welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 4*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 4

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 4
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
4

صفحه 2
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 554 - 0 (VOL.4)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 4. الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم .
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الرابع
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 907    تسلسل الطبعة الأُولى: 442
طبع على نفقة الوجيه الحاج أبي ياسر
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 3
   إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على الكتب التالية:
الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم
الجزء الرابع
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1394 .
      6. ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 554 - 0 (VOL.4)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 4. الإمامة، الفتن والمحن، والسماء والعالم .
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1394
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الرابع
المؤلّف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1437 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 907    تسلسل الطبعة الأُولى: 442
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

الحمد لله الأوّل قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء; وصلى الله على نبيه محمد المصطفى وخير الورى، وعلى آله أئمة الهدى ومنار التُّقى ومصابيح الدجى والعروة الوثقى .
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الرابع من «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» للعلاّمة محمد باقر المجلسي ـ أعلى الله مقامه ـ ويشتمل هذا الجزء على كتاب الإمامة وفيه جمل أحوال الأئمة الكرام(عليهم السلام)ودلائل إمامتهم وفضائلهم ومناقبهم وغرائب أحوالهم.
وكذلك يشتمل على كتاب الفتن والمحن وكتاب السماء والعالم وفيه بحوث تكشف الغطاء عن غوامض أسرار الآيات المتعلّقة بخلق اللوح والقلم والعرش والكرسي والحجب والسرادقات والسماوات، وأصناف الملائكة والكواكب والنجوم وصفاتها وأحكامها وآثارها والأرضين والعناصر والمواليد من المعادن والنباتات والحيوانات وخواصّها وحلّها وحرمتها وصيدها وذبحها، ومنافع الأدوية والثمار وخواصّها وفوائدها، وأحوال الإنسان والنفس والروح وتشريح الأبدان وسائر ما يتعلّق بتلك الأعيان، وهي بحوث طُرحت بأُسلوب جديد وطريقة متميّزة قال عنها المؤلّف: وهذا ممّا لم يسبقني إليه أحد من علمائنا والمخالفين...1

1 . لاحظ : بحار الأنوار : 54 / 2، المقدّمة.

صفحه 8
وهنا أود الإشارة إلى نكتة مهمة تتعلّق بعمل اللجنة العلمية الّتي قامت مشكورة بإنجاز هذا العمل، وهي إنّهم اعتمدوا في عملهم على نسخة «بحار الأنوار» طبع مؤسسة الوفاء في بيروت ـ 1403 هـ وهي توافق نسخة «بحار الأنوار» طبع طهران إلى الجزء 53، والجزء 54 من طبعة بيروت يقابله الجزء 57 من طبعة طهران أي بإضافة العدد 3 إلى الجزء، وهكذا إلى آخر الكتاب، والسبب في ذلك وقوع فهارس طبعة طهران في الأجزاء 54، 55 و 56 أي في وسط الموسوعة، أمّا طبعة بيروت فالفهارس فيها في آخر الموسوعة (الأجزاء 108، 109 و 110) لذا اقتضى التنويه على ذلك.
وفي الختام أرجو أن يقع عملنا موقع القبول عند أصحاب العلم والفضيلة سائلين المولى العلي القدير السداد والتوفيق.
جعفر السبحاني
قم المقدسة
ذو القعدة الحرام 1436 هـ

صفحه 9
كتاب الإمامة

[ الباب الأوّل ]

الإضطرار إلى الحجّة وإنّ الأرض لا تخلو من حجّة1

الآيات:

الرّعد (13): (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد). 7 .
القصص (28): (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ2). 51.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) فيه أقوال:
أحدها: أنّ معناه إنّما أنت منذر، أي مخوّف، وهاد لكلّ قوم، وليس إليك إنزال الآيات، فأنت مبتدأ، ومنذر خبره، وهاد عطف على منذر، وفصل بين الواو والمعطوف بالظرف.
والثاني: أنّ المنذر محمّد، والهادي هو الله.

1 . بحار الأنوار: 23 / 1 ـ 2، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 156: وهذه استعارة، والمراد بتوصيل القول ـ والله أعلم ـ إرداف بعضه ببعض، وتكرير بعضه على أعقاب بعض، مظاهرة للحجّة على سامعيه، وإبعاداً في منازع الاحتجاج على مخالفيه، ليتذكروا بعد الغفلة، وينتبهوا من الرقدة، وذلك تشبيهاً بتوصيل الحبال بعضها ببعض عند إدلاء الدلو إلى الطوى البعيدة إلى أن يصل إلى الماء ويفضي إلى الرواء، وهذا من دقيق المعاني.

صفحه 10
والثالث: أنّ معناه إنّما أنت منذر يا محمّد، ولكلّ قوم نبيّ يهديهم وداع يرشدّهم.
والرابع: أنّ المراد بالهادي كلّ داع إلى الحقّ.
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا نزلت الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا المنذر وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون».1
وروى أبو القاسم الحسكاني في «شواهد التنزيل» بالاسناد عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير عن أبيه عن حكم بن جبير عن أبي بردة الأسلميّ قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالطّهور وعنده عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيد عليّ (عليه السلام)بعد ما تطهّر فألزقها بصدره ثمّ قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ)ثم ردّها إلى صدر عليّ (عليه السلام)ثمّ قال: (وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) ثمّ قال: «إنّك منارة الأنام، وراية الهدى، وأمير القرى2 أشهد على ذلك أنّك كذلك».3
وعلى هذه الأقوال الثلاثة يكون (هَاد) مبتدأ، (وَلِكُلِّ قَوْم) خبره، على قول سيبويه، ويكون مرتفعاً بالظّرف على قول الأخفش. انتهى .4
أقول: على هذا الوجه الأخير تدلّ أخبار هذا الباب .
إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، ويجب على الإمام النصّ على من بعده   

1 . الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي: 1 / 574 ; فضائل أمير المؤمنين لابن عقدة الكوفي: 194 ; شواهد التنزيل: 1 / 381 برقم 398. والرواية من مقولة «الجري» وتطبيق الكلّي على أوضح مصاديقه، وليست من مقولة التفسير، وكم لها من نظائر في الروايات فلا تغفل.
2 . في المصدر: وأمير القرّاء.
3 . شواهد التنزيل: 1 / 393 .
4 . مجمع البيان: 6 / 14 ـ 15 .

صفحه 11

[ الباب الثاني]

إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، ويجب على الإمام
النصّ على من بعده1

الآيات:

القصص (28): (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). 68 .
الزخرف (43): (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). 31 ـ 32 .

التفسير:

قوله تعالى: (وَيَخْتَارُ)أي يختار من يشاء للنبوّة والإمامة، فقد روى المفسّرون أنّه نزل في قولهم: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم) وقيل: (مَا)موصولة مفعول ليختار، والرّاجع إليه محذوف. والمعنى: ويختار الّذي كان لهم فيه الخيرة، أي الخير والصلاح، وعلى الأوّل الخيرة بمعنى التخيّر، كالطيرة بمعنى التطيّر، وعلى التقديرين يدلّ على أنّ اختيار الإمام الّذي له الريّاسة في الدّين والدّنيا لا يكون برأي النّاس، كما لا يخفى على منصف (مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ): أي من إحدى القريتين: مكّة والطّائف (عَظِيم) بالجاه والمال، كالوليد

1 . بحار الأنوار: 23 / 66 ـ 67، الباب 3.

صفحه 12
بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفيّ.
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)قال البيضاوي : إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكّمهم، والمراد بالرّحمة النبوّة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)وهم عاجزون عن تدبيرها، وهي خويصة أمرهم في دنياهم، فمن أين لهم أن يدبّروا أمر النبوّة التي هي أعلى المراتب الإنسية (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ): أي وأوقعنا بينهم التفاوت في الرّزق وغيره (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا): أي ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم ليحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال في الموسع، ولا النّقص في المقتّر، ثمّ إنّهم لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرّف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ): أي هذه النبوّة وما يتبعها (خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لامنه. انتهى .1
وأقول: الآيتان صريحتان في أنّ الرزق والمراتب الدّنيويّة لمّا كانت بقسمته وتقديره سبحانه فالمراتب الأُخرويّة والدّرجات المعنويّة كالنبوّة وما هو تاليها في أنّه رفعة معنويّة وخلافة دينيّة وهي الإمامة أولى وأحرى بأن تكون بتعيينه تعالى ولا يكلها إلى العباد، وأيضاً إذا قصرت عقول العباد عن قسمة الدّرجات الدنيويّة فهي أحرى بأن تكون قاصرة عن تعيين منزلة هي تشتمل على الريّاسة الدّينيّة والدّنيويّة معاً، وهذا بيّن بحمد الله في الآيتين على وجه ليس فيه ارتياب ولا شكّ. والله الموفّق للصواب.
إنّهم(عليهم السلام) الذكر، وأهل الذكر وأنّهم المسؤولون، وأنّه فرض على شيعتهم المسألة   

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 145.

صفحه 13

[الباب الثالث ]

إنّهم(عليهم السلام)الذكر، وأهل الذكر وأنّهم المسؤولون،
وأنّه فرض على شيعتهم المسألة 1

الآيات:

النحل (16): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ). 43 ـ 44 .
الأنبياء (21): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). 7.
ص (38): (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب). 39 .

التفسير:

قيل: المراد بأهل الذّكر أهل العلم، وقيل: أهل الكتاب، وستعلم من الأخبار المستفيضة أنّهم الأئمّة(عليهم السلام)لوجهين:
الأوّل: أنّهم أهل علم القرآن، لقوله تعالى بعد تلك الآية في سورة النحل: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).2
والثاني: أنّهم أهل الرّسول، وقد سمّاه الله ذكراً في قوله: (ذِكْرًا * رَسُولاً)3، وهذا ممّا روته العامّة أيضاً، روى الشهرستانيّ في تفسيره المسمّى بـ «مفاتيح الأسرار» عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)إنّ رجلاً سأله فقال: من عندنا يقولون: قوله

1 . بحار الأنوار: 23 / 172، الباب 9 .
2 . النحل: 44.
3 . الطلاق: 10 ـ 11 .

صفحه 14
تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ): إنّ الذّكر هو التوراة، وأهل الذّكر هم علماء اليهود، فقال (عليه السلام): «والله إذاً يدعوننا إلى دينهم، بل نحن والله أهل الذّكر الذين أمر الله تعالى بردّ المسألة إلينا».1
قال: وكذا نقل عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «نحن أهل الذّكر».2

[ الباب الرابع ]

إنّ مَن اصطفاه الله من عباده وأورثه كتابه هم الأئمة(عليهم السلام)، وأنّهم آل إبراهيم وأهل دعوته   

إنّ مَن اصطفاه الله من عباده وأورثه كتابه هم الأئمة(عليهم السلام)،
وأنّهم آل إبراهيم وأهل دعوته3

الآيات:

آل عمران (3): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). 33 ـ 34 .
فاطر (35): (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ). 32.

1 . روي هذا الحديث باختلاف في الألفاظ والسند في المصادر التالية: دعائم الإسلام: 1 / 27 ; بصائر الدرجات: 61 ح 17 باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام); الكافي: 1 / 211 ح 3، باب أنّ أهل الذّكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة(عليهم السلام)باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام).
2 . تفسير الثعلبي: 6 / 270 ; شواهد التنزيل: 1 / 436 ; ينابيع المودّة: 1 / 357 ; مشكاة الأنوار للطبرسي: 116. وقد مرّ أنّ الرواية بصدد تطبيق الكلّي على أوضح مصاديقه وليست هي مقولة التفسير.
3 . بحار الأنوار : 23 / 212 ـ 213، الباب 12 .

صفحه 15

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى): أي اختار واجتبى (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)أولاده، وأمّا آل عمران فقيل: هم من آل إبراهيم أيضاً، فهم موسى وهارون ابنا عمران. وقيل: يعني بآل عمران مريم وعيسى; لأنّ مريم بنت عمران، وفي قراءة أهل البيت(عليهم السلام)وآل محمّد على العالمين. وقالوا أيضاً: إنّ آل إبراهيم هم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين هم أهله، ويجب أن يكون الّذين اصطفاهم الله تعالى مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح; لأنّه سبحانه لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطّهارة والعصمة. فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوماً من آل إبراهيم وآل عمران، سواء كان نبيّاً أو إماماً، ويقال: الإصطفاء على وجهين: أحدهما: أنّه اصطفاه لنفسه، أي جعله خالصاً له يختصّ به، والثاني: أنّه اصطفاه على غيره، أي اختصّه بالتفضيل على غيره. وعلى هذا الوجه معنى الآية (ذُرِّيَّةً): أي أولاداً وأعقاباً (بَعْضُهَا مِنْ بَعْض)قيل: معناه في التّناصر في الدّين، وقيل: في التّناسل والتّوالد، فإنّهم ذريّة آدم ثمّ ذرية نوح ثمّ ذريّة إبراهيم (عليهم السلام)، وهو المرويّ عن أبي عبدالله (عليه السلام)، لأنّه قال: الّذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض; واختاره الجبائيّ .1
وقال (رحمه الله) في قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ): أي القرآن أو التوراة، أو مطلق الكتب (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)قيل: هم الأنبياء. وقيل: هم علماء أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمرويّ عن الباقر والصّادق (عليهما السلام)أنّهما قالا: «هي لنا خاصّة، وإيّانا عنى»2، وهذا أقرب الأقوال.
(فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)اختلف في مرجع الضّمير على قولين: أحدهما أنّه

1 . مجمع البيان: 2 / 277 ـ 279 .
2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 274 .

صفحه 16
يعود إلى العباد، واختاره المرتضى 1 (رضي الله عنه). والثاني أنّه يعود إلى المصطفين، ثمّ اختلف في أحوال الفرق الثلاث على قولين: أحدهما: أنّ جميعهم ناج. ويؤيّده ما ورد في الحديث عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في الآية: أمّا السابق فيدخل الجنّة بغير حساب، وأمّا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأمّا الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثمّ يدخل الجنّة فهم الّذين قالوا: الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن.2
وروى أصحابنا عن ميسّر بن عبد العزيز; عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «الظالم لنفسه منّا من لا يعرف حقّ الإمام، والمقتصد منّا العارف بحقّ الإمام، والسابق بالخيرات هو الإمام، وهؤلاء كلّهم مغفور لهم».3
وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفر (عليه السلام)أمّا الظالم لنفسه منّا فمن عمل عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وأمّا المقتصد فهو المتعبّد المجتهد، وأمّا السابق بالخيرات فعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)ومن قتل من آل محمّد شهيداً.4
والقول الآخر أنّ الفرقة الظَّالمة 5 غير ناجية، قال قتادة: الظّالم من أصحاب المشئمة، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والسّابق هم السابقون المقرّبون، (بِإِذْنِ اللهِ): أي بأمره وتوفيقه ولطفه .6
إنّ مودّتهم أجر الرسالة ; وسائر ما نزل في مودّتهم (عليهم السلام)   

1 . رسائل المرتضى: 3 / 102 .
2 . تفسير الثعلبي: 8 / 108 ; تفسير القرطبي: 14 / 351.
3 . اعتقادات الصدوق: 112 ; معاني الأخبار: 104 ح 2، باب معنى الظالم لنفسه، باسناده عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام). والرواية من مقولة التطبيق لا التفسير.
4 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 274 .
5 . في المصدر بزيادة: لنفسها.
6 . مجمع البيان: 8 / 244 ـ 246 .

صفحه 17
 
[ الباب الخامس ]

إنّ مودّتهم أجر الرسالة ; وسائر ما نزل في مودّتهم (عليهم السلام)1

الآيات:

الرعد (13): (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً). 38.
الشورى (42):(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ). 23.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا): قال ابن عبّاس: عيّروا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكثرة تزوّج النساء، وقالوا: لو كان نبيّاً لشغلته النبوّة عن تزوّج النّساء، فنزلت الآية.
وروي أنّ أبا عبدالله (عليه السلام)قرأ هذه الآية ثمّ أومأ إلى صدره وقال: «نحن والله ذريّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»2.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا): اختلف في معناه على أقوال:
أحدها: لا أسألكم في تبليغ الرّسالة أجراً إلاّ التوادّ والتحابّ فيما يقرب إلى الله تعالى.

1 . بحار الأنوار : 23 / 228 ـ 236، الباب 13 .
2 . مجمع البيان: 6 / 47 ـ 48 .

صفحه 18
وثانيها: أنّ معناه إلاّ أن تودّوني في قرابتي منكم وتحفظوني لها، فهو لقريش خاصّة.
وثالثها: أنّ معناه إلاّ أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم; عن عليّ بن الحسين (عليه السلام)وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وجماعة، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام). وأخبرنا، السيّد أبو الحمد مهديّ بن نزار الحسينيّ، عن الحاكم أبي القاسم الحسكانيّ، عن القاضي أبي بكر الحيريّ، عن أبي العبّاس الضبعيّ، عن الحسن بن زياد السريّ، 1 عن يحيى بن عبدالحميد الحمّانيّ، عن حسين الأشتر 2، عن قيس، عن الأعمش، عن ابن جبير عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الّذين أُمرنا3بمودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وولدهما».4
وروى زاذان عن عليّ (عليه السلام)قال: «فينا في آل حم آية [ أنّه ] لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن» ثمّ قرأ (عليه السلام)هذه الآية.5
وإلى هذا أشار الكميت في قوله:
وجدنا لكم في آل حم آية *** تأوّلها منّا تقيّ ومعرب
وعلى التقادير ففي المودّة قولان: أحدهما: أنّه استثناء منقطع، لأنّ هذا ممّا يجب بالإسلام فلا يكون أجراً للنبوّة.
والآخر: أنّه استثناء متّصل، والمعنى: لا أسألكم أجراً إلاّ هذا، فقد رضيت به

1 . في المصدر: الحسن بن علي بن زياد السريّ.
2 . في المصدر: الأشقر، وهو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي. راجع تهذيب الكمال: 6 / 366 برقم 1307 .
3 . في المصدر: أمرنا الله بمودّتهم.
4 . شواهد التنزيل: 2 / 190 برقم 822 .
5 . نظم درر السمطين: 239 ; كنز العمال: 2 / 290 برقم 4030 ; شواهد التنزيل: 2 / 205 برقم 838 .

