welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 5*
نویسنده :العلامة المجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 5

صفحه 1
   
   المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 5
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
5

صفحه 2
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; اعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه الإمام صادق(عليه السلام)، 1395 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 571 - 7 (VOL.5)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
      مندرجات ج 5. الإيمان والكفر، العشرة، الآداب والسنن والأوامر والنواهي.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1395
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الخامس
المؤلف:   … محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:   … آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:913    تسلسل الطبعة الأُولى: 446
طبع على نفقة الوجيه الحاج أبي ياسر
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
 
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على الكتب التالية:
الإيمان والكفر، العشرة، والآداب
والسنن والأوامر والنواهي
الجزء الخامس
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; اعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه الإمام صادق(عليه السلام)، 1395 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 571 - 7 (VOL.5)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
      مندرجات ج 5. الإيمان والكفر، العشرة، الآداب والسنن والأوامر والنواهي.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1395
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الخامس
المؤلف:   … محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:   … آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:913    تسلسل الطبعة الأُولى: 446
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

الحمد لله والحمد حقّه كما يستحقّه حمداً كثيراً ; وصلّى الله على محمد وآل محمد صلاةً كثيرةً تكون لهم رضاً، ولحقّ محمد وآل محمد أداءً وقضاء.
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الخامس من «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» لشيخ الإسلام العلاّمة محمد باقر المجلسي (رضوان الله عليه)، ويشتمل على كتاب الإيمان والكفر، وفيه بيان الإسلام والإيمان وشرائطهما، وتوابعهما من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعراق، وبيان معاني الكفر وما يوجبه، والنفاق وما يستلزمه من مقابح الخصال ومذام الخلال.
ولقد ألّفتُ حول الإيمان والكفر وما يتعلّق به عدّة مؤلّفات نتيجة الظروف الّتي تمرُّ بها الأُمّة الإسلامية، وما يشهده العالم في كلّ يوم من جرائم فظيعة وقتل للأبرياء، ومن المؤسف أنّ هذه الأعمال الوحشية تقع باسم الدين ـ والدين منهم براء ـ بواسطة فئة ضالة باغية جاءت لتشويه الإسلام وإيجاد التفرقة والخلافات بين المسلمين، عبر تهمة التكفير، ونشر ثقافة الحقد والكراهية ضمن مخطط صهيوأميركي مشؤوم لتقسيم الدول العربية والإسلامية إلى دويلات ضعيفة متناحرة على أساس طائفي، ورسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، يتم من خلاله السيطرة على ثروات المنطقة الغنية بالنفط والغاز والثروات الطبيعية الأُخرى، كما يجعل الكيان الصهيوني الغاصب، المستفيد الأوّل وصاحب اليد الطولى في المنطقة ...، والحديث ذو شجون. وبعض ما ألّفته في هذا المضمار:
1. الإيمان والكفر. 2. التوحيد والشرك في القرآن. 3. في ظلال التوحيد.
4. السلفية تاريخاً ومفهوماً وهدفاً.

صفحه 8
5. الشيعة ووسائل الأعلام. وغيرها كثير.
وكذلك يشتمل هذا الجزء على كتاب العشرة الّذي قال عنه العلاّمة المجلسي: وقد أفردت لأبواب العشرة كتاباً لصلوحها لجعلها مجلَّداً برأسها.1وهو يشتمل على آداب العشرة بين الآباء والأولاد وذوي الأرحام والخدم والمماليك والمؤمنين وغيرهم، وحقوق كلّ واحد منهم على صاحبه، وما يناسب ذلك من المطالب والفوائد الجليلة.
ويشتمل أيضاً على كتاب الآداب والسنن والأوامر والنواهي والكبائر والمعاصي وحدودها والزي والتجمّل.
ومن الجدير بالذكر أنّ العلاّمة المجلسي قد توفّي قبل خروج كتاب العشرة (الجزء 71)، فقام بعده تلميذه الميرزا عبدالله أفندي بجمع المسودات وأخرجها إلى البياض .2
رحم الله العلاّمة المجلسي وأعلى مقامه لما قدّمه من خدمة عظيمة للإسلام والمسلمين، ورحم الله علماءنا الماضين وحفظ الباقين إنّه سميع مجيب.
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
وحفيده الإمام الصادق(عليه السلام)
17 ربيع الأوّل 1437 هـ

1 . بحار الأنوار : 64 / 1، المقدّمة.
2 . راجع مقدّمة الجزء 71، ص 1.

صفحه 9
فضل الإيمان وجمل شرائطه   
 
كتاب الإيمان والكفر
 
أبواب الإيمان، والإسلام، والتشيّع، ومعانيها وفضلها وصفاتها

[ الباب الأوّل ]

فضل الإيمان وجمل شرائطه 1

الآيات:

البقرة (2): (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 1 ـ 5 .
وقال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّات). 25.
وقال تعالى: (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ). 41.
وقال عزَّ وجلَّ: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 82 .

1 . بحار الأنوار : 64 / 2 ـ 59، الباب 1 .

صفحه 10
وقال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 85.
وقال جلَّ وعلا: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 93.
وقال عزَّ من قائل: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ). 98 .
وقال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). 136 ـ 137 .
وقال سبحانه: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 248 .
وقال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ * اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ... ـ إلى قوله: ـ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 256 ـ 257 .
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 277 ـ 278 .
وقال سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا

صفحه 11
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). 285.
آل عمران (3): (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 49.
وقال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). 57.
وقال سبحانه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). 68.
وقال تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). 84.
وقال سبحانه: (وَاللهُ ذُو فَضْل عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). 152 .
وقال عزّ وعلا: (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ). 179.
وقال عزَّ وجلّ: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). 199.
النساء (4): (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاً ظَلِيلاً). 57 .
وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ
جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ


صفحه 12
أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً). 122.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا). 136.
وقال تعالى: (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيماً). 146.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيًما). 152.
وقال جلَّ وعلا: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا). 173.
وقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفَضْل وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا). 175.
المائدة (5): (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). 9.
وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ). 66.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارى مَنْ آمَنَ

صفحه 13
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). 69.1
الأنعام (6): (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). 48.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ). 92.
وقال عزَّ وعلا: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). 99.
وقال جلَّ وعزّ: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 122.
وقال تعالى: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 126 ـ 127.
وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). 153.
وقال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ). 158.
وقال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 161.

1 . وقريب منها في سورة البقرة: الآية 62.

صفحه 14
الأعراف (7): (اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). 3 .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 42.
وقال سبحانه: (... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 156 ـ 157 .
الأنفال (8): (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ). 74 ـ 75.
التوبة (9): (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). 20.
وقال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). 72.
يونس (10): (... وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ). 2.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ

صفحه 15
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). 9.
وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ). 63 ـ 64 .
وقال عزَّ وجلَّ: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). 87.
وقال جلَّ وعلا: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). 90 ـ 91.
وقال سبحانه: (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 103 ـ 105.
هود (11): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ). 23 ـ 24 .
الرعد (13): ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ). 16.
إبراهيم (14): (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ

صفحه 16
يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ). 23 ـ 27 .
النحل (16): (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 123.
الإسراء (17): (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا). 9.
الكهف (18): (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا). 2 ـ 3 .
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ). 30 ـ 31.
وقال سبحانه: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً). 55.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً). 107 ـ 108 .
مريم (19): (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا). 60.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا). 96.

صفحه 17
طه (20): (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى). 75 ـ 76 .
وقال تعالى: (وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). 82.
الأنبياء (21): (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ). 94.
الحج (22): (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ). 14.
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ). 23 ـ 24 .
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا). 38.
وقال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). 50.
وقال تعالى: (وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 54.
وقال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). 56.
المؤمنون (23) : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ
ـ إلى قوله ـ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ

صفحه 18
فِيهَا خَالِدُونَ). 1 ـ 11 .
النور (24): (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ـ إلى قوله ـ : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 47 ـ 51 .
وقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ). 62 .
النمل (27): (هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). 2 ـ 3 .
القصص (28): (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ). 67.
العنكبوت (29): (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). 1 ـ 3.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). 7.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ـ إلى قوله ـ : وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ). 9 ـ 11.

صفحه 19
وقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). 24.
وقال سبحانه: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ). 46 ـ 47.
وقال عزَّ وجلَّ: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). 51 .
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا ـ إلى قوله ـ يَتَوَكَّلُونَ). 58 ـ 59 .
الروم (30): (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ). 15.
وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). 30 ـ 32.
وقال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ ـ إلى قوله ـ : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ). 43 ـ 45 .
وقال: (إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ). 53.
لقمان (31): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ

صفحه 20
فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). 8 ـ 9 .
السجدة (32): (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ). 15.
وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 18 ـ 19 .
الأحزاب (33): (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا). 47 .
سبأ (34): (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). 4.
فاطر (35): (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ). 7.
وقال سبحانه: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ). 19.
يس (36): (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا). 70.
المؤمن (غافر) (40): (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ). 7 ـ 9.
وقال تعالى: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ). 40.
وقال سبحانه: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ). 51 .
وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ). 58.
وقال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ

صفحه 21
فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ). 84 ـ 85 .
فصّلت (41): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون). 8.
الشورى (42): (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ). 13.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذَلِكَ الذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). 22 ـ 23 .
وقال سبحانه: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ). 26.
الزخرف (43): (اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ). 69 ـ 70 .
الجاثية (45): (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ). 30.
الأحقاف (46): (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 13 ـ 14.
محمّد (47): (اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ

صفحه 22
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ). 1 ـ 3.
وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). 11 ـ 12 .
الفتح (48): (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيًما). 5.
وقال تعالى: (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيًما). 26.
وقال سبحانه: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً). 29.
الحجرات (49): (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ نِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ). 7 ـ 8 .
الذاريات (51): (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). 55.
الحديد (57): (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَات بَيِّنَات لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ). 7 ـ 9.

صفحه 23
ـ إلى قوله ـ : (يَوْمَ تَرى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). 12.
إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ـ إلى قوله تعالى ـ : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). 19 ـ 21.
وقال عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 28 .
الحشر (59): (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ). 20.
الصف (61): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِينَ مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي

صفحه 24
إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ). 10 ـ 14.
المنافقون (63): (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ). 8 .
التغابن (64): (فَأَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ـ إلى قوله تعالى ـ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ). 8 ـ 11.
الطلاق (65): (... الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا). 10 ـ 11 .
التحريم (66): (يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ). 8.
الملك (67): (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 22.
القلم (68): (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). 35 ـ 36.
الجن (72): (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا). 13.

صفحه 25
المطففين (83): (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). 29 ـ 36.
الانشقاق (84): (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون).25.
البروج (85): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ). 11.
البلد (90): (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ). 17 ـ 18 .
التين (95): (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون). 6.
البينة (98): (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ). 7 ـ 8 .
العصر (103): (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). 1 ـ 3 .

التفسير :

(هُدًى): أي بيان من الضلالة (لِلْمُتَّقِينَ) الّذين يتّقون الموبقات ويتّقون

صفحه 26
تسليط السفه على أنفسهم، حتّى إذا علموا ما يجب عليهم عمله عملوا بما يوجب لهم رضى ربّهم، وسيأتي عن الصادق (عليه السلام): «المتّقون شيعتنا» وإنّما خصَّ المتّقين بالاهتداء به لأنّهم المنتفعون به.
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ): أي بما غاب عن حواسّهم من توحيد الله ونبوَّة الأنبياء، وقيام القائم (عليه السلام)، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنّة، والنار وسائر الأُمور الّتي يلزمهم الإيمان بها، ممّا لا يعرف بالمشاهدة، وإنّما يعرف بدلائل نصبها الله عزَّ وجلَّ عليه، (وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ)بإتمام ركوعها وسجودها وحفظ مواقيتها، وحدودها، وصيانتها ممّا يفسدها أو ينقصها، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)من الأموال والقوى والأبدان والجاه والعلم (يُنْفِقُونَ): أي يتصدَّقون، يحتملون الكَلَّ ويؤدُّون الحقوق لأهاليها، ويقرضون، ويقضون الحاجات، ويأخذون بأيدي الضعفاء، يقودون الضرير، وينجون الضعفاء من المهالك، ويحملون عنهم المتاع، ويركبون الراجلين، ويؤثرون من هو أفضل منهم في الإيمان على أنفسهم بالمال والنفس، ويساوون من كان في درجتهم فيه، ويبذلون العلم لأهله، ويروون فضائل أهل البيت(عليهم السلام)لمحبّيهم، ولمن يرجون هدايته، أكثر ما تقدَّم مأخوذ من تفسير الإمام (عليه السلام).1
وفي «معاني الأخبار»، والعيّاشيِّ عن الصادق (عليه السلام): «أي ممّا علّمناهم يبثُّون».2
(بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ): أي من القرآن والشريعة (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)من التوراة، والإنجيل، والزَّبور، وصحف إبراهيم، وسائر كتب الله المنزلة، بأنّها حقٌّ وصدق من عند ربّ صادق حكيم كما قال الإمام (عليه السلام).3

1 . يعني التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 62 ; التفسير الصافي: 1 / 92 .
2 . تفسير العيّاشي: 1 / 26. وفيه «ينبئون» ; معاني الأخبار: 23.
3 . يعني الإمام العسكري في التفسير المنسوب إليه (عليه السلام): 89 .

صفحه 27
(وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) قال (عليه السلام)بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا يوقنون لا يشكّون فيها أنّها الدار الّتي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل ممّا عملوا، وعقاب الأعمال السيّئة بمثل ما كسبوه.1
(أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)قال (عليه السلام): أخبر عزَّ جلاله بأنّ هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات (عَلَى هُدًى): أي بيان وصواب (مِنْ رَبِّهِمْ) وعلم بما أمرهم به (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي الناجون ممّا منه يوجلون، الفائزون بما يأملون.2
وقال (عليه السلام)في قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ): «بالله وصدَّقوك في نبوَّتك، فاتّخذوك إماماً وصدَّقوك في أقوالك، وصوَّبوك في أفعالك، واتّخذوا أخاك عليّاً بعدك إماماً، ولك وصيّاً مرضيّاً، وانقادوا لما يأمرهم به، وصاروا إلى ما أصارهم إليه، ورأوا له ما يرون لك إلاَّ النبوَّة الّتي أُفردت بها. وأنَّ الجنة لا تصير لهم إلاّ بموالاته وموالاة من ينصُّ لهم عليه من ذرِّيته وموالاة سائر أهل ولايته، ومعاداة أهل مخالفته وعداوته، وأنَّ النيران لا تهدأ عنهم ولا يعدل بهم عن عذابها إلاّ بتنكّبهم عن موالاة مخالفيهم ومؤازرة شانئيهم».3
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)من أداء الفرائض، واجتناب المحارم، ولم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك (أَنَّ لَهُمْ جَنَّات) بساتين (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)من تحت شجرها ومساكنها ـ إلى آخر ما مرَّ في أبواب المعاد ـ .4
وقال (عليه السلام): «قال الله عزَّ وجلَّ لليهود: (وَآمِنُوا)أيّها اليهود (بِمَا أَنْزَلْتُ) على

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 88 .
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 90 .
3 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 202 .
4 . راجع بحار الأنوار : 8 / 71 وما بعدها.

صفحه 28
محمّد [ نبيي ] من ذكر نبوَّته وأنباء إمامة أخيه عليّ وعترته الطاهرين (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ)فإنَّ مثل هذا الذكر في كتابكم: أنَّ محمّداً النبيَّ سيّد الأوَّلين والآخرين المؤيّد بسيّد الوصيّين، وخليفة رسول ربِّ العالمين، فاروق الأُمّة، وباب مدينة الحكمة، ووصيُّ رسول الرحمة، (وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي)المنزلة لبنوَّة محمّد وإمامة عليّ والطيّبين من عترته (ثَمَنًا قَلِيلاً)فإنَّ ذلك وإن كثر فإلى نفاد وخسار وبوار (وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ) في كتمان أمر محمّد وأمر وصيّه.1
وقيل في قوله تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ) تعريض بأنَّ الواجب أن تكونوا أوَّل من آمن به، لأنّهم كانوا أهل النظر في معجزاته، والعلم بشأنه والمستفتحين به، والمبشّرين بزمانه.2
قوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)استدلّوا بالعطف على عدم دخول الأعمال في الإيمان وهو كذلك، لكنّه لا ينفي الاشتراط، بل استدلَّ في بعض الأخبار بالمقارنة عليه.
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ) يدلُّ على اشتراط أجزاء الإيمان بعضها ببعض، وفسّر الخزي في الحياة الدنيا بذلِّ الجزية، (إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) قيل: أي إلى جنس أشدِّ العذاب، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم. والآية في اليهود وكذا قوله:
(قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ)قيل: أي بموسى والتوراة أن تكفروا بي (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ـ كما تزعمون ـ بموسى والتوراة، ولكن ـ معاذ الله ـ لا يأمركم إيمانكم ـ بموسى والتوراة ـ بالكفر بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).3

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 228 .
2 . تفسير البيضاوي: 1 / 311.
3 . تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 425.

صفحه 29
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ)بأن يخالفه عناداً لإنعامه على المقرَّبين من عباده (وَمَلاَئِكَتِهِ)المبعوثين لنصرتهم (وَرُسُلِهِ)المخبرين عن فضلهم، الدّاعين إلى متابعتهم (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)تخصيص بعد التعميم للاهتمام (فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) يدلُّ على وجوب الإيمان بالملائكة والرُّسل، وأنَّ عداوتهما كفر.
وفي تفسير الإمام (عليه السلام): «إنَّ الله ذمَّ اليهود في بغضهم لجبرئيل الّذي كان ينفذ قضاء الله فيهم فيما يكرهون، كدفعه عن بخت نصّر أن يقتله دانيال، من غير ذنب جناه بخت نصّر، حتّى بلغ كتاب الله في اليهود أجله، وحلَّ بهم ما جرى في سابق علمه، وذمّهم أيضاً وذمَّ النواصب في بغضهم لجبرئيل وميكائيل وملائكة الله النازلين لتأييد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)على الكافرين حتّى أذلّهم بسيفه الصارم»1.
وفي تفسير عليٍّ بن إبراهيم: أنّها نزلت في اليهود الّذين قالوا لرسول الله لو كان الملك الّذي يأتيك ميكائيل آمنّا بك، فإنّه ملك الرحمة، وهو صديقنا، وجبرئيل ملك العذاب وهو عدوّنا.2
(قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ)في الكافي والعيّاشي 3 عن الباقر (عليه السلام): «إنّما عنى بذلك عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وجرت بعدهم في الأئمّة(عليهم السلام)»، ثمَّ رجع القول من الله في الناس فقال: (فَإِنْ آمَنُوا)يعني الناس (بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) الآية. (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)يعني القرآن (وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ)يعني الصحف (وَالأَسْبَاطِ)حفدة يعقوب (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى): أي التوراة والإنجيل (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ)جملة المذكورون منهم وغير المذكورين (مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ)

1 . تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 448.
2 . تفسير القمي: 1 / 54 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 62 ; الكافي: 1 / 415 و 416 .

صفحه 30
كاليهود حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
و (أَحَد) لوقوعه في سياق النفي عمَّ، فساغ أن يضاف إليه (بَيْنَ)،(وَنَحْنُ لَهُ): أي لله (مُسْلِمُونَ)مذعنون مخلصون.
وفي الفقيه 1 في وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)لابنه: «فرض على اللّسان الإقرار والتعبير عن القلب بما عقد عليه فقال عزَّ وجلَّ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا). الآية.
(فَإِنْ آمَنُوا): أي سائر الناس (بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ): أي بما آمنتم به، والمثل مقحم في مثله (وَإِنْ تَوَلَّوْا): أي أعرضوا (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق): أي كفر ; كذا في المجمع 2 عن الصادق (عليه السلام)، وأصله المخالفة والمناواة فإنَّ كلَّ واحد من المتخالفين في شقِّ غير شقِّ الآخر (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ)تسلية وتسكين للمؤمنين (وَهُوَ السَّمِيعُ)لأقوالكم (الْعَلِيمُ) بأخلاقكم.
(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ)في المجمع عن الصادق (عليه السلام)هو الشيطان .3
أقول: ويستفاد من كثير من الأخبار أنّه يعمُّ كلَّ ما عُبد من دون الله من صنم، أو إمام ضلال، أو صادّ عن دين الله، وهو فعلوت من الطغيان.
(وَيُؤْمِنْ بِاللهِ)بالتوحيد وتصديق الرُّسل (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): أي طلب الإمساك من نفسه بالحبل الوثيق، وهي مستعارة لمتمسّك الحقِّ من النظر الصحيح والدين القويم.4

1 . من لا يحضره الفقيه: 2 / 627 .
2 . مجمع البيان: 1 / 407 .
3 . مجمع البيان: 2 / 163.
4 . التفسير الصافي: 1 / 284 .

صفحه 31
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «هي الإيمان بالله وحده لا شريك له».1
وعن الباقر (عليه السلام): «هي مودَّتنا أهل البيت».2
(لاَ انْفِصَامَ لَهَا)لا انقطاع لها.
وفي «معاني الأخبار» عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أحبَّ أن يستمسك بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها، فليستمسك بولاية أخي ووصيّي عليِّ بن أبي طالب، فإنّه لا يهلك مَن أحبّه وتولاَّه، ولا ينجو مَن أبغضه وعاداه».3
(وَاللهُ سَمِيعٌ)بالأقوال (عَلِيمُ)بالنيّات.
(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)متولّي أُمورهم (يُخْرِجُهُمْ)بهدايته وتوفيقه
(مِنَ الظُّلُمَاتِ): أي ظلمات الجهل والذنوب (إِلَى النُّورِ): أي نور الهدى والمغفرة، وسيأتي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «المؤمن يتقلّب في خمسة من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومنظره يوم القيامة إلى النور».4
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)في «الكافي» عن الباقر (عليه السلام): «أولياؤهم الطواغيت».5
(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)قيل من نور الفطرة إلى فساد

1 . الكافي: 2 / 14 ح 1 .
2 . نور الثقلين: 1 / 263 برقم 1054.
3 . معاني الأخبار: 368 ح 1.
4 . الخصال: 277 ح 20.
5 . الكافي: 8 / 289 ح 436 .

صفحه 32
الاستعداد. وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «النور آل محمّد، والظلمات عدوُّهم».1
وفي «الكافي» و «العيّاشي» عن أبي عبد الله (عليه السلام): (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)يعني ظلمات الكفر إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من الله عزَّ وجلَّ، وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلمّا أن تولّوا كلَّ إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب الله لهم النار مع الكفّار.
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) العيّاشي عن الصادق (عليه السلام): «فأعداء عليّ هم الخالدون في النار، وإن كانوا في أديانهم على غاية الورع والزهد والعبادة».2
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)قيل: أي بالله ورسله وبما جاءهم منه (وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ)عطفهما على ما يعمّهما لإنافتهما على سائر الأعمال الصالحة (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)من آت (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) على فائت.
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي بقلوبكم، فإنَّ دليله امتثال ما أُمرتم، أقول: تشعر بأنَّ من يأتي بالذنوب الموبقة ليس بمؤمن.
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)قال البيضاويّ : شهادة وتنصيص من الله

1 . تفسير العيّاشي: 1 / 139 ح 461 .
2 . تفسير العيّاشي: 1 / 139 ح 462.

صفحه 33
على صحّة إيمانه والاعتداد به، وأنّه جازم في أمره غير شاكّ فيه .
(وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)لا يخلو من أن يعطف (الْمُؤْمِنُونَ) على (الرَّسُولُ)فيكون الضمير الّذي ينوب عنه التنوين راجعاً إلى (الرَّسُولُ)والمؤمنين، أو يجعل مبتدأً فيكون الضمير للمؤمنين، وباعتباره يصحُّ وقوع كلّ بخبره خبر المبتدأ ويكون إفراد الرسول بالحكم إمّا لتعظيمه، أو لأنَّ إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال.
(لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ): أي يقولون: لا نفرِّق، و (أَحَد)في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي، ولذلك دخل عليه (بَيْنَ)والمراد نفي الفرق بالتصديق والتكذيب، (وَقَالُوا سَمِعْنَا)أجبنا (وَأَطَعْنَا)أمرك (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا): أي اغفر لنا غفرانك، أو نطلب غفرانك (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ): أي المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث. انتهى.1
(إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي في إنبائكم بما تأكلون وما تدَّخرون في بيوتكم (لآيَةً)ومعجزة (لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي مصدِّقين غير معاندين.
(فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ)الإيفاء والتوفية: إعطاء الحقِّ وافياً كاملاً.
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ): أي أخصّهم به وأقربهم منه، من (الوِلى) وهو القرب (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)من أُمّته (وَهَذَا النَّبِيُّ) خصوصاً (وَالَّذِينَ آمَنُوا)من أُمّته لموافقتهم له في أكثر ما شرّع لهم على الأصالة.
في «الكافي» و «العيّاشي»: «هم الأئمّة ومن اتّبعهم».2
وفي «المجمع»: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ أولى الناس بالأنبياء أعملهم

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 585 ـ 586 .
2 . الكافي: 1 / 416 ح 20 ; تفسير العيّاشي: 1 / 177 ح 62 .

صفحه 34
بما جاءُوا به ـ ثمَّ تلا هذه الآية وقال: ـ إنَّ وليَّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)مَن أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنَّ عدوّ محمّد مَن عصى الله، وإن قربت قرابته».1
(وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ): أي يتولّى نصرتهم. (قُلْ آمَنَّا)أمر للرسول بأن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإيمان (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): أي منقادون مخلصون في عبادته.
(وَاللهُ ذُو فَضْل عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يتفضّل عليهم بالعفو وغيره في الأحوال كلّها.(2)
(فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ)مخلصين (وَإِنْ تُؤْمِنُوا)حقَّ الإيمان (وَتَتَّقُوا)النفاق (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) لا يقادر قدره.2
(لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً)كما فعله المحرِّفون من أحبارهم (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ)ويؤتون أجرهم مرَّتين كما وعدوا في آية أُخرى (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) لعلمه بالأعمال وما يستوجبه كلُّ عامل من الجزاء فيسرع في الجزاء ويوصل الأجر الموعود سريعاً.
(أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ): أي من الدماء، ودرن الدُّنيا وأنجاسها، وقيل من الأخلاق السيّئة (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاً ظَلِيلاً): أي دائماً لا تنسخه الشمس، مشتقّ من الظلّ لتأكيده، كما قيل: ليل أليل.
(وَعْدَ اللهِ)قال الطبرسيّ (رحمه الله): أي وعد الله ذلك وعداً (حَقًّا)مصدر مؤكّدٌ لما قبله، كأنّه قال: أُحقّه حقّاً (وَمَنْ أَصْدَقُ)استفهام فيه معنى النفي، أي لا أجد أصدق من الله قولاً فيما أخبر، ووعداً فيما وعد.3

1 . مجمع البيان: 2 / 318 .   2 . تفسير البيضاوي: 2 / 103 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 120 ـ 121 .
3 . مجمع البيان: 3 / 196 .

صفحه 35
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ): أي آمَنوا بألسنتهم وظاهرهم آمِنوا بقلوبكم وباطنكم ليوافق ظاهركم باطنكم، فالخطاب للمنافقين. وقيل: الخطاب للمؤمنين على الحقيقة، والمعنى أثبتوا على هذا الإيمان في المستقبل، وداوموا عليه. واختاره الجبّائيُّ، قال: لأنَّ الإيمان الّذي هو التصديق لا يبقى وإنّما يستمرُّ بأن يجدِّده الإنسان حالاً بعد حال.
وقيل: الخطاب لأهل الكتاب، أُمروا بأن يؤمنوا بالنبيِّ، والكتاب الّذي أُنزل عليه، كما آمنوا بما معهم من التوراة والإنجيل، ويكون وجه أمرهم بالتصديق بهما ـ وإن كانوا مصدِّقين بهما ـ أحد أمرين:
إمّا أن يكون لأنَّ التوراة والإنجيل فيهما صفات نبيّنا وتصحيح نبوَّته فمن لم يصدِّقه ولم يصدِّق القرآن، لا يكن مصدِّقاً بهما، لأنَّ في تكذيبه تكذيب التوراة والإنجيل.
وإمّا أن يكون الله عزَّوجلَّ أمرهم بالإقرار بمحمّد والقرآن، وبالكتاب الّذي أُنزل من قبله، وهو الإنجيل، وذلك لا يصحُّ إلاّ بالإقرار بعيسى (عليه السلام)أيضاً وأنّه نبيُّ مرسل.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ): أي يجحده أو يشبّهه بخلقه أو يردُّ أمره ونهيه (وَمَلاَئِكَتِهِ): أي ينفيهم أو ينزِّلهم منزلة لا تليق بهم، كما قالوا: إنّهم بنات الله (وَكُتُبِهِ)فيجحدها (وَرُسُلِهِ)فينكرهم (وَالْيَوْمِ الآخِرِ): أي يوم القيامة (فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا): أي ذهب عن الحقِّ وقصد السبيل ذهاباً بعيداً.1
(وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ)بأن آمنوا بجميعهم (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ)
أي يعطيهم (أُجُورَهُمْ)الموعودة لهم، سمّي الثواب أجراً للدلالة على

1 . مجمع البيان: 3 / 215 .

صفحه 36
استحقاقهم لها، والتصدير بسوف للدلالة على أنّه كائن لا محالة وإن تأخّر (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا)لم يزل يغفر ما فرط منهم من المعاصي (رَحِيًما) يتفضّل بأنواع الأنعام.1
(وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ): أي على ما كان وعدهم به من الجزاء (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا): أي أنفوا عن الإقرار بوحدانيّته (وَاسْتَكْبَرُوا): أي تعظّموا عن الإقرار له بالطاعة والعبوديّة (وَلِيًّا)ينجيهم من عذابه (وَلاَ نَصِيرًا): أي ناصراً ينقذهم من عقابه .2
(وَاعْتَصَمُوا بِهِ): أي بحبل طاعته أو طاعة أنبيائه وحججه، أو بدينه كما قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا).
(فِي رَحْمَة مِنْهُ): أي ثواب مستحقّ أو نعمة منه وهي الجنّة; عن ابن عباس (وَفَضْل): أي إحسان زائد عليه. وقيل: أي ما يبسط لهم من الكرامة، وتضعيف الحسنات، وما يزاد لهم من النعم على ما يستحقّونه (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيًما) .3
قال الطبرسيّ (رحمه الله): صراطاً مفعول ثان ليهديهم فإنّه على معنى يعرِّفهم، أو حال من الهاء في (إِلَيْهِ): أي يوفّقهم لإصابة فضله الّذي يتفضّل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليهم من أهل طاعته، واقتفاء آثارهم.4

1 . التفسير الصافي: 1 / 516.
2 . مجمع البيان: 3 / 251.
3 . مجمع البيان: 3 / 252.
4 . مجمع البيان: 3 / 407 .

صفحه 37
وأقول: في تفسير عليِّ بن إبراهيم: الصراط المستقيم عليٌّ (عليه السلام).1
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ): أي لذنوبهم (وَأَجْرٌ): أي ثواب (عَظِيمٌ) قال الطبرسيّ (رحمه الله)الفرق بين الثواب والأجر أنَّ الثواب يكون جزاءً على الطاعات، والأجر قد يكون على سبيل المعاوضة، بمعنى الأجرة.2
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ) قال: يعني اليهود والنصارى (آمَنُوا)بمحمّد (وَاتَّقَوْا)الكفر والفواحش (لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي سترناها عليهم، وغفرناها لهم. (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ): أي عملوا بما فيهما على ما فيهما، دون أن يحرِّفوا شيئاً منهما، أو عملوا بما فيهما بأن أقاموهما نصب أعينهم (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ): أي القرآن، وقيل: كلُّ ما دلَّ الله عليه من أُمور الدين (لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ)بإرسال السماء عليهم مدراراً (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)بإعطاء الأرض خيرها، وقيل: لأكلوا ثمار النخيل والأشجار من فوقهم والزروع من تحت أرجلهم.
والمعنى: لتركوا في بلادهم، ولم يجلوا عن بلادهم، ولم يقتلوا، فكانوا يتمتّعون بأموالهم، وما رزقهم الله من النعم، وإنّما خصَّ سبحانه الأكل، لأنَّ ذلك أعظم الانتفاع. وقيل: كناية عن التوسعة كما يقال: فلان في الخير من قرنه إلى قدمه، أي يأتيه الخير من كلِّ جهة يلتمسه منها.3
أقول: وفي تفسير عليِّ بن إبراهيم: (مِنْ فَوْقِهِمْ)المطر (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) النبات.4

1 . تفسير القمي: 1 / 28.
2 . مجمع البيان: 3 / 292.
3 . مجمع البيان: 3 / 379 ـ 380 .
4 . تفسير القمي: 1 / 171 .

صفحه 38
وأقول: قال بعض أهل التحقيق: (مِنْ فَوْقِهِمْ)الإفاضات والإلهامات الربّانيّة (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)ما يكتسبونه بالفكر والنظر، ومطالعة الكتب، فهو محمول على الرِّزق الروحانيِّ.
(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ)قد دخلوا في الإسلام (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)وفيه معنى التعجّب، أي ما أسوأ عملهم، وهم الّذين أقاموا على الجحود والكفر.1
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا): أي بالله وبما فرض عليهم الإيمان به (وَالَّذِينَ هَادُوا): أي اليهود (وَالصَّابِئُونَ)قال عليُّ بن إبراهيم: إنّهم ليسوا من أهل الكتاب ولكنّهم يعبدون الكواكب والنجوم [ والنصارى ]: 2 (مَنْ آمَنَ)منهم أي نزع عن كفره (فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)في الآخرة حين يخاف الفاسقون (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) إذا حزن المخالفون.
أقول: قد ورد مثل هذه الآية في [ سورة ] البقرة.3
(فَمَنْ آمَنَ): أي صدَّق الرسل (وَأَصْلَحَ): أي عمل صالحاً في الدنيا (فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)من العذاب (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) بفوت الثواب.(4)
(يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي بالقرآن (وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ) فإنَّ من صدَّق بالآخرة، خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبّر، حتّى يؤمن به، ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة لأنّها عماد الدين، وعلم الإيمان.
(إِنَّ فِي ذَلِكُمْ): أي في إنزال الماء من السماء، وإخراج النباتات والأشجار والثمار (لآيَات)على وجود صانع عليم حكيم قدير: يقدِّره ويدبّره وينقله من

1 . التفسير الصافي: 2 / 51 .
2 . تفسير القمي: 1 / 48.
3 . البقرة: 62.   4 . التفسير الصافي: 2 / 121 .

صفحه 39
حال إلى حال (لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) فإنّهم المنتفعون.1
(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا)قيل: أي كافراً (فَأَحْيَيْنَاهُ)بأن هديناه إلى الإيمان وإنّما سمّي الكافر ميتاً، لأنّه لا ينتفع بحياته، ولا ينفع غيره بحياته، فهو أسوأ حالاً من الميّت، وسمّي المؤمن حيّاً، لأنّه له ولغيره المصلحة والمنفعة.
وقيل: نطفة فأحييناه (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)قيل: المراد بالنور العلم والحكمة لأنَّ العلم يُهتدى به إلى الرشاد، كما يُهتدى بالنور في الطرقات أو القرآن والإيمان (كَمَنْ مَثَلُهُ)مثل من هو (فِي الظُّلُمَاتِ): أي في ظلمة الكفر.
وسمّي القرآن والإيمان والعلم نوراً; لأنَّ الناس يبصرون بذلك، ويهتدون به من ظلمات الكفر وحيرة الضلالة، كما يُهتدى بسائر الأنوار، وسمّي الكفر ظلمة، لأنَّ الكافر لا يهتدي بهداه، ولا يبصر أمر رشده، كما سمّي أعمى (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال الحسن: زيّنه والله لهم الشيطان وأنفسهم.(2)
وفي «الكافي» عن الباقر (عليه السلام): «(مَيْتًا)لا يعرف شيئاً و (نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)إماماً يأتمُّ به (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)الّذي لا يعرف الإمام».2
وفي العيّاشي عنه (عليه السلام): «الميت الّذي لا يعرف هذا الشأن، يعني هذا الأمر (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا)إماماً يأتمُّ به يعني عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)» (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)قال بيده هكذا: «هذا الخلق الّذين لا يعرفون شيئاً».3
وفي «المناقب» عن الصادق (عليه السلام): «(كَانَ مَيْتًا)عنّا (فَأَحْيَيْنَاهُ)بنا».4

1 . التفسير الصافي: 2 / 144.   2 . مجمع البيان: 4 / 151 ـ 152.
2 . الكافي: 1 / 185 ح 13، باب معرفة الإمام.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 376 ح 90 .
4 . مناقب ابن شهر آشوب: 3 / 62 .

صفحه 40
وقال عليٌّ بن إبراهيم: جاهلاً عن الحقّ والولاية فهديناه إلينا، قال: النور الولاية (فِي الظُّلُمَاتِ) يعني ولاية غير الأئمة(عليهم السلام).1
وفي «المجمع» عن الباقر (عليه السلام) أنّها نزلت في عمّار بن ياسر وأبي جهل.2
(وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ)قيل: يعني طريقه وعادته في التوفيق والخذلان، وقيل: الإسلام أو القرآن (مُسْتَقِيماً)لا اعوجاج فيه، والنصب على الحال (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ): أي بيّنّاها وميّزناها (لِقَوْم يَذَّكَّرُونَ) فيعلمون أنَّ القادر هو الله، وأنَّ كلَّ ما يحدث من خير أو شرّ فهو بقضائه، وأنّه عليم بأحوال العباد، حكيم عدل فيما يفعل بهم.
(لَهُمْ)للذين تذكّروا وعرفوا الحقَّ (دَارُ السَّلاَمِ): أي دار الله أو دار السلامة من كلِّ آفة.
وقال عليُّ بن إبراهيم: يعني في الجنّة، والسلام: الأمان والعافية والسرور.3
(عِنْدَ رَبِّهِمْ): أي في ضمانه يوصلهم إليها لا محالة (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ)قيل: أي مولاهم ومحبّهم. وقال عليُّ بن إبراهيم: أي أولى بهم (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي بسبب أعمالهم.4
(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي): أي ولأنَّ، تعليلٌ للأمر باتّباعه، وقيل: الإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنّها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوَّة، وبيان الشريعة، وقرئ

1 . تفسير القمّي: 1 / 215 ـ 216.
2 . مجمع البيان: 4 / 151.
3 . تفسير القمي: 1 / 216 .
4 . تفسير القمي: 1 / 216.

