welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج 2

الموجز
في أُصول الفقه

يبحث عن الأدلة اللفظية والعقلية

تأليف

العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني

الجزء الثاني

قرّرت اللّجنة العلمية المشرفة على المناهج الدراسية في الحوزة العلمية
تدريسه لطلاب السنة الرابعة


(234)

(235)

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )

(التوبة: 122 )


(237)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

أمّا بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «الموجز في أُصول الفقه» يبحث عن الأدلّة العقلية والأمارات الشرعية والأُصول العملية والتعارض و الترجيح و الاجتهاد والتقليد.

وهذا الجزء كسابقه يركِّز على الآراء المشهورة بين المتأخرين من أصحابنا الأُصوليين، بصياغة خالية عن الإيجاز المخلّ والإطناب المملّ، مع تطبيقات وضعناها في ذيل بعض الفصول بُغْيةَ رفع المستوى العلمي للطالب، و ترسيخ الأبحاث الأُصولية، وهي بمثابة التمرين في سائر العلوم، وبالتالي يجسِّد الارتباطَ الوثيق بين الفقه و أُصوله.

وبما أنّ لكل علم لغته و اصطلاحه، فقد آلينا أن تكون الكتابة على صعيد اللغة الدارجة في هذا العلم، آملين أن ينتفع به روّاد هذا العلم و طلاّب الفضيلة، واللّه من وراء القصد.

المؤلّف


(238)


(239)

الفهرس العام لهذا الجزء

1. المقصد السادس: في الحجج الشرعية

وفيه مقامان:

المقام الأوّل: في القطع وأحكامه وفيه ستة فصول.

المقام الثاني: في الظنون المعتبرة وإمكان التعبد بها وفيه سبعة فصول.

2.المقصد السابع: في الأُصول العملية وفيه خمسة فصول.

3. المقصد الثامن: في تعارض الأدلّة الشرعية وفيه أربعة أُمور وفصلان.


(240)


(241)

المقصد السادس

في الحجج والأمارات وفيه مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: القطع وأحكامه وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في حجّية القطع.

الفصل الثاني : في التجرّي وأحكامه.

الفصل الثالث: في تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي، والثاني إلى موضوعي طريقي وموضوعي وصفيّ.

الفصل الرابع: في الموافقة الالتزامية.

الفصل الخامس: في قطع القطّاع.

الفصل السادس: في أنّ المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً.

المقام الثاني: الظنون المعتبرة وإمكان التعبد بها وفيه فصول:

الفصل الأوّل: حجّية ظواهر الكتاب.

الفصل الثاني: حجّية الشهرة الفتوائية.

الفصل الثالث: حجّية السنّة المحكية بخبر الواحد.

الفصل الرابع: حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

الفصل الخامس:حجّية قول اللغوي.

الفصل السادس: حجّية العقل.


(242)


(243)

المقصد السادس
الحجج والأمارات

و هذا المقصد من أهم المقاصد في علم الأُصول، فإنّ المستنبِط يبذل الجهد للعثور على ما هو حجّة بينه و بين ربّه، فيثاب إن أصاب الواقع، ويُعذَّر إن أخطأه.

وقد يعبّر عن هذا البحث بمصادر الفقه و أدلّته، وهي عندنا منحصرة في أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، والعقل. و هي معتبرة عند كلا الفريقين مع اختلاف بينهم في سعة حجيّة العقل. غير انّ أهل السنّة يفترقون عن الشيعة في القول بحجية أُمور أُخرى ستوافيك في محلّها.

وقبل الخوض في المقصود نذكر تقسيم المكلّف حسب الحالات، فنقول:

تقسيم المكلّف باعتبار الحالات

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي له حالات ثلاث:(1)

الأُولى: القطع بالحكم الشرعي الواقعي.

الثانية: الظن بالحكم الشرعي الواقعي.


1 . هذا التقسيم الثلاثيّ موافق لما ذكره الشيخ الأنصاري في الفرائد،و هو تقسيم طبيعي في كلّ موضوع يقع في أُفق الفكر من غير اختصاص بالحكم الشرعي، و هناك تقسيم ثنائي ذكره المحقّق الخراساني، يطلب من محلّه.


(244)

الثالثة: الشكّ في الحكم الشرعي الواقعي.

فإن حصل له القطع، فيلزمه العمل به لاستقلال العقل بذلك، فيثاب عند الموافقة، و يعذَّر عند المخالفة شأن كلّ حجّة.

و إن حصل له الظن بالحكم الواقعي، فإن قام الدليل القطعي على حجّية ذلك الظن كخبر الواحد يجب العمل به، فإنّ الطريق إلى الحكم الشرعي و إن كان ظنياً كما هو المفروض، لكن إذا قام الدليل القطعي من جانب الشارع على حجّية ذلك الطريق، يكون علميّاً وحجّة شرعية .

و إن لم يقم، فهو بحكم الشاك، و وظيفته العمل بالأُصول العملية التي هي حجّة عند عدم الدليل.(1)

فيقع الكلام في مقامات:

المقام الأوّل: القطع و أحكامه.

المقام الثاني: الظنون المعتبرة، ويعبّر عنها بالأمارات.

المقام الثالث: الظنون غير المعتبرة عندنا والمعتبرة عند أهل السنّة.

إنّ مقتضى القاعدة فصل البحث عن الإجماع المحصَّل والدليل العقلي عن باقي الأمارات والظنون، لأنّهما دليلان قطعيان، ولكن لأجل حفظ المنهج السائد في الكتب الأُصولية أدخلنا البحث عن حجّية الإجماع المحصَّل في البحث عن حجّية الإجماع المنقول. كما بحثنا عن الدليل العقلي بعد الفراغ عن حجّية العرف والسيرة، وبذلك تمّ البحث في الأدلّة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع المحصَّل و العقل في هذا المقصد.


1 . ويبحث عن الأُصول العملية في المقصد السابع مستقلاً.


(245)

المقام الأوّل

القطع و أحكامه

وفيه فصول

الفصل الأوّل:

حجّية القطع

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه مادام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، و ليس حجّة منطقية أو أُصولية، ولإيضاح الحال نذكر أقسام الحجّة، فنقول: إنّ الحجّة على أقسام:

1. الحجّة العقلية.

2. الحجّة المنطقية.

3. الحجّة الأُصولية.

أمّا الأُولى، فهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة ، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يحذّره عن المخالفة، و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له.

وبهذا يمتاز القطع عن الظن فانّ العقل لا يستقلُّ بالعمل على وفق الظن ولا يحذِّر عن المخالفة، فلا يكون حجّة إلاّ إذا أُفيضت له الحجّية من المولى، بخلاف القطع فانّ العقل مستقل بالعمل على وفقه والتحذير عن مخالفته و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ حجّية القطع ذاتية دون الظن فإنّها عرضية.


(246)

وبذلك يتبيّن أنّ للقطع خصائص ثلاث:

1. كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.

2. منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يثاب ولو عصى يعاقَب.

3. معذِّريته عند عدم الإصابة، فيعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.

وأمّا الثانية، فهي عبارة عن كون الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، فيوصف بالحجّة المنطقية، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت الحدوث للعالم.

يقال : العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

والقطع ليس حجّة بهذا المعنى لأنّه ليس علّة لثبوت الحكم للموضوع و لامعلولاً له، لأنّ الحكم تابع لموضوعه فإن كان الموضوع موجوداً يثبت له الحكم سواء كان هنا قطع أم لا، وإن لم يكن موجوداً فلا يثبت له، فليس للقطع دور في ثبوت الحكم و لذلك يُعدُّ تنظيم القياس بتوسيط القطع باطلاً، مثل قولك: هذا مقطوع الخمرية، و كلّ مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام، و ذلك لكذب الكبرى، فليس الحرام إلاّنفس الخمر لا خصوص مقطوع الخمرية.

وأمّا الثالثة، فهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، و من المعلوم أنّ القطع غنيّ عن إفاضة الحجّية عليه، و ذلك لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

أضف إليه انّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي أو بدليل ظني،


(247)

وعلى الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته، و هكذا فيتسلسل، و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظن، و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله« أنّ كلّ ما هو بالعرض لابد و أن ينتهي إلى ما بالذات».

وبذلك يعلم أنّه ليس للشارع الأمر المولويّ بالعمل بالقطع لسبق العقل بذلك، كما ليس له المنع عن العمل بالقطع، فلو قطع إنسان بكون مايع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به، لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، و في الواقع إذا أصاب قطعه للواقع.


(248)

الفصل الثاني

التجرّي

التجرّي في اللغة إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هو المولى فيتحقق التجرّي بالإقدام على خلاف ما قطع بوجوبه أو حرمته، سواء كان القطع موافقاً للواقع، أم مخالفاً، فتكون المعصية تجرّياً أيضاً.

وأمّا التجرّي في الاصطلاح، و هو الإقدام على خلاف ما قطع به بشرط أن يكون قطعه مخالفاً للواقع، كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني، فبان خلافهما و انّه لم يكن واجباً أو حراماً.

ويقابله الانقياد في الاصطلاح، فهو عبارة عمّا إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فعمل بالأوّل و ترك الثاني، فبان خلافهما.

والكلام في التجرّي يقع من وجهين:

الأوّل: في حكم ارتكاب ما قطع بحرمته أو ترك ما قطع بوجوبه و أنّه هل هو حرام أو لا؟

الثاني: في حكم الفعل المتجرّى به الذي تحقّق التجرّي في ضمنه من حيث الحرمة وعدمها، و لأجل ذلك يقع الكلام في موضعين:

الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي

وفيه أقوال ثلاثة:


(249)

الأوّل: الحرمة و استحقاق العقاب، و هو خيرة المحقّق الخراساني.

الثاني: عدم الحرمة و عدم استحقاق العقاب، و هو خيرة الشيخ الأنصاري.

الثالث: القول بالحرمة والعقاب إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة وأتى به، فلا يبعد عدم استحقاق العقاب، و هو خيرة صاحب الفصول.

استدل للقول الأوّل بوجوه نذكر منها وجهين:

الأوّل: إذا فرضناشخصين قصدا شرب الخمر فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو عدم عقوبتهما كذلك، أو عقوبة المخطئ دون المصيب، أو بالعكس و الأوّل هو المطلوب والثاني و الثالث خلاف المتّفق عليه، و أمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب والثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.

يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الرابع و هو عقاب المصيب دون المخطئ، و لكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار. وأمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح.

وبعبارة أُخرى: يعاقب المصيب، لأنّه شرب الخمر عن اختيار، كما إذا شربها في حالة الانفراد، ولا يُعاقب المخطئ إذ لم يشربها و إن كان لا عن اختيار.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني من شهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه و هتك حرمة مولاه و خروجه عن رسم العبودية و كونه بصدد الطغيان و العزم على العصيان.

يلاحظ عليه: أنّ موضوع البحث هو مخالفة الحجّة العقلية، لأجل غلبة الهوى على العقل و الشقاء على السعادة. و ربما يرتكب الإنسان مع استيلاء


(250)

الخوف عليه. و أمّا ضمّ عناوين أُخر عليه من الهتك و التمرّد و رفع علم الطغيان فجميعها أجنبية عن المقام، فلا شكّ في استحقاق العقاب إذا عُدّ عمله مصداقاً للهتك و رمزاً للطغيان و إظهاراً للجرأة إلى غير ذلك من العناوين القبيحة.

والحاصل أنّ الإنسان ربما يرتكب ما يقطع بحرمته لا لهتك الستر و إظهار الجرأة، بل لما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي علّمه إيّاه الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ، فقال في مقطع من مناجاته:

«إلهي لم أعصك حين عصيتُك و أنا بربوبيّتك جاحِد، ولا بأمرك مستخِف، ولا لعُقوبَتك متّعرِض، ولا لوعيدِك متهاوِن،بل خطيئة عرضت لي، و سوّلتْ لي نفسي، و غلبتني هواي و أعانَني عليها شِقْوتي و غرّني سترُك المرخى عليّ».

وبذلك ظهر صواب القول الثاني، و هو عدم كون نفس التجرّي محرّماً للقبح الفعلي المستلزم للعقاب.نعم لو كانت هناك عناوين مقبِّحة ـ كما أشرنا ـ يكون حراماً

غاية ما في الباب انّ التجرّي يكشف عن ضعف الإيمان، فيستحق اللوم والذم لا العقاب.

وأمّا القول الثالث، فهو من شعب القول الأوّل، فإذا بان وهنه فنكون في غنى عن دراسته.

الموضع الثاني: حكم الفعل المتجرّى به

الفرق بين التجرّي والمتجرّى به مع كونهما فعلا الإنسان واضح، فانّ الأوّل ينتزع من مخالفة المكلف الحجّةَ العقلية والشرعية، بخلاف الثاني فانّه عبارة عن نفس العمل الخارجي كشرب الماء الذي يتحقق به مخالفة الحجّة.

ثمّ الكلام فيه تارة من حيث كونه قبيحاً و أُخرى من جهة الحرمة الشرعية.


(251)

أمّا الأوّل، فهو منتف قطعاً، لأنّ الحسن و القبح يعرضان على الشيء بالملاك الواقعي فيه، و المفروض أنّ الفعل المتجرّى به هو شرب الماء و هو فاقد لملاك القبح.

وأمّا الثاني، فلا دليل على الحرمة، لأنّ الحرام هو شرب الخمر، و المفروض أنّه شرب الماء و ليس هناك دليل يدل على أنّ شرب ما يقطع الشارب بكونه خمراً حرام، و ذلك لأنّ الحرمة تتعلّق بواقع الموضوعات لا الموضوع المقطوع به فبذلك ظهر عدم حرمة التجرّي ولا المتجرّى به.

غاية الأمر أنّ الفاعل يستحق الذم، لأنّ عمله يكشف عن سوء سريرته.

ولقد استدل على كلا الأمرين بالعديد من الآيات والروايات وتطلب من المطولات.


(252)

الفصل الثالث

تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي
والموضوعي إلى طريقي ووصفي

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، فالقطع طريقي كحرمة الخمر والقمار، ولا دور للقطع حينئذسوى تنجيز الواقع، و إلاّ ـ فمع قطع النظر عن التنجيز ـ فالخمر و القمار حرام سواء كان هناك علم أو لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب كما يكون العلم منجزاً للواقع.

وأمّا إذا أخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، فمثلاً إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة، يكون عندئذ من قسم القطع الموضوعي و لقد وردت في الشريعة المقدسة موارد أخذ القطع وحده أو الظن كذلك موضوعاً للحكم، نظير:

1. الحكم بالصحّة، فإنّه مترتّب على الإحراز القطعي للركعتين في الثنائية وللركعات في الثلاثية من الصلوات و للأُوليين في الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.

2. الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

3. الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز بالقطع أو الظن كون استعمال الماء مضرّاً.

4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا


(253)

الطريقين.

فلو انكشف الخلاف، و أنّ الطريق لم يكن مخطوراً، ولا الماء مضرَّاً، ولا الوقت ضيّقاً لما ضرّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.

ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً. و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع فبما أنّ لكلّ مقنن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة والضيق، فللشارع أيضاًحقّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة ، اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء حصلت من الأسباب العادية أم من غيرها، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها .

تطبيقات

1. انّ قول العدلين أو الشاهد الواحد فيما يعتبر مع اليمين إنّما يكون حجّة في القضاء إذا استند إلى الحس لا إلى الحدس فلو قطعت البيّنة أو الشاهد عن غير طريق الحس فقطعهما حجّة لهما ولا يصحّ للقاضي الحكم استناداً إلى شهادتهما لأنّ المعتبر في الشهادة هو حصول القطع للبيّنة أو الشاهد من طريق الحس.

فالقطع بالنسبة إلى خصوص البيّنة أو الشاهد قطع طريقي محض لا يمكن التصرف فيه ولكن قطعهما بالنسبة إلى القاضي قطع موضوعي وقد تصرّف الشارع في الموضوع وجعل القسم الخاص موضوعاً للحكم(القضاء) لا مطلق القطع و كم له من نظير.

2. إذا حصل اليقين للمجتهد من غير الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فقطعه بالحكم حجّة لنفسه دون المقلد وذلك لما ذكرناه في قطع الشاهد أو البيّنة بالنسبة إلى القاضي .


(254)

3. يجوز للقاضي العمل بعلمه في حقوق الناس لا في حقوق اللّه سبحانه وذلك لأنّ الشارع أخذ قطعه موضوعاً للحكم في القسم الأوّل دون الثاني.

تقسيم القطع الموضوعي إلى طريقي ووصفي

ثمّ إنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قسمين:

1. قطع موضوعي طريقي.

2. قطع موضوعي وصفي.

توضيح ذلك: انّ القطع من الصفات النفسية ذات الإضافة، فله إضافة إلى القاطع (النفس المدرِكة) وإضافة إلى المقطوع به(المعلوم بالذات)، فتارة يؤخذ في الموضوع بما أنّ له وصف الطريقية والمرآتية فيطلق عليه القطع الموضوعي الطريقي، أي أُخذ في الموضوع بما انّ له وصف الحكاية، و أُخرى يؤخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني كسائر الصفات مثل الحسد والبخل والإرادة والكراهة فيطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، أي المأخوذ في الموضوع لا بما أنّه حاك عن شيء وراءه بل بما أنّه وصف للنفس المدركة.

لنفترض انّك تريد شراء مرآة من السوق، فتارة تلاحظها بما أنّها حاكية عن الصور التي تعكسها.وأُخرى تلاحظها بما أنّها صنعت بشكل جميل مثير للإعجاب مع قطع النظر عن محاكاتها للصور.

فالقطع الموضوعي الطريقي أشبه بملاحظة المرأة بما أنّها حاكية، كما أنّ القطع الموضوعي الوصفي أشبه بملاحظة المرأة بما لها من شكل جميل ككونها مربعة أو مستطيلة وغيرهما من الأوصاف.


(255)

الفصل الرابع

الموافقة الالتزامية

لا شكّ أنّ المطلوب في الأُصول الدينيّة و الأُمور الاعتقادية هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً، إنّما الكلام في الأحكام الشرعية التي ثبتت و تنجّزت بالقطع أو بالحجّة الشرعية فهل هناك تكليفان.

أحدهماالالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً وجناناً .ثانيهما الامتثال عملاً وخارجاً.

ولكلّ، امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و خالف عملاً فقد عصى عملاً، كما أنّه لو وافق عملاً وخالف جناناً والتزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤاخذ عليه.

أو أنّ هناك تكليفاً واحداً و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل وإن لم يلتزم بها قلباً و جناناً، و هذا كمواراة الميّت فتكفي وإن لم يلتزم قلباً بأنّها حكم اللّه الشرعي.

فليعلم أنّ البحث في غير الأحكام التعبدية، فإنّ الإمتثال فيها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره أو غير ذلك ممّا لا ينفك الإمتثال عن الإلتزام و التسليم بأنّه حكمه سبحانه، فينحصر البحث عن وجوب الموافقة الإلتزامية و عدمه في الأحكام التوصلية.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الثاني، باعتبار أنّ الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان خير شاهد على عدم صحّة عقوبة العبد الممتثل لأمر المولى و إن لم يلتزم بحكمه.


(256)

ويمكن أن يقال: إنّ الالتزام ـ مع العلم بأنّ الحكم للّه ـ أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلم الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد. كما أفاده السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه .

وعلى هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه.(1)

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، فهل يجري الأصل العملي، كأصل الطهارة في كلّ منهما باعتبار كون كلّواحد منهما مشكوك الطهارة والنجاسة أو لا؟

فثمة موانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي.منها: وجوب الموافقة الالتزامية، فلو قلنا به، لمنع عن جريان الأُصول، فإنّ الالتزام بوجود نجس بين الإناءين، لا يجتمع مع الحكم بطهارة كلّواحد منهما، فمن قال بوجوب الموافقة الالتزامية لايصح له القول بجواز جريان الأصل في أطراف المعلوم إجمالاً، و أمّا من نفاه فهو في فسحة عن خصوص هذا المانع، و أمّا الموانع الأُخر فيبحث عنها في فصل خاص إن شاء اللّه.


1 . لاحظ تهذيب الأُصول:2/46. ولنا فيما أفاده قدَّس سرَّه ملاحظة ذكرناها في محاضراتنا الأُصولية.


(257)

الفصل الخامس

قطع القطّاع

يطلق القطّاع و يراد منه تارة من يحصل له القطع كثيراً، من الأسباب التي لو أُتيحت لغيره لحصل أيضاً، وأُخرى من يحصل له القطع كثيراً من الأسباب التي لا يحصل منها القطع لغالب الناس و القَطّاع بالمعنى الأوّل زَيْن وآية للذكاء، و بالمعنى الثاني شين وآية الاختلال الفكري، ومحل البحث هو القسم الثاني.

ثمّ إنّ الوسواسي في مورد النجاسات، من قبيل القطّاع يحصل له القطع بها كثيراً من أسباب غير عادية كما أنّه في مورد الخروج عن عهدة التكاليف أيضاً وسواسي لا يحصل له اليقين بسهولة.

ومنه يظهر حال الظنّان، فله أيضاً إطلاقان كالقطاع حذو النعل بالنعل.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه حُكي عن الشيخ الأكبر(1)عدم الاعتناء بقطع القطاع، وتحقيق كلامه يتوقف على البحث في مقامين:

الأوّل: ما إذا كان القطع طريقياً محضاً.

الثاني: ما إذا كان القطع موضوعياً مأخوذاً في الموضوع.

أمّا الأوّل: فالظاهر كون قطعه حجّة عليه و لا يتصوّر نهيه عن العمل به لاستلزام النهي وجود حكمين متناقضين عنده في الشريعة، حيث يقول: الدم نجس وفي الوقت نفسه ينهاه عن العمل بقطعه بأنّ هذا دم.


1 . الشيخ جعفر النجفي المعروف بـ«كاشف الغطاء» المتوفّى (1228هـ).


(258)

نعم لو أراد عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل عند انكشاف الخلاف، كما إذا قطع بدخول الوقت و تبيّن عدم دخوله فيحكم عليه بالبطلان فله وجه، و لكن لا فرق عندئذ بين القطاع و غيره.

وأمّا الثاني: أي القطع الموضوعي فبما أنّ القطع جزء الموضوع، فللمقنّن التصرف في موضوع حكمه، فيصح له جعلُ مطلقِ القطع جزءاً للموضوع، كما يصحّ جعل القطع الخاص جزءاً له ـ أي ما يحصل من الأسباب العاديّة ـ فللنهي عندئذ مجال، فإذا قطع بأسباب غير عادية، فللشارع النهي عن العمل به، لأنّ المأخوذ في الموضوع هو غيره.

ثمّ لو وقف الإنسان على خطأ القاطع ـ قطّاعاً كان أم غيره ـ في الأحكام و الموضوعات فهل يجب على الغير إرشاده أو لا؟ فالظاهر وجوبه في مورد الجهل بالأحكام نظراً إلى أدلّة لزوم إرشاد الجاهل من غير فرق بين البسيط و المركب، و أمّا الموضوعات فلا شكّ في عدم وجوب إرشاده إلاّفي مهام الأُمور كالدماء و الأعراض و الأموال الطائلة.

إنّ قطع القطّاع و إن كان طريقاً إلى الموضوع عنده، لكنّه بالنسبة إلى الغير من قبيل القطع المأخوذ في الموضوع فلو كان الشاهد أو القاضي أو المجتهد قطاعاً فلا يعتد بقطعه، لأنّ المأخوذ في العمل بقطع الشاهد أو القاضي أو المجتهد هو القطع الحاصل من الأسباب العادية لا من غيرها.

هذا كلّه حول القطّاع.

أمّا الظنّان فيمكن للشارع سلب الاعتبار عنه، من غير فرق بين كونه طريقاً محضاً إلى متعلّقه، أو مأخوذاً في الموضوع و الفرق بينه و بين القطع واضح، لأنّ حجّية الظن ليست ذاتية له، و إنّما هي باعتبار الشارع و جعله إيّاه حجّة في مجال الطاعة و المعصية، وعليه يصحّ له نهي الظنّان عن العمل بظنّه من غير فرق بين كونه طريقياً محضاً أو موضوعياً.


(259)

ثمّ إنّ ظن الظنّان يكون محكوماً بحكم الشكّ.

تطبيقات

1. لو ظنّ بعد الخروج عن المحلّ أنّه ترك التشهد، فلا يعود، لكونه من قبيل الشكّ بعد المحل و الشاك بعد الخروج عن المحلّ لا يعود، نعم لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه الرجوع لحجّية الظن في الركعات الأخيرة وفي أجزاء الصلاة.

2. لو ظنّ قبل الخروج عن المحلّ بالإتيان ، فيعود لأنّه بحكم الشاك والشاكّ في المحل يعود و يأتي به مع أنّه لو كان ظاناً متعارفاً كان عليه عدم الرجوع و الإتيان لما ذكرنا.

3.وأمّا الشكّاك ففيه التفصيل: ففي كلّ مورد لا يعتدّبالشكّ العادي لا يعتنى بشكّ الشكّاك بطريق أولى كالشك بعد المحل، وأمّا المورد الذي يعتنى بالشك العادي فيه و يكون موضوعاً للأثر، فلا يعتنى بشك الشكاك أيضاً، كما في عدد الركعتين الأخيرتين فلو شكّ بين الثلاث و الأربع، و كان شكّه متعارفاً يجب عليه صلاة الاحتياط بعد البناء على الأكثر و أمّا الشكّاك، فلا يعتنى بشكّه ولا يترتب عليه الأثر بشهادة قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» فلو اعتدّبه لم يبق فرق بين الشكّاك و غيره.


(260)

الفصل السادس

هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً؟

المعروف تقسيم العلم إلى تفصيلي و إجمالي، وربما يُعترض بأنّ العلم من مقولة الكشف عن الواقع و هو يلازم التفصيل و ينافي الإجمال، فكيف ينقسم إلى التفصيلي و الإجمالي؟! و لذلك قالوا: إنّ العلم يدور أمره بين الوجود و العدم ، لا الإجمال والتفصيل.

ويجاب عنه بأنّ وصفه بالإجمال من باب وصف الشيء بوصف متعلّقه أو مصداقه.

توضيحه: أنّ العلم إذا تعلّق بوجود النجاسة في البين و تردّد مصداق المعلوم بالتفصيل بين إناءين، فهناك علم تفصيلي تعلّق بمعلوم مثله، و هناك جهل تعلّق بموضع المعلوم بالتفصيل. فحقيقة العلم الإجمالي ترجع إلى علم تفصيلي بالنجاسة و جهل بمصداقها و موضعها، و إلى هذا يرجع قولهم: إنّ الإجمال ليس في نفس العلم وإنّما هو في متعلّقه، و المراد منه هو المصداق لا متعلّق العلم (النجاسة) و إلاّ فلا إجمال لا في العلم و لا في المتعلّق.

ثمّ إنّ العلم بالتكليف قد يراد به العلم الوجداني بالتكليف الذي لا يرضى المولى بتركه أبداً، كما إذا علم بكون أحد الشخصين محقون الدم دون الآخر، و أُخرى يراد به العلم بقيام الحجّة الشرعية على التكليف، كما إذا قامت الأمارة على حرمة العصير العنبي إذا غلى، و تردّد المغلي بين إناءين وشمل إطلاق الأمارة المعلوم بالإجمال.


(261)

والكلام في المقام إنّما هو في الصورة الأُولى أي العلم الوجداني، لا ما إذا قامت الحجّة على الحرمة و تردّدت بين الأمرين، فانّ البحث عن هذا القسم موكول إلى مبحث الاحتياط من الأُصول العملية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّهم اختلفوا في أنّ العلم الإجمالي هل هو كالعلم التفصيلي بالتكليف ثبوتاً وإثباتاً أو لا؟ فالبحث يقع في موضعين:

الأوّل: منجّزية العلم الإجمالي.

الثاني: كفاية الامتثال الإجمالي.

أمّا الأوّل، أي منجّزية العلم الإجمالي فلا شكّ في أنّ العلم الإجمالي بوجود التكليف الذي لا يرضى المولى بتركه منجّز للواقع، و معنى التنجيز هو وجوب الخروج عن عهدة التكليف، فلو علم وجداناً بوجوب أحد الفعلين أو حرمة أحدهما، يجب عليه الإتيان بهما في الأوّل و تركهما في الثاني و لا تكفي الموافقة الاحتمالية بفعل واحد أو ترك واحد منهما.

وبهذا ظهر أنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في لزوم الموافقة القطعية (وعدم كفاية الموافقة الاحتمالية) وحرمة المخالفة القطعية و ليس للشارع في هذا المقام جعل الترخيص بترك واحد أو كليهما إذا تعلّق العلم الإجمالي بالواجب، أو جعل الترخيص بفعل أحدهما أو كليهما إذا تعلّق بالحرام، و ذلك لأنّ العلم طريق و ليس للشارع دور في هذا النوع من العلم، و الترخيص يستلزم وجود التناقض في كلام الشارع عند القاطع ويستلزم التناقض ثبوتاً فيما إذا أصاب الواقع. وبذلك اتّضح عدم جريان الأُصول في أطراف العلم القطعي بالتكليف وإن كان المصداق مردداً بين شيئين.

وأمّا الثاني، أي كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فله صور:


(262)

الصورة الأُولى: كفاية الامتثال الإجمالي في التوصليات، كما إذا علم بوجوب مواراة أحد الميّتين فيواريهما من دون استعلام حال واحد منهما، و مثله التردّد في وقوع الإنشاء بلفظ النكاح، أو بلفظ الزواج، فينشئ بكلا اللفظين.

الصورة الثانية: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديّات فيما إذا لم يستلزم التكرار، كما إذا تردّد الواجب بين غسل الجنابة و غسل مسّ الميت، فيغتسل إمتثالاً للأمر الواقعي أو شكّ بين وجوب السورة في الصلاة أو ندبها، فيأتي بها في الصلاة احتياطاً مع التمكّن من العلم التفصيلي أو الظن التفصيلي الذي دلّ الدليل على كونه حجّة، وهذا أيضاً لا إشكال في جوازه ولا يجب عليه التفحص عن الواجب و إن تمكن منه، لأنّ الصحّة في العبادات رهن إتيان الفعل لأمره سبحانه و المفروض أنّه إنّما أتى به امتثالاً لأمره الواقعي.

الصورة الثالثة: كفاية الامتثال الإجمالي في التعبديات فيما إذا استلزم التكرار، كما إذا تردّد أمر القبلة بين جهتين، أو تردّد الواجب بين الظهر وا لجمعة مع إمكان التعيين بالإجتهاد أو التقليد فتركهما و امتثل الأمر الواقعي عن طريق تكرار العمل.

فالظاهر هو الصحة سواء تمكّن من تعيين الواجب أم لم يتمكّن، لأنّ حقيقة الطاعة هو الإنبعاث عن أمر المولى بحيث يكون الداعي و المحرّك هو أمره و المفروض أنّ الداعي إلى الإتيان بكلّواحد من الطرفين هو بعث المولى المقطوع به، و لولا بعثه لما قام بالإتيان بواحد من الطرفين.

نعم لا يعلم تعلّق الوجوب بالواحد المعيّن، و لكن الداعي للإتيان بكلّ واحد هو أمر المولى في البين واحتمال انطباقه على كلّ واحد، و يكفي هذا المقدار في حصول الطاعة.

نعم فاته أمران:

ألف: قصد الوجه، والمراد قصد الوجوب أو الندب، إذ لا يمكن له الإتيان


(263)

بكل واحد بنيّة الوجوب.

ب: تمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبّة، كما في مورد السورة المردّدة بين الوجوب والندب.

وبما أنّه لا دليل على وجوبهما فلا يضرّه الفوت.

وبذلك ظهر أنّ الاحتياط في عرض الدليل التفصيلي: الاجتهاد و التقليد. ولذلك قالوا: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته وعادياته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.(1)

فقد خرجنا بنتيجتين:

1. العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في منجّزية التكليف و معذّريته.

2. كفاية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيلي مطلقاً سواء تمكّن من التفصيلي أو لا.

وبذلك تمّ الكلام في أحكام القطع، و حان الآن البحث عن أحكام الظن الذي هوالحالة الثانية للمكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي.


1 . العروة الوثقى: فصل التقليد، المسألة الأُولى.


(264)

المقام الثاني

أحكام الظن المعتبر

الهدف الأسمى في المقصد السادس هو بيان الحجج الشرعية في الفقه، و كان البحث عن أحكام القطع بحثاً استطرادياً. و لما كانت الحجج الشرعية من قبيل الظنون المعتبرة مسّت الحاجة إلى البحث في موضعين:

الأوّل: إمكان التعبّد بالظن.

الثاني: وقوعه بعد ثبوت إمكانه.

الموضع الأوّل: في إمكان التعبّد بالظن

يطلق الإمكان و يراد منه أحد المعاني الثلاثة:

1. الإمكان الاحتمالي: و هو عدم الجزم بامتناع الشيء بمجرّد سماعه، فإذا سَمع صعود إنسان إلى القمر كان على السامع أن لا يعدّه ممتنعاً بل يحتمل جوازه، و في الوقت نفسه يمكن أن يكون في الواقع من الممكنات أو من الممتنعات، فالإمكان الاحتمالي يجتمع مع كلا الأمرين.

وإليه يشير الشيخ الرئيس في كلامه:كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان مالم يذدك عنه واضح البرهان.

2. الإمكان الذاتي: و هو أن تكون نسبة الوجود و العدم إلى الماهية على حد سواء، و يطلق عليه الإمكان الماهوي كما هو الحال في عامة الممكنات في مقابل كون وجود الشيء ضرورياً كواجب الوجود، أو كونه ممتنعاً كامتناع اجتماع


(265)

النقيضين أو الضدّين.

3. الإمكان الوقوعي: وهو ما لا يترتب على وقوعه مفسدة بعد إمكانه ذاتاً في مقابل خلافه.مثلاً إنّ له سبحانه إدخال المطيع الجنة كما أنّ له إدخاله في النار، ولكن يتمتع الأوّل بالإمكان الوقوعي دون الثاني لكونه منافياً لحكمته.

إذا علمت ذلك، فاعلم أنّ البحث هنا ليس في الإمكان الاحتمالي ولا الذاتي لعدم وجود الشك فيهما إنّما الكلام في الإمكان بالمعنى الثالث، و هو هل تترتب على التعبد بالظن مفسدة أو لا؟

فالقائلون بعدم جواز العمل بالظن ذهبوا إلى الامتناع وقوعاً، كما أنّ القائلين بجواز التعبّد ذهبوا إلى إمكانه كذلك.

ثمّ إنّ القائلين بامتناع التعبد ـ منهم ابن قبة الرازي ـ (1) استدلّوا بوجوه مذكورة في المطولات. و لكن أدلّ دليل على إمكان الشيء بكلا المعنيين(الذاتي والوقوعي) وقوعه في الشريعة الإسلامية كما سيتضح فيما بعد.

الموضع الثاني: في وقوع التعبد بالظن بعد ثبوت إمكانه

قد عرفت إمكان التعبد بالظن، فيقع البحث في وقوعه خارجاً. و قبل الدخول في صلب الموضوع لابدّ أن نبيّن ما هو الأصل في العمل بالظن حتى يكون هو المرجع عند الشكّ، فما ثبت خروجه عن ذلك الأصل نأخذ به، وما لم يثبت نتمسك فيه بالأصل فنقول:

إنّ القاعدة الأوّلية في العمل بالظن هو الحرمة و عدم الحجّية إلاّ ما خرج بالدليل.


1 . هو محمد بن عبد الرحمان بن قبة الرازي المتكلّم الكبير المعاصر لأبي القاسم البلخي المتوفّى عام (317هـ) و قد توفي ابن قبة قبله و له كتاب الانصاف في الإمامة. ترجمه النجاشي في فهرسته برقم 1024.


(266)

والدليل عليه أنّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، و من المعلوم أنّ إسناد المؤدى إلى الشارع إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّه حكم الشارع و إلاّ يكون الإسناد تشريعاً قولياً وعملياً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة(1) ، و ليس التشريع إلاّ إسناد مالم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.

قال سبحانه:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُل ءآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس/59).

فالآية تدل على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه و في غير هذه الصورة يعد افتراءً سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم، و الآية تعم كلا القسمين. و المفروض أنّ العامل بالظن شاكّ في إذنه سبحانه و مع ذلك ينسبه إليه.

وقال سبحانه: (وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِأَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف/28).

تجد أنّه سبحانه يذم التقوّل بمالا يُعلم صدوره من اللّه سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا، والعامل بالظن يتقوّل بلا علم.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الضابطة الكلية في العمل بالظن هو المنع لكونه تشريعاً قوليّاً أو عملياً محرّماً و تقوّلاً على اللّه بغير علم.فالأصل في جميع الظنون أي في باب الحجج هو عدم الحجّية إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته .

ثمّ إنّ الأُصوليين ذكروا خروج بعض الظنون عن هذاالأصل . منها:


1 . الكتاب و السنّة والإجماع والعقل كما أوضحه الشيخ الأعظم في الفرائد،و اقتصرنا في المتن على الكتاب العزيز.


(267)

1.ظواهر الكتاب.

2. الشهرة الفتوائية.

3. خبر الواحد.

4. الإجماع المنقول بخبر الواحد.

5. قول اللغوي.

6. العرف والسيرة.

وبما أنّ الإجماع المحصَّل ودليلَ العقل من الأدلّة القطعية لا الظنّية، عقدنا للأوّل بحثاً في ضمن الفصل الرابع المنعقد لبيان الإجماع المنقول، وأفردنا للثاني فصلاً مستقلاً وبه ارتقت الفصول إلى سبعة.

