welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 6*
نویسنده :العلامة المجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 6

صفحه 1
   …
   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
6

صفحه 2
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN : 978 - 964 - 357 - 574 - 8 (VOL.6)
ISBN : 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      مندرجات ج 6. الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، والأحكام.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 923    تسلسل الطبعة الأُولى: 448
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
طبع على نفقة الوجيه الحاج أبي ياسر
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?37745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على الكتب التالية:
الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة،
الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، وكتاب الأحكام
الجزء السادس
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN : 978 - 964 - 357 - 574 - 8 (VOL.6)
ISBN : 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      مندرجات ج 6. الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، والأحكام.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 923    تسلسل الطبعة الأُولى: 448
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?37745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف

الحمد لله الّذي لم يُشهد أحداً حين فطر السماوات والأرض، ولا اتّخذ معيناً حين برأ النسمات; وصلى الله على محمد وآل محمد الكهف الحصين وغياث المضطرّ المستكين وملجأ الهاربين، وعصمة المعتصمين.
أمّا بعد ; فهذا هو الجزء السادس والأخير من موسوعة «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» لشيخ الإسلام العلاّمة محمد باقر المجلسي (قدس سره)ويشتمل على أبواب الفقه والمعاملات والأحكام .
أمّا ما يتعلّق بالفقه فقد ابتدأ بكتاب الطهارة; ثم كتاب الصلاة وقد قدّم فيه بحوثاً قيّمة مفصّلة، منها: ما كتبه في باب أوقات الصلاة في تحقيق منتصف الليل ومنتهاه ومفتتح النهار شرعاً وعرفاً ولغة، ومنها بحثه حول صلاة الجمعة وفضلها وشرفها ووجوبها في زمن الغيبة وأقوال الفقهاء في المسألة، وفي نهاية البحث أعطى رأيه بوجوب صلاة الجمعة على الأعيان في جميع الأزمان.
ويشتمل أيضاً على الكتب التالية: القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة وبعض ما يتعلّق بها كالصدقة والأنفال، الصوم وأحكامه وآدابه وما يتعلّق به كالاعتكاف، الحج وأحكامه، الجهاد وما يتعلّق به من المرابطة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب المزار وآداب الزيارة وأحكام الروضات المقدّسة.
وأمّا ما يتعلّق بالمعاملات فتناولها ضمن كتاب العقود والإيقاعات وهو يشتمل على أبواب: المكاسب، والتجارات والبيوع، والوصايا، والنكاح وما يتعلّق به، وأحكام الأولاد، والطلاق وأحكامه وأقسامه، والعتق والتدبير والمكاتبة، والأيمان والنذور وأحكامهما.
وأمّا ما يتعلّق بكتاب الأحكام فهو يشتمل على أبواب القضايا والأحكام،

صفحه 8
والشهادات وما يناسبها، والميراث، والجنايات وأحكام القصاص.
ويلاحظ على هذا الجزء خلوّه من التفسير ما عدا كتاب الطهارة والصلاة كما أشرنا إليه، وهذا يرجع إلى وفاة العلاّمة المجلسي قبل خروج كتاب العشرة (الجزء 71) فقام بعده تلميذه الميرزا عبدالله أفندي بجمع المسودّات وأخراجها إلى البياض والظاهر أنّ المسودّات كانت إلى نهاية كتاب الصلاة، وأمّا ما بعده فالمنيّة لم تمهل العلاّمة المجلسي لكتابة تفسيره وتعليقاته على الآيات على غرار الأجزاء السابقة، فجاءت الأبواب خالية من التفسير ; ولسدّ هذا الفراغ قمنا بتفسير بعض الآيات وكتابة بعض التعليقات الضرورية من تفسيرنا «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» إتماماً للفائدة، نرجو أن تقع موقع القبول.
وفي الختام أتقدّم بالشكر والامتنان إلى كلّ مَن ساهم في العمل بهذه الموسوعة راجياً المولى القدير التوفيق والسداد للجميع.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
5 جمادى الأُولى 1437 هـ
مولد عقيلة بني هاشم الحوراء زينب (عليها السلام)

صفحه 9
كتاب الطهارة

 

أبواب المياه وأحكامها


صفحه 10

صفحه 11

[الباب الأوّل]

طهورية الماء1

الآيات:

البقرة(2):(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).222.
الأنفال(8):(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).11.
التوبة(9):(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).108.
الفرقان(25):(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).48.

التفسير:

الآية الأُولى تدلُّ على رجحان التطهّر، وأظهر أفراده التطهّر بالماء; ويؤيّده ما رواه الصّدوق رضي الله عنه في «الفقيه» قال: كان النّاس يستنجون بالأحجار فأكل رجل من الأنصار طعاماً فلان بطنه فاستنجى بالماء، فأنزل الله سبحانه:(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فخشي أن يكون قد نزل فيه أمر يسوؤه، فلمّا دخل قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هل عملت في يومك هذا شيئاً؟ قال: نعم يا رسول الله أكلت طعاماً فلان بطني فاستنجيت بالماء، فقال له: أبشر، فإنّ الله تعالى قد أنزل فيك الآية.2

1 . بحار الأنوار:77/2ـ7، الباب1
2 . وسائل الشيعة:1، الباب34 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث3.

صفحه 12
والمشهور بين المفسّرين أنّ المراد التَّوّاب من الذُّنوب والمتطهّر منها مطلقاً، أو التَّوّاب من الكبائر والمتطهّر من الصّغائر، أو التَّوّاب من الذُّنوب والمتطهّر من الأقذار، وسيأتي بعض القول فيها.
وأمّا الآية الثانية فالمراد من السّماء إمّا السّحاب، فإنّ كلّ ما علا يطلق عليه السّماء لغة، ولذا يسمّون سقف البيت سماء، وربّما يقال: إنّ المراد بإنزاله من السّماء أنّه حصل من أسباب سماويّة وتصعّد أجزاء رطبة من أعماق الأرض إلى الجوّ فينعقد سحاباً ماطراً، وقد مرّ القول فيه في كتاب السماء والعالم.
ثمّ المشهور في سبب نزولها أنّها نزلت في بدر بسبب أنّ الكفّار سبقوا المسلمين إلى الماء فاضطرّ المسلمون ونزلوا إلى تلّ من رمل سيّال لا تثبت فيه أقدامهم، وأكثرهم خائفون لقلّتهم وكثرة الكفّار، فباتوا تلك اللّيلة على غير ماء فاحتلم أكثرهم، فتمثّل لهم إبليس وقال: تزعمون أنّكم على الحقّ وأنتم تصلّون بالجنابة وعلى غير وضوء، وقد ا شتدّ عطشكم، ولو كنتم على الحقّ ما سبقوكم إلى الماء، وإذا أضعفكم العطش قتلوكم كيف شاءوا، فأنزل الله عليهم المطر وزالت تلك العلل، وقويت قلوبهم، ونزلت الآية.
فتدلُّ ظاهراً على تطهير ماء المطر للحدث والخبث، ولعلّ المراد بتطهير الله إيّاهم توفيقهم للطّهارة، وقيل: الحكم به بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر، والمراد بقوله: (لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) الطهارة من النجاسة الحكمية ـ أعني: الجنابة والحدث الأصغر ـ أو منها ومن العينيّة أيضاً كالمني.
ويراد برجز الشيطان إمّا الجنابة فإنّها من فعله، وإمّا وسوسته لهم، والربط على القلوب يراد به تشجيعها وتقويتها ووثوقها بلطف الله بهم، وقيل: إنّ هذا المعنى هو المراد أيضاً بتثبيت أقدامهم.
وبالجملة الآية تدلُّ على تطهير ماء المطر للحدث والخبث في الجملة، وأمّا

صفحه 13
الاستدلال بها على مطهّريّة الماء مطلقاً فلا يخلو من إشكال.
وأمّا الآية الثالثة فتدلُّ في الجملة على مدح التطهّر من الأقذار لا سيّما بالماء. وقد روي عن الباقر والصّادق(عليهما السلام) أنّها نزلت في أهل قُبا لجمعهم في الاستنجاء عن الغائط بين الأحجار والماء.1 وروي لاستنجائهم بالماء.
وقيل: ربّما دلّت على استحباب المبالغة في الاجتناب من النجاسات، ولا يبعد فهم استحباب النورة وأمثالها، بل استحباب الكون على الطهارة وتأييد لدلائل الأغسال المستحبّة، واستحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرّمات والمكروهات، والاجتناب عن محالّ الشّبهات، وكلّ ما فيه نوع خسّة ودناءة، والحرص على الطاعات والحسنات، فإنّهنّ يذهبن السّيئات، فإنّ الطّهارة إن كان لها شرعاً حقيقة فهي رافع الحدث أو المبيح للصّلاة، وهنا ليست مستعملة فيه اتّفاقاً فلم يبق إلاّ معناها اللغوي العرفي أي النزاهة والنظافة، وهي تعمّ الكلّ.2انتهى.
وأكثر ما ذكر لا يخلو من مناقشة كما لا يخفى.
وأمّا الآية الرّابعة فاستدلّ بها على طهارة مطلق الماء ومطهّريّته، وأُورد عليه بأنّه ليس في الكلام ما يدلُّ على العموم، وإنّما يدلُّ على أنّ الماء من السماء مطهّر، وبأنّ الطهور مبالغة في الطاهر، ولا يدلُّ على كونه مطهّراً بوجه.
وأُجيب عن الأوّل بأنّ ذكره تعالى ماء مبهماً غير معيّن ووصفه بالطهوريّة والامتنان على العباد به، لا يناسب حكمته تعالى ولا فائدة في هذا الإخبار ولا امتنان فيه، فالمراد كلُّ ماء يكون من السماء، وقد دلّت آيات أُخر على أنّ كلَّ المياه من السّماء نحو قوله تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا

1 . عوالي اللآلي:2/12، ح24.
2 . القائل هو المولى محمد إبراهيم الاسترآبادي في «آيات الأحكام»:62.

صفحه 14
عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ)1.
وقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ).2
وعن الثاني بأنّ كثيراً من أهل اللّغة فسّر الطهور بالطاهر في نفسه المطهّر لغيره، والشيخ في «التهذيب» أسنده إلى لغة العرب3، ويؤيّده شيوع استعماله في هذا المعنى في كثير من الأخبار الخاصّية والعامّية، كقول النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً»4 ولو أراد الطاهر لم يثبت المزيّة، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتته»5 ولو لم يرد كونه مطهّراً لم يستتمّ الجواب، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً».6
وقال بعضهم: الطهور بالفتح من الأسماء المتعدّية، وهو المطهّر غيره، وأيّده بعضهم بأنّه يقال: ماء طهور ولا يقال: ثوب طهور، ويؤيّد كون الطهور في الآية بمعنى المطهّر موافقتها للآية الثانية.
واحتجّ عليه الشيخ 7 بأنّه لا خلاف بين أهل النحو في أنّ اسم فعول موضوع للمبالغة وتكرّر الصفة، ألاترى أنّهم يقولون: فلان ضارب، ثمّ يقولون

1 . المؤمنون:18.
2 . الزمر:21.
3 . تهذيب الأحكام:1/214، باب المياه وأحكامها.
4 . وسائل الشيعة: 5، الباب1 من أبواب مكان المصلّي، الحديث5.
5 . وسائل الشيعة: 1، الباب2 من أبواب الماء المطلق، الحديث4.
6 . راجع: سنن الدارمي:1/188، باب ولوغ الكلب; سنن ابن ماجة:1/130; سنن النسائي:1/177; مستدرك الوسائل:2/603 برقم 2852 و2853، الباب 45 من أبواب النجاسات.
7 . تهذيب الأحكام:1/214ـ215.

صفحه 15
ضروب إذا تكرّر ذلك منه وكثر، قال: وإذا كان كون الماء طاهراً ليس ممّا يتكرّر ويتزايد فينبغي في إطلاق الطهور عليه غير ذلك، وليس بعد ذلك إلاّ أنّه مطهّر، وفيه ما لا يخفى. وقيل: الطهور هنا اسم آلة بمعنى ما يتطهّر به كالوضوء لما يتوضّأ به، والوقود لما يتوقّد به، بقرينة أنّ الامتنان بها أتمّ حينئذ.
قال في «الكشّاف»: «طهوراً» بليغاً في طهارته، وعن أحمد بن يحيى: هو ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً، ويعضده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)1، وإلاّ فليس فعول من التفعيل في شيء، والطّهور في العربيّة على وجهين: صفة، واسم غير صفة: فالصفة ماء طهور، كقولك طاهر، والاسم كقولك لما يتطهّر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضّأ به ويتوقّد به النار، وقولهم: تطهّرت طهوراً حسناً كقولك وضوءاً حسناً; ذكره سيبويه، ومنه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا صلاة إلاّ بطهور» أي بطهارة.(2) انتهى.
واعترضه النيشابوري بأنّه حيث سلّم أنّ الطّهور في العربيّة على وجهين اندفع النزاع، لأنّ كون الماء ممّا يتطهّر به هو كونه مطهّراً لغيره، فكأنّه سبحانه قال: وأنزلنا من السّماء ماء هو آلة الطهارة، ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه، قال: وممّا يؤكّد هذا التفسير أنّه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، وظاهر أنّ المطهّر أكمل من الطّهارة.2 انتهى.3
والحقّ أنّ المناقشة في كون الطّهور بمعنى المطهّر، وإن صحّت نظراً إلى قياس اللّغة، لكن تتبّع الروايات واستعمالات البلغاء يورث ظناً قوياً بأنّ الطّهور

1 . الأنفال:11.   2 . تفسير الكشّاف :3/95.
2 . تفسير النيشابوري المطبوع في هامش تفسير الطبري:19/19.
3 . راجع: مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام للجواد الكاظمي:1/90; آيات الأحكام للاسترآبادي: 65.

صفحه 16
في إطلاقاتهم المراد به المطهّر، إمّا لكونه صفة بهذا المعنى أو اسماً لما يتطهّر به، وعلى التقديرين يثبت المرام.

أبواب الأسآر وبيان أقسام النجاسات وأحكامها

[الباب الثاني]

أسآر الكفّار وبيان نجاستهم وحكم ما لاقوه1

الآيات:

المائدة(5):(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).5.
التوبة(9):(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).28.
وقال تعالى:(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ).95.

التفسير:

ربّما يستدلّ بالآية الأُولى على طهارة أهل الكتاب وحلّ ذبائحهم.
وروي عن الصّادق(عليه السلام) أنّه مخصوص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية.2 وقيل: المعنى: أنّ طعامهم من حيث إنّه طعامهم ليس حراماً عليكم، فلا ينافي تحريمه من جهة كونه مغصوباً أو نجساً أو غير مذكّى، وسيأتي تمام القول فيه.

1 . بحار الأنوار:77/42ـ45، الباب1.
2 . راجع الكافي:6/263، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم.

صفحه 17
وأمّا الآية الثانية فأكثر علمائنا على أنّ المراد بالمشركين ما يعمّ عبّاد الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى، فإنّهم مشركون أيضاً لقوله تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) إلى قوله:(سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)1. والنّجس بالتحريك مصدر ووقوع المصدر خبراً عن ذي جثّة إمّا بتقدير مضاف، أو بتأويله بالمشتق، أو هو باق على المصدريّة من غير إضمار طلباً للمبالغة، والحصر للمبالغة، والقصر إضافيّ من قصر الموصوف على الصفة، نحو: إنّما زيد شاعر، وهو قصر قلب، أي ليس المشركون طاهرين كما يعتقدون بل هم نجس.
واختلف المفسّرون في المراد بالنجس هنا فالّذي عليه علماؤنا هو أنّ المراد به النجاسة الشرعيّة، وأنّ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وهو المنقول عن ابن عبّاس، وقيل: المراد خبث باطنهم وسوء اعتقادهم، وقيل: نجاستهم لأنّهم لا يتطهّرون من الجنابة ولا يجتنبون النجاسات.
وقد أطبق علماؤنا على نجاسة من عدا اليهود والنصارى من أصناف الكفّار، وقال أكثرهم بنجاسة هذين الصنفين أيضاً، والمخالف في ذلك ابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد في المسائل الغريّة.2

1 . التوبة:30 و 31. ولا يخفى أنّ الاستشهاد بها في غير محلّه، فإنّ قولهم في أوصاف الباري وسائر صفاته من الأُبوّة وبنوّة المسيح وعزير وشركهم فيها غير كونهم مسمّين بالمشركين مع أنّ القرآن يعدّ المشركين صنفاً على حدة قبال أهل الكتاب في غير آية من الآيات كما في سورة البيّنة:(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)إلخ، وكما في سورة الحج:17:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى وَالَْمجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)إلخ.
2 . لاحظ : مسالك الأفهام: 12 / 86 ; الحدائق الناضرة: 5 / 162 ; جواهر الكلام: 6 / 42 .

صفحه 18
واختلف في المراد بقوله تعالى: (فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) فقيل: المراد منعهم من الحجّ، وقيل: منعهم من دخول الحرم. وقيل: من دخول المسجد الحرام خاصّة، وأصحابنا على منعهم من دخوله ودخول كلّ مسجد، وإن لم تتعدّ نجاستهم إليه. والمراد بعامهم سنة تسع من الهجرة وهي السنة الّتي بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها أمير المؤمنين(عليه السلام) لأخذ سورة براءة من أبي بكر وقراءتها على أهل الموسم فقرأها عليهم.
وفي الثالثة: فسّر الرِّجس أيضاً بالنجس، ولعلّ النجاسة المعنويّة هنا أظهر.

[الباب الثالث]

نجاسة الخمر وسائر المسكرات والصلاة في ثوب أصابته1

الآيات:

المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).90.

التفسير:

المشهور أنّ الخمر موضوع للمسكر المأخوذ من عصير العنب بحسب اللّغة.
وروي عن ابن عباس المراد به جميع الأشربة المسكرة2; ويدلُّ عليه كثير من أخبار أهل البيت(عليهم السلام).

1 . بحار الأنوار:77/93ـ96، الباب 4 من أبواب النجاسات.
2 . مجمع البيان:3/410.

صفحه 19
والميسر: القمار، والأنصاب: أحجار أصنام كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها، والأزلام هي القداح الّتي كانوا يستقسمون بها. وسيأتي تفاصيل تلك الأُمور في محالّها.
وقال في القاموس: الرّجس بالكسر القذر والمأثم، وكلُّ ما استقذر من العمل، والعمل المؤدّي إلى العذاب1.(مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) لأنّه نشأ من تسويله وتزيينه، وهو صفة أو خبر آخر (فَاجْتَنِبُوهُ): أي ما ذكر، أو تعاطيها، أو الرجس، أو عمل الشيطان، أو كلّ واحد منها(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بسبب الاجتناب.
ثمّ اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب نجاسة الخمر، وسائر المسكرات المائعة، بل نسب إلى أكثر أهل العلم حتّى حكي عن المرتضى (رضي الله عنه)أنّه قال: لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلاّ ما يُحكى عن شذّاذ لا اعتبار بقولهم.2
وعن الشيخ(رحمه الله) أنّه قال: الخمر نجسة بلا خلاف.3
وقال العلاّمة في «المختلف»: الخمر وكلُّ مسكر والفقّاع والعصير إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس، ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد، والشيخ أبي جعفر، والسيد المرتضى وسلاّر وابن إدريس.4
وقال ابن أبي عقيل: مَن أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما; لأنّ الله تعالى إنّما حرّمهما تعبّداً لا لأنّهما نجسان.5

1 . القاموس المحيط:2/219، مادة «رجس».
2 . الناصريات:95.
3 . المبسوط:1/36.
4 . مختلف الشيعة:1/469.
5 . حياة ابن أبي عقيل العماني:98.

صفحه 20
وقال الصدوق في «المقنع» و «الفقيه»: لا بأس بالصّلاة في ثوب أصابه خمر; لأنّ الله تعالى حرّم شربها ولم يحرِّم الصلاة في ثوب أصابته.1
وعزي في «الذّكرى» إلى الجعفي وفاق الصدوق وابن أبي عقيل.2
واستدلّ القائلون بالنجاسة بعد الإجماع بالآية بوجهين: أحدهما: أنّ الوصف بالرجاسة وصف بالنجاسة، لترادفهما في الدلالة، والثاني: أنّه أمر بالاجتناب وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بجميع الأنواع; لأنّ معنى اجتنابها كونه في جانب غير جانبها، فيستلزم المنع من أكله وملاقاته، وتطهير المحلّ بإزالته، ولا معنى للنجس إلاّ ذلك، ذكرهما المحقّق والعلاّمة.3

[الباب الرابع]

ما اختلفت الأخبار والأقوال في نجاسته4

الآيات:

الحديد(57):(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).25.

التفسير:

(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قيل: أي أنشأناه وأحدثناه. وقيل: أي هيّأنا من النزل وهو ما يتهيّأ للضّيف، وعن ابن عبّاس: أنّه أُنزل مع آدم من الحديد العلاة وهي السندان، والكلبتان، والمطرقة: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ): أي يمتنع به ويحارب به

1 . المقنع:453; من لا يحضره الفقيه: 1 / 74، باب: الثوب أصابه خمر.
2 . ذكرى الشيعة:1/114.
3 . المعتبر: 1 / 96 ; منتهى المطلب: 3 / 214، باب الخمر.
4 . بحار الأنوار:77/113ـ 114، الباب 7 من أبواب النجاسات.

صفحه 21
(وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) يعني ما ينتفعون به في معاشهم، مثل السكّين والفأس والإبرة وغيرها ممّا يتّخذ من الحديد من الآلات، وفيه دلالة على طهارته إذ أكثر انتفاعاته موقوفة عليها.

[الباب الخامس]

وجوب الوضوء وكيفيته وأحكامه1

الآيات:

المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).6.
الواقعة(56):(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).77ـ79.

التفسير:

قيل: إقباله جلّ شأنه بالخطاب بهذا الأمر يتضمّن تنشيط المخاطبين والاعتناء بشأن المأمور به، وجبر كلفة التكليف بلذّة المخاطبة، ثمّ إن قلنا باختصاص كلمة «يا» بنداء البعيد كما هو الأشهر، فالنداء بها للبعد البعيد بين مقامي عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة، أو لتنزيل المخاطبين ولو تغليباً منزلة البعداء للانهماك في لوازم البشريّة، وإن كان سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، أو لما يتضمّنه هذا النداء من تفخيم المخاطب به، والإشارة إلى رفعة شأنه بالإيماء إلى أنّنا بمراحل عن توفية حقّه، وحقّ ما شرع لأجله.

1 . بحار الأنوار:77/239ـ 257، الباب 3 من أبواب الوضوء.

صفحه 22
ولفظة «أيّ» لمّا كانت وصلة إلى نداء أمثال هذه المعارف، أُعطيت حكم المنادى، ووصفت بالمقصود بالنداء، وتوسيط هاء التنبيه بينهما تعويض عمّا استحقّه من المضاف إليه، وتأكيد للخطاب، وقد كثر النداء بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)في القرآن المجيد، لما فيه من وجوه التأكيد بالإيماء إلى التفخيم، وتكرار الذكر والإبهام أوّلاً ثمّ الإيضاح ثانياً.
والإتيان بحرف التنبيه وتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلّيّة الباعث على الترغيب في الامتثال، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين، لأنّهم هم المتهيّؤن للامتثال، وإلاّ فالكفّار عندنا مخاطبون بفروع العبادات، على أنّ المصرَّ على عدم الائتمار بالشيء لا يحسن أمره بما هو من شروطه ومقدّماته.
والقيام إلى الصلاة قيل: أُريد به إرادته والتوجّه إليه إطلاقاً للملزوم على لازمه، أو المسبّب على سببه، إذ فعل المختار تلزمه الإرادة، ويتسبّب عنها كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ)1. وقيل: المراد بالقيام إليها قصدها، والعلاقة ما مرّ من اللزوم أو السببية. وقيل: معنى القيام إلى الشيء قصده وصرف الهمّة إلى الإتيان به، فلا تجوّز، وقيل: المراد القيام المنتهي إلى الصلاة.
قال الشيخ البهائي(قدس سره): والقولان الأخيران وإن سلما عن التجوّز لكن أوّلهما لم يثبت في اللّغة، وثانيهما لا يعمّ جميع الحالات، فالمعتمد الأوّل وكيف كان، فالمعنى إذا قمتم محدثين، وأمّا ما نقل من أنّ الوضوء كان فرضاً على كلّ قائم إلى الصلاة وإن كان على وضوء ثمّ نسخ بالسنّة فلم يثبت عندنا، مع أنّه خلاف ما هو المشهور من أنّه لا منسوخ في المائدة.
وقال جماعة من الأصحاب: الوجه مأخوذ من المواجهة فالآية إنّما تدلّ على وجوب غسل ما يواجه به منه، وقال والدي(قدس سره): بل الأمر بالعكس، فإنّ

1 . النحل:98.

صفحه 23
المواجهة مشتقّة من الوجه.
ولمّا كانت اليد تطلق على ما تحت الزند، وعلى ما تحت المرفق، وما تحت المنكب، بيّن سبحانه غاية المغسول منها كما تقول لغلامك: اخضب يدك إلى الزند، وللصيقل: اصقل سيفي إلى القبضة، وليس في الآية الكريمة دلالة على ابتداء الغسل بالأصابع وانتهائه بالمرفق، كما أنّه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخاضب والصيقل بأصابع اليد وطرف السيف، فهي مجملة.
ولا سيّما إذا جعلت لفظة «إلى» فيها بمعنى «مع»، كما في بعض التفاسير، فالاستدلال بها على وجوب الابتداء بالأصابع استدلال واه لاحتمالها كلا الأمرين، ونحن إنّما عرفنا وجوب الابتداء بالمرفق من فعل أئمّتنا(عليهم السلام).1
والمرافق جمع مرفق بكسر أوّله وفتح ثالثه، أو بالعكس، وهو مجمع عظمي الذراع والعضد سمّي بذلك لأنّه يرتفق به في الاتّكاء ونحوه، ولا دلالة في الآية على إدخاله في غسل اليد، ولا على إدخال الكعب في مسح الرِّجل ; لخروج الغاية تارة ودخولها أُخرى، ومجيء «إلى» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)2، وقوله:(مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(3) لا ينفع، فنحن إنّما
استفدنا إدخال المرفق في الغسل من فعل أئمّتنا(عليهم السلام)3، وقد أطبق جماهير الأُمّة أيضاً على دخوله، ولا يخالف فيه إلاّ شرذمة شاذّة من العامّة لا يعتدُّ بهم.
وأمّا الكعبان فالمشهور بين علمائنا عدم دخولهما في المسح، وليس في

1 . مشرق الشمسين:280ـ 281.
2 . هود:52.   3 . آل عمران:52، الصف:14.
3 . لا يدلّ فعل أئمتنا عليهم الصلاة والسلام على دخول المرفق في المغسول فإنّ اللازم إرسال الماء من أعلى المغسول; ولا يمكن ذلك، إلاّ بإرسال الماء من أعلى المرفق ومسحه باليد إلى الأسفل، فغسل المرفق في الوضوءات البيانية من باب المقدّمية كغسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل.

صفحه 24
رواياتنا تصريح بدخولهما فيه، بل في بعضها إشعار بعدمه، وأمّا العامّة فقد أدخلوهما في الغسل، والباء في قوله: (بِرُؤُوسِكُمْ) حملها العامّة على مطلق الإلصاق، ومن ثمّ أوجب بعضهم مسح كلّ الرأس، واكتفى بعضهم ببعضه; وأمّا عند الإماميّة فالباء عندهم للتبعيض كما تدلّ عليه أخبارهم ولا يلتفت إلى إنكار بعض المخالفين مجيء الباء للتبعيض، لاعتراف فحول علمائهم بمجيئه كالفيروزآباديّ وهو من أفاخم اللّغويّين الّذين يعتمدون عليهم في جلّ أحكامهم، حيث قال في سياق معاني الباء: وللتبعيض (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ)1، (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)انتهى.(2)
وقال ابن هشام في ترجمة الباء: الحادية عشر للتبعيض أثبت ذلك الأصمعيّ والفارسي، والقتيبيُّ، وابن مالك، قيل: والكوفيّون، وجعلوا منه (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ)، وقوله: شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت...2 وقوله:... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج.3
قيل: ومنه: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ). انتهى.4
ويكفي لنا ما صدر عن أئمّتنا(عليهم السلام) في ذلك فإنّهم أفصح العرب قد أقرّ به المخالف والمؤالف من أهل اللّسان، فلا يلتفت إلى إنكار سيبويه بعد ذلك مجيء الباء في كلام العرب للتبعيض في سبعة عشر موضعاً من كتابه مع أنّ شهادته في ذلك شهادة نفي وهي غير مقبولة، بل شهادة المدّعي وهي غير مسموعة، مع أنّها معارضة بإصرار الأصمعيّ على مجيئها له في نظمهم ونثرهم، وهو أشدُّ أُنساً

1 . الإنسان: 6.   2 . القاموس المحيط:4/408، آخر الكتاب.
2 . صدر بيت وبعده كما في المصدر: متى لجج خضر لهن نئيج.
3 . عجز بيت وصدره كما في المصدر: فلثمت فاها آخذاً بقرونها.
4 . راجع: مغني اللبيب:1/105، ط مصر; لكنّه قال بعد ذلك، والظاهر أنّ الباء فيها للإلصاق، وقد مرّ الكلام فيه.

صفحه 25
بكلامهم، وأعرف بمقاصدهم من سيبويه المعاند للحقّ وأهله.
ووافق ابن جنّي سيبويه في ذلك، وما ذكر بعض مشايخنا من عدّ قول ابن جنّي موافقاً لمذهب ابن مالك فهو سهو، لتصريح الرضيّ بما ذكرنا.
وأمّا قوله سبحانه:(وَأَرْجُلَكُمْ) فالقرّاء السبعة قد اقتسموا قراءتي نصب الأرجل وجرّها على التناصف، فقرأ: الكسائي ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم بنصبها، وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بجرّها.
واختلفت الأُمّة في مسح الرِّجلين وغسلهما في الوضوء، فقال فرقة بالمسح وهم كافّة أصحابنا الإماميّة، ونقل الشيخ في «التهذيب» أنّ جماعة من العامّة يوافقوننا على المسح أيضاً إلاّ أنّهم يقولون باستيعاب القدم ظهراً وبطناً; ومن القائلين بالمسح ابن عبّاس، وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، مَن باهلني باهلته. ووافقه أنس بن مالك وعكرمة والشعبي وجماعة من التابعين، وقد نقل علماء العامّة من المفسّرين وغيرهم أنّه موافق لقول الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)وقول آبائه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.
وقال طائفة بالغسل، وهو مذهب أصحاب المذاهب الأربعة; وقال داود والناصر للحقّ وجمٌّ غفير من الزيديّة بالجمع بين الغسل والمسح، قالوا: قد ورد الكتاب بالمسح، والسنّة بالغسل، فوجب العمل بهما معاً; وذهب الحسن البصري وأبو علي الجبائيّ ومحمّد بن جرير الطبريّ إلى التخيير بينهما.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الماسحين حملوا قراءة النصب على العطف على محلّ الرؤوس كما تقول: مررت بزيد وعمراً بالعطف على محلّ زيد; لأنّه مفعول به1، والعطف على المحلّ شائع في كلام العرب، مقبول عند النحاة; وأمّا قراءة

1 . وليس بصحيح، فإنّ مررت لازم لا يتعدى إلى زيد ولا إلى عمرو إلاّ بالباء الذي هو للتعدية والإلصاق، ولا يصحّ نصب «عمراً» إلاّ بالعطف على المحل، وأمّا المسح فهو متعد بنفسه من دون آلة، ويصحّ أن يقال: «امسحوا أرجلكم» فلو كان النصب صحيحاً لزم اضمار عامل آخر، وإلاّ للزم عطف المنصوب على المجرور، ولو كان العامل مقدراً لم ينهض قرينة على أنّه هو «اغسلوا» أو هو «امسحوا» فإنّ إضمار العامل يستلزم كون الكلام مقطوعاً عمّا قبله كما في قراءة الرفع، فاحتمال الغسل والمسح يكون على سواء وهو التعمية عند البيان.

صفحه 26
الجرّ فلا حاجة لهم إلى توجيهها إذ ظهورها في المسح غنيٌّ عن البيان .
والغاسلون حملوا قراءة النصب على عطف الأرجل على الوجوه أو على إضمار عامل آخر تقديره: «واغسلوا أرجلكم» كما أضمروا العامل في قول الشاعر:«علّفتها تبناً وماء بارداً» وقوله: «متقلّداً سيفاً ورمحاً».
واضطربوا في توجيه قراءة الجرّ فقال بعضهم: إنّ الأرجل فيها معطوفة على الأيدي، وإنّما جُرَّت لمجاورة المجرور ـ أعني: الرؤوس ـ نحو قولهم: «جُحر ضبٍّ خرب».
وقال آخرون: هي معطوفة على الرؤوس والآية مقصورة على الوضوء الّذي يمسح فيه الخفّان، وليس المراد بها بيان كيفيّة مطلق الوضوء.
ولم يرتض الزمخشريّ في «الكشّاف» شيئاً من الوجهين، واخترع وجهاً آخر حيث قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجرّ ودخول الأرجل في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكانت مظنّة للإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها، وقيل: «إلى الكعبين» فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة; لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة. انتهى.1
وأمّا الجامعون بين الغسل والمسح فهم يوافقون الإماميّة في استفادة المسح

1 . تفسير الكشّاف: 1/597.

صفحه 27
من الآية على كلّ من القراءتين; وأمّا المخيّرون فرئيسهم ـ أعني: الحسن ـ لم يقرأ بنصب الأرجل ولا بجرّها، وإنّما قرأها بالرفع على تقدير: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، وباقيهم وافقوا الإماميّة على ما استفادوه من الآية.
ومن وفّقه الله لسلوك جادَّة الإنصاف، ومجانبة جانب الاعتساف، لا يعتريه ريب في أنّ الآية الكريمة ظاهرة في المسح، شديدة البعد عن إفادة الغسل، وأنّ ما تمحّله الغاسلون في توجيه قراءة النصب من عطف الأرجل على الوجوه يوجب خروج الكلام عن حلية الانتظام، لصيرورته بذلك من قبيل قول القائل «ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً» بجعل (بكراً) معطوفاً على زيد لقصد الإعلام بأنّه مضروب لا مكرم، ولا يخفى أنّ مثل هذا الكلام في غاية الاستهجان عند أهل اللسان، فكيف يجنح إليه أو تحمل الآية عليه؟!
وأمّا ما تكلّفوه من تقدير «واغسلوا» فلا يخفى ما فيه، فإنّ التقدير خلاف الأصل، وإنّما يحسن ارتكابه عند عدم المندوحة عنه، وقد عرفت أنّ العطف على المحلّ طريق واضح، ومذهب راجح.
وأمّا المحملان اللّذان حملوا عليهما قراءة الجرّ، فهما بمراحل عن جادّة السّداد، أمّا الحمل على أنّ المراد تعليم مسح الخفّين، فلا يخفى ما فيه من البعد، ولهذا أعرض عنه المحقّقون من المفسّرين إذ لم يجر للخفّين ذكر، ولا دلّت عليهما قرينة، وليس الغالب بين العرب لبسهما، وسيّما أهل مكّة والمدينة زادهما الله شرفاً، فكيف يقتصر سبحانه في ابتداء كيفيّة الوضوء على تعليم كيفيّة وضوء لابس الخفّين فقط، ويترك وضوء من سواه، وهو الغالب الأهمّ؟!
وأمّا الحمل على جرّ الجوار، فأوّل ما فيه أنّ جرّ الجوار ضعيف جداً حتّى أنّ أكثر أهل العربيّة أنكروه، ولم يعوِّلوا عليه، ولهذا لم يذكره صاحب الكشّاف في توجيه قراءة الجرّ وتمحّل لها وجهاً آخر.

صفحه 28
وأيضاً فإنّ المجوّزين له إنّما جوّزوه بشرطين: الأوّل عدم تأديته إلى الالتباس على السامع، كما في المثال المشهور إذ الخرب إنّما يوصف به الجحر لا الضبّ، والثاني أن لا يكون معه حرف العطف، والشرطان مفقودان في الآية الكريمة، أمّا الأوّل فلأنّ تجويز جرّ الجوار هنا يؤدّي إلى التباس حكم الأرجل لتكافؤ احتمالي جرّها بالجوار المقتضي لغسلها، وبالعطف على الأقرب المقتضي لمسحها.
فإن قلت: إنّما يجيء اللبس لو لم تكن في الآية قرينة على أنّها مغسولة لكن تحديدها بالغاية قرينة على غسلها، إذ المناسب عطف ذي الغاية على ذي الغاية لا على عديمها، وتناسب المتعاطفين أمر مرغوب فيه في فنّ البلاغة.
قلت: هذه القرينة معارضة بقرينة أُخرى، دالّة على كونها ممسوحة، وهي المحافظة على تناسب الجملتين المتعاطفتين فإنّه سبحانه لمّا عطف في الجملة الأُولى ذا الغاية على غير ذي الغاية، ناسب أن يكون العطف في الجملة الثانية أيضاً على هذه الوتيرة، وعند تعارض القرينتين يبقى اللّبس بحاله.
وأمّا الشرط الثاني فأمره ظاهر.
فإن قلت: قد جاء الجرّ بالجوار في قوله تعالى:(وَحُورٌ عِينٌ)1 في قراءة حمزة والكسائي مع أنّ حرف العطف هناك موجود، وليست معطوفة على «أكواب» بل على «ولدان» لأنّهنّ طائفات بأنفسهنّ، وجاء أيضاً في قول الشاعر:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل *** إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
بعطف خاطب على راحل، وجرّه بجوار قيس.

1 . الواقعة: 17 ـ 23 والآيات هكذا:(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).

صفحه 29
قلنا: أمّا الآية الكريمة فليس جر (حُورٌ عِينٌ) فيها بالجوار، كما ظننت بل إنّما هو بالعطف على (جَنَّاتِ): أي هم في جنّات ومصاحبة حور عين; أو على أكواب إمّا لأنّ معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب): ينعّمون بأكواب، كما في «الكشّاف» وغيره، أو لأنّه يطاف بالحور عليهم مثل ما يجاء بسراري الملوك إليهم كما في تفسير الكواشي وغيره، ودعوى كونّهنّ طائفات بأنفسهنّ لا مطافاً بهنّ لم يثبت بها رواية، ولا يشهد بها دراية.
وأمّا البيت فبعد تسليم كونه من قصيدة مجرورة القوافي1 فلا نسلّم كون لفظة خاطب اسم الفاعل; لجواز كونها فعل أمر أي فخاطبني وأجبني عن سؤالي، وإن سلّمنا ذلك فلا نسلّم كونها مجرورة لكثرة الإقواء في شعر العرب العرباء حتّى قلَّ أن يوجد لهم قصيدة سالمة عنه، كما نصّ عليه الأُدباء، فلعلّ هذا منه; وإن سلّمنا كونها مجرورة بالجوار، فلا يلزم من وقوع جرّ الجوار مع العطف في الشعر جوازه في غيره  [ إذ يجوز في الشعر لضرورة الوزن أو القافية ما لا يجوز في غيره].2
وأمّا المحمل الثالث الّذي تمحّله صاحب الكشّاف، فلا يخفى ما فيه من التعسّف الشديد، والتمحّل البعيد ومن ذا الّذي قال بوجوب الاقتصاد في غسل الرجلين؟ وأيّ إسراف يحصل بصبّ الماء عليها؟ ومتى ينتقل المخاطبون بعد عطفها على الرؤوس الممسوحة وجعلها معمولة لفعل المسح إلى أنّ المراد غسلها غسلاً يسيراً مشابهاً للمسح؟ وهل هذا إلاّ مثل أن يقول القائل: أكرمت زيداً وعمراً وأهنت خالداً وبكراً، فهل يفهم أهل اللسان من كلامه هذا إلاّ أنّه أكرم الأوّلين

1 . حيث نسب إلى جرير ولم يثبت; ونقل الجصاص في أحكام القرآن:2/434 أن بعده:
فنل مثلها في مثلهم أو فلمهم   على دارمي بين ليلى وغالب
2 . زيادة من المخطوطة ساقطة من طبعة الكمباني.

صفحه 30
وأهان الآخرين؟ ولو قال لهم: إنّي لم أقصد من عطف بكر على خالد أنّي أهنته، وإنّما قصدت أنّي أكرمته إكراماً حقيراً قريباً من الإهانة لأكثروا ملامه، وزيّفوا كلامه، وحكموا بأنّه خارج عن أُسلوب كلام الفصحاء.
وأمّا التأييد الّذي ذكره فهو أعجب وأغرب، لأنّه إن أراد أنّ مطلق المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، ولم ترد به الآية الكريمة، فهو عين المتنازع بين فرق الإسلام، وإن أراد أنّ مسح الرأس لم تضرب له غاية فأين القرينة حينئذ على أنّ الأرجل مغسولة.
وأعجب من ذلك أنّه لشدّة اضطرابه قد ناقض نفسه في كلامين ليس بينهما إلاّ أسطر قلائل، حيث قال عند قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم: لهؤلاء على وجه الوجوب، ولهؤلاء على وجه الندب؟
قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية، ثمّ إنّه حمل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) على ما هو أشدُّ إلغازاً وأكثر تعمية من أكثر الألغاز والمعمّيات، وجوّز تناول الكلمة لمعنيين مختلفين، إذ المسح من حيث وروده [على الرؤوس يراد به المسح الحقيقيّ ومن حيث وروده]1 على الأرجل يراد به الغسل القريب من المسح، وما حمله على هذا التعسّف مع غاية فضله إلاّ التعصّب، أعاذنا الله منه.

فائدة

قيل: إنّ الظاهر من الآية الكريمة وجوب الوضوء على كلّ مَن قام إلى الصلاة حتّى المتطهّرين أيضاً لدلالة كلمة (إذا) على العموم عرفاً، مع أنّ حمله

1 . ما بين العلامتين ساقط عن طبعة الكمباني.

صفحه 31
هاهنا على الإهمال يجعل الكلام خالياً عن الفائدة المعتدّ بها، وهو لا يناسب كلام الحكيم، لكنّ الإجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط.
قال في «المنتهى»: إذا توضّأ لنافلة جاز أن يصلّي بها فريضة، وكذا يصلّي بوضوء واحد ما شاء من الصّلوات، وهو مذهب أهل العلم، خلافاً للظاهريّة.1انتهى.
فقال بعضهم: إنّ الحكم كان في الابتداء كذلك، وكان الوضوء واجباً عند كلّ صلاة على المتطهّر والمحدث، لكن قد نسخ، وضعّف باتّفاق الجمهور على أنّ الآية ثابتة لا نسخ فيها، وما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها2 وعدم ظهور ناسخ، واعتبار الحدث في التيمّم الّذي هو بدل منه في الآية.
وقال بعضهم: إنّ الأمر للندب لأنّ تجديد الوضوء عند كلّ صلاة مستحبّ. كما يشهد به الأخبار، وضعّف أيضاً بأنّه غير موافق لقرينه الّذي هو «فاطّهّروا» لأنّه للوجوب قطعاً وبأنّ الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتّة، إلاّ أن يقال: الاستحباب ينسحب إلى العموم والشّمول، وفيه بعد.
وقيل بحمله على الرّجحان المطلق، ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضّئين، والوجوب بالنسبة إلى المحدثين; وفيه أيضاً لزوم عدم الموافقة، ولزوم عموم المجاز، أو الاشتراك الّذي هو إمّا غير جائز أو بعيد جدّاً، فالأولى أن يقال: إنّ الآية مخصّصة بالمحدثين، لا بأن يكون المراد من الّذين آمنوا: المحدثين، بل بإبقائه

1 . منتهى المطلب:2/133، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1413هـ .
2 . راجع كتاب القرآن من البحار:92/273ـ 274 من هذه الطبعة; ورواه في الدر المنثور:2/252. وقال الرازي في تفسيره: أجمع المفسّرون على أنّ هذه السورة لا منسوخ فيها; إلاّ قوله تعالى:(لا تحلوا شعائر الله). تفسير الرازي:11/163.

صفحه 32
على العموم، وتقدير إن كنتم محدثين في نظم الكلام.
فيصير المعنى حينئذ: يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فإن كنتم محدثين بالحدث الأصغر فتوضّؤا، وإن كنتم جنباً فاغتسلوا، وإن لم تقدروا على الماء وكنتم محدثين بالحدث الأصغر أو الأكبر فتيمّموا، فيوافق القرائن ويطابق النظائر.
هذا بالنظر إلى ظاهر الآية مع قطع النظر عن الخبر، وقد مرّ في الخبر أنّ المراد بالقيام القيام من النوم فلا إشكال، فيكون وجوب الوضوء بغير حدث النوم مستفاداً من الأخبار، كما أنّ وجوب الغسل بغير الجنابة مستفاد من محلّ آخر، وأهل البيت أدرى بما نزل عليهم من غيرهم.1
وأمّا الآية الثانية: فقوله تعالى:(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) جواب للقسم في قوله سبحانه:(فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) ومعنى كونه كريماً أنّه كثير النفع، لتضمّنه أُصول العلوم المهمّة من أحوال المبدأ والمعاد، واشتماله على ما فيه صلاح معاش العباد، أو لأنّه يوجب عظيم الأجر لتاليه ومستمعه، والعامل بأحكامه، أو أنّه جليل القدر بين الكتب السماويّة لامتيازه عنها بأنّه معجز باق على ممرّ الدهور والأعصار.
وقوله: (فِي كِتَاب مَكْنُون): أي مصون، وهو اللّوح المحفوظ، وقيل: هو المصحف الّذي بأيدينا، والضمير في (لاَ يَمَسُّهُ) يمكن عوده إلى القرآن، وإلى الكتاب المكنون، على كلّ من تفسيريه، واستدلّ بالأوّل على منع المحدث من مسّ خطّ المصحف، وبثاني شقّي الثاني على المنع من مسّ ورقه، بل لجلده أيضاً. فأمّا مسّ خطّ المصحف فقال الشيخ في «المبسوط» بكراهته2، ونسب

1 . مشارق الشموس للمحقق الخوانساري ( المتوفّى 1099هـ): 10.
2 . المبسوط:1/23.

صفحه 33
العلاّمة في «المختلف» القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البرّاج أيضاً.1وحرّمه الشيخ في التهذيب و«الخلاف»، وبه قال أبو الصلاح والمحقّق والعلاّمة، وهو الظاهر من كلام الصدوق في «الفقيه».2
واحتجّ القائلون بالتحريم بهذه الآية وقالوا: إنّ قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّهُ)لا يمكن أن يكون محمولاً على الخبريّة والنفي، وإلاّ يلزم الكذب، فلابدّ من حمله على الإنشاء والنهي، وظاهر النهي التحريم، وأُورد عليه بأنّه موقوف على إرجاع الضمير إلى القرآن وهو ممنوع، لجواز رجوعه إلى الكتاب كما جوّزه بعض المفسّرين، بل هو أقرب، لقربه، ويكون المعنى: أنّه لا يطّلع على الكتاب المكنون ـ أي المستور المصون إمّا عن الناس أو عن التغيير والتبديل، أو الغلط أو التضييع، والمراد به اللّوح المحفوظ كما قاله المفسّرون ـ (إِلاَّ)الملائكة (الْمُطَهَّرُونَ) من الكدورات الجسمانيّة، وأدناس المعاصي.
وقد يضعّف هذا الاحتمال بوجوه: أحدها: أنّ قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّهُ)حينئذ يكون تأكيد المكنون، والتأسيس أولى، وبما ذكر من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر الجواب عنه.
وثانيها: أنّ سياق الكلام لإظهار شرف القرآن وفضيلته لا اللّوح.
وفيه: أنّ ثبوته في اللّوح الّذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون شرف وفضيلة له، ألاترى إلى قوله عزّ وجلّ:(فِي كِتَاب مَكْنُون) فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفاً وفضيلة فهذا أيضاً شرف وفضل بالطريق الأولى، وإن لم يكن ذلك شرفاً فقد بطل مبنى الاعتراض، من أنّ سياق الكلام لإظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى.

1 . راجع: مختلف الشيعة: 1/303; المهذب:1/34.
2 . تهذيب الأحكام:1/126; الخلاف:1/99، المسألة 46، كتاب الطهارة; الكافي في الفقه:126; المعتبر:1/175; تذكرة الفقهاء:1/134; من لا يحضره الفقيه:1/87، ح191، أحكام الجنب.

صفحه 34
وثالثها: أنّ قوله تعالى بعد هذه الآية متّصلاً بها(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)صفة للقرآن لا الكتاب لأنّه المنزل دونه، وقوله سبحانه: (كَريمٌ)و(فِي كِتَاب مَكْنُون) أيضاً صفة له، فينبغي أن يكون (لاَ يَمَسُّهُ) أيضاً صفة له، وإلاّ لم يحسن التوسيط.
وفيه: أنّه إذا كان(لاَ يَمَسُّهُ) صفة لمكنون، يكون من جملة متعلّقات الصفة الثانية ومتمّماتها، فكأنّ مجموع هذا الكلام صفة واحدة، فلا يكون توسيطاً مخلاًّ بحسن الكلام وبلاغته، ألا ترى إلى توسيط مكنون مع أنّه صفة للكتاب.
ورابعها: أنّه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المسّ، وهو ظاهر، وكذا في المطهّر لأنّ الطهارة حقيقة شرعيّة في الوضوء وهو خلاف الأصل.
وفيه: أنّا لا نسلّم أنّ الحمل على الحقيقة مطلقاً أولى من الحمل على المجاز، ألا ترى أنّ علماء البلاغة أطبقوا على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة، وأيضاً ثبوت الحقائق الشرعيّة ممنوع، ومع تسليمه لا نسلّم أنّ حقيقة الطهارة الوضوء، بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث، ولا شكّ في تحقّق هذا المعنى في الملائكة، وأيضاً ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الإنشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذين المجازين، إلاّ أن يقال إنّه مجاز واحد، وهذان مجازان.
ثمّ على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول: إنّ دلالتها على المطلوب أيضاً غير تامّ، إذ يجوز أن يكون اتّصافه بأنّه (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)باعتبار أصله الّذي في اللّوح كما أنّ اتّصافه بـ(فِي كِتَاب مَكْنُون)أيضاً كذلك.
وأيضاً يجوز أن يكون المراد ـ والله أعلم ـ أنّه لا يعلم حقائقه ودقائقه وبطونه وأسراره إلاّ المطهّرون من الذنوب، وهم أصحاب العصمة(عليهم السلام)الّذين نزلت فيهم آية التطهير، وعن ابن جنيد: المطهّرون أسرارهم عمّا سوى الله.

صفحه 35
وفي بعض التفاسير عن محمّد بن الفضل: المراد لا يقرأ القرآن، إلاّ موحّد، وعن الحسين بن الفضل: لا يعلم تفسيره وتأويله إلاّ المطهّرون من الكفر والنفاق.
وأمّا حديث لزوم مجازيّة المسّ والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه، على أنّه على تقدير حمل المسّ على حقيقته، وثبوت الحقائق الشرعيّة، وحمل الطهارة على حقيقتها، لا نسلّم أنّ الطهارة حقيقة شرعاً في رفع الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كلّ حدث، وكذا في رفع الخبث أيضاً فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهّرين المطهّرين من الحدث الأكبر أو النجاسة.
ثمّ لو سلّم أنّ المراد الطهارة من الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، فلا نسلّم أنّ النهي هاهنا للتحريم، وما يقال: إنّ ظاهر النهي التحريم، فعلى تقدير تسليمه إنّما يسلّم فيما يكون بصريح صيغة النهي فقط، لا فيما يكون نفياً مستعملاً بمعنى النهي أيضاً، والقول بأنّ التحريم أقرب المجازات إلى النفي، ممنوع.
نعم روى الشيخ في «التهذيب» بسند فيه جهالة عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:«المصحف لا تمسّه على غير طهر، ولا جنباً، ولا تمسّ خيطه ولا تعلّقه إنّ الله يقول: (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)».1 لكن ظاهر الرواية الكراهة، لاشتماله على النهي عن التعليق، وقد نقل في «المنتهى»2 الإجماع على عدم حرمته، وأمّا مسّ الجلد والورق للمحدث، فلم أر قائلاً فيه بالحرمة، نعم استحبّوا الوضوء لحمل المصحف، وسيأتي حكم الجنب في بابه إن شاء الله تعالى.3

1 . تهذيب الأحكام:1/127، ح344.
2 . منتهى المطلب:2/153.
3 . راجع: مشرق الشموس:11ـ 12.

صفحه 36
 
[الباب السادس]

وجوب غسل الجنابة وعلله وكيفيته وأحكام الجنب1

الآيات:

النساء(4):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا).43.
المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا).6.

التفسير:

في النهي عن الشيء بالنهي عن القرب منه مبالغة في الاحتراز عنه، كما قال سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)2، (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى).(3) واختلف المفسّرون في تأويل الآية على وجوه:
الأوّل: أنّ المراد بالصلاة مواضعها ـ أعني: المساجد ـ كما روي عن أئمّتنا(عليهم السلام) فهو إمّا من قبيل تسمية المحلّ باسم الحال، فإنّه مجاز شائع في كلام البلغاء أو على حذف مضاف، أي مواضع الصلاة. والمعنى ـ والله أعلم ـ : لا تقربوا المساجد في حالتين: إحداهما: حالة السكر، فإنّ الأغلب أنّ الّذي يأتي المسجد

1 . بحار الأنوار:78/33ـ40، الباب 3 من أبواب الأغسال وأحكامها.
2 . الأنعام:152.   3 . الإسراء:32.

صفحه 37
إنّما يأتيه للصلاة، وهي مشتملة على أذكار وأقوال يمنع السكر من الإتيان بها على وجهها; والحالة الثانية: حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة ما إذا كنتم عابري سبيل، أي مارّين في المسجد، ومجتازين فيه، والعبور الاجتياز، والسبيل الطريق.
الثاني: ما نقله بعض المفسّرين عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير، وربّما رواه بعضهم عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو أنّ المراد ـ والله أعلم ـ : لا تصلّوا في حالين: حال السُّكر وحالة الجنابة، واستثنى من حال الجنابة ما إذا كنتم عابري سبيل أي مسافرين غير واجدين للماء، كما هو الغالب من حال المسافرين، فيجوز لكم حينئذ الصلاة بالتيمّم الّذي لا يرتفع به الحدث، وإنّما يباح به الدُّخول في الصلاة.
قال الشيخ البهائي قدّس الله روحه: عمل أصحابنا رضي الله عنهم على التفسير الأوّل، فإنّه هو المرويُّ عن أصحاب العصمة، صلوات الله عليهم، وأمّا رواية التفسير الثاني عن أمير المؤمنين(عليه السلام) فلم تثبت عندنا، وأيضاً فهو [غير] سالم من شائبة التكرار فإنّه سبحانه بيّن حكم الجنب العادم للماء في آخر الآية حيث قال جلّ شأنه:(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فإنّ قوله سبحانه: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) كناية عن الجماع، كما روي عن أئمّتنا سلام الله عليهم، وليس المراد به مطلق اللّمس كما يقول الشافعيّ، ولا الّذي بشهوة كما يقوله مالك.1
الثالث: ما ذكره بعض فضلاء فنّ العربية من أصحابنا الإماميّة رضي الله عنهم في كتاب ألّفه في الصناعات البديعيّة وهو أن تكون الصلاة في قوله: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ) على معناه الحقيقي، ويراد بها عند قوله تعالى: (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل) مواضعها ـ أعني: المساجد ـ وهذا النوع من الاستخدام غير مشهور بين المتأخّرين من علماء المعاني، وإنّما المشهور منه نوعان: الأوّل: أن يراد بلفظ له

1 . مشرق الشمسين:308.

صفحه 38
معنيان أحدهما، ثمّ يراد بالضمير الراجع إليه معناه الآخر. والثاني: أن يراد بأحد الضميرين الراجعين إلى لفظ أحد معنييه، وبالآخر المعنى الآخر.
قال الشيخ البهائي(رحمه الله): عدم اشتهار هذا النوع بين المتأخّرين غير ضارّ، فإنّ صاحب هذا الكلام من أعلام علماء المعاني، ولا مشاحّة في الاصطلاح.1
ثمّ إنّ المفسّرين اختلفوا في السُّكر الّذي اشتملت عليه الآية، فقال بعضهم:المراد سكر النعاس، فإنّ الناعس لا يعلم ما يقول: وقد سمع من العرب سكر السِنة، والظاهر أنّه مجاز، وقال الأكثرون: إنّ المراد به سكر الخمر، كما نقل أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً لجماعة من الصحابة قبل نزول تحريم الخمر، فأكلوا وشربوا، فلمّا ثملوا دخل وقت المغرب، فقدّموا أحدهم ليصلّي بهم فقرأ «أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» فنزلت الآية، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، فإذا صلّوا العشاء شربوا فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السُّكر.
والواو في قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ سُكَارى) واو الحال، والجملة حاليّة من فاعل (تَقْرَبُوا) ، والمراد نهيهم عن أن يكونوا في وقت الاشتغال بالصلاة سكارى، بأن لا يشربوا في وقت يؤدّي إلى تلبّسهم بالصلاة حال سكرهم، وليس الخطاب

1 . مشرق الشمسين:309. لكنّه قد ذهب على هذا القائل أنّ في الاستخدام نوع ألغاز وتعمية لا يعرفه إلاّ الخواص من البيانيّين، وهو ينافي توجه الخطاب إلى عموم المؤمنين في حكم تكليفي عملي، فكيف بهذا النوع من الاستخدام الذي لم يذكر فيه اللفظ ثانياً ولا ضميره، فهو ألغاز في ألغاز وتعمية في تعمية.
على أنّ صدر الآية يتضمّن حكم الصلاة نفسها وهو قوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى)وهكذا ذيل الآية: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر) إلخ كما في آية المائدة:6، بعينه فكيف يتضمّن ما بينهما حكم مواضع الصلاة، من دون ذكر لها، ولا ضرورة تلجئ إلى ذلك.