صفحه 41
(إنَّ) بالكسر على الاستئناف (وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ): أي الأديان المختلفة المتشعّبة عن الأهوية المتباينة، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ): أي فتفرَّقكم وتزيلكم (عَنْ سَبِيلِهِ)الّذي هو اتّباع الوحي واقتفاء البرهان (ذَلِكُمْ)الاتّباع (وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الضلال والتفرُّق عن الحقِّ.
وفي «روضة الواعظين» عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الآية: «سألت الله أن يجعلها لعليّ ففعل».1
(هَلْ يَنْظُرُونَ)إنكار بمعنى ما ينتظرون؟ (إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ): أي ملائكة الموت أو العذاب (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ): أي أمره بالعذاب (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في معنى هذه الآية: إنّما خاطب نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم): هل ينتظر المنافقون أو المشركون (إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)فيعاينوهم (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني بذلك أمر ربّك، والآيات هي العذاب في دار ـ الدنيا كما عذَّب الأُمم السالفة والقرون الخالية .2
(يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ...)كأنَّ المعنى أنّه لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدِّمة إيمانها أو مقدِّمة غير كاسبة في إيمانها خيراً، والآية تدلُّ على أنَّ الإيمان لا ينفع ولا يقبل عند معاينة أحوال الآخرة، ومشاهدة العذاب كإيمان فرعون، وقد مرَّ تفسير الآية بتمامها في كتاب المعاد.3
وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام): نزلت (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا

1 . روضة الواعظين: 106.
2 . الاحتجاج: 1 / 372.
3 . راجع بحار الأنوار : 6 / 297، الباب الأوّل من أبواب المعاد.

صفحه 42
خَيْرًا)قال: «إذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلّهم في ذلك اليوم، فيومئذ (لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)».1
وفي «الكافي» و «العيّاشي» عن الباقر والصادق (عليهما السلام)في قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) قال: «طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدجال، و [ ظهور ] الدخان، والرجل يكون مصرّاً ولم يعمل عمل الإيمان ثم تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه».2
وعن أحدهما (عليهما السلام)في قوله: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)قال: «المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلّة حسناته فلم يكسب في إيمانه خيراً».3
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)(مِنْ قَبْلُ)يعني في الميثاق (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)قال: «الإقرار بالأنبياء والأوصياء وأمير المؤمنين (عليهم السلام)خاصّة» قال: (لا ينفع إيمانها) لأنّها سلبت.4
وفي «الإكمال» عنه (عليه السلام)في هذه الآية: «يعني خروج القائم المنتظر».5
وعنه (عليه السلام)قال: «الآيات هم الأئمّة(عليهم السلام)، والآية المنتظرة القائم (عليه السلام)فيومئذ (لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا).6

1 . تفسير القمي: 1 / 221 ـ 222.
2 . تفسير العيّاشي: 1 / 384 ح 128.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 385 ح 130 .
4 . الكافي: 1 / 428 ح 81 .
5 . إكمال الدين: 357 .
6 . إكمال الدين: 18 .

صفحه 43
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّها خروج دابّة الأرض من عند الصفا معها خاتم سليمان وعصا موسى، وطلوع الشمس من مغربها.1
(قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) وعيد وتهديد، أي انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنّا منتظرون له، وحينئذ لنا الفوز، ولكم الويل.
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي): أي بالوحي والإرشاد و (دِينًا): أي هداني ديناً (قِيَمًا)فيعل من قام كالسيّد والهيّن (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)هداني وعرفني ملّة إبراهيم في حال حنيفيّته.
وفي العيّاشي عن الباقر (عليه السلام): «ما أبقت الحنيفيّة شيئاً حتّى أنَّ منها قصُّ الأظفار، والأخذ من الشارب، والختان».2
وعنه (عليه السلام): «ما من أحد من هذه الأُمّة يدين بدين إبراهيم (عليه السلام)غيرنا وغير شيعتنا».3
(مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ): أي من القرآن والوحي، (مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ): أي شياطين الجنِّ والإنس، فيحملوكم على الأهواء والبدع، ويضلّوكم عن دين الله وعمّا أمرتم باتّباعه (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ): أي تذكّراً قليلاً تتذكّرون.4
(لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) اعتراض بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم، بما يسعه طاقتهم، ويسهل عليهم.5

1 . إكمال الدين: 527 في حديث الدجال.
2 . تفسير العيّاشي: 1 / 388 ح 143.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 388 ح 144.
4 . جوامع الجامع: 1 / 640; التفسير الصافي: 2 / 180 .
5 . تفسير البيضاوي: 2 / 179 .

صفحه 44
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء): أي في الدُّنيا، فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص، وهو متقلّب في نعمتي. أو في الدُّنيا والآخرة، إلاّ أنّ قوماً لم يدخلوها لضلالهم (فَسَأَكْتُبُهَا): أي فسأُثبتها وأُوجبها في الآخرة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)الشرك والمعاصي .1
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ)يستفاد من بعض الآيات تأويل الطيّبات بأخذ العلم من أهله. و (الْخَبَائِثَ)بقول من خالف وهو بطن من بطون الآية، وقد مرَّ تفسيرها في أبواب الأطعمة (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ): أي يخفّف عنهم ما كلّفوا به من التكاليف الشاقّة.
وأصل الإصر: الثقل، وكذا الأغلال (وَعَزَّرُوهُ): أي عظّموه بالتقوية والذبِّ عنه، وأصل التعزير: المنع، وأمّا (النُّورَ)فقيل: هو القرآن وفي كثير من الأخبار أنّه عليٌّ (عليه السلام).
(وَهَاجَرُوا)أي فارقوا أوطانهم وقومهم حبّاً لله ولرسوله، وهم المهاجرون من مكّة إلى المدينة، (وَالَّذِينَ آوَوْا): أي آووهم إلى ديارهم (وَنَصَرُوا)هم على أعدائهم وهم الأنصار، (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)لأنّهم حقّقوا إيمانهم بالهجرة والنصرة، والإنسلاخ من الأهل والمال والنفس، لأجل الدين (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) لاتبعة له ولا منّة فيه.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ)يريد اللاّحقين بعد السابقين، (فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ): أي من جملتكم أيّها المهاجرون والأنصار، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم، وإن تأخّر إيمانهم وهجرتهم.2

1 . التفسير الصافي: 2 / 242.
2 . التفسير الصافي: 2 / 316.

صفحه 45
(أَعْظَمُ دَرَجَةً): أي ممّن لم يستجمع هذه الصفات (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ): أي المختصّون بالفوز ونيل الحسنى عند الله.1
(وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً): أي يطيب فيها العيش (فِي جَنَّاتِ عَدْن) أي إقامة وخلود، وقد مضت الأخبار في ذلك من باب وصف الجنّة (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)يعني وشيء من رضوانه أكبر من ذلك كلّه. لأنَّ رضاه سبب كلّ سعادة، وموجب كلِّ فوز، وبه ينال كرامته الّتي هي أكبر أصناف الثواب (ذَلِكَ)الرضوان (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الّذي يستحقر دونه كلُّ لذَّة وبهجة.2
(أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ): أي سابقة وفضلاً، سمّيت قدماً لأنَّ السبق بها كما سمّيت النعمة يداً لأنّها باليد تعطى، وإضافتها إلى الصدق لتحقّقها والتنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول والنيّة.3
وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام)أنَّ معنى قدم صدق شفاعة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).4
وفي «الكافي» و «العيّاشي»: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيهما: بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)وهذا لأنَّ الولاية من شروط الشفاعة وهما متلازمتان.5
(بِإِيمَانِهِمْ): أي بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق المؤدِّي إلى الجنّة (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) لأنَّ التمسّك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو يهديهم في الآخرة إليها.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) بالنصرة في الدنيا والجنّة في العقبى.

1 . التفسير الصافي: 2 / 328.
2 . التفسير الأصفى: 1 / 479.
3 . التفسير الأصفى: 1 / 484.
4 . مجمع البيان: 5 / 153.
5 . الكافي: 8 / 364 ح 554 وج1 / 422 ح 50 ; تفسير العيّاشي: 2 / 119 ح 5 .

صفحه 46
(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ)قال الطبرسيّ (رحمه الله): فيه إضمار أي قيل له: الآن آمنت حين لم ينفع الإيمان، ولم يقبل، لأنّه حال الإلجاء، وقد عصيت بترك الإيمان في حال ما ينفعك الإيمان، فهلاّ آمنت قبل ذلك، وإيمان الإلجاء لا يستحقُّ به الثواب فلا ينفع.1 انتهى.
وذكر الرازي لعدم قبول توبة فرعون وجوهاً، منها: أنّه إنّما آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، لأنّه عند نزول العذاب وقت الإلجاء، وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة.
(كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا): أي مثل ذلك الإنجاء (نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)منكم حين نهلك المشركين (حَقًّا عَلَيْنَا)اعتراض يعني حقُّ ذلك علينا حقّاً.(2) وفي «المجمع» و «العيّاشي» عن الصادق (عليه السلام): «ما يمنعكم أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الأمر أنّه من أهل الجنّة، إنَّ الله تعالى يقول: (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ).2
(وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ)فإنّه هو الحقيق بأن يخاف ويرجى ويعبد، وإنّما خصَّ التوفّي بالذكر للتهديد. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)المصدّقين بالتوحيد، فهذا ديني.3
(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ)عطف على (أَنْ أَكُونَ)غير أنَّ صلة (أن) محكيّة بصيغة الأمر، والمعنى أُمرت بالاستقامة والسداد في الدِّين، بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح .4

1 . مجمع البيان: 5 / 223.   2 . تفسير الرازي: 17 / 154 .
2 . مجمع البيان: 5 / 236 ; تفسير العيّاشي: 2 / 138 ح 51.
3 . التفسير الصافي: 2 / 428 .
4 . التفسير الصافي: 2 / 428 ; تفسير البيضاوي: 3 / 217 .

صفحه 47
(وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ)أي اطمأنّوا إليه وخشعوا له. (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ): أي الكافر والمؤمن (كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ): أي كالأعمى وكالأصمِّ، أو كالأعمى الأصمّ، (وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ): أي كالبصير وكالسميع أو كالبصير السميع، وذلك لتعامي الكافر عن آيات الله، وتصامّه عن استماع كلام الله، وتأبّيه عن تدبّر معانيه (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) بضرب الأمثال والتأمّل فيها.1
(هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)قال عليّ بن إبراهيم: يعني الكافر والمؤمن (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) قال: الكفر والإيمان .2
(كَلِمَةً طَيِّبَةً)قيل: أي قولاً حقّاً ودعاءً إلى صلاح (كَشَجَرَة طَيِّبَة)يطيب ثمرها كالنخلة. وفي «المجمع» عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)«أنَّ هذه الشجرة الطيّبة النخلة»3(أَصْلُهَا ثَابِتٌ)في الأرض ضاربة بعروقها فيها (تُؤْتِي أُكُلَهَا): أي تعطي ثمرها (كُلَّ حِين): أي كلّ وقت وقّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا): أي بإرادة خالقها (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)لأنّ في ضرب الأمثال تذكيراً وتصويراً للمعاني بالمحسوسات لتقريبها من الأفهام.
وفي العيّاشي: عن الصادق (عليه السلام): «هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيّه ولمن عاداهم».4
وفي «الكافي» عنه (عليه السلام)أنّه سئل عن الشجرة في هذه الآية؟ فقال: «رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أصلها، وأمير المؤمنين(عليه السلام)فرعها، والأئمة من ذرِّيتهما أغصانها، وعلم الأئمة ثمرها، وشيعتهم المؤمنون ورقها».

1 . التفسير الصافي: 2 / 440.
2 . تفسير القمّي: 1 / 362.
3 . مجمع البيان: 6 / 74 .
4 . تفسير العيّاشي: 2 / 225 ح 15.

صفحه 48
قال: «والله إنَّ المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، وإنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها».1
وفي الإكمال: «الحسن والحسين ثمرها، والتسعة من ولد الحسين أغصانها» 2.
وفي «معاني الأخبار»: «وغصن الشجرة فاطمة وثمرها أولادها، وورقها شعيتنا».3
وزاد في الإكمال:« (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين)ما يخرج من علم الإمام إليكم في كلّ سنة من كلّ فجّ عميق».4
(وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة)قيل: أي قول باطل ودعاء إلى ضلال أو فساد (كَشَجَرَة خَبِيثَة)لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل (اجْتُثَّتْ): أي استؤصلت وأخذت جثته بالكلّية (مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ)لأنّ عروقها قريبة منه (مَا لَهَا مِنْ قَرَار): أي استقرار.
وفي «المجمع» عن الباقر (عليه السلام): «إنَّ هذا مثل بني أُميّة».5
وروى عليّ بن إبراهيم عنه (عليه السلام): كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أُميّة لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد، ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلاّ قليل منهم».6
(بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)قيل: أي الّذي ثبت بالحجّة والبرهان عندهم، وتمكّن في

1 . الكافي: 1 / 428 ح 80، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية.
2 . إكمال الدين: 345 ح 30 .
3 . معاني الأخبار: 400 ح 61.
4 . إكمال الدين: 345.
5 . مجمع البيان: 6 / 75 .
6 . تفسير القمي: 1 / 369.

صفحه 49
قلوبهم واطمأنّت إليه أنفسهم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)فلا يزلّون إذا افتتنوا في دينهم (وَفِي الاْخِرَةِ)فلا يتلعثمون 1إذا سئلوا عن معتقدهم (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ)الّذين ظلموا أنفسهم بالجحود والاقتصار على التقليد، فلا يهتدون إلى الحقّ، ولا يثبتون في مواقف الفتن.
وفي «التوحيد» عن الصادق (عليه السلام): «يعني يضلّهم يوم القيامة عن دار كرامته. (وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ) من تثبيت المؤمنين وخذلان الظالمين».2
ويظهر من كثير من الأخبار أنّ التثبيت في الدنيا عند الموت، وفي الآخرة في القبر، أو الآخرة تشمل الحالتين، وقد مضت الأخبار الكثيرة في تفسير الآيات المذكورة، في كتب الإمامة، والفتن، والمعاد، وقد أوردنا وجوهاً كثيرة فيها فلا نعيدها.
(حَنِيفًا)قال الراغب: الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف بالعكس.3
(أَجْرًا حَسَنًا)هو الجنّة (أَبَدًا) بلا انقطاع.
(إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)إلاّ إنتظار أن تأتيهم سنّة الأوّلين وهي الإهلاك والاستئصال (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ): أي عذاب الآخرة (قُبُلاً): أي عياناً.
(كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ)قال في «المجمع»4: أي كان في حكم الله وعلمه لهم بساتين الفردوس، وهو أطيب موضع في الجنّة، وأوسطها وأفضلها وأرفعها (نُزُلاً): أي منزلاً ومأوى، وقيل: ذات نزل، وقال الراغب: النزل ما يعدُّ

1 . تلعثم الرجل في الأمر إذا تمكّث فيه وتأنّى. صحاح الجوهري: 5 / 2030، مادة «لعثم».
2 . توحيد الصدوق: 241 ح 1.
3 . المفردات للراغب: 133، مادة «حنف» وفيه: والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال.
4 . مجمع البيان: 6 / 394 ـ 395 .

صفحه 50
للنازل من الزاد 1. (لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً): أي تحوُّلاً، إذ لا يجدون أطيب منها، حتّى تنازعهم إليه أنفسهم.
(وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا) قيل: أي لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب (شَيْئًا) على المصدر.
(سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) قيل: أي سيجعل لهم في القلوب مودَّة وقد مرَّ في أخبار كثيرة أنّها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام)حيث جعل الله له في قلوب المؤمنين وُدّاً وفرض مودَّته وولايته على الخلق .2
(قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ)أي في الدُّنيا (لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى)أي المنازل الرفيعة (جَنَّاتُ عَدْن)بدل من الدَّرجات (مَنْ تَزَكَّى): أي من تطهّر من أدناس الكفر والمعاصي.
(لِمَنْ تَابَ): أي من الشرك (وَآمَنَ)بما يجب الإيمان به، (ثُمَّ اهْتَدَى): أي إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)كما ورد في الأخبار الكثيرة.3
(وَهُوَ مُؤْمِنٌ): أي بالله ورسوله (فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ)أي لا تضييع له، استعير لمنع الثواب كما أستعير الشكر لإعطائه (وَإِنَّا لَهُ): أي لسعيه (كَاتِبُونَ): أي مثبتون في صحيفة عمله.
(يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ): أي من إثابة الموحّد الصالح، وعقاب المشرك، لا دافع له ولا مانع.
(مِنْ أَسَاوِرَ)جمع أسورة وهي جمع سوار (مِنْ ذَهَب)بيان له (وَلُؤْلُؤًا)عطف عليها لا على ذهب، (إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)قيل: هو قولهم: الحمد لله

1 . المفردات للراغب: 489، مادة «نزل».
2 . راجع: الكافي: 1 / 431 ح 89 ، باب نادر.
3 . راجع: الكافي: 1 / 182، باب معرفة الإمام.

صفحه 51
الّذي صدقنا وعده، أو كلمة التوحيد.
وقال عليّ بن إبراهيم: التوحيد والإخلاص 1. (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) قيل: أي المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنّة، أو الحقُّ أو المستحقُّ لذاته الحمد، وهو الله تعالى، وصراطه الإسلام .
وفي «المحاسن» عن الباقر (عليه السلام): «هو والله هذا الأمر الّذي أنتم عليه».2
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)في هذه الآية قال: «ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار، هُدوا إلى أمير المؤمنين».3
(إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا): أي غائلة المشركين.
(وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) قيل: الكريم من كلِّ نوع ما يجمع فضائله.
(إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) قال عليّ بن إبراهيم: إلى الإمام المستقيم .4
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)في «الكافي» عن الباقر (عليه السلام)قال: أتدري مَنْ هم؟ قيل: أنت أعلم، قال: «قد أفلح المؤمنون المسلمون، إنَّ المسلمين هم النجباء»5.
وروى عليّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)قال: لمّا خلق الله الجنّة قال لها: تكلّمي فقالت: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)الآية.6
وأقول: تدلُّ الآيات على اشتراط تأثير الإيمان في دخول الجنّة بالأعمال وإن أمكن تأويلها بما سيأتي، وكذا قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا)إلى آخر الآيات

1 . تفسير القمي: 2 / 83 .
2 . المحاسن: 1 / 169 ح 133.
3 . الكافي: 1 / 426 ح 71 .
4 . تفسير القمي: 2 / 86 .
5 . الكافي: 1 / 391 ح 5.
6 . تفسير القمي: 2 / 88 .

صفحه 52
تدلّ على بعض شرائط الإيمان، وأنّ مَن لم يتحاكم إلى الرسول ولم يرض بحكمه فليس بمؤمن.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)حمل على الكاملين في الإيمان (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ): أي من صميم قلوبهم (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع)كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأُمور (حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ): أي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ)أعاده مؤكّداً على أُسلوب أبلغ فإنّه يفيد أنّ المستأذن مؤمن لا محالة، وأنّ الذاهب بغير إذن ليس كذلك، تنبيهاً على كونه مصداقاً لصحّة الإيمان ومميّزاً للمخلص عن المنافق، وتعظيماً للجرم.1
(فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) قيل: عسى تحقيق على عادة الكرام أو ترجّ من التائب بمعنى فليتوقّع أن يفلح .2
(وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ): أي لا يختبرون. وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام)معنى يفتنون: يبتلون في أنفسهم وأموالهم.3
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال: «لابدّ من فتنة تبتلى بها الأُمّة، ليتعيّن الصادق من الكاذب، لأنّ الوحي قد انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة».4
وفي «الكافي» عن الكاظم (عليه السلام)أنّه قرأ هذه الآية ثم قال: ما الفتنة؟ قيل الفتنة في الدين فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثمّ يخلصون كما يخلص الذهب.5

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 203.
2 . التفسير الصافي: 4 / 99 .
3 . مجمع البيان: 8 / 7 .
4 . مجمع البيان: 4 / 78 .
5 . الكافي: 1 / 370 ح 4.

صفحه 53
(فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا): أي في الوجود بحيث يتميّز الّذين صدقوا في الإيمان والّذين كذبوا فيه بعد ما كان يعلمهم قبل ذلك أنّهم سيوجدون ويمتحنون.
وفي «المجمع» عن أمير المؤمنين والصادق (عليه السلام)أنّهما قرءا بضمّ الياء وكسر اللاّم فيهما من الإعلام أي ليعرفنّهم الناس.1
وأقول: تدلّ على أنّ الإقرار الظاهري غير كاف في الإيمان الواقعيّ.
(أَحْسَنَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي أحسن جزاء أعمالهم.
(لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ): أي في جملتهم أو في زمرتهم في الجنّة (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ)بلسانه (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ): أي في دينه أو في ذاته (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ): أي تعذيبهم وأذيّتهم (كَعَذَابِ اللهِ)فيرجع عن الدّين، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله، (وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ): أي فتح وغنيمة (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ)في الدين، فأشركونا فيه، والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين، ويؤيّد الأوّل (أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ): أي من الإخلاص والنفاق (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا)بقلوبهم (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) فيجازي الفريقين.2
(وَقُولُوا): أي لأهل الكتاب في المجادلة وفي الدّعوة إلى الدين، فلا يدلّ على اشتراط الإيمان بالقول (فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): أي علمه، أي مؤمنو أهل الكتاب (وَمِنْ هَؤُلاَءِ)يعني من العرب، أو من أهل مكّة، أو ممّن في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من أهل الكتاب (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ): أي بالقرآن (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا)مع

1 . مجمع البيان: 8 / 6 .
2 . التفسير الصافي: 4 / 112.

صفحه 54
ظهورها وقيام الحجّة عليها (إِلاَّ الْكَافِرُونَ) المتوغّلون في الكفر.
(يُتْلَى عَلَيْهِمْ): أي تدوم تلاوته عليهم (إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي الكتاب الّذي هو آية مستمرة، وحجّة مبيّنة، (لَرَحْمَةً): أي لنعمة عظيمة (وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ): أي تذكرة لمن همّه الإيمان دون التعنّت.1
(لَنُبَوِّئَنَّهُمْ)لننزلنّهم (مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)المخصوص بالمدح محذوف، دلّ عليه ما قبله، وهو الجنّة أو الغرف (الَّذِينَ صَبَرُوا)على المحن والمشاقّ في الدين (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): أي لا يتوكّلون إلاّ على الله.
(فَهُمْ فِي رَوْضَة)قيل: أي أرض ذات أزهار وأنهار (يُحْبَرُونَ): أي يسرّون سروراً تهلّلت له وجوههم.2
وقال عليّ بن إبراهيم: أي يكرمون .3
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)قيل: أي مائلاً مستقيماً عليه. وقيل: هو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به. وقال عليّ بن إبراهيم: أي طاهراً .4 وروى هو والكلينيّ عن الباقر (عليه السلام)أنّه قال: هو الولاية .5
وفي «التهذيب» عن الصادق (عليه السلام). قال: «أمره أن يقيم وجهه لقبلة ليس فيه شيء من عبادة الأوثان» 6 .

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 320.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 330.
3 . تفسير القمي: 2 / 153 .
4 . تفسير القمي: 2 / 154 .
5 . تفسير القمي: 2 / 154 ; الكافي: 1 / 419.
6 . تهذيب الأحكام: 2 / 43 ح 133.

صفحه 55
(فِطْرَةَ اللهِ)نصب على الإغراء أو المصدر، لما دلّ عليه ما بعدها (التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا): أي خلقهم عليها. قيل: وهي قبولهم للحقّ وتمكّنهم من إدراكه أو ملّة الإسلام، فإنّهم لو خلّوا وما خلقوا عليه أدّى بهم إليها.1
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)أنّه سُئل ما تلك الفطرة؟ قال: «هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ وفيهم المؤمن والكافر» .2
وفي كثير من الأخبار3: فطرهم على التوحيد، وفي بعضها: فطرهم على الولاية، وفي بعضها: فطرهم على التوحيد ومحمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّ أمير المؤمنين (عليه السلام).4
وعن الباقر (عليه السلام): «فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة أنّه ربّهم». قال: «لولا ذلك لم يعلموا مَن ربّهم ولا مَن رازقهم»5.
(لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ): أي لا يقدر أحد أن يغيّره، أو لا ينبغي أن يغيّر ذلك إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة إن فسّرت بالملّة (الدِّينُ الْقَيِّمُ): أي المستوي الّذي لا عوج فيه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) : أي استقامته. (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ): أي راجعين إليه مرّة بعد أُخرى (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ): أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرأ حمزة والكسائي: «فَارقُوا» أي تركوا (وَكَانُوا شِيَعًا): أي فرقاً يشايع كلٌّ إمامها الّذي أصل دينها (كُلُّ حِزْب

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 335.
2 . الكافي: 2 / 12 ح 2، باب فطرة الخلق على التوحيد.
3 . راجع: الكافي: كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخلق على التوحيد.
4 . راجع: الكافي: 1 / 412 .
5 . توحيد الصدوق: 330 ح 8 ، باب (53) فطرة الله عزّ وجل الخلق على التوحيد.

صفحه 56
بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ): أي مسرورون ظنّاً بأنّه الحقّ.1
(لِلدِّينِ الْقَيِّمِ): أي البليغ الاستقامة (لاَ مَرَدَّ لَهُ)لتحتّم مجيئه (يَوْمَئِذ يَصَّدَّعُونَ) أصله يتصدَّعون أي يتفرّقون: فريق في الجنّة وفريق في السعير.
(لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) قيل: أي لهم نعيم جنّات، فعكس للمبالغة.
(خَالِدِينَ فِيهَا)حال من الضمير في لهم، أو من جنّات النعيم (وَعْدَ اللهِ حَقًّا) مصدران مؤكّدان: الأوّل لنفسه، والثاني لغيره، لأنّ قوله: (لَهُمْ جَنَّاتُ)وعد، وليس كلّ وعد حقّاً (وَهُوَ الْعَزِيزُ)الّذي لا يغلبه شيء، فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده، (الْحَكِيمُ)الّذي لا يفعل إلاّ ما تستدعيه حكمته.2
(بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا): أي على سائر الأُمم، أو على أجر أعمالهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): أي لا تعب فيه ولا منَّ عليه.
(وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): أي الكافر والمؤمن (وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ): أي ولا الباطل ولا الحقُّ، (وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ): أي ولا الثواب ولا العقاب، (وَلاَ)لتأكيد نفي الاستواء، وتكريرها على الشقّين، لمزيد التأكيد والحرور من الحرِّ، غلب على السموم.3
(وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ)تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأوّل، ولذلك كرَّر الفعل، وقيل: للعلماء والجهلاء (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)هدايته، فيوفّقه لفهم آياته، والاتّعاظ بعظاته (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ): أي

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 335.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 345.
3 . التفسير الصافي: 4 / 236.

صفحه 57
المصرّين على الكفر.1
وقال عليُّ بن إبراهيم: قال: هؤلاء الكفّار لا يسمعون منك كما لا يسمع مَن في القبور.2 (مَنْ كَانَ حَيًّا) قال (رحمه الله): يعني مؤمناً حيّ القلب.3 وفي «المجمع» عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أي عاقلاً. (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ): أي تجب كلمة العذاب (عَلَى الْكَافِرِينَ) .4
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)أخبر عنهم بالإيمان إظهاراً لفضله، وتعظيماً لأهله (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) في الأخبار الكثيرة: للّذين آمنوا بولايتهم(عليهم السلام)(رَبَّنَا): أي يقولون ربّنا (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا): أي وسعت رحمتك وعلمك كلّ شيء (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)قيل: أي للّذين علمت منهم التوبة واتّباع سبيل الحقّ (وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
(رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن التي وَعَدْتَهُمْ): أي إيّاها (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)عطف على «هم» الأوّل: أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتمَّ سرورهم، أو الثاني لبيان عموم الوعد (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ)الّذي لا يمتنع عليه مقدور (الْحَكِيمُ) الّذي لا يفعل إلاّ ما تقتضيه حكمته، ومن ذلك الوفاء بالوعد.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ): أي العقوبات، أو جزاء السيئات، أو المعاصي في الدُّنيا لقوله: (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ): أي ومن تقها في الدنيا، فقد رحمته

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 417 ; التفسير الصافي: 4 / 236.
2 . تفسير القمي: 2 / 209.
3 . تفسير القمّي: 2 / 217 .
4 . مجمع البيان: 8 / 288.

صفحه 58
في الآخرة و (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)يعني الرحمة، أو الوقاية أو مجموعهما.
(وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب) قيل: أي بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافاً مضاعفة فضلاً من الله ورحمة، ولعلّ جعل العمل عمدة، والإيمان حالاً، للدلالة على أنّه شرط في اعتبار العمل، وأنَّ ثوابه أعلى من ذلك.
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)قيل: أي بالحجّة والظفر، والانتقام من الكفرة (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) الأشهاد جمع شاهد، والمراد بهم من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.1
وقال عليُّ بن إبراهيم: هو في الرجعة إذا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام). وروى بإسناده عن الصادق (عليه السلام)قال: «ذلك والله في الرّجعة، أما علمت أنّ أنبياء الله كثيرة لم ينصروا في الدّنيا وقتلوا والأئمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا وذلك في الرجعة».2
(وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): أي الجاهل والمستبصر (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ): أي ولا يستوي المؤمن المحسن والمسيء، مؤمناً كان أو غيره (قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ): أي تذكّراً ما قليلاً تتذكّرون.
(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا): أي عذابنا النازل بهم، قال في «المجمع»: أي عند رؤيتهم بأس الله وعذابه لأنّهم يصيرون عند ذلك ملجئين، وفعل الملجأ لا يستحقّ به المدح (سُنَّةَ اللهِ)نصبها على المصدر، أي سنّ الله هذه السنّة في الأُمم الماضية كلّها إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب، والمراد بالسنّة هنا الطريقة المستمرَّة من فعله بأعدائه الجاحدين (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)بدخول النار

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 97 .
2 . تفسير القمي: 2 / 258.

صفحه 59
واستحقاق النقمة وفوت الثواب والجنّة.1
وفي العيون عن الرضا (عليه السلام): أنّه سئل لأي علّة أغرق الله فرعون وقد آمن به وأقرَّ بتوحيده؟ قال: «لأنّه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف، قال الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)الآيتين».2
وقال الرازي في تفسيره: فإن قيل: اذكروا ضابطاً في الوقت الّذي لا ينفع الإتيان بالإيمان، قلنا: إنّه الوقت الّذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب، لأنّ في ذلك الوقت يصير المرء ملجأً إلى الإيمان، فذلك الإيمان لا ينفع، إنّما ينفع مع القدرة على خلافه حتّى يكون المرء مختاراً، أمّا إذا عاينوا علامات الآخرة فلا ينفع.3
قوله: (غَيْرُ مَمْنُون): أي لا يمنُّ به عليكم، أو غير مقطوع.
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ): أي قرّر لكم دين نوح ومحمّد ومن بينهما من أرباب الشرائع(عليهم السلام)، وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسَّر بقوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)وهو الإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله (وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ): أي ولا تختلفوا في هذا الأصل، أمّا فروع الشرائع فمختلفة كما قال: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .4
(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ): أي عظم عليهم (مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)من التوحيد (اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ): أي يجتلب إليه، والضمير لما تدعوهم، أو للدِّين (وَيَهْدِي

1 . مجمع البيان: 8 / 461.
2 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1 / 83 ، طبعة الأعلمي ، بيروت ـ لبنان.
3 . تفسير الرازي: 27 / 9 .
4 . المائدة: 48 .

صفحه 60
إِلَيْهِ)بالإرشاد والتوفيق (مَنْ يُنِيبُ): أي يُقبل إليه .
وقال عليُّ بن إبراهيم: هم الأئمّة الّذين اختارهم واجتباهم. وعن الصادق (عليه السلام): (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)قال الإمام: (وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)كناية عن أمير المؤمنين (مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)من ولاية عليّ (عليه السلام)(مَنْ يَشَاءُ)كناية عن عليّ (عليه السلام).1
(فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ)قيل: أي في أطيب بقاعها وأنزهها (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ): أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربّهم (ذَلِكَ)إشارة إلى ما للمؤمنين (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)الّذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدُّنيا (ذَلِكَ الذِي): أي ذلك الثواب الّذي (يُبَشِّرُ)هم اللهِ بِهِ، فحذف الجارُّ ثمّ العائد، أو (ذَلِكَ) التبشير (الذِي يُبَشِّرُ)، (اللهُ عِبَادَهُ).2
(وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا)قيل: أي يستجيب الله لهم، فحذف اللام
والمراد إجابة الدعاء، أو الإثابة على الطاعة، أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها.3
وفي «المجمع» عن ابن عباس في حديث طويل أنّ الأنصار عرضوا على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أموالهم فنزلت: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)4فخرجوا من عنده مسلّمين وقال المنافقون: «إنّ هذا الشيء افتراء ـ وساق الحديث إلى قوله ـ وقال: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا)وهم الّذين سلّموا لقوله.5
وفي «الكافي» عن الباقر (عليه السلام)قال: «هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب

1 . تفسير القمي: 2 / 105.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 127 ـ 128 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 130.
4 . الشورى: 23 .
5 . مجمع البيان: 9 / 49.

صفحه 61
فيقول له الملك: آمين، ويقول العزيز الجبّار: ولك مثلا ما سألت لحبّك إيّاه»1.
وفي «المجمع» عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)الشفاعة لمن وجبت له النار ممّن أحسن إليهم في الدنيا.2
(الَّذِينَ آمَنُوا)صفة للمنادى في قوله: (يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ). (تُحْبَرُونَ): أي تسرُّون أو تزيّنون أو تكرمون إكراماً يبالغ فيه.
(فِي رَحْمَتِهِ)الّتي من جملتها الجنّة (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) لخلوصه عن الشوائب.
(قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)قيل: أي جمعوا بين التوحيد الّذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأُمور الّتي هي منتهى العمل، و (ثُمَّ)للدلالة على تأخير رتبة العمل، وتوقّف اعتباره على التوحيد. وقال عليُّ بن إبراهيم: استقاموا على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).3(فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)من لحوق مكروه (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)على فوات محبوب.4
وروى عن الصادق (عليه السلام)في قوله: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ)قال بما نزِّل «على محمّد» في عليّ. (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)قال: نزلت في أبي ذرّ وسلمان وعمّار والمقداد، لم ينقضوا العهد، قال: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد): أي أُثبتوا

1 . الكافي: 2 / 507 .
2 . مجمع البيان: 9 / 51.
3 . تفسير القمّي: 2 / 265 .
4 . أفادنا المشرف حفظه الله تعالى بأنّه لا يخفى أنّ لهذه الآيات ظهور في أُمور كلّية، ومع ذلك فلها مصاديق كثيرة، فما ورد في هذه الرواية وأمثالها إشارة إلى مصداق من المصاديق، وهو ما يقال عنه: بالجري وتطبيق الكلّي على أفضل المصاديق، فلا يُراد أنّ تفسير الآية منحصر في هذا المعنى فقط، فلاحظ .

صفحه 62
على الولاية الّتي أنزلها الله (وَهُوَ الْحَقُّ)يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)(بَالَهُمْ)أي حالهم.1
(مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا): أي ناصرهم على أعدائهم، (لاَ مَوْلَى لَهُمْ) فيدفع العذاب عنهم.2
(لِيُدْخِلَ)قيل: أي فعل ما فعل ودبّر ما دبّر ليدخل. (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): أي يغطّيها ولا يظهرها (فَوْزًا عَظِيمًا) لأنّه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر.3
(وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ): أي أنزل عليهم الثبات والوقار (وَأَلْزَمَهُمْ
كَلِمَةَ التَّقْوَى
): أي كلمة بها يتّقى من النار، أو هي كلمة أهل التقوى، وقال
الأكثر: هي كلمة الشهادة، وروي ذلك عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم); وعن الصادق (عليه السلام): «هي الإيمان». 4 وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في وصف عليّ (عليه السلام): «هو الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين».5
وفي أخبار كثيرة عنهم(عليهم السلام): «نحن كلمة التقوى»6: أي ولايتهم (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا): أي بتلك الكلمة من غيرهم (وَأَهْلَهَا): أي المستأهل لها (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا) فيعلم أهل كلِّ شيء وييسِّره له.
(حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ): أي جعله أحبَّ الأديان إليكم، بأن أقام الأدلّة على

1 . تفسير القمي: 2 / 301.
2 . تفسير القمي: 2 / 302 .
3 . التفسير الصافي: 5 / 39.
4 . الكافي: 2 / 15 ح 5، باب السكينة هي الإيمان.
5 . أمالي الصدوق: 376 ح 26، المجلس 49.
6 . الخصال: 432 ح 14، باب العشر.