كلّ ذلك حفظاً للنظام الدارج في الكتب الأُصولية.


(268)

الفصل الأوّل

حجّية ظواهر الكتاب

اتّفق العقلاء على أنّ ظاهر كلام كل متكلّم إذا كان جادّاً لاهازلاً، حجّة و كاشف عن مراده، و لأجل ذلك يؤخذ بإقراره و اعترافه في المحاكم، و ينفّذ وصاياه، و يحتج برسائله و كتاباته.

وآيات الكتاب الكريم إذا لم تكن مجملة ولا متشابهة، لها ظواهر كسائر الظواهر، فيحتج بها كما يحتج بسائر الظواهر، قال سبحانه(وَ لَقَدْ يَسّرنا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر )(القمر/17)و في الوقت نفسه أمر بالتدبّر، و قال:(أَفلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها)(محمد/24) كلّ هذا يعرب عن كون ظواهر الكتاب كسائر الظواهر، حجّة أُلقيت للإفادة و الاستفادة و الاحتجاج و الاستدلال.

نعم أنّ الاحتجاج بكلام المتكلّم يتوقّف على ثبوت أُمور:

الأوّل: ثبوت صدوره من المتكلّم.

الثاني: ثبوت جهة صدوره و أنّه لم يكن هازلاً مثلاً.

الثالث: ثبوت ظهور مفرداته و جمله.

الرابع: حجّية ظهور كلامه و كونه متبعاً في كشف المراد.

والأوّل ثابت بالتواتر والثاني بالضرورة حيث إنّه سبحانه أجلّ من أن يكون هازلاً. والمفروض ثبوت ظهور مفرداته ومركّباته و جُمَله بطرق من الطرق السابقة


(269)

وهو التبادر و صحّة الحمل و السلب والإطراد. و لم يبق إلاّ الأمر الرابع و هو حجّية ظهور كلامه، و الكتاب الكريم كتاب هداية و برنامج لسعادة الإنسان و المجتمع، فلازم ذلك أن تكون ظواهره حجّة كسائر الظواهر، ولا وجه للاحتجاج بكلّ الظواهر إلاّ ظواهر الكتاب.

ثمّ إنّ الأُصوليين جعلوا مطلق الظواهر من الظنون و قالوا باعتبارها و خروجها عن تحت الضابطة السالفة الذكر بدليل خاص، و هو بناء العقلاء على حجّية ظواهر كلام كلّ متكلّم، و لكن دقة النظر تقتضي أن تكون الظواهر من القطعيات لا الظنيّات.

ويظهر ذلك بالبيان التالي:

إنّ السير في المحاورات العرفية يرشدنا إلى أنّها من الأمارات القطعية على المراد الاستعمالي بشهادة انّ المتعلِّم يستدل بظاهر كلام المعلِّم على مراده. وما يدور بين البائع و المشتري من المفاهيم لا توصف بالظنية، وما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض أمراً واضحاً لا سترة فيه كما أنّ ما يتلّقاه السائل من جواب المجيب يسكن إليه دون أيّ تردد.

فإذا كانت هذه حال محاوراتنا العرفية في حياتنا الدنيويّة، فلتكن ظواهر الكتاب و السنّة كذلك فلماذا نجعلها ظنيّة الدلالة؟!

نعم المطلوب من كونها قطعية الدلالة هو دلالتها بالقطع على المراد الاستعمالي لا المراد الجدي، لأنّ الموضوع على عاتق الكلام هو كشفه عمّا يدل عليه اللفظ بالوضع و ما يكشف عنه اللفظ الموضوع هو المراد الاستعمالي، و المفروض أنّ الظواهر كفيلة لإثبات هذا المعنى فلا وجه لجعلها ظنيّة الدلالة. وأمّا المراد الجدّي فإنّما يعلم بالأصل العقلائي أعني أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية.

والذي صار سبباًلعدِّ الظواهر ظنّية هو تطرّق احتمالات عديدة إلى كلام


(270)

المتكلّم، أعني:

1. احتمال كون المتكلّم هازلاً، 2. أو كونه مورّياً في مقاله، 3. أو ملقياً على وجه التقية ، 4. أو كون المراد الجدّي غير المراد الاستعمالي من حيث السعة والضيق بورود التخصيص أو التقييد عليه.فلأجل وجود تلك الاحتمالات جعلوا الظواهر من الظنون .

يلاحظ عليه: أنّ أكثر هذه الأُمور موجودة في النص أيضاً مع أنّهم جعلوه من القطعيات، و وجه ذلك أنّ نفي هذه الاحتمالات ليس على عاتق الظواهر حتى تصير لأجل عدم التمكّن من دفعها ظنية، بل لا صلة لها بها و إنّما الدافع لتلك الاحتمالات هو الأُصول العقلائية الدالّة على أنّ الأصل في كلام المتكلّم كونه جادّاً، لا هازلاً و لا مورّياً ولا ملقياً على وجه التقية، كما أنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية، مالم يدل دليل على خلافه كما في مورد التخصيص و التقييد.

فالوظيفة الملقاة على عهدة الظواهر هي إحضار المراد الاستعمالي في ذهن المخاطب و هي تحضره على وجه القطع و البت بلا تردد و شك. وأمّا سائر الاحتمالات فليست هي المسؤولة عن نفيها حتى توصف لأجلها بالظنية على أنّ أكثر هذه الاحتمالات بل جميعها منتفية في المحاورات العرفية و إنّما هي شكوك علميّة مغفولة للعقلاء.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ دلالة القرآن والسنّة و كذا دلالة كلام كلّ متكلّم على مراده من الأُمور القطعية شريطة أن تكون ظاهرة لا مجملة، محكمة لا متشابهة.و يكون المراد من قطعيتها، كونها قطعية الدلالة على المراد الاستعمالي.

نعم الفرق بين الظاهر و النص، هو انّ الأوّل قابل للتأويل إذا دلّت عليه القرينة، بخلاف النصّ فلا يقبل التأويل و يعدّ التأويل تناقضاً .


(271)

وفي خاتمة البحث نذكر أمرين:

أ. انّ القول بعدم حجّية ظواهر الكتاب العزيز، كما نسب إلى الأخباريين دعوى تقشعرّ منها الجلود، و ترتعد منها الفرائص، إذ كيف توصف حجّةُ اللّه الكبرى، و الثقل الأعظم، بعدم الحجّية مع أنّ الكتاب هو المعجزة الكبرى للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أفيمكن أن يكون معجزاً ولا يُحتج بظواهره ومفاهيمه مع أنّ الإعجاز قائم على اللفظ و المعنى معاً؟!

ب. ليس المراد من حجّية ظواهر القرآن هو استكشاف مراده سبحانه من دون مراجعة إلى ما يحكم به العقل في موردها، أو من دون مراجعة إلى الآيات الأُخرى التي تصلح لأن تكون قرينة على المراد، أو من دون مراجعة إلى الأحاديث النبوية و روايات العترة الطاهرة في إيضاح مجملاته و تخصيص عموماته وتقييد مطلقاته.

فالاستبداد في فهم القرآن مع غض النظر عمّا ورد حوله من سائر الحجج ضلال لا شكّ فيه، كيف؟ واللّه سبحانه يقول:(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْر لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَرُونَ) (النحل/44) فجعل النبي مبيِّناً للقرآن و أمر الناس بالتفكر فيه، فللرسول سهم في إفهام القرآن كما أنّ لتفكرالناس و إمعان النظر فيه سهماً آخر، و بهذين الجناحين يُحلِّق الإنسان في سماء معارفه، و يستفيد من حِكَمِه و قوانينه.

وبذلك تقف على مفاد الأخبار المندِّدة بفعل فقهاء العامة كأبي حنيفة و قتادة، فإنّهم كانوا يستبدون بنفس القرآن من دون الرجوع إلى حديث العترة الطاهرة في مجملاته و مبهماته و عموماته و مطلقاته. فالاستبداد بالقرآن شيء، و الاحتجاج بالقرآن بعد الرجوع إلى الأحاديث شيء آخر، و الأوّل هو الممنوع و الثاني هو الذي جرى عليه أصحابنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ.


(272)

الفصل الثاني

الشهرة الفتوائيّة

إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

أ. الشهرة الروائيّة.

ب. الشهرة العمليّة.

ج. الشهرة الفتوائيّة.

أمّا الأُولى، فهي الرواية التي اشتهر نقلها بين المحدِّثين و كثر رواتها كالأحاديث الواردة في نفي التجسيم والتشبيه ونفي الجبر و التفويض عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ و يقابلها النادر.

ثمّ إنّ الخبر المشهور إنّما يكون معبِّراً عن الحكم الشرعي فيما إذا أفتى الفقهاء على وفقه، و أمّا إذا رواه المحدّثون و لكن أعرض عنه الفقهاء، فهذه الشهرة موهنة لا جابرة.

أمّا الثانية، فهي الرواية التي عمل بها مشهور الفقهاء و أفتوا على ضوئها، فهذه الشهرة تورث الاطمئنان، و تسكن إليها النفس، وهي التي يصفها الإمام في مقبولة عمر بن حنظلة الّتي وردت في علاج الخبرين المتعارضين اللّذين أخذ بكلّ واحد منهما أحد الحكَمين في مقام فصل الخصومات بقوله:«يُنظرُ إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخذ به من حُكْمنا، و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك».


(273)

وعلى ضوء (1)ذلك فالشهرة العملية تكون سبباً لتقديم الخبر المعمول به على المتروك الشاذّ الذي لم يعمل به.

و هل يكون عمل الأصحاب المتقدّمين بالرواية جابراً لضعف سندها و إن لم يكن لها معارض. ذهب المشهور إلى أنّه جابر لها. نعم الجابر للضعف هو عمل المتقدّمين من الفقهاء الذين عاصروا الأئمةـ عليهم السَّلام ـ ، أو كانوا في الغيبة الصغرى، أو بعدها بقليل كوالد الصدوق وولده و المفيد و غيرهم، وأمّا المتأخّرون فلا عبرة بعملهم ولا إعراضهم، وقد أوضحنا ذلك في محاضراتنا.(2)

وأمّا الثالثة، فهي عبارة عن اشتهار الفتوى في مسألة لم ترد فيها رواية و هي المطروحة في المقام، فمثلاً إذا اتّفق ا لمتقدّمون على حكم في مورد، و لم نجد فيه نصاً من أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يقع الكلام في حجّية تلك الشهرة الفتوائية وعدمها.

والظاهر حجّية مثل هذه الشهرة، لأنّها تكشف عن وجود نص معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا حتى دعاهم إلى الإفتاء على ضوئه، إذ من البعيد أن يُفتي أقطاب الفقه بشيء بلا مستند شرعي و دليل معتدّ به، و قد حكى سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف أنّ في الفقه الإمامي أربعمائة مسألة تلقّاها الأصحاب قديماً وحديثاً بالقبول و ليس لها دليل إلاّالشهرة الفتوائية بين القدماء بحيث لوحذفنا الشهرة عن عداد الأدلّة، لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجرّدة عن الدليل.

ويظهر من غير واحد من الروايات أنّ أصحاب أئمّة أهل البيت كانوا يقيمون وزناً للشهرة الفتوائية السائدة بينهم و يقدّمونها على نفس الرواية التي سمعوها من الإمام ـ عليه السَّلام ـ ولنأت بنموذج:

روى سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً مات وأوصى


1 . الوسائل:18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 و قد رواها المشايخ الثلاثة في جوامعهم و تلقّاها الأصحاب بالقبول. و لذلك سمّيت بالمقبولة.
2 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 3/207ـ208.


(274)

إليّ بتركته و ترك ابنته، قال: فقال لي: «أعطها النصف»، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا انّك اتقيتني؟ فقال: «لا واللّه ما اتّقيتك، و لكني اتّقيت عليك أن تَضْمن فهل عَلِمَ بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فأعطها ما بقي».(1)

توضيح الرواية: انّه إذا توفّي الأب و لم يكن له وارث سوى البنت، فالمال كلّه لها، غاية الأمر: النصف الأوّل فرضاًو النصف الآخر ردّاً.

ولكن أهل السنّة يورّثون البنت في النصف و العصبةَ في النصف الآخر، و قدكان حكم الإمام في اللقاء الأوّل بما يوافق فتوى العامة، و لما وقف الراوي على أنّ المشهور بين أصحاب الإمام غير ما سمعه صبر حتى لقي الإمام في العام القادم و وقف على أنّ الحكم الواقعي ما هو المشهور عند أصحابه. فلولا أنّ للشهرة الفتوائية قيمة علمية لما توقّف الراوي في العمل، و هذا يدل على أنّه كانت للشهرة الفتوائية يومذاك مكانة عالية.


1 . الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد، الحديث3.


(275)

الفصل الثالث

حجّية السنّة المحكية بخبر الواحد

السنّة في اصطلاح أكثر الفقهاء هي قول النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو فعله أو تقريره، و المعصوم من أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يجري قوله و فعله و تقريره عندنا مجرى قول النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و فعله و تقريره، و لأجل ذلك تطلق السنّة على قول المعصوم و فعله و تقريره دون أن تختص بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.

وليس أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من قبيل الرواة و إن كانوا يروون عن جدهمعليهم السَّلام ، بل هم المنصوبون من اللّه تعالى على لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بتبليغ الأحكام الواقعية، فقد رُزقوا من جانبه سبحانه علماً لصالح الأُمة كما رزق مصاحب النبي موسى عليمها السَّلام علماً كذلك من دون أن يكون نبياً، قال سبحانه: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلِماً)(الكهف/65) . فعندهم علم الشريعة و إن لم يكونوا أنبياء ولا رسلاً.

ثمّ إنّ الخبر الحاكي للسنّة إمّا خبر متواتر، أو خبر واحد. ثمّ الثاني إمّا مستفيض(1) أو غيره.

ولا شكّ انّ الأوّل يفيد العلم ولا كلام في حجّيته إنّما الكلام في حجّية الخبر الواحد أعم من المستفيض وغيره.

فقد اختلفت كلمة أصحابنا في ذلك:


1 . هو الخبر الواحد المنقول بطرق متعددة دون أن يبلغ حدّ التواتر.


(276)

أ. ذهب الشيخ المفيد والسيد المرتضى والقاضي ابن البراج و الطبرسي و ابن إدريس إلى عدم جواز العمل بخبر الواحد في الشريعة.

ب. و ذهب الشيخ الطوسي (1)و قاطبة المتأخّرين إلى حجّيته.

والمقصود في المقام إثبات حجّيته بالخصوص وفي الجملة مقابل السلب الكلّي، و أمّا البحث عن سعة حجّيته وسنشير إليها بعد الفراغ عن الأدلّة.

وقد استدلوا على حجّيته بالأدلّة الأربعة:

الاستدلال بالكتاب العزيز

استدلّوا على حجّية خبر الواحد بآيات:

1. آية النبأ

قال سبحانه: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ)(الحجرات/6).(2)

وتقرير الاستدلال يتوقّف على شرح ألفاظ الآية:

1. التبيّن يستعمل لازماً ومتعدياً، فعلى الأوّل فهو بمعنى الظهور، قال سبحانه:(حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخيَطِ الأَسْوَد) (البقرة/187). وعلى الثاني فهو بمعنى طلب التثبت كقوله سبحانه: (إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤْمناً) (النساء/94) ومعناه في المقام تبيّنوا صدقَ الخبرو كذبه.


1 . لاحظ عدة الأُصول:1/338 من الطبعة الحديثة.
2 . قال الطبرسي:نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاًبه ـ و كانت بينه و بينهم عداوة في الجاهلية ـ فظنّ انّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وقال: إنّهم مَنعوا صدقاتهم ـ و كان الأمر بخلافه ـ فغضب النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم و همّ أن يغزوهم، فنزلت الآية.لاحظ مجمع البيان:5/132.


(277)

2. قوله: (أَن تصيبُوا قَوماً بِجهالة) علّة للتثبّت، و المقصود خشية أن تصيبوا قوماً بجهالة.

3. الجهالة مأخوذة من الجهل، و هي الفعل الخارج عن إطار الحكمة والتعقّل.

وأمّا كيفية الاستدلال، فتارة يستدل بمفهوم الشرط، وأُخرى بمفهوم الوصف.و ربما يحصل الخلط بينهما، ففي تقرير الاستدلال بمفهوم الشرط ينصبّ البحث، على الشرط أي مجيئ المخبر بالنبأ، دون عنوان الفاسق ، بخلاف الاستدلال بمفهوم الوصف حيث ينصبّ البحث على عنوان الفاسق مقابل العادل ففي إمكان الباحث جعل لفظ آخر مكان الفاسق عند تقرير الاستدلال بمفهوم الشرط لأجل صيانة الفكر عن الخلط، فنقول:

الأوّل: الاستدلال بمفهوم الشرط

ويقرر بالنحو التالي:

إنّ الموضوع هو نبأ الفاسق، والشرط هو المجيئ، والجزاء هو التبيّن والتثبّت، فكأنّه سبحانه قال: نبأ الفاسق ـ إن جاء به ـ فتبيّنه.

ويكون مفهومه:

نبأ الفاسق ـ إن لم يجئ به ـ فلا تتبيّنه.

لكنَّ للشرط ـ عدم مجيئ الفاسق ـ مصداقين:

عدم مجيئ الفاسق والعادل فيكون عدم التبيّن لأجل عدم الموضوع وهو الحديث فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

ب. مجيئ العادل به فلا يتبيّن أيضاً فيكون عدم التبيّن من قبيل السالبة بانتفاء المحمول. أي النبأ موجود والمنفي هو المحمول أعني التثبّت.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ المفهوم عبارة عن سلب الحكم عن الموضوع


(278)

الوارد في القضية، لا سلبه عن موضوع آخر، لم يرد فيها، فالموضوع في المنطوق هو «نبأ الفاسق» فيجب أن يتوارد التثبّت منطوقاً وعدم التثبّت مفهوماً على ذلك الموضوع لا على موضوع آخر كنبأ العادل، وعندئذ ينحصر مفهومه في المصداق الأوّل و يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع هو نبأ الفاسق فعند وجود الشرط أعني المجيئ بالنبأ يُتثبّت عنده وعند عدم المجيئ به لا يُتثبّت لعدم الموضوع، فخبر العادل لم يكن مذكوراً في المنطوق حتى يحكم عليه بشيء في المفهوم.

وإن أردت التوضيح فاجعل مكان الفاسق لفظة «الوليد» الذي نزلت في حقّه الآية وقُل: الوليد إن جاء بالخبر فتثبّت، فيكون مفهومه:

الوليد إن لم يجئ بالخبر فلا تثبّت لعدم الموضوع.

وفرضخبر شخص آخر (عادل)مكانه كأبي ذر وسلمان خارج عن الموضوع.

ولعلّ فرض مجيئ العادل بالخبر عند عدم مجيئ الفاسق نشأ من خلط مفهوم الشرط بمفهوم الوصف.

الثاني: الاستدلال بمفهوم الوصف

وطريقة الاستدلال به واضحة لأنّه سبحانه علّق التبيّن على كون المخبر فاسقاً، و هو يدل على عدم التبيّن في خبر العادل، مثل قولك: «في سائمة الغنم زكاة» الدالّ على عدمها في المعلوفة.

ثمّ إنّ عدم التثبّت في العادل بحكم مفهوم الوصف ليس بمعنى تركه و شأنَه، إذ يلزم أن يكون خبر العادل أسوأ حالاً من الفاسق، لأنّ خبر الفاسق يتبيّن عنه فيعمل به عند ظهور الصحّة، وأمّا خبر العادل فيترك، فلا يتثبّت عنه مطلقاً، و بالتالي لا يعمل به مطلقاً، فتعيّن انّ المراد من عدم التثبت هو العمل به بلا


(279)

تريّث و تردّد.

يلاحظ عليه : بما مرّ من عدم دلالة الجملة الوصفية على المفهوم غايته انّه قيد احترازي أي عدم الحكم عند انتفاء القيد والتوقف لا الحكم بالانتفاء عند الانتفاء، و قد عرفت الفرق بين القيد الاحترازي و اشتمال القيد على المفهوم.(1)

انّ المستدل خلط بين كون القيد احترازياً، وكونه ذا مفهوم ومفاد الأوّل هو مدخليته في الحكم مقابل القيد غير الاحترازي مثل (حجوركم) في قوله سبحانه:(وَرَبائِبكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ)(النساء/23) ومفاد الثاني هو كونه دخيلاً منحصراً لا يقوم مقامه شيء آخر وهذا ما لا يدل عليه القيد.

فإن قلت: لو كان القائم في المثال المعروف: «في سائمة الغنم زكاة» هي «المعلوفة» لكان ذكر السائمة لغواً إذ معناه أنّ الزكاة لجنس الغنم ولا مدخلية لأحد الوصفين فيه.

قلت: لا تلزم اللغوية لاحتمال أن تكون القضية جواباً لسؤال السائل عن المعلوفة فجاء الجواب وفقاً للسؤال لا أنّ للوصف مدخلية .ومنه تعلم حال ذكر الفاسق في الآية، فالحكم (التثبّت) عام شامل لخبر العادل و الفاسق ولكن ذكره لأجل التنبيه على فسق الوليد.

2. آية النفر

قال سبحانه:(وَ ما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِروا كافّةً فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون)(التوبة/122).

تشيرالآية إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد، إذ لولا ذلك لاختلّ النظام، و لا تشذ عن ذلك مسألة الإنذار و التعليم و التعلّم،


1 . لاحظ الجزء الأوّل:ص177.


(280)

فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافة لتحصيل أحكام الشريعة، و لكن لماذا لا ينفر من كلّ فرقة منهم طائفة لتعلّم الشريعة حتى ينذروا قومهم عند الرجوع إليهم؟

وجه الاستدلال: انّه سبحانه أوجب الحذر على القوم عند رجوع الطائفة التي تعلّمت الشريعة و المراد من الحذر هو الحذر العملي، أي ترتيب الأثر على قول المنذر .ثمّ إنّ إنذاره كما يتحقّق بصورة التواتر يتحقّق أيضاً بصورة إنذار بعضهم البعض، فلو كان التواتر أوحصول العلم شرطاً في الإنذار لأشارت إليه الآية، و إطلاقها يقتضي حجّية قول المنذر سواء أنذر إنذاراً جَماعياً أو فردياً، و سواء أفادا العلم أو لا.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية بصدد بيان أنّه لا يمكن نفر القوم برمّتهم، بل يجب نفر طائفة منهم، و أمّا كيفية الإنذار و انّه هل يجب أن يكون جَماعياً أو فردياً فليست الآية بصدد بيانها حتى يتمسّك بإطلاقها، و قد مرّفي مبحث المطلق و المقيد انّه يشترط في صحّة التمسّك بالإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان.

ويشهد على ذلك انّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني: الوثاقة والعدالة، فكيف توصف بأنّها في مقام البيان؟!

3. آية الكتمان

قال سبحانه:(إِنَّ الّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون) (البقرة/159).

والاستدلال بها يشبه الاستدلال بآية النفر، فانّ وجوب الإظهار وتحريم الكتمان يستلزم وجوب القبول وإلاّلغى وجوب الإظهار، نظير قوله سبحانه:(وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)(البقرة/228) فانّ حرمة كتمانهنّ لما في أرحامهن يقتضي قبول قولهن و إلاّ لغى التحريم.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية في مقام إيجاب البيان على علماء أهل


(281)

الكتاب لما أنزل اللّه سبحانه من البيّنات و الهدى، و من المعلوم أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلاً يستلزم كونه لغواً. أمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدد أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي فلا تلزم اللغوية، و ليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية كآية النفر حتى يتمسك بإطلاقها.

4. آية السؤال

قال سبحانه: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّرِجالاً نُوحي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكرِ إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُون)(النحل/43).

وجه الاستدلال على نحو ما مضى في آية الكتمان حيث إنّ إيجاب السؤال يلازم القبول و إلاّتلزم اللغوية.

يلاحظ عليه: أنّما تلزم اللغوية إذا لم يقبل قولهم مطلقاً، وأمّا على القول بقبول قولهم عند حصول العلم به فلا تلزم، و ليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية حتى يتمسّك بإطلاقها، بل الآية ناظرة إلى قاعدة عقلائية مطّردة وهي رجوع الجاهل إلى العالم.

الاستدلال بالروايات

استدلّ القائلون بحجّية الخبر الواحد بروايات يستفاد منها اعتبار خبر الواحد إجمالاً وهي على طوائف.(1)


1 . ذكرها الشيخ الأنصاري في فرائده، و هي خمس طوائف نشير إليها على سبيل الإجمال:
الطائفة الأُولى: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الأخذ بالمرجّحات كالأعدل و الأصدق و المشهور ثمّ التخيير.
الطائفة الثانية: ما ورد في إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الأئمّة على وجه يظهر فيه عدم الفرق في الإرجاع بين الفتوى و الرواية.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على الرجوع إلى الرواة الثقات، و هذه ماأشرنا إليه في المتن. الطائفة الرابعة: ما دلّ على الترغيب في الرواية و الحث عليها و كتابتها و إبلاغها.
الطائفة الخامسة:ما دلّ على ذم الكذب عليهم و التحذير من الكذابين.
ولولا أنّ خبر الواحد حجّة لما كان لهذه الأخبار موضوع.


(282)

وإليك أهمّها:

الأخبار الإرجاعيّة إلى آحاد الرواة الثقات من أصحابهم بحيث يظهر من تلك الطائفة انّ الكبرى (العمل بقول الثقة) كانت أمراً مفروغاً عنه، وكان الحوار فيها بين الإمام والراوي حول تشخيص الصغرى وانّ الراوي هل هو ثقة أو لا؟ وإليك بعض ما يدل على ذلك:

1. روى أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته وقلت: من أُعاملُ؟!و عمّن آخذ؟ و قولَ من أقبل؟، فقال:« العَمْريّ ثقتي، فما أدّى عنّي، فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول، فاسْمَعْ له و أطِعْ فإنّه الثقة المأمون».(1)

2. روى الصدوق عن أبان بن عثمان أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له: «إنّ أبان ابن تغلب قد روى عنّي روايات كثيرة، فما رواه لك فاروه عنّي».(2)

3. عن أبي بصير قال: إنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له في حديث: «لولا زرارة و نظراؤه، لظننت انّ أحاديث أبي ستذهب».

4. عن ى(3)ونس بن عمّار انّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له في حديث: «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ ، فلا يجوز لك أن تر(4)دّه».

5. عن المفضل بن عمر ، انّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال للفيض بن المختار في حديث: «فإذا أردت حديثنا، فعليك بهذا الجالس» وأومأ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين.(5)

6. روى القاسم بن علي التوقيع الشريف الصادر عن صاحب الزمان ـ عليه السَّلام ـ


1 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8، 16، 17، 19.
2 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8، 16، 17، 19.
3 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8، 16، 17، 19.
4 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8، 16، 17، 19.
5 . الوسائل:18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8، 16، 17، 19.


(283)

انّه لا عذر لأحد من موالينا في(1) التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا.

7.روى الحسن بن علي بن يقطين عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت : لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما احتاج إليه من معالم ديني، أفيونسُ بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال: «نعم».(2)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي تورث اليقين بأنّ حجّية قول الثقة كان أمراً مفروغاً عنه بينهم و لو كان هناك كلام، فإنّما كان في الراوي.

وللشيخ الأنصاري كلام في المقام نأتي بنصّه، فإنّه بعدما نقل طوائف من الأخبار الدالّة عملاً على حجّية خبر الواحد، قال فيما قال:« إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد من مجموعها رضا الأئمّة بالعمل بالخبر، و إن لم يُفِد القطع، و قد ادّعى في الوسائل تواتر الأخبار بالعمل بخبر الثقة، إلاّ أنّ القدر المتيقّن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء و يُقبِّحون التوقّفَ فيه لأجل ذلك الاحتمال، كما دلّت عليه ألفاظُ الثقة و المأمون و الصادق وغيرها الواردة في الأخبار المتقدّمة و هي أيضاً منصرف إطلاق غيرها».

أنت إذا استقرأت الروايات التي جمعها الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثامنمن أبواب صفات القاضي والذي بعده، تقف على اتّفاقأصحابالأئمّة عليحجّية الخبرالواحدالذي يرويهالثقة،وهوملموسمنخلالرواياتالبابين(3)

إنّ ظواهر ما نقلناه من الروايات تدل على حجّية «قول الثقة» فلو كان المخبر ثقة، فخبره حجّة و إلاّفلا و إن دلّت القرائن على صدوره من المعصوم.

لكن الإمعان فيها و في السيرة العقلائية ـ التي يأتي ذكرها ـ يعرب عن أنّ العناية بوثاقة الراوي في الموضوع لكونها طريقاً إلى الاطمئنان بصدوره من


1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40، 33.
2 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40، 33.
3 . الوسائل:18، الباب 8و 9 من أبواب صفات القاضي، ص 52ـ89.


(284)

المعصوم، و لذلك لو كان الراوي ثقة و لكن دلّت القرائن المفيدة على خطئه و اشتباهه، لما اعتبره العقلاء حجّة، و هذه تشكِّل قرينة على أنّ العبرة في الواقع بالوثوق بالصدور لا على وثاقة الراوي، و الاعتماد عليها لأجل استلزامها الوثوق ً بالصدور غالبا.

فتكون النتيجة حجّية الخبر الموثوق بصدوره سواء كان المخبِر ثقة أو لا، نعم الأمارة العامة على الوثوق بالصدور، هو كون الراوي ثقة، و بذلك تتسع دائرة الحجّية، فلاحظ.

3. الاستدلال بالإجماع

نقل غير واحد من علمائنا منذ عصر الشيخ الطوسي (385ـ460هـ) إلى يومنا هذا إجماعَ علماء الإمامية على حجّية خبر الواحد إذا كان ثقة مأموناً في نقله و إن لم يُفِدْ خبره العلم، و نقتصر في ذلك على نقل الشيخ الطوسي في «العدة»، قال:

«والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة، فإنّي وجدتُها مجمِعَة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في أُصولهم لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه، حتى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلتَ هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا يُنكر حديثُه، سكتوا و سلّموا الأمر في ذلك و قبلوا قوله، و هذه عادتهم و سجيّتهم من عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن بعده من الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ و من زمن الصادق جعفر بن محمدعليمها السَّلام الذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته، فلولا انّ العمل بهذه الأخبار كان جائزاً لما أجمعوا على ذلك و لأنكروه، لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط و السهو.

سؤال: إذا كا(1)ن العمل بخبر الواحد أمراً مجمعاً عليه و لو بالشروط التي


1 . عدّة الأُصول:1/126ـ127.


(285)

ذكرها الشيخ، فلماذا أبدى أُستاذ الشيخ ـ السيد المرتضى ـ خلافه؟ حيث يقول:

وقد أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد، لأنّها لا توجب علماً ولا عملاً و أوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، إلى أن قال: وقد تجاوز قوم من شيوخنارحمهمُ اللّه(1) في إبطال القياس في الشريعة والعمل فيها بأخبار الآحاد، إلى أن قالوا إنّه مستحيل من طريق العقول، العبادةُ بالقياس في الأحكام، وأحالوا أيضاً من طريق العقول، العبادةَ بالعمل بأخبار الآحاد و عوّلوا على أنّ العمل يجب أن يكون تابعاً للعلم، و إذا كان غير متيقن في القياس وأخبار الآحاد لم تجز العبادة بهما.

الجواب: انّ الشيخ الطوسي قد التفت إلى هذا و نقل كلام السيد المرتضى على وجه الإيجاز و أجاب عنه «بأنّ مرادهم عدم العمل بخبر الواحد الذي يرويه مخالفوهم في الاعتقاد و يختصّون بطريقه، وأمّا ما يكون راويه عنهم، و طريقة أصحابهم، فقد بيّنا انّ المعلوم خلاف ذلك، و بيّنا الفرق بين ذلك و بين القياس أيضاً، و انّه لو كان معلوماً حظرُ العمل بخبر الواحد لجرى مجرى العلم بحظر القياس، و قد علم خلاف ذلك».(2)

4. الاستدلال بالسيرة العقلائية

إذا تصفّحت حال العقلاء في سلوكهم، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بخبر الثقة في جميع الأزمان و الأدوار، و يتضح ذلك بملاحظة أمرين:

الأوّل: انّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن في أكثر الموضوعات أمر صعب.

الثاني: حصول الاطمئنان بخبر الثقة عند العرف على وجه يفيد سكوناً


1 . يريد ابن قبة و أتباعه، ثمّ ردّ السيد في ذيل كلامه ، و قال بعدم الإحالة في التعبد، لكن ادّعى عدم وقوعه. أخذنا كلام السيد من السرائر لابن إدريس:1/47.
2 . عدة الأُصول: 1/127ـ128.


(286)

للنفس، خصوصاً إذا كان عدلاً، و لو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع كان عليه الردع كما ردع عن العمل بقول الفاسق.

ولم يكن عمل المسلمين بخبر الثقة إلاّ استلهاماً من تلك السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.

والحاصل: انّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً، لكان على الشارع أن ينهى عنه و ينبه الغافل و يُفهم الجاهل. فإذا لم يردع كشف ذلك عن رضاه بتلك السيرة و موافقته لها.

فالاستدلال بسيرة العقلاء على حجّية خبر الواحد من أفضل الأدلّة التي لاسبيل للنقاش فيها، فانّ ثبوت تلك السيرة و كشفها عن رضا الشارع ممّا لاشكّ فيه.

سؤال: ربما يقال انّ الآيات الناهية عن اتّباع الظن كافية في ردع تلك السيرة كقوله سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ) (الأنعام/116)و قوله سبحانه:(إِنَّ الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى*وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنّ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً)(النجم/27ـ28).

والجواب: انّ المراد من الظن في الآيات الناهية ترجيح أحد الطرفين استناداً إلى الخرص والتخمين كما قال سبحانه:(إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ) و يشهد بذلك مورد الآية من تسمية الملائكة أُنثى، فكانوا يُرجّحون أحدَ الطرفين بأمارات ظنية و تخمينات باطلة، فلا يستندون في قضائهم لا إلى الحس ولا إلى العقل بل إلى الهوى و الخيال، وأين هذا من قول الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره الذي تدور عليه رحى الحياة و يجلب الإطمئنان والثبات؟! (1)


1 . و يشهد لما ذكرنا انّ لسان النهي عن اتباع الظن إرشاد إلى حكم العقل من أنّ الظن بما هو ظن لامسوِّغ للاعتماد عليه ، فلا نظرَ له إلى ما استقرت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه، لأجل كون الراوي ثقة.


(287)

الفصل الرابع

الكلام في الإجماع (1)

ينقسم الإجماع في اصطلاح الأُصوليين إلى إجماع محصَّل وإجماع منقول بخبر الواحد، والمعدود من الأدلّة الأربعة هو الأوّل، فنقول:

الإجماع في اللغة هو الاتّفاق عن عزم، قال سبحانه:(فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الجُبّ) (يوسف/15). وأمّا في الاصطلاح اتفاق علماء عصر واحد على حكم شرعيّ.(2)فإذا أحرزه المجتهد يسمى إجماعاً محصّلاً وإذا أحرزه مجتهد ونقله إلى الآخرين يكون إجماعاً منقولاً بالنسبة إليهم فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الإجماع المحصل عند السنّة و الشيعة

اتّفق الأُصوليون على حجّية الإجماع على وجه الإجمال، و لكنّه عند أهل السنّة يعدّ من مصادر التشريع دونه عند الشيعة، و إنّما يعدّ حجّة عندهم لكشفه إمّا عن قول المعصوم، أو عن دليل معتبر.

توضيحه: إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة و لا تجوز


1 . الإجماع المحصل من الحجج القطعية طُرح هنا استطراداً وحفظاً للمنهج السائد في الكتب الأُصولية.
2 . المستصفى:1/110.


(288)

مخالفته، و ليس معنى ذلك انّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس و الاستحسان.

فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيّداً و معاضِداً له. و لو كان دليلاً ظنياً كما مثّلناه فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع و اليقين.

ومثله ما إذا كان المستند هو المصلحة و دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي.

هذا هو حال الإجماع عند أهل السنّة، و بذلك تقف على أنّه أحد المصادر الأصلية بالمعنى الذي عرفت.

وأمّا الشيعة، فتقول بانحصار الدليل في الكتاب والسنّة والعقل، وأمّا الاتّفاق فلا يُضفي عندهم على الحكم صبغةَ الشرعيّة ولا يؤثر في ذلك أبداً غاية الأمر انّ المستند لو كان معلوماً فنحن و المجمعون أمام المستند سواء، لا يزيد اتّفاقهم شيئاً. وأمّا إذا كان المستند غير معلوم، كما هو الحال في أكثر المقامات، فربما يكشف إجماعهم عن قول المعصوم و اتّفاقه معهم، كما إذا اتّفق الإجماع في عصر حضور المعصوم، و ربما يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إلى المجمعين و لم يصل إلينا، كما إذا اتفق في الغيبة الصغرى وأوائل الكبرى إذ من البعيد أن يتّفق المجتهدون على حكم بلا مستند شرعي.وعلى كلا التقديرين فالإجماع بما هو هو ليس بحجّة، و إنّما هو كاشف عن الحجّة، وسيوافيك تفصيله.

وأمّا الاتّفاق على إصدار الحكم على وفق المصالح و المفاسد كما هو الحال في الأذان المبتدع، فإن أُريد منه انّ الحكم الصادر على وفقها هو حكم شرعي


(289)

واقعي فهو باطل، لأنّ التشريع قد ختم برحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا تشريع بعده، و التشريع بيد اللّه سبحانه لا غير.

