welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج 2

الموجز
في أُصول الفقه

يبحث عن الأدلة اللفظية والعقلية

تأليف

العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني

الجزء الثاني

قرّرت اللّجنة العلمية المشرفة على المناهج الدراسية في الحوزة العلمية
تدريسه لطلاب السنة الرابعة


(234)

(235)

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )

(التوبة: 122 )


(237)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

أمّا بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «الموجز في أُصول الفقه» يبحث عن الأدلّة العقلية والأمارات الشرعية والأُصول العملية والتعارض و الترجيح و الاجتهاد والتقليد.

وهذا الجزء كسابقه يركِّز على الآراء المشهورة بين المتأخرين من أصحابنا الأُصوليين، بصياغة خالية عن الإيجاز المخلّ والإطناب المملّ، مع تطبيقات وضعناها في ذيل بعض الفصول بُغْيةَ رفع المستوى العلمي للطالب، و ترسيخ الأبحاث الأُصولية، وهي بمثابة التمرين في سائر العلوم، وبالتالي يجسِّد الارتباطَ الوثيق بين الفقه و أُصوله.

وبما أنّ لكل علم لغته و اصطلاحه، فقد آلينا أن تكون الكتابة على صعيد اللغة الدارجة في هذا العلم، آملين أن ينتفع به روّاد هذا العلم و طلاّب الفضيلة، واللّه من وراء القصد.

المؤلّف


(238)


(239)

الفهرس العام لهذا الجزء

1. المقصد السادس: في الحجج الشرعية

وفيه مقامان:

المقام الأوّل: في القطع وأحكامه وفيه ستة فصول.

المقام الثاني: في الظنون المعتبرة وإمكان التعبد بها وفيه سبعة فصول.

2.المقصد السابع: في الأُصول العملية وفيه خمسة فصول.

3. المقصد الثامن: في تعارض الأدلّة الشرعية وفيه أربعة أُمور وفصلان.


(240)


(241)

المقصد السادس

في الحجج والأمارات وفيه مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: القطع وأحكامه وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في حجّية القطع.

الفصل الثاني : في التجرّي وأحكامه.

الفصل الثالث: في تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي، والثاني إلى موضوعي طريقي وموضوعي وصفيّ.

الفصل الرابع: في الموافقة الالتزامية.

الفصل الخامس: في قطع القطّاع.

الفصل السادس: في أنّ المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً.

المقام الثاني: الظنون المعتبرة وإمكان التعبد بها وفيه فصول:

الفصل الأوّل: حجّية ظواهر الكتاب.

الفصل الثاني: حجّية الشهرة الفتوائية.

الفصل الثالث: حجّية السنّة المحكية بخبر الواحد.

الفصل الرابع: حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

الفصل الخامس:حجّية قول اللغوي.

الفصل السادس: حجّية العقل.


(242)


(243)

المقصد السادس
الحجج والأمارات

و هذا المقصد من أهم المقاصد في علم الأُصول، فإنّ المستنبِط يبذل الجهد للعثور على ما هو حجّة بينه و بين ربّه، فيثاب إن أصاب الواقع، ويُعذَّر إن أخطأه.

وقد يعبّر عن هذا البحث بمصادر الفقه و أدلّته، وهي عندنا منحصرة في أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، والعقل. و هي معتبرة عند كلا الفريقين مع اختلاف بينهم في سعة حجيّة العقل. غير انّ أهل السنّة يفترقون عن الشيعة في القول بحجية أُمور أُخرى ستوافيك في محلّها.

وقبل الخوض في المقصود نذكر تقسيم المكلّف حسب الحالات، فنقول:

تقسيم المكلّف باعتبار الحالات

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي له حالات ثلاث:(1)

الأُولى: القطع بالحكم الشرعي الواقعي.

الثانية: الظن بالحكم الشرعي الواقعي.


1 . هذا التقسيم الثلاثيّ موافق لما ذكره الشيخ الأنصاري في الفرائد،و هو تقسيم طبيعي في كلّ موضوع يقع في أُفق الفكر من غير اختصاص بالحكم الشرعي، و هناك تقسيم ثنائي ذكره المحقّق الخراساني، يطلب من محلّه.