صفحه 63
صحّته، وبما وعد من الثواب عليه (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)بالألطاف الداعية إليه، وفيه إشعار بأنَّ الإيمان من فعل القلب (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ)بما وصف من العقاب عليه، وبوجوه الألطاف الصارفة عنه (وَالْفُسُوقَ): أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي (وَالْعِصْيَانَ): أي جميع المعاصي. وقيل: الفسوق: الكذب وهو المرويُّ عن أبي جعفر (عليه السلام).1
وفي «المحاسن» عنه (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية وقيل له: هل للعباد فيما حبّب الله صنع؟ قال: «لا، ولا كرامة».2
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)أنّه سئل عن الحبّ والبغض أمن الإيمان هو؟ فقال: «وهل الإيمان إلاّ الحبُّ والبغض؟» ثمّ تلا هذه الآية.3
(أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) يعني أُولئك الّذين فعل بهم ذلك، هم الّذين أصابوا الطريق السوي.
(إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف): أي في محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)شاعر أو مجنون؟ أو منكم مكذِّب، ومنكم مصدِّق، ومنكم شاكّ; أو في القرآن إنّه سحر أو كهانة أو ما سطره الأوّلون؟ (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) الضمير للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أو القرآن أو الإيمان، أي من صرف عنه صرف عن الخيرات كلّها، أو لا صرف أشدَّ منه، فكأنّه لا صرف بالنسبة إليه، أو يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه.
(تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ): أي من قدَّر الله إيمانه، أو من آمن، فإنّه يزداد بصيرة.
(مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ): أي من الأموال الّتي جعلكم الله خلفاء في التصرُّف فيها،

1 . مجمع البيان: 9 / 221.
2 . المحاسن: 1 / 199.
3 . الكافي: 2 / 125.

صفحه 64
فهي حقيقة له لا لكم، أو الّتي استخلفكم عمّن قبلكم في تملّكها والتصرُّف فيها، (وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ): أي أيّما عذر لكم في ترك الإيمان؟ (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ)إليه بالحجج والبيّنات (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ): أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لموجب ما فإنَّ هذا موجب لا مزيد عليه (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.1
(يَسْعَى نُورُهُمْ)قيل: أي ما يهتدون به إلى الجنّة (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)من حيث يؤتون صحائف أعمالهم لأنَّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ): أي يقولون لهم مَن يتلقّاهم من الملائكة (بُشْرَاكُمُ): أي المبشّر به (جَنَّاتٌ) أو بشراكم دخول جنات (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إشارة إلى ما تقدّم من النور والبشرى بالجنّات المخلّدة.
(أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)في «التهذيب» عن السجّاد (عليه السلام): «إنّ هذه لنا ولشيعتنا». وفي «المحاسن» 2عن الصادق، عن أبيه (عليه السلام)قال: «ما من شيعتنا إلاّ صدّيق شهيد»، قيل: أنّى يكون ذلك وعامّتهم يموتون على فرشهم؟ فقال: «أما تتلو كتاب الله في الحديد: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ)قال: لو كان الشهداء [ ليس إلاّ ] كما يقولون كان الشهداء قليلاً».3
(لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ): أي أجر الصدّيقين والشهداء ونورهم.
(سَابِقُوا): أي سارعوا مسارعة السابقين في المضمار (إِلَى مَغْفِرَة مِنْ

1 . التفسير الصافي: 5 / 133 .
2 . المحاسن: 1 / 163، والحديث عن زيد بن أرقم عن الحسين بن علي (عليهما السلام).
3 . التفسير الصافي: 5 / 136، و 7 / 115.

صفحه 65
رَبِّكُمْ): أي إلى موجباتها (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)قيل: أي كعرض مجموعهما إذا بسطتا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): أي بالرسل المتقدّمة (اتَّقُوا اللهَ) فيما نهاكم عنه (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ): أي نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ)لإيمانكم بمحمّد وإيمانكم بمن قبله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)قيل يريد المذكور في قوله: (يَسْعَى نُورُهُمْ)أو الهدى الّذي يسلك به إلى جناب القدس.
وقال عليُّ بن إبراهيم: (كِفْلَيْنِ) نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) أحدهما: أن لا يدخله النار، وثانيهما: أن يدخله الجنّة (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا)يعني الإيمان.1
وعن الصادق (عليه السلام)(كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ): قال: الحسن والحسين و (نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)يعني إماماً تأتمّون به .2 وفي «المناقب»: قال: والنور عليّ (عليه السلام).3
(لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)قيل: أي لا يستوي الّذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنّة، والّذين استمهنوها فاستحقّوا النّار، (هُمُ الْفَائِزُونَ) بالنعيم المقيم.
(تُؤْمِنُونَ)استئناف مبيّن للتجارة، وهو الجمع بين الإيمان والجهاد المؤدّي إلى كمال عزّهم، والمراد به الأمر، وإنّما جيء بلفظ الخبر، إيذاناً بأنَّ ذلك ممّا لا يترك. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أي إن كنتم من أهل العلم، إذ الجاهل لا يعتدُّ بفعله.
(يَغْفِرْ لَكُمْ)جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو بشرط أو استفهام دلّ عليه الكلام، تقديره: إن تؤمنوا وتجاهدوا، أو: هل تقبلون أن أدلّكم يغفر لكم

1 . تفسير القمّي: 2 / 352 .
2 . الكافي: 1 / 430 .
3 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 153.

صفحه 66
(ذَلِكَ)إشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنّة.
(وَأُخْرى): أي ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أُخرى، وقيل: مبتدأ خبره (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)فتح مكّة، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: يعني في الدُّنيا بفتح القائم (عليه السلام)1(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)عطف على محذوف مثل: قل يا أيّها الّذين آمنوا وبشّر، أو على تؤمنون به، فإنّه في معنى الأمر.
(مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللهِ): أي من جندي متوجّهاً إلى نصرة الله؟ والحواريّون أصفياؤه، (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ): أي بعيسى (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا): أي بالحجّة أو بالحرب، وذلك بعد رفع عيسى (عليه السلام)(فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ): أي فصاروا غالبين.2
(وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ): أي لله الغلبة والقوَّة، ولمن أعزَّه من رسوله والمؤمنين، (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) من فرط جهلهم وغرورهم.3
(وَالنُّورِ الذِي أَنْزَلْنَا)ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّه القرآن.4
وقال عليّ بن إبراهيم: النور أمير المؤمنين (عليه السلام).5
وفي «الكافي» عن الكاظم (عليه السلام): الإمامة هي النور، وذلك قوله تعالى: (فَأَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنْزَلْنَا)، قال: «النور هو الإمام».6

1 . تفسير القمّي: 2 / 366 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 334 ـ 336.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 343 .
4 . لاحظ : تفسير الطبري (جامع البيان): 28 / 155 ; تفسير السمعاني: 5 / 451 ; تفسير الرازي: 30 / 24 ; تفسير البيضاوي: 5 / 345 ; تفسير ابن كثير: 4 / 400 .
5 . تفسير القمّي: 1 / 242 .
6 . الكافي: 1 / 196 ح 6 .

صفحه 67
وعن الباقر (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية فقال: «النور ـ والله ـ الأئمة» الخبر.1والأخبار في ذلك كثيرة أوردناها في كتاب الإمامة.2
(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، والجمع جمع الأوّلين والآخرين (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)يغبن فيه بعضهم بعضاً، لنزول السعداء منازل الأشقياء، لو كانوا سعداء، وبالعكس، وفي «معاني الأخبار» عن الصادق (عليه السلام): «يوم يغبن أهل الجنّة أهل النار».3
(وَيَعْمَلْ صَالِحًا): أي عملاً صالحاً (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)إشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنّه جامع للمصالح من دفع المضارّ وجلب المنافع.
(يَهْدِ قَلْبَهُ) قيل: أي للثبات، والاسترجاع عند حلول المصيبة، وقال عليّ بن إبراهيم: أي يصدّق الله في قلبه، فإذا بيّن الله له، اختار الهدى، ويزيده الله كما قال: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)4.5
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)قال: «إنّ القلب ليترجّج فيما بين الصدر والحنجرة، حتّى يعقد على الإيمان، فإذا عقد على الإيمان قرَّ، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)».6
أقول: كأنّه (عليه السلام)قرأ بالهمز ورفع قلبه كما قرأ في الشواذّ منسوباً إلى عكرمة

1 . الكافي: 1 / 194 ح 1 وص 195 ح 4.
2 . لاحظ : بحار الأنوار : 32 / 304 ـ 325.
3 . معاني الأخبار: 156.
4 . محمد: 17 .
5 . تفسير القمي: 2 / 372.
6 . الكافي: 2 / 421 ح 4، باب سهو القلب.

صفحه 68
وعمرو بن دينار، أو هو بيان لحاصل المعنى، فيوافق القراءة المشهورة أيضاً: أي يهدي الله قلبه فيسكن.1
(ذِكْرًا * رَسُولاً)عن الرضا (عليه السلام)أنّ الذكر هنا هو الرسول ونحن أهل الذكر.2
وقال البيضاويّ : يعني بالذكر جبرئيل (عليه السلام)لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لكونه مذكوراً في السماوات، أو ذا ذكر أي شرف; أو محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)لمواظبته على تلاوة القرآن، أو تبليغه. وعبّر عن إرساله بالإنزال، ترشيحاً، أو لأنّه مسبّب عن إنزال الوحي إليه، وأُبدل عنه رسولاً للبيان، أو أراد به القرآن ورسولاً منصوب بمقدَّر مثل أرسل، أو ذكراً، والرسول مفعوله، أو بدله عن أنّه بمعنى الرسالة (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)من الضلالة إلى الهدى (قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا)قيل: فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثّواب.3
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)عطف على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إحماداً لهم، وتعريضاً لمن ناواهم، وقيل: مبتدأٌ خبره (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).
في «المجمع» عن الصادق (عليه السلام)في هذه الآية قال: «يسعى أئمّة المؤمنين يوم القيامة بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم حتّى ينزلوهم منازلهم في الجنّة».4وروى عليّ بن إبراهيم مثله .5

1 . لاحظ : مجمع البيان: 10 / 32.
2 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1 / 216 ضمن حديث طويل.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 353.
4 . مجمع البيان: 10 / 63 .
5 . تفسير القمي: 2 / 378.

صفحه 69
وعن الباقر (عليه السلام): «فمن كان له نور يومئذ نجا، وكلُّ مؤمن له نورٌ».1يقولون إذا طفئ أنوار المنافقين (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا). وقيل: تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم، فيسألون إتمامه تفضّلاً.
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا)يقال: كببته فأكبَّ، وهو من الغرائب أي يعثر كلَّ ساعة ويخرُّ على وجهه، لوعورة طريقه، واختلاف أجزائه، ولذلك قابله بقوله: (أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا): أي قائماً سالماً من العثار (عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم): أي مستوي الأجزاء أو الجهة.
والمراد: تشبيه المشرك والموحّد بالسالكين، والدينين بالمسلكين; وقيل: المراد بالمكبِّ: الأعمى، فإنّه يعتسف فينكبُّ، وبالسويّ: البصير. وقيل: مَن يمشي مكبّاً هو الّذي يحشر على وجهه إلى النار، ومَن يمشي سويّاً: الّذي يحشر على قدميه إلى الجنّة.2
وفي «الكافي»: عن الكاظم (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: «إنَّ الله ضرب مثل مَن حاد عن ولاية عليّ (عليه السلام)كمَن يمشي على وجهه، لا يهتدي لأمره، وجعل مَن تبعه سويّاً على صراط مستقيم، والصراط المستقيم: أمير المؤمنين (عليه السلام)».3
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ)إنكار لقولهم: إن صحّ أنّا نبعث كما يزعم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن معه لم يفضّلونا، بل نكون أحسن حالاً منهم، كما نحن عليه في الدنيا (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) التفات فيه تعجيب من حكمهم، واستبعاد له، وإشعار بأنّه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.4

1 . تفسير القمي: 2 / 378.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 365 ـ 366.
3 . الكافي: 1 / 432 ح 91.
4 . التفسير الصافي: 7 / 266.

صفحه 70
(فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا): أي نقصاً في الجزاء، أو أن يرهقه ذلّة. وقال عليّ بن إبراهيم: البخس: النقصان، والرهق: العذاب.1
وفي «الكافي»: عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)
قال: قلت: قوله: (لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ)قال: «الهدى: الولاية، آمنّا بمولانا، فمن آمن بولاية مولاه (فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا)»، قلت: تنزيل؟ قال: «لا تأويل»2.
(يَضْحَكُونَ) أي يستهزئون، (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ): أي يغمز بعضهم بعضاً، ويشيرون بأعينهم، (انْقَلَبُوا فَكِهِينَ): أي ملتذّين بالسخرية منهم.3
وفي «المجمع» قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)وذلك أنّه كان في نفر من المسلمين جاءُوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكنا منه، فنزلت الآيات قبل أن يصل عليٌّ وأصحابه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).4
وعن ابن عبّاس: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا)منافقو قريش (وَالَّذِينَ آمَنُوا)عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).5
(وَإِذَا رَأَوْهُمْ): أي وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ): أي على المؤمنين (حَافِظِينَ)يحفظون عليهم أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)حين يرونهم

1 . تفسير القمي: 2 / 389.
2 . الكافي: 1 / 433.
3 . التفسير الصافي: 7 / 429 .
4 . مجمع البيان: 10 / 298.
5 . مجمع البيان: 10 / 298 .

صفحه 71
أذلاّء مغلولين في النار.
وروي أنّه يفتح لهم باب إلى الجنّة، فيقال لهم: اخرجوا إليها، فإذا وصلوا أُغلق دونهم، فيضحك المؤمنون منهم 1. (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ): أي أُثيبوا وجوزوا (مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) من السخريّة بالمؤمنين، والاستفهام للتقرير.
(غَيْرُ مَمْنُون): أي غير مقطوع، أو ممنون به عليهم كما مرّ.
(ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ): إذ الدنيا وما فيها يصغر دونه.
(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله تعالى و (الْمَرْحَمَةِ): الرحمة على عباده أو بموجبات رحمة الله (أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): أي اليمين أو اليمن، وقال عليّ بن إبراهيم: أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام).2
(وَالْعَصْرِ) قيل أقسم بصلاة العصر، أو بعصر النبوَّة، أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب، (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر): أي في خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)فإنّهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبديّة، والسعادة السرمديّة، (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)بالثابت الّذي لا يصحُّ إنكاره من اعتقاد أو عمل (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب.
وفي الإكمال عن الصادق (عليه السلام)قال: (الْعَصْرِ) عصر خروج القائم (عليه السلام)(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)يعني أعداءنا (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)يعني بآياتنا (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)يعني بمواساة الإخوان (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)يعني الإمامة (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) يعني بالعشرة.3

1 . مجمع البيان: 10 / 298 .
2 . تفسير القمي: 2 / 423 .
3 . كمال الدين: 656. وفيه: «في الفترة» بدل «بالعشرة».

صفحه 72
وقال عليّ بن إبراهيم: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)ذرّياتهم ومن خلّفوا بالولاية تواصوا بها وصبروا
عليها.1

[ الباب الثاني ]

قلّة عدد المؤمنين، وأنّه ينبغي أن لا يستوحشوا لقلّتهم وأُنس المؤمنين بعضهم ببعض   

فطرة الله سبحانه وصبغته 2

الآيات:

البقرة (2): (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ). 138.
الروم (30): (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ
). 30.

التفسير:

صبغة الله، قال البيضاوي: أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله الّتي فطر
الناس عليها، فإنّها حلية الإنسان، كما أنّ الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا
هدايته وأرشدنا حجّته، أو طهّر قلوبنا بالإيمان تطهيره، وسمّاه صبغة لأنّه
ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب.

1 . تفسير القمي: 2 / 441.
2 . بحار الأنوار : 64 / 130 ـ 131، الباب 4.

صفحه 73
أو للمشاكلة فإنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر، يسمّونه المعموديّة ويقولون هو تطهير لهم، وبه تحقّق نصرانيتهم، ونصبها على أنّه مصدر مؤكّد لقوله: (آمَنَّا). وقيل: على الاغراء، وقيل: على البدل من ملّة إبراهيم .
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً)لا صبغة أحسن من صبغته، (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم.1
وأقول: قد مضى تفسير الآية الثانية في باب فضل الإيمان.2

[ الباب الثالث ]

قلّة عدد المؤمنين، وأنّه ينبغي أن لا يستوحشوا لقلّتهم وأُنس المؤمنين بعضهم ببعض3

الآيات:

يونس (10): (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ). 60.
هود (11): وقال: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ). 40.
العنكبوت (29): (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ). 63.
سبأ (34): قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) .13.
ص (38): وقال: (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ). 24.

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 413 .
2 . راجع بحار الأنوار : 64 / 43 و 44 .
3 . بحار الأنوار : 64 / 157 ـ 158، الباب 8 .

صفحه 74
وأقول: مثله كثير في القرآن والغرض رفع ما يسبق إلى الأوهام العاميّة أنّ الكثرة دليل الحقيّة، والقلّة دليل البطلان، ولذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم، مع أنّ في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم وأوليائهم، وقد ذمّ الكثير ومدح القليل، الربُّ الجليل في التنزيل، والله يهدي إلى سواء السبيل.
أصناف الناس في الإيمان   

[ الباب الرابع ]

أصناف الناس في الإيمان1

الآيات:

التوبة (9): (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 97 ـ 99.
الشعراء (26): (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ). 198 ـ 199.
محمّد (47): (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). 38.

1 . بحار الأنوار : 64 / 166 ـ 168، الباب 9 .

صفحه 75

التفسير:

(الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)الأعراب سكّان البادية الّذين لم يهاجروا إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الراغب: العرب أولاد إسماعيل، والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسماً لسكّان البادية، قال تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا)1 وقال: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا).2 انتهى.
وكونهم أشدُّ كفراً ونفاقاً من أهل الحضر لتوحّشهم وقساوتهم وجفائهم ونشوئهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل، (وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا): أي أحقُّ بأن لا يعلموا (حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)من الشرائع فرائضها وسننها وأحكامها (وَاللهُ عَلِيمٌ)يعلم حال كلّ أحد من أهل الوبر والمدر، (حَكِيمٌ)فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقاباً وثواباً.
(وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ): أي يعدُّ (مَا يُنْفِقُ): أي يصرفه في سبيل الله ويتصدّق به، (مَغْرَمًا): أي غرامة وخسراناً، إذ لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثواباً وإنّما ينفق رئاء وتقيّة، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ): أي ينتظر بكم صروف الزمان وحوادث الأيام من الموت والقتل والمغلوبية، فيرجع إلى دين المشركين ويتخلّص من الإنفاق، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)اعتراض بالدّعاء عليهم بنحو ما يتربّصونه، أو إخبار عن وقوع ما يتربّصون عليهم (وَاللهُ سَمِيعٌ)لما يقولون عند الإنفاق وغيره (عَلِيمٌ)بما يضمرون.
(قُرُبَات): أي سبب قربات، (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ): أي وسبب دعواته، لأنّه كان يدعو للمتصدّقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم (أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ)شهادة من

1 . الحجرات: 14 .
2 . المفردات للراغب: 328. وفيه: الأعراب ولد إسماعيل.

صفحه 76
الله لهم بصحّة معتقدهم، وتصديق لرجائهم، (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ)وعدٌ لهم بإحاطة الرحمة عليهم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تقرير له.1
(مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) لفرط عنادهم واستنكافهم من اتّباع العجم، وما قيل: من أنَّ المراد بالأعجمين البهائم، فهو في غاية البعد.
(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا)عطف على (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ).2 وقال عليّ بن إبراهيم: يعني عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).3
(يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ): أي يُقم مكانكم قوماً آخرين، وقال عليّ بن إبراهيم: يدخلهم في هذا الأمر (ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) قال: في معاداتكم وخلافكم وظلمكم لآل محمد عليه وعليهم السلام. 4
قال في «المجمع»: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا): أي تعرضوا عن طاعته، وعن أمر رسوله (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) أمثل وأطوع منكم، (ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) بل يكونوا خيراً منكم، وأطوع لله منكم.
وروى أبو هريرة أنّ ناساً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: يا رسول الله مَن هؤلاء الّذين ذكر الله في كتابه؟ وكان سلمان إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فضرب يده على فخذ سلمان، فقال: هذا وقومه، والّذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريّا، لتناوله رجال من فارس.
لزوم البيعة وكيفيتها وذم نكثها   
وروى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إن تتولّوا يا معشر العرب، يستبدل قوماً غيركم» يعني الموالي.

1 . التفسير الصافي: 2 / 369 .
2 . محمّد: 36.
3 . تفسير القمي: 2 / 309.
4 . تفسير القمّي: 2 / 309 .

صفحه 77
وعن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قد والله أبدل بهم خيراً منهم الموالي».1

[ الباب الخامس ]

لزوم البيعة وكيفيتها وذم نكثها2

النحل (16): (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ـ إلى قوله تعالى ـ وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). 91 ـ 95 .
الفتح (48): (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). 10.
الممتحنة (60): (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ

1 . مجمع البيان: 9 / 180 .
2 . بحار الأنوار : 64 / 181 ـ 184، الباب 10 .

صفحه 78
إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 12.

التفسير:

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ)قال الطبرسيّ (رحمه الله) قال ابن عبّاس: الوعد من العهد. وقال المفسّرون: العهد الّذي يجب الوفاء به، هو الّذي يحسن فعله، وعاهد الله ليفعلنّه فإنّه يصير واجباً عليه (وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ)هذا نهي منه سبحانه عن حنث الأَيمان وقوله، (بَعْدَ تَوْكِيدِهَا): أي بعد عقدها وإبرامها وتوثيقها باسم الله تعالى. وقيل: بعد تشديدها وتغليظها، بالعزم والعقد على اليمين، بخلاف لغو اليمين. (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً): أي حسيباً فيما عاهدتموه عليه. وقيل: كفيلاً بالوفاء (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من نقض العهد أو الوفاء به، فإيّاكم أن تلقوه وقد نقضتم.
وهذه الآية نزلت في الّذين بايعوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على الإسلام فقال سبحانه للمسلمين الّذين بايعوه: لا يحملنّكم قلّة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة، فإنَّ الله حافظكم، أي اثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول وأكّدتموه بالأيمان.1 انتهى.
(وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا): أي كالمرأة غزلت ثمَّ نكثت غزلها (مِنْ بَعْدِ قُوَّة): أي من بعد إحكام وفتل (أَنْكَاثًا)جمع نكث بالكسر وهو ما ينكث فتله.
وروى علي بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام): الّتي نقضت غزلها امرأة من بني تيم ابن مرَّة يقال لها: ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم بن لؤيّ بن غالب، كانت حمقاء تغزل الشعر، فإذا غزلته نقضته ثمَّ عادت فغزلته، فقال الله: (كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)

1 . مجمع البيان: 6 / 194.

صفحه 79
الآية. قال: إنَّ الله تعالى أمر بالوفاء، ونهى عن نقض العهد، فضرب لهم مثلاً.1
(تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ): أي دغلاً وخيانة، ومكراً وخديعة ; وذلك لأنّهم كانوا حين عهدهم يضمرون الخيانة، والناس يسكنون إلى عهدهم.
والدَّخل: أن يكون الباطن خلاف الظاهر، وأصله أن يدخل في الشيء ما لم يكن منه (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة)يعني لا تنقضوا العهد بسبب أن تكون جماعة وهم كفرة قريش أزيد عدداً وأوفر مالاً من أُمّة يعني جماعة المؤمنين (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ): أي إنّما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتوفون بعهد الله أم تغترُّون بكثرة قريش وقوَّتهم وثروتهم، وقلّة المؤمنين وضعفهم وفقرهم (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)وعيدٌ وتحذير من مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
(وَلاَ تَتَّخِذُوا)تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغة في قبح المنهيِّ عنه (فَتَزِلَّ قَدَمٌ)عن محجّة الإسلام (بَعْدَ ثُبُوتِهَا)عليها أي فتضلّوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى، يقال: زلَّ قدم فلان في أمر كذا: إذا عدل عن الصواب، والمراد أقدامهم، وإنّما وحّد ونكّر، للدلالة على أنَّ زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ)في الدُّنيا، (بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي بصدودكم أو بصدِّكم غيركم عنها لأنّهم لو نقضوا العهد وارتدُّوا، لاتّخذ نقضها سنّة يستنُّ بها، (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)في الآخرة.
(إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ)لأنّه المقصود ببيعته (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)يعني يدك التي فوق أيديهم في حال بيعتهم إيّاك، إنّما هي بمنزلة يد الله، لأنّهم في الحقيقة يبايعون الله عزَّ وجلَّ ببيعتك، (فَمَنْ نَكَثَ): أي نقض العهد، (فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ): أي لا يعود ضرر نكثه إلاّ عليه، (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ): أي في

1 . تفسير القمي: 1 / 389 .

صفحه 80
مبايعته (فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيًما) هو الجنّة.1
(وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ)يريد البنات، أو الأسقاط، (وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَان)في «الجوامع»: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك، كنّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذباً، لأنَّ بطنها الّذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الّذي تلده به بين الرجلين، (وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف): أي في حسنة تأمرهنَّ بها (فَبَايِعْهُنَّ)بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء.2
وفي «المجمع»: روى الزهريُّ، عن عائشة قالت: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يبايع النساء بالكلام بهذه الآية (أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا)وما مسّت يدٌ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا بايع النساء دعا بقدح ماء فغمس يده فيه ثمَّ غمس أيديهنَّ فيه، وقيل: إنّه كان يبايعهنَّ من وراء الثوب; عن الشعبي.3
شدة ابتلاء المؤمن وعلّته وفضل البلاء   

[ الباب السادس ]

شدة ابتلاء المؤمن وعلّته وفضل البلاء 4

الآيات:

البقرة (2): (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا

1 . التفسير الأصفى: 2 / 1183.
2 . جوامع الجامع: 3 / 549.
3 . مجمع البيان: 9 / 457 .
4 . بحار الأنوار : 64 / 196 ـ 200، الباب 12 .

صفحه 81
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ). 214.
آل عمران (3): (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). 186 .
الأنعام (6): (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ). 42 ـ 44.

التفسير:

(أَمْ حَسِبْتُمْ)قال في «المجمع»: أي أظننتم وخلتم أيّها المؤمنون (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)ولمّا تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتُحن الّذين مضوا من قبلكم به فتصبروا كما صبروا، وهذا استدعاء إلى الصبر، وبعده الوعد بالنصر.
ثمّ ذكر سبحانه ما أصاب أُولئك فقال: (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)والمسُّ واللّمس واحد، والبأساء نقيض النعماء، والضرَّاء نقيض السرَّاء، وقيل: البأساء: القتل، والضرَّاء: الفقر، (وَزُلْزِلُوا)أي حرِّكوا بأنواع البلايا، وقيل: معناه هنا أُزعجوا بالمخافة من العدوِّ، وذلك لفرط الحيرة.
(مَتَى نَصْرُ اللهِ)قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن، وإنّما قاله الرسول استبطاء للنصر. وقيل: إنَّ معناه الدعاء لله بالنصر ولا يجوز أن يكون على جهة الاستبطاء لنصر الله، لأنَّ الرسول يعلم أنّ الله لا يؤخّره عن الوقت الّذي توجبه الحكمة، ثمَّ أخبر الله أنّه ناصر لأوليائه، فقال: (أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ).

صفحه 82
وقيل: إنَّ هذا من كلامهم فإنّهم قالوا عند الإياس: متى نصر الله، ثمَّ تفكّروا وعلموا أنَّ الله منجز وعده، فقالوا: ألا إنَّ نصر الله قريب. وقيل: إنّه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملةً، وتفصيله: وقال المؤمنون متى نصر الله؟ وقال الرسول: ألا إنَّ نصر الله قريب.1 انتهى.
وأقول: روى في «الخرائج» عن زين العابدين، عن آبائه(عليهم السلام)قال: «فما تمدُّون أعينكم؟ لقد كان من قبلكم ممّن هو على ما أنتم عليه، يؤخذ فتقطع يده ورجله ويصلب ثمَّ تلا: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا)الآية.2
وقال في «المجمع» في قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ): أي لتوقع عليكم المحن وتلحقكم الشدائد (فِي أَمْوَالِكُمْ)بذهابها ونقصانها (وَأَنْفُسِكُمْ)أيّها المؤمنون بالقتل والمصائب. وقيل: بفرض الجهاد وغيره (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)يعني اليهود والنصارى، (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)يعني كفّار مكّة وغيرهم (أَذًى كَثِيرًا)من تكذيب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن الكلام الّذي يغمّه (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): أي ممّا بان رشده وصوابه، ووجب على العاقل العزم عليه. وقيل: أي من محكم الأُمور.3
وقال في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا): أي رسلاً (إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ)فخالفوهم، (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)يريد بالفقر والبؤس والأسقام والأوجاع ; عن ابن عباس. (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) معناه لكي يتضرَّعوا (فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)معناه فهلاّ تضرَّعوا إذ جاءهم بأسنا، (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فأقاموا على كفرهم ولم تنجع فيهم العظة (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ)

1 . مجمع البيان: 2 / 68 ـ 69 .
2 . الخرائج والجرائح: 3 / 1155.
3 . مجمع البيان: 2 / 466 .

صفحه 83
بالوسوسة والإغراء بالمعصية، لما فيها من عاجل اللذَّة (مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يعني أعمالهم.1
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ): أي تركوا ما وعظوا به، (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء): أي كلِّ نعمة وبركة من السماء والأرض، والمعنى: أنّه تعالى امتحنهم بالشدائد لكي يتضرَّعوا ويتوبوا، فلمّا تركوا ذلك فتح عليهم أبواب النعم، والتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا)من النعيم واشتغلوا بالتلذُّذ، ولم يروه نعمة من الله حتّى يشكروه (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً): أي مفاجأةً من حيث لا يشعرون، (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ): أي آيسون من النجاة والرحمة.
وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فذلك استدراج منه» ثمَّ تلا هذه الآية. ونحوه ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «يا ابن آدم إذا رأيت ربّك يتابع عليك نعمه فاحذره».2 انتهى.
ويظهر من الآيات أنَّ البلايا والمصائب نعم من الله، ليتّعظوا ويتذكّروا بها ويتركوا المعاصي، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْق مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَه مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِد، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِد».3
وتدلُّ على أنَّ تواتر النعم على العباد، وعدم ابتلائهم بالبلايا استدراج منه سبحانه غالباً، كما قال عليّ بن إبراهيم: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) يعني كي يتضرَّعوا، فلمّا لم يتضرَّعوا فتح الله عليهم الدُّنيا وأغناهم لفعلهم الرديِّ (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ): أي آيسون وذلك قول الله في مناجاته لموسى (عليه السلام).

1 . مجمع البيان: 4 / 54.
2 . مجمع البيان: 4 / 54 ـ 55.
3 . نهج البلاغة: 2 / 98، الخطبة 178 .

صفحه 84
حدَّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان في مناجاة الله تعالى لموسى: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجّلت عقوبته، فما فتح الله على أحد في هذه الدُّنيا إلاّ بذنب لينسيه ذلك الذنب فلا يتوب فيكون إقبال الدُّنيا عليه عقوبة لذنوبه»1.
وروى الكشّي والعيّاشي بإسنادهما، عن أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام)أنَّ قنبراً مولى أمير المؤمنين (عليه السلام)أُدخل على الحجّاج فقال: ما الّذي كنت تلي من عليّ بن أبي طالب؟ قال: كنت أُوضّيه، فقال له: ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟ فقال: كان يتلو هذه الآية: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)إلى قوله: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)2 فقال الحجاج: أظنّه كان يتأوَّله علينا؟ قال: نعم 3.

[ الباب السابع ]

علامات المؤمن وصفاته   

علامات المؤمن وصفاته 4

الآيات:

الأنفال (8): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا

1 . تفسير القمي: 1 / 200 .
2 . الأنعام: 45.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 359 .
4 . بحار الأنوار : 64 / 261 ـ 267، الباب 14 .

صفحه 85
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). 2 ـ 4 .
التوبة (9): (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). 71.
يوسف (12): (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ). 106.
المؤمنون (23): (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 1 ـ 11.
القصص (28): (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ). 52 ـ 55 .
السجدة (32): (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ

صفحه 86
قُرَّةِ أَعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 15 ـ 19 .
الشورى (42): (وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). 36 ـ 40 .
الفتح (48): (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً). 29.
البيّنة (98): (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ـ إلى قوله ـ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ). 5 ـ 8 .

صفحه 87

التفسير:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)قيل: أي الكاملون في الإيمان (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): أي فزعت لذكره استعظاماً له، وهيبة من جلاله، (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا): ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة نفس، (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): أي وإليه يفوّضون أُمورهم فيما يخافون ويرجون (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)لأنّهم حقّقوا إيمانهم بضمِّ مكارم الأخلاق، ومحاسن أفعال الجوارح إليه، (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ): أي كرامة وعلوّ منزلة، (وَمَغْفِرَةٌ)لما فرط منهم، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أُعدَّ لهم في الجنّة.1
قال عليّ بن إبراهيم: نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبي ذرّ وسلمان والمقداد.(2)
(أَوْلِيَاءُ بَعْض): أي أحبّاؤهم وأنصارهم، أو أولى بتولّي أُمورهم (سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ)السين مؤكّدة للوقوع.
(إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) قيل: بعبادة غيره، أو باتّخاذ الأحبار أرباباً أو نسبة التبنّي إليه، أو القول بالنور والظلمة، أو النظر إلى الأسباب، ونحو ذلك.2
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)عن الباقر (عليه السلام): «أنّهم المؤمنون المسلّمون، إنّ المسلمين هم النجباء».(4)
(خَاشِعُونَ) قال عليّ بن إبراهيم: غضّك بصرك في صلاتك، وإقبالك [ عليها ] .3
وفسّر اللّغو في بعض الأخبار بالغناء والملاهي، وفي بعضها بكلّ قول ليس

1 . التفسير الأصفى: 1 / 424 .   2 . تفسير القمي: 2 / 255.
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 178 .   4 . الكافي: 1 / 391 ح 5، باب التسليم وفضل المسلمين .
3 . تفسير القمي: 2 / 88 .

صفحه 88
فيه ذكر، وفي بعضها بالاستماع إلى القصّاص، وفي بعضها أن يتقوَّل الرجل عليك بالباطل، أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه.1 (أُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ): أي الكاملون في العدوان.
(لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ): أي لما يؤتمنون ويعاهدون من جهة الحقّ أو الخلق (رَاعُونَ)قائمون بحفظها وإصلاحها، (يُحَافِظُونَ): أي على أوقاتها وحدودها (أُولَئِكَ)الجامعون لهذه (هُمُ الْوَارِثُونَ)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّ هذه الآية فيّ نزلت .2
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)قيل: نزلت في مؤمني أهل الكتاب (آمَنَّا بِهِ) أي بأنّه كلام الله (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ)لمّا رأوا ذكره في الكتب المتقدّمة (بِمَا صَبَرُوا)عن الصادق (عليه السلام): «بما صبروا على التقيّة»، وقال: «الحسنة: التقيّة، والسيئة: الإذاعة».3
وقال عليّ بن إبراهيم: هم الأئمة(عليهم السلام)قال: وقوله: (وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ): أي يدفعون سيئة مَن أساء إليهم بحسناتهم.4
(يُنْفِقُونَ): أي في سبيل الخير، (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)تكرّماً. وقال عليّ بن إبراهيم: قال: اللّغو: الكذب، واللّهو، والغناء، قال: وهم الأئمة(عليهم السلام)يعرضون عن ذلك كلّه.(5) (وَقَالُوا): أي للاّغين (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ)قالوا ذلك متاركةً لهم وتوديعاً، (لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) لا نطلب صحبتهم ولا نريدها.
(إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا): أي وعظوا بها، (خَرُّوا سُجَّدًا)خوفاً من عذاب الله

1 . لاحظ : تفسير نور الثقلين: 3 / 529 .
2 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 71 ح 288 .
3 . الكافي: 2 / 217 ح 1، باب التقية.
4 . تفسير القمي: 2 / 141 ـ 142.   5 . تفسير القمي: 2 / 142 .

صفحه 89
(وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي نزّهوه عمّا لا يليق به، كالعجز عن البعث، حامدين له شكراً على ما وفّقهم للإسلام، وآتاهم الهدى، (وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) عن الإيمان والطاعة (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ): أي ترفع وتتنحى عن المضاجع، أي عن الفرش ومواضع النوم.
في «المجمع» عن الباقر والصادق (عليه السلام): «هُم المتهجّدون باللّيل الّذين يقومون عن فرشهم للصلاة»1 (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)داعين إيّاه (خَوْفًا)من سخطه (وَطَمَعًا)في رحمته، (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن): أي ممّا تقرُّ به عيونهم.
وعن الصادق (عليه السلام): «ما من عمل حسن يعمله العبد إلاّ وله ثواب في القرآن إلاّ صلاة اللّيل فإنّ الله عزّ وجلّ لم يبيّن ثوابها لعظم خطره. فقال: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ)إلى قوله: (يَعْمَلُونَ) »2.
(كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا): أي خارجاً عن الإيمان، (لاَ يَسْتَوُونَ)في الشرف والمثوبة (نُزُلاً)النزل: ما يعدُّ للنازل من طعام، وشراب، وصلة.
(وَمَا عِنْدَ اللهِ): أي ثواب الآخرة، (خَيْرٌ وَأَبْقَى)لخلوص نفعه ودوامه (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ): أي قبلوا ما أُمروا به، (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ): أي تشاور بينهم لا ينفردون برأي، حتّى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط يقظتهم في الأُمور، قال عليُّ بن إبراهيم: يشاورون الإمام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم.3
(هُمْ يَنْتَصِرُونَ): أي ينتقمون ممّن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. وقيل: أي يتناصرون: ينصر بعضهم بعضاً. وقيل: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف

1 . مجمع البيان: 8 / 107 .
2 . مجمع البيان: 8 / 109 .
3 . تفسير القمي: 2 / 277 .

