welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 4*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 4

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 4
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
4

صفحه 2
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 554 - 0 (VOL.4)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 4. الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم .
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الرابع
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 907    تسلسل الطبعة الأُولى: 442
طبع على نفقة الوجيه الحاج أبي ياسر
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
   إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على الكتب التالية:
الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم
الجزء الرابع
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 554 - 0 (VOL.4)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 4. الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم .
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الرابع
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 907    تسلسل الطبعة الأُولى: 442
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

الحمد لله الأوّل قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء; وصلى الله على نبيه محمد المصطفى وخير الورى، وعلى آله أئمة الهدى ومنار التُّقى ومصابيح الدجى والعروة الوثقى .
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الرابع من «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» للعلاّمة محمد باقر المجلسي ـ أعلى الله مقامه ـ ويشتمل هذا الجزء على كتاب الإمامة وفيه جمل أحوال الأئمة الكرام(عليهم السلام)ودلائل إمامتهم وفضائلهم ومناقبهم وغرائب أحوالهم.
وكذلك يشتمل على كتاب الفتن والمحن وكتاب السماء والعالم وفيه بحوث تكشف الغطاء عن غوامض أسرار الآيات المتعلّقة بخلق اللوح والقلم والعرش والكرسي والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة والكواكب والنجوم وصفاتها وأحكامها وآثارها والأرضين والعناصر والمواليد من المعادن والنباتات والحيوانات وخواصّها وحلّها وحرمتها وصيدها وذبحها، ومنافع الأدوية والثمار وخواصّها وفوائدها، وأحوال الإنسان والنفس والروح وتشريح الأبدان وسائر ما يتعلّق بتلك الأعيان، وهي بحوث طُرحت بأُسلوب جديد وطريقة متميّزة قال عنها المؤلّف: وهذا ممّا لم يسبقني إليه أحد من علمائنا والمخالفين...1

1 . لاحظ : بحار الأنوار : 54 / 2، المقدّمة.

صفحه 8
وهنا أود الإشارة إلى نكتة مهمة تتعلّق بعمل اللجنة العلمية الّتي قامت مشكورة بإنجاز هذا العمل، وهي إنّهم اعتمدوا في عملهم على نسخة «بحار الأنوار» طبع مؤسسة الوفاء في بيروت ـ 1403 هـ وهي توافق نسخة «بحار الأنوار» طبع طهران إلى الجزء 53، والجزء 54 من طبعة بيروت يقابله الجزء 57 من طبعة طهران أي بإضافة العدد 3 إلى الجزء، وهكذا إلى آخر الكتاب، والسبب في ذلك وقوع فهارس طبعة طهران في الأجزاء 54، 55 و 56 أي في وسط الموسوعة، أمّا طبعة بيروت فالفهارس فيها في آخر الموسوعة (الأجزاء 108، 109 و 110) لذا اقتضى التنويه على ذلك.
وفي الختام أرجو أن يقع عملنا موقع القبول عند أصحاب العلم والفضيلة سائلين المولى العلي القدير السداد والتوفيق.
جعفر السبحاني
قم المقدسة
ذو القعدة الحرام 1436 هـ

صفحه 9
كتاب الإمامة

[ الباب الأوّل ]

الإضطرار إلى الحجّة وإنّ الأرض لا تخلو من حجّة1

الآيات:

الرّعد (13): (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد). 7 .
القصص (28): (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ2). 51.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) فيه أقوال:
أحدها: أنّ معناه إنّما أنت منذر، أي مخوّف، وهاد لكلّ قوم، وليس إليك إنزال الآيات، فأنت مبتدأ، ومنذر خبره، وهاد عطف على منذر، وفصل بين الواو والمعطوف بالظرف.
والثاني: أنّ المنذر محمّد، والهادي هو الله.

1 . بحار الأنوار: 23 / 1 ـ 2، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 156: وهذه استعارة، والمراد بتوصيل القول ـ والله أعلم ـ إرداف بعضه ببعض، وتكرير بعضه على أعقاب بعض، مظاهرة للحجّة على سامعيه، وإبعاداً في منازع الاحتجاج على مخالفيه، ليتذكروا بعد الغفلة، وينتبهوا من الرقدة، وذلك تشبيهاً بتوصيل الحبال بعضها ببعض عند إدلاء الدلو إلى الطوى البعيدة إلى أن يصل إلى الماء ويفضي إلى الرواء، وهذا من دقيق المعاني.

صفحه 10
والثالث: أنّ معناه إنّما أنت منذر يا محمّد، ولكلّ قوم نبيّ يهديهم وداع يرشدّهم.
والرابع: أنّ المراد بالهادي كلّ داع إلى الحقّ.
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا نزلت الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا المنذر وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون».1
وروى أبو القاسم الحسكاني في «شواهد التنزيل» بالاسناد عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه عن حكم بن جبير عن أبي بردة الأسلميّ قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالطّهور وعنده عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيد عليّ (عليه السلام)بعد ما تطهّر فألزقها بصدره ثمّ قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ)ثم ردّها إلى صدر عليّ (عليه السلام)ثمّ قال: (وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) ثمّ قال: «إنّك منارة الأنام، وراية الهدى، وأمير القرى2 أشهد على ذلك أنّك كذلك».3
وعلى هذه الأقوال الثلاثة يكون (هَاد) مبتدأ، (وَلِكُلِّ قَوْم) خبره، على قول سيبويه، ويكون مرتفعاً بالظّرف على قول الأخفش. انتهى .4
أقول: على هذا الوجه الأخير تدلّ أخبار هذا الباب .
إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، ويجب على الإمام النصّ على من بعده   

1 . الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي: 1 / 574 ; فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة الكوفي: 194 ; شواهد التنزيل: 1 / 381 برقم 398. والرواية من مقولة «الجري» وتطبيق الكلّي على أوضح مصاديقه، وليست من مقولة التفسير، وكم لها من نظائر في الروايات فلا تغفل.
2 . في المصدر: وأمير القرّاء.
3 . شواهد التنزيل: 1 / 393 .
4 . مجمع البيان: 6 / 14 ـ 15 .

صفحه 11

[ الباب الثاني]

إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، ويجب على الإمام
النصّ على من بعده1

الآيات:

القصص (28): (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). 68 .
الزخرف (43): (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). 31 ـ 32 .

التفسير:

قوله تعالى: (وَيَخْتَارُ)أي يختار من يشاء للنبوّة والإمامة، فقد روى المفسّرون أنّه نزل في قولهم: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم) وقيل: (مَا)موصولة مفعول ليختار، والرّاجع إليه محذوف. والمعنى: ويختار الّذي كان لهم فيه الخيرة، أي الخير والصلاح، وعلى الأوّل الخيرة بمعنى التخيّر، كالطيرة بمعنى التطيّر، وعلى التقديرين يدلّ على أنّ اختيار الإمام الّذي له الريّاسة في الدّين والدّنيا لا يكون برأي النّاس، كما لا يخفى على منصف (مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ): أي من إحدى القريتين: مكّة والطّائف (عَظِيم) بالجاه والمال، كالوليد

1 . بحار الأنوار: 23 / 66 ـ 67، الباب 3.

صفحه 12
بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفيّ.
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)قال البيضاوي : إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكّمهم، والمراد بالرّحمة النبوّة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)وهم عاجزون عن تدبيرها، وهي خويصة أمرهم في دنياهم، فمن أين لهم أن يدبّروا أمر النبوّة التي هي أعلى المراتب الإنسية (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ): أي وأوقعنا بينهم التفاوت في الرّزق وغيره (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا): أي ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم ليحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال في الموسع، ولا النّقص في المقتّر، ثمّ إنّهم لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرّف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ): أي هذه النبوّة وما يتبعها (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لامنه. انتهى .1
وأقول: الآيتان صريحتان في أنّ الرزق والمراتب الدّنيويّة لمّا كانت بقسمته وتقديره سبحانه فالمراتب الأُخرويّة والدّرجات المعنويّة كالنبوّة وما هو تاليها في أنّه رفعة معنويّة وخلافة دينيّة وهي الإمامة أولى وأحرى بأن تكون بتعيينه تعالى ولا يكلها إلى العباد، وأيضاً إذا قصرت عقول العباد عن قسمة الدّرجات الدنيويّة فهي أحرى بأن تكون قاصرة عن تعيين منزلة هي تشتمل على الريّاسة الدّينيّة والدّنيويّة معاً، وهذا بيّن بحمد الله في الآيتين على وجه ليس فيه ارتياب ولا شكّ. والله الموفّق للصواب.
إنّهم(عليهم السلام) الذكر، وأهل الذكر وأنّهم المسؤولون، وأنّه فرض على شيعتهم المسألة   

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 145.

صفحه 13

[الباب الثالث ]

إنّهم(عليهم السلام)الذكر، وأهل الذكر وأنّهم المسؤولون،
وأنّه فرض على شيعتهم المسألة 1

الآيات:

النحل (16): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ). 43 ـ 44 .
الأنبياء (21): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). 7.
ص (38): (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب). 39 .

التفسير:

قيل: المراد بأهل الذّكر أهل العلم، وقيل: أهل الكتاب، وستعلم من الأخبار المستفيضة أنّهم الأئمّة(عليهم السلام)لوجهين:
الأوّل: أنّهم أهل علم القرآن، لقوله تعالى بعد تلك الآية في سورة النحل: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).2
والثاني: أنّهم أهل الرّسول، وقد سمّاه الله ذكراً في قوله: (ذِكْرًا * رَسُولاً)3، وهذا ممّا روته العامّة أيضاً، روى الشهرستانيّ في تفسيره المسمّى بـ «مفاتيح الأسرار» عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)إنّ رجلاً سأله فقال: من عندنا يقولون: قوله

1 . بحار الأنوار: 23 / 172، الباب 9 .
2 . النحل: 44.
3 . الطلاق: 10 ـ 11 .

صفحه 14
تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ): إنّ الذّكر هو التوراة، وأهل الذّكر هم علماء اليهود، فقال (عليه السلام): «والله إذاً يدعوننا إلى دينهم، بل نحن والله أهل الذّكر الذين أمر الله تعالى بردّ المسألة إلينا».1
قال: وكذا نقل عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «نحن أهل الذّكر».2

[ الباب الرابع ]

إنّ مَن اصطفاه الله من عباده وأورثه كتابه هم الأئمة(عليهم السلام)، وأنّهم آل إبراهيم وأهل دعوته   

إنّ مَن اصطفاه الله من عباده وأورثه كتابه هم الأئمة(عليهم السلام)،
وأنّهم آل إبراهيم وأهل دعوته3

الآيات:

آل عمران (3): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). 33 ـ 34 .
فاطر (35): (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ). 32.

1 . روي هذا الحديث باختلاف في الألفاظ والسند في المصادر التالية: دعائم الإسلام: 1 / 27 ; بصائر الدرجات: 61 ح 17 باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام); الكافي: 1 / 211 ح 3، باب أنّ أهل الذّكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام).
2 . تفسير الثعلبي: 6 / 270 ; شواهد التنزيل: 1 / 436 ; ينابيع المودّة: 1 / 357 ; مشكاة الأنوار للطبرسي: 116. وقد مرّ أنّ الرواية بصدد تطبيق الكلّي على أوضح مصاديقه وليست هي مقولة التفسير.
3 . بحار الأنوار : 23 / 212 ـ 213، الباب 12 .

صفحه 15

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى): أي اختار واجتبى (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)أولاده، وأمّا آل عمران فقيل: هم من آل إبراهيم أيضاً، فهم موسى وهارون ابنا عمران. وقيل: يعني بآل عمران مريم وعيسى; لأنّ مريم بنت عمران، وفي قراءة أهل البيت(عليهم السلام)وآل محمّد على العالمين. وقالوا أيضاً: إنّ آل إبراهيم هم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين هم أهله، ويجب أن يكون الّذين اصطفاهم الله تعالى مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح; لأنّه سبحانه لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطّهارة والعصمة. فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران، سواء كان نبيّاً أو إماماً، ويقال: الإصطفاء على وجهين: أحدهما: أنّه اصطفاه لنفسه، أي جعله خالصاً له يختصّ به، والثاني: أنّه اصطفاه على غيره، أي اختصّه بالتفضيل على غيره. وعلى هذا الوجه معنى الآية (ذُرِّيَّةً): أي أولاداً وأعقاباً (بَعْضُهَا مِنْ بَعْض)قيل: معناه في التّناصر في الدّين، وقيل: في التّناسل والتّوالد، فإنّهم ذريّة آدم ثمّ ذرية نوح ثمّ ذريّة إبراهيم (عليهم السلام)، وهو المرويّ عن أبي عبدالله (عليه السلام)، لأنّه قال: الّذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض; واختاره الجبائيّ .1
وقال (رحمه الله) في قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ): أي القرآن أو التوراة، أو مطلق الكتب (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)قيل: هم الأنبياء. وقيل: هم علماء أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمرويّ عن الباقر والصّادق (عليهما السلام)أنّهما قالا: «هي لنا خاصّة، وإيّانا عنى»2، وهذا أقرب الأقوال.
(فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)اختلف في مرجع الضّمير على قولين: أحدهما أنّه

1 . مجمع البيان: 2 / 277 ـ 279 .
2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 274 .

صفحه 16
يعود إلى العباد، واختاره المرتضى 1 (رضي الله عنه). والثاني أنّه يعود إلى المصطفين، ثمّ اختلف في أحوال الفرق الثلاث على قولين: أحدهما: أنّ جميعهم ناج. ويؤيّده ما ورد في الحديث عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في الآية: أمّا السابق فيدخل الجنّة بغير حساب، وأمّا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأمّا الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثمّ يدخل الجنّة فهم الّذين قالوا: الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن.2
وروى أصحابنا عن ميسّر بن عبد العزيز; عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «الظالم لنفسه منّا من لا يعرف حقّ الإمام، والمقتصد منّا العارف بحقّ الإمام، والسابق بالخيرات هو الإمام، وهؤلاء كلّهم مغفور لهم».3
وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفر (عليه السلام)أمّا الظالم لنفسه منّا فمن عمل عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وأمّا المقتصد فهو المتعبّد المجتهد، وأمّا السابق بالخيرات فعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)ومن قتل من آل محمّد شهيداً.4
والقول الآخر أنّ الفرقة الظَّالمة 5 غير ناجية، قال قتادة: الظّالم من أصحاب المشئمة، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والسّابق هم السابقون المقرّبون، (بِإِذْنِ اللهِ): أي بأمره وتوفيقه ولطفه .6
إنّ مودّتهم أجر الرسالة ; وسائر ما نزل في مودّتهم (عليهم السلام)   

1 . رسائل المرتضى: 3 / 102 .
2 . تفسير الثعلبي: 8 / 108 ; تفسير القرطبي: 14 / 351.
3 . اعتقادات الصدوق: 112 ; معاني الأخبار: 104 ح 2، باب معنى الظالم لنفسه، باسناده عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام). والرواية من مقولة التطبيق لا التفسير.
4 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 274 .
5 . في المصدر بزيادة: لنفسها.
6 . مجمع البيان: 8 / 244 ـ 246 .

صفحه 17
 
[ الباب الخامس ]

إنّ مودّتهم أجر الرسالة ; وسائر ما نزل في مودّتهم (عليهم السلام)1

الآيات:

الرعد (13): (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً). 38.
الشورى (42):(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ). 23.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا): قال ابن عبّاس: عيّروا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكثرة تزوّج النساء، وقالوا: لو كان نبيّاً لشغلته النبوّة عن تزوّج النّساء، فنزلت الآية.
وروي أنّ أبا عبدالله (عليه السلام)قرأ هذه الآية ثمّ أومأ إلى صدره وقال: «نحن والله ذريّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»2.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا): اختلف في معناه على أقوال:
أحدها: لا أسألكم في تبليغ الرّسالة أجراً إلاّ التوادّ والتحابّ فيما يقرب إلى الله تعالى.

1 . بحار الأنوار : 23 / 228 ـ 236، الباب 13 .
2 . مجمع البيان: 6 / 47 ـ 48 .

صفحه 18
وثانيها: أنّ معناه إلاّ أن تودّوني في قرابتي منكم وتحفظوني لها، فهو لقريش خاصّة.
وثالثها: أنّ معناه إلاّ أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم; عن عليّ بن الحسين (عليه السلام)وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وجماعة، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام). وأخبرنا، السيّد أبو الحمد مهديّ بن نزار الحسينيّ، عن الحاكم أبي القاسم الحسكانيّ، عن القاضي أبي بكر الحيريّ، عن أبي العبّاس الضبعيّ، عن الحسن بن زياد السريّ، 1 عن يحيى بن عبدالحميد الحمّانيّ، عن حسين الأشتر 2، عن قيس، عن الأعمش، عن ابن جبير عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الّذين أُمرنا3بمودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وولدهما».4
وروى زاذان عن عليّ (عليه السلام)قال: «فينا في آل حم آية [ أنّه ] لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن» ثمّ قرأ (عليه السلام)هذه الآية.5
وإلى هذا أشار الكميت في قوله:
وجدنا لكم في آل حم آية *** تأوّلها منّا تقيّ ومعرب
وعلى التقادير ففي المودّة قولان: أحدهما: أنّه استثناء منقطع، لأنّ هذا ممّا يجب بالإسلام فلا يكون أجراً للنبوّة.
والآخر: أنّه استثناء متّصل، والمعنى: لا أسألكم أجراً إلاّ هذا، فقد رضيت به

1 . في المصدر: الحسن بن علي بن زياد السريّ.
2 . في المصدر: الأشقر، وهو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي. راجع تهذيب الكمال: 6 / 366 برقم 1307 .
3 . في المصدر: أمرنا الله بمودّتهم.
4 . شواهد التنزيل: 2 / 190 برقم 822 .
5 . نظم درر السمطين: 239 ; كنز العمال: 2 / 290 برقم 4030 ; شواهد التنزيل: 2 / 205 برقم 838 .

صفحه 19
أجراً، كما أنّك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برّاً، فتقول له: اجعل برّي قضاء حاجتي، وعلى هذا يجوز أن يكون المعنى لا أسألكم أجراً إلاّ هذا ونفعه أيضاً عائد إليكم، فكأنّي لا أسألكم أجراً.1
وذكر أبو حمزة الثماليّ في تفسيره: حدّثني عثمان بن عمير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قدم المدينة واستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينهم: يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فنقول له: تعروك أُمور، فهذه أموالنا فاحكم2 فيها غير حرج ولا محظور عليك، فأتوه في ذلك فنزل : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)فقرأها عليهم، فقال: تودّون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه، أراد بذلك أن يذلّلنا لقرابته من بعده، فنزلت: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا)فأرسل إليهم فتلاها عليهم، فبكوا واشتدّ عليهم، فأنزل الله: (وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)الآية، فأرسل في أثرهم فبشّرهم، قال: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا)وهم الّذين سلّموا لقوله.3
ثمّ قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا): أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن نوجب له الثواب.
وذكر أبو حمزة الثماليّ عن السدّي أنّه قال: اقتراف الحسنة: المودّة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).4
وصحّ عن الحسن بن عليّ (عليه السلام)أنّه خطب الناس فقال في خطبته: «أنا من أهل البيت الّذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ

1 . في المصدر: لم أسألكم أجراً.
2 . في المصدر: ان تعرك أُمور فهذه أموالنا تحكم.
3 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 293 ـ 294 .
4 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 293 .

صفحه 20
أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)واقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».1
وروى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إنّها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء».(2) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.2
وقال العلاّمة روَّح الله روحه في كتاب «كشف الحقّ» 3: روى الجمهور في الصحيحين وأحمد بن حنبل في مسنده والثعلبيّ في تفسيره عن ابن عبّاس قال: لمّا نزل: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)قالوا: يا رسول الله من قرابتك الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة. انتهى.4
قال البيضاوي : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ)على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة (أَجْرًا)نفعاً منكم (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) أن تودّوني لقرابتي منكم، أو تودّوا قرابتي، وقيل: الاستثناء منقطع، والمعنى لا أسألكم أجراً قطّ، ولكن أسألكم المودّة، و (فِي الْقُرْبى) حال منها.
روي أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما، ثمّ قال: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً)ومن يكتسب طاعة سيّما حبّ آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).5
وقال الرازي في تفسيره الكبير: روى الكلبيّ عن ابن عبّاس قال: إنّ النبيّ لمّا

1 . مناقب ابن شهر آشوب: 3 / 170 .   2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 171 ; قرب الإسناد: 129 .
2 . مجمع البيان: 9 / 48 ـ 50 .
3 . هكذا في البحار اعتماداً على نسخ الخلاصة، ولكن في النسخ التي بأيدينا والتي نقلها أصحاب الفهارس هو باسم: «نهج الحق وكشف الصدق».
4 . نهج الحق وكشف الصدق: 175 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 128 .

صفحه 21
قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار: إنّ هذا الرّجل قد هداكم الله على يده، وهو ابن أُختكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا، ثمّ أتوه به فردّه عليهم ونزل قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا): أي على الإيمان إلاّ أن تودّوا أقاربي، فحثّهم على مودّة أقاربه.
ثمّ قال: نقل صاحب الكشّاف 1 عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرّحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة».
هذا هو الّذي رواه صاحب الكشّاف، وأنا أقول: آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)هم الّذين يؤول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولاشكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل. وأيضاً اختلف النّاس في الآل فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أُمّته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأُمّة الّذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنّ على جميع

1 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 3 / 467 .

صفحه 22
التقديرات هم آل، وأمّا غيرهم هل يدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فيه، (فثبت على جميع التقديرات أنّهم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم))1.
وروى صاحب الكشّاف أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: عليّ وفاطمة وابناهما.2
فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل قوله تعالى: (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لما ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحبّ فاطمة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها»3 وثبت بالنّقل المتواتر عن محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين(عليهم السلام)، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله، لقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)4 ولقوله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ)،(5) ولقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ )5، ولقوله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ)6.
الثالث: أنّ الدّعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشّهد في الصّلوات وهو قوله: اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد، وهذا التّعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب.

1 . ما بين القوسين لصاحب البحار ولا يوجد في المصدر.
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 467 .
3 . صحيح مسلم: 7 / 141، باب فضائل فاطمة (عليها السلام).
4 . الأعراف: 158 .   5 . النور: 63 .
5 . آل عمران: 31 .
6 . الأحزاب: 21.

صفحه 23
وقال الشافعيّ:
يا راكباً قف بالمحصّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضيّ1
وقال صاحب الكشّاف زائداً على ما نقله عنه الرازي: روي عن علي (عليه السلام)قال: شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حسد النّاس لي فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرّيّاتنا خلف أزواجنا»2.
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب ولم يجازه عليها فأنا أُجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة».3
وروي أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنّهم افتخروا، فقال عبّاس أو ابن عبّاس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا ضلاّلاً فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذّبوك

1 . تفسير الرازي: 27 / 164 ـ 166.
2 . تفسير الثعلبي: 8 / 311 ; تفسير القرطبي: 16 / 22 ; كشف الغمّة: 1 / 104 ; ينابيع المودّة: 2 / 354 .
3 . تفسير الثعلبي: 8 / 312 ; تفسير القرطبي: 16 / 22 .

صفحه 24
فصدّقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الرّكب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية.1
   

[ الباب السادس ]

إنّ الأمانة في القرآن الإمامة2

الآيات:

النساء (4): (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). 58.
الأحزاب (33): (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً). 72.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا): فيه أقوال:
أحدها: أنّها في كلّ من اؤتمن أمانة من الأمانات، فأمانات الله تعالى أوامره ونواهيه، وأمانات عباده ما يأتمن بعضهم بعضاً من المال وغيره; عن ابن عبّاس وغيره، وهو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبدالله (عليه السلام).

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 467 ـ 468. أقول: ما ورد في الروايات من مقولة الجري وتطبيق الضابطة على أفضل مصاديقها وليس تفسيراً.
2 . بحار الأنوار : 23 / 273 ـ 275، الباب 16 .

صفحه 25
وثانيها: أنّ المراد به ولاة الأمر، أمرهم الله سبحانه أن يقوموا برعاية الرّعيّة، وحملهم على موجب الدّين والشّريعة.
ورواه أصحابنا عن الباقر والصادق (عليهما السلام)قال: «أمر الله سبحانه كلّ واحد من الأئمّة أن يسلم الأمر إلى من بعده».
ويعضده أنّه سبحانه أمر الرّعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر، فروي عنهم(عليهم السلام)أنّهم قالوا: «آيتان إحداهما لنا والأُخرى لكم»، قال الله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)الآية. وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).1
وهذا القول داخل في القول الأوّل، لأنّه من جملة ما ائتمن الله سبحانه عليه الأئمّة الصادقين، ولذلك قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ أداء الصلاة والزكاة والصوم والحجّ من الأمانة، ويكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسمة الغنائم والصدقات وغير ذلك ممّا يتعلّق به حقّ الرعيّة.
وثالثها: أنّه خطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بردّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة حين قبض منه يوم الفتح، وأراد أن يدفعه إلى العبّاس، والمعوّل على ما تقدّم. (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)أمر الله الولاة والحكّام أن يحكموا بالعدل والنصفة (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): أي نعم الشيء ما يعظكم به من الأمر بردّ الأمانة والحكم بالعدل .2
وقال البيضاوي في قوله عزّ شأنه: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ)تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، أي في قوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً)3،

1 . النساء: 59 .
2 . مجمع البيان: 3 / 112 ـ 113 .
3 . الأحزاب: 71 .

صفحه 26
وسمّاها أمانة من حيث إنّها واجبة الأداء، والمعنى أنّها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام فكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوّته، لا جرم فاز الرّاعي لها والقائم بحقوقه بخير الدّارين (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا)حيث لم يف بها ولم يراع حقوقها (جَهُولاً) بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعمّ الطبيعيّة والاختياريّة، وبعرضها استدعاؤها الّذي يعمّ طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم: حامل الأمانة ومحتملها، لمن لا يؤدّيها، فتبرأ ذّمته، فيكون الإباء عنه إتياناً بما يمكن أن يتأتّى منه، والظلم والجهالة: الخيانة والتّقصير.
وجوب طاعتهم، وأنّها المعني بالملك العظيم، وانّهم أُولو الأمر، وأنّهم الناس المحسودون   
وقيل: إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فيها فهماً، وقال: إنّي فرضت فريضة وخلقت جنّة لمن أطاعني، وناراً لمن عصاني، فقلن: نحن مسخّرات لما خلقتنا، لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثواباً ولا عقاباً، ولمّا خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلوماً لنفسه بتحمّلها1 ما يشقّ عليها، جهولاً بوخامة عاقبته، ولعلّ المراد بالأمانة العقل أو التكليف، وبعرضها عليهنّ اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهنّ، وإبائهنّ الإباء الطبيعي الّذي هو عدم اللّياقة والاستعداد، وبحمل الإنسان قابليّته واستعداده لها، وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوّة الغضبيّة والشهويّة، وعلى هذا يحسن أن يكون علّة للحمل عليه، فإنّ من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوّتين، حافظاً لهما من التعدّي ومجاوزة الحدّ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.2

1 . في المصدر: بتحمّله.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 388 ـ 389 .

صفحه 27

[ الباب السابع ]

وجوب طاعتهم، وأنّها المعني بالملك العظيم، وانّهم أُولو الأمر،
وأنّهم الناس المحسودون1

الآيات:

النساء (4): (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا). 54 ـ 55 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). 59 .
وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). 83 .

التفسير:

قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ)قال الطبرسي (رحمه الله): معناه بل يحسدون الناس ؟
واختلف في معنى الناس هنا فقيل: أراد به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، حسدوه على ما أعطاه الله من النبوّة، وإباحة تسعة نسوة، وميله إليهنّ; وقالوا: لو كان نبيّاً لشغلته النبوّة عن ذلك، فبيّن الله سبحانه أنّ النبوّة ليست ببدع في آل إبراهيم .
وثانيها: إنّ المراد بالنّاس النبيّ وآله(عليهم السلام); عن أبي جعفر (عليه السلام)، والمراد بالفضل

1 . بحار الأنوار : 23 / 283 ـ 285، الباب 17 .

صفحه 28
فيه النبوّة، وفي آله الإمامة.1
أقول: ثمّ روى عن تفسير العياشيّ بعض ما سيأتي من الأخبار في ذلك.
وقال في قوله تعالى: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ): للمفسّرين فيه قولان: أحدهما أنّهم الأمراء، والآخر أنّهم العلماء، وأمّا أصحابنا فإنّهم رووا عن الباقر والصادق (عليهما السلام)أنّ أُولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأُمراء ولا العلماء سواهم، جلّ الله سبحانه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه، وممّا يدلّ على ذلك أيضاً أنّ الله سبحانه لم يقرن طاعة أُولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلاّ وأُولو الأمر فوق الخلق جميعاً، كما أنّ الرّسول فوق أُولي الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمّة الهدى من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتّفقت الأُمّة على علوّ رتبهم وعدالتهم (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ): أي فإن اختلفتم في شيء من أُمور دينكم فردّوا المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنّة الرسول، ونحن نقول: الردّ إلى الأئمّة القائمين مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته هو مثل الردّ إلى الرّسول في حياته، لأنّهم الحافظون لشريعته، وخلفاؤه في أُمّته فجروا مجراه فيه.(2)
عرض الأعمال عليهم(عليهم السلام) وأنّهم الشهداء على الخلق   
قوله تعالى: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً): أي أحمد عاقبة، أو أحسن من تأويلكم; لأنّ الردّ إلى الله ورسوله، ومن يقوم مقامه من المعصومين، أحسن لا محالة، من تأويل بغير حجّة.(3)

1 . مجمع البيان:3/108 ـ 109.      2 . مجمع البيان:3/114 ـ 115.   3 . مجمع البيان: 3/115.

صفحه 29
(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ)قال أبو جعفر (عليه السلام): «هم الأئمّة المعصومون» (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) الضّمير يعود إلى أُولي الأمر وقيل: إلى الفرقة المذكورة من المنافقين أو الضعفة.1

[ الباب الثامن ]

عرض الأعمال عليهم(عليهم السلام)وأنّهم الشهداء على الخلق2

الآيات:

البقرة (2): (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا). 143.
النساء (4): (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا). 41.
التوبة (9): (وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). 94.
وقال سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). 105.
النحل (16): (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ). 84 .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا

1 . مجمع البيان: 3 / 143 .
2 . بحار الأنوار : 23 / 333 ـ 335، الباب 20 .

صفحه 30
بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ). 89 .
القصص (28): (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). 75 .

التفسير:

قال الطبرسي في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)الوسط العدل، وقيل: الخيار، قال صاحب العين: الوسط من كلّ شيء أعدله وأفضله، ومتى قيل: إذا كان في الأُمّة من ليست هذه صفته فكيف وصف جماعتهم بذلك؟ فالجواب أنّ المراد به من كان بتلك الصفة، لأنّ كلّ عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم.
وروى بريد عن الباقر (عليه السلام)قال: «نحن الأُمّة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه».
وفي رواية أُخرى: قال (عليه السلام): «إلينا يرجع الغالي، وبنا يلحق المقصّر» .
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ في كتاب «شواهد التّنزيل» باسناده عن سليم بن قيس، عن عليّ (عليه السلام): «إنّ الله تعالى، إيّانا عنى بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)فرسول الله شاهد علينا. ونحن شهداء الله على خلقه، وحجّته في أرضه، ونحن الّذين قال الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)».1
وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فيه ثلاثة أقوال: أحدها لتشهدوا على النّاس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحقّ في الدّنيا والآخرة كما قال: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ )2 .
والثاني: لتكونوا حجّة على النّاس فتبيّنوا لهم الحقّ والدّين ويكون الرسول

1 . شواهد التنزيل: 1 / 119 برقم 129.
2 . الزمر: 69 .

صفحه 31
شهيداً عليكم مؤدّياً للدين إليكم.
والثالث: أنّهم يشهدون للأنبياء على أُممهم المكذّبين لهم بأنّهم قد بلّغوا، وقوله: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا): أي شاهداً عليكم بما يكون من أعمالكم وقيل: حجّة عليكم، وقيل: شهيداً لكم بأنّكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به، وتكون «على» بمعنى اللاّم كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)1: أي للنصب.(2)
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد): إنّ الله تعالى يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على أُمّته فيشهد لهم وعليهم، ويستشهد نبيّنا على أُمّته.2
أقول: وقد مرّ في كتاب المعاد وسيأتي ما يدلّ على أنّ حجّة كلّ زمان شهيد على أهل ذلك الزّمان، ونبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)شهيد على الشهداء.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا): أي اعملوا ما أمركم الله به عمل من يعلم أنّه مجازى على فعله فإنّ الله سيرى عملكم، وإنّما أدخل سين الاستقبال لأنّ ما لم يحدث لا تتعلّق به الرّؤية فكأنّه قال: كلّ ما تعملونه يراه الله تعالى. وقيل: أراد بالرّؤية هاهنا العلم الّذي هو المعرفة ولذلك عدّاه إلى مفعول واحد، أي يعلم الله تعالى ذلك فيجازيكم عليه ويراه رسوله، أي يعلمه فيشهد لكم بذلك عند الله ويراه المؤمنون قيل: أراد بالمؤمنين الشهداء، وقيل: أراد بهم الملائكة الّذين هم الحفظة الذين يكتبون الأعمال.
وروى أصحابنا أنّ أعمال الأُمّة تعرض على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في كلّ اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على أئمّة الهدى(عليهم السلام)فيعرفونها، وهم المعنيّون بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ).(4)

1 . المائدة: 3 .   2 . مجمع البيان: 2 / 416 ـ 418 .
2 . مجمع البيان: 3 / 89 .   4 . مجمع البيان: 5 / 119 .

صفحه 32
وقال في قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا): أي وأخرجنا من كلّ أُمّة من الأُمم رسولها الّذي يشهد عليهم بالتبليغ وبما كان منهم، وقيل: هم عدول الآخرة ولا يخلو كلّ زمان منهم يشهدون على النّاس بما عملوا.1

[ الباب التاسع ]

إنّ ولايتهم الصدق، وأنّهم الصادقون والصدّيقون
والشهداء والصالحون(2)

الآيات:

التوبة (9): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). 119.

التفسير:

إنّهم(عليهم السلام) نعمة الله والولاية شكرها، وأنّهم فضل الله ورحمته، وأنّ النعيم هو الولاية،...   
قال الطبرسي (رحمه الله): أي الّذين يصدّقون في أخبارهم ولا يكذبون، ومعناه كونوا على مذهب من يستعمل الصّدق في أقواله وأفعاله، وصاحبوهم ورافقوهم، وقد وصف الله الصّادقين في سورة البقرة بقوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ـ إلى قوله ـ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) 2، فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، وقيل: المراد بالصّادقين هم الّذين ذكرهم الله في كتابه، وهو قوله: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)يعني حمزة بن عبدالمطّلب وجعفر بن أبي طالب (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)3 يعني عليّ بن أبي طالب.

1 . مجمع البيان: 7 / 455 .   2 . بحار الأنوار : 24 / 30 ـ 31، الباب 26.
2 . البقرة: 177 .
3 . الأحزاب: 23. الرواية من مصاديق التطبيق لا التفسير.

صفحه 33
وروى الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)مع عليّ (عليه السلام)وأصحابه.
وروى جابر عن أبي عبدالله (عليه السلام)1 في قوله: (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) قال: مع آل محمّد (عليهم السلام).2

[ الباب العاشر ]

إنّهم(عليهم السلام)نعمة الله والولاية شكرها، وأنّهم فضل الله ورحمته،
وأنّ النعيم هو الولاية، وبيان عظم النعمة على الخلق بهم(عليهم السلام)3

الآيات:

إبراهيم (14): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ4 * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ). 28 ـ 29.
التكاثر (102): (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ). 8 .

1 . في المصدر: عن أبي جعفر (عليه السلام).
2 . مجمع البيان: 5 / 139 ـ 140 .
3 . بحار الأنوار : 24 / 48 ـ 49، الباب 29 .
4 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 82 : وهذه استعارة، والمراد بها أنّ أئّمة الكفر وقادة الشرك لمّا كانوا كالأزمة المتبعة والرؤوس المتقدّمة وكان قومهم يعشون إلى نارهم ويصغون إلى أقوالهم، فقادوهم إلى الضلال، وأوردوهم موارد الخسار، وشبّهوا بقادة الجموع وجرار الجيوش إذ أنزلوا من اتّبعهم منازل الهلاك، وأقحموهم مضايق البلاء، فهلكوا وأهلكوا، وأوردوا ولم يصدروا. و (دَارَ الْبَوَارِ) هي في الحقيقة نار جهنم نعوذ بالله منها.

صفحه 34

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ)يحتمل أن يكون المراد ألم تر إلى هؤلاء الكفّار عرفوا نعمة الله بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي عرفوا محمّداً ثمّ كفروا به فبدّلوا مكان الشكر كفراً.
وروي عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز».1
ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله على العموم بدّلوها أقبح التبديل، واختلف في المعنيّ بالآية فروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)وابن عبّاس وابن جبير وغيرهم أنّهم كفّار قريش كذّبوا نبيّهم ونصبوا له الحرب والعداوة، وسأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام)عن هذه الآية؟ فقال: «هما الأفجران من قريش: بنو أُميّة، وبنو المغيرة; فأمّا بنو أُميّة فمتّعوا إلى حين، وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر».
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ): أي أنزلوا قومهم دار الهلاك، بأن أخرجوهم إلى بدر، وقيل: أنزلوهم دار الهلاك، أي النار بدعائهم إلى الكفر.2
وقال في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ) قيل: عن النعيم في المطعم والمشرب وغيرهما من الملاذّ، وقيل: هو الأمن والصحّة، وروي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبدالله (عليه السلام).
إنّهم(عليهم السلام) النجوم والعلامات   
وروى العيّاشيّ بإسناده في حديث طويل قال: سأل أبو حنيفة أبا عبدالله (عليه السلام)عن هذه الآية؟ فقال: ما النّعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطّعام والماء البارد، فقال: «لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه»، قال: فما النّعيم جعلت فداك؟ قال:

1 . الرواية من قبيل الجري والتطبيق لا التفسير.
2 . مجمع البيان: 6 / 77 ـ 78 فيه: وهي النار بدعائهم إياهم إلى الكفر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإغوائهم إيّاهم.

صفحه 35
«نحن أهل البيت النعيم الّذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للاسلام، وهو 1 النّعمة التي لا تنقطع، واللهُ سائلهم عن حقّ النّعيم الّذي أنعم به عليهم، وهو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته(عليهم السلام)».2 انتهى .3
أقول: ورواه الرّاونديّ أيضاً في دعواته .4
وقال الزّمخشري في تفسير قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا): أي شكر نعمة الله كفراً، لأنّ شكرها الّذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً، أو أنّهم بدّلوا نفس النّعمة كفراً على أنّهم لمّا كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النّعمة موصوفين بالكفر، ثمّ روى خبر الأفجرين كما ذكره الطّبرسيّ بعينه عن عمر إلاّ أنّه قدَّم في التفصيل بني المغيرة على بني أُميّة، وقال: (جَهَنَّمَ)عطف بيان لدار البوار.5

[ الباب الحادي عشر ]

إنّهم(عليهم السلام)النجوم والعلامات 6

الآيات:

النّحل (16): (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). 16 .

1 . في المصدر: وهي النعمة.
2 . تفسير العياشي: 3 / 173 برقم 108، المستدرك.
3 . مجمع البيان: 10 / 433.
4 . دعوات الراوندي: 158 برقم 434.
5 . تفسير الكشّاف: 2 / 378 .
6 . بحار الأنوار : 24 / 67، الباب 30 .

صفحه 36

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): أي جعل لكم علامات، أي معالم يعلم بها الطّرق. وقيل: العلامات الجبال يهتدى بها نهاراً. ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ليلاً وأراد بالنّجم الجنس، وهو الجدي1 يهتدى به إلى القبلة، وقال أبو عبدالله (عليه السلام):
«نحن العلامات، والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله جعل النّجوم أماناً لأهل السّماء، وجعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض». انتهى كلامه رفع الله مقامه.2
أقول: وعلى تأويلهم(عليهم السلام)ضمير (هُمْ) و ( يَهْتَدُونَ) راجعان إلى العلامات كما سيظهر من بعض الرّوايات .

[الباب الثاني عشر]

إنّهم(عليهم السلام) حبل الله المتين والعروة الوثقى وإنّهم آخذون بحجزة الله   

إنّهم(عليهم السلام)حبل الله المتين والعروة الوثقى وإنّهم آخذون بحجزة الله3

الآيات:

البقرة (2): (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا4). 256.

1 . في النسخة المخطوطة: [ قيل: هو ] وفي المصدر: وقيل: أراد به الاهتداء في القبلة، قال ابن عباس: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنه فقال: «الجدي علامة قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم».
2 . مجمع البيان: 6 / 146. والمورد من مقولة تطبيق الكلّي على مصاديقه.
3 . بحار الأنوار : 24 / 82 ـ 83 ، الباب 31.
4 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 10: فذكر العروة هاهنا مجاز واستعارة، والمراد تشبيه المتمسّك بشرائط الإيمان بالمتمسّك بالعروة الوثيقة من عرى الحبل ; لأنّه يستعصم بها من المزال المزلقة والمهابط الموبقة، ثم قال تعالى: (لاَ انْفِصَامَ لَهَا) تبعيداً لها من شبه العرى المعهودة التي ربّما انفصمت على طول الحد، أو بليت قواها على مرّ الدهور.

صفحه 37
آل عمران (3): (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا). 103 .
وقال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ). 112.

التفسير:

الطّاغوت الشيطان والأصنام وكلّ معبود غير الله، وكلّ مطاع باطل سوى أولياء الله، وقد عبّر الأئمّة عن أعدائهم في كثير من الرّوايات والزيّارات بالجبت والطّاغوت، واللاّت والعزّى، وسيأتي في باب جوامع الآيات النّازلة فيهم(عليهم السلام)أنّ الصّادق (عليه السلام)قال: «عدوّنا في كتاب الله الفحشاء والمنكر والبغي والأصنام والأوثان والجبت والطّاغوت».1
والعروة: ما يتمسّك به، والانفصام: الانقطاع.
وقال الطبرسي: قيل في معنى حبل الله أقوال:
أحدها: أنّه القرآن.
وثانيها: أنّه دين الإسلام .
وثالثها: ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)قال: «نحن حبل الله الّذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا)».2
والأَولى حمله على الجميع.
والّذي يؤيّده ما رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «أيّها النّاس

1 . لاحظ تفسير كنز الدقائق: 1 / 612 ; بحار الأنوار : 24 / 303 .
2 . تفسير الثعلبي: 2 / 163 ; شواهد التنزيل: 1 / 169 ; ينابيع المودّة: 1 / 356 برقم 10 .

صفحه 38
إنّي قد تركت فيكم حبلين، إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي: أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»1.2
وقال (رحمه الله) في قوله: (إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ): أي بعهد من الله، وعهد من النّاس .3
أقول: سيأتي في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسّلام أخبار كثيرة في أنّه المراد بالحبل في الآيتين.

[ الباب الثالث عشر]

أنّهم(عليهم السلام)المتوسّمون، ويعرفون جميع أحوال الناس عند رؤيتهم4

الآيات:

الحجر (15): (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم). 75 و 76.

التفسير:

إنّه نزل فيهم(عليهم السلام) قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى... ) إلى قوله: (...إِمَامًا)   
هذه الآية وقعت بعد قصّة قوم لوط، قال الطبرسي (رحمه الله): أي فيما سبق ذكره من إهلاك قوم لوط لدلالات للمتفكّرين المعتبرين، وقيل: للمتفرسّين، والمتوسّم:

1 . مسند أحمد: 3 / 14.
2 . مجمع البيان: 2 / 356 .
3 . مجمع البيان: 2 / 365 .
4 . بحار الأنوار : 24 / 123، الباب 42.

صفحه 39
النّاظر في السّمة الدالّة وهي العلامة، وتوسّم فيه الخير أي عرف سمة ذلك فيه، وقال مجاهد 1: قد صح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله»2 .
وقال: قال: إنّ لله عباداً يعرفون النّاس بالتوسّم ثمّ قرأ هذه الآية.3
وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «نحن المتوسّمين، والسّبيل فينا مقيم».4 والسّبيل طريق الجنّة، (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم) معناه أنّ مدينة لوط لها طريق مسلوَك يسلكه النّاس في حوائجهم فينظرون إلى آثارها ويعتبرون بها، وهي مدينة سدوم، وقال قتادة: إنّ قرى قوم لوط بين المدينة والشّام.5

[ الباب الرابع عشر]

إنّه نزل فيهم(عليهم السلام)قوله تعالى6: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا)إلى قوله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)7

[ التفسير:]

أقول: قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا): أي

1 . في المصدر: وقيل: للمتفرسين عن مجاهد، وقد صحّ .
2 . الكافي: 1 / 218 ح 3، باب أنّ المتوسمين الّذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام); سنن الترمذي: 4 / 360 برقم 5133 باسناده عن أبي سعيد الخدري.
3 . مجمع الزوائد: 10 / 268 ; كنز العمال: 11 / 88 برقم 30732 .
4 . تفسير العياشي: 2 / 247 برقم 29 .
5 . مجمع البيان: 6 / 126 ـ 127 .
6 . الفرقان: 62 ـ 74 .
7 . بحار الأنوار : 24 / 132، الباب 43 .

صفحه 40
بالسّكينة والوقار والطاعة غير أشرين ولا مرحين ولا متكبّرين ولا مفسدين، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «هو الرّجل الّذي يمشي بسجيّته الّتي جبل عليها لا يتكلّف ولا يتبختر».
وقيل: معناه حلماء علماء لا يجهلون وإن جهل عليهم (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن
)بأن نراهم يطيعون الله تعالى تقرّ بهم أعيننا في الدّنيا بالصّلاح، وفي الآخرة بالجنّة (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): أي أجعلنا ممّن يقتدي بنا المتّقون، وفي قراءة أهل البيت(عليهم السلام): «وأجعل لنا من المتّقين إماماً».1

[ الباب الخامس عشر ]

إنّهم(عليهم السلام) الشجرة الطيبة في القرآن وأعداءهم الشجرة الخبيثة   

إنّهم(عليهم السلام)الشجرة الطيبة في القرآن وأعداءهم الشجرة الخبيثة2

الآيات:

إبراهيم (14): (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار). 24 ـ 26 .

1 . مجمع البيان: 7 / 310 ـ 316 .
2 . بحار الأنوار : 24 / 136 ـ 137، الباب 44.

صفحه 41

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (كَلِمَةً طَيِّبَةً)هي كلمة التوحيد، وقيل: كلّ كلام أمر الله به، وإنّما سمّاها طيّبة لأنّها زاكية نامية لصاحبها بالخيرات والبركات (كَشَجَرَة طَيِّبَة): أي شجرة زاكية نامية راسخة أُصولها في الأرض عالية أغصانها وثمارها من جانب السّماء، وأراد به المبالغة في الرّفعة، فالأصل سافل والفرع عال، إلاّ أنّه يتوصّل من الأصل إلى الفرع. وقيل: إنّها النّخلة. وقيل: إنّها شجرة في الجنّة.
وروى ابن عقدة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّ الشجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وساق الحديث مثل ما سيأتي في رواية جابر.
ثمّ قال: وروي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيل (عليه السلام)للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت الشّجرة، وعليّ غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها.
وقيل: أراد بذلك شجرة هذه صفتها، وإن لم يكن لها وجود في الدّنيا، لكنّ الصّفة معلومة. وقيل: إنّ المراد بالكلمة الطيّبة الإيمان، وبالشّجرة الطيّبة المؤمن (تُؤْتِي أُكُلَهَا): أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها (كُلَّ حِين): أي في كلّ ستّة أشهر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أو في كلّ سنة، أو في كلّ وقت. وقيل: إنّ معنى قوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا)ما تفتي به الأئمّة من آل محمّد (عليهم السلام)شيعتهم في الحلال والحرام (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة)وهي كلمة الشرك 1 غير زاكية وهي شجرة الحنظل. وقيل: إنّها شجرة هذه صفتها، وهو أنّه لا قرار لها في الأرض. وقيل: إنّها الكشوث.2
وروى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّ هذا مثل بني أُميّة .

1 . في المصدر: كلمة الكفر والشرك. وقيل: هو كلّ كلام في معصية الله (كَشَجَرَة خَبِيثَة).
2 . الكشوث: نبات يلتف على الشوك والشجر. لا أصل له في الأرض ولا ورق. صحاح الجوهري: 1 / 290، مادة «كشث».

صفحه 42
(اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ): أي قطعت واستوصلت واقتلعت جثّتها من الأرض (مَا لَهَا مِنْ قَرَار): أي من ثبات ولا بقاء، وروي عن ابن عبّاس أنّها شجرة لم يخلقها الله بعد، وإنّما هو مثل ضربه.1

[ الباب السادس عشر]

إنّهم(عليهم السلام)المستضعفون الموعودون بالنصر من الله تعالى(2)

الآيات:

القصص (28): (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُري فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ). 5 ـ 6 .

التفسير:

إنّهم(عليهم السلام) كلمات الله وولايتهم الكلم الطيّب   
قال الطبرسي (قدس سره)في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ)المعنى أنّ فرعون كان يريد إهلاك بني إسرائيل وإفناءهم، ونحن نريد أن نمنّ عليهم (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً): أي قادة ورؤساء في الخير يقتدى بهم، أو ولاة وملوكاً (وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)لديار فرعون وقومه وأموالهم، وقد صحّت الرّواية عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا» وتلا عقيب ذلك: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)الآية.2

1 . مجمع البيان: 6 / 73 ـ 75 .   2 . بحار الأنوار : 24 / 167 ـ 168، الباب 49 .
2 . نهج البلاغة: 4 / 47، قسم الحكم برقم 209. وقال محمد عبده في شرحها: الشماس ـ بالكسر ـ امتناع ظهر الفرس من الركوب. والضّروس ـ بفتح وضم ـ : الناقة السيئة الخلق تعض حالبها، أي أنّ الدنيا ستنقاد لنا بعد جموحها، وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها وإن أبت على الحالب .

صفحه 43
وروى العيّاشيّ باسناده عن أبي الصباح الكنانيّ قال: نظر أبو جعفر (عليه السلام)إلى أبي عبدالله (عليه السلام)فقال: هذا والله من الّذين قال الله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)الآية. 1
وقال سيّد العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام): «والّذي بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً إنّ الأبرار منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإنّ عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه»2. انتهى.3

[ الباب السابع عشر]

إنّهم(عليهم السلام)كلمات الله وولايتهم الكلم الطيّب4

الآيات:

الكهف (18): (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا). 109 .
لقمان (31): (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). 27 .
الفتح (48): (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى). 26.

