welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 6*
نویسنده :العلامة المجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 6

صفحه 1
   …
   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
6

صفحه 2
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN : 978 - 964 - 357 - 574 - 8 (VOL.6)
ISBN : 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      مندرجات ج 6. الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، والأحكام.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 923    تسلسل الطبعة الأُولى: 448
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
طبع على نفقة الوجيه الحاج أبي ياسر
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?37745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على الكتب التالية:
الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة،
الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، وكتاب الأحكام
الجزء السادس
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN : 978 - 964 - 357 - 574 - 8 (VOL.6)
ISBN : 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      مندرجات ج 6. الطهارة، الصلاة، القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد، المزار، العقود والإيقاعات، والأحكام.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 6
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 923    تسلسل الطبعة الأُولى: 448
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?37745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف

الحمد لله الّذي لم يُشهد أحداً حين فطر السماوات والأرض، ولا اتّخذ معيناً حين برأ النسمات; وصلى الله على محمد وآل محمد الكهف الحصين وغياث المضطرّ المستكين وملجأ الهاربين، وعصمة المعتصمين.
أمّا بعد ; فهذا هو الجزء السادس والأخير من موسوعة «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» لشيخ الإسلام العلاّمة محمد باقر المجلسي (قدس سره)ويشتمل على أبواب الفقه والمعاملات والأحكام .
أمّا ما يتعلّق بالفقه فقد ابتدأ بكتاب الطهارة; ثم كتاب الصلاة وقد قدّم فيه بحوثاً قيّمة مفصّلة، منها: ما كتبه في باب أوقات الصلاة في تحقيق منتصف الليل ومنتهاه ومفتتح النهار شرعاً وعرفاً ولغة، ومنها بحثه حول صلاة الجمعة وفضلها وشرفها ووجوبها في زمن الغيبة وأقوال الفقهاء في المسألة، وفي نهاية البحث أعطى رأيه بوجوب صلاة الجمعة على الأعيان في جميع الأزمان.
ويشتمل أيضاً على الكتب التالية: القرآن، الذكر والدعاء، الزكاة وبعض ما يتعلّق بها كالصدقة والأنفال، الصوم وأحكامه وآدابه وما يتعلّق به كالاعتكاف، الحج وأحكامه، الجهاد وما يتعلّق به من المرابطة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب المزار وآداب الزيارة وأحكام الروضات المقدّسة.
وأمّا ما يتعلّق بالمعاملات فتناولها ضمن كتاب العقود والإيقاعات وهو يشتمل على أبواب: المكاسب، والتجارات والبيوع، والوصايا، والنكاح وما يتعلّق به، وأحكام الأولاد، والطلاق وأحكامه وأقسامه، والعتق والتدبير والمكاتبة، والأيمان والنذور وأحكامهما.
وأمّا ما يتعلّق بكتاب الأحكام فهو يشتمل على أبواب القضايا والأحكام،

صفحه 8
والشهادات وما يناسبها، والميراث، والجنايات وأحكام القصاص.
ويلاحظ على هذا الجزء خلوّه من التفسير ما عدا كتاب الطهارة والصلاة كما أشرنا إليه، وهذا يرجع إلى وفاة العلاّمة المجلسي قبل خروج كتاب العشرة (الجزء 71) فقام بعده تلميذه الميرزا عبدالله أفندي بجمع المسودّات وأخراجها إلى البياض والظاهر أنّ المسودّات كانت إلى نهاية كتاب الصلاة، وأمّا ما بعده فالمنيّة لم تمهل العلاّمة المجلسي لكتابة تفسيره وتعليقاته على الآيات على غرار الأجزاء السابقة، فجاءت الأبواب خالية من التفسير ; ولسدّ هذا الفراغ قمنا بتفسير بعض الآيات وكتابة بعض التعليقات الضرورية من تفسيرنا «منية الطالبين في تفسير القرآن المبين» إتماماً للفائدة، نرجو أن تقع موقع القبول.
وفي الختام أتقدّم بالشكر والامتنان إلى كلّ مَن ساهم في العمل بهذه الموسوعة راجياً المولى القدير التوفيق والسداد للجميع.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
5 جمادى الأُولى 1437 هـ
مولد عقيلة بني هاشم الحوراء زينب (عليها السلام)

صفحه 9
كتاب الطهارة

 

أبواب المياه وأحكامها


صفحه 10

صفحه 11

[الباب الأوّل]

طهورية الماء1

الآيات:

البقرة(2):(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).222.
الأنفال(8):(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).11.
التوبة(9):(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).108.
الفرقان(25):(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).48.

التفسير:

الآية الأُولى تدلُّ على رجحان التطهّر، وأظهر أفراده التطهّر بالماء; ويؤيّده ما رواه الصّدوق رضي الله عنه في «الفقيه» قال: كان النّاس يستنجون بالأحجار فأكل رجل من الأنصار طعاماً فلان بطنه فاستنجى بالماء، فأنزل الله سبحانه:(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فخشي أن يكون قد نزل فيه أمر يسوؤه، فلمّا دخل قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هل عملت في يومك هذا شيئاً؟ قال: نعم يا رسول الله أكلت طعاماً فلان بطني فاستنجيت بالماء، فقال له: أبشر، فإنّ الله تعالى قد أنزل فيك الآية.2

1 . بحار الأنوار:77/2ـ7، الباب1
2 . وسائل الشيعة:1، الباب34 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث3.

صفحه 12
والمشهور بين المفسّرين أنّ المراد التَّوّاب من الذُّنوب والمتطهّر منها مطلقاً، أو التَّوّاب من الكبائر والمتطهّر من الصّغائر، أو التَّوّاب من الذُّنوب والمتطهّر من الأقذار، وسيأتي بعض القول فيها.
وأمّا الآية الثانية فالمراد من السّماء إمّا السّحاب، فإنّ كلّ ما علا يطلق عليه السّماء لغة، ولذا يسمّون سقف البيت سماء، وربّما يقال: إنّ المراد بإنزاله من السّماء أنّه حصل من أسباب سماويّة وتصعّد أجزاء رطبة من أعماق الأرض إلى الجوّ فينعقد سحاباً ماطراً، وقد مرّ القول فيه في كتاب السماء والعالم.
ثمّ المشهور في سبب نزولها أنّها نزلت في بدر بسبب أنّ الكفّار سبقوا المسلمين إلى الماء فاضطرّ المسلمون ونزلوا إلى تلّ من رمل سيّال لا تثبت فيه أقدامهم، وأكثرهم خائفون لقلّتهم وكثرة الكفّار، فباتوا تلك اللّيلة على غير ماء فاحتلم أكثرهم، فتمثّل لهم إبليس وقال: تزعمون أنّكم على الحقّ وأنتم تصلّون بالجنابة وعلى غير وضوء، وقد ا شتدّ عطشكم، ولو كنتم على الحقّ ما سبقوكم إلى الماء، وإذا أضعفكم العطش قتلوكم كيف شاءوا، فأنزل الله عليهم المطر وزالت تلك العلل، وقويت قلوبهم، ونزلت الآية.
فتدلُّ ظاهراً على تطهير ماء المطر للحدث والخبث، ولعلّ المراد بتطهير الله إيّاهم توفيقهم للطّهارة، وقيل: الحكم به بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر، والمراد بقوله: (لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) الطهارة من النجاسة الحكمية ـ أعني: الجنابة والحدث الأصغر ـ أو منها ومن العينيّة أيضاً كالمني.
ويراد برجز الشيطان إمّا الجنابة فإنّها من فعله، وإمّا وسوسته لهم، والربط على القلوب يراد به تشجيعها وتقويتها ووثوقها بلطف الله بهم، وقيل: إنّ هذا المعنى هو المراد أيضاً بتثبيت أقدامهم.
وبالجملة الآية تدلُّ على تطهير ماء المطر للحدث والخبث في الجملة، وأمّا

صفحه 13
الاستدلال بها على مطهّريّة الماء مطلقاً فلا يخلو من إشكال.
وأمّا الآية الثالثة فتدلُّ في الجملة على مدح التطهّر من الأقذار لا سيّما بالماء. وقد روي عن الباقر والصّادق(عليهما السلام) أنّها نزلت في أهل قُبا لجمعهم في الاستنجاء عن الغائط بين الأحجار والماء.1 وروي لاستنجائهم بالماء.
وقيل: ربّما دلّت على استحباب المبالغة في الاجتناب من النجاسات، ولا يبعد فهم استحباب النورة وأمثالها، بل استحباب الكون على الطهارة وتأييد لدلائل الأغسال المستحبّة، واستحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرّمات والمكروهات، والاجتناب عن محالّ الشّبهات، وكلّ ما فيه نوع خسّة ودناءة، والحرص على الطاعات والحسنات، فإنّهنّ يذهبن السّيئات، فإنّ الطّهارة إن كان لها شرعاً حقيقة فهي رافع الحدث أو المبيح للصّلاة، وهنا ليست مستعملة فيه اتّفاقاً فلم يبق إلاّ معناها اللغوي العرفي أي النزاهة والنظافة، وهي تعمّ الكلّ.2انتهى.
وأكثر ما ذكر لا يخلو من مناقشة كما لا يخفى.
وأمّا الآية الرّابعة فاستدلّ بها على طهارة مطلق الماء ومطهّريّته، وأُورد عليه بأنّه ليس في الكلام ما يدلُّ على العموم، وإنّما يدلُّ على أنّ الماء من السماء مطهّر، وبأنّ الطهور مبالغة في الطاهر، ولا يدلُّ على كونه مطهّراً بوجه.
وأُجيب عن الأوّل بأنّ ذكره تعالى ماء مبهماً غير معيّن ووصفه بالطهوريّة والامتنان على العباد به، لا يناسب حكمته تعالى ولا فائدة في هذا الإخبار ولا امتنان فيه، فالمراد كلُّ ماء يكون من السماء، وقد دلّت آيات أُخر على أنّ كلَّ المياه من السّماء نحو قوله تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا

1 . عوالي اللآلي:2/12، ح24.
2 . القائل هو المولى محمد إبراهيم الاسترآبادي في «آيات الأحكام»:62.

صفحه 14
عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ)1.
وقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ).2
وعن الثاني بأنّ كثيراً من أهل اللّغة فسّر الطهور بالطاهر في نفسه المطهّر لغيره، والشيخ في «التهذيب» أسنده إلى لغة العرب3، ويؤيّده شيوع استعماله في هذا المعنى في كثير من الأخبار الخاصّية والعامّية، كقول النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً»4 ولو أراد الطاهر لم يثبت المزيّة، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتته»5 ولو لم يرد كونه مطهّراً لم يستتمّ الجواب، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً».6
وقال بعضهم: الطهور بالفتح من الأسماء المتعدّية، وهو المطهّر غيره، وأيّده بعضهم بأنّه يقال: ماء طهور ولا يقال: ثوب طهور، ويؤيّد كون الطهور في الآية بمعنى المطهّر موافقتها للآية الثانية.
واحتجّ عليه الشيخ 7 بأنّه لا خلاف بين أهل النحو في أنّ اسم فعول موضوع للمبالغة وتكرّر الصفة، ألاترى أنّهم يقولون: فلان ضارب، ثمّ يقولون

1 . المؤمنون:18.
2 . الزمر:21.
3 . تهذيب الأحكام:1/214، باب المياه وأحكامها.
4 . وسائل الشيعة: 5، الباب1 من أبواب مكان المصلّي، الحديث5.
5 . وسائل الشيعة: 1، الباب2 من أبواب الماء المطلق، الحديث4.
6 . راجع: سنن الدارمي:1/188، باب ولوغ الكلب; سنن ابن ماجة:1/130; سنن النسائي:1/177; مستدرك الوسائل:2/603 برقم 2852 و2853، الباب 45 من أبواب النجاسات.
7 . تهذيب الأحكام:1/214ـ215.

صفحه 15
ضروب إذا تكرّر ذلك منه وكثر، قال: وإذا كان كون الماء طاهراً ليس ممّا يتكرّر ويتزايد فينبغي في إطلاق الطهور عليه غير ذلك، وليس بعد ذلك إلاّ أنّه مطهّر، وفيه ما لا يخفى. وقيل: الطهور هنا اسم آلة بمعنى ما يتطهّر به كالوضوء لما يتوضّأ به، والوقود لما يتوقّد به، بقرينة أنّ الامتنان بها أتمّ حينئذ.
قال في «الكشّاف»: «طهوراً» بليغاً في طهارته، وعن أحمد بن يحيى: هو ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً، ويعضده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)1، وإلاّ فليس فعول من التفعيل في شيء، والطّهور في العربيّة على وجهين: صفة، واسم غير صفة: فالصفة ماء طهور، كقولك طاهر، والاسم كقولك لما يتطهّر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضّأ به ويتوقّد به النار، وقولهم: تطهّرت طهوراً حسناً كقولك وضوءاً حسناً; ذكره سيبويه، ومنه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا صلاة إلاّ بطهور» أي بطهارة.(2) انتهى.
واعترضه النيشابوري بأنّه حيث سلّم أنّ الطّهور في العربيّة على وجهين اندفع النزاع، لأنّ كون الماء ممّا يتطهّر به هو كونه مطهّراً لغيره، فكأنّه سبحانه قال: وأنزلنا من السّماء ماء هو آلة الطهارة، ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه، قال: وممّا يؤكّد هذا التفسير أنّه تعالى ذكره في معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، وظاهر أنّ المطهّر أكمل من الطّهارة.2 انتهى.3
والحقّ أنّ المناقشة في كون الطّهور بمعنى المطهّر، وإن صحّت نظراً إلى قياس اللّغة، لكن تتبّع الروايات واستعمالات البلغاء يورث ظناً قوياً بأنّ الطّهور

1 . الأنفال:11.   2 . تفسير الكشّاف :3/95.
2 . تفسير النيشابوري المطبوع في هامش تفسير الطبري:19/19.
3 . راجع: مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام للجواد الكاظمي:1/90; آيات الأحكام للاسترآبادي: 65.

صفحه 16
في إطلاقاتهم المراد به المطهّر، إمّا لكونه صفة بهذا المعنى أو اسماً لما يتطهّر به، وعلى التقديرين يثبت المرام.

أبواب الأسآر وبيان أقسام النجاسات وأحكامها

[الباب الثاني]

أسآر الكفّار وبيان نجاستهم وحكم ما لاقوه1

الآيات:

المائدة(5):(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).5.
التوبة(9):(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).28.
وقال تعالى:(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ).95.

التفسير:

ربّما يستدلّ بالآية الأُولى على طهارة أهل الكتاب وحلّ ذبائحهم.
وروي عن الصّادق(عليه السلام) أنّه مخصوص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية.2 وقيل: المعنى: أنّ طعامهم من حيث إنّه طعامهم ليس حراماً عليكم، فلا ينافي تحريمه من جهة كونه مغصوباً أو نجساً أو غير مذكّى، وسيأتي تمام القول فيه.

1 . بحار الأنوار:77/42ـ45، الباب1.
2 . راجع الكافي:6/263، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم.

صفحه 17
وأمّا الآية الثانية فأكثر علمائنا على أنّ المراد بالمشركين ما يعمّ عبّاد الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى، فإنّهم مشركون أيضاً لقوله تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) إلى قوله:(سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)1. والنّجس بالتحريك مصدر ووقوع المصدر خبراً عن ذي جثّة إمّا بتقدير مضاف، أو بتأويله بالمشتق، أو هو باق على المصدريّة من غير إضمار طلباً للمبالغة، والحصر للمبالغة، والقصر إضافيّ من قصر الموصوف على الصفة، نحو: إنّما زيد شاعر، وهو قصر قلب، أي ليس المشركون طاهرين كما يعتقدون بل هم نجس.
واختلف المفسّرون في المراد بالنجس هنا فالّذي عليه علماؤنا هو أنّ المراد به النجاسة الشرعيّة، وأنّ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وهو المنقول عن ابن عبّاس، وقيل: المراد خبث باطنهم وسوء اعتقادهم، وقيل: نجاستهم لأنّهم لا يتطهّرون من الجنابة ولا يجتنبون النجاسات.
وقد أطبق علماؤنا على نجاسة من عدا اليهود والنصارى من أصناف الكفّار، وقال أكثرهم بنجاسة هذين الصنفين أيضاً، والمخالف في ذلك ابن الجنيد وابن أبي عقيل والمفيد في المسائل الغريّة.2

1 . التوبة:30 و 31. ولا يخفى أنّ الاستشهاد بها في غير محلّه، فإنّ قولهم في أوصاف الباري وسائر صفاته من الأُبوّة وبنوّة المسيح وعزير وشركهم فيها غير كونهم مسمّين بالمشركين مع أنّ القرآن يعدّ المشركين صنفاً على حدة قبال أهل الكتاب في غير آية من الآيات كما في سورة البيّنة:(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)إلخ، وكما في سورة الحج:17:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى وَالَْمجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)إلخ.
2 . لاحظ : مسالك الأفهام: 12 / 86 ; الحدائق الناضرة: 5 / 162 ; جواهر الكلام: 6 / 42 .

صفحه 18
واختلف في المراد بقوله تعالى: (فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) فقيل: المراد منعهم من الحجّ، وقيل: منعهم من دخول الحرم. وقيل: من دخول المسجد الحرام خاصّة، وأصحابنا على منعهم من دخوله ودخول كلّ مسجد، وإن لم تتعدّ نجاستهم إليه. والمراد بعامهم سنة تسع من الهجرة وهي السنة الّتي بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها أمير المؤمنين(عليه السلام) لأخذ سورة براءة من أبي بكر وقراءتها على أهل الموسم فقرأها عليهم.
وفي الثالثة: فسّر الرِّجس أيضاً بالنجس، ولعلّ النجاسة المعنويّة هنا أظهر.

[الباب الثالث]

نجاسة الخمر وسائر المسكرات والصلاة في ثوب أصابته1

الآيات:

المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).90.

التفسير:

المشهور أنّ الخمر موضوع للمسكر المأخوذ من عصير العنب بحسب اللّغة.
وروي عن ابن عباس المراد به جميع الأشربة المسكرة2; ويدلُّ عليه كثير من أخبار أهل البيت(عليهم السلام).

1 . بحار الأنوار:77/93ـ96، الباب 4 من أبواب النجاسات.
2 . مجمع البيان:3/410.

صفحه 19
والميسر: القمار، والأنصاب: أحجار أصنام كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها، والأزلام هي القداح الّتي كانوا يستقسمون بها. وسيأتي تفاصيل تلك الأُمور في محالّها.
وقال في القاموس: الرّجس بالكسر القذر والمأثم، وكلُّ ما استقذر من العمل، والعمل المؤدّي إلى العذاب1.(مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) لأنّه نشأ من تسويله وتزيينه، وهو صفة أو خبر آخر (فَاجْتَنِبُوهُ): أي ما ذكر، أو تعاطيها، أو الرجس، أو عمل الشيطان، أو كلّ واحد منها(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بسبب الاجتناب.
ثمّ اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب نجاسة الخمر، وسائر المسكرات المائعة، بل نسب إلى أكثر أهل العلم حتّى حكي عن المرتضى (رضي الله عنه)أنّه قال: لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلاّ ما يُحكى عن شذّاذ لا اعتبار بقولهم.2
وعن الشيخ(رحمه الله) أنّه قال: الخمر نجسة بلا خلاف.3
وقال العلاّمة في «المختلف»: الخمر وكلُّ مسكر والفقّاع والعصير إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس، ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد، والشيخ أبي جعفر، والسيد المرتضى وسلاّر وابن إدريس.4
وقال ابن أبي عقيل: مَن أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما; لأنّ الله تعالى إنّما حرّمهما تعبّداً لا لأنّهما نجسان.5

1 . القاموس المحيط:2/219، مادة «رجس».
2 . الناصريات:95.
3 . المبسوط:1/36.
4 . مختلف الشيعة:1/469.
5 . حياة ابن أبي عقيل العماني:98.

صفحه 20
وقال الصدوق في «المقنع» و «الفقيه»: لا بأس بالصّلاة في ثوب أصابه خمر; لأنّ الله تعالى حرّم شربها ولم يحرِّم الصلاة في ثوب أصابته.1
وعزي في «الذّكرى» إلى الجعفي وفاق الصدوق وابن أبي عقيل.2
واستدلّ القائلون بالنجاسة بعد الإجماع بالآية بوجهين: أحدهما: أنّ الوصف بالرجاسة وصف بالنجاسة، لترادفهما في الدلالة، والثاني: أنّه أمر بالاجتناب وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بجميع الأنواع; لأنّ معنى اجتنابها كونه في جانب غير جانبها، فيستلزم المنع من أكله وملاقاته، وتطهير المحلّ بإزالته، ولا معنى للنجس إلاّ ذلك، ذكرهما المحقّق والعلاّمة.3

[الباب الرابع]

ما اختلفت الأخبار والأقوال في نجاسته4

الآيات:

الحديد(57):(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).25.