صفحه 39
متوجّهاً إليهم حال سكرهم إذ السَّكران غير متأهّل لهذا الخطاب، و (حَتَّى) في قوله سبحانه: (حَتَّى تَعْلَمُوا) يحتمل أن تكون تعليليّة كما في: أسلمت حتّى أدخل الجنّة، وأن تكون بمعنى «إلى أن» كما في: أسير حتّى تغيب الشمس، وأمّا الّتي في قوله جلّ شأنه:(حَتَّى تَغْتَسِلُوا)فبمعنى «إلى أن» لا غير.
وقيل: دلّت الآية على بطلان صلاة السكران، لاقتضاء النهي في العبادة الفساد ويمكن أن يستنبط منها منع السكران من دخول المسجد، ولعلّ في قوله جلّ شأنه: (تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) نوع إشعار بأنّه ينبغي للمصلّي أن يعلم ما يقوله في الصلاة، ويتدبّر في معاني ما يقرأه ويأتي به من الأدعية والأذكار.
والجنب يستوي فيه المفرد والجمع والمذكّر والمؤنث، وهو لغة بمعنى البعيد، وشرعاً البعيد عن أحكام الطاهرين لغيبوبة الحشفة في الفرج، أو لخروج المنيّ يقظة أو نوماً، ونصبه على العطف على الجملة الحاليّة، والاستثناء من عامّة أحوال المخاطبين. والمعنى على التفسير الأوّل الّذي عليه أصحابنا: لا تدخلوا المساجد وأنتم على جنابة في حال من الأحوال، إلاّ حال اجتيازكم فيها من باب إلى باب: وعلى الثاني: لا تصلّوا وأنتم على جنابة في حال من الأحوال إلاّ حال كونكم مسافرين.
وما تضمّنته الآية على التفسير الأوّل من إطلاق جواز اجتياز الجنب في المساجد مقيّد عند علمائنا بماعدا المسجدين كما سيأتي، وعند بعض المخالفين غير مقيّد بذلك، وبعضهم كأبي حنيفة لا يجوّز اجتيازه في شيء من المساجد أصلاً إلاّ إذا كان الماء في المسجد.
وكما دلّت الآية على جواز اجتياز الجنب في المسجد، فقد دلّت على عدم جواز مكثه فيه، ولا خلاف فيه بين علمائنا، إلاّ من سلاّر، فإنّه جعل مكث الجنب في المسجد مكروهاً.

صفحه 40
وقد استنبط فخر المحقّقين1 قدّس الله روحه من هذه الآية عدم جواز مكث الجنب في المسجد، إذا تيمّم تيمّماً مبيحاً للصلاة، لأنّه سبحانه علّق دخول الجنب إلى المسجد على الإتيان بالغسل لا غير، بخلاف صلاته فإنّه جلّ شأنه علّقها على الغسل مع وجود الماء، وعلى التيمّم مع عدمه، وحمل المكث في المسجد على الصلاة، قياس ونحن لا نقول به.
وأُجيب بأنّ هذا قياس الأولويّة فإنّ احترام المساجد لكونها مواضع الصلاة، فإذا أباح التيمّم الدخول فيها أباح الدخول فيها بطريق أولى، وأيضاً قوله(عليه السلام): «جعل الله التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(2) يقتضي أن يستباح بالتيمّم كلُّ ما يستباح بالغسل من الصلاة وغيرها، لكن للبحث فيهما مجال.
قيل: ويمكن أن يستنبط من الآية عدم افتقار غسل الجنابة لدخول المسجد إلى الوضوء، على التفسير الأوّل، وللصّلاة على الثاني، وإلاّ لكان بعض الغاية غاية.
وأمّا الآية الثانية فالجملة الشرطيّة في قوله سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) يجوز أن تكون معطوفة على جملة الشرط الواقعة في صدرها وهي قوله عزّ وعلا: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) فلا تكون مندرجة تحت القيام إلى الصلاة، بل مستقلّة برأسها، والمراد: يا أيّها الّذين آمنوا إن كنتم جنباً فاطّهروا، ويجوز أن تكون معطوفة على جزاء الشرط الأوّل أعني:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فيندرج تحت الشرط، ويكون تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة، فإن كنتم محدثين فتوضّأوا، وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وعلى الأوّل يستنبط منها وجوب غسل الجنابة لنفسه بخلاف الثاني.
وقد طال التشاجر بين علمائنا ـ قدّس الله أرواحهم ـ في هذه المسألة، لتعارض الأخبار من الجانبين، واحتمال الآية الكريمة كلاًّ من العطفين، فالقائلون

1 . المعتبر:1/188.   2 . وسائل الشيعة: 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث1.

صفحه 41
بوجوبه لنفسه، عوّلوا على التفسير الأوّل، وقالوا أيضاً كون الواو في الآية للعطف غير متعيّن، لجواز أن تكون للاستيناف، وعلى تقدير كونها للعطف عليه فإنّما يلزم الوجوب عند القيام إلى الصلاة، لا عدم الوجوب في غير ذلك الوقت.
والقائلون بوجوبه لغيره، عوّلوا على التفسير الثاني، لأنّ الظاهر اندراج الشرط الثاني تحت الأوّل، كما أنّ الثالث مندرج تحته البتّة، وإلاّ لم يتناسق المتعاطفان في الآية ا لكريمة.1
وربّما يقال: العطف بـ «إن» دون «إذا» يأبى العطف على جملة: (إِذَا قُمْتُمْ).
وأُجيب بأنّه يمكن أن يكون في العطف بـ «إن» دون «إذا» إشعار بالمبالغة في أمر الصلاة، والتأكيد فيها، حيث أتى في القيام بها بكلمة (إذا) الدالّة على تيقّن الوقوع، يعني أنّه أمر متيقّن الوقوع ألبتة، وليس ممّا يجوّز العقل عدمه، وفي الجنابة بكلمة «إن» الموضوعة للشكّ مع تحقّق وقوعها وتيقّنها تنبيهاً على أنّها في جنب القيام إلى الصلاة كأنّه أمر مشكوك الوقوع.
وفائدة الخلاف تظهر في نيّة الغسل للجنب عند خلوّ ذمّته من مشروط بالطهارة، فهل يوقعها إذا أراد إيقاعها بنيّة الوجوب أو الندب؟ مع اتّفاق الفريقين ظاهراً على شرعيّة الإيقاع، وفي عصيانه بتركه لو ظنّ الموت قبل التكليف بمشروط بالطهارة.
وقد يناقش في الأوّل بأنّه لا ينافي الوجوب بالغير، كونه واجباً قبل وجوب الغير، إذا علم أو ظنّ أنّه سيصير واجباً، ويمكن الإتيان به وجوباً موسّعاً يتضيّق بتضيّق الفرض.
وعندي أن لا جدوى في هذا الخلاف كثيراً، إذ الفائدة الثانية قلّما يتّفق موردها، ومعه يوقعه خروجاً من الخلاف.

1 . مشرق الشمسين:309ـ 311.

صفحه 42
وأمّا الأُولى فلا ريب في أنّ الأئمّة(عليهم السلام)وأتباعهم لم يكونوا يوجبون تأخير الطهارة إلى الوقت، بل كانوا يواظبون عليها مع نقل الاتّفاق على شرعيّة إيقاعها قبل الوقت، وأمّا النيّة فلم يثبت وجوب نيّة الوجه، وعلى تقديره فإنّما هو فيما كان معلوماً، فإيقاعها بنيّة القربة كاف، لا سيّما إذا ضمّ إليها نيّة الرَّفع والاستباحة لصلاة ما، فظهر أنّ تلك المشاجرات الطويلة لا طائل تحتها.
ثمّ الظاهر أنّ القائلين بالوجوب النفسيّ قائلون بالوجوب الغيري أيضاً بعد دخول وقت مشروط به، فلا تغفل.
غسل الحيض والاستحاضة والنفاس عللها وآدابها وأحكامها   …

[الباب السابع]

غسل الحيض والاستحاضة والنفاس عللها
وآدابها وأحكامها1

الآيات:

البقرة(2):(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).222ـ 223.

التفسير:

المحيض يكون مصدراً، تقول: حاضت المرأة محيضاً، واسم زمان أي مدّة

1 . بحار الأنوار:78/74ـ80، الباب 4 من أبواب الأغسال وأحكامها.

صفحه 43
الحيض، واسم مكان أي محلّ الحيض، وهو القبل1. والمحيض الأوّل في الآية بمعنى الأوّل، أي يسألونك عن الحيض وأحواله، والسائل أبو الدحداح في جمع من الصحابة، كما قيل، وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى): أي هو أمر مستقذر مؤذ ينفر الطبع عنه، والاعتزال التنحّي عن الشيء، وأمّا المحيض الثاني فيحتمل كلاًّ من المعاني الثلاثة السابقة.
وقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) تأكيد للأمر بالاعتزال، وبيان لغايته، وقد قرأه حمزة والكسائيّ «يطهّرن» بالتشديد أي يتطهّرن، وظاهره أنّ غاية الاعتزال هي الغسل، وقرأ الباقون «يطهرن» بالتخفيف2، وظاهره أنّ غايته انقطاع

1 . وقد يطلق على معنيين آخرين: أحدهما: الحاصل بالمصدر، وهو الحالة الحاصلة من سيلان الدم كالحدث الحاصل من طروء الأحداث، ولعلّه أنسب في المقام. والثاني: دم الحيض، وهو بعيد. ولعلّ مراد من قال بالمصدر: المعنى الأوّل أو الأعمّ منه ومن المعنى المصدري، فتأمّل. (منه(رحمه الله))، كذا في هامش نسخة الأصل بخط يده(قدس سره).
2 . هذه القراءة هو الوجه من حيث سياق الكلام وطبعه، ولو كان بالتشديد، لكان قوله تعالى بعده:(فَإذا تطهرن)حشواً زائداً، والحكم المستفاد من سياق الآية: اعتزال النساء وحرمة إتيانهن حتى يطهرن وتجويز إتيانهن بعد ا لتطهّر ـ وهو الاغتسال كما عرفت من ورود قوله تعالى: (ولا جُنباً حتّى تَغتَسِلوا) في سورة النساء بدل قوله تعالى: (وَإنْ كُنْتُم جُنباً فاطهّروا) في المائدة أنّ المراد بالتطهّر هو الاغتسال.
وأمّا بعد الطهر وقبل الاغتسال، فالآية ساكتة عن حكمه، من شاء أن يتزكّى فعليه أن يأخذ بمورد الأمر، وهو الغسل ثم الإتيان، فإنّ الله لا يأمر إلاّ بالزكي.
وقوله تعالى:(مِن حيثُ أمَرَكُمُ الله) مع أنّ المراد بإتيان النساء هو الإيلاج، كأنّه يقسم الإتيان إلى قسمين: قسم أمر الله به بالفطرة، وتعرض للبحث عن أحواله في حالة الحيض في صدر الآية وصرّح به بعد ذلك بقوله: (نساؤكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حرثَكُم أنّى شِئتُم) وهو الإتيان في القبل، وقسم لم يأمر الله به ولم ينه عنه، ولو أمر به آمر لكان هو النفس والشيطان لكونه خلافاً للفطرة، وهو الإتيان في المحاش. فحال الإتيان في المحاش في هذه الآية كحال الإتيان في القبل بعد الطهر وقبل التطهّر كما عرفت، ومن تزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه، وإلى الله المصير.

صفحه 44
الدم، والخلاف بين الأُمّة في ذلك مشهور.
وقوله سبحانه: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يؤيّد القراءة الأُولى، والأمر بالإتيان للإباحة كقوله تعالى:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)1، وأمّا وجوب الإتيان لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر مثلاً، فقد استفيد من خارج.(2)
واختلف المفسّرون في معنى قوله جلّ شأنه:(مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)فعن ابن عبّاس أنّ معناه من حيث أمركم الله بتجنّبه حال الحيض، وهو الفرج; وعن ابن الحنفيّة أنّ معناه من قبل النكاح دون السِّفاح، وعن الزجّاج معناه من الجهات الّتي يحلّ فيها الوطء، لا ما لا يحلّ، كوطئهنّ وهنَّ صائمات أو محرمات أو معتكفات. والأوّل مختار الطبرسي(رحمه الله).2
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ): أي عن الذنوب (وَيُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ): أي المتنزّهين عن الأقذار كمجامعة الحائض مثلاً. وقيل: التوابين عن الكبائر والمتطهّرين عن الصغائر، وقد مرّ تأويل آخر في صدر كتاب الطّهارة.
والحرث قد يفسّر بالزرع تشبيهاً لما يلقى في أرحامهنّ من النطف بالبذر. وقال أبو عبيدة: كنى سبحانه بالحرث عن الجماع أي محلّ حرث لكم، وقد جاء في اللّغة الحرث بمعنى الكسب، ومن هنا قال بعض المفسّرين 3: معنى حرث لكم أي ذوات حرث تحرثون منهنّ الولد واللّذة.4
وقوله سبحانه: (أَنّى شِئْتُمْ) قد اختلف في تفسيره، فقيل: معناه من أيّ موضع شئتم. وقيل: معناه من أيّ جهة شئتم لما روي من أنّ اليهود كانوا يقولون:

1 . المائدة:2.   2 . وهو آية الايلاء: (للّذينَ يُؤلُونَ مِنْ نِسائِهمْ تَربُّص أربعة أشْهُر). البقرة: 226.
2 . مجمع البيان: 2 / 86 .
3 . منهم: الطبرسي في تفسير جوامع الجامع: 1 / 211، والرازي في تفسيره: 6 / 75 .
4 . لاحظ : مشرق الشمسين: 317 .

صفحه 45
مَن جامع امرأته من دبرها في قبلها يكون ولدها أحول، فذكر ذلك للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فنزلت.
وقيل: معناه متى شئتم، واستدلّ به على جواز الوطي بعد انقطاع الحيض وقبل الغسل، لشمول لفظة (أنّى) جميع الأوقات إلاّ ما خرج بدليل كوقت الحيض والصوم. واعترض على هذا الوجه بأنّ القول بمجيء (أنّى)بمعنى متى يحتاج إلى شاهد، ولم يثبت، بل قال الطبرسي(رحمه الله):1 إنّه خطأ عند أهل اللّغة.(2)
(وَقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ): أي قدّموا الأعمال الصّالحة الّتى أُمرتم بها، ورغبّتم فيها، لتكون لكم ذخراً في القيامة. وقيل: المراد بالتقديم طلب الولد الصالح، والسعي في حصوله. وقيل: المراد تقديم التسمية عند الجماع. وقيل: تقديم الدعاء عنده.
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ): أي ملاقوا ثوابه إن أطعتم، وعقابه إن عصيتم.
وقال الشيخ البهائي(رحمه الله): قد استنبط بعض المتأخّرين من الآية الأُولى أحكاماً ثلاثة:
أوّلها: أنّ دم الحيض نجس، لأنّ الأذى بمعنى المستقذر.
وثانيها: أنّ نجاسته مغلّظة لا يعفى عن قليلها، أعني: ما دون الدرهم للمبالغة المفهومة من قوله سبحانه: (هُوَ أَذًى).
وثالثها: أنّه من الأحداث الموجبة للغسل، لإطلاق الطهارة المتعلّقة به.
وفي دلالة الآية على هذه الأحكام نظر: أمّا الأوّلان: فلعدم نجاسة كلّ مستقذر، فإنّ القيح والقيء من المستقذرات، وهما طاهران عندنا، وأيضاً فهذا المستنبط قائل كغيره من المفسّرين بإرجاع الضمير في قوله تعالى:(هُوَ أَذًى)إلى المحيض بالمعنى المصدريّ، لا إلى الدم، وارتكاب الاستخدام فيه مجرّد احتمال

1 . مجمع البيان: 2 / 89 .   2 . لاحظ : مشرق الشمسين: 317 ـ 318 .

صفحه 46
لم ينقل عن المفسّرين فكيف يستنبط منه حكم شرعيّ؟!
وأمّا الثالث: فلأنّ الآية غير دالّة على الأمر بالغسل، بشيء من الدلالات ولا سبيل إلى استفادة وجوبه عن كونه مقدّمة للواجب، أعني: تمكين الزوج من الوطي، لأنّ جمهور فقهائنا ـ رضوان الله عليهم ـ على جوازه قبل الغسل بعد النقاء، فلا تغفل.
ثمّ اعلم أنّه اختلفت الأُمّة في المراد بالاعتزال في الآية، فقال فريق منهم: المراد ترك الوطي لا غير، لما روي من أنّ أهل الجاهليّة كانوا يجتنبون مؤاكلة الحُيّض ومشاربتهنّ ومساكنتهن كفعل اليهود والمجوس، فلمّا نزلت الآية الكريمة عمل المسلمون بظاهر الاعتزال لهنّ وعدم القرب منهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهم، فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهنّ بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلك الحيّض، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أُمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم».
وأكثر علمائنا قائلون بذلك، ويخصّون الوطي المحرّم بالوطي في موضع الدم ـ أعني: القبل ـ لا غير، ويجوّزون الاستمتاع بماعداه، ووافقهم أحمد بن حنبل. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: يحرم على زوجها الاستمتاع بما بين سرّتها وركبتها، ووافقه بقيّة أصحاب المذاهب الأربعة.
واستدلّ العلاّمة طاب ثراه على ذلك في «المنتهى» بما حاصله أنّ المحيض في قوله تعالى:(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إمّا أن يراد به المعنى المصدريّ، أو زمان الحيض، أو مكانه; وعلى الأوّل يحتاج إلى الإضمار، إذ لا معنى لكون المعنى المصدريّ ظرفاً للاعتزال، فلابدّ من إضمار زمانه أو مكانه، لكنّ الإضمار خلاف الأصل، وعلى تقديره إضمار المكان أولى، إذ إضمار الزمان يقتضي بظاهره

صفحه 47
وجوب اعتزال النساء مدّة الحيض بالكلّية، وهو خلاف الإجماع، وبهذا يظهر ضعف الحمل على الثاني، فتعيّن الثالث، وهو المطلوب.1 انتهى ملخّص كلامه وللبحث فيه مجال.
ثمّ الاعتزال المأمور به في الآية الكريمة هل هو مغيّى بانقطاع الحيض أو الغسل، اختلفت الأُمّة في ذلك أمّا علماؤنا قدّس الله أرواحهم، فأكثرهم على الأوّل وقالوا بكراهة الوطي قبل الغسل. فإن غلبته الشهوة أمرها بغسل فرجها استحباباً ثم يطؤها، وذهب الصدوق(رحمه الله) إلى الثاني، فإنّه قال بتحريم وطئها قبل الغسل إلاّ بشرطين: أمّا الأوّل أن يكون الرجل شبقاً، والثاني أن تغسل فرجها.(2) ويؤيّده قول بعض المفسّرين في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)فإذا غسلن فرجهنّ.
وذهب الطبرسي(رحمه الله)2 إلى أنّ حلّ وطئها مشروط بأن تتوضّأ أو تغسل فرجها، وأمّا أصحاب المذاهب الأربعة سوى أبي حنيفة فعلى تحريم الوطي قبل الغسل، وأمّا هو فذهب إلى حلّ وطئها قبل الغسل إن انقطع الدّم لأكثر الحيض، وتحريمه إن انقطع لدون ذلك.
واحتجّ العلاّمة في «المختلف» على ما عليه أكثر علمائنا بما تضمّنته الآية من تخصيص الأمر بالاعتزال بوقت الحيض أو موضع الحيض، وإنّما يكون موضعاً له مع وجوده، والتقدير عدمه، فينتفي التحريم، وبما تقتضيه قراءة التخفيف في «يطهرن» وجوّز أن يحمل التفعّل في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)على الفعل، كما تقول تطعّمت الطعام أي طعمته، أو يكون المراد به غسل الفرج.(4) هذا ملخّص كلامه.3

1 . منتهى المطلب:2/358.   2 . المقنع:322.
2 . مجمع البيان:2/87 .    4 . مختلف الشيعة:1/351.
3 . مشرق الشمسين:317ـ 319.

صفحه 48
وأورد على الاستدلال بالغاية بأنّ الطهارة اللّغويّة وإن حصلت بالخروج من الدم، لكن حصول الطهارة الشرعيّة ممنوع، إذ الحقيقة الشرعيّة، وإن لم تثبت لكن لم يثبت نفيها أيضاً، والاحتمال كاف في مقام المنع.
سلّمنا لكن لا ترجيح لقراءة التخفيف على قراءة التشديد، ومقتضاها ثبوت التحريم قبل الاغتسال، فيجب حمل الطهارة هاهنا على المعنى الشرعيّ جمعاً بين القراءتين.
سلّمنا أنّ الطهارة بمعناها اللّغويّ لكن وقع التعارض بين المفهوم والمنطوق فالترجيح للثاني، مع أنّه مؤيّد بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ)، وهذا التأييد مبنيّ على أنّ الأمر الواقع بعد الحظر للجواز المطلق كما هو المشهور; وأمّا إذا كان للرجحان، فمفهومه انتفاء رجحان الإتيان عند عدم التطهّر، وهو كذلك عند القائلين بجوازه عند عدمه، لكونه مكروهاً عندهم وكذلك الحال إذا كان الأمر للإباحة، بمعنى تساوي الطرفين.
واحتجّ القائلون بالتحريم بقراءة التشديد، وأُورد عليه: أنّه لم يثبت أنّ التطهّر حقيقة شرعية في المعنى الشرعي، فيجوز أن يكون المراد به انقطاع الدم أو زيادة التنظيف الحاصل بسبب غسل الفرج.
   …
سلّمنا لكن الطهارة أعمّ من الوضوء.
والتحقيق: أنّ دلالة الآية على شيء من التحريم والجواز غير واضح، فالأحسن العدول عنها إلى الروايات، ومقتضاها نظراً إلى قضيّة الجمع، الجواز، والاحتياط طريق النجاة.

صفحه 49

[الباب الثامن]

التيمّم وآدابه وأحكامه1

الآيات:

النساء(4):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا).43.
المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).6.

التفسير:

قد تقدّم الكلام في صدري الآيتين الكريمتين في مبحثي الوضوء والغسل، ولنذكر هنا ما يتعلّق منهما بالتيمّم.
اعلم أنّه سبحانه قدّم في الآيتين حكم الواجدين للماء القادرين على استعماله ثم أتبع ذلك بأصحاب الأعذار فقال تعالى:(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى)وحمله

1 . بحار الأنوار:78/131ـ 145، الباب 6 من أبواب الأغسال وأحكامها.

صفحه 50
الأصحاب على المرض الّذي يضرُّ معه استعمال الماء، والّذي يوجب العجز عن السعي إليه أو عن استعماله. وظاهر الآية يشمل كلّ ما يصدق عليه اسم المرض لكن علماؤنا رضي الله عنهم مختلفون في اليسير، ومثّلوه بالصداع ووجع الضرس، ولعلّه للشكّ في تسمية مثل ذلك مرضاً عرفاً، فذهب المحقّق1والعلاّمة2 إلى أنّه غير مبيح للتيمّم، وبعض المتأخّرين على إيجابه له، ولعلّه أقوى، فإنّه أشدّ من الشين،3 وقد أطبقوا على إيجابه التيمّم.4
(أَوْ عَلَى سَفَر): أي متلبّسين به، إذ الغالب عدم وجود الماء في أكثر الصحارى(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) هو كناية عن الحدث، إذ الغائط المكان المنخفض من الأرض، وكانوا يقصدونه للحدث لتغيب فيه أشخاصهم عن الرائين فكنّى عن الحدث بالمجيء من مكانه، وتسمية الفقهاء العذرة بالغائط من تسمية الحالّ باسم المحلّ. وقيل: إنّ لفظة «أو» هاهنا بمعنى الواو. والمراد ـ والله أعلم ـ أو كنتم مسافرين وجاء أحد منكم من الغائط.
(أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) المراد جماعهنّ كما في قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) 5 واللّمس والمسّ بمعنى [واحد] كما قاله اللّغويون، وسيأتي الأخبار في تفسير اللّمس بالوطي، وقد نقل الخاصّ والعامّ عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: إنّ الله سبحانه حييٌّ كريم يعبّر عن مباشرة النساء بملامستهنّ، وذهب الشافعي إلى أنّ المراد مطلق اللمس لغير محرم، وخصّه مالك بما كان عن شهوة، وأمّا أبو حنيفة فقال: المراد الوطي لا المسّ.

1 . المعتبر: 1 / 365، فروع في التيمّم.
2 . تذكرة الفقهاء: 2 / 160، باب: وجوب التيمّم للمريض.
3 . يعني شين الجلد وتشويه خلقة الأصابع بإصابة البرد أو الكزة.
4 . لاحظ : مشرق الشمسين: 337 .
5 . البقرة: 237 .

صفحه 51
وقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يشمل ما لو وجد ماء لا يكفيه للغسل وهو جنب أو للوضوء وهو محدث حدثاً أصغر، فعند علمائنا يترك الماء وينتقل فرضه إلى التيمّم، وقول بعض العامّة: يجب عليه أن يستعمله في بعض أعضائه ثمّ يتيمّم لأنّه واجد للماء، ضعيف، إذ وجوده على هذا التقدير كعدمه، ولو صدق عليه أنّه واجد للماء لما جاز له التيمّم; كذا قيل.
وقال الشيخ البهائي قدّس الله سرّه: للبحث فيه مجال، فقوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)يراد به ـ والله أعلم ـ ما يكفي الطهارة، وممّا يؤيّد ذلك قوله تعالى في كفّارة اليمين: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام)1: أي فمن لم يجد إطعام عشرة مساكين ففرضه الصيام، وقد حكم الكلّ بأنّه لو وجد إطعام أقلّ من عشرة لم يجب عليه ذلك، وانتقل فرضه إلى الصوم. انتهى.2
وقال الشهيد الثاني: ربّما حكي عن الشيخ في بعض أقواله، التبعيض.3
واحتمل العلاّمة في «النهاية» وجوب صرف الماء إلى بعض أعضاء الجنب، لجواز وجود ما يكمل طهارته وسقوط الموالاة بخلاف المحدث.4 والمعتمد ما ذكره في «التذكرة» و «المنتهى» من عدم الفرق مسنداً ذلك إلى الأصحاب، لعدم التمكّن من الطهارة المائيّة، فتكون ساقطة.5
ولا يخفى أنّ البحث إنّما هو فيمن هو مكلّف بطهارة واحدة، أعني: الجنب وذا الحدث الأصغر المذكورين في الآية، أمّا الحائض مثلاً فإنّها لو وجدت ما لا

1 . المائدة:89.
2 . مشرق الشمسين:336ـ 337.
3 . روض الجنان:119.
4 . نهاية الأحكام:1/186.
5 . تذكرة الفقهاء:2/149; منتهى المطلب:3/18.

صفحه 52
يكفي لغسلها ووضوئها معاً فإنّها تستعمله فيما يكفيه وتتيمّم عن الآخر.
ثمّ لا يخفى أنّ المتبادر من قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) كون المكلّف غير واجد للماء، بأن يكون في موضع لا ماء فيه، فيكون ترخيص من وجد الماء ولم يتمكّن من استعماله في التيمّم لمرض ونحوه مستفاداً من السنّة المطهّرة ويكون المرضى غير داخلين في خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا)لأنّهم يتيمّمون وإن وجدوا الماء. كذا في كلام بعض المفسّرين، ويمكن أن يراد بعدم وجدان الماء عدم التمكّن من استعماله وإن كان موجوداً، فيدخل المرضى في خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا)، ويسري الحكم إلى كلّ من لا يتمكّن من استعماله كفاقد الثمن أو الآلة، والخائف من لصّ أو سبع ونحوهم، وهذا التفسير وإن كان فيه تجوّز إلاّ أنّه هو المستفاد من كلام محقّقي المفسّرين من الخاصّة والعامّة كالشيخ الطبرسي وصاحب الكشّاف1، وأيضاً فهو غير مستلزم لما هو خلاف الظاهر من تخصيص خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا) بغير المرضى مع ذكر الأربعة على نسق واحد.
واعلم أنّ الفقهاء اختلفوا فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه للطّهارة إلاّ بمزجه بالمضاف، بحيث لا يخرج من الإطلاق، هل يجب عليه المزج والطهارة به أم يجوز له ترك المزج واختيار التيمّم؟ فجماعة من المتأخّرين كالعلاّمة وأتباعه على الأوّل، وجمع من المتقدّمين كالشيخ وأتباعه على الثاني، ولعلّ ابتناء القولين على التفسيرين السابقين، فالأوّل على الثاني، والثاني على الأوّل، إذ يصدق على من هذا حاله أنّه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأوّل، فيندرج تحت قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بخلاف الثاني فإنّه متمكّن منه.
وبعض المحقّقين بنى القول الأوّل على كون الطهارة بالماء واجباً مطلقاً فيجب المزج، إذ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به ـ وهو مقدور ـ واجب، والثاني

1 . مجمع البيان:3/94; تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 53
على أنّها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدّمة الواجب المشروط، غير واجب.1
واعلم أنّ هاهنا إشكالاً مشهوراً وهو أنّه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتّب عليه جزاء واحد هو الأمر بالتيمّم: مع أنّ سببيّة الأوّلين للترخّص بالتيمّم، والثالث والرابع لوجوب الطهارة عاطفاً بينها بأو: المقتضية لاستقلال كلّ واحد منها في ترتّب الجزاء، مع أنّه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأوّلين، لم يترتّب الجزاء وهو وجوب التيمّم.
وأُجيب عنه بوجوه: الأوّل: ما أومأنا إليه سابقاً من أنّ (أو) في قوله تعالى:(أَوْ جَاءَ)بمعنى الواو2 كما قيل في قوله تعالى:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ).3
الثاني: قال البيضاوي: وجه هذا التقسيم أنّ المترخّص بالتيمّم إمّا محدث أو جنب، والحال المقتضية له في غالب الأمر إمّا مرض أو سفر، والجنب لمّا سبق

1 . مشرق الشمسين:337ـ 338.
2 . وفيه أنّ مجيء «أو» بمعنى الواو لم يثبت، وما استدلّ به الكوفيون والأخفش والجرمي مدخول فيه، على أنّ مجيئها بمعنى الواو في قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أحدٌ مِنْكُم) يدفعه السياق، حيث إنّ لفظة «أو» تكرّرت في جملة واحدة ثلاث مرّات، والأُولى منها والثالثة بمعنى الترديد والتقسيم وهو المعنى الأصلي، فكيف تكون الثانية بينهما بمعنى الجمع، وهل يكون ذلك إلاّ إلغازاً وتعمية في حكم تكليفي توجه إلى عامّة المؤمنين؟
3 . الصافات:147. قال الطبرسي في مجمع البيان: 8 / 333: وقيل في معنى قوله: (أَوْ يَزِيدُونَ)وجوه: أحدها: أنّه على طريق الإبهام على المخاطبين. وثانيها: أنّ «أو» للتخيير كأنّ الرائي خير بين أن يقول هم مائة ألف أو يزيدون، عن سيبويه; والمعنى: أنّهم كانوا عدداً لو نظر إليهم الناظر لقال هم مائة ألف أو يزيدون. وثالثها: أنّ «أو» بمعنى الواو كأنّه قال: «ويزيدون» عن بعض الكوفيين، وقال بعضهم: بل يزيدون.
وهذان القولان الأخيران غير مرضيّين عند المحقّقين، وأجود الأقوال الثاني. انتهى.

صفحه 54
ذكره اقتصر على بيان حاله، والحدث لمّا لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب، وبيان العذر مجملاً، وكأنّه قيل: وإن كنتم جنباً مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء1. وهذا الوجه لا يوافق ما ثبت عندنا من أنّ المراد بالملامسة الجماع.2
الثالث: قال في «الكشّاف» جواباً عن هذا الإشكال، قلت: أراد سبحانه أن يرخّص للّذين وجب عليهم التطهّر وهم عادمون للماء في التيمّم بالتراب، فخصّ أوّلاً من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنّهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم، لكثرة السفر والمرض، وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثمّ عمّ كلّ من وجب عليه التطهّر وأعوزه الماء، لخوف عدوّ أو سبع، أو عدم آلة استقاء أو إزهاق في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك ممّا لا يكثر كثرة المرض والسفر. انتهى.3
وقيل في توضيح كلامه: إنّ القصد إلى الترخيص في التيمّم لكلّ من وجب عليه التطهّر، ولم يجد الماء، فقيد عدم الوجدان راجع إلى الكلّ، وقيد وجوب التطهّر المكنّى عنه بالمجيء من الغائط أو الملامسة اللّذين هما من أغلب أسباب وجوب التطهّر معتبر في الكلّ حتّى المرضى والمسافرين، وذكرهما تخصيص بعد التعميم، بناء على زيادة استحقاقهما للترخيص، وغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنّه قيل: إن جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء خصوصاً المرضى والمسافرين فتيمّموا، ووجه سببيّة مضمون

1 . تفسير البيضاوي:2/194.
2 . لكنّك قد عرفت أنّ هذا البيان هو الوجه في الآية ولا ينافي كون الملامسة بمعنى الجماع.
3 . تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 55
الشرط لمضمون الجزاء ظاهر.
هذا، ولكن ينبغي أن يعتبر عدم وجدان الماء بعدم القدرة على استعماله ليفيد ترخيص المريض الواجد للماء العاجز عن الاستعمال، ويصحّ أنّ المرض سبب من الأسباب الغالبة، وإلاّ فهو باعتبار العجز عن الحركة والوصول إلى الماء من الأسباب النادرة لا الغالبة.
وقيل: جعل عدم الوجدان قيداً للجميع لا يخلو من شيء لأنّه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد ويكون شيء واحد وهو عدم الوجدان قيداً للجميع، كان المناسب أن يكون لكلّ واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمّم، وذلك منتف في الأخيرين إلاّ عند جعل عدم الوجدان قيداً مختصّاً، وكلام صاحب الكشّاف غير آب عن ذلك، فالأحسن أن يقال: قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأخيرين مختصّ بهما لكنّه في الأوّلين مراد بمعاونة المقام، فإنّه سبحانه لمّا أمر بالوضوء والغسل، كان هاهنا مظنّة سؤال يخطر بالبال فكأنّ سائلاً يقول: إذا كان الإنسان مسافراً لا يجد الماء أو مريضاً يخاف من استعماله الضرر، فما حكمه؟ فأجاب جلّ شأنه ببيان حكمه، وضمّ سائر المعذورين، فكأنّه قال: وإن كنتم في حال الحدث والجنابة مرضى تستضرُّون باستعمال الماء، أو مسافرين غير واجدين للماء، أو كنتم جنباً أو محدثين غير واجدين للماء ـ وإن لم تكونوا مرضى أو على سفر ـ فتيمّموا صعيداً.
والتصريح بالجنابة والحدث ثانياً مع اعتبارهما في المريض والمسافر أيضاً لئلاّ يتوهّم اختصاص الحكم المذكور بالجنب، لكونه بعده.
وقد يقال في قوله سبحانه:(أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) في موقع كنتم جنباً، مع التفنّن والخروج عن التكرار تنبيه على أنّ الأمر هاهنا ليس مبنيّاً على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهّم أيضاً حصر موجب الوضوء في المجيء من

صفحه 56
الغائط، وعلى كلّ حال فيه تنبيه على أنّ كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء.1
قوله جلّ وعلا: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا [طَيِّبًا): أي اقصدوا صعيداً]واختلف كلام أهل اللغة في الصعيد.
فبعضهم كالجوهريّ قال: هو التراب، ووافقه ابن فارس في المجمل، ونقل ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة: أنّه التراب الخالص الّذي لا يخالطه سبخ ولا رمل، ونقل الطبرسي عن الزجّاج أنّ الصعيد ليس هو التراب، إنّما هو وجه الأرض، تراباً كان أو غيره، سمّي صعيداً لأنّه نهاية ما يصعد من باطن الأرض، وقريب منه ما نقله الجوهري عن ثعلب، وكذا ما نقل المحقّق في «المعتبر» عن الخليل عن ابن الاعرابيّ.2 ولاختلاف أهل اللّغة في الصعيد اختلف فقهاؤنا في التيمّم بالحجر لمن تمكّن من التراب، فمنعه المفيد3 وأتباعه لعدم دخوله في اسم الصعيد، وجوّز الشيخ في «المبسوط» والمحقّق والعلاّمة التيمّم بالحجر نظراً إلى دخوله تحت الصعيد المذكور في الآية.4
واختلف المفسّرون في المراد بالطيّب فيها، فبعضهم على أنّه الطاهر، وبعضهم على أنّه الحلال، وآخرون على أنّه المنبت دون ما لا ينبت كالسبخة، وأيّدوه بقوله تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ).5 والأوّل هو مختار

1 . ذخيرة المعاد للسبزواري:1/92.
2 . راجع: الصحاح للجوهري:2/498، مادة «صعد»; مجمع البيان:3/92; المعتبر:1/373; لسان العرب:3/254، مادة «صعد».
3 . المقنعة:60; المسائل الصاغانية:116.
4 . المبسوط:1/32; المختصر النافع:16; تذكرة الفقهاء:2/173، المسألة 296.
5 . الأعراف:58. لاحظ: أحكام القرآن للجصاص:2/487; تفسير الثعلبي:3/320.

صفحه 57
مفسّري أصحابنا قدّس الله أرواحهم.1
وقوله: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) قد يدّعى أنّ فيه دلالة على أنّ أوّل أفعال التيمّم مسح الوجه، لعطفه بالفاء التعقيبيّة على قصد الصعيد من دون توسّط الضرب على الأرض، فيتأيّد به ما ذهب إليه العلاّمة في «النهاية» من جواز مقارنة نيّة التيمّم لمسح الوجه، وأنّ ضرب اليدين على الأرض بمنزلة اغتراف الماء في الوضوء، وفيه كلام.
والباء في قوله سبحانه:(بِوُجُوهِكُمْ) للتبعيض، كما مرّ في حديث زرارة وقد تقدّم الكلام في كون الباء للتبعيض في باب كيفيّة الوضوء2 فالواجب في التيمّم مسح بعض الوجه وبعض اليدين، كما ذهب إليه جمهور علمائنا وأكثر الروايات ناطقة به، وذهب عليُّ بن بابويه(رحمه الله) إلى وجوب استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين كالوضوء، عملاً ببعض الأخبار3، ومال المحقّق في «المعتبر» إلى التخيير بين استيعاب الوجه واليدين وبين الاكتفاء ببعض كلّ منهما كالمشهور4، ومال العلاّمة في «المنتهى» إلى استحباب الاستيعاب.5
وأمّا العامّة فمختلفون أيضاً فالشافعيّ يقول بمقالة عليّ بن بابويه، وابن حنبل باستيعاب الوجه فقط، والاكتفاء بظاهر الكفّين، ولأبي حنيفة قولان أحدهما كالشافعيّ والآخر الاكتفاء بأكثر أجزاء الوجه واليدين، وذهب الزهريُّ منهم إلى وجوب مسح اليدين إلى الإبطين لأنّهما حدّا في الوضوء إلى المرفقين ولم يحدّا في التيمّم بشيء، فوجب استيعاب ما يصدق عليه اليد، وهذا القول ممّا انعقد

1 . راجع: التبيان:2/71; مجمع البيان:3/94، فقه القرآن للراوندي:1/41.
2 . راجع: بحار الأنوار: 80/244.
3 . فقه الرضا:88.
4 . المعتبر:1/386.
5 . منتهى المطلب:3/95.

صفحه 58
إجماع الأُمّة على خلافه.1
وكلمة «من» في قوله سبحانه:(مِنْهُ) في الآية الثانية، تحتمل أربعة أوجه:
الأوّل: أنّها لابتداء الغاية، والضمير عائد إلى الصعيد، فالمعنى أنّ المسح يبتدي من الصعيد أو من الضرب عليه.
الثاني: للسببيّة وضمير في: (مِنْهُ) للحدث المفهوم من الكلام السابق. كما يقال تيمّمت من الجنابة، وكقوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا)،2 وقول الشّاعر: «وذلك من نبأ جاءني»، وقول الفرزدق: «يغضي حياء ويغضى من مهابته» ويحتمل إرجاع الضمير إلى عدم وجدان الماء، وإلى المجموع.
ويرد عليه أنّه خلاف الظاهر ومتضمّن لإرجاع الضّمير إلى الأبعد مع إمكان الإرجاع إلى الأقرب، مع استلزامه أن يجعل لفظة (مِنْهُ) تأكيداً لا تأسيساً، إذ السببيّة تفهم من الفاء، ومن جعل المسح في معرض الجزاء، وتعليقه بالوصف المناسب المشعر بالعليّة.
الثالث: أنّها للتبعيض، وضمير في: (مِنْهُ) للصعيد، كما تقول: أخذت من الدراهم وأكلت من الطعام.
الرابع: أن تكون للبدليّة كما في قوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)3، وقوله سبحانه: (لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَة فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)4، وقوله جلّ شأنه:(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا)5: أي بدل طاعته أو

1 . مشرق الشمسين:338ـ 339.
2 . نوح:25.
3 . التوبة:38.
4 . الزخرف:60.
5 . آل عمران:10 و 116.

صفحه 59
رحمته وحينئذ يرجع الضمير إلى الماء، والمعنى: فلم تجدوا ماء فتيمّموا الصعيد بدل الماء، وهذا أيضاً لا يخلو من بعد، مع أنّ قوماً من النحاة أنكروا مجيء«من» للبدليّة، فقالوا: التقدير أرضيتم بالحياة الدُّنيا بدلاً من الآخرة، فالمفيد للبدليّة متعلّقها المحذوف، وكذا الأخيران، وإن كان هذا أيضاً يجري هاهنا لكنّه خلاف الظاهر.
والظاهر أنّ حملها على التبعيض أقرب من الجميع، مع موافقته للأخبار الصحيحة، ولذا اختاره صاحب الكشّاف الّذي هو المقتدى في العربيّة وخالف الحنفيّة القائلين بعدم اشتراط العلوق، مع توغّله في متابعة أقوالهم وتهالكه في نصرة مذاهبهم، قال في «الكشّاف»:
فإن قلت: قولهم إنّها لابتداء الغاية، قول متعسّف، فلا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب، إلاّ معنى التبعيض؟ قلت: هو كما تقول، والإذعان للحقّ أحقّ من المراء.1
وقد يقال: عدم فهم العرب من هذه الأمثلة إلاّ ما ذكره، قد يكون للغرض المعروف عندهم من التدهين والتنظيف، ونحو ذلك، مع إمكان المنع عند الإطلاق في قوله من التراب، على أنّه يمكن أن يقال: إنّها في الأمثلة كلّها للابتداء، كما هو الأصل فيها، وأمّا التبعيض فإنّما جاء من لزوم تعلّق شيء من الدهن والماء باليد، فيقع المسح به، ونحوه التراب إن فهم، فلا يلزم مثله في الصعيد الأعمّ من التراب والصخر.
قيل: والإنصاف أنّها إن استعملت فيما يصلح للعلوق، وإن كان باعتبار غالب أفراده، كان المتبادر منها التبعيض، وإن استعملت فيما لا يصلح لذلك كان المفهوم منها الابتدائية، وعدم صلاحية المقام لغيرها قرينة عليها.

1 . تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 60
وما يقال من أنّ حملها على التبعيض غير مستقيم، لأنّ الصعيد يتناول الحجر كما صرح به أئمّة اللّغة والتفسير، وحملها على الابتداء تعسّف، وليس ببعيد حملها على السببيّة، وقد جعل التعليل من معاني «من» صاحب مغني اللّبيب وعلى تقدير أن لا يكون حقيقة فلا أقلّ من أن يكون مجازاً، ولابدّ من ارتكاب المجاز هنا، إمّا في الصعيد أو في «من». ولا ريب أنّ التوسّع في حروف الجرّ أكثر، فمندفع لبعد هذا الاحتمال كما عرفت، وقرب الحمل على التبعيض، وتبادره إلى الذهن، وإن سلّمنا استلزامه حمل الصعيد على المعنى المجازيّ، فارتكاب هذا المجاز أولى لما عرفت.
فظهر أنّ ظاهر الآية موافق لما ذهب إليه ابن الجنيد، من اشتراط علوق شيء من التراب بالكفّين ليمسح به، ويتأيّد بذلك ما ذهب إليه المفيد وأتباعه من عدم جواز التيمّم بالحجر.
وقد ختم سبحانه الآية الأُولى بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) ويفهم منه التعليل لما سبقه من ترخيص ذوي الأعذار في التيمّم فهو واقع موقع قوله جلّ شأنه في الآية الثانية:(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج) يعني أنّ من عادته العفو عنكم، والمغفرة لكم، فهو حقيق بالتسهيل عليكم والتخفيف عنكم.
وقد اختلف المفسّرون في المراد من التطهير في قوله: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) قيل: المراد به التطهير من الحدث بالتراب، عند تعذّر استعمال الماء. وقيل: تنظيف الأبدان بالماء فهو راجع إلى الوضوء والغسل. وقيل: المراد التطهير من الذنوب بما فرض من الوضوء والغسل والتيمّم; ويؤيده ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إنّ الوضوء يكفّر ما قبله. وقيل: المراد تطهير القلب عن التمرّد من طاعة الله سبحانه، لأنّ إمساس هذه الأعضاء بالماء والتراب لا يعقل له فائدة إلاّ محض الانقياد والطاعة.

صفحه 61
وقوله تعالى: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): أي بما شرعه لكم ممّا يتضمّن تطهير أجسادكم أو قلوبكم، أو تكفير ذنوبكم، واللاّمات في الأفعال الثلاثة للتعليل، ومفعول (يريد) محذوف في الموضعين، وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي على نعمائه المتكاثرة الّتي من جملتها ما يترتّب على ما شرعه في هذه الآية الكريمة، أو لعلّكم تؤدّون شكره بالقيام بما كلّفكم به فيها. والله أعلم.1

[الباب التاسع]

الدفن وآدابه وأحكامه2

الآيات:

المرسلات(77):(أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا).25ـ 26.

التفسير:

قال الطبرسي(رحمه الله): كفت الشيء يكفته كفتاً وكفاتاً إذا ضمّه، ومنه
الحديث: «أكفتوا صبيانكم» أي ضمّوهم إلى أنفسكم، ويقال: للوعاء: كفت وكفيت.3
قوله تعالى:(كِفَاتًا): أي للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتاً في بطنها، أي تحوزهم وتضمّهم قال بنان: خرجنا في جنازة مع الشعبيّ فنظر إلى الجبان، فقال: «هذه كفات الأموات» ثمّ نظر إلى البيوت

1 . مشرق الشمسين: 340 .
2 . بحار الأنوار:79/14، الباب 12 من أبواب الجنائز.
3 . مجمع البيان:10/231.

صفحه 62
فقال: «هذه كفات الأحياء»، وروي ذلك عن أمير المؤمنين(عليه السلام). وقيل: كفاتاً أي وعاء، وهذا كفته أي وعاؤه، وقوله تعالى: (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا): أي منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتاً نصباً على الحال. وعلى القول الأوّل على المفعول به.1

[الباب العاشر]

فضل التعزّي والصبر عند المصائب والمكاره2

الآيات:

البقرة(2):(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).155ـ157.
وقال تعالى:(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ـ إلى قوله تعالى ـ : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).177.
لقمان(31):(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).17.
الزمر(39):(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب).10.

1 . مجمع البيان:10/232.
2 . بحار الأنوار:79/125ـ 127، الباب 18 من أبواب الجنائز.

صفحه 63

التفسير:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): أي ولنصيبنّكم إصابة مَن يختبر أحوالكم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء (بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ): أي بقليل من ذلك وإنّما قلّله بالإضافة إلى ما وقاهم عنه ليخفّف عنهم، ويريهم أنّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة (وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ) عطف على شيء أو الخوف. وقيل: الخوف: خوف الله، والجوع: صوم شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد،1 فإنّهم ثمرات القلوب كما مرّ في الخبر، والتعميم في الجميع أولى.
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الخطاب للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو لمن يتأتّى منه البشارة، والمصيبة تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه، أي أخبرهم بما لهم على الصبر في تلك المشاقّ والمكاره من المثوبة الجزيلة، والعاقبة الجميلة.
(قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) معنى(إِنَّا للهِ) إقرار له بالعبوديّة أي نحن عبيد الله وملكه، فله التصرّف فينا بالحياة والموت والصحّة والمرض، والمالك على الإطلاق أعلم بصلاح مملوكه، واعتراض المملوك عليه من سفاهته. (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار بالبعث والنشور، وتسلية للنفس بأنّ الله تعالى عند رجوعنا إليه يثيبنا على ما أصابنا من المكاره والآلام أحسن الثواب، كما وعدنا، وينتقم لنا ممّن ظلمنا، وفيه تسلية من جهة أُخرى وهي أنّه إذا كان رجوعنا جميعاً إلى الله وإلى ثوابه، فلا نبالي بافتراقنا بالموت، ولا ضرر على الميّت أيضاً فإنّه ينتقل من دار إلى دار أحسن من الأُولى ورجع إلى ربّ كريم هو مالك الدنيا والعقبى.
وقال الطبرسي: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «قولنا: (إِنَّا للهِ) إقرار على أنفسنا

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 430 نقلاً عن الشافعي.

صفحه 64
بالملك، وقولنا: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار على أنفسنا بالهلك. وفي الحديث: «مَن استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه»،1 وقال(عليه السلام):«مَن أُصيب بمصيبة فأحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أُصيب».2
والصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله التزكية والثناء الجميل والمغفرة، وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوّعها، والمراد بالرحمة اللّطف والإحسان (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) للحقّ والصواب، حيث استرجعوا وسلّموا لقضاء الله.
وروى الكلينيّ في الصحيح عن عبد الله بن سنان وإسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قال الله عزّ وجلّ: إنّي جعلت الدُّنيا بين عبادي قرضاً فمن أقرضني منها قرضاً أعطيته بكلّ واحدة عشراً إلى سبعمائة ضعف، وما شئت من ذلك، ومن لم يقرضني منها قرضاً فأخذت منه شيئاً قسراً (فصبر).3 أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهنّ ملائكتي لرضوا بها منّي» ثمّ تلا أبو عبد الله(عليه السلام) قول الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ)فهذه واحدة من ثلاث خصال (وَرَحْمَةٌ) اثنتان (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)ثلاث، ثمّ قال أبو عبد الله(عليه السلام): «هذا لمن أخذ الله منه شيئاً قسراً».4
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) قيل: البأساء: البؤس والفقر، والضرّاء: الوجع والعلّة، و(وَحِينَ الْبَأْسِ) وقت القتال وجهاد العدوّ (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)

1 . مستدرك الوسائل: 2 / 402 ح 2306 نقلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام); ونقله الرازي في تفسيره: 4 / 174 عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . مجمع البيان:1/441ـ 442.
3 . خ . ل.
4 . الكافي:2/92، ح21، باب الصبر.

صفحه 65
في الدين واتّباع الحقّ وطلب البرّ (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) عن الكفر وسائر الرذائل.
(إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): أي الصبر أو كلّ ما أمره ممّا عزمه الله من الأُمور أي قطعه قطع إيجاب.
(أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب): أي أجراً لا يهتدي إليه حساب الحسّاب.
أقول: قد مرّت سائر الآيات الواردة في الصّبر في بابه في كتاب الإيمان والكفر.1

1 . راجع بحار الأنوار:71/56ـ 97.

صفحه 66

صفحه 67
كتاب الصلاة

[ الباب الأوّل]

فضل الصلاة وعقاب تاركها1

الآيات:

البقرة(2):(وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ).3.
وقال تعالى:(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ).2
وقال تعالى:(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).45 ـ 46.
وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ).153.
وقال تعالى:(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).277.
المائدة(5):(لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ).12.
الأنعام(6):(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَاتَّقُوهُ).72.
الأعراف (7): [وقال تعالى:](وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ).170.
الأنفال(8):(اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ).3.

1 . بحار الأنوار:79/188ـ 202، الباب1.
2 . البقرة:43 و 83 و 110، النساء:77، 103 وغير ذلك مع اختلاف في اللفظ .

صفحه 68
التوبة(9):(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ).5.
وقال:(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَآتَى الزَّكَاةَ). 18.
وقال تعالى:(وَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).71.
الرعد(13):(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).22.
إبراهيم(14):(قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ).31.
وقال تعالى:(رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ ـ إلى قوله تعالى ـ : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي).37ـ 40.
مريم(19):(وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).31.
وقال تعالى:(وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ).55.
طه(20):(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).132.
الأنبياء(21):(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ).73.
الحج(22):(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ).41.
وقال تعالى:(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).78.
النور (24): (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).56.

صفحه 69
النمل (27): (هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).2ـ3.
العنكبوت(29):(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ).45.
الروم(30):(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).31.
لقمان(31):(هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).3ـ4.
وقال:(يَا بُني أَقِمِ الصَّلَوةَ).17.
فاطر(35):(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).18.
وقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).29.
الشورى(42):(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).38.
المجادلة(58):(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).13.
المزمّل(73):(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).20.
المدّثر(74):(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ).43.
القيامة(75):(فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى).31.
العلق(96):(أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى).9ـ10.
البيّنة(98):(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).5.

صفحه 70

التفسير:

(وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ) بإتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها وحدودها، وصيانتها ممّا يفسدها أو ينقصها، وفسّر في تفسير الإمام(عليه السلام)1 بالصلاة على محمّد وآل محمّد، وهو بطن من بطونها.
(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ): أي استعينوا على حوائجكم أو على قربه سبحانه والوصول إلى درجات الآخرة بالصّبر عن المعاصي وعلى الطاعات وفي المصائب، وبكلّ صلاة فريضة أو نافلة، وفيه دلالة على مطلوبيّة الصلاة في كلّ وقت، لا سيّما عند عروض حاجة. وقيل: أي بالجمع بينهما بأن تصلّوا صابرين على تكليف الصلاة، متحمّلين لمشاقّها، وما يجب من شرائطها وآدابها.
وقيل: استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة، كما روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا حزبه2 أمر فزع إلى الصلاة ; وعن ابن عبّاس أنّه نُعي إليه أخوه قُثم، وهو في سفر، فاسترجع وتنحّى عن الطريق فصلّى ركعتين، وأطال فيهما الجلوس ثمّ قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ)3. وسيأتي في أخبار كثيرة أنّ المراد بالصبر: الصوم، وأنّه ينبغي أن يستعين في الحوائج وغموم الدُّنيا بالصوم والصلاة.
وفي تفسير الإمام(عليه السلام): (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) عن الحرام على تأدية الأمانات وعن الرياسات الباطلة، وعلى الاعتراف بالحقّ واستحقاق الغفران والرضوان، ونعيم الجنان وبالصلوات الخمس والصلاة على النبيّ وآله الطاهرين، على قرب

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام):73.
2 . حزبه الأمر حزباً: أصابه واشتد عليه أو ضغطه فجأة، قيل: وفي الحديث:«كان إذا حزبه أمر صلّى»: أي إذا نزل به مهم وأصابه غم. لسان العرب:1/309، مادة «حزب».
3 . مسكّن الفؤاد للشهيد الثاني:56; شعب الإيمان للبيهقي:7/114 برقم 9682.

صفحه 71
الوصول إلى جنّات النعيم.1
(وَإِنَّهَا): أي الاستعانة بهما، أو أنّ الصلاة أو جميع الأُمور الّتي أُمر بها بنو إسرائيل من قوله:(اذْكُرُوا نِعْمَتِي) إلى قوله:(وَاسْتَعِينُوا) كما قيل .
وفي تفسير الإمام(عليه السلام) أنّ هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمّد وآله مع الانقياد لأوامرهم، والإيمان بسرّهم وعلانيتهم، وترك معارضتهم بلم وكيف.2
(لَكَبِيرَةٌ) لشاقّة ثقيلة كقوله:(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)3، (إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ): أي الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه، وذلك لأنّ نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقّعة في مقابلتها ما يستخفّ لأجله مشاقّها، ويستلذُّ بسببه متاعبها، كما قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«جعلت قرَّة عيني في الصلاة»4 وكان يقول: أرحنا يا بلال.
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ) في «التوحيد» و «الاحتجاج» و «تفسير العيّاشي» عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّ المعنى يوقنون أنّهم يبعثون، والظنُّ منهم يقين، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّقاء البعث، والظنّ هاهنا اليقين».5
وفي تفسير الإمام(عليه السلام): ويتوقّعون أنّهم يلقون ربّهم اللّقاء الّذي هو أعظم كرامته لعباده.6 وقيل: أي يتوقّعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، وفي مصحف عبد الله«يعلمون» ومعناه: يعلمون أنّه لابدّ من لقاء الجزاء، فيعملون على حسب ذلك،

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 237 ـ 238.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238.
3 . الشورى:13.
4 . الكافي:5/321 ح7 و 9، باب حب النساء.
5 . التوحيد:267، ط مكتبة الصدوق; الاحتجاج 132، ط النجف; تفسير العيّاشي:1/44 ح42.
6 . التفسير المنسوب الإمام العسكري:238.

