welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 3*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 3

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 3
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
3

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
يشتمل هذا الجزء على تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
الجزء الثالث
تأليف
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; إعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); إشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام)، 1393 .
      6 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 551 - 9 (VOL.3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 1. العقائد والمعارف الإسلامية (1): العقل والجهل، العلم، التوحيد، العدل، والمعاد. ج 2. العقائد والمعارف الإسلامية (2): الاحتجاج، النبوّة، قصص الأنبياء. ج 3. تاريخ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1393
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الثالث
المؤلف:   … شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …آية الله الشيخ جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1436 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 850    تسلسل الطبعة الأُولى: 426
مركز التوزيع
قم المقدسة ; ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الخاتم محمد وآله الطيبين الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» وهو يتناول تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بصورة مفصّلة في خمسة وأربعين باباً مبتدئاً بولادته (صلى الله عليه وآله وسلم)والبشائر بمولده من الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، وأسماؤه، ومكارم أخلاقه، وسيره وسننه وفضائله، ووجوب طاعته وحبّه، وآداب العشرة معه وتفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته.
كما تطرّق إلى الآيات الّتي تتعلّق بعصمته (صلى الله عليه وآله وسلم)وتفسير بعض ما يوهم خلاف ذلك، وعقد باباً في سهوه ونومه عن الصلاة والرد عليه ومناقشته.
وتناول أيضاً معجزاته وعلى رأسها القرآن الكريم، وما ظهر له من المعجزات الأُخرى، كانشقاق القمر وردّ الشمس، والإسراء والمعراج، وفي كفاية شرّ الأعداء، وغيرها.
وكذلك تطرّق إلى الهجرة إلى المدينة والأحداث الّتي رافقتها، وغزواته مع المشركين واليهود، وما جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وأحوال أصحابه وأزواجه وأهل بيته(عليهم السلام).
***
وقد ألّفت عدّة مؤلّفات حول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وحياته وتاريخه

صفحه 8
والموارد المذكورة أعلاه، أمّا في مجال التفسير فقد جعلنا الجزء السابع من موسوعتنا «مفاهيم القرآن» (المطبوع في عشرة أجزاء في التفسير الموضوعي) في تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتناول دراسة الآيات الّتي رسمت لنا أبعاد شخصية النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكرت سيرة حياته الشريفة. والكتاب يقع في خمسة عشر فصلاً تناول فيها أكثر المواضيع والأبواب المذكورة في هذا الجزء. وقد طبع الكتاب في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)عدّة طبعات.
أمّا ما يتناول موضوع عصمة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والآيات الّتي تمسّك بها البعض لإثارة الشبهات حول عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك سهوه فقد بحثت فيها مفصّلاً في الجزء الخامس من موسوعتنا ص 231 ـ 335.
ثم إنّي علّقت بعض التعليقات المهمة حول هذا الموضوع تجدها في ثنايا الكتاب عند البحث عن عصمته وسهوه أرجو أن تقع موقع القبول لطلاب العلم وروّاد الحقيقة .
وفي الختام ندعو الله تبارك وتعالى أن يوفقّنا لإكمال بقية الأجزاء والله ولي التوفيق.
 
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدّسة
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ 1436 هـ

صفحه 9
كتاب

تاريخ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

[ الباب الأول]

بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن آدم(عليه السلام)، وبيان حال آبائه العظام، وأجداده الكرام لاسيّما عبدالمطّلب ووالديه عليهم الصلاة والسلام، وبعض أحوال العرب في الجاهلية، وقصة الفيل، وبعض النوادر1

الآيات:

آل عمران (3): (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ). 81 .
الأعراف (7): (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). 172-173 .
الشعراء (26): (الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)2.

1 . بحارالأنوار: 15/2-3، الباب 1 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 149: وهذه استعارة وليس هناك تقلّب منه على الحقيقة، وإنّما المراد به تقلّب أحواله بين المصلّين، وتصرّفه فيهم بالركوع والسجود والقيام والقعود; وذهب بعض علماء الشيعة في تأويل هذه الآية مذهباً آخر فقال: المراد بذلك تقلّب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في أصلاب الآباء المؤمنين، واستدلّ بذلك على أنّ آباءه إلى آدم(عليه السلام)مسلمون لم يختلجهم خوالج الشرك ولم تضرب فيهم أعراق الكفر، تكريماً له(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يجري إلاّ في منزّهات الأصلاب ومطهّرات الأرحام، وهذا الوجه يخرج به الكلام عن أن يكون مستعاراً.

صفحه 10
218-219 .
الأحزاب (33): (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا). 7-8 .

التفسير:

البشائر بمولده ونبوّته من الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)   
قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ): أي واذكر يامحمّد حين أخذ الله الميثاق من النبييّن خصوصاً بأن يصدّق بعضهم بعضاً، ويتّبع بعضهم بعضاً; وقيل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن ينصحوا لقومهم (وَمِنْكَ)يامحمّد; وإنّما قدّمه لفضله وشرفه (وَمِنْ نُوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) خصّ هؤلاء لأنّهم أصحاب الشرائع (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا): أي عهداً شديداً على الوفاء بما حمّلوا من أعباء الرسالة، وتبليغ الشرائع; وقيل: على أن يعلنوا أنّ محمّداً رسول الله، ويعلن محمّد أن لانبيّ بعده (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ)قيل: معناه: إنّما فعل ذلك ليسأل الأنبياء والمرسلين ما الّذي جاءت به أُممكم.1 وقيل: ليسأل الصادقين في توحيد الله وعدله والشرائع (عَنْ صِدْقِهِمْ): أي عمّا كانوا يقولونه فيه تعالى، فيقال لهم: هل ظلم الله أحداً؟ هل جازى كلّ إنسان بفعله؟ هل عذّب بغير ذنب؟ ونحو ذلك، فيقولون: نعم عدل في حكمه، وجازى كلاًّ بفعله; وقيل: معناه:

1 . فى المصدر: ما الّذي أجاب به أُممكم؟ وهو الصواب.

صفحه 11
ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم; وقيل: ليسأل الصادقين ماذا قصدتم بصدقكم؟ وجه الله أوغيره؟1
أقول: سيأتي تفسير سائر الآيات، وسنورد الأخبار المتضمّنة لتأويلها في هذا الباب وغيره.

[ الباب الثاني]

البشائر بمولده ونبوّته من الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليه وعليهم وغيرهم من الكهنة وسائر الخلق، وذكر بعض المؤمنين في الفترة(2)

الآيات:

البقرة (2): (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). 89 .
«وقال تعالى»: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ). 101 .
«وقال سبحانه»: (... وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). 129 .
«وقال تعالى»: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). 146 .
آل عمران (3): (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ

1 . مجمع البيان: 8/123 .   2 . بحارالأنوار: 15/174-179، الباب 2 .

صفحه 12
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).81-82 .
«وقال تعالى»: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ1 وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).187-188 .
الأعراف (7): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ2 فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 157 .
«وقال تعالى»: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). 167 .
الأنبياء (21): (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ). 105 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 16: وهذه استعارة، والمراد بها أنّهم غفلوا عن ذكره وتشاغلوا عن فهمه يعني الكتاب المنزل عليهم، فكأنّه كالشيء الملقى خلف ظهر الإنسان، لايراه فيذكره، ولا يلتفت إليه فينظره.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 41: وهذه استعارة; والمراد بها وضع التكاليف الشاقّة عنهم لتحريم التصرّف في السبوت والأكل من اللحم المتصل بالعروق وما يجري هذا المجرى ممّا وردت شريعة نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم) بطرح كلّه وتخفيف ثقله; لأنّ ذلك مشبّه بالأثقال الباهظة والأغلال اللازمة.

صفحه 13
الشعراء (26): (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاؤُا بَنِي إِسْرَائِيلَ). 196-197 .
القصص (28): (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبي إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ). [إلى قوله تعالى]: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). 44-46 .
الصف (61): (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). 6-7 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ): قال ابن عبّاس: كانت اليهود (يَسْتَفْتِحُونَ): أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه، فلمّا بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود اتّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلام بن مشكم1 أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.(2)
وفي قوله: (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ): مصدّق لكتبهم من التوراة والإنجيل، لأنّه جاء على الصفة الّتي تقدّم بها البشارة.2

1 . في المصدر: سلام بن مسلم.   2 . مجمع البيان: 1/299 .
2 . مجمع البيان: 1/300. وفيه: تقدّمت بها البشارة.

صفحه 14
و في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): روي عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) وابن عبّاس وقتادة أنّ الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا أن يخبروا أُممهم بمبعثه ونعته، ويبشّروهم به، ويأمروهم بتصديقه، وقال طاووس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء على الأوّل والآخر، فأخذ ميثاق الأوّل بماجاء1 به الآخر.
و قال الصادق(عليه السلام): تقديره وإذ أخذ الله ميثاق أُمم النبيّين بتصديق نبيّها، والعمل بما جاءهم به، وإنّهم خالفوه بعدما جاء وما وفوا به، وتركوا كثيراً من شرائعه، وحرّفوا كثيراً منها. والإصر: العهد.(2)
وفي قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)قيل: أراد به اليهود، وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كلّ من أُوتي علماً بشيء من الكتب (لَتُبَيِّنُنَّهُ للناس): أي محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)2 ، لأنّ في كتابهم أنّه رسول الله، وقيل: أي الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا)قيل: هم اليهود الّذين فرحوا بكتمان أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحبّوا أن يحمدوا بأنّهم أئمّة وليسوا كذلك، وقال البلخيّ: إنّ اليهود قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبّاؤُه، وأهل الصلاة والصوم، وليسوا كذلك3 ، ولكنّهم أهل الشرك والنفاق وهو المرويّ عن الباقر(عليه السلام) ، والأقوى أن يكون المعنيّ بالآية من أخبر الله عنهم أنّه أخذ ميثاقهم في أن يبيّنوا أمر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يكتموه.4
و في قوله: (فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) معناه يجدون نعته وصفته ونبوّته مكتوباً في التوراة في السفر الخامس: إنّي سأُقيم لهم نبيّاً من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم: كلّ ما أُوصيه به.

1 . في المصدر: لتؤمنن بما جاء به الآخر.   2 . مجمع البيان: 2/334 .
2 . في المصدر: أي لتظهرنه للناس، والهاء عائدة إلى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 . في المصدر: وليسوا من أولياء الله ولا أحبائه ولا أهل الصلاة والصوم.
4 . مجمع البيان: 2/466-469 .

صفحه 15
وفيها أيضاً مكتوب: وأمّا ابن الأمة1 فقد باركت عليه جدّاً جدّاً، وسيلد اثنى عشر عظيماً، وأُؤخّره لأُمّة عظيمة.
وفيها أيضاً: أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.2
وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع: منها نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كلّه. وفيه أيضاً: قول المسيح للحواريّين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط3 روح الحقّ الّذي لايتكلّم من قبل نفسه، إنّه نذيركم يجمع الحقّ، ويخبر كم بالأُمور المزمعة4، ويمدحني ويشهد لي.
وفيه أيضاً: إنّه إذا جاء قيّد أهل العالم.
قوله تعالى: (إِصْرَهُمْ): أي ثقلهم وهو التكاليف الشاقّة (وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ): أي العهود الّتي كانت في ذمّتهم، وقيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك (وَعَزَّرُوهُ): أي عظّموه ووقّروه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ): أي القرآن.5

1 . والمراد به إسماعيل(عليه السلام) .
2 . قال الحموي في المعجم: 3/171: ساعير: اسم لجبال فلسطين، وهو من حدود الروم، وهو قرية من الناصرة بين طبرية وعكا. وفاران: كلمة عبرانية معرّبة وهي من أسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، وقال ابن ما كولا في إكمال الكمال: 7/80: هي جبال الحجاز، وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران، مجيئه من سيناء تكليمه لموسى(عليه السلام)، وإشراقه من ساعير هو إنزال إلانجيل على عيسى(عليه السلام)، واستعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 . فارقليط: كلمة يونانية، معناها الذي يذكره الناس بالخير ويحمدونه. وهو مرادف لمحمد أو أحمد.
4 . أزمع الأمر وعليه وبه: ثبت عليه وأظهر فيه عزماً. الصحاح للجوهري: 3/1225، مادة «زمع».
5 . مجمع البيان: 4/373-374 .

صفحه 16
أقول: سيأتي في الروايات أنّه أميرالمؤمنين(عليه السلام) .1
و في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ): أي آذن وأعلم (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على اليهود (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ): أي من يذيقهم ويولّيهم شدّة العذاب بالقتل وأخذ الجزية منهم، والمعنيّ به أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)عند جميع المفسّرين، وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام) .2
وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)قيل: الزبور: كتب الأنبياء، والذكر: اللّوح المحفوظ; وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر: التوراة، وقيل: الزبور كتاب داود(عليه السلام)، والذكر: التوراة (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ): أي أرض الجنّة أو الأرض المعروفة يرثها أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال أبوجعفر(عليه السلام): «هم أصحاب المهديّ في آخر الزمان».3
وفي قوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ): أي ذكر القرآن وخبره في كتب الأوّلين على وجه البشارة به وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)(أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ): أي أولم يكن علم علمآء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدّمت البشارة به دلالة لهم على صحّة نبوّته، وهم عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم خمسة: عبدالله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد.4
أسماؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعللها، ومعنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّياً وأنّه كان عالماً بكلّ لسان   
وفي قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبي): أي في الجانب الغربيّ
من الجبل الّذي كلّم الله به موسى، وقيل: بجانب الوادي الغربيّ (إِذْ قَضَيْنَا
إِلَى مُوسَى الأَمْرَ
): أي عهدنا إليه بالرّسالة، وقيل: أراد كلامه معه في وصف

1 . روى العياشي في تفسيره: 2/31 عن أبي بصير في قول الله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) قال أبو جعفر(عليه السلام): «النور: علي(عليه السلام)».
2 . مجمع البيان: 4/385 .
3 . مجمع البيان: 7/119-120. ثم ذكر أخباراً من العامّة تدلّ على قول الأخير.
4 . مجمع البيان: 7/353-354 .

صفحه 17
نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ونبوّته (وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ): أي الله أعلمك ذلك،
وعرّفك إيّاه نعمة من ربّك أنعم بها عليك، وهو أن بعثك نبيّاً، واختارك لإنباء العلم بذلك معجزة لك، لتنذر العرب الّذين لم يأتهم رسول قبلك لكي يتفكّروا ويعتبروا.1

[ الباب الثالث]

أسماؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعللها، ومعنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّياً وأنّه كان عالماً بكلّ لسان، وذكر خواتيمه ونقوشها وأثوابه وسلاحه، ودوابه وغيرها ممّا يتعلّق به(صلى الله عليه وآله وسلم)(2)

الآيات:

الأعراف (7): (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ).157 .
وقال:(فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ ).158 .
التوبة (9): (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)2.128 .

1 . مجمع البيان: 7/442-443 .   2 . بحارالأنوار: 16/82-84، الباب 6 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 53: وهذه استعارة، والمراد بأنفسكم هاهنا ـ والله أعلم ـ : أي من جنس أنفسكم وخلقكم لتكونوا إليه أسكن، وإلى القبول منه أقرب; ويجوز أن يكون من أنفسكم إي من قبيلتكم وعشيرتكم، كما يقول القائل: فلان من أنفس نبي فلان أي من صميم أنسابهم وليس من وشائظهم وملاصقيهم; وقد يجوز أن يكون المراد برسول من أنفسكم أي من أشقائكم وأعزائكم، كما يقول القائل لذي ودّه والقريب من قلبه: أنت من نفسي وأنت من قلبي، أي أنت شقيق النفس وقسيم القلب، وممّا يقوّي ذلك قوله سبحانه: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) . أي لحبّه وميله لكم يعزّ عليه أن تعنتوا وتعاندوا فتحرموا الثواب وتستحقّوا العقاب، وهو حريص على إيمانكم رأفة بكم وأشفاقاً عليكم.

صفحه 18
هود (11): (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير).2 .
العنكبوت (29): (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). 48 .
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا).45-46 .
الفتح (48): (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ).29 .
المزمّل (73): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً).1-2 .
المدثّر (74): (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ)1.1-2 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): الأُمّي ذكر في معناه أقوال:
أحدها: الّذي لا يكتب ولا يقرأ.
وثانيها: أنّه منسوب إلى الأُمّة، والمعنى أنّه على جبلّة الأُمّة قبل استفادة الكتابة; وقيل: إنّ المراد بالأُمّة العرب لأنّها لم تكن تحسن الكتابة.

1 . وهاهنا آيات أُخرى لم يذكرها، المصنّف، منها في سورة آل عمران 143:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ). وفي سورة الأحزاب 40:( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ). وفي سورة محمد 2: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّد). وفي سورة الصف 6:(وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ). بل مقتضى ما يذكر من الروايات وتأويلها أن يذكر آيات أُخرى، كقوله تعالى:(طَهَ)، و (حَم)، و (يَس)، و (النَّجْمِ)، و (الشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، و (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، و (ذِكْراً رَسُولاً)، و (ن وَالْقَلَمِ)، و (عْبُدُ اللّهَ)، وغير ذلك ممّا سيمرّ بك.

صفحه 19
وثالثها: أنّه منسوب إلى الأُمّ، والمعنى أنّه على ماولدته أُمّه قبل تعلّم الكتابة.1
وفي قوله: (مَا عَنِتُّمْ): شديد عليه عنتكم، أي ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان.2
وفي قوله تعالى: (إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ): أي ولو كنت تقرأ كتاباً أو تكتبه لوجد المبطلون طريقاً إلى الشكّ في أمرك، ولقالوا: إنّما يقرأ علينا ما جمعه من كتب الأوّلين، قال السيّد المرتضى قدّس الله روحه: هذه الآية تدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا بعدها فالّذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالماً بالقراءة والكتابة، والتجويز لكونه غير عالم بهما من غير قطع على أحد الأمرين، وظاهر الآية يقتضي أنّ النفي قد تعلّق بما قبل النبوّة دون ما بعدها، ولأنّ التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة، لأنّ المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم) لو كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا بعد النبوّة فلا تعلّق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلّمها من جبرئيل(عليه السلام) بعد النبوّة.3
وقال البيضاوي: (الْمُزَّمِّلُ)أصل المتزمّل، من تزمّل بثيابه: إذا تلفّف بها.4
وقال: (الْمُدَّثِّرُ)المتدثّر، وهو لابس الدثار.5 وسيأتي بيانه في باب المبعث.

1 . وربما يقال: إنّه منسوب إلى أُم القرى وهو غير سديد، لأنّ النسبة إليها يأتي على قروي لا الأُمّي. من إفادات المشرف حفظه الله.
2 . مجمع البيان: 5/149 .
3 . مجمع البيان: 8/32-33 . وراجع رسائل المرتضى: 1/108، علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكتابة والقراءة.
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 404 .
5 . تفسير البيضاوي: 5/410 .

صفحه 20
في معنى كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتيماً وضالاًّ وعائلاً ومعنى انشراح صدره   

[ الباب الرابع]

آخر نادر في معنى كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) يتيماً وضالاًّ وعائلا، ومعنى انشراح صدره، وعلّة يتمه، والعلّة التي من أجلها لم يبق له (صلى الله عليه وآله وسلم) ولد ذكر1

الآيات:

الضحى (93): (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى2 * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).1-11 .
الشرح (94): (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ3 * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *

1 . بحارالأنوار: 16/136-141، الباب 7 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 273: وهذه استعارة، ومعنى سجى أي سكن، والليل لا يسكن وإنّما تسكن حركات الناس فيه، فأجرى تعالى صفة السكون عليه لمّا كان السكون واقعاً فيه.
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 274: وهذا القول مجاز واستعارة لأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لايجوز أن ينتهي عظم ذنبه إلى حال إنقاض الظهر، وهو صوت تقعقع العظام من ثقل الحمل; لأنّ هذا القول لايكون إلاّ كناية عن الذنوب العظيمة والأفعال القبيحة، وذلك غير جائز على الأنبياء في قول من لايجيز عليهم الصغائر ولا الكبائر، وفي قول من يجيز عليهم الصغائر دون الكبائر; لأنّ الله تعالى قد نزّههم عن موبقات الآثام ومستحقات الأفعال، إذ كانوا أُمناء وحيه وألسنة أمره ونهيه وسفرائه إلى خلقه وقد استقصينا الكلام على ذلك في باب مفرد من كتابنا الكبير فنقول: إنّ المراد هاهنا بوضع الوزر ليس على ما يظنّه المخالفون من كونه كناية عن الذنب، وإنّما المراد به ما كان يعانيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور المستصعبة والمواقف الخطرة في أداء الرسالة وتبليغ النذارة، وما كان يلاقيه(صلى الله عليه وآله وسلم) من مضار قومه ويتلقّاه من مرامي أيدي معشره، وكلّ ذلك حرج في صدره وثقل على ظهره، فقرّره الله تعالى بأنّه أزال عنه تلك المخاوف كلّها، وحطّ عن ظهره تلك الأعباء بأسرها، وأداله من أعدائه وفضّله على أكفّائه، وقوّم ذكره على كلّ ذكر، ورفع قدره على كلّ قدر حتى أمن بعد الخيفة واطمأنّ بعد القلقة، وخرج من حقائق الضغطة إلى مفاسح الغبطة، ومن عقال الانقباض إلى محال الانبساط، فلذلك قال سبحانه: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) وهذه الأُمور التي أمتنّ الله تعالى عليه بأنّه فعلها به، متشابهة في المعنى، لأنّ شرح الصدر ووضع الوزر إذا كان بمعنى إزالة الثقل من الهمّ ورفع الذكر أحوال يشبه بعضها البعض، فلا معنى لتأوّل الوزر هنا على أنّه الذنب والمعصية، ولا دليل في الآية على ذلك مع ما في القول به من الغمز في مزايا الأنبياء الذين قد رفع الله سبحانه أقدارهم وأعلى منارهم وألزمنا اتّباع مناهجهم وتقبّل طرائقهم وتقبّل أوامرهم. فإن قال قائل: إنّ هذه السورة مكّية، وكان نزولها وهو(عليه السلام) بعد في حال الخوف والمراقبة وضعف اليد عن المغالبة. قيل له: لايمتنع أن يكون الله تعالى بشّره بما تؤول إليه عواقب أمره من انجلاء الكربة وانحسار اللزبة وقوة السلطان وانتشار الاعلام، فقام المتوقّع من ذلك عنده مقام الواقع لتصديقه وسكونه إلى صحّته، فزال ما كان يعانيه من أثقال الهموم ويقاسيه من خناق الكروب. وهذا جواب مقنع بتوفيق الله وعونه.

صفحه 21
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ). 1-8 .

التفسير:

(وَالضُّحَى): أي وقت ارتفاع الشمس أو النهار(وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أي سكن أهله، أو ركد ظلامه (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) ما قطعك ربك قطع المودّع، وهو جواب القسم (وَمَا قَلَى): أي ما أبغضك (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى): أي من الحوض والشفاعة وسائر ما أعدّ له من الكرامة، أو في الدنيا أيضاً من إعلاء الدّين، وقمع الكافرين.
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى)قال الطبرسي (رحمه الله): إنّه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيماً فآواه الله بأن سخّر له عبدالمطّلب ثمّ أباطالب،1 وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) مات أبوه وهو في بطن أُمّه أوبعد ولادته بمدّة قليلة، وماتت أُمّه وهو ابن سنتين، ومات

1 . في المصدر زيادة هي: وسخره للاشفاق عليه وحببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده، فكفله ورباه، واليتيم من لاأب له.

صفحه 22
جدّه وهو ابن ثماني سنين.
وسئل الصادق(عليه السلام): لِمَ أُوتم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن أبويه؟ فقال: «لئلاّ يكون لمخلوق عليه حقّ».1
(وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى)فيه أقوال.2
(وَوَجَدَكَ عَائِلاً): أي فقيراً لامال لك (فَأَغْنى): أي فأغناك بمال خديجة، ثمّ بالغنائم، وقيل: فأغناك بالقناعة، ورضاك بما أعطاك.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ): أي لا تقهره على ماله فتذهب بحقّه لضعفه. وقيل: أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيماً (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ): أي لاتنهره ولاتردّه إذا أتاك يسألك، فقد كنت فقيراً، فإمّا أن تطعمه، وإمّا أن تردّه ردّاً ليّناً. (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)معناه اذكر نعم الله تعالى وأظهرها وحدّث بها. انتهى كلامه رفع الله مقامه.3

1 . مجمع البيان: 10/383 .
2 . نقل المصنّف (رحمه الله) وجوهاً من «مجمع البيان» إلاّ أنّ المختار عندنا هو ما يلي: تطلق الضلالة على معنيين يجمعهما فقد الهداية، هما:
أ. هيئة نفسانية تحيط بالقلب، فيكفر بالله سبحانه وآياته وبيّناته وأنبيائه ورسله، فضلالة الكفّار والمنافقين بهذا المعنى.
ب. فقد الهداية مع كونه لائقاً بها، كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان ضالاًّ بهذا المعنى أي فاقداً للهداية الذاتية وإنّما هداه الله سبحانه منذ أن تعلقّت مشيئته بهدايته، وربّما يذكر مبدأها الإمام علي (عليه السلام)حيث قال: «وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ». نهج البلاغة: الخطبة 192. وعلى هذا فوزان قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) وزان قوله سبحانه: (الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)طه: 50. وقوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) العصر ـ 2 ـ 3. من إفادات المشرف حفظه الله.
3 . مجمع البيان: 10/381-386 .

صفحه 23
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ): بما يسّرنا لك تلقّي الوحي بعد ما كان يشقّ عليك .1
(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)عبأك الثقيل (الذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)2.3
(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)بالنبوّة وغيرها (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) كضيق الصدر والوزر المنقض للظّهر وضلال القوم وإيذائهم(يُسْراً)كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة، فلاتيأس من روح الله إذا عراك ما يغمّك (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْراً)تكرير للتّأكيد، أو استيناف وعده بأنّ العسر مشفوع بيسر آخر، كثواب الآخرة (فَإِذَا فَرَغْتَ)من التبليغ (فَانْصَبْ)فاتعب في العبادة شكرّاً بما عدّدنا عليك من النعم السالفة، ووعدنا بالنعم الآتية، وقيل: فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)بالسؤال، ولاتسأل غيره، فإنّه القادر وحده على إسعافه4.(5)

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 504. ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، ولذلك عطف عليه قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ).
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 504. وقد فسّر نقض الظهر بثقل المسؤولية أو الجهل بالأحكام أو الحيرة...
3 . أقول: ما ذكره البيضاوي في تفسير الآية أمر غير سديد وذلك لأنّ رقي الروح إلى درجات سامية حتّى يرى ما لا يراه غيره بنور الرسالة، ليس من الأُمور الّتي تؤدي إلى نقض الظهر، بل هي من العوامل الّتي تنشط الروح وتنبسط لها، دون أن تنقض ظهر، فلم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحرّج من الوحي، فعلى ما ذكرنا فلابد أن يكون متعلّق شرح الصدر أمراً ينقض الظهر ويحرج الإنسان، وليس هو إلاّ الأمر التالي: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يعيش بين الوثنيّين الّذين يسودهم منطق القوّة ولم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قادراً على ردعهم عن هذه السلوكيات المنحرفة فكان يضيق صدره بأخلاق قومه وعاداتهم، وفي الوقت نفسه كان يسايرهم للضرورة. فالله سبحانه شرح صدره بإعطائه خلق قويم سام رفيع ويقول في حقّه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)القلم: 4. فيستسهل ما يواجه من الجهّال من كلمات نابية، فكلما انتشر الإسلام انشرح صدره كثيراً وخفّ عليه الأمر. انظر: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 450 ـ 452 . من إفادات المشرف حفظه الله .
4 . في المصدر: إسعافك.   5 . تفسير البيضاوي: 5/504-506 .

صفحه 24
مكارم أخلاقه وسيره وسننه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما أدّبه الله تعالى به   

[ الباب الخامس ]

مكارم أخلاقه وسيره وسننه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما أدّبه الله تعالى به1

الآيات:

آل عمران (3): (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).159 .
الأنعام (6): (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).50 .
الأعراف (7): (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).199 .
التوبة (9): (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ2يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ).61 .
النحل (16): (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ).127 .

1 . بحارالأنوار: 16/196-214، الباب 9 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 48: وهذه استعارة; لأنّ النبيّ (عليه السلام)ليس بأُذن على الحقيقة، وإنّما المراد بذلك معنيان: أحدهما: أن يكون على معنى قول القائل إذا وصف غيره بكثرة الصلاة والصيام أو الأكل والنوم: ما فلان إلاّ صلاة وصوم أو أكل ونوم فيكون معنى ذلك وصفه(عليه السلام) بكثرة الإصغاء إلى الأقوال والأُذن إلى الكلام، والمعنى الآخر أن يكون قولهم هو أُذن أي بمعنى الأُذن السليمة الحاسّة لايخفى عليه شيء من القول المسموع; فكأنّهم وصفوه(عليه السلام) بأنّ قول كلّ قائل يتّصل إلى سمعه ويقرّ في قلبه، وأخرجوا ذلك مخرج الذمّ له(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحاشى له من عيب العائب وطعن الثالب، والقولان يرجعان إلى معنى واحد.

صفحه 25
الكهف (18): (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا).6 .
وقال تعالى: (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).22-24 .
طه (20): (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى).2-3 .
وقال تعالى:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى * وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى). 130-132 .
الشعراء (26): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). 214-220 .
النمل (27): (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ).70 .
إلى قوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ).79 .
وقال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِين).91-92 .
العنكبوت (28): (اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى

صفحه 26
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ1 وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).45 .
الروم (30): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ).60 .
الأحزاب (30): (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً).47-48 .
فاطر (35): (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).8 .
يس (36): (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ).69 .
إلى قوله تعالى: (فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).76 .
(غافر) المؤمن (40): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).55 .
فصّلت (41): (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).34-36 .
الزخرف (43): (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).88-89 .
الأحقاف (46): (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 160:
وهذه استعارة، والمراد بها أنّ الصلاة لطف في الامتناع من المعاصي، فأقيمت مقام الزاجر الناهي; لأنّ فيها من ذكر الله تعالى وتلاوة كلامه وما فيه من بشائر ثوابه ونذائر عقابه، ما هو أدعى الدواعي إلى الطاعات، وأقوى الصوارف عن المقبّحات.

صفحه 27
الْفَاسِقُونَ).35 .
محمد (47): (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ).19 .
ق (50): (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).39-40 .
إلى قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ).45 .
الطور (52): (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)1. 48-49 .
القلم (68): (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ).1-6 .
إلى قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ).48 .
المعارج (70): (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً).5 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 218: وقرئ وإدبار النجوم بكسر الهمزة، وهذه استعارة على القراءتين جميعاً; فمن قرأ بفتح الهمزة كان معناه: وأعقاب النجوم أي أواخرها، إذا انصرفت كما يقال: جاء فلان في أعقاب القوم أي في أواخرهم، وتلك صفة تخصّ الحيوان المتصرّف الذي يوصف بالمجيء والذهاب والإقبال والإدبار، ولكنّها استعملت في النجوم على طريق الاتّساع; فأمّا قراءة من قرأ: وإدبار النجوم بالكسر فمعناه قريب من المعنى الأوّل، فكأنّه تعالى وصفها بالإدبار بعد الإقبال، والمراد بذلك الأُفول بعد الطلوع، والهبوط بعد الصعود.

صفحه 28
الجن (72): (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَداً * قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَني مِنَ اللّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اللّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ـ  إمّا العذاب وإمّا الساعة ـ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً).21-28 .
المزمّل (73): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً1 * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 256: وقد قرئ وطأ بالقصر، وهذه استعارة والمراد بناشئة الليل هاهنا ما ينشأ فعله أي يبدأ به من عمل الليل كالتهجد في أثنائه والتلاوة في آنائه، ومعنى أشد وطأً في قول بعضهم أشد مواطاة، وهو مصدر يقال: واطاه مواطاة ووطاء، أي يواطئ فيها السمع القلب واللسان العمل، لقلّة الشواغل العارضة واللوافت الصارفة، ولأنّ البال فيها أجمع والقلب أفرغ والقراءة فيها أقوم والصلاة أسلم. ومن جعل وطأ هاهنا اسماً لما يستوطئ ويفترش كالمهاد وما يجري مجراه، فإنّه ذهب إلى أنّ عمل الليل أوعث مقاماً وأصعب مراراً، وعندهم أنّ كلّ ما ينشأ بالليل من قراءة أو تهجّد أو طروق أو ترحل أشق على فاعله وأصعب على مستعمله; لأنّ الليل موحش هائل ومخوف محاذر، وكلّ ما وقع فيه ممّا أومأنا إليه كان كالنسيب له والشبيه به. ومن قرأ وطا بالقصر فالمعنى فيه قريب من المعنى الأوّل، والمراد أنّ قيام الليل أشدّ وطأً عليك، أي أصعب وأشقّ كما يقول القائل هذا الأمر شديد الوطأة عليّ إذا وصف بلوغه منه وصعوبته عليه، ومع أنّ عمل الليل أشدّ كلفة وشقّة فهو أقوم صلاة وقراءة للمعنى الذي قدّمنا ذكره.

صفحه 29
وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً).1-11 .
إلى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).20 .
المدثر (74): (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 1 * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ).1-7 .
الدهر (76): (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً * وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً).23-26 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 258: وهذه استعارة على بعض التأويلات، وهو أن تكون الثياب هاهنا كناية عن النفس أو عن الأفعال والأعمال الراجعة إلى النفس قال الشاعر:
ألا ابلغ أبا حفص رسولا   فدىً لك من أخي ثقة ازاري
قيل: أراد فدى لك نفسي، وكذلك قول الفرزدق:
سكّنت جروتها وقلت لها اصبري   وشددت في ضيق المقام ازاري
أي شددت نفسي وذّمرت قلبي والإزار والثياب يتقارب معناهما، وعلى هذا فسّروا قول امرئ القيس: (فسلى ثيابي من ثيابك تنسل) أي نفسي من نفسك أو قلبي من قلبك ويقولون: فلان طاهر الثياب، أي طاهر النفس أو طاهر الأفعال; فكأنّه سبحانه قال: ونفسك فطهّر، أو أفعالك فطهّر. وقد يجوز أن تكون الثياب هاهنا بمعنى آخر وهو أنّ الله تعالى سمّى الأزواج لباساً فقال: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)[البقرة:187] واللباس والثياب بمعنى واحد، فكأنّه تعالى أمره أن يستطهر النساء، أي يختارهنّ طاهرات من دنس الكفر ودرن العيب، لأنهنّ مظان الاستيلاد ومضامّ الأولاد.

صفحه 30

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (فَبِمَا رَحْمَة)ما زائدة (مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ): أي أنّ لينك لهم ممّا يوجب دخولهم في الدين (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا): أي جافياً سيِّئ الخلق (غَلِيظَ الْقَلْبِ): أي قاسي الفؤاد، غير ذي رحمة (لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)لتفرّق أصحابك عنك، (فَاعْفُ عَنْهُمْ)ما بينك وبينهم (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ)ما بينهم وبيني (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ): أي استخرج آرائهم، واعلم ماعندهم، واختلف في فائدة مشاورته إيّاهم مع استغنائه بالوحي على أقوال:
أحدها: أنّ ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتألّف لهم، والرفع من أقدارهم.
وثانيها: أنّ ذلك ليقتدي به أُمّته في المشاورة، ولا يرونها نقيصة، كما مدحوا بأنّ أمرهم شورى بينهم.
وثالثها: أنّ ذلك لأمرين: لإجلال أصحابه، وليقتدي أُمّته به في ذلك.
ورابعها: أنّ ذلك ليمتحنهم بالمشاورة، ليتميّز الناصح من الغاشّ.
وخامسها: أنّ ذلك في أُمور الدنيا، ومكائد الحرب، ولقاء العدوّ، وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم.1
(فَإِذَا عَزَمْتَ): أي فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه، ورووا عن جعفر بن محمّد، وعن جابر بن يزيد «فَإِذَا عُزِمْتَ» بالضمّ، فالمعنى إذا عزمت لك ووفّقتك وأرشدتك (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ): أي فاعتمد على الله، وثق به، وفوّض أمرك إليه، وفي هذه الآية دلالة على تخصيص نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، ومن عجيب أمره أنّه كان أجمع الناس لدواعي الترفّع، ثمّ كان أدناهم إلى التواضع، وذلك أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان أوسط الناس نسباً، وأوفرهم حسباً،

1 . مجمع البيان: 2/428 .

صفحه 31
وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم، وهذه كلّها من دواعي الترفّع، ثمّ كان من تواضعه أنّه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح،1 ويجيب دعوة المملوك، يجلس في الأرض، ويأكل في الأرض،2وكان يدعو إلى الله من غير زبر3 ولا كهر4 ولا زجر، ولقد أحسن من مدحه في قوله:
فمـا حملـت مـن نـاقـة فـوق ظهـرهـا *** أبرّ وأوفى ذمّـةً مـن محمّـد 5
وفي قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللّهِ): أي خزائن رحمته، أو مقدوراته، أو أرزاق الخلائق (وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ)الّذي يختصّ الله تعالى بعلمه، وإنّما أعلم ما علّمني (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ): أي لا أقدر على مايقدر عليه الملك، فأُشاهد من أمرالله وغيبه ما تشاهده الملائكة (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)يريد ما أخبركم إلاّ بما أنزل الله إليّ.(6)
أقول: الحاصل أنّي لا أقدر أن آتيكم بمعجزة وآية إلاّ بما أقدرني الله عليه، وأذن لي فيه، ولا أعلم شيئاً إلاّ بتعليمه تعالى، ولا أعلم شيئاً من قبل نفسي إلاّ بإلهام أو وحي منه تعالى، ولا أقول: إنّي مبرّأ من الصفات البشريّة من الأكل

1 . نضح البعير الماء: حمله من نهر و بئر لسقي الزرع فهو ناضح، سمّي بذلك; لأنّه ينضح الماء أي يصبه، والأُنثى ناضحة، والجوامع نواضح، وهذا أصله ثم استعمل الناضح في كلّ بعير وإن لم يحمل الماء. مجمع البحرين: 4/326، مادة «نضح».
2 . في المصدر: ويأكل على الأرض.
3 . الزبر ـ بالفتح ـ : الزجر والمنع، يقال: زبره يزبره ـ بالضم ـ زبراً إذا انتهره. صحاح الجوهري: 2/667، مادة «زبر».
4 . الكهر: الانتهار، وقد كهره يكهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. النهاية لابن الأثير: 4/212، مادة «كهر».
5 . مجمع البيان: 2/428-429 .   6 . مجمع البيان: 4/59 .

صفحه 32
والشرب وغير ذلك.
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ): أي ما عفا من أموال الناس، أي ما فضل من النفقة، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شيء موقّت، ثمّ نزلت آية الزكاة فصار منسوخاً بها، وقيل: معناه خذ العفو من أخلاق الناس، واقبل الميسور منها، وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)يعني بالمعروف، وهو كلّ ما حسن في العقل فعله أو الشرع (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): أي أعرض عنهم عند قيام الحجّة عليهم، والأياس من قبولهم، ولا تقابلهم بالسفه صيانةً لقدرك.1
وفي قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ): أي يستمع إلى ما يقال له ويصغي إليه ويقبله (قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ): أي يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي،2 أو هو يسمع الخير ويعمل به. ومنهم من قرأ: (أُذُنُ خَيْر لَكُمْ)بالرفع والتنوين فيهما، فالمعنى أنّ كونه أُذناً أصلح لكم، لأنّه يقبل عذركم، ويستمع إليكم، ولو لم يقبل عذركم لكان شرّاً لكم، فكيف تعيبونه بما هو أصلح لكم؟ (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ): أي لايضرّه كونه أُذناً فإنّه أُذن خير فلا يقبل إلاّ الخبر الصادق من الله، ويصدّق المؤمنين أيضاً فيما يخبرونه، ويقبل منهم، دون المنافقين، وقيل: «يؤمن للمؤمنين»: أي يؤمنهم فيما يلقي إليهم من الأمان. (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ): أي وهو رحمة لهم لأنّهم إنّما نالوا الإيمان بهدايته ودعائه إيّاهم.3
وفي قوله تعالى: (وَاصْبِرْ): أي فيما تبلّغه من الرسالة، وفيما تلقاه من الأذى

1 . مجمع البيان: 4/415 .
2 . في المصدر: أي هو أذن خير يستمع إلى ماهو خير لكم وهو الوحي.
3 . مجمع البيان: 5/79-80 .

