welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 3*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 3

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 3
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
3

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
الجزء الثالث
تأليف
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام)، 1393 .
      6 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 551 - 9 (VOL.3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 1. العقائد والمعارف الإسلامية (1): العقل والجهل، العلم، التوحيد، العدل، والمعاد. ج 2. العقائد والمعارف الإسلامية (2): الاحتجاج، النبوّة، قصص الأنبياء. ج 3. تاريخ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1393
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الثالث
المؤلف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …آية الله الشيخ جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1436 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 850    تسلسل الطبعة الأُولى: 426
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الخاتم محمد وآله الطيبين الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» وهو يتناول تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بصورة مفصّلة في خمسة وأربعين باباً مبتدئاً بولادته (صلى الله عليه وآله وسلم)والبشائر بمولده من الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، وأسماؤه، ومكارم أخلاقه، وسيره وسننه وفضائله، ووجوب طاعته وحبّه، وآداب العشرة معه وتفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته.
كما تطرّق إلى الآيات الّتي تتعلّق بعصمته (صلى الله عليه وآله وسلم)وتفسير بعض ما يوهم خلاف ذلك، وعقد باباً في سهوه ونومه عن الصلاة والرد عليه ومناقشته.
وتناول أيضاً معجزاته وعلى رأسها القرآن الكريم، وما ظهر له من المعجزات الأُخرى، كانشقاق القمر وردّ الشمس، والإسراء والمعراج، وفي كفاية شرّ الأعداء، وغيرها.
وكذلك تطرّق إلى الهجرة إلى المدينة والأحداث الّتي رافقتها، وغزواته مع المشركين واليهود، وما جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وأحوال أصحابه وأزواجه وأهل بيته(عليهم السلام).
***
وقد ألّفت عدّة مؤلّفات حول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وحياته وتاريخه

صفحه 8
والموارد المذكورة أعلاه، أمّا في مجال التفسير فقد جعلنا الجزء السابع من موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (المطبوع في عشرة أجزاء في التفسير الموضوعي) في تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتناول دراسة الآيات الّتي رسمت لنا أبعاد شخصية النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكرت سيرة حياته الشريفة. والكتاب يقع في خمسة عشر فصلاً تناول فيها أكثر المواضيع والأبواب المذكورة في هذا الجزء. وقد طبع الكتاب في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)عدّة طبعات.
أمّا ما يتناول موضوع عصمة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والآيات الّتي تمسّك بها البعض لإثارة الشبهات حول عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك سهوه فقد بحثت فيها مفصّلاً في الجزء الخامس من موسوعتنا ص 231 ـ 335.
ثم إنّي علّقت بعض التعليقات المهمة حول هذا الموضوع تجدها في ثنايا الكتاب عند البحث عن عصمته وسهوه أرجو أن تقع موقع القبول لطلاب العلم وروّاد الحقيقة .
وفي الختام ندعو الله تبارك وتعالى أن يوفقّنا لإكمال بقية الأجزاء والله ولي التوفيق.
 
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدّسة
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ 1436 هـ

صفحه 9
كتاب

تاريخ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

[ الباب الأول]

بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم(عليه السلام)، وبيان حال آبائه العظام، وأجداده الكرام لاسيّما عبدالمطّلب ووالديه عليهم الصلاة والسلام، وبعض أحوال العرب في الجاهلية، وقصة الفيل، وبعض النوادر1

الآيات:

آل عمران (3): (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ). 81 .
الأعراف (7): (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). 172-173 .
الشعراء (26): (الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)2.

1 . بحارالأنوار: 15/2-3، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 149: وهذه استعارة وليس هناك تقلّب منه على الحقيقة، وإنّما المراد به تقلّب أحواله بين المصلّين، وتصرّفه فيهم بالركوع والسجود والقيام والقعود; وذهب بعض علماء الشيعة في تأويل هذه الآية مذهباً آخر فقال: المراد بذلك تقلّب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أصلاب الآباء المؤمنين، واستدلّ بذلك على أنّ آباءه إلى آدم(عليه السلام)مسلمون لم يختلجهم خوالج الشرك ولم تضرب فيهم أعراق الكفر، تكريماً له(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يجري إلاّ في منزّهات الأصلاب ومطهّرات الأرحام، وهذا الوجه يخرج به الكلام عن أن يكون مستعاراً.

صفحه 10
218-219 .
الأحزاب (33): (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا). 7-8 .

التفسير:

البشائر بمولده ونبوّته من الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)   
قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ): أي واذكر يامحمّد حين أخذ الله الميثاق من النبييّن خصوصاً بأن يصدّق بعضهم بعضاً، ويتّبع بعضهم بعضاً; وقيل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن ينصحوا لقومهم (وَمِنْكَ)يامحمّد; وإنّما قدّمه لفضله وشرفه (وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) خصّ هؤلاء لأنّهم أصحاب الشرائع (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا): أي عهداً شديداً على الوفاء بما حمّلوا من أعباء الرسالة، وتبليغ الشرائع; وقيل: على أن يعلنوا أنّ محمّداً رسول الله، ويعلن محمّد أن لانبيّ بعده (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ)قيل: معناه: إنّما فعل ذلك ليسأل الأنبياء والمرسلين ما الّذي جاءت به أُممكم.1 وقيل: ليسأل الصادقين في توحيد الله وعدله والشرائع (عَنْ صِدْقِهِمْ): أي عمّا كانوا يقولونه فيه تعالى، فيقال لهم: هل ظلم الله أحداً؟ هل جازى كلّ إنسان بفعله؟ هل عذّب بغير ذنب؟ ونحو ذلك، فيقولون: نعم عدل في حكمه، وجازى كلاًّ بفعله; وقيل: معناه:

1 . فى المصدر: ما الّذي أجاب به أُممكم؟ وهو الصواب.

صفحه 11
ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم; وقيل: ليسأل الصادقين ماذا قصدتم بصدقكم؟ وجه الله أوغيره؟1
أقول: سيأتي تفسير سائر الآيات، وسنورد الأخبار المتضمّنة لتأويلها في هذا الباب وغيره.

[ الباب الثاني]

البشائر بمولده ونبوّته من الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليه وعليهم وغيرهم من الكهنة وسائر الخلق، وذكر بعض المؤمنين في الفترة(2)

الآيات:

البقرة (2): (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). 89 .
«وقال تعالى»: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ). 101 .
«وقال سبحانه»: (... وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). 129 .
«وقال تعالى»: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). 146 .
آل عمران (3): (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ

1 . مجمع البيان: 8/123 .   2 . بحارالأنوار: 15/174-179، الباب 2 .

صفحه 12
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).81-82 .
«وقال تعالى»: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ1 وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).187-188 .
الأعراف (7): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ2 فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 157 .
«وقال تعالى»: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). 167 .
الأنبياء (21): (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ). 105 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 16: وهذه استعارة، والمراد بها أنّهم غفلوا عن ذكره وتشاغلوا عن فهمه يعني الكتاب المنزل عليهم، فكأنّه كالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان، لايراه فيذكره، ولا يلتفت إليه فينظره.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 41: وهذه استعارة; والمراد بها وضع التكاليف الشاقّة عنهم لتحريم التصرّف في السبوت والأكل من اللحم المتصل بالعروق وما يجري هذا المجرى ممّا وردت شريعة نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم) بطرح كلّه وتخفيف ثقله; لأنّ ذلك مشبّه بالأثقال الباهظة والأغلال اللازمة.

صفحه 13
الشعراء (26): (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاؤُا بَنِي إِسْرَائِيلَ). 196-197 .
القصص (28): (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبي إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ). [إلى قوله تعالى]: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). 44-46 .
الصف (61): (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). 6-7 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ): قال ابن عبّاس: كانت اليهود (يَسْتَفْتِحُونَ): أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه، فلمّا بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود اتّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلام بن مشكم1 أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.(2)
وفي قوله: (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ): مصدّق لكتبهم من التوراة والإنجيل، لأنّه جاء على الصفة الّتي تقدّم بها البشارة.2

1 . في المصدر: سلام بن مسلم.   2 . مجمع البيان: 1/299 .
2 . مجمع البيان: 1/300. وفيه: تقدّمت بها البشارة.

صفحه 14
و في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): روي عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) وابن عبّاس وقتادة أنّ الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا أن يخبروا أُممهم بمبعثه ونعته، ويبشّروهم به، ويأمروهم بتصديقه، وقال طاووس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء على الأوّل والآخر، فأخذ ميثاق الأوّل بماجاء1 به الآخر.
و قال الصادق(عليه السلام): تقديره وإذ أخذ الله ميثاق أُمم النبيّين بتصديق نبيّها، والعمل بما جاءهم به، وإنّهم خالفوه بعدما جاء وما وفوا به، وتركوا كثيراً من شرائعه، وحرّفوا كثيراً منها. والإصر: العهد.(2)
وفي قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)قيل: أراد به اليهود، وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كلّ من أُوتي علماً بشيء من الكتب (لَتُبَيِّنُنَّهُ للناس): أي محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)2 ، لأنّ في كتابهم أنّه رسول الله، وقيل: أي الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا)قيل: هم اليهود الّذين فرحوا بكتمان أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحبّوا أن يحمدوا بأنّهم أئمّة وليسوا كذلك، وقال البلخيّ: إنّ اليهود قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبّاؤُه، وأهل الصلاة والصوم، وليسوا كذلك3 ، ولكنّهم أهل الشرك والنفاق وهو المرويّ عن الباقر(عليه السلام) ، والأقوى أن يكون المعنيّ بالآية من أخبر الله عنهم أنّه أخذ ميثاقهم في أن يبيّنوا أمر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يكتموه.4
و في قوله: (فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) معناه يجدون نعته وصفته ونبوّته مكتوباً في التوراة في السفر الخامس: إنّي سأُقيم لهم نبيّاً من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم: كلّ ما أُوصيه به.

1 . في المصدر: لتؤمنن بما جاء به الآخر.   2 . مجمع البيان: 2/334 .
2 . في المصدر: أي لتظهرنه للناس، والهاء عائدة إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 . في المصدر: وليسوا من أولياء الله ولا أحبائه ولا أهل الصلاة والصوم.
4 . مجمع البيان: 2/466-469 .

صفحه 15
وفيها أيضاً مكتوب: وأمّا ابن الأمة1 فقد باركت عليه جدّاً جدّاً، وسيلد اثنى عشر عظيماً، وأُؤخّره لأُمّة عظيمة.
وفيها أيضاً: أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.2
وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع: منها نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كلّه. وفيه أيضاً: قول المسيح للحواريّين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط3 روح الحقّ الّذي لايتكلّم من قبل نفسه، إنّه نذيركم يجمع الحقّ، ويخبر كم بالأُمور المزمعة4، ويمدحني ويشهد لي.
وفيه أيضاً: إنّه إذا جاء قيّد أهل العالم.
قوله تعالى: (إِصْرَهُمْ): أي ثقلهم وهو التكاليف الشاقّة (وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ): أي العهود الّتي كانت في ذمّتهم، وقيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك (وَعَزَّرُوهُ): أي عظّموه ووقّروه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ): أي القرآن.5

1 . والمراد به إسماعيل(عليه السلام) .
2 . قال الحموي في المعجم: 3/171: ساعير: اسم لجبال فلسطين، وهو من حدود الروم، وهو قرية من الناصرة بين طبرية وعكا. وفاران: كلمة عبرانية معرّبة وهي من أسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، وقال ابن ما كولا في إكمال الكمال: 7/80: هي جبال الحجاز، وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران، مجيئه من سيناء تكليمه لموسى(عليه السلام)، وإشراقه من ساعير هو إنزال إلانجيل على عيسى(عليه السلام)، واستعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 . فارقليط: كلمة يونانية، معناها الذي يذكره الناس بالخير ويحمدونه. وهو مرادف لمحمد أو أحمد.
4 . أزمع الأمر وعليه وبه: ثبت عليه وأظهر فيه عزماً. الصحاح للجوهري: 3/1225، مادة «زمع».
5 . مجمع البيان: 4/373-374 .

صفحه 16
أقول: سيأتي في الروايات أنّه أميرالمؤمنين(عليه السلام) .1
و في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ): أي آذن وأعلم (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على اليهود (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ): أي من يذيقهم ويولّيهم شدّة العذاب بالقتل وأخذ الجزية منهم، والمعنيّ به أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)عند جميع المفسّرين، وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام) .2
وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)قيل: الزبور: كتب الأنبياء، والذكر: اللّوح المحفوظ; وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر: التوراة، وقيل: الزبور كتاب داود(عليه السلام)، والذكر: التوراة (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ): أي أرض الجنّة أو الأرض المعروفة يرثها أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال أبوجعفر(عليه السلام): «هم أصحاب المهديّ في آخر الزمان».3
وفي قوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ): أي ذكر القرآن وخبره في كتب الأوّلين على وجه البشارة به وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)(أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ): أي أولم يكن علم علمآء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدّمت البشارة به دلالة لهم على صحّة نبوّته، وهم عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم خمسة: عبدالله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد.4
أسماؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعللها، ومعنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّياً وأنّه كان عالماً بكلّ لسان   
وفي قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبي): أي في الجانب الغربيّ
من الجبل الّذي كلّم الله به موسى، وقيل: بجانب الوادي الغربيّ (إِذْ قَضَيْنَا
إِلَى مُوسَى الأَمْرَ
): أي عهدنا إليه بالرّسالة، وقيل: أراد كلامه معه في وصف

1 . روى العياشي في تفسيره: 2/31 عن أبي بصير في قول الله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) قال أبو جعفر(عليه السلام): «النور: علي(عليه السلام)».
2 . مجمع البيان: 4/385 .
3 . مجمع البيان: 7/119-120. ثم ذكر أخباراً من العامّة تدلّ على قول الأخير.
4 . مجمع البيان: 7/353-354 .

صفحه 17
نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ونبوّته (وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ): أي الله أعلمك ذلك،
وعرّفك إيّاه نعمة من ربّك أنعم بها عليك، وهو أن بعثك نبيّاً، واختارك لإنباء العلم بذلك معجزة لك، لتنذر العرب الّذين لم يأتهم رسول قبلك لكي يتفكّروا ويعتبروا.1

[ الباب الثالث]

أسماؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعللها، ومعنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّياً وأنّه كان عالماً بكلّ لسان، وذكر خواتيمه ونقوشها وأثوابه وسلاحه، ودوابه وغيرها ممّا يتعلّق به(صلى الله عليه وآله وسلم)(2)

الآيات:

الأعراف (7): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ).157 .
وقال:(فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ ).158 .
التوبة (9): (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)2.128 .

1 . مجمع البيان: 7/442-443 .   2 . بحارالأنوار: 16/82-84، الباب 6 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 53: وهذه استعارة، والمراد بأنفسكم هاهنا ـ والله أعلم ـ : أي من جنس أنفسكم وخلقكم لتكونوا إليه أسكن، وإلى القبول منه أقرب; ويجوز أن يكون من أنفسكم إي من قبيلتكم وعشيرتكم، كما يقول القائل: فلان من أنفس نبي فلان أي من صميم أنسابهم وليس من وشائظهم وملاصقيهم; وقد يجوز أن يكون المراد برسول من أنفسكم أي من أشقائكم وأعزائكم، كما يقول القائل لذي ودّه والقريب من قلبه: أنت من نفسي وأنت من قلبي، أي أنت شقيق النفس وقسيم القلب، وممّا يقوّي ذلك قوله سبحانه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) . أي لحبّه وميله لكم يعزّ عليه أن تعنتوا وتعاندوا فتحرموا الثواب وتستحقّوا العقاب، وهو حريص على إيمانكم رأفة بكم وأشفاقاً عليكم.

صفحه 18
هود (11): (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير).2 .
العنكبوت (29): (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). 48 .
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا).45-46 .
الفتح (48): (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ).29 .
المزمّل (73): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً).1-2 .
المدثّر (74): (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ)1.1-2 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): الأُمّي ذكر في معناه أقوال:
أحدها: الّذي لا يكتب ولا يقرأ.
وثانيها: أنّه منسوب إلى الأُمّة، والمعنى أنّه على جبلّة الأُمّة قبل استفادة الكتابة; وقيل: إنّ المراد بالأُمّة العرب لأنّها لم تكن تحسن الكتابة.

1 . وهاهنا آيات أُخرى لم يذكرها، المصنّف، منها في سورة آل عمران 143:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ). وفي سورة الأحزاب 40:( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ). وفي سورة محمد 2: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد). وفي سورة الصف 6:(وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ). بل مقتضى ما يذكر من الروايات وتأويلها أن يذكر آيات أُخرى، كقوله تعالى:(طَهَ)، و (حَم)، و (يَس)، و (النَّجْمِ)، و (الشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، و (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، و (ذِكْراً رَسُولاً)، و (ن وَالْقَلَمِ)، و (عْبُدُ اللّهَ)، وغير ذلك ممّا سيمرّ بك.

صفحه 19
وثالثها: أنّه منسوب إلى الأُمّ، والمعنى أنّه على ماولدته أُمّه قبل تعلّم الكتابة.1
وفي قوله: (مَا عَنِتُّمْ): شديد عليه عنتكم، أي ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان.2
وفي قوله تعالى: (إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ): أي ولو كنت تقرأ كتاباً أو تكتبه لوجد المبطلون طريقاً إلى الشكّ في أمرك، ولقالوا: إنّما يقرأ علينا ما جمعه من كتب الأوّلين، قال السيّد المرتضى قدّس الله روحه: هذه الآية تدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا بعدها فالّذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالماً بالقراءة والكتابة، والتجويز لكونه غير عالم بهما من غير قطع على أحد الأمرين، وظاهر الآية يقتضي أنّ النفي قد تعلّق بما قبل النبوّة دون ما بعدها، ولأنّ التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة، لأنّ المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم) لو كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا بعد النبوّة فلا تعلّق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلّمها من جبرئيل(عليه السلام) بعد النبوّة.3
وقال البيضاوي: (الْمُزَّمِّلُ)أصل المتزمّل، من تزمّل بثيابه: إذا تلفّف بها.4
وقال: (الْمُدَّثِّرُ)المتدثّر، وهو لابس الدثار.5 وسيأتي بيانه في باب المبعث.

1 . وربما يقال: إنّه منسوب إلى أُم القرى وهو غير سديد، لأنّ النسبة إليها يأتي على قروي لا الأُمّي. من إفادات المشرف حفظه الله.
2 . مجمع البيان: 5/149 .
3 . مجمع البيان: 8/32-33 . وراجع رسائل المرتضى: 1/108، علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكتابة والقراءة.
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 404 .
5 . تفسير البيضاوي: 5/410 .