1 . تفسير العياشي: 3 / 139 برقم 26، المستدرك.
2 . مشكاة الأنوار: 173 .
3 . مجمع البيان: 7 / 414. والجميع من مقولة تطبيق الكلّي على أفضل مصاديقه.
4 . بحار الأنوار : 24 / 173 ـ 174، الباب 50 .

صفحه 44

التفسير:

قيل: المراد بكلمات الله تقديراته. وقيل: علومه، وقيل: وعده لأهل الثّواب، ووعيده لأهل العقاب، وعلى تفسير أهل البيت(عليهم السلام)لعلّ المراد بعدم نفادها عدم نفاد فضائلهم ومناقبهم وعلومهم، وأمّا كلمة التقوى ففسّرها الأكثر بكلمة التوحيد، وقيل: هو الثبات والوفاء بالعهد، وفي تفسير أهل البيت(عليهم السلام)أنّها الولاية، فإنّ بها يتّقى من النّار، أو لأنّها عقيدة أهل التقوى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام)في قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)الآية، قال: قد أخبرك أنّ كلام الله ليس له آخر ولا غاية ولا ينقطع أبداً .1
أقول: هذا أيضاً يرجع إلى فضائلهم فإنّهم(عليهم السلام)مهبط كلماته وعلومه، فتدبّر.

[ الباب الثامن عشر ]

إنّهم(عليهم السلام) حرمات الله   

إنّهم(عليهم السلام)حرمات الله 2

الآيات:

الحج (22): (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ). 30.
في صفات الإمام وشرائط الإمامة   

التفسير:

الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، وقيل في الآية: إنّها مناسك الحجّ، وقيل: هي

1 . تفسير القمّي: 2 / 46 .
2 . بحار الأنوار : 24 / 185، الباب 51 .

صفحه 45
البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، وما ورد فيما سيأتي من الأخبار هو المعوّل عليه، ولاشكّ في وجوب تعظيم الأئمة وتكريمهم في حياتهم وبعد وفاتهم، وكذا تعظيم ما ينسب إليهم من مشاهدهم وأخبارهم وآثارهم وذرّيّتهم وحاملي أخبارهم وعلومهم.

أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم (عليهم السلام)

[ الباب التاسع عشر ]

في صفات الإمام وشرائط الإمامة1

الآيات:

البقرة (2): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). 247 .
يونس (10): (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). 35.

التفسير:

لا يخفى على منصف أنَّ تعليق الاصطفاء وتعليله في الآية الأُولى على زيادة البسطة في العلم والجسم يدلّ على أنّ الأعلم والأشجع أولى بالخلافة والإمامة، وبيان أولويّة متابعة من يهدي إلى الحقّ على متابعة من يحتاج إلى التعلّم والسؤال على أبلغ وجه وأتمّه في الثانية، يدلّ على أنّ الأعلم أولى بالخلافة، ولا

1 . بحار الأنوار : 25 / 115 ـ 116، الباب 4 .

صفحه 46
خلاف في أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أعلم وأشجع من المتقدّمين عليه، ولا في أنّ كلاًّ من أئمتنا(عليهم السلام)كان أعلم ممّن كان في زمانه من المدّعين للخلافة، وبالجملة دلالة الآيتين على اشتراط الأعلميّة والأشجعيّة في الإمام ظاهرة.
لزوم عصمة الإمام (عليه السلام)    
قال البيضاوي في تفسير الآية الأُولى: لمّا استبعدوا تملّكه لفقره وسقوط نسبه، ردّ عليهم ذلك أوّلاً بأنّ العمدة فيه اصطفاء الله وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم.
وثانياً بأنّ الشرط فيه وفور العلم ليتمكّن به من معرفة الأُمور السياسيّة، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ ومكابدة الحروب، وقد زاده فيهما.
وثالثاً بأنّه تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء.
ورابعاً بأنّه واسع الفضل يوسّع على الفقير ويغنيه، عليم بمن يليق بالملك. انتهى.1

[ الباب العشرون ]

لزوم عصمة الإمام(عليه السلام) 2

الآيات:

البقرة (2): (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). 124.

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 543 .
2 . بحار الأنوار : 25 / 191 ـ 192، الباب 6 .

صفحه 47

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): قال مجاهد: العهد الإمامة، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)، أي لا يكون الظالم إماماً للنّاس، فهذا يدلّ على أنّه يجوز أن يعطى ذلك بعض ولده إذا لم يكن ظالماً، لأنّه لولم يرد أن يجعل أحداً منهم إماماً للنّاس لوجب أن يقول في الجواب: لا، أو لا ينال عهدي ذرّيتك.
وقال الحسن: إنّ معناه أنّ الظالمين ليس لهم عند الله عهد يعطيهم به خيراً وإن كانوا قد يعاهدون في الدّنيا فيوفي لهم، وقد كان يجوز في العربيّة أن يقال: لا ينال عهدي الظالمون ; لأنّ ما نالك فقد نلته، وقد روى ذلك في قراءة ابن مسعود.
واستدلّ اصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلاّ معصوماً عن القبائح; لأنّ الله سبحانه نفى أن ينال عهده الّذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إمّا لنفسه وإمّا لغيره.
فإن قيل: إنّما نفى أن ينال ظالم في حال ظلمه فإذا تاب فلا يسمّى ظالماً فيصحّ أن يناله.
والجواب: أنّ الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالماً، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنّه لاينالها. والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلّها فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد. 1
فإن قلت: على القول باشتراط بقاء المشتقّ منه في صدق المشتقّ كيف يستقيم الاستدلال؟
قلت: لا ريب أنّ الظالم في الآية لا يحتمل الماضي والحال; لأنّ إبراهيم (عليه السلام)

1 . مجمع البيان: 1 / 377 ـ 378 .

صفحه 48
إنّما سأل ذلك لذرّيّته من بعده، فأجاب تعالى بعدم نيل العهد لمن يصدق عليه أنّه ظالم بعده، فكلّ مَن صدق عليه بعد مخاطبة الله لإبراهيم بهذا الخطاب أنّه ظالم وصدر عنه الظلم في أيّ زمان من أزمنة المستقبل يشمله هذا الحكم أنّه لا ينال العهد.
   
فإن قلت: تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية.
قلت: العلّية لا تدلّ على المقارنة، إذ ليس مفاد الحكم إلاّ أنّ عدم نيل العهد إنّما هو للاتّصاف بالظلم في أحد الأزمنة المستقبلة بالنسبة إلى صدور الحكم. فتأمّل.

[ الباب الواحد والعشرون ]

معنى أهل البيت 1

الآيات:

طه (20): (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا). 132.
الشعراء (26): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ). 214.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (وَأْمُرْ أَهْلَكَ): أي أهل بيتك وأهل دينك (بِالصَّلَوةِ)وروى أبو سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: الصلاة يرحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ

1 . بحار الأنوار : 25 / 212 ـ 213، الباب 7 .

صفحه 49
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
ورواه ابن عقدة باسناده من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام)وغيرهم مثل أبي برزة وأبي رافع، وقال أبو جعفر (عليه السلام): «أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون النّاس ليعلم النّاس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للنّاس، فأمرهم مع النّاس عامّة وأمرهم 1 خاصّة».(2)
قال: وفي قراءة عبدالله بن مسعود: «وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين» وروي ذلك عن أبي عبدالله (عليه السلام).2
وقال الرازي وغيره في تفاسيرهم: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد نزول قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ) يذهب إلى فاطمة وعلي (عليهما السلام)كلّ صباح ويقول: الصّلاة، وكان يفعل ذلك [أشهراً].(4)
أقول: وسيأتي تمام القول في الآيتين في كتاب أحوال أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

[ الباب الثاني والعشرون]

نفي الغلو في النبيّ والأئمة (صلوات الله عليه وعليهم)3

الآيات:

آل عمران (3): (مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ

1 . في المصدر: ثم أمرهم خاصّة.   2 . مجمع البيان: 7 / 68 .
2 . مجمع البيان: 7 / 357 .   4 . تفسير الرازي: 22 / 137 .
3 . بحار الأنوار : 25 / 261 ـ 262، الباب 10 .

صفحه 50
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). 79 ـ 80 .
النساء (4): (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ). 171.
المائدة (5): (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ـ إلى قوله تعالى ـ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ). 72 ـ 77 .
الرعد (13): (أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). 16 .
الروم (39): (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). 40.

التفسير:

غرائب أفعالهم وأحوالهم(عليهم السلام) ووجوب التسليم لهم في جميع ذلك   
(مَا كَانَ لِبَشَر)قيل: تكذيب وردّ على عبدة عيسى (عليه السلام)، وقيل: إنّ أبا رافع القرظيّ والسيّد النجرانيّ قالا: يا محمّد أتريد أن نعبدك ونتّخذك ربّاً؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «معاذ الله أن نعبد غير الله، وأن نأمر بغير عبادة الله، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني»، فنزلت.
وقيل: قال رجل: يا رسول الله نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله. (وَلَكِنْ كُونُوا): أي ولكن يقول: كونوا (رَبَّانِيِّينَ)الربّانيّ منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنّون كاللحيانيّ، وهو الكامل في العلم والعمل (بِمَا كُنْتُمْ): أي بسبب كونكم معلّمين الكتاب، وكونكم دارسين له (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ):

صفحه 51
بالنصب عطفاً على (ثُمَّ يَقُولَ)، (وَلاَ) مزيدة لتأكيد النفي في قوله: (مَا كَانَ)أو بالرفع على الاستيناف أو الحال (أَيَأْمُركُمْ): أي البشر أو الربّ تعالى .1
(لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)باتّخاذ عيسى إلهاً (إِلاَّ الْحَقَّ): أي تنزيهه سبحانه عن الصاحبة والولد.(2)
(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ): أي قبل مبعث محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)(وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) بعد مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا كذّبوه.2
(قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)يدلّ على عدم جواز نسبة الخلق إلى الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، وكذا قوله تعالى: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء)يدلّ على عدم جواز نسبة الخلق والرزق والإماتة والإحياء إلى غيره سبحانه وأنّه شرك.
أقول: دلالة تلك الآيات على نفي الغلوّ والتفويض بالمعاني الّتي سنذكرها ظاهرة، والآيات الدّالّة على ذلك أكثر من أن تحصى، إذ جميع آيات الخلق ودلائل التوحيد والآيات الواردة في كفر النصارى وبطلان مذهبهم دالّة عليه، فلم نتعرّض لإيرادها وتفسيرها وبيان وجه دلالتها لوضوح الأمر، والله يهدي إلى سواء السبيل.

[ الباب الثالث والعشرون]

غرائب أفعالهم وأحوالهم(عليهم السلام)ووجوب التسليم لهم في جميع ذلك(4)

الآيات:

الكهف (18): (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ

1 . تفسير البيضاوي: 2 / 56 ـ 57 .   2 . تفسير البيضاوي: 2 / 283 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 355.   4 . بحار الأنوار : 25 / 364، الباب 13 .

صفحه 52
بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا). 67 ـ 70، إلى آخر القصّة.

التفسير:

أقول: في هذه القصّة تنبيه لمن عقل وتفكّر للتسليم في كلّ ما روي من أقوال أهل البيت(عليهم السلام)وأفعالهم ممّا لا يوافق عقول عامّة الخلق وتأباه أفهامهم وعدم المبادرة إلى ردّها وإنكارها، وقد مرّ في باب التسليم وفضل المسلّمين ما فيه كفاية لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أبواب علومهم(عليهم السلام)

[ الباب الرابع والعشرون]

باب إنّهم(عليهم السلام) لا يعلمون الغيب ومعناه   

باب إنّهم(عليهم السلام)لا يعلمون الغيب ومعناه1

الآيات:

آل عمران (3): (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ). 175 .
الأنعام (6): (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ). 50 .
وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ). 59.

1 . بحار الأنوار : 26 / 98 ـ 101، الباب 4 .

صفحه 53
الأعراف (7): (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ). 188 .
يونس (10): (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ). 20.
هود (11): ـ حاكيّاً عن نوح (عليه السلام)ـ : (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ). 31 .
وقال سبحانه: (وَللهِ غَيْبُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ). 123.
النحل (16): (وَللهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ). 77 .
النمل (27): (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ). 65 .
لقمان (31): (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْري نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). 34.
سبأ (34): (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ). 48 .
الجن (72): (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا). 26 ـ 27.

التفسير:

الاستدراك في الآية الأُولى 1 يدلّ على أنّ الله تعالى يطّلع من يجتبي من رسله على بعض الغيوب. قال البيضاوي: أي ما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطّلع على ما في القلوب من كفر وإيمان، ولكنّه يجتبي لرسالته من يشاء فيوحى إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدلّ عليها.(2)

1 . آل عمران: 175 .   2 . تفسير البيضاوي: 2 / 121.

صفحه 54
وأمّا الآية الثانية1 فقال الطبرسي (رحمه الله): ولا أعلم الغيب الّذي يختصّ الله بعلمه، وإنّما أعلم قدر ما يعلّمني الله تعالى من أمر البعث والنشور والجنّة والنّار وغير ذلك (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) يريد ما أُخبركم إلاّ بما أنزله الله إليّ; عن ابن عبّاس، وقال الزجّاج: أي ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحيّ من الله عزّوجلّ.2
وقال في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)معناه خزائن الغيب الّذي فيه علم العذاب المستعجل وغير ذلك (لاَ يَعْلَمُهَا)أحد (إِلاَّ هُوَ) أو من أعلمه به وعلّمه إيّاه. وقيل: معناه وعنده مقدورات الغيب يفتح بها على من يشاء من عباده بإعلامه به وتعليمه إيّاه وتيسيره السبيل إليه ونصبه الأدّلة له، ويغلق عمّن يشاء ولا ينصب الأدلّة له.
وقال الزجّاج: يريد عنده الوصلة إلى علم الغيب، وقيل: مفاتح الغيب خمس: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)الآية: وتأويل الآية أنّ الله عالم بكلّ شيء من مبتدآت الأُمور وعواقبها، فهو يعجّل ما تعجيله أصوب وأصلح، ويؤخّر ما تأخيره أصلح وأصوب، وإنّه الّذي يفتح باب العلم لمن يريد من الأنبياء والأولياء; لأنّه لا يعلم الغيب سواه، ولا يقدر أن يفتح باب العلم به للعباد إلاّ الله.3
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَللهِ غَيْبُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ) معناه ولله علم ما غاب في السّماوات والأرض لا يخفى عليه شيء منه، ثمّ قال: وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدوان والتشنيع قد ظلم الشيعة الإماميّة في هذا الموضع من تفسيره فقال: هذا يدلّ على أنّ الله تعالى يختصّ بعلم الغيب خلافاً لما تقول

1 . الأنعام: 50 .
2 . مجمع البيان: 4 / 59 .
3 . مجمع البيان: 4 / 71 .

صفحه 55
الرافضة: إنّ الأئمّة(عليهم السلام)يعلمون الغيب، ولاشكّ أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب القبائح والفضائح إليهم، ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، وإنّما يستحقّ الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، وهذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، ومن اعتقد أنّ غير الله يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام .
وأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)ورواه عنه الخاصّ والعامّ من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، كإخباره عن صاحب الزنج وعن ولاية مروان بن الحكم وأولاده، وما نقل من هذا الفنّ عن أئمّة الهدى(عليهم السلام)، فإنّ جميع ذلك متلقّى من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، وهل هذا إلاّ سبّ قبيح وتضليل لهم بل تكفير، ولا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير.1
وقال (رحمه الله) في قوله: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)من الملائكة والإنس والجنّ (الْغَيْبِ)وهو ما غاب علمه عن الخلق ممّا يكون في المستقبل (إِلاَّ اللهُ) وحده أو من أعلمه الله .2
وقال في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): أي استأثر الله سبحانه به ولم يطّلع عليه أحداً من خلقه فلا يعلم وقت قيام الساعة سواه (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)فيما يشاء من زمان ومكان، والصحيح أنّ معناه ويعلم نزول الغيث في زمانه

1 . مجمع البيان: 5 / 352 ـ 353 .
2 . مجمع البيان: 7 / 397 .

صفحه 56
ومكانه كما جاء في الحديث: «أنّ مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلاّ الله» 1 وقرأ هذه الآية (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ)أذكر أم أُنثى، أصحيح أم سقيم، واحد أم أكثر؟ (وَمَا تَدْري نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)أي ماذا تعلم في المستقبل. وقيل: ما تعلم بقاءه غداً فكيف تعلم تصرّفه (وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ): أي في أيّ أرض يكون موته.
   
وقد روي عن أئمّة الهدى (عليهم السلام): أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى.2
وقال في قوله تعالى: (فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)ثمّ استثنى فقال: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول)يعني الرسل، فإنّه يستدلّ على نبوّتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية ومعجزة لهم. ومعناه: أنّ من ارتضاه واختاره للنبوّة والرسالة فإنّه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة، وهو قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) والرصد: الطريق، أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء والسلف وعلم ما يكون بعده طريقاً.
وقيل: معناه أنّه يحفظ الّذي يطّلع عليه الرسول فيجعل بين يديه وخلفه رصداً من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة. وقيل: رصداً من بين يديه ومن خلفه وهم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شرّ

1 . روى البخاري في صحيحه: 5 / 219، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: «الله يعلم ما تحمل كلّ أُنثى وما تغيض الأرحام» باسناده عن أبن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله: «لا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلاّ الله» .
ورواه أيضاً: الكراجكي في معدن الجواهر: 48، والصفار في بصائر الدرجات: 131 ح 9 عن أمير المؤمنين (عليه السلام)باختلاف، والصدوق في الخصال: 290 ح 49، باب الخمسة، وغيرها.
2 . مجمع البيان: 8/95 ـ 96.

صفحه 57
الأعداء وكيدهم. وقيل: المراد به جبرئيل أي يجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً كالحجّاب تعظيماً لما يتحمّله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضمّوا إلى الرسول جماعة من خواصّه تشريفاً له.1

أبواب ولايتهم وحبّهم وبغضهم (عليهم السلام)

[ الباب الخامس والعشرون ]

ثواب حبّهم ونصرهم وولايتهم وأنّها أمان من النار(2)

الآيات:

المائدة (5): (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). 55 ـ 56 .
إبراهيم (14): (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). 37 .

التفسير:

أقول: سيأتي في المجلّد التاسع تأويل الآية الأُولى وأنّ المراد بالّذين آمنوا في الموضعين الأئمّة(عليهم السلام)، وسنورد الأخبار المتواترة من طريق الخاصّة والعامّة في ذلك، فثبت وجوب موالاتهم وحبّهم ونصرتهم والاعتقاد بإمامتهم صلوات الله عليهم.

1 . مجمع البيان:10/155.   2 . بحار الأنوار: 27/73 ـ 74، الباب 4.

صفحه 58
وأمّا الآية الثانية فسيأتي في الأخبار المستفيضة أنّهم(عليهم السلام)هم المقصودون من الذرّيّة في دعاء إبراهيم (عليه السلام)، وأنّه (عليه السلام)دعا لشيعتهم بأن تهوي قلوبهم إلى أئمّتهم.
وعن الباقر (عليه السلام)فيما رواه العياشيّ أنّه قال: «لم يعن النّاس كلّهم، أنتم أُولئك ونظراؤكم، إنّما مثلكم في النّاس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود»1.
وفي «الكافي»: عنه (عليه السلام): «ولم يعن البيت فيقول: إليه، فنحن والله دعوة إبراهيم (عليه السلام)»2.
وفي «الاحتجاج»: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «والأفئدة من النّاس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم (عليه السلام)حيث قال: وأجعل افئدة من النّاس تهوي إليهم»3.
وفي «البصائر»: عن الصادق (عليه السلام): «وجعل أفئدة من النّاس تهوي إلينا».4
وروى عليّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)أنّه تعالى عنى بقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ) ثمرات القلوب، أي حبّبهم إلى النّاس ليأتوا إليهم.5 وستأتي الأخبار في ذلك كلّه.

1 . تفسير العياشي: 2 / 233 ح 39.
2 . الكافي: 8 / 311 ح 485، تفسير قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).
3 . الاحتجاج: 1 / 235، باب احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام)على الناكثين.
4 . بصائر الدرجات:149 ح 2.
5 . تفسير القمّي:1/62.

صفحه 59

[ الباب السادس والعشرون]

إنّه لا تقبل الأعمال إلاّ بالولاية1

الآيات:

إبراهيم (14): (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ). 18.
طه (20): (وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). 82 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا). 112.

التفسير:

روى عليّ بن إبراهيم في تفسير تلك الآية أنّه قال: من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين بطل عمله، مثل الرّماد الّذي تجيء الريح فتحمله.2
وفسّر الاهتداء في الآية الثانية في كثير من الأخبار بالاهتداء إلى الولاية، وأمّا الإيمان في الآية الثالثة فلا ريب في أنّ الولاية داخلة فيه، فشرط الله تعالى الإيمان في كون الأعمال الصالحة أسباباً لعدم خوف الظلم بمنع ثواب يستحقّه والهضم أي الكسر منه بنقصان.
وقال ابن عبّاس: لا يخاف أن يزاد على سيّئاته ولا ينقص من حسناته،

1 . بحار الأنوار:27/166 ـ 167، الباب 7.
2 . تفسير القمّي: 1 / 368 .

صفحه 60
والهضم في اللغة: الكسر والنقص.
واعلم أنَّ الإماميّة أجمعوا على اشتراط صحّة الأعمال وقبولها بالإيمان الّذي من جملته الإقرار بولاية جميع الأئمّة(عليهم السلام)وإمامتهم، والأخبار الدالة عليه متواترة بين الخاصّة والعامّة.
باب إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمان لأهل الأرض من العذاب   

[ الباب السابع والعشرون ]

باب إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمان لأهل الأرض من العذاب1

الآيات:

الأنفال (8): (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ). 33.

التفسير:

في الآية دلالة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أماناً لأهل الأرض من العذاب.
افتراق الأُمّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   

1 . بحار الأنوار : 27 / 308، الباب 8 من أبواب ما يتعلّق بوفاتهم من أحوالهم(عليهم السلام)عند ذلك وقبله وبعده وأحوال من بعده.

صفحه 61
كتاب الفتن والمحن

[ الباب الأوّل ]

افتراق الأُمّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)1

الآيات:

الأحزاب (33): (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً). 62.
فاطر (35): (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً). 43 .
الانشقاق (84): (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق2). 16 ـ 19 .

1 . بحار الأنوار : 28 / 2 ـ 3، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 270: وهذه استعارة على بعض التأويلات، والمراد بها لتنتقلنّ من حال شديدة إلى حال مثلها، أي من حال الموت وشدته إلى حال الحشر وروعته. وقيل: لتركبنّ سُنّة مَن كان قبلكم من الأُمم. وقيل: المراد بذلك تنقّل الناس في أحوال الأعمار وأطوار الخلق والأخلاق، والعرب تُسمّي الدواهي: بنات طبق، وربّما سمّوا الداهية: أُم طبق. قال الشاعر [ رؤبة بن الحجّاج ] :
قد طرّقت ببكرها أُم طبق *** فنتجوها خبراً ضخم العنق
موت الإمام فلقة من الفلق
والفلق أيضاً من أسماء الدواهي، واحدتها: فلقة وفليقة.

صفحه 62

التفسير:

سنّة الله تعالى طريقته وعادته الجارية المستمرّة، وهي جارية في الآخرين كما جرت في الأوَّلين في المصالح المشتركة الّتي لا تتبدَّل بتبدل الأزمان، وهو المراد هنا لا جميع السنن والأحكام، ليدلَّ على عدم النسخ، قوله تعالى: (وَمَا وَسَقَ): أي ما جمعه وستره من الدّواب وغيرها أو طردها إلى أماكنها، قوله تعالى: (اتَّسَقَ): أي اجتمع وتمَّ بدراً. قوله: (طَبَقًا عَنْ طَبَق) قال أكثر المفسّرين: أي حالاً بعد حال مطابقة لأُختها في الشدَّة أو مراتب من الشدَّة بعد المراتب، وهي الموت ومواطن القيامة، وأهوالها، أو هي وما قبلها من الدَّواهي، وسيظهر من أخبارهم(عليهم السلام)أنّهم فسّروها بما ارتكبت هذه الأُمّة من الضّلالة والارتداد والتّفرُّق مطابقة لما صدر عن الأُمم السّالفة.

[ فصل ] في توضيح بطلان ما ادّعاه البعض من عدم توريث الأنبياء(عليهم السلام)1

[ وقد ] استدل أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن:
الأُولى: قوله تعالى مخبراً عن زكريّا (عليه السلام)2: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).3
قوله تعالى: (وَلِيًّا): أي ولداً يكون أولى بميراثي، وليس المراد بالولي من يقوم مقامه، ولداً كان أو غيره، لقوله تعالى حكايةً عن زكريّا: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً).(4)

1 . بحار الأنوار : 29 / 351 ـ 359 .
2 . استدلّ بهذه الآية الشيخ الطوسي في التبيان: 7 / 106 ; والطبرسي في مجمع البيان: 3 / 503 ; والسيّد المرتضى في الشافي: 4 / 60 ـ 65، وغيرهم في غيرها.
3 . مريم: 5 ـ 6 .   4 . آل عمران: 38 .

صفحه 63
وقوله: (رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى)1. والقرآن يفسّر بعضه بعضاً.
واختلف المفسّرون في أنّ المراد بالميراث العلم أو المال؟.
فقال ابن عباس والحسن والضحّاك: إنّ المراد به في قوله تعالى: (يَرِثُنِي...)وقوله سبحانه: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...) 2 ميراث المال 3، وقال أبو صالح: المراد به في الموضعين ميراث النبوّة 4. وقال السدّي ومجاهد والشعبي: المراد به في الأوّل ميراث المال وفي الثاني ميراث النبوّة، وحكي هذا القول عن ابن عباس والحسن والضحّاك5، وحكي عن مجاهد أنّه قال: المراد من الأوّل العلم ومن الثاني النبوّة .6
وأمّا وجه دلالة الآية على المراد، فهو أنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا أُطلق ولم يقيّد لا يفهم منه إلاّ الأموال وما في معناها، ولا يستعمل في غيرها إلاّ مجازاً، وكذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلاّ من تنتقل إليه أمواله وما يضاهيها دون العلوم وما يشاكلها، ولا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ وحقيقته إلاّ لدليل، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين لكفى في مطلوبنا، كيف والقرائن الدالّة على المقصود موجودة في اللفظ؟!

1 . الأنبياء: 89 ـ 90 .
2 . مريم: 6 .
3 . كما في تفسير الرازي: 21 / 184 .
4 . جاء في تفسير الرازي: 21 / 184; وأحكام القرآن للجصّاص: 3 / 216 ; وتفسير الطبري: 16 / 37 بتغيير في اللفظ.
5 . حكى هذا القول عنهم في تفسير الرازي: 21 / 184، وعن ابن عباس في أحكام القرآن للجصّاص: 3 / 216; وفي زاد المسير لابن الجوزي: 5 / 209 .
6 . كما قاله في تفسير الرازي: 21 / 184 .

صفحه 64
أمّا أوّلاً: فلأنّ زكريّا (عليه السلام)اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً، وإذا حمل الميراث على العلم والنبوّة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغواً عبثاً، لأنّه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوّة فقد دخل في سؤاله الرضا وما هو أعظم منه، فلا معنى لاشتراطه، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللّهمّ ابعث إلينا نبيّاً وأجعله مكلّفاً عاقلاً؟!
وأمّا ثانياً: فلأنّ الخوف من بني العم ومن يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوّة والعلم، وكيف يخاف مثل زكريّا (عليه السلام)من أن يبعث الله تعالى إلى خلقه نبيّاً يقيمه مقام زكريّا ولم يكن أهلاً للنبوّة والعلم، سواء كان من موالي زكريّا أو من غيرهم؟، على أنّ زكريّا (عليه السلام)كان إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في بعثته.
فإن قيل: كيف يجوز على مثل زكريّا (عليه السلام)الخوف من أن يرث الموالي ماله؟ وهل هذا إلاّ الضّن والبخل؟
قلنا: لمّا علم زكريّا (عليه السلام)من حال الموالي أنّهم من أهل الفساد، خاف أن ينفقوا أمواله في المعاصي ويصرفوه في غير الوجوه المحبوبة، مع أنّ في وراثتهم ماله كان يقوّي فسادهم وفجورهم، فكان خوفه خوفاً من قوّة الفسّاق وتمكّنهم في سلوك الطرائق المذمومة، وانتهاك محارم الله عزّوجلّ، وليس مثل ذلك من الشحّ والبخل.
فإن قيل: كما جاز الخوف على المال من هذا الوجه، جاز الخوف على وراثتهم العلم لئلاّ يفسدوا به الناس ويضلّوهم، ولا ريب في أنّ ظهور آثار العلم فيهم كان من دواعي اتّباع الناس إيّاهم وانقيادهم لهم.
قلنا: لا يخلو هذا العلم الّذي ذكرتموه من أن يكون هو كتباً علميّةً وصُحفاً حكمية، لأنّ ذلك قد يسمّى علماً مجازاً، أو يكون هو العلم الّذي يملأ القلوب

صفحه 65
وتعيه الصدور; فإن كان الأوّل فقد رجع إلى معنى المال وصحّ أنّ الأنبياء(عليهم السلام)يورّثون الأموال، وكان حاصل خوف زكريّا (عليه السلام)أنّه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعاً خاصّاً من الانتفاع، فسأل ربّه أن يرزقه الولد حذراً من ذلك ; وإن كان الثاني فلا يخلو ـ أيضاً ـ من أن يكون هو العلم الّذي بُعث النبيّ لنشره وأدائه إلى الخلق، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلّق لشريعة ولا يجب اطّلاع الأُمّة عليه كعلم العواقب، وما يجري في مستقبل الأوقات.. ونحو ذلك.
والقسم الأوّل: لا يجوز أن يخاف النبيّ من وصوله إلى بني عمّه ـ وهم من جملة أُمّته المبعوث إليهم لأن يهديهم ويعلّمهم ـ وكان خوفه من ذلك خوفاً من غرض البعثة.
والقسم الثاني: لا معنى للخوف من أن يرثوه، إذ كان أمره بيده، ويقدر على أن يلقيه إليهم، ولو صحّ الخوف على القسم الأوّل لجرى ذلك فيه أيضاً، فتأمّل .
هذا خلاصة ما ذكره السيد المرتضى (رضي الله عنه)في «الشافي» عند تقرير هذا الدليل1، وما أورد عليه من تأخّر عنه يندفع بنفس التقرير، كما لا يخفى على الناقد البصير، فلذا لا نسوّد بإيرادها الطوامير.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).(2)
وجه الدلالة، هو: أنّ المتبادر من قوله تعالى (وَوَرِثَ) أنّه ورث ماله 2 كما سبق في الآية المتقدّمة، فلا يعدل عنه إلاّ لدليل.
وأجاب قاضي القضاة في «المغني»3: بأنّ في الآية ما يدلّ على أنّ المراد

1 . الشافي: 229 ـ الحجريّة ـ [ الطبعة الجديدة: 4 / 63 ـ 66 ].   2 . النمل: 16 .
2 . نقله عن الحسن في تفسير الرازي: 24 / 186; وفي مجمع البيان: 4 / 214.
3 . المغني: الجزء الأوّل المتمم للعشرين: 330، بتصرّف واختصار.

صفحه 66
وراثة العلم دون المال، وهو قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)فإنّه يدلّ على أنّ الّذي ورث هو هذا 1 العلم وهذا الفضل، وإلاّ لم يكن لهذا تعلّق بالأوّل.
وقال الرازي في تفسيره: لو قال تعالى: ورث سليمان داود ماله، لم يكن لقوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)معنىً، وإذا قلنا ورث مقامه من النبوّة والملك حسن ذلك، لأنّ علم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) لأنّ وارث العلم يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه، وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) يليق أيضاً بما ذكر دون المال الّذي يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلاّ بما ذكرنا، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنّه لا يورث إلاّ المال، فأمّا إذا ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه الّذي ذكرنا، بل بظاهر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».2
ورد السيّد المرتضى (رضي الله عنه)في الشافي 3 كلام المغني بأنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة، ثم يقول مع ذلك: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)، ويشير بـ (الْفَضْلُ الْمُبِينُ) إلى العلم والمال جميعاً، فله في الأمرين جميعاً فضل على من لم يكن كذلك، وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص لما ظنّه، ولو سلم دلالة الكلام على العلم لما ذكره، فلا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر، والعلم بهذا النوع من الاستدلال فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على

1 . في المصدر: فنبه على أنّ الّذي هو ورث هذا.
2 . كما جاء في تفسير الرازي: 24 / 186 .
3 . الشافي: 232، الطبعة الحجريّة ; والطبعة المحقّقة (مؤسسة اسماعيليان، قم ـ 1410 هـ): 4 / 79، بتصرّف واختصار.

صفحه 67
الحقيقة ـ الّتي هي الأصل ـ إذا لم يمنع من ذلك مانع.
وقد ظهر بما ذكره السيّد (قدس سره)بطلان قول الرازي أيضاً 1، وكان القاضي يزعم أنّ العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلّق بما عطف عليه وانقطع نظام الكلام.
وما اشتهر 2 من أنّ التأسيس أولى من التأكيد من الأغلاط المشهورة، وكأنّ الرازي يذهب إلى أنّه لا معنى للعطف إلاّ إذا كان المعطوف داخلاً في المعطوف عليه، فعلى أيّ شيء يعطف حينئذ قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)؟ فتدبّر.
وأمّا قوله: إنّ المال يحصل للكامل والناقص، فلو حمل الميراث على المال لم يناسبه قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) .
فيرد عليه: أنّه إنّما يستقيم إذا كانت الإشارة إلى أوّل الكلام فقط ـ وهو وراثة المال ـ وبُعده ظاهر، ولو كانت الإشارة إلى مجموع الكلام ـ كما هو الظاهر ـ أو إلى أقرب الفقرات ـ أعني قوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) ـ لم يبق لهذا الكلام مجال، وكيف لا يليق دخول المال في جملة المشار إليه، وقد منّ الله تعالى على عباده في غير موضع من كلامه المجيد بما أعطاهم في الدنيا من صنوف الأموال، وأوجب على عباده الشكر عليه، فلا دلالة فيه على عدم إرادة وراثة المال سواء كان من كلام سليمان أو كلام الملك المنّان.
وقد ظهر بذلك بطلان قوله أخيراً: إنّ ما ذكره الله تعالى من جنود سليمان لا يليق إلاّ بما ذكرنا، بل الأظهر أنّ حشر الجنود من الجن والإنس والطير قرينة على عدم إرادة الملك من قوله: (وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)، فإنّ تلك الجنود لم تكن لداود حتّى يرثها سليمان، بل كانت عطيّة مبتدأة من الله تعالى لسليمان (عليه السلام)، وقد أجرى

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 24 / 186 .
2 . وما اشتهر عطف على اسم (ان) أعني: العطف، ويكون المعنى: كان القاضي يزعم أنّ ما اشتهر .

صفحه 68
الله تعالى على لسانه أخيراً الاعتراف بأنّ ما ذكره لا يبطل قول من حمل الآية على وراثة الملك والمال معاً، فإنّه يكفينا في إثبات المدّعى، وسيأتي الكلام في الحديث الّذي تمسّك به.1
الآية الثالثة: ما يدلّ على وراثة الأولاد والأقارب، كقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)2، وقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ )3، وقد أجمعت الأُمّة على عمومها 4 إلاّ من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها إلاّ إذا قامت دلالة قاطعة، وقد قال سبحانه عقيب آيات الميراث: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)5، ولم يقم دليل على خروج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن حكم الآية، فمن تعدّى حدود الله في نبيّه يدخله الله النار خالداً فيها وله العذاب المهين.
وأجاب المخالفون بأنّ العمومات مخصّصة بما رواه أبو بكر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة 6 .

1 . لاحظ بحار الأنوار : 29 / 359 ـ 394 .
2 . النساء: 7 .
3 . النساء: 11 .
4 . كما صرّح بذلك في تفسير الكشّاف: 1 / 502 و 505 ; أحكام القرآن للزجّاج: 2 / 15 و 18 ; تفسير الرازي: 9 / 194 و 203 ; تفسير الطبري: 4 / 177 و 185 ; تفسير القمّي: 1 / 131 ـ 132 ; التبيان للشيخ الطوسي: 3 / 120 و 128 ; مجمع البيان: 2 / 10 و 14 .
5 . النساء: 13 ـ 14 .
6 . انظر: الغدير: 6 / 190 .

صفحه 69
قال صاحب المغني 1: لم يقتصر أبو بكر على رواية حتّى استشهد
عليه عمر 2 وعثمان وطلحة والزبير وسعد أو 3 عبد الرحمن بن عوف
فشهدوا به، فكان لا يحلّ لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسّم التركة ميراثاً،
وقد أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّها صدقة وليست بميراث، وأقلّ ما في الباب أن
يكون الخبر من أخبار الآحاد، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقّاً، أليس كان يجب أن يصرفه عن الإرث؟ فعلمه بما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع شهادة غيره أقوى، ولسنا نجعله مدّعياً 4 ; لأنّه لم يدع ذلك لنفسه، وإنّما بيّن أنّه ليس بميراث وأنّه صدقة، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما.
ويرد عليه أنّ الاعتماد في تخصيص الآيات إمّا على سماع أبي بكر ذلك الخبر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويجب على الحاكم أن يحكم بعلمه، وإمّا على شهادة من زعموهم شهوداً على الرواية، أو على مجموع الأمرين، أو على سماعه من حيث الرواية مع انضمام الباقين إليه .5

1 . المغني، الجزء الأوّل المتمم للعشرين: 328 ـ 329، باختلاف يسير.
2 . في المصدر: لم يقتصر على روايته حتّى استشهد أصحاب رسول الله، فشهد بصدقه عمر.
3 . في المغني: و .
4 . في المصدر: بدعياً.
5 . وقد ناقش (قدس سره)هذه الوجوه في ما يلي من الصفحات من هذا الجزء، لاحظ : بحار الأنوار: 29 / 359 ـ 394 .

صفحه 70
باب آية المباهلة   

في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وتواريخ أحواله

[ الباب الثاني ]

باب آية المباهلة1

الآيات:

آل عمران (3): (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). 61 .

[ التفسير: ]

قال الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب «الفصول»: قال المأمون يوماً للرّضا (عليه السلام): أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام)يدلّ عليها القرآن ؟
قال: فقال الرضا (عليه السلام): «فضيلة 2 في المباهلة، قال الله جلّ جلاله: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن والحسين (عليهما السلام)فكانا ابنيه، ودعا فاطمة (عليها السلام)فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا أمير المؤمنين (عليه السلام)فكان نفسه بحكم الله عزّوجلّ، وقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق الله تعالى أجلّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأفضل، فواجب (3) أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله بحكم الله جلّ وعزّ».
قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنّما دعا رسول

1 . بحار الأنوار : 35 / 257 ـ 271، الباب 7 .
2 . في المصدر: فضيلته.   3 . في المصدر: فوجب.

صفحه 71
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ابنيه خاصّة؟ وذكر النساء بلفظ الجمع وإنّما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته وحدها؟ أفلا جاز 1 أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين (عليه السلام)ما ذكرت من الفضل.
قال: فقال له الرضا (عليه السلام): «ليس يصحّ2 ما ذكرت ـ يا أمير المؤمنين ـ وذلك أنّ الدّاعي إنّما يكون داعياً لغيره كما أنّ الآمر آمر لغيره3، ولا يصحّ أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المباهلة رجلاً إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام)فقد ثبت أنّه نفسه الّتي عناها الله سبحانه في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله».
قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال.4
وقال الزمخشريّ في كتاب «الكشّاف»: روي أنّه لمّا دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتّى نرجع وننظر فنأتيك غداً، فلمّا تخالوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبدالمسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ، فإن أبيتم إلاّ إلف 5 دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ; فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا.

1 . في المصدر: فلم لا جاز.
2 . في المصدر: ليس بصحيح.
3 . في المصدر: كما يكون الآمر آمر لغيره.
4 . الفصول المختارة: 38 .
5 . ألف الشيء: لزمه، وألف فلاناً إذا أنس به. لسان العرب: 9 / 9، مادة «ألف».

صفحه 72
فقال أُسقفّ 1 نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكاه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا فلم يبق 2 على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا. قال: فإنّي أُناجزكم .3
فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخفينا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة: ألفاً في صفر وألفاً 4 في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.
فصالحهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك وقال: والّذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم 5عليهما 6 الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول 7 على النصارى كلّهم حتّى هلكوا».

1 . الأُسقف ـ بضم الهمزة وتشديد الفاء وتخفيفه ـ : فوق القسيس ودون المطران. القاموس المحيط: 3 / 217.
2 . في المصدر: ولا يبقى. وهو الصحيح.
3 . المناجزة: المبارزة والمقاتلة. تاج العروس: 4 / 84 ، مادة «نجز».
4 . في المصدر «الف» في الموضعين.
5 . اضطرمت النار: اشتعلت.
6 . في المصدر: عليهم.
7 . الحول: السنة. صحاح الجوهري: 4 / 1679، مادة «حول».

صفحه 73
فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟
قلت: كان ذلك آكد للدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزّته، وأفلاذ كبده 1، وأحبّ الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له; وعلى ثقته أيضاً بكذب خصمه حتّى يهلك 2 مع أحبّته وأعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة، وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يقتل، ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعاين 3 في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذّادة عنها حماة الحقائق 4، وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن 5 بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها; وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء(عليهم السلام)، وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك. انتهى كلام الزمخشريّ .6
وقال السيّد ابن طاووس في «الطرائف»: ذكر النقّاش في تفسيره «شفاء الصدور» ما هذا لفظه: قوله عزّوجلّ: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)قال أبو بكر: جاءت الأخبار بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أخذ بيد الحسن (عليه السلام)وحمل الحسين (عليه السلام)

1 . الأفلاذ جمع الفلذة، وهي القطعة من اللحم المقطوعة طولاً. لسان العرب: 3 / 502، مادة «فلذ».
2 . في المصدر: حتّى يهلك خصمه.
3 . جمع الظعينة: الزوجة أو المرأة ما دامت في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، والمرأة بلا هودج: ضعينة. والظعن: النساء والزوجة لأنّها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنّها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. النهاية لابن الأثير: 3 / 157، مادة «ظعن».
4 . الذادة جمع ذائد: المدافع. والحماة جمع الحامي.
5 . آذنه: أعلمه. صحاح الجوهري: 5 / 2068، مادة «أذن» .
6 . تفسير الكشّاف: 1 / 434 .

صفحه 74
على صدره ـ ويقال: بيده الأُخرى ـ وعليّ (عليه السلام)معه وفاطمة (عليها السلام)من ورائهم، فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين (عليهما السلام) من بين جميع أبناء أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبناء أُمّته، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من بين بنات النبيّ وبنات أهل بيته وبنات أُمّته، وحصلت هذه الفضيلة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)من بين أقارب رسول الله ومن أهل بيته وأُمّته بأن جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كنفسه، يقول: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ).
جرير عن الأعمش قال: كانت المباهلة ليلة إحدى وعشرين من ذي الحجّة، وكان تزويج فاطمة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يوم خمسة وعشرين من ذي الحجّة، وكان يوم غدير خمّ يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة، هذا آخر كلام النقّاش. وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد فضل أبي بكر محمّد بن الحسن بن زياد النقّاش وكثرة رجاله وأنّ الدارقطنيّ وغيره رووا عنه، وذكر أنّه قال عند موته: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)1 ثمّ مات في الحال.
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه 2 من طرق: فمنها في الجزء الرابع في باب فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في ثالث كرّاس من أوّله من الكتاب الّذي نقل الحديث منه في تفسير قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فرفع مسلم الحديث إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طويل يتضمّن عدّة فضائل لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)خاصّة، يقول في آخره: ولمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي.

1 . الصافات: 61 .
2 . صحيح مسلم: 7 / 120 و 121، باب فضائل علي (عليه السلام).

صفحه 75
ورواه أيضاً مسلم في أواخر الجزء المذكور على حدّ كرّاسين من النسخة المنقول منها; ورواه أيضاً الحميديّ في الجمع بين الصحيحين في مسند سعد بن أبي وقّاص في الحديث السادس من أفراد مسلم; ورواه الثعلبيّ في تفسير هذه الآية عن مقاتل والكلبيّ .1
أقول: ثمّ ساق الحديث مثل ما مرّ في الرواية الأُولى للزمخشريّ، ثمّ قال السيّد (رحمه الله): ورواه أيضاً أبو بكر بن مردويه بأجمل من هذه الألفاظ وهذه المعاني ; عن ابن عبّاس والحسن والشعبيّ والسدّيّ، وفي رواية الثعلبيّ 2 زيادة في آخر حديثه وهي: قال والّذي نفسي بيده إنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى هلكوا; فأنزل الله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ).3
ورواه الشافعيّ ابن المغازليّ في كتاب المناقب عن الشعبيّ عن جابر بن عبدالله قال: قدم وفد نجران على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)العاقب والطيّب، فدعاهما إلى الإسلام فقالا: أسلمنا يا محمّد قبلك 4، قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام؟ قالا: هات، قال حبّ الصليب وشرب الخمر وأكل الخنزير، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه أن يغادياه بالغدوة 5، فغدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذ

1 . الطرائف: 45. وسقط ما بعد ذلك عنه.
2 . تفسير الثعلبي: 3 / 85 .
3 . آل عمران: 62 ـ 63 .
4 . أي قبل دعوتك.
5 . غادى مغاداة: باكره: والغدوة ـ بالضم ـ: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. والغدوة: المرة من الغد، وهو سير أوّل النهار. النهاية لابن الأثير: 3 / 346، مادة «غدا».

صفحه 76
بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ثمّ أرسل إليهما: فأبيا أن يجيبا فأقرّا بالخراج، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي ناراً ; قال جابر: فيهم نزلت هذه الآية. (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)الآية، قال الشعبيّ: أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
أقول: وقال السيوطيّ في «الدرّ المنثور»: أخرج الحاكم وصحّحه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال: قدم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)العاقب والسيّد، فدعاهما إلى الإسلام، وذكر نحو ما مرّ، وقال في آخره: قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعليٌّ، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة(عليهم السلام) .
قال: وأخرج البيهقيّ في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه (طَسم)سليمان1: بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد رسول الله إلى أُسقفّ نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإنّي أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد أُوذنتم 2 بحرب، والسّلام.
فلمّا قرأ الأُسقفّ الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً 3، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وادعة 4، فدفع إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقرأه، فقال له الأُسقفّ: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّيّة إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن من أن يكون ذلك الرجل، ليس لي في النبوّة رأي،

1 . أي سورة النمل .
2 . في المصدر: آذنتكم.
3 . فظع الأمر ـ بالضم ـ فظاعة فهو فظيع، أي شديد شنيع جاوز المقدار. صحاح الجوهري: 3 / 1259،مادة «فظع».
4 . في المصدر: وداعة وكذا فيما يأتي.

صفحه 77
لو كان أمرٌ من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك. فبعث الأُسقفّ إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلّهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وادعة وعبدالله بن شرحبيل وجبّار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألهم وسألوه، فلم تنزل 1 به وبهم المسألة حتّى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتّى أُخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة2، فأنزل الله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ـ إلى قوله: ـ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فأبوا أن يقرّوا بذلك، فلمّا أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره 3 للملاعنة، وله يومئذ عدّة نسوة; فقال شرحبيل لصاحبيه: إنّي أرى أمراً مقبلاً، إن كان هذا الرجل نبيّاً مرسلاً فنلاعنه 4 لا يبقى على وجه الأرض منّا شعر ولا ظفر إلاّ هلك; فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أُحكّمه 5 فإنّي أرى رجلاً مقبلاً لا يحكم شططاً 6 أبداً، فقالا له: أنت وذاك; فتلقّى شرحبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّي قد رأيت خيراً من ملاعنتك، قال: وما هو؟ قال: أُحكّمك 7 اليوم إلى اللّيل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز; فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يلاعنهم، وصالحهم على الجزية.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن

1 . في المصدر: تزل .
2 . في المصدر: صبح الغد، فأنزل الله هذه الآية.
3 . في المصدر: خلف ظهره.
4 . في المصدر: فلاعنّاه.
5 . حكّمه في الأمر: فوض إليه الحكم فيه .
6 . الشطط: التباعد عن الحق. النهاية لابن الأثير: 2 / 474، مادة «شطط».
7 . في المصدر: حكمك.

صفحه 78
عبّاس أنّ وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الّذي يكون بعده صاحب رأيهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أسلما، قالا: أسلمنا، قال: ما أسلمتما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أنّ لله ولداً; فنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى)الآية، فلمّا قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول; فنزل (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من القرآن (فَقُلْ تَعَالَوْا)إلى قوله: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ)يقول: نجتهد في الدعاء أنّ الّذي جاء به محمّد هو الحقّ وأنّ الّذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: إنّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أُباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك، فخلا بعضهم ببعض ليصادقوا 1 فيما بينهم; قال السيّد للعاقب: قد والله علمتم أنّ الرجل نبيّ، فلو لاعنتموه لاستؤصلتم 2، وما لاعن قوم قطّ نبيّاً فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم 3، فإن أنتم لم تتّبعوه وأبيتم إلاّ إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج ومعه عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام)فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أنا دعوت فأمّنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبيّ، وساق الحديث إلى قوله: فواعدوه لغد، فغدا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه الحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام)فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد أتاني البشر بهلكة أهل نجران حتّى الطير على الشجر لو تمّوا على الملاعنة.

1 . في المصدر: وتصادقوا.
2 . في المصدر: نبي مرسل ولئن لاعنتموه انّه ليستأصلكم.
3 . في المصدر: فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم.

صفحه 79
وأخرج مسلم 1 والترمذيّ 2 وابن المنذر والحاكم 3 والبيهقيّ في سننه 4 عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام)فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي.
وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)الآية، أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ وفاطمة وابنيها: 5 الحسن والحسين (عليهم السلام)ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شابّ من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الّذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا، فانتهوا.6
بيان: قطع به على بناء الفاعل أي جزم بحقّيّته 7، ويقال: قطع كفرح وكرم إذا لم يقدر على الكلام; أو على بناء المفعول أي عجز أو حيل بينه وبين ما يؤمّله. والخميلة القطيفة، وكلّ ثوب له خمل.
أقول: روى ابن بطريق في العمدة 8 نزول آية المباهلة فيهم بأسانيد من صحيح مسلم وتفسير الثعلبيّ ومناقب ابن المغازليّ.