(244)

الثالثة: الشكّ في الحكم الشرعي الواقعي.

فإن حصل له القطع، فيلزمه العمل به لاستقلال العقل بذلك، فيثاب عند الموافقة، و يعذَّر عند المخالفة شأن كلّ حجّة.

و إن حصل له الظن بالحكم الواقعي، فإن قام الدليل القطعي على حجّية ذلك الظن كخبر الواحد يجب العمل به، فإنّ الطريق إلى الحكم الشرعي و إن كان ظنياً كما هو المفروض، لكن إذا قام الدليل القطعي من جانب الشارع على حجّية ذلك الطريق، يكون علميّاً وحجّة شرعية .

و إن لم يقم، فهو بحكم الشاك، و وظيفته العمل بالأُصول العملية التي هي حجّة عند عدم الدليل.(1)

فيقع الكلام في مقامات:

المقام الأوّل: القطع و أحكامه.

المقام الثاني: الظنون المعتبرة، ويعبّر عنها بالأمارات.

المقام الثالث: الظنون غير المعتبرة عندنا والمعتبرة عند أهل السنّة.

إنّ مقتضى القاعدة فصل البحث عن الإجماع المحصَّل والدليل العقلي عن باقي الأمارات والظنون، لأنّهما دليلان قطعيان، ولكن لأجل حفظ المنهج السائد في الكتب الأُصولية أدخلنا البحث عن حجّية الإجماع المحصَّل في البحث عن حجّية الإجماع المنقول. كما بحثنا عن الدليل العقلي بعد الفراغ عن حجّية العرف والسيرة، وبذلك تمّ البحث في الأدلّة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع المحصَّل و العقل في هذا المقصد.


1 . ويبحث عن الأُصول العملية في المقصد السابع مستقلاً.


(245)

المقام الأوّل

القطع و أحكامه

وفيه فصول

الفصل الأوّل:

حجّية القطع

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه مادام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، و ليس حجّة منطقية أو أُصولية، ولإيضاح الحال نذكر أقسام الحجّة، فنقول: إنّ الحجّة على أقسام:

1. الحجّة العقلية.

2. الحجّة المنطقية.

3. الحجّة الأُصولية.

أمّا الأُولى، فهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة ، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يحذّره عن المخالفة، و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له.

وبهذا يمتاز القطع عن الظن فانّ العقل لا يستقلُّ بالعمل على وفق الظن ولا يحذِّر عن المخالفة، فلا يكون حجّة إلاّ إذا أُفيضت له الحجّية من المولى، بخلاف القطع فانّ العقل مستقل بالعمل على وفقه والتحذير عن مخالفته و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ حجّية القطع ذاتية دون الظن فإنّها عرضية.


(246)

وبذلك يتبيّن أنّ للقطع خصائص ثلاث:

1. كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.

2. منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يثاب ولو عصى يعاقَب.

3. معذِّريته عند عدم الإصابة، فيعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.

وأمّا الثانية، فهي عبارة عن كون الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، فيوصف بالحجّة المنطقية، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت الحدوث للعالم.

يقال : العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

والقطع ليس حجّة بهذا المعنى لأنّه ليس علّة لثبوت الحكم للموضوع و لامعلولاً له، لأنّ الحكم تابع لموضوعه فإن كان الموضوع موجوداً يثبت له الحكم سواء كان هنا قطع أم لا، وإن لم يكن موجوداً فلا يثبت له، فليس للقطع دور في ثبوت الحكم و لذلك يُعدُّ تنظيم القياس بتوسيط القطع باطلاً، مثل قولك: هذا مقطوع الخمرية، و كلّ مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام، و ذلك لكذب الكبرى، فليس الحرام إلاّنفس الخمر لا خصوص مقطوع الخمرية.

وأمّا الثالثة، فهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، و من المعلوم أنّ القطع غنيّ عن إفاضة الحجّية عليه، و ذلك لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

أضف إليه انّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي أو بدليل ظني،


(247)

وعلى الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته، و هكذا فيتسلسل، و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظن، و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله« أنّ كلّ ما هو بالعرض لابد و أن ينتهي إلى ما بالذات».