صفحه 20
في معنى كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتيماً وضالاًّ وعائلاً ومعنى انشراح صدره   

[ الباب الرابع]

آخر نادر في معنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) يتيماً وضالاًّ وعائلا، ومعنى انشراح صدره، وعلّة يتمه، والعلّة التي من أجلها لم يبق له (صلى الله عليه وآله وسلم) ولد ذكر1

الآيات:

الضحى (93): (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى2 * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).1-11 .
الشرح (94): (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ3 * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *

1 . بحارالأنوار: 16/136-141، الباب 7 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 273: وهذه استعارة، ومعنى سجى أي سكن، والليل لا يسكن وإنّما تسكن حركات الناس فيه، فأجرى تعالى صفة السكون عليه لمّا كان السكون واقعاً فيه.
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 274: وهذا القول مجاز واستعارة لأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لايجوز أن ينتهي عظم ذنبه إلى حال إنقاض الظهر، وهو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل; لأنّ هذا القول لايكون إلاّ كناية عن الذنوب العظيمة والأفعال القبيحة، وذلك غير جائز على الأنبياء في قول من لايجيز عليهم الصغائر ولا الكبائر، وفي قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر; لأنّ الله تعالى قد نزّههم عن موبقات الآثام ومستحقات الأفعال، إذ كانوا أُمناء وحيه وألسنة أمره ونهيه وسفرائه إلى خلقه وقد استقصينا الكلام على ذلك في باب مفرد من كتابنا الكبير فنقول: إنّ المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنّه المخالفون من كونه كناية عن الذنب، وإنّما المراد به ما كان يعانيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور المستصعبة والمواقف الخطرة في أداء الرسالة وتبليغ النذارة، وما كان يلاقيه(صلى الله عليه وآله وسلم) من مضار قومه ويتلقّاه من مرامي أيدي معشره، وكلّ ذلك حرج في صدره وثقل على ظهره، فقرّره الله تعالى بأنّه أزال عنه تلك المخاوف كلّها، وحطّ عن ظهره تلك الأعباء بأسرها، وأداله من أعدائه وفضّله على أكفّائه، وقوّم ذكره على كلّ ذكر، ورفع قدره على كلّ قدر حتى أمن بعد الخيفة واطمأنّ بعد القلقة، وخرج من حقائق الضغطة إلى مفاسح الغبطة، ومن عقال الانقباض إلى محال الانبساط، فلذلك قال سبحانه: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) وهذه الأُمور التي أمتنّ الله تعالى عليه بأنّه فعلها به، متشابهة في المعنى، لأنّ شرح الصدر ووضع الوزر إذا كان بمعنى إزالة الثقل من الهمّ ورفع الذكر أحوال يشبه بعضها البعض، فلا معنى لتأوّل الوزر هنا على أنّه الذنب والمعصية، ولا دليل في الآية على ذلك مع ما في القول به من الغمز في مزايا الأنبياء الذين قد رفع الله سبحانه أقدارهم وأعلى منارهم وألزمنا اتّباع مناهجهم وتقبّل طرائقهم وتقبّل أوامرهم. فإن قال قائل: إنّ هذه السورة مكّية، وكان نزولها وهو(عليه السلام) بعد في حال الخوف والمراقبة وضعف اليد عن المغالبة. قيل له: لايمتنع أن يكون الله تعالى بشّره بما تؤول إليه عواقب أمره من انجلاء الكربة وانحسار اللزبة وقوة السلطان وانتشار الاعلام، فقام المتوقّع من ذلك عنده مقام الواقع لتصديقه وسكونه إلى صحّته، فزال ما كان يعانيه من أثقال الهموم ويقاسيه من خناق الكروب. وهذا جواب مقنع بتوفيق الله وعونه.

صفحه 21
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ). 1-8 .

التفسير:

(وَالضُّحَى): أي وقت ارتفاع الشمس أو النهار(وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أي سكن أهله، أو ركد ظلامه (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) ما قطعك ربك قطع المودّع، وهو جواب القسم (وَمَا قَلَى): أي ما أبغضك (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى): أي من الحوض والشفاعة وسائر ما أعدّ له من الكرامة، أو في الدنيا أيضاً من إعلاء الدّين، وقمع الكافرين.
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى)قال الطبرسي (رحمه الله): إنّه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيماً فآواه الله بأن سخّر له عبدالمطّلب ثمّ أباطالب،1 وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) مات أبوه وهو في بطن أُمّه أوبعد ولادته بمدّة قليلة، وماتت أُمّه وهو ابن سنتين، ومات

1 . في المصدر زيادة هي: وسخره للاشفاق عليه وحببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده، فكفله ورباه، واليتيم من لاأب له.

صفحه 22
جدّه وهو ابن ثماني سنين.
وسئل الصادق(عليه السلام): لِمَ أُوتم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبويه؟ فقال: «لئلاّ يكون لمخلوق عليه حقّ».1
(وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى)فيه أقوال.2
(وَوَجَدَكَ عَائِلاً): أي فقيراً لامال لك (فَأَغْنى): أي فأغناك بمال خديجة، ثمّ بالغنائم، وقيل: فأغناك بالقناعة، ورضاك بما أعطاك.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ): أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقّه لضعفه. وقيل: أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيماً (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ): أي لاتنهره ولاتردّه إذا أتاك يسألك، فقد كنت فقيراً، فإمّا أن تطعمه، وإمّا أن تردّه ردّاً ليّناً. (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)معناه اذكر نعم الله تعالى وأظهرها وحدّث بها. انتهى كلامه رفع الله مقامه.3

1 . مجمع البيان: 10/383 .
2 . نقل المصنّف (رحمه الله) وجوهاً من «مجمع البيان» إلاّ أنّ المختار عندنا هو ما يلي: تطلق الضلالة على معنيين يجمعهما فقد الهداية، هما:
أ. هيئة نفسانية تحيط بالقلب، فيكفر بالله سبحانه وآياته وبيّناته وأنبيائه ورسله، فضلالة الكفّار والمنافقين بهذا المعنى.
ب. فقد الهداية مع كونه لائقاً بها، كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان ضالاًّ بهذا المعنى أي فاقداً للهداية الذاتية وإنّما هداه الله سبحانه منذ أن تعلقّت مشيئته بهدايته، وربّما يذكر مبدأها الإمام علي (عليه السلام)حيث قال: «وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ». نهج البلاغة: الخطبة 192. وعلى هذا فوزان قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) وزان قوله سبحانه: (الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)طه: 50. وقوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) العصر ـ 2 ـ 3. من إفادات المشرف حفظه الله.
3 . مجمع البيان: 10/381-386 .

صفحه 23
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ): بما يسّرنا لك تلقّي الوحي بعد ما كان يشقّ عليك .1
(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)عبأك الثقيل (الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)2.3
(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)بالنبوّة وغيرها (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) كضيق الصدر والوزر المنقض للظّهر وضلال القوم وإيذائهم(يُسْراً)كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة، فلاتيأس من روح الله إذا عراك ما يغمّك (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْراً)تكرير للتّأكيد، أو استيناف وعده بأنّ العسر مشفوع بيسر آخر، كثواب الآخرة (فَإِذَا فَرَغْتَ)من التبليغ (فَانْصَبْ)فاتعب في العبادة شكرّاً بما عدّدنا عليك من النعم السالفة، ووعدنا بالنعم الآتية، وقيل: فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)بالسؤال، ولاتسأل غيره، فإنّه القادر وحده على إسعافه4.(5)

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 504. ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، ولذلك عطف عليه قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ).
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 504. وقد فسّر نقض الظهر بثقل المسؤولية أو الجهل بالأحكام أو الحيرة...
3 . أقول: ما ذكره البيضاوي في تفسير الآية أمر غير سديد وذلك لأنّ رقي الروح إلى درجات سامية حتّى يرى ما لا يراه غيره بنور الرسالة، ليس من الأُمور الّتي تؤدي إلى نقض الظهر، بل هي من العوامل الّتي تنشط الروح وتنبسط لها، دون أن تنقض ظهر، فلم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحرّج من الوحي، فعلى ما ذكرنا فلابد أن يكون متعلّق شرح الصدر أمراً ينقض الظهر ويحرج الإنسان، وليس هو إلاّ الأمر التالي: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يعيش بين الوثنيّين الّذين يسودهم منطق القوّة ولم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قادراً على ردعهم عن هذه السلوكيات المنحرفة فكان يضيق صدره بأخلاق قومه وعاداتهم، وفي الوقت نفسه كان يسايرهم للضرورة. فالله سبحانه شرح صدره بإعطائه خلق قويم سام رفيع ويقول في حقّه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)القلم: 4. فيستسهل ما يواجه من الجهّال من كلمات نابية، فكلما انتشر الإسلام انشرح صدره كثيراً وخفّ عليه الأمر. انظر: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 450 ـ 452 . من إفادات المشرف حفظه الله .
4 . في المصدر: إسعافك.   5 . تفسير البيضاوي: 5/504-506 .

صفحه 24
مكارم أخلاقه وسيره وسننه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما أدّبه الله تعالى به   

[ الباب الخامس ]

مكارم أخلاقه وسيره وسننه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما أدّبه الله تعالى به1

الآيات:

آل عمران (3): (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).159 .
الأنعام (6): (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).50 .
الأعراف (7): (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).199 .
التوبة (9): (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ2يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ).61 .
النحل (16): (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ).127 .

1 . بحارالأنوار: 16/196-214، الباب 9 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 48: وهذه استعارة; لأنّ النبيّ (عليه السلام)ليس بأُذن على الحقيقة، وإنّما المراد بذلك معنيان: أحدهما: أن يكون على معنى قول القائل إذا وصف غيره بكثرة الصلاة والصيام أو الأكل والنوم: ما فلان إلاّ صلاة وصوم أو أكل ونوم فيكون معنى ذلك وصفه(عليه السلام) بكثرة الإصغاء إلى الأقوال والأُذن إلى الكلام، والمعنى الآخر أن يكون قولهم هو أُذن أي بمعنى الأُذن السليمة الحاسّة لايخفى عليه شيء من القول المسموع; فكأنّهم وصفوه(عليه السلام) بأنّ قول كلّ قائل يتّصل إلى سمعه ويقرّ في قلبه، وأخرجوا ذلك مخرج الذمّ له(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحاشى له من عيب العائب وطعن الثالب، والقولان يرجعان إلى معنى واحد.

صفحه 25
الكهف (18): (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا).6 .
وقال تعالى: (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).22-24 .
طه (20): (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى).2-3 .
وقال تعالى:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى * وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى). 130-132 .
الشعراء (26): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). 214-220 .
النمل (27): (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ).70 .
إلى قوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ).79 .
وقال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِين).91-92 .
العنكبوت (28): (اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى

صفحه 26
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ1 وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).45 .
الروم (30): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ).60 .
الأحزاب (30): (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً).47-48 .
فاطر (35): (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).8 .
يس (36): (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ).69 .
إلى قوله تعالى: (فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).76 .
(غافر) المؤمن (40): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).55 .
فصّلت (41): (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).34-36 .
الزخرف (43): (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).88-89 .
الأحقاف (46): (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 160:
وهذه استعارة، والمراد بها أنّ الصلاة لطف في الامتناع من المعاصي، فأقيمت مقام الزاجر الناهي; لأنّ فيها من ذكر الله تعالى وتلاوة كلامه وما فيه من بشائر ثوابه ونذائر عقابه، ما هو أدعى الدواعي إلى الطاعات، وأقوى الصوارف عن المقبّحات.

صفحه 27
الْفَاسِقُونَ).35 .
محمد (47): (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ).19 .
ق (50): (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).39-40 .
إلى قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ).45 .
الطور (52): (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)1. 48-49 .
القلم (68): (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ).1-6 .
إلى قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ).48 .
المعارج (70): (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً).5 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 218: وقرئ وإدبار النجوم بكسر الهمزة، وهذه استعارة على القراءتين جميعاً; فمن قرأ بفتح الهمزة كان معناه: وأعقاب النجوم أي أواخرها، إذا انصرفت كما يقال: جاء فلان في أعقاب القوم أي في أواخرهم، وتلك صفة تخصّ الحيوان المتصرّف الذي يوصف بالمجيء والذهاب والإقبال والإدبار، ولكنّها استعملت في النجوم على طريق الاتّساع; فأمّا قراءة من قرأ: وإدبار النجوم بالكسر فمعناه قريب من المعنى الأوّل، فكأنّه تعالى وصفها بالإدبار بعد الإقبال، والمراد بذلك الأُفول بعد الطلوع، والهبوط بعد الصعود.

صفحه 28
الجن (72): (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَداً * قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اللّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ـ  إمّا العذاب وإمّا الساعة ـ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً).21-28 .
المزمّل (73): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً1 * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 256: وقد قرئ وطأ بالقصر، وهذه استعارة والمراد بناشئة الليل هاهنا ما ينشأ فعله أي يبدأ به من عمل الليل كالتهجد في أثنائه والتلاوة في آنائه، ومعنى أشد وطأً في قول بعضهم أشد مواطاة، وهو مصدر يقال: واطاه مواطاة ووطاء، أي يواطئ فيها السمع القلب واللسان العمل، لقلّة الشواغل العارضة واللوافت الصارفة، ولأنّ البال فيها أجمع والقلب أفرغ والقراءة فيها أقوم والصلاة أسلم. ومن جعل وطأ هاهنا اسماً لما يستوطئ ويفترش كالمهاد وما يجري مجراه، فإنّه ذهب إلى أنّ عمل الليل أوعث مقاماً وأصعب مراراً، وعندهم أنّ كلّ ما ينشأ بالليل من قراءة أو تهجّد أو طروق أو ترحل أشق على فاعله وأصعب على مستعمله; لأنّ الليل موحش هائل ومخوف محاذر، وكلّ ما وقع فيه ممّا أومأنا إليه كان كالنسيب له والشبيه به. ومن قرأ وطا بالقصر فالمعنى فيه قريب من المعنى الأوّل، والمراد أنّ قيام الليل أشدّ وطأً عليك، أي أصعب وأشقّ كما يقول القائل هذا الأمر شديد الوطأة عليّ إذا وصف بلوغه منه وصعوبته عليه، ومع أنّ عمل الليل أشدّ كلفة وشقّة فهو أقوم صلاة وقراءة للمعنى الذي قدّمنا ذكره.

صفحه 29
وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً).1-11 .
إلى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).20 .
المدثر (74): (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 1 * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ).1-7 .
الدهر (76): (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً * وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً).23-26 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 258: وهذه استعارة على بعض التأويلات، وهو أن تكون الثياب هاهنا كناية عن النفس أو عن الأفعال والأعمال الراجعة إلى النفس قال الشاعر:
ألا ابلغ أبا حفص رسولا   فدىً لك من أخي ثقة ازاري
قيل: أراد فدى لك نفسي، وكذلك قول الفرزدق:
سكّنت جروتها وقلت لها اصبري   وشددت في ضيق المقام ازاري
أي شددت نفسي وذّمرت قلبي والإزار والثياب يتقارب معناهما، وعلى هذا فسّروا قول امرئ القيس: (فسلى ثيابي من ثيابك تنسل) أي نفسي من نفسك أو قلبي من قلبك ويقولون: فلان طاهر الثياب، أي طاهر النفس أو طاهر الأفعال; فكأنّه سبحانه قال: ونفسك فطهّر، أو أفعالك فطهّر. وقد يجوز أن تكون الثياب هاهنا بمعنى آخر وهو أنّ الله تعالى سمّى الأزواج لباساً فقال: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)[البقرة:187] واللباس والثياب بمعنى واحد، فكأنّه تعالى أمره أن يستطهر النساء، أي يختارهنّ طاهرات من دنس الكفر ودرن العيب، لأنهنّ مظان الاستيلاد ومضامّ الأولاد.

صفحه 30

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (فَبِمَا رَحْمَة)ما زائدة (مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ): أي أنّ لينك لهم ممّا يوجب دخولهم في الدين (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا): أي جافياً سيِّئ الخلق (غَلِيظَ الْقَلْبِ): أي قاسي الفؤاد، غير ذي رحمة (لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)لتفرّق أصحابك عنك، (فَاعْفُ عَنْهُمْ)ما بينك وبينهم (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)ما بينهم وبيني (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ): أي استخرج آرائهم، واعلم ماعندهم، واختلف في فائدة مشاورته إيّاهم مع استغنائه بالوحي على أقوال:
أحدها: أنّ ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتألّف لهم، والرفع من أقدارهم.
وثانيها: أنّ ذلك ليقتدي به أُمّته في المشاورة، ولا يرونها نقيصة، كما مدحوا بأنّ أمرهم شورى بينهم.
وثالثها: أنّ ذلك لأمرين: لإجلال أصحابه، وليقتدي أُمّته به في ذلك.
ورابعها: أنّ ذلك ليمتحنهم بالمشاورة، ليتميّز الناصح من الغاشّ.
وخامسها: أنّ ذلك في أُمور الدنيا، ومكائد الحرب، ولقاء العدوّ، وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم.1
(فَإِذَا عَزَمْتَ): أي فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه، ورووا عن جعفر بن محمّد، وعن جابر بن يزيد «فَإِذَا عُزِمْتَ» بالضمّ، فالمعنى إذا عزمت لك ووفّقتك وأرشدتك (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ): أي فاعتمد على الله، وثق به، وفوّض أمرك إليه، وفي هذه الآية دلالة على تخصيص نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، ومن عجيب أمره أنّه كان أجمع الناس لدواعي الترفّع، ثمّ كان أدناهم إلى التواضع، وذلك أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أوسط الناس نسباً، وأوفرهم حسباً،

1 . مجمع البيان: 2/428 .

صفحه 31
وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم، وهذه كلّها من دواعي الترفّع، ثمّ كان من تواضعه أنّه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح،1 ويجيب دعوة المملوك، يجلس في الأرض، ويأكل في الأرض،2وكان يدعو إلى الله من غير زبر3 ولا كهر4 ولا زجر، ولقد أحسن من مدحه في قوله:
فمـا حملـت مـن نـاقـة فـوق ظهـرهـا *** أبرّ وأوفى ذمّـةً مـن محمّـد 5
وفي قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ): أي خزائن رحمته، أو مقدوراته، أو أرزاق الخلائق (وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ)الّذي يختصّ الله تعالى بعلمه، وإنّما أعلم ما علّمني (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ): أي لا أقدر على مايقدر عليه الملك، فأُشاهد من أمرالله وغيبه ما تشاهده الملائكة (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)يريد ما أخبركم إلاّ بما أنزل الله إليّ.(6)
أقول: الحاصل أنّي لا أقدر أن آتيكم بمعجزة وآية إلاّ بما أقدرني الله عليه، وأذن لي فيه، ولا أعلم شيئاً إلاّ بتعليمه تعالى، ولا أعلم شيئاً من قبل نفسي إلاّ بإلهام أو وحي منه تعالى، ولا أقول: إنّي مبرّأ من الصفات البشريّة من الأكل

1 . نضح البعير الماء: حمله من نهر و بئر لسقي الزرع فهو ناضح، سمّي بذلك; لأنّه ينضح الماء أي يصبه، والأُنثى ناضحة، والجوامع نواضح، وهذا أصله ثم استعمل الناضح في كلّ بعير وإن لم يحمل الماء. مجمع البحرين: 4/326، مادة «نضح».
2 . في المصدر: ويأكل على الأرض.
3 . الزبر ـ بالفتح ـ : الزجر والمنع، يقال: زبره يزبره ـ بالضم ـ زبراً إذا انتهره. صحاح الجوهري: 2/667، مادة «زبر».
4 . الكهر: الانتهار، وقد كهره يكهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. النهاية لابن الأثير: 4/212، مادة «كهر».
5 . مجمع البيان: 2/428-429 .   6 . مجمع البيان: 4/59 .