صفحه 33
(وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ): أي بتوفيقه وتيسيره وترغيبه فيه (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ): أي على المشركين في إعراضهم عنك، فإنّه يكون الظفر والنصرة لك عليهم، ولا عتب عليك في إعراضهم. (وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ): أي لا يكن صدرك في ضيق من مكرهم بك وبأصحابك، فإنّ الله يردّ كيدهم في نحورهم.1
وفي قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ): أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الّذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الارض ينبوعاً، تمرّداً منهم على ربّهم. (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ): أي القرآن (أَسَفاً): أي حزناً وتلهّفاً.(2)
وفي قوله تعالى: (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ): أي فلا تجادل الخائضين في أمر الفتية وعددهم (إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً): أي إلاّ بما أظهرنا لك من أمرهم، أي إلاّ بحجّة ودلالة وإخبار من الله سبحانه أو إلاّ مراءً يشهده الناس ويحضرونه، فلو أخبرتهم في غير مرأى من الناس لكذبوا عليك، ولبسوا2 على الضعفة، فادّعوا أنّهم كانوا يعرفونه، لأنّ ذلك من غوامض علومهم. (وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً): أي لا تستخبر في أهل الكهف وعددهم من أهلّ الكتاب أحداً، والخطاب له(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد غيره.
(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) فيه وجهان:
أحدهما: أنّه نهي من الله سبحانه لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول: إنّي أفعل شيئاً في الغد، إلاّ أن يقيّد ذلك بمشيّة الله تعالى، فيقول: إن شاءالله تعالى، وفيه إضمار القول.
وثانيهما: أنّ قوله: (أَنْ يَشَاءَ اللّهُ) بمعنى المصدر، وتقديره: ولا تقولنّ إنّي فاعل شيئاً غداً إلاّ بمشيّة الله، والمعنى لا تقل: إنّي أفعل إلاّ ما يشاءالله ويريده من

1 . مجمع البيان: 6/211-212 .   2 . مجمع البيان: 6/310 .
2 . لبس عليه الأمر: خلطه. وفي الحديث: «في الأمر لُبسة» بالضم أي شبهة. صحاح الجوهري: 3/973 .

صفحه 34
الطاعات.1 (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ): أي إذا نسيت الاستثناء ثمّ تذكّرت فقل: إن شاءالله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة، وقد روي ذلك عن أئمّتنا(عليهم السلام)، ويمكن أن يكون الوجه فيه أنّه إذا استثنى بعد النسيان فإنّه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثّر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام، وفي إبطال الحنث وسقوط الكفّارة في اليمين; وقيل: معناه واذكر ربّك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب; وقيل: إنّه أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، ومعناه واذكر ربّك إذا نسيت شيئاً بك إليه حاجة يذكره لك ; وقيل: المراد به الصلاة، والمعنى إذا نسيت صلاة فصلّها إذا ذكرتها.2
أقول: يحتمل أن يكون الخطاب متوجّهاً إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به غيره، ويمكن أن يكون المراد بالنسيان الترك، وسيأتي الكلام فيه إنّ شاءالله تعالى.
ثمّ قال في قوله: (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً): أي قل: عسى أن يعطيني ربّي من الآيات والدلالات على النبوّة ما يكون أقرب إلى الرشد وأدلّ من قصّة أصحاب الكهف.3
قوله تعالى: (طَه)ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ معناه يا رجل بلسان الحبشيّة أو النبطيّة،4 وقيل: هو من أسماء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقال الطبرسي: روي عن الحسن أنّه قرأ «طَه» بفتح الطاء وسكون الهاء، فإن

1 . في المصدر: ويريده، وإذا كان الله تعالى لايشاء إلاّ الطاعات فكأنّه قال: لاتقل: إنّي أفعل إلاّ الطاعات.
2 . مجمع البيان: 6/329-331 .
3 . مجمع البيان: 6/332 .
4 . وقال الكلبي: هي بلغة عك، وأنشد لتميم بن نويرة:
هتفت بطه في القتال فلم يجب    فخفت لعمري أن يكون موائلا
وقال الآخر:
إن السفاهة طه من خلائقكم   لا بارك الله في القوم الملاعين
قاله الطبرسي.

صفحه 35
صحّ فأصله (طأ) فأُبدل من الهمزة هاء، ومعناه طأ الأرض بقدميك جميعاً، فقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه، فأنزل الله: (طَه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)فوضعها، وروي ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام)، وذكر أنّه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كلّ هذا التعب.1
قوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، قال البيضاوي: ما أنزلناه عليك لتتعب بفرط تأسّفك على كفر قريش، إذ ما عليك إلاّ أن تبلّغ، أوبكثرة الرياضة وكثرة التهجّد والقيام على ساق، والشقاء شائع بمعنى التعب، وقيل: ردّ وتكذيب للكفرة، فإنّهم لمّا رأواكثرة عبادته قالوا: إنّك لتشقى بترك ديننا، وإنّ القرآن أُنزل عليك لتشقى به (إِلاَّ تَذْكِرَةً)لكن تذكيراً، وانتصابه على الاستثناء المنقطع (لِمَنْ يَخْشَى)لمن في قلبه خشية ورقّة يتأثّر بالإنذار، أو لمن علم الله منه أنّه يخشى بالتخويف منه، فإنّه المنتفع به.(2)
قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)قيل: أي وصلّ وأنت حامد لربّك على هدايته وتوفيقه، أونزّهه عن الشرك وعن سائر ما يضيفون إليه من النقائص حامداً له على ما ميّزك بالهدى، معترفاً بأنّه المولى للنّعم كلّها (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)يعني الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)يعني الظهر والعصر، لأنّهما في آخر النهار، أو العصر وحده (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) ساعاته (فَسَبِّحْ)يعني المغرب والعشاء، وقيل: صلاة اللّيل (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)تكرير لصلاتي الصبح والمغرب، إرادة الاختصاص، أو أمر بصلاة الظهر، فإنّه نهاية النصف الأوّل من النهار، وبداية النصف الأخير (لَعَلَّكَ تَرْضَى): أي سبّح في هذه الأوقات طمعاً أن تنال عندالله ما به ترضي نفسك (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ): أي نظر عينيك (إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ)استحساناً وتمنّياً أن يكون لك مثله (أَزْوَاجاً مِنْهُمْ)أصنافاً من الكفرة (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)الزهرة: الزينة والبهجة،

1 . مجمع البيان: 7/6-7 .   2 . تفسير البيضاوي: 4/40 .

صفحه 36
منصوب بمحذوف دلّ عليه (مَتَّعْنَا)أو به على تضمينه معنى أعطينا (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ): أي لنبلوهم ونختبرهم فيه، أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه (وَرِزْقُ رَبِّكَ)وما ادّخره لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوّة (خَيْرٌ)ممّا منحهم في الدنيا (وَأَبْقَى)فإنّه لا ينقطع.1
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ)قال الطبرسي: أي أهل بيتك وأهل دينك بالصلاة، روى أبو سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت هذه الآية كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يأتي باب فاطمة وعليّ تسعة أشهر وقت كلّ صلاة فيقول: الصلاة يرحمكم الله، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً. ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت(عليهم السلام) وعن غيرهم، مثل أبي بردة(2)، وأبي رافع.
وقال أبوجعفر(عليه السلام): «أمره الله تعالى أن يخصّ أهله دون الناس ليعلم الناس أنّ لأهله عندالله منزلة ليست للنّاس، فأمرهم مع الناس عامّة، وأمرهم خاصّة».2
(وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا): أي واصبر على فعلها وعلى أمرهم بها (لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً)لخلقنا ولا لنفسك، بل كلّفناك للعبادة وأداء الرسالة، وضمنّا رزق جميع العباد (نَحْنُ نَرْزُقُكَ)الخطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به جميع الخلق، أي نرزق جميعهم ولا نسترزقهم (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى.(4)
قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ): أي ليّن جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه: إذا أراد أن ينحطّ (الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ): أي إلى التهجّد، أو للإنذار (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ): أي تردّدك في تصفّح أحوال المتهجّدين، كما روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نسخ فرض قيام اللّيل طاف تلك اللّيلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من

1 . تفسير البيضاوي: 4/76-78 .   2 . في المصدر: أبي برزة .
2 . لاحظ: تفسير القمي: 2/67 .   4 . مجمع البيان: 7/68 .

صفحه 37
دندنتهم1 بذكر الله والتلاوة، أو تصرّفك فيما بين المصلّين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أمّهم2.3
قال الطبرسي: وقيل: معناه وتقلّبك في أصلاب الموحّدين من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّاً، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام)، قالا: «في أصلاب النبيّين نبيّ بعد نبيّ حتّى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح، من لدن آدم».(4)
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ): أي سبب للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها، من حيث إنّها تذكّر الله وتورث للنّفس خشية منه، أو الصلاة الكاملة هي الّتي تكون كذلك، فإن لم تكن كذلك فكأنّها ليست بصلاة، كما روى الطبرسي4 مرسلا عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل؟ فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه».
(وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ): أي ذكر الله إيّاكم برحمته أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته، أوذكر العبد لله في جميع الأحوال أكبر الطاعات، أو أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر.(6)
قوله تعالى: (فَاصْبِرْ): أي على أذاهم (إِنَّ وَعْدَ اللّهِ)بنصرتك وإظهار دينك على الدين كلّه (حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ): أي ولا يحملنّك على الخفّة والقلق (الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)بتكذيبهم.(7)

1 . الدندنة أن تسمع من الرجل نغمة ولاتفهم ما يقول، وقيل: الدندنة: الكلام الخفي. لسان العرب: 13/16، مادة «دنن».
2 . في تفسير البيضاوي: أممتهم.
3 . تفسير الكشّاف: 3/132; تفسير البيضاوي: 4/255 .   4 . مجمع البيان: 7/ 358 .
4 . مجمع البيان: 8/29 .   6 . مجمع البيان: 8/29 .   7 . تفسير البيضاوي: 4/343 .

صفحه 38
قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيراً)على سائر الأُمم (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)تهييج له على ماهو عليه من مخالفتهم (وَدَعْ أَذَاهُمْ): أي إيذاءهم إيّاك، ولا تحتفل به،1 أو إيذاءك إيّاهم مجازاةً ومؤاخذةً على كفرهم، ولذلك قيل: إنّه منسوخ. (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)موكولا إليه الأمر في الأحوال كلّها.2
قوله تعالى: (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات): أي فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيّهم وإصرارهم على التكذيب. (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)فيجازيهم عليه.(3)
قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)قال البيضاوي: ردّ لقولهم: إنّ محمّداً شاعر، أي ما علّمناه الشعر بتعليم القرآن، فإنّه غير مقفّى ولا موزون، وليس معناه مايتوخّاه3 الشعراء من التخييلات المرغّبة والمنفّرة (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)وما يصحّ له الشعر ولا يتأتّى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم4 طبعه نحواً من أربعين سنة، وقوله:
أنا النبيّ لا كذب *** أنا ابن عبد المطّلب
و قوله:
هل أنتِ إلاّ أصبع دميتِ *** وفي سبيل الله ما لقيتِ
اتّفاقيّ من غير تكلّف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات، على أنّ الخليل ماعدّ المشطور من الرجز شعراً، وروي أنّه حرّك

1 . ما حفل به وما احتفل به أي ما بالى به. تاج العروس: 7/281، مادة «حفل».
2 . تفسير البيضاوي: 4/379 .   3 . تفسير البيضاوي: 4/412 .
3 . وخيت وخيك: قصد قصدك، وتوخيت مرضاتك أي تحريت وقصدت. صحاح الجوهري: 6/252، مادة «وخى».
4 . في المصدر: خبرتم.

صفحه 39
البائين، وكسر التاء الأُولى بلا إشباع، وسكن الثانية، وقيل: الضمير للقرآن أي وما يصحّ للقرآن أن يكون شعراً.1
وفي قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ): وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى(2) والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنّه تعالى كافيك في النصر وإظهار الأمر. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ): ودم على التسبيح والتحميد لربّك، وقيل: صلّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكّة ركعتان2 بكرةً، وركعتان عشاءً.3
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ): أي في الجزاء وحسن العاقبة (ادْفَعْ): أي السيّئة حيث اعترضتك (بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)منها وهي الحسنة، أو بأحسن ما يمكن رفعها به من الحسنات (فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ): أي إذا فعلت ذلك صار عدوّك المشاقّ مثل الوليّ الشفيق (وَمَا يُلَقَّاهَا)أي هذه السجيّة وهي مقابلة الإساءة بالإحسان (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا)فإنّها تحبس النفس عن الإنتقام (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم)من الخير وكمال النفس، وقيل: الحظّ العظيم: الجنّة (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي نخس،4 شبّه به وسوسته لأنّها بعث على مالا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ (فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ)من شرّه ولا تطعه (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ)لاستعاذتك (الْعَلِيمُ) بنيّتك أو بصلاحك.5
وفي قوله تعالى: (وَقِيلِهِ): عطف على (السَّاعَةَ):6 أي وقول الرسول

1 . تفسير البيضاوي: 4/440 .   2 . في المصدر: كترك الأولى.
2 . الصحيح كما في المصدر: ركعتين بكرة، وركعتين عشاء.
3 . تفسير البيضاوي: 5/97 .
4 . أي ازعاج وتهييج. لسان العرب: 6/229، مادة «نخس».
5 . تفسير البيضاوي: 5/115-116 .
6 . في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(منه قدس سره).

صفحه 40
(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)فأعرض عن دعوتهم آيساً عن إيمانهم (وَقُلْ سَلاَمٌ)تسلّم منكم ومتاركة (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)تسلية للرّسول، وتهديد لهم.1
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ): أي لكفّار قريش بالعذاب فإنّه نازل بهم في وقته لامحالة (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار)استقصروا من هوله مدّة لبثهم في الدنيا حتّى يحسبونها ساعة (بَلاَغٌ): أي هذا الّذي وعظتم به، أو هذه السورة كفاية، أو تبليغ من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .2
قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّهُ).
قال الطبرسي (رحمه الله): أي أقم على هذا العلم، واثبت عليه، وقيل: يتعلّق بما قبله، أي إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله، أي يبطل الممالك3 عند ذلك فلا ملك ولا حكم لأحد إلاّ الله، وقيل: إنّ هذا إخبار بموته، أي فاعلم أنّ الحيّ الّذي لايموت هو الله وحده، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)الخطاب له والمراد به الأُمّة،4 وقيل: المراد به الانقطاع إلى الله تعالى، فإنّ الاستغفار عبادة يستحقّ به الثواب. (وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ)أي متصرّفكم في أعمالكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة إلى الجنّة أو إلى النار، وقيل: متقلّبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأُمّهات (وَمَثْوَاكُمْ): أي مقامكم في الأرض، وقيل: متقلّبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم في القبور، وقيل: متصرّفكم بالنهار،5 ومضجعكم باللّيل.(6)
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ): أي نزّهه عن العجز عمّا يمكن، والوصف بما يوجب التشبيه، حامداً له على ما أنعم عليك من إصابة الحقّ

1 . تفسير البيضاوي: 5/156 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/187 .
3 . في المصدر: يبطل الملك.
4 . زاد في المصدر: وإنّما خوطب بذلك لتستن أُمّته بسنّته.
5 . في المصدر: متصرّفكم في النهار.   6 . مجمع البيان: 9/170-171 .

صفحه 41
وغيرها (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)يعني الفجر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ): أي وسبّحه بعض اللّيل (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)وأعقاب الصلاة، وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة، فالصلاة قبل الطلوع الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن اللّيل العشاءان والتهجّد، وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)فيه أقوال:
أحدها: أنّ المراد به الركعتان بعد المغرب (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)الركعتان قبل الفجر عن عليّ والحسن بن عليّ(عليهما السلام) .
وثانيها: أنّه التسبيح بعد كلّ صلاة.
وثالثها: أنّه النوافل بعد المفروضات.
ورابعها: أنّه الوتر من آخر اللّيل. وروي2 ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام).(3)
قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار).
قال البيضاوي: أي بمسلّط3 تقسرهم على الإيمان، أو تفعل بهم ماتريد، وإنّما أنت داع.(5)
وفي قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ): بإمهالهم وإبقائك في عنائهم (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)في حفظنا بحيث نراك ونكلأك (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)عن أيّ مكان قمت، أومن منامك، أو إلى الصلاة (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)فإنّ العبادة فيه أشقّ على النفس وأبعد عن الرياء (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)وإذا أدبرت النجوم من آخر اللّيل.4

1 . تفسير البيضاوي: 5/232 .
2 . المصدر خال عن العاطف.   3 . مجمع البيان: 9/250 .
3 . في المصدر: بمتسلّط.   5 . تفسير البيضاوي: 5/233 .
4 . تفسير البيضاوي: 5/250 .

صفحه 42
وقال الطبرسي (رحمه الله): يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام) .1
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (ن): من أسمآء الحروف، وقيل: اسم الحوت والمراد به الجنس، أو الدواة، فإنّ بعض الحيتان يستخرج منه شيء أسود يكتب به.(2)
(وَالْقَلَمِ)قال البيضاوي: هو الّذي خطّ اللّوح، أو الّذي يخطّ به، أقسم به لكثرة فوائده (وَمَا يَسْطُرُونَ)وما يكتبون، والضمير للقلم بالمعنى الأوّل على التعظيم، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس، وإسناد الفعل إلى الآلة وإجرائه(3) مجرى أُولي العلم لإقامته مقامه، أولأصحابه، أوللحفظة، وما مصدريّة أو موصولة (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون)جواب القسم، والمعنى ما أنت بمجنون منعماً عليك بالنبوّة وحصافة2 الرأي (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً)على الاحتمال أو الإبلاغ (غَيْرَ مَمْنُون)مقطوع، أو ممنون به عليك من الناس، فإنّه تعالى يعطيك بلاتوسّط (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)إذ تحتمل من قومك مالايحتمله أمثالك3 (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)أيّكم الّذي فتن بالجنون، والباء مزيدة، أوبأيّكم الجنون، على أنّ (الْمَفْتُونُ) مصدر، أوبأيّ الفريقين منكم الجنون؟ أبفريق المؤمنين، أوبفريق الكافرين؟ أي في أيّهما من يستحقّ هذا الاسم (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم (وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)يونس (إِذْ نَادَى)في بطن الحوت (وَهُوَ مَكْظُومٌ)مملوء غيظاً في الضجرة فتبتلى ببلائه.4
وقال الطبرسي (رحمه الله): (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم): أي على دين عظيم، وقيل:

1 . مجمع البيان: 9/283 .      2 . تفسير البيضاوي: 5/368 .   3 . في المصدر: و إجراؤه .
2 . الحصيف: المحكم العقل، وإحصاف الأمر: إحكامه. صحاح الجوهري: 4/1344، مادة «حصف».
3 . في المصدر: إذ تتحمّل من قومك مالا يتحمل امثالك.
4 . تفسير البيضاوي: 5/368-376 .

صفحه 43
معناه إنّك متخلّق بأخلاق الإسلام، وعلى طبع كريم، وقيل: سمّي خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه.
و يعضده ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق».1
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي».2
وقال: وأخبرني السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسينيّ، عن أبي القاسم الحسكانيّ بإسناده عن الضحّاك بن مزاحم قال: لمّا رأت قريش تقديم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً(عليه السلام) وإعظامه له نالوا من عليّ(عليه السلام) ، وقالوا: قد افتتن به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)قسم أقسم الله به (مَا أَنْتَ)يا محمّد (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)يعني القرآن إلى قوله: (بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)وهم النفر الّذين قالوا ما قالوا (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)3.(4)
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (مُلْتَحَداً): أي منحرفاً وملتجئاً (إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اللّهِ)استثناء من قوله: (لاَ أَمْلِكُ)فإنّ التبليغ إرشاد وإنفاع، أومن (مُلْتَحَداً)، و (رِسَالاَتِهِ)عطف على (بَلاَغاً مِنَ اللّهِ) .
(وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ)في الأمر بالتوحيد، إذ الكلام فيه (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة (قُلْ إِنْ أَدْري): أي ما أدري (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً)غاية يطول مدّتها، كأنّه لمّا سمع المشركون (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)قالوا: متى يكون؟ إنكاراً، فقيل: قل: إنّه كائن لا محالة، ولكن لا أدري وقته (فَلاَ يُظْهِرُ)فلا يطّلع (عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً): أي على الغيب المخصوص به علمه (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى)يعلم بعضه حتّى يكون له معجزة (مِنْ رَسُول) بيان لـ (من).

1 . سنن البيهقي: 10/192; كنز العمال: 11/420 برقم 31969; مكارم الأخلاق للطبرسي: 8 .
2 . الجامع الصغير للسيوطي: 1/51 برقم 310; كنز العمال: 11/406 برقم 31895.
3 . شواهد التنزيل: 2/359 برقم 1006 .   4 . مجمع البيان: 10/86-87 .

صفحه 44
(فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ)من بين يدي المرتضى (وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)حرساً من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا): أي ليعلم النبيّ الموحى إليه أن قد أبلغ جبرئيل والملائكة النازلون بالوحي، أو ليعلم الله أن أبلغ1 الأنبياء بمعنى ليتعلّق علمه به موجوداً (رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ)كما هي محروسة عن التغيير(وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)بما عند الرسل (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَداً)حتّى القطر والرمل.(2)
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ): أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها (إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)الاستثناء من (اللَّيْلَ)، و (نِصْفَهُ) بدل من (قَلِيلاً) وقلّته بالنسبة إلى الكلّ، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين، والناقص عنه كالثلث، أو (نِصْفَهُ) بدل من (اللَّيْلَ)والاستثناء منه، والضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للأقلّ من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والأكثر منه كالنصف، أو للنّصف، والتخيير بين أن يقوم أقلّ منه على البتّ، وأن يختار أحد الأمرين من الأقلّ والأكثر، أو الاستثناء من أعداد اللّيل، فإنّه عامّ، والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكّن السامع من عدّها (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)2 يعني القرآن. فإنّه لما فيه من التكاليف الشاقّة ثقيل على المكلّفين، أورصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أوثقيل على المتأمّل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسّر، وتحديد للنّظر، أو ثقيل في الميزان، أو على الكفّار والفجّار، أو

1 . في المصدر: أن قد أبلغ.   2 . تفسير البيضاوي: 5/401-403 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 256: وهذه استعارة; لأنّ القرآن كلام وهو عرض من الأعراض والثقل والخفّة من صفات الأجسام، والمراد بها صفة القرآن بعظم القدر ورجاحة الفضل كما يقول القائل: فلان رصين رزين وفلان راجح ركين إذا أراد صفته بالفضل الراجح والقدر الوازن.

صفحه 45
ثقيل تلقّيه لقول عائشة: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه،1 وإنّ جبينه ليرفضّ2 عرقاً (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ)إنّ النفس الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، من نشأ من مكانه: إذا نهض، أوقيام اللّيل على أنّ الناشئة له، أو العبادة الّتي تنشأ باللّيل، أي تحدث، أوساعات اللّيل، فإنّها تحدث واحدة بعد أُخرى، أو ساعاتها الأُول من نشأت: إذا ابتدأت (هِيَ أَشَدُّ وَطْأً): أي كلفة، أوثبات قدم (وَأَقْوَمُ قِيلاً)وأسدّ مقالا، أوأثبت قراءة لحضور القلب، وهدوء الأصوات (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً)3 تقلّباً في مهامّك واشتغالاً بها، فعليك بالتهجّد، فإنّ مناجاة الحقّ تستدعي فراغاً (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ)ودم على ذكره ليلاً ونهاراً (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً)وانقطع إليه بالعبادة، وجرّد نفسك عمّا سواه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)خبر محذوف، أو مبتدأ خبره (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) .
(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)مسبّب عن التهليلة، فإنّ توحّده بالأُلوهيّة يقتضي أن توكل إليه الأُمور (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)من الخرافات (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً)بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافيهم، وتكل أمرهم إلى الله كما قال: (وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ)دعني وإيّاهم، وكل إليّ أمرهم (أُولِي النَّعْمَةِ)أرباب التنعّم، يريد صناديد قريش (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً)زماناً أو إمهالاً (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْني مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)استعار الأدنى للأقلّ، لأنّ الأقرب إلى الشيّ أقلّ بعداً منه، و (نِصْفَهُ) و (ثُلُثَهُ)عطف على(أَدْنى).

1 . الانفصام: الانقطاع، وانفصم عنه أي انقطع. لسان العرب: 12/453، مادة «فصم».
2 . ارفضاض الدمع: ترششه، ويرفضّ عرقاً أي يسيل ويجري. مجمع البحرين: 2/202، مادة «رفض».
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 257: وهذه استعارة، والمراد بها المضطرب الواسع والمجال الفاسح، وذلك مأخوذ من السباحة في الماء وهي الاضطراب في غمراته والتقلّب في جهاته، فكأنّه سبحانه قال: إنّ لك في النهار مصرفاً متّسعاً، ومذهباً منفسحاً تقضي فيه أوطارك وتبلغ آرابك.

صفحه 46
(وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)ويقوم ذلك جماعة من أصحابك (وَاللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلاّ الله (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): أي لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)بالترخيص في ترك القيام المقدور، ورفع التبعة فيه (فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)فصلّوا ما تيسّر عليكم من صلاة اللّيل، عبّر عن الصلاة بالقراءة1 كما عبّر عنها بسائر أركانها، قيل: كان التهجّد واجباً على التخيير المذكور، فعسر عليهم القيام به فنسخ به، ثمّ نسخ هذا بالصلوات الخمس، أو فاقرأوا القرآن بعينه كيفما تيسّر عليكم (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)استيناف يبيّن حكمة أُخرى مقتضية للتّرخيص والتخفيف، ولذلك كرّر الحكم مرتّباً عليه، وقال: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ)والضرب في الأرض: ابتغاء للفضل، أو المسافرة للتّجارة، و تحصيل العلم.(2)
فضائله وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما امتنّ الله به على عباده   
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ): أي المتدثّر، وهو لابس الدثار، وسيأتي القول فيه (قُمْ)من مضجعك، أو قم قيام عزم وجدّ (فَأَنْذِرْ)مطلق للتّعميم، أو مقدّر بمفعول دلّ عليه قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).
(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)وخصّص ربّك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقداً وقولا، (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)من النجاسات فإنّ التطهير واجب في الصلاة، محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة كتقصيرها مخافة جرّ الذيول فيها، وهو أوّل ما أُمر به من رفض العادات المذمومة، أو طهّر نفسك من الأخلاق والأفعال الذميمة أو فطهّر دثار النبوّة عمّا يدنّسه من الحقد والضجر وقلّة الصبر،(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدّي إليه من الشرك وغيره من القبائح (وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)ولا تعط مستكثراً، نهي عن الاستغزار،(3) وهو أن يهب

1 . في المصدر: بالقرآن.      2 . تفسير البيضاوي: 5/404-408 .   3 . في المصدر: الاستفزاز.

صفحه 47
شيئاً طامعاً في عوض أكثر، نهي تنزيه، أو نهياً خاصّاً به(صلى الله عليه وآله وسلم) ، (وَلاَ تَمْنُنْ)على الله بعبادتك مستكثراً إيّاها، أو على الناس بالتبليغ مستكثراً به الأجر منهم، أو مستكثراً إيّاه (وَلِرَبِّكَ)ولوجهه أو أمره(فَاصْبِرْ)فاستعمل الصبر، أو فاصبر على مشاقّ التكاليف وأذى المشركين.1
وفي قوله تعالى: (وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً): أي كلّ واحد من مرتكب الإثم، الداعي لك إليه، ومن الغالي في الكفر الداعي إليه. (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي وداوم على ذكره، أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإنّ الأصيل يتناول وقتيهما (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ)وبعض اللّيل فصلّ له، ولعلّ المراد به صلاة المغرب والعشاء (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)وتهجّد له طائفة طويلة من اللّيل.2

[ الباب السادس]

فضائله وخصائصه(صلى الله عليه وآله وسلم) وما امتنّ الله به على عباده3

الآيات:

البقرة (2): (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ).119 .
آل عمران (3): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ).68 .

1 . تفسير البيضاوي: 5/410-412 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/430-431 .
3 . بحارالأنوار: 16/299-313، الباب 11 .

صفحه 48
الأعراف (7): (فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).158 .
وقال تعالى: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).188 .
الأنفال (8): (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).26 .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).33 .
التوبة (9): (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). إلى قوله تعالى: (وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ). 61-63 .
وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).128-129 .
هود (11): (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).17 .
الحجر (15): (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).72 .
إلاسراء (17): (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ).
إلى قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً).59.

صفحه 49
وقال تعالى: (وَمِنَ الليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)1.79-81 .
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً).105 .
الأنبياء (21): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).107 .
الأحزاب (33): (النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ).6 .
وقال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ2 وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً).40 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً).45-46 .
سبأ (34): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 102: وهذه استعارة; لأنّهم يقولون: زهقت نفس فلان إذا خرجت. ومنه قوله تعالى: (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) فالمراد ـ والله أعلم ـ : وهلك الباطل إن الباطل كان هالكاً، تشبيهاً له بمن فاضت نفسه وانتقضت بنيته; لأنّ الباطل لامساك ولا سماك لبنائه .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 171 : على قراءة مَن قرأ خاتم ففتح التاء وكسرها والمعنيان متّفقان، وهذه استعارة والمراد بها أنّ الله تعالى جعله(صلى الله عليه وآله وسلم) حافظاً لشرائع الرسل(عليهم السلام) وكتبهم، وجامعاً لمعالم دينهم وآياتهم، كالخاتم الذي يطبع به على الصحائف وغيرها ليحفظ ما فيها ويكون علامة عليها. وفيه أيضاً معنى آخر وهو أنّ الخاتم الذي يختم به ما يكتب بعد الفراغ من كتابته على الأغلب، فكأنّه من هذا الوجه يدلّ على أنّ الله سبحانه بعثه بعد تقضي مباعث الرسل وانقطاع إرسالهم إلى الأُمم، ولم يبق منهم من يرجى مورده ولا ينتظر مولده.

صفحه 50
يَعْلَمُونَ).28 .
الفتح (48): (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ).28-29 .
النجم (53): (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى).1-6 .
الحشر (59): (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).7 .
الجمعة (62): (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).2-4 .
الطلاق (65): (الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللّهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).10-11 .
الكوثر(108): (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ). 1-3 .

التفسير:

(وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)فيه تسلية للرّسول بأنّه ليس عليه

صفحه 51
إجبارهم على القبول، وليس عليه إلاّالبلاغ، وإنّه لا يؤاخذ بذنبهم.1
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ): أي أخصّهم به، وأقربهم منه، أو أحقّهم بنصرته بالحجّة أو بالمعونة (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)من أُمّته (وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة، أو يتولّون نصرته بالحجّة لما كان عليه من الحقّ (وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإيمانهم.(2)
(وَكَلِمَاتِهِ): أي ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه.2
(قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا): أي جلب نفع ولادفع ضرر، وهو إظهارٌ للعبوديّة والتبرّي من ادّعاء العلم بالغيوب من قبل نفسه (إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ)من ذلك فيلهمني إيّاه ويوفّقني له (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ): أي لو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضارّ حتّى لا يمسّني سوء.(4)
ويحتمل أن يكون المعنى لو كنت أعلم الغيب من قبل نفسي بغير وحي من الله لكنت أستعمله في جلب المنافع ودفع المضارّ، ولكنّي لمّا كنت أعلمه بالوحي لاجرم أنّي راض بقضائه تعالى، ولا أسعى في دفع ما أعلم وقوعه عليّ من المصائب بقضائه تعالى، فلاينافي ما سيأتي أنّهم(عليهم السلام) كانوا يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كذا خطر بالبال والله يعلم حقيقة الحال.
(وَاذْكُرُوا)الخطاب للمهاجرين أو للعرب (إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ)في أرض مكّة تستضعفكم قريش أو العرب، كانوا أذلاّء في أيدي الروم (تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ)التخطّف: الأخذ بسرعة، والناس: كفّار قريش أو من عداهم، فإنّهم كانوا جميعاً معادين مضادّين لهم (فَآوَاكُمْ)إلى المدينة، أوجعل لكم مأوى تتحصّنون به عن أعاديكم (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ)على الكفّار، أو بمظاهرة الأنصار، أو

1 . مجمع البيان: 1/368 .   2 . تفسير البيضاوي: 2/50-51; مجمع البيان: 2/318 .
2 . تفسير البيضاوي: 3/65 .   4 . تفسير البيضاوي: 3/81 .

صفحه 52
بإمداد الملائكة يوم بدر (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)يعني الغنائم أحلّها لكم، ولم يحلّها لأحد قبلكم، أو الأعمّ ممّا أعطاهم من الأطعمة اللّذيذة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)هذه النعم.1
(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ): أي ما كان الله يعذّب أهل مكّة بعذاب الاستيصال وأنت مقيم بين أظهرهم لفضلك، ويحتمل الأعمّ، كما سيأتي في الأخبار أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) أمان لأهل الأرض من عذاب الاستيصال (وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)المراد باستغفارهم إمّا استغفار من بقي فيهم من المؤمنين لم يهاجروا، فلمّا خرجوا أذن الله في فتح مكّة، أو الأعمّ بالنسبة إلى جميع أهل البلاد والأزمان.(2)
(مَنْ يُحَادِدِ اللّهَ)المحادّة: المشاقّة والمخالفة.
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)قال الطبرسي(رحمه الله): القراءة المشهورة (مِنْ أَنْفُسِكُمْ)بضمّ الفاء، وقرأ ابن عبّاس وابن عليّة وابن محيصن والزهريّ مِنْ أَنْفَسكُمْ بفتح الفاء، أي من أشرافكم ومن خياركم، وعلى المشهور أي من جنسكم، قيل: ليس في العرب قبيلة إلاّ وقد ولدت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وله فيهم نسب، وقيل: معناه أنّه من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهليّة عن الصادق(عليه السلام)، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): أي شديد عليه عنتكم وما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ)أي على من لم يؤمن أن يؤمن (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)الرأفة: شدّة الرحمة.
قال الطبرسي قيل: رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين; أو رؤوف بأقربائه، رحيم بأوليائه; أورؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره، وقال بعض السلف: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلاّ للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه قال:

1 . تفسير البيضاوي: 3/101-102; مجمع البيان: 4/454 .   2 . مجمع البيان: 4/461 .

صفحه 53
(بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)وقال: (إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.(2)
(فَإِنْ تَوَلَّوْا)عنك وأعرضوا عن قبول قولك والإقرار بنبوّتك (فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ)أي الله كافي.2
قوله تعالى:(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ)المراد به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والبيّنة القرآن، أو الأعمّ منه ومن المعجزات والبراهين، أو المؤمنون، والبيّنة: الحجّة (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ): أي ويتّبعه من يشهد بصحّته منه، فقيل: هو جبرئيل يتلو القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وستأتي الأخبار المستفيضة بأنّه أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وذهب إليه كثير من مفسّري الخاصّة والعامّة،3 وقيل: هو ملك يسدّده ويحفظه، وقيل: هو القرآن على الاحتمال الأخير (وَمِنْ قَبْلِهِ) أي قبل القرآن أو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)(كِتَابُ مُوسَى)يشهد له (إِمَاماً)يؤتمّ به في أُمور الدين(وَرَحْمَةً): أي نعمة من الله على عباده (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ): أي النبيّ والشاهد، أو الشاهد باعتبار الجنس، فإنّه يشمل الأئمّة(عليهم السلام) أو المؤمنون يؤمنون بالنبيّ، أو القرآن (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ): أي من مشركي العرب وفرق الكفّار (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)مصيره ومستقرّه (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة): أي في شكّ (مِنْهُ): أي من القرآن، أو الموعد، والخطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به الأُمّة أوعامّ.
قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ).
قال الطبرسي (رحمه الله): أي وحياتك يامحمّد، ومدّة بقائك،4 قال ابن عبّاس: ما

1 . البقرة: 143 والحج: 65 .   2 . مجمع البيان: 5/146-149 .
2 . مجمع البيان: 5/149 .
3 . لاحظ: تفسير العياشي: 2/142، ح 11 وح 13; تفسير القمّي: 2/297; تفسير فرات: 187 و 188; التبيان: 5/461; مجمع البيان: 5/254-255; جامع البيان: 12/22; تفسير ابن أبي حاتم: 6/2014; تفسير الرازي: 17/201; تفسير القرطبي: 9/16; الدر المنثور: 3/324 .
4 . في المصدر ومدّة بقائك حيّاً .

صفحه 54
خلق الله عزّوجلّ ولا ذرأ ولابرأ نفساً أكرم عليه من محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلاّ بحياته.1
قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ): أي الّتي اقترحتها قريش: من قلب الصفا ذهباً، وإحياء الموتى وغير ذلك (إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ)من الأُمم السابقة فعذّبوا بعذاب الاستيصال، إذ عادة الله تعالى في الأُمم أنّ من اقترح منهم آية فأُجيب إليها ثمّ لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستيصال، وقد صرفه الله تعالى عن هذه الأُمّة ببركة النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً): أي لانرسل الآيات المقترحة إلاّ تخويفاً من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم; ويحتمل أن يكون المراد القرآن والمعجزات الواقعة، فإنّها تخويف وإنذار بعذاب الآخرة.(2)
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ).
قال الطبرسي (رحمه الله): خطاب للنّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي فصلّ بالقرآن، ولا يكون التهجّد إلاّ بعد النوم ; عن مجاهد وأكثر المفسّرين، وقال بعضهم: ما يتقلّب به في كلّ اللّيل يسمّى تهجّداً، والمتهجّد: الّذي يلقي الهجود أي النوم عن نفسه، كما يقال: المتحرّج والمتأثّم (نَافِلَةً لَكَ): أي زيادة لك على الفرائض، لأنّ صلاة اللّيل كانت فريضة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وفضيلة لغيره، وقيل: كانت واجبة عليه فنسخ وجوبها بهذه الآية، وقيل: إنّ معناه فضيلة لك وكفّارة لغيرك،2 وقيل: نافلة لك ولغيرك، وإنّما اختصّه بالخطاب لما في ذلك من دعاء الغير للاقتداء به3 (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)عسى من الله واجبة، والمقام بمعنى البعث، فهو مصدر من

1 . مجمع البيان: 6/125 .   2 . مجمع البيان: 6/264-265 .
2 . في المصدر: لأنّ كل إنسان يخاف أن لا يقبل فرضه فيكون نفله كفّارة، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لايحتاج إلى كفّارة.
3 . في المصدر: إلى الاقتداء به، والحث على الاستنان بسنته.