و إن أُريد منه انّ الحكم الصادر على وفقها هوحكم حكومي تجب رعايته حفظاً للنظام، فهو أمر معقول لكن في غير مورد العبادات بل فيما يتعلّق بالأُمور الإجتماعية التي فوضت إدارتها للحاكم الإسلامي.

وبذلك يعلم انّ الأذان المبتدع إذا لم يكن مشروعاً في عهد النبي يعدّ بدعة و تشريعاً محرّماً في الدين و إن لم يسند إلى الهوى و الجزاف، و لكن نفس الاعتماد على المصالح في تشريع الحكم الشرعي الواقعي على وفقها، يعدُّ بدعة و ضلالة. لأنّ العبادات أُمور توقيفية لا تُزاد ولا تُنقَص.

دليل حجّية الإجماع عند أهل السنّة

استدل الأُصوليون من أهل السنّة على حجّية الإجماع بما هو هو، بأُمور نذكر منها أمرين:

الأمرالأوّل: قوله سبحانه:(وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ نُولِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَ ساءَتْ مَصِيراً) (النساء/115) حيث إنّ الآية توجب اتباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم، فهو سبيلهم، فيجب اتباعه.

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ الآية بمنطوقها و مفهومها تقسِّم الأُمّة إلى قسمين:

أ. من يشاقق الرسول و يخالفه و يعاديه من بعد ما تبيّن له الهدى و ظهر له الحقّ و الإسلام و قامت له الحجّة على نبوته و رسالته، و يتبع طريقاً غير سبيل المؤمنين (سبيلهم هو الإيمان به و نصرته و مؤازرته) فجزاؤه انّه سبحانه يكله إلى من تولّى له من الأوثان و الأصنام و يُلزمه بدخول جهنم عقوبة له.


(290)

ب. من يطيع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا يعاديه من بعد ما تبيّن له اعلام الحق و يتّبع سبيل المؤمنين في الإيمان بالنبي و مؤازرته في المواقف، فمصيره إلى الجنّة، و أين هذا من حجّية اتّفاق فقهاء الأُمّة على حكم شرعي؟!

والمستدلّ أخذ جزءاً من الآية و هو قوله:(ويتّبع غير سَبيِلِ المُؤْمِنين) و قطع النظر عن أنّه عطف على قوله:(وَمَنْ يُشاقِقِ ) و الآية تندّد بالمعاند و التابع لغير سبيل المؤمنين، و تمدح مقابله وليس المراد من سبيل المؤمنين في هذه الآية شيء سوى الإيمان بالنبي ومناصرته ومؤازرته.وأين هو من حجّية اتفاق العلماء على حكم شرعي لعامة الناس؟!

ثانياً: أنّ الآية لا تشير إلى حجّية إجماع الأُمّة بعد عصر الرسول و إنّما توجب تبعية سبيل المؤمنين في عصره لأجل انّ سبيلهم في ذلك العصر هو سبيل نفس الرسول، فكان الرسول و المؤمنون في جانب و المنافقون و المشركون في جانب آخر، و من المعلوم انّ تبعية غير سبيل المؤمنين ضلال و وبال و تبعية مقابله هداية و سعادة، وأين ذلك من كون نفس سبيل المؤمنين مجرّداًعن الرسول حجّة؟! و الآية ناظرة إلى عصره و هي بحكم القضية الخارجية لا الحقيقية.

الأمر الثاني: ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة» رواه أصحاب السنن(1) ولكن في طرق الجميع ضعف صرح به المحقّقون.

قال الشيخ العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: جاء الحديث بطرق في كلها نظر.(2) وقد حققنا اسناد الروايات في رسالة خاصة . وعلى هذا فهو خبر واحد لم يُنقل بسند صحيح فلا يحتج به في الأُصول.

ثمّ إنّ المنقول هو لفظ «الضلالة» لا لفظ «الخطأ» فيرجع إلى المسائل


1 . ابن ماجة، السنن2، الحديث 3950 ; والترمذي: السنن:4، برقم 2167; وأبي داود: السنن: 4، برقم 4253; ومسند أحمد:5/145.
2 . لاحظ تعليقة سنن ابن ماجة:2/1303.


(291)

العقائدية التي عليها مدار الهداية والضلالة وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب ولا المخطئ فيها بالهداية و الضلالة.

ومع غض النظر عن كلّ ما ذكرنا فالمصون من الضلالة هي الأُمّة بما هي أُمّة لا الفقهاء فقط ولا أهل العلم ولا أهل الحل والعقد وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتفقت عليه جميع الأُمّة في العقائد والأُصول والأحكام والفروع.

حجّية الإجماع عند الإمامية

قد عرفت أنّ الأُمّة مع قطع النظر عن الإمام المعصوم غير معصومة من الخطأ في الأحكام، وأقصى ما يمكن أن يقال إنّ الإجماع يكشف عن قول المعصوم أو الحجّة الشرعية التي اعتمدت عليها الأُمّة، و الثاني أمر معقول و مقبول في عصر الغيبة غير أنّ كشف اتّفاقهم عن الدليل يتصوّر على وجوه ذكرها الأُصوليون في كتبهم.(1)

أوجهها : أنّ اتّفاق الأُمّة مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يُعْرِب عن أنّ الاتّفاق كان مستنداً إلى دليل قطعي لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم نظير اتّفاق سائر ذوي الآراء و المذاهب.

وبعبارة أُخرى: أنّ فتوى كلّ فقيه و إن كانت تفيد الظن و لو بأدنى مرتبة إلاّ انّها تتقوّى بفتوى فقيه ثان، فثالث إلى أن يحصل اليقين بأنّ فتوى الجميع كانت مستندة إلى الحجّة، إذ من البعيد أن يتطرّق الخلاف إلى فتوى هؤلاء، و تظهر حقيقة الحال إذا وقفنا على أحوال الفقهاء في العصور الماضية حيث إنّهم صرفوا أعمارهم في حلّ مشكلات الفقه و كشف معضلاته و التزموا بالإفتاء بالسماع عن


1 . لاحظ «كشف القناع عن وجه حجّية الإجماع» للعلاّمة التستري، فقد ذكر فيه اثني عشر طريقاً إلى كشف الإجماع عن الدليل، و نقلها المحقّق الآشتياني في تعليقته على الفرائد لاحظ ص 122ـ 125.


(292)

المعصومين.

وبالجملة ملاحظة إطباقهم في الإفتاء على عدم العمل إلاّبالنصوص دون المقاييس يورث القطع بوجود حجّة في البين وصلت إليهم و لم تصل إلينا.(1)

المقام الثاني : الإجماع المنقول بخبر الواحد

والمراد هو الاتّفاق الذي لم يحصِّله الفقيه بنفسه و إنّما ينقله غيره من الفقهاء و قد مضى انّ القسم الأوّل من الإجماع حجّة قطعية لكشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين و احتمال خطئهم في سند الدليل و دلالته أمر ضعيف لا يعبأ به، إنّما الكلام في حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، فاختلفوا فيها إلى أقوال:

القول الأوّل: إنّه حجّة مطلقاً، لأنّ المفروض أنّ الناقل ثقة و ينقل الحجّة أي الاتّفاق الملازم لوجود دليل معتبر.

القولالثاني: إنّه ليسبحجّة مطلقاً، و ذلكلأنّ الخبر الواحدحجّة فيما إذا كان المخبَر به أمراًحسّياً أو كانت مقدّماته القريبة، أُموراً حسّية، كالإخبار بالعدالة النفسانية إذا شاهد منه التورّعَ عن المحرّمات، أو الإخبار بالشجاعة إذا شاهد قتاله مع الأبطال في ساحات الوغى، و أمّا إذا كان المخبر به أمراً حدسياً محضاً لا حسّياً و لم تكن له مقدّمات قريبة من الحسّ، فالخبر الواحد ليس بحجّة.

فالناقل للإجماع ينقل أقوال العلماء و هي في أنفسها ليست حكماً شرعياً ولا موضوعاً ذا أثر شرعي، وأمّا الحجّة، أعني: قول المعصوم أو الدليل المعتبر، فإنّما ينقله عن حدس لا عن حس بزعم انّ اتّفاق هؤلاء يلازم قول المعصوم أو الدليل المعتبر، و الخبر الواحد حجّة في مورد الحسيّات لا الحدسيات إلاّما خرج بالدليل


1 . وعلى ذلك يكون الإجماع المحصل من الأدلة المفيدة للقطع بوجود الحجة، الخارج عن تحت الظنون موضوعاً و تخصّصاً، و قد تناولناه بالبحث للإشارة إلى الأدلّة الأربعة ،و المناسب للبحث في المقام هو الإجماع المنقول بالخبر الواحد.


(293)

كقول المقوِّم في أرش المعيب

يلاحظ عليه: أنّه إذا كانت هناك ملازمة بين أقوال العلماء و الحجّة الشرعية، فلماذا لا يكون نقل السبب الحسي دليلاً على وجود المسبب و قد تقدّم انّ نقل الأُمور الحدسية إذا استند الناقل في نقلها إلى أسباب حسية، هو حجّة كما في وصف الرجل بالعدالة والشجاعة.

وأمّا عدم حجّية خبر الواحد في الأُمور الحدسية، فإنّما يراد منه الحدسيّ المحض كتنبّؤات المنجمين لا في مثل المقام الذي يرجع واقعه إلى الاستدلال بالسبب الحسّي على وجود المسبب.

القول الثالث: إنّه ليس بحجّة إلاّإذا كان ناقل الإجماع معروفاً بالتتبّع على وجه علم أنّه قد وقف على آراء العلماء المتقدّمين و المتأخّرين على نحو يكون ما استحصله من الآراء ملازماً عادة للدليل المعتبر أو لقول المعصوم.

غير أنّ الذي يوهن الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية، وجود التساهل في نقل الإجماع، فربما يدّعون الإجماع بعد الوقوف على آراء محدودة غير ملازمة لوجود دليل معتبر، بل ربما يدّعون الإجماع لوجود الخبر.

نعم لو كان الناقل واسع الباع محيطاً بالكتب و الآراء، باذلاً جهوده في تحصيل الأقوال في المسألة و كانت نفسُ المسألة من المسائل المعنونة في العصور المتقدّمة، ربما يكشف تتبعه عن وجود دليل معتبر.

تنبيه

قد اتّضح انّ قول الثقة أو الخبر الموثوق الصدور حجّة بلا كلام، و معه لاحاجة للاستدلال بالدليل العقلي الذي يطلقون عليه دليل الانسداد، وأوّل من سلك هذا المسلك هو الشيخ حسن صاحب المعالم بقوله:«الرابع انّ باب العلم القطعي بالأحكام الشرعية منسدّقطعاً» ثمّ تناوله المتأخّرون بالبحث، و لكنّا في


(294)

غنى عنه، و ذلك لأنّ دليل الانسداد مبني على انسداد باب العلم (الخبر المتواتر و المحفوف بالقرينة) و العلمي (الظن الذي دلّ الدليل القطعي على حجّيته كخبر الواحد والشهرة الفتوائية وغيرهما) وقد أثبتنا فيما سبق انفتاح باب العلمي و كفايته في مقام الاستنباط، و معه تكون مقدّمات دليل الانسداد عقيمة.


(295)

الفصل الخامس

حجّية قول اللغوي

إنّ لإثبات الظواهر طرقاً ذكرناها في محلّها (1) بقي الكلام في حجّية قول اللغوي في إثبات الظاهر و تعيين الموضوع له، و قد استدل جمع من العلماء على حجّية قول اللغوي بأنّ الرجوع إلى قول اللغوي من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، و لا إشكال في حجّية قول أهل الخبرة فيما هم خبرة فيه.

أُشكل عليه: بأنّ الكبرى ـ و هي حجّية قول أهل الخبرة ـ مسلّمة، إنّما الكلام في الصغرى وهي كون اللغوي خبيراً في تعيين الموضوع له عن غيره، و بالتالي في تعيين المعنى الحقيقي عن المجازي، مع أنّ ديدن اللغويين في كتبهم ذكر المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها، سواء كان معنى حقيقياً أو مجازياً.

و لكن يمكن أن يقال: أنّ أكثر المعاجم اللغوية و إن كانت على ما وصفت، و لكن بعضها أُلِّف لغاية تمييز المعنى الأصلي عن المعنى الذي استعمل فيه بمناسبة بينه و بين المعنى الأصلي، و هذا كالمقاييس لمحمد بن فارس بن زكريا المتوفّى( 395هـ) فقد قام ببراعة خاصة بعرض أُصول المعاني و تمييزها عن فروعها و مشتقاتها، و مثله كتاب أساس اللغة للزمخشري المتوفّى(538هـ).

على أنّ الإنسان إذا ألِفَ بالمعاجم الموجودة، استطاع أن يميز المعاني الأصلية عن المعاني الفرعية المشتقة منها، ولا يتم ذلك إلاّ مع قريحة أدبية و أُنس باللغة والأدب. نعم تكون الحجة عند ذلك هو قطعه ويقينه لا قول اللغويّ.


1 . راجع مقدمة الكتاب، بحثَ علائم الحقيقة والمجاز.


(296)

و من سبر في الأدب العربي يجد أنّ سيرة المسلمين قد انعقدت على الرجوع إلى الخبرة من أهل اللغة في معاني الألفاظ الّذين يعرفون أُصول المعاني عن فروعها وحقايقها عن مجازيِّها. وقد كان ابن عباس المرجع الكبير في تفسير لغات القرآن، و كان يقول«الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا معنى اللّفظ من القرآن رجعنا إلى ديوانه».(1)

***


1 . لاحظ الاتقان للسيوطي: 1/382.


(297)

الفصل السادس

حجّية العقل(1)

حجّية العقل في مجالات خاصة:

إنّ العقل أحد الحجج الأربع التي اتّفق أصحابنا إلاّقليلاً منهم على حجّيته، و لأجل إيضاح الحال نقدّم أُموراً:

الأوّل: الإدراك العقلي ينقسم إلى إدراك نظري و إدراك عملي، فالأوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم، كإدراك وجود الصانع و صفاته و أفعاله و غير ذلك، و الثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل، كإدراكه حسن العدل و قبح الظلم ووجوب ردّالوديعة و ترك الخيانة فيها، و المقْسَمْ هو الإدراك فهو ينقسم إلى نظري و عملي، و ربما يُتوسع فيقسم العقل إلى القسمين.

الثاني: انّ الاستدلال لا يتم إلاّ بأحد طرق ثلاث:

1. الاستقراء .

2. التمثيل .

3. القياس المنطقي.

والاستقراء الناقص لا يحتج به، لأنّه لا يفيد إلاّ الظنّ ولم يدلّ دليل على حجّية مثله، و أمّا الاستقراء الكامل فلا يعدّ دليلاً، لأنّ المستقرئ يصل إلى النتيجة في ضمن الاستقراء، فلا تبقى حاجة للاستدلال به على المدعى.


1 . العقل من الحجج العقلية القطعية، طرح هنا استطراداً وحفظاً للمنهج السائد في الكتب الأُصولية.


(298)

وبعبارة أُخرى: الاستقراء الكامل علوم جزئية تفصيلية تُصَبُّ في قالب قضية كليّة عند الانتهاء من الاستقراء دون أن يكون هناك مجهول يُستدل به على المعلوم .

وأمّا التمثيل، فهو عبارة عن القياس الأُصولي الذي لا نقول به، كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن مصادر التشريع عند أهل السنّة.

فتعيّن أن تكون الحجّة هي القياس المنطقي، و هو على أقسام ثلاثة:

أ. أن تكون الصغرى والكبرى شرعيّتين وهذا ما يسمّى بالدليل الشرعي.

ب. أن تكون كلتاهما عقليّتين، كإدراك العقل حسن العدل وحكمه بوجوب العمل على وفقه، و قبح الظلم و حكمه بالاجتناب عنه، و هذا ما يعبّر عنه بالمستقلاّت العقلية، أو التحسين والتقبيح العقليين.(1)

ج. أن تكون الصغرى شرعية و الكبرى عقلية.

توضيح القسمين الأخيرين:

انّ الأحكام الشرعية المستنبطة من الأحكام العقلية تنقسم إلى قسمين:

الأوّل : ما يستنبط من مقدّمتين عقليّتين، وهذا كالحكم بحسن العدل و قبح الظلم، وحكمه بكونهما عند الشرع أيضاً كذلك، و هذا ما يسمّى بالمستقلات العقلية، فالدليل بعامة أجزائه عقلي فقد حكم بحسن العدل كما حكم بالملازمة بين العقل و الشرع.

الثاني: ما تكون إحدى المقدّمتين عقلية، والأُخرى شرعيّة و هذا كما في باب الملازمات العقلية كوجوب المقدّمة، فإنّ العقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء و وجوب ما يتوقّف عليه، وأنّ طالب الشيء طالب مقدّماته أيضاً، أو


1 . في مقابل الأشاعرة الذين لا يعترفون بهما إلاّ عن طريق الشرع، فالحسن عندهم ما حسّنه الشارع و هكذا القبيح.


(299)

يحكم بثبوت التلازم بين الأمر بالشيء و حرمة أضداده، وأيضاً يكشف عن أنّ حكم الشرع في كلا الموردين أيضاً كذلك.

و من المعلوم انّه لا يمكن التوصل بهذا الحكم الكلّي إلى وجوب الوضوء إلاّ بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة و توقفها عليه، فإذا أُريدَترتيبُ القياسِو أخذِ النتيجة، يقال: «الوضوء ممّا يتوقف عليه الواجب(الصلاة)» وهذه مقدّمة شرعية «وكلّ ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب عقلاً» وهذه مقدمة عقلية فينتج: فالوضوء واجب عقلاً. وهذا ما يعبر عنه بغير المستقلات العقلية نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.

الثالث: الفرق بين هذا المقام الباحث عن حجّية العقل وبين ما مرّ في مبحث الأوامر من الملازمات العقلية بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أووجوب الشيء و حرمة ضدّه إلى غير ذلك، هو أنّ البحث السابق كان يدور حول وجود الملازمة بين الإرادتين أو الوجوبين عند العقل وعدمها؟ و لكن البحث في هذا المقام يدور حول كشفه عن كون الحكم كذلك عند الشرع أيضاً؟

وبعبارة أُخرى كان البحث السابق منصبّاً على إثبات الملازمة العقلية بين الوجوبين و عدمها، أو وجودها بين الوجوب و حرمة ضدّه وعدمها.

نعم بعد ثبوتها عند العقل يبحث في المقام عن وجود الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و أنّ الواجبعقلاً، واجب شرعاً أيضاً أو لا.

وعلى ذلك فالبحث في السابق كان مركّزاً على كشف حكم العقل في باب المقدمة كما انّه مركّز في المقام على كشفه عن حكم الشرع فيه.

الرابع: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، و ربما يعرَّف بأنّه ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري(1) مثلاً إذا حكم


1 . القوانين :2/2; مطارح الأنظار:233.


(300)

العقل بأنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه موجب لحصول الامتثال يُستدل به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتّب عليه براءة الذمّة عن الإعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الأهم كالنفس المحترمة على المهم كالتصرف في مال الغير بلا إذنه، فيُستدل به على الحكم الشرعي و هو وجوب إنقاذ الغريق، و جواز التصرف في مال الغير، كلّ ذلك توصلٌ بالحكم العقلي للاهتداء إلى الحكم الشرعي.

الخامس: انّ الاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي يتصور على وجهين:

أ. إذا أدرك العقلُ حكم الموضوع عند لحاظه بما هوهو مع قطع النظر عن سائر الجهات من كونه ذات مصلحة أو مفسدة، موجب لبقاء النظام أو زواله، نافع للمزاج أو مضرّ به، بل استقلّ العقل بحكمه إذا نظر إلى الموضوع بما هوهو، من دون لحاظ أيّ ضميمة من الضمائم، و من أوضح أمثلة هذا القسم استقلاله بحسن العدل و حكمه بلزوم فعله، و قبح الظلم و حكمه بلزوم تركه.

نعم المورد لا ينحصر بالتحسين والتقبيح و سيوافيك أنّ كلّ ما يدركه العقل بوصف كونه حكماً عاماً غير مقيّد بفاعل خاص، ولا طرف معيّن، فهو من مصاديق هذا القسم، نظير إدراكه الملازمة بين الإرادتين و الوجوبين، أو بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، و هكذا فإنّ المدرَك حكم عام غير مقيّد بشيء. غير انّ التحسين والتقبيح من المستقلات العقلية وغيرهما كباب الملازمات من غير المستقلات العقلية لكن يجمعهما إدراك العقل الحكمَ العام الذي يشارك فيه الممكن والواجب.

ب. إذا استقل العقل بالحكم لا بملاحظة الموضوع بما هوهو، بل بما هو ذات مصلحة أو مفسدة فحكم بلزوم حيازة الأُولى والاجتناب عن الثانية، فهل يُستكشف منه الوجوب أو الحرمة عند الشارع أيضاً بحيث يكون العلم بالمصالح


(301)

والمفاسد من مصادر التشريع الإسلامي.

إذا عرفت ذلك، فيقع البحث في حجّية العقل في مقامين:

المقام الأوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع عند دراسته بما هوهو من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح و المفاسد ، ـ ومن امتلثه وراء ما مرّ أعني حسن الإحسان وباب الملازمات، استقلاله بقبح تكليف غير المميز و من لم يبلغه البيان ـ فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع كذلك أيضاً أو لا؟ فذهب الأُصوليون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، و ما ذلك إلاّ لأنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.

مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) فقد أدرك انّه حسن مطلقاً أي سواء كان الفاعل واجب الوجود أو ممكن الوجود، و سواء كان الفعل في الدنيا أو في الآخرة، و سواء كان مقروناً بالمصلحة أو لا، فمثل هذا الحكم العقلي المدرَك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك وإلاّ لما كان المدرَك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات.و بذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في المستقلات العقلية.

هذا كلّه في المستقلات العقلية و به يظهر حكم غير المستقلات العقلية التي عرفت معناها، فمثلاً إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه، أو الملازمة بين ثبوت الجزاء عند ثبوت العلّة المنحصرة و انتفائه عند انتفائها ، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع كذلك، لأنّ الحكم المدرَك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما انّ العقل يدرك الملازمة بين الأربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكماً صادقاً في جميع الأزمان والأحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع، كذلك ينافي إطلاق حكم العقل و عدم


(302)

تقيّده بشيء.

وبذلك يتّضح أنّ ادّعاء الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك بالعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء، فيعمّ حكم الشارع أيضاً.

فالاحتجاجات في باب الملازمات مستقلة كانت أو غير مستقلة ترجع إلى أنّ الحكم المدرك حكم مطلق، شامل لكلّ فاعل و ظرف، فإخراج الواجب وحكمه عن تحت القاعدة خلاف ما يحكم به العقل على وجه الجزم، فمن حاول نفي الملازمة، فعليه أن ينفي الإدراك القطعي العام للعقل في تلك المجالات، و أنّى له ذلك؟!

المقام الثاني: استكشاف الحكم الشرعي من المصالح و المفاسد في الموضوع دون نظر إلى حكم العقل بحسنه أو قبحه بما هوهو.

فنقول: إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء و كان إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكهما جميع العقلاء، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من الحكم العقلي.

نعم لو أدرك المصلحة أو المفسدة و لم يكن إدراكه إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، بل إدراكاً شخصياً حصل له بالسبر والتقسيم، فلا سبيل للعقل بأن يحكم بالملازمة فيه، و ذلك لأنّ الأحكام الشرعية المولوية و إن كانت لا تنفك عن المصالح أو المفاسد، و لكن أنّى للعقل أن يدركها كما هي عليها.

وبذلك يعلم أنّه لا يمكن للفقيه أن يجعل ما أدركه شخصيّاً من المصالح و المفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، بل يجب عليه الرجوع إلى سائر الأدلّة.

فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: انّ حكم العقل بشيء في المستقلاّت العقلية أو في غيرها يكشف عن


(303)

كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً ويكون المدرَك حكماً عاماً، كما هو الحال في الأمثلة المتقدّمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام و مفاسدها، وسوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

تطبيقات

يترتب على حجّية العقل في المجالات الثلاثة أعني:

1. باب الملازمات العقلية.

2. باب الحسن و القبح العقليين.

3. باب المصالح و المفاسد العامتين.

ثمرات فقهية كثيرة نستعرض قسماً منها:

أمّا باب الملازمات العقلية فيستنتج منها الأحكام التالية:

1. وجوب المقدّمة على القول بالملازمة بين وجوب الشيءو وجوب مقدّمته.

2. حرمة ضدّ الواجب على القول بالملازمة بين الأمر بالشيء و النهي عن ضدّه.

3. بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي

وتقديم النهي


(304)

على الأمر و صحّتها في هذه الصورة على القول بتقديم الأمر و صحّتها مطلقاً على القول بجواز الاجتماع.

4. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بها.

5. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بأجزائها أو شرائطها أو أوصافها، و قد مرّ انّ الصحة رهن أحد أمرين: وجود الأمر ووجود الملاك، والأوّل منتف لوجود النهي، و الثاني مثله لكشف النهي عن المبغوضية، و هي لا تجتمع مع الملاك على تفصيل مرّ ذكره.

6. فساد المعاملة إذا تعلّق النهي بالتصرف في الثمن أو المثمن للملازمة بين مثل هذا النهي و فسادها.

7. انتفاء الحكم مع انتفاء الشرط في القضايا الشرطية إذا ثبت كون الشرط علّة منحصرة للملازمة بين انتفاء العلّة المنحصرة و انتفاء معلولها.

أمّا باب الحسن و القبح العقليين، فيستنتج منه الأحكام التالية:

1. البراءة من التكليف لقبح العقاب بلا بيان.

2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي، وتردد المكلّف بين أمرين، لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، وحسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف قطعاً.

3. الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة و القضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال على تفصيل مرّفي محلّه.

4. وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.

وأمّا باب إدراك المصالح و المفاسد النوعيتين اللّتين يستوي فيهما كافة العقلاء، كاستعمال المخدرات فقد عرفت انّه يمكن أن يقع ذريعة لاستكشاف


(305)

الحكم الشرعي، و يحصل منه القطع بأنّ الحكم عند الشرع نفسُ الحكم عند العقل. نعم إدراك المصالح و المفاسد و مناطات الأحكام بالسبر و التقسيم فهو أمر مرغوب عنه و إن حصل القطع، فالقطع حجّة للقاطع لا لغيره، فلا يكون حجّة على المقلِّد، لاستناده في استنباط الحكم الشرعي على مصدر غير معتبر، نظير استناده على القياس والاستحسان.

إلى هنا انتهينا من دراسة الحجج الشرعية الأربعة:ـ الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل ـ و هي أدلّة اجتهادية تتكفل لبيان الأحكام الشرعية الواقعية .

بقي الكلام في الظنون غير المعتبرة شرعاً و إن اعتبرها لفيف من أهل السنّة، و هذا يطلب لنفسه عقد مقام خاص.


(306)

(307)

المقصد السابع

الأُصول العملية وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في أصالة البراءة ومجراها الشك في التكليف ويقع في مقامين:

المقام الأوّل: في الشبهة التحريمية بمسائلها الأربع.

المقام الثاني: في الشبهة الوجوبية بمسائلها الأربع.

الفصل الثاني: في أصالة التخيير و مجراها دوران الأمر بين المحذورين وفيها مسائل أربع.

الفصل الثالث: في أصالة الاحتياط ومجراها الشكّ في المكلّف به مع العلم بنوع التكليف و إمكان الاحتياط ويقع في مقامين:

المقام الأوّل: الشبهة التحريمية بمسائلها الأربع.

المقام الثاني: الشبهة الوجوبية بمسائلها الأربع.

الفصل الرابع: في أصالة الاستصحاب ومجراها الشكّ في بقاء الحالة السابقة ويبحث فيه عن أُمور مع اثني عشر تنبيهاً

الفصل الخامس: الاستصحاب والقواعد الفقهية الأربع(اليد، صحة فعل الغير، الفراغ و التجاوز، القرعة).


(308)


(309)

الأُصول العملية

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي تحصل له إحدى حالات ثلاث:

1. القطع. 2. الظن. 3. الشك.

فإن حصل له القطع، فقد فرغنا عنه في بابه، و أنّه حجّة عقلية لا مناص من العمل على وفقه.

وإن حصل له الظن، فالأصل فيه عدم الحجّية إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على صحّة الاحتجاج به، و غيره يدخل تحت حكم الشكّ.

وإن حصل له الشكّ (ولا يحصل إلاّإذا لم يكن هناك دليل قطعي و لا ظني دلّ على حجيّته دليل قطعي) يجب عليه العمل بالقواعد التي شرّعها الإسلام للشاك.

و بما ذكرنا يظهر أنّ المستنبط إنّما ينتهي إلى تلك القواعد التي تسمّى بـ«الأُصول العملية» إذا لم يكن هناك دليل قطعي، كالخبر المتواتر; أو دليل علمى، كالظنون المعتبرة التي دلّ على حجّيتها الدليل القطعي (وقد مرّالبحث عنها في الفصل الأسبق)، وتسمّى بالأمارات و الأدلّة الاجتهادية، كما تسمّى الأُصول العملية بالأدلّة الفقاهية.

وبذلك تقف على ترتيب الأدلّة في مقام الاستنباط، فالمفيد لليقين هو الدليل المقدّم على كلّ دليل، يعقّبه الدليل الاجتهادي، ثمّ الأصل العملي.

إنّ الأُصول العملية المعتبرة و إن كانت كثيرة، لكن أكثرها مختص بباب دون


(310)

باب، كأصل الطهارة المختص بباب الطهارة، أو أصل الحلّية المختص بباب الشك في خصوص الحلال و الحرام، أو أصالة الصحّة المختصة بعمل صدر عن الشخص و شكّ في صحّته و فساده، وأمّا الأُصول العملية العامة التي يتمسك بها المستنبط في جميع أبواب الفقه فهي أربعة تعرف ببيان مجاريها.

لأنّ الشكّ إمّا تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و على الثاني إمّا أن لا يمكن الاحتياط أو يمكن، و على الثاني إمّا يكون الشكّ في التكليف أو المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني مجرى التخيير، و الثالث مجرى البراءة، و الرابع مجرى الاحتياط.

توضيحه (1)

1. إذا شكّ المكلّف في حكم أو موضوع كان على يقين منه في السابق، كما إذا كان على طهارة ثمّ شكّ في ارتفاعها، فبما أنّ الحالة السابقة ملحوظة غير ملغاة تكون مجرى الاستصحاب على الشروط المقرّرة في محلّها.

2. إذا لم تكن الحالة السابقة موجودة أو ملحوظة و كان الاحتياط غير ممكن، كما إذا حلف في واقعة مردّدة بين كونها محلوفة الفعل أو محلوفة الترك، فهي مجرى التخيير.

3. إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة، وكان الاحتياط ممكناً، و تعلّق الشكّ بأصل التكليف; فهي مجرى البراءة.

4. إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة، و كان الاحتياط ممكناً، وعلم بأصل التكليف و لكن شكّ في متعلّقه، كما إذا علم بوجوب الصلاة يوم الجمعة و تردّدت بين الظهر والجمعة، أو علم بوجود النجاسة و تردّد بين الإناءين; فهي مجرى الاحتياط.


1 . قد اختلفت كلمة الأُصوليين في بيان مجاري الأُصول، و قد اخترنا ما في المتن لوضوحه وسهولته.


(311)

وهذا التقسيم غير خال عن الإشكال، لانّ لازمه أن يكون الشكّ في التكليف مطلقاً، مجرى للبراءة وأن يكون الشكّ في المكلّف به كذلك مجرى للاشتغال ، مع انّ هذه الضابطة ليست بمطردة، إذ ربما يكون الشكّ في التكليف مجرى للاشتغال كما في الأمثلة التالية.

أ. إذا شكّ في التكليف قبل الفحص عن الدليل الاجتهادي فهو مجرى للاحتياط.

ب. إذا شكّ في حلّية الدماء والأعراض و الأموال فهو مجرى للاحتياط أيضاً، وإن كانت الشبهة موضوعية، كدوران حال الشخص بين كونه محقون الدم أو مهدوره.

وربما يكون الشكّ في المكلّف به مجرى للبراءة كما في الشبهة غير المحصورة.

فالأولى في بيان الضابطة لمجرى البراءة والاشتغال أن يقال:

إذا لم تكن الحالة السابقة ملحوظة وكان الاحتياط ممكناً، فإمّا أن لا يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول، أو يدلّ؟ والأوّل مورد البراءة والثاني مورد الاحتياط.

وعلى ضوء ذلك فليس الميزان في جريان البراءة والاشتغال، الشكّ في التكليف والمكلّف به، بل الميزان في جريان البراءة هو عدم وجود الدليل العقلي و النقلي على العقاب، كما انّ الميزان في جريان الاشتغال وجودهما، وبما انّه قام الدليل العقلي والنقلي على العقاب في الموارد الثلاثة فصار مجرى للاشتغال وإن كان الشكّ في التكليف. كما قام الدليل على عدم العقاب في الشبهة غير المحصورة فصار مورداً للبراءة وإن كان الشكّ في المكلّف به.

فبذلك ظهر أنّ مجاري الأُصول أربعة كنفس الأُصول، و لنقدم البحث عن البراءة أوّلاً، ثمّ التخيير، ثمّ الاحتياط، ثمّ الاستصحاب، حفظاً للنهج الدارج في الكتب الأُصولية.


(312)

الفصل الأوّل

أصالة البراءة

قد تقدّم انّ مجرى أصالة البراءة هو الشكّ في أصل التكليف وهو على أقسام:

لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بالحكم، أي يكون أصل الحكم مشكوكاً، كالشك في حكم التدخين هل هوحرام أو لا؟

و أُخرى يتعلّق الشكّ بالموضوع بمعنى أنّ الحكم معلوم، ولكن تعلّق الشكّ بمصاديق الموضوع، كالمائع المردّد بين كونه خمراً أو خلاً.

ويسمّى الأوّل بالشبهة الحكمية، و الثاني بالشبهة الموضوعية، أي بمعنى الجهل بمصداق الموضوع كما سيظهر.

والشبهة تنقسم إلى: تحريمية ووجوبية:

أمّا التحريمية، فالمراد منها هي ما إذا احتُمِلَتْ حرمةُ الشيء مع العلم بأنّه غير واجب، فيدور أمره بين الحرمة، و الإباحة، أو الكراهة، أو الاستحباب; كالتدخين الدائر أمره بين الحرمة والإباحة.

وأمّا الوجوبية، فالمراد منها هي ما إذا احتمل وجوبه مع العلم بأنّه غير محرّم، فيدور أمره بين الوجوب، و الاستحباب; أو الإباحة، أو الكراهة، كالدعاء عند رؤية الهلال الدائر أمره بين الوجوب والاستحباب.

ثمّ إنّ منشأ الشك في الشبهة الحكمية أحد أُمور ثلاثة:


(313)

أ. فقدان النص.

ب. إجمال النص.

ج. تعارض النصين.

و منشأ الشك في الشبهة الموضوعية خلط الأُمور الخارجية.

و على ذلك يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الشبهة التحريمية و فيها مسائل أربع:

أ. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل فقدان النص.

ب. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل إجمال النص.

ج. الشبهة الحكمية التحريمية لأجل تعارض النصّين.

د. الشبهة الموضوعية التحريمية لأجل خلط الأُمور الخارجية.(1)

و إليك الكلام في هذه المسائل، الواحدة تلو الأُخرى.

المسألة الأُولى: في الشبهة الحكمية التحريمية لأجل فقدان النص

إذا شكّ في حرمة شيء لأجل عدم النصّ عليها في الشريعة فقد ذهب الأُصوليون إلى البراءة و الأخباريون إلى الاحتياط .واستدلّ كلّ بالكتاب والسنّة وإليك تقرير أدلّة الأُصوليين من الكتاب العزيز:

1. التعذيب فرع البيان

قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ ما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء/15).


1 . و يأتي في المقام الثاني ـ أي الشبهة الوجوبية ـ نفس هذه المسائل.


(314)

قوله: (وَما كُنّا)إمّا بمعنى:«نفي الشأن» كما في قوله: (وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) أو لنفي الإمكان، كما في قوله:(وَ ما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤجّلاً) (آل عمران/145).

وبعث الرسول كناية عن البيان الواصل إلى المكلّف، لانّه لو بَعَثَ الرسول و لم يكن هناك بيان، أو كان هناك بيان و لم يصل إلى المكلّف، لما صحّ التعذيب و لَقبُحُ عقابُه، فالدافع لقبح العقاب هو البيان الواصل بمعنى وجوده في مظانّه على وجه لو تفحص عنه المكلّف لعثر عليه.

والمفروض أنّ المجتهد تفحص في مظانّ الحكم و لم يعثر على شيء يدلّ على الحرمة، لا بالعنوان الأوّلي، كما إذا قال: لا تشرب التتن; ولا بالعنوان الثانوي، كما إذا أمر مولوياً بالاحتياط عند الشبهة، فينطبق عليه مفاد الآية، و هو أنّ التعذيب فرعُ البيان الواصل و المفروض عدم التالي (البيان بالعنوان الأوّلي أو الثانوي) فيكون المقدم مثله .

ومثله قوله سبحانه:(يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِير وَ لا نَذير فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ)(المائدة/19). فإنّ ظاهره ـ انّه لولا مجيء الرسول ـ كان لهم الاحتجاج بقولهم: (ما جاءَنا مِنْ بَشِير وَ لا نَذِير ) و لأجل صحّة الاحتجاج أفحمهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإيصال البيان حتى يكون للّه الحجّة البالغة، ولا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل.(1)

2. الإضلال فرع البيان

قال سبحانه:(وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبيِّنَ لَهُمْ ما


1 . اقتباس من قوله سبحانه:(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ لِئلاّ يَكُون لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حجّة بَعْدَ الرُّسُل وَكانَ اللّهُ عَزيزاً حَكِيماً)(النساء/165)ولاحظ (الأنعام/149).