صفحه 32
والشرب وغير ذلك.
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ): أي ما عفا من أموال الناس، أي ما فضل من النفقة، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شيء موقّت، ثمّ نزلت آية الزكاة فصار منسوخاً بها، وقيل: معناه خذ العفو من أخلاق الناس، واقبل الميسور منها، وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)يعني بالمعروف، وهو كلّ ما حسن في العقل فعله أو الشرع (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): أي أعرض عنهم عند قيام الحجّة عليهم، والأياس من قبولهم، ولا تقابلهم بالسفه صيانةً لقدرك.1
وفي قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ): أي يستمع إلى ما يقال له ويصغي إليه ويقبله (قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ): أي يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي،2 أو هو يسمع الخير ويعمل به. ومنهم من قرأ: (أُذُنُ خَيْر لَكُمْ)بالرفع والتنوين فيهما، فالمعنى أنّ كونه أُذناً أصلح لكم، لأنّه يقبل عذركم، ويستمع إليكم، ولو لم يقبل عذركم لكان شرّاً لكم، فكيف تعيبونه بما هو أصلح لكم؟ (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ): أي لايضرّه كونه أُذناً فإنّه أُذن خير فلا يقبل إلاّ الخبر الصادق من الله، ويصدّق المؤمنين أيضاً فيما يخبرونه، ويقبل منهم، دون المنافقين، وقيل: «يؤمن للمؤمنين»: أي يؤمنهم فيما يلقي إليهم من الأمان. (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ): أي وهو رحمة لهم لأنّهم إنّما نالوا الإيمان بهدايته ودعائه إيّاهم.3
وفي قوله تعالى: (وَاصْبِرْ): أي فيما تبلّغه من الرسالة، وفيما تلقاه من الأذى

1 . مجمع البيان: 4/415 .
2 . في المصدر: أي هو أذن خير يستمع إلى ماهو خير لكم وهو الوحي.
3 . مجمع البيان: 5/79-80 .

صفحه 33
(وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ): أي بتوفيقه وتيسيره وترغيبه فيه (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ): أي على المشركين في إعراضهم عنك، فإنّه يكون الظفر والنصرة لك عليهم، ولا عتب عليك في إعراضهم. (وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ): أي لا يكن صدرك في ضيق من مكرهم بك وبأصحابك، فإنّ الله يردّ كيدهم في نحورهم.1
وفي قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ): أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الّذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الارض ينبوعاً، تمرّداً منهم على ربّهم. (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ): أي القرآن (أَسَفاً): أي حزناً وتلهّفاً.(2)
وفي قوله تعالى: (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ): أي فلا تجادل الخائضين في أمر الفتية وعددهم (إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً): أي إلاّ بما أظهرنا لك من أمرهم، أي إلاّ بحجّة ودلالة وإخبار من الله سبحانه أو إلاّ مراءً يشهده الناس ويحضرونه، فلو أخبرتهم في غير مرأى من الناس لكذبوا عليك، ولبسوا2 على الضعفة، فادّعوا أنّهم كانوا يعرفونه، لأنّ ذلك من غوامض علومهم. (وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً): أي لا تستخبر في أهل الكهف وعددهم من أهلّ الكتاب أحداً، والخطاب له(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد غيره.
(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) فيه وجهان:
أحدهما: أنّه نهي من الله سبحانه لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول: إنّي أفعل شيئاً في الغد، إلاّ أن يقيّد ذلك بمشيّة الله تعالى، فيقول: إن شاءالله تعالى، وفيه إضمار القول.
وثانيهما: أنّ قوله: (أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) بمعنى المصدر، وتقديره: ولا تقولنّ إنّي فاعل شيئاً غداً إلاّ بمشيّة الله، والمعنى لا تقل: إنّي أفعل إلاّ ما يشاءالله ويريده من

1 . مجمع البيان: 6/211-212 .   2 . مجمع البيان: 6/310 .
2 . لبس عليه الأمر: خلطه. وفي الحديث: «في الأمر لُبسة» بالضم أي شبهة. صحاح الجوهري: 3/973 .

صفحه 34
الطاعات.1 (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ): أي إذا نسيت الاستثناء ثمّ تذكّرت فقل: إن شاءالله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة، وقد روي ذلك عن أئمّتنا(عليهم السلام)، ويمكن أن يكون الوجه فيه أنّه إذا استثنى بعد النسيان فإنّه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثّر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، وفي إبطال الحنث وسقوط الكفّارة في اليمين; وقيل: معناه واذكر ربّك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب; وقيل: إنّه أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، ومعناه واذكر ربّك إذا نسيت شيئاً بك إليه حاجة يذكره لك ; وقيل: المراد به الصلاة، والمعنى إذا نسيت صلاة فصلّها إذا ذكرتها.2
أقول: يحتمل أن يكون الخطاب متوجّهاً إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به غيره، ويمكن أن يكون المراد بالنسيان الترك، وسيأتي الكلام فيه إنّ شاءالله تعالى.
ثمّ قال في قوله: (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً): أي قل: عسى أن يعطيني ربّي من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب إلى الرشد وأدلّ من قصّة أصحاب الكهف.3
قوله تعالى: (طَه)ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ معناه يا رجل بلسان الحبشيّة أو النبطيّة،4 وقيل: هو من أسماء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقال الطبرسي: روي عن الحسن أنّه قرأ «طَه» بفتح الطاء وسكون الهاء، فإن

1 . في المصدر: ويريده، وإذا كان الله تعالى لايشاء إلاّ الطاعات فكأنّه قال: لاتقل: إنّي أفعل إلاّ الطاعات.
2 . مجمع البيان: 6/329-331 .
3 . مجمع البيان: 6/332 .
4 . وقال الكلبي: هي بلغة عك، وأنشد لتميم بن نويرة:
هتفت بطه في القتال فلم يجب    فخفت لعمري أن يكون موائلا
وقال الآخر:
إن السفاهة طه من خلائقكم   لا بارك الله في القوم الملاعين
قاله الطبرسي.

صفحه 35
صحّ فأصله (طأ) فأُبدل من الهمزة هاء، ومعناه طأ الأرض بقدميك جميعاً، فقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: (طَه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)فوضعها، وروي ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام)، وذكر أنّه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كلّ هذا التعب.1
قوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، قال البيضاوي: ما أنزلناه عليك لتتعب بفرط تأسّفك على كفر قريش، إذ ما عليك إلاّ أن تبلّغ، أوبكثرة الرياضة وكثرة التهجّد والقيام على ساق، والشقاء شائع بمعنى التعب، وقيل: ردّ وتكذيب للكفرة، فإنّهم لمّا رأواكثرة عبادته قالوا: إنّك لتشقى بترك ديننا، وإنّ القرآن أُنزل عليك لتشقى به (إِلاَّ تَذْكِرَةً)لكن تذكيراً، وانتصابه على الاستثناء المنقطع (لِمَنْ يَخْشَى)لمن في قلبه خشية ورقّة يتأثّر بالإنذار، أو لمن علم الله منه أنّه يخشى بالتخويف منه، فإنّه المنتفع به.(2)
قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)قيل: أي وصلّ وأنت حامد لربّك على هدايته وتوفيقه، أونزّهه عن الشرك وعن سائر ما يضيفون إليه من النقائص حامداً له على ما ميّزك بالهدى، معترفاً بأنّه المولى للنّعم كلّها (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)يعني الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)يعني الظهر والعصر، لأنّهما في آخر النهار، أو العصر وحده (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) ساعاته (فَسَبِّحْ)يعني المغرب والعشاء، وقيل: صلاة اللّيل (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)تكرير لصلاتي الصبح والمغرب، إرادة الاختصاص، أو أمر بصلاة الظهر، فإنّه نهاية النصف الأوّل من النهار، وبداية النصف الأخير (لَعَلَّكَ تَرْضَى): أي سبّح في هذه الأوقات طمعاً أن تنال عندالله ما به ترضي نفسك (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ): أي نظر عينيك (إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ)استحساناً وتمنّياً أن يكون لك مثله (أَزْوَاجاً مِنْهُمْ)أصنافاً من الكفرة (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)الزهرة: الزينة والبهجة،

1 . مجمع البيان: 7/6-7 .   2 . تفسير البيضاوي: 4/40 .

صفحه 36
منصوب بمحذوف دلّ عليه (مَتَّعْنَا)أو به على تضمينه معنى أعطينا (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): أي لنبلوهم ونختبرهم فيه، أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه (وَرِزْقُ رَبِّكَ)وما ادّخره لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوّة (خَيْرٌ)ممّا منحهم في الدنيا (وَأَبْقَى)فإنّه لا ينقطع.1
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ)قال الطبرسي: أي أهل بيتك وأهل دينك بالصلاة، روى أبو سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: الصلاة يرحمكم الله، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً. ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن غيرهم، مثل أبي بردة(2)، وأبي رافع.
وقال أبوجعفر(عليه السلام): «أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون الناس ليعلم الناس أنّ لأهله عندالله منزلة ليست للنّاس، فأمرهم مع الناس عامّة، وأمرهم خاصّة».2
(وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا): أي واصبر على فعلها وعلى أمرهم بها (لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً)لخلقنا ولا لنفسك، بل كلّفناك للعبادة وأداء الرسالة، وضمنّا رزق جميع العباد (نَحْنُ نَرْزُقُكَ)الخطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به جميع الخلق، أي نرزق جميعهم ولا نسترزقهم (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى.(4)
قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ): أي ليّن جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه: إذا أراد أن ينحطّ (الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ): أي إلى التهجّد، أو للإنذار (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ): أي تردّدك في تصفّح أحوال المتهجّدين، كما روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نسخ فرض قيام اللّيل طاف تلك اللّيلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من

1 . تفسير البيضاوي: 4/76-78 .   2 . في المصدر: أبي برزة .
2 . لاحظ: تفسير القمي: 2/67 .   4 . مجمع البيان: 7/68 .

صفحه 37
دندنتهم1 بذكر الله والتلاوة، أو تصرّفك فيما بين المصلّين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أمّهم2.3
قال الطبرسي: وقيل: معناه وتقلّبك في أصلاب الموحّدين من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّاً، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام)، قالا: «في أصلاب النبيّين نبيّ بعد نبيّ حتّى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح، من لدن آدم».(4)
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ): أي سبب للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها، من حيث إنّها تذكّر الله وتورث للنّفس خشية منه، أو الصلاة الكاملة هي الّتي تكون كذلك، فإن لم تكن كذلك فكأنّها ليست بصلاة، كما روى الطبرسي4 مرسلا عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل؟ فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه».
(وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ): أي ذكر الله إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته، أوذكر العبد لله في جميع الأحوال أكبر الطاعات، أو أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر.(6)
قوله تعالى: (فَاصْبِرْ): أي على أذاهم (إِنَّ وَعْدَ اللّهِ)بنصرتك وإظهار دينك على الدين كلّه (حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ): أي ولا يحملنّك على الخفّة والقلق (الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)بتكذيبهم.(7)

1 . الدندنة أن تسمع من الرجل نغمة ولاتفهم ما يقول، وقيل: الدندنة: الكلام الخفي. لسان العرب: 13/16، مادة «دنن».
2 . في تفسير البيضاوي: أممتهم.
3 . تفسير الكشّاف: 3/132; تفسير البيضاوي: 4/255 .   4 . مجمع البيان: 7/ 358 .
4 . مجمع البيان: 8/29 .   6 . مجمع البيان: 8/29 .   7 . تفسير البيضاوي: 4/343 .

صفحه 38
قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيراً)على سائر الأُمم (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)تهييج له على ماهو عليه من مخالفتهم (وَدَعْ أَذَاهُمْ): أي إيذاءهم إيّاك، ولا تحتفل به،1 أو إيذاءك إيّاهم مجازاةً ومؤاخذةً على كفرهم، ولذلك قيل: إنّه منسوخ. (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)موكولا إليه الأمر في الأحوال كلّها.2
قوله تعالى: (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات): أي فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيّهم وإصرارهم على التكذيب. (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)فيجازيهم عليه.(3)
قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)قال البيضاوي: ردّ لقولهم: إنّ محمّداً شاعر، أي ما علّمناه الشعر بتعليم القرآن، فإنّه غير مقفّى ولا موزون، وليس معناه مايتوخّاه3 الشعراء من التخييلات المرغّبة والمنفّرة (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)وما يصحّ له الشعر ولا يتأتّى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم4 طبعه نحواً من أربعين سنة، وقوله:
أنا النبيّ لا كذب *** أنا ابن عبد المطّلب
و قوله:
هل أنتِ إلاّ أصبع دميتِ *** وفي سبيل الله ما لقيتِ
اتّفاقيّ من غير تكلّف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات، على أنّ الخليل ماعدّ المشطور من الرجز شعراً، وروي أنّه حرّك

1 . ما حفل به وما احتفل به أي ما بالى به. تاج العروس: 7/281، مادة «حفل».
2 . تفسير البيضاوي: 4/379 .   3 . تفسير البيضاوي: 4/412 .
3 . وخيت وخيك: قصد قصدك، وتوخيت مرضاتك أي تحريت وقصدت. صحاح الجوهري: 6/252، مادة «وخى».
4 . في المصدر: خبرتم.

صفحه 39
البائين، وكسر التاء الأُولى بلا إشباع، وسكن الثانية، وقيل: الضمير للقرآن أي وما يصحّ للقرآن أن يكون شعراً.1
وفي قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ): وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى(2) والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنّه تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ): ودم على التسبيح والتحميد لربّك، وقيل: صلّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكّة ركعتان2 بكرةً، وركعتان عشاءً.3
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ): أي في الجزاء وحسن العاقبة (ادْفَعْ): أي السيّئة حيث اعترضتك (بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)منها وهي الحسنة، أو بأحسن ما يمكن رفعها به من الحسنات (فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ): أي إذا فعلت ذلك صار عدوّك المشاقّ مثل الوليّ الشفيق (وَمَا يُلَقَّاهَا)أي هذه السجيّة وهي مقابلة الإساءة بالإحسان (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا)فإنّها تحبس النفس عن الإنتقام (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم)من الخير وكمال النفس، وقيل: الحظّ العظيم: الجنّة (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي نخس،4 شبّه به وسوسته لأنّها بعث على مالا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ (فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ)من شرّه ولا تطعه (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ)لاستعاذتك (الْعَلِيمُ) بنيّتك أو بصلاحك.5
وفي قوله تعالى: (وَقِيلِهِ): عطف على (السَّاعَةَ):6 أي وقول الرسول

1 . تفسير البيضاوي: 4/440 .   2 . في المصدر: كترك الأولى.
2 . الصحيح كما في المصدر: ركعتين بكرة، وركعتين عشاء.
3 . تفسير البيضاوي: 5/97 .
4 . أي ازعاج وتهييج. لسان العرب: 6/229، مادة «نخس».
5 . تفسير البيضاوي: 5/115-116 .
6 . في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(منه قدس سره).

صفحه 40
(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)فأعرض عن دعوتهم آيساً عن إيمانهم (وَقُلْ سَلاَمٌ)تسلّم منكم ومتاركة (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)تسلية للرّسول، وتهديد لهم.1
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ): أي لكفّار قريش بالعذاب فإنّه نازل بهم في وقته لامحالة (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار)استقصروا من هوله مدّة لبثهم في الدنيا حتّى يحسبونها ساعة (بَلاَغٌ): أي هذا الّذي وعظتم به، أو هذه السورة كفاية، أو تبليغ من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .2
قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ).
قال الطبرسي (رحمه الله): أي أقم على هذا العلم، واثبت عليه، وقيل: يتعلّق بما قبله، أي إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله، أي يبطل الممالك3 عند ذلك فلا ملك ولا حكم لأحد إلاّ الله، وقيل: إنّ هذا إخبار بموته، أي فاعلم أنّ الحيّ الّذي لايموت هو الله وحده، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)الخطاب له والمراد به الأُمّة،4 وقيل: المراد به الانقطاع إلى الله تعالى، فإنّ الاستغفار عبادة يستحقّ به الثواب. (وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)أي متصرّفكم في أعمالكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة إلى الجنّة أو إلى النار، وقيل: متقلّبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأُمّهات (وَمَثْوَاكُمْ): أي مقامكم في الأرض، وقيل: متقلّبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم في القبور، وقيل: متصرّفكم بالنهار،5 ومضجعكم باللّيل.(6)
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ): أي نزّهه عن العجز عمّا يمكن، والوصف بما يوجب التشبيه، حامداً له على ما أنعم عليك من إصابة الحقّ

1 . تفسير البيضاوي: 5/156 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/187 .
3 . في المصدر: يبطل الملك.
4 . زاد في المصدر: وإنّما خوطب بذلك لتستن أُمّته بسنّته.
5 . في المصدر: متصرّفكم في النهار.   6 . مجمع البيان: 9/170-171 .

صفحه 41
وغيرها (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)يعني الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ): أي وسبّحه بعض اللّيل (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)وأعقاب الصلاة، وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة، فالصلاة قبل الطلوع الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن اللّيل العشاءان والتهجّد، وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)فيه أقوال:
أحدها: أنّ المراد به الركعتان بعد المغرب (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)الركعتان قبل الفجر عن عليّ والحسن بن عليّ(عليهما السلام) .
وثانيها: أنّه التسبيح بعد كلّ صلاة.
وثالثها: أنّه النوافل بعد المفروضات.
ورابعها: أنّه الوتر من آخر اللّيل. وروي2 ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام).(3)
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار).
قال البيضاوي: أي بمسلّط3 تقسرهم على الإيمان، أو تفعل بهم ماتريد، وإنّما أنت داع.(5)
وفي قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ): بإمهالهم وإبقائك في عنائهم (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)في حفظنا بحيث نراك ونكلأك (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)عن أيّ مكان قمت، أومن منامك، أو إلى الصلاة (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)فإنّ العبادة فيه أشقّ على النفس وأبعد عن الرياء (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)وإذا أدبرت النجوم من آخر اللّيل.4

1 . تفسير البيضاوي: 5/232 .
2 . المصدر خال عن العاطف.   3 . مجمع البيان: 9/250 .
3 . في المصدر: بمتسلّط.   5 . تفسير البيضاوي: 5/233 .
4 . تفسير البيضاوي: 5/250 .

