما ليس بخبر على الحقيقة، كما قال الشاعر: تُخبِرني العينان مَا القلبُ كاتمٌ.1
قلنا: قد بيّنّا أنّ ظاهر الاستعمال يدلُّ على الحقيقة، إلاّ أن تقوم دلالة، ولو خُلّينا وظاهر استعمال لفظة الخبر في غير القول، لحكمنا فيه بالحقيقة، لكنّا علمنا ضرورة من مذاهب القوم أنّهم لذلك مستعيرون ومتجوّزون ، فانتقلنا عمّا يوجبه ظاهر الاستعمال، وليس ذلك ينافي استعمالهم لفظة الأمر في الفعل.

[أدلّة القائلين باختصاص الأمر بالقول]

وقد تعلّق المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء:
منهـا: أنّ الأمر يشتـقّ منه في اللّغة العربيّة الوصف لفاعله بأنّه آمر، وهذا لا يليق إلاّ بالقول دون الفعل، لأنّهم لا يسمُّون من فعل فعلاً ليس بقول، بأنّه آمر.
ومنها: أنّه لو كان اسماً للفعل في الحقيقة لاطّرد في كلّ فعل حتّى يسمّى الأكل والشُّرب بأنّه أمرٌ، ألا ترى أنّ القول لمّا كان أمراً، اطّرد في كلّ ما هو

1 . البيت لأبي جندب الهذلي وتمامه:
تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وما جُنّ بالبغضاء والنظر شرز
شرح نهج البلاغة:18/137; تاج العروس:18/120.

صفحه 50
بصفته.
ومنها: أنّ من شأن الأمر أن يقتضي مأموراً ومأموراً به، كما يقتضي الضرب ذلك، ومعلوم أنّ ذلك لا يليق إلاّ بالقول دون الفعل.
ومنها: أنّ الأمر يدخل فيه الوصف بمطيع وعاص، وذلك لا يتأتّى إلاّ في القول.
ومنها: أنّ الأمر نقيضه النهي، فإذا لم يدخل النهي إلاّ في الأقوال دون الأفعال، فكذلك الأمر.
ومنها: أنّ الأمر يمنع من الخرس والسكوت، لأنّهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقولوا وقع منه أمرٌ، كما يستهجنون أن يقولوا وقع منه خبرٌ، أو ضرب من ضروب الكلام.
ومنها: أنّ لفظة الأمر لو كانت مشتركة بين القول والفعل، لم تخل من أن يفيد فيهما فائدة واحدةً، أو فائدتين مختلفتين، وفي تعذّر الإشارة إلى فائدة تعمُّهما، أو فائدتين يخصُّ كلَّ واحدة منهما، دلالة على فساد كون هذه اللّفظة حقيقة في الأمرين.

[رد أدلّة القائلين باختصاص الأمر بالقول]

فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً من دلالة الاشتقاق: ما أنكرتم أن يكون الاشتقاق الّذي أوجبه أهل اللّغة لفاعل الأمر إنّما هو الّذي هو قول دون ما ليس بقول من الأفعال، ومعلوم ضرورة أنّهم إنّما اشتقّوا آمراً من الأمر الّذي هو القول، فأيّ دلالة في ذلك على أنّ الفعل لا يسمّى أمراً، ومن الّذي يحفظ عن أهل اللّغة القول بأنّ كلّ ما يوصف بأنّه أمر على الحقيقة يوصف فاعله بأنّه آمر، وإذا لم يكن هذا محفوظاً عنهم، ولا منقولاً، فلا دلالة فيما ذكروه. وهذه الطريقة توجب عليهم أن

صفحه 51
تكون لفظة عين غير مشتركة، لأنّ لقائل أن يقول إنّ هذه اللّفظة إنّما تجري على ما يشتقّ منه أعين وعيناء، وهذا لا يليق إلاّ بالجارحة، فيجب أن تكون مقصورة عليها. وبمثل ما يدفعون به هذا القول، يدفع قولهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: نحن نقول بما ظننتم أنّا نمنع منه، ولا نفرّق بين وقوع هذا الاسم الّذي هو الأمر على الأفعال كلّها، على اختلافها وتغايرها، وإلاّ فضعوا أيديكم على أيّ فعل شئتم، فإنّا نبيّن أنّ أهل اللّغة لا يمتنعون من أن يسمُّوه أمراً.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به ثالثاً: إنّ اقتضاء الأمر لمأمور ومأمور به إنّما هو في الأمر الّذي هو القول دون الفعل ، وإنّما كان كذلك، لأنّ الأمر له تعلُّق بغير فاعله، والفعل لا تعلُّق له بغير فاعله، فلذلك احتاج الأمر بمعنى القول من مأمور به ومأمور، إلى ما لا يحتاج إليه الفعل، وإن سمّي أمراً، وأنتم لا يمكنكم أن تنقلوا عن أهل اللّغة أنّ كلّ ما سمّي أمراً ـ و إن لم يكن قولاً ـ يقتضي مأموراً به ومأموراً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّ الوصف بالطاعة والمعصية أيضاً لا يليق إلاّ بالأمر الّذي هو القول للعلّة الّتي ذكرناها، وهو أنّ المطيع مَنْ فَعَلَ ما أُمر به، والعاصي من خالف ما أُمر به، والأمر الّذي هو الفعل لا يقتضي طاعةً ولا معصيةً، لأنّه لا يتعلّق بمطيع ولا عاص. على أنّ قولهم إنّ دخول الطاعة والمعصية علامة لكون الأمر أمراً، ينتقض بقول القائل لغلامه: أُريد أن تسقيني الماء، ونحن نعلم أنّه إذا لم يفعل يوصف بأنّه عاص، وإذا فعل يوصف بأنّه مطيع، وقد علمنا أنّ قوله: أُريد أن تفعل، ليس بأمر، لفقد صيغة الأمر فيه، فبطل أن تكون الطاعة أو المعصية موقوفة على الأمر.

صفحه 52
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّ النهي نقيض الأمر الّذي هو القول، دون الفعل، فمن أين لكم أنّ النهي نقيض كلّ ما سمّي أمراً، وإن لم يكن قولاً. والّذين قالوا لنا من أهل اللّغة: إنّ النهي نقيض الأمر، هم الّذين قالوا لنا: إنّ الفعل يسمّى بأنّه أمر وجرى ذلك في كلامهم وأشعارهم.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به سادساً: إنّ الخرس والسكوت يمنعان من الأمر الّذي هو القول، ولا يمنعان من الأمر الّذي هو الفعل، يدلّ على هذا أنّا نقول في الأخرس: إنّ أمره مستقيم أو غير مستقيم، ورأيت منه أمراً جميلاً أو قبيحاً، وكذلك في الساكت. ويوضح ماذكرناه أنّه لو كان الأخرس لا يقع منه ما يسمّى أمراً من الأفعال، ـ كما لا يكون آمراً ـ لوجب أن يستقبحوا وصف فعله بأنّه أمر، كما استقبحوا وصفه بأنّه آمر. فقد علمنا الفرق بين الأمرين ضرورة. ولمن خالف في اشتراك لفظة عين أن يطعن بمثل ما ذكروه، فيقول: إنّ هذه اللّفظة تجري على ما يؤثّر فيه العمى والآفة، وهذا لا يليق إلاّ بالجارحة، فيجب أن تكون مختصة بها. ولا جواب عن هذا الطَّعن إلاّ ما قدّمناه من الجواب عن طعنهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: إنّا لا ندّعي أنّ الفائدة واحدة، فيما سمّي أمراً من القول، وسمّي أمراً من الفعل، بل ندّعي اختلافهما، ويجري وقوع هذه التَّسمية على المختلف، مجرى وقوع قولهم عين على أشياء مختلفة لا تفيد في كلّ واحد منها فائدتها في الآخر، لأنّ العين الّتي هي الجارحة لا تشارك العين الّتي هي الذهب أو عين الماء في فائدة واحدة، بل الفوائد مختلفة، وكذلك لفظة أمر تفيد تارة القول الّذي له الصيغة المعيّنة، وتارة الفعل، وهما فائدتان مختلفتان. ولهذا نقول: إنّ هذه اللّفظة تقع على كلّ فعل، ولا تقع إذا استعملت في القول على كلّ قول، حتّى يكون بصيغة مخصوصة.

صفحه 53

الفصل الثاني:

في وجوب اعتبار الرتبة في الأمر

اعلم أنّه لا شبهة في اعتبارها1، لأنّهم يستقبحون قول القائل: أمرت الأمير، أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقولوا: أخبرته، أو سألته، فدلَّ على أنّها معتبرة، ويجب أن لا تطلق إلاّ إذا كان الآمر أعلى رتبة من المأمور. فأمّا إذا كان دون رتبته، أو كان مساوياً له، فإنّه لا يقال أمره. والنهي جار مجرى الأمر في هذه القضيّة.
وما له معنى الأمر وصيغته من الشفاعة تعتبر أيضاً فيه الرتبة، لأنّهم يقولون: شفع الحارس إلى الأمير، ولا يقولون شفع الأمير إلى الحارس، فالشفاعة إنّما يعتبر فيها الرتبة بين الشافع والمشفوع إليه، كما أنّ الأمر إنّما تعتبر الرتبة فيه بين الآمر والمأمور.
ولا اعتبار بالرتبة في المشفوع فيه، على ما ظنّه من خالفنا في الوعيد، لأنّ الكلام على ضربين: ضرب لا تعتبر فيه الرتبة، وضرب تعتبر فيه. فما اعتبرت فيه الرتبة، إنّما اعتبرت بين المخاطِب والمخاطَب، دون من يتعلّق به

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30ـ 33، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/159، وجمهور المعتزلة.
وذهب آخرون إلى نفي العلو واعتبروا الاستعلاء . وهو مختار العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/385، وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/43.
وقالت الأشاعرة: لا يعتبر العلو ولا الاستعلاء، كما نقله الرازي في المحصول:1/198.

صفحه 54
الخطاب، ولذلك جاز أن يكون أحدنا شافعاً لنفسه، وفي حاجة نفسه، ولو اعتبرت الرتبة في المشفوع فيه، لما جاز ذلك، كما لا يجوز أن يكون آمراً نفسه وناهيها.1

[أدلّة القائلين بسقوط اعتبار الرتبة والرد عليها]

وقد تعلّق من خالفنا بأشياء:
أوّلها: أنّهم حملوا الأمر على الخبر في إسقاط الرتبة.
وثانيها: قوله تعالى: (مَا للِظّالِمينَ مِنْ حَميم وَلا شَفيع يُطاعُ)2 والطاعة تعتبر فيها الرتبة كالأمر.
وثالثها: قول الشاعر:
رُبَّ مَنْ أَنضَجْتُ غَيْظاً قَلْبَهُ *** قَـد تَمَنّـى لـي مـوتاً لم يُطَـعْ3
والموت من فعل اللّه ـ تعالى ـ، والطاعة لا تجوز عليه ـ تعالى ـ عند من اعتبر الرتبة.
فيقـال لهم فـي الأوّل: لو كان الأمر كالخبر في سقوط اعتبار الرتبة، جاز أن يقال: أمرت الأمير، كما يقال: أخبرت الأمير; فلمّا لم يجز ذلك، بان

1 . أجاب العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/387 عن كلام السيد المرتضى بقوله: مسلّم أنّه قبيح، وهو دليلنا على عدم اعتبار الرتبة، ودليل يدلّ على أنّ الرتبة معتبرة في حسن الأمر لا فيه، ونمنع اعتبار الرتبة في الشفاعة بين الشافع والمشفوع فيه.
2 . غافر:18.
3 . القائل هو سويد بن أبي كاهل (غطيف، أو شبيب) ابن حارثة بن حسل الذبياني الكناني اليشكري، أبو سعد، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، عدّه ابن سلام في طبقة عنترة، توفّي بعد سنة 60هـ.
الأعلام:3/146; خزانة الأدب:6/117.

صفحه 55
الفرق.
والجواب عن الثاني: أنّه استعار للإجابة لفظة الطاعة بدلالة أنّ أحداً لا يقول إنّ اللّه أطاعني في كذا، إذا أجابه إليه.
وأيضاً فإنّ ظاهر القول يقتضي أنّه ما للظالمين من شفيع يطاع وليس يعقل من ذلك نفي شفيع يُجاب.
فإذا قيل: فكلُّ شفيع لا يطاع على مذهبكم، كان في ظالم أو في غيره، لأنّ الشفيع يدلُّ على انخفاض منزلته عن منزلة المشفوع إليه، والطاعة تقتضي عكس ذلك.
قلنا: القول بدليل الخطاب باطل، وغير ممتنع أن يخصّ الظالمون بأنّهم لا شفيع لهم يطاع، وإن كان غيرهم بهذه المنزلة.
وأيضاً فيمكن أن يكون المراد بيطاع غير اللّه تعالى من الزبانية والخزنة، والطاعة من هؤلاء لمن هو أعلى منزلةً منهم، من الأنبياء(عليهم السلام)والمؤمنين صحيحة واقعة في موقعها.
والجواب عن الثالث: أنّ الشاعر تجوّز، واستعمل لفظة يطع في موضع يُجَب، وهذه عادة الشُّعراء.
وأيضاً فيمكن أن يكون إنّما تمنّى في عدوّه أن يقتله بعض البشر ، ـ فقد يسمّى القتل موتاً، والموت قتلاً، للتقارب بينهما ـ فلم يطعه ذلك القاتل، ولم يبلغه أمنيّته. والشبهة في مثل هذه المسألة ضعيفة جداً.

صفحه 56

الفصل الثالث:

في صيغة الأمر

اختلف الناس في صيغة الأمر، فذهب الفقهاء كلُّهم وأكثر المتكلّمين إلى أنّ للأمر صيغة مفردة مختصّة به، متى استعملت في غيره كانت مجازاً، وهي قول القائل لمن دونه في الرُّتبة: افعل.
وذهب آخرون إلى أنّ هذه اللّفظة مشتركة بين الأمر وبين الإباحة، وهي حقيقة فيهما، ومع الإطلاق لا يفهم أحدهما، إنّما يفهم واحد دون صاحبه بدليل، وهو الصحيح.1
والّذي يدلّ عليه أنّ هذه اللّفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في التخاطب والقرآن والشعر، قال اللّه تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلوةَ)2 وهو آمرٌ، وقال تعالى:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطادوا)3 وهو مبيحٌ، وكذلك قوله تعالى:(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلوةُ فَانْتَشِروا فِي الأَرْضِ)4والانتشارُ مباح وغير مأمور به، وظاهر الاستعمال يدلّ على الحقيقة، إلاّ أن تمنع دلالة. وما نراهم يفزعون إذا أرادوا أن يبيحوا إلاّ إلى هذه اللّفظة، كما يفزعون إليها في الأمر. ولا يعترض على هذا

1 . لا يخفى أنّ ما ذكره يخالف ما اختاره فيما بعد من أنّه حقيقة في الإيجاب والندب، والعجب أنّه قال هنا:(وهو الصحيح); انظر ص 65.(المشرف)
2 . الأنعام:72.
3 . المائدة:2.
4 . الجمعة:10.

صفحه 57
بقولهم: أبحتُ، لأنّ ذلك خبرٌ محض. وهو جار مجرى أمرت في أنّه خبر، وإذا أرادوا أن يبيحوا بغير لفظة الخبر، فلا مندوحة لهم عن هذه اللّفظة، كما لا مندوحة لهم في الأمر.
وأمّا ما تعلّق به المخالف في اختصاص هذه الصيغة بالأمر، بأنّ معنى الأمر ـ و هو الطلب ـ يهجس في النفس، وتدعو الحاجة إليه ، فلابدّ من أن يضعوا له لفظاً تتمُّ به أغراضهم. وإذا وجب ذلك، فلا لفظ إلاّ هذه الصيغة المخصوصة.
فإنّه يبطل بالإباحة، لأنّ هذا المعنى موجود فيها، وما وضعوا عندهم لها لفظاً مخصوصاً. على أنّ أكثر ما في اعتلالهم أن يضعوا له لفظاً، فمن أين لهم أنّه لابدّ من أن يكون خاصّاً غير مشترك.
وأمّا تعلُّقهم بما سطره أهل العربيّة في كتبهم من قولهم: باب الأمر، وأنّهم لا يذكرون شيئاً سوى هذه اللّفظة المخصوصة، فدلّ على أنّها مخصوصة غير مشتركة، فباطلٌ أيضاً، لأنّ أهل العربيّة أكثر ما قالوا هو أنّ الأمر قول القائل: افعل، وأنّ هذه الصيغة صيغة الأمر، ولم يذكروا اختصاصاً ولا اشتراكاً، فظاهر قولهم لا ينافي مذهبنا، لأنّنا نذهب إلى أنّ هذه صيغة الأمر وأنّ الآمر إذا أراد أن يأمر فلا مندوحة له عنها، لكنّها مع ذلك صيغة للإباحة.
وبعد، فإنّ أهل اللّغة كما نصّوا في الأمر على لفظة افعل، فقد نصّوا في الإباحة على هذه اللّفظة، فلا يبيحون إلاّ بها. فإن كان ما ادّعوه دليل الاختصاص بالأمر، فهو بعينه دليل الاختصاص بالإباحة، والصحيح نفيُّ الاختصاص وثبوت الاشتراك.

صفحه 58

الفصل الرابع

فيما به صار الأمر أمراً

اختلف الناس في ذلك; فذهب قوم إلى أنّ الأمر إنّما كان أمراً بجنسه ونفسه.1
وقال آخرون: إنّما كان كذلك بصورته وصيغته.
وقال آخرون: إنّما كان كذلك لأنّ الآمر أراد كونه أمراً، وأجروه في هذه القضيّة مجرى الخبر.
وقال آخرون: إنّما كان الأمر أمراً، لأنّ الآمر أراد الفعل المأمور به. 2 وهو الصحيح.
والّذي يدلّ عليه أنّ الأمر إذا ثبت أنّه قد يكون من جنس ما ليس بأمر، وأنّ الأمر بعينه يجوز أن يقع غير أمر، فلابدّ والحال هذه من أمر يقتضي كونه أمراً. وإذا بيّنّا أنّه لا مقتضى لذلك سوى كون فاعله مريداً للمأمور به، تمّ ما أردناه.
والّذي يدلّ على أنّ الجنس واحد التباسهما على الإدراك، كالتباس السوادين،

1 . وهو اختيار أبي القاسم البلخي من المعتزلة.
2 . وهو مذهب محقّقي المعتزلة. راجع الأقوال في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/390.
أمّا الشيخ الطوسي فقد خالف هذه الأقوال قائلاً: واعلم أنّ هذه الصيغة التي هي قول القائل:«افعل» وضعها أهل اللغة لاستدعاء الفعل وطلبه، ومجاز في غيره من التهديد والإباحة والتحدّي وتكوين الشيء وما أشبه ذلك، وهو مذهب كثير من الفقهاء والمتكلّمين. راجع عدة الأُصول:1/163ـ 164.

صفحه 59
فكما نقضي بتماثل السوادين، كذلك يجب أن نقضي بتماثل ما جرى مجراهما.
وإنّما قلنا: إنّهما يشتبهان على الإدراك، لأنّ من سمع قائلاً يقول: قم، وهو آمر، لا يفصل بين قوله هذا، وبين نطقه بهذه اللّفظة مبيحاً، أو متحديّاً، أو ساهياً، أو حاكياً عن غيره. ولقوّة هذا الالتباس كان من يجوّز على الكلام الإعادة، يجوّز أن يكون ما سمعه ثانياً هو ما سمعه أوّلاً، وكذلك من اعتقد بقاء الكلام.
وأمّا الّذي يدلّ على أنّ نفس ما يقع فيكون أمراً، كان يجوز أن يقع غير أمر، فوجوه:
منها: أنّ الألفاظ العربيّة إنّما تفيد بالتواضع من أهل اللّغة، وتواضعهم يتبع اختيارهم، وليس هناك وجوب، وقد كان يجوز أن لا يتواضعوا في هذا اللّفظ المخصوص أنّه للأمر، ولو كان كذلك، لكانت هذه الحروف بعينها توجد، ولا تكون أمراً.
ومنها: أنّه لو كان الأمر يتعلّق بالمأمور من غير قصد المخاطب به، لم يمتنع أن يقول أحدنا لغيره: افعل، ويريد منه الفعل، ولا يكون قوله أمراً; أو لا يريد منه الفعل، فيكون قوله أمراً، وقد علمنا خلاف ذلك.
ومنها: أنّ لفظ الأمر لو كان مغايراً للفظ ما ليس بأمر، لوجب أن يكون للقادر سبيل إلى التمييز بين ما يوجد فيكون أمراً، وبين ما يوجد فيكون تهديداً، أو إباحة، وفي علمنا بفقد طريق التمييز دليلٌ على أنّ اللّفظ واحد.
ومنها: أنّ هذا القول يقتضي صحّة أن نعلم أنّ أحدنا أمر وإن لم نعلمه مريداً، إذا كان القصد لا تأثير له، ولا خلاف في أنّ أحدنا إذا كان آمراً، فلابدّ من

صفحه 60
كونه مريداً لما أمر به. وإنّما الخلاف بيننا وبين المجبّرة في اللّ1ه تعالى.
ومنها: أنّ هذا القول يقتضي انحصار عدد من نقدر أن نأمره في كلّ حال حتّى يكون القويّ بخلاف الضعيف، وإنّما أوجبنا ذلك، لأنّ القدرة الواحدة لا تتعلّق في الوقت الواحد في المحلّ الواحد من الجنس الواحد بأكثر من جزء واحد، وحروف قول القائل قم مماثلة لكلّ ما هذه صورته من الكلام، فيجب أن يكون أحدنا قادراً من عدد هذه الحروف في كلّ وقت على قدر ما في لسانه من القدرة، وهذا يقتضي انحصار عدد من يصحّ أن نأمره ، ومعلوم خلاف ذلك.
وليس لأحد أن يقول: إذا جاز أن يفعل أحدنا بالقدرة الواحدة في كلّ محلّ كوناً في جهة بعينها، ولم يجب أن يقدر على كون واحد يصحّ وجوده في المحالّ على البدل بالإرادة، فألاّ جاز مثله في الألفاظ.
وذلك أنّ القدرة الواحدة لا ينحصر متعلّقها في المتماثل إذا اختلفت المحالّ، كما لا ينحصر متعلّقها في المختلف والوقت والمحلّ واحد، وليس كذلك ما يتعلّق به من المتماثل في المحلّ الواحد والوقت واحد، لأنّها لا تتعلّق على هذه الشروط بأكثر من جزء واحد.
وليس له أن يدّعي أنّ محالّ الحروف المتماثلة متغايرة كما قلناه في الأكوان.
وذلك أنّ من المعلوم أنّ مخرج الزاء مثلاً كلّه مخرج واحد، وكذلك مخارج كلّ حرف، ولهذا متى لحقت بعض محالّ هذه الحروف آفة، أثّر ذلك في كلّ حروف ذلك المخرج.

1 . المجبّرة أو الجبرية وهم القائلون بأنّ الإنسان مجبور في أعماله لا اختيار له فيها، بل هو كالجماد، والجبرية اثنتان: متوسطة، تثبت للعبد كسباً في الفعل كالأشعرية. وخالصة لا تثبت كالجهمية والنجارية والضرارية وبهذا يلزمهم نفي التكليف الذي أوجبه الشرع. معجم الفرق الإسلامية:81.

صفحه 61
فإذا صحّ ما ذكرناه من أنّ نفس ما وقع أمراً قد كان يجوز أن يكون غير أمر، فلابدّ من وقوعه أمراً من وجه له اختص بذلك.
ولا يخلو ذلك الأمر من أن يكون ما يرجع إليه ويتعلّق به، أو ما يرجع إلى فاعله، والّذي يرجع إليه، لا يخلو من أن يكون جنسه، أو وجوده، أو حدوثه، أو حدوثه على وجه، أو عدمه، أو عدم معنى أو وجود معنى.
فإن كان المؤثّر حالاً يرجع إلى فاعله، لم يخل من أن يكون ذلك كونه قادراً، أو عالماً، أو مدركاً، أو مشتهياً، أو مريداً، لأنّ ماعدا ما ذكرناه، من كونه موجوداً، أو حيّاً، لا تعلُّق له بغيره، ونحن نبطل من الأقسام ماعدا ما ذهبنا إليه منها.
ومعلوم أنّ ما معه يكون الكلام تارة أمراً، وأُخرى غير أمر، لا يجوز أن يكون مؤثّراً في كونه أمراً، فسقط بذلك أن يكون أمراً لوجوده، وحدوثه، وجنسه، وصفته، لأنّ كلّ ذلك يوجد، ولا يكون أمراً.
وممّا يفسد أن يكون أمراً لجنسه أيضاً، أنّ صفة النَّفس ترجع إلى الآحاد دون الجمل، فكان يجب في كلّ جزء من الأمر أن يكون أمراً. ولأنّه كان يجب أن يتناوله الإدراك على هذه الصفة، فيعرف بالسمع كونه أمراً من لا يعرف اللّغة. ولأنّ صفات النَّفس تحصل في حال العدم والوجود، فكان يجب أن يكون في حال العدم أمراً.
وليس يجوز أن يكون أمراً لحدوثه على وجه، ويراد بذلك ترتيب صيغته، لأنّا قد بيّنا أنّ نفس هذه الصيغة قد تستعمل في غير الأمر. وإن أرادوا غير ما ذكرناه ، فلا وجه يشار إليه، إلاّ وقد تحدث عليه ولا يكون أمراً، حتّى يكون فاعله مريداً.

صفحه 62
ولا يصحّ أن يكون كذلك لعدمه، لأنّ عدمه يحيل هذه الصفة، وما أحال الصفة لا يكون علّة فيها.
ولا يجوز أن يكون كذلك لعدم معنى، لأنّ ذلك لا اختصاص له به دون غيره.
ولا يجوز أن يكون كذلك لوجود معنى، لأنّ كلّ معنى يشار إليه دون الإرادة قد يوجد ولا يكون أمراً. على أنّ المعنى لابدّ من اختصاصه به حتّى يوجب الحكم له، فلا يخلو من أن يختصّه بالحلول فيه، أو في محلّه، والأمر لا يصحّ أن يكون محلاً لغيره، وما يحلُّ محلّه ليس بأن يوجب كونه أمراً بأولى من أن يوجب كون غيره أمراً ممّا يحلُّ ذلك المحلّ، لأنّ الصَّدى قد يحلُّه في حال واحدة الكلامان من زيد وعمرو، فيكون أحدهما أمراً والآخر غير أمر.
وأمّا كون فاعله قادراً فلا يجوز أن يكون المؤثّر في كونه أمراً، لأنّ تعلّق هذه الصفة به وهو آمرٌ كتعلُّقها به وهو غير آمر. ولأنّ كونه قادراً لا يؤثّر إلاّ في الإيجاد، وكونه أمراً حكم زائد على الوجود.
وأمّا كونه عالماً فلا يخلو من أن يراد به كونه عالماً بذات الآمر، أو بالمأمور به، أو يراد بذلك كونه عالماً بأنّ الكلام أمر، والوجهان الأوّلان يفسدان بأنّه قد يكون عالماً بذات الآمر وبالمأمور به ولا يكون كلامه أمراً، والوجه الثالث يفسد بأنّ كلامنا إنّما هو فيما به صار أمراً، فيجب أن يذكر الوجه فيه، ثمّ يعلّق العلم به، لأنّ العلم لا يؤثّر في المعلوم، وإنّما يتعلّق به على ما هو به من غير أن يصير لأجله على صفة، بل لو قيل: إنّ العلم إنّما كان علماً لأجل أنّ المعلوم على ما هو به، كان أقرب من القول بأنّ المعلوم على ما هو به بالعلم، ألا ترى أنّ العلم كالتابع للمعلوم، من حيث يتعلّق به على ما هو عليه. ويجري هذا القائل مجرى من قال:

صفحه 63
إنّ الجسم إنّما صار متحرّكاً بعلم العالم بأنّه يتحرّك. وبعد فإنّ هذا يؤدّي إلى أن يكون علمنا بصفات القديم ـ تعالى ـ و صفات الأجناس هو المؤثّر في كونه ـ تعالى ـ على صفاته، وكون الأجناس على ما هي عليه، وبطلان ذلك ظاهر.
والّذي يفسد أن يكون المؤثّر في الأمر كون فاعله مدركاً أو مشتهياً أو نافراً أنّه قد يكون كذلك، ويكون كلامه تارة أمراً وأُخرى غير أمر.
فلم يبق بعد ما أفسدناه إلاّ أن يكون المؤثّر هو كون فاعله مريداً.

[إرادة المأمور به هو المؤثّر في كون الأمر أمراً]

وإذا كان المؤثّر هو كون فاعله مريداً، فلا يخلو من أن يكون المؤثّر كونه مريداً للمأمور به، أو كونه مريداً لكونه أمراً، والأوّل هو الصحيح. والّذي يبطل الثاني أنّه يقتضي أن يكون أمراً بما لا يريده، أو بما يكرهه غاية الكراهية، وقد علمنا تعذُّر ذلك، وأنّه محال أن يأمر أحدنا بما يكرهه.
وممّا يدلّ على ما ذكرناه أنّه لا يصحّ أن يأمر الآمر إلاّ بما يصحّ أن يريده، ألا ترى أنّه لا يصحّ أن يأمر بالماضي ولا بالقديم لما لم يصحّ أن يراد، فلولا أنّ الإرادة المؤثّرة في كونه أمراً هي المتعلّقة بحدوث المراد، لم يجب ذلك، ألا ترى أنّ الخبر لما احتاج إلى إرادة تتناول كونه خبراً، ولا تتناول المخبر عنه، جاز أن يخبر عن القديم والماضي، فدلّ هذا الاعتبار على مفارقة الأمر للخبر فيما يتناوله الإرادة.
فأمّا الكلام فيما وضع له الأمر ليفيده، فهو أنّه وضع ليفيد أنّ الآمر مريد للمأمور به. ولهذا نقول: إنّ الأمر ـ من حيث كان أمراً ـ لا يدلُّ إلاّ على حال الآمر، ولا يدلُّ على حال المأمور به، لأنّه قد يأمر بالحسن، والقبيح، والواجب، وما

صفحه 64
ليس بواجب، فإذا كان الآمر حكيماً لا يجوز أن يريد القبيح، ولا المباح، علمنا أنّه لم يأمر إلاّ بما له صفة زائدة على حسنه من واجب أو ندب.
والّذي يدلُّ على ما ذكرناه أنّه لا فرق عند أهل اللّغة بين قول القائل لغيره: أُريد منك أن تفعل وبين قوله: افعل.
وأيضاً فإنّ الظاهر من أهل اللّغة أنّهم يجعلون قول القائل لغيره:«افعل» أمراً، إذا كان فوقه في الرُّتبة، وسؤالاً، إذا كان دونه، فجعلوا الرُّتبة فاصلة بين الأمرين، ولا خلاف في أنّ السؤال يقوم مقام قول السائل للمسؤول: أُريد منك أن تفعل كذا وكذا. فلم يفصلوا بين السؤال والأمر إلاّ بالرتبة، وإلاّ فلا فصلَ بينهما في الفائدة والمعنى.

الفصل الخامس:

هل الأمر يقتضي الوجوب أو الإيجاب؟

اختلف الناس في ذلك، فذهب جميع الفقهاء وطائفة من المتكلّمين إلى أنّ الأمر يقتضي إيجاب الفعل على المأمور به، وربّما قالوا وجوبه.1
وقال آخرون: مطلق الأمر إذا كان من حكيم، اقتضى كون المأمور به مندوباً إليه، وإنّما يعلم الوجوب بدلالة زائدة، وهذا هو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم ومن وافقهما.2

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/171، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/51، والجويني في البرهان في أُصول الفقه:1/162، وهو مختار الأشاعرة كما في المحصول:1/204، والظاهرية كما في الإحكام:3/269، وغيرهم.
2 . وهو مذهب بعض الفقهاء ومعتزلة البصرة. أُنظر المعتمد:1/51.

صفحه 65
وذهب آخرون إلى وجوب الوقف في مطلق الأمر بين الإيجاب والندب، والرجوع في كلّ واحد من الأمرين إلى دلالة غير الظاهر1وهو الصحيح.
وتحقيقه أنّ الأمر إذا صدر من حكيم نأمن أن يريد القبيح أو المباح، فلابدّ من القطع على أنّ للمأمور به مدخلاً في استحقاق المدح والثواب، إلا أنّ هذا القدر غير كاف في أنّه ندب، ولا كاف في أنّه واجب، فيحتاج إلى دلالة إمّا على أنّ تركه قبيح، فيعلم أنّه واجب. أو أنّه ليس بقبيح، فيعلم أنّه ندب.
والّذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه، أنّا قد بيّنّا أنّ الأمر إنّما يكون أمراً، لأنّ الآمر أراد المأمور به، وإرادة الحكيم له تقتضي ما ذكرناه من الصفة الزائدة على حسنه، وهذه الصفة الزائدة على الحسن قد تثبت في الندب والواجب، فلابدّ من دلالة زائدة تدلّ على حكم الترك، فيبنى على ذلك الوجوب أو الندب.
وليس لأحد أن يقول: أراد الفعل على جهة الإيجاب، لأنّ ذلك لا يعقل، إن لم يكن المقصود به أنّه أراده وكره تركه، فإذا كان مطلق الأمر لا تعلّق بينه و بين هذه الكراهيّة، لم يجز أن يدلّ عليها.
ويدلُّ أيضاً على ما اخترناه من المذهب أنّه لا شبهة في استعمال صيغة الأمر في الإيجاب والندب معاً في اللّغة، والتعارف، والقرآن و السنّة، وظاهر الاستعمال يقتضي الحقيقة2، وإنّما يعدل عنها بدليل، وما استعمال اللّفظة الواحدة في

1 . وهو مختار الأشعري وجماعة من أصحابه، كالقاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد الصغير:2/27 و 35 و الغزالي كما في المستصفى:2/70.
وذكر العلاّمة الحلّي أقوالاً أُخرى وخلص إلى القول: والوجه عندي أنّها من حيث اللغة موضوعة للطلب مطلقاً ومن حيث الشرع للوجوب. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/400ـ 402.
2 . ما ذكره مبني على أنّ الاستعمال آية الحقيقة، وهو ليس بتام، لأنّ الاستعمال أعمّ منها ومن المجاز، فإذا كان كذلك فلا يكون الاستعمال دليلاً على أحد الأمرين.(المشرف)

صفحه 66
الشَّيئين أو الأشياء إلاّ كاستعمالها في الشيء الواحد في الدلالة على الحقيقة. وإذا ثبت اشتراك هذه الصيغة بين الوجوب والندب، لم يجز أن يفهم أحدهما من ظاهر القول إلاّ بدليل منفصل.
ونحن وإن ذهبنا إلى أنّ هذه اللّفظة مشتركة في اللّغة بين الندب والإيجاب، فنحن نذهب إلى أنّ العرف الشرعيّ المتّفق المستمرّ قد أوجب أن يحمل مطلق هذه اللّفظة ـ إذا وردت عن اللّه تعالى أو عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على الوجوب دون الندب، وعلى الفور دون التراخي، وعلى الإجزاء، و تعلّق الأحكام الشرعيّة به. وفي النهي أنّه يقتضي فساد المنهيّ عنه، وفقد إجزائه. وكذلك نقول في اللّفظ الّذي يذهب الفقهاء إلى أنّه موضوع للاستغراق و الاستيعاب في اللّغة، ونذهب نحن إلى اشتراكه، فنذهب إلى أنّ العرف الشرعيّ قرّر ومهَّد حمل هذه الألفاظ ـ إذا وردت عن اللّه تعالى أو عن رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مع الإطلاق والتجريد على الاستغراق، وإنّما يرجع في التخصيص إلى الدلالة.
والّذي يدلُّ على صحّة هذه الجملة ما هو ظاهر لا يدخل على أحد فيه شبهة، من حمل الصحابة كلّ أمر وارد في قرآن أو سنّة على الوجوب، وكان يناظر بعضهم بعضاً في مسائل مختلفة، فمتى أورد أحدهم على صاحبه أمراً من اللّه تعالى أو من رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يقل صاحبه: هذا أمرٌ، والأمر يقتضي الندب، أو الوقوف بين الوجوب والندب، بل اكتفوا في الوجوب واللّزوم بالظاهر. وكذلك في جميع المسائل الّتي ذكرناها، لأنّهم مازالوا يكتفون في وجوب تعجيل الفعل بأنّ اللّه تعالى أو رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)أوجبه وألزمه، وفي فساده وعدم إجزائه، أنّه نهى عنه، وحظره.
والعموم يجري مجرى ما ذكرناه. وما كانوا يطلبون عند المنازعة والمناظرة

صفحه 67
والمطالبة في ألفاظ العموم الّتي يحتجّ بها عليهم إلاّ المخصّصات لها، وقد كان يجب أن يقولوا : هذه ألفاظٌ مشتركة بين العموم والخصوص، فكيف يحتجّ بها في العموم بغير دلالة. وهذا معلوم ضرورة من عاداتهم الّتي ما اختلفت، ومعلوم أيضاً أنّ ذلك من شأن التابعين لهم وتابعي التابعين، فطالما اختلفوا وتناظروا فلم يخرجوا عن القانون الّذي ذكرناه، وهذا يدلُّ على قيام الحجّة عليهم بذلك، حتّى جرت عادتهم به، وخرجوا عمّا يقتضيه مجرّد وضع اللّغة في هذا الباب.1
وأمّا أصحابنا معشر الإماميّة فلا يختلفون في هذا الحكم الّذي ذكرناه، وإن اختلفوا في أحكام هذه الألفاظ في وضع اللّغة، ولم يحملوا قطُّ ظواهر الألفاظ إلاّ على ما بيّنّاه، ولم يتوقّفوا على الأدلّة، وقد بيّنا في مواضع من كتبنا أنّ إجماع أصحابنا حجّة.

[أدلّة القائلين بدلالة الأمر على الوجوب لغة ]

وقد تعلّق من ذهب إلى وجوب الأمر بطرق اعتباريّة، وطرق سمعيّة، وهي على ضربين: قرآنيّة وأخباريّة. ونحن نذكر أقوى ذلك شبهة، فإنّ الّذي تعلّق به الفقهاء في ذلك لا يكاد ينحصر وينتظم.
فأمّا الطرق الاعتباريّة: فأوّلها: قولهم: السيّد إذا أمر غلامه بفعل، عقل منه الإيجاب، ولذلك يوبِّخه العقلاء، ويذمّونه ، إذا خالفه.

1 . التحقيق انّ هيئة الأمر وضعت للبعث نحو المأمور به والمادة وضعت للطبيعة فليس في الأمر ما يدلّ على الوجوب. نعم انّما يستفاد الوجوب من حكم العقل من أنّ بعث المولى لا يترك بلا جواب ولا يمكن ترك إطاعته باحتمال كونه غير واجب، ولعلّ الصحابة والتابعين ومن تبعهم من العلماء يصدرون من حكم العقل.(المشرف)

صفحه 68
وثانيها: قولهم: لو لم يكن لفظة افعل موضوعة للإيجاب، لم يكن للإيجاب لفظة موضوعة في اللّغة مع الضرورة الداعية إلى ذلك.
وثالثها: أنّه لا شبهة في تسمية من خالف الأمر المطلق بأنّه عاص، والمعصية لا تكون إلاّ في خلاف الواجب.
ورابعها: قولهم: إنّ غاية ما يفعله من يريد الإيجاب والإلزام أن يقول لغيره افعل.
وخامسها: أنّ الأمر بشيء بعينه يقتضي أنّه حصر المأمور به، وقصره عليه، وذلك يمنع من تعدّيه وتجاوزه.
وسادسها: أنّه لو لم يقتض الإيجاب، لم يكن بعض الوجوه بأن يستفاد به أولى من بعض مع تضادّها، فيجب أن يقتضي الوجوب.
وسابعها: قولهم: إذا كان الآمر لابدّ من أن يكون مريداً للمأمور به، وإذا أراده فقد كره تركه، وربّما قال بعضهم: إنّ إرادة الفعل كراهة لضدّه.
وثامنها: قولهم: إنّ الأمر بالشيء يقتضي في المعنى النهي عن ضدّه، كما أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بتركه.
وتاسعها: أنّ لفظ الأمر يجب أن يقتضي ضدّ ما يقتضيه لفظ النهي في المعنى، وإذا كان النهي يقتضي التحريم، فالأمر يقتضي الإيجاب.
وعاشرها: قولهم: إنّ الأمر لا يخلو من أقسام ثلاثة: إمّا أن يقتضي الإيجاب، أو المنع، أو التخيير، والمنع معلوم أنّه لا يستفاد بالأمر، وإنّما يستفاد المنع بالنهي، ولا يجوز أن يفيد التخيير لفقد ألفاظ التخيير، فلم يبق إلاّ الإيجاب.
وحادي عشرها: قولهم: إذا احتمل لفظ الأمر الإيجاب والندب، وجب حمله على الإيجاب، لأنّه أعمّ فوائده، كما يقال في ألفاظ العموم.
وثاني عشرها: طريقة الاحتياط، وأنّ حمله على الإيجاب أحوط للدين.

صفحه 69
وثالث عشرها: أنّ الأمر لابدّ له من فائدة، ومحال حمله على الإيجاب والندب معاً، لتنافي الفائدتين، فلو كانت فائدته هي الندب، لوجب أن يكون متى حمل على الإيجاب أن يكون مجازاً، وأجمعنا على خلاف ذلك.
فأمّا الطُّرق القرآنيّة: فأوّلها: قوله تعالى:(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)1، والتحذير يقتضي وجوب الامتثال.
وثانيها: قوله تعالى:(فَلا وَربِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنِهمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ).2
وثالثها: قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).3
ورابعها: قوله تعالى:(أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).4
وخامسها: قوله تعالى:(وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّم).5
والطرق الأخباريّة: أوّلها: ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:«لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتُهم بالسواكِ عِندَ كلِّ صَلاة».6 وقد ندب إلى ذلك عند كلّ صلاة، فثبت أنّه أراد الإيجاب.
وثانيها: خبر بريرة7 حين أشار عليها بمراجعة زوجها، وأنّها قالت له(صلى الله عليه وآله وسلم):

1 . النور:63.
2 . النساء:65.
3 . الأحزاب:36.
4 . النساء:59.
5 . الجن:23.
6 . الكافي:3/22 ح1، باب السواك; من لا يحضره الفقيه:1/55 ح123، باب علة الوضوء; صحيح البخاري:1/214، كتاب الجمعة; سنن ابن ماجة:1/105 برقم 287.
7 . بريرة مولاة عائشة بنت أبي بكر فأعتقتها ، صحابية، قيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وقيل لبني هلال. الإصابة:8/50برقم 10934.

صفحه 70
أتأمرني بذلك، فقال: «إنّما أنا شافع»، فقالت عند ذلك: فلا حاجة لي فيه.1 وفرقت بين الأمر والشفاعة، وليس ذلك إلاّ لوجوب الأمر.
وثالثها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) للأقرع بن حابس2 ـ وقد سأله عن الحجّ: ألعامنا هذا أم للأبد؟، ـ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا بل للأبد، ولو قلت: نعم، لوجب، ولو لم تفعلوا، لضللتم».3 وهذا صريح في أنّ الأمر يقتضي الإيجاب.
ورابعها: توبيخه(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سعيد الخدريّ لمّا دعاه وهو في الصلاة، فلم يجبه، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)له: «ألم تسمع اللّه تعالى يقول:(يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ)4».5

[الجواب عن أدلّة القائلين بالوجوب]

فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّنا لا نسلّم ما ادّعيتموه لا حكماً ولا علّة، لأنّه ليس كلّ عبد يستحقّ الذمّ إذا لم يفعل ما أمره مولاه، ومن استحقّ الذمّ منهم فليس العلّة في استحقاقه مجرّد خلاف الأمر، لأنّا لو فرضنا عبداً سمع مجرّد الأمر من مولاه، وهو لا يعرف العادة العامّة، ولا عادة مولاه الخاصّة، وفوّت منفعة مولاه

1 . مسند أحمد:1/215; سنن الدارمي:2/170; سنن أبي داود:1/497برقم 2231.
2 . هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي، صحابي، كان من سادات العرب في الجاهلية، شهد حنيناً وفتح مكة والطائف وسكن المدينة، وكان من المؤلّفة قلوبهم، وهو المنادي من وراء الحجرات، وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه، وقتل بالجوزجان سنة 31هـ. الأعلام:2/6; رجال الطوسي:26برقم 59.
3 . مسند أحمد:1/255، 291، 352، 371; سنن النسائي:5/111; مستدرك الحاكم:1/470; مستدرك الوسائل:ج8، الباب3 من أبواب وجوب الحج، الحديث4; عوالي اللآلي:1/169 برقم 189.
4 . الأنفال:24.
5 . فقه القرآن:1/121; الدر المنثور:1/13.

صفحه 71
بمخالفة أمره، فإنّه لا يستحقّ الذمّ. ولو أمره مولاه بما يختصّ بمصالح العبد، من غير أن يعود على السيّد منه نفع أو ضرر، لما ذمّه أحد من العقلاء إذا لم يفعل، فالحكم الّذي قضوا به، نحن نخالف فيه، ثمّ لو عرف العبد كراهية مولاه لمخالفته، إمّا بالعادة، أو بشاهد الحال، نحو أن يأمره بأن يسقيه الماء وقد غصَّ بلقمة، فاستحقّ الذمّ على خلافه، ولما كانت العلّة في ذلك ما ادّعي من مجرّد خلاف الأمر، بل ما ذكرناه.
وممّا يوضح ما ذهبنا إليه أنّ الأمر لو أفاد الإيجاب لأمر يرجع إليه، لم يفترق الحال بين الكبير والصغير، والجليل والوضيع، فكيف يختصّ الإيجاب بأمر الأعلى للأدون، لولا أنّ ذلك ليس بموجب عن الأمر. وإنّما يقتضي الإيجاب لأسباب عارضة من أحوال وعادات.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: قد وضعوا للإيجاب لفظاً في اللّغة، وهو أوجبت، وألزمت، ومتى لم تفعل استحققت الذمّ والعقاب، فإذا قالوا: هذه صيغة الخبر، وأردنا ما هو بصيغة الأمر، قلنا: هذا تحكّم على أهل اللّغة، وإذا أوجبنا أن يضعوا لهذا المعنى لفظاً، فأيّ فرق في الإنباء عن مرادهم بين ما هو بصيغة الخبر وبين ما هو بصيغة الأمر. على أنّ ذلك يعكس عليهم، فيقال: معنى الندب معقول لهم، فيجب أن يضعوا له لفظاً ينبئ عنه، ولا لفظ إلاّ قولهم: افعل. فإن عدلوا إلى أن يقولوا: قد وضعوا لذلك ندبت، قلنا في الإيجاب مثله.
ويقال لهم فيما تعلَّقوا به ثالثاً: لا نسلّم لكم أنّ لفظة «عاص» لا تدخل إلاّ في الوجوب أو الإيجاب، لأنّ من خالف في الشاهد ما ندب إليه أو أُرشد إليه يقال: عصى، بل يقال ذلك في المشورة ولا خلاف أنّه لا إيجاب فيها. ولفظة «عاص» لا تفيد فعل قبيح، كما أنّ إطلاق لفظ مطيع لا يدلّ على فعل حسن، وإذا أضفنا

صفحه 72
فقلنا: أطاع اللّه تعالى فهو دالٌّ على زيادة على الحسن، فإنّ اللّه تعالى لا يأمر إلاّ بما له صفة الوجوب أو الندب، وإذا قلنا: عصى اللّه سبحانه في كذا، فالمعنى أنّه خالف أمره وإرادته. وقد يدخل ذلك في الوجوب والندب معاً، فإذا اقترن بذلك ذمٌّ أو توبيخ، خلص للإخلال بالواجب.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: مازدتم على الدعوى، فمن أين قلتم إنّه غاية ما يفعله الموجب هي أن يقول: افعل، ففي ذلك الخلاف، بل إذا أراد الإيجاب والإلزام قال: أوجبت أو ألزمت أو إن لم تفعل ذممتك.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: هذه عبارة موهمة، فما مرادكم بقولكم: حصره وقصره، أتريدون أنّه أراد المأمور بعينه دون غيره، فهو مسلّم، ولا إيجاب في ذلك، أم تريدون أنّه حصره على وجوبه، ففيه الخلاف، ولصاحب الندب أن يقول: حصره وقصره على أن ندبه إليه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: هاهنا وجه معقول مستفاد من مطلق الأمر، وهو دلالته على أنّ الآمر مريد للفعل، وإذا كان الآمر حكيماً، استفدنا كون الفعل عبادة، وممّا يستحقّ به الثواب ، وهذه فائدة معقولة.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: لو كان الآمر بالشيء إذا أراده فلابدّ من كونه كارهاً لتركه، لوجب أن تكون النوافل كلّها واجبة ولاحقة بالفرائض، والّذي يدلُّ على أنّه تعالى أمر بالنوافل أنّه لا خلاف في وصفنا فاعلها بأنّه مطيعٌ للّه تعالى، والطاعة إنّما هي امتثال الأمر أو الإرادة.
ولا خلاف في أنّه تعالى رغَّب في النَّوافل، وذلك يقتضي كونها مرادة للّه تعالى.
ولا خلاف أيضاً في أنّ النوافل كالفرائض في تناول التكليف لها، وذلك

صفحه 73
يقتضي كونه تعالى مريداً لها. وقوله سبحانه : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَـدْلِ وَالإِحْسانِ)1 دليل على أنّ النوافل مأمورٌ بها، لأنّ الإحسان له صفة النفل دون الوجوب.
فأمّا من ذهب إلى أنّ نفس إرادة الفعل تكون كراهة لتركه، فقوله يفسد بما ذكرناه في النوافل. ولأنّه محال أن يكون الشيء بصفة ضدّه، وما كون الإرادة كراهة إلاّ ككون العلم جهلاً، والقدرة عجزاً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثامناً: من أنّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه، سنبيّن بطلان هذه الشبهة في باب مفرد على أنّ ذلك ينتقض بالنوافل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به تاسعاً: ما أنكرتم أن يكون الأمر يقتضي ضدّ ما يقتضيه النهي فيما يجوز أن يدلّ عليه الأمر والنهي، والأمر إذا دلّ على كون الآمر مريداً للفعل، فالنهي يدلُّ على أنّه كاره له، والتحريم ما علمناه في متناول النهي إلاّ بواسطة، وهي أنّ اللّه تعالى إذا نهى عن فعل، فلابدّ أن يكون كارهاً له، وهو تعالى لا يكره إلاّ القبيح، والقبيح محظور محرَّم، وهذا الاعتبار ليس بموجود في الأمر، لأنّه إذا أمر بشيء، وأراده ، فلابدّ من كونه طاعة وممّا يستحقّ به المدح والثواب، وما هو بهذه الصفة ينقسم إلى واجب وندب، فلا يجب أن يقطع على أحدهما، وما يكرهه تعالى فهو غير منقسم، ولا يكون إلاّ قبيحاً، فافترق الأمران.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به عاشراً: قد أخللتم في القسمة بقسم، وهو مذهبنا، ونحن نعلم أنّ الترغيب في الفعل وجه معقول كالإلزام وليس كونه ندباً يقتضي التخيير، لأنّ التخيير إنّما يقتضي المساواة بين الشيئين المخيّر بينهما، وليس الندب مساوياً لتركه فيجوز التخيير بينهما.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به حادي عشر: قد اقتصرتم على دعوى، فمن أين قلتم:

1 . النحل:90.

صفحه 74
إنّه يجب حمله على أعمّ الفوائد، وما الفرق بينكم، وبين من يقول:بل يجب حمله على اليقين وهو الأقل في الفائدة، وذلك هو الندب. وإنّما يسوغ ما قالوه، إذا كان اللّفظ يتناول الجميع تناولاً واحداً، فأمّا إذا كان محتملاً، وما يحتمله كا لمتضاد، فما ادّعاء الأعمّ إلاّ كا دّعاء الأخصّ.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثاني عشر: الّذي ذكرتموه ضدُّ الاحتياط، لأنّه يقتضي أفعالاً قبيحة، منها اعتقاد وجوب الفعل، وذلك جهل، وعزم على أدائه على هذا الوجه، وهو أيضاً قبيح. ولابدّ من أن يعتقد هذا الفاعل قبح ترك هذا الفعل، فيكون جهلاً ثانياً. وربّما كرهه، فيكون قبيحاً زائداً. فما هذه حاله، كيف يكون احتياطاً. وليس يجري ذلك مجرى من ترك صلاة من خمس صلوات من غير أن يعرفها بعينها، والقول في إيجاب كلّ الصَّلوات عليه، لأنّ ذلك يقتضي دخول ما أخلّ به في جملة ما فعله، من غير فعل قبيح وقع منه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالث عشر: إنّا قد بيّنا أنّ الأمر يفيد كون الآمر مريداً للفعل، وليس يفيد في الأفعال حكماً على وجه، فالندب كالواجب في معنى دلالة الأمر، وهو أنّ الآمر مريد للفعل، فإذا قامت دلالة على وجوبه، فإنّما هي دالّة على أنّ تركه مكروه، وذلك لا يوجب كونه مجازاً، لأنّ دلالته وهو واجب، كدلالته وهو ندب فيما يرجع إلى الأمر به. وبعد، فإنّ كلّ لفظة مشتركة بين أمرين على سبيل الحقيقة، لا يجب أن تكون مجازاً في كلّ واحد منهما، إذا أُريد بها كسائر الألفاظ المشتركة مثل عين ولون.
ويقال لهم في أوّل ما تعلّقوا به من القرآن: أوّل ما نقوله: إنّه لو ثبت في القرآن أو السُّنّة ما يدلُّ على وجوب المأمور به، لم يكن ذلك نافعاً لمخالفنا، ولا ضارّاً لنا، لأنّنا لا ننكر على الجملة أن يدلّ دليل على وجوب الأمر، وإنّما ننكر أن يكون ذلك

صفحه 75
يجب بوضع اللّغة. وإنّما نتكلّم فيما استدلّوا به من قرآن أو سنّة على وجوب الأمر، لا لأنّه إن صحّ، قدح فيما أصّلناه، وإنّما نتكلّم فيه لأنّه لا يدلُّ على المقصود. وهذه جملة يجب أن تكون محصّلة مراعاةً.
ثمّ نقول: اقتران الوعيد بهذا الأمر هو الدلالة على وجوبه، فمن أين لكم أنّ الأمر المطلق يدلّ على الوجوب.
ثمّ إنّ المراد ظاهرٌ، وهو أنّه أراد الخلاف على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل جحد النُّبوة، بدلالة أوّل الآية بقوله تعالى:(لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بعضكم بعضاً)1، وهذا إنكار على من لم يلتزم الانقياد له لأجل النُّبوة، ولا محالة إنّ خلافه على هذا الوجه كفر.
وبعد، فإنّ مخالفة الأمر هو ضدُّ الموافقة، وفعل ما ندب إليه على وجه الوجوب مخالفة له، كما أنّ فعل ما أوجبه مقصوداً به إلى الندب مخالفة أيضاً، والآية تضمّنت التحذير من المخالفة فمن أين له وجوب ما أُمر به، حتّى يكون من فعله على غير هذا الوجه مخالفاً. فعلم أنّ ظاهر الآية مشترك بيننا وبينهم، وأنّه لا حجّة فيها لهم.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ليس المراد بالقضاء هاهنا الأمر المطلق، بل الإلزام، كما نقول: قضى القاضي بكذا وكذا، بمعنى حكم وألزم، ولهذا لا تسمّى الفتوى قضاء.
والكلام فيما تعلّقوا به ثالثاً، كالكلام في هذه الآية، فلا معنى لإعادته.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً، من قوله تعالى:(أَطيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسولَ): إنّ هذا أمرٌ، والخلاف فيه نفسه، فكيف يستدلّ به على نفسه. والطاعة هي امتثال

1 . النور:63.

صفحه 76
الأمر، وقد بيّنا أنّ الطاعة تدخل في الندب والإيجاب جميعاً، فكيف يعقل من الظاهر أحدهما؟!
وأيضاً فإنّ الطاعة هي امتثال الأمر على الوجه الّذي تعلّق به الأمر إمّا بإيجاب أو ندب، حسبما مضى من الكلام في المخالفة، فمن أين لهم أنّ أمره على الوجوب، حتّى يكون من فعله على هذا الوجه مطيعاً له، وإلاّ كان على الندب، وطاعته إنّما هي فعله على هذا الوجه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّا قد بيّنا أنّ المعصية قد تدخل في الندب كما تدخل في الواجب، وأنّه قد يكون عاصياً لمخالفة الأمر على وجه لا يستحقُّ به الوعيد، فيجب أن تحمل الآية لأجل الوعيد على مخالفة الأمر الواجب.
ويقال لهم في أوّل الطرق الأخباريّة: إنّه ليس يجوز أن يثبت حكم الأمر في وجوب أو ندب وهو أمرٌ معلوم، بأخبار الآحاد الّتي لا توجب إلاّ الظنّ.
وبعدُ، فإنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقَّ على أُمّتي لأَمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة» لو تجرّد، ما علمنا به الوجوب، لكنّا لمّا علمنا أنّ السِّواك مندوبٌ إليه، كان ذلك قرينة في أنّه أراد الوجوب.
ويقال لهم في خبر بريرة: أكثر ما فيه التفرقة بين الأمر والشفاعة، وبينهما تفرقة وإن لم يكن لأجل وجوب الأمر، وهي أنّ الأمر منه(صلى الله عليه وآله وسلم)يتعلّق بالديانات والعبادات، والشفاعة ليست كذلك، لأنّها تكون في المنافع الحاضرة العاجلة ، وفي الأغراض الدنياويّة.
وأمّا خبر الأقرع بن حابس، فإنّه لم يسأل عن مطلق الأمر، وإنّما سأل عن تكرار ما ثبت وجوبه، وهو الحجّ، فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لو قال نعم، لوجب، لأنّ قوله نعم يكون بياناً، وبيان الواجب واجب.

صفحه 77
وأمّا الجواب عن خبر أبي سعيد الخدري، فإنّ دعاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف أمره، لأنّ إجابة دعائه واجبة ولذلك صحّ أن يأمره لمكان الإجابة بقطع الصلاة، ومثل ذلك لا يصحّ في الأمر. والدعاء هو أن يناديه: يا فلان، فيجب عليه الإجابة، والأمر أن يقول له: افعل، وقد بيّنّا أنّه متردّد بين الندب والإيجاب.
وقد تعلّق من قطع في مجرّد الأمر على أنّ المراد به الندب بأن قال: إذا كان الأمر من الحكيم لابدّ من أن يريد المأمور به، ولابدّ من كونه مع الحكمة، ممّا له مدخل في العبادة واستحقاق الثواب، فيجب أن يكون ندباً، لأنّه أقلُّ أحواله، وما لابدّ منه، وإنّما يكون واجباً إذا علمنا كراهة الترك.
فيقال لهم: هذا الّذي قدّمتموه صحيح، لكنّكم بنيتم عليه ما لا يليق به، فمن أين لكم أنّه إذا أراد المأمور به، فإنّه لم يكره تركه، وأنتم لا تستفيدون من مطلق الأمر حكم الترك، وإنّما تستفيدون أنّ الآمر مريد للمأمور به. وقولكم: نحمله على أقلّ أحواله، تحكُّم، ولم يجب ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الآمر مع أنّه مريد للمأمور به، كارهاً لتركه، كما أنّه من الجائز أن لا يكون كارهاً لتركه، فالقطع على أحد الأمرين بغير دليل ظلم.
فإن قالوا: لو كره الترك، لبيّنه.
قلنا: ولو لم يكن كارهاً، لبيّنه.
فإن قالوا: الأصل في العقل كون الفعل والترك جميعاً غير مرادين ولا مكروهين، فإذا تعلّق الأمر بأحدهما، علمناه مراداً، وبقي الترك على ما كان عليه، فلو تغيّرت حاله، وصار قبيحاً، وممّا يجب أن يكرهه الحكيم، وجب على المخاطب بهذا الأمر أن يبيّن ذلك من حاله، فإنّ البيان لا يتأخّر عن حال الخطاب. وهذا الّذي حكيناه أقوى ما يمكن أن يتعلّق به في نصرة مذهبهم.

صفحه 78
والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم ـ أوّلاً ـ أنّ الفعل والترك جميعاً كانا في العقل سواء في أنّهما غيـر مـرادين ولا مكروهيـن، لأنّـه إذا أُمـرنا بالصلاة مثلاً، فقد أُمرنا بفعل كان في العقل ـ لولا هذا الأمر ـ محظوراً، وكان تركه واجباً، لأنّه إدخال مشقّة وكلفـة على النَّفس بغير فائدة، فإذا قال لنا صلّوا، فقد دلّ ذلك على أنّ للصلاة صفة زائدة على حسنها، يستحقُّ بها المدح والثواب، ولابدّ من أن يكون صفة ترك الصلاة الّذي كان في العقل واجباً، قد تغيّرت عند ورود هذا الأمر، وتغيُّرها ينقسم إلى أن يكون مكروهاً، فيكون الفعل واجباً، وإلى أن لا يكون مراداً ولا مكروهاً، فيكون الفعل ندباً، وإلى أن يكون مراداً، فيكون مخيّراً بين الفعل والترك، فثبت بهذه الجملة أنّه لا يجوز مع ورود الأمر بهذه العبادات أن تبقى في تروكها على الأصل العقليّ، بل لابدّ من تغيّره على ما بيّنّاه.
على أنّا لو سلّمنا أنّ حكم الترك في أصل العقل على ما ذكروه، لكان إنّما يجب البيان في وقت الحاجة، لا في وقت الخطاب، على ما سنبيّنه في موضعه من هذا الكتاب بمشيّة اللّه تعالى وعونه، فلو قال الحكيم لغيره : افعل كذا وكذا غداً أو بعد شهر، لما وجب أن يبيّن له حكم الترك في هذا الوقت، وليس بوقت للحاجة، وأنتم لا تفرّقون في حمل الأمر على الندب بين أن يكون على الفور أو على التراخي. وهذه جملة كافية في الاطّلاع على سرّ هذا الباب فليحسن تأمّلها.

صفحه 79

الفصل السادس:

في حكم الأمر الوارد بعد الحظر

اعلم أنّ أكثر المتكلّمين في أُصول الفقه أطبقوا على أنّ الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي الإباحة; وإطلاق الحظر الّذي تقدّم، وإن كانوا يذهبون إلى أنّه لو انفرد وكان مبتدأ، اقتضى الوجوب1. ولسنا ندري ما السبب في استمرار هذه الشبهة الضعيفة.
والصحيح أنّ حكم الأمر الواقع بعد الحظر هو حكم الأمر المبتدأ، فإن كان مبتدأه على الوجوب أو الندب أو الوقف بين الحالين، فهو كذلك بعد الحظر.2
والّذي يدلُّ على ذلك أنّ الأمر إنّما يدلُّ على ما يدلُّ عليه، لأمر يرجع إلى كونه أمراً، وإذا كانت هذه الصفة لا تتغيّر بوقوعه بعد الحظر، فدلالته يجب ألاّ تتغيّر.

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشافعي ومن تابعه، ومالك وأصحابه، وأحمد كما في المعتمد:1/75، وروضة الناظر:174.
2 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/183، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/432، والرازي في المحصول:1/236، والمعتزلة كما في الإحكام:3/333، وابن السمعاني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق الشيرازي كما في المعتمد:1/75 وروضة الناظر:174.

صفحه 80
وأيضاً فإنّ الحظر العقليّ آكد من السَّمعيّ، وقد علمنا أنّ ورود الأمر بعد الحظر العقليّ لا يمنع من اقتضائه الوجوب، وكذلك وروده بعد الحظر الشرعيّ.
وبعد، فإنّ كونه محظوراً لا يمنع من وجوبه أو كونه ندباً بعد هذه الحال، وإذا كان لا يمنع من ذلك، لم تتغيّر الدلالة.
فإن قيل: ورود الأمر بعد الحظر يقتضي إطلاق الحظر.
قلنا: لا شبهة في ذلك غير أنّ إطلاق الحظر يكون بالإيجاب والندب، كما يكون بالإباحة، فمن أين أنّه يقتضي إطلاق الحظر من غير زيادة على ذلك.
واعتلالهم بأنّهم لم يجدوا في الكتاب أمراً وارداً بعد الحظر إلاّ ويقتضي الإباحة المحضة، باطل، لأنّ الوجود إذا صحّ، ليس بدلالة لأنّه يمكن خلاف ما استمرّ عليه الوجود، ولأنّا لا نسلّم ذلك أيضاً، لأنّ اللّه تعالى يقول: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّه)1 وحلق الرأس هاهنا نسك، وليس بمباح صرف.

الفصل السابع:

في أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع

وهل يدخل العبد و الصبيُّ في الخطاب؟

الصحيح أنّ الكفّار مخاطبون بالعبادات الشرعيّة، وذهب كثير من المتكلّمين وأكثر الفقهاء إلى أنّهم غير مخاطبين.2
وفائدة الخلاف في هذه المسألة ـ وإن كانوا متّفقين على أنّ الكفّار مع عقابهم

1 . البقرة:196.
2 . قالت أكثر المعتزلة والأشاعرة بأنّهم مخاطبون بالشرائع، وخالف جمهور أصحاب أبي حنيفة وأبو حامد الاسفراييني وزعما أنّ الكفّار غير مخاطبين بالفروع، ومنهم من قال: إنّهم مكلّفون بالنواهي دون الأوامر وهو مختار بعض أصحاب الشافعي.(انظر المحصول:1/316; والمنخول:88).
وأمّا الإمامية فقد ذهب الشيخ الطوسي في العدة:1/191، والعلامة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/571 إلى ما ذهب إليه الشريف المرتضى.

صفحه 81
على كفرهم، لا نطالبهم بفعل العبادات الشرعيّة ـ أنّ من قال: إنّهم مخاطبون، يذهب إلى أنّهم يستحقّون مع عقابهم على الكفر العقاب من اللّه تعالى على الإخلال بهذه العبادات، ومنّا الذمّ على ذلك; ومن ذهب إلى أنّهم غير مخاطبين، يلزمه ألاّ يستحقّوا عقاباً ولا ذمّاً على الإخلال بالعبادات.

[الأدلّة الدالة على تكليف الكفّار]

والّذي يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه أشياء:
أوّلها: أنّ الاعتبار في دخول المكلّف في التكليف إنّما هو بشيئين: أحدهما صفة المكلّف، والآخر صفة الخطاب. وقد علمنا أنّ الكافر كالمؤمن في استيفاء شروط التكليف، لأنّه يتمكّن من أن يؤمن فيصحّ وقوع جميع العبادات منه، فصحّة تكليفه العبادات كصحّة تكليفه نفس الإيمان والإسلام. وأمّا اعتبار صفة الخطاب، فإنّه إذا كان مطلقاً ومتوجّهاً إلى الناس، دخل الكافر فيه لتناوله إيّاه.
ومنها: أنّ الكفّار لو لم يتعبّدوا بالشرائع، لكانوا معذورين في تكذيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والامتناع من تصديقه، لأنّ الغرض في إيجاب تصديقه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المعرفة بشرائعه، كما أنّ الغرض في بعثته هو أداء الشرائع، فمن لم يكلّف ما هو الغرض في إيجاب التصديق، لا يجوز أن يكون مكلّفاً بالتصديق، ولا خلاف في وجوب تصديقه(صلى الله عليه وآله وسلم) على كلّ الكفّار.
ومنها: أنّه لا خلاف في أنّ الكفّار يحدّون على الزنا على وجه العقوبة والاستحقاق، فلو لم يكونوا مخاطبين بهذه الشرعيّات، لم يستحقّوا العقوبة على فعل القبائح منها. وليس لهم أن يقولوا: إنّما عوقب على أنّه لم يخلّص نفسه من الكفر، فيعرف قبح الزنا، لأنّ هذا تصريح بأنّه يعاقب على كفره لا على الزنا، وهذا يوجب

صفحه 82
أن يعاقبه وإن لم يزن.
وقد كان شيخ من متقدّمي أصحاب الشافعيّ، وقد استدللتُ بهذه الطريقة، قال لي: فأنا أقول: إنّ الكفّار مخاطبون من الشرائع بالتروك دون الأفعال، لأنّ الأفعال تفتقر إلى كونها قربة، ولا يصحّ ذلك مع الكفر، والتروك لا تفتقر إلى ذلك. فقلت له: هذا ـ و اللّه ـ خلاف الإجماع، لأنّ الناس بين قائلين: قائل يذهب إلى أنّ الكفّار مخاطبون بكلّ الشرائع من غير تفرقة، وقائل يذهب إلى أنّهم غير مخاطبين بالكلّ، فالفصل بين الأمرين خلاف الإجماع.
ثمّ إنّ القربة معتبرة في تروك هذه القبائح، كما أنّها معتبرة في الأفعال الشرعيّة، لأنّا إنّما أُمرنا بأن نترك الزنا ولا نفعله قربة إلى اللّه تعالى، فمن لم يتركه لذلك، لا يستحقُّ مدحاً ولا ثواباً، ولا يكون مطيعاً للّه تعالى، ولا ممتثلاً لأمره، فالقربة إذا لم تصحّ من الكافر وهو كافر، لم يجز أن يقع منه على الوجه المشروع لا فعلاً ولا تركاً.
ومنها: قوله تعالى حاكياً عن الكفّار:(مَا سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ)1 وهذا يقتضي أنّهم عوقبوا مع كفرهم على أنّهم لم يصلّوا، وهذا يقتضي كونهم مخاطبين بالصلاة.
وليس لأحد أن يقول: أيّ حجّة في قول أصحاب النار، ولعلّ الأمر بخلاف ما قالوه، وذلك أنّ جميع معارف أهل الآخرة ضروريّة، فلا يجوز أن يعتقدوا جهلاً، وهم ملجَؤن إلى الامتناع من فعل القبيح، فلا يجوز أن يقع منهم كذب، ولا ما جرى مجراه.
وليس له أن يحمل قوله تعالى: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) على أنّ المراد لم نكن من

1 . المدثر:42ـ 46.

صفحه 83
أهل الصلاة والإيمان. وذلك أنّ هذا يقتضي التكرار للمعنى الواحد، لأنّ قوله سبحانه: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدينِ) يُغني عن أن يُنفى أن يكونوا من أهل الصلاة والإيمان. وأيضاً فإنّ الظاهر من قول القائل: لم أكُ مصلّياً، نفي فعل الصلاة، دون الإيمان بها.

[أدلّة القائلين بعدم تكليف الكفّار]

وقد تعلّق من خالفنا بأنّ الكافر لا يصحّ منه مع كفره شيء من العبادات، فيجب أن لا يكون مخاطباً بها، كما لو كان عاجزاً أو ممنوعاً.
والجواب عن ذلك أنّ الكافر تصحّ منه العبادات، بأن يقدّم الإيمان عليها، ثم يفعلها، وجرى مجرى المحدث الّذي هو مخاطب بالصلاة، وإن لم تصحّ منه مع الحدث، لكنّه يقدر على تقديم إزالة الحدث ثم فعل الصلاة. ويجب على هذا أن لا يكون القاعد مخاطباً بالصلاة، ولا القائم أيضاً إليها، لأنّه لا يتمكّن في الحال الثانية من جميع أركان الصلاة، وإنّما يقع منه على ترتيب. والعاجز أو الممنوع لا يشبه الكافر، لأنّه لا يتمكّن من إزالة عجزه أو منعه، والكافر متمكّن من إزالة كفره.
وقد تعلَّقوا أيضاً بأنّ الكفّار لو كانوا مخاطبين بالعبادات، لوجب متى أسلموا أن يلزمهم قضاء ما فات منها، وقد علم خلاف ذلك.
والجواب: أنّ القضاء لا يتبع في وجوبه وجوب المقضي، بل هو منفصلٌ عنه، وقد يجب كلُّ واحد من الأمرين وإن لم يجب الآخر، ألا ترى أنّ الحائض يلزمها قضاء الصوم وإن لم يكن الأداء عليها واجباً، والجمعة إذا فاتت لا يجب قضاؤها ، وإن وجب أداؤها، فما المنكر من وجوب العبادات على الكفّار، وإن لم يجب

صفحه 84
عليهم قضاء ما فات منها؟
وأقوى ما يعترض به هاهنا شبهة قولهم: ما ذكرتموه إنّما يتمّ في العبادات المختصّة بأوقات، فأمّا الزكاة فالأوقات كلُّها متساوية في أنّ فعلها فيها هو الأداء لا قضاءٌ، ولا خلاف في أنّ الكافر إذا أسلم، وقد حال الحول على ماله وهو قدر النصاب، أنّ الزكاة عن الماضي لا تجب عليه.
والجواب الصحيح أنّ الزكاة وجبت، ثم سقطت بالإسلام لأنّ الإسلام ـ على ما روي في الخبر1 ـ يجبّ كلّ ما تقدّمه.

[كيفية دخول العبد والمرأة والصبي تحت الخطاب]

وأمّا العبد فيدخل في الخطاب، إذا تكامل شروطه في نفسه، وكان ظاهر الخطاب يصحّ أن يتناوله.2 وإنّما يكون الخطاب بهذه الصفة، إذا لم يكن مقيّداً بالحريّة، أو يتعلّق بالأملاك، لأنّ العبد لا يملك، والعبد في هذه القضيّة كالحرّ، وكونه مملوكاً عليه تصرُّفه لا يمنع من وجوب العبادات عليه، لأنّ المولى إنّما يملك تصرُّفه عليه في غير وقت وجوب عبادة، فأوقات العبادات مستثناة من ذلك.
ودخول المرأة في الخطاب كدخول الرجل. والصحيح أنّها تدخل بالظاهر ومن

1 . روى ابن أبي جمهور الأحسائي في العوالي:2/54برقم 145 عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الإسلام يجبّ ما قبله».
وورد هذا الحديث أيضاً في: مجمع الزوائد:1/31، باب الإسلام يجبّ ما قبله; كنز العمال: 11/751 برقم 33664; مستدرك الوسائل:ج7، الباب15 من أبواب أحكام رمضان، الحديث2.
2 . وهو مختار الطوسي في عدة الأُصول:1/194.

صفحه 85
غير حاجة إلى دليل في خطاب المذكَّر، لأن قولنا: «القائمون» عبارة عن الذكور والإناث، إذا اجتمعا، كما أنّه عبارة عن الذكور، على الانفراد. وليس يمنع من دخول المؤنّث تحت هذه الصيغة أنّهم خصُّوا المؤنّث بصيغة أُخرى، لأنّ تلك الصيغة خُصّ بها المؤنث، إذا انفرد، ومع الاقتران بالذكر، لابدّ من الصيغة الّتي ذكرناها.1
وأمّا الصبيّ فإن كان في المعلوم أنّه يبلغ، وتتكامل له شروط التكليف، فالخطاب يتناوله على هذا الوجه، وهو داخل في قوله تعالى:(أَقيمُوا الصَّلوةَ)2 ، لأنّ الخطاب لا يتجدّد بتجدّد كمال هذا الصبيّ وبلوغه، وفي حال الطفوليّة لا يتعلّق عليه خطاب بفعل في هذا الوقت، لا فيما يتعلّق ببدن، ولا بمال، لأنّه في حال الصبا ليس من أهل الأفعال. ومعنى القول بأنّ الخطاب يتعلّق بماله، أنّ وليّه مخاطب بما يفعله في ماله من أخذ أرش متلف وقيمة جناية وما يجري مجرى ذلك.

1 . أكثر الأُصوليين من العامة على عدم دخول النساء في خطاب الرجال. وهو مختار الشافعي وأصحابه، والأشاعرة والمعتزلة، والحنفية والحنابلة وبعض المالكية وابن حزم الأندلسي; وذهب جمع منهم إلى دخولهن، وهو مذهب الظاهري وبعض الأحناف كالسرخسي.(لاحظ الإحكام:3/336ـ 342; وأُصول السرخسي:1/234).
وأمّا أصحابنا الإمامية فقد وافق الشيخ الطوسي في العدة: 1/194 ما ذهب إليه السيد المرتضى، وكذلك الشيخ المفيد في التذكرة:31، إلاّ أنّه اختلف معه بالأمر الوارد بلفظ المذكّر فهو متوجّه بظاهره إلى الرجال دون النساء إلاّ بدليل سواه، وأمّا إذا ورد الخطاب بصيغة الجمع المذكر فتدخل المرأة فيه لأنّ مذهب أهل اللغة تغليب التذكير.
2 . الأنعام:72.

صفحه 86

الفصل الثامن:

في هلِ الأمر بالشيء أمر بما لا يتمُّ إلاّ به؟

اعلم أنّ كلّ من تكلّم في هذا الباب أطلق القول بأنّ الأمر بالشيء هو بعينه أمر بمالا يتمّ ذلك الشيء إلاّ به1، والصحيح أن يُقسّم ذلك، فنقول: إن كان الّذي لا يتمُّ ذلك الشيء إلاّ به سبباً، فالأمر بالمسبّب يجب أن يكون أمراً به، وإن كان غير سبب، وإنّما هو مقدّمة للفعل وشرط فيه، لم يجب أن يعقل من مجرّد الأمر أنّه أمرٌ به.2
والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه أنّ ظاهر الأمر يقتضي ما تناوله لفظه، وليس يجوز أن يفهم منه وجوب غيره ممّا لم يتناوله اللفظ إلاّ بدليل غير الظاهر، لأنّه إذا قال: «صلّ» فالأمرُ يتناول الصلاة، والوضوء الّذي ليس بصلاة إنّما نعلم وجوبه بدليل غير الظاهر.
وممّا يوضح ذلك أنّ الأمر في الشريعة قد ورد على ضربين: أحدهما يقتضي إيجاب الفعل دون إيجاب مقدّماته، نحو الزكاة والحجّ، فإنّه لا يجب علينا أن نكتسب المال لتحصيل النصاب، أو لنتمكّن به من الزاد و الراحلة، بل متى اتّفق

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:31، والغزالي في المنخول:117.
2 . اختلف الأُصوليون في هذا الأمر فقال المعتزلة والأشاعرة كما في المحصول:1/289بوجوب ما يتوقّف عليه وجود المأمور به بشرطين: القدرة عليه، وأن يكون الأمر ورد مطلقاً ، سواء كان سبباً أو لا، وهو مختار العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/519. أمّا الشيخ الطوسي في العدة:1/186ـ 187 فقد فصّل بين ورود الأمر مطلقاً ووروده متناولاً لمن كان على صفة مخصوصة،وهو مذهب الشيرازي في شرح اللمع:1/259.