1 . صحيح مسلم: 7 / 120 ـ 121، باب فضائل علي (عليه السلام).
2 . سنن الترمذي: 4 / 293 برقم 4085، تفسير سورة آل عمران .
3 . مستدرك الحاكم: 3 / 150 .
4 . سنن البيهقي: 7 / 63 .
5 . في المصدر: ابنيهما.
6 . الدر المنثور: 2 / 38 ـ 40، تفسير سورة آل عمران. وفي ترتيب الأحاديث والروايات تقديم وتأخير.
7 . الموجود في المتن والمصدر: «فظع به».
8 . راجع: العمدة: 343، الفصل الثاني والعشرون، في قوله تعالى: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ...).

صفحه 80
وروى ابن الأثير في «جامع الأُصول» من صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».
قال الطبرسي (رحمه الله): أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا الحسن والحسين (عليهما السلام)قال أبو بكر الرازي1: هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله وأنّ ولد الإبنة ابنٌ على الحقيقة (2)، وقال ابن أبي علاّن ـ وهو أحد أئمّة المعتزلة ـ : هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام)كانا مكلّفين في تلك الحال، لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين; وقال أصحابنا: إنّ صغر السنّ ونقصانها عن حدّ بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنّما جعل بلوغ الحلم حدّاً لتعلّق الأحكام
الشرعيّة، وكان سنّهما في تلك الحال سنّاً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل 2، على أنّ عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمّة ويخصّهم بما لا يشركهم فيه غيرهم، فلو صحّ أنّ كمال العقل غير معتاد في تلك السنّ لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمّن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به; وممّا يؤيّده من الأخبار قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
(وَنِسَاءَنَا)اتّفقوا على أنّ المراد به فاطمة (عليها السلام)لأنّه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدلّ على تفضيل الزهراء على جميع النساء.
(وَأَنْفُسَنَا)يعني عليّاً خاصّة ولا يجوز أن يكون المعنيّ به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه، وإنّما يصحّ أن يدعو غيره، وإذا كان قوله: (وَأَنْفُسَنَا)لابدّ أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى عليّ (عليه السلام); لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين (عليه السلام)وزوجته وولديه(عليهم السلام)في

1 . راجع: تفسير الرازي: 8 / 86 .   2 . في المصدر: في الحقيقة.
2 . لا يخفى ما فيه، والصحيح ما يذكر بعده.

صفحه 81
المباهلة، وهذا يدلّ على غاية الفضل وعلوّ الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه أحد ولا يقاربه. انتهى.1
أقول: ويدلّ على كون المراد بأنفسنا أمير المؤمنين (عليه السلام)ما رواه ابن حجر في صواعقه رواية عن الدارقطنيّ أنّ عليّاً (عليه السلام)يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم: أُنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرحم منّي؟ ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. انتهى.2
ولا يخفى أنّ تخصيص هؤلاء من بين جميع أقاربه (صلى الله عليه وآله وسلم)للمباهلة دون عبّاس وعقيل وجعفر وغيرهم لا يكون إلاّ لأحد شيئين: إمّا لكونهم أقرب الخلق إلى الله بعده حيث استعان بهم في الدعاء على العدوّ دون غيرهم، وإمّا لكونهم أعزّ الخلق عليه حيث عرّضهم للمباهلة إظهاراً لوثوقه على حقّيّته، حيث لم يبال بأن يدعو الخصم عليهم مع شدّة حبّه لهم، وظاهر أنّ حبّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن من جهة البشريّة والأُمور الدنيويّة، بل لم يكن يحبّ إلاّ من يحبّه الله، ولم يكن حبّه إلاّ خالصاً لله، كيف لا وقد ذمّ الله تعالى ورسولهُ ذلك في كثير من الآيات والأخبار، وكلّ من يدّعي درجة نازلة من الولاية والمحبّة يتبرّأ من حبّ الأولاد والنساء والأقارب لمحض القربة أو للأغراض الفاسدة، وقد نرى كثيراً من الناس يذمّهم

1 . مجمع البيان: 2 / 311.
2 . توجد مناشدة علي (عليه السلام)يوم الشورى في الصواعق: 124، لكن أسقط منها كثير من المناشدات ومن جملتها هذه، ويوجد فيما عندنا من نسخته المطبوعة ما هذا لفظه: وأخرج الدارقطني أنّ علياً قال للستة الّذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله: يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري؟ قالوا: اللّهم لا.
والظاهر أنّ ابن حجر ذكر هذا الكلام الطويل الحاوي لجميع المناشدات، لكن القوم أسقطوا من كلامه ما أسقطوا، وهيهات هيهات يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

صفحه 82
العقلاء بأنّهم يحبّون بعض أولادهم مع أنّ غيرهم أعلم وأصلح وأتقى وأورع منهم; وأيضاً معلوم من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يعادي كثيراً من عشائره لكونهم أعداء الله، ويقاتلهم، وكان يحبّ ويقرّب الأباعد ومن ليس له نسب ولا حسب لكونهم أولياء الله، كما قال: سيّد الساجدين: «ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين»1 ; فإذا ثبت ذلك فيرجع هذا أيضاً إلى كونهم أقرب الخلق وأحبّهم إلى الله، فيكونون أفضل من غيرهم، فيقبح عقلاً تقديم غيرهم عليهم; وأيضاً لمّا ثبت أنّه المقصود بنفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الآية وليس المراد النفسيّة الحقيقيّة لامتناع اتّحاد الاثنين، وأقرب المجازات إلى الحقيقة اشتراكهما في الصفات والكمالات، وخرجت النبوّة بالدليل فبقي غيرها، ومن جملتها وجوب الطاعة والرئاسة العامّة، والفضل على من سواه، وسائر الفضائل، ولو تنزّلنا عن ذلك فالمجاز الشائع الذائع في استعمال هذا اللّفظ كون الرجل عزيزاً على غيره، وأحبّ الخلق إليه كنفسه، فيدلّ أيضاً على أفضليّته وإمامته بما مرّ من التقرير.
(أقول: وذكر إمامهم الرازي في التفسير والأربعين 2 الإستدلال بهذه على كون أمير المؤمنين (عليه السلام)أفضل من الأنبياء وسائر الصحابة عن بعض الإمامية بما مرّ،

1 . الصحيفة السجادية: 31، الدعاء 9 (دعاؤه (عليه السلام)في الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي (عج).
2 . تفسير الرازي: 8 / 86 ; الأربعين: 465. ولنذكر ما قاله في الأربعين فإنّه لا يخلو عن فائدة: قال فيه ما هذا لفظه: وأمّا الشيعة فقد احتجّوا على أنّ عليّاً أفضل الصحابة بوجوه: الحجّة الأُولى التمسّك بقوله تعالى: (فَقُلْ تَعَالَوْا)الآية، وثبت بالأخبار الصحيحة أنّ المراد من قوله: (وَأَنْفُسَنَا)هو علي، ومن المعلوم أنّه يمتنع أن تكون نفس علي هي نفس محمد بعينه، فلابد وأن يكون المراد هو المساواة بين النفسين، وهذا يقتضي انّ كلّ ما حصل لمحمد من الفضائل والمناقب فقد حصل مثله لعلي، ترك العمل بهذا في فضيلة النبوة فوجب أن تحصل المساواة بينهما فيما وراء هذه الصفة، ثم لا شكّ أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أفضل الخلق في سائر الفضائل، فلمّا كان عليّ مساوياً له في تلك الفضائل وجب أن يكون أفضل الخلق، لأنّ المساوي للأفضل يجب أن يكون أفضل.

صفحه 83
لكن على وجه مبسوط، ثمّ قال في الجواب 1: كما أنّ الإجماع انعقد على أنّ النبيّ أفضل من الأنبياء، فكذلك انعقد الإجماع على أنّ الأنبياء أفضل من غيرهم; وأعرض عن ذكر الصحابة لأنّه لم يكن عنده فيهم جواب!
وما ذكره في الجواب عن الأنبياء فهو في غاية الوهن; لأنّ الإجماع الّذي ادّعاه إن أراد به إجماعهم، فحجّيّته عند الإماميّة ممنوعة; وإن أراد إجماع الأُمّة فتحقّقه عندهم ممنوع; لأنّ أكثر الإماميّة قائلون بكون أئمّتنا(عليهم السلام)أفضل من سائر الأنبياء، وأخبارهم الدالّة على ذلك مستفيضة عندهم; ولم يتصرّف في سائر المقدّمات ولم يتعرّض لمنعها ودفعها ـ مع أنّه إمام المشكّكين عندهم ـ لغاية متانتها ووضوحها، ولنتعرّض لدفع بعض الشبه الواهية والمنوع الباردة الّتي يمكن أن يخطر ببال بعض المتعسّفين.
فنقول: إن قال قائل: يمكن أن تكون الدعوة متعلّقة بالنفس مجازاً وما ارتكبتموه من التجوّز ليس بأولى من هذا المجاز .2
فنقول: يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ التجوّز في النفس أشهر وأشيع عند العرب والعجم، فيقول أحدهم لغيره: يا روحي ويا نفسي! وفي خصوص هذه المادّة وردت روايات كثيرة بهذا المعنى من الجانبين، كما سنذكره في باب اختصاصه (عليه السلام)به، وقد ورد في صحاحهم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعليّ (عليه السلام): «أنت منّي وأنا منك»3 ; وقال: «عليٌّ منّي بمنزلة رأسي من جسدي»4 ; وفي رواية أُخرى: «بمنزلة روحي من جسدي»;

1 . أي في الجواب عن كون أمير المؤمنين (عليه السلام)أفضل من جميع الناس غير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . وتوضيحه: انّه لابد من ارتكاب المجاز إمّا في النفس بأن يراد منه أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو في الدعوة، ولا رجحان لأحدهما على الآخر.
3 . صحيح البخاري: 4 / 207، باب مناقب علي (عليه السلام)، وج 5 / 85 ، باب عمرة القضاء.
4 . جواهر المطالب لابن الدمشقي: 1 / 58 ; ينابيع المودّة: 2 / 152.

صفحه 84
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي»1، وأمثال ذلك كثيرة، فكلّ ذلك قرينة مرجّحة لهذا المجاز.
والثاني: أن نقول: الآية على جميع محتملاتها تدلّ على فضله (عليه السلام)وكونه أولى بالإمامة، لأنّ قوله تعالى: (نَدْعُ) بصيغة التكلّم 2 إمّا باعتبار دخول المخاطبين أو للتعظيم أو لدخول الأُمّة أو الصحابة، وعلى الأخيرين يكون المعنى: ندع أبناءنا وتدعو أبناءكم، ولا يخفى أنّ الأوّل أظهر، وهو أيضاً في بادئ النظر يحتمل الوجهين: الأوّل أن يكون المعنى: يدعو كلّ منّا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه.
الثاني أن يكون المعنى: يدعو كلّ منّا ومنكم أبناء الجانبين وهكذا.
والأوّل أظهر كما صرّح به أكثر المفسّرين، وهذه الاحتمالات لا مدخل لها فيما نحن بصدده، وسيظهر حالها فيما سنورده في الوجوه الآتية وأمّا جمعيّة الأبناء والنساء والأنفس فيحتمل أن تكون للتعظيم، أو لدخول الأُمّة أو الصحابة فيها، أو لدخول المخاطبين فيها، فيكون التقدير: أبناءنا وإيّاكم، ويكون إعادة الأبناء لمرجوحيّة العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ; أو تكون الجمعيّة باعتبار أنّه بظاهر الحال كان يحتمل أن يكون من يصلح للمباهلة جماعة من كلّ صنف، فلمّا لم يجد من يصلح لذلك من جانبه سوى هؤلاء اقتصر عليهم، وتعيين الجماعة قبل تحقيق المباهلة لم يكن ضرورياً ; وكذا جمعيّة الضمير في أبنائنا ونسائنا وأنفسنا تحتمل ما سوى الوجه الثالث، والوجه الثالث في الأوّل أيضاً بعيد جدّاً، لأنّه معلوم أنّ دعوة كلّ منهما تختصّ بفريقه.

1 . مجمع الزوائد: 7 / 110 ; المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 506 برقم 74 ; السنن الكبرى للنسائي: 5 / 127 ; خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 89 ; كنز العمّال: 4 / 441 برقم 11311 .
2 . أي التكلّم مع الغير.

صفحه 85
فنرجع ونقول: لو كانت الجمعيّة للتعظيم وكان المراد 1 نفس من تصدّى للمباهلة وكان المتصدّي لها من هذا الجانب الرسول، فلا وجه لإدخال أمير المؤمنين (عليه السلام)في ذلك مع أنّه كان داخلاً باتّفاق الفريقين ورواياتهم، وكان للنصارى أن يقولوا: لمَ أتيت به وهو لم يكن داخلاً فيمن شرطنا؟ إلاّ أن يقولوا: كان لشدّة الاختصاص والتناسب وقرب المنزلة بمنزلة نفسه فلذا أتى به، وهو مع بُعده لو ارتكبته كان مستلزماً لمقصودنا على أتمّ وجه، بل هو أدعى لمطلوبنا من الوجه الّذي دفعتم 2، فقد وقعتم فيما منه فررتم!
وأمّا الوجه الثاني فنقول: لو كانت الأُمّة والصحابة داخلين في المباهلة فلمَ لم يأت بجميع من حضر منهم؟ إلاّ أن يقال: إحضار الجميع لمّا كان موجباً للغوغاء3 العامّ وموهماً لعدم اعتماده على حقّيّته، بل كان اعتماده على كثرة الناس ليرهب به العدو أو ليتّكل على دعائهم، فلذلك 4 أتى بنفسه لأنّه كان نبيّهم وأولى بهم وضامناً لصحّة معتقدهم، وبعليّ (عليه السلام)لأنّه كان إمامهم وقائدهم وأولى بهم والشاهد على صحّة نبوّة نبيّهم، والتالي له في الفضل، ولاتّحاد أبنائهما، وانتساب فاطمة (عليها السلام)إليهما، فأتى كلِّ منهما مع أبنائه ونسائه نيابة عن جميع الأُمّة، وإلاّ فلا وجه لتخصيصه (عليه السلام)من بين سائر الصحابة، فهذا أصرح في مقصودنا وأقوى في إثبات مطلوبنا; وكذا الوجه الرابع 5 يتضمّن ثبوت المدّعى، إذ لو لم يكن في جميع الأُمّة والصحابة من يصلح للمباهلة غيرهم فهم أقرب الخلق إلى

1 . أي وكان المراد من كلمة «انفسنا».
2 . لأنّ المدّعي قد أثبت بذلك اتّحادهما (صلوات الله عليهما) بحيث لم يكن إدخال أمير المؤمنين (عليه السلام)مخالفاً للشرط حتّى في نظر النصارى. فافهم جيداً فإنّه نفيس جداً.
3 . الغوغاء: الكثير المختلط من الناس.
4 . جواب لما.
5 . لأنّه بعدما ثبت أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)بمنزلة نفس الرسول يثبت بالضرورة أنّه أفضل من الأنبياء(عليهم السلام)لما أسلفناه عن الرازي أنّ المساوي للأفضل يجب أن يكن أفضل .

صفحه 86
الله والرسول، وأولى بالإمامة وسائر المنازل الشريفة من سائر الصحابة.
فإن قيل: الحمل على أقرب المجازات إنّما يكون متعيّناً لو لم يكن معنى آخر شائعاً، ومعلوم أنَّ إطلاق النفس على الغير في مقام إظهار غاية المحبّة والاختصاص شائع.
قلنا: ما مرَّ من الأخبار بعد التأمّل فيها كانت أقوى القرائن على هذا المعنى؟ ولو سلّم فدلالته على الأولويّة في الإمامة والخلافة ثابتة بهذا الوجه أيضاً كما عرفت، وهو مقصودنا الأهمّ في هذا المقام.
وأمّا الفضل على الأنبياء فهو ثابت بأخبارنا المستفيضة، ولا حاجة لنا إلى الاستدلال بالآية، وإن كانت عند المنصف ظاهرة الدلالة )1. وفي المقام تحقيقات طريفة وكلمات شريفة أسلفناها مع جُلِّ الأخبار المتعلّقة بهذا المطلوب في كتاب النبوّة، وإنّما أوردنا هاهنا قليلاً من كثير لئلاّ يخلو هذا المجلّد عن جملة منها، والله المستعان.

1 . ما بين القوسين من بعض النسخ.

صفحه 87
كتاب السماء والعالم 1

أبواب

كليات أحوال العالم وما يتعلّق بالسماويات


1 . تنويه: اعتمدنا في عملنا هذا على نسخة «بحار الأنوار» طبع مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403 هـ . فعلى هذا لو أراد القارئ الكريم أن يستفيد من الكتاب وعنده طبعة طهران أن يضيف إلى الجزء 54 وما بعده إلى آخر الكتاب العدد 3. فالجزء 54، 55، 56، طبعة بيروت يعادل الأجزاء 57، 58، 59،... من طبعة طهران وذلك لطبع فهرس الكتاب في الأجزاء 54 و 55 و 56، أمّا طبعة بيروت فالفهرس في آخر الكتاب في الأجزاء 108 و 109 و 110.
أمّا الأجزاء 1 ـ 53 فلا يوجد بين الطبعتين اختلاف. ولذا اقتضى التنويه .

صفحه 88
حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كلّيات الأُمور   

[ الباب الأوّل]

حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كلّيات الأُمور 1

الآيات

البقرة (2): (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات2 وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ). 29 .
الأنعام (6): (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). 1 .
الأعراف (7): (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)54 .
يونس (10): (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ3 يُدَبِّرُ الأَمْرَ). 3.

1 . بحار الأنوار : 54 / 2 ـ 25، الباب 1 ; مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403 هـ (وهكذا بقية الأجزاء).
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 4: أي قصد إلى خلقها كذلك ; لأنّ حقيقة الاستواء الّذي هو تمام بعد نقصان، أو استقامة بعد إعوجاج من صفات الأجسام وعلامات المحدثات.
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54: وهذه استعارة ; لأنّ حقيقة الاستواء إنّما توصف بها الأجسام الّتي تعلو وتهبط، وتميل وتعتدل، والمراد بالاستواء هاهنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان لا بحلول القرار والمكان، كما يقال: «استوى فلان الملك على سرير ملكه» بمعنى استولى على تدبير الملك ومَلَك معقدَ الأمر والنهي، ويحسن صفته بذلك وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه ولا مكان عال يشار إليه، وإنّما المراد نفاذ أمره في مملكته واستيلاء سلطانه على رعيته. فإن قيل: فالله سبحانه مستول على كلّ شيء بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا. قيل: كما ثبت أنّه تعالى ربّ لكلّ شيء، وقد قال في صفة نفسه: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [ التوبة: 129 ] وقال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [ المؤمنون: 116]. فإن قيل: فما معنى قولنا: عرش الله إن لم يرد بذلك كونه عليه. قيل: كما يقال بيت الله وإن لم يرد كونه فيه، والعرش في السماء تطوف به الملائكة تعبّداً، كما أنّ البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبّداً.

صفحه 89
هود (11): (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). 7 .
الكهف (18): (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا). 51 .
الأنبياء (21): (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا 1 وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ). 30 .
الفرقان (25): (الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا). 59.
السجدة (32): (اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 4.
فصّلت (41): (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54: وهذه استعارة ; لأن الرتق هو سد خصاصة الشيء، ويقال: رتق فلان الفتق إذا سدّه، ومنه قيل للمرأة رتقاء إذا كان ممر الذكر منها ملتحماً، وأصل ذلك مأخوذ من قولهم: رتق فتق الخباء والفسطاط وما يجري مجراهما إذا خاطه فكأنّ السماوات والأرض كانتا كالشيء المخيط الملتصق بعضه ببعض ففتقهما سبحانه بأن صدع ما بينهما بالهواء الرقيق والجو الفسيح. وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)أنّه قال: معنى ذلك أنّ السماء كانت لا تمطر والأرض لا تنبت، ففتق الله السماء بالأمطار والأرض بالنبات.

صفحه 90
فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ1 * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). 9 ـ 12 .
ق (50): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب). 38 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 194 ـ 195: وهذه استعارة وليس هناك على الحقيقة قول ولا جواب، وإنّما ذلك عبارة عن سرعة تكوين السماوات والأرض كما قال تعالى (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ النحل: 40 ] ولو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان في هذا الكلام أمر للمعدوم وخطاب لغير الموجود، وذلك يستحيل من فعل الحكيم سبحانه. ومعنى قوله تعالى: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أنّهما جرتا على المراد، ووقفتا عند الحدود والأقدار من غير معاناة طويلة ولا مشقّة شديدة، فكانتا في ذلك جاريتين مجرى الطائع المميّز إذا انقاد إلى ما أمر به، ووقف عندما وقف عنده. وقال بعضهم: معنى قوله سبحانه (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا): أي كونا على ما أُريد منكما من لين وشدة، وسهل وحزونة، وصعب وذلول، ومبرم وسحيل. والكره والشدة بمعنى واحد في اللغة العربية يقول القائل منهم لغيره: «أنا أكره فراقك» أي يصعب عليَّ أن أفارقك، وقال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)[ البقرة: 216 ] أي شديد عليكم. ومعنى الطوع هاهنا التسهيل والانقياد من غير إبطاء ولا اعتياص. وإنّما قال سبحانه: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) لأنّه جعل السماوات كلّها كالواحدة والأرض جميعاً كذلك، فحسن أن يعبّر عنهما بعبارة الاثنين دون عبارة الجمع، وأمّا قوله سبحانه: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وكان وجه الكلام أن يكون طائعتين أو طائعات ردّاً على التأنيث، فالمراد به ـ والله أعلم ـ عند بعضهم: قالتا أتينا بمن فينا من الخلق طائعين. فكان طائعين وصفاً للخلق المميزين لا وصفاً للسماوات والأرضين، وقال بعضهم: لمّا تضمّن الكلام ذكر السماوات والأرض في الخطاب لهما والكناية عنهما بما يخاطب به أهل التميّز ويكنّى به عن السامعين الناطقين أجريتا في رد الفعل إليهما مجرى العاقل اللبيب والسامع المجيب، وذلك مثل قوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: 4 ]ولو أجرى اللفظ على حقيقته وحمل على محجّته لقيل ساجدات، ولكن المراد بذلك لما كان ما أشرنا إليه حسن أن يقال: ساجدين وطائعين.

صفحه 91
الحديد (57): (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) 4.
النازعات (79): (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ). 27 ـ 33 .
الأعلى (87): (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى). 1 ـ 3 .

التفسير:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)امتنان على العباد بخلق ما يتوقّف عليه بقاؤهم ويتمّ به معاشهم، ومعنى (لَكُمْ)لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط، وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرّف بما يلائمها من لذّات الآخرة وآلامها. وهذا ممّا يستدلّ به على إباحة جميع الأشياء إلاّ ما أخرجه الدّليل. و (مَا) يعمّ كلّ ما في الأرض ، لا الأرض ، إلاّ إذا أُريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. ( جَمِيعًا)حال عن الموصول الثاني، (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)1: أي قصد إليها

1 . قال الراغب في مفرداته: 243، مادة «سما»: سماء كلّ شيء أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:
وأحمر كالديباج أما سماؤه *** فرياً وأمّا أرضه فمحول
وسُمّي المطر سماء لخروجه منها، وسُمّي النبات سماء إمّا لكونه من المطر الّذي هو سماء، وإمّا لارتفاعه عن الأرض. والسماء المقابل للأرض مؤنث وقد يذكّر، ويستعمل للواحد والجمع لقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ)وقد يقال في جمعها (سَمَوَات) قال: (خَلَقَ السَّمَواتِ)، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَواتِ)وقال: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)فذكّر وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) فأنث. (انتهى ملخصاً).

صفحه 92
بإرادته من قولهم: «استوى إليه» إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء. وقيل: استوى أي استولى وملك، قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
والمراد بالسماء الأجرام العلويّة أو جهات العلو كما قيل.
(فَسَوَّاهُنَّ): أي عدّلهنّ وخلقهنّ مصونة من العوج والفطور، وقيل: هُنَّ ضمير السماء إن فسّرت بالأجرام لأنّها جمع أو في معنى الجمع، وإلاّ فمبهم يفسّره ما بعده كقولهم: ربّه رجلاً. (سَبْعَ سَمَوَات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع الّتي أثبتوها أصحاب الأرصاد، إذ الثامن والتاسع مسمّيان في لسان الشرع بالكرسيّ والعرش.1 (وَهُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ) قيل: فيه تعليل كأنّه قال ولكونه عالماً بتلك الأشياء كلّها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، والاستدلال بأنّ من كان فعله على هذا النّسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليماً، وتدلّ الآية على حدوث السماوات بل الأرض أيضاً كما سيأتي بيانه.
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ)أخبر بأنّه تعالى حقيق بالحمد ونبّه على أنّه المستحقّ له على هذه النعم الجسام حُمِد أو لم يُحمد ليكون حجّة على الّذين هم بربّهم يعدلون، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهنّ ; لأنّ طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدّمها لشرفها وعلوّ مكانها (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ): أي أنشأهما، والفرق بين (خَلَقَ)و (وَجَعَلَ)الّذي له مفعول واحد أنّ (خَلَقَ)فيه معنى التقدير و (وَجَعَلَ)فيه معنى التضمين، ولذلك عبّر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنّهما لا يقومان بأنفسهما كما

1 . قال العلاّمة السبحاني في تفسيره «منية الطالبين»: إنّ القرآن الكريم يؤكّد على أنّ عدد السماوات هو سبعة مع أنّه من الواضح أنّ بطليموس جعلها تسعة، ولذلك ذهب من يؤمن بصحّة هذه الهيئة إلى أنّ الكرسي والعرش هو الفلك الثامن والتاسع، وهو قول بلا دليل. وللبحث صلة. راجع منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 28 / 441 ـ 450 .

صفحه 93
زعمت الثنويّة، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها أو لأنّ المراد بالظلمة الضلال وبالنّور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدّد. وتقديمها لتقدّم الأعدام على الملكات.
(فِي سِتَّةِ أَيَّام)المشهور أنّ المراد بالأيّام هنا مقدار أيّام الدنيا، وروي عن ابن عبّاس أنّها من أيّام الآخرة كلّ يوم منها ألف سنة ممّا تعدّون.
أقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها. ثمّ إنّه سبحانه إنّما خلق في هذه المدّة مع أنّه كان قادراً على خلقها في طرفة عين إمّا لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنّها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه الأحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلّم النّاس التأنّي في الأُمور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر لخلق، ولكنّه جعل الأناء 1 والمداراة مثالاً لأُمنائه، وإيجاباً للحجّة على خلقه».2
وأُورد هنا إشكال وهو أنّ اليوم إنّما يحصل بحركة الشمس وطلوعها وغروبها، فما معنى اليوم هاهنا؟ ويمكن أن يجاب بوجوه:
الأوّل: أنّ مناط تمايز الأيّام وتقدُّرها إنّما هو حركة الفلك الأعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الأيّام المتمايزة إنّما هو السماوات السبع والأرض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك الخلأ لتقدّم الماء الّذي خلق منه الجميع على الجميع.

1 . الأناء: بفتح الهمزة اسم من الإيناء: وأنى أنياً فهو أنى: تأخر وأبطأ، ورجل آن على فاعل أي كثير الأناة والحلم. لسان العرب: 14 / 48، مادة «أنى».
2 . الاحتجاج للطبرسي: 1 / 379 .

صفحه 94
الثاني: أنّ المراد بالأيّام الأوقات، كقوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ
دُبُرَهُ
)1.
الثالث: أنّ المراد: في مقدار ستّة أيّام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصوّر يوم حقيقة، فالمراد إمّا مقدار من الزمان مطلقاً، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين إما مبنيّ على كون الزمان أمراً موهوماً منتزعاً من بقائه سبحانه، أو من أوّل الأجسام المخلوقة كالماء، أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به، أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي، وإمّا بالقول بخلق فلك متحرّك قبل ذلك بناءً على القول بوجود الزّمان وأنّه مقدار حركة الفلك، فإنّ التجدّد والتقضّي والتصرّم الّذي هو منشأ تحقّق الزمان عندهم في الجميع متصوّر.
وعلى أيّ حال هذه الآية وما سيأتي من أشباهها تدلّ على حدوث السّماوات والأرض وما بينهما لأنّ الحادث في اليوم الأخير مثلاً، مسبوق بخمسة أيّام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي، والموجود في اليوم الأوّل زمان وجوده أزيد على الأخير بقدر متناه، فالجميع متناهي الوجود حادث.2

1 . الأنفال: 16 .
2 . قال العلاّمة السبحاني في منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 27 / 383 ـ 385: وأمّا الأيام في الآية فقد تكون إشارة إلى الدفعات أو الأدوار، حيث خلق سبحانه وتعالى الكون بشكل تدريجي بحركة المادة من القوة إلى الفعل. والّذي يؤيّد هذا التفسير أنّ اليوم المعروف إنّما يتولّد من دوران الأرض حول محورها الّذي يستغرق زمناً قدره نحو 24 ساعة، وهذا يعني أنّ هذا الطول الزمني (اليوم) قد قدّر بعد خلق السماوات والأرض، أي أنّه ليست ثمّة أيام قبل خلقهما... ثم إنّ اليوم يستعمل كثيراً ويراد به الوقت مطلقاً، فالأيام الستة الّتي خُلقت فيها السماوات والأرض ليست بياناً للزمن الّذي عملت فيه يد القدرة; لأنّ أفعال الله لا تقدّر بالزمان (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82) بل هي المدّة الّتي تكوّنت فيها السماوات والأرض، وتمّت فيها تسويتها على الصورة الّتي أرادها الله تعالى، وهذه المدّة من الزمن لا يعلم قدرهما إلاّ الله... وللبحث تكملة مفيدة، فمن أراد فليرجع إلى المصدر المذكور.

صفحه 95
(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)قال البيضاوي : أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنّه 1 كان موضوعاً على متن الماء، واستدلّ به على إمكان الخلأ وأنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الرّيح والله أعلم بذلك. انتهى.2
وقال الطبرسي: وفي هذا دلالة على أنّ العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السّماوات والأرض، وكان الماء قائماً بقدرة الله على غير موضع قرار، بل كان الله يمسكه بكمال قدرته، وفي ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار. وقيل: المراد بقوله: (عَرْشُهُ)بناؤه، يدلّ عليه: (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)3: أي يبنون، فالمعنى: وكان بناؤه على الماء، فإنّ البناء على الماء أبدع وأعجب; عن أبي مسلم .4 انتهى.
وقال الرازي في تفسيره: ومعنى قوله (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)كقولهم السّماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر. وكيف كانت الواقعة يدلّ على أنّ العرش والماء كانا قبل السّماوات والأرض. قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما; لأنّه لا يجوز أن يخلق

1 . في المصدر: لأنّه .
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 221. أقول: معنى الآية: وكان عرشه يوم خلقهنّ على الماء، وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أنّ ملكه تعالى كان مستقراً يومئذ على هذا الماء الّذي هو مادّة الحياة، فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره على محلّ هو استقرار ملكه عليه، كما أنّ استواءه على العرش احتواءه على الملك وأخذه في تدبيره. وقول بعضهم: إنّ المراد بالعرش البناء كلام بعيد عن الفهم. راجع الميزان في تفسير القرآن: 10 / 151 .
3 . النحل: 68 .
4 . مجمع البيان: 5 / 245 .

صفحه 96
ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء.1 انتهى.
وفي بعض الأخبار أنّ المراد حمل علمه ودينه الماء2، وربّما يؤوِّل من قال بالهيولى الماء بها.
(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً): أي خلقهنّ لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النّعم ويكلّفهم، ويعرضهم لثواب الآخرة، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر، قال (لِيَبْلُوَكُمْ): أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. وعن الصّادق (عليه السلام): «ليس يعني أكثركم عملاً ولكن أصوبكم عملاً، وإنّما الإصابة خشية الله والنيّة الصادقة»3.
(مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي ما أحضرتُ إبليس وذريّته خلق السّماوات والأرض ولا خلق أنفسهم مستعيناً بهم على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته واستغنائه عن الأنصار والأعوان، ويدلّ عليه قوله: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا): أي الشّياطين الّذين يضلّون النّاس أعواناً يعضدونني عليه، وكثيراً ما يستعمل العضد بمعنى العون. وقيل: المعنى أنّكم اتّبعتم الشياطين كما يتّبع من يكون عنده علم لا ينال إلاّ من جهته وأنا ما أطلعتهم على خلق السّماوات ولا على خلق أنفسهم، ولم أُعطهم العلم بأنّه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتّبعونهم؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفّار خلق السّماوات والأرض ولا بعضهم خلق بعض، بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا: إنّ الملائكة بنات الله ومن أين ادّعوا ذلك ؟4 انتهى.

1 . تفسير الرازي: 17 / 187 .
2 . لاحظ : توحيد الصدوق:319 ح 1، الباب 49 (باب معنى قوله عزّوجلّ:(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
3 . الكافي: 2 / 16 ح 4، باب الإخلاص.
4 . مجمع البيان: 6 / 355.

صفحه 97
وزاد الرّازيّ وجهين آخرين: أحدهما: أنّ الضمير عائد إلى الكفّار الّذين قالوا له (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنّه تعالى قال: إنّ هؤلاء الّذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنُّت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدّنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلِمَ أقدموا على هذا الاقتراح؟ ونظيره أنّ مَن اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنّك تقول له: لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتّى نقبل منك هذه الاقتراحات.
وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفّار أيضاً ويكون المعنى: أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السّعادة والشقاوة، فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والكمال والعلوّ ولغيركم بالذّل والدّناءة.1 انتهى.
(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا)قال الطبرسي (رحمه الله): استفهام يراد به التقريع. والمعنى: أو لم يعلموا أنّ الله سبحانه الّذي يفعل هذه الأشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحقّ للعبادة دون غيره(أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)تقديرها: كانتا ذواتي رتق. والمعنى: كانتا ملتزقتين منسدّتين ففصلنا بينهما بالهواء; عن ابن عبّاس وغيره. وقيل: كانت السّماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين; عن مجاهد والسّديّ. وقيل: كانت السّماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتقنا السّماء بالمطر والأرض بالنّبات ; عن عكرمة وعطيّة وابن زيد، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) . 2 انتهى.
وقال الرّازيّ: الرؤية إمّا بمعنى الإبصار، أو العلم. والأوّل مشكل; لأنّ القوم ما

1 . تفسير الرازي: 21 / 138 .
2 . مجمع البيان: 7 / 83 . وللسيد الطباطبائي بحث مفيد حول الآية، راجع الميزان في تفسير القرآن: 14 / 278 ـ 279 .

صفحه 98
رأوهما، ولقوله تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ). والثّاني أيضاً مشكل ; لأنّ الأجسام قابلة للرّتق والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرّتق أوّلاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلاّ السّمع، والمناظرة مع الكفّار المنكرين للرّسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال؟ ودفع الإشكال بعد اختيار الثاني بوجوه:
أحدها: أنّا نثبت نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)بسائر المعجزات ثمّ نستدلّ بقوله، ثمّ نجعلهما دليلاً على حصول المصالح في العالم وانتفاء الفساد عنه.
وثانيها: أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدلّ عليه ; لأنّ الأجسام يصحّ عليها الاجتماع والافتراق، فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.
وثالثها: أنّ اليهود والنّصارى كانوا عالمين بذلك، فإنّه جاء في التوراة أنّ الله تعالى خلق جوهرة ثمّ نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثمّ خلق السّماوات والأرض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاحتجّ الله تعالى عليهم بهذه الحجّة بناء على أنّهم يقبلون قول اليهود في ذلك .
ثمّ قال: اختلف المفسّرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها ـ وذكر الوجه الأوّل من وجوه الطبرسي ـ ثم قال: هذا القول يوجب أنّ خلق الأرض مقدّم على خلق السّماء ; لأنّه تعالى لمّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السّماويّة، قال كعب: خلق الله السّماوات والأرضين ملتصقتين ثمّ خلق ريحاً توسّطهما ففتقتا بها. ثمّ ذكر الثّاني والثّالث، ورجّح الثالث بقوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) 1، وبقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَيّ). ثمّ قال: ورابعها: قول أبي مسلم الإصفهانيّ، قال: يجوز

1 . الطارق: 11 ـ 12 .

صفحه 99
أن يراد بالفتق، الإيجاد والإظهار كقوله: (فَاطِرِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرّتق.1
أقول: وتحقيقه أنّ العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميّزة، وأعيان متبائنة، بل كأنّه أمر واحد متّصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميّز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرَّتق مجازاً عن العدم، والفتق عن الوجود.
وخامسها: أنّ اللّيل سابق على النّهار بقوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)2 فكانت السّماوات والأرض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النّهار المبصرة. انتهى.
وأقول: سيأتي في الأخبار ما يؤيّد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكلينيّ في الرّوضة عن عدّة من أصحابه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثماليّ 3 قال: سأل نافع أبا جعفر (عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلَّ: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أهبط آدم إلى الأرض وكانت السّماوات رتقاً لا تمطر شيئاً وكانت الأرض رتقاً لا

1 . تفسير الرازي: 22 / 162 ـ 163، بتلخيص.
2 . يس: 37 .
3 . في المصدر: «عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، وأبو منصور عن أبي الربيع»... والحسن بن محبوب السراد، ويقال: الزراد مولى بجيلة كوفي، ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، وروى عن ستين رجلاً من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)مات (رحمه الله) سنة (224 هـ) وكان من ابناء خمس وسبعين سنة. (خلاصة الأقوال: 97، في الحاء، الباب 1 (الحسن)).
وأبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار ثقة من خيار أصحابنا ومعتمديهم، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبدالله وأبا الحسن(عليهم السلام)وروى عنهم ومات (رحمه الله) سنة (150 هـ) (رجال النجاشي: 115). وكان ابن محبوب عندئذ صبياً يرضع، وعلى هذا فروايته عنه إمّا بالوجادة أو بالواسطة.

صفحه 100
تنبت شيئاً، فلمّا تاب الله عزّوجلّ على آدم (عليه السلام)أمر السّماء فتقطّرت بالغمام، ثمّ أمرها فأرخت عزالاها، 1 ثمّ أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثّمار، وتفهّقت بالأنهار، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها». فقال نافع: صدقت يا ابن رسول الله. إلى آخر الخبر .2 وهذا يدلّ على الثالث.
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)قال الطبرسي: أي وأحيينا بالماء الّذي ننزِّله من السماء كلَّ شيء حيّ، وقيل: وخلقنا من النّطفة كلَّ مخلوق. والأوّل أصحُّ. وروى العيّاشيّ بإسناده عن الحسين بن علوان 3 قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن طعم الماء فقال: «سل تفقّهاً ولا تسأل تعنّتاً، طعم الماء طعم الحياة، قال الله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)».4
وقيل: معناه وجعلنا من الماء حياة كلِّ ذي روح ونماء كلِّ نام، فيدخل فيه الحيوان والنّبات والأشجار; عن أبي مسلم.5
(أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ): أي أفلا يصدِّقون بالقرآن وبما يشاهدون من الدليل والبرهان. (الرَّحْمَنُ)قيل: خبر للّذي إن جعلته مبتدأ، ولمحذوف إن جعلته صفة للحيّ، أو بدل من المستكنّ في (اسْتَوَى)، وقرئ بالجرّ صفة للحيّ (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا): أي فاسأل عمّا ذكر من الخلق والاستواء عالماً يخبرك بحقيقته وهو الله

1 . في المصدر «عزاليها»: والعزالي جمع «العزلاء» بفتح العين المهملة وسكون الزاي وهو مصبّ الماء من القربة ونحوها، وأرخت عزاليها أي أمطرت بشدّة. راجع النهاية لابن الأثير: 3 / 231، مادة «عزل» .
2 . الكافي: 8 / 121 ح 93 .
3 . كذا في المصدر، وفي بعض النسخ: الحسن بن علوان. قال النجاشي في رجاله: 52 برقم 116: الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم كوفي عامي، وأخوه الحسن يكنّى أبا محمد ثقة، رويا عن أبي عبدالله (عليه السلام)، والحسن أخصّ بنا وأولى .
4 . تفسير العياشي: 3 / 131 ح 6، المستدرك (سورة الأنبياء) .
5 . مجمع البيان: 7 / 82 .

صفحه 101
تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدّمة ليصدّقك فيه. وقيل: الضمير للرّحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله فاسأل عنه مَن يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم. وعلى هذا يجوز أن يكون الرّحمن مبتدأ والخبر ما بعده، والسؤال كما يعدّى بعن لتضمّنه معنى التفتيش يعدّى بالباء لتضمّنه معنى الاعتناء. وقيل: إنّه صلة (خَبِيرًا).
(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)قال البيضاوي: أي مقدار يومين أو نوبتين، وخلق في كلّ نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، ولعلّ المراد بالأرض ما في جهة السّفل من الأجرام البسيطة، ومن خلقها (فِي يَوْمَيْنِ)أنّه خلق لها أصلاً مشتركاً ثمّ خلق لها صوراً صارت بها أنواعاً، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا)ولا يصحُّ أن يكون له ندّ (ذَلكِ)الّذي خلق الأرض في يومين (رَبُّ الْعَالَمِينَ) خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربّيها (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ)استئناف غير معطوف على (خَلَقَ)للفصل بما هوخارج عن الصّلة (مِنْ فَوْقِهَا)مرتفعة عليها ليظهر للنظّار ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطّلاب.1
(وَبَارَكَ فِيهَا)قال البيضاوي: أي وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا): أي أقوات أهلها بأن عيّن، لكلّ نوع ما يصلحه ويعيش به، أو أقواتاً تنشأ منها بأن خصّ حدوث كلِّ قوت بقطر من أقطارها. وقرئ «وقسّم فيها أقواتها». (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام): أي في تتمّة أربعة أيّام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشر 2 وإلى الكوفة في خمس عشرة.3 ولعلّه

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 107 .
2 . في المصدر: في عشرة.
3 . في المصدر: في خمسة عشر.

صفحه 102
قال ذلك ولم يقل في يومين للإشعار باتّصالهما لليومين1 الأوّلين، والتّصريح على الفذلكة.2
أقول: وقد يحمل على أنّ المراد أربعة أوقات، وهي الّتي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض وما في البرّ والبحر من الخلق، من الثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش الحيوان كلّه، وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء. ولا يخفى بعده عن السياق.
(سَوَاءً): أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيّام، ويدلّ عليه قراءة يعقوب بالجرّ، وقيل: حال من الضّمير في (أَقْوَاتَهَا) أو في (فِيهَا) وقرئ بالرّفع على: هي سَوَاء. (لِلسَّائِلِينَ) متعلّق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسّائلين عن مدّة خلق الأرض وما فيها، أو بـ (قدّر): أي قدّر فيها الأقوات للطّالبين.
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)قصد نحوها، من قولهم: «استوى إلى مكان كذا» إذا توجّه إليه توجّهاً لا يلوي على غيره. (وَهِيَ دُخَانٌ) قال البيضاوي: أي أمر ظلمانيّ، ولعلّه أراد به مادّتها والأجزاء المتصغّرة الّتي ركّبت منها.3
وقال الطبرسي: قال ابن عبّاس: كانت بخار الأرض، وقيل: معناه ثمّ استوى أمره إلى السماء.4

1 . في المصدر: باليومين.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 107 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 108 .
4 . مجمع البيان: 9 / 10. أقول: قال العلاّمة السبحاني في منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 24 / 350 ـ 351: لكي يتيسّر لنا معرفة المراد بالدخان هنا نقول: إذا ضممنا قوله سبحانه في آيتنا: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: 30: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) يمكن أن يقال إنّهما تشيران إلى الحقائق الكونية الكبرى الآتية:
1. ابتداء خلق الكون من جرم أوّلي واحد (مرحلة الرتق). ومعنى الرتق لغة: الضم والالتحام.
2. فتق هذا الجرم الأوّلي (مرحلة الفتق). والفتق ضد الرتق، ومعناه: الفصل والشق والانشطار. وتُسمّى عملية فتق هذا الجرم الأوّلي في العلم الحديث بعملية الانفجار الكوني العظيم...
3. تحول المادّة في الجرم الأوّلي عند فتقه إلى دخان (مرحلة الدخان). ويقرّر علماء الفيزياء أنّ الدخان الكوني كان خليطاً من الغازات الحارة المعتمة الّتي تتخلّلها بعض الجسيمات الأوّلية للمادة وأضداد المادة.... ثم إنّه سبحانه خلق كلاًّ من السماوات والأرض من الدخان الكوني، كما يقول: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ)وخاطبهما بقوله: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)ومن المعلوم أنّ المراد ليس هو الخطاب اللفظي بل الخطاب التكويني وهو الإرادة الإلهية المتعلّقة بإيجاد الشيء...

صفحه 103
(فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا)قال البيضاوي : أي بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوّعة، أو ائتيا في الوجود على أنّ الخلق السابق بمعنى التقدير أو التّرتيب للرّتبة أو الإخبار أو إتيان السّماء بحدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوّة، أو ليأت كلٌّ منكما الأُخرى في حدوث ما أُريد توليده منكما، ويؤيّده قراءة: آتِيَا، من المؤاتاة، أي لتوافق كلُّ واحدة منكما أُختها فيما أردت منكما (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)شئتما ذلك أو أبيتما، أو المراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ): أي منقادين بالذّات. والأظهر أنّ المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثّرهما بالذّات عنها وتمثيلها 1 بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله: (كُنْ فَيَكُونُ)2 وما قيل: إنّه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنّما يتصوَّر على الوجه الأوّل والأخير، وإنّما قال: (طَائِعِينَ) على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى: (سَاجِدِينَ).3
وقال الطبرسي (قدس سره): قال ابن عبّاس: أتت السّماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت الأرض بما فيها من الأنهار والأشجار والثمار وليس هناك أمر

1 . في المصدر: وتمثيلهما.
2 . يس: 82 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 109 .

صفحه 104
بالقول حقيقة ولا جواب لذلك القول، بل أخبر سبحانه عن اختراعه السماوات والأرض وإنشائه لهما من غير تعذّر ولا كلفة ولا مشقَّة بمنزلة ما يقال: افعل، فيفعل من غير تلبّث ولا توقّف ولا تأنّ، فعبّر عن ذلك بالأمر والطاعة، وهو كقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)1 وإنّما قال: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ولم يقل طائعتين; لأنّ المعنى: أتينا بمن فينا من العقلاء، فغلّب حكم العقلاء. وقيل: إنّه لمّا خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل، كما قال: (وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ)(2).(3)
(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات)قال البيضاوي : أي فخلقهنّ خلقاً إبداعيّاً وأتقن أمرهنّ، والضمير للسماء على المعنى 2 أو مبهم. و (سَبْعَ سَمَاوَات)حال على الأوّل، وتمييز على الثاني. (فِي يَوْمَيْنِ)قيل: خلق السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)شأنها وما يتأتّى منها بأن حملها عليه اختياراً أو طبعاً، وقيل: أوحى إلى أهلها بأوامره. (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ)فإنّ الكواكب كلّها تُرى كأنّها تتلألأ عليها. (وَحِفْظًا): أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظاً. وقيل: مفعول له على المعنى، كأنّه قال: خصَّصنا السماء الدنيا بمصابيح زينةً وحفظاً. (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)البالغ في القدرة والعلم.3
(وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب) قال الطبرسي: أي تعب ونصَب، أكذب الله تعالى بهذا اليهود، فإنّهم قالوا: استراح الله يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئاً.4

1 . يس: 82 .      2 . يس: 40 .   3 . مجمع البيان: 9 / 10 .
2 . أي كان المناسب صيغة التثنية ولمّا كان في كلّ منهما كثرة اعتبر جانب المعنى، وإنّما جمع على صيغة جمع العقلاء باعتبار جعلهما مخاطبتين. (منه رحمه الله).
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 109 .
4 . مجمع البيان: 9 / 249 .

صفحه 105
وقال الرازي في تفسيره: قال بعض المفسّرين: المراد من الآية الردّ على اليهود حيث قالوا: بدأ الله خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه في ستّة أيّام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستوى على عرشه. فقال تعالى: (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب) رادّاً عليهم، والظاهر أنّ المراد الردّ على المشرك، أي: ما تعبنا بالخلق الأوّل حتّى لا نقدر على الإعادة ثانياً، وأمّا ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إمّا تحريف منهم، أو لم يعلموا تأويله; وذلك لأنّ الأحد والإثنين أزمنة متميِّزة بعضها عن بعض، فلو كان خلق السّماوات ابتدأ يوم الأحد لكان الزمان متحقّقاً قبل الأجسام، والزمان لا ينفكّ عن الأجسام، فيكون قبل الأجسام أجسام أُخر، فيلزم القول بقدم العالم، وهو مذهب الفلاسفة. انتهى 1.
وأقول: تعيين تلك الأيّام موجودة في الأخبار المعتبرة كما ستعرف، وما توهّم من لزوم قدم العالم خطأ، كما عرفت سابقاً أنّه يمكن تصحيحه بوجوه متعدّدة شيء منها لا يستلزم ذلك، وأمّا تعيين الأيّام فيمكن أن تقدَّر الأزمنة بحيث تكون بعد خلق الشمس وحركة الأفلاك وتعيين الأيّام تلك الأزمان الماضية موافقة لهذه الأيّام الستّة، بحيث إذا كانت الشمس متحرِّكة فيها كانت تلك الأيّام بعينها. فتأمّل.
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا) قال البيضاوي : أي أصعب خلقاً أم السّماء؟ ثمَّ بيّن كيف خلقها وقال: (بَنَاهَا)ثمّ بيّن البناء فقال: (رَفَعَ سَمْكَهَا): أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض، أو ثخنها الذّاهب في العلوّ رفيعاً (فَسَوَّاهَا): أي فعدّلها، أو جعلها مستوية، أو فتمّمها بما به يتمّ كمالها من الكواكب والتّداوير وغيرها، من قولهم: «سوَّى فلان أمره» إذا أصلحه (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا): أي أظلمه، منقول من «غطش اللّيل» إذا أظلم. وأضاف إليها لأنّه يحدث بحركتها (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): أي وأبرز

1 . تفسير الرازي: 28 / 184 .