وبذلك يعلم أنّه ليس للشارع الأمر المولويّ بالعمل بالقطع لسبق العقل بذلك، كما ليس له المنع عن العمل بالقطع، فلو قطع إنسان بكون مايع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به، لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، و في الواقع إذا أصاب قطعه للواقع.


(248)

الفصل الثاني

التجرّي

التجرّي في اللغة إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هو المولى فيتحقق التجرّي بالإقدام على خلاف ما قطع بوجوبه أو حرمته، سواء كان القطع موافقاً للواقع، أم مخالفاً، فتكون المعصية تجرّياً أيضاً.

وأمّا التجرّي في الاصطلاح، و هو الإقدام على خلاف ما قطع به بشرط أن يكون قطعه مخالفاً للواقع، كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني، فبان خلافهما و انّه لم يكن واجباً أو حراماً.

ويقابله الانقياد في الاصطلاح، فهو عبارة عمّا إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فعمل بالأوّل و ترك الثاني، فبان خلافهما.

والكلام في التجرّي يقع من وجهين:

الأوّل: في حكم ارتكاب ما قطع بحرمته أو ترك ما قطع بوجوبه و أنّه هل هو حرام أو لا؟

الثاني: في حكم الفعل المتجرّى به الذي تحقّق التجرّي في ضمنه من حيث الحرمة وعدمها، و لأجل ذلك يقع الكلام في موضعين:

الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي

وفيه أقوال ثلاثة:


(249)

الأوّل: الحرمة و استحقاق العقاب، و هو خيرة المحقّق الخراساني.

الثاني: عدم الحرمة و عدم استحقاق العقاب، و هو خيرة الشيخ الأنصاري.

الثالث: القول بالحرمة والعقاب إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة وأتى به، فلا يبعد عدم استحقاق العقاب، و هو خيرة صاحب الفصول.

استدل للقول الأوّل بوجوه نذكر منها وجهين:

الأوّل: إذا فرضناشخصين قصدا شرب الخمر فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو عدم عقوبتهما كذلك، أو عقوبة المخطئ دون المصيب، أو بالعكس و الأوّل هو المطلوب والثاني و الثالث خلاف المتّفق عليه، و أمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب والثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.

يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الرابع و هو عقاب المصيب دون المخطئ، و لكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار. وأمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح.

وبعبارة أُخرى: يعاقب المصيب، لأنّه شرب الخمر عن اختيار، كما إذا شربها في حالة الانفراد، ولا يُعاقب المخطئ إذ لم يشربها و إن كان لا عن اختيار.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني من شهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه و هتك حرمة مولاه و خروجه عن رسم العبودية و كونه بصدد الطغيان و العزم على العصيان.

يلاحظ عليه: أنّ موضوع البحث هو مخالفة الحجّة العقلية، لأجل غلبة الهوى على العقل و الشقاء على السعادة. و ربما يرتكب الإنسان مع استيلاء


(250)

الخوف عليه. و أمّا ضمّ عناوين أُخر عليه من الهتك و التمرّد و رفع علم الطغيان فجميعها أجنبية عن المقام، فلا شكّ في استحقاق العقاب إذا عُدّ عمله مصداقاً للهتك و رمزاً للطغيان و إظهاراً للجرأة إلى غير ذلك من العناوين القبيحة.

والحاصل أنّ الإنسان ربما يرتكب ما يقطع بحرمته لا لهتك الستر و إظهار الجرأة، بل لما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي علّمه إيّاه الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ، فقال في مقطع من مناجاته:

«إلهي لم أعصك حين عصيتُك و أنا بربوبيّتك جاحِد، ولا بأمرك مستخِف، ولا لعُقوبَتك متّعرِض، ولا لوعيدِك متهاوِن،بل خطيئة عرضت لي، و سوّلتْ لي نفسي، و غلبتني هواي و أعانَني عليها شِقْوتي و غرّني سترُك المرخى عليّ».

وبذلك ظهر صواب القول الثاني، و هو عدم كون نفس التجرّي محرّماً للقبح الفعلي المستلزم للعقاب.نعم لو كانت هناك عناوين مقبِّحة ـ كما أشرنا ـ يكون حراماً

غاية ما في الباب انّ التجرّي يكشف عن ضعف الإيمان، فيستحق اللوم والذم لا العقاب.