صفحه 19
أجراً، كما أنّك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برّاً، فتقول له: اجعل برّي قضاء حاجتي، وعلى هذا يجوز أن يكون المعنى لا أسألكم أجراً إلاّ هذا ونفعه أيضاً عائد إليكم، فكأنّي لا أسألكم أجراً.1
وذكر أبو حمزة الثماليّ في تفسيره: حدّثني عثمان بن عمير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قدم المدينة واستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينهم: يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فنقول له: تعروك أُمور، فهذه أموالنا فاحكم2 فيها غير حرج ولا محظور عليك، فأتوه في ذلك فنزل : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)فقرأها عليهم، فقال: تودّون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه، أراد بذلك أن يذلّلنا لقرابته من بعده، فنزلت: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا)فأرسل إليهم فتلاها عليهم، فبكوا واشتدّ عليهم، فأنزل الله: (وَهُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)الآية، فأرسل في أثرهم فبشّرهم، قال: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا)وهم الّذين سلّموا لقوله.3
ثمّ قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا): أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن نوجب له الثواب.
وذكر أبو حمزة الثماليّ عن السدّي أنّه قال: اقتراف الحسنة: المودّة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).4
وصحّ عن الحسن بن عليّ (عليه السلام)أنّه خطب الناس فقال في خطبته: «أنا من أهل البيت الّذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ

1 . في المصدر: لم أسألكم أجراً.
2 . في المصدر: ان تعرك أُمور فهذه أموالنا تحكم.
3 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 293 ـ 294 .
4 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 293 .

صفحه 20
أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)واقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».1
وروى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إنّها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء».(2) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.2
وقال العلاّمة روَّح الله روحه في كتاب «كشف الحقّ» 3: روى الجمهور في الصحيحين وأحمد بن حنبل في مسنده والثعلبيّ في تفسيره عن ابن عبّاس قال: لمّا نزل: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)قالوا: يا رسول الله من قرابتك الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة. انتهى.4
قال البيضاوي : (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ)على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة (أَجْرًا)نفعاً منكم (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) أن تودّوني لقرابتي منكم، أو تودّوا قرابتي، وقيل: الاستثناء منقطع، والمعنى لا أسألكم أجراً قطّ، ولكن أسألكم المودّة، و (فِي الْقُرْبى) حال منها.
روي أنّها لمّا نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما، ثمّ قال: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً)ومن يكتسب طاعة سيّما حبّ آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).5
وقال الرازي في تفسيره الكبير: روى الكلبيّ عن ابن عبّاس قال: إنّ النبيّ لمّا

1 . مناقب ابن شهر آشوب: 3 / 170 .   2 . مناقب ابن شهرآشوب: 3 / 171 ; قرب الإسناد: 129 .
2 . مجمع البيان: 9 / 48 ـ 50 .
3 . هكذا في البحار اعتماداً على نسخ الخلاصة، ولكن في النسخ التي بأيدينا والتي نقلها أصحاب الفهارس هو باسم: «نهج الحق وكشف الصدق».
4 . نهج الحق وكشف الصدق: 175 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 128 .

صفحه 21
قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار: إنّ هذا الرّجل قد هداكم الله على يده، وهو ابن أُختكم وجاركم في بلدكم فاجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا، ثمّ أتوه به فردّه عليهم ونزل قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا): أي على الإيمان إلاّ أن تودّوا أقاربي، فحثّهم على مودّة أقاربه.
ثمّ قال: نقل صاحب الكشّاف 1 عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرّحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة».
هذا هو الّذي رواه صاحب الكشّاف، وأنا أقول: آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)هم الّذين يؤول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولاشكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل. وأيضاً اختلف النّاس في الآل فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم أُمّته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأُمّة الّذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنّ على جميع

1 . لاحظ : تفسير الكشّاف: 3 / 467 .

صفحه 22
التقديرات هم آل، وأمّا غيرهم هل يدخلون تحت لفظ الآل فمختلف فيه، (فثبت على جميع التقديرات أنّهم آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم))1.
وروى صاحب الكشّاف أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: عليّ وفاطمة وابناهما.2
فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل قوله تعالى: (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ووجه الاستدلال به ما سبق.
الثاني: لما ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحبّ فاطمة، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها»3 وثبت بالنّقل المتواتر عن محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين(عليهم السلام)، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله، لقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)4 ولقوله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ)،(5) ولقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ )5، ولقوله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ)6.
الثالث: أنّ الدّعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشّهد في الصّلوات وهو قوله: اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد، وهذا التّعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب.

1 . ما بين القوسين لصاحب البحار ولا يوجد في المصدر.
2 . تفسير الكشّاف: 3 / 467 .
3 . صحيح مسلم: 7 / 141، باب فضائل فاطمة (عليها السلام).
4 . الأعراف: 158 .   5 . النور: 63 .
5 . آل عمران: 31 .
6 . الأحزاب: 21.

صفحه 23
وقال الشافعيّ:
يا راكباً قف بالمحصّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضيّ1
وقال صاحب الكشّاف زائداً على ما نقله عنه الرازي: روي عن علي (عليه السلام)قال: شكوت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حسد النّاس لي فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرّيّاتنا خلف أزواجنا»2.
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب ولم يجازه عليها فأنا أُجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة».3
وروي أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنّهم افتخروا، فقال عبّاس أو ابن عبّاس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا ضلاّلاً فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذّبوك

1 . تفسير الرازي: 27 / 164 ـ 166.
2 . تفسير الثعلبي: 8 / 311 ; تفسير القرطبي: 16 / 22 ; كشف الغمّة: 1 / 104 ; ينابيع المودّة: 2 / 354 .
3 . تفسير الثعلبي: 8 / 312 ; تفسير القرطبي: 16 / 22 .

صفحه 24
فصدّقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتّى جثوا على الرّكب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية.1
   

[ الباب السادس ]

إنّ الأمانة في القرآن الإمامة2

الآيات:

النساء (4): (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). 58.
الأحزاب (33): (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً). 72.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا): فيه أقوال:
أحدها: أنّها في كلّ من اؤتمن أمانة من الأمانات، فأمانات الله تعالى أوامره ونواهيه، وأمانات عباده ما يأتمن بعضهم بعضاً من المال وغيره; عن ابن عبّاس وغيره، وهو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبدالله (عليه السلام).

1 . تفسير الكشّاف: 3 / 467 ـ 468. أقول: ما ورد في الروايات من مقولة الجري وتطبيق الضابطة على أفضل مصاديقها وليس تفسيراً.
2 . بحار الأنوار : 23 / 273 ـ 275، الباب 16 .

صفحه 25
وثانيها: أنّ المراد به ولاة الأمر، أمرهم الله سبحانه أن يقوموا برعاية الرّعيّة، وحملهم على موجب الدّين والشّريعة.
ورواه أصحابنا عن الباقر والصادق (عليهما السلام)قال: «أمر الله سبحانه كلّ واحد من الأئمّة أن يسلم الأمر إلى من بعده».
ويعضده أنّه سبحانه أمر الرّعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر، فروي عنهم(عليهم السلام)أنّهم قالوا: «آيتان إحداهما لنا والأُخرى لكم»، قال الله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)الآية. وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).1
وهذا القول داخل في القول الأوّل، لأنّه من جملة ما ائتمن الله سبحانه عليه الأئمّة الصادقين، ولذلك قال أبو جعفر (عليه السلام): إنّ أداء الصلاة والزكاة والصوم والحجّ من الأمانة، ويكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسمة الغنائم والصدقات وغير ذلك ممّا يتعلّق به حقّ الرعيّة.
وثالثها: أنّه خطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بردّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة حين قبض منه يوم الفتح، وأراد أن يدفعه إلى العبّاس، والمعوّل على ما تقدّم. (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)أمر الله الولاة والحكّام أن يحكموا بالعدل والنصفة (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): أي نعم الشيء ما يعظكم به من الأمر بردّ الأمانة والحكم بالعدل .2
وقال البيضاوي في قوله عزّ شأنه: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ)تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، أي في قوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيماً)3،

1 . النساء: 59 .
2 . مجمع البيان: 3 / 112 ـ 113 .
3 . الأحزاب: 71 .

صفحه 26
وسمّاها أمانة من حيث إنّها واجبة الأداء، والمعنى أنّها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام فكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوّته، لا جرم فاز الرّاعي لها والقائم بحقوقه بخير الدّارين (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا)حيث لم يف بها ولم يراع حقوقها (جَهُولاً) بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعمّ الطبيعيّة والاختياريّة، وبعرضها استدعاؤها الّذي يعمّ طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم: حامل الأمانة ومحتملها، لمن لا يؤدّيها، فتبرأ ذّمته، فيكون الإباء عنه إتياناً بما يمكن أن يتأتّى منه، والظلم والجهالة: الخيانة والتّقصير.
وجوب طاعتهم، وأنّها المعني بالملك العظيم، وانّهم أُولو الأمر، وأنّهم الناس المحسودون   
وقيل: إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فيها فهماً، وقال: إنّي فرضت فريضة وخلقت جنّة لمن أطاعني، وناراً لمن عصاني، فقلن: نحن مسخّرات لما خلقتنا، لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثواباً ولا عقاباً، ولمّا خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلوماً لنفسه بتحمّلها1 ما يشقّ عليها، جهولاً بوخامة عاقبته، ولعلّ المراد بالأمانة العقل أو التكليف، وبعرضها عليهنّ اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهنّ، وإبائهنّ الإباء الطبيعي الّذي هو عدم اللّياقة والاستعداد، وبحمل الإنسان قابليّته واستعداده لها، وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوّة الغضبيّة والشهويّة، وعلى هذا يحسن أن يكون علّة للحمل عليه، فإنّ من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوّتين، حافظاً لهما من التعدّي ومجاوزة الحدّ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.2

1 . في المصدر: بتحمّله.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 388 ـ 389 .

صفحه 27

[ الباب السابع ]

وجوب طاعتهم، وأنّها المعني بالملك العظيم، وانّهم أُولو الأمر،
وأنّهم الناس المحسودون1

الآيات:

النساء (4): (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا). 54 ـ 55 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءْ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). 59 .
وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). 83 .

التفسير:

قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ)قال الطبرسي (رحمه الله): معناه بل يحسدون الناس ؟
واختلف في معنى الناس هنا فقيل: أراد به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، حسدوه على ما أعطاه الله من النبوّة، وإباحة تسعة نسوة، وميله إليهنّ; وقالوا: لو كان نبيّاً لشغلته النبوّة عن ذلك، فبيّن الله سبحانه أنّ النبوّة ليست ببدع في آل إبراهيم .
وثانيها: إنّ المراد بالنّاس النبيّ وآله(عليهم السلام); عن أبي جعفر (عليه السلام)، والمراد بالفضل

1 . بحار الأنوار : 23 / 283 ـ 285، الباب 17 .

صفحه 28
فيه النبوّة، وفي آله الإمامة.1
أقول: ثمّ روى عن تفسير العياشيّ بعض ما سيأتي من الأخبار في ذلك.
وقال في قوله تعالى: (وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ): للمفسّرين فيه قولان: أحدهما أنّهم الأمراء، والآخر أنّهم العلماء، وأمّا أصحابنا فإنّهم رووا عن الباقر والصادق (عليهما السلام)أنّ أُولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأُمراء ولا العلماء سواهم، جلّ الله سبحانه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه، وممّا يدلّ على ذلك أيضاً أنّ الله سبحانه لم يقرن طاعة أُولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلاّ وأُولو الأمر فوق الخلق جميعاً، كما أنّ الرّسول فوق أُولي الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمّة الهدى من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتّفقت الأُمّة على علوّ رتبهم وعدالتهم (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ): أي فإن اختلفتم في شيء من أُمور دينكم فردّوا المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنّة الرسول، ونحن نقول: الردّ إلى الأئمّة القائمين مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته هو مثل الردّ إلى الرّسول في حياته، لأنّهم الحافظون لشريعته، وخلفاؤه في أُمّته فجروا مجراه فيه.(2)
عرض الأعمال عليهم(عليهم السلام) وأنّهم الشهداء على الخلق   
قوله تعالى: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً): أي أحمد عاقبة، أو أحسن من تأويلكم; لأنّ الردّ إلى الله ورسوله، ومن يقوم مقامه من المعصومين، أحسن لا محالة، من تأويل بغير حجّة.(3)

1 . مجمع البيان:3/108 ـ 109.      2 . مجمع البيان:3/114 ـ 115.   3 . مجمع البيان: 3/115.

صفحه 29
(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ)قال أبو جعفر (عليه السلام): «هم الأئمّة المعصومون» (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) الضّمير يعود إلى أُولي الأمر وقيل: إلى الفرقة المذكورة من المنافقين أو الضعفة.1

[ الباب الثامن ]

عرض الأعمال عليهم(عليهم السلام)وأنّهم الشهداء على الخلق2

الآيات:

البقرة (2): (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا). 143.
النساء (4): (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا). 41.
التوبة (9): (وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). 94.
وقال سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). 105.
النحل (16): (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ). 84 .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا

1 . مجمع البيان: 3 / 143 .
2 . بحار الأنوار : 23 / 333 ـ 335، الباب 20 .

صفحه 30
بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ). 89 .
القصص (28): (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). 75 .

التفسير:

قال الطبرسي في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)الوسط العدل، وقيل: الخيار، قال صاحب العين: الوسط من كلّ شيء أعدله وأفضله، ومتى قيل: إذا كان في الأُمّة من ليست هذه صفته فكيف وصف جماعتهم بذلك؟ فالجواب أنّ المراد به من كان بتلك الصفة، لأنّ كلّ عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم.
وروى بريد عن الباقر (عليه السلام)قال: «نحن الأُمّة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه».
وفي رواية أُخرى: قال (عليه السلام): «إلينا يرجع الغالي، وبنا يلحق المقصّر» .
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ في كتاب «شواهد التّنزيل» باسناده عن سليم بن قيس، عن عليّ (عليه السلام): «إنّ الله تعالى، إيّانا عنى بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)فرسول الله شاهد علينا. ونحن شهداء الله على خلقه، وحجّته في أرضه، ونحن الّذين قال الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)».1
وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فيه ثلاثة أقوال: أحدها لتشهدوا على النّاس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحقّ في الدّنيا والآخرة كما قال: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ )2 .
والثاني: لتكونوا حجّة على النّاس فتبيّنوا لهم الحقّ والدّين ويكون الرسول

1 . شواهد التنزيل: 1 / 119 برقم 129.
2 . الزمر: 69 .

صفحه 31
شهيداً عليكم مؤدّياً للدين إليكم.
والثالث: أنّهم يشهدون للأنبياء على أُممهم المكذّبين لهم بأنّهم قد بلّغوا، وقوله: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا): أي شاهداً عليكم بما يكون من أعمالكم وقيل: حجّة عليكم، وقيل: شهيداً لكم بأنّكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به، وتكون «على» بمعنى اللاّم كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)1: أي للنصب.(2)
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد): إنّ الله تعالى يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على أُمّته فيشهد لهم وعليهم، ويستشهد نبيّنا على أُمّته.2
أقول: وقد مرّ في كتاب المعاد وسيأتي ما يدلّ على أنّ حجّة كلّ زمان شهيد على أهل ذلك الزّمان، ونبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)شهيد على الشهداء.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا): أي اعملوا ما أمركم الله به عمل من يعلم أنّه مجازى على فعله فإنّ الله سيرى عملكم، وإنّما أدخل سين الاستقبال لأنّ ما لم يحدث لا تتعلّق به الرّؤية فكأنّه قال: كلّ ما تعملونه يراه الله تعالى. وقيل: أراد بالرّؤية هاهنا العلم الّذي هو المعرفة ولذلك عدّاه إلى مفعول واحد، أي يعلم الله تعالى ذلك فيجازيكم عليه ويراه رسوله، أي يعلمه فيشهد لكم بذلك عند الله ويراه المؤمنون قيل: أراد بالمؤمنين الشهداء، وقيل: أراد بهم الملائكة الّذين هم الحفظة الذين يكتبون الأعمال.
وروى أصحابنا أنّ أعمال الأُمّة تعرض على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في كلّ اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على أئمّة الهدى(عليهم السلام)فيعرفونها، وهم المعنيّون بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ).(4)

1 . المائدة: 3 .   2 . مجمع البيان: 2 / 416 ـ 418 .
2 . مجمع البيان: 3 / 89 .   4 . مجمع البيان: 5 / 119 .

صفحه 32
وقال في قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا): أي وأخرجنا من كلّ أُمّة من الأُمم رسولها الّذي يشهد عليهم بالتبليغ وبما كان منهم، وقيل: هم عدول الآخرة ولا يخلو كلّ زمان منهم يشهدون على النّاس بما عملوا.1

[ الباب التاسع ]

إنّ ولايتهم الصدق، وأنّهم الصادقون والصدّيقون
والشهداء والصالحون(2)

الآيات:

التوبة (9): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). 119.

التفسير:

إنّهم(عليهم السلام) نعمة الله والولاية شكرها، وأنّهم فضل الله ورحمته، وأنّ النعيم هو الولاية،...   
قال الطبرسي (رحمه الله): أي الّذين يصدّقون في أخبارهم ولا يكذبون، ومعناه كونوا على مذهب من يستعمل الصّدق في أقواله وأفعاله، وصاحبوهم ورافقوهم، وقد وصف الله الصّادقين في سورة البقرة بقوله: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ـ إلى قوله ـ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) 2، فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، وقيل: المراد بالصّادقين هم الّذين ذكرهم الله في كتابه، وهو قوله: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)يعني حمزة بن عبدالمطّلب وجعفر بن أبي طالب (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)3 يعني عليّ بن أبي طالب.

1 . مجمع البيان: 7 / 455 .   2 . بحار الأنوار : 24 / 30 ـ 31، الباب 26.
2 . البقرة: 177 .
3 . الأحزاب: 23. الرواية من مصاديق التطبيق لا التفسير.