صفحه 106
ضوء شمسها كقوله تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)1 يريد النّهار (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) بسطها ومهّدها للسّكنى، (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا)بتفجير العيون (وَمَرْعَاهَا): أي ورعيها، وهو في الأصل لمواضع الرّعي. وتجريد الجملة عن العاطف لأنّها حال بإضمار قد، أو بيان للدّحو (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا): أي أثبتها (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) تمتيعاً لكم ولمواشيكم.2
(الذِي خَلَقَ فَسَوَّى): أي خلق كلَّ شيء فسوّى خلقه بأن جعل له ما به يتأتّى كماله ويتمّ معاشه (وَالذِي قَدَّرَ): أي قدّر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها (فَهَدَى) فوجّهه إلى أفعاله طبعاً أو اختياراً بخلق الميول والإلهامات، ونصب الدّلائل وإنزال الآيات.3

تحقيق في دفع شبهة

اعلم أنّ بعض الملاحدة أوردوا تناقضاً بين آيات سورتي البقرة والسّجدة وبين آيات سورة النّازعات، حيث زعموا أنّ الأوّلة تدلّ على تقدّم خلق الأرض على السّماء والأخيرة على العكس. وأُجيب عنه بوجوه:
أحدها: أنّ خلق الأرض قبل السّماء إلاّ أنّ دحوها متأخّر عن خلق السّماء. واستشكل بوجهين: الأوّل: أنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التّدحية، فإذا كانت التّدحية متأخّرة عن خلق السّماء كان خلقها لا محالة أيضاً متأخّراً عن خلق السّماء. والثاني: أنّ الآية الأُولى تدلّ على أنّ خلق الأرض وخلق كلّ ما فيها مقدَّم على خلق السّماء، وخلق الأشياء في الأرض لا يكون إلاّ بعدما كانت مدحوّة.

1 . الشمس: 1 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 449.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 479 .

صفحه 107
وأُجيب عن الأوّل: بأنّا لا نسلّم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها، والمناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوّة مناقشة لفظيّة.
وعن الثاني: بأنّ قوله تعالى (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)يقتضي تقدُّم خلق السّماء على دحو الأرض، ولا يقتضي تقدُّم تسوية السّماء على دحو الأرض، فجاز أن تكون تسوية السّماء متأخّرة عن دحو الأرض فيكون خلق الأرض قبل السّماء وخلق السّماء قبل دحو الأرض، ودحو الأرض قبل تسوية السّماء، فارتفع التّنافي.
ويرد عليه: أنّ الآية الثالثة تقتضي تقدُّم تسوية السّماء على دحو الأرض، والثّانية تقتضي تقدّم خلق الأرض بما فيها على تسويتها سبع سماوات، وخلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد.
ويمكن أن يجاب: بأنّ المراد بالخلق في الأُولى التّقدير وهو شائع في العرف واللّغة، أو بأنّ المراد بخلق ما في الأرض خلق موادّها، كما أنّ خلق الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون تسوية السّماء متقدِّمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثّالثة، أو بأن يفرّق بين تسويتها المذكورة في الثّالثة وبين تسويتها سبع سماوات كما في الأُولى، وحينئذ فتسويتها مطلقاً متقدّمة على دحو الأرض، وتسويتها سبعاً متأخّرة عنه، ولعلّ هذا أوفق في الجمع، أو بأن يقال: الفاء في قوله تعالى (فَسَوَّاهَا) بمعنى ثمّ، والمشار إليه بذلك في قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) هو بناء السّماء وخلقها لا مجموع ما ذكر قبله، أو بأن يقال كلمة (ثُمَّ)في الأُولى للترتيب الذّكريّ، وتقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص، فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظّاهر، وتسوية السّماء متقدّمة عليه وعلى دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثّالثة. لكن هذا لا يخلو من نوع منافرة لظاهر الآية الثّانية.

صفحه 108
وقال البيضاوي : كلمة (ثُمَّ)في آيتي البقرة والسجدة لتفاوت ما بين الخلقين، وفضل خلق السّماء على خلق الأرض كقوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا )1لا للتراخي في المدّة فإنّه يخالف ظاهر قوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)فإنّه يدلّ على تأخّر دحو الأرض المتقدّم على خلق ما فيها عن خلق السّماء وتسويتها، إلاّ أن يستأنف بدحيها مقدِّراً لنصب الأرض فعلاً آخر دلّ عليه (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا)مثل: تعرف الأرض وتدبّر أمرها بعد ذلك. لكنّه خلاف الظاهر.(2) انتهى.
والوجه الثاني: ممّا قد أُجيب به عن أصل الإشكال: أن يقال: كلمة (بَعْدَ)في الآية الثالثة ليست للتّأخّر الزمانيّ، إنّما هو على جهة تعداد النعم والإذكار لها، كما يقول القائل: أليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا وبعد ذلك خلطتك؟ وربما يكون بعض ما تقدّم في اللّفظ متأخّراً بحسب الزمان لأنّه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات والأزمنة ; بل المراد ذكر النعم والتّنبيه عليها، وربّما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه.
و [ الوجه ] الثالث: ما ذكره الرازي، وهو أن لا يكون معنى (دَحَاهَا)مجرّد البسط، بل يكون المراد أنّه بسطها بسطاً مهيّئاً لنبات الأقوات، وهذا هو الّذي بيّنه بقوله: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا)وذلك لأنّ الاستعداد لا يحصل للأرض إلاّ بعد وجود السماء، فإنّ الأرض كالأُمّ والسّماء كالأب، وما لم يحصلا لم يتولّد أولاد المعادن والنّبات والحيوان.
و [ الوجه ] الرابع ـ ما ذكره أيضاً وهو ـ : أن يكون قوله: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ): أي مع ذلك، كقوله: (عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم)2: أي مع ذلك، وكقولك للرجل: أنت

1 . البلد: 17 .   2 . تفسير البيضاوي: 1 / 273 .
2 . القلم: 13 .

صفحه 109
كذا وكذا، ثمّ أنت بعدها كذا. لا تريد الترتيب، وقال تعالى: (فَكُّ رَقَبَة) إلى قوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا...)1، والمعنى: وكان، وهذا تقرير ما نقل عن ابن عبّاس وغيره قالوا في قوله: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا): أي مع ذلك دحيها.2
أقول: وهذا قريب من الثاني، ثمّ المشهور أنّ خلق الأرض قبل خلق السماء وهو الأظهر، وقيل بالعكس، نقل الواحديّ في البسيط عن مقاتل أنّه قال: خلق الله السماء قبل الأرض، وتأويل قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ): ثمّ كان قد استوى وهي دخان قبل أن يخلق الأرض. فأُضمر فيه (كان)، كما قال تعالى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)3 معناه: إن يكن سرق.
وقال الرازي: المختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدَّم على خلق الأرض، بقي أن يقال: كيف تأويل هذه الآية يعني آية السجدة؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)4 فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار معنى الآية: أوجده من تراب ثمّ قال له كن فيكون، وهذا محال لأنّه يلزم أنّه تعالى قد قال لشيء وجد: كن. وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)معناه أنّه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله بأنّه سيحدث كذا في مدّة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال، فقضاء الله بحدوث الأرض في يومين مقدَّم على إحداث السماء ولا يلزم منه تقدّم إحداث الأرض على إحداث السماء.5 انتهى.

1 . البلد: 13 ـ 17 .
2 . تفسير الرازي: 31 / 48، بتلخيص.
3 . يوسف: 77 .
4 . آل عمران: 59 .
5 . تفسير الرازي: 27 / 107، بتلخيص.

صفحه 110
باب العوالم ومن كان في الأرض قبل خلق آدم (عليه السلام)   

[ الباب الثاني ]

باب العوالم

ومن كان في الأرض قبل خلق آدم (عليه السلام) ومن يكون فيها بعد انقضاء القيامة 1

الآيات:

الفاتحة (1): (رَبِّ الْعَالَمِينَ). 1 .
الأعراف (7): (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). 159 .
وقال تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ). 181 .

التفسير:

جمع (الْعَالَمِينَ) يومئ إلى تعدّد العوالم كما سيأتي، وإن أوّل بأنّ الجمعيّة باعتبار ما تحته من الأجناس المختلفة.
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي جماعة (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ): أي يدعون إلى الحقّ ويرشدون إليه (وَبِهِ يَعْدِلُونَ): أي وبالحقّ يحكمون ويعدلون في حكمهم. واختلف في هذه الأُمّة مَن هم؟ على أقوال أصحّها:
أنّهم الّذين آمنوا بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مثل «عبدالله بن سلاّم» و «ابن صوريا» وغيرهما، وفي حديث أبي حمزة الثماليّ والحكم بن ظهير: أنّ موسى لمّا أخذ الألواح قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة هي خير أُمّة أُخرجت للناس يأمرون

1 . بحار الأنوار : 54 / 316 ـ 319، الباب 2 .

صفحه 111
بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أُمّتي. قال: تلك أُمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنّة فاجعلهم أُمّتي. قال: تلك أُمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أنّه كتبهم في صدورهم يقرؤونها فاجعلهم أُمّتي، قال: تلك أُمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أُمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ثمّ لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، وإن همّ بسيّئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيّئة واحدة، فاجعلهم أُمّتي. قال: تلك أُمّة أحمد. قال [ ربّ ] إنّي أجد في الألواح أُمّة يؤمنون بالكتاب الأوّل والكتاب الآخر، ويقاتلون الأعور الكذّاب فاجعلهم أُمّتي. قال: تلك أُمّة أحمد. قال: ربِّ إنيّ أجد في الألواح أُمّة هم الشافعون وهم المشفوع لهم، فاجعلهم أُمّتي، قال: تلك أُمّة أحمد. قال موسى (عليه السلام)ربّ أجعلني من أُمّة أحمد.
قال أبو حمزة: فأعطى موسى آيتين لم يعطوها ـ يعني: أُمّة أحمد ـ قال الله: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي )1 قال: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) قال: فرضي موسى كلّ الرضا.
وفي حديث غير أبي حمزة: قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا قرأ: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) قال: هذه لكم وقد أُعطي قوم موسى مثلها. انتهى 2.
وأمّا الآية الثانية فالمشهور أنّها لهذه الأُمّة، ودلّت الأخبار الكثيرة على أنّ المراد بهم الأئمّة وشيعتهم كما مرّ في كتاب الإمامة. وقال الطبرسي (رحمه الله): قال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية فقال: إنّ من أُمّتي قوماً على الحقّ حتّى ينزل عيسى بن مريم.

1 . الأعراف: 144.
2 . مجمع البيان: 4 / 377 ـ 378 .

صفحه 112
وروى العيّاشيّ بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «والّذي نفسي بيده لتفترقنّ هذه الأُمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) فهذه الّتي تنجو»1. وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)أنّهما قالا: «نحن هم» 2 انتهى .3
القلم، واللوح المحفوظ، والكتاب المبين والإمام المبين، وأُمّ الكتاب   

[الباب الثالث ]

القلم، واللوح المحفوظ، والكتاب المبين

والإمام المبين، وأُمّ الكتاب4

الآيات:

هود (11): (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين). 6 .
طه (20): (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَاب لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى). 52.
الحج (22): (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). 70.
النمل (27): (وَمَا مِنْ غَائِبَة فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين). 75.
سبأ (34): (لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ

1 . تفسير العياشي: 2 / 43 ح 122.
2 . مناقب ابن شهرآشوب: 2 / 270 .
3 . مجمع البيان: 4 / 400 .
4 . بحار الأنوار : 54 / 357 ـ 366، الباب 4 .

صفحه 113
مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين). 3.
فاطر (35): (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ). 11.
يس (36): (وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين). 12.
الزخرف (43): (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ). 4.
ق (50): (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ). 4.
الطور (52): (وَكِتَاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور). 2 ـ 3 .
الحديد (57): (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ). 22 ـ 23.
القلم (68): (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ). 1.
النبأ (78): (وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً). 29.
البروج (85): (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ). 21 ـ 22.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (كُلٌّ فِي كِتَاب مُبِين) هذا إخبار منه سبحانه أنّ جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ، وإنّما أُثبت ذلك مع أنّه عالم لذاته لا يعزب عن علمه شيء من مخلوقاته لما فيه من اللطف للملائكة أو لمن يخبر بذلك .1
وقال (رحمه الله) في قوله سبحانه: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي): أي أعمالهم محفوظة عند الله

1 . مجمع البيان: 5 / 245 .

صفحه 114
يجازيهم بها، والتقدير: علم أعمالهم عند ربّي (فِي كِتَاب)يعني اللوح المحفوظ، والمعنى: أنّ أعمالهم مكتوبة مثبتة عليهم، وقيل: المراد بالكتاب ما تكتبه الملائكة. (لاَ يَضِلُّ رَبِّي): أي لا يذهب عليه شيء، وقيل: أي لا يخطئ ربّي (وَلاَ يَنْسَى)من النسيان، أو بمعنى الترك.1
وقال الرازي في قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب): في الكتاب قولان: أحدهما ـ وهو قول أبي مسلم ـ أنّ معنى الكتاب الحفظ والضبط والشدّ، يقال: كتبت المزادة 2 إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها، ومعنى الكتاب بين الناس: حفظ ما يتعاملون به، فالمراد من قوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب) أنّه محفوظ عنده.
والثاني: وهو قول الجمهور أنَّ كلّ ما يحدثه الله في السماوات والأرض كتبه في اللوح المحفوظ. وهذا أولى; لأنّ القول الأوّل وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق، ولكنّ الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أنّ الكتاب هو ما تكتب فيه الأُمور، فكان حمله عليه أولى.3
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله سبحانه: (وَمَا مِنْ غَائِبَة): أي خصلة غائبة (فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)يعني جميع ما أخفاه عن خلقه وغيّبه عنهم (إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين): أي إلاّ وهو مبين في اللوح المحفوظ .4
(لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ): أي لا يفوته (إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين) يعني اللوح المحفوظ.5

1 . مجمع البيان: 7 / 27 .
2 . المزادة: الظرف الّذي يحمل فيه الماء، كالراوية والقربة والسطيحة. والجمع: المزاود. النهاية لابن الأثير: 4 / 324، مادة «مزد».
3 . تفسير الرازي: 23 / 66 .
4 . مجمع البيان: 7 / 401.
5 . مجمع البيان: 8 / 192 .

صفحه 115
وفي قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر): أي لا يمدّ في عمر معمّر (وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ): أي من عمر ذلك المعمّر بانقضاء الأوقات عليه. وقيل: معناه: ولا ينقص من عمر غير ذلك المعمرّ. وقيل: هو ما يعلمه الله أنّ فلاناً لو أطاع لبقي إلى وقت كذا، وإذا عصى نقص عمره فلا يبقى (إِلاَّ فِي كِتَاب): أي إلاّ وذلك مثبت في اللوح المحفوظ 1 .
وقال: (وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ): أي أحصينا وعددنا كلّ شيء من الحوادث في كتاب ظاهر وهو اللوح المحفوظ. وقيل: أراد به صحائف الأعمال.2
أقول: وقد ورد في كثير من الأخبار أنّ المراد بالإمام المبين أمير المؤمنين (عليه السلام) .3
(وَإِنَّهُ): أي القرآن (فِي أُمِّ الْكِتَابِ)في اللوح المحفوظ فإنّه أصل الكتب السماويّة (لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ)رفيع الشأن (حَكِيمٌ) ذو حكمة بالغة، كذا قيل، وفي كثير من الأخبار أنّ الضمير راجع إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، والمراد بأُمّ الكتاب السورة الفاتحة، فإنّه (عليه السلام)مكتوب فيها في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)4 قالوا: الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين (عليه السلام)ومعرفته وطريقته.5
(وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) قال الطبرسي (رحمه الله): أي حافظ لعدّتهم وأسمائهم وهو اللوح المحفوظ. وقيل: أي محفوظ عن البلى والدروس، وهو كتاب الحفظة.6
(وَكِتَاب مَسْطُور): أي مكتوب (فِي رَقّ مَنْشُور) وهو الكتاب الّذي كتبه

1 . مجمع البيان: 8 / 237 .
2 . مجمع البيان: 8 / 263.
3 . راجع: أمالي الصدوق: 235 ح 6، المجلس 32.
4 . الفاتحة: 6 .
5 . لاحظ : تفسير العياشي: 1 / 24 ح 25 ; تفسير القمي: 1 / 28 .
6 . مجمع البيان: 9 / 235.

صفحه 116
الله لملائكته في السماء يقرأون فيه ما كان وما يكون. وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح وهو الرقّ المنشور. وقيل: هو صحائف الأعمال. وقيل: هو التوراة وقيل: إنّه القرآن يكتبه المؤمنون في رقّ وينشرونه لقراءته، والرقّ ما يكتب فيه .1
وفي قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ)مثل قحط المطر وقلّة النبات ونقص الثمرات (وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ)من الأمراض والثكل بالأولاد (إِلاَّ فِي كِتَاب): أي إلاّ وهو مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الأنفس (لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ): أي فعلنا ذلك لكيلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا (وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ): أي بما أعطاكم الله منها، والّذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذين أنّ الإنسان إذا علم أنّ ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أنّ ما ناله منها كلّف الشكر عليه والحقوق الواجبة فيه فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضاً إذا علم أنّ شيئاً منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتمّ له، بل يجب أن يهتمّ لأمر الآخرة الّتي تدوم ولا تبيد.2
وقال البيضاوي : (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا): أي نخلقها، والضمير للمصيبة، أو للأرض، أو للأنفس، وقال في قوله: (لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا)فإنّ من علم أنّ الكلّ مقدّر هان عليه الأمر، وفيه إشعار بأنّ فواتها يلحقها إذا خلّيت وطباعها، وأمّا حصولها وبقاؤها فلا بدّ لهما من سبب يوجدها ويبقيها، والمراد منه نفي الأسى المانع من التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، ولذلك عقّبه بقوله: (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)3. 4 انتهى.

1 . مجمع البيان: 9 / 272 .
2 . مجمع البيان: 9 / 399 ـ 400 .
3 . الحديد: 23 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 303.

صفحه 117
وقال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في معنى [(ن)] فقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقيل: هو حرف من حروف الرحمن. وقد قيل: إنّ البيان بيانان: بيان اللسان، وبيان البنان; وبيان اللسان تدرسه الأعوام، وبيان الأقلام باق على مرّ الأيّام. (وَمَا يَسْطُرُونَ) وما تكتبه الملائكة ممّا يوحى إليهم، وما يكتبونه من أعمال بني آدم. وقيل: ما مصدريّة.1 انتهى.
وقال الرازي: والقلم فيه وجهان: أحدهما: أنّ المقسم به هو هذا الجنس وهو واقع على كلّ قلم في السماء وفي الأرض، كما قال: (وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) 2. الثاني: أنّ المقسم به هو القلم المعهود.3
(وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً) قال البيضاوي : (كِتَاباً) مصدر لأحصيناه فإنّ الاحصاء والكتبة مشاركان في معنى الضبط، أو لفعله المقدّر، أو حال بمعنى مكتوباً في اللوح أو صحف الحفظة.4
(فِي لَوْح مَحْفُوظ) قال الرازي: أي محفوظ عن أن يمسّه إلاّ المطهّرون، أو عن اطّلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقرّبين، أو عن أن يجري فيه تغيير وتبديل .5
وأقول: ما ورد في الكتاب والسنّة من أمثال ذلك لا يجوز تأويله والتصرّف فيه بمحض استبعاد الوهم بلا برهان وحجّة ونصّ معارض يدعو إلى ذلك، وما يظهر من الأخبار أنّ لله عزّوجلّ لوحين: اللوح المحفوظ وهو لا يتغيّر، ولوح المحو والإثبات وفيه يكون البداء، كما مرّ تحقيقه في بابه، ويومئ إليه قوله

1 . مجمع البيان: 9 / 84 ـ 85 .
2 . العلق: 3 ـ 4 .
3 . تفسير الرازي: 30 / 78 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 442.
5 . تفسير الرازي: 31 / 126 .

صفحه 118
سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).1
وذكر الرازي في المحو والإثبات وجوهاً إلى أن قال: الثامن: أنّه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثمّ يزيلها بالدعاء والصدقة، ثمّ قال: وأمّا (أُمُّ الْكِتَابِ) فالمراد أصل الكتاب، والعرب تسمّي كلّ ما يجري مجرى الأصل أُمّاً ومنه: «أُمّ الرأس» للدماغ، و «أُمّ القرى» لمكّة، فكذلك (أُمُّ الْكِتَابِ) هو الّذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: الأوّل: أنّ أُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي والسفليّ مثبّت فيه، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «كان الله ولا شيء ثمّ خلق اللوح وأثبت فيه جميع أحوال الخلق إلى يوم القيامة». وعلى هذا التقدير عند الله كتابان: أحدهما: الكتاب الّذي تكتبه الملائكة على الخلق، وذلك الكتاب محلّ المحو والإثبات; والكتاب الثاني: اللوح المحفوظ وهو الكتاب المشتمل على تعيين نفس جميع الأحوال العلويّة والسفلّية، وهو الباقي.
والقول الثاني: إنّ أُمّ الكتاب هو علم الله فإنّه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات، والمعلومات وإن تغيّرت إلاّ أنّ علم الله تعالى بها باق منزّه عن التغيير، فالمراد بأُمّ الكتاب هو ذاك.2 انتهى.
   
وقال الطبرسي (رحمه الله): في تضاعيف الأقوال في ذلك: الرابع: أنّه عامّ في كلّ شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: هما كتابان: كتاب سوى أُمّ الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وأُمّ الكتاب لا يغيّر منه شيء، ورواه عمران بن حصين عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمّ قال: وأُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ الّذي لا يغيّر ولا يبدّل، لأنّ الكتب المنزلة انتسخت منه، فالمحو والإثبات إنّما يقع في الكتب المنتسخة لا في

1 . الرعد: 39 .
2 . تفسير الرازي: 19 / 65 ـ 66 .

صفحه 119
أصل الكتاب، عن أكثر المفسّرين. وقيل: سمّي أُمّ الكتاب لأنّه الأصل الّذي كتب فيه أوّلاً سيكون كذا وكذا لكلّ ما يكون، فإذا وقع كتب أنّه قد كان ما قيل إنّه سيكون، والوجه في ذلك ما فيه من المصلحة والاعتبار لمن تفكّر فيه من الملائكة الّذين يشاهدونه إذا قابلوا ما يكون بما هو مكتوب فيه وعلموا أنّ ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله وعلمه قبل أن يكون، مع أنّ ذلك أهول في الصدور، وأعظم في النفوس، حتّى كأنّ من تصوّره وتفكّر فيه مشاهد له .1انتهى.

[ الباب الرابع ]

العرش والكرسي وحملتهما2

الآيات:

البقرة (2): (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ). 255.
الأعراف (7): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 54.
يونس (10): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ). 3.
هود (11): (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ). 7 .
الرعد (13): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 2.
طه (20): (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). 5.

1 . مجمع البيان: 6 / 48 ـ 49 .
2 . بحار الأنوار : 55 / 1 ـ 5، الباب 5 .

صفحه 120
المؤمنون (23): (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). 86 .
الفرقان (25): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا). 59.
النمل (27): (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). 26.
السجدة (32): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 4.
المؤمن (غافر) (40): (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا). 7.
الحديد (57): (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 4.
الحاقة (69): (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ). 17.

التفسير:

(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ) قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف فيه على أقوال: أحدها: وسع علمه السماوات والأرض ; عن ابن عبّاس ومجاهد، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)، ويقال للعلماء «كراسيّ» كما يقال لهم: «أوتاد الأرض» لأنّ بهم قوام الدين والدنيا.
وثانيها: أنّ الكرسي هاهنا هو العرش; عن الحسن، وإنّما سمّي كرسيّاً لتركّب بعضه على بعض.
وثالثها: أنّ المراد بالكرسيّ هاهنا الملك والسلطان والقدرة كما يقال: «أجعل لهذا الحائط كرسيّاً» أي عماداً يعمد به حتّى لا يقع ولا يميل، فيكون معناه: أحاطت قدرته بالسماوات والأرض وما فيهما.
(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) منهم من فسّر العرش هنا بمعنى الملك، قال القفّال: العرش في كلامهم هو السّرير الذي يجلس عليه الملوك، ثمّ جعل العرش

صفحه 121
كناية عن نفس الملك يقال: «ثُلّ عرشه»: أي انتقص ملكه. وقالوا: استوى على عرشه واستقرّ على سرير ملكه. ومنهم من فسّر العرش بالجسم الأعظم. والاستواء بمعنى الاستيلاء كما مرّ.
(فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) قال الطبرسي (رحمه الله): قيل أي فاسأل عنه خبيراً، والباء بمعنى عن، والخبير هاهنا هو الله تعالى أو محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). وقيل: إنّ الباء على أصلها، والمعنى: فاسأل سؤالك أيّها الإنسان خبيراً يخبرك بالحقّ في صفته. وقيل: إنّ الباء فيه مثل الباء في قولك: «لقيت بفلان ليثاً» إذا وصفت شجاعته، والمعنى: إذا رأيته رأيت الشيء المشبّه بأنّه الخبير به .1
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ)قال الطبرسي (رحمه الله): عبادة لله وامتثالاً لأمره (وَمَنْ حَوْلَهُ)يعني الملائكة المطيفين بالعرش وهم الكروبيّون وسادة الملائكة. (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي ينزّهون ربّهم عمّا يصفه به هؤلاء المجادلون. وقيل: يسبّحونه بالتسبيح المعهود ويحمدونه على إنعامه (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ): أي ويصدّقونه ويعترفون بوحدانيّته (وَيَسْتَغْفِرُونَ): أي ويسألون الله المغفرة (لِلَّذِينَ آمَنُوا) من أهل الأرض أي صدّقوا بوحدانيّة الله واعترفوا بإلهيّته وبما يجب الاعتراف به.2
وقال في قوله تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ): يعني فوق الخلائق (يَوْمَئِذ)يعني يوم القيامة (ثَمَانِيَةٌ) من الملائكة; عن ابن زيد. وروي ذلك عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيّدهم بأربعة أُخرى فيكونون ثمانية ، وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى; عن ابن عبّاس 3 .

1 . مجمع البيان: 7 / 305، وفيه: والمعنى أنّك إذا رأيته رأيت الشيء المشبه به، والمعنى: فاسأله عنه فإنّه الخبير.
2 . مجمع البيان: 8 / 427 .
3 . مجمع البيان: 10 / 108 .

صفحه 122
وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: «سبحانك اللّهمّ وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك» وأربعة تقول: 1 «سبحانك اللّهمَّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك».2

[الباب الخامس ]

سدرة المنتهى ومعنى عليّين وسجّين 3

الآيات:

النجم (53): (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى). 13 ـ 16 .
المطففين (83): (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين ـ إلى قوله تعالى: ـ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) 7 ـ 21 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (وَلَقَدْ رَآهُ): أي جبرئيل في صورته الّتي خلق عليها نازلاً من السماء (نَزْلَةً أُخْرى) وذلك أنّه رآه مرّتين على صورته (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى).
(عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى): أي جنّة المقام وهي جنّة الخلد.
(إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) قيل: يغشاها الملائكة أمثال الغربان حتّى

1 . في المصدر: يقولون .
2 . تفسير الرازي: 30 / 109 .
3 . بحار الأنوار : 55 / 48 ـ 51، الباب 6 .

صفحه 123
يقعن على الشجرة; عن الحسن ومقاتل. وروي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: رأيت على كلّ ورقة من أوراقها ملكاً قائماً يسبّح الله تعالى.
والمعنى: أنّه رأى جبرئيل على صورته في الحال الّتي يغشى فيها السدرة من أمر الله، ومن العجائب المنبّهة على كمال قدرة الله تعالى ما يغشاها، وإنّما أبهم الأمر فيما يغشى لتعظيم ذلك وتفخيمه.1
(إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين)يعني: كتابهم الّذي فيه تثبت أعمالهم من الفجور والمعاصي; عن الحسن. وقيل: إنّ سجّين جبّ في جهنّم مفتوح والفلق جبّ في جهنّم مغطّى ; رواه أبو هريرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وقيل: إنّ السجّين اسم كتابهم وهو ظاهر التلاوة، أي ما كتبه الله على الكفّار بمعنى أوجبه عليهم من الجزاء في هذا الكتاب المسمّى سجّيناً، ويكون لفظه من السجن الّذي هو الشدّة; عن أبي مسلم.2
وقال: (لَفِي عِلِّيِّينَ): أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة. وقيل: في السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين. وقيل: في سدرة المنتهى الّتي إليها ينتهي كلّ شيء من أمر الله تعالى. وقيل: عليّون الجنّة; عن ابن عبّاس. وقال الفرّاء: في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له. وقيل: هو لوح من زبرجدة خضراء معلّق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها; عن ابن عبّاس في رواية أُخرى. وعن البرّاء بن عازب عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: في عليّين: في السماء السابعة تحت العرش.3

1 . مجمع البيان: 9 / 292 ـ 293 .
2 . مجمع البيان: 10 / 292 .
3 . مجمع البيان: 10 / 296 ـ 297 . أقول: للعلاّمة السبحاني في تفسيره منية الطالبين بحث مستفيض حول الآيات عند تفسيره سورة المطففين نأتي بملخّصه لفائدته وأهميته، قال دام ظله: إنّه سبحانه جعل الفجّار في مقابل الأبرار ووصف كلاًّ بما يقابل الآخر، فقال في حقّ الفجّار: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّين * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ) وقال في حق الأبرار: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ) فكلّ يقابل الآخر ذاتاً وصفة. إنّ الآيات الثلاث في جانبي الفجّار والأبرار يعلوها شيء من الإبهام... وحصيلة الكلام: أنّ الأشكال مركز على موردين:
1. كيف يكون كتاب الفجّار لفي سجّين مع أنّه محل الفجّار؟
2. كيف يكون «كتاب مرقوم» تفسيراً لسجين؟ وما ذكرنا من الموردين يأتي في جانب الأبرار... وهناك وجوه لرفع الإبهام..: الأوّل: عدم التصرّف لا في لفظ الكتاب ولا في لفظ سجّين، بل حمل الأوّل على الصحيفة وحمل الثاني على الموضع الخاص في جهنم، لكن الإخبار بأنّ كتاب الفجّار لفي سجّين كناية عن كون الفجّار في سجّين. وعندئذ يرتفع التنافي ويكفي في الظرفية أدنى مناسبة، فإذا كان صاحب الصحيفة في سجّين يناسب أن يقال: إنّ مكانها أيضاً في سجّين. وأمّا قوله: (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) فهو خبر عن ضمير محذوف يعود إلى: (كِتَابَ الْفُجَّارِ) وليس تفسيراً لسجّين، بل تركه سبحانه على حالة الإبهام تهويلاً لحال الواقعين فيه ولم يفسّره بشيء، فيكون المعنى: (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ) كتاب مبيَّن واضح الخطوط يشبه في الرسوم والأشكال الثوب المنسوج; وهكذا في جانب كتاب الأبرار .
ثم ذكر دام ظلّه وجهاً ثانياً وثالثاً ومع ذلك رجّح المعنى الأوّل. وللمزيد راجع منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 185 ـ 191 وص 199 ـ 201 .

صفحه 124

[ الباب السادس ]

البيت المعمور1

الآيات:

الطور (52): (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ). 4.

التفسير:

السماوات وكيفياتها وعددها، والنجوم وأعدادها وصفاتها والمجرّة   
قال الطبرسي: البيت المعمور هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة; عن ابن عبّاس ومجاهد.

1 . بحار الأنوار : 55 / 55 ـ 56، الباب 7 .

صفحه 125
وروي أيضاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «ويدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه أبداً».
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيت الّذي في السماء يقال له: «الضراح» وهو بفناء البيت الحرام لو سقط سقط عليه، يدخله كلّ يوم ألف ملك لا يعودون إليه أبداً. وقيل: البيت المعمور هو الكعبة البيت الحرام معمور بالحجّ والعمرة; عن الحسن، وهو أوّل مسجد وضع للعبادة في الأرض.1

[ الباب السابع ]

السماوات وكيفياتها وعددها، والنجوم

وأعدادها وصفاتها والمجرّة2

الآيات:

الأنعام (6): (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ). 97.
الأعراف (7): (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ3). 40 .

1 . مجمع البيان: 9 / 272 .
2 . بحار الأنوار : 55 / 61 ـ 88 ، الباب 8 .
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 34: وهذه استعارة، والمراد لا يصيرون إلى الجنّة ولا يتسهل لهم السبيل إليها ولا يستحقون بأعمالهم دخولها، ومثل ذلك قوله سبحانه: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر) [ القمر: 11 ] أي سهلنا خروجه من السماء إلى الأرض ورفعنا الحواجز بينه وبين الخلق .

صفحه 126
الرعد (13): (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). 2.
الحجر (15): (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ * وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجِيم * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ). 14 ـ 18 .
النحل (16): (خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). 3.
وقال: (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). 16 .
طه (20): (تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَواتِ الْعُلَى). 4.
الأنبياء (21): (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ). 32.
وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ). 104.
الحج (22): (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ). 65.
المؤمنون (23): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ). 17.
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ). 86 ـ 87 .
الفرقان (25): (تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا1). 61.

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 147: وقد قرئ سرجاً على   2
الجمع، وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة والباقون يقرأون سراجاً على التوحيد، فمن قرأ سرجاً أراد النجوم، ومن قرأ سراجاً أراد الشمس، ويقوّي ذلك قوله سبحانه في موضع آخر: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [ نوح: 16 ]. ويقوّي قراءة من قرأ سرجاً أنّ النجوم من شعائر الليل، والسرج بأحوال الليل أشبه منها بأحوال النهار، وإنّما شبّهت النجوم بالسرج لاهتداء الناس بها في الظلماء كما يهتدى بالمصابيح الموضوعة والنيران المرفوعة.

صفحه 127
العنكبوت (29): (خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ). 44.
الروم (30): (وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ). 25.
لقمان (31): (خَلَقَ السَّمَواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا). 10.
الصافات (37): (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد ـ إلى قوله: ـ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ). 5 ـ 10 .
المؤمن (غافر) (40): (للهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)64.
فصّلت (41): (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). 11 ـ 12 .
ق (50): (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج). 6.
الذاريات (51): (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ). 7.
وقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ). 22.
وقال: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). 48 .

صفحه 128
الطور (52): (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ). 5.
وقال تعالى: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا). 9.
النجم (53): (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى). 1.
وقال تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى). 49.
القمر (54): (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). 1.
الرحمن (55): (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ1 * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا). 5 ـ 7 .
وقال: (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ). 37.
الواقعة (56): (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ). 75 ـ 76 .
الملك (67): (الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ 2* وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 223: وهذه استعارة، والنجم هاهنا ما نجم من النبات، أي طلع وظهر، والمراد بسجود النبات والشجر ـ والله أعلم ـ ما يظهر عليها من آثار صنعة الصانع الحكيم والمقدّر العليم والتنقل من حال الاطّلاع إلى حال الإيناع، ومن حال الإيراق إلى حال الإثمار غير ممتنعة على المصرّف ولا آبية على المدبّر.
2 . قال الشريف الرضي في تلخيص البيان: 243: وهذه من الاستعارات المشهورة، والمراد بها ـ والله أعلم ـ أي كرّر أيّها الناظر بصرك إلى السماء مفكّراً في عجائبها، ومستنبطاً غوامض تركيبها، يرجع إليك بصرك بعيداً ممّا طلبه، ذليلاً بقوة ما قدره. والخاسئ في قول قوم: البعيد من قولهم: خسئت الكلب إذا أبعدته، وفي قول قوم: هو الذليل، يقال: رجل خاسئ أي ذليل، وقد خسّ أي خضع وذل. والحسير هو البعير المعيى الّذي قد بلغ السير بمجهوده واعتصر عوده. فتلخيص المعنى: أنّ البصر يرجع بعد سروحه في طلب مراده وابعاده في غايات مرامه كالاًّ معيياً بعيداً عن إدراك بغيته، خائباً من نيل طلبته.

صفحه 129
وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ). 3 ـ 5 .
الحاقّة (69): (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ). 16.
المعارج (70): (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ). 8 .
نوح (71): (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَات طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) 15 ـ 16 .
الجن (72): (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الاْنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) 8 ـ 9 .
المرسلات (77): (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ). 8 ـ 9 .
النبأ (78): (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً). 12 ـ 13 .
التكوير (81): (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ـ إلى قوله تعالى: ـ (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ1). 11 ـ 16 .
الانفطار (82): (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ). 1 ـ 2 .
الانشقاق (84): (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ). 1 ـ 2 .
البروج (85): (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ). 1.

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 267: وهاتان استعارتان، وهما جميعاً في صفة النجوم، فأمّا الخنس فالمراد بها الّتي تخنس نهاراً وتطلع ليلاً، والخنس جمع خانس وهو الّذي يقبع ويستسر ويخفى ويستتر، وأمّا الكنس فجمع كانس وهو أيضاً المتواري المستخفي مشبهاً بانضمام الوحشية إلى كناسها، وهو الموضع الّذي تأوى إليه من ظلال الشجر والتفاف خمر، وجمعه كنس، فشبّه تعالى انقباع النجوم في بروجها بتواري الوحوش في كنسها.

صفحه 130
الطارق (86): (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ1 * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ـ إلى قوله تعالى ـ: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ). 1 ـ 11.
الغاشية (88): (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). 18.
الشمس (91): (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا). 5.

التفسير:

(جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ): أي خلقها لمنافعكم (لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)قيل: أي في ظلمات اللّيل في البرّ والبحر، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق، سمّاها ظلمات على الاستعارة، وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد أن أجملها بقوله: (لَكُمُ)وأوّلت النجوم في الأخبار بالأئمة الأخيار(عليهم السلام)فإنّهم الهداة في ظلمات الفتن والشبهات ولا ينافي الظاهر. (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ)بيّناها فصلاً فصلاً (لِقَوْم يَعْلَمُونَ) فإنّهم المنتفعون به.
(لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ): أي لأدعيتهم وأعمالهم، أو لأرواحهم كما تفتّح لأعمال المؤمنين وأرواحهم، ويدلّ على أنّ للسماء أبواباً، وربّما يحمل على المجاز.
(بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)قال الرّازي: في قوله: (تَرَوْنَهَا)أقوال: الأوّل أنّه كلام مستأنف، والمعنى: (رَفَعَ السَّمَواتِ)بغير عمد، ثمّ قال: (تَرَوْنَهَا): أي وأنتم ترونها أنّها مرفوعة بلا عماد.

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 270: وهذه استعارة ; لأنّ الطارق هاهنا كناية عن النجم، وحقيقة الطارق هو الإنسان الّذي يطرق ليلاً فلمّا كان النجم لا يظهر إلاّ في حال الليل حسن أن يُسمّى طارقاً، وأصل الطرق الدق ومنه المطرقة، قالوا: وإنّما سُمّي الآتي بالليل طارقاً; لأنّه يأتي في وقت يحتاج فيه إلى الدق، أو ما يقوم مقامه للتنبيه على طروقه والإيذان بوروده.

صفحه 131
الثاني: قال الحسن: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: رفع السماوات ترونها بغير عمد.
الثالث: أنّ قوله: (تَرَوْنَهَا) صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية، أي للسماوات عمد ولكنّا لا نراها.
وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكلّ، وهو: أنّ العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أنّ هذه الأجسام إنّما بقيت واقفة في الجوّ العالي بقدرة الله، فحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى، فصحّ أن يقال: رفع السماوات بغير عمد ترونها، أي لها عمد في الحقيقة إلاّ أنّ تلك العمد هي إمساك الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إيّاها في الجو العالي وأنتم لا ترون ذلك التدبير ولا تعرفون كيفيّة ذلك الإمساك .1
وأقول: هذا الوجه الأخير الّذي يتبجّح به ونسبه إلى نفسه، أورده شيخنا الطبرسي (رحمه الله) في «مجمع البيان» راوياً عن ابن عبّاس ومجاهد .2
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)فيه أنواع من الدلالة على وجود الإله الحقّ وحكمته وقدرته، إذ أصل تلك الحركات السريعة واستمرارها وكونها على أقدار مخصوصة، وكون بعضها مشرقيّة وبعضها مغربيّة وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب ممّا يدلّ دلالة قطعيّة على وجود قادر قاهر كامل في العلم والحكمة واللطف والرحمة.
(كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى)قال الرازي: وتحقيقه أنّه تعالى قدّر لكلّ واحد من هذه الكواكب سيراً خاصّاً إلى جهة خاصّة بمقدار خاصّ من السّرعة والبطء، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كلّ لحظة ولمحة حال أُخرى ما

1 . تفسير الرازي: 8 / 232 ـ 233.
2 . لاحظ : مجمع البيان: 6 / 7 .

صفحه 132
كانت حاصلة قبل ذلك.1
(يُدَبِّرُ الأَمْرَ)قال البيضاوي : أي أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وغير ذلك (يُفَصِّلُ الاْيَاتِ)ينزّلها ويبيّنها مفصّلة، أو يحدث الدلائل بواحد بعد واحد (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) لكي تتفكّروا فيها وتتحقّقوا كمال قدرته فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء.2
قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا)ظاهره جواز الخرق على الأفلاك وإن أمكن أن يكون من قبيل التعليق على المحال.
(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا)أكثر المفسّرين حملوه على البروج الاثني عشر المعروفة، وقيل هي الكواكب .
قال الطبرسي (رحمه الله): أي منازل للشمس والقمر. (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) بالكواكب النيّرة ; عن أبي عبدالله (عليه السلام). وقيل: البروج النجوم; عن ابن عبّاس والحسن وقتادة. (وَحَفِظْنَاهَا): أي السماء (مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجِيم): أي مرجوم مرميّ بالشهاب، وقيل: ملعون مشؤوم، وحفظ السماء من الشيطان بالمنع حتّى لا يدخلها ولا يبلغ إلى موضع يتمكّن فيه من استراق السّمع بما أُعدّ له من الشهاب (إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ )المراد بالسمع المسموع، والمعنى: إلاّ من حاول أخذ مسموع من السماء في خفية (فَأَتْبَعَهُ): أي لحقه (شِهَابٌ مُبِينٌ): أي شعلة نار ظاهر لأهل الأرض بيّن لمن رآه ونحن في رأي العين نرى كأنّهم يرمون بالنجوم، والشهاب عمود من نور يضيء ضياء النار لشدّة ضيائه.3 وروي عن ابن عبّاس أنّه [ قال: ]كان في

1 . تفسير الرازي: 18 / 233 ـ 234 .
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 316.
3 . قال العلاّمة السبحاني: الشهاب المعروف عندنا عبارة عن شريط لامع من الضوء، يُرى لبرهة قصيرة في السماء، وتحدث الشهب عندما تدخل قطعة معدنية أو حجرية تُسمّى النيازك الغلاف الجوّي من الفضاء الخارجي، ويؤدّي الاحتكاك بالهواء إلى ارتفاع درجة حرارة النيزك بحيث يتوهّج وينتج ذيلاً من الغازات المتوهّجة الحارّة. وتُسمّى النيازك الّتي تصل الأرض قبل أن تحترق الرجوم. ويظهر أنّ القرآن يريد تقريب دفع الشياطين عن الأمكنة المقدّسة إلى الأذهان، فعبّر عن تلك القوة النارية الّتي تلاحق المختلس فتصيبه وتحرقه، بالشهاب، وإلاّ فإنّ الشهاب المعروف عندنا إنّما يحدث في نطاق الغلاف الجوي للأرض، بينما يلاحق الشهاب الثاقب ذلك الشيطان الّذي يتلصّص على العالَم العلوي الّذي تسكنه الملائكة، وأين منه هذا العالم السفلي؟! وللمزيد راجع منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 23 / 155 ، تفسير الآية 10 من سورة الصافات; وج 29 / 28 ـ 33 .

صفحه 133
الجاهليّة كهنة ومع كلّ واحد شيطان، فكان يقعد من السماء مقاعد للسمع، فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض فينزل ويخبر به الكاهن، فيفشيه الكاهن إلى الناس، فلمّا بعث الله عيسى (عليه السلام)منعوا من ثلاث سماوات، ولمّا بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)منعوا من السماوات كلّها وحرست السماء بالنجوم، والشهاب من معجزات نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّه لم ير قبل زمانه. وقيل: إنّ الشهاب يقتل الشياطين، وقيل: لا يقتلهم.1
(خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ): أي لأمر حقّ هو العبادة والمعرفة، أو على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدّرها وخصّصها بحكمته (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) منها أو ممّا يفتقر في وجوده أو بقائه إليها وممّا لا يقدر على خلقها .
(وَعَلاَمَات)عطف على قوله: (رَوَاسِيَ)في قوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): أي ألقى في الأرض وجعل فيها معالم تستدلّ بها السابلة من جبل ومنهل وريح ونحو ذلك. (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) بالليل في البراري والبحار، والمراد بالنجم الجنس، وقيل: الثريّا والفرقدان وبنات النعش والجدّي. قيل: ولعلّ الضمير لقريش لأنّهم كانوا كثيرو الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في

1 . مجمع البيان: 6 / 106 ـ 107 .

صفحه 134
مسائرهم بالنجوم، وفي كثير من الروايات أنّ العلامات الأئمة(عليهم السلام)والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).1 وضمير (هُمْ)راجع إلى العلامات باعتبار المعنى.
(وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا): أي عن الوقوع بقدرته، أو عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيّته، أو عن استراق السّمع بالشهب (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا): أي أحوالها الدّالّة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهي حكمته (مُعْرِضُونَ) غير متفكّرين.
(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ)قال الطبرسي (رحمه الله): المراد بالطيّ هنا هو الطيّ المعروف، فإنّ الله سبحانه يطوي السماء بقدرته. وقيل: إنّ طيّ السماء ذهابها ; عن الحسن (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) السجلّ: صحيفة فيها الكتب. انتهى.2
(أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ)قال البيضاوي : من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك (إِلاَّ بِإِذْنِهِ): أي إلاّ بمشيّته، وذلك يوم القيامة، وفيه ردّ لاستمساكها بذاتها فإنّها مساوية لسائر الأجسام في الجسميّة فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها.(3) انتهى.
(سَبْعَ طَرَائِقَ)قال الرازي: أي سبع سماوات، وإنّما قيل طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض، يقال طارق الرجل نعليه إذا طبّق نعلاً على نعل، وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوباً على ثوب، هذا قول الخليل والزجّاج. وقال الزجّاج: هو قوله: (سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا)وقال عليّ بن عيسى: سُمّيت بذلك لأنّها طرائق المّلائكة في العروج والهبوط والطيران، وقال آخرون: لأنّها طرائق الكواكب فيها مسيرها. والوجه في إنعامه علينا بذلك أنّه تعالى جعلها موضعاً

1 . روى الكليني في الكافي: 1 / 207 ح 2، كتاب الحجّة بإسناده عن أسباط بن سالم قال: سأل الهيثم أبا عبدالله (عليه السلام)وأنا عنده عن قول الله عزّوجلّ: (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) فقال: «رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)النجم، والعلامات هم الأئمة(عليهم السلام)».
2 . مجمع البيان: 7 / 119 .   3 . تفسير البيضاوي: 4 / 139.

صفحه 135
لأرزاقنا بإنزال الماء منها، وجعلها مقرّاً للملائكة، وأنّها موضع الثّواب، ولأنّها مكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي.
وأمّا قوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) ففيه وجوه: أحدها: ما كنّا غافلين، بل كنّا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم. وثانيها: إنّما خلقناها فوقهم لتنزل عليهم الأرزاق والبركات منها. وثالثها: أنّا خلقنا هذه الأشياء فدلّ خلقنا لها على كمال قدرتنا ثمّ بيّن كمال العلم بقوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم، وذلك يفيد نهاية الزجر. ورابعها: وما كنّا عن خلق السماوات غافلين، بل نحن لها حافظون، لئلاّ تخرج عن التقدير الّذي أردنا كونها عليه، كقوله تعالى: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت).1 انتهى.
(تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا)قال الرّازي: البروج هي القصور العالية، سمّيت بروج الكواكب به لأنّها لهذه الكواكب كالمنازل لسكّانها، واشتقاق البرج من التبرّج لظهوره، وفيه قول آخر عن ابن عبّاس: إنّ البروج هي الكواكب العظام، والأوّل أولى. والسراج: الشمس .2
(بِأَمْرِهِ): أي بمحض إرادته (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) قيل: أي مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة، وهي ثلاثمائة وستّون يشرق كلّ يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أنّ الشروق أدلّ على القدرة وأبلغ في النعمة (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا): أي القربى منكم (بِزِينَة الْكَوَاكِبِ): أي بزينة هي الكواكب بالإضافة البيانيّة أو البدليّة على القراءتين (وَحِفْظًا)منصوب بإضمار فعله، أو العطف على «زينة» باعتبار المعنى كأنّه قال: إنّا خلقنا الكواكب

1 . تفسير الرازي: 23 / 87 .
2 . تفسير الرازي: 24 / 106، بتصرّف .

صفحه 136
زينة للسماء وحفظاً من كلّ شيطان (مَارِد)خارج من الطاعة يرمى بالشهب.1
(قَرَارًا): أي مستقرّاً تستقرّون عليه (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً): أي وجعل السماء بناءً مرتفعاً فوقها، ولو جعلهما رتقاً لما أمكن الخلق الانتفاع بما بينهما.2
(كَيْفَ بَنَيْنَاهَا): أي رفعناها بلا عمد (وَزَيَّنَّاهَا)بالكواكب3 (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج): أي فتوق كسائر الأبنية المبنيّة من الأحجار واللبنات، بل خلقها ملساء متّصلة، أو ليس لها فروج ظاهرة مرئيّة فلا ينافي الأبواب الكائنة فيها، وقال الكسائيّ: معناه ليس فيها تفاوت واختلاف.4
(ذَاتِ الْحُبُكِ) قال البيضاوي : ذات الطرائق، والمراد إمّا الطرائق المحسوسة الّتي هي مسير الكواكب، أو المعقولة الّتي يسلكها النظّار ويتوصّل بها إلى المعارف، أو النجوم فإنّ لها طرائق، أو إنّها تزيّنها كما تزيّن الموشيَّ طرائق الوشي، جمع «حبيكة» كطريقة وطرق، أو «حباك» كمثال ومثل .5
قال الطبرسي (رحمه الله): أي ذات الطرائق الحسنة، لكنّا لا نرى تلك الحُبك لبعدها عنّا. وقيل: ذات الخلق الحسن المستوي. وقيل: ذات الحُسن والزينة; عن عليّ (عليه السلام) .6 انتهى.
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ): أي أسباب رزقكم أو تقديره. وقيل: المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر فإنّه سبب الأقوات (وَمَا تُوعَدُونَ) من الثواب; لأنّ الجنّة فوق السماء السابعة، أو لأنّ الأعمال وثوابها مكتوبة مقدّرة في السماء .