صفحه 42
وقال الطبرسي (رحمه الله): يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام) .1
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (ن): من أسمآء الحروف، وقيل: اسم الحوت والمراد به الجنس، أو الدواة، فإنّ بعض الحيتان يستخرج منه شيء أسود يكتب به.(2)
(وَالْقَلَمِ)قال البيضاوي: هو الّذي خطّ اللّوح، أو الّذي يخطّ به، أقسم به لكثرة فوائده (وَمَا يَسْطُرُونَ)وما يكتبون، والضمير للقلم بالمعنى الأوّل على التعظيم، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس، وإسناد الفعل إلى الآلة وإجرائه(3) مجرى أُولي العلم لإقامته مقامه، أولأصحابه، أوللحفظة، وما مصدريّة أو موصولة (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون)جواب القسم، والمعنى ما أنت بمجنون منعماً عليك بالنبوّة وحصافة2 الرأي (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً)على الاحتمال أو الإبلاغ (غَيْرَ مَمْنُون)مقطوع، أو ممنون به عليك من الناس، فإنّه تعالى يعطيك بلاتوسّط (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)إذ تحتمل من قومك مالايحتمله أمثالك3 (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)أيّكم الّذي فتن بالجنون، والباء مزيدة، أوبأيّكم الجنون، على أنّ (الْمَفْتُونُ) مصدر، أوبأيّ الفريقين منكم الجنون؟ أبفريق المؤمنين، أوبفريق الكافرين؟ أي في أيّهما من يستحقّ هذا الاسم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم (وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)يونس (إِذْ نَادَى)في بطن الحوت (وَهُوَ مَكْظُومٌ)مملوء غيظاً في الضجرة فتبتلى ببلائه.4
وقال الطبرسي (رحمه الله): (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم): أي على دين عظيم، وقيل:

1 . مجمع البيان: 9/283 .      2 . تفسير البيضاوي: 5/368 .   3 . في المصدر: و إجراؤه .
2 . الحصيف: المحكم العقل، وإحصاف الأمر: إحكامه. صحاح الجوهري: 4/1344، مادة «حصف».
3 . في المصدر: إذ تتحمّل من قومك مالا يتحمل امثالك.
4 . تفسير البيضاوي: 5/368-376 .

صفحه 43
معناه إنّك متخلّق بأخلاق الإسلام، وعلى طبع كريم، وقيل: سمّي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه.
و يعضده ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق».1
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي».2
وقال: وأخبرني السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسينيّ، عن أبي القاسم الحسكانيّ بإسناده عن الضحّاك بن مزاحم قال: لمّا رأت قريش تقديم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً(عليه السلام) وإعظامه له نالوا من عليّ(عليه السلام) ، وقالوا: قد افتتن به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)قسم أقسم الله به (مَا أَنْتَ)يا محمّد (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)يعني القرآن إلى قوله: (بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)وهم النفر الّذين قالوا ما قالوا (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)3.(4)
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (مُلْتَحَداً): أي منحرفاً وملتجئاً (إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اللّهِ)استثناء من قوله: (لاَ أَمْلِكُ)فإنّ التبليغ إرشاد وإنفاع، أومن (مُلْتَحَداً)، و (رِسَالاَتِهِ)عطف على (بَلاَغاً مِنَ اللّهِ) .
(وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ)في الأمر بالتوحيد، إذ الكلام فيه (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة (قُلْ إِنْ أَدْري): أي ما أدري (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً)غاية يطول مدّتها، كأنّه لمّا سمع المشركون (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)قالوا: متى يكون؟ إنكاراً، فقيل: قل: إنّه كائن لا محالة، ولكن لا أدري وقته (فَلاَ يُظْهِرُ)فلا يطّلع (عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً): أي على الغيب المخصوص به علمه (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى)يعلم بعضه حتّى يكون له معجزة (مِنْ رَسُول) بيان لـ (من).

1 . سنن البيهقي: 10/192; كنز العمال: 11/420 برقم 31969; مكارم الأخلاق للطبرسي: 8 .
2 . الجامع الصغير للسيوطي: 1/51 برقم 310; كنز العمال: 11/406 برقم 31895.
3 . شواهد التنزيل: 2/359 برقم 1006 .   4 . مجمع البيان: 10/86-87 .

صفحه 44
(فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ)من بين يدي المرتضى (وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)حرساً من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا): أي ليعلم النبيّ الموحى إليه أن قد أبلغ جبرئيل والملائكة النازلون بالوحي، أو ليعلم الله أن أبلغ1 الأنبياء بمعنى ليتعلّق علمه به موجوداً (رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ)كما هي محروسة عن التغيير(وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)بما عند الرسل (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً)حتّى القطر والرمل.(2)
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ): أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها (إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)الاستثناء من (اللَّيْلَ)، و (نِصْفَهُ) بدل من (قَلِيلاً) وقلّته بالنسبة إلى الكلّ، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين، والناقص عنه كالثلث، أو (نِصْفَهُ) بدل من (اللَّيْلَ)والاستثناء منه، والضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للأقلّ من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والأكثر منه كالنصف، أو للنّصف، والتخيير بين أن يقوم أقلّ منه على البتّ، وأن يختار أحد الأمرين من الأقلّ والأكثر، أو الاستثناء من أعداد اللّيل، فإنّه عامّ، والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكّن السامع من عدّها (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)2 يعني القرآن. فإنّه لما فيه من التكاليف الشاقّة ثقيل على المكلّفين، أورصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أوثقيل على المتأمّل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسّر، وتحديد للنّظر، أو ثقيل في الميزان، أو على الكفّار والفجّار، أو

1 . في المصدر: أن قد أبلغ.   2 . تفسير البيضاوي: 5/401-403 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 256: وهذه استعارة; لأنّ القرآن كلام وهو عرض من الأعراض والثقل والخفّة من صفات الأجسام، والمراد بها صفة القرآن بعظم القدر ورجاحة الفضل كما يقول القائل: فلان رصين رزين وفلان راجح ركين إذا أراد صفته بالفضل الراجح والقدر الوازن.

صفحه 45
ثقيل تلقّيه لقول عائشة: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه،1 وإنّ جبينه ليرفضّ2 عرقاً (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ)إنّ النفس الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، من نشأ من مكانه: إذا نهض، أوقيام اللّيل على أنّ الناشئة له، أو العبادة الّتي تنشأ باللّيل، أي تحدث، أوساعات اللّيل، فإنّها تحدث واحدة بعد أُخرى، أو ساعاتها الأُول من نشأت: إذا ابتدأت (هِيَ أَشَدُّ وَطْأً): أي كلفة، أوثبات قدم (وَأَقْوَمُ قِيلاً)وأسدّ مقالا، أوأثبت قراءة لحضور القلب، وهدوء الأصوات (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً)3 تقلّباً في مهامّك واشتغالاً بها، فعليك بالتهجّد، فإنّ مناجاة الحقّ تستدعي فراغاً (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ)ودم على ذكره ليلاً ونهاراً (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)وانقطع إليه بالعبادة، وجرّد نفسك عمّا سواه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)خبر محذوف، أو مبتدأ خبره (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) .
(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)مسبّب عن التهليلة، فإنّ توحّده بالأُلوهيّة يقتضي أن توكل إليه الأُمور (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)من الخرافات (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافيهم، وتكل أمرهم إلى الله كما قال: (وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ)دعني وإيّاهم، وكل إليّ أمرهم (أُولِي النَّعْمَةِ)أرباب التنعّم، يريد صناديد قريش (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً)زماناً أو إمهالاً (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْني مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)استعار الأدنى للأقلّ، لأنّ الأقرب إلى الشيّ أقلّ بعداً منه، و (نِصْفَهُ) و (ثُلُثَهُ)عطف على(أَدْنى).

1 . الانفصام: الانقطاع، وانفصم عنه أي انقطع. لسان العرب: 12/453، مادة «فصم».
2 . ارفضاض الدمع: ترششه، ويرفضّ عرقاً أي يسيل ويجري. مجمع البحرين: 2/202، مادة «رفض».
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 257: وهذه استعارة، والمراد بها المضطرب الواسع والمجال الفاسح، وذلك مأخوذ من السباحة في الماء وهي الاضطراب في غمراته والتقلّب في جهاته، فكأنّه سبحانه قال: إنّ لك في النهار مصرفاً متّسعاً، ومذهباً منفسحاً تقضي فيه أوطارك وتبلغ آرابك.

صفحه 46
(وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)ويقوم ذلك جماعة من أصحابك (وَاللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلاّ الله (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): أي لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)بالترخيص في ترك القيام المقدور، ورفع التبعة فيه (فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)فصلّوا ما تيسّر عليكم من صلاة اللّيل، عبّر عن الصلاة بالقراءة1 كما عبّر عنها بسائر أركانها، قيل: كان التهجّد واجباً على التخيير المذكور، فعسر عليهم القيام به فنسخ به، ثمّ نسخ هذا بالصلوات الخمس، أو فاقرأوا القرآن بعينه كيفما تيسّر عليكم (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)استيناف يبيّن حكمة أُخرى مقتضية للتّرخيص والتخفيف، ولذلك كرّر الحكم مرتّباً عليه، وقال: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ)والضرب في الأرض: ابتغاء للفضل، أو المسافرة للتّجارة، و تحصيل العلم.(2)
فضائله وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما امتنّ الله به على عباده   
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ): أي المتدثّر، وهو لابس الدثار، وسيأتي القول فيه (قُمْ)من مضجعك، أو قم قيام عزم وجدّ (فَأَنْذِرْ)مطلق للتّعميم، أو مقدّر بمفعول دلّ عليه قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).
(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)وخصّص ربّك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقداً وقولا، (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)من النجاسات فإنّ التطهير واجب في الصلاة، محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة كتقصيرها مخافة جرّ الذيول فيها، وهو أوّل ما أُمر به من رفض العادات المذمومة، أو طهّر نفسك من الأخلاق والأفعال الذميمة أو فطهّر دثار النبوّة عمّا يدنّسه من الحقد والضجر وقلّة الصبر،(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدّي إليه من الشرك وغيره من القبائح (وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)ولا تعط مستكثراً، نهي عن الاستغزار،(3) وهو أن يهب

1 . في المصدر: بالقرآن.      2 . تفسير البيضاوي: 5/404-408 .   3 . في المصدر: الاستفزاز.

صفحه 47
شيئاً طامعاً في عوض أكثر، نهي تنزيه، أو نهياً خاصّاً به(صلى الله عليه وآله وسلم) ، (وَلاَ تَمْنُنْ)على الله بعبادتك مستكثراً إيّاها، أو على الناس بالتبليغ مستكثراً به الأجر منهم، أو مستكثراً إيّاه (وَلِرَبِّكَ)ولوجهه أو أمره(فَاصْبِرْ)فاستعمل الصبر، أو فاصبر على مشاقّ التكاليف وأذى المشركين.1
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً): أي كلّ واحد من مرتكب الإثم، الداعي لك إليه، ومن الغالي في الكفر الداعي إليه. (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي وداوم على ذكره، أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإنّ الأصيل يتناول وقتيهما (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ)وبعض اللّيل فصلّ له، ولعلّ المراد به صلاة المغرب والعشاء (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)وتهجّد له طائفة طويلة من اللّيل.2

[ الباب السادس]

فضائله وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما امتنّ الله به على عباده3

الآيات:

البقرة (2): (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ).119 .
آل عمران (3): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ).68 .

1 . تفسير البيضاوي: 5/410-412 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/430-431 .
3 . بحارالأنوار: 16/299-313، الباب 11 .

صفحه 48
الأعراف (7): (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).158 .
وقال تعالى: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).188 .
الأنفال (8): (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).26 .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).33 .
التوبة (9): (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). إلى قوله تعالى: (وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ). 61-63 .
وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).128-129 .
هود (11): (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).17 .
الحجر (15): (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).72 .
إلاسراء (17): (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ).
إلى قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً).59.

صفحه 49
وقال تعالى: (وَمِنَ الليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)1.79-81 .
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً).105 .
الأنبياء (21): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).107 .
الأحزاب (33): (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ).6 .
وقال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ2 وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً).40 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً).45-46 .
سبأ (34): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 102: وهذه استعارة; لأنّهم يقولون: زهقت نفس فلان إذا خرجت. ومنه قوله تعالى: (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) فالمراد ـ والله أعلم ـ : وهلك الباطل إن الباطل كان هالكاً، تشبيهاً له بمن فاضت نفسه وانتقضت بنيته; لأنّ الباطل لامساك ولا سماك لبنائه .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 171 : على قراءة مَن قرأ خاتم ففتح التاء وكسرها والمعنيان متّفقان، وهذه استعارة والمراد بها أنّ الله تعالى جعله(صلى الله عليه وآله وسلم) حافظاً لشرائع الرسل(عليهم السلام) وكتبهم، وجامعاً لمعالم دينهم وآياتهم، كالخاتم الذي يطبع به على الصحائف وغيرها ليحفظ ما فيها ويكون علامة عليها. وفيه أيضاً معنى آخر وهو أنّ الخاتم الذي يختم به ما يكتب بعد الفراغ من كتابته على الأغلب، فكأنّه من هذا الوجه يدلّ على أنّ الله سبحانه بعثه بعد تقضي مباعث الرسل وانقطاع إرسالهم إلى الأُمم، ولم يبق منهم من يرجى مورده ولا ينتظر مولده.

صفحه 50
يَعْلَمُونَ).28 .
الفتح (48): (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ).28-29 .
النجم (53): (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى).1-6 .
الحشر (59): (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).7 .
الجمعة (62): (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).2-4 .
الطلاق (65): (الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللّهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).10-11 .
الكوثر(108): (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ). 1-3 .

التفسير:

(وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)فيه تسلية للرّسول بأنّه ليس عليه

صفحه 51
إجبارهم على القبول، وليس عليه إلاّالبلاغ، وإنّه لا يؤاخذ بذنبهم.1
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ): أي أخصّهم به، وأقربهم منه، أو أحقّهم بنصرته بالحجّة أو بالمعونة (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)من أُمّته (وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة، أو يتولّون نصرته بالحجّة لما كان عليه من الحقّ (وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإيمانهم.(2)
(وَكَلِمَاتِهِ): أي ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه.2
(قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا): أي جلب نفع ولادفع ضرر، وهو إظهارٌ للعبوديّة والتبرّي من ادّعاء العلم بالغيوب من قبل نفسه (إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ)من ذلك فيلهمني إيّاه ويوفّقني له (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ): أي لو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضارّ حتّى لا يمسّني سوء.(4)
ويحتمل أن يكون المعنى لو كنت أعلم الغيب من قبل نفسي بغير وحي من الله لكنت أستعمله في جلب المنافع ودفع المضارّ، ولكنّي لمّا كنت أعلمه بالوحي لاجرم أنّي راض بقضائه تعالى، ولا أسعى في دفع ما أعلم وقوعه عليّ من المصائب بقضائه تعالى، فلاينافي ما سيأتي أنّهم(عليهم السلام) كانوا يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كذا خطر بالبال والله يعلم حقيقة الحال.
(وَاذْكُرُوا)الخطاب للمهاجرين أو للعرب (إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ)في أرض مكّة تستضعفكم قريش أو العرب، كانوا أذلاّء في أيدي الروم (تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ)التخطّف: الأخذ بسرعة، والناس: كفّار قريش أو من عداهم، فإنّهم كانوا جميعاً معادين مضادّين لهم (فَآوَاكُمْ)إلى المدينة، أوجعل لكم مأوى تتحصّنون به عن أعاديكم (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ)على الكفّار، أو بمظاهرة الأنصار، أو

1 . مجمع البيان: 1/368 .   2 . تفسير البيضاوي: 2/50-51; مجمع البيان: 2/318 .
2 . تفسير البيضاوي: 3/65 .   4 . تفسير البيضاوي: 3/81 .

صفحه 52
بإمداد الملائكة يوم بدر (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)يعني الغنائم أحلّها لكم، ولم يحلّها لأحد قبلكم، أو الأعمّ ممّا أعطاهم من الأطعمة اللّذيذة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)هذه النعم.1
(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ): أي ما كان الله يعذّب أهل مكّة بعذاب الاستيصال وأنت مقيم بين أظهرهم لفضلك، ويحتمل الأعمّ، كما سيأتي في الأخبار أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) أمان لأهل الأرض من عذاب الاستيصال (وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)المراد باستغفارهم إمّا استغفار من بقي فيهم من المؤمنين لم يهاجروا، فلمّا خرجوا أذن الله في فتح مكّة، أو الأعمّ بالنسبة إلى جميع أهل البلاد والأزمان.(2)
(مَنْ يُحَادِدِ اللّهَ)المحادّة: المشاقّة والمخالفة.
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)قال الطبرسي(رحمه الله): القراءة المشهورة (مِنْ أَنْفُسِكُمْ)بضمّ الفاء، وقرأ ابن عبّاس وابن عليّة وابن محيصن والزهريّ مِنْ أَنْفَسكُمْ بفتح الفاء، أي من أشرافكم ومن خياركم، وعلى المشهور أي من جنسكم، قيل: ليس في العرب قبيلة إلاّ وقد ولدت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وله فيهم نسب، وقيل: معناه أنّه من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهليّة عن الصادق(عليه السلام)، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): أي شديد عليه عنتكم وما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ)أي على من لم يؤمن أن يؤمن (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)الرأفة: شدّة الرحمة.
قال الطبرسي قيل: رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين; أو رؤوف بأقربائه، رحيم بأوليائه; أورؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره، وقال بعض السلف: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلاّ للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه قال:

1 . تفسير البيضاوي: 3/101-102; مجمع البيان: 4/454 .   2 . مجمع البيان: 4/461 .