صفحه 55
غير جنسه، أي يبعثك يوم القيامة بعثاً أنت محمود فيه، ويجوز أن يجعل البعث بمعنى الإقامة، أي يقيمك ربّك مقاماً تحمدك فيه الأوّلون والآخرون وهو مقام الشفاعة، يشرّف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفّع، وقد أجمع المفسّرون1 على أنّ المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وهو المقام الّذي يشفع فيه للنّاس، وهو المقام الّذي يعطى فيه لواء الحمد، فيوضع في كفّه، وتجتمع تحته الأنبياء والملائكة، فيكون(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل شافع وأوّل مشفّع.2
(وَقُلْ)يا محمّد (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق)المدخل والمخرج مصدر الإدخال والإخراج، فالتقدير أدخلني إدخال صدق، وأخرجني إخراج صدق، وفي معناه أقوال:
أحدها: أنّ المعنى أدخلني في جميع ما أرسلتني به إدخال صدق، وأخرجني منه سالماً إخراج صدق.
وثانيها: أدخلني المدينة، وأخرجني منها إلى مكّة للفتح.
وثالثها: أنّه اُمر بهذا الدعاء إذا دخل في أمر، أو خرج من أمر، والمراد أدخلني في كلّ أمر مدخل صدق.
ورابعها: أدخلني القبر مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، ومدخل الصدق: ما تحمد عاقبته في الدنيا والدين (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً): أي اجعل لي عزّاً أمتنع به ممّن يحاول صدّي عن إقامة فرائضك، وقوّة

1 . لاحظ: مجمع البيان: 6/284; تفسير العياشي 2/314 برقم 148; التبيان: 6/512; تفسير الكشّاف: 2/462; جامع البيان: 10/121برقم 12858; تفسير الرازي: 3/56; تفسير البيضاوي: 3/462 .
2 . روى ابن ماجة في سننه: 2/1440 برقم 4308 باسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا سيد ولدآدم ولا فخر، وأنا أوّل مَن تنشقّ الأرض عنه يوم القيامة ولافخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر»، ولاحظ: مسندأحمد: 3/2; سنن الدارمي: 1/26 و27; سنن الترمذي: 5/248 برقم 3695; أمالي الطوسي: 271 برقم 506 .

صفحه 56
تنصرني بها على من عاداني فيك، وقيل: اجعل لي ملكاً عزيزاً أقهر به العصاة، فنصر بالرعب حتّى خافه العدوّ على مسيرة شهر، وقيل: حجّة بيّنة أتقوّى بها على سائر الأديان، وسمّاه نصيراً لأنّه يقع به النصرة على الأعداء فهو كالمعين (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ): أي ظهر الحقّ وهو الإسلام والدين (وَزَهَقَ): أي بطل (الْبَاطِلُ)وهو الشرك، وروي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال: دخل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مكّة، وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنماً، فجعل يطعنها ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً): أورده البخاريّ في الصحيح.1 قال الكلبيّ: فجعل2 ينكب لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكّة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمّد (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً): أي مضمحلاّ ذاهباً هالكاً لاثبات له.(3)
وفي قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ): أي نعمةً عليهم، قال ابن عبّاس: رحمةً للبرّ والفاجر والمؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة للكافر بأن عوفي ممّا أصاب الأُمم من الخسف والمسخ.
و روي أنّ النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرئيل لمّا نزلت هذه الآية: هل أصابك من
هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لمّا أثنى3
عليّ بقوله: (ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين)(5).4 وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما
أنا رحمة مهداة».5
وقيل: إنّ الوجه في أنّه نعمة على الكافر أنّه عرضه للإيمان والثواب الدائم

1 . صحيح البخاري: 3/108، باب هل تكسر الدنان الّتي فيها الخمر...، كتاب المظالم.
2 . في المصدر: فجعل الصنم.   3 . مجمع البيان: 6/284-285 .
3 . في المصدر: لماً أثنى الله.   5. التكوير: 20 .
4 . تفسير السمرقندي:2/445; الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض:1/17; سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: 10/307 .
5 . سنن الدارمي: 1/9; مستدرك الحاكم: 1/35; الجامع الصغير للسيوطي: 1/395 برقم 2583.

صفحه 57
وهداه وإن لم يهتد، كمن قدّم الطعام إلى جائع فلم يأكل فإنّه منعم عليه وإن لم يقبل.1
وفي قوله تعالى: (النَّبيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ): قيل: فيه أقوال:
أحدها: أنّه أحقّ بتدبيرهم، وحكمه عليهم أنفذ من حكمهم على أنفسهم لوجوب طاعته.
وثانيها: أنّه أولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعته أولى لهم من طاعة أنفسهم.
وثالثها: أنّ حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض، وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أراد غزوة تبوك وأمر النّاس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأُمّهاتنا، فنزلت.(2)
وفي قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ): الّذين لم يلدهم، وفي هذا بيان أنّه ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته، فلهذا أشار إليهم فقال: (مِنْ رِجَالِكُمْ) وقد ولد له(صلى الله عليه وآله وسلم) أولاد ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيّب، والمطهّر، فكان أباهم، وقد صحّ أنّه قال للحسن(عليه السلام): «إنّ ابني هذا سيّد».2
وقال أيضاً للحسن والحسين(عليهما السلام): «ابناي هذان إمامان قاما أوقعدا».3
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلاّ أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم».4
وقيل: أراد بقوله: (رِجَالِكُمْ)البالغين من رجال ذلك الوقت، ولم يكن أحدٌ

1 . مجمع البيان: 7/121 .   2 . مجمع البيان: 8/121-122 .
2 . صحيح البخاري: 3/170، كتاب الصلح، باب قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للحسن بن علي(عليه السلام): ابني هذا سيّد; وج 8/99، كتاب الفتن; سنن أبي داود: 2/311 و 405; سنن الترمذي: 5/323.
3 . علل الشرائع: 1/211، ح 2; روضة الواعظين: 156; مناقب ابن شهرآشوب: 3/163 .
4 . كشف الغمة: 1/54; مناقب ابن شهر آشوب: 3/158 .

صفحه 58
من أبنائه رجلا في ذلك الوقت(وَلَكِنْ رَسُولَ اللّهِ): أي ولكن كان رسول الله لايترك ما أباحه الله تعالى بقول الجهّال; وقيل: إنّ الوجه في اتّصاله بما قبله أنّه أراد سبحانه ليس يلزم طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمه لمكان النسب بينه وبينكم، ولمكان الأُبوّة، بل إنّما يجب ذلك عليكم لمكان النبوّة (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ): أي وآخر النبيّين، ختمت النبوّة به، فشريعته باقية إلى يوم الدين.1
وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً): على أُمّتك فيما يفعلونه من طاعة ومعصية وإيمان وكفر، لتشهد لهم وعليهم يوم القيامة (وَمُبَشِّراً)لمن أطاعني وأطاعك بالجنّة (وَنَذِيراً)لمن عصاني وعصاك بالنار (وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ)والإقرار بوحدانيّته، وامتثال أوامره ونواهيه (بِإِذْنِهِ): أي بعلمه وأمره (وَسِرَاجاً مُنِيراً)يهتدى بك في الدين كما يهتدى بالسراج، والمنير الّذي يصدر النور من جهته إمّا بفعله، وإمّا لأنّه سببٌ له، فالقمر منيرٌ، والسراج منيرٌ بهذا المعنى، والله منير السماوات والأرض، وقيل: عنى بالسراج المنير القرآن، والتقدير: ذا سراج.(2)
وفي قوله تعالى: (إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ): أي عامّة للنّاس كلّهم: العرب والعجم وسائر الأُمم، ويؤيّده الحديث المرويّ عن ابن عبّاس، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت خمساً ولا أقول فخراً: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُحلّ لي المغنم ولم يحلّ لأحد قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمّتي يوم القيامة».2

1 . مجمع البيان: 8/165 .   2 . مجمع البيان: 8/168 .
2 . المصنّف لابن أبي شيبة: 7/410; منتخب مسند عبد بن حميد: 216; تفسير الثعلبي: 8/90 وقد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ مع تقديم وتأخير في: مسند أحمد: 1/301; صحيح البخاري: 1/86، كتاب التيمّم باسناده عن جابر; صحيح مسلم: 2/63، باب المساجد ومواضع الصلاة باسناده عن جابر; سنن الدارمي: 2/224 باسناده عن أبي ذر.
وفي أمالي الصدوق: 285، ح 6; المجلس 38 باسناده عن إسماعيل الجعفي أنّه سمع أبا جعفر الباقر(عليه السلام) يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأُحلّ لي المغنم، ونصرت بالرعب، وأُعطيت جوامع الكلم، وأُعطيت الشفاعة». و رواه أيضاً في «من لايحضره الفقيه»: 1/240 برقم 724، والخصال: 292.

صفحه 59
وقيل: معناه جامعاً للنّاس بالإنذار والدعوة، وقيل: كافّاً للنّاس، أي مانعاً لهم عمّا هم عليه من الكفر والمعاصي بالوعد والوعيد، والهاء للمبالغة.1
وفي قوله تعالى: (بِالْهُدَى): أي بالدليل الواضح، أو بالقرآن (وَدِينِ الْحَقِّ): أي الإسلام (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): أي ليظهر دين الإسلام بالحجج والبراهين على جميع الأديان; وقيل: بالغلبة والقهر والانتشار في البلدان; وقيل: إنّ تمام ذلك عند خروج المهدي(عليه السلام)، فلا يبقى في الأرض دين سوى دين الإسلام.(2)
وفي قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)فيه أقوال:
أحدها: أنّ الله أقسم بالقرآن إذ أُنزل نجوماً متفرّقةً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في ثلاث وعشرين سنة، فسمّي القرآن نجماً لتفرّقه في النزول.2
وثانيها: أنّه أراد به الثريّا، أقسم بها إذا سقطت وغابت مع الفجر، والعرب تطلق اسم النجم على الثريّا خاصّة.
وثالثها: أنّ المراد به جماعة النجوم إذا هوت، أي سقطت وغابت وخفيت عن الحسّ، وأراد به الجنس.
ورابعها: أنّه يعني به الرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع، وروت العامّة عن جعفر الصادق(عليه السلام) أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج، ولمّا نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب، فجاء إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: كفرت بالنجم وبربّ النجم، فدعا(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وقال:

1 . مجمع البيان: 8/217 .   2 . مجمع البيان: 9/212 .
2 . في المصدر بزيادة: والعرب تسمّي التفريق: تنجيماً، والمفرق: منجماً.

صفحه 60
«اللّهمْ سلّط عليه كلباً من كلابك» فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق وألقى الله عليه الرعب، فقال لأصحابه: أنيموني بينكم، ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس.1
(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)يعني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي ما عدل عن الحقّ وما فارق الهدى، وما غوى فيما يؤدّيه إليكم، ومعنى غوى ضلّ، وإنّما أعاده تأكيداً، وقيل: معناه ماخاب عن إصابة الرشد; وقيل: ماخاب سعيه بل ينال ثواب الله وكرامته. (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى): أي وليس ينطق بالهوى وميل الطبع (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى): أي ما القرآن وما ينطق به من الأحكام إلاّ وحي من الله يوحى إليه. أي يأتيه به جبرئيل، وهو قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)يعني جبرئيل، أي القويّ في نفسه وخلقته.(ذُو مِرَّة): أي ذو قوّة وشدّة في خلقه عن الكلبيّ، وقيل: معناه ذو صحّة وخلق حسن; وقيل: شديد القوى في ذات الله، ذو مرّة، أي صحّة من الجسم، سليم من الآفات والعيوب; وقيل: ذو مرّة، أي ذو مرور في الهواء، ذهاباً وجائياً ونازلا وصاعداً. (فَاسْتَوَى)جبرئيل(عليه السلام) على صورته الّتي خلق عليها بعد انحداره إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا): أي ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه وارضوا به، وما أمركم به فافعلوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فإنّه لا يأمر ولا ينهى إلاّ عن أمر الله، وروى زيد الشحّام عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: ما أعطى الله نبيّاً من الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطى محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لسليمان(عليه السلام): (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب)وقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).(3)

1 . مجمع البيان: 9/287. ولاحظ: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي: 3/377; كنزالعمال: 12/439; تفسير الكشّاف: 4/27; تفسير الثعلبي: 9/135; تفسير الرازي: 32/167.
2 . مجمع البيان: 9/287-288 .   3 . مجمع البيان: 9/432 .

صفحه 61
وفي قوله تعالى: (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ)يعني العرب، وكانت أُمّة أُميّة لاتكتب ولاتقرأ، ولم يُبعث إليهم نبيّ، (رَسُولاً مِنْهُمْ)يعني محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، نسبه نسبهم، وهو من جنسهم، ووجه النعمة في أنّه جعل النبوّة في أُمّيّ موافقة لما تقدّمت البشارة به في كتب الأنبياء السالفة، ولأنّه أبعد من توهّم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم الّتي تلاها، والكتب الّتي قرأها، وأقرب إلى العلم بأنّ ما يخبرهم به من أخبار الأُمم الماضية والقرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلاّ بالوحي (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ): أي يقرأ عليهم القرآن (وَيُزَكِّيهِمْ): أي ويطهّرهم من الكفر والذنوب، ويدعوهم إلى مايصيرون به أزكياء (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)الكتاب: القرآن، والحكمة: الشرايع; وقيل: إنّ الحكمة تعمّ الكتاب والسنّة وكلّ ما أراده الله تعالى، فإنّ الحكمة هي العلم الّذي يعمل عليه فيما يجتبى، أو يجتنب من أُمور الّدين والدنيا (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين)معناه: وما كانوا من قبل بعثه إليهم إلاّ في عدول عن الحقّ، وذهاب عن الدين بيّن ظاهر(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ): أي ويعلم آخرين من المؤمنين (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)وهم كلّ من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإنّ الله سبحانه بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إليهم، وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة; وقيل: هم الأعاجم ومن لايتكلّم بلغة العرب، وروي ذلك عن أبي جعفر(عليه السلام). وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية فقيل له: من هؤلاء؟ فوضع يده على كتف سلمان وقال: لو كان الدين1 في الثريّا لنالته رجال من هؤلاء.
وعلى هذا فإنّما قال: (مِنْهُمْ) لأنّهم إذا أسلموا صاروا منهم; وقيل: إنّ قوله: (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) يعني في الفضل والسابقة، فإنّ التابعين لايدركون شأن السابقين من الصحابة وخيار المؤمنين(وَهُوَ الْعَزِيزُ)الّذي لايغالب (الْحَكِيمُ)في جميع

1 . في المصدر: الإيمان.

صفحه 62
أفعاله (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ)يعني النبوّة الّتي خصّ الله بها رسوله (يُؤْتِيهِ): أي يعطيه (مَنْ يَشَاءُ)بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة وتحمّل أعباء الرسالة (وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)ذوالمنّ العظيم على خلقه ببعث محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).1
وفي قوله تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً)يعني القرآن; وقيل: يعني الرسول، روي ذلك عن أبي عبدالله(عليه السلام) (رَسُولاً)إمّا بدل من (ذِكْراً) فالرسول إمّا جبرئيل أو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مفعول محذوف، أي أرسل رسولا، فالرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مفعول قوله: (ذِكْراً)أي أنزل إليكم أن ذكر رسولاً، فالرسول يحتمل الوجهين، يجوز على الأوّل أن يكون المراد بالذكر الشرف، أي ذا ذكر، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم.2
وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ): اختلفوا في تفسير الكوثر، فقيل: هو نهر في الجنّة، وروي عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: «نهر في الجنّة أعطاه الله نبيّه عوضاً من ابنه».
وقيل: هو حوض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي يكثر الناس عليه يوم القيامة.
وقيل: الكوثر: الخير الكثير.
وقيل: هو النبوّة والكتاب.
وقيل: هو القرآن.
وقيل: هو كثرة الأشياع والأتباع.
وقيل: هو كثرة النسل والذّريّة.3
وقيل: هو الشفاعة، رووه عن الصادق(عليه السلام) واللّفظ محتمل للكلّ، فيجب أن

1 . مجمع البيان: 10/6-7 .
2 . مجمع البيان: 10/49-50 .
3 . هذا المعنى هو الأنسب لسبب النزول وأظهر لقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ).

صفحه 63
يحمل على جميع ما ذكر من الأقوال، فقد أعطاه الله سبحانه الخير الكثير في الدنيا، ووعده الخير الكثير في الآخرة.
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)أمره سبحانه بالشكر على هذه النعمة العظيمة بأن قال: (فَصَلِّ) صلاة العيد (وَانْحَرْ)هديك; وقيل: فصلّ لربّك صلاة الغداة المفروضة بجمع،1 وانحر البدن بمنى; وقيل صلّ المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك، وتقول العرب: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي يستقبله.
وعن عليّ(عليه السلام) معناه ارفع يديك إلى النحر في صلاتك.2
وعن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) هو رفع يديك حذاء وجهك.3
وروى عنه (عليه السلام) عبدالله بن سنان مثله.4
وعن جميل قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فقال: بيده هكذا، يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة.5
وعن حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن النحر، فرفع يده إلى صدره فقال: هكذا، ثمّ رفعها فوق ذلك، فقال: هكذا، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة.6
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)معناه أنّ مبغضك هو المنقطع عن الخير، وهو العاص

1 . جمع بفتح فسكون: المزدلفة. المشعر. سمّي جمعاً لاجتماع الناس به.
2 . مجمع البيان: 10/460; فقه القرآن للقطب الراوندي: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 15، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
3 . فقه القرآن: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 16، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
4 . تهذيب الإحكام: 2/66، ح 5، باب كيفية الصلاة وصفتها.
5 . فقه القرآن: 1/108; وسائل الشيعة: 6/30، ح 17، الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام.
6 . عوالي اللآلي: 2/46 برقم 120 .

صفحه 64
بن وائل; وقيل: معناه أنّه الأقلّ الأذلّ بانقطاعه عن كلّ خير; وقيل: معناه أنّه لاولد له على الحقيقة، وأنّ من ينتسب إليه ليس بولد له، قال مجاهد: الأبتر: الّذي لاعقب له، وهو جواب لقول قريش: إنّ محمّداً لاعقب له، يموت فنستريح منه، ويدرس ذكره، إذ لا يقوم مقامه من يدعو إليه فينقطع أمره.
وفي هذه السورة دلالات على صدق نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحّة نبوّته:
أحدها: أنّه أخبر عمّا في نفوس أعدائه، وماجرى على ألسنتهم، ولم يكن بلغه ذلك فكان كما أخبره.
وثانيها: أنّه قال: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)فانظر كيف انتشر دينه، وعلا أمره، وكثرت ذرّيته حتّى صار نسبه أكثر من كلّ نسب، ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.
وثالثها: أنّ جميع فصحاء العرب والعجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحدّيه إيّاهم بذلك، وحرصهم على بطلان أمره منذ بعث(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم الناس هذا، وهذا غاية الإعجاز.
ورابعها: أنّه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه، وأخبره بسقوط أمرهم وانقطاع دينهم، أوعقبهم، فكان المخبر على ما أخبر به هذا، وفي هذه السورة الوجيزة من تشاكل المقاطع للفواصل، وسهولة مخارج الحروف بحسن التأليف والتقابل لكلّ من معانيها بما هو أولى به ما لا يخفى على من عرف مجاري كلام العرب.1
وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)   

1 . مجمع البيان: 10/459-461 .

صفحه 65

[ الباب السابع]

وجوب طاعته وحبه والتفويض إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)1

الآيات:

آل عمران (3): (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).32 .
وقال تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).128 .
وقال تعالى:(وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).132 .
النساء (4): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).13-14 .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).59 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِـنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).69 .
المائدة (5): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).92 .
الأنفال (8): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).1 .

1 . بحارالأنوار: 17/1-3، الباب 13 .

صفحه 66
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ).20 .
التوبة (9): (وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ).71 .
النور (24): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).52 .
إلى قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).54 .
إلى قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).56 .
الأحزاب (33): (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً).36 .
وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ).64-66 .
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيًما).71 .
محمد (47): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ).33 .
الفتح (48): (وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً).17 .
الحجرات (49): (وَإِنْ تُطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً).14 .
المجادلة (58): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ).13 .

صفحه 67
ـ إلى قوله تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).20-21 .
الحشر (59): (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللّهَ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).4 .
وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).7 .
التغابن (64): (وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ).12 .

التفسير:

أقول: أوردنا تفسير (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) في باب العصمة، وسيأتي أنّ المراد بأُولي الأَمر الأئمّة المعصومون(عليهم السلام) .
(وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً): أي عاقبةً، أو تأويلا من تأويلكم بلا ردّ.1
(فَإِنَّمَا عَلَيْهِ): أي على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (مَا حُمِّلَ)من التبليغ (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)من الامتثال.2
(إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً): أي قضى رسول الله، وذكر الله للتّعظيم والإشعار بأنّ قضاءه قضاء الله; قيل: نزل في زينب بنت جحش بنت عمّته أُميمة بنت عبد المطّلب، خطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة فأبت هيّ وأخوها عبدالله; وقيل: في أُمّ كلثوم بنت عقبة، وهبت نفسها للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فزوّجها من زيد (أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ): أي أن يختاروا من أمرهم شيئاً، بل يجب عليهم

1 . تفسير البيضاوي: 2/207 .
2 . تفسير البيضاوي: 4/197 .

صفحه 68
أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله ورسوله.1
آداب العشرة معه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)   
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ): أي تصرف من جهة إلى أُخرى كاللّحم يشوى بالنار، أومن حال إلى حال(2). (لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ): أي لاينقصكم من أُجورها شيئاً، من لات ليتاً: إذا نقص.2 والمحادّة: المخالفة والمضادّة، والمشاقّة: الخلاف والعداوة.

[ الباب الثامن]

آداب العشرة معه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه وتوقيره

في حياته وبعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)(4)

الآيات:

النور (24): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).62-63 .
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبيّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللّهُ لاَ

1 . تفسير البيضاوى: 4/375 .   2 . تفسير البيضاوي: 4/387 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/220 .   4 . بحارالأنوار: 17/15-27، الباب 14 .

صفحه 69
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيًما).53 .
ـ إلى قوله تعالى ـ :(إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً).56-57 .
ـ إلى قوله تعالى ـ :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً).69 .
الفتح (48): (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).8-9 .
الحجرات (49): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).1-5 .
المجادلة (58): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَة إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ

صفحه 70
وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).7-13 .

التفسير:

قال البيضاوي: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ): أي الكاملون في الإيمان (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ)من صميم قلوبهم (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع)كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأُمور (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)يستأذنوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإيمان، لأنّه كالمصداق لصحّته، والمميّز للمخلص فيه والمنافق،1 فإنّ ديدنه التسلّل2 والفرار، ولتعظيم الجرم في

1 . في المصدر: والمميز للمخلص فيه عن المنافق.
2 . تسلّل وانسلّ: انطلق في استخفاء، وانسلّ فلان من بين القوم يعدو إذا خرج خفية يعدو. لسان العرب: 11/339، مادة«سلل».

صفحه 71
الذهاب عن مجلسه بغير إذنه، ولذلك أعاده مؤكّداً على أُسلوب أبلغ فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ)فإنّه يفيد أنّ المستأذن مؤمن لامحالة، وإنّ الذاهب بغير إذن ليس كذلك (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ)ما يعرض لهم من المهامّ، وفيه أيضاً مبالغة وتضييق للأمر (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ)تفويضٌ للأمر إلى رأي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستدلّ به على أنّ بعض الأحكام مفوّضة إلى رأيه، ومن منع ذلك قيّد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه، وكأن المعنى: فأذن لمن علمت أنّ له عذراً (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ)بعد الإذن، فإنّ الاستيذان ولو لعذر قصور، لأنّه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ)لفرطات العباد (رَحِيمٌ)بالتيسير عليهم.
(لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)لاتقيسوا دعاءه إيّاكم على دعاء بعضكم بعضاً في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإنّ المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرّمة; وقيل: لاتجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه، ورفع الصوت والنداء وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظّم مثل يانبيّ الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتواضع، وخفض الصوت، أو لاتجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلاتبالوا بسخطه، فإنّه مستجاب،1 أولا تجعلوا دعاءه لله كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرّة ويردّه أُخرى، فإنّ دعاءه موجب(2) (قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ)يتسلّلون قليلا قليلا من الجماعة، ونظير تسلّل: تدرّج (لِوَاذاً)ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتّى يخرج، أويلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه، كأنّه تابعه، وانتصابه على الحال (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)بترك مقتضاه، ويذهبون سمتاً على خلاف سمته، و (عَنْ)لتضمّنه معنى الإعراض، أويصدّون عن أمره دون المؤمنين، من

1 . في المصدر: فلا تنالوا بسخطه فإنّ دعاءه موجب.   2 . في المصدر: فإنّ دعاءه مستجاب.

صفحه 72
خالفه عن الأمر إذا صدّ عنه دونه، وحذف المفعول لأنّ المقصود بيان المخالف عنه، والضمير لله فإنّ الأمر له حقيقة، أو للرّسول فإنّه المقصود بالذكر (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)محنة في الدنيا (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)في الآخرة.1
وقال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ): أي إلاّ وقت أن يؤذن لكم، أو إلاّ مأذوناً لكم. (إِلَى طَعَام)متعلّق بيؤذن، لأنّه متضمّن معنى يدعى، للإشعار بأنّه لايحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن، كما أشعر به قوله: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)غير منتظرين وقته، أو إدراكه حالٌ من فاعل (لاَ تَدْخُلُوا)أو المجرور في (لَكُمْ) وقرأ بالجرّ صفة لطعام (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)تفرّقوا ولاتمكثوا، والآية خطاب لقوم كانوا يتحيّنون طعام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدرا كه، مخصوصة بهم وبأمثالهم، وإلاّ لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام، ولا اللّبث بعد الطعام لمهم (وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث)بعضكم بعضاً، أو لحديث أهل البيت بالتسمّع له (إِنَّ ذَلِكُمْ)اللّبث (كَانَ يُؤْذِي النَّبيّ)لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، واشتغاله في ما لا يعنيه (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ)من إخراجكم بقوله: (وَاللّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)يعني إنّ إخراجكم حقّ فينبغي أن لايترك حياء، كمالم يتركه الله ترك الحييّ فأمركم بالخروج (وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنَّ مَتَاعاً)شيئاً ينتفع به (فَاسْأَلُوهُنَّ)المتاع (مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)ستر (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)من الخواطر الشيطانيّة. (وَمَا كَانَ لَكُمْ)وما صحّ لكم أن (تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ)أن تفعلوا ما يكرهه (وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً)من بعد وفاته أو فراقه (إِنَّ ذَلِكُمْ)يعني إيذاؤه ونكاح نسائه (كَانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيماً)ذنباً عظيماً (إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً)لنكاحهنّ على ألسنتكم (أَوْ تُخْفُوهُ)في صدور كم (فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)فيعلم ذلك

1 . تفسير البيضاوي: 4/203-204 .

صفحه 73
فيجازيكم به (لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) استيناف لمن لايجب الاحتجاب عنهم، روي أنّه لمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يارسول الله أو نكلّمهنّ أيضاً من وراء حجاب؟ فنزلت، وإنّما لم يذكر العمّ والخال لأنّهما بمنزلة الوالدين، ولذلك سمّي العم أباً،1 أولأنّه كره ترك الاحتجاب منهما مخافة أن يصفا لأبنائهما (وَلاَ نِسَائِهِنَّ)ولا نساء المؤمنات (وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)من العبيد والإماء; وقيل: من الإماء خاصّة (وَاتَّقِينَ اللّهَ)فيما أُمرتنّ به (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيداً)لاتخفى عليه خافية.2
(إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ).
قال الطبرسي (رحمه الله): معناه إنّ الله يصلّي على النبيّ ويثني عليه بالثناء الجميل ويبجّله بأعظم التبجيل، وملائكته يصلّون عليه ويثنون عليه بأحسن الثناء، ويدعون له بأزكى الدعاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)قال أبوحمزة الثماليّ: حدّثني السدّيّ وحميد بن سعد الأنصاريّ ويزيد بن أبي زياد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ.3

1 . في المصدر: ولذلك سمّي العم أباً في قوله تعالى: (وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ). (البقرة: 133)
2 . تفسير البيضاوي: 4/383-385 .
3 . تفسير أبي حمزة الثمالي: 269. وروى هذا الحديث باختلاف في الألفاظ: البخاري في صحيحه: 7/157، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بإسناده عن أبي سعيد الخدري; وابن ماجة في سننه: 1/292 بإسناده عن أبي سعيد الخدري أيضاً; والترمذي في سننه: 1/301 برقم 482 ; والطبراني في المعجم الأوسط: 4/378 و ج 7/57، كلّها عن كعب.

صفحه 74
و عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن هذه الآية فقلت: كيف صلاة الله على رسوله، فقال: يا أبا محمّد تزكيته له في السماوات العلى، فقلت: قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم؟ فقال: هو التسليم له في الأُمور.1
فعلى هذا يكون معنى قوله: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيًما)انقادوا لأمره، وابذلوا الجهد في طاعته وجميع مايأمر كم به، وقيل: معناه سلّموا عليه، بالدعاء، أي قولوا: السلام عليك يا رسول الله.
(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)قيل: هم المنافقون والكافرون، والّذين وصفوا الله بما لايليق به، وكذّبوا رسله، وكذبوا عليه، وإنّ الله عزّوجلّ لايلحقه أذى، ولكن لمّا كانت مخالفة الأمر فيما بيننا تسمّى إيذاء خوطبنا بما نتعارفه، وقيل: معناه يؤذون رسول الله، فقدّم ذكر الله على وجه التعظيم إذ جعل أذى رسوله أذى له تشريفاً له وتكريماً.(لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ): أي يبعّدهم الله من رحمته، ويحلّ بهم وبال نقمته بحرمان زيادات الهدى في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة (وَأَعَدَّ لَهُمْ)في الآخرة (عَذَاباً مُهِيناً)أي مذلاًّ. (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى): أي لاتؤذوا محمّداً كما آذى بنو إسرائيل موسى(عليه السلام) .2
أقول: قد مضى إيذاؤهم موسى(عليه السلام) في كتاب النبوّة.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى:(وَتُعَزِّرُوهُ): أي تنصروه بالسيف واللّسان، والهاء تعود إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَتُوَقِّرُوهُ): أي تعظّموه وتبجّلوه (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي تصلّوا لله بالغداة والعشيّ، وكثير من القرّاء اختاروا الوقف على (وَتُوَقِّرُوهُ)

1 . مجمع البيان: 8/180 .
2 . مجمع البيان: 8/179-184 .

صفحه 75
لاختلاف الضمير فيه وفيما بعده، وقيل:(وَتُعَزِّرُوهُ): أي وتنصروا الله(وَتُوَقِّرُوهُ): أي وتعظّموه وتطيعوه، فتكون الكنايات متّفقة.1
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا)نزلت في وفد تميم، وهم: عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم، منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم في وفد عظيم، فلمّا دخلوا المسجد نادوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يامحمّد، فآذى ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج إليهم فقالوا: جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: أذنت; فقام عطارد بن حاجب وقال:
الحمد لله الّذي جعلنا ملوكاً الّذي له الفضل علينا، والّذي وهب لنا أموالاً عظاماً نفعل بها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق، وأكثر عدداً وعدّةً، فمن مثلنا في الناس؟! فمن فاخرنا فليعدّ مثل ما عدّدنا، ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنّا نستحيي من الإكثار.
ثمّ جلس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لثابت بن قيس بن شماس: قم فأجبه، فقام فقال:
الحمدلله الّذي خلق السماوات والأرض خلقة، وقضى فيه أمره،(2) ووسع كرسيّه علمه، ولم يكن شيء قطّ إلاّ من فضله، ثمّ كان من فضله أن جعلنا ملوكاً، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسباً،2 وأصدقه حديثاً، وأفضله حسباً، فأنزل عليه كتاباً وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله على العالمين، ثمّ دعا الناس إلى الإيمان بالله فآمن به المهاجرون من قومه، وذوي رحمه، أكرم الناس أحساباً، وأحسنهم وجوهاً، فكان أوّل الخلق إجابة. واستجاب لله حين دعاه رسول

1 . مجمع البيان: 9/188 .   2 . في المصدر: قضى فيهن أمره.
2 . في المصدر: أكرمهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأفضلهم حسباً.

صفحه 76
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)1، فنحن أنصار رسول الله وردؤه، نقاتل الناس حتّى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً، أقول. هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
ثمّ قام الزبرقان بن بدر ينشد وأجابه حسّان بن ثابت، فلمّا فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع: إنّ هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلمّا فرغوا أجازهم2 رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأحسن جوائزهم وأسلموا; عن ابن إسحاق. وقيل: إنّهم ناس من بني العنبر كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أصاب من ذراريهم، فأقبلوا في فدائهم فقدموا المدينة، ودخلوا المسجد، وعجّلوا أن يخرج إليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعلوا يقولون: يامحمّد أُخرج إلينا، عن أبي حمزة الثماليّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس.(3)
(بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ)بين اليدين عبارة عن الأمام، ومعناه لاتقطعوا أمراً دون الله ورسوله، ولاتعجلوا به، وقدّم هاهنا بمعنى تقدّم وهو لازم، وقيل: معناه لاتمكّنوا أحداً يمشي أمام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كونوا تبعاً له وأخّروا أقوالكم وأفعالكم عن قوله وفعله، وقال الحسن: نزل في قوم ذبحوا الأضحية قبل العيد فأمرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعادة، وقال ابن عبّاس: نهوا أن يتكلّموا قبل كلامه، أي إذا كنتم جالسين في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسئل عن مسألة فلا تسبقوه بالجواب حتّى يجيب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّلا; وقيل: معناه لاتسبقوه بقول ولا فعل حتّى يأمركم به. والأولى حمل الآية على الجميع.
(لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبيّ) لأنّ فيه أحد شيئين: إمّا نوع استخفاف به فهو الكفر، وإ مّا سوء الأدب فهو خلاف التعظيم المأمور به (وَلاَ

1 . في المصدر: فكان أوّل الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نحن.
2 . أي أعطاهم الجائزة.   3 . مجمع البيان: 9/215 ـ 216 .

صفحه 77
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ): أي غضّوا أصواتكم عند مخاطبتكم إيّاه وفي مجلسه، فإنّه ليس مثلكم إذ يجب تعظيمه وتوقيره من كلّ وجه; وقيل: معناه لاتقولوا له: يا محمّد كما يخاطب بعضكم بعضاً، بل خاطبوه بالتعظيم والتبجيل، وقولوا: يا رسول الله، (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ): أي كراهة أن تحبط، أو لئلاّ تحبط (وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)أنّكم أحبطتم أعمالكم بجهر صوتكم على صوته، وترك تعظيمه.
(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ): أي يخفضون أصواتهم في مجلسه إجلالا له(أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى): أي اختبرها فأخلصها للتّقوى; وقيل: معناه إنّه علم خلوص نيّاتهم; وقيل: معناه عاملهم معاملة المختبر بما تعبّدهم به من هذه العبادة فخلصوا على الاختبار كما يخلص جيّد الذهب بالنار (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)من الله لذنوبهم (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)على طاعاتهم.
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ)وهم الجفاة من بني تميم لم يعلموا في أيّ حجرة هو، فكانوا يطوفون على الحجرات وينادونه (أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)إذ لم يعرفوا مقدار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا ما استحقّه من التوقير، فهم بمنزلة البهائم (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)من أن ينادوك من وراء الحجرات.1
قوله تعالى: (مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة)قال البيضاوي: ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدّر مضاف، أو يأوّل نجوى بمتناجين ويجعل ثلاثة صفة لها (إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)إلاّ أن الله يجعلهم أربعة من حيث إنّه يشاركهم في الاطّلاع عليها (وَلاَ خَمْسَة)ولا نجوى خمسة (إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)وتخصيص العددين إمّا لخصوص الواقعة فإنّ الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لأنّ الله وتر يحبّ الوتر، والثلاثة أوّل الأوتار، أو لأنّ التشاور لابدّ له من اثنين يكونان كالمتنازعين، وثالث يتوسّط بينهما (وَلاَ

1 . مجمع البيان: 9/216ـ218 .

صفحه 78
أَدْنى مِنْ ذَلِكَ)ولا أقلّ ممّا ذكر كالواحد والاثنين (وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ)يعلم ما يجري بينهم (أَيْنَ مَا كَانُوا)فإنّ علمه بالأشياء ليس لقرب مكانيّ حتّى يتفاوت باختلاف الأمكنة (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)تفضيحاً لهم وتقريراً لما يستحقّونه من الجزاء.1
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى): نزلت في اليهود والمنافقين، إنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الّذين خرجوا في السرايا قتل أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلمّا طال ذلك شكوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم أن لايتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فنزلت الآية (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)في مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو قوله: (وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)وذلك أنّه نهاهم عن النجوى فعصوه، أويوصي بعضهم بعضاً بترك أمر الرسول والمعصية له (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللّهُ)وذلك أنّ اليهود كانوا يأتون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فيقولون: السام عليك، والسام: الموت، وهم يوهمونه أنّهم يقولون: السلام عليك، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يردّ على من قال ذلك ويقول: وعليك.2(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ): أي يقول بعضهم لبعض (لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللّهُ بِمَا نَقُولُ): أي لو

1 . تفسير البيضاوي: 5/310ـ311 .
2 . روى مسلم في صحيحه: 7/4، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام بإسناده عن عائشة قالت: أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أُناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم، قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عائشة لا تكوني فاحشة، فقالت: ماسمعت ماقالوا، فقال: أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت: وعليكم. وقد ورد هذا الحديث أو مضمونه في الكثير من كتب الفريقين. راجع. صحيح البخاري: 3/234، كتاب الجهاد، و ج7/133 و 134، باب كيف يرد على أهل الذمّة السلام; سنن ابن ماجة: 2/1219 برقم 3698; سنن الترمذي:4/162 برقم 2844; الكافي: 4/5، ح2، باب أنّ الصدقة تدفع البلاء.

صفحه 79
كان هذا نبيّاً فهلاّ يعذّبنا الله ولا يستجيب له فينا قوله: عليكم. (حَسْبُهُمْ): أي كافيهم (جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا)يوم القيامة ويحترقون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ): أي فبئس المرجع والمآل جهنّم (وَتَنَاجَوْا بِالْبِّرِ وَالتَّقْوَى): أي بأفعال الخير والطاعة واتّقاء معاصي الله(إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ)يعنى نجوى المنافقين والكفّار.1
(لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)بتوهّمهم أنّها في نكبة أصابتهم (وَلَيْسَ)الشيطان أو التناجي (بِضَارِّهِمْ): أي المؤمنين.2
(شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ): أي بعلم الله، وقيل: بأمر الله، لأنّ سببه بأمره وهو الجهاد.3
(إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا)قال قتاده: كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنّوا بمجالسهم عند رسول الله، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض، وقال المقاتلان: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في الصفة، وفي المكان ضيق، وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار، فجاء أُناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس فقاموا حيال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ سلّموا على القوم بعد ذلك فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون إلى القوم فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان، قم يا فلان» بقدر النفر الّذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرف الكراهيّة في وجوههم; وقال المنافقون للمسلمين:

1 . مجمع البيان: 9/414-415 .
2 . هذه الفقرة غير موجودة في مجمع البيان، بل في تفسير البيضاوي: 5/311 .
3 . مجمع البيان: 9/415 .

صفحه 80
ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس، فوالله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فنزلت الآية.1
والتفسّح: التوسّع في المجالس، هو مجلس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); وقيل: مجالس الذكر كلّها (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ): أي فتوسّعوا يوسّع الله مجالسكم في الجنّة (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا)ارتفعوا وقوموا ووسّعوا على إخوانكم (فَانْشُزُوا): أي فافعلوا ذلك; وقيل: معناه وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، (فَانْشُزُوا) ولا تقصروا، (وَإِذَا)قيل لكم: ارتفعوا في المجلس وتوسّعوا للدّاخل فافعلوا، أو إذا نودي للصّلاة فانهضوا، وقيل: وردت في قوم كانوا يطلبون(2) المكث عنده(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون كلّ واحد منهم يحبُ أن يكون آخر خارج، فأمرهم الله أن يقوموا إذا قيل لهم: انشزوا. (يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)قال ابن عبّاس: يرفع الله الّذين أُوتوا العلم من المؤمنين على الّذين لم يؤتوا العلم درجات; وقيل: معناه لكي يرفع الله الّذين آمنوا منكم بطاعتهم، لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) درجة، والّذين أُوتوا العلم بفضل علمهم وسابقتهم درجات في الجنّة; وقيل: درجات في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأمره الله سبحانه أن يقرّب العلماء من نفسه فوق المؤمنين الّذين لايعلمون ليتبيّن فضل العلماء على غيرهم.2
عصمته وتفسير بعض مايوهم خلاف ذلك   
(إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً): أي إذا ساررتم الرسول فقدّموا قبل أن تسارّوه صدقة، وأراد بذلك تعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يكون ذلك سبباً لأن يتصدّقوا فيؤجروا، وتخفيفاً عنه صلّى الله عليه وآله، قال المفسّرون: فلمّا نهوا عن المناجاة حتّى يتصدّقوا ضنّ(4) كثير من الناس فكفّوا عن المسألة،

1 . مجمع البيان: 9/417 .   2 . في المصدر: يطيلون.
2 . مجمع البيان: 9/418 .   4 . ضنّ: بخل. لسان العرب: 2/496 .