وأمّا القول الثالث، فهو من شعب القول الأوّل، فإذا بان وهنه فنكون في غنى عن دراسته.

الموضع الثاني: حكم الفعل المتجرّى به

الفرق بين التجرّي والمتجرّى به مع كونهما فعلا الإنسان واضح، فانّ الأوّل ينتزع من مخالفة المكلف الحجّةَ العقلية والشرعية، بخلاف الثاني فانّه عبارة عن نفس العمل الخارجي كشرب الماء الذي يتحقق به مخالفة الحجّة.

ثمّ الكلام فيه تارة من حيث كونه قبيحاً و أُخرى من جهة الحرمة الشرعية.


(251)

أمّا الأوّل، فهو منتف قطعاً، لأنّ الحسن و القبح يعرضان على الشيء بالملاك الواقعي فيه، و المفروض أنّ الفعل المتجرّى به هو شرب الماء و هو فاقد لملاك القبح.

وأمّا الثاني، فلا دليل على الحرمة، لأنّ الحرام هو شرب الخمر، و المفروض أنّه شرب الماء و ليس هناك دليل يدل على أنّ شرب ما يقطع الشارب بكونه خمراً حرام، و ذلك لأنّ الحرمة تتعلّق بواقع الموضوعات لا الموضوع المقطوع به فبذلك ظهر عدم حرمة التجرّي ولا المتجرّى به.

غاية الأمر أنّ الفاعل يستحق الذم، لأنّ عمله يكشف عن سوء سريرته.

ولقد استدل على كلا الأمرين بالعديد من الآيات والروايات وتطلب من المطولات.


(252)

الفصل الثالث

تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي
والموضوعي إلى طريقي ووصفي

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، فالقطع طريقي كحرمة الخمر والقمار، ولا دور للقطع حينئذسوى تنجيز الواقع، و إلاّ ـ فمع قطع النظر عن التنجيز ـ فالخمر و القمار حرام سواء كان هناك علم أو لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب كما يكون العلم منجزاً للواقع.

وأمّا إذا أخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، فمثلاً إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة، يكون عندئذ من قسم القطع الموضوعي و لقد وردت في الشريعة المقدسة موارد أخذ القطع وحده أو الظن كذلك موضوعاً للحكم، نظير:

1. الحكم بالصحّة، فإنّه مترتّب على الإحراز القطعي للركعتين في الثنائية وللركعات في الثلاثية من الصلوات و للأُوليين في الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.

2. الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

3. الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز بالقطع أو الظن كون استعمال الماء مضرّاً.

4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا


(253)

الطريقين.

فلو انكشف الخلاف، و أنّ الطريق لم يكن مخطوراً، ولا الماء مضرَّاً، ولا الوقت ضيّقاً لما ضرّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.

ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً. و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع فبما أنّ لكلّ مقنن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة والضيق، فللشارع أيضاًحقّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة ، اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء حصلت من الأسباب العادية أم من غيرها، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها .

تطبيقات

1. انّ قول العدلين أو الشاهد الواحد فيما يعتبر مع اليمين إنّما يكون حجّة في القضاء إذا استند إلى الحس لا إلى الحدس فلو قطعت البيّنة أو الشاهد عن غير طريق الحس فقطعهما حجّة لهما ولا يصحّ للقاضي الحكم استناداً إلى شهادتهما لأنّ المعتبر في الشهادة هو حصول القطع للبيّنة أو الشاهد من طريق الحس.

فالقطع بالنسبة إلى خصوص البيّنة أو الشاهد قطع طريقي محض لا يمكن التصرف فيه ولكن قطعهما بالنسبة إلى القاضي قطع موضوعي وقد تصرّف الشارع في الموضوع وجعل القسم الخاص موضوعاً للحكم(القضاء) لا مطلق القطع و كم له من نظير.

2. إذا حصل اليقين للمجتهد من غير الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فقطعه بالحكم حجّة لنفسه دون المقلد وذلك لما ذكرناه في قطع الشاهد أو البيّنة بالنسبة إلى القاضي .