التفسير:

(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) قيل: أي أنشأناه وأحدثناه. وقيل: أي هيّأنا من النزل وهو ما يتهيّأ للضّيف، وعن ابن عبّاس: أنّه أُنزل مع آدم من الحديد العلاة وهي السندان، والكلبتان، والمطرقة: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ): أي يمتنع به ويحارب به

1 . المقنع:453; من لا يحضره الفقيه: 1 / 74، باب: الثوب أصابه خمر.
2 . ذكرى الشيعة:1/114.
3 . المعتبر: 1 / 96 ; منتهى المطلب: 3 / 214، باب الخمر.
4 . بحار الأنوار:77/113ـ 114، الباب 7 من أبواب النجاسات.

صفحه 21
(وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) يعني ما ينتفعون به في معاشهم، مثل السكّين والفأس والإبرة وغيرها ممّا يتّخذ من الحديد من الآلات، وفيه دلالة على طهارته إذ أكثر انتفاعاته موقوفة عليها.

[الباب الخامس]

وجوب الوضوء وكيفيته وأحكامه1

الآيات:

المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).6.
الواقعة(56):(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْنُون * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).77ـ79.

التفسير:

قيل: إقباله جلّ شأنه بالخطاب بهذا الأمر يتضمّن تنشيط المخاطبين والاعتناء بشأن المأمور به، وجبر كلفة التكليف بلذّة المخاطبة، ثمّ إن قلنا باختصاص كلمة «يا» بنداء البعيد كما هو الأشهر، فالنداء بها للبعد البعيد بين مقامي عزّ الربوبيّة وذلّ العبوديّة، أو لتنزيل المخاطبين ولو تغليباً منزلة البعداء للانهماك في لوازم البشريّة، وإن كان سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، أو لما يتضمّنه هذا النداء من تفخيم المخاطب به، والإشارة إلى رفعة شأنه بالإيماء إلى أنّنا بمراحل عن توفية حقّه، وحقّ ما شرع لأجله.

1 . بحار الأنوار:77/239ـ 257، الباب 3 من أبواب الوضوء.

صفحه 22
ولفظة «أيّ» لمّا كانت وصلة إلى نداء أمثال هذه المعارف، أُعطيت حكم المنادى، ووصفت بالمقصود بالنداء، وتوسيط هاء التنبيه بينهما تعويض عمّا استحقّه من المضاف إليه، وتأكيد للخطاب، وقد كثر النداء بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)في القرآن المجيد، لما فيه من وجوه التأكيد بالإيماء إلى التفخيم، وتكرار الذكر والإبهام أوّلاً ثمّ الإيضاح ثانياً.
والإتيان بحرف التنبيه وتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلّيّة الباعث على الترغيب في الامتثال، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين، لأنّهم هم المتهيّؤن للامتثال، وإلاّ فالكفّار عندنا مخاطبون بفروع العبادات، على أنّ المصرَّ على عدم الائتمار بالشيء لا يحسن أمره بما هو من شروطه ومقدّماته.
والقيام إلى الصلاة قيل: أُريد به إرادته والتوجّه إليه إطلاقاً للملزوم على لازمه، أو المسبّب على سببه، إذ فعل المختار تلزمه الإرادة، ويتسبّب عنها كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ)1. وقيل: المراد بالقيام إليها قصدها، والعلاقة ما مرّ من اللزوم أو السببية. وقيل: معنى القيام إلى الشيء قصده وصرف الهمّة إلى الإتيان به، فلا تجوّز، وقيل: المراد القيام المنتهي إلى الصلاة.
قال الشيخ البهائي(قدس سره): والقولان الأخيران وإن سلما عن التجوّز لكن أوّلهما لم يثبت في اللّغة، وثانيهما لا يعمّ جميع الحالات، فالمعتمد الأوّل وكيف كان، فالمعنى إذا قمتم محدثين، وأمّا ما نقل من أنّ الوضوء كان فرضاً على كلّ قائم إلى الصلاة وإن كان على وضوء ثمّ نسخ بالسنّة فلم يثبت عندنا، مع أنّه خلاف ما هو المشهور من أنّه لا منسوخ في المائدة.
وقال جماعة من الأصحاب: الوجه مأخوذ من المواجهة فالآية إنّما تدلّ على وجوب غسل ما يواجه به منه، وقال والدي(قدس سره): بل الأمر بالعكس، فإنّ

1 . النحل:98.

صفحه 23
المواجهة مشتقّة من الوجه.
ولمّا كانت اليد تطلق على ما تحت الزند، وعلى ما تحت المرفق، وما تحت المنكب، بيّن سبحانه غاية المغسول منها كما تقول لغلامك: اخضب يدك إلى الزند، وللصيقل: اصقل سيفي إلى القبضة، وليس في الآية الكريمة دلالة على ابتداء الغسل بالأصابع وانتهائه بالمرفق، كما أنّه ليس في هاتين العبارتين دلالة على ابتداء الخاضب والصيقل بأصابع اليد وطرف السيف، فهي مجملة.
ولا سيّما إذا جعلت لفظة «إلى» فيها بمعنى «مع»، كما في بعض التفاسير، فالاستدلال بها على وجوب الابتداء بالأصابع استدلال واه لاحتمالها كلا الأمرين، ونحن إنّما عرفنا وجوب الابتداء بالمرفق من فعل أئمّتنا(عليهم السلام).1
والمرافق جمع مرفق بكسر أوّله وفتح ثالثه، أو بالعكس، وهو مجمع عظمي الذراع والعضد سمّي بذلك لأنّه يرتفق به في الاتّكاء ونحوه، ولا دلالة في الآية على إدخاله في غسل اليد، ولا على إدخال الكعب في مسح الرِّجل ; لخروج الغاية تارة ودخولها أُخرى، ومجيء «إلى» بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)2، وقوله:(مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(3) لا ينفع، فنحن إنّما
استفدنا إدخال المرفق في الغسل من فعل أئمّتنا(عليهم السلام)3، وقد أطبق جماهير الأُمّة أيضاً على دخوله، ولا يخالف فيه إلاّ شرذمة شاذّة من العامّة لا يعتدُّ بهم.
وأمّا الكعبان فالمشهور بين علمائنا عدم دخولهما في المسح، وليس في

1 . مشرق الشمسين:280ـ 281.
2 . هود:52.   3 . آل عمران:52، الصف:14.
3 . لا يدلّ فعل أئمتنا عليهم الصلاة والسلام على دخول المرفق في المغسول فإنّ اللازم إرسال الماء من أعلى المغسول; ولا يمكن ذلك، إلاّ بإرسال الماء من أعلى المرفق ومسحه باليد إلى الأسفل، فغسل المرفق في الوضوءات البيانية من باب المقدّمية كغسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل.

صفحه 24
رواياتنا تصريح بدخولهما فيه، بل في بعضها إشعار بعدمه، وأمّا العامّة فقد أدخلوهما في الغسل، والباء في قوله: (بِرُؤُوسِكُمْ) حملها العامّة على مطلق الإلصاق، ومن ثمّ أوجب بعضهم مسح كلّ الرأس، واكتفى بعضهم ببعضه; وأمّا عند الإماميّة فالباء عندهم للتبعيض كما تدلّ عليه أخبارهم ولا يلتفت إلى إنكار بعض المخالفين مجيء الباء للتبعيض، لاعتراف فحول علمائهم بمجيئه كالفيروزآباديّ وهو من أفاخم اللّغويّين الّذين يعتمدون عليهم في جلّ أحكامهم، حيث قال في سياق معاني الباء: وللتبعيض (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ)1، (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)انتهى.(2)
وقال ابن هشام في ترجمة الباء: الحادية عشر للتبعيض أثبت ذلك الأصمعيّ والفارسي، والقتيبيُّ، وابن مالك، قيل: والكوفيّون، وجعلوا منه (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ)، وقوله: شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت...2 وقوله:... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج.3
قيل: ومنه: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ). انتهى.4
ويكفي لنا ما صدر عن أئمّتنا(عليهم السلام) في ذلك فإنّهم أفصح العرب قد أقرّ به المخالف والمؤالف من أهل اللّسان، فلا يلتفت إلى إنكار سيبويه بعد ذلك مجيء الباء في كلام العرب للتبعيض في سبعة عشر موضعاً من كتابه مع أنّ شهادته في ذلك شهادة نفي وهي غير مقبولة، بل شهادة المدّعي وهي غير مسموعة، مع أنّها معارضة بإصرار الأصمعيّ على مجيئها له في نظمهم ونثرهم، وهو أشدُّ أُنساً

1 . الإنسان: 6.   2 . القاموس المحيط:4/408، آخر الكتاب.
2 . صدر بيت وبعده كما في المصدر: متى لجج خضر لهن نئيج.
3 . عجز بيت وصدره كما في المصدر: فلثمت فاها آخذاً بقرونها.
4 . راجع: مغني اللبيب:1/105، ط مصر; لكنّه قال بعد ذلك، والظاهر أنّ الباء فيها للإلصاق، وقد مرّ الكلام فيه.

صفحه 25
بكلامهم، وأعرف بمقاصدهم من سيبويه المعاند للحقّ وأهله.
ووافق ابن جنّي سيبويه في ذلك، وما ذكر بعض مشايخنا من عدّ قول ابن جنّي موافقاً لمذهب ابن مالك فهو سهو، لتصريح الرضيّ بما ذكرنا.
وأمّا قوله سبحانه:(وَأَرْجُلَكُمْ) فالقرّاء السبعة قد اقتسموا قراءتي نصب الأرجل وجرّها على التناصف، فقرأ: الكسائي ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم بنصبها، وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بجرّها.
واختلفت الأُمّة في مسح الرِّجلين وغسلهما في الوضوء، فقال فرقة بالمسح وهم كافّة أصحابنا الإماميّة، ونقل الشيخ في «التهذيب» أنّ جماعة من العامّة يوافقوننا على المسح أيضاً إلاّ أنّهم يقولون باستيعاب القدم ظهراً وبطناً; ومن القائلين بالمسح ابن عبّاس، وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، مَن باهلني باهلته. ووافقه أنس بن مالك وعكرمة والشعبي وجماعة من التابعين، وقد نقل علماء العامّة من المفسّرين وغيرهم أنّه موافق لقول الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)وقول آبائه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.
وقال طائفة بالغسل، وهو مذهب أصحاب المذاهب الأربعة; وقال داود والناصر للحقّ وجمٌّ غفير من الزيديّة بالجمع بين الغسل والمسح، قالوا: قد ورد الكتاب بالمسح، والسنّة بالغسل، فوجب العمل بهما معاً; وذهب الحسن البصري وأبو علي الجبائيّ ومحمّد بن جرير الطبريّ إلى التخيير بينهما.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الماسحين حملوا قراءة النصب على العطف على محلّ الرؤوس كما تقول: مررت بزيد وعمراً بالعطف على محلّ زيد; لأنّه مفعول به1، والعطف على المحلّ شائع في كلام العرب، مقبول عند النحاة; وأمّا قراءة

1 . وليس بصحيح، فإنّ مررت لازم لا يتعدى إلى زيد ولا إلى عمرو إلاّ بالباء الذي هو للتعدية والإلصاق، ولا يصحّ نصب «عمراً» إلاّ بالعطف على المحل، وأمّا المسح فهو متعد بنفسه من دون آلة، ويصحّ أن يقال: «امسحوا أرجلكم» فلو كان النصب صحيحاً لزم اضمار عامل آخر، وإلاّ للزم عطف المنصوب على المجرور، ولو كان العامل مقدراً لم ينهض قرينة على أنّه هو «اغسلوا» أو هو «امسحوا» فإنّ إضمار العامل يستلزم كون الكلام مقطوعاً عمّا قبله كما في قراءة الرفع، فاحتمال الغسل والمسح يكون على سواء وهو التعمية عند البيان.

صفحه 26
الجرّ فلا حاجة لهم إلى توجيهها إذ ظهورها في المسح غنيٌّ عن البيان .
والغاسلون حملوا قراءة النصب على عطف الأرجل على الوجوه أو على إضمار عامل آخر تقديره: «واغسلوا أرجلكم» كما أضمروا العامل في قول الشاعر:«علّفتها تبناً وماء بارداً» وقوله: «متقلّداً سيفاً ورمحاً».
واضطربوا في توجيه قراءة الجرّ فقال بعضهم: إنّ الأرجل فيها معطوفة على الأيدي، وإنّما جُرَّت لمجاورة المجرور ـ أعني: الرؤوس ـ نحو قولهم: «جُحر ضبٍّ خرب».
وقال آخرون: هي معطوفة على الرؤوس والآية مقصورة على الوضوء الّذي يمسح فيه الخفّان، وليس المراد بها بيان كيفيّة مطلق الوضوء.
ولم يرتض الزمخشريّ في «الكشّاف» شيئاً من الوجهين، واخترع وجهاً آخر حيث قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجرّ ودخول الأرجل في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكانت مظنّة للإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها، وقيل: «إلى الكعبين» فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة; لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشريعة. انتهى.1
وأمّا الجامعون بين الغسل والمسح فهم يوافقون الإماميّة في استفادة المسح

1 . تفسير الكشّاف: 1/597.

صفحه 27
من الآية على كلّ من القراءتين; وأمّا المخيّرون فرئيسهم ـ أعني: الحسن ـ لم يقرأ بنصب الأرجل ولا بجرّها، وإنّما قرأها بالرفع على تقدير: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، وباقيهم وافقوا الإماميّة على ما استفادوه من الآية.
ومن وفّقه الله لسلوك جادَّة الإنصاف، ومجانبة جانب الاعتساف، لا يعتريه ريب في أنّ الآية الكريمة ظاهرة في المسح، شديدة البعد عن إفادة الغسل، وأنّ ما تمحّله الغاسلون في توجيه قراءة النصب من عطف الأرجل على الوجوه يوجب خروج الكلام عن حلية الانتظام، لصيرورته بذلك من قبيل قول القائل «ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً» بجعل (بكراً) معطوفاً على زيد لقصد الإعلام بأنّه مضروب لا مكرم، ولا يخفى أنّ مثل هذا الكلام في غاية الاستهجان عند أهل اللسان، فكيف يجنح إليه أو تحمل الآية عليه؟!
وأمّا ما تكلّفوه من تقدير «واغسلوا» فلا يخفى ما فيه، فإنّ التقدير خلاف الأصل، وإنّما يحسن ارتكابه عند عدم المندوحة عنه، وقد عرفت أنّ العطف على المحلّ طريق واضح، ومذهب راجح.
وأمّا المحملان اللّذان حملوا عليهما قراءة الجرّ، فهما بمراحل عن جادّة السّداد، أمّا الحمل على أنّ المراد تعليم مسح الخفّين، فلا يخفى ما فيه من البعد، ولهذا أعرض عنه المحقّقون من المفسّرين إذ لم يجر للخفّين ذكر، ولا دلّت عليهما قرينة، وليس الغالب بين العرب لبسهما، وسيّما أهل مكّة والمدينة زادهما الله شرفاً، فكيف يقتصر سبحانه في ابتداء كيفيّة الوضوء على تعليم كيفيّة وضوء لابس الخفّين فقط، ويترك وضوء من سواه، وهو الغالب الأهمّ؟!
وأمّا الحمل على جرّ الجوار، فأوّل ما فيه أنّ جرّ الجوار ضعيف جداً حتّى أنّ أكثر أهل العربيّة أنكروه، ولم يعوِّلوا عليه، ولهذا لم يذكره صاحب الكشّاف في توجيه قراءة الجرّ وتمحّل لها وجهاً آخر.

صفحه 28
وأيضاً فإنّ المجوّزين له إنّما جوّزوه بشرطين: الأوّل عدم تأديته إلى الالتباس على السامع، كما في المثال المشهور إذ الخرب إنّما يوصف به الجحر لا الضبّ، والثاني أن لا يكون معه حرف العطف، والشرطان مفقودان في الآية الكريمة، أمّا الأوّل فلأنّ تجويز جرّ الجوار هنا يؤدّي إلى التباس حكم الأرجل لتكافؤ احتمالي جرّها بالجوار المقتضي لغسلها، وبالعطف على الأقرب المقتضي لمسحها.
فإن قلت: إنّما يجيء اللبس لو لم تكن في الآية قرينة على أنّها مغسولة لكن تحديدها بالغاية قرينة على غسلها، إذ المناسب عطف ذي الغاية على ذي الغاية لا على عديمها، وتناسب المتعاطفين أمر مرغوب فيه في فنّ البلاغة.
قلت: هذه القرينة معارضة بقرينة أُخرى، دالّة على كونها ممسوحة، وهي المحافظة على تناسب الجملتين المتعاطفتين فإنّه سبحانه لمّا عطف في الجملة الأُولى ذا الغاية على غير ذي الغاية، ناسب أن يكون العطف في الجملة الثانية أيضاً على هذه الوتيرة، وعند تعارض القرينتين يبقى اللّبس بحاله.
وأمّا الشرط الثاني فأمره ظاهر.
فإن قلت: قد جاء الجرّ بالجوار في قوله تعالى:(وَحُورٌ عِينٌ)1 في قراءة حمزة والكسائي مع أنّ حرف العطف هناك موجود، وليست معطوفة على «أكواب» بل على «ولدان» لأنّهنّ طائفات بأنفسهنّ، وجاء أيضاً في قول الشاعر:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل *** إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
بعطف خاطب على راحل، وجرّه بجوار قيس.

1 . الواقعة: 17 ـ 23 والآيات هكذا:(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).

صفحه 29
قلنا: أمّا الآية الكريمة فليس جر (حُورٌ عِينٌ) فيها بالجوار، كما ظننت بل إنّما هو بالعطف على (جَنَّاتِ): أي هم في جنّات ومصاحبة حور عين; أو على أكواب إمّا لأنّ معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب): ينعّمون بأكواب، كما في «الكشّاف» وغيره، أو لأنّه يطاف بالحور عليهم مثل ما يجاء بسراري الملوك إليهم كما في تفسير الكواشي وغيره، ودعوى كونّهنّ طائفات بأنفسهنّ لا مطافاً بهنّ لم يثبت بها رواية، ولا يشهد بها دراية.
وأمّا البيت فبعد تسليم كونه من قصيدة مجرورة القوافي1 فلا نسلّم كون لفظة خاطب اسم الفاعل; لجواز كونها فعل أمر أي فخاطبني وأجبني عن سؤالي، وإن سلّمنا ذلك فلا نسلّم كونها مجرورة لكثرة الإقواء في شعر العرب العرباء حتّى قلَّ أن يوجد لهم قصيدة سالمة عنه، كما نصّ عليه الأُدباء، فلعلّ هذا منه; وإن سلّمنا كونها مجرورة بالجوار، فلا يلزم من وقوع جرّ الجوار مع العطف في الشعر جوازه في غيره  [ إذ يجوز في الشعر لضرورة الوزن أو القافية ما لا يجوز في غيره].2
وأمّا المحمل الثالث الّذي تمحّله صاحب الكشّاف، فلا يخفى ما فيه من التعسّف الشديد، والتمحّل البعيد ومن ذا الّذي قال بوجوب الاقتصاد في غسل الرجلين؟ وأيّ إسراف يحصل بصبّ الماء عليها؟ ومتى ينتقل المخاطبون بعد عطفها على الرؤوس الممسوحة وجعلها معمولة لفعل المسح إلى أنّ المراد غسلها غسلاً يسيراً مشابهاً للمسح؟ وهل هذا إلاّ مثل أن يقول القائل: أكرمت زيداً وعمراً وأهنت خالداً وبكراً، فهل يفهم أهل اللسان من كلامه هذا إلاّ أنّه أكرم الأوّلين

1 . حيث نسب إلى جرير ولم يثبت; ونقل الجصاص في أحكام القرآن:2/434 أن بعده:
فنل مثلها في مثلهم أو فلمهم   على دارمي بين ليلى وغالب
2 . زيادة من المخطوطة ساقطة من طبعة الكمباني.