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 5 .
2 . مجمع البيان: 8 / 453 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 225 .
4 . مجمع البيان: 9 / 236 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 235 .
6 . مجمع البيان: 9 / 254 .

صفحه 137
(بِأَيْد): أي بقوّة (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ): أي لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة، الموسع: القادر على الإنفاق، أو لموسعون السماء، أو ما بينها وبين الأرض، أو الرزق. وقيل: أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها.
(وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) هو السماء; عن عليّ (عليه السلام).
(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا): أي تدور دوراناً وتضطرب وتموج وتتحرّك.
(وَالنَّجْمِ)المراد جنس النجم أو الثريّا فإنّه غلب فيه، وأوّل في بعض الأخبار بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(إِذَا هَوَى): أي غرب، أو انتثر يوم القيامة، أو انقضّ أو طلع فإنّه يقال: «هوي هويّاً» بالفتح إذا سقط على الأرض، أو إذا نما وارتفع، وعلى الأخير معراجه أو نزوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
(وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) إنّما خصّ بالذكر لأنّ خزاعة كانت تعبدها.
(وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قال الرازي: المفسّرون بأسرهم على أنّ المراد أنّ القمر انشقّ وحصل فيه الانشقاق، ودلّت الأخبار الصحاح عليه، وإمكانه لا يشكّ فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللّئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السماوات.1
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان): أي يجريان بحساب معلوم مقدّر في بروجهما ومنازلهما، ويتّسق بذلك أُمور الكائنات السفليّة، وتختلف الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب. (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ)المشهور أنّ المراد بالنجم النبّات الّذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له، وبالشجر الّذي له ساق، وقيل: المراد بالنجم نجم السماء. (يَسْجُدَانِ): أي ينقادان لله فيما يريد بهما طبعاً، انقياد الساجد من المكلّفين طوعاً (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) خلقها مرفوعة محلاًّ ومرتبة، فإنّها منشأ اقضيته، ومنزل أحكامه، ومحلّ ملائكته. (2)

1 . تفسير الرازي: 29 / 28.   2 . تفسير البيضاوي: 5 / 273 .

صفحه 138
(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ)يعني يوم القيامة (فَكَانَتْ وَرْدَةً): أي فصارت حمراء ثمّ تجري (كَالدِّهَانِ) وهو جمع الدهن عند انقضاء الأمر، وقيل: هي كالدّهان الّتي تصبّ بعضها بألوان مختلفة. وقيل: الدهان: الأديم الأحمر 1 .
(فَلاَ أُقْسِمُ)قيل: إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فأقسم (فَلاَ)مزيدة للتأكيد، أو فلأنا أُقسم فحذف المبتدأ وأُشبع فتحة لام الابتداء (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ): أي بمساقطها وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثّر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها ومجاريها. وقيل: النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة، وفرط الرحمة .
(طِبَاقًا): أي مطابقة بعضها فوق بعض، مصدر طابقت النعل إذا خصفتها طبقاً على طبق وصف به، أو طوبقت طباقاً، أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال. وقيل: أراد بالمطابقة المشابهة أي يشبه بعضها بعضاً في الإحكام والإتقان (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت): أي اختلاف وتناقض من طريق الحكمة، بل ترى أفعاله كلّها سواءً في الحكمة وإن كانت متفاوتة في الصور والهيئة، وقيل: معناه ماترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب واعوجاج، بل هي مستقيمة مستوية كلّها مع عظمها. (فَارْجِعِ الْبَصَرَ): أي فردّ البصر وأدرها في خلق الله واستقص في النظر مرّة بعد أُخرى، والتقدير: أُنظر ثمّ ارجع النظر في السماء. وقيل: أي قد نظرت إليها مراراً فانظر إليها مرّة أُخرى متأمّلاً فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها (هَلْ تَرى مِنْ فُطُور): أي شقوق وفتوق. وقيل: من وهي وخلل (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ): أي ثمّ كرّر النظر مرّتين ; لأنّ من نظر في الشيء كرّة بعد أُخرى بان له ما لم يكن بائناً. وقيل: المراد

1 . مجمع البيان: 9 / 343 .

صفحه 139
بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبّيك وسعديك، ولذلك أجاب الأمر بقوله: (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا): أي بعيداً عن إصابة المطلوب كأنّه طرد عنه طرداً بالصغار (وَهُوَ حَسِيرٌ)كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ): أي بكواكب مضيئة إضاءة السراج.
(وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ)قال البيضاوي : وجعلنا لها فائدة أُخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المسبّبة عنها. وقيل: معناها: رجوماً وظنوناً لشياطين الإنس وهم المنجّمون، فالرجوم جع «رجم» بالفتح وهو مصدر سمّي به ما يرجم به (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.1 (انتهى). وأقول: على الاحتمال الرابع لا تحتاج إلى تكلّف في ذلك.
(وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ)قال الرازي: لنزول الملائكة (فَهِيَ يَوْمَئِذ وَاهِيَةٌ): أي مسترخية ساقطة القوّة كالعهن المنفوش بعدما كانت محكمة شديدة.2
(كَالْمُهْلِ): قيل: كدرديّ الزيت، وقيل: كعكر القطران.
(سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقًا)قال الرازي: هذا يقتضي كون بعضها مطبقاً على البعض، وهذا يقتضي أن لا يكون بينها فرج، فالملائكة كيف يسكنون؟ والجواب: أنّ الملائكة أرواح، وأيضاً المراد من كونها طباقاً كونها موازية لا أنّها متماسّة.3(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)قال البيضاوي : أي في السماوات وهو في السماء الدنيا، وإنّما نسب إليهنّ لما بينهنّ من الملابسة. (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)مثّلها به لأنّها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عمّا حوله4.

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 362.
2 . تفسير الرازي: 30 / 108 .
3 . تفسير الرازي: 30 / 140 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 394 .

صفحه 140
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ): أي طلبنا بلوغ السماء أو خبرها، واللّمس مستعار من المسّ للطلب كالجسّ (حَرَسًا): أي حرّاساً ـ اسم جمع كالخدم ـ (شَدِيدًا) قويّاً وهم الملائكة الّذين يمنعونهم عنها (وَشُهُبًا) جمع شهاب وهو المضيء المتولّد من النار (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ): أي مقاعد خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للرصد والاستماع، و (لِلسَّمْعِ) صلة لنقعد أو صفة لمقاعد (شِهَابًا رَصَدًا): أي شهاباً راصداً له ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين على أنّه اسم جمع للرّاصد.
(طُمِسَتْ): أي محقت وأذهب نورها (فُرِجَتْ): أي شقّت (سَبْعاً شِدَاداً): أي سبع سماوات أقوياء محكمات لا يؤثّر فيها مرور الدهور (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً) متلألئاً وقّاداً، أو بالغاً في الحرارة والمراد الشمس.
(وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ): أي انقضّت أو أظلمت .
(وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ): أي قلعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة.
(فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * اَلْجَوَارِ الْكُنَّسِ) قال الرازي: الظاهر أنّها النجوم، الخنّس جمع «خانس» والخنوس الانقباض والاستخفاء، تقول: خنس بين القوم وانخنس، والكنّس جمع «كانس» و «كانسة» يقال: كنس إذا دخل الكناس وهو مقرّ الوحش، يقال: كنست الظباء في كناسها وتكنّست المرأة إذا دخلت هودجها تشبّه بالظبي إذا دخل الكناس; ثمّ اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه; فالقول الأظهر أنّ ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيّارة واستقامتها، فرجوعها هو الخنوس، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس، ولا شكّ أنّ هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة. والقول الثاني: ما روي عن عليّ (عليه السلام)وغيره أنّها هي جميع الكواكب خنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار،

صفحه 141
وكنوسها عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها. والقول الثالث: إنّ السبعة السيّارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى: (رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)ولاشكّ أن فيها مطلعاً واحداً ومغرباً واحداً هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رأسنا ثمّ إنّها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ثمّ ترجع إليها، فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع وكنوسها عبارة عن عودها إليه. فعلى القول الأوّل يكون القسم واقعاً بالخمسة المتحيّرة، وعلى الثاني بجميع الكواكب، وعلى الثالث بالسبعة السيّارة.1
وأقول: الخمسة المتحيّرة هي ما خلا الشمس والقمر من السبعة السيّارة، وإنّما سُمّيت متحيّرة لكونها في حركاتها الخاصّة تارة مستقيمة ترى متحرّكة من المغرب إلى المشرق وتارة واقفة وتارة راجعة كالمتحيّر في أمره، ولذا أثبتوا لها تداوير لظنّهم عدم الاختلاف في حركات فلك واحد.
قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) قال الرازي: أي انشقّت (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) إذ عند انتقاض تركيب السماء لابدّ من انتشار الكواكب على تخوم الأرض، والفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً، فوجب أن يصحّ على كلّ واحد منها ما يصحّ على الآخر، وإنّما قلنا إنّها متماثلة; لأنّه يصحّ تقسيمها إلى السماويات والأرضيّات ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فالعلويّات والسفليّات مشتركة في أنّها أجسام، وإنّما قلنا إنّه متى كان كذلك وجب أن يصحّ على العلويّات ما يصحّ على السفليّات لأنّ المتماثلات حكمها واحد فما صحّ حكمه على كلّ واحد منها وجب أن يصحّ على الباقي.(2)

1 . تفسير الرازي: 31 / 71 ـ 72 .   2 . تفسير الرازي: 31 / 76 .

صفحه 142
وقال في قوله سبحانه: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) قد مرّ شرحه في مواضع، وعن عليّ (عليه السلام)أنّها تنشقّ من المجرّة (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا): أي استمعت له، والمعنى أنّه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله في شقّها وتفريق أجزائها، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الّذي إذا ولّي عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ولم يمتنع، فكذلك قوله: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)يدلّ على نفوذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير مانع أصلاً، كما أنّ قوله هاهنا (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا)يدلّ على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً، وأمّا قوله:(وَحُقَّتْ) فهو من قولك: هو محقوق بكذا وحقيق به، يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع; وذلك لأنّه جسم، وكلّ جسم ممكن لذاته، وكلّ ممكن لذاته فإنّ الوجود والعدم بالنسبة إليه على السويّة وكلّ ما كان كذلك فإنّ ترجيح عدمه على وجوده لابدّ وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه، فيكون تأثير قدرته في إيجاده وإعدامه نافذاً سارياً من غير ممانعة أصلاً، وأمّا الممكن فليس له إلاّ القبول والاستعداد، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلاً للوجود تارة وللعدم أُخرى من واجب الوجود.1
وقال في قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) ثلاثة أقوال: أحدها: أنّها هي البروج الاثنا عشر، وإنّما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة; وذلك لأنّ سير الشمس فيها، ولاشكّ أنّ مصالح العالم السفليّ مرتبطة بسير الشمس، فدلّ ذلك على أنّ لها صانعاً حكيماً. وثانيها: أنّ البروج هي منازل القمر وإنّما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار العجيبة. وثالثها: أنّ البروج هي عظام الكواكب سمّيت بروجاً لظهورها.2

1 . تفسير الرازي: 31 / 103 .
2 . تفسير الرازي: 31 / 114.

صفحه 143
(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) قال الرازي: أمّا الطارق فهو كلّ ما أتاك ليلاً سواء كان كوكباً أو غيره (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) قال سفيان بن عُيينة: كلّ شيء في القرآن (وَمَا أَدْرَاكَ)فقد أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)به، وكلّ شيء فيه (وَمَا يَدْرَيكَ) لم يخبر به، كقوله: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ). ثمّ قال: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ): أي هو طارق رفيع الشأن، وهو النجم الذي يهتدي به في ظلمات البرّ والبحر، ويوقف به على أوقات الأمطار; ووصف بكونه ثاقباً لوجوه: أحدها: أنّه يثقب الظلام بضوء ينفذ فيه، وثانيها: أنّه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الّذي يثقب الشيء، وثالثها: أنّه الّذي يرمى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه، ورابعها: قال الفرّاء: هو النجم المرتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً قد ثقب. واختلفوا في النجم، قال بعضهم: أُشير به إلى جماعة النجوم كما قيل: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)1 وقال آخرون: إنّه نجم بعينه، قال ابن زيد: إنّه الثريّا، وقال الفرّاء: إنّه زحل لأنّه يثقب بنوره سمك سبع سماوات، وقال آخرون: إنّه الشهب الّتي ترجم بها الشياطين لقوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).(2)
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) قال الطبرسي (رحمه الله): أي ذات المطر، عن أكثر المفسّرين. وقيل: يعني بالرجع شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثمّ تطلع. وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير الّذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان فترجع بالغيث وأرزاق العباد وغير ذلك .2 انتهى.
وأقول: لا يبعد أن يكون إشارة إلى رجوع المتحيّرة كما عرفت.
(وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ): أي رفعاً بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد (وَمَا بَنَاهَا): أي ومن بناها.

1 . العصر: 2.   2 . تفسير الرازي: 31 / 128 .
2 . مجمع البيان: 10 / 324 .

صفحه 144
تذييل: قال الرازي: اعلم أنّ منافع النجوم كثيرة:
منها: أنّه زيّن الله السماء بها.
ومنها: أنّه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء، ولذلك فإنّه إذا تكاثفت السحاب في اللّيل عظمت الظلمة، وذلك بسبب أنّ السحاب يحجب أنوارها.
ومنها: أنّه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة، فإنّها أجسام عظيمة نورانيّة فإذا قاربت الشمس كوكباً مسخناً في الصيف صار أقوى حرّاً، وهي مثل نار تضمّ إلى نار أُخرى فإنّه لا شكّ أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى .
ومنها: أنّه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر على ما قال تعالى: (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) .
ومنها: أنّه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الّذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمة الكفر.1

[ الباب الثامن ]

الشمس والقمر وأحوالهما وصفاتهما والليل والنهار وما يتعلّق بهما   

الشمس والقمر وأحوالهما وصفاتهما
والليل والنهار وما يتعلّق بهما(2)

الآيات:

البقرة (2): (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ). 189.

1 . تفسير الرازي: 30 / 60 .   2 . بحار الأنوار : 55 / 113 ـ 141، الباب 9 .

صفحه 145
آل عمران (3): (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). 27.
الأنعام (6): (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا1 وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). 96 .
الأعراف (7): (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا2 وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ). 54.
يونس (10): (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَواتِ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 29: وهذه استعارة، والمعنى شاق الصبح ومستخرجه من غسق الليل، وقوله سبحانه: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ)أبلغ من قوله: شاق الإصباح، إذ كانت قوة الانفلاق أشد من قوة الانشقاق، ألا تراهم يقولون: انشق الضُّفُر وانفلق الحجر. وقوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) استعارة أُخرى، ومعناها على أحد القولين: إنّه سبحانه جعل الليل بمنزلة الشيء المحبوب الّذي تسكن إليه النفوس وتمقُه القلوب، يقال: فلان سكنُ فلان على هذا المعنى. والتأويل الآخر يخرج الكلام عن معنى الاستعارة، وهو أن يكون المراد أنّه تعالى جعل الليل مظنّة لانقطاع الأعمال والسكون بعد الحركات.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 36: وهذه استعارة، والمراد أنَّه تعالى جعل الليل كالغشاء المسبل على ضوء النهار، وهذه قراءة من قرأ يغشّي بالتشديد، فأمّا من قرأ يغشي بالتخفيف فتحتمل معنى آخر، وهو أن يكون المراد أنَّه سبحانه يهجم بالليل على النهار وارهقه إيّاه وتقحمه عليه، كما يقول القائل: «قد غشّيت الفارس» إذا لحقه وهو طالب له، وممّا يقوي ذلك قوله تعالى: (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) وهذه استعارة أُخرى كأن يغشي النهار، أي أدرك عن طلب له واتباع لأمره، ولم يقل تعالى: يغشّي النهار الليل في قراءة من قرأ بالتشديد; لأنّ هذه الصفة لا تتأتّى في النهار مع الليل كما تتأتّى للّيل مع النهار; لأن لا يشبّه بالغشاء لليل كما يصحّ هذا التشبيه في الليل مع النهار، ومثل ذلك في قراءة مَن قرأ بالتخفيف أيضاً بأنّ صفة الليل ما به يغشى النهار بمعنى مرهقه وهجم عليه أوقع من صفة النهار بذلك مع الليل ; لأنّ الليل في المشهور من كلامهم يوصف بالهجوم على النهار لهول مناظره وجهامة مطالعه وكثرة المخاوف المتّصلة به.

صفحه 146
وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَتَّقُونَ) 5 ـ 6 .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا1إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ). 67.
الرعد (13): (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى ـ إلى قوله تعالى: ـ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)2 ـ 3 .
إبراهيم (14): (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ 2 وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). 33.
النحل (16): (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ). 12.
الإسراء (17): (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً3 لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 56: وهذه استعارة عجيبة أومأنا إلى نظيرها فيما تقدّم، وذلك أنّه سبحانه إنّما سمّى النهار مبصراً; لأنّ الناس يبصرون فيه فكان ذلك صفة الشيء بما هو سبب له على طريق المبالغة كما قالوا: ليل أعمى، وليلة عمياء، إذا لم يبصر الناس فيها شيئاً، لشدة إظلامها وسقوط أكثافها.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 82 : وهذه استعارة ; لأنّ الدائب على الحقيقة هو الإنسان الكادح في مشغله والدائم على عمله، فلمّا كان هذان النيّران مسخرين في طريقهما دائبين على مسيرهما، حسن أن يوصفا بالدأب وأن لم يوصفا بالنصب.
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 97: وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله سبحانه: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ). والآية: العلامة، والمراد بمحوها ـ والله أعلم ـ على قول بعضهم أي جعلنا ظلمة الليل مشكلة لايفهم معناها ولا يعلم فحواها لما استأثر الله تعالى بعلمه من المصلحة المستسرة في ذلك، وحقيقة المحو طمس أثر الشيء من قولهم: «محوت الكتاب» إذا طمست سطوره حتّى يشكل على القاري، ويخفى على الرائي، وقال قوم: آية الليل القمر خاصّة، ومحوه تصيير تلك الطمسة في صفحته حتّى يقصر نوره عن نور الشمس لما يعلمه الله تعالى من المصلحة في ذلك ; وآية النهار الشمس. وقال آخرون: بل آيتا الليل والنهار ضوء هذا في الجملة وظلمة هذا في الجملة; لأنّ الضوء علامة النهار، والظلمة علامة الليل على ما قدّمنا ذكره. والاستعارة الأُخرى: قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون المراد إنّا جعلناها مكشوفة القناع مبيّنة للأبصار على خلاف آية الليل، إذ جعلناها بهيمة الأطراف مشرجة الغلاف. والوجه الآخر: أن يكون معنى مبصرة، أي يبصر الناس فيها ويهتدون بها كما تقدّم قولنا في قولهم: نهار صائم وليل قائم، أي أهل هذا صيام وأهل هذا قيام، وكما يقولون: «رجل مخبث» إذا كان أهله وولده خبثاء، و «رجل مضعف» إذا كانت دوابه وظهوره ضعفى، فعلى هذا يسمّى النهار مبصراً إذا كان أهله بصراء.

صفحه 147
وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً). 12.
الكهف (18): (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ـ إلى قوله تعالى ـ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا). 86 ـ 90 .
الأنبياء (21): (وَهُوَ الذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ1). 33.

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 124: وهذه استعارة، لأنّ أصل السبح هو التقلّب والانتشار في الأرض، ومثله السباحة في الماء ولا يكون ذلك إلاّ من حيوان متصرّف، ولكنّ الله تعالى لمّا جعل الليل والنهار والشمس والقمر مسخرة للتقلّب في هذا الفلك الدائر والصفيح السائر تتعاقب فيه وتتغاير وتتقارب وتتباعد، حسن أن يعبّر عنها بما يعبّر به عن الحيوان المتصرّف، وزيدت على ذلك شيئاً فعبر عنها بالعبارة عن الحيوان المميّز، فقيل: يسبحون ولم يقل يسبح ; لأنّها في الجري على الترتيب المتقن والتقدير المحكم أقوى تصّرفاً من الحيون غير المميّز; ولأن الله تعالى أضاف إليها الفعل على تدبير من يعقل، فحسن أن يعبّر عنها بالعبارة عمّن يعقل، مثل قوله سبحانه: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)[يوسف: 4 ]، ومثل قوله تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) [النمل: 18 ] فقال: ادخلوا، ولم يقل: ادخلن; لأنّ خطابها لمّا خرج على مخرج خطاب من يعقل كان الأمر لها على مثال أمر من يعقل .

صفحه 148
الحج (22): (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). 61.
المؤمنون (23): (وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). 80 .
النور (24): (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ 1 إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ). 44.
الفرقان (25): (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا 2* وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا). 45 ـ 47 .
وقال سبحانه: (تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا

1 . وقال أيضاً في ص 141: وهذه استعارة، والمراد بها طرد النهار بالليل، وطرد الليل بالنهار فكنّى عن ذلك سبحانه باسم التقليب، وليس المراد تقلّب الأعيان، بل تغاير الأزمان.
2 . وقال أيضاً في ص 145: وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ)والمراد فعل ربك، أو إلى حكمة ربك في مد الظل، فحذف هذه اللفظة لدلالة الكلام عليها، إذ كان الله تعالى لا يدرك بالمشاعر، ولا يُرى بالنواظر. وقد يجوز أن يكون معنى الرؤية هاهنا بمعنى العلم، فكأنّه تعالى قال: ألم تعلم حكمة ربك في مد الظل، وإنّما اقام سبحانه الرؤية هاهنا مقام العلم لتحقّق المخاطب الّذي هو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الفعل، فقامت معرفة قلبه مقام رؤية عينه قطعاً باليقين وبعداً عن الظنون. والاستعارة الأُخرى: قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً)وهذه استعارة على القلب; لأنّ الظل في الشاهد يدلّ على الشمس، وذلك أنّ الظل لا يكون إلاّ وهناك شمس طالعة، فيوصف مالم تطلع عليه لحاجز يحجز أو مانع يمنع بأنّه ظل. وقد قيل: إنّ الظل ما كان بالغداة، والفيء ما كان بالعشي. وقيل: إنّ الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس. فعلى هذا القول يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا)دائماً لا ترد الشمس عليه فتزيله وتذهب به (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً)، أي دللناها عليه فهي تتحيف من أقطاره وتنتقص من أطرافه حتّى تستوفي أجمعه وتكون بدلاً منه، فهذا معنى قوله تعالى: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا). ويجوز أن يكون معنى دلالة الشمس على الظل أنّه لولا الشمس لم يعرف الظل، ويجوز أن يقول: لولا الظل لم تعرف الشمس.

صفحه 149
وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً1 لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). 61 ـ 62 .
النمل (27): (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). 63.
وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا2 إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). 86 .
القصص (28): (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). 71 ـ 73 .
العنكبوت (29): (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ). 61.
الروم (30): (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ). 23.
لقمان (31): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). 29.
فاطر (35): (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ

1 . وقال أيضاً في ص: 147: وهذه استعارة، ومعنى خلفة على أحد الأقوال، أي جعل الليل والنهار يتخالفان، فإذا أتى هذا ذهب هذا، وإذا أدبر هذا أقبل هذا. وقيل: خلفة أي يخلف أحدهما الآخر، فيكون ذلك من الخلافة لا من المخالفة. وقيل: خلفة أي أحدهما أسود والآخر أبيض، وهو أيضاً راجع إلى معنى المخالفة.
2 . وقال أيضاً في ص: 154: وهذه استعارة ـ وقد مضى الكلام على نظيرها ـ والمراد بوصف النهار بالإبصار إبصار أهله فيه.

صفحه 150
وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ). 13.
يس (36): (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ1 * وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ). 37 ـ 40 .
الصافات (37): (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ). 5.
الزمر (39): (خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ 2 وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 180: وهذه استعارة، والمراد: نخرج منه النهار ونستقصي تخليص أجزائه من أجزائه حتّى لا يبقى من ضوء النهار شيء مع ظلمة الليل، فإذا الناس قد دخلوا في الظلام، وهذا معنى قوله تعالى: (فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) كما يقال: أفجروا: إذا دخلوا في الفجر، وانجدوا واتهموا: إذا دخلوا نجد وتهامة. والسلخ: إخراج الشيء ممّا لابسه والتحم به، فكلّ واحد من الليل والنهار متّصل بصاحبه اتّصال الملابس بأبدانها والجلود بحيوانها، ففي تخليص أحدهما من الآخر حتّى لا يبقى معه منه طرف عليه منه أثر آية باهرة ودلالة قاهرة، فسبحان الله ربّ العالمين.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 189: وهذه استعارة، والمعنى يعلى هذا على هذا، وهذا على هذا، وذلك مأخوذ من قولهم كار العمامة على رأسه يكورها إذا أدارها عليه، وقد قالوا: طعنه فكوره، أي صرعه.
ومنه الحديث المأثور: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» أي من الإدبار بعد الإقبال، وقيل: من القلّة بعد الكثرة; لأنّهم يسمّون القطيع الكثير من البقر وغيرها كوراً.
فيجوز أن يكون المعنى (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)على قول من يقول: طعنه فكوره يريد فصرعه، أي يلقي الليل على النهار ويلقي النهار على الليل، ويكون المعنى على قول من يذهب إلى أنّ الكور اسم للكثرة، أي يكثر أجزاء الليل حتّى يخفى ضوء النهار وتغلب ظلمة الليل; ويكور النهار على الليل، أي يكثر أجزاء النهار حتّى تظهر وتنتشر وتتلاشى فيها أجزاء الليل وتضمحل .

صفحه 151
الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ). 5.
المؤمن (غافر) (40):(اللهُ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ). 61.
فصّلت (41): (وَمِنْ آيَاتِهِ الْلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). 37.
الرحمن (55): (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان). 5.
وقال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). 17 ـ 18 .
الحديد (57): (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). 6.
المعارج (70): (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ). 40.
نوح (71): (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا). 16.
المدثر (74): (كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ 1* إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ). 32 ـ 35.
النبأ (78): (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً). 9 ـ 13 .
التكوير (81): (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ـ إلى قوله تعالى: ـ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ2). 1 ـ 18 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 259: وهذه استعارة، والمراد بها انكشاف الصبح بعد استتاره، ووضوحه بعد التباسه تشبيهاً بالرجل المسفر الّذي قد حطّ لثامه فظهرت مجالي وجهه ومعالم صورته.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 268: وهذه من الاستعارات العجيبة، والتنفس هاهنا عبارة عن خروج ضوء الصبح من غموم غسق الليل، فكأنّه متنفس من كرب أو متروّح من همّ، ومن ذلك قولهم: «قد نفس عن فلان الخناق» أي انجلى كربه وانفسخ قلبه. وقد يجوز أن يكون معنى (إِذَا تَنَفَّسَ) أي إذا انشق وانصدع من قولهم: تنفس الإناء إذا انشق، وتنفّست القوس إذا انصدعت، وهذا التأويل يخرج اللفظ من باب الاستعارة.

صفحه 152
الفجر (89): (وَالْفَجْرِ * وَلَيَال عَشْر * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ1). 1 ـ 4 .
الشمس (91): (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا). 1 ـ 4 .
الضحى (93): (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى). 1 ـ 2.
الفلق (93): (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ2). 1 ـ 3.

التفسير:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ)قال البيضاوي : سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط ثمّ يزيد حتّى يستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ؟ فنزلت: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) إنّهم سألوا عن

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 272: وهذه استعارة، والمراد بسري الليل دوران فلكه وسيران نجومه حتّى يبلغ غايته ويستوفي قاصيته، ويستخلف النهار موضعه.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن» : 280: وهذه استعارة، والمراد بالغاسق هنا الليل. وقيل: إنّه في الأصل اسم لكلّ وارد بما يُستضّر به ويخاف منه فسمّي الليل غاسقاً ; لأنّه يرد بالمخاوف ويطرق بالدواهي في الأغلب والأكثر، لأنّه يستنهض السباع من مرابضها ويستدلق الهوام من مكامنها إلى غير ذلك وما يجري هذا المجرى. ومعنى وقب: أي دخل بما يدخل به ممّا أومأنا إلى ذكره، يقال: وقب يقب وقوباً إذا دخل، وقال بعضهم: الكوكب وإنّما سُمّي الليل به; لأنّه لا يكون إلاّ بالليل. والأوّل أصحّ; لأن الغسق اسم للظلام ويقال: غسق الليل إذا أظلم.

صفحه 153
الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدّل أمره؟ فأمره الله أن يجيب بأنّ الحكمة الظاهرة في ذلك أن يكون معالم للناس يواقّتون بها أُمورهم، ومعالم للعبادات الموقّتة يعرف بها أوقاتها، وخصوصاً الحجّ، فإنّ الوقت مراعى فيه أداء وقضاء، والمواقيت جمع ميقات من الوقت .1
وقال في قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ) إيلاج الليل والنهار إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص .2
وقال في قوله تعالى: (فَالِقُ الإِصْبَاحِ)شاقّ عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاقّ ظلمة الإصباح وهو الغبش الّذي يليه، والإصباح في الأصل مصدر «أصبح» إذا دخل في الصبح سمّي به الصبح. وقرئ بفتح الهمزة على الجمع (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، من «سكن إليه» إذا اطمأنّ إليه استئناساً به، أو يسكن فيه الخلق من قوله: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ)ونصبه بفعل دلّ عليه «جاعل» لا به، فإنّه في معنى الماضي، ويدلّ عليه قراءة الكوفيّين (وَجَعَلَ اللَّيْلَ)حملاً على معنى المعطوف عليه، فإنّ فالق بمعنى فلق فلذلك قرئ به، أو به على أنّ المراد منه جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة، وعلى هذا يجوز أن يكون (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) عطفاً على محلّ الليل، ويشهد له قراءتهما بالجرّ، والأحسن نصبهما بجعل مقدّر، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان (حُسْبَانًا): أي على أدوار مختلفة تحسب بها الأوقات ويكونان علمي الحساب وهو مصدر حسَب ـ بالفتح ـ كما أنّ الحسبان ـ بالكسر ـ مصدر حسِب ـ بالكسر ـ وقيل: جمع حساب كشهاب وشهبان. (ذَلِكَ)إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك السير بالحساب المعلوم (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ)الّذي قهرهما

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 475 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 25 .

صفحه 154
وسيّرهما على الوجه المخصوص (الْعَلِيمِ) بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما.1
وفي قوله تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)يغطّيه به، ولم يذكر عكسه للعلم به، أو لأنّ اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)بنصب (اللَّيْلَ )ورفع (النَّهَارَ)وقرأ حمزة والكسائيّ ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد وفي الرعد للدلالة على التكرير. (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) يعقّبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيث: فعيل من الحثّ، وهو صفة مصدر محذوف، أو حال من الفاعل بمعنى حاثّاً، أو المفعول بمعنى محثوثاً. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ) أي بقضائه وتصريفه، ونصبها بالعطف على السماوات ونصب مسخّرات على الحال، وقرأ ابن عامر كلّها بالرفع على الابتداء والخبر .2 انتهى.
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً)قال البيضاوي : أي ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو جمع ضوء كسياط وسوط، والياء فيه منقلبة عن الواو، وعن ابن كثير «ضئاء» بهمزتين في كلّ القرآن على القلب بتقديم اللاّم على العين. (وَالْقَمَرَ نُورًا)أي ذا نور، أو سمّي نوراً للمبالغة وهو أعمّ من الضوء. وقيل: ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد نبّه سبحانه بذلك على أنّه خلق الشمس نيّرة بذاتها والقمر نيّراً بعرض مقابلة الشمس. (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) الضمير لكلّ واحد، أي قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو للقمر، وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علّله بقوله: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ): أي حساب الأوقات من الأشهر والأيّام في معاملاتكم وتصرفّاتكم (مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ)إلاّ متلبّساً بالحقّ مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة

1 . تفسير البيضاوي: 2 / 433.
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 27 .

صفحه 155
(يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)فإنّهم المنتفعون بالتأمّل فيها.1 انتهى.
(إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أي مجيء كلّ منهما خلف الآخر، أو اختلافهما بالزيادة والنقصان المستلزم لحصول الفصول الأربعة (وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ): أي من الكواكب والملائكة والمواليد وأنواع الأرزاق والنعم (لآيَاتِ): أي دلالات على وجود الصانع تعالى وعلمه وقدرته وحكمته ولطفه ورحمته (لِقَوْم يَتَّقُونَ) الشرك والمعاصي، فإنّهم المنتفعون بها .
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ): أي لسكونكم وراحتكم وراحة قواكم من التعب والكلال. (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا): أي مضيئاً تبصرون فيه، ونسبة الإبصار إليه على المجاز (لِقَوْم يَسْمَعُونَ): أي الحجج سماع تدبّر وتعقّل .
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)قال الرازي: يستدلّ بالتسخير على وجود الصانع القادر بحركات هذه الأجرام; وذلك لأنّ الأجسام متماثلة فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لابدّ له من مخصّص، وأيضاً إنّ كلّ واحدة من تلك الحركات مختصّة بكيفيّة معيّنة من البطء والسرعة فلابدّ أيضاً من مخصّص. وأيضاً تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصّل عوداتها ودوراتها متساوية بحسب المدّة حالة عجيبة فلابدّ فيه من مقدّر، وبعض تلك الحركات مشرقيّة وبعضها مغربيّة، وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها إلى الجنوب، وهذا أيضاً لا يتمّ إلاّ بتدبير كامل وحكمة بالغة.2
وقال في قوله تعالى: (دَائِبَيْنِ): معنى الدؤوب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطّردة. قال المفسّرون: معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإنّ الشمس سلطان النهار، والقمر

1 . تفسير البيضاوي: 3 / 185 ـ 186 .
2 . تفسير الرازي: 18 / 233 ـ 234، بتلخيص.

صفحه 156
سلطان الليل، ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلّت مصالح العالم بالكلّية.1
وقال في قوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ): فيه قولان:
الأوّل: أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار. والمعنى: أنّه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا; أمّا في الدين فلأنّ كلّ واحد منهما مضادّ للآخر (معاند له، فكونهما)2 متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنّهما غير موجودين لذاتيهما، بل لابدّ لهما من فاعل يدبّرهما ويقدّرهما بالمقادير الخصوصة; وأمّا في الدنيا فلأنّ مصالح الدنيا لا تتمّ إلاّ بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرّف في وجوه المعاش، ثمّ قال تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ)فعلى هذا القول تكون الإضافة للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية الّتي هي الليل وجعلنا الآية الّتي هي النهار مبصرة.
الثاني: أن يكون المراد وجعلنا نيّري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر، فمحونا آية الليل وهي القمر. المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور فيبدو في أوّل الأمر في صورة الهلال، ثمّ لا يزال يتزايد نوره حتّى يصير بدراً كاملاً، ثمّ يأخذ في الانتقاص قليلاً قليلاً وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق.
وأمّا قوله: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) ففيه وجهان: الأوّل: أنّ معنى كونها مبصرة أي مضيئة; وذلك لأنّ الإضاءة سبب لحصول الإبصار، فأُطلق اسم الإبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبّب على السبب. والثاني: قال أبو عبيدة: يقال قد

1 . تفسير الرازي: 19 / 128 .
2 . في المصدر: مغائر له مع كونهما.

صفحه 157
أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه، كقوله: «رجل مخبث» إذا كان أصحابه خبثاء، و: «رجل مضعف» إذا كان دوابّه ضعافاً، فكذا قوله: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا): أي أهله بصراء (لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ): أي لتبصروا كيف تتصرّفون في أعمالكم. (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) اعلم أنّ الحساب يبنى على أربع مراتب: الساعات، والأيّام، والشهور، والسنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين وهي الشهور والأيّام والساعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلاّ التكرار، كما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، والأُلوف وليس بعدها إلاّ التكرار.1
(وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً): أي كلّ شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم فصّلنا وشرحنا.
قال الرازي: في تأويله وجوه:
الأوّل: أنّ ذا القرنين لمّا بلغ موضعاً مّا في المغرب لم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنّها تغرب في وهدة مظلمة وإن لم يكن كذلك في الحقيقة، كما أنّ راكب البحر يرى الشمس كأنّها تغرب في البحر إذا لم ير الشطّ، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر; ذكره الجبائيّ.
الثاني: أنّ بالجانب الغربيّ من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيّل كأنّها تغيب في تلك البحار، ولا شكّ أنّ البحار الغربيّة قويّة السخونة فهي حامية، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الباه وهي الحماة السوداء، فقوله: (تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة) إشارة إلى أنّ الجانب الغربيّ من الأرض قد أحاط البحر به وهو موضع شديد السخونة.
الثالث: قال أهل الأخبار: إنّ الشمس تغرب في عين حمئه كثيرة الماء

1 . تفسير الرازي: 20 / 164 ـ 166 .

صفحه 158
والحمأة، وهذا في غاية البعد، وذلك أنّا إذا رصدنا كسوفاً قمريّاً ورأينا أهل المغرب قالوا: حصل هذا الكسوف أوّل الليل. رأينا أهل المشرق قالوا: حصل في أوّل النهار فعلمنا أنّ ما هو أوّل الليل عند أهل المغرب فهو أوّل النهار عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الّذي هو أوّل الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر ووقت الضحوة في بلد ثالث ووقت طلوع الشمس في بلد رابع ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاختبار وعلمنا أنّ الشمس طالعة ظاهرة في كلّ هذه الأوقات كان الّذي
يقال: إنّها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين، وكلام الله مبرّأ
عن البهمة 1، فلم يبق إلاّ أن يضاف 2 إلى التأويل الّذي ذكرنا، والضمير في قوله: (عِنْدَهَا)عائد إلى الشمس لأنّ الإنسان لمّا تخيّل أنّ الشمس تغرب هناك فكان سكّان ذلك الموضع كأنّهم سكنوا بالقرب من الشمس، أو عائد إلى العين.3
وقال في قوله: (وَجَدَهَا تَطْلُعُ): أي وجد الشمس تطلع (عَلَى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) فيه قولان:
الأوّل: إنّه شاطئ بحر لا جبل ولا شيء يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم، فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب وأغلّة في الأرض أو غاصوا في الماء، فيكون عند طلوع الشمس يتعذّر عليهم التصرّف في المعاش، وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمّات المعاش، وحالهم بالضدِّ من أحوال سائر الخلق.
والقول الثاني: إنّ معناه لاثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبداً. وفي

1 . في المصدر: عن هذه التهمة.
2 . في المصدر: «إلاّ أن يصار». وهو الظاهر.
3 . تفسير الرازي: 21 / 166 ـ 167 .

صفحه 159
كتب الهيئة أنّ حال أكثر الزنج كذلك، وحال كلّ من سكن البلاد القريبة من خطّ الاستواء كذلك. 1
(كُلٌّ فِي فَلَك): أي كلّ منهما أومع النجوم بقرينة الجمع في فلك واحد، أو كلّ واحد منهما أو منها في فلك على حدة. (يَسْبَحُونَ): أي يجرون.
واحتجّ «ابن سينا» على أنّ الكواكب أحياء ناطقة بقوله: (يَسْبَحُونَ) فإنّ الجمع بالواو والنون لا يكون إلاّ للعقلاء، وبقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) .
والجواب: إنّما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
فإن قلت: لكلّ واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟
قلت: هذا كقوله: «كساهم الأمير حلّة وقلّدهم سيفاً» أي كلّ واحد منهم.2
(وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)قال البيضاوي : أي ويختصّ به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره، فيكون ردّاً لنسبته إلى الشمس حقيقةً أو مجازاً أو لأمره وقضائه تعاقبهما أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر.3
وفي قوله سبحانه: (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحرّ والبرد والظلمة والنور، أو ما يعمّ ذلك (إِنَّ فِي ذَلِكَ)فيما تقدّم ذكره (لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ) لدلالته على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيّته وتنزّهه عن الحاجة وما

1 . تفسير الرازي: 21 / 168 باختصار.
2 . تفسير الرازي: 22 / 168 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 164 .

صفحه 160
يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.1
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ)أقول: للعلماء في تأويل هذه الآية مسالك:
الأوّل: ألم تنظر إلى صنع ربّك كيف بسطه؟ أو ألم تنظر إلى الظلّ كيف بسطه ربّك؟ فغيّر النظم إشعاراً بأنّ المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرّفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أنّ ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئيّ فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أنّ ربّك كيف مدّ الظلّ وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإنّ الظلمة الخالصة تنفّر الطبع وتسدّ النظر، وشعاع الشمس يسخن الهواء ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنّة فقال: (وَظِلّ مَمْدُود).2 (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا): أي ثابتاً من السكنى، أو غير متقلّص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً)فإنّه لا يظهر للحسّ حتّى تطلع فيقع ضوءُها على بعض الأجرام، إذ لا يوجد ولا يتفاوت إلاّ بسبب حركتها (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا): أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه (قَبْضًا يَسِيرًا): أي قليلاً قليلاً حسب ما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصّل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و (ثُمَّ)في الموضعين لتفاضل الأُمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها.3
الثاني: أنّ المعنى مدّ الظلّ لما بنى السماء بلا نيّر ودحا الأرض تحتها وألقت عليها ظلّها (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ)ثابتاً على تلك الحال، ثمّ خلق الشمس عليه دليلاً أي مسلّطاً عليهم مستتبعاً إيّاه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 195 .
2 . الواقعة: 30 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 222 .

صفحه 161
يتفاوت بحركتها ويتحوّل بتحوّلها (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا)شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي نقصانه، أو قبضاً سهلاً عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلّة والمظلّ عليها. وهذان الوجهان ذكرهما البيضاوي وغيره من المفسّرين.1
(وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا)قال الطبرسي (رحمه الله): أي غطاء ساتراً للأشياء بالظلام كاللباس الّذي يشتمل على لابسه، فالله سبحانه ألبسنا الليل وغشانا به لنسكن فيه ونستريح عن كدّ الأعمال. (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا): اي راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم، قال الزجّاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه (وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) لانتشار الروح باليقظة فيه، مأخوذ من نشور البعث. وقيل: لأنّ الناس ينتشرون فيه لطلب حوائجهم ومعايشهم، فالنشور بمعنى التفرّق لابتغاء الرزق; عن ابن عبّاس.
(تَبَارَكَ)تفاعل من البركة، معناه: عظمت بركاته وكثرت; عن ابن عبّاس، والبركة: الكثرة من الخير. وقيل: معناه تقدّس وجلّ بما لم يزل عليه من الصفات ولا يزال كذلك فلا يشاركه فيها غيره، وأصله من بروك الطير فكأنّه قال: ثبت ودام فيما لم يزل ولا يزال، عن جماعة من المفسّرين. وقيل: معناه قام بكلّ بركة وجاء بكلّ بركة.2
(الذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا)يريد منازل النجوم السبعة السيّارة 3، وهي4: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وقيل: هي النجوم الكبار، وسمّيت بروجاً لظهورها. (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا): أي وخلق في السماء شمساً ومن

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 221 .
2 . مجمع البيان: 7 / 301 .
3 . في المصدر بزيادة: الّتي هي: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر.
4 . في المصدر بزيادة: اثنا عشر برجاً.

صفحه 162
قرأ «سرجاً» أراد الشمس والكواكب معها (وَقَمَرًا مُنِيرًا): أي مضيئاً بالليل إذا لم تكن شمس (وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً): أي يخلف كلّ واحد منهما صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته عمل الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل، وهو قوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ): روي ذلك عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «يقضي صلاة الليل بالنهار». وقيل: معناه أنّه جعل كلّ واحد منهما مخالفاً لصاحبه، فجعل أحدهما أسود والآخر أبيض (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ): أي يتفكّر ويستدلّ بذلك على أنّ لهما مدبّراً ومصرّفاً لا يشبههما ولا يشبهانه فيوجّه العبادة إليه (أَوْ أَرَادَ شُكُورًا): أي أرد شكر نعمة ربّه عليه فيهما، وعلى القول الأوّل فمعناه: أراد النافلة بعد أداء الفريضة.1
(أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) قال البيضاوي: بالنجوم وعلامات الأرض، والظلمات ظلمات الليالي، والإضافة إلى البرّ والبحر للملابسة أو مشتبهات الطرق، يقال: «طريقة ظلماء وعمياء» للّتي لا منار بها .2
(لِيَسْكُنُوا فِيهِ)بالنوم والقرار (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أصله ليبصروا فيه، فبولغ فيه بجعل الإبصار حالاً من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفكّ عنها.3
(سَرْمَدًا): أي دائماً، من السرد وهو المتابعة، والميم مزيدة كميم «دلامص» (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)بإسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأُفق الغائر (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء)كان حقّه هل إله فذكر بمن على زعمهم أنّ غيره آلهة (أَفَلاَ تَسْمَعُونَ)سماع تدبّر واستبصار. (إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا)بإسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأُفق (بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ)

1 . مجمع البيان: 7 / 310 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 274 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 279 .

صفحه 163
استراحة عن متاعب الأشغال، ولعلّه لم يصف الضياء بما يقابله; لأنّ الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل; ولأنّ منافع الضوء أكثر ممّا يقابله، ولذلك قرن به (أَفَلاَ تَسْمَعُونَ)وبالليل (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) لأنّ استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر (لِتَسْكُنُوا فِيهِ): أي في الليل (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ): أي بالنهار بأنواع المكاسب (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها 1.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ)المسؤول عنهم أهل مكّة (لَيَقُولُنَّ اللهُ)لما تقرّر في العقول من وجوب انتهاء المّمكنات إلى واحد واجب الوجود.2
(وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) منامكم في الزّمانين لاستراحة القوى النفسانيّة وقوّة القوى الطبيعيّة وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار، فلفّ وضمّ بين الزّمانين والفعلين بعاطفين إشعاراً بأنّ كلاّ من الزّمانين وإن اختصّ بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيّده سائر الآيات الواردة فيه 3 .
(كُلٌّ يَجْري): أي كلّ من النيّرين يجري في فلكه (إِلَى أَجَل مُسَمًّى): أي إلى منتهى معلوم، الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهور. وقيل: إلى يوم القيامة.4
وقال في قوله: (لأَجَل مُسَمًّى)مدّة دوره أومنتهاه أو يوم القيامة 5 .
(نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ): أي نزيله ونكشفه عن مكانه، مستعار من سلخ الجلد

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 302 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 322.
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 323 .
4 . تفسير البيضاوي: 4 / 351.
5 . تفسير البيضاوي: 4 / 415 .

صفحه 164
(فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ): أي داخلون في الظلام .1
أقول: وفي «الكافي» عن الباقر (عليه السلام): «يعني قبض محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل أهل بيته».2 وهو من بطون الآية.
(وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا): أي لحدّ معيّن ينتهي إليه دورها، فشبّه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السماء فإنّ حركتها فيه توجد إبطاء، بل ورد في الرواية أنّ لها هناك ركوداً، أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، أو لمنتهى مقدّر لكلّ يوم من المشارق والمغارب، فإنّ لها في دورها ثلاثمائة وستّين مشرقاً ومغرباً، يطلع كلّ يوم من مطلع ويغرب في مغرب ثمّ لا تعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. قال الطبرسي: رُوي عن السجّاد والباقر والصادق(عليهم السلام)وابن عبّاس وابن مسعود وعكرمة وعطاء (لامُسْتَقَرّ لَهَا) بنصب الراء.3
(ذَلِكَ)الجري على هذا التقدير المتضمّن للحكم الّتي تكلّ الفطن عن إحصائها (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ)الغالب بقدرته على كلّ مقدور (الْعَلِيمِ) المحيط علمه بكلّ معلوم.
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ): أي قدّرنا مسيره منازل، أو سيره في منازل، وهي ثمانية وعشرون: الشَرَطين، والبُطَين، والثُرَيّا، والدَبَران، والهَقعَة، والهَنعَة، والذِراع، والنَثرة، والطرف، والجَبهة، والزُّبرة، والصَرفة، والعَوّاء، والسماك، والغَفر، والزّباني، والإكليل، والقلب، والشَولة، والنعائم، والبَلدة، وسعد الذابح، وسعد بُلَع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدّم، وفرع الدلو المؤخّر، والرشاء وهو بطن

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 433.
2 . روضة الكافي: 8 / 380 ضمن الحديث 574 .
3 . مجمع البيان: 8 / 272 .

صفحه 165
الحوت، ينزل كلّ ليلة في واحدة منها، فإذا كان في آخر منازله وهو الّذي يكون فيه قبل الاجتماع دقّ واستقوس. (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ): أي كالشمراخ المعوجّ (الْقَدِيمِ) العتيق. وعن الرضا (عليه السلام)أنّه يصير كذلك ستّة أشهر، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في باب السنين والشهور إن شاء الله .
(لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا): أي يصحّ ويتسهّل لها (أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)في سرعة سيره، فإنّ ذلك يخلّ بتكوّن النبات وتعيّش الحيوان، أو في آثاره ومنافعه، أو مكانه بالنزول إلى محلّه وسلطانه فيطمس نوره (وَلاَ الْلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)بأن يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه. وقيل: المراد بهما آيتاهما وهما نيّران وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكساً للأوّل، وقد مرّ عن الرضا (عليه السلام)برواية العيّاشي أنّ المراد به أنّ النهار خلق قبل الليل.1 وسيأتي ما يشعر بذلك أيضاً .
(وَكُلٌّ): أي كلّهم، والتنوين عوض المضاف إليه ، والضمير للشموس والأقمار ـ فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعدّداً مّا في الذات ـ أو إلى الكواكب فإنّ ذكرهما مشعر بها، وقد مرّ معنى السباحة. (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)قال البيضاوي : أي مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة، وهي ثلاثمائة وستّون تشرق كلّ يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أنّ الشروق أدلّ على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل إنّها مائة وثمانون إنّما يصحّ لو لم تختلف أوقات الانتقال.2
(يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ): أي يغشي كلّ واحد منهما الآخر كأنّه يلفّ عليه لفّ اللباس باللابس، أو يغيّبه به كما يغيّب الملفوف باللفّافة، أو يجعله كارّاً عليه كروراً متتابعاً تتابع أكوار العمامة (أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ)القادر

1 . تفسير العياشي: 3 / 143، برقم 35، المستدرك (سورة يس).
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 4 .