صفحه 90
يعفون [ وصنف ينتصرون]. 1 وقيل: وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أُمّهات الفضائل وهو لا ينافي وصفهم بالغفران فإنَّ الغفران ينبئ عن عجز المغفور، والانتصار يشعر بمقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلّب مذموم، لأنّه إجراء وإغراء على البغي.
(سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)سمّى الثانية سيّئة للازدواج، ولأنّها تسوء من تنزل به، وهذا منع عن التعدّي في الانتصار، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ)بينه وبين عدوِّه، (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)عدة مبهمة تدلُّ على عظم الموعود.
وروى في «المجمع» عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان أجره على الله فليدخل الجنّة، فيقال: من ذا الّذي أجره على الله؟ فيقال: العافون عن الناس يدخلون الجنّة بغير حساب.2
(إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): أي المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام.3
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)جملة مبيّنة للمشهود به، في قوله: (وَكَفَى
بِاللهِ شَهِيدًا
)4، أو استيناف مع معطوفه وما بعدهما خبر (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ): أي يغلظون على من خالف دينهم، ويتراحمون
فيما بينهم، (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا)لأنّهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم، (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا): أي يطلبون الثواب والرضا، (سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)قيل: يريد السمة الّتي تحدث في جباههم من كثرة الصلاة، وعن

1 . من مجمع البيان: 9 / 57 .
2 . مجمع البيان: 9 / 58 .
3 . التفسير الأصفى: 2 / 1132 .
4 . الفتح : 28 .

صفحه 91
الصادق (عليه السلام): «هو السهر في الصلاة أي أثره» .1
(ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ): أي صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها، أي أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل بأنَّ هذه صفتهم، (أَخْرَجَ شَطْأَهُ): أي فراخه (فَآزَرَهُ): أي فقوَّاه، (فَاسْتَغْلَظَ): أي فصار من الدِّقة إلى الغلظ، (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)هو جمع ساق، أي فاستوى على قصبه، (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ)بكثافته، وقوَّته وغلظه وحسن منظره.
قيل: هو مثل ضربه الله للصحابة قلّوا في بدو الإسلام، ثمَّ كثروا واستحكموا فترقّى أمرهم بحيث أعجب الناس، (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)علّة لتشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه.2
وفي «مجالس الصدوق»: أنّها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام)والّذين تحت لوائه في القيامة، ينادون إنَّ ربّكم يقول لكم: عندي مغفرة وأجر عظيم، يعني الجنّة.3
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي لا يشركون به، (حُنَفَاءَ): أي مائلين عن العقائد الزائغة، (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ): أي دين الملّة القيّمة، (أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ): أي الخليقة، وفي الأخبار أنّهم عليٌّ وشيعته. 4 (وَرَضُوا عَنْهُ)لأنّه بلّغهم أقصى أمانيّهم (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) فإنَّ الخشية ملاك الأمر، والباعث على كلِّ خير.

1 . التفسير الأصفى: 2 / 1188 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 209، وفيه: «زكاته» بدل «ذكائه».
3 . أمالي الطوسي: 378 ح 810 . والظاهر أنّ الصحيح مجالس الطوسي وليس الصدوق .
4 . لاحظ : أمالي الطوسي: 252 ح 448 و ص 405 ح 909 ; تفسير الطبري: 30 / 335 برقم 29208 ; شواهد التنزيل للحسكاني: 2 / 459 ـ 468 ; الدر المنثور: 6 / 379 .

صفحه 92
فضائل الشيعة   

[ الباب الثامن ]

فضائل الشيعة1

الآيات:

النساء (4): (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيًما). 69 ـ 70 .
المائدة (5): (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). 56.
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيًما * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا). 41 ـ 44 .
المؤمن (غافر) (40): (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنِ التِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ

1 . بحار الأنوار : 65 / 1 ـ 7، الباب 15 .

صفحه 93
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). 7 ـ 9 .
الحجرات (49): (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ نِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). 7 ـ 8 .

التفسير:

(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ)قال الطبرسي: قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان شديد الحبِّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ثوبان ما غيّر لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع غير أنّي إذا لم أرك اشتقت إليك حتّى ألقاك ثمَّ ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأنّي عرفت أنّك ترفع مع النبيّين وإنّي إن أُدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أُدخل الجنّة فلا أحسب أن أراك أبداً، فنزلت الآية.
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «والّذي نفسي بيده لا يؤمننَّ عبد حتّى أكون أحبَّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده، والناس أجمعين».
وقيل: إنّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنّا لا نراك إلاّ في الدنيا فأمّا في الآخرة فإنّك ترفع فوقنا بفضلك، فلا نراك. فنزلت الآية ; عن قتادة ومسروق بن الأجدع.
ثمّ قال: والمعنى (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ)بالإنقياد لأمره ونهيه (وَالرَّسُولَ)باتّباع شريعته والرضا بحكمه (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ)في الجنّة ثمّ
بيّن المنعم عليهم فقال: (مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ)يريد أنّه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، فلا ينبغي أن يتوهّم من أجل أنّهم في أعلى علّيّين أنّه

صفحه 94
لا يراهم. وقيل في معنى الصدّيق: إنّه المصدّق بكلّ ما أمر الله به وبأنبيائه لا يدخله في ذلك شكٌّ ويؤيده قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)1.
(وَالشُّهَدَاءِ)يعني المقتولين في الجهاد (وَالصَّالِحِينَ): أي صلحاء المؤمنين الّذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيّين والصدّيقين والشهداء (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) معناه من يكون هؤلاء رفقاؤه فأحسن بهم من رفيق أو فما أحسنهم من رفيق.
ثمّ روى ما سيأتي برواية العيّاشي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)2 ثمّ قال: (ذَلِكَ)إشارة إلى الكون مع النبيّين والصدّيقين، و (الْفَضْلُ مِنَ اللهِ)ما تفضّل الله به على مَن أطاعه (وَكَفَى بِاللهِ عَلِيًما) بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين. وقيل: معناه حسبك الله عالماً بكنه جزاء المطيعين على حقّه وتوفير الحظّ فيه. انتهى.3
وأقول: قد مضت أخبار كثيرة في كتاب الإمامة 4 في أنّ الصدّيقين والشهداء هم الأئمة (صلى الله عليه وآله وسلم)بل الصالحين أيضاً، وقد روى الكليني (رحمه الله) في «روضة الكافي» في حديث طويل عن الصادق (عليه السلام): «ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتّباع الأئمة الهداة وهم المؤمنون قال: (أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ـ إلى قوله: ـ

1 . الحديد: 19 .
2 . روى العيّاشي في تفسيره: 1 / 256 برقم 190 بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه ثم تلا هذه الآية، وقال: فالنبي رسول الله، ونحن الصدّيقون والشهداء، وأنتم الصالحون فتسمّوا بالصلاح كما سمّاكم الله تعالى».
3 . مجمع البيان: 3 / 125 ـ 127 .
4 . راجع بحار الأنوار : 24 / 30 ـ 40 .

صفحه 95
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) فهذا وجه من وجوه فضل اتّباع الأئمة فكيف بهم وبفضلهم».1
(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ)هذه الآية بعد قوله سبحانه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )2 وقد مرَّ أنَّ الّذين آمنوا أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم، بالروايات المتواترة من طرق العامّة والخاصّة 3 فمن تولاّهم ونصرهم واتّخذهم أئمّة فهم حزب الله وأنصاره، وهم الغالبون في الدنيا بالحجّة، وفي الآخرة بالانتقام من أعدائهم، وظهور حجّتهم، بل في الدنيا أيضاً في زمن القائم (عليه السلام).
(هُوَ الذِي يُصَلِي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ)في «المجمع»: الصلاة من الله تعالى المغفرة والرحمة. وقيل: الثناء. وقيل: هي الكرامة; وأمّا صلاة الملائكة فهي دعاؤهم، وقيل: طلبهم إنزال الرحمة من الله تعالى (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): أي من الجهل بالله سبحانه إلى معرفته، فشبّه الجهل بالظلمات والمعرفة بالنور; لأنّ هذا يقود إلى الجنّة وذلك يقود إلى النار. وقيل: من الضلالة إلى الهدى بألطافه وهدايته، وقيل: من ظلمات النار إلى نور الجنّة (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيًما)خصَّ المؤمنين بالرحمة دون غيرهم، لأنّ الله سبحانه جعل الإيمان بمنزلة العلّة في إيجاب الرحمة والنعمة العظيمة الّتي هي الثواب (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ): أي يحيّي بعضهم بعضاً يوم يلقون ثواب الله، بأن يقولوا: السلامة لكم من جميع الآفات، ولقاء الله سبحانه لقاء ثوابه عزَّ وجلّ.
وروي عن البراء بن عازب أنّه قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح

1 . الكافي: 8 / 10 في رسالة أبي عبدالله (عليه السلام)إلى جماعة الشيعة.
2 . المائدة: 55.
3 . راجع: بحار الأنوار : 35 / 183 ـ 206 .

صفحه 96
مؤمن إلاّ سلّم عليه، فعلى هذا يكون المعنى تحيّة المؤمن من ملك الموت، يوم يلقونه أن يسلّم عليهم وملك الموت مذكور في الملائكة (وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا): أي ثواباً جزيلاً. انتهى.1
وأقول: روى العامّة بأسانيد جمّة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليّ سبع سنين، وذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري وغيره».2
وروى الصدوق في «التوحيد» في حديث طويل عن عليّ (عليه السلام)يقول فيه وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: «واللّقاء هو البعث فإنّ جميع ما في كتاب الله من لقائه فإنّه يعني بذلك البعث، وكذلك قوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ) يعني أنّه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون».3
وقال في «المجمع» في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ)عبادة لله وامتثالاً لأمره (وَمَنْ حَوْلَهُ)يعني الملائكة المطيفين بالعرش وهم الكروبيّون وسادة الملائكة (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي ينزِّهون ربّهم عمّا يصفه به هؤلاء المجادلون، وقيل: يسبّحونه بالتسبيح المعهود ويحمدونه على إنعامه (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ): أي ويصدِّقون به ويعترفون بوحدانيّته (وَيَسْتَغْفِرُونَ): أي يسألون الله المغفرة (لِلَّذِينَ آمَنُوا)من أهل الأرض، أي صدَّقوا بوحدانيّة الله، واعترفوا بإلهيّته، وبما يجب الاعتراف به، ويقولون في دعائهم لهم (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً وَعِلْمًا): أي وسعت رحمتك وعلمك كلَّ شيء.

1 . مجمع البيان: 8 / 167 ـ 168 .
2 . لاحظ : نظم درر السمطين للشيخ الزرندي الحنفي:83 ; شواهد التنزيل: 2 / 185 ; تاريخ مدينة دمشق: 42 / 36 و 39 ; مناقب الخوارزمي 53 ح 17; كشف الغمة: 1 / 78 و 342 ; وغيرها من المصادر.
3 . التوحيد: 267، باب: بيانه في معنى أنّه تعالى يُري أولياءه نفسه.

صفحه 97
والمراد بالعلم المعلوم، كما في قوله: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مِنْ عِلْمِهِ)1أي بشيء من معلومه على التفصيل فجعل العلم في موضع المعلوم. والمعنى: أنّه لا اختصاص لمعلوماتك، بل أنت عالم بكلِّ معلوم، ولا يختصُّ رحمتك حيّاً دون حيّ بل شملت جميع الحيوانات، وفي هذا تعليم الدعاء ليبدأ بالثناء عليه قبل السؤال (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا)من الشرك والمعاصي (وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) الّذي دعوت إليه عبادك وهو دين الإسلام (وَقِهِمْ): أي وادفع عنهم (عَذَابَ الْجَحِيمِ) .
وفي هذه الآية دلالة على أنَّ إسقاط العقاب عند التوبة تفضّل من الله، إذ لو كان واجباً لكان لا يحتاج فيه إلى مساءلتهم، بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ)مع قبول توبتهم ووقايتهم النار (جَنَّاتِ عَدْن التي وَعَدْتَهُمْ)على ألسن أنبيائك (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)ليكمل أُنسهم ويتمَّ سرورهم (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ)القادر على ما تشاء (الْحَكِيمُ) في أفعالك (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ): أي وقهم عذاب السيّئات، ويجوز أن يكون العذاب هو السيّئات، وسمّاه السيّئات اتّساعاً كما قال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)،2 (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ): أي ومن تصرف عنه شرَّ معاصيه فتفضّلت عليه يوم القيامة بإسقاط عقابها، فقد أنعمت عليه (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ): أي الظفر بالبُغية والفلاح العظيم.3 انتهى.
وأقول : روى الصدوق في «العيون» عن الرضا (عليه السلام)في حديث طويل قال :
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإنَّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا يا عليُّ (الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ


1 . البقرة: 255.
2 . الشورى: 40 .
3 . مجمع البيان: 8 / 427 ـ 428 .

صفحه 98
لِلَّذِينَ آمَنُوا)بولايتنا .1
وفي «الكافي» باسناده عن ابن أبي عمير رفعه قال: إنَّ الله أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل السماوات والأرض لنجوا بها، قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ـ إلى قوله: ـ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).2
(وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ) قد مرّ تفسيره في باب فضل الإيمان.3
إنّ الشيعة هم أهل دين الله، وهم على دين أنبيائه، وهم على الحق   

[ الباب التاسع ]

إنّ الشيعة هم أهل دين الله، وهم على دين أنبيائه، وهم على الحق 4

الآيات:

آل عمران (3): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). 68.
إبراهيم (14): (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي). 36.

1 . عيون أخبار الرضا: 2 / 237 .
2 . الكافي: 2 / 432 ح 5، باب التوبة.
3 . راجع: بحار الأنوار : 64 / 51، والآية 7 من سورة الحجرات; المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار : 5 / 63 .
4 . بحار الأنوار : 65 / 83 ـ 84، الباب 16.

صفحه 99

التفسير:

(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ)في «المجمع»1: أي أحقُّ الناس بنصرة إبراهيم بالحجّة أو بالمعونة (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)في وقته وزمانه، وتولّوه بالنصرة على عدوِّه (وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)يتولّون نصرته بالحجّة لما كان عليه من الحقِّ (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) لأنّه يتولّى نصرتهم، والمؤمن وليُّ الله، لهذا المعنى بعينه. وقيل: إنّه يتولّى نصرة ما أمر الله به من الدِّين.
وفي هذه الآية دلالة على أنَّ الولاية ثبتت بالدين لا بالنسب، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ أولى الناس بالأنبياء أعملهم 2 بما جاءُوا به، ثمَّ تلا هذه الآية فقال: إنَّ وليَّ محمّد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنَّ عدوَّ محمّد من عصى الله وإن قربت قرابته». ثمَّ روى رواية [ عن ] عليِّ بن إبراهيم الآتية.3
(فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) خصّه أكثر المفسّرين بذرِّيته، وظاهر الأخبار أنّه أعمُّ منهم.

[ الباب العاشر ]

الفرق بين الإيمان والإسلام وبيان معانيهما، وبعض شرائطهما4


1 . مجمع البيان: 2 / 318 .
2 . في المجمع: أعلمهم.
3 . روى علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره: 1 / 105 بإسناده عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام):«هم والله من آل محمد». قلت: من أنفسهم جعلت فداك؟ قال: «نعم والله من أنفسهم» قالها ثلاثاً. ثم نظر إلي ونظرت إليه فقال: «يا عمر إن الله يقول في كتابه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) .
4 . بحار الأنوار : 65 / 225 ـ 241، الباب 24 .

صفحه 100

الآيات:

الفرق بين الإيمان والإسلام وبيان معانيهما، وبعض شرائطهما   
البقرة (2): (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ـ إلى قوله تعالى ـ : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). 128 ـ 133.
وقال عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). 208 .
آل عمران (3): (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ... ـ إلى قوله تعالى ـ : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا). 19 ـ 20 .
وقال سبحانه: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ـ إلى قوله تعالى ـ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). 52 ـ 64 .
وقال سبحانه: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 67 .
وقال تعالى: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ـ إلى قوله تعالى ـ أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا

صفحه 101
أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ـ إلى قوله ـ : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). 80 ـ 85.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا). 102 ـ 103 .
النساء (4): (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). 65 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). 94.
المائدة (5): (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). 3.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ). 41.
وقال سبحانه: (وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ). 111.
الأنعام (6): (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). 71 .
وقال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ). 125.
هود (11): (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ

صفحه 102
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). 14.
يوسف (12): (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). 101.
الحجر (15): (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ). 2.
النحل (16): (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ). 81.
وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ). 89.
وقال سبحانه: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ). 102.
الأنبياء (21): (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). 108 .
الحج (22): (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ). 34.
النمل (27): (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ). 42 .
وقال تعالى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). 44.
وقال سبحانه: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ). 81 .
وقال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). 91 .
القصص (28): (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ). 52 ـ 53 .

صفحه 103
العنكبوت (29): (وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). 46.
الروم (30): (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْىِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ). 53.
الزمر (39): (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين). 22.
الزخرف (43): (اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ). 69 ـ 70 .
الحجرات (49): (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ـ إلى قوله تعالى ـ : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). 14 ـ 17 .
الذاريات (51): (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ). 35 ـ 36 .
التحريم (66): (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات). 5 .
القلم (68): (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). 35 ـ 36 .
الجن (72): (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا). 14 .

صفحه 104

التفسير:

(وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)قيل: أي مخلصين لك، من أسلم لك وجهه،
أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في
الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا): أي وأجعل بعض
ذرّيتنا (أُمَّةً): أي جماعة يؤمّون أي يقصدون ويقتدى بهم، وقيل: أراد بالأُمّة أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).1
وعن الصادق(عليه السلام): «هم أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».2 وفي رواية العيّاشي عنه (عليه السلام)أنّه أراد بالأُمّة بني هاشم خاصّة .3
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)تدلُّ هذه الآيات على أنَّ الإسلام قد يطلق على أعلى مدارج الإيمان. (وَوَصَّى بِهَا): أي بالملّة أو راجع إلى (أَسْلَمْتُ) بتأويل الكلمة أو الجملة.4
(اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ): أي دين الإسلام الّذي هو صفوة الأديان (فَلاَ تَمُوتُنَّ)ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام، كقولك: لا تصلِّ إلاّ وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أنَّ موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه وأنَّ من حقّه أن لا يحلَّ بهم.5
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)حال من فاعل (نَعْبُدُ)، أو مفعوله أو منهما،

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 401 .
2 . التفسير الأصفى: 1 / 66 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 61 برقم 101.
4 . التفسير الصافي: 1 / 191 .
5 . تفسير البيضاوي: 1 / 405 .

صفحه 105
ويحتمل أن يكون اعتراضاً.1
(فِي السِّلْمِ كَافَّةً)قال البيضاوي : السّلم ـ بالكسر والفتح ـ : الاستسلام والطاعة، ولذلك يطلق في الصلح، والإسلام ; وفتحه ابن كثير ونافع والكسائي، وكسره الباقون. و (كَافَّةً)اسم للجملة لأنّها تكفُّ الأجزاء من التفرّق، حال من الضمير أو السّلم لأنّها تؤنّث كالحرب، والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهراً وباطناً والخطاب للمنافقين، أو: ادخلوا في الإسلام بكلّيّتكم، ولا تخلطوا به غيره، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنّهم بعد إسلامهم عظّموا السبت وحرَّموا الإبل وألبانها، أو في شرائع الله تعالى كلّها: بالإيمان بالأنبياء والكتب جميعاً، والخطاب لأهل الكتاب، أو في شعب الإسلام وأحكامه كلّها، فلا تخلّوا بشيء والخطاب للمسلمين (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) بالتفرُّق والتفريق (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ظاهر العداوة. انتهى.2
وفي «الكافي» والعيّاشي، عن الباقر (عليه السلام):(فِي السِّلْمِ)في ولايتنا.3
وفي تفسير الإمام (عليه السلام): (فِي السِّلْمِ) في المسالمة إلى دين الإسلام (كَافَّةً)جماعة ادخلوا فيه، وادخلوا في جميع الإسلام فتقبّلوه واعملوا به، ولا تكونوا ممّن يقبل بعضه ويعمل به، ويأبى بعضه ويهجره.4
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ): أي لا دين مرضيّ عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرّع بالشرع الّذي جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)(أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ): أي

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 409 .
2 . تفسير البيضاوي: 1 / 492 ـ 493 .
3 . الكافي: 1 / 417 ح 29 ; تفسير العيّاشي: 1 / 102 برقم 297 .
4 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): 628 ـ 629 .

صفحه 106
أخلصت نفسي وجملتي له لا أُشرك فيها غيره، قيل: عبّر عن النفس بالوجه لأنّه أشرف الأعضاء الظاهرة، ومظهر القوى والحواسّ (وَمَنِ اتَّبَعَنِ): أي وأسلم من اتّبعني (وَالأُمِّيِّينَ): أي الّذين لا كتاب لهم كمشركي العرب (أَأَسْلَمْتُمْ)كما أسلمت لمّا وضحت لكم الحجّة أم أنتم بعد على كفركم؟ (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا): أي فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال.1
(نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ): أي أنصار دينه (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): أي في القيامة حين يشهد الرسل.2
(إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ): أي لا يختلف فيها الكتب والرسل وتفسيرها ما بعدها (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ): أي نوحّده بالعبادة ونخلص فيها (وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا): أي لا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا)كعزير والمسيح والأحبار وإطاعتهم فيما أحدثوا من التحريم والتحليل (فَإِنْ تَوَلَّوْا)عن التوحيد (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): أي لزمتكم الحجّة فاعترفوا بأنّا مسلمون دونكم أو اعترفوا بأنّكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل.3
(وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا): أي مائلاً عن العقائد الزائغة (مُسْلِمًا): أي منقاداً لله.4
(بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)وقع الإسلام هنا مقابلاً للكفر (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ): أي أفبعد هذه الآيات والحجج تطلبون ديناً غير دين الإسلام (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)قيل: أي عند الميثاق كما روي عن ابن

1 . تفسير البيضاوي : 2 / 18 ـ 20 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 44 .
3 . تفسير البيضاوي: 2 / 48 .
4 . تفسير البيضاوي: 2 / 50 .

صفحه 107
عباس. وقيل: أي أقرَّ بالعبوديّة وإن كان فيهم من أشرك في العبادة، كقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ).1 وقيل: أسلم المؤمن طوعاً والكافر كرهاً عند الموت. وقيل: أي استسلم له بالانقياد والذلّة. وقيل: معناه أكره قوم على الإسلام وجاء قوم طائعين، وهو المرويُّ عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كرهاً أي فرقاً من السيف»، وقال الحسن: الطوع لأهل السماوات خاصّة، وأمّا أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعاً ومنهم من أسلم كرهاً.
وقد روى العيّاشي عن الصادق (عليه السلام)أنّها نزلت في القائم (عليه السلام).2
وفي رواية أُخرى تلاها فقال: «إذا قام القائم (عليه السلام)لا تبقى أرض إلاّ نودي فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله».3
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ): أي إلى جزائه يصيرون.
(قُلْ آمَنَّا بِاللهِ)خطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يقول عن نفسه وعن أُمّته، قال الطبرسي (قدس سره): فإن قيل: ما معنى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)بعدما سبق الإقرار بالإيمان على التفصيل؟ قلنا: معناه ونحن له مسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه، وأيضاً فإنَّ أهل الملل المخالفة للإسلام، كانوا يقرُّون كلّهم بالإيمان، ولكن لم يقرُّوا بلفظة الإسلام، فلهذا قال: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). (وَمَنْ يَبْتَغِ): أي يطلب (غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا)يدين به (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)بل يعاقب عليه (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ): أي من الهالكين; لأنّ الخسران ذهاب رأس المال، وفي هذا دلالة على أنّ من ابتغى غير الإسلام ديناً لن يقبل منه، فدلَّ ذلك

1 . الزخرف: 87 .
2 . تفسير العيّاشي: 1 / 183 برقم 82 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 183 برقم 81 .

صفحه 108
على أنَّ الدين والإسلام والإيمان واحد، وهي عبارات عن معبّر واحد.1 انتهى.
(حَقَّ تُقَاتِهِ): أي حقّ تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجبات، والاجتناب عن المحرَّمات. وفي «المعاني» والعياشيّ سئل الصادق (عليه السلام)عن هذه الآية قال: «يُطاع ولا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر».2
والعيّاشي عنه (عليه السلام)أنّه سئل عنها فقال: منسوخة، قيل: وما نسخها؟ قال: قول الله: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).3
(وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): أي لا تكوننَّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت. في «المجمع» عن الصادق (عليه السلام): «وأنتم مسلّمون» بالتشديد، ومعناه مستسلمون لما أتى به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منقادون له. 4
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ) قيل: بدينه الإسلام، أو بكتابه لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «القرآن حبل الله المتين».5 استعار له الحبل، وللوثوق به الاعتصام، من حيث إنّ التمسّك به سبب النجاة، عن الرَّدى، كما أنّ التمسّك بالحبل الموثوق به سبب السلامة من التردِّي. وقال عليّ بن إبراهيم: الحبل: التوحيد والولاية.6
والعيّاشي عن الباقر (عليه السلام): آل محمّد هم حبل الله المتين الّذي أمر بالاعتصام به، فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)».7

1 . مجمع البيان: 2 / 336 ـ 337.
2 . معاني الأخبار: 240 ح 1; تفسير العيّاشي: 1 / 194 برقم 120.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 194 برقم 121.
4 . مجمع البيان: 2 / 356 .
5 . المجازات النبوية: 222; تفسير الكشّاف: 1 / 450 .
6 . تفسير القمّي: 1 / 108 .
7 . تفسير العيّاشي: 1 / 194 برقم 123.

صفحه 109
وعن الكاظم (عليه السلام): «عليُّ بن أبي طالب حبل الله المتين».1
وفي «مجالس الصدوق»: نحن الحبل.2
وأقول: وقد مرّت الأخبار في ذلك وشرحها في كتاب الإمامة.3
(جَمِيعًا): أي مجتمعين عليه ( وَلاَ تَفَرَّقُوا): أي ولا تتفرَّقوا عن الحقّ بإيقاع الاختلاف بينكم، وروى عليّ بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام)أنّ الله تبارك وتعالى علم أنّهم سيفترقون بعد نبيّهم ويختلفون، فنهاهم عن التفرُّق كما نهى مَن كان قبلهم، فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمّد (عليهم السلام)ولا يتفرَّقوا.4
(فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ): أي فيما اختلف بينهم أو اختلط (حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ): أي ضيقاً ممّا حكمت به (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً): أي وينقادوا لك انقياداً بظاهرهم وباطنهم.
(إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ): أي سافرتم للغزو (فَتَبَيَّنُوا): أي فاطلبوا بيان الأمر وميّزوا بين الكافر والمؤمن، وقرئ «فتثبّتوا» في الموضعين أي توقّفوا وتأنّوا حتّى تعلموا من يستحقّ القتل، والمعنيان متقاربان، يعني لا تعجلوا في القتل لمن أظهر إسلامه ظنّاً منكم بأنّه لا حقيقة لذلك (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ)وقرئ السّلم بغير ألف وهما بمعنى الاستسلام والانقياد، وفسّر السلام بتحيّة الإسلام أيضاً. والعيّاشي نسب قراءة السلام إلى الصادق (عليه السلام)،5 (لَسْتَ مُؤْمِنًا)وإنّما فعلت ذلك خوفاً من القتل (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي تطلبون ماله

1 . تفسير العيّاشي: 1 / 194 برقم 122.
2 . أمالي الطوسي: 272 ح 510. ولم نجده في أمالي الصدوق.
3 . راجع بحار الأنوار: 24 / 82 ـ 85.
4 . تفسير القمّي: 1 / 108 .
5 . تفسير العيّاشي: 1 / 268 برقم 242.

صفحه 110
الّذي هو حطام سريع الزوال، وهو الّذي يبعثكم على العجلة وترك التثبّت، (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)تغنيكم عن قتل أمثاله لماله (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ): أي أوّل ما دخلتم في الإسلام، وتفوَّهتم بكلمتي الشهادة، فحصنت بها دماؤكم وأموالكم، من غير أن تعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم (فَمَنَّ اللهُ)عليكم بالاشتهار بالإيمان، والاستقامة في الدين (فَتَبَيَّنُوا)وافعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنّاً بأنّهم دخلوا فيه اتّقاء وخوفاً، وتكريرها تأكيد لتعظيم الأمر، وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم (إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) عالماً به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل، ولا تحتالوا فيه.
وقال عليّ بن إبراهيم وغيره: إنّها نزلت لمّا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من غزوة خيبر، وبعث أُسامة بن زيد في خيل إلى بعض اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلمّا أحسّ بخيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، فمرّ به أُسامة بن زيد فطعنه فقتله فلمّا رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبره بذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت»، فحلف أُسامة بعد ذلك أن لا يقاتل أحداً شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فتخلّف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في حروبه وأنزل الله في ذلك (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ)الآية.1
وفي رواية العامّة أنّ مرداساً أضاف إلى الكلمتين السلام عليكم، وهي تؤيّد قراءة السلام وتفسيره بتحيّة الإسلام .
وأقول: لا يخفى أنّ أُسامة فعله الأخير كان أشنع من فعله الأوّل، وكان

1 . تفسير القمّي: 1 / 148 ـ 149 .

صفحه 111
عذره أشدّ وأفحش منهما .
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)قد مرّ أنّها نزلت بعد نصب أمير المؤمنين (عليه السلام)يوم الغدير، فتدلّ على أنّ الإمامة داخلة في الدين والإسلام وأنّ بها كماله.
(لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ): أي صنع الّذين يقعون في إظهار الكفر سريعاً إذا وجدوا منه فرصة (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ): أي من المنافقين، والباء متعلّقة بقالوا لا بآمنّا، والواو يحتمل الحال، والعطف، والآية تدلّ على أنّ الإيمان باللّسان لا ينفع مالم يوافقه القلب.
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) روى العيّاشي عن الباقر (عليه السلام): «أُلهموا» .1
(بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ): أي مخلصون.
(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ): أي يعرّفه الحقّ ويوفّقه للإيمان (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ) فيتّسع له ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل القلب قابلاً للحقّ مهيّئاً لحلوله فيه، مصفّى عمّا يمنعه وينافيه; في «المجمع»: قد وردت الرواية الصحيحة أنّه لمّا نزلت هذه الآية سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن شرح الصدر ما هو؟ فقال: «نور يقذفه الله في قلب المؤمن فيشرح صدره وينفسح»، قالوا: فهل ذلك أمارة يعرف بها؟ فقال: «نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».(2)
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)أيّها المؤمنون مَن دعوتموهم إلى المعارضة، أو أيّها الكافرون مَن دعوتموهم إلى المعاونة (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ): أي متلبّساً بما لا يعلمه إلاّ الله، ولا يقدر عليه سواه (وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)لأنّه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، لظهور عجز المدعوِّين (فَهَلْ أَنْتُمْ

1 . تفسير العيّاشي: 1 / 350 برقم 221.   2 . مجمع البيان: 4 / 158 .

صفحه 112
مُسْلِمُونَ): أي ثابتون على الإسلام، راسخون فيه؟ أو داخلون في الإسلام مخلصون فيه.
(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)يدلّ على إطلاق الإسلام على الإيمان الكامل (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): أي في الرتبة والكرامة.
(رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ): أي إذا عاينوا في القيامة حالهم وحال المسلمين، قالوا: ياليتنا كنّا مسلمين. وفي تفسيري العيّاشي وعليّ بن إبراهيم عن الباقر والصادق (عليهما السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لا يدخل الجنّة إلاّ مسلم، فيومئذ يودُّ الّذين كفروا لو كانوا مسلمين».1
وفي «المجمع» مرفوعاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها فسمع الله عزّ اسمه ما قالوا، فأمر مَن كان في النار من أهل الإسلام فأخرجوا منها، فحينئذ يقول الكفّار يا ليتنا كنّا مسلمين».2
(لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ): أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون لحكمه.
(تِبْيَانًا): أي بياناً بليغاً. وروى العيّاشي عن الصادق (عليه السلام)قال: «نحن والله نعلم ما في السماوات وما في الأرض، وما في الجنّة وما في النار، وما بين ذلك» ثم قال: «إنّ ذلك في كتاب الله» ثمّ تلا هذه الآية.3
وعنه (عليه السلام): «أنّ الله أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء حتّى والله ما ترك شيئاً

1 . تفسير العيّاشي: 2 / 239 برقم 1 ; تفسير القمّي: 1 / 372.
2 . مجمع البيان: 6 / 101.
3 . تفسير العيّاشي: 2 / 266 برقم 57.

صفحه 113
يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن، إلاّ أنزله الله فيه».1
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) يعني جبرئيل (عليه السلام)(مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ): أي متلبّساً بالحكمة (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا): أي على الإيمان بأنّه كلام الله، فإنّهم إذا سمعوا الناسخ، وتدبّروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة، رسخت عقائدهم واطمأنّت قلوبهم (وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) المنقادين لحكمه.
(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ) قيل: أي ما يوحى إليَّ إلاّ أنّه لا إله لكم إلاّ إله واحد; وذلك لأنّ المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)مخلصون العبادة لله على مقتضى الوحي؟ وفي «المناقب» عن الصادق (عليه السلام): فهل أنتم مسلّمون الوصيّة بعدي; لأنّ مخالفة الوصيّة عبادة للهوى والشيطان وأيضاً التوحيد لا يتمّ إلاّ بالولاية، إذ بالإمام يعرف الله، ويعرف طريق عبادته، فهي كمال التوحيد، وأصله وأساسه وغايته.2
(فَلَهُ أَسْلِمُوا): أي أخلصوا التقرُّب والذكر ولا تشوبوه بالإشراك (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) قيل: أي المتواضعين أو المخلصين فإنّ الإخبات صفتهم. وقال علي بن إبراهيم: أي العابدين.(3)
(وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ)سمّاهم عُمياً لفقدهم المقصود الحقيقيّ من الأبصار أو لعمى قلوبهم (إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ) فإنّ إيمانهم يدعوهم إلى تلقّي اللّفظ، وتدبّر المعنى، أو المراد بالمؤمن المشارف للإيمان، أو من هو في علم الله كذلك (فَهُمْ مُسْلِمُونَ): أي مخلصون من أسلم وجهه لله (وَلَهُ كُلُّ شَيْء): أي

1 . الكافي: 1 / 59 ح 1، باب الرد إلى الكتاب والسنّة.
2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 207 .   3 . تفسير القمّي: 2 / 84 .

صفحه 114
خلقاً وملكاً (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ): أي المنقادين أو الثابتين على ملّة الإسلام .
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)قيل: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وقيل: في أربعين من أهل الإنجيل من أهل الحبشة والشام (قَالُوا آمَنَّا بِهِ): أي بأنّه كلام الله (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا)استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ)استئناف آخر للدلالة على أنّ إيمانهم به ليس ممّا أحدثوه حينئذ. وإنّما هو أمر تقادم عهده لمّا رأوا ذكره في الكتب المتقدّمة، وكونهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن أو تلاوته عليهم، باعتقادهم صحّته في الجملة.
(وَقُولُوا آمَنَّا)قيل: هي المجادلة بالتي هي أحسن، وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالله وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلاً لم تصدّقوهم، وإن قالوا حقّاً لم تكذّبوهم (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): أي مطيعون له خاصّة، وفيه تعريض باتّخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ)حتّى تمكّن فيه بيسر، عبّر به عمّن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله، غير متأبّية عنه، لأنّ الصدر محلّ القلب، المنبع للروح، المتعلّق للنفس القابل للإسلام (فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ)يعني المعرفة والاهتداء إلى الحقّ، وقد مرّ الخبر في ذلك، وخبر (مِنْ)محذوف دلّ عليه قوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ): أي من أجل ذكره، في رواية عليّ بن إبراهيم1: نزل صدر الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي رواية العامّة: نزل في حمزة وعليّ، وما بعده في أبي لهب وولده. وروى عليّ بن إبراهيم(2) عن الصادق (عليه السلام): «أنّ القسوة والرقّة من القلب وهو قوله (فَوَيْلٌ)الآية». (وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) ظاهره كون الإسلام فوق الإيمان.

1 . تفسير القمّي: 2 / 248 .   2 . تفسير القمّي: 2 / 239.

صفحه 115
(قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا)قال الطبرسي (قدس سره): هم قوم من بني أسد أتوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السرِّ إنّما كانوا يطلبون الصدقة، والمعنى أنّهم قالوا صدّقنا بما جئت به، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا): أي لم تصدِّقوا على الحقيقة في الباطن (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا): أي انقدنا واستسلمنا مخافة السبي والقتل. ثمّ بيّن سبحانه أنّ الإيمان محلّه القلب دون اللّسان فقال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) قال الزجّاج: الإسلام إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبذلك يحقن الدّم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان وصاحبه المسلم المؤمن حقّاً فأمّا مَن أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدِّق، وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)إن لم تصدّقوا بعد ما أسلمتم تعوّذاً من القتل، فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التامّ الإسلام مظهر للطاعة، وهو مع ذلك مؤمن بها، والّذي أظهر الإسلام تعوّذاً من القتل غير مؤمن في الحقيقة، إلاّ أنّ حكمه في الظاهر حكم المسلمين.
وروى أنس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): الإسلام علانيّة، والإيمان في القلب ـ وأشار إلى صدره ـ ثمّ قال سبحانه: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا)1: أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً .2
(إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا): أي لم يشكّوا في دينهم بعد الإيمان (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ): أي الّذين صدقوا في ادّعاء الإيمان، فيدلُّ على

1 . الحجرات: 14.
2 . مجمع البيان: 9 / 230 ـ 231 .

صفحه 116
أنَّ للأعمال مدخلاً في الإيمان إمّا بالجزئيّة، أو الاشتراط أو هي كاشفة منه كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ): أي أتخبرونه به بقولكم آمنّا (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) هو تجهيل لهم وتوبيخ.
روي أنّه لمّا نزلت الآية المتقدّمة جاءوا وحلفوا أنّهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا): أي يعدّون إسلامهم عليك منّة، وهي النعمة لا يستثيب مولاها ممّن نزّلها إليه (قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ): أي بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ)على ما زعمتم مع أنّ الهداية لا تلزم الاهتداء (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في ادّعاء الإيمان، وجوابه محذوف يدلّ عليه ما قبله أي فللّه المنّة عليكم.1
وفي سياق الآية لطف، وهو أنّهم لمّا سمّوا ما صدر عنهم إيماناً ومنّوا به، نفى أنّه إيمان وسمّاه إسلاماً بأن قال: يمنّون عليك بما هو في الحقيقة إسلام، وليس بجدير أن يمنّ عليك، بل لو صحّ ادّعاؤهم للإيمان فللّه المنّة عليهم بالهداية له لا لهم.2
الدين الّذي لا يقبل الله أعمال العباد إلاّ به   
(فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال البيضاوي : استدلّ به على اتّحاد الإيمان والإسلام وهو ضعيف; لأنّ ذلك لا يقتضي إلاّ صدق المؤمن والمسلم على من اتّبعه، وذلك لا يقتضي اتّحاد مفهوميهما، لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة.3

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 221.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 222 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 239.