صفحه 30
وأهان الآخرين؟ ولو قال لهم: إنّي لم أقصد من عطف بكر على خالد أنّي أهنته، وإنّما قصدت أنّي أكرمته إكراماً حقيراً قريباً من الإهانة لأكثروا ملامه، وزيّفوا كلامه، وحكموا بأنّه خارج عن أُسلوب كلام الفصحاء.
وأمّا التأييد الّذي ذكره فهو أعجب وأغرب، لأنّه إن أراد أنّ مطلق المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، ولم ترد به الآية الكريمة، فهو عين المتنازع بين فرق الإسلام، وإن أراد أنّ مسح الرأس لم تضرب له غاية فأين القرينة حينئذ على أنّ الأرجل مغسولة.
وأعجب من ذلك أنّه لشدّة اضطرابه قد ناقض نفسه في كلامين ليس بينهما إلاّ أسطر قلائل، حيث قال عند قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم: لهؤلاء على وجه الوجوب، ولهؤلاء على وجه الندب؟
قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية، ثمّ إنّه حمل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) على ما هو أشدُّ إلغازاً وأكثر تعمية من أكثر الألغاز والمعمّيات، وجوّز تناول الكلمة لمعنيين مختلفين، إذ المسح من حيث وروده [على الرؤوس يراد به المسح الحقيقيّ ومن حيث وروده]1 على الأرجل يراد به الغسل القريب من المسح، وما حمله على هذا التعسّف مع غاية فضله إلاّ التعصّب، أعاذنا الله منه.

فائدة

قيل: إنّ الظاهر من الآية الكريمة وجوب الوضوء على كلّ مَن قام إلى الصلاة حتّى المتطهّرين أيضاً لدلالة كلمة (إذا) على العموم عرفاً، مع أنّ حمله

1 . ما بين العلامتين ساقط عن طبعة الكمباني.

صفحه 31
هاهنا على الإهمال يجعل الكلام خالياً عن الفائدة المعتدّ بها، وهو لا يناسب كلام الحكيم، لكنّ الإجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط.
قال في «المنتهى»: إذا توضّأ لنافلة جاز أن يصلّي بها فريضة، وكذا يصلّي بوضوء واحد ما شاء من الصّلوات، وهو مذهب أهل العلم، خلافاً للظاهريّة.1انتهى.
فقال بعضهم: إنّ الحكم كان في الابتداء كذلك، وكان الوضوء واجباً عند كلّ صلاة على المتطهّر والمحدث، لكن قد نسخ، وضعّف باتّفاق الجمهور على أنّ الآية ثابتة لا نسخ فيها، وما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها2 وعدم ظهور ناسخ، واعتبار الحدث في التيمّم الّذي هو بدل منه في الآية.
وقال بعضهم: إنّ الأمر للندب لأنّ تجديد الوضوء عند كلّ صلاة مستحبّ. كما يشهد به الأخبار، وضعّف أيضاً بأنّه غير موافق لقرينه الّذي هو «فاطّهّروا» لأنّه للوجوب قطعاً وبأنّ الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتّة، إلاّ أن يقال: الاستحباب ينسحب إلى العموم والشّمول، وفيه بعد.
وقيل بحمله على الرّجحان المطلق، ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضّئين، والوجوب بالنسبة إلى المحدثين; وفيه أيضاً لزوم عدم الموافقة، ولزوم عموم المجاز، أو الاشتراك الّذي هو إمّا غير جائز أو بعيد جدّاً، فالأولى أن يقال: إنّ الآية مخصّصة بالمحدثين، لا بأن يكون المراد من الّذين آمنوا: المحدثين، بل بإبقائه

1 . منتهى المطلب:2/133، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1413هـ .
2 . راجع كتاب القرآن من البحار:92/273ـ 274 من هذه الطبعة; ورواه في الدر المنثور:2/252. وقال الرازي في تفسيره: أجمع المفسّرون على أنّ هذه السورة لا منسوخ فيها; إلاّ قوله تعالى:(لا تحلوا شعائر الله). تفسير الرازي:11/163.

صفحه 32
على العموم، وتقدير إن كنتم محدثين في نظم الكلام.
فيصير المعنى حينئذ: يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فإن كنتم محدثين بالحدث الأصغر فتوضّؤا، وإن كنتم جنباً فاغتسلوا، وإن لم تقدروا على الماء وكنتم محدثين بالحدث الأصغر أو الأكبر فتيمّموا، فيوافق القرائن ويطابق النظائر.
هذا بالنظر إلى ظاهر الآية مع قطع النظر عن الخبر، وقد مرّ في الخبر أنّ المراد بالقيام القيام من النوم فلا إشكال، فيكون وجوب الوضوء بغير حدث النوم مستفاداً من الأخبار، كما أنّ وجوب الغسل بغير الجنابة مستفاد من محلّ آخر، وأهل البيت أدرى بما نزل عليهم من غيرهم.1
وأمّا الآية الثانية: فقوله تعالى:(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) جواب للقسم في قوله سبحانه:(فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) ومعنى كونه كريماً أنّه كثير النفع، لتضمّنه أُصول العلوم المهمّة من أحوال المبدأ والمعاد، واشتماله على ما فيه صلاح معاش العباد، أو لأنّه يوجب عظيم الأجر لتاليه ومستمعه، والعامل بأحكامه، أو أنّه جليل القدر بين الكتب السماويّة لامتيازه عنها بأنّه معجز باق على ممرّ الدهور والأعصار.
وقوله: (فِي كِتَاب مَكْنُون): أي مصون، وهو اللّوح المحفوظ، وقيل: هو المصحف الّذي بأيدينا، والضمير في (لاَ يَمَسُّهُ) يمكن عوده إلى القرآن، وإلى الكتاب المكنون، على كلّ من تفسيريه، واستدلّ بالأوّل على منع المحدث من مسّ خطّ المصحف، وبثاني شقّي الثاني على المنع من مسّ ورقه، بل لجلده أيضاً. فأمّا مسّ خطّ المصحف فقال الشيخ في «المبسوط» بكراهته2، ونسب

1 . مشارق الشموس للمحقق الخوانساري ( المتوفّى 1099هـ): 10.
2 . المبسوط:1/23.

صفحه 33
العلاّمة في «المختلف» القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البرّاج أيضاً.1وحرّمه الشيخ في التهذيب و«الخلاف»، وبه قال أبو الصلاح والمحقّق والعلاّمة، وهو الظاهر من كلام الصدوق في «الفقيه».2
واحتجّ القائلون بالتحريم بهذه الآية وقالوا: إنّ قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّهُ)لا يمكن أن يكون محمولاً على الخبريّة والنفي، وإلاّ يلزم الكذب، فلابدّ من حمله على الإنشاء والنهي، وظاهر النهي التحريم، وأُورد عليه بأنّه موقوف على إرجاع الضمير إلى القرآن وهو ممنوع، لجواز رجوعه إلى الكتاب كما جوّزه بعض المفسّرين، بل هو أقرب، لقربه، ويكون المعنى: أنّه لا يطّلع على الكتاب المكنون ـ أي المستور المصون إمّا عن الناس أو عن التغيير والتبديل، أو الغلط أو التضييع، والمراد به اللّوح المحفوظ كما قاله المفسّرون ـ (إِلاَّ)الملائكة (الْمُطَهَّرُونَ) من الكدورات الجسمانيّة، وأدناس المعاصي.
وقد يضعّف هذا الاحتمال بوجوه: أحدها: أنّ قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّهُ)حينئذ يكون تأكيد المكنون، والتأسيس أولى، وبما ذكر من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر الجواب عنه.
وثانيها: أنّ سياق الكلام لإظهار شرف القرآن وفضيلته لا اللّوح.
وفيه: أنّ ثبوته في اللّوح الّذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون شرف وفضيلة له، ألاترى إلى قوله عزّ وجلّ:(فِي كِتَاب مَكْنُون) فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفاً وفضيلة فهذا أيضاً شرف وفضل بالطريق الأولى، وإن لم يكن ذلك شرفاً فقد بطل مبنى الاعتراض، من أنّ سياق الكلام لإظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى.

1 . راجع: مختلف الشيعة: 1/303; المهذب:1/34.
2 . تهذيب الأحكام:1/126; الخلاف:1/99، المسألة 46، كتاب الطهارة; الكافي في الفقه:126; المعتبر:1/175; تذكرة الفقهاء:1/134; من لا يحضره الفقيه:1/87، ح191، أحكام الجنب.

صفحه 34
وثالثها: أنّ قوله تعالى بعد هذه الآية متّصلاً بها(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)صفة للقرآن لا الكتاب لأنّه المنزل دونه، وقوله سبحانه: (كَريمٌ)و(فِي كِتَاب مَكْنُون) أيضاً صفة له، فينبغي أن يكون (لاَ يَمَسُّهُ) أيضاً صفة له، وإلاّ لم يحسن التوسيط.
وفيه: أنّه إذا كان(لاَ يَمَسُّهُ) صفة لمكنون، يكون من جملة متعلّقات الصفة الثانية ومتمّماتها، فكأنّ مجموع هذا الكلام صفة واحدة، فلا يكون توسيطاً مخلاًّ بحسن الكلام وبلاغته، ألا ترى إلى توسيط مكنون مع أنّه صفة للكتاب.
ورابعها: أنّه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المسّ، وهو ظاهر، وكذا في المطهّر لأنّ الطهارة حقيقة شرعيّة في الوضوء وهو خلاف الأصل.
وفيه: أنّا لا نسلّم أنّ الحمل على الحقيقة مطلقاً أولى من الحمل على المجاز، ألا ترى أنّ علماء البلاغة أطبقوا على أنّ المجاز أبلغ من الحقيقة، وأيضاً ثبوت الحقائق الشرعيّة ممنوع، ومع تسليمه لا نسلّم أنّ حقيقة الطهارة الوضوء، بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث، ولا شكّ في تحقّق هذا المعنى في الملائكة، وأيضاً ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الإنشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذين المجازين، إلاّ أن يقال إنّه مجاز واحد، وهذان مجازان.
ثمّ على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول: إنّ دلالتها على المطلوب أيضاً غير تامّ، إذ يجوز أن يكون اتّصافه بأنّه (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)باعتبار أصله الّذي في اللّوح كما أنّ اتّصافه بـ(فِي كِتَاب مَكْنُون)أيضاً كذلك.
وأيضاً يجوز أن يكون المراد ـ والله أعلم ـ أنّه لا يعلم حقائقه ودقائقه وبطونه وأسراره إلاّ المطهّرون من الذنوب، وهم أصحاب العصمة(عليهم السلام)الّذين نزلت فيهم آية التطهير، وعن ابن جنيد: المطهّرون أسرارهم عمّا سوى الله.

صفحه 35
وفي بعض التفاسير عن محمّد بن الفضل: المراد لا يقرأ القرآن، إلاّ موحّد، وعن الحسين بن الفضل: لا يعلم تفسيره وتأويله إلاّ المطهّرون من الكفر والنفاق.
وأمّا حديث لزوم مجازيّة المسّ والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه، على أنّه على تقدير حمل المسّ على حقيقته، وثبوت الحقائق الشرعيّة، وحمل الطهارة على حقيقتها، لا نسلّم أنّ الطهارة حقيقة شرعاً في رفع الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كلّ حدث، وكذا في رفع الخبث أيضاً فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهّرين المطهّرين من الحدث الأكبر أو النجاسة.
ثمّ لو سلّم أنّ المراد الطهارة من الحدث الأصغر أو جميع الأحداث، فلا نسلّم أنّ النهي هاهنا للتحريم، وما يقال: إنّ ظاهر النهي التحريم، فعلى تقدير تسليمه إنّما يسلّم فيما يكون بصريح صيغة النهي فقط، لا فيما يكون نفياً مستعملاً بمعنى النهي أيضاً، والقول بأنّ التحريم أقرب المجازات إلى النفي، ممنوع.
نعم روى الشيخ في «التهذيب» بسند فيه جهالة عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:«المصحف لا تمسّه على غير طهر، ولا جنباً، ولا تمسّ خيطه ولا تعلّقه إنّ الله يقول: (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)».1 لكن ظاهر الرواية الكراهة، لاشتماله على النهي عن التعليق، وقد نقل في «المنتهى»2 الإجماع على عدم حرمته، وأمّا مسّ الجلد والورق للمحدث، فلم أر قائلاً فيه بالحرمة، نعم استحبّوا الوضوء لحمل المصحف، وسيأتي حكم الجنب في بابه إن شاء الله تعالى.3

1 . تهذيب الأحكام:1/127، ح344.
2 . منتهى المطلب:2/153.
3 . راجع: مشرق الشموس:11ـ 12.

صفحه 36
 
[الباب السادس]

وجوب غسل الجنابة وعلله وكيفيته وأحكام الجنب1

الآيات:

النساء(4):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا).43.
المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا).6.

التفسير:

في النهي عن الشيء بالنهي عن القرب منه مبالغة في الاحتراز عنه، كما قال سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)2، (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى).(3) واختلف المفسّرون في تأويل الآية على وجوه:
الأوّل: أنّ المراد بالصلاة مواضعها ـ أعني: المساجد ـ كما روي عن أئمّتنا(عليهم السلام) فهو إمّا من قبيل تسمية المحلّ باسم الحال، فإنّه مجاز شائع في كلام البلغاء أو على حذف مضاف، أي مواضع الصلاة. والمعنى ـ والله أعلم ـ : لا تقربوا المساجد في حالتين: إحداهما: حالة السكر، فإنّ الأغلب أنّ الّذي يأتي المسجد

1 . بحار الأنوار:78/33ـ40، الباب 3 من أبواب الأغسال وأحكامها.
2 . الأنعام:152.   3 . الإسراء:32.

صفحه 37
إنّما يأتيه للصلاة، وهي مشتملة على أذكار وأقوال يمنع السكر من الإتيان بها على وجهها; والحالة الثانية: حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة ما إذا كنتم عابري سبيل، أي مارّين في المسجد، ومجتازين فيه، والعبور الاجتياز، والسبيل الطريق.
الثاني: ما نقله بعض المفسّرين عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير، وربّما رواه بعضهم عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو أنّ المراد ـ والله أعلم ـ : لا تصلّوا في حالين: حال السُّكر وحالة الجنابة، واستثنى من حال الجنابة ما إذا كنتم عابري سبيل أي مسافرين غير واجدين للماء، كما هو الغالب من حال المسافرين، فيجوز لكم حينئذ الصلاة بالتيمّم الّذي لا يرتفع به الحدث، وإنّما يباح به الدُّخول في الصلاة.
قال الشيخ البهائي قدّس الله روحه: عمل أصحابنا رضي الله عنهم على التفسير الأوّل، فإنّه هو المرويُّ عن أصحاب العصمة، صلوات الله عليهم، وأمّا رواية التفسير الثاني عن أمير المؤمنين(عليه السلام) فلم تثبت عندنا، وأيضاً فهو [غير] سالم من شائبة التكرار فإنّه سبحانه بيّن حكم الجنب العادم للماء في آخر الآية حيث قال جلّ شأنه:(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فإنّ قوله سبحانه: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) كناية عن الجماع، كما روي عن أئمّتنا سلام الله عليهم، وليس المراد به مطلق اللّمس كما يقول الشافعيّ، ولا الّذي بشهوة كما يقوله مالك.1
الثالث: ما ذكره بعض فضلاء فنّ العربية من أصحابنا الإماميّة رضي الله عنهم في كتاب ألّفه في الصناعات البديعيّة وهو أن تكون الصلاة في قوله: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ) على معناه الحقيقي، ويراد بها عند قوله تعالى: (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل) مواضعها ـ أعني: المساجد ـ وهذا النوع من الاستخدام غير مشهور بين المتأخّرين من علماء المعاني، وإنّما المشهور منه نوعان: الأوّل: أن يراد بلفظ له

1 . مشرق الشمسين:308.

صفحه 38
معنيان أحدهما، ثمّ يراد بالضمير الراجع إليه معناه الآخر. والثاني: أن يراد بأحد الضميرين الراجعين إلى لفظ أحد معنييه، وبالآخر المعنى الآخر.
قال الشيخ البهائي(رحمه الله): عدم اشتهار هذا النوع بين المتأخّرين غير ضارّ، فإنّ صاحب هذا الكلام من أعلام علماء المعاني، ولا مشاحّة في الاصطلاح.1
ثمّ إنّ المفسّرين اختلفوا في السُّكر الّذي اشتملت عليه الآية، فقال بعضهم:المراد سكر النعاس، فإنّ الناعس لا يعلم ما يقول: وقد سمع من العرب سكر السِنة، والظاهر أنّه مجاز، وقال الأكثرون: إنّ المراد به سكر الخمر، كما نقل أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً لجماعة من الصحابة قبل نزول تحريم الخمر، فأكلوا وشربوا، فلمّا ثملوا دخل وقت المغرب، فقدّموا أحدهم ليصلّي بهم فقرأ «أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» فنزلت الآية، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، فإذا صلّوا العشاء شربوا فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السُّكر.
والواو في قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ سُكَارى) واو الحال، والجملة حاليّة من فاعل (تَقْرَبُوا) ، والمراد نهيهم عن أن يكونوا في وقت الاشتغال بالصلاة سكارى، بأن لا يشربوا في وقت يؤدّي إلى تلبّسهم بالصلاة حال سكرهم، وليس الخطاب

1 . مشرق الشمسين:309. لكنّه قد ذهب على هذا القائل أنّ في الاستخدام نوع ألغاز وتعمية لا يعرفه إلاّ الخواص من البيانيّين، وهو ينافي توجه الخطاب إلى عموم المؤمنين في حكم تكليفي عملي، فكيف بهذا النوع من الاستخدام الذي لم يذكر فيه اللفظ ثانياً ولا ضميره، فهو ألغاز في ألغاز وتعمية في تعمية.
على أنّ صدر الآية يتضمّن حكم الصلاة نفسها وهو قوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى)وهكذا ذيل الآية: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر) إلخ كما في آية المائدة:6، بعينه فكيف يتضمّن ما بينهما حكم مواضع الصلاة، من دون ذكر لها، ولا ضرورة تلجئ إلى ذلك.

صفحه 39
متوجّهاً إليهم حال سكرهم إذ السَّكران غير متأهّل لهذا الخطاب، و (حَتَّى) في قوله سبحانه: (حَتَّى تَعْلَمُوا) يحتمل أن تكون تعليليّة كما في: أسلمت حتّى أدخل الجنّة، وأن تكون بمعنى «إلى أن» كما في: أسير حتّى تغيب الشمس، وأمّا الّتي في قوله جلّ شأنه:(حَتَّى تَغْتَسِلُوا)فبمعنى «إلى أن» لا غير.
وقيل: دلّت الآية على بطلان صلاة السكران، لاقتضاء النهي في العبادة الفساد ويمكن أن يستنبط منها منع السكران من دخول المسجد، ولعلّ في قوله جلّ شأنه: (تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) نوع إشعار بأنّه ينبغي للمصلّي أن يعلم ما يقوله في الصلاة، ويتدبّر في معاني ما يقرأه ويأتي به من الأدعية والأذكار.
والجنب يستوي فيه المفرد والجمع والمذكّر والمؤنث، وهو لغة بمعنى البعيد، وشرعاً البعيد عن أحكام الطاهرين لغيبوبة الحشفة في الفرج، أو لخروج المنيّ يقظة أو نوماً، ونصبه على العطف على الجملة الحاليّة، والاستثناء من عامّة أحوال المخاطبين. والمعنى على التفسير الأوّل الّذي عليه أصحابنا: لا تدخلوا المساجد وأنتم على جنابة في حال من الأحوال، إلاّ حال اجتيازكم فيها من باب إلى باب: وعلى الثاني: لا تصلّوا وأنتم على جنابة في حال من الأحوال إلاّ حال كونكم مسافرين.
وما تضمّنته الآية على التفسير الأوّل من إطلاق جواز اجتياز الجنب في المساجد مقيّد عند علمائنا بماعدا المسجدين كما سيأتي، وعند بعض المخالفين غير مقيّد بذلك، وبعضهم كأبي حنيفة لا يجوّز اجتيازه في شيء من المساجد أصلاً إلاّ إذا كان الماء في المسجد.
وكما دلّت الآية على جواز اجتياز الجنب في المسجد، فقد دلّت على عدم جواز مكثه فيه، ولا خلاف فيه بين علمائنا، إلاّ من سلاّر، فإنّه جعل مكث الجنب في المسجد مكروهاً.