صفحه 87
لنا النصاب، وحال عليه الحول، وجبت الزكاة، وكذلك في الزاد والراحلة.
والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل، كما يجب هو في نفسه، وهو الوضوء للصّلاة ، وما جرى مجراها، وإذا انقسم الأمر في الشرع إلى قسمين، فكيف نجعلهما قسماً واحداً.
فإذا قيل: مطلق الأمر يقتضي تحصيل مقدّماته، فأمّا ما كان مشروطاً منه بصفة كالزكاة والحجّ فلا يجب ذلك فيه.
قلنا: هذه دعوى، ما الفرق بينكم، وبين من عكسها، فقال: إنّ مطلق الأمر يقتضي إيجابه دون غيره، فإذا علمنا وجوب المقدّمات كالوضوء في الصلاة ، علمناه بدليل خارج عن الظاهر.
والصحيح أنّ الظاهر يحتمل الأمرين احتمالاً واحداً، وإنّما يعلم كلّ واحد منهما بعينه بدليل.
فإن تعلّقوا بالسبب والمسبَّب، وأنّ إيجاب المسبّب إيجاب للسبب لا محالة.
قلنا: هو كذلك، والفرق بين الأمرين أنّه محال أن يوجب علينا المسبَّب بشرط اتّفاق وجود السَّبب، وإنّما فسد ذلك، لأنّ مع وجود السَّبب لابدّ من وجود المسبَّب، إلاّ لمنع، ومحال أن يكلّفني الفعل بشرط وجود الفعل، وليس كذلك مقدّمات الأفعال، لأنّه يجوز أن يكلّفني الصلاة بشرط أن أكون قد تكلّفت الطهارة، كما جرى ذلك في الزكاة والحجّ، فبان الفرق بين الأمرين.
وإذا كان إيجاب المسبَّب إيجاباً لسببه، فإباحة المسبَّب إباحة للسَّبب. وكذلك تحريمه. وفي الجملة أحكام المسبَّب لابدّ من كونها متعديّة إلى السبب، فأمّا أحكام السَّبب في إباحة أو حظر أو إيجاب فغير متعديّة إلى المسبب، لأنّه يمكن مع وجود السبب المنع من المسبَّب.

صفحه 88

الفصل التاسع:

في أنّ الأمر بالشيء ليس بنهي

عن ضدّه لفظاً ولا معنى1

اعلم أنّه من البعيد أن يذهب محصِّل إلى أنّ لفظ الأمر يكون نهياً عن ضدّه، لأنّ الأمر مسموع، وما يدرك لا يجب أن يقع فيه خلاف بين العقلاء مع السلامة، وما يسمع من قول القائل: افعل، لا تفعل.
وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب أن يكون الآمر في المعنى ناهياً عن ضدّ ما أمر به؟ والمجبِّرة يبنون ذلك على أنّ إرادة الشيء كراهة لضدّه، وكراهته إرادة لضدّه. والفقهاء يقولون: إنّ الموجب للشيء يجب أن يكون حاظراً لضدّه، وهذا معنى النهي.2 وفيهم من يقسّم ذلك، ويقول: إذا لم يكن للفعل إلاّ ضدٌّ واحد، فالأمر

1 . وهو مذهب علماء المعتزلة ، كقاضي القضاة وأبي هاشم وأبي الحسين البصري.(راجع المعتمد: 1/97) وهو مختار إمام الحرمين الجويني في «البرهان في أُصول الفقه»:1/180، والغزالي في «المستصفى»:1/155.
أمّا أصحابنا الإمامية فقد ذهب الشيخ المفيد في التذكرة:31 إلى أنّه ليس الأمر بالشيء هو بنفسه نهياً عن ضدّه، ولكنّه يدلّ على النهي عنه بحسب دلالته على حظره، وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحّة النهي العقلي عن ضدّ ما أمر به. أمّا الشيخ الطوسي فقد أثبته معنى لا لفظاً، وهو مختار الرازي في المحصول:1/294، وأبي إسحاق الشيرازي في شرح اللمع:1/261، وهو مذهب جمهور الفقهاء وبعض المعتزلة كالكعبي. راجع الإحكام للآمدي:2/252.
2 . وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد:2/198. وهو مختار الأشاعرة، تبعاً لشيخهم أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي وأبي منصور الماتريدي والجصاص وابن حزم الأندلسي.ونسب إلى عامة العلماء من الشافعية والحنفية والمحدثين.
(انظر الإحكام للآمدي:2/252، والإحكام في أُصول الأحكام لابن حزم:3/326).

صفحه 89
بأحدهما نهي عن الآخر، والنهي عن أحدهما أمر بالآخر، وإذا كانت له أضداد كثيرة، لم تجب فيه هذه القضيّة.
وقد دللنا فيما تقدّم على ما يبطل هذا المذهب، وبيّنّا أنّ الّذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريداً للمأمور به، وأنّه ليس من الواجب أن يكره الترك، بل يجوز أن يكون مريداً له، أو لا مريداً ولا كارهاً.
وهذا كلّه يسقط بالنوافل، فإنّ اللّه تعالى قد أمر بها، وما نهى عن تروكها ولا كره أضدادها، وكون نفس الإرادة كراهة قد بيّنا فساده، وأنّه يؤدّي إلى انقلاب الجنس.
فإن قيل: أفيجب عندكم في الأمر إذا كان بفعل واجب أن يكون الآمر به كارهاً لتركه؟
قلنا: لا يجب ذلك، ولهذا جاز عندنا أن يجتمع الضدّان بل الأضداد في الوجوب، ألا ترى أنّ المصلّي في آخر الوقت هو مخيّر بين أن يصلّي في أيّ زوايا البيت شاء، والصلاة في الزوايا متضادّة، وكلّ واحد يقوم مقام الآخر في الوجوب ، مع التضادّ.
فإن قدّرنا أنّه لا ينفكُّ عن الواجب إلاّ بفعل واحد أو أفعال، فذلك محرّم عليه، لأنّ الواجب المضيَّق هو الذي ليس له أن يخل به، فكلّ فعل لا يكون مخلاً بالواجب إلاّ به، ولا ينفك مع الإخلال منه، فلابدّ من كونه محظوراً.
وأمّا النهي، فيقتضي أن لا يفعل المكلّف ذلك المنهيّ عنه، وأضداد هذا الفعل موقوفة على الدليل، فإن كان المكلَّف لا ينفك متى لم يفعل، من أمر واحد، فهو واجب عليه بلا شبهة، لأنّ ما أوجب مجانبة الفعل المحرّم، وأن لا يفعله ، يقتضي فعل ذلك.

صفحه 90
وممّا يبيّن فساد مذهب من ذهب إلى أنّ الأمر بالشيء في المعنى نهي عن ضدّه، أنّ اللّه تعالى قد كره الزِّنا وأراد الصلاة، وأمر بالصلاة ونهى عن الزنا، وهذا يقتضي أن يكون الفعل الواحد الّذي هو قعوده عنهما مراداً مكروهاً، أو مأموراً به منهيّاً عنه.
وكان يجب أيضاً أن يكون أحدنا متى أراد خروج الغاصب من أحد بابي الدار، أن يكون كارهاً لخروجه من الباب الآخر، كما يكره تصرّفه في الدار، وفساد ذلك ظاهر.

الفصل العاشر:

في الأمر بالشيء على وجه التخيير

اعلم أنّ الصحيح أنّ الكفّارات الثلاث في حنث اليمين واجبات كلّهنّ، لكن على جهة التخيير، بخلاف ما قاله الفقهاء من أنّ الواجب منهنّ واحدة لا بعينها.1 وفي كشف المذهب هاهنا وتحقيقه إزالة للشُّبهة فيه.
ونحن نعلم أنّ تكليفه تعالى للشَّرائع تابع للمصلحة والألطاف، وليس يمتنع أن يعلم في أمر معيَّن أنّ المكلَّف لا يصلح في دينه إلاّ عليه، وأنّه لا يقوم غيره في ذلك مقامه، فلابدّ من إيجابه على جهة التَّضييق. وغير ممتنع أن يعلم في أمرين أو أُمور مختلفة أنّ كلّ واحد في مصلحة المكلّف في دينه كالآخر من غير ترجيح،

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/220 وذهب إليه كثير من المتكلّمين وأعيان المعتزلة ; واختار الشيخ المفيد في التذكرة:31 أنّ الواجب واحد لا بعينه وهو مذهب أئمة المذاهب وأكثر الفقهاء وجماعة من المتكلّمين. وحكى أبو عبد اللّه البصري عن أبي الحسن الكرخي القولين. راجع العدة:1/219ـ 220.

صفحه 91
فلابدّ والحال هذه من الإيجاب على طريقة التخيير، للتّساوي في وجه المصلحة، والشاهد يقضي بما ذكرناه، لأنّ أحدنا إذا أراد مصلحة ولده، وعلم، أو غلب في ظنّه أنّه لا يصلح إلاّ بأن يفعل به فعلاً مخصوصاً، وجب ذلك الفعل معيّناً; وإذا غلب في ظنّه تساوي فعلين أو أفعال في مصلحته، كان مخيّراً فيها. والقول بوجوب بعض ذلك دون بعض كالمتناقض.
وأقوى ما دلّ على ما ذكرناه أنّ الكفّارات الثلاث متساوية في جميع الأحكام الشرعيّة، لأنّ كلّ واحدة منها تقوم مقام الأُخرى في براءة ذمّة المكلّف وإسقاط الحنث عنه، وكلّ حكم شرعيّ لواحدة منها فهو للأُخرى، فلا يجوز مع التساوي في الأحكام أن يختلف في الصفة، لأنّ اختلاف الصفات يقتضي اختلاف الأحكام، من حيث كانت الأحكام صادرة عن الأحوال والصفات، فكيف يجوز أن يكون الواجب من الكفّارات واحدة، وأحكام الكلّ الشرعيّة متساوية متعادلة، وهل ذلك إلاّ مناقضة؟! ولو جاز أن تتساوى أُمور في الأحكام، ويختصّ الوجوب بأحدها، جاز أن تتساوى أُمور في كونها مفسدة في الدين، وتكون مختلفة في القبح أو التحريم والحظر.
وأيُّ فرق بين القول بأنّ الواجب من الكفّارات واحدة، والكلُّ متساو في الأحكام، وبين القول بأنّ المحظور من أُمور متساوية في المفسدة هو واحد لا بعينه.
وممّا يستدلّ به: أنّ الواجب من الكفّارات لو كان واحداً لا بعينه، لوجب أن يجعل اللّه تعالى للمكلّف طريقاً إلى تمييزه قبل أن يفعله، لأنّ تكليفه أن يفعل واحداً لا بعينه من جملة ثلاث يجري مجرى تكليفه ما لا يطاق.
وليس لهم أن يقولوا: أيُّ حاجة به إلى التَّمييز ، وأيُّ شيء فعله كان الواجب، وذلك أنّ الأمر إذا كان على ما ذكروه، فهو تصريح بوجوب الثلاث، لأنّه إذا كان

صفحه 92
أيُّ شيء فعله منها فهو الواجب، فهل هذا إلاّ تصريح بأنّ الكلّ واجب.
فإن قالوا: ليس يمتنع أن يكون اختيار المكلّف له علماً على وجوبه وتعيُّنه.
قلنا: هذا يؤدّي إلى مذهب مويس بن عمران1، في أنّ اللّه تعالى يكلّف العبد أن يختار ما يشاء من العبادات، ويكون مصلحة باختياره، لأنّ اللّه تعالى علم أنّه لا يختار إلاّ الصلاح من غير أمارة مميّزة متقدّمة. ويلزم عليه أن يكلّف تمييز نبيّ صادق ممّن ليس بنبيّ من غير أمارة ولا دلالة مميّزة متقدّمة.
وبعد، فإنّ اختيار المكلّف إنّما يكون تابعاً لأحوال الفعل وصفاته، ولا تكون أحوال الفعل تابعة لاختيار المكلّف وإرادته، ألا ترى أنّ وجوب الفعل هو الداعي إلى اختياره له على غيره، فيجب أن يتقدّم العلم بالوجوب على الاختيار، ولا يجعل الاختيار متقدّماً على الوجوب.
وبعد، فليس يخلو الاختيار من أن يكون مؤثّراً في وجود الفعل، أومؤثّراً في حصول الصفة الّتي لأجلها كان مصلحة في الدين. والأوّل هو الصحيح، والثاني باطل، لأنّ كونه مصلحة لا يجوز أن يؤثّر فيه حال القادر، وحال القادر لا يؤثّر إلاّ في مجرّد الوجوب، ألا ترى أنّ ما أوجبه اللّه تعالى من الفعل المعيّن لا يؤثّر حال القادر في الصفة الّتي لأجلها كان واجباً، بل في مجرّد الوجود، فكذلك الواجب على جهة التخيير.
فإذا قالوا: أليس قد يصحّ البيع بقدر مخصوص من الكيل من جملة صبرة ، ويتعيّن باختيار القابض وقت القبض، فكيف أحلتم أن يكون للاختيار مدخل في التَّعيين؟
قلنا: إنّما أنكرنا أن يكون للاختيار مدخل في المصالح الدينيّة ووجوب

1 . مويس بن عمران أحد المتكلّمين ، ذكره الجاحظ وحكى عنه حكايات. إكمال الكمال:7/300.

صفحه 93
الواجبات منها، فأمّا ما لا يتعلّق بالمصالح الدينيّة من المعاملات فقد يجوز أن يتعيّن عند القبض بالاختيار.
وممّا يدلُّ أيضاً أنّه لو كان الواحدة من الكفّارات هو الواجب لا بعينه، لما صحّ القول بأنّ للمكفّر أن يكفّر بأيّ الثلاث شاء.
وأيضاً فإنّ الواجب وإن لم يتعيّن للمكفّر، فإنّ اللّه تعالى يعلمه، لأنّه يعلم ما الّذي يكفّر به المكفّر من جملة الثلاث، فيجب على هذا القول أن يكون اللّه تعالى موجباً لذلك بعينه، ولو كان كذلك لما اجتمعت الأُمّة على أنّه لو كفّر بغيره، لأجزأه، كما لا يجوز أن يجزيه، لو كفّر برابع.
وليس لهم أن يقولوا: جوازه عند الأُمّة لا يدلُّ على وجوبه، لأنّه قد يجزي ما ليس بواجب عن الواجب كالطهارة قبل دخول الوقت، وذلك أنّهم لمّا أجمعوا على جواز ما لم يكفِّر به وإجزائه، فقد أجمعوا على أنّه كان يجزي على وجه لا فرق بينه وبين ما اختاره.

[في أدلّة القائلين بوجوب واحد لا بعينه والرد عليها]

وقد تعلّق من خالفنا بأشياء:
منها: أنّ القول بالتخيير يؤدّي إلى أن يكون المكلَّف مخيّراً بين عبيد الدنيا كلّها، وكذلك الكسوة والإطعام، وذلك فاسدٌ.
ومنها: أنّه تعالى لو نصّ على أنّي أوجبت واحداً لا بعينه، لكان هو الواجب، فكذلك إذا خيّر فيه، لأنّ المعنى واحد.
ومنها: أنّه لو فعل الكلّ، لكان الواجب واحداً بإجماع، فكذلك يجب أن يكون الواجب واحداً قبل أن يفعل.

صفحه 94
ومنها: أنّ الجميع لو وجب على جهة التخيير، والجمع بين الثلاث ممكن، لوجب أن تكون واجبة على سبيل الجمع، كما أنّ ما نهي عنه تخييره كجمعه.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّ التخيير لا يكون إلاّ بين أُمور تدخل في الإمكان، فالمكفّر مخيّر بين عتق من يتمكّن من عتقه في الحال، وكذلك القول في الإطعام والكسوة، فإذا لم يملك المكفّر إلاّ رقبة واحدة، زال التخيير في الرقاب، لأنّه لا يجوز أن يكون مخيّـراً بين عتق عبد يملكه وبين عتق عبد لا يملكه، ولهذا نقول: إنّه متى ضاق وقت الصلاة، فالمصلّي مخيّر بين البقاع المتقاربة دون المتباعدة، وإذا كان الوقت واسعاً، جاز أن يتعدّى التخيير إلى الأماكن المتباعدة.
على أنّ هذا المعترض يلزمه أن يكون المكفّر مأموراً بعتق واحد من عبيد الدنيا كلّها، وكذلك في الإطعام والكسوة، فليس ينفصل من ذلك إلاّ بمثل ما ذكرناه من اعتبار الطاقة والإمكان.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ومَنْ الّذي يسلّم لكم جواز أن ينصّ اللّه تعالى على أنّي أوجبت واحداً لا بعينه؟ أو ليس قد بيّنّا أنّ ذلك لا يصحّ في التكليف، وبيّنّا أيضاً أنّ الأُمور المتساوية في وجه المصلحة لا يجوز أن يوجب بعضها دون بعض؟
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّا لا نقول فيما فعله: إنّه واجب إلاّ على وجه دون وجه، ولابدّ من تفصيل بيان هذه الجملة، فنقول: إنّ قولنا: واجب، قد يطلق، وقد يضاف: فإذا أُطلق، أفاد وقوعه على وجه الوجوب، ولم يجز إجراء هذه العبارة على المعدوم إلاّ مجازاً واتّساعاً، ويجري «واجب» في هذه القضيّة مجرى قولنا في الفعل: إنّه حسن.
فأمّا المضاف فقولنا: واجب على المكلّف، وهذا وجه يختصّ المعدوم، فإنّ

صفحه 95
الموجود لا يصحّ أن يفعل، وكلامنا في الكفّارات الثلاث أيّها هو الواجب؟ وإنّما المراد به ما الّذي يجب أن يفعله المكلّف منها؟ فإذا فعل واحداً منها، فقد خرج من أن يجب عليه، وإنّما نقول: كان واجباً عليه، وكذلك: إذا فعل الثلاث، فقد خرجت من أن تكون واجبة عليه على سبيل التخيير لأنّه لا تخيير بعد الوجود.
فإن قيل: إذا جمع بين الكلّ، ما الواجب المطلق منها؟
قلنا: إن كان جمع بينها، لم يخل من أن يكون فعل واحداً بعد الآخر، أو كان وقت الجميع واحداً، فإن كان الأوّل، فالّذي يستحقُّ عليه ثواب الواجب هو الأوّل، وإن جمع بينها في وقت واحد، استحقّ ثواب الواجب على أعلاها وأكثرها ثواباً، ولا معنى للنظر في تعيين ما يستحقّ به ثواب الواجب، لأنّه لا فائدة له فيما يتعلّق بالتكليف، ولا حجّة للفقهاء فيما اختلفنا فيه، لأنّا إنّما نخالفهم فيما يجب أن يفعله المكلّف من الكفّارات قبل أن يفعله، فنقول: إنّ الجميع واجب على سبيل التخيير، ويقولون: الواجب واحد لا بعينه، فأيّ منفعة لهم في أن يكون المستحقّ به ثواب الواجب بعد الفعل هو واحد؟ ومعنى قولنا هاهنا: إنّه واجب، غير المعنى فيما اختلفنا فيه، ولا شاهد في أحد الأمرين على الآخر مع اختلاف المعنى، وإنّما تشاغل بذلك من الفقهاء من لا قدرة له على التفرقة بين هذه المعاني وترتيبها مراتبها.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: ليس بواجب فيما وجب على سبيل التخيير أن يكون واجباً على طريقة الجمع ـ وإن كان الجمع بينه ممكناً ـ لأنّا قد بيّنّا أنّ الأُمور المتساوية في حكم من الأحكام إنّما تجب على التخيير دون الجمع، لأنّه لا وجه لوجوبها جميعاً، ألا ترى أنّ من غلب في ظنّه أنّ مصلحة ولده تكون في أفعال متغايرة يقوم كلُّ واحد منها مقام صاحبه، إنّما يجب عليه هذه الأفعال على سبيل

صفحه 96
التخيير، ولا يجوز أن يجب عليه الجمع بينها، لأنّه لا وجه لوجوبه على هذا الوجه. فأمّا قياسهم ذلك على ما يتناوله النهي، فسيجيء الكلام فيه في باب النهي، ونذكر الصحيح منه بمشيّة اللّه تعالى.
واعلم أنّ ما كلّفه اللّه تعالى ينقسم إلى وجوه ثلاثة:
أوّلها: أن يكلّف اللّه تعالى الفعل بأن يريده، ويكره كلّ تروكه، فعبّرنا عمّا هذه حاله بأنّه واجب مضيّق.
والقسم الثاني: أن يريد تعالى الأفعال، ولا يكره ترك كلّ واحد منها إلى الآخر، ويكره تروكها أجمع، فعبّرنا عنها بأنّها واجبة على سبيل التخيير، كالكفّارات.
والقسم الثالث: أن يريد تعالى الفعل، ولا يكره شيئاً من تروكه، فعبّرنا عن ذلك بأنّه ندب.
وينقسم ما خيّر اللّه تعالى فيه إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يريد اللّه ـ تعالى ـ كلَّ أحد من ما خيّر فيه مجتمعاً أو منفرداً ، وإن كان عند الوجود الواجب منه الواحد، كالكفّارات.
وثانيها: أن يريد كلّ واحد، ويكره فعله مع الآخر، مثاله أمر الوليّ بتزويج من إليه أمره من النساء، لأنّه أُريد منه تزويجها من كلّ زوج بانفراده، وكره ذلك منه مع غيره.
وثالثها: أن يريد كلَّ واحد على الانفراد، ومع اجتماع غيره إليه لا يريده، ولا يكرهه، ومثاله ستر العورة للصلاة، لأنّه مخيّر في سترها، والجمع في ذلك مباح، ليس بمراد ولا مكروه.

صفحه 97

الفصل الحادي عشر:

في الأمر المطلق هل يقتضي

المرّة الواحدة أو التكرار؟

اُختلف في ذلك، فذهب قوم إلى أنّ مطلق الأمر يفيد التكرار، وينزّلونه منزلة أن يقول له: افعل أبداً.1
وذهب آخرون إلى أنّه يقتضي بظاهره المرّة الواحدة من غير زيادة عليها.2
وذهب آخرون إلى الوقف في مطلق الأمر بين التكرار والاقتصار على المرّة الواحدة.
وتحقيق موضع الخلاف إنّما هو في الزيادة على المرّة الواحدة، لأنّ الأمر قد تناول المرّة الواحدة بلا خلاف بين الجماعة، وإنّما ادّعى أصحاب التكرار أنّه أرادها وأراد الزيادة عليها، وقال المقتصرون على المرّة الواحدة: إنّه أرادها ولم يرد زيادة عليها، وقال صاحب الوقف: أراد المرّة بلا شكّ، وما زاد عليها لست أعلم هل أراده، كما قال أصحاب التكرار، أو لم يرده، كما قال أصحاب المرّة، فأنا واقف

1 . وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي حاتم الرازي كما في شرح اللمع:1/219، وأبي إسحاق الاسفراييني وجماعة من الفقهاء والمتكلّمين كما في نهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلامة الحلّي:1/435.
2 . وهو مختار أكثر المتكلّمين والفقهاء، وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي، والظاهر من قول الشافعي. ومن أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه المفيد في التذكرة:30 وتبعه الشيخ الطوسي في العدة:1/200.

صفحه 98
فيما زاد على المرّة لا فيها نفسها، وهذا هو الصحيح.1
والّذي يدلُّ عليه أشياء:
أوّلها: أنّه لا يجوز أن يفهم من اللّفظ ما لا يقتضيه ظاهره، وكيفيّة تناوله لما هو متناولٌ له، وقد علمنا أنّ ظاهر قول القائل: «اضرب» غير متناول لعدد في كثرة وقلّة، كما أنّه غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب، فيجب أن لا يفهم من إطلاقه ما لا يقتضيه لفظه، وإنّما يقطع على المرّة الواحدة، لأنّها أقلُّ ما يمتثل به الأمر، فلابدّ من كونها مرادة.
وثانيها: أنّه لا خلاف أنّ لفظ الأمر قد يرد في القرآن وعرف الاستعمال، ويراد به تارة التكرار، وأُخرى المرّة الواحدة من غير زيادة، وقد بيّنا أنّ ظاهر استعمال اللّفظة في معنيين مختلفين يدلُّ على أنّها حقيقة فيهما ومشتركة بينهما إلاّ أن تقوم دلالة.
وثالثها: حسن استفهام من أمر أمراً مطلقاً ولا عهد ولا عادة ولا قرينة على المراد، وهل هو الاقتصار على المرّة الواحدة أو التكرار، وحسن الاستفهام دالٌّ على اشتراك اللّفظ وعدم اختصاصه.
ورابعها: أنّا نعلم حسن قول القائل لغيره: افعل كذا وكذا أبداً، أو: افعله مرّة واحدة بلا زيادة عليها، فلو كان مطلق اللّفظ موضوعاً للتكرار، لما حسن أن يقول له: افعل أبداً، لأنّه مفهوم من قوله الأوّل، ولو كان موضوعاً للمرّة الواحدة بلا زيادة عليها، لما حسن أن يقول: افعل مرّة واحدة ولا تزد عليها، لأنّ ذلك عبث

1 . وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/98. أمّا الرازي فقد قال في محصوله:1/237: الأمر المطلق لا يفيد التكرار، بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة، إلاّ أنّ ذلك المطلوب لما حصل بالمرة الواحدة لا جرم يكتفى بها. وتبعه في ذلك العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/435.

صفحه 99
غير مفيد.
فإن ذكروا: أنّه يفيد التأكيد وهو معنى مقصود.
قلنا: التأكيد إن لم يفد فائدة زائدة على فائدة اللّفظ المؤكّد، كان عبثاً ولغواً، والكلام موضوع للإفادة، فلا يجوز أن يستعمل منه ما لا فائدة فيه.

[أدلّة القائلين بدلالة الأمر على التكرار والجواب عنها]

وقد تعلّق من قال بالتكرار بأشياء:
أوّلها: قولهم: «إنّ أوامر القرآن المطلقة تقتضي التكرار».
ثانيها: قياس الأمر على النهي في اقتضائه التكرار.
ثالثها: إنّ الأمر المطلق ليس بأن يتناول بعض الأوقات أولى من بعض، فيجب تناوله الكلّ.
ورابعها: قولهم:«لو لم يقتض التكرار، لما صحّ دخول النَّسخ فيه».
وخامسها: قولهم: «لو لم يقتض التكرار، لما حسن أن يقول افعل مرّة واحدة».
وسادسها: قولهم:«لو لم يقتض التكرار، لكان المفعول ثانياً قضاء لا أداء».
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّا لا نسلّم لكم أنّ أوامر القرآن كلّها تقتضي التكرار، فإنّ فيها ما يقتضي المرّة الواحدة كالحجّ والعمرة عند من أوجبها، والّذي يتكرّر من ذلك فتكرّره مختلف غير متّفق، ألا ترى أنّ الصيام والزكاة يتكرّران في كلّ عام مرّة، والصلاة تتكرّر في كلّ يوم خمس مرّات، فالتكرار مختلف كما تراه، ولو كان مجرّد الأمر يقتضي التكرار، لما اختلف هذا الاختلاف.
وبعد، فالتكرار إنّما علم بدليل، وخلافنا إنّما هو في موضوع اللّغة و مقتضى الأمر المطلق، والصحيح أنّ كلّ أمر في القرآن حملناه على المرّة الواحدة فإنّما حملناه

صفحه 100
عليها بدليل غير الظاهر، وكلّ أمر حملناه على التكرار فإنّما حملناه عليه بدليل سوى الظاهر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: إنّ النهي عندنا كالأمر في أنّه لا يقتضي التكرار بإطلاقه وبمجرّده، وإنّما نحمله عليه متى حملناه بدليل غير الظاهر، ونحن نسوّي بين الأمر والنهي في هذه القضيّة.
وقد فصّل قوم بين الأمر والنهي بأنّ النهي يقتضي قبح الفعل، وقبحه مستمرٌّ، فتكرّر لذلك. وهذا ليس بشيء، لأنّ نهي الحكيم يقتضي قبح الفعل لا محالة، غير أنّ قبحه ربما اختصّ بوقت دون وقت، فلا يجب استمراره في جميع الأوقات المستقبلة، ولا يمتنع أن يختصّ ببعضها دون بعض، كما قلناه في الوجوب الصادر عن الأمر، فإذا لم يجب في الأمر التكرار، فكذلك في النهي.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّما يجب ـ إذا لم يختصّ لفظ الأمر وقتاً دون وقت ـ أن لا يحمل على شيء من الأوقات، إلاّ بدليل، ولا نحمله على الجميع، فكيف نحمله على الجميع، ولم يتناول بلفظه الجميع، كما لم يتناول المرّة الواحدة بلفظه، وهذه الطريقة تدلُّ على وجوب التوقّف على الدليل والبيان.
ويعارض من سلك هذه الطريقة بقول القائل: لقيت رجلاً، أو أكلت شيئاً، ونحن نعلم أنّ قوله ليس بأن يتناول بعض من له صفة مخصوصة من الرجال بأدون من بعض، وكذلك في الشيء المأكول: إنّه ليس بأن يتناول مأكولاً بعينه أولى من غيره، ولا يجب مع ذلك أن يحمل قوله: لقيت رجلاً، على أنّه لقي رجلاً له كلُّ الصفات الّتي تكون للرجال ممّا ليس بمتضادّ، كأنّه لقي رجلاً طويلاً أسود عاقلاً فقيهاً قرشيّاً له كلُّ الصفات الّتي ليس قوله بأن يتناول بعضها أولى من بعض، وكذلك في المأكول وصفاته، ومعلوم خلاف ذلك.

صفحه 101
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّا وإن لم نقل: إنّ التكرار مفهوم من مطلق الأمر، فعندنا أنّا قد نعلمه بدليل، ومن جملة أدلّة التكرار دخول النسخ، فبدخول النسخ نعلم أنّه متكرّر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: قد بيّنا أنّ قول القائل عقيب الأمر: أبداً أو مرّة واحدة، يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه من احتماله للأمرين، ومن تعلّق بما حكيناه، ينتقض كلامه بقول القائل: افعل أبداً، فإنّه لو كان لفظ «افعل» يقتضي التكرار، لما جاز أن يقول: افعل أبداً، لأنّه مفهوم من قوله الأوّل، ولو كان موضوعاً للمرّة الواحدة لما حسن أن يقول أبداً: مرّة فإن قال إنّما حسن ذلك تأكيداً، فقد بيّنّا ما في التأكيد. على أنّه إن رضي بالتأكيد فليرض بمثله في من قال: افعل مرّة واحدة.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: إنّ من يقول: إنّ الأمر على الفور، وإنّه يقتضي المرّة الواحدة، يقول: إنّ المفعول ثانياً قضاء في المعنى، وليس بأداء، والصحيح أنّه ليس بقضاء، لأنّا قد بيّنّا أنّ مطلق الأمر لا يقتضي بلفظه لا مرّة ولا مرّات، وسنبيّن أنّه لا يقتضي فوراً ولا تراخياً، وأنّ اللّفظ محتمل لذلك كلّه، وإن لم يعلم إلاّ بدليل، فلا يجب أن يكون المفعول في شيء من هذه الأوقات قضاء، لأنّ اللّفظ يحتمله كما يحتمل غيره.

[أدلّة القائلين بدلالة الأمر على المرّة والجواب عنها]

وأمّا من ذهب إلى أنّ مجرّد الأمر يقتضي المرّة الواحدة بلا زيادة عليها. فإنّه تعلّق بأشياء:
أوّلها: أنّ أهل اللّغة لا يختلفون في أنّ من أمر غيره بفعل ـ ولا عادة متقدّمة ـ إنّه يعقل مرّة واحدة بلا زيادة عليها.

صفحه 102
وثانيها: أنّ أهل اللّغة اشتقّوا من المصدر الّذي هو الضرب أمثلة: من جملتها ضَرَبَ ويَضْرِبُ وسَيَضْرِبُ، ومن جملتها اضْرِبْ، وقد علمنا أنّ جميع ما اشتقّوه لا يفيد التكرار، فيجب أن يكون الأمر بمثابته.
وثالثها: أنّ الآمر غيره بأن يضرب إنّما أمره بأن يجعل نفسه ضارباً، وهو قد يكون بهذه الصفة بالمرّة الواحدة، فلا يجب مازاد عليها.
ورابعها: أنّهم حملوا الأمر على الإيقاعات والتمليكات والتوكيلات في أنّه لا يفيد التكرار.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: قد اقتصرتم على الدعوى، لأنّا لا نسلّم لكم أنّ المأمور بأن يفعل ولا عهد ولا عادة ولا علم بقصد المخاطب يعقل المرّة الواحدة، فدلّوا على ذلك، فهي دعوى منكم.
ثم نعارضهم بمن أمر غيره في الشاهد، وعقل منه التكرار، فإذا قالوا : إنّ ذلك بدلالة وقرينة، قلنا فيما تعلّقوا به مثله.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ومن سلّم لكم في الأمثلة المشتقّة من الضرب: مثل ضَرَبَ و يَضْرِبُ أنّ المراد به دفعةً واحدةً من غير زيادة؟ وأيُّ عاقل يقطع وقد سمع قائلاً يقول: ضَرَبَ زيدٌ عَمْراً، على أنّه ضَرَبَه مرّة واحدة بلا زيادة عليها؟ والاحتمال في أمثلة الأمر كالاحتمال في أمثلة الخبر، ولهذا يحسن أن يستفهم من قال: ضَرَبَ زيدٌ عَمْراً، هل ضَرَبَهُ مرّة أو مرّات؟ كما يحسن أن يستفهم مع الأمر، فالخلاف في الجميع واحد، فلا ينبغي أن يستشهد بأحد الأمرين على الآخر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: لا شبهة في أنّ الآمر غيره بأن يضرب إنّما أمره بأن يصير ضارباً، غير أنّه يصير ضارباً بالدفعة وبالدفعات، فمن أين أنّه أمره بأقلّ ما يستحقّ به هذا الاسم، فهذا موضع الخلاف، ولذلك يحسن أن يستفهمه

صفحه 103
عن مراده، ولو كان مفهوماً، لما حسن الاستفهام.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: فيما ذكرتموه ما لا يمكن فيه التكرار، ولا يصحّ تزايده في الشريعة، وهو الملك والعتق، وأمّا الطلاق فإنّ التكرار إنّما يصحّ فيه إلى حدّ، وهو بلوغ الثلاث، ثمّ لا يصحّ التزايد، وإنّما حمل أهل الشرع قول القائل: أنتِ طالقٌ على الواحدة شرعاً وتوقيفاً، ولولا ذلك لكان إطلاق القول محتملاً ولذلك اختلفوا في أنّه إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، فذهب قوم إلى وقوع الثلاث، وآخرون إلى وقوع واحدة، وآخرون إلى أنّه لم يقع شيء، وهذا بحسب ما قادتهم إليه الطُّرق الشرعيّة.

الفصل الثاني عشر:

في أنّ الأمر المعلَّق بشرط

أو صفة هل يتكرّر بتكرارهما؟

قد ذهب قوم إلى أنّه يتكرّر بتكرارهما1. والصحيح أنّ الأمر المطلق في هذه القضيّة كالمشروط، وأنّ الشرط لا يقتضي فيه زيادة على ما اقتضاه إطلاقه، فإن كان إذا أُطلق اقتضى المرّة الواحدة، فكذلك حكمه مع الشرط; وإن كان مطلقاً يقتضي التكرار، فكذلك إذا كان مشروطاً; وإن كان التَّوقُّف بين الأمرين واجباً مع

1 . إنّ محلّ النزاع في هذه المسألة مبني على الحكم في المسألة السابقة، فمن قال بالتكرار لمجرد الأمر قال به هنا، ومن قال إنّه يفيد مرّة واحدة قال به هنا أيضاً. فراجع ما ذكرناه في المسألة السابقة للاطّلاع على المزيد. وراجع أيضاً نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/443 والمحصول:1/243.

صفحه 104
الإطلاق، فكذلك مع الشرط.1
والّذي يدلّ على ذلك كلّ شيء دللنا به على أنّ الأمر المطلق لا يقتضي التكرار من الوجوه الأربعة فلا معنى لإعادتها.
ويدلُّ على ذلك أيضاً أنّ من شأن الصفة أو الشرط إذا ورد عقيب الأمر أن يختصّ ما يتناوله الأمر بذلك الشرط أو بتلك الصفة من غير تأثير في تكثير له ولا تقليل، ولا يجري تعقُّب الصفة أو الشرط للأمر مجرى تعقُّب الاستثناء، لأنّ الاستثناء يؤثّر في عدد ما تناولته الجملة المتقدمة، فيقلّل منها، فإذاً خالف حكم الشرط في هذا الباب حكم الاستثناء، ووجب أن يفهم من مشروط الأمر ما كنّا نفهمه من مطلقه في قلّة أو كثرة.

[أدلّة القائلين بتكرّر الأمر المعلّق بشرط أو صفة بتكرارهما والجواب عنها]

وقد تعلّق من ذهب إلى التكرار بتكرّر الصفة أو الشرط بأشياء:2
أوّلها :أنّ كلّ أمر ورد في القرآن مقيّداً بشرط أو صفة يتكرّر بتكرّرهما، كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطَّهَّروا)3، وقوله سبحانه :(الزّانيةُ وَالزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ واحد مِنْهُما مِئةَ جَلدَة).4
وثانيها: حملهم الشرط على العلّة، فإنّها إذا تكرّرت تكرّر الحكم، وكذلك الشرط.
وثالثها: أنّه لو لم يتكرّر، لكان الفعل إذا لم يفعل مع الشرط الأوّل وفعل مع

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في العدة:1/206.
2 . راجع المعتمد في أُصول الفقه:1/108; شرح اللمع:1/230.
3 . المائدة:6.
4 . النور:2.

صفحه 105
الثاني، يكون قضاء لا أداء.
ورابعها: حمل الأمر المعلّق بشرط على النهي المعلّق بشرط في وجوب التكرار.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: قد مضى في الفصل الأوّل أنّ وجود الشيء لا يدلُّ على أنّه لا يجوز سواه، وأنّ الّذي علم تكرّره في أوامر القرآن إنّما علم بدليل غير الظاهر.
ثمّ إنّ التكرار أيضاً مختلف لا يجري على طريقة واحدة، فعلم أنّ اللّفظ لا يقتضيه وإنّما المرجع فيه إلى الدليل، كقوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)1، يعني: إذا عزمتم عليها، ونحن لا نسلّم أنّه يفيد إيجاب الوضوء لكلّ صلاة عند تكرارها، كصلاة الجنازة، لا تجب فيها طهارة، وإن كانت صلاة.
ويقـال لهم فيمـا تعلّقوا به ثانيـاً: ليس العلّـة كالشـرط، لأنّ العلّة مؤثّرة في المعلول وموجبة لـه، فلابدّ مـن تكـرّره بتكـرّرها، والشرط ليس بمـوجب ولا مؤثّر، وإن وقف الحكم عليه، فلا يجب أن يتكرّر المشروط بتكرّره، اللّهمّ إلاّ أن يصير الشرط مع كونه شرطاً علّة، فيتكرّر من حيث كان علّة لا من حيث كان شرطاً، ولذلك تكرّر وجوب الغسل بتكرّر الجنابة، لأنّها علّة فيه وموجبة له.
والشُّروط العقلية في أنّها غير موجبة كالشروط السمعيّة، لأنّ الشرط في صحّة كون أحدنا قادراً هو كونه حيّاً، ولا يصحّ كونه قادراً وليس بحيّ، وقد يكون حيّاً وإن لم يكن قادراً، ولا تحلُّه القدرة إلاّ ويجب كونه قادراً. ويعلم

1 . المائدة:6.

صفحه 106
الفرق بين العلّة والشرط عقلاً وسمعاً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّ في الناس من يذهب إلى أنّه قضاء غير أداء، لأنّه علم وجوبه بدليل آخر. والصحيح أنّه ليس بقضاء، لأنّا قد بيّنّا أنّ مطلق الأمر ومشروطه محتمل للمرّة والمرّات على وجه واحد، فإذا عرف بالدليل أنّه يكون متى فعله مع الشرط الثاني مؤدّياً لا قاضياً، علمنا أنّ الأمر المشروط أُريد به كلُّ شرط مستقبل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّ النهي المشروط في أنّه غير مقتض بظاهره التكرار كالنهي المطلق، والأمر والنهي جميعاً مع الإطلاق والشرط احتمال التكرار والمرّة فيهما ثابت، وإنّما يعلم في كلّ واحد منهما المرّة والمرّات بدليل سوى الظاهر، و1أخطأ من فرّق بين النهي المطلق وبين النهي المشروط، فقال في المطلق: إنّه يقتضي الاستمرار والتكرار، وقال في المقيّد: إنّه يقتضي مرّة واحدة.
وتعلّق من فرّق بين الأمرين بأنّ القائل إذا قال لغلامه: لا تخرج إلى بغداد، وأطلق، ولم يشترط، اقتضى ذلك الدوام، وإذا قال له: لا تخرج إذا جاء الصيف، أو هجم الشتاء، تخصّص بالمرّة الواحدة، غير صحيح، لأنّا لا نسلّم أنّ الأمر على ما ذكره، بل يجوز أن يريد مع الإطلاق المرّة الواحدة، ومع الاشتراط الاستمرار، ولهذا يحسن مع عدم العادات والأمارات أن يستفهم هذا القائل عن مراده في عموم أو خصوص، والمتعلّق بذلك مقتصر على دعوى لا برهان لها.
فإن استشهد على قوله بانعقاد اليمين، بأنّه لو حلف ليفعلنّ كيت وكيت، لم ينعقد إلاّ على مرّة واحدة، وإذا حلف على ألاّ يفعله، انعقد على التأبيد، ومتى حلف على الوجهين بشرط، تعلّق به، ولم يتكرّر، لأنّه لو حلف أن لا يكلّم زيداً إذا

1 . في «ب» بزيادة: أخطأ من فرق بين الأمر والنهي المطلقين في وجوب التكرار كما.

صفحه 107
قدم عمرو، لم يتكرّر.
فالجواب عن ذلك: أنّا إذا سلّمنا أنّ الحكم على ما قاله في اليمين المشروطة، وغير المشروطة، والمتعلّقة بالنفي والإثبات، ولم ننازع في شيء من الأحكام، كان لنا أن نقول له: من أين لك أنّ ذلك إنّما علم بأصل الوضع دون أدلّة الشرع، وإنّما خلافنا فيما يقتضيه وضع اللّغة أو عرفها، ولا خلاف في أنّ الأدلّة الشرعيّة تدلُّ على ذلك.

[دليل القائل بأنّ الأمر المشروط يقتضي المرة الواحدة والجواب عنه]

فأمّا ما تعلّق به من ذهب إلى أنّ الأمر المشروط يقتضي المرّة الواحدة من غير زيادة عليها، من أنّ المولى إذا أمر عبده أن يشتري له لحماً إذا دخل السوق، لم يعقل من ذلك التكرار، فباطل لأنّا لا نسلّم له، لأنّ العبد لا يعقل من ذلك مع الإطلاق وعدم كلّ عهد وعادة وأمارة لا مرّة ولا مراراً، ولهذا حسن منه الاستفهام، ولولا احتمال اللّفظ لما حسن ذلك.
واستشهادهم بأنّ القائل لو قال لوكيله: طلّقها إن دخلت الدار، اقتضى المرّة الواحدة من غير تكرار، باطل، لأنّ ذلك إنّما عقل شرعاً وسمعاً، والخلاف إنّما هو فيما يقتضيه الوضع والعرف اللّغوي، ولولا الشرع لكان قول القائل: طلّقها إن دخلت الدار، محتملاً للأمرين متردّداً بينهما.

صفحه 108

الفصل الثالث عشر:

في أنّ ما يفعل بحكم الأمر هو مرّة واحدة

وما زاد عليها يحتاج في إثباته إلى دليل

اعلم أنّ الأمر إذا ورد موقّتاً بوقت معيّن، ولم يفعل فيه، احتيج في وجوبه مستقبلاً إلى دليل آخر.1
وذهب قوم إلى أنّ الأمر يقتضي الفعل عقيبه، فإن لم يفعل اقتضى فعله من بعد، وعلى ذلك أبداً حتّى يُفعل.2
والدليل على صحّة ما اخترناه أنّ الأمر متناول بلفظه الوقت الأوّل، سواء أطاع المأمور، أو عصى، وإذا كان لو أطاع لم يتناول سواه، فكذلك إذا عصى، لأنّ الطاعة أو المعصية لا تغيّر متعلّق الأمر.
وأيضاً فإنّ إيجاب الفعل في وقت مخصوص كإيجابه على صفة مخصوصة فكما أنّه لا يتناول ما ليس له تلك الصفة، فكذلك لا يتناول ما هو في غير ذلك الوقت. وممّا يؤكّد ما ذكرناه أنّ تغاير الوقتين يوجب تغاير الفعل، وليس كذلك

1 . وهو مختار مشايخ الإمامية كالشيخ الطوسي، وأكثر الفقهاء والمتكلّمين كالجويني والغزالي والآمدي والرازي، والشيرازي وابن السبكي، وعامة أصحاب الشافعي، وهو مختار جمهور المعتزلة.
(راجع عدة الأُصول:1/209ـ 210; الإحكام للآمدي:2/316، المسألة التاسعة; المنخول:188; المحصول: 1/324; شرح اللمع:1/250، المعتمد في أُصول الفقه:1/135; أُصول السرخسي:1/46).
2 . وهو مختار جمهور الأحناف والحنابلة والمالكية وعامة أصحاب الحديث وبعض المعتزلة. راجع المصادر المذكورة في الهامش السابق.

صفحه 109
تغاير الصفتين، فإذا وجب ما ذكرناه في الصفة، كان أوجب في الوقت، لأنّه آكد من حيث ما ذكرناه.
فإن قيل: وما الدليل على أنّ الوقت كالصفة في هذا الحكم؟
قلنا: لا شبهة في أنّ العبادة قد تكون مصلحة في وقت دون غيره، كما تكون مصلحة لبعض الشروط أو الصفات، ألا ترى أنّ الإمساك المخصوص يكون مصلحة في النهار دون اللّيل، وفي شهر رمضان دون غيره، والوقوف بعرفة يكون مصلحة في وقت مخصوص، فقد جرى الوقت في المصالح والقرب مجرى سائر الشروط.
فإن قالوا: إذا تعلّق الفعل بذمّة المكلَّف وجب ألاّ يبرأ منه إلاّ بأن يفعله.
قلنا: إنّما تعلّق وجوب فعله في الوقت المخصوص بذمّته، وقد فات الوقت، فهو غير متمكّن في المستقبل من فعل ما كُلّفه1 بعينه، ولا شبهة في أنّ الأمر إذا تعلّق بوقت معيّن، لم يصحّ دخول النَّسخ فيه، وإنّما يدخل في المتكرّر من مقتضى الأمر.
فإن قيل: فيجب أن يسمّى ما يفعل بعد هذا الوقت قضاء لا أداء.
قلنا: كذلك يجب.
فإن قيل: فما المراد بلفظة «قضى» في اللّغة والشرع؟
قلنا: معناها في اللّغة ينقسم إلى وجهين:
أحدهما بمعنى خَلَقَ وتمّم، كقوله تعالى:(فَقضيهُنَّ سبعَ سَموات في يَوْمَيْنِ).2

1 . يعني ما كلّف به، فيكون الهاء منصوباً بنزع الخافض، ولعل ذكر الباء أولى من تركه.
2 . فصّلت:12.

صفحه 110
والوجه الثاني الإلزام نحو قوله سبحانه: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)1، وقولهم: قَضَى الحاكمُ بكذا، إذا ألزمه. وأدخل قوم في هذا القسم قوله تعالى: (وَقَضَيْنا إِلى بَني إِسرائيلَ فِي الْكِتابِ)2 من حيث كان ما أخبر تعالى به حقّاً ثابتاً. وذهب آخرون إلى أنّ معنى هذه الآية الإعلام. وقيل في معنى قضى فلانٌ دينه: إنّه على القسم الأوّل، بمعنى أنّه وفره على مستحقّه بتمامه وكماله.

[معنى القضاء في عرف الشرع وشروطه]

وأمّا معنى هذه اللّفظة في عرف الشرع فإنّهم يسمّون الفعل قضاء، إذا جمع شروطاً ثلاثة:
أوّلها: أن يكون مثلاً للمقضيّ في الصورة أو الغرض.
وثانيها: أن يكون سبب وجوب تلك العبادة قد تقدّم حقيقة أو تقديراً.
وثالثها: أن يثبت التعبُّد بالقضاء بسبب هو غير السبب الأوّل.
ولابدّ زائداً على ذلك من أن تكون العبادة متعلّقة بوقت عرض فيه فوت، ولهذا لم نقل في الصلاة: إنّها قضاء للصوم، لاختلاف الصورة. ولا قيل في فعل إحدى الكفّارات: إنّها قضاء، لما كان سبب وجوب الكلّ واحداً، ويفعله ثانياً لما لم يفعله أوّلاً. ولذلك من قصّر في قضاء صلاة عند ذكرها لا يقال فيما يفعله من بعد: إنّه قضاء للقضاء الأوّل، من حيث كان السبب واحداً. ولذلك لم نقل في صلاة الظهر إذا أُدّيت في وسط الوقت أو آخره: إنّها قضاء. ولا يقال في من أخّر

1 . الإسراء:23.
2 . الإسراء:4.

صفحه 111
الحجّ: إنّه قضاه ، لا سيّما على قول من يقول بأنّه على الفور، لما كان متى فعل فلسبب واحد، لأنّ أوقات عمر المكلّف فيه بمنزلة وقت الصلاة.
وإنّما قيل في الحائض: إنّها تقضي الصومَ، لأنّ لما تقضيه سبباً متقدّماً يقدّر دخولها فيه. ولذلك لو كانت مجنونة، لم يلزمها القضاء، لما لم يقدّر ذلك، وعلى مذهب من يوجب القضاء على المجنون إذا أدرك بعض الشهر، يجب أن يقدّر فيه مثل ما يقدّره في الحائض.
وإنّما قيل في ما يؤدّيه من الصلاة وقد فات مع الإمام: إنّه يقضيه لما كان في حكم ما تقدّم سبب وجوبه، لأنّ السبب الّذي له يفعله أخيراً غير السبب الّذي (له يجب)1 أوّلاً.
وإنّما قيل في المفسد لحجّه: إنّه يقضي الحجّ، لأنّه لزمه بسبب ثان، إذ كان الأوّل لزمه بالدخول في الإحرام، والثاني لزمه لأجل الفساد الّذي وقع.
فإن قيل: فكيف يصحّ دخول القضاء في النوافل، وليس هناك سبب وجوب، ولا سبب تعبّد متكرّر؟
قلنا: من يقول بدخول القضاء في النوافل لابدّ من أن يجعل للتعبُّد، الثاني سبباً ثانياً، فكأنّه إذا لم يفعل ركعتي الفجر في وقتهما، يجعل الفوت سبباً ثانياً للتعبّد بفعل مثله بنيّة مخصوصة، ويسمّى قضاء، ولابدّ من أن يجعل لهذا السبب مزيّة في فعل ركعتي الفجر، ولذلك لا يجعل هذا القضاء بمنزلة ما يبتديه من النوافل. وأمّا النوافل وإن لم يكن لها سبب وجوب تقدّم، فالسبب في الندب إليها والتعبّد بها متقدّم لا محالة.

1 . في «ب»: يحب عليه، وفي «ج» :يجب له.

صفحه 112

الفصل الرابع عشر:

في الأمر هل يقتضي إجزاء الفعل المأمور به؟

إعلم أنّ جميع الفقهاء يذهبون إلى أنّ امتثال الفعل المأمور به يقتضي إجزاءه.
وذهب قوم إلى أنّ إجزاءه إنّما يعلم بدليل، وغير ممتنع ألاّ يكون مجزياً.1
والكلام في هذا الموضع إنّما هو في مقتضى وضع اللّغة وعرفها، وأمّا عرف الشرع فإنّا قد بيّنّا أنّه قد استقرّ على أنّ فعل المأمور به على الحدّ الّذي تعلّق به الأمر يقتضي الإجزاء.
والّذي يدلُّ على أنّ وضع اللّغة لا يقتضي ذلك أنّ الإشارة بقولنا:«إجزاء» هو إلى أحكام شرعيّة، كنحو وقوع التملُّك بالبيع، وحصول الاستباحة بعقد النكاح، ووقوع البينونة والفرقة بالطلاق، وفي الصوم أنّه وقع موقع الصحة فلا يجب إعادته، وكذلك في الصلاة، وقد علمنا أنّ هذه الأحكام لا تتعلّق بالأمر، لا في لفظه، ولا في معناه، نفياً، ولا إثباتاً، فكيف يدلُّ امتثاله على ثبوتها ولا علقة بينها وبينه، وإنّما يدلُّ امتثال أمر الحكيم على أنّ الفاعل مطيع مستحقٌّ للمدح والثواب، لأنّ للأمر تعلُّقاً بذلك، ولا تعلُّق له بما تقدّم ذكره من الأحكام الشرعيّة.2

1 . وهو مذهب أبي هاشم وأتباعه والقاضي عبد الجبار وكثير من المتكلّمين.(راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/579; الإحكام للآمدي:2/313، المسألة السابعة، الكاشف عن المحصول: 4/70، المعتمد:1/90).
2 . إنّ ملخّص ما ذهب إليه الشريف المرتضيقدَّس سرَّه هو أنّ الامتثال في عرف الشرع يقتضي الإجزاء دون وضع اللغة. أمّا الشيخ المفيد في التذكرة:30 والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/212 فقد ذهبا إلى أنّ امتثال الأمر مُجز لصاحبه ومسقط عنه فرض ما كان وجب من الفعل عليه.

صفحه 113
وربّما تعلّق في ذلك بأنّ الظانّ في آخر الوقت كونه متطهّراً يلزمه بإجماع فعل الصلاة، فلو ذكر أنّه لم يكن متطهّراً، لما أجزأه فعله، ولوجب عليه القضاء; وكذلك المفسد لحجّه يلزمه المضيُّ فيه، وإن لزمه القضاء، فقد اجتمع ـ كما تراه ـ وجوب الفعل مع أنّه غير مجز.

[في من طعن بأنّ الإجزاء يحتاج إلى دليل وردّه]

وقد طعن قوم 1 في ذلك بأن قالوا: إنّما جاز في الظانّ كونه متطهّراً والمفسد حجّه ما ذكرتم، لوقوع الاختلال في فعله، لأنّه لما تيقّن أنّه لم يكن متطهّراً، كان مؤدّياً للصلاة على غير الوجه الّذي أمر بأدائها عليه، وكذلك المفسد لحجّه، وإنّما يوجب الإجزاء والصحة في الفعل الّذي وقع على شرائطه كلّها المشروعة.
وهذا من الطاعن به غير صحيح، لأنّه إن ادّعى أنّ تكامل شرائط الفعل الشرعيّ يقتضي إجزاءه، وأنّه إنّما لا يجزي لفساد أو إخلال بشيء من الشرائط، مع استقرار شرعنا هذا، فالأمر على ما ذكره، وقد زدنا على ذلك بأنّ أهل الشريعة قد تعارفوا وأجمعوا على أنّ امتثال الأمر يقتضي الإجزاء.
وإن ادّعى أنّ ذلك واجب على كلّ حال، ومع كلّ شرع، ومن غير دلالة الإجماع الّتي أشرنا إليها، فمن أين قال ذلك؟ وهل هو إلاّ محض الدعوى؟ وما المانع من أن يأمر بالبيع تقديراً وفرضاً، فيكون فاعله مطيعاً له ومستحقّاً للمدح والثواب من غير أن يتعلّق بهذا العقد هذه الأحكام المخصوصة؟ وكذلك القول في النكاح والطلاق، وإذا كنّا لا نوجب تعلُّق هذه الأحكام في كلّ حال ومع كلّ شرع، فما المانع من انتفائها مع امتثال الأمر؟
واعتمادهم على أنّ القضاء في الشريعة إنّما يقتضيه إخلال أو فساد يقع فيها

1 . راجع شرح اللمع:1/265; الإحكام:2/313ـ 314.

صفحه 114
صحيح، والشرع هذا والحال هذه ، فمن أين وجوبه على كلّ حال؟
وقول من يقول منهم:«كيف يجوز أن يقول: صلّ الظهر أربعاً على شرائط يذكرها، ثمّ يقول: فإذا فعلت ذلك فاقضها بأربع ركعات، وهو إذا تعبّد بذلك، كانت الثانية عبادة مستأنفة غير قضاء للأُولى» عجيب، لأنّه غير ممتنع ذلك فرضاً وتقديراً، وإنّما يمتنع والشرع هذا، وما المانع من أن تكون العبادة بالصلاة الثانية تسمّى قضاءً على عرف هو غير عرفنا الآن. على أنّه قد يتعلّق بالصلاة المجزية أحكام هي غير سقوط الإعادة، مثل حقن دم المصلّي وكونها على بعض الوجوه دلالة على إيمانه وإسلامه، فما المانع من أن يفعل الصلاة، ولا يثبت لها شيء من هذه الأحكام.

الفصل الخامس عشر:

هل يتكرّر المأمور به بتكرُّر الأمر؟

إعلم أنّ الصحيح هو أنّ الأمر إذا تكرّر، فالظاهر يقتضي تناول الثاني لغير ما تناوله الأوّل.1
والّذي يدلُّ على ذلك أنّ هذين الأمرين إذا افترقا، لدلاّ على مأمورين متغايرين، وكذلك إذا اجتمعا، لأنّ الاجتماع لا يغيّر مقتضاهما.
وأيضاً فإنّ الكلام موضوع للإفادة، ومقترنه في ذلك كمنفصله ومتى لم يحمل

1 . يعني يقتضي تكرار المأمور به. وهو رأي جمهور الفقهاء والمتكلّمين كالقاضي عبد الجبار، والرازي في المحصول:1/270. وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/215. وتوقف أبو الحسين البصري في المعتمد:1/162، و الآمدي في الإحكام:3/321. ولمزيد الاطّلاع راجع شرح اللمع:1/231; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/484.

صفحه 115
قول القائل: اضرِب اضرِبْ، على أنّ الضرب الثاني غير الأوّل، كان الأمر الثاني لغواً، لأنّه لا يفيد إلاّ ما أفاده الأوّل، والاعتذار بالتأكيد1ليس بشيء، لأنّ التأكيد متى لم يفد غير ما يفيده المؤكّد، كان عبثاً ولغواً.
فأمّا قول من يشترط في تغاير متناول الأمر المتكرّر ألاّ يكون الأمر الأوّل يتناول الجنس أو العهد، وادّعى أنّ الجنس يقتضي الاستغراق، فلا يجوز أن يفضل منه ما يتناوله الأمر الثاني، وأنّ العهد يقتضي صرف مقتضى الثاني إلى مقتضى الأوّل; فليس بصحيح، لأنّ القائل إذا قال: افعلِ الضَّربَ، وكرَّر ذلك، فإنّ قوله الأوّل يحتمل أن يريد به الاستغراق للجنس، ويحتمل أيضاً أن يريد به بعض الجنس، والظاهر من تغاير الأمرين تغاير مقتضاهما، حتّى يكون كلُّ واحد منهما مفيداً لما لا يفيده الآخر; وأمّا العهد، فإن كان بين المتخاطبَين، وعلم المخاطَب أنّ المخاطِب أراد الأوّل، بعرف أو عادة، حملناه على ذلك ضرورة، ولقيام الدلالة، فأمّا مع الإطلاق، فيجب حمل الثاني على غير مقتضى الأوّل.
والّذي يحكى عن ابن عبّاسرحمه اللّه في قوله تعالى:(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسراً)2 وأنّه قال: لا يغلب عسر يسرَيْن،3من حيث حمل العسر المعرَّف على أنّ الثاني هو الأوّل، واليسر المنكَّر على التَّغاير، فممّا يربَأُ بابن عبّاسرحمه اللّه عنه، لموضعه من الفصاحة والعلم بالعربيّة.
والمراد بالآية أنّ مع جنس العسر جنس اليسر، وإن عرّف أحدهما ونكّر الآخر، ولا فرق بين ذلك وبين أن يقول: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ اليُسر» ويكرّر، أو يقول: «إنّ مع عُسر يُسراً» ويكرّر، لأنّ المنكَّر يدلُّ على الجنس كالمعرَّف، كما يقول

1 . وهو مختار القاضي أبي بكر الصيرفي وأحد قولي الشافعي. راجع: شرح اللمع:1/231; والإحكام:2/320ـ 321.
2 . الشرح:5ـ6.
3 . مجمع البيان:10/390.

صفحه 116
القائل: مع خير شرٌّ ، ويقول تارةً أُخرى: إنّ مع الخير الشَّرَّ، وأراد اللّه تعالى أن يبيّن أنّ العسر واليسر لا يفترقان.
فإن قيل: فما الوجه في التكرار، إذا لم تذهبوا إلى حسن التأكيد؟
قلنا: الوجه في ذلك التكرار هو الوجه فيما تكرّر من القرآن في سورة الرحمن والمرسلات وغيرهما، وقد ذكرنا في كتاب «الغُرر» الوجوه المختلفة فيه.

الفصل السادس عشر:

في الأمرين المعطوف أحدهما على الآخر

اعلم أنّ الصحيح أنّ قول القائل: اضرِبْ واضْرِبْ، يقتضي أنّ الضرب الثاني غير الأوّل، وكلّ شيء دللنا به على أنّ الأمر إذا تكرّر من غير حرف العطف اقتضى أنّ الثاني غير الأوّل هو دلالة في هذا الموضع.
وهاهنا 1مزيّة ليست هناك، وهي حرف العطف، لأنّ الشَّيء لا يعطف على نفسه، وإنّما يعطف على غيره، ولذلك فارق النعت والصفة العطف.
وليس يقدح فيما ذكرناه قول الشاعر2:

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/217. وراجع ما ذكرناه في الهامش رقم 1، ص 114.
2 . القائل كما في أمالي السيد المرتضى:1/146هو يحيى بن زياد بن عبداللّه بن منظور الديلمي، أبو زكريا المعروف بالفراء، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، ولد بالكوفة سنة 144هـ وانتقل إلى بغداد وعهد إليه المأمون بتربية ابنيه فكان أكثر مقامه بها، فإذا جاء آخر السنة انصرف إلى الكوفة فأقام أربعين يوماً في أهله يوزّع عليهم ما جمعه، توفي في طريق مكة سنة 207هـ. وكان مع تقدّمه في اللغة فقيهاً متكلّماً عالماً بأيّام العرب والطب والنجوم يميل إلى الاعتزال. له مصنفات منها: معاني القرآن، اللغات، والفاخر في الأمثال، وغيرها. الأعلام للزركلي:8/145.

صفحه 117
إلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ1 وابنِ الهُمام2 *** وليـثِ الكَتيبـة فـي المُزْدَحَـمِ
والصفات راجعة إلى موصوف واحد مع العطف، لأنّهم أجروا اختلاف الصفات في جواز عطف بعضها على بعض مجرى اختلاف الموصوفَيْن.

[في أقسام الأمر المعطوف على غيره وأحكامها]

واعلم أنّ المعطوف على غيره لا يخلو من أن يكون مثله، أو خلافه، أو ضدّه:
فإن كان خلافه، فلا شبهة في اختلاف الفائدة، نحو قوله تعالى: (وَأَقيمُوا الصَّلوةَ وَآتُوا الزَّكوةَ)3 وعطف أعضاء الطهارة بعضها على بعض.
وإن كان المعطوف ضدّ المعطوف عليه، فإن كان الوقتان مختلفَين حمل كلُّ واحد منهما على مقتضاه في وقته، وإن كان الوقت واحداً، فلا يصحّ التكليف إلاّ على جهة التخيير.
وإذا كان المعطوف مثلاً للمعطوف عليه ـ و هو المشتبه ـ فالظاهر أنّ الثاني غير الأوّل، على ما ذكرناه، فإن كان المعطوف يقتضي بعض ما دخل تحت المعطوف عليه، نظر، فإن كان ذلك ممّا يجوز إفراده بالذِّكر على جهة التعظيم والتَّفخيم كإفراد جبرئيل وميكائيل ممّن ذكر من الملائكة(عليهم السلام)، والصلاة الوسطى عن ذكر باقي الصلوات، احتمل الكلام أن يكون الأوّل على عمومه، والثاني أُفرد تعظيماً، وإن كان التعظيم غير لائق بالموضع، نظرنا، فإن كان المعنى يمكن فيه التكرار، كقول القائل: اضرب القوم الّذين فيهم زيد، واضرب زيداً، فيحمل

1 . القرم: السيد المعظم. لسان العرب:12/473، مادة «قرم».
2 . الهمام: العظيم الهمّة. النهاية لابن الأثير:5/275.
3 . البقرة:43، ....

صفحه 118
الأوّل على عمومه، والثاني على تكرّر بعضه، وهو ضرب زيد، وإن كان ذلك ممّا لا يمكن فيه التكرار، كالعتاق، إذا قال: قد أعتقتُ جميع عبيدي، وأعتقتُ فلاناً، ويذكر واحداً من جملة العبيد، ففي هذا الموضع يجب حمل الثاني على ما تناوله، وهو عتق العبد المخصوص،والأوّل على أنّ المراد به جماعة العبيد سوى العبد المفرد بالذكر، لأجل أنّ العطف يقتضي تغاير ما عطف به لما عطف عليه، وإن كان المعطوف به أعمّ من المعطوف عليه، احتمل من القسمة ما ذكرناه في المعطوف به إذا كان أخصّ، فليتأمّل ذلك.

الفصل السابع عشر:

في أنّ الأمر هل يقتضي الفور أو التراخي؟

اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أنّ الأمر المطلق يقتضي الفور والتعجيل وإيقاع الفعل عقيبه. ثم اختلفوا فقال بعضهم: متى لم يفعل، اقتضى أن يفعل بعد ذلك، وكذلك أبداً حتى يوقع الفعل، وفيهم من لم يوجب بالأمر إلاّ إيقاع الفعل عقيبه، فقط.1
وقال آخرون: إنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل من غير اختصاص بوقت من الأوقات المستقبلة، وهي متساوية في إيقاعه فيها، وهؤلاء هم أصحاب

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/227. وهو مذهب جماعة من الحنفية والحنابلة وكلّ من أوجب التكرار، وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي الحنفي وأبي بكر الصيرفي وهو مختار مالك والظاهرية وعامة أهل الحديث. راجع نفائس الأُصول للقرافي: 2/183، وشرح اللمع:1/234ـ 235، والإحكام لابن حزم:3/307، والعدة: 1/225.

صفحه 119
التراخي.1
وقال آخرون: الواجب على من سمع مطلق الأمر ولا عهد، ولا قرينة، ولا دلالة، أن يعلم أنّه مأمور بإيقاعه، ويتوقّف في تعيين الوقت أو التخيير فيه على دلالة تدلُّ على ذلك، وهو الصحيح.2
والدلالة عليه أنّ اللّفظ خال من توقيت لا بتعيين ولا تخيير وليس يجوز أن يفهم من اللّفظ ما لا يتناوله كما لا يجوز أن يفهم منه الأماكن والأعداد وكلُّ شيء لم يتناوله لفظ الأمر.
وأيضاً فلا خلاف في أنّ الأمر قد يرد في القرآن واستعمال أهل اللّغة ويراد به تارة الفور، وأُخرى التراخي، وقد بيّنّا أنّ ظاهر استعمال اللّفظة في شيئين يقتضي أنّها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما.
وأيضاً، فإنّه يحسن بلا شبهة أن يستفهم المأمور مع فقد العادات والأمارات هل أُريد منه التعجيل أو التأخير؟ والاستفهام لا يحسن إلاّ مع احتمال اللّفظ واشتراكه، ودفع حسن الاستفهام هاهنا كدفعه في كلّ موضع.
وأيضاً، فإنّه يحسن بغير إشكال أن يتبع القائل قوله: قم وما أشبه ذلك من

1 . وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/111، والقاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد: 2/208، والآمدي في الإحكام:2/306، والسرخسي في أُصوله:1/26، وابن حزم في الإحكام: 3/307; وهو مذهب كثير من الفقهاء والمتكلّمين وأعيان المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والجبائيان، وجماعة من الشافعية والأشاعرة. راجع عدة الأُصول للشيخ:1/225ـ 226، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/451.
2 . وهو مختار الغزالي في المنخول:180، والجويني وأبي منصور الماتريدي كما في العدة:1/225. أمّا الرازي في محصوله:1/247فقد ذهب إلى القدر المشترك بين طلب الفعل على الفور وبين طلبه على التراخي من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فوراً أو تراخياً. واختاره أيضاً العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/452.

صفحه 120
الأمر، أن يقول: الساعة، وفي الثاني، أو بأن يقول: متى شئت، فلو كان اللّفظ موضوعاً لفور أو تراخ، لما حسن ذلك، ولكان ذكره عبثاً ولغواً.

[في أدلّة من ذهب إلى الفور والجواب عنها]

وقد استدلّ من ذهب إلى الفور بأشياء:
أوّلها: أنّ الأمر قد اقتضى وجوب الفعل، وتجويز تأخيره يلحقه بالنوافل الّتي لا يجب فعلها.
وثانيها: أنّ الأمر في الشاهد يقتضي التعجيل، بدلالة ذمّهم وتوبيخهم من أخّر ذلك.
وثالثها: أنّه لا يخلو من أن يكون لجواز تأخيره غاية، أو لا غاية له، والأوّل لا يقتضيه لفظ الأمر، ولا غاية تذكر فيه أولى من غاية، وإن كان لا إلى غاية، فالمكلّف لا يكون أبداً مفرّطاً ، وهذا يقتضي إخراجه من كونه واجباً.
ورابعها: أن يحملوا مقتضى الأمر على مقتضى الإيقاعات من طلاق وعتاق وتمليك وغير ذلك في اقتضاء الفور و التعجيل.
وخامسها: أنّ الإيجاب بالأمر يقتضي فعلاً واحداً، وقد ثبت بالدليل العقليّ أنّ أفعال العباد لا يصحّ فيها التقديم والتأخير، فيجب أن يكون المراد أن يفعل عقيبه، ليكون الفعل واحداً، ويقوّي ذلك أنّ الفعل إذا علمنا كونه واحداً، واتّفقوا على أنّ المفعول عقيبه مراد وصلاح، فيجب حمل الخطاب عليه.
وسادسها: أنّ القول بالتراخي والتخيير يقتضي إثبات بدل له، لأنّه إذا خرج من كونه واجباً مضيَّقاً، فلابدّ من بدل، ولا دليل على وجوب هذا البدل من جهة الأمر والإيجاب، فيجب بطلان التخيير، ولا قول بعد ذلك إلاّ القول بوجوبه

صفحه 121
عقيبه.
وسابعها: طريقة الاحتياط وأنّها في الفور دون التراخي.
وثامنها: قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ)1، وقوله سبحانه:(فَاسْتَبِقُوا الْخَيراتِ)2. وما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله:«من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكَرها، فذلك وقتها».3 فنبّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك على أنّ وقت المأمور به هو عقيب الأمر.4
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: ليس القول بجواز التأخير ملحقاً للواجب بالنفل، لأنّه وإن جاز تأخيره فلابدّ من عزم على أدائه مستقبلاً، ووجوب هذا العزم عليه إذا لم يفعله مميّز له من النافلة، لأنّ النافلة يجوز تأخيرها بلا بدل هو العزم، والواجب لا يجوز تأخيره إلاّ ببدل هو العزم.
فإن قيل: هذا يقتضي إثبات بدل بغير دليل.
قلنا: إذا علمنا بالدليل أنّ الآمر الموجب للفعل لم يرد الفور، وإنّما أراد التراخي والتخيير، فلابدّ مع التخيير من إثبات هذا البدل، فما أثبتناه إلاّ بدليل، وإنّما يستمرّ وجوب هذا الكلام على من ذهب إلى أنّ مطلق الأمر بظاهره يقتضي التراخي من غير دليل منفصل، وأمّا من قال: إنّ مطلق الأمر محتمل للأمرين

1 . آل عمران:133.
2 . البقرة:148.
3 . سنن الدارمي:1/280، باب من نام عن صلاة أو نسيها; المعجم الأوسط:6/182; عوالي اللآلي:1/201برقم 17 وج2/52برقم 134; مستدرك الوسائل:6/430، الباب1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث7156.
4 . ضعّف الشيخ الطوسي وبعض من وافقه الاحتجاج بهاتين الآيتين للدلالة على فورية الأمر. راجع عدة الأُصول:1/229.

صفحه 122
احتمالاً واحداً ، وأنّه متى قُطع على أحدهما، فبدليل منفصل، فلا يلزمه هذا الكلام.
فإن قيل: فمن أين إذا ثبت أنّه لابدّ من بدل، فإنّ البدل هو العزم؟
قلنا : إذا ثبت وجوب البدل، فبالإجماع يعلم أنّه العزم، لأنّ كلَّ من أثبت بدلاً لم يثبت سوى العزم.
وأيضاً، فإنّ العزم في العقول هو البدل عن كلّ واجب تأخّر نحو قضاء الدين وسائر وجوه التَّصرّفات، لأنّه لو خلا من الفعل الواجب لعارض، وخلا من العزم على أدائه مستقبلاً، لكان ملوماً مذموماً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: إنّا لا نسلّم لكم في الشاهد ما ادّعيتموه ، لأنّه قد يؤمر في الشاهد بما يكون على التراخي، كما يؤمر بما يكون على الفور، فإذا حمل على الفور أو التراخي، فبعادة، أو دلالة، أو أمارة، وكلامنا في مطلق الأمر ومجرّده.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: من أين قلتم: إنّه إذا جاز تأخيره من غير غاية معلومة مضروبة ينتهي جواز التأخير إليها أنّ ذلك يلحقه بالنافلة، أوليس قد مضى أنّ النافلة يجوز تأخيرها بلا غاية، ولا بدل عنها يجب عليه فعله، وأنّ الواجب على التراخي لا يجوز تأخيره إلاّ ببدل، وهذا كاف في الفرق بين الواجب والنفل، وليس يمتنع أن يستمرّ تكليف المكلّف على ما ذكرناه، فيكون مكلّفاً أن يفعل الفعل أو العزم على أدائه مستقبلاً، فإن أخّر الفعل، وفعل العزم على أدائه مستقبلاً فلا يستحقّ ذمّاً، وتكليف الفعل في المستقبل ثابت عليه، وإن فعل الفعل، سقط وجوب العزم، لأنّ من حقّ العزم أن لا يكون بدلاً إلاّ بشرط بقاء الوجوب في الفعل، وإنّما يستحقّ المكلّف الذمّ إذا لم يكن يفعل الفعل الواجب، ولا العزم على أدائه مستقبلاً.