صفحه 117
وقال في قوله تعالى: (مُسْلِمَات مُؤْمِنَات)1 مقرّات مخلصات أو منقادات مصدّقات.2
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)قيل: إنكار لقولهم إن صحّ أنّا نبعث كما يزعم محمّد ومن معه، لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالاً منهم، كما نحن عليه في الدّنيا.3
(وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ): أي الجائرون عن طريق الحقِّ (فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا): أي توخّوا رشداً عظيماً يبلغهم إلى دار الثواب. وروى عليّ بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام): «أي الّذين أقرّوا بولايتنا».4

[ الباب الحادي عشر]

الدين الّذي لا يقبل الله أعمال العباد إلاّ به5

الآيات:

البقرة (2): (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق). 136 و 137.

1 . التحريم: 6 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 356.
3 . التفسير الأصفى: 2 / 1339 .
4 . تفسير القمّي: 2 / 389 .
5 . بحار الأنوار : 66 / 1، الباب 28.

صفحه 118
أقول: قد مرّ تفسيرها في الباب الأوّل .1

[ الباب الثاني عشر ]

إنّ العمل جزء الإيمان، وإنّ الإيمان مبثوث على الجوارح2

الآيات:

البقرة (2): (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ). 143 .
وقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى إلى قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). 177.
آل عمران (3): (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) 97.
فاطر (35): (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). 10.

التفسير:

في عدم لبس الإيمان بالظلم   
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ): أي صلاتكم كما سيأتي، واستدلّ به على أنّ العمل جزء الإيمان، وقال البيضاوي: أي ثباتكم على الإيمان. وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، لما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا وجّه إلى الكعبة قالوا: كيف

1 . راجع ص 31 ـ 32 ; وبحار الأنوار : 64 / 20 ـ 21.
2 . بحار الأنوار : 66 / 18 ـ 19، الباب 30.

صفحه 119
بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت.1
(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ): أي برُّ مَن آمن، أو المراد بالبرِّ البارُّ، ومقابلة الإيمان بالأعمال تدلّ على المغايرة، وآخرها حيث قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا): أي في دعوى الإيمان أو فيما التزموه وتمسّكوا به، يومئ إلى الجزئيّة أو الاشتراط، والآيات الدالّة على الطرفين كثيرة مفرّقة على الأبواب وسنتكلّم عليها إن شاء الله. وقوله سبحانه (وَمَنْ كَفَرَ) يدلّ على دخول الأعمال في الإيمان، حيث عدّ ترك الحجّ كفراً، وإنّ أوّله بعضهم بحمله على جحد فرض الحجّ أو حمل الكفر على كفران النعمة، فإنّ ترك المأمور به كفران لنعمة الآمر.
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)قيل: المراد به العقائد الحقّة. وقيل: كلمة التوحيد. وقيل: كلّ قول حسن، والصعود كناية عن القبول من صاحبه والإثابة عليه (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) يحتمل وجهين: أحدهما: إرجاع المرفوع إلى العمل، والمنصوب إلى الكلم أي العمل الصالح يوجب رفع العقائد وصحّتها، أو كمالها وقبولها. وثانيهما: العكس أي العقائد الحقّة شرائط لصحّة الأعمال، وعلى الوجه الأوّل يناسب الباب، وقد يقال: المرفوع راجع إلى الله والمنصوب إلى العمل.

[ الباب الثالث عشر]

في عدم لبس الإيمان بالظلم2

الآيات:


1 . تفسير البيضاوي: 1 / 419 .
2 . بحار الأنوار : 66 / 150 ـ 151، الباب 31.

صفحه 120
الأنعام (6): (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ). 82 .

التفسير:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم) قال الطبرسي (رحمه الله): معناه الّذين عرفوا الله تعالى وصدّقوا به، وبما أوجبه عليهم، ولم يخلطوا ذلك بظلم، والشرك هو الظلم; عن ابن عباس وابن المسيّب وأكثر المفسّرين. وروي عن أبي بن كعب أنّه قال: ألم تسمع قوله سبحانه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) 1. وهو المرويّ عن سلمان وحذيفة، وروي عن ابن مسعود قال: لمّا نزلت هذه الآية شقّ على الناس وقالوا: يا رسول الله وأيّنا لم يظلم نفسه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه ليس الّذي تعنون، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: (يَا بُني لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)». وقال الجبائي والبلخي: يدخل في الظلم كلّ كبيرة تحبط ثواب الطاعة، (أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ)من الله بحصول الثواب والأمان من العقاب (وَهُمْ مُهْتَدُونَ): أي محكوم لهم بالاهتداء إلى الحقّ والدين. وقيل: إلى الجنّة، ثمّ إنّه قيل: إنّ هذه الآية من تمام قول إبراهيم (عليه السلام). وروي ذلك عن عليّ (عليه السلام)وقيل: إنّها من الله على جهة فصل القضاء بين إبراهيم وقومه.2 انتهى.
درجات الإيمان وحقائقه   
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «إنّ الظلم هنا الشكّ».3
ويمكن أن يقال: الأمن المطلق والاهتداء الكامل لمن لم يلبس

1 . لقمان: 13.
2 . مجمع البيان: 4 / 99 ـ 100 .
3 . الكافي: 2 / 399.

صفحه 121
إيمانه بشيء من الظلم والمعاصي والأمن من الخلود من النار والاهتداء في الجملة لمن صحّت عقائده، ثمّ بينهما مراتب كثيرة يختلف بحسبها الأمن والاهتداء.

[ الباب الرابع عشر]

درجات الإيمان وحقائقه 1

الآيات:

آل عمران (3): (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ). 163.
الأنعام (6): (نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ). 83 .
وقال تعالى: (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ). 132.
يوسف (12): (نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم عَلِيمٌ). 76.
الإسراء (17): (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً). 21.
الأحقاف (46): (وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ). 19.
الواقعة (56): (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ

1 . بحار الأنوار : 66 / 154 ـ 159، الباب 32.

صفحه 122
الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الاْخِرِينَ ـ إلى قوله: ـ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الاْخِرِينَ). 7 ـ 40.
وقال تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم * وَتَصْلِيَةُ جَحِيم). 88 ـ 94 .
الحديد (57): (لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ). 10.
المجادلة (58): (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات). 11.
الحشر (59): (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ـ إلى قوله ـ إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). 8 ـ 10.

التفسير:

(هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ)شبّهوا بالدّرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب أو هم ذو درجات (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها (نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ): أي في العلم والعمل (وَلِكُلّ): أي من المكلّفين (دَرَجَاتٌ): أي مراتب ممّا عملوا (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ) فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحقّ به من ثواب أو عقاب، وقرئ بالخطاب.
(نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ) بالعلم والحكمة كما رفعنا درجة يوسف (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم عَلِيمٌ) أرفع درجة منه في علمه، واستدلّ به على أنّه علمه سبحانه عين ذاته (كَيْفَ فَضَّلْنَا): أي في الدنيا (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَات): أي التفاوت في الآخرة أكثر. وفي «المجمع»: روي أنّ ما بين أعلى درجات الجنّة وأسفلها مثل ما

صفحه 123
بين السماء والأرض. 1
وروى العيّاشي عن الصادق (عليه السلام): لا تقولنَّ الجنّة واحدة، إنّ الله يقول (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) 2 ولا تقولنَّ درجة واحدة، إنَّ الله يقول: (بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات)إنّما تفاضل القوم بالأعمال.3
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما يرتفع العباد غداً في الدرجات، وينالون الزّلفى من ربّهم على قدر عقولهم».4
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «إنّ الثواب على قدر العقل».5
(وَلِكُلّ): أي من الجنّ والإنس (دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا): أي مراتب ممّا عملوا من الخير والشرّ أو من أجل ما عملوا. قيل: والدّرجات غالبة في المثوبة، وهنا جاءت على التغليب (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ): أي جزاءها (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)بنقص ثواب وزيادة عقاب.
(وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا): أي أصنافاً (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)قيل: أي اليمين، وهم الّذين يعطون كتبهم بأيمانهم، أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنّة، أو أصحاب اليمن والبركة على أنفسهم (مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): أي أيُّ شيء هم؟ على التعجيب من حالهم. (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)وهم الّذين يعطون كتبهم بشمالهم أو يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، أو المشائيم على أنفسهم بما عملوا من المعصية، ثمّ عجب سبحانه من حالهم تفخيماً لشأنهم في العذاب فقال: (مَا

1 . مجمع البيان: 6 / 237 .
2 . الرحمن: 63.
3 . تفسير العيّاشي: 3 / 155 برقم 61، المستدرك (سورة الرحمن).
4 . تحف العقول: 54.
5 . الكافي: 1 / 12 ح 8 .

صفحه 124
أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) .
ثمّ بيّن الصنف الثالث فقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ): أي السابقون إلى اتّباع الأنبياء الّذين صاروا أئمة الهدى فهم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله أو السابقون إلى طاعة الله، هم السابقون إلى رحمته، أو الثاني تأكيد للأوّل، والخبر (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ): أي السابقون إلى الطاعات يقرَّبون إلى رحمة الله في أعلى المراتب. وقيل في السابقين: إنّهم السابقون إلى الإيمان، وقيل: إلى الهجرة، وقيل: إلى الصلوات الخمس، وقيل: إلى الجهاد، وقيل: إلى التوبة وأعمال البرِّ، وقيل: إلى كلّ ما دعا الله إليه، وهذا أولى.
وعن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، والسابق في أُمّة موسى وهو مؤمن آل فرعون، والسابق في أُمّة عيسى وهو حبيب النجّار، والسابق في أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)».1
(ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ): أي هم ثلّة أي جماعة كثيرة العدد من الأُمم الماضية (وَقَلِيلٌ مِنَ الاْخِرِينَ)من أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ من سبق إلى إجابة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)قليل بالإضافة إلى مَن سبق إلى إجابة النبيّين قبله، وقيل: معناه جماعة من أوائل هذه الأُمّة، وقليل من أواخرهم ممّن قرب حالهم من حال أُولئك. وقيل: على الوجه الأوّل لا يخالف ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أُمّتي يكثرون سائر الأُمم» لجواز أن يكون سابقو سائر الأُمم أكثر من سابقي هذه الأُمّة وتابعو هذه أكثر من تابعيهم، ولا يردّه قوله تعالى في أصحاب اليمين: ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الاْخِرِينَ)لأنَّ كثرة الفريقين لا ينافي أكثريّة أحدهما.2 انتهى.
(لأَصْحَابِ الْيَمِينِ): أي ما ذكر جزاء لأصحاب اليمين (ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ *

1 . مجمع البيان: 9 / 359.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 285 .

صفحه 125
وَثُلَّةٌ مِنَ الاْخِرِينَ): أي جماعة من الأُمم الماضية وجماعة من مؤمني هذه الأُمّة، وقيل هنا أيضاً: إنَّ الثّلتين من هذه الأُمّة.1
(فَأَمَّا إِنْ كَانَ): أي المتوفّى (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ): أي السابقين (فَرَوْحٌ): أي فله استراحة. وقيل: هواء تستلذُّه النفس ويزيل عنها الهمَّ. (وَرَيْحَانٌ)قيل: أي رزق طيّب. وقيل: الريحان المشموم من ريحان الجنّة يؤتى به عند الموت فيشمّه. وقيل: الرَّوح الرحمة والرّيحان كلُّ نباهة وشرف. وقيل: روح في القبر وريحان في الجنّة (وَجَنَّةُ نَعِيم): أي ذات تنعّم (فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)قيل: أي فترى فيهم ما تحبُّ لهم من السلامة من المكاره والخوف. وقيل: أي فسلام لك أيّها الإنسان الّذي هو من أصحاب اليمين من عذاب الله، وسلّمت عليك ملائكة الله. وقيل: معناه فسلام لك منهم في الجنّة لأنّهم يكونون معك فقوله (لَكَ)بمعنى عليك.
(فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم): أي نزلهم الّذي أعدَّ لهم من الطعام والشراب حميم جهنّم (وَتَصْلِيَةُ جَحِيم): أي إدخال نار عظيمة.2
(لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)بيّن سبحانه أنَّ الإنفاق قبل فتح مكّة إذا انضمَّ إليه الجهاد أكثر ثواباً عند الله من النفقة والجهاد بعد ذلك; وذلك أنَّ القتال قبل الفتح كان أشدَّ، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمسَّ.3 وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، و (الْفَتْحِ) فتح مكّة إذ عزَّ الإسلام به وكثر أهله وقلّت الحاجة إلى المقاتلة والإنفاق (مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا): أي

1 . مجمع البيان: 9 / 365 .
2 . مجمع البيان: 9 / 379 ـ 380 .
3 . مجمع البيان: 9 / 386 .

صفحه 126
من بعد الفتح (وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى): أي كلاًّ من المنفقين وعد الله المثوبة الحسنى وهي الجنّة (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) عالم بظاهره وباطنه فمجازيكم على حسبه.1
(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)قال ابن عبّاس: يرفع الله الّذين أُوتوا العلم من المؤمنين على الّذين لم يؤتوا العلم (دَرَجَات). وقيل: معناه لكي يرفع الله الّذين آمنوا منكم بطاعتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)درجة والّذين أُوتوا العلم بفضل علمهم وسابقتهم درجات في الجنّة. وقيل: في مجلس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).2
السكينة وروح الإيمان وزيادته ونقصانه   
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)فإنّ كفّار مكّة أخرجوهم وأخذوا أموالهم (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا)حال مقيّدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ)بأنفسهم وأموالهم (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الّذين ظهر صدقهم في إيمانهم (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)عطف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار، فإنّهم لزموا المدينة وتمكّنوا فيهما. وقيل: المعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان، فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأوّل وعوّض عنه اللاّم، أو تبوّؤا الدار وأخلصوا الإيمان (مِنْ قَبْلِهِمْ): أي من قبل هجرة المهاجرين. وقيل: تقدير الكلام والّذين تبوّؤا الدّار من قبلهم والإيمان (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)ولا يثقل عليهم (وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ): أي في أنفسهم (حَاجَةً): أي ما يحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ (مِمَّا أُوتُوا): أي ممّا أُعطي المهاجرون وغيرهم (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ): أي يقدّمون المهاجرين على أنفسهم (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ): أي حاجة (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)حتّى يخالفها فيما يغلب عليها من

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 298 .
2 . مجمع البيان: 9 / 418 .

صفحه 127
حبِّ المال وبغض الإنفاق (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل. (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)قيل: هم الّذين هاجروا من حين قوي الإسلام أو التابعون بإحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، ولذلك قيل إنَّ الآية قد استوعبت جميع المؤمنين (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ): أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمَن سبقهم بالإيمان (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)حقداً وغشّاً وعداوة (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ): أي متعطّف على العباد منعم عليهم.1

[ الباب الخامس عشر ]

السكينة وروح الإيمان وزيادته ونقصانه2

الآيات:

البقرة (2): (قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). 260.
الأنفال (8): ( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا). 2.
التوبة (9): (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ). 124 ـ 125 .
الكهف (18): (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ). 13 ـ 14 .

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 319 ـ 321.
2 . بحار الأنوار : 66 / 175 ـ 178، الباب 33.

صفحه 128
الأحزاب (33): (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيًما). 22.
الفتح (48): (هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ). 4.
المجادلة (58): (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ). 22.

التفسير:

قوله تعالى: (قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أقول: يدلُّ على أنّ الإيمان واليقين قابلان للشدّة والضّعف، قال الطبرسي (رحمه الله): أي بلى أنا مؤمن ولكن سألت ذاك لازداد يقيناً إلى يقيني، وقيل: لأعاين ذلك ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال. وقيل: ليطمئنّ قلبي بأنّك قد أجبت مسألتي واتّخذتني خليلاً كما وعدتني .1
وقال في قوله تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) معناه:
وإذا قرئ عليهم القرآن زادتهم آياته تبصرة ويقيناً على يقين. وقيل:
زادتهم تصديقاً مع تصديقهم بما أُنزل إليهم قبل ذلك; عن ابن عبّاس. والمعنى أنّهم يصدّقون بالأُولى والثانية والثالثة وكلّما يأتي من عند الله فيزداد تصديقهم.2

1 . مجمع البيان: 2 / 178.
2 . مجمع البيان: 4 / 427.

صفحه 129
وقال القاضي: زادتهم إيماناً لزيادة المؤمن به أو لاطمئنان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلّة أو بالعمل بموجبها، وهو قول مَن قال: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أنّ العمل داخل فيه .1
قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي من المنافقين (مَنْ يَقُولُ)على وجه الإنكار أي يقول بعضهم لبعض: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ)السورة (إِيمَانًا)وقيل: معناه يقول المنافقون للمؤمنين الّذين في إيمانهم ضعف: أيّكم زادته هذه السورة إيماناً أي يقيناً وبصيرة.2
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)قال القاضي: بزيادة العلم الحاصل من تدبّر السورة، وانضمام الإيمان بها وبما فيها، إلى إيمانهم (وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)بنزولها; لأنّه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ): أي كفراً بها مضموماً إلى كفرهم بغيرها (وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ): أي استحكم ذلك فيهم حتّى ماتوا عليه .3
(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)في «المجمع»: أي بصيرة في الدين، ورغبة في الثبات عليه بالألطاف المقوّية لدواعيهم إلى الإيمان (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ): أي شددنا عليها بالألطاف والخواطر المقوّية للإيمان حتّى وطّنوا أنفسهم على إظهار الحقّ، والثبات على الدين والصبر على المشاقّ ومفارقة الوطن.4
(وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ): أي ولمّا عاين المصدّقون بالله ورسوله الجماعة الّذين تحزَّبت على قتال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع كثرتهم (قَالُوا)الخ، فيه قولان:

1 . تفسير البيضاوي: 3 / 88 .
2 . مجمع البيان: 5 / 145. والآية 124 من سورة براءة.
3 . تفسير البيضاوي: 3 / 181 .
4 . مجمع البيان: 6 / 317. والآية 13 من سورة الكهف.

صفحه 130
أحدهما: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان قد أخبرهم أنّه يتظاهر عليهم الأحزاب ويقاتلونهم ووعدهم الظفر بهم، فلمّا رأوهم تبيّن لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزاً له (وَمَا زَادَهُمْ)مشاهدة عدوّهم (إِلاَّ إِيمَانًا): أي تصديقاً بالله ورسوله، وتسليماً لأمره، والآخر أنّ الله وعدهم بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا ـ إلى قوله ـ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)1 ما سيكون من الشدّة الّتي تلحقهم من عدوّهم، فلمّا رأوا الأحزاب قالوا هذه المقالة.2
(هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ)هي أن يفعل الله بهم اللّطف الّذي يحصّل لهم عنده من البصيرة بالحقّ ما تسكن إليه نفوسهم، وذلك بكثرة ما ينصب لهم من الأدلّة الدالّة عليه، فهذه النعمة التامّة للمؤمنين خاصّة، وأمّا غيرهم فتضطرب نفوسهم لأوّل عارض من شبهة ترد عليهم، إذ لا يجدون برد اليقين، وروح الطمأنينة في قلوبهم، وقيل: هي النصرة للمؤمنين لتسكن بذلك قلوبهم، ويثبتوا في القتال. وقيل: هي ما أسكن قلوبهم من التعظيم لله ولرسوله (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ): أي يقيناً إلى يقينهم بما يرون من الفتوح وعلوّ كلمة الإسلام على وفق ما وعدوا. وقيل: ليزدادوا تصديقاً بشرائع الإسلام، وهو أنّهم كلّما أُمروا بشيء من الشرائع صدّقوا به، وذلك بالسكينة الّتي أنزلها الله في قلوبهم; عن ابن عبّاس. والمعنى: ليزدادوا معارف على المعرفة الحاصلة عندهم.3
إنّ الإيمان مستقر ومستودع، وإمكان زوال الإيمان   
(أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ): أي ثبّته في قلوبهم بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب. وقيل: كتب في قلوبهم علامة الإيمان، ومعنى ذلك: أنّها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنّهم مؤمنون (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ): أي

1 . البقرة: 214 .
2 . مجمع البيان: 8 / 144 .
3 . مجمع البيان: 9 / 186 .

صفحه 131
قوّاهم بنور الإيمان. وقيل: قوَّاهم بنور الحجج والبرهان، حتّى اهتدوا للحقّ وعملوا به. وقيل: قوّاهم بالقرآن الّذي هو حياة للقلوب من الجهل. وقيل: أيّدهم بجبرئيل في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم.1

[ الباب السادس عشر]

إنّ الإيمان مستقر ومستودع، وإمكان زوال الإيمان2

الآيات:

الأنعام (6): (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ). 98.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ): أي أبدعكم وخلقكم (مِنْ نَفْس وَاحِدَة): أي من آدم (عليه السلام); لأنّ الله تعالى خلقنا جميعاً منه.3
أقول: وقد مرّ أنّ خلقهم من أب واحد لا يقتضي عدم مدخليّة الأُمّ ولا تكون الأُمّ مخلوقة منه، (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)قال المفسّرون فيه وجوهاً: الأوّل: مستقرٌّ في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث. والثاني: مستقرٌّ في بطن الأُمّهات، ومستودع في أصلاب الآباء. الثالث: مستقرٌّ على ظهر الأرض في الدُّنيا، ومستودع عند الله في الآخرة. الرابع: مستقرٌّ في القبر، ومستودع في الدُّنيا. وقيل: مستقرُّها أيّام حياتها، ومستودعها حيث يموت.

1 . مجمع البيان: 9 / 422.
2 . بحار الأنوار : 66 / 212، الباب 34 .
3 . مجمع البيان: 4 / 120.

صفحه 132
وأقول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر القاف والباقون بالفتح، وعلى ما سيأتي من التأويل في الأخبار تستقيم القراءتان، فبالفتح أي فلكم استقرار في الإيمان، واستيداع فيه، أو فمنكم من هو محلُ استقرار الإيمان، ومنكم من هو محلُّ استيداعه، ففيه حذف وإيصال أي مستقرٌّ فيه ; وبالكسر أي فمنكم مستقرٌّ في الإيمان، ومنكم مستودع فيه، أو فإيمان بعضكم مستقرٌّ وإيمان بعضكم مستودع، على القراءتين.
صفات خيار العباد وأولياء الله، وفيه ذكر بعض الكرامات الّتي رويت عن الصالحين   

[ الباب السابع عشر]

صفات خيار العباد وأولياء الله، وفيه ذكر بعض الكرامات الّتي رويت عن الصالحين1

الآيات:

يونس (10): (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). 62.
الحج (22): (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ). 41.
المؤمنون (23): (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). 57 ـ 61 .

1 . بحار الأنوار : 66 / 254 ـ 270، الباب 37 .

صفحه 133
النور (24): (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب). 36 ـ 38 .
الفرقان (25): (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيًما * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا). 63 ـ 76 .
فصّلت (41): (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا

صفحه 134
تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُور رَحِيم * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ). 30 ـ 33 .
الأحقاف (46): (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ). 13 ـ 16 .
الذاريات (51): (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). 15 ـ 19 .
المجادلة (58): (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 22.
الحاقّة (69): (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة * فِي جَنَّة عَالِيَة * قُطُوفُهَا

صفحه 135
دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ). 19 ـ 24 .
المعارج (70): (إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ). 22 ـ 35 .
(الدهر) الإنسان (76): (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ـ إلى قوله تعالى ـ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا). 5 ـ 22 .
العصر (103): (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). 1 ـ 3 .

التفسير:

(أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)قال المفسّرون: أي في القيامة من العقاب (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ): أي لا يخافون، وأقول: يمكن أن يكون المراد أعمَّ من

صفحه 136
الدُّنيا والآخرة، فإنّهم لرضاهم بقضاء الله، وعدم تعلّقهم بالدُّنيا وما فيها لا خوف عليهم للحوق مكروه، ولاهم يحزنون لفوات مأمول.
وقال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في أولياء الله، فقيل: هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير والإخبات; عن ابن عبّاس. وقيل: هم المتحابّون في الله، ذكر ذلك في خبر مرفوع. وقيل: هم (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) قد بيّنهم في الآية الّتي بعدها. وقيل: إنّهم الّذين أدّوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتوَّرعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل هذه الدّنيا، ورغبوا فيما عند الله واكتسبوا الطيّب من رزق الله لمعايشهم، لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثمّ أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأُولئك الّذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدّموا منه لآخرتهم، وهو المرويُّ عن علي بن الحسين (عليهما السلام). وقيل: هم الّذين توالت أفعالهم على موافقة الحقّ .1
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ): أي أعطيناهم ما به يصحّ الفعل منهم وسلّطناهم في الأرض، أدَّوا الصلاة بحقوقها، وأعطوا ما افترض الله عليهم من الزكاة (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ)وهو الحقُّ لأنّه تعرف صحّته (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)وهو الباطل لأنّه لا يمكن معرفة صحّته، ويدلُّ على وجوبهما وقال أبو جعفر (عليه السلام): «نحن هم والله». (وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي يبطل كلُّ ملك سوى ملكه، فتصير الأُمور إليه بلا مانع ولا منازع.(2)
وقال في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): أي من عذاب ربّهم خائفون، فيفعلون ما أمرهم به، وينتهون عمّا نهاهم عنه (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ): أي بآيات الله وحججه من القرآن وغيره يصدّقون.2

1 . مجمع البيان: 5 / 205 .   2 . مجمع البيان: 7 / 158.
2 . مجمع البيان: 7 / 195 ; تفسير البيضاوي: 4 / 159 .

صفحه 137
أقول: وفي الأخبار أنّ الآيات هم الأئمّة(عليهم السلام).1
(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ)من الشرك الجليّ والخفيّ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا): أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة، أو أعمال البرّ كلّها كما قال علي بن إبراهيم (رحمه الله): من العبادة والطاعة،2 ويؤيّده قراءة (يأتون ما أتوا) في الشواذ.3(وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): أي خائفة، قال الحسن: المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وامتناناً، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «خائفة أن لا تقبل منهم»، وفي رواية أُخرى: «يؤتي ما آتى وهو خائف راج». وقيل: إنّ في الكلام حذفاً وإضماراً، وتأويله قلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم، لعلمهم (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ): أي لأنّهم يوقنون بأنّهم يرجعون إلى الله تعالى يخافون أن لا يقبل منهم، وإنّما يخافون ذلك لأنّهم لا يأمنون التفريط أو يخافون من أنّ مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفى عليهم.
وقال الصادق (عليه السلام): «ما الّذي أتوا؟ أتوا والله الطاعة مع المحبّة والولاية وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شكّ ولكنّهم خافوا أن يكونوا مقصّرين في محبّتنا وطاعتنا».4
(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)معناه الّذين جمعوا هذه الصفات هم الّذين يبادرون إلى الطاعات ويسابقون إليها رغبة منهم فيها، وعلماً منهم بما ينالون بها من حسن الجزاء (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): أي وهم لأجل تلك الخيرات

1 . راجع: بحار الأنوار : 23 / 206 ـ 211، باب أنّهم(عليهم السلام)آيات الله وبيّناته وكتابه.
2 . تفسير القمّي: 2 / 91 .
3 . قال الطبرسي في مجمع البيان: 7 / 196: في الشواذ قراءة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعائشة وابن عباس وقتادة والأعمش (يأتون ما أتوا) مقصوراً.
4 . الكافي: 2 / 457 ح 15، باب محاسبة العمل; وج 8 / 128 ح 98 .

صفحه 138
سابقون إلى الجنّة أو هم إليها سابقون، قال ابن عباس: يسابقون فيها أمثالهم من أهل البرّ والتقوى. وروى علي بن إبراهيم، عن الباقر (عليه السلام)قال: «هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)لم يسبقه أحد».1
(فِي بُيُوت): أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بيوت (أَذِنَ اللهُ): أي أمر أو قدّر (أَنْ تُرْفَعَ)بالتعظيم (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)بالتلاوة والذكر والدعاء ونزول الوحي وبيان الأحكام. عن الصادق (عليه السلام): «هي بيوت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)».(2)
وعن الباقر (عليه السلام): «هي بيوت الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى».2
وروى علي بن إبراهيم عنه (عليه السلام): «هي بيوت الأنبياء، وبيت علي (عليه السلام)منها».(4)
(يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)في «الفقيه» عن الصادق (عليه السلام)في هذه الآية قال: «كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجراً ممّن لا يتّجر».3 وفي «المجمع» عنهما (عليهما السلام)مثله .4
(يَخَافُونَ يَوْمًا)مع ما هم عليه من الذكر والطاعة (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)تضطرب وتتغيّر من الهول (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولا تخطر ببالهم (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب) تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيّة، وسعة الإحسان.
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ): أي عبيده الخلّص الّذين عملوا بلوازم العبوديّة (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا): أي بسكينة وتواضع، وفي «المجمع» عن

1 . تفسير القمّي: 2 / 92 .   2 . الكافي: 8 / 331 ح 510.
2 . الكافي: 8 / 119، ح 92 ضمن حديث آدم (عليه السلام)مع الشجرة.   4 . تفسير القمّي: 2 / 104.
3 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 192.
4 . مجمع البيان: 7 / 254.

صفحه 139
الصادق(عليه السلام): «هو الرجل يمشي بسجيّته الّتي جبل عليها لا يتكلّف ولا يتبختر».1
وروى علي بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام)أنّه قال في هذه الآية: «الأئمة(عليهم السلام)يمشون على الأرض هوناً خوفاً من عدوّهم».2
وعن الكاظم (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية؟ فقال: «هم الأئمّة يتّقون في مشيهم» .3
وعن الباقر (عليه السلام)قال: «هم الأوصياء مخافة من عدوّهم ».4
(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا) قيل: أي تسلّماً منكم ومتاركة لكم لا خيرٌ بيننا ولا شرٌّ، أو سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا): أي في الصلاة، وتخصيص البيتوتة لأنَّ العبادة باللّيل أحمز وأبعد من الرياء.
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ)إلى قوله: (غَرَامًا): أي لازماً، ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنّهم مع حسن مخالفتهم مع الخلق، واجتهادهم في عبادة الحقّ وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ولا وثوقهم على استمرار أحوالهم (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) الجملتان تحتملان الحكاية والابتداء من الله (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا)الخ. قال عليّ بن إبراهيم: الإسراف الإنفاق في المعصية في غير حقّ (وَلَمْ يَقْتُرُوا)لم يبخلوا عن حقّ الله جلّ وعزَّ، والقوام: العدل والإنفاق فيما أمر الله به .5

1 . مجمع البيان: 7 / 310.
2 . تفسير القمّي: 2 / 116 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 116.
4 . الكافي: 1 / 427 ح 78 .
5 . تفسير القمّي: 2 / 117 .

صفحه 140
وفي «المجمع» عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن أعطى في غير حقّ فقد أسرف، ومَن منع من حقّ فقد قتر». وعن عليّ (عليه السلام): «ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر». 1
وعن الصادق (عليه السلام): «إنّما الإسراف فيما أفسد المال وأضرَّ بالبدن» قيل: فما الإقتار؟ قال: «أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره»، قيل: فما القصد؟ قال: «الخبز واللحم واللّبن والخلّ والسمن مرّة هذا ومرّة هذا».2
وعنه (عليه السلام)أنّه تلا هذه الآية فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، قال: «هذا الإقتار الّذي ذكر الله في كتابه»، ثمّ قبض قبضة أُخرى فأرخى كفّه كلّها ثمّ قال: «هذا الإسراف»، ثمّ أخذ قبضة أُخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: «هذا القوام».3
(حَرَّمَ اللهُ): أي حرّمها بمعنى حرّم قتلها (إِلاَّ بِالْحَقِّ)متعلّق بالقتل المحذوف أو: بـ (لاَ يَقْتُلُونَ). (يَلْقَ أَثَامًا): أي جزاء (يُضَاعَفْ)بدل من يلق، وقال علي بن إبراهيم: أثام واد من أودية جهنّم من صفر مذاب، قدّامها حرّة في جهنّم يكون فيه مَن عبد غير الله، ومَن قتل النفس الّتي حرّم الله، وتكون فيه الزُّناة ويضاعف لهم فيه العذاب.4
(فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات)في «العيون» عن الرضا (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا كان يوم القيامة تجلّى الله عزَّ وجلَّ لعبده المؤمن فيقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً، ثمّ يغفر له لا يطلع الله على ذلك ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً، ويستر

1 . مجمع البيان: 7 / 311.
2 . الكافي: 4 / 53 ح 10، باب فضل القصد.
3 . الكافي: 4 / 55 ح 1، باب كراهية السرف والتقتير.
4 . تفسير القمّي: 2 / 116.

صفحه 141
عليه ما يكره أن يقف عليه أحد ثمَّ يقول لسيّئاته: كونوا حسنات».1
وأقول: الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الأبواب السابقة لا سيّما في باب الصفح عن الشيعة.2
(وَمَنْ تَابَ)بترك المعاصي والندم عليها (وَعَمِلَ صَالِحًا)بتلافي ما فرَّط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة (فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ): أي يرجع إليه بذلك (مَتَابًا) مرضيّاً عند الله ماحياً للعقاب محصّلاً للثواب. وقال عليُّ بن إبراهيم: لا يعود إلى شيء من ذلك بإخلاص ونيّة صادقة.3
(وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ)قال: لا يقيمون الشهادة الباطلة، وعن الصادق (عليه السلام): «هو الغناء» (4)، وقال عليُّ بن إبراهيم: الغناء ومجالس اللّهو.4
(وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفحشاء، والصفح عن الذنوب، والكناية عمّا يستهجن التصريح به.
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال لبعض أصحابه: «أين نزلتم؟» قالوا: على فلان صاحب القيان، فقال: «كونوا كراماً، ثمّ قال: أما سمعتم قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)».5
وفي «العيون» عن محمّد بن أبي عباد كان مشتهراً بالسماع وبشرب النبيذ، قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن السماع؟ فقال: لأهل الحجاز رأي فيه، وهو في حيّز

1 . عيون أخبار الرضا: 1 / 36 ح 57 .
2 . راجع: بحار الأنوار : 68 / 98 ـ 149 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 117 .   4 . الكافي: 6 / 433 ح 13، باب الغناء.
4 . تفسير القمّي: 2 / 117.
5 . الكافي: 6 / 432 ح 9، باب الغناء.

صفحه 142
الباطل واللّهو أما سمعت الله يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)».1
(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا): أي لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصّرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبّوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين بعيون راعية. وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)قال: «مستبصرين ليسوا بشكّاك».2
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن)بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإنَّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سرَّ به قلبه، وقرَّ بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقّع لحوقهم به في الجنّة.
(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)في «الجوامع» عن الصادق (عليه السلام): «إيّانا عنى». وفي رواية: هي فينا.3
وروى عليّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)قال: «نحن أهل البيت»، قال: «وروي أنَّ أزواجنا خديجة، وذرّيّاتنا فاطمة، وقرّة أعين الحسن والحسين، واجعلنا للمتقين إماماً علي بن أبي طالب والأئمّة(عليهم السلام)».4
(أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ): أي أعلى مواضع الجنّة، وهي اسم جنس أُريد به الجمع (بِمَا صَبَرُوا): أي بصبرهم على المشاقّ من مضض الطاعات، ورفض الشهوات وتحمّل المجاهدات (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا): أي دعاء بالتعمير وبالسّلامة، أي يحيّيهم الملائكة ويسلّمون عليهم، أو يحيّي بعضهم بعضاً ويسلّم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كلِّ آفة (خَالِدِينَ فِيهَا)لا يموتون ولا يخرجون.

1 . عيون أخبار الرضا: 2 / 135 ح 5، الباب 35 .
2 . الكافي: 8 / 178 ح 199.
3 . جوامع الجامع: 2 / 664.
4 . تفسير القمّي: 1 / 10 .

صفحه 143
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ)اعترافاً بربوبيّته، وإقراراً بوحدانيّته (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)على مقتضاه، وفي أخبار كثيرة أنَّ المراد به الاستقامة على الولاية. وفي «نهج البلاغة»: «وَإِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللهِ وَحُجَّتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالى : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، وَقَدْ قُلْتُمْ : «رَبُّنَا اللهُ»، فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ (طاعته)، ثُمَّ لاَتَمْرُقُوا مِنْهَا، وَ لاَ تَبْتَدِعُوا فِيهَا، وَ لاَ تُخَالِفُوا عَنْهَا. فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».1
وقد ورد في الأخبار الكثيرة أنّ المراد بالاستقامة: الاستقامة على ولاية الأئمّة(عليهم السلام)واحداً بعد واحد.2
(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ)قال الطبرسي (رحمه الله): يعني عند الموت، وروي ذلك عن أبي عبدالله (عليه السلام). وقيل: تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى. وقيل: إنَّ البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر، وعند البعث: (أَلاَّ تَخَافُوا)عقاب الله (وَلاَ تَحْزَنُوا)فوت الثواب، أو لا تخافوا ممّا أمامكم، ولا تحزنوا على ما وراءكم وما خلفكم من أهل وولد، وقيل لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإنّي أغفرها لكم (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ): أي أنصاركم وأحبّاؤكم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)نتولّى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى (وَفِي الاْخِرَةِ)نتولاّكم بأنواع الإكرام والمثوبة. وقيل: نحرسكم في الدُّنيا وعند الموت وفي الآخرة، عن أبي جعفر (عليه السلام). وقد روى علي بن إبراهيم وغيره عن الصادق (عليه السلام)قال: ما يموت موال لنا ومبغض لأعدائنا إلاّ ويحضره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام)فيراهم ويبشّرونه، وإن كان غير موال

1 . نهج البلاغة: 2 / 93، الخطبة 176 .
2 . راجع: بحار الأنوار : 24 / 25 ـ 30 .