صفحه 40
وقد استنبط فخر المحقّقين1 قدّس الله روحه من هذه الآية عدم جواز مكث الجنب في المسجد، إذا تيمّم تيمّماً مبيحاً للصلاة، لأنّه سبحانه علّق دخول الجنب إلى المسجد على الإتيان بالغسل لا غير، بخلاف صلاته فإنّه جلّ شأنه علّقها على الغسل مع وجود الماء، وعلى التيمّم مع عدمه، وحمل المكث في المسجد على الصلاة، قياس ونحن لا نقول به.
وأُجيب بأنّ هذا قياس الأولويّة فإنّ احترام المساجد لكونها مواضع الصلاة، فإذا أباح التيمّم الدخول فيها أباح الدخول فيها بطريق أولى، وأيضاً قوله(عليه السلام): «جعل الله التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً»(2) يقتضي أن يستباح بالتيمّم كلُّ ما يستباح بالغسل من الصلاة وغيرها، لكن للبحث فيهما مجال.
قيل: ويمكن أن يستنبط من الآية عدم افتقار غسل الجنابة لدخول المسجد إلى الوضوء، على التفسير الأوّل، وللصّلاة على الثاني، وإلاّ لكان بعض الغاية غاية.
وأمّا الآية الثانية فالجملة الشرطيّة في قوله سبحانه:(وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) يجوز أن تكون معطوفة على جملة الشرط الواقعة في صدرها وهي قوله عزّ وعلا: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) فلا تكون مندرجة تحت القيام إلى الصلاة، بل مستقلّة برأسها، والمراد: يا أيّها الّذين آمنوا إن كنتم جنباً فاطّهروا، ويجوز أن تكون معطوفة على جزاء الشرط الأوّل أعني:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فيندرج تحت الشرط، ويكون تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة، فإن كنتم محدثين فتوضّأوا، وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وعلى الأوّل يستنبط منها وجوب غسل الجنابة لنفسه بخلاف الثاني.
وقد طال التشاجر بين علمائنا ـ قدّس الله أرواحهم ـ في هذه المسألة، لتعارض الأخبار من الجانبين، واحتمال الآية الكريمة كلاًّ من العطفين، فالقائلون

1 . المعتبر:1/188.   2 . وسائل الشيعة: 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث1.

صفحه 41
بوجوبه لنفسه، عوّلوا على التفسير الأوّل، وقالوا أيضاً كون الواو في الآية للعطف غير متعيّن، لجواز أن تكون للاستيناف، وعلى تقدير كونها للعطف عليه فإنّما يلزم الوجوب عند القيام إلى الصلاة، لا عدم الوجوب في غير ذلك الوقت.
والقائلون بوجوبه لغيره، عوّلوا على التفسير الثاني، لأنّ الظاهر اندراج الشرط الثاني تحت الأوّل، كما أنّ الثالث مندرج تحته البتّة، وإلاّ لم يتناسق المتعاطفان في الآية ا لكريمة.1
وربّما يقال: العطف بـ «إن» دون «إذا» يأبى العطف على جملة: (إِذَا قُمْتُمْ).
وأُجيب بأنّه يمكن أن يكون في العطف بـ «إن» دون «إذا» إشعار بالمبالغة في أمر الصلاة، والتأكيد فيها، حيث أتى في القيام بها بكلمة (إذا) الدالّة على تيقّن الوقوع، يعني أنّه أمر متيقّن الوقوع ألبتة، وليس ممّا يجوّز العقل عدمه، وفي الجنابة بكلمة «إن» الموضوعة للشكّ مع تحقّق وقوعها وتيقّنها تنبيهاً على أنّها في جنب القيام إلى الصلاة كأنّه أمر مشكوك الوقوع.
وفائدة الخلاف تظهر في نيّة الغسل للجنب عند خلوّ ذمّته من مشروط بالطهارة، فهل يوقعها إذا أراد إيقاعها بنيّة الوجوب أو الندب؟ مع اتّفاق الفريقين ظاهراً على شرعيّة الإيقاع، وفي عصيانه بتركه لو ظنّ الموت قبل التكليف بمشروط بالطهارة.
وقد يناقش في الأوّل بأنّه لا ينافي الوجوب بالغير، كونه واجباً قبل وجوب الغير، إذا علم أو ظنّ أنّه سيصير واجباً، ويمكن الإتيان به وجوباً موسّعاً يتضيّق بتضيّق الفرض.
وعندي أن لا جدوى في هذا الخلاف كثيراً، إذ الفائدة الثانية قلّما يتّفق موردها، ومعه يوقعه خروجاً من الخلاف.

1 . مشرق الشمسين:309ـ 311.

صفحه 42
وأمّا الأُولى فلا ريب في أنّ الأئمّة(عليهم السلام)وأتباعهم لم يكونوا يوجبون تأخير الطهارة إلى الوقت، بل كانوا يواظبون عليها مع نقل الاتّفاق على شرعيّة إيقاعها قبل الوقت، وأمّا النيّة فلم يثبت وجوب نيّة الوجه، وعلى تقديره فإنّما هو فيما كان معلوماً، فإيقاعها بنيّة القربة كاف، لا سيّما إذا ضمّ إليها نيّة الرَّفع والاستباحة لصلاة ما، فظهر أنّ تلك المشاجرات الطويلة لا طائل تحتها.
ثمّ الظاهر أنّ القائلين بالوجوب النفسيّ قائلون بالوجوب الغيري أيضاً بعد دخول وقت مشروط به، فلا تغفل.
غسل الحيض والاستحاضة والنفاس عللها وآدابها وأحكامها   …

[الباب السابع]

غسل الحيض والاستحاضة والنفاس عللها
وآدابها وأحكامها1

الآيات:

البقرة(2):(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).222ـ 223.

التفسير:

المحيض يكون مصدراً، تقول: حاضت المرأة محيضاً، واسم زمان أي مدّة

1 . بحار الأنوار:78/74ـ80، الباب 4 من أبواب الأغسال وأحكامها.

صفحه 43
الحيض، واسم مكان أي محلّ الحيض، وهو القبل1. والمحيض الأوّل في الآية بمعنى الأوّل، أي يسألونك عن الحيض وأحواله، والسائل أبو الدحداح في جمع من الصحابة، كما قيل، وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى): أي هو أمر مستقذر مؤذ ينفر الطبع عنه، والاعتزال التنحّي عن الشيء، وأمّا المحيض الثاني فيحتمل كلاًّ من المعاني الثلاثة السابقة.
وقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) تأكيد للأمر بالاعتزال، وبيان لغايته، وقد قرأه حمزة والكسائيّ «يطهّرن» بالتشديد أي يتطهّرن، وظاهره أنّ غاية الاعتزال هي الغسل، وقرأ الباقون «يطهرن» بالتخفيف2، وظاهره أنّ غايته انقطاع

1 . وقد يطلق على معنيين آخرين: أحدهما: الحاصل بالمصدر، وهو الحالة الحاصلة من سيلان الدم كالحدث الحاصل من طروء الأحداث، ولعلّه أنسب في المقام. والثاني: دم الحيض، وهو بعيد. ولعلّ مراد من قال بالمصدر: المعنى الأوّل أو الأعمّ منه ومن المعنى المصدري، فتأمّل. (منه(رحمه الله))، كذا في هامش نسخة الأصل بخط يده(قدس سره).
2 . هذه القراءة هو الوجه من حيث سياق الكلام وطبعه، ولو كان بالتشديد، لكان قوله تعالى بعده:(فَإذا تطهرن)حشواً زائداً، والحكم المستفاد من سياق الآية: اعتزال النساء وحرمة إتيانهن حتى يطهرن وتجويز إتيانهن بعد ا لتطهّر ـ وهو الاغتسال كما عرفت من ورود قوله تعالى: (ولا جُنباً حتّى تَغتَسِلوا) في سورة النساء بدل قوله تعالى: (وَإنْ كُنْتُم جُنباً فاطهّروا) في المائدة أنّ المراد بالتطهّر هو الاغتسال.
وأمّا بعد الطهر وقبل الاغتسال، فالآية ساكتة عن حكمه، من شاء أن يتزكّى فعليه أن يأخذ بمورد الأمر، وهو الغسل ثم الإتيان، فإنّ الله لا يأمر إلاّ بالزكي.
وقوله تعالى:(مِن حيثُ أمَرَكُمُ الله) مع أنّ المراد بإتيان النساء هو الإيلاج، كأنّه يقسم الإتيان إلى قسمين: قسم أمر الله به بالفطرة، وتعرض للبحث عن أحواله في حالة الحيض في صدر الآية وصرّح به بعد ذلك بقوله: (نساؤكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حرثَكُم أنّى شِئتُم) وهو الإتيان في القبل، وقسم لم يأمر الله به ولم ينه عنه، ولو أمر به آمر لكان هو النفس والشيطان لكونه خلافاً للفطرة، وهو الإتيان في المحاش. فحال الإتيان في المحاش في هذه الآية كحال الإتيان في القبل بعد الطهر وقبل التطهّر كما عرفت، ومن تزكّى فإنّما يتزكّى لنفسه، وإلى الله المصير.

صفحه 44
الدم، والخلاف بين الأُمّة في ذلك مشهور.
وقوله سبحانه: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يؤيّد القراءة الأُولى، والأمر بالإتيان للإباحة كقوله تعالى:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)1، وأمّا وجوب الإتيان لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر مثلاً، فقد استفيد من خارج.(2)
واختلف المفسّرون في معنى قوله جلّ شأنه:(مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)فعن ابن عبّاس أنّ معناه من حيث أمركم الله بتجنّبه حال الحيض، وهو الفرج; وعن ابن الحنفيّة أنّ معناه من قبل النكاح دون السِّفاح، وعن الزجّاج معناه من الجهات الّتي يحلّ فيها الوطء، لا ما لا يحلّ، كوطئهنّ وهنَّ صائمات أو محرمات أو معتكفات. والأوّل مختار الطبرسي(رحمه الله).2
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ): أي عن الذنوب (وَيُحِبُّ الْمُتَطَِهّرِينَ): أي المتنزّهين عن الأقذار كمجامعة الحائض مثلاً. وقيل: التوابين عن الكبائر والمتطهّرين عن الصغائر، وقد مرّ تأويل آخر في صدر كتاب الطّهارة.
والحرث قد يفسّر بالزرع تشبيهاً لما يلقى في أرحامهنّ من النطف بالبذر. وقال أبو عبيدة: كنى سبحانه بالحرث عن الجماع أي محلّ حرث لكم، وقد جاء في اللّغة الحرث بمعنى الكسب، ومن هنا قال بعض المفسّرين 3: معنى حرث لكم أي ذوات حرث تحرثون منهنّ الولد واللّذة.4
وقوله سبحانه: (أَنّى شِئْتُمْ) قد اختلف في تفسيره، فقيل: معناه من أيّ موضع شئتم. وقيل: معناه من أيّ جهة شئتم لما روي من أنّ اليهود كانوا يقولون:

1 . المائدة:2.   2 . وهو آية الايلاء: (للّذينَ يُؤلُونَ مِنْ نِسائِهمْ تَربُّص أربعة أشْهُر). البقرة: 226.
2 . مجمع البيان: 2 / 86 .
3 . منهم: الطبرسي في تفسير جوامع الجامع: 1 / 211، والرازي في تفسيره: 6 / 75 .
4 . لاحظ : مشرق الشمسين: 317 .

صفحه 45
مَن جامع امرأته من دبرها في قبلها يكون ولدها أحول، فذكر ذلك للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فنزلت.
وقيل: معناه متى شئتم، واستدلّ به على جواز الوطي بعد انقطاع الحيض وقبل الغسل، لشمول لفظة (أنّى) جميع الأوقات إلاّ ما خرج بدليل كوقت الحيض والصوم. واعترض على هذا الوجه بأنّ القول بمجيء (أنّى)بمعنى متى يحتاج إلى شاهد، ولم يثبت، بل قال الطبرسي(رحمه الله):1 إنّه خطأ عند أهل اللّغة.(2)
(وَقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ): أي قدّموا الأعمال الصّالحة الّتى أُمرتم بها، ورغبّتم فيها، لتكون لكم ذخراً في القيامة. وقيل: المراد بالتقديم طلب الولد الصالح، والسعي في حصوله. وقيل: المراد تقديم التسمية عند الجماع. وقيل: تقديم الدعاء عنده.
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ): أي ملاقوا ثوابه إن أطعتم، وعقابه إن عصيتم.
وقال الشيخ البهائي(رحمه الله): قد استنبط بعض المتأخّرين من الآية الأُولى أحكاماً ثلاثة:
أوّلها: أنّ دم الحيض نجس، لأنّ الأذى بمعنى المستقذر.
وثانيها: أنّ نجاسته مغلّظة لا يعفى عن قليلها، أعني: ما دون الدرهم للمبالغة المفهومة من قوله سبحانه: (هُوَ أَذًى).
وثالثها: أنّه من الأحداث الموجبة للغسل، لإطلاق الطهارة المتعلّقة به.
وفي دلالة الآية على هذه الأحكام نظر: أمّا الأوّلان: فلعدم نجاسة كلّ مستقذر، فإنّ القيح والقيء من المستقذرات، وهما طاهران عندنا، وأيضاً فهذا المستنبط قائل كغيره من المفسّرين بإرجاع الضمير في قوله تعالى:(هُوَ أَذًى)إلى المحيض بالمعنى المصدريّ، لا إلى الدم، وارتكاب الاستخدام فيه مجرّد احتمال

1 . مجمع البيان: 2 / 89 .   2 . لاحظ : مشرق الشمسين: 317 ـ 318 .

صفحه 46
لم ينقل عن المفسّرين فكيف يستنبط منه حكم شرعيّ؟!
وأمّا الثالث: فلأنّ الآية غير دالّة على الأمر بالغسل، بشيء من الدلالات ولا سبيل إلى استفادة وجوبه عن كونه مقدّمة للواجب، أعني: تمكين الزوج من الوطي، لأنّ جمهور فقهائنا ـ رضوان الله عليهم ـ على جوازه قبل الغسل بعد النقاء، فلا تغفل.
ثمّ اعلم أنّه اختلفت الأُمّة في المراد بالاعتزال في الآية، فقال فريق منهم: المراد ترك الوطي لا غير، لما روي من أنّ أهل الجاهليّة كانوا يجتنبون مؤاكلة الحُيّض ومشاربتهنّ ومساكنتهن كفعل اليهود والمجوس، فلمّا نزلت الآية الكريمة عمل المسلمون بظاهر الاعتزال لهنّ وعدم القرب منهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهم، فقال ناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهنّ بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلك الحيّض، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أُمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم».
وأكثر علمائنا قائلون بذلك، ويخصّون الوطي المحرّم بالوطي في موضع الدم ـ أعني: القبل ـ لا غير، ويجوّزون الاستمتاع بماعداه، ووافقهم أحمد بن حنبل. وقال السيد المرتضى رضي الله عنه: يحرم على زوجها الاستمتاع بما بين سرّتها وركبتها، ووافقه بقيّة أصحاب المذاهب الأربعة.
واستدلّ العلاّمة طاب ثراه على ذلك في «المنتهى» بما حاصله أنّ المحيض في قوله تعالى:(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إمّا أن يراد به المعنى المصدريّ، أو زمان الحيض، أو مكانه; وعلى الأوّل يحتاج إلى الإضمار، إذ لا معنى لكون المعنى المصدريّ ظرفاً للاعتزال، فلابدّ من إضمار زمانه أو مكانه، لكنّ الإضمار خلاف الأصل، وعلى تقديره إضمار المكان أولى، إذ إضمار الزمان يقتضي بظاهره

صفحه 47
وجوب اعتزال النساء مدّة الحيض بالكلّية، وهو خلاف الإجماع، وبهذا يظهر ضعف الحمل على الثاني، فتعيّن الثالث، وهو المطلوب.1 انتهى ملخّص كلامه وللبحث فيه مجال.
ثمّ الاعتزال المأمور به في الآية الكريمة هل هو مغيّى بانقطاع الحيض أو الغسل، اختلفت الأُمّة في ذلك أمّا علماؤنا قدّس الله أرواحهم، فأكثرهم على الأوّل وقالوا بكراهة الوطي قبل الغسل. فإن غلبته الشهوة أمرها بغسل فرجها استحباباً ثم يطؤها، وذهب الصدوق(رحمه الله) إلى الثاني، فإنّه قال بتحريم وطئها قبل الغسل إلاّ بشرطين: أمّا الأوّل أن يكون الرجل شبقاً، والثاني أن تغسل فرجها.(2) ويؤيّده قول بعض المفسّرين في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)فإذا غسلن فرجهنّ.
وذهب الطبرسي(رحمه الله)2 إلى أنّ حلّ وطئها مشروط بأن تتوضّأ أو تغسل فرجها، وأمّا أصحاب المذاهب الأربعة سوى أبي حنيفة فعلى تحريم الوطي قبل الغسل، وأمّا هو فذهب إلى حلّ وطئها قبل الغسل إن انقطع الدّم لأكثر الحيض، وتحريمه إن انقطع لدون ذلك.
واحتجّ العلاّمة في «المختلف» على ما عليه أكثر علمائنا بما تضمّنته الآية من تخصيص الأمر بالاعتزال بوقت الحيض أو موضع الحيض، وإنّما يكون موضعاً له مع وجوده، والتقدير عدمه، فينتفي التحريم، وبما تقتضيه قراءة التخفيف في «يطهرن» وجوّز أن يحمل التفعّل في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)على الفعل، كما تقول تطعّمت الطعام أي طعمته، أو يكون المراد به غسل الفرج.(4) هذا ملخّص كلامه.3

1 . منتهى المطلب:2/358.   2 . المقنع:322.
2 . مجمع البيان:2/87 .    4 . مختلف الشيعة:1/351.
3 . مشرق الشمسين:317ـ 319.

صفحه 48
وأورد على الاستدلال بالغاية بأنّ الطهارة اللّغويّة وإن حصلت بالخروج من الدم، لكن حصول الطهارة الشرعيّة ممنوع، إذ الحقيقة الشرعيّة، وإن لم تثبت لكن لم يثبت نفيها أيضاً، والاحتمال كاف في مقام المنع.
سلّمنا لكن لا ترجيح لقراءة التخفيف على قراءة التشديد، ومقتضاها ثبوت التحريم قبل الاغتسال، فيجب حمل الطهارة هاهنا على المعنى الشرعيّ جمعاً بين القراءتين.
سلّمنا أنّ الطهارة بمعناها اللّغويّ لكن وقع التعارض بين المفهوم والمنطوق فالترجيح للثاني، مع أنّه مؤيّد بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ)، وهذا التأييد مبنيّ على أنّ الأمر الواقع بعد الحظر للجواز المطلق كما هو المشهور; وأمّا إذا كان للرجحان، فمفهومه انتفاء رجحان الإتيان عند عدم التطهّر، وهو كذلك عند القائلين بجوازه عند عدمه، لكونه مكروهاً عندهم وكذلك الحال إذا كان الأمر للإباحة، بمعنى تساوي الطرفين.
واحتجّ القائلون بالتحريم بقراءة التشديد، وأُورد عليه: أنّه لم يثبت أنّ التطهّر حقيقة شرعية في المعنى الشرعي، فيجوز أن يكون المراد به انقطاع الدم أو زيادة التنظيف الحاصل بسبب غسل الفرج.
   …
سلّمنا لكن الطهارة أعمّ من الوضوء.
والتحقيق: أنّ دلالة الآية على شيء من التحريم والجواز غير واضح، فالأحسن العدول عنها إلى الروايات، ومقتضاها نظراً إلى قضيّة الجمع، الجواز، والاحتياط طريق النجاة.

صفحه 49

[الباب الثامن]

التيمّم وآدابه وأحكامه1

الآيات:

النساء(4):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا).43.
المائدة(5):(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).6.

التفسير:

قد تقدّم الكلام في صدري الآيتين الكريمتين في مبحثي الوضوء والغسل، ولنذكر هنا ما يتعلّق منهما بالتيمّم.
اعلم أنّه سبحانه قدّم في الآيتين حكم الواجدين للماء القادرين على استعماله ثم أتبع ذلك بأصحاب الأعذار فقال تعالى:(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى)وحمله

1 . بحار الأنوار:78/131ـ 145، الباب 6 من أبواب الأغسال وأحكامها.

صفحه 50
الأصحاب على المرض الّذي يضرُّ معه استعمال الماء، والّذي يوجب العجز عن السعي إليه أو عن استعماله. وظاهر الآية يشمل كلّ ما يصدق عليه اسم المرض لكن علماؤنا رضي الله عنهم مختلفون في اليسير، ومثّلوه بالصداع ووجع الضرس، ولعلّه للشكّ في تسمية مثل ذلك مرضاً عرفاً، فذهب المحقّق1والعلاّمة2 إلى أنّه غير مبيح للتيمّم، وبعض المتأخّرين على إيجابه له، ولعلّه أقوى، فإنّه أشدّ من الشين،3 وقد أطبقوا على إيجابه التيمّم.4
(أَوْ عَلَى سَفَر): أي متلبّسين به، إذ الغالب عدم وجود الماء في أكثر الصحارى(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) هو كناية عن الحدث، إذ الغائط المكان المنخفض من الأرض، وكانوا يقصدونه للحدث لتغيب فيه أشخاصهم عن الرائين فكنّى عن الحدث بالمجيء من مكانه، وتسمية الفقهاء العذرة بالغائط من تسمية الحالّ باسم المحلّ. وقيل: إنّ لفظة «أو» هاهنا بمعنى الواو. والمراد ـ والله أعلم ـ أو كنتم مسافرين وجاء أحد منكم من الغائط.
(أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) المراد جماعهنّ كما في قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) 5 واللّمس والمسّ بمعنى [واحد] كما قاله اللّغويون، وسيأتي الأخبار في تفسير اللّمس بالوطي، وقد نقل الخاصّ والعامّ عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: إنّ الله سبحانه حييٌّ كريم يعبّر عن مباشرة النساء بملامستهنّ، وذهب الشافعي إلى أنّ المراد مطلق اللمس لغير محرم، وخصّه مالك بما كان عن شهوة، وأمّا أبو حنيفة فقال: المراد الوطي لا المسّ.