صفحه 53
(بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)وقال: (إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.(2)
(فَإِنْ تَوَلَّوْا)عنك وأعرضوا عن قبول قولك والإقرار بنبوّتك (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ)أي الله كافي.2
قوله تعالى:(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ)المراد به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والبيّنة القرآن، أو الأعمّ منه ومن المعجزات والبراهين، أو المؤمنون، والبيّنة: الحجّة (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): أي ويتّبعه من يشهد بصحّته منه، فقيل: هو جبرئيل يتلو القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وستأتي الأخبار المستفيضة بأنّه أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وذهب إليه كثير من مفسّري الخاصّة والعامّة،3 وقيل: هو ملك يسدّده ويحفظه، وقيل: هو القرآن على الاحتمال الأخير (وَمِنْ قَبْلِهِ) أي قبل القرآن أو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(كِتَابُ مُوسَى)يشهد له (إِمَاماً)يؤتمّ به في أُمور الدين(وَرَحْمَةً): أي نعمة من الله على عباده (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي النبيّ والشاهد، أو الشاهد باعتبار الجنس، فإنّه يشمل الأئمّة(عليهم السلام) أو المؤمنون يؤمنون بالنبيّ، أو القرآن (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ): أي من مشركي العرب وفرق الكفّار (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)مصيره ومستقرّه (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة): أي في شكّ (مِنْهُ): أي من القرآن، أو الموعد، والخطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به الأُمّة أوعامّ.
قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ).
قال الطبرسي (رحمه الله): أي وحياتك يامحمّد، ومدّة بقائك،4 قال ابن عبّاس: ما

1 . البقرة: 143 والحج: 65 .   2 . مجمع البيان: 5/146-149 .
2 . مجمع البيان: 5/149 .
3 . لاحظ: تفسير العياشي: 2/142، ح 11 وح 13; تفسير القمّي: 2/297; تفسير فرات: 187 و 188; التبيان: 5/461; مجمع البيان: 5/254-255; جامع البيان: 12/22; تفسير ابن أبي حاتم: 6/2014; تفسير الرازي: 17/201; تفسير القرطبي: 9/16; الدر المنثور: 3/324 .
4 . في المصدر ومدّة بقائك حيّاً .

صفحه 54
خلق الله عزّوجلّ ولا ذرأ ولابرأ نفساً أكرم عليه من محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلاّ بحياته.1
قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ): أي الّتي اقترحتها قريش: من قلب الصفا ذهباً، وإحياء الموتى وغير ذلك (إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ)من الأُمم السابقة فعذّبوا بعذاب الاستيصال، إذ عادة الله تعالى في الأُمم أنّ من اقترح منهم آية فأُجيب إليها ثمّ لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستيصال، وقد صرفه الله تعالى عن هذه الأُمّة ببركة النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً): أي لانرسل الآيات المقترحة إلاّ تخويفاً من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم; ويحتمل أن يكون المراد القرآن والمعجزات الواقعة، فإنّها تخويف وإنذار بعذاب الآخرة.(2)
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ).
قال الطبرسي (رحمه الله): خطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي فصلّ بالقرآن، ولا يكون التهجّد إلاّ بعد النوم ; عن مجاهد وأكثر المفسّرين، وقال بعضهم: ما يتقلّب به في كلّ اللّيل يسمّى تهجّداً، والمتهجّد: الّذي يلقي الهجود أي النوم عن نفسه، كما يقال: المتحرّج والمتأثّم (نَافِلَةً لَكَ): أي زيادة لك على الفرائض، لأنّ صلاة اللّيل كانت فريضة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وفضيلة لغيره، وقيل: كانت واجبة عليه فنسخ وجوبها بهذه الآية، وقيل: إنّ معناه فضيلة لك وكفّارة لغيرك،2 وقيل: نافلة لك ولغيرك، وإنّما اختصّه بالخطاب لما في ذلك من دعاء الغير للاقتداء به3 (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)عسى من الله واجبة، والمقام بمعنى البعث، فهو مصدر من

1 . مجمع البيان: 6/125 .   2 . مجمع البيان: 6/264-265 .
2 . في المصدر: لأنّ كل إنسان يخاف أن لا يقبل فرضه فيكون نفله كفّارة، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لايحتاج إلى كفّارة.
3 . في المصدر: إلى الاقتداء به، والحث على الاستنان بسنته.

صفحه 55
غير جنسه، أي يبعثك يوم القيامة بعثاً أنت محمود فيه، ويجوز أن يجعل البعث بمعنى الإقامة، أي يقيمك ربّك مقاماً تحمدك فيه الأوّلون والآخرون وهو مقام الشفاعة، يشرّف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفّع، وقد أجمع المفسّرون1 على أنّ المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وهو المقام الّذي يشفع فيه للنّاس، وهو المقام الّذي يعطى فيه لواء الحمد، فيوضع في كفّه، وتجتمع تحته الأنبياء والملائكة، فيكون(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل شافع وأوّل مشفّع.2
(وَقُلْ)يا محمّد (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق)المدخل والمخرج مصدر الإدخال والإخراج، فالتقدير أدخلني إدخال صدق، وأخرجني إخراج صدق، وفي معناه أقوال:
أحدها: أنّ المعنى أدخلني في جميع ما أرسلتني به إدخال صدق، وأخرجني منه سالماً إخراج صدق.
وثانيها: أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكّة للفتح.
وثالثها: أنّه اُمر بهذا الدعاء إذا دخل في أمر، أو خرج من أمر، والمراد أدخلني في كلّ أمر مدخل صدق.
ورابعها: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، ومدخل الصدق: ما تحمد عاقبته في الدنيا والدين (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً): أي اجعل لي عزّاً أمتنع به ممّن يحاول صدّي عن إقامة فرائضك، وقوّة

1 . لاحظ: مجمع البيان: 6/284; تفسير العياشي 2/314 برقم 148; التبيان: 6/512; تفسير الكشّاف: 2/462; جامع البيان: 10/121برقم 12858; تفسير الرازي: 3/56; تفسير البيضاوي: 3/462 .
2 . روى ابن ماجة في سننه: 2/1440 برقم 4308 باسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا سيد ولدآدم ولا فخر، وأنا أوّل مَن تنشقّ الأرض عنه يوم القيامة ولافخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر»، ولاحظ: مسندأحمد: 3/2; سنن الدارمي: 1/26 و27; سنن الترمذي: 5/248 برقم 3695; أمالي الطوسي: 271 برقم 506 .

صفحه 56
تنصرني بها على من عاداني فيك، وقيل: اجعل لي ملكاً عزيزاً أقهر به العصاة، فنصر بالرعب حتّى خافه العدوّ على مسيرة شهر، وقيل: حجّة بيّنة أتقوّى بها على سائر الأديان، وسمّاه نصيراً لأنّه يقع به النصرة على الأعداء فهو كالمعين (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ): أي ظهر الحقّ وهو الإسلام والدين (وَزَهَقَ): أي بطل (الْبَاطِلُ)وهو الشرك، وروي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال: دخل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مكّة، وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنماً، فجعل يطعنها ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً): أورده البخاريّ في الصحيح.1 قال الكلبيّ: فجعل2 ينكب لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكّة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمّد (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً): أي مضمحلاّ ذاهباً هالكاً لاثبات له.(3)
وفي قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ): أي نعمةً عليهم، قال ابن عبّاس: رحمةً للبرّ والفاجر والمؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة للكافر بأن عوفي ممّا أصاب الأُمم من الخسف والمسخ.
و روي أنّ النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرئيل لمّا نزلت هذه الآية: هل أصابك من
هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لمّا أثنى3
عليّ بقوله: (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)(5).4 وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما
أنا رحمة مهداة».5
وقيل: إنّ الوجه في أنّه نعمة على الكافر أنّه عرضه للإيمان والثواب الدائم

1 . صحيح البخاري: 3/108، باب هل تكسر الدنان الّتي فيها الخمر...، كتاب المظالم.
2 . في المصدر: فجعل الصنم.   3 . مجمع البيان: 6/284-285 .
3 . في المصدر: لماً أثنى الله.   5. التكوير: 20 .
4 . تفسير السمرقندي:2/445; الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض:1/17; سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: 10/307 .
5 . سنن الدارمي: 1/9; مستدرك الحاكم: 1/35; الجامع الصغير للسيوطي: 1/395 برقم 2583.

صفحه 57
وهداه وإن لم يهتد، كمن قدّم الطعام إلى جائع فلم يأكل فإنّه منعم عليه وإن لم يقبل.1
وفي قوله تعالى: (النَّبيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ): قيل: فيه أقوال:
أحدها: أنّه أحقّ بتدبيرهم، وحكمه عليهم أنفذ من حكمهم على أنفسهم لوجوب طاعته.
وثانيها: أنّه أولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعته أولى لهم من طاعة أنفسهم.
وثالثها: أنّ حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض، وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أراد غزوة تبوك وأمر النّاس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأُمّهاتنا، فنزلت.(2)
وفي قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ): الّذين لم يلدهم، وفي هذا بيان أنّه ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته، فلهذا أشار إليهم فقال: (مِنْ رِجَالِكُمْ) وقد ولد له(صلى الله عليه وآله وسلم) أولاد ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيّب، والمطهّر، فكان أباهم، وقد صحّ أنّه قال للحسن(عليه السلام): «إنّ ابني هذا سيّد».2
وقال أيضاً للحسن والحسين(عليهما السلام): «ابناي هذان إمامان قاما أوقعدا».3
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلاّ أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم».4
وقيل: أراد بقوله: (رِجَالِكُمْ)البالغين من رجال ذلك الوقت، ولم يكن أحدٌ

1 . مجمع البيان: 7/121 .   2 . مجمع البيان: 8/121-122 .
2 . صحيح البخاري: 3/170، كتاب الصلح، باب قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للحسن بن علي(عليه السلام): ابني هذا سيّد; وج 8/99، كتاب الفتن; سنن أبي داود: 2/311 و 405; سنن الترمذي: 5/323.
3 . علل الشرائع: 1/211، ح 2; روضة الواعظين: 156; مناقب ابن شهرآشوب: 3/163 .
4 . كشف الغمة: 1/54; مناقب ابن شهر آشوب: 3/158 .

صفحه 58
من أبنائه رجلا في ذلك الوقت(وَلَكِنْ رَسُولَ اللّهِ): أي ولكن كان رسول الله لايترك ما أباحه الله تعالى بقول الجهّال; وقيل: إنّ الوجه في اتّصاله بما قبله أنّه أراد سبحانه ليس يلزم طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمه لمكان النسب بينه وبينكم، ولمكان الأُبوّة، بل إنّما يجب ذلك عليكم لمكان النبوّة (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ): أي وآخر النبيّين، ختمت النبوّة به، فشريعته باقية إلى يوم الدين.1
وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً): على أُمّتك فيما يفعلونه من طاعة ومعصية وإيمان وكفر، لتشهد لهم وعليهم يوم القيامة (وَمُبَشِّراً)لمن أطاعني وأطاعك بالجنّة (وَنَذِيراً)لمن عصاني وعصاك بالنار (وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ)والإقرار بوحدانيّته، وامتثال أوامره ونواهيه (بِإِذْنِهِ): أي بعلمه وأمره (وَسِرَاجاً مُنِيراً)يهتدى بك في الدين كما يهتدى بالسراج، والمنير الّذي يصدر النور من جهته إمّا بفعله، وإمّا لأنّه سببٌ له، فالقمر منيرٌ، والسراج منيرٌ بهذا المعنى، والله منير السماوات والأرض، وقيل: عنى بالسراج المنير القرآن، والتقدير: ذا سراج.(2)
وفي قوله تعالى: (إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ): أي عامّة للنّاس كلّهم: العرب والعجم وسائر الأُمم، ويؤيّده الحديث المرويّ عن ابن عبّاس، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت خمساً ولا أقول فخراً: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُحلّ لي المغنم ولم يحلّ لأحد قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمّتي يوم القيامة».2

1 . مجمع البيان: 8/165 .   2 . مجمع البيان: 8/168 .
2 . المصنّف لابن أبي شيبة: 7/410; منتخب مسند عبد بن حميد: 216; تفسير الثعلبي: 8/90 وقد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ مع تقديم وتأخير في: مسند أحمد: 1/301; صحيح البخاري: 1/86، كتاب التيمّم باسناده عن جابر; صحيح مسلم: 2/63، باب المساجد ومواضع الصلاة باسناده عن جابر; سنن الدارمي: 2/224 باسناده عن أبي ذر.
وفي أمالي الصدوق: 285، ح 6; المجلس 38 باسناده عن إسماعيل الجعفي أنّه سمع أبا جعفر الباقر(عليه السلام) يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأُحلّ لي المغنم، ونصرت بالرعب، وأُعطيت جوامع الكلم، وأُعطيت الشفاعة». و رواه أيضاً في «من لايحضره الفقيه»: 1/240 برقم 724، والخصال: 292.

صفحه 59
وقيل: معناه جامعاً للنّاس بالإنذار والدعوة، وقيل: كافّاً للنّاس، أي مانعاً لهم عمّا هم عليه من الكفر والمعاصي بالوعد والوعيد، والهاء للمبالغة.1
وفي قوله تعالى: (بِالْهُدَى): أي بالدليل الواضح، أو بالقرآن (وَدِينِ الْحَقِّ): أي الإسلام (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): أي ليظهر دين الإسلام بالحجج والبراهين على جميع الأديان; وقيل: بالغلبة والقهر والانتشار في البلدان; وقيل: إنّ تمام ذلك عند خروج المهدي(عليه السلام)، فلا يبقى في الأرض دين سوى دين الإسلام.(2)
وفي قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)فيه أقوال:
أحدها: أنّ الله أقسم بالقرآن إذ أُنزل نجوماً متفرّقةً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في ثلاث وعشرين سنة، فسمّي القرآن نجماً لتفرّقه في النزول.2
وثانيها: أنّه أراد به الثريّا، أقسم بها إذا سقطت وغابت مع الفجر، والعرب تطلق اسم النجم على الثريّا خاصّة.
وثالثها: أنّ المراد به جماعة النجوم إذا هوت، أي سقطت وغابت وخفيت عن الحسّ، وأراد به الجنس.
ورابعها: أنّه يعني به الرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع، وروت العامّة عن جعفر الصادق(عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج، ولمّا نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب، فجاء إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: كفرت بالنجم وبربّ النجم، فدعا(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وقال:

1 . مجمع البيان: 8/217 .   2 . مجمع البيان: 9/212 .
2 . في المصدر بزيادة: والعرب تسمّي التفريق: تنجيماً، والمفرق: منجماً.

صفحه 60
«اللّهمْ سلّط عليه كلباً من كلابك» فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق وألقى الله عليه الرعب، فقال لأصحابه: أنيموني بينكم، ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس.1
(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)يعني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي ما عدل عن الحقّ وما فارق الهدى، وما غوى فيما يؤدّيه إليكم، ومعنى غوى ضلّ، وإنّما أعاده تأكيداً، وقيل: معناه ماخاب عن إصابة الرشد; وقيل: ماخاب سعيه بل ينال ثواب الله وكرامته. (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى): أي وليس ينطق بالهوى وميل الطبع (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى): أي ما القرآن وما ينطق به من الأحكام إلاّ وحي من الله يوحى إليه. أي يأتيه به جبرئيل، وهو قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)يعني جبرئيل، أي القويّ في نفسه وخلقته.(ذُو مِرَّة): أي ذو قوّة وشدّة في خلقه عن الكلبيّ، وقيل: معناه ذو صحّة وخلق حسن; وقيل: شديد القوى في ذات الله، ذو مرّة، أي صحّة من الجسم، سليم من الآفات والعيوب; وقيل: ذو مرّة، أي ذو مرور في الهواء، ذهاباً وجائياً ونازلا وصاعداً. (فَاسْتَوَى)جبرئيل(عليه السلام) على صورته الّتي خلق عليها بعد انحداره إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا): أي ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه وارضوا به، وما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فإنّه لا يأمر ولا ينهى إلاّ عن أمر الله، وروى زيد الشحّام عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: ما أعطى الله نبيّاً من الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطى محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لسليمان(عليه السلام): (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)وقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(3)

1 . مجمع البيان: 9/287. ولاحظ: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي: 3/377; كنزالعمال: 12/439; تفسير الكشّاف: 4/27; تفسير الثعلبي: 9/135; تفسير الرازي: 32/167.
2 . مجمع البيان: 9/287-288 .   3 . مجمع البيان: 9/432 .

صفحه 61
وفي قوله تعالى: (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ)يعني العرب، وكانت أُمّة أُميّة لاتكتب ولاتقرأ، ولم يُبعث إليهم نبيّ، (رَسُولاً مِنْهُمْ)يعني محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، نسبه نسبهم، وهو من جنسهم، ووجه النعمة في أنّه جعل النبوّة في أُمّيّ موافقة لما تقدّمت البشارة به في كتب الأنبياء السالفة، ولأنّه أبعد من توهّم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم الّتي تلاها، والكتب الّتي قرأها، وأقرب إلى العلم بأنّ ما يخبرهم به من أخبار الأُمم الماضية والقرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلاّ بالوحي (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ): أي يقرأ عليهم القرآن (وَيُزَكِّيهِمْ): أي ويطهّرهم من الكفر والذنوب، ويدعوهم إلى مايصيرون به أزكياء (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)الكتاب: القرآن، والحكمة: الشرايع; وقيل: إنّ الحكمة تعمّ الكتاب والسنّة وكلّ ما أراده الله تعالى، فإنّ الحكمة هي العلم الّذي يعمل عليه فيما يجتبى، أو يجتنب من أُمور الّدين والدنيا (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين)معناه: وما كانوا من قبل بعثه إليهم إلاّ في عدول عن الحقّ، وذهاب عن الدين بيّن ظاهر(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ): أي ويعلم آخرين من المؤمنين (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)وهم كلّ من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإنّ الله سبحانه بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إليهم، وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة; وقيل: هم الأعاجم ومن لايتكلّم بلغة العرب، وروي ذلك عن أبي جعفر(عليه السلام). وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية فقيل له: من هؤلاء؟ فوضع يده على كتف سلمان وقال: لو كان الدين1 في الثريّا لنالته رجال من هؤلاء.
وعلى هذا فإنّما قال: (مِنْهُمْ) لأنّهم إذا أسلموا صاروا منهم; وقيل: إنّ قوله: (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) يعني في الفضل والسابقة، فإنّ التابعين لايدركون شأن السابقين من الصحابة وخيار المؤمنين(وَهُوَ الْعَزِيزُ)الّذي لايغالب (الْحَكِيمُ)في جميع

1 . في المصدر: الإيمان.