(254)

3. يجوز للقاضي العمل بعلمه في حقوق الناس لا في حقوق اللّه سبحانه وذلك لأنّ الشارع أخذ قطعه موضوعاً للحكم في القسم الأوّل دون الثاني.

تقسيم القطع الموضوعي إلى طريقي ووصفي

ثمّ إنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قسمين:

1. قطع موضوعي طريقي.

2. قطع موضوعي وصفي.

توضيح ذلك: انّ القطع من الصفات النفسية ذات الإضافة، فله إضافة إلى القاطع (النفس المدرِكة) وإضافة إلى المقطوع به(المعلوم بالذات)، فتارة يؤخذ في الموضوع بما أنّ له وصف الطريقية والمرآتية فيطلق عليه القطع الموضوعي الطريقي، أي أُخذ في الموضوع بما انّ له وصف الحكاية، و أُخرى يؤخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني كسائر الصفات مثل الحسد والبخل والإرادة والكراهة فيطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، أي المأخوذ في الموضوع لا بما أنّه حاك عن شيء وراءه بل بما أنّه وصف للنفس المدركة.

لنفترض انّك تريد شراء مرآة من السوق، فتارة تلاحظها بما أنّها حاكية عن الصور التي تعكسها.وأُخرى تلاحظها بما أنّها صنعت بشكل جميل مثير للإعجاب مع قطع النظر عن محاكاتها للصور.

فالقطع الموضوعي الطريقي أشبه بملاحظة المرأة بما أنّها حاكية، كما أنّ القطع الموضوعي الوصفي أشبه بملاحظة المرأة بما لها من شكل جميل ككونها مربعة أو مستطيلة وغيرهما من الأوصاف.


(255)

الفصل الرابع

الموافقة الالتزامية

لا شكّ أنّ المطلوب في الأُصول الدينيّة و الأُمور الاعتقادية هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً، إنّما الكلام في الأحكام الشرعية التي ثبتت و تنجّزت بالقطع أو بالحجّة الشرعية فهل هناك تكليفان.

أحدهماالالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً وجناناً .ثانيهما الامتثال عملاً وخارجاً.

ولكلّ، امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و خالف عملاً فقد عصى عملاً، كما أنّه لو وافق عملاً وخالف جناناً والتزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤاخذ عليه.

أو أنّ هناك تكليفاً واحداً و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل وإن لم يلتزم بها قلباً و جناناً، و هذا كمواراة الميّت فتكفي وإن لم يلتزم قلباً بأنّها حكم اللّه الشرعي.

فليعلم أنّ البحث في غير الأحكام التعبدية، فإنّ الإمتثال فيها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره أو غير ذلك ممّا لا ينفك الإمتثال عن الإلتزام و التسليم بأنّه حكمه سبحانه، فينحصر البحث عن وجوب الموافقة الإلتزامية و عدمه في الأحكام التوصلية.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الثاني، باعتبار أنّ الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان خير شاهد على عدم صحّة عقوبة العبد الممتثل لأمر المولى و إن لم يلتزم بحكمه.


(256)

ويمكن أن يقال: إنّ الالتزام ـ مع العلم بأنّ الحكم للّه ـ أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلم الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد. كما أفاده السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه .

وعلى هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه.(1)

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، فهل يجري الأصل العملي، كأصل الطهارة في كلّ منهما باعتبار كون كلّواحد منهما مشكوك الطهارة والنجاسة أو لا؟

فثمة موانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي.منها: وجوب الموافقة الالتزامية، فلو قلنا به، لمنع عن جريان الأُصول، فإنّ الالتزام بوجود نجس بين الإناءين، لا يجتمع مع الحكم بطهارة كلّواحد منهما، فمن قال بوجوب الموافقة الالتزامية لايصح له القول بجواز جريان الأصل في أطراف المعلوم إجمالاً، و أمّا من نفاه فهو في فسحة عن خصوص هذا المانع، و أمّا الموانع الأُخر فيبحث عنها في فصل خاص إن شاء اللّه.