1 . المعتبر: 1 / 365، فروع في التيمّم.
2 . تذكرة الفقهاء: 2 / 160، باب: وجوب التيمّم للمريض.
3 . يعني شين الجلد وتشويه خلقة الأصابع بإصابة البرد أو الكزة.
4 . لاحظ : مشرق الشمسين: 337 .
5 . البقرة: 237 .

صفحه 51
وقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يشمل ما لو وجد ماء لا يكفيه للغسل وهو جنب أو للوضوء وهو محدث حدثاً أصغر، فعند علمائنا يترك الماء وينتقل فرضه إلى التيمّم، وقول بعض العامّة: يجب عليه أن يستعمله في بعض أعضائه ثمّ يتيمّم لأنّه واجد للماء، ضعيف، إذ وجوده على هذا التقدير كعدمه، ولو صدق عليه أنّه واجد للماء لما جاز له التيمّم; كذا قيل.
وقال الشيخ البهائي قدّس الله سرّه: للبحث فيه مجال، فقوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)يراد به ـ والله أعلم ـ ما يكفي الطهارة، وممّا يؤيّد ذلك قوله تعالى في كفّارة اليمين: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام)1: أي فمن لم يجد إطعام عشرة مساكين ففرضه الصيام، وقد حكم الكلّ بأنّه لو وجد إطعام أقلّ من عشرة لم يجب عليه ذلك، وانتقل فرضه إلى الصوم. انتهى.2
وقال الشهيد الثاني: ربّما حكي عن الشيخ في بعض أقواله، التبعيض.3
واحتمل العلاّمة في «النهاية» وجوب صرف الماء إلى بعض أعضاء الجنب، لجواز وجود ما يكمل طهارته وسقوط الموالاة بخلاف المحدث.4 والمعتمد ما ذكره في «التذكرة» و «المنتهى» من عدم الفرق مسنداً ذلك إلى الأصحاب، لعدم التمكّن من الطهارة المائيّة، فتكون ساقطة.5
ولا يخفى أنّ البحث إنّما هو فيمن هو مكلّف بطهارة واحدة، أعني: الجنب وذا الحدث الأصغر المذكورين في الآية، أمّا الحائض مثلاً فإنّها لو وجدت ما لا

1 . المائدة:89.
2 . مشرق الشمسين:336ـ 337.
3 . روض الجنان:119.
4 . نهاية الأحكام:1/186.
5 . تذكرة الفقهاء:2/149; منتهى المطلب:3/18.

صفحه 52
يكفي لغسلها ووضوئها معاً فإنّها تستعمله فيما يكفيه وتتيمّم عن الآخر.
ثمّ لا يخفى أنّ المتبادر من قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) كون المكلّف غير واجد للماء، بأن يكون في موضع لا ماء فيه، فيكون ترخيص من وجد الماء ولم يتمكّن من استعماله في التيمّم لمرض ونحوه مستفاداً من السنّة المطهّرة ويكون المرضى غير داخلين في خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا)لأنّهم يتيمّمون وإن وجدوا الماء. كذا في كلام بعض المفسّرين، ويمكن أن يراد بعدم وجدان الماء عدم التمكّن من استعماله وإن كان موجوداً، فيدخل المرضى في خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا)، ويسري الحكم إلى كلّ من لا يتمكّن من استعماله كفاقد الثمن أو الآلة، والخائف من لصّ أو سبع ونحوهم، وهذا التفسير وإن كان فيه تجوّز إلاّ أنّه هو المستفاد من كلام محقّقي المفسّرين من الخاصّة والعامّة كالشيخ الطبرسي وصاحب الكشّاف1، وأيضاً فهو غير مستلزم لما هو خلاف الظاهر من تخصيص خطاب (فَلَمْ تَجِدُوا) بغير المرضى مع ذكر الأربعة على نسق واحد.
واعلم أنّ الفقهاء اختلفوا فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه للطّهارة إلاّ بمزجه بالمضاف، بحيث لا يخرج من الإطلاق، هل يجب عليه المزج والطهارة به أم يجوز له ترك المزج واختيار التيمّم؟ فجماعة من المتأخّرين كالعلاّمة وأتباعه على الأوّل، وجمع من المتقدّمين كالشيخ وأتباعه على الثاني، ولعلّ ابتناء القولين على التفسيرين السابقين، فالأوّل على الثاني، والثاني على الأوّل، إذ يصدق على من هذا حاله أنّه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأوّل، فيندرج تحت قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بخلاف الثاني فإنّه متمكّن منه.
وبعض المحقّقين بنى القول الأوّل على كون الطهارة بالماء واجباً مطلقاً فيجب المزج، إذ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به ـ وهو مقدور ـ واجب، والثاني

1 . مجمع البيان:3/94; تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 53
على أنّها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدّمة الواجب المشروط، غير واجب.1
واعلم أنّ هاهنا إشكالاً مشهوراً وهو أنّه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتّب عليه جزاء واحد هو الأمر بالتيمّم: مع أنّ سببيّة الأوّلين للترخّص بالتيمّم، والثالث والرابع لوجوب الطهارة عاطفاً بينها بأو: المقتضية لاستقلال كلّ واحد منها في ترتّب الجزاء، مع أنّه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأوّلين، لم يترتّب الجزاء وهو وجوب التيمّم.
وأُجيب عنه بوجوه: الأوّل: ما أومأنا إليه سابقاً من أنّ (أو) في قوله تعالى:(أَوْ جَاءَ)بمعنى الواو2 كما قيل في قوله تعالى:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ).3
الثاني: قال البيضاوي: وجه هذا التقسيم أنّ المترخّص بالتيمّم إمّا محدث أو جنب، والحال المقتضية له في غالب الأمر إمّا مرض أو سفر، والجنب لمّا سبق

1 . مشرق الشمسين:337ـ 338.
2 . وفيه أنّ مجيء «أو» بمعنى الواو لم يثبت، وما استدلّ به الكوفيون والأخفش والجرمي مدخول فيه، على أنّ مجيئها بمعنى الواو في قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أحدٌ مِنْكُم) يدفعه السياق، حيث إنّ لفظة «أو» تكرّرت في جملة واحدة ثلاث مرّات، والأُولى منها والثالثة بمعنى الترديد والتقسيم وهو المعنى الأصلي، فكيف تكون الثانية بينهما بمعنى الجمع، وهل يكون ذلك إلاّ إلغازاً وتعمية في حكم تكليفي توجه إلى عامّة المؤمنين؟
3 . الصافات:147. قال الطبرسي في مجمع البيان: 8 / 333: وقيل في معنى قوله: (أَوْ يَزِيدُونَ)وجوه: أحدها: أنّه على طريق الإبهام على المخاطبين. وثانيها: أنّ «أو» للتخيير كأنّ الرائي خير بين أن يقول هم مائة ألف أو يزيدون، عن سيبويه; والمعنى: أنّهم كانوا عدداً لو نظر إليهم الناظر لقال هم مائة ألف أو يزيدون. وثالثها: أنّ «أو» بمعنى الواو كأنّه قال: «ويزيدون» عن بعض الكوفيين، وقال بعضهم: بل يزيدون.
وهذان القولان الأخيران غير مرضيّين عند المحقّقين، وأجود الأقوال الثاني. انتهى.

صفحه 54
ذكره اقتصر على بيان حاله، والحدث لمّا لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب، وبيان العذر مجملاً، وكأنّه قيل: وإن كنتم جنباً مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء1. وهذا الوجه لا يوافق ما ثبت عندنا من أنّ المراد بالملامسة الجماع.2
الثالث: قال في «الكشّاف» جواباً عن هذا الإشكال، قلت: أراد سبحانه أن يرخّص للّذين وجب عليهم التطهّر وهم عادمون للماء في التيمّم بالتراب، فخصّ أوّلاً من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنّهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم، لكثرة السفر والمرض، وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثمّ عمّ كلّ من وجب عليه التطهّر وأعوزه الماء، لخوف عدوّ أو سبع، أو عدم آلة استقاء أو إزهاق في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك ممّا لا يكثر كثرة المرض والسفر. انتهى.3
وقيل في توضيح كلامه: إنّ القصد إلى الترخيص في التيمّم لكلّ من وجب عليه التطهّر، ولم يجد الماء، فقيد عدم الوجدان راجع إلى الكلّ، وقيد وجوب التطهّر المكنّى عنه بالمجيء من الغائط أو الملامسة اللّذين هما من أغلب أسباب وجوب التطهّر معتبر في الكلّ حتّى المرضى والمسافرين، وذكرهما تخصيص بعد التعميم، بناء على زيادة استحقاقهما للترخيص، وغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنّه قيل: إن جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء خصوصاً المرضى والمسافرين فتيمّموا، ووجه سببيّة مضمون

1 . تفسير البيضاوي:2/194.
2 . لكنّك قد عرفت أنّ هذا البيان هو الوجه في الآية ولا ينافي كون الملامسة بمعنى الجماع.
3 . تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 55
الشرط لمضمون الجزاء ظاهر.
هذا، ولكن ينبغي أن يعتبر عدم وجدان الماء بعدم القدرة على استعماله ليفيد ترخيص المريض الواجد للماء العاجز عن الاستعمال، ويصحّ أنّ المرض سبب من الأسباب الغالبة، وإلاّ فهو باعتبار العجز عن الحركة والوصول إلى الماء من الأسباب النادرة لا الغالبة.
وقيل: جعل عدم الوجدان قيداً للجميع لا يخلو من شيء لأنّه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد ويكون شيء واحد وهو عدم الوجدان قيداً للجميع، كان المناسب أن يكون لكلّ واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمّم، وذلك منتف في الأخيرين إلاّ عند جعل عدم الوجدان قيداً مختصّاً، وكلام صاحب الكشّاف غير آب عن ذلك، فالأحسن أن يقال: قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأخيرين مختصّ بهما لكنّه في الأوّلين مراد بمعاونة المقام، فإنّه سبحانه لمّا أمر بالوضوء والغسل، كان هاهنا مظنّة سؤال يخطر بالبال فكأنّ سائلاً يقول: إذا كان الإنسان مسافراً لا يجد الماء أو مريضاً يخاف من استعماله الضرر، فما حكمه؟ فأجاب جلّ شأنه ببيان حكمه، وضمّ سائر المعذورين، فكأنّه قال: وإن كنتم في حال الحدث والجنابة مرضى تستضرُّون باستعمال الماء، أو مسافرين غير واجدين للماء، أو كنتم جنباً أو محدثين غير واجدين للماء ـ وإن لم تكونوا مرضى أو على سفر ـ فتيمّموا صعيداً.
والتصريح بالجنابة والحدث ثانياً مع اعتبارهما في المريض والمسافر أيضاً لئلاّ يتوهّم اختصاص الحكم المذكور بالجنب، لكونه بعده.
وقد يقال في قوله سبحانه:(أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) في موقع كنتم جنباً، مع التفنّن والخروج عن التكرار تنبيه على أنّ الأمر هاهنا ليس مبنيّاً على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهّم أيضاً حصر موجب الوضوء في المجيء من

صفحه 56
الغائط، وعلى كلّ حال فيه تنبيه على أنّ كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء.1
قوله جلّ وعلا: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا [طَيِّبًا): أي اقصدوا صعيداً]واختلف كلام أهل اللغة في الصعيد.
فبعضهم كالجوهريّ قال: هو التراب، ووافقه ابن فارس في المجمل، ونقل ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة: أنّه التراب الخالص الّذي لا يخالطه سبخ ولا رمل، ونقل الطبرسي عن الزجّاج أنّ الصعيد ليس هو التراب، إنّما هو وجه الأرض، تراباً كان أو غيره، سمّي صعيداً لأنّه نهاية ما يصعد من باطن الأرض، وقريب منه ما نقله الجوهري عن ثعلب، وكذا ما نقل المحقّق في «المعتبر» عن الخليل عن ابن الاعرابيّ.2 ولاختلاف أهل اللّغة في الصعيد اختلف فقهاؤنا في التيمّم بالحجر لمن تمكّن من التراب، فمنعه المفيد3 وأتباعه لعدم دخوله في اسم الصعيد، وجوّز الشيخ في «المبسوط» والمحقّق والعلاّمة التيمّم بالحجر نظراً إلى دخوله تحت الصعيد المذكور في الآية.4
واختلف المفسّرون في المراد بالطيّب فيها، فبعضهم على أنّه الطاهر، وبعضهم على أنّه الحلال، وآخرون على أنّه المنبت دون ما لا ينبت كالسبخة، وأيّدوه بقوله تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ).5 والأوّل هو مختار

1 . ذخيرة المعاد للسبزواري:1/92.
2 . راجع: الصحاح للجوهري:2/498، مادة «صعد»; مجمع البيان:3/92; المعتبر:1/373; لسان العرب:3/254، مادة «صعد».
3 . المقنعة:60; المسائل الصاغانية:116.
4 . المبسوط:1/32; المختصر النافع:16; تذكرة الفقهاء:2/173، المسألة 296.
5 . الأعراف:58. لاحظ: أحكام القرآن للجصاص:2/487; تفسير الثعلبي:3/320.

صفحه 57
مفسّري أصحابنا قدّس الله أرواحهم.1
وقوله: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) قد يدّعى أنّ فيه دلالة على أنّ أوّل أفعال التيمّم مسح الوجه، لعطفه بالفاء التعقيبيّة على قصد الصعيد من دون توسّط الضرب على الأرض، فيتأيّد به ما ذهب إليه العلاّمة في «النهاية» من جواز مقارنة نيّة التيمّم لمسح الوجه، وأنّ ضرب اليدين على الأرض بمنزلة اغتراف الماء في الوضوء، وفيه كلام.
والباء في قوله سبحانه:(بِوُجُوهِكُمْ) للتبعيض، كما مرّ في حديث زرارة وقد تقدّم الكلام في كون الباء للتبعيض في باب كيفيّة الوضوء2 فالواجب في التيمّم مسح بعض الوجه وبعض اليدين، كما ذهب إليه جمهور علمائنا وأكثر الروايات ناطقة به، وذهب عليُّ بن بابويه(رحمه الله) إلى وجوب استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين كالوضوء، عملاً ببعض الأخبار3، ومال المحقّق في «المعتبر» إلى التخيير بين استيعاب الوجه واليدين وبين الاكتفاء ببعض كلّ منهما كالمشهور4، ومال العلاّمة في «المنتهى» إلى استحباب الاستيعاب.5
وأمّا العامّة فمختلفون أيضاً فالشافعيّ يقول بمقالة عليّ بن بابويه، وابن حنبل باستيعاب الوجه فقط، والاكتفاء بظاهر الكفّين، ولأبي حنيفة قولان أحدهما كالشافعيّ والآخر الاكتفاء بأكثر أجزاء الوجه واليدين، وذهب الزهريُّ منهم إلى وجوب مسح اليدين إلى الإبطين لأنّهما حدّا في الوضوء إلى المرفقين ولم يحدّا في التيمّم بشيء، فوجب استيعاب ما يصدق عليه اليد، وهذا القول ممّا انعقد

1 . راجع: التبيان:2/71; مجمع البيان:3/94، فقه القرآن للراوندي:1/41.
2 . راجع: بحار الأنوار: 80/244.
3 . فقه الرضا:88.
4 . المعتبر:1/386.
5 . منتهى المطلب:3/95.

صفحه 58
إجماع الأُمّة على خلافه.1
وكلمة «من» في قوله سبحانه:(مِنْهُ) في الآية الثانية، تحتمل أربعة أوجه:
الأوّل: أنّها لابتداء الغاية، والضمير عائد إلى الصعيد، فالمعنى أنّ المسح يبتدي من الصعيد أو من الضرب عليه.
الثاني: للسببيّة وضمير في: (مِنْهُ) للحدث المفهوم من الكلام السابق. كما يقال تيمّمت من الجنابة، وكقوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا)،2 وقول الشّاعر: «وذلك من نبأ جاءني»، وقول الفرزدق: «يغضي حياء ويغضى من مهابته» ويحتمل إرجاع الضمير إلى عدم وجدان الماء، وإلى المجموع.
ويرد عليه أنّه خلاف الظاهر ومتضمّن لإرجاع الضّمير إلى الأبعد مع إمكان الإرجاع إلى الأقرب، مع استلزامه أن يجعل لفظة (مِنْهُ) تأكيداً لا تأسيساً، إذ السببيّة تفهم من الفاء، ومن جعل المسح في معرض الجزاء، وتعليقه بالوصف المناسب المشعر بالعليّة.
الثالث: أنّها للتبعيض، وضمير في: (مِنْهُ) للصعيد، كما تقول: أخذت من الدراهم وأكلت من الطعام.
الرابع: أن تكون للبدليّة كما في قوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)3، وقوله سبحانه: (لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَة فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)4، وقوله جلّ شأنه:(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا)5: أي بدل طاعته أو

1 . مشرق الشمسين:338ـ 339.
2 . نوح:25.
3 . التوبة:38.
4 . الزخرف:60.
5 . آل عمران:10 و 116.

صفحه 59
رحمته وحينئذ يرجع الضمير إلى الماء، والمعنى: فلم تجدوا ماء فتيمّموا الصعيد بدل الماء، وهذا أيضاً لا يخلو من بعد، مع أنّ قوماً من النحاة أنكروا مجيء«من» للبدليّة، فقالوا: التقدير أرضيتم بالحياة الدُّنيا بدلاً من الآخرة، فالمفيد للبدليّة متعلّقها المحذوف، وكذا الأخيران، وإن كان هذا أيضاً يجري هاهنا لكنّه خلاف الظاهر.
والظاهر أنّ حملها على التبعيض أقرب من الجميع، مع موافقته للأخبار الصحيحة، ولذا اختاره صاحب الكشّاف الّذي هو المقتدى في العربيّة وخالف الحنفيّة القائلين بعدم اشتراط العلوق، مع توغّله في متابعة أقوالهم وتهالكه في نصرة مذاهبهم، قال في «الكشّاف»:
فإن قلت: قولهم إنّها لابتداء الغاية، قول متعسّف، فلا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب، إلاّ معنى التبعيض؟ قلت: هو كما تقول، والإذعان للحقّ أحقّ من المراء.1
وقد يقال: عدم فهم العرب من هذه الأمثلة إلاّ ما ذكره، قد يكون للغرض المعروف عندهم من التدهين والتنظيف، ونحو ذلك، مع إمكان المنع عند الإطلاق في قوله من التراب، على أنّه يمكن أن يقال: إنّها في الأمثلة كلّها للابتداء، كما هو الأصل فيها، وأمّا التبعيض فإنّما جاء من لزوم تعلّق شيء من الدهن والماء باليد، فيقع المسح به، ونحوه التراب إن فهم، فلا يلزم مثله في الصعيد الأعمّ من التراب والصخر.
قيل: والإنصاف أنّها إن استعملت فيما يصلح للعلوق، وإن كان باعتبار غالب أفراده، كان المتبادر منها التبعيض، وإن استعملت فيما لا يصلح لذلك كان المفهوم منها الابتدائية، وعدم صلاحية المقام لغيرها قرينة عليها.

1 . تفسير الكشّاف: 1/529.

صفحه 60
وما يقال من أنّ حملها على التبعيض غير مستقيم، لأنّ الصعيد يتناول الحجر كما صرح به أئمّة اللّغة والتفسير، وحملها على الابتداء تعسّف، وليس ببعيد حملها على السببيّة، وقد جعل التعليل من معاني «من» صاحب مغني اللّبيب وعلى تقدير أن لا يكون حقيقة فلا أقلّ من أن يكون مجازاً، ولابدّ من ارتكاب المجاز هنا، إمّا في الصعيد أو في «من». ولا ريب أنّ التوسّع في حروف الجرّ أكثر، فمندفع لبعد هذا الاحتمال كما عرفت، وقرب الحمل على التبعيض، وتبادره إلى الذهن، وإن سلّمنا استلزامه حمل الصعيد على المعنى المجازيّ، فارتكاب هذا المجاز أولى لما عرفت.
فظهر أنّ ظاهر الآية موافق لما ذهب إليه ابن الجنيد، من اشتراط علوق شيء من التراب بالكفّين ليمسح به، ويتأيّد بذلك ما ذهب إليه المفيد وأتباعه من عدم جواز التيمّم بالحجر.
وقد ختم سبحانه الآية الأُولى بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) ويفهم منه التعليل لما سبقه من ترخيص ذوي الأعذار في التيمّم فهو واقع موقع قوله جلّ شأنه في الآية الثانية:(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج) يعني أنّ من عادته العفو عنكم، والمغفرة لكم، فهو حقيق بالتسهيل عليكم والتخفيف عنكم.
وقد اختلف المفسّرون في المراد من التطهير في قوله: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) قيل: المراد به التطهير من الحدث بالتراب، عند تعذّر استعمال الماء. وقيل: تنظيف الأبدان بالماء فهو راجع إلى الوضوء والغسل. وقيل: المراد التطهير من الذنوب بما فرض من الوضوء والغسل والتيمّم; ويؤيده ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: إنّ الوضوء يكفّر ما قبله. وقيل: المراد تطهير القلب عن التمرّد من طاعة الله سبحانه، لأنّ إمساس هذه الأعضاء بالماء والتراب لا يعقل له فائدة إلاّ محض الانقياد والطاعة.