صفحه 123
وقد ذهب قوم إلى أنّ الحجّ على التراخي، وقالوا: إنّ المكلّف إنّما يصير مفرّطاً إذا غلب في ظنّه أنّه إن لم يحجّ فاته. ومنهم من يقول: إذا لحقه مرض فلم يوص به، أو لم يستأجر من يحجّ عنه، كان مذموماً مفرّطاً.
واعلم أنّه لا يجوز أن يثبت استحقاق الذمّ فيمن لا يفعل الحجّ مع تكامل شروطه إلاّ ويجعل له في الوجوب وقتاً أو غاية، ولابدّ من كونهما معلومين، لأنّه لا يجوز أن يؤاخذ المكلّف بأن لا يفعل فعلاً ومع ذلك يجوز له أن يؤخّره أبداً، والمرض أو الضَّعف ربّما كانا سبباً لغلبة الظنّ للموت، وهذه غاية متميّزة، فيجوز أن تجعل سبباً لاستحقاق الذمّ بترك الحجّ، وقد يجوز أيضاً أن يحمل الوعيد الوارد في ترك الحجّ على من تركه وترك العزم على أدائه مستقبلاً، أو يكون متوجّهاً إلى من غلب على ظنّه فوته بالموت، إمّا لمرض، أو ضعف وأمّا مع غير هذه الوجوه المتميّزة وأمثالها، فلا يجوز أن يلحق به الوعيد، ويستحقّ الذمّ.
وقول من يقول من الفقهاء: إنّ المكلّف يكون مفرّطاً في الحجّ إذا مات، ويقول: بموته يتبيّن لي ذلك، من غير بيان وقت، أو غاية، غير محصّل، لأنّ الموت لا يجوز أن يكون شرطاً في تكليف المكلَّف، ولا الحكم بتقصيره، وإنّما ينبغي أن يتميّز للمكلّف الشَّرط الّذي يتضيّق به الفعل عليه، ولا منفعة له في أن يتميّز لغيره، أو بعد موته.
وليس يشبه هذا ما لا يزالون يقولونه من أنّه إذا جاز أن يكلّف المجاهد الرمي بشرط ألاّ يصيب مسلماً، وإن لم يتميّز له ذلك، جاز ما قلناه، وذلك أنّ المجاهد لم يكلّف الرمي بالشرط الّذي ذكروه، فإنّه مجهول له غير معلوم، وإنّما أُمر أن يرمي مع غلبة ظنّه أنّه يصيب الكافر، دون المسلم، وهذا شرط متميّز له ومعلوم، وهذا هو الجواب عن قولهم: إنّ الإمام كلّف التعزير بشرط السَّلامة، وكذلك المؤدِّب

صفحه 124
فلا معنى لإعادته.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: هذه العقود والإيقاعات إنّما علمنا في أحكامها أنّها على الفور بدليل الشرع، ولولاه لما علمناه، ونحن لا ننكر القول بالفور بدلالة منفصلة عن إطلاق الأمر.
وأيضاً فهذا قياس، والقياس في مثل هذا الأصل لا يسوغ.
وأيضاً، فإنّ أحكام العقود والإيقاعات ليست بأفعال، وإنّما هي أحكام، والأمر يقتضي فعلاً، وإنّما يطلب وقتاً لما هو فعل.
وأيضاً، فإنّ الأمر له دلالة وجوب الفعل، وليس بسبب فيه، والإيقاعات والعقود أسباب في هذه الأحكام، ومع وجود السبب لابدّ من حصول المسبّب، وليس كذلك الدلالة.
وأيضاً، فإنّ العقود إنّما اقتضت الفور لأنّ الثمن بإزاء المثمن وملك أحدهما في الحال يقتضي ملك الآخر عيناً كان أو ديناً، ومثل ذلك ليس بموجود في مقتضى الأمر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: ليس يجب إذا كان الفعل واحداً أن يبطل التراخي والتخيير لأنّ من يذهب إلى ذلك يجعل الفعل واحداً وإن كان مخيّراً في أوقاته، وصورة الفعل إذا كانت معلومة للمكلّف، صحّ أن يقال له: افعل ما له هذه الصورة مرّة واحدة، ولهذا يقول: إنّ المكلّف أُمر بصلاة الظهر مرّة واحدة في الوقت الموسّع، ولا يلزم أن يكون قد كلّف صلوات كثيرة في ذلك الوقت.
فأمّا قولهم: أنّهم اتّفقوا على أنّ المفعول عقيبه مراد وصلاح فغلط، لأنّ من يذهب إلى وجوب الوقف مع الإطلاق لا يوافق على ذلك.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: هذا الطعن إنّما يتوجّه إلى من حمل الأمر

صفحه 125
المطلق على التراخي من غير دليل منفصل، فأمّا من ذهب إلى الوقف، ولم يثبت فوراً ولا تراخياً إلاّ بدليل منفصل، فالطَّعن لا يتوجّه عليه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: الاحتياط إنّما يكون فيما لا يقتضي فعلاً قبيحاً يقع من الفاعل، وقد بيّنّا في مسألة وجوب الأمر في هذه الطريقة ما فيه كفاية.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثامناً: أمّا قوله تعالى: (سارِعُوا إِلى مَغْفِرة) فهو مجازٌ من حيث ذكر المغفرة وأراد ما يقتضيها، ومجمل من حيث كان مبنيّاً على كيفيّة وجوب الواجبات من فور أو تراخ، لأنّا إنّما نتقرّب إلى اللّه تعالى، بأن نفعل ما أوجبه علينا أو ندبنا إلى فعله، بأن نفعله على ذلك الوجه، وفي الوقت الّذي علّق به، فلا دلالة فيه للمخالف. وكذلك قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) . على أنّ الفزع إلى هذه الآيات تسليم لما نريده من أنّ مقتضى الأمر في الوضع لا يدلُّ على ذلك، وإنّما يرجع فيه إلى دليل منفصل. والخبر ـ أيضاً ـ المتضمّن لقضاء الصلاة مختصٌّ بحكم الصلاة، فكيف يعدّيه إلى الأمر، وقد بيّنّا أنّ القياس في مثل ذلك لا يدخل.

[في أدلّة من حمل الأمر المطلق على التراخي والجواب عنها]

فأمّا من حمل الأمر المطلق على التراخي قاطعاً، فالّذي يعتمده أن يقول: إنّ الأمر المطلق لا توقيت فيه، فلو أراد به وقتاً معيّناً، لبيّنه، فإذا فقدنا البيان، علمنا أنّ الأوقات في إيقاعه متساوية.
وأيضاً فإنّ لفظ الأمر في اقتضاء الاستقبال كلفظ الخبر المنبئ عن الاستقبال، فإذا كان قولنا: فلان سيفعل، لا ينبئ عن أقرب الأوقات، فكذلك الأمر.
وأيضاً فإنّ قول القائل: اضرب زيداً، إنّما يقتضي أمره له بأن يصير ضارباً من

صفحه 126
غير تعيين، فليس بعض الأوقات أولى من بعض.
وأيضاً فإنّ الأمر يجري مجرى أن يقول: هذا الفعل مرادٌ منكم في المستقبل، أو واجبٌ عليكم، ومعلوم أنّه ليس في ذلك تعيين لوقت.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: هذه الطَّريقة تقتضي التوقّف وترك القطع على فور أو تراخ، لأنّ مع عدم التوقيت والتعيين أو التخيير ليس غير التوقُّف، وقولهم: لو أراد وقتاً معيّناً لبيّنه، يعكس عليهم، فيقال: ولو أراد تخييراً في الأوقات كلّها، وأنّها متساوية، لبيّنه، فمن أين يجب إذا لم يبيّن التعيين القطع على التخيير، ولا يجب إذا لم يبيّن التخيير أن يقطع على التعيين؟
فإن قيل: كيف القول عندكم في أمر اللّه تعالى إذا ورد مطلقاً عارياً من التوقيت؟
قلنا: يجب ـ إذا خلا من بيان توقيت ـ أن يقطع على أنّه لم يرد الوقت الثاني من غير فصل، لأنّه لو كان مراده، لبيّنه في هذه الحالة وهي وقت الحاجة إلى البيان، لأنّ البيان لا يتأخّر عن وقت الحاجة، وإن جاز تأخيره عن وقت الخطاب، ثمّ يتوقّف، ويجوز في الأوقات المستقبلة أن يكون مراداً في كلّ وقت منها، إمّا تعييناً، أو تخييراً، وينتظر البيان عند وقت الحاجة، وكلّما صرنا إلى حال لم يرد فيها بيانٌ، علمنا أنّ الفعل الموجب علينا لم يرد منّا في الحال الثانية من هذه الحاضرة، للعلّة الّتي تقدّم ذكرها.
فإن قيل: قد اتّفق الكلُّ على أنّا لو بادرنا إلى الفعل في الوقت الثاني لكان واقعاً موقعه ومبرئاً للذّمّة.
قلنا: إنّما اتّفق على ذلك أصحاب الفور والتراخي، فأمّا من يذهب إلى الوقف فلا يوافق عليه، فلا ينبغي أن يدّعى الإجماع في موضع الخلاف.

صفحه 127
ثمّ نقول لمن قطع مع الإطلاق على التراخي: لابدّ من حملكم الأمر على التراخي من إثبات بدل هو العزم، وإثبات بدل واجب من غير دليل لا يجوز، وصاحب الوقف إنّما يثبت هذا البدل إذا علم بدليل منفصل أنّ المراد بالأمر التخيير، فأثبته بدليل ليس لمن قال بالتراخي مثله.
فإن قالوا: إذا ثبت وجوب الفعل، ولم يتضمّن لفظ الأمر تعييناً وتوقيتاً، فليس غير التخيير، ومع التخيير لابدّ من إثبات بدل، ولا بدل إلاّ العزم.
قلنا: قد مضى عكس هذا الاعتبار عليكم، وقلنا: اللّفظ خال من تخيير بين الأوقات، وإذا بطل التخيير، فليس إلاّ التعيين، ومع التعيين فلابدّ من القطع على الوقت الثاني.
وبعد، فأيُّ فرق بين أن يثبتوا بدلاً ليس في اللّفظ وبين أن يثبت القائلون بالفور وقتاً معيّناً ليس في اللّفظ؟
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: هذا الوجه لازم لمن قال بالفور، لأنّني ما أظنُّ أنّهم يرتكبون أنّ الخبر في اقتضاء الفور كالأمر ولا يلزم أصحاب الوقف، لأنّهم يقولون في الخبر والأمر قولاً واحداً، من التوقُّف وترك القطع إلاّ بدليل منفصل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّ الخلاف في المثال الّذي ذكرتموه قائم، وهو نفس المسألة، ومن يدّعي الفور يقول: المفهوم من قول القائل: اضرِب زيداً، أن يصير ضارباً في الثاني من غير تراخ، ومن يقول بالوقف يسلّم أنّ المراد كُنْ ضارباً، غير أنّه يتوقّف عن الحال الّتي يكون فيها بهذه الصفة، لاحتمال اللّفظ،ويتوقّع الدليل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّ الكلام على هذا الوجه هو الكلام على ما تقدّمه، فلا معنى لإعادته، ولعمري إنّه لا توقيت في قول القائل: هذا الفعل

صفحه 128
واجبٌ مستقبلاً، أو مراد، ومع عدم التوقيت يجب التوقُّف، ولا نقول بتخيير، ولا فور، فما ذلك إلاّ ما هو توقيتٌ بغير دليل.

الفصل الثامن عشر:

في حكم الأمر إذا تعلّق لفظه بوقت

اعلم أنّ القسمة تقتضي في هذه المسألة ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الوقت مطابقاً للعبادة، ولا يفضل عليها، ولا تفضل عنه.
والقسم الثاني: أن يفضل الوقت عن العبادة.
والثالث: أن يفضل العبادة عن الوقت.1
والقسم الأخير لا يدخل في تكليف اللّه تعالى، لأنّه يقبح من حيث كان تكليفاً لما لا يطاق، فإذا وجدت2 الفقهاء يمرُّ في كلامهم وجوب ما لا يصحّ أداؤه، فيجب حمله على القضاء، كما ذكروا في الإحرام بحجّتين، وإن لم يصحّ فعلهما، فمن جعل لهذا الإحرام حكماً، قال: إنّه يتضمّن أداء إحدى الحجّتين وقضاء الأُخرى.
وكذلك اختلافهم في مَن ألزم نفسه صوم يوم يقدم فيه فلان، فمن أوجب

1 . القسم الأوّل والثالث ممّا لا خلاف فيهما بين الأُصوليين. مثال الأوّل الصوم فإنّه يجب الإمساك والصيام في جميع أجزاء الوقت ، لأنّ وقت الوجوب يشتمل على كلّ اليوم.
وأمّا الثالث فيستحيل صدوره من الحكيم تعالى، لأنّه تكليف بما لا يطاق فيقبح صدوره منه تعالى.
أمّا القسم الثاني فقد وقع فيه الخلاف وتعدّدت فيه الآراء كما سيأتي.
2 . في «ج»: وجد.

صفحه 129
صحّة هذا النذر مع قدومه وقد مضى من النهار بعضه، يجعله سبباً للقضاء، ومن لا يوجب ذلك يلغيه. ومثال الوقت الموافق بلا زيادة ولا نقصان إيجاب صوم يوم بعينه.
وأمّا القسم الثاني فإنّ العلماء اختلفوا على أقاويل ثلاثة:
فمنهم من علّق الوجوب بأوّل الوقت دون آخره.1
ومنهم من علّقه ب آخره.2
ومنهم من جعل الوجوب متعلّقاً بجميع الوقت، وأنّ المأمور مخيّر بين أن يفعله في أوّله وبين أن يؤخّره إلى آخره أو وسطه، بعد أن يفعل عزماً على أدائه، وأنّ الفعل يتضيّق عليه في آخر الوقت، فيجب فعله بغير بدل، وهو الصحيح.3
والّذي يدلّ عليه أنّ الوجوب إذا تعلّق بجميع الوقت فلابدّ مع تأخيره عن الأوّل من بدل هو العزم.4

1 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة في أُصول الفقه:60، وشرح اللمع:1/245، ومن تبعه من الشوافع وجماعة من الأشاعرة.
2 . وهو مختار أبي حنيفة وأصحابه. وحكي عن الكرخي أنّ الصلاة المأتي بها في أوّل الوقت موقوفة; فإن أدرك المصلّي آخر الوقت وليس هو على صفة المكلّفين، كان ما فعله نفلاً. وإن أدركه على صفة المكلّفين، كان ما فعله واجباً. راجع المحصول:1/281.
3 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/235 والعلاّمة الحلّي وأعيان المعتزلة كأبي علي الجبائي وأبي هاشم والباقلاني و القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، وهو مذهب الشافعي وأصحابه والمالكية والحنابلة وعامة أصحاب الحديث، وهو مختار محمد بن شجاع الثلجي وابن حزم الأندلسي والسمرقندي والرازي وغيرهم. لكن القائلين بهذا القول اختلفوا فيه على وجهين وهذا ما سنوضّحه في الهامش التالي.
4 . وهو رأي أعيان المعتزلة كأبي علي الجبائي وأبي هاشم والباقلاني والقاضي عبد الجبار(راجع المعتمد:1/124ـ 126). وهو مختار الغزالي في المستصفى:1/69، والشيرازي في التبصرة:60، و الآمدي في الإحكام:1/77. وخالفهم أبو الحسين البصري في المعتمد:1/125، والرازي في المحصول:1/282، والغزالي في المنخول:189، ومحمد بن شجاع البلخي والحنفي.
وأمّا من أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه العلاّمة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1/505. ولمزيد الاطّلاع راجع علاوة على المصادر التي ذكرناها آنفاً المصادر التالية: أُصول السرخسي:1/31، شرح اللمع:1/245، المغني:17/121، الإحكام لابن حزم: 3/323، ميزان الأُصول للسمرقندي:1/333ـ 340.

صفحه 130
فأمّا من يقول: إنّ الوجوب موقوف على الحال الأوّل، فضرب الوقت كلّه للفعل يمنع من ذلك. ولأنّه لا فرق بين قائل هذا القول وبين من خصّ الوجوب ب آخره. على أنّه لا يخلو هذا القائل من أن يذهب إلى أنّه متى لم يفعله في أوّل الوقت، استحقّ الذمّ، أو لا يستحقُّ ذلك، ويبطل الأوّل ضرب الوقت الموسَّع للفعل، والقسم الثاني يؤول إلى خلاف في عبارة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون أوّل الوقت ضرب لإيجابه، وما بعده ضرب لقضائه.
قلنا: الوقت المضروب الأوّل و الأخير فيه سواء، فكيف يختلف الحكم، وما الفرق بين هذا القائل، وبين من يقول: إنّ الوقت الأخير ضرب للإيجاب، والأوّل ضرب لجواز تقديمه، وإن لم يكن واجباً؟ على أنّه لا خلاف في أنّ من يصلّي الظهر في وسط الوقت أو آخره لا يسمّى قاضياً.
فأمّا من جعل الوجوب متعلّقاً ب آخره، فقد ترك الظاهر، ولا فرق في فساد قوله بينه وبين من علّقه بأوّله.
ومدار الخلاف في هذه المسألة على جواز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، وقد بيّنّا انقسام الخلاف فيه إلى ثلاثة أقوال.
ومن علّق الوجوب ب آخره دون أوّله ربما يقول: إنّه إذا فعل في الأوّل كان نفلاً،

صفحه 131
وأنّه مع ذلك يجزي عن الفرض، كتقديم الزكاة على الحول، وربما يقول: إنّه موقوف مراعى، فإن أتى آخر الوقت وهو من أهل الخطاب بهذه الصلاة، كان ما وقع في أوّل الوقت فرضاً، وإن تغيّرت حاله، وخرج عن حكم الخطاب، إمّا بجنون، أو حيض ـ إن كانت امرأة ـ كان ما فعله نفلاً، وقالوا بمثل ذلك في الزكاة المعجَّلة.

[فيما يدلّ على بطلان قول من خص الوجوب ب آخر الوقت]

والّذي يدلُّ على بطلان ما ذهب مخالفنا إليه أشياء:
منها: أنّه لا خلاف في أنّ النيّة في الواجب من الصلوات تخالف النيّة في النفل منها، وأجمعوا على أنّ شرط النيّة في جميع ما يؤدّي من صلاة الظهر لا يختلف، فبان بذلك أنّ الصلاة في الوقت كلّه واجبة واقعة على وجه واحد.
ومنها: أنّ قولنا: «صلاة الظُّهر» يقتضي كونها واجبة مكتوبة، لأنّه ينبئ عن الوجوب وزيادة عليه، فمن قال: إنّ في الظهر نفلاً ترك الإجماع، وبهذا الوجه أيضاً يبطل كونها موقوفة، لأنّ كونها ظهراً قد بيّنّا أنّه يقتضي الوجوب في الحال، ويمنع من كونها مراعاة.
ومنها: أنّ النيّة المطابقة للصلاة أولى بأن يؤثّر فيها من المخالفة، ولا شبهة في أنّه لو نوى بالظهر في أوّل الوقت النفل، لم يجز له ذلك، فعلمنا أنّها واجبة.
ومنها : أنّهم قد أجمعوا على أنّ الأذان والإقامة من شرط الصلاة الواجبة، فإذا استعملا في صلاة الظهر المفعولة في أوّل الوقت، دلّ على وجوبها في تلك الحال، وأنّها ليست بنفل ولا بموقوفة.
ومنها: أنّ أوّل الوقت لو لم يكن وقتاً للوجوب لحلّ في ارتفاع الإجزاء محلّ ما

صفحه 132
يفعل قبل الزوال.
ومنها: أنّهم اختلفوا في هل الأفضل تقديم الصلاة في أوّل الوقت أو في آخره؟ وهذا يدلُّ على أنّها تكون في الجميع واجبة، لأنّه لا يجوز أن يختلفوا في هل النَّفل أفضل أو الفرض، لأنّ من المعلوم أنّ الفرض والنفل إذااتّفقا في المشقّة، فالفرض أفضل.
ومنها: أنّ كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه الصلاة، فكيف يؤثّر في هذا الوجه ما يأتي بعده، ومن شأن المؤثّر في وجوه الأفعال أن يكون مقارناً لها ولا يتأخّر عنها.
فإن قيل: أليس الداخل في الصلاة وجوب ما دخل فيه موقوف على تمامه.
قلنا : معاذ اللّه أن نقول ذلك، بل كلُّ فعل يأتيه في الوقت فهو واجب، ولا يقف على أمر منتظر، وإنّما تقف صحّته على الاتصال، والمراد بذلك أنّه إذا اتّصل، فلا قضاء عليه، وإذا لم يتّصل، فالقضاء واجب، فأمّا الوجوب واستحقاق الثواب فلا يتغيّر بالوصل و القطع، يبيّن ذلك أنّه ربما وجب القطع، وربما وجب الوصل، فلو تغيّر بالقطع وجوبه، لم يصحّ دخوله في الوجوب.

[ في أدلّة من ذهب إلى تعلّق الوجوب ب آخر الوقت والجواب عنها]

وقد تعلّق من ذهب إلى أنّ الوجوب متعلّق ب آخر الوقت بأشياء:
أوّلها: أنّه لو تعلّق الوجوب بأوّل الوقت، لأثم بتأخيره عنه من غير بدل.
وثانيها: أنّ كلّ ما لا يأثم بتأخير الصلاة عنه لا تكون الصلاة واجبة فيه، قياساً على قبل الزوال.
وثالثها: أنّ كلّ ما للمكلّف أن يتركه بغير عذر فليس بواجب، كالنوافل.

صفحه 133
ورابعها: أنّ الشمس إذا زالت وهو مقيم، ثمّ مضى من الوقت ما يتمكّن فيه من أن يصلّي الظهر، ثمّ سافر، وجب عليه قصر الصلاة، فلو وجبت عليه بأوّل الوقت، لما جاز أن يقصّر، كما لو سافر بعد خروج الوقت.
وخامسها: أنّ ما بعد الزوال من الأوقات مدّة يتكرّر فيها امتثال المأمور به، فيجب أن يكون وقت الجواز غير وقت الوجوب، كمدة الحول، لمّا جاز أن يتكرّر فيها امتثال المأمور به، انفصل وقت الجواز من وقت الوجوب.
فيقال لهم: أكثر الأقيسة الّتي ذكرتموها تقتضي ـ إذا صحّت ـ الظنّ، ولا توجب العلم، ونحن في مسألة طريقها العلم، فلا يجوز أن يعتمد فيها على طرق الظنّ.
والّذي ذكروه أوّلاً غير لازم، لأنّه عندنا لا يجوز أن تؤخّر الصلاة عن أوّل الوقت إلاّ ببدل. هو العزم، فلم يشبه النافلة، وقد قدّمنا ذلك، وبيّنّا أنّا لم نثبت هذا البدل إلاّ بدليل ذكرناه.
فإن قيل: أيكفيه عزم في الجملة على أداء الواجبات مستقبلاً، أم يجب عزم على أداء هذه الصلاة بعينها.
قلنا: لابدّ من عزم معيّن، كمن أخّر ردّ وديعة، فإنّه لا يكفيه عزم مجمل على أداء الواجبات، بل لابدّ من عزم على ردّها بعينها مع الإمكان.
فإن قيل: كيف يكون العزم بدلاً من فعل الصلاة، ومن حقّ البدل ألاّ يثبت حكمه مع القدرة على المبدل، كالتَّيمُّم مع الطهارة بالماء.
قلنا: هذا الحكم الّذي ذكرتموه ليس بثابت في كلّ بدل، لأنّ كلّ واحدة من كفّارات اليمين بدل من الأُخرى، ويجوز له أن ينتقل إلى كلّ واحدة مع القدرة على الأُخرى.

صفحه 134
وبعد، فهذا خلاف في عبارة، ويجوز أن نقول: ليس له أن يترك فعل الصلاة في أوّل الوقت إلاّ بفعل ما يقوم مقامها، ولا نذكر البدل.
فإن قيل: من شأن ما قام مقام الشيء أن يسقط فعله وجوب ذلك الشيء، كالكفّارات، وعندكم أنّ العزم لا يسقط وجوب الصلاة، وإن أسقط فعل الصلاة وجوب العزم.
قلنا: غير ممتنع اختلاف أحكام ما يقوم مقام غيره، فيكون منه ما يسقط ما قام مقامه، ومنه ما لا يكون كذلك، والواجب الرجوع فيه إلى الأدلّة، ألا ترى أنّ المسح على الخفّين عند من أجازه يقوم مقام غسل الرِّجلين، ولم يسقط مع ذلك فعل المسح وجوب الغسل، كما أسقط الغسل المسح على الخفّين، ألا ترى أنّ من مسح على خفّيه، ثمّ ظهرت قدماه، يجب عليه غسلهما، فلم يتقابلا في قيام كلّ واحد منهما مقام الآخر، وكذلك القول في الوضوء بالماء والتَّيمّم، فغير منكر أن يكون العزم لا يسقط وجوب الصلاة، وإن قام مقامها في سقوط اللّوم والإثم.
فإن قيل: من شأن ما قام مقام غيره ألاّ ينتقل إليه إلاّ لعذر، كالمسح على الخفّين.
قلنا: غير مسلّم ذلك، لأنّا ننتقل من كفّارة إلى أُخرى بلا عذر، ومن ردّ الوديعة باليمين إلى اليسار ولا عذر، ومن الصلاة في مكان طاهر إلى غيره من الأمكنة الطاهرة بلا عذر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: ليس بواجب فيما انتفى الإثم عن تأخيره أن ينتفي وجوبه، لأنّ هذا هو حدُّ الواجب المضيَّق، والموسَّع بخلافه، والفرق ما بين قبل الزوال وبعده أنّ الصلاة قبل الزوال لا يأثم بتأخيرها من غير بدل يفعله، وبعد الزوال إذا أخّرها، وجب أن يفعل بدلاً منها، ومتى ترك الأمرين أثم.

صفحه 135
على أنّ هذا ينتقض بالكفّارات، لأنّه لا خلاف في أنّ الّذي يفعله ويختاره من الثلاث واجب، وهو لا يأثم بتأخير ذلك والعدول عنه.
وينتقض أيضاً على أُصولهم، لأنّ عندهم إذا بقي من الوقت قدر ما يفعل فيه تلك الصلاة، أثم بتأخير الصلاة عنه، وإن لم تكن واجبة في تلك الحال، لأنّ عندهم الوجوب يتعيّن إذا بقي من الوقت قدر تحريمة.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: الكلام في هذا الوجه هو الكلام على ما تقدّمه ، لأنّ النوافل له تركها من غير عذر ولا بدل، والصلاة لا يجوز تأخيرها من غير عذر إلاّ ببدل.
وينتقض أيضاً بما يختاره من الكفّارات الثلاث، إنّه يجوز تركه من غير عذر وهو واجب بلا خلاف، ودفع الوديعة باليد اليمنى واجب ويجوز تركه بلا عذر بأن يدفعها باليسرى.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً من اعتبار تعيّن الفرض ب آخر الوقت دون أوّله: إنّما كان كذلك، لأنّ للوجوب في آخر الوقت مزيّة على أوّله، وإن اشتركا في تعلُّق الوجوب بهما، لأنّه يتضيّق، ويتعيّن في الوقت الأخير، وهو موسّع في الأوّل، ولهذا اعتبر في الحائض والمسافر آخر الوقت دون أوّله.
وبعد، فإنّ كيفيّة أداء الصلاة معتبرة بحال المكلّف في وقت الأداء، يوضح ذلك أنّ فرض العبد بعد زوال الشمس أن يصلّي الظهر أربع ركعات، وليس عليه جمعة، فإن أُعتق وفي أوّل الوقت بقيّة لزمته الجمعة; وعلى هذا لا يمتنع أن يلزم الحاضر الصلاة تامّة إذا أدرك أوّل وقتها، ثمّ [إذا ]سافر قبل خروج الوقت أدّاها مقصورة، لأنّ حاله في وقت الأداء تغيّرت من إقامة إلى سفر، كما تغيّرت حال العبد من رقّ إلى حرّيّة، فتغيّرت صفة العبادة الّتي تلزمه.

صفحه 136
وكذلك لو كان في أوّل الوقت صحيحاً لزمته الصلاة قائماً مستوفياً للركوع والسُّجود، فإذا مرض قبل آخر الوقت، ولم يتمكّن من الصلاة قائماً، صلّى قاعداً، ومومياً، بحسب ما يمكنه، فتغيّرت صفة العبادة بتغيّر حاله في وقت أدائها، ولا يلزم على هذا أن يقصّر الصلاة متى سافر بعد خروج الوقت، لأنّه بعد خروجه يكون قاضياً لا مؤدّياً، والقاضي يجب عليه أن يقضي ما فاته على صفته الّتي وجبت عليه مع التمكّن وزوال الأعذار، وليس كذلك من سافر في بقيّة من الوقت، لأنّه مؤدّ للصّلاة في وقتها، فوجب عليه القصر، لاختلاف صفته من إقامة إلى سفر.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: الفصل بين الصلاة والزكاة أنّ مدّة الحول المتقدّمة لم تضرب في الشريعة لوجوب أداء الزكاة، والوقت من بعد الزوال مضروبٌ لوجوب أداء الظُّهر، وقد دللنا على ذلك.
وبعد، فإنّ المؤدّى من الزكاة قبل الحول لمّا كان جائزاً غير واجب، تميّز من المؤدّى بعد انقضاء الحول بالصفة والنيّة والاسم، وقد بيّنا أنّ الصلاة المؤدّاة في أوّل الوقت لا تتميّز من المؤدّاة في آخره بشيء من الأحكام.
وبعد، فإنّا لا نقول: إنّ الصلاة من أوّل الوقت إلى آخره تداخل جوازها لوجوبها، بل نقول: إنّها واجبة من أوّل الوقت إلى آخره من غير أن تكون جائزة، لأنّ ذلك يوهم أنّها نفل، اللّهمّ إلاّ أن يراد أنّه جائز تركها والعدول عنها، وإذا أُريد ذلك، لم يجز أن يقال فيها نفسها: أنّها جائزة، بل نقول: العدول عنها إلى بدل منها جائز، فقد انفصل بهذا التَّفسير وقت الجواز من وقت الوجوب.
فإن قيل: قد تعلّق كلامكم بأنّ وقت الصلاة يتضيّق ب آخره، فبيّنوا كيفيّة التِّضيُّق.
قلنا: الواجب أن يكون الوقت المضيّق هو ما يغلب على ظنّ المكلّف أنّ

صفحه 137
إيقاع الصلاة فيه يصادف الوقت، ولا تخرج الصلاة ولا بعضها عنه، والفقهاء يحدّون المضيّق بأنّه قدر التحريمة; وربما قال بعضهم: حدُّ المضيَّق ما وقع فيه أقلُّ جزء من الصلاة بعد أن يكون متميّزاً، وهذا الّذي ذكروه إنّما هو حدٌّ في إدراك الصلاة، وسبب للقضاء، ولا يجوز أن يكون حدّاً للأداء، لأنّه من المحال أن توقَّت الصلاة بوقت لا يمكن إيقاعها فيه.
وليس لأحد أن يعيبنا بتشعيب هذه المسألة، والخروج منها إلى الكلام في الفرع، لأنّ قصدنا إنّما كان إلى إيضاح الأصل بهذا التَّفريع، فربّ فروع أعان شرحها على تصوّر الأُصول.

الفصل التاسع عشر:

في أنّ الآمر لا يدخل تحت أمره

اعلم أنّ الرُّتبة إذا اعتبرت بين الآمر والمأمور على ما بيّنّا، لم يجز أن يأمر الإنسان نفسه منفرداً، ولا مجتمعاً مع غيره، والخبر لمّا لم يعتبر فيه الرُّتبة، جاز أن يخبر1 نفسه، وفي العقليّات شاهد بذلك، وهو أنّ أحدنا لا يجوز أن يكون محسناً إلى نفسه، ولا متفضّلاً عليها، وإن جاز ذلك مع غيره.2
فإن قيل: ليس معنى الآمر أكثر من أن يقول«افْعَلْ» ويريد المأمور به، وهذا

1 . في «أ» بزيادة :عن.
2 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:32، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/242. وهو مذهب جماعة من العامة كالشيرازي ومن تابعه في التبصرة:73 وشرح اللمع:1/269، والسمرقندي في ميزان الأُصول:1/277.
ومنهم من فصّل بينما إذا لحق الأمر قرينة دلت على دخول الآمر أو عدمها. وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/137، والعلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/483.

صفحه 138
يتأتّى للإنسان مع نفسه.
قلنا: ذلك وإن تأتّى، فإنّ أهل اللّغة لا يسمُّونه أمراً، لاعتبار الرُّتبة، كما لا يسمُّون قول الصَّغير القدر للعظيم القدر«افْعَلْ» ـ و إن أراد الفعل منه ـ أمراً، لأجل الرُّتبة، ومعنى الأمر حاصل في الموضعين.
والصحيح أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أدّى إلينا خطاباً عن اللّه تعالى عامّاً لو سمعناه من غيره كان(صلى الله عليه وآله وسلم)داخلاً فيه، فإنّه يجب دخوله فيه، وإن كان هو المؤدّي له، لأنّه وإن سمع من لفظه(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه يحكيه عن ربّه تعالى، فإذا حكى عنه تعالى: (يا أَيُّها الناسُ اعْبُدوا رَبَّكُم)1 كان داخلاً فيه، لأنّه لا فرق في عموم لفظه بين سماعه منه، وبين سماعه من غيره، وليس إذا حكى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً عن ربّه تعالى يكون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الآمر به بل الآمر به هو اللّه تعالى، وإنّما يحكي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه ويؤدّيه على هيئته.
ومن فرّق بين أن يؤدّي الرَّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه تعالى ابتداء وبين أن يتقدّم ذلك الكلام ثمّ يؤمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأدائه، فجعله في الأوّل غير داخل فيه وفي الثاني داخلاً، فتوهّم لما لا أصل له، وفي الحالتين يجب دخوله في عموم الخطاب، والوجه الّذي له يدخل فيه إذا تقدّم ثمّ أدّاه قائم في أدائه له على سبيل الابتداء، وليس يجب اعتبار الرُّتبة فيما يؤدّيه ويحكيه، لأنّه في الحقيقة غير آمر بما فيه من أمر، ولا مخبرٌ بما فيه من خبر، والآمر والمخبر غيره، فلا يلزم أن يكون آمراً نفسه، وكيف يخفى على أحد أنّ أحدنا لو قال لأحد غلمانه: قل لغلماني عنّي: إنّي قد أمرت جميع عبيدي بكذا، إنّ ذلك العبد المؤدّي داخل في الخطاب، كما هو داخل فيه لو سمع من غيره.

1 . البقرة:21.

صفحه 139

الفصل العشرون:

في ذكر الشروط الّتي معها يحسن الأمر بالفعل

اعلم أنّ للأمر تعلُّقاً بفعل المكلِّف والمكلَّف والأفعال الّتي يتناولها الأمر، فيجب بيان الشُّروط الراجعة إلى كلّ شيء ممّا ذكرناه، وربما تداخلت هذه الشُّروط للتعلّق بين هذه الوجوه.
والّذي يجب أن يكون اللّه تعالى عليه حتّى يحسن منه الأمر بالفعل شروطٌ أربعة:1
أوّلها: أن يمكّن العبد من الفعل المأمور به، ويدخل في التمكين القدر والآلات والعلوم وما أشبه ذلك.
وثان2يها: أن يكون الفعل ممّا يستحقّ به الثواب، بأن يكون واجباً أو ندباً.
وثالثها: أن يكون الثواب على ذلك الفعل مستحقّاً، ويعلم تعالى أنّه سيفعله به لا محالة.

1 . الشروط المذكورة مبنيّة على مذهب العدلية من الإمامية، والعدلية الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين. راجع عدة الأُصول:1/244; المعتمد:1/166.
2 . قسّم أبوالحسين البصري القدر والآلات والعلوم إلى قسمين; ما يتمكّن الإنسان من تحصيله فيجوز تكليفه وأمره به، وما لا يتمكّن من ذلك فلا يجوز أن يفوّض إلى الإنسان تحصيله. ثم ذهب إلى ضرورة حصول جميع ما يحتاج الفعل إليه في الوقت الذي يحتاج الفعل أن يوجد فيه... راجع المعتمد:1/165.
أمّا الشيخ الطوسي في العدة:1/247ـ 248 فقد ذكر القوة والعلم والآلة والإرادة إذا احتاجها المأمور فلابدّ من حصولها حال وقوع الفعل أو قبله.

صفحه 140
وشرط قوم هاهنا، فقالوا: إذا لم يحبطه، وإنّما يشترط ذلك من يرى الإحباط، وإذا كان الإحباط باطلاً، فلا معنى لاشتراطه.
ورابعها: أن يكون قصده تعالى بذلك الإيصال إلى الثواب، حتّى يكون تعريضاً، وهذه الجملة صحيحة لا شبهة فيها، لأنّ الغرض في التكليف التَّعريض1 للمنافع الّتي هي الثَّواب، ولن يتمّ ذلك إلاّ بتكامل الشُّروط الّتي ذكرناها.
فأمّا الآمر منّا فحاله تخالف في هذه الشُّروط حال القديم سبحانه، لأنّه قد يأمر بما يتعلّق بالديانات، والظنّ في ذلك لا يقوم مقام العلم، فأمّا تمكّن المأمور فالظنّ فيه يقوم مقام العلم، وأمّا إن كان أمره بما يخصُّه فيكفي فيه أن يكون حسناً، وإن كان مباحاً، لأنّ الغرض يتمُّ بذلك، وإنّما شرطنا الحسن، لأنّ الأمر بالقبيح لا يكون إلاّ قبيحاً.
وأمّا أمره(صلى الله عليه وآله وسلم) فالشُّروط فيه كالشُّروط في أمره تعالى إلاّ العلم بإيصال الثواب، لأنّ ذلك ممّا لا يتعلّق به، وقد يجوز أن يقوم الظنُّ فيه مقام العلم فيما يرجع إلى تمكّن المكلّف، وأمّا ما يرجع إلى صفة الفعل من حسن وغير ذلك فلابدّ من أن يكون معلوماً، ويعلم استحقاق الثواب به، وأنّه تعالى سيوفّره عليه.
وفي الفقهاء والمتكلّمين من يجوّز أن يأمر اللّه تعالى بشرط أن لا يمنع المكلّف في المستقبل من الفعل، أو بشرط أن يقدره، ويزعمون أنّه يكون مأموراً بذلك مع المنع.
وهذا غلط، لأنّ هذه الشُّروط إنّما تحسن فيمن لا يعلم العواقب، ولا طريق له إلى علمها، وأمّا العالم بالعواقب وأحوال المكلّف فلا يجوز أن يأمره بشرط2،

1 . ب: التعرض.
2 . في «أ» بزيادة: ان لا يمنع ويقدر.

صفحه 141
والّذي يبيّن ذلك أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لو أعلمنا أنّ زيداً لايتمكّن من الفعل في وقت مخصوص، قبح منّا أن نأمره بذلك لا محالة ، وإنّما حسن دخول هذه الشروط فيمن نأمره، لفقد علمنا بصفته في المستقبل، ألا ترى أنّه لا يجوز الشرط فيما يصحّ فيه العلم، ولنا إليه طريق، نحو حسن الفعل، لأنّه ممّا يصحُّ أن نعلمه، وكون المأمور متمكّناً لا يصحُّ أن يعلم عقلاً، فإذا فقد الخُبر، فلابدّ من الشرط.
ولابدّ من أن يكون أحدنا في أمره يحصل في حكم الظانّ لتمكُّن من يأمره من الفعل مستقبلاً، فيكون الظنّ في ذلك قائماً مقام العلم، وقد ثبت أنّ الظنّ يقوم مقام العلم إذا تعذّر العلم، فأمّا مع حصوله فلا يقوم مقامه، وإذا كان القديم تعالى عالماً بتمكّن من يتمكّن وجب أن يوجّه الأمر نحوه، دون من يعلم أنّه لا يتمكّن، فالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حاله كحالنا، إذا أعلمنا اللّه سبحانه حال من يأمره ، فعند ذلك يأمر بلا شرط.
ويلزم من سلك هذه الطريقة أن يأمر اللّه تعالى الميّت بشرط أن يصير حيّاً، ويأمر بما لا يكون صلاحاً بشرط أن يصير صلاحاً، وهذا يوجب عليهم أن لا يقطعوا في من أمره اللّه تعالى بالفعل أنّ ذلك من صلاحه، كما لا يقطعون بأنّه متمكّن لا محالة منه.
وأمّا تعلّقهم بالقطع على أنّ أمر اللّه تعالى يتناول جميع المكلّفين، مع اختلاف أحوالهم في التَّمكّن، فباطل، لأنّا لا نسلّم ذلك، بل نذهب إلى أنّه لا يتناول إلاّ من يعلم أنّ التمكّن يحصل له، ويتكامل فيه، ولهذا نذهب إلى أنّه لا يعلم بأنّه مأمور بالفعل إلاّ بعد تقضّي الوقت وخروجه، فيعلم أنّه كان مأموراً به، وليس يجب إذا لم يعلم قطعاً أنّه مأمور أن يسقط عنه وجوب التحرُّز لأنّه إذا جاء وقت الفعل وهو صحيح سليم ـ و هذه أمارة يغلب معها الظنُّ ببقائه ـ فيجب أن

صفحه 142
يتحرّز من ترك الفعل والتَّقصير فيه، ولا يتحرّز من ذلك إلاّ بالشروع في الفعل و الابتداء به، ولذلك مثال في العقل، وهو أنّ المشاهد للسَّبع من بُعد ـ مع تجويزه أن يخترم السَّبع قبل أن يصل إليه ـ يلزمه التَّحرُّز منه، لما ذكرناه، ولا يجب ـ إذا لزمه التحرُّز ـ أن يكون عالماً ببقاء السَّبع، وتمكُّنه من الإضرار به.
وأمّا من جعل من شرط حسن الأمر أن يعلم الآمر أنّ المأمور سيفعله، فخلافه خارج عن أقوال المختلفين في أُصول الفقه، لأنّهم لا يختلفون في أنّ اللّه تعالى قد يأمر من يعلم أنّه يطيع، كما يأمر من يعلم أنّه يعصي، ولو كان ما ذكر شرطاً في حسن الأمر، لما حسن منّا في الشاهد أمر، لأنّا لا نعلم العواقب.
وليس لهم أن يقولوا: إنّه حسن منّا من حيث إنّا نظنُّ أنّه يفعل، لأنّا قد نأمر مع الظنّ بأنّه لا يفعل، نحو أن ندعو إلى الطعام من نظنّ أنّه لا يقبل، وإلى الدين من نظنُّ أنّه لا يطيع.1
وأمّا من أجاز أن يأمر اللّه تعالى بالشَّيء بشرط أن لا ينهى عنه، فقوله باطل، وسيجيء عليه الكلام في الناسخ والمنسوخ من هذا الكتاب بمشيّة اللّه تعالى وعونه.

[الصفات الواجبة في الفعل المأمور به حتى يحسن الأمر به]

وأمّا الصفات الّتي يجب كون الفعل المأمور به عليها، فتنقسم إلى أقسام:
أوّلها: أن يدخل في الصحة ويخرج عن الاستحالة.
وثانيها: أن يصحّ ممّن كُلّفه لأنّ صحّته من غيره كاستحالته في الغرض

1 . وهو موافق لمذهب المجبّرة من الأشاعرة وأهل الحديث. راجع ميزان الأُصول للسمرقندي:1/278.

صفحه 143
المقصود.
وثالثها: صحّته منه على جهة الاختيار.
ورابعها: أن يكون للفعل في نفسه صفة الحسن.
وخامسها: أن يحصل له صفة زائدة يدخل بها في أن يكون نفلاً أو فرضاً، وهذه شروط لابدّ منها في حسن الأمر بالفعل.
وإذا كان الكلام في الواجب، فلابدّ من كلّ ما تقدّم، ومن شرط زائد، وهو حصول وجه يقتضي وجوبه.
والقسم الأوّل يثبت بأن يعلم أنّ الفعل ممّا لا يستحيل وقوعه، بأن يكون وقته مستقبلاً، ولا يكون ماضياً ولا حاضراً، لأنّ ما لم يكن كذلك تقبح إرادته والأمر به.
والقسم الثاني وهو صحّته منه يدخل فيه ألاّ يكون الفعل ممّا يستحيل قدرة العبد عليه كالجواهر وما لا يتناوله قدرنا من الأعراض ويدخل فيه أن يكون غير ممنوع منه، وأن يمكنه تمييزه، وإنّما أوجبنا ذلك، لأنّ مع فقده يتعذّر الفعل، ويقبح الأمر بما يتعذّر.
والقسم الثالث يدخل فيه زوال الإلجاء، وأن تكون الدواعي متردّدة، لأنّ بالإلجاء يلحق الملجأُ بالممنوع، ومع فقد تردّد الدواعي لا يستحقُّ الثواب الّذي هو الغرض بالتَّكليف.1
والقسم الرابع أن يكون الفعل غير قبيح،ولا عار من القبح والحسن، وإنّما وجب ذلك، لأنّ الأمر بالقبيح قبيح، وكذلك إرادته، والأمر بما لا غرض فيه

1 . أضاف أبو الحسين البصري في المعتمد:1/165 شرطاً آخر علاوة على عدم الإلجاء وهو عدم الاستغناء.

صفحه 144
كذلك.
والقسم الخامس يدخل فيه ألاّ يكون مباحاً، وأن يقع على وجه زائد على الحسن ويدخل فيه إمّا في كونه ندباً، أو فرضاً، وإنّما قلنا ذلك، لأنّ المباح كما لا يستحقّ بفعله في الشاهد المدح، كذلك لا يستحقُّ به الثواب ، وتكليف ما هذه حاله عبث.
وإنّما شرطنا في الإيجاب أن يكون له وجه وجوب، لأنّ ما لا وجه له يقتضي وجوبه، فإيجابه قبيح، يجري مجرى تقبيح الحسن وتحسين القبيح، ولهذا لو أنّه تعالى أوجب كفر نعمه، لم يصر ذلك واجباً.

[الصفات التي يجب كون المأمور عليها]

وأمّا الصفات الّتي يجب كون المأمور عليها، فجملتها أن يكون متمكّناً من إيقاع الفعل على الوجه الّذي أُمر به، وتتفرّع هذه الجملة إلى أن تكون القدرة والعلوم والآلات والأسباب والأدلّة كلُّها حاصلة، لأنّ بوجودها يكون التمكّن، ومع فقدها يحصل التعذّر.
واعلم أنّ هذه الشُّروط تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
أوّلها: أن يكون ممّا لا يصحّ إلاّ من اللّه تعالى، فلابدّ من أن يزيح ـ جلّ اسمهـ علّة المكلّف فيه، وذلك نحو القدرة والحاسّة وكثير من الآلات، ونحو كمال العقل.
وثانيها: ما لايصحّ على الوجه المحتاج إليه إلاّ من العبد، كنحو الإرادة والكراهة، لأنّهما لا يؤثّران في فعله فيكون أمراً وخيراً وعبادة للّه تعالى إلاّ بأن يكونا من جهة العبد.

صفحه 145
وثالثها: أن يكون ممّا يصحّ من اللّه تعالى ومن جهة العبد، نحو كثير من الآلات وكثير من العلوم، وفي هذا الوجه يجوز أن يفعله تعالى للعبد ، ويجوز أن يلزمه فعله، ويمكّنه منه.

[الصفات التي يجب أن يكون الأمر عليها]

وأمّا الصفات الّتي يجب أن يكون الأمر عليها، فأن يكون متقدّماً لوقت الفعل المأمور به، ولا يحدُّ في ذلك حدّاً معيّناً، بل يعلّق ذلك بصفة معقولة، وهو أن يتمّ بذلك التقدُّم الغرض في الأمر من دلالة على وجوب الفعل، وترغيب فيه، وبعث عليه، فهذا القدر هو الّذي لابدّ منه، ومازاد على ذلك من التَّقدم فلابدّ فيه من مصلحة زائدة.1
والمجبّرة تخالف في ذلك، وتقول: إنّ الأمر إذا كان إلزاماً فلا يكون إلاّ في حال الفعل، وما يتقدّم ليس بأمر، وإنّما هو إعلام.2
وفي أهل العدل من يذهب إلى أنّه لا يجوز تقدُّمه إلاّ بوقت واحد3. وفيهم من يجوّز تقدُّمه بأوقات بشرط أن يكون المكلّف من حين حصول الأمر إلى وقت التكليف متمكّناً مزاح العلل، ومنهم من يجوّز تقدّمه بأوقات ـ و إن لم يكن المكلّف كذلك ـ إذا كان في تقدّمه مصلحة لبعض المكلّفين، وهو الصحيح،

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/249، وكذلك الشيخ المفيد في التذكرة:32 إلاّ أنّه قيّده بوقت واحد وقال: الأمر بالشيء لا يكون إلاّ قبله لاستحالة تعلق الأمر بالموجود. وكذلك هو مذهب عامة المتكلّمين و الأُصوليين والمعتزلة على تفصيل في مدة التقديم. راجع ميزان الأُصول:1/286ـ 289; المعتمد:1/166.
2 . وهو مختار الأشعري والبيضاوي وابن عقيل الحنبلي، ومن المعتزلة قال به الصيمري وابن الراوندي. راجع ميزان الأُصول:1/286ـ 289.
3 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:32، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/166.

صفحه 146
وفيهم من يجوّز تقديمه من غير اعتبار مصلحة. ومن يعتبر المصلحة منهم من يقول: يجوز أن تكون المصلحة تحمّل البعض إلى من كلّف الفعل، ومنهم من لا يجوّز أن يكون الصلاح هذا القدر، بل يوجب أن يستفيد به مع التحمّل.
وأمّا الّذي يدلّ على أنّه لابدّ من تقدّمه أنّه يفيد إيجاب الفعل على المكلّف، وترغيبه، وبعثه عليه، وكلُّ هذا لا يتمُّ إلاّ بالتقدّم.
وخلاف المجبّرة مبنيٌّ على قولهم: إنّ القدرة مع الفعل، فأجروا الأمر مجراها، وذلك باطل بما ذكر في مواضعه، لأنّه يبطل الإيثار والاختيار، ويقتضي تكليف ما لا يطاق، وأنّ القاعد عن الصلاة معذور بترك القيام إليها، لأنّه لا يقدر عليه.
وقولهم: إنّ المتقدّم إعلام، فإن أرادوا به أنّه إعلام بلزوم الفعل في وقته، فهو خلاف في عبارة، وإن أرادوا غير ذلك، فهو غير معقول، ونحن نعلم أيضاً أنّ الأوامر في الشاهد لا تكون إلاّ متقدّمة، وأجمعت الأُمّة على أنّ أوامر القرآن متناولة للخلق إلى يوم القيامة، وإن كانت متقدّمة لهم.
وأمّا تقدّم الأمر على الفعل أوقاتاً كثيرة، فإذا كان للمصلحة ، حسن لا محالة.
وأمّا من شرط في جواز تقدّمه أن يكون المكلّف متمكّناً في الأحوال كلّها، فقوله باطل، لأنّ المكلّف إنّما يحتاج إلى التمكن ليفعل، لا لكونه مأموراً، لأنّه لو كان في حال الأمر متمكّناً، وفي حال الفعل عاجزاً، قبح أمره، فلا مانع من حسن أمره بفعل يعلم اللّه تعالى أنّه سيتمكّن منه في حال الحاجة، وإن كان في حال الأمر عاجزاً وأوامر القرآن متناولة للخلق كلّهم إلى آخر التكليف، وإن كان أكثرهم في حال وجود هذه الأوامر غير متمكّنين بل غير موجودين.
والصحيح أنّ تقديمه لا يجوز أن يحسن للتحمّل فقط، لأنّ من حقّ الكلام أن يفعل للإفادة، فلابدّ في المصلحة الحاصلة فيه أن تكون راجعة إلى الإفادة.

صفحه 147
ولا يجب على هذا أن تكون الملائكة(عليهم السلام) مكلّفة بهذه الشرعيّات لأجل التحمُّل، وذلك أنّا إنّما أوجبنا في المتحمّل للكلام أن يفهمه، وأن تكون مصلحة له في تحمُّله، ولم نوجب أن تكون الشرائع المذكورة في ذلك الكلام تلزم ذلك المتحمّل، فالملائكة على هذا يجب أن تفهم المراد بالقرآن، إذا تحمّلته، وأدّته، وأن يكون لها في ذلك مصلحة دينيّة، وإن لم تلزمها الشرائع.

صفحه 148

صفحه 149

الباب الثالث:

في أحكام النَّهي1

[وفيه أربعة فصول]

الفصل الأوّل:

[في حقيقة النهي]

اعلم أنّ النَّهي لا صورة له في اللّغة تخصُّه، على نحو ما قلناه في الأمر، لأنّ قول القائل:«لا تفعل» قد يستعمل ولا يكون نهياً، بل على سبيل التَّوبيخ والتعنيف، ألا ترى أنّ أحدنا قد يقول لغلامه: لا تطعني ولا تفعل شيئاً ممّا أُريده، وهو غير ناه له، لمفارقة الكراهة الّتي بها يكون النَّهي نهياً، وإنّما يريد التعنيف، كما قال تعالى: (اعْمَلُوا ما شِئْتُم)2 ولم يرد الأمر.
والكلام في أنّه لا صيغة له تخصّه كالكلام في الأمر، فلا معنى لإعادته.

1 . اعلم أنّ النهي يشترك مع الأمر في أكثر الأبحاث والاستدلالات، ولهذا وبرغم أنّ الأُصوليين أفردوا له باباً خاصّاً لكنّهم اختصروا مطالبه وتجنّبوا الإطالة في مباحثه وبيان الدليل وأحالوا القارئ على ما ذكروه في باب الأمر.
2 . فصلت:40.

صفحه 150

[اعتبار الرتبة في النهي]

والرُّتبة معتبرة في النهي كما أنّها معتبرة في الأمر، والدلالة على الأمرين واحدة.
وقولنا: «نهى» يخصُّ القول، بخلاف الأمر، لأنّا قد بيّنّا اشتراك هذه اللّفظة بين الفعل والقول.
والنَّهي إنّما كان نهياً، لأنّ الناهي كاره للفعل الّذي تناوله النَّهي، والكلام في ذلك كالكلام في أنّ الأمر إنّما كان أمراً لإرادة الآمر المأمور به، وقد تقدّم مستقصى.
والقول في أنّ النهي لا يدلُّ على أحكام الفعل كالقول في الأمر، وإنّما يحكم فيما نهى اللّه عنه بالقبح بدلالة منفصلة، وهي أنّه تعالى مع حكمته لا يجوز أن ينهى عن الحسن، ولا ينهى إلاّ عن القبيح، كما قلنا في أمره تعالى أنّه لا يدلُّ من حيث الظاهر بل لحكمته تعالى على أنّ لما أمر به صفة زائدة على حسنه، وأنّ له مدخلاً في استحقاق المدح والثواب، وإنّما نقول: إنّ نهيه تعالى على الوجوب وإن لم يكن أمره كذلك، لأجل أنّه يقتضي قبح الفعل، والقبيح يجب ألاّ يفعل.

[في احتمال النهي المطلق للتكرار والمرة]

والقول في احتمال النهي المطلق للتكرار والمرّة الواحدة مطلقاً ومشروطاً كالقول في الأمر، وقد مضى; واحتماله مع الإطلاق لكلّ وقت مستقبل إمّا منفرداً أو مجتمعاً كالقول في الأمر.
والقول بالفور ممكن فيه كما بيّنّاه في الأمر، غير أنّ التخيير في الأوقات المستقبلة غير ممكن فيه كما أمكن في الأمر، لأنّ الأمر إنّما يتناول على سبيل التخيير كلّ فعل مستقبل على البدل، للتساوي في الصفة الزائدة على الحسن، والنهي يقتضي القبح، فلو تساوت الأفعال كلّها في القبح، لوجب العدول عن الجميع، لا

صفحه 151
على جهة التخيير، وسنحقّق دخول التخيير في النهي في الفصل الّذي يلي هذا بعون اللّه تعالى.
وليس النهي عـن الشيء أمراً بضدّه لفظاً ولا معنى كما مضى ذلك في الأمر.

الفصل الثاني:

في صحّة دخول التخيير في النهي

اعلم أنّ هذا الباب يقتضي بيان ما يصحّ النهي عنه من الأفعال المختلفة على جمع أو بدل، وهو من لطيف الكلام، والنفع به تامٌّ، وقد دلّت الأدلّة الّتي ليس هذا موضع ذكرها على أنّ المكلّف يمكن أن يخلو من كلّ أفعاله، إذا كان مستنداً أو مستلقياً وكانت الأكوان مقطوعاً على بقائها، فلا يمتنع والحال هذه في أفعال جوارحه أن تكون كلّها قبيحة، وإذا جاز ما ذكرناه، جاز تناول النهي لذلك أجمع، فأمّا إذا كانت الحال حالاً لا يصحّ خلوّه فيها من الأفعال، فلا يجوز قبح الجميع، لأنّ ذلك يقتضي ألاّ ينفكّ من القبيح، وأن يكون معذوراً فيه.
فأمّا قبح ضدّين ولهما ثالثٌ يمكنه أن ينفكّ منهما إليه، فممّا لا شبهة في جوازه.
وقد يصحُّ أن يقبح منه كلّ أفعاله على وجه، ويحسن على وجه آخر، وعلى هذا الوجه يصحّ القول بأنّ من دخل زرع غيره على سبيل الغصب إنّما له الخروج عنه بنيّة التخلّص، وليس له التصرُّف بنيّة الإفساد; وكذلك من قعد على صدر حيّ إذا كان انفصاله منه يؤلم ذلك الحيّ كقعوده; وكذلك المجامع زانياً، له الحركة بنيّة التخلُّص، وليس له الحركة على وجه آخر.

صفحه 152
وأمّا بعض تصرُّفه، فقد يصحّ أن يقبح على كلّ حال.
فأمّا حسن جميع ذلك أو بعضه على البدل والجمع، وعلى وجه دون وجه، فلا شبهة فيه.
والنهي عن ضدّين على الجمع يقبح من حيث يستحيل وجودهما معاً، فلا يقع ذلك من حكيم.
واعلم أنّه غير ممتنع في فعل أن يقبح لكون ما يسدُّ مسدّه معدوماً كما لا يمتنع أن يكون صلاحاً إذا كان غيره معدوماً، فغير ممتنع على هذه الجملة أن ينهى الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير والبدل، بأن يكون في المعلوم أنّ كلّ واحد منهما يقبح بشرط عدم الآخر، فلا يمكن القول بقبحهما جميعاً على الإطلاق، لأنّ الاشتراط الّذي ذكرناه يقتضي أنّهما متى وجدا لم يقبح واحد منهما، ومتى وجد أحدهما قبح لا محالة، فالنهي عن المختلفين ـ إذا صحّ ما ذكرناه ـ على سبيل التخيير صحيحٌ جائزٌ، وليس يجري المختلفان في هذا الحكم مجرى الضدّين، لأنّ كلّ واحد من الضدّين متى وجد وجب عدم الآخر، وما يجب لا محالة يبعد كونه شرطاً في قبحه، وهذا في المختلفين أشبه بالصواب، وكذلك المتماثلان.

الفصل الثالث:

في النهي هل يقتضي فساد المنهيّ عنه؟

اعلم أنّ المنهيّ عنه على ضربين: أحدهما: لا يصحّ فيه معنى الفساد والصحّة والإجزاء، والضرب الآخر : يصحّ ذلك فيه. فمثال الأوّل الجهل والظُّلم وما جرى مجراهما ممّا لا يتعلّق به أحكام شرعيّة، ومثال الثاني الطلاق والنكاح

صفحه 153
والبيع والصلاة لتعلُّق الأحكام بكلّ ما ذكرناه، فإذا أُطلق القول بأنّ النهي هل يقتضي الفساد أو الصحّة ، فالمراد به القسم الّذي يصحّ فيه ذلك.
وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من جعل النهي دالاً على الفساد كدلالته على التحريم من جهة اللّغة، ومنهم من جعله دالاً على الفساد من جهة أدلّة الشرع.1
ومنهم من لم يجعله دالاً على الفساد2 وقال: لا يمتنع مع النَّهي كون المنهيّ عنه مجزياً، كما لا يمتنع كونه غير مجز، ويقف على الدليل.
والّذي نذهب إليه أنّ النهي من حيث اللّغة وعرف أهلها لا يقتضي فساداً ولا صحّة، وإنّما نعلم في متعلّقه الفساد بدليل منفصل، فأمّا من ذهب إلى أنّ أدلّة الشرع دلّت على تعلّق الفساد بالمنهيّ عنه، فإن أراد بدليل الشرع ما ذكرناه فيما تقدّم من هذا الكتاب من أنّ الصحابة ومن يليهم قضوا بفساد المنهيّات من غير توقُّف على دليل، فذلك صحيح،وقد أوضحناه، وإن أشار بدليل الشرع إلى غير ذلك، فنحن نتكلّم عليه.
والّذي يدلّ على صحّة مذهبنا أنّ النهي لا تعلّق للفظه ولا لمعناه بشيء من الأحكام الّتي نشير بقولنا في الفعل: «إنّه مجز» إلى ثبوتها، وفي قولنا: «إنّه فاسد» إلى انتفائها، وما لا تعلُّق له بالنهي في لفظ ولا معنى كيف يصحُّ أن يستفاد منه،

1 . وبه قال الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/261. وهو مذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وكثير من المتكلّمين. ومنهم من قال بالتفصيل بأنّ النهي يدلّ على الفساد في العبادات دون المعاملات، وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/171، والرازي في المحصول:1/344، والعلاّمة الحلّي في النهاية:2/85.
2 . وهو مختار جماعة من الأشاعرة، كالغزالي في المستصفى:2/100، والقفّال وإمام الحرمين والأشعري وكثير من الحنفية، وجماعة من المعتزلة كأبي عبد اللّه البصري وأبي الحسن الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي هاشم الجبّائي. راجع الإحكام للآمدي:2/322، المسألة الأُولى; أُصول السرخسي:1/80; شرح اللمع:1/297.

صفحه 154
يوضح هذه الجملة أنّ الفقيه إذا قال في العقد: إنّه صحيح، فلم يفد بذلك حسن العقد ولا قبحه، وإنّما غرضه إثبات أحكام مخصوصة له، وكذلك إذا قال: هو فاسدٌ أو موقوف; والإيقاعات من طلاق وغيره إذا قلنا: إنّه صحيح، فمعناه أنّ الفرقة تقع به، والأحكام تتعلّق عليه، وإذا قلنا: إنّه فاسد، فالمعنى أنّه لا يؤثّر في فراق ولا تحريم.
وإذا اعتبرت سائر ما نقول: إنّه صحيح وفاسد، وجدته مفيداً لثبوت أحكام شرعيّة أو انتفائها، وإذا كان النهي بظاهره ومعناه لا يقتضي إلاّ هذا القدر الّذي ذكرناه، فلا يدلّ في المنهيّ عنه على فساد ولا صحّة، وهذه الجملة إذا اعتبرت تجلّى الكلام في هذا الباب، وتعرّى من كلّ شبهة.
وممّا يدلُّ أيضاً على ما ذكرناه أنّ النهي لو اقتضى فساد الفعل المنهيّ عنه لشيء يرجع إليه، لما صحّ في النهي إذا تناول ما ليس بفاسد في الشرع بل كان صحيحاً مجزياً أن يكون نهياً على الحقيقة، والإجماع بخلافه، لأنّهم وإن اختلفوا في كثير من الأمثلة الّتي تذكر في هذا الباب، فلم يختلفوا في أنّ المكلّف وقد ضاق عليه وقت الصلاة في آخر وقتها أنّه منهيّ عن البيع والشراء، ومع ذلك فبيعه صحيح،ونكاحه كذلك، ولم يختلفوا في أنّه منهيٌّ عن إزالة النجاسة بالماء المغصوب، لأنّه تصرُّف فيما لا يملكه، ومع ذلك فإنّ حكم النجاسة يزول كما يزول بالماء المملوك، والوطي في الحيض يتعلّق به أحكام الصحّة كما يتعلّق بالوطي المباح، من لحوق الولد، ووجوب المهر، والتحليل للزوج الأوّل، فلولا أنّ النهي لا يقتضي من حيث كان نهياً للفساد، لما صحّ شيء ممّا ذكرناه.
وممّا يدلُّ أيضاً على ذلك أنّ لفظ النهي قد يرد فيما هو صحيح، وفاسد، وقد قدّمنا أنّ استعمال اللّفظة في شيئين مختلفين دليل على أنّها حقيقة فيهما إلاّ أن يقوم دليل، فيجب أن يكون لفظ النهي محتملاً للفساد كاحتماله للصحّة، ولا يقطع

صفحه 155
على أحدهما إلاّ بدليل.

[أدلّة القائل بدلالة النهي على الفساد والجواب عنه]

وقد تعلّق من حكم بفساد المنهيّ عنه وعلّقه بظاهر النَّهي بأشياء:
أوّلها: أنّ الأمر بالشيء إذا اقتضى الإجزاء والصحّة، فيجب أن يكون النهي الّذي هو ضدّه يقتضي الفساد و البطلان.
وثانيها: أنّ النهي عن الفعل إذا منع منه، فيجب أن يكون مانعاً من أحكامه، وإذا منع من أحكام البيع أو الطلاق فليس إلاّ الفساد.
وثالثها: أنّ الإجزاء يعاقب الفساد، فإذا كان بالنهي يُنفى كون الشيء شرعيّاً، فالإجزاء لا يعلم إلاّ شرعاً، فليس بعد ذلك إلاّ الفساد.
ورابعها: أنّ النهي لو لم يعقل منه الفساد، لم يكن التحريم دلالة على الفساد، فكان لا يعقل من قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ)1 إلى آخر الآية فساد هذه الأنكحة وبطلانها، ولا يعقل من قوله تعالى:(وَحَرَّمَ الرِّبا)2 فساد أحكام عقد الربا.
وخامسها: أنّ المنهيّ عنه لو كان مجزياً لكان الطريق إلى معرفة ذلك الشرع، وإنّما ينبئ الشرع عن إجزائه إمّا بالأمر والإيجاب أو الإباحة، وكلُّ ذلك مفقود في المنهيّ عنه.
وسادسها: الخبر المرويّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:«من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ».3 والمنهيُّ عنه ليس من الدين، فيجب أن يكون باطلاً مردوداً.
وسابعها: أنّ عادة السَّلف والخلف من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا جارية بأن يحملوا كلّ منهيّ عنه على الفساد.

1 . النساء:23.
2 . البقرة:175.
3 . سنن أبي داود:4/200برقم 4606; سنن ابن ماجة:1/7 برقم 14; عوالي اللآلي:1/240.

صفحه 156
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّا قد بيّنّا أنّ الأمر بظاهره ومن غير دليل منفصل لا يقتضي الإجزاء، وأنّه كالنهي في أنّه لا يقتضي الفساد، فسقط هذا الوجه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: قد اقتصرتم على دعوى ، ومن أين قلتم أنّ النهي إذا منع من الفعل ، وجب أن يكون مانعاً من أحكامه، وهل الخلاف إلاّ في ذلك، ثمّ الفرق بين الأمرين أنّه إنّما منع من الفعل للتَّعلّق بينه وبين الفعل، لأنّ الحكيم إذا نهى عن شيء فقد كرهه، وهو لا يكره إلاّ القبيح، والقبيح ممنوع منه، وأحكام الفعل غير متعلّقة بمعنى النهي ولا لفظه، فلا يجوز أن يكون النهي مانعاً منها.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إن أردتم بأنّ النهي ينفي كونه شرعيّاً أنّه ينفي كونه مراداً وطاعة وقربة، فذلك صحيح. وإن أردتم نفي الأحكام الشرعيّة، فهو غير مسلّم، وإذا كان الإجزاء والفساد لا يعلمان إلاّ شرعاً، فيجب ألاّ يستفاد أحدهما من مطلق الأمر.
فإذا قال: إجزاؤه لا يعلم إلاّ شرعاً، ولا شرع فيه، فيجب أن يكون فاسداً.
قلنا: وفساده لا يعلم إلاّ شرعاً، ولا شرع فيه، فيجب أن يكون صحيحاً والصواب غير ذلك، وهو التوقّف عن الحكم بصحّة أو فساد على الدليل المنفصل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: نحن نقول في التحريم: أنّ مطلقه لا يدلُّ على الفساد، مثل قولنا في النهي، وإنّما (علم)1 فساد نكاح الأُمّهات بغير وضع النهي في اللّغة، وعلى الجملة بدليل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّ الإجزاء قد يعلم بغير الإيجاب والأمر

1 . في «أ»: نحن نقول في التحريم انّ مطلقه لا يدل على.

صفحه 157
والإباحة، وهو أن يقول: لا تفعلوا كذا، فإن فعلتموه كان مجزياً، أو بأن يبيّن أنّ الحكم الشرعيّ يتعلّق بصورة للفعل مخصوصة، فيعلم إيقاع الحكم لها سواء كانت منهيّاً عنها أو مأموراً بها.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: إنّ الخبر الّذي اعتمدتم عليه خبرٌ واحد، أحسن أحواله أن يقتضي الظنّ، فكيف يحتجّ به في مسألة علميّة.
وبعد، فإنّما يصحّ التعلّق به لو ثبت أنّ إجزاء الفعل المنهيّ عنه ليس من الدين، حتّى يحكم بأنّه مردود، وهذا لا يستفاد من الخبر.
وأيضاً فلفظة الردّ كلفظة النهي في وقوع الخلاف فيها، بل النهي أبلغ، لأنّ الطاعات الواقعة من الكفّار عند من أجاز ذلك توصف بأنّها مردودة، لأنّها غير مقبولة، وإن لم تكن منهيّاً عنها، والمردود في العرف هو الّذي لا يستحقّ عليه الثواب، وهو ضدُّ المقبول الّذي هو استحقاق الثواب، وكون الفعل لا يستحقُّ به الثواب لا يمنع من إجزائه.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سابعاً: هذه الطريقة هي الّتي نصرناها فيما سلف من كتابنا هذا، وبيّنّا أنّ بهذا العرف الشرعيّ يعلم أنّ مطلق النهي يقتضي فساد المنهيّ عنه إلاّ أن تقوم دلالة.
ومن يطعن على هذه الطريقة بأن يقول: من أين لكم أنّ السلف والخلف حكموا ببطلان المنهيّ عنه لأجل النهي دون دلالة دلَّتهم على ذلك؟
فالجواب له أن نقول: إنّنا لا نذهب إلى أنّ الصحابة إنّما حكموا بفساد المنهيّ عنه لأجل حكم النهي في اللّغة أو عرفها، بل إنّما عوّلوا في ذلك على عرف الشريعة، وأنّ الأمر في عرف الشرع يجب أن يكون محمولاً على الوجوب والفور والإجزاء، وأنّ النهي يقتضي بهذا العرف فساد المنهيّ عنه، إلاّ أن تقوم دلالة، ولم

صفحه 158
يعوّلوا إلاّ على هذه العادة، ومثلهم لا يجمع على باطل، إلاّ على ما قطع عذرهم عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.
وكيف لا يعلم أنّ ذلك لمكان النهي عنه، وعند علمهم بالنهي يحكمون بالفساد، كما يحكمون عند الأمر بالوجوب، ولو كان ذلك معلوماً بدلالة منفصلة، لوجب التوقُّف عليها، وأن يقولوا فيمن روى لهم نهياً عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في فعل بعينه: هذا النهي إنّما يقتضي قبح الفعل، وأنّه معصية، ولا يقتضي فساداً، فلا يجب ـ إن كان عقد بيع ـ أن يحكم بأنّ التمليك ما وقع، وإن كان طلاقاً فلا يجب أن يحكم بأنّ الفرقة لم تقع، بل رأيناهم يحكمون في كلّ مأمور به بالصحّة والإجزاء، وفي كلّ منهيّ عنه بالفساد على اختلاف الحالات، ومع المناظرة والمنازعة، ومن طبقة بعد طبقة، وفي زمان بعد زمان، وهذا معلوم ضرورة من حالهم، وتكلّف الدلالة عليه كالمستغنى عنه.
وكذلك وجدنا كلّ من أبطل أن يكون عقد نكاح المتعة مبيحاً للاستمتاع إنّما يعوّل على مطلق ما رواه من نهي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، وتحريمه لها، ولم يقل له قائل: التحريم إنّما يقتضي القبح والمعصية، فمن أين أنّ الاستباحة لا تقع به. وكذلك نكاح المحرم، اكتفوا في ارتفاع أحكامه الشرعيّة بالنهي عنه، وكذلك القول في عقد الربا، ونكاح الشغار.
فإن قيل: فقد حرّموا أشياء كثيرة، وإن ذهبوا إلى أنّها مجزية صحيحة إذا وقعت.
قلنا: إنّما ذهبوا إلى إجزائها مع النهي والتحريم بدليل منفصل، وليس ينكر أن يقوم دليل على خلاف ما يقتضيه عرف الشرع، كما لا ينكر أن يقوم دليل على خلاف ما يقتضيه وضع اللّغة، فيصار إليه بالدليل، ولا يكون ذلك قادحاً في

صفحه 159
أصل الوضع على الوجهين.
فإن قيل: فبأيّ شيء تحدّون الفاسد من المنهيّات، وتميّزونه من غيره فقد تعاطى الناس ذلك.
قلنا: الواجب أن نقول الّذي يقتضيه عرف الشرع في نهي اللّه سبحانه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتضي بالظاهر فساد المنهي عنه، وألاّ تتعلّق به الأحكام الّتي تتعلّق بالصحيح إلاّ أن يقوم دليل على أنّ المنهيّ عنه في هذه الأحكام كالمأمور به، فيقال بذلك اتّباعاً للدليل.
وأجود ما يميّز به ذلك أن يكون وقوعه منهيّاً عنه، مخلاً بشروطه الشرعية، فيكون فاسداً، وإذا لم تختلَّ شروطه الشرعيّة، لم يمتنع إجزاؤه.

[أقسام تأثير المنهي عنه في الشروط الشرعية]

وينقسم تأثير المنهيّ عنه في الشُّروط الشرعية ثلاثة أقسام:
فالأوّل: يؤثّر بأن يكون شرط الفعل عدمه.
والثاني: بأن يكون شرط الفعل ضدّه، أو ما يجري مجرى ضدّه، ممّا لا يجتمع معه.
والثالث: يؤثّر بأن يمنع من وقوع شرط سواه.
فمثال الأوّل الصلاة مع الحدث، لأنّ من شرطها عدمه. ومثال الثاني صلاة القادر على القيام قاعداً، لأنّ من شرط هذه الصلاة ضدّ القعود. ومثال الثالث صلاة المتطوّع ، لأنّها لا تجزي عن الفرض وإن كانت الصورة واحدة، لما كان الشرط نيّة مخصوصة.
ولأجل هذا الوجه الأخير كانت الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزي، لأنّ من

صفحه 160
شرط الصلاة أن تكون طاعة وقربة، وكونها واقعة في الدار المغصوبة يمنع من ذلك.
وأيضاً فإنّ من شرطها إذا كانت واجبة أن ينوى بها أداء الواجب، وكونها في الدار المغصوبة يمنع من ذلك.
وفي الفقهاء من يظنُّ أنّ الصلاة في الدار المغصوبة ينفصل من الغصب، وذلك ظنٌّ بعيد، لأنّ الصلاة كونٌ في الدار، وتصرُّف فيها، وذلك نفس الغصب، لأنّه لا فرق بين تصرُّفه فيها بالسُّكنى وبين تصرّفه بالصلاة، لأنّ صاحب الدار لو أراد أن يقف فيها بحيث المصلّي واقف، لتعذّر عليه ذلك، فهو مانع من تصرّف المالك، والغصب ينقسم إلى وجهين: إمّا بأن يحول بين المالك وبين التصرُّف في ملكه، وإمّا بأن يتصرّف الغاصب فيه تصرُّفاً يمنعه من تصرّفه.
وفيهم من يقول في أنّ الصلاة في الدار المغصوبة تُجزي، على أنّ الصلاة تنقسم إلى فعل وذكر، فالفعل متعلّق بالدار، والذكر لا يتعلّق بها، فلا يمتنع أن تجزي، وإن كانت في الدار المغصوبة، من حيث يقع ذكرها طاعة، وتكون نيّته تنصرف إلى الذكر.
وهذا غير صحيح، لأنّ الذكر تابع للفعل الّذي هو الصلاة، والفعل هو المعتمد، والذكر شرط، فيجب أن تكون النيّة منصرفة إلى الفعل الّذي هو العمدة.
وعلى أقلّ الأحوال أن يكون الفعل والذِّكر بمجموعهما هو الصلاة، فتنصرف النيّة إليهما، وقد بيّنّا أنّ ذلك يقتضي كونه متقرّباً بالمعصية.
وقد قيل في التمييز بين الصلاة في هذا الحكم وغيرها: إنّ كلّ عبادة ليس من شرطها الفعل، أو ليس من شرطها أن يتولّى الفعل بنفسه بل ينوب فعل الغير مناب فعله، أو ليس من شرطها أن يقع منه بنيّة الوجوب، أو ليس من شرطها

صفحه 161
النيّة أصلاً، لم يمتنع في المعصية منها أن يقوم مقام الطاعة، وهذا قريب.
ومن احتجّ في جواز الصلاة في الدار المغصوبة بأنّ إجراءها مجرى من شاهد طفلاً يغرق وهو في الصلاة، وقال: إذا صحّت صلاته مع المعصية، فكذلك الصلاة في الدار المغصوبة.
فقوله باطلٌ، لأنّا نقول في المسألتين قولاً واحداً، والصلاتان معاً فاسدتان، ويجب أن يقول في الغاصب: إنّه لو حبس في الدار لأجزأته صلاته، لأنّه بأن حبس فيها خرج من كونه غاصباً، لأنّه لا يتمكّن من المفارقة لها، ويجب أن يقول فيمن لزمه ردُّ وديعة أو قضاء دين، ثمّ دخل في الصلاة: أنّه إن كان الوقت موسّعاً، فسدت الصلاة، لأنّ الواجب عليه تقديم الردّ، وإن صلاّها في وقت مضيّق، لم يفسد، لأنّ الواجب عليه تقديمها على الردّ، إلاّ أن ينتهي الحال فيمن له الحقُّ إلى حال ضرورة وضرر يدخل على صاحب الوديعة، فتفسد صلاته، وإن أدّاها في آخر الوقت، لهذه العلّة.
فأمّا من ليس بغاصب لكنّه دخل الدار مجتازاً، فيجب ألاّ تفسد صلاته، لأنّ المتعارف بين الناس أنّهم يسوّغون ذلك لغير الغاصب، ويمنعونه في الغاصب.
وأمّا الضيعة المغصوبة فالصلاة فيها مجزية، لأنّ العادة جرت بأنّ صاحبها لا يحظر على أحد الصلاة فيها، والتعارف يجري مجرى الإذن، فيجب الرُّجوع إليه.
ولا يلزم على ما ذكرناه أن يكون من صلّى وهو يدافع الأخبثين أن تكون صلاته فاسدة غير مجزية، للنّهي منه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، وذلك أنّ هذا النهي لو أوجب كون الصلاة معصية، للحقت في الفساد بالصلاة في الدار المغصوبة، لكنّا قد عرفنا أنّ وجه النهي تأثير المدافعة في التثبُّت والخشوع والطُّمأنينة، ونحن نعلم أنّ كثيراً من

صفحه 162
ذلك لو فقد لأجزأت الصلاة، وقد يدافِع الأخبثين ويتصبّر على أداء ما يجب عليه في الصلاة واستيفائه، فلا يجب كون ذلك مفسداً.
وأمّا حمل بعضهم جواز الصلاة في المكان المغصوب على جواز الإيمان فغلطٌ فاحش، لأنّ الإيمان لا تعلّق له بالدار، اعتقاداً كان بالقلب أو قولاً باللّسان، وقد بيّنّا أنّ الصلاة بها يكون غاصباً ومتصرّفاً في ملك غيره.