صفحه 72
وأمّا مَن لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب كانت عليه مشقّة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين.
وفي «المجمع» بعد حمل الظنّ على اليقين. وقيل: إنّه بمعنى الظنّ غير اليقين، أي يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم بذنوبهم لشدّة إشفاقهم من الإقامة على معصية الله، قال الرُّماني: وفيه بعد، لكثرة الحذف. وقيل: الّذين يظنون انقضاء آجالهم وسرعة موتهم، فهم أبداً على حذر ووجل، ولا يركنون إلى الدُّنيا كما يقال لمن مات: لقي الله.1
(وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) قال الإمام (عليه السلام): أي إلى كراماته ونعيم جنّاته، قال: وإنّما قال:يظنّون، لأنّهم لا يدرون بماذا يختم لهم، لأنّ العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقيناً، لأنّهم لا يأمنون أن يغيّروا ويبدّلوا.2 انتهى.
ويسأل ويقال: ما معنى الرجوع هنا، وهم ما كانوا قطُّ في الآخرة فيعودوا إليها؟ ويجاب بوجوه: أحدها: أنّهم راجعون بالإعادة في الآخرة. وثانيها: أنّهم كانوا أمواتاً فأُحيوا ثمّ يموتون فيرجعون أمواتاً كما كانوا. وثالثها: أنّهم راجعون بالموت إلى موضع لا يملك أحدهم ضرّاً ولا نفعاً غيره تعالى، كما كانوا في بدء الخلق، فإنّهم في أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم، والتدبير لنفعهم وضرّهم.
والحقّ أنّه لمّا دلّت الأخبار على أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد، فهي قبل تعلّقها بالأجساد كانت في حالة تعود بعد قطع التعلّق إليها.
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ): أي يتمسّكون به، وقرأ أبو بكر يمسكون، بتسكين الميم وتخفيف السين، والباقون بالتشديد على بناء التفعيل، يقال: أمسك ومسّك وتمسّك واستمسك بالشيء بمعنى واحد، أي استعصم به، والكتاب

1 . مجمع البيان:1/197ـ198.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري:238.

صفحه 73
التوراة أو القرآن( وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ) في تخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات دلالة على جلالة موقعها، وشدّة تأكّدها.
وكذا قوله سبحانه:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)يدلّ على اشتراط الإيمان بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقيل: أي قبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنّ عصمة الدم لا يتوقّف على فعلهما (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): أي دعوهم يتصرَّفون في بلاد الإسلام، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وقيل: دعوهم يحجّوا معكم. وقال الطبرسي(رحمه الله): استدلّ بها على أنّ مَن ترك الصلاة متعمّداً يجب قتله، لأنّ الله أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا ويقيموا الصلاة، فإذا لم يقيموها وجب قتلهم.1 انتهى.
ويمكن أن يقال: إظهار الإسلام بعد الكفر لا يقبل إلاّ بالإتيان بهاتين الفريضتين اللّتين هما من عمدة شرائعه.
(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ) في حصر تعمير المساجد فيمن أتى بعد الإيمان بالله واليوم الآخر بهاتين الفريضتين دلالة على جلالة شأنهما.
(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض): أي أنصار بعض أو متولّي أُمورهم.
(يُقِيمُوا الصَّلَوةَ): أي أقيموا الصلاة يقيموا أو ليقيموا (لاَ بَيْعٌ فِيهِ) فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه (وَلاَ خِلاَلٌ) ولا مخالّة فيشفع له خليله.
(مِنْ ذُرِّيَّتِي): أي وبعض ذرّيتي.
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ): أي أهل بيتك وأهل دينك ; كما ذكره الطبرسي، أو أهل بيتك خاصة كما رواه أبو سعيد الخدريّ، قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول

1 . مجمع البيان:5/16.

صفحه 74
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: «الصلاة يرحمكم الله إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً» رواه الطبرسي وقال: ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن غيرهم مثل أبي برزة وابن أبي رافع، وقال أبو جعفر(عليه السلام):«أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون الناس، ليعلم الناس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامّة وأمرهم خاصّة».1
وفي العيون وغيره عن الرّضا(عليه السلام) في هذه الآية قال: «خصّنا الله بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الأُمّة بإقامة الصلاة ثمّ خصّنا من دون الأُمّة، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يجيء على باب عليّ وفاطمة بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات، فيقول: «الصلاة رحمكم الله» وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء(عليهم السلام) بمثل هذه الكرامة الّتي أكرمنا بها وخصّنا من دون جميع أهل بيتهم».2
وفي «نهج البلاغة»:«وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنّة لقول الله سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) فكان يأمر بها ويصبّر عليها نفسه».3
ثمّ اعلم أنّ الظاهر من الأخبار الماضية وما أوردنا سابقاً في مجلّدات الحجّة أنّ المراد من يختصّ به من أهل بيته لا أهل دينه مطلقاً، وأنّه إنّما أمر بذلك لبيان شرفهم وكرامتهم عليه تعالى، فما قيل إنّه يجب علينا أيضاً أمر أهالينا بدلالة التأسّي، محلّ نظر، وإن أمكن أن يقال: هذا لا ينافي لزوم التأسّي، ويؤيّده قوله

1 . مجمع البيان:7/68.
2 . عيون الأخبار:1/217، ح1، الباب23.
3 . نهج البلاغة:216، الخطبة 199، تحقيق صبحي الصالح.

صفحه 75
تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) الآية1 وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) بالمداومة عليها واحتمال مشاقّها، بل الأمر بها واحتمال مشاقّه أيضاً فهو(صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بها على أبلغ وجه(لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا) لا نكلّفك شيئاً من الرزق لا لنفسك ولا لغيرك(نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ما يكفيك وأهلك، فيحتمل أن يكون المراد ترك التوصّل إلى تحصيل الرزق وكسب المعيشة بالكلّية، ويكون من خصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمنافاة تحصيل الرزق، لتعرّض أشغال النبوّة وتحمّل أعبائها ويحتمل العموم كما ورد: «من كان لله كان الله له»2، و:«من أصلح أمر دينه أصلح الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس».3 وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)4 ولعلّ الأُولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء والاهتمام، لا ترك الطلب بالكليّة، وسيأتي تمام القول فيه في محلّه، (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى): أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى.
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) ورد في الأخبار الكثيرة أنّها نزلت في الأئمّة وقائمهم(عليهم السلام).5
(إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) قال الطبرسي(رحمه الله): في هذا دلالة على أنّ فعل الصلاة لطف للمكلّف في ترك القبيح والمعاصي الّتي ينكرها العقل والشرع، فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقاً وإلاّ فقد أُتي المكلّف من قبل نفسه، وقيل: إنّ الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء والمنكر، وذلك أنّ

1 . التحريم:6.
2 . شرح أُصول الكافي:4/163; تفسير الرازي:7/102.
3 . نهج البلاغة:483، قسم الحكم، برقم 89 مع تقديم وتأخير، وفيه: آخرته بدل: دينه.
4 . الطلاق:2و3.
5 . لاحظ : مناقب ابن شهر آشوب:3/207; بحار الأنوار:24/164ـ165.

صفحه 76
فيها التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة، والوقوف بين يدي الله سبحانه، وغير ذلك من صنوف العبادة، وكلّ ذلك يدعو إلى شكره، ويصرف عن ضدّه، فيكون مثل الأمر والنهي بالقول، وكلّ دليل مؤدّ إلى المعرفة بالحقّ فهو داع إليه، وصارف عن الباطل الّذي هو ضدّه.
وقيل: معناه إنّ الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر مادام فيها. وقيل: معناه أنّه ينبغي أن تنهاه كقوله:(وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)1 وقال ابن عبّاس: في الصلاة منهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلاّ بعداً; وعن النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بعداً».
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومعنى ذلك أنّ الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثمّ لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة الّتي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك وترك المعاصي فقد تبيّن أنّ صلاته كانت نافعة له وناهيته، وإن لم ينته إلاّ بعد زمان.
وروي أنّ فتى من الأنصار كان يصلّي الصلاة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «إنّ صلاته تنهاه يوماً ما»، فلم يلبث أن تاب.
وعن جابر قال: قيل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ فلاناً يصلّي بالنهار ويسرق باللّيل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه».
وروى أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «مَن أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ فبقدر ما منعته قبلت

1 . آل عمران:97.

صفحه 77
منه». انتهى كلام الطبرسي.1
(وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)روي عن الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «ذكر الله لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم إيّاه، ألاترى أنّه يقول:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)2.3 وعن الصادق(عليه السلام): «أنّه ذكر الله عند ما أحلّ وحرّم».4
وقال الطبرسي: أي ولذكر الله إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته; عن ابن عباس وغيره. وقيل: ذكر العبد لربّه أكبر ممّا سواه وأفضل من جميع أعماله ; عن سلمان وغيره، وعلى هذا فيكون تأويله أنّ أكبر شيء في النهي عن الفواحش ذكر العبد ربه وأوامره ونواهيه، وما أعدّه من الثواب والعقاب، فإنّه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة وترك المعصية، وهو أكبر من كلّ لطف. وقيل: معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. وقيل: ذكر الله هو التسبيح والتقديس وهو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر.5
(وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فيه إيماء إلى أنّ ترك الصلاة نوع من الشرك.
(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ) فيه إيماء إلى أنّ العمدة في الإحسان إقامة الصلاة.
(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)6: أي بالقلب الّذي هو غائب عن الحواسّ، أو هم غائبون عمّا يخشون الله بسببه من أحوال الآخرة وأهوالها أو يخشون ربّهم في خلواتهم وغيبتهم عن الخلق (وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ)لعلّ فيه إيماء إلى أنّ الصلاة المقبولة هي الّتي تكون لخشية الله تعالى ومقرونة بها، وإنّما خصّ

1 . مجمع البيان:8/28ـ29.
2 . البقرة:152.
3 . تفسير القمّي:2/150.
4 . الخصال:1/63.
5 . مجمع البيان:8/29.
6 . فاطر:18.

صفحه 78
الإنذار بهم لأنّهم المشفّعون به دون غيرهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ) في الصلاة وغيرها(لَنْ تَبُورَ): أي لن تكسد ولن تفسد ولن تهلك.
(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): أي قبلوا ما أُمروا به، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم في إقامة الإمام.1 ويدلّ على أنّ الصلاة من عمدة المأمورات وأشرفها، وعلى ما في التفسير يومي إلى اشتراط قبول الصلاة وسائر الأعمال بالولاية.
(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يعني الصلاة الواجبة كما سيأتي من «نهج البلاغة» ويدلُّ على مخاطبة الكفّار بالفروع، وقد مرّ تأويلها بمتابعة أئمّة الدين وبالصلاة عليهم.2
(فَلاَ صَدَّقَ): أي بما يجب أن يصدِّق به، أو لم يتصدَّق بشيء (وَلاَ صَلَّى): أي لم يصلّ لله.
(أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى) ماذا يكون جزاؤه وما يكون حاله، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم قال: كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة وأن يطاع الله ورسوله، فقال: (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى).3
أنواع الصلاة والمفروض والمسنون منها ومعنى الصلاة الوسطى   …
وفي «مجمع البيان» جاء في الحديث أنّ أبا جهل قال: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فبالّذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، فقيل هاهو ذلك يصلّي، فانطلق ليطأ على رقبته فرأى معجزة ونكص على عقبيه وتركه، فأنزل الله هذه الآية.4 وقد مرّت الأخبار في ذلك.

1 . تفسير القمّي:2/277.
2 . راجع : بحار الأنوار : 24 / 7 و 300 و 301 .
3 . تفسير القمّي:2/430.
4 . مجمع البيان:10/400.

صفحه 79
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي لا يشركوا في عبادته سبحانه أحداً، ويدلُّ على وجوب الإخلاص وتحريم الرياء (حُنَفَاءَ) مايلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ): أي دين الملّة القيّمة، أو الكتب القيّمة، ويشعر بأنّ الإخلال بالصلاة والزكاة وشرائطهما مخرج من الدين القويم.

[الباب الثاني]

أنواع الصلاة والمفروض والمسنون منها
ومعنى الصلاة الوسطى1

الآيات:

البقرة(2):(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ).238.

التفسير:

المحافظة عليها بأدائها في أوقاتها، والمواظبة عليها بجميع شروطها وحدودها، وإتمام أركانها، ويدلُّ ـ بناء على كون الأمر مطلقاً أو خصوص أمر القرآن للوجوب ـ على وجوب المحافظة على جميع الصلوات، إلاّ ما أخرجها الدليل، وربّما يستدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة والعيدين والآيات، لكن في بعض الروايات أنّ المراد بها الصلوات الخمس، وعلى تقدير العموم يمكن تعميمها بحيث يشمل النوافل والتطوُّعات أيضاً، فلا يكون الأمر على الوجوب، ويشمل رعاية السنن في الصلاة الواجبة أيضاً كما يفهم من بعض الأخبار، وعلى الوجوب أيضاً يمكن أن تعمّ النوافل أيضاً بمعنى رعاية ما يوجب صحّتها، وعدم

1 . بحار الأنوار: 79/277ـ282، الباب 3.

صفحه 80
تطرُّق بدعة إليها، فيؤوّل إلى أنّه إذا أتيتم بالنافلة فأتوا بها على ما أُمرتم برعاية شرائطها ولوازمها، وفيه مجال نظر.
وخصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم، لشدّة الاهتمام بها لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضياع من بينها، فهي الوسطى بين الصلوات وقتاً أو عدداً، أو الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط، وقد قال بتعيين كلّ من الصلوات الخمس قوم إلاّ أنّ أصحابنا لم يقولوا بغير الظهر والعصر كما يظهر من «المنتهى» وغيره.1
فقال الشيخ في «الخلاف»2: إنّها الظهر، وتبعه جماعة من أصحابنا، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن شدّاد، لأنّها بين صلاتين بالنهار، ولأنّها في وسط النهار، ولأنّها تقع في شدّة الحرّ والهاجرة، وقت شدّة تنازع الإنسان إلى النّوم والراحة، فكانت أشقّ، وأفضل العبادات أحمزها، وأيضاً الأمر بمحافظة ما كان أشقّ أنسب وأهمّ ; ولأنّها أوّل صلاة فرضت، ولأنّها في الساعة الّتي يفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء. قيل: ولأنّها بين البردين صلاة الصبح وصلاة العصر. وقيل: لأنّها بين نافلتين متساويتين، كما نقل عن ابن الجنيد أنّه علّل به.
وروى الجمهور عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلّي صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منها، فنزلت الآية، رواه أبو داود.3 وروى الترمذيّ وأبو داود عن عائشة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قرأ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر».4

1 . منتهى المطلب:4/158ـ159.
2 . الخلاف:1/294، المسألة 40.
3 . سنن أبي داود:1/102 برقم 411، باب في وقت صلاة الظهر.
4 . سنن الترمذي: 4/285 برقم 4065; سنن أبي داود:1/102 برقم 410.

صفحه 81
قال في «المنتهى»: والعطف يقتضي المغايرة. لا يقال: الواو زائدة كما في قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) لأنّا نقول: الزيادة منافية للأصل، فلا يصار إليها إلاّ لموجب. والمثال الّذي ذكروه نمنع زيادة الواو فيه، بل هي للعطف على بابها.1
وقال في «مجمع البيان»: كونها الظهر هو المرويّ عن الباقر والصادق(عليهما السلام)وعن بعض أئمّة الزيديّة أنّها الجمعة في يومها، والظهر في غيرها.2 كما سيأتي في بعض أخبارنا.
وقال السيّد المرتضى(رحمه الله): هي صلاة العصر3، وتبعه جماعة من أصحابنا. وبه قال: أبو هريرة، وأبو أيّوب، وأبو سعيد عبيدة السّلماني، والحسن، والضحّاك، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، ونقله الجمهور عن عليّ(عليه السلام) قالوا: لأنّها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. واحتجّ السيد بإجماع الشيعة، والمخالفون بما رووا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً.4
وروى في «الكشّاف» عن صفيّة أنّها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه فلا تكتبها حتّى أُملئها عليك كما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ فأملت عليه:«والصلاة الوسطى صلاة العصر» وبأنّها تقع في حال اشتغال الناس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشقّ.5

1 . منتهى المطلب:4/159.
2 . مجمع البيان:2/127.
3 . رسائل الشريف المرتضى:1/275، الرسالة السادسة (جوابات المسائل الميافارقيات).
4 . صحيح مسلم:2/112، باب الدليل لمن قال إنّ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
5 . تفسير الكشّاف: 1/376. وفيه: «حفصة» بدل «صفية».

صفحه 82
وقال بعض المخالفين: هي المغرب لأنّها تأتي بين بياض النهار وسواد اللّيل، ولأنّها متوسّطة في العدد بين الرباعية والثنائيّة، ولأنّها لا تتغيّر في السفر والحضر مع زيادتها على الركعتين، فيناسب التأكيد، ولأنّ الظهر هي الأُولى إذ قد وجبت أوّلاً فتكون المغرب هي الوسطى.
وقال بعضهم: هي العشاء لأنّها متوسّطة بين صلاتين لا تقصّران، أو بين ليليّة ونهاريّة، ولأنّها أثقل صلاة على المنافقين كما روي. وقال بعضهم: هي الصبح لتوسّطها بين صلاتي اللّيل وصلاتي النهار، وبين الظلام والضياء، ولأنّها لا تجمع مع أُخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين ولمزيد فضلها لشهود ملائكة اللّيل وملائكة النهار، وعندها، ولأنّها تأتي في وقت مشقّة من برد في الشتاء، وطيب النوم في الصيف، وفتور الأعضاء، وكثرة النعاس، وغفلة الناس، واستراحتهم فكانت معرضة للضّياع، فخصّت لذلك بشدّة المحافظة، وبه قال مالك والشافعيّ وقال: ولذا عقّبه بالقنوت، فإنّه لا يشرع عنده في فريضة إلاّ الصبح إلاّ عند نازلة فيعمّ.
وقيل: هي مخفيّة مثل ليلة القدر وساعة الإجابة، واسم الله الأعظم لئلاّ يتطرّق التساهل إلى غيرها بل يهتمُّ غاية الاهتمام بكلّ منها، فيدرك كمال الفضل في الكلّ.
والظاهر أنّها الجمعة والظهر، وإنّما أُبهم بعض الإبهام لتلك الفائدة وغيرها ممّا قيل في إخفاء أمثالها، وسيتّضح لك ذلك في تضاعيف ما يقرع سمعك من الأخبار.1
   …

1 . آيات الأحكام للاسترآبادي:92ـ 95.

صفحه 83

[الباب الثالث]

أوقات الصلوات1

الآيات:

آل عمران(3):مخاطباً لزكريا(عليه السلام):(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).41.
النساء(4):(إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).103.
هود(11):(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).114 ـ 115.
الإسراء(17):(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا).78.
مريم(19):(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).11.
طه(20):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى).130.
الأنبياء(21):(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).90.
الروم(30):(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).17 ـ 18.
الأحزاب(33):(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).42.
المؤمن (غافر)(40):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).55.

1 . بحار الأنوار:79/312ـ 329، الباب 5.

صفحه 84
الفتح(48):(وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).9.
ق(50):(وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).39ـ 40.
الطور(52):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).48 ـ49.
الدهر(76):(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً). 25ـ26.

التفسير:

(وَسَبِّحْ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي نزّه الله سبحانه، وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صلّ، يقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي (بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) في آخر النهار وأوّله، وقال: العشيّ من حين زوال الشمس إلى غروبها، والعشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولّي صدر اللّيل، والإبكار من حين طلوع الشمس إلى وقت الضحى.1
(إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ)2: أي صارت. أو تكون «كان» زائدة في تلك المواضع، كما في قوله عزّ وجلّ: (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)3 وأمثاله، أو المعنى كانت على الأُمم السالفة كذلك، وما سيأتي من أخبار صلاة سليمان(عليه السلام) يؤيّد الثاني(عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) تخصيص المؤمنين لتحريضهم وترغيبهم على حفظها وحفظ أوقاتها، حالتي الأمن والخوف، ومراعاة جميع حدودها في حال الأمن،

1 . مجمع البيان:2/290.
2 . النساء:103.
3 . النساء:92 و 104 و 170 وغير ذلك.

صفحه 85
وإيماء بأنّ ذلك من مقتضى الإيمان وشعار أهله، فلا يجوز أن يفوتهم، وأنّ التساهل فيها يخلُّ بالإيمان، وأنّهم هم المنتفعون بها لعدم صحّتها من غيرهم.
(كِتَابًا مَوْقُوتًا) قال الطبرسي(رحمه الله): اختلف في تأويله، فقيل: معناه واجبة مفروضة، عن ابن عبّاس، وهو المرويّ عن الباقر والصادق(عليهما السلام). وقيل: معناه فرضاً موقّتاً أي منجّماً يؤدُّونها في أنجمها; عن ابن مسعود وقتادة.1
وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام): موقوتاً أي ثابتاً، وليس إن عجلت قليلاً وأخّرت قليلاً بالّذي يضرُّك ما لم تضع تلك الإضاعة، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول لقوم:(أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)2.3
(أَقِمِ الصَّلَوةَ) قيل: معنى إقامة الصلاة تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قوَّمه، أو المداومة والمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت لأنّها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الّذي يتوجّه إليه أهل الرغبة ويتنافسون فيه، وإذا عطّلت وأُضيعت كانت كالشيء الكاسد الّذي لا يرغب فيه، أو التجلّد والتشمّر لأدائها، وأن لا يكون في مؤدّيها فتورٌ ولا توان، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساق، أو أداؤها فعبّر عن الأداء بالإقامة، لأنّ القيام بعض أركانها كما عبّر عنه بالقنوت وبالركوع وبالسجود.
أقول: ويظهر من بعض ما سبق من الأخبار4 أنّه شبّه الصلاة من بين أجزاء الإيمان بعمود الفسطاط؟ فنسب إليها الإقامة لكونها من لوازمه وملائماته.
(طَرَفَيِّ النَّهَارِ): أي غدوة وعشيّة وانتصابه على الظرف، لأنّه مضاف إليه

1 . مجمع البيان:3/178.
2 . مريم:60.
3 . الكافي:3/270، ح13، باب من حافظ على صلاته.
4 . بحار الأنوار : 79 / 218 .

صفحه 86
(وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ): أي وساعات منه قريبة من النهار، فإنّه من أزلفه إذا قربه، وهو جمع زلفة، فهو معطوف على طرفي النهار، ويمكن عطفه على الصلاة أي أقم قربة أي ذا قربة في اللّيل، والأوّل أظهر. وقيل: صلاة أحد الطرفين الفجر، والآخر الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشيٌّ، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وعن ابن عبّاس وغيره: أنّ طرفي النهار وقت صلاة الفجر والمغرب، والزلف وقت صلاة العشاء الآخرة. وهو المرويُّ عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث زرارة كما مرّ.
وهذا ممّا يوهم كون أوّل النهار من طلوع الشمس ليكون طرفاه معاً خارجين، ويمكن الجواب بأنّ المتبادر من الطرف أن يكون داخلاً، فإذا ارتكب التجوّز في أحد الطرفين لا يلزم ارتكابه في الآخر، مع أنّه يمكن أن تكون النكتة فيه الحثُّ على المبادرة إلى إيقاع المغرب قريباً من اليوم، ومن قال بدخول وقت المغرب بغيبوبة القرص يمكنه أن يقول بامتداد النهار إلى ذهاب الحمرة، فيستقيم في الجملة. وقيل: بناء هذا القول ظاهراً على أنّ النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشفق، ولعلّه لم يقل به أحد.
وقال في «مجمع البيان»: وترك ذكر الظهر والعصر لأحد أمرين: إمّا لظهورهما في أنّهما صلاة النهار، فكأنّه قال: وأقم الصلاة طرفي النهار، مع المعروفة من صلاة النهار، أو لأنّهما مذكوران على التبع للطرف الآخر، لأنّهما بعد الزوال، فهما أقرب إليه. وقيل: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر وصلاة الزلف المغرب والعشاء، قال الحسن: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «المغرب والعشاء زلفتا اللّيل»، وقيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر.1
وقيل: على تقدير كون المراد بقوله:(وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) أقم صلوات ليقرّب بها إلى الله عزّ وجلّ في بعض اللّيل، يحتمل أن يكون إشارة إلى صلاة اللّيل

1 . مجمع البيان:5/344ـ345.

صفحه 87
المشهورة، وحينئذ ينبغي إدخال العشائين في صلاة طرفي النهار.
أقول: على الوجه الآخر أيضاً يحتمل أن يكون المراد صلاة اللّيل بأن يكون المراد بالزُّلف الساعات القريبة من الصبح.
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) قال الطبرسي: قيل: معناه أنّ الصلوات الخمس تكفّر ما بينها بأن تكون اللاّم للعهد; عن ابن عباس وأكثر المفسّرين، وقد مرّ في باب فضل الصلاة خبر الثماليّ1 وهو يدلّ على ذلك.
وروى الواحديّ باسناده عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصناً يابساً منها فهزّه حتّى تحاتت ورقه، ثمّ قال: ألا تسألني لِمَ أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ تفعله؟ قال: هكذا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منها غصناً يابساً فهزّه حتّى تحاتت ورقه، ثمّ قال: ألا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ فعلته؟ قال: «إنّ المسلم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلاة الخمس تحاتت خطاياه كما تحاتت هذه الورق»، ثمّ قرأ هذه الآية: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَىِّ النَّهَارِ) إلى آخرها.2
وباسناده عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد ننتظر الصلاة، فقام رجل فقال: يا رسول الله إنّي أصبت ذنباً، فأعرض عنه، فلمّا قضى النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة، قام الرجل فأعاد القول، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أليس قد صلّيت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور؟ قال: بلى، قال: فإنّها كفّارة ذنبك»3. 4

1 . لاحظ : بحار الأنوار:79/220، ح41.
2 . مسند أحمد:5/437.
3 . كنز العمال:8/6 برقم 21626.
4 . مجمع البيان:5/345.

صفحه 88
وفي الحديث النبويّ المشهور: «أنّ الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما، ما اجتنب الكبائر».1
وفي «مجالس الصدوق» عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّ الله يكفّر بكلّ حسنة سيّئة، ثمّ تلا الآية.2
وفي «الكافي» وغيره عن الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية:«إنّ صلاة المؤمن باللّيل يذهب بما عمل من ذنب بالنهار».3 وهذا ممّا يؤيّد كون صلاة اللّيل داخلة في عداد الصلوات الماضية، إذ ظاهر سياق الخبر نافلة اللّيل. وقيل: معناه أنّ المداومة على فعل الحسنات تدعو إلى ترك السيّئات فكأنّها تذهب بها. وقيل: المراد بالحسنات التوبة، ولا يخفى بعده.
(ذَلِكَ): أي ما مرّ من تكفير السيّئات أو الأعمّ (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) تذكار وموعظة لمن تذكّر به وفكّر فيه (وَاصْبِرْ) على الصلاة، أو مطلق الطاعات أو تبليغ الرسالات (فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ): أي المصلّين أو الأعمّ وهو أظهر.
(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) اللاّم للتوقيت مثلها في قولهم: لثلاث خلون، وفي «مجمع البيان» قال قوم: دلوك الشمس زوالها، وهو المرويُّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام)، وقال قوم: هو غروبها; والقول الأوّل هو الأوجه، لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فصلاتا دلوك الشمس: الظهر والعصر، وصلاتا غسق اللّيل هما: المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر. وغسق اللّيل هو أوّل بدو اللّيل. وقيل: هو غروب الشمس. وقيل: سواد اللّيل وظلمته. وقيل: هو انتصاف اللّيل; عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام). واستدلّ قوم من أصحابنا بالآية

1 . مستدرك الوسائل:3/16 برقم 2900; كنز العمال:7/318 برقم 19058.
2 . أمالي الطوسي:26 ح31، المجلس الأوّل. ولم نجده في أمالي الصدوق.
3 . الكافي:3/266 ح10، باب فضل الصلاة.

صفحه 89
على أنّ وقت صلاة الظهر والعصر موسّع إلى آخر النهار لأنّه سبحانه أوجب إقامة الصلاة من وقت دلوكها إلى غسق اللّيل، وذلك يقتضي أنّ ما بينهما وقت.
والحاصل: أنّه تعالى جعل من دلوك الشمس الّذي هو الزوال إلى غسق اللّيل وقتاً للصلوات الأربع إلاّ أنّ الظهر و العصر اشتركا في الوقت من الزوال إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت من الغروب إلى الغسق، وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها.1
أقول: ويدلُّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة ورواية عبيد بن زرارة الآتية وغيرهما،ويدلُّ على أنّ آخر وقت العشائين نصف اللّيل، ويمكن حمله على المختار للأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ وقتها للمضطرّ ممتدٌّ إلى الفجر، وسيأتي القول فيه.
(قُرْآنَ الْفَجْرِ) عطف على الصلاة أي: وأقم قرآن الفجر، وأهل البصرة على أنّ النَّصب على الإغراء، أي: عليك بصلاة الفجر; والأوّل أظهر، وإطلاق قرآن الفجر على صلاته من قبيل تسمية الكلّ باسم الجزء كما مرّ، ولعلّ الوجه في تخصيص هذه الصلاة من بينها بهذا الاسم; لأنّ القراءة مع الجهر بها مستغرقة لجميع ركعاتها، دون باقي الصلاة، أو لأنّ القراءة فيها أهمّ مرغّب فيها أكثر منها في غيرها، ولذلك كانت أطول الصلاة قراءة، فكأنّها تغلب باقي أجزائها، فغلّب في الاسم، وكرّر التعبير عنها به تنبيهاً عليه وترغيباً فيه. وهذا أظهر، ففيها دلالة على استحباب قراءة السور الطوال فيها كما ورد في الأخبار أيضاً.
(إنّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا): أي تشهده ملائكة اللّيل وملائكة النهار كما مرّ في الخبر، أو من حقّه أن يشهده الجمُّ الغفير كما قيل، أو يشهده الكثير من

1 . مجمع البيان:6/282ـ283.

صفحه 90
المصلّين في العادة أو هو المشهود بشواهد القدرة، وبدائع الصنع، ولطائف التدبير من تبدلّ الظلمة بالضياء، والنوم الّذي هو أخو الموت بالانتباه الّذي هو ارتجاع الحياة، وحدوث الضوء المستطيل على الاستقامة في طول الفلك، واستعقاب غلس الظلام، ثمّ انتشار الضياء المستطير المعترض في عرض الأُفق كما قيل، وما في الخبر هو المؤثر.
(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) قال الطبرسي: أي أشار إليهم. وقيل: كتب لهم في الأرض(أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): أي صلّوا فيهما، وتسمّى الصلاة سبحة وتسبيحاً لما فيها من التسبيح. وقيل: أراد التسبيح بعينه.1
(وَسَبِّحْ) المراد بالتسبيح إمّا ظاهره فيراد المداومة على التسبيح والتحميد في عموم الأوقات، أو الأوقات المعيّنة، أو الصلاة كما هو المشهور بين المفسّرين. ويؤيّد الأوّل ما رواه في «الخصال»2 عن الصادق(عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية؟ فقال: «فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس وقبل غروبها عشر مرّات:«لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وعلى كلّ شيء قدير». ويؤيّد الثاني ما رواه في «الكافي» عن الباقر(عليه السلام) في قوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)قال: «يعني تطوّع بالنّهار».3
(بِحَمْدِ رَبِّكَ) في موضع الحال أي وأنت حامدٌ لربّك على أن وفّقك للتسبيح وأعانك عليه، أو على أعمّ من ذلك(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)الأشهر أنّ التسبيح قبل الطلوع صلاة الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر (وَمِنْ

1 . مجمع البيان:6/406.
2 . الخصال:452، لكن الحديث ضعيف الاسناد، مخالف لظاهر القرآن بل والإجماع من المسلمين أنّه ليس فريضة عليهم.
3 . الكافي:3/444 ح11، باب صلاة النوافل.

صفحه 91
آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ): أي وتعمّد من ساعاته، جمع إنّى بالكسر والقصر، وأناء بالفتح والمدّ، يعني المغرب والعشاء على المشهور.
(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) تكرير لصلاتي الصبح والمغرب على إرادة الاختصاص كما في قوله:(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ)1 ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الالتباس كقوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)2 ففيها دلالة على وجوب الصلوات الخمس وسعة أوقاتها في الجملة. قيل: ويدلُّ على اشتراك الصلاتين في جميع الوقت وعلى أنّ وقت العشائين جميع اللّيل إلاّ أن يراد بـ (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) بعضٌ معيّن منه حملاً للإضافة على العهد.
وقيل: أطراف النهار إشارة إلى العصر تخصيصاً لها، لأنّها الصلاة الوسطى والجمع باعتبار أنّ كلّ جزء من أوقاتها كأنّه طرف، وقد يؤيّد بقراءة(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) بالكسر عطفاً على (آنَاءِ اللَّيْلِ) فإنّ الظاهر أنّ من للتبعيض، وقبل غروبها صلاة العصر، وأطراف النهار هو الظهر، لأنّ وقته الزوال، وهو آخر النصف الأوّل من النهار وأوّل النصف الثاني.
وقيل: المراد بآناء اللّيل صلاة العشاء وأطراف النهار صلاة الظهر والمغرب لأنّ الظهر في آخر الطرف الأوّل من النهار، وأوّل الطرف الآخر، فهو طرفان منه، والطرف الثالث غروب الشمس فيه صلاة المغرب، ولا يخفى وهنه.
ويفهم من «الكشّاف» قول آخر: وهو أن يكون آناء اللّيل العشاء، وأطراف النهار المغرب والصبح أيضاً على طريق الاختصاص.3 وقد احتمل أن يكون أطراف النهار باعتبار التطوّع في أجزائه آناً فآناً، من دون فريضة أو معها، كما نقل

1 . البقرة:238.
2 . التحريم:5.
3 . تفسير الكشّاف: 2/559.

صفحه 92
الطبرسي(رحمه الله)1 عن ابن عباس في آناء اللّيل أنّها صلاة اللّيل كلّه، ويحمل الأمر على معنييه أو الرجحان المطلق أو الاستحباب باعتبار جواز الترك بالاقتصار على الفريضة أو باختصاص الأمر بالنوافل، فإنّ إطلاق السبحة وإرادة النافلة في رواياتنا شايعة، وفي الخبر المتقدّم عن الباقر(عليه السلام) دلالة عليه، وربّما احتمل ذلك في قوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) أيضاً.
وقيل: يحتمل وجوه أُخرى، منها: أن يكون معنى(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ)وتعمّد بعض آناء اللّيل مختصّاً لها بسبحتها بقرينة التكرار ويكون (فَسَبِّحْ)عطفاً على سبّح أي: فسبّح من آناء اللّيل وأطراف النهار، فيكون الفاء حرف عطف لا جواب الأمر، ويكون الكلام تضمّن تكرار التسبيح في هذه الأوقات إمّا على تكرارها كلّ يوم، أو الأوّل للفرائض، والثاني للنوافل، وعلى الأوّل يحتمل شمولها لهما بل للتعقيب ونحوه.
ومنها: أن يكون الإغراء مجاباً بقوله:(فَسَبِّحْ) ويكون (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)إشارة إلى الصبح والعصر، أو الصّلوات النهاريّة جميعاً على طريق الاختصاص لكثرة عروض الموانع في النهار، هذا مع الاختصاص بالفرائض، أو شمول النوافل أيضاً، وربّما احتمل حينئذ أن يكون (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) إشارة إلى أوقات الخمس لكنّه بعيد جدّاً.
ومنها: أن يكون (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) شاملاً للمغرب والعشاء أيضاً (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)للظهر والعصر (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) إلخ للصلوات الخمس جميعاً مرّة أُخرى، فإن أُريد بالأخير النوافل أمكن التأكيد بالإغراء، لكونها في معرض التهاون لعدم الوجوب. انتهى. ولا يخفى ما في الأكثر من التكلّف والتعسّف، مع عدم الاستناد إلى حجّة ورواية، نعم التعميم بشمول الفرائض والنوافل والصلوات

1 . مجمع البيان:7/66.

صفحه 93
والتسبيحات وسائر الأذكار وجه جمع بين الأخبار، والله يعلم تأويل الآيات وحججه الأخيار.
(لَعَلَّكَ تَرْضَى): أي بالشفاعة والدرجة الرفيعة، وقيل بجميع ما وعدك الله به من النصر، وإعزاز الدين في الدُّنيا، والشفاعة والجنّة في الآخرة.
(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي الأنبياء الّذين تقدّم ذكرهم كانوا يبادرون إلى الطاعات والعبادات، وقال الطبرسي(رحمه الله) فيها دلالة على أنّ المسارعة إلى كلّ طاعة مرغّب فيها، وعلى أنّ الصلاة في أوّل الوقت أفضل.1
(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) قال البيضاوي: إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات، أو دلالة على أنّ ما يحدث فيها من الشواهد ناطقة بتنزيهه واستحقاقه للحمد ممّن له تميّز من أهل السماوات والأرض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأنّ آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر وتخصيص الحمد بالعشاء الّذي هو آخر النهار من عشي العين إذا نقص نورها، والظهيرة الّتي هي وسطه، لأنّ تجدُّد النعم فيهما أكثر، ويجوز أن يكون (عَشِيًّا) معطوفاً على (حِينَ تُمْسُونَ) وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْض) اعتراضاً، وعن ابن عباس أنّ الآية جامعة2 للصلوات الخمس (تُمْسُونَ) صلاتا المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ)صلاة الفجر و (عَشِيًّا)صلاة العصر و (تُظْهِرُونَ)صلاة الظهر. انتهى.3
وقيل: يحتمل أن يكون المراد بتسبيح المساء: المغرب، وبـ : عشيّاً: العشاء، وبـ : تظهرون: الظهرين; وأن يراد بـ : عشيّاً: المغرب والعشاء، وبـ : تمسون: العصر،

1 . مجمع البيان:7/110.
2 . لكن سورة الروم مكية، والصلوات الخمس نزلت بالمدينة.
3 . تفسير البيضاوي:4/331.

صفحه 94
وبـ : تظهرون: الظهر. وقد يقال: معنى أمسى دخل في المساء، وأصبح دخل في الصباح، فتقييد ذلك بحين يقتضي نوع اختصاص بأوّل الوقت فلا يبعد حمل الطلب فيه على الاستحباب، وقال الطبرسي(رحمه الله): وإنّما خصّ تعالى هذه الأوقات بالذكر لأنّها أوقات تذكّر بإحسان الله، وذلك لأنّ انقضاء إحسان أوّل إلى إحسان ثان، يقتضي الحمد عند تمام الإحسان الأوّل، والأخذ في الآخر، كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنّة بقوله: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1 ; لأنّ ذلك حال الانتقال من نعيم الدُّنيا إلى الجنّة.2
وإنّما خصّ صلاة اللّيل باسم التسبيح، وصلاة النهار باسم الحمد، لأنّ الإنسان في النهار منقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها، وفي اللّيل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الأسواء فيها، فلذلك صار الحمد بالنهار أخصّ، فسمّيت به صلاة النهار، والتسبيح باللّيل أخصّ فسمّيت به صلاة اللّيل.
(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) قال الطبرسي(رحمه الله): أي نزّهوه سبحانه عن جميع ما لا يليق به بالغداة والعشيّ، والأصيل العشيّ، وقيل: يعني به صلاة الصبح وصلاة العصر، وقيل: صلاة الصبح وصلاة العشاء الآخرة، خصّهما بالذكر لأنّ لهما مزيّة على غيرهما، وقال الكلبي: أمّا بكرة فصلاة الفجر، وأمّا أصيلاً فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وسمّى الصلاة تسبيحاً لما فيها من التسبيح والتنزيه.3
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) قال في المعالم: قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عبّاس: الصلوات الخمس، وقيل: كان

1 . يونس:10.
2 . مجمع البيان :8/51.
3 . مجمع البيان:8/167.

صفحه 95
الواجب بمكّة ركعتان بكرة وركعتان عشيّة.
وقال الطبرسي(رحمه الله): في قوله تعالى: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي وتصلّوا لله بالغداة والعشيّ.1
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) التسبيح كما مرّ إمّا محمول على ظاهره، أو على الصلاة، أو عليهما. والصلاة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) الفجر (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)الظهران، وقيل: العصر: (وَمِنَ اللَّيْلِ) العشاءان. وقيل: التهجّد (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)التسبيح في أعقاب الصلوات والسجود والركوع يعبّر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات، والأدبار جمع دبر وقرأ بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، ومعناه وقت انقطاع السجود.
وقال في «مجمع البيان»: روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سئل عن قوله:(وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) فقال: تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرات: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو على كلّ شيء قدير» وقال: في أدبار السجود أقوال: أحدها: أنّ المراد به الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر; عن عليّ بن أبي طالب والحسن بن علي(عليهما السلام)وعن ابن عباس مرفوعاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وثانيها: أنّه التسبيح بعد كلّ صلاة; عن ابن عبّاس ومجاهد. وثالثها: أنّه النوافل بعد المفروضات. ورابعها: أنّه الوتر من آخر الليل، وروي ذلك عن أبي عبد الله(عليه السلام).2
(حِينَ تَقُومُ) قال عليّ بن إبراهيم: لصلاة اللّيل.3

1 . مجمع البيان: 9 / 188 .
2 . مجمع البيان:9/250.
3 . تفسير القمّي:2/333.

صفحه 96
وقال الطبرسي(رحمه الله): من نومك. وقيل: حين تقوم إلى الصلاة المفروضة، فقل «سبحانك اللّهمّ وبحمده». وقيل: معناه وصلِّ بأمر ربّك حين تقوم من منامك. وقيل: الركعتان قبل صلاة الفجر; عن ابن عباس. وقيل: حين تقوم من نوم القائلة وهي صلاة الظهر. وقيل: معناه اذكر الله بلسانك حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة. وقيل: حين تقوم من المجلس، فقل: «سبحانك اللّهمّ وبحمدك لا إله إلاّ أنت اغفر لي وتب عليّ» وقد روي مرفوعاً أنّه كفّارة المجلس. انتهى.1
أقول: وقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليكن آخر كلامه من مجلسه:(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).2
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)قال عليّ بن إبراهيم: يعني صلاة اللّيل.3
وقال الطبرسي(رحمه الله): روى زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) في هذه الآية قالا: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم من اللّيل ثلاث مرات، فينظر في آفاق السماء فيقرأ خمس آيات من آل عمران(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ـ إلى ـ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ثمّ يفتتح صلاة اللّيل». الخبر. وقيل: معناه صلّ المغرب والعشاء الآخرة.
الحثّ على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها وذمّ إضاعتها والاستهانة بها   …
(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) يعني الركعتين قبل صلاة الفجر; عن ابن عباس، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام)، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح. وقيل: يعني صلاة الفجر المفروضة. وقيل: إنّ المعنى لا تغفل عن ذكر ربّك صباحاً ومساء، ونزِّهه في جميع أحوالك ليلاً ونهاراً، فإنّه لا يغفل عنك وعن

1 . مجمع البيان:9/283.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/325 برقم 954.
3 . تفسير القمّي:2/333.

صفحه 97
حفظك. وقيل: فيها وجوه أُخرى لم تستند إلى خبر ولا أثر، فلذا لم نتعرّض لها.1
(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) يمكن حمله على صلوات طرفي النهار (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) على فرائض اللّيل (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) على التهجّد، قال الطبرسي(رحمه الله): روي عن الرضا(عليه السلام) أنّه سأله أحمد بن محمّد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة اللّيل.2

[الباب الرابع]

الحثّ على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها وذمّ إضاعتها والاستهانة بها3

الآيات:

البقرة(2):(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ). 238.
الأنعام(6):(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ).92.
مريم(19):(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).59.
الأنبياء(21):(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).90.
المؤمنون(23):(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ). 9.

1 . مجمع البيان:9/283.
2 . مجمع البيان:10/226.
3 . بحار الأنوار:80 / 1ـ6، الباب6.

صفحه 98
وقال تعالى:(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).61.
النور(24):(فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب).36 ـ 38.
المعارج(70):(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) إلى قوله تعالى:(وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ).22ـ23.
الماعون(107):(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ).4 ـ 5.

التفسير:

(يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي بالقرآن أو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ) قال الطبرسي: أي على أوقاتها (يُحَافِظُونَ): أي يراعونها ليؤدُّوها فيها ويقيموها بإتمام ركوعها وسجودها، وجميع أركانها، ففي هذا دلالة على عظم قدر الصلاة ومنزلتها، لأنّه سبحانه خصّها بالذكر من بين سائر الفرائض، ونبّه على أنّ من كان مصدّقاً بالقيامة وبالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخلُّ بها ولا يتهاون بها ولا يتركها.1
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ): أي فعقّبهم وجاء من بعدهم عقب سوء، يقال: خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون (أَضَاعُوا الصَّلَوةَ) قيل: أي تركوها، وقيل: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها، قال الطبرسي(رحمه الله): وهو المرويّ عن أبي عبد الله(عليه السلام).2
وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام) ـ في حديث ـ : «وليس إن عجّلت قليلاً أو

1 . مجمع البيان:4/111.
2 . مجمع البيان:6/431.

صفحه 99
أخّرت قليلاً بالّذي يضرُّك ما لم تضيّع تلك الإضاعة، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول لقوم:(أَضَاعُوا الصَّلَوةَ) الآية.1
(وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ): أي فيما حرّم عليهم.
وفي الجامع عن أمير المؤمنين(عليه السلام):«مَن بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور».2
وفي «المجمع»: قال وهب: فخلف من بعدهم خلف شرّابون للقهوات3، لعّابون بالكعبات، ركّابون للشهوات، متّبعون للّذات، تاركون للجمعات، مضيّعون للصلوات (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا): أي جزاء الغيّ; وعن ابن عبّاس: أي شرّاً وخيبة، وقيل: الغيّ واد في جهنّم.4
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قال عليّ بن إبراهيم: أي على أوقاتها وحدودها.5 وفي «الكافي» عن الباقر(عليه السلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال: «هي الفريضة» قيل:(اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) قال: «النافلة».6
(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي يبادرون إلى الطاعات، ويسابقون إليها رغبة منهم فيها (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): أي وهم لأجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنّة أو هم إليها سابقون. قيل: أي سبقوا الأُمم أو أمثالهم إلى الخيرات. والآية تدلُّ على استحباب أداء الفرائض والنوافل في أوائل أوقاتها.

1 . الكافي:3/270 ح13.
2 . تفسير جوامع الجامع:2/459.
3 . المراد بالقهوة: الخمر، يقال: سُمّيت الخمر قهوة لأنّها تقهى: أي تذهب بشهوة الطعام. صحاح الجوهري:6/247، مادة «قها».
4 . مجمع البيان:6/431ـ 432.
5 . تفسير القمّي:2/89.
6 . الكافي:3/270 ح12، باب من حافظ على صلاته.

صفحه 100
(فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ): أي المشكاة المقدّم ذكرها في بيوت هذه صفتها وهي المساجد في قول ابن عبّاس وجماعة. وقيل: هي بيوت الأنبياء. قال الطبرسي: روي ذلك مرفوعاً أنّه سئل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قرأ الآية: أيّ بيوت هذه؟ فقال: بيوت الأنبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، قال: «نعم، من أفاضلها» ويعضده آية التطهير وقوله تعالى:(رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)1.2
فالمراد بالرفع التعظيم، ورفع القدر من الأرجاس، والتطهير من المعاصي والأدناس. وقيل: المراد برفعها رفع الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقد مرّ في كتاب الحجّة الأخبار الكثيرة في تأويل البيوت وأهلها، فلا نعيدها.3
(وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قيل: أي يتلى فيها كتابه. وقيل: أي يذكر فيها أسماؤه الحسنى (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي يصلّى له فيها بالبُكر والعشايا; عن ابن عباس وقال: كلُّ تسبيح في القرآن صلاة. وقيل: المراد به معناه المشهور، (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ): أي لا تشغلهم ولا تصرفهم (تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ): أي إقامتها، فحذف الهاء لأنّها عوض عن الواو في إقوام، فلمّا أضافه صار المضاف إليه عوضاً عن الهاء; وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام): «أنّهم قوم إذا حضرت الصلاة تركوا التجارة، وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجراً ممّن لم يتّجر». انتهى.4
وفي «الفقيه» عن الصادق(عليه السلام) في هذه الآية قال: «كانوا أصحاب تجارة فإذا

1 . هود:73.
2 . مجمع البيان:7/253.
3 . راجع: بحار الأنوار : 23 / 327، الباب 19 .
4 . مجمع البيان:7/253ـ254.

صفحه 101
حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة، وهم أعظم أجراً ممّن لا يتّجر».1
وفي «الكافي» رفعه قال:«هم التجّار الّذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إذا دخل مواقيت الصّلوات أدُّوا إلى الله حقّه فيها».2
وعن الصادق(عليه السلام) أنّه سأل عن تاجر ما فعل؟ فقيل: صالح، ولكنّه قد ترك التجارة، فقال(عليه السلام):«عمل الشيطان ـ ثلاثاً ـ أما علم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)اشترى عيراً أتت من الشام فاستفضل منها ما قضى دينه وقسّم في قرابته، يقول الله عزّ وجلّ:(رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ) الآية. يقول القُصّاص : إنّ القوم لم يكونوا يتّجرون كذبوا ولكنّهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، وهو أفضل ممّن حضر الصلاة ولم يتّجر».3
(يَخَافُونَ يَوْمًا) مع ما هم فيه من الذكر والطاعة(تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) تضطرب وتتغيّر فيه من الهول (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولم تخطر ببالهم (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيّة، وسعة الإحسان، ويحتمل أن يكون الغرض التنبيه على أنّه ينبغي ألاّ يجعل طلب الرزق مانعاً من إقامة الصلاة وذكر الله وسائر العبادات.
(اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ): أي مستمرُّون على أدائها لا يخلّون بها ولا يتركونها; وقال الطبرسي(رحمه الله): روي عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ هذا في النوافل وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ) في الفرائض والواجبات، وقيل: هم الّذين

1 . من لا يحضره الفقيه:3/192 برقم 3720.
2 . الكافي:5/154 ح21، باب آداب التجارة.
3 . الكافي:5/75 ح8، باب ما يجب من الاقتداء بالأئمّة(عليهم السلام) في التعرّض للرزق.

صفحه 102
لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة.1
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قال الطبرسي(رحمه الله): روى محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن(عليه السلام) أنّه قال: «أُولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا». وروى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «هذه الفريضة من صلاّها عارفاً بحقّها، لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذّبه، ومن صلاّها لغير وقتها مؤثراً عليها غيرها، فإنّ ذلك إليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه».2
(الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) قال عليُّ بن إبراهيم: قال: عنى به تاركون، لأنّ كلّ إنسان يسهو في الصلاة، قال أبو عبد الله(عليه السلام):«تأخير الصلاة عن أوّل وقتها لغير عذر».3
وفي «المجمع»: هم الّذين يؤخّرون الصلاة عن أوقاتها; عن ابن عبّاس، وروي ذلك مرفوعاً، وقيل: يريد المنافقين الّذين لا يرجون لها ثواباً إن صلّوا، ولا يخافون عليها عقاباً إن تركوا، فهم عنها غافلون حتّى يذهب وقتها، فإذا كانوا مع المؤمنين صلّوها رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلّوا، وهو قوله:(الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ) ; عن عليّ(عليه السلام) وابن عبّاس. وقيل: ساهون عنها لا يبالون صلّوا أم لم يصلّوا. وقيل: هم الّذين يتركون الصلاة. وقيل: هم الّذين لا يصلّونها لمواقيتها، ولا يتمّون ركوعها ولا سجودها.
وروى العيّاشي بالاسناد عن يونس بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قوله:(الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) أهي وسوسة الشيطان؟ قال: «لا كلُّ أحد يصيبه هذا، ولكن أن يغفلها ويدع أن يصلّي في أوّل وقتها».

1 . مجمع البيان:10/124.
2 . مجمع البيان: 10/125.
3 . تفسير القمّي:2/444 .

صفحه 103
وعن أبي أُسامة زيد الشحّام قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله تعالى:(الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ) قال: «هو الترك لها والتواني عنها».
وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «هو التضييع لها»1.2

1 . تفسير العيّاشي:3/175 ح113ـ 115، المستدرك(سورة الماعون).
2 . مجمع البيان:10/456.

صفحه 104
تحقيق منتصف الليل ومنتهاه ومفتتح النهار شرعاً وعرفاً ولغة ومعناه   …

باب تحقيق منتصف الليل ومنتهاه ومفتتح النهار
شرعاً وعرفاً ولغة ومعناه

اعلم أنَّ بعض أصحابنا في زماننا جدَّدوا النزاع القديم الّذي كان في بعض الأزمان السابقة واضمحلَّ لوضوح الحقّ فيه واتّفق الخاصّ والعامّ فيه على أمر واحد، وهو الخلاف في معنى الليل والنهار شرعاً، وعرفاً بل لغة: هل ابتداء النهار من طلوع الفجر أو طلوع الشمس؟ وعندنا أنّه لا يفهم في عرف الشرع ولا في العرف العامّ ولا بحسب اللغة من اليوم أو النهار إلاّ ما هو من ابتداء طلوع الفجر، ولم يخالف في ذلك إلاّ شرذمة قليلة قد انقرضوا.
نعم بعض أهل الحرف والصناعات لمّا كان ابتداء عملهم من طلوع الشمس قد يطلقون اليوم عليه ; وبعض أهل اللّغة لمّا رأوا هذا الاصطلاح ذكروه في كتب اللّغة، ويحتمل أن يكون كلاهما بحسب اللّغة حقيقة; وكذا المنجّمون قد يطلقون اليوم على ما بين الطلوع إلى الغروب، وعلى ما بين الطّلوع إلى الطّلوع، وعلى ما بين الغروب إلى الغروب، وعلى ما بين الزّوال إلى الزوال، وكذا النهار على المعنى الأوّل، والليل على ما بين غروب الشمس إلى طلوعها.
لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بقواعد الشريعة وإطلاقاتها في أنَّه لا يتبادر فيها مع عدم القرينة من النهار إلاّ ما هو مبتدأ من طلوع الفجر، وكذا اليوم بأحد المعنيين، وقد يطلق اليوم على مجموع الليل والنهار، ولا يتبادر من الليل إلاّ ما هو مختتم بالفجر، وأمّا انتهاء النهار واليوم وابتداء الليل فهو إمّا غيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقيّة، كما عرفت.
ولنذكر بعض كلمات أهل اللّغة والمفسّرين والفقهاء من الخاصّة والعامّة ثمَّ لنشر إلى بعض الآيات والأخبار الدالّة على هذا المطلب، لإراءة الطالبين للحقّ سبيل التحقيق، فإنَّ استيفاء جميع الدلائل والبراهين، والتعرّض لما استدلَّ به

صفحه 105
بعض أفاضل المعاصرين لا يناسب هذا الكتاب، وفي بالي إن ساعدني التوفيق أن أفرد لذلك رسالة تتضمّن أكثر ما يتعلّق بهذا المرام، والله الموفّق والمعين.
فأمّا كلمات القوم فقال الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً )1: الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.(2) ولم يذكر لهما معنى آخر .
وقال (رحمه الله) في تفسير قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) 2: التسخير في الحقيقة للشمس والقمر; لأنَّ النهار هو حركات الشمس من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل حركات الشمس تحت الأرض من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوع الفجر، إلاّ أنّه سبحانه أجرى التسخير على الليل والنهار، على سبيل التجوّز والاتّساع.3
وقال في قوله تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)4: أي وجعل لكم النهار، وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، مضيئاً تبصرون فيه لمواضع حاجاتكم.5
وقال في نقل الأقوال في الصلاة الوسطى: وثانيها: أنّها صلاة العصر. ونسبه إلى جماعة منهم عليّ (عليه السلام)وابن عبّاس ثمّ قال: قالوا: لأنّها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل .6 وذكر ذلك أكثر المفسّرين والعلماء من الفريقين.

1 . البقرة: 51 .   2 . مجمع البيان: 1 / 210 .
2 . النحل: 12 .
3 . مجمع البيان: 6 / 144.
4 . غافر: 61 .
5 . مجمع البيان: 8 / 452 .
6 . مجمع البيان: 2 / 127 .

صفحه 106
وقال ابن البرّاج في «جواهر الفقه»: صلاة الصبح من صلاة النهار لقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ)،1 ولا خلاف في أنَّ المراد بذلك صلاة الفجر والعصر، ولمّا كانت صلاة الفجر تقام بعد طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس، كان ذلك دالاًّ على أنّ هذا الوقت طرف النهار، لأنَّ إجماع الطائفة عليه أيضاً. (2)
وقال الشيخ في «الخلاف»: الفجر الثاني هو أوّل النهار وآخر الليل، فينفصل به اللّيل من النهار، وتحلُّ به الصلاة، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وتكون صلاة الصبح من صلاة النهار. وبه قال عامّة أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنَّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل، بل هو زمان منفصل عنهما ; وذهبت طائفة إلى أن أوّل النهار هو طلوع الشمس، وما قبل ذلك من الليل، فتكون صلاة الصبح من صلاة الليل، ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم إلى طلوع الشمس ذهب إليه الأعمش وغيره، وروي ذلك عن حذيفة.
دليلنا على فساد قول الفرقة الأُولى قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)(3) وهذا ينفي أن يكون بينهما فاصل، ويدلّ على فساد قول الأعمش قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ)ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر، فلمّا كانت صلاة الصبح تقام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، دلَّ ذلك على أن هذا الوقت طرف النهار، وعنده أنّه من اللّيل. وأيضاً أجمعت الفرقة المحقّة على تحريم الأكلّ والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وقد بيّنّا أنَّ ذلك حجّة، على أنَّ هذا الخلاف قد انقرض، وأجمع عليه المسلمون، فلو كان صحيحاً لما انقرض.2

1 . هود: 114 .      2 . جواهر الفقه: 19 .   3 . الحج: 61 .
2 . الخلاف: 1 / 166 .