صفحه 166
على كلّ ممكن، الغالب على كلّ شيء (الْغَفَّارُ) حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة.1
(لِتَسْكُنُوا فِيهِ): أي لتستريحوا فيه بأن خلقه بارداً مظلماً ليؤدِّي إلى ضعف المحرّكات وهدوء الحواسّ. (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) يبصر فيه أو به، وإسناد الإبصار إليه مجاز ومبالغة، ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال.2
(لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ)قال الطبرسي (رحمه الله): وإن كان فيهما منافع كثيرة لأنّهما ليسا بخالقين (وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلَقَهُنَّ)وتأنيث الضمير لأنّ غير ما يعقل يجمع على لفظ التأنيث، ولأنّه في معنى الآيات (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): أي إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا لله دون غيره.3
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان) أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدونها، وهما يدلاّن على عدد الشهور والسنين والأوقات; عن ابن عبّاس وغيره، فأُضمر يجريان، وحذفه لدلالة الكلام عليه. وتحقيق معناه أنّهما يجريان على وتيرة واحدة وحساب بيّن متّفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت، فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً وشيء، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً فيجريان أبداً على هذا الوجه، وإنّما خصّهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للنّاس من النور والضياء ومعرفة الليل والنهار ونضج الثمار إلى غير ذلك، فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق .4
(رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ): أي مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما.

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 58 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 99 .
3 . مجمع البيان: 9 / 25، نقلاً بالمعنى.
4 . مجمع البيان: 9 / 330 .

صفحه 167
وقيل: مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما.1
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)قيل: فيه وجوه: أحدها: أنّ المعنى: وجعل القمر نوراً في السماوات والأرض ; عن ابن عبّاس، قال: يضيء ظهره لما يليه من السماوات، ويضيء وجهه لأهل الأرض وكذلك الشمس .
وثانيها: أنّ معنى (فِيهِنَّ)معهنّ، يعني: وجعل القمر معهنّ أي مع خلق السماوات نوراً لأهل الأرض.
وثالثها: أنّ معنى (فِيهِنَّ)في حيّزهنّ، وإن كان في واحدة منها كما تقول: «إنّ في هذه الدور لبئراً» وإن كانت في واحدة منها، لأنّ ما كان في إحداهنّ كان فيهنّ، وكما تقول: «أتيت بني تميم» وإنّما أتيت بعضهم.
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا): أي مصباحاً تضيء لأهل الأرض، فهي سراج العالم كما أنّ المصباح سراج الإنسان .2
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (كَلاَّ): أي حقّاً، وقيل: معناه ليس الأمر على ما يتوهّمونه (وَالْقَمَرِ) أُقسم بالقمر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه وغروبه ومسيره وزيادته ونقصانه (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ)قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف «إذ» بغير ألف «أدبر» بالألف، والباقون «إذا» بالألف «دبر» بغير الألف; فعلى الأوّل أُقسم بالليل إذا ولّى وذهب، يقال: دبر وأدبر; عن قتادة. وقيل: دبر إذا جاء بعد غيره، وأدبر إذا ولّى مدبراً، فعلى هذا يكون المعنى في «إذا دبر» إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي «إذ أدبر» إذا ولّى الليل فجاء الصبح عقيبه، وعلى القول الأوّل فهما 3 لغتان معناهما ولّى وانقضى. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ): أي أضاء وأنار. وقيل:

1 . مجمع البيان: 9 / 335، بتصرف .
2 . مجمع البيان: 10 / 136.
3 . في البحار: فيهما.

صفحه 168
معناه إذا كشف الظلام وأضاء الأشخاص، وقال قوم: التقدير في هذه الأقسام: «وربّ هذه الأشياء» لأنّ اليمين لا يكون إلاّ بالله تعالى. (إِنَّهَا): أي السفر الّتي هي النور 1 (لإِحْدَى الْكُبَرِ): أي لإحدى العظائم و (الْكُبَرِ) جمع الكبرى.2
(وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً): أي راحة ودعة لأجسادكم، أو قطعاً لأعمالكم وتصرفّكم، إذ ليس بموت على الحقيقة ولا مخرجاً عن الحياة والإدراك (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً): أي غطاءً وسترة يستر كلّ شيء بظلمته وسواده (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً): أي مطلب معاش ومبتغاه، أو وقت معاشكم لتتصرّفوا في معايشكم (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً): أي سبع سماوات (شِدَاداً) محكمة أحكمنا صنعها وأوثقنا بناءها (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً) يعني الشمس جعلها سبحانه سراجاً للعالم وقّاداً متلألئاً بالنور يستضيئون به، قال مقاتل: جعل فيه نوراً وحرّاً، والوهج مجمع النور والحرّ.3
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ): أي نهبّ (4) ضوْءُها ونورها فأظلمت واضمحلّت; عن ابن عبّاس وغيره. وقيل: أُلقيت ورمي بها. وقيل: جمع ضوْءُها ولفّت كما تلفّ العمامة. (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ): اي تساقطت وتناثرت، يقال: انكدر الطائر من الهواء إذا انقضّ. وقيل: تغيّرت، والأوّل أولى لقوله: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ). (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ): أي [ إذا ] أدبر بظلامه ; عن عليّ (عليه السلام). وقيل: أقبل بظلامه وقيل: أظلم. (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ): أي إذا أسفر وأضاء، والمعنى: امتدّ ضوْءُه حتّى يصير نهاراً .4
(وَالْفَجْرِ) أقسم سبحانه بفجر النهار وهو انفجار الصبح كلّ يوم. وقيل:

1 . في المصدر: النار.
2 . مجمع البيان: 10 / 183 ـ 186 .
3 . مجمع البيان: 10 / 240.   4 . في المصدر: ذهب.
4 . مجمع البيان: 10 / 276 ـ 280 .

صفحه 169
فجر ذي الحجّة، وقيل: فجر أوّل المحرّم، وقيل: فجر يوم النحر، وقيل: أراد بالفجر النهار (وَلَيَال عَشْر) يعني العشر من ذي الحجّة، وقيل: العشر الأُخر من شهر رمضان. وقيل: عشر موسى للثلاثين ليلة الّتي أتمّها الله بها (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)أراد جنس الليالي، أقسم بالليل إذا مضى بظلامه. وقيل: إنّما أضاف اليسر 1 إليه لأنّ الليل يسير بمسير الشمس في الفلك وانتقالها من أُفق إلى أُفق. وقيل: إذا يسر: إذا جاء وأقبل إلينا ويريد كلّ ليلة. وقيل: إنّها ليلة المزدلفة وفيها يسري الحاجّ من عرفة إليها ويغدي منها إلى منى .2 وأصل «يسر» يسري، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً ولرعاية الفواصل.
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)أقسم سبحانه بالشمس لكثرة الانتفاع بها وبضحاها وهو امتداد ضوئها وانبساطه. وقيل: هو النهار كلّه، وقيل: حرّها (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا): أي تبعها فأخذ من ضوئها وسار خلفها، قالوا: وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقيل: تلاها ليلة الهلال وهي أوّل ليلة من الشهر. وقيل: في الخامس عشر. وقيل: في الشهر كلّه فهو في النصف الأوّل يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها وفي النصف الأخير يتلو غروبها بالطلوع (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا): أي جلّى الظلمة وكشفها، أو أبرز الشمس وأظهرها (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا): أي يغشى الشمس حتّى تغيب فتظلم الآفاق ويلبسها سواده.3
(وَالضُّحَى)قال الطبرسي (رحمه الله): أقسم سبحانه بضوء النهار كلّه، من قولهم: «ضحى فلان للشمس» إذا ظهر لها، ويدلّ عليه قوله [ سبحانه ] في مقابلته (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أي سكن واستقرّ ظلامه، وقيل: المراد بالضحى أوّل ساعة من

1 . في المصدر: السير.
2 . مجمع البيان: 10 / 347 ـ 348 .
3 . مجمع البيان: 10 / 369 ـ 370 .

صفحه 170
النهار، وقيل: صدر النهار وهي الساعة الّتي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحرّ والبرد والشتاء والصيف، وقيل: معناه وربّ الضحى وربّ الليل إذا سجى، وقيل: إذا سجى: إذا غطى بالظلمة كلّ شيء، وقيل: إذا أقبل ظلامه.1
   
(بِرَبِّ الْفَلَقِ): أي بربّ الصبح وخالقه ومدبّره ومطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) من الجنّ والإنس وسائر الحيوانات، وإنّما سمّي الصبح «فلقاً» لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام. وقيل: الفلق: المواليد، وجبّ في جهنّم (وَمِنْ شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ): أي ومن شرّ الليل إذا دخل بظلامه. فالمراد من شرّ ما يحدث في الليل من الشرّ والمكروه، وإنّما خصّ لأنّ الفسّاق يقدمون على الفساد بالليل، وكذلك الهوامّ والسباع تؤذي فيه أكثر.2

[ الباب التاسع ]

علم النجوم والعمل به وحال المنجّمين3

الآيات:

الصافات (37): (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ). 88 و 89 .

التفسير:

طرح السيّد المرتضى (رحمه الله) في كتاب «تنزيه الأنبياء» في هذه الآية سؤالين: أحدهما أنّه حكي عن نبيّه النظر في النجوم، وعندكم أنّ الّذي يفعله المنجّمون في

1 . مجمع البيان: 10 / 381.
2 . مجمع البيان: 10 / 493 .
3 . بحار الأنوار : 55 / 217 ـ 219، الباب 10.

صفحه 171
ذلك ضلال. والآخر قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) وذلك كذب. ثمّ أجاب بوجوه:
الأوّل: أنّ إبراهيم (عليه السلام)كانت به علّة تأتيه في أوقات مخصوصة، فلمّا دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علّته، فقال: إنّي سقيم وأراد أنّه حضر وقت العلّة وزمان نوبتها، وشارفت الدخول فيها، وقد تسمّي العرب المشارف للشيء باسم الداخل فيه، كما قال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)1 .
فإن قيل: لو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر إلى النجوم. لأنّ لفظة «في» لا تستعمل إلاّ فيمن ينظر كما ينظر المنجّم.
قلنا: حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال سبحانه: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ )2 وإنّما أراد على جذوعها.
الثاني: أنّه يجوز أن يكن الله أعلمه بالوحي أنّه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل، وإن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، وجعل تعالى العلامة على ذلك ظاهراً له من قبل النجوم، إمّا لطلوع نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر، فلمّا نظر إبراهيم (عليه السلام)في الأمارة الّتي نصبت له من النجوم قال: إنّي سقيم تصديقاً لما أخبره الله تعالى.
الثالث: ما قاله قوم في ذلك أنّ من كان آخر أمره الموت فهو سقيم، وهذا لأنّ تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه.
الرابع: أن يكون قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) معناه أنّي سقيم القلب أو الرأي، خوفاً من إصرار قومه على عبادة الأصنام، وهي لا تسمع ولا تبصر، ويكون قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)على هذا معناه أنّه نظر وفكّر في أنّها محدثة مدبّرة مصرّفة،

1 . الزمر: 30 .
2 . طه: 71 .

صفحه 172
وعجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حين يعبدونها. ويجوز أيضاً أن يكون قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)معناه أنّه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكّر المتأمّل، فإنّه ربّما أطرق إلى الأرض وربّما نظر إلى السماء استعانة على فكره، وقد قيل: إنّ النجوم هاهنا نجوم النبت، لأنّه يقال لكلّ ما خرج من الأرض وغيرها وطلع: أنّه ناجم ونجم، ويقال للجميع: نجوم، ويقولون: نجم قرن الظبي ونجم ثدي المرأة، وعلى هذا الوجه يكون إنّما نظر في حال الفكر والإطراق إلى الأرض، فرأى ما نجم منها. وقيل أيضاً: إنّه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد أن لم يكن ظاهراً، وهذا وإن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه، لأنّ الإطلاق في قول القائل: «نجوم» لا يفهم من ظاهره إلاّ نجوم السماء دون نجوم الأرض ونجوم الرأي. وقال أبو مسلم الإصفهاني: إنّ معنى قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)أراد في القمر والشمس لمّا ظنّ أنّهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصّه الله تعالى من قصّته في سورة الأنعام، ولمّا استدلّ بأُفولها وغروبها على أنّها محدثة غير قديمة ولا آلهة، وأراد بقوله (إنِّي سَقِيمٌ) أنّي لست على يقين من الأمر ولا شفاء من العلم، وقد يسمّى الشكّ بأنّه سقم كما يسمّى العلم بأنّه شفاء. ثمّ اعترض عليه بأنّه مخالف لسياق الآيات. (انتهى ملخّص كلامه).1
وأقول: يمكن أن يقال: إنّ حرمة النظر في النجوم على الأنبياء والأئمّة العالمين بها حقّ العلم، غير مسلّم، وإنّما يحرم على غيرهم لعدم إحاطتهم بذلك ونقص علمهم، كما ستعرف عند شرح الأخبار.

1 . تنزيه الأنبياء: 45 ـ 48 .

صفحه 173

[ الباب العاشر ]

في النهي عن الاستمطار بالأنواء والطيرة والعدوى1

الآيات:

النمل (27): (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ). 47.
يس (36): (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلََيمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ). 18 و 19 .
الواقعة (56): (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ). 82 .

التفسير:

(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ): أي تشأمنا بكم إذ تتابعت علينا الشدائد من القحط وغيره، ووقع بيننا الافتراق بما اخترعتم من دينكم (قَالَ طَائِرُكُمْ): أي سببكم الّذي جاء منه شرّكم (عِنْدَ اللهِ)وهو قضاؤه وقدره، أو أعمالكم السيّئة المكتوبة عنده (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ): أي تختبرون بتعاقب السرّاء والضرّاء، وفيه دلالة على أنّه لا أصل للطيرة، وأنّ ما يقع من الخير والشرّ بقدر الله مترتّباً على الأعمال الحسنة والسيّئة، كما قال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)2 قال صاحب الكشّاف: كان الرجل يخرج مسافراً فيمرّ بطير فيزجره فإن مرّ سانحاً تيمّن، وإن مرّ بارحاً تشاءم، فلمّا نسبوا الخير والشرّ إلى الطائر

1 . بحار الأنوار : 55 / 312 ـ 313، الباب 11 .
2 . الشورى: 30 .

صفحه 174
استعير لما كان سبباً للخير والشر وهو قدر الله وقسمته.1
(إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ)قال البيضاوي : تشأمنا بكم، وذلك لاستغرابهم ما ادّعوه واستقباحهم له وتنفّرهم عنه (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا)عن مقالتكم هذه (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ)سبب شؤمكم معكم، وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم، (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)وعظتم به، وجواب الشرط محذوف مثل «تَطَيَّرْتم» أو «توعّدتم بالرجم والتعذيب» (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فمن ثمّ جاءكم الشوم، أو في الضلال ولذلك توعّدتم وتشأمتم بمن يجب أن يكرم ويتبرّك به .2
باب السنين والشهور وأنواعهما والفصول وأحوالها   
(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي وتجعلون حظّكم من الخير الّذي هو كالرزق لكم أنّكم تكذّبون به. وقيل: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب; عن ابن عبّاس قال: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم)فسُقوا، فسمع رجلاً يقول: مطرنا بنوءِ كذا، فنزلت الآية. وقيل: معناه وتجعلون حظّكم من القرآن الّذي رزقكم الله التكذيب به ; عن الحسن .3
وقرأه عليّ (عليه السلام)وابن عبّاس ورويت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): وتجعلون شكركم، فالمعنى: تجعلون مكان الشكر الّذي يجب عليكم التكذيب وقد يكون المعنى: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، قال ابن جنيّ: هو على (وَتَجْعَلُونَ) بدل شكركم»4.

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 151.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 429.
3 . مجمع البيان: 9 / 377.
4 . مجمع البيان: 9 / 374 ـ 375 .

صفحه 175

أبواب

الأزمنة وأنواعها وسعادتها ونحوستها وسائر أحوالها

[ الباب الحادي عشر]

باب السنين والشهور وأنواعهما والفصول وأحوالها1

الآيات:

التوبة (9): (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ـ إلى قوله تعالى: ـ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). 36 و 37 .

التفسير:

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ)قال الرازي: اعلم أنّ السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهراً من الشهور القمريّة، والدليل عليه هذه الآية، وأيضاً قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) 2، فجعل تقدير القمر بالمنازل علّة للسنين، وذلك إنّما يصحّ إذا كانت السنة معلّقة بسير القمر، وأيضاً قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ

1 . بحار الأنوار : 55 / 337 ـ 373، الباب 13 .
2 . يونس: 5 .

صفحه 176
وَالْحَجِّ)1، وعند سائر الطوائف عن المدّة الّتي تدور الشمس فيها دورة تامّة. والسنة القمريّة أقلّ من الشمسيّة بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمريّة من فصل إلى فصل، فيكون الحجّ واقعاً في الشتاء مرّة وفي الصيف أُخرى، وكان يشقّ عليهم الأمر بهذا السبب، وأيضاً إذا حضروا الحجّ حضروا للتجارة، وربّما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجّار من الأطراف، وكان يخلّ بأسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسيّة وعند ذلك بقي زمان الحجّ مختصّاً (بوقت معيّن، فهو أخف)2 لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسيء وإن صار سبباً لحصول المصالح الدنيويّة إلاّ أنّه لزم منه تغيّر حكم الله تعالى; لأنّه لمّا خصّ الحجّ بأشهر معلومة على التعيين وكان بسبب النسيء يقع في سائر الشهور (فتغيّر حكم الله لتكليفه)3. والحاصل أنّهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه، فلهذا استوجبوا الذمّ العظيم في هذه الآية.(4)
قال النيسابوريّ: قال المفسّرون: إنّهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشقّ عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتّفق لهم في شهر منها أو في المحرّم حرب أو غارة أخّروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر. قال الواحديّ: وأكثر العلماء على أنّ هذا التأخير كان من المحرّم إلى صفر، ويروى انّه حدث ذلك في كنانة، لأنّهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكنانيّ مطاعاً في قومه، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم فأحلّوه! ثمّ يقوم في القابل فيقول: إنّ آلهتكم قد

1 . البقرة: 189 .
2 . في المصدر: بوقت واحد معيّن موافق .
3 . في المصدر: تغيّر حكم الله وتكليفه.   4 . تفسير الرازي: 16 / 50 .

صفحه 177
حرّمت عليكم المحرّم فحرّموه! والأكثرون على أنّهم كانوا يحرّمون من جملة شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ): أي ليوافقوا العدّة الّتي هي الأربعة ولا يخالفوا، ولم يعلموا أنّهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص، وذلك قوله تعالى: (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ): أي من القتال وترك الاختصاص. قال ابن عبّاس: إنّهم ما أحلّوا شهراً من الأشهر الحُرم إلاّ حرّموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدّة الحرام أربعةً مطابقة لما ذكره الله تعالى. وللآية تفسير آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمريّة بشهر، حتّى يلتحق بالسنة الشمسيّة، وذلك أنّ السنة القمريّة ـ أعني: اثني عشر شهراً قمريّاً ـ هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات والسنة الشمسيّة، وهي عبارة عن عود الشمس من أيّة نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصّة ثلاثمائة وخمسة وستّون يوماً وربع يوم إلاّ كسراً قليلاً، فالسنة القمريّة أقلّ من السنة الشمسيّة بعشرة أيّام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمريّة من فصل إلى فصل، فيكون الحجّ واقعاً في الشتاء مرّةً وفي الصيف أُخرى، وكذا في الربيع والخريف، وكان يشقّ الأمر عليهم، إذ ربّما كان وقت الحجّ غير موافق لحضور التجّار من الأطراف فكان تختلّ أسباب تجاراتهم ومعايشهم، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحجّ دائماً عند اعتدال الهواء وإدراك الثمرات والغلاّت، وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفيّ، فكبسوا تسع عشرة سنة قمريّة بسبعة أشهر قمريّة حتّى صارت تسع عشرة سنة شمسيّة فزادوا في السنة الثانية شهراً ثمّ في الخامسة، ثمّ في السابعة، ثمّ في العاشرة، ثمّ في الثالثة عشر، ثمّ في السادسة عشر، ثمّ في الثامنة عشر، وقد تعلّموا هذه الصنعة من اليهود والنصارى، فإنّهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبيس،

صفحه 178
وسمّي بالنسيء، لأنّه المؤخّر، والزائد مؤخّر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خطب في حجّة الوداع، وكان في جملة ما خطب به: «ألا إنّ الزمان
قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنى عشر شهراً منها أربعة حُرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب مُضّر 1 بين جمادى وشعبان »2. والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحجّ في ذي الحجّة، وبطل النسيء الّذي كان في الجاهليّة، وقد وافقت حجّة الوادع ذا الحجّة في نفس الأمر، وكانت حجّة أبي بكر قبلها في ذي القعدة الّتي سمّوها ذا الحجّة. وإنّما لزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنّهم إذا حكموا على بعض السنين بأنّها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأنّ عدّة الشهور اثنا عشر شهراً، أي لا أزيد ولا أنقص، وإليه الإشارة بقوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)على هذا التفسير، ويلزمهم أيضاً مالزمهم في التفسير الأوّل من تغيير أشهر الحرم عن أماكنها، فتكون الإشارة إلى المجموع. (انتهى).3
وقال الطبرسي (رحمه الله): (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ): أي عدد شهور السنة في حكم الله وتقديره (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)وإنّما تعبّد الله المسلمين أن يجعلوا سنتهم على اثني عشر شهراً ليوافق ذلك عدد الأهلّة ومنازل القمر، دون ما دان به أهل الكتاب، والشهر مأخوذ من شهرة الأمر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم ومحلّ ديونهم وحجّهم وصومهم وغير ذلك من مصالحهم المتعلّقة بالشهور، وقوله: (فِي كِتَابِ

1 . مضر ـ كصرد ـ قبيلة معروفة، ولعلّ إضافة رجب إليها لأجل أنّهم كانوا يعظّمونه دون غيرهم كما قيل. راجع النهاية لابن الأثير: 2 / 197، مادة «رجب».
2 . صحيح البخاري: 5 / 126، باب حجة الوداع وج 6 / 235، كتاب الأضاحي; صحيح مسلم: 5 / 107، باب تغليظ تحريم الدماء; الخصال: 487 ح 63، باب الشهور اثنا عشر شهراً.
3 . تفسير النيسابوري (تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان): 10 / 81 ـ 82 ، المطبوع في حاشية تفسير الطبري (جامع البيان)، دار المعرفة، بيروت ـ 1400 هـ .

صفحه 179
اللهِ)معناه ما كتب الله في اللوح المحفوظ، وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقيل: في القرآن، وقيل: في حكمه وقضائه; عن أبي مسلم. وقوله: (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ)متّصل بقوله: (عِنْدَ اللهِ) والعامل فيها الاستقرار، وإنّما قال ذلك لأنّه يوم خلق السماوات والأرض أجرى فيها الشمس والقمر، وبمسيرهما تكون الشهور والأيّام، وبهما تعرف الشهور (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)ثلاثة منها سرد: ذو القعدة، وذو الحجّة والمحرّم، وواحد فرد وهو رجب، ومعنى (حُرُمٌ)أنّه يحرم انتهاك المحارم فيها أكثر ممّا يحرم في غيرها، وكانت العرب تعظّمها حتّى لو أنّ رجلاً لقي قاتل أبيه فيها لم يهجه لحرمتها، وإنّما جعل الله بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكفّ عن الظلم فيها: لعظم منزلتها; ولأنّه ربّما أدّى ذلك إلى ترك الظلم أصلاً لانطفاء النائرة وانكسار الحميّة في تلك المدّة فإنّ الأشياء تجرّ إلى أشكالها.
وشهور السنة: المحرّم; سُمّي بذلك لتحريم القتال فيه.
وصفر: سُمّي بذلك لأنّ مكّة تصفر من الناس فيه أي تخلو، وقيل: لأنّه وقع وباء فيه فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيد: سُمّي بذلك لأنّه صفرت فيه أوطابهم1 عن اللبن.
وشهرا ربيع: سُمّيا بذلك لإنبات الأرض وإمراعها2 فيهما، وقيل: لارتباع القوم أي إقامتهم.
والجماديان: سُمّيتا بذلك لجمود الماء فيهما.
ورجب: سُمّي بذلك لأنّهم كانوا يرجبونه ويعظّمونه، يقال: رجبته ورجّبته ـ بالتخفيف والتشديد ـ وقيل: سُمّي بذلك لترك القتال فيه، من قولهم: «رجل

1 . الأوطاب: جميع «الوطب» وهو سقاء اللبن. صحاح الجوهري: 1 / 233، مادة «وطب».
2 . أمرع المكان: أخصب. صحاح الجوهري: 3 / 1283، مادة «مرع».

صفحه 180
أرجب» إذا كان أقطع لا يمكنه العمل، وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ في الجنّة نهراً يقال له «رجب» ماؤه أشدّ بياضاً من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوماً من رجب شرب منه».1
وشعبان: سُمّي بذلك لتشعّب القبائل فيه; عن أبي عمرو، وروى زياد بن ميمون أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّما سُمّي شعبان لأنّه يشعب فيه خير كثير لرمضان»2.
وشهر رمضان: سُمّي بذلك لأنّه يرمض الذنوب، وقيل: سُمّي بذلك لشدّة الحرّ، وقيل: إنّ رمضان من أسماء الله تعالى.
وشوّال: سُمّي بذلك لأنّ القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها، وقيل: لشولان الناقة أذنابها فيه .
وذو القعدة: سُمّي بذلك لقعودهم فيه عن القتال.
وذو الحجّة: لقضاء الحجّ فيه.
(ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ): أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح، لا ما كانت العرب تفعله من النسيء، وقيل: معناه ذلك الحساب المستقيم الحقّ، وقيل: معناه ذلك الدين تعبد به، فهو اللازم، (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ): أي في هذه الأشهر كلّها; عن ابن عبّاس. وقيل: في هذه الأشهر الحرم (أَنْفُسَكُمْ) بترك أوامر الله وارتكاب نواهيه، وإذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنّه يكون نهياً عن الظلم في جميع العمر، وإذا عاد إلى الأشهر الحرم ففائدة التخصيص أنّ الطاعة فيها أعظم ثواباً، والمعصية أعظم عقاباً، وذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة، والبقاع المقدّسة .3 (انتهى).

1 . تفسير الثعلبي: 5 / 42.
2 . تفسير الثعلبي: 5 / 42 ; مستدرك الوسائل: 7 / 484 ح 8، الباب 25 من أبواب أحكام شهر رمضان.
3 . مجمع البيان: 5 / 49 ـ 51 .

صفحه 181
أقول: ويحتمل أن يكون المراد: فلا تظلموا أنفسكم في أمرهنّ بهتك حرمتهنّ. وقال الطبرسي (رحمه الله): قال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كلّ شهر عامين، فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين ثمّ حجّوا في صفر عامين وكذلك في الشهور، حتّى وافقت الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة، ثمّ حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في العام القابل حجّة الوداع، فوافقت ذا الحجّة فلذلك قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته: «ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» (الخبر) أراد (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحجّ إلى ذي الحجّة، وبطل النسيء .1
(يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)قال البيضاوي : أي ضلالاً زائداً، وقرأ حمزة والكسائيّ وحفص (يُضَلُّ)على البناء للمفعول. (يُحِلُّونَهُ عَامًا): أي يحلّون النسيء من الأشهر الحرم سنة، ويحرّمون مكانه شهراً آخر (وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا)فيتركونه على حرمته (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ): أي ليوافقوا عدّة الأربعة المحرّمة، واللاّم متعلّقة بيحرّمونه أو بما دلّ عليه مجموع الفعلين (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ)بمواطاة العدّة وحدها من غير مراعاة الوقت.2

1 . مجمع البيان: 5 / 54.
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 145. أقول: لقد بحث العلاّمة المجلسي في نهاية هذا الباب بحثاً مفصّلاً حول مصطلح الشهور والسنين وأقسامها (السنة القمرية والشمسية والرومية) وبداية التاريخ الهجري وما يتعلّق به; كما ذكر فوائد خمس حول عدد أيام السنة، واختلاف السنة القمرية مع الشمسية في عدد الأيام، وبناء الكثير من الأُمور الشرعية كالصوم وغيره على عدّ الشهور القمرية تامّة وناقصة، ومدة الشهر القمري بصورة دقيقة، وتعيين ولادة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)واختلاف الروايات فيها وفي غيرها من الأحداث المهمة... والبحث ينمّ عن تبحّر العلاّمة في هذا المجال، وهو جدير بالمطالعة، تركنا ذكره هنا خوف الإطالة، فمن أراد الاطّلاع فيراجع بحار الأنوار: 55 / 343 ـ 373 .

صفحه 182

أبواب الملائكة

[ الباب الثاني عشر ]

   

حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم1

الآيات:

البقرة (2): (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)ـ إلى قوله تعالى: ـ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). 30 ـ 34 .
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ). 97 و 98.
وقال تعالى: (تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ). 248 .
آل عمران (3): (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَ أُولُو الْعِلْمِ). 18.
وقال سبحانه: (فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ). 39.
وقال عزّ وجلّ: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ)ـ الآية ـ . 42.
وقال عزّ وجلّ: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ) ـ الآية ـ . 45.
الأنعام (6): (وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ). 8
و 9 .

1 . بحار الأنوار : 56 / 144 ـ 171، الباب 23 .

صفحه 183
وقال سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ). 61.
وقال تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ). 93.
وقال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ). 158.
الأنفال (8): (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)ـ إلى قوله تعالى ـ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا). 9 ـ 12.
الرعد (13):(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ). 11.
وقال تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ). 13.
الحجر (15): (مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ). 8 .
وقال سبحانه: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا)إلى آخر القصّة ـ . 51 ـ 60 .
الإسراء (17): (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً). 95.
مريم (19): (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا). 17.
الحج (22): (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ). 75 .
الفرقان (25): (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرى يَوْمَئِذ لِلْمُجْرِمِينَ ـ إلى قوله تعالى ـ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً). 22 ـ 25 .
الأحزاب (33): (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا). 9.

صفحه 184
سبأ (34): (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ). 40 ـ 41 .
فاطر (35): (جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَة مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ). 1 .
الصافات (37): (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا). 1 ـ 3 .
وقال تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَُمحْضَرُونَ ـ إلى قوله سبحانه ـ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ). 149 ـ 166 .
الزمر (39): (وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ). 75 .
فصّلت (41): (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُور رَحِيم). 30 ـ 32.

صفحه 185
وقال سبحانه: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ). 38 .
الشورى (42): (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ). 5.
الزخرف (43): (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ـ إلى قوله ـ وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ). 15 ـ 19 .
وقال تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ). 60 .
الذاريات (51): (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا). 4 .
الحاقّة (69): (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا). 17.
المعارج (70): (تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة). 4.
المدثر (74): (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا). 30 و 31 .
المرسلات (77): (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا). 1 ـ 6 .
النبأ (78): (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً). 38.
النازعات (79): (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا). 1 ـ 5 .

صفحه 186
عبس (80): (بَأَيْدِي سَفَرَة * كِرَام بَرَرَة ). 15 ـ 17 .

التفسير:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ)قد مرّ تفسيرها في المجلّد الخامس،1 وتدلّ الآيات على كثير من أحوال الملائكة.
(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)قال الطبرسي (رحمه الله): روي أنّ ابن صوريا وجماعة من يهود فدك أتوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه عن مسائل فأجابهم، فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتّبعتك: أيّ ملك يأتيك بما أنزل الله عليك؟ قال: فقال: جبرئيل، قال: ذلك عدوّنا وينزل بالقتال والشدّة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك لآمنّا بك، فأنزل الله هذه الآية: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ)لا من تلقاء نفسه، وإنّما أضافه إلى قلبه لأنّه إذا أُنزل عليه كان يحفظه ويفهمه بقلبه، ومعنى قوله: (بِإِذْنِ اللهِ)بأمر الله. وقيل: أراد بعلمه أو بإعلام الله إيّاه ما ينزّله على قلبك (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): أي من الكتب موافقا لها (وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) معناه كان فيما أنزله من الأمر بالحرب والشدّة على الكافرين فإنّه هدى وبشرى للمؤمنين (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ)معناه من كان معادياً لله، أي يفعل فعل المعادي من المخالفة والعصيان. وقيل: المراد معاداة أوليائه (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)أعاد ذكرهما لفضلهما، ولأنّ اليهود خصّوهما بالذكر (فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) إنّما لم يقل (لهم) لأنّه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان. (انتهى) .2
وأقول: الظاهر أنّ التعبير بالكافرين عنهم لبيان أنّ هذا أيضاً من موجبات

1 . راجع بحار الأنوار : 11 / 98 .
2 . مجمع البيان: 1 / 315 ـ 316 نقلاً بالمعنى والتلخيص.

صفحه 187
كفرهم، وتدلّ الآية على أنّه تجب محبّة الملائكة وأنّ عداوتهم كفر.
(وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي نشاهده فنصدّقه (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا)على ما اقترحوه لما آمنوا به، فاقتضت الحكمة استئصالهم، وذلك معنى قوله: (لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ). وقيل: معناه لو أنزلنا ملكاً في صورته لقامت الساعة أو وجب استئصالهم (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا): أي الرسول والّذي1ينزل عليه ليشهد بالرسالة كما يطلبون ذلك (لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً)لأنّهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، لأنّ أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلاّ بعد التجسّم بالأجسام الكثيفة، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس، وكان جبرئيل (عليه السلام)يأتي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في صورة دحية الكلبيّ، وكذلك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب وإتيانهم إبراهيم ولوطاً في صورة الضيفان من الآدميّين (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) قال الزجّاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم 2 في أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فيقولون: إنّما هذا بشر مثلكم، فقال: لو أنزلنا ملكاً فرأوهم الملك رجلاً لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم. وقيل: لو أنزلنا ملكاً لما عرفوه إلاّ بالتفكّر وهم لا يتفكّرون فيبقون في اللبس الّذي كانوا فيه. وأضاف اللبس إلى نفسه لأنّه يقع عند إنزاله الملائكة.3
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً): أي ملائكة يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم ويكتبونها، وفي هذا لطف للعباد لينزجروا عن المعاصي إذا علموا أنّ عليهم حفظة من عندالله يشهدون بها عليهم يوم القيامة (تَوَفَّتْهُ): أي تقبض روحه (رُسُلُنَا): أي اعوان ملك الموت، عن ابن عباس وغيره: قالوا: وإنّما يقبضون بأمره، ولذا أضاف التوفّي إليه في قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ

1 . في المصدر: أي لو جعلنا الرسول ملكاً أو الّذي...
2 . الضعفة كالطلبة جمع «الضعيف».
3 . مجمع البيان: 4 / 14.

صفحه 188
مَلَكُ الْمَوْتِ )1. (وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ): أي لا يضيّعون أو لا يغفلون ولا يتوانون أو لا يعجزون.2
وقال البيضاوي في قوله سبحانه: (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ): حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه، أي ولوترى الظالمين (فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ): أي في شدائده، من غمره الماء إذا غشيه (وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ) بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظّ 3 أو بالعذاب (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ): أي يقولون لهم: أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظاً وتعنيفاً عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلّصوها من أيدينا (الْيَوْمَ)يريد به وقت الإماتة أو الوقت الممتدّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له (تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): أي الهوان يريد العذاب المتضمّن لشدّة وإهانة.4 (انتهى).
(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ)قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في الضمير الّذي في (لَهُ) على وجوه:
أحدها: أنّه يعود إلى(مَنْ)في قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ).
والآخر: أنّه يعود إلى اسم الله تعالى وهو عالم الغيب والشهادة.
وثالثها: أنّه يعود إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ)، واختلف في المعقّبات على أقوال:
أحدها: أنّها الملائكة يتعاقبون، تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار، وملائكة النهار ملائكة الليل، وهم الحفظة يحفظون على العبد عمله، وقال الحسن: هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر، وهو معنى قوله: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ

1 . السجدة: 11 .
2 . مجمع البيان: 4 / 74.
3 . أي الملازم الملحّ.
4 . تفسير البيضاوي: 2 / 431.

صفحه 189
مَشْهُودًا) 1 وقد روي ذلك أيضاً عن أئمّتنا(عليهم السلام).
والثاني: أنّهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتّى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون بينه وبين المقادير; عن عليّ (عليه السلام). وقيل: هم عشرة أملاك على كلّ آدميّ يحفظونه من بين يديه ومن خلفه (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ): أي يطوفون به كما يطوف الملك الموكّل بالحفظ. وقيل: يحفظون ما تقدّم من عمله وما تأخّر إلى أن يموت فيكتبونه. وقيل: يحفظونه من وجوه المهالك والمعاطب، ومن الجنّ والإنس والهوامّ، وقال ابن عبّاس: يحفظونه ممّا لم يقدّر نزوله فإذا جاء المقدّر بطل الحفظ. وقيل: من أمر الله أي بأمر الله. وقيل: يحفظونه عن خلق الله، فتكون (من) بمعنى عن، قال كعب: لولا أنّ الله وكّل بكم ملائكته يذّبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، ليخطفنّكم الجنّ.2 (انتهى).
وقال الرازي في تفسيره: روي أنّه قيل: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ملك عن يمينك للحسنات هو أمين على الّذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتب عشراً، وإذا عملت سيّئة قال الّذي على الشمال لصاحب اليمين: اكتب. قال: لا، لعلّه يتوب، فإذا قال ثلاثاً قال: نعم، أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقلّ مراقبته لله واستحياءه منّا! فهو قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)، وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لربّك رفعك، وإن تجبّرت قصمك، وملكان على شفتيك يحفظان عليك الصلاة، وملك على فيك لا يدع أن تدخل الحيّة في فيك، وملك على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كلّ آدميّ، ملائكة اللّيل وملائكة النهار، فهم عشرون ملكاً على كلّ آدمي.

1 . الإسراء: 78 .
2 . مجمع البيان: 6 / 19 .

صفحه 190
فإن قيل: ما الفائدة في اختصاص هؤلاء الملائكة مع بني آدم وتسليطهم عليهم ؟
قلنا: فيه وجوه:
الأوّل: أنّ الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات.
الثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلاّ ومعه ملك موكّل يحفظه من الجنّ والإنس والهوامّ في نومه ويقظته.
الثالث: أنّا نرى أنّ الإنسان قد يقع في قلبه داع قوّي من غير سبب، ثم يظهر بالأخرة أنّ وقوع تلك الداعية في قلبه كان سبباً من أسباب مصلحته وخيراته، وقد ينكشف أيضاً بالأخرة أنّه كان سبباً لوقوعه في آفة أو معصية ومفسدة، فظهر أنّ الداعي إلى الأمر الأوّل كان مريداً للخير والراحة، وإلى الأمر الثاني كان مريداً للفساد والمحنة، والأوّل هو الملك الهادي، والثاني هو الشيطان المغوي.
الرابع: أنّ الإنسان إذا علم أنّ الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب، لأنّ من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلوّ مراتبهم، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنّهم يشاهدونها، زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره إذا حضر من يعظّمه من البشر، وإذا علم أنّ الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل.1
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا): أي العابدين لغير الله والمعبودين (أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)على الإنكار ليعترفوا بخلافه (قَالُوا سُبْحَانَكَ): أي تنزيهاً لك عن أن يعبد سواك (أَنْتَ وَلِيُّنَا): أي ناصرنا وأولى بنا من دونهم، أي من دون هؤلاء الكفّار، وما كنّا نرضى بعبادتهم إيّانا (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ): أي إبليس وذرّيته

1 . تفسير الرازي: 19 / 18 ـ 21 .

صفحه 191
حيث أطاعوهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة وغيرهم (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) مصدّقون بالشياطين مطيعون لهم.
(جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً)قال الطبرسي (رحمه الله): أي إلى الأنبياء بالرسالات والوحي (أُولِي أَجْنِحَة)جعلهم كذلك ليتمكّنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الأرض، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة; عن قتادة وقال «يزيد فيها ما يشاء وهو قوله: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، قال ابن عبّاس: رأى رسول الله جبرئيل ليلة المعراج وله ستّمائة جناح، وقيل: أراد بقوله: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) حسن الصوت. وقيل: هو الملاحة في العينين، وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن».1
(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ)قال البيضاوي : أمر باستفتائهم حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أُخرى: التجسيم وتجويز الفناء على الله، فإنّ الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيل أنفسهم عليه على وجه القسمة حيث جعلوا أوضع الجنسين له، وأرفعهما لهم، واستهانتهم بالملائكة حيث أنّثوهم، ولذلك كرّر الله إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مراراً، وجعله ممّا (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)(2)، والإنكار هاهنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما; ولأنّ فسادهما ممّا تدركه العامّة بمقتضى طباعهم، حيث جعل المعادل للاستفهام على التقسيم (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ)وإنّما خصّ علم المشاهدة; لأنّ أمثال ذلك لا تعلم إلاّ به، فإنّ الأُنوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن معرفته بالعقل الصرف، مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنّهم لفرط جهلهم ينبؤون به كأنّهم قد شاهدوا خلقهم (أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ

1 . مجمع البيان: 8 / 232 .   2 . مريم: 90 .

صفحه 192
إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ)لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يتديّنون به (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ) استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بما لا يرتضيه عقل (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) أنّه منزّه عن ذلك (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ) حجّة واضحة نزلت عليكم من السماء بأنّ الملائكة بناته (فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ)الّذي أنزل عليكم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)يعني الملائكة، ذكرهم باسم جنسهم وضعاً منهم أن يبلغوا هذه المرتبة، وقيل قالوا: إنّ الله صاهر الجنّ فخرجت الملائكة، وقيل: قالوا الله والشيطان أخوان (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ)أنّ الكفرة أو الإنس أو الجنّة إن فسّرت بغير الملائكة (لَمُحْضَرُونَ) في العذاب (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديّة بالردّ على عبدتهم، والمعنى: وما منّا أحد إلاّ له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله تعالى في تدبير العالم (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) في أداء الطاعة ومنازل الخدمة (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)المنزّهون الله عمّا لا يليق به، ولعلّ الأوّل إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)هذا قول جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقيل: إنّه قول الملائكة، وفيه مضمر أي: وما منّا معشر الملائكة ملك إلاّ وله مقام معلوم في السماوات يعبد الله فيه. وقيل: معناه أنّه لا يتجاوز ما أُمر به ورتّب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الّذي حدّ له، فكيف يجوز له أن يعبد من هو بهذه الصفة وهو عبد مربوب؟ (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)حول العرش ننتظر الأمر والنهي من الله تعالى. وقيل: القائمون صفوفاً في الصلاة. قال الكلبيّ: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض، وقال الجبائيّ: صافّون بأجنحتنا في

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 28 ـ 31 .

صفحه 193
الهواء للعبادة والتسبيح (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ): أي المصلّون المنزّهون الربّ عمّا لا يليق به. ومنه قيل: فرغت من سبحتي أي من صلاتي، وذلك لما في الصلاة من تسبيح الله وتعظيمه، والمسبّحون القائلون سبحان الله على وجه التعظيم لله.1
وقال في قوله تعالى: (وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ)معناه ومن عجائب أُمور الآخرة أنّك ترى الملائكة محدقين بالعرش يطوفون حوله (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): أي ينزّهون الله تعالى عمّا لا يليق به ويذكرونه بصفاته الّتي هو عليها. وقيل: يحمدون الله تعالى حيث دخل الموحّدون الجنّة.(2)
وفي قوله: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ): يعني عند الموت، روي ذلك عن أبي عبدالله (عليه السلام). وقيل: تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى. وقيل: إنّ البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث. (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ): أي نحن معاشر الملائكة أنصاركم وأحبّاؤكم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)نتولّى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى (وَفِي الاْخِرَةِ)نتولاّكم بأنواع الإكرام والمثوبة. وقيل: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا أي نحن نحرسكم في الدنيا وعند الموت وفي الآخرة ; عن أبي جعفر (عليه السلام).2
(فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ): أي جميع الملائكة أو طائفة مخصوصة منهم، وعلى الأوّل دوام تسبيحهم لا ينافي اشتغالهم بسائر الخدمات، مع أنّ تلك الخدمات أيضاً نوع من تسبيحهم (وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ): أي لا يملّون ولا يفترون.
وقال الرازي في قوله تعالى: (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): اعلم أنّ مخلوقات الله نوعان: [ نوع ] عالم الجسمانيّات وأعظمها السماوات، وعالم الروحانيّات وأعظمها الملائكة، فبيّن سبحانه كمال عظمته باستيلاء هيبته على

1 . مجمع البيان: 8 / 337 .   2 . مجمع البيان: 8 / 421 .
2 . مجمع البيان: 9 / 21 ـ 22.

صفحه 194
الجسمانيّات فقال: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)1 ثمّ انتقل إلى ذكر الروحانيّات فقال: (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)والجواهر الروحانيّة لها تعلّقان: تعلّق بعالم الجلال والكبرياء وهو تعلّق القبول فإنّ الأضواء الصمديّة إذا أشرقت على الجواهر الروحانيّة استضاءت جواهرها وأشرقت ماهيّاتها، ثمّ إنّ الجواهرالروحانية إذا استفادت تلك القوى الربانيّة قويت بها على الاستيلاء على عالم الجسمانيّات، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى حضرة الجلال، ووجه إلى عالم الأجسام، والوجه الأوّل أشرف من الثاني. إذا عرفت هذا فنقول: أمّا الجهة الأُولى وهي الجهة المقدّسة العلوية فقد اشتملت على أمرين: أحدهما التسبيح، والثاني التحميد; لأنّ التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عمّا لا ينبغي، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه معطياً لكلّ الخيرات، وكونه منزّهاً في ذاته عمّا لا ينبغي، مقدّم بالرتبة على كونه فيّاضاً للخيرات والسعادات، لأنّ وجود الشيء وحصوله في نفسه مقدّم على تأثيره في حصول غيره، فلهذا السبب كان التسبيح مقدّماً على التحميد، ولهذا قال: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ). وأمّا الجهة الثانية وهي الجهة الّتي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيّات فالإشارة إليها بقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ)والمراد منها تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الأصوب فيها.(2) (انتهى).
واستدلّ بالآية على عصمة الملائكة، لأنّهم لو كانوا مذنبين كانوا يستغفرون لأنفسهم قبل استغفارهم لغيرهم، وفيه نظر.(3)
(وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا)فقالوا الملائكة بنات الله، وسمّاه جزءاً لأنّ الولد جزء من الوالد، وهو يستلزم التركيب المنافي لوجوب الوجود (لَكَفُورٌ مُبِينٌ): أي ظاهر الكفران. (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً): أي

1 . الشورى: 5 .      2 . تفسير الرازي: 27 / 144 ـ 145 .   3 . لاحظ : تفسير الرازي: 27 / 146.

صفحه 195
بالجنس الّذي جعله له مثلاً، إذ الولد لابدّ أن يماثل الوالد (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا): أي صار وجهه أسود في الغاية، لما يعتريه من الكآبة (وَهُوَ كَظِيمٌ): أي مملوء قلبه من الكرب (أِوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ): أي أو جعلوا له أو اتّخذ من يتربّى في الزينة يعني البنات (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ): أي في المجادلة (غَيْرُ مُبِين): أي غير مقرّر لما يدّعيه من نقصان العقل وضعف الرأي (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)كفر آخر تضمّنه مقالهم شنّع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله، أنقصهم عقلاً وأخصّهم صنفاً (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ): أي أحضروا خلق الله إيّاهم فشاهدوهم إناثاً، فإنّ ذلك ممّا يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكّم لهم (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ)الّتي شهدوا بها على الملائكة (وَيُسْأَلُونَ): أي عنها (يَوْمِ الْقِيَامَةِ).1
(فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا): أي الملائكة يقسمون الأُمور بين الخلق على ما أُمروا به. قال الطبرسي (رحمه الله): روي أنّ ابن الكوّاء سأل أمير المؤمنين (عليه السلام)وهو يخطب على المنبر فقال: ما الذاريات ذرواً؟ قال: الرياح; قال: فالحاملات وقراً؟ قال: السحاب قال: فالجاريات يسراً؟ قال: السفن، قال: فالمقسّمات أمراً؟ قال: الملائكة. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.2
(فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة) قيل: أي كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة، وذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع. وقيل: امتداد ذلك اليوم على بعض الكفّار كذلك. وقيل: معناه أنّ أوّل نزول الملائكة في الدنيا بأمره ونهيه وقضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء وهو القيامة هذه المدَّة.3

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 141 ـ 142 .
2 . مجمع البيان: 9 / 254 .
3 . مجمع البيان: 10 / 120 .

صفحه 196
(وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً): أي وما جعلنا الموكّلين بالنار المتولّين تدبيرها إلاّ ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا): أي لم نجعلهم على هذا العدد إلاّ محنة وتشديداً في التكليف 1. لأنّ الكفّار استقلّوا هذا العدد وزعموا أنّهم يقدرون على دفعهم، وقد مرّ الكلام في تلك الآيات في كتاب المعاد.
(وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا) روى الطبرسي عن أبي حمزة الثماليّ عن أصحاب عليّ عنه (عليه السلام)أنّها الملائكة أُرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)يعني الرياح الشديدات الهبوب (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) الملائكة تنشر الكتب عن
الله (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا) هي آيات القرآن تفرّق بين الحقّ والباطل والهدى
والضلال (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء وتلقيه الأنبياء إلى الأُمم.2
وقال البيضاوي : أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهنّ الله متتابعة، فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الميّتة بالجهل بما أوحين من العلم، ففرّقن بين الحقّ والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكراً، عذراً للمحقّين، ونذراً للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكلّ عرف إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)فعصفن سائر الكتب أو الأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرّقن بين الحقّ والباطل، فالقين ذكر الحقّ فيما بين العالمين أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحقّ، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرّقن بين الحقّ بذاته والباطل بنفسه فرأون كلّ شيء هالكاً إلاّ وجهه، فألقين ذكراً بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلاّ

1 . مجمع البيان: 10 / 181 ـ 182 .
2 . مجمع البيان: 10 / 227 ـ 229، نقلاً بالمعنى.