(315)

يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(التوبة/115).

وتقرير الاستدلال بالآية كسابقتها، غير أنّه سبحانه فرّع التعذيب على البيان في الآية السابقة، و فرّع الإضلال عليه في هذه الآية، و بما أنّ التعذيب من آثار الضلالة، فيكون التعذيب أيضاً معلّقاً عليه.

والمراد من الإضلال، هو الإضلال بعد الهداية لأجل عدم الاتقاء عمّا حرّم اللّه، فلا يعدّمثل هذا النوع من الإضلال ظلماً لانّ العبد هو السبب لانقطاع الفيض عنه كقوله سبحانه:(ذلِكَ بأنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوم حَتّى يُغَيّرُوا ما بأَنْفُسِهِمْ) (الأنفال/53).

ثمّ إنّ أصحابنا الأُصوليين استدلوا بأحاديث صحيحة نأتي بأهمّها:

الحديث الأوّل: حديث الرفع

روى الصدوق بسند صحيح عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان،و ما أُكرهوا عليه، ومالا يعلمون، ومالا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة».(1)

تقرير الاستدلال يتوقف على ذكر أمرين:

الأوّل: انّ الرفع ينقسم إلى تكويني ـ و هو واضح ـ و تشريعي، و المراد منه نسبة الرفع إلى الشيء بالعناية و المجاز، باعتبار رفع آثاره كقوله ـ عليه السَّلام ـ :«لا شكّ لكثير الشكّ» و من المعلوم أنّ المرفوع ليس هو نفس « الشك» لوجوده، وإنّما المرفوع هو آثاره و هذا صار سبباً لنسبة الرفع إلى ذاته، و نظيره حديث الرفع، فانّ نسبة الرفع إلى الأُمور التسعة نسبة ادّعائية بشهادة وجود الخطأ و النسيان و ما عطف عليه في الحديث، بكثرة بين الأُمّة، و لكن لمّا كانت الموضوعات المذكورة


1 . الخصال ، باب التسعة، الحديث 9، ص 417.


(316)

مسلوبة الآثار صحّت نسبة الرفع إلى ذاتها باعتبار عدم آثارها.

الثاني: انّ لفظة «ما» في قوله:«ما لا يعلمون» موصولة تعمّ الحكم و الموضوع المجهولين، لوضوح انّه إذا جهل المكلّف بحكم التدخين، أو جهل بكون المايع الفلاني خلاً أو خمراً صدق على كلّ منهما انّه من «مالا يعلمون» فيكون الحديث عاماً حجّة في الشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.

و ربما يتصوّر أنّ الموصول مختص بالموضوع المجهول لا الحكم المجهول، بشهادة قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الفقرات التي أعقبته، أعني: «و ما أُكرهوا عليه» و «مالا يطيقون» و «ما اضطروا إليه»، فإنّ المراد هو الفعل المكرَه عليه، و العمل الخارج عن الإطاقة، و العمل المضطرّ إليه، فيلزم أن يكون المراد من الموصول في «مالا يعلمون» هو العمل المجهول لا الحكم المجهول، فيختص الحديث بالشبهات الموضوعية.

يلاحظ عليه: أنّ «ما» الموصولة استعملت في جميع الفقرات في المعنى المبهم، لا في الحكم و لا في الموضوع، و إنّما يعلم السعة (شمولها للحكم و الموضوع المجهولين)، و الضيق (اختصاصها بالموضوع) من صلتها، و الصلة «فيما لا يعلمون» قابل للانطباق على الموضوع و الحكم، دون سائر الفقرات، فإنّها لاتنطبق إلاّ على الفعل، ولا يكون ذلك قرينة على اختصاص الفقرة الأُولى بالشكّ في الموضوع.

أضف إلى ذلك: أنّ المرفوع في «الحسد» «والطيرة» و «التفكر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة» هو الحكم، أي حرمة الحسد و الطيرة، وأمّا النسيان و الخطأ المرفوعان في الحديث فيتعلّقان بالحكم والموضوع معاً، فيصلحان لكلا الأمرين نسيان الحكم أو الموضوع ومثله الخطأ.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الرفع ـ كما عرفت ـ رفع تشريعي، و المراد منه رفع الموضوع بلحاظ رفع أثره، فحينئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر المسلوب


(317)

الذي صار مصحِّحاً لنسبة الرفع إليها، فهنا أقوال ثلاثة:

1. المرفوع هي المؤاخذة .

2. المرفوع هو الأثر المناسب لكلّ واحد من تلك الفقرات، كالمضرّة في الطيرة، والكفر في الوسوسة.

3. المرفوع هو جميع الآثار أو الآثار البارزة.

والظاهر هو الأخير، لوجهين:

الأوّل: أنّه مقتضى الإطلاق.

الثاني: أنّ فرض الشيء مرفوعاً في لوح التشريع ينصرف إلى خلوّه عن كلّ أثر وحكم، أو عن الآثار البارزة له.(1) فلو كان البعض مرفوعاً دون البعض، فلا يطلق عليه أنّه مرفوع.

وعلى ذلك فالآثار كلّها مرفوعة سواء تعلّق الجهل بالحكم كما في الشبهة الحكمية، أو بالموضوع كما في الشبهة الموضوعية.

نعم، انّ مقتضى الحديث هو رفع كلّ أثر مترتب على المجهول إلاّإذا دلّ الدليل على عدم رفعه، كنجاسة الملاقي فيما إذا شرب المائع المشكوك فبان انّه خمر، فلا ترتفع نجاسة كلّ ما لاقى الخمرَ بضرورة الفقه على عدم ارتفاع مثل هذه الآثار الوضعيّة.

اختصاص الحديث بما يكون الرفع منّة على الأُمّة

إنّ حديث الرفع، حديث منّة و امتنان كما يعرب عنه قوله:«رفع عن أُمّتي» أي دون سائر الأُمم، و على ذلك يختص الرفع بالأثر الذي يكون في رفعه منّة على


1 . كما في قول الإمام علي عليه السَّلام : «يا أشباه الرجال ولا رجال» هذا إذا كان الأثر منقسماً إلى بارز و غيره، وأمّا إذا كان الجميع على حد سواء،فالمرفوع هو جميع الآثار كما في المقام.


(318)

الأُمّة(لا الفرد الخاص)، فلا يعم ما لا يكون رفعه منّة لهم، كما في الموارد التالية:

1. إذا أتلف مال الغير عن جهل و نسيان، فهو ضامن، لأنّ الحكم بعدم الغرامة على خلاف المنّة.

2. إذا أكره الحاكمُ المحتكرَ في عام المجاعة على البيع، فالبيع المكره يقع صحيحاً ولا يعمّه قوله:«وما أُكرهوا عليه» لأنّ شموله للمقام و الحكم برفع الصحة وببطلان البيع على خلاف المنّة.

3. إذا أكره الحاكمُ المديون على قضاء دينه و كان متمكّناً، فلا يعمّه قوله:«وما أُكرهوا» لأنّ شموله على خلاف الامتنان.

تنبيه

المراد من الآثار الموضوعة هي الآثار المترتبة على المعنون، أي ما يعرضه الخطأ، أو النسيان، أو الجهل، مثلاً إذا نسي السورة أو غيرها من أجزاء الصلاة فمعنى رفعها رفع وجوبها الضمني، وأمّا الآثارالمترتبة على نفس تلك العناوين العارضة في هذه الظروف فلا ترتفع كسجدتي السهو عند نسيان الأجزاء، لأنّ هذه الآثار أثر نفس العناوين، فلا يكون طروء الخطأ رافعاً للحكم المترتّب على نفس الخطأ في لسان الدليل و مثله النسيان، و إنّما تكون تلك العناوين سبباً لرفع الآثار المترتبة على معروض النسيان و الخطأ، و لأجل ذلك لو قتل خطأ فالقصاص ساقط وأمّا الدية فلا، لأنّ القصاص مترتب على نفس القتل، بصورة الإطلاق، قال سبحانه: (وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بالسِّنِّ و الْجُرُوحَ قِصاص) (المائدة/45)ويقيّد بغير الخطأ وأمّاالدية فغير مرفوعة، لأنّها أثر مترتب على عنوان الخطأ في ظرفه فلا يحكم برفعها، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ)(النساء/92).


(319)

الحديث الثاني: مرسلة الصدوق

روى الصدوق مرسلاً في «الفقيه» و قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي».(1)

والحديث و إن كان مرسلاً، و لكن الصدوق يسنده إلى الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بصورة جازمة، و يقول: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : و هذا يعرب عن علمه بصدور الحديث عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، نعم لو قال رُوي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ كان الاعتماد على مثله مشكلاً.

أمّا كيفية الاستدلال: فقد دلّ الحديث على أنّ الأصل في كلّ شيء هو الإطلاق حتى يرد فيه النهي بعنوانه، كأن يقول: الخمر حرام، أو الرشوة حرام، فما لم يرد النهي عن الشيء بعنوانه يكون محكوماً بالإطلاق والإرسال، وبما أنّ التدخين لم يرد فيه النهي بعنوانه الأوّلي فهو مطلق، و على هذا فلا يكفي في رفع الإطلاق ورود النهي بعنوانه الثانوي كأن يقول: إذا شككت فاحتط، بل هو باق على إطلاقه حتى يرد النهي فيه بالعنوان الأوّلي، فتكون الشبهات البدوية ـ التي لم يرد النهي فيها بعنوانها الأوّلي ـ محكومة بالإطلاق والحليّة. وعلى هذا تمّ دليل الأخباري بورود النهي عن ارتكاب الشبهات التحريمية بالعنوان الثانوي (الشبهة) وقع التعارض بينه و بين دليله.

نعم لو قلنا بأنّ المراد هو الأعم من ورود النهي بعنوانه الأوّلي أو بعنوانه الثانوي، يكون دليل الأخباري مقدّماًعليه، لأنّ الإطلاق في المقام معلّق على عدم ورود النهي مطلقاً، لا بالعنوان الأوّلي و لا الثانوي، و الأخباري يدعي ورود النهي بعنوانه الثانوي وحصول المعلّق عليه.

و لكن تفسير الحديث بهذا النحو الأعم خلاف الظاهر، أوّلاً حيث إنّ ظاهر قوله:«حتى يرد فيه» أي يرد النهي في نفس الشيء بما هوهو. و دليل الأخباري ضعيف ثانياً، حيث سيوافيك عدم دليل يدل على لزوم الاجتناب في


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.


(320)

الشبهات البدوية.

فإن قلت: لعلّ النهي تعلق بالشيء بعنوانه الأوّلي، ولكن لم يصل إلينا فلا يكون الحديث حجّة في المقام لعدم احراز عدم ورود النهي.

قلت: الظاهر انّ المراد من الورود هو الوصول إلى المكلّف بقرينة انّ الإمام بصدد بيان ضابطة كلية للبراءة، وهي لا تتم إلاّ أن يكون المراد هو الوصول إليه وإلاّ لزم تعليق الحكم بشيء لا يمكن احرازه.

إلى هنا تمّ الاستدلال على البراءة بالكتاب العزيز و السنّة المطهّرة، بقي الكلام في الاستدلال عليها بالعقل.

الاستدلال بالعقل على البراءة

إنّ صحّة احتجاج الآمر على المأمور من آثار التكليف الواصل لأنّ صرف التكليف الواقعي من غير وصول إلى المكلّف لا يكون في الحقيقة آمراً ولا زاجراً، و لا يصحّ الاحتجاج به أبداً بل يُعدّ العذاب معه ظلماً و قبيحاً من المولى الحكيم، و هذا ممّا يستقل به العقل، و يعد العقاب بلا بيان واصل أمراً قبيحاً لا يصدر عن الحكيم.

وقياس الاستدلال بالشكل التالي:

العقاب على محتمل التكليف عقاب بلا بيان ـ بعد الفحص التام و عدم العثور عليه لا بالعنوان الأوّلي (1) ولا بالعنوان الثانوي ـ.(2)

والعقاب بلا بيان يمتنع صدوره عن المولى الحكيم:

فينتج: العقاب على محتمل التكليف يمتنع صدوره من المولى الحكيم.

التعارض بين القاعدتين

سؤال: ثمة قاعدة عقلية أُخرى هي على طرف النقيض من هذه القاعدة


1 . كأن يقول: التدخين حرام.
2 . كأن يقول: إذا شككت في حرمة شيء فلا ترتكبه فالنهي هنا تعلّق لا بنفس التدخينبل بعنوان ثانوي وهو الشك في حرمة التدخين.


(321)

العقلية، و هي:

أنّ العقل يفرِّق بين الضرر الدنيوي المحتمل فلا يحكم بوجوب دفعه إلاّ إذا كان خطيراً لا يتحمّل. وأمّا الضرر الأُخروي الذي هو كناية عن العقاب الأُخروي فيُؤكِّد العقل على وجوب دفعه و يستقلّ به، فلا يرخّص استعمال شيء فيه احتمال العقوبة الأُخروية، ولو احتمالاً ضعيفاً، و على ذلك فيمكن للقائل بالاحتياط أن يُعارض القاعدة الأُولى بقاعدة أُخرى، و هي قاعدة «وجوب دفع الضرر المحتمل» بالبيان التالي:

احتمال الحرمـة ـ في مورد الشبهـة البدوية ـ يلازم احتمال الضرر الأُخروي، وهو بدوره واجب الدفع و إن كان احتماله ضعيفاً، و عندئذ يحكم العقل بلزوم الاحتياط بترك ارتكاب محتمل الضرر لذلك المحذور.

و إن أردت صبَّه في قالب القياس المنطقي المؤلف من الصغرى و الكبرى فتقول:

الشبهة البدوية التحريمية فيها ضرر محتمل، و كلّ ما فيه ضرر محتمل يلزم تركه.

فينتج: الشبهة البدوية التحريمية يلزم تركها، فينتج لزوم الاحتياط، و عندئذ يقع التعارض بين القاعدتين العقليتين، فمن جانب يحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فيرخِّص بالارتكاب، و من جانب آخر يحكم بدفع الضرر الأُخروي المحتمل فيمنع من الارتكاب.

الجواب

انّ الصغرى في القاعدة الثانية غير محرزة، إذ المراد من الصغرى هو احتمال الضرر(العقاب) في ارتكاب الشبهة البدوية، فيجب أن يكون لاحتماله مناشئ عقلائية، والمفروض انتفاؤها جميعاً، لأنّ احتمال العقاب ناشئ من الأُمور التالية:


(322)

1. صدور البيان عن المولى ووصوله إلى العبد، لكن حصل الإجمال بأحد علله، كما إذا تردّد الواجب بين صلاتي الظهر و الجمعة، أو الحرام بين الإناءين، و هذا ينطبق على الشبهة المحصورة دون الشبهة البدوية، إذ البيان فيها غير واصل أصلاً و الحرمة مشكوكة، لا معلومة على خلاف الشبهة المحصورة.

2. إذا كان التمسك بالبراءة قبل الفحص و هو خلاف المفروض.

3. كون العقاب بلا بيان أمراً غير قبيح، وهو مفروض البطلان.

4. كون المولى شخصاً غير حكيم أو غير عادل، و هو أيضاً منتف.

فإذا انتفت مناشئ الاحتمال عقلاً، فاحتمال العقاب الذي هو الصغرى في القاعدة الثانية غير موجود، و مع انتفائه كيف يمكن الاحتجاج بالكبرى وحدها؟ مع أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ مع إحراز الصغرى.

وبذلك ظهر عدم التعارض بين القاعدتين لفقدان الصغرى في القاعدة الثانية، و مع عدم التعارض لا نحتاج إلى الأجوبة المذكورة في المطولات.

وبذلك خرجنا بالنتيجة التالية:«انّ الحكم الشرعي في الشبهات البدوية التحريميّة سواء أكانت حكميّة أم كانت موضوعيّة هو البراءة الشرعيّة، إذا استُنِد فيها إلى الكتاب والسنة، و البراءة العقلية إذا اسْتُنِدَ فيها إلى العقل.

أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية التحريميّة

استدل الأخباريون بآيات و روايات، نذكر المهم منها:

الاستدلال بالكتاب

الآيات الآمرة بالتقوى بقدر الوسع و الطاقة، قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران/102).(1)


1 . لاحظ الآية السادسة عشرة من سورة التغابن.


(323)

وجه الاستدلال: أنّ اجتناب محتمل الحرمة يعدّ من التقوى، و كلّ ما يعدّ منها فهو واجب بحكم انّ الأمر في (اتّقوا اللّه) دالّ على الوجوب، فينتج أنّ اجتناب محتمل الحرمة واجب.

يلاحظ عليه: أنّ كليّة الكبرى ممنوعة، أي ليس كلُّ ما يعدّمن التقوى فهو واجب، و ذلك لانّ التقوى تستعمل تارة في مقابل الفجور و لا شكّ في وجوب مثلها بعامة مراتبها، مثل قوله:(أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجّار ) (ص/28) وقوله:(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقواها) (الشمس/8) و قد تطلق و يراد منها ما يعم القيام بكلّ مرغوب فيه من الواجب والمستحب، و التحرّز عن كلّ مرغوب عنه من حرام و مكروه مثل قوله سبحانه: (وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَالزّادِ التَّقْوى)(البقرة/197) ففي مثل ذلك تكون التقوى واجبة، لكن ببعض مراتبها لا بكلّ مراتبها، و يحمل الأمر في (تَزَوَّدُوا)على الاستحباب كالآية التي استدل بها في المقام.

الاستدلال بالسنّة

استدل الأخباريون بطوائف من الروايات:

الأُولى: حرمة الإفتاء بلا علم

دلّت طائفة من الروايات على حرمة القول و الإفتاء بغير علم، أو الإفتاء بما لم يدل دليل على حجّيته كالقياس والاستحسان، كصحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه».(1)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، و بهذا المضمون الحديث 19و 54 و مثله ما دلّ على لزوم الكف عمّا لا يعلم،كالحديث 4و32.


(324)

وبهذا المضمون روايات كثيرة في نفس الباب.

يلاحظ عليه: أنّ الإفتاء بأنّ مورد الشبهة ليس بحرام واقعاً، يُعدّ قولاً بلا علم، و هو مورد الروايات و هذا ممّا يحترز عنه الأُصوليون.

وأمّا القول بعدم المنع ظاهراً، حتى يعلم الواقع مستنداً إلى الأدلّة الشرعيّة والعقلية، فليس قولاً بلا علم وهو نفس ما يرومه الأُصولي.

الثانية: ما ورد من الأمر بالاحتياط قبل الفحص

روى عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسنعليه السَّلام عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان، الجزاء بينهما؟ أو على كلّ واحد منهما جزاء، قال: «لا، بل عليهما أن يجزى كلّ واحد منهما الصيد»، قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال:« إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا».(1)

إنّ هذه الرواية ناظرة إلى الاحتياط قبل الفحص، وهي خارجة عن مورد الكلام، و إنّما الكلام فيما إذا فحص عن دليل الحرمة في مظانه و لم يعثر على شيء.

الثالثة: التوقف فيما يرجع إلى العقيدة

روى زرارة عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام ، قال: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا، لم يكفروا».(2)

وهذه الطائفة خارجة عن محط البحث، لأنّ البحث في الفروع و الرواية في الأُصول.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1، و بهذا المضمون الحديث 3و23 و 29و 31و 43.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 11و53.


(325)

الرابعة: الاحتياط في الشبهات الموضوعية

ثمّة روايات تدل على وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعيّة، نظير ما كتبه علي ـ عليه السَّلام ـ إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف: «فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه».(1)

ولا يخفى انّ هذه الرواية محمولة على الاستحباب، لاتّفاق العلماء أُصوليّهم وأخباريّهم على استحبابه في الشبهات الموضوعيّة، و لم يقل أحدٌ بوجوب الاحتياط فيها.

الخامسة: ترك الشبهات يسهِّل الاجتنابَ عن الحرام

هناك روايات كثيرة تدلّ على أنّ الاجتناب عن الشبهات تخلق في الإنسان ملكة الاجتناب عن الحرام وذلك آية الندب والاستحباب.

روى الصدوق، أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ خطب في الناس، و قال: «حلالٌ بيّنٌ، وحرامٌ بيّنٌ، وَشبهات بين ذلك،(2) فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».

السادسة: ترك الشبهات يورث الورع

يظهر من عدّة من الروايات أنّ ترك الشبهة يورث الورع، قال أمير المؤمنينعليه السَّلام : «لا ورع كالوقوف عند الشبهة».(3)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث17، وبهذا المضمون الحديث 18.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث22، و في مضمونه الأحاديث:39، 47، 61.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، و في مضمونه الحديث 24، 25، 33، 41، 57.


(326)

لا شكّ أنّها محمولة على الاستحباب، لأنّ الورع أقصى مراتب التقوى، و هو مستحب جدّاً.

السابعة: لزوم الوقوف عند الشبهة

هناك روايات تدل على لزوم الوقوف عند الشبهة، وأنّه خيرٌ من الاقتحام في الهلكة، و إليك بعض ما يدلّ على ذلك:

1. روى داود بن فرقد، عن أبي شيبة، عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في(1) الهلكة».

2. روى مسعدة بن زياد، عن جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، عن آبائه، عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقفوا عند الشبهة، فإنّ الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة».(2)

3. روى في «الذكرى»، قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «دع ما يريبك لما لا يريبك».(3)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الطائفة من الأحاديث أنّها إمّا راجعة إلى الشبهة المحصورة التي يعلم بوجود الحرمة فيها وذلك بقرينة «الهلكة»، كما في الحديث الأوّل.

أو راجعة إلى الشبهة الموضوعيّة، التي لم يقل أحد بالاحتياط فيها كما في الحديث الثاني، أو محمولة على الاستحباب كما في الحديث الأخير.

الثامنة: الاحتياط عند التمكّن من السؤال

ثمة روايات تدل على الاحتياط عند التمكّن من السؤال.

روى عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ـ في خبرين متعارضين متساويين بالنسبة إلى المرجحات ـ أنّه قال: «إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13و15.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13و15.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 56.


(327)

إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات».(1)

فمورد الحديث إذا تمكّن من العلم بالحكم الواقعي، و أين هو من القول بالبراءة عند عدم التمكن من العلم.

التاسعة: الوقوف عند العلم بالاشتغال اليقيني

روى عبد الرحمان بن وضّاح، أنّه كتب إلى العبد الصالح، يسأله عن وقت المغرب و الإفطار، فكتب إليه: «أرى لك(2) أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك».

والحكم بوجوب الاحتياط، لأجل خروجه عن مجرى البراءة لاستصحاب النهار أو لاشتغال ذمّته بالصلاة و الصوم، ولا يعلم ببراءتها إلاّ بالصلاة و الإفطار بعد ذهاب الحمرة.

هذه هي مجموع الروايات التي رواها الشيخ الحر العاملي في الباب الثاني عشر وغيره، وقد عرفت أنّها ليست على نمط واحد، بل تهدف كلّ منها إلى مجال خاص لا مساس له ببحثنا.

العاشرة: حديث التثليث

إنّ أقوى حجّة للأخباريين هو حديث التثليث الوارد في كلام النبي و الوصي، رواه عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، في حديث قال: «إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيُتَّبع، وأمر بيّنغيّه فيُجْتَنب، وأمر مشكل يُردّ علمه إلى اللّه و رسوله».

قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «حلال بيّن، وحرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.


(328)

الشبهات نجا من المحرمات، و مَن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».

ثمّ قال في آخر الحديث: «فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات».

إنّ مورد التثليث الوارد في كلام الوصيّ هو الشبهات الحكميّة، وحاصل التثليث أنّ ما يبتلى به المكلّف إمّا بيّن رشده فيُتَّبع، و إمّا بيّن غيّه فيُجتنب، وامّا الأمر المشكل فلا يفتي بما لا يعلم حتى يرجع حكمه إلى اللّه.

والجواب انّ التثليث في كلام الوصيّ ينسجم مع الطائفة الأُولى من حرمة الإفتاء بغير علم.

وأمّا التثليث في كلام الرسول، فموردها الشبهات الموضوعيّة التي يُقطع بوجود الحرام فيها، و هي تنطبق على الشبهة المحصورة، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ هناك حلالاً بيّناً، وحراماً بيّناً، و شبهات بين ذلك، على وجه لو ترك الشبهات نجا من المحرمات، و لو أخذ بها ارتكب المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم وما هذا شأنه فهو خارج عن الشبهة البدئيّة، ومنطبق على الشبهة المحصورة.

وإن شئت قلت: إنّ الرواية ظاهرة فيما إذا كانت الهلكة محرزة مع قطع النظر عن حديث التثليث، وكان اجتناب الشبهة أو اقترافها ملازماً لاجتناب المحرمات وا قترافها، حتى يصحّ أن يقال: «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات» و ما هذا شأنه لا ينطبق إلاّ على الشبهة المحصورة لا الشبهة البدوية التي لا علم فيها أصلاً بالمحرمات.

وأنت إذا استقصيت روايات الباب تقف على أنّ أكثرها لا مساس لها بمورد البراءة، و ما لها مساس محمول إمّا على الاستحباب، أو التورّع الكثير.


(329)

الاستدلال بالعقل

نعلم إجمالاً ـ قبل مراجعة الأدلّة ـ بوجود محرمات كثيرة في الشريعة التي يجب الخروج عن عهدتها بمقتضى قوله سبحانه:(وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا)(الحشر/7).

وبعد مراجعة الأدلّة نقف على وجود محرمات في الشريعة بيّنها الكتاب والسنّة، و لكن نحتمل وجود محرمات أُخرى بيّنها الشارع و لم تصل إلينا، فمقتضى منجزيّة العلم الإجمالي، هو الاجتناب عن كلّ ما نحتمل حرمته إذا لم يكن هناك دليل على حلّيته، حتى نعلم بالخروج عن عهدة التكليف القطعي، شأن كلّ شبهة محصورة.

يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي إنّما ينجِّز إذا بقي على حاله، و أمّا إذا انحلّ إلى علم تفصيلي وشك بدوي، فلا يكون منجزاً و يكون المشكوك مورداً للبراءة، مثلاً إذا علم بغصبية أحد المالين مع احتمال غصبيتهما معاً، فإذا قامت البيّنة على غصبيّة أحدهما المعيّن، انحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بالحرمة و هو ما قامت البيّنة على غصبيته، وشك بدوي و هو المال الآخر الذي يُحتمل أيضاً غصبيّته.

ومثله المقام إذ فيه علمان:

أحدهما: العلم الإجمالي بوجود محرمات في الشريعة والتي أُشير إليها في الآية المتقدمة .

ثانيهما: العلم التفصيلي بمحرمات واردة في الطرق و الأمارات والأُصول المثبتة للتكليف كاستصحاب الحرمة، على وجه لو عزلنا موارد العلم التفصيلي عن موارد العلم الإجمالي، لما كان فيها علم بالمحرّمات بل تكون الحرمة أمراً محتملاً تقع مجرى للبراءة.


(330)

وعلى ضوء ما ذكرنا، فالعلم الإجمالي بالمحرمات المتيقنة ينحلّ إلى علم بمحرمات تفصيليّة ثبتت بالطرق و الأمارات، و إلى شك بدوي محتمل الحرمة، و في مثل ذلك ينتفي العلم الإجمالي فلا يكون مؤثراً، و تكون البراءة هي الحاكمة في مورد الشبهات.

***

المسألة الثانية: الشبهة الحكمية التحريمية لإجمال النصّ

قد عرّفت فيما مضى انّ البحث في الشبهة التحريمية يتمُّ في ضمن مسائل أربع، لأنّ الشكّ ينشأ تارة من فقدان النص و قد مضى البحث عنه، أو من إجمال النص، و هذه هي المسألة التي نتناولها، أو مع تعارض النصّين وهي المسألة الثالثة، أو من خلط الأُمور الخارجيّة و هي المسألة الرابعة. فنقول:

إذا تردّد الغناء بين كونه مطلق الترجيع أو الترجيع المطرب، فيكون الترجيع المطرب قطعيّ الحرام، والترجيع بلا طرب مشكوكَ الحكم فيكون مجرى للبراءة.

ومثله النهي المجرّد عن القرينة إذا قلنا باشتراكه بين الحرمة و الكراهة.

ونظيره أيضاً إذا شككنا في شمول الخمر إلى الخمر غير المسكر، و لم يكن هناك إطلاق(1) يؤخذ به، و الحكم في جميع الأمثلة حكم ما ذكر في المسألة الأُولى، من البراءة عن الحرمة والأدلّة المذكورة من الطرفين جارية في المقام إشكالاً وجواباً.

المسألة الثالثة: الشبهة الحكمية التحريمية لتعارض النصّين

إذا دلّ دليل على الحرمة و دليل آخر على الإباحة، و لم يكن لأحدهما مرجّح، فلا يجب الاحتياط بالأخذ بجانب الحرمة لعدم الدليل عليه، نعم ورد


1 . نظير قوله :«ما يسكر كثيره فقليله أيضاًحرام».


(331)

الاحتياط في رواية وردت في «غوالي اللآلي» نقلها عن العلاّمة، رفعها إلى زرارة عن مولانا أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ انّه قال في الخبرين المتعارضين:«فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر» (1) و الرواية ضعيفة السند لا يحتج بها .

المسألة الرابعة: الشبهة الموضوعيّة التحريميّة

إذا دار الأمر بين كون شيء حراماً أو مباحاً لأجل الاشتباه في بعض الأُمور الخارجيّة، كما إذا شكّ في حرمة شرب(2) مائع أو إباحته للتردّد في أنّه خلّ أو خمر، فالظاهر عدم الخلاف في أنّ مقتضى الأصل الإباحة، للأخبار الكثيرة في ذلك، مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ : كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه.

ويمكن الاستدلال على البراءة بالدليل العقلي، و هو أنّ الاحتجاج لا يتمّ بالعلم بالكبرى وحده وهو انّ الخمر حرام مالم ينضم إليه العلم بالصغرى، ففي المقام، الكبرى محرزة، دون الصغرى ، فلا يحتج بالكبرى المجرّدة على العبد.

وبما انّ المسألة محلّ اتّفاق لا نطيل الكلام فيها.


1 . غوالي اللآلي:4/133 برقم 229.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.


(332)

المقام الثاني: الشكّ في الشبهة الوجوبية

إذا شكّ في وجوب شيء و عدمه، ففيها أيضاً مسائل أربع، لأنّ الشبهة إمّا حكمية أو موضوعية، ومنشأ الشكّ في الحكمية، إمّا: فقدان النص ، أو إجمال النص، أو تعارض النصين، فتصبح المسائل أربع كالآتي :

أ. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل فقدان النصّ، كالدعاء عند رؤية الهلال، أو الاستهلال في شهر رمضان.

ب. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل إجمال النصّ، كاشتراك لفظ الأمر بين الوجوب والاستحباب.

ج. الشبهة الحكمية الوجوبية لأجل تعارض النصّين، كما في الخبرين المتعارضين،أحدهما يأمر، والآخر يبيح، و لم يكن لأحدهما مرجح.

د. الشبهة الموضوعية لأجل الاشتباه في بعض الأُمور الخارجية، كما إذا تردّدت الفائتة بين صلاة أو صلاتين. و الحكم في الجميع البراءة وعدم وجوب الاحتياط، إجماعاً.

تمّ الكلام في المقامين بمسائلهما الثمان وبه تمّ الكلام في أصل البراءة، لكن بقيت تنبيهات نشير إليها:


(333)

تنبيهات

التنبيه الأوّل: في حكومة الأصل الموضوعي على البراءة

انّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، و موضوع البراءة الشرعية هو الشكّ في الحكم الشرعي، فلو كان هناك أصل آخر يصلح لأن يكون بياناً أو رافعاً للشكّ تعبّداً فلا يبقى موضوع لأصل البراءة، و هذا هو المعروف من أنّ الأصل المنقِّح للموضوع حاكم على أصل البراءة، أو أصالة الحلّية.

فمثلاً: إذا شككنا في تذكية حيوان على النحو الوارد في الشرع فمقتضى الأصل هو الحليّة، و لكنّه محكوم بأصل آخر و هو أصالة عدم التذكية، و هو أصل موضوعي ينقِّح حال الموضوع، و يُحرِز انّه غير مذكى، و بطبع الحال يكون محرّماً لا حلالاً، و هذا الأصل عبارة عن استصحاب عدم التذكية، لأنّه حينما كان حيّاً لم يكن مذكى، وبعد زهوق روحه نشكّ في تذكيته، فاستصحاب عدم التذكية مقدم على أصالة الحل، و ذلك لأنّ الشكّ في الحليّة مُسَبب عن الجهل بحال الموضوع و أنّه هل وردت عليه التذكية أو لا؟ فإذا ثبت حال الحيوان بالاستصحاب، و حكم عليه بعدم التذكية، لا يبقى الشكّ في حرمته، و هذا ما يعبر عنه بتعبيرين:

أ. حكومة الأصل الموضوعي (عدم التذكية) على الأصل الحكمي (الحلية).

ب. حكومة الأصل السببي (عدم التذكية ) على الأصل المسببي (الحلية).

مثال آخر: لو افترضنا دلالة الدليل الاجتهادي على جواز مسّ المرأة بعد النقاء و قبل الاغتسال، و لكن وقع الشكّ في حصول النقاء، فاستصحاب كونها حائضاً حاكم على أصالة الحلية لأنّه بيان، فيرتفع موضوع البراءة العقلية، ورافع


(334)

أيضاً للشك في الظاهر فيكون رافعاً لموضوع البراءة الشرعية.

التنبيه الثاني: في حسن الاحتياط

لا شكّ في حسن الاحتياط (بشرط أن لا يخل بالنظام عقلاً أو لا ينجرّ إلى العسر و الحرج شرعاً)، ولكن الظاهر من الشيخ الأعظم اتّفاق الفقهاء على لزوم الاحتياط في الموارد الثلاثة: النفوس، و الأعراض، و الأموال، فيجب الاحتياط و إن كان الاحتمال ضعيفاً، مع كون الشبهة موضوعية.

والظاهر انّ اتّفاقهم على وجوب الاحتياط فيها مبنيّ على قاعدة مضى الإيعاز إليها في مبحث العام و الخاص(1) و هي انّ كلّ موضوع كانت الحرمة والفساد هو الحكم الأصلي فيه يجب الاجتناب عنه حتى في الشبهة الموضوعية، و لذلك حكم الفقهاء بالاحتياط وراء الموارد الثلاثة أيضاً، كما إذا ترددت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها أو غيرها، وبيع الوقف بين احتمال وجود المسوِّغ فيه وعدمه، و تصرف غير الولي في مال اليتيم بين وجود الغبطة فيه، وعدمه، ففي هذه الموارد يحمل على الحرمة والفساد، لأنّ طبيعة الموضوع تقتضي الحرمة والفساد إلاّ ما خرج بالدليل.

التنبيه الثالث: قاعدة التسامح في أدلّة السنن

السنن التي ورد فيها خبر ضعيف يصحّ الإتيان بها رجاءً من باب الاحتياط لاحتمال الأمر، و يدل عليها صحيحة هشام بن سالم عن صفوان عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام قال: «من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير، فعمل به كان له أجر ذلك و إن كان رسول اللّه لم يقله».(2)


1 . راجع فصل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
2 . الوسائل: الجزء 1، الباب 18 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1. ولاحظ الحديث 3و4و6و7و8و9.


(335)

وصحيحة أحمد بن النضر ، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: من بلغه عن النبي شيء من الثواب، ففعل ذلك طلب قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كان له ذلك الثواب وإن كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقله.

والمهم فهم مدلولهما فالمشهور على انّهما لا تدلان على أزيد من ترتب الثواب على عمله مطلقاً، سواء أكان الخبر صادقاً أم لا، وذلك للانقياد حيث قام بامتثال المحتمل من المستحبات والواجبات، ويكشف عن ترتّب الثواب لأجله، قوله: ففعل ذلك طلب قول النبي.

وربما تستظهر دلالتُهما على إعطاء الحجّية للخبر الضعيف في المندوبات وتترتب عليه صيرورة نفس العمل عندئذ مستحباً في نفسه فيصح أن يأتي به بهذا العنوان، بزعم انّ الحديثين بصدد اعطاء الحجّية لكلّ خبر ضعيف والغاء شرائط الحجّية من الوثاقة والضبط.

لكن الاستظهار في غير محله لعدم دلالتهما عليه.

وتظهر الثمرة فيما ورد خبر دال على انّ من توضأ لدخول المسجد فله كذا من الثواب، فتوضأ له فعلى القول بدلالتهما على صيرورة العمل مستحباً يرفع به الحدث ويدخل في الصلاة، دون ما لو قيل بعدم دلالتهما إلاّ على ترتّب الثواب على عمله.

تمّ الكلام في أصل البراءة و يليه البحث في أصل التخيير الذي هوالأصل الثاني منالأُصول العملية الأربعة.


(336)

الفصل الثاني

أصالة التخيير

إذا دار الأمر بين وجوب شيء و حرمته، فهنا مسائل أربع:

لأنّ الشبهة إمّا حكميّة، أو موضوعيّة، ثمّ إنّ منشأ الشك في الشبهة الحكميّة إمّا فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض النصّين، كما أنّ منشأ الشك في الشبهة الموضوعية هو خلط الأُمور الخارجية. فالكلام يقع في مسائل أربع:

المسألة الأُولى: دوران الأمر بين المحذورين لفقدان النص

إذا اختلفت الأُمّة على قولين كالتكتّف على القول بوجوبه عند طائفة وحرمته عندنا، كالولاية عن الجائر لدفع الظلامة عن الناس، فقالت طائفة بالحرمة، لأنّها إعانة للظالم، و أُخرى بالوجوب، لأنّ فيها التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حسب المقدرة.