صفحه 107
وقال العلاّمة نوَّر الله مرقده في «المنتهى»: روى الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: «قبل الفجر، إنّهما من صلاة اللّيل ثلاث عشرة ركعة صلاة اللّيل أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوَّع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».1
ثمّ قال: وفي هذا الحديث فوائد: أحدها: الحكم بأنّهما قبل الفجر. وثانيها: أنّهما وإن كانا قبل الفجر فإنّهما يسمّيان بركعتي الفجر، وذلك من باب التجوّز تسمية للشيء باسم ما يقاربه. وثالثها: الحكم بأنّهما من صلاة اللّيل. ورابعها: تعليل أنّهما قبل الفجر بأنّهما من صلاة اللّيل، وذلك يدلّ على أنَّ ما بعد الفجر ليس من اللّيل، خلافاً للأعمش وغيره، ولحذيفة على ما روي عنه، حيث ذهبوا إلى أنَّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل، وأنّ صلاة الصبح من صلاة الليل، وأنّه يباح للصائم الأكلّ والشرب إلى طلوع الشمس، ويزيده فساداً قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ)واتّفق المفسّرون على أنَّ المراد بذلك صلاة الصبح والعصر. إلى آخر ما قال.2
وقال (رحمه الله) في كتاب الاعتكاف: لا تدخل اللّيالي ـ في الاعتكاف ـ بل ليلتان من كلّ ثلاث. ثمّ أجاب عن حجّة المخالف بأنَّ اسم اليوم حقيقة لما بين الفجر إلى الغروب، والليلة ما عدا ذلك، فلا يتناولها إلاّ مع القرينة، ومع تجرّد اللّفظ عنها يحمل على حقيقته.3
ثمّ قال في سياق كلامه: فمن نذر اعتكاف يوم، فإنّه يلزمه الدخول فيه قبل

1 . رواه في التهذيب: 2 / 133 ح 281 (513).
2 . منتهى المطلب: 4 / 100، وقت ركعتي الفجر.
3 . منتهى المطلب: 9 / 482 .

صفحه 108
طلوع فجره.1 ونحو هذا قال المحقّق (قدس سره)في المعتبر، وغيره من الأصحاب.
وقال ابن إدريس (قدس سره)في «السرائر»: تراوح على نزحها أربعة رجال من أوّل النهار إلى آخره، وأوّل النهار حين يحرم على الصائم الأكل والشرب، وآخره حين يحلُّ له الافطار، وقد يوجد في كتب بعض أصحابنا «من الغدوة إلى العشية» وليس في ذلك ما ينافي ما ذكرناه; لأنَّ الغدوة والغداة عبارة عن أوّل النهار بغير خلاف بين أهل اللّغة العربية.(2)
وقال في وقوف المشعر: وقته من طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس من ذلك اليوم.2
وقال المفيد في «المقنعة»: مَن حصل بعرفات قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدركها.3
وقال ابن أبي عقيل على ما نقل عنه حين عدَّ النوافل: وثماني عشر ركعة باللّيل، منها أربع ركعات بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس تعدّان ركعة، وثلاث عشر ركعة من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني منها ثلاث ركعات الوتر.4
وقال المفيد (رحمه الله): إذا كان يوم العيد بعد طلوع الفجر اغتسلت. إلى آخر ما قال.5
وقال السيد المرتضى (رحمه الله) في احتجاج أنّ الصلاة الوسطى صلاة العصر:

1 . منتهى المطلب: 9 / 485 .   2 . السرائر: 1 / 70 .
2 . السرائر: 1 / 587.
3 . المقنعة: 431.
4 . حياة ابن أبي عقيل العماني: 153، إعداد مركز المعجم الفقهي، قم ـ 1413 هـ .
5 . المقنعة: 194 .

صفحه 109
لأنّها وسط بين الصبح والظهر، وهما صلاة النهار; وبين المغرب والعشاء، وهما صلاة الليل.1
وقال ابن الجنيد على ما نقل عنه: وقت صلاة الليل والوتر والركعتين من حين انتصاف الليل إلى طلوع الفجر على الترتيب، ولا أستحبُّ صلاة الركعتين قبل سدس الليل من آخره.2
وقال في الفطرة: أوّل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر.3
وقال السيد (رحمه الله) في «الجمل»: وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر.4
وقال أبو الصلاح: وقت الوقوف بعرفة للمختار من زوال الشمس يوم التاسع إلى غروبها، وللمضطر إلى طلوع الفجر يوم النحر.5
وقال المفيد: من لم يتمكّن من صلاة الليل في آخره فليترك صلاة الليلة ثم ليقضها في أوّل الليلة الثانية، والمسافر إذا خاف أن يغلبه النوم ولا يقوم في آخر الليل فليقدّم صلاة ليلته في أولها.6
وقال: وقت وجوب الفطرة; يوم العيد بعد الفجر منه.7
وقال: إذا أصبح يوم النحر فليصل الفجر.8

1 . رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الميافارقيات): 1 / 275 باختلاف.
2 . نقل عنه العلاّمة في «مختلف الشيعة»: 2 / 36 .
3 . نقله عنه العلاّمة في «مختلف الشيعة»: 3 / 295 .
4 . جمل العلم والعمل: 126 ; رسائل الشريف المرتضى: 3 / 80 .
5 . الكافي في الفقه: 197 .
6 . المقنعة: 141 ـ 142 .
7 . المقنعة: 249 .
8 . المقنعة: 416 .

صفحه 110
وقال في التكبيرات: وآخرها الغداة من يوم الرابع.1
وقال البغويّ في شرح السنّة في قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): مَن صلّى البردين دخل الجنّة: أنّه أراد بالبردين صلاة الفجر والعصر، لكونهما في طرفي النهار، والبردان الغداة والعشيَّ.2
وقال الشهيد (روَّح الله روحه) في «الذكرى»: صلاة الصبح من صلاة النهار عند الكلّ، إلاّ أبا محمّد الأعمش، إذ حكي عنه أنّها من صلاة الليل بناء على أنَّ أوّل النهار طلوع الشمس، حتّى للصوم فيجوز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس عنده.3
قال في «الخلاف»: وروي ذلك عن حذيفة; لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً )4 وآية النهار الشمس، ولقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلاة النهار عجماء»، وجوابه: منع أنَّ الآية الشمس، بل نفس الليل والنهار آيتان، وهو من إضافة التبيين كإضافة العدد إلى المعدود. سلّمنا أنّها الشمس، ولكنّ علامة الشيء قد تتأخّر حتّى تكون بعد دخوله. سلمنا أنّ الشمس علامة النهار وأنّها متقدّمة، لكن الضياء الحاصل من أوّل الفجر عن الشمس طالعة، وفي الحقيقة هي طالعة وإن تأخّر رؤية جرمها، ولهذا اختلفت أوقات المطالع بحسب الأقاليم، وأمّا الخبر فقد نسبه الدارقطني إلى الفقهاء، ويحمل على معظم صلاة النهار، ويعارض باستقرار الإجماع على خلافه وبقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ)قال الشيخ: ولم يختلفوا أنّ المراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر.5

1 . المقنعة: 445 .
2 . لاحظ كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي: 1 / 401 .
3 . ذكرى الشيعة: 2 / 406 .
4 . الإسراء: 12.
5 . ذكرى الشيعة: 2 / 406 ـ 407 .

صفحه 111
وقال (رحمه الله): في بعض بحث القراءة، وذكر بعض العامّة ضابطاً للجهر والإخفات، وتبعهم عليه بعض الأصحاب كذلك، وهو: أنّ كلّ صلاة تختصّ بالنهار ولا نظير لها بالليل فجهر كالصبح .1
والعلاّمة (رحمه الله) في «التذكرة» قال: صلاة الصبح من صلوات النهار; لأنّ أوّل النهار طلوع الفجر الثاني عند عامّة أهل العلم، لأنّ الإجماع على أنّ الصوم إنّما يجب بالنهار، والنصُّ دلّ على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر. ثمّ ذكر قول الأعمش ودلائله كما مرّ إلى قوله: وقول أُميّة ابن الصلت.
والشمس تطلع كلّ آخر ليلة *** حمراء يبصر لونها يتوقّد
ثم قال: وأمّا الشعر فحكى الخليل أنّ النهار هو الضياء الّذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وسمّي طلوع الشمس في آخر كلّ ليلة لمقارنتها لذلك.(2)
وقال في تعليل كون الصلاة الوسطى هي الظهر بأنّها وسط صلوات النهار.2
وقال الشهيد الثاني (رحمه الله) وغيره في مسألة التراوح: واليوم من طلوع الفجر إلى الغروب.(4)
وذكر أكثر الأصحاب كالمحقّق في «المعتبر»، والعلاّمة في «المنتهى»، والشهيد الثاني وسبطه قدس الله أرواحهم في تعليل أنَّ غسل الجمعة وقته ما بين طلوع الفجر إلى زوال الشمس بأنَّ الغسل وقع مضافاً إلى اليوم، وهو يتحقّق بطلوع الفجر، 3 وكذا في غسل العيدين وعرفة وغيرها ممّا علّق باليوم، وهم كانوا أهل

1 . ذكرى الشيعة: 3 / 350.   2 . تذكرة الفقهاء: 2 / 386 ـ 387، المسألة 79 .
2 . تذكرة الفقهاء: 2 / 387، المسألة 80 .   4 . مسالك الأفهام: 1 / 15 .
3 . المعتبر: 1 / 355 ; منتهى المطلب: 2 / 471 ; مدارك الأحكام: 2 / 161 ; الحدائق الناضرة: 4 / 226.

صفحه 112
اللسان، عارفين باللّغة والاصطلاح والعرف.
وفي «الشرائع» وغيره من كتب الفقه في المبيت عند الزوجة: ويختصُّ الوجوب باللّيل دون النهار، وقيل: يكون عندها في ليلتها، ويظلّ عندها في صبيحتها وهو المرويّ. ثمّ قالوا: ويستحبُّ أن يكون صبيحة كلّ ليلة عند صاحبتها.1 ومعلوم أنّ ما بعد الصبح داخل في الصبيحة.
وقال ابن الجنيد: العدل بين النساء هو إذا كنَّ حرائر مسلمات لم يفضّل إحداهنَّ على الأُخرى في الواجب لهنَّ من مبيت الليلة، وقيلولة صبيحة تلك الليلة.2
وقال النيشابوري في تفسيره في قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): اليوم هو المدَّة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلّها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف الشرع.3
وقال عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)4الآية: أمّا النهار فإنّه عبارة عن مدّة كون الشمس فوق الأُفق، وفي عرف الشرع بزيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس، وأمّا اللّيل فعبارة عن مدّة خفاء الشمس تحت الأُفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة.5

1 . شرائع الإسلام: 2 / 557 ـ 558 .
2 . نقله عنه العلاّمة في مختلف الشيعة: 7 / 318. ولاحظ فتاوى ابن الجنيد للاشتهاردي: 264، مؤسسة النشر الإسلامي .
3 . تفسير النيشابوري: 1 / 24 .
4 . البقرة: 164 .
5 . تفسير النيشابوري: 1 / 387 .

صفحه 113
وقال الكفعمي في كتاب «صفوة الصفات»: قال صاحب كتاب الحدود: الليل اسم يقع على امتداد الظلام من أوّل ما يسقط قرص الشمس إلى أن يسفر الصبح، وقال: النهار اسم يقع على امتداد الضياء من أوّل ما يسفر الصبح إلى أن تغيب الشمس. قال: وقال أبو العباس أحمد بن القاضي الطبرسي في كتابه «تقويم القبلة»: اليوم مبدأه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لقوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا)1 الآية مع قوله: (فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام)(2) وقال أبو العباس: قيل اليوم والنهار مترادفان.
وذكر الراغب الاصفهاني في مفرداته عند ترجمة النهار: النهار الوقت الّذي ينتشر فيه الضوء، وهو في الشرع: ما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس.2
وقال أحمد بن محمّد بن عليّ المقري في «المصباح المنير»: الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.3
وقال: النهار في اللّغة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو مرادف لليوم، وفي حديث: إنّما هو بياض النهار وسواد اللّيل ولا واسطة بين الليل والنهار، وربّما توسّعت العرب فأطلقت النهار من وقت الإسفار إلى الغروب، وهو في عرف الناس من طلوع الشمس إلى غروبها، وإذا أُطلق النهار في الفروع انصرف إلى اليوم، نحو: صم نهاراً واعمل نهاراً.
لكن قالوا إذا استأجره على أن يعمل له نهار يوم الأحد مثلاً، فهل يحمل على الحقيقة اللّغوية حتّى يكون أوّله من طلوع الفجر، أو يحمل على العرف حتّى يكون أوّله من طلوع الشمس، لإشعار الإضافة به، لأنَّ الشيء لا يضاف إلى مرادفه.

1 . البقرة: 187 .   2 . البقرة: 196، المائدة: 189 .
2 . المفردات في غريب القرآن: 507، مادة «نهر».
3 . المصباح المنير: 2 / 561، مادة «ليل».

صفحه 114
والأوّل هو الراجح دليلاً; لأنَّ الشيء قد يضاف إلى نفسه عند اختلاف اللّفظين، نحو (وَلَدَارُ الاْخِرَةِ)،1 و (حَقُّ الْيَقِينِ)2 .3
وقال: الصبح الفجر وهو أوّل النهار.4
وقال: الفجر الثاني الصادق هو المستطير، وبطلوعه يدخل النهار.5 وقال في شمس العلوم: آخر الليل قبل الفجر.
وقال إمامهم الرازي في تفسيره ـ عند ذكر الأقوال في الصلاة الوسطى في احتجاج من قال إنّ الصلاة الوسطى صلاة الظهر ـ : الثالث: أنّها صلاة بين صلاتين نهاريتين بين الفجر والعصر.6
وفي احتجاج من قال إنّها العصر: وثالثها: أنّ العصر بين صلاتين بالنهار وصلاتين بالليل .7
وقال في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ)المراد بطرفي النهار الصبح والعصر.8
وقال في «القاموس»: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها.9

1 . يوسف: 109 .
2 . الواقعة: 95 ; الحاقة: 51 .
3 . المصباح المنير: 2 / 627، مادة «نهر» .
4 . المصباح المنير: 1 / 331، مادة «صبح».
5 . المصباح المنير: 2 / 462، مادة «فجر».
6 . تفسير الرازي: 6 / 160 .
7 . تفسير الرازي: 6 / 161 .
8 . تفسير الرازي: 6 / 156 .
9 . القاموس المحيط للفيروزآبادي: 2 / 150، مادة «النهر» .

صفحه 115
وقال: الليل والليلاة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس.1
وقال الزمخشري في «الأساس»: إنّما سمّي السحر استعارة لأنّه وقت إدبار الليل وإقبال النهار، فهو متنفسّ الصبح .2
وقال الرازي في قوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات)3 الآية: ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة .4
وقال في قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) 5: الإبكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر في أوّل النهار، هذا هو أصل اللغة ثم سمّي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكاراً.6
وقال البيضاويّ: الإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.7
وقال في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)8: أي في مجامع أوقاتهم أو في طرفي النهار.9
وقال الطبرسي (رحمه الله): أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح

1 . القاموس المحيط: 4 / 48، مادة «الليل».
2 . أساس البلاغة: 426، مادة «سحر» .
3 . البقرة: 198 .
4 . تفسير الرازي: 5 / 192 .
5 . آل عمران: 41.
6 . تفسير الرازي: 8 / 44.
7 . تفسير البيضاوي: 2 / 37 .
8 . الكهف: 28.
9 . تفسير البيضاوي: 3 / 493 .

صفحه 116
والمساء، لاشغل لهم غيره، ويستفتحون يومهم بالدُّعاء ويختمونه بالدُّعاء.1
وقال الراغب في مفرداته: الصبح والصباح أوّل النهار.(2)
وقال: السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضوء النهار.2
وقال الخليل بن أحمد النحوي (رحمه الله) في كتاب «العين» وهو الأصل في اللغة، وعليه المعوَّل، وإليه المرجع: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولم يذكر له معنى آخر .3
وقال: الليل خلاف النهار.4
وقال: السحر آخر الليل.5
وقال الطيبي في شرح المشكاة: يوصف العصر بالوسطى لكونها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل .6
وقال النيشابوري في قوله تعالى: (بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ)7 عن ابن عباس أي في آخر الليل بسحر.8
وقال الرازي في قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)9: إنّ الإنسان ما دام في الدُّنيا لا يمكنه أن يصف جميع أوقاته في

1 . مجمع البيان: 6 / 337 .   2 . المفردات في غريب القرآن: 273، مادة «صبح».
2 . المفردات في غريب القرآن: 225، مادة «سحر».
3 . العين: 4 / 44، مادة «نهر».
4 . العين: 8 / 363، مادة «ليل».
5 . العين: 3 / 135، مادة «سحر».
6 . لاحظ لسان العرب: 4 / 576، مادة «عصر».
7 . هود: 81 .
8 . تفسير النيشابوري: 4 / 320 .
9 . الروم: 18 .

صفحه 117
التسبيح، فأشار الله إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح فيها يكون كأنّه لم يفتر، وهو الأوّل والآخر والوسط من اليوم، وأوّل الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح في آخره لأن النوم فيه غالب، فإذا صلى في أوّل النهار بتسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح، وبالظهر أربع ساعات، وبالعصر في أواخر النهار أربع ساعات، وبالمغرب والعشاء في الليل سبع ساعات فبقي سبع ساعات وهو الّذي لو نام الإنسان فيه كان كثيراً، ثمَّ قال بعد تحقيق طويل: النهار اثنى عشر ساعة، والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات، فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل، ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح، كما كان ابتداء النهار بالتسبيح، ولما كان المؤدَّى من تسبيح النهار في أوَّله ركعتين كان المؤدَّى من تسبيح الليل في أوّله ركعة، لأنَّ تسبيح النهار طويل مثل ضعف تسبيح الليل، لأنَّ المؤدَّى في النهار عشرة، والمودَّى في الليل من تسبيح الليل خمس.1 انتهى.
وقال الشهيد في «الذكرى»: وقت الوتر آخر الليل.2 ونحوه قال جماعة من الأصحاب.3 وقال في «دعائم الإسلام»: وقت صلاة الليل المرغب فيه أن يصلّي بعد النوم والقيام منه في آخر الليل .4 وسنذكر في الاستدلال بالآيات تصريحات المفسرين بذلك.
وقال السيد الداماد رزقه الله أقصى السعادة يوم التناد، في بيان ما ورد انَّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شيء من الليل والنهار: ثمَّ إنَّ ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم

1 . تفسير الرازي: 25 / 105 .
2 . ذكرى الشيعة: 2 / 373 .
3 . لاحظ : الحدائق الناضرة: 6 / 236 .
4 . دعائم الإسلام: 1 / 204 .

صفحه 118
إجماعاً هو أنّ زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار، ومعدود من ساعاته، وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فإنَّ ذلك أمارة غروبها في أُفق المغرب، فالنّهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي سائر الأبواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعوّل عليه عند الأساطين الإلهيّين والرياضيّين من حكماء يونان.1وقد مرَّ تمام الكلام في باب علل الصلاة.2
وأمّا الآيات:
فالأُولى: قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ )3 ووجه الاحتجاج بها أنَّ الأصل في كلام الحكيم أن يكون مفهوماً مفيداً ينتفع به المخاطب; وأجمعت الطائفة المحقّة على حصر الصلاة الوسطى في صلاة الظهر والعصر; فلو أُريد بها العصر لم نستفد من الآية شيئاً، إذ كونها وسطى بين الصلوات أو بين صلاتين مشترك بين جميعها فلا يتميّز عندنا; وإن قلنا: إنَّ وجه التسمية لا يلزم اطراده، ولو قلنا بأنّها الظهر لكونها بين صلاتي النهار كما ورد في الخبر يحصل لنا فائدة من الآية، ولا يكون ذلك إلاّ ويكون صلاة الفجر من صلاة النهار.
وبوجه آخر وهو أنَّ المتبادر من الوسطى المتوسطة بين الشيئين من جنسها فلولم يقيّد بقيد يشترك فيها جميع الصلوات، فلابدَّ من التقييد، إمّا بكونها وسطى بين صلوات الليل، أو صلوات النهار أو صلوات الليل وصلوات النهار. والأُولى باطلة بالإجماع المتقدّم، والثانية لا تستقيم إلاّ بكون صلاة الفجر من صلاة النهار،

1 . لاحظ : الحدائق الناضرة: 6 / 54 .
2 . لاحظ : بحار الأنوار : 79 / 259 ـ 260 .
3 . البقرة: 238 .

صفحه 119
وكذا الثالثة ; لأنّ ما سوى العصر من محتملاتها خارجة بالإجماع، والعصر إنّما يتخصّص بهذا الوصف إذا قلنا إنّها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، ويمكن المناقشة فيه بوجوه أكثرها مندفعة بالتأمّل الصادق .
الثانية: قوله سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ )1والتقريب أنّ المتبادر من الطرف أن يكون داخلاً في الشيء، فإنّه لا يطلق طرف الثوب وطرف الخشب على غير جزئه الّذي هو نهايته، لاسيما مع مقابلته بالليل، وليس في الطرف الأوّل صلاة سوى الفجر، ويؤيّده أنّ أكثر المفسّرين فسّروهما بصلاة الفجر والعصر، وما ورد في بعض الأخبار من التفسير بصلاة الفجر والمغرب فمع ارتكاب التجوُّز في أحد الطرفين لدليل لا يلزم ارتكابه في الطرف الآخر. ويمكن أن تكون النكتة في التجوُّز الحثُّ على المبادرة إلى صلاة المغرب في أوَّل الليل، ولو قلنا بأنَّ ما بين غيبوبة القرص إلى ذهاب الحمرة داخل في النهار وجوَّزنا الصلاة بغيبوبة القرص، يكون التجوّز فيه أقرب وأحسن.
وأيضاً لو قلنا بأنَّ طرفي النهار داخل في الليل، يكون «زلفاً من الليل» مشتملاً على تكرار، أو يرتكب فيه تخصيصات كثيرة، وهما خلاف الأصل، سواء فسّر الزلف بالساعات القريبة من اليوم أو بالقرب.
وبالجملة لا ينبغي أن يريب عارف باللسان في أنَّ المتبادر من (طَرَفَيِّ النَّهَارِ)المقابل لزلف الليل كونهما من النهار.
قال النيسابوري في تفسيره: الطرفان: الغدوة وهي الفجر، والعشية وفيها الظهر والعصر. وقيل: إنّ طرفي النهار لا يشمل إلاّ الفجر والعصر، ثمّ قال: الطرف الأوّل للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق .2

1 . هود: 114 .
2 . تفسير النيسابوري: 4 / 335 .

صفحه 120
وقال ابن إدريس (رحمه الله) في «السرائر» في الاستدلال بهذه الآية: طرف الشيء ما يقرب من نهايته، ولا يليق ذلك إلاّ بقول مَن قال: إنّ وقت العصر ممتدّ إلى قرب غروب الشمس; لأنَّ مصير ظلّ كلّ شيء مثله أو مثليه يقرب من الوسط، ولا يقرب من الغاية والنهاية، ولا معنى لقول من حمل الآية على الفجر والمغرب ; لأنَّ المغرب ليس هي في طرف النهار، وإنّما هي في طرف الليل .1
قال الرازي في تفسير هذه الآية: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار، والأقرب أنّ الصلاة الّتي تقام في طرفي النهار هما الفجر والعصر; وذلك لأنّ أحد طرفي النهار طلوع الشمس، والطرف الثاني منه غروبها; فالطرف الأوّل هو صلاة الفجر، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب، لأنّها داخلة تحت قوله تعالى: (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ)فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر.
إذا عرفت هذا كانت الآية دليلاً على قول أبي حنيفة في أنّ التنوير بالفجر أفضل، وأنَّ تأخير العصر أفضل; وذلك لأنَّ ظاهر هذه الآية يدلُّ على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار، وبيّنا أنّ طرفي النهار هو الزمان الأوّل لطلوع الشمس، والزمان الثاني لغروبها، وأجمعت الأُمّة على أنّ إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة، فقد تعذّر العمل بظاهر هذه الآية، فوجب حمله على المجاز، وهو أن يكون المراد أقم الصلاة في الوقت الّذي يقرب من طرفي النهار، لأنّ ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، وإذا كان كذلك فكلُّ وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها، كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظلّ كلّ شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظلّ كلّ شيء مثله، والمجاز كلّ ما كان أقرب إلى

1 . السرائر: 1 / 197 .

صفحه 121
الحقيقة كان حمل اللّفظ عليه أولى، فظهر أنّ ظاهر هذه الآية يقوّي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين. 1 انتهى كلامه.
وقد ظهر بما قرَّرنا ما فيه من الوهن والقصور، وكلّ هذه التكلّفات الّتي ارتكبه مؤيّد لما اخترناه، فإنَّ بناء جميع ذلك على أنّه جعل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس خارجاً من النهار، ولو جعله داخلاً كما هو ظاهر الآية لم يحتج إلى شيء من ذلك .
وأمّا ما توهّمه من كون الطرف الجزء الغير المنقسم أو الصغير الّذي هو نهاية الشيء قياساً على ما أنس به من السطح والخط والنقطة، فليس كذلك إذ يقال للغداة والعشيّ طرفا اليوم، وللنصف الأوّل والنصف الأخير الطرف الأوّل والطرف الآخر، ويقال: خذ طرف الثوب، وطرف الخشب، ولا يراد به الجزء الأخير، فالظاهر أنّ المراد بالطرف الأوّل ما بين الطلوعين، وبالطرف الآخر إما العصر أو الظهر إلى آخر اليوم، أو المغرب تجوّزاً للنكتة الّتي ذكرناها كما قال البيضاوي والزمخشري(2): طرفي النهار غدوُّه وعشيّته، وإن قال البيضاوي بعد ذلك: صلاة الغداة صلاة الصبح لأنّها أقرب الصلوات من أوّل النهار.2 وتبع في ذلك إمامه الرازي.
وقال الطبرسي (رحمه الله): أراد بطرفي النهار صلاة الفجر والمغرب; عن ابن عباس وابن زيد. وقيل: الغداة والظهر والعصر; وبه قال مجاهد والضحّاك، ومحمّد بن كعب والحسن قالوا: لأنّ طرفي الشيء من الشيء، وصلاة المغرب ليست من النهار. وقيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر.3 انتهى.

1 . تفسير الرازي: 18 / 73 .   2 . تفسير البيضاوي: 3 / 267 ; تفسير الكشاف: 2 / 296 .
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 267 .
3 . مجمع البيان: 5 / 345 .

صفحه 122
وهذا يدلّ على أنّ كون وقت صلاة الفجر من النهار كان مسلّماً عندهم.
الثالثة: قوله تعالى: (سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) فإنّه ظاهر من سياق هذه السورة من أوّلها إلى آخرها أنّها نزلت لبيان فضيلة تلك الليلة، وأنّ الغرض من تلك الآية شمول السلامة والعافية، أو السلام والتحية لجميع تلك الليلة، فلو كان ما بين الطلوعين داخلاً في الليل لم يكن لإخراجه من هذه الفضيلة وجه لاسيّما مع قوله (هِيَ) الراجعة إلى الليلة، مع ما سيأتي من الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الأعمال المتعلّقة بليلة القدر، من الإحياء والغسل وغيرهما، تنتهي إلى الفجر، ولا تتعلّق بما بعده.
ويؤيّده أنّ الرازي مع تصريحه في مواضع بدخوله في الليل جعله هنا خارجاً ليستقيم الكلام، ويكمل النظام، حيث قال: وسادسها: من أوّلها إلى طلوع الفجر سالمة في العبادة، كلّ واحدة من أجزائها خير من ألف شهر، ليست كسائر الليالي: يستحبّ للفرض الثلث الأوّل وللعبادة النصف وللدُّعاء السحر، بل هي متساوية الأوقات والأجزاء.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): أي هذه الليلة إلى آخرها سلامة من الشرور والبلايا وآفات الشيطان، ثمّ قال: سلام هي حتّى مطلع الفجر أي السلامة والبركة والفضيلة تمتدّ إلى وقت طلوع الفجر ولا يكون في ساعة منها فحسب، بل يكون في جميعها.2
الرابعة: قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)3 فإنّ الظاهر أنّه أقسم بوقت واحد هو إدبار الليل وإسفار الصبح، مع أنّ ظاهر المقابلة عدم كون

1 . تفسير الرازي: 32 / 37 .
2 . مجمع البيان: 10 / 410.
3 . المدثر: 33 ـ 34 .

صفحه 123
الصبح من الليل ; وقال الطبرسي (رحمه الله): أقسم بالليل إذا ولّى وذهب، وقيل: دبر إذا جاء بعد غيره، وأدبر: إذا ولّى مدبراً، فعلى هذا يكون المعنى في إذا دبر: إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي إذ أدبر: إذا ولّى الليل، فجاء الصبح عقيبه.
الخامسة: قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)1 بتقريب ما مرّ في الآية السابقة على الوجهين، قال الرازي: ذكر أهل اللّغة أنّ عسعس من الأضداد، يقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس: إذا أدبر، وأنشدوا في ورودها بمعنى أدبر قول العجّاج:
حتّى إذا الصبح لها تنفّسا *** وانجاب عنها ليلها وعسعسا
ثمّ منهم من قال: المراد هنا أقبل الليل; لأنّ على هذا التقدير يكون القسم واقعاً بإقبال الليل، وهو قوله: ( إِذَا عَسْعَسَ)وبإدبارها وهو قوله: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) ومنهم من قال: قوله: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، فلا يكون تكراراً.2 انتهى.
فظهر أنّ العجّاج والرازي أيضاً فهما الآية كما فهمنا، وجعلا إدبار الليل والصبح متلازمين بل مترادفين.
وقال الواحدي في تفسيره الوسيط قوله: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ): أي امتدّ ضوؤه حتّى يصير نهاراً. ونحوه قال الطبرسي (رحمه الله) .3
السادسة: قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ)4 استدلّ بها الراغب الأصفهاني على أنّ النهار في

1 . التكوير: 17 ـ 18 .
2 . تفسير الرازي: 31 / 72 .
3 . مجمع البيان: 10 / 280 ; ولاحظ : الوجيز للواحدي: 1 / 1093 .
4 . يونس: 50 .

صفحه 124
الشرع اسم لما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس.1 وقال: بات فلان يفعل كذا موضوعة لما يفعل بالليل كظلَّ لما يفعل بالنهار.2
أقول: لا يتمّ ذلك إلاّ بضمِّ ما سيأتي في ضمن الأخبار وأقوال العلماء من إطلاق التبييت على الزمان الّذي نهايته طلوع الفجر كما ذكروا في تبييت الزوج عند ذات النوبة، والبيتوتة بالمشعر ومنى ومكة، وسيأتي الأخبار الكثيرة في ذلك وذكروا تبييت نيّة الصوم ولم يريدوا إلاّ النيّة قبل الفجر، قال في «النهاية» فيه: (لا صيام لمن لم يبيّت الصيام): أي ينويه، من الليل .3
والحاصل: أنّ الآية تدلّ على أنّ البيات مقابل النهار كما صرّح به جميع أهل اللّغة والتفسير، وقد ورد في موارد الشرع أنّ منتهى البيتوتة طلوع الفجر فهو نهاية الليل أيضاً كما روي في «الكافي» بسند معتبر عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا جاء الليل بعد النفر الأوّل فبت بمنى ليس لك أن تخرج منها حتّى تصبح».4 وستأتي أخبار كثيرة في ذلك يتمّ الاستدلال بها، بمعونة تلك الآية وأمثالها.
السابعة: آيات الصيام من قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَات )5وقوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )6 وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)7 ثمّ بيان الليلة بقوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ)إلى قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ)فتدلّ على معنى اليوم، وكذا سائر ما ورد في الصوم بلفظ اليوم،

1 . مفردات الراغب: 507، مادة «نهر».
2 . مفردات الراغب: 65، مادة «بيت».
3 . النهاية: 1 / 170، مادة «بيت».
4 . الكافي: 4 / 521 ح 7، باب النفر من منى الأوّل والآخر.
5 . البقرة: 183 ـ 184 .
6 . البقرة: 184 .
7 . البقرة: 187 .

صفحه 125
كقوله سبحانه: (فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ )1 وأمثاله، والأصل عدم النقل والتجوّز والتخصيص، وليلة الصيام معلوم أنّ التقييد فيه ليس لتخصيص معنى الليلة من سائر معانيها، بل لمعنى الليلة الّتي يصبح منها صائماً.
وأمّا (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا)فمعلوم أنّه ليس للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبيّ إشارة إلى بعد ما بين حكم الليل من الإباحة، وحكم النهار من وجوب الإمساك، وهذا الإطلاق شائع في القرآن، و (أَتِمُّوا الصِّيَامَ) معناه افعلوه تاماً كقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ).2
ويمكن أن يقال: لمّا أمر الله تعالى سابقاً بالصيام وأشار إليه بقوله: (لَيْلَةَ الصِّيَامِ)لم يكن يحتاج إلى الأمر بالصوم ثانياً، فلذا أمرهم بالإتمام وعدم النقص لا أصل الصيام، أو يقال: لمّا جوّز لهم الجماع بالليل بعد التحريم، وكان مظنّة أن يتوهّم أنّ بهذا الفعل يحصل نقص في الصوم، قال: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ) إيماء إلى أنّ هذا الصوم تام لكم كما ورد في قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).3
وهذان وجهان وجيهان، لم أر مَن تعرَّض لهما، ولا يخفى أنَّ ارتكاب هذين التجوّزين الشائعين اللذين وردت أمثالهما في الكتاب العزيز كثيراً، مع اشتمالهما على نكات بديعة توجب حسن الكلام وبلاغته، خير من حمل اليوم

1 . البقرة: 196، المائدة: 89 ، وفي سورة مريم: 26: (إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).
2 . البقرة: 196 .
3 . البقرة: 196. والّذي ظهر لي أنّ الفرق بين الإتمام والإكمال أنّ الإتمام يعتبر من حيث الامتداد بأن يداوم على الفعل حتّى يتم، بحيث إذا أخلّ بالمداومة والاستمرار لأخلّ بالمقصود ولحقه النقصان ; بخلاف الإكمال فإنّه يعتبر من حيث النتيجة، ولو بدفعات متناوبة، ولذلك قال عزّوجلّ: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)وقال في مورد القضاء: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ).

صفحه 126
والليلة على المجاز، وارتكاب النقل.
ولقد أبدع مَن استدلَّ بها على أنَّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس غير داخل في النهار، حيث قال: حقيقة استعمال لفظة «ثمّ» التراخي، وظاهر الإتمام أن يكون بعد حصول بعض الشيء، ولابدّ أن يجعل للنهاية المذكورة في الآية مبدأ تدلّ القرينة عليه، والأقرب أن يكون المبدأ المنويّ في الكلام أوّل النهار حتّى يكون الكلام في قوّة أن يقال: ثمّ أتموا الصيام في زمان مبتدأ من أوّل النهار منته إلى الليل، ويكون مكافياً لقوله تعالى: (يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ)فإنّ المراد هنا ترخيص الأكلّ من أوّل الليل إلى وقت التبيين، وإذا قيل: سرت إلى آخر الكوفة، كان المتبادر منه سرت من أوّله إلى آخره، ولا يستقيم أن يجعل المبدأ زمان التبيين، لمنافاته التراخي المستفاد من «ثمّ»، وظاهر معنى الإتمام، ولا جزءاً من النهار من غير تعيين ولا جزءاً معيناً من النهار مثل النصف أو الثلث وأمثالهما.
وحينئذ نقول: لو كان طلوع الشمس مبدأ النهار ومنتهى الليل استقام اعتبار هذه المعاني في الآية; لأنَّ الله تعالى لما خصّ الترخيص بأوّل الليل إلى وقت الفجر، ظهر منه وجوب الإمساك في بقية الليل ثمّ أمر بإتمام الإمساك المذكور من أوّل النهار إلى الليل فصحّ معنى ثمّ والإتمام، وظهر حسن التعبير بهذا النحو بخلاف ما لو كان مبدأ النهار الفجر إذ لا يصحّ حينئذ معنى ثمّ ولا الإتمام إلاّ بالعدول عن الظاهر وارتكاب تكلّف، ولا يظهر حسن التعبير بهذا الوجه. انتهى.
أقول: بما قرّرنا انهدم أساس هذا الكلام، وظهر بهذا الوجه حسن التقرير والنظام، وليت شعري كيف يكون ارتكاب مثل هذه التكلفات الّتي تخرج الكلام إلى التعمية والألغاز، أحسن من حمل الكلام على المجاز الشائع في كلام البلغاء، على أنّا نقول على ما قرَّرنا لا حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز أصلاً وإنّما ارتكبنا لبلاغة الكلام وطراوته إذ نقول: لمّا كان الأمر السابق كافياً في الشروع في الصيام،

صفحه 127
وقد نبّههم عليه بقوله: (لَيْلَةَ الصِّيَامِ)1 وتحديد الجماع والأكلّ والشرب بقوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ)أيضاً كان يدلّ عليه كما ذكره القائل الفاضل، فكأنّه قال بعد شروعكم في الصيام بأمرنا يجب عليكم أن تتمّوه إلى اللّيل، فأيّ حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز في ثمّ أو الاتمام؟ وأيّ توقفّ لهذا الوجه على كون أوّل النهار طلوع الشمس، وحمل الأيّام في المواضع على المجاز؟
ولعلّه (قدس سره)توهّم أنّه لابدّ من تعيين مبدأ للإتمام وهو فاسد، لأنّا إذا قلنا: إذا شرعت في عمل فأتمّه، لا يلزم أن يكون للشروع حدٌّ معيّن، وأمّا ادّعاؤه أنّ المتبادر من قول القائل: سرت إلى آخر الكوفة، كون مبدأ السير أوّله غير مسلّم، بل يفهم مبدأ السير بالقرائن.
وقال الطبرسي (رحمه الله) في «المجمع»: المراد بليلة الصيام الليلة الّتي يكون في غدها الصوم 2، وقال في قوله سبحانه: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ): أي يظهر ويتميّز لكم على التحقيق (الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ): أي النهار من الليل، فأوَّل النهار طلوع الفجر الثاني. وقيل: بياض الفجر من سواد [ الليل. وقيل: بياض أوّل النهار من سواد ] آخر الليل.3 انتهى .
وقال الرازي في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ)الآية: هذا يقتضي حصول هذا الحلّ في جميع الليل ; لأنّ (لَيْلَةَ)نصب على الظرف، وإنّما يكون الليل ظرفاً للرفث لو كان الليل كلّه مشغولاً به، وإلاّ لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كلّه،

1 . قد عرفت أنّ الصيام قبل نزول هذه الآية كان مستوعباً للّيل والنهار عامّة، ولذلك قال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ)وظهور قوله تعالى: (لَيْلَةَ الصِّيَامِ)في أنّ الليل بتمامه ظرف لإحلال الرفث والأكلّ والشرب، أقوى دلالة من التشبّث بأن ثم للتراخي الزماني، وقد عرفت أيضاً أنّه لو كان أوّل الصوم واقعاً في آخر الليل الماضي، لقال: «ثم أتموا الصيام إلى الليل القابل».
2 . قد عرفت أن التعبير بليلة الصيام على حقيقته، ولا وجه لهذا التأويل.
3 . مجمع البيان: 2 / 22 ـ 23 وما بين العلامتين إضافة من المصدر.

صفحه 128
فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأمّا الّذي بعده من قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ) فذاك يكون كالتأكيد لهذا الناسخ، وأمّا الّذي يقول إنّ قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ) الخ يفيد حلّ الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به، فيكون الناسخ قوله: (كُلُوا).1 انتهى.
فهذان الفاضلان من الفريقين فسّرا الليل والنهار في تلك الآيات بما ترى.
الثامنة: قوله تعالى: وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)2 فإنَّ مقابلة أطراف النهار بآناء الليل توجب حمله على الأطراف الداخلة وعلى ما هو المشهور من حمل التسبيح على الصلاة ليس في الطرف الأوّل من اليوم إلاّ صلاة الفجر، فيكون وقته داخلاً في النهار، ولعلَّ الجمع باعتبار وقت الظهر والعصر أو إجزاء وقتي صلاة الفجر والعصر، ولعلّ الأوّل أظهر، وقد مرّ الكلام فيها.
التاسعة: قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ـ إلى قوله ـ : (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئأً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً) 3 فإنّه لا ينبغي أن يرتاب في أنّ الليل المذكور في الآية وما ذكره المفسّرون أنّه كان قيامه واجباً ثمّ نسخ، هو الّذي منتهاه طلوع الفجر، وأنّ النصف والثلثين والثلث إنّما هي بالنسبة إلى الليل بهذا المعنى، ومن راجع الأخبار والأقوال الواردة في ذلك، لا يبقى له ريب فيما ذكرنا; وكذا قوله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ)فإنّه قد ظهر من الأخبار وأقوال المفسّرين أنّه نزل في صلاة الليل ووقتها إلى طلوع الفجر.
وقال الطبرسي (رحمه الله): والمرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)أنّهما قالا:

1 . تفسير الرازي: 5 / 116 .
2 . طه: 13.
3 . المزمل: 1 ـ 7 .

صفحه 129
«هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل».1 وسيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب صلاة الليل.
العاشرة: قوله سبحانه: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ ـ إلى قوله ـ : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب)2 قال الرازي: القطع من الليل بعضه، وهو مثل القطعة، يريد اخرجوا ليلاً لتسبقوا نزول العذاب الّذي موعده الصبح. قال نافع بن الأزرق لعبدالله بن عباس: أخبرني عن قول الله: (بِقِطْع مِنَ اللَّيْلِ) قال هو آخر الليل سحر. وروي أنّهم لمّا قالوا للوط: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ)قال: أُريد أعجل من ذلك بل الساعة، فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب). قال المفسّرون: إنّ لوطاً (عليه السلام)لمّا سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل .3 انتهى.
وقال في موضع آخر: القطع في آخر الليل، قال الشاعر:
افتحي الباب وانظري في النجوم *** كم علينا من قطع الليل بهيم4
وظاهر هذه الآية وقوله تعالى: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر)5، وقوله: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) 6 وأقوال المفسّرين فيها أنّ نجاة آل لوط كان في الليل، وعذاب قومه كان في النهار بعد الفجر، وقد مرّ بعض كلام المفسّرين فيها.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لََتمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ

1 . مجمع البيان: 10 / 163 .
2 . هود: 81 .
3 . تفسير الرازي: 18 / 36 ـ 37 .
4 . تفسير الرازي: 19 / 201 .
5 . القمر: 34 .
6 . القمر: 38 .

صفحه 130
تَعْقِلُونَ)1 فإنّه سبحانه قابل الليل بالإصباح، فما بعد الصبح ليس من الليل.
وقال الطبرسي (رحمه الله): أي تمرُّون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على منازلهم وقراهم بالنهار وبالليل.2
وقال البيضاوي: (مُصْبِحِينَ) داخلين في الصباح، (وَبِاللَّيْلِ): أي ومساءً أو نهاراً وليلاً.3
وقال الرازي: ذلك لأنّ القوم كانوا يسافرون إلى الشام، والمسافر في أكثر الأمر إنّما يمشي بالليل وفي أوّل اليوم، فلهذا السبب عيّن تعالى هذين الوقتين.4انتهى.
وقال الواحدي في تفسيره الوسيط (مُصْبِحِينَ): أي نهاراً، فظهر أنّ المفسّرين أيضاً فهموا كما فهمنا.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)5 فإنّه فسّر في كثير من الروايات الإيمان وجه النهار بالصلاة في أوّل النهار، وليست إلاّ صلاة الفجر; كما رواه عليّ بن إبراهيم عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام): أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا قدم المدينة وهو يصلّي إلى نحو بيت المقدس أعجب ذلك اليهود، فلمّا صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الله الحرام وجدت اليهود من ذلك، وكان صرف القبلة صلاة الظهر، فقالوا: صلّى محمّد الغداة واستقبل قبلتنا، فآمنوا بالذي أُنزل

1 . الصافات: 137 ـ 138 .
2 . مجمع البيان: 8 / 332.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 26 .
4 . تفسير الرازي: 26 / 163 .
5 . آل عمران: 72 .

صفحه 131
على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله المسجد الحرام لعلّهم يرجعون إلى قبلتنا.1
وقال الرازي: وجه النهار هو أوّله، والوجه في اللغة مستقبل كلّ شيء ; لأنّه أوّل ما يواجه منه، كما يقال لأوّل الثوب وجه الثوب.2
وقال: قال ابن عباس وجه النهار أوّله، وهو صلاة الصبح، واكفروا آخره يعني صلاة الظهر، وتقريره أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يصلّي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة، ففرح اليهود بذلك، وطمعوا أن يكون منهم، فلمّا حوّله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر، قال كعب بن الأشرف وغيره: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)يعني آمنوا بالقبلة الّتي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحقّ، واكفروا بالقبلة الّتي صلّى إليها صلاة الظهر وهي آخر النهار فهي الكفر.
ثمّ روى رواية أُخرى وهي: أنّه لمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض: صلّوا إلى الكعبة في أوّل النهار، ثمّ اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلّوا إلى الصخرة، لعلّهم يقولون إنّ أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنّهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها، فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة.3
وقال الطبرسي (رحمه الله): وجه النهار أوّله، ثمّ ذكر تلك الروايات مجملاً. ونحوه ذكر البيضاوي، وغيره من المفسّرين.4
الثالثة عشرة: قوله سبحانه: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا )5 فإنّ ظاهر

1 . تفسير القمي: 1 / 105 .
2 . تفسير الرازي: 8 / 101 .
3 . تفسير الرازي: 8 / 100 ـ 101 .
4 . مجمع البيان: 2 / 321 ; تفسير البيضاوي: 2 / 52 ; الدر المنثور: 2 / 43 .
5 . الأنعام: 96 .

صفحه 132
التقابل بين الإصباح والليل عدم كون الصبح منه; قال الرازي: قال الليث: الصبح والصباح هما أوّل النهار، وهو الإصباح أيضاً، قال تعالى: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ): أي الصبح. وقيل: الإصباح مصدر سُمّي به الصبح.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): نبّه الله سبحانه على عظيم نعمته بأن جعل الليل للسكون، والنهار للتصرف، ودلّ بتعاقبهما على كمال قدرته وحكمته.2
الرابعة عشرة: قوله سبحانه: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) 3فإنّه قد وردت الأخبار المستفيضة، بل المتواترة أنّ المراد بالمشهود أنّه يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فظهر أنّ النهار عند الملائكة وفي السماء أيضاً من طلوع الفجر، وقد مضت الروايات فيه أيضاً ومقابلته بتهجّد الليل ممّا يقوّي ذلك، وظاهر أنّ التهجد لا يصدق على القيام إلى صلاة الفجر.
وقال الرازي: قال الجمهور: معناه أنّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.4
وقال الطبرسي (رحمه الله): كلّهم قالوا معناه أنّ صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.5 وكذا ذكر غيرهما من المفسّرين .6
وروى الشيخ والكليني والصدوق وغيرهم بأسانيد عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه

1 . تفسير الرازي: 13 / 98 .
2 . مجمع البيان: 4 / 118 .
3 . الإسراء: 78 .
4 . تفسير الرازي: 21 / 28 .
5 . مجمع البيان: 6 / 283 .
6 . تفسير الكشّاف: 2 / 462 ; تفسير البيضاوي: 3 / 462 ; الدر المنثور: 4 / 66 .

صفحه 133
قال في تفسير هذه الآية: «يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلّى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أُثبتت له مرّتين أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار».1
وبسند آخر عنه (عليه السلام)قال: «إنَّ ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر، فأنا أُحبُّ أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي».2
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) 3 فأطلق
على وقت عذابهم الصبح والبكرة، وقد صرَّح اللغويّون بأنَّ البكرة أوّل النهار، وقد قال تعالى: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) (4) قال الراغب الاصفهاني في مفرداته: أصل الكلمة هي البكرة الّتي هي أوّل النهار، فاشتقّ من لفظه لفظ الفعل فقيل: بكر فلان بكوراً إذا خرج بكرة.4
وقال في «الكشّاف»: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً)أوّل النهار أو باكره، كقوله: مشرقين ومصبحين.5
وقال البيضاوي: وقرئ بكرةَ غير مصروفة على أنّ المراد بها أوّل نهار معيّن.6
وقال الرازي في قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): 7

1 . راجع: الاستبصار: 1 / 275 ح 6 (995) ; الكافي: 3 / 283 ح 2، باب وقت الفجر; ثواب الأعمال: 36; تفسير القمّي: 2 / 25 .
2 . أمالي الطوسي: 695 ح 24 (1481)، المجلس 39 .
3 . القمر: 38.   4 . هود: 81 .
4 . مفردات الراغب: 57، مادة «بكر».
5 . تفسير الكشّاف: 4 / 40 .
6 . تفسير البيضاوي: 5 / 269.
7 . مريم: 11.

صفحه 134
روي عن أبي العالية أنّ بكرة صلاة الفجر وعشيّاً صلاة العصر.1
وأيضاً ظاهر قوله تعالى قبل ذلك: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر) أنّ ما بعد الصبح ليس بداخل في السحر كما صرّح به اللّغويون.
وقد صرّح جماعة بأنّ السحر آخر الليل. وقال الرازي: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر): أي أمرناهم بالخروج آخر الليل والسحر قبيل الصبح. وقيل: هو السدس الآخر من الليل.2
وفي «الكشّاف»: (نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر) بقطع من الليل، وهو السدس الآخر منه.3
وقال البيضاوي: أي في سحر وهو آخر الليل.4 وقد مرّ ما في الأساس.
السادسة عشرة: قوله سبحانه: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ)5فإنّ أكثر المفسّرين فسّروا تسبيح الغدوّ بصلاة الفجر، وقد صرّح اللّغويون بأنَّ الغداة من النهار، فصلاة الفجر من صلاة النهار. قال في «النهاية»: الغدوة المرّة من الغدوّ، وهو سير أوّل النهار، نقيض الرّوح; والغدوة بالضمّ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.6
وفي «القاموس»: الغدوة بالضم البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، كالغداة والغدية، وتغدّى أكلّ أوّل النهار.7

1 . تفسير الرازي: 21 / 190 .
2 . تفسير الرازي: 9 / 58 .
3 . تفسير الكشّاف: 4 / 40 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 268 .
5 . النور: 36 ـ 37 .
6 . النهاية لابن الأثير: 3 / 346، مادة «غدا» .
7 . القاموس المحيط للفيروزآبادي: 4 / 368 ـ 369، مادة (الغدوة) .

صفحه 135
وقال الخليل في كتاب «العين»: الغداء ما يؤكلّ في أوّل النهار.1
وقال في «مصباح اللّغة»: غدا غدوّاً من باب قعد ذهب غدوة، وهو ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.2
السابعة عشرة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) 3 وقد مرّ أنّ أكثر المفسّرين فسّروا تسبيح البكرة بصلاة الغداة، وصرّح اللّغويون بأنّ البكرة أوّل النهار كما مرّ، وقال في «مصباح اللّغة»: البكرة من الغداة جمعها بُكر مثل غرفة وغرف ـ إلى أن قال: ـ قال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكوراً وغدا غدوًّا، هذان من أوّل النهار.4
الثامنة عشرة: قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) 5 وقد مرّ تقريبه ووجه الاستدلال. به وقال الطبرسي (رحمه الله) وقيل: معناه صلّ بأمر ربّك (بِالْعَشِيِّ) من زوال الشمس إلى الليل، (وَالإِبْكَارِ) من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس; عن مجاهد. وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «قال الله- جلّ جلاله: يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمّك».6
وقال الرازي: الإبكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر في أوّل النهار، هذا هو في أصل اللّغة ثمّ سمّي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكاراً.7
وقال في موضع آخر: العشيّ والإبكار قيل صلاة العصر وصلاة الفجر،

1 . العين: 4 / 437، مادة «غدو».
2 . المصباح المنير للفيومي: 2 / 443.
3 . الأحزاب: 41 ـ 42.
4 . المصباح المنير: 1 / 58 ـ 59، مادة «بكر».
5 . المؤمن: 55.
6 . مجمع البيان: 8 / 449.
7 . تفسير الرازي: 8 / 44.

صفحه 136
وقيل: الإبكار عبارة عن أوّل النهار إلى نصف النهار، والعشي من نصف النهار إلى آخر النار. وقيل: المراد طرفا النهار.1
وقال البيضاوي: الإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.2
التاسعة عشرة: قوله سبحانه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)3 فإنّ ظاهر المقابلة كون قبل طلوع الشمس من النهار لا من الليل، وفسّره الأكثر بصلاة الفجر كما مرّ، وقال الرازي: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)إشارة إلى طرفي النهار، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) إشارة إلى زلفاً من الليل.4
العشرون: قوله عزوجل: (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) 5 إذ المقابلة بين البكرة والأصيل وبين الليل تقتضي المغايرة، وفسّر ذكر البكرة بصلاة الغداة، قال في «الكشّاف»: (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)ودم على صلاة الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ)وبعض الليل فصلّ له، أو يعني صلاة المغرب والعشاء (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) وتهجّد له هزيعاً طويلاً من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه. ونحو ذلك قال الرازي والبيضاوي، إلاّ أنّهما أدخلا صلاة الظهر في ذكر الأصيل.6
وقال الطبرسي (رحمه الله): أي أقبل على شأنك من ذكر الله، والدّعاء إليه صباحاً

1 . تفسير الرازي: 27 / 78 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 37.
3 . ق: 39 ـ 40 .
4 . تفسير الرازي: 28 / 183 ـ 184 .
5 . الدهر: 25 ـ 26 .
6 . تفسير الكشّاف: 4 / 200 ; تفسير الرازي: 30 / 259 ; تفسير البيضاوي: 5 / 430 ـ 431 .

صفحه 137
ومساء، والبكرة: أوّل النهار. والأصيل: العشيّ، وهو أصل الليل .1
وقال الواحدي في «الوسيط»: أي اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة وعشيّاً يعني الفجر والعصر، ومن الليل، فاسجد له يعني المغرب والعشاء، وسبّحه ليلاً طويلاً يعني التطوّع بعد المكتوبة.2
الحادية والعشرون: قوله سبحانه: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَال عَشْر * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ )3 بتقريب ما مرّ من التقابل كما قابل بين الليل والنهار في آيات كثيرة، كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)4، (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)5 .
وقال الرازي: ذكروا في القسم بالفجر وجوهاً: أحدها: ما روي عن ابن عباس أنّ الفجر هو الصبح المعروف، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، أقسم الله تعالى بما يحصل فيه من انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات من الطير والوحش في طلب الأرزاق ـ إلى أن قال: ـ ومنهم من قال: المراد به جميع النهار إلاّ أنّه دلّ بالابتداء على الجميع، ونظيره: (وَالضُّحَى)وقوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى). وثانيها: أنّ المراد نفس صلاة الفجر فأقسم بصلاة الفجر لأنّها صلاة في مفتتح النهار، وتجتمع لها ملائكة الليل وملائكة النهار.6
هذا ما حضر في الحال وخطر بالبال من الآيات الّتي يمكن أن يستدلّ بها على هذا المطلوب، فأشرنا إلى كيفيّة الاستدلال بها وبأضرابها على الإجمال.

1 . مجمع البيان: 10 / 225 .
2 . لاحظ : مجمع البيان: 10 / 225.
3 . الفجر: 1 ـ 4 .
4 . الليل: 1 ـ 2 .
5 . الضحى: 1 ـ 2 .
6 . تفسير الرازي: 31 / 162 .

صفحه 138
واستدلَّ بعض الأفاضل 1 على خلاف هذا المدَّعى بقوله تعالى: (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ )2 حيث قال: فقد قيل في تفسيره: أنّ الله يقلّب بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك.3 وعندي كلّ هذه الوجوه خلاف الظاهر وفرق بين تقليب الشيء وتبديل الشيء ومعاقبتهما، والظاهر من التقليب جعل الشيء عجزاً وبالعكس.
وذلك إنّما يتحقّق في كلّ واحد من الليل والنهار بالمعنى الّذي ذكرناه حسب، بناءً على أنّ في أوّل الليل الحمرة في جهة المغرب ثمّ يزداد الليل ظلمة وتزول الحمرة، وتبقى الصفرة والبياض المعترض، ثمّ البياض المرتفع إلى السماء ثمّ السواد المحيط بالآفاق، ويزداد الليل ظلمة، وإن لم يظهر أثر الازدياد حتّى ينتصف الليل ويصير رأس ظل المخروط 4 على دائرة نصف النهار فوق الأرض، ويكون المخروط حينئذ إمّا قائماً أو مائلاً إلى جهة الجنوب أو الشمال مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب، ثمَّ إذا زال اللّيل مال رأس المخروط عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب، وأخذ الظلمة في الانتقاص، وإن لم يظهر ذلك حسّاً وانقلبت الحالات الواقعة في النصف الأوّل فيميل النور إلى جهة المشرق حتّى يظهر أثر النور المستطيل في الأُفق الشرقي ثمّ الفجر المعترض ثمّ الصفرة والحمرة الشرقيتان إلى أن تطلع الشمس من المشرق.

1 . هو الفاضل الخراساني في رسالته الموضوعة في هذه المسألة، فقد اختار أنّ النهار من الطلوع إلى الغروب.
2 . النور: 44.
3 . لاحظ : زبدة التفاسير للكاشاني: 4 / 523 ; التفسير الأصفى: 2 / 851 ; تفسير البيضاوي: 4 / 195 .
4 . لكنه غفل عن أن رأس ظل المخروط بل معظمه خارج عن كرة الهواء، فلا سلطان لهذا الظل بالنسبة إلى كرة الأرض، فلا يزيد فيه سواداً ولا ينقص بعد مغرب الشفق أبداً، إلاّ عند طلوع الفجر واسفار الهواء المرئي في مشرق الشمس.