صفحه 61
وقوله تعالى: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): أي بما شرعه لكم ممّا يتضمّن تطهير أجسادكم أو قلوبكم، أو تكفير ذنوبكم، واللاّمات في الأفعال الثلاثة للتعليل، ومفعول (يريد) محذوف في الموضعين، وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي على نعمائه المتكاثرة الّتي من جملتها ما يترتّب على ما شرعه في هذه الآية الكريمة، أو لعلّكم تؤدّون شكره بالقيام بما كلّفكم به فيها. والله أعلم.1

[الباب التاسع]

الدفن وآدابه وأحكامه2

الآيات:

المرسلات(77):(أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا).25ـ 26.

التفسير:

قال الطبرسي(رحمه الله): كفت الشيء يكفته كفتاً وكفاتاً إذا ضمّه، ومنه
الحديث: «أكفتوا صبيانكم» أي ضمّوهم إلى أنفسكم، ويقال: للوعاء: كفت وكفيت.3
قوله تعالى:(كِفَاتًا): أي للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتاً في بطنها، أي تحوزهم وتضمّهم قال بنان: خرجنا في جنازة مع الشعبيّ فنظر إلى الجبان، فقال: «هذه كفات الأموات» ثمّ نظر إلى البيوت

1 . مشرق الشمسين: 340 .
2 . بحار الأنوار:79/14، الباب 12 من أبواب الجنائز.
3 . مجمع البيان:10/231.

صفحه 62
فقال: «هذه كفات الأحياء»، وروي ذلك عن أمير المؤمنين(عليه السلام). وقيل: كفاتاً أي وعاء، وهذا كفته أي وعاؤه، وقوله تعالى: (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا): أي منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتاً نصباً على الحال. وعلى القول الأوّل على المفعول به.1

[الباب العاشر]

فضل التعزّي والصبر عند المصائب والمكاره2

الآيات:

البقرة(2):(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).155ـ157.
وقال تعالى:(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ـ إلى قوله تعالى ـ : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).177.
لقمان(31):(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).17.
الزمر(39):(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب).10.

1 . مجمع البيان:10/232.
2 . بحار الأنوار:79/125ـ 127، الباب 18 من أبواب الجنائز.

صفحه 63

التفسير:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): أي ولنصيبنّكم إصابة مَن يختبر أحوالكم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء (بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ): أي بقليل من ذلك وإنّما قلّله بالإضافة إلى ما وقاهم عنه ليخفّف عنهم، ويريهم أنّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة (وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ) عطف على شيء أو الخوف. وقيل: الخوف: خوف الله، والجوع: صوم شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد،1 فإنّهم ثمرات القلوب كما مرّ في الخبر، والتعميم في الجميع أولى.
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الخطاب للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو لمن يتأتّى منه البشارة، والمصيبة تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه، أي أخبرهم بما لهم على الصبر في تلك المشاقّ والمكاره من المثوبة الجزيلة، والعاقبة الجميلة.
(قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) معنى(إِنَّا للهِ) إقرار له بالعبوديّة أي نحن عبيد الله وملكه، فله التصرّف فينا بالحياة والموت والصحّة والمرض، والمالك على الإطلاق أعلم بصلاح مملوكه، واعتراض المملوك عليه من سفاهته. (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار بالبعث والنشور، وتسلية للنفس بأنّ الله تعالى عند رجوعنا إليه يثيبنا على ما أصابنا من المكاره والآلام أحسن الثواب، كما وعدنا، وينتقم لنا ممّن ظلمنا، وفيه تسلية من جهة أُخرى وهي أنّه إذا كان رجوعنا جميعاً إلى الله وإلى ثوابه، فلا نبالي بافتراقنا بالموت، ولا ضرر على الميّت أيضاً فإنّه ينتقل من دار إلى دار أحسن من الأُولى ورجع إلى ربّ كريم هو مالك الدنيا والعقبى.
وقال الطبرسي: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «قولنا: (إِنَّا للهِ) إقرار على أنفسنا

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 430 نقلاً عن الشافعي.

صفحه 64
بالملك، وقولنا: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إقرار على أنفسنا بالهلك. وفي الحديث: «مَن استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه»،1 وقال(عليه السلام):«مَن أُصيب بمصيبة فأحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أُصيب».2
والصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله التزكية والثناء الجميل والمغفرة، وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوّعها، والمراد بالرحمة اللّطف والإحسان (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) للحقّ والصواب، حيث استرجعوا وسلّموا لقضاء الله.
وروى الكلينيّ في الصحيح عن عبد الله بن سنان وإسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قال الله عزّ وجلّ: إنّي جعلت الدُّنيا بين عبادي قرضاً فمن أقرضني منها قرضاً أعطيته بكلّ واحدة عشراً إلى سبعمائة ضعف، وما شئت من ذلك، ومن لم يقرضني منها قرضاً فأخذت منه شيئاً قسراً (فصبر).3 أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهنّ ملائكتي لرضوا بها منّي» ثمّ تلا أبو عبد الله(عليه السلام) قول الله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ)فهذه واحدة من ثلاث خصال (وَرَحْمَةٌ) اثنتان (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)ثلاث، ثمّ قال أبو عبد الله(عليه السلام): «هذا لمن أخذ الله منه شيئاً قسراً».4
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) قيل: البأساء: البؤس والفقر، والضرّاء: الوجع والعلّة، و(وَحِينَ الْبَأْسِ) وقت القتال وجهاد العدوّ (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)

1 . مستدرك الوسائل: 2 / 402 ح 2306 نقلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام); ونقله الرازي في تفسيره: 4 / 174 عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . مجمع البيان:1/441ـ 442.
3 . خ . ل.
4 . الكافي:2/92، ح21، باب الصبر.

صفحه 65
في الدين واتّباع الحقّ وطلب البرّ (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) عن الكفر وسائر الرذائل.
(إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): أي الصبر أو كلّ ما أمره ممّا عزمه الله من الأُمور أي قطعه قطع إيجاب.
(أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب): أي أجراً لا يهتدي إليه حساب الحسّاب.
أقول: قد مرّت سائر الآيات الواردة في الصّبر في بابه في كتاب الإيمان والكفر.1

1 . راجع بحار الأنوار:71/56ـ 97.

صفحه 66

صفحه 67
كتاب الصلاة

[ الباب الأوّل]

فضل الصلاة وعقاب تاركها1

الآيات:

البقرة(2):(وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ).3.
وقال تعالى:(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ).2
وقال تعالى:(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).45 ـ 46.
وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ).153.
وقال تعالى:(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).277.
المائدة(5):(لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ).12.
الأنعام(6):(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَاتَّقُوهُ).72.
الأعراف (7): [وقال تعالى:](وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ).170.
الأنفال(8):(اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ).3.

1 . بحار الأنوار:79/188ـ 202، الباب1.
2 . البقرة:43 و 83 و 110، النساء:77، 103 وغير ذلك مع اختلاف في اللفظ .

صفحه 68
التوبة(9):(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ).5.
وقال:(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَآتَى الزَّكَاةَ). 18.
وقال تعالى:(وَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).71.
الرعد(13):(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).22.
إبراهيم(14):(قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ).31.
وقال تعالى:(رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ ـ إلى قوله تعالى ـ : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي).37ـ 40.
مريم(19):(وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).31.
وقال تعالى:(وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَاةِ).55.
طه(20):(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).132.
الأنبياء(21):(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ).73.
الحج(22):(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ).41.
وقال تعالى:(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).78.
النور (24): (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).56.

صفحه 69
النمل (27): (هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).2ـ3.
العنكبوت(29):(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ).45.
الروم(30):(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).31.
لقمان(31):(هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).3ـ4.
وقال:(يَا بُني أَقِمِ الصَّلَوةَ).17.
فاطر(35):(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).18.
وقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).29.
الشورى(42):(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ).38.
المجادلة(58):(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).13.
المزمّل(73):(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).20.
المدّثر(74):(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ).43.
القيامة(75):(فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى).31.
العلق(96):(أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى).9ـ10.
البيّنة(98):(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).5.

صفحه 70

التفسير:

(وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ) بإتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها وحدودها، وصيانتها ممّا يفسدها أو ينقصها، وفسّر في تفسير الإمام(عليه السلام)1 بالصلاة على محمّد وآل محمّد، وهو بطن من بطونها.
(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ): أي استعينوا على حوائجكم أو على قربه سبحانه والوصول إلى درجات الآخرة بالصّبر عن المعاصي وعلى الطاعات وفي المصائب، وبكلّ صلاة فريضة أو نافلة، وفيه دلالة على مطلوبيّة الصلاة في كلّ وقت، لا سيّما عند عروض حاجة. وقيل: أي بالجمع بينهما بأن تصلّوا صابرين على تكليف الصلاة، متحمّلين لمشاقّها، وما يجب من شرائطها وآدابها.
وقيل: استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة، كما روي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا حزبه2 أمر فزع إلى الصلاة ; وعن ابن عبّاس أنّه نُعي إليه أخوه قُثم، وهو في سفر، فاسترجع وتنحّى عن الطريق فصلّى ركعتين، وأطال فيهما الجلوس ثمّ قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ)3. وسيأتي في أخبار كثيرة أنّ المراد بالصبر: الصوم، وأنّه ينبغي أن يستعين في الحوائج وغموم الدُّنيا بالصوم والصلاة.
وفي تفسير الإمام(عليه السلام): (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) عن الحرام على تأدية الأمانات وعن الرياسات الباطلة، وعلى الاعتراف بالحقّ واستحقاق الغفران والرضوان، ونعيم الجنان وبالصلوات الخمس والصلاة على النبيّ وآله الطاهرين، على قرب

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام):73.
2 . حزبه الأمر حزباً: أصابه واشتد عليه أو ضغطه فجأة، قيل: وفي الحديث:«كان إذا حزبه أمر صلّى»: أي إذا نزل به مهم وأصابه غم. لسان العرب:1/309، مادة «حزب».
3 . مسكّن الفؤاد للشهيد الثاني:56; شعب الإيمان للبيهقي:7/114 برقم 9682.

صفحه 71
الوصول إلى جنّات النعيم.1
(وَإِنَّهَا): أي الاستعانة بهما، أو أنّ الصلاة أو جميع الأُمور الّتي أُمر بها بنو إسرائيل من قوله:(اذْكُرُوا نِعْمَتِي) إلى قوله:(وَاسْتَعِينُوا) كما قيل .
وفي تفسير الإمام(عليه السلام) أنّ هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمّد وآله مع الانقياد لأوامرهم، والإيمان بسرّهم وعلانيتهم، وترك معارضتهم بلم وكيف.2
(لَكَبِيرَةٌ) لشاقّة ثقيلة كقوله:(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)3، (إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ): أي الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه، وذلك لأنّ نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقّعة في مقابلتها ما يستخفّ لأجله مشاقّها، ويستلذُّ بسببه متاعبها، كما قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«جعلت قرَّة عيني في الصلاة»4 وكان يقول: أرحنا يا بلال.
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ) في «التوحيد» و «الاحتجاج» و «تفسير العيّاشي» عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّ المعنى يوقنون أنّهم يبعثون، والظنُّ منهم يقين، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّقاء البعث، والظنّ هاهنا اليقين».5
وفي تفسير الإمام(عليه السلام): ويتوقّعون أنّهم يلقون ربّهم اللّقاء الّذي هو أعظم كرامته لعباده.6 وقيل: أي يتوقّعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، وفي مصحف عبد الله«يعلمون» ومعناه: يعلمون أنّه لابدّ من لقاء الجزاء، فيعملون على حسب ذلك،

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 237 ـ 238.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238.
3 . الشورى:13.
4 . الكافي:5/321 ح7 و 9، باب حب النساء.
5 . التوحيد:267، ط مكتبة الصدوق; الاحتجاج 132، ط النجف; تفسير العيّاشي:1/44 ح42.
6 . التفسير المنسوب الإمام العسكري:238.

صفحه 72
وأمّا مَن لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب كانت عليه مشقّة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين.
وفي «المجمع» بعد حمل الظنّ على اليقين. وقيل: إنّه بمعنى الظنّ غير اليقين، أي يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم بذنوبهم لشدّة إشفاقهم من الإقامة على معصية الله، قال الرُّماني: وفيه بعد، لكثرة الحذف. وقيل: الّذين يظنون انقضاء آجالهم وسرعة موتهم، فهم أبداً على حذر ووجل، ولا يركنون إلى الدُّنيا كما يقال لمن مات: لقي الله.1
(وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) قال الإمام (عليه السلام): أي إلى كراماته ونعيم جنّاته، قال: وإنّما قال:يظنّون، لأنّهم لا يدرون بماذا يختم لهم، لأنّ العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقيناً، لأنّهم لا يأمنون أن يغيّروا ويبدّلوا.2 انتهى.
ويسأل ويقال: ما معنى الرجوع هنا، وهم ما كانوا قطُّ في الآخرة فيعودوا إليها؟ ويجاب بوجوه: أحدها: أنّهم راجعون بالإعادة في الآخرة. وثانيها: أنّهم كانوا أمواتاً فأُحيوا ثمّ يموتون فيرجعون أمواتاً كما كانوا. وثالثها: أنّهم راجعون بالموت إلى موضع لا يملك أحدهم ضرّاً ولا نفعاً غيره تعالى، كما كانوا في بدء الخلق، فإنّهم في أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم، والتدبير لنفعهم وضرّهم.
والحقّ أنّه لمّا دلّت الأخبار على أنّ الأرواح خلقت قبل الأجساد، فهي قبل تعلّقها بالأجساد كانت في حالة تعود بعد قطع التعلّق إليها.
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ): أي يتمسّكون به، وقرأ أبو بكر يمسكون، بتسكين الميم وتخفيف السين، والباقون بالتشديد على بناء التفعيل، يقال: أمسك ومسّك وتمسّك واستمسك بالشيء بمعنى واحد، أي استعصم به، والكتاب

1 . مجمع البيان:1/197ـ198.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري:238.

صفحه 73
التوراة أو القرآن( وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ) في تخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات دلالة على جلالة موقعها، وشدّة تأكّدها.
وكذا قوله سبحانه:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)يدلّ على اشتراط الإيمان بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقيل: أي قبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنّ عصمة الدم لا يتوقّف على فعلهما (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): أي دعوهم يتصرَّفون في بلاد الإسلام، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وقيل: دعوهم يحجّوا معكم. وقال الطبرسي(رحمه الله): استدلّ بها على أنّ مَن ترك الصلاة متعمّداً يجب قتله، لأنّ الله أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا ويقيموا الصلاة، فإذا لم يقيموها وجب قتلهم.1 انتهى.
ويمكن أن يقال: إظهار الإسلام بعد الكفر لا يقبل إلاّ بالإتيان بهاتين الفريضتين اللّتين هما من عمدة شرائعه.
(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ) في حصر تعمير المساجد فيمن أتى بعد الإيمان بالله واليوم الآخر بهاتين الفريضتين دلالة على جلالة شأنهما.
(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض): أي أنصار بعض أو متولّي أُمورهم.
(يُقِيمُوا الصَّلَوةَ): أي أقيموا الصلاة يقيموا أو ليقيموا (لاَ بَيْعٌ فِيهِ) فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه (وَلاَ خِلاَلٌ) ولا مخالّة فيشفع له خليله.
(مِنْ ذُرِّيَّتِي): أي وبعض ذرّيتي.
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ): أي أهل بيتك وأهل دينك ; كما ذكره الطبرسي، أو أهل بيتك خاصة كما رواه أبو سعيد الخدريّ، قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول

1 . مجمع البيان:5/16.

صفحه 74
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: «الصلاة يرحمكم الله إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً» رواه الطبرسي وقال: ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن غيرهم مثل أبي برزة وابن أبي رافع، وقال أبو جعفر(عليه السلام):«أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون الناس، ليعلم الناس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامّة وأمرهم خاصّة».1
وفي العيون وغيره عن الرّضا(عليه السلام) في هذه الآية قال: «خصّنا الله بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الأُمّة بإقامة الصلاة ثمّ خصّنا من دون الأُمّة، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يجيء على باب عليّ وفاطمة بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات، فيقول: «الصلاة رحمكم الله» وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء(عليهم السلام) بمثل هذه الكرامة الّتي أكرمنا بها وخصّنا من دون جميع أهل بيتهم».2
وفي «نهج البلاغة»:«وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نصباً بالصلاة بعد التبشير له بالجنّة لقول الله سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) فكان يأمر بها ويصبّر عليها نفسه».3
ثمّ اعلم أنّ الظاهر من الأخبار الماضية وما أوردنا سابقاً في مجلّدات الحجّة أنّ المراد من يختصّ به من أهل بيته لا أهل دينه مطلقاً، وأنّه إنّما أمر بذلك لبيان شرفهم وكرامتهم عليه تعالى، فما قيل إنّه يجب علينا أيضاً أمر أهالينا بدلالة التأسّي، محلّ نظر، وإن أمكن أن يقال: هذا لا ينافي لزوم التأسّي، ويؤيّده قوله

1 . مجمع البيان:7/68.
2 . عيون الأخبار:1/217، ح1، الباب23.
3 . نهج البلاغة:216، الخطبة 199، تحقيق صبحي الصالح.

صفحه 75
تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) الآية1 وعمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) بالمداومة عليها واحتمال مشاقّها، بل الأمر بها واحتمال مشاقّه أيضاً فهو(صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بها على أبلغ وجه(لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا) لا نكلّفك شيئاً من الرزق لا لنفسك ولا لغيرك(نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ما يكفيك وأهلك، فيحتمل أن يكون المراد ترك التوصّل إلى تحصيل الرزق وكسب المعيشة بالكلّية، ويكون من خصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمنافاة تحصيل الرزق، لتعرّض أشغال النبوّة وتحمّل أعبائها ويحتمل العموم كما ورد: «من كان لله كان الله له»2، و:«من أصلح أمر دينه أصلح الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس».3 وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ)4 ولعلّ الأُولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء والاهتمام، لا ترك الطلب بالكليّة، وسيأتي تمام القول فيه في محلّه، (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى): أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى.
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) ورد في الأخبار الكثيرة أنّها نزلت في الأئمّة وقائمهم(عليهم السلام).5
(إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) قال الطبرسي(رحمه الله): في هذا دلالة على أنّ فعل الصلاة لطف للمكلّف في ترك القبيح والمعاصي الّتي ينكرها العقل والشرع، فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقاً وإلاّ فقد أُتي المكلّف من قبل نفسه، وقيل: إنّ الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء والمنكر، وذلك أنّ

1 . التحريم:6.
2 . شرح أُصول الكافي:4/163; تفسير الرازي:7/102.
3 . نهج البلاغة:483، قسم الحكم، برقم 89 مع تقديم وتأخير، وفيه: آخرته بدل: دينه.
4 . الطلاق:2و3.
5 . لاحظ : مناقب ابن شهر آشوب:3/207; بحار الأنوار:24/164ـ165.

صفحه 76
فيها التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة، والوقوف بين يدي الله سبحانه، وغير ذلك من صنوف العبادة، وكلّ ذلك يدعو إلى شكره، ويصرف عن ضدّه، فيكون مثل الأمر والنهي بالقول، وكلّ دليل مؤدّ إلى المعرفة بالحقّ فهو داع إليه، وصارف عن الباطل الّذي هو ضدّه.
وقيل: معناه إنّ الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر مادام فيها. وقيل: معناه أنّه ينبغي أن تنهاه كقوله:(وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)1 وقال ابن عبّاس: في الصلاة منهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلاّ بعداً; وعن النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بعداً».
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومعنى ذلك أنّ الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثمّ لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة الّتي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك وترك المعاصي فقد تبيّن أنّ صلاته كانت نافعة له وناهيته، وإن لم ينته إلاّ بعد زمان.
وروي أنّ فتى من الأنصار كان يصلّي الصلاة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «إنّ صلاته تنهاه يوماً ما»، فلم يلبث أن تاب.
وعن جابر قال: قيل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ فلاناً يصلّي بالنهار ويسرق باللّيل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه».
وروى أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «مَن أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ فبقدر ما منعته قبلت

1 . آل عمران:97.