صفحه 144
يراهم بحيث يسوؤه.1 (وَلَكُمْ فِيهَا): أي في الآخرة (مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)من الملاذ وتتمنّونه من المنافع (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أنّه لكم، فإنَّ الله سبحانه يحكم لكم بذلك، وقيل: ما تشتهي أنفسكم من اللذائذ، ولكم فيها ما تدَّعون ما تتمنّون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعمُّ من الأوّل (نُزُلاً مِنْ غَفُور رَحِيم) حال من (تَدَّعُونَ) للإشعار بأنَّ ما يتمنّون بالنسبة إلى ما يعطون ممّا لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف .2
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ): أي إلى معرفته وعبادته ودينه الّذي ارتضاه لعباده (وَعَمِلَ صَالِحًا)فيما بينه وبين ربّه (وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قيل تفاخراً به واتّخاذاً للإسلام ديناً ومذهباً.
أقول: ويمكن أن يكون المراد به من المنقادين لأئمّة الدّين.
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)قيل: أي جمعوا بين التوحيد الّذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأُمور الّتي هي منتهى العمل، و(ثُمَّ)للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقّف اعتباره على التوحيد. وقال عليُّ بن إبراهيم: ثمَّ استقاموا على ولاية أمير المؤمنين. 3 (فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)من لحوق مكروه (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) على فوات محبوب، وهذه مرتبة الولاية.
(بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)وقرئ حُسناً. وفي «المجمع» عن عليّ (عليه السلام)حَسَناً بفتحتين.4
(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ): أي مدَّتهما (ثَلاَثُونَ شَهْرًا)ذلك كلّه لما تكابده الأُمُّ في

1 . تفسير القمّي: 2 / 265.
2 . مجمع البيان: 9 / 21 ـ 22.
3 . تفسير القمّي: 2 / 265 .
4 . مجمع البيان: 9 / 141 .

صفحه 145
تربية الولد مبالغة في التوصية بها (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ): أي استحكم قوَّته وعقله (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْني): أي ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا (نِعْمَتَكَ)يعني نعمة الدّين أو ما يعمّها وغيرها (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي): أي أجعل لي الصلاح سارياً في ذرِّيتي راسخاً فيهم (إنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ)عمّا لا ترضاه أو يشغل عنك (وَإنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)المخلصين لك. (أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) قيل: يعني طاعاتهم، فإنَّ المباح حسن ولا يثاب عليه (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ)قيل: كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم (وَعْدَ الصِّدْقِ)مصدر مؤكّد لنفسه فإنَّ (نَتَقَبَّلُ... وَنَتَجَاوَزُ) وعدٌ (الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أي في الدُّنيا.1
وقد مرَّت أخبار كثيرة في أنَّ الآيات نزلت في الحسين صلوات الله عليه، وعن الصادق (عليه السلام)قال: «لمّا حملت فاطمة بالحسين (عليه السلام)جاء جبرئيل (عليه السلام)إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّ فاطمة ستلد غلاماً تقتله أُمّتك من بعدك، فلمّا حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ـ ثمَّ قال (عليه السلام): ـ لم تر في الدُّنيا اُمُّ تلد غلاماً تكرهه ولكنّها كرهته لما علمت أنّه سيقتل قال: وفيه نزلت هذه الآية».2
وفي رواية أُخرى: ثمَّ هبط جبرئيل (عليه السلام)فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام ويبشّرك بأنّه جاعل في ذرِّيته الإمامة والولاية والوصيّة، فقال: إنّي رضيت ثمَّ بشّر فاطمة (عليها السلام)بذلك فرضيت، قال فلولا أنّه قال: (أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)لكانت ذرِّيته كلّهم أئمّة قال: ولم يولد ولد لستّة أشهر إلاّ عيسى بن مريم والحسين (عليهما السلام).3

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 180 ـ 181 .
2 . الكافي: 1 / 464 ح 3، باب مولد الحسين (عليه السلام).
3 . الكافي: 1 / 464 ح 4 ، باب مولد الحسين (عليه السلام).

صفحه 146
(آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)قيل: أي قابلين لما أعطاهم راضين به، ومعناه أنَّ كلَّ ما آتاهم حسن مرضيٌّ متلقّى بالقبول (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) قد أحسنوا أعمالهم وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)تفسير لإحسانهم، وعن الصادق (عليه السلام): «كانوا أقلَّ اللّيالي يفوتهم لا يقومون فيها».1
وعن الباقر (عليه السلام): «كان القوم ينامون ولكن كلّما انقلب أحدهم قال: الحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر».2
(وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) عن الصادق (عليه السلام): «كانوا يستغفرون في الوتر في آخر اللّيل سبعين مرَّة».3 (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ): أي نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقرُّباً إلى الله وإشفاقاً على الناس (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) عن الصادق (عليه السلام): «المحروم المحارف الّذي قد حرم كدَّ يده في الشراء والبيع».4 وفي رواية أُخرى: «ليس بعقله بأس ولا يبسط له في الرزق وهو محارف».5 وقيل: المحروم المتعفّف الّذي يظنّ غنيّاً فيحرم الصدقة.
(يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) في «المجمع»: أي يوالون من خالف الله ورسوله، والمعنى لا تجتمع موالاة الكفّار مع الإيمان والمراد به الموالاة في الدين (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ): أي وإن قربت قرابتهم منهم، فإنّهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدين (أُولَئِكَ): أي الّذين لم يوادُّوهم (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ): أي ثبت

1 . الكافي: 3 / 446 ح 18، باب صلاة النوافل.
2 . تهذيب الأحكام: 2 / 335 ح 1384 .
3 . تهذيب الأحكام: 2 / 130 ح 498.
4 . الكافي: 3 / 500 ح 12، باب فرض الزكاة.
5 . المصدر السابق.

صفحه 147
في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف، فصار كالمكتوب، وقيل: كتب في قلوبهم علامة الإيمان. ومعنى ذلك: أنّها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنّهم مؤمنون (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ): أي قوَّاهم بنور الإيمان .1
وفي «الكافي» عنهما (عليهما السلام)هو الإيمان، وعن الصادق (عليه السلام): «ما من مؤمن إلاّ ولقلبه أُذنان في جوفه: أُذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس، وأُذن ينفث فيها الملك، فيؤيّد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله وأيّدهم بروح منه».2
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ)بإخلاص الطاعة والعبادة منهم (وَرَضُوا عَنْهُ)بثواب الجنّة. وقيل: بقضاء الله عليهم في الدنيا فلم يكرهوه (أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ): أي جند الله وأنصار دينه ودعاة خلقه (أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي أنَّ جنود الله وأولياءه هم المنجحون الناجون الظافرون بالبغية .3
فيقول تبجّحاً وإظهاراً للفرح والسرور: (هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ).
(هَاؤُمُ)اسم لخذوا، والهاء في (كِتَابِيَهْ) ونظائره الآتية للسكت: تثبت في الوقف وتسقط في الوصل.4 (إنِّي ظَنَنْتُ): أي تيقّنت، كذا في «التوحيد» و «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «والظنُّ ظنّان: ظنُّ شكّ وظنُّ يقين; فما كان من أمر المعاد من الظنِّ فهو ظنُّ يقين، وما كان من أمر الدُّنيا فهو ظنُّ شكّ».5
(أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ)قال: إنّي أُبعث وأُحاسب. وروى عليّ بن إبراهيم عن

1 . مجمع البيان: 9 / 422.
2 . الكافي: 2 / 267 ح 3.
3 . مجمع البيان: 9 / 422 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 381 .
5 . التوحيد للصدوق: 267 ; الاحتجاج: 1 / 363.

صفحه 148
الصادق (عليه السلام): «كلُّ أُمّة يحاسبها إمام زمانها ويعرف الأئمّة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم، وهو قوله: (وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ)1 وهم الأئمّة يعرفون كلاًّ بسيماهم فيعطوا أولياءهم كتبهم بأيمانهم، فيمرُّوا إلى الجنّة بغير حساب، ويعطوا أعداءهم كتبهم بشمالهم فيمرُّوا إلى النار بلا حساب، فإذا نظر أولياؤهم في كتبهم يقولون لإخوانهم (هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ * إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاَق حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَة رَاضِيَة).2 قال عليّ بن إبراهيم: أي مرضيّة فوضع الفاعل مكان المفعول.3
وقيل: أي ذات رضى أو جعل الفعل لها مجازاً (فِي جَنَّة عَالِيَة) قيل: أي مرتفعة المكان، لأنّها في السماء، أو الدرجات أو الأبنية، والأشجار (قُطُوفُهَا)جمع قطف وهو ما يجتنى بسرعة والقطف بالفتح المصدر (دَانِيَةٌ) يتناولها القائم والقاعد (كُلُوا وَاشْرَبُوا)بإضمار القول وجمع الضمير للمعنى (هَنِيئًا): أي أكلاً وشرباً هنيئاً أو هنّئتم هنيئاً (بِمَا أَسْلَفْتُمْ): أي بما قدَّمتم من الأعمال الصالحة (فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ): أي الماضية من أيّام الدُّنيا.
(إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) روى عليّ بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام)قال: «ثمَّ استثنى فوصفهم بأحسن أعمالهم» [ وهو قضاء ما فاتهم من الليل بالنهار ومافاتهم من النهار بالليل] .
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). في «الكافي» عن السجّاد (عليه السلام): «الحقُّ المعلوم الشيء يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين، هو الشيء يخرجه من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقلَّ على قدر ما

1 . الأعراف: 46 .
2 . تفسير القمّي: 2 / 384 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 386 .

صفحه 149
يملك، يصل به رحماً، ويقوِّي به ضعيفاً، ويحمل به كلاًّ، ويصل به أخاً له في الله أو لنائبة تنوبه».1
(وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ)في «الكافي» عن الباقر (عليه السلام) قال: «بخروج القائم (عليه السلام)».2
قوله (مُشْفِقُونَ): أي خائفون على أنفسهم.
(إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون)اعتراض يدلُّ على أنّه لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ في طاعته (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)شاملة للمتعة (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)التحليل داخل في أحدهما على القولين (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)الكاملون في العدوان. 3 (رَاعُونَ): أي حافظون (قَائِمُونَ) لا يكتمون ولا ينكرون (يُحَافِظُونَ): أي يراعون شرائطها وآدابها وأوقاتها. وفي «الكافي» و «المجمع» عن الباقر (عليه السلام)قال: «هي الفريضة». (اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ)النافلة، وعن الكاظم (عليه السلام): «أُولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا».4
(أُولَئِكَ فِي جَنَّات مُكْرَمُونَ): أي معظّمون مبجّلون بما يفعل بهم من الثواب.
(مِنْ كَأْس)قيل: من خمر وهي في الأصل لقدح تكون فيه (كَانَ مِزَاجُهَا): أي ما يمزج بها (كَافُورًا) لبرده وعذوبته وطيب عرفه (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا)أي منها (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): أي يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلاً، وفي «المجالس» عن

1 . الكافي: 3 / 500 ح 11.
2 . الكافي: 8 / 287 ح 432.
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 147 .
4 . الكافي: 3 / 270 ح 12 ; مجمع البيان: 10 / 125.

صفحه 150
الباقر (عليه السلام): «هي عين في دار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تفجّر إلى دور الأنبياء والمؤمنين». (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ): أي النذر الّذي نذره أهل البيت(عليهم السلام)لشفاء الحسنين (عليهما السلام)(وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): أي شدائده فاشية منتشرة غاية الانتشار، وعن الباقر (عليه السلام): «كلوحاً عابساً». (عَلَى حُبِّهِ): أي حبِّ الله، أو حبِّ الطعام، وعن الباقر (عليه السلام): «عن شهوتهم للطعام وإيثارهم له» (مِسْكِينًا)قال: «من مساكين المسلمين» (وَيَتِيماً)من يتامى المسلمين (وَأَسِيرًا) من أُسارى المشركين (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ)قال (عليه السلام): «يقولون إذا أطعموهم ذلك، قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنّهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم يقولون (لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً)تكافؤننا به (وَلاَ شُكُورًا)تثنون علينا به، ولكنّا إنّما أطعمناكم لوجه الله، وطلب ثوابه، (يَوْمًا عَبُوسًا)تعبس فيه الوجوه (قَمْطَرِيرًا)شديد العبوس (نَضْرَةً وَسُرُورًا) قال الباقر (عليه السلام): «نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب» (جَنَّةً وَحَرِيرًا)قال (عليه السلام): «جنّة يسكنونها وحريراً يفترشونه ويلبسونه».1
وقد روى الخاصُّ والعامُّ أنَّ الآيات في هذه السورة وهي قوله: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ)إلى قوله:(وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)وجارية لهم تسمّى فضّة، والقصّة طويلة مرَّت بأسانيد جمّة مع تفسير سائر الآيات في أبواب فضائلهم(عليهم السلام).2
أبواب مكارم الأخلاق   
(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر) قيل: أُقسم بصلاة العصر، أو بعصر النبوَّة (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر) في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)فإنّهم اشتروا الآخرة بالدُّنيا، ففازوا بالحياة

1 . أمالي الصدوق: 329 ح 390، المجلس 44.
2 . راجع: بحار الأنوار : 35 / 237 ـ 257، باب نزول «هل أتى».

صفحه 151
الأبديّة والسعادة السرمديّة (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ): أي بالثابت الّذي لا يصحّ إنكاره من اعتقاد أو عمل (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) عن المعاصي والطاعات، وعلى المصائب، وهذا من عطف الخاصِّ على العامِّ. وعن الصادق (عليه السلام): «إنّ العصر عصر خروج القائم (عليه السلام)».(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)يعني أعداءنا (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)يعني بآياتنا (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)يعني بمواساة الإخوان (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)يعني الإمامة (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) يعني في الفترة».1 وقد سبقت الأخبار في تأويلها بالولاية وقراءة أهل البيت(عليهم السلام)فيها.2

أبواب مكارم الأخلاق

أقول: وسيجيء ما يناسب هذه الأبواب في كتاب العشرة وفي كتاب الآداب والسنن أيضاً إن شاء الله تعالى.

[ الباب الثامن عشر]

جوامع المكارم وآفاتها وما يوجب الفلاح والهدى3

الآيات:

البقرة (2): (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ

1 . كمال الدين: 656 ح 1، باب في نوادر الكتاب.
2 . راجع: بحار الأنوار : 36 / 183 .
3 . بحار الأنوار : 66 / 331 ـ 364، الباب 38 .

صفحه 152
رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 1 ـ 5 .
جوامع المكارم وآفاتها وما يوجب الفلاح والهدى   
وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاي فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). 40 ـ 46 .
وقال سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ). 83.
وقال سبحانه: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). 177.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 218.

صفحه 153
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ
وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
). 277.
آل عمران (3): (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ). 16 ـ 17 .
وقال تعالى: (... مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ). 113 ـ 115 .
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ). 133 ـ 136.
وقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ

صفحه 154
النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار * رَبَّناَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ). 190 ـ 195.
النساء (4): (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا). 149.
وقال تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيًما). 162.
المائدة (5): (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ ـ إلى قوله تعالى ـ : إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ـ إلى قوله تعالى ـ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّات تَجْرِي

صفحه 155
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). 7 ـ 12.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). 54 ـ 55 .
وقال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِي مَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). 93.
الأعراف (7): (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). 128.
وقال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ـ إلى قوله سبحانه ـ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). 156 ـ 159.
وقال: (وَالدَّارُ الاْخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ). 169 ـ 170.
الأنفال (8): (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 1.
التوبة (9): (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ

صفحه 156
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ـ إلى قوله تعالى: ـ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ *يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ وَرِضْوَان وَجَنَّات لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ). 18 ـ 22.
وقال تعالى: (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). 112.
هود (11): (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ). 11.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ). 23 ـ 24.
الرعد (13): (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبي الدَّارِ). 20 ـ 24.

صفحه 157
وقال تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب). 27 ـ 29 .
النحل (16): (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اِجْتَبَاهُ وَهَداهُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 120 ـ 121.
مريم (19): (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا). 60.
طه (20): (وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). 82.
الأنبياء (21): (وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ). 72 ـ 73.
وقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). 90.
الحجّ (22): (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). 34 ـ 35 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ

صفحه 158
الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). 77 ـ 78 .
النور (24): (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). 52.
الفرقان (25): (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا). 70 ـ 71 .
الشعراء (26): (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) 227.
النمل (27): (هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). 2 ـ 3 .
وقال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ). 91 ـ 92 .
العنكبوت (29): (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). 58 ـ 59 .
لقمان (31): (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 3 ـ 5 .
وقال: (يَا بُنيَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي

صفحه 159
الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ). 17 ـ 19 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ). 22.
الأحزاب (33): (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَ الْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيًما). 35.
فاطر (35): (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ). 29 ـ 30.
الزمر (39): (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب). 10.
ق (50): (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّاب حَفِيظ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْب مُنِيب). 31 ـ 33 .
البلد (90): (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ). 11 ـ 20.

صفحه 160

التفسير:

(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) قد مرَّ تفسير الآيات في الباب الأوَّل من كتاب الإيمان والكفر.1
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ): أي ولد يعقوب (اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) فى تفسير الإمام (عليه السلام): أن بعثتُ محمّداً وأقررته في مدينتكم ولم أجشمكم الحطَّ والترحال إليه وأوضحت علاماته ودلائل صدقه كيلا يشتبه عليكم حاله. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي)الّذي أخذه على أسلافكم أنبياؤهم وأمروهم أن يؤدُّوه إلى أخلافهم ليؤمننَّ بمحمّد العربيّ الهاشميّ المبان بالآيات، والمؤيّد بالمعجزات، الّذي من آياته عليُّ بن أبي طالب شقيقه ورفيقه، عقله من عقله، وعلمه من علمه، وحلمه من حمله، مؤيّد دينه بسيفه (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)الّذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة (وَإِيَّاي فَارْهَبُونِ) في مخالفة محمّد، فإنّي القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي.2
وروى العيّاشي عن الصادق (عليه السلام)أنّه سئل عن هذه الآية فقال: «أوفوا بولاية عليّ فرضاً من الله أُوف لكم بالجنّة».3
أقول: والآية عامّة في كلّ عهد على كلّ أحد، وقال عليُّ بن إبراهيم: قال رجل للصادق (عليه السلام): يقول الله: (ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ)وإنّا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال: «إنّكم لا تفون لله بعهده فإنَّه تعالى يقول: (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)، والله لووفيتم لله سبحانه لوفى لكم».4

1 . بحار الأنوار : 64 / 17 .
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 227 ـ 228 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 42 ح 30.
4 . تفسير القمّي: 1 / 46 .

صفحه 161
(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ)على محمّد من ذكر نبوَّته وإمامة أخيه وعترته (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ)فإنَّ مثل هذا الذكر في كتابكم (وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ)قيل: تعريض بأنَّ الواجب أن تكونوا أوَّل من آمن به ; لأنّهم كانوا أهل النظر في معجزاته، والعلم بشأنه، والمستفتحين به، والمبشّرين بزمانه.
وفي تفسير الإمام (عليه السلام): هؤلاء يهود المدينة جحدوا نبوَّة محمّد وخانوه وقالوا: نحن نعلم أنَّ محمّداً نبيٌّ وأنَّ عليّاً وصيّه، ولكن لست أنت ذلك ولا هذا، ولكن يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنة.1
(وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً)في «المجمع» عن الباقر (عليه السلام)في هذه الآية أنَّ حُييَّ بن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرين من اليهود كانت لهم مأكلة على اليهود في كلِّ سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فحرَّفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الّذي أُريد به في الآية .2
(وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ) في كتمان أمر محمّد وأمر وصيّه (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)لا تخلطوه به بأن تقرُّوا به من وجه، وتجحدوه من وجه (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) من نبوَّة هذا وإمامة هذا (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنّكم تكتمونه تكابرون علومكم وعقولكم (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)المكتوبة الّتي جاء بها محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأقيموا أيضاً الصلاة على محمّد وآله الطاهرين.
(وَآتُوا الزَّكَاةَ)من أموالكم إذا وجبت، ومن أبدانكم إذا لزمت، ومن معونتكم إذا التمست، وفي الأخبار الكثيرة أنّها شاملة للفطرة بل نزلت فيها لأنّها لمّا نزلت لم يكن للناس أموال وإنّما كانت الفطرة (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ): أي تواضعوا مع المتواضعين لعظمة الله في الانقياد لأولياء الله. وقيل: أي في

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 229 ـ 230.
2 . مجمع البيان: 1 / 186 .

صفحه 162
جماعتهم للصلاة. وقيل: هذا فرد من أفراد ذاك (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ): أي بالصدقات وأداء الأمانات (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)تتركونها (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ): أي التوراة الآمرة لكم بالخيرات، الناهية عن المنكرات (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)ما عليكم من العقاب في ذلك .
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ)قال الإمام: أي عن الحرام على تأدية الأمانات وعن الرئاسات الباطلة على الاعتراف بالحقِّ، واستحقاق الغفران والرضوان ونعيم الجنان.1 وقيل: وعن سائر المعاصي وعلى أصناف الطاعات وأنواع المصيبات على قرب الوصول إلى الجنان، وفي كثير من الأخبار أنَّ الصبر، الصيام.
(وَالصَّلَوةِ)قال الإمام (عليه السلام): الصلوات الخمس والصلاة على النبيِّ وآله الطاهرين. 2 وظاهرها يشمل كلَّ صلاة فريضة ونافلة .
وفي المجمع والعيّاشي عن الصادق (عليه السلام): «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضّأ ثمَّ يدخل مسجده فيركع ركعتين، فيدعو الله فيها؟ أما سمعت الله يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ) .3
(وَإِنَّهَا)قال عليُّ بن إبراهيم: يعني الصلاة.4 وقيل: الاستعانة بهما .
وقال الإمام (عليه السلام): إنَّ هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمّد وآله مع الانقياد لأوامرهم والإيمان بسرِّهم وعلانيتهم، وترك معارضتهم بلم وكيف (لَكَبِيرَةٌ)عظيمة.5 وقيل: ثقيلة شاقّة كقوله عزّ وجلّ: (كَبُرَ عَلَى

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 237.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238.
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 43 ح 39 ; مجمع البيان: 1 / 194 .
4 . تفسير القمّي: 1 / 46 .
5 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238.

صفحه 163
الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ).1
(إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)قال الإمام: أي الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه . 2
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ)في «التوحيد» و «الاحتجاج» و «العيّاشي» عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «يوقنون أنّهم يبعثون، والظنُّ منهم يقين».3 وقال (عليه السلام): «اللقاء البعث، والظنُّ هاهنا اليقين» .4
وفي تفسير الإمام (عليه السلام): يقدِّرون ويتوقّعون أنّهم يلقون ربّهم اللقاء الّذي هو أعظم كرامته لعباده (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إلى كرامته ونعيم جنّاته، قال: وإنّما قال: يظنّون لأنّهم لا يدرون بماذا يختم لهم لأنَّ العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقيناً لأنّهم لا يأمنون أن يغيّروا أو يبدّلوا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة ولا يتيقَّن الوصول إلى رضوان الله حتّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له».5
(وَإِذْ أَخَذْنَا)قال الإمام: أي واذكروا إذ أخذنا (مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)عهدهم المؤكّد عليهم (لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ)لا تشبهوه بخلقه ولا تجوِّروه في حكمه ولا تعملوا ما يراد به وجهه، تريدون به وجه غيره. قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من شغلته عبادة الله عن مسألته أعطاه أفضل ما يعطي السائلين». وقال الصادق (عليه السلام):

1 . الشورى: 13 .
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238.
3 . التوحيد: 267 ; الاحتجاج: 1 / 363 ; تفسير العيّاشي: 1 / 44 ح 42.
4 . التفسير الصافي: 1 / 126.
5 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 238 ـ 239.

صفحه 164
«ما أنعم الله على عبد أجلّ من أن يكون في قلبه مع الله غيره».1
(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)وأن تحسنوا بهما إحساناً مكافأة عن إنعامهما عليهم وإحسانهما إليهم واحتمال المكروه الغليظ فيهم لترفيههم، وقال الإمام (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضل والديكم وأحقّهما بشكركم محمّد وعليّ». وقال عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «أنا وعليٌّ أبوا هذه الأُمّة، ولحقُّنا عليهم أعظم من حقِّ أبوي ولادتهم، فإنّا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبوديّة بخيار الأحرار».2
أقول: وهذا أحد وجوه كون المؤمنين إخوة.
(وَذِي الْقُرْبى): أي وأن تحسنوا بقراباتهما لكرامتهما، وقال أيضاً: هم قراباتك من أبيك وأُمّك.3
(وَالْيَتَامَى)الّذين فقدوا آباءهم الكافّين لهم أُمورهم، السائقين إليهم قوتهم وغذاءهم، المصلحين لهم معاشهم. قال (عليه السلام): «وأشدُّ من يتم هذا اليتيم يتيم عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى، حدّثني بذلك أبي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».4
(وَالْمَسَاكِينِ)قال الإمام (عليه السلام): هو من سكّن الضرُّ والفقر حركته، قال: ألا

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 327 ـ 328.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 330.
3 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 333.
4 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 338.

صفحه 165
فمن واساهم بحواشي ماله وسّع الله عليه جنانه، وأناله غفرانه ورضوانه، ثمَّ قال (عليه السلام): «إنَّ من محبّي محمّد مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقر، وهم الّذين سكنت جوارحهم وضعفت قواهم عن مقابلة أعداء الله، الّذين يعيّرونهم بدينهم، ويسفّهون أحلامهم، ألا فمن قوّاهم بفقهه وعلمه حتّى أزال مسكنتهم ثمَّ سلّطهم على الأعداء الظاهرين من النواصب، وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته، حتّى يهزموهم عن دين الله، ويذودوهم عن أولياء آل رسول الله، حوَّل الله تلك المسكنة إلى شياطينهم، وأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله بذلك قضاء حقّاً على لسان رسول الله».1
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ)الّذين لا مؤونة لهم عليكم (حُسْنًا)عاملوهم بخلق جميل.
(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)قال الإمام (عليه السلام): بإتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها، وأداء حقوقها الّتي إذا لم تؤدَّ لم يتقبّلها ربُّ الخلائق، أتدرون ما تلك الحقوق؟ هو إتباعها بالصلاة على محمّد وعليّ وآلهما، منطوياً على الاعتقاد بأنّهم أفضل خيرة الله، والقوَّام بحقوق الله، والنصّار لدين الله».2
قال (عليه السلام): «(وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)على محمّد وآله عند أحوال غضبكم ورضاكم وشدَّتكم ورخائكم، وهمومكم المعلّقة بقلوبكم».3
(وَآتُوا الزَّكَاةَ)من المال والجاه وقوَّة البدن (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ)أيّها اليهود عن الوفاء بالعهد الّذي أدَّاه إليكم أسلافكم (إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) عن ذلك العهد، تاركين له غافلين عنه.

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 345.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري:364.
3 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري:327.

صفحه 166
(لَيْسَ الْبِرَّ)قال الإمام (عليه السلام): يعني يا محمّد قل: ليس البرَّ أي الطاعة الّتي تنالون بها الجنان، وتستحقّون بها الغفران والرضوان (أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)بصلاتكم (قِبَلَ الْمَشْرِقِ)يا أيّها النصارى (وَ) قبل (الْمَغْرِبِ)يا أيّها اليهود وأنتم لأمر الله مخالفون، وعلى وليِّ الله مغتاظون.1
(وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)قيل: يعني البرُّ الّذي ينبغي أن يهتمَّ به برُّ من آمن بالله إلى قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ): أي أعطى في الله تعالى المستحقّين من المؤمنين على حبّه للمال وشدَّة حاجته إليه يأمل الحياة، ويخشى الفقر لأنّه صحيح شحيح (ذَوِي الْقُرْبى)أعطى قرابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الفقراء هديّة وبرّاً لا صدقة، لأنَّ الله أجلّهم عن الصدقة، وأعطى قرابة نفسه صدقة وبرّاً (وَالْيَتَامَى)من بني هاشم الفقراء برّاً لا صدقة، ويتامى غيرهم صدقة وصلة (وَالْمَسَاكِينَ)مساكين الناس (وَابْنَ السَّبِيلِ)المجتاز المنقطع به لا نفقة معه (وَالسَّائِلِينَ)الّذين يتكفّفون (وَفِي الرِّقَابِ)وفي تخليصها يعني المكاتبين يعينهم ليؤدُّوا حقوقهم فيعتقوا (وَأَقَامَ الصَّلَوةَ)بحدودها (وَآتَى الزَّكَاةَ)الواجبة عليه لإخوانه المؤمنين (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)قيل: عطف على من آمن يشمل عهد الله والناس (وَالصَّابِرِينَ)نصبه على المدح لفضل الصبر على سائر الأعمال (فِي الْبَأْسَاءِ)يعني في محاربة الأعداء ولا عدوَّ يحاربه أعدى من إبليس ومردته، يهتف به ويدفعه وإيّاهم بالصلاة على محمّد وآله الطيّبين (وَالضَّرَّاءِ)الفقر والشدَّة (وَحِينَ الْبَأْسِ)عند شدَّة القتال يذكر الله ويصلّي على رسول الله وعلى عليّ وليِّ الله يوالي بقلبه ولسانه أولياء الله، ويعادي كذلك أعداءه (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)في إيمانهم وصدَّقوا أقاويلهم بأفاعيلهم (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لما أُمروا باتّقائه.2

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 592.
2 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 594 ـ 596 .

صفحه 167
قيل: الآية كماترى جامعة للكمالات الإنسانيّة بأسرها، دالّة عليها صريحاً أو ضمناً فإنّها بكثرتها وتشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. وقد أُشير إلى الأوَّل بقوله: (مَنْ آمَنَ ـ إلى ـ وَالنَّبِيِّينَ)وإلى الثاني بقوله: (وَآتَى الْمَالَ ـ إلى ـ وَفِي الرِّقَابِ)وإلى الثالث بقوله: (وَأَقَامَ الصَّلَوةَ)إلى آخرها، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحقِّ، وإليه أشار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان».
وأقول: مالم ننسب إلى تفسير مخصوص ولم نصدِّر بقيل فهو من تفسير الإمام (عليه السلام).
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا)قيل: نزلت في قصّة ابن جحش وأصحابه وقتلهم ابن الحضرميِّ في رجب حين ظنَّ قوم أنّهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر.
(وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ)قيل: عطفهما على ما يعمّهما لانافَتهما على سائر الأعمال الصالحة (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)من آت (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) على فائت.
(الَّذِينَ يَقُولُونَ ـ إلى قوله ـ بِالأَسْحَارِ) قيل: حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإنَّ معاملته مع الله إمّا توسّل وإما طلب، والتوسّل إمّا بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل، والصبر يشملهما، وإمّا بالبدن وهو إمّا قوليٌّ وهو الصدق، وإمّا فعليٌّ وهو القنوت الّذي هو ملازمة الطاعة، وإمّا بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير، وأمّا الطلب فالاستغفار ; لأنَّ المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كلِّ واحدة وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها وتخصيص الأسحار لأنَّ الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة; لأنَّ العبادة حينئذ أشقُّ، والنفس أصفى، والرُّوع أجمع، سيّما للمتهجّدين. قيل:

صفحه 168
إنّهم كانوا يصلّون إلى السحر ثمَّ يستغفرون ويدعون. وفي «المجمع» عن الصادق (عليه السلام): «هم المصلّون وقت السحر». وقال: «من استغفر سبعين مرَّة في وقت السحر فهو من أهل هذه الآية».1
(أُمَّةٌ قَائِمَةٌ): أي على الحقِّ وهم الّذين أسلموا منهم (يَتْلُونَ)ألخ: أي يتلونها في تهجّدهم (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)وصفهم بصفات ليست في اليهود فإنّهم منحرفون عن الحقِّ، غير متعبّدين بالليل، مشركون بالله، ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب، متباطئون عن الخيرات (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ): أي فلن يضيع ولا ينقص ثوابه، ولا ينافي ذلك ما سيأتي في الخبر أنَّ المؤمن مكفّر، فإنَّ المراد به أنّه لا يشكره الناس (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) قيل: بشارة لهم وإشعار بأنَّ التقوى مبدأ الخير وحسن العمل.
(وَسَارِعُوا): أي بادروا (إِلَى مَغْفِرَة): أي إلى أسباب المغفرة. وفي «المجمع» عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إلى أداء الفرائض».2
(وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)عن الصادق (عليه السلام): «إذا وضعوهما كذا» وبسط يديه إحداهما مع الأُخرى .3
(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)في «الخصال» عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فإنّكم لن تنالوها إلاّ بالتقوى».4
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): أي في حالتي الرخاء والشدَّة، يعني ينفقون في أحوالهم كلّها ما تيسّر لهم من قليل أو كثير (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)

1 . مجمع البيان: 2 / 255.
2 . مجمع البيان: 2 / 390 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 198 ح 142.
4 . الخصال: 633، ضمن حديث الأربعمائة.

صفحه 169
الممسكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القدرة (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)التاركين عقوبة مَن استحقَّ مؤاخذته (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)قيل: يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء، والعهد فتكون الإشارة إليهم.
في «المجمع» روي أنَّ جارية لعليِّ بن الحسين (عليهما السلام)جعلت تسكب عليه الماء ليتهيّأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إنَّ الله يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)فقال لها: «كظمت غيظي»، قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )قال: «عفا الله عنك»، قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال: «اذهبي فأنت حرَّة لوجه الله» .1
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً): أي سيّئة بالغة في القبح كالزنا (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)قيل: بأن أذنبوا أيَّ ذنب كان، وقيل: الفاحشة: الكبيرة، وظلم النفس: الصغيرة. وقيل: الفاحشة ما يتعدَّى، وظلم النفس ما ليس كذلك. وقيل: (أَوْ ظَلَمُوا): أي أذنبوا ذنباً أعظم من الزنا (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)بالندم والتوبة (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحثّ على الاستغفار والوعد بقبول التوبة (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا): أي ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ): أي ولم يصرّوا على قبيح فعلهم عالمين به (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ): أي المغفرة والجنّات.
وفي «المجالس» عن الصادق (عليه السلام)قال: «لمّا نزلت هذه الآية صعد إبليس جبلاً فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك فقال: لست لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا

1 . مجمع البيان: 2 / 390 ـ 391 .

صفحه 170
لها، قال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة» .1
(لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ): أي لدلائل واضحة على التوحيد وكمال علمه سبحانه وحكمته، ونفاذ قدرته ومشيّته لذوي العقول الخالصة عن شوائب الحسِّ والوهم (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ)في جميع الأحوال، وعلى جميع الهيئات; وعن الصادق (عليه السلام)عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أكثر ذكر الله أحبّه الله».2 وعن الباقر (عليه السلام): (قِيَامًا) الصحيح يصلّي قائماً (وَقُعُودًا)المريض يصلّي جالساً (وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)الّذي يكون أضعف من المريض الّذي يصلّي جالساً.3
وعنه (عليه السلام): «لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله قائماً أو جالساً أو مضطجعاً إنَّ الله يقول: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)».4
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)ويعتبرون بهما (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا)الخلق (بَاطِلاً)عبثاً ضائعاً من غير حكمة يعني يقولون ذلك (سُبْحَانَكَ)تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) للإخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار) وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أنَّ ظلمهم صار سبباً لإدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص.
(رَبَّناَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا)هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وقيل: القرآن (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)

1 . أمالي الصدوق: 551 ح 736، المجلس 71.
2 . الكافي: 2 / 500 .
3 . تفسير العيّاشي: 1 / 211 ح 174 .
4 . تفسير العيّاشي: 1 / 211 ح 172 .

صفحه 171
قيل: أي كبائرنا فإنّها ذات تبعات وأذناب (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)فإنّها مستقبحة، ولكنّها مكفّرة عن مجتنب الكبائر (وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم (عَلَى رُسُلِكَ): أي على ألسنتهم، وإنّما سألوا ما وعدوا مع أنّه لا يخلف الله وعده تعبّداً واستكانة، ومخافة أن يكونوا مقصّرين في الامتثال (وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)بأن تعصمنا عمّا يقتضي الخزي (إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)بإثابة المؤمن وإجابة الداعي، وتكرير (رَبَّنَا)للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلوّ شأنها، وفي «المجمع»: عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزلت هذه الآية قال: «ويل لمَن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل ما فيها».1
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)إلى طلبتهم (أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل ـ إلى قوله: ـ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض)لأنّ الذكر من الأُنثى، والأُنثى من الذكر; أو لأنّهما من أصل واحد، أو لفرط الاتصال والاتحاد، ولاتّفاقهم في الدين والطاعة، وهو اعتراض (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا)الأوطان والعشائر في الدّين (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي)بسبب إيمانهم بالله ومن أجله (وَقَاتَلُوا)الكفّار (وَقُتِلُوا) في الجهاد.
في مجالس الصدوق 2أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)لمّا هاجر من مكّة إلى المدينة ليلحق بالنبيّ وقد قارع الفرسان من قريش، ومعه فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفاطمة بنت الزبير، فسار ظاهراً قاهراً حتّى نزل ضجنان فلزم بها يوماً وليلة، ولحق به نفر من ضعفاء المؤمنين، وفيهم أُمُّ أيمن مولاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان يصلّي ليلته تلك هو والفواطم، ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فلن يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر فصلّى (عليه السلام)بهم صلاة الفجر ثمَّ سار لوجهه، فجعل وهنَّ يصنعون ذلك منزلاً بعد منزل يعبدون الله

1 . مجمع البيان: 2 / 470 .
2 . الطوسي (ظ).