صفحه 139
وفي هذه الحالات تقليب للحالة الأُولى، وانعكاس لأمرها، وكذلك إذا طلع الشمس من المشرق، كثر النور في الجهات الشرقية، والظلّ ممتدّ من جهة الغرب، وكلّما ارتفع نقص الظلُّ وازداد النور والشعاع وارتفاع الشمس، وجميع ما يترتّب على ذلك حتّى إذا زالت الشمس انعكس الأمر، وانقلبت الحال، فصارت الجهات الغربية في حكم الشرقيّة وبالعكس. انتهى.
أقول: يرد عليه أنّه مخالف لما ورد في سائر الآيات من إيلاج الليل في النهار، وتكوير الليل على النهار 1 وغير ذلك، والظاهر أن يكون على سياق تلك الآيات، مع أنّ ذلك ليس تقليب الليل والنهار، بل لنصف الليل ونصف النهار، وعلى ما اخترناه يمكن توجيهه بوجه آخر أظهر، وأوفق بسائر الآيات، وهو أن يقال: الليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل، من جميع الوجوه، إذ ابتداء اليوم ظهور البياض، ثمّ الصفرة، ثمّ الحمرة، ثمّ تطلع الشمس، وكلّما ارتفعت ازدادت نوراً، وهكذا إلى الزوال، ثمّ ينقص النور إلى أن تغيب، ثمّ يظهر الليل بعكس النهار ترتيباً وصفة، لغروب الشمس أوّلاً ثمّ ظهور الحمرة، ثمّ الصفرة، ثمّ البياض، ثمّ

1 . ليس المراد من إيلاج الليل في النهار وبالعكس، وهكذا تكوير الليل على النهار ما يزيد في مدّة النهار والليل بحسب الفصول، بل المراد إيلاج الليل وسواده في بطن النهار وضيائه من جهة المغرب على الاستدامة، وإيلاج النهار في بطن الليل في المشرق هكذا. إلاّ أنّ ذلك يتراءى لمن خرج ببصره أو بفكره وخياله عن الأرض وعرج بروحه إلى السماء وتصوّر كرة الأرض في مقابلته، فحينئذ يشاهد كيف يلج سواد الليل في بطن الضياء من جهة المغرب، وكيف يلج ضياء النهار في دبر الليل من جهة المشرق، وهكذا كيف يكوّر ويلف أطراف الليل على النهار كأنّه يستر الضياء بذيله من جهة المغرب، وكيف يلف أطراف النهار بضيائه الليل كأنّه يستر السواد بلفاف بياضه، كلّ هذا على التشبيه البليغ البديع يجعل كيفية الإمساء والإصباح وانسلاخ الليل من النهار مشاهداً لحسّ المتفكّرين وينبّه على عظمة الإبداع وحسنه كأنّ تلك الآيات تعرج بروح المؤمن إلى فوق الأُفق خارج الكرة الأرضية ويشاهد تلك البدائع ومحاسن الصنع ليعرف عظمة ربه.

صفحه 140
تزداد الظلمة إلى الغسق، ثمّ تنتقص إلى طلوع الفجر، فالليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل.
ويمكن أن يقال: النكتة في جعل الشفق في أحد الطرفين من النهار، وفي الآخر من الليل أنّ الإنسان بعد نوم الليل والاستراحة يغتنم أدنى ضوء للحركة والانتشار لطلب المعاد والمعاش، بخلاف انتهاء اليوم فإنّه لكثرة مشاغله في اليوم وتضجّره منها يغتنم أدنى ظلمة لترك الأعمال والاستراحة، فلذا عدّ من الليل.
وأمّا الاستدلال بأنّ الغسق نهاية الظلمة، وهو منتصف ما بين الطلوع والغروب، فهو إنّما يتمّ إذا كان المراد بالغسق جزء غير منقسم كالزوال، وهو في محلّ المنع، بل الظاهر من إطلاقات اللغويين أنّه قدر من الزمان في وسط الليل تشتدُّ فيه الظلمة، فيمكن أن يكون ابتداؤه موافقاً لمنتصف ما بين الغروب إلى الفجر.
وأما الأخبار الواردة في ذلك فهي أكثر من أن تجتمع في موضع.1
***
   …

1 . راجع: بحار الأنوار : 80 / 105 ـ 134 .

صفحه 141

أبواب لباس المصلّي

[الباب الخامس]

ستر العورة، وعورة الرجال والنساء في الصلاة
وما يلزمهما من الثياب فيها، وصفاتها وآدابها1

الآيات:

الأعراف(7):(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا). 26 ـ 27 .
وقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد ـ إلى قوله سبحانه ـ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ ).31ـ 32.
النحل(16):(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) إلى قوله سبحانه:(وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا).5ـ 14.
وقال تعالى: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ

1 . بحار الأنوار:80/164ـ 175، الباب 1 من أبواب لباس المصلّي.

صفحه 142
الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين * وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ).80 ـ 81 .
ستر العورة، وعورة الرجال والنساء في الصلاة وما يلزمهما من الثياب فيها، وصفاتها وآدابها   …
فاطر(35):(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا).12.
الرحمن(55):(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ).22.

التفسير:

(قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا): أي خلقناه لكم بتدبيرات سماويّة وأسباب نازلة منها، أو لكون العلّة أشرف من المعلول، فحصول الشيء من العلّة كأنّه نزول من الأعلى إلى الأسفل، أو إشارة إلى علوّ رتبته تعالى، فالنزول منه إلينا نزول من العليا إلى السفلى، وهو قريب من الثاني، وقيل: إشارة إلى إنزال شيء من اللباس مع آدم وحوّاء(عليهما السلام).
(يُوَارِي سَوْآتِكُمْ): أي يستر عوراتكم وكلّ ما يسوء كشفه منكم (وَرِيشًا)وهو لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنّه لباسه وزينته، وفسّر ابن عباس الريش بالمال. والأوّل يومي إلى وجوب ستر العورة في جميع الأوقات، لا سيّما في وقت العبادات، فإنّ (يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) يومي إلى قبح الكشف، وأنّ الستر مراد الله تعالى; وظاهر الثاني استحباب التجمّل باللباس.
(وَلِبَاسُ التَّقْوَى) قيل: خشية الله. وقيل: العمل الصالح. وقيل: ما يقصد به التواضع لله تعالى وعبادته، كالصوف والشعر والخشن من الثياب; وعن زيد بن علي: أنّه ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها ممّا يتّقى به في

صفحه 143
الحروب. وقيل: مطلق اللّباس الّذي يتقى به من الضّرر كالحرّ والبرد والجرح.1
وقال عليّ بن إبراهيم: لباس التقوى ثياب البياض. وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: فأمّا اللّباس فالثياب الّتي تلبسون، وأمّا الرياش فالمال والمتاع، وأمّا لباس التقوى فالعفاف، إنّ العفيف لا تبدو له عورة، وإن كان عارياً من الثياب، والفاجر بادي العورة، وإن كان كاسياً من الثياب.(2)
(ذَلِكَ خَيْرٌ): أي لباس التقوى ذلك خير. وقيل: إشارة إلى مواراة السوأة فإنّه من التقوى تفضيلاً له على نفس اللّباس مطلقاً، أو إشارة إلى اللّباس المواري للسوأة (ذَلِكَ) يعني إنزال اللباس مطلقاً أو جميع ما تقدّم (مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدالّة على وجوده ولطفه وفضله ورحمته على عباده، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)فيعرفون عظيم النعمة فيه أو يتّعظون فيتورّعوا عن القبائح.
(لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ): أي لا يوقعنّكم في فتنة وفضيحة بأن يدعوكم أن لا تتذكّروا بآيات الله، ولا تتورَّعوا عن القبائح، فيخرجكم من محالّ فضل الله ومواضع رحمته، فيسلبكم نعمة الله وستره عليكم، ويحرمكم الجنّة (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) إسناد النزع إليه للتسبيب فيه.
(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) في «مجمع البيان» عن الباقر(عليه السلام): «أي خذوا ثيابكم الّتي تتزيّنون بها للصلاة في الجمعات والأعياد».2
وروى العيّاشي عن الرضا(عليه السلام) قال: «هي الثياب».3 وعن الصادق(عليه السلام): «هي الأردية» يعني في العيدين والجمعة.4

1 . مجمع البيان:4/237.   2 . تفسير القمّي:1/225ـ 226.
2 . مجمع البيان:4/244.
3 . تفسير العيّاشي:2/12 ح21.
4 . تفسير العيّاشي:2/13 ح27.

صفحه 144
وقال عليّ بن إبراهيم: في العيدين والجمعة يغتسل ويلبس ثياباً بيضاً. وروي أيضاً المشط عند كلّ صلاة.1
وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام): «يعني في العيدين والجمعة».2
وفي العيّاشي والجوامع كان الحسن بن علي(عليهما السلام) إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال: «إنّ الله جميل يحبُّ الجمال فأتجمّل لربّي» وقرأ هذه الآية.3
وفي «الفقيه» عن الرضا(عليه السلام):«من ذلك التمشّط عند كلّ صلاة». والعيّاشي عن الصادق(عليه السلام)مثله.4
وفي «التهذيب» عن الصادق(عليه السلام) في هذه الآية قال: «الغسل عند لقاء كلّ إمام».5
والعيّاشي عنه(عليه السلام): يعني الأئمّة.6
وقيل: هو أمر بلبس الثياب في الصلاة والطواف، وكانوا يطوفون عراة ويقولون لا نعبد في ثياب أذنبنا فيها. ونحوه ذكر عليّ بن إبراهيم.7
وفي «الخصال» عن أبي عبد الله(عليه السلام) في تفسير هذه الآية قال: «تمشّطوا فإنّ التمشّط يجلب الرزق» إلى آخر الخبر.8

1 . تفسير القمّي:1/229ـ 230.
2 . الكافي:3/424 ح8، باب تهيئة الإمام للجمعة.
3 . تفسير العيّاشي:2/14 ح29; تفسير جوامع الجامع:1/652.
4 . من لا يحضره الفقيه:1/128 ح318; تفسير العيّاشي:2/13 ح25.
5 . تهذيب الأحكام:6/110 ح198.
6 . تفسير العيّاشي:2/12 ح18.
7 . تفسير القمّي:1/227.
8 . الخصال:268، باب الخمسة.

صفحه 145
وفي العيّاشي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «هو المشط عند كلّ صلاة فريضة ونافلة».1
وقال بعض الأفاضل: وقد فسّر بالمشط والسواك والخاتم والسجّادة والسبحة.2
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) من الثياب كالقطن والكتّان والحرير والصوف، وما يعمل منه الدّروع والخواتيم والحليّ وغيرها (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) المستلذّات من المآكل والمشارب أو المباحات، والاستفهام للإنكار (قُلْ هِيَ): أي الزينة والطيّبات (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الظرف متعلّق بآمنوا (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حال من المستتر في متعلّق للّذين، ويوم القيامة ظرف لخالصة، أي لا يشاركهم غيرهم فيها كما يشاركهم في الدُّنيا، أو الظرف متعلّق بمتعلّق (للّذينَ): أي هي حاصلة للّذين آمنوا في الحياة الدُّنيا غير خالصة لهم، خالصة لهم يوم القيامة.3 قيل: ولم يقل ولغيرهم لينبّه على أنّها خلقت لهم بالأصالة، وأنّ غيرهم تبع لهم كقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً)4الآية.
(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ): أي لمصالحكم (فِيهَا دِفْءٌ) اسم لما يدفأ به فيقي البرد، وهو اللّباس المعمول من صوف أو وبر أو شعر، والظاهر شموله للفراء أيضاً (وَمَنَافِعُ) هي نسلها ودرورها وظهورها وغير ذلك، (حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) كاللؤلؤ والمرجان، وقيل: اليواقيت أيضاً.

1 . تفسير العيّاشي:2/13 ح25.
2 . القائل هو المحقّق الأردبيلي في زبدة البيان:72، تحقيق محمد باقر البهبودي، طهران.
3 . وقيل: معناه: قل هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقّة، وهي لهم خالصة في الآخرة. (منه(رحمه الله)، على ما في هامش طبعة الكمباني).
4 . البقرة:126.

صفحه 146
(سَكَنًا) موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتكم (بُيُوتًا) يعني الخيم والمضارب المتّخذة من الأُدم والوبر والصوف والشعر (تَسْتَخِفُّونَهَا): أي تجدونها خفيفة يخفّ عليكم حملها ونقلها ووضعها وضربها (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ)ترحالكم وسفركم (وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) نزولكم وحضركم، والأثاث أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية. وقيل: المال والمتاع ما يتّجر به من سلعة أو ينتفع به مطلقاً (إِلَى حِين): أي إلى أن تقضوا منه أوطاركم، أو إلى حين مماتكم، أو إلى مدّة من الزمان فإنّها لصلابتها تبقى مدّة مديدة أو إلى يوم القيامة. وقيل: إلى وقت البلى والفناء، إشارة إلى أنّها فانية، فلا ينبغي للعاقل أن يختارها.
(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ) من الشجر والجبل والأبنية وغيرها (ظِلاَلاً)تتّقون به حرّ الشمس (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا) مواضع تستكنّون بها من الغيران 1 والبيوت المنحوتة فيها (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ) ثياباً من القطن والكتّان والصوف وغيرها (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) اكتفى بذكر أحد الضدّين لدلالته على الآخر، ولأنّ وقاية الحرّ كانت عندهم أهمّ (وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ)يعني الدروع والجواشن، والسربال يعمّ كلّ ما يلبس (كَذَلِكَ) كإتمام هذه النعم الّتي تقدّمت (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ): أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به، وتنقادون لحكمه.
(هَذَا عَذْبٌ): أي طيّب (فُرَاتٌ): أي اشتدّت عذوبته، وقيل: هو الخالص الّذي لا يشوبه شيء (سَائِغٌ شَرَابُهُ): [أي] مريء سريع الانحدار لعذوبته، وذكر الأكثر أنّ اللؤلؤ كبار الدرّ، والمرجان صغاره، وقيل: المرجان الخرز الأحمر.
ففي الآيات دلالة على لزوم ستر العورة، لا سيّما في الصلاة وعلى

1 . الغيران: جمع غار وهو الكهف، انقلبت الواو ياء لكسرة الغين. النهاية لابن الأثير: 3 / 395، باب «غور».

صفحه 147
استحباب أنواع الزينة من التنظيف والتطهير والتطييب، والملابس الفاخرة عند الصلاة والطواف، وعلى جواز اتّخاذ الملابس والفرش وغيرها، وأنواع انتفاع يمكن من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها وجلودها، وجواز الصلاة فيها وعليها إلاّ ما أخرجه الدليل من عدم جواز السجود ونحوه، وطهارتها ولو من الميتة لإطلاق اللفظ، وعلى جواز بناء الأبنية والاستظلال بها وبالكهوف والغيران والصلاة فيها.
وجواز استعمال ثياب القطن والكتّان والصوف وغيرها، والدروع والجواشن وأمثالهما في الصلاة وغيرها، إلاّ ما أخرجه الدليل. وعلى جواز التحلّي باللؤلؤ والمرجان للرجال والنساء وصلاتهما فيهما للإطلاق، لاسيّما في مقام الامتنان.
وقد يستشكل في الصلاة في اللؤلؤ لكونه جزءاً من الصدف، والصدف حيوان لا يؤكل لحمه. أمّا كونه حيواناً فلما ذكره الأطبّاء وغيرهم من التجّار والغوّاصين ولما رواه الكلينيّ في الصحيح عن عليّ بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن اللّحم الّذي يكون في أصداف البحر والفرات، أيؤكل؟ قال: «ذلك لحم الضفادع، لا يحلّ أكله».1 وأمّا كونه غير مأكول اللحم فلهذا الخبر، وللإجماع المنقول على أنّ من حيوان البحر لا يؤكل لحمه إلاّ السمك، وأمّا عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه فلما سيأتي من عدم جواز الصلاة في شيء منه، إلاّ ما استثني.
ويمكن أن يجاب بوجوه:
الأوّل: لا نسلّم كونه جزء من ذلك الحيوان، فإنّ الانعقاد في جوفه لا يستلزم الجزئيّة، بل الظاهر أنّه ظرف لتولّد ذلك، نعم يكون اللؤلؤ في بعض الأصداف

1 . الكافي:6/221 ح11، باب آخر من صيد السمك.

صفحه 148
مركوزاً في جرمه، وهذا نادر، ويمكن أن يناقش فيه أيضاً.
الثاني: أنّا لا نسلّم عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ممّا ليس له نفس سائلة، وظاهر الأصحاب اختصاص الحكم بما له نفس سائلة وإن أمكن المناقشة فيه.
الثالث: أنّه على تقدير عدم اختصاص الحكم بما له نفس سائلة فهو أيضاً من المستثنيات لظواهر الآيات السالفة، ولشيوع التحلّي بها، والصلاة معها في أعصار الأئمّة(عليهم السلام) مع أنّه لم يُرْوَ منع بخصوص ذلك، والظاهر أنّه لو كان ممنوعاً لورد المنع منه في أخبار متعدّدة، فلم أر خبراً يتضمّنه إلاّ العمومات والإطلاقات الّتي يمكن أن يدّعى أنّها محمولة على الأفراد الشائعة، وليس هذا منه.
وبالجملة الحكم بالمنع مع عموم الآيات والأخبار الدالّة على الجواز، وعدم ظهور التخصيص، وتطرّق الإجمال فيه من وجوه، لا يخلو من إشكال، ويؤيّد الجواز ما رواه الصدوق في الصحيح عن عليّ بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلّي وفي فيه الخرز واللؤلؤ؟ قال:«إن كان يمنعه من قراءته فلا، وإن كان لا يمنعه فلا بأس».1
وجوب ستر العورة   …

تذنيب: وجوب ستر العورة

قال الشهيد(رحمه الله) في «الذكرى»: أجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، وعندنا وعند الأكثر أنّه شرط في الصحّة; لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) قيل: اتّفق المفسّرون على أنّ الزينة هنا ما توارى به العورة للصلاة والطواف، لأنّهما المعبّر عنهما بالمسجد، والأمر للوجوب. ويؤيّده قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) أمر تعالى باللّباس

1 . من لا يحضره الفقيه:1/254 برقم 779.

صفحه 149
المواري للسوأة، وهي ما يسوء الإنسان انكشافه، ويقبح في الشاهد إظهاره، وترك القبيح واجب. قيل: وأوّل سوء أصاب الإنسان من الشيطان انكشاف العورة، ولهذا ذكره تعالى في سياق قصّة آدم(عليه السلام).1 انتهى.
وهل الستر شرط مع الذكر أو مطلقاً؟ ظاهر العلاّمة في «المختلف» و«النهاية» صحّة الصلاة إذا لم يعلم بالانكشاف، سواء دخل في الصلاة عارياً ساهياً أو انكشف في الأثناء، وسواء كان الانكشاف في جميع الصلاة أو كان في بعضها.2
وقال في «المعتبر»: لو انكشفت عورته في أثناء الصلاة ولم يعلم، صحّت صلاته، لأنّه مع عدم العلم غير مكلّف. ويؤيّده ما رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام) في الرجل يصلّي وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه الإعادة؟ قال:«لا إعادة عليه وقد تمّت صلاته»3.4 ويظهر من التعليل عدم الفرق بين عدم الستر ابتداء والتكشّف في الأثناء.
وفرّق الشهيد(رحمه الله) في كتبه فقال في «الذكرى»: ولو قيل بأنّ المصلّي عارياً مع التمكّن من الساتر يعيد مطلقاً، والمصلّي مستوراً ويعرض له التكشّف في الأثناء بغير قصد لا يعيد مطلقاً كان قويّاً.5 وقرّبه في «الدروس»، وقريب منه كلامه في «البيان».6 وكلامه يحتمل أمرين: أحدهما: الفرق بين الانكشاف في الكلّ والبعض. وثانيهما: الفرق بين النسيان ابتداء والتكشّف في الأثناء، وكلامه في

1 . ذكرى الشيعة:3/5.
2 . مختلف الشيعة:2/99; نهاية الأحكام:1/369.
3 . مسائل علي بن جعفر:217 برقم 476.
4 . المعتبر:2/104.
5 . ذكرى الشيعة:3/16.
6 . الدروس الشرعية:1/148، الدرس 29(في لباس المصلّي); البيان:125، في اللباس.

صفحه 150
«الذكرى» يشعر بالأوّل، حيث قال: وليس بين الصحّة مع عدم الستر بالكلّية وبينها مع عدمه ببعض الاعتبارات تلازم، بل جاز أن يكون المقتضي للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة، فلا يحصل البطلان بدونه، وجاز أن يكون المقتضي للصحّة ستر جميعها في جميعها فيبطل بدونه.
وقال ابن الجنيد: لو صلّى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط.1 وقال الشيخ في «المبسوط» فإن انكشفت عورتاه في الصلاة وجب سترهما عليه، ولا تبطل صلاته، سواء كان ما انكشفت عنه قليلاً أو كثيراً، بعضه أو كلّه.2
وكلام الشيخ مطلق يشمل صورة العلم والعمد، وعليه حمله العلاّمة في «التذكرة»، وإن كان المنساق إلى الذهن منه الانكشاف بدون العلم والعمد، وعليه حمله في «المختلف» والأقرب أنّ الانكشاف ساهياً غير ضائر، والله يعلم.3
الصلاة في الثوب النجس أو ثوب أصابه بصاق أو عرق أو ذرق   …

[الباب السادس]

النهي عن الصلاة في الحرير والذهب والحديد
وما فيه تماثيل، وغير ذلك ممّا نُهي عن الصلاة فيه4

الآيات:

المائدة(5):(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ).3.

1 . فتاوى ابن الجنيد للاشتهاردي:52; ونقله عنه العلاّمة في المختلف:2/99.
2 . المبسوط:1/87، فصل في ستر العورة.
3 . تذكرة الفقهاء:2/454; مختلف الشيعة:2/99.
4 . بحار الأنوار : 80 / 238، الباب 5 من أبواب لباس المصلّي.

صفحه 151

التفسير:

استدلّ به على تحريم لبس جلد الميتة في الصلاة وغيرها، وفيه نظر لاحتمال انصراف التحريم إلى الانتفاع الشائع .

[الباب السابع]

الصلاة في الثوب النجس أو ثوب أصابه بصاق أو عرق أو ذرق، وحكم ثياب الكفّار، وما لا يتمّ فيه الصلاة1

الآيات:

المدثر(74):(وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ).4.2

التفسير:

المتبادر تطهير الثياب من النجاسات فيجب في جميع الأحوال إلاّ ما أخرجه الدليل، ومنها حال الصلاة، وفسّر في الروايات بالتشمير، فيستفاد منه التطهير أيضاً، إذ التعبير عن التشمير بالتطهير يومي إلى أنّ الغرض منه عدم تنجّس الثوب، وقيل: المراد طهّر نفسك عن الرذائل أو لا تلبسها على معصية ولا غدر; وهما مدفوعان بأنّ المجاز لا يصار إليه إلاّ لقرينة أو نصّ، نعم يمكن أن يقال: لعلّ المراد به التنظيف بناء على عدم ثبوت الحقائق الشرعيّة، فتأمّل.

1 . بحار الأنوار:80/257، الباب 6 من أبواب لباس المصلّي.
2 . والآية من المتشابهات بأُمّ الكتاب: ظاهره الاستقلال وأنّه واجب الاتّباع على الإطلاق، وليس كذلك، بل هو سنة في فريضة بتأويل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، ولذلك لا تبطل الصلاة بالإخلال به إلاّ عمداً كسائر السنن التي جعلت في الصلاة.

صفحه 152

[الباب الثامن]

   …
فضل المساجد وأحكامها وآدابها1

الآيات:

البقرة(2):(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).114.
الأعراف(7):(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد).29.
التوبة(9):(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).17ـ19.
وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).28.
وقال تعالى:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى

1 . بحار الأنوار:80/339ـ 348، الباب 8 من أبواب لباس المصلّي.

صفحه 153
التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).107ـ 108.
يونس(10):(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ).87.
الحج(22):(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا).40.
الجن(72):(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا).18.

التفسير:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ) في تفسير العسكريّ(عليه السلام) هي مساجد خيار المؤمنين بمكّة، منعوهم عن التعبّد فيها بأن ألجأوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الخروج عن مكّة.1
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم وغيره عن الصادق(عليه السلام): أنّهم قريش حين منعوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دخول مكّة والمسجد الحرام.2
وروي عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ(عليه السلام) أنّه أراد جميع الأرض لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.3
أقول: اللّفظ يقتضي العموم في المسجد والمانع والذكر.
(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا): أي في خراب تلك المساجد، لئلاّ تُعمر بطاعة الله (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ) في تفسير الإمام(عليه السلام) أنّه وعد للمؤمنين بالنصرة، واستخلاص المساجد منهم، وقد أنجز وعده بفتح مكّة

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام):560.
2 . تفسير القمّي: 1/58.
3 . مجمع البيان:1/355ـ356.

صفحه 154
لمؤمني ذلك العصر، وسينجزه لعامّة المؤمنين حين ظهور القائم(عليه السلام)، وقيل: المعنى: كان حقّهم بحسب حالهم أن لا يدخلوها إلاّ خائفين من المؤمنين، فكيف جاز لهم أن يمنعوا المؤمنين. وقيل: إلاّ خائفين من أن ينزل عليهم عذاب، لاستحقاقهم ذلك. وقيل: ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ بخشية وخضوع فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها.
فيستفاد منها استحباب دخولها بالخضوع والخشوع والخشية من الله تعالى، كما هو حال العبد الواقف بين يدي سيّده. وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المساجد، وروى العيّاشي عن محمّد بن يحيى: يعني لا يقبلون الإيمان إلاّ والسيف على رؤوسهم.1
(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) قتل وسبي أو ذلّة بضرب الجزية. وقيل: أي بعد قيام القائم (عليه السلام)، والأولى التعميم بكلِّ ما يصير سبباً لمذلّتهم في الدُّنيا.
أقول: تدلُّ الآية بعمومها على عدم جواز منع ما يذكر الله به من الصلوات والدعوات وتلاوة القرآن ونشر العلوم الدينيّة وأمثالها في المساجد، وحرمة السعي في خرابها الصوريّ بهدمها، وإدخالها في الملك وغير ذلك، بل تعطيلها، وكلّ ما يوجب ذهاب رونقها وإحداث البدع فيها، وكلّ ما ينافي وضعها وحصول الذكر فيها.
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) على بعض المحتملات يدلّ على رجحان إتيان المساجد، وسيأتي في باب القبلة.
(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ): أي ما كانوا أهل ذلك، ولا جاز لهم، أو ما صحّ ولا استقام لهم عمارة شيء من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام، وهو صدرها ومقدّمها، وقيل: هو المراد كما هو الظاهر على قراءة ابن كثير

1 . تفسير العيّاشي:1/56 ح79.

صفحه 155
وأبي عمرو ويعقوب، مسجد الله ; لقوله تعالى فيما بعد (وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وإنّما جمع لأنّها قبلة المساجد كلّها وإمامها، فعامرها كعامر جميعها، أو لأنّ كلّ بقعة منه مسجد.
(شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) بإظهار كفرهم، ونصبهم الأصنام حول البيت. وقيل: هي اعترافهم بملّة من ملل الكفر كالنصرانيّ بأنّه نصرانيّ. وروي في «الجوامع» أنّ المسلمين عيّروا أُسارى بدر، ووبّخ عليّ(عليه السلام) العباس بقتال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقطيعة الرحم، فقال العبّاس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: أوَ لكم محاسن؟ قال: نعم، إنّا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج ونفكُّ العاني، فنزلت.1
(أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) الّتي هي العمارة والسقاية والحجابة وفكّ العناة الّتي يفتخرون بها أو مطلقاً بما قارنها من الشرك (وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) لأجله، وفيها دلالة على بطلان أعمال الكفّار وعدم صحّة شيء منها، ويمكن أن يفهم منها جواز منعهم من مثل العمارة.
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ) الحصر إمّا إضافيّ بالنسبة إلى أُولئك المشركين، أو مطلق الكفرة، فهذه الأوصاف لتفخيم شأن عمارة مساجد الله، وتعظيم عاملها، وأنّه ينبغي أن يكون على هذه الأوصاف، ولبيان بُعد أُولئك عن عملها، أو المراد عمارتها حقّ العمارة الّتي لا يوفّق لها إلاّ هؤلاء الموصوفون باعتبار قوّة إيمانهم، وكمال إخلاصهم، أو المراد أنّه لا يستقيم ولا يصحّ عمارة مساجد الله من أحد على طريق الولاية عليها إلاّ ممّن كان كذلك، فإنّ الظاهر أنّ أُولئك المفتخرين أرادوا نحو ذلك، وأنّهم ولاة المسجد الحرام، فيختصّ بالنبيّ والأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم. على أنّ الظاهر من قوله:(وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ) عدم سبق الفسق،

1 . تفسير جوامع الجامع:2/52ـ53.

صفحه 156
بل ولا ذنب فكيف الكفر. وقيل: إنّهم كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأُريد نفي تلك الخشية.
(فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم الّتي استعظموها وافتخروا بها، وأمّلوا عاقبتها بأنّ الّذين آمنوا وضمّوا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، مع استشعار الخشية والتقوى اهتداؤهم دائر بين عسى ولعلّ، فما بال المشركين يقطعون أنّهم مهتدون ويأملون عند الله الحسنى.
وقيل: في هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية، ورفض الاغترار بالله. وقيل: (عسى) إشارة إلى حال المؤمنين وأنّهم مع ذلك في دعواهم للهداية، وعدّ نفوسهم من المهتدين على هذا الحال، فما بال الكفّار يقطعون لأنفسهم بالاهتداء، ثمّ ذلك للمؤمنين إمّا أن يكون لرجحان الخشية وقوّتها، أو على سبيل التأدّب والتواضع، أو نظراً منهم إلى مرتبة أعلى ودرجة أسنى.
ثمّ في الآية حثٌّ عظيم على تعمير المساجد، وتعظيم شأنها، وقيل: المراد بالتعمير بناؤها وإصلاح ما يستهدم منها، وتزيينها وفرشها، وإزالة ما يكره النفس منه مثل كنسها والإسراج فيها، وقيل: المراد شغلها بالعبادة مثل الصلاة والذكر، وتلاوة القرآن ودرس العلوم الدينيّة وتجنّبها من أعمال الدُّنيا، واللهو واللّعب، وعمل الصنائع، وحديث الدُّنيا ولعلّ التعميم أولى.
(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ) قد مضى تفسيرها ونزولها في مفاخرة أمير المؤمنين(عليه السلام) بسبق الإيمان، والعباس بالسقاية وشيبة بالحجابة، وفضل الإيمان على تلك الأُمور ظاهر لا سيّما إذا لم تكن مع الإيمان، فإنّها باطلة محبطة كما مرّ.
(فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) استدلّ به على عدم جواز إدخال النجاسة المسجد الحرام وهو غير بعيد للتفريع، وإن أمكن المناقشة فيه، وأمّا الاستدلال به

صفحه 157
على عدم جواز دخولهم شيئاً من المساجد فهو ضعيف .1
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا) في «المجمع» و «الجوامع» روي أنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قُبا وصلّى فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجداً نصلّي فيه ولا نحضر جماعة محمّد، فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قبا وقالوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهّز إلى تبوك: إنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، فقال: إنّي على جناح سفر، ولمّا انصرف من تبوك نزلت، فأرسل من هدم المسجد وأحرقه وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة.
(ضِرَارًا) مضارَّة للمؤمنين أصحاب مسجد قبا (وَكُفْرًا) وتقوية للكفر الّذي كانوا يضمرون (وَإِرْصَادًا): أي وإعداداً أو ترقّباً لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر الراهب، قيل: بنوه على أن يؤمّهم فيه أبو عامر إذا قدم من الشام، في «الجوامع» أنّه كان قد ترهّب في الجاهليّة، ولبس المسوح، فلمّا قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة حسده وحزَّب عليه الأحزاب، ثمّ هرب بعد فتح مكّة وخرج إلى الروم وتنصّر، وكان هؤلاء يتوقّعون رجوعه إليهم، وأعدُّوا هذا المسجد له ليصلّي فيه، ويظهر على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه كان يقاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزواته إلى أن هرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومات بقنّسرين وحيداً.2
(وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى): أي ما أردنا ببنائه إلاّ الخصلة الحسنى وهي الصلاة والذكر، والتوسعة على المصلّين (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في حلفهم (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا): أي لا تصلّ فيه أبداً يقال: فلان يقوم باللّيل أي يصلّي

1 . راجع: بحار الأنوار : 80 / 44 .
2 . مجمع البيان: 5/ 125 ـ 126; جوامع الجامع:2/94ـ95.

صفحه 158
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم) من أيّام وجوده، وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام)، وفي «العيّاشي» عن الباقر والصادق(عليهما السلام): يعني مسجد قُبا، وكذا ذكره عليّ بن إبراهيم أيضاً.1 وقيل: أسّسه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وصلّى فيه أيّام مقامه بقُبا، وقيل: هو مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وقال في «المجمع»: روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: هو مسجدي هذا2 وقيل: هو كلُّ مسجد بني للإسلام وأُريد به وجه الله تعالى.
(أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ): أي أولى بأن تصلّي فيه(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) روى العيّاشي عن الصادق(عليه السلام) أنّه الاستنجاء.(3) وفي «المجمع» عن الباقر والصادق(عليهما السلام): يحبّون أن يتطهّروا بالماء عن الغائط والبول، وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لأهل قُبا: ما تفعلون في طهركم؟ فإنّ الله قد أحسن إليكم الثناء؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال أنزل الله فيكم (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).3
أقول: قد مضى تفسير تلك الآيات وتأويلها والقصص المتعلّقة بها بأسانيدها في المجلّد السادس4، والغرض من إيرادها هنا الاستدلال بها على اشتراط القربة في صحّة وقف المساجد وفضلها، وجواز تخريب ما بني منها لغرض فاسد، بل وجوبه وعدم جواز الصلاة فيما بني لذلك إن أوجب ترويج بدعتهم، وتشييد غرضهم، ولعلّ فيها إيماء إلى رجحان الصلاة في مسجد بانوها ومجاوروها والمصلّون فيها من الأتقياء وأهل الطهارة والنظافة، وإلى رجحان الطهارة والنظافة لدخولها.

1 . راجع: الكافي: 3/296 ح2; تفسير العيّاشي:2/111 برقم 135 و 136، سورة براءة; تفسير القمّي:1/305.
2 . مجمع البيان:5/127.   3 . تفسير العياشي:2/112.
3 . مجمع البيان:5/127.
4 . راجع: بحار الأنوار: 21/252ـ263.

صفحه 159
وقال الشهيد في «الذكرى»: يجوز اتّخاذ المساجد في البيع والكنائس لرواية العيص ابن القاسم عن أبي عبد الله(عليه السلام) في البيع والكنائس، هل يصلح نقضها لبناء المساجد؟ فقال:«نعم».1 ثمّ قال: المراد بنقضها نقض ما لابدّ منه في تحقّق المسجديّة كالمحراب وشبهه، ويحرم نقض الزائد لابتنائها للعبادة، ويحرم أيضاً اتّخاذها في ملك أو طريق، لما فيه من تغيير الوقف المأمور بإقراره، وإنّما يجوز اتّخاذها مساجد إذا باد أهلها، أو كانوا أهل حرب، فلو كانوا أهل ذمّة حرم التعرُّض لها.2 انتهى.
أقول: يمكن أن يقرأ نقضها بالضمّ أو الكسر بمعنى آلات بنائها، ولا يخلو من بعد، وتجويز النقض يؤيّد ما ذكرنا من عدم صحّة الوقف.
(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) قال الطبرسي(رحمه الله): اختلف في ذلك، فقيل: لمّا دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون، أُمروا باتّخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله، وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة، أي الكعبة ; عن الحسن. ونظيره: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) الآية.3 وقيل: إنّ فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فأُمروا أن يتّخذوا مساجد في بيوتهم يصلّون فيها، خوفاً من فرعون وذلك قوله: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً): أي صلّوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف; عن ابن عبّاس ومجاهد والسدّي وغيرهم. وقيل: معناه اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً; عن ابن جبير.4 انتهى.
وروى عليّ بن إبراهيم عن الكاظم(عليه السلام) قال: «لمّا خافت بنو إسرائيل

1 . تهذيب الأحكام:3/260 برقم 732، باب فضل المساجد.
2 . ذكرى الشيعة:3/131.
3 . النور:36.
4 . مجمع البيان:5/219.

صفحه 160
جبابرتها أوحى الله إلى موسى وهارون أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة، قال: أُمروا أن يصلّوا في بيوتهم».1 انتهى. ويدلّ على رجحان الصلاة في البيوت في الجملة، وفي بعض الأحوال واتّخاذ المساجد في البيوت، فيمكن حمله على حال التقيّة، أو على النافلة لرجحانها في البيت، وقد ورد لا تجعلوا بيوتكم مقابر أي لا يصلّى فيها أصلاً كالقبور.
(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض): أي بتسلّط المؤمنين منهم على الكافرين (لَهُدِّمَتْ): أي لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل (صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)قال في «المجمع»: أي صوامع في أيّام شريعة عيسى(عليه السلام) وبيع في أيّام شريعة موسى(عليه السلام)ومساجد في أيّام شريعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي لهدم في كلّ شريعة المكان الّذي يصلّى فيه. وقيل: البيع للنصارى في القرى، والصوامع في الجبال والبوادي، ويشترك فيها الفرق الثلاث، والمساجد للمسلمين، والصلوات كنيسة اليهوديّ. وقال ابن عباس والضحاك وقتادة: الصلوات كنائس اليهود يسمّونها صلاة فعرِّب، وقرأ جعفر بن محمد(عليهما السلام) بضمّ الصاد واللام. وقال الحسن: أراد بذلك عين الصلاة، وهدم الصلاة بقتل فاعليها ومنعهم من إقامتها، وقيل: المراد بالصلوات المصلّيات كما قال: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى)2 وأراد المساجد.
القبلة وأحكامها   …
(يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا) قال: الهاء تعود إلى المساجد، وقيل: إلى جميع المواضع الّتي تقدّمت; لأنّ الغالب فيها ذكر الله، ويدلُّ على فضل المساجد وتعميرها وذمّ تخريبها وتعطيلها وفضل إيقاع الذكر بأنواعه فيها كثيراً.3

1 . تفسير القمّي:1/315.
2 . النساء:43.
3 . مجمع البيان:7/156ـ157.

صفحه 161
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ) قال في «المجمع»: أي لا تذكروا مع الله في المواضع الّتي بنيت للعبادة والصلاة أحداً على وجه الاشتراك في عبادته، كما تفعل النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة، قال الحسن: من السنّة عند دخول المسجد أن يقال: لا إله إلاّ الله لا أدعو مع الله أحداً. وقيل: المساجد مواضع السجود من الإنسان، وهي الجبهة والكفّان وأصابع الرجلين وعينا الركبتين، وهي لله تعالى إذ خلقها وأنعم بها، فلا ينبغي أن يسجد بها لأحد سوى الله. وقيل: المراد بالمساجد البقاع كلّها، وذلك لأنّ الأرض كلّها جعلت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسجداً.1 ويدلُّ على استحباب اتّخاذ المساجد ووجوب الإخلاص في العبادة فيها على بعض الوجوه.

[الباب التاسع]

القبلة وأحكامها2

الآيات:

البقرة(2):(وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). 115.
وقال سبحانه:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ

1 . مجمع البيان:10/152.
2 . بحار الأنوار:81/28ـ 47، الباب 10 من أبواب مكان المصلّي.

صفحه 162
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ).142ـ145.
وقال تعالى:(وَ لِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).148ـ 150.
وقال سبحانه:(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).177.
الأعراف(7):(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد).29.
يونس(10):(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا).105.
الروم(30):(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا).30.

صفحه 163

التفسير:

(وَللهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ):أي مجموع ما في جهة الشرق والغرب من البلاد لله تعالى هو مالكها، ففي أيّ مكان فعلتم التولية لوجوهكم شطر القبلة ـ بدليل قوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا) ـ فثمّ جهة الله الّتي أمر بها ورضيها. والمعنى: إذا مُنعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلنا لكم الأرض مسجداً فصلّوا في أيِّ بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها، فإنّ التولية لا تختصُّ بمسجد ولا بمكان; كذا ذكره جماعة من المفسّرين من الخاصّة والعامّة نظراً إلى ما قبله من قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ). وقيل: فثمَّ وجه الله أي ذاته، أي فثمَّ الله يرى ويعلم. وقيل: فثمّ رضى الله أي الوجه الّذي يؤدِّي إلى رضوانه. وفي «المجمع»: قيل: معناه بأيّ مكان تولّوا فثمّ الله يعلم ويرى فادعوه كيف توجّهتم. قال: وقيل: نزلت في التطوّع على الراحلة حيث توجّهت حال السفر، وهو المرويّ عن أئمّتنا(عليهم السلام).1
وفي «الجوامع» لم يقيّد بحال السفر، قال: وهو مرويّ عنهم(عليهم السلام)، ونحوه في «التذكرة» عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وفي «المعتبر» قد استفاض النقل أنّها في النافلة.2
وفي «المجمع» روي عن جابر أنّه قال: بعث النبيّ سريّة كنت فيها، وأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقال طائفة منّا: قد عرفنا القبلة هي هاهنا قبل الشمال، فصلّوا وخطّوا خطوطاً، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب فخطّوا خطوطاً فلمّا أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلمّا رجعنا من سفرنا سألنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فسكت، فأنزل الله هذه الآية.3

1 . مجمع البيان:1/358ـ 359.
2 . تفسير جوامع الجامع: 1/142; تذكرة الفقهاء:3/193; المعتبر:2/76.
3 . مجمع البيان:1/358.

صفحه 164
وذكر في «الجوامع» قريباً منه عن عامر بن ربيعة، عن أبيه وسيأتي ما يدلّ على أنّها نزلت في الخطاء في القبلة وفي قبلة المتحيّر. وقال الصدوق في«الفقيه»: ونزلت هذه الآية في قبلة المتحيّر، ذكر ذلك بعد نقل صحيحة معاوية فيحتمل أن يكون من الخبر ومن كلامه، ولو كان من كلامه أيضاً فالظاهر أنّه لا يقول إلاّ عن رواية.1
وروى الشيخ في «التهذيب» عن محمّد بن الحصين قال: كتبت إلى عبد صالح: الرجل يصلّي في يوم غيم في فلاة من الأرض، ولا يعرف القبلة فيصلّي حتّى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلّى لغير القبلة، أيعتدُّ بصلاته أم يعيدها؟ فكتب: «يعيدها ما لم يفته الوقت، أو لم تعلم أنّ الله يقول وقوله الحقُّ: (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ).(2)
وقال الشيخ في «النهاية»، بعد نقل الآية: وروي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: هذا في النوافل خاصّة في حال السفر.2 انتهى.
وقد تحمل على النافلة والفريضة في الجملة جمعاً بين الروايات، ومراعاةً لعموم اللفظ ما أمكن، قال في «كنز العرفان»: اعلم أنّه مهما أمكن تكثير الفائدة مع بقاء اللّفظ على عمومه، كان أولى، فعلى هذا يمكن أن يحتجّ بالآية على أحكام:
الأوّل: صحّة صلاة الظانّ والناسي، فيتبيّن خطاؤه، وهو في الصلاة غير مستدبر ولا مشرِّق ولا مغرِّب.
الثاني: صحّة صلاة الظانّ والناسي فيتبيّن خطاؤه بعد فراغه، وكان التوجّه بين المشرق والمغرب.

1 . من لا يحضره الفقيه:1/276 برقم 848 .   2 . تهذيب الأحكام:2/49 برقم 160، باب القبلة.
2 . النهاية:64، باب معرفة القبلة وأحكامها.

صفحه 165
الثالث: الصورة بحالها وكان صلاته إلى المشرق والمغرب وتبيّن بعد خروج الوقت.
الرابع: المتحيّر الفاقد للأمارات يصلّي إلى أربع جهات تصحُّ صلاته.
الخامس: صحّة صلاة شدّة الخوف حيث توجّه المصلّي.
السادس: صحّة صلاة الماشي ضرورة عند ضيق الوقت متوجّهاً إلى غير القبلة.
السابع: صحّة صلاة مريض لا يمكنه التوجّه بنفسه ولم يوجد غيره عنده يوجّهه.
وأمّا الاحتجاج بها على صحّة النافلة حضراً ففيه نظر لمخالفة فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه لم ينقل عنه فعل ذلك، ولا أمره ولا تقريره، فيكون إدخالاً في الشرع ما ليس فيه، نعم يحتجّ بها على موضع الإجماع وهو حال السفر والحرب، ويكون ذلك مخصّصاً لعموم: (حَيْثُ مَا كُنْتُمْ) بما عدا ذلك وهو المطلوب.1انتهى.
وأقول: الآية بعمومها وإطلاقها تدلّ على جواز الصلاة على غير القبلة مطلقاً، وصحّة ما وقع منها لغيرها مطلقاً ونسخها غير معلوم، فما خرج منها بدليل من إجماع أو غيره فهو خارج به، وغير ذلك داخل فيها، وأمّا آية القبلة الآية فهي معارضة لهذه الآية في أكثر الأحكام وهذه مؤيّدة بأصل البراءة، فما لم ينضمّ إليه شيء آخر من إجماع أو نصّ فالعمل بهذه الآية فيه أقوى.
ففي المسائل الخلافيّة الّتي لم يرد فيها نصٌّ أو ورد من الجانبين، ولم يكن جانب البطلان أقوى يمكن الاستدلال بتلك الآية فيها، ففي الرّابع تدلّ على جواز

1 . كنز العرفان:1/91، ط المكتبة المرتضوية، طهران.

صفحه 166
الصلاة إلى أيّ جهة شاء ولا يجب القضاء مع تبيّن الخطاء وإن كان مستدبراً، وقيد ضيق الوقت في السادس غير محتاج إليه، وأمّا صحّة النافلة حضراً إذا كان ماشياً أو راكباً فهي داخلة في الآية، ومؤيّدة بالنصوص، والتقييد بموضع الإجماع يقلّل جدوى الآية بل ينفيها مع أنّه(رحمه الله) قد استدلّ بها على موضع الخلاف أيضاً، هذا بالنظر إلى الآية مع قطع النظر عن الأخبار، وستطّلع على ما تدلّ عليه الأخبار من اختصاص هذه الآية بالنافلة وآيات التولية بالفريضة، ونزول هذه الآية في قبلة المتحيّر أو الخاطئ في الاجتهاد.
وفي «الكشّاف» وقيل: معناه فأينما تولّوا للدُّعاء والذكر، ولم يُرد الصلاة.1
وفي «المعالم»: قال مجاهد والحسن: لمّا نزلت (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، قالوا: أين ندعوه؟ فأنزل الله الآية، وقال أبو العالية: لمّا صرفت القبلة قالت اليهود: ليس لهم قبلة معلومة، فتارة يصلّون هكذا; وتارة هكذا; فنزلت.(2)
وقال البيضاوي: وقيل هذه الآية توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيّز وجهة.2 وعلى هذه الأقوال ليست بمنسوخة. وقيل: كان للمسلمين التوجّه في صلاتهم حيث شاءوا ثمّ نسخت بقوله: (فَوَلِّ) وهذا غير ثابت، بل الأخبار تدلُّ على خلافه، ثمّ إنّها على بعض التفاسير تدلّ على إباحة الصلاة في أيّ مكان كان.
(إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ) علماً وقدرة ورحمة وتوسعة على عباده (عَلِيمٌ)بمصالح الكلّ وما يصدر عن الكلّ في كلّ مكان وجهة.
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) الخفاف الأحلام من الناس. قيل: هم اليهود لكراهتهم

1 . تفسير الكشّاف: 1/307.   2 . لاحظ : آيات الأحكام للاسترآبادي: 155 .
2 . تفسير البيضاوي:1/387.

صفحه 167
التوجّه إلى الكعبة، وأنّهم لا يرون النسخ. وقيل: المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء وقيل: المشركون قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثمّ رجع إليها وليرجعنّ إلى دينهم، وقيل: يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعاً (مَا وَلاَّهُمْ) حرَّفهم (عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)يعني بيت المقدس، والقبلة كالجلسة في الأصل، الحال الّتي عليها الإنسان من الاستقبال ثمّ صارت لما يستقبله في الصلاة ونحوها.
وفائدة الإخبار به قبل وقوعه أنّ مفاجأة المكروه أشدُّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدّمه من توطين النفس، وأن يستعدّ للجواب فإنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم واستعدادهم للجواب رافعاً لاهتمامه، على أنّه سبحانه ضمّن هذا الإخبار من حقارة الخصوم وسخافة عقولهم وكلامهم ما فيه تسلية عظيمة، وعلّم الجواب المناسب، وقارنه بألطاف عظيمة، وفي كلّ ذلك تأييد وتعظيم له وللمسلمين وحفظ لهم عن الاضطراب وملاقاة المكروه.
(قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) له الأرض والبلاد والعباد، فيفعل فيها ما يشاء ويحكم ما يريد، على مقتضى الحكم، ووفق المصلحة، وعلى العباد الانقياد والاتّباع، فبعد أمر الله بذلك لا يتوجّه الإنكار وطلب العلّة والمصلحة، فلا يبعد أن يكون المقول في الجواب هذا المقدار لا غير، كما هو المناسب لترك تطويل الكلام مع السفهاء، وعدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة، فما بعد هذا الخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تسلية له عن عدم إيمانهم وامتناناً عليه وعلى المؤمنين بهدايتهم لدين الإسلام، أو لما هو مقتضى الحكمة والمصلحة، ويجوز دخوله في الجواب توبيخاً لهم، وتبكيتاً على عدم هدايتهم لذلك مع ما تقدّم، كذا قيل.
ويحتمل أن يكون المراد أنّ المشرق والمغرب وما فيهما مخلوقه تعالى ومعلوله، ولا اختصاص له بشيء منها حتّى يتعيّن التوجّه إليه، فكلّما علم

صفحه 168
المصلحة من التوجّه إلى جهة لقوم يأمرهم بذلك(يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) وهو ماتقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس والأُخرى إلى الكعبة.
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا): أي عدلاً أو أشرف الأُمم، فلذا هديناكم إلى أشرف قبلة وأفضلها(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يوم القيامة.
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) قيل: الموصول ليس صفة للقبلة، بل ثاني مفعولي جعل، أي وما جعلنا القبلة بيت المقدس إلاّ لامتحان الناس، كأنّه أراد أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، واستقبالك بيت المقدس كان عارضاً لغرض.
وقيل: يريد وما جعلنا القبلة الآن الّتي كنت عليها بمكّة أي الكعبة وما رددناك إليها إلاّ امتحاناً; لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلّي بمكّة إلى الكعبة ثمّ أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود، ثمّ حوِّل إلى الكعبة، وقيل: بل كانت قبلته بمكّة بيت المقدس إلاّ أنّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، كما روي عن ابن عباس، وسيأتي من تفسير الإمام(عليه السلام)، فيمكن أن يراد ذلك أيضاً باعتبار جعله الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنّها كانت قبلة له في الجملة.
وقيل: القبلة الّتي كنت مقبلاً وحريصاً عليها ومديماً على حبّها أن تُجعل قبلة، وربّما يضمّن الجعل معنى التحويل، أو يحذف المفعول الثاني أي منسوخة، أو يحذف مضاف، أي تحويل القبلة، ولا يخفى ضعف الجميع.
ويحتمل أن يكون المعنى: وما شرعنا وقرّرنا القبلة الّتي كنت عليها قبل ذلك، أو يكون المفعول الثاني محذوفاً أي مقرَّرة أو مفروضة، والموصول على الوجهين صفة للقبلة.
(إِلاَّ لِنَعْلَمَ) إلاّ امتحاناً للناس، لنعلم من يثبت على الدين مميّزاً ممّن يرتدّ وينكص على عقبيه; فعلى الوجه الأوّل وبعض الوجوه الأخيرة، يمكن أن يراد

صفحه 169
لنعلم ذلك عند كونها قبلة، أو الآن عند الصرف إلى الكعبة ذلك أو الأعم، ولعلّه أولى.
وقيل في تأويل ما تُوهمه الآية من توقّف علمه سبحانه على وجود المعلوم وجوه:
الأوّل: أنّ المراد به وبأمثاله العلم الّذي يتعلّق به الجزاء أي العلم به موجوداً حاصلاً.
والثاني: أنّ المراد به التمييز، فوضع العلم موضع التميّز لأنّ العلم يقع به التميّز، وهو الذي يقتضيه قوله:(مِمَّنْ يَنْقَلِبُ) كما أومأنا إليه، كما قال تعالى: (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ويشهد له قراءة «ليعلم» على بناء المجهول.
والثالث: أنّ المراد به علم الرسول والمؤمنين مع علمه، فعلمه وإن كان أزلياً لكن لا ريب في جواز عدم حصول علم الجميع إلاّ بعد الجعل كما هو الواقع.
الرابع: أنّ المراد علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين وإنّما أسند علمهم إلى ذاته لأنّهم خواصّه وأهل الزلفى لديه.
والخامس: أنّ المقصود بالذات علم غيره من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين والملائكة لكنّه ضمّهم إلى نفسه وعلمهم إلى علمه، إشارة إلى أنّهم من خواصّه، وهذا قريب ممّا تقدّمه.
والسادس: أنّه على التمثيل، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم.
(وَإِنْ كَانَتْ) «إن» هي المخفّفة الّتي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية والضمير لما دلّ عليه قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ) من الردّة والتحويلة والجعلة وقيل للكعبة (لَكَبِيرَةً): أي ثقيلة شاقّة (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ): أي هداهم الله للثبات والبقاء على دينه، والصدق في اتّباع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ) اللاّم لام الجحود لتأكيد النفي، ينتصب الفعل بعدها

صفحه 170
بتقدير أن، والخطاب للمؤمنين تأييداً لهم وترغيباً في الثبات (إِيمَانَكُمْ) قيل: أي ثباتكم على الإيمان ورسوخكم فيه. وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها كما سيأتي في الرواية. وعن ابن عباس: لمّا حوّلت القبلة قال ناس: كيف أعمالنا الّتي كنّا نعمل في قبلتنا الأُولى، وكيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟ فنزلت:(إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)فلا يضيع أُجورهم.1
(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) قيل: أي تردُّد وجهك في جهة السماء تطلّعاً للوحي. روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى مدّة مقامه بمكّة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة، وبعد مهاجرته إلى المدينة سبعة أشهر، على ما رواه عليّ بن

1 . التبيان:2/11. والآية جواب عن احتجاج اليهود الذي سيوردونه على المسلمين بعد الإعراض عن قبلتهم إلى المسجد الحرام، واحتجاجهم هو أنّه لو كانت قبلتهم هذه التي استقبلوها في صلواتهم حقّاً وهي الّتي ولاّهم الله إيّاها وجعلها وجهة خاصة بهم تمتاز بها ملّتهم عن سائر الملل، فصلواتهم التي صلّوها طيلة عشر سنوات بل وأكثر إلى قبلتنا باطلة; وإن كانت قبلتهم الأُولى حقّاً وصلواتهم الّتي صلّوا إليها صحيحة، فصلواتهم هذه التي يصلّونها باطلة; وإن قال المسلمون: إنّ صلواتنا كلّها صحيحة والقبلتان كلّ واحدة منهما حق في ظرفه وأوانه، لزم هذا النسخ المستحيل على الله لكونه بداء.
فأشار الله عزّ وجلّ إلى ردّ مزعمتهم من استحالة النسخ بقوله:(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ):أي أنّها كبيرة يشقّ احتمالها وهضمها والتصديق بأنّ كلتا القبلتين حكم مرضي لله عزّ وجلّ بعد ما سوّل لهم الشيطان بأنّ ذلك من البداء المستحيل، إلاّ على الذين هداهم الله إلى حقائق الإيمان فاعترفوا بالنسخ والبداء تسليماً وإخلاصاً لله وحسن بلائه.
ثم خاطب المؤمنين تسلية لهم وقال:(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فإنّكم آمنتم بالقبلة الأُولى، ثم لمّا وجهتكم عنها إلى غيرها قبلتم وآمنتم وصدّقتم، فصلواتكم كلّها إلى القبلتين مقبولة غير ضائعة عند ربكم لأنّها كانت عن إيمان. فالإيمان في الآية بمعناه الأصلي، لكنّه لمّا كان متعلّقاً بأمر القبلة في صلواتهم تأوّله المفسّرون بالصلاة، فافهم ذلك.

صفحه 171
إبراهيم1 وذكره جماعة. وقال الصدوق(رحمه الله): تسعة عشر شهراً2 ـ كما سيأتي ـ والمشهور بين العامّة ستّة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، فقالت اليهود تعييراً: إنّ محمّداً تابع لنا يصلّي إلى قبلتنا، فاغتمّ لذلك رسول الله وأنّه كان قد استشعر أنّه سيحوّل إلى الكعبة، أو كان وُعد ذلك كما قيل، أو كان يحبّه ويترقّبه، لأنّها أقدم القبلتين، وقبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإسلام، لأنّها مفخرهم ومزارهم ومطافهم، فاشتدّ شوقه إلى ذلك مخالفة على اليهود، وتمييزاً منهم، وخرج في جوف اللّيل ينظر إلى آفاق السماء منتظراً في ذلك من الله أمراً.
وروي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرئيل(عليه السلام): وددت أن يحوّلني الله إلى الكعبة، فقال جبرئيل(عليه السلام)إنّما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربّك فاسأل فإنّك عند الله بمكان، فعرج جبرئيل، وجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبرئيل بما يحبُّ من أمر القبلة; فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر، وقد صلّى منها ركعتين نزل جبرئيل فأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة وأنزل عليه (قَدْ نَرى)الآية فصلّى الركعتين الأخيرتين إلى الكعبة.3
وقيل:(قَدْ) هنا على أصله من التوقّع والتحقيق، من غير اعتبار تقليل ولا تكثير. وقيل: هنا للتكثير. وقيل: للتقليل لقلّة وقوع المرئي من تقلّب وجهه(صلى الله عليه وآله وسلم)، والرؤية منه تعالى علمه سبحانه بالمرئيّ وليس بآلة كما في حقّنا.
(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً) فلنعطينّك ولنمكّننّك من استقبالها، من قولك: «ولّيته كذا» إذا جعلته والياً له، أو فليجعلنّك تلي سمتها (تَرْضَاهَا) تحبّها وتميل إليها

1 . تفسير القمّي:1/63.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/275 برقم 845 .
3 . راجع مجمع البيان:1/422.