صفحه 62
أفعاله (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ)يعني النبوّة الّتي خصّ الله بها رسوله (يُؤْتِيهِ): أي يعطيه (مَنْ يَشَاءُ)بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة وتحمّل أعباء الرسالة (وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)ذوالمنّ العظيم على خلقه ببعث محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).1
وفي قوله تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً)يعني القرآن; وقيل: يعني الرسول، روي ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام) (رَسُولاً)إمّا بدل من (ذِكْراً) فالرسول إمّا جبرئيل أو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مفعول محذوف، أي أرسل رسولا، فالرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مفعول قوله: (ذِكْراً)أي أنزل إليكم أن ذكر رسولاً، فالرسول يحتمل الوجهين، يجوز على الأوّل أن يكون المراد بالذكر الشرف، أي ذا ذكر، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم.2
وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ): اختلفوا في تفسير الكوثر، فقيل: هو نهر في الجنّة، وروي عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: «نهر في الجنّة أعطاه الله نبيّه عوضاً من ابنه».
وقيل: هو حوض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي يكثر الناس عليه يوم القيامة.
وقيل: الكوثر: الخير الكثير.
وقيل: هو النبوّة والكتاب.
وقيل: هو القرآن.
وقيل: هو كثرة الأشياع والأتباع.
وقيل: هو كثرة النسل والذّريّة.3
وقيل: هو الشفاعة، رووه عن الصادق(عليه السلام) واللّفظ محتمل للكلّ، فيجب أن

1 . مجمع البيان: 10/6-7 .
2 . مجمع البيان: 10/49-50 .
3 . هذا المعنى هو الأنسب لسبب النزول وأظهر لقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ).

صفحه 63
يحمل على جميع ما ذكر من الأقوال، فقد أعطاه الله سبحانه الخير الكثير في الدنيا، ووعده الخير الكثير في الآخرة.
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)أمره سبحانه بالشكر على هذه النعمة العظيمة بأن قال: (فَصَلِّ) صلاة العيد (وَانْحَرْ)هديك; وقيل: فصلّ لربّك صلاة الغداة المفروضة بجمع،1 وانحر البدن بمنى; وقيل صلّ المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك، وتقول العرب: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي يستقبله.
وعن عليّ(عليه السلام) معناه ارفع يديك إلى النحر في صلاتك.2
وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) هو رفع يديك حذاء وجهك.3
وروى عنه (عليه السلام) عبدالله بن سنان مثله.4
وعن جميل قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فقال: بيده هكذا، يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة.5
وعن حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن النحر، فرفع يده إلى صدره فقال: هكذا، ثمّ رفعها فوق ذلك، فقال: هكذا، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة.6
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)معناه أنّ مبغضك هو المنقطع عن الخير، وهو العاص

1 . جمع بفتح فسكون: المزدلفة. المشعر. سمّي جمعاً لاجتماع الناس به.
2 . مجمع البيان: 10/460; فقه القرآن للقطب الراوندي: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 15، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
3 . فقه القرآن: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 16، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
4 . تهذيب الإحكام: 2/66، ح 5، باب كيفية الصلاة وصفتها.
5 . فقه القرآن: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 17، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
6 . عوالي اللآلي: 2/46 برقم 120 .

صفحه 64
بن وائل; وقيل: معناه أنّه الأقلّ الأذلّ بانقطاعه عن كلّ خير; وقيل: معناه أنّه لاولد له على الحقيقة، وأنّ من ينتسب إليه ليس بولد له، قال مجاهد: الأبتر: الّذي لاعقب له، وهو جواب لقول قريش: إنّ محمّداً لاعقب له، يموت فنستريح منه، ويدرس ذكره، إذ لا يقوم مقامه من يدعو إليه فينقطع أمره.
وفي هذه السورة دلالات على صدق نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوّته:
أحدها: أنّه أخبر عمّا في نفوس أعدائه، وماجرى على ألسنتهم، ولم يكن بلغه ذلك فكان كما أخبره.
وثانيها: أنّه قال: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)فانظر كيف انتشر دينه، وعلا أمره، وكثرت ذرّيته حتّى صار نسبه أكثر من كلّ نسب، ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.
وثالثها: أنّ جميع فصحاء العرب والعجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحدّيه إيّاهم بذلك، وحرصهم على بطلان أمره منذ بعث(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم الناس هذا، وهذا غاية الإعجاز.
ورابعها: أنّه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه، وأخبره بسقوط أمرهم وانقطاع دينهم، أوعقبهم، فكان المخبر على ما أخبر به هذا، وفي هذه السورة الوجيزة من تشاكل المقاطع للفواصل، وسهولة مخارج الحروف بحسن التأليف والتقابل لكلّ من معانيها بما هو أولى به ما لا يخفى على من عرف مجاري كلام العرب.1
وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)   

1 . مجمع البيان: 10/459-461 .

صفحه 65

[ الباب السابع]

وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)1

الآيات:

آل عمران (3): (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).32 .
وقال تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).128 .
وقال تعالى:(وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).132 .
النساء (4): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).13-14 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).59 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِـنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).69 .
المائدة (5): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).92 .
الأنفال (8): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).1 .

1 . بحارالأنوار: 17/1-3، الباب 13 .

صفحه 66
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ).20 .
التوبة (9): (وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ).71 .
النور (24): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).52 .
إلى قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).54 .
إلى قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).56 .
الأحزاب (33): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً).36 .
وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ).64-66 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيًما).71 .
محمد (47): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ).33 .
الفتح (48): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً).17 .
الحجرات (49): (وَإِنْ تُطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً).14 .
المجادلة (58): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ).13 .

صفحه 67
ـ إلى قوله تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).20-21 .
الحشر (59): (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللّهَ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).4 .
وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).7 .
التغابن (64): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).12 .

التفسير:

أقول: أوردنا تفسير (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) في باب العصمة، وسيأتي أنّ المراد بأُولي الأَمر الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) .
(وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً): أي عاقبةً، أو تأويلا من تأويلكم بلا ردّ.1
(فَإِنَّمَا عَلَيْهِ): أي على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (مَا حُمِّلَ)من التبليغ (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)من الامتثال.2
(إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً): أي قضى رسول الله، وذكر الله للتّعظيم والإشعار بأنّ قضاءه قضاء الله; قيل: نزل في زينب بنت جحش بنت عمّته أُميمة بنت عبد المطّلب، خطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة فأبت هيّ وأخوها عبدالله; وقيل: في أُمّ كلثوم بنت عقبة، وهبت نفسها للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فزوّجها من زيد (أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ): أي أن يختاروا من أمرهم شيئاً، بل يجب عليهم

1 . تفسير البيضاوي: 2/207 .
2 . تفسير البيضاوي: 4/197 .

صفحه 68
أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله ورسوله.1
آداب العشرة معه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)   
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ): أي تصرف من جهة إلى أُخرى كاللّحم يشوى بالنار، أومن حال إلى حال(2). (لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ): أي لاينقصكم من أُجورها شيئاً، من لات ليتاً: إذا نقص.2 والمحادّة: المخالفة والمضادّة، والمشاقّة: الخلاف والعداوة.

[ الباب الثامن]

آداب العشرة معه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه وتوقيره

في حياته وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)(4)

الآيات:

النور (24): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).62-63 .
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللّهُ لاَ

1 . تفسير البيضاوى: 4/375 .   2 . تفسير البيضاوي: 4/387 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/220 .   4 . بحارالأنوار: 17/15-27، الباب 14 .

صفحه 69
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيًما).53 .
ـ إلى قوله تعالى ـ :(إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً).56-57 .
ـ إلى قوله تعالى ـ :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً).69 .
الفتح (48): (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).8-9 .
الحجرات (49): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).1-5 .
المجادلة (58): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ

صفحه 70
وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).7-13 .

التفسير:

قال البيضاوي: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ): أي الكاملون في الإيمان (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ)من صميم قلوبهم (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع)كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأُمور (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)يستأذنوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإيمان، لأنّه كالمصداق لصحّته، والمميّز للمخلص فيه والمنافق،1 فإنّ ديدنه التسلّل2 والفرار، ولتعظيم الجرم في

1 . في المصدر: والمميز للمخلص فيه عن المنافق.
2 . تسلّل وانسلّ: انطلق في استخفاء، وانسلّ فلان من بين القوم يعدو إذا خرج خفية يعدو. لسان العرب: 11/339، مادة«سلل».

صفحه 71
الذهاب عن مجلسه بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكّداً على أُسلوب أبلغ فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ)فإنّه يفيد أنّ المستأذن مؤمن لامحالة، وإنّ الذاهب بغير إذن ليس كذلك (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ)ما يعرض لهم من المهامّ، وفيه أيضاً مبالغة وتضييق للأمر (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ)تفويضٌ للأمر إلى رأي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستدلّ به على أنّ بعض الأحكام مفوّضة إلى رأيه، ومن منع ذلك قيّد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه، وكأن المعنى: فأذن لمن علمت أنّ له عذراً (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ)بعد الإذن، فإنّ الاستيذان ولو لعذر قصور، لأنّه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ)لفرطات العباد (رَحِيمٌ)بالتيسير عليهم.
(لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)لاتقيسوا دعاءه إيّاكم على دعاء بعضكم بعضاً في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإنّ المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرّمة; وقيل: لاتجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه، ورفع الصوت والنداء وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظّم مثل يانبيّ الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتواضع، وخفض الصوت، أو لاتجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلاتبالوا بسخطه، فإنّه مستجاب،1 أولا تجعلوا دعاءه لله كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرّة ويردّه أُخرى، فإنّ دعاءه موجب(2) (قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ)يتسلّلون قليلا قليلا من الجماعة، ونظير تسلّل: تدرّج (لِوَاذاً)ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتّى يخرج، أويلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه، كأنّه تابعه، وانتصابه على الحال (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)بترك مقتضاه، ويذهبون سمتاً على خلاف سمته، و (عَنْ)لتضمّنه معنى الإعراض، أويصدّون عن أمره دون المؤمنين، من

1 . في المصدر: فلا تنالوا بسخطه فإنّ دعاءه موجب.   2 . في المصدر: فإنّ دعاءه مستجاب.

صفحه 72
خالفه عن الأمر إذا صدّ عنه دونه، وحذف المفعول لأنّ المقصود بيان المخالف عنه، والضمير لله فإنّ الأمر له حقيقة، أو للرّسول فإنّه المقصود بالذكر (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)محنة في الدنيا (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)في الآخرة.1
وقال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ): أي إلاّ وقت أن يؤذن لكم، أو إلاّ مأذوناً لكم. (إِلَى طَعَام)متعلّق بيؤذن، لأنّه متضمّن معنى يدعى، للإشعار بأنّه لايحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن، كما أشعر به قوله: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)غير منتظرين وقته، أو إدراكه حالٌ من فاعل (لاَ تَدْخُلُوا)أو المجرور في (لَكُمْ) وقرأ بالجرّ صفة لطعام (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)تفرّقوا ولاتمكثوا، والآية خطاب لقوم كانوا يتحيّنون طعام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدرا كه، مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلاّ لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللّبث بعد الطعام لمهم (وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث)بعضكم بعضاً، أو لحديث أهل البيت بالتسمّع له (إِنَّ ذَلِكُمْ)اللّبث (كَانَ يُؤْذِي النَّبيّ)لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، واشتغاله في ما لا يعنيه (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ)من إخراجكم بقوله: (وَاللّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)يعني إنّ إخراجكم حقّ فينبغي أن لايترك حياء، كمالم يتركه الله ترك الحييّ فأمركم بالخروج (وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنَّ مَتَاعاً)شيئاً ينتفع به (فَاسْأَلُوهُنَّ)المتاع (مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)ستر (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)من الخواطر الشيطانيّة. (وَمَا كَانَ لَكُمْ)وما صحّ لكم أن (تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ)أن تفعلوا ما يكرهه (وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً)من بعد وفاته أو فراقه (إِنَّ ذَلِكُمْ)يعني إيذاؤه ونكاح نسائه (كَانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيماً)ذنباً عظيماً (إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً)لنكاحهنّ على ألسنتكم (أَوْ تُخْفُوهُ)في صدور كم (فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)فيعلم ذلك

1 . تفسير البيضاوي: 4/203-204 .

صفحه 73
فيجازيكم به (لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) استيناف لمن لايجب الاحتجاب عنهم، روي أنّه لمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يارسول الله أو نكلّمهنّ أيضاً من وراء حجاب؟ فنزلت، وإنّما لم يذكر العمّ والخال لأنّهما بمنزلة الوالدين، ولذلك سمّي العم أباً،1 أولأنّه كره ترك الاحتجاب منهما مخافة أن يصفا لأبنائهما (وَلاَ نِسَائِهِنَّ)ولا نساء المؤمنات (وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)من العبيد والإماء; وقيل: من الإماء خاصّة (وَاتَّقِينَ اللّهَ)فيما أُمرتنّ به (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيداً)لاتخفى عليه خافية.2
(إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ).
قال الطبرسي (رحمه الله): معناه إنّ الله يصلّي على النبيّ ويثني عليه بالثناء الجميل ويبجّله بأعظم التبجيل، وملائكته يصلّون عليه ويثنون عليه بأحسن الثناء، ويدعون له بأزكى الدعاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)قال أبوحمزة الثماليّ: حدّثني السدّيّ وحميد بن سعد الأنصاريّ ويزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ.3

1 . في المصدر: ولذلك سمّي العم أباً في قوله تعالى: (وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ). (البقرة: 133)
2 . تفسير البيضاوي: 4/383-385 .
3 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 269. وروى هذا الحديث باختلاف في الألفاظ: البخاري في صحيحه: 7/157، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بإسناده عن أبي سعيد الخدري; وابن ماجة في سننه: 1/292 بإسناده عن أبي سعيد الخدري أيضاً; والترمذي في سننه: 1/301 برقم 482 ; والطبراني في المعجم الأوسط: 4/378 و ج 7/57، كلّها عن كعب.

صفحه 74
و عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن هذه الآية فقلت: كيف صلاة الله على رسوله، فقال: يا أبا محمّد تزكيته له في السماوات العلى، فقلت: قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم؟ فقال: هو التسليم له في الأُمور.1
فعلى هذا يكون معنى قوله: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما)انقادوا لأمره، وابذلوا الجهد في طاعته وجميع مايأمر كم به، وقيل: معناه سلّموا عليه، بالدعاء، أي قولوا: السلام عليك يا رسول الله.
(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)قيل: هم المنافقون والكافرون، والّذين وصفوا الله بما لايليق به، وكذّبوا رسله، وكذبوا عليه، وإنّ الله عزّوجلّ لايلحقه أذى، ولكن لمّا كانت مخالفة الأمر فيما بيننا تسمّى إيذاء خوطبنا بما نتعارفه، وقيل: معناه يؤذون رسول الله، فقدّم ذكر الله على وجه التعظيم إذ جعل أذى رسوله أذى له تشريفاً له وتكريماً.(لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ): أي يبعّدهم الله من رحمته، ويحلّ بهم وبال نقمته بحرمان زيادات الهدى في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة (وَأَعَدَّ لَهُمْ)في الآخرة (عَذَاباً مُهِيناً)أي مذلاًّ. (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى): أي لاتؤذوا محمّداً كما آذى بنو إسرائيل موسى(عليه السلام) .2
أقول: قد مضى إيذاؤهم موسى(عليه السلام) في كتاب النبوّة.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى:(وَتُعَزِّرُوهُ): أي تنصروه بالسيف واللّسان، والهاء تعود إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَتُوَقِّرُوهُ): أي تعظّموه وتبجّلوه (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي تصلّوا لله بالغداة والعشيّ، وكثير من القرّاء اختاروا الوقف على (وَتُوَقِّرُوهُ)

1 . مجمع البيان: 8/180 .
2 . مجمع البيان: 8/179-184 .

صفحه 75
لاختلاف الضمير فيه وفيما بعده، وقيل:(وَتُعَزِّرُوهُ): أي وتنصروا الله(وَتُوَقِّرُوهُ): أي وتعظّموه وتطيعوه، فتكون الكنايات متّفقة.1
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا)نزلت في وفد تميم، وهم: عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم، منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم في وفد عظيم، فلمّا دخلوا المسجد نادوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يامحمّد، فآذى ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج إليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: أذنت; فقام عطارد بن حاجب وقال:
الحمد لله الّذي جعلنا ملوكاً الّذي له الفضل علينا، والّذي وهب لنا أموالاً عظاماً نفعل بها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق، وأكثر عدداً وعدّةً، فمن مثلنا في الناس؟! فمن فاخرنا فليعدّ مثل ما عدّدنا، ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنّا نستحيي من الإكثار.
ثمّ جلس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجبه، فقام فقال:
الحمدلله الّذي خلق السماوات والأرض خلقة، وقضى فيه أمره،(2) ووسع كرسيّه علمه، ولم يكن شيء قطّ إلاّ من فضله، ثمّ كان من فضله أن جعلنا ملوكاً، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسباً،2 وأصدقه حديثاً، وأفضله حسباً، فأنزل عليه كتاباً وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله على العالمين، ثمّ دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه، وذوي رحمه، أكرم الناس أحساباً، وأحسنهم وجوهاً، فكان أوّل الخلق إجابة. واستجاب لله حين دعاه رسول

1 . مجمع البيان: 9/188 .   2 . في المصدر: قضى فيهن أمره.
2 . في المصدر: أكرمهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأفضلهم حسباً.

صفحه 76
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)1، فنحن أنصار رسول الله وردؤه، نقاتل الناس حتّى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً، أقول. هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
ثمّ قام الزبرقان بن بدر ينشد وأجابه حسّان بن ثابت، فلمّا فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع: إنّ هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلمّا فرغوا أجازهم2 رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأحسن جوائزهم وأسلموا; عن ابن إسحاق. وقيل: إنّهم ناس من بني العنبر كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أصاب من ذراريهم، فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة، ودخلوا المسجد، وعجّلوا أن يخرج إليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعلوا يقولون: يامحمّد أُخرج إلينا، عن أبي حمزة الثماليّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس.(3)
(بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ)بين اليدين عبارة عن الأمام، ومعناه لاتقطعوا أمراً دون الله ورسوله، ولاتعجلوا به، وقدّم هاهنا بمعنى تقدّم وهو لازم، وقيل: معناه لاتمكّنوا أحداً يمشي أمام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كونوا تبعاً له وأخّروا أقوالكم وأفعالكم عن قوله وفعله، وقال الحسن: نزل في قوم ذبحوا الأضحية قبل العيد فأمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعادة، وقال ابن عبّاس: نهوا أن يتكلّموا قبل كلامه، أي إذا كنتم جالسين في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسئل عن مسألة فلا تسبقوه بالجواب حتّى يجيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّلا; وقيل: معناه لاتسبقوه بقول ولا فعل حتّى يأمركم به. والأولى حمل الآية على الجميع.
(لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيّ) لأنّ فيه أحد شيئين: إمّا نوع استخفاف به فهو الكفر، وإ مّا سوء الأدب فهو خلاف التعظيم المأمور به (وَلاَ

1 . في المصدر: فكان أوّل الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نحن.
2 . أي أعطاهم الجائزة.   3 . مجمع البيان: 9/215 ـ 216 .