صفحه 81
فلم يناجه أحد إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): قال مجاهد: وما كان إلاّ ساعة، وقال مقاتل: كان ذلك ليال1 عشراً، ثم نسخت بما بعدها، وكانت الصدقة مفوّضة إليهم غير مقدّرة.(2)...
وقال البيضاوي: عن عليّ(عليه السلام) أنّ في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.2
(ذَلِكَ): أي التصدّق (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ): أي لأنفسكم من الريبة وحبّ المال، وهو يشعر بالندبيّة، لكن قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): أي لمن لم يجد حيث رخّص لنفي المناجات بلا تصدّق أدلّ على الوجوب (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات)أخفتم الفقر من تقديم الصدقة؟ أو: أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر؟ (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ)بأن رخّص لكم أن لاتفعلوه، وفيه إشعار بأنّ إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم ممّا قام مقام توبتهم و (إذ) على بابها، وقيل: بمعنى (إذا) أو (إن).3

[ الباب التاسع]

عصمته وتفسير بعض مايوهم خلاف ذلك 4

الآيات:

البقرة (2): (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ

1 . في المصدر: ليالي.   2 . مجمع البيان: 9/419 .
2 . راجع: أحكام القرآن: 3/572; المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي: 5/180; تفسير ابن كثير: 4/350; الدر المنثور: 6/185.
3 . تفسير البيضاوي: 5/313 .
4 . بحار الأنوار: 17/34-78، الباب 15 .

صفحه 82
وَلِيّ وَلاَ نَصِير).120 .
وقال تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ).145 .
وقال تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).147 .
آل عمران (3): (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).60 .
وقال تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).128 .
النساء (4): (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً). 105-107 .
إلى قوله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيًما).113 .
الأنعام (6): (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).35 .
وقال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).52 و 53 .

صفحه 83
الأعراف (7): (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). 200 .
الأنفال (8): (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ1 تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).67-68 .
التوبة (9): (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ).43 .
يونس (10): (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).94-95 .
هود (11): (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص).109 .
ـ إلى قوله ـ  : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).112 .
الرعد (13): (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق).37 .
الإسراء (17): (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً).22 .
وقال تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 45: وهذه استعارة والمراد بها تغليظ الحال وكثرة القتل، وذلك مأخوذ من قول القائل: قد أثخنني هذا الأمر، أي بلغ أقصى المبالغ في الثقل عليّ والإيلام لقلبي.

صفحه 84
مَدْحُوراً).39 .
وقال سبحانه: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَري عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً).73-75 .
وقال تعالى: ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً).86 و 87 .
الحج (22): (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي إِلاَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).52-54 .
الشعراء (26): (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).213 .
القصص (28): (وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ).86-88 .
الأحزاب (33): (وَإِذْ تَقُولُ لِلذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).37 .

صفحه 85
سبأ (34): (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ).50 .
الزمر (39): (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).65 .
الشورى (42): (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ).24 .
الزخرف (43): (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)1.45 .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ).81 .
الجاثية (45): (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا2 وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً).18و19 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 202: وهذا الكلام أيضاً داخل في قبيل الاستعارة; لأنّ مسألة الرسل الذين درجت قرونهم وخلت أزمانهم غير ممكن، وإنّما المراد ـ والله أعلم ـ : واسأل أصحاب من أرسلنا من قبلك من رسلنا واستعلم ما في كتبهم وتعرّف حقائق سننهم، وذلك على مثال (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ)[يوسف: 82]. وقال بعضهم: مسألة الرسل هاهنا بمعنى المسألة عنهم (عليهم السلام)، وعمّا أتوا به من شريعة وأقاموه من عماد سنّة، وقد يأتي في كلامهم أسال كذا أي اطلبه واسأل عنه، قال سبحانه (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) أي مسؤولا عنه، و قال سبحانه (وَإِذَا الْمَوْءُوُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنْب قُتِلَتْ )[ التكوير 8-9] أي سئل عن قتلها وطلب بدمها، فكأنّه تعالى قال لنبيه عليه السلام: واسأل عن سنن الأنبياء قبلك، وشرائع الرسل الماضين أمامك، فإنّك لاتجد فيها إطلاقاً لعبادة معبود إلاّ الله سبحانه.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 205 : وهذه استعارة لأنّ الشريعة في أصل اللغة اسم للطريق المفضية إلى الماء المورود، وإنّما سمّيت الأديان شرائع; لأنّها الطرق الموصلة إلى موارد الثواب ومنافع العباد، تشبيهاً بشرائع المناهل التيّ هيّ مدرجة إلى الماء ووصلة إلى الرواء.

صفحه 86
الفتح (48): (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).2 .
النجم (53): (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).2و3 .
التحريم (66): (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).1 .
عبس (80): (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ).1-12 .

التفسير:

قوله: (لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)هذه الشرطيّة لا تنافي عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّها تصدق مع استحالة المقدّم أيضاً، والغرض منه يأسهم عن أن يتّبعهم(صلى الله عليه وآله وسلم)في أهوائهم الباطلة، وقطع أطماعهم عن ذلك، والتنبيه على سوء حالهم، وشدّة عذابهم; لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع غاية قربه في جنابه تعالى إذا كان حاله على تقدير هذا الفعل كذلك، فكيف يكون حال غيره، كما ورد أنّه نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة.
قوله تعالى: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)قال البيضاوي: أي الشاكّين في أنّه هل من ربّك، أوفي كتمانهم الحقّ عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الشكّ فيه، لأنّه غير متوقّع منه، وليس بقصد واختيار، بل إمّا تحقيق الأمر وأنّه لا يشكّ فيه ناظرٌ، أوأمر الأُمّة باكتساب المعارف المزيحة للشكّ على الوجه الأبلغ.1

1 . تفسير البيضاوي: 1/425 .

صفحه 87
وقال في قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)اعتراضٌ (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)عطف على قوله: (أَوْ يَكْبِتَهُمْ). والمعنى: أنّ الله مالك أمرهم، فإمّا يهلكهم، أو يكبتهم، أويتوب عليهم إن أسلموا، أويعذّبهم إن أصرّوا، وليس لك من أمرهم شيءٌ، وإنّما أنت عبدٌ مأمورٌ لإنذارهم وجهادهم; ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر، أو شيء بإضمار (أن): أي ليس لك من أمرهم، أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيءٌ، أوليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وأن تكون (أو) بمعنى (إلاّ أن): أي ليس لك من أمرهم شيء إلاّ أن يتوب عليهم فتسرّ به، أو يعذّبهم فتشتفي منهم، روي أنّ عتبة ابن أبي وقّاص شجّه يوم أُحد وكسر رباعيّته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم؟ فنزلت; وقيل: همّ أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه بأنّ فيهم من يؤمن (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)قد استحقّوا التعذيب بظلمهم. انتهى.1
أقول: كون الأمر في الإهلاك والتعذيب وقبول التوبة إلى الله تعالى لا ينافي عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه، وأمّا الخبران فغير ثابتين، ومع ثبوتهما أيضاً لا ينافي العصمة، لأنّ الدعاء عليهم لم يكن منهيّاً عنه قبل ذلك، وإنّما أمره تعالى بالكفّ لنوع من المصلحة، وبعد النهي لم يدع عليهم، وقد أثبتنا في باب وجوب طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم)الأخبار الواردة في تأويل تلك الآية.
قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللّهُ)قال الرازي في تفسيره: أي بما أعلمك الله، وسمّي ذلك العلم بالرؤية لأنّ العلم اليقينيّ المبرّأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوّة والظهور، قال المحقّقون: هذه الآية تدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يحكم إلاّ بالوحي والنصّ، واتّفق المفسّرون على أنّ أكثر الآيات في طعمة2

1 . تفسير البيضاوي: 2/90 .
2 . هو طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر بن الخزرج بن عمرو الأنصاري. الإصابة: 3/420 برقم 4264 .

صفحه 88
سرق درعاً، فلمّا طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة، ولمّا اشتدّت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهود جاءوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود، وأن يلحق هذه الخيانة باليهوديّ، فهمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، فنزلت الآية.
(وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً): أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب، يعني لاتخاصم اليهود لأجل المنافقين.
قال الطاعنون في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) : دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه لولا أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذبّ عنه، لما ورد النهي عنه.
والجواب: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان لم يفعل ذلك وإلاّ لم يرد النهي عنه،1 بل ثبت في الرواية أنّ قوم طعمة لمّا التمسوا من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذبّ عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي، توقّف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّ طعمة كذّاب; وأنّ اليهوديّ بريء عن ذلك الجرم.
فإن قيل: الدليل على أنّ ذلك الجرم قد وقع من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله بعد هذه الآية: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)فلمّا أمره الله تعالى بالاستغفار دلّ على سبق الذنب؟
فالجواب من وجوه: الأوّل لعلّه مال طبعه إلى نصرة طعمة، بسبب أنّه كان ظاهراً من المسلمين، فأُمر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.
الثاني: أنّ القوم لمّا شهدوا على سرقة اليهوديّ وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ما يوجب القدح في شهادتهم، همّ أن يقضي

1 . الموجود في المصدر: والجواب أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهي عنه.

صفحه 89
بالسرقة على اليهوديّ، ثمّ لمّا اطلّعه الله على كذب هؤلاء الشهود عرف أنّ ذلك القضاء لو وقع كان خطاءً، واستغفاره كان بسبب أنّه همّ بذلك الحكم الّذي لو وقع لكان خطاءً في نفسه، وإن كان معذوراً عند الله فيه.
الثالث: قوله: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ)يحتمل أن يكون المراد واستغفر الله لأُولئك الّذين يذبّون عن طعمة، ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة، والمراد بالّذين يختانون أنفسهم ; طعمة ومن عاونه من قومه ممّن علم كونه سارقاً، والاختيان: الخيانة، وإنّما قال: (يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ)لأنّ من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه (مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً): أي طعمة، حيث خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهوديّ إلى تلك السرقة.1
قوله تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ): أي لولا أنّ الله خصّك بالفضل وهو النبوّة وبالرحمة وهي العصمة (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ): أي يلقونك في الحكم الباطل الخطاء (وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ)بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء)فيه وجهان:
أحدهما: ما يضرّونك من شيء في المستقبل، فوعده تعالى في هذه الآية إدامة العصمة لما يريدون من إيقاعه في الباطل.
والثاني: المعنى أنّهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل لأنّك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أُمرت إلاّ ببناء الأحكام على الظواهر (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)فعلى الأوّل، المعنى: لمّا أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لايعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟

1 . تفسير الرازي: 11/32-35 .

صفحه 90
وعلى الثاني، المعنى: أنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوجب فيهما بناء أحكام الشرع على الظاهر، فكيف يضرّك بناء الأمر على الظاهر؟
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)فيه وجهان:
الأوّل: أن يكون المراد ما يتعلّق بالدين، أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على سرائرهما،1 وأوقفك على حقائقهما، مع أنّك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منها، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيّامك ما لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك.
الثاني: أن يكون المراد وعلّمك مالم تكن تعلم من أخبار الأوّلين، فكذلك يعلّمك من حيل المنافقين، ووجوه كيدهم ماتقدر على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم. انتهى ملخّص كلامه.(2) وسيأتي شرح تلك القصّة في باب ماجرى بينه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين المنافقين وأهل الكتاب.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ): أي عظم وشقّ إعراضهم عنك وعن الإيمان بما جئت به (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ)إلى قوله: (بِآيَة): أي منفذاً تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية أو مصعداً تصعد إلى السماء فتنزل منها آية، وجواب الشرط الثاني محذوف، تقديره فافعل، والجملة هو جواب الأوّل، والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وإنّه لوقدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم (وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)بالحرص على مالا يكون، والجزع في مواطن الصبر، فإنّ ذلك من دأب الجهلة.2

1 . في المصدر. على أسرارهما. وهو الصحيح.   2 . تفسير الرازي: 11/39-40 .
2 . تفسير البيضاوي: 2/405 .

صفحه 91
وقال الرازي: المقصود من أوّل الآية أن يقطع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) طمعه عن إيمانهم، وأن لايتأذّى بسبب إعراضهم عن الإيمان، وقوله: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)هذا النهي لايقتضي إقدامه على مثل تلك الحالة، كما أنّ قوله: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)لا يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أطاعهم وقبل دينهم، بل المقصود أنّه لاينبغي أن يشتدّ تحسّرك على تكذيبهم، ولا يجوز أن تحزن من إعراضهم عنك، فإنّك إن فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل.1
وقال في قوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)روي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يامحمّد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عن بيتك، فلعلّك إن طردتهم اتبعناك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما أنا بطارد المؤمنين»، فقالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: «نعم» طمعاً في إيمانهم، روي أنّ عمر قال له: لو فعلت ذلك حتّى ننظر إلى ما يصيرون، ثمّ ألحّوا وقالوا للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): اكتب بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة فنزلت الآية، واعتذر عمر من مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتّى تمسّ ركبنا ركبته، وكان يقوم عنّا إذا أراد القيام، فنزل قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ)فترك القيام عنّا إلى أن نقوم عنه، وقال: الحمد لله الّذي لم يمتني حتّى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أُمّتي، معكم المحيا ومعكم الممات.
ثمّ قال: احتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية من وجوه:
الأوّل: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد، وكان ذلك الطرد ذنباً.
والثاني: أنّه تعالى قال: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)وقد ثبت أنّه طردهم،

1 . تفسير الرازي: 12/207-208 .

صفحه 92
فيلزم أن يقال: إنّه كان من الظالمين.
والثالث: أنّه تعالى حكى عن نوح(عليه السلام) أنّه قال: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ)1، ثمّ إنّه تعالى أمر محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)بمتابعة الأنبياء في جميع الأعمال الحسنة، إنّه قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(2)، وبهذا الطريق وجب على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لايطردهم، فلمّا طردهم كان ذلك ذنباً.
الرابع: أنّه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف فزاد فيها فقال: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3)، ثمّ إنّه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أُخرى فقال: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)2، فكان ذلك ذنباً .
والخامس: نقل أنّ أُولئك الفقراء كلّما دخلوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذه الواقعة فكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «مرحباً بمن عاتبني ربّي فيهم»، أولفظاً هذا معناه، وذلك يدلّ أيضاً على الذنب.
والجواب عن الأوّل: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم، والاستنكاف من فقرهم، وإنّما عيّن لجلوسهم وقتاً معيّناً سوى الوقت الّذي كان يحضر فيه أكابر قريش، وكان غرضه(صلى الله عليه وآله وسلم) منه التلطّف وإدخالهم في الإسلام، ولعلّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: هؤلاء الفقراء لا يفوتهم بسبب هذه أمرهم في الدنيا وفي الدين، وهؤلاء الكفّار فإنّهم يفوتهم الدين والإسلام، وكان ترجيح هذا الجانب أولى، فأقصى مايقال: إنّ هذا الاجتهاد وقع خطأ إلاّ أنّ الخطاء في الاجتهاد مغفور.
وأمّا قوله ثانياً: إنّ طردهم يوجب كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الظالمين، فجوابه أنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى أنّ أُولئك الفقراء كانوا يستحقّون

1 . الشعراء: 114.      2 . الأنعام: 90 .   3 . الكهف: 28 .
2 . طه: 131 .

صفحه 93
التعظيم من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا طردهم عن ذلك المجلس فكان ذلك ظلماً، إلاّ أنّه من باب ترك الأولى والأفضل، لامن باب ترك الواجبات، وكذا الجواب عن سائر الوجوه، فإنّا نحمل كلّ هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى. انتهى كلامه.1
وأقول: جملة القول في تلك الآية أنّها لاتدلّ على وقوع الطّرد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما ذكروا ذلك انتظر الوحي فنهاه الله تعالى عن ذلك; والأخبار الدالّة على ذلك غير ثابتة، فلا يحكم بها مع معارضة الأدلّة العقليّة والنقليّة الدالّة على عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تقدّم بعضها في باب عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .
ولو سلّم أنّه وقع منه ماذكروه، فلعلّه كان مأذوناً في إيقاع كلّ ما يراه موجباً لهداية الخلق وترغيبهم في الإسلام، ولمّا أظهروا أنّهم يسلمون عند وقوع المناوبة فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) رغبة في إسلامهم، ولمّا علم الله أنّهم لايسلمون بذلك وإنّما غرضهم في ذلك الإضرار بالمسلمين، نهاه الله تعالى عن ذلك، فصار بعد النهي حراماً، وإنّما بيّن تعالى أنّه لو ارتكب ذلك بعد النهي يكون من الظالمين لاقبله. وإنّما أكّد ذلك لقطع أطماع الكفّار عن مثل ذلك، ولبيان الإعتناء بشأن فقراء المؤمنين.
وأمّا قول نوح(عليه السلام): (مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ)فلعلّ المراد الطرد بالكلّيّة، أو على غير جهة المصلحة، ومن غير وعد لإسلام الكافرين معلّقاً عليه.
أويقال: إنّه(عليه السلام) لعلّه نهاه الله عن ذلك، ولمّا لم ينه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدُ كان يجوز له ذلك، وأمّا قوله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)فليس المراد الاقتداء في جميع الأُمور لاختلاف الشرائع، بل المراد الاقتداء بهم في الأُمور الّتي لاتختلف باختلاف الملل والشرائع.
وقال البيضاوي: في قوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي

1 . تفسير الرازي: 2/233-235 .

صفحه 94
ينخسنّك منه نخس، أي وسوسة تحملك على خلاف ما أُمرت به كاعتراء غضب و فكر.1
وقال الرازي: احتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) بهذه الآية وقالوا: لولا أنّه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية والذنب لم يقل له ذلك.
والجواب عنه من وجوه:
الأوّل: أنّ حاصل هذا الكلام أنّه تعالى قال: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، ولم يدلّ ذلك على الحصول، كما أنّه تعالى قال:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(2) ولم يدلّ ذلك على أنّه أشرك، وقال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)(3) ولم يدلّ ذلك على أنّه حصل فيهما آلهة.
الثاني: هب أنّا سلّمنا أنّ الشيطان يوسوس إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ هذا لا يقدح في عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما القادح في عصمته لو قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وسوسته، والآية لا تدلّ على ذلك.
الثالث: هب أنّا سلّمنا أنّ الشيطان يوسوس إليه، وأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبل أثر وسوسته، إلاّ أنّا نخصّ هذه الحالة بترك الأفضل والأولى، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «وإنّه ليران2 على

1 . تفسير البيضاوي: 3/85 .      2 . الزمر: 65 .   3 . الأنبياء: 22 .
2 . في المصدر: ليغان. وظاهر المعنى: غين على قلبه كأنّ شيئاً غشيه; أو: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر، لأنّ قلبه أبداً كان مشغولا بالله تعالى، فإن عرض له وقتاً ما عارض بشري يشغله من أُمور الأُمّة والملّة ومصالحها عدّ ذلك ذنباً وتقصيراً فيفزع إلى الاستغفار. لاحظ : معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 4/407، مادة «غين»; والنهاية لابن الأثير: 3/403، مادة «غين». والرين: الطبع والدنس، وقيل: الصدأ يغشى القلب، وقيل: هو الذنب على الذنب حتّى يسوّد القلب. لسان العرب: 13/192، مادة «رين».
أقول: إنّ الأخذ بالمعنى اللغوي يتنافى مع عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكمال إيمانه ومنزلته السامية، ولايستقيم على قواعد الإمامية، وقد ورد مثله من طريق العامّة والخاصّة كثير، ويمكن الرد على هذه الشبهة، بما يلي:
أ. قال الشريف الرضي في «المجازات النبوية»: 390 برقم 306 معلّقاً على الرواية: وهذا القول مجاز، والمراد أنّ الغم يتغشّى قلبه عليه الصلاة والسلام حتى يستكشف غمّته، ويستفرج كربته بالاستغفار فشبّه ما تغشى قلبه من ذلك بغواشي الغيم التي تستر الشمس...، وسواء قال: يغان على قلبي أويغام.
ب. قال علي بن عيسى الأربلي في «كشف الغمّة»: 3/47: إنّ الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وقلوبهم مشغولة، وخواطرهم متعلّقة بالملأ الأعلى، وهم أبدأ في المراقبة كما قال(عليه السلام): «اعبد الله كأنّك تراه» فهم أبداً متوجّهون إليه، ومقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك المرتبة العلية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً، واعتقدوه خطيئة، فاستغفروا منه ... وإلى هذا أشار بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي ليغان على قلبي...»، وقوله: «حسنات الأبرار سيّئات المقربين»... ـ إلى أن قال: ـ فقد بان بهذا أنّه يعد اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان، معصية يستغفر الله منها، وعلى هذا فقس البواقي وكلّ مايرد عليك من أمثالها.

صفحه 95
قلبي، وإنّي لأستغفرالله في اليوم والليّلة سبعين مرّة».1 انتهى2.
أقول: على أنّه يحتمل أن يكون من قبيل الخطاب العامّ، أو يكون الخطاب متوجّهاً إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به أُمّته كما مرّ مراراً، وسيأتي تأويل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى)في باب قصّة بدر.
قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ)قال الرازي في تفسيره: احتجّ بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من وجهين:
الأوّل: أنّه تعالى قال: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) والعفو يستدعي سابقة الذنب.
والثاني: أنّه تعالى قال: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)وهذا استفهام بمعنى الإنكار، فدلّ هذا على أنّ ذلك الإذن كان معصية.

1 . مستدرك الوسائل: 5/320، ح 2، الباب 22 من أبواب الذكر. وقد ورد في بعض المصادر: في كلّ يوم مائة مرة. راجع: صحيح مسلم: 8/72، باب استحباب الاستغفار، سنن أبي داود: 1/339 برقم 1515; مسند أحمد: 4/260.
2 . تفسير الرازي :15/97-98 .

صفحه 96
والجواب عن الأوّل: لا نسلّم أنّ قوله: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) يوجب الذنب، ولِمَ لايجوز أن يقال: إنّ ذلك يدلّ على مبالغة الله تعالى في تعظيمه وتوقيره; كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظّماً عنده: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله لاعرفت حقي; فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلاّ مزيد التبجيل والتعظيم، وقال عليّ بن الجهم فيما يخاطب به المتوكّل وقد أمر بنفيه:
عفا الله عنك ألا حرمة *** (يجوز بفضلك عن أُبعدا)1
والجواب عن الثاني: أن نقول: لا يجوز أن يكون المراد بقوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)الإنكار، لأنّا نقول: إمّا أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أولم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنّه ما صدر عنه امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)إنكاراً عليه، وإن قلنا: إنّه كان قد صدر عنه ذنب فقوله: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)يدلّ على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجّه الإنكار عليه، فثبت أنّ على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إنّ قوله:(لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)يدلّ على كون الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مذنباً، وهذا جواب شاف قاطع، وعند هذا يحمل قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)على ترك الأولى والأكمل، لاسيّما وهذه الواقعة كانت من أحسن ما يتعلّق بالحروب ومصالح الدنيا. انتهى.2
وقال السيّد المرتضى (رضي الله عنه)في كتاب «تنزيه الأنبياء»: أمّا قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ)فليس يقتضي وقوع معصية، ولاغفران عقاب، ولا يمتنع أن يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة; لأنّ أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله وغفرالله لك، وهو لايقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل

1 . في المصدر: تعود بعفوك إن أبعدا.
2 . تفسير الرازي: 16/73-74 .

صفحه 97
ربما لم يخطر بباله أنّ له ذنباً، وإنّما الغرض الإجمال في المخاطبة، واستعمال ما قد صار في العادة علماً على تعظيم المخاطب وتوقيره، وأمّا قوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)فظاهره الاستفهام، والمراد به التقرير واستخراج ذكر علّة إذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب; لأن أحدنا قد يقول لغيره: لم فعلت كذا وكذا؟ تارة معاتباً، وأُخرى مستفهماً، وتارة مقرّراً، فليست هذه اللّفظة خاصّة للعتاب والإنكار، وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن يدّعى فيها أن تكون دالّة على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الأولى والأفضل، وقد بيّنا أنّ ترك الأولى ليس بذنب، وإن كان الثواب ينقص معه، فإن الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)يجوز أن يتركوا كثيراً من النوافل، وقد يقول أحدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الأفضل؟ ولم عدلت عن الأولى؟ ولايقتضي ذلك إنكاراً ولا قبيحاً.1 انتهى كلامه، زيد إكرامه.
أقول: يجوز أن يكون إذنه(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم حسناً موافقاً لأمره تعالى، ويكون العتاب متوجّهاً إلى المستأذنين الّذين علم الله من قبلهم النفاق، أو إلى جماعة حملوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك كما مرّ مراراً، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ)(2) ولا تنافي بين كون استيذانهم حراماً وإذنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ما يظهرونه من الأعذار ظاهراً واجباً أومباحاً، أوتر كاً للأولى.
قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ)قال الرازي في تفسيره: اختلف المفسّرون في أنّ المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل: هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: غيره.
فأمّا من قال بالأوّل: فاختلفوا فيه على وجوه:
الأوّل: أنّ الخطاب مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الظاهر، والمراد غيره كقوله تعالى: (يَا

1 . تنزيه الأنبياء: 161 .   2 . المائدة: 116 .

صفحه 98
أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)1، وكقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)(2)، وكقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(3)، وكقوله لعيسى(عليه السلام): (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)(4); ومن الأمثلة المشهورة: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، والّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى في آخر السورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ دِينِي)2، فبيّن أنّ المذكور في أوّل الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح.
والثاني: أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لو كان شاكّاً في نبوّة نفسه لكان شكّ غيره في نبوّته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلّيّة.
والثالث: أنّ بتقدير أن يكون شاكّاً في نبوة نفسه فكيف يزول ذلك الشكّ بإخبار أهل الكتاب عن نبوّته؟ مع أنّهم في الأكثر كانوا كفّاراً، وإن حصل فيهم من كان مؤمناً إلاّ أنّ قوله ليس بحجة، لاسيّما وقد تقرّر أنّ ما في أيديهم من التوراة والإنجيل مصحّف محرّف، فثبت أنّ الحقّ هو أنّ هذا الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسول إلاّ أنّ المراد هو الأُمّة، ومثل هذا معتاد فإنّ السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فإذا أراد أن يأمر الرعيّة بأمر مخصوص فإنّه لايوجّه خطابه عليهم، بل يوجّه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الّذي أمّره عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم.
الثاني: أنّه تعالى علم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يشكّ في ذلك، إلاّ أنّ المقصود أنّه متى سمع هذا الكلام فإنّه يصرّح ويقول: يا ربّ لا أشكّ ولا أطلب الحجّة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة، ونظيره قوله تعالى

1 . الطلاق: 1 .            2 . الأحزاب: 1 .            3. الزمر: 65 .   4 . المائدة: 116 .
2 . يونس: 104 .

صفحه 99
للملائكة: (أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)1 وكما قال لعيسى(عليه السلام): (أَأَنْتَ قُلْتَ)(2) والمقصود منه أن يصرّح عيسى(عليه السلام) بالبراءة من ذلك، فكذا هنا.
والثالث: هو أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان من البشر وكان حصول الخواطر المشوّشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لاتندفع إلاّ بإيراد الدلائل وتقرير البيّنات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتّى أنّ بسببها يزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)(3) وأقول: تمام التقرير في هذا الباب أنّ قوله: إن كنت في شكّ فافعل كذا وكذا، قضّية شرطّية، والقضيّة الشرطيّة لا إشعار فيها البتّة بأنّ الشرط وقع أولم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أولم يقع، بل ليس فيها إلاّ بيان أنّ ماهيّة ذلك الشرط مستلزمة لماهيّة ذلك الجزاء فقطّ، فالفائدة في إنزال هذه الآية تكثير الدلائل وتقويتها بما يزيد في قوّة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوّة.
الرابع: أنّ المقصود استمالة قلوب الكفّار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنّهم طالبوه مرّة بعد أُخرى بما يدلّ على صحّة نبوّته، وكأنّهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، فصار مانعاً لهم من قبول الإيمان، فقال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ)من نبوّتك فتمسّك بالدليل الفلاني، إنّ أولى الناس أن لا يشكّ في نبوّته هو نفسه ثمّ مع هذا إن طلب هو من نفسه دليل على نبوّة نفسه بعدما سبق من الدلائل الباهرة فإنّه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح ذلك منه في حقّ نفسه، فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أنّ المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات.
الخامس: أن يكون التقدير إنّك لست بشاكّ البتّة، ولو كنت شاكّاً لكان لك

1 . سبأ: 40 .      2 . المائدة: 116 .   3 . هود: 12 .

صفحه 100
طرق كثيرة في إزالة ذلك الشكّ، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا)1 والمعنى لو فرض ذلك الممتنع واقعاً لزم منه المحال الفلانيّ، وكذلك هاهنا لو فرضنا وقوع هذا الشكّ فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أنّ هذا الشكّ زائل، وهذه الشبهة باطلة.
السادس: قال الزجّاج: إنّ الله تعالى خاطب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتناول الخلق كقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)قال القاضي: هذا بعيدٌ، لأنّه متى قيل: الرسول داخل تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال.2
السابع: أنّ لفظ «إن» للنفي، يعني لانأمرك بالسؤال لأنّك شاكّ، لكن لتزداد يقيناً، كما ازداد إبراهيم(عليه السلام)بمعاينة إحياء الموتى يقيناً.
وأمّا الوجه الثاني وهو: أن يقال: هذا الخطاب ليس مع الرسول.
وتقريره: أنّ الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة: المصدّقون به، والمكذّبون له، والمتوقّفون في أمره; فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت أيّها الإنسان في شكّ ممّا أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فاسأل أهل الكتاب ليدلّوك على صحّه نبوّته، وإنّما وحّد الله تعالى وهو يريد الجمع، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ)3، و (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)(4)، ولمّا
ذكر لهم4 ما يزيل ذلك الشكّ عنهم حذّرهم من أن يلتحقوا بالقسم الثاني وهم

1 . الأنبياء: 22 .
2 . في المصدر: وهو شامل للخلق، وهو كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) قال: وهذا أحسن الإقاويل، قال القاضي: هذا بعيد، لأنّه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال، سواء أُريد معه غيره، أو لم يرد; وإن جاز أن يراد هو مع غيره فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر، ثم قال: ومثل هذا التأويل يدلّ على قلة التحصيل. انتهى.
3 . الانفطار: 6 .      4 . الانشقاق: 6 .
4 . في المصدر: بعد الآية الثانية: وقوله: (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه، بل المراد هو الجماعة، فكذا هاهنا، ولمّا ذكر الله تعالى لهم.

صفحه 101
المكذّبون، فقال: (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)1.
ثمّ اختلفوا في أنّ المسؤول عنه من هم؟ فقال المحقّقون: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب; كعبد الله بن سلام، وعبدالله بن صوريا، وتميم الداريّ، وكعب الأحبار.
ومنهم من قال: الكلّ، سواء كانوا من المسلمين أو الكفّار; لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثمّ قرأوا آية من التوراة أو الإنجيل وتلك الآية دالّة على البشارة بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد حصل الغرض.
فإن قيل: إذا كان مذهبكم أنّ هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير فكيف يمكن التعويل عليها؟
قلت: إنّما حرّفوها بسبب إخفاء الآيات الدالّة على نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن بقيت فيها آيات دالّة على نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم)كان ذلك من أقوى الدلائل على صحّة نبوّته; لأنّها لمّا بقيت مع توفّر دواعيهم على إزالتها دلّ ذلك على أنّها كانت في غاية الظهور.
وأمّا أنّ المقصود من ذلك السؤال معرفة أيّ الأشياء ففيه قولان:
الأوّل: أنّه القرآن، ومعرفة نبوّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) .
والثاني: أنّه رجع ذلك إلى قوله تعالى: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ)2. والأوّل أولى; لأنّه هو الأهمّ، والحاجة إلى معرفته أتمّ.
واعلم أنّه تعالى لمّا بيّن هذا الطريق قال بعده: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)(والمعنى ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما

1 . يونس: 95 .
2 . يونس: 94 .

صفحه 102
أتاك هو الحقّ الّذي لامدخل فيه للمرية، فلا تكوننّ من الممترين).1(وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ)أي اثبت ودُم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك وانتفاء التكذيب، ويجوز أن يكون ذلك على سبيل التهييج وإظهار التسدّد،2 ولذلك قال(صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزوله: «لا أشكّ ولا أسأل3 أشهد أنّه الحقّ». انتهى.4
وذكر الطبرسي (رحمه الله) أكثر تلك الوجوه، وقال بعد إيراد الوجه الأوّل من الوجوه الّذي ذكره الرازي: وروي عن الحسن وقتادة وسعيد بن جبير أنّهم قالوا: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشكّ ولم يسأل، وهو المرويّ أيضاً عن أبي عبدالله(عليه السلام).
وقال بعد إيراد الوجوه في سؤال أهل الكتاب: وقيل أيضاً: إنّ المراد بالشكّ الضيق والشدّة بما يعاينه من تعنّتهم وأذاهم، أي: إن ضقت ذرعاً بما تلقى من أذى قومك، فاسأل الّذين يقرأون الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم، فاصبر كذلك.(5)
قوله تعالى: (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة): أي في شكّ، وقد مرّ الكلام في أنّ النهي عن المرية لا يدلّ على حصولها، مع إمكان الخطاب العامّ. أو توجّه الخطاب واقعاً إلى الغير، (مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ)أنّه باطلٌ، وأنّ مصير من يعبدهم إلى النار (مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ): أي من جهة التقليد بلا حجّة (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ)من العذاب (غَيْرَ مَنْقُوص): أي على مقدار ما يستحقّونه، فآيسهم سبحانه بهذا القول عن العفو والمغفرة (فَاسْتَقِمْ): أي على الوعظ والإنذار والتمسّك بالطاعة، والأمر بها والدعاء إليها كما أُمرت في القرآن وغيره (وَمَنْ تَابَ

1 . ما بين القوسين ليس في المصدر، بل في تفسير الكشّاف: 2/253 .
2 . في المصدر: التشدّد.
3 . في المصدر بزيادة: بل. وهو الصحيح.
4 . تفسير الرازي: 17/160-163 .   5 . مجمع البيان: 5/226-227 .

صفحه 103
مَعَكَ): أي وليستقم من تاب معك من الشرك كما أُمروا، أومن رجع إلى الله وإلى نبيّه; وقيل: استقم أنت على الأداء، وليستقيموا على القبول (وَلاَ تَطْغَوْا): أي لاتجاوزوا أمر الله بالزيادة والنقصان فتخرجوا عن حدّ الاستقامة.1
قال الطبرسي (رحمه الله): قال ابن عبّاس: مانزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) آية كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه:ـ حين قالوا له: أسرع اليك الشيب يا رسول الله ـ «شيبّتني هود والواقعة»2.3
قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) قد مرّ الكلام في مثله فلا نعيده، قال الطبرسي (رحمه الله): خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمراد به الأُمّة (مِنْ وَلِيّ): أي ناصر يعينك عليه، ويمنعك من عذابه (وَلاَ وَاق)يقيك منه.4
قوله تعالى: (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ)قال الرازي: قال المفسّرون: هذا في الظاهر خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّ المعنى عامّ لجميع المكلّفين; ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب للإنسان، كأنّه قيل: أيّها الإنسان لاتجعل مع الله إلهاً آخر، وهذا الاحتمال عندي أولى; لأنّه تعالى عطف عليه قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)إلى قوله: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا)وهذا لايليق بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ أبويه ما بلغا الكبر عنده، فعلمنا أنّ المخاطب بهذا هو نوع الإنسان.

1 . مجمع البيان: 5/342 .
2 . روى الترمذي في سننه: 5/76، تفسير سورة الواقعة بإسناده عن ابن عباس قال: قال أبوبكر: يارسول الله قد شبت. قال: «شيّبتني هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت». ورواه أيضاً الحاكم في مستدركه: 2/353، والهيثمي في مجمع الزوائد: 7/37، والطبراني في المعجم الأوسط: 8/160، وغيرها. ومن أصحابنا رواه الصدوق في أماليه: 304، ح 4، المجلس 41، والخصال: 199، ح 10، باسناده عن ابن عبّاس عن رجل في الأوّل، وعن أبي بكر في الثاني، ولم يذكر «وإذا الشمس كوّرت».
3 . مجمع البيان: 5/342.
4 . مجمع البيان: 6/46 .

صفحه 104
وأمّا قوله: (فَتَقْعُدَ) ففيه وجوه:
الأوّل: أنّ معناه المكث، أي فتمكث في الناس مذموماً مخذولا، وهذا معنى شائع لهذا اللفظ في عرف العرب والفرس.
الثاني: أنّ من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكّراً على ما فرط منه.
الثالث: أنّ المتمكّن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنّما يتأتّى بالقيام، وأمّا العاجز عن تحصيلها فإنّه لايسعى، بل يبقى جالساً قاعداً عن الطلب، فالقعود كناية عن العجز والضعف. انتهى.1
والكلام في الآية الثانية كالكلام في الأُولى.
قوله: (مَدْحُوراً): أي مطروداً مبعداً عن رحمة الله.2
قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ)قال الطبرسي (رحمه الله): في سبب نزوله أقوال:
أحدها: أنّ قريشاً قالت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): لاندعك تستلم الحجر حتّى تلمّ بآلهتنا، فحدّث نفسه وقال: ما عليّ في أن ألمّ بها والله يعلم أنّي لها لكاره، ويدعونني أستلم الحجر، فنزلت; عن ابن جبير.
وثانيها: أنّهم قالوا: كفّ عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الّذين رائحتهم رائحة الضأن3 حتّى نجالسك ونسمع منك، فطمع في إسلامهم فنزلت.
ثالثها: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخرج الأصنام من المسجد، فطلبت إليه قريش أن يترك صنماً كان على المروة، فهمّ بتركه ثمّ أمر بكسره، فنزلت. ورواه العياشيّ بإسناده.

1 . تفسير الرازي: 20/182-183 باختصار وتصرّف.
2 . مجمع البيان: 6/252 .
3 . في المصدر: الصنان. أقول: الصنان: ذفر الإبط ونتنه. لسان العرب: 13/250، مادة «صنن».

صفحه 105
ورابعها: أنّها نزلت في وفد ثقيف قالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال: لا ننحني، يعنون الصلاة،1 ولاتكسر أصنامنا بأيدينا، وتمتّعنا باللاّت سنة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): لاخير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود، فأمّا كسر أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأمّا الطاغية اللات(2) فإنّي غير ممتّعكم بها، وقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتوضّأ، فقال عمر: ما بالكم آذيتم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إنّه لايدع الأصنام في أرض العرب، فما زالوا به حتّى أنزل الله هذه الآيات; عن ابن عبّاس.
وخامسها: أنّ وفد ثقيف قالوا: أجّلنا سنة حتّى نقبض مايهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا ذلك كسرناها وأسلمنا، فهمّ بتأجيلهم فنزلت; عن الكلبيّ، فقال: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)إن مخفّفة عن الثقيلة، والمعنى: أنّ المشركين همّوا وقاربوا أن يزيلوك ويصرفوك عن حكم القرآن (لِتَفْتَري عَلَيْنَا غَيْرَهُ): أي لتخترع علينا غير ما أوحيناه إليك، والمعنى لتحلّ محلّ المفتري، لأنّك تخبر أنّك لاتنطق إلاّ عن وحي، فإذا اتّبعت أهواءهم أو همتَ أنّك تفعله بأمر الله فكنت كالمفتري (وَإِذاً لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً): أي لتولّوك وأظهروا صداقتك (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ): أي ثبّتنا قلبك على الحقّ والرشد بالنبوّة والعصمة والمعجزات; وقيل: بالألطاف الخفيّة (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً): أي لقد قاربت أن تسكن إليهم بعض السكون، يقال: كدت أفعل كذا، أي قاربت أن أفعله ولم أفعله، وقد صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «وضع عن أُمّتي ما حدّثت به نفسها مالم تعمل به أوتتكلّم». قال ابن عبّاس: يريد حيث سكت والله أعلم بنيّته،(3) ثمّ توعّده سبحانه على ذلك لوفعله فقال: (إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ): أي لوفعلت ذلك لعذّبناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، لأنّ ذنبك أعظم; وقيل المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه، قال ابن عبّاس: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)معصومٌ،

1 . في المصدر: لاننحني بفنون الصلاة.   2. في المصدر: وأمّا الطاعة للاّت.   3. في المصدر: بنبيّه.