صفحه 33
وروى الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)مع عليّ (عليه السلام)وأصحابه.
وروى جابر عن أبي عبدالله (عليه السلام)1 في قوله: (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) قال: مع آل محمّد (عليهم السلام).2

[ الباب العاشر ]

إنّهم(عليهم السلام)نعمة الله والولاية شكرها، وأنّهم فضل الله ورحمته،
وأنّ النعيم هو الولاية، وبيان عظم النعمة على الخلق بهم(عليهم السلام)3

الآيات:

إبراهيم (14): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ4 * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ). 28 ـ 29.
التكاثر (102): (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ). 8 .

1 . في المصدر: عن أبي جعفر (عليه السلام).
2 . مجمع البيان: 5 / 139 ـ 140 .
3 . بحار الأنوار : 24 / 48 ـ 49، الباب 29 .
4 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 82 : وهذه استعارة، والمراد بها أنّ أئّمة الكفر وقادة الشرك لمّا كانوا كالأزمة المتبعة والرؤوس المتقدّمة وكان قومهم يعشون إلى نارهم ويصغون إلى أقوالهم، فقادوهم إلى الضلال، وأوردوهم موارد الخسار، وشبّهوا بقادة الجموع وجرار الجيوش إذ أنزلوا من اتّبعهم منازل الهلاك، وأقحموهم مضايق البلاء، فهلكوا وأهلكوا، وأوردوا ولم يصدروا. و (دَارَ الْبَوَارِ) هي في الحقيقة نار جهنم نعوذ بالله منها.

صفحه 34

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ)يحتمل أن يكون المراد ألم تر إلى هؤلاء الكفّار عرفوا نعمة الله بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أي عرفوا محمّداً ثمّ كفروا به فبدّلوا مكان الشكر كفراً.
وروي عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز».1
ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله على العموم بدّلوها أقبح التبديل، واختلف في المعنيّ بالآية فروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)وابن عبّاس وابن جبير وغيرهم أنّهم كفّار قريش كذّبوا نبيّهم ونصبوا له الحرب والعداوة، وسأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام)عن هذه الآية؟ فقال: «هما الأفجران من قريش: بنو أُميّة، وبنو المغيرة; فأمّا بنو أُميّة فمتّعوا إلى حين، وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر».
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ): أي أنزلوا قومهم دار الهلاك، بأن أخرجوهم إلى بدر، وقيل: أنزلوهم دار الهلاك، أي النار بدعائهم إلى الكفر.2
وقال في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ) قيل: عن النعيم في المطعم والمشرب وغيرهما من الملاذّ، وقيل: هو الأمن والصحّة، وروي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبدالله (عليه السلام).
إنّهم(عليهم السلام) النجوم والعلامات   
وروى العيّاشيّ بإسناده في حديث طويل قال: سأل أبو حنيفة أبا عبدالله (عليه السلام)عن هذه الآية؟ فقال: ما النّعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطّعام والماء البارد، فقال: «لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه»، قال: فما النّعيم جعلت فداك؟ قال:

1 . الرواية من قبيل الجري والتطبيق لا التفسير.
2 . مجمع البيان: 6 / 77 ـ 78 فيه: وهي النار بدعائهم إياهم إلى الكفر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإغوائهم إيّاهم.

صفحه 35
«نحن أهل البيت النعيم الّذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للاسلام، وهو 1 النّعمة التي لا تنقطع، واللهُ سائلهم عن حقّ النّعيم الّذي أنعم به عليهم، وهو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته(عليهم السلام)».2 انتهى .3
أقول: ورواه الرّاونديّ أيضاً في دعواته .4
وقال الزّمخشري في تفسير قوله تعالى: (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا): أي شكر نعمة الله كفراً، لأنّ شكرها الّذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً، أو أنّهم بدّلوا نفس النّعمة كفراً على أنّهم لمّا كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النّعمة موصوفين بالكفر، ثمّ روى خبر الأفجرين كما ذكره الطّبرسيّ بعينه عن عمر إلاّ أنّه قدَّم في التفصيل بني المغيرة على بني أُميّة، وقال: (جَهَنَّمَ)عطف بيان لدار البوار.5

[ الباب الحادي عشر ]

إنّهم(عليهم السلام)النجوم والعلامات 6

الآيات:

النّحل (16): (وَعَلاَمَات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ). 16 .

1 . في المصدر: وهي النعمة.
2 . تفسير العياشي: 3 / 173 برقم 108، المستدرك.
3 . مجمع البيان: 10 / 433.
4 . دعوات الراوندي: 158 برقم 434.
5 . تفسير الكشّاف: 2 / 378 .
6 . بحار الأنوار : 24 / 67، الباب 30 .

صفحه 36

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): أي جعل لكم علامات، أي معالم يعلم بها الطّرق. وقيل: العلامات الجبال يهتدى بها نهاراً. ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ليلاً وأراد بالنّجم الجنس، وهو الجدي1 يهتدى به إلى القبلة، وقال أبو عبدالله (عليه السلام):
«نحن العلامات، والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله جعل النّجوم أماناً لأهل السّماء، وجعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض». انتهى كلامه رفع الله مقامه.2
أقول: وعلى تأويلهم(عليهم السلام)ضمير (هُمْ) و ( يَهْتَدُونَ) راجعان إلى العلامات كما سيظهر من بعض الرّوايات .

[الباب الثاني عشر]

إنّهم(عليهم السلام) حبل الله المتين والعروة الوثقى وإنّهم آخذون بحجزة الله   

إنّهم(عليهم السلام)حبل الله المتين والعروة الوثقى وإنّهم آخذون بحجزة الله3

الآيات:

البقرة (2): (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا4). 256.

1 . في النسخة المخطوطة: [ قيل: هو ] وفي المصدر: وقيل: أراد به الاهتداء في القبلة، قال ابن عباس: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنه فقال: «الجدي علامة قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم».
2 . مجمع البيان: 6 / 146. والمورد من مقولة تطبيق الكلّي على مصاديقه.
3 . بحار الأنوار : 24 / 82 ـ 83 ، الباب 31.
4 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 10: فذكر العروة هاهنا مجاز واستعارة، والمراد تشبيه المتمسّك بشرائط الإيمان بالمتمسّك بالعروة الوثيقة من عرى الحبل ; لأنّه يستعصم بها من المزال المزلقة والمهابط الموبقة، ثم قال تعالى: (لاَ انْفِصَامَ لَهَا) تبعيداً لها من شبه العرى المعهودة التي ربّما انفصمت على طول الحد، أو بليت قواها على مرّ الدهور.

صفحه 37
آل عمران (3): (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا). 103 .
وقال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ). 112.

التفسير:

الطّاغوت الشيطان والأصنام وكلّ معبود غير الله، وكلّ مطاع باطل سوى أولياء الله، وقد عبّر الأئمّة عن أعدائهم في كثير من الرّوايات والزيّارات بالجبت والطّاغوت، واللاّت والعزّى، وسيأتي في باب جوامع الآيات النّازلة فيهم(عليهم السلام)أنّ الصّادق (عليه السلام)قال: «عدوّنا في كتاب الله الفحشاء والمنكر والبغي والأصنام والأوثان والجبت والطّاغوت».1
والعروة: ما يتمسّك به، والانفصام: الانقطاع.
وقال الطبرسي: قيل في معنى حبل الله أقوال:
أحدها: أنّه القرآن.
وثانيها: أنّه دين الإسلام .
وثالثها: ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)قال: «نحن حبل الله الّذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا)».2
والأَولى حمله على الجميع.
والّذي يؤيّده ما رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «أيّها النّاس

1 . لاحظ تفسير كنز الدقائق: 1 / 612 ; بحار الأنوار : 24 / 303 .
2 . تفسير الثعلبي: 2 / 163 ; شواهد التنزيل: 1 / 169 ; ينابيع المودّة: 1 / 356 برقم 10 .

صفحه 38
إنّي قد تركت فيكم حبلين، إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي: أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»1.2
وقال (رحمه الله) في قوله: (إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ): أي بعهد من الله، وعهد من النّاس .3
أقول: سيأتي في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسّلام أخبار كثيرة في أنّه المراد بالحبل في الآيتين.

[ الباب الثالث عشر]

أنّهم(عليهم السلام)المتوسّمون، ويعرفون جميع أحوال الناس عند رؤيتهم4

الآيات:

الحجر (15): (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم). 75 و 76.

التفسير:

إنّه نزل فيهم(عليهم السلام) قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى... ) إلى قوله: (...إِمَامًا)   
هذه الآية وقعت بعد قصّة قوم لوط، قال الطبرسي (رحمه الله): أي فيما سبق ذكره من إهلاك قوم لوط لدلالات للمتفكّرين المعتبرين، وقيل: للمتفرسّين، والمتوسّم:

1 . مسند أحمد: 3 / 14.
2 . مجمع البيان: 2 / 356 .
3 . مجمع البيان: 2 / 365 .
4 . بحار الأنوار : 24 / 123، الباب 42.

صفحه 39
النّاظر في السّمة الدالّة وهي العلامة، وتوسّم فيه الخير أي عرف سمة ذلك فيه، وقال مجاهد 1: قد صح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله»2 .
وقال: قال: إنّ لله عباداً يعرفون النّاس بالتوسّم ثمّ قرأ هذه الآية.3
وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «نحن المتوسّمين، والسّبيل فينا مقيم».4 والسّبيل طريق الجنّة، (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُقِيم) معناه أنّ مدينة لوط لها طريق مسلوَك يسلكه النّاس في حوائجهم فينظرون إلى آثارها ويعتبرون بها، وهي مدينة سدوم، وقال قتادة: إنّ قرى قوم لوط بين المدينة والشّام.5

[ الباب الرابع عشر]

إنّه نزل فيهم(عليهم السلام)قوله تعالى6: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا)إلى قوله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)7

[ التفسير:]

أقول: قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا): أي

1 . في المصدر: وقيل: للمتفرسين عن مجاهد، وقد صحّ .
2 . الكافي: 1 / 218 ح 3، باب أنّ المتوسمين الّذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام); سنن الترمذي: 4 / 360 برقم 5133 باسناده عن أبي سعيد الخدري.
3 . مجمع الزوائد: 10 / 268 ; كنز العمال: 11 / 88 برقم 30732 .
4 . تفسير العياشي: 2 / 247 برقم 29 .
5 . مجمع البيان: 6 / 126 ـ 127 .
6 . الفرقان: 62 ـ 74 .
7 . بحار الأنوار : 24 / 132، الباب 43 .

صفحه 40
بالسّكينة والوقار والطاعة غير أشرين ولا مرحين ولا متكبّرين ولا مفسدين، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «هو الرّجل الّذي يمشي بسجيّته الّتي جبل عليها لا يتكلّف ولا يتبختر».
وقيل: معناه حلماء علماء لا يجهلون وإن جهل عليهم (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن
)بأن نراهم يطيعون الله تعالى تقرّ بهم أعيننا في الدّنيا بالصّلاح، وفي الآخرة بالجنّة (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): أي أجعلنا ممّن يقتدي بنا المتّقون، وفي قراءة أهل البيت(عليهم السلام): «وأجعل لنا من المتّقين إماماً».1

[ الباب الخامس عشر ]

إنّهم(عليهم السلام) الشجرة الطيبة في القرآن وأعداءهم الشجرة الخبيثة   

إنّهم(عليهم السلام)الشجرة الطيبة في القرآن وأعداءهم الشجرة الخبيثة2

الآيات:

إبراهيم (14): (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار). 24 ـ 26 .

1 . مجمع البيان: 7 / 310 ـ 316 .
2 . بحار الأنوار : 24 / 136 ـ 137، الباب 44.

صفحه 41

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (كَلِمَةً طَيِّبَةً)هي كلمة التوحيد، وقيل: كلّ كلام أمر الله به، وإنّما سمّاها طيّبة لأنّها زاكية نامية لصاحبها بالخيرات والبركات (كَشَجَرَة طَيِّبَة): أي شجرة زاكية نامية راسخة أُصولها في الأرض عالية أغصانها وثمارها من جانب السّماء، وأراد به المبالغة في الرّفعة، فالأصل سافل والفرع عال، إلاّ أنّه يتوصّل من الأصل إلى الفرع. وقيل: إنّها النّخلة. وقيل: إنّها شجرة في الجنّة.
وروى ابن عقدة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّ الشجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وساق الحديث مثل ما سيأتي في رواية جابر.
ثمّ قال: وروي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيل (عليه السلام)للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت الشّجرة، وعليّ غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها.
وقيل: أراد بذلك شجرة هذه صفتها، وإن لم يكن لها وجود في الدّنيا، لكنّ الصّفة معلومة. وقيل: إنّ المراد بالكلمة الطيّبة الإيمان، وبالشّجرة الطيّبة المؤمن (تُؤْتِي أُكُلَهَا): أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها (كُلَّ حِين): أي في كلّ ستّة أشهر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أو في كلّ سنة، أو في كلّ وقت. وقيل: إنّ معنى قوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا)ما تفتي به الأئمّة من آل محمّد (عليهم السلام)شيعتهم في الحلال والحرام (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة)وهي كلمة الشرك 1 غير زاكية وهي شجرة الحنظل. وقيل: إنّها شجرة هذه صفتها، وهو أنّه لا قرار لها في الأرض. وقيل: إنّها الكشوث.2
وروى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّ هذا مثل بني أُميّة .

1 . في المصدر: كلمة الكفر والشرك. وقيل: هو كلّ كلام في معصية الله (كَشَجَرَة خَبِيثَة).
2 . الكشوث: نبات يلتف على الشوك والشجر. لا أصل له في الأرض ولا ورق. صحاح الجوهري: 1 / 290، مادة «كشث».

صفحه 42
(اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ): أي قطعت واستوصلت واقتلعت جثّتها من الأرض (مَا لَهَا مِنْ قَرَار): أي من ثبات ولا بقاء، وروي عن ابن عبّاس أنّها شجرة لم يخلقها الله بعد، وإنّما هو مثل ضربه.1

[ الباب السادس عشر]

إنّهم(عليهم السلام)المستضعفون الموعودون بالنصر من الله تعالى(2)

الآيات:

القصص (28): (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُري فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ). 5 ـ 6 .

التفسير:

إنّهم(عليهم السلام) كلمات الله وولايتهم الكلم الطيّب   
قال الطبرسي (قدس سره)في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ)المعنى أنّ فرعون كان يريد إهلاك بني إسرائيل وإفناءهم، ونحن نريد أن نمنّ عليهم (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً): أي قادة ورؤساء في الخير يقتدى بهم، أو ولاة وملوكاً (وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)لديار فرعون وقومه وأموالهم، وقد صحّت الرّواية عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا» وتلا عقيب ذلك: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)الآية.2

1 . مجمع البيان: 6 / 73 ـ 75 .   2 . بحار الأنوار : 24 / 167 ـ 168، الباب 49 .
2 . نهج البلاغة: 4 / 47، قسم الحكم برقم 209. وقال محمد عبده في شرحها: الشماس ـ بالكسر ـ امتناع ظهر الفرس من الركوب. والضّروس ـ بفتح وضم ـ : الناقة السيئة الخلق تعض حالبها، أي أنّ الدنيا ستنقاد لنا بعد جموحها، وتلين بعد خشونتها، كما تنعطف الناقة على ولدها وإن أبت على الحالب .

صفحه 43
وروى العيّاشيّ باسناده عن أبي الصباح الكنانيّ قال: نظر أبو جعفر (عليه السلام)إلى أبي عبدالله (عليه السلام)فقال: هذا والله من الّذين قال الله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ)الآية. 1
وقال سيّد العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام): «والّذي بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً إنّ الأبرار منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإنّ عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه»2. انتهى.3

[ الباب السابع عشر]

إنّهم(عليهم السلام)كلمات الله وولايتهم الكلم الطيّب4

الآيات:

الكهف (18): (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا). 109 .
لقمان (31): (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). 27 .
الفتح (48): (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى). 26.

1 . تفسير العياشي: 3 / 139 برقم 26، المستدرك.
2 . مشكاة الأنوار: 173 .
3 . مجمع البيان: 7 / 414. والجميع من مقولة تطبيق الكلّي على أفضل مصاديقه.
4 . بحار الأنوار : 24 / 173 ـ 174، الباب 50 .

صفحه 44

التفسير:

قيل: المراد بكلمات الله تقديراته. وقيل: علومه، وقيل: وعده لأهل الثّواب، ووعيده لأهل العقاب، وعلى تفسير أهل البيت(عليهم السلام)لعلّ المراد بعدم نفادها عدم نفاد فضائلهم ومناقبهم وعلومهم، وأمّا كلمة التقوى ففسّرها الأكثر بكلمة التوحيد، وقيل: هو الثبات والوفاء بالعهد، وفي تفسير أهل البيت(عليهم السلام)أنّها الولاية، فإنّ بها يتّقى من النّار، أو لأنّها عقيدة أهل التقوى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام)في قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)الآية، قال: قد أخبرك أنّ كلام الله ليس له آخر ولا غاية ولا ينقطع أبداً .1
أقول: هذا أيضاً يرجع إلى فضائلهم فإنّهم(عليهم السلام)مهبط كلماته وعلومه، فتدبّر.

[ الباب الثامن عشر ]

إنّهم(عليهم السلام) حرمات الله   

إنّهم(عليهم السلام)حرمات الله 2

الآيات:

الحج (22): (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ). 30.
في صفات الإمام وشرائط الإمامة   

التفسير:

الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، وقيل في الآية: إنّها مناسك الحجّ، وقيل: هي

1 . تفسير القمّي: 2 / 46 .
2 . بحار الأنوار : 24 / 185، الباب 51 .

صفحه 45
البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، وما ورد فيما سيأتي من الأخبار هو المعوّل عليه، ولاشكّ في وجوب تعظيم الأئمة وتكريمهم في حياتهم وبعد وفاتهم، وكذا تعظيم ما ينسب إليهم من مشاهدهم وأخبارهم وآثارهم وذرّيّتهم وحاملي أخبارهم وعلومهم.

أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم (عليهم السلام)

[ الباب التاسع عشر ]

في صفات الإمام وشرائط الإمامة1

الآيات:

البقرة (2): (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). 247 .
يونس (10): (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). 35.

التفسير:

لا يخفى على منصف أنَّ تعليق الاصطفاء وتعليله في الآية الأُولى على زيادة البسطة في العلم والجسم يدلّ على أنّ الأعلم والأشجع أولى بالخلافة والإمامة، وبيان أولويّة متابعة من يهدي إلى الحقّ على متابعة من يحتاج إلى التعلّم والسؤال على أبلغ وجه وأتمّه في الثانية، يدلّ على أنّ الأعلم أولى بالخلافة، ولا

1 . بحار الأنوار : 25 / 115 ـ 116، الباب 4 .

صفحه 46
خلاف في أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أعلم وأشجع من المتقدّمين عليه، ولا في أنّ كلاًّ من أئمتنا(عليهم السلام)كان أعلم ممّن كان في زمانه من المدّعين للخلافة، وبالجملة دلالة الآيتين على اشتراط الأعلميّة والأشجعيّة في الإمام ظاهرة.
لزوم عصمة الإمام (عليه السلام)    
قال البيضاوي في تفسير الآية الأُولى: لمّا استبعدوا تملّكه لفقره وسقوط نسبه، ردّ عليهم ذلك أوّلاً بأنّ العمدة فيه اصطفاء الله وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم.
وثانياً بأنّ الشرط فيه وفور العلم ليتمكّن به من معرفة الأُمور السياسيّة، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ ومكابدة الحروب، وقد زاده فيهما.
وثالثاً بأنّه تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يؤتيه من يشاء.
ورابعاً بأنّه واسع الفضل يوسّع على الفقير ويغنيه، عليم بمن يليق بالملك. انتهى.1

[ الباب العشرون ]

لزوم عصمة الإمام(عليه السلام) 2

الآيات:

البقرة (2): (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). 124.

1 . تفسير البيضاوي: 1 / 543 .
2 . بحار الأنوار : 25 / 191 ـ 192، الباب 6 .

صفحه 47

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): قال مجاهد: العهد الإمامة، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)، أي لا يكون الظالم إماماً للنّاس، فهذا يدلّ على أنّه يجوز أن يعطى ذلك بعض ولده إذا لم يكن ظالماً، لأنّه لولم يرد أن يجعل أحداً منهم إماماً للنّاس لوجب أن يقول في الجواب: لا، أو لا ينال عهدي ذرّيتك.
وقال الحسن: إنّ معناه أنّ الظالمين ليس لهم عند الله عهد يعطيهم به خيراً وإن كانوا قد يعاهدون في الدّنيا فيوفي لهم، وقد كان يجوز في العربيّة أن يقال: لا ينال عهدي الظالمون ; لأنّ ما نالك فقد نلته، وقد روى ذلك في قراءة ابن مسعود.
واستدلّ اصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلاّ معصوماً عن القبائح; لأنّ الله سبحانه نفى أن ينال عهده الّذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إمّا لنفسه وإمّا لغيره.
فإن قيل: إنّما نفى أن ينال ظالم في حال ظلمه فإذا تاب فلا يسمّى ظالماً فيصحّ أن يناله.
والجواب: أنّ الظالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالماً، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنّه لاينالها. والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلّها فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد. 1
فإن قلت: على القول باشتراط بقاء المشتقّ منه في صدق المشتقّ كيف يستقيم الاستدلال؟
قلت: لا ريب أنّ الظالم في الآية لا يحتمل الماضي والحال; لأنّ إبراهيم (عليه السلام)

1 . مجمع البيان: 1 / 377 ـ 378 .

صفحه 48
إنّما سأل ذلك لذرّيّته من بعده، فأجاب تعالى بعدم نيل العهد لمن يصدق عليه أنّه ظالم بعده، فكلّ مَن صدق عليه بعد مخاطبة الله لإبراهيم بهذا الخطاب أنّه ظالم وصدر عنه الظلم في أيّ زمان من أزمنة المستقبل يشمله هذا الحكم أنّه لا ينال العهد.
   
فإن قلت: تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية.
قلت: العلّية لا تدلّ على المقارنة، إذ ليس مفاد الحكم إلاّ أنّ عدم نيل العهد إنّما هو للاتّصاف بالظلم في أحد الأزمنة المستقبلة بالنسبة إلى صدور الحكم. فتأمّل.

[ الباب الواحد والعشرون ]

معنى أهل البيت 1

الآيات:

طه (20): (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا). 132.
الشعراء (26): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ). 214.

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (وَأْمُرْ أَهْلَكَ): أي أهل بيتك وأهل دينك (بِالصَّلَوةِ)وروى أبو سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: الصلاة يرحمكم الله إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ

1 . بحار الأنوار : 25 / 212 ـ 213، الباب 7 .

صفحه 49
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
ورواه ابن عقدة باسناده من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام)وغيرهم مثل أبي برزة وأبي رافع، وقال أبو جعفر (عليه السلام): «أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون النّاس ليعلم النّاس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للنّاس، فأمرهم مع النّاس عامّة وأمرهم 1 خاصّة».(2)
قال: وفي قراءة عبدالله بن مسعود: «وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين» وروي ذلك عن أبي عبدالله (عليه السلام).2
وقال الرازي وغيره في تفاسيرهم: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد نزول قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ) يذهب إلى فاطمة وعلي (عليهما السلام)كلّ صباح ويقول: الصّلاة، وكان يفعل ذلك [أشهراً].(4)
أقول: وسيأتي تمام القول في الآيتين في كتاب أحوال أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

[ الباب الثاني والعشرون]

نفي الغلو في النبيّ والأئمة (صلوات الله عليه وعليهم)3

الآيات:

آل عمران (3): (مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ

1 . في المصدر: ثم أمرهم خاصّة.   2 . مجمع البيان: 7 / 68 .
2 . مجمع البيان: 7 / 357 .   4 . تفسير الرازي: 22 / 137 .
3 . بحار الأنوار : 25 / 261 ـ 262، الباب 10 .

صفحه 50
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). 79 ـ 80 .
النساء (4): (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ). 171.
المائدة (5): (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ـ إلى قوله تعالى ـ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ). 72 ـ 77 .
الرعد (13): (أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). 16 .
الروم (39): (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). 40.

التفسير:

غرائب أفعالهم وأحوالهم(عليهم السلام) ووجوب التسليم لهم في جميع ذلك   
(مَا كَانَ لِبَشَر)قيل: تكذيب وردّ على عبدة عيسى (عليه السلام)، وقيل: إنّ أبا رافع القرظيّ والسيّد النجرانيّ قالا: يا محمّد أتريد أن نعبدك ونتّخذك ربّاً؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «معاذ الله أن نعبد غير الله، وأن نأمر بغير عبادة الله، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني»، فنزلت.
وقيل: قال رجل: يا رسول الله نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله. (وَلَكِنْ كُونُوا): أي ولكن يقول: كونوا (رَبَّانِيِّينَ)الربّانيّ منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنّون كاللحيانيّ، وهو الكامل في العلم والعمل (بِمَا كُنْتُمْ): أي بسبب كونكم معلّمين الكتاب، وكونكم دارسين له (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ):

صفحه 51
بالنصب عطفاً على (ثُمَّ يَقُولَ)، (وَلاَ) مزيدة لتأكيد النفي في قوله: (مَا كَانَ)أو بالرفع على الاستيناف أو الحال (أَيَأْمُركُمْ): أي البشر أو الربّ تعالى .1
(لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)باتّخاذ عيسى إلهاً (إِلاَّ الْحَقَّ): أي تنزيهه سبحانه عن الصاحبة والولد.(2)
(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ): أي قبل مبعث محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)(وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) بعد مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا كذّبوه.2
(قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)يدلّ على عدم جواز نسبة الخلق إلى الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، وكذا قوله تعالى: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء)يدلّ على عدم جواز نسبة الخلق والرزق والإماتة والإحياء إلى غيره سبحانه وأنّه شرك.
أقول: دلالة تلك الآيات على نفي الغلوّ والتفويض بالمعاني الّتي سنذكرها ظاهرة، والآيات الدّالّة على ذلك أكثر من أن تحصى، إذ جميع آيات الخلق ودلائل التوحيد والآيات الواردة في كفر النصارى وبطلان مذهبهم دالّة عليه، فلم نتعرّض لإيرادها وتفسيرها وبيان وجه دلالتها لوضوح الأمر، والله يهدي إلى سواء السبيل.

[ الباب الثالث والعشرون]

غرائب أفعالهم وأحوالهم(عليهم السلام)ووجوب التسليم لهم في جميع ذلك(4)

الآيات:

الكهف (18): (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ

1 . تفسير البيضاوي: 2 / 56 ـ 57 .   2 . تفسير البيضاوي: 2 / 283 .
2 . تفسير البيضاوي: 2 / 355.   4 . بحار الأنوار : 25 / 364، الباب 13 .

صفحه 52
بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا). 67 ـ 70، إلى آخر القصّة.

التفسير:

أقول: في هذه القصّة تنبيه لمن عقل وتفكّر للتسليم في كلّ ما روي من أقوال أهل البيت(عليهم السلام)وأفعالهم ممّا لا يوافق عقول عامّة الخلق وتأباه أفهامهم وعدم المبادرة إلى ردّها وإنكارها، وقد مرّ في باب التسليم وفضل المسلّمين ما فيه كفاية لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أبواب علومهم(عليهم السلام)

[ الباب الرابع والعشرون]

باب إنّهم(عليهم السلام) لا يعلمون الغيب ومعناه   

باب إنّهم(عليهم السلام)لا يعلمون الغيب ومعناه1

الآيات:

آل عمران (3): (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ). 175 .
الأنعام (6): (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ). 50 .
وقال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ). 59.

1 . بحار الأنوار : 26 / 98 ـ 101، الباب 4 .

صفحه 53
الأعراف (7): (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ). 188 .
يونس (10): (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ). 20.
هود (11): ـ حاكيّاً عن نوح (عليه السلام)ـ : (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ). 31 .
وقال سبحانه: (وَللهِ غَيْبُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ). 123.
النحل (16): (وَللهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ). 77 .
النمل (27): (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ). 65 .
لقمان (31): (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْري نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). 34.
سبأ (34): (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ). 48 .
الجن (72): (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا). 26 ـ 27.

التفسير:

الاستدراك في الآية الأُولى 1 يدلّ على أنّ الله تعالى يطّلع من يجتبي من رسله على بعض الغيوب. قال البيضاوي: أي ما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطّلع على ما في القلوب من كفر وإيمان، ولكنّه يجتبي لرسالته من يشاء فيوحى إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدلّ عليها.(2)

1 . آل عمران: 175 .   2 . تفسير البيضاوي: 2 / 121.

صفحه 54
وأمّا الآية الثانية1 فقال الطبرسي (رحمه الله): ولا أعلم الغيب الّذي يختصّ الله بعلمه، وإنّما أعلم قدر ما يعلّمني الله تعالى من أمر البعث والنشور والجنّة والنّار وغير ذلك (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) يريد ما أُخبركم إلاّ بما أنزله الله إليّ; عن ابن عبّاس، وقال الزجّاج: أي ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحيّ من الله عزّوجلّ.2
وقال في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)معناه خزائن الغيب الّذي فيه علم العذاب المستعجل وغير ذلك (لاَ يَعْلَمُهَا)أحد (إِلاَّ هُوَ) أو من أعلمه به وعلّمه إيّاه. وقيل: معناه وعنده مقدورات الغيب يفتح بها على من يشاء من عباده بإعلامه به وتعليمه إيّاه وتيسيره السبيل إليه ونصبه الأدّلة له، ويغلق عمّن يشاء ولا ينصب الأدلّة له.
وقال الزجّاج: يريد عنده الوصلة إلى علم الغيب، وقيل: مفاتح الغيب خمس: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)الآية: وتأويل الآية أنّ الله عالم بكلّ شيء من مبتدآت الأُمور وعواقبها، فهو يعجّل ما تعجيله أصوب وأصلح، ويؤخّر ما تأخيره أصلح وأصوب، وإنّه الّذي يفتح باب العلم لمن يريد من الأنبياء والأولياء; لأنّه لا يعلم الغيب سواه، ولا يقدر أن يفتح باب العلم به للعباد إلاّ الله.3
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَللهِ غَيْبُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ) معناه ولله علم ما غاب في السّماوات والأرض لا يخفى عليه شيء منه، ثمّ قال: وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدوان والتشنيع قد ظلم الشيعة الإماميّة في هذا الموضع من تفسيره فقال: هذا يدلّ على أنّ الله تعالى يختصّ بعلم الغيب خلافاً لما تقول

1 . الأنعام: 50 .
2 . مجمع البيان: 4 / 59 .
3 . مجمع البيان: 4 / 71 .

صفحه 55
الرافضة: إنّ الأئمّة(عليهم السلام)يعلمون الغيب، ولاشكّ أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب القبائح والفضائح إليهم، ولا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، وإنّما يستحقّ الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، وهذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، ومن اعتقد أنّ غير الله يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام .
وأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)ورواه عنه الخاصّ والعامّ من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، كإخباره عن صاحب الزنج وعن ولاية مروان بن الحكم وأولاده، وما نقل من هذا الفنّ عن أئمّة الهدى(عليهم السلام)، فإنّ جميع ذلك متلقّى من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، وهل هذا إلاّ سبّ قبيح وتضليل لهم بل تكفير، ولا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير.1
وقال (رحمه الله) في قوله: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)من الملائكة والإنس والجنّ (الْغَيْبِ)وهو ما غاب علمه عن الخلق ممّا يكون في المستقبل (إِلاَّ اللهُ) وحده أو من أعلمه الله .2
وقال في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): أي استأثر الله سبحانه به ولم يطّلع عليه أحداً من خلقه فلا يعلم وقت قيام الساعة سواه (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)فيما يشاء من زمان ومكان، والصحيح أنّ معناه ويعلم نزول الغيث في زمانه

1 . مجمع البيان: 5 / 352 ـ 353 .
2 . مجمع البيان: 7 / 397 .

صفحه 56
ومكانه كما جاء في الحديث: «أنّ مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلاّ الله» 1 وقرأ هذه الآية (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ)أذكر أم أُنثى، أصحيح أم سقيم، واحد أم أكثر؟ (وَمَا تَدْري نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)أي ماذا تعلم في المستقبل. وقيل: ما تعلم بقاءه غداً فكيف تعلم تصرّفه (وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ): أي في أيّ أرض يكون موته.
   
وقد روي عن أئمّة الهدى (عليهم السلام): أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى.2
وقال في قوله تعالى: (فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)ثمّ استثنى فقال: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول)يعني الرسل، فإنّه يستدلّ على نبوّتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية ومعجزة لهم. ومعناه: أنّ من ارتضاه واختاره للنبوّة والرسالة فإنّه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة، وهو قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) والرصد: الطريق، أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء والسلف وعلم ما يكون بعده طريقاً.
وقيل: معناه أنّه يحفظ الّذي يطّلع عليه الرسول فيجعل بين يديه وخلفه رصداً من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة. وقيل: رصداً من بين يديه ومن خلفه وهم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شرّ

1 . روى البخاري في صحيحه: 5 / 219، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: «الله يعلم ما تحمل كلّ أُنثى وما تغيض الأرحام» باسناده عن أبن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلاّ الله: «لا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلاّ الله» .
ورواه أيضاً: الكراجكي في معدن الجواهر: 48، والصفار في بصائر الدرجات: 131 ح 9 عن أمير المؤمنين (عليه السلام)باختلاف، والصدوق في الخصال: 290 ح 49، باب الخمسة، وغيرها.
2 . مجمع البيان: 8/95 ـ 96.

صفحه 57
الأعداء وكيدهم. وقيل: المراد به جبرئيل أي يجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً كالحجّاب تعظيماً لما يتحمّله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضمّوا إلى الرسول جماعة من خواصّه تشريفاً له.1

أبواب ولايتهم وحبّهم وبغضهم (عليهم السلام)

[ الباب الخامس والعشرون ]

ثواب حبّهم ونصرهم وولايتهم وأنّها أمان من النار(2)

الآيات:

المائدة (5): (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). 55 ـ 56 .
إبراهيم (14): (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). 37 .

التفسير:

أقول: سيأتي في المجلّد التاسع تأويل الآية الأُولى وأنّ المراد بالّذين آمنوا في الموضعين الأئمّة(عليهم السلام)، وسنورد الأخبار المتواترة من طريق الخاصّة والعامّة في ذلك، فثبت وجوب موالاتهم وحبّهم ونصرتهم والاعتقاد بإمامتهم صلوات الله عليهم.

1 . مجمع البيان:10/155.   2 . بحار الأنوار: 27/73 ـ 74، الباب 4.

صفحه 58
وأمّا الآية الثانية فسيأتي في الأخبار المستفيضة أنّهم(عليهم السلام)هم المقصودون من الذرّيّة في دعاء إبراهيم (عليه السلام)، وأنّه (عليه السلام)دعا لشيعتهم بأن تهوي قلوبهم إلى أئمّتهم.
وعن الباقر (عليه السلام)فيما رواه العياشيّ أنّه قال: «لم يعن النّاس كلّهم، أنتم أُولئك ونظراؤكم، إنّما مثلكم في النّاس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود»1.
وفي «الكافي»: عنه (عليه السلام): «ولم يعن البيت فيقول: إليه، فنحن والله دعوة إبراهيم (عليه السلام)»2.
وفي «الاحتجاج»: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «والأفئدة من النّاس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم (عليه السلام)حيث قال: وأجعل افئدة من النّاس تهوي إليهم»3.
وفي «البصائر»: عن الصادق (عليه السلام): «وجعل أفئدة من النّاس تهوي إلينا».4
وروى عليّ بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)أنّه تعالى عنى بقوله: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الَّثمَرَاتِ) ثمرات القلوب، أي حبّبهم إلى النّاس ليأتوا إليهم.5 وستأتي الأخبار في ذلك كلّه.