صفحه 77
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ): أي غضّوا أصواتكم عند مخاطبتكم إيّاه وفي مجلسه، فإنّه ليس مثلكم إذ يجب تعظيمه وتوقيره من كلّ وجه; وقيل: معناه لاتقولوا له: يا محمّد كما يخاطب بعضكم بعضاً، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، وقولوا: يا رسول الله، (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ): أي كراهة أن تحبط، أو لئلاّ تحبط (وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)أنّكم أحبطتم أعمالكم بجهر صوتكم على صوته، وترك تعظيمه.
(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ): أي يخفضون أصواتهم في مجلسه إجلالا له(أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى): أي اختبرها فأخلصها للتّقوى; وقيل: معناه إنّه علم خلوص نيّاتهم; وقيل: معناه عاملهم معاملة المختبر بما تعبّدهم به من هذه العبادة فخلصوا على الاختبار كما يخلص جيّد الذهب بالنار (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)من الله لذنوبهم (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)على طاعاتهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ)وهم الجفاة من بني تميم لم يعلموا في أيّ حجرة هو، فكانوا يطوفون على الحجرات وينادونه (أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)إذ لم يعرفوا مقدار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ما استحقّه من التوقير، فهم بمنزلة البهائم (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)من أن ينادوك من وراء الحجرات.1
قوله تعالى: (مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة)قال البيضاوي: ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدّر مضاف، أو يأوّل نجوى بمتناجين ويجعل ثلاثة صفة لها (إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)إلاّ أن الله يجعلهم أربعة من حيث إنّه يشاركهم في الاطّلاع عليها (وَلاَ خَمْسَة)ولا نجوى خمسة (إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)وتخصيص العددين إمّا لخصوص الواقعة فإنّ الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لأنّ الله وتر يحبّ الوتر، والثلاثة أوّل الأوتار، أو لأنّ التشاور لابدّ له من اثنين يكونان كالمتنازعين، وثالث يتوسّط بينهما (وَلاَ

1 . مجمع البيان: 9/216ـ218 .

صفحه 78
أَدْنى مِنْ ذَلِكَ)ولا أقلّ ممّا ذكر كالواحد والاثنين (وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ)يعلم ما يجري بينهم (أَيْنَ مَا كَانُوا)فإنّ علمه بالأشياء ليس لقرب مكانيّ حتّى يتفاوت باختلاف الأمكنة (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)تفضيحاً لهم وتقريراً لما يستحقّونه من الجزاء.1
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى): نزلت في اليهود والمنافقين، إنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الّذين خرجوا في السرايا قتل أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلمّا طال ذلك شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم أن لايتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فنزلت الآية (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)في مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو قوله: (وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)وذلك أنّه نهاهم عن النجوى فعصوه، أويوصي بعضهم بعضاً بترك أمر الرسول والمعصية له (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللّهُ)وذلك أنّ اليهود كانوا يأتون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فيقولون: السام عليك، والسام: الموت، وهم يوهمونه أنّهم يقولون: السلام عليك، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يردّ على من قال ذلك ويقول: وعليك.2(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ): أي يقول بعضهم لبعض (لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِمَا نَقُولُ): أي لو

1 . تفسير البيضاوي: 5/310ـ311 .
2 . روى مسلم في صحيحه: 7/4، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام بإسناده عن عائشة قالت: أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أُناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم، قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عائشة لا تكوني فاحشة، فقالت: ماسمعت ماقالوا، فقال: أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت: وعليكم. وقد ورد هذا الحديث أو مضمونه في الكثير من كتب الفريقين. راجع. صحيح البخاري: 3/234، كتاب الجهاد، و ج7/133 و 134، باب كيف يرد على أهل الذمّة السلام; سنن ابن ماجة: 2/1219 برقم 3698; سنن الترمذي:4/162 برقم 2844; الكافي: 4/5، ح2، باب أنّ الصدقة تدفع البلاء.

صفحه 79
كان هذا نبيّاً فهلاّ يعذّبنا الله ولا يستجيب له فينا قوله: عليكم. (حَسْبُهُمْ): أي كافيهم (جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا)يوم القيامة ويحترقون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ): أي فبئس المرجع والمآل جهنّم (وَتَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَالتَّقْوَى): أي بأفعال الخير والطاعة واتّقاء معاصي الله(إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ)يعنى نجوى المنافقين والكفّار.1
(لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)بتوهّمهم أنّها في نكبة أصابتهم (وَلَيْسَ)الشيطان أو التناجي (بِضَارِّهِمْ): أي المؤمنين.2
(شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ): أي بعلم الله، وقيل: بأمر الله، لأنّ سببه بأمره وهو الجهاد.3
(إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا)قال قتاده: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنّوا بمجالسهم عند رسول الله، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض، وقال المقاتلان: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصفة، وفي المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار، فجاء أُناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس فقاموا حيال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ سلّموا على القوم بعد ذلك فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون إلى القوم فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان، قم يا فلان» بقدر النفر الّذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرف الكراهيّة في وجوههم; وقال المنافقون للمسلمين:

1 . مجمع البيان: 9/414-415 .
2 . هذه الفقرة غير موجودة في مجمع البيان، بل في تفسير البيضاوي: 5/311 .
3 . مجمع البيان: 9/415 .

صفحه 80
ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس، فوالله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فنزلت الآية.1
والتفسّح: التوسّع في المجالس، هو مجلس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); وقيل: مجالس الذكر كلّها (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ): أي فتوسّعوا يوسّع الله مجالسكم في الجنّة (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا)ارتفعوا وقوموا ووسّعوا على إخوانكم (فَانْشُزُوا): أي فافعلوا ذلك; وقيل: معناه وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، (فَانْشُزُوا) ولا تقصروا، (وَإِذَا)قيل لكم: ارتفعوا في المجلس وتوسّعوا للدّاخل فافعلوا، أو إذا نودي للصّلاة فانهضوا، وقيل: وردت في قوم كانوا يطلبون(2) المكث عنده(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون كلّ واحد منهم يحبُ أن يكون آخر خارج، فأمرهم الله أن يقوموا إذا قيل لهم: انشزوا. (يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)قال ابن عبّاس: يرفع الله الّذين أُوتوا العلم من المؤمنين على الّذين لم يؤتوا العلم درجات; وقيل: معناه لكي يرفع الله الّذين آمنوا منكم بطاعتهم، لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) درجة، والّذين أُوتوا العلم بفضل علمهم وسابقتهم درجات في الجنّة; وقيل: درجات في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأمره الله سبحانه أن يقرّب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الّذين لايعلمون ليتبيّن فضل العلماء على غيرهم.2
عصمته وتفسير بعض مايوهم خلاف ذلك   
(إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً): أي إذا ساررتم الرسول فقدّموا قبل أن تسارّوه صدقة، وأراد بذلك تعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يكون ذلك سبباً لأن يتصدّقوا فيؤجروا، وتخفيفاً عنه صلّى الله عليه وآله، قال المفسّرون: فلمّا نهوا عن المناجاة حتّى يتصدّقوا ضنّ(4) كثير من الناس فكفّوا عن المسألة،

1 . مجمع البيان: 9/417 .   2 . في المصدر: يطيلون.
2 . مجمع البيان: 9/418 .   4 . ضنّ: بخل. لسان العرب: 2/496 .

صفحه 81
فلم يناجه أحد إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): قال مجاهد: وما كان إلاّ ساعة، وقال مقاتل: كان ذلك ليال1 عشراً، ثم نسخت بما بعدها، وكانت الصدقة مفوّضة إليهم غير مقدّرة.(2)...
وقال البيضاوي: عن عليّ(عليه السلام) أنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.2
(ذَلِكَ): أي التصدّق (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ): أي لأنفسكم من الريبة وحبّ المال، وهو يشعر بالندبيّة، لكن قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): أي لمن لم يجد حيث رخّص لنفي المناجات بلا تصدّق أدلّ على الوجوب (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات)أخفتم الفقر من تقديم الصدقة؟ أو: أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر؟ (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ)بأن رخّص لكم أن لاتفعلوه، وفيه إشعار بأنّ إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم ممّا قام مقام توبتهم و (إذ) على بابها، وقيل: بمعنى (إذا) أو (إن).3

[ الباب التاسع]

عصمته وتفسير بعض مايوهم خلاف ذلك 4

الآيات:

البقرة (2): (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ

1 . في المصدر: ليالي.   2 . مجمع البيان: 9/419 .
2 . راجع: أحكام القرآن: 3/572; المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي: 5/180; تفسير ابن كثير: 4/350; الدر المنثور: 6/185.
3 . تفسير البيضاوي: 5/313 .
4 . بحار الأنوار: 17/34-78، الباب 15 .

صفحه 82
وَلِيّ وَلاَ نَصِير).120 .
وقال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ).145 .
وقال تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).147 .
آل عمران (3): (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).60 .
وقال تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).128 .
النساء (4): (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً). 105-107 .
إلى قوله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيًما).113 .
الأنعام (6): (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).35 .
وقال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).52 و 53 .

صفحه 83
الأعراف (7): (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). 200 .
الأنفال (8): (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ1 تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).67-68 .
التوبة (9): (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).43 .
يونس (10): (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).94-95 .
هود (11): (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص).109 .
ـ إلى قوله ـ  : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).112 .
الرعد (13): (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق).37 .
الإسراء (17): (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً).22 .
وقال تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 45: وهذه استعارة والمراد بها تغليظ الحال وكثرة القتل، وذلك مأخوذ من قول القائل: قد أثخنني هذا الأمر، أي بلغ أقصى المبالغ في الثقل عليّ والإيلام لقلبي.

صفحه 84
مَدْحُوراً).39 .
وقال سبحانه: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَري عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً).73-75 .
وقال تعالى: ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً).86 و 87 .
الحج (22): (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي إِلاَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).52-54 .
الشعراء (26): (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).213 .
القصص (28): (وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ).86-88 .
الأحزاب (33): (وَإِذْ تَقُولُ لِلذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).37 .

صفحه 85
سبأ (34): (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ).50 .
الزمر (39): (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).65 .
الشورى (42): (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ).24 .
الزخرف (43): (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)1.45 .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ).81 .
الجاثية (45): (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا2 وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً).18و19 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 202: وهذا الكلام أيضاً داخل في قبيل الاستعارة; لأنّ مسألة الرسل الذين درجت قرونهم وخلت أزمانهم غير ممكن، وإنّما المراد ـ والله أعلم ـ : واسأل أصحاب من أرسلنا من قبلك من رسلنا واستعلم ما في كتبهم وتعرّف حقائق سننهم، وذلك على مثال (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ)[يوسف: 82]. وقال بعضهم: مسألة الرسل هاهنا بمعنى المسألة عنهم (عليهم السلام)، وعمّا أتوا به من شريعة وأقاموه من عماد سنّة، وقد يأتي في كلامهم أسال كذا أي اطلبه واسأل عنه، قال سبحانه (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) أي مسؤولا عنه، و قال سبحانه (وَإِذَا الْمَوْءُوُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنْب قُتِلَتْ )[ التكوير 8-9] أي سئل عن قتلها وطلب بدمها، فكأنّه تعالى قال لنبيه عليه السلام: واسأل عن سنن الأنبياء قبلك، وشرائع الرسل الماضين أمامك، فإنّك لاتجد فيها إطلاقاً لعبادة معبود إلاّ الله سبحانه.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 205 : وهذه استعارة لأنّ الشريعة في أصل اللغة اسم للطريق المفضية إلى الماء المورود، وإنّما سمّيت الأديان شرائع; لأنّها الطرق الموصلة إلى موارد الثواب ومنافع العباد، تشبيهاً بشرائع المناهل التيّ هيّ مدرجة إلى الماء ووصلة إلى الرواء.

صفحه 86
الفتح (48): (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).2 .
النجم (53): (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).2و3 .
التحريم (66): (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).1 .
عبس (80): (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ).1-12 .

التفسير:

قوله: (لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)هذه الشرطيّة لا تنافي عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّها تصدق مع استحالة المقدّم أيضاً، والغرض منه يأسهم عن أن يتّبعهم(صلى الله عليه وآله وسلم)في أهوائهم الباطلة، وقطع أطماعهم عن ذلك، والتنبيه على سوء حالهم، وشدّة عذابهم; لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع غاية قربه في جنابه تعالى إذا كان حاله على تقدير هذا الفعل كذلك، فكيف يكون حال غيره، كما ورد أنّه نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة.
قوله تعالى: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)قال البيضاوي: أي الشاكّين في أنّه هل من ربّك، أوفي كتمانهم الحقّ عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الشكّ فيه، لأنّه غير متوقّع منه، وليس بقصد واختيار، بل إمّا تحقيق الأمر وأنّه لا يشكّ فيه ناظرٌ، أوأمر الأُمّة باكتساب المعارف المزيحة للشكّ على الوجه الأبلغ.1

1 . تفسير البيضاوي: 1/425 .

صفحه 87
وقال في قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)اعتراضٌ (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)عطف على قوله: (أَوْ يَكْبِتَهُمْ). والمعنى: أنّ الله مالك أمرهم، فإمّا يهلكهم، أو يكبتهم، أويتوب عليهم إن أسلموا، أويعذّبهم إن أصرّوا، وليس لك من أمرهم شيءٌ، وإنّما أنت عبدٌ مأمورٌ لإنذارهم وجهادهم; ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر، أو شيء بإضمار (أن): أي ليس لك من أمرهم، أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيءٌ، أوليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وأن تكون (أو) بمعنى (إلاّ أن): أي ليس لك من أمرهم شيء إلاّ أن يتوب عليهم فتسرّ به، أو يعذّبهم فتشتفي منهم، روي أنّ عتبة ابن أبي وقّاص شجّه يوم أُحد وكسر رباعيّته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم؟ فنزلت; وقيل: همّ أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه بأنّ فيهم من يؤمن (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)قد استحقّوا التعذيب بظلمهم. انتهى.1
أقول: كون الأمر في الإهلاك والتعذيب وقبول التوبة إلى الله تعالى لا ينافي عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه، وأمّا الخبران فغير ثابتين، ومع ثبوتهما أيضاً لا ينافي العصمة، لأنّ الدعاء عليهم لم يكن منهيّاً عنه قبل ذلك، وإنّما أمره تعالى بالكفّ لنوع من المصلحة، وبعد النهي لم يدع عليهم، وقد أثبتنا في باب وجوب طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم)الأخبار الواردة في تأويل تلك الآية.
قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللّهُ)قال الرازي في تفسيره: أي بما أعلمك الله، وسمّي ذلك العلم بالرؤية لأنّ العلم اليقينيّ المبرّأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوّة والظهور، قال المحقّقون: هذه الآية تدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يحكم إلاّ بالوحي والنصّ، واتّفق المفسّرون على أنّ أكثر الآيات في طعمة2

1 . تفسير البيضاوي: 2/90 .
2 . هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر بن الخزرج بن عمرو الأنصاري. الإصابة: 3/420 برقم 4264 .

صفحه 88
سرق درعاً، فلمّا طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة، ولمّا اشتدّت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهود جاءوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود، وأن يلحق هذه الخيانة باليهوديّ، فهمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، فنزلت الآية.
(وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً): أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب، يعني لاتخاصم اليهود لأجل المنافقين.
قال الطاعنون في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) : دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه لولا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذبّ عنه، لما ورد النهي عنه.
والجواب: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لم يفعل ذلك وإلاّ لم يرد النهي عنه،1 بل ثبت في الرواية أنّ قوم طعمة لمّا التمسوا من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذبّ عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي، توقّف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّ طعمة كذّاب; وأنّ اليهوديّ بريء عن ذلك الجرم.
فإن قيل: الدليل على أنّ ذلك الجرم قد وقع من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله بعد هذه الآية: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)فلمّا أمره الله تعالى بالاستغفار دلّ على سبق الذنب؟
فالجواب من وجوه: الأوّل لعلّه مال طبعه إلى نصرة طعمة، بسبب أنّه كان ظاهراً من المسلمين، فأُمر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
الثاني: أنّ القوم لمّا شهدوا على سرقة اليهوديّ وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ما يوجب القدح في شهادتهم، همّ أن يقضي

1 . الموجود في المصدر: والجواب أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهي عنه.

صفحه 89
بالسرقة على اليهوديّ، ثمّ لمّا اطلّعه الله على كذب هؤلاء الشهود عرف أنّ ذلك القضاء لو وقع كان خطاءً، واستغفاره كان بسبب أنّه همّ بذلك الحكم الّذي لو وقع لكان خطاءً في نفسه، وإن كان معذوراً عند الله فيه.
الثالث: قوله: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ)يحتمل أن يكون المراد واستغفر الله لأُولئك الّذين يذبّون عن طعمة، ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة، والمراد بالّذين يختانون أنفسهم ; طعمة ومن عاونه من قومه ممّن علم كونه سارقاً، والاختيان: الخيانة، وإنّما قال: (يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ)لأنّ من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه (مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً): أي طعمة، حيث خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهوديّ إلى تلك السرقة.1
قوله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ): أي لولا أنّ الله خصّك بالفضل وهو النبوّة وبالرحمة وهي العصمة (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ): أي يلقونك في الحكم الباطل الخطاء (وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ)بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء)فيه وجهان:
أحدهما: ما يضرّونك من شيء في المستقبل، فوعده تعالى في هذه الآية إدامة العصمة لما يريدون من إيقاعه في الباطل.
والثاني: المعنى أنّهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل لأنّك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أُمرت إلاّ ببناء الأحكام على الظواهر (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)فعلى الأوّل، المعنى: لمّا أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لايعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟

1 . تفسير الرازي: 11/32-35 .

صفحه 90
وعلى الثاني، المعنى: أنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوجب فيهما بناء أحكام الشرع على الظاهر، فكيف يضرّك بناء الأمر على الظاهر؟
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)فيه وجهان:
الأوّل: أن يكون المراد ما يتعلّق بالدين، أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على سرائرهما،1 وأوقفك على حقائقهما، مع أنّك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منها، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيّامك ما لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك.
الثاني: أن يكون المراد وعلّمك مالم تكن تعلم من أخبار الأوّلين، فكذلك يعلّمك من حيل المنافقين، ووجوه كيدهم ماتقدر على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم. انتهى ملخّص كلامه.(2) وسيأتي شرح تلك القصّة في باب ماجرى بينه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المنافقين وأهل الكتاب.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ): أي عظم وشقّ إعراضهم عنك وعن الإيمان بما جئت به (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ)إلى قوله: (بِآيَة): أي منفذاً تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية أو مصعداً تصعد إلى السماء فتنزل منها آية، وجواب الشرط الثاني محذوف، تقديره فافعل، والجملة هو جواب الأوّل، والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وإنّه لوقدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم (وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)بالحرص على مالا يكون، والجزع في مواطن الصبر، فإنّ ذلك من دأب الجهلة.2

1 . في المصدر. على أسرارهما. وهو الصحيح.   2 . تفسير الرازي: 11/39-40 .
2 . تفسير البيضاوي: 2/405 .