صفحه 106
ولكن هذا تخويف لأُمّته لئلاّ يركن أحدٌمن المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه (ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً): أي ناصراً ينصرك.1
وقال الرازي: احتجّ الطاعنون في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) بهذه الآية بوجوه:
الأوّل: أنّها دلّت على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قرب من أن يفتري على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب.
الثاني: أنّها تدلّ على أنّه لولا أنّ الله تعالى ثبّته وعصمه لقرب أن يركن إلى دينهم.
الثالث: أنّه لولا سبق جرم وجناية لم يحتج إلى ذكر هذا الوعيد الشديد.
والجواب عن الأوّل: أنّ (كاد) معناه المقاربة، فكان معنى الآية أنّه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لايدلّ على الوقوع.
وعن الثاني: أنّ كلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيء، لثبوت غيره، تقول: لولا عليّ لهلك عمر، ومعناه أن وجود عليّ(عليه السلام) منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك هاهنا فقوله: (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) معناه لولا حصل تثبيت الله لك يا محمّد، فكان تثبيت الله مانعاً من حصول ذلك الركون.
وعن الثالث: أنّ التهديد على المعصية لايدلّ على الإقدام عليها، والدليل عليه آيات منها قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)2الآيات، وقوله تعالى:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ)(3) وقوله: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ).(4) انتهى.(5)
وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)يعني القرآن، ومعناه أنّي أقدر أن آخذ ما أعطيتك كما منعته غيرك، ولكن دبّرتك

1 . مجمع البيان: 6/277-278 باختصار وتصرّف.
2 . الحاقة: 44-45 .      3 . الزمر: 65 .      4 . الأحزاب: 1 .   5 . تفسير الرازي: 21/21-22.

صفحه 107
بالرحمة لك فأعطيتك ما تحتاج إليه، ومنعتك مالاتحتاج إلى النصّ عليه1. (ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً): أي ثمّ لوفعلنا ذلك لم تجد علينا وكيلا يستوفي ذلك منّا.2
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ) قال الرازي: ذكر المفسّرون في سبب نزول هذه الآية أنّ الرسول لمّا رأى إعراض قومه عنه شقّ عليه ما رأى من مباعدتهم عمّا جاءهم به تمنّى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحبّ يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه، وتمنّى ذلك فأنزل تعالى سورة(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)(3) فقرأها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى)(4) ألقى الشيطان على لسانه «تلك الغرانيق3العلى * منها الشفاعة ترتجى» فلمّا سمعت قريش فرحوا، ومضى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في قراءته وقرأ السورة كلّها، فسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلاّ سجد سوى الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص، فإنّهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لأنّهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمّد آلهتنا بأحسن الذكر، فلمّا أمسى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه جبرئيل(عليه السلام) فقال: ماذا صنعت؟ تلوت على الناس مالم

1 . زاد في المصدر بعد ذلك: وإن توهم قوم أنّه ممّا تحتاج إليه فتدبّر أنت بتدبير ربك، وارض بما اختاره لك.
2 . مجمع البيان: 6/289 .      3 . النجم: 1 .   4 . النجم: 20 .
3 . في النهاية لابن الأثير: 3/364، مادة «غرنق»: الغرانيق هاهنا الأصنام، وهي في الأصل: الذكور من طير الماء، واحدها غرنوق وغرنيق، سُمّي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضاً الشاب الناعم الأبيض، وكانوا يزعمون أنّ الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.

صفحه 108
آتك به عن الله؟ وقلت مالم أقل لك؟ فحزن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً عظيماً حتّى نزل قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي)الآية، هذا رواية عامّة المفسّرين الظاهريّين.1
وأمّا أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجّوا بالقرآن والسنّة والمعقول:

1 . هذه الرواية متّفق على بطلانها عند الشيعة الإمامية، وعند الكثير من علماء السنّة المحقّقين، كالفخر الرازي والبيهقي والقاضي عياض والقاضي عبدالجبار وأبي حيان والبيضاوي والنووي والنسفي وابن العربي والألباني وغيرهم كما سيأتي، وإن رويت بطرق عديدة صحّحها جماعة منهم ابن حجر، وجزم بها أبو السعود في تفسيره: 6/114 واعتبرها دلالة على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم، كما جزم بها عبدالعزيز الدهلوي صاحب التحفة الاثنا عشرية.
وقد أوضح السيد الطباطبائي فى ميزانه: 14/396 موقف الشيعة من هذه الرواية قائلا: الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن عباس وجمع من التابعين منهم الحافظ ابن حجر، لكنّ الأدلّة القطعية على عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)تكذّب متنها وإن فرضت صحّة سندها، فمن الواجب تنزيه ساحته المقدّسة عن مثل هذه الخطيئة، مضافاً إلى أنّ الرواية تنسب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) أشنع الجهل وأقبحه، فقد تلا: (تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهن لترتجى) وجهل أنّه ليس من كلام الله، ولا نزل به جبرئيل، وجهل أنّه كفر صريح يوجب الارتداد ودام على جهله حتى سجد وسجدوا في آخر السورة ولم يتنبّه!! ثم دام على جهله حتى نزل عليه جبريل وأمره أن يعرض عليه السورة، فقرأها عليه وأعاد الجملتين وهو مصرّ على جهله!! حتى أنكره عليه جبريل، ثم أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع والخطيئة الفضيحة لجميع الأنبياء والمرسلين، وهي قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلاَ نَبي إِلاَّ إِذَا تَمَنى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ). وبذلك يظهر بطلان ما ربمّا يعتذر دفاعاً عن الحديث بأنّ ذلك كان سبقاً من لسانه دفعة بتصرّف من الشيطان سهواً منه(عليه السلام)، وغلطاً من غير تفطّن; فلا متن الحديث على ما فيه من تفصيل الواقعة ينطبق على هذه المعذرة، ولا دليل العصمة يجوّز مثل هذا السهو والغلط... وخلص إلى القول بأنّه لو جاز مثل هذا التصرّف من الشيطان في لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم)لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي، ولارتفع الاعتماد والوثوق بكتاب الله من كلّ جهة، وتلغو الرسالة والدعوة النبوية بالكلية، جلّت ساحة الحق من ذلك. ومن أراد المزيد فليراجع كتاب : مفاهيم القرآن للعلاّمة السبحاني: 7 / 190; الصحيح من سيرة النبي الأعظم لجعفر مرتضى العاملي: 3/139، فقد ناقشا هذه الخرافة بشكل مفصّل.

صفحه 109
أمّا القرآن فوجوه:
أحدها: قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ).1
وثانيها: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).(2)
وثالثها: قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(3)، فلو أنّه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد أظهر كذب الله تعالى في الحال، وذلك لا يقول به مسلم.
و رابعها: قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ)(4)، و «كاد» معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنّه لم يحصل.
وخامسها: قوله: (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ)2، وكلمة «لولا» تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فدلّ على أنّ الركون القليل يحصل.
وسادسها: قوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ).(6)
وسابعها: قوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى).(7)
وأمّا السنّة: فهي أنّه روي عن محمّد بن إسحاق بن خزيمة أنّه سئل عن هذه القصّة؟ فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتاباً.
وقال الإمام أبوبكر البيهقيّ: هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل، ثمّ أخذ يتكلّم في أنّ رواة هذه القصّة مطعونون، وأيضاً فقد روى البخاريّ في صحيحه أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ سورة (والنجم) وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجنّ

1 . الحاقة: 44-46 .       2 . يونس: 15 .      3 . النجم: 3-4 .   4 . الإسراء: 73 .
2 . الإسراء: 74 .      6 . الفرقان: 32 .   7 . الأعلى: 6 .

صفحه 110
وليس فيه حديث الغرانيق، وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتّة حديث الغرانيق.
وأمّا المعقول فمن وجوه:
أحدها: أنّ مَن جوّز على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تعظيم الأوثان فقد كفر، لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ أعظم سعيه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان في نفي الأوثان.
وثانيها: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يمكنه في أوّل الأمر أن يصلّي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً لأذى المشركين له حتّى كانوا ربّما مدّوا أيديهم إليه، وإنّما كان يصلّي إذا لم يحضروها ليلاً أو في أوقات خلوة، وذلك يبطل قولهم.
وثالثها: أنّ معاداتهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت أعظم من أن يقرّوا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنّه عظّم آلهتهم حتّى خرّوا سجّداً مع أنّه لم يظهر عندهم موافقته لهم.
ثم ذكر ما هو أقوى الوجوه في نظره بقوله: أنّا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، وجوّزنا في كلّ واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)1، فإنّه لافرق بين النقصان عن الوحي، وبين الزيادة فيه.
فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أنّ هذه القصّة موضوعة، أكثر ما في الباب أنّ جمعاً من المفسّرين ذكروها لكنّهم ما بلغوا حدّ التواتر، والخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقليّة والنقليّة المتواترة.2

1 . المائدة: 67 .
2 . تفسير الرازي: 23 / 49 ـ 54. وللكلام صلة فمن أراد المزيد فليرجع إليه. وقد أخذ الرازي الكثير من الوجوه الّتي ذكرها من السيد المرتضى، كما سيتبيّن لك.

صفحه 111
وقال السيّد المرتضى ـ قدّس الله روحه ـ في «التنزيه» بعد نقل بعض الروايات السابقة: قلنا: أمّا الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التّي قصّوا بها، وليس يقتضي الظاهر إلاّ أحد أمرين: إمّا أن يريد بالتمنّي التلاوة كما قال حسّان،1 أو تمنّي القلب.
فإن أراد التلاوة كان المراد أنّ من أُرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤدّيه إلى قومه حرّفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيّهم(عليه السلام) ، فأضاف ذلك إلى الشيطان، لأنّه يقع بوسوسته وغروره، ثمّ بيّن أنّ الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حججه وينسخه، ويحسم مادة الشبهة به، وإنّما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له (صلى الله عليه وآله وسلم)، لمّا كذب المشركون عليه، وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم مالم يكن فيها.
وإن كان المراد تمنّي القلب، فالوجه في الآية أنّ الشيطان ـ متى تمنّى بقلبه بعض ما يتمّناه من الأُمور ـ يوسوس إليه بالباطل، ويحدّثه بالمعاصي، ويغريه بها ويدعوه إليها، وأنّ الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه، وترك استماع غروره، فأمّا الأحاديث المرويّة في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمّنت ما قد نزّهت العقول الرسل(عليهم السلام)عنه، هذا لولم تكن في أنفسها مطعونة مضعفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره، وكيف يجيز ذلك على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من يسمع الله يقول: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ).2 يعني القرآن، وقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا)3 الآيات، وقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ
تَنْسَى).(4) على أنّ من يجيز السهو على الأنبياء(عليهم السلام) يجب أن لايجيز ما تضمّنته

1 . في المصدر: كما قال حسّان بن ثابت:
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة   وآخرها لاقى الحمام المقادر
2 . الفرقان: 32 .
3 . الحاقة: 44 .   4 . الأعلى: 6 .

صفحه 112
هذه الرواية المنكرة، لما فيها من غاية التنفير عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الله تعالى قد جنّب نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك ممّا هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى، على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لايخلو ـ وحوشي ممّا قرّف به1 ـ من أن يكون تعمّد ما حكوه وفعله قاصداً، أوفعله ساهياً، ولاحاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره، وإن كان فعله ساهياً فالساهي لايجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها، ثمّ بمعنى ما تقدّمها من الكلام، لأنّا نعلم ضرورة أنّ شاعراً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتّى يتّفق منه بيت شعر في وزنها، وفي معنى البيت الّذي تقدّمه، وعلى الوجه الّذي تقتضيه فائدته، وهو مع ذلك يظنّ أنّه من القصيدة الّتي ينشدها، وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وقال القاضي عياض في «الشفاء» بعد توهين الحديث والقدح في سنده بوجوه شتّى:
و قد قرّرنا بالبرهان والإجماع عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهواً، أو أن يتشبّه عليه ما يلقيه الملك ممّا يلقي الشيطان، أو أن يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقوّل على الله لا عمداً ولا سهواً ما لم ينزل عليه.
ثمّ قال: ووجه ثان: وهو استحالة هذه القصّة نظراً وعرفاً، وذلك أنّ الكلام لوكان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام،3 ممتزج المدح بالذّم،

1 . في المصدر: قذف به. أقول: قرفه بكذا: أي أضافه إليه واتهمه به. النهاية لابن الأثير: 4/45، مادة «قرف».
2 . تنزيه الأنبياء: 152 ـ 154. وفي المصدر زيادة هي: على أنّ الموحى إليه من الله النازل بالوحي وتلاوة القرآن جبرئيل عليه السلام، وكيف يجوز السهو عليه.
3 . في المصدر: أنّ هذا الكلام لوكان صحيحاً لكان بعيد الالتيام، لكونه متناقض الأقسام.

صفحه 113
متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا مَنْ بحضرته من المسلمين وصناديد قريش من المشركين ممّن يخفى عليه ذلك، وهذا لايخفى على
أدنى متأمّل، فكيف بمن رجح حمله، واتَّسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.
ووجه ثالث: أنّه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأوّل وهلة وتخليط العدوّ على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأقل فتنة، وارتداد من في قلبه مرض ممّن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحدٌ في هذه القصّة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجّة كما فعلوه مكابرة في قضية الإسراء حتّى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردّة، وكذلك ماروي في قصّة القضيّة، ولا فتنة أعظم من هذه البليّة لو وجدت، ولا تشغيب1 للمعادي حينئذ أشدّ من هذه الحادثة لو أمكنت، فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها شبهة2 فدلّ على بطلها واجتثاث أصلها. ثمّ ذكر أكثر الوجوه الّتي ذكرها السيّد والرازي.3
وقال الطبرسي (رحمه الله) بعد نقل ملخّص كلام السيّد: وقال البلخيّ: ويجوز أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما، فلمّا قرأها ألقاهما الشيطان في ذكره، فكاد أن يجريها على لسانه فعصمه الله ونبّهه، ونسخ وسواس الشيطان وأحكم آياته بأن قرأها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) محكمة سليمة ممّا أراد الشيطان،

1 . الشغب ـ بسكون الغين ـ تهييج الفتنة والشر والخصام، والعامة تفتحها، والمشاغبة: المخاصمة والمفاتنة. النهاية لابن الأثير: 2/482، مادة «شغب».
2 . في المصدر: ولا عن مسلم ببنت شفة. أقول: بنت شفة: الكلمة. صحاح الجوهري: 6/2237، مادة «شفه».
3 . شرح الشفاء: 2/126-128 .

صفحه 114
والغرانيق جمع غرنوق وهو الحسن الجميل، يقال: شابّ غرنوق وغرانق: إذا كان ممتلياً ريّاناً (ثُمَّ يُحْكِمُ آيَاتِهِ): أي يبقي آياته ودلائله وأوامره محكمة لاسهو فيها ولا غلط (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)إلى قوله: (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ): أي ليجعل ذلك تشديداً في التعبّد، وامتحاناً على الّذين في قلوبهم شكّ، وعلى الّذين قست قلوبهم من الكفّار، فيلزمهم الدلالة على الفرق بين مايحكمه الله وبين مايلقيه الشيطان (لَفِي شِقَاق بَعِيد): أي في معاداة ومخالفة بعيدة عن الحقّ (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) بالله وتوحيده وحكمته (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): أي أنّ القرآن حقّ لايجوز عليه التغيير والتبديل (فَيُؤْمِنُوا بِهِ): أي فيثبتوا على إيمانهم، وقيل: يزدادوا إيماناً (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ): أي تخشع وتتواضع لقوّة إيمانهم.1
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ): المراد به سائر المكلّفين، وإنّما أفرده بالخطاب ليعلم أنّ العظيم الشأن إذا أُوعد، فمن دونه كيف حاله، وإذا حذّر هو فغيره أولى بالتحذير.2
قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا)قال الرازي: في كلمة (إِلاَّ)وجهان:
أحدهما: أنّها للاستثناء، ثم قال صاحب الكشّاف: هذا كلام محمول على المعنى، كأنّه قيل: وما أُلقي إليك الكتاب إلاّ رحمة من ربّك، ويمكن أيضاً إجراؤه على ظاهره، أي وما كنت ترجو إلاّ أن يرحمك الله رحمة فينعم عليك بذلك، أي وما كنت ترجو إلاّ على هذا الوجه.
والثاني: أنّ «إِلاَّ» بمعنى (لكن) أي ولكن رحمة من ربّك أُلقي إليك، ثمّ إنّه كلّفه بأُمور:

1 . مجمع البيان: 7/164-165. وللعلاّمة السبحاني بحث ضاف حول خرافة الغرانيق في كتابه: مفاهيم القرآن: 7/190 وما بعدها، فمن أراد فليرجع إليه.
2 . مجمع البيان: 7/355 .

صفحه 115
أحدها: أن لايكون مظاهراً للكفّار.1
وثانيها: (وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ)قال الضحّاك: وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوّجوه ويقاسموه شطراً من مالهم، أي لاتلتفت إلى هؤلاء ولاتركن إلى قولهم فيصدّك عن اتّباع آيات الله.
وثالثها: قوله: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ): أي إلى دين ربّك، وأراد التشديد في الدعاء للكفّار والمشركين، فلذلك قال: (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ); لأنّ من رضي بطريقتهم أومال إليهم كان منهم.
ورابعها: قوله: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ)وهذا وإن كان واجباً على الكلّ إلاّ أنّه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل التعظيم.
فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أن لايفعل شيئاً من ذلك البتّة، فما الفائدة في هذا النهي؟
قلت: لعلّ الخطاب معه، ولكنّ المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى لاتعتمد على غير الله ولا تتّخذ غيره وكيلا في أُمورك، فإنّه من وكل بغير الله2فكأنّه لم يكمل طريقه في التوحيد، انتهى.3
وقال البيضاوي: هذا وما قبله للتهييج وقطعه أطماع المشركين عن مساعدته لهم.4
أقول: سيأتي تأويل قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ)في باب تزويج زينب إن شاء الله .

1 . في قوله: (وَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ): القصص: 86 .
2 . في المصدر: من وثق بغيرالله.
3 . تفسير الرازي: 25/22 .
4 . تفسير البيضاوي: 4/306 .

صفحه 116
وقال الطبرسي (رحمه الله): (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ)عن الحقّ كما تدّعون (فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي): أي فإنّما يرجع وبال ضلالي عليّ، لأنّي مأخوذ به دون غيري(وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي): أي فبفضل ربيّ حيث أوحى إلي، فله المنّة بذلك عليّ دون خلقه (إِنَّهُ سَمِيعٌ)لأقوالنا (قَرِيبٌ)منّا، فلا يخفى عليه المحقّ والمبطل.1
قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ)قال السيّد(رضي الله عنه): قد قيل في هذه الآية: إنِّ الخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به أُمتّه، وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة.
وجواب آخر: أنّ هذا خبر يتضمّن الوعيد، وليس يمتنع أن يتوعّد الله على العموم، وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنّه لايقع منه ما تناوله الوعيد، لكنّه لابدّ أن يكون مقدوراً له وجائزاً بمعنى الصحّة لابمعنى الشكّ ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عامّاً لمن يقع منه ما تناوله الوعيد ولمن علم الله تعالى أنّه لايقع منه، وليس قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا);2 لأنّ استحالة وجود ثان معه إذا لم يمنع من تقدير ذلك وبيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الّذي هو مقدور ممكن، وبيان حكمه.3
وقال البيضاوي: (أَمْ يَقُولُونَ)بل أيقولون (افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً)افترى محمّد بدعوى النبوّة والقرآن (فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)استبعاد للافتراء عن مثله بالإشعار على أنّه إنّما يجترئ عليه من كان مختوماً على قلبه، جاهلا بربّه، فأمّا من

1 . مجمع البيان: 8/226 .
2 . الأنبياء: 22.
3 . تنزيه الأنبياء: 167-168 .

صفحه 117
كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، فكأنّه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه وقيل: يختم على قلبك: يمسك القرآن والوحي عنه، فكيف تقدر على أن تفتري، أويربط عليه بالصبر فلايشق عليك أذاهم.1
قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا)قال الرازي والطبرسي: أي أُمم من أرسلنا، والمراد مؤمنو أهل الكتاب، فإنّهم سيخبرونك أنّه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا متّفقاً عليه بين كلّ الأنبياء والرسل وجب أن لايجعلوه سبب بغض محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والخطاب وإن توجّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فالمراد به
الأُمّة.2
والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عبّاس لمّا أُسري بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد الأقصى بعث الله تعالى له آدم(عليه السلام)وجميع المرسلين من ولده(عليهم السلام) فأذّن جبرئيل، ثمّ أقام، وقال: يا محمّد تقدّم فصلّ بهم، فلمّا فرغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من الصلاة قال له جبرئيل(عليه السلام) : سل يامحمّد من أرسلنا من قبلك من رسلنا، الآية، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): لا أسأل لأنّي لست شاكّاً فيه.
والقول الثالث: أنّ ذكر السؤال في موضع لايمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنّها إن لم تجبك جهاراً أجابتك اعتباراً، وهاهنا سؤال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأنبياء الّذين كانوا قبله ممتنعٌ، وكان المراد منه: انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبّر فيها بنفسك، والله أعلم.3
قوله تعالى: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)قال الطبرسي (رحمه الله): فيه أقوال:

1 . تفسير البيضاوي: 5/129 .
2 . وهو القول الأوّل.
3 . مجمع البيان: 9/84; تفسير الرازي: 27/216 .

صفحه 118
أحدها: إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أوّل من عبدالله وحده وأنكر قولكم.
وثانيها: أنّ (إن) بمعنى (ما) والمعنى ماكان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين لله المقرّين بذلك.
وثالثها: أنّ معناه لو كان له ولد لكنت أنا أوّل الآنفين من عبادته، لأنّ من يكون له ولد لا يكون إلاّ جسماً محدثاً، ومن كان كذلك لا يستحقّ العبادة، من قولهم: عبدت من الأمر، أي أنفت منه.
ورابعهاً: أنّه يقول: كما أنّي لست أوّل من عبدالله فكذلك ليس لله ولد.
وخامسها: أنّ معناه لو كان له ولد لكنت أوّل من يعبده بأنّ له ولداً، ولكن لا ولد له، فهذا تحقيقٌ لنفي الولد وتبعيدٌ له، لأنّه تعليق محال بمحال.1
و قال البيضاوي: (عَلَى شَرِيعَة)على طريقة (مِنَ الأَمْرِ)أمر الدين (فَاتَّبِعْهَا)فاتّبع شريعتك الثابتة بالحجج (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)آراء الجهّال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش، قالوا: ارجع إلى دين آبائك (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئاً)ممّا أراد بك.2
قوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ)قال السيّد المرتضى (رضي الله عنه) في «التنزيه»: أمّا من نفى عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) صغائر الذنوب مضافاً إلى كبائرها، فله عن هذه الآية أجوبة:
منها: أنّه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه; ذنب أبيه آدم(عليه السلام)، وحسنت هذه الإضافة للاتّصال والقربى، وغفره له من حيث أقسم على الله تعالى به فأبرّ قسمه، فهذا الذنب المتقدّم، والذنب المتأخّر هو ذنب شيعته وشيعة أخيه(عليه السلام). وهذا

1 . مجمع البيان: 9/96-97 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/171 .

صفحه 119
الجواب يعترضه أنّ صاحبه نفى عن نبيّ ذنباً وأضافه إلى آخر، والسؤال عنه فيمن أضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه، ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلّها لأُمّته(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويكون ذكر التقدّم والتأخّر إنّما أراد به ما تقدّم زمانه وما تأخّر، كما يقول القائل مؤكّداً: قد غفرت لك ما قدّمت وما أخّرت، وصفحت عن السالف والآنف من ذنوبك، ولإضافة أُمّته إليه، وجه في الاستعمال معروف، لأنّ القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أوغيرهم من القبائل: أنتم فعلتم كذا وكذا؟ وقتلتم فلاناً؟ وإن كان الحاضرون ماشهدوا ذلك ولا فعلوه، وحسنت الإضافة للاتّصال والنسب،1 ولاسبب أوكد ممّا بين الرسول(عليه السلام) وأُمّته، وقد يجوز توسّعاً وتجوّزاً أن تضاف ذنوبهم إليه.
ومنها: أنّه سمّى تركه الندب ذنباً، وحسن ذلك أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن لايخالف الأوامر إلاّ هذا الضرب من الخلاف، ولعظم منزلته وقدره جاز أن يسمّى الذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسمّ ذنباً.2
ومنها: أنّ القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ)وليس هذا بشيء; لأنّ العادة جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم: غفرالله لك، ويغفرالله لك، وما أشبه ذلك، ولفظ الآية بخلاف هذا، لأنّ المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء، والغرض في الفتح وقد كنّا ذكرنا في هذه الآية وجهاً اخترناه وهو أشبه بالظاهر ممّا تقدّم، وهو أن يكون المراد بقوله: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ)الذنوب إليك; لأنّ الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معاً، ألا ترى أنّهم يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرو، إذا أضافوه إلى المفعول، ومعنى المغفرة على

1 . في المصدر: والتسبب.
2 . ثم ضعّف ذلك بقوله: وهذا الوجه يضعفه على بعد هذه التسمية أنه لايكون معنى لقوله: إنّني أغفر ذنبك، ولاوجه لمعنى الغفران يليق بالعدول عن الندب.

صفحه 120
هذا التأويل هي الإزالة والفسخ والنسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه، وذنوبهم إليه في منعهم إيّاه عن مكّة، وصدّهم له عن المسجد الحرام، وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتّى تكون المغفرة غرضاً في الفتح ووجهاً له، وإلاّ فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ)معنى معقول; لأنّ المغفرة للذنوب لا تعلّق لها بالفتح، وليست غرضاً فيه، فأمّا قوله: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك و بقومك وما تأخّر.
وليس لأحد أن يقول: إنّ سورة الفتح نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين مكّة والمدينة وقد انصرف من الحديبيّة. وقال قوم من المفسّرين: إنّ الفتح أراد به فتح خيبر، لأنّه كان تالياً لتلك الحال، وقال آخرون: بل أراد به، أنّا قضينا لك في الحديبية قضاء حسناً، فكيف تقولون ما لم يقله أحد من أنّ المراد بالآية فتح مكّة، والسورة1 قبل ذلك بمدّة طويلة وذلك أنّ السورة وإن كانت نزلت في الوقت الّذي ذكر وهو قبل فتح مكّة فغير ممتنع أن يريد بقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)فتح مكّة، ويكون على طريق البشارة له والحكم له بأنّه سيدخل مكّة، وينصره الله على أهلها، ولهذا نظائر في القرآن.
وممّا يقوّي أنّ الفتح في السورة أراد به فتح مكّة قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)،(2) والفتح القريب هاهنا هو فتح خيبر، فأمّا حمل الفتح على القضاء الّذي قضاه في الحديبيّة فهو خلاف الظاهر ومقتضى الآية; لأنّ الفتح بالإطلاق الظاهر منه: الظفر والنصر، ويشهد له قوله تعالى: (وَيَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً).(3)

1 . في المصدر: والسورة نزلت قبل ذلك.         2 . الفتح: 27 .   3 . الفتح: 3 .

صفحه 121
فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلاّ إذا كان المصدر متعدّياً بنفسه مثل قولهم: أعجبني ضرب زيد عمرو، وإضافة مصدر غير متعدّ إلى مفعوله غير معروفة.
قلنا: هذا تحكّم في اللسان وعلى أهله، لأنّهم في كتب العربيّة كلّها أطلقوا أنّ المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معاً، ولم يستثنوا متعدّياً من غيره، ولو كان بينهما فرق لبيّنوه وفصّلوه، كما فعلوا ذلك في غيره، وليس قلّة الاستعمال معتبرة في هذا الباب; لأنّ الكلام إذا كان له أصل في العربيّة استعمل عليه وإن كان قليل الاستعمال، وبعد فإنّ ذنبهم هاهنا إليه إنّما هو صدّهم له عن المسجد الحرام ومنعهم إيّاه عن دخوله، فمعنى الذنب متعدّ، وإن كان معنى المصدر متعدياً جاز أن يجري مجرى مايتعدّى بلفظه، فإنّ من عادتهم أن يحملوا الكلام تارة على معناه، وأُخرى على لفظه. انتهى.1
وقال الطبرسي (رحمه الله): لأصحابنا فيه وجهان: أحدهما: أنّ المراد ليغفرلك الله ماتقدّم من ذنب أُمّتك وما تأخّر بشفاعتك (2).2

1 . تنزيه الأنبياء: 162-165 .   2 . مجمع البيان: 9/185 .
2 . حول تفسير هذه الآية، أفادنا سماحة المشرف دام ظله، بما يلي: اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية خصوصاً العدلية منهم حيث إنّ الآية صارت مستمسكاً بيد المخطِّئة الذين ينفون عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير التبليغ، ولكنّ الاستدلال نابع عن الغفلة عن معنى الذنب، وقد تصوّروا أنّه بمعنى عصيان الأمر المولوي ومخالفته، وأنّ المراد من الغفران هو العفو عنه، غير أنّ الأمرين كليهما غير صحيحين، وقد ذكر الراغب في تفسير المفردات أنّ الذنب يُستعمل لما يتبع الإنسان من الأمر السيّئ، وهو مأخوذ من ذنَب الحيوان الذي يتبعه وليس بمعنى معصية الحكم المولوي لله سبحانه، وعلى هذا فيجب أن نتعرّف على واقع هذا الأمر السيّئ الذي حمّلوا النبيّ تبعته، فنقول: إنّه كان للنبي ذنب عند المشركين قبل الهجرة وبعدها، نظير ذنب موسى(عليه السلام) عند فرعون وملئه حيث قال: (وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) (الشعراء: 14).
أمّا ذنبه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند المشركين قبل الهجرة فهو عبارة عن تسفيه أحلامهم، والاستهانة بمعبوداتهم، وتحرير إرادة المستضعَفين من تسلّط زعمائهم المترفين، والتفافهم حوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى غير ذلك ممّا تضرّرت به قريش من دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هنا تقوّلوا عليه الأقاويل، فوصفوه بالساحر والكاهن والمفتري والمجنون.
وأما ذنبه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند المشركين من بعد الهجرة إلى زمان نزول آية الفتح المبين، فهو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل صناديدهم وأراق دماءهم في سوح الوغى وأذلّ كبرياءهم، وحصد شوكتهم، وقطع أطماعهم.
وعلى هذا، فالنبيّ كان مذنباً عظيم الذنب في نظر قريش، سواء قبل هجرته(صلى الله عليه وآله وسلم) أم بعدها.
فإذن ما هو الأمر الذي يمكن أن يبرّئه من هذا الذنب، ويرسم له صورة ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان.
ليس ذلك إلاّ ما قام به من الصلح الذي تجلّت فيه عواطفه الكريمة ونواياه الصالحة، حيث تصالح مع قومه الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره، وأخرجوه من موطنه ومهاده، بعطف ومرونة خاصّة، حتى أثارت تعجب الحضّار من أصحابه ومخالفيه، حيث تصالح معهم على أنّه «من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه». (السيرة النبوية: 3 / 217).
وهذا العطف الذي أبرزه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، صوّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قومه وأتباعه بصورة إنسان مصلح يحب قومه ويطلب صلاحهم ولا تروقه مشاهد الحرب والدمار والجدال فوقفوا على حقيقة الحال، وعضّوا الأنامل على ما افتعلوا عليه من النِّسب وندموا على ما فعلوا، فصاروا يُقبلون على الإسلام زرافات ووحداناً .
إنّ هذه الواقعة التي لمس الكفّار منها خلقه العظيم، رفعت الستار الحديدي الذي وضعه بعض أعدائه الألدّاء بينه وبين قومه، فعرفوا أنّ ما يُرمى به نبيّ العظمة ويوصف به بين أعدائه، كان دعايات كاذبة وكان هو منزّهاً عنها، بل عن الأقلّ منها.
هذا لو قلنا بأنّ المراد من الفتح المبين هو صلح الحديبية.
ولا يقصر عن هذه الواقعة، فتح مكة، لو قلنا أنّه المراد به، فقد واجه قومه مرّة أُخرى ـ وهم في هزيمة نكراء، ملتفون حوله في المسجد الحرام ـ فخاطبهم بقوله: «ماذا تقولون وماذا تظنون؟!» فأجابوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقدرتَ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين». (المغازي للواقدي: 2/835; وبحار الأنوار: 21/107 ـ 132).
وهذا الفتح العظيم وقبله صلح الحديبية أثبتا بوضوح أنّ النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم وأجل وأعظم من أن يكون كاهناً أو ساحراً، إذ الكاهن أو الساحر أدون من أن يقوم بهذه الأُمور الجليلة، كما أنّ لطفه العميم وخلقه العظيم آية واضحة على أنّه رجل مثالي صدوق، لا يفتري ولا يكذب، وأنّ ما جرى بينه وبين قومه من الحروب الدامية، كان نتيجة شقاقهم وجدالهم ومؤامراتهم عليه، مرّة بعد أُخرى في موطنه ومهجره، فجعلوه في قفص الاتّهام أوّلاً، وواجهوا أنصاره وأعوانه بألوان التعذيب ثانياً، فقُتل من قُتل وأُوذي من أُوذي، وضَربوا عليه وعلى المؤمنين به حصاراً اقتصادياً ومنعوهم من ضروريات الحياة ثالثاً، وعمدوا إلى قتله في عقر داره رابعاً، ولولا جرائمهم الفظيعة لما أحمرّت الأرض بدمائهم ولا لقَوا منه شيئاً يكرهونه، فأصبحت هذه الذنوب التي كانت تدّعيها قريش على النبي بعد وقعة الحديبية، أو فتح مكة، أُسطورة خيالية قضت عليها سيرته في كلّ من الواقعتين من غير فرق بين ما ألصقوا به من تُهم قبل الهجرة أو بعدها، وعند ذلك يتّضح مفاد الآيات كما يتّضح ارتباط الجملتين: الجزائية والشرطية، ولولا هذا الفتح لكان النبي محبوساً في قفص الاتّهام، وقد كسره هذا الحادث، وعرّفه نزيهاً عن كل هذه التُّهم.(ما ذكرناه من الجواب واضح لمن أمعن النظر في وجود الرابطة بين الفتح وغفران الذنب، وعلى ما ذكرنا فالصلة بينهما واضحة، بخلاف ما ذكره الآخرون فالصلة بينهما غير معلومة على تفاسِيرهم).
وإلى ما ذكرنا من معنى الذنب أشار إليه مولانا الإمام عليّ الرضا(عليه السلام) عندما سأله المأمون العباسي عن مفاد الآية، فقال: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: (أَجَعَلَ الالِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمَلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ) (ص: 5 ـ 7) ، فلمّا فتح اللّهُ عزّ وجلّ على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة، قال له: يا محمد: (إِنَّا فَتَحْنَا) مكة (لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر ، لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم». فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن. (انظر عيون أخبار الرضا: 1 / 180، الباب 15).

صفحه 122

صفحه 123
قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)قال الطبرسي (رحمه الله): قيل نزلت الآيات في عبدالله بن أُمّ مكتوم، وذلك أنّه أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعبّاس بن عبدالمطّلب وأُبيّاً وأُميّة ابني خلف يدعوهم إلى الله ويرجو

صفحه 124
إسلامهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فجعل يناديه
ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره حتّى ظهرت الكراهة في
وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد:
إنّما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه، وأقبل على القوم الّذين يكلّمهم،
فنزلت الآيات، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي» ويقول: «هل لك من حاجة» واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين.
ثمّ قال بعد نقل ماسيأتي من كلام السيّد(رحمه الله) وقيل: إنّ مافعله الأعمى كان نوعاً من سوء الأدب، فحسن تأديبه بالإعراض عنه إلاّ أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه إنّما أعرض عنه لفقره، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيماً لهم، فعاتبه الله سبحانه على ذلك، وروي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا رأى عبدالله بن اُمّ مكتوم قال: مرحباً مرحباً، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبداً، وكان يصنع فيه من اللطف حتّى كان يكفّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يفعل به».
(عَبَسَ): أي بسر وقبض وجهه(وَتَوَلَّى): أي أعرض بوجهه (أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى): أي لأن جاءه (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ): أي لعلّ هذا الأعمى (يَزَّكَّى)يتطهّر بالعمل الصالح وما يتعلّمه منك (أَوْ يَذَّكَّرُ)أي يتذكّر فيتّعظ بما تعلّمه من مواعظ القرآن (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى)في دينه، قالوا: وفي هذا لطف عظيم لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذلم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل: عبست، فلمّا جاوز العبوس عاد إلى الخطاب (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى): أي من كان عظيماً في قومه واستغنى بالمال (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى): أي تتعرّض له وتقبل عليه بوجهك (وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى): أي أيّ شي يلزمك إن لم يسلم؟ فإنّه ليس عليك إلاّ البلاغ (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى): أي يعمل في الخير، يعني ابن أُمّ مكتوم (وَهُوَ يَخْشَى)الله عزّوجلّ (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى): أي تتغافل وتشتغل عنه بغيره (كَلاَّ): أي لا تعد لذلك وانزجر عنه (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ): أي أنّ آيات

صفحه 125
القرآن تذكير وموعظة للخلق (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ): أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ. انتهى.1
وقال السيّد (رضي الله عنه) في «التنزيه»: أمّا ظاهر الآية فغير دال على توجّهها إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا فيها ما يدلّ على أنّها خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه، وفيها ما يدلّ عند التأمّل على أن المعنيّ بها غير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه وصفه بالعبوس، وليس هذا من صفات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في قرآن ولا خبر مع الأعداء المباينين،(2) فضلا عن المؤمنين المسترشدين، ثمّ وصفه بأنّه يتصدّى للأغنياء، ويتلهّى عن الفقراء، وهذا ممّا لايصف به نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) من يعرفه، فليس هذا مشبهاً لأخلاقه الواسعة وتحنّنه إلى قومه، وتعطّفه، وكيف يقول له(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى)وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوث للدعاء والتنبيه؟ وكيف لايكون ذلك عليه وكان هذا القول إغراءً بترك الحرص على إيمان قومه؟ وقد قيل: إنّ هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وإن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشكّ في أنّها لم يعن بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيّ تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين، والتلهّي عنهم، والإقبال على الأغنياء الكافرين؟ وقد نزّه الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا دون هذا في التنفير بكثير. انتهى.2
أقول: بعد تسليم نزولها فيه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان العتاب على ترك الأولى، أو المقصود منه إيذاء الكفّار وقطع أطماعهم عن موافقة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم، وذمّهم على تحقير المؤمنين كما مرّ مراراً.3

1 . مجمع البيان: 10/265-267 .   2 . في المصدر: المنابذين.
2 . تنزيه الأنبياء: 166.
3 . للعلاّمة السبحاني بحث حول هذه الآية والرد على من قال إنّها نزلت بحق الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وتفنيد آرائه. راجع: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين (الجزء 30): 98 ـ 106 ; ومفاهيم القرآن: 5/257 .