1 . تفسير العياشي: 2 / 233 ح 39.
2 . الكافي: 8 / 311 ح 485، تفسير قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ).
3 . الاحتجاج: 1 / 235، باب احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام)على الناكثين.
4 . بصائر الدرجات:149 ح 2.
5 . تفسير القمّي:1/62.

صفحه 59

[ الباب السادس والعشرون]

إنّه لا تقبل الأعمال إلاّ بالولاية1

الآيات:

إبراهيم (14): (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ). 18.
طه (20): (وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). 82 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا). 112.

التفسير:

روى عليّ بن إبراهيم في تفسير تلك الآية أنّه قال: من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين بطل عمله، مثل الرّماد الّذي تجيء الريح فتحمله.2
وفسّر الاهتداء في الآية الثانية في كثير من الأخبار بالاهتداء إلى الولاية، وأمّا الإيمان في الآية الثالثة فلا ريب في أنّ الولاية داخلة فيه، فشرط الله تعالى الإيمان في كون الأعمال الصالحة أسباباً لعدم خوف الظلم بمنع ثواب يستحقّه والهضم أي الكسر منه بنقصان.
وقال ابن عبّاس: لا يخاف أن يزاد على سيّئاته ولا ينقص من حسناته،

1 . بحار الأنوار:27/166 ـ 167، الباب 7.
2 . تفسير القمّي: 1 / 368 .

صفحه 60
والهضم في اللغة: الكسر والنقص.
واعلم أنَّ الإماميّة أجمعوا على اشتراط صحّة الأعمال وقبولها بالإيمان الّذي من جملته الإقرار بولاية جميع الأئمّة(عليهم السلام)وإمامتهم، والأخبار الدالة عليه متواترة بين الخاصّة والعامّة.
باب إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمان لأهل الأرض من العذاب   

[ الباب السابع والعشرون ]

باب إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمان لأهل الأرض من العذاب1

الآيات:

الأنفال (8): (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ). 33.

التفسير:

في الآية دلالة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أماناً لأهل الأرض من العذاب.
افتراق الأُمّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   

1 . بحار الأنوار : 27 / 308، الباب 8 من أبواب ما يتعلّق بوفاتهم من أحوالهم(عليهم السلام)عند ذلك وقبله وبعده وأحوال من بعده.

صفحه 61
كتاب الفتن والمحن

[ الباب الأوّل ]

افتراق الأُمّة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)1

الآيات:

الأحزاب (33): (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً). 62.
فاطر (35): (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً). 43 .
الانشقاق (84): (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق2). 16 ـ 19 .

1 . بحار الأنوار : 28 / 2 ـ 3، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 270: وهذه استعارة على بعض التأويلات، والمراد بها لتنتقلنّ من حال شديدة إلى حال مثلها، أي من حال الموت وشدته إلى حال الحشر وروعته. وقيل: لتركبنّ سُنّة مَن كان قبلكم من الأُمم. وقيل: المراد بذلك تنقّل الناس في أحوال الأعمار وأطوار الخلق والأخلاق، والعرب تُسمّي الدواهي: بنات طبق، وربّما سمّوا الداهية: أُم طبق. قال الشاعر [ رؤبة بن الحجّاج ] :
قد طرّقت ببكرها أُم طبق *** فنتجوها خبراً ضخم العنق
موت الإمام فلقة من الفلق
والفلق أيضاً من أسماء الدواهي، واحدتها: فلقة وفليقة.

صفحه 62

التفسير:

سنّة الله تعالى طريقته وعادته الجارية المستمرّة، وهي جارية في الآخرين كما جرت في الأوَّلين في المصالح المشتركة الّتي لا تتبدَّل بتبدل الأزمان، وهو المراد هنا لا جميع السنن والأحكام، ليدلَّ على عدم النسخ، قوله تعالى: (وَمَا وَسَقَ): أي ما جمعه وستره من الدّواب وغيرها أو طردها إلى أماكنها، قوله تعالى: (اتَّسَقَ): أي اجتمع وتمَّ بدراً. قوله: (طَبَقًا عَنْ طَبَق) قال أكثر المفسّرين: أي حالاً بعد حال مطابقة لأُختها في الشدَّة أو مراتب من الشدَّة بعد المراتب، وهي الموت ومواطن القيامة، وأهوالها، أو هي وما قبلها من الدَّواهي، وسيظهر من أخبارهم(عليهم السلام)أنّهم فسّروها بما ارتكبت هذه الأُمّة من الضّلالة والارتداد والتّفرُّق مطابقة لما صدر عن الأُمم السّالفة.

[ فصل ] في توضيح بطلان ما ادّعاه البعض من عدم توريث الأنبياء(عليهم السلام)1

[ وقد ] استدل أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن:
الأُولى: قوله تعالى مخبراً عن زكريّا (عليه السلام)2: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).3
قوله تعالى: (وَلِيًّا): أي ولداً يكون أولى بميراثي، وليس المراد بالولي من يقوم مقامه، ولداً كان أو غيره، لقوله تعالى حكايةً عن زكريّا: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً).(4)

1 . بحار الأنوار : 29 / 351 ـ 359 .
2 . استدلّ بهذه الآية الشيخ الطوسي في التبيان: 7 / 106 ; والطبرسي في مجمع البيان: 3 / 503 ; والسيّد المرتضى في الشافي: 4 / 60 ـ 65، وغيرهم في غيرها.
3 . مريم: 5 ـ 6 .   4 . آل عمران: 38 .

صفحه 63
وقوله: (رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى)1. والقرآن يفسّر بعضه بعضاً.
واختلف المفسّرون في أنّ المراد بالميراث العلم أو المال؟.
فقال ابن عباس والحسن والضحّاك: إنّ المراد به في قوله تعالى: (يَرِثُنِي...)وقوله سبحانه: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...) 2 ميراث المال 3، وقال أبو صالح: المراد به في الموضعين ميراث النبوّة 4. وقال السدّي ومجاهد والشعبي: المراد به في الأوّل ميراث المال وفي الثاني ميراث النبوّة، وحكي هذا القول عن ابن عباس والحسن والضحّاك5، وحكي عن مجاهد أنّه قال: المراد من الأوّل العلم ومن الثاني النبوّة .6
وأمّا وجه دلالة الآية على المراد، فهو أنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا أُطلق ولم يقيّد لا يفهم منه إلاّ الأموال وما في معناها، ولا يستعمل في غيرها إلاّ مجازاً، وكذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلاّ من تنتقل إليه أمواله وما يضاهيها دون العلوم وما يشاكلها، ولا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ وحقيقته إلاّ لدليل، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين لكفى في مطلوبنا، كيف والقرائن الدالّة على المقصود موجودة في اللفظ؟!

1 . الأنبياء: 89 ـ 90 .
2 . مريم: 6 .
3 . كما في تفسير الرازي: 21 / 184 .
4 . جاء في تفسير الرازي: 21 / 184; وأحكام القرآن للجصّاص: 3 / 216 ; وتفسير الطبري: 16 / 37 بتغيير في اللفظ.
5 . حكى هذا القول عنهم في تفسير الرازي: 21 / 184، وعن ابن عباس في أحكام القرآن للجصّاص: 3 / 216; وفي زاد المسير لابن الجوزي: 5 / 209 .
6 . كما قاله في تفسير الرازي: 21 / 184 .

صفحه 64
أمّا أوّلاً: فلأنّ زكريّا (عليه السلام)اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً، وإذا حمل الميراث على العلم والنبوّة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغواً عبثاً، لأنّه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوّة فقد دخل في سؤاله الرضا وما هو أعظم منه، فلا معنى لاشتراطه، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللّهمّ ابعث إلينا نبيّاً وأجعله مكلّفاً عاقلاً؟!
وأمّا ثانياً: فلأنّ الخوف من بني العم ومن يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوّة والعلم، وكيف يخاف مثل زكريّا (عليه السلام)من أن يبعث الله تعالى إلى خلقه نبيّاً يقيمه مقام زكريّا ولم يكن أهلاً للنبوّة والعلم، سواء كان من موالي زكريّا أو من غيرهم؟، على أنّ زكريّا (عليه السلام)كان إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في بعثته.
فإن قيل: كيف يجوز على مثل زكريّا (عليه السلام)الخوف من أن يرث الموالي ماله؟ وهل هذا إلاّ الضّن والبخل؟
قلنا: لمّا علم زكريّا (عليه السلام)من حال الموالي أنّهم من أهل الفساد، خاف أن ينفقوا أمواله في المعاصي ويصرفوه في غير الوجوه المحبوبة، مع أنّ في وراثتهم ماله كان يقوّي فسادهم وفجورهم، فكان خوفه خوفاً من قوّة الفسّاق وتمكّنهم في سلوك الطرائق المذمومة، وانتهاك محارم الله عزّوجلّ، وليس مثل ذلك من الشحّ والبخل.
فإن قيل: كما جاز الخوف على المال من هذا الوجه، جاز الخوف على وراثتهم العلم لئلاّ يفسدوا به الناس ويضلّوهم، ولا ريب في أنّ ظهور آثار العلم فيهم كان من دواعي اتّباع الناس إيّاهم وانقيادهم لهم.
قلنا: لا يخلو هذا العلم الّذي ذكرتموه من أن يكون هو كتباً علميّةً وصُحفاً حكمية، لأنّ ذلك قد يسمّى علماً مجازاً، أو يكون هو العلم الّذي يملأ القلوب

صفحه 65
وتعيه الصدور; فإن كان الأوّل فقد رجع إلى معنى المال وصحّ أنّ الأنبياء(عليهم السلام)يورّثون الأموال، وكان حاصل خوف زكريّا (عليه السلام)أنّه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعاً خاصّاً من الانتفاع، فسأل ربّه أن يرزقه الولد حذراً من ذلك ; وإن كان الثاني فلا يخلو ـ أيضاً ـ من أن يكون هو العلم الّذي بُعث النبيّ لنشره وأدائه إلى الخلق، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلّق لشريعة ولا يجب اطّلاع الأُمّة عليه كعلم العواقب، وما يجري في مستقبل الأوقات.. ونحو ذلك.
والقسم الأوّل: لا يجوز أن يخاف النبيّ من وصوله إلى بني عمّه ـ وهم من جملة أُمّته المبعوث إليهم لأن يهديهم ويعلّمهم ـ وكان خوفه من ذلك خوفاً من غرض البعثة.
والقسم الثاني: لا معنى للخوف من أن يرثوه، إذ كان أمره بيده، ويقدر على أن يلقيه إليهم، ولو صحّ الخوف على القسم الأوّل لجرى ذلك فيه أيضاً، فتأمّل .
هذا خلاصة ما ذكره السيد المرتضى (رضي الله عنه)في «الشافي» عند تقرير هذا الدليل1، وما أورد عليه من تأخّر عنه يندفع بنفس التقرير، كما لا يخفى على الناقد البصير، فلذا لا نسوّد بإيرادها الطوامير.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).(2)
وجه الدلالة، هو: أنّ المتبادر من قوله تعالى (وَوَرِثَ) أنّه ورث ماله 2 كما سبق في الآية المتقدّمة، فلا يعدل عنه إلاّ لدليل.
وأجاب قاضي القضاة في «المغني»3: بأنّ في الآية ما يدلّ على أنّ المراد

1 . الشافي: 229 ـ الحجريّة ـ [ الطبعة الجديدة: 4 / 63 ـ 66 ].   2 . النمل: 16 .
2 . نقله عن الحسن في تفسير الرازي: 24 / 186; وفي مجمع البيان: 4 / 214.
3 . المغني: الجزء الأوّل المتمم للعشرين: 330، بتصرّف واختصار.

صفحه 66
وراثة العلم دون المال، وهو قوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)فإنّه يدلّ على أنّ الّذي ورث هو هذا 1 العلم وهذا الفضل، وإلاّ لم يكن لهذا تعلّق بالأوّل.
وقال الرازي في تفسيره: لو قال تعالى: ورث سليمان داود ماله، لم يكن لقوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)معنىً، وإذا قلنا ورث مقامه من النبوّة والملك حسن ذلك، لأنّ علم منطق الطير يكون داخلاً في جملة ما ورثه، وكذلك قوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) لأنّ وارث العلم يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه، وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) يليق أيضاً بما ذكر دون المال الّذي يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلاّ بما ذكرنا، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنّه لا يورث إلاّ المال، فأمّا إذا ورث المال والملك معاً فهذا لا يبطل بالوجوه الّذي ذكرنا، بل بظاهر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».2
ورد السيّد المرتضى (رضي الله عنه)في الشافي 3 كلام المغني بأنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة، ثم يقول مع ذلك: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ)، ويشير بـ (الْفَضْلُ الْمُبِينُ) إلى العلم والمال جميعاً، فله في الأمرين جميعاً فضل على من لم يكن كذلك، وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص لما ظنّه، ولو سلم دلالة الكلام على العلم لما ذكره، فلا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر، والعلم بهذا النوع من الاستدلال فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على

1 . في المصدر: فنبه على أنّ الّذي هو ورث هذا.
2 . كما جاء في تفسير الرازي: 24 / 186 .
3 . الشافي: 232، الطبعة الحجريّة ; والطبعة المحقّقة (مؤسسة اسماعيليان، قم ـ 1410 هـ): 4 / 79، بتصرّف واختصار.

صفحه 67
الحقيقة ـ الّتي هي الأصل ـ إذا لم يمنع من ذلك مانع.
وقد ظهر بما ذكره السيّد (قدس سره)بطلان قول الرازي أيضاً 1، وكان القاضي يزعم أنّ العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلّق بما عطف عليه وانقطع نظام الكلام.
وما اشتهر 2 من أنّ التأسيس أولى من التأكيد من الأغلاط المشهورة، وكأنّ الرازي يذهب إلى أنّه لا معنى للعطف إلاّ إذا كان المعطوف داخلاً في المعطوف عليه، فعلى أيّ شيء يعطف حينئذ قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)؟ فتدبّر.
وأمّا قوله: إنّ المال يحصل للكامل والناقص، فلو حمل الميراث على المال لم يناسبه قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) .
فيرد عليه: أنّه إنّما يستقيم إذا كانت الإشارة إلى أوّل الكلام فقط ـ وهو وراثة المال ـ وبُعده ظاهر، ولو كانت الإشارة إلى مجموع الكلام ـ كما هو الظاهر ـ أو إلى أقرب الفقرات ـ أعني قوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء) ـ لم يبق لهذا الكلام مجال، وكيف لا يليق دخول المال في جملة المشار إليه، وقد منّ الله تعالى على عباده في غير موضع من كلامه المجيد بما أعطاهم في الدنيا من صنوف الأموال، وأوجب على عباده الشكر عليه، فلا دلالة فيه على عدم إرادة وراثة المال سواء كان من كلام سليمان أو كلام الملك المنّان.
وقد ظهر بذلك بطلان قوله أخيراً: إنّ ما ذكره الله تعالى من جنود سليمان لا يليق إلاّ بما ذكرنا، بل الأظهر أنّ حشر الجنود من الجن والإنس والطير قرينة على عدم إرادة الملك من قوله: (وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)، فإنّ تلك الجنود لم تكن لداود حتّى يرثها سليمان، بل كانت عطيّة مبتدأة من الله تعالى لسليمان (عليه السلام)، وقد أجرى

1 . لاحظ : تفسير الرازي: 24 / 186 .
2 . وما اشتهر عطف على اسم (ان) أعني: العطف، ويكون المعنى: كان القاضي يزعم أنّ ما اشتهر .

صفحه 68
الله تعالى على لسانه أخيراً الاعتراف بأنّ ما ذكره لا يبطل قول من حمل الآية على وراثة الملك والمال معاً، فإنّه يكفينا في إثبات المدّعى، وسيأتي الكلام في الحديث الّذي تمسّك به.1
الآية الثالثة: ما يدلّ على وراثة الأولاد والأقارب، كقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)2، وقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ )3، وقد أجمعت الأُمّة على عمومها 4 إلاّ من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها إلاّ إذا قامت دلالة قاطعة، وقد قال سبحانه عقيب آيات الميراث: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)5، ولم يقم دليل على خروج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن حكم الآية، فمن تعدّى حدود الله في نبيّه يدخله الله النار خالداً فيها وله العذاب المهين.
وأجاب المخالفون بأنّ العمومات مخصّصة بما رواه أبو بكر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة 6 .

1 . لاحظ بحار الأنوار : 29 / 359 ـ 394 .
2 . النساء: 7 .
3 . النساء: 11 .
4 . كما صرّح بذلك في تفسير الكشّاف: 1 / 502 و 505 ; أحكام القرآن للزجّاج: 2 / 15 و 18 ; تفسير الرازي: 9 / 194 و 203 ; تفسير الطبري: 4 / 177 و 185 ; تفسير القمّي: 1 / 131 ـ 132 ; التبيان للشيخ الطوسي: 3 / 120 و 128 ; مجمع البيان: 2 / 10 و 14 .
5 . النساء: 13 ـ 14 .
6 . انظر: الغدير: 6 / 190 .

صفحه 69
قال صاحب المغني 1: لم يقتصر أبو بكر على رواية حتّى استشهد
عليه عمر 2 وعثمان وطلحة والزبير وسعد أو 3 عبد الرحمن بن عوف
فشهدوا به، فكان لا يحلّ لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسّم التركة ميراثاً،
وقد أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّها صدقة وليست بميراث، وأقلّ ما في الباب أن
يكون الخبر من أخبار الآحاد، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقّاً، أليس كان يجب أن يصرفه عن الإرث؟ فعلمه بما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع شهادة غيره أقوى، ولسنا نجعله مدّعياً 4 ; لأنّه لم يدع ذلك لنفسه، وإنّما بيّن أنّه ليس بميراث وأنّه صدقة، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما.
ويرد عليه أنّ الاعتماد في تخصيص الآيات إمّا على سماع أبي بكر ذلك الخبر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويجب على الحاكم أن يحكم بعلمه، وإمّا على شهادة من زعموهم شهوداً على الرواية، أو على مجموع الأمرين، أو على سماعه من حيث الرواية مع انضمام الباقين إليه .5

1 . المغني، الجزء الأوّل المتمم للعشرين: 328 ـ 329، باختلاف يسير.
2 . في المصدر: لم يقتصر على روايته حتّى استشهد أصحاب رسول الله، فشهد بصدقه عمر.
3 . في المغني: و .
4 . في المصدر: بدعياً.
5 . وقد ناقش (قدس سره)هذه الوجوه في ما يلي من الصفحات من هذا الجزء، لاحظ : بحار الأنوار: 29 / 359 ـ 394 .