صفحه 91
وقال الرازي: المقصود من أوّل الآية أن يقطع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) طمعه عن إيمانهم، وأن لايتأذّى بسبب إعراضهم عن الإيمان، وقوله: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)هذا النهي لايقتضي إقدامه على مثل تلك الحالة، كما أنّ قوله: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)لا يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أطاعهم وقبل دينهم، بل المقصود أنّه لاينبغي أن يشتدّ تحسّرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تحزن من إعراضهم عنك، فإنّك إن فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل.1
وقال في قوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)روي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يامحمّد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عن بيتك، فلعلّك إن طردتهم اتبعناك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما أنا بطارد المؤمنين»، فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: «نعم» طمعاً في إيمانهم، روي أنّ عمر قال له: لو فعلت ذلك حتّى ننظر إلى ما يصيرون، ثمّ ألحّوا وقالوا للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة فنزلت الآية، واعتذر عمر من مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتّى تمسّ ركبنا ركبته، وكان يقوم عنّا إذا أراد القيام، فنزل قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ)فترك القيام عنّا إلى أن نقوم عنه، وقال: الحمد لله الّذي لم يمتني حتّى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أُمّتي، معكم المحيا ومعكم الممات.
ثمّ قال: احتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من وجوه:
الأوّل: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، وكان ذلك الطرد ذنباً.
والثاني: أنّه تعالى قال: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)وقد ثبت أنّه طردهم،

1 . تفسير الرازي: 12/207-208 .

صفحه 92
فيلزم أن يقال: إنّه كان من الظالمين.
والثالث: أنّه تعالى حكى عن نوح(عليه السلام) أنّه قال: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ)1، ثمّ إنّه تعالى أمر محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)بمتابعة الأنبياء في جميع الأعمال الحسنة، إنّه قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(2)، وبهذا الطريق وجب على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لايطردهم، فلمّا طردهم كان ذلك ذنباً.
الرابع: أنّه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف فزاد فيها فقال: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3)، ثمّ إنّه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أُخرى فقال: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)2، فكان ذلك ذنباً .
والخامس: نقل أنّ أُولئك الفقراء كلّما دخلوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذه الواقعة فكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «مرحباً بمن عاتبني ربّي فيهم»، أولفظاً هذا معناه، وذلك يدلّ أيضاً على الذنب.
والجواب عن الأوّل: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم، والاستنكاف من فقرهم، وإنّما عيّن لجلوسهم وقتاً معيّناً سوى الوقت الّذي كان يحضر فيه أكابر قريش، وكان غرضه(صلى الله عليه وآله وسلم) منه التلطّف وإدخالهم في الإسلام، ولعلّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: هؤلاء الفقراء لا يفوتهم بسبب هذه أمرهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفّار فإنّهم يفوتهم الدين والإسلام، وكان ترجيح هذا الجانب أولى، فأقصى مايقال: إنّ هذا الاجتهاد وقع خطأ إلاّ أنّ الخطاء في الاجتهاد مغفور.
وأمّا قوله ثانياً: إنّ طردهم يوجب كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الظالمين، فجوابه أنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى أنّ أُولئك الفقراء كانوا يستحقّون

1 . الشعراء: 114.      2 . الأنعام: 90 .   3 . الكهف: 28 .
2 . طه: 131 .

صفحه 93
التعظيم من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا طردهم عن ذلك المجلس فكان ذلك ظلماً، إلاّ أنّه من باب ترك الأولى والأفضل، لامن باب ترك الواجبات، وكذا الجواب عن سائر الوجوه، فإنّا نحمل كلّ هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى. انتهى كلامه.1
وأقول: جملة القول في تلك الآية أنّها لاتدلّ على وقوع الطّرد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما ذكروا ذلك انتظر الوحي فنهاه الله تعالى عن ذلك; والأخبار الدالّة على ذلك غير ثابتة، فلا يحكم بها مع معارضة الأدلّة العقليّة والنقليّة الدالّة على عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تقدّم بعضها في باب عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .
ولو سلّم أنّه وقع منه ماذكروه، فلعلّه كان مأذوناً في إيقاع كلّ ما يراه موجباً لهداية الخلق وترغيبهم في الإسلام، ولمّا أظهروا أنّهم يسلمون عند وقوع المناوبة فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) رغبة في إسلامهم، ولمّا علم الله أنّهم لايسلمون بذلك وإنّما غرضهم في ذلك الإضرار بالمسلمين، نهاه الله تعالى عن ذلك، فصار بعد النهي حراماً، وإنّما بيّن تعالى أنّه لو ارتكب ذلك بعد النهي يكون من الظالمين لاقبله. وإنّما أكّد ذلك لقطع أطماع الكفّار عن مثل ذلك، ولبيان الإعتناء بشأن فقراء المؤمنين.
وأمّا قول نوح(عليه السلام): (مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ)فلعلّ المراد الطرد بالكلّيّة، أو على غير جهة المصلحة، ومن غير وعد لإسلام الكافرين معلّقاً عليه.
أويقال: إنّه(عليه السلام) لعلّه نهاه الله عن ذلك، ولمّا لم ينه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدُ كان يجوز له ذلك، وأمّا قوله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)فليس المراد الاقتداء في جميع الأُمور لاختلاف الشرائع، بل المراد الاقتداء بهم في الأُمور الّتي لاتختلف باختلاف الملل والشرائع.
وقال البيضاوي: في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي

1 . تفسير الرازي: 2/233-235 .

صفحه 94
ينخسنّك منه نخس، أي وسوسة تحملك على خلاف ما أُمرت به كاعتراء غضب و فكر.1
وقال الرازي: احتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) بهذه الآية وقالوا: لولا أنّه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية والذنب لم يقل له ذلك.
والجواب عنه من وجوه:
الأوّل: أنّ حاصل هذا الكلام أنّه تعالى قال: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، ولم يدلّ ذلك على الحصول، كما أنّه تعالى قال:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(2) ولم يدلّ ذلك على أنّه أشرك، وقال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)(3) ولم يدلّ ذلك على أنّه حصل فيهما آلهة.
الثاني: هب أنّا سلّمنا أنّ الشيطان يوسوس إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ هذا لا يقدح في عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما القادح في عصمته لو قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وسوسته، والآية لا تدلّ على ذلك.
الثالث: هب أنّا سلّمنا أنّ الشيطان يوسوس إليه، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل أثر وسوسته، إلاّ أنّا نخصّ هذه الحالة بترك الأفضل والأولى، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وإنّه ليران2 على

1 . تفسير البيضاوي: 3/85 .      2 . الزمر: 65 .   3 . الأنبياء: 22 .
2 . في المصدر: ليغان. وظاهر المعنى: غين على قلبه كأنّ شيئاً غشيه; أو: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر، لأنّ قلبه أبداً كان مشغولا بالله تعالى، فإن عرض له وقتاً ما عارض بشري يشغله من أُمور الأُمّة والملّة ومصالحها عدّ ذلك ذنباً وتقصيراً فيفزع إلى الاستغفار. لاحظ : معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 4/407، مادة «غين»; والنهاية لابن الأثير: 3/403، مادة «غين». والرين: الطبع والدنس، وقيل: الصدأ يغشى القلب، وقيل: هو الذنب على الذنب حتّى يسوّد القلب. لسان العرب: 13/192، مادة «رين».
أقول: إنّ الأخذ بالمعنى اللغوي يتنافى مع عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكمال إيمانه ومنزلته السامية، ولايستقيم على قواعد الإمامية، وقد ورد مثله من طريق العامّة والخاصّة كثير، ويمكن الرد على هذه الشبهة، بما يلي:
أ. قال الشريف الرضي في «المجازات النبوية»: 390 برقم 306 معلّقاً على الرواية: وهذا القول مجاز، والمراد أنّ الغم يتغشّى قلبه عليه الصلاة والسلام حتى يستكشف غمّته، ويستفرج كربته بالاستغفار فشبّه ما تغشى قلبه من ذلك بغواشي الغيم التي تستر الشمس...، وسواء قال: يغان على قلبي أويغام.
ب. قال علي بن عيسى الأربلي في «كشف الغمّة»: 3/47: إنّ الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وقلوبهم مشغولة، وخواطرهم متعلّقة بالملأ الأعلى، وهم أبدأ في المراقبة كما قال(عليه السلام): «اعبد الله كأنّك تراه» فهم أبداً متوجّهون إليه، ومقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك المرتبة العلية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً، واعتقدوه خطيئة، فاستغفروا منه ... وإلى هذا أشار بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي ليغان على قلبي...»، وقوله: «حسنات الأبرار سيّئات المقربين»... ـ إلى أن قال: ـ فقد بان بهذا أنّه يعد اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان، معصية يستغفر الله منها، وعلى هذا فقس البواقي وكلّ مايرد عليك من أمثالها.

صفحه 95
قلبي، وإنّي لأستغفرالله في اليوم والليّلة سبعين مرّة».1 انتهى2.
أقول: على أنّه يحتمل أن يكون من قبيل الخطاب العامّ، أو يكون الخطاب متوجّهاً إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به أُمّته كما مرّ مراراً، وسيأتي تأويل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى)في باب قصّة بدر.
قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ)قال الرازي في تفسيره: احتجّ بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من وجهين:
الأوّل: أنّه تعالى قال: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) والعفو يستدعي سابقة الذنب.
والثاني: أنّه تعالى قال: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)وهذا استفهام بمعنى الإنكار، فدلّ هذا على أنّ ذلك الإذن كان معصية.

1 . مستدرك الوسائل: 5/320، ح 2، الباب 22 من أبواب الذكر. وقد ورد في بعض المصادر: في كلّ يوم مائة مرة. راجع: صحيح مسلم: 8/72، باب استحباب الاستغفار، سنن أبي داود: 1/339 برقم 1515; مسند أحمد: 4/260.
2 . تفسير الرازي :15/97-98 .

صفحه 96
والجواب عن الأوّل: لا نسلّم أنّ قوله: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) يوجب الذنب، ولِمَ لايجوز أن يقال: إنّ ذلك يدلّ على مبالغة الله تعالى في تعظيمه وتوقيره; كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظّماً عنده: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله لاعرفت حقي; فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلاّ مزيد التبجيل والتعظيم، وقال عليّ بن الجهم فيما يخاطب به المتوكّل وقد أمر بنفيه:
عفا الله عنك ألا حرمة *** (يجوز بفضلك عن أُبعدا)1
والجواب عن الثاني: أن نقول: لا يجوز أن يكون المراد بقوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)الإنكار، لأنّا نقول: إمّا أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أولم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنّه ما صدر عنه امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)إنكاراً عليه، وإن قلنا: إنّه كان قد صدر عنه ذنب فقوله: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)يدلّ على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجّه الإنكار عليه، فثبت أنّ على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إنّ قوله:(لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)يدلّ على كون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مذنباً، وهذا جواب شاف قاطع، وعند هذا يحمل قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)على ترك الأولى والأكمل، لاسيّما وهذه الواقعة كانت من أحسن ما يتعلّق بالحروب ومصالح الدنيا. انتهى.2
وقال السيّد المرتضى (رضي الله عنه)في كتاب «تنزيه الأنبياء»: أمّا قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ)فليس يقتضي وقوع معصية، ولاغفران عقاب، ولا يمتنع أن يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة; لأنّ أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله وغفرالله لك، وهو لايقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل

1 . في المصدر: تعود بعفوك إن أبعدا.
2 . تفسير الرازي: 16/73-74 .

صفحه 97
ربما لم يخطر بباله أنّ له ذنباً، وإنّما الغرض الإجمال في المخاطبة، واستعمال ما قد صار في العادة علماً على تعظيم المخاطب وتوقيره، وأمّا قوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)فظاهره الاستفهام، والمراد به التقرير واستخراج ذكر علّة إذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب; لأن أحدنا قد يقول لغيره: لم فعلت كذا وكذا؟ تارة معاتباً، وأُخرى مستفهماً، وتارة مقرّراً، فليست هذه اللّفظة خاصّة للعتاب والإنكار، وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن يدّعى فيها أن تكون دالّة على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الأولى والأفضل، وقد بيّنا أنّ ترك الأولى ليس بذنب، وإن كان الثواب ينقص معه، فإن الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)يجوز أن يتركوا كثيراً من النوافل، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الأفضل؟ ولم عدلت عن الأولى؟ ولايقتضي ذلك إنكاراً ولا قبيحاً.1 انتهى كلامه، زيد إكرامه.
أقول: يجوز أن يكون إذنه(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم حسناً موافقاً لأمره تعالى، ويكون العتاب متوجّهاً إلى المستأذنين الّذين علم الله من قبلهم النفاق، أو إلى جماعة حملوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك كما مرّ مراراً، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ)(2) ولا تنافي بين كون استيذانهم حراماً وإذنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ما يظهرونه من الأعذار ظاهراً واجباً أومباحاً، أوتر كاً للأولى.
قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ)قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسّرون في أنّ المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل: هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: غيره.
فأمّا من قال بالأوّل: فاختلفوا فيه على وجوه:
الأوّل: أنّ الخطاب مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: (يَا

1 . تنزيه الأنبياء: 161 .   2 . المائدة: 116 .

صفحه 98
أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)1، وكقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)(2)، وكقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(3)، وكقوله لعيسى(عليه السلام): (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)(4); ومن الأمثلة المشهورة: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى في آخر السورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ دِينِي)2، فبيّن أنّ المذكور في أوّل الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح.
والثاني: أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لو كان شاكّاً في نبوّة نفسه لكان شكّ غيره في نبوّته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلّيّة.
والثالث: أنّ بتقدير أن يكون شاكّاً في نبوة نفسه فكيف يزول ذلك الشكّ بإخبار أهل الكتاب عن نبوّته؟ مع أنّهم في الأكثر كانوا كفّاراً، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلاّ أنّ قوله ليس بحجة، لاسيّما وقد تقرّر أنّ ما في أيديهم من التوراة والإنجيل مصحّف محرّف، فثبت أنّ الحقّ هو أنّ هذا الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسول إلاّ أنّ المراد هو الأُمّة، ومثل هذا معتاد فإنّ السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعيّة بأمر مخصوص فإنّه لايوجّه خطابه عليهم، بل يوجّه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الّذي أمّره عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم.
الثاني: أنّه تعالى علم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يشكّ في ذلك، إلاّ أنّ المقصود أنّه متى سمع هذا الكلام فإنّه يصرّح ويقول: يا ربّ لا أشكّ ولا أطلب الحجّة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة، ونظيره قوله تعالى

1 . الطلاق: 1 .            2 . الأحزاب: 1 .            3. الزمر: 65 .   4 . المائدة: 116 .
2 . يونس: 104 .

صفحه 99
للملائكة: (أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)1 وكما قال لعيسى(عليه السلام): (أَأَنْتَ قُلْتَ)(2) والمقصود منه أن يصرّح عيسى(عليه السلام) بالبراءة من ذلك، فكذا هنا.
والثالث: هو أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان من البشر وكان حصول الخواطر المشوّشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لاتندفع إلاّ بإيراد الدلائل وتقرير البيّنات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتّى أنّ بسببها يزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)(3) وأقول: تمام التقرير في هذا الباب أنّ قوله: إن كنت في شكّ فافعل كذا وكذا، قضّية شرطّية، والقضيّة الشرطيّة لا إشعار فيها البتّة بأنّ الشرط وقع أولم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أولم يقع، بل ليس فيها إلاّ بيان أنّ ماهيّة ذلك الشرط مستلزمة لماهيّة ذلك الجزاء فقطّ، فالفائدة في إنزال هذه الآية تكثير الدلائل وتقويتها بما يزيد في قوّة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوّة.
الرابع: أنّ المقصود استمالة قلوب الكفّار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنّهم طالبوه مرّة بعد أُخرى بما يدلّ على صحّة نبوّته، وكأنّهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، فصار مانعاً لهم من قبول الإيمان، فقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ)من نبوّتك فتمسّك بالدليل الفلاني، إنّ أولى الناس أن لا يشكّ في نبوّته هو نفسه ثمّ مع هذا إن طلب هو من نفسه دليل على نبوّة نفسه بعدما سبق من الدلائل الباهرة فإنّه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح ذلك منه في حقّ نفسه، فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أنّ المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.
الخامس: أن يكون التقدير إنّك لست بشاكّ البتّة، ولو كنت شاكّاً لكان لك

1 . سبأ: 40 .      2 . المائدة: 116 .   3 . هود: 12 .

صفحه 100
طرق كثيرة في إزالة ذلك الشكّ، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)1 والمعنى لو فرض ذلك الممتنع واقعاً لزم منه المحال الفلانيّ، وكذلك هاهنا لو فرضنا وقوع هذا الشكّ فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أنّ هذا الشكّ زائل، وهذه الشبهة باطلة.
السادس: قال الزجّاج: إنّ الله تعالى خاطب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتناول الخلق كقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)قال القاضي: هذا بعيدٌ، لأنّه متى قيل: الرسول داخل تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال.2
السابع: أنّ لفظ «إن» للنفي، يعني لانأمرك بالسؤال لأنّك شاكّ، لكن لتزداد يقيناً، كما ازداد إبراهيم(عليه السلام)بمعاينة إحياء الموتى يقيناً.
وأمّا الوجه الثاني وهو: أن يقال: هذا الخطاب ليس مع الرسول.
وتقريره: أنّ الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة: المصدّقون به، والمكذّبون له، والمتوقّفون في أمره; فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت أيّها الإنسان في شكّ ممّا أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فاسأل أهل الكتاب ليدلّوك على صحّه نبوّته، وإنّما وحّد الله تعالى وهو يريد الجمع، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ)3، و (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)(4)، ولمّا
ذكر لهم4 ما يزيل ذلك الشكّ عنهم حذّرهم من أن يلتحقوا بالقسم الثاني وهم

1 . الأنبياء: 22 .
2 . في المصدر: وهو شامل للخلق، وهو كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) قال: وهذا أحسن الإقاويل، قال القاضي: هذا بعيد، لأنّه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء أُريد معه غيره، أو لم يرد; وإن جاز أن يراد هو مع غيره فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدلّ على قلة التحصيل. انتهى.
3 . الانفطار: 6 .      4 . الانشقاق: 6 .
4 . في المصدر: بعد الآية الثانية: وقوله: (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه، بل المراد هو الجماعة، فكذا هاهنا، ولمّا ذكر الله تعالى لهم.
Website Security Test