صفحه 126
سهوه ونومه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة   

[ الباب العاشر]

سهوه ونومه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة1

الآيات:

الأنعام (6): (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ2 وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).68 .
الكهف (18): (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً).24 .
الأعلى (87): (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ). 6-7 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا)قيل: الخطاب له والمراد غيره، ومعنى (يَخُوضُونَ)يكذّبون بآياتنا وديننا، والخوض: التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهّم والتبيّن (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): أي فاتركهم ولاتجالسهم (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ): أي يدخلوا في حديث غير الاستهزاء بالقرآن (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ): أي وإن أنساك الشيطان نهينا إيّاك

1 . بحار الأنوار: 17/97-100، الباب 16 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 28: وهذه استعارة، والمراد بها إثارة أحاديث الآيات ليستشفوا بواطنها ويعلموا حقائقها، كالخائض في غمرة الماء; لأنّه يثير قعرها، ويسبر غمرها.

صفحه 127
عن الجلوس معهم (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى): أي بعد ذكرك نهينا وما يجب عليك من الإعراض (مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)يعني في مجالس الكفّار والفسّاق الّذين يظهرون التكذيب بالقرآن والآيات والاستهزاء بذلك، قال الجبائيّ: وفي الآية دلالة على بطلان قول الإماميّة في جواز التقيّة على الأنبياء والأئمّة، وأنّ النسيان لايجوز على الأنبياء; وهذا القول غير صحيح ولا مستقيم، لأنّ الإماميّة إنّما تجوّز التقيّة على الإمام فيما تكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلّف مزاح العلّة في تكليفه ذلك، فأمّا مالا يعرف إلاّ بقول الإمام من الأحكام ولا يكون على ذلك دليل إلاّ من جهته فلا يجوز عليه التقيّة فيه، وهذا كما إذا تقدّم من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بيان في شيء من أحكام الشريعة، فإنّه يجوز منه أن لايبيّن في حال أُخرى لأُمّته ذلك الشيء إذا اقتضته المصلحة، وأمّا النسيان والسهو فلم يجوّزوهما عليهم فيما يؤدّونه عن الله تعالى، فأمّا ما سواه فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه أو يسهو عنه ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل، وكيف لايكون كذلك وقد جوّزوا عليهم النوم والإغماء وهما من قبيل السهو، فهذا ظنّ منه فاسد، وبعض الظنّ إثم. انتهى كلامه (رحمه الله).1
وفيه من الغرابة ما لا يخفى، فإنّا لم نر من أصحابنا من جوّز عليهم السهو مطلقاً في غير التبليغ، وإنّما جوّز الصدوق وشيخه الإسهاء من الله لنوع من المصلحة،2 ولم أر من صرّح بتجويز السهو الناشي من الشيطان عليهم، مع أنّ

1 . مجمع البيان: 4/81-82 .
2 . قال الصدوق في «من لايحضره الفقيه»: 1/232 في ردّه على من قال بنفي السهو عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «وهذا لايلزمنا; وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها مايقع على غيره... فالحالة التي اختصّ بها النبوّة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة; لأنّها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها تثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّوجلّ من غير إرادة له وقصد منه إليه، نفي الربوبية عنه; لأنّ الذي لا تأخذه سنة ولانوم هو الله الحيّ القيّوم، وليس سهو النبي كسهونا; لأن سهوه من الله عزّوجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ رباً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو سهواً...». وقد عقّب العلاّمة السبحاني في مفاهيم القرآن: 5/330 على كلامه قائلا: ومع ذلك كله فهذه النظرية مختصّة به، وبشيخه ابن الوليد، ومن تبعهما كالطبرسي في مجمعه، والمحقّقون من الإمامية متّفقون على نفي السهو عنه في أُمور الدين حتى مثل الصلاة.

صفحه 128
ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقاً بين الإماميّة، إلاّ أن يقال: مراده عدم اتّفاقهم على ذلك،1 وأمّا النوم فستعرف ما فيه، فالأصوب حمل الآية على أنّ الخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهراً والمراد غيره، أو هو من قبيل الخطاب العام2 كما عرفت في الآيات السابقة في الباب المقدّم، والعجب أن الرازي تعرّض لتأويل الآية مع أنّه لايأبى عن ظاهره مذهبه: وهو رحمه الله أعرض عنه.

1 . قال المفيد في أوائل المقالات: 35: أقول إنّ الأئمة القائمين مقام الأنبياء(عليهم السلام) في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء، وأنّه لايجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولاينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه... والمعتزلة على خلاف ذلك ويجوّزون من الأئمة وقوع الكبائر والردّة عن الإسلام.
   وعلى هذا الرأي استقر رأي الإمامية، وإليه ذهب المحقّق الطوسي والعلاّمة الحلّي في كشف المراد: 195، والمحقّق الحلّي في النافع: 45، والعلاّمة في منتهى المطلب: 1 / 418-419 (الطبعة الحجرية)، والشهيد في الذكرى: 215، وغيرهم. أمّا كيفية معالجة المأثورات حول سهو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فالشيعة رووا أحاديث حول الموضوع نقلها المجلسي في البحار: 17/97-129 ولا يتجاوز مجموع ماورد في هذا الموضوع عن اثني عشر حديثاً، كما أن أخبار نوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة الصبح لاتتجاوز عن ستة أحاديث (راجع البحار: 17/100-106) وقد أجاب العلاّمة السبحاني عن هذه الشبهة بوجهين:
الأوّل: ما ذكره المفيد في الرسالة المومى إليها من أنّها أخبار آحاد لاتثمر علماً، ولا توجب عملا، ومن عمل على شيء منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين.
الثاني: ما ذكره الصدوق من التفريق بين سهو النبي وأنّه من الله، وسهو الآخرين وأنّه من الشيطان...راجع مفاهيم القرآن: 5/330-333 .
2 . ولا يشمله عمومه، وإلاّ عاد المحذور.

صفحه 129
قال الرازي في تفسيره: إنّه خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد غيره; وقيل: الخطاب لغيره، أي إذا رأيت أيّها السامع (الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا); ونقل الواحديّ أنّ المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والقرآن، فشتموا واستهزأوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره. انتهى.1
وأمّا النسيان في الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد به الترك،(2) كما ورد كثيراً في الآيات، وهو مصرّح به في كتب اللغة، والآية الثالثة إخبار بعدم النسيان، وأمّا الاستثناء بالمشيّة فقال البيضاوي: (إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ)نسيانه بأن ينسخ تلاوته، وقيل: المراد به القلّة والندرة.2
وقال الرازي في تفسيره: قال الواحديّ: (سَنُقْرِئُكَ): أي سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة (فَلاَ تَنْسَى)ما تقرؤه، وكان جبرئيل لايفرغ من آخر الوحي حتّى يتكلّم هو بأوّله مخافة النسيان، فقال الله: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى): أي سنعلّمك هذا القرآن حتّى تحفظه، ثمّ ذكروا في كيفيّة ذلك وجوهاً:
أحدها: أنّ جبرئيل سيقرأ عليك القرآن مرّات حتّى تحفظه حفظاً لاتنساه.
وثانيها: أنّا نشرح صدرك ونقوّي خاطرك حتّى تحفظه بالمرّة الواحدة حفظاً لا تنساه3; وقيل: قوله: (فَلاَ تَنْسَى) معناه النهي، والألف مزيدة للفاصلة، يعني فلا تغفل عن قراءته وتكريره4.

1 . تفسير الرازي: 13/24 .   2. احتمال بعيد لا يوافق سياق الآية ومعناها.
2 . تفسير البيضاوي: 5/480 .
3 . في المصدر بزيادة: وثالثها: أنّه تعالى لمّا أمره في أوّل السورة بالتسبيح فكأنّه تعالى قال: واظب على ذلك ودم عليه، فإنّا سنقرِئُك القرآن الجامع لعلوم الأوّلين والآخرين، ويكون فيه ذكرك وذكر قومك، ونجمعه في قلبك، ونيسرك لليسرى وهو العمل به.
4 . في المصدر: والقول المشهور إنّ هذا خبر، والمعنى: سنقرئوك إلى أن تصير بحيث لاتنسى وتأمن النسيان.

صفحه 130
أمّا قوله: (إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ)ففيه احتمالان:
أحدهما: أن يقال: هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة، وأنّه لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً، فذكره إمّا للتبرّك، أولبيان أنّه لو أراد أن يصيّره ناسياً لذلك لقدر عليه، حتّى يعلم أنّ عدم النسيان من فضل الله تعالى، أو لأن يبالغ في التثبّت والتيقّظ والتحفّظ في جميع المواضع، أو يكون الغرض منع النسيان، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلاّ فيما شاء الله، ولا يقصد استثناءً.
وثانيهما: أن يكون استثناءً في الحقيقة بأن يكون المراد إلاّ ماشاء الله أن تنسى ثمّ تذكر بعد ذلك، كما روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نسي في الصلاة آية، أو يكون المراد بالإنساء النسخ، أو يكون المراد القلّة والندرة، ويشترط أن لايكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن. انتهى.1
إعجاز أُمّ المعجزات: القرآن الكريم، وفيه بيان حقيقة الإعجاز وبعض النوادر   

أبواب معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم)

[ الباب الحادي عشر]

إعجاز أُمّ المعجزات: القرآن الكريم،
وفيه بيان حقيقة الإعجاز وبعض النوادر2

الآيات:

البقرة (2): (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ). 6 .
وقال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ

1 . تفسير الرازي: 31/142-143 .
2 . بحار الأنوار: 17/159-203 ، الباب 1 من أبواب معجزاته.

صفحه 131
مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا). 23و24 
وقال سبحانه: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)1.61 .
وقال تعالى: (وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ).76 .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).94و95 .
وقال تعالى: (عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ).187 .
آل عمران (3): (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)2.12 .
وقال تعالى: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ).26 .
وقال تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ3 لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).72 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 5: وهذه استعارة، والمراد بها صفة شمول الذلّة لهم وإحاطة المسكنة بهم، كالخباء المضروب على أهله، والرواق المرفوع لمستظلّه.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 12: وهذه استعارة، والمعنى بئس ما يمتهد ويفترش; ونظيره قوله تعالى: (وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف:29]، وقوله تعالى: (فَبِئْسَ الْقَرَارُ)[ص:60].
3 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 13-14: وهذه استعارة، والمراد أوّل النهار، ولم يقل رأس النهار; لأنّ الوجه والرأس وإن اشتركا في كونهما أوّل الشيء فإنّ في الوجه زيادة فائدة، وهي أنّ به تصحّ المواجهة، ومنه تعرف حقيقة الجملة.

صفحه 132
وقال تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).93 .
وقال سبحانه: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللّهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ).111و112 .
وقال تعالى: ( إِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ).119 .
ـ إلى قوله تعالى ـ : (لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ). 120 .
وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ).152 .
النساء (4): (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ).81 .
وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً).82 .
وقال سبحانه: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا).91 .
وقال عزّوجلّ: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً).108 .
المائدة (5): (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير).15 .
وقال تعالى: (فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ).52 .

صفحه 133
وقال سبحانه: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ1 ).54 .
وقال تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ)2.64 .
وقال عزّوجلّ: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).67 .
الأنعام (6): (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).37 .
وقال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ).92 .
وقال سبحانه: (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ).93 .
وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ).111 .
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).114 .
الأعراف (7): (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا).146 .
وقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 24: وهذه استعارة; لأنّ الحب الذي هو ميل الطبائع لايجوز على القديم تعالى. والمعنى: يريد إثابتهم في الآجل وكرامتهم في العاجل، ومعنى محبتهم له تعالى أنّهم يريدون تعظيمه ويقصدون تمجيده، ويقومون بلوازم طاعته ووظائف عبادته.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 25: وهذه استعارة; لأنّ الحرب لانار لها على الحقيقة، وإنّما شبهت بالنار لاحتدام قراعها، وجدّ مصاعها، وإنّها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها.

صفحه 134
سُوءَ الْعَذَابِ).167 .
الأنفال (8): (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ1).7 .
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ).31 .
وقال سبحانه: (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).36 .
التوبة (9): (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبى اللّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ2 * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 43: وهذه استعارة عجيبة; لأنّ ذات الشوكة هاهنا إحدى الطائفتين التي فيها سلاح الأبطال وآلة النزال; وذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج بالمسلمين يطلب عيرقريش المقبلة من الشام مع أبي سفيان بن حرب وفيها أموالها وذخائرها، وعرفت قريش خروجه(عليه السلام) لذلك، فخرجت لتمنع عيرها وتقاتل دونها; فلمّا عرف المسلمون خبر خروج قريش للقتال كانوا يتمنّون أن يخالفوهم إلى العير فيغنموها، ويكون ظفرهم بالطائفة التي فيها الغنم لا الطائفة التي فيها الجد والحد، فجمع الله بينهم وبين قريش على بدر، وكانت الحرب المشهورة التي قتل فيها صناديد المشركين واشتدّت أعضاد المؤمنين. والكناية بذات الشوكة عن ذات السلاح والعدّة من أشرف البلاغة وأوقع الاستعارة تشبيهاً بالشوكة تخزّ، والمدية التي تحزّ.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 47: وهذه استعارة، والمراد بها تشبيه القرآن الذي هو كلام بالنور الذي يستضاء به ويعشى إلى لمعه. وقد قيل: إنّ المراد بنورالله هاهنا الإسلام; لأنّه أضاء ظلمة الكفر المسدفة، وجلى غواشي الغيّ المغدفة وتشبيه سبحانه المجلب على الإسلام والمطاعن في القرآن بمطفئ النور من لطائف الاستعارات وشرايف البلاغة; وفي قوله تعالى: (بِأَفْوَاهِهِمْ) سرعجيب ومعنى لطيف، وهو أنّه تعالى أخبر عن مقدار ضعف مكرهم ووهون كيدهم، وأنّ ما يبغونه للإسلام من الغوائل لايزيد على فعل من يروم إطفاء النور الساطع والشهاب اللامع بنفخ فيه وليس له قدرة على أن يستعمل في إطفاء ذلك النور ماجرت العادة استعماله في إطفاء النار المتوقدة من إخمادها بقوة يد، أو اعتماد قدم، أو الاستعانة بما هو أبلغ في إطفائها من نفخ الأفواه عليها، مثل دفق المياه وهدم الجدران وماجرى مجرى ذلك، فأعلمنا سبحانه أنّ هذا المقدار الأضعف من كيدهم الإسلام لا ينتقض بنيانه ولا يخمد نيرانه.

صفحه 135
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).32-33 .
وقال تعالى:(يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا).74 .
وقال سبحانه: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا).83 .
ـ إلى قوله ـ : (قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ).94 .
وقال سبحانه: (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).107 .
وقال تعالى:(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا).127 .
يونس (10): (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).15 و 16 .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).37و 38 .
هود (11): (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).13و14 .

صفحه 136
وقال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).49 .
الرعد (13): (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد).7 .
الحجر (15): (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ).24 .
النحل 16: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ).24 .
وقال تعالى:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا
أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
1لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبي مُبِينٌ
2).101 ـ 103 .
الإسراء (17): (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ).59 .
وقال سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً).88 .

1 . قال الشريف الرضي في: «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 94-95: وهذه استعارة; لأنّ المراد بذلك جبرئيل(عليه السلام)، والقدس: الطهارة، وإنّما سمّي روح القدس; لأنّ حياة الدين و طهارة المؤمنين إنّما تكون بما يتحمّله إلى الأنبياء(عليهم السلام) من الأحكام والشرائع والآداب والمصالح.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 95: وهذه استعارة; لأنّ المراد باللسان هاهنا جملة القرآن وطريقته لا العضو المخصوص الذيّ يقع الكلام به، وذلك كما يقول العرب في القصيدة: هذه لسان فلان، أي قوله. قال شاعرهم:
ندمت على لسان كان منيّ    وددت بأنّه في جوف عكم
أي على قول سبق منّي; لأنّ الندم إنّما يكون على الفعال والكلام لاعلى الأعضاء والأعيان، وإنّما سمّي القول لساناً; لأنّه إنّما يكون باللسان ويصدر عن اللسان.

صفحه 137
الكهف (18): (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيًِّما1).1-2 .
الأنبياء (21): (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ). 3-6 .
الفرقان (25): ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيًما).4-6 .
وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً).32 .
الشعراء (26): (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبي مُبِين * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ).192-201 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 104: وهذه استعارة; لأنّ حقيقة العوج أن يكون فيما يصحَّ عليه أن ينتصب ويميل ويضطرب ويستقيم وهذه من صفات الأجسام لامن صفات الكلام، فنقول: إنّما وصف القرآن ـ والله أعلم ـ بأنّه قيّم لاعوج فيه ذهاباً إلى نفي الاختلاف عن معانيه، والتناقض في أوضاعه ومبانيه، وأنّه غير ناكب عن المنهاج، ولا مستمرعلى الاعوجاج.

صفحه 138
النمل (27): (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الذِي تَسْتَعْجِلُونَ1).72 .
وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ2).76 .
القصص (28): (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد).85 .
العنكبوت (29): (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).48 .
الروم (30): (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).1-5 .
سبأ (34): (وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ).6 .
الزمر (39): (اَللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَاني تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ).23 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 153: وهذه استعارة; لأنّ حقيقة الردف هي حمل الإنسان غيره ممّايلي ظهره على مركوب تحته. والفرق بين الردف والتابع أنّ في التابع معنى الطلب لموافقة الأوّل، وليس ذلك في الردف، فالمراد بقوله تعالى: (رَدِفَ لَكُمْ) هاهنا ـ والله أعلم ـ أي: عسى أن يكون العذاب الذي تتوقعونه قد قرب منكم، وهو في آثاركم ولاحق بكم. وقد قيل أيضاً: إنّ المراد بردف لكم أي ردفكم فصار العذاب في الالتصاق بكم كالمرادف لكم، والمعنى واحد.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن» : 153: وهذه استعارة; لأنّ القصص كلام مخصوص ولا يوصف به إلاّ الحي الناطق المميّز، ولكن القرآن لمّا تضمّن نبأ الأوّلين ومصادر أُمور الآخرين، كان كأنّه يقصّ على من آمن به عند تلاوته له قصص مَن تقدّمه وخبر من يأتي بعده، ويقصّ على بني إسرائيل خصوصاً أحاديث رسلهم وسرائر شرائعهم على حقائقها ويبيّن غوامضها، فهو كالحاكم بينهم والمزيل لاختلافهم.

صفحه 139
وقال تعالى: (قُرآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).28 .
فصّلت (41): (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ).41و42 .
ـ إلى قوله تعالى ـ (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَاَعَجَمِيٌّ وَعَرَبي)1.44 .
الدخان (44): ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ). 10-16 .
الفتح (48): (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) ـ إلى قوله تعالى: ـ (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 196: وهذه استعارة وقد قيل فيها أقوال: منها: أنّ يكون المراد بذلك أنّ هذا الكتاب لايشبهه شيء من الكلام المتقدّم له ولا يشبهه شيء من الكلام الوارد بعده، وهذا معنى (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ); لأنّه لو أشبهه شيء من الكلام المتقدّم أو الكلام المتأخّر، لأبطل معجزته وخصم حجّته، فكان الباطل قد أتاه من إحدى الجهتين المذكورتين: إمّا من جهة أمامه، وإمّا من جهة ورائه، وهذا معنى عجيب. وقال بعضهم: معنى ذلك أنّه لاتعلّق به الشبهة من طريق المشاكلة ولا الحقيقة من جهة المناقضة، فهو الحق الخالص الذي لايشوبه شائب ولا يلحقه باطل. وقال بعضهم: معنى ذلك أنّ الشيطان والإنسان لايقدران أن ينتقصا منه حقّاً، ولايزيدا فيه باطلا. وقال بعضهم: معنى ذلك أنّه لا باطل فيه من الإخبار عن ما كان وما يكون، فالمراد بقول سبحانه:(لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ): أي من جهة ما أخبر عنه من الأُمور المتوقعة.

صفحه 140
كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً).11 ـ 15 .
وقال تعالى: (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللّهُ بِهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيراً).21 .
وقال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ).27 .
الطور (52): (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ).33 ـ 34 .
وقال تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ). 47 .
القمر (54): (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ).45 .
الصف (61): (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).8 ـ9 .
الجمعة (62): (وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).7 .
الحاقة (69): ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ).40 ـ 42 .
المرسلات (77): (فَبِأَي حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).50 .
الكوثر (108): (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).1 .
ـ إلى قوله: ـ (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ).3 .
المسد (111): (سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَب).3 .

صفحه 141

التفسير:

قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ)أقول: الظاهر أنّ المراد به جماعة بأعيانهم، فيكون إخباراً بما سيقع، وقد وقع، وإلاّ لأنكر عليه معاندوه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)قال النيسابوريّ في تفسيره: قد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان:
الأوّل: إمّا أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء، أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة، أو بما ينقضها. والأوّلان باطلان; لأنّهم مع كونهم أئمة الفصاحة
تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنّهم كانوا متهالكين
في إبطال أمره، حتّى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن،
وكانوا في الحميّة والأنفة إلى حدّ لا يقبلون الحقّ، كيف الباطل، فتعيّن القسم الثالث.
الطريق الثاني، أن يقال: إن بلغت السورة المتحدّى بها في الفصاحة إلى حدّ الإعجاز فقد حصل المقصود، وإلاّ فامتناعهم من المعارضة مع شدّة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز.
فإن قيل: ومايدريك أنّه لن يعارض في مستقبل الزمان، وإن لم يعارض إلى الآن؟ قلت: لأنّه لايحتاج إلى المعارضة أشدّ ممّا وقت التحدّي،1 وإلاّ لزم تقرير المشبّه للحقّ، وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لامعارضة، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا).
واعلم أنّ شأن الإعجاز لا2 يدرك ولا يمكن وصفه، ومن فسّر الإعجاز بأنّه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنّه هو كون أُسلوبه مخالفاً لأساليب

1 . في المصدر: ممّا في وقت التحدّي.
2 . ليس في المصدر.

صفحه 142
الكلام، أو بأنّه هو كونه مبرّأً عن التناقض، أو بكونه مشتملا على الإخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء فقد كذب ابن أُخت خالته; فإنّا نقطع أنّ الاستغراب من سماع القرآن، إنّما هو من أُسلوبه ونظمه المؤثّر في القلوب تأثيراً لايمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ثمّ إنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنّه قد بلغ في الفصاحة النهاية، فدلّ ذلك على كونه معجزاً.
منها: أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية، أوملك أوضربة أو طعنة أو وصف حرب، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير.
ومنها: أنّه تعالى راعى طريق الصدق، وتبرّأ عن الكذب، وقد قيل: إنّ أحسن الشعر أكذبه، ولهذا فإنّ لبيد بن ربيعه وحسّان بن ثابت لمّا أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخييل ركّ شعرهما.
ومنها: أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنّما يتّفق في بيت أوبيتين من قصيدة، والقرآن كلّه فصيح بكلّ جزء منه.
ومنها: أنّ الشاعر الفصيح إذاكرّر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأوّل، وكلّ مكرّر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة، وغاية الملاحة.
أعد ذكر نعمان لنا إنّ ذكره *** هو المسك ما كرّرته يتضوع1
ومنها: أنّه اقتصر على إيجاب العبادات، وتحريم المنكرات، والحثّ على مكارم الأخلاق، والزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه الموادّ.

1 . تضوع; أي انتشرت رائحته. صحاح الجوهري: 3/1252، مادة «ضوع».

صفحه 143
ومنها: أنّهم قالوا: إنّ شعر امرئ القيس يحسن في وصف النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الحرب،1 وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، والقرآن جاء فصيحاً في كلّ فنّ من فنون الكلام.
ومنها: أنّ القرآن أصل العلوم كلّها، كعلم الكلام، وعلم الأُصول، وعلم الفقه واللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان، وعلم الأحوال، وعلم الأخلاق، وماشئت.2
وأمّا قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فإنّه يدلّ على إعجاز القرآن وصحّة نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من وجوه:
أحدها: أنّا نعلم بالتواتر أنّ العرب كانوا يعادونه أشدّ المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره، وفراق الأوطان والعشيرة، وبذل النفوس والمهج منهم، من أقوى ما يدلّ على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزاً.
وثانياً: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن كان متّهماً عندهم فيما يتعلّق بالنبوّة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل، فلوخاف عاقبة أمره لتهمة فيه ـ حاشاه عن ذلك ـ لم يبالغ في التحدّيّ إلى هذه الغاية.
وثالثها: أنّه لو لم يكن قاطعاً بنبوّته لكان يجوّز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزوّر لايقطع في الكلام قطعاً، وحيث جزم دلّ على صدقه.
ورابعها: أنّ قوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا)وفي (لَنْ) تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين إخبارٌ بالغيب، وقد وقع كما قال، لأنّ أحداً لوعارضه لامتنع3 أن لا

1 . في المصدر: عند الخوف.
2 . تفسير النيسابوري المعروف بـ «غرائب القرآن ورغائب الفرقان»: 1/191-192 .
3 . في المصدر: لم يمتنع.

صفحه 144
يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لاسيّما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابّين عنه، وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن حصل الجزم بأنّها لاتقع أبداً، لاستقرار الإسلام، وقلّة شوكة الطاعنين.انتهى.1
وقال البيضاوي: (مِنْ مِثْلِهِ)صفة سورة، أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزّلنا و (مِنْ)للتبعيض، أو للتبيين، وزائدة عند الأخفش، أي بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، أو لعبدنا و (مِنْ)للابتداء، أي بسورة كائنة ممّن هو على حاله(صلى الله عليه وآله وسلم) من كونه بشراً أُميّاً لم يقرأ الكتب، ولم يتعلّم العلوم، أو صلة (فَأْتُوا)والضمير للعبد، والردّ إلى المنزّل أوجه (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ)أمر بأن يستعينوا بكلّ من ينصرهم ويعينهم، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام، و (مِنْ) متعلّقة بـ (ادْعُوا)، والمعنى وادعوا لمعارضته من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنّكم وآلهتكم غير الله، فإنّه لايقدر أن يأتي بمثله إلاّ الله، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأنّ ما آتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله فإنّه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجّة، أوشهداءكم الّذين اتّخذتموهم من دون الله أولياء أو آلهة وزعمتم أنّها تشهد لكم يوم القيامة، أو الّذين يشهدون لكم بين يدي الله على زعمكم ليعينوكم، وقيل: من دون الله أي من دون أولياء الله، يعني فصحاء العرب ووجوه الشاهد(2) ليشهدوا لكم أنّ ما آتيتم به مثله (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)أنّه من كلام البشر.2
و قال النيشابوريّ في قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ): أي أُحيطت بهم كالقبّة المضروبة على الشخص، أو أُلصقت بهم كما يضرب الطين على الحائط.3

1 . تفسير النيسابوري: 1/195-196 .   2 . في المصدر: و وجوه المشاهد.
2 . تفسير البيضاوي: 1/231-234 .
3 . تفسير النيسابوري: 1/300 .

صفحه 145
أقول: وكذا قوله: (وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض) ظاهر أنّ هذا الإخبار كان على وجه الإعجاز، إذ المنافقون كانوا يبذلون جهدهم في إخفاء أسرارهم، وإبداء إيمانهم، وعدم اطّلاع المسلمين على بواطنهم، ولو كان هذا الخبر مخالفاً للواقع لأنكروا أشدّ الإنكار، وبيّنوا كذبه، وظهر على سائر الخلق بتفحّص أحوالهم براءتهم من ذلك، ولأنكر معاندوه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك عليه، وهذا بيّن من أحوال من يدّعي أمراً لايستأهل له، ويخبر بأُمور لاحقيقة لها.
وقال البيضاوي: في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خَالِصَةً)خاصّة بكم كما قلتم لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً (مِنْ دُونِ النَّاسِ): أي سائرهم أو المسلمين (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)لأنّ من أيقن أنّه من أهل الجنّة اشتاقها كما قال عليّ(عليه السلام): «لاأُبالي سقطتُ على الموت أوسقط الموت عليّ»1 (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)من موجبات النار، وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر لأنّهم لوتمنّوا لنقل واشتهر، فإنّ التمنّي ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول: ليت كذا، وإن كان بالقلب لقالوا: تمنّينا، وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو تمنّوا الموت لغصّ كلّ إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديّ».2
وقال الطبرسي (رحمه الله): هذه القصّة شبيهة بقصّة المباهلة، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلّة ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: «لو باهلوني لرجعوا لايجدون أهلا ولا مالا»، فلمّا لم يتمنّ اليهود الموت افتضحوا، كما أنّ النصارى لمّا أحجموا عن المباهلة افتضحوا، وظهر الحقّ. انتهى.(3)

1 . مقاتل الطالبيين: 21; شرح نهج البلاغة: 6/117; جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام)لابن الدمشقي: 1/338; إحقاق الحق: 8/399; بحارالأنوار: 42/233; التبيان: 1/361 .
2 . تفسير البيضاوي: 1/363-365 .   3 . مجمع البيان: 1 / 310 .

صفحه 146
قوله تعالى: (عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)أقول: ظاهره أنّهم كانوا يسرّون خيانتهم ويخفونها فأبداها الله تعالى إذ نسبة الله تعالى هذا العلم إلى نفسه يدلّ على خفائها كما لا يخفى، فهذا أيضاً من الإخبار بالغيب.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ): أي قل لمشركي مكّة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) جمعهم بعد بدر في سوق بني قَينقاع فحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا: لا يغرّنك أنّك أصبت أغماراً لاعلم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لعلمت أنّا نحن الناس، فنزلت، وقد صدق الله وعده بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من دلائل النبوّة.1
قوله تعالى: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) قال الطبرسي (رحمه الله) قيل: لمّا فتح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة ووعد أُمّته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمّد ملك فارس والروم; ألم تكفه المدينة ومكّة حتّى طمع في الروم وفارس؟ فنزلت هذه الآية; عن ابن عبّاس وأنس.
وقيل: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خطّ الخندق عام الأحزاب، وقطع لكلّ عشرة أربعين ذراعاً، فاحتجّ المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويّاً، فقال المهاجرون سلمان منّا، وقالت الأنصار: سلمان منّا، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «سلمان منّا أهل البيت»; فقال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزنيّ وستّة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا حتّى إذا كنّا بجبّ ذي باب2 أخرج الله من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره خبر هذه الصخرة، فإمّا أن نعدل عنها فإنّ المعدل قريب،

1 . تفسير البيضاوي: 2/12 .
2 . في المصدر: ذي ناب.

صفحه 147
وإمّا أن يأمرنا فيه بأمره فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ضارب عليه قبّة تركيّة، فقال: يا رسول الله خرجت علينا صخرة بيضاء مروة1 من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقّت علينا حتّى ما يحتك منها قليل و لا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنّا لانحبّ أن نتجاوز خطّك، قال: فهبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المعول من يد سلمان فضربها به ضربةً صدعها،2 وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها3 حتّى لكأنّ مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تكبيرة فتح، وكبّر المسلمون; ثمّ ضربها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ثانية، فبرق منها برق أضاء مابين لابتيها حتّى لكأنّ مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تكبيرة فتح، وكبّر المسلمون; ثمّ ضربها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثالثة فكسّرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتّى لكأنّ مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تكبيرة فتح، وكبّر المسلمون، وأخذ بيد سلمان فرقى فقال سلمان: بأبي أنت وأُمّيّ يا رسول الله لقد رأيت منك شيئاً ما رأيته منك قطّ، فالتفت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ فقالوا: نعم، فقال: ضربت ضربتي الأُولى فبرق الّذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها، ثمّ ضربت ضربتي الثانية فبرق الّذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحمر من أرض الروم فكأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها; ثمّ ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي مارأيتم أضاءت لي منه قصور صنعاء كأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أُمّتي

1 . المروة: حجر أبيض براق، قيل من أصلب الحجارة، وقيل: هي التي يقدح منها النار. لسان العرب: 15/276، مادة «مرا».
2 . صدع الشيء: شقه، والصدع: الشق. صحاح الجوهري: 3/1241، مادة «صدع».
3 . تثنية: لابة وهي الحرة والمراد شقتاها المحترقة من البرق.

صفحه 148
ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويعلمكم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنّها تفتح لكم وأنتم إنّما تحفرون الخندق من الفرَق،1 ولا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل القرآن: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)2 ، وأنزل الله تعالى في هذه القصّة: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ)الآية.
رواه الثعلبيّ3 بإسناده عن عمرو بن عوف.4
وقال في قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) قال الحسن والسدّيّ: تواطأ أحد عشر5 رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة6 وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمّد أوّل النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به
آخر النهار، وقولوا إنّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمّداً ليس
بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في
دينهم، وقالوا: إنّهم من أهل الكتاب وهم أعلم به منّا فيرجعون عن دينه إلى دينكم، وقال مجاهد والمقاتل والكلبيّ: كان هذا في شأن القبلة لمّا حوّلت إلى الكعبة وصلّوا، شقّ ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أُنزل على محمّد من أمر الكعبة، وصلّوا إليها وجه النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلّهم يشكّون، ثمّ قال: وفي هذه الآيات معجزة باهرة لنبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ فيها

1 . الفرَق ـ بالتحريك ـ : الخوف، صحاح الجوهري: 4/1541 مادة «فرق».
2 . الأحزاب: 12 .
3 . تفسير الثعلبي: 3/40 .
4 . مجمع البيان: 2/269-270 .
5 . في المصدر: اثناعشر.
6 . عرينة بالتصغير: موضع ببلاد فزارة، وقيل: قرى بالمدينة، معجم البلدان: 4/115 .

صفحه 149
إخبار عن سرائر القوم التي لايعلمها إلاّ علاّم الغيوب.1
قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ)قال الطبرسي (رحمه الله): أنكر اليهود تحليل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لحوم الإبل، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ ذلك كان حلالا لإبراهيم(عليه السلام)، فقالت اليهود: كلّ شيء نحرّمه فإنّه كان محرّماً على نوح وإبراهيم، وهلمّ جرّاً حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية، عن الكلبيّ وأبي روق; فقال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ)معناه: أنّ كلّ الطعام كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزّل التوراة على موسى(عليه السلام)، فإنّها تضمّنت تحريم ما كان حلالا لبني إسرائيل.
واختلفوا فيما حرّم عليهم وحالها بعد نزول التوراة، فقيل: إنّه حرّم عليهم ماكان يحرّمونه قبل نزولها اقتداءً بيعقوب(عليه السلام)، عن السدّي.
وقيل: لم يحرّمه الله تعالى عليهم في التوراة، وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم .
وقيل: لم يكن شيء من ذلك حراماً عليهم في التوراة، وإنّما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتّباعاً لأبيهم. وأضافوا تحريمه إلى الله فكذّبهم الله تعالى وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا)حتّى يتبيّن أنّه كما قلت لا كما قلتم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)في دعوا كم فاحتجّ عليهم بالتوراة، وأمرهم بالإتيان بها وبأن يقرأوا ما فيها، فإنّه كان في التوراة أنّها كانت حلالا للأنبياء، وإنّما حرّمها إسرائيل على نفسه، فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكذبهم، وكان ذلك دليلا ظاهراً على صحّة نبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ علم بأنّ في التوراة ما يدلّ على كذبهم من غير أن يعلم التوراة وقراءتها.2

1 . مجمع البيان: 2/322-324 .
2 . مجمع البيان: 2/344-345 .

صفحه 150
قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى)قال الطبرسي (رحمه الله) قال مقاتل: إنّ رؤوس اليهود مثل كعب بن الأشرف وأبي رافع وأبي ياسر1 وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلاّم وأصحابه، فأنّبوهم2 على إسلامهم، فنزلت: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى)وعد الله المؤمنين أنّهم منصورون، وأنّ أهل الكتاب لايقدرون عليهم ولا تنالهم من جهتهم مضرّة إلاّ أذّى من جهة القول، وهو كذبهم على الله، وتحريفهم كتاب الله، وقيل: هو ماكانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ)منهزمين (ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ): أي لايعانون3لكفرهم. وفي هذه الآية دلالة على صحّة نبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) لوقوع مخبره على وفق خبره، لأنّ يهود المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر الّذين حاربوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين، لم يثبتوا لهم قطّ وانهزموا ولم ينالوا من المسلمين إلاّ بالسبّ والطعن (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا): أي وجدوا (إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللّهِ): أي بعهد من الله (وَحَبْل مِنَ النَّاسِ)وعهد من الناس على وجه الذمّة وغيرها من وجوه الأمان.4
قوله تعالى: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ): أي أطراف الأصابع (مِنَ الْغَيْظِ): أي من الغضب والحنق5 لما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، ونصرة الله إيّاهم.(6)

1 . في البحار: وأبي ناشر، وما أثبتناه من المصدر هو الصحيح. وهو أبو ياسر بن أخطب أخو حيي وجدي ـ وهم من يهود بني النضير ـ وكان حيي وأبو ياسر من أشهر اليهود حسداً للعرب، إذ خصمهم الله تعالى برسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)البقرة: 109. السيرة النبوية: 2/390 .
2 . التأنيب: التوبيخ واللوم. كتاب العين: 8/384، مادة «أنب».
3 . في المصدر: أي لايعاونون.
4 . مجمع البيان: 2/365 .
5 . الحنق: شدّة الاغتياظ. كتاب العين: 3/51، مادة «حنق».   6 . مجمع البيان: 2/376 .

صفحه 151
أقول: وفي هذا أيضاً إخبار ببواطن أُمورهم، وبما كانوا يخفونه عن المسلمين، على سبيل الإعجاز، وكذا قوله: (لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)إخبار بما سيكون، وقد كان، وكذا قوله: (لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ)فإنّه تعالى قد أخبر بالوعد، وإنّه قد وقع، ولو لم يكن لأنكر عليه المعاندون، ولو أنكروا عليه لنقل، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ)إخبار بسرائر أُمورهم.
قوله تعالى: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)قال الرازي: ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه:
الأوّل: قال أبو بكر الأصمّ: معناه أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يتواطؤون في السرّ على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كلّ ذلك إلاّ الصدق، فقيل لهم: إنّ ذلك لولم يكن بإخبار الله تعالى لما اطّرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمّد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلمّا لم يظهر ذلك علمنا أنّ ذلك بإعلام الله تعالى.
والثاني: وهو الّذي ذهب إليه أكثر المتكلّمين، أنّ المراد منه أنّ القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأنّ الكتاب الكبير الطويل لاينفكّ عن ذلك، ولمّا لم يوجد فيه ذلك علمنا أنّه ليس من عند غير الله.
الثالث: ما ذكره أبو مسلم الإصفهانيّ وهو أنّ المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة حتّى لايكون في جملته ما يعدّ في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوّله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أنّ الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة فإذا كتب كتاباً طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بدّ وأن يظهر التفاوت في كلامه، بحيث يكون بعضه قويّاً متيناً، وبعضه سخيفاً نازلا،

صفحه 152
ولمّا لم يكن القرآن كذلك علمنا أنّه المعجز من عندالله تعالى. انتهى.1
و أقول: قوله تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ)إخبار بما سيكون، والكلام فيه كالكلام فيما مرّ، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ)وما قبله وما بعده، يدلّ على أنّ الله تعالى أخبر بما كانوا به مستخفين، وأظهر ماكانوا له مسرّين. وسيأتي قصّته.
قوله: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)قال الرازي: قال ابن عبّاس: أخفوا صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخفوا الرجم،(2) ثمّ إن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن ذلك لهم، وهذا معجز، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقرأ كتاباً، ولم يتعلّم علماً من أحد، فلمّا أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً.(3)
قوله: (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير): أي لا يظهر كثيراً ممّا تكتمونه أنتم، لأنّه لاحاجة إلى إظهاره في الدين.2
قوله تعالى: (فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) قال الطبرسي: يعني فتح مكّة، وقيل: فتح بلاد المشركين (أَوْ أَمْر مِنْ عِنْدِهِ)فيه إعزاز المسلمين، وإذلال المشركين، وقيل: هو إظهار نفاق المنافقين، وقيل: هو القتل وسبي الذراري لبني قريظة، والإجلاء لبني النضير.(5)
أقول: وهذا أيضاً إخبار بما لم يقع وقد وقع، وعسى من الله موجبة.
قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)هذا أيضاً إخبار بما لم يمكن فكان، وستأتي الأخبار المستفيضة في كتاب أحوال أميرالمؤمنين(عليه السلام)أنّها نزلت فيه(عليه السلام) حيث قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
وقوله: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ)إخبار عن أسرار المنافقين، وكذا قوله تعالى:

1 . تفسير الرازي: 1/196-197 .         2 . في المصدر: أمر الرجم.   3 . تفسير الرازي: 11/189 .
2 . تفسير الرازي: 11/189 .   5 . مجمع البيان: 3/356 .