الفصل الرابع

فيما يقتضيه الأمر من جمع أو آحاد

اعلم أنّ الخطاب إذا ورد وظاهره يحتمل الخصوص والعموم، وعلمنا بالدليل المنفصل شموله واستغراقه، قطعنا على أنّ الفرض لازم لكلّ واحد منهم، ولا نستفيد بظاهر ذلك أنّه لازم لكلّ واحد بعينه، من غير أن يسقط عنه الفرض فعل غيره. كما لا نستفيد أنّ فعل البعض يسقط الفرض عن البعض. ولا نستفيد أنّ اجتماع بعضهم شرطٌ فيه. وكلُّ ذلك موقوف على الدليل.
والخطاب العامُّ لا يخرج عن ثلاثة أقسام: إمّا أن يلزم كلّ واحد، ولا يتعلّق فعله بفعل غيره; وإمّا أن يتعلّق فرضه بفعل غيره في الصحّة، فيكون الاجتماع شرطاً، كصلاة الجمعة; وإمّا أن يتعلّق فرضه بفعل غيره، فيكون أداء الغير له مسقطاً عنه، وهذا هو المسمّى فرض الكفاية، ومن أمثلته الجهاد، والصلاة على الجنائز، ودفن الموتى، والفرض في هذا الوجه يتعلّق بالكلّ ، لكنّه مشروط بأن لا يقوم البعض به، فمتى وقع من البعض; زال الفرض عن الجماعة.

صفحه 163

الباب الرابع:

الكلام في العموم والخصوص وألفاظهما

[وفيه مقدّمة وثمان وعشرون فصلاً]
اعلـم أنّ العموم ما تنـاول لفظه شيئين فصـاعـداً1، والخصـوص مـا

1 . عُرّف العموم بتعاريف متفاوتة، فقد عرّفه الشيخ الطوسي في العدة:1/273، وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/189 بأنّه: كلام مستغرق لجميع ما يصلح له. وزاد عليه قاضي القضاة: ما احترز به عن التثنية والجمع. وأضاف إليه فخر الدين الرازي في المحصول:1/353: بحسب وضع واحد، فإنّ الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له، ولا يدخل عليه النكرات لعدم الاستغراق، وكذا التثنية والجمع لصلوحهما لكلّ رجلين ولكلّ ثلاثة، ولا ألفاظ العدد لعدم استغراق الخمسة كلّ خمسة، وخرج «بحسب وضع واحد» المشترك والحقيقة والمجاز فإنّ عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معاً.
وعرّفه الغزّالي في المستصفى:2/106بقوله: العام اللفظ الواحد الدالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعداً، واحترزنا بقولنا: «من جهة واحدة» عن قولهم: ضرب زيد عمراً، وعن قولهم: ضرب زيد وعمرو فإنّه قد دلّ على شيئين لكن بلفظين لا بلفظ واحد، ومن جهتين لا من جهة واحدة.
وأمّا العلاّمة الحلّي فقد قال في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/114: والأقرب أنّ العام هو اللفظ الواحد المتناول بالفعل لما هو صالح له بالقوّة مع تعدّد موارده.
وعرّفه الآمدي في الإحكام:2/328 بمثل ما عرّفه السيد المرتضى بزيادة: مطلقاً معاً.

صفحه 164
تنـاول شيئاً واحداً.1 وقد يكون اللّفظ عموماً من وجه وخصوصاً من وجه آخر; لأنّ القائل إذا قال: «ضرَبْتُ غِلماني» وأراد بعضهم، فقوله عموم، لشموله مازاد على الواحد،وخصوص من حيث أراد به بعض ما يصحّ أن يتناوله هذا اللّفظ.
وقولنا: «عموم وخصوص» يجري مجرى قليل وكثير في أنّه يستعمل بالإضافة، فقد يكون الشيء الواحد قليلاً وكثيراً بإضافتين مختلفتين، وقد يثبت عموم لا خصوص فيه، وهو ما أُريد به الاستيعاب والاستغراق; وقد يثبت أيضاً خصوص لا عموم فيه، وهو الّذي يراد به العين الواحدة; كما يثبت قليل ليس بكثير وهو الواحد، وكثير ليس بقليل وهو ما عمّ الكلّ، ومع الإضافة في الأمرين يختلف الحال.
وليس في الكلام عندنا لفظٌ وضع للاستغراق فإن استعمل فيما دونه كان مجازاً، وسندلّ على ذلك.
والألفاظ الموضوعة للعموم على سبيل الصلاح على ضربين:
فمنهـا مـا يصـحّ تنـاوله للواحد ولكلّ بعض وللكلّ على حدّ واحد، وهـو

1 . قال الشيخ الطوسي في العدة:1/274 في تعريف الخاص بأنّه يتناول شيئاً مخصوصاً دون غيره ممّا كان يصحّ أن يتناوله.
وقال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/234: إنّه إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه.
وقال العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/203: الخاص قد يكون مطلقاً لا بالقياس إلى غيره، وهو الجزئي الحقيقي; وقد يكون إضافياً بالقياس إلى ما هو عام ويقال بإزائه وهو اللفظ الذي يقال على مدلوله وعلى غير مدلوله لفظ آخر من جهة واحدة، كالإنسان فإنّه خاص ويقال على مدلوله وعلى غيره كالفرس لفظ الحيوان من جهة واحدة. وهو ما ذهب إليه الآمدي في الإحكام:2/328.

صفحه 165
حقيقـة فـي كلّ شـيء مـن هـذه الأُمـور، كلفظة «مَن» إذا كـانت نكرة فـي الشـرط أو الاستفهـام، وتختصّ العقلاء، ولفظـة «ما» فيما لا يعقل فـإنّ حكمها فيما ذكرناه كحكم من ، وهكذا حكم «مَتى» فـي الأوقات، و«أين» في الأماكن.
والضرب الثاني ما يتناول الكلّ صلاحاً، ويتناول البعض وجوباً، ولا يستعمل فيما نقص عن ذلك البعض، مثل ألفاظ الجموع ، بألف ولام أو بغيرهما كقولنا: رجال والرجال ومسلمون والمسلمون، فهذه ألفاظٌ تتناول كلّ الرجال وجميع المسلمين صلاحاً، إذا لم يكن بين المخاطِب والمخاطَب عهدٌ ينصرف ذلك إليه، ولثلاثة بغير أعيانهم وجوباً، ولا يجوز أن يستعمل في الواحد ولا الاثنين ألبتَّة على سبيل الحقيقة.
فأمّا ألفاظ الجنس مثل قولنا: الذهب والفضّة والرقيق والنساء والناس فهي على ضربين.
أحدهما: لا يجوز أن يراد به عموم ولا خصوص، ولا يتصوّران في مثله، وإنّما يراد به محض الجنسيّة الّتي تميّزت من غيرها كقولنا: ذهب وفضّة ورقيق، فإنّ القائل إذا قال: الذهب أحبُّ إليّ من الفضّة، وادّخار العين أولى من ادّخار الورق، فلا عموم يتصوّر في قوله ولا خصوص، بل الإشارة إلى الجنسيّة من غير اعتبار لتخصيص ولا تعميم، وكذلك إذا قال: استخدام الرَّقيق أحمد من استخدام الأحرار.
وأمّا لفظة الناس والنساء فقد يراد بهما في بعض المواضع المعنى الّذي ذكرناه من الجنسيّة من غير عموم ولا خصوص، وقد تكون في موضع محتملة للعموم والخصوص، كما قلناه في ألفاظ الجموع المشتقّة من الأفعال. مثال

صفحه 166
القسم الأوّل قول القائل: فلانٌ يحبُّ النساء ويميل إلى عشرتهن، والناس خيرٌ من الجانّ. ومثال الثاني: لقيت النساء، وجاءني الناس. وأبو هاشم يوافقنا فيما ذكرناه من ألفاظ الجنس خاصّة، وإنّما أبو عليّ هو الذاهب إلى استغراق ألفاظ الجنس للكلّ.1
فأمّا استعمال لفظ العموم في المعاني نحو قولهم: عمّهم الخصب أو الجدب أو المرض أو الصحة فالأشبه أن يكون مستعاراً مشبّهاً بغيره، لأنّا لا نفهم من إطلاق قولنا عموم وخصوص بالعرف المستقرّ إلاّ ما يعود إلى الألفاظ.2
ومن خالفنا من المتكلّمين والفقهاء يقول في كلّ ما قلنا «إنّه يستغرق من هذه الألفاظ صلاحاً»: «إنّه يستغرقُ وجوباً». وسيجيء الكلام في ذلك بعون اللّه ومشيّته.

1 . راجع عدة الأُصول:1/276; المعتمد:1/223.
2 . وهـو مختـار أبي الحسيـن البصـري والغـزالي والبـزدوي و الشـوكاني. وقـد ذهـب جمهور الأُصوليين بأنّ المعـاني لها عمـوم. ومنهم من ذهب إلى أنّ استعمال اللفظ في عموم المعاني مشترك، وهو مذهب الشيخ المفيد. راجع المعتمد:1/193; المستصفى:2/106; ميزان الأُصول:1/386; أُصول السرخسي:1/125; التذكرة:34ـ 35; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/115.

صفحه 167

الفصل الأوّل:

في ذكر الدلالة على أنّه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصُّه

واشتراك هذه الألفاظ الّتي يدّعى فيها الاستغراق

الّذي يدلّ على ذلك أنّ كلّ لفظة يدّعون أنّها للاستغراق تستعمل تارة في الخصوص، وأُخرى في العموم، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: «من دخل داري أهنتُه أو أكرمته»، لا يراد به إلاّ الخصوص، وقلّما يراد به العموم، ويقول: «لقيت العلماء، وقصدتُ الشُّرفاء»، وهو يريد العموم تارةً، والخصوص أُخرى، وهذا معلوم ضرورة، ممّا لا يقع في مثله خلاف، والظاهر من استعمال اللّفظة في شيئين أنّها مشتركة فيهما، وموضوعة لهما، إلاّ أن يوافقونا، أو يدلّونا بدليل قاطع على أنّهم باستعمالها في أحدهما متجوّزون، وهذه الجملة تقتضي اشتراك هذه الألفاظ، واحتمالها العموم والخصوص، وهو الّذي اعتمدناه.1

1 . وهو مختار المرجئة وأحد قولي الأشعري; وتوقّف في قوله الآخر، ووافقه القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد:3/50، ونسبه أبو الحسين البصري في المعتمد:1/194للمرجئة، والغزالي في المنخول:209 للجهمية والمرجئة والوعيدية من الخوارج، ونسبه السمرقندي في ميزان الأُصول:1/409ـ 410 إلى عامة المرجئة وعامة الأشعرية وابن الراوندي ومحمد بن شبيب، وإليه مال أبو سعيد البردعي.
وأمّا الإمامية فقد ذهب الشيخ المفيد في التذكرة:33ـ34، والشيخ الطوسي في العدة:1/279 إلى أنّ للعموم صيغة في اللغة تختصّ به. وهو مختار الفقهاء وأكثر المتكلّمين وجمهور الأُصوليين كالشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة والجبّائي ومحمد بن شجاع الثلجي وأبي إسحاق الشيرازي والسمرقندي وغيرهم. راجع الرسالة: 52ـ 53; أُصول السرخسي:1/125; الإحكام:2/330، المسألة الثانية; شرح اللمع:1/335; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/121.

صفحه 168
فإن قيل: دُلّوا على أنّ بنفس الاستعمال تعلم الحقيقة، وهذا ينتقض بالمجاز، لأنّهم قد استعملوه، وليس بحقيقة، ثمّ دلّوا على أنّهم استعملوا هذه الألفاظ في الخصوص على حدّ ما استعملوها في العموم، فإنّا نخالف في ذلك، ونذهب إلى أنّ كيفيّة الاستعمال مختلفة.
قلنا: أمّا الّذي يدلّ على الأوّل فهو أنّ لغتهم إنّما تعرف باستعمالهم، وكما أنّهم إذا استعملوا اللّفظة في المعنى الواحد ولم يدلّونا على أنّهم متجوّزون ، قطعنا على أنّها حقيقة فيه، فكذلك إذا استعملت في المعنيين المختلفين.
ويوضح ذلك أنّ الحقيقة هي الأصل في اللّغة، والمجاز طار عليها، بدلالة أنّ اللّفظة قد تكون لها حقيقة في اللّغة ولا مجاز لها، ولا يمكن أن يكون مجاز لا حقيقة له.
فإذا ثبت ذلك، وجب أن تكون الحقيقة هي الّتي يقتضيها ظاهر الاستعمال، وإنّما ينتقل في اللّفظ المستعمل إلى أنّه مجاز بالدلالة، وأمّا المجاز فلا يلزم على ما ذكرناه، لأنّ استعمال المجاز لو تجرّد عن توقيف أو دلالة على أنّ المراد به المجاز والاستعارة، لقطعنا به على الحقيقة، لكنّا عدلنا بالدلالة عمّا يوجبه ظاهر الاستعمال، ألا ترى أنّه لا أحدٌ خالط أهل اللّغة إلاّ وهو يعلم من حالهم ضرورة أنّهم إنّما سمّوا البليد حماراً والشديد أسداً على سبيل التشبيه والمجاز، فكان يجب أن يثبت مثل ذلك في إجراء لفظ العموم على الخصوص.
وأمّا المطالبة لنا بأن ندلّ على أنّ كيفيّة الاستعمال واحدة، فإنّا لم ندّع ذلك في استدلالنا فيلزمنا الدلالة عليه، وإنّما ادّعينا الاستعمال، ولا شبهة فيه، ومن ادّعى أنّ كيفية الاستعمال مختلفة، فعليه الدلالة.
على أنّا نقول لمن ادّعى اختلاف كيفيّة الاستعمال: أتريد بذلك أنّ الصيغة

صفحه 169
الّتي يراد بها العموم لا تستعمل على صورتها في الخصوص، أم تريد أنّ اللّفظ يستعمل مجرّداً في العموم، وفي الخصوص يفتقر إلى قرينة ودلالة.
والأوّل يفسد بأنّا ندرك الصيغة متّفقة عند استعمالها في الأمرين، ولو اختلفتا لأدركناهما كذلك، وقد بيّنّا في هذا الكتاب أنّ نفس الصيغة الّتي يراد بها العموم كان يجوز أن يراد بها الخصوص، حيث تكلّمنا في أنّ ما يوجد أمراً كان يجوز أن يوجد نفسه ولا يكون أمراً.
على أنّ أكثر مخالفينا في العموم يذهبون إلى أنّ لفظ العموم إذا أُريد به الخصوص كان مجازاً، وعندهم أنّ اللّفظ لا يكون مجازاً إلاّ إذا استعمل على صورته وصيغته فيما لم يوضع له.
وأمّا القسم الثاني فهو محض الدعوى، وبناء على المذهب الّذي نخالف فيه، فكأنّهم قالوا: إنّ اللّفظ موضوع في اللّغة على الحقيقة للعموم، وإنّما يتجوّز به في الخصوص، وفي ذلك الخلاف، وعليه يطالبون بالدلالة، ولا فرق بينهم وبين من عكس هذا عليهم، وقال لهم: بل هذه اللّفظة موضوعة على الحقيقة للخصوص، وإذا استعملت في العموم فبالقرينة والدلالة، فقد ذهب قوم إلى ذلك، وهم أصحاب الخصوص.
وقد مثّل أصحابنا حالنا وحال مخالفينا في هذه النُّكتة بمن ادّعى أنّ زيداً في الدار، وادّعى خصمه أنّ زيداً وعمراً فيها ، وقالوا: من ادّعى أنّ عمراً مع زيد في الدار فقد وافق في أنّ زيداً فيها، وإنّما ادّعى أمراً زائداً على ما اتّفق مع خصمه عليه، فالدلالة لازمة له، دون خصمه، فإذا قال خصومنا: الصيغة لا تستعمل في الخصوص إلاّ مع قرينة، فقد سلّموا لنا الاستعمال، وادّعوا أمراً زائداً عليه، فالدلالة تلزمهم دوننا.

صفحه 170
وقد يمكن الطعن على هذا بأن نقول: أنتم تدّعون استعمالاً عارياً من قرينة، لأنّكم لو ادّعيتم محض الاستعمال، للزمكم أن يكون المجاز كلّه حقيقة، لأنّه مستعمل; وإذا ادّعيتم نفي القرينة، لزمكم أن تدلّونا، فإنّا لا نسلّم ذلك، كما يلزمنا أن ندلّ على إثبات القرينة إذا ادّعيناها، وتجرون في هذا الحكم مجرى من ادّعى أنّ زيداً وحده في الدار، وآخر يدّعي أنّ معه عمراً، في أنّ كلّ واحد يلزمه الدلالة، واتّفاقهما على أنّ زيداً في الدار ليس باتّفاق على موضع الخلاف من التوحُّد أو الاقتران، وهذا أجود شيء يمكن أن يسألونا عنه.
والجواب أنّ الأصل في الاستعمال التعرّي من القرائن والدلائل، لأنّ الأصل هو الحقيقة الّتي لا تحتاج إلى قرينة، وإنّما يحتاج المجاز للعدول به عن الأصل إلى مصاحبة القرينة، فلمّا ادّعينا ما هو الأصل فلا دلالة علينا، وادّعى خصومنا أمراً زائداً على الأصل فعليهم الدلالة.
وأيضاً فإنّنا نتمكّن من الدلالة على صحّة ما ادّعيناه من غير بناء على موضع الخلاف، لأنّا نقول: إن كانت القرينة هي العلم الضروريّ بتوقيف أهل اللّسان على ذلك، كما علمناه في حمار وأسد; فكان يجب ألاّ يقع خلاف في ذلك مع العلم الضروريّ، كما لم يقع خلاف في أسد وحمار، وإن كانت القرينة مستخرجة بدليل وتأمّل ، وقد نظرنا فما عثرنا على ذلك، ومن ادّعى طريقاً إلى إثبات هذه القرينة فواجب عليه أن يشير إليه، ليكون الكلام فيه، وخصمنا لا يمكنه أن يدلّ على أنّ استعمال هذه اللّفظة في الخصوص لابدّ فيه من قرينة إلاّ بأن يصحّ مذهبه في أنّ ذلك مجاز وعدول عن الحقيقة، وهذا هو نفس المذهب.
وممّا يقال لهم: كيف وجب في كلّ شيء تجوّز أهل اللُّغة به من الألفاظ، واستعملوه في غير ما وضع له، كالتَّشبيه الّذي ذكرناه في حمار وبليد، وكالحذف في

صفحه 171
قوله تعالى:(وجاءَ رَبُّكَ)1، (وَاسْألِ الْقَرْيَة)، والزيادة في2 قوله:(لَيْسَ كَمِثْلِه شَيءٌ)3، ونظائر ذلك وأمثاله، وما يتفرّع إليه ويتشعَّب، أن يعلم أنّهم بذلك متجوّزون ، وقارنون إلى اللّفظ ما يدلُّ على المراد ضرورة بغير إشكال، ولا حاجة إلى نظر واستدلال، ولم يجب مثل ذلك في استعمال صيغة العموم في الخصوص، وهو ضرب من ضروب المجاز عندكم، فألاّ لحق بهذا الباب كلّه في حصول العلم؟
ويمكن أن يترتّب استدلالنا على هذه العبارة، فنقول: قد ثبت بلا شكّ استعمال هذه اللّفظة في العموم والخصوص، وما وقّفنا أهل اللُّغة ولا علمنا ضرورة من حالهم مع المداخلة لهم أنّهم متجوّزون بها في الخصوص، كما علمنا منهم ذلك في صنوف المجازات على اختلافها، فوجب أن تكون مشتركة.
فإن قيل لنا: فلعلّ كونهم متجوّزين بها في الخصوص يعلم بالاستدلال، دون الضرورة، فلم قصرتم هذا العلم على الضرورة.
قلنا: كيف وقف هذا الباب من المجاز على الاستدلال ، ولم يقف غيره من ضروب المجازات في كلامهم على الاستدلال، لولا بطلان هذه الدعوى، وفي خـروج هـذا الموضع عن بابه دلالةٌ على خلاف مذهبكم، وليس تجـد هذا الدليل مستقصى في شيء من كتبنا السالفة على هذا الحدّ، فقد بلغنا غايته.

1 . الفجر:22.
2 . يوسف:82.
3 . الشورى:11.

صفحه 172

دليل آخر:

وممّا يدلُّ أيضاً على صحّة مذهبنا: أنّ استفهام المخاطب بهذه الألفاظ عن مراده في خصوص أو عموم يحسن من المخاطب بغير ريب، وموضوع الاستفهام إذا وقع طلباً للعلم والفهم يقتضي احتمال اللّفظ واشتراكه بدلالة أنّه لا يحسن دخوله فيما لا احتمال فيه ولا اشتراك، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يستفهم عن مراده من قال: «ركبتُ فرساً»، و «لبستُ ثوباً» ، لاختصاص اللّفظ وفقد احتماله، ويحسن أن يستفهم من قال: رأيت عيناً، عن أيّ عين رأى؟ وهذه الجملة تقتضي اشتراك هذه الألفاظ بين الخصوص والعموم.
ومن خالف في حسن الاستفهام بحيث ذكرناه، لا يخلو من أن يكون قائلاً بحسن الاستفهام في موضع من الكلام، أو ليس يحسن أصلاً. فإن ذهب إلى الأوّل قيل له: بيّن لنا حسن الاستفهام أين شئت من الكلام؟ حتّى نسوّي بينه وبين حسنه في الخصوص والعموم; وإن أراد الثاني، كان مكابراً دافعاً للضرورة، فكيف يقال ذلك وقد جعل أهل اللّغة الاستفهام ضرباً مفرداً من ضروب الكلام، وخصّوه بحروف ليست لغيره.
فإن قيل: وجه حسن الاستفهام في ألفاظ العموم تجويز المخاطب أن يريد مخاطبه الخصوص على وجه المجاز.
قلنا: هذا يقتضي حسن الاستفهام في كلّ خطاب، وعن كلّ حقيقة، لأنّ هذه العلّة موجودة، وقد علمنا اختصاص حسن الاستفهام بموضع دون غيره، فعلمنا أنّ علّته خاصّة غير عامّة.
وبعد، فإنّ المخاطب إذا كان حكيماً وخاطب المجاز، فلابدّ من أن يدلّ من

صفحه 173
يخاطبه على أنّه عادل عن الحقيقة، وهذان الوجهان يسقطان قولهم: إنّ وجه حسن الاستفهام أنّ السامع يجوّز أن يكون مخاطبه أراد المجاز، ودلّ عليه بدلالة خفيت على السامع.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الاستفهام إنّما يحسن مع اقتران اللّفظ، لا مع إطلاقه.
قلنا: اللّفظ الوارد لا يخلو من أقسام ثلاثة: إمّا أن يرد مطلقاً أو مقترناً بما يقتضي العموم، أو يقترن بما يقتضي الخصوص، ومع الوجهين الآخرين لا يحسن الاستفهام، لحصول العلم بعموم أو خصوص، فثبت أنّه إنّما يحسن مع الإطلاق.
فإن قيـل: الاستفهام يحسن على أحـد وجهين: إمّـا أن يكـون المخاطَب يعتقد أنّ لفظ العموم مشترك، فيستفهـم لذلك، أو يكون المخاطِب يعتقـد أنّ لفـظ العموم مشتـرك، فيستفهـم لذلك، أو يكـون المخـاطِب قـد يعتقد ذلك، فيحسن استفهامه، لتجويز أن يعدل من معنى إلى معنى في الألفاظ المشتركة.
قلنا: كلامنا إنّما هو في حسن استفهام أهل اللّغة، ومن لا مذهب له في العموم والخصوص يعرف.
وبعد، فقد يحسن استفهام من لا يعرف مذهبه في هذا الباب، ويستحسن الناس أيضاً استفهام من يرونه يستفهم عن هذه الألفاظ، وإن لم يعرفوا شيئاً ممّا ذكر في السؤال.
فإن قيل: هذه الطريقة تقتضي اشتراك جميع الألفاظ، لأنّه يحسن ممّن سمع قائلاً يقول: ضربتُ أبي، أو شتمتُ الأمير، أن يقول مستفهماً: أباك؟ الأمير؟

صفحه 174
فيجب بطلان الاختصاص في الألفاظ.
قلنا: الاستفهام إنّما يطلب به المعرفة وقد يرد بصورته ما ليس باستفهام، فقول القائل: أباك! الأمير! إنّما هو استكبار واستعظام وليس باستفهام، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول: أضربت أباك أم لم تضربه؟
فإن قيل: فقد يستفهم من قال: «صمتُ شهراً»، و «له عندي عشرة»، عن كمال الشهر، والعشرة، وكذلك إذا قال:«لقيتُ الأمير» و «جاءني فلان»، يحسن أن يقال: لقيت الأمير نفسه؟ أو جاءك فلان بنفسه؟
قلنا: أمّا لفظة شهر، فإنّها تقع على الثلاثين، وعلى التسعة وعشرين، وهو في الشريعة والعرف اسمٌ للأمرين، فالاستفهام في موضعه، وقد أجرى قوم العشرة هذا المجرى، وعوّلوا على قوله سبحانه:(تِلْكَ عَشَرةٌ كاملةٌ)1 والأجود أن يقال: إنّ أحداً لا يستحسن استفهام حكيم إذا أطلق قوله: «عندي عشرة» عن كمالها ونقصانها.
ومن قال لمن يسمعه يقول: «جاءني الأمير»: أجاءك الأمير بنفسه! ليس بمستفهم، وإنّما هو مستكبر مستعظم، كما تقدّم، ولا يجوز أن يقال في غير الأمير ومن جرى مجراه ذلك إلاّ على سبيل الاستفهام، دون التعجّب والاستكبار، والتأمّل يكشف عن ذلك.
ووجدت بعض من يشار إليه في أُصول الفقه2 يطعن على هذا الدليل بأنّ الاستفهام في ألفاظ العموم إنّما حسن طلباً للعلم الضروريّ، أو لقوّة الظنّ بالأمارات.

1 . البقرة:196.
2 . المراد به أبو الحسين البصري. راجع المعتمد:1/217ـ 218.

صفحه 175
وهذا يقتضي حسن الاستفهام في كلّ كلام، وعن كلّ حقيقة، لعموم هذه العلّة.

[أدلّة القائلين بالعموم والجواب عنها]

وقد تعلّق القائلون بالعموم بأشياء:
أوّلها: أنّ المستفهم لغيره بقوله: من عندك؟ يحسن أن يجاب بذكر آحاد العقلاء وجماعتهم، ولا عاقل إلاّ ويصحّ أن يكون مجيباً بذكره، ولا يصحّ أن يجيبه بذكر البهائم، فلولا استغراق اللّفظ، لما وجب هذا الحكم، ولجاز في بعض الأحوال أن يكون الجواب عنها بذكر بعض العقلاء جارياً مجرى الجواب بذكر بعض البهائم.
وأكّدوا هذه الطريقة بأن قالوا: إنّما عدلوا عن الاستفهام عن كلّ شخص باللّفظ الموضوع له، حتّى يقولوا: أزيدٌ عندك؟ أفلان عندك؟ ويعدّوا كلّ عاقل، لاستطالة ذلك، فاختصروا بالعدول إلى لفظة «من»، فيجب أن تقوم في الغرض مقام الاستفهام عن كلّ عاقل باسمه، وقالوا في عموم لفظة «ما» مثل ذلك.
وثانيها: أنّ القائل إذا قال: «من دخل داري ضربته» حسن أن يستثني كلّ عاقل من هذه الجملة، ومن شأن الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته بدلالة قبح استثناء البهائم من هذه الجملة، لما لم يجب دخولها فيه.
وثالثهـا: أنّ الاستغراق معنى معقول لأهل اللُّغة، وممّا تدعوهم الدواعي إلى الإخبار عنه، فلابدّ أن يضعوا له عبارة تنبئُ عنه، كما فعلوا ذلك في كلّ

صفحه 176
شيء عقلوه من المعاني، ودعتهم الدواعي إلى الإخبار عنه، وإذا وجب أن يضعوا عبارة، فلا شيء من الألفاظ بذلك أولى من الألفاظ الّتي نذهب إلى عمومها.
ورابعها: أنّ العموم قد أُكّد بتأكيد معيّن، وكذلك الخصوص، فكما اختلف التأكيدان في وضع اللُّغة، لا بالقصد، فكذلك يجب في المؤكَّد.
وخامسها: أنّ لفظة «مَن» لابدّ لها من حقيقة في وضع اللُّغة، وإذا لم يجز أن تكون موضوعة لبعض من العقلاء معيّن أو غير معيّن، ولا لجميعهم على البدل، وجب أن يكون الجميع على الاستغراق.
وسادسها: أنّا قد علمنا أنّ كلّ من أراد أن يخبر عن الاستغراق لابدّ له من استعمال هذه الألفاظ الّتي نذهب إلى أنّها مستغرقة، فيجب أن تكون موضوعة له، لأنّه لا مندوحة عنها، وجرى ذلك مجرى كلّ الحقائق الّتي يفزع فيها إلى العبارات الموضوعة لها.
والجواب عمّا ذكروه أوّلاً: أنّكم قد اقتصرتم في قاعدة هذه الشُّبهة على الدعوى، ونحن لا نسلّم لكم أنّ من استفهم بلفظة «مَن» ولم يعرف من قصد المخاطب بعادة أو قرينة أنّه أراد الشمول يحسن أن يجيبه بذكر كلّ عاقل، وإنّما يحسن أن يجيبه بذلك إذا علم عموم استفهامه بطريق منفصل، فما الدليل على ما ادّعيتموه؟
والّذي يوضح ما ذكرناه أنّه يحسن إذا قيل له:«مَن عندك» أن يقول: أمن النساء أو الرجال؟ ومن الأحرار أو العبيد؟ وكذلك إذا قيل له: ما أكلت؟ يقول: أمن الحلو أو الفاكهة؟ ومن كذا أو كذا؟ وهذا يدلُّ على اشتراك اللّفظ بين العموم والخصوص.

صفحه 177
وأمّا قولهم: «جاز أن يكون ذكر بعض العقلاء كذكر بعض البهائم» فباطل، وذلك أنّ لفظة «مَن» عندنا وإن لم تكن موضوعة لوجوب استغراق العقلاء، فهي تصلح لأن يقصد بها إلى الاستفهام عن جميعهم، كما يصلح أن يقصد بها إلى الاستفهام عن بعضهم، وهي حقيقة في الأمرين، ولا يصلح في وضع اللّغة الاستفهام بها عن البهائم.
وليس معنى قولنا: «إنّها لا تصلح» هو أنّ المتكلّم لا يصحّ أن يقصد بها إلى ذلك، فتكون عبارة عنه، لأنّه لا لفظ من الألفاظ إلاّ ويمكن أن يقصد به إلى كلّ معنى، فيكون عبارة عنه، وإن لم يصلح له، ومعنى قولنا:«إنّها لا تصلح» أي لا تكون حقيقة في ذلك متى قصد بها إليه، ويكون المتكلّم بها عادلاً عن مذهب أهل اللّغة.
فأمّا عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة «مَن» فلأنّهم لا يبلغون بغيرها ما يبلغون بها، وذلك أنّ الاستفهام بذكر كلّ واحد باسمه إمّا أن لا يمكن، أو يطول، وليس في سائر الألفاظ ما يصلح أن يقصد به إلى الاستخبار عن سائر العقلاء جمعاً وافتراقاً إلاّ لفظة «مَن»، فهذه مزيّة لها على غيرها ظاهرة.
وممّا يبطل ما ادّعوه من قيامها مقام ذكر كلّ عاقل بعينه، أنّه لو كان كذلك لقبح من الاستفهام عند ذكر هذه اللّفظة ما يقبح مع ذكر كلّ عاقل بعينه، وقد علمنا حسن أحد الأمرين وقبح الآخر.
والجواب عمّا ذكروه ثانياً: أنّ المعروف في الاستثناء من مذهب أهل اللُّغة خلاف ما ادّعيتم، وإنّما يخرج الاستثناء عندهم ما جاز أو صحّ دخوله، دون ما وجب، وإنّما صحّ استثناء كلّ عاقل من قول القائل:«من دخل داري أكرمته»،

صفحه 178
لصحّة دخوله تحت هذه اللّفظة، وصلاح هذه اللّفظة للاشتمال على الكلّ، ولمّا لم تصلح أن تشتمل على البهائم، لم يحسن استثناؤها، لأنّ استثناء ما لا يصحّ دخوله تحت اللّفظ ليس يحسن.
فإن قالوا: الاستثناء من لفظ العموم كالاستثناء من ألفاظ الأعداد، فكما أنّ الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فكذلك الاستثناء من لفظ العموم.
قلنـا: ليس بواجب أن يكـون الاستثنـاء من الأعـداد إذا كـان يخرج مـا لولاه لوجب دخوله أن يكون جميع الاستثناء كذلك، وغير منكر أن يكون الاستثنـاء إنّمـا وضع لأن يخـرج ما لـولاه لصحّ دخوله في الكلام، فإن أخرج في بعض المواضع ما لولاه لوجب دخوله، فلأنّ فيما يجب دخوله الصحّة وزيادة، وهذا كما يقول أهل التوحيد أنّ الحيّ من صحّ أن يكون عالماً وقادراً، فإذا عورضوا بالقديم ـ سبحانه ـ قالوا: الوجوب يشتمل على الصحّة ويزيد عليها.
وقد كان الخالديُّ وجماعة ممّن خالف في العموم سوّوا في الاستثناء بين ألفاظ العموم والأعداد، والّذي ذكرناه أوّلاً أولى بالاعتماد عليه.
فإن قالوا: هذا الّذي ذهبتم إليه يؤدّي إلى جواز وقوع الاستثناء في النكرات، وقد علمنا فساده.
قلنا: إنّ الاستثناء من النَّكرات ينقسم إلى استثناء معرفة من نكرة، وإلى استثناء نكرة من نكرة: فأمّا استثناء المعرفة من النكرة، فلا شبهة في حسنه وجوازه عند أهل العربيّة، لأنّهم يقولون: إلق قوماً إلاّ زيداً، واضرب جماعة إلاّ عبد اللّه.

صفحه 179
فأمّا استثناء النكرة من النكرات فقد قال أبو بكر ابن السرّاج1 في كتابه المعروف بـ«الأُصول في النحو»: ولا يجوز أن يستثنى النكرة من النكرات في الموجب، لأنّه لا يجوز أن تقول: جاءني قوم إلاّ رجلاً، لأنّ هذا لا فائدة فيه، قال: فإن خصّصته، أو نعتّه، جاز، فهذا تصريح بحسن الاستثناء من النكرة.
وممّا يبطل ما اعتمدوه في باب الاستثناء أنّ القائل إذا قال لغيره: الق جماعة من العلماء، واقتل فرقة من الكفّار; حسن أن يستثني كلّ واحد من العلماء والكفّار، فيقول: إلاّ فلاناً، وإلاّ الفرقة الفلانيّة، ولا أحد منهم إلاّ ويحسن أن يستثنى، فلو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله في اللّفظ، لوجب أن يكون قولنا: «فرقة» و «جماعة» مستغرقاً لجميع الكفّار والعلماء، كما قالوا في لفظة «مَن» ، وليس هذا قولهم، ولا قول أحد.
وبعد، فإنّ أبا هاشم ومن ذهب مذهبه في أنّ ألفاظ الجنس والجموع لا تستغرق2، لا يستمرّ له دليل الاستثناء، لأنّ حسن استثناء كلّ عاقل من قولنا: «جاءني الناس» واستثناء كلّ مشرك من قوله:«اقتلوا المشركين» ظاهر، وإن لم تكن هذه الألفاظ عنده مستغرقة كلفظة «من» و «ما»، فما المانع من أن يكون الاستثناء من لفظة «من» و «ما» بهذه المنزلة.

1 . هو أبوبكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السرّاج، كان أحد الأئمة المشاهير في النحو والأدب، أخذ عن أبي العباس المبرد وغيره، وأخذ عنه أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في كتاب «الصحاح» في مواضع عديدة، له تصانيف مشهورة في النحو منها: كتاب الأُصول وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، وكتاب جمل الأُصول، وكتاب الموجز، وكتاب الاشتقاق، وكتاب شرح كتاب سيبويه، وكتاب الشعر والشعراء، وغيرها. توفّي سنة ست عشرة وثلاثمائة. وفيات الأعيان:4/339برقم 641.
2 . راجع المعتمد:1/223; ميزان الأُصول:1/395ـ 396; عدة الأُصول:1/296.

صفحه 180
والجواب عمّا ذكروه ثالثاً: أنّ هذا منهم إثبات لغة بقياس واستدلال، وذلك ممّا لا يجوز فيما طريقه اللُّغة.
وبعد، فليس يخلو قولهم: «لابدّ أن يضعوا [له] عبارة» من أن يريدوا به أنّه واجب عليهم أن يفعلوا ذلك، أو لابدّ أن يقع على سبيل القطع:
فإن كان الأوّل، فمن أين لهم أنّهم لابدّ أن يفعلوا الواجب، ولا يُخلّوا به، وليس في وجوب الشيء دلالة على وقوعه، إلاّ أن يتقدّم العلم بأنّ من وجب عليه لا يترك الواجب، وهذا ممّا لا يدّعى على أهل اللّغة.
وإن أرادوا القسم الثاني، فيجب أن يكون القوم ملجئين إلى وضع العبارات، وهذا بعيد ممّن بلغ إليه، لأنّه لا وجه يلجئُ القوم إلى ذلك، لا سيّما وهم متمكّنون من إفهام ما عقلوه من المعاني ـ إذا قويت دواعيهم إلى إفهامها ـ بالإشارة، على اختلاف أشكالها.
وقد كان يجب أيضاً أن يقطع على ثبوت لفظ الاستغراق في كلّ لغة، للعلّة الّتي ذكروها.
وكان يجب أيضاً في كلّ من عقل معنى من المعاني،وكان ممّا يجوّز أن تدعوه الدواعي إلى إفهامه، والعبارة عنه، أن يضع له عبارة، وأن يكون ملجأ إلى وضعها، ومعلوم خلاف ذلك، لأنّا نعلم أنّ المتكلّمين الّذين قد استدلّوا، فعلموا اختلاف الأكوان في الأماكن، والاعتمادات في الجهات والطعوم والأراييح، لم يضعوا للمختلف من ذلك عبارات، وإن كانوا قد عرفوه، وميّزوه، ولا يمكن أن يقال فيهم ما يقال في أهل اللّغة: أنّهم إنّما لم يضعوا لسائر ما عدّدناه، من حيث لم يعرفوه، وإذا لم يضعوا ذلك، ثبت أنّ أهل اللّغة غير ملجئين إلى وضع الألفاظ لما عقلوه من المعاني، لأنّ الإلجاء لا يختلف فيمن تكامل له شروطه.

صفحه 181
وبعد، فإنّا نصير إلى ما آثروه، ونقول: قد وضعوا للاستغراق عبارة تنبئُ عنه، إلاّ أنّه من أين لهم أنّها يجب أن تكون خاصّة وغير مشتركة؟
فإن قالوا: لابدّ أن يضعوا عبارة خاصّة، كما فعلوه في كلّ ما عقلوه.
قيل لهم: ومن أين لكم أنّهم قد فعلوا ما ادّعيتموه في كلّ ما عقلوه، ففيه الخلاف، لأنّا نذهب إلى أنّ ما عقلوه على ضربين: منه ما وضعوا له عبارة تخصّه، ومنه ما وضعوا له عبارة مشتركة بينه و بين غيره; وما فيه عبارة تخصّه ينقسم، ففيه ما تخصّه عبارة واحدة بلا مشاركة لغيره في سواها، وفيه ما تخصّه عبارات كذلك، وفيه ما يشارك غيره في عبارات، وإن اختصّه غيرها.
على أنّا ما وجدناهم يفعلونه في بعض المعاني، وبعض الألفاظ لا يجب القياس عليه، ولا القضاء بأنّهم فاعلون لمثله في كلّ موضع، لأنّا قد رأيناهم وضعوا للمعنى الواحد عبارات كثيرة، وأسماء عدّة، ولم يجز لأحد أن يعلّل ذلك، فيقول: إنّما فعلوه من حيث عقلوه، فيجب أن يكون لجميع المعاني عدّة أسماء، وكذلك لا يجب ما قالوه.
والجواب عمّا ذكروه رابعاً: أنّا نقول بموجب اقتراحهم، لأنّا نذهب إلى أنّ لفظ العموم في نفسه مخالف للفظ الخصوص، ألا ترى أنّ لفظ العموم يتناول مازاد على الواحد ويتعدّى، ولفظ الخصوص لا يتعدّى، لأنّ لفظ العموم إن كان «مَن» و «ما» وما أشبههما، فهذا اللّفظ عندنا يصلح لكلّ عدد من العقلاء، قليل، أو كثير، ولجميعهم، فهو مخالف في نفسه للفظ الخصوص، وإن كان لفظ الجمع كقولنا: المسلمون، فهذا لفظ يجب تناوله لثلاثة، ونشك فيما زاد على الثلاثة، ويجوز في الزيادة الكثرة والقلّة، وأن تبلغ إلى الاستغراق والشمول، فقد فارق عندنا لفظ العموم لفظ الخصوص، كما افترقا في التأكيد.

صفحه 182
والجواب عمّا ذكروه خامساً: أنّكم قد أخللتم في القسمة بالقسم الصحيح، وهو أن تكون موضوعة لأن يعبّر بها عن كلّ العقلاء، وعن بعضهم، وآحادهم، صلاحاً لا وجوباً; وقول بعضهم عقيب هذه الطريقة: «وهذا إنّما يدلُّ على أنّ هذه اللّفظة تتناول الكلّ، فأمّا الّذي يدلُّ على وجوب استغراقها فدليل الاستثناء وطريقة الاستفهام» من العجيب، لأنّ الخلاف إنّما هو في وجوب الاستغراق، وتناول هذه اللّفظة للكلّ على سبيل الاستغراق، فأمّا في الصلاح، فلا خلاف فيه بيننا، فنحتاج إلى تكلُّف دلالة عليه. وهذا يدلُّ على قلّة تأمّل معتمدي هذه الطريقة.
والجواب عمّا ذكروه سادساً: أنّ الفزع عند العزم على العبارة عن العموم إلى هذه الألفاظ إنّما يدلُّ على أنّها موضوعة لهذا المعنى، ونحن نقول بذلك، ولا نخالف فيه، فمن أين أنّها موضوعة لذلك على سبيل الاختصاص به من غير مشاركة فيه، فإنّ القدر الّذي تعلّقتم به لا يدلُّ على ذلك.
ثمّ نقول لهم: أما يجوز ـ على جهة التقرير ـ أن يضع أهل اللُّغة لفظة لمعنى من المعاني لا عبارة عنه سواها، وتكون هذه اللّفظة بعينها يحتمل أن تكون عبارة عن غيره على سبيل الاشتراك.
فإن قالوا: لا يجوز ذلك، طولبوا بالدلالة عليه، فإنّهم لا يجدونها، وإن أجازوه، انتقض اعتمادهم على الفزع في العموم إلى هذه العبارة، لأنّه قد يمكن أن يفزع إليها وإن لم تكن خاصّة له، بل مشتركة بينه و بين غيره، إذا كان لم يضعوا له عبارة سواها.
وتحقيق الخلاف في ذلك بيننا وبينهم أنّ ألفاظ العموم يدّعون أنّها موضوعة للاستغراق في اللّغة مختصّة به وإذا استعملت فيما دونه كانت مجازاً، ونحن نقول:

صفحه 183
إنّ هذه اللّفظة تصلح في وضعهم للاستغراق ومادونه، وهي في الأمرين حقيقة، فمن تكلّم بها وأراد العموم، كان متكلّماً بها على حقيقتها، وكذلك إذا أراد الخصوص، فإنّها حقيقة فيه، فكونها حقيقة في العموم لا نزاع فيه وإنّما الاختلاف في الاشتراك أو الاختصاص.

الفصل الثاني:

في ذكر أقلّ الجمع والخلاف فيه

ذهب قوم إلى أنّ أقلّه اثنان1، والصحيح أنّ أقلّه ثلاثة.2
والّذي يدلُّ عليه أنّ أهل اللّغة فصّلوا بين الجمع والتَّثنية، كما فصّلوا بينهما وبين الوحدة، فكما تفارق التَّثنية الوحدة، كذلك تفارق التثنية الجمع.
وأيضاً فإنّ أهل اللّغة فصّلوا بين ضميريهما، والكناية عنهما، فيقولون: «فَعَلا» في الاثنين، وفي الثلاثة «فَعَلوا»، وفي الاثنين «هما قاما»، فأمّا في الثلاثة «هم

1 . وهو مختار الغزالي في المستصفى:2/149ـ 150، والقاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد:3/324، وهو مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود و أبي إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي. راجع الإحكام للآمدي:2/345، المسألة 3، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/168. وأمّا من الإمامية فهو مختار المفيد في التذكرة:33.
2 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/299، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/168، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/231، والرازي في المحصول:1/384، وإليه ذهب ابن عباس ومشايخ المعتزلة وأبي حنيفة والشافعي، وابن حزم الأندلسي. راجع الإحكام:2/345; ميزان الأُصول:1/427; شرح اللمع:1/330، الإحكام لابن حزم: 4/413.
وذهب إمام الحرمين في «البرهان في أُصول الفقه»:1/241، إلى إمكان رد لفظ الجمع إلى الواحد.

صفحه 184
قاموا»، وفي الأمر للاثنين«افْعَلا»، وللثّلاثة «افْعَلوا»، وهذا كلُّه دليل على صحّة ما قلناه، وقولنا: «جمعٌ» و «جميعٌ» و «جماعةٌ»واحد في أنّه واقع على الثلاثة فصاعداً.

[في أدلّة القائلين بأنّ أقل الجمع اثنان والجواب عنها]

وقد تعلّق من خالفنا بأشياء:
أوّلها: أنّ لفظ الجمع مشتقٌّ من اجتماع الشيء إلى غيره، وهذا المعنى موجود في الاثنين.
وثانيها: قوله تعالى: (وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدينَ)1، وهو يعني داود وسليمان.
وقوله تعالى:(إِذْ دَخَلُوا عَلى داودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بعض)2 في الخصمَيْن.
وقوله تعالى خطاباً لامرأتين:(إنْ تَتَوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما).3
وثالثها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :«الاثنان فما فوقهما جماعة».4
ورابعها: أنّ أحدنا يخبر عن نفسه، فيقول، فعلت كذا، وإذا أراد أن يخبر عن نفسه وآخر معه، يقول: فعلنا كذا، كما يقول ذلك مع الجماعة إذا شاركته.
والجواب عن الأوّل: أنّا لا ننكر أن يكون أصل اشتقاق هذه اللّفظة يقتضي ما ذكروه، ولكنّه اختصّ بالعرف بما ذكرناه، ولذلك نظائر، لأنّ قولهم «دابّة» اشتقّ من الدبيب، ثمّ اختصّ بالعرف ببعض ما يدبُّ، وقولنا : «ملائكة» مشتقّ من الألوكة، وهي الرسالة، واختصّ ببعض الرُّسل، وأمثال ذلك لا تحصى.

1 . الأنبياء:78.
2 . ص: 22.
3 . التحريم:4.
4 . مستدرك الحاكم:4/334; سنن الدارقطني:1/285; المعجم الأوسط:6/364; بحار الأنوار:85/72 ح23.

صفحه 185
والجواب عمّا ذكروه ثانياً: أنّه تعالى كنّى عن المتحاكمين مضافاً إلى كنايته عن الحاكم عليهما، فالمصدر قد يضيفه أهل اللّغة إلى الفاعل والمفعول جميعاً، وهذا من بليغ الفصاحة.
ومن أجاب عن هذا الوجه بأنّ العبارة بالجمع هاهنا كانت للتعظيم، كما قال تعالى: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ)1 غلط، لأنّ التعظيم على عادة أهل اللُّغة إنّما هو في إدخال المخاطب النون في كلامه، وما جرت عادتهم بأن يخاطبوا واحداً بخطاب الجمع على سبيل التعظيم، لأنّ الملك يقول: فعلنا، وقلنا، ولا يقال له: قلتم، وفعلتم، ولا يكنّى عنه بفعلوا.
ومن قال ـ أيضاً ـ: «إنّه أضاف الحكم إلى سائر الأنبياء المتقدّمين لداود وسليمان» مبطل2، لأنّه خلاف الظاهر، ولم تجر عادة باستعمال مثله، وهذا يقتضي جواز أن يقول في اثنين :«قاموا» ويضيف إليهما غيرهما، والّذي سبقنا إليه هو المعوّل عليه، دون غيره.
فأمّا قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) ففيه تصرُّفٌ مليح فصيح، لأنّا نعلم أنّ القلب نفسه لا يصغى ولا يتعلّق بغيره، وإنّما المتعلّق بغيره ما يحلُّ فيه من دواع، ومحبّات، وإرادات، فحذف ذكر الحالّ فيه، وأقام المحلّ مقامه، وجمع المحلّ الّذي هو القلب، لما كان هو والحالُّ جمعاً، ومن عادتهم ذلك، لقرب الحالّ من محلّه، والمحلّ من الحالّ، ويجوز أن يكون شاهداً له قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)3، (وَجاءَ رَبُّكَ)4 لإقامة المضاف إليه مقام المضاف.

1 . الحجر:9.
2 . في«ب» و «ج» و «م»: يبطل.
3 . يوسف:82.
4 . الفجر:22.

صفحه 186
والجواب عمّا ذكروه ثالثاً: أنّ بيان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يجب حمله على الأحكام، دون وضع اللّغة، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لبيان أحكام الشرع بعث، لا للتوقيف على اللّغات.
وقد قيل: إنّ المراد بذلك أنّ الاثنين في حكم صلاة الجماعة وفضلها كالجماعة.
وقيل: إنّه ورد في إباحة السفر للاثنين، فإنّهما في ذلك كالجماعة، لأنّه قد كان نهى عن أن يسافر الرجل وحده.
والجواب عمّا ذكروه رابعاً: أنّ القائل من أهل اللُّغة: إنّ الإنسان يخبر عن نفسه وآخر معه بمثل ما يخبر به عن الجماعة هو الّذي قال: إنّ الكناية عن الجماعة والضمير والخطاب بخلاف الواحد و التَّثنية، وقد قال النحويون: إنّه لا يمكن التَّثنية في إخبار الرجل عن نفسه وعن آخر معه، كما يمكن التفرقة في المواجه والغائب، وما لا يمكن لا يجوز استعماله. واللّه الموفّق للصواب.

الفصل الثالث:

في بيان قولنا: «إنّ العموم مخصوص»

اعلم أنّ معنى قولنا:«إنّ لفظ العموم مخصوص» أنّ المتكلّم به أراد بعض ما يصلح له هذا اللّفظ، دون بعض، لأنّه إذا أُطلق صلح لأشياء كثيرة على سبيل العموم لها، فإذا دلّ الدليل على أنّه أراد بعض ما وضعت هذه اللّفظة لأن تستعمل فيه على سبيل الصلاح; قيل: «إنّ العموم مخصوص». ومخالفونا في العموم يذهبون إلى أنّ معنى قولهم:«إنّ العموم مخصوص» أنّ المتكلّم به أراد

صفحه 187
بعض ما وضع اللّفظ لتناوله وجوباً، لا صلاحاً1، وقد بيّنّا بطلان ذلك.
وقد يقال على هذا الوجه: إنّ فلاناً خصّ العموم، بمعنى أنّه علم من حاله ذلك بالدليل. وقد يقال ـ أيضاً ـ : خصّه، إذا اعتقد فيه ذلك، وإن كان اعتقاده باطلاً.2 ويقال: إنّ اللّه تعالى أو غيره خصّ العموم، بمعنى أنّه أقام الدلالة على ذلك.

[الفرق بين التخصيص والنسخ]

وأمّا الفرق بين التخصيص والنسخ، فربما اشتبها على غير المحصّل، فإنّهما يفترقان في حدّهما، وأحكامهما:
لأنّ حدّ التخصيص هو ما بيّنّاه من أنّ المخاطب بالكلمة أراد بعض ما تصلح له، دون بعض; وأمّا حدّ النسخ فهو ما دلّ على أنّ مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتاً، مع تراخيه عنه، فاختلاف حدّيهما يوجب اختلاف معنييهما.
ومن حقّ التخصيص أن لا يصحّ إلاّ فيما يتناوله اللّفظ، والنسخ قد يصحّ فيما علم بالدليل أنّه مراد، وإن لم يتناوله اللّفظ.
وأيضاً، فإنّ النسخ يقتضي أنّ المخاطب أراد في حال الخطاب الفعل المنسوخ، وإنّما تغيّرت حاله في المستقبل، والتخصيص يقتضي فيما يتناوله ألاّ يكون مراداً في حال الخطاب.
وأيضاً، فإنّ التخصيص لا يدخل إلاّ على جملة، والنسخ يدخل على العين

1 . وهو ما ذهب إليه الشيخ الطوسي في العدة:1/302.
2 . في «ج» بزيادة: ويقال أيضاً خصه بمعنى وصفه.

صفحه 188
الواحدة.
وأيضاً، فإنّ التخصيص في الشريعة يقع بأشياء لا يقع النسخ بها، والنسخ يقع بأشياء لا يقع التخصيص بها، فالأوّل القياس وأخبار الآحاد عند من ذهب إلى العبادة بهما، والثاني نسخ شريعة بأُخرى وفعل بفعل،وإن كان التخصيص لا يصلح في ذلك.1

الفصل الرابع:

في أنّه تعالى يجوز أن يخاطب بالعموم ويريد به الخصوص

اعلم أنّه لا شبهة في ذلك على مذهبنا في العموم، لأنّا نذهب إلى أنّ ألفاظ العموم حقيقة في العموم والخصوص معاً، فمن أراد كلّ واحد من الأمرين بها، فما خرج عن الحقيقة إلى المجاز. وعلى مذهب من خالفنا وقال: إنّ هذه الألفاظ موضوعة للاستغراق دون غيره، وأنّها إذا استعملت في الخصوص، كانت مجازاً، فكلام واضح، لأنّ اللّه تعالى قد يجوز أن يخاطب بالمجاز، كما يخاطب بالحقيقة، وفي القرآن من ضروب المجاز ما لا يحصى. وأكثر ألفاظ القرآن الّتي ظاهرها العموم قد أُريد بها الخصوص.
غير أنّه لابدّ في الخطاب بالمجاز من وجه في المصلحة زائد على وجهها في الخطاب على جهة الحقيقة، ويمكن أن يكون الوجه في ذلك التعريض لزيادة الثواب، لأنّ النظر في ذلك والتأمّل له يشقُّ، ويستحقّ به زيادة الثواب، كما نقوله

1 . ذكر الشيخ الطوسي وجوه الاختلاف بين التخصيص والنسخ في العدة:1/303.

صفحه 189
في حسن الخطاب بالمتشابه، ويجوز أن يعلم أنّه يؤمن عند ذلك ويطيع من لولاه لم يطع.
ولا يجوز أن تتساوى الحقيقة والمجاز عند الحكيم في جميع الوجوه، ويكون مخيّراً في الخطاب بأيّهما شاء، على ما ظنّه بعض من تكلّم في هذا الباب، لأنّ الخطاب بالمجاز عدولٌ عن الحقيقة الموضوعة، وتعدّ إلى ما لم يوضع، وذلك لا يكون إلاّ لغرض زائد. وربما يكون الكلام على وجه المجاز أفصح، وأبلغ، وأخصر، فهذا وجهٌ يجوز أن يكون مقصوداً.

الفصل الخامس:

هل العموم إذا خصّ يكون مجازاً أم لا؟

اعلم أنّ هذا الفرع لا يتمُّ على مذهبنا، وإنّما هو تفريع على أنّ للعموم صيغة مستغرقة متى استعملت في غيره كانت مجازاً، وقد يجوز أن يتكلّم على هذا الفرع، ويبيّن الصحيح فيه من غيره، وقد ذهبنا إلى أنّ عرف الشرع قد اقتضى حمل هذه الألفاظ على العموم والاستغراق.
والقائلون بذلك اختلفوا على خمسة أقوال:
أوّلها: قول من ذهب إلى أنّه يكون مجازاً بأيّ دليل خصّ.1

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/307 والعلاّمة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/217، وهو مذهب مشاهير المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأتباعهما، ومذهب جمهور الأشاعرة وجماعة من الفقهاء كعيسى بن أبان وابن الحاجب والشيخ صفي الدين الهندي والبيضاوي والغزالي في المستصفى والآمدي في الإحكام. راجع المعتمد:1/262; المستصفى:2/126; الإحكام للآمدي:2/348، المسألة 4; الإحكام لابن حزم:3/390; التبصرة في أُصول الفقه:122ـ 123.

صفحه 190
وثانيها: قول من نفى كونه مجازاً بأيّ دليل خصّ.1
وثالثها: قول من ذهب إلى أنّه مجاز إلاّ أن يخصّ بدليل لفظيّ منفصل عنه أو متّصل.2
ورابعها: قول من يجعله مجازاً إلاّ أن يخصّ بقول منفصل.3
وخامسها: قول من يقول إنّه مجاز إلاّ أن يخصّ بشرط أو استثناء.4
وليس يمتنع أن يكون اللّفظ ـ إذا دخله التخصيص بالاستثناء ـ غير مجاز، على تسليم أنّ لفظ العموم مستغرق وجوباً لا صلاحاً، لأنّ اللّفظ إذا تعقّبه غيره تغيّـرت حاله في صورته، وليس يجري مجرى المخصّصات المنفصلة، من دليل عقليّ، أو غيره، ألا ترى أنّ أكثر الكلام مركّب ممّا إذا فصلنا بعضه من بعض أفاد ما لا يفيده المركّب، نحو قولنا:«سَما» و «رَمى» و «جَرى»، لأنّ سما يفيد العلوّ، ورمى يفيد الرمي المخصوص، وجرى يفيد الرَّكض، ومع التركيب والزيادة يفيد

1 . وهو مذهب جمهور الفقهاء وكثير من الشافعية كأبي إسحاق الشيرازي وابن السمعاني وأبي حامد الاسفرائيني وابن السبكي ووالده، وكثير من الحنفية كالسرخسي والسمرقندي، وهو مذهب الحنابلة. راجع: التبصرة:123; رفع الحاجب:1/335; أُصول السرخسي:1/144; ميزان الأُصول:1/420، وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:35.
2 . ذكر القولان الثالث والرابع في بعض المصادر الأُصولية من دون ذكر القائل، والظاهر أنّهما من فروع القول الخامس، كما توجد أقوال أُخرى تتفرع من هذه الأقوال. راجع الإحكام:2/348ـ 349; التبصرة:123; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/216.
3 . ذكر القولان الثالث والرابع في بعض المصادر الأُصولية من دون ذكر القائل، والظاهر أنّهما من فروع القول الخامس، كما توجد أقوال أُخرى تتفرع من هذه الأقوال. راجع الإحكام:2/348ـ 349; التبصرة:123; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/216.
4 . وهو مختار القاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد:3/67، ووافقه قاضي القضاة إلاّ أنّه ذكر «صفة» بدل «استثناء». وقال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/262 ـ 263: القرينة المخصّصة إن استقلت بنفسها صار مجازاً، سواء كانت عقلية أو لفظية; وإن كانت غير مستقلة فهو حقيقة، سواء كان صفة أو شرطاً. وأيّده الرازي في المحصول:1/400، وهو مذهب أبي الحسن الكرخي والباقلاني على ما نسب إليه، كما في التبصرة:122ـ 123.

صفحه 191
فائدة أُخرى، ولا يقول أحد: إنّ ذلك مجاز في حال تركيبه، من حيث وجد اللّفظ الّذي يفيد إذا انفرد فائدة. لا يفيد مع التركيب تلك الفائدة ، وكذلك الاستثناء قد غيّر حكم الجملة في صورتها، فلا يجب أن تكون معه مجازاً، وإن كانت مجازاً إذا تغيّر حكمها بدليل منفصل، لأنّ الدليل المنفصل ما أثّر في الصورة، وإنّما أثّر في المعنى.
ولا يجري ذلك ـ على ما ظنّه بعضهم ـ مجرى قول القائل:«وَاسْألِ القريةَ، وإنّما أردتُ أهلَها»، لأنّ قوله: «أُريد أهلها» دليل كالمنفصل لم يغيّر صورة الكلام وصيغته، وذلك جار مجرى قوله: «واسألِ الْقَرية، وإنّما أردتُ المجاز» في أنّ الصيغة غير متغيّرة به.
وإن لم يكن هذا على ما ذكرناه; لزم عليه أن يكون الكلام كلّه مجازاً، وأن تكون الأمثلة الّتي أوردناها مجازاً، وهذا حدٌّ لا يبلغه متأمّل.

الفصل السادس:

فيما يصير به العامّ خاصّاً

اعلم أنّ اللّفظ الموضوع لأن يستعمل في الاستغراق وفيما دونه إنّما يصير خاصّاً وعبارةً عن البعض دون الكلّ بقصد المخاطب به، وكذلك متى كان عامّاً ومتناولاً للكلّ إنّما يصير كذلك لكون فاعله مريداً لذلك وقاصداً إليه، فإذا قلنا: إنّ الدليل: إمّا العقليّ أو السمعيّ، خصّص اللّفظ; فالمراد أنّه دلّ على كونه مخصوصاً، وعلى أنّ المخاطب به قصد إلى التخصيص، فالدليل دالّ على القصد الّذي هو المؤثّر في الحقيقة.

صفحه 192
وكيف يجوز أن تكون الأدلّة هي المؤثّرة في تخصيص العامّ، وقد يتقدّم ويكون من فعل غير المخاطب، وإنّما يؤثّر في كلامه، فيقع على وجه دون آخر ما كان من جهته.
وقد يتجوّز، فيقال في الدليل: إنّه مخصّص، والمعنى أنّه دلّ ذلك على التخصيص، وربما اشتبه ذلك على من لا يتأمّله.

الفصل السابع:

ذكر جمل الأدلّة الّتي يعلم بها خصوص العموم

اعلم أنّ الأدلّة الدالّة على التخصيص على ضربين: متّصل بالكلام، ومنفصل عنه.
والمتّصل قد يكون استثناء، أو تقييداً بصفة. وقد ألحق قوم بذلك الشرط1، وهذا غلط، لأنّ الشرط لا يؤثّر في زيادة ولا نقصان، على ما كنّا قدّمناه، ولا يجري مجرى الاستثناء والتقييد بصفة.
فأمّا المخصّص المنفصل، فقد يكون دليلاً عقليّاً وقد يكون سمعيّاً; فالسمعي ينقسم إلى ما يوجب العلم وإلى ما يوجب الظنّ، كالقياس وأخبار الآحاد، وليس يخرج عن هذه الجملة شيء من المخصّصات، وتفصيل هذه الجملة يأتي بإذن اللّه تعالى ومشيّته.

1 . منهم الشيخ الطوسي في العدة:1/311و 326.

صفحه 193

الفصل الثامن:

في تخصيص العموم بالاستثناء وأحكامه

اعلم أنّ الاستثناء لا يؤثّر في المستثنى منه حتّى يتّصل به، ولا يكون منقطعاً عنه، وذلك ممّا لا خلاف فيه بين المتكلّمين والفقهاء.1وقد حكي عن ابن عبّاسرحمه اللّه خلافٌ فيه.2
والّذي يدلّ على ذلك أنّ كلّ مؤثّر في الكلام لابدّ من اتّصاله بما يؤثّر فيه، كالشرط والتقييد بصفة، فالاستثناء كذلك، يبيّن ما ذكرناه أنّا لو سمعنا قائلاً يقول بعد تطاول سكوته:«إلاّ واحداً» لعددناه عابثاً هاذياً، كما نعدّه كذلك، إذا اشترط،

1 . نقل الإجماع في هذه المسألة عن المتكلمين والفقهاء وأهل اللغة والأُدباء.
راجع عدة الأُصول:1/313; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/237; المعتمد:1/242; ميزان الأُصول:312; المحصول:1/406; الإحكام:2/391; التبصرة:162.
وقد نقلت آراء أُخرى لا يعتنى بها، فقد ذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظاً لكن مع إضمار الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه ويكون المتكلم به مديناً فيما بينه وبين اللّه تعالى، وذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب اللّه تعالى دون غيره. راجع الإحكام للآمدي .
2 . نسب لابن عباس ثلاثة أقوال: الأوّل: الجواز مطلقاً كما نقله الغزالي في المنخول:232، والمستصفى:2/165، وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/242.
الثاني: الجواز إلى شهر، كما نقله الآمدي في الإحكام:2/391.
الثالث: الجواز إلى سنة، كما نقله الشيرازي في التبصرة:162.
وقد استبعد الشيخ الطوسي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وغيرهم أن يكون هذا الرأي لابن عباس لكونه من أهل الفصاحة والبلاغة.

صفحه 194
أو قيّد بعد انقضاء الكلام وتراخيه بمدّة طويلة.
وأيضاً لو جاز ما ذكروه; لم يكن أحدنا حانثاً في يمينه، لأنّه يستثني فيما بعد زمان، فتخرج يمينه من أن تكون منعقدة.
ويجب على هذا القول ألاّ يوثق بوعد ولا وعيد، ولا يستقرّ أيضاً حكم العقود ولا الإيقاعات من طلاق وغيره.
فأمّا طول الكلام; فغير مانع من تأثير الاستثناء فيه، لأنّه مع طوله متّصل غير منقطع، ولذلك ينقطع الكلام بانقطاع النفس وما يجري مجراه، ولا يخرجه من أن يكون متّصلاً، وقد بيّنّا أنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصحّ دخوله، وذكرنا الخلاف فيه، ودللنا على الصحيح منه.
فأمّا استثناء الشيء من غير جنسه; فالأولى أن يكون مجازاً ومعدولاً به عن الأصل، لأنّ من حقّ الاستثناء أن يخرج من الكلام ما يتناوله اللّفظ دون المعنى، فإذا أخرج ما لا يتناوله اللّفظ; فيجب أن يكون مجازاً، كاستثناء الدرهم من الدنانير، وقول الشاعر:«وما بالربع من أحد إلاّ أواريّ».1
وإنّما جاز استثناء الدرهم من الدنانير على المعنى لا على اللّفظ، لأنّه لمّا كان

1 . وتمام البيتين كما في خزانة الأدب:4/5.
وقفت فيها أصيلاً كي أُسائلها *** عيت جواباً وما بالربع من أحـد
إلاّ أواري لأيا ما أبينها *** والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
وقائل البيتين هو زياد بن معاوية بن ضباب الغطفاني المضري، المعروف بالنابغة الذبياني، أبو أُمامة، شاعر جاهلي من الطبقة الأُولى من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة، وهو أحد الأشراف في الجاهلية، وكان حظياً عند النعمان بن المنذر، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تكلّف في شعره ولا حشو، جمع بعض منه في ديوان صغير مطبوع. وأُلّفت كتب عديدة في سيرته. عاش عمراً طويلاً وتوفي نحو سنة 18 قبل الهجرة. الأعلام:3/54.

صفحه 195
الغرض بالإقرار إثبات المال، وكان الدنانير كالدراهم في أنّها مال; جاز استثناؤها منها.
والشاعر أراد ما بالربع من حالّ ولا ثاو به، فاستثنى الأواريّ1 على هذا المعنى.
فأمّا قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُم أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْليسَ)2; فإنّما جاز استثناؤه من الملائكة وإن لم يكن منهم، من حيث كان مأموراً بالسُّجود كما أُمروا به، فكأنّه تعالى قال: فسجد المأمورون بالسُّجود إلاّ إبليس.
فأمّا قوله تعالى: (وَماكانَ لِمُؤْمن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خطأً)3; فالتأويل المعروف أنّ «إلاّ» هاهنا ليست استثناء، وإنّما هي بمعنى لكن، فكأنّه تعالى قال: لكن من قتله خطأ فحكمه كذا وكذا.
وقد ذكر أبو هاشم على مذهبه وجهاً قريباً، وهو أنّ المراد أنّ مع كونه مؤمناً يقع منه الخطأ، ولا يقع منه العمد.
ويمكن وجه آخر، وهو أنّه ليس له أن يقتل من يعلمه مؤمناً أو يظنُّه كذلك إلاّ خطأ، بأن لا يحصل له أمارة ظنّ ولا طريقة علم. وقد جوّز الفقهاء ذلك فيمن يختلط بالكفّار من المؤمنين إذا لم يتميّز.

1 . الأواري: الأواخي، واحدتها آخية وآري وهو محبس الدابة أو المعلف. لسان العرب:14/29، مادة «أري». قال ابن السكيت في شرح قول النابغة وهو يصف سيلاً: النؤى: الحاجز حول البيت من تراب، فشبه داخل الحاجز بالحوض بالمظلومة، يعني أرضاً مروا بها في برية فتحوضوا حوضاً سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض. يقال: ظلمت الحوض إذا عملته في موضع لا تعمل فيه الحياض. لسان العرب:12/376، مادة «ظلم».
2 . الحجر:30ـ 31.
3 . النساء:92.

صفحه 196
واختلفوا في استثناء الأكثر ممّا يتناوله المستثنى منه، فمنع منه قوم1، والأكثر يجوّزونه.2
والّذي يدلُّ على جواز ذلك أنّ استثناء الأكثر في المعنى المقصود كاستثناء الأقلّ، فيجب جوازه.
وأيضاً فإنّ الاستثناء كالتخصيص في المعنى، فإذا جاز أن يخصّص الأكثر; جاز أن يستثنيه.
وليس لأحد أن يلزم ـ على ذلك ـ جواز استثناء الكلّ، لأنّ ذلك يخرجه من كونه استثناء، لأنّ من حقّه أن يخرج بعض ما تناوله الكلام.
وتعلّق المخالف بأنّه لم يجد أهل اللّغة استثنوا الأكثر، غير صحيح، لأنّه ليس كلّ شيء لم يجدهم فعلوه لا يجوز فعله، ألا ترى أنّا ما وجدناهم يستثنون النصف وما قاربه، وإن كان جائزاً بلا خلاف، وليس كلّ شيء هو الأحسن لا يجوز خلافه، لأنّ الأحسن عندهم تقديم الفاعل على المفعول، ثمّ لم يمنع ذلك من خلافه.
فإن قيل: أفيدلُّ دخول الاستثناء على الجملة على عموم اللّفظ بعد ما أخرجه؟

1 . هو مختار القاضي أبو بكر الباقلاني والحنابلة وابن درستويه النحوي. وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء المساوي.
2 . وهو اختيار علمائنا الإمامية وأكثر الأشاعرة وأغلب الفقهاء والمتكلّمين وجميع أهل الظاهر، وجمهور الشافعيين كأبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي وغيرهم، وأبي الحسين البصري والبيضاوي والرازي وأتباعه وغيرهم . راجع عدة الأُصول:2/316; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/249; المعتمد:1/244; المحصول:1/410; الإحكام للآمدي:2/397، المسألة 3; التبصرة:168; ميزان الأُصول:315; المنخول:233; الإحكام لابن حزم:4/425.

صفحه 197
قلنا: قد ذهب قومٌ إلى ذلك، والصحيح أنّه يبقى على ما كان عليه من الاحتمال، وإنّما تأثير الاستثناء إخراج ما تناوله، يوضح ذلك أنّ القائل إذا قال: «ضَربتُ غِلماني إلاّ زيداً» يجوز له أن يقيم لنا أيضاً دليلاً على أنّه ما ضرب أيضاً عمراً، فالاحتمال باق.

الفصل التاسع:

في أنّ الاستثناء المتّصل بجُمل

هل يرجع إلى جميعها أو إلى ما يليه؟

اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من ذهب إلى أنّ الاستثناء إذا تعقّب جُملاً يصحّ رجوعه إلى كلّ واحدة منها بانفراده; فالواجب أن يرجع إلى كلّ ما تقدّمه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.1
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ الاستثناء يرجع إلى ما يليه فقط.2
والّذي أذهب إليه أنّ الاستثناء إذا تعقّب جملاً، وصحّ رجوعه إلى كلّ واحدة منها لو انفردت، فالواجب تجويز رجوعه إلى جميع الجمل كما قال الشافعي، وتجويز رجوعه إلى ما يليه على ما قال أبو حنيفة وألاّ يقطع على ذلك

1 . كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:172، وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/321، وابن حزم الظاهري في الإحكام:4/430.
2 . وهو مختار أبي الحسن الكرخي. راجع العدة:1/321.

صفحه 198
إلاّ بدليل منفصل، أو عادة، أو أمارة، وفي الجملة لا يجوز القطع على ذلك لشيء يرجع إلى اللّفظ.1
والّذي يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه أنّ القائل إذا قال لغيره: «اضْـرِبْ غِلماني، والْقَ أصدِقائي، إلاّ واحداً» يجوز أن يستفهمه المخاطب، هل أراد استثناء الواحد من الجملتَيْن، أو من جملة واحدة، والاستفهام لا يحسن إلاّ مع احتمال اللّفظ واشتراكه.
دليل آخر: وممّا يدلّ على ذلك أيضاً أنّ الظاهر من استعمال اللّفظة في معنيَيْن مختلفَيْن من غير أن تقوم دلالة على أنّها متجوّز بها في أحدهما أنّها حقيقة فيهما، وقد بيّنّا صحّة هذه الطريقة فيما سلف من هذا الكتاب، ولا خلاف في وجودها في القرآن واستعمال أهل العربيّة استثناء تعقّب جملَتين عاد إليهما تارة، وعاد إلى أحدهما أُخرى، وإنّما يدّعي أصحاب أبي حنيفة أنّه إذا عاد إليهما فلدلالة دلّت، وأصحاب الشافعي يدّعون أنّه إذا اختصّ بالجملة الّتي تليه فلدلالة، وهذا من الجماعة اعتراف بأنّه مستعمل في الأمرين، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، فيجب أن يكون تعقّب الاستثناء الجملَتَيْن محتملاً لرجوعه إلى الأقرب كما أنّه محتمل لعمومه للأمرين وحقيقة في كلّ واحد منهما، فلا يجوز القطع على أحد الأمرين إلاّ بدلالة منفصلة.
دليل آخر: ويدلُّ أيضاً على ذلك أنّه لابدّ في الاستثناء المتعقّب لجملتين من أن يكون إمّا راجعاً إليهما معاً، أو إلى ما يليه منهما، لأنّه من المحال ألاّ يكون

1 . توقّف السيد المرتضى في هذه المسألة للاشتراك; ومنهم من قال بالتوقّف والتماس الدليل، كالقاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد:3/147، والغزالي في المنخول:236; ومنهم من قال بالوقف على تفصيل، كالقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري كما في المعتمد:1/246، وفخر الدين الرازي في المحصول:1/415، والآمدي في الإحكام:2/401، وهو مذهب الأشعرية. ومن الإمامية ذهب إليه العلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/261.

صفحه 199
راجعاً إلى شيء منهما، وقد نظرنا في كلّ شيء يعتمده من قطع على رجوعه إليهما، فلم نجد فيه دلالة على وجوب ما ادّعاه على ما سنبيّنه من بعد إن شاء اللّه تعالى.
ونظرنا أيضاً فيما يتعلّق به من قطع على عوده إلى الأقرب إليه من الجملَتَيْن من غير تجاوز لهما، فلم نجد فيه ما يوجب القطع على اختصاصه بالجملة الّتي تليه، دون ما تقدّمها، فوجب مع عدم ما يوجب القطع على كلّ واحد من الأمرين أن نقف بينهما ولا نقطع بشيء منهما إلاّ بدلالة.
دليل آخر: وهو أنّ القائل إذا قال: «ضربتُ غلماني، وأكرمتُ جيراني، وأخرجت زكاتي قائماً» أو قال: «صباحاً» أو «مساء» أو «في مكان كذا»، احتمل ما عقّب بذكره من الحال، أو ظرف الزمان أو ظرف المكان، أن يكون العامل فيه والمتعلّق به جميع ما عدّده من الأفعال، كما يحتمل أن يكون المتعلَّق به ما هو أقرب إليه، وليس لسامع ذلك أن يقطع على أنّ العامل فيما عقّب بذكره الكلّ ولا البعض، إلاّ بدليل غير الظاهر فكذلك يجب في الاستثناء، والجامع بين الأمرين أنّ كلّ واحد من الاستثناء والحال والظُّروف الزمانيّة والمكانيّة فضلة في الكلام يأتي بعد تمامه واستقلاله، وليس لأحد أن يرتكب أنّ الواجب فيما ذكرناه القطع على أنّ العامل فيه جميع الأفعال المتقدّمة، إلاّ أن يدلّ دليل على خلاف ذلك، لأنّ هذا من مرتكبه مكابرة، ودفع للمتعارف، ولا فرق بين من حمل نفسه عليه، وبين من قال: بل الواجب القطع على أنّ الفعل الّذي تعقّبه الحال أو الظرف هو العامل، دون ما تقدّمه، وإنّما يعلم في بعض المواضع أنّ الكلّ عاملٌ بدليل.