صفحه 172
لأغراضك الصحيحة، فلا يستلزم ذلك سخط بيت المقدس، ولا سخط التوجّه إليه.
والشطر النحو والجهة، والمراد بالمسجد الحرام إمّا الكعبة كما هو المشهور تسمية للجزء الأشرف باسم الكلّ; أو لأنّ البيت بنفسه مسجد أيضاً ومحترم، كما يقال: البيت الحرام; أو الحرم تسمية للكلّ باسم أشرف الأجزاء، إشعاراً بالتعظيم، أو لمشاركته مع المسجد في وجوب الاحترام; كما قيل في قوله سبحانه:(سُبْحَانَ الذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وكما روي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: (فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)1 أنّ المراد به الحرم بحمل الآية على البعيد الخارج عن الحرم بناء على كون الحرم قبلة لهم كما سيأتي تحقيقه في شرح الأخبار، وأمّا جعله بمعناه الشرعيّ بتخصيص الآية بأهل الحرم بناء على كونه قبلة لهم، فعلى تقدير تسليم مبناه تقليل فائدة الآية يضعّفه بل ينفيه.
(وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) خصّ الرسول بالخطاب أوّلاً تعظيماً له، وإيجاباً لرغبته، ثمّ عمّم تصريحاً بعموم الحكم جميع الأُمّة، وسائر الأمكنة، وتأكيداً لأمر القبلة، وتحضيضاً للأُمّة على المتابعة. وقيل: لا ريب في اتّحاد المراد بالشطر في الخطابين، وأنّ الظاهر العموم، وشمول القريب والبعيد، وأنّه يصدق على المشاهد للعين المتوجّه إليها أنّه مولّ وجهه شطرها، فلا يكون معنى الشطر ما يخصّ البعيد بل يشمل القريب أيضاً، وعن ابن عبّاس أنّه أوّل نسخ وقع في القرآن.
(وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) قيل: هم اليهود أو الأعمّ منهم والنصارى (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ)تحويل القبلة (الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) قيل: لعلمهم جملة أنّ كلّ شريعة لابدّ لها من قبلة، وتفصيلاً لتضمّن كتبهم أنّه يصلّي إلى القبلتين لكنّهم لا يعترفون

1 . التوبة: 28.

صفحه 173
لشدّة عنادهم (وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ) بالياء وعيد لأهل الكتاب، وبالتاء وعد لهذه الأُمّة، أو وعد ووعيد مطلقاً.
(بِكُلِّ آيَة): أي بكلّ برهان وحجّة (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) لأنّ المعاندين لا تنفعهم الدلالة (وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ) قطع لأطماعهم (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض) لتصلّب كلّ حزب فيما هو فيه (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) على الفرض المحال، أو المراد به غيره من أُمّته، من قبيل: «إيّاك أعني واسمعي يا جاره».1
(إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أكّد تهديده2 وبالغ فيه تعظيماً للحقّ، وتحريصاً على اقتفائه، وتحذيراً عن متابعة الهوى، واستعظاماً لصدور الذنب عن الأنبياء.3
(وَلِكُلّ وِجْهَةٌ): أي ولكلّ أُمّة قبلة وملّة وشرعة ومنهاج، أو لكلّ قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة يتوجّهون إليها (هُوَ مُوَلِّيهَا) الله مولّيها إيّاهم، أو هو مولّيها وجهه (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) من أمر القبلة وغيره ممّا تنال به سعادة الدارين، وفي «الكافي» عن الباقر(عليه السلام): «الخيرات الولاية».(3)
(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا) قيل: أي في أيّ موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء أو مفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء، أو: أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو: أينما تكونوا

1 . التفسير الصافي:1/200.
2 . في هامش نسخة الأصل ما هذا نصّه: «التأكيد من وجوه: تصدير الكلام بالقسم المضمر أوّلاً، وتصدير الجملة بأن التي تفيد التأكيد والتحقيق، والتركيب من الجملة الاسمية، والإدخال في جملة الظالمين دون قوله: فإنّك ظالم، واللام في قوله: (لَمِنَ الظّالِمينَ) و اسناد اتّباع الباطل بعد حصول العلم بعدم الجواز ونسبة الاتّباع إلى الأهواء وغير ذلك منه. (كذا بخطّه(رحمه الله) وطيّب مثواه)، ولكن في طبعة الكمباني خلط الحاشية مع المتن.
3 . التفسير الصافي:1/200.   3 . الكافي:8/313 برقم 487.

صفحه 174
من الجهات المتقابلة يأت بكم الله جميعاً، ويجعل صلواتكم كأنّها إلى جهة واحدة; وفي بعض أخبارنا: أن لو قام قائمنا لجمع الله جميع شيعتنا من جميع البلدان.1
(إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) للسفر في البلاد (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا صلّيت (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): أي وإنّ التوجّه إلى الكعبة للحقُّ الثابت المأمور به من ربّك.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ) قيل: كرّر هذا الحكم لتكرُّر علله، فإنّه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل: تعظيم الرسول بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإلهيّة على أن يولّي كلّ أهل ملّة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميّز بها، ودفع حجج المخالفين، وقرن بكلّ علّة معلولها كما يقرن المدلول بكلّ واحد من دلائله، تقريباً وتقريراً مع أنّ القبلة لها شأن، والنسخ من مظانّ الفتنة والشبهة، فبالحريّ أن يؤكّد أمرها ويعاد ذكرها مرّة بعد أُخرى.
(لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) علّة لقوله: (فَوَلّوا) والمعنى: أنّ التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة، تدفع احتجاج اليهود بأنّ المنعوت في التوراة قبلة الكعبة، وأنّ محمّداً يجحد ديننا ويتّبعنا في قبلتنا، واحتجاج المشركين بأنّه يدّعي ملّة إبراهيم، ويخالف قبلته.
(إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) قيل: أي إلاّ الحجّة الداحضة من المعاندين
بأن قالوا ما تحوّل إلى الكعبة إلاّ ميلاً إلى دين قومه، وحبّاً لبلده، فرجع إلى
قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم; وقال عليّ بن إبراهيم: (إلاّ) هاهنا
بمعنى لا، وليست استثناء، يعني: ولا الّذين ظلموا منهم.(2) وقيل: الاستثناء

1 . تفسير العيّاشي:1/66.   2 . تفسير القمّي:1/63.

صفحه 175
للمبالغة في نفي الحجّة رأساً كقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهنّ فلول من قراع الكتائب1
للعلم بأنّ الظّالم لا حجّة له (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ): أي فلا تخافوهم، فإنّ مطاعنهم لا تضرُّكم (وَاخْشَوْنِي) فلا تخالفوني ما أمرتكم به.
(وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) علّة للمحذوف، أي وأمرتكم لإتمامي النعمة عليكم (وإرادتي اهتداءكم، أو معطوف على علّة مقدّرة مثل واخشوني لأحفظكم عنهم ولأُتمّ نعمتي عليكم) أو على (لِئَلاَّ يَكُونَ).2
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) البرّ كلّ فعل مرضيّ. قيل: الخطاب لأهل الكتاب، فإنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة، حين حوِّلت، وادّعى كلُّ طائفة أنّ البرّ هو التوجّه إلى قبلته، فردّ الله عليهم، وقال: ليس البرّ ما أنتم عليه فإنّه منسوخ، ولكن البرّ ما نبيّنه واتّبعه المؤمنون، وقيل: عامّ لهم وللمسلمين، أي ليس البرّ (مقصوراً بأمر القبلة أو ليس البرّ) العظيم الّذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها.3
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) قال الطبرسي(رحمه الله): قيل: فيه وجوه: أحدها: أنّ معناه توجّهوا إلى قبلة كلّ مسجد في الصلاة على استقامة. وثانيها: أنّ معناه: أقيموا وجوهكم إلى الجهة الّتي أمركم الله بالتوجّه إليها في صلاتكم وهي الكعبة، والمراد بالمسجد أوقات السجود وهي أوقات الصلاة. وثالثها: أنّ المراد إذا أدركتم الصلاة في مسجد فصلّوا ولا تقولوا حتّى أرجع إلى مسجدي، والمراد بالمسجد موضع

1 . القول للنابغة الذبياني في مدح عمرو بن الحارث الغساني. راجع ديوانه:15، شرح كرم البستاني. وفيه:«الكتائب» بدل«الكتاب».
2 . راجع: تفسير البيضاوي: 1/428.
3 . تفسير البيضاوي:1/452.

صفحه 176
السجود. ورابعها: أنّ معناه اقصدوا المسجد في وقت كلّ صلاة أمراً بالجماعة لها ندباً عند الأكثرين وحتماً عند الأقلّين. وخامسها: أنّ معناه أخلصوا وجوهكم لله في الطاعات ولا تشركوا به وثناً ولا غيره.1
وفي «التهذيب» عن الصادق(عليه السلام): «هذه في القبلة».2
وعنه(عليه السلام): «مساجد محدثة فأُمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام» كما سيأتي برواية العيّاشي.3
(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) قال الطبرسي: أي استقم في الدين بإقبالك على ما أُمرت به من القيام بأعباء الرسالة وتحمّل أمر الشريعة بوجهك. وقيل: معناه أقم وجهك في الصلاة بالتوجّه نحو الكعبة (حَنِيفًا): أي مستقيماً في الدين.4
   …

[الباب العاشر ]

الأذان والإقامة وفضلهما وتفسيرهما وأحكامهما وشرائطهما5

الآيات:

المائدة(5):(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ).58.
الجمعة(62):(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ).9.

1 . مجمع البيان:4/241.
2 . تهذيب الأحكام:2/43 ح2، باب القبلة.
3 . تهذيب الأحكام:2/43 ح4; تفسير العيّاشي:2/12.
4 . مجمع البيان:5/237.
5 . بحار الأنوار:81/102، الباب13 .

صفحه 177

التفسير:

قال الطبرسي(رحمه الله) في الآية الأُولى: قيل في معناه قولان:أحدهما: أنّه كان إذا أذَّن المؤذِّن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون، تجهيلاً لأهلها، وتنفيراً للناس عنها، وعن الداعي إليها; والآخر: أنّهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاّعب الهازئ بفعلها، جهلاً منهم بمنزلتها (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ) ما لهم في إجابتهم إليها من الثواب، وما عليهم في استهزائهم بها من العقاب، وأنّهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح.
قال السدّيّ: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذّن ينادي بالشهادتين فقال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة له ليلة بنار وهو نائم وأهله، فسقطت شررة فاحترق هو وأهله، واحترق البيت.1
وقال في «كنز العرفان»: اتّفق المفسّرون على أنّ المراد بالنداء الأذان.2ففيه دليل على أنّ الأذان والنداء إلى الصلاة مشروع بل مرغوب فيه من شعائر الإسلام ويومئ إلى أنّ ما يشعر بالتهاون بشعار من شعائر الإسلام حرام.
وقال المفسّرون في قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ) أنّ المراد بالنداء الأذان لصلاة الجمعة، وسيأتي تفسيرها.

1 . مجمع البيان:3/366ـ367.
2 . كنز العرفان:1/112.

صفحه 178

[الباب الحادي عشر]

آداب الصلاة1

الآيات:

النساء(4):(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً).142.
الأعراف(7):(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد).31.
التوبة(9):(وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ).54.
المؤمنون(23):(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ).1ـ2.

التفسير:

(يُخَادِعُونَ اللهَ) خداعهم إظهارهم الإيمان الّذي حقنوا به دماءهم وأموالهم، أو يخادعون نبيّ الله، كما سمّى مبايعة النبيّ مبايعته تعالى للاختصاص; ولأنّ ذلك بأمره (وَهُوَ خَادِعُهُمْ): أي مجازيهم على خداعهم أو حكمه بحقن دمائهم مع علمه بباطنهم وأخذهم بالعقوبات بغتة في الدُّنيا والآخرة، شبيه بالخداع فاستعير لهذا اسمه. وقيل: هو أن يعطيهم الله نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثمّ يسلبهم ذلك النور، ويضرب بينهم بسور (قَامُوا كُسَالَى): أي متثاقلين كأنّهم مجبورون (يُرَاؤُونَ النَّاسَ) يعني أنّهم لا يعملون شيئاً من العبادات على وجه القربة، وإنّما يفعلون ذلك إبقاء على أنفسهم، وحذراً من القتل

1 . بحار الأنوار:81/226ـ 229، الباب16.

صفحه 179
وسلب الأموال: إذا رآهم المسلمون صلّوا ليروهم أنّهم يدينون بدينهم، وإن لم يرهم أحد لم يصلّوا.
وروى العيّاشي عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله، عن آبائه(عليهم السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سئل فيما النجاة غداً؟ قال:«النجاة ألاّ تخادعوا الله فيخدعكم فإنّ من يخادع الله يخدعه، ونفسه يخدع لو شعر»، فقيل له: وكيف يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمره الله ثمّ يريد به غيره، فاتّقوا الرياء فإنّه شرك بالله، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر! يا فاجر! يا غادر! يا خاسر! حبط عملك، وبطل أجرك، ولاخلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له».1
(وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً): أي ذكراً قليلاً، وقال الطبرسي(رحمه الله): معناه لا يذكرون الله عن نيّة خالصة، ولو ذكروه مخلصين لكان كثيراً، وإنّما وصف بالقلّة لأنّه لغير الله. وقيل: لا يذكرون الله إلاّ ذكراً يسيراً نحو التكبير، والأذكار الّتي يجهر بها، ويتركون التسبيح وما يخافت به من القراءة وغيرها. وقيل: إنّما وصف بالقلّة لأنّه سبحانه لم يقبله وما ردّ الله فهو قليل.2
(خُذُوا زِينَتَكُمْ) قد مرّ في أبواب اللباس.3
(وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ): أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلاّ كفرهم. وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام): «لا يضرُّ مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل، ألا ترى أنّه قال:(وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ) الآية.4
(إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى) متثاقلين (وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) لأنّهم لا يرجون

1 . تفسير العياشي:1/283.
2 . مجمع البيان:3/221ـ222.
3 . راجع: بحار الأنوار : 83 / 164.
4 . الكافي: 2/464، الحديث3.

صفحه 180
بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) «قد» حرف تأكيد يثبت المتوقّع ويفيد الثبات في الماضي، والفلاح الظفر بالمراد. وقيل: البقاء في الخير، وأفلح دخل في الفلاح (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي خاضعون متواضعون متذلّلون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً; وروي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته، فقال: «أما إنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه»،1 وفي هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب وبالجوارح، فأمّا بالقلب فإنّه يفرغ قلبه بجمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها، فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود، وأمّا بالجوارح فهو غضُّ البصر والإقبال عليها وترك الالتفات والعبث، قال ابن عبّاس: خشع فلا يعرف مَن على يمينه ولا مَن على يساره; وروي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته، فلمّا نزلت هذه الآية طأطأ رأسه ورمى ببصره إلى الأرض.2
انتهى.
أقول: وقد عرفت أنّ غضّ البصر ليس من الخشوع المطلوب في الصلاة إلاّ ما ورد في رواية حمّاد في الركوع3 وقد مرّ مع ما يعارضه خصوصاً، وسيأتي بعض الأخبار فيه مع معارضاتها. وقد روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة.4

1 . دعائم الإسلام:1/174; مستدرك الوسائل:5/417 ح3(6233)، الباب 11 من أبواب قواطع الصلاة; كنز العمال:8/197 برقم 22530.
2 . مجمع البيان:7/176.
3 . بحار الأنوار:81/185 ح1.
4 . تهذيب الأحكام:2/314 ح136، باب كيفية الصلاة.

صفحه 181
وفي رواية زرارة: «اخشع ببصرك ولا ترفعه إلى السماء».1
وأمّا خشوع الجوارح فهو حفظها عمّا لا يناسب الصلاة أو ينافي التوجه إليها بالقلب. وقيل: هو فعل جميع المندوبات وترك جميع المكروهات المتعلّقة بالجوارح المبيّنة في الفروع، وفسّر بعض أهل اللّغة وبعض المفسّرين الخشوع في الأعضاء بالسكون.2 ويؤيّده ما روي في هذا الباب عن سيّد العابدين أنّه(عليه السلام)إذا قام في الصلاة كان كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه إلاّ ما حرّكت الريح منه. وفي الرواية النبويّة المتقدّمة أيضاً إيماء إليه.3
ثمّ الظاهر شمول الصلاة للفرائض والنوافل جميعاً، ولذا قيل: إنّما أُضيف إليهم لأنّ المصلّي هو المنتفع بها وحده، وهي عدّته وذخيرته، فهي صلاته، وأمّا المصلّى له فغنيّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها، وإن خصّت بالفرائض كما يشعر به بعض الروايات، أمكن اعتبار مزيد الاختصاص وزيادة الانتفاع، وعلى كلّ حال إنّما لم يطلق ويهمل إيماء إلى ذلك للتحريص والترغيب وفي ترتّب الفلاح على الخشوع في الصلاة لا على الصلاة وحدها ولا عليهما جميعاً من التنبيه على فضل الخشوع ما لا يخفى.

[الباب الثاني عشر]

ما يجوز فعله في الصلاة وما لا يجوز وما يقطعها وما لا يقطعها4


1 . الكافي:3/300 ح6، باب الخشوع في الصلاة.
2 . تفسير الطبري:18/4ـ5; معاني القرآن للنحاس:4/441; أحكام القرآن للجصاص:3/329. ورووه عن مجاهد والزهري وإبراهيم. تاج العروس:11/94، مادة «خشع».
3 . الكافي:3/300 ح4، باب الخشوع في الصلاة.
4 . بحار الأنوار:81/268ـ 281، الباب17.

صفحه 182

الآيات:

النساء(4):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا).43.
وقال تعالى:(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَسِيبًا).86.
المائدة(5):(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).55.

التفسير:

قد مرّ في كتاب الطهارة أنّ في الآية وجهين: أحدهما: المنع عن قرب الصلاة والدُّخول فيها حال السكر من خمر ونحوها أو من النوم، كما مرّ في بعض الروايات وذكره بعض المفسّرين; أو الأعمّ كما هو ظاهر القاضي، وفي «الكافي» ومنه سكر النوم.1 وهو يفيد التعميم. وفي «مجمع البيان»(2) عن الكاظم(عليه السلام) أنّ
المراد به سكر الشراب، ثمّ نسختها آية تحريم الخمر كما روت العامّة أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً لجماعة من الصحابة قبل نزول تحريم الخمر، فأكلوا وشربوا فلمّا ثملوا دخل وقت المغرب، فقدَّموا أحدهم ليصلّي بهم فقرأ«أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد» فنزلت الآية، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، فإذا صلّوا العشاء شربوا فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر.2 وسيأتي عن العيّاشي تفسيره بسكر الخمر،(4) وقد مرّ تأويله بسكر

1 . الكافي: 3/371 ح1.   2 . مجمع البيان: 3/92.
2 . تفسير الكشّاف: 1/528.   4 . تفسير العيّاشي:1/242 ح137.

صفحه 183
النوم، والجمع بالتعميم أولى.
وربّما يجمع بينهما بأنّه لمّا كانت الحكمة تقتضي تحريم الخمر متدرّجاً وكان قوم من المسلمين يصلّون سكارى منها قبل استقرار تحريمها، نزلت هذه الآية وخوطبوا بمثل هذا الخطاب، ثمّ لمّا ثبت تحريمها واستقرّ وصاروا ممّن لا ينبغي أن يخاطبوا بمثله ـ لأنّ المؤمنين لا يسكرون من الشراب بعد أن حرّم عليهم ـ جاز أن يقال: الآية منسوخة بتحريم الخمر، بمعنى عدم حسن خطابهم بمثله بعد ذلك، لا بمعنى جواز الصلاة مع السكر، ثمّ لمّا عمّ الحكم سائر ما يمنع من حضور القلب جاز أن يفسّر بسكر النوم ونحوه تارة وأن يعمّم الحكم أُخرى، فلا تنافي بين الروايات.
ثمّ إنّ المخاطب بذلك المكلّف به المؤمنون العاقلون، إلى أن يذهب عقلهم، فيجب عليهم ما يأمنون معه من فعل الصلاة حال السُّكر.
والحاصل: أنّ المراد نهيهم عن أن يكونوا في وقت الاشتغال بالصلاة سكارى، بأن لا يشربوا في وقت يؤدّي إلى تلبّسهم بالصلاة حال سكرهم، وليس الخطاب متوجّهاً إليهم حال سكرهم إذ السكران غير متأهّل لهذا الخطاب.1
أو يكون جنباً إلاّ أن يكونوا مسافرين غير واجدين للماء فإنّه يجوز لهم دخول الصلاة بالتيمّم مع أنّه لا يرتفع به حدثهم، فقد دخلوا في الصلاة مع الجنابة.
وثانيهما: أنّ المراد بالصلاة هنا مواضعها تسمية للمحلّ باسم الحالّ، أو على حذف المضاف. والمعنى لا تقربوا المساجد في حالتين: إحداهما: حالة السكر، فإنّ الأغلب أنّ الّذي يأتي المسجد إنّما يأتيه للصلاة وهي مشتملة على أذكار وأقوال يمنع السُّكر من الإتيان بها على وجهها، والحالة الثانية: حالة الجنابة إلاّ اجتيازاً كما مرّ تفصيله.

1 . مشرق الشمسين:309.

صفحه 184
وقيل وجه ثالث وهو أن يكون الصلاة في قوله سبحانه:(لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ)على معناها الحقيقيّ ويراد بها عند قوله تعالى: (وَلاَ جُنُبًا) مواضعها على طريقة الاستخدام، وعلى التقادير يدلّ على المنع من إيقاع ما يوجب كون الصلاة حالة السكر وإن كان في الأوّل والثالث أظهر، فيشمل من لم يشرب إذا علم أنّ بعد الشرب تقع صلاته مع السُّكر، أو شرب وعلم أنّه إذا دخل في الصلاة يقع بعضها على السكر.
وأمّا سكر النوم فإن بلغ إلى حدّ لا يعقل شيئاً أصلاً ويبطل سمعه فدخوله في الصلاة مع تلك الحالة يكون حراماً، ولو علم أنّه لا يعقل عقلاً كاملاً، ولا يكون قلبه حاضراً متنبّهاً لما يقوله ويأتي به كما هو ظاهر الأخبار فالنهي على التنزيه، ولو قيل بالتعميم كان محمولاً على المنع المطلق أعمّ من التحريم والتنزيه، كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار، ولو كان في أوّل الوقت نومان، وإذا دخل في الصلاة لا يكون له حضور القلب فيها، وإذا نام ليذهب عنه تلك الحالة يخرج وقت الفضيلة فأيّهما أفضل؟ الترجيح بينهما لا يخلو من إشكال، واختار بعض المتأخّرين ترجيح حضور القلب، فإنّه روح العبادة، ولا يخلو من قوّة.
و (حَتَّى) في قوله سبحانه: (حَتَّى تَعْلَمُوا) يحتمل أن يكون تعليليّة كما في: أسلمت حتّى أدخل الجنّة، وأن يكون بمعنى «إلى أن» كما في: أسير حتّى تغيب الشمس.
واستدلّ به على بطلان صلاة السَّكران لاقتضاء النهي في العبادة الفساد على بعض الوجوه، وعلى منع السَّكران من دخول المسجد، وفي قوله جلّ شأنه: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) إشعار بأنّه ينبغي للمصلّي أن يعلم ما يقوله في الصلاة ويلاحظ معاني ما يقرؤه ويأتي به من الأدعية والأذكار، كما دلّ عليه ما مرّ من الأخبار.

صفحه 185
قوله سبحانه: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا): أي بنوع من أنواع التحايا والتحيّة مشتقّة من الحياة، لأنّ المسلّم إذا قال: «سلام عليكم» فقد دعا للمخاطب بالسّلامة من كلّ مكروه، والموت من أشدّ المكاره، على أنّ كلّ مكروه منغّص للحياة مكدِّر لها.
ولنقدِّم مباحث ليظهر ما هو المقصود من نقل الآية:
الأوّل: اختلف في التحيّة فقيل: هي السلام، لأنّه تحيّة الإسلام، وهو الظاهر من كلام أكثر اللّغويّين والمفسّرين، قال في «القاموس»: التحيّة السلام.1 وقال البيضاوي: الجمهور على أنّه السلام.2 وقيل: تشمل كلّ دعاء وتحية من القول، قال: في «المغرب»: حيّاه بمعنى أحياه تحيّة كبقّاه بمعنى أبقاه تبقية، هذا أصلها ثمّ سمّي ما يحيّى به من سلام ونحوه تحيّة. وقيل: يشمل كلّ برّ من الفعل والقول،
كما يظهر من عليّ بن إبراهيم في تفسيره حيث قال: السلام وغيره من البرّ، وإن احتمل أن يكون مراده البرّ من القول.3 وقيل: المراد بالتحيّة العطيّة وأوجب الثواب أو الردّ على المتّهب; ذكره في «الكشّاف»4 وهو ضعيف، بل الظاهر أنّ المراد به السلام أو يشمله وغيره من التحيّة والإكرام كما تدلُّ عليه الأخبار عن الأئمّة الكرام(عليهم السلام).
فقد روي في «الخصال» عن أمير المؤمنين(عليه السلام):«إذا عطس أحدكم قولوا: يرحمكم الله، ويقول هو: يغفر الله لكم ويرحمكم، قال الله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ)الآية».5

1 . القاموس المحيط:4/322، مادة «الحيّ».
2 . تفسير البيضاوي:2/228.
3 . تفسير القمّي:1/145.
4 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 1/549 ـ 550.
5 . الخصال:633.

صفحه 186
وفي «مناقب ابن شهر آشوب» جاءت جارية للحسن(عليه السلام) بطاق ريحان فقال لها: «أنت حرّة لوجه الله»، فقيل له في ذلك فقال: «أدَّبنا الله تعالى فقال: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ) الآية وكان أحسن منها إعتاقها».1
وفي «الكافي» في الصحيح عن الصادق(عليه السلام): «ردُّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردِّ السلام».2
وقال في «مجمع البيان»: التحيّة السلام يقال: حيّا تحيّة إذا سلّم، وقال في تفسير الآية: أمر الله المسلمين بردّ السلام على المسلّم بأحسن ممّا سلّم إن كان مؤمناً وإلاّ فليقل وعليكم، لا يزيد على ذلك، فقوله: (بِأَحْسَنَ مِنْهَا)للمسلمين خاصّة وقوله: (أَوْ رُدُّوهَا) لأهل الكتاب; عن ابن عباس، فإذا قال المسلّم: السلام عليكم فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقد حيّيته بأحسن منها، وهذا منتهى السلام. وقيل قوله:(أَوْ رُدُّوهَا) للمسلمين أيضاً قالوا: إذا سلّم عليك ردّ عليه بأحسن ممّا سلّم عليك، أو بمثل ما قال، وهذا أقوى لما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم».
وذكر الحسن أنّ رجلاً دخل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السلام عليك، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): وعليك السلام ورحمة الله، فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فجاءه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): وعليك، فقيل: يا رسول الله! زدت للأوّل والثاني في التحيّة، ولم تزد للثالث؟ فقال: «إنّه لم يبق لي من التحيّة شيئاً فرددت عليه مثله». انتهى.3

1 . مناقب ابن شهرآشوب:3/183.
2 . الكافي:2/670 ح2.
3 . مجمع البيان:3/147ـ148.

صفحه 187
وبالجملة لا إشكال في شمول الآية للسلام ووجوب ردّه، وأمّا سائر التحيّات من الأقوال والأفعال فشمول الآية لها مشكل، والأحوط ردُّها في غير الصلاة، وأمّا فيها فسيأتي القول فيه.
الثاني: قال بعض الأصحاب: لو قال: السلام عليك أو عليكم السلام بتقديم الظرف فهو صحيح يوجب الردّ، وقال في «التذكرة»: لو قال عليكم السلام، لم يكن مسلّماً إنّما هي صيغة جواب1. ويناسبه ما روى العامّة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لمن قال عليك السلام يا رسول الله!: لا تقل عليك السلام فإنّ عليك السلام تحيّة الموتى.2 إذا سلّمت فقل: سلام عليك، فيقول الرادّ: عليك السلام.
وكذا اختلفوا في سلامٌ وسلاماً والسلام وسلامي عليك، وسلام الله عليك، وظاهر ابن إدريس3 عدم وجوب الردّ في أمثالها، ولا يبعد القول بالوجوب لعموم الآية والخبر المتقدّم عاميّ مع أنّه ليس بصريح في عدم الردّ، بل قد روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ردّ عليه السلام بعد ذلك.
الثالث: هل يتعيّن في غير الصلاة ردّه بعليكم السلام بتقديم عليكم؟ ظاهر «التذكرة» ذلك، حيث قال: وصيغة الجواب وعليكم السلام، ولو قال: وعليك السلام للواحد جاز، ولو ترك العطف وقال: عليكم السلام، فهو جواب خلافاً لبعض الشافعية فلو تلاقى اثنان فسلّم كلُّ واحد منهما على الآخر وجب على كلّ واحد منهما جواب الآخر، ولا يحصل الجواب بالسلام. انتهى.4
والمستفاد من كلام ابن إدريس خلافه، ولعلّه أقوى لما في حسنة إبراهيم

1 . تذكرة الفقهاء:9/22.
2 . مسند أحمد:3/482.
3 . لاحظ : السرائر:1/236.
4 . تذكرة الفقهاء:9/22.

صفحه 188
بن هاشم: «فإذا سلّم عليكم مسلم فقولوا: سلام عليكم، فإذا سلّم عليكم كافر فقولوا: عليك».1
الرابع: ظاهر أكثر الأصحاب عدم وجوب الردّ بالأحسن لظاهر الآية، والأخبار المعتبرة، ولا عبرة بما يوهمه بعض الأخبار العاميّة من وجوب الردّ بالأحسن إذا كان المسلّم مؤمناً.
الخامس: الردّ واجب كفاية لا عيناً، وحكي عليه في «التذكرة» الإجماع، وقد مرّت الأخبار في ذلك، وعموم الآية مخصّص بالأخبار المؤيّدة بالإجماع، ثمّ الظاهر أنّه إنّما يسقط بردّ مَن كان داخلاً في السلام عليهم، فلا يسقط بردّ مَن لم يكن داخلاً فيهم، وهل يسقط بردّ الصبيّ المميّز؟ فيه إشكال والأحوط بل الأقوى عدم الاكتفاء، ولو كان المسلّم صبيّاً مميّزاً ففي وجوب الردّ عليه وجهان أظهرهما ذلك لعموم الآية.
السادس: المشهور أنّ وجوب الردّ فوريّ; لأنّه المتبادر من الردّ في مثل هذا المقام، وللفاء الدالّة على التعقيب بلا مهلة، وربّما يمنع ذلك في الجزائيّة. والتارك له فوراً يأثم، وقيل: يبقى في ذمّته مثل سائر الحقوق. وفيه نظر.
السابع: صرّح جماعة من الأصحاب بوجوب الإسماع تحقيقاً أو تقديراً، ولم أجد أحداً صرّح بخلافه في غير حال الصلاة.
وقال في «التذكرة»: ولو ناداه من وراء ستر أو حائط وقال: السلام عليكم يا فلان أو كتب كتاباً وسلّم عليه فيه أو أرسل رسولاً فقال: سلّم على فلان فبلّغه الكتاب والرسالة، قال بعض الشافعيّة: يجب عليه الجواب; لأنّ تحيّة الغائب إنّما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة، وقد قال تعالى:(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّة) الآية، والوجه أنّه إن سمع النداء وجب الجواب وإلاّ فلا، وقال(رحمه الله): وما يعتاده الناس من

1 . الكافي:2/648 ح1.

صفحه 189
السلام عند القيام ومفارقة الجماعة دعاء لا تحيّة يستحبّ الجواب عنه، ولا يجب. انتهى.1
وما ذكره في المقام الأوّل موجّه، وفي الثاني الأحوط بل الأظهر وجوب الجواب لعموم الآية.
الثامن: قيل: يحرم سلام المرأة على الأجنبيّ ; لأنّ إسماع صوتها حرام وأنّ صوتها عورة، وتوقّف فيه بعض المتأخّرين وهو في محلّه، إذ الظاهر من كثير من الأخبار عدم كون صوتها عورة كما سيأتي في محلّه، نعم يفهم من بعض الأخبار كراهة السلام على الشابّة منهنّ حذراً من الريبة والشهوة.
وعلى المشهور من التحريم هل يجب على الأجنبيّ الردُّ عليها؟ يحتمل ذلك لعموم الدليل، والعدم لكون المتبادر التحيّة المشروعة، وهو مختار «التذكرة» حيث قال: لو سلّم رجل على امرأة أو بالعكس، فإن كان بينهما زوجيّة أو محرميّة أو كانت عجوزة خارجة عن مظنّة الفتنة، ثبت استحقاق الجواب وإلاّ فلا.2 وفي وجوب الردّ عليها لو سلّم عليها أجنبيّ وجهان فيحتمل الوجوب نظراً إلى عموم الآية فيجوز اختصاص تحريم الإسماع بغيره، ويحتمل العدم كما اختاره العلاّمة، ويحتمل وجوب الردّ خفيّاً كما قيل.
التاسع: قال في «التذكرة»: ولا يسلّم على أهل الذمّة ابتداء ولو سلّم عليه ذمّيّ أو من لم يعرفه فبان ذمّياً ردّ بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك، أو أطال الله بقاءك، ولو ردّ بالسلام لم يزد في الجواب على قوله وعليك. انتهى.3

1 . تذكرة الفقهاء:9/22ـ 23.
2 . تذكرة الفقهاء:9/24.
3 . تذكرة الفقهاء:9/24.

صفحه 190
وقد مرّت الأخبار الدالّة على المنع من ابتدائهم بالسلام، وعلى الردّ عليهم بعليك أو عليكم، وهل الاقتصار على ما ذكر على الوجوب حتّى لا يجوز المثل أو على الاستحباب؟ فيه تردّد، وأمّا ما ذكره(رحمه الله) من الردّ بغير السلام، فلم أره في الأخبار ، وهل يجب عليهم الرد فيه إشكال، ولعلّ العدم أقوى، وإن كان الرد أحوط.
العاشر: قالوا: يكره أن يخصّ طائفة من الجمع بالسلام، ويستحبّ أن يسلّم الراكب على الماشي، والقائم على الجالس، والطائفة القليلة على الكثيرة، والصغير على الكبير، وأصحاب الخيل على أصحاب البغال، وهما على أصحاب الحمير، وقد مرّ جميع ذلك.1 وإنّما ذكرناها هنا استطراداً.
الحادي عشر: إذا سلّم عليه وهو في الصلاة وجب عليه الردُّ لفظاً، والظاهر أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب، ونسبه في «التذكرة» إلى علمائنا.2 وقال في «المنتهى»: ويجوز له أن يردّ السلام إذا سلّم عليه نطقاً، ذهب إليه علماؤنا أجمع.3 ولعلّه أراد بالجواز نفي التحريم ردّاً لقول بعض العامّة، قال في «الذكرى»: وظاهر الأصحاب مجرّد الجواز للخبرين، والظاهر أنّهم أرادوا به شرعيّته، ويبقى الوجوب معلوماً من القواعد الشرعيّة.
قال: وبالغ بعض الأصحاب في ذلك فقال يبطل الصلاة إذا اشتغل بالأذكار ولمّا يردّ السلام، وهو من مشرب اجتماع الأمر والنهي في الصلاة، والأصحُّ عدم البطلان بترك ردّه. انتهى.4 ويدلّ على وجوب ردِّ السلام في حال الصلاة الآية

1 . راجع: بحار الأنوار: 76 / 1 ـ 15.
2 . تذكرة الفقهاء:3/281.
3 . منتهى المطلب:1/313.
4 . ذكرى الشيعة:4/24.

صفحه 191
لعمومها، ويدلّ على شرعيّته في الصلاة روايات كثيرة سيأتي بعضها، وكثير منها بلفظ الأمر الدال على الوجوب على المشهور.
الثاني عشر: المشهور بين الأصحاب أنّه إذا سلّم عليه في الصلاة بقوله: «سَلاَم عَليكُم» يجب أن يكون الجواب مثله، ولا يجوز الجواب بعليكم السلام، ونسبه المرتضى إلى الشيعة.1
وقال المحقّق: هو مذهب الأصحاب، قاله الشيخ وهو حسن.(2)
ولم يخالف في ذلك ظاهراً إلاّ ابن إدريس، حيث قال في «السرائر»: إذا كان المسلّم عليه قال له: سلام عليكم أو السلام عليكم أو سلام عليك أو عليكم السلام، فله أن يردّ بأيّ هذه الألفاظ كان، لأنّه ردّ سلام مأمور به قال: فإن سلّم بغير ما بيّناه فلا يجوز للمصلّي الردّ عليه. انتهى2. واتّباع المشهور أولى.
ولو غيّر عليكم بعليك، ففي حصول الردّ به تردُّد، ولو أضاف في الجواب إلى عليكم السلام ما يوجب كونه أحسن، ففي حصول القربة به تردّد، ورجّح بعض المحقّقين ذلك نظراً إلى الولاية.
ولو قال المسلّم عليكم السلام فظاهر المحقّق(4) عدم جواز إجابته إلاّ إذا قصد الدعاء، وكان مستحقّاً له، وتردّد فيه العلاّمة في «المنتهى»3، وعلى تقدير الجواز هل يجب؟ فيه أيضاً تردُّد للشّك في دخوله تحت المراد في الآية، ولعلّ الوجوب أقوى، وعلى تقديره هل يتعيّن سلام عليكم، أو يجوز الجواب بالمثل؟ نقل ابن إدريس الأوّل عن بعض الأصحاب، واختار الثاني، واستشكله العلاّمة في «التذكرة» و«النهاية» كما سيأتي، ولا يبعد كون الجواب بالمثل أولى نظراً إلى الآية

1 . الانتصار:153، المسألة 51.   2 . المعتبر:2/263.
2 . السرائر:1/236.   4 . المعتبر:2/264.
3 . منتهى المطلب:5/318.

صفحه 192
وصحيحة محمّد بن مسلم1 الدالّة على الجواب بالمثل، وكذا صحيحة منصور بن حازم،(2) وإن عارضهما بعض الأخبار، ولا يبعد القول بالتخيير أيضاً.
الثالث عشر: لو سلّم عليه بغير ما ذكر من الألفاظ فعند ابن إدريس والمحقّق لا يجب إجابته، وقال المحقّق: نعم، لو دعا له وكان مستحقّاً وقصد الدعاء لا ردّ السلام لا أمنع منه2. وقال العلاّمة في «التذكرة»: لو سلّم بقوله: سلام عليكم ردَّ مثله، ولا يقول: وعليك السلام لأنّه عكس القرآن، ولقول الصادق(عليه السلام) وقد سأله عثمان بن عيسى(4) عن الرّجل يسلّم عليه في الصلاة يقول: سلام عليكم ولا يقول وعليكم السلام، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قائماً يصلّي فمرّ به عمّار بن ياسر فسلّم عليه فردّ النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا، ولو سلّم عليه بغير اللّفظ المذكور فإن سمّي تحيّة فالوجه جواز الردِّ به وبقوله: سلام عليكم لعموم الآية ولو لم يُسمّ تحيّة جاز إجابته بالدعاء له، إذا كان مستحقّاً له، وقصد الدعاء لا ردّ السلام.
ولو سلّم عليه بقوله عليك السلام ففي جواز إجابته بالصورة إشكال من النهي، ومن جواز ردِّ مثل التحيّة. انتهى.3 ونحوه قال في «النهاية»(6)،
وأوجب الردّ في «المختلف»4 وقال في «المنتهى»: لو حيّاه بغير السلام فعندي فيه تردّد أقربه جواز ردِّه، لعموم الآية. انتهى.5
والمسألة في غاية الإشكال، وإن كان جواز الردّ بقصد الدعاء لا يخلو من قوّة وفي التحيّة بالألفاظ الفارسيّة أشدّ إشكالاً، وكذا التحيّات الملحونة كقوله: «سام أليك» وأمثاله، ولو أجاب في الأوّل بالتحيّة العربيّة وفي الثاني بالسلام

1 . تهذيب الأحكام:2/329 ح205، باب كيفية الصلاة.   2 . تهذيب الأحكام:2/332 ح222.
2 . المعتبر:3/283.   4 . تهذيب الأحكام:2/328 ح204.
3 . تذكرة الفقهاء:3/283.   6 . نهاية الأحكام:1/518.
4 . المختلف:2/203.
5 . منتهى المطلب:1/314.

صفحه 193
الصحيح بقصد الدعاء فيهما لم أبعد جوازه، وإن كان الأحوط إعادة الصلاة لو وقع ذلك، سواء أجاب أم لا.
الرابع عشر: يجب إسماعه تحقيقاً أو تقديراً على المشهور بين الأصحاب، وظاهر اختيار المحقّق في «المعتبر» خلافه1، والأوّل أقوى، والأخبار الدالّة على خلافه لعلّها محمولة على التقيّة، إذ المشهور بين العامّة عدم وجوب الردّ مطلقاً، وقال في «التذكرة»: لو اتّقى ردّ فيما بينه وبين نفسه، تحصيلاً لثواب الردّ وتخليصاً من الضرر.(2)
وقال في «الذكرى»: يجب إسماعه تحقيقاً أو تقديراً كما في سائر الموارد، وقد روى منصور بن حازم2 عن الصادق(عليه السلام): «يردّ عليه ردّاً خفياً»; وروى عمّار(4) عنه(عليه السلام): ردّ عليه فيما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك; وهما مشعران بعدم اشتراط إسماع المسلّم، والأقرب اشتراط إسماعه لتحصيل قضاء حقّه من
السلام، ولا تكفي الإشارة بالردّ عن السلام لفظاً ردّاً على الشافعيّ، ولو كان في موضع تقيّة ردَّ خفيّاً وأشار، وعليه تحمل الروايتان السابقتان.3
الخامس عشر: لو قام غيره بالواجب من الردّ، فهل يجوز للمصلّي الردّ أم لا؟ قيل: نعم لإطلاق الأمر. وقيل: لا لحصول الامتثال، فيسقط الوجوب، ولا دليل على الاستحباب، وكذا الجواز إلاّ أن يقصد به الدعاء، وكان مستحقّاً له، فحينئذ لا يبعد الجواز كما اختاره بعض المتأخّرين، ويظهر من المحقّق فيما اختاره في المسألة المتقدّمة.
السادس عشر: لو ترك المصلّي الردّ واشتغل بإتمام الصلاة يأثم، وهل تبطل

1 . المعتبر:2/264.   2 . تذكرة الفقهاء:3/283.
2 . تهذيب الأحكام: 2/332 ح222.   4 . تهذيب الأحكام:2/332 ح 221.
3 . ذكرى الشيعة: 4/24ـ 26.

صفحه 194
الصلاة؟ قيل: نعم للنهي المقتضي للفساد. وقيل: إن أتى بشيء من الأذكار في زمان الردِّ بطلت. وقيل: إن أتى بشيء من القراءة أو الأذكار في زمان وجوب الردّ فلا يعتدُّ بها بناء على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، والنهي عن العبادة يستلزم الفساد، لكن لا يستلزم بطلان الصلاة، إذ لا دليل على أنّ الكلام الّذي يكون من قبيل الذكر والدعاء والقرآن يبطل الصلاة إن كان حراماً.
فإن استمرّ على ترك الردِّ وقلنا ببقائه في ذمّته يلزم بطلان الصلاة، لأنّه لم يتدارك القراءة والذكر على وجه صحيح، والحقّ أنّ الحكم بالبطلان موقوف على مقدّمات أكثرها بل كلّها في محلّ المنع، لكن الاحتياط يقتضي إعادة مثل تلك الصلاة.
ثمّ الظاهر أنّ الفوريّة المعتبرة في ردّ السلام إنّما هو تعجيله بحيث لا يعدُّ تاركاً له عرفاً وعلى هذا لا يضرّ إتمام كلمة أو كلام لو وقع السلام في أثنائهما.
القيام والاستقلال فيه وغيره من أحكامه وآدابه وكيفية صلاة المريض   …
السابع عشر: ذكر جماعة من الأصحاب منهم العلاّمة والشهيدان1 أنّه لا يكره التسليم على المصلّي، والأخبار في ذلك مختلفة كما سيأتي بعضها، ولعلّ أخبار المنع محمولة على التقيّة، وسيأتي تمام القول فيها، وإنّما أطنبنا الكلام في هذه لكثرة الجدوى، وعموم البلوى بها، والله يعلمُ حقائق الأحكام وحججه الكرام.
قوله تعالى:(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) قد مرّ تفسير الآية مفصّلاً في أبواب النصوص على أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبيان أنّها نزلت فيه(عليه السلام) عند التصدّق بخاتمه في الركوع بالأخبار المتواترة من طرق الخاصّة والعامّة; فيدلُّ على أنّ الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأنّ نيّة التصدّق والزكاة لا

1 . راجع: تحرير الأحكام:1/269; تذكرة الفقهاء:3/282; ذكرى الشيعة:4/27; روض الجنان للشهيد الثاني:2/906.

صفحه 195
تحتاج إلى اللفظ، وأنّها في الصلاة جائزة لا تنافي التوجّه إلى الصلاة واستدامة نيّتها، وأنّه تصحّ نيّة الزكاة كذلك احتساباً على الفقير، وصحّة نيّة الصوم في الصلاة، وكذا نيّة الوقوف بعرفة وبالمشعر فيها، هذا ما ذكره الأصحاب ويناسب هذا المقام.
وأقول: تدلُّ على أنّ التوجّه إلى قربة أُخرى غير الصلاة لا ينافي كمال الصلاة وحضور القلب المطلوب فيها.

[الباب الثالث عشر]

القيام والاستقلال فيه وغيره من أحكامه وآدابه
وكيفية صلاة المريض1

الآيات:

البقرة(2):(وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ).238.
آل عمران(3):(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).191.

التفسير:

(وَقُومُوا) استدلّ به على وجوب القيام في الجملة إمّا في الصلاة الوسطى، أو مطلقاً حال القنوت إن حمل على القنوت المصطلح، أو مطلقاً; وأُورد عليه بأنّ الظاهر من قوله تعالى:(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) إرادة العموم بالنسبة إلى الواجب و المندوب فالأمر للاستحباب وحينئذ لا ترجيح، ويحمل الأمر على الوجوب على تخصيص الصلوات بالفرائض، وإن حملنا الأمر المذكور على الاستحباب

1 . بحار الأنوار:81/331ـ 333، الباب 21.

صفحه 196
يمكن أن يجعل ذلك قرينة لإرادة القيام في جميع الصلوات من قوله:(قُومُوا)وحمل الأمر به على الاستحباب وانصراف القنوت إلى الأمر المعهود وتبادره إلى الذهن بعد ثبوت استحبابه يؤيّد هذا الحمل.
ويمكن أن يجاب بأنّ حمل المعرَّف باللاّم على المعهود المنساق إلى الذهن وهو مطلق الصلاة اليومية أولى من حمل الأمر على الاستحباب، والقنوت تبادره في المعنى المخصوص إنّما هو في عرف الفقهاء، وعلى تقدير التسليم يمكن أن يكون الأمر بالقيام للوجوب، والقيد للاستحباب، ويكفي في الحاليّة المقارنة في الجملة ولا يخفى ما فيه. والحقُّ أنّ الاستدلال على الوجوب بالآية مشكل لكنّ الأخبار المستفيضة المؤيّدة بالإجماع تكفينا لإثبات وجوب القيام، والآية مؤيّدة لها.
(للهِ) يدلُّ على وجوب النيّة والإخلاص فيها (قَانِتِينَ) سيأتي تفسيره.
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا) قال الطبرسي(رحمه الله): وصفهم بذكر الله تعالى قائمين وقاعدين ومضطجعين، أي: في سائر الأحوال لأنّ أحوال المكلّفين لا تخلو من هذه الأحوال الثلاثة. وقيل: معناه يصلّون لله على قدر إمكانهم في صحّتهم وسقمهم، فالصحيح يصلّي قائماً، والسقيم يصلّي جالساً وعلى جنبه أي مضطجعاً، فسمّى الصلاة ذكراً ; رواه عليّ ابن إبراهيم في تفسيره.1 انتهى.2
آداب القيام إلى الصلاة والأدعية عنده والنيّة والتكبيرات الافتتاحية وتكبيرة الإحرام   …
وروى الكليني في الحسن، عن أبي جعفر(عليه السلام) في هذه الآية قال: «الصحيح يصلّي قائماً (وَقُعُودًا) المريض يصلّي جالساً (وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)الّذي يكون أضعف من المريض الّذي يصلّي جالساً».3

1 . تفسير القمي:1/129.
2 . مجمع البيان:2/473.
3 . الكافي:3/411 ح11، باب صلاة الشيخ الكبير.

صفحه 197

[الباب الرابع عشر]

آداب القيام إلى الصلاة والأدعية عنده والنيّة

والتكبيرات الافتتاحية وتكبيرة الإحرام1

الآيات:

البقرة(2):(وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ).238.
الأنعام(6):(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).162 ـ 163.
الإسراء(17):(وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا).111.
الكهف(18):(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).28.
وقال سبحانه: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). 110.
طه(20):(إِنَّني أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْني وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري).14.
المدثر(74):(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ). 3.
البيّنة(98):(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).5.
الكوثر(108):(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).2.

1 . بحار الأنوار:81/344ـ 351، الباب 22.

صفحه 198

التفسير:

(وَقُومُوا للهِ) يدلُّ على وجوب النيّة والإخلاص فيها كما مرّ(وَنُسُكِي)قيل: عبادتي وتقرُّبي كلّه فيكون تعميماً بعد تخصيص فيدلُّ على امتياز الصلاة عن سائر العبادات واختصاصها بمزيد الفضل. وقيل: مناسك حجّي. وقيل: ذبحي لأنّ المشركين كانوا يشركون فيهما الأصنام.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي): أي ما آتي به في حياتي وأموت عليه من الإيمان والأعمال الصالحة. وقيل: العبادات والخيرات الواقعة حال الحياة الّتي تقع بعد الموت بالوصيّة ونحوها كالتدبير. وقيل: نفس الحياة والموت أي إنّما أُريد الحياة إذا كان موافقاً لرضاه وكذا الموت، أو المعنى أنّهما منه تعالى. وقيل: طاعتي في حياتي لله، وجزائي بعد موتي من الله. وقيل: جميع ما آتي عليه في حياتي حتّى الحياة وجميع ما أموت عليه حتّى الموت (للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): أي أجعلها لله لأنّه ربّ العالمين، ولا يستحقّ العبادة غيره، أو شكر المنعم واجب، أو كلُّ ذلك منه إذ العبادات بتوفيقه وهدايته والمحيا والممات بخلقه وتدبيره، أو يقال: كونه لله في العبادات بمعنى أنّه المستحقّ لأن يفعل له، وفي غيرها بمعنى أنّه بقدرته وخلقه، وعلى بعض الوجوه المتقدّمة في المحيا والممات لا نحتاج إلى تلك التكلّفات.
(لاَ شَرِيكَ لَهُ): أي في الإلهيّة أو في العبادة والإحياء والإماتة، أو لا أشرك معه في تلك الأُمور أحداً (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ): أي بالإخلاص المذكور، أو بالقول المذكور والاعتقاد به أمرني ربّي (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فإنّ إسلام كلّ نبيّ مقدّم على إسلام أُمّته، أو لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل من أقرّ في عالم الذر كما يشهد به غير واحد من الأخبار، ويحتمل أن يراد بالمسلمين المنقادون لجميع الأوامر والنواهي.
ثمّ الآية تدلُّ على تحريم قسمي الشرك الظاهر كعبادة الأصنام والكواكب ونحوها، والخفيّ كالرياء والسمعة، وأنّه لا يجوز إسناد شيء من ذلك إلى غيره

صفحه 199
تعالى لا مستقلاًّ ولا مشاركاً كالكواكب والأفلاك والعقول وغيرها، وأمّا قصد حصول الثواب والخلاص من العقاب فلا ينافي الإخلاص لأنّهما بأمره تعالى، وتكليف أكثر الخلق بإخلاص النيّة منهما قريب من التكليف بالمحال، بل هو عينه، نعم ذلك درجة المقرَّبين من الأنبياء والأوصياء والصدّيقين صلوات الله عليهم أجمعين، ومن ادّعى ذلك من غيرهم فلعلّه لم يفهم معنى النيّة، وجعلها محض حضور البال، وهو ليس من النيّة في شيء، والنيّة هو الغرض الواقعيّ الباعث على الفعل.
وهذا مثل أن يقال: في طريقك أسد ولا تخف منه، وأعددنا لك مائة ألف تومان للعمل الفلانيّ، ولا يكن باعثك على العمل ذلك، وهذا إنّما يصدق في دعواه إذا علم من نفسه أنّه لو أيقن أنّ الله يدخله بطاعته النار وبمعصيته الجنّة يختار الطاعة ويترك المعصية تقرّباً إلى الله تعالى، وأين عامّة الخلق من هذه الدرجة القصوى والمنزلة العليا؟ وقد مرّ تحقيق ذلك وسائر ما يتعلّق به في باب الإخلاص1 من هذا الكتاب، وفي بعض مؤلّفاتنا العربيّة والفارسيّة، نعم يمكن أن يراد في هذه الآية ذلك بناء على أنّ من خوطب به هو(صلى الله عليه وآله وسلم)صاحب هذه الدرجة الجليلة، لكنّ الظاهر أنّ الخطاب لتعليم الأُمّة.
ثمّ اعلم أنّه ربّما يستدلّ بهذه الآية على كون الإخلاص المذكور من أحكام الإسلام، وأنّ كلّ مسلم مأمور بذلك، لقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) فإنّه يدلُّ على أنّ غيره أيضاً مكلّف مأمور بذلك، وأنّه أوّلهم، مع ما ثبت من عموم التأسّي وعلى أنّ صحّة الصلاة بل سائر العبادات موقوفة على الإخلاص المذكور، وما تضمّنه من معرفة الله ووحدانيّته وكونه رباً للعالمين، أي منشئاً ومربّياً لهم، فيستلزم ذلك وجوب العلم بكونه قادراً وعالماً وحكيماً، إذ الإخلاص يستلزم ذلك.

1 . راجع: بحار الأنوار: 70، ص 213ـ 250، الباب 54 (باب الإخلاص ومعنى قربه تعالى).

صفحه 200
وقد يناقش في استلزام وجوب الإخلاص المذكور توقّف صحّة العبادة على الإخلاص نفسه، وما يستلزمه من المعرفة لأنّ كلّ ما كان واجباً لشيء لا يجب أن يبطل ذلك عند عدمه بالكليّة، ويجاب بأنّه إذا ثبت كون العبادة مأموراً بها على هذا الوجه، فإذا لم يأت بها على الوجه الخاصّ لم يأت بالمأمور به، فتكون باطلة، ويعترض عليه بأنّ ذلك إذا كان الأمر بالعبادة هو الّذي تضمّن هذا الوجه، لا أن يكون بأمر على حدة، وهنا كذلك.
وقيل: يمكن الاستدلال بها على وجوب المعرفة وتوقّف الصحّة عليها للآمر بذلك القول، فإنّه يفهم منه أنّه يجب قول ذلك ومعرفة القول وفهمه وصدقه مع المتعلّقات متوقّفة عليها، ويمكن المناقشة في أكثر تلك الوجوه.
وأقول: يمكن الاستدلال بالأمر بالقول على رجحان قراءة تلك الآية، بل وجوبها على طريقة الأصحاب في مقدّمة الصلاة كما ورد في الأخبار، فتكون مؤيّدة لها، ولو ثبت الإجماع على عدم الوجوب لثبت تأكّد الاستحباب.
(وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) استدلّ به على وجوب التكبير في الصلاة لعدم وجوبه في غيرها اتّفاقاً، وفيه ما فيه (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ): أي طرفي النهار فيستفتحون يومهم بالدُّعاء ويختمونه به، أو في مجامع أوقاتهم أي يداومون على الصلاة والدُّعاء كأنّه لا شغل لهم غيره. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): أي رضوانه، وقيل تعظيمه والقربة إليه دون الرياء والسمعة، ويدلُّ على رفعة شأن الإخلاص، وأنّ المخلصين هم المقرّبون وهم الّذين يلزم مصاحبتهم ومودَّتهم ومعاشرتهم.
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ): أي يأمل حسن لقاء ربّه، وأن يلقاه لقاء رضاً وقبول، أو يخاف سوء لقاء ربّه; كذا في «الكشّاف».1 وقال في «مجمع البيان»:

1 . تفسير الكشّاف: 2/501.