صفحه 77
منه». انتهى كلام الطبرسي.1
(وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ)روي عن الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «ذكر الله لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم إيّاه، ألاترى أنّه يقول:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)2.3 وعن الصادق(عليه السلام): «أنّه ذكر الله عند ما أحلّ وحرّم».4
وقال الطبرسي: أي ولذكر الله إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته; عن ابن عباس وغيره. وقيل: ذكر العبد لربّه أكبر ممّا سواه وأفضل من جميع أعماله ; عن سلمان وغيره، وعلى هذا فيكون تأويله أنّ أكبر شيء في النهي عن الفواحش ذكر العبد ربه وأوامره ونواهيه، وما أعدّه من الثواب والعقاب، فإنّه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة وترك المعصية، وهو أكبر من كلّ لطف. وقيل: معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. وقيل: ذكر الله هو التسبيح والتقديس وهو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر.5
(وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فيه إيماء إلى أنّ ترك الصلاة نوع من الشرك.
(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ) فيه إيماء إلى أنّ العمدة في الإحسان إقامة الصلاة.
(إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ)6: أي بالقلب الّذي هو غائب عن الحواسّ، أو هم غائبون عمّا يخشون الله بسببه من أحوال الآخرة وأهوالها أو يخشون ربّهم في خلواتهم وغيبتهم عن الخلق (وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ)لعلّ فيه إيماء إلى أنّ الصلاة المقبولة هي الّتي تكون لخشية الله تعالى ومقرونة بها، وإنّما خصّ

1 . مجمع البيان:8/28ـ29.
2 . البقرة:152.
3 . تفسير القمّي:2/150.
4 . الخصال:1/63.
5 . مجمع البيان:8/29.
6 . فاطر:18.

صفحه 78
الإنذار بهم لأنّهم المشفّعون به دون غيرهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ) في الصلاة وغيرها(لَنْ تَبُورَ): أي لن تكسد ولن تفسد ولن تهلك.
(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): أي قبلوا ما أُمروا به، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم في إقامة الإمام.1 ويدلّ على أنّ الصلاة من عمدة المأمورات وأشرفها، وعلى ما في التفسير يومي إلى اشتراط قبول الصلاة وسائر الأعمال بالولاية.
(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يعني الصلاة الواجبة كما سيأتي من «نهج البلاغة» ويدلُّ على مخاطبة الكفّار بالفروع، وقد مرّ تأويلها بمتابعة أئمّة الدين وبالصلاة عليهم.2
(فَلاَ صَدَّقَ): أي بما يجب أن يصدِّق به، أو لم يتصدَّق بشيء (وَلاَ صَلَّى): أي لم يصلّ لله.
(أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى) ماذا يكون جزاؤه وما يكون حاله، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم قال: كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة وأن يطاع الله ورسوله، فقال: (أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى).3
أنواع الصلاة والمفروض والمسنون منها ومعنى الصلاة الوسطى   …
وفي «مجمع البيان» جاء في الحديث أنّ أبا جهل قال: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فبالّذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، فقيل هاهو ذلك يصلّي، فانطلق ليطأ على رقبته فرأى معجزة ونكص على عقبيه وتركه، فأنزل الله هذه الآية.4 وقد مرّت الأخبار في ذلك.

1 . تفسير القمّي:2/277.
2 . راجع : بحار الأنوار : 24 / 7 و 300 و 301 .
3 . تفسير القمّي:2/430.
4 . مجمع البيان:10/400.

صفحه 79
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي لا يشركوا في عبادته سبحانه أحداً، ويدلُّ على وجوب الإخلاص وتحريم الرياء (حُنَفَاءَ) مايلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ): أي دين الملّة القيّمة، أو الكتب القيّمة، ويشعر بأنّ الإخلال بالصلاة والزكاة وشرائطهما مخرج من الدين القويم.

[الباب الثاني]

أنواع الصلاة والمفروض والمسنون منها
ومعنى الصلاة الوسطى1

الآيات:

البقرة(2):(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ).238.

التفسير:

المحافظة عليها بأدائها في أوقاتها، والمواظبة عليها بجميع شروطها وحدودها، وإتمام أركانها، ويدلُّ ـ بناء على كون الأمر مطلقاً أو خصوص أمر القرآن للوجوب ـ على وجوب المحافظة على جميع الصلوات، إلاّ ما أخرجها الدليل، وربّما يستدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة والعيدين والآيات، لكن في بعض الروايات أنّ المراد بها الصلوات الخمس، وعلى تقدير العموم يمكن تعميمها بحيث يشمل النوافل والتطوُّعات أيضاً، فلا يكون الأمر على الوجوب، ويشمل رعاية السنن في الصلاة الواجبة أيضاً كما يفهم من بعض الأخبار، وعلى الوجوب أيضاً يمكن أن تعمّ النوافل أيضاً بمعنى رعاية ما يوجب صحّتها، وعدم

1 . بحار الأنوار: 79/277ـ282، الباب 3.

صفحه 80
تطرُّق بدعة إليها، فيؤوّل إلى أنّه إذا أتيتم بالنافلة فأتوا بها على ما أُمرتم برعاية شرائطها ولوازمها، وفيه مجال نظر.
وخصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم، لشدّة الاهتمام بها لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضياع من بينها، فهي الوسطى بين الصلوات وقتاً أو عدداً، أو الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط، وقد قال بتعيين كلّ من الصلوات الخمس قوم إلاّ أنّ أصحابنا لم يقولوا بغير الظهر والعصر كما يظهر من «المنتهى» وغيره.1
فقال الشيخ في «الخلاف»2: إنّها الظهر، وتبعه جماعة من أصحابنا، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن شدّاد، لأنّها بين صلاتين بالنهار، ولأنّها في وسط النهار، ولأنّها تقع في شدّة الحرّ والهاجرة، وقت شدّة تنازع الإنسان إلى النّوم والراحة، فكانت أشقّ، وأفضل العبادات أحمزها، وأيضاً الأمر بمحافظة ما كان أشقّ أنسب وأهمّ ; ولأنّها أوّل صلاة فرضت، ولأنّها في الساعة الّتي يفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء. قيل: ولأنّها بين البردين صلاة الصبح وصلاة العصر. وقيل: لأنّها بين نافلتين متساويتين، كما نقل عن ابن الجنيد أنّه علّل به.
وروى الجمهور عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلّي صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منها، فنزلت الآية، رواه أبو داود.3 وروى الترمذيّ وأبو داود عن عائشة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قرأ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر».4

1 . منتهى المطلب:4/158ـ159.
2 . الخلاف:1/294، المسألة 40.
3 . سنن أبي داود:1/102 برقم 411، باب في وقت صلاة الظهر.
4 . سنن الترمذي: 4/285 برقم 4065; سنن أبي داود:1/102 برقم 410.

صفحه 81
قال في «المنتهى»: والعطف يقتضي المغايرة. لا يقال: الواو زائدة كما في قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) لأنّا نقول: الزيادة منافية للأصل، فلا يصار إليها إلاّ لموجب. والمثال الّذي ذكروه نمنع زيادة الواو فيه، بل هي للعطف على بابها.1
وقال في «مجمع البيان»: كونها الظهر هو المرويّ عن الباقر والصادق(عليهما السلام)وعن بعض أئمّة الزيديّة أنّها الجمعة في يومها، والظهر في غيرها.2 كما سيأتي في بعض أخبارنا.
وقال السيّد المرتضى(رحمه الله): هي صلاة العصر3، وتبعه جماعة من أصحابنا. وبه قال: أبو هريرة، وأبو أيّوب، وأبو سعيد عبيدة السّلماني، والحسن، والضحّاك، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، ونقله الجمهور عن عليّ(عليه السلام) قالوا: لأنّها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار. واحتجّ السيد بإجماع الشيعة، والمخالفون بما رووا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً.4
وروى في «الكشّاف» عن صفيّة أنّها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه فلا تكتبها حتّى أُملئها عليك كما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ فأملت عليه:«والصلاة الوسطى صلاة العصر» وبأنّها تقع في حال اشتغال الناس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشقّ.5

1 . منتهى المطلب:4/159.
2 . مجمع البيان:2/127.
3 . رسائل الشريف المرتضى:1/275، الرسالة السادسة (جوابات المسائل الميافارقيات).
4 . صحيح مسلم:2/112، باب الدليل لمن قال إنّ الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
5 . تفسير الكشّاف: 1/376. وفيه: «حفصة» بدل «صفية».

صفحه 82
وقال بعض المخالفين: هي المغرب لأنّها تأتي بين بياض النهار وسواد اللّيل، ولأنّها متوسّطة في العدد بين الرباعية والثنائيّة، ولأنّها لا تتغيّر في السفر والحضر مع زيادتها على الركعتين، فيناسب التأكيد، ولأنّ الظهر هي الأُولى إذ قد وجبت أوّلاً فتكون المغرب هي الوسطى.
وقال بعضهم: هي العشاء لأنّها متوسّطة بين صلاتين لا تقصّران، أو بين ليليّة ونهاريّة، ولأنّها أثقل صلاة على المنافقين كما روي. وقال بعضهم: هي الصبح لتوسّطها بين صلاتي اللّيل وصلاتي النهار، وبين الظلام والضياء، ولأنّها لا تجمع مع أُخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين ولمزيد فضلها لشهود ملائكة اللّيل وملائكة النهار، وعندها، ولأنّها تأتي في وقت مشقّة من برد في الشتاء، وطيب النوم في الصيف، وفتور الأعضاء، وكثرة النعاس، وغفلة الناس، واستراحتهم فكانت معرضة للضّياع، فخصّت لذلك بشدّة المحافظة، وبه قال مالك والشافعيّ وقال: ولذا عقّبه بالقنوت، فإنّه لا يشرع عنده في فريضة إلاّ الصبح إلاّ عند نازلة فيعمّ.
وقيل: هي مخفيّة مثل ليلة القدر وساعة الإجابة، واسم الله الأعظم لئلاّ يتطرّق التساهل إلى غيرها بل يهتمُّ غاية الاهتمام بكلّ منها، فيدرك كمال الفضل في الكلّ.
والظاهر أنّها الجمعة والظهر، وإنّما أُبهم بعض الإبهام لتلك الفائدة وغيرها ممّا قيل في إخفاء أمثالها، وسيتّضح لك ذلك في تضاعيف ما يقرع سمعك من الأخبار.1
   …

1 . آيات الأحكام للاسترآبادي:92ـ 95.

صفحه 83

[الباب الثالث]

أوقات الصلوات1

الآيات:

آل عمران(3):مخاطباً لزكريا(عليه السلام):(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).41.
النساء(4):(إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).103.
هود(11):(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِّ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).114 ـ 115.
الإسراء(17):(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا).78.
مريم(19):(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).11.
طه(20):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى).130.
الأنبياء(21):(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).90.
الروم(30):(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).17 ـ 18.
الأحزاب(33):(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).42.
المؤمن (غافر)(40):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).55.

1 . بحار الأنوار:79/312ـ 329، الباب 5.

صفحه 84
الفتح(48):(وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).9.
ق(50):(وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).39ـ 40.
الطور(52):(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).48 ـ49.
الدهر(76):(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً). 25ـ26.

التفسير:

(وَسَبِّحْ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي نزّه الله سبحانه، وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صلّ، يقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي (بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) في آخر النهار وأوّله، وقال: العشيّ من حين زوال الشمس إلى غروبها، والعشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولّي صدر اللّيل، والإبكار من حين طلوع الشمس إلى وقت الضحى.1
(إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ)2: أي صارت. أو تكون «كان» زائدة في تلك المواضع، كما في قوله عزّ وجلّ: (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)3 وأمثاله، أو المعنى كانت على الأُمم السالفة كذلك، وما سيأتي من أخبار صلاة سليمان(عليه السلام) يؤيّد الثاني(عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) تخصيص المؤمنين لتحريضهم وترغيبهم على حفظها وحفظ أوقاتها، حالتي الأمن والخوف، ومراعاة جميع حدودها في حال الأمن،

1 . مجمع البيان:2/290.
2 . النساء:103.
3 . النساء:92 و 104 و 170 وغير ذلك.

صفحه 85
وإيماء بأنّ ذلك من مقتضى الإيمان وشعار أهله، فلا يجوز أن يفوتهم، وأنّ التساهل فيها يخلُّ بالإيمان، وأنّهم هم المنتفعون بها لعدم صحّتها من غيرهم.
(كِتَابًا مَوْقُوتًا) قال الطبرسي(رحمه الله): اختلف في تأويله، فقيل: معناه واجبة مفروضة، عن ابن عبّاس، وهو المرويّ عن الباقر والصادق(عليهما السلام). وقيل: معناه فرضاً موقّتاً أي منجّماً يؤدُّونها في أنجمها; عن ابن مسعود وقتادة.1
وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام): موقوتاً أي ثابتاً، وليس إن عجلت قليلاً وأخّرت قليلاً بالّذي يضرُّك ما لم تضع تلك الإضاعة، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول لقوم:(أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)2.3
(أَقِمِ الصَّلَوةَ) قيل: معنى إقامة الصلاة تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قوَّمه، أو المداومة والمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت لأنّها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الّذي يتوجّه إليه أهل الرغبة ويتنافسون فيه، وإذا عطّلت وأُضيعت كانت كالشيء الكاسد الّذي لا يرغب فيه، أو التجلّد والتشمّر لأدائها، وأن لا يكون في مؤدّيها فتورٌ ولا توان، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساق، أو أداؤها فعبّر عن الأداء بالإقامة، لأنّ القيام بعض أركانها كما عبّر عنه بالقنوت وبالركوع وبالسجود.
أقول: ويظهر من بعض ما سبق من الأخبار4 أنّه شبّه الصلاة من بين أجزاء الإيمان بعمود الفسطاط؟ فنسب إليها الإقامة لكونها من لوازمه وملائماته.
(طَرَفَيِّ النَّهَارِ): أي غدوة وعشيّة وانتصابه على الظرف، لأنّه مضاف إليه

1 . مجمع البيان:3/178.
2 . مريم:60.
3 . الكافي:3/270، ح13، باب من حافظ على صلاته.
4 . بحار الأنوار : 79 / 218 .

صفحه 86
(وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ): أي وساعات منه قريبة من النهار، فإنّه من أزلفه إذا قربه، وهو جمع زلفة، فهو معطوف على طرفي النهار، ويمكن عطفه على الصلاة أي أقم قربة أي ذا قربة في اللّيل، والأوّل أظهر. وقيل: صلاة أحد الطرفين الفجر، والآخر الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشيٌّ، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وعن ابن عبّاس وغيره: أنّ طرفي النهار وقت صلاة الفجر والمغرب، والزلف وقت صلاة العشاء الآخرة. وهو المرويُّ عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث زرارة كما مرّ.
وهذا ممّا يوهم كون أوّل النهار من طلوع الشمس ليكون طرفاه معاً خارجين، ويمكن الجواب بأنّ المتبادر من الطرف أن يكون داخلاً، فإذا ارتكب التجوّز في أحد الطرفين لا يلزم ارتكابه في الآخر، مع أنّه يمكن أن تكون النكتة فيه الحثُّ على المبادرة إلى إيقاع المغرب قريباً من اليوم، ومن قال بدخول وقت المغرب بغيبوبة القرص يمكنه أن يقول بامتداد النهار إلى ذهاب الحمرة، فيستقيم في الجملة. وقيل: بناء هذا القول ظاهراً على أنّ النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشفق، ولعلّه لم يقل به أحد.
وقال في «مجمع البيان»: وترك ذكر الظهر والعصر لأحد أمرين: إمّا لظهورهما في أنّهما صلاة النهار، فكأنّه قال: وأقم الصلاة طرفي النهار، مع المعروفة من صلاة النهار، أو لأنّهما مذكوران على التبع للطرف الآخر، لأنّهما بعد الزوال، فهما أقرب إليه. وقيل: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر وصلاة الزلف المغرب والعشاء، قال الحسن: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «المغرب والعشاء زلفتا اللّيل»، وقيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر.1
وقيل: على تقدير كون المراد بقوله:(وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) أقم صلوات ليقرّب بها إلى الله عزّ وجلّ في بعض اللّيل، يحتمل أن يكون إشارة إلى صلاة اللّيل

1 . مجمع البيان:5/344ـ345.

صفحه 87
المشهورة، وحينئذ ينبغي إدخال العشائين في صلاة طرفي النهار.
أقول: على الوجه الآخر أيضاً يحتمل أن يكون المراد صلاة اللّيل بأن يكون المراد بالزُّلف الساعات القريبة من الصبح.
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) قال الطبرسي: قيل: معناه أنّ الصلوات الخمس تكفّر ما بينها بأن تكون اللاّم للعهد; عن ابن عباس وأكثر المفسّرين، وقد مرّ في باب فضل الصلاة خبر الثماليّ1 وهو يدلّ على ذلك.
وروى الواحديّ باسناده عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصناً يابساً منها فهزّه حتّى تحاتت ورقه، ثمّ قال: ألا تسألني لِمَ أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ تفعله؟ قال: هكذا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منها غصناً يابساً فهزّه حتّى تحاتت ورقه، ثمّ قال: ألا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا؟ قلت: ولِمَ فعلته؟ قال: «إنّ المسلم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلاة الخمس تحاتت خطاياه كما تحاتت هذه الورق»، ثمّ قرأ هذه الآية: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَىِّ النَّهَارِ) إلى آخرها.2
وباسناده عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد ننتظر الصلاة، فقام رجل فقال: يا رسول الله إنّي أصبت ذنباً، فأعرض عنه، فلمّا قضى النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة، قام الرجل فأعاد القول، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أليس قد صلّيت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور؟ قال: بلى، قال: فإنّها كفّارة ذنبك»3. 4

1 . لاحظ : بحار الأنوار:79/220، ح41.
2 . مسند أحمد:5/437.
3 . كنز العمال:8/6 برقم 21626.
4 . مجمع البيان:5/345.

صفحه 88
وفي الحديث النبويّ المشهور: «أنّ الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما، ما اجتنب الكبائر».1
وفي «مجالس الصدوق» عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّ الله يكفّر بكلّ حسنة سيّئة، ثمّ تلا الآية.2
وفي «الكافي» وغيره عن الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية:«إنّ صلاة المؤمن باللّيل يذهب بما عمل من ذنب بالنهار».3 وهذا ممّا يؤيّد كون صلاة اللّيل داخلة في عداد الصلوات الماضية، إذ ظاهر سياق الخبر نافلة اللّيل. وقيل: معناه أنّ المداومة على فعل الحسنات تدعو إلى ترك السيّئات فكأنّها تذهب بها. وقيل: المراد بالحسنات التوبة، ولا يخفى بعده.
(ذَلِكَ): أي ما مرّ من تكفير السيّئات أو الأعمّ (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) تذكار وموعظة لمن تذكّر به وفكّر فيه (وَاصْبِرْ) على الصلاة، أو مطلق الطاعات أو تبليغ الرسالات (فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ): أي المصلّين أو الأعمّ وهو أظهر.
(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) اللاّم للتوقيت مثلها في قولهم: لثلاث خلون، وفي «مجمع البيان» قال قوم: دلوك الشمس زوالها، وهو المرويُّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام)، وقال قوم: هو غروبها; والقول الأوّل هو الأوجه، لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فصلاتا دلوك الشمس: الظهر والعصر، وصلاتا غسق اللّيل هما: المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر. وغسق اللّيل هو أوّل بدو اللّيل. وقيل: هو غروب الشمس. وقيل: سواد اللّيل وظلمته. وقيل: هو انتصاف اللّيل; عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام). واستدلّ قوم من أصحابنا بالآية

1 . مستدرك الوسائل:3/16 برقم 2900; كنز العمال:7/318 برقم 19058.
2 . أمالي الطوسي:26 ح31، المجلس الأوّل. ولم نجده في أمالي الصدوق.
3 . الكافي:3/266 ح10، باب فضل الصلاة.