صفحه 172
ويرغبون إليه كذلك حتّى قدم المدينة وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ)الآيات. قوله: (مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى)الذكر عليٌّ والأُنثى الفواطم (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض)يعني عليٌّ من فاطمة أو قال: الفواطم وهنَّ من عليّ.1
وأقول: ظاهر الآية يشمل كلّ من اتّصف بهذه الصفات.
(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا): أي تظهروه (أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء)مع قدرتكم على الانتقام وهو المقصود ذكره، وما قبله تمهيد له، ولذا رتّب عليه قوله: (فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)لم يزل يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام.
(لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ)قالوا، أي من اليهود كعبد الله بن سلاّم وأصحابه (وَالْمُؤْمِنُونَ): أي منهم أو من المهاجرين والأنصار (يُؤْمِنُونَ)خبر المبتدأ (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ)قيل: نصب على المدح، أو عطف على (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)والمراد بهم الأنبياء، وقرئ بالرفع عطفاً على (الرَّاسِخُونَ)، أو الضمير في (يُؤْمِنُونَ) أو على أنّه مبتدأ والخبر (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ). (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيًما) لجمعهم بين الإيمان الصحيح، والعمل الصالح.
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)بالإسلام ليذكّركم المنعم، ويرغّبكم في شكره (وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ)قيل: يعني عند إسلامكم بأن تطيعوا الله فيما يفرضه عليكم سرَّكم أو ساءكم. وفي «المجمع» عن الباقر (عليه السلام)أنَّ المراد بالميثاق ما بيّن لهم في حجّة الوداع من تحريم المحرَّمات وكيفيّة الطهارة وفرض الولاية وغير ذلك.2 أقول: وهذا داخل في ذاك.
(وَاتَّقُوا اللهَ)في إنساء نعمته ونقض ميثاقه (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

1 . أمالي الطوسي: 471 برقم 1031، المجلس 16.
2 . مجمع البيان: 3 / 290 .

صفحه 173
بخفيّاتها فضلاً عن جليّات أعمالكم (قَوَّامِينَ): أي بالحقّ (للهِ)خالصاً له (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ): أي العدل (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ): أي ولا يحملنّكم (شَنَآنُ قَوْم): أي شدَّة عداوتهم وبغضهم (عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا)فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحلُّ كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفّياً ممّا في قلوبكم (اِعْدِلُوا)في أوليائكم وأعدائكم (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فمجازيكم.
(أَنْ يَبْسُطُوا): أي يبطشوا (إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ)بالقتل والإهلاك (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)منعها أن تمدَّ إليكم وردَّ مضرَّتها عنكم، قال عليُّ بن إبراهيم: يعني أهل مكة من قبل فتحها فكفَّ أيديهم بالصلح يوم الحديبيّة .1 (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فإنّه الكافي لإيصال الخير ودفع الشرّ. (اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)كفيلاً أميناً شاهداً من كلِّ سبط ينقب عن أحوال قومه، ويفتّش عنها، ويعرف مناقبهم (إِنِّي مَعَكُمْ)بالنصرة (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي): أي صدَّقتموهم (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ): أي نصرتموهم وقوَّيتموهم (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ)بالإنفاق في سبيله (لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)لأغطّينّها.
(مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)جوابه محذوف يعني فلن يضرَّ دين الله شيئاً فإنّ الله لا يخلّي دينه من أنصار يحمونه.
(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)يحبّهم الله ويحبّون الله (أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)رحماء عليهم، من الذِّلِّ بالكسر الّذي هو اللين، لا من الذُلِّ بالضمِّ الّذي هو الهوان (أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ)غلاظ شداد عليهم، من عزَّه إذا غلبه (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)بالقتال لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم)فيما يأتون من

1 . تفسير القمّي: 1 / 163.

صفحه 174
الجهاد والطاعة. في «المجمع» عن الباقر والصادق (عليهما السلام): «هم أمير المؤمنين (عليه السلام)وأصحابه، حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين».1
(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ): أي محبّتهم لله سبحانه، ولين جانبهم للمؤمنين، وشدَّتهم على الكافرين تفضّل من الله وتوفيق ولطف منه ومنّة من جهته (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)يعطيه من يعلم أنّه محلٌّ له (وَاللهُ وَاسِعٌ)جواد لا يخاف نفاد ما عنده (عَلِيمٌ)بموضع جوده وعطائه.
ولا ريب في نزول آية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ)في أمير المؤمنين (عليه السلام).2
(فِي مَا طَعِمُوا): أي من المستلذَّات أكلاً كان أو شرباً فإنَّ الطعم يعمّهما.
وفي «المجمع»: في تفسير أهل البيت(عليهم السلام)فيما طعموا من الحلال.3
(إِذَا مَا اتَّقَوْا ـ إلى ـ الْمُحْسِنِينَ)قال عليُّ بن إبراهيم: لمّا نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرهما قال الناس من المهاجرين والأنصار: يا رسول الله قتل أصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سمّاه الله رجساً وجعلها من عمل الشيطان؟ وقد قلت ما قلت أفيضرُّ أصحابنا ذلك شيئاً بعد ما ماتوا؟ فأنزل الله هذه الآية فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الإثم وهو على من شربها بعد التحريم.4
وقيل (فِي مَا طَعِمُوا): أي ممّا لم يحرم عليهم (إِذَا مَا اتَّقَوْا): أي المحرَّم (وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): أي ثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة (ثُمَّ

1 . مجمع البيان: 3 / 358 .
2 . لاحظ : بحار الأنوار : 35 / 183 ـ 206 .
3 . مجمع البيان: 3 / 413 .
4 . تفسير القمّي: 1 / 181.

صفحه 175
اتَّقَوْا): أي ما حرَّم عليهم بعد كالخمر (وَآمَنُوا)بتحريمه (ثُمَّ اتَّقَوْا): أي استمرُّوا وثبتوا على اتّقاء المعاصي (وَأَحْسَنُوا): أي وتحرَّوا الأعمال الجميلة فاشتغلوا بها.
قيل: لمّا كان لكلّ من الإيمان والتقوى درجات ومنازل، كما ورد عنهم: لم يبعد أن يكون تكريرهما في الآية إشارة إلى تلك الدرجات والمنازل، فإنَّ أوائل درجات الإيمان تصديقات مشوبة بالشبه والشكوك على اختلاف مراتبها، ويمكن معها الشرك كما قال سبحانه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ).1 ويعبّر عنها بالإسلام كما قال الله عزّوجلّ: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)2 والتقوى المتقدّمة عليها هي تقوى العامّ، وأواسطها تصديقات لا يشوبها شكٌّ ولا شبهة كما قال الله عزّ وجلّ: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)3 وأكثر إطلاق الإيمان عليها خاصّة كما قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)4 والتقوى المتقدِّمة عليها هي تقوى الخاصِّ، وأواخرها تصديقات كذلك مع شهود وعيان ومحبّة كاملة لله عزَّ وجلَّ كما قال: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)ويعبّر عنها تارة بالإحسان كما ورد في الحديث النبوي: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه».5 وأُخرى بالإيقان كما قال: (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) والتقوى المتقدِّمة عليها هي تقوى خاصُّ الخاصّ، وإنّما قدِّمت التقوى على الإيمان لأنَّ الإيمان إنّما يتحصّل ويتقوَّى بالتقوى، لأنّها

1 . يوسف: 106.
2 . الحجرات: 14.
3 . الحجرات: 15 .
4 . الأنفال: 2 .
5 . صحيح البخاري: 6 / 20، تفسير سورة لقمان.

صفحه 176
كلّما ازدادت ازداد الإيمان بحسب ازديادها، وهذا لا ينافي تقدُّم أصل الإيمان على التقوى بل ازديادها بحسب ازدياده أيضاً ; لأنّ الدرجة المتقدِّمة لكلّ منها غير الدرجة المتأخّرة، ومثل ذلك مثل مَن يمشي بسراج في ظلمة فكلّما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها، فيصير ذلك المشي سبباً لإضاءة قطعة أُخرى منه، وهكذا.
(وَاصْبِرُوا): أي على أذيِّة فرعون وتهديده (إِنَّ الأَرْضَ للهِ) الآية وعدٌ لهم منه بالنصرة وتذكير لما كان وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم. وفي الأخبار أنَّ الآية في الأئمّة(عليهم السلام)يورثهم الله الأرض في زمن القائم (عليه السلام)وهم المتّقون، والعاقبة لهم. 1 وتدلُّ الآية على فضل الاستعانة بالله والصبر والتقوى (وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء)قيل: أي في الدنيا المؤمن والكافر بل المكلّف وغيره، أو في الدنيا والآخرة. إلاّ أنّ قوماً لم يدخلوها لضلالهم.
(فَسَأَكْتُبُهَا)فسأُثبتها وأُوجبها في الآخرة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)الشرك والمعاصي (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) فلا يكفرون بشيء منها (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)أي بكلمة الحقِّ (وَبِهِ): أي وبالحقِّ (يَعْدِلُونَ) بينهم في الحكم.
(خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)محارم الله ممّا يأخذ هؤلاء (أَفَلاَ يَعْقِلُونَ) فيعلمون ذلك (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ)إلى قوله: (أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) إمّا عطف على (الَّذِينَ يَتَّقُونَ)وما بينهما اعتراض، وإمّا استيناف، ووضع الظاهر موضع المضمر لأنّه في معناه، وللتنبيه على أنَّ الإصلاح مانع من الإضاعة، وعن الباقر (عليه السلام): «نزلت في آل محمّد وأشياعهم».2

1 . تفسير القمّي: 2 / 25.
2 . تفسير القمّي: 1 / 246.

صفحه 177
(فَاتَّقُوا اللهَ)قيل: أي في الاختلاف والمشاجرة (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ): أي الحال الّتي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله والرسول (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ)فيه (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإنَّ الإيمان يقتضي
ذلك.
(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ)قيل: أي إنّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميّة والعمليّة (وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ)يعني في أبواب الدين بأن لا يختار على رضا الله رضا غيره (فَعَسَى)ذكره بصيغة التوقّع قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم (أَعْظَمُ دَرَجَةً): أي ممّن لم يستجمع هذه الصفات (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)المختصّون بالفوز ونيل الحسنى عند الله (مُقِيمٌ): أي دائم.
(اَلتَّائِبُونَ)رفع على المدح. وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «لمّا نزلت هذه الآية (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قام رجل إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا نبيَّ الله أرأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتّى يقتل إلاّ أنّه يقترف من هذه المحارم أشهيد هو؟ فأنزل الله على رسوله (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ)الآية فبشّر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)المجاهدين من المؤمنين الّذين هذه صفتهم وحليتهم بالشهادة والجنّة، وقال: (اَلتَّائِبُونَ) من الذنوب (الْعَابِدُونَ) الّذين لا يعبدون إلاّ الله ولا يشركون به شيئاً (الْحَامِدُونَ)الّذين يحمدون الله على كلِّ حال في الشدَّة والرخاء (السَّائِحُونَ)الصائمون (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ)الّذين يواظبون على الصلوات الخمس، الحافظون لها والمحافظون عليها بركوعها وسجودها، والخشوع فيها وفي أوقاتها (الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)بعد ذلك والعاملون به (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)والمنتهون

صفحه 178
عنه، قال: فبشّر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنّة». الخبر.1
وأقول: إنّما فسّر السياحة بالصيام لقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «سياحة أُمّتي الصيام».2 شبّه بها لأنّه يعوق عن الشهوات، أو لأنّه رياضة نفسانيّة يتوصّل بها إلى الاطّلاع على خفايا المُلك والملكوت. وقيل: السائحون للجهاد أو لطلب العلم. وقيل في قوله: (وَالنَّاهُونَ)العاطف فيه للدلالة على أنّه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنّه قال: الجامعون بين الوصفين وفي قوله: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ): أي فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع، للتنبيه على أنَّ ما قبله مفصّل الفضائل، وهذا مجملها. وقيل: إنّه للإيذان بأنَّ التعداد قد تمَّ بالسابع من حيث إنَّ السّبعة هو العدد التامُّ، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ولذلك سمّي واو الثمانية.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) قيل: يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أنَّ إيمانهم دعاهم إلى ذلك وأنَّ المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشّر به للتعظيم كأنّه قيل: وبشّرهم بما يجلُّ عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.
(إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا): أي في الشدَّة على الضرَّاء إيماناً بالله واستسلاماً لقضائه (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)في الرخاء شكراً لآلائه سابقها ولاحقها (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ): أي اطمأنّوا إليه وخشعوا له.
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ): أي الكافر والمؤمن (كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ)قيل: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصمِّ لتعاميه عن استماع كلام الله وتأبّيه عن تدبّر معانيه، وشبّه المؤمن بالسميع والبصير ; لأنَّ الأمر

1 . الكافي: 1 / 15 ح 1، باب مَن يجب عليه الجهاد.
2 . مجمع البيان: 3 / 404; عوالي اللآلي: 2 / 150 برقم 418.

صفحه 179
بالضدِّ فيكون كلٌّ منهما مشبّهاً باثنين باعتبار وصفين، أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضدَّيهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة (مَثَلاً): أي تمثيلاً أو صفة أو حالاً (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) بضرب الأمثال والتفكّر فيها.
(بِعَهْدِ اللهِ): أي بما عقدوه على أنفسهم لله (وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد .
(مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)من الرحم ولا سيّما رحم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)كما في الأخبار. (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وعن الصادق (عليه السلام)أنّه الاستقصاء والمداقّة.1
(وَالَّذِينَ صَبَرُوا)على القيام بأوامر الله ومشاقِّ التكاليف وعن المصائب في النفوس والأموال وعن معاصي الله (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ): أي طلباً لرضاه (وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ): أي يدفعونها بها فيجازون الإساءة بالإحسان ويتبعون الحسنة السيّئة فتمحوها.
وروى عليُّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ (عليه السلام): «يا عليُّ ما من دار فيها فرحة إلاّ تبعها ترحة،2 وما من همّ إلاّ وله فرج، إلاّ همَّ أهل النار، إذا عملت سيّئة فأتبعها بحسنة تمحها سريعاً، وعليك بصنائع الخير فإنّها تدفع مصارع السوء».3

1 . تفسير العياشي: 2 / 210 ح 39. وما بين القوسين من المصدر.
2 . الترح ضد الفرح، يقال: ترحه تتريحاً، أي حزنه. صحاح الجوهري: 1 / 357، مادة «ترح».
3 . تفسير القمّي: 1 / 364 .

صفحه 180
أقول: الخطاب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)لتعليم غيره.
(عُقْبى الدَّارِ): أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنّة والعدن: الإقامة أي جنّات يقيمون فيها (وَمَنْ صَلَحَ): أي يلحق بهم من صلح منهم ومن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم وليكونوا مسرورين بهم آنسين بصحبتهم (مِنْ كُلِّ بَاب) من أبواب غرفهم وقصورهم (بِمَا صَبَرْتُمْ): أي هذا بسبب صبركم، وقال عليُّ بن إبراهيم: نزلت في الأئمّة(عليهم السلام)وشيعتهم الّذين صبروا .1
(مَنْ أَنَابَ): أي أقبل إلى الحقِّ ورجع عن الفساد (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ): أي تسكن أُنساً به واعتماداً عليه ورجاء منه.
وروى العياشيُّ عن الصادق (عليه السلام): «بمحمّد تطمئنّ (القلوب) وهو ذكر الله وحجابه».2
وقال عليُّ بن إبراهيم: الّذين آمنوا: الشيعة، وذكر الله: أمير المؤمنين (عليه السلام)والأئمّة(عليهم السلام).3 وقيل: طوبى كبشرى وزلفى مصدر من الطيب، وفي الأخبار 4أنّه اسم شجرة في الجنّة كما مرَّ وسيأتي.5 والمآب المرجع (قَانِتًا)عن الباقر (عليه السلام)القانت: المطيع، والحنيف: المسلم.6 (شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ): أي لأنعم الله معترفاً بها، روي أنّه كان لا يتغدّى إلاّ مع ضيفه. (وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا): أي ولا ينقصون شيئاً

1 . تفسير القمّي: 1 / 365 .
2 . تفسير العيّاشي: 2 / 211 ح 44.
3 . تفسير القمّي: 1 / 365 .
4 . راجع: الكافي: 2 / 239 ; أمالي الصدوق: 290 و 347.
5 . راجع: بحار الأنوار : 8 / 117 و 118 و 120... و 131 و 143 و 151 و... وج 67 / 282 ح 2 و ج 73 / 41 ح 41 و...
6 . تفسير القمّي: 1 / 392 .

صفحه 181
من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب شيئاً على المصدر. (لِمَنْ تَابَ): أي من الشرك (وَآمَنَ)بما يجب الإيمان به (ثُمَّ اهْتَدَى) إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)كما ورد في الأخبار الكثيرة. (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)يقتدى بهم (يَهْدُونَ)الناس إلى الحقّ (بِأَمْرِنَا)(وَإِقَامَ الصَّلَوةِ)من عطف الخاصّ على العامّ (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)موحّدين مخلصين في العبادة، ولذا قدَّم الصلة (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ): أي يبادرون إلى أبواب الخير (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) قال عليُّ بن إبراهيم: راغبين راهبين .1 وقيل: لعلّ المراد الرغبة في الطاعة. لا في الثواب، والرهبة من المعصية لا من العقاب، لارتفاع مقام الأنبياء عن ذلك. وقد يقال: إنَّ أولياء الله قد يعملون بعض الأعمال للجنّة وصرف النار; لأنَّ حبيبهم يحبُّ ذلك، أو يقال: إنَّ جنّة الأولياء لقاء الله وقربه، ونارهم فراقه وبُعده، وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «الرغبة أن تستقبل ببطن كفّيك إلى السماء، والرهبة أن تجعل ظهر كفّيك إلى السماء».2
(وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ): أي مخبتين أو دائمي الوجل.
(وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) قال عليُّ بن إبراهيم: أي العابدين .3 (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)هيبة منه لإشراق أشعّة جلاله عليها (عَلَى مَا أَصَابَهُمْ)من المصائب (وَالْمُقِيمِي الصَّلَوةِ)في أوقاتها (يُنْفِقُونَ) في وجوه الخير.
(وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ)بسائر ما تعبّدكم به (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ): أي وتحرَّوا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون، كنوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ)الأعداء الظاهرة والباطنة (هُوَ اجْتَبَاكُمْ): أي اختاركم

1 . تفسير القمّي: 2 / 75 .
2 . الكافي: 2 / 479 ح 1، باب الرغبة والرهبة.
3 . تفسير القمّي: 2 / 84 .

صفحه 182
لدينه ولنصرته; وعن الباقر (عليه السلام): «إيّانا عنى، ونحن المجتبون».1 (مِنْ قَبْلُ): أي في الكتب الّتي مضت (وَفِي هَذَا): أي القرآن (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ): أي وثِقُوا به في مجامع أُموركم (هُوَ مَوْلاَكُمْ): أي ناصركم ومتولّي أُموركم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) هو، إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة.
(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ)فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن (وَيَخْشَ اللهَ)فيما صدر عنه من الذنوب (وَيَتَّقْهِ)فيما بقي من عمره، وقرأ حفص بسكون القاف فشبّه تقه بكتف فخفّف (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) بالنعيم المقيم (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات)قد ورد في أخبار كثيرة مضى بعضها وسيأتي بعضها أنَّ تبديل السيّئات حسنات في ديوان أعمالهم يوم القيامة. وقال الباقر (عليه السلام): «هي في المذنبين من شيعتنا خاصّة».2
(فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ): أي يرجع إلى الله (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا)قيل: هي استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الّذين يكثرون ذكر الله، ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحثِّ على طاعته، ولو قالوا هجواً أرادوا به الانتصار ممّن هجاهم من الكفّار، ومكافأة هُجاة المسلمين كحسّان وأضرابه .
(هَذِهِ الْبَلْدَةِ)قال عليُّ بن إبراهيم: يعني مكّة شرَّفها الله.3
(وَلَهُ كُلُّ شَيْء): أي خلقاً وملكاً (مِنَ الْمُسْلِمِينَ): أي المنقادين (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) قيل: أي وأن أُواظب على تلاوته، لتنكشف لي حقائقه في تلاوته

1 . الكافي: 1 / 191 ح 4.
2 . أمالي المفيد: 299 ح 8 ، المجلس 35 ; أمالي الطوسي: 73 ح 105، المجلس 3 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 131.

صفحه 183
شيئاً فشيئاً (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ): أي لننزلنّهم (الَّذِينَ صَبَرُوا) على المحن والمشاقِّ ولا يتوكّلون إلاّ على الله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ)بيان لإحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) لاستجماعهم العقيدة الحقّة والعمل الصالح (أَقِمِ الصَّلَوةَ)تكميلاً لنفسك (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)تكميلاً لغيرك (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)من الشدائد. وفي المجمع عن علي (عليه السلام): «من المشقّة والأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ».1
(إِنَّ ذَلِكَ)إشارة إلى الصبر أو إلى كلِّ ما أمره (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): أي ممّا عزمه الله من الأُمور، أي قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه الحديث: «إنَّ الله يحبُّ أن يؤخذ برخصه كما يحبُّ أن يؤخذ بعزائمه».2 (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ): أي لا تمله عنهم ولا تولّهم صفحة خدِّك كما يفعله المتكبّرون. وقال عليُّ بن إبراهيم: أي لا تذلَّ للناس طمعاً فيما عندهم.3 (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا)أي فرحاً. مصدر وقع موقع الحال أو تمرح مرحاً أو لأجل المرح، وهو البطر. وروى عليُّ بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام) يقول: بالعظمة .4
(إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور) قال الطبرسي: أي كلُّ متكّبر فخور على الناس. (5)
وأقول: يطلق الاختيال غالباً على التكّبر في المشي. وروي في «الفقيه» عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى أن يختال الرجل في مشيته، وقال: «مَن لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنّم، وكان قرين قارون، لأنّه أوَّل مَن اختال فخسف به

1 . مجمع البيان: 8 / 87 .
2 . وسائل الشيعة: ج 16، الباب 19 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 20 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 165 .
4 . تفسير القمّي: 2 / 165 .   5 . مجمع البيان: 8 / 88 .

صفحه 184
وبداره الأرض، ومَن اختال فقد نازع الله في جبروته».1
(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ): أي توسّط فيه بين الدَّبيب والإسراع. وقال عليُّ بن إبراهيم: أي لا تعجل .2
(وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ): أي اقصر منه. وقال عليُّ بن إبراهيم: أي لا ترفعه.3
(إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ)أي أوحشها، وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام)أنّه سئل عنه فقال: «العطسة القبيحة» .4
وفي «المجمع» عنه (عليه السلام) قال: «هي العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع صوته بالحديث رفعاً قبيحاً إلاّ أن يكون داعياً أو يقرأ القرآن».5
(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ)بأن فوّض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه (وَهُوَ مُحْسِنٌ)في عمله (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ): أي تعلّق بأوثق ما يتعلّق به. وقال عليُّ بن إبراهيم: بالولاية (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) إذ الكلُّ صائر إليه .
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ) : أي الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله (وَالْمُؤْمِنِينَ): أي المصدِّقين بما يجب أن يصدَّق به (وَالْقَانِتِينَ): أي المداومين على الطاعة (وَالصَّادِقِينَ)في القول والعمل (وَالصَّابِرِينَ)على الطاعات والمعاصي والبلايا (وَالْخَاشِعِينَ): أي المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم (وَالْمُتَصَدِّقِينَ)من أموالهم ابتغاء مرضاة الله (وَالصَّائِمِينَ)لله بنيّة صادقة

1 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 13 برقم 4968، باب ذكر جمل من مناهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . تفسير القمّي: 2 / 165 .
3 . تفسير القمّي: 2 / 165.
4 . الكافي: 2 / 656 ح 21، باب العطاس والتسميت.
5 . مجمع البيان: 8 / 88 .

صفحه 185
(وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ)عن الحرام (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا)بقلوبهم وألسنتهم (مَغْفِرَةً) لذنوبهم (وَأَجْرًا عَظِيمًا) على طاعتهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ): قيل: أي يداومون قراءته أو متابعة ما فيه حتّى صارت سمة لهم وعنواناً (سِرًّا وَعَلاَنِيَةً)كيف اتّفق من غير قصد إليهما. وقيل: السرُّ في المسنونة، والعلانية في المفروضة (يَرْجُونَ تِجَارَةً)تحصيل ثواب بالطاعة وهو خبر إنَّ (لَنْ تَبُورَ)لن تكسد ولن تهلك بالخسران، صفة للتجارة (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ)علّة لمدلوله أو لمدلول ما عدَّ من امتثالهم، أو عاقبة ليرجون (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)على ما يقابل أعمالهم (إِنَّهُ غَفُورٌ)لفرطاتهم (شَكُورٌ)لطاعاتهم أي مجازيهم عليها وهو علّة للتوفية والزيادة، أو خبر (إنَّ) و (يَرْجُونَ)حال من واو (وَأَنْفَقُوا).
(اتَّقُوا رَبَّكُمْ): أي بلزوم طاعته (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ)الظرف إمّا متعلّق بأحسنوا أو بحسنة، وعلى الأوّل تشمل الحسنة حسنة الدارين، وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الآخرة أيضاً، والحسنة في الدنيا كالصحّة والعافية. وفي مجالس الصدوق1 عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنِّ المؤمن يعمل لثلاث من الثواب إمّا لخير فإنَّ الله يثيبه بعمله في دنياه، ثمَّ تلا هذه الآية، ثمَّ قال: فمن أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم في الآخرة» (وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ)فمن تعسّر عليه التوفّر على الإحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكّن منه (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ)على مشاقِّ الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها (أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب).2
وفي «الكافي» عن الصادق (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس

1 . الطوسي (ظ).
2 . أمالي الطوسي: 25 ح 31، المجلس 1 .

صفحه 186
فيأتون باب الجنّة فيضربونه فيقال لهم: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنّا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله، فيقول الله عزَّ وجلَّ: صدقوا أدخلوهم الجنّة، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب)».1
(وَأُزْلِفَتِ): أي قربت (غَيْرَ بَعِيد): أي مكاناً غير بعيد. وقال عليُّ بن إبراهيم: (وَأُزْلِفَتِ): أي زيّنت (غَيْرَ بَعِيد) قال: بسرعة.2
(هَذَا مَا تُوعَدُونَ)على إضمار القول (لِكُلِّ أَوَّاب): أي رجّاع إلى الله بدل من المتّقين بإعادة الجارِّ (حَفِيظ) حافظ لحدوده (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْب مُنِيب) قيل بدل بعد بدل، أو بدل من موصوف أوَّاب أو بمبتدأ خبره (اُدْخُلُوهَا)فإنَّ (مَنْ)بمعنى الجمع و (بِالْغَيْبِ)حال من الفاعل أو المفعول أو صفة من مصدر أي خشية متلبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، أو العقاب بعدُ غيب، أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد، وتخصيص الرحمن به للإشعار بأنّهم رجوا رحمته وخافوا عذابه، أو بأنّهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته، ووصف القلب بالإنابة، إذ الاعتبار برجوعه إلى الله.
(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ): أي فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة، وهو الدخول في أمر شديد، قيل: العقبة الطريق في الجبل استعارها لما فسّرها به من الفكِّ والإطعام (ذِي مَسْغَبَة): أي مجاعة (ذَا مَقْرَبَة): أي قرابة (ذَا مَتْرَبَة): أي ذا فقر. وقال عليُّ بن إبراهيم: لا يقيه من التراب شيء.3
وفي «الكافي» عن الرضا (عليه السلام)كان إذا أكل أتى بصحفة فتوضع قرب مائدته

1 . الكافي: 2 / 75 ح 4، باب الطاعة والتقوى.
2 . تفسير القمّي: 2 / 327.
3 . تفسير القمّي: 2 / 422.

صفحه 187
فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلِّ شيء شيئاً فيضع في تلك الصحفة ثمَّ يأمر بها للمساكين ثمَّ يتلو هذه الآية (فَلاَ اقْتَحَمَ)ثمَّ يقول: «علم الله أنّه ليس كلُّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنّة» 1.
وعن الصادق (عليه السلام)قال: «مَن أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة، ونحن تلك العقبة الّتي من اقتحمها نجا»، ثمَّ قال: «الناس كلّهم عبيد النّار غيرك 2وأصحابك، فإنَّ الله فكَّ رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت».3
وقال (عليه السلام): «بنا تفكُّ الرقاب وبمعرفتنا، ونحن المطعمون في يوم الجوع وهو المسغبة».4
(وَتَوَاصَوْا): أي أوصى بعضهم بعضاً (بِالصَّبْرِ)على طاعة الله (بِالْمَرْحَمَةِ): أي بالرحمة على عباده أو بموجبات رحمة الله (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): أي اليمين أو اليمن (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا)قيل: أي بما نصبناه دليلاً على الحقِّ من كتاب وحجّة أو بالقرآن (هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ): أي الشمال أو الشؤم (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ): أي مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. وقال عليُّ بن إبراهيم: (أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) قال: الّذين خالفوا أمير المؤمنين (عليه السلام)(هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) قال: المشأمة أعداء آل محمّد(عليهم السلام)(نَارٌ مُؤْصَدَةٌ) قال: أي مطبقة .5

1 . الكافي: 4 / 52 ح 12، باب فضل إطعام الطعام.
2 . أي أبان بن تغلب راوي الحديث .
3 . الكافي: 1 / 430 ح 88 .
4 . تفسير القمّي: 2 / 423.
5 . تفسير القمّي: 2 / 423 .

صفحه 188
حب الله تعالى   

[ الباب التاسع عشر ]

حب الله تعالى1

الآيات:

البقرة (2): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ). 165.
آل عمران (3): (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 31.
المائدة (5): (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ). 18.
وقال تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ). 54.
التوبة (9): (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). 24.
القلب وصلاحه وفساده، ومعنى السمع والبصر والنطق والحياة الحقيقيات   
الشعراء (26): (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ). 77 ـ 82 .

1 . بحار الأنوار : 67 / 13 ـ 14، الباب 43.

صفحه 189
الجمعة (62): (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا1 إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). 6 .2

[ الباب العشرون ]

القلب وصلاحه وفساده، ومعنى السمع والبصر والنطق
والحياة الحقيقيات 3

الآيات:

البقرة (2): (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ). 7 .
وقال تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). 10.
وقال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ). 18.
وقال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 74.

1 . (هَادُوا) يقال: هاد، يهود، هوداً، إذا تاب ورجع إلى الحقّ، ومنه قول بعضهم: يا صاحب الذنب هُدْ هُدْ، وقيل: هدنا إليك أي سكنّا إلى أمرك، ومنه قوله سبحانه: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) ثم صار الفعل مستعملاً في خصوص اليهود، فمعنى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا) بمنزلة يا أيّها اليهود، ويا أيّها الّذين تهوّدوا. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين للعلاّمة السبحاني: 28 / 313 و 315 .
2 . وفي النسخة المخطوطة بعد ذلك بياض نحو صفحة، وذلك لأجل كتابة التفسير ولم يكتب.
3 . بحار الأنوار : 67 / 27 ـ 33، الباب 44 .

صفحه 190
وقال تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ). 93.
وقال: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). 118.
وقال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ). 171.
آل عمران (3): (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ). 7 .
وقال تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). 8.
المائدة (5): (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً). 13.
وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ). 41 .
وقال تعالى: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ). 71.
الأنعام (6): (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا). 25.
وقال تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ). 36.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ). 39 .
وقال: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ). 43.
وقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ). 46 .
وقال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ). 125.

صفحه 191
الأعراف (7): (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ). 100.
وقال: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ). 101.
وقال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). 179.
الأنفال (8): (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ). 24.
وقال: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ). 49.
التوبة (9): (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ). 87 .
وقال تعالى: (وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ). 93 .
وقال سبحانه: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ). 125.
وقال تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ). 127.
يونس (10): (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ). 42 و 43 .
وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ). 67.
وقال تعالى: (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ). 74 .

صفحه 192
هود (11): (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ). 20.
وقال تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ). 24.
الرعد (13): (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ـ إلى قوله تعالى: ـ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ـ إلى قوله سبحانه: ـ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ). 16 ـ 19 .
وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). 28.
النحل (16): (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). 21.
وقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ). 65.
وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً). 97.
الإسراء (17): (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً). 72.
الكهف (18): (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ). 14.

صفحه 193
وقال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). 28.
الأنبياء (21): (لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ). 3.
وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ). 45.
الحج (22): (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ). 34 ـ 35.
وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ). 46.
وقال تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ). 53.
الفرقان (25): (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً). 44.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا). 73.
الشعراء (26): (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم). 88 ـ 89 .
وقال تعالى: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ). 136.

صفحه 194
وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ). 193 ـ 194 .
وقال تعالى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ). 200 ـ 201 .
النمل (27): (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ). 80 ـ 81 .
الروم (30): (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَ مَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ إلى قوله تعالى: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ). 52 ـ 59 .
لقمان (31): (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا). 7 .
السجدة (32): (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات أَفَلاَ يَسْمَعُونَ). 26.
الأحزاب (33): (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). 4.
وقال تعالى: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ). 10.
وقال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا). 12.
وقال تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ). 26 .
وقال تعالى: (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ). 51.

صفحه 195
وقال تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). 53.
وقال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ). 60.
فاطر (35): (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ). 19 ـ 22.
يس (36): (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)1. 9.
وقال تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا). 70 .
الصافات (37): (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم). 83 ـ 84 .
الزمر (39): (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين * اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ

1 . في الآية تمثيل يشبّه كفّار قريش بمن كان أمامه وخلفه سدّاً وجداراً، فلا يرى ما قدّامه ولا ما خلفه، هذا هو المشبّه به، وأمّا المشبّه فماذا يُراد بالسدّ في قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ)فالمراد أي ألقينا غطاء على أبصارهم، وعندئذ (فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ). ولعلّ المراد بالسدّ هو استكبارهم عن اتّباع الرسول وعدم خضوعهم لما جاء به، فهم سدّوا أبواب النظر فيما يتلوه عليهم، ومن ثمّ حبسوا أنفسهم بين حواجز الغيّ والجهل، وأصبحوا صمّاً بُكماً لا يعقلون. وعلى هذا فليس هناك إلاّ حقيقة واحدة وهي تلقّي الخرافات والتقاليد أمراً حقيقياً فصارت سدّاً محيطاً بهم من قدّامهم ومن خلفهم. والمعنى: أنّ تلك الحواجز تكون سدّاً مانعاً من التوجّه إلى الأمام أو الخلف، ومثل هذا الإنسان غير قابل للهداية، لأنّه سدّ كافّة مآخذ الشعور والعلم.
لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 23 / 31 ـ 32 .

صفحه 196
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ). 22 ـ 23 .
المؤمن (غافر) (40): (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار). 35.
وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ). 58.
فصّلت (41): (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ). 4 ـ 5 .
وقال: (وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد). 44.
الزخرف (43): (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين). 40.
الجاثية (45): (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ). 23.
محمّد (47): (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ). 16.
وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا). 23 ـ 24 .

صفحه 197
الفتح (48):(هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ). 4.
الحجرات (49): (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى). 3.
ق (50): (وَجَاءَ بِقَلْب مُنِيب). 33.
وقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). 37.
الحديد (57): (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). 16.
المجادلة (58): (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ). 22.
الصف (61): (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ). 5.
المنافقون (63): (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ـ إلى قوله تعالى ـ : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ). 3 ـ 4 .
التغابن (64): (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ). 11.
الملك (67): (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ). 10.
وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 22.
الشرح (94): (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ1). 1.

1 . شرح الصدر في الآية يحتمل أحد وجهين:   2
أ. شرح صدره بالوحي فملأه بالعلم والحكمة، وعلّمه ما شاء، فصار يرى نور الرسالة ما لا يراه غيره ويدرك من المعارف ما لا يدركه غيره.
ب. أن نستظهر مفاد شرح الصدر من الآية التالية ـ أعني قوله تعالى: (الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) ـ فالله سبحانه شرح صدره وأعطاه التحمّل والاستعداد لما ينتقض منه الظهر. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 449 ـ 456 .

صفحه 198

[ الباب الواحد والعشرون ]

مراتب النفس، وعدم الاعتماد عليها، وما زينتها وزين لها ومعنى الجهاد الأكبر   

مراتب النفس، وعدم الاعتماد عليها، وما زينتها وزين لها
ومعنى الجهاد الأكبر، ومحاسبة النفس ومجاهدتها والنهي
عن ترك الملاذ والمطاعم1

الآيات:

البقرة (2): (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). 212.
آل عمران (3): (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). 14.
الأنعام (6): (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 122.
التوبة (9): (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ). 37.
يونس (10): (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 12.
يوسف (12): (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ

1 . بحار الأنوار : 67 / 62 ـ 64، الباب 45.

صفحه 199
رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). 53.
الرعد (13): (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد). 33.
إبراهيم (14): (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ). 22.
طه (20): (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي). 96 .
الحج (22): (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ). 78.
العنكبوت (29): (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). 6.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). 69.
فاطر (35): (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَاَهُ حَسَنًا). 8 .
المؤمن (غافر) (40): (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَاب). 37.
محمّد (47): (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ). 14.
الحشر (59): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقَّوُا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). 18 .

صفحه 200
القيامة (75): (وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). 2.
الفجر (89): ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي1). 27 ـ 30 .
الشمس (91): (وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا). 7 ـ 10 .
ترك الشهوات والأهواء   
 
[ الباب الثاني والعشرون ]

ترك الشهوات والأهواء2

الآيات:

النساء (4): (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا). 27 .