لا شكّ انّ المكلّف مخيّر بين الفعل و الترك تخييراً تكوينياً على وجه ليس بإمكانه المخالفة القطعية، لامتناع الجمع بين الفعل و الترك مع وحدة زمان العمل، و لا الموافقة القطعية لنفس السبب.

هذا ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام في تبيين ما هو الحكم الظاهري في المقام، لأنّ المفروض انّ المكلّف مع العلم الإجمالي بوجوب الفعل أو حرمته، شاك وهو موضوع الحكم الظاهري، و قد اختلفت كلماتهم في تعيين ما هو الحكم الظاهري في المقام، و سيوافيك انّ لهذا الحكم أثراً شرعيّاً، فهنا أقوال:


(337)

الأوّل: الحكم بالبراءة عقلاً.

الثاني: الحكم بالبراءة عقلاً و شرعاً.

الثالث: الحكم بالإباحة الظاهرية.

الرابع: التخيير في الأخذ بأحدهما تخييراً شرعيّاً.

الخامس: الأخذ بأحدهما تعييناً، و هو جانب الحرمة.

السادس: التخيير بين الفعل والترك عقلاً، مع التوقّف عن الحكم شرعاً.

وإليك دراسة الأقوال:

أمّا جريان البراءة العقلية و الشرعية، فلأنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان الوافي، و المراد من الوافي ما لو اقتصر عليه المكلِّف لكفى في نظر العقلاء، و يقال انّه أدّى الوظيفة في مقام البيان، ولكنّ الحكم المردّد بين الوجوب و الحرمة ليس بياناً وافياً حتى يصحّ للمتكلّم السكوت عليه، فيكون من مصاديق، قبح العقاب بلا بيان.

كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو الجهل بالحكم الواقعي و المفروض وجود الجهل، و العلم بالإلزام الجامع بين الوجوب و الحرمة ليس علماً بالحكم الواقعي، فيشمله قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون» ولعلّ هذا القول هو الأقرب.

وأمّا جريان الإباحة الظاهرية، فهو لأجل شمول، مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء لك حلال حتى تعرف انّه حرام» له لدوران الأمر فيه بين المحذورين. ولا مانع عنه عقلاً ولا نقلاً، و هذا خيرة المحقّق الخراساني.

يلاحظ على هذا القول: أنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال، لأنّ مفاد أصالة الإباحة، الرخصةُ في الفعل و الترك، و ذلك ينافي العلم بالإلزام فلا يجتمع مع جعل الإباحة ظاهراً.

وبعبارة أُخرى: إنّ أصالة الإباحة تضاد العلم الإجمالي بالإلزام تضادّاً


(338)

تطابقياً، فالعلم الإجمالي به يدلّ على خروج الموضوع عن حدّ الاستواء، و لكن الأصل يدلّ على كونه باقياً عليه، فلأجل ذلك لا تجري أصالة الإباحة.

فإن قيل: إذا كان المانع من جريان أصالة الإباحة منافاتها مع العلم بالإلزام، فهو بنفسه موجود أيضاً في البراءة العقلية و الشرعية، فإنّ البراءة من الحكمين ينافي العلم الإجمالي بالإلزام.

قلنا: الفرق بينهما واضح، فإنّ أصالة الإباحة بمفهومها المطابقي لا تجتمع مع العلم بالإلزام، و هذا بخلاف البراءة عن خصوص الوجوب وحده، فإنّها تجتمع مع العلم بالإلزام بأن يكون حراماً، كما انّ البراءة عن خصوص الحرمة وحدها تجتمع أيضاً مع العلم بالإلزام بأن يكون واجباً.

نعم بعد جريان البراءتين يحصل علم إجمالي بمنافاة إحديهما مع العلم بالإلزام، و لكن هذا العلم بالتنافي غير مخلّ، و إنّما المخلّ حصول العلم بالتنافي حين الجريان.

وأمّا دليل الحكم بالتخيير شرعاً، فلقياس المقام بتعارض الخبرين الدال أحدهما على الحرمة و الآخر على الوجوب، فإنّ الحكم الظاهري هناك هو التخيير بين الخبرين، فليكن الأمر كذلك إذا كان هناك علم إجمالي بأحدهما .

يلاحظ عليه: أنّ التخيير بين الخبرين ثبت بالدليل الخاص، و قد تضافرت الأخبار على التخيير في الخبرين المتعارضين إذا لم يكن بينهما مرجّح، فاستنباط حكم المقام منه أشبه بالقياس.

وبعبارة أُخرى: أنّ موضوع روايات التخيير ما إذا دار الأمر بين المحذورين لأجل تعارض النصّين، لا لفقدان النص، و لا لإجماله، و لا لخلط الأُمور الخارجية; و التعدّي عن مورد التعارض إلى مطلق الدوران قياس لا نقول به.

وأمّا دليل لزوم الأخذ بإحديهما تعييناً و هوجانب الحرمة فهو انّ دفع


(339)

المفسدة أولى من جلب المنفعة .

يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ الضابطة ليست بتامّة، لأنّ في ترك الواجب أيضاً وجود المفسدة، و لذلك ربما يُقدّم الواجب على الحرمة، كإنقاذ النفس المحترمة إذا توقّفت على التصرّف في مال الغير.

ثانياً: أنّ القاعدة إنّما تجري فيما إذا دار الأمر بين ارتكاب المفسدة القطعية و جلب المنفعة القطعية، لا في مثل المقام الذي لم يثبت وجود المفسدة، غاية الأمر احتمالها.

وأمّا التخيير بين الفعل و الترك عقلاً، مع التوقف عن الحكم شرعاً، فلأنّه لا مناص عن التخيير، مع عدم دليل على حكم ظاهريّ. و لكنّك عرفت وجود الدليل عليه لصحة جريان البراءتين .

المسألة الثانية: دوران الأمر بين المحذورين لإجمال النص

إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة من جهة إجمال الدليل، كالأمر المردّد بين الإيجاب و التهديد، و مثله ما لو أمر بالاحتراز عن أمر مردّد بين فعله و تركه، فالحكم فيه كالحكم في المسألة السابقة.

المسألة الثالثة : دوران الأمر بين المحذورين لتعارض النصّين

لو دار الأمر بين الوجوب والحرمة من جهة تعارض الأدلّة، فالحكم هو التخيير شرعاً لإطلاق أدلّته.

روى الحسن بن الجهم، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيّهما الحق، قال: «فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيّهما أخذت».(1)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(340)

أضف إلى ذلك أنّ بعض روايات التخيير وردت في دوران الأمر بين المحذورين.(1)

المسألة الرابعة: دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الموضوعية

إذا وجب إكرام العادل وحرم إكرام الفاسق، و اشتبه حال زيد من حيث الفسق و العدالة، فالحكم فيه كالحكم في المسألة الأُولى طابق النعل بالنعل.

بقيت هنا أُمور:

1. ما هي الفائدة من وراء جعل الحكم الظاهري، وجريان البراءة العقلية و الشرعية مع أنّ عمل المكلّف لا يخلو عن الفعل و الترك؟

والجواب: أنّ فائدة الأصل هو دفع احتمال الأخذ بأحد الطرفين معيّناً، كالحرمة، أو مخيّراً، فلا يبقى لهذا الاحتمال مجال بعد جريان البراءتين: الشرعية و العقلية.

2. انّ الرجوع إلى الأصل مخالف للعلم الإجمالي بكون أحد الأصلين على خلاف الواقع وعندئذ تلزم المخالفة الالتزامية.

والجواب: انّ حرمة المخالفة الالتزامية عبارة أُخرى عن لزوم الموافقة الالتزامية، فلابدّ من توضيح وجوبها.

فإن أُريد منها لزوم الموافقة القلبية لما جاء به النبي من فرائض و محرّمات و سنن و مستحبّات على وجه الإجمال، فهو حاصل لا ينفك عن الاعتقاد برسالته.

وإن أُريد منها الاعتقاد بالجامع بين الوجوب والحرمة، و انّ جريان البراءة عن كلّ من الاحتمالين ينافي العلم بالإلزام عند جريانه، فهو أيضاً غير تام، لأنّ الميزان عدم مخالفة كلّ أصل منفرداً مع العلم بالالزام، و المفروض انّ كلّ أصل


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث5و42.


(341)

يجتمع مع العلم بالإلزام، و لذا منعنا عن جريان أصالة الإباحة.

وإن أُريد منها أنّه يجب الإلتزام بخصوص أحدهما، فهو ممنوع إلاّمع العلم بالحكم، وإلاّ كان من التشريع المحرّم.

3. إذا دار الأمر بين المحذورين و كانت الواقعة واحدة، فلا شكّ أنّه مخيّر عقلاً بين الأمرين، مع جريان البراءة عن كلا الحكمين في الظاهر، أمّا لو كانت لها أفراد في طول الزمان، كما إذا تردّد (إكرام زيد في كلّ جمعة إلى شهر) بين الوجوب و الحرمة، فيقع الكلام في أنّ التخيير العملي هل هو حكم استمراري، فله أن يختار في الجمعة الثانية غير ما اختاره في الجمعة الأُولى، وإن استلزم ذلك، المخالفةَ القطعية، أو لا، بل التخيير ابتدائي فلا يجوز له أن يكرمه في الجمعة الأُولى دون الثانية؟

الظاهر عدم كونه استمراريّاً، لأنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي وحرمة المخالفة بين كون الواقعة دفعية أو تدريجية، فكما تحرم المخالفة العملية الدفعية كذلك تحرم التدريجية أيضاً، فإنّه يعلم بأنّه لو أكرم زيداً في الجمعة الأُولى و ترك إكرامه في الجمعة الثانية، فقد ارتكب مبغوضاً للشارع.

فالمانع هو تنجيز العلم الإجمالي مطلقاً في الدفعيات والتدريجيات، و عدم الفرق بينهما لحكم العقل بلزوم إطاعة المولى وحرمة المخالفة حسب الإمكان والاستطاعة.

فتلخص انّ الحكم بالتخيير عند دوران الأمر بين المحذورين لا يكون حجّة على جواز المخالفة القطعية، و هذه ضابطة كلية تجب مراعاتها.

4. قد تقدّم تضافر الروايات على التخيير في تعارض النصين من غير فرق بين أن يكون المورد من موارد الشبهة التحريمية أو الوجوبية، أو من موارد الدوران بين المحذورين، فإنّ التخيير في هذه المسائل الثلاث تخيير شرعي ، فله الأخذ


(342)

بأحد الخبرين بحكم رواياته بخلاف التخيير في غير تعارض النصين، فإنّه تخيير عقلي يحكم به العقل لأجل عدم القدرة على المخالفة القطعية في واقعة واحدة.

5. انّ المجرى لأصالة التخيير هو عدم التمكن من الاحتياط و الموافقة القطعية عقلاً، سواء لم يتمكن من المخالفة القطعية، كما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في واقعة و احدة، أو تمكّن كما إذا كانت الواقعة متعدّدة على ما مرّ.

ومن هنا ـ انّ مجرى أصالة التخيير هو عدم التمكّن من الموافقة القطعية ـ يعلم أنّ التخيير كما يجري في الشك في التكليف يجري في الشكّ في المكلّف به إذا لم يمكن الاحتياط، كما إذا اشتبه الواجب بالحرام بأن يعلم أنّ أحد الفعلين واجب والآخر حرام و اشتبه أحدهما بالآخر، مثلاً إذا علم بأنّ أحد البيعين واجب والآخر حرام، لكونه ربوياً و اشتبه الواجب بالحرام، فيكون الحكم معلوماً والمتعلّق مجهولاً، و مع ذلك فالموافقة القطعية غير ممكنة، فيكون مخيراً بين فعل أحدهما و ترك الآخر، ولو افترضنا تعدّد الواقعة، فليس له المخالفة القطعية بأن يأتي بأحدهما ويترك الآخر في واقعة، ثمّ يعكس في واقعة أُخرى، كما ذكرناه سابقاً.(1)


1 . ما ذكرناه من جريان التخيير في الشك في المكلّف به قد ذكره الشيخ في مبحث الشكّ في المكلّف به تحت عنوان المطلب الثالث في «اشتباه الواجب بالحرام». لاحظ الرسائل:298، طبعة رحمة اللّه. لكن لمّا عقدنا لأصالة التخيير فصلاً خاصاً على خلاف الشيخ ذكرنا جميع موارد التخيير ـ من دون فرق بين الشكّ في التكليف، أو الشكّ في المكلّف به ـ في فصل واحد.


(343)

الفصل الثالث

أصالة الاحتياط

هذا هو الأصل الثالث من الأُصول العملية و يعبّر عنه بأصالة الاشتغال أيضاً و مجراه هو الشكّ في المكلّف به مع العلم بنوع (1) التكليف وإمكان الاحتياط.

ثمّ الشبهة تنقسم إلى تحريمية و وجوبية، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في الشبهة التحريمية بمسائلها الأربع.

المقام الثاني: في الشبهة الوجوبية بمسائلها الأربع.

و اليك الكلام في المقام الأوّل:


1 . المراد من النوع، هو الوجوب، أو الحرمة; و المراد من الجنس، هو الإلزام الجامع بينهما، أو الجواز الجامع بين الإباحة و الكراهة، ففي الشكّ في المكلّف به نعلم النوع، أي الوجوب وحده، أو الحرمة وحدها، و لكن نجهل المتعلّق وهذا هو الحدّ الغالب للشك في المكلّف به فتدبّر.


(344)

المقام الأوّل:

أصالة الاحتياط

الشبهة التحريمية

مقتضى التقسيم السابق في الشكّ في التكليف يقتضي أن يكون هنا أيضاً مسائل أربع، لأنّ الشبهة إمّا حكمية، أو موضوعية، و منشأ الشكّ في الحكمية إمّا فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض النصين، و لكن كلّ ذلك فروض نظرية لاواقع لها في الفقه فالتي لها تطبيقات عملية ملموسة في الفقه هي المسألة الرابعة، أي الشبهة التحريمية الموضوعية، وأمّا المسائل الثلاث الحكمية، فليست لها تطبيقات عملية ، و لذلك نكتفي بالمسألة الرابعة.(1)

ثمّ إنّ الشبهة الموضوعية التحريمية من الشكّ في المكلّف به تنقسم إلى قسمين، لأنّ الحرام المشتبه بغيره، إمّا مشتبه في أُمور محصورة، كما لو دار الحرام بين أمرين أو أُمور محصورة، و تسمّى بالشبهة المحصورة; و إمّا مشتبه في أُمور غير محصورة، وتسمى بالشبهة غير المحصورة فإليك دراسة حكم كلا القسمين.

حكم الشبهة المحصورة:

إذا علم المكلّف بتكليف (الحرمة) على وجه لا يرضى المولى بمخالفته ، أو قامت أمارة يعلم أنّ المولى لا يرضى بترك العمل بها على فرض صدقها، فلا محيص عن وجوب الموافقة القطعية فضلاً عن حرمة المخالفة القطعية سواء كان العلم إجمالياً أو تفصيلياً، فالبحث عن إمكان جعل الترخيص لبعض الأطراف أو


1 . قال الشيخ الأنصاري:إنّما قدمنا الشبهة الموضوعية لاشتهار عنوانها في كلام العلماء بخلاف عنوان الشبهة الحكمية (لاحظ الرسائل:240، طبعة رحمة اللّه).
ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ بحث عن المسائل الثلاث الأُولى في نهاية المطلب الأوّل من «الشكّ في المكلّف به» بحثاً موجزاً في عدّة أسطر و قال: وأمّا الثلاث الأُخر...، فمن أراد فليرجع إلى الرسائل: 262، طبعة رحمة اللّه.


(345)

لجميعها مع العلم الوجداني بالتكليف الجدي تهافت لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتضادتين، و هذا كمثل قتل المؤمن إذا اشتبه بغيره ، و هذا هو الذي قلنا انّه مناسب للبحث عنه في باب القطع، وأمّا المناسب للمقام، فهو ما إذا قامت الأمارة على حرمة شيء و شمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي، كما إذا قال: اجتنب عن النجس، و كان مقتضى إطلاقه شموله للنجس المعلوم إجمالاً أيضاً، و هذا هو المبحوث عنه في المقام.(1) من أنّه هل يجوز المخالفة الاحتمالية أو لا، و ما ذكرناه هو الظاهر أيضاً من كلام الشيخ.(2)

فيقع الكلام في موارد ثلاثة:

الأوّل: ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية؟

الثاني: إمكان الترخيص وتجويز المخالفة الاحتمالية أو القطعية.

الثالث: في ورود الترخيص في لسان الشارع.

أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة الأوّلية وجوب الاجتناب عن الأطراف لوجود المقتضي وعدم المانع، أمّا وجود المقتضي فلأنّ قول الشارع «اجتنب عن الخمر» يشمل الخمر المردد بين الإناءين أو أزيد، ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلاً .

وأمّا عدم المانع فلأنّ العقل لا يمنع من تعلق التكليف عموماً أو خصوصاً بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه بين أمرين أو أُمور، كما لا يمنع عن العقاب على مخالفة هذا التكليف.

فتبيّـن انّ مقتضى القاعدة هو وجوب الاجتناب عنالطرفينلولا الترخيص.

وأمّا الثاني: فالحقّ إمكانه لأنّك عرفت أنّ مالا يقبل الترخيص هو العلم


1 . وبذلك يعلم وجه تكرار المسألة في باب القطع مرّة، و في المقام أُخرى، فإنّ المطروح في باب القطع هو صورة وجود العلم القطعي بالحكم،بخلاف المقام، فإنّ الموجود فيه إطلاق الدليل الشامل للجنس المعلوم تفصيلاً و إجمالاً.
2 . لاحظ الفرائد :240 حيث يقول: «إنّ قول الشارع اجتنب عن الخمر يشمل الخمر المعلوم المشتبه بين إناءين أو أزيد، ولا وجه لتخصيصه بالخمر الموجود تفصيلاً».


(346)

الوجداني بالتكليف، فهو الذي لا يجتمع مع الترخيص لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتناقضتين.

وأمّا لو كان سبب العلم بالتكليف هو إطلاق الدليل الشامل للصور الثلاث:

أ. المعلوم تفصيلاً. ب. المعلوم إجمالاً.

ج. المشكوك وجوداً(مع وجوده واقعاً) .

فكما يصحّ تقييد إطلاقه بإخراج المشكوك و جعل الترخيص فيه، فهكذا يجوز تقييد إطلاقه بإخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاصَ حرمة الخمر بصورة العلم بها تفصيلاً، فالشكّ في إمكان التقييد كأنّه شكّ في أمر بديهي، إنّما الكلام في الأمر الثاني.

وأما الثالث: ورود الترخيص في لسان الشارع، وهذا هو الأمر المهم في الشبهة المحصورة، و أنّه هل ورد فيه الترخيص لبعض الأطراف أو لا؟فالناظر إلى الروايات يقطع بعدم وروده.

1. روى الكليني بسند معتبر عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: «يهريقهما و يتيمّم».(1)

2. ما ورد في وجوب غسل الثوب من الناحية التي يعلم بإصابة بعضها للنجاسة.

روى زرارة، قال: قلت له: إنّي قد علّمته أنّه قد أصابه (الدم) و لم أدر أين هو فاغسلَه؟ قال: «تغسل من ثوبك الناحية(2) التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».


1 . الوسائل: الجزء 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 82. و في السند عثمان بن عيسى، و كان واقفياً، و قد رجع عنه، و سماعة بن مهران الذي قال النجاشي في حقّه: ثقة ثقة. و روى عمار الساباطي نظيره عن الصادق عليه السَّلام باختلاف يسير، و في سنده ثقات فطحيون.
2 . التهذيب: 1/421، الحديث 1335.


(347)

3. ما ورد في الثوبين المشتبهين من تكرار الصلاة في كلّ منهما على الانفراد.(1)

إلى غير ذلك من الروايات التي تدل على لزوم الأخذ بإطلاق الدليل، و عدم ورود التقييد.

الاستدلال على جواز الترخيص

وربما يستدل على جواز الترخيص ببعض الروايات نذكر منها ما يلي:

1. كلّ شيء هولك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه.

وجه الاستدلال: أنّ قوله: «بعينه» تأكيد للضمير في قوله:«إنّه» فيكون المعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام، فيكون مفاده أنّ محتمل الحرمة ما لم يتعيّن انّه بعينه حرام، فهوحلال، فيعمالعلم الإجمالي والشبهة البدوية.

الجواب: انّ تلك الفقرة ليست رواية مستقلة، بل هي جزء من رواية مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته، يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باعَ نفسه، أو خُدِعَ فبيعَ قهراً، أو امرأة تحتك و هي أُختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».(2)

والأمثلة الواردة في ذلك الحديث كلّها من الشبهة البدوية، و هذا يوجب انصراف إطلاق الحديث إلى موارده، و عدم عموميته لموارد العلم الإجمالي، ولو كان الحديث عاماً لكلا الموردين لكان له ـ عليه السَّلام ـ الإتيان بمثال لصورة العلم الإجمالي.

الثاني: ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا


1 . الوسائل: الجزء2، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
2 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.


(348)

جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن الجبن، فقال لي: «لقد(1) سألتني عن طعام يعجبني»، ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال: «يا غلام ابتع لنا جبناً» ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا معه، فأتى بالجبن فأكل وأكلنا، فلمّا فرغنا من الغداء، قلت: ما تقول في الجبن...، إلى أن قال: «سأُخبرك عن الجبن و غيره، كلّما كان فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».

والرواية ناظرة إلى الشبهة غير المحصورة، إذ كان في المدينة المنوّرة أمكنة كثيرة تجعل الميتة في الجبن، و كان هذا سبب السؤال، فأجاب الإمامعليه السَّلام بما سمعت و يشهد على ذلك ما رواه أبو الجارود، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ في الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فقال: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرّم في جميع الأرضين؟!».(2)

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الروايتين المرخِّصتين خارجتان عن محط البحث، و انّ العلم الإجمالي بالتكليف منجز مطلقاً سواء كان علماً قطعياً، أو حاصلاً من إطلاق الدليل، فتحرم مخالفته القطعية كما تجب موافقته القطعية.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات

لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين أن يكون أطرافه حاصلة بالفعل، أو يكون بعضها حاصلة بالفعل دون بعض، و هذا ما يسمّى بالعلم الإجمالي بالتدريجيات، كما إذا علم بأنّ أحد البيعين: إمّا ما يبيعه اليوم أو ما يبيعه غداً ربوي، فلا فرق عند العقل بينه و بين ما علم أنّ أحد البيعين الحاضرين ربوي، فيجب ترك الجميع تحصيلاً للموافقة القطعية.


1 . الوسائل: 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.


(349)

التنبيه الثاني: تنجيز العلم الإجمالي إذا تعلّق بحقيقتين

لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين أن تكون المشتبهات من حقيقة و احدة، كما إذا علم بنجاسة ماء أحد الإناءين، أو من حقيقتين، كما إذا علم إجمالاً إمّا نجاسة هذا الماء، أو غصبية الماء الآخر، و المناط في الجميع واحد، و هو انّ الاشتغال اليقيني بالتكليف يستلزم البراءة اليقينية.

التنبيه الثالث: شرط التنجزكونه محدثاً للتكليف على كلّ تقدير

يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ حال فلو وقعت النجاسة في أحد الإناءين الطاهرين و لم يعلم أنّها وقعت في أيّ واحد منهما، فهو ينجِّز، لانّها لو وقعت في أيّ منهما يحدث تكليفاً بإيجاب الاجتناب عنه. و أمّا إذا لم يحصل لنا علم بحدوث التكليف كذلك فلا يكون منجزاً، كما إذا علم بوقوع النجاسة إمّا في هذا الماء القليل، أو في ذاك الماء الكر، فإنّه لو وقع في الماء القليل يكون محدثاً للتكليف دون ما إذا وقع في الكر، فلا يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير.

ووجه شرطية ذلك انّ مقوِّم العلم الإجمالي أمران:

1. القطع بأصل التكليف .

2. احتمال وجود التكليف في كلّ من الطرفين، و هذا الشرط مفقود، لأنّه لو وقعت النجاسة في الماء الكر لا تؤثر فيه أبداً فلا يُحتمل فيه التكليف، فهو طاهر قطعاً على كلّ تقدير ولو وقعت في الإناء الآخر، فهو وإن كان يحدث تكليفاً، لكن وقوعه فيه محتمل فيكون محتمل النجاسة ويكون مجرىً لأصل البراءة وبالتالي: ينحلّ العلم الإجمالي بوقوع النجاسة في أحدهما إلى طاهر قطعي و هو الماء الكرّ، و مشكوك النجاسة و هو الماء القليل فلا ينعقد العلم الإجمالي من أصله.


(350)

ومثله ما إذا كان أحد الإناءين نجساً قطعاً و الآخر طاهراً قطعاًً، فوقعت النجاسة في أحدهما، فمثل هذا العلم بما أنّه لا يحدث تكليفاً ـ على كلّ تقديرـ لا يكون منجزاً، لأنّه لو وقعت في الإناء النجس لا تزيده النجاسة الجديدة حكماً جديداً، ووقوعه في الإناء الآخر مشكوك، فتجري فيه البراءة ، فلا ينعقد العلم الإجمالي، أي ليس لنا أن نقول: إمّا هذا نجس، أو ذاك نجس، بل الأوّل نجس قطعاً، و الثاني مشكوك النجاسة.

والحاصل: أنّه لو لم يحدث تكليفاً في كلّ طرف لا ينعقد العلم الإجمالي القائم بالتردّد الذي نعبّر عنه بلفظة «إمّا»أو بلفظة «أو».

التنبيه الرابع:

حكم خروج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء

إذا تعلّق العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين اللّذين يتمكّن المكلّف من ارتكاب أحدهما دون الإناء الآخر، لأنّه في بيت شخص لا يتفق للمكلّف عادة دخوله و استعماله، فلا يكون منجِّزاً، لأنّه لا يحدث التكليف على كلّ تقدير، إذ لو كانت النجاسة في الإناء الذي ابتلى به يحسن التكليف، وأمّا إذا كان فيما لا يبتلى به لَقَبُح الخطاب، فلا يصحّ خطابه بـ «اجتنب إمّا عن هذا الإناء، أو ذلك الإناء»، فإذا كان الخطاب بالنسبة إلى الإناء الخارج عن ابتلائه قبيحاً لا ينعقد العلم الإجمالي، فيكون الشكّ في الإناء الأوّل أشبه بالشبهة البدوية.

ولأجل ذلك يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون كلا الطرفين مورداً للابتلاء قبل حدوث العلم الإجمالي حتى يصحّ خطابه بالنسبة إلى كلا الطرفين، وأمّا لو كان أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء قبل حدوث العلم الإجمالي، ثمّ حدث فلا يكون منجزاً، لأنّه ليس محدثاً للتكليف على كلّ تقدير.


(351)

نعم لوحدث العلم الإجمالي و الطرفان في محل الابتلاء، ثمّ خرج أحدهما عن محلّ الابتلاء، فالاجتناب عن الإناء الآخر لازم و ذلك لأنّ العلم الإجمالي و إن لم يكن باقياً بعد خروج أحد أطرافه عن محلّ الابتلاء، و لكنه انعقد مؤثراً وأثره باق على حاله غير مرتفع فالاجتناب عن الإناء الباقي من آثار العلم السابق المرتفع، فوجوده آناًما، يوجب الاجتناب عن الثاني مادام موجوداً.

و يدلّ على ذلك أنّه لو كان الخروج عن محل الابتلاء بعد طروء العلم موجباً لجواز ارتكاب الإناء الآخر، لما أمر الإمام بإهراقهما، بل أمر بإهراق أحدهما والتوضّؤ بالآخر.

التنبيه الخامس:

الاضطرار إلى بعض الأطراف

لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات، فهو على قسمين:

الأوّل: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد معيّن .

الثاني: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد لا بعينه.

أمّا القسم الأوّل، فله صورتان:

الأُولى: إذا اضطرّ إلى ارتكاب واحد معيّن قبلَ العلم أو معه، فلا يجب الاجتناب عن الآخر.

الثانية: إذا اضطر إلى ارتكاب واحد معيّن بعد العلم، فيجب الاجتناب عن الآخر.

أمّا الصورة الأُولى، أي إذا كان الاضطرار إلى طرف معيّن قبل العلم، أو معه، فلما عرفت من أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف


(352)

على كلّ تقدير و أن يصحّ خطاب المكلّف بالاجتناب عن كلّ من الطرفين، و هذا الشرط غير موجود في هذه الصورة، لأنّ الحرام لو كان فيما اضطرّ إليه معيّناً فلا يكون العلم محدثاً للتكليف لفرض اضطراره إليه و هو رافع للتكليف فلا يصحّ خطابه بالاجتناب عنه، ولو كان الحرام في غير ما اضطرّ إليه فهو، و إن كان يحدث فيه التكليف و يصحّ خطابه بالاجتناب عنه، لكن وجوده فيه عندئذ أمر محتمل فتجري فيه البراءة .

و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي بحرمة واحد من الأُمور إنّما ينجِّز فيما لو علم تفصيلاً لوجب الاجتناب عنه على كل حال. و هذا الشرط غير متحقّق، لأنّه لو علم أنّ الحرام في غير الطرف المضطرّ إليه وجب الاجتناب عنه، وأمّا لو كان في الجانب المضطرّ إليه فلا يجب و يقبح الخطاب، فالعلم التفصيلي بالحرام ليس منجّزاً على كلّ حال بل منجّز على حال دون حال، فيكون العلم الإجمالي مثله، فلا يكون هناك قطع بالتكليف المنجز على كلّ التقادير حتى يجب امتثاله.

وأمّا الصورة الثانية، أي إذا كان الاضطرار إلى واحد معيّن بعد انعقاد العلم الإجمالي، فالحقّ وجوب الاجتناب عن الآخر، لأنّ الخطاب ـ بعد طروء الاضطرار ـ بالاجتناب عن كلّ من الطرفين و إن لم يكن صحيحاً، لكن وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر من آثار العلم الإجمالي السابق حيث تنجّز التكليف وأوجب الاجتناب و حكم العقل بوجوبه، فإذا طرأ الاضطرار فلا يتقدر إلاّ بقدر الضرورة، فالحكم العقلي السابق من لزوم الخروج عن عهدة التكليف القطعي باق على حاله إلاّ ما خرج بالدليل، أي المضطرّإليه.

هذا كلّه إذا كان الاضطرار إلى طرف معيّن.

وأمّا القسم الثاني، أي إذا كان الاضطرار إلى ارتكاب واحد لا بعينه، فيجب الاجتناب عن الطرف الآخر مطلقاً سواء كان الاضطرار بعد العلم كما هو واضح، أو كان الاضطرار قبل العلم الإجمالي، أو معه على خلاف ما إذا كان الاضطرار إلى


(353)

معين. و الفرق بين القسمين ظاهر ممّا سبق، و هو أنّ العلم الإجمالي في هذا القسم حاصل بحرمة واحد من أُمور على وجه لو علم بحرمته تفصيلاً، وجب الاجتناب عنه على كل تقدير، لإمكان رفع الاضطرار ، بغير الحرام، فيكون العلم الإجمالي مثله غاية الأمر انّ ترخيص بعضها على البدل لرفع الاضطرار موجب لاكتفاء الآمر، بالاجتناب عن الباقي بخلاف القسم السابق فإنّ العلم التفصيلي لم يكن فيه منجزاً على كلّ تقدير، فكيف بالعلم الإجماليّ؟(1)

التنبيه السادس:

حكم ملاقي أحد الأطراف

لا شكّ انّه يجب الاجتناب عن ملاقي النجس الواقعي، وأمّا إذا لاقى شيئاً لا نعلم بنجاسته و لكنّه محكوم عقلاً و شرعاً بوجوب الاجتناب، كأحد طرفي العلم الإجمالي، فهل يجب الاجتناب عن الملاقي أيضاً أو لا؟و هذا كما إذا علم بنجاسة موضع من ثوبه وتردد بين أسفله وأعلاه ثمّ أصاب الملاقي الرطب، أحد الموضعين، فيقع الكلام في وجوب الاجتناب عن الملاقي و فيه قولان سيوافيك بيانهما.

وبذلك اتضحت عدّة أُمور:


1 . نلفت نظر الأساتذة إلى البيان التالي: إذا كان هناك اضطرار إلى طرف معين لا يحصل العلم بعدم التنافي بين الحكم الواقعي بوجوب الاجتناب عن النجس و جواز ارتكاب المضطر إليه لاحتمال أن يكون النجس هو نفس المضطر إليه المعيّن، فلا يكون هناك علم بعدم التنافي بين الحكم الواقعي وحكم الاضطرار، فلا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجزاً.
وهذا بخلاف ما إذا كان الاضطرار إلى واحد غير معيّن، فإنّ عدم التنافي أمر قطعي لإمكان رفع الاضطرار بالحلال، غاية الأمر انّ جهل المكلّف بالطاهر من الطرفين أباح له استعمال أيّهما شاء، و ليس له استعمال كليهما، لأنّ الضرورات تتقدر بقدرها.


(354)

أ. إذا لاقى الملاقي كلا الطرفين، فهو معلوم النجاسة قطعاً لا مشكوكها فيجب الاجتناب عنه.

ب. إذا تعدّد الملاقي، بأن يلاقي شيء أحدَ الطرفين و شيء آخر الطرف الآخر، فيحدث علم إجمالي بنجاسة أحد الملاقيين، كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الأصلين.

ج. انّ البحث عن طهارة الملاقي و نجاسته إذا كان هناك مجرّد ملاقاة دون أن يحمل شيئاً من أجزاء الملاقى، و على ذلك فلو غمس يده في أحد الإناءين ثمّ أخرجها تكون اليد طرفاً للعلم الإجمالي لا ملاقياً، فينقلب العلم عن كونه ثنائي الأطراف إلى ثلاثيّها، نظير ما إذا قسّم أحد المشتبهين، قسمين و جعل كلّ قسم في إناء.

إذا علمت ذلك، فالمشهور بين الأُصوليين المتأخّرين عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي .

دليل القائل بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي

استدل القائل بعدم وجوب الاجتناب بأنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي من شؤون ملاقاة النجس لا من شؤون محتمل النجاسة و إن حكم عليه بوجوب الاجتناب مقدمة.

وبعبارة أُخرى: أنّ الشكّ في طهارة الملاقي ناشئ من طهارة الملاقى و نجاسته، فليسا في رتبة واحدة، و بما أنّ أصالة الطهارة في الملاقى معارضة لأصالة الطهارة في الطرف الآخر فتتعارضان و يتساقطان، فيجري الأصل في الملاقي بلا معارض.

والحاصل أنّ الأصل يجري في الملاقى و الطرف الآخر ثمّ يتساقطان ولا يجري في الملاقي حين جريانه في الملاقى لتأخّر رتبته عن الملاقى و المفروض انّ الأصلين فيهما تعارضا و تساقطا، فيكون الأصل في جانب الملاقي بلا معارض.

استدل القائل بوجوب الاجتناب بانّه يحصل علمان بعد العلم بالملاقاة :


(355)

أ. العلم بنجاسة أحد الطرفين.

ب. العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر، بحكم انّ الملاقي متحد في الحكم مع الملاقى فإذا كان الملاقى، طرفاً للعلم يكون الملاقي أيضاً مثله.

يلاحظ عليه: بما مرّ في التنبيه الثالث من انّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير، فلو أحدث على تقدير دون آخر فلا يكون منجِّزاً.

وهذا الشرط موجود في العلم الأوّل لأنّه لم يكن واحد من المشتبهين محكوماً بوجوب الاجتناب دون العلم الثاني، لانّه حدث، عند ما كان الطرف الآخر محكوماً بوجوب الاجتناب بالعلم الإجمالي الأوّل، ومعه لا يحدث فيه حكماً جديداً وعندئذ لا يؤثر في الملاقي أيضاً لفقدان الشرط المؤثّر في تنجيز العلم الإجمالي. فيجري فيه الأصل بلا معارض فيكون بحكم الشبهة البدويّة.

فإن قلت: انّ هنا علماً إجمالياً ثالثاً وهو العلم الإجمالي بنجاسة الطرف، أو الملاقي والملاقى معاً فالطرفان بين أُحادِيّ، و ثُنائِيّ.

قلت: ليس هذا علماً ثالثاً وراء العلمين وإنّما هو تلفيق منهما، وقد عرفت انّ العلم الأوّل منجز دون الثاني فليس هنا علم ثالث نبحث في حكمه.

واعلم انّ محط البحث فيما إذا عَلم إجمالاً بنجاسة أحد الشيئين ثمّ حصل الملاقاة والعلم بها ففي ذلك المورد تجري أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض لانّه فرد مستقل، شكّ في طهارته ونجاسته.

وأمّا غير هذه الصورة فيختلف حكمه مع ما ذكرناه في المقام نظير:

1. إذا حصل العلم الإجمالي والملاقاة والعلم به في زمان واحد.

2. إذا تقدمت الملاقاة والعلم بها على العلم الإجمالي بأحد الطرفين، فيختلف حكمهما مع ما سبق .

هذا خلاصة الكلام والتفصيل موكول إلى دراسات عليا.


(356)

الشبهة غير المحصورة (1)

اتّفق الأُصوليون على عدم تنجيز العلم الإجمالي في أطراف الشبهة التحريمية الموضوعية غير المحصورة، و يقع الكلام في تحديد الموضوع أوّلاً، و بيان حكمه ثانياً.