صفحه 70
باب آية المباهلة   

في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وتواريخ أحواله

[ الباب الثاني ]

باب آية المباهلة1

الآيات:

آل عمران (3): (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). 61 .

[ التفسير: ]

قال الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب «الفصول»: قال المأمون يوماً للرّضا (عليه السلام): أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام)يدلّ عليها القرآن ؟
قال: فقال الرضا (عليه السلام): «فضيلة 2 في المباهلة، قال الله جلّ جلاله: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن والحسين (عليهما السلام)فكانا ابنيه، ودعا فاطمة (عليها السلام)فكانت في هذا الموضع نساءه، ودعا أمير المؤمنين (عليه السلام)فكان نفسه بحكم الله عزّوجلّ، وقد ثبت أنّه ليس أحد من خلق الله تعالى أجلّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأفضل، فواجب (3) أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله بحكم الله جلّ وعزّ».
قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنّما دعا رسول

1 . بحار الأنوار : 35 / 257 ـ 271، الباب 7 .
2 . في المصدر: فضيلته.   3 . في المصدر: فوجب.

صفحه 71
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ابنيه خاصّة؟ وذكر النساء بلفظ الجمع وإنّما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنته وحدها؟ أفلا جاز 1 أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين (عليه السلام)ما ذكرت من الفضل.
قال: فقال له الرضا (عليه السلام): «ليس يصحّ2 ما ذكرت ـ يا أمير المؤمنين ـ وذلك أنّ الدّاعي إنّما يكون داعياً لغيره كما أنّ الآمر آمر لغيره3، ولا يصحّ أن يكون داعياً لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمراً لها في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المباهلة رجلاً إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام)فقد ثبت أنّه نفسه الّتي عناها الله سبحانه في كتابه، وجعل حكمه ذلك في تنزيله».
قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال.4
وقال الزمخشريّ في كتاب «الكشّاف»: روي أنّه لمّا دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتّى نرجع وننظر فنأتيك غداً، فلمّا تخالوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبدالمسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ، فإن أبيتم إلاّ إلف 5 دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ; فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا.

1 . في المصدر: فلم لا جاز.
2 . في المصدر: ليس بصحيح.
3 . في المصدر: كما يكون الآمر آمر لغيره.
4 . الفصول المختارة: 38 .
5 . ألف الشيء: لزمه، وألف فلاناً إذا أنس به. لسان العرب: 9 / 9، مادة «ألف».

صفحه 72
فقال أُسقفّ 1 نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكاه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا فلم يبق 2 على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة.
فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا.
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأبوا. قال: فإنّي أُناجزكم .3
فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخفينا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة: ألفاً في صفر وألفاً 4 في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.
فصالحهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك وقال: والّذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم 5عليهما 6 الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول 7 على النصارى كلّهم حتّى هلكوا».

1 . الأُسقف ـ بضم الهمزة وتشديد الفاء وتخفيفه ـ : فوق القسيس ودون المطران. القاموس المحيط: 3 / 217.
2 . في المصدر: ولا يبقى. وهو الصحيح.
3 . المناجزة: المبارزة والمقاتلة. تاج العروس: 4 / 84 ، مادة «نجز».
4 . في المصدر «الف» في الموضعين.
5 . اضطرمت النار: اشتعلت.
6 . في المصدر: عليهم.
7 . الحول: السنة. صحاح الجوهري: 4 / 1679، مادة «حول».

صفحه 73
فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟
قلت: كان ذلك آكد للدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزّته، وأفلاذ كبده 1، وأحبّ الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له; وعلى ثقته أيضاً بكذب خصمه حتّى يهلك 2 مع أحبّته وأعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة، وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يقتل، ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعاين 3 في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذّادة عنها حماة الحقائق 4، وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن 5 بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها; وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء(عليهم السلام)، وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك. انتهى كلام الزمخشريّ .6
وقال السيّد ابن طاووس في «الطرائف»: ذكر النقّاش في تفسيره «شفاء الصدور» ما هذا لفظه: قوله عزّوجلّ: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)قال أبو بكر: جاءت الأخبار بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أخذ بيد الحسن (عليه السلام)وحمل الحسين (عليه السلام)

1 . الأفلاذ جمع الفلذة، وهي القطعة من اللحم المقطوعة طولاً. لسان العرب: 3 / 502، مادة «فلذ».
2 . في المصدر: حتّى يهلك خصمه.
3 . جمع الظعينة: الزوجة أو المرأة ما دامت في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، والمرأة بلا هودج: ضعينة. والظعن: النساء والزوجة لأنّها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنّها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. النهاية لابن الأثير: 3 / 157، مادة «ظعن».
4 . الذادة جمع ذائد: المدافع. والحماة جمع الحامي.
5 . آذنه: أعلمه. صحاح الجوهري: 5 / 2068، مادة «أذن» .
6 . تفسير الكشّاف: 1 / 434 .

صفحه 74
على صدره ـ ويقال: بيده الأُخرى ـ وعليّ (عليه السلام)معه وفاطمة (عليها السلام)من ورائهم، فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين (عليهما السلام) من بين جميع أبناء أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبناء أُمّته، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من بين بنات النبيّ وبنات أهل بيته وبنات أُمّته، وحصلت هذه الفضيلة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)من بين أقارب رسول الله ومن أهل بيته وأُمّته بأن جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كنفسه، يقول: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ).
جرير عن الأعمش قال: كانت المباهلة ليلة إحدى وعشرين من ذي الحجّة، وكان تزويج فاطمة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يوم خمسة وعشرين من ذي الحجّة، وكان يوم غدير خمّ يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة، هذا آخر كلام النقّاش. وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد فضل أبي بكر محمّد بن الحسن بن زياد النقّاش وكثرة رجاله وأنّ الدارقطنيّ وغيره رووا عنه، وذكر أنّه قال عند موته: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)1 ثمّ مات في الحال.
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه 2 من طرق: فمنها في الجزء الرابع في باب فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في ثالث كرّاس من أوّله من الكتاب الّذي نقل الحديث منه في تفسير قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فرفع مسلم الحديث إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طويل يتضمّن عدّة فضائل لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)خاصّة، يقول في آخره: ولمّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي.

1 . الصافات: 61 .
2 . صحيح مسلم: 7 / 120 و 121، باب فضائل علي (عليه السلام).

صفحه 75
ورواه أيضاً مسلم في أواخر الجزء المذكور على حدّ كرّاسين من النسخة المنقول منها; ورواه أيضاً الحميديّ في الجمع بين الصحيحين في مسند سعد بن أبي وقّاص في الحديث السادس من أفراد مسلم; ورواه الثعلبيّ في تفسير هذه الآية عن مقاتل والكلبيّ .1
أقول: ثمّ ساق الحديث مثل ما مرّ في الرواية الأُولى للزمخشريّ، ثمّ قال السيّد (رحمه الله): ورواه أيضاً أبو بكر بن مردويه بأجمل من هذه الألفاظ وهذه المعاني ; عن ابن عبّاس والحسن والشعبيّ والسدّيّ، وفي رواية الثعلبيّ 2 زيادة في آخر حديثه وهي: قال والّذي نفسي بيده إنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى هلكوا; فأنزل الله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ).3
ورواه الشافعيّ ابن المغازليّ في كتاب المناقب عن الشعبيّ عن جابر بن عبدالله قال: قدم وفد نجران على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)العاقب والطيّب، فدعاهما إلى الإسلام فقالا: أسلمنا يا محمّد قبلك 4، قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام؟ قالا: هات، قال حبّ الصليب وشرب الخمر وأكل الخنزير، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه أن يغادياه بالغدوة 5، فغدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأخذ

1 . الطرائف: 45. وسقط ما بعد ذلك عنه.
2 . تفسير الثعلبي: 3 / 85 .
3 . آل عمران: 62 ـ 63 .
4 . أي قبل دعوتك.
5 . غادى مغاداة: باكره: والغدوة ـ بالضم ـ: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. والغدوة: المرة من الغد، وهو سير أوّل النهار. النهاية لابن الأثير: 3 / 346، مادة «غدا».

صفحه 76
بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ثمّ أرسل إليهما: فأبيا أن يجيبا فأقرّا بالخراج، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي ناراً ; قال جابر: فيهم نزلت هذه الآية. (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)الآية، قال الشعبيّ: أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
أقول: وقال السيوطيّ في «الدرّ المنثور»: أخرج الحاكم وصحّحه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال: قدم على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)العاقب والسيّد، فدعاهما إلى الإسلام، وذكر نحو ما مرّ، وقال في آخره: قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعليٌّ، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة(عليهم السلام) .
قال: وأخرج البيهقيّ في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه (طَسم)سليمان1: بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد رسول الله إلى أُسقفّ نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإنّي أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد أُوذنتم 2 بحرب، والسّلام.
فلمّا قرأ الأُسقفّ الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً 3، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وادعة 4، فدفع إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقرأه، فقال له الأُسقفّ: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّيّة إسماعيل من النبوّة، فما يؤمن من أن يكون ذلك الرجل، ليس لي في النبوّة رأي،

1 . أي سورة النمل .
2 . في المصدر: آذنتكم.
3 . فظع الأمر ـ بالضم ـ فظاعة فهو فظيع، أي شديد شنيع جاوز المقدار. صحاح الجوهري: 3 / 1259،مادة «فظع».
4 . في المصدر: وداعة وكذا فيما يأتي.

صفحه 77
لو كان أمرٌ من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك. فبعث الأُسقفّ إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلّهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وادعة وعبدالله بن شرحبيل وجبّار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألهم وسألوه، فلم تنزل 1 به وبهم المسألة حتّى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتّى أُخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغداة2، فأنزل الله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ـ إلى قوله: ـ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فأبوا أن يقرّوا بذلك، فلمّا أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره 3 للملاعنة، وله يومئذ عدّة نسوة; فقال شرحبيل لصاحبيه: إنّي أرى أمراً مقبلاً، إن كان هذا الرجل نبيّاً مرسلاً فنلاعنه 4 لا يبقى على وجه الأرض منّا شعر ولا ظفر إلاّ هلك; فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أُحكّمه 5 فإنّي أرى رجلاً مقبلاً لا يحكم شططاً 6 أبداً، فقالا له: أنت وذاك; فتلقّى شرحبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّي قد رأيت خيراً من ملاعنتك، قال: وما هو؟ قال: أُحكّمك 7 اليوم إلى اللّيل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز; فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يلاعنهم، وصالحهم على الجزية.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن

1 . في المصدر: تزل .
2 . في المصدر: صبح الغد، فأنزل الله هذه الآية.
3 . في المصدر: خلف ظهره.
4 . في المصدر: فلاعنّاه.
5 . حكّمه في الأمر: فوض إليه الحكم فيه .
6 . الشطط: التباعد عن الحق. النهاية لابن الأثير: 2 / 474، مادة «شطط».
7 . في المصدر: حكمك.

صفحه 78
عبّاس أنّ وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الّذي يكون بعده صاحب رأيهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أسلما، قالا: أسلمنا، قال: ما أسلمتما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أنّ لله ولداً; فنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى)الآية، فلمّا قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول; فنزل (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من القرآن (فَقُلْ تَعَالَوْا)إلى قوله: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ)يقول: نجتهد في الدعاء أنّ الّذي جاء به محمّد هو الحقّ وأنّ الّذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: إنّ الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أُباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك، فخلا بعضهم ببعض ليصادقوا 1 فيما بينهم; قال السيّد للعاقب: قد والله علمتم أنّ الرجل نبيّ، فلو لاعنتموه لاستؤصلتم 2، وما لاعن قوم قطّ نبيّاً فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم 3، فإن أنتم لم تتّبعوه وأبيتم إلاّ إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج ومعه عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام)فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أنا دعوت فأمّنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبيّ، وساق الحديث إلى قوله: فواعدوه لغد، فغدا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ومعه الحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام)فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد أتاني البشر بهلكة أهل نجران حتّى الطير على الشجر لو تمّوا على الملاعنة.

1 . في المصدر: وتصادقوا.
2 . في المصدر: نبي مرسل ولئن لاعنتموه انّه ليستأصلكم.
3 . في المصدر: فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم.

صفحه 79
وأخرج مسلم 1 والترمذيّ 2 وابن المنذر والحاكم 3 والبيهقيّ في سننه 4 عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً(عليهم السلام)فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي.
وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)الآية، أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عليّ وفاطمة وابنيها: 5 الحسن والحسين (عليهم السلام)ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شابّ من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الّذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا، فانتهوا.6
بيان: قطع به على بناء الفاعل أي جزم بحقّيّته 7، ويقال: قطع كفرح وكرم إذا لم يقدر على الكلام; أو على بناء المفعول أي عجز أو حيل بينه وبين ما يؤمّله. والخميلة القطيفة، وكلّ ثوب له خمل.
أقول: روى ابن بطريق في العمدة 8 نزول آية المباهلة فيهم بأسانيد من صحيح مسلم وتفسير الثعلبيّ ومناقب ابن المغازليّ.

1 . صحيح مسلم: 7 / 120 ـ 121، باب فضائل علي (عليه السلام).
2 . سنن الترمذي: 4 / 293 برقم 4085، تفسير سورة آل عمران .
3 . مستدرك الحاكم: 3 / 150 .
4 . سنن البيهقي: 7 / 63 .
5 . في المصدر: ابنيهما.
6 . الدر المنثور: 2 / 38 ـ 40، تفسير سورة آل عمران. وفي ترتيب الأحاديث والروايات تقديم وتأخير.
7 . الموجود في المتن والمصدر: «فظع به».
8 . راجع: العمدة: 343، الفصل الثاني والعشرون، في قوله تعالى: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ...).

صفحه 80
وروى ابن الأثير في «جامع الأُصول» من صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».
قال الطبرسي (رحمه الله): أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا الحسن والحسين (عليهما السلام)قال أبو بكر الرازي1: هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله وأنّ ولد الإبنة ابنٌ على الحقيقة (2)، وقال ابن أبي علاّن ـ وهو أحد أئمّة المعتزلة ـ : هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام)كانا مكلّفين في تلك الحال، لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين; وقال أصحابنا: إنّ صغر السنّ ونقصانها عن حدّ بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنّما جعل بلوغ الحلم حدّاً لتعلّق الأحكام
الشرعيّة، وكان سنّهما في تلك الحال سنّاً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل 2، على أنّ عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمّة ويخصّهم بما لا يشركهم فيه غيرهم، فلو صحّ أنّ كمال العقل غير معتاد في تلك السنّ لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمّن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به; وممّا يؤيّده من الأخبار قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
(وَنِسَاءَنَا)اتّفقوا على أنّ المراد به فاطمة (عليها السلام)لأنّه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدلّ على تفضيل الزهراء على جميع النساء.
(وَأَنْفُسَنَا)يعني عليّاً خاصّة ولا يجوز أن يكون المعنيّ به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه، وإنّما يصحّ أن يدعو غيره، وإذا كان قوله: (وَأَنْفُسَنَا)لابدّ أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى عليّ (عليه السلام); لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين (عليه السلام)وزوجته وولديه(عليهم السلام)في

1 . راجع: تفسير الرازي: 8 / 86 .   2 . في المصدر: في الحقيقة.
2 . لا يخفى ما فيه، والصحيح ما يذكر بعده.