[في أدلّة أبي حنيفة وأصحابه والجواب عنها]

وقد استدلّ أبو حنيفة وأصحابه بأشياء:
أوّلها: أنّ الاستثناء إنّما وجب تعليقه بما تقدّمه، من حيث لم يكن مستقلاً

صفحه 200
بنفسه، ولو استقلّ بنفسه; لما علّق بغيره، ومتى علّقناه بما يليه; استقلّ، وأفاد، فلا معنى لتعليقه بما بعد عنه، لأنّه لو جاز مع إفادته واستقلاله أن يعلّق بغيره، لوجب فيه ـ لو كان مستقلاً بنفسه ـ أن يعلّقه بغيره.
وثانيها: أنّ من حقّ العموم المطلق أن يحمل على عمومه وظاهره إلاّ لضرورة تقتضي خلاف ذلك، ولمّا خصّصنا الجملة الّتي يليها الاستثناء بالضرورة، لم يجز تخصيص غيرها، ولا ضرورة.
وثالثها: أنّه لا خلاف في أنّ الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون ما تقدّمه، لأنّ القائل إذا قال: «ضَرَبْتُ غِلماني إلاّ ثلاثة، إلاّ واحداً»; فإنّ الواحد المستثنى يرجع إلى الجملة الّتي تليه، دون ما تقدّمه، فكذلك كلّ استثناء تعقّب جملاً.
والكلام على الطريقة الأُولى: أنّ أكثر ما تقتضيه هذه الطريقة أنّه لا يجب تعدية الاستثناء وقد استقلّ بالرجوع إلى ما يليه إلى ما تقدّم من الجمل، وهكذا نقول: إنّ ذلك غير واجب، وإنّما يتوجّه هذا الكلام إلى أصحاب الشافعي، لأنّهم يوجبون رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدّمه من الجمل، فأمّا من وقف في ذلك، وجوّز عوده إلى الجميع، كما جوّز اختصاصه بما يليه، فلا يلزمه هذا الكلام.
وهذه الطريقة توجب على أبي حنيفة ألاّ يقطع بالظاهر من غير دليل على أنّ الاستثناء ما تعلّق بما تقدّم، ويقتضي أن يتوقّف في ذلك، كما نذهب نحن إليه، لأنّه بنى دليله على أنّ الاستقلال يقتضي ألاّ يجب تعليقه بغيره، وهذا صحيح، غير أنّه وإن لم يجب; فهو جائز، فمن أين قطع على أنّ هذا الجائز الّذي ليس بواجب لم يرده المتكلّم، وليس فيما اقتصر عليه دلالة على ذلك.
وقوله: «لو جاز ذلك لجاز في الاستثناء ـ إذا كان مستقلاً بنفسه ـ أن يعلّقه

صفحه 201
بغيره» باطل، لأنّ ما يستقلُّ بنفسه ولا تعلّق له بغيره جائزاً ولا واجباً لا يجوز أن يعلّقه بغيره، والاستثناء المتعقّب لجملتين غير مستقلّ بنفسه، فبالضرورة تعلُّقه بما يليه حتّى يستقلّ، غير أنّه وإن استقلّ بذلك، فمن الجائز أن يتعلّق بما تقدّمها، وإن لم يكن ذلك واجباً، ففارق الاستثناء المفتقر إلى غيره ما يستقلّ من الكلام بنفسه ولا يحتاج إلى سواه.
وهذا الكلام ينتقض على من تعلّق به بالشرط، لأنّ الشرط تقدّم، أو تأخّر، متى علّقناه ببعض الجمل، أفاد، واستقلّ، وعندهم كلّهم أنّه يجب أن يعلّق بالجميع مع حصول الاستقلال، وهذا نقض ظاهر.
ويقال لهم على الطريقة الثانية: إنّا أوّلاً لا نسلّم أنّ لفظ العموم يجب حمله بظاهره على الاستغراق إلاّ لضرورة، لأنّا قد بيّنّا في هذا الكتاب أنّ هذه الألفاظ مشتركة محتملة، ولا يجب حملها على كلّ ما تصلح له إلاّ بدليل، فليس من الواجب ـ إذا خصّصنا الجملة الّتي يليها الاستثناء للضّرورة، وطلباً لاستقلال الكلام ـ أن نقطع على أنّ الجملة الأُولى عامّة لا محالة، بل هي على احتمالها قبل تعقُّب الاستثناء. فإن دلّ دليل على أنّ هذا الاستثناء مخصّص لها، قلنا بذلك، وإلاّ; فالتوقّف هو الواجب. وهذه الطريقة تتوجّه إلى أصحاب الشافعي، لأنّهم يوجبون استغراق ألفاظ العموم، وإذا لم تدع الضرورة إلى تعليق الاستثناء بالجملة الأُولى كما دعت فيما يليه، فيجب حملها على ظاهرها من العموم.
وبعد; فهذه الطريقة تنتقض أيضاً بالشرط على ما قدّمنا ذكره.
فأمّا الكلام على الطريقة الثالثة: فإنّ الاستثناء من الاستثناء إنّما وجب رجوعه إلى ما يليه، دون ما تقدّمه، لأنّا متى ما علّقناه بالأمرين، لغا وسقطت الفائدة فيه، لأنّ القائل إذا قال: «لك عندي عشرة دراهم إلاّ درهمين» لو لم يستثن بعد ذلك،

صفحه 202
لفهمنا إقراره بثمانية، فإذا قال عقيب ذلك:«إلاّ درهماً» استفدنا أنّه أقرّ بتسعة، فلو رجع الدرهم المستثنى إلى العشرة كما رجع إلى الدرهمين، لكان وجوده كعدمه، ولم يفدنا إلاّ ما استفدناه بقوله: «لك عندي عشرة إلاّ درهمين» وهو الثمانية من غير زيادة عليها أو نقصان منها، لأنّا إذا جعلنا قوله: «إلاّ درهماً» يرجع إلى العشرة، صار كأنّه قال: «لك عندي عشرة إلاّ ثلاثةً»، لأنّ الدرهم المستثنى إذا انضاف إلى الدرهمين المستثنين، كانت ثلاثة، وإذا أنقصنا الدرهم من الثلاثة، بقيت ثمانية، فعاد الأمر إلى أنّ الإقرار بثمانية، وهو المفهوم من قوله: «لك عندي عشرة إلاّ درهمين» وصار استثناء الدرهم الثاني لغواً غير مفيد، وإذا جعلناه راجعاً إلى ما يليه، دون ما تقدّمه، أفاد، لأنّه يصير مقرّاً بتسعة، فلهذه العلّة لم يعلّق الاستثناء الداخل على الاستثناء بجميع ما تقدّمه، وليس هذا المعنى فيما اختلفنا فيه.
ووجدت بعض من تكلّم في أُصول الفقه من المجوّدين المحقّقين يقول: رجوع الاستثناء الداخل على الاستثناء إلى جميع ما تقدّم متعذِّر، لأنّ قول القائل: «إلاّ ثلاثة إلاّ واحداً» لو رجع إليهما، لانقلب الواحد وصار اثنين.
وقال ـ أيضاً ـ : إنّ الاستثناء الثاني لو رجع إليهما، لصار نفياً وإثباتاً، وذلك مستحيل، لأنّ الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات.
فيقال له: لفظ الواحد ومعناه لا يبطل إذا علّق بجمل متغايرة، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: «قد أعطيتك من كلّ عشرة واحداً» فربما اجتمع بهذا القول العدد الكثير، وإن كان لفظ الواحد ومعناه لم يتغيّر، لأنّ الواحد من كلّ عشرة هو واحد على الحقيقة، وإن كان يتكثّر بانضمام غيره إليه، فكذلك الواحد المعلّق بكلّ واحدة من الجملتين واحد في الحقيقة ما بطل لفظه ولا معناه.

صفحه 203
وقوله:«إنّ ذلك يتناقض من حيث النَّفي والإثبات» غير صحيح، لأنّ النفي إنّما يناقض الإثبات إذا تقابلا، وتعلّقا جميعاً بالشيء الواحد، على وجه واحد، فأمّا النفي من جملة، فليس بمناقض للإثبات في الأُخرى، وإن كان الاستثناء ـ كما قال ـ من الإثبات نفياً، ومن النفي إثباتاً، إلاّ أنّ التنافي زائل مع تغاير الجملتين، فبان أنّ المانع من ذلك هو ما ذكرناه، دون غيره.

[في أدلّة الرجوع إلى الجميع والجواب عنها]

وقد تعلّق الشافعيّ وأصحابه بأشياء:
أوّلها: أنّ الشرط قد ثبت أنّه متى تعقّب جملاً كثيرة عاد إليها كلّها، ولم ينفرد بما قرب منه، فكذلك الاستثناء، والجامع بينهما أنّ كلّ واحد منهما لا يستقلُّ بنفسه، ويفتقر في استقلاله وفائدته إلى غيره.
ولأنّ كلّ واحد منهما يقتضي ضرباً من التخصيص، لأنّ الاستثناء يخصّص الأعيان، ويخرجها ممّا تناوله ظاهر الكلام، كقولك: «ضربتُ القومَ إلاّ زيداً» والشرط يخصّص الأحوال، كقولك: «أعطه درهماً إن دخل الدار»، والأمر بالعطيّة مع الإطلاق يقتضيها على كلّ حال، فإذا شرط، تخصّصت بحال معيّنة.
وأيضاً فمعناهما واحد، لأنّ قوله تعالى في آية القذف: (إِلاّ مَنْ تابَ)1 جار مجرى قوله: وأُولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا.
وثانيها: أنّ حرف العطف يصيّر الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة، لأنّه لا فرق بين أن تقول: رأيت زيد بن عبد اللّه، ورأيت زيد بن عمرو وهما جملتان، وبين أن تقول: رأيت الزيدين، وإذا كان الاستثناء الواقع

1 . الفرقان:70.

صفحه 204
عقيب الجملة الواحدة راجعاً إليها لا محالة، فكذلك ما صار بحرف العطف كالجملة الواحدة.
وثالثها: أنّه قد ثبت بلا خلاف أنّ الاستثناء بمشيّة اللّه تعالى إذا تعقّب جملاً; عاد إلى جميعها، فكذلك الاستثناء بغير المشيّة والجامع بينهما أنّ كلّ واحد منهما استثناء، وغير مستقلّ بنفسه.
ورابعها: أنّا قد علمنا أنّ الاستثناء إذا تعقّب جملاً يصحّ أن يعود إلى كلّ واحد منها، فليس هو بأن يعود إلى بعض أولى من بعض، فيجب عوده إلى الجميع، كما أنّ ألفاظ العموم لمّا لم تكن بتناول بعض أولى من بعض، تناولت الجميع.
وخامسها: أنّ طريقة العرب الاختصار وحذف فضول الكلام ما استطاعوا، فمتى أوردوا استثناء عقيب جمل كثيرة من الكلام، فكأنّهم ذكروه عقيب كلّ واحدة، وإنّما حملهم الاختصار على العدول عن ذكره عقيب كلّ جملة، ألا ترى أنّه تعالى لو قال: «فاجلدوهم ثمانين جلدة إلاّ الّذين تابوا، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلاّ الّذين تابوا، وأُولئك هم الفاسقون إلاّ الّذين تابوا» لكان تطويلاً، فأقام مقام ذلك ذكر التوبة مرّة واحدة عقيب الجمل كلّها.
وسادسها: أنّ لواحق الكلام وتوابعه من شرط أو استثناء يجب أن يلحق الكلام مادام الفراغ لم يقع منه، ومادام الكلام متّصلاً لم ينقطع، فاللّواحق لاحقة ومؤثّرة فيه، فالاستثناء إذا تعقّب جملاً متّصلة معطوفاً بعضها على بعض، فالواجب أن يؤثّر في جميعها.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّا لا نسلّم لكم ما ادّعيتموه، من أنّ الشرط متى تعقّب جملاً كثيرة، عاد إلى جميعها، بل نقول في الشرط مثل ما نقوله في الاستثناء:

صفحه 205
من أنّه متى تعقّب جملاً، احتمل الكلام عوده إلى كلّ ما تقدّم، كما يحتمل عوده إلى ما يليه، وإنّما يقطع على أحد الأمرين بدليل.
فإن قيل: هذا دفع لعرف اللّغة.
قلنا: ما يعرف للعرب الّذين قولهم في هذا حجة في الشرط والاستثناء ما يقطع به على أحد هذين المذهبين اللّذين وقع الخلاف فيهما، ومن صنّف كتب النحو إنّما هم مستقرئون لكلام العرب، ومستدلّون على أغراضهم، فربما أصابوا، وربما أخطأوا ، وحكمهم في ذلك كحكمنا. على أنّ قولهم في هذا يختلف، ولم يحقّقوه كما حقّقه المتكلّمون منّا في أُصول الفقه.
وأصحاب أبي حنيفة يفرّقون بين الاستثناء والشرط، ويقولون: إنّ الشرط له صدر الكلام ، فإذا تعقّب الجمل; فهو واقع في غير موضعه، وكأنّه مذكور في أوّل الكلام، فلهذا تعلّق بالجميع، والاستثناء إذا تعقّب الجمل; فهو مكانه.
وهذا ليس بمرضيّ، لأنّه لو قيل لهم: فإذا كان الشرط متأخّراً كأنّه متقدّم، لم يجب تعلُّقه بالجميع; وهو لو تقدّم على الجمل في اللّفظ لا في المعنى، لم يجب ذلك فيه على ما بيّنّاه، ولم يجدوا حجّة.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: كيف تصير الجملتان أو الجمل كالجملة الواحدة لأجل العطف؟! ومعلوم أنّ الجملتين إذا تعقّبهما استثناء صحّ من المستثني أن يصرّح بأنّه إنّما استثنى من إحداهما دون الأُخرى، ولا يجوز في الجملة الواحدة أن يصرّح بأنّ الاستثناء غير عائد إليها.
وبعد، فما معنى قولكم: إنّ الجملتين قد صارتا كالواحدة؟ أتريدون أنّ جميع أحكام هذه قد صارت للأُخرى، أم تريدون أنّهما قد اشتركا في حكم ما؟
فإن أردتم الأوّل، فسد بما لا يحصى، لأنّ أحكام الجمل وصفاتها قد تختلف

صفحه 206
مع عطف بعضها على بعض، ألا ترى أنّ القائل إذا قال: «أكرمتُ القوم، وضربتُ الغلمان» فعطف جملة على أُخرى، فإنّ أحكام الجملتين مختلفة; لأنّ الأُولى تقتضي وقوع الإكرام، والثانية تقتضي وقوع الضرب، وهما مختلفتان، وغير ممتنع أن تكون صفات المكرمين تخالف صفات المضروبين من وجوه شتّى، وإنّما العطف يقتضي الجمع بينهما في بعض الأحكام، فإذا قال: «ضربتُ زيداً وعمراً»; فالعطف سوّى بينهما في الضرب، وإذا قال: «ضربتُ زيداً، وأكرمتُ عمراً» فالتسوية بينهما من حيث أوقع بكلّ واحد منهما حدثاً من جهة فأمّا سائر الأحكام، فلا تسوية بينهما فيها فلا يجب إذاً أن يستويا في رجوع الاستثناء إليهما.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّ ذكر مشيّة اللّه عقيب الجمل ليس باستثناء ولا شرط، لأنّه لو كان استثناء; لكان فيه بعض حروف الاستثناء، ولا حرف هاهنا من حروفه. ولو كان شرطاً على الحقيقة; ـ و إن كان فيه لفظ الشرط ـ لما صحّ دخوله على الماضي، وقد تذكر المشيّة في الماضي، فيقول القائل: لقيت زيداً، وأكلت البارحة كذا، ثمّ يقول: إن شاء اللّه، وإنّما دخلت المشيّة في كلّ هذه المواضع، ليقف الكلام عن النفوذ والمضيّ، لا لغير ذلك.
فإذا قيل لنا: فلم إذا تعقّبت المشيّة جملتين أو جملاً; اقتضت وقوف حكم الجميع، وألاّ أجزتم تعلُّقها بما يليها، دون غيره؟
قلنا: ذلك كان ممكناً لولا الدليل، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ حكم الجميع يقف، فلم يرد حكم المشيّة إلى الجميع إلاّ بدليل، وما نأبى أن يرجع الاستثناء أو الشرط إلى جميع الجمل بدليل، وإنّما نأبى القطع على ذلك بالظاهر من غير دليل.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به رابعاً: إنّ صحّة عود الاستثناء إلى كلّ واحد من الجمل لا يقتضي القطع على عوده إليها بأسرها، وإنّما يقتضي التجويز لذلك

صفحه 207
والشكّ فيه، فرقاً بين ما يصحّ عوده إليه وبين ما لا يصحّ ذلك فيه. والعموم عند من قال: إنّ لفظه بظاهره يتناول الجميع، لم يقل فيه بذلك لصحّة التناول، بل لأنّ اللّفظ موضوع للشّمول والاستغراق وجوباً.
وهذه الطريقة تنتقض بأنّ قول القائل: «رأيت رجلاً» يصحّ أن يريد بالرجل زيداً ، وعمراً، وكلّ من يصحّ تناول هذا الاسم له، ومع ذلك فلا يقطع من حيث الصحّة على أنّه قد أراد الجميع، وكذلك إذا قال: «ضربتُ رجالاً» يصحّ أن يريد السودان والبيضان والطِّوال والقصار، ومع ذلك غير واجب القطع على أنّه قد أراد كلّ من صلح هذا اللّفظ له.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به خامساً: إنّ طريقة العرب الاختصار كما ذكرتم ، ومتى أرادوا الاستثناء من كلّ جملة من الجمل المعطوف بعضها على بعض، واعتمدوا الاختصار; أخّروا ذكر الاستثناء في أواخر الجمل هرباً من التطويل بذكره عقيب كلّ جملة وجرى ذكره في أواخر الجمل مجرى ذكره عقيب كلّ جملة، ودلّوا على أنّهم قد أرادوا عوده إلى كلّ واحدة، لأنّهم كما يريدون الاستثناء من كلّ جملة فيختصرون بذكر ما يدلُّ على مرادهم، كذلك قد لا يريدون الاستثناء من كلّ جملة، بل من جملة واحدة، فلابدّ من مراعاة الدلالة، حتّى يحكم بالاختصار، ولا يجب الحكم بالاختصار تبخيتاً وتخميناً.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به سادساً: إنّ الكلام إذا كان الفراغ لم يقع منه، وكان المتكلّم متشاغلاً به، صحّ أن تعود إليه اللّواحق المؤثّرة من شرط واستثناء، ومشيّة، فأمّا القطع على وجوب تعلُّقها بجميعه، فإن كان منفصلاً وبعيداً عن محلّ المؤثّر، فغير مسلّم. وإنّما راعوا اتّصال الكلام وانقطاعه لينفصل حكم ما يصحُّ أن يلحق بالكلام ممّا لا يصحّ لحوقه للفراغ والانفصال. ولو كان بهذا الّذي اقتصر

صفحه 208
عليه اعتبار، لوجب إذا قال القائل:«أكرمت جيراني، وضربتُ غلماني الطوال» أن يردّ لفظة الطوال إلى الجملتين، لأنّ الفراغ ما حصل من الكلام، كما يفعل في الاستثناء.
فإذا قيل: لو رددناه إلى ما تقدّم، لكنّا قد فصلنا بين الصفة والموصوف.
قلنا: قد فعل ذلك في مواضع، وكذلك لو رددنا الاستثناء إلى الجميع، لكنّا قد فصلنا بين الاستثناء والمستثنى منه، وكلُّ ذلك مكروه عندهم مذموم.
فإن قيل: فعلى ما اخترتموه من المذهب في الاستثناء كيف قولكم في الآية الّتي أحوجت الفقهاء إلى الكلام في هذه المسألة، وهي قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يَرمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلدة وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادةً أَبداً وأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُون * إِلاّ الّذينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)1، وهل الاستثناء بالتوبة عائد إلى جميع الجمل ومؤثر فيها، أو هو مختصٌّ بما يليه؟
قلنا: إنّ القاذف عندنا إذا تاب وكذّب نفسه في القذف تقبل شهادته، وهذا إنّما قلناه بدليل هو غير ظاهر الاستثناء، لأنّا قد بيّنّا أنّ تعقّب الاستثناء للجمل لا يجب القطع على عوده إليها أجمع إلاّ بدلالة، وقد أجمعت الإماميّة على الحكم الّذي ذكرناه في الآية، وإجماعهم حجّة، على ما دللنا عليه في غير موضع ، ولو لم يثبت ذلك وثبت أنّ إجماع المؤمنين حجّة بالآيات، أو بغيرها على ما يذهب إليه مخالفونا، لكان إجماع الإماميّة هو الحجّة، لأنّ الحقّ فيهم، والمؤمنون هم، ولمّا أجمعوا على أنّ الاستثناء بالتوبة يزيل اسم الفسق، وهذا لا خلاف بين أحد فيه، وأجمعوا أيضاً على أنّه يفيد حكم قبول الشهادة،

1 . النور:4ـ5.

صفحه 209
قلنا به; ولمّا لم يجمعوا على أنّ التوبة تزيل الحدّ، وتسقطه، لم نجعل الاستثناء راجعاً إلى إقامة الحدّ خاصّة.
وممّا يمكن الاستدلال به على قبول شهادة القاذف بعد توبته ـ لا من جهة الإجماع الّذي أشرنا إليه ـ كلُّ ظاهر في القرآن يقتضي قبول شهادة الشاهدين العدلين، مثل قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُم)1، وقوله تعالى: (مِمّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداء)2 وكلُّ هذا يتناول القاذف بعد توبته، وإذا تناوله، صار هذا العموم بظاهره دليلاً على أنّ اشتراط التوبة وإن كان متأخّراً فهو عائدٌ إلى قبول الشهادة، لأنّا قد بيّنا أنّ استثناء التوبة في آخر الكلام يقتضي وجوب تعليقه بما يليه، ويجب التوقُّف عن رجوعه إلى ما يصحُّ عوده إليه من الجمل المتقدّمة إلاّ بدليل، فظاهر الآيات الّتي تلوناها يقتضي قبول شهادة القاذف بعد التوبة لتناول الظاهر له، فيقطع بذلك على عود الاستثناء إليه، لا من حيث الظاهر.
ويمكن أيضاً أن يستدلّ على أنّ الاستثناء راجع، إلى قبول الشهادة بقوله تعالى:(إِلاّ الّذينَ تابوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) ومعلوم أنّ التوبة كافية في إسقاط حكم الفسق، وأنّ إصلاح العمل ليس بشرط في ذلك، وهو شرط في قبول الشهادة، فيجب أن يعود الاستثناء أيضاً إلى قبول الشهادة.
فإن قيل: قوله تعالى:(فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ) لا يليق إلاّ بإسقاط عقاب الفسق، دون قبول الشهادة.
قلنا: وصفه تعالى بالغُفران والرحمة ممّا يستحقّه جلّ اسمه على كلّ حال، ولا يحتاج فيه إلى مطابقة بعض ما يتعقّبه من الكلام.

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:282.

صفحه 210
على أنّ الرحمة هي النعمة، واللّه تعالى منعم بالأمر بقبول شهادة التائب من القذف بعد أن كانت مردودة، والغفران في الأصل مأخوذ من الغفر الّذي هو السَّتر، ومنه المغفر، لأنّه ساتر، وإنّما سمّي الإسقاط للعقاب غفراناً، من حيث كان الساتر للشيء المخفي له كأنّه مزيل له، وماح لرسمه، واللّه ـ تعالى ـ إذا أمرنا بقبول شهادة التائب من القذف، فقد أسقط ما كان تعبّد به قبل التوبة من ردّ شهادته، وأزاله ، وهذا كلُّه بيّن.

الفصل العاشر:

في تخصيص العموم بالشرط

اعلم أنّ الشرط وإن لم يكن مؤثّراً في نقصان عدد المشروط كالاستثناء، وبذلك فصلنا بينهما فيما تقدّم، فإنّه يخصّص المشروط من وجه آخر، لأنّه إذا قال: «اضرب القوم، إن دخلوا الدار» فالشرط لا يؤثّر في تقليل عدد القوم، وإنّما يخصّص الضرب بهذا الحال، لأنّه لو أطلق لتناول الأمر بالضرب على كلّ حال، فتخصّص بالشرط، ومن أمثلته قوله تعالى:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيّباً)1، وقوله جلّ اسمه:(فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتّينَ مِسْكِيناً).2
ولا فصل في الحكم الّذي ذكرناه بين تقدّم الشرط في صدر الكلام وبين تأخّره.
ولا يمتنع أن يشترط الشيء بشروط كثيرة، كما لا يمتنع أن يكون الشرط الواحد

1 . المائدة:6.
2 . المجادلة:4.

صفحه 211
شرطاً في أشياء كثيرة. وكلّما زيد في الشرط، زاد التخصيص.
ومن حقّ الشرط أن يكون مستقبلاً، وكذلك المشروط.
والغاية تجري في هذا المعنى مجرى الشرط. وقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ)1 معناه إلى أن يطهرن، فإن طهرن فاقربوهن. وكذلك قوله تعالى: (حَتّى يُعْطُوا الجِزيةَ عَنْ يَد وَهُمْ صاغِرُونَ).2

الفصل الحادي عشر:

في المطلق والمقيّد

اعلم أنّ التقييد هو مثل قوله تعالى:(فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة)3، وقوله تعالى: (فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ)فإذا ولي هذا ا4لتقييد جملة واحدة، فلا شبهة في تغيّر حكمها والخلاف فيه متى ولي جملَتين، في رجوعه إليهما ـ إذا صحّ ذلك فيه ـ أو رجوعه إلى ما يليه، كالخلاف في الاستثناء، وقد تقدّم مشروحاً.
ولا خلاف في أنّ الحكم المقيّد إذا خالف الحكم المطلق، ولم يكن من جنسه; فإنّ التقييد لا يتعدّى إلى المطلق. وإنّما اختلف فيما قيّد وأُطلق، والجنس واحد، كالكفّارات، لأنّه تعالى أطلق الرقبة في كفّارة الظهار، وقيّدها في كفّارة القتل، فقال قوم: إنّ المطلق يصير مقيّداً للظّاهر، لا للدّليل. وقال قوم: يقيّد بالدليل، والقياس. وقال آخرون: لا يصحُّ تقييده بالقياس، من حيث يتضمّن الزيادة،

1 . البقرة:222.
2 . التوبة:29.
3 . النساء:92.
4 . النساء:92.

صفحه 212
والزيادة في النصّ نسخ.1
والدليل على أنّ المطلق لا يقيّد لأجل تقييد غيره أنّ كلّ كلام له حكم نفسه، ولا يجوز أن يتعدّى إليه حكم غيره، ولو جاز تقييد المطلق لأجل تقييد غيره، لوجب أن يخصّ العامُّ لتخصيص غيره، ويشترط المطلق على هذا الوجه، وهذا يبطل الثِّقة بشيء من الكلام.
احتجاجهم بأنّ القرآن كالكلمة الواحدة، يبطل بالاستثناء والتخصيص.
وقولهم:«الشَّهادة لمّا أُطلقت في موضع، وقيّدت في آخر، حكمنا بتقييدها في كلّ موضع» يبطل بأنّ العدالة معتبرة في كلّ موضع، وإنّما اشترطت لدليل هو غير ظاهر تقييدها في بعض المواضع.
فأمّا من يجعل القياس دليلاً وطريقاً إلى إثبات الأحكام، فليس له أن يمتنع من تقييد الرقبة بدليل القياس، إن اقتضى ذلك، وإن كان زيادة، وليس في الحقيقة زيادة، لأنّ تقييد الرقبة بالإيمان يقتضي أنّ المجزي أقلّ ممّا كان يجزى، وهذا في المعنى تخصيص لا زيادة، ولا معتبر بزيادة اللّفظ، لأنّ كلّ تخصيص بدليل شرعيّ لابدّ من كونه زيادة في اللّفظ.

1 . وتوجد في المسألة أقوال أُخرى، راجع: عدة الأُصول:1/330; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/384; المعتمد:1/291; المحصول:1/457; التبصرة:212ـ 217; ميزان الأُصول:410.

صفحه 213

الفصل الثاني عشر:

في ذكر مخصصات العموم المنفصلات الموجبة للعلم

اعلم أنّ تخصيص العموم بكلّ دليل أوجب العلم من عقل وكتاب وسنّة مقطوع عليها وإجماع لا شبهة فيه، ولا خلاف من محقّق في مثله1، لأنّ الدليل القاطع إذا دلّ على ضدّ حكم العامّ لم يجز تناقض الأدلّة، فلابدّ من سلامة الدليلين، ولا يسلمان إلاّ بتخصيص ظاهر العموم.
فإن قيل: لم كنتم بأن تخصُّوا العموم بدليل العقل أولى ممّن خصَّ دليل العقل بالعموم؟
قلنا: دليل العقل لا يدخله الاحتمال والحقيقة والمجاز، والعموم يصحّ فيه كلُّ ذلك، فلهذا خصصنا العموم بالعقل.
فإن قيل: دليل العقل يجب تقدُّمه على العموم، فكيف يخصُّ به، ولو جاز تخصيصه به، لجاز نسخه.
قلنا: دليل العقل ليس بمخصّص على الحقيقة، وإنّما هو دالٌّ على المخصّص، والمؤثّر في الحقيقة هو قصد المخاطب، والدليل يجوز تقديمه على المدلول ، لأنّه ليس بمؤثّر.
على أنّ دليل العقل كما يتقدّم، فهو مصاحب، فلو كان مؤثّراً، لكان مصاحباً.

1 . اتفقت الإمامية على ذلك، راجع: التذكرة:37ـ 38; عدة الأُصول:1/336; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/281.

صفحه 214
وأمّا النسخ بدليل العقل، فغير ممتنع في المعنى، لأنّ سقوط فرض القيام في الصلاة بالزمانة كسقوطه بالنهي، فمعنى النَّسخ حاصل، وإن لم يطلق الاسم.
وأمّا تخصيص الكتاب بالكتاب، فلا شبهة في جوازه1، ومن خالف في ذلك من أهل الظاهر وسمّى التخصيص بياناً إنّما هو مخالف في العبارة.
وأمّا تخصيصه بالسنة، فلا خلاف فيه2، وقد وقع كثير منه، لأنّه تعالى قال:(يُوصيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)3. وخصّص عموم هذا الظاهر قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يرثُ القاتل»4و «لا يتوارث أهل ملّتين».5
وجملة القول في هذا الباب أنّ كلّ شيء هو حجّة في نفسه لابدّ من تخصيص العموم به، وإنّما الخلاف في عبارة، أو في وقوع ذلك، ولا حاجة بنا إلى ذكر الوقوع في هذا الموضع.
وأمّا تخصيصه بالإجماع، فصحيح، لأنّ الإجماع عندنا لا يكون إلاّ حجّة، لما سنذكره في باب الإجماع بمشيّة اللّه تعالى والخلاف بيننا وبين أصحاب الإجماع إنّما هو في التَّعليل والدليل.

1 . اتّفق العلماء والمحقّقون على ذلك خلافاً لبعض الطوائف، راجع: الإحكام للآمدي:2/412، المسألة الثانية; المحصول:1/428; عدة الأُصول:1/339; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/286.
2 . وهو مذهب الإمامية والمعتزلة وأئمّة المذاهب الأربعة وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/255 والرازي في المحصول:1/430، والآمدي في الإحكام:2/416، والغزالي في المستصفى:2/29، وآخرين.
3 . النساء:11.
4 . سنن الدارمي:2/385; سنن البيهقي:6/219، باب لا يرث القاتل و ج8/133، باب لا يرث القاتل; كنز العمال:11/17 برقم 30435.
5 . مسند أحمد:2/178و 195; سنن ابن ماجة:2/912 برقم 2731; سنن أبي داود:2/8 برقم 2911.

صفحه 215

الفصل الثالث عشر:

في التخصيص بأخبار الآحاد

اختلف العاملون في الشريعة بأخبار الآحاد في تخصيص عموم الكتاب بها، فمنهم من أبى أن يخصّ بها على كلّ حال1، ومنهم من جوّز تخصيصه بأخبار الآحاد إذا دخله التخصيص بغيرها2، ومنهم من راعى سلامة اللّفظة في كونها حقيقة، ولم يوجب التخصيص بخبر الواحد مع سلامة الحقيقة، وأجازه إذا لم تكن سالمة، وإنّما تسلم الحقيقة عنده إذا كان تخصيصه بكلام متّصل به3، ومنهم من يجيز تخصيص العموم بأخبار الآحاد على كلّ حال بغير قسمة.4
والّذي نذهب إليه أنّ أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال، وقد كان جائزاً أن يتعبّد اللّه ـ تعالى ـ بذلك، فيكون واجباً، غير أنّه ما تعبّدنا به.
والّذي يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه أنّ الناس بين قائلَيْن: ذاهب إلى وجوب

1 . وهو مذهب الشيخ الطوسي في العدة:1/344.
2 . وهو مختار الأحناف وعيسى بن أبان. راجع التبصرة:132; أُصول السرخسي:1/144.
3 . وهو مختار أبي الحسن الكرخي. راجع المحصول:1/432; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2/298.
4 . وهو مذهب أكثر المتكلمين وفقهاء المذاهب الأربعة وأكثر الفقهاء، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/255، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:132، وفخر الدين الرازي في المحصول: 1/432، والآمدي في الإحكام:2/416، ومن الإمامية فقد ذهب العلامة الحلّي إلى ذلك في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/298.

صفحه 216
العمل بخبر الواحد في الشَّريعة، وناف لذلك. وكلُّ من نفى وجوب العمل بها في الشَّرع نفى التَّخصيص بها، وليس في الأُمّة من جمع بين نفي العمل بها في غير التَّخصيص وبين القول بجواز التَّخصيص، فالقول بذلك يدفعه الإجماع، وسندلُّ بمشيّة اللّه ـ تعالى ـ إذا انتهينا إلى الكلام في الأخبار على أنّ اللّه ـ تعالى ـ ما تعبّدنا بالعمل بأخبار الآحاد في الشَّرع1، فبطل التَّخصيص بها لما ذكرناه، ولا شبهة في أنّ تخصيص العموم بأخبار الآحاد فرعٌ على القول بالعمل بأخبار الآحاد.
على أنّا لو سلّمنا أنّ العمل بها لا على وجه التخصيص واجب قد ورد الشرع به، لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص بها، لأنّ إثبات العبادة بالعمل في موضع لا يقتضي تجاوزه إلى غيره، ألا ترى أنّهم لم ينسخوا بها وإن عملوا بها في غير النسخ، وكذلك يجوز ثبوت العمل بها في غير التخصيص وإن لم يثبت التخصيص، لاختلاف الموضعين، لأنّ خبر الواحد ليس بحجّة من جهة العقل، وإنّما كان حجّة عند من ذهب إلى ذلك بالشَّرع، فغير ممتنع الاختصاص في ذلك.
واعلم أنّ شبهة من أحال التعبُّد بالعمل بخبر الواحد في تخصيص أو غيره الّتي عليها المدار ومنها يتفرّع جميع الشُّبه أنّ العموم طريقه العلم، فلا يجوز أن يخصّ بما طريق إثباته غالب الظنّ، والّذي يفسد أصل هذه الشُّبهة أنّ التعبّد إذا ورد بقبول خبر الواحد في تخصيص أو غيره، فطريق هذه العبادة العلم، دون الظنّ، فإنّما خصّصنا معلوماً بمعلوم، وأدلّة العقول شاهدة بذلك، وسنشبع هذا في الكلام على نفي جواز العبادة بخبر الواحد عقلاً عند الانتهاء إليه بعون اللّه.

1 . راجع ص 371، الفصل التاسع.

صفحه 217
وبعد; فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الرُّجوع إلى أخبار الآحاد في الاسم العامّ، فما الّذي يمنع من الرُّجوع إليها في الحكم المعلّق بالاسم، ألا ترى أنّا عند الاختلاف نثبت الأسماء بالرُّجوع إلى أهل اللّغة، فما الّذي يمنع من الرجوع إلى الآحاد في تخصيص الأحكام.
وأمّا من جوّز التخصيص بأخبار الآحاد بشرط دخول التخصيص قبل ذلك، أو بشرط سلامة الحقيقة، فشبهته في ذلك أنّ التخصيص يصيّر اللّفظ مجازاً، وقد بيّنّا أنّ الأمر بخلاف ذلك.

الفصل الرابع عشر:

في تخصيص العموم بالقياس

اعلم أنّ هذا الفصل نظير الّذي تقدّمه، والخلاف في تخصيص العموم بالقياس إنّما هو فرعٌ من فروع القائلين بأنّ العبادة قد وردت بالقياس في الشريعة، ومن دفع جواز القياس في شيء من الشريعة لا شُغل له بهذا الفرع، وإذا دللنا على أنّ العبادة لم ترد بالقياس في حكم من أحكام الشريعة، بطل القول بأنّه مخصّص بالإجماع، على ما قلناه في أخبار الآحاد.
وقد اختلف مثبتو القياس في هذه المسألة:
فذهب أبو عليّ الجبّائي وجماعة من الفقهاء إلى أنّه لا يخصّص العموم به، وهو قول أبي هاشم الأوّل.1

1 . وذهب إلى هذا القول أيضاً طائفة من المتكلّمين ، ونسب إلى الباقلاني وابن مجاهد. راجع: التبصرة:138، والإحكام للآمدي:2/425.

صفحه 218
ومنهم من قال: يخصّ بالقياس الجليّ، دون القياس الخفيّ1، وهو مذهب كثير من أصحاب الشافعي.2
ومنهم من قال: يخصُّ به إذا دخله التخصيص.3
ومنهم من جوّز تخصيصه بالقياس على كلّ حال، وهو مذهب أكثر الفقهاء ومذهب أبي هاشم الأخير.4
وقد ذكرنا طريقتنا في نفي التخصيص بأخبار الآحاد، وهي الطريقة في نفي التخصيص بالقياس.
ويمكن ـ إذا سلّمنا أنّ العبادة قد وردت به في غير التخصيص ـ أن نسلك

1 . اختلف الأُصوليون في تفسير القياس الجلي والخفي على وجوه:
الأوّل: القياس الجلي هو قياس المعنى، والخفي قياس الشبه.
الثاني: الجلي كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يقضي القاضي وهو غضبان» وتعلّل بما يدهش العقل عن إتمام الفكر حتى يتعدّى إلى الجائع والعطشان والحاقن.
الثالث: الجلي هو الذي لو قضى القاضي بخلافه نقض قضاؤه. وهو قول أبي سعيد الأصطخري. راجع المحصول:1/437.
2 . وإليه ذهب ابن سريج وإسماعيل بن مروان. راجع: المحصول:1/437، والإحكام للآمدي:2/425.
3 . وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة كعيسى بن أبان، وهو مختار البزدوي والسرخسي، وابن الهمام وصدر الشريعة وجماعة آخرون من أحناف العراق وماوراء النهر. راجع: التبصرة:138; أُصول البزدوي:1/294; أُصول السرخسي:1/141.
4 . وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي الحسن الأشعري، وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/260، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:137.
وتوجد أقوال أُخرى في هذه المسألة : منها قول الكرخي: إن خصّ جاز وإلاّ فلا.
ومنها قول الغزالي في المستصفى:2/166: القياس والعام إن تفاوتا في إفادة الظن رجّحنا الأقوى، وإن تعادلا توقّفنا.
وقال القاضي أبو بكر في الإرشاد والتقريب:3/195، والجويني في البرهان:1/286 بالوقف.

صفحه 219
مثل الطريقة الّتي سلكناها في نفي تخصيصه بأخبار الآحاد، فنقول: قد علمتم أنّ القياس ليس بحجّة في نفسه بدليل العقل، وإنّما يثبت كونه حجّة بالسمع، فمن أين إذا كان في غير التخصيص حجّة أنّه كذلك في التخصيص.
وأمّا دعواهم أنّ الأُمّة إنّما حجبت الأُمّ بالأُختين فمازاد بالقياس، وذلك أبلغ من التخصيص، وأنّ العبد كالأمة في تنصيف الحدّ، فباطلةٌ لأنّا لا نسلّم ذلك، ولا دليل على صحّته، وإنّما المعوّل في ذلك على إجماع الأُمّة، دون القياس.
ومن منع من القياس من حيث أوجب الظنّ، والعموم طريقه العلم، قد بيّنّا الكلام عليه في التخصيص بأخبار الآحاد، وقلنا: دليل العبادة بالقياس يقتضي العلم، فما خصّصنا معلوماً إلاّ بمعلوم، ولا اعتبار بطريق هذا العلم، كان ظنّاً أو غيره.
ومن أقوى ما احتجّ به مَنْ نفى تخصيص العموم بالقياس أنّه لا خلاف بين مثبتيه في أنّ الشرط في استعماله الضرورة إليه، وسلامته من أن تكون الظواهر دافعةً له، وهذا الشرط يمنع من تخصيص الكتاب والسُّنّة المعلومة المقطوع عليها به.
ووجدت بعض من خالف في ذلك يقدح في هذه الطريقة، بأن يقول: إذا خصّصنا العموم بالقياس، فقد استعملناه فيما لا نصّ فيه يخالفه، وإنّما يدفع النصّ القياس إذا كان المراد بذلك النصّ معلوماً، فأمّا ما يتناول اللّفظ في الظاهر لا يكون دافعاً; فإن أردتم الأوّل، فهو مسلّم، ولا يمنع من التخصيص بالقياس; وإن أردتم الثاني، فغير مسلّم، وهو موضع الخلاف.
وهذا ليس بصحيح، لأنّ مراد اللّه ـ تعالى ـ إنّما يعلم بخطابه، فإذا كان ظاهر

صفحه 220
خطابه ينافي القياس، فقد زال الشرط في صحّة القياس، فكيف السبيل إلى العلم بمراده إلاّ من جهة خطابه؟
وبعد، فمعلوم بغير شبهة أنّ للقياس في تخصيص العموم شرطاً ليس هو للدليل العقليّ، ولا للسُّنّة المقطوع عليها، وقد بيّنّا أنّا نترك ظاهر الكتاب ونخصُّ عمومه بدليل العقل، والسُّنة المعلومة، والإجماع، فيجب مع هبوط درجة القياس عنها ألاّ ندع به ظاهر العموم، وأن نكتفي في الدفع له بتناول ظاهر الكتاب بخلاف موجبه، حتّى يكون القياس بخلاف الأدلّة القاطعة.
وليس يمكن أن يدّعوا أنّ الفرق بين القياس وغيره من الأدلّة القاطعة أنّ القياس لا يستعمل مع العلم بأنّ مراد اللّه ـ تعالى ـ بخطابه خلافه.
قلنا: ولا شيء من الأدلّة يستعمل مع ذلك.
فإذا قيل: ماعدا القياس من الأدلّة يمنع من أن يعلم من مراد اللّه خلافها، لأنّ ذلك يقتضي تعارض الأدلّة وتناقضها، وهذا جائز في القياس.
قلنا: هذا صحيح، غير أنّه فرق بين القياس وغيره في غير الموضع الّذي حقّقناه، لأنّ الاتّفاق إنّما حصل في أنّ شرط التخصيص بالقياس يخالف شرط التخصيص بغيره، فإن لم يكن الأمر على ما ذكرناه من أنّ ظاهر تناول لفظ العموم يمنع من القياس، ولا يمنع من سائر الأدلّة، فلا مزيّة بين الكلّ، ويجب التساوي، ومعلوم خلافه.

صفحه 221

الفصل الخامس عشر:

في تخصيص العموم بأقوال الصحابة

اعلم أنّه لا خلاف في أنّ كلّ ما هو حجّة في نفسه يصحّ تخصيص العموم به، وإجماع الصحابة حجّة، فيجب التخصيص به. ونحن وإن كنّا نخالفهم في تعليل كون ذلك حجّة، أو في دليله، فالحكم لا خلاف فيه بيننا.
فأمّا قول بعضهم; ففي الناس من يذهب إلى أنّه إذا ظهر، وانتشر، ولم يقع فيه خلاف; جرى مجرى الإجماع، فيخصُّ بذلك، كما يخصُّ بالإجماع. وفيهم من يقول: إمساكهم عن الخلاف لا يدلُّ على الوفاق، فلا يجعله إجماعاً، ولا يخصّص به. وتحقيق ذلك يأتي فيما بعد بمشيّة اللّه تعالى.
وأمّا نحن; فنذهب إلى أنّ في الصحابة من قوله بانفراده حجّة، وهو أمير المؤمنين(عليه السلام)، لقيام الدليل على عصمته، وقد دللنا على ذلك في كتب الإمامة، وليس هذا موضع ذكره، فقوله(عليه السلام) منفرداً يخصُّ به العموم لامحالة.

صفحه 222

الفصل السادس عشر:

فيما أُلحق بالعموم وهو خارجٌ منه

اعلم أنّ العموم من أحكام الألفاظ، فما ليس بلفظ لا يصحّ ادّعاء العموم فيه، وإذا كان الفعل غير متعدّ في نفسه، ولا يتعلّق بسواه; فكيف يصحّ ادّعاء العموم فيه، والعموم كيفيّة في التعلُّق، والكيفيّة في التعلُّق فرع على حصول التعلّق. وهذه الجملة تغني عن تفريع هذا الباب وتشعيبه، والكلام على تفصيل المسائل، لكنّا نذكر طرفاً من ذلك ينتفع به.
إذا روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قضى بالشاهد واليمين1، فليس بواجب أن يكون منه(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك قول، فنحمله على عمومه، لأنّ الحكم لا يفتقر إلى قول عامّ في هذا الباب.
وفعله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخلو من وجهين: إمّا أن يكون الوجه الّذي وقع عليه غير معلوم، نحو أن يأخذ(صلى الله عليه وآله وسلم)من يد رجل ملكاً من غير أن يعلم جهة أخذه بعينها، فيكون ذلك مجملاً. أو أن يعلم الوجه، مثل أن يقضي بالشاهد واليمين، وهذا حكم في عين لا يجب تعيُّنها، ولا تخطّيها. ولولا أنّ الدليل قد دلّ على تساوي كلّ المدّعين والمدّعى عليهم في هذا الحكم، لما عدّينا هذا الحكم إلى غير موضعه. وكذلك لا يجوز أن يحتجّ فيمن أفطر في شهر رمضان ـ بأيّ وجه كان فطره ـ بما روي: أنّ رجلاً

1 . كما في مسند أحمد:1/315 بإسناده عن ابن عباس.

صفحه 223
أفطر في شهر رمضان، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكفّارة1، لأنّ ذلك ـ كما قلناه ـ قضية في عين لا يجب عمومها.
فإن قيل: فما قولكم في جوابه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن سؤال سائل له هل يكون عامّاً أو خاصّاً؟
قلنا: إذا سئل (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم المفطر فلا يخلو جوابه عن ثلاثة أقسام: إمّا أن يكون عامَّ اللّفظ، نحو أن يقول:«كلُّ مفطر فعليه الكفّارة». والقسم الثاني أن يكون الجواب في المعنى عامّاً، نحو أن يسأل(صلى الله عليه وآله وسلم) عن رجل أفطر، فيدع الاستكشاف عمّا به أفطر، ويقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «عليه الكفّارة» فكأنّه قال«من أفطر; فعليه الكفّارة». والقسم الثالث أن يكون السُّؤال خاصّاً، والجواب مثله ، فيحلُّ محلّ الفعل.
وعلى هذا لا يصحّ أن يحتجّ في الجمع بين الصلاتين بما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه جمع بين الصلاتين في السفر2، لأنّ ذلك ليس بعامّ، وإنّما يدلُّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع، وليس بمتناول لموضع الخلاف.
فأمّا الرواية الواردة بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وأنّ هذا اللّفظ يقتضي التكرار، فيدخل موضع الخلاف فيه; فغير صحيح، لأنّه وإن اقتضى التكرار بالعرف، فلا يدلُّ على أنّ التكرار قد دخل فيه موضع الخلاف بعينه، وإنّما يدلُّ على تكرار الجمع، ويجوز أن يتكرّر جمع مخصوص لا خلاف فيه، مثل الجمع بين الصلاتين بعرفة وغيرها.

1 . روى مسلم في صحيحه:3/139، باب تغليظ الجماع في نهار شهر رمضان على الصائم باسناده عن حميد بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكيناً.
2 . روى أحمد في مسنده:1/217 بإسناده عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع بين الصلاتين في السفر، المغرب والعشاء، والظهر والعصر.

صفحه 224
ومن الناس من فرّق بين أن يروى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قضى بكذا، وبين أن يروى أنّه قضى أنّ كذا فيه كذا، وادّعى أنّ الأوّل يفيد الفعل، والثاني يقتضي القول.وفي الناس من سوّى بين الأمرين. والأقرب الفرق، فإنّ التعارف في الثاني يقتضي أن يكون ذلك قولاً، إلاّ أنّه من أين يفيد العموم، والراوي ليس بحاك لفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعينه، وإنّما يحكي معناه، والحجّة هي لفظ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لفظ الحاكي.
وأمّا تعليله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم في عين، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الهِرّ: «إنّها من الطوّافين عليكم، والطوّافات»1;فهذا التعليل إنّما يصحّ أن يتعدّى موضعه، بأن يتعبّد اللّه ـ تعالى ـ بالقياس، وأمّا قبل العبادة به، فالصحيح ما ذكرناه، ويوافق على هذا الموضع المحصّلون من أصحاب القياس.2 ومثله «الزَّعيم غارم»3 لأنّ فيه معنى التعليل والإشارة إليه.
فأمّا روايتهم: «أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سها فَسجد»4; فهو محتمل للتّعليل، كأنّه قال: «فسجد لأجل سهوه»، ويحتمل أن يكون ذلك خبراً محضاً عن أنّ السجود تعقّب السهو، لا من حيث كان جبراناً له، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد به أنّه سجد ساهياً، فالظاهر لا يعلم به أنّ السُّجود سببه السهو، وإنّما يعلم ذلك بالدليل.

1 . سنن أبي داود:1/25 برقم 75 و 76، باب سؤر الهرة; سنن الترمذي:1/62 برقم 92، باب سؤر الهرة; سنن الدارمي:1/188; مسند أحمد:5/303 و 309; عوالي اللآلي:4/6 برقم 5; بحار الأنوار:62/67.
2 . راجع التبصرة:436ـ 437.
3 . مسند أحمد:5/267; سنن ابن ماجة:2/804 برقم 2405; كنز العمال:15/178 برقم 40490.
4 . راجع: بدائع الصنائع:2/329.

صفحه 225

الفصل السابع عشر:

في تمييز ما يصحّ دخول التخصيص فيه ممّا لا يصحُّ

اعلم أنّ التخصيص إنّما يصحّ دخوله ـ على جهة الحقيقة ـ فيما هو عموم على جهة الحقيقة، فأمّا ما ليس بعامّ حقيقة من حيث كان لفظه لا يتناول أشياء كثيرة، فالتخصيص لا يصحُّ فيه. وهذا القسم على ضربين: أحدهما ما هو من جهة دليل اللّفظ ومعناه يتناول أعياناً، فمعنى التخصيص يصحّ فيه، كما أنّ معنى العموم ثابت فيه.
والقسم الآخر يتناول أشياء كثيرة، لا بظاهر اللّفظ، ولا بدليله، لكن من جهة القياس; فمن أجاز تخصيص العلّة الشرعيّة، أجازه; ومن منع تخصيص العلّة الشرعيّة، منعه.

صفحه 226

الفصل الثامن عشر:

في تخصيص الإجماع

اعلم أنّ الإجماع إذا كان على قول عامّ، نظرنا، فإن علمنا قصدهم فيه باضطرار لم يدخله التخصيص، وإن لم نعلم قصدهم به ساغ التخصيص.
وهكذا في عموم كلامه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ التخصيص إنّما يسوغ فيه إذا لم نعلم قصده. وهذا الشرط متعذّر في خطابه تعالى، فلا وجه لذكره. فأمّا إذا كان إجماعهم على فعل، أو رضا بفعل، فلا تخصيص فيه على الحقيقة، وإنّما يصحّ دخول معنى التخصيص فيه متى علم بالدليل أنّ حكم غيره فيه كحكمه.

الفصل التاسع عشر:

في الغاية التي يبلغ تخصيص العموم إليها

اعلم أنّه لا غاية إلاّ ويجوز أن يبلغ تخصيص ما ظاهره العموم إليها، غير أنّ ألفاظ الجمع كالمشركين والرجال متى بلغ التخصيص فيها إلى أقلّ من ثلاثة، كان اللّفظ مجازاً، وإذا بلغ ثلاثة، كان اللّفظ حقيقة، كما يكون فيما زاد. وليس كذلك لفظة «مَنْ» فيما يعقل، و«ما» فيما لا يعقل، لأنّ التخصيص إذا بلغ في هاتين اللّفظتين إلى الواحد، لم يخرج الكلام من كونه حقيقة.1

1 . وإليه ذهب الشيخ الطوسي في العدة:1/379 قائلاً: يجوز تخصيص العموم إلى أن لا يبقى من اللفظ إلاّ واحد، ولا فرق في ذلك بين ألفاظ الجموع وبين لفظة «من» و «ما» و غير ذلك إذا دلّ الدليل عليه. وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:125، وإليه ذهب الحنابلة من العامة.

صفحه 227
وقد حكي عن أبي بكر القفّال1 الخلاف في ذلك، وأنّه كان يذهب إلى أنّ لفظة «مَن» يجوز أن يبلغ التخصيص فيها إلى الواحد، ولا يجوز في ألفاظ الجمع أن ينتهي التخصيص إلى الواحد.2
وهذا منه تحجّر طريف، وإذا كان البلوغ عنده في «مَن» إلى الواحد يجعل اللّفظ مجازاً; فألاّ جاز في ألفاظ الجمع مثل ذلك؟! وإذا كان ـ أيضاً ـ التخصيص في ألفاظ الجمع إلى أن ينتهي إلى ثلاثة يجعل القول مجازاً عنده، لأنّه يقتضي الاستغراق على مذهبه; فأيُّ تخصيص عرض فيه; اقتضى كونه مجازاً، فأيُّ فرق في بلوغ التخصيص بين ما نقص عن ثلاثة وبين ما زاد عليها؟!

الفصل العشرون:

في أنّ الاستثناء والشرط إذا تعلّقا ببعض ما دخل

تحت العموم لا يجب الحكم بأنّ ذلك هو المراد بالعموم

اعلم أنّ من المتكلّمين في أُصول الفقه من ذهب إلى أنّ الشرط إذا تعقّب عموماً، وكان الشرط يتعلّق ببعض ذلك العموم; فإنّه غير واجب أن يحمل العموم على أنّ المراد به بعض ما تناوله لفظه، بل يحمل على ظاهر عمومه.

1 . هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفّال الكبير، من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة، وعنه انتشر المذهب الشافعي في بلاده، رحل إلى العراق والحجاز والشام، له تصانيف منها: أُصول الفقه ـ ط، و شرح رسالة الشافعي. ولد بالشاش سنة 291هـ وتوفّي فيها سنة 365هـ. الأعلام:6/274.
2 . وهو مختار الغزالي في المستصفى:2/149. وتوجد أقوال أُخرى من أراد الاطلاع عليها فليراجع: عدة الأُصول:1/379، والتبصرة:125.

صفحه 228
وضربوا لذلك مثلاً، من قوله تعالى: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ)1 إلى قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدْهِِ عُقْدَةُ النِّكاحِ)2 ، ومعلوم أنّ العفو لا يصحّ من كلّ مطلَّقة ، وإنّما يصحُّ من البالغات الكاملات، وهنّ بعض من تقدّم ذكره، و ـ مع هذا ـ القول الأوّل على عمومه.
وذكروا مثالاً آخر، وهو قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ)3 فإنّه عامّ في جميع المطلّقات، وإن تعقّبه ما يقتضي الاختصاص، من قوله تعالى :(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْروف أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف)4 وذلك لا يتأتّى إلاّ في الرجعيّة.5
والّذي نقوله في هذا الباب: أنّ الشرط الخاصّ إذا تعقّب عموماً; فجائز أن يتعلّق ببعض ما تناوله العموم، ويكون اللّفظ الأوّل على عمومه، وجائز أن يكون المخاطب بالعموم إنّما أراد به بعض ما تناوله اللّفظ، وهو الّذي تعلّق الشرط به، ومع الاحتمال للأمرين لابدّ من دليل يعلم به أيّهما وقع.6
والّذي يبيّن ما ذكرناه أنّ القائل إذا قال: «اضْرِب الرجالَ إلاّ من افتدى ضربَكَ لَه بِمالِه» وإن شئت: «اضْرِبِ الرِّجالَ إنْ لم يَفْتَدوا ضَربَكَ بمالِهِم» حتّى يكون قد أثبت بحرف الشرط، وإن كان المثال الأوّل فيه معنى الشرط، وهذا شرط خاصٌّ لا يليق بجميع الرجال، لأنّ لفظ الرجال يدخل فيه الحُرُّ والعبد، والعبد لا

1 . البقرة:236.
2 . البقرة:237.
3 . الطلاق:1.
4 . الطلاق:2.
5 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:1/384.
6 . وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/283، والرازي في المحصول:1/456. وفي المسألة أقوال أُخرى فلتراجع المصادر أعلاه.

صفحه 229
يملك، فالشرط الّذي تعقّب الكلام مخصوص لا يتعلّق إلاّ بالأحرار ولا يجب أن يقطع على أنّ المخاطب بذلك أراد بقوله «الرجال» الأحرار والعبيد، وإن خصّ بالشرط الأحرار، كما لا يجب أن يقطع على أنّه أراد باللّفظ الأوّل الأحرار، دون العبيد، بل ذلك موقوف على الدلالة، ومع فقدها لا يجب القطع على أحد الأمرين.
يوضح ما ذكرناه أنّ في كلّ واحد من الأمرين مجازاً وعدولاً عن الظاهر، ألا ترى أنّا إذا حملنا لفظة الرِّجال على الأحرار دون غيرهم; كانت مجازاً، وإذا حملناها على العموم، وحملنا الشرط على بعض ما دخل تحتها; كان ذلك أيضاً مجازاً وعدولاً عن الظاهر من وجه آخر، لأنّ تقدير الكلام إلاّ أن يفتدي بعضهم بماله ضربك، والظاهر يقتضي أنّ المفتدى هو المأمور بأن تضربه.
والكلام في الآية يجري على مثل ذلك، لأنّ قوله تعالى:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ) متى حملناالشرط على بعض المطلّقات; صار تقدير الكلام إلاّ أن يعفو بعضهنّ، وظاهر الكلام يقتضي أنّ العفو يقع من جميع المطلّقات، فبان أنّ القول محتمل للأمرين، وما في كلّ واحد منهما إلاّ ضربٌ من المجاز والعدول عن الظاهر.
فإن قيل: فإنّ الأُمّة كلّها إنّما عملت في كلّ مطلّقة طلّقت قبل الدخول بها بأنّ لها نصف المهر من هذه الآية، فهي عامّة في المطلّقات، وإن اختصّ الشرط.
قلنا: إن كانت الأُمّة قد أجمعت على ذلك; فإجماعها دليل يثبت به أحد المحتملين،وقد قلنا: إنّ الخطاب محتمل للأمرين معاً.
على أنّ الأُمّة إنّما أجمعت في كلّ مطلّقة طلّقت قبل الدُّخول بأنّ لها نصف المهر، وإجماعها على هذا الحكم حجّة، وإن لم يكن مستفاداً من عموم الآية، فمن أين رجوعهم في عموم هذا الحكم إلى عموم لفظ الآية؟

صفحه 230
فأمّا المثال الثاني من قوله تعالى:(إِذا طلَّقْتُمُ النِّساءَ)، وأنّه عامٌّ في المطلّقات كلّهن، وإن اختصّ الشرط الّذي هو قوله تعالى:(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فارِقُوهُنّ بِمَعْروف) فإنّه لا يليق إلاّ بالرجعيّة; فالكلام في هذه الآية كالكلام في التي قبلها، فلا معنى لإعادته.
وذهب من أشرنا إليه ـ أيضاً ـ إلى أنّ الجملتين إذا عطف إحداهما على الأُخرى; فخصوص إحداهما لا يقتضي خصوص الأُخرى، مثل قوله تعالى:(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء) إلى قوله تعالى:(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)1 فالجملة الثانية خاصّة، لأنّها لا تليق إلاّ بالرجعية، والأُولى عامّة في كلّ مطلّقة، والشُّبهة في ذلك أنّ كلّ جملة لها حكم نفسها، ولا يتعدّى إليها التخصيص من غيرها.
والصحيح أن يجري الكلام في هذه الآية مجرى ما تقدّم ونقول: إنّ قوله تعالى:(وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)يحتمل أن يريد به الرِّجعيات، ليطابق الجملة الثانية، ويحتمل أن يريد به العموم، ويكون تقدير الكلام وبعولة بعضهنّ أحقّ بردّهنّ، لأنّ في كلا الأمرين وجهاً من المجاز والعدول عن الظاهر، فلابدّ من دليل يقتضي القطع على أحد الأمرين.
وإنّما كان يترجّح حمل الأوّل على عمومه لو لم يكن في الثاني تجوُّز وعدولٌ عن الظاهر، فلابدّ من دليل يقتضي القطع على أحد الأمرين. وإنّما يكون لكلّ جملة حكم نفسها إذا لم يتعلّق كلُّ واحدة بالأُخرى هذا التعلُّق، مثل أن يقول القائل:«ضربتُ القومَ، وأكرمتُ العلماء» فأمّا إذا قال بعد ذكر المطلَّقات:«وبُعُولُتُهنّ» فالظاهر يقتضي أنّ الكناية عائدة إلى كلّ من تقدّم ذكره، والصفة تكشف عمّا قلناه، فإنّ القائل إذا قال: «اضْرِب الرِّجالَ السُّودانَ» فهذه

1 . البقرة:228.

صفحه 231
الصفة تعود إلى جميع الرجال، ولا يجوز أن يحمل محصّل الصفة بالسودان على أنّها لبعض الرجال المضروبين، وأنّ لفظ الرجال على عمومه، لأنّه لا فرق بين أن يقول: «اضْرِبِ الرجالَ السودانَ»، وبين أن يقول:«اضْرِب سودانَ الرجالِ» فمتى حمل هذا اللّفظ على أنّ المراد به اضرِب الرجال الّذين السودان بعضهم، وجعل لفظ الرجال عامّاً; فذلك جار مجرى أن يحمل قوله تعالى:(إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ) على أنّ المراد به إلاّ أن يعفو بعضهنّ في أنّه عدول عن الظاهر، وإن كان في الصفة أقبح وأفحش.
فأمّا الاستثناء; فتعليقه ببعض ما تناوله العموم الصحيح أنّه جائز لا يقتضي تخصيص العموم، والقضاء بأنّه ما أُريد به إلاّ الجنس الّذي تناول الاستثناء بعضه، لأنّ القائل إذا قال: «اضْرِبِ الرِّجالَ إِلاّ فلاناً الأَسْوَدَ» فلفظ الرجال عامٌّ في البيضان والسُّودان، وإن كان الاستثناء خاصّاً، وإنّما الإشكال هو في الشرط والصفة، وقد قلنا ما عندنا في ذلك، وبسطناه.

الفصل الواحد والعشرون:

في تخصيص قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله

اعلم أنّ فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) للشيء يدلّ على أنّه مباح لا محالة منه، فإذا علمنا بالدليل أنّ حالنا كحاله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الشرائع; علمنا ـ أيضاً ـ أنّه مباح منّا، فإن كان قد سبق منه(صلى الله عليه وآله وسلم)قولٌ عامّ في تحريم ذلك الفعل على العموم، فلابدّ من الحكم بتخصيصه، وإنّما أوقع الشُّبهة في هذه المسألة الخلاف في هل حكمنا في الشرائع كحكمه، وهل الأصل ذلك أو غيره؟

صفحه 232

الفصل الثاني والعشرون:

في تخصيص العموم بالعادات

اعلم أنّ العموم لا يجوز تخصيصه بأن يعتاد الناس أن يفعلوا خلافه، لأنّ أفعالهم يجب أن تكون تابعة لخطاب اللّه ـ تعالى ـ وخطاب رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يجعل التابع متبوعاً؟
وإن كانت هذه العادة أثّرت في حكم اللّفظ وفائدته، وجب أن يخصّ العموم بها، لأنّ التعارف له تأثير في فوائد الألفاظ فلا يمتنع تخصيص العموم بما يجري هذا المجرى.

الفصل الثالث والعشرون:

في أنّ العموم إذا خرج على سبب خاصّ لا يجب قصره عليه

اعلم أنّ المراد بقولنا«سبب» في الكلام الداعي إلى الخطاب به والباعث عليه، وليس المراد بهذه اللّفظة ـ هاهنا ـ الأسباب المولّدة للأفعال، والحكيم لا يجوز أن يريد بخطابه إلاّ ما له داع إليه، فلابدّ في خطابه من أن يكون مقصوراً على أسبابه، وغير متعدّ لها، ولا فاضل عليها، فقد اتّفقنا على هذه الجملة، غير أنّه لا يجيء منها أنّه إذا سأله(صلى الله عليه وآله وسلم) سائل عن حكم حادثة، فأجابه بقول عامّ; أنّا نقصره على ذلك السؤال، لأنّه إذا عمّ بخطابه سؤال السائل وغيره، فما أضاف إلى بيان حكم ما سئل عنه بيان حكم غيره، إلاّ لسبب آخر وداع هو غير سؤال السائل، لأنّه لو

صفحه 233
لم يكن كذلك، لأجاب بما يكون وفقاً للسُّؤال من غير أن يكون فاضلاً عليه، وليس يجب عليه أن يكون الخطاب مقصوراً على الأسباب الّتي تظهر لنا، بل يكون مقصوراً على أسبابه الظاهرة لنا، والخافية عنّا. وهذا التلخيص يزيل الشُّبهة في المسألة.
ونعود إلى الكلام المألوف في هذه المسألة، فنقول: قد اختلفوا فيها: فقال قوم: يجب حمل الكلام على سببه دون ظاهره1، وقال آخرون: يجب حمله على ظاهره إذا أمكن ذلك.2
وكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينقسم إلى مطابق للسبب غير فاضل عنه، وإلى ما يكون أعمّ منه. والأوّل لا خلاف فيه.
والثاني ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون أعمّ منه في الحكم المسؤول عنه; نحو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عمّن ابتاع عبداً، واستعمله، ثم وجد به عيباً:«الخَراجُ بِالضَّمان».3
والقسم الآخر أن يكون أعمّ منه في غير ذلك الحكم المسؤول عنه; نحو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «هو الطهور ماؤهُ الحِلُّ

1 . وهو قول مالك; وإلى ذلك ذهبت طائفة من أصحاب الشافعي ، كإسماعيل بن يحيى المزني، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبي بكر القفّال، وأبي بكر الدقّاق وغيرهم. راجع التبصرة:145.
2 . وهو مذهب أبي الحسن الكرخي من أئمّة الحنفية; وجماعة من أصحاب الشافعي، كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:145، والغزالي في المستصفى:2/158.
3 . مسند أحمد:6/49 و 237; سنن ابن ماجة:2/754 برقم 2242; سنن أبي داود:2/145برقم 3509; سنن الترمذي:2/377 برقم 1304; عوالي اللآلي: 1/57 و 219.

صفحه 234
مَيْتَتُه».1 فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يقتضي شربه، وإزالة النجاسة به، وغير ذلك.
وفي جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لو لم يعلّق بالسبب; لم يكن مفيداً، ولا مستقلاً بنفسه، نحو ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سئل عن بيع الرُّطب بالتَّمر، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«أيَنْقُصُ إذا يَبِسَ؟»، فقيل:«نَعَم»، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«فلا إذاً».2
والّذي يدلُّ على صحّة ما ذكرناه من حمل الكلام على ظاهره3 أنّ كلامه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الدلالة على الأحكام، فيجب أن يعتبر صفته في عموم أو خصوص، كما تعتبر صفة أمره ونهيه.

دليل آخر:

ويدلُّ ـ أيضاً ـ على ذلك أنّ العموم لو انفرد عن السبب; يحمل على عمومه بلا خلاف، فيجب مثل ذلك إذا خرج على سبب، لأنّ السبب لا يخرجه عن صفته الّتي من جهتها كان دليلاً، لأنّه لا تنافي بين حدوث السبب وبين عموم اللّفظ.
يقوّي ما ذكرناه أنّ آية اللّعان نزلت في هلال بن أُميّة العجلاني4، وحملته الأُمة على كلّ رام زوجته. وكذلك آية الظهار وردت في خولة بنت خويلد5،

1 . مسند أحمد:2/237 و 361 و 378 و 393; سنن الدارمي:1/186 ; سنن ابن ماجة:1/136 برقم 386 و 387; سنن أبي داود:1/27برقم 83; سنن الترمذي:1/47 برقم 69; وسائل الشيعة:1/136، الباب2 من أبواب الماء المطلق، الحديث4.
2 . سنن النسائي:7/269; مستدرك الحاكم:2/38; سنن البيهقي:5/294.
3 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/369ـ 370.
4 . هو هلال بن أُمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب الأنصاري، شهد بدراً وما بعدها وهو أحد الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك وتيب عليهم. الإصابة:6/428.
5 . هي خولة بنت خويلد الخزرجية كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت فظاهر منها وكان الظهار في الجاهلية يوجب تحريماً مؤبداً، فجاءت إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تسأله عن ذلك؟ فقال لها: حرمت عليه، فما زالت تراجعه حتى نزلت عليه آية الظهار. تفسير القرطبي:17/270.

صفحه 235
وحمل هذا الحكم على كلّ من ظاهر من امرأته.

دليلٌ آخر:

وممّا يدلُّ ـ أيضاً ـ على ذلك أنّه لا فرق بين قصر الخطاب ـ مع عمومه ـ على السبب، وبين قصره على العين الّتي تعلّق السبب بها، حتّى لا يدخل في الخطاب إلاّ تلك العين، دون غيرها. ولوجب ـ أيضاً ـ إذا كان للحادث تعلُّق بمكان مخصوص أو وقت مخصوص ألاّ يتعدّاهما الحكم، وفي فساد ذلك دلالة على وجوب اعتبار اللّفظ، دون أسبابه وأماكنه وأوقاته.

دليل آخر:

وممّا يدلُّ ـ أيضاً ـ على ذلك أنّ السائل لا يعرف ما الّذي يجاب به، ولهذا جاز أن يدخل تحت السؤال النفي والإثبات على سواء، وكيف يجوز أن يبنى الجواب الّذي لا يصدر إلاّ عن معرفة، ولا يجوز أن يتضمّن نفياً وإثباتاً، على السؤال مع اختلاف حكمهما.

دليل آخر:

وأيضـاً فإنّ السبب فائـدته البعث على البيـان، فـإذا كان سـائر مـا يدعو إلى البيان لا يوجب تغيُّر حال الخطاب في اعتبار عمومه وصفته، فكذلك السبب.

صفحه 236

الفصل الرابع والعشرون:

في تخصيص العموم بمذهب الراوي

اعلم أنّ هذه المسألة كالفرع على قبول أخبار الآحاد، والعمل بها، وسنذكر ما عندنا في ذلك إذا انتهينا إلى الكلام في الأخبار بمشيّة اللّه ـ تعالى ـ وعونه.
وإذا فرضنا العمل بما يرويه الواحد; لم يجب أن يخصّص عموم ما يرويه بمخالفته له.1 لأنّ غاية حسن الظنّ بالراوي أنّه ما عدل عن عموم ما رواه هوى ولا تقليداً، لكن لوجه من الوجوه، وذلك الوجه يحتمل أن يكون لأنّه علم قصده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحتمل ـ أيضاً ـ أنّه عمل على رواية غيره، أو لوجه من الاستدلال والقياس2، إمّا أن يكون مخطئاً فيه أو مصيباً، فكيف يجوز أن يعدل عن ظاهر العموم، والعمل به واجب، لأمر محتمل للحقّ والباطل والصحيح والفاسد؟!
والأشبه أن يكون الراوي ما عمل بخلاف ما رواه لعلمه بقصده(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه لو كان الأمر على ذلك; لوجب أن يبيّن الراوي هذه الحال ، ويذكرها، إزالة للتُّهمة عن نفسه، فإذا لم يذكرها; فالأولى أنّها ما كانت، ولهذا نقول: إنّ الراوي إذا ذهب فيما رواه إلى أنّه منسوخ; لا يجب القول بنسخه على سبيل إحسان الظنّ به، وأيُّ

1 . وهو قول الشافعي وأصحابه كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:149، وهو مختار الغزالي في المستصفى:2/157ـ 158، والرازي في المحصول:1/450، والآمدي في الإحكام:2/423، وهو مذهب الجمهور، وإليه ذهب مشاهير الأحناف كأبي الحسن الكرخي والسرخسي والبزدوي. وقال أصحاب أبي حنيفة والحنابلة وعيسى بن أبان: إنّ العام يخصّص بمذهبه. ومن الإمامية ذهب العلاّمة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/342 إلى قول الشافعي ومن تبعه.
2 . وهذا ما ذكره قاضي القضاة ووافقه أبو الحسين البصري. راجع المعتمد:2/175.

صفحه 237
فرق بين تقليده في التخصيص، وتقليده في النسخ، وهذا المذهب أضعف من أن يحتاج إلى الإكثار فيه.

الفصل الخامس والعشرون:

في أنّ الأخبار كالأوامر في جواز دخول التخصيص

اعلم أنّ الأخبار كالأوامر في جواز دخول التخصيص فيها، بل هو في الأخبار أظهر1، وإذا كان معنى التخصيص هو أن يريد المخاطب بعض ما تناوله اللّفظ; فهذا المعنى قائم في الأخبار أظهر من قيامه في غيرها.
والكلام بين أهل الوعيد وأهل الإرجاء في آيات الوعيد إنّما هو في تخصيص هذه الآيات. ومن امتنع من ذلك; فلقلّة تأمّله. واعتلال من أبى ذلك بأنّ النسخ لمّا لم يدخل في الأخبار فكذلك التخصيص، باطل، لما سنذكره عند الكلام في الأخبار بعون اللّه.
ولو عكس عاكس هذا القول، وذهب إلى أنّ التخصيص إنّما يدخل في الخبر دون الأمر; لما أمكن دفعه إلاّ بما يدفع من أبى تخصيص الأخبار.

1 . وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلّمين، وفي الفقهاء من قال: إنّ ذلك لا يجوز، راجع: عدة الأُصول:1/390; المعتمد:1/237; التبصرة:143; المحصول:1/399.

صفحه 238

الفصل السادس والعشرون:

في أنّ ذكر بعض الجملة لا يخصُّ به العموم

اعلم أنّ التخصيص إنّما يكون بطريقة التنافي، ولا تنافي بين الجملة الخاصّة إذا عطفت على العامّة، فكيف يخصّ بها؟!
وأيُّ شبهة تدخل على متأمّل في أنّ قول القائل:«أعْطِ الرِّجالَ وزيداً» لا يقتضي إفراد زيد إلاّ أن يكون دخل في الجملة الأُولى، وإنّما أُفرد تفخيماً أو تأكيداً، على مذهب من يراه. وإنّما بنى بعض الشافعيّة قوله هذا على دليل الخطاب، وهو باطل بما سيأتي بمشيّة اللّه تعالى.

الفصل السابع والعشرون:

في بناء العامّ على الخاصّ

اختلف الناس في العامّ والخاصّ إذا وردا وبينهما تناف، كان الخاص منهما ينفي الحكم عن بعض ما تناوله العامّ; فذهب الشافعيّ وأصحابه وأهل الظاهر وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ العامّ يبنى على الخاصّ.1

1 . وبه قال الشيخ الطوسي في العدة:1/394، وقوّاه العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/306، وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/257، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:151، والرازي في المحصول:1/442، وغيرهم.

صفحه 239
وقال آخرون مع عدم التاريخ يجب أن يرجع في الأخذ بأحدهما إلى دليل، ويجرونهما مجرى عامّين تعارضا، وهو مذهب عيسى بن أبان1 و أبي الحسن الكرخيّ2 وأبي عبد اللّه البصريّ 3.4
والّذي يجب تحقيقه في هذه المسألة أنّ الخلاف فيها مبنيّ على فقد التاريخ، وارتفاع العلم بتقدُّم أحدهما أو تأخّره، وهذا الشرط لا يليق بعموم الكتاب، فإنّ تاريخ نزول آيات القرآن مضبوط محصورٌ لا خلاف فيه. وإنّما يصحّ تقديره في أخبار الآحاد، لأنّها هي الّتي ربما عرض فيها هذا التعارض. ومن لا يذهب إلى العمل بأخبار الآحاد; فقد سقطت عنه كلفة هذه المسألة، فإن تكلّم فيها; فعلى سبيل الفرض والتقدير.
والّذي يقوى في نفوسنا ـ إذا فرضنا ذلك ـ التوقُّف5 عن البناء، والرُّجوع إلى

1 . هو عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى الفقيه الحنفي، خدم المنصور العباسي مدةً، وولي القضاء بالبصرة عشراً، وتوفّي بها سنة 221 هـ. له تصانيف، منها: إثبات القياس، واجتهاد الرأي، والجامع في الفقه، وغيرها. الأعلام:5/100.
2 . هو أبو الحسن عبد اللّه بن الحسين الكرخي، فقيه حنفي، ولد في بغداد جانب الكرخ سنة 260هـ وتوفّي بها سنة 340هـ. له رسالة في الأُصول عليها مدار فروع الحنفية،وشرح الجامع الصغير ، وشرح الجامع الكبير. الأعلام:4/193.
3 . هو أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن إبراهيم البصري، الملقب بالجعل، فقيه من شيوخ المعتزلة، ولد في البصرة سنة 288هـ، وتوفّـي في بغداد سنة 369هـ. له تصانيف منها: الإيمان، والإقرار، والرد على الرازي، وغيرها. الأعلام:2/244.
4 . وهو قول أبي حنيفة وإمام الحرمين والقاضي عبد الجبار. راجع: التبصرة:151، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/306.
5 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:36، والقاضي أبي بكر الباقلاني; وقال بعض المتكلّمين: لا يقضي على العام بالخاص، بل يتعارض الخاص وما قابله من العام، وهو اختيار أبي بكر الأشعري، وأبي بكر الدقاق. راجع التبصرة:151، وعدة الأُصول:1/394.