أمّا الأوّل، فقد عرِّفت بوجوه:

أ. أن تكون الأطراف إلى حدّ يوجب ضعف احتمال كون الحرام في طرف خاص بحيث لا يعتني به العقلاء، ويتعاملون معه معاملة الشكّ البدوي، فلو أُخبِر أحد باحتراق بيت في بلد أو اغتيال إنسان فيه، و للسامع فيه بيت أو ولد لا يَعتدُّ بذلك الخبر.

إن قلت: على هذا لو علم بنجاسة حبة في ألف حبة من الارز لجاز أكل الجميع لض آلة الاحتمال.

قلت: إنّ تناول ألف حبة من الأُرز يتحقّق بعشر لقمات مثلاً، فالحرمة مردّدة بين عشرة محتملات لا ألف محتمل.

ب. غير المحصورة عبارة عمّا لا يتمكن الإنسان عادة من الجمع بين الأطراف من حيث الأكل أو الشرب أو اللبس. (2)

ولعلّ التعريف الأوّل أدق.

وأمّا حكمها، فلو علم المكلّف بوجود تكليف قطعي أو احتمالي بين الأطراف على وجه لا يرضى المولى بمخالفته على فرض وجوده، فلا يجوز الترخيص لا في كلّها ولا في بعضها، و لكن الكلام في مقام آخر، و هو انّه إذا دلّ الدليل على حرمة الشيء و كان مقتضى إطلاق الدليل حرمته، مطلقاً و إن كانت


1 . قد مرّ انّ الشبهة التحريمية الموضوعية تنقسم إلى محصورة و غير محصورة، و قد تقدّم الكلام في الأُولى و حان حين البحث عن الثانية .
2 . فوائد الأُصول:4/119.


(357)

غير محصورة، فهل هناك دليل أقوى يقدّم على ذلك الإطلاق؟

وقد استدل القوم على وجود دليل يقدّم على الإطلاق بوجوه نذكر بعضها:

الأوّل: انّ الموافقة القطعية في الشبهة غير المحصورة أمر موجب للعسر و الحرج، و معه لا يكون التكليف فعلياً، فيجوز ارتكاب الأطراف جميعها أو بعضها.

الثاني: الروايات الواردة حول الجبن و غيرها المحمولة على الشبهة غير المحصورة، الدالة على عدم وجوب الاجتناب، وقد تقدّم بعضها عند البحث في الشبهة المحصورة، وإليك بعضها الآخر:

1. روى إسحاق بن عمّار عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، قال: «يشتري منه مالم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً».(1)

2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ، قال: سألته عن الرجل أيشتري من العامل و هو يظلم؟ فقال:«يشتري منه».(2)

وقد وردت روايات في أخذ جوائز الظالم.(3)

إلى غير ذلك من الروايات المورِثة لليقين بعدم وجوب الموافقة القطعية.

تنبيه

إذا كان المردّد في الشبهة غير المحصورة أفراداً كثيرة نسبة مجموعها إلى المشتبهات كنسبة الشيء إلى الأُمور المحصورة، كما إذا علم بوجود مائة شاة محرّمة في ضمن ألف شاة، فإنّ نسبة المائة إلى الألف نسبة الواحد إلى العشرة، و هذا ما يسمّى بشبهة الكثير في الكثير، فالعلم الإجمالي هنا منجز، و العقلاء يتعاملون معه معاملة الشبهة المحصورة، ولا يعد احتمال الحرمة في كلّ طرف احتمالاً ضئيلاً.


1 . الوسائل: 12، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و3، ولاحظ الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و3. وتقدّم بعض روايات الجبن ص 48 فلاحظ.
2 . الوسائل: 12، الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و3، ولاحظ الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و3. وتقدّم بعض روايات الجبن ص 48 فلاحظ.
3 . لاحظ الوسائل: 12، الباب 51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.


(358)

المقام الثاني
أصالة الاحتياط

الشبهة الوجوبية

قد عرفت أنّ الشكّ في المكلّف به ينقسم إلى شبهة تحريمية و إلى شبهة وجوبية، و قد تمّ الكلام في الأُولى مع الإشارة إلى مسائلها الأربع.(1)

ثمّ إنّ الشبهة الوجوبية في المكلّف به تنقسم إلى قسمين، تارة يكون الشك مردّداً بين المتباينين كتردّد الأمربين وجوب الظهر أو الجمعة، وأُخرى بين الأقل و الأكثر(2) كتردّد الواجب بين الصلاة مع السورة أو بدونها، و بذلك يقع الكلام في موضعين.

الموضع الأوّل: الشبهة الحكمية الوجوبية الدائرة بين متباينين

إذا دار الواجب بين أمرين متباينين، فمنشأ الشك إمّا فقدان النص أو إجماله، أو تعارض النصّين، أو الشبهة الموضوعية، فهناك مسائل أربع:و إليك البحث فيها بوجه موجز:


1 . أشرنا إليها و لم نذكر من المسائل الأربع إلاّ الشبهة الموضوعية ،لما تقدّم من عدم وجود تطبيقات عملية لمسائلها الثلاث: الشبهة التحريمية الحكمية لأجل عدم النص، أو لإجمال النص، أو لتعارض النصين، نعم أكثر التطبيقات تتعلّق بالمسألة الرابعة.
2 . لم نذكر في الشبهة التحريمية من الشكّ في المكلّف به صورة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر واقتصرنا على المتبائنين لانّ مرجع الدوران بينهما عندئذ إلى الشكّ في أصل التكليف لانّ الأقل معلوم الحرمة، و الشكّ في حرمة الأكثر. لاحظ الفرائد تحت عنوان «المطلب الثاني في اشتباه الواجب بالحرام» ص 262، طبعة رحمة اللّه.


(359)

1. إذا تردد الواجب بغيره لأجل فقدان النصّ، كتردّده بين الظهر والجمعة.

2. إذا تردد الواجب بغيره لأجل إجمال النص بأن يتعلّق التكليف الوجوبي بأمر مجمل، كقوله تعالى: (حافِظُوا علَى الصَلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى)(البقرة/238)حيث إنّ الصلاة الوسطى مردّدة بين عدّة منها.

3. إذا تردد الواجب بغيره لأجل تعارض النصّين و تكافؤهما، كما إذا دار الأمر بين القصر و الإتمام.

4. إذا تردد الواجب بغيره من جهة اشتباه الموضوع، كما في صورة اشتباه الفائتة بين العصر و المغرب.

إنّ الخلاف في هذه المسائل كالخلاف في الشبهة التحريمية، و المختار هو المختار طابق النعل بالنعل، فيجب الاحتياط في الأُولى و الثانية و الرابعة، وأمّا الثالثة، فالمشهور فيها التخيير، لأخبار التخيير السليمة عن المعارض.

ويدل على الاحتياط فيما لا نصّ فيه وراء الدليل العقلي بعض الروايات، كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجلين أصابا صيداً و هما محرمان، الجزاء بينهما؟ أو على كلّواحد منهما جزاء؟ قال: «لا، بل عليهما أن يجزي كلّ منهما الصيد». قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه؟ فقال: «إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه، فتعلموا».(1)

الموضع الثاني: الشبهة الحكمية، الوجوبية الدائرة بين الأقل و الأكثر

قد عرفت أنّ الشبهة الحكمية الوجوبية تنقسم إلى قسمين، لأنّ الواجب إمّا يكون مشتبهاً بين المتباينين، و هذا هو الذي مرّبمسائلها الأربع، أو يكون مردّداً


1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(360)

بين الأقل و الأكثر، كما إذا شككنا في جزئية السورة، أو جزئية جلسة الاستراحة، أو شرطية شيء للصلاة كإباحة اللباس والمكان، أو مانعية شيء لها كنجاسة المحمول في الصلاة المحتمل كونها مانعة.

وهذا ما يسمّى بالأقل و الأكثر الارتباطيين.(1)ويبحث عنه ضمن مسائل أربع:

المسألة الأُولى: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل فقدان النص

إذا شككنا في جزئية السورة، أو جلسة الاستراحة، أو شرطية إباحة ثوب المصلّي فيكون الواجب مردّداً بين الأقل كالصلاة بلا سورة وبلا جلسة الاستراحة...، أو الأكثر كالصلاة مع السورة و مع جلسة الاستراحة، فهل الإتيان بالأكثر مجرى للبراءة، أو مجرى للاحتياط؟

فصل بعض بين البراءة العقلية والشرعية فنفى جريان الأُولى دون الثانية، كما فصّل بعض بين الجزء والشرط فجعل الجزء المشكوك مصبّاً للبراءة دون الشرط.

والمختار هو البراءة مطلقاً و يتضح ذلك بالبيان التالي:

1. انّ العقل يستقل بقبح مؤاخذة من أُمر بمركب لم يُعلم من أجزائه إلاّعدّة أجزاء، و يُشكّ في وجود جزء آخر، ثمّ بذل جهده في طلب الدليل على


1 . إنّ الأقل والأكثر ينقسمان إلى استقلاليين وإرتباطيين و الفرق بينهما، هو انّ وجوب الأقل و امتثاله في الاستقلالي يغاير وجوب الأكثر ـ على فرض وجوبه ـ و امتثاله، فلكل وجوب و امتثال، كالفائتة المردّدة بين الواحد والكثير، والدين المردّد بين الدينار والدينارين، ولذلك لم يختلف أحد في وجوب امتثال الأقل، وعدم لزوم امتثال الأكثر لعدم ثبوت وجوبه، بخلاف الأقل في الإرتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر يكون واجباً بنفس وجوب الأكثر فلهما وجوب واحد وامتثال فارد، ولذلك اختلفوا في جواز الاقتصار بالأقل، أو لزوم الإتيان بالأكثر.


(361)

جزئية ذلك الأمر فلم يعثر فأتى بما علم و ترك المشكوك، خصوصاً مع اعتراف المولى بعدم نصب قرينة عليه، غاية الأمر أنّ ترك النصب من الآمر قبيح. فكما تقبح المؤاخذة فيما إذا لم ينصب قرينة فهكذا تقبح فيما إذا نصب ولكن لم تصل إلى المكلّف بعد الفحص و هذا تقرير للبراءة العقلية.

2. انّ العلم الإجمالي بوجوب الصلاة بلا سورة، أو وجوبها معها، ينحلّ إلى علم تفصيلي بوجوب الأقل، لأنّه واجب إمّا نفسياً ـ إذا لم تكن السورة واجبة ، أو مقدمّياً ـ إذا كانت السورة واجبة باعتبار أنّ الأقل مقدمة للأكثر ـ و على كلّ تقدير فالعلم التفصيلي حاصل بوجوب الأقل و الشكّ في وجوب الأكثر، فينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدويّ فيؤخذ بالمتيقّن و يجري البراءة عن الأكثر.

3.انّ الأقلّ واجب نفسي على كلا التقديرين سواء كان الواجب هو الأقل أو الأكثر، لانّ الأمر بتعلّقه بعنوان الصلاة ـ التي ليست سوى الأجزاء في لحاظ الإجمال ـ ينبسط على الأجزاء، بشهادة أنّ الاتي بكل جزء منها ينوي به امتثال الأمر النفسي على نحو التدريج، لا امتثال الأمر المقدمي ولا الأمر الضمني، وعلى ضوء هذا، فانبساط الأمر النفسي على الأقل محرز وعلى الأكثر مشكوك تجري فيه البراءة.(1)

ثمّ اعلم انّه يُعْتَمَدُ في تقرير البراءة العقلية على مسألة قبح العقاب بلا بيان، فيقال في المقام انّ الجزء المشكوك لم يرد في وجوبه بيان، فلو تركه العبد وكان


1 . الفرق بين البيانين هو انّ الأوّل مبني على انّ وجوب الأقل ـ عند وجوب الأكثر ـ مقدميّ غيري ، و البيان الثاني مبني على انّوجوب الأقل ـ عندوجوب الأكثرـ نفسي بانبساط الأمر النفسي عليه و على الأكثر، والانحلال على الوجه الثاني أوضح.و ممّا ينبغي أن نلفت النظر إليه انّ ما ذكره المحقّق الخراساني من انّ القول بالانحلال يستلزم الدور، إنّما يتم بناء على التقرير الأوّل دون الثاني.وعلى كلا التقريرين تجري البراءة العقلية والشرعية فليتدبّر.


(362)

واجباً في الواقع فالعقاب على تركه عقاب بلا بيان وهو قبيح على الحكيم.

كما انّه يُعْتَمدُ في تقرير البراءة الشرعية لأجل رفع الوجوب الشرعي ، على حديث الرفع والحجب، فيقال انّ وجوب الأكثر بعدُ «مما لا يعلمون» أو «مما حجب اللّهعلمه» وكلّ ما كان كذلك فهو مرفوع.

استدلال القائلين بالاحتياط بوجهين:

الأوّل: انّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ، فذمّة المكلّف مشغولة بالواجب المردّد بين الأقل والأكثر، ولا يحصل اليقين بالبراءة إلاّ بالإتيان بالأكثر نظير ما إذا دار أمر الصلاة الفائتة بين إحدى الصلاتين: المغربِ أو العشاءِ، فيجب الإتيان بالأقل والأكثر كما يجب الإتيان بكلتا الصلاتين.

يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المشبَّه (دوران الواجب بين الأقل والأكثر) والمشبَّه به(دوران الواجب بين المتباينين) فانّ العلم الإجمالي في الثاني باق على حاله حيث إنّ الواجب مردد بين شيئين مختلفين غير متداخلين كصلاتي المغرب والعشاء.

وهذا بخلاف المقام فانّ الترديد زائل بأدنى تأمّل حيث يُعلم وجوب الأقل على كلّ حال، بنحو لا يقبل الترديدَ، وإنّما الشك في وجوب الأكثر أي السورة، ففي مثله يكون وجوب الأقل معلوماً على كلّ حال، ووجوب الأكثر مشكوكاً من رأس، فيأخذ بالمتيقن وتجري البراءة في المشكوك.

ومن ذلك يعلم أنّ عدّ الشكّ في الأقل والأكثر الارتباطيين من باب العلم الإجمالي إنّما هو بظاهر الحال وبدء الأمر، وأمّا بالنسبة إلى حقيقة الأمر فوجوب السورة داخل في الشبهة البدوية التي اتفق الأخباري و الأُصولي على جريان البراءة فيها.


(363)

الثاني: انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد شرعية، فالأمر بالصلاة لمصلحة قائمة بالمتعلق وقد دعا الشارع إلى إيجابها، وحينئذ فلو أتى بالأكثر يعلمبحصول المصلحة بخلاف ما إذا أتى بالأقل فتكون مشكوكة الحصول معانّ المصلحة يلزم تحصيلها لانّها من قبيل الدواعي والأغراض للمولى.

يلاحظ عليه: انّ متعلّق الأمر يتصور على قسمين:

تارة يكون تحصيل الغرض متعلقاً بالأمر مباشرة وبلا واسطة، كما إذا قال المولى: حضِّر دواءاً يشفي من المرض، فشكّ في انّ محصِّل الغرض تسعة أجزاء أو عشرة ففي مثله يجب الاحتياط لانّ المأمور به هو مفهوم بسيط لا قلة فيه ولا كثرة أعني «الشفاء من المرض»، وإنّما القلة والكثرة في محصِّله الذي ليس بمأمور به.فتحصيل اليقين بالإتيان بالمأمور به رهن الإتيان بالأكثر.

وأُخرى يكون العنوان المنحلّ إلى عدّة أجزاء، متعلقاً للأمر والغرض مترتباً عليه لا متعلقاً للأمر، ففي مثله يكون نفسُ الواجب ـ عند التحليل ـ مرداً بين الأقل والأكثر فيؤخذ بالمتيقن وتجري البراءة في الأكثر.

واحتمال انّ غرض المولى ربما لا يكون حاصلاً بالأقلّ، غير ملزِم بالنسبة إلى المكلّف إذ الواجب عليه تحصيل غرضه حسب ما قامت الحجّة على مدخليّته في الغرض. وأمّا المشكوك في مدخليته فلا دليل على تحصيله، ولو كان للمولى إرادة جدّية تتعلق بحصول الغرض المترتب على المأمور حتى في حالة جهل المكلّف بالجزء، لكان عليه إرشاده إلى كيفية تحصيله من خلال فرض الاحتياط عليه عند الشك في الجزء، كأن يقول: إذا شككت في جزئية شيء يجب عليك الاحتياط والمفروض انتفاءه.


(364)

المسألة الثانية: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل إجمال النص

إذا دار الواجب بين الأقل أو الأكثر لأجل إجمال النصّ، كما إذا علّق الوجوب في الدليل اللفظي بلفظ مردّد معناه بين مركبين يدخل أقلّها تحت الأكثر بحيث يكون اتيان الأكثر إتياناً للأقل، و لا عكس، كما إذا دلّ الدليل على غسل ظاهر البدن، فيشك في أنّ الجزء الفلاني كباطن الأُذن أو عكنة البطن من الظاهر أو من الباطن، و الحكم فيه كالحكم في السابق، و نزيد هنا بياناً:

إنّ الملاك في جريان البراءة الشرعية هو رفع الكلفة، فكلّ شيء فيه كلفة زائدة وراء الكلفة الموجودة في الأقل، يقع مجرى للبراءة الشرعية.

المسألة الثالثة: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر لأجل تعارض النصّين

إذا تعارض نصّان متكافئان في جزئية شيء، كأن يدل أحد الدليلين على جزئية السورة، و الآخر على عدمها، و لم يكن لأحدهما مرجح، فالحكم فيه هوالتخيير، لما عرفت من تضافر الروايات العديدة على التخيير عند التعارض.

المسألة الرابعة: دوران الأمر بين الأقل والأكثر للخلط في الأُمور الخارجية

إذا شكّ في جزئية شيء للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي، كما إذا أمر بمفهوم مبيّن مردّد مصداقه بين الأقل و الأكثر، و هذا كما إذا أمر المولى بإكرام العلماء على نحو العام المجموعي بحيث تكون للجميع إطاعة واحدة و عصيان واحد، فالشكّ في كون زيد عالماً أو غير عالم شكّ في كون الواجب هو الأقل أو الأكثر و منشأ الشكّ هو خلط الأُمور الخارجية وبما انّ عنوان المجموع،


(365)

عنوان طريقي إلى الواجب ففي الحقيقة يتردد الواجب بين الأقل والأكثر فتجري البراءة.(1)

حكم الشكّ في المانعية والقاطعية

كان البحث السابق يدور حول الشكّ في كون شيء جزءاً أو شرطاً، ولكن البحث في المقام يدور حول الشكّ في كون شيء مانعاً، أو قاطعاً، و كلا القسمين من شُعب الشكّ بين الأقل و الأكثر.

وقبل أن نذكر حكم الشكّ بين مانعية شيء أو قاطعيته نذكر الفرق بين المانعية والقاطعية في مجال التكوين والاعتبار، فاعلم انّ هنا واقعيتين، واعتبارين:

1. أن يكون وجود الشيء مخلاًّ ومانعاً عن تأثير المقتضي، كالرطوبة في الحطب المانعة من تأثير النار فيه، فهذا ما يعبّر عنه بالمانع.

2. أن يكون وجود شيء قاطعاً لاستمرار وجود الشيء كايقاف نزيف الدم و تسكين الوجع بالدواء.

هذا هو المانع والقاطع في عالم التكوين.


1 . نلفت نظر الأساتذة الكرام إلى أنّ الشبهة الموضوعية في الأقل والأكثر غير الشكّ في المحصِّل، و ربما يحصل الخلط بينها حتى أنّ الشيخ الأنصاري عنون المسألة و لكنّه مثّل بالشك في المحصِّل، لاحظ الفرائد:284 طبعة ـ رحمة اللّه ـ . و الفرق بين الأمرين هو انّ نفس الواجب في الأقل و الأكثر مطلقا حكمية كانت الشبهة أم موضوعية مردّد بينهما، فينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و هو وجوب الأقل و شك بدوي و هو وجوب الأكثر.
وأمّا الواجب في الشك في المحصل، فهو مفهوم مبيّن لا قلّة فيه ولا كثرة، و إنّما القلّة و الكثرة في محصِّله و محقِّقه، كما إذا وجب صوم ما بين الهلالين و دار أمره بين التسعة و العشرين يوماً أو الثلاثين يوماً، أو وجب الوضوء أو الغسل الرافعان للحدث أو المبيحان للصلاة، فوقع الشك في محقِّقه و انّه هل هو الغسلتان و المسحتان، أو بضميمة المضمضة و الاستنشاق، ففي مثله يجب الاحتياط لأنّ الاشتغال اليقيني بالواجب المبين يقتضي البراءة اليقينية.لاحظ المحصول: 3/560.


(366)

وقد جرى الفقهاء على ذلك الاصطلاح في الأُمور الاعتبارية فعبّروا عن بعض الأُمور بالموانع، وعن أُخرى بالقواطع تبعاً لكيفية اعتبار الشارع، واستظهاره من لسان الدليل، فإن اعتبره الشارع بما انّ وجوده مخل لتأثير الأجزاء في الغرض المطلوب فيعبّر عنه بالمانع ، كنجاسة الثوب في حال الصلاة ، فانّها تمنع عن تأثير الأجزاء في الغرض المطلوب كحصول التقرب والعروج إلى اللّه، وإن اعتبر بما انّه قاطع للهيئة الاستمرارية كالفعل الماحي للصورة الصلائية فيعبر عنه بالقاطع.

وبذلك تقف على انّ اعتبار شيء مانعاً أو قاطعاً ليس إلاّ باعتبار كون وجوده مانعاً أو قاطعاً، لا انّ عدمهما مأخوذ في المأمور به كما هو الدائر على الألسن.

فإذا شككنا في مانعية شيء أو قاطعيته، فمرجع الشك إلى اعتبار أمر زائد على الواجب ـ وراء ما علم اعتباره، فيحصل هنا علم تفصيلي، بوجوب الإجزاء وشك بدوي في مانعية شيء أو قاطعيته ـ فالأصل عدم اعتبارهما إلى أن يعلم خلافه، فالشكّ فيهما كالشكّ في جزئية شيء أو شرطيته في انّ المرجع في الجميع هو البراءة.

تمّ الكلام في الاحتياط،و يليه البحث في الأصل الرابع، و هو الاستصحاب.
والحمد للّه ربّ العالمين


(367)

الفصل الرابع

الاستصحاب

وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: الاستصحاب في اللغة أخذ الشيء مصاحَباً أو طلب صحبته، وفي الاصطلاح«إبقاء ما كان على ما كان»مثلاً إذا كان المكلف متيقناً بأنّه متطهّر من الحدث، ولكن بعد فترة شك في حصول حدث ناقض طهارته، فيبني على بقائها، وأنّه بعدُ متطهر، فتكون النتيجة: «إبقاء ما كان على ما كان» و يختلف عن الأُصول الثلاثة السابقة باختلاف المجرى، فانّ مجرى الأُصول الثلاثة هو الشكّ في الشيء من دون لحاظ الحالة السابقة، إمّا لعدمها أو لعدم لحاظها، وهذا بخلاف الاستصحاب فانّ مجراه هو لحاظ الحالة السابقة.

الثاني: المعروف بين المتأخرين أنّ الاستصحاب أصل كسائر الأُصول ـ و إن كانت مرتبته متقدّمة على سائر الأُصول العملية ـ لكن الظاهر من قدماء الأُصوليين أنّه أمارة ظنية، فكأنّ اليقين السابق بالحدوث أمارة ظنية لبقاء الشيء في ظرف الشك، وليس المراد من الشك هو الشكّ المنطقي ـ أعني به تساوي الطرفين ـ حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن بالبقاء.

وأمّا المتأخرون فلم يعتبروه أمارة ظنية بل تلقّوه أصلاً عملياً وحجّة في ظرف الشك، واستدلوا عليه بروايات ستوافيك.

الثالث: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية، وذلك لأنّ المعيار في


(368)

تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو محمولاتها.

توضيحه: انّ المحمول في القواعد الفقهية لا يخلو إمّا أن يكون حكماً فرعيّاً تكليفيّاً كالوجوب والحرمة و الاستحباب والكراهة و الإباحة. أو حكماً فرعيّاً وضعيّاً كالضمان و الصحّة و البطلان. مثلاً قوله:«كل شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» قاعدة فقهية بحكم أنّ المحمول هو الحليّة، التي هي من الأحكام الفرعية التكليفية، كما أنّ قوله: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» قاعدة فقهية، لأنّ المحمول فيها هو الضمان وهو حكم وضعي، ومثله قوله:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور و الوقت والقبلة والركوع و السجود»(1) فانّ المحمول هو البطلان في الخمسة و الصحّة في غيرها.

هذا هو ميزان القاعدة الفقهية، وأمّا القاعدة الأُصولية فتختلف محمولاً عن القاعدة الفقهية، فالمحمول فيها ليس حكماً شرعياً تكليفياً أو وضعياً، بل يدور حول الحجّية وعدمها، فنقول: الظواهر حجّة، الشهرة العملية حجّة، خبر الواحد حجّة، أصل البراءة و الاحتياط والاستصحاب حجّة في ظرف الشك.

وربما يخطر في الذهن بأنّ المحمول في المسائل الأُصولية ربما يكون غير الحجّة، كقولك: الأمر ظاهر في الوجوب والنهي ظاهر في الحرمة، ولكنّه عند التدقيق يرجع إلى البحث عن الحجّة على الوجوب والحرمة، فالغاية من إثبات ظهورهما هي إقامة الحجّة على الوجوب والتحريم.

وإن شئت قلت: الغاية من إثبات الصغرى(كونه ظاهراً في الوجوب) هي احتجاج المولى به على العبد. وروح المسألة عبارة عن كون الأمر حجّة في الوجوب أو لا، وهكذا ما مرّ في باب الأوامر والنواهي.

الرابع: قد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أنّ اليقين لا يُنقض


1 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.


(369)

بالشك، وظاهره اجتماعهما في زمان واحد وعدم نقض أحدهما الآخر، وهو في بادئ النظر أمر غريب، لانّهما لا يجتمعان حتى لا ينقض أحدهما الآخر، لأنّ اليقين هو الجزم بشيء، والشكّ هو التردّد وانفصام الجزم، فكيف يجتمعان؟!

والجواب أنّ اليقين والشكّ لايجتمعان إذا كان المتعلّق واحداً ذاتاً وزماناً، كما إذا فرضنا انّه تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في نفس ذلك اليوم في عدالته، ففي مثله لا يمكن اجتماع اليقين والشكّ، فعندما يكون متيقناً لا يمكن أن يكون شاكاً وبالعكس.

وأمّا إذا كان متعلقاهما متحدين جوهراً ومتغايرين زماناً، فاليقين والشكّ يجتمعان قطعاً، مثلاً لو تيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لكن صدر منه يوم السبت فعلٌ شكَ معه في بقاء عدالته في ذلك اليوم، ففي هذا الظرف يجتمع اليقين والشكّ فهو في آن واحد متيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لا يشك فيه أبداً، وهو في الوقت نفسه شاك في عدالته يوم السبت، وبذلك صحّ اجتماع اليقين والشكّ في زمان واحد لتغاير المتعلّقين زماناً، وإلى ذلك يؤول قولهم في باب الاستصحاب «اليقين يتعلّق بالحدوث والشكّ بالبقاء» فمقتضى الاستصحاب إبقاء عدالة زيد يوم الجمعة إلى يوم السبت وترتيب أثر العدالة في كلا الزمانين.

وبذلك علم أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أ. فعليّة اليقين في ظرف الشكّ، ووجودهما في آن واحد في وجدان المستصحِب.

ب. وحدة متعلّقهما جوهراً وذاتاً، و تعدده زماناً وسبق زمان المتيقن على المشكوك.

هذه هي أركان الاستصحاب.


(370)

الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين

وهناك قاعدة أُخرى تسمّى في مصطلح الأُصوليين بقاعدة اليقين، وتختلف عن الاستصحاب في الأمرين التاليين:

أ. عدم فعلية اليقين لزواله بالشك.

ب. وحدة متعلقي اليقين والشكّ جوهراً وزماناً.

وهذا كما إذا تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم طرأ عليه الشكّ يوم السبت في عدالة زيد في نفس يوم الجمعة (لا السبت) وقد تبين بذلك أركان قاعدة اليقين:

أ. عدم فعلية اليقين في ظرف الشك.

ب. وحدة متعلقهما جوهراً وزماناً، حيث تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين وهو عدالة يوم الجمعة.

والمعروف بين الأصحاب انّ الاستصحاب حجّة دون قاعدة اليقين.وانّ روايات الباب منطبقة على الأوّل دون الثانية كما سيوافيك.

***

وثمة قاعدة ثالثة وهي قاعدة المقتضي والمانع التي تغاير القاعدتين الماضيتين وتختلف عنهما باختلاف متعلّق اليقين والشك جوهراً وذاتاً فضلاً عن الاختلاف في الزمان.

مثلاً إذا تيقن بصبِّ الماء على اليد للوضوء، وشك في تحقّق الغَسْل للشك في المانع.

أو تيقن برمي السهم وشكّ في القتل للشك في وجود المانع، فمتعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ بالذات، حيث تعلّق اليقين بصبّ الماء والرمي، وتعلّق الشكّ


(371)

بوجود الحاجب والمانع.

نعم يتولد من هذا اليقين والشكّ، شك آخر، وهو الشكّ في حصول المقتضى أعني: الغَسْل والقَطْع، والقائل بحجّية تلك القاعدة يتمسك بأصالة عدم المانع و الحاجب ويثبت بذلك الغَسل أو القطع. بحجّة انّ المقتضي موجود، و المانع مرفوع بالأصل فيكون «المقتضى» محقّقاً.

تقسيمات الاستصحاب

إنّ للاستصحاب تقسيمات، تارة باعتبار المستصحَب ، وأُخرى باعتبار الشكّ المأخوذ فيه، وإليك البيان:

1. تقسيمه باعتبار المستصحَب

ينقسم الاستصحاب باعتبار المستصحَب إلى الأقسام التالية:

1. أن يكون المستصحَب أمراً وجوديّاً أو عدميّاً، كاستصحاب الكرّية إذا كان الماء مسبوقاً بها، أو عدم الكرّية إذا كان مسبوقاً به.

2. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً تكليفيّاً سواء كان كليّاً كاستصحاب حليّة المتعة، أوجزئياً كاستصحاب وجوب الانفاق على الزوجة المعيّنة إذا شكّ في كونها ناشزة.

3. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً وضعياً ـ لا تكليفياً ـ كاستصحاب الزوجية، والجزئية، والمانعية والشرطية، والسببية عند طروء الشك في بقائها.

4. أن يكون المستصحب موضوعاً لحكم شرعي سواء كان موضوعاً لحكم شرعي تكليفي، أو موضوعاً لحكم وضعي، وهذا كاستصحاب حياة زيد، فتترتب عليه حرمة قسمة أمواله، و بقاء علقة الزوجية بينه وبين زوجته.


(372)

2. تقسيمه باعتبار الشك

ينقسم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه إلى الأقسام التالية:

أ. أن يتعلّق الشكّ باستعداد المستصحَب للبقاء في الحالة الثانية، كالشكّ في بقاء نجاسة الماء، المتغيّرِ أحدُ أوصافه الثلاثة، بالنجس، إذا زال تغيره بنفسه، حيث إنّه يتعلّق الشكّ بمقدار استعداد النجاسة للبقاء، بعد زوال تغيره بنفسه، ومثله الشكّ في بقاء الليل أو النهار، حيث إنّه يتعلّق بمقدار استعدادهما للبقاء من حيث الطول و القِصَر، وهذا ما يسمّى بالشكّ في المقتضي.

ب. وأُخرى يتعلّق بطروء الرافعمع إحراز قابلية بقائه ودوامه لولاه، وهو على أقسام:

1. أن يتعلّق الشكّ بوجود الرافع، مع إحراز قابلية بقائه ودوامه لولا الرافع، كما إذا شكّ في وجود الحدث بعد الوضوء.

2. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه، كالمذي الخارج من الإنسان، فيشك في أنّه رافع للطهارة مثل البول أو لا؟ فيرجع الشكّ إلى رافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه.

3. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بوصفه وحاله، كالبلل المردّد بين البول والوذي مع العلم بحكمهما.

هذه هي  التقسيمات الرئيسيّة ، وهناك تقسيمات أُخري تركنا ذكرها للاختصار.

أدلّة حجّية الاستصحاب

اختلف الأُصوليون في كيفيّة حجّية الاستصحاب، فذهب القدماء إلى أنّه حجّة من باب الظن، واستدلوا عليه بالوجوه التالية:

1. بناء العقلاء على العمل على وفق الحالة السابقة، ولم يثبت الردع عنه من


(373)

جانب الشارع.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى عدم كلّيتها، فانّ العقلاء لا يعملون في الأُمور الخطيرة على وفق الاستصحاب و إن أفاد الظن ـ انّه يكفي في الردع ما دلَّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، وقد مرّت تلك الآيات عند البحث عن حجّية خبر الواحد.

2. ما استند إليه العضدي في شرح المختصر، فقال: إنّ استصحاب الحال: انّ الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

يلاحظ عليه، أوّلاً : بعدم ثبوت الكبرى ، لمنع افادة  الاستصحاب الظن في كلّ مورد ، وثانياً سلّمنا لكن الأصل في  الظنون عدم الحجّية  إلاّ أن يدلّ دليل قاطع عليها.

3. الاستدلال بالإجماع، قال العلاّمة: الاستصحاب حجّة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم، ثمّوقع الشكّ في طروء ما يزيله، وجب الحكم على ما كان أوّلاً، ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح.

يلاحظ عليه: عدم حجّية الإجماع المنقول، خصوصاً إذا علم مستند المجمعين.أضف إلى ذلك مخالفة عدّة من الفقهاء مع الاستصحاب.

وأمّا المتأخرون فقد استدلوا بالأخبار، وأوّل من استدل بها الشيخ الجليل الحسين بن عبدالصمد والد الشيخ بهاء الدين العاملي (918ـ984هـ) في كتابه المعروف بـ«العقد الطهماسبي» وهي عدّة روايات:

1. صحيحة زرارة الأُولى

روى الشيخ الطوسي بإسناده، عن الحسين بن سعيد (1) (الأهوازي) عن


1 . سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح في المشيخَة والفهرست، و حمّاد، الوارد في السند، هو حماد بن عيسى المتوفّى عام 208 هـ أو209هـ عن عمر يناهز التسعين المعروف بغريق الجحفة، وليس المراد حمّاد بن عثمان المتوفّى عام 190هـ لعدم رواية الحسين بن سعيد عنه، والإضمار في الرواية ، لا يضرّ بها لجلالة زرارة عن ان يسأل غير الإمام، مع أنّ اتقان الحديث يشهد على صدوره من المعصوم.


(374)

حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة: قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء».

قلت: فإن حُُرِّك على جنبه شيء ولم يعلَم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيئ من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)

وجه الدلالة: أنّ المورد وإن كان هو الوضوء، لكن قوله :«ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» إلى آخره ظاهر في أنّه قضية كلّية طبِّقت على مورد الوضوء، فلا فرق بين الشكّ في الوضوء وغيره. وانّ اللاّم في قوله: «اليقين » لام الجنس لا العهد، ويدلّك على هذا ، أنّ التعليل بأمر ارتكازيّ و هو عدم نقض مطلق اليقين بالشك، لا خصوص اليقين بالوضوء.

ثمّ إنّ الرواية مشتملة على سؤالين:

الأوّل: أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

الثاني: فإنْ حرّك على جنبه شيء و لم يعلم به؟

أمّا السؤال الأوّل فالشبهة فيه شبهة حكمية مفهوميّة، لا بمعنى أنّ الراوي كان غير عارف بمفهوم النوم إجمالاً بل كان على علم به إلاّ أنّه لم يكن عارفاً بمفهومه الدقيق الجامع حتى يطبِّقه على موارد الشبهة، لذلك شرح الإمام له مفهومه وهو أنّه إذا نامت العين والأُذن والقلب، وجب الوضوء.


1 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1 .


(375)

وأمّا السؤال الثاني فالشبهة فيه موضوعية ، وهي السؤال عن صحّة الاستدلال بعدم الالتفات عند تحريك شيء على جنبه، على أنّه قد نام، وقد أجاب الإمام بالنفي.

2. صحيحة زرارة الثانية

روى الشيخ في التهذيب (1) عن زرارة رواية مفصّلة تشتمل على أسئلة وأجوبة، ونحن ننقل مقاطع منها:

أصاب ثوبي دم رعاف، أو غيره، أو شيء من مني، فعلَّمتُ أثره إلى أن أُصيبَ له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة و نسيتُ أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ ثمّ إنّي ذكرتُ بعد ذلك.

قال: «تعيد الصلاة وتَغْسله».

قلت: فإنّي لم أكن رأيتُ موضعه، وعلِمتُ أنّه قد أصابه فطَلْبُته فلم أقدر عليه، فلما صلّيتُوجدته؟

قال: «تَغْسله و تُعيد».

قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقن ذلك، فنظرتُ فلم أر شيئاً، ثمّ صلّيتُ فرأيت فيه؟

قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة»، قلت: لِمَ ذلك؟

قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً».(2)

وجه الاستدلال: يُركِّز الراوي في سؤاله الثالث على أنّه ظن ـ قبل الدخول في الصلاة ـ باصابة الدم بثوبه ولكن لم يتيقن ذلك فنظر فلم يرَ شيئاً فصلّـى فلما فرغ


1 . رواه عن زرارة بنفس السند السابق.
2 . الوسائل: 2، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث 1، وقد تركنا نقل الأسئلة الباقية للاختصار.