صفحه 201
أي يطمع في لقاء ثواب ربّه ويأمله ويقرّ بالبعث إليه، والوقوف بين يديه. وقيل: معناه يخشى لقاء عقاب ربّه. وقيل: إنّ الرجاء يستعمل في كلا المعنين الخوف والأمل.1 وفي «التوحيد» عن أمير المؤمنين(عليه السلام)يؤمن بأنّه مبعوث.2
(فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا): أي نافعاً متضمّناً للصلاح والخير، وفي «المجمع»: أي خالصاً لله يتقرّب به إليه. (وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) في «المجمع»: أي أحداً غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر. وقيل: معناه لا يرائي في عبادة ربّه أحداً، وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي أتصدّق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلاّ لله فيذكر ذلك منّي وأُحمد عليه فيسرُّني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقل شيئاً، فنزلت الآية.
قال عطاء: عن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى قال: (وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)ولم يقل ولا يشرك به، فإنّه أراد العمل الّذي يعمل لله، ويحبّ أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحبُّ للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسّمها كيلا يعظّمه من يصله بها.
وروى عبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: مَن صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومَن صام صوماً يرائي به، فقد أشرك، ثمّ قرأ هذه الآية.3
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: فهذا الشرك شرك رياء، وعن الباقر(عليه السلام): سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن تفسير هذه الآية؟ فقال: «مَن صلّى مراءاة الناس فهو مشرك، ومَن زكّى مراءاة الناس فهو مشرك، ومن صام مراءاة الناس فهو مشرك، ومن حجّ

1 . مجمع البيان:6/395.
2 . توحيد الصدوق:267، طبع مكتبة الصدوق.
3 . مجمع البيان:6/396.

صفحه 202
مراءاة الناس فهو مشرك، ومن عمل عملاً ممّا أمره الله عزّ وجلّ مراءاة الناس فهو مشرك، ولا يقبل الله عمل مراء».1
وفي «الكافي» عنه(عليه السلام) في هذه الآية: «الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنّما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الّذي أشرك بعبادة ربّه، ثمّ قال: ما من عبد أسرَّ خيراً فذهبت الأيّام أبداً حتّى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسرُّ شراً فذهبت الأيّام حتّى يظهر الله له شرّاً».2
وروى العيّاشي عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن تفسير هذه الآية فقال:«مَن صلّى أو صام أو أعتق أو حجّ يريد محمدة الناس فقد أشرك في عمله، وهو شرك مغفور».3 يعني أنّه ليس من الشرك الّذي قال الله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)4 ; وذلك لأنّ المراد بذلك الشرك الجليّ وهذا هو الشرك الخفيّ.
وللآية تفاسير أُخر بحسب بطونها فمنها ما رواه في «الكافي» و«التهذيب» باسنادهما عن الوشّاء قال: دخلت على الرضا(عليه السلام) وبين يديه إبريق يريد أن يتوضّأ منه للصلاة فدنوت لأصبّ عليه، فأبى ذلك، وقال: «مه يا حسن»! فقلت: لِمَ تنهاني أن أصبّ عليك؟ تكره أن أُوجر؟ فقال: «تؤجر أنت وأُوزر أنا»، فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال: «أما سمعت الله يقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة، وهي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد».5

1 . تفسير القمّي:2/47.
2 . الكافي:2/293 ح4، باب الرياء.
3 . تفسير العيّاشي:2/352 ح92.
4 . النساء:48.
5 . الكافي:3/69 ح1; تهذيب الأحكام:1/365 ح37.

صفحه 203
وبمضمونه رواية أُخرى عن الرضا(عليه السلام)1، ورواية أُخرى عن أمير المؤمنين(عليه السلام).2
فعلى هذا المعنى تدلُّ على عدم جواز تولية الغير شيئاً من العبادة لا بعضاً ولا كلاًّ، ولا استعانة، إلاّ ما أخرجه الدليل، فلا تجوز التولية في الوضوء لا بعضاً ولا كلاًّ اختياراً، كما مرّ، ولا في الغسل والتيمّم، ولا الاتّكاء في الصلاة، بل يجب الاستقلال بالقيام والقعود وغيرهما اختياراً، فلا يجوز أن يأخذ القرآن أو الكتاب غير المصلّي ليقرأه إن جوّزناه لكن مع إجمال الآية وتعارض التفاسير الواردة فيها، يشكل الحكم بالتحريم بمجرّدها إلاّ بمعاونة الأخبار فلينظر فيها، وقد مرّ الكلام فيها.
(فَاعْبُدْني) لعلّ تفريعه على التوحيد يشعر بالإخلاص (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري) فيه دلالة على الإخلاص على بعض الوجوه الآتية.
(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ): أي خصّص ربّك بالتكبير، وهو وصفه بالكبرياء عقداً وقولاً، وقال الطّبرسي(رحمه الله): أي عظّمه ونزّهه عمّا لا يليق به. وقيل: كبّر في الصلاة فقل: الله أكبر. انتهى.(3) واستدلّ به الأصحاب على وجوب تكبيرة الإحرام بأنّ ظاهره وجوب التكبير، وليس في غير الصلاة، فيجب أن يكون فيها، وفيه من النظر ما لا يخفى.
(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي لم يأمرهم الله تعالى إلاّ لأن يعبدوا الله وحده لا يشركون بعبادته، ولا يخلطون بعبادته عبادة من سواه.3

1 . إرشاد المفيد:2/269; الوسائل:1، الباب 47 من أبواب الوضوء، الحديث4.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/43 ح85، باب صفة أمير المؤمنين(عليه السلام).   3 . مجمع البيان:10/174.
3 . مجمع البيان:10/414.

صفحه 204
أقول: دلالتها على الإخلاص ظاهرة، وبها استدلّ الأصحاب على وجوب النيّة، ولعلّ في ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد ذلك إشعاراً بشدّة اشتراط الإخلاص فيهما، ومدخليّته في صحّتهما وكمالهما، وتعقيبه بقوله:(وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ): أي دين الملّة القيّمة، يدلُّ على أنّ الإخلاص من عمدة أجزاء الدين والملّة وشرائطهما ولوازمهما.
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ) يدلُّ على وجوب النيّة وإخلاصها في خصوص الصلاة (وَانْحَرْ) قيل: المراد به نحر الإبل، قالوا: كان أُناس يصلّون وينحرون لغير الله فأمر الله نبيّه أن يصلّي وينحر لله عزّ وجلّ، أي فصلِّ لوجه ربّك إذا صلّيت لا لغيره، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفاً أعمالهم في العبادة والنحر لغيره كالأوثان.
وقيل: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى، وقيل: صلاة العيد فيكون دليلاً على وجوبها. وقيل: صلّ صلاة الفرض لربّك، واستقبل القبلة بنحرك، من قولهم: منازلنا تتناحر أي تتقابل.
   …
وروى الشيخ عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له:(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)قال: «النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره».1
وهذا معنى آخر، قال في القاموس: نحر الدار الدار كمنع استقبلتها، والرجل في الصلاة انتصب ونهد صدره أو انتصب بنحره إزاء القبلة. انتهى.2
وقيل: إنّ معناه ارفع يديك في الصلاة بالتكبير إلى محاذاة النحر، أي نحر الصدر، وهو أعلاه، وهو الّذي تقتضيه روايات عن أهل البيت(عليهم السلام) كما سيأتي، وهو أقوى الوجوه من حيث الأخبار.3

1 . تهذيب الأحكام:2/65 ح77، باب كيفية الصلاة وصفتها.
2 . القاموس المحيط:2/139، مادة«نحر».
3 . راجع: مجمع البيان:10/460.

صفحه 205

[الباب الخامس عشر]

القراءة وآدابها وأحكامها1

الآيات:

النحل(16):(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).98.
المزمل(73):(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً).4.
وقال سبحانه: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ).20.
وقال تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).20.

التفسير:

(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ): أي أردت قراءته، ونقل عليه الإجماع، قال في «مجمع البيان»: معناه إذا أردت يا محمّد قراءة القرآن فاستعذ بالله من شرّ الشيطان المرجوم المطرود الملعون، وهذا كما يقال: إذا أكلت فاغسل يديك، وإذا صلّيت فكبّر، ومنه: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)(2) والاستعاذة استدفاع الأدنى بالأعلى على وجه الخشوع والتذلّل، وتأويله استعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل، وفي التأويل من الخطل; والاستعاذة عند التلاوة مستحبّة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة، وخارج الصلاة. انتهى.(3)
وفي كيفيّة الاستعاذة عند القرّاء اختلاف كثير، فقال ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ونافع وابن عامر والكسائي كذلك بزيادة:«إنّ الله هو السميع العليم» وحمزة:«نستعيذ بالله من الشّيطان الرجيم» وأبو

1 . بحار الأنوار: 82 / 1 ـ 10، الباب 23.      2 . المائدة: 6 .   3 . مجمع البيان:6/198.

صفحه 206
حاتم:«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم».1 والأشهر بيننا الأوّل والأخير، وفي بعض رواياتنا: «أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم» وزاد في بعضها: «إنّ الله هو السميع العليم» وفي بعضها: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون» وفي بعضها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنّ الله هو الفتّاح العليم».(2)
قال الشهيد(رحمه الله) في «الذكرى» في سنن القراءة: فمنها الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأُولى خاصّة من كلّ صلاة; لعموم (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ);2 أي أردت القراءة، ولما روى أبو سعيد الخدريّ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولرواية الحلبيّ(4) عن الصادق(عليه السلام)وصورته ما روى الخدريّ، وروي أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ورواه البزنطيّ عن
معاوية بن عمّار عن الصادق(عليه السلام)3، واختاره المفيد في «المقنعة»4، وروى سماعة: أستعيذ بالله من الشّيطان الرجيم إنّ الله هو السميع العليم،(7) وقال ابن
البرّاج: يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إنّ الله هو السميع العليم».(8)
وللشيخ أبي عليّ ابن الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسيّ قول بوجوب التعوُّذ للأمر به5، وهو غريب، لأنّ الأمر هنا للندب بالاتّفاق، وقد نقل فيه والده

1 . مجمع البيان:1/49.   2 . لاحظ: الكافي:2/533 ح32; تهذيب الأحكام:2/147 ح574.
2 . النحل:98.   4 . الكافي:3/311 ح7، باب افتتاح الصلاة.
3 . ذكرى الشيعة:3/330. ورواه في مستدرك الوسائل:4/213، ح3 (4521).
4 . المقنعة:104.      7 . تهذيب الأحكام:2/147 ح 574.   8 . المهذّب:1/92.
5 . نقله عنه الشهيد الأوّل في الذكرى وبهاء الدين العاملي في «الحبل المتين»:222، والمحقّق البحراني في «الحدائق الناضرة»:8/161 وغيرهم. راجع مفتاح الكرامة:7/234، في استحباب التعوّذ أمام القراءة، الفصل الرابع.

صفحه 207
في «الخلاف» الإجماع.1 وقد روى الكليني عن أبي جعفر(عليه السلام) إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبال أن لا تستعيذ.(2)
ثمّ قال(رحمه الله): لا تتكرَّر الاستعاذة عندنا وعند الأكثر، ولو نسيها في الأُولى لم يأت بها في الثانية. انتهى.2
وأقول: الظاهر التخيير بين أنواع الاستعاذة الواردة في النصوص، ولولا الأخبار الكثيرة لتأتّى القول بوجوب الاستعاذة في كلّ ركعة يقرأ فيها، بل في غير الصلاة عند كلِّ قراءة، لكنّ الأخبار الكثيرة تدلُّ على الاستحباب، وتدلُّ بظواهرها على اختصاصه بالركعة الأُولى والإجماع المنقول والعمل المستمرُّ مؤيّد، ومن مخالفة ولد الشيخ يعلم معنى الإجماع الّذي ينقله والده(قدس سره) وهو أعرف بمسلك أبيه ومصطلحاته.
(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) قال في «الصحاح»: الترتيل في القراءة الترسّل فيها والتبيين من غير بَغي.(4) وفي «النهاية»: التأنّي فيها والتمهّل، وتبيين الحروف والحركات تشبيهاً بالثغر المرتّل، وهو المشبّه بنور الأقحوان.3
وفي «المغرب»: الترتيل في الأذان وغيره أن لا يعجل في إرسال الحروف، بل يتثبّت فيها ويبيّنها تبييناً، ويوفّيها حقّها من الإشباع، من غير إسراع، من قولهم: ثغر مرتّل ورتل مفلّج مستوى النسبة حسن التنضيد.4
وقال المحقّق في «المعتبر»: هو تبيينها من غير مبالغة، قال: وربّما كان واجباً

1 . الخلاف:1/326، المسألة 78.   2 . الكافي:3/313 ح3.
2 . ذكرى الشيعة:3/330ـ 331.   4 . الصحاح للجوهري:4/1704، مادة «رتل».
3 . النهاية في غريب الحديث:2/194، مادة «رتل».
4 . لاحظ: مفتاح الكرامة:7/225.

صفحه 208
إذا أُريد به النطق بالحروف، بحيث لا يدمج بعضها في بعض، ويمكن حمل الآية عليه لأنّ الأمر عند الإطلاق للوجوب.1
وتبعه العلاّمة في «المنتهى» وقال في «النهاية»: يعني به بيان الحروف وإظهارها ولا يمدُّ بحيث يشبه الغناء.2
وقال في «الذكرى»: هو حفظ الوقوف وأداء الحروف.3
وقال في «مجمع البيان»: أي بيّنه بياناً واقرأه على هينتك. وقيل: معناه ترسّل فيه ترسّلاً، وقيل: تثبّت فيه تثبّتاً. وروي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في معناه أنّه قال: «بيّنه بياناً ولا تهذَّه هذَّ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أقرع به القلوب القاسية، ولا يكوننّ همّ أحدكم آخر السورة»، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في هذا قال: «هو أن تتمكّث فيه وتحسّن به صوتك». انتهى.4
وعدّ الشهيد(رحمه الله) في «النفليّة» الترتيل من المستحبّات، وقال: هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والإطباق والغنّة وغيرها، والوقف التامّ والحسن، وعند فراغ النفس مطلقاً.5
وفسّر الشهيد الثاني(رحمه الله) التامّ بالّذي لا يكون للكلام قبله تعلّق بما بعده لفظاً ولا معنى، والحسن بالّذي يكون له تعلّق من جهة اللفظ دون المعنى، ثمّ قال: ومن هنا يعلم أنّ مراعاة صفات الحروف المذكورة وغيرها ليس على وجه الوجوب، كما يذكره علماء فنّه، مع إمكان أن يريدوا تأكيد الفعل كما اعترفوا في اصطلاحهم

1 . المعتبر:2/181.
2 . منتهى المطلب:5/96; نهاية الأحكام:1/476.
3 . ذكرى الشيعة:3/334.
4 . مجمع البيان:10/162.
5 . الألفية والنفلية:116.

صفحه 209
على الوقف الواجب.
ثمّ قال: ولو حمل الأمر بالترتيل على الوجوب كان المراد ببيان الحروف إخراجها من مخارجها على وجه يتميّز بعضها عن بعض، بحيث لا يدمج بعضها في بعض، وبحفظ الوقوف مراعاة ما يخلّ بالمعنى ويفسد التركيب، ويخرج عن أُسلوب القرآن الّذي هو معجز بغريب أُسلوبه وبلاغة تركيبه. انتهى.1
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الّذي يظهر من كلام اللّغويّين هو أنّ الترتيل الترسّل والتأنّي وعليه حمل الآية جماعة من أصحابنا وغيرهم كما عرفت، لكن لمّا روى الخاصّ والعامّ عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وابن عبّاس تفسيره بحفظ الوقوف وأداء الحروف، وفي بعض الروايات: وبيان الحروف تمسّك به أصحاب التجويد، وفسّروه بهذا الوجه وتبعهم الشهيد(قدس سره) وكثير ممّن تأخّر عنه، وتبعوهم في تفسيرهم الحديث حيث فسّروه على قواعدهم ومصطلحاتهم.
ولقد أحسن الوالد(قدس سره) حيث قال: الترتيل الواجب هو أداء الحروف من المخارج، وحفظ أحكام الوقوف، بأن لا يقف على الحركة ولا يصل بالسكون فإنّهما غير جائزين باتّفاق القرّاء وأهل العربيّة، والترتيل المستحبّ هو أداء الحروف بصفاتها المحسّنة لها، وحفظ الوقوف الّتي استحبّها القرّاء وبيّنوها في تجاويدهم.
والحاصل: أنّه إن حملنا الترتيل في الآية على الوجوب كما هو دأبهم في أوامر القرآن، فليحمل على ما اتّفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتي الوصل والوقف، وأداء حقّهما من الحركة والسكون، أو الأعمّ منه ومن ترك الوقف في وسط الكلمة اختياراً، ومنع الشهيد(رحمه الله) من السكوت على كلّ كلمة بحيث يخلُّ بالنظم، فلو ثبت تحريمه كان أيضاً داخلاً فيه، ولو حمل الأمر على الندب أو الأعمّ

1 . الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية:188.

صفحه 210
كان مختصّاً أو شاملاً لرعاية الوقف على الآيات مطلقاً كما ذكره جماعة من أكابر أهل التجويد.
ويشمل أيضاً على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم والتامّ والحسن والكافي والجائز والمجوِّز والمرخّص والقبيح، لكن لم يثبت استحباب رعاية ذلك عندي، لأنّ تلك الوقوف من مصطلحات المتأخّرين، ولم تكن في زمان أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلا يمكن حمل كلامه(عليه السلام)عليه إلاّ أن يقال: غرضه(عليه السلام) رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى على ما يفهمه القارئ، ولا ينافي هذا حدوث تلك الاصطلاحات بعده.
ويرد عليه أيضاً: أنّ هذه الوقوف إنّما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الآيات، وقد وردت الأخبار الكثيرة كما سيأتي في أنّ معاني القرآن لا يفهمها إلاّ أهل بيت نزل عليهم القرآن، ويشهد له أنّا نرى كثيراً من الآيات كتبوا فيها نوعاً من الوقف بناء على ما فهموه، ووردت الأخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى، كما أنّهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ)على آخر الجلالة لزعمهم أنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات، وقد وردت الأخبار المستفيضة في أنّ الراسخين هم الأئمّة(عليهم السلام)، وهم يعلمون تأويلها، مع أنّ المتأخّرين من مفسّري العامّة والخاصّة رجّحوا في كثير من الآيات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه في الوقوف.
ولعلّ الجمع بين المعنيين لورود الأخبار على الوجهين وتعميمه بحيث يشمل الواجب والمستحبّ من كلّ منهما حتّى أنّه يراعى في الوقف ترك قلّة المكث بحيث ينافي التثبّت والتأنّي، وكثرة المكث بحيث ينقطع الكلام ويتبدّد النظام، فيكره أو يصل إلى حدّ يخرج عن كونه قارئاً فيحرم على المشهور، أولى وأظهر تكثيراً للفائدة ورعاية لتفاسير العلماء واللغويّين، وأخبار الأئمّة الطاهرين

صفحه 211
صلوات الله عليهم أجمعين، والله يعلم حقائق كلامه المجيد.
(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) استدلّ به بعض الأصحاب على وجوب القراءة في الصلاة حيث دلّ الأمر على الوجوب، وأجمعوا على أنّها لا تجب في غير الصلاة، فتجب فيها، وعلى هذه الطريقة استدلّوا به على وجوب السورة حيث قالوا: الأمر للوجوب وما تيسّر عامّ، فوجب قراءة كلّ ما تيسّر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد والسورة في الصلاة منفيّ بالإجماع، فبقي وجوب السورة سالماً عن المعارض.
وأُجيب بأنّه يجوز أن تكون كلمة (ما) نكرة موصوفة لا موصولة حتّى يفيد العموم، فالمعنى شيئاً ما تيسّر أي اقرأوا مقدار ما أردتم وأحببتم، ولعلّ ذلك أظهر لكونه المتبادر عرفاً كما يقال: أعطه ما تيسّر، وكونه أنسب بسياق الآية، وغرض التخفيف والامتثال المقصود بيانه بها والتفريع على قوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)واستلزامه التفصّي عن مثل هذا التخصيص الّذي هو في غاية البعد.
وأيضاً الآية واقعة في سياق آيات صلاة اللّيل، والظاهر كون المراد القراءة في صلاة اللّيل أو في اللّيل مطلقاً على الندب والاستحباب كما سيأتي.
وقيل: المراد بالقراءة الصلاة تسمية للشيء باسم بعض أجزائه، وعنى بها صلاة الليل، ثمّ نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: الأمر في غير الصلاة، فقيل: على الوجوب نظراً في المعجزة، ووقوفاً على دلائل التوحيد، وإرسال الرسل. وقيل: على الاستحباب فقيل أقلّه في اليوم واللّيلة خمسون آية. وقيل: مائة. وقيل: مائتان ; كذا ذكره في «كنز العرفان»1، ومع تطرُّق تلك الاحتمالات الّتي أكثرها أظهر من التخصيص يشكل الاستدلال بعموم الآيات، وسيأتي تمام القول فيه وفي قوله تعالى:(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).

1 . كنز العرفان:1/118، في القراءة، كتاب الصلاة.

صفحه 212

[ الباب السادس عشر]

الجهر والإخفات وأحكامهما1

الآيات:

الإسراء(17):(وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا).46.
وقال سبحانه: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً).110.

التفسير:

(وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) قال الطبرسي(رحمه الله): أي أدبروا عنك مدبرين نافرين، والمعنيّ بذلك كفّار قريش، وقيل: هم الشياطين; عن ابن عباس، وقيل: معناه إذا سمعوا بسم الله الرحمن الرّحيم ولّوا.2
(وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ) فيه أقوال: أحدها: أنّ معناه لا تجهر بإشاعة صلاتك عند مَن يؤذيك، ولا تخافت بها عند مَن يلتمسها منك. قال الطبرسي(رحمه الله): روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلّى جهر في صلاته حتّى يسمع المشركون، فشتموه وآذوه فأمره سبحانه بترك الجهر، وكان ذلك بمكّة في أوّل الأمر; وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) .3 وقال في «الكشّاف»: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يرفع صوته

1 . بحار الأنوار:82/68ـ 72، الباب 24.
2 . مجمع البيان:6/256.
3 . مجمع البيان:6/304.

صفحه 213
بقراءته، فإذا سمعه المشركون لغوا وسبّوا، فأمره بأن يخفض من صوته. والمعنى: ولا تجهر حتّى تسمع المشركين ولا تخافت بها حتّى لا تُسمع مَن خلفك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلاً وسطاً.1
وثانيها: لا تجهر بصلاتك كلّها ولا تخافت بها كلّها (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً): أي التبعيض على ما عيّن من السنّة.
وثالثها: أنّ المراد بالصلاة الدعاء. وهو بعيد.
ورابعها: أن يكون خطاباً لكلّ واحد من المكلّفين، أو من باب: «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» أي لا تعلنها إعلاناً يوهم الرّياء، ولا تسترها بحيث يظنُّ بك تركها والتهاون بها.
وخامسها: لا تجهر جهراً يشتغل به مَن يصلّي بقربك، ولا تخافت حتّى لا تُسمع نفسك كما قال أصحابنا: إنّ الجهر أن ترفع صوتك شديداً، والمخافتة ما دون سمعك، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً): أي بين الجهر الشديد والمخافتة، فلا يجوز الإفراط ولا التفريط، ويجب الوسط والعدل، لكن قد علم من السنّة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات كالجهر غير العالي شديداً للرجل في الصبح وأُوليي المغرب والعشاء، وكالإخفات لا جدّاً بحيث يلحق بحديث النفس في غيرها من الفرائض، وما نسب إلى أبي جعفر(عليه السلام) وأبي عبد الله(عليه السلام) لا ينافي ذلك.
ثمّ اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب وجوب الجهر والإخفات في مواضعهما في الفرائض وأنّه تبطل الصلاة بتركهما عالماً عامداً، ونقل عليه الشيخ في «الخلاف» الإجماع2 ; والمنقول عن السيد المرتضى(رحمه الله) أنّهما من وكيد

1 . تفسير الكشّاف:2/470.
2 . الخلاف:1/371، المسألة 130.

صفحه 214
السّنن، وعن ابن الجنيد أيضاً القول باستحبابهما،1 ولا يخلو من قوّة كما ستعرف، ولا يخفى أنّ الآية على الوجه الخامس الّذي هو أظهر الوجوه، يؤيّد الاستحباب إذ التوسّط الّذي يظهر منها شامل لحدّي الجهر والإخفات، وتخصيص بعضها ببعض خلاف الظاهر.
وأمّا حدُّهما فقال في «التذكرة»: أقلّ الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقاً أو تقديراً، وحدّ الاخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سميعاً بإجماع العلماء.2 وقريب منه كلام «المنتهى»3، والمحقّق في «المعتبر»4، وجماعة من الأصحاب. ويرد عليه أنّ مع إسماع نفسه يسمع القريب أيضاً غالباً، وضبط هذا الحدّ بينهما في غاية الإشكال إن أمكن ذلك، ولذا قال بعض المتأخّرين: الجهر هو ظهور جوهر الصوت والإخفات هو إخفاء الصوت وهمسه، وإن سمع القريب، ومنهم من أحالهما على العرف ولعلّه أظهر.
والظاهر أنّه لا فرق بين الأداء والقضاء في الوجوب والاستحباب كما يدلُّ عليه كلام الأصحاب وذهبوا إلى أنّ الجاهل فيهما معذور، والجهر إنّما يجب على القول به في القراءة دون الأذكار، ونقل في «المنتهى» اتّفاق الأصحاب على استحباب الإجهار في صلاة الليل، والإخفات في صلاة النهار.5

1 . نقله عنهما المحقّق في المعتبر:2/177.
2 . تذكرة الفقهاء:3/153.
3 . المعتبر:2/177.
4 . منتهى المطلب:5/87.
5 . منتهى المطلب:5/278.

صفحه 215

[الباب السابع عشر]

الركوع وأحكامه وآدابه وعلله1

الآيات:

البقرة(2):(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ).43.
آل عمران(3):مخاطباً لمريم(عليها السلام):(وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).43.
الحج(22):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا).77.
ص(38):(وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).24.
الواقعة(56):(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ).74، 96.
المرسلات(77):(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ).48ـ 49.

التفسير:

(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) قال الطبرسي(رحمه الله): الركوع الانحناء والانخفاض في اللّغة ; وقال ابن دريد: الراكع الّذي يكبو على وجهه، ومنه الركوع في الصلاة; وقال صاحب العين: كلّ شيء ينكبُّ لوجهه فيمسُّ ركبتيه الأرض أو لا يمسّ بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع.
قال: وإنّما خصّ الركوع بالذكر، وهو من أفعال الصلاة بعد قوله: (وَأَقِيمُوا

1 . بحار الأنوار:82/97ـ 100، الباب26.

صفحه 216
الصَّلَوةَ)لأحد وجوه: أحدها: أنّ الخطاب لليهود، ولم يكن في صلاتهم ركوع فكان الأحسن ذكر المختصّ دون المشترك لأنّه أبعد من اللبس. وثانيها: أنّه عبّر بالركوع عن الصلاة لأنّه أوّل ما يشاهد من الأفعال الّتي يستدلُّ بها على أنّ الإنسان يصلّي فكأنّه كرّر ذكر الصلاة تأكيداً. وثالثها: أنّه حثّ على صلاة الجماعة لتقدّم ذكر الصلاة في أوّل الآية. انتهى.1
(ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) قيل: أي صلّوا فإنّهما من أعظم أركانها، وافعلوهما فيها، كما رواه الشيخ في الموثّق عن سماعة قال: سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن؟ فقال:«نعم قول الله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)» الخبر.(2) وقيل: كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع، ويركعون بلا سجود، فأُمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود.
(وَخَرَّ رَاكِعًا) قال الطبرسي: أي صلّى لله تعالى وأناب إليه. وقيل: سقط ساجداً لله ورجع إليه، وقد يعبّر عن السجود بالركوع، قال الحسن: إنّما قال: وخرّ راكعاً لأنّه لا يصير ساجداً حتّى يركع.2
وقال في قوله تعالى:(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ): أي فبرئ الله تعالى ممّا يقولون في وصفه، ونزّهه عمّا لا يليق بصفاته. وقيل: معناه قل: سبحان ربّي العظيم، فقد صحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال: «اجعلوها في ركوعكم». انتهى.3 وروى الصّدوق في «الفقيه» مرسلاً مثله.4
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ) قال الطبرسي: أي صلّوا لا يصلّون، قال

1 . مجمع البيان:1/189ـ 190.   2 . تهذيب الأحكام:2/77 ح55(287).
2 . مجمع البيان:8/353.
3 . مجمع البيان:9/374.
4 . من لا يحضره الفقيه:1/315 برقم 932.

صفحه 217
مقاتل: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة فقالوا: لا ننحني. فإنّ ذلك مسبّة1 علينا، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود» وقيل: إنّ المراد بذلك يوم القيامة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون; عن ابن عباس. انتهى.2
ثمّ اعلم أنّه لا خلاف في وجوب الركوع في الصلاة بل هو من ضروريّات الدين، ولا خلاف بين الأصحاب في كونه ركناً في الجملة3، وذهب الشيخ في «المبسوط» إلى أنّه ركن في الأُوليين وفي ثالثة المغرب دون غيرها.4 وسيأتي تحقيقه.

[الباب الثامن عشر]

السجود وآدابه وأحكامه5

الآيات:

آل عمران(3):(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).43.

1 . في المصدر: سبّة. والسُّبّة ـ العار. لاحظ الصحاح للجوهري:1/145، مادة «سبب».
2 . مجمع البيان:10/236.
3 . بل هو ركن مطلقاً إذا كانت الصلاة حين حصول الطمأنينة والأمنة لقوله تعالى عزّ وجلّ:(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)على ما أشرنا إليه في ج84 ص 90، والدليل على ركنيته قوله: عزّ وجلّ في آية الحجّ:(ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ)، وأوضح منه قوله عزّ وجلّ:(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة:55)، حيث يصرّح بأنّ هذه الزكاة دفعت حين ركوع الصلاة، فالآية من حيث الدلالة على كون الركوع جزءاً من الصلاة من أُمّهات الكتاب، فيكون ركناً مفروضاً تبطل الصلاة بتركه عمداً وسهواً وجهلاً.
4 . المبسوط:1/109.
5 . بحار الأنوار:82/121ـ 128، الباب 27.

صفحه 218
الأعراف(7):(وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ).206.
الرعد(13):(وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ).15.
الحجر(15):(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ).98.
النحل(16):(وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ).49.
الإسراء(17):(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا).107ـ109.
الحج(22):(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ).18.
وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا).77.
الفرقان(25):(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا). 60.
النمل(27):(أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ).25.
السجدة (32):(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ).15.
فصّلت (41):(لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).37.

صفحه 219
النجم(53):(فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا).62.
الجن(72):(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا).18.

التفسير:

في هذه الآيات دلالة ما على وجوب السجود، وحسنه في الجملة، ففي بعضها عبّر عن الصلاة به، فتدلّ على اشتمالها عليه، وبعضها ظاهره سجود الصلاة وبعضها سجود التلاوة.
قوله تعالى:(وَلَهُ يَسْجُدُونَ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي يخضعون. وقيل: يصلّون. وقيل: يسجدون في الصلاة، وهي أوّل سجدات القرآن، فعند أبي حنيفة واجبة، وعند الشافعيّ سنّة مؤكّدة، وإليه ذهب أصحابنا.1
وقال في قوله: (وَللهِ يَسْجُدُ) اختلف في معناه على قولين: أحدهما: أنّه يجب السجود لله تعالى إلاّ أنّ المؤمن يسجد له طوعاً، والكافر كرهاً بالسيف. والثاني: أنّ معناه الخضوع، وقيل: المراد بالظلّ الشخص، فإنّ مَن يسجد يسجد ظلّه معه، قال الحسن: يسجد ظلّ الكافر ولا يسجد الكافر، ومعناه عند أهل التحقيق: أنّه يسجد شخصه دون قلبه. وقيل: إنّ الظلال هنا على ظاهرها، والمعنى في سجودها تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير بالطول والقصر. انتهى.2
وروى عليّ بن إبراهيم عن الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «أمّا مَن يسجد من أهل السماوات طوعاً: فالملائكة يسجدون لله طوعاً، ومَن يسجد من أهل الأرض فمن ولد في الإسلام فهو يسجد له طوعاً، وأمّا مَن يسجد له كرهاً فمن جبر على

1 . مجمع البيان:4/422 .
2 . مجمع البيان: 6/24ـ25 .

صفحه 220
الإسلام، وأمّا مَن لم يسجد فظلّه يسجد له بالغداة والعشيّ».1
وقال عليّ بن إبراهيم: تحريك كلُّ ظلّ خلقه الله هو سجوده لله، لأنّه ليس شيء إلاّ له ظلّ يتحرّك بتحرّكه، وتحوّله سجوده.2
وقال: ظلُّ المؤمن يسجد طوعاً وظلّ الكافر يسجد كرهاً، وهو نموّهم وحركتهم وزيادتهم ونقصانهم.3
وقد مرّ الكلام فيه في كتاب السماء والعالم.
وقال الطبرسي:(وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ): أي المصلّين; عن ابن عبّاس، قال: وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة. وقيل: كن من الّذين يسجدون لله ويوجّهون بعبادتهم إليه.4
وقال في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ): أي أُعطوا علم التوراة من قبل نزول القرآن كعبد الله بن سلام وغيره، فعلموا صفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل مبعثه; عن ابن عبّاس. وقيل: إنّهم أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم. وقيل: إنّهم أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ)القرآن (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا): أي يسقطون على وجوههم ساجدين; عن ابن عبّاس وقتادة، وإنّما خصّ الذقن لأنّ مَن سجد كان أقرب شيء منه إلى الأرض ذقنه، والذَّقن مجمع اللّحيين. (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا): أي تنزيهاً لربّنا عمّا يضيف إليه المشركون (إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً) إنّه كان وعد ربّنا مفعولاً حقّاً يقيناً (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ): أي ويسجدون باكين إشفاقاً من التقصير في العبادة، وشوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب (وَيَزِيدُهُمْ)

1 . تفسير القمّي:1/362.
2 . تفسير القمّي:1/386.
3 . تفسير القمّي : 1/362.
4 . مجمع البيان:6/133.

صفحه 221
ما في القرآن من المواعظ (خُشُوعًا): أي تواضعاً لله تعالى واستسلاماً لأمر الله وطاعته.1 انتهى.
وأقول: سيأتي تفسير السجود على الأذقان بمعناه الظاهر كما رواه الكلينيّ عن عليّ بن محمّد بإسناد له قال: سئل أبو عبد الله(عليه السلام) عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السجود عليها؟ قال: «يضع ذقنه على الأرض إنّ الله تعالى يقول: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ)».2 فيمكن أن يكون في الأُمم السالفة سجودهم هكذا.3والاستشهاد بالآية لمناسبة أنّه لمّا كان الذَّقن مسجداً للأُمم السابقة، فلذا صار مع الضرورة مسجداً لهذه الأُمّة أيضاً، ويحتمل أن يكون المراد بالآية سجودهم في حال الضرورة، وعليّ بن إبراهيم4 فسّر أوّلاً الأذقان بالوجه، والّذين أُوتوا العلم بقوم من أهل الكتاب آمنوا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ذكر الرواية الآتية، فيمكن أن يكون كلا المعنيين مقصودين في الآية.
ثمّ اعلم أنّ الفاضلين استدلاّ بهذه الآية على وجوب السجود على الذقن مع تعذّر الجبينين5 قالا: إذا صدق عليه السجود وجب أن يكون مجزياً في الأمر به، ويرد عليه أنّ السجود المأمور به غير هذا المعنى، بدليل عدم صحّة الاجتزاء به في

1 . مجمع البيان:6/303.
2 . الكافي:3/334، الحديث6.
3 . قد عرفت في ج84، ص 195، أنّ هذه السجدة سيرة القسيسين والرهبان ينبطحون على الأرض ويضعون أذقانهم على الأرض.
4 . تفسير القمّي:2/29.
5 . قد عرفت في ج84، ص 195، أنّ السجدة على الذقن غير مجز لعدم كونها سجدة بالطبع، وأنّ السجدة طبيعة تقع على سبعة أعضاء: الجبهة والكفين والركبتين وأصابع الرجلين، وأمّا خبر «الكافي» فمع أنّه مرسل مخالف لسائر الروايات الآمرة بوضع أحد الجبينين عند تعذر الجبهة، أو حفر حفيرة لتقع الدمل في الحفيرة ويقع السجود على أطرافه.

صفحه 222
حال الاختيار، فلا يحصل به امتثال الأمر بالسجود، فالعمدة في ذلك الأخبار المؤيدة بالشهرة بين الأصحاب.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) من العقلاء (وَالشَّمْسُ): أي وتسجد (الشَّمْسُ...) وصف سبحانه هذه الأشياء بالسجود، وهو الخضوع والذلّ والانقياد لخالقها فيما يريد منها (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)يعني المؤمنين الّذين يسجدون لله تعالى (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ): أي ممّن أبى السجود ولا يوحده سبحانه.1
(وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ): أي للمشركين (اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ): أي أنّا لا نعرف الرحمن، فإنّهم لم يكونوا يعرفون الله بهذا الاسم (وَزَادَهُمْ)ذكر الرحمن (نُفُورًا) عن الإيمان.2
(أَلاَّ يَسْجُدُوا):أي فصدّهم ألاّ يسجدوا، أو زيّن لهم ألاّ يسجدوا أو لا يهتدون إلى أن يسجدوا فلا زائدة(الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ): أي ما خفي لغيره وإخراجه إظهاره فهو يشمل إبداع جميع الأشياء.
(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا) قال الطبرسي(رحمه الله): أي يصدِّق بالقرآن وسائر حججنا (الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا): أي وعظوا بها تذكّروا واتّعظوا بمواعظها بأن (خَرُّوا سُجَّدًا): أي ساجدين شكراً لله سبحانه على أن هداهم بمعرفته، وأنعم عليهم بفنون نعمته (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي نزّهوه عمّا لا يليق به من الصفات، وعظّموه وحمدوه (وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) عن عبادته ولا يستنكفون من طاعته، ولا يأنفون أن يعفّروا وجوههم صاغرين له.3

1 . مجمع البيان:7/137ـ138 .
2 . مجمع البيان:7/306 .
3 . مجمع البيان:8/105 .

صفحه 223
أقول: فيها إيماء إلى حسن التسبيح والتحميد في السجود، ويمكن حمل الآية على السجدات الواجبة، أو الأعمّ منها ومن المندوبة، وإن لم يذكره المفسّرون.
(لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ)1 إلخ يدلُّ على عدم جواز السجود لغير الخالق، ووجوب السجود له، وعدم صحّة العبادة بدون السجود(وَاسْجُدُوا للهِ) يدلّ على وجوب السجود والإخلاص فيه، واستدلّ به على وجوب السجود عند تلاوة الآية وسماعها، ولا يخفى ما فيه.
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ) قد مرّ تفسيرها في باب المساجد،2 وقد فسّرت في أخبارنا بالمساجد السبعة كما ستعرف، فيدلّ على عدم جواز السجود بتلك المساجد السبعة لغيره تعالى، وقد مرّ في صحيحة حمّاد تفسيرها بالمساجد السبعة.
ويؤيّده ما رواه في «الكافي» عن أبي عمرو الزبيريّ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: إنّ الله فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها، وفرَّقه فيها، وساق الحديث الطويل إلى أن قال: وفرض على الوجه السجود له باللّيل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)3 وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا).4
وفي «الفقيه» في وصيّة أمير المؤمنين(عليه السلام) لابنه محمّد ابن الحنفيّة: قال الله

1 . فصلت:37.
2 . راجع شرح ذلك في ج84، ص 196.
3 . الحج:77.
4 . الكافي:2/36، ح1.

صفحه 224
عزّ وجلّ:(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ)الآية يعني بالمساجد: الوجه واليدين والركبتين والإبهامين.1

[الباب التاسع عشر]

فضل السجود و إطالته وإكثاره2

الآيات:

الفتح(48):(وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).29.
العلق(96):(وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).19.

التفسير:

(تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) يدلّ على فضل الركوع والسجود، قال الطبرسي: هذا إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا): أي يلتمسون بذلك زيادة نعمهم من الله ويطلبون مرضاته.3
أقول: فيه دلالة على أنّه لو ضمّ في نيّة العبادة مزيد البركات الدنيويّة لا يضرُّ بالإخلاص، وأنّ كثرة الصلاة والركوع والسجود موجبة لذلك ولرضاه سبحانه.
(سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي علامتهم يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشدُّ بياضاً; عن ابن عباس وعطيّة، قال شهر بن حوشب: تكون

1 . من لا يحضره الفقيه:2/626، باب الفروض على الجوارح، ح3215.
2 . بحار الأنوار:82/160ـ 161، الباب 29.
3 . مجمع البيان:9/212.

صفحه 225
مواضع سجودهم كالقمر ليلة البدر. وقيل: هو التراب على الجباه لأنّهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقيل: هو الصفرة والنحول، قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى، وقال عطاء الخراسانيّ: دخل في هذه الآية كلُّ مَن صلّى الخمس. انتهى.1
أقول: يحتمل أن يكون المراد به الأثر الّذي يظهر في الجبهة من كثرة السجود; ويؤيّده ما رواه الشيخ عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال عليّ(عليه السلام):«إنّي لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود».2وستأتي الأخبار في ذلك.
(وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) قال الطبرسي: «وَاسْجُدْ للهِ وَاقْتَرِبْ» من ثوابه. وقيل: معناه وتقرّب إليه بطاعته، وقيل معناه: اسجد يا محمّد لله لتقرب منه، فإنّ أقرب ما يكون العبد من الله إذا سجد له. وقيل: (وَاسْجُدْ): أي وصلّ لله (وَاقْتَرِبْ) من الله، وفي الحديث عن ابن مسعود أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجداً. وقيل: المراد به السجود لقراءة هذه السورة، والسجود هنا فرض وهو من العزائم.3

1 . مجمع البيان:9/213.
2 . تهذيب الأحكام:2/313 ح132 (1276).
3 . مجمع البيان:10/402.

صفحه 226

[الباب العشرون]

سجود التلاوة1

الآيات:

الانشقاق(84):(وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ).21.

التفسير:

قال الطبرسي(رحمه الله): عطف على قوله: (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ): أي ما الّذي يصرفهم عن الإيمان وعن السجود لله تعالى إذا يتلى عليهم القرآن. وقيل: معنى (لاَ يَسْجُدُونَ) لا يصلّون لله تعالى، وفي خبر مرفوع عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)2 فسجد.3
أقول: ولا يبعد حمله على السجدات الواجبة أو الأعمّ منها ومن المندوبة، وقد مرّ سائر الآيات الّتي يحتمل فيها ذلك في باب السجود.

[الباب الواحد والعشرون]

القنوت وآدابه وأحكامه4

الآيات:


1 . بحار الأنوار: 82/168، الباب 30.
2 . الإنشقاق: 1 .
3 . مجمع البيان:10/308.
4 . بحار الأنوار:82/195ـ 196، الباب 32.

صفحه 227
البقرة(2):(وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ).238.
آل عمران(3):(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ).43.

التفسير:

القنوت يطلق في اللّغة على خمسة معان: الدُّعاء، والطاعة، والسكون والقيام في الصلاة، والإمساك عن الكلام; ذكره في «القاموس».1 وذكر ابن الأثير معاني أُخرى كالخشوع، والصلاة، والعبادة، والقيام، وطول القيام.2 وقال الجوهريّ: القنوت الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى:(الْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ)3 ثمّ سمّي القيام في الصلاة قنوتاً.4 وقريب منه كلام ابن فارس.5
وهو في اصطلاح الفقهاء: الدُّعاء في أثناء الصلاة في محلّ معيّن سواء كان معه رفع اليدين أم لا، وربّما يطلق على الدُّعاء مع رفع اليد.
ثمّ إنّ المشهور بين الأصحاب استحبابه، وقال الصدوق في «الفقيه»: سنّة واجبة من تركه عمداً أعاد6، ونقل عن ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوبه في الصلوات الجهريّة، والأوّل لعلّه أقوى.7
واستدلّ بالآية الأُولى على مذهب الصدوق ويرد عليه أنّ القنوت جاء في اللّغة لمعان، فيجوز أن يكون المراد به في الآية الطاعة أو غيرها من المعاني

1 . القاموس المحيط:1/155، مادة «القنوت».
2 . النهاية في غريب الحديث:4/111، مادة «قنت».
3 . الأحزاب:35.
4 . صحاح الجوهري:1/261، مادة «قنت».
5 . معجم مقاييس اللغة:5/31، مادة «قنت».
6 . من لا يحضره الفقيه:1/316 برقم 932.
7 . لاحظ المعتبر:2/243.

صفحه 228
المتقدّمة، فلا يختصّ بالدُّعاء، ولو سلّم أنّ المراد به الدُّعاء فيمكن أن يراد
به الدُّعاء الّذي يتحقّق في ضمن القراءة، لأنّ الفاتحة مشتملة على الدُّعاء، فلا دلالة في الآية على الدُّعاء المخصوص، على أنّ الاختصاص بالصلاة الوسطى قائم كما مرّ في الخبر أيضاً، فيحتاج إلى التمسّك بعدم القائل بالفصل وفي إثباته عسر.
والمفسّرون أيضاً اختلفوا في تفسيره قال في «مجمع البيان»: قال ابن عبّاس: معناه داعين، والقنوت هو الدُّعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام). وقيل: طائعين، وقيل: خاشعين، وقيل: ساكنين.1
وقال في «الكشّاف»: (قُومُوا للهِ قَانِتِينَ) ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت أن تذكر الله قائماً، وعن عكرمة كانوا يتكلّمون في الصلاة فنهوا، وقال مجاهد: هو الركود وكفّ الأيدي والبصر، وروي أنّه إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدَّ بصره أو يلتفت أو يقلّب الحصا أو يحدِّث نفسه بشيء من أُمور الدُّنيا.2
وكذا الكلام في الآية الثانية وتزيد على الأُولى بأنّها متعلّقة بالأُمم السالفة، قال الطبرسي(رحمه الله): (اقْنُتِي لِرَبِّكِ): أي اعبديه وأخلصي له العبادة; عن ابن جبير. وقيل: معناه أديمي الطاعة له. وقيل: أطيلي القيام في الصلاة.3

1 . مجمع البيان:2/128.
2 . الكشّاف:1/376.
3 . مجمع البيان:2/291.

صفحه 229

[الباب الثاني والعشرون]

التشهّد وأحكامه1

الآيات:

الأحزاب(33):(إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما).56.

التفسير:

المشهور أنّ الصلاة من الله الرحمة، ومن غيره طلبها، وظاهر الآية وجوب الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الجملة، واختلف الأصحاب في وجوب الصلاة على النبيّ وآله(عليهم السلام)في التشهّد، فالمشهور بين الأصحاب الوجوب بل نقل جماعة اتّفاق الأصحاب عليه، ولم يذكرها الصدوق أصلاً ولا والده في التشهّد الأوّل2، وعن ابن الجنيد أنّه قال: تجزي الشهادتان إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمّد وآله في أحد التشهّدين.3
واحتجّ الفاضلان على الوجوب بورود الأمر بها في هذه الآية ولا تجب في غير الصلاة إجماعاً فتجب في الصلاة في حال التشهّد، ويرد عليه: أنّه يجوز أن يكون المراد بالصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) الاعتناء بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، فلا يدلُّ على المدّعى أو يكون المراد الكلام الدالّ على الثناء عليه وهو حاصل بالشهادة

1 . بحار الأنوار: 82/276ـ 280، الباب34.
2 . لاحظ: فقه الرضا:108، باب الصلوات المفروضة; المقنع:95; من لا يحضره الفقيه:1/318، باب التشهد.
3 . نقله عنه في ذكرى الشيعة:3/412.

صفحه 230
بالرسالة، وبالجملة إثبات أنّ المراد الصلاة المتعارفة محلّ إشكال، على أنّ الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فغاية ما يلزم من الآية وجوب الصلاة في العمر مرّة، وإثبات أنّ القول بذلك خلاف الإجماع كما ادّعاه الفاضلان لا يخلو عن عسر، لكنّ الأخبار وردت من الجانبين في أنّ الآية نزلت في الصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالمعنى المعهود، مع الصلاة على الآل أيضاً كما مرّ في بابها، فيندفع بعض الإيرادات.
وقال المحقّق في «المعتبر»: أمّا الصَّلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّها واجبة في التشهّدين; وبه قال علماؤنا أجمع. وقال الشيخ: هي ركن، وبه قال أحمد، وقال الشافعيّ: مستحبّة في الأُولى وركن من الصلاة في الأخيرة، وأنكر أبو حنيفة ذلك واستحبّهما في الموضعين، وبه قال مالك; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعلّمه الأعرابيّ، ولأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لابن مسعود عقيب ذكر الشهادتين: فإذا قلت ذلك فقد تمّت صلاتك، أوقضيت صلاتك. لنا: ما رووه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تقبل صلاة إلاّ بطهور، وبالصلاة عليّ». ورووه عن أنس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); ولأنّه لو لم تجب الصلاة عليه في التشهّد لزم أحد الأمرين إمّا خروج الصلاة عليه عن الوجوب، أو وجوبها في غير الصلاة، ويلزم من الأوّل خروج الأمر عن الوجوب، ومن الثاني مخالفة الإجماع.
لا يقال: ذهب الكرخي إلى وجوبها في غير الصلاة في العمر مرّة، وقال الطحاويّ: كلّ ما ذكر. قلنا: الإجماع سبق الكرخي والطحاويّ فلا عبرة بخروجهما.
ثمّ قال(رحمه الله): وأمّا قول الشيخ إنّها ركن فإن عنى الوجوب والبطلان بتركها عمداً، فهو صواب، وإن عنى ما نفسّر به الركن فلا.
ثمّ قال في الاستدلال على وجوب الصلاة على آله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد قوله: وهو مذهب علمائنا: وبه قال التويجي من أصحاب الشافعيّ وأحد الروايتين عن أحمد، وقال الشافعي يستحبُّ، لنا: ما رواه كعب بن عجرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: في صلاته: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على

صفحه 231
إبراهيم وآل إبراهيم إنّه حميد مجيد، فتجب متابعته لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«صلّوا كما رأيتموني أُصلّي». وحديث جابر الجعفيّ عن أبي جعفر(عليه السلام) عن ابن مسعود الأنصاريّ قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن صلّى صلاة ولم يصلّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه»، واقتران الأهل به في الحكم دليل الوجوب لما بيّناه من وجوب الصلاة عليه. انتهى.1
واستدلّ أيضاً بالآية على وجوب الصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما ذكر بما مرّ من التقريب ونقل العلاّمة في «المنتهى» الإجماع على عدم الوجوب(2) كما مرّ من المحقّق أيضاً، وذهب صاحب «كنز العرفان»(3) إلى وجوبها ونقله عن الصدوق، وإليه ذهب الشيخ البهائيّ في بعض كتبه.2
وللعامّة هنا أقوال مختلفة، قال في «الكشّاف»: الصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)واجبة، وقد اختلفوا فمنهم من أوجبها كلّما جرى ذكره، وفي الحديث: مَن ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فدخل النار فأبعده الله، ويروى أنّه قيل: يا رسول الله أرأيت قول الله: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي)فقال(عليه السلام): «هذا من العلم المكنون، ولولا أنّكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إنّ الله وكّل بي ملكين، فلا أُذكر عند عبد مسلم فيصلّي عليّ إلاّ قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين، ولا أُذكر عند عبد مسلم فلا يصلّي عليّ إلاّ قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين»، ومنهم من قال: يجب في كلّ مجلس مرّة، وإن تكرّر ذكره: كما قيل في آية ا لسجدة وتسميت العاطس، وكذلك كلّ دعاء في أوّله وآخره، ومنهم من أوجبهما في العمر مرّة، وكذا قال في إظهار الشهادتين والّذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عند كلّ ذكر لما ورد في

1 . المعتبر:1/226ـ 227.      2 . منتهى المطلب:5/186.   3 . كنز العرفان: 1/133.
2 . لاحظ: مفتاح الفلاح:27; الحبل المتين:25، في التشهّد.

صفحه 232
الأخبار. انتهى.1 وما عدّه أحوط فلا ريب في أنّه أحوط بل هو المتعيّن، للأخبار الكثيرة الدالّة على وجوبها كما سيأتي في باب الصلاة عليه في كتاب الدعاء، وإن كان في بعضها ضعف على المشهور لكن كثرتها وتعاضدها بالآية ممّا يجبر ضعفها، وسيأتي تمام القول فيها وفي فروعها في محلّه، وقد مرّ في صحيحة الفضلاء في خبر المعراج أنّ الله تعالى أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة عليه وعلى أهل بيته في التشهّد، فقول الصدوق بوجوبها كلّ ما ذكر(صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم وجوبها في التشهّد ممّا يوهم التناقض، إلاّ أن يقال: يوجبها من حيث الذكر عموماً لا من حيث الجزئيّة خصوصاً، وهذا لا يخلو من وجه، وبه يمكن الجمع بين الأخبار.
وأمّا قوله سبحانه:(وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما) فقيل المراد به: انقادوا له في الأُمور كلّها وأطيعوه، وقد وردت الأخبار الكثيرة في أنّ المراد به التسليم لهم(عليهم السلام) في كلّ ما صدر عنهم من قول أو فعل، وعدم الاعتراض عليهم في شيء كما مرّ في كتاب العلم.(2) وقيل: سلّموا عليه بأن تقولوا: السلام عليك يا رسول الله، ونحو ذلك، وربّما رجّح هذا بالمقارنة بالصلاة، وقد يحمل على المعنيين معاً ; وعلى التقديرين فيه دلالة على وجوب السلام في الجملة، فهو إمّا في ضمن التسليم المخرج من الصلاة، كما قيل، واستدلّ به عليه على قياس الصلاة، أو يقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، قبل التسليم المخرج كما في «الكنز»، والاستدلال بنحو ما مرّ، مع أنّ الظاهر التسليم على النبيّ فلا يشمل نحو التسليم المخرج، واحتمل المحقّق الأردبيليّ(قدس سره) وجوبه في حال حياته(صلى الله عليه وآله وسلم)2، وغيره الاستحباب مطلقاً أو مؤكّداً في الصلاة ويشكل الاستدلال لقيام ما سبق من الاحتمال.

1 . الكشاف:3/272ـ 273.   2 . راجع بحار الأنوار:2/182، الباب 26.
2 . زبدة البيان في أحكام القرآن:85.

صفحه 233

[الباب الثالث والعشرون]

التسليم وآدابه وأحكامه1

الآيات:

الأحزاب(33):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما).56.
أقول: قد مرّ الكلام فيها في الباب السابق واستدلال القوم بها على وجوب التسليم، قال في «كنز العرفان» في تفسير هذه الآية: استدلّ بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره: شيء من التسليم واجب ولا شيء منه في غير التشهّد بواجب فيكون وجوبه في الصلاة، وهو المطلوب; أمّا الصغرى فلقوله: (وَسَلِّمُوا) الدالّ على الوجوب، وأمّا الكبرى فللإجماع; وفيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد، سلّمنا لكنّه سلام على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لسياق الكلام، وقضيّة العطف، وأنتم لا تقولون إنّه المخرج من الصلاة، بل المخرج غيره.(2)
ثمّ قال: واستدلّ بعض شيوخنا المعاصرين على أنّه يجب إضافة:«السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته» إلى التشهّد الأخير بالتقريب المتقدّم. قيل عليه: إنّه خرق للإجماع، لنقل العلاّمة الإجماع على استحبابه. ويمكن الجواب بمنع الإجماع على عدم وجوبه والإجماع المنقول على مشروعيّته وراجحيّته وهو أعمّ من الوجوب والندب.
ثمّ قال: وبالجملة الّذي يغلب على ظنّي الوجوب، واستدلّ ببعض الأخبار.2

1 . بحار الأنوار:82/295ـ 297، الباب 35.   2 . كنز العرفان:1/141، ط المكتبة المرتضوية.
2 . كنز العرفان:1/141ـ 142 .

صفحه 234
أقول: يؤيّد عدم الإجماع ما ذكره في «الذكرى» حيث قال: قال صاحب الفاخر: أقلّ المجزي من عمل الصلاة في الفريضة تكبيرة الافتتاح، وقراءة الفاتحة في الركعتين أو ثلاث تسبيحات، والركوع والسجود، وتكبيرة واحدة بين السجدتين والشهادة في الجلسة الأُولى وفي الأخيرة الشهادتان، والصلاة على النبيّ وآله(عليهم السلام) والتسليم و السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة الله وبركاته.
ثمّ قال الشهيد(رحمه الله): وكلام هذا يشتمل على أشياء لا تعدُّ من المذهب، وقال: ثمّ قال: يسلّم إن كان إماماً بواحدة تلقاء وجهه في القبلة، السلام عليكم يرفع بها صوته وإذا كانوا صفوفاً خلف إمام سلّم القوم على أيمانهم وعلى شمائلهم، ومن كان في آخر الصف فعليه أن يسلّم على يمينه فقط، ومن كان وحده أجزأ منه السلام الّذي في آخر التشهّد، ويزيد في آخره السلام عليكم يميل أنفه عن يمينه قليلاً، وعنى بالّذي في آخر التشهّد قوله: «السلام على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أهل بيته، السلام على نبيّ الله، السلام على محمّد بن عبد الله خاتم النّبيين ورسول ربّ العالمين، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام على الأئمّة المهديّين الراشدين، السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين».انتهى.1
ثمّ اعلم أنّ الأصحاب اختلفوا في التسليم فذهب المرتضى وأبو الصّلاح وسلاّر وابن أبي عقيل والراونديّ وصاحب الفاخر وابن زهرة إلى الوجوب، والشيخان وابن البرّاج وابن إدريس وجماعة إلى الاستحباب، ونسبه في «الذكرى» إلى أكثر القدماء، واختاره العلاّمة في عدّة من كتبه.2
واختلفوا أيضاً في أنّه هل هو جزء من الصلاة أم خارج عنها؟ قال

1 . ذكرى الشيعة:3/421.
2 . راجع: ذكرى الشيعة:3/421ـ433; تحرير الأحكام:1/259ـ 260; تذكرة الفقهاء:3/243.