صفحه 240
ما يدلّ عليه الدليل من العمل بأحدهما، ولا حاجة بنا إلى تفصيل ما يجوز أن يدلّ على ذلك من الأدلّة من إجماع، أو غيره، لأنّ الفرض أنّه لا يجب البناء على مذهب من أوجبه، بل الرُّجوع إلى الأدلّة.
والّذي يدلُّ على صحّة ما اخترناه أنّ بناء العامّ على الخاصّ له شرطٌ لابدّ من اعتباره، وهو أن يكونا واردَين معاً، والحال واحدةٌ، لأنّ تقدُّم أحدهما على الآخر يقتضي عندهم النسخ، فلابدّ من تقدير المقارنة، وإذا كان هذا الشرط غير معلوم; فما هو مبنيٌّ عليه من البناء لا يصحّ.
فإذا قيل: فقد التاريخ يقتضي ورودهما معاً.
قلنا: ومن أين قلتم ذلك، ونحن مع فقد روايته بالتاريخ نجوّز التقدّم والتأخّر، كما نجوّز المصاحبة.
فإن قيل: لو كان بينهما تقدّم وتأخّر; لروي.
قلنا: ولو كان بينهما مصاحبة أو مقارنة; لرويت. وأيُّ فرق بينكم إذا اعتمدتم على البناء وهو مشروط بما لم تعلموه من المقارنة، وبين من ذهب إلى أنّ أحدهما ناسخ لصاحبه وإن كان النسخ مفتقراً إلى علم التقدُّم والتأخّر؟
فأمّا اعتمادهم على أنّ الغَرقى لمّا لم يعلم تقدُّم موت بعضهم على بعض، ولم يكن لنا إلى ذلك طريق; حكمنا بأنّ موتهم وقع في حال واحدة، حتّى تورّث بعضهم من بعض; فليس بمعتمد، لأنّ الدليل لمّا دلّ على توريث بعضهم من بعض; كان ذلك موجباً لإثبات وقوع الموت في حالة واحدة، فما استند في ذلك إلاّ إلى دليل قاطع، وليس في بناء العامّ على الخاصّ مثل ذلك، لأنّه لم يدلّ دليل على وجوب البناء، فيثبت مالا يتمّ البناء إلاّ معه.
وليس لأحد أن يقول: هذا يقتضي اطّراح الخبرين معاً، لأنّ التوقّف على طلب

صفحه 241
الدليل ليس باطّراح، ويجري ذلك مجرى العمومَين إذا تعارضا. ويمكن أن يقال: إنّ اللّه ـ تعالى ـ لا يخلّي المكلّف من دلالة تدلُّه على ما يجب أن يعمل به، من بناء، أو غيره، كما يقال ذلك في العمومَين المتعارضين.
فأمّا ترجيحهم البناء بأنّ ذلك يقتضي العمل بالخبرين معاً على وجه صحيح، والعمل بالعامّ يقتضي اطّراح الخاصّ جملة، فإنّما هو متوجّه إلى من رأى العمل بالعامّ، فأمّا المتوقّف فلا يلزمه هذا الكلام، وله أن يقول: كما أنّ العامل بالعامّ مطّرح للخاصّ، فالعامل بالخاصّ بان على ما لا يعلمه من ورودهما معاً، والشرط إذا لم يكن معلوماً، فلا يجوز إثبات المشروط.
ولمن قال بالنسخ تقرير في هذا الترجيح ، وهو أن يقول: إذا عملت بالنسخ; فقد استعملت جميع الخبرين من غير اطّراح لشيء منهما، ومن بنى العامّ على الخاصّ; فقد اطّرح من العامّ ما لا يستعمله جملة، فقول من حمل على النسخ أرجح من قوله.
فأمّا قولهم: «إنّ العموم إذا جاز أن يخصّ بالقياس، والنصّ أقوى منه; وجب بناء العامّ على الخاصّ» فباطل، وذلك أنّا لا نرى تخصيص العموم بالقياس، وقد سلف الكلام في ذلك.
ثمّ الفرق بينهما أنّ الخاصّ إنّما يبنى عليه العامُّ بشرط المصاحبة، وليست معلومة، وليس هذا الشرط معتبراً في القياس.

صفحه 242

الفصل الثامن والعشرون:

في حكم العمومين إذا تعارضا

اعلم أنّ العمومين إنّما يتعارضان على الحقيقة بأن يصيرا بحيث لا يمكن العمل بهما معاً، وذلك يكون على وجهين:
أحدهما: أن يقتضي أحدهما نفي كلّ ما اقتضى الآخر إثباته، أو إثبات كلّ ما اقتضى الآخر نفيه.
أو يقتضي حكماً مضادّاً لكلّ ما يقتضيه الآخر.
ولا يكاد يوجد هذا فيما طريقه العلم من الأخبار، إلاّ وهناك ما يدلُّ على العمل بأحدهما، أو يكون المكلّف مخيّراً بين الحكمين. وإنّما قلنا ذلك، لأنّ الأدلّة لا تتناقض، وبمثل ذلك أفسدنا قول من يذهب إلى تكافؤ الأدلّة. وأمّا ما طريقه غالب الظنّ; فقد يجوز مثل ذلك فيه، لأنّه قد يجوز فيما هذا طريقه أن يكون التكليف على زيد بخلاف التكليف على عمرو، ولهذا صحّ تعارض البيّنتين.
وإذا كان فيما هذا حاله تاريخ معلوم; فلا تعارض، كما أنّ مع التخيير لا تعارض.
فأمّا معارضة كلّ واحد من العمومين صاحبه من وجه دون آخر نحو قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)1 وقوله سبحانه: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)2;

1 . النساء:3.
2 . النساء:23.

صفحه 243
فإنّ ذلك ليس بتعارض حقيقيّ، وإنّما هو تعارض في أمر مخصوص، لأنّ العمل بهما ممكن إلاّ في ذلك الأمر المخصوص، وما هذا حاله لا يعدُّ تعارضاً بالإطلاق، بل يقيّد، فيقال: إنّ أحدهما عارض الآخر في كذا وكذا.
فإن قيل: أليس إذا تعارضا في الوجه المخصوص، اقتضى ذلك تناقض الأدلّة؟
قلنا: لا يقتضي ذلك، لأنّه يمكن حمل العموم في الإباحة على ماعدا الأُختين. أو يطلب قرينة يعلم بها أيُّ الأمرين أولى؟ ولو قدّرنا عدم الأمرين; كان لا يمتنع أن يكون التكليف على طريقة التخيير. ووجوه ترجيح آية تحريم الجمع على آية الإباحة ليس هذا موضع ذكرها.
وقد قيل: إنّ آية التحريم هي المفيدة شرعاً وحكماً زائداً فيجب أن تكون مستثناة من الإباحة.
وأيضاً قد ثبت بالسمع أنّ جهة الحظر فيما يتعلّق بالفروج أولى، فيجب تقديم آية التحريم.
وأيضاً فإنّ آية التحريم موردها البيان للحكم، وآية ملك اليمين وردت على سبيل المدح، فيجب تقديم تلك على هذه.
وأقوى من ذلك كلّه إجماع الإماميّة على تحريم الجمع بين الأُختين على كلّ حال، وقد بيّنّا أنّ إجماعهم حجّة، فتخصيص آية الإباحة ب آية التحريم أولى.

صفحه 244

صفحه 245

الباب الخامس

الكلام في المجمل والبيان

[وفيه مقدّمة وأربعة عشر فصلاً]
اعلم أنّ المجمل هو الخطاب الّذي لا يستقلّ بنفسه في معرفة المراد به، والمفسَّر ما استقلّ بنفسه.
والمستقلّ بنفسه على أقسام: أحدها: ما يدلُّ على المراد بلفظه. وثانيها: ما يدلّ بفحواه. وثالثها: ما ألحقه قوم به من الدال على المراد بفائدته. ورابعها : ما أُلحق ـ أيضاً ـ ممّا يدلُّ بمفهومه.
ومثال الأوّل قوله تعالى:(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ)1، و(إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ)2، و(ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحداً)3وما لا يحصى من الأمثلة.
ومثال الثاني قوله تعالى:(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ).4
ومثال الثالث طريقة التَّعليل.
ومثال الرابع الزجر، وتعلُّق الحكم بالأسباب، ووجوب ما لا يتمُّ ما كلّفناه إلاّ به.
ومن خالف في فحوى اللّفظ يجب موافقته; فيقال له: أيدخل على عاقل

1 . الأنعام:151.
2 . الأنفال:75.
3 . الكهف:49.
4 . الإسراء:23.

صفحه 246
عرف عادة العرب في خطابها شبهة في أنّ القائل إذا قال: «لا تقل له أُفّ»; فقد منع من كلّ أذيّة له، وأنّه أبلغ من قوله: «لا تؤذه».
فمن خالف في ذلك; أُعرض عنه. ومن لم يخالف، وادّعى أنّ بالقياس والتأمّل يعلم ذلك; قيل له: فمن لا يثبت القياس يجب ألا يعرف ذلك، ولو ورد التعبُّد بالمنع من القياس; لكان يجب ألاّ يكون ما ذكرناه مفهوماً، ونحن نعلم ضرورة أنّ قولهم:«فلان مؤتمن على القنطار» أبلغ من قولهم: «إنّه مؤتَمن على كلّ شيء»، وقولهم: «ما يملك نقيراً ولا قِطميراً» أبلغ من قولهم: «إنّه لا يملك شيئاً»، وإنّما اختصروا للبلاغة والفصاحة، ولهذا يعدُّون مناقضاً من قال: «لا تقل له أُفّ، واستخفّ به»، أو قال: «فلان لا يملك نقيراً، ومعه أُلوف الدنانير».
وأمّا طريقة التعليل; فأكثر ما فيها أن يعقل من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّها من الطوّافين عليكم والطوّافات»1 تعليق الحكم بهذه الصفة، فمن أين تعدّيه إلى كلّ ما كانت له هذه الصفة، وذلك إنّما يكون بالعبادة بالقياس، وإلاّ لم يكن مستفاداً.
فأمّا الزجر; فالأولى أن يكون قوله تعالى: (وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ)2 ـ إذا ثبت أنّه زجرٌ عن السرقة ـ أنّ القطع إنّما كان لأجل السرقة. و الأغلب في العادة والتعارف أنّ من أوجب شيئاً; فقد أوجب مالا يتمُّ إلاّ به.
فأمّا ما لا يستقلُّ بنفسه، ويحتاج إلى بيان; فهو على ضربين:
أحدهما يحتاج إلى بيان ما لم يرد به ممّا يقتضي ظاهره كونه مراداً به كقوله تعالى:(وَالسارِقُ وَالسارِقةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُما) و (الزانيةُ وَالزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ واحد مِنْهُما مائَةَ جَلْدَة)3. وقد ذهب قوم4 إلى أنّ ذلك كالمجمل في أنّ ظاهره لا يدلُّ

1 . مر مصدره ص 224.
2 . المائدة:38.
3 . النور:2.
4 . وهو مذهب جماعة من الأُصوليين والفقهاء على تفصيل يأتي في الفصل الرابع، ص 251.

صفحه 247
على المراد، وهذا الوجه له باب مفرد يذكر في موضعه والخلاف فيه، بمشيّة اللّه.
ويدخل في هذا القسم النسخ، لأنّ الدليل المتقدّم إذا علم بلفظه أو بقرينة أنّ المراد به الامتثال في جميع الأوقات المستقبلة; فلابدّ من الحاجة إلى بيان ما لم يرد به، ممّا يفيده النسخ.
ويدخل في هذا القسم ضروب المجازات، لأنّ الخطاب إذا ورد; فلو خلّينا وظاهره; لاقتضى ما لم يرد منّا، فلابدّ من الحاجة إلى البيان.
والقسم الثاني ممّا يحتاج إلى بيان ما يحتاج إليه في معرفة ما أُريد به، وهو على ضروب: فمنه ما يكون كذلك لوضع اللّغة، ومنه ما يؤثّر فيه النقل، أو حصول مقدّمة، أو مؤخَّرة، أو قرينة.
فالّذي يرجع إلى الوضع فهو أن يكون اللّفظ وضع في اللّغة محتملاً. ثمّ احتماله ينقسم، فربما احتمل أمراً من جملة أُمور، مثل قوله تعالى:(وَآتُوا حَقّهُ يَومَ حَصادِهِ)1، و:(لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ)2، وربما احتمل شيئاً من جملة أشياء معيّنة، أو شيئين، كقولنا: قرء، وجَون، وشفق، وقوله تعالى:(فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً).3
فأمّا ما يرجع إلى النقل; فكالأسماء الشرعيّة، كقولنا: صلاة، وزكاة، لأنّ المراد بها في الشرع غير ما وضعت له في اللّغة.
وأمّا مثال ما يرجع إلى مقدّمة، فهو كلُّ عموم يعلم بأمر متقدّم أنّه لا يراد به إلاّ البعض، ولا دليل على التعيين، فما هذه حاله لابدّ فيه من بيان، نحو قوله تعالى: (وأُوتيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَها عَرشٌ عَظيمٌ)4.

1 . الأنعام:141.
2 . الأنعام:151.
3 . الإسراء:33.
4 . النمل:23.

صفحه 248
وأمّا ما يرجع إلى مؤخَّرة وقرينة; فهو كلُّ ظاهر يعلم أنّه مشروط بشرط مجمل، أو استثناء مجمل، كقوله تعالى:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلَى عَلَيْكُم)1، وتفصيل ذلك وذكر جميع أمثلته فيه طول. وخلاف ذلك في الأمثلة ، لأنّ الأمر ربما اشتبه فيها. وفيما ذكرناه كفاية.

الفصل الأوّل:

في ذكر معاني الألفاظ الّتي يعبّر بها في هذا الباب

اعلم أنّ النَّصّ هو كلُّ خطاب أمكن معرفة المراد به.2 وقد ذهب قوم إلى أنّ النصّ ما لا تعترض الشبهة في المراد به. ومنهم من قال كلّما تناول الحكم بالاسم، فهو نصٌّ. ولا يجعل المجمل نصّاً. وما قلناه في حدّ النصّ أولى، لأنّه لا خلاف بين الأُمّة في أنّ اللّه ـ تعالى ـ قد نصّ على الصلاة والزكاة مع حاجتهما إلى البيان. ويسمّون اللّفظ نصّاً، وإن كان فيه احتمال واشتباه.
وأمّا المفسّر; فهو الّذي يمكن معرفة المراد به.
وأمّا المجمل في عرف الفقهاء; فهو كلُّ خطاب يحتاج إلى بيان، لكنّهم لا

1 . المائدة:1.
2 . وهو ما اختاره الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/407، وقاضي القضاة كما في المعتمد:1/295.
وقال أبو الحسين البصري في المعتمد:1/295: النص يجب أن يشتمل على ثلاث شرائط: أحدها: أن يكون كلاماً، والآخر أن لا يتناول إلاّ ما هو نص فيه، والآخر أن تكون إفادته لما يفيده ظاهراً غير مجمل . وعرّفه الرازي في المحصول:1/462 بأنّه كلّ كلام تظهر إفادته لمعناه ولا يتناول أكثر منه. وتوجد تعاريف أُخرى من أراد التعرّف عليها فليراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/392ـ 394.

صفحه 249
يستعملون هذه اللّفظة إلاّ فيما يدلُّ على الأحكام. والمتكلّمون يستعملون فيما يكون له هذا المعنى لفظ المتشابه، ولا يكادون يستعملون لفظ المجمل في المتشابه.
وأمّا قولنا: «ظاهرٌ»; فالأولى أن يكون عبارة عمّا أمكن أن يعرف المراد به، ولا معنى لاشتراط الاحتمال أو التقارب على ما اشترطه قوم; فقد يطلق هذا الاسم مع فقد الاحتمال.

الفصل الثاني:

في حقيقة البيان

اعلم أنّ البيان هو الدلالة على اختلاف أحوالها، وإلى ذلك ذهب أبو عليّ وأبو هاشم.1 وذهب أبو عبد اللّه الحسين بن علي البصري إلى أنّ البيان هو العلم الحادث الّذي به يتبيّن الشيء. وللفقهاء في ذلك حدود مختلفة مضطربة لا معنى للتطويل بذكرها . والمحصَّل هذان المذهبان.2
والّذي يدلّ على أنّ البيان هو الدلالة وقوع الاتفاق على أنّ اللّه ـ تعالى ـ قد

1 . ذهب إلى هذا القول أكثر الفقهاء والمتكلّمين.وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/403، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/293، والغزالي في المستصفى:2/38، والرازي في المحصول: 1/461، والآمدي في الإحكام:3/17، والسمرقندي في ميزان الأُصول:352، والقاضي أبي بكر كما في الإحكام، وغيرهم.
2 . توجد أقوال أُخرى في البيان، منها ما قاله الشافعي: البيان اسم جامع لمعان متشعبة الأُصول متشعبة الفروع، وأقلّ ما فيه أنّه بيان لمن نزل القرآن بلسانه.
وذهب الصيرفي إلى أنّ البيان هو: ما أخرج الشيء من حد الإشكال إلى التجلّي.ونسب إلى القاضي عبد الجبار أنّ البيان هو الأدلّة من جهة القول والكلام دون ماعدا ذلك من الأدلّة. وتوجد أقوال أُخرى نتركها للاختصار، راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/427ـ 430.

صفحه 250
بيّن جميع الأحكام لأنّه تعالى بنصب الأدلّة في حكم المظهر لها، وقد يوصف الدالُّ بأنّه مبيّن، وقد يجري هذا الوصف مع فقد حدوث العلم، فكيف يقال: إنّه عبارة عن حدوث العلم.
وكان يجب على هذا القول أن يكون من لم يعلم الشيء فما بيّنه اللّه ـ تعالى ـ له، ولا نصب له دلالة عليه، ولا شبهة في بطلان ذلك، ولهذا يقولون: قد بيّنت لك هذا الشيء، فما تبيّنته ، فلو كان البيان هو العلم; لكان هذا الكلام متناقضاً. وهذا خلافٌ في عبارة، والخلاف في العبارات ليس من المهمّات.

الفصل الثالث:

في ذكر الوجوه الّتي يقع بها البيان

اعلم أنّ بيان الأحكام الشرعيّة إنّما يكون بما يدلُّ بالمواضعة، وبما يتبع ذلك. فمثال ما يدلُّ بالمواضعة الكلام والكتابة. والّذي يتبع ما يدلُّ بالمواضعة على ضربين:
أحدهما: حصل فيه ما يجري مجرى المواضعة، وهو الإشارة والأفعال.
والثاني: لم يحصل فيه ذلك، وذلك طريقة القياس والاجتهاد، عند من ذهب إليهما.
والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصحّ أن يبين الأحكام بجميع الوجوه التي ذكرناها. ولا يصحّ منه تعالى أن يُبيّن إلاّ بالكلام والكتابة، فإنّ الإشارة لا تجوز عليه جلّ اسمه، والأفعال الّتي تكون بياناً يقتضي مشاهدة فاعلها على بعض الوجوه، وذلك لا يصحّ عليه تعالى. وقد بيّن للملائكة ما كتبه في اللّوح المحفوظ، حتّى تحمّلوه، وأدّوه. وبيّن لنا بالكلام جميع الأحكام.

صفحه 251

الفصل الرابع:

في أنّ تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره

اختلف العلماء في قوله تعالى:(وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُما)1 وما أشبهه: فقال قوم: بأيّ شيء خصّ صار مجملاً يحتاج إلى بيان، وإلى ذلك ذهب عيسى بن ا2بان.
وقال آخرون: يصحّ مع التخصيص التعلّق بظاهره، وهو قول الشافعيّ وبعض أصحاب أبي حنيفة.3
ومنهم من قال: متى خصّ باستثناء، أو بكلام متّصل; صحّ التعلّق به، وإذا كان التخصيص بدليل منفصل; فلا تعلّق به، وهو قول أبي الحسن الكرخيّ.4
وكان أبو عبد اللّه الحسين بن علي البصريّ يقول: إذا كان التخصيص لا يخرج الحكم من أن يكون متعلّقاً بالاسم على الحدّ الّذي تناوله الظاهر; فإنّه يحلّ محلّ الاستثناء في أنّه لا يمنع من التعلّق بالظاهر. فمتى كان التخصيص مانعاً من أن يتعلّق الحكم بالاسم، بل يحتاج إلى صفة أو شرط حتّى يتعلّق الحكم به; فيجب أن يمنع ذلك من التعلّق بظاهره. ويقول في قوله تعالى: (وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ):

1 . المائدة:38.
2 . وهو مختار أبي ثور كما في الإحكام للآمدي:2/352، المسألة الخامسة.
3 . وهو قول المعتزلة، وبه قال أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:187، والآمدي في الإحكام:2/353، وغيرهم.
4 . وبه قال البلخي كما في الإحكام:2/352.

صفحه 252
قد ثبت أنّ القطع لا يتعلّق بالاسم، بل يحتاج إلى صفات وشرائط حتّى يتعلّق القطع بها، وتلك الشرائط والصفات لا تعلم إلاّ بدليل، فجرت الحاجة إلى بيان هذه الصفات والشروط مجرى الحاجة إلى بيان المراد بقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلوةَوآتُوا الزَّكوةَ)1. ويقول: لا شبهة في أنّ القطع محتاج إلى أوصاف سوى السَّرقة، فجرى ذلك مجرى أن يحتاج القطع إلى أفعال سوى السَّرقة، ولو كان كذلك; لمنع من التعلّق بالظاهر، فكذلك الأوصاف. وهذه الطريقة أقوى شبهة من كلّ شيء قيل في هذا الباب.
والّذي نقوله: إنّ كلّ خطاب لو خلّينا وظاهره لكنّا نفعل ما أُريد منّا، وإنّما كنّا نخطئُ في ضمّ ما لم يرد منّا إلى ما أُريد; فيجب أن يكون المحتاج إليه في بيانه التخصيص، والأصل ممكن التعلُّق بظاهره، وكلّ خطاب لو خلّينا مع ظاهره، لما أمكن تنفيذ شيء من الأحكام على وجه ولا سبب; فيجب أن يحتاج في أصله إلى بيان.2
ومثال الأوّل: قوله تعالى:(والسارِقُ وَالسارقَةُ)، لأنّا لو خلّينا وظاهره; لقطعنا من أراد منّا قطعه ومن لم يرد. وكذلك قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكين)3، لأنّا لو عملنا بالظاهر; لقتلنا من أراد قتله ومن لم يرد، فاحتجنا إلى تمييز من لا يُقتل ولا يقطع، دون من يقتل أو يقطع.
ومثال الثاني: قوله تعالى: (وَأَقيمُوا الصَّلوةَ)، وقوله جلّ اسمه: (والّذين في أَموالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)4، لأنّا لو خلّينا والظاهر; لما أمكننا أن

1 . البقرة:43.
2 . وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:35، والشيخ الطوسي في العدة:2/426.
3 . التوبة:5.
4 . المعارج:24ـ 25.

صفحه 253
نعلم شيئاً ممّا أُريد منّا، فاحتجنا إلى بيان ما أُريد منّا لأنّا غير مستفيدين له من ظاهر اللّفظ، وفي الأوّل الأمر بخلافه، وجرى ذلك مجرى الاستثناء إذا دخل على العموم، أو غيره من الأدلّة المنفصلة في أنّه وإن جعل الكلام مجازاً; فالتعلُّق بالظاهر في الباقي صحيح ممكن.
وإنّما دخلت الشبهة في هذا الموضع، من جهة أنّ البيان في آية السَّرقة وقع فيمن يقطع، لا فيمن لا يقطع، وفي صفات السَّرقة الّتي يجب بها القطع، لا في صفة ما لا يجب به القطع، فأُشكل ذلك على من لم ينعم النظر، فظنّ أنّه مخالف للتخصيص في قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ)وما جرى مجراه.
والوجه الّذي من أجله علّقوا الشُّروط بما يجب به القطع دون ما لا يجب فيه القطع هو طلب الاختصار، والعدول عن التطويل.
ولمّا كان الغرض تمييز من يقطع ممّن لا يقطع، ولم يمكن التمييز باستثناء الأعيان; عدل من تمييزه بالأعيان إلى تمييزه بالصفات.
ولما كان التمييز بالصفات فيمن لا يقطع يطول، لأنّ من لا يقطع من السُّراق أكثر ممّن يقطع; فميّز بصفات من يقطع، طلباً للاختصار.
وإذا كنّا قد اتّفقنا على أنّه لو ميّز باستثناء الأعيان; لصحّ التعلّق بالظاهر فيما بقي، وكذلك إذا ميّز بذكر صفات من لا يقطع، حتّى يقول: «اقطعُوا السُّراق إلاّ من صفته كذا»; فكذلك يجب أن يتعلّق بظاهر ما بقي متى ميّز باستثناء من يقطع، لأنّ هذا التمييز إنّما اعتمد لإخراج من لا يقطع وإبانته، وإنّما عدل إليه للاختصار.
فإن قيل: ميّزوا بين المجاز الّذي لا يصحّ التعلُّق بظاهره، وبين المجاز الّذي يجب التعلُّق بظاهره.

صفحه 254
قلنا: أمّا مثال المجاز الّذي لا يصحّ التعلّق بظاهر العموم معه، فهو أن يقول: «اضرب القوم، وإنّما أردت بعضهم» أو يقول:«وإنّما أردت المجاز، دون الحقيقة»، ومثاله قوله تعالى: (إِنَّ بعضَ الظنِّ إِثْمٌ).1 وأمّا المجاز الّذي لا يمنع من التعلُّق بالظاهر، فهو أن يقول القائل: ضربتُ القوم، وينصب دليلاً أو يعلم من حاله أنّه ما ضرب واحداً معيّناً منهم، فإنّ اللّفظ يصير مجازاً لا محالة، لكنّه لا يمنع من التعلّق بالظاهر فيمن عدا من قام الدليل على تخصيصه. وهذه الجملة يطّلع بها على جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب.

الفصل الخامس

في ذكر ما يحتاج من الأفعال إلى بيان وما لا يحتاج إلى ذلك

اعلم أنّ وقوع الإجمال وجواز الاحتمال في الفعل كوقوعهما في القول، فيجب حاجة كلّ واحد منهما مع الاحتمال والإجمال إلى بيان.
فإن قيل: كيف تقسّمون الأفعال إلى ما يحتاج إلى بيان وإلى ما لايحتاج، ومن مذهبكم أنّ الأفعال أجمع لا مواضعة فيها، ولا ظاهر لها، وهي مفارقةٌ للخطاب في هذا الباب؟
قلنا: الأصل في الأفعال أنّه لا ظاهر لها، لكنّها تفيد بالشرع لأمارات تحصل فيها تجري مجرى المواضعة في القول، فيسوغ أن نقسّمها قسمة الأقوال، يبيّن ذلك أنّا إذ رأيناه(صلى الله عليه وآله وسلم) يفعل صلاة عقيب إقامة; علمنا أنّ الصلاة واجبة، لأنّ الإقامة علامة الوجوب. وإذا أمر(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقتل في دين بعد الاستتابة; علم أنّ المقتول مرتدٌّ

1 . الحجرات:12.

صفحه 255
لأنّ هذه أمارته، وإذا رأيناه(صلى الله عليه وآله وسلم) تاركاً للصلاة على ميّت لأجل دين; علمناه كافراً.
فأمّا مثال المجمل من الأفعال; فهو ما لا أمارة عليه، ومثاله أن يفعل(صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة ينفرد بها، فيجوز أن تكون واجبة، ويجوز أن تكون نفلاً، فقد بان ما قصدناه.

الفصل السادس

في وقوع البيان بالأفعال

اعلم أنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الأفعال يقع بها البيان في المجمل، كما يقع بالقول. وقد رجعوا إلى أفعاله(صلى الله عليه وآله وسلم) في البيان، كما رجعوا إلى أقواله. ومن قال أخيراً بخلاف ذلك مخالف للإجماع.1
ثمّ لا يخلو خلافه من وجوه: إمّا أن ينكر كون الفعل بياناً، من حيث لا مواضعة فيه، ولا ظاهر له; أو من حيث لا يصحُّ تعلُّقه بالقول المجمل، أو لا يتصل به، أو لم يثبت في أفعاله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّها بيان، كما ثبت في أقواله.
فأمّا الأوّل; فإنّ الفعل وإن لم يكن فيه مواضعة، فقد نعلم بوقوعه على بعض الوجوه ضرورة، أو بدليل، فيجري ذلك مجرى المواضعة، وقد علم بالعادات أنّ التعليم ربما يكون بالفعل أقوى منه بالقول والوصف، ألا ترى أنّ الواصف ربما لا يفهم غرضه بوصفه، فيفزع إلى التفهيم بالفعل، وما فزع إلى الفعل في البيان لمّا اشتبه بالقول إلاّ لأنّه أقوى.

1 . وهو قول طائفة شاذة، وحكي ذلك عن أبي إسحاق الإسفرائيني وأبي الحسن الكرخي. راجع التبصرة:247.

صفحه 256
فأمّا التعلّق بالفعل المبيّن; فيمكن أن يعلم منه(صلى الله عليه وآله وسلم) على أحد وجهين:إمّا أن يعلمنا بالضرورة من قصده أنّه يبيّن بفعله الخطاب المجمل، فنعلم التعلُّق على أقوى الوجوه. أو يقول(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّني مبيّـن لهذا المجمل بفعلي» ثمّ يفعل، فيكون ـ أيضاً ـ التعلّق معلوماً. وليس يجوز أن يرجع في التعلّق إلى ما يقوله قوم: من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال:«صَلّوا» و هذا لفظ مجمل، ثمّ فعل عقيبه ما يمكن أن يكون بياناً له، كأن صلّى ركعتين. لأنّ هذا الوجه غير صحيح، لأنّه قد يجوز أن تكون صلاة الركعتين غير بيان، بل هما مبتدأ بهما، فكما يجوز فيهما أن يكون بياناً يجوز غير ذلك، فالتعلُّق غير معلوم فالمعتمد ما ذكرناه.
فأمّا الاتصال; فغير ممتنع أن يكون بين الفعل الّذي يقع به البيان وبين المجمل ما يجري مجرى الاتصال، فيكون مؤثّراً فيه، والعادات شاهدة بذلك، ولا معنى لدفعه.
فأمّا ثبوت البيان بالفعل كثبوته بالقول; فهو إجماع الأُمّة، ولهذا رجعوا إلى فعله(صلى الله عليه وآله وسلم)في المناسك والصلاة، وجعلوا ذلك بياناً لقوله تعالى: (أَقيمُوا الصَّلوةَ)1، ولقوله عزّوجلّ: (وَللّهِ عَلى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ)2، وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلّي»، و«خذوا عن3ّي مناسككم»4 ممّا يدلّ ـ أيضاً ـ على ذلك.

1 . الأنعام:72.
2 . آل عمران:97.
3 . عوالي اللآلي:1/198 و ج3/85 برقم 76; بحار الأنوار:82/279; سنن البيهقي:2/345; سنن الدارقطني:1/280.
4 . عوالي اللآلي:1/215 برقم 73; سنن البيهقي:5/125.

صفحه 257

الفصل السابع:

في تقديم القول في البيان على الفعل

اعلم أنّ القول والفعل إذا ترادفا، واجتمعا، وكان كلّ واحد منهما يصحُّ التبيين به، كصحّته بالآخر; فكلُّ واحد منهما يصحّ وصفه بأنّه بيان وإنّما الاشتباه في قول متى جعلناه بياناً لم يصحّ أن يجعل الفعل بياناً، إمّا لتناف، أو ما يجري مجراه .
فمن رجّح القول; اعتمد على أن شرط في كون الفعل بياناً، الحاجة إلى التبيين، وهذا الشرط مفقود مع وجود القول. ولأنّ تعلّق القول أوكد، لأنّه الحالُّ محلّ الاستثناء والشرط.
ومن سوّى بين الأمرين; أنزلهما منزلة قولين، أو دليلين، تضمّن كلُّ واحد منهما من البيان مثل ما تضمّنه الآخر.

الفصل الثامن:

في هل يجب أن يكون البيان كالمجمل

في القوّة وغيرها، أو لا يجب ذلك؟

اعلم أنّ هذا الفصل ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما معنى قولهم: «بيان الشيء في حكمه»؟ والثاني: هل يجب أن يكون البيان كالخطاب المبيّن في الرُّتبة والقوّة؟

صفحه 258
وليس معنى قولنا: «إنّ بيان الشيء في حكمه» أنّ الشيء إذا كان كان واجباً; فبيانه واجب، لأنّ بيان الواجب والندب معاً ممّا يجب على الحكيم. ولا يجوز أن يريد بذلك أنّه في قوّته، ورتبته، وحصول العلم به. وإنّما المراد به أنّ الفعل إذا كان في نفسه واجباً، وتضمّن البيان صفاته، وتفصيل أحواله; فهذه التفاصيل واجبة، لأنّها صفات الواجب، وكذلك الفعل إذا كان في نفسه مندوباً إليه; فبيان أوصافه وأحواله بهذه الصفة.
وأمّا الكلام في الفصل الثاني; فقد اختلف فيه: فقال قوم يجب أن يكون البيان في رتبة المبيّن، وطريقة العلم به. وقال قوم يجب في أُصول صفاته وشروطه أن يكون كذلك، دون التفصيل. ومنهم من وقّف ذلك على الدليل، وجوّز أن يكون البيان بخبر الواحد والقياس.
والصحيح أنّ البيان يجب أن يكون إليه طريق، وعليه دليل، وكيفيّة ذلك في رتبة أو قوّة ليست بواجبة، وذلك موقوف على ما يعلمه اللّه ـ تعالى ـ من المصلحة، وليس يمتنع تجويزاً وتقديراً أن يثبت البيان بخبر الواحد أو القياس، كما أجزنا أن نخصّ بهما العموم المعلوم في كتاب اللّه تعالى، وإنّما الكلام في وقوع ذلك وحصوله، ولا شبهة في أنّ العلم بالصلاة وأنّا بها مخاطبون ضروريٌّ، وإن لم يجب مثل ذلك في بيانها.

صفحه 259

الفصل التاسع:

في تمييز ما أُلحق بالمجمل وليس منه

أو أُدخل فيه وهو خارج عنه

اعلم أنّ في الشافعيّة من يلحق بالمجمل قوله تعالى:(وَالّذِينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيمانُهُمْ)1وقوله تعالى:(وَالّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالِفضَّةَ)2 من حيث خرج الكلام مخرج المدح في إحدى الآيتين، ومخرج الذمّ في الأُخرى.3
وهذا باطلٌ، لأنّه لا تنافي بين وجه المدح والذمّ وبين ما يقتضيه العموم من الحكم الشامل، وإذا كان الرُّجوع في دلالة العموم إلى ظاهر اللّفظ; فبكونه مدحاً أو ذمّاً لا يتغيّر الظاهر، كما أنّ قوله تعالى: (وَالسارِقُ وَالسارِقَةُ) عموم وغير مجمل; وإن كان القصد به الزجر والتخويف، من حيث لا تنافي بين ذلك وبين عموم الحكم، فكذلك الأوّل.4

1 . المؤمنون:5ـ6.
2 . التوبة:34.
3 . نسب الآمدي في الإحكام:2/384، المسألة 25 هذا القول إلى الشافعي نفسه، خلافاً للسيد المرتضى هنا وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:193 حيث نسبا القول إلى الشافعية وبعض أصحاب الشافعي.
وضعّف السبكي في رفع الحاجب:1/434 ما ذهب إليه الآمدي قائلاً: وهو وجه ضعيف في المذهب نقله الجلائي عن القفّال، والثابت عن الشافعي والصحيح من مذهبه العموم.
4 . ذهب إلى القول بالعموم علاوة على الشريف المرتضى أكثر الأُصوليين وأعيانهم وجمهورهم، وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:2/439، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:193، والرازي في المحصول:1/453، والآمدي في الإحكام:1/385، وابن السبكي في رفع الحاجب:1/434، وغيرهم.

صفحه 260
وفي الناس من ذهب إلى أنّ التعلّق بلفظ الجمع من غير دخول ألف ولام مثل قول القائل: «أعط فلاناً دراهم» لا يصحّ، وقالوا: إنّه يجوز أن يكون المراد به أكثر من ثلاثة، وظنّوا أنّه كالمجمل.
والواجب موافقة القائل بذلك على مراده، لأنّه إن أراد أنّ حقيقة هذه اللّفظة ليست مقصورة على ثلاثة في اللُّغة; فهو كما قال، لأنّه يتناول كلّ جمع. وإن قال: إذا ورد من حكيم وتجرّد، لا أقطع على أنّ المراد به ثلاثة، بل أقف في الثلاثة، كما أقف فيما زاد عليها فهذا غلط، لأنّ هذا اللّفظ في اللُّغة لابدّ من تناوله ـ إذا كان حقيقة ـ ثلاثة، من غير نقصان منها; وإن جاز الزيادة عليها.
وألحق قوم ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:«في الرِّقة1 ربع العشر»2 بالمجمل، دون العموم، وقالوا: إنّما يدلُّ على وجوب ربع العشر في هذا الجنس، ويحتاج إلى بيان القدر الّذي يؤخذ منه ذلك، وجعلوا خبر الأواقي3 مبيّناً لا مخصّصاً، وكذلك خبر العشر، وخبر الأوساق.4
وردّ قوم عليهم، فقالوا: إنّ قوله: «في الرِّقة ربع العشر» يقتضي العموم والاستغراق، حتّى لو خلّينا ومجرّده; لأمكننا الامتثال، فكنّا نوجب ربع العشر في

1 . الرقة: الفضة والدراهم المضروبة منها، وأصل اللفظة الورق وهي الدراهم المضروبة خاصة فحذفت الواو وعوض منها الهاء. وتجمع الرقة على رقات ورقين. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير:2/254، مادة«رقه».
2 . صحيح البخاري:2/124، باب زكاة الغنم; سنن أبي داود:1/351 برقم 1567.
3 . الأواقي جمع أُوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، وكانت الأُوقية قديماً عبارة عن أربعين درهماً. النهاية:1/80، مادة «أوق».
4 . الأوساق جمع الوسق: مكيل معلوم، وقيل هو حمل بعير وهو ستون صاعاً بصاع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق على هذا الحساب مائة وستون مناً.
لسان العرب:10/378، مادة «وسق».

صفحه 261
قليله وكثيره، فخبر الأواقيّ مخصّص لا مبيّن.
ويقوّى عندنا القول الأوّل، لأنّا قد بيّنّا عند الكلام في العموم أنّ لفظ الجنس لا يفيد في كلّ موضع الاستغراق والشُّمول، وإذا كان الأمر على ذلك; فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في الرِّقة ربع العشر» إنّما هو إشارة إلى الجنس الّذي تجب فيه هذه الزكاة، وليس فيه بيان المقادير، فغير منكر أن يكون خبر الأواقيّ مبيّناً، لا مخصّصاً.

[في أنّ قوله تعالى:(وامسحوا برءُوسكُم) مجمل]

وممّا يدخل في هذا الباب قول من يقول:(وَامْسَحُوا بِرُءوسِكُمْ)1 مجمل، وجعل بيانه فعله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاعتمد هذا القائل على أنّ الباء تقتضي الإلصاق، من غير أن تقتضي القدر الّذي يمسح من الرأس، فيحتاج فيها إلى بيان.2
وهذا يجب أن يتأمّل، لأنّ في الناس من ذهب في الباء إلى أنّها لإلصاق الفعل بالمفعول3، وفيهم من ذهب إلى أنّها للتبعيض.4
ومن قال بالأوّل اختلفوا: فمنهم من يقول: إنّها تقتضي الإلصاق بكلّ العضو المذكور، وهو مذهب الحسن البصريّ ومالك وأبي عليّ الجبّائيّ.

1 . المائدة:6.
2 . وهو قول بعض الحنفية كما في الإحكام:3/10، المسألة 2، وعلى قول أبي الحسين البصري في المعتمد:1/308: وهو قول العراقيين ـ يعني أحناف العراق ـ.
3 . على تفصيل وهو مذهب الحسن البصري ومالك وأبي علي الجبّائي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري والسرخسي وابن جني والآمدي وغيرهم. راجع المعتمد:1/308; الإحكام للآمدي: 3/10، المسألة الثانية; أُصول السرخسي:1/229; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2/407ـ 409; عدة الأُصول:2/440.
4 . وهو مذهب الإمامية والشافعي وبعض أصحابه. راجع: عدة الأُصول:2/440; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/408; المحصول:1/468.

صفحه 262
ومنهم من يقول: إنّها تقتضي الإلصاق على الجملة، من غير اقتضاء لكلّ، أو بعض.
وعلى المذهب الأوّل لا إجمال في الآية، لأنّها إذا دلّت على مسح جميع الرأس; فقد زال الإجمال.
وعلى المذهب الثاني ـ و هو الإلصاق المطلق ـ لابدّ من ضرب من الإجمال، لأنّنا لا نعلم من هذا الظاهر أنّ المراد مسح الجميع ، أو مسح بعض غير معيّن أو بعض معيّن ، فلابدّ من بيان . وكذلك القول في مذهب من قال: إنّها تقتضي التبعيض، لأنّه بمنزلة أن يقول: «امْسَحُوا بعضَ رُءوسِكُم» فإذا لم يبيّن تعييناً ولا تخييراً; فهو مجمل.1
فإذا قيل: لو تعيّن البعض; لبيّنه، فإذا لم يبيّنه; دلّ على أنّا مخيّرون.
قلنا : ولو كان المراد التخيير; لبيّنه فيجب أن يكون معيّناً. وقد سلف الكلام على نظير هذه الطريقة في باب أحكام الأوامر.

[ في أنّ آية السرقة مجملة]

وقد ألحق قوم بالمجمل قوله تعالى:(فَاقْطَعُوا أَيْديَهُما)2 ، لأنّ هذه اللّفظة تقع على ما بلغ إلى الزند، وإلى ما بلغ إلى المرفق، والمنكب، فلابدّ من بيان.
وامتنع قوم من كون هذه الآية مجملة.
والأقرب أن يكون فيها إجمال3، لأنّ قولنا «يد» يقع على هذا العضو بكماله،

1 . خالف السيد المرتضيقدَّس سرَّه الإمامية في هذا المورد حيث ذهبوا إلى أنّ الباء في هذه الآية للتبعيض. راجع الهامش السابق.
2 . المائدة:38.
3 . وهو مخالف لأكثر الأُصوليين والمتكلّمين. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/416; الإحكام للآمدي:3/13، المسألة الخامسة; المعتمد:1/310.

صفحه 263
ويقع على أبعاضه، وإن كانت لها أسماء تخصُّها ، فيقولون: غوّصت يدي في الماء إلى الأشاجع، وإلى الزند، وإلى المرفق، وإلى المنكب، وأعطيته كذا بيدي، وإنّما أعطاه بأنامله، وكذلك كتبت بيدي، وإنّما كتب بأصابعه.
وليس يجري قولنا:«يد» مجرى قولنا:«إنسان» ـ كما ظنّه قوم ـ لأنّ الإنسان يقع على جملة يختصُّ كلّ بعض منها باسم، من غير أن يقع اسم إنسان على أبعاضها، كما يقع اسم اليد على كلّ بعض من هذا العضو، فبان أنّ الإجمال حاصل في الآية. ومن قال: أحمله على أقلّ ما يتناوله الاسم، يحتاج إلى دليل.

[إضافة الأحكام إلى الأعيان]

وممّا ألحقه قوم بالمجمل وليس في الحقيقة كذلك قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُم)1 وما جرى مجرى ذلك من تعليق التحريم بالأعيان2، ومعلوم أنّ الأعيان من الأجسام لا تدخل تحت القدرة، والتحريم إنّما يتناول مقدورنا، ففي الكلام حذف، وتقديره حرّم عليكم الفعل في هذه الأعيان، وجرى ذلك في أنّه مجاز ولا يجوز التعلُّق بظاهره مجرى قوله تعالى:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).3
وهذا غير صحيح، لأنّ التعارف قد اقتضى في تعليق التحريم أو التحليل

1 . النساء:23.
2 . وهو مذهب أبي عبد اللّه البصري وأبي الحسن الكرخي وقوم من القدرية. أمّا مذهب أكثر الأُصوليين وأعيانهم فهو عدم الإجمال. فمن الإمامية ذهب إليه السيد المرتضى هنا وتابعه تلميذه شيخ الطائفة في العدة:2/436، والعلاّمة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/403. وأمّا الجمهور فقد ذهب إليه أبو علي وأبو هاشم الجبّائيان والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري في المعتمد:1/307، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:201، والرازي في المحصول:1/466، والآمدي في الإحكام:3/9، المسألة الأُولى، والغزالي في المستصفى:2/28، وغيرهم.
3 . يوسف:82.

صفحه 264
بالأعيان الأفعال فيها، وصار ذلك بالعرف يجري مجرى تعليق الأملاك بالأعيان، لأنّهم يقولون: «فلانٌ يملك داره وعبده» وإنّما يريدون أنّه يملك التصرّف فيهما. ثمّ المفهوم من هذا التصرُّف ما يليق بالعين الّتي أُضيفت إلى الملك من استمتاع، وانتفاع، وغير ذلك.
وإنّما حملهم على هذا الحذف في الملك والتحريم والتحليل طلب الاختصار، فاستطالوا أن يذكروا جميع الأفعال، ويعدّدوا سائر المنافع، فحذفوا ما يتعلّق التحريم أو الملك به ، اختصاراً.
ولا يمكن أحداً أن يقول: إنّ إضافة الملك إلى الأعيان هو مجاز، وغير ظاهر، بل بالتعارف قد صار هو الظاهر، وكذلك القول في التحريم والتحليل. وأيُّ منصف يذهب عليه أنّ قولنا: «إنّ الميتة محرّمة» أو«الخمرَ...» ظاهرٌ ، وحقيقة، وليس على سبيل المجاز.

[في أنّ الأفعال المنفية ليست مجملة]

وممّا ألحقه قوم بالمجمل 1ـ وإن لم يكن مع التأمّل كذلك ـ ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»2 ، و«لا نكاح إلاّ بوليّ»3، و«لا صلاة

1 . وهو قول القاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد:3/88، وأبي عبد اللّه البصري كما في المحصول:1/468. وذهب الأكثر أو الكلّ حسب تعبير العلامة الحلي والآمدي إلى نفي الإجمال فيه. راجع: عدة الأُصول:2/442; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/410; المحصول: 1/468; الإحكام للآمدي:3/12، المسألة 4; المستصفى:2/31; التبصرة:203.
2 . سنن الدارمي:1/283; سنن الترمذي:1/156 برقم 247، باب ما جاء أنّه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب; سنن البيهقي:63; عوالي اللآلي:1/196 برقم 2.
3 . سنن ابن ماجة:1/605 برقم 1880، باب لا نكاح إلاّ بولي; سنن أبي داود:1/463 برقم 2085، باب في الولي; سنن الترمذي:2/280برقم 1107، باب ما جاء لا نكاح إلاّ بولي; عوالي اللآلي:1/306برقم 9.

صفحه 265
إلاّ بطهور»1، واعتمدوا على أنّ لفظة «لا» لا يمكن أن تكون نافية للفعل مع علمنا بوقوعه، فيجب أن يكون داخلاً فيه على أحد الأمرين: إمّا الإجزاء، وإمّا التمام والفضل، وإذا لم يكن في اللّفظ ما يقتضي ذلك; فهو مجمل. وربما قالوا: إنّ الإجزاء والتمام لا يصحّ أن يرادا بعبارة واحدة.
والّذي نقوله في هذا الباب: إنّ الّذي ذكروه وإن كان في اللّفظ نفياً; فهو في المقصد والغرض إثبات، والغرض أنّ من شرط الصلاة الطهور، وقراءة فاتحة الكتاب، والوليّ في النكاح، فجعلوا النفي منبئاً عن الإثبات، وهو أوكد منه، لأنّ قول القائل: «لا صلاة إلاّ بطهور» أوكد من قوله: من شرط الصلاة الطهور، والنفي واقع في الحقيقة على الصلاة، لأنّ فقد الطهارة ينفي كونها صلاة مشروعة. وكذلك الظاهر في كلّ ما دخل عليه هذا الحرف من نكاح، أو صيام، أو غير ذلك.
وإنّما قادتنا الضرورة فيما روي من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد»2 إلى أن نحمله على نفي الفضل والتمام، لحصول الإجماع على أنّ الصلاة في غير المسجد شرعيّة مجزية.
وأمّا ما ألحقه قوم بالعموم، وهو عند آخرين من المجمل; فهو قوله تعالى:(أَقيمُوا الصَّلوةَ)3، فإنّ أصحاب الشافعيّ اعتمدوا على هذه الآية في وجوب الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في التشهد الأخير، من حيث كان لفظ الصلاة يفيد

1 . من لا يحضره الفقيه:1/58برقم 129; تهذيب الأحكام:1/50برقم 144; وسائل الشيعة: 1/365، الباب 1 من أبواب الوضوء ، الحديث1; عوالي اللآلي:2/209برقم 131.
2 . مستدرك الحاكم:1/246، سنن البيهقي:3/57; كنز العمال:7/650برقم 20737; عوالي اللآلي:1/306برقم 10.
3 . الأنعام:72.

صفحه 266
الدُّعاء.1
وأنكـر آخـرون ذلك ، وادّعوا أنّ لفظـة الصلاة قـد انتقلت بالعـرف الشـّرعيّ إلى ذات الرُّكوع والسُّجود، فلا يجوز أن يحمل لفظ الصلاة على ما كان في اللُّغة.2
والصحيح أنّ ذلك يصحُّ التعلّق به3، لأنّ لفظ الصلاة في أصل اللّغة هو الدُّعاء بلا شبهة، ولم ينتقل بعرف الشرع عن هذا المعنى، وإنّما تخصّص، لأنّه كان محمولاً قبل الشرع على كلّ دعاء، في أيّ موضع كان، وفي الشريعة تخصّص بالدُّعاء في ركوع وسجود وقراءة. وجرى في أنّه تخصيص مجرى لفظ الصيام لأنّه كان في اللّغة عبارة عن الإمساك، وصار في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة. فأمّا الزكاة; فهي النماء والزيادة في اللّغة، وجعل في الشرع عبارة عن سبب ذلك من الصدقة المخصوصة. فالتعلّق به على ما بيّنّاه في وجوب الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في التشهدين الأوّل والأخير صحيح مطّرد.
ولو أنّ أصحاب الشافعيّ احتجّوا في وجوب الصلاة على النبيّ في التشهُّد بقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ على النبيّ يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ

1 . وهو مختار المعتزلة والخوارج، وإليه ذهب الجمهور من الأُصوليين، كالشيرازي في التبصرة:195، والغزالي في المستصفى:2/35، والآمدي في الإحكام:3/16، المسألة 8، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/18، وغيرهم.
2 . وهو مذهب الأشاعرة المرجئة، وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني وتابعه على ذلك أبو نصر القشيري. راجع التبصرة:195.
3 . ذهب الشيخ الطوسي في العدة:2/443ـ 444 إلى خلاف ذلك ووافق الباقلاني والقشيري والمرجئة في ذلك. راجع الهامشين السابقين.

صفحه 267
وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)1، فإنّ ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ويدخل فيه جميع الأحوال الّتي من جملتها حال التشهّد; لكان أقوى ممّا تعلّقوا به في ذلك.
فأمّا قوله تعالى:(أَقيمُوا الصَّلوةَ) فيدخل تحته الصلاة الواجبة والنفل والقضاء والأداء.
وذهب قوم إلى أنّه لا يدخل تحت اللّفظة إلاّ واجب الصلوات دون نفلها، وأُصولها دون قضائها، واعتلّوا بالوعيد في خروج النافلة، وبأنّ الفائت تابع للأصل، ويوجبه الإخلال بالأصل، فكيف يرادان معاً؟!
وهذا ليس بصحيح، لأنّه ليس في كلّ موضع من القرآن أُمر فيه بالصلاة اقترن به الوعيد، وما اقترن بالوعيد يحمل الوعيد على أنّه يتناول من ترك الواجب من الصلاة، وإن كان الأمر بالكلّ عامّاً. ولا تنافي بين أن يريد أداء الأصل وقضاءه إذا فات، ولو صرّح بذلك، حتّى يقول: قد أوجبت عليك فعل الصلاة مؤدّياً، فإن فرّطت فهي واجبة قضاء; لكان ذلك صحيحاً لا تنافي فيه.
وممّا يجري مجرى ما ذكرناه ما تعلّق قوم به في أنّ الرقبة في كفّارة الظهار يجب أن تكون مؤمنة، لقوله تعالى: (وَلاَ تَيمَّمُوا الْخَبيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ).2
وأنكر آخرون ذلك عليهم، من أنّ الكافر ليس بخبيث على التحقيق، وأنّ العتق لا يسمّى نفقة.
وليس ما أنكروه بمستبعد، لأنّ الخبيث لا خلاف بين الأُمّة في إطلاقه على كلّ كافر، كما أطلقوا الطهارة في كلّ مؤمن. وغير ممتنع أن يسمّى العتق إنفاقاً في سبيل اللّه تعالى، لأنّهم يسمّون من أعتق عبده لوجه اللّه ـ تعالى ـ أنّه منفق لماله في

1 . الأحزاب:56.
2 . البقرة:267.

صفحه 268
سبيل اللّه تعالى، والإنفاق اسمٌ لإخراج الأموال في الوجوه المختلفة، فلا وجه لاستبعاد ذلك.
ويجري مجرى هذه الآية قوله تعالى: (لا يَسْتَوي أَصْحابُ النارِ وَأَصْحابُ الْجَنّةِ أَصحابُ الجَنّة هُمُ الْفائِزُون)1، فإنّ أصحاب الشافعيّ يستدلّون بهذه الآية على أنّ المؤمن لا يقتل بكافر.
وطعن قوم على هذا الاعتماد منهم بأن قالوا: ما تعلّق الاستواء به غير مذكور، ولا يمكن ادّعاء العموم فيه، فهو كالمجمل الّذي لا ظاهر له.
وليس يمتنع التعلّق بهذه الآية، لا سيّما على مذهب من يقول في كلّ شيء يحتمل لأشياء مختلفة: أنّ اللفظ إذا أُطلق، ولم يبيّن المتكلّم به أنّه قصد وجهاً بعينه; حمل على العموم، ولهذا يقولون في الأمر ـ إذا عري من ذكر وقت أو مكان ـ: أنّه عامٌّ في الأوقات والأماكن، فما المانع من أنّ الاستواء إذا لم يتخصّص وجب حمله على كلّ الصفات.
على أنّا كما علمنا من عادة الصحابة والتابعين وعرفهم أن يحملوا ألفاظ العموم على الاستغراق إلاّ أن يقوم دليل، كذلك علمنا منهم أن يحملوا الألفاظ المطلقة المحتملة على كلّ ما تصلح له إلاّ أن يمنع دليل.

1 . الحشر:20.

صفحه 269

الفصل العاشر:

في ذكر جواز تأخير التبليغ

اعلم أنّ التبليغ من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) موقوف على المصلحة، فإن اقتضت تقديمه، تقدّم; وإن اقتضت تأخيره، تأخّر.1
فمن قال من الفقهاء: إنّ التبليغ لا يجوز أن يتأخّر، وأراد عن وقت الحاجة والمصلحة، فالأمر على ذلك; وإن أراد أنّه لا يتأخّر عن وقت إمكان الإبلاغ والأداء، فذلك باطل، لأنّه غير ممتنع أن يكون وقت إمكان الإبلاغ لا تتعلّق به المصلحة، فلا يحسن الإبلاغ.
ثمّ ذلك يلزم فيه تعالى حتّى يكون متى أمكنه تعريفنا ذلك أن يكون التعريف واجباً إمّا بخطاب منه تعالى أو برسوله، وهذا يقتضي أن لا يقف التقديم على حدّ.
فأمّا قوله تعالى: (يا أَيُّها الرسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبّكَ)2; فإنّه يقتضي إيجاب التبليغ على الوجه المأمور به، فمن أين تقدّمه دون تأخّره؟ ثمّ بهذا القول وجب التبيلغ، وقد كان ـ قبل نزوله ـ التبليغ ممكناً، وليس بواجب. وحملهم ذلك على تأخير بيان المجمل غير صحيح، لأنّا نجوّز تأخير بيان المجمل، وسندلُّ عليه بعون اللّه تعالى. ومن منع من ذلك; فلأنّ تأخير بيان المجمل يقتضي قبح الخطاب، وليس هذا في التبليغ، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخاطب بشيء، فبيّنه.

1 . وهو مختار الشيخ الطوسي في العدة:2/447، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/476، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/314، بل الكثير من الأُصوليين والعدلية والمعتزلة على تفصيل سيأتي في الفصل الثاني عشر.
2 . المائدة:67.

صفحه 270

الفصل الحادي عشر:

في أنّ البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة

اعلم أنّ هذه المسألة لا خلاف فيها1، والّذي يدلُّ ـ مع ذلك ـ على صحّة ما ذكرناه أنّ تعذّر العلم بالواجب أو بسببه يقتضي قبح التكليف، ويجري مجرى تكليف ما لا يطاق، ولا فرق عند العقلاء في القبح بين تكليف من لا يقدر، ومن لا يتمكّن من العلم، والتبيين وإن لم يحصل في وقت الحاجة; فلأجل تفريط المكلّف، وإنّما أتى به من قبل نفسه، والتبيين في إمكان المكلّف وإن فرّط فيه.

الفصل الثاني عشر:

في تأخير البيان عن وقت الخطاب

اختلف الناس في هذه المسألة فمنهم من امتنع من تأخير بيان المجمل والعموم عن وقت الخطاب، وقال بمثل ذلك في الأوامر، وهو قول أبي عليّ وأبي هاشم وأهل الظاهر.2
ومنهم من قال بجواز تأخير بيان المجمل والعموم إلى وقت الحاجة، وهو

1 . سوى من يقول بجواز التكليف بما لا يطاق كالأشعرية.
2 . وهو مذهب بعض الشافعية وبعض الأحناف والحنابلة والمعتزلة، وهو مختار أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي والقاضي عبد الجبار وغيرهم.

صفحه 271
قول أكثر الشافعيّة، وبعض أصحاب أبي حنيفة.1
ومنهم من أجاز تأخير بيان المجمل، ولم يجز ذلك في العموم وما جرى مجراه، وهو قول جماعة من أصحاب الشافعيّ وأبي الحسن الكرخيّ.2
ومنهم من أجاز تأخير بيان الأوامر، ولم يجزه في الأخبار.
والّذي نذهب إليه أنّ المجمل من الخطاب يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة. والعموم لو كان باقياً على أصل اللّغة في أنّ ظاهره محتمل لجاز ـ أيضاً ـ تأخير بيانه، لأنّه في حكم المجمل، وإذا انتقل بعرف الشرع إلى وجوب الاستغراق بظاهره، فلا يجوز تأخير بيانه.3
والّذي يدلُّ على جواز تأخير بيان المجمل أنّه غير ممتنع أن تعرض فيه مصلحة دينيّة فيحسن لها.
وليس لهم أن يقولوا: «هاهنا وجه قبح وهو الخطاب بما لا يفهم المخاطب معناه، والمصلحة لا تقتضي حسن ما فيه وجه قبح ثابت»، لأنّا سنبيّن أنّ الّذي ادّعوه غير صحيح، وأنّه لا وجه قبح فيه.
و ـ أيضاً ـ فتأخّر العلم بتفصيل صفات الفعل ليس بأكثر من تأخير إقدار

1 . وهو مختار إسماعيل بن يحيى المزني وابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وأبي بكر القفال وابن السبكي وأبي إسحاق الشيرازي والغزالي والرازي والآمدي، وغيرهم.
راجع: التبصرة:207; المستصفى:2/40; المحصول:1/477; الإحكام:3/22; ميزان الأُصول: 363; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/441.
2 . وهو المحكي عن أبي عبد اللّه البصري وجماعة من الفقهاء. وهو موافق لما ذهب إليه الإمامية. وقد وافقهم أبو الحسين البصري في المعتمد:1/315 في المجمل وخالف في العام إذ جوّز تأخير بيانه التفصيلي دون الإجمالي. ووافق العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/442 أبا الحسين البصري في هذه المسألة.
3 . وهو موافق لما اختاره الشيخ المفيد في التذكرة:39، وتبعه تلميذه الشيخ الطوسي في العدة:2/450.

صفحه 272
المكلّف على الفعل، ولا خلاف في أنّه لا يجب أن يكون في حال الخطاب قادراً ولا على سائر وجوه التمكّن، فكذلك العلم بصفة الفعل.
و ـ أيضاً ـ فقد نطق الكتاب بتأخير البيان في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ * قالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ * قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءٌ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ الناظِرينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ * قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرثَ مُسَلَّمَةٌ لاشِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَمَا كادُوا يَفْعَلُونَ)1 .
ووجه الدلالة من الآية أنّه تعالى أمرهم بذبح بقرة لها هذه الصفات المذكورة كلّها، ولم يبيّن في أوّل وقت الخطاب ذلك حتّى راجعوه واستفهموه، حتّى بيّن لهم المراد شيئاً بعد شيء، وهذا صريح في جواز تأخير البيان.
فإن قيل: لم زعمتم أنّ الصفات كلّها هي للبقرة الأُولى الّتي أُمروا بذبحها، وما أنكرتم أن يكونوا أُمروا في الخطاب الأوّل بذبح بقرة من عرض البقر، فلو امتثلوا وذبحوا أيّ بقرة اتّفقت; كانوا قد فعلوا الواجب، فلمّا توقّفوا، وراجعوا; تغيّرت المصلحة، فأُمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر، من غير مراعاة لباقي الصفات. فلمّا توقّفوا ـ أيضاً ـ تغيّرت المصلحة في تكليفهم، فأُمروا بذبح بقرة صفراء. فلمّا توقّفوا ; تغيّرت المصلحة، فأُمروا بذبح ما له كلُّ الصفات. وإنّما يكون لكم في ذلك حجّة لو صحّ لكم أنّ الصفات كلّها كانت للبقرة الأُولى.

1 . البقرة:67ـ 71.

صفحه 273
قلنا: هذا سؤال من لا يعرف عادة أهل اللّغة في كناياتهم، لأنّ الكناية في قوله: (ادّعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هيَ) لا يجوز عند متأمّل أن يكون كناية إلاّ عن البقرة الّتي تقدّم ذكرها، لأنّه لم يجر ذكر لغيرها، فيكنى عنه.
ولا يجوز على ما ذهب القوم إليه أن تكون كناية عن البقرة الّتي يريد اللّه ـ تعالى ـ أن يأمرهم بذبحها ثانياً، لأنّهم لا يعرفون ذلك، ولا يخطر لهم ببال، فكيف يسألون عن صفة بقرة لا يعلمون أنّهم يؤمرون بذبحها؟ ويجري ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه:«أعطني تفّاحة» فيقول غلامه: «بيّن لي ما هي» فلا يصرف أحد من العقلاء هذه الكناية إلاّ إلى التُّفاحة المأمور بإعطائها.
ثمّ قال تعالى بعد ذلك: إنّه يقول: (إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) وقد علمنا أنّ الهاء في قوله تعالى: (إِنَّهُ يَقُولُ) هي كناية عنه تعالى، لأنّه لم يتقدّم ما يجوز ردُّ هذه الكناية إليه إلاّ اسمه تعالى. فكذلك يجب أن يكون قوله تعالى: (إِنّها) كناية عن البقرة المتقدّمة ذكرها، وإلاّ فما الفرق بين الأمرين؟
وكذلك الكلام في الكناية بقوله تعالى: (مَا لَونُها)، وقوله: (إِنّها بَقَرةٌ صَفراءٌ)، والكناية في قوله تعالى:(ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا)، ثمّ الكناية في قوله تعالى: (إِنَّهُ يَقُولُ إِنّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأرْضَ).
ولا يجوز أن تكون الكناية في قوله تعالى: (إِنّها) في المواضع كلّها للقصّة والحال، لأنّ الكناية في (إِنّها)لابدّ أن تتعلّق بما تعلّقت به الكناية في قوله: (ما هِيَ)، ولا شبهة في أنّ المراد بلفظة (هي)البقرة الّتي أمرهم بذبحها، فيجب أن يكون كناية الجواب تعود إلى ما كني عنه بالهاء في السُّؤال، ولو جاز تعليق (إِنّها) بالقصّة والشأن; جاز تعليق (ما هي) بذلك، وجاز ـ أيضاً ـ أن يكون الكناية في قوله تعالى: (إِنّه يَقُولُ) عن غير اللّه تعالى، ويكون عن الأمر والقصّة، كما قالوا:

صفحه 274
«إِنّه زيدٌ منطلق»، فكنوا عن الشأن والقصّة.
وكيف يكون قوله:«إنّها كذا وكذا» كناية عن غير ما كني عنه بما هي وبما لونها، أوليس ذلك موجباً أن يكون جواباً عن غير المسؤول عنه؟ لأنّهم سألوا عن صفات البقرة الّتي تقدّم ذكرها، وأمرهم بذبحها، فأُجيبوا عن غير ذلك. وسواء جعلوا الهاء في «إنّها» عن الشَّأن والقصّة ، أو عن البقرة الّتي أُمروا ثانياً وثالثاً بذبحها، كيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدّم أمره لهم بذبحها، فيترك ذلك جانباً، ويذكر صفة ما لم يتقدّم الأمر بذبحه، وإنّما أُمروا أمراً مستأنفاً به.
ولو كان الأمر على ما قالوه من أنّه تكليف بعد تكليف; لكان الواجب لمّا قالوا: (ما هي) وإنّما عنوا البقرة الّتي أُمروا ابتداءً بذبحها، أن يقول لهم: أيّ بقرة شئتم، وعلى أيّ صفة كانت، وما أمرتكم بذبح بقرة لها صفة معيّنة، والآن فقد تغيّرت مصلحتكم، فاذبحوا الآن ما صفتها كذا وكذا. وإذا قالوا له: (ما لَونُها)يقول: أيُّ لون شئتم، وما أردت لوناً بعينه، والآن فقد تغيّرت المصلحة،والّذي تؤمرون به الآن بقرة صفراء. ولمّا قالوا في الثالث: (ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) أن يقول: المأمور به صفراء، على أيّ صفة كانت بعد ذلك، وقد تغيّرت المصلحة، فاذبحوا بقرة، لا ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات. فلمّا عدل تعالى عن ذلك إلى نعت بعد آخر; دلّ على أنّها نعوت للبقرة الأُولى.
على أنّه لو جاز صرف الهاء في قوله تعالى:(إِنّها) إلى الشأن و القصّة ـ و إن كان المفسّرون كلّهم قد أجمعوا على خلاف ذلك، لأنّهم كلّهم قالوا: هي كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، وقالت المعتزلة بالأسر: إنّها كناية عن البقرة الّتي تعلّق التكليف المستقبل بذبحها، ولم يقل أحد: إنّها للقصّة والحال ـ لكان ذلك يفسد من وجه آخر، وهو أنّه إذا تقدّم ما يجوز أن تكون هذه الكناية راجعة إليه، ولم يجر للقصّة والحال ذكر; فالأولى أن تكون متعلّقة بما ذكر وتقدّم الإخبار عنه، دون ما

صفحه 275
لا ذكر في الكلام له، وإنّما استحسنوا الكناية عن الحال والقصّة في بعض المواضع، بحيث تدعوا الضرورة، ولا يقع اشتباه، ولا يحصل التباس.
وبعد; فإنّما يجوز إضمار القصّة والشأن بحيث يكون الكلام مع تعلّق الكناية بما تعلّقت به مفيداً مفهوماً، لأنّ القائل إذا قال:«إنّه زيد منطلق» و «إنّها قائمة هند»; فتعلّقت الكناية بالحال والقصّة، أفاد ما ورد في الكلام، وصار كأنّه قال: «زيدٌ منطلق» و «قائمةٌ هندٌ»، والآيات بخلاف هذا الموضع، لأنّا متى جعلنا الكناية في قوله: «إنّها بقرةٌ لا فارضٌ» و «إنّها بقرةٌ صَفراء» و «إنّها بقرةٌ لا ذَلُولٌ» متعلّقة بالحال والقصّة; بقي معنا في الكلام ما لا فائدة فيه ولا يستقلُّ بنفسه، لأنّه لا فائدة في قوله: «بَقرةٌ صَفراءٌ» و «بقرةٌ لا فارضٌ»، ولا بدّ من ضمّ كلام إليه، حتّى يستقلّ ويفيد; فإن ضممنا إلى قوله:«بَقَرَةٌ لا فارضٌ» أو «بقرةٌ صفراءُ» الّتي أُمرتم بذبحها; أفاد لعمري. فبطل صرف الكناية إلى غير البقرة، ووجب أن تصرف الكناية إلى البقرة حتى لا يحتاج أن يحذف خبر المبتدأ والاكتفاء بما في الكلام أولى من تأويل يقتضي العدول إلى غيره، وحذف شيء ليس بموجود في الكلام.
وممّا يدلُّ على صحّة ما نصرناه أنّ جميع المفسّرين للقرآن أطبقوا على أنّ الصفات المذكورات للبقرة أعوز اجتماعها للقوم حتّى توصّلوا إلى ابتياع بقرة لها هذه الصفات كلُّها بملء جلدها ذهباً، ولو كان الأمر على ما قاله المخالفون; لوجب أن لا يعتبر فيما يبتاعونه ويذبحونه إلاّ الصفات الأخيرة، دون ما تقدّمها، ويلغى ذكر الصفراء، أو الّتي ليست بفارض ولا بكر، وأجمعوا على أنّ الصفات كلّها معتبرة. فعلم أنّ البيان تأخّر وأنّ الصفات كلّها للبقرة الأُولى.
فإن قيل: فلم عنّفوا على تأخيرهم امتثال الأمر الأوّل، وعندكم أنّ البيان للمراد بالأمر الأوّل تأخّر ولِمَ قال سبحانه:(فَذَبَحُوها وَمَا كادُوا يَفْعَلُونَ)؟

صفحه 276
قلنا: ما عنّفوا بتأخير امتثال الأمر الأوّل، وليس في القرآن ما يشهد بذلك، بل كان البيان يأتي شيئاً بعد شيء، كلّما طلبوه واستخرجوه، من غير تعنيف، ولا قول يدلُّ على أنّهم عصاة بذلك. فأمّا قوله تعالى في آخر القصّة :(فَذَبَحُوها وَما كادوا يَفْعَلُون) فإنّما يدلُّ على أنّهم كادوا يفرّطون في آخر القصّة وعند تكامل البيان، ولا يدلُّ على أنّهم فرّطوا في أوّل القصّة. ويجوز أن يكونوا ذبحوا بعد تثاقل، ثمّ فعلوا ما أُمروا به.
دليلٌ آخر: وممّا يدلُّ على جواز تأخير البيان أنّا قد علمنا ضرورة أنّه يحسن من الملك أن يدعو بعض عُمّاله فيقول له: قد ولّيتك البلد الفلاني، وعوّلت على كفايتك، فاخرج إليه في غد، أو في وقت بعينه، وأنا أكتب لك تذكرة بتفصيل ما تعمله، وتأتيه، وتذره، أُسلّمها إليك عند توديعك لي، أو أُنفذها إليك عند استقرارك في عملك. وكذلك يحسن من أحدنا أن يقول لغلامه: أنا آمُرُكَ أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة، وتبتاع ما أُبيّنه لك غداة يوم الجمعة، ويكون القصد بذلك إلى التأهُّب لقضاء الحاجة، والعزم عليها، وقطع العوائق والشواغل دونها. وهذا هو نظير ما أجزناه من تأخير بيان المجمل، بل هوهو بعينه. ولم يجر ذلك عند أحد مجرى خطاب العربيّ بالزنجيّة.
دليل آخر: وهو أنّا قد أجمعنا على أنّه تعالى يحسن منه تأخير بيان مدّة الفعل المأمور به والوقت الّذي ينسخ فيه عن وقت الخطاب، وإن كان مراداً بالخطاب، لأنّه إذا قال: صلّوا، وأراد بذلك غاية معيّنة; فالانتهاء إليها من غير تجاوز لها مراد في حال الخطاب، وهو من فوائده، ومراد المخاطب به. وهذا هو نصُّ مذهب القائلين بجواز تأخير بيان المجمل، ولم يجر ذلك عند أحد مجرى خطاب العربيّ بالزنجيّة.

صفحه 277
فإن قالوا: ليس يجب أن يبيّن في حال الخطاب كلّ مراد بالخطاب.
قلنا: قد أصبتم، فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك.
فإن قالوا: لا حاجة به إلى بيان مدّة النسخ وغاية العبادة، لأنّ ذلك بيانٌ لما يجب أن يفعله، وهو غير محتاج الآن إلى بيان ما لا يجب أن يفعله، وإنّما يحتاج في هذه الحال إلى بيان صفة ما يجب أن يفعله.
قلنا: هذا هدمٌ لكلّ ما تعتمدون عليه في تقبيحكم تأخير البيان لأنّكم توجبون البيان لشيء يرجع إلى الخطاب، لا لأمر يرجع إلى إزاحة علّة المكلّف في الفعل، فإن كنتم إنّما تمنعون من تأخير البيان لأمر يرجع إلى إزاحة العلّة والتمكّن من الفعل; فأنتم تجيزون أن يكون المكلّف في حال الخطاب غير قادر ولا متمكّن بالآلات، وذلك أبلغ في رفع التمكّن من فقد العلم بصفة الفعل.
وإن كان امتناعكم لأمر يرجع إلى وجوب حسن الخطاب، وإلى أنّ المخاطب لابدّ من أن يكون له طريق إلى العلم بجميع فوائده; فهذا ينتقض بمدّة الفعل وغايته، لأنّها من جملة المراد، وقد أجزتم تأخير بيانها، وقلتم بنظير قول من يجوّز تأخير بيان المجمل، لأنّه يذهب إلى أنّه مستفيد بالخطاب المجمل بعض فوائده دون بعض وقد أجزتم مثله. والرُّجوع إلى إزاحة العلّة نقض منكم لهذا الاعتبار كلّه.

[فيما يدلّ على قبح تأخير بيان العموم ونحوه]

فأمّا الّذي يدلُّ على قبح تأخير بيان العموم; فهو أنّ العموم لفظ موضوع لحقيقته والحكيم لا يجوز أن يخاطب بلفظ له حقيقة وهو لا يريدها من غير أن يدلّ في حال خطابه على أنّه متجوّز باللّفظ ولا إشكال في قبح ذلك، والعلّة في قبحه أنّه خطاب أُريد به غير ما وضع له من غير دلالة.

صفحه 278
والّذي يدلُّ على ذلك أنّه لا يحسن أن يقول الحكيم منّا لغيره: «افعَل كذا» و هو يريد التهديد والوعيد أو «اقتُل زيداً» و هو يريد اضربه الضَّربَ الشديد الّذي جرت العادة بأن يسمّى قتلاً مجازاً، ولا أن يقول: «رأيت حماراً» و هو يريد رجلاً بليداً، من غير دلالة تدلُّ على ذلك، أو اضطرار إلى قصده، ومن فعل ذلك; كان عندهم سفيهاً مذموماً، وبهذا المعنى بانت الحقيقة من غيرها، لأنّ الحقيقة تستعمل بلا دليل، والمجاز لابدّ معه من دليل.
وليس تأخير بيان المجمل جارياً هذا المجرى، لأنّ المخاطب بالمجمل ما أراد به إلاّ ما هو فيه حقيقة، ولم يعدل عمّا وضع له، ألا ترى أنّ قوله تعالى:(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صدقةً تُطَهِّرُهُمْ)1 إذا أراد به قدراً مخصوصاً، فلم يرد إلاّ ما اللّفظ بحقيقته موضوع له، وكذلك إذا قال: «عندي شيءٌ» فإنّما استعمل اللّفظ الموضوع في اللُّغة للإجمال فيما وضعوه له، وليس كذلك مستعمل لفظ العموم وهو يريد الخصوص، لأنّه أراد باللّفظ ما لم يوضع له، ولم يدلّ عليه.
دليل آخر: وممّا يدلُّ على ذلك أنّ الخطاب وضع للإفادة، ومن سمع لفظ العموم مع تجويزه أن يكون خصوصاً ويبيّن له في المستقبل لا يستفيد في هذه الحال به شيئاً، ويكون وجوده كعدمه.
فإن قيل: يعتقد عمومه بشرط أن لا يخصّ.
قلنا: ما الفرق بين قولك وبين قول من يقول: يجب أن يعتقد خصوصه إلى أن يدلّ مستقبلاً على ذلك، لأنّ اعتقاده للعموم مشروط، وكذلك اعتقاده للخصوص. وليس بعد هذا إلاّ أن يقال: يعتقد أنّه على أحد الأمرين إمّا العموم أو الخصوص وينتظر وقت الحاجة، فإمّا أن يترك على حاله فيعتقد العموم، أو يدلّ على الخصوص فيعمل عليه.

1 . التوبة:103.

صفحه 279
وهذا هو نصُّ قول أصحاب الوقف في العموم قد صار إليه من يذهب إلى أنّ لفظ العموم مستغرق بظاهره على أقبح الوجوه، فإنّ أصحاب الوقف في العموم يقطعون على أنّ القائل إذا قال:«اضرب الرجال» على أنّ المراد ثلاثة، وإنّما يشكّ فيما زاد على هذا العدد، ومن جوّز تأخير بيان العموم يجوّز في وقت الحاجة أن يبيّن أنّ المراد واحد من الرجال.
دليل آخر: وممّا يدلُّ على ذلك أنّ القول بجواز تأخير بيان تخصيص العموم يقتضي أن يكون المخاطب قد دلّ على الشيء بخلاف ما هو به، لأنّ لفظ العموم مع تجرّده يقتضي الاستغراق، فإذا خاطب به مطلقاً; لا يخلو من أن يكون دلّ به على الخصوص، وذلك يقتضي كونه دالاً بما لا دلالة فيه، أو يكون قد دلّ به على العموم، فقد دلّ على خلاف مراده، لأنّ مراده الخصوص فكيف يدلّ عليه بلفظ العموم؟!
فإن قيل: إنّما يستقرّ كونه دالاً عند الحاجة إلى الفعل.
قلنا: حضور زمان الحاجة ليس بمؤثّر في دلالة اللّفظ، فإن دلّ اللّفظ على العموم فيها; فإنّما يدلُّ لشيء يرجع إليه، وذلك قائم قبل وقت الحاجة.
على أنّ وقت الحاجة إنّما يعتبر في القول الّذي يتضمّن تكليفاً، فأمّا ما لا يتعلّق بالتكليف من الأخبار وضروب الكلام; يجب أن يجوّز تأخير بيان ضروب المجاز فيه عن وقت الخطاب إلى غيره من مستقبل الأوقات، وهذا يؤدّي إلى سقوط الاستفادة من الكلام، وأنّ وجوده في الفائدة كعدمه.