1 . لاحظ تهذيب الأُصول:2/46. ولنا فيما أفاده قدَّس سرَّه ملاحظة ذكرناها في محاضراتنا الأُصولية.


(257)

الفصل الخامس

قطع القطّاع

يطلق القطّاع و يراد منه تارة من يحصل له القطع كثيراً، من الأسباب التي لو أُتيحت لغيره لحصل أيضاً، وأُخرى من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لا يحصل منها القطع لغالب الناس و القَطّاع بالمعنى الأوّل زَيْن وآية للذكاء، و بالمعنى الثاني شين وآية الاختلال الفكري، ومحل البحث هو القسم الثاني.

ثمّ إنّ الوسواسي في مورد النجاسات، من قبيل القطّاع يحصل له القطع بها كثيراً من أسباب غير عادية كما أنّه في مورد الخروج عن عهدة التكاليف أيضاً وسواسي لا يحصل له اليقين بسهولة.

ومنه يظهر حال الظنّان، فله أيضاً إطلاقان كالقطاع حذو النعل بالنعل.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه حُكي عن الشيخ الأكبر(1)عدم الاعتناء بقطع القطاع، وتحقيق كلامه يتوقف على البحث في مقامين:

الأوّل: ما إذا كان القطع طريقياً محضاً.

الثاني: ما إذا كان القطع موضوعياً مأخوذاً في الموضوع.

أمّا الأوّل: فالظاهر كون قطعه حجّة عليه و لا يتصوّر نهيه عن العمل به لاستلزام النهي وجود حكمين متناقضين عنده في الشريعة، حيث يقول: الدم نجس وفي الوقت نفسه ينهاه عن العمل بقطعه بأنّ هذا دم.


1 . الشيخ جعفر النجفي المعروف بـ«كاشف الغطاء» المتوفّى (1228هـ).


(258)

نعم لو أراد عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل عند انكشاف الخلاف، كما إذا قطع بدخول الوقت و تبيّن عدم دخوله فيحكم عليه بالبطلان فله وجه، و لكن لا فرق عندئذ بين القطاع و غيره.

وأمّا الثاني: أي القطع الموضوعي فبما أنّ القطع جزء الموضوع، فللمقنّن التصرف في موضوع حكمه، فيصح له جعلُ مطلقِ القطع جزءاً للموضوع، كما يصحّ جعل القطع الخاص جزءاً له ـ أي ما يحصل من الأسباب العاديّة ـ فللنهي عندئذ مجال، فإذا قطع بأسباب غير عادية، فللشارع النهي عن العمل به، لأنّ المأخوذ في الموضوع هو غيره.

ثمّ لو وقف الإنسان على خطأ القاطع ـ قطّاعاً كان أم غيره ـ في الأحكام و الموضوعات فهل يجب على الغير إرشاده أو لا؟ فالظاهر وجوبه في مورد الجهل بالأحكام نظراً إلى أدلّة لزوم إرشاد الجاهل من غير فرق بين البسيط و المركب، و أمّا الموضوعات فلا شكّ في عدم وجوب إرشاده إلاّفي مهام الأُمور كالدماء و الأعراض و الأموال الطائلة.

إنّ قطع القطّاع و إن كان طريقاً إلى الموضوع عنده، لكنّه بالنسبة إلى الغير من قبيل القطع المأخوذ في الموضوع فلو كان الشاهد أو القاضي أو المجتهد قطاعاً فلا يعتد بقطعه، لأنّ المأخوذ في العمل بقطع الشاهد أو القاضي أو المجتهد هو القطع الحاصل من الأسباب العادية لا من غيرها.

هذا كلّه حول القطّاع.

أمّا الظنّان فيمكن للشارع سلب الاعتبار عنه، من غير فرق بين كونه طريقاً محضاً إلى متعلّقه، أو مأخوذاً في الموضوع و الفرق بينه و بين القطع واضح، لأنّ حجّية الظن ليست ذاتية له، و إنّما هي باعتبار الشارع و جعله إيّاه حجّة في مجال الطاعة و المعصية، وعليه يصحّ له نهي الظنّان عن العمل بظنّه من غير فرق بين كونه طريقياً محضاً أو موضوعياً.