صفحه 89
على أنّ وقت صلاة الظهر والعصر موسّع إلى آخر النهار لأنّه سبحانه أوجب إقامة الصلاة من وقت دلوكها إلى غسق اللّيل، وذلك يقتضي أنّ ما بينهما وقت.
والحاصل: أنّه تعالى جعل من دلوك الشمس الّذي هو الزوال إلى غسق اللّيل وقتاً للصلوات الأربع إلاّ أنّ الظهر و العصر اشتركا في الوقت من الزوال إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت من الغروب إلى الغسق، وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها.1
أقول: ويدلُّ عليه صحيحة زرارة المتقدّمة ورواية عبيد بن زرارة الآتية وغيرهما،ويدلُّ على أنّ آخر وقت العشائين نصف اللّيل، ويمكن حمله على المختار للأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ وقتها للمضطرّ ممتدٌّ إلى الفجر، وسيأتي القول فيه.
(قُرْآنَ الْفَجْرِ) عطف على الصلاة أي: وأقم قرآن الفجر، وأهل البصرة على أنّ النَّصب على الإغراء، أي: عليك بصلاة الفجر; والأوّل أظهر، وإطلاق قرآن الفجر على صلاته من قبيل تسمية الكلّ باسم الجزء كما مرّ، ولعلّ الوجه في تخصيص هذه الصلاة من بينها بهذا الاسم; لأنّ القراءة مع الجهر بها مستغرقة لجميع ركعاتها، دون باقي الصلاة، أو لأنّ القراءة فيها أهمّ مرغّب فيها أكثر منها في غيرها، ولذلك كانت أطول الصلاة قراءة، فكأنّها تغلب باقي أجزائها، فغلّب في الاسم، وكرّر التعبير عنها به تنبيهاً عليه وترغيباً فيه. وهذا أظهر، ففيها دلالة على استحباب قراءة السور الطوال فيها كما ورد في الأخبار أيضاً.
(إنّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا): أي تشهده ملائكة اللّيل وملائكة النهار كما مرّ في الخبر، أو من حقّه أن يشهده الجمُّ الغفير كما قيل، أو يشهده الكثير من

1 . مجمع البيان:6/282ـ283.

صفحه 90
المصلّين في العادة أو هو المشهود بشواهد القدرة، وبدائع الصنع، ولطائف التدبير من تبدلّ الظلمة بالضياء، والنوم الّذي هو أخو الموت بالانتباه الّذي هو ارتجاع الحياة، وحدوث الضوء المستطيل على الاستقامة في طول الفلك، واستعقاب غلس الظلام، ثمّ انتشار الضياء المستطير المعترض في عرض الأُفق كما قيل، وما في الخبر هو المؤثر.
(فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) قال الطبرسي: أي أشار إليهم. وقيل: كتب لهم في الأرض(أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا): أي صلّوا فيهما، وتسمّى الصلاة سبحة وتسبيحاً لما فيها من التسبيح. وقيل: أراد التسبيح بعينه.1
(وَسَبِّحْ) المراد بالتسبيح إمّا ظاهره فيراد المداومة على التسبيح والتحميد في عموم الأوقات، أو الأوقات المعيّنة، أو الصلاة كما هو المشهور بين المفسّرين. ويؤيّد الأوّل ما رواه في «الخصال»2 عن الصادق(عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية؟ فقال: «فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس وقبل غروبها عشر مرّات:«لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وعلى كلّ شيء قدير». ويؤيّد الثاني ما رواه في «الكافي» عن الباقر(عليه السلام) في قوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)قال: «يعني تطوّع بالنّهار».3
(بِحَمْدِ رَبِّكَ) في موضع الحال أي وأنت حامدٌ لربّك على أن وفّقك للتسبيح وأعانك عليه، أو على أعمّ من ذلك(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)الأشهر أنّ التسبيح قبل الطلوع صلاة الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر (وَمِنْ

1 . مجمع البيان:6/406.
2 . الخصال:452، لكن الحديث ضعيف الاسناد، مخالف لظاهر القرآن بل والإجماع من المسلمين أنّه ليس فريضة عليهم.
3 . الكافي:3/444 ح11، باب صلاة النوافل.

صفحه 91
آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ): أي وتعمّد من ساعاته، جمع إنّى بالكسر والقصر، وأناء بالفتح والمدّ، يعني المغرب والعشاء على المشهور.
(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) تكرير لصلاتي الصبح والمغرب على إرادة الاختصاص كما في قوله:(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ)1 ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الالتباس كقوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)2 ففيها دلالة على وجوب الصلوات الخمس وسعة أوقاتها في الجملة. قيل: ويدلُّ على اشتراك الصلاتين في جميع الوقت وعلى أنّ وقت العشائين جميع اللّيل إلاّ أن يراد بـ (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) بعضٌ معيّن منه حملاً للإضافة على العهد.
وقيل: أطراف النهار إشارة إلى العصر تخصيصاً لها، لأنّها الصلاة الوسطى والجمع باعتبار أنّ كلّ جزء من أوقاتها كأنّه طرف، وقد يؤيّد بقراءة(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) بالكسر عطفاً على (آنَاءِ اللَّيْلِ) فإنّ الظاهر أنّ من للتبعيض، وقبل غروبها صلاة العصر، وأطراف النهار هو الظهر، لأنّ وقته الزوال، وهو آخر النصف الأوّل من النهار وأوّل النصف الثاني.
وقيل: المراد بآناء اللّيل صلاة العشاء وأطراف النهار صلاة الظهر والمغرب لأنّ الظهر في آخر الطرف الأوّل من النهار، وأوّل الطرف الآخر، فهو طرفان منه، والطرف الثالث غروب الشمس فيه صلاة المغرب، ولا يخفى وهنه.
ويفهم من «الكشّاف» قول آخر: وهو أن يكون آناء اللّيل العشاء، وأطراف النهار المغرب والصبح أيضاً على طريق الاختصاص.3 وقد احتمل أن يكون أطراف النهار باعتبار التطوّع في أجزائه آناً فآناً، من دون فريضة أو معها، كما نقل

1 . البقرة:238.
2 . التحريم:5.
3 . تفسير الكشّاف: 2/559.

صفحه 92
الطبرسي(رحمه الله)1 عن ابن عباس في آناء اللّيل أنّها صلاة اللّيل كلّه، ويحمل الأمر على معنييه أو الرجحان المطلق أو الاستحباب باعتبار جواز الترك بالاقتصار على الفريضة أو باختصاص الأمر بالنوافل، فإنّ إطلاق السبحة وإرادة النافلة في رواياتنا شايعة، وفي الخبر المتقدّم عن الباقر(عليه السلام) دلالة عليه، وربّما احتمل ذلك في قوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) أيضاً.
وقيل: يحتمل وجوه أُخرى، منها: أن يكون معنى(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ)وتعمّد بعض آناء اللّيل مختصّاً لها بسبحتها بقرينة التكرار ويكون (فَسَبِّحْ)عطفاً على سبّح أي: فسبّح من آناء اللّيل وأطراف النهار، فيكون الفاء حرف عطف لا جواب الأمر، ويكون الكلام تضمّن تكرار التسبيح في هذه الأوقات إمّا على تكرارها كلّ يوم، أو الأوّل للفرائض، والثاني للنوافل، وعلى الأوّل يحتمل شمولها لهما بل للتعقيب ونحوه.
ومنها: أن يكون الإغراء مجاباً بقوله:(فَسَبِّحْ) ويكون (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)إشارة إلى الصبح والعصر، أو الصّلوات النهاريّة جميعاً على طريق الاختصاص لكثرة عروض الموانع في النهار، هذا مع الاختصاص بالفرائض، أو شمول النوافل أيضاً، وربّما احتمل حينئذ أن يكون (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) إشارة إلى أوقات الخمس لكنّه بعيد جدّاً.
ومنها: أن يكون (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) شاملاً للمغرب والعشاء أيضاً (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)للظهر والعصر (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) إلخ للصلوات الخمس جميعاً مرّة أُخرى، فإن أُريد بالأخير النوافل أمكن التأكيد بالإغراء، لكونها في معرض التهاون لعدم الوجوب. انتهى. ولا يخفى ما في الأكثر من التكلّف والتعسّف، مع عدم الاستناد إلى حجّة ورواية، نعم التعميم بشمول الفرائض والنوافل والصلوات

1 . مجمع البيان:7/66.

صفحه 93
والتسبيحات وسائر الأذكار وجه جمع بين الأخبار، والله يعلم تأويل الآيات وحججه الأخيار.
(لَعَلَّكَ تَرْضَى): أي بالشفاعة والدرجة الرفيعة، وقيل بجميع ما وعدك الله به من النصر، وإعزاز الدين في الدُّنيا، والشفاعة والجنّة في الآخرة.
(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي الأنبياء الّذين تقدّم ذكرهم كانوا يبادرون إلى الطاعات والعبادات، وقال الطبرسي(رحمه الله) فيها دلالة على أنّ المسارعة إلى كلّ طاعة مرغّب فيها، وعلى أنّ الصلاة في أوّل الوقت أفضل.1
(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) قال البيضاوي: إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات، أو دلالة على أنّ ما يحدث فيها من الشواهد ناطقة بتنزيهه واستحقاقه للحمد ممّن له تميّز من أهل السماوات والأرض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأنّ آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر وتخصيص الحمد بالعشاء الّذي هو آخر النهار من عشي العين إذا نقص نورها، والظهيرة الّتي هي وسطه، لأنّ تجدُّد النعم فيهما أكثر، ويجوز أن يكون (عَشِيًّا) معطوفاً على (حِينَ تُمْسُونَ) وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْض) اعتراضاً، وعن ابن عباس أنّ الآية جامعة2 للصلوات الخمس (تُمْسُونَ) صلاتا المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ)صلاة الفجر و (عَشِيًّا)صلاة العصر و (تُظْهِرُونَ)صلاة الظهر. انتهى.3
وقيل: يحتمل أن يكون المراد بتسبيح المساء: المغرب، وبـ : عشيّاً: العشاء، وبـ : تظهرون: الظهرين; وأن يراد بـ : عشيّاً: المغرب والعشاء، وبـ : تمسون: العصر،

1 . مجمع البيان:7/110.
2 . لكن سورة الروم مكية، والصلوات الخمس نزلت بالمدينة.
3 . تفسير البيضاوي:4/331.

صفحه 94
وبـ : تظهرون: الظهر. وقد يقال: معنى أمسى دخل في المساء، وأصبح دخل في الصباح، فتقييد ذلك بحين يقتضي نوع اختصاص بأوّل الوقت فلا يبعد حمل الطلب فيه على الاستحباب، وقال الطبرسي(رحمه الله): وإنّما خصّ تعالى هذه الأوقات بالذكر لأنّها أوقات تذكّر بإحسان الله، وذلك لأنّ انقضاء إحسان أوّل إلى إحسان ثان، يقتضي الحمد عند تمام الإحسان الأوّل، والأخذ في الآخر، كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنّة بقوله: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1 ; لأنّ ذلك حال الانتقال من نعيم الدُّنيا إلى الجنّة.2
وإنّما خصّ صلاة اللّيل باسم التسبيح، وصلاة النهار باسم الحمد، لأنّ الإنسان في النهار منقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها، وفي اللّيل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الأسواء فيها، فلذلك صار الحمد بالنهار أخصّ، فسمّيت به صلاة النهار، والتسبيح باللّيل أخصّ فسمّيت به صلاة اللّيل.
(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) قال الطبرسي(رحمه الله): أي نزّهوه سبحانه عن جميع ما لا يليق به بالغداة والعشيّ، والأصيل العشيّ، وقيل: يعني به صلاة الصبح وصلاة العصر، وقيل: صلاة الصبح وصلاة العشاء الآخرة، خصّهما بالذكر لأنّ لهما مزيّة على غيرهما، وقال الكلبي: أمّا بكرة فصلاة الفجر، وأمّا أصيلاً فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وسمّى الصلاة تسبيحاً لما فيها من التسبيح والتنزيه.3
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) قال في المعالم: قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عبّاس: الصلوات الخمس، وقيل: كان

1 . يونس:10.
2 . مجمع البيان :8/51.
3 . مجمع البيان:8/167.

صفحه 95
الواجب بمكّة ركعتان بكرة وركعتان عشيّة.
وقال الطبرسي(رحمه الله): في قوله تعالى: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي وتصلّوا لله بالغداة والعشيّ.1
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) التسبيح كما مرّ إمّا محمول على ظاهره، أو على الصلاة، أو عليهما. والصلاة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) الفجر (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)الظهران، وقيل: العصر: (وَمِنَ اللَّيْلِ) العشاءان. وقيل: التهجّد (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)التسبيح في أعقاب الصلوات والسجود والركوع يعبّر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات، والأدبار جمع دبر وقرأ بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، ومعناه وقت انقطاع السجود.
وقال في «مجمع البيان»: روي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سئل عن قوله:(وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) فقال: تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرات: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو على كلّ شيء قدير» وقال: في أدبار السجود أقوال: أحدها: أنّ المراد به الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر; عن عليّ بن أبي طالب والحسن بن علي(عليهما السلام)وعن ابن عباس مرفوعاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وثانيها: أنّه التسبيح بعد كلّ صلاة; عن ابن عبّاس ومجاهد. وثالثها: أنّه النوافل بعد المفروضات. ورابعها: أنّه الوتر من آخر الليل، وروي ذلك عن أبي عبد الله(عليه السلام).2
(حِينَ تَقُومُ) قال عليّ بن إبراهيم: لصلاة اللّيل.3

1 . مجمع البيان: 9 / 188 .
2 . مجمع البيان:9/250.
3 . تفسير القمّي:2/333.

صفحه 96
وقال الطبرسي(رحمه الله): من نومك. وقيل: حين تقوم إلى الصلاة المفروضة، فقل «سبحانك اللّهمّ وبحمده». وقيل: معناه وصلِّ بأمر ربّك حين تقوم من منامك. وقيل: الركعتان قبل صلاة الفجر; عن ابن عباس. وقيل: حين تقوم من نوم القائلة وهي صلاة الظهر. وقيل: معناه اذكر الله بلسانك حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة. وقيل: حين تقوم من المجلس، فقل: «سبحانك اللّهمّ وبحمدك لا إله إلاّ أنت اغفر لي وتب عليّ» وقد روي مرفوعاً أنّه كفّارة المجلس. انتهى.1
أقول: وقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليكن آخر كلامه من مجلسه:(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).2
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)قال عليّ بن إبراهيم: يعني صلاة اللّيل.3
وقال الطبرسي(رحمه الله): روى زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) في هذه الآية قالا: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم من اللّيل ثلاث مرات، فينظر في آفاق السماء فيقرأ خمس آيات من آل عمران(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ـ إلى ـ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ثمّ يفتتح صلاة اللّيل». الخبر. وقيل: معناه صلّ المغرب والعشاء الآخرة.
الحثّ على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها وذمّ إضاعتها والاستهانة بها   …
(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) يعني الركعتين قبل صلاة الفجر; عن ابن عباس، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام)، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح. وقيل: يعني صلاة الفجر المفروضة. وقيل: إنّ المعنى لا تغفل عن ذكر ربّك صباحاً ومساء، ونزِّهه في جميع أحوالك ليلاً ونهاراً، فإنّه لا يغفل عنك وعن

1 . مجمع البيان:9/283.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/325 برقم 954.
3 . تفسير القمّي:2/333.

صفحه 97
حفظك. وقيل: فيها وجوه أُخرى لم تستند إلى خبر ولا أثر، فلذا لم نتعرّض لها.1
(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) يمكن حمله على صلوات طرفي النهار (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) على فرائض اللّيل (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) على التهجّد، قال الطبرسي(رحمه الله): روي عن الرضا(عليه السلام) أنّه سأله أحمد بن محمّد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة اللّيل.2

[الباب الرابع]

الحثّ على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها وذمّ إضاعتها والاستهانة بها3

الآيات:

البقرة(2):(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطىَ). 238.
الأنعام(6):(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ).92.
مريم(19):(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).59.
الأنبياء(21):(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).90.
المؤمنون(23):(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ). 9.

1 . مجمع البيان:9/283.
2 . مجمع البيان:10/226.
3 . بحار الأنوار:80 / 1ـ6، الباب6.

صفحه 98
وقال تعالى:(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).61.
النور(24):(فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب).36 ـ 38.
المعارج(70):(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) إلى قوله تعالى:(وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ).22ـ23.
الماعون(107):(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ).4 ـ 5.

التفسير:

(يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي بالقرآن أو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ) قال الطبرسي: أي على أوقاتها (يُحَافِظُونَ): أي يراعونها ليؤدُّوها فيها ويقيموها بإتمام ركوعها وسجودها، وجميع أركانها، ففي هذا دلالة على عظم قدر الصلاة ومنزلتها، لأنّه سبحانه خصّها بالذكر من بين سائر الفرائض، ونبّه على أنّ من كان مصدّقاً بالقيامة وبالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخلُّ بها ولا يتهاون بها ولا يتركها.1
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ): أي فعقّبهم وجاء من بعدهم عقب سوء، يقال: خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون (أَضَاعُوا الصَّلَوةَ) قيل: أي تركوها، وقيل: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها، قال الطبرسي(رحمه الله): وهو المرويّ عن أبي عبد الله(عليه السلام).2
وفي «الكافي» عن الصادق(عليه السلام) ـ في حديث ـ : «وليس إن عجّلت قليلاً أو

1 . مجمع البيان:4/111.
2 . مجمع البيان:6/431.

صفحه 99
أخّرت قليلاً بالّذي يضرُّك ما لم تضيّع تلك الإضاعة، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول لقوم:(أَضَاعُوا الصَّلَوةَ) الآية.1
(وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ): أي فيما حرّم عليهم.
وفي الجامع عن أمير المؤمنين(عليه السلام):«مَن بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور».2
وفي «المجمع»: قال وهب: فخلف من بعدهم خلف شرّابون للقهوات3، لعّابون بالكعبات، ركّابون للشهوات، متّبعون للّذات، تاركون للجمعات، مضيّعون للصلوات (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا): أي جزاء الغيّ; وعن ابن عبّاس: أي شرّاً وخيبة، وقيل: الغيّ واد في جهنّم.4
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قال عليّ بن إبراهيم: أي على أوقاتها وحدودها.5 وفي «الكافي» عن الباقر(عليه السلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال: «هي الفريضة» قيل:(اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) قال: «النافلة».6
(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي يبادرون إلى الطاعات، ويسابقون إليها رغبة منهم فيها (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): أي وهم لأجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنّة أو هم إليها سابقون. قيل: أي سبقوا الأُمم أو أمثالهم إلى الخيرات. والآية تدلُّ على استحباب أداء الفرائض والنوافل في أوائل أوقاتها.

1 . الكافي:3/270 ح13.
2 . تفسير جوامع الجامع:2/459.
3 . المراد بالقهوة: الخمر، يقال: سُمّيت الخمر قهوة لأنّها تقهى: أي تذهب بشهوة الطعام. صحاح الجوهري:6/247، مادة «قها».
4 . مجمع البيان:6/431ـ 432.
5 . تفسير القمّي:2/89.
6 . الكافي:3/270 ح12، باب من حافظ على صلاته.

صفحه 100
(فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ): أي المشكاة المقدّم ذكرها في بيوت هذه صفتها وهي المساجد في قول ابن عبّاس وجماعة. وقيل: هي بيوت الأنبياء. قال الطبرسي: روي ذلك مرفوعاً أنّه سئل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قرأ الآية: أيّ بيوت هذه؟ فقال: بيوت الأنبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، قال: «نعم، من أفاضلها» ويعضده آية التطهير وقوله تعالى:(رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)1.2
فالمراد بالرفع التعظيم، ورفع القدر من الأرجاس، والتطهير من المعاصي والأدناس. وقيل: المراد برفعها رفع الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقد مرّ في كتاب الحجّة الأخبار الكثيرة في تأويل البيوت وأهلها، فلا نعيدها.3
(وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قيل: أي يتلى فيها كتابه. وقيل: أي يذكر فيها أسماؤه الحسنى (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) قال الطبرسي(رحمه الله): أي يصلّى له فيها بالبُكر والعشايا; عن ابن عباس وقال: كلُّ تسبيح في القرآن صلاة. وقيل: المراد به معناه المشهور، (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ): أي لا تشغلهم ولا تصرفهم (تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ): أي إقامتها، فحذف الهاء لأنّها عوض عن الواو في إقوام، فلمّا أضافه صار المضاف إليه عوضاً عن الهاء; وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام): «أنّهم قوم إذا حضرت الصلاة تركوا التجارة، وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجراً ممّن لم يتّجر». انتهى.4
وفي «الفقيه» عن الصادق(عليه السلام) في هذه الآية قال: «كانوا أصحاب تجارة فإذا

1 . هود:73.
2 . مجمع البيان:7/253.
3 . راجع: بحار الأنوار : 23 / 327، الباب 19 .
4 . مجمع البيان:7/253ـ254.
Website Security Test