صفحه 235
المرتضى: لم أجد لأصحابنا فيه نصّاً ويقوى عندي أنّها من الصلاة.1 والأخبار في المقامين متعارضة، ويشكل الجزم بأحد الطرفين، وإن كان الاستحباب والخروج لا يخلوان من قوّة، فالاحتياط يقتضي الإتيان به، ونيّة الوجوب والندب غير ضرورية لا سيّما إذا لم يعلم أحدهما، وأمّا الأحكام المترتّبة عليهما فسيأتي أكثرها، ولها مدارك مخصوصة نتكلّم فيها إن شاء الله تعالى.

[الباب الرابع والعشرون]

فضل التعقيب وشرائطه وآدابه2

الآيات:

ق(50):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).39ـ 40.
الشرح(94):(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَ إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ).7ـ 8.

التفسير:

(وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)ظاهره التسبيح بعد الصلوات كما روي عن ابن عبّاس ومجاهد. وقيل: المراد به الركعتان بعد المغرب. وقيل: النوافل بعد المفروضات، روي أنّه الوتر من آخر اللّيل ; رواه الطبرسي عن أبي عبد الله(عليه السلام).3 والتسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب يشمل تعقيب الصبح والعصر، وسيأتي القول فيه في

1 . الناصريات:43.
2 . بحار الأنوار:82/313ـ 317، الباب 36.
3 . مجمع البيان:9/250.

صفحه 236
باب أدعية الصباح والمساء.
(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) النصب: التعب، أي فاتعب ولا تشتغل بالراحة، والمعنى: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب في الدُّعاء، وإليه فارغب في المسألة يعطك ; عن جماعة من المفسّرين، وهو المرويُّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام). وفي «مجمع البيان» قال الصادق(عليه السلام): «هو الدعاء في دبر الصلاة وأنت جالس».1 واستدلّ بالفاء على الاشتغال به بغير فصل.
وفي الآية أقوال أُخر: الأوّل إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام اللّيل; عن ابن مسعود. الثاني: إذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربّك; عن الجبّائي ومجاهد في رواية. الثالث: إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب في عبادة ربّك; عن الحسن وابن زيد. الرابع: إذا فرغت من جهاد عدوّك فانصب في جهاد نفسك. الخامس: إذا فرغت من أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة، قيل: أي استغفر للمؤمنين، وفي «المجمع»: وسئل علي بن طلحة عن هذه الآية فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنّه يقال: إذا صححت فاجعل صحّتك وفراغك نصباً في العبادة.2
(وَ إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ): أي بجميع حوائجك وأُمورك، ولا ترغب إلى غيره بوجه. قيل: ويجوز عطفه على الجزاء والشرط.
أقول: وقد مرّ تأويلات أُخر لهذه الآية في أبواب الآيات النازلة في أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وستأتي الأخبار في تأويلها. ولنذكر بعض ما قيل في حقيقة التعقيب وشرائطه.
قال شيخنا البهائيّ نوّر الله ضريحه: لم أظفر في كلام أصحابنا قدّس الله

1 . مجمع البيان:10/391.
2 . مجمع البيان:10/391.

صفحه 237
أرواحهم بكلام شاف فيما هو حقيقة التعقيب شرعاً، بحيث لو نذر التعقيب لانصرف إليه، ولو نذر لمن هو مشتغل بالتعقيب في الوقت الفلانيّ لاستحقّ المنذور إذا كان مشتغلاً به فيه، وقد فسّره بعض اللّغويّين كالجوهري وغيره بالجلوس بعد الصلاة لدعاء أو مسألة، وهذا يدلُّ بظاهره على أنّ الجلوس داخل في مفهومه، وأنّه لو اشتغل بعد الصلاة بالدُّعاء قائماً أو ماشياً أو مضطجعاً لم يكن ذلك تعقيباً.
وفسّره بعض فقهائنا بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر وما أشبه ذلك، ولم يذكر الجلوس، ولعلّ المراد بما أشبه الدُّعاء والذكر: البكاء من خشية الله تعالى والتفكّر في عجائب مصنوعاته، والتذكّر بجزيل آلائه، وما هو من هذا القبيل.
وهل يعدُّ الاشتغال بمجرّد تلاوة القرآن بعد الصلاة تعقيباً؟ لم أظفر في كلام الأصحاب بتصريح في ذلك، والظاهر أنّه تعقيب أمّا لو ضمّ إليه الدُّعاء فلا كلام في صدق التعقيب على المجموع المركّب منها، وربّما يلوح ذلك من بعض الأخبار، وربّما يظنّ دلالة بعضها على اشتراط الجلوس في التعقيب، كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أيّما امرئ مسلم جلس في مصلاّه الّذي صلّى فيه الفجر يذكر الله حتّى تطلع الشّمس كان له من الأجر كحاجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) 1 فإن جلس فيه حتّى يكون ساعة تحلُّ فيه الصلاة، فصلّى ركعتين أو أربعاً غفر له ما سلف، وكان له من الأجر كحاجّ بيت الله».2
وما روي عن الصادق(عليه السلام) عن آبائه، عن أمير المؤمنين(عليهم السلام) أنّه قال:«مَن صلّى فجلس في مصلاّه إلى طلوع الشمس كان له ستراً من النّار».3 وغيرهما من

1 . في الاستبصار: كحاج بيت الله .
2 . تهذيب الأحكام:2/138 ح303(535)، باب كيفية الصلاة; الاستبصار: 1 / 350 ح 1 (1321).
3 . تهذيب الأحكام:2/321 ح167(1311).

صفحه 238
الأحاديث المتضمّنة للجلوس بعد الصلاة، والحقّ أنّه لا دلالة فيها على ذلك، بل غاية ما يدلُّ عليه كون الجلوس مستحبّاً أيضاً أمّا أنّه معتبر في مفهوم التعقيب فلا، وقس عليه عدم مفارقة مكان الصلاة.
وفي رواية وليد بن صبيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد».1 يعني بالتعقيب الدُّعاء بعقب الصلاة، وهذا التفسير ـ أعني: تفسير التعقيب بالدعاء عقيب الصلاة ـ لعلّه من الوليد بن صبيح أو من بعض رجال السّند، وأكثرهم من أجلاّء أصحابنا، وهو يعطي بإطلاقه عدم اشتراطه بشيء من الجلوس، والكون في المصلّى والطّهارة، واستقبال القبلة، وهذه الأُمور إنّما هي شروط كماله، فقد ورد أنّ المعقّب ينبغي أن يكون على هيئة المتشهّد في استقبال القبلة، والتورُّك.
وأمّا ما رواه هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي أخرج وأُحبُّ أن أكون معقّباً فقال:«إن كنت على وضوء فأنت معقّب».2 فالظاهر أنّ مراده أنّ لمستديم الوضوء مثل ثواب المعقّب لا أنّه معقّب حقيقة.
وهل يشترط في صدق اسم التعقيب شرعاً اتّصاله بالصّلاة، وعدم الفصل الكثير بينه وبينها؟ الظّاهر نعم، وهل يعتبر في الصلاة كونها واجبة أو يحصل حقيقة التعقيب بعد النافلة أيضاً؟ إطلاق التفسيرين السابقين يقتضي العموم، وكذلك إطلاق رواية ابن صبيح وغيرها، والتصريح بالفرائض في بعض الروايات لا يقتضي تخصيصها بها والله أعلم. انتهى.3
وقال الشهيد رفع الله درجته في «الذكرى»: قد ورد أنّ المعقّب يكون على

1 . تهذيب الأحكام:2/104 ح159 (391).
2 . تهذيب الأحكام:2/320ح164(1308)، باب كيفية الصلاة.
3 . الحبل المتين للبهائي:259ـ 260.

صفحه 239
هيئة المتشهّد في استقبال القبلة، وفي التورُّك، وأنّ ما يضرُّ بالصلاة يضرُّ بالتعقيب. انتهى.1
وربّما احتمل بعض الأصحاب كون محض الجلوس بعد الصلاة بتلك الهيئة تعقيباً، وإن لم يقرأ دعاء، ولا ذكراً ولا قرآناً; وهو بعيد، بل الظاهر تحقّق التعقيب بقراءة شيء من الثلاثة بعد الصلاة أو قريباً منها عرفاً، على أيّ حال كان، والجلوس والاستقبال والطهارة من مكمّلاته، نعم ورد في بعض التعقيبات ذكر بعض تلك الشرائط كما سيأتي فيكون شرطاً فيها بخصوصها في حال الاختيار، وإن احتمل أن يكون فيها أيضاً من المكمّلات، ويكون استحبابه فيها أشدَّ منه في غيرها، والأفضل والأحوط رعاية شروط الصلاة فيه مطلقاً بحسب الإمكان.
وأمّا رواية هشام فتحتمل وجوهاً: الأوّل أنّ المدار في التعقيب على الطهارة ولا يشترط فيه الاستقبال والجلوس وغيرهما. الثاني: أنّك ما دمت على وضوء يكتب لك ثواب التعقيب، وإن لم تقرأ شيئاً فكيف إذا قرأت. الثالث: أنّ الوضوء في تلك الحال يصير عوضاً من الجلوس، ويستدرك لك ما فات بسبب فواته. ويؤيّد الأوّلين والثاني أكثر ما رواه في «الفقيه» مرسلاً عن الصادق(عليه السلام) قال:«المؤمن معقّب مادام على وضوئه».2
وقال الشهيد(قدس سره) في «النفليّة» ووظائفه عشر: الإقبال عليه بالقلب، والبقاء على هيئة التشهّد، وعدم الكلام ـ أي قبله وخلاله ـ ، والحدث بل الباقي على طهارة معقّب وإن انصرف، وعدم الاستدبار، ومزايلة المصلّى، وكلّ مناف صحّة الصلاة أو كمالها، وملازمة المصلّي في الصبح إلى الطّلوع، وفي الظهر والمغرب إلى الثّانية.

1 . ذكرى الشيعة:3/458.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/568، ح1572.

صفحه 240
وقال الشهيد الثاني(رحمه الله): كلُّ ذلك وظائف كماله، وإلاّ فإنّه يتحقّق
بدونها.1

[الباب الخامس والعشرون]

الأدعية والأذكار عند الصباح والمساء2

الآيات:

آل عمران(3):مخاطباً لزكريّا(عليه السلام):(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).41.
الأنعام(6):(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).52.
الأعراف(7):(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ).205.
الكهف(18):(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).28.
مريم(19):(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الِْمحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).11.
طه(20):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى).130.
النور(24):(يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ

1 . الألفية والنفلية:129.
2 . بحار الأنوار:83/240ـ 244، الباب 45.

صفحه 241
عَنْ ذِكْرِ اللهِ).36 ـ37.
الروم(30):(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).17 ـ 18 .
الأحزاب(33):(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).42.
المؤمن (غافر) (40):(وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).55.
الفتح(48):(وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).9.
ق(50):(وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ).39ـ 40.
الدهر (الإنسان) (76):(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).25.

التفسير:

(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) يدلّ على فضل التسبيح في أوّل النهار وآخره كما هو ظاهر اللّفظ، وإن فسّر بالصلاة أيضاً كما مرّ.
(بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) يدلّ في الموضعين على فضل الدُّعاء في الوقتين، كما روي، وإن فسّر بصلاة الصبح والعصر أيضاً.
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ): أي في القلب أو بالإخفات ويشتمل التفكّر في صفات الله تبارك وتعالى وأمثاله ممّا يذكر الربّ تعالى به; وروى زرارة1 عن أحدهما(عليهما السلام) قال: معناه إذا كنت خلف إمام تأتمُّ به فأنصت وسبّح في نفسك، يعني فيما لا يجهر الإمام فيه بالقراءة (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً)يعني بتضرّع وخوف (وَدُونَ

1 . التهذيب:3/32(116) ح28.

صفحه 242
الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ): أي باللّسان خفيّاً إذا حمل السابق على ذكر القلب، أو جهراً لا يبلغ حدّ العلوّ والإفراط إذا حمل الأوّل على الذكر اللساني الخفيّ، أو الأعم منه ومن الذكر القلبيّ.
قال في «مجمع البيان»: معناه ارفعوا أصواتكم قليلاً فلا تجهروا بها جهاراً بليغاً حتّى يكون عدلاً بين ذلك. وقيل: إنّه أمر للإمام أن يرفع صوته في الصلاة بالقراءة مقدار ما يسمع مَن خلفه.1
(بِالْغُدُوِّ وَالاْصَالِ) هو جمع أصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب، فالآية تدلّ على استحباب الذكر في الوقتين وآدابه، وأنّ الإسرار في الذكر والدُّعاء أفضل من الإجهار، وأنّه ينبغي أن يكون مع التضرّع والخوف وحضور القلب، وسيأتي تمام القول في ذلك كلّه2. وسيأتي خبر العيّاشي3 في تفسيره بالتهليل.
وكذا قوله تعالى: (أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، وقوله سبحانه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) يدلاّن على فضل التسبيح والتحميد في تلك الأوقات، وقد مرّ، وسيأتي في الخبر تفسيره بالتهليل المخصوص، وكذا آية النور تحثُّ على التسبيح بالغدوّ والآصال.
وكذا آية الروم تحضُّ على التسبيح والتحميد للحيّ القيّوم عند الصباح والمساء والعشيّ، وكذا آية الأحزاب حيث خصَّ سبحانه البكرة والأصيل بعد الأمر بالذكر الكثير مطلقاً تدلُّ على مزيد اختصاص للوقتين بالذكر والتسبيح، وكذا آية المؤمن تأمر بالتسبيح والتحميد في الوقتين، بل الاستغفار أيضاً على أحد الاحتمالين، وكذا آية الفتح وآية ق تدلّ على تأكّد استحباب التسبيح والتحميد

1 . مجمع البيان:4/420.
2 . راجع بحار الأنوار:85/68ـ 69 الذيل.
3 . تفسير العيّاشي:2/45، ح136.

صفحه 243
قبل الطلوع وقبل الغروب، والتعقيب في أدبار الصلوات.
وروى في «مجمع البيان» عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن هذه الآية؟ فقال: تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرّات: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير».1 ولذا قال بعض المحدّثين بوجوب هذا التهليل في هذين الوقتين لكون الأصل في أوامر القرآن المجيد الوجوب عندهم كما دلّ عليه بعض الأخبار، وآية الدهر تدلّ على فضل مطلق الذكر في الوقتين.
وبالجملة الآيات متضافرة والأخبار متواترة في فضل الدعاء والذكر في هذين الوقتين شكراً لنعمة ما مضى من اليوم، وما تيسّر له فيه من نعم الله الكاملة، وتمهيداً لما يستقبله من اللّيل و استعاذةً من طوارقه، واستجلاباً لبركاته وفوائده، والتوفيق فيه لطاعة ربّه، وكذا العكس; ولأنّ في الوقتين الفراغ للعبادة والدُّعاء أكثر، وفي الصباح لم يشتغل بأعمال اليوم بعد، وفي المساء قد فرغ منها.
وأيضاً فيهما تظهر قدرة الله الجليلة من إذهاب اللّيل والإتيان بالنهار، وبالعكس مع ما فيهما من المنافع العظيمة الدالّة على كمال لطفه وحكمته سبحانه، فيستحقّ بذلك ثناء طريفاً وشكراً جديداً.
وأيضاً في الوقتين يظهر ظهوراً بيّناً أنّ جميع الممكنات في معرض التبدُّل والتغيّر والفناء والانقضاء وهو سبحانه باق على حال لا يعتريه الزوال، ولا يخاف عليه الأهوال ولا تتبدّل عليه الأحوال، فيتنبّه العارف المتدبّر في الأرض والسماء، أنّه سبحانه المستحقّ للتسبيح والتمجيد، والتحميد والثناء العتيد.
وبعبارة أُخرى: في هاتين الساعتين تنادي جميع المخلوقات في الأرضين والسماوات بأنّها مخلوقة مربوبة مفتقرة في وجودها وبقائها، وسائر صفاتها إلى

1 . مجمع البيان:9/250.

صفحه 244
صانع حكيم منزّه عن صفات الحدوث والإمكان، وسمات العجز والنقصان، كما قال سبحانه:(وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)1.
فلمّا سمع العارف تسبيحهم بسمع اليقين والإيمان، ينبغي أن يوافقهم ويرافقهم بالقلب واللّسان، بل نقول بتعدّي روحه ونفسه وجسده وأعضاؤه بشراشرها جميع ذلك بلسان الحال، فيجب أن يصدّقها بالمقال في جميع الأحوال، لا سيّما في هاتين الحالتين اللّتين ظهور ذلك فيهما أكثر من سائر الأحوال.
وأيضاً ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه كلَّ يوم وليلة، كما مرّ في الأخبار فعند المساء ينظر ويتفكّر فيما عمل به في اليوم وساعاته وما قصر فيه من طاعاته، وما أتى به من سيّئاته فيستغفر الله ويحمده استدراكاً لما فات منه من الحسنات واستمحاء لما أثبت في دفاتر أعماله من السيّئات، وفي الصبح يتفكّر لما جرى في ليله من الغفلات وفات منه من الطاعات، فيتلافى ذلك بالذكر والدعاء والاستغفار، ويتوب إلى ربّه العالم بالخفايا والأسرار.
والنكات في ذلك كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، وبما نبّهنا عليه لعلّ العارف الخبير يطّلع عليها أو على بعضها، وسيأتي في الأخبار نبذ منها، والله الموفّق للخير والصواب.

1 . الإسراء:44.

صفحه 245

النوافل اليومية وفضلها وأحكامها وتعقيباتها

[الباب السادس والعشرون]

جوامع أحكامها وأعدادها وفضائلها1

الآيات:

الفرقان(25):(وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا).62.
المعارج(70):(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ).22ـ23.

التفسير:

(خِلْفَةً) قال البيضاوي: أي ذوي خلفة يخلف كلّ منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل، أو بأن يعقبان لقوله: (وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)2وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ): أي يتذكّر آلاء الله ويتفكّر في صنعه، فيعلم أنّه لابدّ له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد.
(أَوْ أَرَادَ شُكُورًا): أي لمن يشكر الله على ما فيه من النعم، أو ليكونا وقتين للمتذكّرين والشاكرين، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر.3 انتهى.
والأخبار تدلّ على المعنى الثاني كما سيأتي وفي «الفقيه» عن الصادق(عليه السلام):

1 . بحار الأنوار:84/21ـ 22، الباب 1 من أبواب النوافل اليومية.
2 . البقرة:64، وغير ذلك.
3 . تفسير البيضاوي:4/226.

صفحه 246
«كلّ ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار، قال الله عزّ وجلّ... وتلا هذه الآية ثمّ قال: يعني أن يقضي الرَّجل ما فاته باللّيل بالنهار وما فاته بالنهار باللّيل».1
(عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) قال الطّبرسيّ(رحمه الله): أي مستمرُّون على أدائها لا يخلّون بها ولا يتركونها، وروي عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ هذا في النوافل، وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) في الفرائض والواجبات. وقيل: هم الّذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة.2

[الباب السابع والعشرون]

فضل صلاة الليل وعبادته3

الآيات:

آل عمران(3):(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ).17.
وقال تعالى:(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).113.
الإسراء(17):(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا).79.
الفرقان(25):(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).64.
السجدة(32):(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا

1 . الفقيه:1/496 برقم 1425.
2 . مجمع البيان:10/124.
3 . بحار الأنوار:84/116ـ 135، الباب 6 من أبواب النوافل اليومية.

صفحه 247
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).16ـ17.
الزمر(39):(أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ).9.
ق(50):(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ). 40.
الذاريات(51):(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ).17ـ18.
الطور(52):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).48 ـ49.
المزمل(73):(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً).1 ـ 8 .
وقال تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).20.
الدهر(76):(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً).26.

صفحه 248

التفسير:

(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) قال الطبرسي(رحمه الله): المصلّين في وقت السحر، رواه الرضا(عليه السلام)عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام). وقيل: السائلين المغفرة وقت السحر. وقيل: المصلّين صلاة الصبح في جماعة. وقيل: الّذين تنتهي صلاتهم إلى وقت السحر ثمّ يستغفرون ويدعون; وروي عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّ مَن استغفر الله سبعين مرّة في وقت السحر فهو من أهل هذه الآية. وروى أنس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إنّ الله تعالى يقول: «إنّي لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمّار بيوتي، وإلى المتهجّدين، وإلى المتحابّين في الله، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفته عنهم».انتهى.1
ولفظ الآية شمل كلّ مستغفر في السحر وقد ورد في الأخبار تخصيصها بصلاة الوتر، فيمكن أن يكون الغرض بيان أكمل الأفراد، ويحتمل التخصيص، وروى في «الفقيه» بسند صحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«مَن قال في وتره إذا أوتر: «أستغفر الله وأتوب إليه» سبعين مرّة وواظب على ذلك حتّى تمضي سنة، كتبه الله عنده من المستغفرين بالأسحار، ووجبت له المغفرة من الله عزّ وجلّ».(2)
وروى في «التهذيب» في الصحيح عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول في قول الله عزّ وجلّ:(وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) في الوتر في آخر اللّيل سبعين مرّة.2
وفي الموثّق عن أبي بصير قال: قلت له: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)فقال: «استغفر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وتره سبعين مرّة».3

1 . مجمع البيان:2/255.   2 . مَن لا يحضره الفقيه:1/489 برقم 1405.
2 . تهذيب الأحكام:2/130 ح266، باب كيفية الصلاة.
3 . تهذيب الأحكام:2/130 ح269.

صفحه 249
(لَيْسُوا): أي أهل الكتاب (سَوَاءً) في المساوئ والأعمال (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)استيناف لبيان نفي الاستواء (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ): أي على الحقّ مستقيمة في دينهم أو قائمة بطاعة الله (يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ): أي القرآن (آنَاءَ اللَّيْلِ): أي ساعاته. وقيل: يعني جوف اللّيل (وَهُمْ يَسْجُدُونَ): أي السجود المعروف أو المعنى يصلّون عبّر عن الصلاة بالسجود لأنّه أبلغ أركانها في التواضع، وفسّر الأكثر الآية بالتهجّد، وهو أظهر لفظاً. وقيل: المراد بها صلاة العشاء; لأنّ أهل الكتاب لا يصلّونها. وقيل: الصلاة بين المغرب والعشاء الآخرة وهي الساعة الّتي تسمّى ساعة الغفلة.
(وَمِنَ اللَّيْلِ)1: أي بعض اللّيل (فَتَهَجَّدْ بِهِ) التهجّد ترك الهجود، أي النوم للصلاة، والضمير للقرآن أو للّيل بمعنى فيه (نَافِلَةً لَكَ): أي زائدة لك على الصلوات، وضع(نَافِلَةً)مكان «تهجّداً» لأنّ التهجّد عبادة زائدة. والمعنى: أنّ التهجّد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصّة دون غيرك، لأنّه تطوّع لهم أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، كما روي أنّها فرضت عليه ولم تفرض على غيره فكانت فضيلة له; ذكره ابن عبّاس.
وقال القطب الراوندي في «فقه القرآن»: وإليه أشار أبو عبد الله(عليه السلام).2 ولعلّه أشار به إلى ما رواه الشيخ بسنده عن عمّار السّاباطيّ قال: كنّا جلوساً بمنى، فقال له رجل: ما تقول في النافلة؟ فقال: «فريضة»، ففزعنا وفزع الرجل، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«إنّما أعني صلاة اللّيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ الله يقول: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ).3

1 . الإسراء:79.
2 . فقه القرآن:1/130.
3 . تهذيب الأحكام:2/242 ح28 (959).

صفحه 250
وقيل: معناه نافلة لك ولغيرك، وخصّ بالخطاب لما في ذلك من صلاح الأُمّة في الاقتداء به، والحثّ على الاستنان بسنّته. وقيل: كانت واجبة عليه وعلى الأُمّة1 بالمزّمّل، فبهذه الآية نسخ وجوبها عن الأُمّة وبقي الاستحباب وبقي الوجوب عليه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وذهب قوم إلى أنّ الوجوب نسخ عنه كما عن الأُمّة فصارت نافلة; لأنّه تعالى قال: (نَافِلَةً لَكَ) ولم يقل عليك، والتخصيص من حيث إنّ نوافل العباد كفّارة لذنوبهم، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فكانت نوافله لا تعمل في كفّارة الذُّنوب؟ بل في رفع الدرجات.
(مَقَامًا مَحْمُودًا) نصب على الظرف أو على المصدر أو على الحال، أي ذا مقام والمشهور أنّه الشفاعة. وقيل: يعمُّ كلّ كرامة، وقد تقدّم الكلام فيه.
(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) قال الطبرسيّ(رحمه الله): قال الزّجاج: كلُّ مَن أدركه اللّيل فقد بات نام أو لم ينم. والمعنى: يبيتون لربّهم باللّيل في الصلاة ساجدين وقائمين، طالبين لثواب ربّهم، فيكونون سجّداً في مواضع السجود وقياماً في مواضع القيام.2
(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ): أي ترتفع جنوبهم عن المضاجع لصلاة اللّيل، وهم المتهجّدون باللّيل الّذين يقومون عن فرشهم للصلاة، قال الطّبرسي(رحمه الله): وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) وروى الواحديّ بالاسناد عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك وقد أصابنا الحرُّ، فتفرَّق

1 . ليس في آية المزمّل ما يفيد كونها فرضاً على الأُمّة، لاختصاص الخطاب به(صلى الله عليه وآله وسلم). نعم في آخر آية منها يقول عزّ وجلّ:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) فيعلم منها أنّ طائفة من أُمّته(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يقتدون به(صلى الله عليه وآله وسلم) في الإتيان بنافلة الليل، وقد عرفت شرح ذلك مستوفى في ج 82 ص 3.
2 . مجمع البيان:7/311. والآية 64 من سورة الفرقان.

صفحه 251
القوم فإذا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أقربهم منّي، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يدخلني الجنّة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم وإنّه ليسير على من يسّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان، قال(صلى الله عليه وآله وسلم):وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير؟»قال: قلت: أجل يا رسول الله قال: «الصّوم جنّة، والصدقة تكفّر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف اللّيل يبتغي وجه الله، ثمّ قرأ هذه الآية (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ).
وبالاسناد عن بلال قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«عليكم بقيام اللّيل فإنّه دأب الصالحين قبلكم، وإنّ قيام اللّيل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير السيئات، ومطردة الداء في الجسد».
وقيل: هم الّذين لا ينامون حتى يصلّوا العشاء الآخرة. وقيل: هم الّذين يصلّون ما بين المغرب والعشاء الآخرة، وقيل: هم الّذين يصلّون العشاء والفجر في جماعة. انتهى.1
ويؤيّد الأوّل ما رواه في «الكافي» بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال في حديث طويل:«إن شئت أخبرتك بأبواب الخير»، قلت: نعم جعلت فداك، قال: «الصوم جنّة، والصدقة تذهب بالخطيئة، وقيام الرَّجل في جوف اللّيل يذكر الله، ثمّ قرأ:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)».(2) وسيأتي بعض الأخبار في ذلك.
ويؤيّد الثاني ما روى ابن الشيخ في مجالسه عن الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) قال: «كانوا لا ينامون حتّى يصلّوا العتمة».2
(يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا) من عذاب الله (وَطَمَعًا) في رحمة الله (وَمِمَّا

1 . مجمع البيان:8/107ـ108.   2 . الكافي:2/24 ح15، باب دعائم الإسلام.
2 . أمالي الطوسي:294 ح24، المجلس 11.

صفحه 252
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) في طاعة الله.
(فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن): أي لا يعلم أحد ما خُبّئ لهؤلاء ممّا تقرُّ به أعينهم (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من الطاعات في الدنيا.
(أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ) قال الطبرسيّ: أي هذا الّذي ذكرناه خير أم مَن هو دائم على الطاعة; عن ابن عبّاس. وقيل: على قراءة القرآن وقيام اللَّيل. وقيل: يعني صلاة الليل; عن أبي جعفر(عليه السلام). (آنَاءَ اللَّيْلِ): أي ساعاته (سَاجِدًا وَقَائِمًا): أي يسجد تارة في الصلاة ويقوم أُخرى (يَحْذَرُ الآخِرَةَ): أي عذابها (وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ): أي يتردّد بين الخوف والرجاء.1
(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) قال الطبرسي: أي كانوا يهجعون قليلاً من اللّيل، يصلّون أكثره، والهجوع النوم باللّيل دون النهار. وقيل: كانوا قلّ ليلة تمرُّ بهم إلاّ صلّوا فيها; وهو المرويّ عن أبي عبد الله(عليه السلام)، والمعنى كان الّذي ينامون فيه كلّه قليلاً ويكون اللّيل اسماً للجنس.
(وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) قال الحسن: مدُّوا الصلاة إلى الأسحار، ثمّ أخذوا بالأسحار في الاستغفار، وقال أبو عبد الله(عليه السلام):«كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرّة في السحر»، وقيل: معناه وبالأسحار هم يصلّون، وذلك أنّ صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة.2
أقول: ستأتي الأخبار في تفسير الآية، وروى في «التهذيب» بسند موثّق كالصحيح، عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) قال:«كان القوم ينامون ولكن كلّما انقلب أحدهم قال: الحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر».(3)

1 . مجمع البيان:8/388. والآية 9 من سورة الزمر.
2 . مجمع البيان:9/259. والآية 18 من سورة الذاريات.   3. تهذيب الأحكام:2/335 ح240(1384).

صفحه 253
أقول: يمكن حمله على أنّ قبل القيام إلى صلاة اللّيل كانوا يفعلون ذلك، أو أنّ الآية تشمل هؤلاء أيضاً، ويمكن حمله على ذوي الأعذار، وسيأتي في دعاء الوتر ما يؤيّد الأوّل، وقد مرّ تفسير آيات ق و الطّور بصلاة اللّيل في باب أوقات الصلاة.1
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ): قيل أصله المتزمّل من تزمّل بثيابه إذا تلفّف بها، فأُدغم في ا لزاء، فقيل: كان(صلى الله عليه وآله وسلم) متزمّلاً في قطيفة فنبّه ونودي بما يهجّن إليه الحالة الّتي كان عليها من استعداده للاشتغال بالنوم، فأمر بأن يختار على الهجود التهجّد، وعلى التزمّل التشمّر للعبادة، والمجاهدة فيما بعد; لا جرم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تشمّر لذلك وطائفة من أصحابه حقّ التشمّر وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا الرُّقاد والدَّعة، وجاهدوا في الله حتّى انتفخت أقدامهم، واصفرّت ألوانهم، وترامى أمرهم إلى حدّ رحمهم ربّهم فخفّف بما يأتي في آخر السورة.
وقيل: أي المتزمّل بأعباء النبوّة، أي المتحمّل لأثقالها. وقيل: معناه يا أيّها النائم قم اللّيل إلاّ قليلاً.
قال المحقّق الأردبيلي(قدس سره): أي قم للصلاة في جميع اللّيل أو أنّ القيام باللّيل كناية عن الصلاة باللّيل (إِلاَّ قَلِيلاً) منه وهو (نِصْفَهُ) فنصفه بدل عن قليلاً كما هو الظّاهر وقلّته بالنسبة إلى جميع اللّيل، وانقص وزد عطف على قم بتقدير، فتأمّل. وضمير منه وعليه للنّصف أو قليلاً، فمعناه: قم واشتغل بالصلاة في نصف اللّيل أو أقلّ منه أو أزيد منه، وإلى هذا أشار الصادق(عليه السلام)على ما نقل في «مجمع البيان» قال(عليه السلام): القليل النصف، أو انقص من القليل أو زد على القليل.(2)
ويبعد كون نصفه بدلاً من اللّيل لتوسّط الاستثناء بين البدل والمبدل مع الالتباس، بل ظهور خلافه ولزوم لغويّة أو انقص منه، لأنّه بعينه معنى قوله: قم

1 . راجع: بحار الأنوار:82/327ـ 328.   2 . مجمع البيان:10/161.

صفحه 254
نصف اللّيل إلاّ قليلاً، فيحتاج إلى العذر بأنّه قيل: أو انقص لمناسبة أو زد; كما قال: في «مجمع البيان».1 أو أنّه قد يحسن الترديد بين الشيء على البتّ وبينه وبين غيره على التخيير كما فعله الكشّاف والبيضاوي وصاحب كنز العرفان.2 وكلاهما تكلّف بعيد عن فصاحة كلام الله تعالى خصوصاً الثاني; لأنّ مرجعه إلى التخيير بينهما.
قال البيضاوي: أو نصفه بدل من اللّيل، فالاستثناء منه والضمير في منه وعليه للأقلّ من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الأقلّ منه كالربع والأكثر منه كالنصف. ولا يخفى ما فيه من لزوم لغويّة الاستثناء، فإنّه ينبغي أن يقول حينئذ: قم نصف اللّيل أو انقص منه، ومن أنّ الأقلّ ليس له مرتبة معيّنة حتّى يقال: أو انقص منه أو زد عليه ليصل إلى الربع والنصف، وهو ظاهر.
وكذا كون المراد بـ : (إِلاَّ قَلِيلاً)، قليلاً من اللّيالي، وهي ليالي العذر والمرض لعدم ظهور كون اللّيل للاستغراق وعدم الاحتياج إلى الاستثناء، وللاحتياج إلى التكلّف في الاستثناء، والبدل في أو انقص أو زد، ولما سيجيء في هذه السورة من قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ)إلى آخرها.
فيمكن أن تكون هذه الآية إشارة إلى وجوب صلاة اللّيل عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ): أي يجب عليك التهجّد، وهو الصلاة باللّيل زيادة على باقي الصّلوات، مخصوصة بك دون أُمّتك، على ما قيل، ويكون المراد بالترخّص المفهوم من قوله تعالى في آخر هذه السورة(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، وقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)التخفيف في الوقت لا إسقاط الصلاة بالكلّية على تقدير كون المراد بالقراءة الصلاة، وأمّا على تقدير حملها على القراءة

1 . مجمع البيان:10/160.
2 . تفسير الكشّاف: 4/175; تفسير البيضاوي:5/405; كنز العرفان:1/150.

صفحه 255
فقط فيلزم السقوط بالكليّة فيمكن حملها على عدم القدرة، فتأمّل.
وعن ابن عبّاس تكون مندوبة على الأُمّة ; لدليل الاختصاص من الإجماع وظاهر الآية والأخبار والأصل. انتهى كلامه رفع الله مقامه.1
وأقول: الاحتمال الأخير ليس بذلك البعد، والاستثناء هنا قرينة الاستغراق فيكون نظير ما مرّ في الخبر في قوله سبحانه:(كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)وروى الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح على الظاهر عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله تعالى:(قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً) قال:«أمره الله أن يصلّي كلّ ليلة إلاّ أن يأتي عليه ليلة من اللّيالي لا يصلّي فيها شيئاً»2 وعدم الاحتياج إلى الاستثناء غير معلوم، إذ يحتمل أن يكون المراد الأعذار القليلة الّتي لا يدلّ العقل والنقل على استثنائها مع أنّ دلالة العقل والعمومات لا ينافي حسن التنصيص لمزيد التوضيح، وللتأكيد فيما سواها، ويكون حاصل الكلام: قم في جميع أفراد اللّيالي للعبادة إلاّ قليلاً من اللّيالي تكون فيها معذوراً، ولمّا كان قيام اللّيل مجملاً يحتمل كلّه وبعضه، بيّن ذلك بأنّ المراد قيام نصف اللّيل أو أقلّ منه بقليل أو أزيد منه.
وقال الرازي: اعلم أنّ الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية، وعندي فيه وجهان: الأوّل: أنّ المراد بقوله: (إِلاَّ قَلِيلاً) الثلث والدليل عليه، قوله في آخر السورة:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) فهذه الآية دلّت على أنّ أكثر المقادير الواجبة الثلثان، فهذا يدلُّ على أنّ نوم الثلث جائز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد بالقليل في قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً)هو الثلث فإذن قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً) معناه ثلثي اللّيل، ثمّ قال: (نِصْفَهُ)المعنى: أو قم

1 . زبدة البيان في أحكام القرآن للأردبيلي:94ـ 95، المكتبة المرتضوية، طهران.
2 . تهذيب الأحكام: 2 / 335 ح 236 (1380).

صفحه 256
نصفه، وهو كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس ذا أو ذا أيّهما شئت، فحذف واو العطف، فتقدير الآية قم الثلثين، قم النصف، أو انقص من النصف أو زد عليه، فعلى هذا تكون الثلثان أقصى الزيادة ويكون الثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه يكون مندوباً.
الوجه الثاني: أن يكون قوله (نِصْفَهُ) تفسيراً لقوله: (قَلِيلاً). وهذا التفسير جائز بوجهين: الأوّل: أنّ نصف الشيء قليل بالنسبة إلى الكلّ، والثاني: أنّ الواجب إذا كان النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك بيقين إلاّ بزيادة شيء قليل عليه، فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً فيكون الباقي بعد ذلك أقلّ منه، فإذا ثبت هذا فنقول: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً) معناه قم اللّيل إلاّ نصفه، فيكون الحاصل: قم نصف اللّيل، ثمّ قال: (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً) يعني: أو أنقص من هذا النصف نصفه حتّى يبقى الربع، ثمّ قال:(أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) يعني: أو زد على النصف نصفه حتّى يصير المجموع ثلاثة أرباعه.
فحاصل الآية: أنّه تعالى خيّره بين أن يقوم تمام النصف أو ربعه أو ثلاثة أرباعه، وعلى هذا التقدير يكون من المندوبات. انتهى.1
وقال في «الكشّاف»: قوله تعالى:(نِصْفَهُ) بدل من اللّيل و (إِلاَّ قَلِيلاً)استثناء من النصف، كأنّه قال: قم أقلّ من نصف اللّيل، والضمير في منه وعليه للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقلّ من نصف اللّيل على البتّ، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه، وإن شئت جعلت نصفه بدلاً من قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنّما وصف النصف بالقلّة بالنسبة إلى الكلّ.

1 . تفسير الرازي:30/172ـ 173.

صفحه 257
وإن شئت قلت: لمّا كان معنى (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ) إذا أبدلت النصف من اللّيل، قم أقلّ من نصف اللّيل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقلّ من النصف، فكأنّه قيل: قم أقلّ من نصف اللّيل، أو: قم أنقص من ذلك الأقلّ، أو أزيد منه قليلاً فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث.
ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلاً وفسّرت به أن تجعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النّصف وهو الربع، كأنّه قيل: أو أنقص منه قليلاً نصفه، ويجعل المزيد على هذا القليل، أعني: الربع نصف الربع، كأنّه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن يجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمّة الثلث، فيكون تخييراً بين النّصف والثلث والربع. انتهى.1
ولا يخفى ما في أكثر تلك الوجوه من التكلّف والتصلّف.
وقيل: نصفه بدل من اللّيل المستثنى منه قليلاً، أي ما بقي بعد الاستثناء، ويرجع ضميرا منه وعليه إلى قيام ذلك أو إلى نصفه، وربّما كان القليل المستثنى عبارة عمّا يصرف في العشائين ونحوهما من أوّل اللّيل، ويمكن أن يقال: على بعض الوجوه عبّر عن نصف اللّيل باللّيل إلاّ القليل إشارة إلى أنّ النصف الّذي هو وقت القيام أكثر بركة وأقوى شرفاً حتّى كأنّه أكثر بحيث إذا قام فيه قام اللّيل إلاّ قليلاً أو الاستثناء إشارة إلى وقت النوم والاستراحة من النصف الآخر دون ما صرف منه في صلاة المغرب والعشاء وتوابعهما، فكأنّه يدخل في حكم القيام حينئذ فكان كما قال: (قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ). انتهى.2
وأقول: يحتمل أن يكون المراد بقوله سبحانه:(قُمِ اللَّيْلَ) الأمر بعبادة اللّيل مطلقاً ليشمل ما يقع في أوّل اللّيل من العشائين ونوافلهما وتعقيباتهما بل الأدعية

1 . تفسير الكشّاف: 4/175.
2 . راجع آيات الأحكام للاسترآبادي:211.

صفحه 258
عند النوم أيضاً، وقوله: (نِصْفَهُ) نقدّر فيه فعلاً، أي قم نصفه بمعنى القيام بعد النوم، فيكون إشارة إلى وقت صلاة اللّيل، فإنّه بعد نصف اللّيل، والنقص من النصف لبيان أنّه لا يجب أو لا يتأكّد قيام تمام النصف، كما يدلّ عليه آخر السورة، والزيادة لصرفها في مقدّمات الصلاة من التخلّي والتطهّر والاستياك، وفيصرف جميع النصف في الصلاة والدُّعاء كما ستأتي الرواية من دأبه وسنّته في ذلك، وإذا انضمّ هذا إلى ما وقع من العبادة في أوّل اللّيل لا يبقى من اللّيل للنوم إلاّ قليل.
وهذا وجه وجيه متين مؤيّد بالأخبار ولا تكلّف فيه إلاّ التقدير الشائع في الكلام، وبالجملة هذه الآيات من المتشابهات، ولا يعلم تأويلها إلاّ الله والراسخون في العلم عليهم أفضل الصلوات.(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) قد مرّ تفسيره.1
(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) القول الثقيل القرآن، وما فيه من الأوامر والنواهي الّتي هي تكاليف شاقّة ثقيلة على المكلّفين خاصّة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّه متحمّلها بنفسه ومحمّلها لأُمّته فهي أثقل وأبهض له، فيحتاج في ضبط ذلك وتأديته إلى قيام اللّيل. وقيل: أراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلّفه من قيام اللّيل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة الّتي ورد بها القرآن; لأنّ اللّيل وقت السبات والراحة، فلابدّ لمن أحياه من مضادّة لطبعه ومجاهدة لنفسه. ويؤيّده ما ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره(سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) قال: قيام اللّيل، وهو قوله: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) قال: أصدق القول. انتهى.(2)
وقيل: نزوله أو تلقّيه، لما روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتغيّر حاله عند نزوله ويعرق وإذا كان راكباً تبرك راحلته ولا تستطيع المشي.2 وقيل: ثقيلاً في الميزان. وقيل: على المنافقين. وقيل: كلام له وزن ورجحان فيحتاج إلى مزيد تدبّر وتأمّل ووقت

1 . راجع: بحار الأنوار: 85/7.   2 . تفسير القمّي:2/392.
2 . مجمع البيان:10/162.

صفحه 259
لائق بذلك فلابدّ من قيام اللّيل.
(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) ناشئة اللّيل النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه إذا نهض، أو قيام اللّيل على أنّ الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض; ويؤيّده ما صحّ عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «هي قيام الرجل عن فراشه لا يريد به إلاّ الله».1 كما سيأتي، وإن احتمل معنى آخر.
وقال الطبرسي(رحمه الله): معناه: ساعات الليل لأنّها تنشأ ساعة بعد ساعة، وتقديره: إنّ ساعات اللّيل الناشئة، وقال ابن عباس: هو اللّيل كلّه لأنّه ينشأ بعد النهار، وقال مجاهد: هي ساعات التهجّد من الليل. وقيل: هي بالحبشيّة قيام اللّيل. وقيل: هي القيام بعد النوم. وقيل: هي ما كان بعد العشاء الآخرة; عن الحسن وقتادة، والمرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام) وأبي عبد الله(عليه السلام) أنّهما قالا: هي القيام في آخر اللّيل إلى صلاة الليل. انتهى.2
وقيل: هي الساعات الأُول منها، من نشأت إذا ابتدأت، وروي عن علي بن الحسين(عليهما السلام)أنّه كان يصلّي بين المغرب والعشاء، ويقول: أما سمعتم قول الله تعالى:(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) هذه ناشئة اللّيل.3
(أَشَدُّ وَطئاً): أي ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلّي كما ورد في الحديث:«اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر» وقرأ أبو عمرو بن عامر وطاء ـ بالكسر والمدّ ـ أي مواطأة القلب للّسان، أو موافقة لما يراد من الخضوع والإخلاص.

1 . تهذيب الأحكام:2/336 ح241(1385).
2 . مجمع البيان:10/163.
3 . تفسير الكشّاف: 4/176; الدر المنثور:6/278.

صفحه 260
(وَأَقْوَمُ قِيلاً): أي أشدُّ مقالاً وأثبت قراءة لحضور القلب وهدوّ الأصوات، ويحتمل أن يكون المراد بالقيل دعوى الإخلاص في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)ونحوه كما رواه الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً)قال: يعني بقوله: (وَأَقْوَمُ قِيلاً) قيام الرجل عن فراشه يريد به الله عزّ وجلّ لا يريد به غيره».1وبسند صحيح آخر مثله2 لكن ليس فيه «يعني بقوله: (أَقْوَمُ قِيلاً)» فيحتمل أن يكون تفسيراً للناشئة كما مرّ أو وطئاً كما أومأنا إليه، وروى في «الكافي» خبراً مرسلاً فسّرت الآية فيه بصلاة مخصوصة بين العشائين كما مرّ.3
(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً): أي تصرّفاً وتقلّباً في مهمّاتك، واشتغالاً بها، فعليك بالتهجّد، فإنّ مناجات الحقّ تستدعي فراغاً، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر(عليه السلام) قوله: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً) يقول: فراغاً طويلاً لنومك وحاجتك.4
وقال الطبرسي: فيه دلالة على أنّه لا عذر لأحد في ترك صلاة اللّيل لأجل التعليم والتعلّم، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحتاج إلى التعليم أكثر ممّا يحتاج الواحد منّا إليه، ثمّ لم يرض سبحانه منه أن يترك حظّه من قيام اللّيل.5
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ): أي دُمْ على ما تذكره من الأذكار والعبادات والتعليم والإرشاد. وقيل: أي اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل صلاتك، فاستدلّ بها على وجوبها.

1 . تهذيب الأحكام:2/120 ح218، باب كيفية الصلاة.
2 . تهذيب الأحكام:2/119 ح218.
3 . الكافي:3/468 ح6.
4 . تفسير القمّي:2/392.
5 . مجمع البيان:10/164.

صفحه 261
(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) قال عليّ بن إبراهيم: أي أخلص إليه إخلاصاً.1 وقيل: انقطع إليه انقطاعاً. وقال الطبرسي: روى محمّد بن مسلم وزرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) أنّ التبتّل هنا رفع اليدين في الصلاة; وفي رواية أبي بصير قال: «هو رفع يدك إلى الله وتضرُّعك إليه».2 وسيأتي معنى التبتّل وأخواته في كتاب الدعاء3 ويومي إلى استحباب كثرة الدعاء والذكر والتضرُّع في صلاة اللّيل.
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى): أي أقرب وأقلّ (مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) قرأ ابن كثير وأهل الكوفة نصفه وثلثه بالنصب، والباقون بالجرّ; فعلى الأوّل عطف على الأدنى وعلى الثاني على ثلثي اللّيل. قال الطبرسيّ: والمعنى أنّك تقوم في بعض اللّيالي قريباً من الثلثين، وفي بعضها قريباً من نصف اللّيل، وقريباً من ثلثه. وقيل: إنّ الهاء تعود إلى الثلثين، أي وأقرب من نصف الثلثين، ومن ثلث الثلثين، وإذا نصبت فالمعنى تقوم نصفه وثلثه، وتقوم طائفة من الّذين معك وعن ابن عباس أنّهم عليٌّ(عليه السلام) وأبوذرّ.4
(وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ): أي يقدِّر أوقاتهما لتعملوا فيهما على ما يأمركم به. وقيل: معناه لا يفوته علم ما تفعلون (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) قال: مقاتل كان الرجل يصلّي اللّيل كلّه مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام، فقال سبحانه:(عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): أي لن تطيقوا معرفة ذلك. وقال الحسن: قاموا حتّى انتفخت أقدامهم فقال سبحانه: إنّكم لا تطيقون إحصاءه على الحقيقة، وقيل: معناه لن تطيقوا المداومة على قيام اللّيل ويقع منكم التقصير فيه، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) بأن جعله

1 . تفسير القمي:2/392.
2 . مجمع البيان:10/164.
3 . راجع بحار الأنوار:93/337ـ 343.
4 . مجمع البيان:10/168.

صفحه 262
تطوُّعاً ولم يجعله فرضاً. وقيل: معناه فلم يلزمكم إثماً كما لا يلزم التائب، أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب. وقيل: فتاب عليكم أي خفّف عليكم.
(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) الآن، يعني في صلاة اللّيل عند أكثر المفسّرين وأجمعوا أيضاً على أنّ المراد بالقيام المتقدّم في قوله:(قُمِ اللَّيْلَ)هو القيام إلى الصلاة، إلاّ أبا مسلم فإنّه قال: أراد القيام لقراءة القرآن لا غير. وقيل: معناه فصلّوا ما تيسّر من الصلاة، وعبّر عن الصلاة بالقرآن، لأنّها تتضمّنه، ومن قال: المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة، فهو محمول على الاستحباب عند الأكثرين دون الوجوب، لأنّه لو وجبت القراءة لوجب الحفظ، وقال بعضهم: هو محمول على الوجوب; لأنّ القارئ يقف على إعجاز القرآن، وما فيه من دلائل التوحيد وإرسال الرسل، ولا يلزم حفظ القرآن، لأنّه من القرب المستحبّة المرغّب فيها.
ثمّ اختلفوا في القدر الّذي تضمّنه هذا الأمر من القراءة فقال ابن جبير: خمسون آية، وقال ابن عبّاس: مائة آية، وعن الحسن قال: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن، وقال السَّدّي: مائتا آية، وقال جويبر: ثلث القرآن، لأنّ الله يسّره على عباده، والظّاهر أنّ معنى (مَا تَيَسَّرَ) مقدار ما أردتم وأحببتم.1
(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) وذلك يقتضي التخفيف عنكم (وَآخَرُونَ): أي ومنكم قوم آخرون (يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ): أي يسافرون للتجارة وطلب الأرباح (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)، فكلُّ ذلك يقتضي التخفيف عنكم (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)وروي عن الرّضا عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام) قال: ما تيسّر منه لكم فيه خشوع القلب وصفاء السرّ.2
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) قال في «مجمع البيان»: دخلت «من» للتبعيض،

1 . بل هو قراءة سورة كاملة لقوله عزّ وجلّ:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر).
2 . مجمع البيان:10/168ـ 170.

صفحه 263
والمعنى: فاسجد له في بعض اللّيل. وقيل: يعني المغرب والعشاء (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً): أي في ليل طويل يريد التطوّع بعد المكتوبة، وروي عن الرضا(عليه السلام) أنّه سأله أحمد بن محمّد، عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: «صلاة اللّيل».1

[الباب الثامن والعشرون]

فضل الجماعة وعللها2

الآيات:

البقرة(2):(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ).43.
آل عمران(3):مخاطباً لمريم(عليها السلام):(وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).43.
الأعراف(7):(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد).29.

التفسير:

المشهور في الآية الأُولى والثانية أنّ المراد بهما الصلاة مع المصلّين جماعة، ولمّا لم يقل ظاهراً أحد من علمائنا بوجوبها في غير الجمعة والعيدين مع الشرائط، حملوها على الاستحباب المؤكّد أو الجمعة والعيدين، والثّانية تدلُّ على استحبابها للنساء. وأمّا الثالثة فقال في «مجمع البيان» عند ذكر الوجوه في تفسيرها: ورابعها: أنّ معناه اقصدوا المسجد في وقت كلّ صلاة أمراً بالجماعة لها ندباً عند الأكثرين وحتماً عند الأقلّين.3

1 . مجمع البيان:10/225.
2 . بحار الأنوار:85/1ـ3، الباب 1 من أبواب الجماعة.
3 . مجمع البيان:4/241.

صفحه 264

[الباب التاسع والعشرون]

أحكام الجماعة1

الآيات:

الأعراف(7):(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).204.
الحجر(15):(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ).24.

التفسير:

الآية الأُولى بعمومها تدلُّ على وجوب الاستماع والسكوت عند قراءة كلّ قارئ في الصلاة وغيرها، بناء على كون الأمر مطلقاً أو أوامر القرآن للوجوب، والمشهور الوجوب في قراءة الإمام، والاستحباب في غيره، مع أنّ ظاهر كثير من الأخبار المعتبرة الوجوب مطلقاً إلاّ صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«وإن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأُوليين وأنصت لقراءته، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين2 فإنّ الله عزّ وجلّ يقول للمؤمنين:(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ) يعني في الفريضة خلف الإمام (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) والأُخريان تبع للأُوليين».3 ويمكن حمله على أنّها نزلت في ذلك فلا ينافي عمومها.
لكن نقلوا الإجماع على عدم وجوب الإنصات في غير قراءة الإمام، وربّما يؤيّد ذلك بلزوم الحرج، والأمر بالقراءة خلف مَن لا يقتدى به، ويمكن دفع الحرج بأنّه إنّما يلزم بترك الجماعة الشائع في هذا الزمان، وأمّا النوافل فكانوا يصلّونها في البيوت والأمر بها خلف مَن لا يقتدى به للضرورة لا يوجب عدم

1 . بحار الأنوار:85/21ـ 23، الباب 2 من أبواب أحكام الجماعة.
2 . محمول على القراءة خلف أئمّة العامّة، فإنّهم يقرأون في كلّ الركعات بفاتحة الكتاب.
3 . من لا يحضره الفقيه:1/392 برقم 1161.

صفحه 265
وجوب الإنصات في غيرها، مع أنّه قد وردت الرواية فيها أيضاً بالإنصات. وبالجملة المسألة لا تخلو من إشكال، والأحوط رعاية الإنصات مهما أمكن.
قال في «مجمع البيان»: الإنصات السكوت مع استماع، قال ابن الأعرابيّ: نصت وأنصت استمع الحديث وسكت، وأنصته وأنصت له; وأنصت الرجل سكت وأنصته غيره; عن الأزهري.
ثمّ قال: اختلف في الوقت المأمور بالإنصات للقرآن والاستماع له، فقيل: إنّه في الصلاة خاصّة خلف الإمام الّذي يؤتمُّ به، إذا سمعت قراءته; عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير وابن المسيّب ومجاهد والزهريّ، وروي ذلك عن أبي جعفر(عليه السلام).
قالوا: وكان المسلمون يتكلّمون في صلاتهم ويسلّم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل فقال لهم: كم صلّيتم أجابوه، فنهوا عن ذلك وأُمروا بالاستماع. وقيل: إنّه في الخطبة أمر بالإنصات والاستماع إلى الإمام يوم الجمعة; عن عطاء وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم. وقيل: إنّه في الخطبة والصلاة جميعاً; عن الحسن وجماعة.
قال الشيخ أبو جعفر(قدس سره): أقوى الأقوال الأوّل; لأنّه لا حال يجب فيها الإنصات لقراءة القرآن إلاّ حال قراءة الإمام في الصلاة، فإنّ على المأموم الإنصات والاستماع له، فأمّا خارج الصلاة فلا خلاف أنّ الإنصات والاستماع غير واجب. وروي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها، قال: وذلك على وجه الاستحباب.1
وفي كتاب العيّاشي عن أبي كهمس عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قرأ ابن الكوّا خلف أمير المؤمنين(عليه السلام): (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ

1 . التبيان: 5 / 68 .

صفحه 266
الْخَاسِرِينَ)1، فأنصت له أمير المؤمنين(عليه السلام).(2)
وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقرأ القرآن أيجب على مَن سمعه الإنصات له والاستماع؟ قال: «نعم إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع».
وقال الجبائي: إنّها نزلت في ابتداء التبليغ ليعلموا ويتفهّموا، وقال أحمد بن حنبل: اجتمعت الأُمّة على أنّها نزلت في الصلاة.(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): أي لترحموا بذلك وباعتباركم به واتّعاظكم بمواعظه.2
وقال(رحمه الله): في الآية الثانية فيه أقوال... إلى أن قال: وخامسها: علمنا المستقدمين إلى الصفّ الأوّل في الصلاة، والمتأخّرين عنه، فإنّه كان يتقدّم بعضهم إلى الصف الأوّل ليدرك أفضليّته، وكان يتأخّر بعضهم ينظر إلى أعجاز النساء، فنزلت الآية فيهم; عن ابن عباس.
وسادسها: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حثّ الناس على الصفّ الأوّل في الصلاة، وقال: «خير صفوف الرجال أوّلها وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرُّها أوّلها». وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ الله وملائكته يصلّون على الصفّ المقدّم» فازدحم الناس، وكانت دور بني عذرة بعيدة من المسجد، فقالوا لنبيعنّ دورنا ولنشترينّ دوراً قريبة من المسجد حتّى ندرك الصفّ المتقدّم فنزلت هذه الآية; عن الربيع بن أنس.
أبواب القضاء   …
فعلى هذا يكون المعنى أنّا نجازي الناس على نيّاتهم.(وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ): أي يجمعهم يوم القيامة ويبعثهم للمجازاة والمحاسبة (إِنَّهُ حَكِيمٌ) في أفعاله (عَلِيمٌ) بما يستحقُّ كلٌّ منهم.(4)

1 . الزمر:65.   2 . تفسير العيّاشي:2/44 ح133.
2 . مجمع البيان:4/418ـ 419.   4 . مجمع البيان:6/111ـ112.

صفحه 267

أبواب ما يحصل من الأنواع للصلوات اليومية بحسب ما

يعرض لها من خصوص الأحوال والأزمان وأحكامها وآدابها وما
يتبعها من النوافل والسنن وفيها أنواع من الأبواب

أبواب القضاء

[الباب الثلاثون]
أحكام قضاء الصلوات1

الآيات:

طه(20):(فَاعْبُدْني وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري).14.
الفرقان(25):(وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا).62.

التفسير:

(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري) قيل في