صفحه 81
المباهلة، وهذا يدلّ على غاية الفضل وعلوّ الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله سبحانه نفس الرسول، وهذا ما لا يدانيه أحد ولا يقاربه. انتهى.1
أقول: ويدلّ على كون المراد بأنفسنا أمير المؤمنين (عليه السلام)ما رواه ابن حجر في صواعقه رواية عن الدارقطنيّ أنّ عليّاً (عليه السلام)يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم: أُنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرحم منّي؟ ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. انتهى.2
ولا يخفى أنّ تخصيص هؤلاء من بين جميع أقاربه (صلى الله عليه وآله وسلم)للمباهلة دون عبّاس وعقيل وجعفر وغيرهم لا يكون إلاّ لأحد شيئين: إمّا لكونهم أقرب الخلق إلى الله بعده حيث استعان بهم في الدعاء على العدوّ دون غيرهم، وإمّا لكونهم أعزّ الخلق عليه حيث عرّضهم للمباهلة إظهاراً لوثوقه على حقّيّته، حيث لم يبال بأن يدعو الخصم عليهم مع شدّة حبّه لهم، وظاهر أنّ حبّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن من جهة البشريّة والأُمور الدنيويّة، بل لم يكن يحبّ إلاّ من يحبّه الله، ولم يكن حبّه إلاّ خالصاً لله، كيف لا وقد ذمّ الله تعالى ورسولهُ ذلك في كثير من الآيات والأخبار، وكلّ من يدّعي درجة نازلة من الولاية والمحبّة يتبرّأ من حبّ الأولاد والنساء والأقارب لمحض القربة أو للأغراض الفاسدة، وقد نرى كثيراً من الناس يذمّهم

1 . مجمع البيان: 2 / 311.
2 . توجد مناشدة علي (عليه السلام)يوم الشورى في الصواعق: 124، لكن أسقط منها كثير من المناشدات ومن جملتها هذه، ويوجد فيما عندنا من نسخته المطبوعة ما هذا لفظه: وأخرج الدارقطني أنّ علياً قال للستة الّذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله: يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري؟ قالوا: اللّهم لا.
والظاهر أنّ ابن حجر ذكر هذا الكلام الطويل الحاوي لجميع المناشدات، لكن القوم أسقطوا من كلامه ما أسقطوا، وهيهات هيهات يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

صفحه 82
العقلاء بأنّهم يحبّون بعض أولادهم مع أنّ غيرهم أعلم وأصلح وأتقى وأورع منهم; وأيضاً معلوم من سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يعادي كثيراً من عشائره لكونهم أعداء الله، ويقاتلهم، وكان يحبّ ويقرّب الأباعد ومن ليس له نسب ولا حسب لكونهم أولياء الله، كما قال: سيّد الساجدين: «ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين»1 ; فإذا ثبت ذلك فيرجع هذا أيضاً إلى كونهم أقرب الخلق وأحبّهم إلى الله، فيكونون أفضل من غيرهم، فيقبح عقلاً تقديم غيرهم عليهم; وأيضاً لمّا ثبت أنّه المقصود بنفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الآية وليس المراد النفسيّة الحقيقيّة لامتناع اتّحاد الاثنين، وأقرب المجازات إلى الحقيقة اشتراكهما في الصفات والكمالات، وخرجت النبوّة بالدليل فبقي غيرها، ومن جملتها وجوب الطاعة والرئاسة العامّة، والفضل على من سواه، وسائر الفضائل، ولو تنزّلنا عن ذلك فالمجاز الشائع الذائع في استعمال هذا اللّفظ كون الرجل عزيزاً على غيره، وأحبّ الخلق إليه كنفسه، فيدلّ أيضاً على أفضليّته وإمامته بما مرّ من التقرير.
(أقول: وذكر إمامهم الرازي في التفسير والأربعين 2 الإستدلال بهذه على كون أمير المؤمنين (عليه السلام)أفضل من الأنبياء وسائر الصحابة عن بعض الإمامية بما مرّ،

1 . الصحيفة السجادية: 31، الدعاء 9 (دعاؤه (عليه السلام)في الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))، تحقيق مؤسسة الإمام المهدي (عج).
2 . تفسير الرازي: 8 / 86 ; الأربعين: 465. ولنذكر ما قاله في الأربعين فإنّه لا يخلو عن فائدة: قال فيه ما هذا لفظه: وأمّا الشيعة فقد احتجّوا على أنّ عليّاً أفضل الصحابة بوجوه: الحجّة الأُولى التمسّك بقوله تعالى: (فَقُلْ تَعَالَوْا)الآية، وثبت بالأخبار الصحيحة أنّ المراد من قوله: (وَأَنْفُسَنَا)هو علي، ومن المعلوم أنّه يمتنع أن تكون نفس علي هي نفس محمد بعينه، فلابد وأن يكون المراد هو المساواة بين النفسين، وهذا يقتضي انّ كلّ ما حصل لمحمد من الفضائل والمناقب فقد حصل مثله لعلي، ترك العمل بهذا في فضيلة النبوة فوجب أن تحصل المساواة بينهما فيما وراء هذه الصفة، ثم لا شكّ أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)كان أفضل الخلق في سائر الفضائل، فلمّا كان عليّ مساوياً له في تلك الفضائل وجب أن يكون أفضل الخلق، لأنّ المساوي للأفضل يجب أن يكون أفضل.

صفحه 83
لكن على وجه مبسوط، ثمّ قال في الجواب 1: كما أنّ الإجماع انعقد على أنّ النبيّ أفضل من الأنبياء، فكذلك انعقد الإجماع على أنّ الأنبياء أفضل من غيرهم; وأعرض عن ذكر الصحابة لأنّه لم يكن عنده فيهم جواب!
وما ذكره في الجواب عن الأنبياء فهو في غاية الوهن; لأنّ الإجماع الّذي ادّعاه إن أراد به إجماعهم، فحجّيّته عند الإماميّة ممنوعة; وإن أراد إجماع الأُمّة فتحقّقه عندهم ممنوع; لأنّ أكثر الإماميّة قائلون بكون أئمّتنا(عليهم السلام)أفضل من سائر الأنبياء، وأخبارهم الدالّة على ذلك مستفيضة عندهم; ولم يتصرّف في سائر المقدّمات ولم يتعرّض لمنعها ودفعها ـ مع أنّه إمام المشكّكين عندهم ـ لغاية متانتها ووضوحها، ولنتعرّض لدفع بعض الشبه الواهية والمنوع الباردة الّتي يمكن أن يخطر ببال بعض المتعسّفين.
فنقول: إن قال قائل: يمكن أن تكون الدعوة متعلّقة بالنفس مجازاً وما ارتكبتموه من التجوّز ليس بأولى من هذا المجاز .2
فنقول: يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ التجوّز في النفس أشهر وأشيع عند العرب والعجم، فيقول أحدهم لغيره: يا روحي ويا نفسي! وفي خصوص هذه المادّة وردت روايات كثيرة بهذا المعنى من الجانبين، كما سنذكره في باب اختصاصه (عليه السلام)به، وقد ورد في صحاحهم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعليّ (عليه السلام): «أنت منّي وأنا منك»3 ; وقال: «عليٌّ منّي بمنزلة رأسي من جسدي»4 ; وفي رواية أُخرى: «بمنزلة روحي من جسدي»;

1 . أي في الجواب عن كون أمير المؤمنين (عليه السلام)أفضل من جميع الناس غير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . وتوضيحه: انّه لابد من ارتكاب المجاز إمّا في النفس بأن يراد منه أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو في الدعوة، ولا رجحان لأحدهما على الآخر.
3 . صحيح البخاري: 4 / 207، باب مناقب علي (عليه السلام)، وج 5 / 85 ، باب عمرة القضاء.
4 . جواهر المطالب لابن الدمشقي: 1 / 58 ; ينابيع المودّة: 2 / 152.

صفحه 84
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي»1، وأمثال ذلك كثيرة، فكلّ ذلك قرينة مرجّحة لهذا المجاز.
والثاني: أن نقول: الآية على جميع محتملاتها تدلّ على فضله (عليه السلام)وكونه أولى بالإمامة، لأنّ قوله تعالى: (نَدْعُ) بصيغة التكلّم 2 إمّا باعتبار دخول المخاطبين أو للتعظيم أو لدخول الأُمّة أو الصحابة، وعلى الأخيرين يكون المعنى: ندع أبناءنا وتدعو أبناءكم، ولا يخفى أنّ الأوّل أظهر، وهو أيضاً في بادئ النظر يحتمل الوجهين: الأوّل أن يكون المعنى: يدعو كلّ منّا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه.
الثاني أن يكون المعنى: يدعو كلّ منّا ومنكم أبناء الجانبين وهكذا.
والأوّل أظهر كما صرّح به أكثر المفسّرين، وهذه الاحتمالات لا مدخل لها فيما نحن بصدده، وسيظهر حالها فيما سنورده في الوجوه الآتية وأمّا جمعيّة الأبناء والنساء والأنفس فيحتمل أن تكون للتعظيم، أو لدخول الأُمّة أو الصحابة فيها، أو لدخول المخاطبين فيها، فيكون التقدير: أبناءنا وإيّاكم، ويكون إعادة الأبناء لمرجوحيّة العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ; أو تكون الجمعيّة باعتبار أنّه بظاهر الحال كان يحتمل أن يكون من يصلح للمباهلة جماعة من كلّ صنف، فلمّا لم يجد من يصلح لذلك من جانبه سوى هؤلاء اقتصر عليهم، وتعيين الجماعة قبل تحقيق المباهلة لم يكن ضرورياً ; وكذا جمعيّة الضمير في أبنائنا ونسائنا وأنفسنا تحتمل ما سوى الوجه الثالث، والوجه الثالث في الأوّل أيضاً بعيد جدّاً، لأنّه معلوم أنّ دعوة كلّ منهما تختصّ بفريقه.

1 . مجمع الزوائد: 7 / 110 ; المصنّف لابن أبي شيبة: 7 / 506 برقم 74 ; السنن الكبرى للنسائي: 5 / 127 ; خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام): 89 ; كنز العمّال: 4 / 441 برقم 11311 .
2 . أي التكلّم مع الغير.

صفحه 85
فنرجع ونقول: لو كانت الجمعيّة للتعظيم وكان المراد 1 نفس من تصدّى للمباهلة وكان المتصدّي لها من هذا الجانب الرسول، فلا وجه لإدخال أمير المؤمنين (عليه السلام)في ذلك مع أنّه كان داخلاً باتّفاق الفريقين ورواياتهم، وكان للنصارى أن يقولوا: لمَ أتيت به وهو لم يكن داخلاً فيمن شرطنا؟ إلاّ أن يقولوا: كان لشدّة الاختصاص والتناسب وقرب المنزلة بمنزلة نفسه فلذا أتى به، وهو مع بُعده لو ارتكبته كان مستلزماً لمقصودنا على أتمّ وجه، بل هو أدعى لمطلوبنا من الوجه الّذي دفعتم 2، فقد وقعتم فيما منه فررتم!
وأمّا الوجه الثاني فنقول: لو كانت الأُمّة والصحابة داخلين في المباهلة فلمَ لم يأت بجميع من حضر منهم؟ إلاّ أن يقال: إحضار الجميع لمّا كان موجباً للغوغاء3 العامّ وموهماً لعدم اعتماده على حقّيّته، بل كان اعتماده على كثرة الناس ليرهب به العدو أو ليتّكل على دعائهم، فلذلك 4 أتى بنفسه لأنّه كان نبيّهم وأولى بهم وضامناً لصحّة معتقدهم، وبعليّ (عليه السلام)لأنّه كان إمامهم وقائدهم وأولى بهم والشاهد على صحّة نبوّة نبيّهم، والتالي له في الفضل، ولاتّحاد أبنائهما، وانتساب فاطمة (عليها السلام)إليهما، فأتى كلِّ منهما مع أبنائه ونسائه نيابة عن جميع الأُمّة، وإلاّ فلا وجه لتخصيصه (عليه السلام)من بين سائر الصحابة، فهذا أصرح في مقصودنا وأقوى في إثبات مطلوبنا; وكذا الوجه الرابع 5 يتضمّن ثبوت المدّعى، إذ لو لم يكن في جميع الأُمّة والصحابة من يصلح للمباهلة غيرهم فهم أقرب الخلق إلى

1 . أي وكان المراد من كلمة «انفسنا».
2 . لأنّ المدّعي قد أثبت بذلك اتّحادهما (صلوات الله عليهما) بحيث لم يكن إدخال أمير المؤمنين (عليه السلام)مخالفاً للشرط حتّى في نظر النصارى. فافهم جيداً فإنّه نفيس جداً.
3 . الغوغاء: الكثير المختلط من الناس.
4 . جواب لما.
5 . لأنّه بعدما ثبت أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)بمنزلة نفس الرسول يثبت بالضرورة أنّه أفضل من الأنبياء(عليهم السلام)لما أسلفناه عن الرازي أنّ المساوي للأفضل يجب أن يكن أفضل .

صفحه 86
الله والرسول، وأولى بالإمامة وسائر المنازل الشريفة من سائر الصحابة.
فإن قيل: الحمل على أقرب المجازات إنّما يكون متعيّناً لو لم يكن معنى آخر شائعاً، ومعلوم أنَّ إطلاق النفس على الغير في مقام إظهار غاية المحبّة والاختصاص شائع.
قلنا: ما مرَّ من الأخبار بعد التأمّل فيها كانت أقوى القرائن على هذا المعنى؟ ولو سلّم فدلالته على الأولويّة في الإمامة والخلافة ثابتة بهذا الوجه أيضاً كما عرفت، وهو مقصودنا الأهمّ في هذا المقام.
وأمّا الفضل على الأنبياء فهو ثابت بأخبارنا المستفيضة، ولا حاجة لنا إلى الاستدلال بالآية، وإن كانت عند المنصف ظاهرة الدلالة )1. وفي المقام تحقيقات طريفة وكلمات شريفة أسلفناها مع جُلِّ الأخبار المتعلّقة بهذا المطلوب في كتاب النبوّة، وإنّما أوردنا هاهنا قليلاً من كثير لئلاّ يخلو هذا المجلّد عن جملة منها، والله المستعان.

1 . ما بين القوسين من بعض النسخ.

صفحه 87
كتاب السماء والعالم 1

أبواب

كليات أحوال العالم وما يتعلّق بالسماويات


1 . تنويه: اعتمدنا في عملنا هذا على نسخة «بحار الأنوار» طبع مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403 هـ . فعلى هذا لو أراد القارئ الكريم أن يستفيد من الكتاب وعنده طبعة طهران أن يضيف إلى الجزء 54 وما بعده إلى آخر الكتاب العدد 3. فالجزء 54، 55، 56، طبعة بيروت يعادل الأجزاء 57، 58، 59،... من طبعة طهران وذلك لطبع فهرس الكتاب في الأجزاء 54 و 55 و 56، أمّا طبعة بيروت فالفهرس في آخر الكتاب في الأجزاء 108 و 109 و 110.
أمّا الأجزاء 1 ـ 53 فلا يوجد بين الطبعتين اختلاف. ولذا اقتضى التنويه .

صفحه 88
حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كلّيات الأُمور   

[ الباب الأوّل]

حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كلّيات الأُمور 1

الآيات

البقرة (2): (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَات2 وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ). 29 .
الأنعام (6): (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). 1 .
الأعراف (7): (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)54 .
يونس (10): (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ3 يُدَبِّرُ الأَمْرَ). 3.

1 . بحار الأنوار : 54 / 2 ـ 25، الباب 1 ; مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403 هـ (وهكذا بقية الأجزاء).
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 4: أي قصد إلى خلقها كذلك ; لأنّ حقيقة الاستواء الّذي هو تمام بعد نقصان، أو استقامة بعد إعوجاج من صفات الأجسام وعلامات المحدثات.
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54: وهذه استعارة ; لأنّ حقيقة الاستواء إنّما توصف بها الأجسام الّتي تعلو وتهبط، وتميل وتعتدل، والمراد بالاستواء هاهنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان لا بحلول القرار والمكان، كما يقال: «استوى فلان الملك على سرير ملكه» بمعنى استولى على تدبير الملك ومَلَك معقدَ الأمر والنهي، ويحسن صفته بذلك وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه ولا مكان عال يشار إليه، وإنّما المراد نفاذ أمره في مملكته واستيلاء سلطانه على رعيته. فإن قيل: فالله سبحانه مستول على كلّ شيء بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا. قيل: كما ثبت أنّه تعالى ربّ لكلّ شيء، وقد قال في صفة نفسه: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [ التوبة: 129 ] وقال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [ المؤمنون: 116]. فإن قيل: فما معنى قولنا: عرش الله إن لم يرد بذلك كونه عليه. قيل: كما يقال بيت الله وإن لم يرد كونه فيه، والعرش في السماء تطوف به الملائكة تعبّداً، كما أنّ البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبّداً.

صفحه 89
هود (11): (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). 7 .
الكهف (18): (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا). 51 .
الأنبياء (21): (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا 1 وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ). 30 .
الفرقان (25): (الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا). 59.
السجدة (32): (اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). 4.
فصّلت (41): (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54: وهذه استعارة ; لأن الرتق هو سد خصاصة الشيء، ويقال: رتق فلان الفتق إذا سدّه، ومنه قيل للمرأة رتقاء إذا كان ممر الذكر منها ملتحماً، وأصل ذلك مأخوذ من قولهم: رتق فتق الخباء والفسطاط وما يجري مجراهما إذا خاطه فكأنّ السماوات والأرض كانتا كالشيء المخيط الملتصق بعضه ببعض ففتقهما سبحانه بأن صدع ما بينهما بالهواء الرقيق والجو الفسيح. وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)أنّه قال: معنى ذلك أنّ السماء كانت لا تمطر والأرض لا تنبت، ففتق الله السماء بالأمطار والأرض بالنبات.

صفحه 90
فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ1 * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). 9 ـ 12 .
ق (50): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب). 38 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 194 ـ 195: وهذه استعارة وليس هناك على الحقيقة قول ولا جواب، وإنّما ذلك عبارة عن سرعة تكوين السماوات والأرض كما قال تعالى (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ النحل: 40 ] ولو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان في هذا الكلام أمر للمعدوم وخطاب لغير الموجود، وذلك يستحيل من فعل الحكيم سبحانه. ومعنى قوله تعالى: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أنّهما جرتا على المراد، ووقفتا عند الحدود والأقدار من غير معاناة طويلة ولا مشقّة شديدة، فكانتا في ذلك جاريتين مجرى الطائع المميّز إذا انقاد إلى ما أمر به، ووقف عندما وقف عنده. وقال بعضهم: معنى قوله سبحانه (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا): أي كونا على ما أُريد منكما من لين وشدة، وسهل وحزونة، وصعب وذلول، ومبرم وسحيل. والكره والشدة بمعنى واحد في اللغة العربية يقول القائل منهم لغيره: «أنا أكره فراقك» أي يصعب عليَّ أن أفارقك، وقال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)[ البقرة: 216 ] أي شديد عليكم. ومعنى الطوع هاهنا التسهيل والانقياد من غير إبطاء ولا اعتياص. وإنّما قال سبحانه: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) لأنّه جعل السماوات كلّها كالواحدة والأرض جميعاً كذلك، فحسن أن يعبّر عنهما بعبارة الاثنين دون عبارة الجمع، وأمّا قوله سبحانه: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وكان وجه الكلام أن يكون طائعتين أو طائعات ردّاً على التأنيث، فالمراد به ـ والله أعلم ـ عند بعضهم: قالتا أتينا بمن فينا من الخلق طائعين. فكان طائعين وصفاً للخلق المميزين لا وصفاً للسماوات والأرضين، وقال بعضهم: لمّا تضمّن الكلام ذكر السماوات والأرض في الخطاب لهما والكناية عنهما بما يخاطب به أهل التميّز ويكنّى به عن السامعين الناطقين أجريتا في رد الفعل إليهما مجرى العاقل اللبيب والسامع المجيب، وذلك مثل قوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: 4 ]ولو أجرى اللفظ على حقيقته وحمل على محجّته لقيل ساجدات، ولكن المراد بذلك لما كان ما أشرنا إليه حسن أن يقال: ساجدين وطائعين.

صفحه 91
الحديد (57): (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) 4.
النازعات (79): (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ). 27 ـ 33 .
الأعلى (87): (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى). 1 ـ 3 .