(376)

عنها رأى الدم ـ الذي ظن بها قبل الصلاة ـ فأجاب الإمام ـ عليه السَّلام ـ بأنّه يغسل ثوبه للصلوات الأُخرى ولكن لا يُعيد ما صلّـى. فسأل الراوي عن سببه مع أنّه صلّـى في الثوب النجس، كالصورتين الأوليين فأجاب ـ عليه السَّلام ـ : بوجود الفرق، وهو علْمُه السابق بنجاسة ثوبه في الصورتين فدخل في الصلاة بلا مسوِّغ شرعي، وشكُّه فيها بعد الاذعان بطهارته في الصورة الثالثة فدخل فيها بمجوز شرعي وهو عدم نقض اليقين بالطهارة، بالشك في النجاسة ومنه يعلم أنّ ظرف الاستصحاب هو قبيل الدخول فيها.

ثم انّ للاستصحاب دوراً فقط في احراز الصغرى: أعني طهارة الثوب، ويترتب عليه أمر الشارع بجواز الصلاة فيه، ومن المعلوم أنّ امتثال الأمر الشرعي واقعياً كان أو ظاهرياً مسقط للتكليف ـ كما مرّ في مبحث الاجزاء، فسبب عدم الاعادة مركب من أُمور ثلاثة:

1. الاستصحاب وهو محرز للطهارة.

2. أمر الشارع باقامة الصلاة فيه وإلاّ يكون الاستصحاب أمراً لغواً.

3. حكم العقل باجزاء الامتثال الظاهري وان انكشف الخلاف.

3. صحيحة زرارة الثالثة

روى الكليني بسند صحيح عن زرارة عن أحدهما ـ عليمها السَّلام ـ في حديث قال: «إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشك».(1)

«ولا يُدخل الشكَ في اليقين ولا يُـخْلِطُ أحدَهما بالآخر، ولكنه يَنقض الشك باليقين، ويُتِّمُ على اليقين، فيبنى عليه،(2) ولا يعتد بالشك في حال من


1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3، رواه عن علي بن إبراهيم الثقة عن أبيه، الذي هو فوق الثقة، عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة وكلّهم ثقات.
2 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3، ونقل صدر الحديث في الباب 11 برقم 3.


(377)

الحالات.

وجه الاستدلال: انّ المراد من اليقين في قوله: «وينقض اليقين بالشك»، هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة المشكوكة فلا محيص عن الاتيان به بحكم الاستصحاب أعني عدم نقض اليقين بعدم الاتيان، بالشك في الاتيان.

ولما كان للاستصحاب في المقام أثران:

1. أصل الاتيان بالركعة المشكوكة.

2. الاتيان بها موصولة لا مفصولة.

وكان الاتيان بها موصولة خلاف المذهب المتفق عليه، أشار الإمام بالجمل الأُخرى إلى الاكتفاء بالأثر الأوّل، وعدم ترتيب الأثر الثاني، بفصلها عن الركعات السابقة ولذلك قال: ولا يُدخِلُ الشك في اليقين (الركعة المشكوكة في المتيقنة) ولا يُـخْلط أحدَهما بالآخر إلى آخر الحديث.

4. موثقة إسحاق بن عمّار

روى الصدوق باسناده، عن إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو الحسن الأوّل: «إذا شككت فابن على اليقين»، قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم».(1)

وجه الاستدلال: أنّه لو قلنا بأنّ الرواية ناظرة إلى خصوص الشكوك في الصلاة يكون المراد من اليقين، هو البناء على الأقل ويترتب عليه أثران:

1. أصل الاتيان بالركعة المشكوكة.

2. الاتيان بها موصولة.


1 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2 و سند الصدوق إلى إسحاق بن عمار صحيح في المشيخة.


(378)

فترفع اليد عن الأثر الثاني بضرورة المذهب.

وإن قلنا بأنّها تعم جميع الأبواب، تكون حجة في الجميع غير أنّها لو طُبقت على باب الشكوك يجري فيها ما ذكرناه في الصورة الأُولى.

5. حديث الأربعمائة (1)

روى أبو بصير، و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عن آبائه عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه قال: «من كان على يقين ثمّ شكّ فليمض على يقينه، فانّ الشكّ لا ينقض اليقين» (2).

والرواية صالحة للاستدلال بها على حجية قاعدة اليقين إذا كان متعلق اليقين والشك واحداً ذاتاً وزماناً، بأن يكون مفادها، من كان على يقين (من عدالة زيد يوم الجمعة) ثم شك (في عدالته في نفس ذلك اليوم وبالتالي شك في صحة الطلاق الذي طلق عنده) فليمض على يقينه.

كما هي صالحة للاستدلال بها على حجية الاستصحاب إذا كان متعلّق الشك غير متعلق اليقين زماناً ففي المثال: إذا أيقن بعدالته يوم الجمعة وشك في بقاءها يوم السبت فليمض على يقينه (مثلاً ليطلق عنده).

لكنها في الاستصحاب أظهر لوجهين:

1. انّ الصحاح السابقة تُشكل قرينة منفصلة على تفسير هذه الرواية فتحمل إلى ما حملت عليه الروايات السابقة.

2. انّ التعليل في الحديث تعليل بأمر ارتكازي وهو موجود في الاستصحاب دون قاعدة اليقين لفعلية اليقين في الأوّل دون الآخر .


1 . المراد من حديث الأربعمائة ،الحديث الذي علّم فيه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أصحابه أربعمائة كلمة تصلح للمسلم في دينه و دنياه، رواه الصدوق بسند صحيح، عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، في كتاب الخصال في أبواب المائة ومافوقها. لاحظ ص 619.
2 . الوسائل: 7، باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.


(379)

6. مكاتبة القاساني

كتب علي بن محمد القاساني إلى أبي محمد ـ عليه السَّلام ـ ، قال: كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب:« اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية».

وجه الاستدلال: أنّ المراد من اليقين، إمّا هو اليقين بأنّ اليوم الماضي كان من شعبان فشكّ في خروجه بحلول اليوم التالي، أو اليقين بعدم دخول رمضان وقد شكّ في دخوله.وعلى كلا التقديرين لا يكون اليقين السابق منقوضاً بالشك. وهذا هو المراد من قوله: «اليقين لا يدخل فيه الشك» . والمراد من الدخول، المزاحمة التي هي عبارة أُخرى عن عدم نقضه به.

7. صحيحة عبد اللّه بن سنان

روى الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّهعليه السَّلام وأنا حاضر: إنّي أُعير الذمِّي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمرَ، ويأكل لحم الخنزير، فيردّها عليّ أفأغسِلُه قبل أن أُصلّي فيه؟فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر، ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجسه» .(1)

وجه الاستدلال: انّ الإمام لم يعلِّل طهارة الثوب بعدم العلم بالنجاسة حتى ينطبق على قاعدة الطهارة، بل علّله بأنّك كنتَ على يقين من طهارة ثوبك وشككتَ في تنجيسه فمالم تستيقن انّه نجّسه لايصحّ لك الحكم على خلاف اليقين


1 . الوسائل: 2، الباب 74 من أبواب النجاسات ، الحديث 1، رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد اللّه القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى المتوفّى حوالي 280هـ، عن الحسن بن محبوب المتوفّى عام 224، عن عبد اللّه بن سنان، وسند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في التهذيبين، لاحظ آخر الكتاب الذي ذكر فيه أسانيده إلى أصحاب الكتب التي أخذ الأحاديث منها.


(380)

السابق، والمورد و إن كان خاصّاً بطهارة الثوب لكنه غير مخصِّص وذلك لوجهين:

الأوّل: ظهور الرواية في صددإعطاء الضابطة الكلّية.

والثاني: التعليل بأمر إرتكازيّ يورث إسراء الحكم إلى غير مورد السؤال.

8. خبر بكير بن أعين

روى بكير بن أعين قال: قال لي أبو عبد اللّهعليه السَّلام : «إذا أستيقنت أنّك توضّأت، فإيّاك أن تحدث وضوءاً حتى تستيقن أنّك أحدثت».(1)

هذه هي المهمّات من روايات الباب، وفيما ذكرنا غنىً و كفاية.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الروايات، وكون التعليل (لا تنقض اليقين بالشك) أمراً إرتكازياً، حجّية الاستصحاب في جميع الأبواب والموارد، سواء كان المستصحب أمراً وجودياً أو عدميّاً، وعلى فرض كونه وجودّياً لا فرق بين كونه حكماً شرعيّاً تكليفياً أو وضعياً أو موضوعاً خارجياً له آثاره الشرعيّة كالكرّية، وحياة زيد، وغير ذلك.

حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي

ذهب بعضهم إلى عدم حجّيته في الشكّ في المقتضي دون الرافع، ولْنُوضِح الفرق بين الشكّين:

كلُّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي على حاله إلى أن يرفعه الرافع فالشكّ فيه شكّ في الرافع، وأمّا كلّ حكمأو موضوع لو ترك لزال بنفسه ـو إن لم يرفعه الرافع ـ فالشك فيه من قبيل الشكّ في المقتضي، فمثلاً وجوب الصلاة والصوم والحجّ من التكاليف التي لا ترفع إلاّ برافع،وذلك لانّ الوجوب الجزئي منه لا يُرفع إلاّ


1 . الوسائل1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7، والسند صحيح إلى «بكير» غير أنّ بكيراً لم يوثق لكن القرائن تشهد على وثاقته.


(381)

بالامتثال، وأمّا الوجوب الكلي فبالنسخ، فالشكّ في الامتثال في مورد الحكم الجزئي، أو الشكّ في النسخ في مورد الحكم الكلي، شك في الرافع، لإحراز المقتضي لبقائه.

وهذا بخلاف مالو شكّ في بقاء الخيار في الآنات المتأخرة، كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن و تمكّنه من إعمال الخيار، إذا لم يفسخ، فيشكّ في بقاء الخيار، لأجل الشكّ في اقتضائه للبقاء بعد العلم و المساهلة في إعماله، ومثله الشكّ في بقاء النهار إذا كانت في السماء غيوم، فالشكّ في تحقّق الغروب يرجع إلى طول النهار وقصره، فالشكّ فيه شكّ في المقتضي.

إذا عرفت ذلك فقد استدل القائل على عدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي بوجه مبني على أمرين:

الأوّل: أنّ حقيقة النقض هي رفع الهيئة الإتصالية، كما في قوله نقضت الحبل، قال سبحانه:(وَ لا تَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكاثاً) (النحل/92).

الثاني: أنّ إرادة المعنى الحقيقي ممتنعة في المقام لعدم اشتمال اليقين على الهيئة الاتصالية، فلابدّ من حمله على المعنى المجازي، وأقرب المجازات هو ما إذا تعلّق اليقين بما أحرز فيه المقتضي للبقاء وشك في رافعه، لا ما شكّ في أصل اقتضائه للبقاء مع صرف النظر عن الرافع، وقد قُرر في محلّه أنّه إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت في اللغة كون النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية حتى لا تصح نسبته إلى اليقين لعدم اشتماله عليها، بل هو عبارة عن نقض الأمر المبرم و المستحكم ـ سواء أكان أمراً حسيّاً أم قلبيّاً ـ والشاهد على ذلك صحّة نسبة النقض إلى اليمين والميثاق والعهد في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوكِيدِها)(النحل/91) وقال سبحانه:(فَبِما نَقْضِهِمْ


(382)

مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِ آياتِ اللّهِ) (النساء/155) وقال سبحانه:(وَالّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) (الرعد/25) واليقين كالميثاق و اليمين والعهد من الأُمور النفسانية المبرمة المستحكمة فتصح نسبة النقض إليه، سواء تعلق بما أحرز فيه المقتضي للبقاء أو لا، والمصحح للنسبة هو كون نفس اليقين أمراً مبرماً مستحكماً، سواء كان المتعلّق كذلك، كما في الشكّ في الرافع، أم لم يكن كذلك كما في الشكّ في المقتضي.

هذا تمام الكلام في أدلّة الاستصحاب.

تنبيهات

التنبيه الأوّل: كفاية إحراز المتيقّن بالأمارة

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث من أركان الاستصحاب فلا كلام فيما إذا كان حدوث المتيقّن محرزاً باليقين، إنّما الكلام فيما إذا كان محرزاً بالأمارة وشكّ في بقائه، كما إذا دلّ الدليل على وجود الخيار للمغبون في الآن الأوّل و شُكَّ في بقائه في الآن الثاني، أو دلّت البيّنة على حياة زيد أو كونه مالكاً فشُك في بقاء حياته أو مالكيته فهل يحكم بالبقاء أو لا؟ وجه الإشكال أنّه لا يقين بالحدوث لعدم إفادة قول الثقة أو البيّنة ، اليقينَ فكيف يحكم بالبقاء؟

والجواب أنّ المراد من اليقين في أحاديث الاستصحاب هو الحجّة على وجه الإطلاق، لا خصوص اليقين بمعنى الاعتقاد الجازم، كما هو المصطلح في علم المنطق، والشاهد على ذلك أمران:

1. انّ العلم واليقين يستعملان في الحجّة الشرعية، فما روي من حرمة الاقتفاء بغير علم، أو النهي في الإفتاء بغير علم، يُراد منه الحجّة الشرعية لا العلم الجازم القاطع.

2. ملاحظة روايات الباب ـ مثلاً ـ ففي الصحيحة الأُولى لزرارة لم يكن له


(383)

علم وجداني بالطهارة النفسانية، بل كان علمه مبنياً على طهارة مائه وبدنه و لباسه، بالأُصول والأمارات، وهكذا سائر الروايات، فإنّ حصول اليقين فيها هناك كان رهن قواعد فقهية وأُصولية، وفي الصحيحة الثانية كان اليقين بطهارة ثوبه والشكّ في طروء النجاسة مستنداً إلى جريان أصالة الطهارة في الإناء والماء الذي غسل به ثوبه إلى غير ذلك.

فكلّ ذلك دليل على أنّ المراد من اليقين في الروايات هو الحجّة، عقلية كانت كالقطع، أو شرعية كالبيّنة والأمارة، ويكون المراد من «الشك» بقرينة المقابلة هو اللاحجّة من غير فرق بين الظن والشكّ والوهم. فكأنّ الشارع يقول: «لا تنقض الحجّة باللا حجّة» لأنّ اليقين فيه صلابة، والشكّ فيه رخاوة فلا يُنقض الأوّل بالثاني كما لا يُنقض الحجر بالقطن.

التنبيه الثاني: في استصحاب الكلي(1)

المراد من استصحاب الكلي هو استصحاب الجامع بين الفردين، كاستصحاب الإنسان المشترك بين زيد وعمرو، وكاستصحاب الطلب الجامع بين الوجوب والندب، وله أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل من استصحاب الكلي

إذا علم بتحقّق الكلي في ضمن فرد ثمّ شكّ في بقائه وارتفاعه، فلا محالة يشك في بقاء الكلي وارتفاعه، فإذا علم بوجود زيد في الدار فقد علم بوجود الإنسان فيها، فإذا شكّ في بقائه فيها يجري هناك استصحابان:

أ . استصحاب بقاء الفرد ـ أعني: زيداً ـ .


1 . المراد من الكلي هو «الطبيعيّ»، لا الكلي المنطقي، ولا الكلي العقلي، و الطبيعيّ يتكثر بتكثر الأفراد، فلو كان في الدار زيد و بكر، ففيها إنسانان طبيعيان، لا إنسان واحد.


(384)

ب. استصحاب بقاء الكلي ـ أعني: الإنسان ـ .

فمثلاً إذا صار محدثاً بالحدث الأكبر ـ أعني: الجنابة ـ و شكّ في ارتفاعها بالرافع فيجوز له استصحاب الجنابة، فيترتب عليه جميع آثار الجنابة كحرمة المكث في المساجد وعبور المسجدين الشريفين.

كما يجوز استصحاب الكلي، أي أصل الحدث الجامع بين الجنابة و سائر الأحداث، فيترتب عليه أثر نفس الحدث الجامع كحرمة مس كتابة القرآن. نعم لايثبت باستصحاب الحدث الجامع إلاّ آثاره لا آثار الفرد، أعني: الجنابة، وإنّما تثبت آثار الفرد باستصحاب نفس الفرد.

القسم الثاني من استصحاب الكلي

إذا علم إجمالاً أنّ في الدار حيواناً مردّداً بين قصير العُمر كالبق، و طويله كالفيل، فقد علم تفصيلاً بوجود حيوان فيها ـ و إن كانت المشخّصات مجهولة ـ فلا يصحّ استصحاب الفرد مثل البقِّ أو الفيل، لعدم الحالة المتيقّنة للفرد، لافتراض كون المشخّصات مجهولة، ولكن يصحّ استصحاب الكلي إذا مضى زمان يقطع فيه بانتفاء الفرد القصير، فيترتب عليه آثار الجامع، أي الحيوان.

ومثاله من الأُمور الشرعية ما إذا كان متطهراً (1) وخرج بلل مردّد بين البول و المني، فعندئذ حصل له علم تفصيلي بالحدث الكلي. ثمّ إذا توضأ بعده فلو كان البلل بولاً ارتفع الحدث الأصغر قطعاً، ولوكان منيّاً فهو باق، وعندئذ لا يقطع بارتفاع الحدث الجامع لاحتمال كون الحادث هو المني.

فلا يجوز استصحاب أيِّ فرد من أفراد الحدث لعدم العلم بالحالة السابقة، لكن يصحّ استصحاب الجامع أيْ مطلق الحدث الجامع بين الأصغر والأكبر.

القسم الثالث من استصحاب الكلي

إذا تحقّق الكلي (الإنسان) في الدار في ضمن فرد كزيد، ثمّ علم بخروجه


1 . خرج ما إذا كان محدثاً أو مجهول الحال فلكل حكم خاص.


(385)

من الدار قطعاً، ولكن يحتمل مصاحبة عمرو معه عندما كان زيد في الدار، أو دخوله فيها مقارناً مع خروجه.

ففي هذا المقام لا يجري استصحاب الفرد أصلاً، لأنّ الفرد الأوّل مقطوع الارتفاع والفرد الثاني مشكوك الحدوث من رأس، ولكن يجري استصحاب الكلي أي وجود الإنسان في الدار الذي هو الجامع بين الفردين.

مثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بكون الشخص كثير الشك وعلمنا أيضاً ارتفاع كثرة شكه إجمالاً، ولكن احتملنا ارتفاعها من رأس أو انقلابها إلى مرتبة ضعيفة فلا يجوز استصحاب المرتبة الشديدة لأنّها قطعية الارتفاع، ولا المرتبة الضعيفة لأنّها مشكوكة الحدوث، لكن يمكن استصحاب الجامع بين المرتبتين وهو كونه كثير الشكّ غير مقيد بالشدة والضعف.

التنبيه الثالث: في استصحاب الزمان والزمانيات

المستصحب تارة يكون نفس الزمان، وأُخرى الشيء الواقع فيه.

أمّا الأوّل، فكما إذا كان الزمان موصوفاً بوصف ككونه ليلاً أو نهاراً، فشككنا في بقاء ذلك الوصف، فيستصحب بقاء الليل أو النهار.

وربّما يقال: إنّ الزمان غير قارّ الذات ولا يتصوّر فيه البقاء بل سنخ تحقّقه هو الوجود شيئاً فشيئاً، وما هذا حاله، لا يتصور فيه الحدوث والبقاء، حتى يتحقّق فيه أركان الاستصحاب.

والجواب، إنّ بقاء كلّ شيء بحسبه، فللأُمور القارّة بقاء وانقضاء، وللأُمور المتصرّمة كالليل و النهار أيضاً بقاء و زوال مثلاً، يطلق على الطليعة، أوّل النهار، وعلى الظهيرة، وسط النهار، وعلى الغروب، آخره، وهذا يعرب عن أنّ للنهار بقاءً حسب العرف، وإن لم يكن كذلك بالدقة العقلية.

وأمّا الثاني: أعني الشيء الواقع في الزمان وهو المسمّى بالزماني كالتكلم


(386)

والكتابة والمشي و سيلان الماء، فلكل منها حدوث و بقاء في نظر العرف، فلو شرع الإنسان بالتكلّم أو أخذ بالمشي ، فشككنا في بقائهما أو انقطاعهما، يصح استصحابهما كاستصحاب الزمان، والإشكال فيه كالإشكال في الزمان، و الجواب نفس الجواب.

ومثاله الشرعي إذا كانت العين جارية سيّالة ووقعت فيها نجاسة، وشككنا عند الوقوع في بقاء السيلان ، فيستصحب، ويترتب عليه الأثر الشرعي وهوعدم انفعال ماء العين بالنجاسة.

وهناك قسم ثالث وهو تقييد قار الذات بالزمان، كايجاب الجلوس إلى النهار فشك في جلوسه بعده فيستصحب إذا كان الزمان ظرفاً لا قيداً لبقاء الموضوع في الأوّل دون الثاني.

التنبيه الرابع: عدم حجّية الأصل المثبت

المراد من الأصل المثبت هو إجراء الاستصحاب في موضوع له أثر شرعي ـ كالحياة ـ و إثبات الأثر العقلي للمستصحب ـ كالبلوغ ـ لغاية إثبات آثاره الشرعية كوجوب الانفاق من ماله على مَنْ نفقته عليه كالوالدين و الإماء، و العبيد، فالمشهور عند المتأخرين عدم حجّية مثل ذلك الأصل ; وإليك الإيضاح والبرهان:

يشترط في الاستصحاب أن يكون المستصحَب إمّا حكماً شرعيّاً كاستصحاب أحد الأحكام الشرعية ـ كليّة أو جزئية ـ أو موضوعاً لحكم شرعي كاستصحاب حياة زيد، فانّها موضوعة لأحكام كثيرة، مثل بقاء علقة الزوجية وحرمة تقسيم أمواله، ووجوب الانفاق من ماله على زوجته إلى غير ذلك من الآثار الشرعيّة.

فلو افترضنا أنّ زيداً غاب و له من العمر اثنا عشر عاماً، فشككنا في حياته بعد مضيِّ خمسة أعوام من غيبته، فهل يصحّ استصحاب حياته لغاية إثبات أثره العقلي ـ البلوغ ـ حتى يترتب عليه آثاره الشرعيّة من وجوب الإنفاق أو لا يصحّ؟


(387)

ذهب المحقّقون إلى عدم صحّته، ووجه ذلك:

إنّ قضية الاستصحاب عبارة عن تنزيل الشارع القضيةَ المشكوكة منزلَة المتيقن لغاية ترتيب الأحكام والآثار الشرعية المحمولة على المتيقن السابق، وأمّا تنزيلها منزلة المتيقن لغاية ترتب الآثار العقلية أو العادية ـ كالبلوغ ـ فلا، وذلك لأنّ نفس تلك الآثار ليست قابلة للجعل، وإنّما هي تابعة لصلب الواقع فلا تثبت بالاستصحاب، وأمّا الآثار الشرعية المترتبة على تلك الآثار العقلية والعادية ـ كوجوب الإنفاق مثلاً ـ فهي و إن كانت قابلة للجعل، لكنّها ليست آثاراً شرعية لنفس المتيقن أي الحياة الذي تعلق التعبّد بإبقائها. فما تعلّق التعبد بإبقائه ـ كالحياة ـ فليس الانفاق من آثاره، وما هو من آثاره ـ كالبلوغ ـ لم يتعلّق التعبد بإبقائه.

وإن شئت قلت: إنّ الآثار العقلية وإن كانت أثراً لنفس المتيقّن، ولكنّها ليست آثاراً شرعيّة، بل آثار تكوينية غير خاضعة للجعل والاعتبار، والآثار الشرعية المترتبة على تلك الأُمور العادية والعقلية و إن كانت خاضعة للجعل لكنّها ليست آثاراً للمتيقن(الحياة) الذي أمرنا الشارع بإبقائه وتنزيل مشكوكه منزلة المتيقن.

وإليك مثالاً آخر:

مثلاً إذا تعبّدنا الشارع بإبقاء شهر رمضان، أو عدم رؤية هلال شوال ـ في يوم الشك فإذا ضُمّ هذا التعبد إلى العلم القطعي بمضيّ تسعة وعشرين يوماً من أوّل الشهر قبل هذا اليوم، يلازمه الأثر العادي وهو كون اليوم التالي هوعيد الفطر، فهل يترتب على ذلك الأثر العادي ـ الملازم للاستصحاب ـ الأثر الشرعي من صحّة صلاة الفطر ولزوم اخراج الفطرة بعد الهلال ونحوهما؟

فالتحقيق: انّه لا يترتب على الاستصحاب، الأثر العادي حتى يترتب عليه الأثر الشرعي، لأنّ الذي تعبدنا الشارع بإبقائه هو بقاء شهر رمضان أو عدم رؤية هلال شوال، فلصيانة تعبد الشارع عن اللغوية يترتب كل أثر شرعي على هذين


(388)

المستصحبين، لا الأثر العادي، لأنّه غير خاضع للجعل والاعتبار، فإنّ الأُمور التكوينية تدور مدار الواقع.

وأمّا الآثار الشرعيّة المرتبة على ذلك الأثر العادي، فهي وإن كانت خاضعة للجعل و الاعتبار، لكنّها ليست أثراً مترتباً على ما تعبدنا الشارع بإبقائه و هو كون اليوم شهر رمضان أو عدم كونه من شوال.

نعم استثنى بعض المحقّقين من الأصل المثبت موارد تطلب من دراسات عليا.

التنبيه الخامس: في شرطية فعلية الشك

يشترط في الاستصحاب فعلية الشكّ فلا يفيد الشكّ التقديريّ، فلو تيقن الحدث من دون أن يشكّ ثمّ غفل و صلّى ثمّ التفت بعدها فشكّ في طهارته من حدثه السابق فلا يجري الاستصحاب، لأنّ اليقين بالحدث وإن كان موجوداً قبل الصلاة لكنّه لم يشك لغفلته فلا يتحقّق أركان الاستصحاب، ولأجل عدم جريانه يحكم عليه بصحّة الصلاة أخذاً بقاعدة الفراغ، لاحتمال أنّه توضّأ قبل الصلاة، وهذا المقدار من الاحتمال كاف لجريان قاعدة الفراغ، ولكن يجب عليه التوضّؤ بالنسبة إلى سائر الصلوات، لأنّ قاعدة الفراغ لا تثبت إلاّ صحّة الصلاة السابقة، وأمّا الصلوات الآتية فهي رهن إحراز الطهارة.

وهذا بخلاف ما إذا كان على يقين من الحدث ثمّ شكّ في وضوئه و مع ذلك غفل و صلّى والتفت بعدها فالصلاة محكومة بالبطلان لتماميّة أركان الاستصحاب وإن احتمل انّه توضأ بعد الغفلة.

التنبيه السادس: المراد من الشك مطلق الاحتمال

يطلق الظن على الاحتمال الراجح، والوهم على الاحتمال المرجوح، فيكون الشكّ هو الاحتمال المساوي وهذا هو المسمّى بالشكّ المنطقي.


(389)

وأمّا الشكّ الأُصولي المطروح في باب الاستصحاب فهو عبارة عن خلاف اليقين، سواء كان البقاء مظنوناً أو موهوماً أو مشكوكاً متساوي الطرفين، وهذا هوالمراد من الشكّ في لسان الروايات، وقد استعمل الشك بالمعنى الأُصولي في الذكر الحكيم، قال سبحانه:(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذينَ يَقْرأون الكتابَ مِنْ قَبْلِكَ)(يونس/94).

وقال سبحانه:(قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِالسَّماواتِ وَالأَرْضُ)(إبراهيم/10)، كما استعمل الشكّ في مقابل اليقين في صحيحة زرارة «قال: فإنْ حُرّك على جنبه شيء و لم يعلم به؟ قالعليه السَّلام : لا، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيئ من ذلك أمر بيّن، وإلاّفانّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ » وذلك لأنّ التحريك على جنب الإنسان يفيد الظن بأنّه قد نام، و مع ذلك أطلق عليه الإمام الشك ولم يستفصل بين إفادته الظن بالنوم و عدمه، وهذا يدل على أنّ المراد من الشكّ هو مطلق الاحتمال المخالف لليقين، من غير فرق بين كون البقاء مظنوناً أو مرجوحاً أو مساوياً.

أضف إلى ذلك ما مرّ من أنّ المراد من اليقين هو الحجّة الشرعية، ويكون ذلك قرينة على أنّ المراد من الشكّ هو اللاّ حجة، ويكون معنى الحديث لا تنقض الحجّة باللاّ حجّة، فالملاك في الجميع عدم وجود الحجّة، من دون نظر إلى كون البقاء راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.

التنبيه السابع: التمسك بعموم العام أو استصحاب حكم المخصص

إذا كان هناك عموم يدل على استمرار الحكم في جميع الأزمنة، كقوله سبحانه:(أَوفُوا بالعُقود) حيث يدلّ على وجوب الوفاء على وجه الإطلاق من غير فرق بين زمان دون زمان.


(390)

ثمّ إذا فرضنا أنّه خرج منه عقد في وقت خاص، كالعقد الغبني، فانّ المغبون يملك الخيار وله أن يفسخ العقد بظهوره، ولكنّه تساهل و لم يفسخ، فيقع الشكّ في بقاء الخيار في الآن الثاني فهل المرجع هو:

أ. عموم العام، فيكون العقد واجب الوفاء في الآن الثاني و الخيار فورياً؟

ب. أو استصحاب حكم المخصص (1) ويكون الخيار غير فوري؟

ومثله خيار العيب إذا تساهل المشتري ولم يفسخ، فهل المرجع عموم وجوب الوفاء بالعقد أو استصحاب حكم المخصص الذي دلّ على جواز الفسخ إذا ظهر العيب؟(2)

فالتحقيق أن يقال: إنّه إن لزم من العمل بحكم المخصص عن طريق الاستصحاب، تخصيص زائد وراء التخصيص الأوّل فالمرجع هو عموم العام، وأمّا إذا لم يلزم إلاّ نفس التخصيص الأوّل فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص.

توضيح ذلك: أنّ الزمان تارة يكون قيداً للموضوع، بحيث يكون العقد في الزمان الأوّل موضوعاً وفي الزمان الثاني موضوعاً آخر و هكذا، وهذا ما يطلق عليه بكون الزمان مفرِّداً للموضوع.

وأُخرى يكون الزمان ظرفاً للحكم و مبيّناً لاستمراره، بمعنى أنّ العقد في جميع الآنات موضوع واحد، فلو خرج في الآن الأوّل أو خرج في جميع الآنات لم يلزم إلاّ تخصيص واحد.


1 . المخصص قوله ـ عليه السَّلام ـ : «غبن المسترسل سحت» و قوله:«غبن المؤمن حرام» وقوله ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «لا ضرر ولا ضرار » لاحظ الوسائل:12، الباب 17 من أبواب الخيار، الحديث 1و2و3.
2 . مثل قوله عليه السَّلام : إن شاء رد البيع و أخذ ماله كله... لاحظ الوسائل:12، الباب 14 من أبواب الخيار.


(391)

ففي الصورة الأُولى يكون المرجع هو عموم العام، لافتراض أنّ الأخذ بحكم المخصص يستلزم تخصيصاً زائداً ، ومن المعلوم أنّ المرجع عند الشكّ في التخصيص هو عموم الدليل الاجتهادي، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العلماء وعلمنا بخروج زيد ثمّ شككنا في خروج عمرو، فكما أنّ المرجع عندئذ هو عموم قوله : أكرم العلماء، لأنّ خروج عمرو تخصيص زائد، فهكذا المقام، فالعقد الغبني في الآن الأوّل موضوع أوّل كما انّه في الآن الثاني موضوع ثان، وقد دلّ الدليل علي التخصيص الأوّل، وبقي العقد في الآن الثاني تحت العام، فيتمسك به لتقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي وهو استصحاب حكم المخصص.

وهذا بخلاف ما إذا كان للفرد في جميع الأزمنة مصداق واحد بحيث لا يلزم من خروجه في الآن الأوّل و الثاني إلاّتخصيص واحد، ففي مثله يؤخذ باستصحاب حكم المخصص، لأنّه كان متيقناً وشكّ في بقائه، ولا ينقض اليقين بالشك ولا يؤخذ بالعام لخروجه عنه حسب الفرض.فرجوعه تحت العام يتوقف على دليل خاصّ.

وزبدة القول: هي أنّه لو كان الزمان في ناحية العام قيداً للموضوع ـ العقد ـ و مفرِّداً له بحيث يلزم من خروجه بعد الآن الأوّل تخصيص ثان وثالث فالمرجع هو عموم العام.

وأمّا إذا كان الزمان في ناحية العام ظرفاً لبيان استمرار الحكم بحيث يكون له في جميع الأزمنة فرد واحد ولا يلزم من خروجه في الآنات المتأخرة تخصيص زائد، فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص.

وهذه هي النظرية المعروفة، و هناك نظريات أُخرى تطلب من محالها.


(392)

التنبيه الثامن: كفاية وجود الأثر بقاءً

يكفي في جريان الاستصحاب ترتّب الأثر حين البقاء سواء ترتّب عليه الأثر حين الحدوث أولا، وبعبارة أُخرى يشترط ترتّب الأثر في زمان الشكّ وظرف التعبّد بالبقاء، دون زمان اليقين، إذ يكفي في صحّة التعبّد بالبقاء وجود أصل الأثر حتى لا يكون التعبّد ببقاء المستصحب أمراً لغواً، ولذلك يصحّ الاستصحاب في المثال التالي:

إذا كان الوالد والولد حيّين فمات الوالد و شككنا في حياة الولد، فتستصحب حياتُه، ويترتب عليها الأثر الشرعي من إرثه وبالتالي: تُعزل حصته من التركة، فحياة الولد ذاتُ أثر ـ الوراثة القطعيّة ـ بقاءً وإن لم يكن كذلك حدوثاً، أي في زمان حياة الوالد إلاّعلى وجه التعليق.

التنبيه التاسع: قياس الحادث إلى أجزاء الزمان

إذا علم بحادث في زمان معيّن ولم يُعلم وقته فيمكن استصحاب عدم حدوثه إلى زمان العلم به، مثلاً إذا علمنا بحدوث الكرّية وشككنا في حدوثها يوم الخميس أو الجمعة، فتجري أصالة عدم حدوثها إلى نهاية يوم الخميس، فيترتب عليه أثر عدم الكرّية في ذلك اليوم، فلو غسل ثوب بهذا الماء في يوم الخميس يحكم ببقاء النجاسة فيه.

نعم لا يثبت باستصحاب عدم حدوث الكرية إلى يوم الخميس عنوان تأخرها عنه، لأنّه لازم عقلي لا شرعي، ولو كان للتأخر أثر شرعي فلا يثبت بهذا الاستصحاب.


(393)

التنبيه العاشر: قياس الحادث بحادث آخر

الكلام هنا حول قياس حادث بحادث آخر، كما إذا علم بحدوث حادثين كالطهارة والحدث، ولم يعلم المتقدّم والمتأخر منهما فهل يجري الأصل أو لا؟ أو علم موت الوالد المسلم في غرّة رجب، وعلم أيضاً بإسلام وارثه، ولكن شكّ في تقدّم موت المورِّث على إسلام الوارث حتى لا يرثه ـ لأنّ الكافر لا يرث المسلم حتى وإن أسلم بعد موت المورِّث ـ أو تأخر موته عن إسلامه حتى يرثه، فهل يجري الأصل أو لا؟

فنقول: للمسألة صورتان:

الأُولى: أن يكون أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله، فيجري الأصل في المجهول دون المعلوم.

امّا أنّه لا يجري الأصل في معلوم التاريخ كموت الوالد المسلم في غرّة رجب فلأجل أنّ حقيقة الاستصحاب هو استمرار حكم المستصحَب ـ عدم الموت ـ إلى الزمان الذي يشكّ في بقائه، وهذا إنّما يتصور فيما إذا جهل تاريخ حدوثه، وأمّا لو فرض العلم بزمان الحدوث وأنّه مات في غرّة رجب فلا معنى لاستصحاب عدمه لعدم الشكّ في زمان الموت.

وبعبارة أُخرى: لابدّ في الاستصحاب من وجود زمان يشكّ في بقاء المستصحَب فيه وهذا غير متصوّر في معلوم التاريخ، لأنّا نعلم عدم موت الوالد قبل غرّة رجب وموته فيها، فليس هنا زمان خال يُشك في بقاء المستصحب ـ عدم موت الوالد ـ فيه.

وأمّا جريانه في مجهول التاريخ، وهو إسلام الولد، حيث كان كافراً في شهر جمادى الآخرة و مسلماً في غرّة شعبان و مشكوك الإسلام بين الشهرين فيستصحب بقاؤه أي عدم الإسلام في الظرف المشكوك، ويترتب عليه أثره وهو


(394)

حرمانه من الإرث لثبوت موضوعه وهو موت الوالد حين كفر الولد.

الثانية: إذا كانا مجهولي التاريخ فيجريان ويتعارضان ويتساقطان فلابدّ من طلب دليل آخر على إرث الولد وعدمه، ومنه يظهر حال الشك في الطهارة والحدث بصورتيهما فلاحظ.

التنبيه الحادي عشر: تقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول

الاستصحاب متقدّم على سائر الأُصول، لأنّ التعبّد ببقاء اليقين السابق وجعله حجّة في الآن اللاحق يوجب إرتفاع موضوعات الأُصول، أو حصول غاياتها، وإليك البيان:

أ. أنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، فإذا كان الشيء مستصحَب الحرمة أو الوجوب، فالأمر بالتعبّد با بقاء اليقين السابق بيان من الشارع، فلا يبقى موضوع للبراءة العقلية.

ب.كما أنّ موضوع البراءة الشرعية هو «مالا يعلمون» والمراد من العلم هو الحجّة الشرعيّة، والاستصحاب كما قرّرناه حجّة شرعيّة على بقاء الوجوب والحرمة في الأزمنة اللاحقة، فيرتفع موضوع البراءة الشرعية.

ج. أنّ موضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال، والاستصحاب بحكم الشرع هادم لذلك التساوي.