[في استدلال مَن قال بقبح تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب والجواب عنه]

وقد استدلّ من دفع جواز تأخير بيان المجمل بأن قال: خطاب العربيّ بالزنجيّة لا إشكال في قبحه، ومثله الخطاب بالمجمل، والعلّة الجامعة بينهما أنّه

صفحه 280
خطاب لا يفهم منه المراد.
قالوا: وليس لأحد أن يفرّق بين الأمرين بأنّ الخطاب بالزنجية لا يفهم منه شيء من الفوائد، والمجمل يستفاد منه على كلّ حال، لأنّه تعالى إذا قال: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ بِها)1 ، و(أَقيمُوا الصَّلوةَ)2; فالمخاطب يستفيد أنّه مأمور بأخذ الصدقة من المال، وإن جهل مبلغها، ووقف ذلك على البيان، وهو مكلّف للعزم على ذلك، وتوطين النفس على فعله متى بيّـن له. وكذلك في الصلاة يعلم أنّه مكلّف لفعل هو عبادة، إلاّ أنّه لا يعرف كيفيّة هذه العبادة، وهو منتظر بيانها. والخطاب بالزنجيّة بخلاف هذا كلّه.
قالوا: وذلك أنّه يمكن في الخطاب بالزنجيّة مثل ما خرّجتموه في المجمل ، لأنّ الحكيم إذا خاطب العربي بالزنجيّة; فلابدّ من أن يقطع المخاطب على أنّه قد قصد بخطابه ـ و إن كان بالزنجيّة ـ إلى أمره، أو نهيه، أو إخباره، ويجب عليه أن يعزم على فعل ما يتبيّن أنّه أمره به، والكفّ عمّا لعلّه يبيّن له أنّه نهاه عنه، وكرهه منه، ويوطّن نفسه على ذلك، وتتعلّق مصلحته به، فلا فرق بين الأمرين.
وإن فرّق بينهما بأنّ الفائدة في الخطاب بالزنجيّة أقلّ أو أشدُّ إجمالاً; جاز أن يقال: لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفائدة، لأنّه يحسن من الخطاب ما خرج من كونه عبثاً، وقليل الفائدة في هذا الباب ككثيرها.
والجواب: أنّ من المعلوم قبح خطاب العربيّ بالزنجيّة كما قرّرتم، ومن المعلوم ـ أيضاً ـ الّذي لا يختلف العقلاء في حسنه استحسان العقلاء من الملك أن يأمر بعض أُمرائه بالخروج إلى بعض البلدان، وأن يعمل في تدبيره على ما يكتب به إليه ويوصيه قبل خروجه، على ما تقدّم بيانه، ولا يجري ذلك في القبح مجرى خطاب العربيّ بالزنجيّة.

1 . التوبة:103.
2 . الأنعام:72.

صفحه 281
وإذا كنّا قد علمنا من حسن المثال الّذي ذكرناه ، مثل الّذي علمناه من قبح خطاب العربيّ بالزنجيّة، ومعلوم أنّ الّذي أجزناه من تأخير بيان المجمل إنّما يشبه المثال الّذي أوردناه، دون الخطاب بالزنجيّة; فيجب حسن الخطاب بالمجمل، كما وجب حسن نظائره.
وبقي أن نعلّل قبح ما علمنا قبحه من خطاب العربيّ بالزنجيّة، ونعلّل حسن ما علمنا حسنه من أمر الملك لأميره، فيعلم من علّة ذلك ما يلحق به ما يشاركه في علّته.
وليس يجوز أن يعلّل قبح الخطاب بالزنجيّة بعلّة يلحق به الخطاب الّذي ذكرناه من أمر الملك لخليفته، لأنّ ما علمنا حسنه لا يجوز أن يكون فيه وجه قبح، وكذلك أن يعلّل حسن الأمثلة الّتي ذكرناها بما يلحق الخطاب بالزنجيّة بها، لأنّ ما علمنا قبحه لا يجوز أن يلحق بعلّة من العلل بما هو حسن في نفسه.
وتفسير هذه الجملة أنّا متى علّلنا قبح الخطاب بالزنجيّة بأنّا لا نفهم بها مراد المخاطب; وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من خطاب الملك لخليفته، لأنّ خليفة الملك لا يعرف من خطابه المجمل الّذي حكيناه مراده الّذي أحاله في تفصيله على البيان. وإن علّلنا قبحه بأنّه ممّا لا فائدة فيه; فقد بيّنا أنّه يمكن أن يدّعى فيه فائدة، فإنّه لا يعدو أحد أقسام الكلام المعهودة، ولابدّ من أن يكون المخاطب ـ إذا كان حكيماً ـ مريداً لبعضها.
وإن علّلنا حسن الأمثلة الّتي علمنا حسنها بأنّها تفيد فائدة ما، أو ممّا يتعلّق مصلحة المخاطب بها، بأن يعتقد ويعزم على الامتثال عند البيان; فهذا كلّه قائم في الخطاب بالزنجيّة. فلابدّ من التعليل بما لا يقتضي قبح ما علمنا حسنه، ولا حسن ما علمنا قبحه.

صفحه 282

[في وجه قبح خطاب العربي بالزنجية]

ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجيّة بأنّه غير مفهوم منه نوع الخطاب، ولا أيُّ ضرب هو من ضروبه، ألا ترى أنّه لا يفصل المخاطب بين كونه أمراً أو نهياً أو خبراً أو استخباراً أو استفهاماً أو عرضاً أو تمنّياً، ويجوّز أن يكون شاتماً له وقاذفاً، كما يجوّز أن يكون مادحاً له ومثنياً عليه.
وهذه النُّكتة تبطل فرقهم بين الأمرين بأنّ الخطاب بالزنجيّة إذا وقع من حكيم، فلابدّ من أن يكون أمراً أو نهياً، فيجب على المخاطب أن يعزم على فعل ما يبيّن له، لأنّا قد بيّنّا أنّه قد يجوز أن يخلو الخطاب بالزنجيّة من كلّ تكليف وإلزام إلى أن يكون شتماً وقذفاً و ما جرى مجراهما ممّا لا نفع فيه، فلا يمكن أن يقال: إنّا نعزم على فعل ما يبيّن لنا، وقد علمنا أنّ المجمل يفصّل فيه بين أنواع الخطاب وضروبه، وإنّما يلتبس على المخاطب تفصيل ما تعلّق الأمر به ممّا هو واقف على البيان، فهذه علّة صحيحة في قبح الخطاب بالزنجيّة لا نجدها فيما علمنا حسنه من المثال.
وإن شئت أن تقول: العلّة في قبح الخطاب بالزنجيّة أنّ المخاطب لا يستفيد منه فائدة معيّنة منفصلة، ولابدّ في كلّ خطاب من أن يستفاد منه فائدة مفصّلة، وإن جاز أن يقترن بذلك فائدة أُخرى مجملة، والخطاب المجمل يستفاد منه فائدة معيّنة مفصّلة، وإن استفاد أُخرى مجملة لأنّه تعالى إذا قال: (أَقيمُوا الصَّلوةَ) و(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً) ، فقد استفاد المخاطب أنّه مأمور، وقطع على ذلك، وأنّه مأمور بعبادة هي الصلاة أو الصدقة، وإن شكّ في صفتها.
فإن قيل: وأيُّ فائدة في تقديم الخطاب بالمجمل وتأخير بيانه إلى وقت الحاجة؟
قلنا: لابدّ من أن يتعلّق على الجملة بذلك مصلحة دينيّة حتّى يحسن تقديم

صفحه 283
الخطاب على وقت الحاجة. وممّا يمكن أن يكون وجهاً لحسن ذلك أنّ المكلّف يعزم ويوطّن نفسه على الفعل إلى وقت الحاجة، وهذا العزم وما يتبعه طاعة. وهو ـ أيضاً ـ مسهّل للفعل المأمور به.
وما لا يزال يصول به المخالف من قوله: «إنّ العزم والاعتقاد تابعان للفعل المعزوم عليه، فلا يكونان أصلاً مقصوداً» غير صحيح، لأنّا لم نجعل العزم والاعتقاد أصلين، بل تابعين، لأنّه يستفيد بالمجمل على كلّ حال وجوب الفعل عليه، وإن جهل صفاته، فيجب عليه الاعتقاد والعزم تابعين لذلك، ولكنّهما على سبيل الجملة، لأنّه يعتقد وجوب فعل على الجملة عليه ينتظر بيانه، ويعزم على أدائه على هذا الوجه.
ومن قويّ ما يلزمونه أن يقال لهم: إذا جوّزتم أن يخاطب بالمجمل ويكون بيانه في الأُصول، ويكلّف المخاطب الرجوع إلى الأُصول، فيعرف المراد، فما الّذي يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يعرف من الأُصول المراد؟
فإن قالوا: يتوقّف عن اعتقاد التفصيل، ويعتقد على الجملة أنّه يمتثل ما يبيّن له.
قلنا: أيُّ فرق بين هذا القول وبين من جوّز تأخير بيان المجمل؟
فإذا قالوا: الفرق بينهما أنّه إذا خوطب وفي الأُصول البيان، فهو متمكّن من الرجوع إليها، ومعرفة المراد وأنتم تجيزون خطابه بالمجمل من غير تمكّن من معرفة المراد.
قلنا: إذا كان البيان في الأُصول; فلابدّ من زمان حتّى يرجع فيه إليها، فيعلم المراد، وهو في هذا الزمان قصيراً كان أو طويلاً مكلّف بالفعل، ومأمور باعتقاد وجوبه، والعزم على أدائه، على طريق الجملة من غير تمكّن من معرفة المراد وإنّما يصحّ أن يعرف المراد بعد هذا الزمان، فقد عاد الأمر إلى أنّه مخاطب بما لا يتمكّن

صفحه 284
في الحال من معرفة المراد به، وهذا قول من جوّز تأخير البيان، ولا فرق في هذا الحكم بين طويل الزمان وقصيره.
فإن قالوا: هذا الزمان الّذي أشرتم إليه لا يمكن فيه معرفة المراد، فيجري مجرى زمان مهلة النظر الّذي لا يمكن وقوع المعرفة فيه.
قلنا: ليس الأمر كذلك لأنّ زمان مهلة النظر لابدّ منه، ولا يمكن أن تقع المعرفة الكسبيّة في أقصر منه، وليس كذلك إذا كان البيان في الرُّجوع إلى الأُصول لأنّه تعالى قادر على أن يقرن البيان إلى الخطاب، فلا يحتاج إلى زمان للرّجوع إلى تأمّل الأُصول.
ثمّ يقال له:إذا كان تمكّنه من الرجوع إلى الأُصول في معرفة البيان وإن طال الزمان كافياً في حسن الخطاب; فألاّ جاز أن يخاطب بالزنجيّة، ويكلّفه الرُّجوع في التفسير إلى من يعرف لغة الزنج أو أن يتعلّم لغة الزنج ومواضعتهم، فليس ذلك بأبعد من تكليفه الرُّجوع إلى الأُصول الّتي ربما طال الزمان في معرفة المراد منها.
فإن قالوا: هذا تطويل في البيان.
قلنا: وتكليفه الرجوع إلى تصفُّح الأُصول ومعرفة المراد منها تطويل في البيان فإذا جاز ذلك لمصلحة; جاز هذا.
فإن قالوا: الخطاب بالزنجيّة وإن أمكن معرفة المراد به من جهة مترجم، أو بتعلُّم مواضعة الزنج قبيح، لأنّ المخاطب لا يستفيد به شيئاً من الفوائد.
قلنا: هذا صحيح، وبه فرقنا بين الخطاب بالمجمل وبالزنجيّة.
وإنّما لم نذكر ما حكي في الكتب من طرق مختلفة لمن أجاز تأخير البيان من تعويل على أخبار آحاد وذكر أوقات الصلاة، وأشياء مختلفة مذكورة، لأنّه لا شيء من ذلك كلّه يدلُّ على موضع الخلاف. وقد تكلّم عليه بما يبطله فلا معنى للتطويل بذكره.

صفحه 285

الفصل الثالث عشر:

في جواز سماع المخاطب العامّ وإن لم يسمع الخاصّ

اختلف الناس في هذه المسألة ، فقال قوم من الفقهاء: إنّ تخصيص العامّ إذا لم يكن بالأدلّة العقليّة; فلا يجوز أن يسمع العامّ إلاّ مع الخاصّ، بل يصرف اللّه ـ تعالى ـ عن سماع ذلك إلى حين سماع الخاصّ، وهو قول أبي عليّ الجبائيّ وقول أبي هاشم الأوّل.1
وقال آخرون: يجوز أن يسمع العامّ وإن لم يسمع الخاصّ، ويكون مكلّفاً لطلب الخاصّ وتأمُّله في الأُصول، فإن وجده عمل به; وإلاّ عمل في ظاهر العامّ، وهو قول النظّام وقول أبي هاشم الأخير.2
والّذي يدلُّ على صحّة المذهب الثاني أنّه لا خلاف في حسن خطابه بالعامّ وفي أدلّة العقول تخصيصه، سواء استدلّ المكلّف بالعقل على ذلك أو لم يستدلّ، لأنّ التمكّن من معرفة المراد في الحالين حاصل، فكذلك الحكم إذا خاطبه بالعامّ وفي الأُصول التخصيص، سواء أسمعه المخصّص أم لا، لأنّ التمكّن من العلم بالمراد حاصل. وإذا لم يقتض ما اتّفقنا عليه إباحة الجهل، ولا كان مثل خطاب العربيّ بالزنجيّة; فكذلك ما قلناه.

1 . وهو مختار أبو الهذيل العلاّف كما في المحصول:1/499.
2 . وهو مختار أبي الحسين البصري في المعتمد:1/331، والرازي في المحصول:1/499. وإليه ذهب من الإمامية السيد المرتضى هنا، وتبعه تلميذه شيخ الطائفة في العدة:2/466، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/479.

صفحه 286

الفصل الرابع عشر:

في أنّ تعليق الحكم بصفة

لا يدلُّ على انتفائه بانتفائها

اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إنّ انتفاء الصفة الّتي علّق الحكم عليها لا يدلُّ على انتفاء الحكم عمّا ليس له تلك الصفة، وإنّما يفيد تعليقه بها إثبات الحكم فيما وجدت فيه، من غير إفادة الحكم في غيره نفياً ولا إثباتاً. وإلى هذا المذهب ذهب أبو عليّ الجُبّائيّ وابنه أبو هاشم والمتكلّمون كلُّهم إلاّ من لعلّه شذّ منهم، وهو الصحيح المستمرّ على الأُصول. وقد صرّح بهذا المذهب أبو العبّاس بن سريج1، وتبعه على ذلك جماعة من شيوخ أصحاب الشافعيّ كأبي بكر الفارسيّ2 والقفّال وغيرهما.3

1 . في النسخ والمطبوع: بن شريح والصحيح ما أثبتناه. وهو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس فقيه الشافعية في عصره ومتكلمهم، وكان يلقب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، له تصانيف كثيرة ومناظرات مع محمد بن داود الظاهري. ولد في بغداد سنة 249هـ وتوفّي بها سنة 306هـ. الأعلام:1/185; تذكرة الحفاظ:2/689 وج3/811; سير أعلام النبلاء:14/172; تاريخ بغداد:5/43برقم 2360; إكمال الكمال:4/276 وغيرها.
2 . هو أحمد بن الحسين بن سهل، أبو بكر الفارسي الشافعي، له مصنّفات منها: «عيون المسائل» في نصوص الشافعي، والأُصول . توفّي سنة 305هـ. الأعلام:1/114.
3 . وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماهير المعتزلة. وهو مختار القاضي أبي حامد المروزي وأبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، والقاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد:3/332، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/150، والغزالي في المستصفى:2/197، وفخر الدين الرازي في المحصول:1/261، ومن الإمامية السيد المرتضى والعلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/471.

صفحه 287
وذكر أبو العباس بن سريج انّ الحكم إذا علّق بصفة فإنّما يدلّ على ما تناوله لفظه إذا تجرّد وقد يحصل فيه قرائن يدلُّ معها على أنّ ما عداه بخلافه، نحو قوله تعالى:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنبأ فَتَبَيَّنُوا)1، وقوله جلّ اسمه:(وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حمل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ)2، وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ)3، وقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً)4. وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :«في سائمة الغنم الزَّكاة».5
قال: وقد يقتضي ذلك أنّ حكم ماعداه مثل حكمه، نحو قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً)6، وقوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ)7، وقوله تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).8 وهذا تصريح منه تعالى بالمذهب الصَّحيح،وأنّ القول ـ إذا تجرّد ـ لم يقتض نفياً ولا إثباتاً فيما عدا المذكور، وأنّ بالقرائن تارة يعلم النفي، وأُخرى الإثبات. وقد أضاف ابن شريح قوله هذا إلى الشافعيّ، وتأوّل كلامه المقتضي بخلاف ذلك وبناه عليه.
وذهب أكثر أصحاب الشافعيّ وجمهورهم إلى أنّ تعليق الحكم بصفة دالٌّ بمجرّده على نفي الحكم عمّا ليس له تلك الصفة.9
وفيهم من ذهب إلى أنّ الاسم في هذا الباب كالصفة.

1 . الحجرات:6.
2 . الطلاق:6.
3 . الطلاق:2.
4 . المائدة:6.
5 . تهذيب الأحكام:1/234برقم 643.
6 . المائدة:95.
7 . الإسراء:23.
8 . التوبة:36.
9 . وهو قول الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري وأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي وجماعة من الفقهاء والمتكلّمين. راجع: عدة الأُصول:2/469; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1/470; التبصرة:218.
ومن الإمامية ذهب الشيخ المفيد إلى هذا القول في التذكرة:39.

صفحه 288
وفيهم من فرّق بين الاسم والصفة.
والّذي يدلُّ على صحّة ما اخترناه أنّه قد ثبت أنّ تعليق الحكم بالاسم اللَّقب لا يدلُّ على أنّ ماعداه بخلافه، وثبت أنّ الصفة كالاسم في الابانة والتمييز، وإذا ثبت هذان الأمران صحّ مذهبنا.
والّذي يدلّ على الأوّل أنّ تعليق الحكم بالاسم لو دلّ على أنّ ماعداه بخلافه; لوجب أن يكون قول القائل: «زيدٌ قائم» و «عمروٌ طويلٌ» و«السُّكَّرُ حلوٌ» مجازاً، معدولاً به عن الحقيقة، فإنّه قد يشارك زيداً وعمراً في القيام والطول غيرهما، ويشارك السُّكَّر في الحلاوة غيره. ويجب ـ أيضاً ـ أن لا يمكن أن نتكلّم بهذه الألفاظ على سبيل الحقيقة، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك من مذهب أهل اللُّغة وأنّ هذه الألفاظ حقيقة،وممّا لا يجب كونها مجازاً. ويلزم على هذا المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازاً، لأنّ الإنسان إذا أضاف إلى نفسه فعلاً من قيام، وأكل، وضرب، وما جرى مجرى ذلك، ليس يضيف إليها إلاّ ما له فيه مشارك، والإضافة إليه يقتضي ظاهرها ـ على مذهب من قال بدليل الخطاب ـ نفي ذلك الأمر عمّن عداه، فلا تكون هذه الأوصاف في موضع من المواضع إلاّ مجازاً، وهذا يقتضي أنّ الكلام كلّه مجاز.
ويدلُّ ـ أيضاً ـ على ذلك أنّ من المعلوم أنّه لا يحسن أن يخبر مخبر بأنّ زيداً طويلٌ إلاّ وهو عالم بطوله، فلو كان قوله:«زيد طويل» كما يقتضي الإخبار عن طول زيد، يقتضي نفي الطول عن كلّ من عداه; لوجب أن لا يحسن منه أن يخبر بأنّ زيداً طويلٌ إلاّ بعد أن يكون عالماً بأنّ غيره لا يشاركه في الطول ويجب أن يكون علمه بحال غير المذكور شرطاً في حسن الخبر، كما كان علمه بحال المذكور شرطاً في حسن الخبر، ومعلوم خلاف ذلك.

صفحه 289
وأيضاً فإنّ ألفاظ النفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب، ولا يجوز أن يفهم من ألفاظ الإثبات النَّفي كمالا يفهم من لفظ النفي الإثبات، وقولنا: «زيدٌ طويلٌ» لفظه لفظ إثبات، فكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير المذكور، وليس هاهنا لفظ نفي.
ويمكن أن يستدلّ بهذه الطريقة خاصّة على أنّ تعليق الحكم بصفة لا يدلُّ على نفيه عمّا ليست له، من غير حمل الصفة على الاسم.
وربما قوّي ـ أيضاً ـ ما ذكرناه بأنّ أحداً من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس الستّة في خبر الربا أنّ تعليق الحكم بها يدلُّ على نفي الربا عن غيرها، لأنّ العلماء بين رجلين: أحدهما يقول ببقاء غير هذه الأجناس على الإباحة، والآخر يقيس عليها غيرها.
فإن تعلّق من سوّى بين الاسم والصفة بأنّ جماعة من أهل العلم استدلّوا على أنّ غير الماء لا يطهِّر كالماء بقوله تعالى:(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً)1، فنفوا الحكم عن غير الماء وهو معلّق بالاسم لا بالصفة; فالجواب أنّ من فعل ذلك فقد أخطأ في اللّغة، وقد حكينا أنّ في الناس من يسوّي مخطئاً بين الاسم والصفة في تعلُّق الحكم بكلّ واحد منهما.
ويمكن أن يكون من استدلّ بهذه الآية إنّما عوّل على أنّ الاسم فيها يجري مجرى الصفة، لأنّ مطلق اسم الماء يخالف مضافه، فأجراه مجرى كون الإبل سائمة وعاملة.
وأمّا الدلالة على أنّ الصفة كالاسم في الحكم الّذي ذكرناه; فهي أنّ الغرض من وضع الأسماء في أصل اللّغة هو التمييز والتعريف، وليمكنهم أن يخبروا عمّن

1 . الفرقان:48.

صفحه 290
غاب عنهم بالعبارة، كما أخبروا عن الحاضر بالإشارة، فوضعوا الأسماء لهذا الغرض، ولمّا وقع الاشتراك بالاتّفاق في الأسماء; بطل الغرض الّذي هو التمييز والتعريف، فاحتاجوا إلى إدخال الصفات، وإلحاقها بالأسماء ليكون الاسم مع الصفة بمنزلة الاسم لو لم يقع فيه اشتراك، ولولا الاشتراك الواقع في الأسماء; لما احتيج إلى الصفة، ألا ترى أنّه لو لم يكن في العالم من اسمه «زيدٌ» إلاّ شخص واحد، لكفى في الإخبار عنه أن يقال: «قام زيد» ولم يحتج إلى إدخال الصفة فبان بهذه الجملة أنّ الصفة كالاسم في الغرض، وأنّ الصفات كبعض الأسماء، فإذا ثبت ما ذكرناه في الاسم; يثبت فيما يجري مجراه، ويقوم مقامه.
وممّا يبيّن أنّ الاسم كالصفة أنّ المخبر قد يحتاج إلى أن يخبر عن شخص بعينه، فيذكره بلقبه، وقد يجوز أن يحتاج إلى أن يخبر عنه في حال دون آخر، فيذكره بصفته، فصارت الصفة مميّزة للأحوال، كما أنّ الأسماء مميّزة للأعيان، فحلاّ محلاً واحداً في الحكم الّذي ذكرناه.
وممّا يدلُّ ابتداء على بطلان دليل الخطاب أنّ اللّفظ إنّما يدلُّ على ما يتناوله أو على ما يكون بأن يتناوله أولى، فأمّا أن يدلّ على ما لم يتناوله ولا هو بالتناول أولى; فمحال، وإذا كان الحكم المعلّق بصفة لم يتناول غير المذكور، ولا هو بأن يتناوله أولى; لم يدلّ إلاّ على ما اقتضاه لفظه.
وشرح هذه الجملة أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم الزكاة» معلوم حسّاً وإدراكاً أنّه لم يتناول المعلوفة، ولا يمكن الخلاف فيما يدخل تحت الحسّ، ولا هو بتناولها أولى، بدلالة أنّه لو قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«في سائمة الغنم الزكاة وفي معلوفتها»; لما كان متناقضاً، ومن شأن اللّفظ إذا دلّ على ما لم يتناوله بلفظه لكنّه بأن يتناوله أولى أن

صفحه 291
يمنع من التصريح بخلافه، ألا ترى أنّ قوله تعالى:(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ)1 لمّا تناول النهي عن التأفيف بلفظه، وكان بأن يتناول سائر المكروه أولى، لم يجز أن يتبعه ويلحقه بأن يقول: «لا تقل لهما أُفّ واضربهما واشتمهما،» لأنّه نقض لما تقدّم. فبان أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «في سائمة الغنم الزكاة» ليس بتناوله للمعلوفة أولى.
والّذي يدلُّ على أنّ اللّفظ لا يدلّ على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول أولى أنّه لو دلّ على ذلك لم ينحصر مدلوله، لأنّ ما لا يتناوله اللّفظ لا يتناهى، وليس بعضه بأن يدلّ عليه اللّفظ مع عدم التناول بأولى من بعض.
وممّا يدلّ ـ أيضاً ـ على ما ذكرناه حسن استفهام القائل: «ضربتُ طوالَ غلماني ولقيتُ أشراف جيراني» فيقال: «أضربت القصار من غلمانك أو لم تضربهم؟، ولقيت العامّة من جيرانك أو لم تلقهم؟»، فلو كان تعليق الحكم بالصفة يقتضي وضعه نفي الحكم عمّا ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لما له تلك الصفة; لكان هذا الاستفهام قبيحاً، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما يتعلّق اللّفظ به، فلو كان الأمران مفهومين من اللّفظ; لاشتركا في حسن الاستفهام وقبحه.
فإن قيل: إنّما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأمّا من تكلّم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب فهو لا يستفهم عن مراده إلاّ على وجه واحد، وهو أن يكون أراد على سبيل المجاز خلاف ما يقتضيه دليل الخطاب، فحسن استفهامه لذلك.
قلنا: حسن استفهام كلّ قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، سواء علمنا مذهبه في دليل الخطاب أو شككنا فيه، وأهل اللّغة يستفهم بعضهم بعضاً

1 . الإسراء:23.

صفحه 292
في مثل هذا الخطاب، وليس لهم مذهب مخصوص في دليل الخطاب.
فأمّا تجويزنا أن يكون المخاطب عدل عن الحقيقة إلى المجاز، وأنّ هذا هو علّة حسن الاستفهام; فباطل، لأنّه يقتضي حسن دخول الاستفهام في كلّ كلام، لأنّه لا كلام نسمعه إلاّ ونحن نجوّز من طريق التقدير أن يكون المخاطب به أراد المجاز، ولم يرد الحقيقة، وفي علمنا بقبح الاستفهام في مواضع كثيرة دلالة على فساد هذه العلّة. على أنّ المخاطب لنا إذا كان حكيماً، وأراد المجاز بخطابه; قرن به ما يدلّ على أنّه متجوّز، ولا يحسن منه الإطلاق.

[في أدلّة من قال بدلالة الوصف على المفهوم والجواب عنها]

وقد استدلّ المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء:
منها: أنّ تعليق الحكم بالسوم لو لم يدلّ على انتفائه إذا انتفت الصفة; لم يكن لتعليقه بالسوم معنى، وكان عبثاً.
ومنها: أنّ تعليق الحكم بالسوم يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم مقام قوله:«ليس في الغنم إلاّ السائمة الزكاة» فكما أنّه لو قال ذلك، لوجب أن تكون الجملة المستثنى منها بخلاف الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم بصفة.
ومنها: أنّ تعليق الحكم بالشرط لمّا دلّ على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك الصفة، والجامع بينهما أنّ كلّ واحد منهما كالآخر في التخصيص، لأنّه لا فرق بين أن يقول: «في سائمة الغنم الزكاة»، وبين أن يقول: «فيها إذا كانت سائمة الزكاة».
ومنها: ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزول قوله تعالى:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)1 أنّه قال: «لأزيدنّ

1 . التوبة:80.

صفحه 293
على السبعين»1، فلو لم يعلم(صلى الله عليه وآله وسلم)من جهة دليل الخطاب أنّ ما فوق السبعين بخلافها; لم يقل ذلك.
ومنها: ما روي عن عمر بن الخطّاب: أنّ يعلى بن منية2 سأله، فقال له:«ما بالنا نقصّر، وقد أمنّا، فقال له: «عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت عنه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته»3، فتعجّبهما من ذلك يدلُّ على أنّهما فهما من تعلّق القصر بالخوف أنّ حال الأمن بخلافه.
ومنها: ما روي أنّ الصحابة كلّهم قالوا: «الماء من الماء منسوخ»4 ولا يكون ذلك منسوخاً إلاّ من جهة دليل الخطاب، وأنّ لفظ الخبر يقتضي نفي وجوب الاغتسال بالماء من غير إنزال الماء.
ومنها: أنّ الأُمّة إنّما رجعت في أنّ التيمُّم لا يجب إلاّ عند عدم الماء إلى ظاهر قوله تعالى:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا)5 ، وكذلك الصيام في الكفّارة، وأنّه لا يجزي إلاّ عند عدم الرقبة إنّما رجع فيه إلى الظاهر.
والجواب عن الأوّل: أنّ في تعليق الحكم بالسَّوم فائدة، لأنّا به نعلم وجوب الزَّكاة في السائمة، وما كنّا نعلم ذلك قبله. ويجوز أن يكون حكم المعلوفة في الزكاة

1 . الدر المنثور:3/264; تفسير الرازي:16/147. ولاحظ تعليق الشيخ الطوسي على الحديث في التبيان:5/268 ،والسيد الطباطبائي في الميزان:9/354.
2 . هو يعلى بن أُمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، ويقال له: يعلى بن منية وهي أُمّه وقيل أُمّ أبيه، صحابي أسلم بعد الفتح، وكان والياً في زمن الخلفاء الثلاثة وخرج مع عائشة في وقعة الجمل ثم شهد صفين مع علي ويقال: قتل بها وقيل: إنّه مات سنة 47هـ، له روايات عديدة في صحاح أهل السنة. الإصابة:6/539; الاعلام:8/204.
3 . صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافر; سنن ابن ماجة:1/339برقم 1065; سنن أبي داود:1/269برقم 1199; عوالي اللآلي:2/61برقم 164.
4 . شرح صحيح مسلم للنووي:4/37.
5 . المائدة:6.

صفحه 294
حكم السائمة، وإن علمناه بدليل آخر.
وليس يمتنع في الحكمين المتماثلين أن يعلما بدليلين مختلفين بحسب المصلحة، ألا ترى أنّ حكم ما لا يقع عليه النصّ من الأجناس في الربا حكم المنصوص عليه، ومع ذلك دلّنا على ثبوت الربا في الأجناس المذكورة بالنصّ، ووكلنا في إثباته في غيرها إلى دلالة أُخرى من قياس أو غيره.
والجواب عن الثاني: أنّ الاستثناء عن العموم لم يدلّ بلفظ نفسه على أنّ ما لم يتناوله بخلاف حكمه، وإنّما دلّ العموم على دخول الكلّ فيه، فلمّا أخرج الاستثناء بعض ما تناوله العموم; علمنا حكم المستثنى بلفظ الاستثناء وتناوله، وعلمنا أنّ حكم ما لم يتناوله بخلافه بلفظ العموم.
مثال ذلك: أنّ القائل إذا قال: «ضربت القوم إلاّ زيداً»، فإنّما يعلم بالاستثناء أنّ زيداً ليس بمضروب، ويعلم أنّ ما عداه من القوم مضروب بظاهر العموم، لا من دليل الخطاب في الاستثناء، وليس هذا موجوداً في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«في سائمة الغنم الزكاة» لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما استثنى من جملة مذكورة، ولو كان لسائمة الغنم اسم يختصّ بها من غير إضافة إلى الغنم; لتعلّق الزكاة به. وليس كلّ شيء معناه معنى الاستثناء له حكم الاستثناء، لأنّ للاستثناء ألفاظاً موضوعة له، فما لم يدخل فيه; لم يكن مستثنى منه ولا يكون الاستثناء وارداً إلاّ على جملة مستقلّة بنفسها، وكلّ هذا إذا وجبت مراعاته; لم يجز أن يجري قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«في سائمة الغنم الزكاة» مجرى الجمل المستثنى منها.
والجواب عن الثالث: أنّ الشرط عندنا كالصفة في أنّه لا يدلُّ على أنّ ماعداه بخلافه، وبمجرّد الشرط لا يعلم ذلك، وإنّما نعلمه في بعض المواضع بدليل منفصل، لأنّ تأثير الشرط أن يتعلّق الحكم به، وليس يمتنع أن يخلفه وينوب عنه شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج من أن يكون شرطاً، ألا ترى أنّ قوله تعالى:

صفحه 295
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُم)1 إنّما منع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه الآخر، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ يعلم أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل يقوم مقام الثاني، ثم يعلم بدليل أنّ ضمّ اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني، فنيابة بعض الشُّروط عن بعض أكثر من أن يحصى.
والصحيح أنّ الحكم إذا علّق بغاية أو عدد، فإنّه لا يدلُّ بنفسه على أنّ ماعداه بخلافه، لأنّا إنّما نعلم أنّ مازاد على الثمانين في حدّ القاذف لا يجوز، لأنّ مازاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر بدلالة، وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل، وهو الحظر، وكذلك إذا قال الرجل لغلامه: «أعط زيداً مائة درهم» فإنّا نعلم حظر الزائد على المذكور بالأصل. ولو قال: «أعطيت فلاناً مائة درهم»; لم يدلّ لفظاً ولا عقلاً على أنّه لم يعطه أكثر من ذلك.
فأمّا تعليق الحكم بغاية فإنّما يدلُّ على ثبوته إلى تلك الغاية، وما بعدها يعلم انتفاؤه أو إثباته بدليل. وإنّما علمنا في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخيطِ الأَسْودِ)2، وقوله تعالى:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصيامَ إِلَى اللَّيْلِ)3، وقوله سبحانه:(حَتّى يَطْهُرْنَ)4 أنّ ما بعد الغاية بخلافها بدليل، وما يعلم بدليل غير ما يدلُّ اللّفظ عليه، كما نعلم أنّ ما عدا السائمة بخلافها في الزكاة، وإنّما علمناه بدليل.
ومن فرّق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلاّ

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:187.
3 . البقرة:187.
4 . البقرة:222.

صفحه 296
الدعوى، وهو كالمناقض، لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما.
فإذا قال: فأيُّ معنى لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصيام إِلَى اللّيل) إذا كان ما بعد اللّيل يجوز أن يكون فيه الصَّوم.
قلنا: وأيُّ معنى لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم الزكاة»، والمعلوفة مثلها.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في السائمة بهذا النصّ، ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر.
قلنا: كذلك لا يمتنع فيما علّق بغاية حرفاً بحرف.
والصحيح أنّ تعليق الحكم بالصفة لا يدلّ على أنّ ماعداه بخلافه على كلّ حال، بخلاف قول من يقول: إنّه يدلُّ على ذلك إذا كان بياناً، وإنّما قلنا ذلك، لأنّ ما وضع له القول لا يختلف بأن يكون مبتدأً أو بياناً، وإذا لم يدلّ تعليق الحكم بالصفة على نفي ماعداه; فإنّما لم يدلّ على ذلك، لشيء يرجع إلى اللّفظ، فهو في كلّ موضع كذلك.
والجواب عن الرابع: أنّ ما طريقه العلم لا يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، لا سيّما إذا كانت ضعيفة، وهذا الخبر يتضمّن أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر للكفّار، وذلك لا يجوز، وأكثر ما فيه أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عقل أنّ مافوق السبعين بخلاف السبعين، فمن أين أنّه فهم ذلك من ظاهر الخبر من غير دليل سواه؟!
ولقائل أن يقول: إنّ الاستغفار لهم كان في الأصل مباحاً، فلمّا ورد النصّ بحظر السبعين; بقي ما زاد عليه على الأصل.
وقد روي في هذا الخبر أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لو علمت أنّي إن زدت على السبعين يغفر اللّه لهم; لفعلت»1، وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر. والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح وأفطن

1 . انظر: صحيح البخاري:2/100، باب في الجنائز، و ج5/206، باب تفسير القرآن; سنن الترمذي:4/343 برقم 5095; سنن النسائي:4/68; بحارالأنوار:30/572.

صفحه 297
لأغراض العرب، من أين يجوز عليه مثل ذلك؟! لأنّ معنى الآية النهي عن الاستغفار للكفّار، فإنّك لو أكثرت في الاستغفار للكفّار، ما غفر اللّه لهم، فعبّـر عن الإكثار بالسبعين، ولا فرق بينها وبين مازاد عليها، كما تقول العرب:«لو جئتني سبعين مرّة ما جئتك» ولا فرق بين الأعداد المختلفة في هذا الغرض، فكأنّه يقول: «لو جئتني كثيراً أو قليلاً ما جئتك» وأيُّ عدد تضمّنه لفظه، فهو كغيره.
والجواب عن الخامس: أنّه ـ أيضاً ـ خبر واحد لا يحتجّ بمثله في هذا الموضع. ومع ذلك لا يدلّ على موضع الخلاف، لأنّا لا نعلم أنّ تعجبهما من القصر مع زوال الخوف لأجل تعليق القصر بالخوف، ويجوز أن يكون تعجّبهما لأنّهما عقلا من الآيات الواردات في إيجاب الصلاة وجوب الإتمام في كلّ حال، واعتقدا أنّ المستثنى من ذلك هو حال الخوف، فتعجّبا لهذا الوجه.
والجواب عن السادس: أنّه إذا صحّ قولهم: «إنّ الماء من الماء منسوخ»; من أين لهم أنّهم عقلوا من ظاهره نفي وجوب الغسل من غير الماء؟ ولعلّهم علموه بدليل سوى اللّفظ، لأنّهم إذا حكموا بأنّه منسوخ; فلابدّ من أن يكونوا قد فهموا أنّ ماعداه بخلافه، فمن أين أنّهم فهموا ذلك باللّفظ دون دليل آخر؟
وقد روي هذا الخبر بلفظ آخر، وهو «إنّما الماء من الماء»1 وبدخول لفظة «إنّما» يعلم أنّ ماعداه بخلافه، لأنّ القائل إذا قال «إنّما لك عندي درهم» يفهم من قوله«وليس لك سواه» . وعلى هذا الوجه تعلّق ابن عبّاسرحمه اللّه في نفي الربا عن غير النسية، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّما الربا في النسية».2

1 . صحيح مسلم:1/185، باب إنّما الماء من الماء ; سنن ابن ماجة:1/199، باب الماء من الماء; سنن أبي داود:1/55برقم 217. ولاحظ تهذيب الأحكام:1/84برقم 220.
2 . صحيح مسلم:5/49، باب بيع الطعام مثلاً بمثل; سنن الترمذي:2/356برقم 1259. ولاحظ التهذيب:1/84برقم 219.

صفحه 298
وقد روي هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لا ماء إلاّ من الماء»، وعلى هذا اللّفظ لا شبهة في الخبر. إنّ الصحابة لم تبيّن جهة قولها في هذا الخبر أنّه منسوخ، وهل النسخ يتناوله أو دليله، أو ما علم منه بقرينة، وقد علمنا أنّ المذكور من الحكم في اللّفظ وهو وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء، ليس بمنسوخ، فمن أين أنّ النسخ تناول دليل اللّفظ دون ماعلم بقرينة؟
وليس لهم أن يقولوا:«المراد بذلك الاقتصار من الماء على الماء»، لأنّهم ليسوا بأولى منّا أن نقول: «المراد به أنّ التوضّؤ من الماء منسوخ بوجوب الاغتسال منه» فقد روي أنّهم كانوا يتوضّأون من التقاء الختانين، فأوجب(صلى الله عليه وآله وسلم) الغسل في ذلك.
والجواب عن السابع: أنّ آية التيمُّم وآية الكفّارات بُيّن فيهما حكم الأصل وحكم البدل، لأنّه تعالى أوجب الطهارة عند وجود الماء، وأوجب التيمُّم عند عدمه. وكذلك في الكفّارة لأنّه أوجب الرقبة في الأصل، وعند عدمها أوجب الصيام، فعلمنا حكم البدل والمبدل جميعاً بالنصّ، وليس لدليل الخطاب في هذا مدخل.

صفحه 299

الباب السادس

الكلام في النسخ وما يتعلّق به

[وفيه سبعة عشر فصلاً]

الفصل الأوّل:

في حدّ النَّسخ ومهمّ أحكامه

اعلم أنّه لا حاجة بنا إلى بيان معنى النسخ في أصل اللّغة1، ففي ذلك خلاف لا فائدة في بيان الصحيح منه، والمحتاج إليه بيان حدّه في الشرع، وعلى مقتضى الأدلّة الشرعيّة.
والـدّليل المـوصـوف بأنّه ناسـخ هـو ما دلّ على أنّ مثل الحكـم الثابـت بالنصّ الأوّل

1 . النسخ في اللغة يستعمل على وجهين: أحداهما: الإزالة كما في «نسخت الشمس الظل» أي أزالته. و الآخر: النقل والتحويل. نحو: «نسخت الكتاب» أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، ومنها تناسخ المواريث أي تحويلها ونقلها من وارث إلى آخر. راجع عدة الأُصول:2/485، نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/580.

صفحه 300
غيـر ثابت في المستقبـل، على وجـه لولاه لكـان ثابتـاً بالنصّ الأوّل مع تراخيه عنه.1
والّذي يجب العلم به وتقريره في النفس المعاني الّتي يبتني حدّ النسخ عليها، ثمّ تكون العبارة بحسب ما تقرّر من المعاني.
والتكليف على ضربين: أحدهما مستمرٌّ، والآخر لا يستمرُّ. فما لا يستمرُّ لا يدخل النسخ فيه. والمستمرّ على ضربين: أحدهما أن يكون الطريق الّذي به يعلم ثباته واستمراره به يعلم زواله عند غاية، ولا مدخل للنسخ في ذلك. والضرب الثاني يعلم بالنصّ أو بقرائنه استمراره، ويحتاج في معرفة زواله إلى أمر سواه، وذلك على ضربين: أحدهما أن يكون ما علم زواله به يعلم عقلاً كالعجز والتعذّر، ولا مدخل للنسخ ـ أيضاً ـ في ذلك. والقسم الآخر يعلم زواله بدليل شرعيّ، والنسخ يدخل في هذا الوجه خاصّة.
وإذا تحصّلت هذه الجملة; فالواجب في العبارة أن تقع بحسبها، فلك أن تحدّ النسخ بأنّه ما دلّ على تغيير طريقة الحكم الثابت بالنصّ الأوّل في باب الاستمرار، لأنّ ذكر الطريقة في الحدّ يبيّن أنّ التَّغيير لم يلحق نفس المراد، وإنّما يلحق الإيجاب، وكأنّ الدليل الثاني كشف عن تغيّر الإيجاب.
والدليل على الحقيقة هو الموصوف بأنّه ناسخ، وإذا وصفوه تعالى بأنّه ناسخ للأحكام; فمن حيث فعل تعالى ما هو نسخ. وإذا قيل في الحكم أنّه ناسخ; فمن حيث كان دليلاً، ولذلك لا يكون نسخاً إلاّ مع المضادّة. فأمّا المنسوخ; فهو الدليل الّذي تغيّر حكمه بالدليل الناسخ. وقد يوصف ـ أيضاً ـ الحكم بذلك، لأنّه المقصود بالدلالة. ولأنّه هو الّذي يتغيّر.

1 . وهو قول القاضي أبي بكر كما في المحصول:1/526 وارتضاه الغزّالي في المستصفى:1/207.

صفحه 301

[في شرائط النسخ]

واعلم أنّ الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا شرعيّين، ولا يكونا عقليّين، ولا أحدهما، لأنّه لا يقال: «تحريم الخمر نسخ إباحتها» ولا:«أنّ الموت نسخ عن المكلّف ما كان تكلّفه» لما كانت هذه الأحكام عقليّة.
ومن حقّ الناسخ أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد بمشيّة اللّه تعالى.
ومن حقّه أن يكون منفصلاً عن المنسوخ. و لايوصف بهذه الصفة مع الاتّصال، ولا خلاف في ذلك.
ومن شرطه أن لا يكون موقّتاً بغاية يقتضي ارتفاع ذلك الحكم.
والموقّت بغاية على ضربين : أحدهما أن يعلم باللّفظ من غير حاجة إلى غيره، كقوله تعالى:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللّيل)1 والضرب الآخر أن تعلم الغاية على سبيل الجملة، ويحتاج في تفصيلها إلى دليل سمعيّ، نحو قوله تعالى : «داوموا على هذا الفعل إلى أن أنسخه عنكم» والدليل الشرعيّ الوارد بزوال الحكم يوصف بأنّه ناسخ.
ومن شرط النسخ أن يكون في الأحكام الشرعيّة، دون أجناس الأفعال.
وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يزول الحكم لا إلى بدل.
والثاني: أن يزول إلى بدل يضادّه، ويكون نسخاً.
والثالث: أن يزول إلى بدل يخالفه.

1 . البقرة:187.

صفحه 302
فأمّا زواله لا إلى بدل; فإنّما يكون نسخاً، لأنّه علم به أنّ مثل الحكم الثابت بالنصّ المتقدّم مرتفع في المستقبل. ولأنّه إذا زال إلى بدل; فالّذي أوجب كونه منسوخاً زواله لا ثبوت البدل، لأنّه إن ثبت من دون زوال الأوّل; لم يكن نسخاً. ومن حقّ هذا الضرب أن لا يعلم نسخه إلاّ بدليل دون الأحكام.
فأمّا ما يرتفع إلى بدل مخالف; فمن حقّه ـ أيضاً ـ أن لا يعلم إلاّ بدليل سوى الحكم، لأنّ الحكم إذا لم ينافه; لم يعلم به كونه منسوخاً، ومثاله ما روي في وجوب صوم شهر رمضان أنّه نسخ وجوب صوم عاشوراء، وأنّ الزكاة نسخ وجوبها سائر الحقوق. ومتى قيل فيما هذه حاله: «إنّ كذا نسخ بكذا» فمجاز، والمراد به أنّ عنده علم نسخ الأوّل.
وأمّا النسخ بحكم يضادّه; فقد يقع بثبوت الحكم، وقد يقع ـ أيضاً ـ بدليل، وإنّما كان كذلك، لأنّ تضادّ الحكمين دليل على زوال أحدهما بالآخر من حيث علم أنّهما لا يصحّ أن يجتمعا في التكليف. ولا شبهة في أنّ الحظر يضادّ الإباحة والندب، والوجوب ـ أيضاً ـ في حكم الضدّ للندب والإباحة، لأنّ كونه مباحاً يقتضي نفي ما له يكون ندباً وواجباً، وكونه ندباً يقتضي نفي ما يكون له واجباً.
ومن شرط الناسخ أن يكون في وقوع العلم به كالمنسوخ، وسيأتي بيان ذلك في إبطال النسخ بخبر الواحد بمشيّة اللّه تعالى.
وليس من شرط الناسخ أن يكون لفظ المنسوخ، متناولاً له، لأنّه لا فرق بين أن يعلم استمرار الحكم بظاهر الخطاب، أو يعلم ذلك بقرينة.
وليس من شرطه أن لا يتأخّر عن المنسوخ، كما قلنا في تخصيص العامّ، وبيان المجمل، عند من ذهب إلى ذلك، بل الناسخ يجب تأخُّره كما صرّحنا به في حدّه.
وليس من شرط النسخ التنبيه في حال الخطاب في الجملة عليه، على ما ظنّه

صفحه 303
بعضهم، وذلك أنّه لا وجه لوجوب ذلك، بل هو موقوف على المصلحة، فربما اقتضته، وربما لم تقتضه.
وليس من شرطه أن لا يكون اللّفظ مقتضياً للتأبيد، ففي الناس من ذهب إلى أنّه تعالى لو قال: «افعلوا الصَّلاة أبداً»، ما جاز النسخ، وإنّما يجوز مع الإطلاق.1 وهذا باطل، لأنّ لفظة التأبيد في التعارف يقتضي التوقيت، كقول القائل:«لازم الغريم أبداً» و «تعلّم العلم أبداً» وقد ثبت أنّ التكليف منقطع، وأنّ انقطاعه متوقّع من وجوه، فكيف يمنع هذا اللّفظ من النسخ ولو منع من ذلك، لمنع من العجز، ووجوه التعذّر.
وليس من شرط النسخ أن يقع بما هو أخفّ في التكليف على ما ذهب إليه بعض أهل الظاهر2، وذلك أنّ التكليف على سبيل الابتداء، وعلى جهة النسخ إنّما هو تابع للمصلحة، وقد تتّفق المصلحة في الأشقّ والأخفّ معاً، وفي الأشقّ من زيادة التعريض للثواب ما ليس في الأخفّ. والشُّبهة في هذا ضعيفة جدّاً. وقد ذكر من وقوع النسخ في القرآن بما هو أشقُّ منه ما فيه كفاية، وهو معروف.

1 . وهو مذهب جمع من أعيان الحنفية كالقاضي أبي زيد الدبّوسي وأبي منصور الماتريدي والبزدوي والسرخسي وأبي بكر الجصاص وغيرهم، خلافاً لجمهور الفقهاء والمتكلّمين والأُصوليين الذين ذهبوا إلى جواز النسخ وإن اقترن بالمنسوخ ذكر التأبيد. راجع: عدة الأُصول:2/490; التبصرة:255; الإحكام للآمدي:3/92; أُصول السرخسي: 2/60; ميزان الأُصول:709.
2 . نسب هذا القول إلى ابن داود الظاهري. وقال ابن حزم الأندلسي الظاهري في الإحكام:4/493: قال قوم من أصحابنا...، ونسبه الآمدي في الإحكام:3/94 إلى بعض أصحاب الشافعي، وهو خلاف مذهب جمهور المتكلمين والفقهاء. راجع عدة الأُصول:2/492; التبصرة:258.

صفحه 304

الفصل الثاني:

في الفرق بين البداء والنسخ والتخصيص

اعلم أنّ البداء في وضع اللُّغة هو الظهور، وإنّما يقال: «بدا لفلان في كذا» إذا ظهر له من علم أو ظنّ ما لم يكن ظاهراً.
وللبداء شرائط، وهي أربعة: أن يكون الفعل المأمور به واحداً، والمكلّف واحداً، والوجه كذلك، والوقت كذلك. فما اختصّ بهذه الوجوه الأربعة من أمر بعد نهي، أو نهي بعد أمر; اقتضى البداء.1

1 . قال الشيخ المفيد: قول الإمامية في البداء طريقه السمع دون العقل وقد جاء الإخبار به عن أئمّة الهديعليهم السَّلام، والأصل في البداء هو الظهور... وتقول العرب: قد بدا لفلان عمل حسن، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللاّم قائمة مقام من، فالمعنى في قول الإمامية: بدا للّه في كذا، أي ظهر منه، وليس المراد منه تعقب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومه له فيما لم يزل. وقال في موضع آخر: إنّ لفظ البداء أُطلق في اللغة على تعقّب الرأي والانتقال من عزيمة إلى عزيمة وإنّما أُطلق على اللّه تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازاً غير حقيقة.... راجع تصحيح الاعتقاد:65ـ 67.
وقد ذكر الشيخ الطوسي في عدة الاصول:2/496وجهاً آخر حول البداء نقله عن السيد المرتضى واستحسنه وقوّاه،وهو جيد ومفيد نترك نقله خوف الإطالة.
واعتبر المصلح الكبير كاشف الغطاء في كتاب «الدين والإسلام»:1/168ـ 169 أنّ النزاع بين السنّة والشيعة حول البداء هو نزاع لفظي.
وكذلك ذهب إلى ذلك السيد شرف الدين في أجوبة مسائل جار اللّه:101ـ 103، وقد فصّل في هذه المسألة تفصيلاً رائعاً نأتي بمقتطفات من كلامه لأهميته: إنّ اللّه قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء، وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى:(يَمْحوا اللّه ما يشاء وَيثبت وعنده أُمّ الكتاب). وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود و أبي وائل وقتادة، وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن المأثورة أنّ الصدقة وبرّ الوالدين واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر... هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة... راجع بقية كلامهقدَّس سرَّه فهو جدير بالمطالعة. وللعلامة المحقق جعفر السبحاني رسالة بعنوان: «البداء في الكتاب والسنّة» بحث فيها مسألة البداء بالتفصيل ورد على الشبهات المثارة حول هذه المسألة. وقد ذكر البخاري في صحيحه(:4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل) حديثاً عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل بدا للّه أن يبتليهم، وذكر الحديث وهو نفس ما يقصده الشيعة من البداء.

صفحه 305
وإنّما قلنا: إنّ ذلك يدلّ على البداء، لأنّه لا وجه له إلاّ تغيّر حال المكلِّف في العلم أو الظنّ، لأنّه لو كانت حاله على ما كانت عليه; لما أمر بنفس ما نهى عنه، أو نهى عن نفس ما أمر به مع باقي الشرائط، وكان أبو هاشم يمنع في اللّه ـ تعالى ـ أن يأمر بما نهى عنه مع باقي الشرائط لوجهين: أحدهما أنّه دلالة البداء، والآخر أنّه يقتضي إضافة قبيح إليه تعالى إمّا الأمر، أو النهي، وهو أحد قولي أبي عليّ. والقول الآخر له أنّه يمنع من وقوعه منه تعالى للوجه الأخير الّذي ذكرناه من اقتضائه إضافة قبيح إليه تعالى، لأنّ البداء لا يتصوّر فيمن هو عالم بنفسه.
والأولى أن يمنع منه للوجهين، لأنّ ما من شأنه أن يدلّ على أمر من الأُمور لا يختاره القديم ـ تعالى ـ مع فقد مدلوله لأنّ ذلك يجري مجرى فعل قبيح، ألا ترى أنّ فعله تعالى ما يطابق اقتراح الطالب لتصديقه، لمّا كان دلالة التصديق; لم يجز أن يفعله من الكذّاب لأنّه يدلُّ على خلاف ما الحال عليه.
والنسخ إنّما يخالف البداء بتغاير

صفحه 306
الفعلين، فإنّ فعل المأمور به غير المنهيّ عنه. وإذا تغاير الفعلان; فلابدّ من تغاير الوقتين. فكان النسخ يخالف البداء بتغاير الفعلين والوقتين.
وأمّا الفرق بين النسخ و التخصيص; فقد مضى فيما تقدّم، فلا وجه لإعادته.

الفصل الثالث:

فيما يصحُّ فيه معنى النسخ من أفعال المكلّف

اعلم أنّ معنى النسخ إنّما يصحّ دخوله في حكم مستمرّ، لأنّ ما لا يستمرّ لا يدخل فيه معنى النسخ، ولا النسخ نفسه.
ولابد ّ ـ أيضاً ـ أن يكون ممّا يصحّ تغيُّره بعد استمراره، لأنّه متى كان ممّا يستمرُّ على حالة واحدة، لم يصحّ دخول النسخ ولا معناه فيه.
ويختصّ النسخ نفسه بأن يكون الحكم المستمرّ ثابتاً بالشرع، وكذلك زواله متى زال.
وما يجب استمراره على وجه واحد من الأفعال ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون وجب استمراره لصفة هو عليها، كوجوب الإنصاف، وقبح الكذب، والجهل. والقسم الآخر لا يجوز تغيُّـره من حيث كان كونه لطفاً لا يتغيّـر، كالمعرفة باللّه ـ تعالى ـ و عدله وتوحيده.
والّذي يجوز تغيّره من الأفعال نحو الضرر والنفع والقيام والقعود ووجوه التصرف ـ لأنّه قد يحسن تارة، ويقبح أُخرى ـ فمعنى النسخ يجوز دخوله فيه.
فأمّا نفس النسخ; فإنّما يدخل فيما تقدّم ذكره فيما ثبت حكمه شرعاً ويزول ـ أيضاً ـ كذلك.

صفحه 307

الفصل الرابع:

فيما يحسن من النهي

بعد الأمر والأمر بعد النهي

اعلم أنّ الأمر والنهي لا يخلو من أن يكون متناولهما واحداً، أو متغايراً:
فإن كان واحداً، فلن يحسنا إلاّ على وجه واحد، وهو أن يأمر بالفعل على وجه، وينهى عنه على وجه آخر، وربّما كانت وجوهه كثيرة يصحّ أن ينهى عن إيقاعه على بعضها، أو يأمر بذلك، فأمّا إذا تغاير المتناول; فهو على قسمين: أحدهما : أن يكون المكلّف ـ أيضاً ـ متغايراً، فيحسن الأمر بأحدهما، والنهي عن الآخر على كلّ وجه، إذا قبح أحدهما، وحسن الآخر.
والقسم الثاني أن يكون المكلّف واحداً، وينقسم إلى قسمين: أحدهما أن لا يتميّز له أحد الفعلين من الآخر، بأن تكون الصورة واحدة ، والوجه واحداً، فلا يجوز أن يأمره تعالى بأحدهما ، وينهاه عن الآخر مع فقد التمييز; فأمّا إذا تميّز له أحدهما من الآخر، حسن الأمر والنهي بحسب الحسن والقبح.

صفحه 308

الفصل الخامس:

في الدلالة على جواز نسخ الشرائع

اعلم أنّه لا خلاف بين المسلمين في هذه المسألة، وإنّما الخلاف فيها مع اليهود. ولا معنى للكلام على اليهود في أبواب أُصول الفقه1، وقد تكلّمنا عليهم في كتابنا المعروف بالذخيرة وغيره بما فيه كفاية.
ومن شذّ من جملة المسلمين فخالف في هذه المسألة2; فإنّما خلافه يرجع إلى عبارة، ولا مضايقة في العبارات مع سلامة المعاني. وقد ورد في الشرع من نسخ القبلة بالقبلة والعدّة بالعدّة ما هو واضح. وإذا كان الشرع تابعاً للمصلحة فلابدّ مع تغيّرها من النسخ.

1 . تعرّض أغلب الأُصوليين لأقوال اليهود في هذه المسألة وأجابوا عنها، ولمزيد الاطّلاع راجع: عدة الأُصول:2/507; التبصرة:252; المستصفى:1/213; الإحكام للآمدي:3/79; الإحكام لابن حزم:4/470; المعتمد:1/370.
2 . شذّ أبو مسلم الإصفهاني عن إجماع المسلمين في هذه المسألة، وأبو مسلم هو عمرو بن يحيى كما في التبصرة:251، وقيل: هو محمد بن بحر الاصفهاني، وقيل: إنّه محمد بن عمر، وفي كلّ الأحوال فالاصفهاني عالم معروف له تفسير «جامع التأويل لمحكم التنزيل» في 14 مجلداً على مذهب المعتزلة، وقد روى الشريف المرتضى في أماليه عن تفسيره في سبعة مواضع وفي تنزيه الأنبياء في موضع واحد. راجع عدة الأُصول:2/506.

صفحه 309

الفصل السادس:

في دخول النسخ في الأخبار

اعلم أنّ النسخ إذا دخل في الأمر والنهي، فإنّما هو على الحقيقة داخل على مقتضاهما، ومتناولهما، لا عليهما أنفسهما. والخبر في هذا الحكم كالأمر والنهي، لأنّ مقتضاه كمقتضاهما.1
وإذا كان جواز النسخ في فعل المكلّف إنّما يصحّ لأمر يرجع إلى تغيّـر أحوال الفعل في المصلحة، لا لأمر يرجع إلى صفة الدليل; فلا فرق ـ إذا تغيّرت المصلحة ـ بين أن يدلّ على ذلك من حالها بما هو خبر، أو أمر، أو نهي، وقد بيّنّا أنّ قول القائل: «افْعَلْ» كقوله: «أُريد منك أن تفعل»، وأنّ قوله:«لا تفعل» بمنزلة قوله:«إنّي أكره أن تفعل»، وهذه الجملة تقتضي جواز دخول النسخ في مقتضى الأخبار، كما دخلت في مقتضى الأمر والنهي.
وإذا قيل: إنّ الخبر متى دخله النسخ، اقتضى تجويز الكذب.
قلنا: والأمر متى دخله النسخ، أوجب البداء.

1 . وهو مختار أبي عبد اللّه البصري وقاضي القضاة وأبي الحسين البصري كما في المعتمد:1/387، والآمدي في الإحكام:3/99، المسألة السابعة. وأمّا الشيخ الطوسي فقد وافق السيد المرتضى في الأمر والنهي وفصّل في الخبر المحض عن صفة الشيء في نفسه بين أن لا يجوز تغيّر تلك الصفة عما هو عليه فيجوز النسخ في الإخبار عنه فأمّا الانتقال إلى ضده فلا يجوز، وبين ما يجوز انتقاله عن تلك الصفة فإنّه لا يمتنع أن نتعبّد بالإخبار عن تلك الصفة مادام الموصوف عليها فإذا انتقل إلى غيرها نتعبّد بالنهي عن أن يخبر عمّا كنّا نخبر به لتغيّر المخبر في نفسه. راجع عدة الأُصول:2/503ـ 504.

صفحه 310
فإذا قيل: إنّ النسخ لا يتناول عين ما أُريد بالأمر.
قلنا مثل ذلك في الخبر.
وإنّما قال المتكلّمون قديماً: إنّ النسخ لا يدخل في الأخبار، وأرادوا الخبر عمّا كان، ويكون، ممّا لا يتعلّق بالتكليف.1 ولا شبهة في جواز أن يدلّ اللّه ـ تعالى ـ على جميع الأحكام الشرعيّة بالأخبار. ومعلوم أنّ النسخ ـ لو كان الأمر على ما قدّرناه ـ متأتّ في الشريعة. فوضح أنّ الأمر على ما ذكرناه.
فأمّا دخول معنى النسخ في نفس الأخبار; فجائز، لأنّه لا خبر كلّفنا اللّه ـ تعالى ـ أن نفعله إلاّ ويجوز أن يزيل عنّا التكليف في أمثاله، حتّى الخبر عن التوحيد، ألا ترى أنّ الجنب قد منع من قراءة القرآن، وقد كان يجوز مثله في الشهادتين. وكون هذا الخبر صدقاً لا يمنع من إزالة التعبُّد به إذا عرض في ذلك أن يكون مفسدة.
فإن قيل: أتجيزون مثل ذلك في العلم والاعتقاد.
قلنا: أمّا العلم الّذي علمنا وجوبه لكونه مصلحة لا يتغيّر، كالمعرفة باللّه ـ تعالى ـ ، فلا يجوز فيه النسخ، لامتناع تغيّر حاله في وجه الوجوب.
وأمّا العلم بغيره; فيجوز أن يكون مفسدة، وذلك وجه قبح، فيجوز دخول النسخ فيه.

1 . وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الشيرازي وابن حزم الأندلسي. راجع نهاية الوصول إلى علم الاصول:3/51; الإحكام لابن حزم:4/474، شرح اللمع:1/489; الإحكام للآمدي:3/98.
وفيهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل فمنع في الماضي وجوّز في المستقبل. وهو مذهب أبي بكر الدقاق ومحمود بن عبد الرحمن الاصفهاني.

صفحه 311

الفصل السابع:

في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه

اعلم أنّ الحكم والتلاوة عبادتان يتبعان المصلحة، فجائز دخول النسخ فيهما معاً، وفي كلّ واحدة دون الأُخرى، بحسب ما تقتضيه المصلحة.1
ومثال نسخ الحكم دون التلاوة نسخ الاعتداد بالحول2، وتقديم الصدقة أمام المناجاة.3
ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، لأنّه من جهة خبر الآحاد، وهو ما روي أنّ من جملة القرآن «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة»4 فنسخت تلاوة ذلك.

1 . اتّفق أكثر العلماء والأُصوليين على ذلك وخالفهم شواذ من المعتزلة، راجع: عدة الأُصول: 2/514; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/47; المعتمد:1/386; الإحكام للآمدي: 3/96، المسألة السادسة.
2 . إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة الآية 240:(وَالّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزواجاً وصيةً لأَزواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحولِ غَيْرَ إِخراج...) التي نسخت بالآية 234 من نفس السورة وهي قوله تعالى: (وَالّذينَ يتَوفَّوْن مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزواجاً يتربَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَربعةَ أَشْهُر وَعَشراً...).
3 . إشارة إلى قوله تعالى في سورة المجادلة الآية 12:(يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقدّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجواكُمْ صَدَقةً...) التي نسخت في الآية 13 من نفس السورة:(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللّهُ عَلَيْكُم...).
4 . مسند أحمد:5/132 و 183; سنن ابن ماجة:2/853برقم 2553; كنزالعمال:2/567 برقم 4743و ج5/430برقم 13516.

صفحه 312
ومثال نسخ الحكم والتلاوة معاً موجود ـ أيضاً ـ في أخبار الآحاد، وهو ما روي عن عائشة أنّها قالت: «كان فيما أنزل اللّه ـ سبحانه ـ «عشر رَضعات يحرمن» فنسخ بخمس، وأنّ ذلك كان يتلى».1

الفصل الثامن:

في جواز نسخ العبادة قبل فعلها

اعلم أنّ الشُّبهة في هذه المسألة كالمرتفعة، وإنّما المشتبه المسألة الّتي تلي هذا الفصل، ولابدّ من بيان الحقّ فيما يشتبه، ولا يشتبه.
والصحيح أنّ نسخ الشيء قبل فعله وبعد مضي وقته جائز، لأنّ اللّه ـ تعالى ـ قد يحسن أن يأمر بالفعل من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه، وإذا كان لو أمر من أطاع، لجاز النسخ بلا خلاف; فكذلك أمر من يعصى، لأنّ بالطاعة أو المعصية لا يتغيّر حسن النسخ التابع لتعريف المصالح في المستقبل.
و ـ أيضاً ـ فقد دللنا على أنّ الشرائع لازمة للكفّار، فالنسخ قد تناولهم وإن عصوا ولم يفعلوا، وإذا جاز ذلك فيهم، جاز في غيرهم.

1 . سنن أبي داود:1/458برقم 2062، عمدة القاري:13/206.
قال الشيخ الطوسي في العدة:2/517 بعد ذكره روايتي عمر وعائشة: وإنّما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال، ولو لم يقع شيء منها لما أخلّ بجواز ما ذكرناه وصحّته، لأنّ الذي أجاز ذلك ما قدّمناه من الدليل، وذلك كاف في هذا الباب.

صفحه 313

الفصل التاسع:

في أنّه لا يجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله

اختلف الناس في ذلك: فذهب قوم من المتكلّمين ومن أصحاب الشافعيّ إلى أنّه جائز أن تنسخ العبادة قبل وقت فعلها.1 وذهب أكثر المتكلّمين وأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أنّه غير جائز، وهو الصحيح.2
والّذي يدلُّ عليه وجهان: أحدهما أنّه يقتضي البداء لأنّ شروط البداء الّتي تقدّم ذكرها حاصلة هاهنا.
والوجه الآخر أنّ ذلك يقتضي إضافة قبيح إلى اللّه ـ تعالى ـ إمّا الأمر أو النهي، لأنّ الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحاً; فالأمر به قبيح، أو حسناً، فيكون النهي عنه قبيحاً.
وليس يمكنهم أن يقولوا: إنّ المكلّف ليس بواحد، ولا الوقت، لأنّه إبطال للمسألة، من حيث كان الخلاف في هل يجوز أن ينسخ عن كلّ مكلّف بعينه ما

1 . وهو مختار الأشاعرة والحنابلة والظاهرية، وإليه ذهب أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:260، والرازي في المحصول:1/541، والآمدي في الإحكام:3/86، المسألة الثانية، والغزالي في المستصفى:1/215، وابن حزم في الإحكام:4/499. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ المفيد على ما ذكره الشيخ الطوسي في العدة:2/519.
2 . وهو مختار أبي الحسين البصري و جماهير المعتزلة و أبي بكر الصيرفي وأبي الحسن الكرخي والماتريدي والدبّوسي . راجع المعتمد:1/376، والتبصرة:260. ومن الإمامية ذهب إليه الشيخ الطوسي في العدة:2/519، والعلامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/24.

صفحه 314
أُمر به في وقت بعينه بالنهي قبل حضور الوقت، فعدلوا عن ذلك إلى الشرطين الأخيرين، إمّا كون الفعل واحداً، أو كون الوجه أو الشرط واحداً. وتغاير الفعل لا يمكن فيه إلاّ وجوه ثلاثة:
أحدها: أنّ النهي متناول للفعل، والأمر الأوّل يتناول الاعتقاد.
وثانيها: أنّ النهي تناول مثل الفعل الّذي تناوله الأمر الأوّل.
وثالثها: أن يتناول الثاني خلاف ما تناوله الأوّل. لأنّه لا يمكنه أن يقول: يتناول ضدّ ما تناوله الأوّل، لأنّه يوجب أنّه تعالى لم يكن ناهياً عن ضدّ ما يوجبه ويلزمه، وصار الآن ناهياً عنه، وضدّ الواجب لا يجوز أن يتغيّر، فلا مدخل لذلك في النسخ.
والّذي يبطل أن يكون النهي تناول مثل ما تناوله الأمر أنّ الفعلين إذا اختصّا بوقت واحد والوجه واحد لم يجز أن يكون أحدهما مصلحة والآخر مفسدة، والأمر الأوّل يجمعهما، فكذلك النهي الثاني. ولأنّ التمييز بينهما غير ممكن، فلا يجوز أن يتناول التكليف أحدهما دون الآخر.
وأمّا الاعتقاد فإنّهم يقولون: إنّه تعالى أمر بالفعل الأوّل وأراد الاعتقاد، وتناول النهي الّذي بعده نفس الفعل.
والجواب عنه: أنّ لفظ الأمر تناول الفعل، فكيف نحمله على الاعتقاد، ونعدل عن الظاهر.
وهذا لو صحّ لسقط الخلاف في المسألة، لأنّه أمر بشيء، ونهى عن غيره، والخلاف إنّما هو في أن ينهى عن نفس ما أمر به.
ثمّ هذا الاعتقاد لا يخلو من أن يكون اعتقاداً لوجوب الفعل، أو لأنّا نفعله لا محالة: فإن كان اعتقاداً لوجوبه; فذلك يقتضي وجوب الفعل، ويقبح النهي عنه.

صفحه 315
وإن كان اعتقاداً لأنّ المكلّف يفعله لا محالة; فذلك محال، لأنّ المكلّف يجوّز الاخترام والمنع.
فإن قيل: هو أمر باعتقاد وجوب الفعل بشرط استمرار حكم الأمر، أو بأن لا يرد النهي.
قلنا: هذا الاشتراط يمكن أن يقال في نفس الفعل، ولا يحتاج إلى ذكر الاعتقاد.
وبعد; فإنّ الاعتقاد تابع للفعل: فإن وجب الفعل مطلقاً; كان الاعتقاد كذلك، وإن كان مشروطاً; فالاعتقاد مثله، لأنّه تابع له، والشرط المذكور إن دخل في الاعتقاد; فلابدّ من دخوله في الفعل نفسه.
والّذي يُفسد أن يكون لهذا الشرط تأثير أنّ بقاء الأمر وانتفاء النهي لا يكون وجهاً في قبح الفعل ولا حسنه، ولا يؤثّران في وقوعه على وجه يقتضي مصلحة أو مفسدة، ولا يجري ذلك مجرى ما نقوله: من أنّ اللّه ـ تعالى ـ قد أمر بالصلاة في وقت مخصوص على جهة العبادة له، ونهى عنها في ذلك الوقت على جهة العبادة لغيره، لأنّ هذين الوجهين معقولان، ولهما تأثير في الحسن والقبح، وليس كذلك بقاء الأمر وانتفاء النهي، لأنّ الفعل لا يحسن بالأمر، ولا يقبح بالنهي، ولا لهما تأثير في الوجوه الّتي يقع عليها.
ويمكن أن يعترض هذا الكلام بأن يقال: الأمر والنهي وإن لم يقتضيا قبح فعل ولا حسنه، ولم يؤثّرا في وجه يقع الفعل عليه، فلابدّ إذا وقعا من الحكيم ـ تعالى ـ من أن يدلاّ، فالأمر إذا وقع يدلّ على حسن الفعل، والنهي على قبحه، وإذا دلاّ على قبح أو حسن; فلابدّ من ثبوت وجه يقتضي إمّا القبح أو الحسن، لأنّ الدلالة لا تدلُّ إلاّ على صحة.

صفحه 316
ألا ترى أنّ الأمر والنهي وإن كانا عندنا لا يؤثّران، فإنّا كلّنا نستدلُّ بأمر اللّه ـ تعالى ـ على كون الفعل واقعاً على وجه يُستحقُّ به الثواب، وبنهيه على قبحه، وكونه ممّا يُستحقّ به العقاب، ونعلم على جهة الجملة أنّ كلّ شيء أُوجب علينا في الشرع فلابدّ فيه من وجه وجوب، وكلّ شيء حرّم فلابدّ فيه من وجه قبح، وإن كنّا لا نعلم جهات الوجوب والقبح على سبيل التفصيل، ولا نجعل الأمر والنهي مؤثّرين في تلك الجهات،بل يدلاّن عليها فما المنكر على هذا من أن يأمر اللّه ـ تعالى ـ المكلّف بالصلاة في وقت زوال الشمس، وتكون هذه الصلاة واجبة في الوقت المضروب متى استمرّ حكم الأمر بها، ولم يرد نهيٌ عنها، وإن ورد النهي عنها دلّ على تغيّر حالها، واختصاصها بوجه يقبح عليه؟ فإذا أمر بالصلاة، اعتقد وجوبها عليه متى لم ينه عنها، فإذا ورد النهي اعتقد قبحها ويكون الغرض في هذا التكليف مصلحة المكلَّف، كأنّا قدّرنا أنّه تعالى علم أنّه إن كلّفه على هذا الوجه، كان مصلحة له، في واجب عليه يفعله أو قبيح يتجنّبه.
والجواب: أنّ هذه الصلاة المأمور بها عند زوال الشمس لا يخلو من أن يكون فعلها في هذا الوقت مصلحة في الدين أو مفسدة; فإن كانت مصلحة، فبورود النهي لا يتغيّر حالها، ويجب قبح النهي المتناول لها; وإن كانت مفسدة في نفسها، فبتناول الأمر أو باستمراره لا يتغيّر حالها، فيجب قبحها، وقبح الأمر المتناول لها.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: لهذه الصلاة في هذا الوقت المخصوص وجهان تقع على كلّ واحد منهما، فتكون ـ متى وقعت على أحدهما ـ واجبة، وإذا وقعت على الآخر قبيحة، والأمر تناولها على جهة الحسن،والنهي تناولها على جهة القبح.
وهذا ـ إن قيل ـ باطل، لأنّه لو كانت لهذه الصلاة جهتان يقع عليهما، لوجب تمييز ذلك للمكلَّف وإعلامه إيّاه ، ليفصل بين جهة الحسن وجهة القبح،

صفحه 317
كما فصل بين جهة كون هذه الصلاة عبادة للّه تعالى، وبين كونها عبادة لغيره. وبين وقوعها بطهارة ونيّة مخصوصة، وبين وقوعها على خلاف ذلك. وتميّز له فيما ذكرناه جهة الحسن من جهة القبح، فقد كان يجب أن يتميّز له ـ أيضاً ـ الجهة الّتي تكون هذه الصلاة عليها مصلحة من جهة كونها مفسدة، فلمّا قيل له: «صلّ الظهر بطهارة وبنيّة مخصوصة» ، ولم يشترط له شيئاً زائداً على الشرائط الشرعيّة المعقولة; علمنا أنّ الصلاة على هذه الشُّروط متى وقعت في هذا الوقت كانت مصلحة، فيقبح النهي عنها. وهذه غاية ما بلغ النهاية مع كثرة تكرار الكلام على هذه المسألة في الكتب المختلفة.

[أدلّة القائلين بجواز النسخ قبل حضور وقت العمل والجواب عنها]

وقد تعلّق من خالفنا في هذه المسألة بأشياء:
أوّلها: قوله تعالى: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثبِت)1 ويدخل في هذا الظاهر موضع الخلاف.
وثانيها: أمره تعالى إبراهيم(عليه السلام) بذبح ابنه، ثمّ نسخه عنه قبل وقت الفعل، وفداه بذبح.
وثالثها: ما روي في ليلة المعراج من أنّ اللّه ـ تعالى ـ أوجب في اليوم واللّيلة خمسين صلاة، ثمّ راجع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن عادت إلى خمس2، وهذا نسخ قبل وقت الفعل.
ورابعها: أنّ النسخ إنّما يتأتّى فيما لم يفعل، وما فعل كيف ينسخ؟

1 . الرعد:39.
2 . راجع صحيح البخاري:1/92، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة.

صفحه 318
وخامسها: أنّه إذا جاز منع المكلّف ممّا أُمر به بالاخترام، فكذلك يجوز بالنهي، وإلاّ فما الفرق بين الأمرين؟
وسادسها: أنّ السيّد منّا قد يأمر عبده بالتجارة وغيرها بشرط أن لا ينهاه.
وسابعها: أنّ الطهارة إنّما تجب لوجوب الصلاة ومع ذلك فقد يمنع المكلّف بالموت عن الصلاة، وإن كان قد توضّأ، فأيُّ فرق بين منعه بالموت ومنعه بالنَّهي؟
وثامنها: ما روي من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف مكّة:«أُحلّت لي ساعة من نهار»1 ثمّ لم يقع منه(صلى الله عليه وآله وسلم)قتال في ساعة ولا ساعات.
والجواب عمّا تعلّقوا به أوّلاً: أنّ ظاهر الآية يقتضي محواً وإثباتاً على الحقيقة، وذلك لا يليق بالنسخ، وإن استعمل فيه على جهة المجاز، فالأشبه بظاهر الآية ما روي من أنّه تعالى يمحو من اللّوح المحفوظ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، لما يتعلّق بذلك من صلاح الملائكة. وإن عدلنا عن الظاهر، وحملناه على النسخ; فليس فيه أنّه يمحو نفس ما أثبته، ونحن نقول: إنّه ينسخ الشرائع على الوجه الصحيح، فإذا حملنا الآية على النَّسخ; فهي كالمجمل من غير تفصيل.
والجواب عمّا تعلّقوا به ثانياً: أنّه تعالى لم يأمر إبراهيم(عليه السلام) بالذَّبح الّذي هو فري الأوداج، بل بمقدّماته، كالإضجاع له وتناول المدية، وما جرى مجرى ذلك، والعرب تسمّي الشيء باسم مقدّماته، والدليل على هذا قوله تعالى:(وَنَادَيْناهُ أَنْ يا إِبراهيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا).2فأمّا جزع إبراهيم; فلأنّه أشفق من أن يأمره بعد مقدّمات الذَّبح بالذَّبح نفسه، لأنّ العادة بذلك جارية. وأمّا الفداء; فلا

1 . صحيح البخاري:2/213، كتاب الحجّ، باب لا يعضد شجر الحرم; صحيح مسلم:4/109، باب تحريم مكة وصيدها.
2 . الصافات:104ـ 105.