1 . النفس المطمئنّة عبارة عن النفس الّتي تسكن إلى ربّها فإذا تواترت عليها النعم لم تسبّب لها الطغيان والتعالي والاستكبار، وإذا ما ضيّق عليها الفقر والعوز فلا يخرجها ذلك إلى الكفر وترك الشكر، فنفوسهم مستقرّة في العبودية لا تخرج عن الصراط المستقيم. فإذا بلغت النفس مرتبة الاطمئنان فتكون راضية بتقدير الله سبحانه من عسر أو فقر أو قوة أو ضعف، وإذا رضي العبد عن ربه رضي الربّ عنه، إذ لا يسخطه تعالى إلاّ خروج العبد من زي العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضى ربّه عنه، فصارت نفسه مرضيّة. وإذا اجتمعت في النفس هذه الصفات الثلاث، استحقّت أجرها وهو ما يذكره تعالى بقوله: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي). لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 347 ـ 349 .
2 . بحار الأنوار : 67 / 73 ـ 74، الباب 46 .

صفحه 201
الكهف (18): (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). 28 .
مريم (19): (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا). 59 .
طه (20): (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى). 16 .
الفرقان (25): (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً). 43.
القصص (28): (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). 50.
الروم (30): (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). 29 .
ص (38): (وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ). 26 .
الجاثية (45): (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). 23.
محمّد (47): (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ). 16 .
القمر (54): (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ). 3.
النازعات (79): (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى1). 40 ـ 41 .

1 . لم يقل: مَن خاف ربّه وإنّما قال: (مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ)ولعلّ المراد من (مقام الرب) هو الخوف من عدله سبحانه، ويمكن أن يراد من المقام هو علمه سبحانه بأعمال العباد جليلها ودقيقها، ظاهرها وباطنها. (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)فالسعيد هو من يخرج عن عبودية النفس إلى عبودية الله تعالى; والشقيّ هو مَن يتِّخذ هوى النفس إلهاً، فاتّباع الشهوة والغضب يصيران حجاباً أمام عقل الإنسان، يمنع من رؤية الحقائق على ما هي عليه. والمأوى: اسم مكان من أوى إذا رجع ; لأنّ الإنسان يرجع إلى بيته ومسكنه بعد الفراغ من أعماله اليومية. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 87 ـ 90 .

صفحه 202

[ الباب الثالث والعشرون ]

طاعة الله ورسوله وحججه(عليهم السلام) والتسليم لهم والنهي عن معصيتهم   

طاعة الله ورسوله وحججه(عليهم السلام)والتسليم لهم والنهي عن معصيتهم، والإعراض عن قولهم وإيذائهم 1

الآيات :

البقرة (2): (قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). 285 .
آل عمران (3): (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ). 32.
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 132.
النساء (4): (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ). 13 ـ 14 .
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ). 46.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي

1 . بحار الأنوار : 67 / 91 ـ 95، الباب 47 .

صفحه 203
الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). 59 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا). 69 .
المائدة (5): (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). 7 .
وقال تعالى: (وَ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ). 92 .
الأنفال (8): (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). 1.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ). 20 ـ 21 .
التوبة (9): (وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ). 71 .
النور (24): (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ

صفحه 204
وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * ـ إلى قوله تعالى ـ : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 47 ـ 56 .
لقمان (31): (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). 15.
الأحزاب (33): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا). 36.
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ـ إلى قوله تعالى ـ : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَ الاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا). 53 ـ 57 .
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا ـ إلى قوله سبحانه ـ : وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً). 64 ـ 71 .
الزخرف (43): (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). 61 .
وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ). 63.
محمّد (47): (فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ـ إلى قوله

صفحه 205
تعالى ـ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ). 20 ـ 28 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ). 33.
الفتح (48): (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا). 17.
الحجرات (49): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). 1 .
وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). 14.
المجادلة (58): (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات بَيِّنَات وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ). 5 ـ 6 .
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ـ إلى قوله تعالى ـ : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). 13 ـ 21 .
الحشر (59): (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). 4.
وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). 7 .

صفحه 206
الصف (61): (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَني وَقَدْ تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ1 وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). 5.
التغابن (64): (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ). 12.
وقال تعالى: (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا). 16.
الطلاق (65): (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). 1.
نوح (71): (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا). 21.
أقول: أكثر أخبار هذا الباب مذكورة في مطاوي الأبواب السابقة واللاّحقة ولاسيّما في باب الطاعة والتقوى .
إيثار الحق على الباطل، والأمر بقول الحق وإن كان مرّاً   

1 . الزيغ: هو الميل عن الحق إلى الباطل، والآية صريحة في أنّه سبحانه لا يزيغ أحداً إلاّ إذا زاغ هو بسوء اختياره، فما لم يكن في نفس العبد ميل إلى الباطل، فلا يصدر منه سبحانه أي عمل سلبي بالنسبة إلى العبد، وبذلك تقيّد الآية الدالّة على نسبة الإضلال إلى الله بمشيئته سبحانه، قال تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(المدثر: 31) والآية وإن كانت مطلقة ولكن الآيات الأُخرى تفسّرها بأنّ مشيئته إنّما تتعلّق بهداية مَن أناب، وبإضلال مَن أسرف وارتاب، وفي الآيات القرآنية الكثيرة دلالة واضحة على أنّ هداية الله وإضلاله لا يأتيان بلا سبب.. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 28 / 261 ـ 263 .

صفحه 207

[ الباب الرابع والعشرون ]

إيثار الحقّ على الباطل، والأمر بقول الحق وإن كان مرّاً1

الآيات:

الإسراء (17): (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). 81 .
سبأ (34): (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ). 48 ـ 49 .
الشورى (42): (وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). 24.
الزخرف (43): (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). 78 .

[ الباب الخامس والعشرون ]

العزلة عن شرار الخلق، والأُنس بالله2

الآيات:

الكهف (18): (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا). 16.
مريم (19): (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ

1 . بحار الأنوار : 67 / 106، الباب 48 .
2 . بحار الأنوار : 67 / 108، الباب 49 .

صفحه 208
بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ). 48 ـ 49 .
العنكبوت (29): (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). 26.
الصافات (37): (قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ1). 99 .

[ الباب السادس والعشرون ]

النهي عن الرهبانية والسياحة، وسائر ما يأمر به
أهل البدع والأهواء2

الآيات:

اليقين والصبر على الشدائد في الدين   
الأحقاف (46): (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ). 20.

1 . أي إنّي عازم على الخروج والهجرة إلى سبيل ربّي وهو (سَيَهْدِينِ) والظاهر أنّ جملة (سَيَهْدِينِ)حال من رب، ولا منافاة بين كون الجملة حالاً ومصدّرة بالسين الدالّة على الاستقبال، إذ ليس المراد من الحال ضد الاستقبال، بل المراد تبيين حال ذي الحال. وهجرة إبراهيم (عليه السلام)تعدّ أوّل هجرة في سبيل الله للابتعاد عن أجواء الشرك الخانقة، والتمكّن من عبادة الله تعالى وتبليغ ما أُمر به، ولو كانت هجرة إبراهيم (عليه السلام)الهجرة الأُولى من بلد الشرك إلى بلد آخر، فهجرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من مكة إلى يثرب هجرة ثانية. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 23 / 213 ـ 214 .
2 . بحار الأنوار : 67 / 113 ـ 114، الباب 51 .

صفحه 209
الحديد (57): (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا1 مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). 27 .
التحريم (66): (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ). 1.

[ الباب السابع والعشرون ]

اليقين والصبر على الشدائد في الدين2

الآيات :

البقرة (2): (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). 4.
وقال تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ). 118.
وقال تعالى مخاطباً لإبراهيم (عليه السلام): (أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). 260 .
الأنعام (6): (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ). 75 .
الرعد (13): (يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). 2.
طه (20): (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ

1 . رهبانية من الرهبة بمعنى الخوف، ولعلّه منسوب إلى الراهب على غير قياس، لأنّ قياس النسب في الراهب هو الراهبية، والنون فيها للمبالغة في النسبة. ابتدعوها: الابتداع إيجاد أمر على غير مثال سابق، ومنه البدعة لأنّها إحداث أمر على خلاف السنّة. وللعلاّمة السبحاني بحث قيّم حول الرهانية في تفسيره منية الطالبين: 27 / 450 ـ 460، فمن أراد المزيد فليرجع إليه .
2 . بحار الأنوار : 67 / 130 ـ 135، الباب 52 .

صفحه 210
لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَف وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى). 70 ـ 73 .
الشعراء (26): (قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ـ إلى قوله تعالى ـ : قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ). 24 ـ 51 .
النمل (27): (وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). 3.
العنكبوت (29): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ). 10.
لقمان (31): (وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). 4.
السجدة (32): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ). 24.
الجاثية (45): (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ). 4.
وقال تعالى: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ). 20.
الذاريات (51): (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ). 20 ـ 21.
الطور (52): (بَلْ لاَ يُوقِنُونَ). 36.

صفحه 211
الواقعة (56): (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ). 95.
الحاقة (69): (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ). 51.
التكاثر (102): (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ). 5 ـ 7 .

التفسير:

(وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ): أي يوقنون إيقاناً زال معه الشكُّ، قال البيضاوي: اليقين إتقان العلم بنفي الشكّ والشبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى ولا العلوم الضروريّة.1
(وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال الطبرسي (رحمه الله): أي بلى أنا مؤمن، ولكن سألت ذاك لأزداد يقيناً إلى يقيني; عن الحسن وقتادة ومجاهد وابن جبير. وقيل: لأُعاين ذلك ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال. وقيل: ليطمئنَّ قلبي بأنّك قد أجبت مسألتي واتّخذتني خليلاً كما وعدتني.2
(وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) قال: أي من المتيقّنين بأنَّ الله سبحانه هو خالق ذلك والمالك له .
(يُفَصِّلُ الاْيَاتِ): أي يأتي بآية في أثر آية فصلاً فصلاً مميّزاً بعضها عن بعض، ليكون أمكن للاعتبار والتفكّر، وقيل: معناه يبيّن الدَّلائل بما يحدثه في السماوات والأرض (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ): أي لكي توقنوا بالبعث والنشور وتعلموا أنَّ القادر على هذه الأشياء قادر على البعث بعد الموت، وفي هذا دلالة

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 127 .
2 . مجمع البيان: 2 / 178 .

صفحه 212
على وجوب النظر المؤدِّي إلى معرفة الله تعالى، وعلى بطلان التقليد، ولولا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات معنى.1
(إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ): أي بأنَّ الربَّ بهذه الصفة أو بأنَّ هذه الأشياء محدثة، وليست من فعلكم، والمحدث لابدَّ له من محدث (لاَ ضَيْرَ): أي لا ضرر علينا فيما تفعله (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ): أي إلى ثواب ربّنا راجعون (خَطَايَانَا): أي من السحر وغيره، (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ): أي لأن كنّا أوَّل من صدَّق بموسى عند تلك الآية أو مطلقاً.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ)بلسانه (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ): أي في دين الله أو في ذات الله (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ): أي إذا أُوذي بسبب دين الله رجع عن الدِّين مخافة عذاب الناس كما ينبغي أن يترك الكافر دينه مخافة عذاب الله فيسوِّي بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب دائم غير منقطع أبداً لقلّة تمييزه، وسمّى أذيّة الناس فتنة لما في احتمالها من المشقّة. وقال عليُّ بن إبراهيم: قال: إذا آذاه إنسان أو أصابه ضرٌّ أو فاقة أو خوف من الظالمين، دخل معهم في دينهم، فرأى أنَّ ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الّذي لا ينقطع.2
(وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ) أي فتح وغنيمة. وقال عليُّ بن إبراهيم: يعني القائم(عليه السلام)،3(لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) في الدين، فأشركونا(بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ)من الإخلاص والنفاق.
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)قال عليُّ بن إبراهيم: كان في

1 . مجمع البيان: 6 / 7.
2 . تفسير القمّي: 2 / 149.
3 . تفسير القمّي: 2 / 149 .

صفحه 213
علم الله أنّهم يصبرون على ما يصيبهم، فجعلهم أئمّة1 (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ): أي لا يشكّون فيها.
(وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّة): أي في خلقه إيّاكم بما فيكم من بدائع الصنعة، وما يتعاقب عليكم من غرائب الأحوال، من مبتدأ خلقكم إلى انقضاء الآجال، وفي خلق ما تفرَّق على وجه الأرض من الحيوانات على اختلاف أجناسها ومنافعها، دلالات واضحات على ما ذكرنا (لِقَوْم يُوقِنُونَ): أي يطلبون علم اليقين بالتفكّر والتدبّر. (لِقَوْم يُوقِنُونَ) لأنّهم به 2 ينتفعون.3
(وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ): أي دلائل تدلُّ على عظمة الله وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته (وَفِي أَنْفُسِكُمْ): أي وفي أنفسكم آيات، إذ ما في العالم شيء إلاّ وفي الإنسان له نظير يدلُّ دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهيّة والتركيبات العجيبة، والتمكّن من الأفعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوِّعة.
وفي «المجمع» وتفسير عليّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام): «يعني أنّه خلقك سميعاً بصيراً تغضب وترضى، وتجوع وتشبع، وذلك كلّه من آيات الله».4
(أَفَلاَ تُبْصِرُونَ): أي تنظرون نظر من يعتبر.5
(إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) قال في «المجمع»: أضاف الحقَّ إلى اليقين، وهما واحد للتأكيد، أي هذا الّذي أخبرتك به من منازل هؤلاء الأصناف الثلاثة هو الحقُّ

1 . تفسير القمّي: 2 / 170 .
2 . أي بالقرآن، والآية هكذا: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ ) الجاثية: 20 .
3 . مجمع البيان: 9 / 121 ـ 122.
4 . مجمع البيان: 9 / 260 ; تفسير القمّي: 2 / 330 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 237 .

صفحه 214
الّذي لا شكَّ فيه، اليقين الّذي لا شبهة فيه. وقيل: تقديره حقُّ الأمر اليقين.1
(كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) قال الطبرسي (قدس سره): أي لو تعلمون الأمر علماً يقيناً لشغلكم ما تعلمون عن التفاخر والتباهي بالعزّ والكثرة، وعلم اليقين هو العلم الّذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشكّ فيه، ولهذا لا يوصف الله تعالى بأنّه متيقّن (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)يعني حين تبرّز الجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا)يعني بعد الدخول إليها (عَيْنَ الْيَقِينِ) كما يقال: حقُّ اليقين، ومحض اليقين، ومعناه ثمَّ لترونّها بالمشاهدة إذا دخلتموها وعُذِّبتم بها، انتهى.2
أقول: وجعل بعض المحقّقين لليقين ثلاث درجات: الأُولى علم اليقين وهو العلم الّذي حصل بالدليل كمن علم وجود النار برؤية الدخان، والثانية عين اليقين، وهو إذا وصل إلى حدِّ المشاهدة كمن رأى النار، والثالثة حقُّ اليقين وهو كمن دخل النار واتّصف بصفاتها .
الإخلاص ومعنى قربه تعالى   

[ الباب الثامن والعشرون]

الإخلاص ومعنى قربه تعالى 3

الآيات:

الفاتحة (1): (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). 5 .
البقرة (2): (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ

1 . مجمع البيان: 9 / 380 .
2 . مجمع البيان: 10 / 432.
3 . بحار الأنوار : 67 / 213 ـ 227، الباب 54 .

صفحه 215
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). 112.
وقال تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ). 139.
وقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ). 196 .
وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ). 207 .
وقال تعالى: (وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ). 238.
وقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ). 265.
آل عمران (3): (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ). 20 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ). 145.
النساء (4): (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). 36 .
وقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً). 114.
وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا). 125.
وقال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ). 146 .
الأنعام (6):(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). 52 .

صفحه 216
وقال تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 79.
وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ). 162 ـ 163 .
الأعراف (7): (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). 29.
يوسف (12): (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). 24.
الإسراء (17): (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ). 23.
الكهف (18): (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). 28 .
وقال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). 110.
مريم (19): (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ـ إلى قوله تعالى ـ : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا). 51 ـ 52 .
الحج (22): (حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ). 31.
الروم (30): (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 38.
لقمان (31): (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ). 22.
الصافات (37): (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ

صفحه 217
وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ـ إلى قوله تعالى : ـ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ). 40 ـ 61 .
ص (38): (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب). 40.
الزمر (39): (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ). 2 ـ 3 .
وقال تعالى: (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ـ إلى قوله تعالى ـ : قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ). 11 ـ 15 .
وقال: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ). 29 .
المؤمن (غافر) (40): (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). 14.
الشورى (42): (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ نَصِيب). 20.
الجن (72): (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ـ إلى قوله تعالى ـ : قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا). 18 ـ 20.
الإنسان (76): (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا). 9 ـ 10 .
الليل (92): (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَد عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَة تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى). 17 ـ 20 .
البيّنة (98): (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ). 5.

صفحه 218

التفسير:

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): أي نخصّك بالعبادة والاستعانة، والمراد طلب المعونة في المهمّات كلّها أو في أداء العبادات، والضمير المستكنُّ في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموحّدين، أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلّها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة، وقدِّم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر. وقيل: لمّا نسب العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجّحاً واعتداداً منه بما يصدر عنه فعقّبه بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ليدلَّ على أنّ العبادة أيضاً ممّا لا تتمُّ ولا تستتبُّ له إلاّ بمعونة منه وتوفيق. وقيل: الواو للحال والمعنى: نعبدك مستعينين بك.
قال الإمام العسكري (عليه السلام)في تفسيرها: «قال الله تعالى: قولوا أيّها الخلق المنعم عليهم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)أيّها المنعم علينا نطيعك مخلصين مع التذلّل والخضوع بلا رياء ولا سمعة (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤدِّيها كما أمرت، ونتّقي من دنيانا ما عنه نهيت، ونعتصم من الشيطان ومن سائر مردة الإنس من المضلّين ومن المؤذين الظالمين بعصمتك».1
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ)قيل: أي نفسه أو قصده فيدلُّ على الإخلاص. وقال الطبرسي: قيل: معناه من أخلص نفسه لله بأن سلك طريق مرضاته; عن ابن عباس. وقيل: وجّه وجهه لطاعة الله. وقيل: فوَّض أمره إلى الله. وقيل: استسلم لأمر الله وخضع وتواضع لله (وَهُوَ مُحْسِنٌ)في عمله. وقيل: وهو مؤمن. وقيل: مخلص، (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ): أي فله جزاء عمله عند الله تعالى.(2)

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 39 .   2 . مجمع البيان: 1 / 352 .

صفحه 219
وفي تفسير الإمام (عليه السلام):(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ)كما فعل الّذين آمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا سمعوا براهينه وحججه (وَهُوَ مُحْسِنٌ)في عمله لله (فَلَهُ أَجْرُهُ): أي ثوابه عند ربّه يوم فصل القضاء (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)حين يخاف الكافرون ما يشاهدونه من العذاب (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) عند الموت ; لأنَّ البشارة بالجنان تأتيهم.1 انتهى.
(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ): أي في الإيمان والطاعة لا نشرك به شركاً جليّاً ولا خفيّاً.
(للهِ)2: أي لوجه الله خالصاً ويدلُّ على وجوب نيّة القربة فيهما (مَنْ يَشْرِي): أي يبيع (نَفْسَهُ)ببذلها (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ): أي طلباً لرضاه سبحانه، ويدلُّ على أنَّ طلب الرضا أيضاً أحد وجوه القربة، وروت العامّة والخاصّة بأسانيد جمّة أنّها نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام)حين بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).3
وفي تفسير الإمام (عليه السلام):(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ)يبيعها (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ)فيعمل بطاعته ويأمر الناس بها، ويصبر على ما يلحقه من الأذى فيها، يكون كمن باع نفسه وسلّمها وتسلّم مرضاة الله عوضاً منها، فلا يبالي ما حلَّ بها بعد أن يحصّل لها رضا ربّها. (وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) كلّهم أمّا الطالبون لرضا ربّهم فيبلّغهم أقصى أمانيّهم، ويزيدهم عليها مالم تبلغه آمالهم، وأمّا الفاجرون في دينه فيتأنّاهم ويرفق بهم، يدعوهم إلى طاعته ولا يقطع ممّن علم أنّه سيتوب عن ذنبه التوبة الموجبة له عظيم كرامته.4

1 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري:543.
2 . يعني الحج والعمرة في قوله تعالى:(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ).
3 . راجع: بحار الأنوار : 19 / 55، باب الهجرة ومباديها، وهكذا ج 36 / 40 ـ 51 .
4 . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 623.

صفحه 220
(وَقُومُوا للهِ)يدلُّ على وجوب نيّة القربة في القيام للصلاة ; بل فيها.
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ): أي يخرجون (أَمْوَالَهُمُ)في وجوه البرّ (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ): أي لطلب رضاه، فيدلُّ [ على ] اشتراط ترتّب الثواب على الصدقات وسائر الخيرات بالقربة.
(فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ): أي أخلصت نفسي وجملتي له لا أُشرك فيها غيره. قيل: عبّر عن النفس بالوجه لأنّه أشرف الأعضاء الظاهرة، ومظهر القوى والحواسِّ 1 (وَمَنِ اتَّبَعَنِ): أي وأسلم من اتّبعني.
(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) قال في «المجمع»: قيل في معناه أقوال: أحدها: أنَّ المراد مَن عمل للدُّنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظّ في الآخرة ; عن أبي إسحاق، أي فلا تغترَّ بحاله في الدُّنيا. وثانيها: من أراد بجهاده ثواب الدُّنيا وهو النصيب من الغنيمة نؤته منها، فبيّن أنَّ حصول الدُّنيا للإنسان ليس بموضع غبطة لأنّها مبذولة للبرِّ والفاجر; عن أبي عليّ الجبّائيّ. وثالثها: من تعرَّض لثواب الدُّنيا بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر، جوزي بها في الدُّنيا دون الآخرة لإحباط عمله بفسقه، وهذا على مذهب مَن يقول بالإحباط.2
(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا): أي من يرد بالجهاد وأعماله ثواب الآخرة نؤته منها، فلا ينبغي لأحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله تعالى، ومثله قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) الآية، وقريب منه قول النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «من طلب الدُّنيا بعمل الآخرة فما له في الآخرة من نصيب»، (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ): أي نعطيهم جزاء الشكر. وقيل: معناه سنجزي الشاكرين

1 . تفسير البيضاوي: 2 / 20 .
2 . يلاحظ : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار : 1 / 231 .

صفحه 221
من الرزق في الدُّنيا لئلاّ يتوهّم أنَّ الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدُّنيا.1انتهى.
وأقول: الآية على أظهر الوجوه تدلُّ على اشتراط ثواب الآخرة بقصد القربة، وأمّا على بطلان العمل ففيه إشكال إلاّ أن يظهر التلازم بين الصحّة واستحقاق الثواب الأُخرويّ. ويدلُّ على أنَّ قصد الثواب لا ينافي القربة كما زعمه جماعة وعلى أنَّ الثواب الدنيويّ قد يترتّب على العبادات الفاسدة كعبادة إبليس وبعض الكفّار.
(وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا): أي لا تشركوا في عبادته غيره، وهو يشمل الشرك الجليّ والخفيّ.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ): أي الصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس أو الأمر بها، ويدلُّ على اشتراط القربة في ترتّب الثواب عليه.
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا)قال الطبرسي (رحمه الله): هو في صورة الاستفهام والمراد به التقرير، ومعناه: مَن أصوب طريقة وأهدى سبيلاً، أي لا أحد أصدق اعتقاداً ممّن أسلم وجهه لله أي استسلم، والمراد بوجهه هنا ذاته ونفسه كما قال سبحانه: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(2) والمعنى: انقاد لله بالطاعة ولنبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالتصديق. وقيل: معنى أسلم وجهه لله قصده سبحانه بالعبادة وحده، كما أخبر عن إبراهيم (عليه السلام)أنّه قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ). وقيل: معناه أخلص أعماله لله أي أتى بها مخلصاً لله (وَهُوَ مُحْسِنٌ): أي فاعل للفعل الحسن الّذي أمره الله سبحانه. وقيل: وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله. وقيل: إنَّ المحسن هو الموحّد ; وروي عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه سئل عن الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ): أي اقتدي

1 . مجمع البيان: 2 / 408 ـ 409 .   2 . القصص: 88 .

صفحه 222
بدينه وسيرته وطريقته، يعني ما كان عليه إبراهيم (عليه السلام)وأمر به بنيه من بعده، وأوصاهم به من الإقرار بتوحيده وعدله وتنزيهه عمّا لا يليق به ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة، والطواف حولها، وسائر المناسك (حَنِيفًا): أي مستقيماً على منهاجه وطريقه.1
قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا): أي من النفاق (وَأَصْلَحُوا)ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ)وثقوا به وتمسّكوا بدينه (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ)لا يريدون بطاعته إلاّ وجهه (فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ومن عدادهم في الدارين.
(وَجَّهْتُ وَجْهِيَ): أي نفسي أو وجه قلبي أو قصدي (حَنِيفًا): أي مخلصاً مائلاً عن الشرك إلى الإخلاص (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لا بالشرك الجلي ولا بالشرك الخفي.
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي)الخطاب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(وَنُسُكِي)قال في «المجمع»: قيل: أي ديني. وقيل: عبادتي. وقيل: ذبيحتي للحجِّ والعمرة (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) : أي حياتي وموتي (للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)وإنّما جمع بين صلاته وحياته وأحدهما من فعله والآخر من فعل الله، فإنّهما جميعاً بتدبير الله تعالى. وقيل: معناه صلاتي ونسكي له عبادة وحياتي ومماتي له ملكاً وقدرة. وقيل: إنَّ عبادتي له لأنّها بهدايته ولطفه، ومحياي ومماتي له، لأنّهما بتدبيره وخلقه. وقيل: معنى قوله: (مَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ)أنَّ الأعمال الصالحة الّتي تتعلّق بالحياة في فنون الطاعات وما يتعلّق بالممات من الوصيّة والختم بالخيرات لله، وفيه تنبيه على أنّه لا ينبغي أن يكون الإنسان حياته لشهوته ومماته لورثته (لاَ شَرِيكَ لَهُ): أي لا ثاني له في الإلهيّة. وقيل: لا شريك له في العبادة، وفي الإحياء والإماتة (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ): أي

1 . مجمع البيان: 3 / 199 ـ 200 .

صفحه 223
وبهذا أمرني ربّي (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) من هذه الأُمّة.1 انتهى.
وأقول: يمكن أن يكون المراد بقوله: (مَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ)أنّي جعلت إرادتي ومحبّتي موافقتين لإرادة الله ومحبّته في جميع الأُمور، حتّى في الحياة والممات، فإن أراد الله حياتي لا أطلب الموت، وإذا أراد موتي لا أكرهها ولا أشتهي الحياة.
(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) قال الطبرسي (رحمه الله): يعني يطلبون ثواب الله ويعملون ابتغاء مرضاته، لا يعدلون بالله شيئاً; عن عطاء. قال الزجّاج: شهد الله لهم بصدق النيّات وأنّهم مخلصون في ذلك له، أي يقصدون الطريق الّذي أمرهم بقصده، فكأنّه ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق.(2)
وقال في قوله تعالى: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): هذا أمر بالدعاء والتضرُّع إليه سبحانه على وجه الإخلاص، أي ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدِّين. وقيل: معناه واعبدوه مخلصين له الإيمان.2
(مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) قرئ بفتح اللاّم أي المصطفين المختارين للنبوَّة، وبكسرها أي المخلِصين في العبادة والتوحيد، أي من عبادنا الّذين أخلصوا الطاعة لله وأخلصوا أنفسهم لله.3
(أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) كأنّه شامل للشرك الخفيّ أيضاً .
(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) في «المجمع»: أي رضوانه وقيل: تعظيمه والقربة إليه دون الرياء والسمعة.4

1 . مجمع البيان: 4 / 207 ـ 208 .   2 . مجمع البيان: 4 / 62.
2 . مجمع البيان: 4 / 241 .
3 . مجمع البيان: 5 / 388 .
4 . مجمع البيان: 6 / 337 .

صفحه 224
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ)قال (رحمه الله): أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربّه ويأمله ويقرُّ بالبعث إليه والوقوف بين يديه. وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربّه. وقيل: إنَّ الرجاء يشتمل على كلا المعنيين الخوف والأمل (فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا): أي خالصاً لله تعالى يتقرَّب به إليه (وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر; عن الحسن. وقيل: معناه لا يرائي عبادته أحداً. وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّي أتصدَّق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلاّ لله فيذكر ذلك منّي وأُحمد عليه، فيسرُّني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يقل شيئاً فنزلت الآية. قال عطاء: عن ابن عباس إنَّ الله تعالى قال: ولا يُشرِك [ بعبادة ربّه أحداً ولم يقل ولا يشرك ] به لأنّه أراد العمل الّذي يعمل لله، ويحبُّ أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحبُّ للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظّمه من يصله بها.
وروي عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، فهو للّذي أشرك». أورده مسلم في الصحيح.1
وروي عن عبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «مَن صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومَن صام صوماً يرائي به، فقد أشرك». ثمَّ قرأ هذه الآية. وروي أنَّ أبا الحسن الرضا (عليه السلام)دخل يوماً على المأمون فرآه يتوضّأ للصلاة والغلام يصبُّ على يده الماء، فقال: «لا تشرك بعبادة ربّك أحداً»، فصرف المأمون الغلام وتولّى إتمام وضوئه بنفسه. وقيل: إنَّ هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن.2 انتهى .

1 . صحيح مسلم: 8 / 223، باب من أشرك في عمله.
2 . مجمع البيان: 6 / 395 ـ 396 .

صفحه 225
وأقول: الرواية الأخيرة تدلُّ على أنَّ المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة، وهو مخالف لسائر الأخبار، ويمكن الجمع بحملها على الأعمِّ منها فإنَّ الإخلاص التامَّ هو أن لا يشرك في القصد ولا في العمل غيره سبحانه.
(إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا)في «المجمع» أخلص العبادة لله أو أخلص نفسه لأداء الرسالة (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا): أي مناجياً كليماً، قال ابن عباس: قرَّبه الله وكلّمه، ومعنى هذا التقريب أنّه أسمعه كلامه.
وقيل: وقرَّبناه أي ورفعنا منزلته وأعلينا محلّه حتّى صار محلّه منّا في الكرامة والمنزلة محلَّ من قرَّبه مولاه في مجلس كرامته، فهو تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب مسافة وإدناء، إذ هو سبحانه لا يوصف بالحلول في مكان فيقرب عن بعد أو يبعد عن قرب، أو يكون أحد أقرب إليه من غيره .1
(حُنَفَاءَ للهِ): أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله، مائلين عن سائر الأديان.(غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ): أي حجّاجاً مخلصين، وهم مسلمون موحّدون. كذا في المجمع .2
وفي التفسير عن الصادق (عليه السلام):[ أي طاهرين] غير مشركين به.3
[ و ] في «التوحيد»، عن الباقر (عليه السلام)أنّه سئل عنه وعن الحنيفيّة؟ فقال: «هي الفطرة الّتي فطر الناس عليها»، (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)قال: «فطرهم الله على المعرفة».4
(لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ): أي الّذين يقصدون بمعروفهم إيّاه خالصاً من

1 . مجمع البيان: 6 / 429 .
2 . مجمع البيان: 7 / 149.
3 . تفسير القمّي: 2 / 84 ; التفسير الصافي: 3 / 377. وما بين المعقوفتين من تفسير القمّي.
4 . توحيد الصدوق: 330 ح 9، الباب 53 (فطرة الله عزوجل الخلق على التوحيد).

صفحه 226
دون رياء وسمعة (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): أي الفائزون بثواب الله.
(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ)في «المجمع»: أي ومن يخلص دينه لله ويقصد في أفعاله التقرُّب إلى الله (وَهُوَ مُحْسِنٌ)فيها فيفعلها على موجب العلم ومقتضى الشرع، وقيل: إسلام الوجه إلى الله تعالى هو الانقياد إليه في أوامره ونواهيه، وذلك يتضمّن العلم والعمل (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ): أي فقد تعلّق بالعروة الوثيقة الّتي لا يخشى انفصامها (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي وعند الله ثواب ما صنع، والمعنى: وإلى الله يرجع أواخر الأُمور، على وجه لا يكون لأحد التصرُّف فيها بالأمر والنهي.1 انتهى.
(إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) بالكسر أي الّذين تنبّهوا بإنذارهم فأخلصوا دينهم لله، وبالفتح أي الّذين أخلصهم الله لدينه، وعلى التقديرين الاستثناء منقطع، وعن الباقر (عليه السلام)عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) قال: «يعلمه الخدَّام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إيّاهم». وأمّا قوله (فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ) قال: «فإنّهم لا يشتهون شيئاً في الجنّة إلاّ أُكرموا به».2
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) من الشرك الجليّ; بل الخفيّ أيضاً .
(فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) في «المجمع»: من شرك الأوثان والأصنام والإخلاص أن يقصد العبد بنيّته وعمله إلى خالقه لا يجعل ذلك لغرض الدُّنيا (أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) والخالص هو ما لا يشوبه الرياء والسمعة، ولا وجه من وجوه الدُّنيا. وقيل معناه: ألا لله الطاعة بالعبادة الّتي يستحقُّ بها الجزاء، فهذا لله وحده، لا يجوز أن يكون لغيره. وقيل: هو الاعتقاد الواجب في التوحيد والعدل

1 . مجمع البيان: 8 / 90 .
2 . الكافي: 8 / 100 ح 69، ضمن حديث طويل.

صفحه 227
والنبوَّة والإقرار بها والعمل بموجبها والبراءة من كلِّ دين سواها.1
وقال في قوله تعالى: (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ): أي موحّداً له لا أعبد معه سواه والعبادة الخالصة هي الّتي لا يشوبها شيء من المعاصي (وَأُمِرْتُ)أيضاً (لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) فيكون لي فضل السبق (مُخْلِصًا لَهُ دِيني) وطاعتي.2انتهى.(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) تهديد وخذلان.
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً): أي للمشرك والموحّد (مُتَشَاكِسُونَ): أي متنازعون مختلفون (وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل): أي خالصاً لواحد ليس لغيره عليه سبيل. قيل: مثّل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدَّعي كلُّ واحد من معبوديه عبوديّته ويتنازعون فيه، بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهامّهم المختلفة، في تحيّره وتوزُّع قلبه ; والموحّد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل.
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاْخِرَةِ): أي ثوابها، شبّهه بالزرع من حيث إنّه فائدة تحصل بعمل الدُّنيا، ولذلك قيل: «الدُّنيا مزرعة الآخرة».3 (نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)فنعطه بالواحد عشراً إلى سبعمائة فما فوقها (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا): أي بعمله نفع الدُّنيا (نُؤْتِهِ مِنْهَا): أي شيئاً منها على ما قسمنا له، ويحتمل أن يصير سبباً لزيادة المنافع الدُّنيويّة (وَمَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ نَصِيب) لبطلانه ; وإنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى.
وفي التفسير عن الصادق (عليه السلام): «المال والبنون حرث الدُّنيا والعمل الصالح

1 . مجمع البيان: 8 / 383 .
2 . مجمع البيان: 8 / 390 .
3 . عوالي اللآلي: 1 / 267 برقم 66، مرسلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 228
حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام».1
وفي «الكافي» عنه (عليه السلام): «مَن أراد الحديث لمنفعة الدُّنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدُّنيا والآخرة».2
وفي «المجمع» عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كانت نيّته الدُّنيا فرَّق الله عليه أمره وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدُّنيا إلاّ ما كتب له ; ومن كانت نيّته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدُّنيا وهي راغمة».3
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ)في الأخبار الكثيرة أنّها المساجد الّتي يسجد عليها. وقيل: المساجد المعروفة. وقيل: كلُّ الأرض (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا): أي لا تشركوا في دعائه وعبادته غيره.
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ): أي لطلب رضاه خالصاً له، مخلصاً من الرياء وطلب الجزاء (لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا) .
روى الصدوق (رحمه الله) في مجالسه بإسناده عن الصادق (عليه السلام)في حديث طويل يذكر فيه سبب نزول سورة هل أتى في أصحاب الكساء(عليهم السلام)(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له (مِسْكِينًا)من مساكين المسلمين (وَيَتِيًما)من يتامى المسلمين (وَأَسِيرًا) من أُسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا)قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنّهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم،

1 . تفسير القمّي: 2 / 274.
2 . الكافي: 1 / 46 ح 2، باب المستأكل بعلمه.
3 . مجمع البيان: 9 / 46 .

صفحه 229
يقولون: لا نريد جزاء تكافؤننا به ولا شكوراً تثنون علينا به، ولكنّا إنّما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه. انتهى .1
(إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا): أي تعبس فيه الوجوه (قَمْطَرِيرًا): أي شديد العبوس.
(يُؤْتِي مَالَهُ)في «المجمع»: أي ينفقه في سبيل الله (يَتَزَكَّى)يطلب أن يكون عند الله زكيّاً لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة (وَمَا لأَحَد عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَة تُجْزَى): أي ولم يفعل الأتقى ما فعله من إيتاء المال وإنفاقه في سبيل الله ليد أُسديت إليه يكافئ عليها، ولا ليد يتّخذها عند أحد من الخلق (إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى): أي ولكنّه فعل ما فعل يبتغي به وجه الله ورضاه وثوابه (وَلَسَوْفَ يَرْضَى): أي ولسوف يعطيه الله من الجزاء والثواب ما يرضى به فإنّه يعطيه كلَّ ما تمنّى، وما يخطر بباله فيرضى به لا محالة. انتهى.2
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي لا يشركون به شيئاً (حُنَفَاءَ)مائلين عن العقائد الزائغة.

1 . أمالي الصدوق: 329 ـ 333 برقم 390، المجلس 44.
2 . مجمع البيان: 10 / 378 .

صفحه 230

[ الباب التاسع والعشرون ]

الطاعة والتقوى والورع ومدح المتّقين وصفاتهم وعلاماتهم   

الطاعة والتقوى والورع ومدح المتّقين وصفاتهم وعلاماتهم وأنّ الكرم به، وقبول العمل مشروط به 1
أقول: قد مضى ما يناسب الباب في باب طاعة الله ورسوله وحججه 2 فلا تغفل.

الآيات:

البقرة (2): (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 1 ـ 5 .
وقال تعالى: (وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ). 41 .
وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). 63 .
وقال تعالى: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ). 66 .
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