(259)

ثمّ إنّ ظن الظنّان يكون محكوماً بحكم الشكّ.

تطبيقات

1. لو ظنّ بعد الخروج عن المحلّ أنّه ترك التشهد، فلا يعود، لكونه من قبيل الشكّ بعد المحل و الشاك بعد الخروج عن المحلّ لا يعود، نعم لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه الرجوع لحجّية الظن في الركعات الأخيرة وفي أجزاء الصلاة.

2. لو ظنّ قبل الخروج عن المحلّ بالإتيان ، فيعود لأنّه بحكم الشاك والشاكّ في المحل يعود و يأتي به مع أنّه لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه عدم الرجوع و الإتيان لما ذكرنا.

3.وأمّا الشكّاك ففيه التفصيل: ففي كلّ مورد لا يعتدّبالشكّ العادي لا يعتنى بشكّ الشكّاك بطريق أولى كالشك بعد المحل، وأمّا المورد الذي يعتنى بالشك العادي فيه و يكون موضوعاً للأثر، فلا يعتنى بشك الشكاك أيضاً، كما في عدد الركعتين الأخيرتين فلو شكّ بين الثلاث و الأربع، و كان شكّه متعارفاً يجب عليه صلاة الاحتياط بعد البناء على الأكثر و أمّا الشكّاك، فلا يعتنى بشكّه ولا يترتب عليه الأثر بشهادة قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» فلو اعتدّبه لم يبق فرق بين الشكّاك و غيره.


(260)

الفصل السادس

هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً؟

المعروف تقسيم العلم إلى تفصيلي و إجمالي، وربما يُعترض بأنّ العلم من مقولة الكشف عن الواقع و هو يلازم التفصيل و ينافي الإجمال، فكيف ينقسم إلى التفصيلي و الإجمالي؟! و لذلك قالوا: إنّ العلم يدور أمره بين الوجود و العدم ، لا الإجمال والتفصيل.

ويجاب عنه بأنّ وصفه بالإجمال من باب وصف الشيء بوصف متعلّقه أو مصداقه.

توضيحه: أنّ العلم إذا تعلّق بوجود النجاسة في البين و تردّد مصداق المعلوم بالتفصيل بين إناءين، فهناك علم تفصيلي تعلّق بمعلوم مثله، و هناك جهل تعلّق بموضع المعلوم بالتفصيل. فحقيقة العلم الإجمالي ترجع إلى علم تفصيلي بالنجاسة و جهل بمصداقها و موضعها، و إلى هذا يرجع قولهم: إنّ الإجمال ليس في نفس العلم وإنّما هو في متعلّقه، و المراد منه هو المصداق لا متعلّق العلم (النجاسة) و إلاّ فلا إجمال لا في العلم و لا في المتعلّق.

ثمّ إنّ العلم بالتكليف قد يراد به العلم الوجداني بالتكليف الذي لا يرضى المولى بتركه أبداً، كما إذا علم بكون أحد الشخصين محقون الدم دون الآخر، و أُخرى يراد به العلم بقيام الحجّة الشرعية على التكليف، كما إذا قامت الأمارة على حرمة العصير العنبي إذا غلى، و تردّد المغلي بين إناءين وشمل إطلاق الأمارة المعلوم بالإجمال.


(261)

والكلام في المقام إنّما هو في الصورة الأُولى أي العلم الوجداني، لا ما إذا قامت الحجّة على الحرمة و تردّدت بين الأمرين، فانّ البحث عن هذا القسم موكول إلى مبحث الاحتياط من الأُصول العملية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّهم اختلفوا في أنّ العلم الإجمالي هل هو كالعلم التفصيلي بالتكليف ثبوتاً وإثباتاً أو لا؟ فالبحث يقع في موضعين:

الأوّل: منجّزية العلم الإجمالي.

الثاني: كفاية الامتثال الإجمالي.

أمّا الأوّل، أي منجّزية العلم الإجمالي فلا شكّ في أنّ العلم الإجمالي بوجود التكليف الذي لا يرضى المولى بتركه منجّز للواقع، و معنى التنجيز هو وجوب الخروج عن عهدة التكليف، فلو علم وجداناً بوجوب أحد الفعلين أو حرمة أحدهما، يجب عليه الإتيان بهما في الأوّل و تركهما في الثاني و لا تكفي الموافقة الاحتمالية بفعل واحد أو ترك واحد منهما.