صفحه 197
ذكرهم، أو برياح عذاب أُرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن فألقين ذكراً أي تسبّبن له، فإنّ العاقل إذا شاهد هبوبها أو آثارها ذكر الله تعالى، وتذكّر كمال قدرته، و (عُرْفًا)إمّا نقيض النكر، وانتصابه على العلّة، أي أُرسلن للإحسان والمعروف، أو بمعنى المتابعة من عرف الفرس، وانتصابه على الحال (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) مصدران: لعذر إذا محا الإساءة، وأنذر إذا خوّف، أو جمعان لعذر بمعنى المعذرة ونذر بمعنى الإنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأوّلين بالعلّيّة أي عذراً للمحقّين ونذراً للمبطلين، أو البدليّة من (ذِكْرًا) على أنّ المراد به الوحي أو ما يعمّ التوحيد والشرك والإيمان والكفر، وعلى الثالث بالحاليّة، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائيّ وحفص بالتخفيف .1
(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً) قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف في معنى الروح هنا على أقوال:
أحدها: أنّ الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم وليسوا بناس وليسوا بملائكة، يقومون صفّاً والملائكة صفّاً، هؤلاء جند وهؤلاء جند ; عن مجاهد وقتادة وأبي صالح، قال الشعبيّ: هما سماطا ربّ العالمين يوم القيامة، سماط من الروح، وسماط من الملائكة .
وثانيها: أنّ الروح ملك من الملائكة، وما خلق الله مخلوقاً أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هووحده صفّاً، وقامت الملائكة كلّهم صفّاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفّهم; عن ابن مسعود وعن عطاء عن ابن عبّاس.
وثالثها: أنّه أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد ; عن عطيّة عن ابن عبّاس.
ورابعها: أنّه جبرئيل (عليه السلام)عن الضحّاك، وقال وهب: إنّ جبرئيل واقف بين

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 432 ـ 433 .

صفحه 198
يدي الله عزّ وجلّ ترعد فرائصه 1، يخلق الله عزّ وجلّ من كلّ رعدة مائة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلاّ أنت (وَقَالَ صَوَاباً): أي لا إله إلاّ الله. وروى عليُّ بن إبراهيم بإسناده عن الصادق (عليه السلام)قال: هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل.2
وخامسها: أنّ الروح بنو آدم; عن الحسن، وقوله (صَفّاً) معناه مصطفّين.(3)
وقال في قوله: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا): اختلف في معناه على وجوه:
أحدها: أنّه يعني الملائكة الّذين ينزعون أرواح الكفّار عن أبدانهم بالشدّة، كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ; روي ذلك عن عليّ (عليه السلام)وغيره، وقال مسروق: هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم. وقيل: هو الموت ينزع النفوس; عن مجاهد، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام).
وثانيها: أنّها النجوم تنزع من أُفق إلى أُفق، أي تطلع ثمّ تغيب، قال أبو عبيدة: تنزع من مطالعها وتغرق في مغاربها.
وثالثها: النازعات القسيّ 3 تنزع بالسهم، والناشطات الأوهاق 4 فالقسم بفاعلها وهم المجاهدون.
(وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا)فيه أيضاً أقوال:
أحدها: ما ذكرناه.

1 . الفرائص: ـ بالصاد المهملة ـ جمع «الفريصة» وهي اللحمة بين الجنب والكتف، وارتعاد الفرائص كناية عن الفزع الشديد. النهاية لابن الأثير: 3 / 431، مادة «فرص».
2 . تفسير القمّي: 2 / 26، معنى الروح.   3 . مجمع البيان: 10 / 247 ـ 248 .
3 . القسي ـ بكسر القاف والسين وتشديد الياء ـ جمع «قوس». صحاح الجوهري: 3 / 967، مادة «قوس».
4 . الأوهاق: جمع «وهق» وهو حبل في طرفه انشوطة يطرح في عنق الدابة حتّى تؤخذ. النهاية لابن الأثير: 5 / 233، مادة «وهق».

صفحه 199
وثانيها: أنّها الملائكة تنشط أرواح الكفّار ما بين الجلد والأظفار حتّى تخرجها من أجوافهم بالكرب والغمّ; عن عليّ (عليه السلام). والنشط: الجذب، يقال: نشطت الدلو نشطاً: نزعته.
وثالثها: أنّها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلّ عنها; عن ابن عبّاس.
ورابعها: أنّها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج عند رؤية موضعه من الجنّة ; عن ابن عبّاس أيضاً .
وخامسها: أنّها النجوم تنشط من أُفق إلى أُفق أي تذهب يقال: حمار ناشط.
(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا)فيه أقوال: أيضاً :
أحدها: أنّها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلّونها سلاًّ رفيقاً ثمّ يدعونها حتّى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرمى به ; عن عليّ (عليه السلام).
وثانيها: أنّها الملائكة ينزلون عن السماء مسرعين، وهذا كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه.
وثالثها: أنّها النجوم تسبح في فلكها. وقيل: هي خيل الغزاة تسبح في عدوها كقوله: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا)1. وقيل: هي السفن تسبح في الماء.
(فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) فيه أيضاً أقوال:
أحدها: أنّها الملائكة لأنّها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح. وقيل: إنّها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء. وقيل: إنّها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنّة; عن عليّ (عليه السلام).
وثانيها: أنّها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الّذين يقبضونها وقد عاينت

1 . العاديات: 1 .

صفحه 200
السرور، شوقاً إلى رحمة الله ولقاء ثوابه وكرامته.
وثالثها: أنّها النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير.
ورابعها: أنّها الخيل يسبق بعضها بعضاً في الحرب.
(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) فيها أيضاً أقوال:
أحدها: أنّها الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة إلى السنة; عن عليّ (عليه السلام).
وثانيها: أنّ المراد بذلك جبرئيل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل(عليهم السلام)يدبّرون أُمور الدنيا، فأمّا جبرئيل (عليه السلام)فموكّل بالرياح والجنود، وأمّا ميكائيل فموكّل بالقطر والنبات، وأمّا ملك الموت فموكّل بقبض الأنفس، وأمّا إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم.
وثالثها: أنّها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا. رواه عليّ بن إبراهيم .1
وقال في قوله تعالى: (فِي صُحُف مُكَرَّمَة): أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظّمة عند الله، وهي اللوح المحفوظ. وقيل: يعني كتب الأنبياء المنزلة عليهم (مَرْفُوعَة)في السماء السابعة. وقيل: مرفوعة قد رفعها الله عن دنس الأنجاس (مُطَهَّرَة) لا يمسّها إلاّ المطهّرون. وقيل: مصونة عن أن تنالها أيدي الكفرة لأنّها في أيدي الملائكة، في أعزّ مكان. وقيل: مطهّرة من كلّ دنس. وقيل: مطهّرة من الشكّ والشبهة والتناقض (بَأَيْدِي سَفَرَة) يعني الكتبة من الملائكة. وقيل: يعني السفراء بالوحي بين الله تعالى وبين رسله من السفارة، وقال قتادة: هم القرَّاء يكتبونها ويقرأونها، وروى فضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام)قال: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة، كرام على ربّهم، بررة مطيعين» .
وقيل: كرام عن المعاصي يرفعون أنفسهم عنها، بررة أي صالحين متّقين.(2)

1 . مجمع البيان: 10 / 252 ـ 254 .   2 . مجمع البيان: 10 / 268 .

صفحه 201

[ الباب الثالث عشر]

في وصف الملائكة المقربين1

الآيات:

الشعراء (26): (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ). 193 ـ 194 .
النجم (53): (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى). 5 ـ 9 .
التكوير (81): (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين). 19 ـ 24 .

التفسير:

(نَزَلَ بِهِ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي نزّل الله بالقرآن الروح الأمين، يعني: جبرئيل (عليه السلام)، وهو أمين الله عليه لا يغيّره ولا يبدّله، وسمّاه روحاً لأنّه يحيي به الدين. وقيل: لأنّه يحيي به الأرواح بما ينزل من البركات. وقيل: لأنّه جسم روحانيّ (عَلَى قَلْبِكَ)يا محمّد، وهذا على سبيل التوسّع، لأنّه تعالى يُسمعه جبرئيل فيحفظه، فينزل به على الرّسول فيقرأه عليه، فيعيه ويحفظه بقلبه، فكأنّه نزل به على قلبه. وقيل: معناه: لقّنك الله حقّ تلقينه وثبّته [ على قلبك ] وجعل قلبك وعاءً له. (2)

1 . بحار الأنوار : 56 / 245 ـ 248، الباب 23 .   2 . مجمع البيان: 7 / 353 .

صفحه 202
وقال البيضاوي : القلب إن أراد به الروح فذاك، وإن أراد به العضو فتخصيصه لأنّ المعاني الروحانيّة إنّما تنزل أوَّلاً على الروح، ثمّ تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلّق، ثمّ تتصعّد إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيّلة، والروح الأمين جبرئيل فإنّه أمين على وحيه (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) عمّا يؤدّي إلى عذاب من فعل أو ترك.1
(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)قال الطبرسي (رحمه الله): يعني [به] جبرئيل (عليه السلام)أي القويّ في نفسه وخلقه (ذُو مِرَّة): أي ذو قوّة وشدّة في خلقه ; عن الكلبيّ، وقال: من قوّته أنّه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود فرفعها إلى السماء ثمّ قلّبها، ومن شدّته صيحته لقوم ثمود حتّى أُهلكوا. وقيل: معناه ذو صحّة وخلق حسن ; عن ابن عبّاس وغيره. وقيل: شديد القوى في ذات الله (ذُو مِرَّة): أي صحّة في الجسم سليم من الآفات والعيوب. وقيل: ذو مرّة أي ذو مرور في الهواء ذاهباً وجائياً، نازلاً وصاعداً (فَاسْتَوَى)جبرئيل على الصورة الّتي خلق عليها بعد انحداره إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو كناية عن جبرئيل أيضاً (بِالأُفُقِ الأَعْلَى) يعني أُفق المشرق، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء: قالوا: إنّ جبرئيل (عليه السلام)كان يأتي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في صورة الآدميّين، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يريه نفسه على صورته الّتي خلق عليها، فأراه نفسه مرّتين: مرّة في الأرض، ومرّة في السماء، أمّا في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)كان بحراء، فطلع له جبرئيل (عليه السلام)من المشرق، فسدّ الأُفق إلى المغرب، فخرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مغشيّاً عليه، فنزل جبرئيل في صورة الآدميّين فضمّه إلى نفسه، وهو قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) وتقديره: ثمّ دنا أي قرب بعد بعده وعلوّه في الأُفق الأعلى، فدنا من محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال الحسن وقتادة: ثمّ دنا جبرئيل بعد

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 253 .

صفحه 203
استوائه بالأُفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال الزجّاج: معنى دنا وتدلّى واحد; لأنّ معنى دنا قرب، وتدلّى زاد في القرب. وقيل: إنّ المعنى استوى جبرئيل أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علّم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم); عن ابن مسيّب. وقيل: استوى أي اعتدل واقفاً في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وقيل: معناه استوى جبرئيل (عليه السلام)ومحمّد بالأُفق الأعلى يعني السماء الدنيا ليلة المعراج (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ): أي كان ما بين جبرئيل (عليه السلام)وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قاب قوسين، والقوس ما يرمى به، وخصّت بالذكر على عادتهم يقال: قاب قوس وقاد قوس. وقيل: معناه كان قدر ذراعين كما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فمعنى القوس ما يقاب به والذراع يقاس به (أَوْ أَدْنى) قال الزجّاج: إنّ العباد قد خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم، وقيل لهم في هذا ما يقال للّذي يحدّد، فالمعنى: فكان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقلّ من ذلك، وقال عبدالله بن مسعود: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبرئيل وله ستّمائة جناح .1
وقال في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم): أي إنّ القرآن قول رسول كريم على ربّه، وهو جبرئيل (عليه السلام)وهو كلام الله أنزله على لسانه. (ذِي قُوَّة): أي فيما كلّف وأمر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة. وقيل: ذي قدرة في نفسه، ومن قوّته قلع ديار قوم لوط بقوادم جناحه حتّى بلغ بها السماء ثمّ قلّبها (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)معناه متمكّن عند الله صاحب العرش وخالقه، رفيع المنزلة، عظيم القدر عنده، كما يقال: «فلان مكين عند السلطان» والمكانة: القرب (مُطَاع ثَمَّ): أي في السماء تطيعه ملائكة السماء، قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل (عليه السلام)أنّه أمر خازن الجنّة ليلة المعراج حتّى فتح لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)أبوابها فدخلها، ورأى ما فيها، وأمر خازن النار ففتح له عنها حتّى نظر إليها (أَمِين): أي على وحي الله ورسالته

1 . مجمع البيان: 9 / 288 ـ 289 .

صفحه 204
إلى أنبيائه، وفي الحديث: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربّك (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين)! فما كانت قوّتك؟ وما كانت أمانتك؟ فقال: أمّا قوّتي، بعثت إلى مدائن لوط فهي أربع مدائن، في كلّ مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتّى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثمّ هويت بهنّ فقلبتهنّ. وأمّا امانتي، فإنّي لم أُومر بشيء فعدوته إلى غيره (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ): أي رأى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)جبرئيل على صورته الّتي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس وهو الأُفق الأعلى من ناحية المشرق (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين) قرأ أهل البصرة ـ غير سهل ـ وابن كثير والكسائي بالظاء، والباقون بالضاد; فعلى الأوّل المعنى أنّه ليس على وحي الله تعالى وما يخبر به من الأخبار بمتّهم، فإنّ أحواله ناطقة بالصدق والأمانة، وعلى الثاني أي ليس ببخيل فيما يؤدّي عن الله، إذ يعلّمه كما علّمه الله تعالى.1
عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر حقيقة السحر وأنواعه   

[ الباب الرابع عشر ]

عصمة الملائكة وقصة هاروت وماروت

وفيه ذكر حقيقة السحر وأنواعه2

الآيات:

البقرة (2): (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ

1 . مجمع البيان: 10 / 280 ـ 281، بتصرّف يسير.
2 . بحار الأنوار : 56 / 265 ـ 315، الباب 24 .

صفحه 205
هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ مِنْ خَلاَق). 102.
النساء (4): (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ). 172 .
الأعراف (7): (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ). 206 .
النحل (16): (وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). 49 ـ 50 .
مريم (19): (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا). 64.
الأنبياء (21): (وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ). 19 ـ 20 .
وقال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ). 26 ـ 29 .
التحريم (66): (عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). 6.

صفحه 206

التفسير:

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ)أقول: هذه الآية ممّا يوهم نفي عصمة الملائكة، وللعلماء في تأويلها مسالك نشير إلى بعضها وإن أفضى إلى الإطناب .
قال السيّد المرتضى (رحمه الله) في كتاب «الغرر والدرر»: إن سأل سائل عن قوله عزّ وعلا (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ)ـ إلى قوله تعالى ـ : (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) فقال: كيف يُنزل الله سبحانه السحر على الملائكة؟ أُم كيف تعلّم الملائكة الناس السحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنّه بإذنه وهو تعالى قد نهى عنه وحذَّر من فعله؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم بقوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق)ثم بقوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ؟
الجواب: قلنا: في الآية وجوه كلّ منها يزيل الشبهة الداخلة على من لم يمعن النظر فيها:
أوّلها: أن يكون (مَا) في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)بمعنى الّذي، فكأنّه تعالى خبّر عن طائفة من أهل الكتاب بأنّهم اتّبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان وتضيفه إليه من السحر، فبرّأه الله عزّوجلّ من قرفهم وأكذبهم في قولهم فقال تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)باستعمال السحر والتمويه على الناس، ثمّ قال: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)وأراد أنّهم يعلّمونهم السحر وما الّذي أُنزل على الملكين، وإنّما أُنزل على الملكين وصف السحر وماهيّته وكيفيّة الاحتيال فيه ليعرفا ذلك ويعرّفاه الناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنّه تعالى قد اعلمنا ضروب المعاصي ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها، إلاّ أنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه وأقدموا على فعله، وإن كان غيرهم من المؤمنين لمّا عرفه اجتنبه

صفحه 207
وحارزه وانتفع باطّلاعه على كيفيّته. ثمّ قال: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد)يعني الملكين، ومعنى (يُعَلِّمَانِ)يعلمان، والعرب تستعمل لفظة (عَلَّمَهُ)بمعنى أعلمه، قال القطاميّ:
تعلّم أنّ بعد الغيّ رشداً *** وأنّ لتانك الغمر انقشاعا
وقال كعب بن زهير:
تعلّم رسول الله أنّك مدركي *** وإنّ وعيداً منك كالأخذ باليد
ومعنى «تعلّم» في البيتين معنى «أعلم» والّذي يدلّ على أنّه هاهنا الإعلام لا التعليم قوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ): أي إنّهما لا يعرّفان صفات السحر وكيفيّته إلاّ بعد أن يقولا إنّما نحن محنة، لأنّ الفتنة بمعنى المحنة، من حيث ألقيا إلى المكلّفين أمراً لينزجروا عنه وليمتنعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك، فإنّه إنّما أُلقي إليك واطّلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله. ثمّ قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ): أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك، ولهذا قال: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ)لأنّهم لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه ويرتكبوه لا أن يحبتنبوه، صار ذلك بسوء اختيارهم ضرراً عليهم.
وثانيها: أن يكون (وَمَا أُنْزِلَ)موضعه موضع جرّ، ويكون معطوفاً بالواو على (مُلْكِ سُلَيْمَانَ): أي واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وعلى ما أُنزل على الملكين. ومعنى (مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): أي معهما وعلى ألسنتهما كما قال تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)1: أي على ألسنتهم ومعهم، وليس

1 . آل عمران: 194 .

صفحه 208
بمنكر أن يكون (وَمَا أُنْزِلَ) معطوفاً على (مُلْكِ سُلَيْمَانَ) وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض ; لأنّ ردّ الشيء إلى نظيره وعطفه على ما هو أولى، هو الواجب وإن اعترض بينهما ما ليس منهما، ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب كثيرة: قال الله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّماً).1
و «قيّم» من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة «عوج» وإن تباعد ما بينهما، ومثله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)2 فالمسجد الحرام هاهنا معطوف على الشهر الحرام، أي يسألونك عن الشهر وعن المسجد الحرام. وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنّه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين ثمّ ترمي بتفسيرهما جملة، ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره، كقوله عزّ وجلّ: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ )3، وهذا واضح في مذهب العرب كثير النظائر. ثمّ قال تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)والمعنى أنّهما لا يعلّمان أحداً بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدّهما عن فعله واستعماله أن يقولا إنّما نحن فتنة (فَلاَ تَكْفُرْ) باستعمال السحر والإقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلاناً بكذا ولقد بالغت في نهيه حتّى قلت له: إنّك إن فعلته أصابك كذا وكذا. وهذا هو نهاية البلاغة في الكلام، والاختصار الدالّ مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، لأنّه أشعر بقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)عن بسط الكلام الّذي ذكرناه، ولهذا نظائر في القرآن، قال الله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه

1 . الكهف: 1 و 2 .
2 . البقرة: 217 .
3 . القصص: 73.

صفحه 209
بِمَا خَلَقَ) 1، ومثل قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (2): أي فيقال للّذين اسودَّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم، وأمثاله أكثر من أن نورد. ثمّ قال تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)، وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين، وكيف يرجع إليهما وقد نفى تعالى عنهما التعليم؟ بل يرجع إلى الكفر والسحر، وقد تقدّم ذكر السحر وتقدّم أيضاً ذكر ما يدلّ على الكفر ويقتضيه في قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)فدلّ (كَفَرُوا)على الكفر والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح وقع بذكر
السحر دونه، ومثل ذلك قوله تعالى: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى) 2: أي يتجنّب الذكرى الأشقى، ولم يتقدّم تصريح بالذكرى لكنّ دلّ عليها قوله: (سَيَذَّكَّرُ) ويجوز أيضاً أن يكون معنى (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا): أي بدلاً ممّا علّمهم الملكان، ويكون المعنى أنّهم يعدلون عمّا علّمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلّمه واستعماله، كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا [ كذا ] أي بدلاً منه، كما قال الشاعر:
جمعت من الخيرات وطباً وعلبة *** وصراً لأخلاف المزممّة البزلّ
ومن كلّ أخلاق الكرام تميمة *** وسعياً على الجار المجاور بالبخل
يريد: جمعت مكان الخيرات ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.
وقوله تعالى: (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)فيه وجهان: أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين ويحملونه على الشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، ليفرّق بينهما اختلاف النحلة والملّة،

1 . المؤمنون: 91 .   2 . آل عمران: 106 .
2 . الأعلى: 10 ـ 12.

صفحه 210
والوجه الآخر أن يسعوا بين الزوجين بالنميمة والوشاية والإغراء والتمويه بالباطل حتّى يؤول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.
وثالث الوجوه في الآية أن تحمل (مَا) في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)على الجحد والنفي، فكأنّه تعالى قال: واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين ولكنّ الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ويكون قوله تعالى: (بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)من المؤخّر الّذي معناه التقديم، فيكون على هذا التأويل هاروت وماروت رجلين من جملة الناس هذان اسماهما، وإنّما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزاً وتبييناً، ويكون الملكان المذكوران اللّذان نفى تعالى عنهما السحر جبرئيل وميكائيل، لأنّ سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدّعي أنّ الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرئيل وميكائيل إلى سليمان، فأكذبهم الله تعالى بذلك، ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنّه تعالى قال: ولكنّ الشياطين هاروت وماروت كفروا، ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)1 يعني تعالى حكم داود وسليمان، ويكون قوله تعالى على هذا التأويل: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)راجعاً إلى هاروت وماروت اللّذين هما من الشياطين أو من الإنس المتعلّمين للسحر من الشياطين والعاملين به، ومعنى قولهما: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) يكون على طريق الاستهزاء أو التماجن والتخالع، كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحاً أو قال باطلاً: هذا فعل من لا يفلح، وقول من لا ينجو، والله لا حصلت إلاّ على الخسران. وليس ذلك منه على سبيل النصيحة للناس وتحذيرهم من مثل فعل فعله، بل على جهة المجون والتهالك. ويجوز أيضاً على هذا التأويل الّذي تضمّن الجحد والنفي

1 . الأنبياء: 78 .

صفحه 211
أن يكون هاروت وماروت اسمين للملكين، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)ويكون قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد)يرجع إلى قبيلتين من الجنّ أو إلى شياطين الجنّ والإنس فتحسن التثنية لهذا. وقد روي هذا التأويل في حمل «ما» على النفي عن ابن عبّاس وغيره من المفسّرين، وحكي عنه أيضاً أنّه كان يقرأ (عَلَى الْمَلِكَيْنِ) بكسر اللام، ويقول: متى كان العلجان ملَكين إنّما كانا ملِكين، وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد) إليهما، ويمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر وهو أن لا يحمل قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) على الجحد والنفي، وهو أن لا يكون هؤلاء الّذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين وتدّعيه على ملك سليمان واتّبعوا ما أُنزل عن هذين الملكين من السحر، ولا يكون الإنزال مضافاً إلى الله تعالى، وإن أُطلق لأنّه عزّ وجلّ لا ينزل السحر بل يكون منزله إليهما بعض الضلاّل والعصاة، وأن يكون معنى (أُنْزِلَ)وإن كان من الأرض حمل إليهما لا من السماء أنّه أتى به عن نجود الأرض والبلاد وأعاليهما، فإنّ من هبط من نجد من البلاد إلى غورها يقال: نزل وهبط وما جرى هذا المجرى.
فأمّا قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)فيحتمل وجوهاً: منها: أن يُريد تعالى بالإذن العلم من قولهم: «أذنت فلاناً بكذا وكذا» إذا أعلمته، و «أذنت بكذا وكذا» إذا أسمعته وعلّمته، وقال الشاعر:
في سماع يأذن الشيخ له *** وحديث مثل ما ذيّ مشار
ومنها: أن تكون «إلاّ» زائدة، ويكون المعنى: وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بأن يخلّي الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر زائداً على منعهم بالنهي والزجر.
ومنها: أن يكون الضرر الّذي عنى به أنّه لا يكون إلاّ بإذنه، وأضافه إليه [ هو  ]

صفحه 212
ما يلحق المسحور عن الأدوية والأغذية الّتي أطعمه إيّاه السحرة، ويدّعون أنّها موجبة لما يقصدونه فيه من الأُمور، ومعلوم أنّ الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة، لأَن الأغذية لا توجب ضرراً ولا نفعاً، وإن كان المعرض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحقّ للذّم، وعليه يجب العوض.
ومنها: أن يكون الضرر المذكور إنّما هوما يحصل من التفريق بين الأزواج; لأنّه أقرب إليه في ترتيب الكلام، والمعنى أنّهم إذا أغرّوا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضرّ بذلك كانوا ضارّين له بما حسّنوا له من الكفر، إلاّ أنّ الفرقة لم تكن إلاّ بإذن الله وحكمه، لأنّه تعالى هو الّذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفي الأديان، فلهذا قال تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ)والمعنى أنّه لولا حكم الله تعالى وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملّة لم يكونوا بضارّين له هذا الضرر من الضرر الحاصل عند الفرقة، ويقوّي هذا الوجه ما روي أنّه كان من دين سليمان أنّه من سحر بانت منه امرأته.
وأمّا قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق) ثمّ قوله تعالى: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ففيه وجوه:
أوّلها: أن يكون الّذين علموا غير الّذين لم يعلموا، ويكون الّذين علموا الشياطين أو الّذين خبّر عنهم بأنّهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون، واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان. والّذين لم يعلموا هم الّذين عملوا السحر وشروا به أنفسهم.
وثانيها: أن يكون الّذين علموا هم الّذين لم يعلموا، لأنّهم علموا شيئاً ولم يعلموا غيره، فكأنّه تعالى وصفهم بأنّهم عالمون بأنّه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من العقاب الّذي لا نفاد له ولا انقطاع.

صفحه 213
وثالثها: أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنّهم لم يعملوا بما علموه فكأنّهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك لو كنت تعقل وتنظر في العواقب، وهو يعقل وينظر إلاّ أنّه لم يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له مثل هذا القول. وقال كعب بن زهير يصف ذئباً وغراباً تبعاه ليصيبا من زاده:
إذا حضراني قلت لو يعلمانه *** ألم تعلما أنّي من الزاد مرمل
فنفى عنهما العلم ثمّ أثبته بقوله: «ألم تعلما أنّي من الزاد مرمل» وإنّما المعنى في نفيه العلم عنهما أنّما لم يعملا بما علما، فكأنّهما لم يعلما.
ورابعها: أن يكون المعنى أنّ هؤلاء القوم الّذين قد علموا أنّ الآخرة لاحظّ لهم فيها مع عملهم القبيح إلاّ أنّهم ارتكبوه طمعاً في طعام الدنيا وزخرفها، فقال تعالى: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ): أي الّذي آثروه وجعلوه عوضاً عن الآخرة لا يتمّ لهم ولا يبقى عليهم وأنّه منقطع زائل، ومضمحلّ باطل، وأنّ المآل إلى المستحقّ في الآخرة، وكلّ ذلك واضح بحمد الله. (انتهى) .1
وأقول: قال في الصحاح: والغمرة الشدّة والجمع غمر. قال القطاميّ يصف سفينة نوح: وحان لتالك الغمر انحسار. وقال: الانحسار والانكشاف. وقال: قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع وتقشّع. وقال: الوطب سقاء اللبن خاصّة. وقال: العلبة محلب من جلد. وقال: صررت الناقة شددت عليها الصرار وهو خيط يشدّ فوق الخلف والتودية لئلاّ يرضعها ولدها. وقال: الخلف ـ بالكسر ـ حلمة ضرع الناقة. والمزممّة من الزمام. والبزل: جمع البازل، وهو جمل أو ناقة كمل لها تسع سنين. والماذي: العسل الأبيض. ويقال: شُرت العسل أي اجتنيتها، وأشرت لغة ذكره الجوهريّ واستشهد بالبيت.

1 . أمالي المرتضى: 2 / 77 ـ 83 .

صفحه 214
وقال الرازي في تفسير هذه الآية: أمّا قوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)ففيه مسائل:
المسألة الأُولى: قوله: (وَاتَّبَعُوا)حكاية عمّا تقدّم ذكره وهم اليهود، ثمّ فيه أقوال: أحدها: أنّهم اليهود الّذين كانوا في زمان محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). وثانيها: أنّهم الّذين تقدّموا من اليهود. وثالثها: أنّهم الّذين كانوا في زمن سليمان من السحرة; لأنّ أكثر اليهود ينكرون نبوّة سليمان (عليه السلام)ويعدّونه من جملة الملوك في الدنيا، فالّذين منهم كانوا في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنّه إنّما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. ورابعها: أنّه يتناول الكلّ، وهذا أولى، لأنّه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص. وخامسها: أنّه عائد إلى من تقدّم ذكره في قوله: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)قال السدّيّ: لمّا جاءهم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتّفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ )1 ثمّ أخبر عنهم بأنّهم اتّبعوا كتب السحرة.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير (تَتْلُوا)وجهين: أحدهما: أنّ المراد منه التلاوة والإخبار. وثانيهما: قال ابو مسلم: (تَتْلُوا): اي تكذب على ملك سليمان يقال: تلا عليه إذا كذب، وتلا عنه إذا صدق، وإذا أُبهم جاز الأمران، والأقرب هو الأوّل، لأنّ التلاوة حقيقة في الخبر، إلاّ أنّ المخبر لا يقال في خبره إذا كان كذباً أنّه يقول على فلان وأنّه قد تلا على فلان، ليميّز بينه وبين الصدق الّذي لا يقال على فلان، بل يقال: روى عن فلان وأخبر عن فلان، [ وتلا عن فلان] وذلك لا يليق إلاّ بالإخبار

1 . البقرة: 101 .

صفحه 215
والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الّذي كانوا يخبرون به عن سليمان ما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كلّ الأوصاف.
المسألة الثالثة: اختلفوا في الشياطين، فقيل: المراد شياطين الجنّ، وهو قول الأكثرين. وقيل: شياطين الإنس، وهو قول المتكلّمين من المعتزلة. وقيل: شياطين الإنس والجنّ معاً، أمّا الّذين حملوه على شياطين الجن فقالوا: إنّ الشياطين كانوا يسترقون السمع ثمّ يضمّون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفّقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دوّنوها في كتب يقرأونها ويعلّمونها الناس، وفشا ذلك في زمان سليمان حتّى قالوا: إنّ الجنّ تعلم الغيب، فكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تمّ له ملكه إلاّ بهذا العلم، وبه سخّر الجنّ والإنس والريح الّتي تجري بأمره. وأمّا الّذين حملوه على شياطين الإنس فقالوا: روي في الخبر أنّ سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم الّتي خصّه الله بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنّه إن هلك الظاهر منها بقي ذلك المدفون، فلمّا مضت مدّة على ذلك توصّل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثمّ بعد موته واطّلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنّه من عمل سليمان، وأنّه ما وصل إلى ما وصل إليه إلاّ بسبب هذه الأشياء، فهذا معنى (مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ). واحتجَّ القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأوّل بأنّ شياطين الجنّ لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخفيّاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وذلك يفضي إلى الطعن في كلّ الأديان. فإن قيل: إذا جوّزتم ذلك على شياطين الإنس فلِمَ لا يجوز مثله من شياطين الجنّ؟ قلنا: الفرق أنّ الّذي يفتعله الإنسان لابدّ وأن يظهر من بعض الوجوه، أمّا لو جوّزنا هذا الافتعال من الجنّ وهو أن يزيد في كتب سليمان بخطّ مثل خطّ سليمان فإنّه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيّاً فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان .
المسألة الرابعة: أمّا قوله: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)فقيل: في ملك سليمان; عن

صفحه 216
ابن جريج. وقيل: على عهد ملك سليمان، والأقرب أن يكون المراد: واتّبعوا ما تتلوا الشياطين افتراءً على ملك سليمان، لأنّهم كانوا يقرأون من كتب السحر فيقولون: إنّ سليمان إنّما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان ـ والله أعلم ـ .
المسألة الخامسة: اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي: إنّ ملك سليمان هو النبوّة، أو يدخل فيها النبوّة، وتحت النبوّة الكتاب المنزل عليه والشريعة، فإذا صحّ ذلك ثمّ أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثمّ أخرجوها بعد موته وأوهموا أنّها من جهته، صار ذلك منهم تقوّلاً على ملكه في الحقيقة. والأصحّ عندي أن يقال: القوم لمّا ادّعوا أنّ سليمان إنّما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادّعاء كالافتراء على ملك سليمان ـ والله أعلم ـ .
المسألة السادسة: السبب في أنّهم أضافوا السحر إلى سليمان وجوه:
أحدها: أنّهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم.
وثانيها: أنّ اليهود ما كانوا يقرّون بنبوّة سليمان، بل كانوا يقولون إنّما وجد ذلك الملك بسبب السحر.
وثالثها: أنّ الله تعالى لمّا سخّر الجنّ لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسراراً عجيبة. فغلب على الظنون أنّه (عليه السلام)استفاد السحر منهم. أمّا قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيَْمانُ) فهذا تنزيه له (عليه السلام)عن الكفر، وذلك يدلّ على أنّ القوم نسبوه إلى الكفر والسحر.
وقيل فيه أشياء: أحدها: ما روي عن بعض أحبار اليهود أنّهم قالوا: ألا

صفحه 217
تعجبون من محمّد يزعم أنّ سليمان كان نبيّاً وما كان إلاّ ساحراً؟! فأنزل الله هذه الآية.
وثانيها: أنّ السحرة من اليهود زعموا أنّهم أخذوا السحر عن سليمان، فنزّهه الله منه.
وثالثها: أنّ قوماً زعموا أنّ قوام ملكه كان بالسحر فبرّأه الله منه، لأنّ كونه نبيّاً ينافي كونه ساحراً كافراً، ثمّ بيّن تعالى أنّ الّذي برَّأه منه لاحق بغيره، فقال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)يشير به إلى ما تقدّم ذكره ممّن اتّخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان، ثمّ بيّن تعالى ما به كفروا، فقد كان يجوز أن يتوهّم أنّهم كفروا لا1 بالسحر فقال تعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ).
واعلم أنّ الكلام في السحر يقع من وجوه: الأوّل في البحث عنه بحسب اللغة، فنقول: ذكر أهل اللغة أنّه في الأصل عبارة عمّا لطف وخفي سببه، والسحر ـ بالفتح ـ : هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه. قال لبيد:
ونسحر بالطعام وبالشراب
قيل فيه وجهان:
أحدهما: أنا نعلّل. ونخدع كالمسحور والمخدوع، والآخر نغذِّي ; وأيّ الوجهين كان فمعناه الخفاء. وقال:
فإن تسألينا ممّ نحن؟ فإنّنا *** عصافير من هذا الأنام المسحّر
وهذا الوجه يحتمل من المعنى ما احتمله الأوّل، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحّر أنّه ذو السحر، والسحر هو الرئة، وما تعلّق بالحلقوم. وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء، وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)2، يعني من المجوّف

1 . في المصدر: أوّلاً.
2 . الشعراء: 153 و 185 .

صفحه 218
الّذي يطعم ويشرب يدلّ عليه قولهم: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)1، وقال تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام)إنّه قال للسحرة: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ)،(2) وقال: (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)(3) فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة.
الوجه الثاني: اعلم أنّ لفظ السحر في عرف الشرع مختصّ بكلّ أمر مخفيّ سببه، ويتخيّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أُطلق ولم يقيّد أفاد ذمّ فاعله، قال تعالى: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ)يعني موَّهوا عليهم حتّى ظنّوا أنّ حبالهم وعصيّهم تسعى، وقال تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)2، وقد يستعمل مقيّداً فيما يمدح ويحمد، روي أنّه قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقال لعمرو: خبّرني عن الزبرقان؟ فقال: مطاع في ناديه، شديد العارض، مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: هو والله يعلم أنّي أفضل منه. فقال عمرو: إنّه زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما أرضاني فقلت: أحسن ما علمت وأسخطني، فقلت: اسوأ ما علمت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ من البيان لسحراً. فسمّى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعض البيان سحراً، لأنّ صاحبه يوضّح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته.
فإن قيل: كيف يجوز أن يسمّى ما يوضح الحقّ وينبئ عنه سحراً، وهذا القائل إنّما قصد إظهار الخفيّ لا إخفاء الظاهر، ولفظ السحر إنّما يكون عند إخفاء الظاهر؟
قلنا: إنّما سمّاه سحراً لوجهين: الأوّل: أنّ ذلك العذر للطفه وحسنه استمال القلوب، فأشبه السحر الّذي يستميل القلوب فمن هذا الوجه سمّي سحراً لا من

1 . الشعراء: 154 .      2 . يونس: 81 .   3 . الأعراف: 116.
2 . طه: 66.

صفحه 219
الوجه الّذي ظننت. الثاني: أنّ المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه في أقسام السحر.1
(لَنْ يَسْتَنْكِفَ): أي لم يأنف، ولم يمتنع المسيح (أَنْ يَكُونَ): أي من أن يكون (عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): أي ولاهم يستكبرون من الإقرار بعبوديّة الله سبحانه. قال الطبرسي (رحمه الله): استدلّ بهذه الآية من قال: إنّ الملائكة أفضل من الأنبياء، قالوا: إنّ تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم، لأنّ العادة لم تجر بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس، بل يقدّم الأدون ويؤخّر الأعظم، فيقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا ولا السلطان. وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنّما أخّر ذكر الملائكة لأنّ جميع الملائكة أفضل وأكثر ثواباً من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كلّ واحد منهم أفضل منه وإنّما الخلاف في ذلك، وأيضاً فإنّا وإن ذهبنا إلى أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة فإنّا نقول مع قولنا بالتفاوت أنّه لا تفاوت كثيراً في الفضل بينهما ومع التقارب والتداني يحسن أن يقدّم ذكر الأفضل، ألا ترى أنّه يحسن أن يقال: ما يستنكف الأمير فلان ولا الأمير فلان، إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين. (2)
وقال البيضاوي: لعلّه أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير لا باعتبار التكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس .2
(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ): أي مطلق الملائكة أو المقرّبين منهم (وَلَهُ يَسْجُدُونَ): أي يخضعون بالعبادة أو التذلّل (لاَ يُشْرِكُونَ)به غيره .
(وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)قال البيضاوي : أي ينقاد انقياداً

1 . تفسير الرازي: 3 / 202 ـ 205 .   2 . مجمع البيان: 3 / 250 ـ 251 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 284 .

صفحه 220
يعمّ الانقياد لإرادته وتأثيره طبعاً، والانقياد لتكليفه وأمره طوعاً، ليصحّ إسناده إلى عامّة أهل السماوات والأرض. وقوله: (مِنْ دَابَّة) بيان لهما، لأنّ الدبيب هو الحركة الجسمانيّة، سواء كان في أرض أو سماء، والملائكة عطف على المبيّن به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجرّدات على الجسمانيّات، وبه احتجّ من قال: إنّ الملائكة أرواح مجرّدة; أو بيان لمّا في الأرض والملائكة تكرير لما في السماوات، وتعيين له إجلالاً وتعظيماً، والمراد بهما ملائكتهما من الحفظة وغيرهم، و «ما» لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق «من» تغليباً للعقلاء (وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)عن عبادته (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ)يخافون أن يرسل عذاباً من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)والجملة حال من الضمير في (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) أو بيان له وتقرير، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلّفون مدارون بين الخوف والرجاء .1
وقال في قوله: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ)حكاية قول جبرئيل حين استبطأه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوماً، وقيل: أربعين، حتّى قال المشركون: ودّعه ربّه وقلاه، ثمّ نزل تبيان ذلك، والتنزّل النزول على مهل، لأنّه مطاوع نزل; وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل. والمعنى: وما ننزل وقتاً غبّ وقت إلاّ بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته: (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا تنتقل من مكان إلى مكان أو لا تنزل في زمان دون زمان إلاّ بأمره ومشيّته.

1 . تفسير البيضاوي: 3/402 ـ 403.

صفحه 221
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا): أي تاركاً لك، أي ما كان عدم النزول إلاّ لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إيّاك كما زعمت الكفرة، وإنّما كان لحكمة رآها فيه.1
(وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ): أي لا يعبأون منها (لاَ يَفْتُرُونَ) حال من الواو في (يَسْبَحُونَ).(2)
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله (سُبْحَانَهُ)، تنزيه له عن ذلك (بَلْ عِبَادٌ): أي بل هم عباد من حيث هم مخلوقون، وليسوا بأولاد (مُكْرَمُونَ) مقرّبون. (لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) لا يقولون شيئاً حتّى يقوله كما هو ديدن العبيد المقرّبين (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) ولا يعملون قط ما لم يأمرهم به (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)لا تخفى عليه خافية ممّا قدّموا وأخّروا أو هو كالعلّة لما قبله والتمهيد لما بعده، فإنّه لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ)من عظمته ومهابته (مُشْفِقُونَ)مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خصّ بها العلماء، والإشفاق خوف مع اعتناء فإن عدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدّي بعلى فبالعكس.
(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ): أي من الملائكة أو من الخلائق (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ): أي من ظلم بالإشراك وادّعاء الربوبيّة.2 وعلى تقدير إرجاع الضمير إلى الملائكة لا ينافي عصمتهم، فإنّ الفرض لا ينافي امتناع الوقوع، كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ).(4)
(عَلَيْهَا): أي على النار (مَلاَئِكَةٌ)يلي أمرها وهم الزبانية (غِلاَظٌ شِدَادٌ)

1 . تفسير البيضاوي:4/25.   2 . تفسير البيضاوي:4/87 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 90 .   4 . الزمر: 65.

صفحه 222
غلاظ الأقوال، شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق، شداد الخلق، أقوياء على الأفعال الشديدة (لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ)فيما مضى (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فيما يستقبل أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها، ويؤدّون ما يؤمرون به .1
قال الطبرسي (رحمه الله): في هذا دلالة على أنّ الملائكة الموكّلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه، وقال الجبّائي: إنّما عنى أنّهم لا يعصونه ويفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا، لأنّ الآخرة ليست بدار تكليف، وإنّما هي دار جزاء [ المؤمنين]، وإنّما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذّاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرورهم ولذَّاتهم في الجنّة.(2) (انتهى).
   
وأقول: كون الآخرة دار جزاء الملائكة غير معلوم، وإنّما المعلوم أنّها دار جزاء الإنس، فلا ينافي كون الملائكة مكلّفين فيها، بل يمكن أن يكون جزاؤهم مقارناً لأفعالهم من حصول اللذات الحقيقيّة، ورفع الدرجات الصوريّة والمعنويّة، بل أصل خدماتهم وجزاؤهم كما ورد أنّ طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس.
وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب المقالات: أقول: إنّ الملائكة مكلّفون وموعودون ومتوعّدون، قال الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (3) وأقول: إنّهم معصومون ممّا يوجب لهم العقاب بالنار، وعلى هذا القول جمهور الإماميّة وسائر المعتزلة وأكثر المرجئة وجماعة من أصحاب الحديث، وقد أنكر قوم من الإماميّة أن تكون الملائكة مكلّفين، وزعموا أنّهم إلى الأعمال مضطرّون، ووافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث .2

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 357 .      2 . مجمع البيان: 10 / 62.   3 . الأنبياء: 29 .
2 . أوائل المقالات: 71 .

صفحه 223

أبواب

العناصر وكائنات الجو والمعادن والجبال والأنهار والبلدان والأقاليم

[ الباب الخامس عشر]

باب النار وأقسامها1

الآيات:

يس (36): (الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ). 80 .
الواقعة (56): (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ). 71 ـ 73 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا): أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار ناراً محرقة. يعني بذلك المرخ والعفار، وهما شجران تتّخذ الأعراب زنودها منهما، فبيّن سبحانه أنّ من قدر على أن يجعل في الشجر [الأخضر] الّذي هو في غاية الرطوبة ناراً حامية مع مضادّة النار للرطوبة حتّى إذا احتاج الإنسان حكّ بعضه ببعض فخرج منه النار وينقدح، قدر على الإعادة. وتقول العرب في كلّ شجر نار واستمجد المرخ والعفار. وقال الكلبيّ: كلّ شجر تنقدح منه النار إلاّ العنّاب.(2)

1 . بحار الأنوار : 56 / 327 ـ 329، الباب 25 .   2 . مجمع البيان: 8 / 291 .

صفحه 224
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ): أي تستخرجونها بزنادكم من الشجر (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا)الّتي تنقدح النار منها (أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) لها، فلا يمكن أحداً أن يقول إنّه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى. والعرب تقدح بالزند والزندة وهو خشب يحكّ بعضه ببعض فتخرج منه النار. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً): أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنّار الكبرى، فإذا رآها الرائي ذكر جهنّم واستعاذ بالله منها، وقيل تذكرة لقدرة الله تعالى على المعاد (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ): أي بلغة ومنفعة للمسافرين، يعني الّذين نزلوا الأرض القيّ وهو القفر. وقيل: للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين، والمعنى: أنّ جميعهم يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون في البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز، وعلى هذا فيكون المقوي من الأضداد، أي الذي صار ذا قوّة من المال والنعمة، والذاهب ماله النازل بالقواء من الأرض، أي متاعاً للأغنياء والفقراء.1 (انتهى).
وقال الرازي في شجرة النار وجوه: أحدها: أنّها الشجرة الّتي توري النار منها بالزند والزندة. وثانيها: الشجرة الّتي تصلح لإيقاد النار كالحطب، فإنّها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار; لأنّ النار لا تتعلّق بكلّ شيء كما تتعلّق بالحطب. وثالثها: أُصول شعلها وفروعها شجرتها، ولولا أنّها ذات شعب لما صلحت لإنضاج الأشياء.(2)
الهواء وطبقاته وما يحدث فيه من الصبح والشفق وغيرهما   
وقال البيضاوي : (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً): أي تبصرة في أمر البعث، أو في الظلام [ أو تذكيراً] أو أُنموذجاً لنار جهنّم (وَمَتَاعًا): أي منفعة (لِلْمُقْوِينَ) للّذين ينزلون القوى وهي القفراء، وللّذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها.(3) (انتهى).
وقال الجوهريّ: وفي المثل: «في كلّ شجر نار، واستمجد المرخ والعفار»، أي استكثرا منها كأنّهما أخذا من النار ما هو جسمهما، ويقال: لأنّهما يسرعان

1 . مجمع البيان: 9 / 373.       2. تفسير الرازي: 29 / 184 .   3. تفسير البيضاوي: 5 / 291 .

صفحه 225
الوري فشبّها بمن يكثر من العطاء طلباً للمجد. وقال: المرخ شجر سريع الوري، والعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي الأسفل .1

[ الباب السادس عشر ]

باب الهواء وطبقاته وما يحدث فيه من الصبح والشفق وغيرهما(2)

الآيات:

الأنعام (6): (فَالِقُ الإِصْبَاحِ). 96 .
المدثر (74): (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ). 34 .
التكوير (81): (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ). 18 .
الإنشقاق (84): (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ). 16 ـ 18 .
الفجر (89): (وَالْفَجْرِ). 1 .

التفسير:

(إِذَا تَنَفَّسَ) قال الرازي: إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، وفي كيفيّة المجاز قولان: أحدهما: أنّه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفساً له على المجاز، والثاني: أنّه شبّه الليل المظلم بالمكروب المحزون الّذي خنق بحيث لا يتحرّك واجتمع الحزن في قلبه، وإذا تنفّس وجد راحة، فهاهنا لمّا طلع الصبح فكانّه تخلّص من ذلك الحزن، فعبّر عنه بالتنفّس، وهو استعارة لطيفة.2

1 . صحاح الجوهري: 2 / 537، مادة «مجد».   2 . بحار الأنوار : 56 / 333 ـ 335، الباب 26 .
2 . تفسير الرازي: 31 / 72 .

صفحه 226
(فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ): أي بالحمرة الّتي عند المغرب في الأُفق. وقيل: البياض (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ): أي وما جمع وما ضمّ ممّا كان منتشراً بالنهار. وقيل: وما ساق، لأنّ ظلمة الليل تسوق كلّ شيء إلى مسكنه. وقيل: وما طرد من الكواكب فإنّها تظهر بالليل وتخفى بالنهار (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ): أي إذا استوى واجتمع وتكامل وتمّ.1
(وَالْفَجْرِ) أقسم بفجر النهار وهو انفجار الصبح كلّ يوم. وقيل: أراد بالفجر النهار كلّه.(2)
واعلم أنّ المذكور في كتب الحكماء والرياضيّين هو أنّ الصبح والشفق الأحمر والأبيض إنّما يظهر من وقوع ضوء الشمس على كرة البخار، قالوا: المستضيء بالشمس من كرة الأرض أكثر من نصفها دائماً، لما بيّن في محلّه أنّ الكرة الصغرى إذا قبلت الضوء من الكبرى كان المستضيء منها أعظم من نصفها، وظلّ الأرض على هيئة مخروط يلازم رأسه مدار الشمس وينتهي في فلك الزهرة كما علم بالحساب، والنهار مدّة كون المخروط تحت الأُفق، والليل مدّة كونه فوقه، فإذا ازداد قرب الشمس من شرقيّ الأُفق ازداد ميل المخروط إلى غربيّه، ولا يزال كذلك حتّى يرى الشعاع المحيط به، وأوّل ما يرى منه هو الأقرب إلى موضع الناظر، لأنّه صدق رؤيته، وهو موقع خطّ يخرج من بصره عموداً على الخطّ المماسّ للشمس والأرض، فيرى الضوء مرتفعاً عن الأفق مستطيلاً، وما بينه وبين الأُفق مظلماً، لقربه من قاعدة المخروط الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر، وهو الصبح الكاذب. ثمّ إذا قربت الشمس جدّاً يرى الضوء معترضاً وهو الصبح الصادق ثمّ يرى محمرّاً والشفق بعكس الصبح يبدو محمرّاً، ثمّ مبيضّاً معترضاً، ثمّ مرتفعاً مستطيلاً، فالصبح والشفق متشابهان شكلاً، ومتقابلان وضعاً، لأنّ هيئة آخر

1 . مجمع البيان: 10 / 306 .   2 . مجمع البيان: 10 / 347 .