التفسير:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)امتنان على العباد بخلق ما يتوقّف عليه بقاؤهم ويتمّ به معاشهم، ومعنى (لَكُمْ)لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط، وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرّف بما يلائمها من لذّات الآخرة وآلامها. وهذا ممّا يستدلّ به على إباحة جميع الأشياء إلاّ ما أخرجه الدّليل. و (مَا) يعمّ كلّ ما في الأرض ، لا الأرض ، إلاّ إذا أُريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. ( جَمِيعًا)حال عن الموصول الثاني، (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)1: أي قصد إليها

1 . قال الراغب في مفرداته: 243، مادة «سما»: سماء كلّ شيء أعلاه، قال الشاعر في وصف فرس:
وأحمر كالديباج أما سماؤه *** فرياً وأمّا أرضه فمحول
وسُمّي المطر سماء لخروجه منها، وسُمّي النبات سماء إمّا لكونه من المطر الّذي هو سماء، وإمّا لارتفاعه عن الأرض. والسماء المقابل للأرض مؤنث وقد يذكّر، ويستعمل للواحد والجمع لقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ)وقد يقال في جمعها (سَمَوَات) قال: (خَلَقَ السَّمَواتِ)، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَواتِ)وقال: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)فذكّر وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) فأنث. (انتهى ملخصاً).

صفحه 92
بإرادته من قولهم: «استوى إليه» إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء. وقيل: استوى أي استولى وملك، قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
والمراد بالسماء الأجرام العلويّة أو جهات العلو كما قيل.
(فَسَوَّاهُنَّ): أي عدّلهنّ وخلقهنّ مصونة من العوج والفطور، وقيل: هُنَّ ضمير السماء إن فسّرت بالأجرام لأنّها جمع أو في معنى الجمع، وإلاّ فمبهم يفسّره ما بعده كقولهم: ربّه رجلاً. (سَبْعَ سَمَوَات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع الّتي أثبتوها أصحاب الأرصاد، إذ الثامن والتاسع مسمّيان في لسان الشرع بالكرسيّ والعرش.1 (وَهُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ) قيل: فيه تعليل كأنّه قال ولكونه عالماً بتلك الأشياء كلّها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، والاستدلال بأنّ من كان فعله على هذا النّسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليماً، وتدلّ الآية على حدوث السماوات بل الأرض أيضاً كما سيأتي بيانه.
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ)أخبر بأنّه تعالى حقيق بالحمد ونبّه على أنّه المستحقّ له على هذه النعم الجسام حُمِد أو لم يُحمد ليكون حجّة على الّذين هم بربّهم يعدلون، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهنّ ; لأنّ طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدّمها لشرفها وعلوّ مكانها (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ): أي أنشأهما، والفرق بين (خَلَقَ)و (وَجَعَلَ)الّذي له مفعول واحد أنّ (خَلَقَ)فيه معنى التقدير و (وَجَعَلَ)فيه معنى التضمين، ولذلك عبّر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنّهما لا يقومان بأنفسهما كما

1 . قال العلاّمة السبحاني في تفسيره «منية الطالبين»: إنّ القرآن الكريم يؤكّد على أنّ عدد السماوات هو سبعة مع أنّه من الواضح أنّ بطليموس جعلها تسعة، ولذلك ذهب من يؤمن بصحّة هذه الهيئة إلى أنّ الكرسي والعرش هو الفلك الثامن والتاسع، وهو قول بلا دليل. وللبحث صلة. راجع منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 28 / 441 ـ 450 .

صفحه 93
زعمت الثنويّة، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها أو لأنّ المراد بالظلمة الضلال وبالنّور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدّد. وتقديمها لتقدّم الأعدام على الملكات.
(فِي سِتَّةِ أَيَّام)المشهور أنّ المراد بالأيّام هنا مقدار أيّام الدنيا، وروي عن ابن عبّاس أنّها من أيّام الآخرة كلّ يوم منها ألف سنة ممّا تعدّون.
أقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها. ثمّ إنّه سبحانه إنّما خلق في هذه المدّة مع أنّه كان قادراً على خلقها في طرفة عين إمّا لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنّها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه الأحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلّم النّاس التأنّي في الأُمور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر لخلق، ولكنّه جعل الأناء 1 والمداراة مثالاً لأُمنائه، وإيجاباً للحجّة على خلقه».2
وأُورد هنا إشكال وهو أنّ اليوم إنّما يحصل بحركة الشمس وطلوعها وغروبها، فما معنى اليوم هاهنا؟ ويمكن أن يجاب بوجوه:
الأوّل: أنّ مناط تمايز الأيّام وتقدُّرها إنّما هو حركة الفلك الأعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الأيّام المتمايزة إنّما هو السماوات السبع والأرض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك الخلأ لتقدّم الماء الّذي خلق منه الجميع على الجميع.

1 . الأناء: بفتح الهمزة اسم من الإيناء: وأنى أنياً فهو أنى: تأخر وأبطأ، ورجل آن على فاعل أي كثير الأناة والحلم. لسان العرب: 14 / 48، مادة «أنى».
2 . الاحتجاج للطبرسي: 1 / 379 .

صفحه 94
الثاني: أنّ المراد بالأيّام الأوقات، كقوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ
دُبُرَهُ
)1.
الثالث: أنّ المراد: في مقدار ستّة أيّام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصوّر يوم حقيقة، فالمراد إمّا مقدار من الزمان مطلقاً، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين إما مبنيّ على كون الزمان أمراً موهوماً منتزعاً من بقائه سبحانه، أو من أوّل الأجسام المخلوقة كالماء، أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به، أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي، وإمّا بالقول بخلق فلك متحرّك قبل ذلك بناءً على القول بوجود الزّمان وأنّه مقدار حركة الفلك، فإنّ التجدّد والتقضّي والتصرّم الّذي هو منشأ تحقّق الزمان عندهم في الجميع متصوّر.
وعلى أيّ حال هذه الآية وما سيأتي من أشباهها تدلّ على حدوث السّماوات والأرض وما بينهما لأنّ الحادث في اليوم الأخير مثلاً، مسبوق بخمسة أيّام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي، والموجود في اليوم الأوّل زمان وجوده أزيد على الأخير بقدر متناه، فالجميع متناهي الوجود حادث.2

1 . الأنفال: 16 .
2 . قال العلاّمة السبحاني في منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 27 / 383 ـ 385: وأمّا الأيام في الآية فقد تكون إشارة إلى الدفعات أو الأدوار، حيث خلق سبحانه وتعالى الكون بشكل تدريجي بحركة المادة من القوة إلى الفعل. والّذي يؤيّد هذا التفسير أنّ اليوم المعروف إنّما يتولّد من دوران الأرض حول محورها الّذي يستغرق زمناً قدره نحو 24 ساعة، وهذا يعني أنّ هذا الطول الزمني (اليوم) قد قدّر بعد خلق السماوات والأرض، أي أنّه ليست ثمّة أيام قبل خلقهما... ثم إنّ اليوم يستعمل كثيراً ويراد به الوقت مطلقاً، فالأيام الستة الّتي خُلقت فيها السماوات والأرض ليست بياناً للزمن الّذي عملت فيه يد القدرة; لأنّ أفعال الله لا تقدّر بالزمان (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82) بل هي المدّة الّتي تكوّنت فيها السماوات والأرض، وتمّت فيها تسويتها على الصورة الّتي أرادها الله تعالى، وهذه المدّة من الزمن لا يعلم قدرهما إلاّ الله... وللبحث تكملة مفيدة، فمن أراد فليرجع إلى المصدر المذكور.

صفحه 95
(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)قال البيضاوي : أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنّه 1 كان موضوعاً على متن الماء، واستدلّ به على إمكان الخلأ وأنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الرّيح والله أعلم بذلك. انتهى.2
وقال الطبرسي: وفي هذا دلالة على أنّ العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السّماوات والأرض، وكان الماء قائماً بقدرة الله على غير موضع قرار، بل كان الله يمسكه بكمال قدرته، وفي ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار. وقيل: المراد بقوله: (عَرْشُهُ)بناؤه، يدلّ عليه: (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)3: أي يبنون، فالمعنى: وكان بناؤه على الماء، فإنّ البناء على الماء أبدع وأعجب; عن أبي مسلم .4 انتهى.
وقال الرازي في تفسيره: ومعنى قوله (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)كقولهم السّماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر. وكيف كانت الواقعة يدلّ على أنّ العرش والماء كانا قبل السّماوات والأرض. قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما; لأنّه لا يجوز أن يخلق

1 . في المصدر: لأنّه .
2 . تفسير البيضاوي: 3 / 221. أقول: معنى الآية: وكان عرشه يوم خلقهنّ على الماء، وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أنّ ملكه تعالى كان مستقراً يومئذ على هذا الماء الّذي هو مادّة الحياة، فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره على محلّ هو استقرار ملكه عليه، كما أنّ استواءه على العرش احتواءه على الملك وأخذه في تدبيره. وقول بعضهم: إنّ المراد بالعرش البناء كلام بعيد عن الفهم. راجع الميزان في تفسير القرآن: 10 / 151 .
3 . النحل: 68 .
4 . مجمع البيان: 5 / 245 .

صفحه 96
ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء.1 انتهى.
وفي بعض الأخبار أنّ المراد حمل علمه ودينه الماء2، وربّما يؤوِّل من قال بالهيولى الماء بها.
(لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً): أي خلقهنّ لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النّعم ويكلّفهم، ويعرضهم لثواب الآخرة، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر، قال (لِيَبْلُوَكُمْ): أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. وعن الصّادق (عليه السلام): «ليس يعني أكثركم عملاً ولكن أصوبكم عملاً، وإنّما الإصابة خشية الله والنيّة الصادقة»3.
(مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي ما أحضرتُ إبليس وذريّته خلق السّماوات والأرض ولا خلق أنفسهم مستعيناً بهم على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته واستغنائه عن الأنصار والأعوان، ويدلّ عليه قوله: (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا): أي الشّياطين الّذين يضلّون النّاس أعواناً يعضدونني عليه، وكثيراً ما يستعمل العضد بمعنى العون. وقيل: المعنى أنّكم اتّبعتم الشياطين كما يتّبع من يكون عنده علم لا ينال إلاّ من جهته وأنا ما أطلعتهم على خلق السّماوات ولا على خلق أنفسهم، ولم أُعطهم العلم بأنّه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتّبعونهم؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفّار خلق السّماوات والأرض ولا بعضهم خلق بعض، بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا: إنّ الملائكة بنات الله ومن أين ادّعوا ذلك ؟4 انتهى.

1 . تفسير الرازي: 17 / 187 .
2 . لاحظ : توحيد الصدوق:319 ح 1، الباب 49 (باب معنى قوله عزّوجلّ:(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
3 . الكافي: 2 / 16 ح 4، باب الإخلاص.
4 . مجمع البيان: 6 / 355.

صفحه 97
وزاد الرّازيّ وجهين آخرين: أحدهما: أنّ الضمير عائد إلى الكفّار الّذين قالوا له (صلى الله عليه وآله وسلم): إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنّه تعالى قال: إنّ هؤلاء الّذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنُّت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدّنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلِمَ أقدموا على هذا الاقتراح؟ ونظيره أنّ مَن اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنّك تقول له: لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتّى نقبل منك هذه الاقتراحات.
وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفّار أيضاً ويكون المعنى: أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السّعادة والشقاوة، فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والكمال والعلوّ ولغيركم بالذّل والدّناءة.1 انتهى.
(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا)قال الطبرسي (رحمه الله): استفهام يراد به التقريع. والمعنى: أو لم يعلموا أنّ الله سبحانه الّذي يفعل هذه الأشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحقّ للعبادة دون غيره(أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)تقديرها: كانتا ذواتي رتق. والمعنى: كانتا ملتزقتين منسدّتين ففصلنا بينهما بالهواء; عن ابن عبّاس وغيره. وقيل: كانت السّماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين; عن مجاهد والسّديّ. وقيل: كانت السّماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتقنا السّماء بالمطر والأرض بالنّبات ; عن عكرمة وعطيّة وابن زيد، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) . 2 انتهى.
وقال الرّازيّ: الرؤية إمّا بمعنى الإبصار، أو العلم. والأوّل مشكل; لأنّ القوم ما

1 . تفسير الرازي: 21 / 138 .
2 . مجمع البيان: 7 / 83 . وللسيد الطباطبائي بحث مفيد حول الآية، راجع الميزان في تفسير القرآن: 14 / 278 ـ 279 .

صفحه 98
رأوهما، ولقوله تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ). والثّاني أيضاً مشكل ; لأنّ الأجسام قابلة للرّتق والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرّتق أوّلاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلاّ السّمع، والمناظرة مع الكفّار المنكرين للرّسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال؟ ودفع الإشكال بعد اختيار الثاني بوجوه:
أحدها: أنّا نثبت نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)بسائر المعجزات ثمّ نستدلّ بقوله، ثمّ نجعلهما دليلاً على حصول المصالح في العالم وانتفاء الفساد عنه.
وثانيها: أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدلّ عليه ; لأنّ الأجسام يصحّ عليها الاجتماع والافتراق، فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.
وثالثها: أنّ اليهود والنّصارى كانوا عالمين بذلك، فإنّه جاء في التوراة أنّ الله تعالى خلق جوهرة ثمّ نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثمّ خلق السّماوات والأرض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاحتجّ الله تعالى عليهم بهذه الحجّة بناء على أنّهم يقبلون قول اليهود في ذلك .
ثمّ قال: اختلف المفسّرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها ـ وذكر الوجه الأوّل من وجوه الطبرسي ـ ثم قال: هذا القول يوجب أنّ خلق الأرض مقدّم على خلق السّماء ; لأنّه تعالى لمّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السّماويّة، قال كعب: خلق الله السّماوات والأرضين ملتصقتين ثمّ خلق ريحاً توسّطهما ففتقتا بها. ثمّ ذكر الثّاني والثّالث، ورجّح الثالث بقوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) 1، وبقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَيّ). ثمّ قال: ورابعها: قول أبي مسلم الإصفهانيّ، قال: يجوز

1 . الطارق: 11 ـ 12 .

صفحه 99
أن يراد بالفتق، الإيجاد والإظهار كقوله: (فَاطِرِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ)فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرّتق.1
أقول: وتحقيقه أنّ العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميّزة، وأعيان متبائنة، بل كأنّه أمر واحد متّصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميّز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرَّتق مجازاً عن العدم، والفتق عن الوجود.
وخامسها: أنّ اللّيل سابق على النّهار بقوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)2 فكانت السّماوات والأرض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النّهار المبصرة. انتهى.
وأقول: سيأتي في الأخبار ما يؤيّد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكلينيّ في الرّوضة عن عدّة من أصحابه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثماليّ 3 قال: سأل نافع أبا جعفر (عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلَّ: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أهبط آدم إلى الأرض وكانت السّماوات رتقاً لا تمطر شيئاً وكانت الأرض رتقاً لا

1 . تفسير الرازي: 22 / 162 ـ 163، بتلخيص.
2 . يس: 37 .
3 . في المصدر: «عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، وأبو منصور عن أبي الربيع»... والحسن بن محبوب السراد، ويقال: الزراد مولى بجيلة كوفي، ثقة جليل القدر من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، وروى عن ستين رجلاً من أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)مات (رحمه الله) سنة (224 هـ) وكان من ابناء خمس وسبعين سنة. (خلاصة الأقوال: 97، في الحاء، الباب 1 (الحسن)).
وأبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار ثقة من خيار أصحابنا ومعتمديهم، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبدالله وأبا الحسن(عليهم السلام)وروى عنهم ومات (رحمه الله) سنة (150 هـ) (رجال النجاشي: 115). وكان ابن محبوب عندئذ صبياً يرضع، وعلى هذا فروايته عنه إمّا بالوجادة أو بالواسطة.

صفحه 100
تنبت شيئاً، فلمّا تاب الله عزّوجلّ على آدم (عليه السلام)أمر السّماء فتقطّرت بالغمام، ثمّ أمرها فأرخت عزالاها، 1 ثمّ أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثّمار، وتفهّقت بالأنهار، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها». فقال نافع: صدقت يا ابن رسول الله. إلى آخر الخبر .2 وهذا يدلّ على الثالث.
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)قال الطبرسي: أي وأحيينا بالماء الّذي ننزِّله من السماء كلَّ شيء حيّ، وقيل: وخلقنا من النّطفة كلَّ مخلوق. والأوّل أصحُّ. وروى العيّاشيّ بإسناده عن الحسين بن علوان 3 قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن طعم الماء فقال: «سل تفقّهاً ولا تسأل تعنّتاً، طعم الماء طعم الحياة، قال الله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيّ)».4
وقيل: معناه وجعلنا من الماء حياة كلِّ ذي روح ونماء كلِّ نام، فيدخل فيه الحيوان والنّبات والأشجار; عن أبي مسلم.5
(أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ): أي أفلا يصدِّقون بالقرآن وبما يشاهدون من الدليل والبرهان. (الرَّحْمَنُ)قيل: خبر للّذي إن جعلته مبتدأ، ولمحذوف إن جعلته صفة للحيّ، أو بدل من المستكنّ في (اسْتَوَى)، وقرئ بالجرّ صفة للحيّ (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا): أي فاسأل عمّا ذكر من الخلق والاستواء عالماً يخبرك بحقيقته وهو الله

1 . في المصدر «عزاليها»: والعزالي جمع «العزلاء» بفتح العين المهملة وسكون الزاي وهو مصبّ الماء من القربة ونحوها، وأرخت عزاليها أي أمطرت بشدّة. راجع النهاية لابن الأثير: 3 / 231، مادة «عزل» .
2 . الكافي: 8 / 121 ح 93 .
3 . كذا في المصدر، وفي بعض النسخ: الحسن بن علوان. قال النجاشي في رجاله: 52 برقم 116: الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم كوفي عامي، وأخوه الحسن يكنّى أبا محمد ثقة، رويا عن أبي عبدالله (عليه السلام)، والحسن أخصّ بنا وأولى .
4 . تفسير العياشي: 3 / 131 ح 6، المستدرك (سورة الأنبياء) .
5 . مجمع البيان: 7 / 82 .
Website Security Test