وبهذا ظهر أنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في لزوم الموافقة القطعية (وعدم كفاية الموافقة الاحتمالية) وحرمة المخالفة القطعية و ليس للشارع في هذا المقام جعل الترخيص بترك واحد أو كليهما إذا تعلّق العلم الإجمالي بالواجب، أو جعل الترخيص بفعل أحدهما أو كليهما إذا تعلّق بالحرام، و ذلك لأنّ العلم طريق و ليس للشارع دور في هذا النوع من العلم، و الترخيص يستلزم وجود التناقض في كلام الشارع عند القاطع ويستلزم التناقض ثبوتاً فيما إذا أصاب الواقع. وبذلك اتّضح عدم جريان الأُصول في أطراف العلم القطعي بالتكليف وإن كان المصداق مردداً بين شيئين.

وأمّا الثاني، أي كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فله صور:


(262)

الصورة الأُولى: كفاية الامتثال الإجمالي في التوصليات، كما إذا علم بوجوب مواراة أحد الميّتين فيواريهما من دون استعلام حال واحد منهما، و مثله التردّد في وقوع الإنشاء بلفظ النكاح، أو بلفظ الزواج، فينشئ بكلا اللفظين.

الصورة الثانية: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديّات فيما إذا لم يستلزم التكرار، كما إذا تردّد الواجب بين غسل الجنابة و غسل مسّ الميت، فيغتسل إمتثالاً للأمر الواقعي أو شكّ بين وجوب السورة في الصلاة أو ندبها، فيأتي بها في الصلاة احتياطاً مع التمكّن من العلم التفصيلي أو الظن التفصيلي الذي دلّ الدليل على كونه حجّة، وهذا أيضاً لا إشكال في جوازه ولا يجب عليه التفحص عن الواجب و إن تمكن منه، لأنّ الصحّة في العبادات رهن إتيان الفعل لأمره سبحانه و المفروض أنّه إنّما أتى به امتثالاً لأمره الواقعي.

الصورة الثالثة: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديات فيما إذا استلزم التكرار، كما إذا تردّد أمر القبلة بين جهتين، أو تردّد الواجب بين الظهر وا لجمعة مع إمكان التعيين بالإجتهاد أو التقليد فتركهما و امتثل الأمر الواقعي عن طريق تكرار العمل.

فالظاهر هو الصحة سواء تمكّن من تعيين الواجب أم لم يتمكّن، لأنّ حقيقة الطاعة هو الإنبعاث عن أمر المولى بحيث يكون الداعي و المحرّك هو أمره و المفروض أنّ الداعي إلى الإتيان بكلّواحد من الطرفين هو بعث المولى المقطوع به، و لولا بعثه لما قام بالإتيان بواحد من الطرفين.

نعم لا يعلم تعلّق الوجوب بالواحد المعيّن، و لكن الداعي للإتيان بكلّ واحد هو أمر المولى في البين واحتمال انطباقه على كلّ واحد، و يكفي هذا المقدار في حصول الطاعة.

نعم فاته أمران:

ألف: قصد الوجه، والمراد قصد الوجوب أو الندب، إذ لا يمكن له الإتيان


(263)

بكل واحد بنيّة الوجوب.

ب: تمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبّة، كما في مورد السورة المردّدة بين الوجوب والندب.

وبما أنّه لا دليل على وجوبهما فلا يضرّه الفوت.

وبذلك ظهر أنّ الاحتياط في عرض الدليل التفصيلي: الاجتهاد و التقليد. ولذلك قالوا: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته وعادياته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.(1)

فقد خرجنا بنتيجتين:

1. العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في منجّزية التكليف و معذّريته.

2. كفاية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيلي مطلقاً سواء تمكّن من التفصيلي أو لا.

وبذلك تمّ الكلام في أحكام القطع، و حان الآن البحث عن أحكام الظن الذي هوالحالة الثانية للمكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي.


1 . العروة الوثقى: فصل التقليد، المسألة الأُولى.
Website Security Test