صفحه 153
(وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ): أي بين اليهود والنصارى، أوبين فرق اليهود وفرق النصارى.
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي لحرب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي هذا معجزة ودلالة، لأنّ الله أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشدّ أهل الحجاز بأساً، وأمنعهم داراً، حتّى أنّ قريشاً تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم وتتكثّر بنصرتهم، فأباد الله خضراءهم، واستأصل شأفتهم،1 واجتثّ أصلهم فأجلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة، وشرّد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان2 أهل وادي القرى، فمحا الله سبحانه آثارهم صاغرين. وقال قتادة: معناه أنّ الله سبحانه أذلّهم ذُلاًّ لايعزّون بعده أبداً.
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ): في هذه الآية دلالة على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وصحّة نبوته من وجهين:
أحدهما: أنّه وقع مخبره على ما أخبر به.
والثاني: أنّه لايقدم على الإخبار به إلاّ وهو يأمن أن يكون مخبره على ما أخبر به; وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نزلت هذه الآية قال لحرّاس من أصحابه كانوا يحرسونه، منهم سعد وحذيفة: «الحقوا بملاحقكم، فإنّ الله سبحانه عصمني من الناس»3.4

1 . خضراءهم: أي سوادهم ومعظمهم، ذكره الجوهري. وقال: الشأفة: قرحة تخرج في أصل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكيّ. (منه قدّس سره).
2 . في المصدر. ودان له.
3 . التبيان: 3/587; جامع البيان: 6/415; تفسير الثعالبي: 2/403 .
4 . مجمع البيان: 3/378-383 .

صفحه 154
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قال الرازي: هذا من شبهات منكري نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا: لو كان رسولا من عندالله فهلاّ أُنزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة، ويروى أنّ بعض الملحدة طعن فقال: لوكان محمّد قد أتى بآية ومعجزة لما صحّ أن يقول أُولئك الكفّار: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ).
والجواب عنه: أنّ القرآن معجزة قاهرة بدليل أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تحدّاهم به فعجزوا عن معارضته، وذلك يدلّ على كونه معجزاً. بقي أن يقال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف قالوا: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)؟
فنقول: الجواب عنه من وجوه:
الأوّل: لعلّ القوم طعنوا في كون القرآن معجزاً على سبيل اللجاج والعناد، وقالوا: إنّه من جنس الكتب، والكتاب لايكون من جنس المعجزات، فلأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة.
الثاني: أنّهم طلبوا معجزات من جنس معجزات سائر الأنبياء، مثل فلق البحر، وإظلال الجبل.
الثالث: أنّهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنّت واللجاج، مثل إنزال الملائكة، وإسقاط السماء كسفاً، وسائر ما حكاه عن الكافرين، فيحتمل أن يكون المراد1 ماحكاه الله عن بعضهم في قوله: (اللّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم)ثمّ إنّه تعالى أجاب عن سؤالهم بقوله: (قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً)يعني أنّه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)واختلفوا في تفسيره على وجوه:
فالأوّل: أن يكون المراد أنّه تعالى لمّا أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن، كان طلب الزيادة جارياً مجرى التحكّم والتعنّت الباطل، والله سبحانه له

1 . في المصدر: الرابع أن يكون المراد.

صفحه 155
الحكم والأمر فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل; لأن فاعليّته لايكون إلاّ بحسب محض المشيّة على قول أهل السنّة، أوعلى وفق المصلحة على مذهب المعتزلة، وعلى التقديرين فإنّها لاتكون على وفق اقتراحات الناس، فإن شاء أجابهم، وإن شاء لم يجبهم.
الثاني: لمّا ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علّة، فعند ذلك لو أجابهم في ذلك الاقتراح فلعلّهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً ورابعاً، وهكذا إلى ما لا غاية له، وذلك يفضي إلى أنّه لايستقرّ الدليل، ولاتتمّ الحجّة، فوجب في أوّل الأمر سدَّ هذا الباب، والاكتفاء بما سبق من المعجزة الباهرة.
الثالث: أنّه تعالى لوأعطاهم ماطلبوه فلولم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقّوا عذاب الاستيصال، فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء، وإن كانوا لا يعلمون كيفيّة هذه الرحمة، ولذا قال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).
الرابع: أنّه تعالى علم منهم أنّهم إنّما يطلبون هذه المعجزات لالطلب الفائدة بل للعناد والتعصّب، وعلم أنّه لو أعطاهم مطلوبهم فهم لايؤمنون (ولايفترون)1، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنّه لافائدة في ذلك، فالمراد من قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)هو أنّ القوم لا يعلمون أنّهم لمّا طلبوا ذلك على سبيل التعنّت والتعصّب ما أعطاهم،(2) ولو كانوا عالمين لطلبوا ذلك على سبيل
طلب الفائدة، فكان الله يعطيهم ذلك على أكمل الوجوه. انتهى كلامه.2
أقول: يمكن أن يقال في المقام الأوّل: إنّ ما ذكروه من إنزال الآية كالصريح في أنّهم إنّما طلبوا أمراً بيّناً يرون نزوله من السماء، كنزول الملائكة عياناً، أو نزول

1 . ليس في المصدر.   2 . في المصدر: فإن الله لا يعطيهم مطلوبهم.
2 . تفسير الرازي: 12/210-211 .

صفحه 156
الكتاب كذلك، أو نزول كسف من السماء، وهذا لاينافي وقوع سائر المعجزات من الإخبار بالمغيّبات، وإحياء الأموات، وشقّ القمر، وغير ذلك، وورود الإنزال في سائر الآيات في إنزال القرآن والأحكام وغيرها مجازاً لايوجب صرف تلك الآية أيضاً عن الحقيقة مع عدم الداعي إليه، بل وجود القرينة على المعنى الحقيقيّ، قوله تعالى: (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)لكونه مطابقاً لها في الأُصول، ولشهادته بحقيقتها، ولورودها بالصفة الّتي نطقت بها الكتب المتقدّمة.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ)قال الطبرسي (رحمه الله)قال الزجّاج: هذا جواب لقولهم: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا)فادّعوا ثمّ لم يفعلوا، وبذلوا النفوس والأموال، واستعملوا سائر الحيل في إطفاء نورالله، وأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره. وقيل: المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح أملى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِين)إلى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ)1 فجرى على
لسان ابن أبي سرح (فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)فأملاه عليه وقال: هكذا أُنزل، فارتدّ عدوّ الله، وقال: إن كان محمّد صادقاً فلقد أُوحي إليّ كما أُوحي إليه، ولئن كان كاذباً فلقد قلت كما قال، وارتدّ عن الإسلام، وهدر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)دمه، فلمّا كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، فقال: يا رسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ أعاد فسكت ثمّ أعاد فقال: هو لك، فلمّا مرّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: ألم أقل: من رآه فليقتله؟ فقال عباد بن بشر: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إليّ فأقتله، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الأنبياء لايقتلون بالإشارة»2 انتهى.3

1 . المؤمنون: 12-14 .
2 . تفسير القمي: 1/211; بحارالأنوار: 89/35، ح1 .
3 . مجمع البيان: 4/112 .

صفحه 157
وفي قوله تعالى: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)إخبار عن عدم إيمان جماعة ولم يؤمنوا.
قوله: (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ)قال الطبرسي: أي أن يجبرهم على الإيمان وهو المرويّ عن أهل البيت(عليهم السلام).1
قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ)إذا كان المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبّرين بالإهلاك، أو المنع من غير إهلاك، فلا يقدرون على القدح فيها، ويكون المراد بها المكذّبين من هذه الأُمّة لا أُمّة موسى(عليه السلام) كما ذكره جماعة من المفسّرين، ففيها إخبار بما لم يكن، وكذا قوله: (لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا)وفي الآية وجوه أُخرتر كنا إيرادها لعدم احتياجنا هنا إليها.
قوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) قال الرازي: بمعنى آذن أي أعلم، واللام في قوله: (لَيَبْعَثَنَّ)جواب القسم، لأنّ قوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ)جار مجرى القسم، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنّه لا دولة ولا عزّ لهم، وأنّ الذلّ يلزمهم، والصغار لايفارقهم، ولمّا أخبر الله تعالى في زمان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الواقعة ثمّ شاهدنا بأنّ الأمر كذلك كان هذا إخباراً صدقاً عن المغيب فكان معجزاً. انتهى.2
وقوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ)يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدهم من قبل الله تعالى بما قد وقع، وسيأتي شرحه.
قوله تعالى: (قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا)قال البيضاوي: هو قول نضر بن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنّه كان قاضيهم، وقيل: هو قول الّذين ائتمروا في أمره(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذا لو استطاعوا من ذلك فما منعهم أن يشاءوا وقد تحدّاهم، وقرعهم

1 . مجمع البيان: 4/137 .
2 . تفسير الرازي: 15/41 .

صفحه 158
بالعجز عشر سنين، ثمّ قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه،1 مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصاً في باب البيان (إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)ما سطره الأوّلون من القصص.2
قوله تعالى: (فَسَيُنْفِقُونَهَا) قال الطبرسي (رحمه الله): قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أُحد ألفين من الأحابيش3 يقاتل بهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)سوى من استجاشهم4 من العرب وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر،5 وقيل: لمّا أُصيبت قريش يوم بدر ورجع فلّهم،6 إلى مكّة مشى صفوان بن أُميّة وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش أُصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلّموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إنّ محمّداً وتركم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الّذي أُفلت على حربه لعلّنا أن ندرك منه ثاراً بمن أُصيب منّا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية، رواه محمّد بن إسحاق عن رجاله.
ثمّ قال: وفي هذا دلالة على صحّة نبوّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّه أخبر بالشيء قبل

1 . في المصدر: فلم يعارضوا سورة.
2 . تفسير البيضاوي: 3/104 .
3 . الأحابيش: الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة، وكذلك الاحبوش والحُباشة ـ بالضم ـ ويقال: حبش القوم تحبيشاً: أي جمعهم. والحبش والحبشة: جنس من السودان، والجمع الحبشان. وأحبشت المرأة بولدها إذا جاءت به حبشي (أسود) اللون. صحاح الجوهري: 3/999، مادة «حبش».
4 . استجاشه: طلب منه الجيش. (منه رحمه الله).
5 . في المصدر: وكانوا اثني عشر رجلا: أبوجهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجّاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، وكلّهم من قريش، وكان كلّ يوم يطعم واحد منهم عشر جزر، وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس.
6 . فل القوم: منهزموهم. (منه رحمه الله ).

صفحه 159
كونه، فوجد على ما أخبر به.1
قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ)قال الرازي: المقصود منه بيان
نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجدّهم في إخفاء الدلائل الدالّة على صحّة
شرعه، وقوّة دينه، والمراد من النور الدلائل الدالّة على صحّة نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي أُمور كثيرة:
أحدها: المعجزات القاهرة الّتي ظهرت على يده، فإنّ المعجز إمّا أن يكون دليلا على الصدق أو لا يكون، فعلى الأوّل فحيث ظهر المعجز لابدّ من حصول الصدق، وإن لم يدلّ على الصدق قدح ذلك في نبوّة موسى وعيسى(عليهما السلام) .
وثانيها: القرآن العظيم الّذي ظهر على لسان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّه من أوّل عمره إلى آخره ما تعلّم وما استفاد وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات.
وثالثها: أنّ حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حبّ الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة، والعقل يدلّ على أنّه لا طريق إلى الله إلاّ من هذا الوجه.
ورابعها: أنّ شرعه كان خالياً عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غيرالله، وقد ملك البلاد العظيمة وما غيّر طريقته في استحقار الدنيا وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيّرة، وبراهين باهرة على صحّة قوله، وإنّهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة وأنواع كفرهم ومكرهم أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جارياً مجرى من يريد إبطال نور الشمس بأن ينفخ فيها، ثمّ إنّه تعالى

1 . مجمع البيان: 4/464-465 .

صفحه 160
وعد محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) مزيد النصرة، وإعلاء الدرجة، فقال: (وَيَأْبى اللّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
وقال في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)اعلم أنّ كمال حال الأنبياء لا يحصل إلاّ بأُمور:
أوّلها: كثرة الدلائل والمعجزات، وهو المراد من قوله: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى).
وثانيها: كون دينه مشتملا على أُمور يظهر لكلّ أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح، ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة، وهو المراد من قوله: (وَدِينِ الْحَقِّ).
وثالثها: صيرورة دينه مستعلياً على سائر الأديان، غالباً لأضداده، قاهراً لمنكريه، وهو المراد من قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
فإن قيل: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)يقتضي كونه غالباً لجميع الأديان وليس الأمر كذلك، فإنّ الإسلام لم يصر غالباً لسائر الأديان في أرض الهند والروم والصين وسائر أراضي الكفرة.
فالجواب عنه من وجوه:
الأوّل: أنّه لادين لخلاف الإسلام،1 إلاّ وقد قهرهم المسلمون، وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عبّاد الأصنام على كثير من بلادهم ممّا يلي الترك والهند، وكذلك سائر الأديان، فثبت أنّ الّذي أخبر الله عنه في هذه

1 . في المصدر: بخلاف الإسلام.

صفحه 161
الآية قد وقع وحصل، فكان ذلك إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً.
الثاني: أنّه روي عن أبي هريرة أنّه قال: هذا وعد من الله بأنّه تعالى يجعل الإسلام غالباً على جميع الأديان، وتمام هذا إنّما يحصل عند خروج عيسى(عليه السلام) .
وقال السدّيّ: ذلك عند خروج المهديّ، لا يبقى أحد إلاّ دخل في الإسلام أو أدّى الخراج.
الثالث: أنّ المراد ليظهر الإسلام على الدين كلّه في جزيرة العرب، وقد حصل ذلك، فإنّه تعالى ما أبقى فيها أحداً من الكفّار.
الرابع: أنّ المراد1 الغلبة بالحجّة والبيان.2
قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا) قال الطبرسي (رحمه الله): اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية.
قيل: خرج المنافقون مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال لهم: ما هذا الّذي بلغني عنكم؟ فحلفوا بالله ما قالوا شيئاً من ذلك; عن الضّحاك.
وقيل: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، وذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجساً وعابهم، فقال الجلاس: والله لئن كان محمّد صادقاً فيما يقول فنحن شرّ من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل والله إنّ محمّداً صادق وأنتم شرّ من الحمير، فلمّا انصرف رسول

1 . هذا هو الوجه الخامس على ما في المصدر، وأمّا الرابع فهكذا: أنّ المراد من قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أن يوقفه على جميع شرائع الدين، ويطلعه عليها بالكلّية، حتى لايخفى عليه منها شيء.
2 . تفسير الرازي:16/38-40 .

صفحه 162
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله، فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قاله، ثمّ قام عامر فحلف بالله لقد قاله، ثمّ قال: اللّهمّ أنزل على نبيّك الصادق منّا الصدوق،1 فقال رسول الله والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل(عليه السلام)قبل أن يتفرّقا بهذه الآية حتّى بلغ (فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ)فقام الجلاس فقال: يا رسول الله اسمع الله قد عرض عليّ التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال لك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك منه; عن الكلبيّ ومحمد بن إسحاق ومجاهد.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول حين قال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ);(2) عن قتادة.
وقيل: نزلت في أهل العقبة في أنّهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في عقبة، عند مرجعهم من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع راحلته ثمّ ينخسوا،2فأطلعه تعالى على ذلك، وكان من جملة معجزاته; لأنّه لا يمكن معرفة ذلك إلاّ بوحي من الله، فسار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في العقبة وحده وعمّار وحذيفة معه، أحدهما يقود ناقته، والآخر يسوقها، وأمر الناس كلّهم بسلوك بطن الوادي، وكان الّذين همّوا بقتله اثني عشر رجلا، أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه، عرفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسمّاهم بأسمائهم واحداً واحداً; عن الزجّاج والواقديّ والكلبيّ.
وقال الباقر(عليه السلام): كانت ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب. انتهى.3

1 . في المصدر: منا من الصادق.   2 . المنافقون: 8 .
2 . الانساع جمع النسع، وهو بالكسر سير ينسج عريضاً على هيئة أعنة البغال، تشدّ به الرحال و نخس الدابة كنصر وجعل: غرز مؤخرها أوجنبها بعود و نحوه. (منه قدس سره).
3 . مجمع البيان: 5/90 .

صفحه 163
وأمّا قوله: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)فيحتمل الدعاء عليهم، والإخبار عن امتداد شقاوتهم، والأخير أظهر، فيكون من باب المعجزات; وكذا قوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ)إخبار بسرائرهم، وكذا قوله: (وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، وكذا قوله: (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض)فإنّها كلّها إخبار عمّا كانوا يسرّون من المسلمين.
قوله: (ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) قال الرازي: في الفرق بينهما: إنّ المراد بالأوّل الإتيان بكتاب آخر لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، وبالثاني
تغيير هذا القرآن، كأن يضع مكان ذمّ بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة
آية عذاب، أو المراد بالأوّل الإتيان بغيره، مع كون هذا الكتاب باقياً بحاله، وبالثاني أن يغيّر هذا الكتاب، ثمّ إنّ سؤالهم إمّا أن يكون على سبيل السخريّة والاستهزاء، أو كان غرضهم التماس كتاب لا يشتمل على سبّ آلهتهم والطعن في طرائقهم، فأمر بأن يجيبهم بأنّ هذا التبديل غير جائز منّي (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) وأنّما
لم يتعرّض للإتيان بقرآن غير هذا; لأنّه لمّا بيّن أنّه لا يجوز له أن يبدّله من تلقاء نفسه، لأنّه وارد من الله تعالى، ولا يقدر على مثله، كما لا يقدر سائر العرب على مثله، وكان ذلك متقرّراً في نفوسهم بسبب ما تقدّم من تحدّيه لهم بمثل هذا القرآن فقد دلّهم بذلك على أنّه لا يتمكن من قرآن غير هذا، ثم لمّا كان هذا الالتماس لأجل أنّهم اتهموه بأنّه هو الّذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه على سبيل الاختلاق.
فلهذا احتجّ عليهم بأنّ أُولئك الكفّار كانوا قد شاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من أوّل عمره إلى ذلك الوقـت، وكانـوا عالمين بأحواله، وأنّه ما طالع كتاباً، ولا تلمّذ لأُستاذ، ولا تعلّم من أحد، ثمّ بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأُصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأوّلين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء،

صفحه 164
والبلغاء، فكلّ من له عقل سليم فإنّه يعرف أنّ مثل هذا لايحصل إلاّ بالوحي
والإلهام من الله، فقوله: (لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ)حكم منه(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ هذا القرآن وحي من عند الله، وقوله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ)إشارة إلى الدليل الّذي قرّرناه. قوله: (وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ): أي ولا أُعلمكم به.1
وقال في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى): حاصله: أنّ هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلاّ الله عزّ وجلّ، ثمّ إنّه احتجّ على هذه الدعوى بأُمور:
الأوّل: قوله: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)وتقريره من وجوه:
الأوّل: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان رجلا أُميّاً ما سافر إلى بلدة لأجل التعلّم، وما كانت مكّة بلدة العلماء، وما كان فيها شيء من كتب العلم، ثمّ إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بهذا القرآن، وكان مشتملا على أقاصيص، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلولم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه، ولبالغوا في الطعن فيه، فلمّا لم يفعلوا علمنا أنّها مطابقة لما في التوراة والإنجيل، مع أنّه ما طالعها ولا تلمّذ لأحد فيها، فليس إلاّ بوحي منه تعالى.
والثاني: أنّ كتب الله المنزّلة دلّت على مقدم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا كان الأمر كذلك كان مجيئه (صلى الله عليه وآله وسلم) تصديقاً لما في تلك الكتب.
الثالث: أنّه أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، فوقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ)،(2) وكقوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا)،(3) وكقوله: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ)،(4) وذلك يدلّ على أنّ الإخبار عن هذه الغيوب إنّما حصل بالوحي من الله تعالى بين يديه.
والنوع الثاني من الدلائل قوله تعالى: (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء)وتحقيقه أنّ

1 . تفسير الرازي: 17/55-58، بتلخيص.      2 . الروم: 1 .      3 . الفتح: 27 .   4 . النور: 55 .

صفحه 165
العلوم إمّا أن تكون دينيّة أو لا، ولا شكّ أن الأوّل أرفع حالاًّ وأعظم شأناً من الثاني.
وأمّا الدينيّة فإمّا أن تكون علم العقائد والأديان، وإمّا أن تكون علم الأعمال.
فالأوّل هو معرفة الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر; وأمّا معرفة الله فهي عبارة عن معرفة ذاته، وصفة جلاله، وصفة إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه; والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، بل لايقرب منه شيء من المصنّفات.
وأمّا علم الأعمال فهو إمّا علم التكاليف المتعلّقة بالظواهر وهو الفقه، ومعلوم أنّ جميع الفقهاء إنّما استنبطوا مباحثهم عن القرآن، وإمّا علم بصفة الباطن1 ورياضة القلوب، وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، فثبت أنّ القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة عقليّها و نقليّها اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب، فكان ذلك معجزاً.
وأمّا قوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فتقريره: أنّ الكتاب الطويل المشتمل على هذه العلوم الكثيرة لابدّ وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلا عنه علمنا أنّه من عند الله، ثمّ بعد إيراد هذه الدلائل أعاد الكلام مرّة أُخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)ثمّ ذكر حجّة أُخرى على إبطال هذا القول فقال: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ)؟
فإن قيل: لِمَ قال في سورة البقرة: (مِنْ مِثْلِهِ)وهنا (بِسُورَة مِثْلِهِ)؟
قلنا: إنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم): كان رجلا أُميّاً لم يتلمّذ لأحد، ولم يطالع كتاباً فقيل2 في سورة البقرة: (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ): أي فليأت إنسان يساوي

1 . في المصدر: بتصفية الباطن.
2 . في المصدر: فقال.

صفحه 166
محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم التلمّذ1 وعدم مطالعة الكتب بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لايدلّ على أنّ السورة في نفسها معجزة، ولكنّه يدلّ على أنّ ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) معجز، ثمّ إنّه تعالى بيّن في هذه السورة أنّ تلك السورة في نفسها معجز، فإنّ الخلق إن تلمّذوا وتعلّموا وطالعوا وتفكّروا، فإنّه لايمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلاجرم قال تعالى في هذه الآية: (فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ).
فإن قيل: قوله: (بِسُورَة مِثْلِهِ)هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يخصّ بالسور الكبار؟
قلنا: هذه الآية في سورة يونس وهي مكيّة فالمراد مثل هذه السورة، لأنّها أقرب ما يمكن أن يشار إليه.
واعلم أنّه قد ظهر بما قرّرنا أنّ مراتب تحدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن ستّة:
فأوّلها: أنّه تحدّاهم بكلّ القرآن، كما قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ)2 الآية.
وثانيها: أنّه تحدّاهم بعشر سور.(3)
وثالثها: أنّه تحدّاهم بسورة واحدة.
ورابعها: أنّه تحدّاهم بحديث مثله.3
وخامسها: أنّ في تلك المراتب الأربعة كان يطلب أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم التلمّذ والتعلّم، ثمّ في سورة يونس طلب منهم

1 . من هنا يظهر أنّ ما جاء به الرازي بالتلمّذ من باب التفعل فهو من الأغلاط المشهورة، والصحيح أنّ المادّة رباعية يقال: تلمّذ الأُستاذ الولد فتلمّذ له وتتلمّذ (على وزن دحرج و تدحرج) فهو تلميذ، والكلمة من الدخيل، ومعناها بالفارسية: «شاگردى»; ويحتمل أنّه جاء بالتتلمذ أو التلمّذة فسقطت التاء سهواً أو عمداً من المطابع.
2 . الإسراء: 88 .   3 . في قوله:(فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات) هود: 13 .
3 . في قوله: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ) الطور: 34 .

صفحه 167
معارضة سورة واحدة من أيّ إنسان سواء، تعلّم العلوم أولم يتعلّمها.
وسادسها: أنّ في المراتب المتقدّمة تحدّى كلّ واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدّى جميعهم، وجوّز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ).1
وقال في قوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ): أي من الأخبار الّتي كانت غائبة عن الخلق، ما كنت تعرف هذه القصّة أنت ولا قومك.
فإن قيل: أليس قد كانت قصّة نوح مشهورة عند أهل العالم؟
قلنا: بحسب الإجمال كانت مشهورة، وأمّا التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة.2
وقال في قوله: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): إعلم أنّ من الناس من زعم أنّه لم يظهر معجز في صدق محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى القرآن لدلالة هذا الكلام عليه.
والجواب عنه من وجهين:
الأوّل: لعلّ المراد منه طلب معجزات سوى الّتي شاهدوها منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كحنين الجذع، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وطلبوا منه معجزات غيرها، مثل فلق البحر، وقلب العصا ثعباناً.
والثاني: أنّه لعلّ الكفّار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات.(3)
قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة)المراد به النسخ (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ)اعتراض دخل في الكلام، والمعنى الله أعلم بما ينزّل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفّار على قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): أي حقيقة القرآن وفائدة النسخ.

1 . تفسير الرازي: 17/94-97 .
2 . تفسير الرازي: 18 / 8 .   3. تفسير الرازي: 19 / 12 ـ 13 .

صفحه 168
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ)قال في «الكشّاف»: أي جبرئيل، أُضيف إلى القدس وهو الطهر، والمراد الروح المقدّس (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا): أي ليبلوهم بالنسخ حتّى إذا قالوا فيه: هو الحقّ من ربّنا، حكم لهم بثبات القدم في الدين.1
قوله: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) قال الرازي: اختلف في هذا البشر، قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤيّ يقال له: يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد بني الحضرميّ صاحب كتب وكان اسمه خيراً،2 وكانت قريش تقول: عبد الحضرميّ يعلّم خديجة، وتعلّم خديجة محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: كان بمكّة نصرانيّ أعجميّ اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة، يتكلّم بالروميّة، وقيل: سلمان الفارسيّ.
قوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ): أي يميلون القول إليه (أَعْجَمِيٌّ)قال أبو الفتح الموصليّ: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضدّ البيان، وعجم الزبيب يسمّى لاختفائه، والعجماء: البهيمة، لأنّها لاتوضح ما في نفسها، ثمّ إنّ العرب تسمّي كلّ من لايعرف لغة ولا يتكلّم بلسانهم أعجميّ، قال الفرّاء وأحمد بن يحيى: الأعجم: الّذي في لسانه عُجمة وإن كان من العرب، ألا ترى أنّهم قالوا: زياد الأعجم، لأنّه كانت في لسانه عُجمة، مع أنّه كان عربيّاً.
وأمّا تقرير الجواب: فاعلم أنّه إنّما يظهر إذا قلنا: إنّ القرآن إنّما كان معجزاً لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ، وكأنّه قيل: هب إنّه يتعلّم المعاني من ذلك الأعجميّ إلاّ أنّ القرآن إنّما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة، فبتقدير أن يكونوا صادقين في أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعلّم تلك المعاني من ذلك الرجل إلاّ أنّ

1 . تفسير الكشّاف: 2/428 .
2 . في المصدر: جبراً، وقال الطبرسي في مجمع البيان: 6/200: قال عبد الله بن مسلم: كان غلامان في الجاهلية نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما: يسار، واسم الآخر: خير، كانا صيقلين يقرآن كتاباً لهما بلسانهم، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربما مرّ بهما واستمع لقراءتهما، فقالوا: إنّما يتعلّم منهما.

صفحه 169
ذلك لايقدح في المقصود; لأنّ القرآن إنّما كان معجزاً لفصاحته اللفظيّة.1
قوله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالاْيَاتِ)قال الرازي: فيه وجوه:
الأوّل: أنّ المعنى أنّه لو أظهر تلك المعجزات ثمّ لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرّين على كفرهم، فحينئذ يصيرون مستحقّين لعذاب الاستيصال، وهو على هذه الأُمّة غير جائز، لأنّ الله تعالى علم منهم من سيؤمن، أو يؤمن أولادهم، فلذا ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم، وما أظهر تلك المعجزات، روى ابن عبّاس أنّ أهل مكّة سألوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجعل الصفا ذهباً، وأن يزيل عنهم الجبال حتّى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك، لكن لوأنّهم كفروا أهلكتهم، فقال الرسول: لا أُريد ذلك.
الثاني: أنّ المراد لانظهر هذه المعجزات; لأن آباءكم الّذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلّدون لهم، فأنتم لو رأيتموها لم تؤمنوا بها أيضاً.
الثالث: أنّ الأوّلين شاهدوا هذه المعجزات وكذّبوها، فعلم الله منكم أيضاً أنّكم لو شاهدتموها لكذّبتم بها، فكان إظهارها عبثاً، والعبث لايفعله الحكيم.(2)
قوله: (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ)قال الرازي: فإن قيل: هب إنّه ظهر عجز الإنسان عن معارضتة، فكيف عرفتم عجز الجنّ؟ وأيضاً فلم لايجوز أن يقال: إنّ هذا القرآن نظم الجنّ ألقوه على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
أجاب العلماء عن الأوّل بأنّ عجز البشر عن معارضتة يكفي في إثبات كونه معجزاً.
وعن الثاني أنّ ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس، وحيث لم يظهر ذلك دلّ على عدمه.2

1 . تفسير الرازي: 20/117 .   2 . تفسير الرازي: 20/234 .
2 . تفسير الرازي: 21/54 .

صفحه 170
قوله تعالى: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً)قال الرازي: إنّا قد ذكرنا أنّ الشيء يجب أن يكون كاملا في ذاته، ثمّ يكون مكمّلا لغيره، فقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً)إشارة إلى كونه كاملا في ذاته، وقوله: (قَيِّماً)إلى كونه مكمّلا لغيره; لأنّ القيّم عبارة عن القائم بمصالح الغير.
وفي نفي العوج وجوه:
أحدها: نفي التناقض عن آياته.
وثانيها: أنّ كلّ ما ذكره الله فيه من التوحيد والنبوّة والأحكام والتكاليف فهو حقّ وصدق، ولا خلل في شيء منها البتّة.
وثالثها: أنّ الإنسان كأنّه خرج من عالم الغيب متوجّهاً إلى عالم الآخرة، وإلى حضرة جلال الله، وهذه الدنيا كأنّها رباط بني على حدّ عالم القيامة، حتّى أنّ المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمّات الّتي تجب رعايتها في هذا السفر، ثمّ يرتحل منه متوجّهاً إلى عالم الآخرة، فكلّ ما دعاه من الدنيا إلى عالم الآخرة ومن الجسمانيّات إلى الروحانيّات ومن الخلق إلى الحقّ فهو السير المستقيم، وكلّ ما دعاه من عالم الآخرة إلى الدنيا فهو السير المعوجّ، والقرآن مملوّ من الدعوة من الخلق إلى الحقّ، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن اللذّات الشهوانيّة الجسدانيّة إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية، فثبت أنّه مبرّأ من العوج والانحراف والباطل.1
قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) قال البيضاوي: أي بالغوا في إخفائها (هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)كأنّهم استدلّوا بكونه بشراً على كذبه في ادّعاء الرسالة لادّعائهم أنّ الرسول لايكون إلاّ ملكاً، واستلزموا منه أنّ ماجاء به من الخوارق كالقرآن سحرٌ (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم)إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنّه تخاليط الأحلام، ثمّ إلى أنّه كلام افتراه، ثمّ إلى أنّه قول شاعر، والظاهر أنّ (بَلْ)الأُولى

1 . تفسير الرازي: 21/74-75 .

صفحه 171
لتمام الحكاية، والابتداء بأُخرى، أو للإضراب عن تحاورهم في شأن الرسول، وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لإضرابهم عن كونه أباطيل خيّلت إليه وخلطت عليه، إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثمّ إلى أنّه كلام شعريّ يخيّل إلى السامع معاني لاحقيقة لها، ويرغّبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تعالى تنزيلاً لأقوالهم في درج الفساد، لأنّ كونه شعراً أبعد من كونه مفترى، لأنّه مشحون بالحقائق والحكم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلاماً، لأنّه مشتمل على مغيّبات كثيرة طابقت الواقع، والمفترى لايكون كذلك، بخلاف الأحلام، ولأنّهم جرّبوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نيّفاً1وأربعين سنة ما سمعوا منه كذباً قطّ، وهو من كونه سحراً، لأنّه مجانسه من حيث إنّهما من الخوارق (فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)أي كما أُرسل به الأوّلون، مثل اليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه، وإحياء الموتى (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة): أي من أهل قرية (أَهْلَكْنَاهَا)باقتراح الآيات لمّا جاءتهم (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ)لوجئتهم بها وهم أطغى منهم، وفيه دليل2 على أنّ عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم، إذ لو أتى به لم يؤمنوا واستوجبوا عذاب الاستيصال كمن قبلهم.(3)
قوله: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ) قال الرازي: قال الكلبيّ ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وهو الّذي قال هذا القول: (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)يعني عامراً3 مولى حويطب بن عبد العزّى، ويساراً غلام عامر بن الحضرميّ، وجبيراً مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرأون التوراة ويحدّثون أحاديثاً منها، فلمّا أسلموا وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعهّدهم، فلأجل ذلك قال النضر

1 . النيف: الزيادة، وكل مازاد على العقد فنيف إلى أن يبلغ العقد الثاني. صحاح الجوهري: 4/1436، مادة «نيف»
2 . تنبيه خ ل، وفي المصدر: وهم أعتى منهم، وفيه تنبيه.   3 . تفسير البيضاوي: 4/82-84 .
3 . في المصدر: عداس مولى حويطب. وفيه: جبر بدل جبير.

صفحه 172
ماقال، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً)وإنّما كفى هذا القدر جواباً; لأنّه قد علم كلّ عاقل أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تحدّاهم بالقرآن، وهو النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الخوض على إبطال أمره كلّ غاية حتّى أحوجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم ممّا أوردوه في هذه الآيات وغيرها، ولو استعان(صلى الله عليه وآله وسلم)بغيره في ذلك لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كأُولئك في معرفة اللغة، والمكنة في العبارة، فلمّا لم يبلغوا ذلك والحالة هذه عُلم أنّ القرآن قد بلغ الغاية في الفصاحة، وانتهى إلى حدّ الإعجاز، ولمّا تقدّمت هذه الدلالة مرّات وكرّات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أنّ إعادة هذا السؤال بعد تقدّم تلك الدلالة الواضحة لايكون إلاّ للتمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً).
والشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)ما سطره المتقدّمون، كأحاديث رستم وإسفنديار، (اكْتَتَبَهَا)انتسخها محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل الكتاب، يعني عامراً ويساراً وجبيراً، ومعنى اكتتب هنا أمر أن يكتب له، كما يقال: احتجم وافتصد: إذا أمر بذلك (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ): أي يلقى عليه كتابه ليتحفّظها (بُكْرَةً وَأَصِيلاً): قال الضحّاك: مايملى عليه بكرةً وأصيلا يقرؤه عليكم، وقال الحسن: هو قوله تعالى جواباً عن قولهم، كأنّه قال: إنّ هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنّه أساطير الأوّلين؟ وجمهور المفسّرين على أنّه من كلام القوم، فأجاب تعالى بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ)الآية، وتقريره ما قدّمنا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) تحدّاهم وظهر عجزهم، فلو كان استعان بغيره لكان عليهم أن يستعينوا بأحد، فلمّا عجزوا ثبت أنّه وحي الله تعالى وكلامه، فلهذا قال: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ); وذلك لأنّ القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابدّ وأن يكون عالماً بكلّ المعلومات ظاهرها وخفيّها (وَلَوْ كَانَ مِنْ

صفحه 173
عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)، ولاشتماله على الأحكام الّتي هي مقتضية لمصالح العباد ونظام العالم، وذلك لايكون إلاّ من العالم بكلّ المعلومات، ولاشتماله على أنواع العلوم، وذلك لايأتي إلاّ من العالم بكلّ المعلومات، إلى غير ذلك ممّا مرّ من وجوه الإعجاز في القرآن.1
قوله: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)قال الرازي: هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ أهل مكّة قالوا: تزعم أنّك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة كما أُنزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟ وأجاب الله عنه بقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ).
بيانه من وجوه:
أحدها: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن من أهل القراءة والكتابة، فلو نزّل عليه جملة واحدة كان لا يضبط، ولجاز عليه الخطأ والغلط.
وثانيها: أنّ من كان الكتاب عنده فربّما اعتمد على الكتاب، وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة، بل كان ينزّل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهلة وقلّة التحصيل.
وثالثها: أنّه تعالى لو أنزل الكتاب جمله لنزلت الشرائع بأسرها دفعةً واحدةً على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك، لاجرم نزلت التكاليف قليلا قليلا، فكان تحمّلها أسهل.
ورابعها: أنّه إذا شاهد جبرئيل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته، فكان أقوى على الصبر على عوارض النبوّة، وعلى احتمال أذيّة قومه، وعلى الجهاد.
وخامسها: أنّه لمّا شرط الإعجاز فيه مع كونه منجّماً، ثبت كونه معجزاً، فإنّه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجّماً مفرّقاً.

1 . تفسير الرازي: 24/50-52 .

صفحه 174
وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم،
وكانوا يزدادون بصيرة; لأن بسبب ذلك كان يضمّ مع الفصاحة الإخبار عن الغيوب.
وسابعها: أنّ القرآن لمّا نزل منجّماً مفرّقاً وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتحدّاهم من أوّل الأمر، وكان يتحدّاهم1 بكلّ واحد من نجوم القرآن، فلمّا عجزوا عنه فعن معارضة الكلّ أولىّ، فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أنّ القوم عاجزون عن المعارضة لامحالة.
وثامنها: أنّ السفارة بين الله وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنّه تعالى لو أنزل القرآن على محمّد دفعةً واحدةً لبطل المنصب على جبرئيل(عليه السلام)، فلمّا أنزله مفرّقاً منجّماً بقي ذلك المنصب العالي عليه.(2)
والترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على توءدة ومهل.
قوله تعالى: (عَلَى قَلْبِكَ): أي فهمك إيّاه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، والباء في قوله: (بِلِسَانِ)إمّا أن يتعلّق بالمنذرين، فالمعنى: فتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وإمّا أن يتعلّق بنزل، فالمعنى: أنزله باللسان العربي لتنذر به; لأنّه لو أنزله باللسان الأعجميّ لقالوا: ما نصنع بما لانفهمه؟
وأمّا قوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ)فيحتمل هذه الأخبار خاصّة، أو صفة القرآن أو صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو المراد وجوه التخويف (أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً)حجّة ثانية على نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقريره أنّ جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصّوا على مواضع في التوراة والإنجيل ذكر فيها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنعته وصفته، وقد
كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرّفون منهم هذا الخبر، وهذا يدلّ

1 . في المصدر: فكأنه تحداهم.   2 . تفسير الرازي: 24/78-79 .