صفحه 319
يمتنع أن يكون عمّا ظنّ أنّه سيؤمر به من الذَّبح، ولا يمتنع ـ أيضاً ـ أن يكون عن مقدّمات الذبح زائدة على ما فعله لم يكن قد أُمر بها، فإنّ الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفديّ، لأنّ حلق الرأس قد يفدى بدم ما يذبح.
وقد قيل ـ أيضاً ـ: «إنّه(عليه السلام) فرّى أوداج ابنه، لكنّه كلّما فرّى جزءاً; عاد في الحال ملتحماً»1 فقد فعل ما أُمر به من الذبح، وإن لم تبطل الحياة.
والجواب عمّا تعلّقوا به ثالثاً: أنّ خبر المعراج خبر واحد، وبمثله لا يثبت الخلاف في هذه المسألة. وفيه مع ذلك من الشُّبه والأباطيل ما يدلُّ على فساده، لاقتضائه نسخ الفعل قبل أن يعلم المكلّف أنّه مأمور به وتضمُّنه أنّ المصالح الدينيّة تتعلّق بمشورة الخلق وإيثارهم.
والجواب عمّا تعلّقوا به رابعاً: أنّ النسخ إذا كان لما لم يفعل فمن أين أنّه لما لم يفعل وقد تناوله الأمر، دون أن يكون لما لم يفعل ممّا قد تقدّم فعل نظائره، أو الأمر بها، فكأنّه قيل له: «لا تفعل نظير ما كنت أُمرت به من الصلاة الموقّتة»؟!
والجواب عمّا تعلّقوا به خامساً: أنّا قد بيّنا فيما تقدّم أنّ اللّه ـ تعالى ـ لا يأمر بالفعل من يعلم أنّه يخترم دونه.
والجواب عمّا تعلّقوا به سادساً: أنّ السيّد إنّما حسن منه ذلك مع عبده لجواز البداء عليه، وذلك لا يجوز على اللّه تعالى.
والجواب عمّا تعلّقوا به سابعاً: أنّ الطهارة لم تجب على الواحد منّا لأجل وجوب الصلاة عليه، وكيف يكون كذلك، وهو لا يعلم قبل مضيّ وقت الصلاة وجوبها عليه؟! وإنّما تجب الطهارة لظنّ وجوب الصلاة عليه، وهو يظنّ وجوبها عليه، وإن جوّز المنع.

1 . راجع مجمع البيان:8/323.

صفحه 320
والجواب عمّا تعلّقوا به ثامناً: أنّ هذا الخبر إنّما يصحّ التعلّق به في جواز النسخ قبل إيقاع الفعل، لا قبل وقته، وغير ممتنع أن يباح له(صلى الله عليه وآله وسلم) من قتلهم وسلبهم ما لم يفعله، ومثل ذلك لا شبهة فيه.

الفصل العاشر

في الزيادة على النصّ هل يكون نسخاً أم لا؟

اختلف الناس في ذلك: فذهب قوم إلى أنّ الزيادة إذا غيّرت حكم المزيد عليه كانت نسخاً.1
وقال آخرون: إنّ الزيادة على النصّ لا تكون نسخاً على كلّ حال، وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعيّ، وإليه ذهب أبو علي، وأبو هاشم.2
وقال آخرون: إنّ الزيادة تقتضي النسخ إذا كان المزيد عليه قد دلّ على أنّ ماعداه بخلافه.3

1 . وهو مذهب أبي عبد اللّه البصري وأبي الحسن الكرخي.
2 . وهو مذهب الشافعية والحنابلة وبعض المعتزلة،وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:276.
3 . توجد أقوال وتفاصيل في هذا المورد منها: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتّصال اتحاد دافع للتعدد والانفصال كما لو زيد في الصبح ركعتان فهذا نسخ، وإن لم توجب الاتّحاد بل كانت ملحقة كزيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة فلا تنسخ، وهو مختار الغزالي في المستصفى:1/223.
ومنها: إن تضمنت الزيادة رفعاً فهو نسخ وإلاّ فلا. وهو مذهب القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/405، واستحسنه الرازي في المحصول:1/564، واختاره الآمدي في الإحكام:3/116، المسألة 18. ومن الإمامية ذهب إليه العلاّمة الحلي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/103.

صفحه 321
واعلم أنّ الزيادة على النصّ تنقسم إلى قسمين: زيادة متّصلة،وزيادة منفصلة.
والمتّصلة على ضربين: مؤثّرة في المزيد عليه، وغير مؤثّرة فيه.1
فأمّا الزيادة المتّصلة المؤثّرة; فهي التي تغيّر حكم المزيد عليه في الشريعة، حتّى يصير لو وقع مستقبلاً من دون تلك الزيادة لكان عارياً من كلّ تلك الأحكام الشرعيّة الّتي كانت له، أو بعضها، فهذه الزيادة تقتصي النسخ. ومثاله زيادة ركعتين على سبيل الاتّصال، كما روي أنّ فرض الصلاة كان ركعتين، فزيد في صلاة الحضر.
وإنّما قلنا: إنّ هذه الزيادة قد غيّرت الأحكام الشرعيّة، لأنّه لو فعل بعد زيادة الركعتين على ما كان يفعلهما عليه أوّلاً، لم يكن لهما حكم، وكأنّه ما فعلهما، ويجب عليه استئنافهما. ولأنّ مع هذه الزيادة يتأخّر ما يجب من تشهُّد وسلام، ومع فقد هذه الزيادة لا يكون كذلك. وكلُّ ما ذكرناه يقتضي تغيُّر الأحكام الشرعيّة بهذه الزيادة.
ولا يلزم على هذا ما نقوله من أنّ كلّ جزء من الصلاة له في استحقاق الثواب حكم نفسه، ولا يقف على غيره، لأنّ النسخ إنّما يدخل في الأحكام الشرعيّة، واستحقاق الثواب من الأحكام العقليّة، وقد بيّنّا تغيُّر الأحكام الشرعيّة.
وعلى هذا الأصل الّذي قرّرناه لو زيد في زمان الصوم زيادة، لكانت هذه الزيادة تقتضي النسخ، للعلّة الّتي ذكرناها في الركعتين المتّصلتين.

1 . تفصيل السيد المرتضى لهذه المسألة هو مختار قاضي القضاة كما في المعتمد:1/405، والشيخ المفيد والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/529. وملخّص ما ذهبوا إليه هو: أنّ الزيادة تكون شرطاً في صحّة المأمور به وإجزائه معها لا دونها فتكون ناسخة، وإلاّ فلا تكون ناسخة.

صفحه 322
فأمّا زيادة ركن على أركان الحجّ; فليس يبين فيه أنّه يكون نسخاً، لانفصال بعض أركان الحجّ من بعض، وأنّه ليس بجار مجرى الصلاة والصيام.
والأولى أن تكون زيادة تطهير عضو على أعضاء الطهارة ليس بنسخ.
فأمّا إيجاب الصلاة من غير طهارة، ثمّ اشتراط الطهارة فيها بعد ذلك; فالواجب تقسيمه: فنقول: إن كانت هذه الصلاة يحصل لها بالطهارة حكم شرعيٌّ ما كان لها من قبل ذلك، فقد تغيّر بهذه الزيادة حكمها الشرعي، فيجب أن يكون نسخاً. وإن لم يكن لها بهذه الزيادة حكمٌ شرعيٌّ لم يكن،وليس إلاّ تقديم فعل الوضوء عليها; لم تكن الزيادة نسخاً.
ولو زاد اللّه ـ تعالى ـ في كفّارة الحنث رابعة; لم يكن ذلك نسخاً للثلاثة، لأنّ الحال في جميع الأحكام الشرعيّة في فعل الثلاث لم يتغيّر،وهي مفعولة بعد الزيادة على الحدّ الّذي كانت تفعل عليه قبلها. وإنّما تقتضي هذه الزيادة نسخ ترك الكفّارات الثلاث، لأنّ تركها كان محرّماً قبل هذه الزيادة، فارتفع تحريمه بالزيادة.
فأمّا ورود التخيير على التضيق، أو التضييق على التخيير; فالأولى أن يقال فيما تضيّق بعد التخيير: أنّه نسخ، لأنّ أحد المخيّر فيه خرج عن حكمه الشرعيّ، فصار منسوخاً. ومثاله لزوم صوم شهر رمضان بعد التخيير بينه وبين الفدية.
فأمّا ورود التخيير بعد التضييق; فالأشبه أنّه لا يكون نسخاً، لأنّ حكم الأوّل في نفسه لم يتغيّر، وإنّما تغيّر حكم الترك، لأنّه كان محرّماً، ثمّ صار مباحاً.
فأمّا ورود الخبر بالشاهد واليمين; فإنّه لا يكون نسخاً للآية، لأنّا قد بيّنّا فيما تقدّم أنّ الشاهد الثاني شرط، وليس يمتنع أن يقوم مقام الشرط سواه، وإذا لم تمنع الآية ممّا ورد به الخبر; لم يكن فيه نسخ لها.
فإذا قيل: الآية تمنع في المعنى من اليمين مع الشاهد من حيث كانت اليمين

صفحه 323
هي قول المدّعي، فجرت مجرى دعواه.
قلنا: غير ممتنع أن لا يكون لدعواه حكم، ويكون ليمينه حكم، وإن كانا معاً قولاً له، ألا ترى أنّه لا حكم لإنكاره، ولنكوله عن اليمين حكمٌ، ولم يجريا في الشريعة مجرى واحداً، وإن كانا راجعين إلى قوله. وكذلك لا حكم لإنكاره في إسقاط الدعوى واليمين، وليمينه هذا الحكم، لأنّها تسقط الدعوى . فكذلك لا يمتنع إذا حلف مع شاهد أن يكون لقوله من الحكم ما لا يكون لدعواه إذا تجرّدت.
فأمّا مثال الزيادة المتّصلة، وإن كانت غير مؤثّرة; فكزيادة العشرين على حدّ القذف، وزيادة النفي على حدّ الزاني البكر، وزيادة الرجم على حدّ المحصن.
فأمّا مثال الزيادة المنفصلة; فكزيادة صلاة سادسة، وشهر للصّيام ثان، ولا خلاف في أنّ ذلك لا يقتضي نسخاً، وإنّما هو ابتداء عبادة.
والخلاف إنّما هو في الزيادة المتّصلة المتعلّقة بالمزيد عليه، كالزيادة في الحدّ: فمن الناس من ألحق ذلك بزيادة الركعتين على الركعتين، وفيهم من أجراه مجرى زيادة صلاة سادسة.
والّذي يدلُّ على أنّ الزيادة في الحدّ لا توجب النسخ أنّها لا تؤثّر في تغيّر حكم شرعيّ معقول للمزيد عليه، لأنّ من المعلوم أنّ المزيد عليه يفعل بعد التعبّد بالزيادة على الحدّ الّذي يفعل عليه قبلها، وإنّما يجب ضمُّ هذه الزيادة إليه من غير أن يكون إخلاله بضمّ هذه الزيادة مؤثّراً في الأوّّل، فوجب إلحاق ذلك بابتداء التعبد.
وتعلُّقهم بأنّ الاسم واحد والسبب واحد ليس بشيء، لأنّه غير ممتنع أن يكون الاسم واحداً، والسبب كذلك،ويكون ذلك ابتداء تعبّد، إذا كانت الأحكام

صفحه 324
الشرعيّة لم تتغيّر، وهي الّتي عليها المعول في باب النسخ.
وليس لهم أن يقولوا : قد تغيّر حكم شرعيٌّ من حيث صارت الثمانون بعض الحدّ وكانت قبل الزيادة كلّه، لأنّ قولنا: «بعض» و «كلّ» ليس من الأحكام الشرعيّة، وكذلك قولنا: «نهاية» و«غاية» . ولأنّه يلزم مثل ذلك في فرض صلاة اليوم واللّيلة، لأنّ الصلاة لو زيد فيها سادسة، لكان الوصف بالكلّ والبعض والنهاية يتغيّر ومع ذلك فليس بنسخ. ولو أنّه تعالى أوجب بدلوك الشمس صلاة أُخرى، لكان سبب الوجوب واحداً، وإن لم يكن نسخاً.
فأمّا تعلُّقهم بردّ الشهادة، وأنّه كان متعلّقاً بالثمانين، ثمّ تعلّق بما زاد عليها، فقد تغيّر الحكم الشرعيّ; فليس بشيء، لأنّ ردّ الشهادة إنّما يتعلّق بالقذف، لا بإقامة الحدّ، كما يتعلّق بفعل سائر الكبائر.
ولو سلّمنا أنّ ردّ الشهادة يتعلّق بالحدّ، لا بالقذف; لكان لنا أن نقول: إنّه يتعلّق بكونه محدوداً ، ولا اعتبار بزيادة عدد الحدّ ونقصانه في الحكم الّذي هو ردّ الشهادة، كما أنّ الإحرام لمّا كان علّة في تحريم الصيد، لم يختلف في ذلك كونه محرماً، بحجّ وعمرة، أو بأحدهما، لأنّ المعتبر كونه محرماً. وكذلك لا فرق بين كونه محدثاً بجهة واحدة، أو بجهات، لأنّ المعتبر في الأحكام الشرعيّة كونه محدثاً، من غير أن يكون لزيادة الأحداث أو نقصانها تأثير. وجرى ذلك أيضاً مجرى إباحة تزويج المعتدّة إذا انقضت عدّتها في أنّ عدّتها زادت أو نقصت فالحكم فيما ذكرناه لا يتغيّر، ولا تكون الزيادة في العدّة أو النقصان نسخاً لإباحة تزويج المعتدّة.
على أنّ هذا بعينه لازم للمخالف، لأنّ زيادة العبادة قد تؤثّر في ردّ الشهادة وإن لم يتعلّق بالمزيد عليه كتأثيرها إذا تعلّقت، لأنّ ردّ الشهادة إذا كان شرطه الفسق ـ و قد علمنا أنّ الفسق يتغيّر بزيادة عبادات ونقصانها إذا وقع الإخلال بها

صفحه 325
ـ فيجب لذلك تغيُّـر الحكم في ردّ الشهادة، وهذا يقتضي أنّ زيادة كلّ عبادة وإن لم يتعلّق بغيرها، ولا كانت متّصلة بها، تقتضي النسخ.

الفصل الحادي عشر:

في أنّ النقصان من النصّ هل يقتضي النسخ أم لا؟

اعلم أنّه لا خلاف في أنّ النقصان من العبادة يقتضي نسخ المنقوص، وإنّما الكلام في هل يقتضي ذلك نسخ المنقوص منه: فذهب قوم إلى أنّه يقتضي نسخ العبادة المنقوص منها.1 وذهب آخرون إلى أنّه لا يقتضي ذلك.2
والواجب أن يعتبر هذا النقصان، فإن كان ما بقي بعده من العبادة، متى فعل، لم يكن له حكم في الشريعة ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان; فهذا النُّقصان نسخ له، كما قلناه في زيادة ركعتين على ركعتين على جهة الاتّصال، لأنّ العلّة في الموضعين واحدة. وإن لم يكن الأمر على ذلك; فالنُّقصان ليس بنسخ لتلك العبادة.3
ومثال ذلك أن ينقص من الحدّ عشرون، فإنّ ذلك لا يكون نسخاً لباقي الحدّ.

1 . وهو مختار الغزالي في المستصفى:1/221. وفصّل القاضي عبد الجبار قائلاً: نقصان الجزء يقتضي نسخ الباقي، ونقصان الشرط المنفصل لا يقتضي نسخ الباقي. راجع المحصول:1/570.
2 . وهو مختار الحنابلة وجمهور أصحاب الشافعي، وهو مذهب أبي عبد اللّه البصري وأبي الحسن الكرخي، واختاره أبو الحسين البصري في المعتمد:1/414، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:281، والرازي في المحصول:1/569ـ 570، والآمدي في الإحكام:3/121، المسألة 19، ومن الإمامية العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/117.
3 . وهو مختار الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:2/535.

صفحه 326
وعلى هذا لو نقصت ركعتان من جملة ركعات; لكان هذا النُّقصان نسخاً لجملة الصلاة، لأنّ الصلاة بعد النُّقصان قد تغيّر حكمها الشرعيّ. ولو فعلت على الحدّ الّذي كانت تفعل عليه من قبل; لم يجز، فجملتها منسوخة.
فأمّا نسخ الطهارة بعد إيجابها; فهو غير مقتض لنسخ الصلاة، لأنّ حكم الصلاة باق على ما كان عليه من قبل. ولو كان نسخ الطهارة يقتضي نسخ الصلاة; لوجب مثله في نجاسة الماء وطهارته، وقد علمنا أنّ تغيّر أحكام نجاسة الماء وطهارته لا يقتضي نسخ الطهارة، لأنّه إنّما قيل له: تطهّر بالماء الطاهر، ثمّ الماء الطاهر منه والماء النجس موقوف على البيان، وقد يتغيّر بزيادة ونقصان، ولا يتعدّى ذلك التغيُّر إلى نسخ الطهارة.
فأمّا نسخ القبلة; فذهب قوم إلى أنّه نسخ للصلاة1، وذهب آخرون إلى أنّه ليس بنسخ، وجعل القبلة شرطاً كتقديم الطهارة.2
والّذي يجب تحصيله في هذه المسألة أنّ نسخ القبلة لا يخلو من أن ينسخ بالتوجّه إلى جهة غيرها، أو بأن يسقط وجوب التوجّه إليها ويخير فيما عداها من الجهات، لأنّه من المحال أن تخلو الصلاة من توجّه إلى جهة من الجهات.
فإن كانت نسخت بضدّها، كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس بالكعبة; فلا شبهة في نسخ الصلاة، ألا ترى أنّه بعد هذا النسخ لو أوقع الصلاة إلى بيت المقدس على حدّ ما كان يفعله من قبل، لكان لا حكم له، بل وجوده في الشرع كعدمه.
وإن كانت القبلة نسخت، فإن حظر عليه التوجّه إلى الجهة المخصوصة الّتي كان يصلّي إليها، وخيّر فيماعداها; فهذا ـ أيضاً ـ يقتضي نسخ الصلاة، لأنّه لو

1 . وهو مختار قاضي القضاة. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/119.
2 . وهو مختار أبي الحسن الكرخي وأبي الحسين البصري. راجع المعتمد:1/414ـ 415.

صفحه 327
أوقعها على الحدّ الّذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت غير مجزية، فصارت منسوخة على ما اعتبرناه. وإن نسخ وجوب التوجّه إلى القبلة بأن خيّر في جميع الجهات; لم يكن ذلك نسخاً للصلاة، ألا ترى أنّه لو فعلها على الحدّ الّذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت صحيحة مجزية، وإنّما نسخ التضييق بالتخيير.
فأمّا صوم شهر رمضان; فلا يجوز أن يكون ناسخاً لصوم عاشوراء، لأنّ الحكمين إنّما يصحّ أن يتناسخا إذا لم يمكن اجتماعهما، وصوم شهر رمضان يجوز أن يجتمع مع صوم عاشوراء، فكيف يكون ناسخاً له. ومعنى هذا القول أنّ عند سقوط وجوب صيام عاشوراء أُمر بصيام شهر رمضان.

الفصل الثاني عشر:

في جواز نسخ الكتاب بالكتاب والسنّة بالسنّة

اعلم أنّ كلّ دليل أوجب العلم والعمل فجائز النسخ به، وهذا حكم الكتاب مع الكتاب، والسُّنّة المقطوع بها مع السُّنّة المقطوع بها فلا خلاف في ذلك.1
وإنّما الخلاف في نسخ الكتاب بالسُّنّة المقطوع بها، ونسخ السُّنّة بالكتاب، وسيأتي الكلام على ذلك بإذن اللّه تعالى.2
فأمّا السُّنّة الّتي لا يقطع بها; فالكلام في نسخ بعضها ببعض مبنيّ على

1 . راجع عدة الأُصول:2/537; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/75; التذكرة:43; المعتمد:1/390، الإحكام للآمدي:3/99، المسألة8.
2 . سيوافيك الكلام فيهما في الفصلين: الرابع عشر ص 330، والخامس عشر ص 337.

صفحه 328
وجوب العمل بأخبار الآحاد: فمن عمل بها في الشريعة; نسخ بعضها ببعض. ومن لم يعمل بها; لم ينسخ بها، لأنّ النسخ فرع وتابع لوجوب العمل. وسيأتي الكلام على تفصيل ذلك بمشيّة اللّه تعالى.

الفصل الثالث عشر:

في نسخ الإجماع والقياس وفحوى القول

اعلم أنّ مصنّفي أُصول الفقه ذهبوا كلّهم إلى أنّ الإجماع لا يكون ناسخاً، ولا منسوخاً، واعتلّوا في ذلك بأنّه دليل مستقرّ بعد انقطاع الوحي، فلا يجوز نسخه ولا النسخ به.
وهذا القدر غير كاف، لأنّ لقائل أن يعترضه، فيقول: أمّا الإجماع عندنا; فدلالته مستقرّة في كلّ حال قبل انقطاع الوحي، وبعده، وسنبيّن ذلك عند الكلام في الإجماع، فإذا ثبت ذلك سقطت هذه العلّة.1
على أنّ مذهب مخالفنا في كون الإجماع حجّة يقتضي أنّه في الأحوال كلّها مستقرّ، لأنّ اللّه ـ تعالى ـ أمر باتّباع سبيل المؤمنين، وهذا حكم حاصل قبل انقطاع الوحي، وبعده. والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر على مذاهبهم بأنّ أُمّته لا تجتمع على خطأ، وهذا ثابت في سائر الأحوال، فإذاً كان الإجماع ثابتاً في سائر الأحوال.
وإذا كان الإجماع دليلاً على الأحكام، كما يدلُّ الكتاب والسُّنّة ـ والنسخ لا

1 . وهو مختار بعض المعتزلة وعيسى بن أبان خلافاً للأكثر. راجع عدة الأُصول:2/538; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/91; الإحكام للآمدي:3/108; المحصول:1/559.

صفحه 329
يتناول الأدلّة، وإنّما يتناول الأحكام الّتي تثبت بها ـ فما المانع من أن يثبت حكم دليل بإجماع الأُمّة قبل انقطاع الوحي، ثم ينسخ ب آية تنزل، أو يثبت حكم ب آية تنزل، فينسخ بإجماع الأُمّة على خلافه.
والأقرب أن يقال: إنّ الأُمّة مجتمعة على أنّ ما يثبت بالإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به. ولا يلتفت إلى خلاف عيسى بن أبان، وقوله: إنّ الإجماع ناسخ لما وردت به السُّنّة من وجوب الغُسل من غَسل الميّت.

[ في نسخ فحوى القول والنسخ به]

فأمّا فحوى القول; فغير ممتنع نسخه،والنسخ به، لأنّه جار في فهم المراد به مجرى الصريح، فما جاز في الصريح، جاز فيه.
وأمّا نسخ الفحوى دون الصريح، والصريح دون الفحوى; فيجب أن يرتّب القول فيه على ما نبيّنه، والواجب حراسة الغرض فيه، ودفع المناقضة. وقد علمنا أنّه لا يحسن أن يقول: «لا تقل لهما: أُفّ، واضْربهما» لكن يحسن أن يقول: «لا تضربهما، وإن قلت لهما: أُفّ»، فيجوز نسخ الأكبر، ويتبعه الأصغر، ولا يجوز عكس ذلك.
وغير ممتنع أن يقال: إنّ الحال فيما بيّنّا يخالف المصالح الدينيّة، لأنّه يمتنع أن يمنع من التأفيف في الشاهد إلاّ لأجل الترفيه والتنزيه عن الإضرار به، فلا يجوز أن يجامع ذلك إرادة الإضرار الأكبر، ومصالح الدين غير ممتنع أن يختصّ تارة بالأكبر، والأُخرى بالأصغر، فالأولى جواز نسخ كلّ واحد مع تبقية صاحبه.

صفحه 330

[نسخ القياس والنسخ به]

فأمّا نسخ القياس والنسخ به; فمبنيّ على أنّ القياس دليل في الشريعة على الأحكام، وسندلُّ على بطلان ذلك عند الكلام في القياس، وإذا لم يكن دليلاً من أدلّة الشرع لم يجز أن ينسخ، ولا ينسخ به.1
ومن ذهب إلى ورود العبادة به2; يدفع النسخ به بأن يقول: من شرط صحّته أن لا يكون في الأُصول ما يمنع منه، وهذا يمنع من كونه ناسخاً. ويمنعون من أن يكون القياس منسوخاً بأنّه تابع لأصله، ولا يجوز نسخه مع بقاء أصله.

الفصل الرابع عشر:

في جواز نسخ القرآن بالسنّة

اعلم أنّ السُّنّة على ضربين: مقطوع عليها معلومة، وأُخرى واردة من طريق الآحاد:
فأمّا المقطوع عليها; فإنّ الشافعيّ ومن وافقه يذهبون إلى أنّها لا ينسخ بها

1 . وهو ما اتّفقت عليه الإمامية لاعتقادهم ببطلان القياس. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/93ـ 94.
2 . وإليه ذهب جماعة كثيرة من جمهور الفقهاء والمتكلّمين.
وقال أبو القاسم الأنماطي الشافعي(المتوفّى 288هـ) ـ و هو الذي اشتهرت به كتب الشافعي ببغداد ـ: يجوز بالقياس الجلي. راجع التبصرة:274.
وقال الغزالي في المستصفى:1/241: إن أراد بالجلي المقطوع به فصحيح، أمّا المظنون فلا.
واختار الآمدي في الإحكام:3/111: إن كانت العلّة الجامعة في القياس منصوصة جاز النسخ بها لأنّها في معنى النص، وإلاّ فإن كان القياس قطعياً كقياس الأمة على العبد في التقويم فإنّه يكون أيضاً رافعاً لما قبله لكنّه لا يكون نسخاً، وإن كان ظنيّاً فلا يكون نسخاً أيضاً.

صفحه 331
القرآن1، وخالف باقي العلماء في ذلك.2
وأمّا السُّنّة الّتي لا يقطع بها فأكثر الناس على أنّه لا يقع بها نسخ القرآن، وخالف أهل الظاهر وغيرهم في جواز ذلك، وادّعوا ـ أيضاً ـ وقوعه.3
والّذي يبطل أن ينسخ القرآن بما ليس بمعلوم من السُّنّة أنّ هذا فرع مبنيٌّ على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، لأنّ من يجوّز النسخ يعتمد على أنّه كما جاز التخصيص به، وترك الظاهر لأجله، والعمل به في الأحكام المبتدأة، جاز النسخ ـ أيضاً ـ به. وأنّ دليل وجوب العمل بخبر الواحد مطلق، غير مختصّ، فوجب حمله على العموم، وإذا بطل العمل بخبر الواحد في الشرع، بما سنتكلّم عليه عند الكلام في الأخبار بمشيّة اللّه ـ تعالى ـ ، بطل النسخ، لأنّ كلّ من لم يعمل به في غير النسخ لا ينسخ به، فالقول بالنسخ مع الامتناع من العمل أصلاً خارج عن الإجماع.

1 . وهو مذهب أكثر الظاهرية وأحمد بن حنبل في رواية وطائفة من الفقهاء، كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:264، وذهب الحارث بن أسد المحاسبي وعبد اللّه بن سعيد القلانسي إلى امتناعه عقلاً، وذهب أبو حامد الاسفرائيني وأبو الطيب سهل بن أبي سهل الصعلوكي وأبو إسحاق الاسفرائيني وأبو منصور عبد القاهر البغدادي إلى جوازه عقلاً وامتناعه سمعاً. وقال أبو العباس ابن سريج: يجوز نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة ولكنّه لم يقع. راجع: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:4/90ـ 91; ونهاية السول في شرح منهاج الأُصول:2/579.
وأمّا من الإمامية فقد ذهب إليه الشيخ المفيد في التذكرة:43.
2 . وهو مذهب جمهور المتكلّمين من الإمامية والمعتزلة والأشاعرة ، وأكثر الفقهاء، وهو مختار مالك وأصحاب أبي حنيفة، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/391، والرازي في المحصول: 1/555، والآمدي في الإحكام:3/104; والغزالي في المستصفى:1/236، وغيرهم. ومن الإمامية ذهب إليه العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/75.
3 . وهو مذهب داود الظاهري وجل أصحابه، وعليه ابن حزم الظاهري في الإحكام:4/477.

صفحه 332
وهذا أولى ممّا يمضي في الكتب من أنّ الصحابة ردّت أخبار الآحاد إذا كان فيها تركٌ للقرآن، لأنّ الخصوم لا يسلّمون ذلك، ولأنّه يلزم عليه أن لا يخصّص الكتاب بخبر الواحد، لأنّ فيه تركاً لظاهره.
وليس يجب من حيث تعبّدنا اللّه بالعمل بخبر الواحد في غير النسخ ـ إذا سلّمنا ذلك و فرضناه ـ أن نعدّيه إلى النسخ بغير دليل، لأنّ العبادة لا يمتنع اختصاصها بموضع دون موضع، فمن أين إذا وقعت العبادة بالعمل به في غير النسخ، فقد وقعت في النسخ، وأحد الموضعين غير الآخر، وليس هاهنا لفظ عامّ يدّعى دخول الكلّ فيه؟!
وخلاف الشافعيّ في أنّ السُّنّة المعلومة لا ينسخ بها القرآن ضعيف جدّاً، لا ندري كيف استمرّت الشُّبهة فيه؟
والّذي يدلُّ على فساد هذا المذهب أنّ السُّنّة المعلومة تجري في وجوب العلم والعمل مجرى الكتاب فكما ينسخ الكتاب بعضه ببعض، كذلك يجوز فيه نسخه بها.
ولأنّ النسخ إنّما يتناول الحكم، والسُّنّة في الدلالة عليه كدلالة القرآن، فيجب جواز النسخ بها.
وليس لأحد أن يقول: إنّ السُّنّة تدلُّ كدلالة القرآن، لكنّها إذا وردت بحكم يضادُّ القرآن، أنزل اللّه ـ تعالى ـ قرآناً يكون هو الناسخ. وذلك أنّ هذه دعوىً لا برهان لمدّعيها، ومن أين أنّ الأمر على ذلك؟! ولو قدّرنا أنّه تعالى لم ينزل ذلك القرآن، كيف كان يكون حال تلك السُّنّة؟، فلابدّ من الاعتراف باقتضائها النسخ. ثمّ إذا اجتمعا لم صار الناسخ هو القرآن، دون السُّنّة، وحكم كلّ واحد من الدليلين حكم صاحبه. وإذا كان نسخ الحكم بحكم يضادّه، فلا فرق بين أن

صفحه 333
يكشف عن ذلك الحكم المضادّ سنّة، أو قرآن.
فأمّا اختصاص القرآن بوجه الإعجاز; فلا تأثير له في وجه دلالته على الأحكام، ولذلك قد يدلُّ على الأحكام منه القدر الّذي لا يبين فيه وجه الإعجاز. ولو كان هذا الفرق صحيحاً; لوجب مثله في ابتداء الحكم بالسُّنّة والتخصيص والبيان. ولو أنّه تعالى جعل دليل نبوّته إحياء ميّت، ثمّ أنزل قرآناً ليس بمعجز; لكان في الدلالة على الأحكام كهو الآن.
وقد اختلف كلام أصحاب الشافعيّ في هذه المسألة: فتارة يقولون: إنّ ذلك لا يجوز عقلاً، من حيث يقدح في النُّبوّة، ويقتضي التنفير، وتارة أُخرى يقولون: إنّه جائز، إلاّ أنّ السمع ورد بالمنع منه. وربما قالوا: إنّه لم يوجد ما هذه حاله في الشرع.
فأمّا العقل; فلا وجه فيه للمنع من ذلك عند التأمّل الصحيح، لأنّه تعالى إذا أراد أن يدلّ على الحكم، فهو مخيّر بين أن يدلّ عليه بكتاب، أو سنّة مقطوع بها، لأنّ دلالتهما لا يتغيّر، ويجريان مجرى آيتين، أو سنّتين.
وأمّا التنفير; فلا شبهة في ارتفاعه، لأنّ المعجز إذا دلّ على صدقه(صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يكن في نسخه الأحكام بسنّة إلاّ مثل ما في نسخه لها بما يؤدّيه من القرآن، وتطرُّق التهمة في الأمرين يمنع منه المعجز.
وأمّا ادّعاؤهم أنّه لم يوجد1; فخلاف في غير هذه المسألة، لأنّ كلامنا الآن على جوازه، لا على وقوعه.

1 . وهو قول أبي العباس ابن سريج كما في التبصرة:264.

صفحه 334

[ في أدلّة من ادّعى انّ السمع منع من نسخ الكتاب بالسنّة والجواب عنها]

وأمّا من ادّعى أنّ السمع منع منه; فإنّه تعلّق بأشياء:
أوّلها: قوله تعالى: (وَإِذا بَدَّلْنا آيةً مَكانَ آية)1 فبيّن تعالى أنّ تبديل الآية إنّما يكون بالآية.
وثانيها: قوله تعالى:(وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرآن غيرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسي)2 فنفى تبديله إلاّ بمثله.
وثالثها: قوله تعالى:(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)3 فجعله اللّه ـ تعالى ـ مبيّناً للقرآن، والبيان ضدُّ النسخ والإزالة.
ورابعها :قوله تعالى:(ما نَنْسَخْ مِنْ آية أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها)4. وذكروا في التعلُّق بهذه الآية وجوهاً:
منها: أنّه لمّا قال تعالى: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها); كان الكلام محتملاً للكتاب وغيره، فلمّا قال بعد ذلك:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ على كُلِّ شَيْء قَديرٌ); علم أنّه أراد ما يختصُّ هو تعالى بالقدرة عليه من القرآن المعجز.
ومنها: أنّه قال 5 ـ تعالى ـ: (نَأْتِ بِخَير مِنْها)، فأضاف ذلك إلى نفسه، والسُّنّة لا تضاف إليه حقيقة.
ومنها: أنّ الظاهر من قول القائل:«لا آخذ منك ثوباً إلاّ وأُعطيك خيراً منه» أنّ المراد أُعطيك ثوباً من جنس الأوّل.
ومنها: أنّ الآية إنّما تكون خيراً من الآية بأن تكون أنفع منها، والانتفاع بالآية

1 . النحل:101.
2 . يونس:15.
3 . النحل:44.
4 . البقرة:106.
5 . في «أ»: قوله، مكان : أنّه قال.

صفحه 335
يكون بتلاوتها وامتثال حكمها، فيجب أن يكون ما يأتي به يزيد في النفع على ما ينسخه في كلا الوجهين، والسُّنّة لا يصحّ لها إلاّ أحدهما.
والجواب عمّا تعلّقوا به أوّلاً: هو أنّ الظاهر لا دلالة فيه على أنّه لا يبدّل الآية إلاّ بالآية، وإنّما قال تعالى:(وَإِذا بَدَّلْنا آيةً مَكانَ آية). ولأنّ الخلاف في نسخ حكم الآية، والظاهر يتناول نفس الآية.
والجواب عن الثاني: أنّه ـ أيضاً ـ لا يتناول موضع الخلاف، لأنّه إنّما نفى أن يكون ذلك من جهته، بل بوحي من اللّه تعالى سواء كان ذلك قرآناً أو سنّة.
والجواب عن الثالث: أنّ النسخ يدخل في جملة البيان ، لأنّه بيان مدّة العبادة وصفة ما هو بدل منها. وقد قيل: إنّ المراد هاهنا بالبيان التبيلغ والأداء، حتّى يكون القول عامّاً في جميع المنزَّل، ومتى حمل على غير ذلك كان خاصّاً في المجمل. على أنّ النسخ لو انفصل عن البيان، لم يمنع أن يكون ناسخاً وإن كان مبيّناً، كما لم يمنع كونه مبيّناً من كونه مبتدئاً للأحكام، وقد وصف اللّه ـ تعالى ـ القرآن بأنّه بيان، ولم يمنع ذلك من كونه ناسخاً.
والجواب عن الرابع: أنّ الآية ـ أيضاً ـ لا تتناول موضع الخلاف، لأنّها تتناول نفس الآية، والخلاف في حكمها.
على أنّ الظاهر لا يدلُّ على أنّ الّذي يأتي به يكون ناسخاً، وهو موضع الخلاف، وهو إلى أن يدلّ على أنّه غير ناسخ أقرب، لأنّه تعالى قال: (ما نَنْسَخْ مِنْ آية نَأْتِ)، وهذا يدلّ على تقدّم النسخ على إنزال ما هو خير منها، فيجب أن لا يكون النسخ بها وهو متقدّم عليها، ومعنى(خير مِنْها)أي أصلح لنا، وأنفع في ديننا، وأنّا نستحقُّ به مزيد الثواب، وليس يمتنع ـ على هذا ـ أن يكون ما يدلُّ عليه السُّنّة من الفعل

صفحه 336
الناسخ أكثر ثواباً وأنفع لنا ممّا دلّت عليه الآية من الفعل المنسوخ.
والشناعة بأنّ السُّنّة خير من القرآن تسقط بهذا البيان، وبأنّ القرآن ـ أيضاً ـ لا يقال بأنّ بعضه خير من بعض بالإطلاق، وقد ينسخ بعضه ببعض. فإذا فصّلوا وفسّروا فعلنا مثل ذلك. فأمّا إضافة ذلك إليه تعالى وأنّ ذلك بالكتاب أليق منه بالسُّنّة; فالإضافة صحيحة على الوجهين، لأنّ السُّنّة إنّما هي بوحيه تعالى وأمره، فإضافتها إليه كإضافة كلامه.
وقوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ)1 لا يدلُّ على صفة ما يكون به النسخ، وإنّما يقتضي أنّه تعالى قادر على أن ينسخ الفعل بما هو أصلح في الدين منه، كان الدليل على ذلك كتاباً أو سنّة.
وغير مسلّم أنّ القائل إذا قال لأحد: لا آخذ منك كذا وكذا إلاّ وأُعطيك خيراً منه، أنّ الثاني يجب أن يكون من جنس الأوّل، بل لو صرّح بخلاف ذلك لحسن، لأنّه لو قال: « لا آخُذ منك ثوباً إلاّ وأُعطيك فرساً خيراً منه» لما كان قبيحاً، وقد بيّنّا معنى «خيراً منها» .
فليس يمتنع أن يكون السُّنّة وإن انتفع بها من وجه واحد أصلح لنا من الآية وإن كان الانتفاع بها من وجهين، لأنّ الانتفاع الّذي هو الثواب قد يتضاعف، فلا ينكر أن يزيد والوجه واحد على الوجهين. على أنّ في درس السُّنّة وتلاوتها ـ أيضاً ـ ثواباً وقربة وعبادة.

1 . البقرة:106.

صفحه 337

الفصل الخامس عشر:

في جواز نسخ السُّنّة بالكتاب

إنّما خالف الشافعيّ في هذه المسألة، والناس كلّهم على خلاف قوله.1 وكلّ شيء دللنا به على أنّ السُّنّة المقطوع بها تنسخ القرآن يدلُّ على هذه المسألة، بل هو هاهنا آكد وأوضح، لأنّ للقرآن المزيّة على السُّنّة. وقولهم: لو نزلت آية تقتضي نسخ سنّة; لأمر اللّه ـ تعالى ـ بأن يسنّ سنّة ثانية تكون ناسخة للأُولى2، تحكُّم بغير دلالة، فمن أين لهم ذلك؟!
وأيُّ فرق بينهم وبين من قال: إنّ اللّه ـ تعالى ـ إذا أراد أن ينسخ سنّة بسنّة أُخرى أنزل قرآناً ليكون النسخ به لا بالسُّنّة؟! وبعدُ فلو سلّم لهم ما اقترحوه; لم يخرج القرآن من أن يكون ناسخاً للسُّنّة، بل كانا معاً ناسخين، وليس ذلك بملتبس بالبيان، ولا مخرج له(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كونه مبيّناً.
وقد استدلّ على جواز نسخ السُّنّة بالقرآن بوقوع ذلك، والوقوع أكثر من الجواز، وذكر أنّ تأخير الصلاة في وقت الخوف كان هو الواجب أوّلاً، ثمّ نسخ

1 . وهومذهب الإمامية وجمهور الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والحنابلة وأكثر الفقهاء، وهو مختار أبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:272، وأبي الحسين البصري في المعتمد:1/391، والرازي في المحصول:1/553، والغزّالي في المستصفى:1/236، والآمدي في الإحكام:3/101، والسرخسي في أُصوله:2/67، وابن حزم في الإحكام:4/505، وغيرهم. ومن الإمامية الشيخ الطوسي في العدة:2/551، والعلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/83، والشيخ المفيد في التذكرة:43ـ 44،وغيرهم.
2 . العبارة في عدة الأُصول:2/552 كما يلي: فإن قالوا: إنّ اللّه تعالى لو نسخ سنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ب آية ينزّلها، لأمر نبيّه بأن يبيّن سنّة ثانية ينسخ بها سنّة الأُولى لئلاّ يلتبس النسخ بالبيان.

صفحه 338
بقوله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً)1. وإنّما كان ذلك نسخاً من حيث كان جواز التأخير مع استيفاء الأركان كالمضادّ للأداء في الوقت مع الإخلال ببعض ذلك.
وذكر ـ أيضاً ـ أنّ قوله تعالى: (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ)2 نسخ مصالحته(صلى الله عليه وآله وسلم) قريشاً على ردّ النساء.
وأقوى من ذلك نسخ القبلة الأُولى وكانت ثابتة بالسُّنّة، بالقبلة الثانية وهي معلومة بالقرآن.

الفصل السادس عشر:

فيما يعرف به كون الناسخ ناسخاً والمنسوخ منسوخاً

اعلم أنّ كون الناسخ ناسخاً إنّما يعلم بأن يكون لفظه يقتضي ذلك أو معناه، فمثال اقتضاء اللّفظ أن يقول: نسخت كذا بكذا، ويجري مجراه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها; وعن ادّخار لحوم الأضاحيّ، ألا فادّخروا ما بدا لكم».3

1 . البقرة:239.
2 . الممتحنة:10.
3 . ورد هذا الحديث بهذا المعنى وبهذا المضمون مع تفاوت بالألفاظ في العديد من المصادر المعتبرة عند الفريقين. فقد روى مسلم في صحيحه:6/82، باب «بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه وإباحته» بإسناده عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم...». وللاطلاع على المزيد راجع المصادر التالية: سنن ابن ماجة:1/501، باب ما جاء في زيارة القبور، وج2/1055 برقم 3160، باب ادّخار لحوم الأضاحي; سنن الترمذي:2/259 برقم 1060، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، و ج3/33برقم 1546; سنن النسائي:7/234، كتاب الضحايا، وج8/310; مستدرك الحاكم:1/374 و 375 و 376; سنن البيهقي:4/76 و 77; مسند أحمد:1/145 و 452 و ج3/237 و 250 وج5/355 و 356 و 357 و 359.

صفحه 339
ومثال الثاني أن يتضاد حكم الناسخ والمنسوخ، ويمتنع اجتماعهما في التعبُّد، فيعلم بذلك أنّ أحدهما ناسخ للآخر.

الفصل السابع عشر:

فيما يعرف به تاريخ الناسخ والمنسوخ

اعلم أنّ أقوى ما علم به التاريخ أن يكون في اللّفظ، وإنّما يصحّ أن يكون في لفظة الناسخ دون المنسوخ إذا كان مذكوراً على جهة التفصيل، وقد يكون على جهة الجملة في لفظ المنسوخ، نحو أن يقول: افعلوا كذا إلى أن أنسخه عنكم، ولو قال: إلى أن أنسخه في وقت كذا; لكان وقت زوال العبادة معلوماً بلفظ إيجابها، فيخرج بذلك من باب النسخ.
وقد يعلم التاريخ ـ أيضاً ـ بأن يضاف إلى وقت أو غزاة يعلم بها تقدُّم وقت المنسوخ، لأنّ الغرض معرفة المتأخّر والمتقدّم، فلا فرق بين ذكر الزمانين، أو ذكر ما يضاف إليهما، ممّا يعلم به التقدّم والتأخّر.
وقد ذكر ـ أيضاً ـ أن يكون ا لمعلوم من حال أحد الراويين أنّه صحب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد ما صحبه الآخر، وأنّ عند صحبته انقطعت صحبة الأوّل. ولابدّ من أن يشترط في ذلك أن يكون الّذي صحبه أخيراً لم يسمع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً قبل صحبته له; لأنّه غير ممتنع أن يراه أوّلاً، فيسمع منه وهو كافر، أو غير مصاحب، ثمّ يراه ثانياً، ويختصّ بمصاحبته.

صفحه 340
فأمّا إذا علم تقدُّم أحد الحكمين وتأخُّر الآخر بالعادة، أو ما يجري مجراها; فلا شكّ في أنّ الثاني هو الناسخ، ومثال ذلك أن يكون حكم أحدهما مستمرّاً على حكم العقل، والآخر ثابت بالشرع. ويدخل فيه أن يكون أحدهما شرعاً متقدّماً، والآخر متجدّداً، أو أن يكون أحدهما يتضمّن ردّاً على الأوّل، أو شرطاً في الأوّل، إلى غير ذلك من الوجوه الدالّة على التقدّم والتأخُّر.
وقد ذكر من تكلّمَ في أُصول الفقه بأنّ التاريخ ـ أيضاً ـ يعلم بقول الصحابيّ، وأن يحكي أنّ أحد الحكمين كان بعد الآخر، قالوا: لأنّ التاريخ نقل وحكاية لا مدخل للاجتهاد فيه، فيجب أن يقبل قول الصحابي فيه.
وهذا الوجه مبنيّ على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، وفرع من فروعه، فإذا بطل وجوب العمل بخبر الواحد، بطل هذا الفرع، وإن صحّ فهو صحيح.
ومنهم من فرّق بين قول الصحابيّ: إنّ كذا نسخ كذا، وبين نقله التاريخ، فقبل قوله في التصريح بالتاريخ، ولم يقبله في قوله: نسخ ذلك.1
ومنهم من قبل قوله في الأمرين.2
و الأولى على تسليم قبول أخبار الآحاد أن لا يرجع إلى قوله في أنّ كذا نسخ كذا، لأنّ ذلك قول صريح في ذكر مذهبه، وإنّما يثبت التاريخ تبعاً للمذهب، وإذا لم يجز عند الكلّ الرُّجوع في المذاهب إلى قوله، حتّى تثبت صحّتها، فكذلك في هذا الباب. ونقل التاريخ مخالف لذلك، لأنّه لا يتضمّن ذكر مذهب يصحّ فيه طريقة الاجتهاد، وكما لو قال في الشيء: إنّه محرّم; لا يعمل عليه، ولو قال: زمان تحريمه الزمان الفلاني; لعمل عليه، فكذلك القول فيما تقدّم ذكره.

1 . وهو قول القاضي عبد الجبار كما في المعتمد:1/418.
2 . حكاه أبو عبد اللّه البصري عن أبي الحسن الكرخي وفيه تفصيل، راجع: عدة الأُصول:2/557; المحصول:1/572.

صفحه 341

الباب السابع

الكلام في الأخبار

[وفيه عشرة فصول]

الفصل الأوّل:

في حدّ الخبر ومهمّ أحكامه

الواجب أن يحدّ الخبر بأنّه ما صحّ فيه الصدق أو الكذب، لأنّ حدّه بما يمضي في الكتب بأنّه ما صحّ فيه الصدق والكذب1 ينتقض بالأخبار الّتي لا تكون إلاّ صدقاً، كقولنا: إنّه تعالى محدث للعالم، أو عالم لنفسه، و: إنّ الجهل والكذب قبيحان. وينتقض ـ أيضاً ـ بما لا يكون إلاّ كذباً، كنحو قولنا: إنّ صانع العالم محدث، والكذب حسن.
وقد حدّه قوم بأنّه ما احتمل التصديق والتكذيب، فراراً من أن يقول في صادق وكاذب: إنّهما صدقا، أو كذّبا. وحدُّ الخبر بأنّه ما احتمل التصديق

1 . وهو مذهب الجبائيّين وأبي عبد اللّه البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم من المعتزلة. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/288.

صفحه 342
والتكذيب صحيح في نفسه، وجار مجرى ما اخترناه من الحدّ. والصحيح أنّ الخبر عن صادق وكاذب بأنّهما صدقا أو كذبا لا يكون إلاّ كذباً، لأنّ مخبره ليس على ما هو به.
والخبر إنّما يصير خبراً بقصد المخبر، لأنّ الكلام وإن تقدّمت المواضعة فيه فإنّما يتعلّق بما يفيده بالقصد، لأنّ قول القائل: «محمّدٌ رسول اللّه» لا يكون خبراً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ بالقصد.
وحكاية الخبر كلفظه، ولا تكون الحكاية خبراً لارتفاع القصد.
وإظهار كلمة الكفر عند الإكراه لا يكون خبراً، ولو كانت كذلك، لكانت كفراً، وإنّما أُبيح له إظهار كلمة الكفر تعريضاً لا إخباراً.
والخبر لا يخلو من صدق أو كذب، ولا واسطة بين الأمرين، لأنّ للخبر تعلُّقاً بالمخبر عنه، فلا يخلو المخبر عنه من أن يكون على ما تناوله الخبر، فيكون صدقاً، أو ليس على ما تناوله الخبر، فيكون كذباً. وإذا لم يكن بين النفي والإثبات واسطة في مخبر الخبر; فلا واسطة في الخبر بين الصدق والكذب.
وقول الجاحظ1 :«إنّه لا يكون كاذباً إلاّ من علم كونه كذلك» باطل، لأنّ العقلاء يصفون كلّ مخبر علموا أنّ مخبر خبره ليس على ما تناوله خبره بأنّه كاذب وإن لم يعلموا أنّه عالم بذلك، ولو كان العلم شرطاً، لوجبت مراعاته كما وجب مراعاة متناول الخبر. والمسلمون يصفون اليهود والنصارى بالكذب على اللّه، وإن

1 . وهو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي، أبو عثمان الشهير بالجاحظ، أديب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، ولد في البصرة سنة 163هـ وكان مشوّه الخلقة، فلج في آخر عمره، ومات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه وذلك سنة255هـ في البصرة. له تصانيف كثيرة، منها: الحيوان، البيان والتبيين، البخلاء، مسائل القرآن، فضيلة المعتزلة، وغيرها. الأعلام:5/74.

صفحه 343
كان أكثرهم لا يعلم أنّه كاذب، بل يعتقد أنّه صادق. ولو كان الأمر على ما ادّعاه الجاحظ; لوجب أن يكون قول أحدنا لغيره: «إنّه كاذب ولا يعلم بأنّه عالم بكذبه» مناقضة، وممّا لا يمكن أن يكون حقّاً، ومعلوم خلاف ذلك. والجاحظ بنى هذا على مذهبه في المعارف، وأنّها ضرورة، واعتقاده أنّ من لا يعرف فهو معذور، وكونه كاذباً يقتضي الذمّ، فلم يتّصف به إلاّ مع العلم، وقد بيّنّا في «الذخيرة»1 وغيرها بطلان هذا المذهب، ودللنا على أنّ المتمكّن من المعرفة يقوم مقامها في لحوق الذمّ واستحقاق العقاب.
والصدق من جنس الكذب، لأنّ السامع لا يفصل بينهما بالإدراك، ولو اختلفا في الجنس، لفصل بالإدراك بينهما.
ولم يكن الخبر خبراً لجنسه، ولا لصيغته، ولا لوجوده، بل لقصد المخبر إلى كونه خبراً، وكلُّ شيء دللنا به على أنّ الأمر لم يكن أمراً لشيء يرجع إلى أحوال الأمر ممّا قدّمنا ذكره مبسوطاً هو دلالة في الخبر، فلا معنى لإعادته.2

1 . الذخيرة في علم الكلام:343.
2 . راجع ص 58، الفصل الرابع: فيما به صار الأمر أمراً.

صفحه 344

الفصل الثاني:

في أنّ في الأخبار ما يحصل عنده العلم

اعلم أنّ أصحاب المقالات حكوا عن فرقة تعرف بالسُّمنيّة1 إنكار وقوع العلم عند شيء من الأخبار، وأنهم يقصرون العلم على الإدراك دون غيره.
والّذي يدلُّ على بطلان هذا المذهب أنّا نجد من سكون نفوسنا إلى اعتقاد وجود البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده عند المشاهدات، فمن تشكّك في أنّ ذلك علم يقين كمن تشكّك في الآخر، ومن ادّعى أنّه ظنٌّ قويٌّ كمن ادّعاه في الأمرين.
والأشبه ـ إن كانت هذه الحكاية حقّاً ـ أن يكون من خالف في ذلك إنّما خالف في الاسم دون المعنى، واشتبه عليه العلم بالظنّ، كما نقوله في السوفسطائيّة.2 وهذا القدر كاف.

1 . السمنية ـ بضم السين ـ قوم بالهند يعبدون الأوثان ويقولون بالتناسخ وينكرون حصول العلم بالاخبار، وأنّه لا معلوم إلاّ من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث، وكانوا يعتقدون بأنّ أعظم الأُمور التي لا تحل ولا يسع الإنسان أن يعتقدها ولا يفعلها قول:«لا» في الأُمور كلّها فإنّها من فعل الشيطان. المصباح المنير:4/238، ط .مصر; فهرست ابن النديم:408; المواقف للإيجي:1/130.
2 . وهم الذين ينكرون الحسيات والبديهيات وأنكروا القضايا العلمية، وتمرّدوا على جميع الحقائق وقالوا إنّها من نتاج الوهم والخيال. راجع: الرسالة السعدية للعلامة:41; المعجم الوسيط:1/433; المواقف:1/113.

صفحه 345

الفصل الثالث:

في أقسام الأخبار

اعلم أنّ الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أوّلها: يعلم أنّ مخبره على ما تناوله. وثانيها: يعلم أنّ مخبره ليس على ما تناوله . وثالثها: يتوقّف فيه.
وما يعلم أنّ مخبره على ما تناوله على ضربين: أحدهما يعلم ذلك من حاله باضطرار، ومثاله بغير خلاف خبر من أخبرنا بأنّ السماء فوقنا والأرض تحتنا، ومن أمثلتهم ـ على الخلاف الّذي فيه، وسنذكره ـ الإخبار عن البلدان الكبار والحوادث العظام. والآخر أن يعلم أنّ مخبره على ما تناوله باكتساب، كالخبر المتواتر وخبر اللّه ـ تعالى ـ وخبر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخبر الأُمّة بأجمعها. وقد ألحق قوم بهذا القسم لواحق سنتكلّم عليها، ونبيّن الصحيح منها من الفاسد إذا انتهينا إليها بمشيّة اللّه تعالى.
وأمّا الخبر الّذي يعلم أنّ مخبره ليس على ما تناوله، فينقسم إلى قسمين: أحدهما: يعلم ذلك من حاله باضطرار، والثاني يعلم باكتساب. وينقسم إلى أقسام سنذكرها إذا انتهينا إلى بابها بإذن اللّه تعالى.
وأمّا الخبر الّذي لا يعلم أنّ مخبره على ما تناوله، ولا أنّه على خلافه; فينقسم إلى قسمين: أحدهما يجب العمل به، والآخر لا يجب العمل به. والّذي يجب العمل به ينقسم إلى وجوب عقليّ بغير خلاف، كالأخبار المتعلّقة بالمنافع والمضارّ العقليّة، وإلى وجوب سمعيّ، ومثاله الشهادات بلا خلاف، وأخبار الآحاد الواردة بالأحكام الشرعيّة على الخلاف الذي سنذكره. وأمّا الضرب الثاني من

صفحه 346
الضربين الأوّلين، وهو الّذي لا يجب العمل به; فينقسم إلى قسمين: أحدهما يقتضي الردّ، والثاني يجب التوقُّف فيه من غير تكذيب ولا تصديق. وتفصيل ذلك يجيء في موضعه بمشيّة اللّه تعالى.

الفصل الرابع:

في صفة العلم الواقع عند الأخبار

اعلم أنّ الأخبار على ضربين: ضرب لا يحصل عنده علم، والضرب الآخر يحصل عنده العلم.
فأمّا الضرب الأوّل; فخارج عن هذا الفصل، لأنّ العلم إذا لم يحصل فلا كلام لنا في أنّه ضروريّ أو مكتسب.
وأمّا الضرب الثاني، وهو ما يحصل عنده العلم; ينقسم قسمين:
أحدهما يحصل العلم به لكلّ عاقل يسمع تلك الأخبار، ولا يقع منهم فيه شكٌّ، كأخبار البلدان والوقائع والحوادث الكبار.
والضـرب الـثّاني 1 لا يحصل العلم عنده إلاّ لمن نظر، واستدلّ ، وعلم أنّ المخبرين بصفة من لا يكذب، ومثاله الإخبار عن معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الخارجة عن القرآن، وما ترويه الإماميّة من النصّ الصريح على أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).
فأمّا القسم الأوّل; فذهب قوم إلى أنّ العلم الواقع عنده ضروريّ من فعل اللّه ـ تعالى ـ بالعادة، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم ومن تبعهما من المتكلّمين

1 . أي القسم الثاني من الضرب الثاني.

صفحه 347
والفقهاء.1
وذهب قوم آخرون إلى أنّ العلم بذلك مكتسب ليس بضروريّ، وهو مذهب أبي القاسم البلخي2 ومن وافقه.3
والّذي نصرته ـ و هو الأقوى في نفسي ـ في كتاب «الذخيرة» والكتاب «الشافي»4 التوقُّف عن القطع على صفة هذا العلم بأنّه ضروريٌّ أو مكتسب، وتجويز كونه على كلّ واحد من الوجهين.5
وإنّما قوي ذلك في نفوسنا، لأنّ العالم بهذه الأخبار يمكن أن يكون قد تقدّم له العلم على الجملة بصفة الجماعة الّتي قضت العادة بأنّه لا يجوز أن يتّفق منها الكذب، ولا أن تتواطأ عليه. وجائز أن يكون قد عرف ذلك وتصوّره، فلمّا أخبره عن البلدان والأمصار من وجده على تلك الصفة الممهّدة في نفسه، فعل اعتقاداً بصدق هذه الأخبار، وكان ذلك الاعتقاد علماً، لمطابقته للجملة المتقدّمة الممهَّدة في نفسه، ويكون هذا العلم كسباً له ـ لا محالة ـ غير ضروريّ.

1 . وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلّمين من الأشاعرة والمعتزلة، كأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:293، والرازي في المحصول:1/110، والغزّالي في المستصفى:1/252. ومن الإمامية العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:3/304.
2 . هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي، أبو القاسم البلخي الخراساني، أحد أئمّة المعتزلة وكان رأس طائفة منهم تسمّى الكعبية ، وله آراء ومقالات انفرد بها، أقام ببغداد مدة طويلة، ولد سنة 273هـ و توفّي في بلخ سنة 319هـ، له تصانيف ، منها: التفسير، السنّة، مقالات الإسلاميين، وأدب الجدل، وغيرها. الأعلام:4/65.
3 . وهو مذهب الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة، والدقاق من الشافعية. راجع المعتمد: 2/81; الإحكام للآمدي:2/208.
ومن الإمامية ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد في أوائل المقالات:89باب 73.
4 . الذخيرة في علم الكلام:345; الشافي في الإمامة:2/68 وما بعدها.
5 . وإليه ذهب الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/71، والآمدي في الإحكام:2/211.

صفحه 348
وليس لأحد أن يقول: إنّ إدخال التفصيل في الجملة إنّما يكون فيما له أصلٌ ضروريٌّ على سبيل الجملة، كمن علم أنّ من شأن الظُّلم أن يكون قبيحاً على سبيل الجملة، فإذا علم في ضرر بعينه أنّه ظلم; فعل اعتقاداً لقبحه، وكان علماً، لمطابقته الجملة المتقرّرة، وأنتم جعلتم الجملة مكتسبة، والتفصيل كذلك.
وذلك أنّه لا فرق بين أن تكون الجملة المتقرّرة معلومة ضرورة أو اكتساباً في جواز بناء التفصيل عليها، لأنّ من علم منّا باكتساب أنّ من صحّ منه الفعل يجب أن يكون قادراً، والقادر يجب أن يكون حيّاً على سبيل الجملة ،ثمّ علم في بعض الذوات صحّة الفعل، فلابدّ من أن يفعل اعتقاداً لأنّ تلك الذات قادرة، ويكون الاعتقاد علماً.
وكذلك إذا علم في ذات معيّنة أنّها قادرة، وقد تقدّمت الجملة الّتي ذكرناها، فلابدّ من أن يفعل اعتقاداً لكونها حيّة، ويكون هذا الاعتقاد علماً.
فلا فرق إذن في دخول التفصيل في الجملة بين الضروري والمكتسب ،وكما أنّ ما ذكرناه ممكن جائز، فممكن ـ أيضاً ـ أن يكون اللّه ـ تعالى ـ يفعل لنا العلم عند سماعنا الإخبار عن البلدان وما جرى مجراها بالعادة، وليس في العقل دليل على قطع بأحد الأمرين، فالشكّ في ذلك غير مخلّ بشيء من شروط التكليف.

[أدلّة من قطع بالضرورة والجواب عنها]

وقد تعلّق من قطع على الضرورة بوجوه:
أوّلها: أنّ العلم بمخبر هذه الأخبار لو كان مكتسباً لكان واقعاً عن تأمّل حال المخبرين، وبلوغهم إلى الحدّ الّذي لا يجوز أن يكذبوا وهم على ماهم عليه، وهذا يوجب أن يكون من لم يستدلّ على ذلك ممّن ليس هو من أهل الاستدلال والنظر من العامّة والمقلّدين لا يعلمون البلدان والحوادث الكبار، ومعلوم ضرورة

صفحه 349
الاشتراك في علم ذلك.
ومنها: أنّ حدّ العلم الضروريّ قائم في العلم بمخبر أخبار البلدان، لأنّا لا نتمكن من إزالة ذلك عن نفوسنا ولا الشكّ فيه، وهذا حدّ العلم الضروريّ.
ومنها: أنّ اعتقاد كون هذا العلم ضروريّاً صارف قويٌّ عن النظر فيه والاستدلال عليه، فكان يجب أن يكون كلُّ من اعتقد أنّ هذا العلم ضروريٌّ غير عالم بالبلدان والأمصار، لأنّ اعتقاده يصرفه عن النظر، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك.
فيقال لهم فيما تعلّقوا به أوّلاً: إنّ طريق اكتساب العلم بالفرق بين الجماعة الّتي لا يجوز أن تكذب في خبرها وبين من يجوز ذلك عليه قريب سهل لا يحتاج فيه إلى دقيق النظر ولطيف الاستدلال، وكلُّ عاقل يعرف بالعادات الفرق بين الجماعة الّتي تقضي العادات بامتناع الكذب عليها فيما ترويه وبين من ليس كذلك، والمنافع الدُّنيويّة من التجارات ووجوه التصرّفات مبنيّة على حصول هذا الفرق، لأنّه مستند إلى العادة، والتأمّل اليسير كاف فيه، والدواعي إلى حصوله قويّة، لاستناد المعاملات كلّها إليه فلا يجب في العامّة ومن ليس من أهل التدقيق أن لا يعلموا مخبر هذه الأخبار.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثانياً: غير مسلّم لكم ما حدّدتم به العلم الضروريّ، وما تنكرون أن يكون حدّه ما فعله فينا من هو أقدر منّا على وجه لا يتمكّن من دفعه، فلا ينبغي أن تجعلوا ما تفرّدتم به من الحدّ دليلاً على موضع الخلاف.
ويقال لهم فيما تعلّقوا به ثالثاً: إنّ العلم بالفرق بين صفة الجماعة الّتي لا يجوز عليها الكذب ويمتنع التواطؤ فيها للعقلاء كالملجئين عند كمال عقولهم وشدة حاجتهم إلى التفتيش والتصرّف إلى العلم بذلك لقوّة الدواعي إليه والبواعث

صفحه 350
عليه، وقد يحصل للعقلاء هذا العلم قبل أن يختصّ بعضهم بالاعتقاد الّذي ذكرتم أنّه صارف لهم، فإذن لا يجب خلوُّ مخالفينا من هذه العلوم على ما ادّعوه.
ويلزم على هذا الوجه أن لا يكون أبو القاسم البلخي عالماً بأنّ المحدثات تفتقر إلى محدث، لأنّه يعتقد أنّ العلم بذلك ضروريٌّ، واعتقاده هذا صارف له عن النظر، فيجب أن لا يكون عالماً بذلك ولا عارفاً باللّه ـ تعالى ـ ولا بشيء من صفاته، فأيُّ شيء قالوه في البلخيّ قلنا مثله فيما تعلّقوا به.

[فيما اختصّ به المصنّف من الشرط لحصول العلم الضروري]

فإن قيل: إذا جوّزتم أن يكون العلم بالبلدان وما جرى مجراها ضروريّاً; فهل تشترطون في وقوع هذا العلم الشُّروط الّتي شرطها أبو علي وأبو هاشم، أم تشترطون غيرها؟
قلنا: لابدّ من شرط نختصُّ نحن به، وهو أن يكون من أُخبر بالخبر الّذي فعل اللّه ـ تعالى ـ عنده العلم الضروريّ لم يسبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر، لأنّ هذا العلم إذا كان مستنداً إلى العادة وليس بموجب عن سبب، جاز في شروطه النُّقصان والزيادة بحسب ما يعلم اللّه ـ تعالى ـ من المصلحة.
وإنّما احتجنا إلى هذا الشرط لئلاّ يقال لنا: أيُّ فرق بين خبر البلدان والأخبار الواردة بمعجزات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى القرآن، كحنين الجذع 1 وانشقاق القمر 2

1 . راجع: سنن الدارمي:1/16; صحيح ابن حبان:14/435; كنز العمال:12/411برقم 35446; إعلام الورى بأعلام الهدى:76; كشف الغمة:1/24; بحار الأنوار:8/163 ح106، و ج17/327، و ج65/33 ح70.
2 . راجع: صحيح البخاري:4/186، باب علامات النبوة; و ص 243، باب انشقاق القمر; صحيح مسلم:8/133، باب انشقاق القمر; سنن الترمذي:3/322، باب ما جاء في انشقاق القمر; روضة الواعظين:63; بحار الأنوار:17/348ـ 350.

صفحه 351
وتسبيح الحصى1 وما أشبه ذلك؟!
وأيُّ فرق ـ أيضاً ـ بين أخبار البلدان وخبر النصّ الجليّ على أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الّذي تنفرد الإماميّة بنقله؟!
وألاّ أجزتم أن يكون العلم بذلك كلّه ضروريّاً كما أجزتموه في أخبار البلدان؟!
وغير ممتنع أن يكون السبق إلى الاعتقاد مانعاً من فعل العلم الضروريّ بالعادة، كما أنّ السبق إلى الاعتقاد بخلاف ما يولّده النظر عند أكثر مخالفينا مانع من توليد النظر للعلم، فإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب; فأولى أن يجوز فيما طريقه العادة.
وليس لأحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم لمن سبق إلى اعتقاد نفي المعلوم، ويفعل لمن لم يسبق. وكان يجب أن يكون العلم الضروريّ حاصلاً لجماعة المسلمين لما ذكرناه من المعجزات. وكان يجب ـ أيضاً ـ أن يكون الإماميّة عالمة بالنصّ ضرورة.
وذلك أنّه يمكن أن نقول: إنّ المعلوم في نفسه إذا كان من باب ما يمكن السبق إلى اعتقاد نفيه إمّا لشبهة أو تقليد; لم يجر اللّه العادة بفعل العلم الضروريّ به، وإن كان ممّا لا يجوز أن يدعو العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه، ولا يعترض شبهة في مثله، كالخبر عن البلدان; جاز أن يكون العلم به ضروريّاً وواقعاً عند الخبر بالعادة.
وليس لهم أن يقولوا: فأجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين للأخبار من سبق إلى اعتقاد منع بالعادة من فعل العلم الضروريّ له، وهذا يوجب أن تجوّزوا صدق من أخبركم بأنّه لا يعرف بعض البلدان الكبار والحوادث العظام

1 . راجع: مجمع الزوائد:8/298، باب تسبيح الحصى; فتح الباري:6/433.

صفحه 352
مع سماعه الأخبار وكمال عقله.
وذلك أنّا نعلم ضرورة أنّه لا داعي يدعو العقلاء إلى السبق إلى اعتقاد نفي بلد من البلدان، أو حادثة عظيمة من الحوادث، ولا شبهة تدخل في مثل ذلك، ففارق هذا الباب أخبار المعجزات والنصّ.
فأمّا القوم; فإنّهم شرطوا شروطاً ثلاثة:
أوّلها: أن يكون المخبرون أكثر من أربعة.
وثانيها: أن يكونوا عالمين بما أخبروا عنه ضرورة.
وثالثها: أن يكون ممّن إذا وقع العلم بخبر عدد منهم وقع بخبر كلّ عدد مثلهم.
واعتلّوا في اشتراطهم أن يكونوا أكثر من أربعة، بأن قالوا: لو وقع بخبر أربعة; لوجب وقوعه بخبر كلّ أربعة، فكان شهود الزنا إذا شهدوا به عند الحاكم، فلم يقع له العلم بما شهدوا به ضرورة، أن يعلم الحاكم أنّهم كذبوا أو بعضهم، أو أنّهم شهدوا بما لم يشاهدوه، وهذا يقتضي أن تردّ شهادتهم متى لم يكن مضطرّاً إلى صدقهم، والإجماع على خلاف ذلك.
ويمكن الطعن على هذه الطريقة بأن يقال: لفظ الشهادة وإن كان خبراً في المعنى، فهو يخالف لفظ الخبر الّذي ليس بشهادة، فألاّ جاز أن يجري اللّه ـ تعالى ـ العادة بفعل العلم الضروريّ عند الخبر الّذي ليس فيه لفظ الشهادة، ولا يفعله عند لفظ الشهادة، وإن كان الكلّ إخباراً، كما أنّه ـ تعالى ـ أجرى العادة عندهم بأن يفعله عند خبر من خبّر عن مشاهدة، ولا يفعله عند خبر من خبّر عن علم استدلاليّ، وإن كان الكلّ علوماً ويقيناً؟!
وأمّا الشرط الثاني من شروطهم; فدليله أنّ جماعة المسلمين يخبرون بأنّ اللّه ـ تعالى ـ واحد، وأنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول اللّه، ولا يضطرّ مخالفوهم من الملحدة

صفحه 353
والبراهمة1 واليهود إلى صدقهم، وإن اضطرّوا إلى العلم بما يخبرون به من البلدان وما أشبهها.
ودليلهم على الشرط الثالث أنّه لو لم يكن ذلك معتبراً ; لجاز أن يكون في الناس من يخبره الجماعة الكثيرة عن مشاهدة ولا يعلم مخبرهم، وتجويز ذلك يقتضي أن يصدّق من خبّرنا عن نفسه بأنّه لا يعلم أنّ في الدنيا بلداً يعرف بمصر وما جرى مجراها.

[شبهة البلخي والرد عليها]

وأمّا البلخيّ; فإنّه يتعلّق في نصرة مذهبه بأن يقول: لا يجوز أن يقع العلم الضروريّ بما ليس بمدرك، ومخبر الإخبار عن البلدان أمر غائب عن إدراك من لم يشاهد ذلك، فلا يجوز أن يكون ضروريّاً، لأنّه لو جاز أن يكون العلم بالغائب عن الحواسّ ضروريّاً; جاز أن يكون العلم بالمحسوس مستدلاً عليه.
وربما تعلّق في ذلك بأنّ العلم بمخبر الأخبار إنّما يحصل بعد تأمّل أحوال المخبرين بها وصفاتهم، فدلّ ذلك على أنّه مكتسب.
فيقال له في شبهته الأُولى: لم زعمت أنّ العلم بالغائب عن الحسّ لا يكون ضروريّاً؟! أوَ ليس اللّه ـ تعالى ـ قادراً على فعل العلم بالغائب عن الحسّ مع

1 . البراهمة والبرهمانية نسبة إلى رجل اسمه برهمان أو برهام، ومن أُصول هذه الطائفة نفي النبوات واستحالتها في العقول والامتناع عن أكل اللحوم طيلة العمر أو مدة معينة حسب اختلاف فرقهم، وبالجملة لهذه الطائفة مقالات سخيفة ورياضات شاقّة بدنية وروحية وتفرّقوا أصنافاً، فمنهم أصحاب البددة أو البدة، ومنهم أصحاب الفكرة، ومنهم أصحاب التناسخ. راجع الملل والنحل للشهرستاني:2/250; كشف المراد:154، تعليق السبحاني; شرح إحقاق الحق: 1/368.

صفحه 354
غيبته؟! فما المنكر من أن يفعله بمجرى العادة عند إخبار جماعة مخصوصة؟!
وليس له أن يدّعي أنّ ذلك ليس في مقدوره، كما يقول: إنّ العلم بذاته لا يوصف بالقدرة عليه، لأنّه يذهب إلى أنّ العلم بالمدركات قد يكون من فعل اللّه ـ تعالى ـ على بعض الوجوه، وليس يفعل العلم بذلك إلاّ وهو في مقدوره، وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى ، لأنّه لا يصحّ وقوعه منه على وجه من الوجوه.
و ـ على هذا ـ أيُّ فرق بين أن يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه، وبين أن يفعل هذا العلم بعينه عند بعض الأخبار عنه؟! وإنّما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلاً عليه، لأنّه معلوم ضرورة للكامل العقل، ولا يصحّ أن يستدلّ وينظر فيما يعلمه ضرورة لأنّ من شرط صحّة النظر ارتفاع العلم بالمنظور فيه.
وأمّا الشُّبهة الثانية، فبعيدة عن الصواب، لأنّها مبنيّة على دعوى، ومن هذا الّذي يسلّم له من خصومه أنّ العلم بمخبر الإخبار عن البلدن وما جرى مجراها يقع عقيب التأمّل لصفات المخبرين؟!أو ليس خصومه من أصحاب الضرورة يقولون: إنّه يقع من غير تصحيح شيء من التأمّل لأحوال المخبرين، وإنّه إنّما يعلم أحوال المخبرين بعد حصول العلم الضروريّ بما خبّروا عنه؟!

[في شروط ما يحصل عنده العلم بتأمّل ونظر]

وأمّا القسم الثاني وهو ما يحصل عنده العلم بتأمّل ونظر; فلابدّ فيه من بيان صفة المخبرين الّذين يجب عند النظر في خبرهم العلم على جهة الاستدلال وله شروط ثلاثة:
أوّلها: أن يبلغ المخبرون إلى حدّ في الكثرة لا يجوز في العادة أن يتّفق منها الكذب عن المخبر.

صفحه 355
وثانيها: أن يعلم أنّهم لم يجمعهم على الكذب جامع، كالتواطؤ أو ما جرى مجراه.
وثالثها: أن يعلم أنّ اللّبس والشُّبهة فيما أخبروا عنه زائلان.
هذا إذا كانت الجماعة تخبر عن المخبر بلا واسطة، وإن كانت هناك واسطة; وجب اعتبار هذه الشُّروط الّتي ذكرناها في جميع الوسائط الّتي بينهم وبين المخبر عنه.
وتأثير هذه الشُّروط الّتي ذكرناها في العلم بصحّة الخبر واضح:
أمّا الشرط الأوّل فمن حيث كنّا متى لم نعلم أنّ الجماعة قد بلغت من الكثرة إلى الحدّ الّذي لا يجوز معه اتّفاق الكذب منها عن المخبر الواحد، لم نأمن أن يكون كذبت اتّفاقاً، كما يجوز ذلك في الواحد والاثنين.
وأمّا الشرط الثاني فإنّا متى لم نعلم أنّ التواطؤ وما حلّ محلّه مرتفع، جوّزنا أن يكون التواطؤ وما جرى مجراه هو الجامع لها على الكذب.
وأمّا الشرط الثالث، فمن المعلوم أنّ الشُّبهة قد تدعو إلى الكذب، وتجمع الجماعات عليه، كإخبار الخلق الكثير من المبطلين عن مذاهبهم الباطلة لأجل الشُّبهة الداخلة عليهم، وقامت هاهنا الشُّبهة مقام التواطؤ في الجمع على الكذب، ولا فصل فيما اشترطنا فيه ارتفاع الشُّبهة واللّبس بين أن يكون المخبر عنه مشاهداً أو غير مشاهد في صحّة دخول الشُّبهة فيه، لأنّ اليهود والنصارى مع كثرتهم نقلوا صلب المسيح(عليه السلام)لما التبس عليهم، فظنّوا أنّ الشخص الّذي رأوه مصلوباً هو المسيح(عليه السلام) .
وقيل: إنّ سبب دخول الشُّبهة هو أنّ المصلوب قد تتغيّر خلقته، وتتنكّر صورته. ولأنّ بعد المصلوب عن العين يقتضي اشتباهه بغيره.

صفحه 356

[ في اشتراط ثبوت الشرائط في جميع الطبقات]