د. أنّ موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب في الفعل أو الترك، والاستصحاب بما أنّه حجّة مؤمِّن، فالاستصحاب بالنسبة إلى هذه الأُصول رافع لموضوعها .وإن شئت فسمِّه وارداً عليها.

وربّما يكون الاستصحاب موجباً لحصول غاية الأصل كما هو الحال في


(395)

أصالتي الطهارة والحليّة، فإنّ الغاية في قولهعليه السَّلام :«كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، وفي قوله ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» وإن كان هو العلم، لكن المراد منه هو الحجّة، و الاستصحاب حجّة، ومع جريانه تحصل الغاية، فلا يبقى للقاعدة مجال.

التنبيه الثاني عشر: تقدّم الأصل السببي على المسببي

إذا كان في المقام أصلان متعارضان، غير أنّ الشك في أحدهما مسبب عن الشكّ في الآخر، مثلاً إذا كان ماء قليل مستصحب الطهارة، وثوب متنجس قطعاً، فغسل الثوب بهذا الماء، فهنا يجري بعد الغَسل استصحابان:

أ. استصحاب بقاء طهارة الماء الذي به غسل الثوب النجس، ومقتضاه طهارة الثوب المغسول به.

ب. استصحاب نجاسة الثوب وبقائها حتى بعد الغسل.

وعندئذ يقدّم الاستصحاب الأوّل على الاستصحاب الثاني، لأنّ الشكّ في بقاء النجاسة في الثوب ـ بعد الغسـل ـ ناشئ عن طهارة الماء الذي غُسل به، فإذا تعبدنا الشارع ببقاء طهارة الماء ظاهراً يكون معناه ترتيب ما للماء الطاهر الواقعي من الآثار على مستصحب الطهارة، ومن جملة آثاره طهارة الثوب المغسول به، فالتعبد ببقاء الأصل السببي يرفع الشك، في جانب الأصل المسببي بمعنى انّ النجاسة هناك مرتفعة غير باقية فيكون الأصل السببي مقدّماً على الأصل المسببي.

ويمكن أن يقال إنّ الأصل السببي ـ استصحاب طهارة الماء ـ ينقّح موضوعَ الدليل الاجتهادي، فيكون الدليل الاجتهاديّ مقدّماً على الأصل المسببي، لأنّ استصحاب طهارة الماء يثبت موضوعاً، وهو أنّ هذا الماء طاهر، هذا من


(396)

جانب.

ومن جانب آخر دلّ الدليل الاجتهادي أنّ كلَّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر، فبضم الصغرى إلى الكبرى لا يبقى شكّ في طهارة الثوب و ارتفاع نجاسته.

ولمّا انجرّ الكلام إلى تقدّم الاستصحاب على عامّة الأُصول اقتضى المقام بيان تقدّم بعض القواعد على الاستصحاب.

تمّ الكلام في الأُصول العملية،
ويليه البحث في تعارض الأدلّة الشرعية إن شاء اللّه
والحمد للّه ربّ العالمين


(397)

المقصد الثامن
في تعارض الأدلّة الشرعية

وفيه فصلان:

الفصل الأوّل: في التعارض غير المستقر.

الفصل الثاني: في التعارض المستقر.

خاتمة المطاف: في التعارض على نحو العموم و الخصوص من وجه.


(398)


(399)

في تعارض الأدلّة الشرعيّة

يُعدّ البحث عن تعارض الأدلّة الشرعية، وكيفيّة علاجها، من أهمّ المسائل الأُصوليّة، إذ قلّما يتفق في باب أن لا توجد فيه حجّتان متعارضتان، على نحو لا مناص للمستنبط من علاجهما، ولأجل تلك الأهميّة أفردوا لها مقصداً.

الفصل الأوّل

في الجمع بين الدليلين
أو
التعارض غير المستقر

إذا كان التعارض بين الخبرين تعارضاً غير مستقر، يزول بالتأمّل بحيث لا يعد التكلّم بهذا النحو على خلاف الأساليب المعروفة بين المقنّنين وعلماء الحقوق والقانون وظرف التقنين، بل كان دارجاً بينهم، فيقدّم فيه الجمع على غيره.(1) و هذا هو المراد من قول الأُصوليّين: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» ومقصودهم هو الجمع المطلوب عند أهل الحقوق والقانون بحيث يعد أحد الدليلين قرينة على


1 . سواء كان المراد من الغير هو التخيير أو الترجيح .


(400)

التصرف في الآخر، وهذا ما يعبّر عنه بالجمع العرفي، أو الجمع مع الشاهد في مقابل الجمع التبرّعي الذي يجمع بين الدليلين بلا شاهد وقرينة، ولأجل ذلك يكون الجمع الأوّل مقبولاً والآخر مرفوضاً.

وقد بذل الأُصوليون جهودهم في إعطاء ضوابط الجمع المقبول وحصروها في العناوين التالية:

1. التخصّص، 2. الورود، 3. الحكومة، 4. التخصيص، 5. تقديم الأظهر على الظاهر.

وإليك تعريف تلك العناوين:

1. التخصّص: هو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر حقيقة وتكويناً، كقولنا: «الخمر حرام» و«الخل حلال» فالمحمولان وإن كانا متنافيين، ولكن التنافي بينهما بدائي يزول بالنظر إلى تغاير الموضوعين.

2. الورود: هو رفع أحد الدليلين موضوع الدليل الآخر حقيقة، لكن بعناية من الشارع بحيث لولاه لما كان له هذا الشأن كتقدّم الأمارة على الأُصول العملية، فإنّ لكلّ من الأُصول العملية موضوعاً خاصّاً، فالأمارة بعد ثبوت حجّيتها بالأدلة القطعية ترفع موضوع تلك الأُصول عامة.

مثلاً موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، و موضوع الاشتغال هو احتمال العقاب، وموضوع التخيير هو عدم المرجّح، فإذا قام الدليل القطعي على حجّية الأمارة ارتفع بذلك موضوع الأصل، فتكون الأمارة بياناً لمورد الشك(في أصل البراءة)، ورافعاً لاحتمال العقاب(في أصالة الاشتغال)، ومرجحاً لأحد الطرفين على الآخر (في أصالة التخيير). كلّ ذلك بفضل جعل الشارع الحجّية للأمارة تأسيساً أو إمضاءً لسيرة العقلاء على حجّيتها.


(401)

وبذلك يظهر ورود الأمارة على أصالتي الطهارة والحلّية، لأنّهما مغياة بعدم العلم، والمراد منه هو الحجّة الشرعية، فالأمارة بما أنّها حجّة شرعية دالة على حصول الغاية في قولهعليه السَّلام :«كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» أو قولهعليه السَّلام : «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام».

3. الحكومة: أن يكون لأحد الدليلين رقابة ونظر إلى الدليل الآخر، فيقدّم على الآخر بحكم انّ له تلك الخصوصية ويسمّى الناظر بالحاكم، والمنظور إليه بالمحكوم، ويتلخّص النظر في الأقسام التالية:

أ: التصرف في عقد الوضع بتوسيعه، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) (المائدة/6) فالمتبادر من الصلاة هو الفريضة، فإذا ضمَّ إليه قولهعليه السَّلام :«الطواف بالبيت صلاة» يكون حاكماً على الآية بتوسيع موضوعها ببيان انّ الطواف على البيت من مصاديق الصلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة.

ومثله قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:«لا صلاة إلاّ بطهور» الظاهرة في شرطية الطهارة المائية، فكأنّه قال: «الطهور شرط للصلاة» فإذا قال: التراب أحد الطهورين، فقد وسّع الموضوع(الطهور) إلى الطهارة الترابية أيضاً، وهذا النوع من التصرّف في عقد الوضع لا يتم إلاّ ادّعاءً، كادّعاء انّ الطواف أو التيمم صلاة أو طهور.

ب: التصرّف في عقد الوضع بتضييقه، وذلك بعدما علم أنّ للشاك في الصلوات أحكاماً خاصة وردت في الأحاديث، ثمّ إذا قال: «لا شكّ لكثير الشك»، أو قال: «لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم»، أو بالعكس، فالأدلّة المتأخّرة حاكمة على الدليل الأوّل بتضييق موضوعه بادّعاء عدم وجود الشك في تلك الموارد الثلاثة، والغاية هي رفع الحكم برفع الموضوع ادّعاءً.


(402)

مع أنّ هذه الأمثلة أشبه بالتخصيص، ولكن الذي يميّزها عن التخصيص بأنّ لسانها هو لسان النظر والرقابة إلى الدليل الآخر.

ج: التصرّف في عقد الحمل أو متعلّقه بتوسيعه، فإذا قال: صلّ في ثوب طاهر، وقال: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» فقد وسّع متعلّق الحكم إلى الطهارة الثابتة حتى بالأصل.

د: التصرّف في عقد الحمل بتضييقه، وهذا كقوله سبحانه:(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(الحج/78) فإنّها بحكم نظرها إلى الأحكام الشرعية المترتبة على العناوين الأوّلية تضيق محمولاتها ويخصصها بغير صورة الحرج، ومثله قوله: «لا ضرر ولا ضرار » بالنسبة إلى سائر الأحكام.

والحاصل: أنّ مقوم الحكومة اتخاذ الدليل لنفسه موقف الشرح والتبيين والنظر والرقابة، فتكون النتيجة إمّا تصرّفاً في عقد الوضع، أو الحمل إمّا بالتوسيع أو بالتضييق.ولكن التعارض ورفعه بالحكومة مختص بصورة التضييق لا التوسيع وليس فيها أيّ تعارض حتى تُعالج بالحكومة بخلاف صورة التضييق فالتعارض محقّق لكن يقدم الحاكم على المحكوم في عرف أهل التقنين فلاحظ.

4. التخصيص: عبارة عن إخراج بعض أفراد العام عن الحكم المحمول عليه مع التحفّظ على الموضوع كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسد، فهو يشارك الحكومة في بعض أقسامه (القسم الرابع) لكنّه يفارقه بأنّ لسان التخصيص هو رفع الحكم عن بعض أفراد الموضوع ابتداءً من دون أن يكون لسانه، لسان الرقابة، بخلاف الحكومة فإنّ لسانها لسان النظر والرقابة إمّا إلى المحمول أو إلى الموضوع، ولذلك ربما يقال بأنّه لو لم يرد من الشارع حكم في المحكوم لم يكن للدليل الحاكم مجال.


(403)

ثمّ إنّ تقديم الحاكم والمخصّص على المحكوم و العام واضح، أمّا تقديم الحاكم، فلأجل لسانه وكأنّه دليل متمّم للدليل الأوّل.

وأمّا تقديم المخصص على العام، فلأنّ السيرة السائدة في عالم التقنين هي فصل الخصوص عن العموم لعدم إحاطة المقنّن بالمصالح والمفاسد، فربّما يشرّعقانوناً ثمّ يبدو له أنّ الحكم بسعته على خلاف المصلحة العامة، فيذكر المخصص متأخراً وذلك ممّا حدا بعلماء الحقوق والقانون على تقديم الخاص على العام.

والتشريع الإلهي وإن كان نزيهاً عن تلك الوصمة ولكن تعلّقت مشيئته سبحانه ببيان الأحكام على سبيل التدريج لمصالح فيها، وعلى ضوئه جاءت المخصصات بعد العموم.

5. تقديم الأظهر على الظاهر ، إذا عُدَّ أحد الدليلين قرينة على التصرّف في الآخروإن لم يدخل تحت العناوين السابقة يقدم ما يصلح للقرينية على الآخر وإن لم يدخل تحت العناوين السابقة، وهذا ما يسمّى بتقديم الأظهر على الظاهر ولأجل التعرّف على الأظهر والظاهر نذكر أمثلة:

أ: دوران الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق

إذا دار الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق، كما إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفاسق، فدار أمر العالم الفاسق بين دخوله تحت الحكم الأوّل أو الثاني، فقد اختار الشيخ الأعظم الأنصاريّ تقديم العام على المطلق، ولزوم التصرّف في الثاني، فتكون النتيجة وجوب إكرام الفاسق، وما هذا إلاّلأنّ دلالة العام على الشمول أظهر من دلالة المطلق عليه.


(404)

ب: إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقن

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقن، لتساويهما في الظهور اللفظي وكونهما بصيغة العموم كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، ولكن علمنا من حال المتكلّم أنّه يبغض العالم الفاسق، فتشكِّل قرينة على تقديم عموم النهي على عموم الأمر، فيكون مجمع العنوانين (العالم الفاسق) محرَّم الإكرام.

ج: دوران الأمر بين التقييد والحمل على الاستحباب

إذا قال الشارع إذا أفطرت فأعتق رقبة، ثمّ ورد بعد مدّة إذا أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة، فيدور الأمر بين حمل المطلق على المقيد، أو حمل الأمر المتعلّق بالمقيّد على الاستحباب، فربما يقدّم الأوّل على الثاني لشيوع التقييد، وربما يرجح العكس لشيوع استعمال الأوامر على لسان الشارع في الاستحباب. وقد مرّ تفصيله في المقصد الخامس عند البحث في المطلق والمقيّد.

ويدل على هذا النوع من الجمع طائفة من الروايات.

قال الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا».(1)

روى داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتنصرف على وجوه لو شاء إنسان لصرف كلامه حيث يشاء».(2)

والحديثان يحثّان على التأمّل والتدبر في الأحاديث المروية، حتى لا يتسرّع السامع باتّهامها بالتعارض بمجرد السماع، دون التدبّر في أطرافها.


1 . الوسائل: الجزء 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22 .
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27 .


(405)

فتلخّص أنّ التنافي غير المستقر يرتفع بأحد الأُمور الخمسة التي أشرنا إليها، بقي الكلام في التنافي المستقر وهو الذي يبحث عنه في الفصل التالي.


(406)

الفصل الثاني

التعارض المستقر
أواعمال الترجيح والتخيير

إذا كان هناك بين الدليلين تناف وتدافع في المدلول على وجه لا يمكن الجمع بينهما جمعاً عرفياً مقبولاً عند أهل التقنين، فيقع البحث في أُمور:

الأوّل: ماهي القاعدة الأوّلية عند التعارض؟

لا شكّ أنّ الأخبار حجّة من باب الطريقية بمعنى أنّها الموصلة إلى الواقع في كثير من الأحيان، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ دليل حجية قول الثقة منحصرة في السيرة العقلائية، وبما أنّ السيرة دليل لبّي يؤخذ بالقدر المتيقن منه لعدم وجود لسان لفظي لها حتى يؤخذ بإطلاقه، والقدر المتيقن من السيرة في مورد حجّية قول الثقة هي صورة عدم التعارض، فتكون القاعدة الأوّلية هي سقوط الخبرين المتعارضين عن الحجّية. لما مضى من أنّ الشكّ في الحجّية يساوق القطع بعدمها.

الثاني: ماهي القاعدة الثانوية عند التعارض؟

قد وقفت على أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية في الخبرين المتعارضين هو التساقط، فلو ثبت شيء على خلاف تلك القاعدة نأخذ به، وإلاّ فهي محكَّمة.

ثمّ إنّ الخبرين المتعارضين على صورتين:

أ: الخبران المتكافئان اللّذان لا مزيّة لأحدهما توجب ترجيحه على الآخر.


(407)

ب: الخبران المتعارضان اللّذان في أحدهما مزيّة توجب ترجيحه على الآخر. وإليك الكلام في كلا القسمين:

الصورة الأُولى: الخبران المتعارضان المتكافئان

إذا ورد خبران متعارضان متكافئان من دون مزية لأحدهما على الآخر،(1) فقد استفاضت الروايات على التخيير بينهما:

1. روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن الحسن بن الجهم(2) قال: قلت له تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ وجلّ وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، وإن لم يكن يشبههما فليس منّا»، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولانعلم أيّهما الحق؟ قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت».(3)

2. ما رواه الطبرسي في «الاحتجاج» عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة، فموسّع عليك حتى ترى القائم ـ عليه السَّلام ـ ، فترد إليه». (4)

وربّما يتصور أنّ الرواية ناظرة إلى حجّية قول الثقة، وليست ناظرة إلى الحديثين المختلفين ولكن في الرواية قرائن ثلاث تُدعم كون الرواية ناظرة إلى الحديثين المختلفين وهي:

أ: قوله: «وكلّهم ثقة» ومن المعلوم أنّه لا يشترط في حجّية كلّ خبر إلاّ وثاقة مخبره، لا وثاقة المخبر الآخر.


1 . سيوافيك أنّ أخبار التخيير محمولة على صورة التكافؤ.
2 . الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين الشيباني، ترجمه النجاشي برقم 108، وقال ثقة، روى عن أبي الحسن الرضا 7 .
3 و 4. الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40 و 41 .


(408)

ب: قوله ـ عليه السَّلام ـ :«فموسّع» فإنّ تلك اللفظة وردت في رواية الحسن بن الجهم السابقة الواردة في الخبرين المتعارضين.

ج: قوله ـ عليه السَّلام ـ : «حتى ترى القائم، فإنّ قول الثقة حجّة مطلقاً دون أن تُغيّى بغاية، سواء أُريد من القائم الإمام القائم بالأمر ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ أو الإمام المعاصر للراوي.

3. ما رواه الشيخ في «التهذيب»، عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد اللّه بن محمد، إلى أبي الحسنعليه السَّلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم: صلّها في المحمل، وروى بعضهم لا تصلّها إلاّ على الأرض، فقال ـ عليه السَّلام ـ :«موسّع عليك بأيّة عملت».(1)

والرواية بقرينة قوله:«موسّع عليك بأيّة عملت» ناظرة إلى الأخبار المتعارضة، غير أنّ مورد الرواية الأخيرة هي الأُمور المستحبّة، والتخيير في المستحبات لا يكون دليلاً على التخيير في الواجبات، لأنّ للأُولى مراتب مختلفة في الفضيلة، فيصح التخيير بين درجاتها، وهذا بخلاف الواجبات، فإنّ أحد الطرفين تعلّق به الأمر دون الآخر.

نعم في الروايتين الأُوليين كفاية في ثبوت التخيير، حتى أنّ الشيخ الأعظم ادّعى في رسائله تواتر الروايات على التخيير، وقال:«إنّ عليه المشهور وجمهور المجتهدين للأخبار المستفيضة بل المتواترة».

وقد قال الشيخ الكليني في ذلك الصدد:«بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» وعلى ذلك يمكن ادّعاء الاستفاضة دون التواتر.

هل التخيير بدائي أو استمراري؟

إذا ورد خبران متعارضان متكافئان، فهل التخيير بينهما بدائي أو استمراري


1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 44 .


(409)

بمعنى أنّه له اختيار غير ما اختاره في الواقعة الأُولى؟ والحقّ أنّه بدائي،وقد سبق بيانه في مبحث الاشتغال، وذكرنا فيه أنّ المخالفة القطعية العملية للعلم الإجمالي قبيح وحرام، من غير فرق بين أن تكون المخالفة دفعية أو تدريجية، فإذاأخذ بأحد الخبرين في واقعة، والخبر الآخر في واقعة أُخرى، فقد علم بالمخالفة العملية امّا بعمله هذا أو بما سبق.

هل التخيير فقهي أو أُصولي؟

إنّ التخيير على قسمين:

1. التخيير في المسألة الفقهيّة، والمراد منه كون التخيير نفس الحكم الشرعي كالتخيير بين الخصال الثلاث في كفارة شهر رمضان، أو كالتخيير بين القصر والإتمام في الأماكن الأربعة.

2. التخيير في المسألة الأُصولية، وهذا نظير التخيير بين الخبرين المتعارضين، فبما انّ المسألة أُصولية والحكم الشرعي في أحد الخبرين التخيير، فيتخير بينهما وتكون النتيجة إمضاء الشارع حجّية كلّ من الخبرين، فللمجتهد أن يعمل أو يفتي بواحد منهما.

ما هو مرجع الروايات الآمرة بالتوقّف؟

هناك روايات تأمر بالتوقف والصبر إلى لقاء الإمام، أو مَنْ يخبر بحقيقة الحال من بطانة علومهمعليهم السَّلام ومعها كيف يكون التكليف هو التخيير بين الخبرين المختلفين؟

روى الكليني، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: «يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة


(410)

حتى يلقاه».(1)

وفي مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة حينما انتهى السائل إلى مساواة الخبرين في المرجّحات قال: «إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرمن الاقتحام في الهلكات» . (2)

والأوّل يأمر بالتوقّف منذ بدء الأمر،والآخر يأمر به بعد مساواتهما في المرجحات،وعلى كلّ تقدير ينفيان التخيير.

والجواب: أنّ هذا القسم من الروايات محمول على صورة التمكن من لقاء الإمام، أو من لقاء بطانة علومهم، ويشهد لهذا الجمع نفس الحديثين،ففي الأوّل: «يرجئه حتى يلقى من يخبره» أي يخبره بحقيقة الحال وما هوالصحيح من الخبرين،وفي الثاني: «فارجئه حتى تلقى إمامك» و من لاحظ الروايات الآمرة بالتوقّف يلمس ذلك، فإنّ من الرواة من كان يتمكن من لقاء الإمام و السماع منه، ومنهم من لم يكن متمكنّاً من لقائه ـ عليه السَّلام ـ إلاّببذل مؤن، و قطع مسافة بعيدة، فالأمر بالتوقّف راجع إلى المتمكّن،و الأمر بالتخيير إلى الثاني.

الصورة الثانية: الخبران المتعارضان غير المتكافئين

إذا كان هناك خبران ، أو أخبار متعارضة، ويكون لأحدهماترجيح على الآخر; فيقع الكلام في الأُمور الثلاثة:

1. التعرّف على هذه المرجحات.

2. هل الأخذ بذي المزيّة واجب أو راجح؟

3. هل يقتصر على المنصوص من المرجحات أو يُتعدى غيره؟

ولنتناول البحث في كل واحد منها.


1 و 2. الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، 1 ولاحظ الحديث 42 و 36 من هذا الباب .


(411)

الأمر الأوّل: في بيان المرجحات الخبرية

نستعرض في هذا الأمر المرجحات الخبرية ـ عندنا ـ أو ما قيل إنّها من المرجحات الخبرية وهي أُمور:

أ. الترجيح بصفات الراوي

قد ورد الترجيح بصفات الراوي، مثل الأعدليّة و الأفقهية و الأصدقية والأورعية، في غير واحد من الروايات التي نذكرها.

روى الكليني بسند صحيح، عن عمر بن حنظلة(1) قال: سألت أبا عبد اللّهعليه السَّلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين، أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان، وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال:«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، و إن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر اللّه أن يُكفر به، قال اللّه تعالى :(يُريدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطاغُوتِ وَ قَد أُمِرُوا أن يَكْفُرُوا بِه)(2)».

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه وعلينا ردّ، والراد علينا، راد على اللّه وهو على حدِّ الشركِ باللّه».

فإن كان كلّ واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في


1 . عمر بن حنظلة وإن لم يوثق في المصادر الرجاليّة، لكن الأصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول و ـ لذا ـ سمّيت بالمقبولة، واعتمدوا عليها في باب القضاء، والحديث مفصل ذكرناه في مقاطع أربعة فلا تغفل .
2 . النساء: 60 .


(412)

حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم، فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما،ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر».(1)

إنّ هذا القسم من الترجيح قد ورد في غير واحد من الروايات(2) لكن الجميع راجع إلى ترجيح حكم أحد القاضيين على حكم القاضي الآخر، ومن المحتمل جداً اختصاص الترجيح به لمورد الحكومة، حتى يرتفع النزاع وتُفْصل الخصومة،ولا دليل على التعدي منه إلى غيره، وذلك لانّه لمّا كان إيقاف الواقعة وعدم صدور الحكم، غير خال من المفسدة، أمر الإمام بإعمال المرجحات حتى يرتفع النزاع.

نعم ورد الترجيح بصفات الراوي في موردتعارض الخبرين، فيما رواه ابن أبي جمهور الاحسائي، عن العلاّمة، مرفوعاً إلى زرارة، لكن الرواية فاقدة للسند، يرويها ابن أبي جمهور الاحسائي (المتوفّى حوالي سنة900هـ)،عن العلاّمة (المتوفىّ عام 726هـ)، عن زرارة (المتوفىّ عام 150هـ)، ومثل هذا لا يصحّ الاحتجاج به أبداً، ولأجل ذلك، لم نعتمد عليها.

ب: الترجيح بالشهرة العمليّة

قد ورد الترجيح بالشهرة العملية، أي عمل جلّ الأصحاب بالرواية، دون الرواية الأُخرى، في المقبولة السابقة، فقد طرح عمر بن حنظلة مساواة الراويين في الصفات قائلاً:

فقلت: إنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضَّل واحد منهما على الآخر، قال: فقال:


1 . الكافي: 1 / 68، ط دار الكتب الإسلامية .
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 رواية داود بن الحصين و 45، رواية موسى بن أكيل .


(413)

«يُنظر إلى ما كان من روايتهم عنّا ـ في ذلك الذي حكما به ـ المجمعَ عليه عند أصحابك فيُؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ النادر الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه».

إنّما الأُمور ثلاثة:أمر بيّن رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّه فيُجتنب، وأمر مشكل يُرد علمه إلى اللّه وإلى رسوله».(1)

يلاحظ على الاستدلال بوجهين:

أوّلا: أنّ الراوي لمّا فرض تساوي الراويين من حيث الصفات، وأنّه لا يفضل واحد منهما على الآخر، أرجعه الإمام إلى أخذ رأي مَن استند في حكمه إلى المجمع عليه، وأمر بترك حكم من استند في حكمه إلى الشاذ، وعندئذ يحتمل جداً اختصاص الترجيح بالشهرة العملية بمورد القضاء وفصل الخصومة الذي لا يصحّ فيه إيقاف الحكم فيرجّح أحد الراويين على الآخر بملاحظة مصدره، وأمّا لزوم الترجيح بها أيضاً في تعارض الخبرين في مقام الإفتاء، فغير ظاهر من الحديث، لا يثبته ولا ينفيه،إلا إذا قيل بإلغاء الخصوصية بين المقامين عرفاً.

وثانياً: أنّ اللائح من الرواية، هي كون الشهرة العمليّة من مميّزات الحجّة عن اللا حجّة لا من مرجحات إحدى الحجتين على الأُخرى، كما هو موضوع البحث في المقام،وهذا يظهر بالإمعان في المقبولة.

وذلك لأنّ المراد من قوله:«فإنّ المجمع عليه(2) لا ريب فيه»، هو «نفي الريب» على وجه الإطلاق كما هو مفاد النكرة إذا وقعت في سياق النفي، فالرواية إذا أفتى بها جلُّ الأصحاب تكون مصداقاً لما ليس فيه ريب وشك.

وأمّا الخبر الشاذ، فبما أنّه مقابله و نقيضه، يكون لامحالة موصوفاً بضدّ


1 . الكافي: 1 / 68 .
2 . المراد من المجمع عليه ليس ما اتّفق الكل على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور بقرينة قوله: «ويترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك» .


(414)

وصفه، مثلاً إذا كان المجمع عليه ممّا لا ريب في صحّته، يكون الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، مثلاً إذا كانت عدالة زيد ممّا لا ريب فيها، يكون فسقه ممّا لا ريب في بطلانه، وعلى هذا تكون الشهرة العملية من مميزات الحجة عن اللا حجة، فلا يقام للشاذ في سوق الاعتبار وزن.

وبذلك يعلم أنّ المجمع عليه داخل في بيّن الرشد،والخبر الشاذ داخل في القسم الثاني من التثليث أي بيّن الغي، لا في القسم الثالث أي الأمر المشكل.

ج: الترجيح بموافقة الكتاب

إنّ الإمعان في المقبولة يثبت انّ صدر الحديث بصدد بيان مرجحات القضاء، لكن السائل لمّا وقف على أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقدّم رأي أحد القاضيين على الآخر بحجّة أنّ مستند أحدهما هو الخبر المجمع عليه، بدا له أن يسأله عن تعارض الخبرين ومرجّحاتهما مع قطع النظر عن كونهما مصدراً للقضاء وقال:

فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهماالثقات عنكم؟

قال: «ينظر فماوافق حكمه حكم الكتاب والسنّة (وخالف العامة) فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة (ووافق العامة)».(1)

ويدل على الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة غير واحد من الروايات:

روى عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه».(2)


1 . أخذنا الرواية من كتاب الكافي: 1 / 67، الحديث 10، لأنّ صاحب الوسائل جزّأها على عدّة أبواب .
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29 ; ولاحظ أيضاً الحديث 21 و 20 من هذا الباب .


(415)

ثمّ إنّه ليس المراد من مخالفة الكتاب هو المخالفة بالتناقض والتباين الكلّي، لأنّ عدم حجية المباين الصريح معلوم لا يحتاج إلى البيان أوّلاً، ولا يضعه الوضّاعون ثانياً، لأنّه يواجَه من أوّل الأمر بالنقد والرد بأنّه كذب موضوع على لسان الإمام.

فإذن المراد من مخالفة الكتاب هو المخالفة بمثل العموم والخصوص، فلو كان أحد الخبرين موافقاً لعموم الكتاب والآخر مخالفاً له بنحو التخصيص يؤخذ بالأوّل دون الثاني،وإن كان المخالف(الخاص) حجّة يخصص به الكتاب إذا لم يكن مبتلى بالمعارض.

نعم تقدم منّا أنّ تخصيص عموم القرآن ليس أمراً هيّناً،ولا يصلح في ذلك خبر الثقة إلاّ إذا كان على وجه يفيد الاطمئنان الذي هو علم عرفي.

د: الترجيح بمخالفة العامة

روى عمر بن حنظلة ، قال: قلت: جعلت فداك إن رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: «ما خالف العامة ففيه الرشاد».

فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً، قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر».(1)

ويدل عليه أيضاً ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (البصري) قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ :«فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه».(2)


1 . مضى مصدر الرواية .
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29 ; لاحظ الحديث 21، 30، 31، 34، 40، 42، 48 من ذلك الباب .


(416)

وجه الإفتاء بالتقية

إنّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كانوا يفتون بالتقية خوفاً من شرّ السلطان أوّلاً، وفقهاء السلطة ثانياً،والمحافظة على نفوس شيعتهم ثالثاً، وكان العامل الثالث من أكثر الدواعي إلى الإفتاء بها، وكفانا في ذلك ما جمعه المحدّث البحراني في هذا الصدد، في مقدّمة حدائقه.(1)

إنّ الرواة كانوا على علم بأنّ الإمام ربما يفتي في مكاتيبه بالتقيّة بشهادة ما رواه الصدوق باسناده عن يحيى بن أبي عمران أنّه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ في السنجاب والفنك والخز، وقلت: جعلت فداك أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك، فكتب إليَّ بخطّه :«صلّ فيها».(2)

لم يكن للإمام بُد، من إعمالها لصيانة دمه ودم شيعته حتى نرى أنّه ربما كان يذم أخلص شيعته، كزرارة في غير واحد من المحافل حتى لا يؤخذ ويضرب عنقه بحجّة أنّه من شيعة أبي عبد اللّه الصادق.

وكانت بطانة علومه و خاصة شيعته يميزون الحكم الصادر عن تقية، عن الحكم الصادر لبيان الواقع عندما كانت تصل إليهم أجوبة الإمام، فإن كان على وجه التقية يقولون لمن جاء به: «أعطاك من جراب النورة» وعندما كان يفتي بالحكم الواقعي يقولون: «أعطاك من عين صافية».

الأمر الثاني: الأخذ بالمرجحات لازم

لا شك انّ من رجع إلى لسان الروايات يقف على لزوم العمل بالمرجحات،ولا يمكن حملها على الاستحباب إذ كيف يمكن حمل الأمر في قولهعليه السَّلام :«ما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه» على


1 . الحدائق: 1 / 5 ـ 8 .
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6 .


(417)

الاستحباب، وقد سبق منّا القول بأنّ الأمر حجّة من المولى على العبد، فليس له ترك العمل إلاّ بحجّة أُخرى.

وأمّا ما هو ترتيب العمل بالمرجحات، فهل يقدّم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة أولا؟

الجواب: انّ الحجة في المقام هي المقبولة، فالمستفاد منها، هو تقديم الترجيح بالأوّل على الثاني، كما هوالظاهر من رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، وقد مضى نصها.(1)

الأمر الثالث: التعدّي من المنصوص إلى غير المنصوص

قدعرفت أنّ المنصوص من المرجحات لا يتجاوز الاثنين«موافقة الكتاب ومخالفة العامة»،وهل يجب الاقتصار عليهما، والرجوع في غيرهما إلى أخبار التخيير، أو يجوز التعدّي من المنصوص إلى غيره، فيعمل بكل خبر ذي مزية، ولا تصل النوبة إلى أخبار التخيير إلاّ بعد تساوي الخبرين في كلِّ مزيّة توجب أقربية أحدهما إلى الواقع؟

الحقّ هو الأوّل: لأنّ إطلاق أخبار التخيير يفرض علينا التخيير في مطلق المتعارضين، سواء كانا متكافئين أم غير متكافئين، خرجنا عن إطلاقها بروايات الترجيح، وأمّا في غير موردها فالمحكّم هو أخبار التخيير، فلو كان في أحد الطرفين مزيّة غير منصوصة، فالتخيير هو المحكّم.

ويمكن تأييد المختار بوجهين:

الوجه الأوّل: لوكان الملاك هو العمل بكل مزيّة في أحد الطرفين، لكان الأنسب في المقام الإشارة إلى الضابطة الكليّة من دون حاجة إلى تفصيل


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29 .


(418)

المرجحات.

ولو قيل إنّ الغاية من التفصيل هو إرشاد المخاطَب إلى تلك المرجحات، ولولا بيان الإمام لما كان المخاطَب على علم بها.

قلت: نعم ولكن لا منافاة بين تفصيل المرجحات وإعطاء الضابطة ليقف المخاطَب على وظيفته العمليّة في باب التعارض.

الوجه الثاني: انّ الإمام في مقبولة عمر بن حنظلة ـ بعد فرض تساوي الخبرين ـ أمر بالتوقف وإرجاء حكم الواقعة حتى يلقى الإمام، ولو كان العمل بكلّ ذي مزيّة واجباً لما وصلت النوبة إلى التوقّف إلاّ نادراً.

***

النتائج المحصلة

قد خرجنا من هذا البحث الضافي في هذا المقصد بالنتائج التالية:

1. إذا كان التنافي بين الخبرين أمراً غير مستقرّ، يزول بالتدبر، فهو خارج عن باب التعارض، وداخل في باب الجمع الدلاليّ بين الخبرين.

2. أنّ القاعدة الأوّلية في الخبرين المتعارضين اللّذين يكون التنافي بينهما أمراً مستقراً، هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر، كالعمومات والإطلاقات إن وُجدت، وإلاّ فالأصل العملي، لكن خرجنا عن تلك القاعدة بأخبار التخيير.

3. انّ مقتضى أخبار التخيير و إن كان هو التخيير بين الخبرين مطلقاً، سواء كان هناك ترجيح أو لا، لكن خرجنا عن مقتضى تلك الأخبار بلزوم إعمال المرجحات المنصوصة فقط دون غيرها.


(419)

خاتمة المطاف

التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان بنحو العموم والخصوص المطلق، أو المطلق والمقيّد، فقد علمت انّه من أقسام التعارض غير المستقر وانّه داخل في قاعدة الجمع، وانّ المرجع هناك هو الجمع بينهما، بتخصيص العام و تقييد المطلق.

وأمّا إذا كان التنافي بينهما بنحو التباين الكلي فالمرجع هو الترجيح، ثمّ التخيير، كما إذا ورد في الخبر: «ثمن العذرة سحت» وفي الخبر الآخر:«لا بأس بثمن العذرة».

بقي الكلام فيما إذا كان التعارض بين الدليلين على نحو العموم و الخصوص من وجه، كما إذا قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال:«لا تكرم الفساق» فيكون العالم الفاسق مجمع العنوانين فيجب إكرامه باعتبار كونه عالماً، ويحرم باعتبار كونه فاسقاً، فما هي الوظيفة؟

وكما إذا ورد دليل يدل بإطلاقه على نجاسة عذرة كلّ مالا يؤكل لحمه، وورد دليل آخر يدل بإطلاقه على طهارة عذرة كلّ طائر، فيكون الطائر غير المأكول مجمع العنوانين، فهل يحكم على نجاسة عذرته بحكم الدليل الأوّل، أو على طهارته بحكم الدليل الثاني ؟

لا شكّ في انصراف روايات التخيير عن المقام، لأنّ المتبادر من قوله في رواية الحسن بن الجهم «يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين» هو اختلافهما في تمام المدلول لا في بعضه، ولذلك كان منصرفاً عمّا إذا كان التنافي


(420)

بنحو العموم و الخصوص المطلق.

فيكون المرجع هو روايات الترجيح، فلو كان حكم أحد الدليلين في مورد الاجتماع موافقاً للكتاب، دون غيره، أو مخالفاً للعامّة، فيؤخذ به دون الآخر.

نعم يعمل بهما في موردي الافتراق ولا محذور في ذلك لإمكان أن يكون الإمام في مقام بيان الحكم الواقعي بالنسبة إلى أصل الحكم لا بالنسبة إلى إطلاقه، وليس الخبر كشهادة الشاهد حيث لا يجوز الأخذ ببعض مدلولها دون بعض.

تمّ الكلام بحمد اللّه في تعارض الأدلّة
وقع الفراغ من تحرير هذا الكتاب، ولاح بدر تمامه بيد مؤلفه جعفر السبحاني
ابن الفقيه الشيخ محمد حسين الخياباني التبريزي ـ قدّس اللّه سرّه ـ
يوم الأحد الثامن من شهر رجب المرجب
من شهور عام 1418 من الهجرة النبوية
على هاجرها وآله ألف صلاة وتحية.

Website Security Test