صفحه 227
غروب الشمس مثل أوّل طلوع الفجر، ويختلفان لوناً بسبب اختلاف كيفيّة الهواء المخلوط، فإنّ لون البخار في جانب المشرق مائل إلى الصفار والبياض، لاكتسابه الرطوبة من برودة الليل، وفي جانب الغرب مائل إلى الصفرة لغلبة الجزء الدخانيّ المكتسب بحرارة النهار، والجسم الكثيف كلّما كثر صفاؤه وبياضه ازداد قبوله للضوء، وكان الشعاع المنعكس منه أقوى من المنعكس من غيره، وقد عرف بالآلات الرصديّة أنّ انحطاط الشمس من الأُفق عند طلوع الصبح الأوّل وآخر غروب الشفق يكون ثمانية عشر درجة من دائرة الارتفاع المارّة بمركز الشمس في جميع الآفاق، ولكن لاختلاف مطالع قوس الانحطاط تختلف الساعات الّتي بين طلوع الصبح والشمس، وكذا بين غروب الشمس والشفق.
قال العلاّمة (رحمه الله) في كتاب «المنتهى»: اعلم أنّ ضوء النهار من ضياء الشمس وإنّما يستضيء بها ما كان كذا في نفسه كثيفاً في جوهره كالأرض والقمر وأجزاء الأرض المتّصلة والمنفصلة، وكلّما يستضيء من جهة الشمس فإنّه يقع له ظلّ من ورائه، وقد قدّر الله تعالى بلطف حكمته دوران الشمس حول الأرض،1 فإذا كانت تحتها وقع ظلّها فوق الأرض على شكل مخروط، ويكون الهواء المستضيء بضياء الشمس محيطاً بجوانب ذلك المخروط، فتستضيء نهايات الظلّ بذلك الهواء المضيء، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار، فلا ينفذ كثيراً في أجزاء المخروط، بل كلّما ازداد بعداً ازداد ضعفاً، فإذن متى تكون في وسط المخروط تكون في أشدّ الظلام، فإذا قربت الشمس من الأُفق الشرقيّ مال مخروط الظلّ عن سمت الرأس وقربت الأجزاء المستضيئة في حواشي الظلّ بضياء الهواء من

1 . هذا على هيئة بطليموس والصحيح كما ثبت في الهيئة الجديدة هو دوران الأرض حول الشمس. ولكن لا يخفى أنّ الحسابات المتعلقة بالطلوع والغروب ونظائرها لا يفترق فيه فرض دوران الشمس حول الأرض عن عكسه بل الأوّل هو الأسهل في ترسيم الدوائر الدخيلة في الحساب كما نصّ بعدم الفرق البيروني في القانون. انظر: دروس معرفة الوقت والقبلة : 105 .

صفحه 228
البصر، وفيه أدنى قوّة فيدركه البصر عند قرب الصباح، وعلى هذا كلّما ازدادت الشمس قرباً من الأُفق ازداد ضوء نهايات الظلّ قرباً من البصر إلى أن تطلع الشمس، وأوّل ما يظهر الضوء عند قرب الصباح يظهر مستدقّاً مستطيلاً كالعمود، ويسمّى الصبح الكاذب ويشبّه بذنب السرحان لدقّته واستطالته، ويسمّى الأوّل لسبقه على الثاني، والكاذب لكون الأُفق مظلماً، أي لو كان يصدق أنّه نور الشمس لكان المنير ممّا يلي الشمس دون ما يبعد منه، ويكون ضعيفاً دقيقاً ويبقى وجه الأرض على ظلامه بظلّ الأرض، ثمّ يزداد هذا الضوء إلى أن يأخذ طولاً وعرضاً فينبسط في أرض الأُفق كنصف دائرة وهو الفجر الثاني الصادق لأنّه صدقك عن الصبح وبيّنه لك.1
السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق والقوس وسائر ما يحدث في الجو   

[ الباب السابع عشر ]

السحاب والمطر والشهاب والبروق والصواعق

والقوس وسائر ما يحدث في الجو2

الآيات:

البقرة (2): (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). 22.
وقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ

1 . منتهى المطلب: 4 / 88 ، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
2 . بحار الأنوار : 56 / 344 ـ 371، الباب 27 .

صفحه 229
وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ). 164 .
الأنعام (6): (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْء). 99 .
الأعراف (7): (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 57.
الرعد (13): (هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ). 12 ـ 13 .
إبراهيم (14): (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ). 32.
الحجر (15): (إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ). 18.
وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ). 21 ـ 22.
النحل (16): (هُوَ الذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ). 10.
وقال تعالى: (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَسْمَعُونَ). 65.
الحج (22): (وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج). 5.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً

صفحه 230
إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). 63 .
المؤمنون (23): (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ). 18 ـ 19 .
النور (24): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ). 43 ـ 44.
الفرقان (25): (وَهُوَ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا). 48 ـ 50 .
النمل (27): (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ ـ إلى قوله تعالى ـ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). 60 ـ 64 .
العنكبوت (29): (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ). 63 .
الروم (30): (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ). 24.
وقال تعالى: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ

صفحه 231
قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ). 48 ـ 51 .
لقمان (31): (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم). 10.
فاطر (35): (وَاللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ). 9.
الصافات (37): (إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ). 10.
الزمر (39): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ). 21.
المؤمن (غافر) (40): (هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا). 13.
الشورى (42): (وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ). 28 .
الزخرف (43): (وَالذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ). 11.
الجاثية (45): (وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْق فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْم يَعْقِلُونَ). 5.
ق (50): (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَات لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ). 9 ـ 11 .

صفحه 232
الذاريات (51): (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا). 1 ـ 4 .
القمر (54): (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاء مُنْهَمِر). 11.
الواقعة (56): (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلُْتمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ). 68 ـ 70 .
الجن (72): (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الاْنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ـ إلى قوله تعالى ـ وَألَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا). 8 ـ 16 .

التفسير:

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)قال البيضاوي : خروج الثمار بقدرة الله ومشيئته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادّة لها كالنطفة للحيوان بأن اجرى عادته بإفاضة صورها وكيفيّاتها على المادّة الممزوجة منهما، أو أبدع في الماء قوّة فاعلة وفي الأرض قوّة قابلة تتولّد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلّها بلا أسباب وموادّ، كما أبدع نفوس الأسباب والموادّ، ولكنّ له في إنشائها مدرّجاً من حال إلى حال صنعاً وحكماً يجدّد فيها لأُولي الأبصار عبراً وسكوناً إلى عظم قدرته ليس في إيجادها دفعة، و (مِنَ)الأُولى للابتداء سواءً أُريد بالسماء السحاب فإنّ ما علاك سماء، أو الفلك، فإنّ المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلّت عليه الظواهر، أو من أسباب سماويّة تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جوّ الهواء فتنعقد سحاباً ماطراً.1

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 223 ـ 224 .

صفحه 233
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)قيل: إنّما جمع السماوات وأفرد الأرض لأنّ السماوات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين (بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ): أي ينفعهم أو بالذي ينفعهم (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء)(مِنْ)الأُولى للابتداء، والثانية للبيان. وقال البيضاوي : السماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو .1
(فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ): أي بالنبات مجازاً (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة)قال البيضاوي : عطف على (أَنْزَلَ)كأنّه استدلّ بنزول المطر وتكوّن النبات به وبثّ الحيوانات في الأرض، أو على «أحيا» فإنّ الدوابّ ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة، والبثّ: النشر والتفريق.(2)
وقال الرازي في تصريف الرياح: وجه الاستدلال أنّها مخلوقة على وجه يقبل التصريف وهو الرقّة واللطافة، ثمّ إنّه سبحانه يصرّفها على وجوه يقع بها النفع العظيم في الإنسان والحيوانات. ثمّ ذلك من وجوه: أحدها: أنّها مادّة النفس الّتي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات... لاجرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلّ شيء، وبعد الهواء الماء، لأنّ الماء لابدّ فيه من تكلّف الاغتراف بخلاف الهواء، فإنّ الآلات المهيّأة لجذبه حاضرة أبداً ثمّ بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة لكن دون الحاجة إلى الماء، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والأدوية النادرة قليلة، فلا جرم عزّت هذه الأشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدّاً، ولا جرم كانت في نهاية العزّة فثبت أنّ كلّما كان الاحتياج إليه أشدَّ كان وجدانه أسهل، وكلّما كان الاحتياج إليه أقلّ كان وجدانه أصعب، وما ذلك
إلاّ رحمة منه على العباد، ولمّا كانت الحاجة إلى رحمة الله أعظم الحاجات

1 . تفسير البيضاوي:1/435 ـ 436.   2. تفسير البيضاوي:1/437.

صفحه 234
نرجو أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كلّ شيء. وثانيها: لولا تحرّك الهواء
لما جرت الفلك، وهذا ممّا لا يقدر عليه [ أحد] إلاّ الله تعالى، فلو أراد كلّ [ من في ]العالم أن يقلّب الريح من الشمال إلى الجنوب إذا كان الهواء ساكناً أن يحرّكه لتعذّر.
(وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)سمّي السحاب سحاباً لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير التذليل، وإنّما سمّاه مسخّراً لوجوه: أحدها: أنّ طبع الماء يقتضي النزول، فكان بقاؤه في جوّ الهواء على خلاف الطبع، فلابدّ من قاهر يقسره على ذلك، ولذلك سمّاه بالمسخّر. الثاني: أنّ هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث إنّه يستر ضوء الشمس ويكثر الإمطار، ولو انقطع لعظم ضرره لأنّه يفضي إلى القحط وعدم العشب. الثالث: أنّ السّحاب لا يقف في موضع معيّن بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء، وذلك هو التسخير.1 (انتهى).
(لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ) قال البيضاوي : يتفكّرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، والكلام المجمل في دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته أنّها أُمور ممكنة وجد كلّ منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة، إذ كان من الجائز مثلاً أن لا تتحرّك السماوات أو بعضها كالأرض، وأن تتحرّك بعكس حركتها وبحيث تصير المنطقة دائرة مارّة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلاً، أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها، فلابدّ لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته، وتقتضيه مشيّته، متعالياً عن معارضة غيره، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه [ الآخر] فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما، لزم اجتماع مؤثّرين على أثر واحد، وإن كان لأحدهما

1 . تفسير الرازي: 4 / 226 ـ 227 و 228 .

صفحه 235
لزم ترجيح الفاعل بلا مرجّح وعجز الآخر النافي لإلهيّته، وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد، كما أشار إليه بقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا).1(انتهى).
وأقول: قد مرّ في كتاب التوحيد 2 بسط القول في الاستدلال بحدوث تلك الأشياء وإمكانها على افتقارها إلى صانع قديم واجب بذاته، واشتمالها على الحكم المتناهية على قدرته ـ سبحانه ـ وعلمه وحكمته ولطفه، وبانتظامها وتلازمها على وحدة صانعها، فلا نعيد الكلام فيها.
(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)قال الرازي: اختلف الناس فيه، فقال الجبّائي: إنّه تعالى ينزّل الماء من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض...
والقول الثاني: المراد: أنزل من جانب السماء ماءً.
القول الثالث: أنزل من السحاب ماء، وسمّى الله السحاب سماء لأنّ العرب تسمّي كلّ ما فوقك سماء، كسماء البيت.
ثمّ قال: نقل الواحديّ في البسيط عن ابن عبّاس: يريد بالماء هاهنا المطر.3
أقول: ورجّح في موضع آخر نزول المطر من السحاب، قال: لأنّ الإنسان ربّما كان واقفاً على قلّة جبل عال ويرى الغيم أسفل، فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم، وإذا كان هذا الأمر مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً.(4)
(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا)منهم من قرأ «نشُرًا» بضمّ النون والشين.

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 437 ـ 440 .
2 . راجع بحار الأنوار: 3 / 16 ; المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار: 1 / 62 .
3 . تفسير الرازي: 13 / 105 ـ 107 باختصار.   4 . تفسير الرازي: 19 / 126 .

صفحه 236
جمع نشور مثل رسل ورسول، أي رياحاً منشرة مفرّقة من كلّ جانب، وقرأ ابن عامر بضمّ النون وإسكان الشين بتخفيف العين، وقرأ حمزة بفتح النون وإسكان الشين مصدر نشرت الثوب ضدّ طويته، وهنا بمعنى المفعول، أو بمعنى الحياة فهو بمعنى الفاعل، وقرأ عاصم بالباء جمع بشير أي مبشّرات بالمطر أو الرحمة.1
(حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً)قال الرازي: يقال: أقلّ فلان الشيء إذا حمله، أي حتّى إذا حملت هذه الرياح سحاباً ثقالاً بما فيها من الماء. والمعنى: أنّ (السحاب المسيطر بالمياه) 2العظيمة إنّما يبقى معلّقاً في الهواء ; لأنّه تعالى دبّر بحكمته أن يحرّك الرياح تحريكاً شديداً، فيحصل منها فوائد:
أحدها: أنّ أجزاء السحاب ينضمّ بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر.
وثانيها: أنّ بسبب تلك الحركات الشديدة الّتي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء المائيّة النزول، فلا جرم يبقى معلّقاً في الهواء.
وثالثها: أنّ بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر، وهو الموضع الّذي علم الله تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها.
ورابعها: أنّ حركة الرياح تارة تكون مفرّقة لأجزاء السحاب مبطلة لها.
وخامسها: أنّ هذه الرياح تارة تكون مقوّية للزرع والأشجار مكمّلة لما فيها من النشوء والنماء، وهي الرياح اللواقح، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف.
وسادسها: أنّ هذه الرياح تارة تكون طيبّة لذيذة موافقة للأبدان، وتارة تكون

1 . تفسير الرازي: 14 / 138 .
2 . في المصدر: السحاب الكثيف المستطير للمياه.

صفحه 237
مهلكة إمّا بسبب ما فيها من الحرارة الشديدة كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد الشديد كما في الرياح المهلكة جدّاً.
وسابعها: أنّ تلك الرياح تارة تكون شرقيّة، وتارة تكون غربيّة وشماليّة وجنوبيّة، وهذا ضبط ذكره بعض الناس، وإلاّ فالرياح تهبّ من كلّ جانب من جوانب العالم، ولا ضبط لها، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أنّ طبيعة الهواء واحدة وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة، تدلّ على أنّ هذه الأحوال لم تحصل إلاّ بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى. ثمّ قال تعالى: (سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت)والمعنى أنّا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ميّت لم ينزل فيه غيث ولا تنبت فيه خضرة، والسحاب لفظه مذكّر، وهو جمع «سحابة» فيجوز فيه التذكير والتأنيث، فلذا أتى بهما في الآية، واللام في قوله: (لِبَلَد) إمّا بمعنى إلى، أو المعنى سقناه لأجل بلد ميّت ليس فيه حبّ نسقيه، والضمير في قوله (بِهِ) إمّا راجع إلى البلد، أو إلى السحاب، وفي قوله: (أَخْرَجْنَا بِهِ) عائد إلى الماء. وقيل: إلى البلد، وعلى القول الأوّل فالله تعالى إنّما يخلق الثمرات بواسطة الماء....1
(خَوْفًا وَطَمَعًا)قال الزمخشريّ: في انتصابهما وجوه: الأوّل: أنّه لا يصحّ أن يكونا مفعولاً لهما، لأنّهما ليسا بفاعل(2) الفعل المعلّل به إلاّ على تقدير حذف المضاف، أي إرادة خوف وطمع، أو على معنى: إخافةً وإطماعاً. الثاني: يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنّه في نفسه خوف وطمع، والتقدير: ذا خوف وذا طمع. الثالث: أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين وطامعين.2
وقال الرازي: في كونهما خوفاً وطمعاً وجوه: الأوّل: [ أنّ] عند لمعان البرق

1. تفسير الرازي:14/141ـ143.   2. والصحيح «بفعل فاعل الفعل المعللّ به» كما في تفسير الكشّاف.
2 . تفسير الكشّاف:2/352، ونقله عنه الرازي في تفسيره:19/23.

صفحه 238
يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث. الثاني: أنّه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع. الثالث: أنّ كلّ شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشرّ بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حقّ من يحتاج إليه في أوانه، شرّ في حقّ من يضرُّه ذلك، إمّا بحسب المكان أو بحسب الزمان.
(وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) السحاب اسم الجنس، والواحدة سحابة. والثقال: جمع ثقيلة، أي الثقال بالماء .
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)قال الطبرسي (رحمه الله): تسبيح الرعد دلالته على تنزيه الله تعالى ووجوب حمده، فكأنّه هو المسبّح. وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ ربّكم سبحانه يقول: لو أنّ عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر باللّيل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أُسمعهم صوت الرعد». وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا سمع صوت الرعد قال: «سبحان من يسبّح الرعد بحمده». وكان ابن عبّاس يقول: سبحان الّذي سبّحت له. وروى سالم بن عبدالله، عن أبيه، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك». قال ابن عبّاس: من سمع الرعد فقال: سبحان الّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وهو على كلّ شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليّ ذنبه.
(وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ): أي وتسبّح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته. قال ابن عبّاس: إنّهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
(وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ)رووا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)أنّ الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم، ولا تصيب ذاكراً. (انتهى)1.

1 . مجمع البيان: 6 / 22 ـ 23.

صفحه 239
وقال الرازي: في قوله تعالى: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ): أي هؤلاء الكفّار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله، وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الردّ على الكافر الّذي قال: أخبرنا عن ربّنا أمن نحاس أم حديد؟!... وثانيها: أن يكون المراد الردّ على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر. وثالثها: الردّ عليهم في طلب سائر المعجزات ورابعها: الردّ عليهم في استنزال عذاب الاستئصال.
(وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ) المشهور أنّ الميم أصليّة، وقيل: زائدة. والمعنى: شديد القوّة، وقيل: شديد المكر، وقيل: شديد العقوبة، وقيل: شديد المغالبة، وقيل: شديد الجدال.1
(رِزْقًا لَكُمْ)قال البيضاوي : أي تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول (أَخْرَجَ)، و (مِنَ الَّثمَرَاتِ) بيان له أو حال عنه; ويحتمل عكس ذلك، ويجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلّة أو المصدر، لأنّ (أَخْرَجَ)في معنى «رزق».(2)
(إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ)قال البيضاوي : بدل من (كُلِّ شَيْطَان)، واستراق السمع اختلاسه سرّاً، شبّه به خطفتهم اليسيرة من قطّان السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عبّاس: أنّهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات، فلمّا ولد عيسى (عليه السلام)منعوا من ثلاث سماوات. فلمّا ولد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)منعوا من كلّها بالشهب، ولا يقدح فيه تكوّنها قبل المولد، لجواز أن يكون لها أسباب أُخر. وقيل: الاستثناء منقطع، أي ولكن من استرق السمع (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ): أي فتبعه ولحقه شهاب (مُبِينٌ) ظاهر للمبصرين، والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لمّا فيهما من البريق.(3) (انتهى).

1 . تفسير الرازي:19/25ـ28.      2 . تفسير البيضاوي:3/349.   3 . تفسير البيضاوي: 3/364 ـ 365.

صفحه 240
وقال الرازي: لقائل أن يقول: إذا جوّزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماوات ويختلط بالملائكة ويسمع أخباراً من الغيوب عنهم ثمّ إنّها تنزل وتلقي تلك الغيوب، فعلى هذا التقدير يجب أن يخرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق. ولا يقال: إنّ الله تعالى أخبر عن أنّهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). لأنّا نقول: هذا المعجز لا يمكن إثباته إلاّ بعد القطع بكون محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)رسولاً، والقطع بهذا لا يمكن إلاّ بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً لا يثبت إلاّ بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذ يلزم الدور، وهو باطل محال.
ويمكن أنّ يجاب عنه بأنّا نثبت كون محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)رسولاً بسائر المعجزات ثمّ بعد العلم بنبوّته نقطع بأنّ الله عجّز الشياطين عن تلقّف الغيب بهذا الطريق، وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيب معجزاً، وحينئذ يندفع الدور.1 (انتهى).
وأقول: يمكن أن يقال: يجب في لطف الله وحكمته أن لا يمكّن الكاذب في دعوى النبوّة والإمامة من هذا، وإلاّ لزم الإغراء بالقبيح ولو بالنسبة إلى العوامّ. ولذا قيل: لا تجري الشعبذة أيضاً على يد المدّعي الكاذب، فتأمّل.
(وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)قيل: أي وما من شيء إلاّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره، أو شبّه مقدوراته بالأشياء المخزونة الّتي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد (وَمَا نُنَزِّلُهُ)من تلك الخزائن (إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم) اقتضته الحكمة وتعلّقت به المشيّة فإنّ تخصيص بعضها بالايجاد في بعض الأوقات على بعض الصفات والحالات لابدّ له من مخصّص حكيم.2

1 . تفسير الرازي: 19 / 169 ـ 170 .
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 365 .

صفحه 241
وقال عليّ بن إبراهيم: الخزانة الماء الّذي ينزل من السماء فينبت لكلّ ضرب من الحيوان ما قدّر الله له من الغذاء .1
وقال بعض المحقّقين: أقول: الأوّل: كلام من خلال من التحصيل، والثاني: تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر، وأمّا في الباطن والتأويل فالخزائن عبارة عمّا كتبه القلم الأعلى أوَّلاً على الوجه الكلّيّ في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل، الّذي منه يجري ثانياً على الوجه الجزئي في لوح القدر الّذي فيه المحو والإثبات تدرّجاً على التنزّل. فإلى الأوّل أُشير بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)، وبقوله: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ). وإلى الثاني بقوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم) ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة، وعن السجّاد (عليه السلام): «إنّ في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البرّ والبحر»، قال: وهذا تأويل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْء)ـ الآية ـ» أراد (عليه السلام)به ما ذكرناه.(2) (انتهى).
(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ)قيل: أي حوامل، شبّه الريح الّتي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم، أو ملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله: «ومختبط ممّا تطيح الطوائح».2
(فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ): أي فجعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته حتّى روي، واسقيته نهراً، اي جعلته شراباً له. (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ): أي قادرين متمكّنين من إخراجه نفى عنهم ما أثبته لنفسه، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، وذلك أيضاً يدلّ

1 . تفسير القمي: 1 / 375 .   2 . التفسير الصافي للكاشاني: 3 / 105 .
2 . تمام البيت هو:
ليبك يزيد ضارع لخصومة    ومختبط ممّا تطيح الطوائح
وقد اختلف في قائله، نسبه بعضهم إلى الحارث بن نهيك، ونسبه بعض إلى لبيد، وفي الخزانة نسبه إلى نهشل بن حري النهشلي. راجع خزانة الأدب: 1 / 303، وج 8 / 139 .

صفحه 242
على المدبّر الحكيم، كما يدلّ عليه حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس، فإنّ طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حدّ لابدّ له من سبب مخصّص .1
(لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ)قيل: أي ما تشربونه، و (لَكُمْ)صلة (أُنْزِلَ)أو خبر (شَرَابٌ)و (من) تبعيضيّة متعلّقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه، ولا بأس به، لأنّ مياه العيون والآبار منه، لقوله: (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ)2، وقوله: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ).(3)
(وَمِنْهُ شَجَرٌ): أي ومنه يكون شجر، يعني الشجر الّذي ترعاه المواشي. وقيل: كلّ ما ينبت على الأرض شجر (فِيهِ تُسِيمُونَ): أي ترعون مواشيكم، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصلها السومة وهي العلامة، لأنّها تؤثّر بالرعي علامات.3
(فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها (لِقَوْم يَسْمَعُونَ): أي سماع تدبّر وإنصاف.4
(وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً): أي ميتة يابسة، من همدت النار إذا صارت رماداً (اهْتَزَّتْ): أي تحرّكت بالنبات (وَرَبَتْ): أي انتفخت (وَأَنْبَتَتْ)على المجاز لأنّ المنبت هو الله تعالى (مِنْ كُلِّ زَوْج): أي من كلّ نوع من أنواع النبات (بَهِيج)البهجة: حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، قال المبرّد: هو الشيء المشرق الجميل.5

1 . تفسير البيضاوي: 3 / 366.
2 . الزمر: 21.   3 . المؤمنون: 18 .
3 . تفسير البيضاوي: 3 / 388.
4 . تفسير البيضاوي: 3 / 406 .
5 . تفسير الرازي: 23 / 9 .

صفحه 243
(أَلَمْ تَرَ)أي الم تعلم. وقيل: المراد الرؤية بالبصر (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ)إنّما لم يقل أصبحت ليدلّ على بقاء [ أثر] المطر زماناً بعد زمان، وإنّما لم ينصب جواباً للاستفهام، لأنّه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض، لأنّ معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ)يصل علمه أو لطفه إلى كلّ ما جلّ ودقّ (خَبِيرٌ) بالتدابير الظاهرة والباطنة.1
(بِقَدَر): قال الرازي: أي بتقدير يسلمون معه من المضرّة ويصلون به إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب وبمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم. (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ)قيل: جعلناه ثابتاً في الأرض، قال ابن عبّاس: أنزل الله تعالى من الجنّة خمسة أنهار: سيحون وجيحون، ودجلة، والفرات، والنيل، ثمّ يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن. (وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ): أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على رفعه وإزالته. ولمّا نبّه سبحانه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّات مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب)وإنّما خصّهما لكثرة منافعهما، فإنّهما يقومان مقام الطعام ومقام الإدام ومقام الفاكهة رطباً ويابساً. وقوله: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ): اي في الجنّات، فكما أنّ فيها النخيل والأعناب فيها الفواكه الكثيرة. وقوله: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) قال الزمخشريّ: يجوز أن يكون هذا من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن صنعة فعلها، يعنون أنّها طعمته وجهته الّتي يحصل منها رزقه، كأنّه قال: وهذه الجنّات وجوه أرزاقكم ومعاشكم منها تتعيّشون.(2)
(أَلَمْ تَرَ)بعين عقلك ولم تعلم (أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا): أي يسوقه، ومنه البضاعة المزجاة، فإنّها يزجيها كلّ أحد (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ)بأن يكون قزعاً فيضمّ بعضها إلى بعض، وبهذا الاعتبار صحّ (بَيْنَهُ)إذ المعنى: بين أجزائه (ثُمَّ يَجْعَلُهُ

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 138 .   2 . تفسير الرازي: 23 / 88 ـ 89 ; ويلاحظ تفسير الكشّاف: 3 / 29 .

صفحه 244
رُكَامًا): أي متراكماً بعضه على بعض (فَتَرى الْوَدْقَ): أي المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ): أي من فتوقه، جمع خلل كجبال في جبل (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ)قيل: أي من الغمام وكلّ ما علاك فهو سماؤك (مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد)قيل: أي قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها (مِنْ بَرَد) بيان للجبال، والمفعول محذوف، أي ينزل حينئذ ماءً من السماء من جبال، ويجوز أن تكون (مِنْ)الثانية والثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول. وقيل: المراد بالسماء المظلّة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر، عليه ظواهر كثير من الأخبار ولم يدلّ دليل قاطع على نفيه.1
(فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ)الضميران للبرد والإصابة بإهلاك الزرع والمال، وقد يهلك الأنفس أيضاً (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ): أي يقرب ضوء برق السحاب أن (يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة
(يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحرّ والبرد والظلمة والنور، أو ما يعمّ ذلك (إِنَّ فِي ذَلِكَ): أي في ما تقدّم ذكره (لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ): أي لأُولي البصائر والعقول: لدلالته على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته وتنزّهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.2
(بشرًا)قرأ عاصم بالباء المضمومة، أي مبشّرات جمع بشور، وابن عامر بالنون والسكون، أي ناشرات للسحاب، والكسائي بفتح النون مصدراً (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): أي المطر كما مرّ.
(مَاءً طَهُورًا): أي مطراً، وهو اسم لما يتطهّر به كالوضوء والوقود. وقيل:

1 . تفسير الرازي: 24 / 13 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 195 .

صفحه 245
بليغاً في الطهارة (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)بالنبات، والتذكير لأنّ البلدة في معنى البلد (وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا)قيل: يعني أهل البوادي الّذين يعيشون بالحيا1، ولذلك نكّر الأنعام والأناسيّ، وتخصيصهم لأنّ أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنابع، فبهم وبما حولهم من الأنعام غُنية عن سقي السماء .2
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ)قال البيضاوي : أي صرّفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة، من وابل وطلّ وغيرهما. وعن ابن عبّاس: ما عام أمطر من عام، ولكنّ الله قسّم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية. أو في الأنهار أو في المنابع (لِيَذَّكَّرُوا): أي ليتفكّروا ويعرفوا كمال القدرة وحقّ النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا): أي إلاّ كفران النعمة وقلّة الاكتراث لها أو جحودها بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الإمطار إلاّ من الأنواء كان كافراً، بخلاف من يرى أنّها من خلق الله، والأنواء وسائط أو أمارات يجعله الله تعالى.3
(فَأَنْبَتْنَا)عدل به عن الغيبة إلى التكلّم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، والتنبيه على أنّ إنبات الحدائق البهيّة المختلفة الأنواع المتباعدة الطبائع من الموادّ المتشابهة، لا يقدر عليه غيره تعالى كما أشار إليه بقوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)4: أي شجر الحدائق ـ وهي البساتين ـ من الإحداق وهو الإحاطة. (مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ): أي بأسباب سماويّة وأرضيّة.5

1 . الحيا: المطر لإحيائه الأرض. الفائق في غريب الحديث للزمخشري: 1 / 296 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 222 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 223.
4 . النمل: 60 .
5 . تفسير البيضاوي: 4 / 273 ـ 274 .

صفحه 246
(يُرِيكُمُ الْبَرْقَ)مقدَّر بأن، أو الفعل فيه منزَّل منزلة المصدر، كقولهم: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أو صفة لمحذوف تقديره: آية يريكم بها البرق (خَوْفًا)من الصاعقة وللمسافر (وَطَمَعًا)في الغيث وللمقيم (فَيَبْسُطُهُ): أي متّصلاً تارة في السماء أو في سمتها (كَيْفَ يَشَاءُ)سائراً وواقفاً، مطبقاً وغير مطبق، من جانب دون جانب إلى غير ذلك (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا): أي قطعاً تارة أُخرى (فَتَرى الْوَدْقَ): أي المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ)في التارتين (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)يعني بلادهم وأراضيهم (إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) بمجيء الخصب (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ): أي المطر (مِنْ قَبْلِهِ)تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالبطر واستحكام يأسهم. وقيل: الضمير للمطر أو السحاب أو الإرسال (لَمُبْلِسِينَ): أي لابسين قانطين. (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ): أي أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار، ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائيّ وحفص (إِنَّ ذَلِكَ)يعني الّذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها (لَمُحْيِي الْمَوْتَى)لقادر على إحيائهم (فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا)أي فرأوا الأثر أو الزرع فإنّه مدلول عليه بما تقدّم، وقيل: السحاب، لأنّه إذا كان مصفرّاً لم يمطر، واللام موطّئة للقسم دخلت على حرف الشرط، وقوله (لَظَلُّوا)[جواب] سدّ مسدّ الجزاء.1
(مِنْ كُلِّ زَوْج): أي صنف (كَرِيم): أي كثير المنفعة.2
(فَتُثِيرُ سَحَابًا)على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالّة على كمال الحكمة، ولأنّ المراد بيان إحداثها بهذه الخاصيّة ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر. (فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ): أي بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنّه سبب

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 341 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 346 .

صفحه 247
السبب، أو الصائر مطراً (بَعْدَ مَوْتِهَا): أي بعد يبسها (كَذَلِكَ النُّشُورُ): أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحّة المقدوريّة، إذ ليس بينهما إلاّ احتمال اختلاف المادّة في المقيس، وذلك لا مدخل له فيها، وقيل: في كيفيّة الإحياء فإنّه تعالى يرسل ماءً من تحت العرش ينبت منه أجساد الخلق.1
(إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ)الخطف: الاختلاس، والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة، وأتْبَعَ بمعنى تبع، و (الشهاب) ما يرى كوكباً انقضّ، وما قيل إنّه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل، فتخمين إن صحّ لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّه ينقضّ من الفلك، ولا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) فإنّ كلّ نيّر يحصل في الجوّ العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء من حيث إنّه يُرى كأنّه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث لما ذكر في بعض الأوقات رجماً للشياطين يتصعّد إلى قرب الفلك للتسمّع، وما روي أنّ ذلك حدث بميلاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إن صحّ فلعلّ المراد
كثرة وقوعه أو مصيره (دُحُورًا)واختلف في أنّ المرجوم يتأذَّى به فيرجع أو يحرق به لكن قد يصيب الصاعد مرّة وقد لا يصيب، كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون [ عنه ] رأساً. ولا يقال: إنّ الشيطان من النار فلا يحترق، لأنّه ليس من النار الصرف، كما أنّ الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أنّ النار القويّة إذا استولت على الضعيفة استهلكتها. (ثَاقِبٌ): أي مضيء كأنّه يثقب الجوّ بضوئه.2
(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)قال الرازي: وهو المطر، وقيل: كلّ ماء كان في الأرض فهو من السماء، ثمَّ إنّه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثمَّ يقسّمه (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 412 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 6 ـ 7 .

صفحه 248
فِي الأَرْضِ): أي فأدخله ونظمه ينابيع في الأرض عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ)من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بُرٍّ وشعير وسمسم. (ثُمَّ يَهِيجُ)وذلك لأنّه إذا تمّ جفافه جاز له أن ينفصل من منابته وإن لم تتفرّق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنّها هاجت للتفرّق (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا)فتاتاً. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى)يعني أنّ من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أنّ أحوال الحيوان والإنسان كذلك، وأنّه وإن طال عمره فلابدّ له من الانتهاء إلى أن يصير مصفرّ اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثمّ عاقبته الموت، فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات مذكّرة حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته فحينئذ تعظم نفرته من الدنيا وطيّباتها. قال الواحدي: الينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع، وهو نصب بنزع الخافض كأنّ التقدير: فسلكه في ينابيع (ثُمَّ يَهِيجُ): أي يخضرّ، والحطام: ما تفتّت وتكسّر من النبت .1 (انتهى).
(مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا): أي أسباب رزق كالمطر (يُنَزِّلُ الْغَيْثَ)قال البيضاوي : أي المطر الّذي يغيثهم من الجدب، ولذلك خصّ بالنافع منها (مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا)أيسوا منه (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) في كلّ شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان (وَهُوَ الْوَلِي)الّذي يتولّى عباده بإحسانه ونشر رحمته (الْحَمِيدُ) المستحقّ للحمد على ذلك .2
(مَاءً بِقَدَر): أي بمقدار ينفع ولا يضرّ (فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)مال عنه النماء (كَذَلِكَ)مثل ذلك الإنشاء (تُخْرَجُونَ) تنشرون من قبوركم.3

1 . تفسير الرازي: 26 / 264 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 131.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 141 .

صفحه 249
(مِنْ رِزْق): أي من مطر وسمّاه رزقاً لأنّه سببه (بَعْدَ مَوْتِهَا)بعد يبسها (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)باختلاف جهاتها وأحوالها.1
(مَاءً مُبَارَكًا): أي كثير المنافع (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات): أي أشجاراً وثماراً. (وَحَبَّ الْحَصِيدِ): أي حبّ الزرع الّذي من شأنه أن يحصد كالبرِّ والشعير. (وَالنَّخْلَ بَاسِقَات)طوالاً أو حوامل، من أبسقت الشاة إذا حملت، فيكون من أفعل فهو فاعل. وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ): أي منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من التمر (رِزْقًا لِلْعِبَادِ)علّة لأنبتنا أو مصدر، فإنّ الإنبات رزق (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا): أي أرضاً جدبة لانماء فيها (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.2
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) قال الطبرسي (رحمه الله): روي أنّ ابن الكوّاء سأل أمير المؤمنين (عليه السلام)وهو يخطب على المنبر فقال: ما الذاريات ذرواً؟ قال: الرياح، قال: فالحاملات وقرا؟ قال: السحاب، قال: فالجاريات يسرا؟ قال: السفن؟ قال: فالمقسّمات أمراً؟ قال: الملائكة. وروي ذلك عن ابن عبّاس ومجاهد، فالذاريات: الرياح تذرو التراب وهشيم النبت أي تفرّقه، فالحاملات: السحاب تحمل ثقلاً من الماء من بلد فتصير موقرة به، والوقر ـ بالكسر ـ : ثقل الحمل على ظهر أو في بطن. (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا): أي السفن تجري في الماء جرياً سهلاً إلى حيث سيّرت. وقيل: هي السحاب تجري يسيراً إلى حيث سيّرها الله من البقاع. وقيل: هي النجوم السبعة السيّارة (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) الملائكة يقسّمون الأُمور بين الخلق على ما أُمروا به، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع للعباد ولما تضمّنته

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 167 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 225.

صفحه 250
من الدلالة على وحدانيّة الله تعالى وبدائع صنعه. وقيل: التقدير القسم برب هذه الأشياء.1 (انتهى).
(بِمَاء مُنْهَمِر): أي منصبّ، قال الرازي: المراد من الفتح والأبواب والسماء
إمّا حقائقها أو هو مجاز؟ فنقول فيه قولان: أحدهما: حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه. وثانيهما: هو على طريقة الاستعارة، فإنّ الظاهر أنّ الماء كان من السحاب، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل: جرت ميازيب السماء، وفتح أفواه القرب، أي كأنّه كان ذلك .2
(أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الذِي تَشْرَبُونَ) قال البيضاوي : أي العذب الصالح للشرب. (مِنَ الْمُزْنِ): أي من السحاب. وقيل: هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب. (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)بقدرتنا. (جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا): أي مالحاً (فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ) أمثال هذه النعم الضروريّة. 3 (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا): أي لوسّعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنّه أصل المعاش والسعة، وعزّة وجوده بين العرب.4
   

1 . مجمع البيان: 9 / 253 ـ 254 .
2 . تفسير الرازي: 29 / 36.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 291 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 400.

صفحه 251
 
[ الباب الثامن عشر ]

الرياح وأسبابها وأنواعها1

الآيات:

البقرة (2): (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ). 164 .
الأعراف (7): (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ). 57.
الحجر (15): (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ). 22.
الإسراء (17): (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ). 69 .
الأنبياء (21): (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا). 81 .
الفرقان (25): (وَهُوَ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ). 48 .
النمل (27): (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ). 63.
الروم (30): (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَات وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْري الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). 46 .
وقال تعالى: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ). 51.
الذاريات (51): (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا). 1 .

1 . بحار الأنوار : 57 / 1 ـ 6، الباب 29 .

صفحه 252
وقال سبحانه: (وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ). 41 .
القمر (54): (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْس مُسْتَمِرّ). 19 .
المرسلات (77): (وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا). 1 ـ 3 .

التفسير:

قال الرازي: قوله: (نَشْرًا): أي منتشرة متفرّقة، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة، وجزء آخر يذهب يسرة، وكذا القول في سائر الأجزاء، فإنّ كلّ واحد منها يذهب إلى جانب آخر، فنقول: لاشكّ أنّ طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كلّ واحد من الأجزاء من ذلك الريح نسبة واحدة، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلاّ بتخصيص الفاعل المختار.1
(بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): أي بين يدي المطر الّذي هو رحمته. فإن قيل: فقد نجد المطر ولا تتقدّمه الرياح. قلنا: ليس في الآية أنّ هذا التقدّم حاصل في كلّ الأحوال فلم يتوجّه السؤال. وأيضاً فيجوز أن تتقدّمه هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها. وعن ابن عمر: الرياح ثمان، أربع منها عذاب وهو: القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربع منها رحمة: الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات. وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «نصرت بالصبا، وأُهلك عاد بالدبور، والجنوب من ريح الجنّة». وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيّام لأنتن أكثر الأرض.2

1 . تفسير الرازي: 14 / 140 .
2 . تفسير الرازي: 14 / 140 ـ 142 .

صفحه 253
(فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي فإذا ركبتم البحر أرسل عليكم ريحاً شديدة كاسرة للسفينة. وقيل: الحاصب: الريح المهلكة في البرّ، والقاصف: المهلكة في البحر (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ) من نعم الله .1
(أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ)قال البيضاوي : أي الشمال والصبا والجنوب، فإنّها رياح الرحمة، وأمّا الدبور فريح العذاب، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً». وقرأ ابن كثير والحمزة والكسائيّ «الريح» على إرادة الجنس. (مُبَشِّرَات)بالمطر (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) يعني المنافع التابعة لها. وقيل: الخصب التابع لنزول المطر المسبّب عنها أو الروح الّذي هو مع هبوبها، والعطف على علّة محذوفة دلّ عليها (مُبَشِّرَات)أو عليها باعتبار المعنى، أو على (يُرْسِلَ)بإضمار فعل معلّل دلّ عليه. (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)يعني تجارة البحر .2
(فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا): أي فرأوا الأثر والزرع، فإنّه مدلول عليه بما تقدّم. وقيل: السحاب لأنّه إذا كان مصفرّاً لم يمطر، واللام موطّئة للقسم دخلت على حرف الشرط. وقوله: (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) جواب سدّ مسدّ الجزاء ولذلك فسّر بالاستقبال، وهذه الآية ناعية على الكفّار بقلّة تثبتّهم وعدم تدبّرهم وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكّرهم وسوء رأيهم، فإنّ النظر السويّ يقتضي أن يتوكّلوا على الله ويلجأوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولم يكفروا نعمه.3
أقول: وقد مرّ تفسير الذاريات بالرياح الّتي تذرو التراب وهشيم النبت .

1 . مجمع البيان: 6 / 272 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 339 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 340 ـ 341 .

صفحه 254
الماء وأنواعه والبحار وغرائبها وما ينعقد فيها، وعلّة المد والجزر، و...   
وقال الطبرسي (رحمه الله): الريح العقيم هي الّتي عقمت عن أن تأتي بخير، [ و ]من تنشئة سحاب، أو تلقيح شجر، أو تذرية طعام، أو نفع حيوان، فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة، إذ هي ريح الإهلاك .1
وقال في قوله تعالى: (رِيحًا صَرْصَرًا): أي شديدة الهبوب. وقيل: باردة من الصرّ وهو البرد (فِي يَوْمِ نَحْس مُسْتَمِرّ): أي دائم الشؤم، استمرّ عليهم بنحوسته (سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام)حتّى أتت عليهم. وقيل: إنّه كان يوم الأربعاء آخر الشهر لا يدور. رواه العيّاشي بالإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام).2

[ الباب التاسع عشر ]

الماء وأنواعه والبحار وغرائبها وما ينعقد فيها، وعلّة المد والجزر، والممدوح من الأنهار والمذموم منها3

الآيات:

إبراهيم (14): (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ). 32.
النحل (16): (وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا). 14 ـ 15 .

1 . مجمع البيان: 9 / 265 .
2 . مجمع البيان: 9 / 316 .
3 . بحار الأنوار : 57 / 23 ـ 29، الباب 30 .

صفحه 255
الفرقان (25): (وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا). 53 .
النمل (27): (وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا). 61 .
فاطر (35): (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). 12 .
الشورى (42): (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِير * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص). 32 ـ 35 .
الجاثية (45): (اَللهُ الذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْري الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). 12.
الطور (52): (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ). 6 .
الرحمن (55):( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ). 19 ـ 24 .
الملك (67): (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين). 30.
المرسلات (77): (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا). 27.

صفحه 256

التفسير:

(وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ)إنّما نسب إليه سبحانه مع أنّه من أعمال العباد، لأنّه لولا أنّه تعالى خلق الأشجار الصلبة الّتي منها يمكن تركيب السفن، ولولا خلقة الحديد وسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتّخذونها، ولولا أنّه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة الّتي باعتبارها يصحّ جري السفينة فيه، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القويّة فيها، ولولا أنّه وسّع الأنهار وجعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها; لما وقع الانتفاع بالسفن، فصار لأجل أنّه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال وهو المدبّر لهذه الأُمور والمسخّر لها حسنت إضافته إليه. وقيل: لمّا كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاّح صار كأنّه حيوان مسخّر له. (بِأَمْرِهِ): أي بقدرته وإرادته .
(وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ) لمّا كان ماء البحر قلّما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتّى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع والنبات. وأيضاً ماء البحر لا يصلح للشرب والصالح لهذا مياه الأنهار.
(وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ): أي جعله بحيث يتمكّنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنّه أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإظهار قدرته في خلقه عذباً طريّاً في ماء زعاق. (حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)كاللؤلؤ والمرجان. (وَتَرى الْفُلْكَ): أي السفن (مَوَاخِرَ فِيهِ): أي جواري فيه تشقه بخرومها من المخر وهو شقّ الماء. وقيل: صوت جري الفلك. (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ): أي من سعة رزقه بركوبها للتجارة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): أي تعرفون نعم الله فتقومون بحقّها.
(وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)قال البيضاوي : خلاهما متجاورين متلاصقين

صفحه 257
بحيث لا يتمازجان، من مرج دابّته إذا خلاها. (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ)قامع للعطش
من فرط عذوبته (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)بليغ الملاحة 1 (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا)حاجزاً من قدرته (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) وتنافراً بليغاً كأنّ كلاًّ منهما يقول للآخر
ما يقوله المتعوّذ عليه. وقيل: حدّاً محدوداً، وذلك كدجلة يدخل البحر
فيشقّه فيجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها. وقيل: المراد بالبحر العذب، النهر العظيم مثل النيل، وبالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض، فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أنّ مقتضى طبيعة أجزاء كلّ عنصر أن تضامّت وتلاصقت وتشابهت في الكيفيّة. 2 (انتهى) ويقال: إنّ نهر آمل تدخل بحر الخزرو ويبقى على عذوبته ولا يختلط بالمالح، ويأخذون منه الماء العذب في وسط البحر، فيمكن على تقدير صحّته أن يكون داخلاً تحت الآية أيضاً .
(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ)ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات: الّذي يكسر العطش، والسائغ: الّذي يسهل انحداره، والأُجاج: الّذي يحرق بملوحته (وَمِنْ كُلّ تَأْكُلُونَ)استطراد في صفة البحرين وما فيهما، أو تمام التمثيل، والمعنى: كما أنّهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنّهما لا يتساويان في ما هو المقصود بالذات من الماء، فإنّه خالط أحدهما ما أفسده وغيّره عن كمال فطرته لا يساوي المؤمن والكافر وإن اتّفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما في ما هو الخاصّية العظمى وبقاء أحدهما على الفطرة الأصليّة دون الآخر، أو تفضيل للأُجاج على الكافر بما يشارك العذب من المنافع، والمراد بالحلية اللآلي واليواقيت.3

1 . في المصدر: الملوحة.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 224 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 414 .

صفحه 258
(وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ)قرأ نافع وأبو عمرو (الجواري) بياء في الوصل والوقف، والباقون بحذفها على التخفيف (كَالأَعْلاَمِ): أي كالجبال، فهذه السفن العظيمة الّتي تكون كأنّها الجبال تجري على وجه الماء عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه وعند سكونها تقف، ففيه دلالة على وجود الصانع المسبّب لتلك الأسباب وقدرته الكاملة وحكمته التامّة ; لأنّه تعالى خصّ كلَّ جانب من جوانب الأرض بنوع من الأمتعة وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس، حصلت المنافع العظيمة في التجارة. (فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ): أي فيبقين ثوابت (عَلَى ظَهْرِهِ): أي ظهر البحر. (لِكُلِّ صَبَّار): أي لكلّ من وكل همّته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكّر في آلائه، أو لكلّ مؤمن كامل، فإنّه روي أنّ الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. (أَوْ يُوبِقْهُنَّ): أي يهلكهنّ بإرسال الريح العاصفة المغرقة، والمراد إهلاك أهلها لقوله: (بِمَا كَسَبُوا)وأصله: أو يرسلها فيوبقهنّ لأنّه قسيم (يُسْكِنِ الرِّيحَ)فاقتصر فيه على المقصود، كما في قوله: (وَيَعْفُ عَنْ كَثِير )إذ المعنى: أو يرسلها عاصفة فيوبق ناساً بذنوبهم وينجي ناساً على العفو منهم، وقرئ «يعفو» على الاستئناف. (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا)عطف على علّة مقدّرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم... أو على الجزاء ونُصب نصبَ الواقع جواباً للأشياء الستّة ; لأنّه أيضاً غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفاً على «يعف» فيكون المعنى: أو يجمع بين إهلاك وإنجاء قوم وتحذير آخرين. (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص) من محيد من العذاب.
(اَللهُ الذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ)بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه (لِتَجْري الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ): أي بتسخيره
وأنتم راكبوها (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)بالتجارة والغوص والصيد وغيرها

صفحه 259
(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه النعم.1
(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ): أي المملوّ وهو المحيط، أو الموقد من قوله: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) كما روي أنّ الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار ناراً يسجر بها جهنّم، أو المختلط، من السجير وهو الخليط. وقيل: هو بحر معروف في السماء يسمّى بحر الحيوان.2
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ): أي أرسلهما، والمعنى: أرسل البحر الملح والبحر العذب (يَلْتَقِيَانِ): أي يتجاوران وتتماسّ سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنّهما خليجان يتشعبّان منه (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ): أي حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض (لاَ يَبْغِيَانِ): اي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصيّة أو لا يتجاوزان حدَّيهما، أو بإغراق ما بينهما.3
وقال الطبرسي (رحمه الله): قيل: إنّهما بحر فارس وبحر الروم فإنّ آخر طرف هذا يتّصل بآخر طرف ذلك والبرزخ بينهما الجزائر. وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتهما (لاَ يَبْغِيَانِ): أي لا يطلبان أن يختلطا .4
(يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ): أي كبار الدرّ وصغاره. وقيل: المرجان الخرز الأحمر، وإن صحّ أنّ الدرّ يخرج من المالح. فعلى الأوّل إنّما قال: (مِنْهُمَا)لأنّه يخرج من مجتمع المالح والعذب، أو لأنّهما لمّا اجتمعا صارا كالشيء الواحد وكان المخرج من أحدهما كالمخرج منها; ذكره البيضاوي.5

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 169 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 245 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 275 .
4 . مجمع البيان: 9 / 335 ـ 336 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 275 .

صفحه 260
وقال الطبرسي (رحمه الله): قيل: يخرج منهما ـ أي من ماء السماء وماء البحر ـ فإنّ القطر إذا جاء من السماء تفتّحت الأصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ; عن ابن عبّاس ولذلك حمل البحرين على بحر السماء وبحر الأرض. وقيل: إنّ العذب والملح يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلاّ من الموضع الّذي يلتقي فيه العذب والملح، وذلك معروف عند الملاّحين.1 (انتهى).
الأرض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع أحوال العناصر وما تحت الأرضين   
أقول: (وَلَهُ الْجَوَارِ): أي السفن جمع جارية (الْمُنْشَآتُ): أي المرفوعات الشرَّع أو المصنوعات. وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرّع، أو اللاتي ينشئن الأمواج، أو السيّر (كَالأَعْلاَمِ) جمع علم وهو الجبل الطويل (فَبِأَي آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)من خلق موادّ السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفيّة تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى.
(إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا): أي غائراً في الأرض بحيث لا تناله الدلاء، مصدر وصف به (بِمَاء مَعِين) أي جار، أو ظاهر، سهل المأخذ. (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا)بخلق الأنهار والمنافع فيها.

[ الباب العشرون ]

الأرض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع
أحوال العناصر وما تحت الأرضين2

الآيات:

البقرة (2): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ

1 . مجمع البيان: 9 / 336.
2 . بحار الأنوار : 57 / 51 ـ 78، الباب 31 .

صفحه 261
تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). 21 ـ 22 .
الرعد (13): (<