صفحه 175
دلالة ظاهرة على نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم).1
أقول: قوله تعالى: (لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ)إخبار بعدم إيمان هؤلاء المكذّبين المعاندين، وكذا قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ): أي تبعكم ولحقكم، إخبار بما وقع عليهم قريباً في غزوة بدر، وقد مرّ أنّ «عسى» من الله تعالى موجبة .
قوله تعالى: (أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)قال البيضاوي: كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزير والمسيح.2
قوله تعالى: (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)قال الرازي: قيل: المراد به مكّة، وارتداده إليها يوم الفتح، وتنكيره لتعظيمه; لأنّه كان له فيه شأن عظيم من استيلائه عليها، وقهره لأهلها، وإظهار عزّ الإسلام، وإذلال حزب الكفر، والسورة مكّيّة، فكأنّ الله تعالى وعده وهو بمكّة في أذى وغلبة من أهلها أنّه يهاجر منها ويعيده إليها، وقال مقاتل: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من الغار، وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلمّا رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكّة والمدينة وعرف الطريق إلى مكّة اشتاق إليها، وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبرئيل وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، فقال جبرئيل(عليه السلام): إنّ الله يقول: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)يعني مكّة ظاهراً عليهم، وهذا ممّا يدلّ على نبوّته; لأنّه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر.3
قوله تعالى: (لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)قال الرازي: فيه معنى لطيف، وهو أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان قارئاً كاتباً ما كان يوجب كون الكلام كلامه، فإنّ جميع كتبة الأرض وقرّائها لايقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه

1 . تفسير الرازي: 24/165 و 168-169 .
2 . تفسير البيضاوي: 4/277 .
3 . تفسير الرازي: 25/21 .

صفحه 176
ارتياب، وعلى ماهو عليه لاوجه لارتيابه فهو أدخل في البطلان.1
قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ)قال الطبرسي (رحمه الله): قال المفسّرون: غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرح بذلك كفّار قريش من حيث إنّ أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب، وساء ذلك المسلمين، وكان بيت المقدس لأهل الروم كالكعبة للمسلمين، فدفعهم فارس عنه.
وقوله: (فِي أَدْنى الأَرْضِ): أي أدنى الأرض من أرض العرب، وقيل: في أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس، يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، وقيل: يريد أذرعات وكسكر2 (وَهُمْ)يعني الروم (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ): أي غلبة فارس إيّاهم (سَيَغْلِبُونَ)فارس (فِي بِضْعِ سِنِينَ)وهذه من الآيات الدالّة على أنّ القرآن من عند الله عزّوجلّ، لأنّ فيه إنباء ما سيكون، ولا يعلم ذلك إلاّ الله عزّوجلّ. (لِلّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ): أي من قبل أن غلبت الروم ومن بعدما غلبت، فإن شاء جعل الغلبة لأحد الفريقين على الآخر، وإن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم، وإن شاء أهلكهما جميعاً (وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ): أي ويوم يغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بدفع الروم فارساً عن بيت المقدس، لابغلبة الروم على بيت المقدس، فإنّهم كفّار، ويفرحون أيضاً لوجه آخر، وهو اغتمام المشركين بذلك، ولتصديق خبر الله وخبر رسوله، ولأنه مقدّمة لنصرهم على المشركين (يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ)من عباده (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في الانتقام من

1 . تفسير الرازي: 25/77 .
2 . أذرعات بالذال المعجمة، هو بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. معجم البلدان: 1/130 .
وكسكر ـ بالفتح ثم السكون ـ : كورة واسعة، قصبتها اليوم واسط القصبة التي بين الكوفة والبصرة، وكانت قصبتها قبل أن يمصر الحجاج واسطاً خسرو سابور، ويقال: إنّ حد كورة كسكر من إلجانب الشرقي في آخر سقي النهروان إلى أن تصب دجلة في البحر كلّه من كسكر، فتدخل فيه على هذا البصرة ونواحيها. معجم البلدان: 4/461 .

صفحه 177
أعدائه (الرَّحِيمُ)بمن أناب إليه من خلقه (وَعْدَ اللّهِ): أي وعد الله ذلك (لاَ يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ)بظهور الروم على فارس (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ)يعني كفّار مكّة (لاَ يَعْلَمُونَ)صحّة ما أخبرنا به لجهلهم بالله.
القصّة: عن الزهريّ قال: كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكّة يقولون: إنّ أهل الروم أهل كتاب وقد غلبهم الفرس، وأنتم تزعمون أنّكم ستغلبون بالكتاب الّذي أُنزل على نبيّكم، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ)إلى قوله: (فِي بِضْعِ سِنِينَ)قال: فأخبرني عبيد الله [بن عبد الله] بن عتبة بن مسعود1 أنّ أبا بكر ناحب2 بعض المشركين قبل أن يحرّم القمار، على شيء إن لم يغلب فارس في سبع سنين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لم فعلت؟ فكلّ ما دون العشرة بضع، فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين، ثمّ أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبيّة، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب.
وروى أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن ابن عباس في قوله: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ) قال: قد مضى، كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبت عليهم، ثمّ غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبيّ الله مشركي العرب، والتقت الروم وفارس فنصر الله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إيّاهم، ونصر أهل الكتاب على العجم.

1 . هو أبو عبدالله المدني الهذلي، وكان فقيهاً كثير الحديث والعلم، وهو معلّم عمر بن عبد العزيز، من مشاهير فقهاء العامّة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، من الطبقة الثالثة، ذهب بصره وقيل كان أعمى. روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر، وروى عنه أخوه عون والزهري وأبو الزناد وصالح بن كيسان وغيرهم. توفّي سنة 94 هـ وقيل: 98هـ، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال: 19/73 برقم 3653; تهذيب التهذيب: 7/22 .
2 . المناحبة: المخاطرة والمراهنة. (منه قدس سره).

صفحه 178
قال عطيّة: وسألت أبا سعيد الخدريّ عن ذلك فقال: التقينا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله علىّ مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصرالله إيّانا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: (وَيَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ).1
قوله تعالى: (وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): أي أهل الكتابين، أو مطلق أهل العلم.(2)
قوله تعالى: (اَللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)قال الطبرسي (رحمه الله): هو أحسن الحديث لفرط فصاحته، ولإعجازه، ولاشتماله على جميع مايحتاج إليه المكلّف من التنبيه على أدلّة التوحيد والعدل، وبيان أحكام الشرع وغير ذلك من المواعظ وقصص الأنبياء، والترغيب والترهيب (كِتَاباً مُتَشَابِهاً)يشبه بعضه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضاً، ليس فيه اختلاف ولا تناقض، أويشبه كتب الله المتقدّمة، وإن كان أعمّ وأجمع وأنفع، وقيل: متشابهاً في حسن النظم، وجزالة اللفظ، وجودة المعاني (مَثَاني)سمّي بذلك لأنّه تثنّى فيه القصص والأخبار والأحكام والمواعظ بتصريفها في ضروب البيان، ويثنّى أيضاً في التلاوة فلا يملّ لحسن مسموعه (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ): أي تأخذهم قشعريرة خوفاً ممّا في القرآن من الوعيد (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ)إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة.2
قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)قال البيضاوي: أي كثير النفع، عديم النظير، أو منيع لايتأتّى إبطاله وتحريفه. (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)لا يتطرّق

1 . مجمع البيان: 8 / 43 .   2 . مجمع البيان: 8/195 .
2 . مجمع البيان: 8/394-395 .

صفحه 179
إليه الباطل من جهة من الجهات، أو ممّا فيه من الأخبار الماضية والأُمور الآتية (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا)جواب لقولهم: هلاّ نزل القرآن بلغة العجم (لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ) بيّنت بلسان نفقهه (ءَاَعْجَمِيٌّ وَعَرَبي)أكلام أعجميّ ومخاطب عربيّ؟ إنكار مقرّر للتحضيض.1
قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ): أي فانتظر لهم (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين)أكثر المفسّرين على أنّه إخبار بقحط ومجاعة أصابتهم بسوء أعمالهم، فالمراد يوم شدّة ومجاعة، فإنّ الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لأنّ الهواء يظلم عام القحط لقلّة الأمطار وكثرة الغبار، أولأنّ العرب تسمّي الشرّ الغالب دخاناً، وقد قحطوا حتّى أكلوا جيف الكلاب وعظامها، وقيل: إشارة إلى ظهور الدخان المعدود من أشراط الساعة كما مرّ في كتاب المعاد (يَغْشَى النَّاسَ): أي يحيط بهم. وقوله: (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)إلى قوله: (مُؤْمِنُونَ)مقدّر بقول وقع حالا و (إِنَّا مُؤْمِنُونَ)وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى)من أين لهم؟ وكيف يتذكّرون لهذه الحال؟ (وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ)يبيّن لهم ماهو أعظم منها في إيجاب الادّكار من الآيات والمعجزات (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ)قال بعضهم: يعلّمه غلام أعجميّ لبعض ثقيف، وقال آخرون: إنّه مجنون (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ)بدعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه دعا فرفع القحط (قَلِيلاً)كشفاً قليلا، أوزماناً قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ)إلى الكفرغبّ الكشف (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى)يوم القيامة، أو يوم بدر، ظرف لفعل دلّ عليه (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ).2
وقال الطبرسي (رحمه الله): إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا على قومه لمّا كذّبوه، فقال: «اللّهمّ

1 . تفسير البيضاوي: 5/117. وفيه: للتخصيص.
2 . تفسير البيضاوي: 5/158-160 .

صفحه 180
سني كسني يوسف»1 فأجدبت الأرض فأصابت قريشاً المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وأكلوا الميتة والعظام، ثمّ جاءُوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: يا محمّد جئت تأمرنا بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة فكشف عنهم، ثمّ عادوا إلى الكفر; عن ابن مسعود والضحّاك. انتهى.2
قوله تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ)أقول: هذا إخبار بما سيقع وقد وقع.
وقوله: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)إخبار بما في ضميرهم، وكذا قوله: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ)إخبار بما وقع بعد الإخبار من غزوة خيبر، وقولهم ذلك، كما سيأتي شرحه في غزوة الحديبيّة وغزوة خيبر.
وكذا قوله تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْم أُولِي بَأْس شَدِيد):
قال الطبرسي (رحمه الله): هم هوازن وحنين، وقيل: هم هوازن وثقيف، وقيل: هم بنوحنيفة مع مسيلمة، وقيل: هم أهل فارس، وقيل: هم الروم، وقيل: هم أهل صفّين أصحاب معاوية، والصحيح أنّ المراد بالداعي في قوله: (سَتُدْعَوْنَ)هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال أقوام ذوي نجدة3وشدّة، مثل أهل خيبر، وحنين والطائف ومؤتة، وإلى تبوك وغيرها، فلا معنى لحمل ذلك على بعد وفاته.4
وقال في قوله تعالى: (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)معناه: ووعدكم الله مغانم أُخرى لم تقدروا عليها بعد، أو قرية أُخرى لم تقدروا عليها قد أعدّها الله لكم،

1 . راجع: صحيح البخاري: 2/14; باب دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): واجعلها سنين كسني يوسف; صحيح مسلم: 2/135، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة .
2 . مجمع البيان: 9/104 .
3 . النجدة: الشجاعة. صحاح الجوهري: 2/542، مادة «نجد».
4 . مجمع البيان: 9/193 .

صفحه 181
وهي مكّة، وقيل: هي ما فتح الله على المسلمين بعد ذلك إلى اليوم، وقيل: المراد فارس والروم، قالوا: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بشّرهم كنوز كسرى وقيصر، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم وفتح مدائنها، بل كانوا خولا1 لهم حتّى قدروا عليها بالإسلام (قَدْ أَحَاطَ اللّهُ بِهَا): أي قدر الله عليها وأحاط بها علماً. انتهى.2
أقول: وكذا قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ)إخبار بالغيب كما سيأتي تفسيره.
قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ)قال البيضاوي: أي اختلقه من تلقاء نفسه (بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ)فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ)مثل القرآن (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)في زعمهم، إذ فيهم كثير ممّن عُدّوا فصحاء، فهو ردّ للأقوال المذكورة بالتحديّ. انتهى.3
قوله تعالى: (عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ) أقول: على قول من قال: إنّ المراد به القتل يوم بدر أو القحط سبع سنين، فهو أيضاً إخبار بالغيب، وقد وقع، وكذا قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)إشارة إلى غزوة بدر، وهو من المعجزات، وكذا قوله: (وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)وقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)وقد مرّ بيانه، وكذا قوله: (وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً)كما مرّ.
قال البيضاوي: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر)كما تزعمون تارة (قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)تصدّقون لما ظهر لكم صدقه تصديقاً قليلا لفرط عناد كم (وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِن)كما تزعمون أُخرى (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) تذكّرون تذكّراً قليلا، فلذلك يلتبس الأمر عليكم، وذكر الإيمان مع نفي الشاعريّة، والتذكّر مع الكاهنيّة; لأنّ عدم مشابهة

1 . خول الرجل: حشمه، والخول اسم يقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل وهو التمليك. صحاح الجوهري: 4/1690، مادة «خول».
2 . مجمع البيان: 9/206 .
3 . تفسير البيضاوي: 5/249 .

صفحه 182
القرآن للشعر أمر بيّن لاينكرها إلاّ معاند، بخلاف مباينته للكهانة فإنّها تتوقف على تذكّر أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم.1
(فَبِأَي حَدِيث بَعْدَهُ): أي بعد القرآن (يُؤْمِنُونَ)إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة.2
قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)أقول: هو فوعل صيغة مبالغة في الكثرة، والمراد به الكثرة في العلوم والمعارف والفضائل، والأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، والذرّيّة الطيّبة، والأوصياء والعلماء والأتباع والأُمّة، والدرجات الأُخرويّة، والشفاعة. ولا يخفى وقوع مايتعلّق بالدنيا منها فهو من المعجزات.
وأمّا قوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)فروي أنّها نزلت في العاص بن وائل السهميّ، وذلك أنّه رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم وتحدّثا، وأُناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلمّا دخل العاص قالوا: من الّذي كنت تتحدّث معه؟ قال: ذاك الأبتر، وكان قد توفّي قبل ذلك عبدالله بن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو من خديجة، وكانوا يسمّون من ليس له ابنٌ أبتر، فسمّته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبوراً،3 كذا روي عن ابن عبّاس.4 ففيه أيضاً إعجاز بيّن، وكذا سورة تبّت بتمامها تدلّ على عدم إيمان أبي لهب وزوجته، وقد ظهر صدقه فهو أيضاً من المعجزات.
ما ظهر له(صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على حقّيته من المعجزات السماوية والغرائب العلوية...   

1 . تفسير البيضاوي: 5/384 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/437 .
3 . الصنبور بالضم: الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولاعقب ولا ناصر، وقيل: صنبور: أي أبتر لاعقب له ولا أخ فإذا مات انقطع ذكره: لسان العرب: 4/469، مادة «صنبر».
4 . مجمع البيان: 10 / 459 ; تفسير الثعلبي: 10 / 307 .

صفحه 183

[ الباب الثاني عشر]

ما ظهر له(صلى الله عليه وآله وسلم) شاهداً على حقّيته من المعجزات السماوية والغرائب العلوية من انشقاق القمر، وردّ الشمس وحبسها، وإظلال الغمامة... 1

الآيات:

القمر (54): (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ).1-2 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله): (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ): أي قربت الساعة الّتي تموت فيها الخلائق، وتكون القيامة. والمراد فاستعدّوا لها قبل هجومها (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)قال ابن عبّاس: اجتمع المشركون إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فلقتين،2 فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إن فعلتُ تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ربّه أن يعطيه ماقالوا فانشقّ القمر فلقتين، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا.
وقال ابن مسعود: انشقّ القمر على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شقّتين، فقال لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اشهدوا اشهدوا.
وروي أيضاً عن ابن مسعود أنّه قال: والّذي نفسي بيده لقد رأيت حراء بين فلقي القمر.

1 . بحارالأنوار، 17/347-351، الباب 3 من أبواب معجزاته.
2 . فرقتين خ ل وهو الموجود فى المصدر، والفلقتين: القطعتين.

صفحه 184
وعن جبير بن مطعم قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى صار فرقتين على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقال أُناس: سحرنا محمّد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلّهم.
وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة; منهم: عبدالله بن مسعود، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عبّاس، وجبير بن مطعم، وعبدالله بن عمر; وعليه جماعة من المفسّرين، إلاّ ما روي عن عثمان بن عطاء عن أبيه أنّه قال: معناه: وسينشقّ القمر، وروي ذلك عن الحسن، وأنكره أيضاً البلخيّ، وهذا لايصحّ; لأنّ المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتدّ بخلاف من خالف فيه; ولأنّ اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه، ومن طعن في ذلك بأنّه لو وقع لما كان يخفى على أحد من أهل الأقطار فقوله باطل، لأنّه يجوز أن يكون الله تعالى قد حجبه عن أكثرهم بغيم وما يجري مجراه; ولأنّه قد وقع ذلك ليلا فيجوز أن يكون الناس كانوا نياماً فلم يعلموا بذلك، على أنّ الناس ليس كلّهم يتأمّلون ما يحدث في السماء وفي الجوّ من آية وعلامة، فيكون مثل انقضاض الكواكب وغيره ممّا يغفل الناس عنه، وإنّما ذكر سبحانه (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) مع (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ); لأنّ انشقاقه من علامة نبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونبوّته وزمانه من أشراط الساعة. (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) هذا إخبار من الله تعالى عن عناد كفّار قريش، وإنّهم إذا رأوا آية معجزة أعرضوا عن تأمّلها، والانقياد لصحّتها عناداً وحسداً (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ): أي قويّ شديد يعلو على كلّ سحر، وهو من إمرار الحبل وهو شدّة فتله، واستمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم، وقيل: معناه ذاهب مضمحلّ لايبقى.
وقال المفسّرون: لمّا انشقّ القمر قال مشركو قريش: سحرنا محمّد، فقال الله سبحانه: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا) عن التصديق والإيمان بها، قال الزجّاج: وفي هذا

صفحه 185
دلالة على أنّ ذلك قد كان ووقع .
وأقول: ولأنّه تعالى قد بيّن أنّه يكون آية على وجه الإعجاز، وإنّما يحتاج إلى الآية المعجزة في الدنيا، ليستدلّ الناس بها على صحّة النبوّة، ويعرفوا صدق الصادق لا في حال انقطاع التكليف والوقت الّذي يكون الناس فيه ملجئين إلى المعرفة، ولأنّه سبحانه قال: (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)وفي وقت الإلجاء لا يقولون للمعجز: إنّه سحر.1
وقال الرازي: المفسّرون بأسرهم على أنّ المراد أنّ القمر حصل فيه الانشقاق،2 ودلّت الأخبار على حدوث الانشقاق، وفي الصحاح3 خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، قالوا: سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انشقاق القمر معجزةً، فسأل ربّه فشقّه. وقول بعض المفسّرين: المراد سينشقّ، بعيدٌ، ولا معنى له; لأنّ من منع ذلك وهو الطبيعيّ يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن جوّزه لاحاجة إلى التأويل;

1 . مجمع البيان: 9/310-311 . أقول: معجزة انشقاق القمر من المعجزات المشهورة عند الفريقين وعليه كافّة المفسّرين إلاّ ما ندر. فمن مصادر الشيعة راجع: أمالي الشيخ الطوسي: 341 ح 37، المجلس 12; روضة الواعظين: 63; مناقب ابن شهرآشوب: 1/106 و 190; بحارالأنوار: 17/354 ح 5 و 356 ح 11; تفسير القمي: 2/340; التبيان: 9/442; جوامع الجامع: 3/461; تفسير غريب القرآن للطريحي: 419; التفسير الأصفى للفيض: 2/1232; التفسير الصافي للفيض الكاشاني أيضاً: 5/99 و 7/47; تفسير نور الثقلين: 5/174ح 2 و 175ح 3; الميزان في تفسير القرآن: 19/55 .
2 . راجع: تفسير الكشّاف: 4/35; تفسير مجاهد: 2/635; تفسير مقاتل: 296; تفسير القرآن: 3/257; جامع البيان: 27/111-116; أحكام القرآن: 3/552; تفسير الثعلبي: 9/160-162; أسباب نزول الآيات للواحدي: 268; تفسير السمعاني: 5/306; تفسير القرطبي: 17/125-127; تفسير البيضاوي: 5/263، وغيرها كثير.
3 . راجع: صحيح البخاري: 4/186، باب علامات النبوّة، وص 243 باب انشقاق القمر، وج 6/52، تفسير سورة القمر; صحيح مسلم: 8/133، باب انشقاق القمر; سنن الترمذي: 3/322، باب ما جاء في انشقاق القمر، السنن الكبرى للنسائي 6/476 برقم 14552; مسند أحمد: 3/207 و 220 و 275 و 278، و ج4/82; مستدرك الحاكم: 2/472. وهناك مصادر أُخرى سنذكرها في الصفحـات التالية.

صفحه 186
وإنّما ذهب إليه ذلك الذاهب لأنّ الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعمّ وجه الأرض، فكان ينبغي أن يبلغ حدّ التواتر .
فنقول: إن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان يتحدّى بالقرآن وكانوا يقولون: إنّا
نأتي بأفصح ما يكون من الكلام، وعجزوا عنه، وكان القرآن معجزة باقية إلى
قيام الساعة لايتمسّك بمعجزة أُخرى، فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حدّ
التواتر.
وأمّا المؤرّخون تركوه; لأنّ التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجّمون، وهم لمّا وقع الأمر قالوا: بأنّه مثل خسوف القمر وظهور شيء في الجوّ على شكل نصف القمر في موضع آخر، فلذا تركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدلّ دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه لايشكّ فيه، وقد أخبر عنه الصادق، فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتيام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السماوات.
ثمّ قال: وأمّا كون الانشقاق آيةً للساعة; فلأنّ منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها، وكذلك قوله في كلّ جسم سماويّ من الكواكب، فإذا انشقّ بعضها ثبت خلاف ما يقول به من عدم جواز خراب العالم. انتهى.1
وقال القاضي في «الشفاء»: أجمع المفسّرون وأهل السنّة على وقوع الانشقاق، وروى البخاريّ، باسناده عن أبي معمّر، عن ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اشهدوا.2

1 . تفسير الرازي: 29/29. باختلاف وتصرّف.
2 . صحيح البخاري: 6/52، تفسير سورة القمر، باب: وانشق القمر.

صفحه 187
ورواه عنه مسروق. أنّه كانه بمكّة، وزاد: فقال كفّار قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فقال رجل منهم: إنّ محمّداً إن كان سحر القمر فإنّه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلّها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا، فأتوا فسألوا فأخبروهم أنّهم رأوا مثل ذلك.1
وقد رواه غير ابن مسعود، منهم: أنس، وابن عبّاس، وابن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وعليّ، فقال عليّ(عليه السلام) من رواية أبي حذيفة الأرْحَبيّ:2 انشقّ القمر ونحن مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .3
وعن أنس سأل أهل مكّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتّى رأوا حراء بينهما. رواه عن أنس قتادة.4
وفي رواية معمّر وغيره عن قتادة عنه: أراهم القمر مرّتين انشقاقه، فنزلت (اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ).5
ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمّد، وابن ابنه جبير بن محمّد، ورواه عن ابن عبّاس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ورواه عن ابن عمر مجاهد، ورواه عن حذيفة أبو عبدالرحمن السلميّ، ومسلم بن أبي عمران الأزديّ.
وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة، والآية مصرّحة، فلا يلتفت إلى

1 . تفسير البغوي: 4/258; زاد المسير لابن الجوزي: 7/242; تفسير السمرقندي: 3 / 349 ; الدر المنثور: 6 / 133 ; إمتاع الأسماع: 5/20; السيرة الحلبية: 1/491 .
2 . هو سلمة بن صهيب الهمداني الأرحبيّ، أبو حذيفة الكوفي، وأرحب بطن من همدان. روى عن: علي(عليه السلام) وابن مسعود وحذيفة، وروى عنه: أبو إسحاق السبيعي وعلي بن الأقمر وخيثمة. ذكره ابن حبّان في الثقات. تهذيب التهذيب: 4/130 برقم 256.
3 . عمدة القاري: 19/207 .
4 . صحيح البخاري: 4/243، باب انشقاق القمر; جامع البيان: 27/112 برقم 25295.
5 . صحيح مسلم: 8/133، باب انشقاق القمر; مسند أحمد: 3/207 و 220; تخريح الأحاديث للزيلعي: 3/389; تفسير الكشّاف: 4/35 .

صفحه 188
اعتراض مخذول بأنّه لوكان هذا لم يخف على أهل الأرض، إذ لم ينقل عن أهل الأرض أنّهم رصدوه في تلك اللّيلة ولم يروه ولو نقل إلينا من لا يجوز تمالؤهم1لكثرتهم، على الكذب لما كانت علينا به حجّة، إذ ليس القمر في حدّ واحد لجميع الأرض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين، وقد يكون من قوم بضدّ ما هو من مقابلهم من أقطار الأرض أو يحول بين قوم وبيّنه سحابة أو جبال، ولهذا نجد الكسوفات في بعض البلاد دون بعض وفي بعضها جزئيّة وفي بعضها كلّيّة وفي بعضها لا يعرفها إلاّ المدّعون لعلمها; وآية القمر كانت ليلا، والعادة من الناس باللّيل الهدوء والسكون وإيجاف الأبواب،2 وقطع التصرّف، ولا يكاد يعرف من أُمور السماء شيئاً إلاّ من رصد ذلك، ولذلك ما يكون الكسوف القمريّ كثيراً في البلاد، وأكثرهم لا يعلم به حتّى يخبر، وكثيراً ما يحدّث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام يظهر بالأحيان باللّيل في السماء ولا علم عند أحد منها. انتهى.(3)
معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في كفاية شرّ الأعداء   

[ الباب الثالث عشر]

معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في كفاية شرّ الأعداء3

الآيات:

البقرة (2): (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).137 .
المائدة (5): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُم).11 .

1 . أي توافقهم و تواطؤهم. لوامع الحقائق للآشتياني: 1/133 .
2 . أي إغلاقها.   3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 1/282-283 .
3 . بحار الأنوار: 18/45-51، الباب 8 من أبواب معجزاته.

صفحه 189
الحجر (15): (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)1. 90-91 .
وقال تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).95-96 .
النحل (16): (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ). 112-113 .
الإسراء (17): (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً2

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان: في مجازات القرآن»: 88: وهذه استعارة على أحد التأويلين، وهو أن يكون المعنى أنهم جعلوا القرآن أقساماً مجزّاة كالأعضاء المعضاة فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل: جعلوه أقساماً بأن قالوا هو سحر وكهانة وكذب وإحالة. وأمّا التأويل الآخر في معنى عضين فيخرج بهذه اللفظة عن أن تكون مستعارة، وذلك أن يكون معناها على ما قاله بعض المفسّرين معنى الكذب قال: وهو جمع عضة كما كان في القول الأوّل إلاّ أنّ العضة هاهنا معناها الكذب والزور، وفي القول الأوّل معناها التجزئة والتقسيم; وقد ذكر ثقات أهل اللغة في العضة وجوهاً فقالوا: العضة: النميمة، والعضة: الكذب وجمعه عضون مثل عزة عزون، والعضة: السحر، والعاضة: الساحر. وقد يجوز أن يكون جعلوا القرآن عضين جمع عضة من السحر أي جعلوه سحراً وكهانة كما قال سبحانه حاكياً عنهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)[المدثر: 24]، (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)[المائدة: 110] .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 99: وهذه استعارة; لأنه ليس هناك على الحقيقة كنان على قلب ولا وقر في سمع، وإنّما المراد به أنّهم لاستثقالهم سماع القرآن عند أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)بتلاوته على أسماعهم و إفراغه في آذانهم، كالذين على قلوبهم أكنّة دون علمه، وفي آذانهم وقر دون فهمه، وإن كانوا من قبل نفوسهم أوتوا وبسوء اختيارهم أخذوا، ولو لم يكن الأمر كذلك لما ذُموا على إطراحه، ولعذروا بالإضراب عن استماعه.

صفحه 190
وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً).45-46 .
وقال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً).76-77 .
الزمر (39): (أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد).36 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ): وعد الله سبحانه رسوله بالنصرة وكفاية من يعاديه من اليهود والنصارى الّذين شاقّوه، وفي هذا دلالة بيّنة على نبوّته وصدقه(صلى الله عليه وآله وسلم) .1
وفي قوله تعالى: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ): اختلف فيمن بسط إليهم الأيدي على أقوال:
أحدها: أنّهم اليهود، همّوا بأن يفتكوا2 بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم بنو النضير، دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع جماعة من أصحابه عليهم، وكانوا قد عاهدوه على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان منّي، فلزمني ديتهما، فأُريد أن تعينوني، فقالوا: نعم اجلس حتّى نطعمك ونعطيك الّذي تسألنا، وهمّوا بالفتك بهم، فآذن الله رسوله، فأطلع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه على ذلك وانصرفوا، وكان ذلك إحدى معجزاته; عن مجاهد وقتادة وأكثر المفسّرين.

1 . مجمع البيان: 1/407 .
2 . فتك بالرجل فتكاً: انتهز منه غرة [ غفلة] فقتله أو جرحه، وقيل: هو القتل أو الجرح مجاهرة. لسان العرب: 10/472، مادة «فتك».

صفحه 191
وثانيها: أنّ قريشاً بعثوا رجلا ليفتك بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل عليه وفي يده سيف مسلول، فقال له: أرنيه، فأعطاه إيّاه، فلمّا حصل في يده قال: ما الّذي يمنعني من قتلك؟ قال: الله يمنعك، فرمى السيف وأسلم، واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحيّ، بعثه صفوان بن أُميّة ليغتاله بعد بدر، وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب; عن الحسن.
وثالثها: أنّ المعنيّ بذلك ما لطف الله للمسلمين من كفّ أعدائهم عنهم حين همّوا باستئصالهم بأشياء شغلهم بها من الأمراض والقحط وموت الأكابر وهلاك المواشي، وغير ذلك من الأسباب الّتي انصرفوا عندها من قتل المؤمنين; عن الجبائيّ.1
وقال في قوله تعالى: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ)قيل: فيه قولان:
أحدهما: أنّ معناه أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى (اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)جمع عضة، وأصله عضوة، فنقصت الواو، والتعضية: التفريق، أي فرّقوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، وقيل: سمّاهم مقتسمين لأنّهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها.
والآخر: أنّ معناه أنّي أُنذركم عذاباً كما أنزلنا على المقتسمين الّذين اقتسموا طريق مكّة يصدّون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والإيمان به، قال مقاتل: وكانوا ستّة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيّام الموسم يقولون لمن أتى مكّة: لاتغترّوا بالخارج منّا، والمدّعي للنبوّة، فأنزل الله بهم عذاباً فماتوا شرّ ميتة، ثمّ وصفهم فقال: (اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)جزءاً جزءاً فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأوّلين، وقالوا: مفترى; عن ابن عبّاس.(2)

1 . مجمع البيان: 3/292-293 .   2 . مجمع البيان: 6/130-131 .

صفحه 192
وفي قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ): أي كفيناك شرّ المستهزئين واستهزائهم بأن أهلكناهم، وكانوا خمسة نفر من قريش: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وأبو زمعة وهو الأسود بن المطّلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس; عن ابن عبّاس وابن جبير.
وقيل: كانوا ستّة رهط عن محمّد بن ثور، وسادسهم: الحارث بن الطلاطلة، وأُمّه غيطلة.1
وفي قوله تعالى: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً): أي مثل قرية (كَانَتْ آمِنَةً): أي ذات أمن (مُطْمَئِنَّةً)قارّة ساكنة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أوضيق (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان): أي يحمل إليها الرزق الواسع من كلّ موضع ومن كلّ بلد، كما قال سبحانه: (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء)2.
(فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ): أي فكفر أهل تلك القرية (فَأَذَاقَهَا اللّهُ)الآية: أي فأخذهم الله بالجوع والخوف بسوء أفعالهم، وسمّى أثر الجوع والخوف لباساً; لأنّ أثر الجوع والهزال يظهر على الإنسان، كما يظهر اللباس; وقيل: لأنّه شملهم الجوع والخوف كاللباس; قيل: إنّ هذه القرية هي مكّة، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة، عذّبهم الله بالجوع سبع سنين، وهم مع ذلك خائفون وجلون، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه يغيرون عليهم قوافلهم، وذلك حين دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسنيّ يوسف»; وقيل: إنّها

1 . هو الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن ملكان من خزاعة. راجع: السيرة النبوية لابن هشام: 2/277، وجامع البيان للطبري: 14/94. وأمّا اسم أُمه فقد اختلف فيه، ففي المصدر والتبيان وتفسير السمرقندي وتفسير البحرالمحيط: عيطلة، وفي المصادر الأُخرى: غيطلة. راجع: التبيان: 6/356، تفسير السمرقندي: 2/264، تفسير البحر المحيط: 5/455; تفسير السمعاني: 3/154، المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي: 3/375، تهذيب الكمال: 2/273، سير أعلام النبلاء: 5/17، الإصابة: 1/686.
2 . القصص: 57 .

صفحه 193
قرية كانت قبل نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث الله إليهم نبيّاً فكفروا به وقتلوه، فعذّبهم الله بعذاب الاستيصال (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ)يعني أهل مكّة بعث الله إليهم رسولا من جنسهم فكذّبوه وجحدوا نبوّته (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ): أي ما حلّ بهم من الخوف والجوع المذكورين وما نالهم يوم بدر وغيره من القتل.1
وفي قوله: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) قال: نزل في قوم كانوا يؤذون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالليل إذا تلا القرآن وصلّى عند الكعبة، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه من دعاء الناس إلى الدين، فحال الله سبحانه بينهم وبينه حتّى لايؤذوه; عن الجبائيّ والزجّاج. (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ)قال الكلبيّ: هم أبو سفيان والنضر بن الحارث وأبو جهل وأُمّ جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرَّون به ولا يرونه (حِجَاباً مَسْتُوراً)قيل: أي ساتراً، عن الأخفش، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كالمشؤوم والميمون، وقيل: هو على بناء النسب، أي ذا ستر، وقيل: مستوراً عن الأعين لايبصر، إنّما هو من قدرة الله.(2)
(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً)الأكنّة جمع كنان وهو ما وقى شيئاً وستره قيل: كان الله يلقي عليهم النوم، أو يجعل في قلوبهم أكنّة ليقطعهم عن مرادهم، أوأنّه عاقب هؤلاء الكفّار الّذين علم أنّهم لايؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا ما يستمعونه.2
(وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً)قيل: كانوا إذا سمعوا (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)ولّوا، وقيل: إذا سمعوا «لا إله إلاّ الله».3

1 . مجمع البيان: 6/206 .   2 . مجمع البيان: 6/256 .
2 . مجمع البيان: 4/28-29 .
3 . مجمع البيان: 6/256 .

صفحه 194
وفي قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ): أي أنّ المشركين أرادوا أن يزعجوك من أرض مكّة بالإخراج; وقيل: عن أرض المدينة، يعني اليهود; وقيل: يعني جميع الكفّار أرادوا أن يخرجوك من أرض العرب; وقيل: معناه ليقتلونك (وَإِذاً لاَ يَلْبَثُونَ): أي لو أخرجوك لكانوا لايلبثون بعد خروجك (إِلاَّ)زماناً (قَلِيلاً)ومدّة يسيرة; قيل: وهي المدّة بين خروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة وقتلهم يوم بدر، والصحيح أنّ المعنيّين في الآية مشركو مكّة، وأنّهم لم يخرجوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكّة، ولكنّهم همّوا بإخراجه، ثمّ خرج(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أُمر بالهجرة، وندموا على خروجه، ولذلك ضمنوا الأموال في ردّه ولو أخرجوه لاستؤصلوا بالعذاب، ولماتوا طرّاً.1
وفي قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللّهُ بِكَاف عَبْدَهُ) استفهام تقرير، يعني به محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) يكفيه عداوة من يعاديه (وَيُخَوِّفُونَكَ) كانت الكفّار يخيفونه بالأوثان الّتي كانوا يعبدونها، قالوا: أما تخاف أن يهلكك آلهتنا.(2)
معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في استيلائه على الجن والشياطين وإيمان بعض الجن به   

[ الباب الرابع عشر]

معجزاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في استيلائه على الجن والشياطين
وإيمان بعض الجن به2

الآيات:

الأحقاف (46): (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ)إلى قوله تعالى: أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين).29-32 .
الجنّ (72): (قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً). إلى آخر السورة.

1 . مجمع البيان: 6/280 .   2 . مجمع البيان: 8/401 .
2 . بحارالأنوار: 18/76-83، الباب 9 . من أبواب معجزاته.

صفحه 195

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)معناه: واذكر يا محمّد إذ وجّهنا إليك جماعة من الجنّ تستمع القرآن; وقيل: معناه صرفناهم إليك عن بلادهم بالتوفيق والألطاف حتّى أتوك; وقيل: صرفناهم إليك عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب، ولم يكونوا بعد عيسى(عليه السلام) قد صرفوا عنه، فقالوا: ما هذا الّذي حدث في السماء إلاّ من أجل شيء قد حدث في الأرض، فضربوا في الأرض حتّى وقفوا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عائداً إلى عكاظ وهو يصلّي الفجر، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلّي; عن ابن عبّاس وابن جبير. فعلى هذا يكون الرمي بالشهب لطفاً للجنّ. (فَلَمَّا حَضَرُوهُ): أي القرآن أو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(قَالُوا): أي بعضهم لبعض (أَنْصِتُوا): أي اسكتوا نستمع إلى قراءته (فَلَمَّا قُضِيَ): أي فرغ من تلاوته (وَلَّوْا): أي انصرفوا (إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ): أي محذّرين إيّاهم عذاب الله إن لم يؤمنوا (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) يعنون القرآن (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): أي لما تقدّم من الكتب (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ): أي إلى الدين الحقّ (وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم)يؤدّي بسالكه إلى الجنّة.
القصّة: عن الزهريّ قال: لمّا توفّي أبو طالب(عليه السلام) اشتدّ البلاء على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤوه، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة، وهم إخوة عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه.
فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قطّ، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أُكلّمك بعد مجلسك هذا أبداً، ولئن كنت رسولا كما تقول فلأنت أعظم خطراً من أن يردّعليك الكلام، وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أُكلّمك بعد، وتهزّؤا به. وأفشوا في قومهم ما

صفحه 196
راجعوه به، فقعدوا له صفّين على طريقه، فلمّا مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين صفّيهم جعلوا لايرفع رجليه ولا يضعهما إلاّ رضخوهما بالحجارة حتّى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما يسيلان دماً، فعمد فجاء إلى حائط من حيطانهم فاستظلّ في ظلّ نخلة منه وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دماً، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاماً لهما يدعى عِداس معه عنب، وهو نصراني من أهل نينوى، فلمّا جاءه قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من أيّ أرض أنت؟ قال: من أهل نينوى، قال: من مدينة العبد الصالح يونس بن متّى؟ فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متّى؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متّى، فلمّا أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس خرّ عداس ساجداً لله، ومعظّماً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلمّا بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمّد وقبّلت قدميه ولم نرك فعلت ذلك بأحد منّا؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متّى، فضحكا، وقالا: لايفتننّك عن نصرانيّتك، فإنّه رجل خدّاع.
فرجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكّة حتّى إذا كان بنخلة قام في جوف اللّيل يصلّي، فمرّ به نفر من جن أهل نصيبين من اليمن فوجدوه يصلّي صلاة الغداة، ويتلو القرآن، فاستمعوا له، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة.
وروى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لمّا قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(الرَّحْمَنِ)1 على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئاً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): الجنّ كانوا أحسن جواباً منكم، لمّا قرأت عليهم (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)(2)، قالوا:

1 . الرحمن:1 .   2. الرحمن:16، وغيرها.

صفحه 197
«لا ولا بشيء من آلائك ربّنا نكذّب».
(يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللّهِ)يعنون محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الأنداد دونه (وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ): أي إن آمنتم بالله ورسوله يغفر لكم (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم)في هذا دلالة على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان مبعوثاً إلى الجنّ، كما كان مبعوثاً إلى الإنس، ولم يبعث الله نبيّاً إلى الإنس والجنّ قبله (وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ): أي لا يعجز الله فيسبقه ويفوته (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ): أي أنصاراً يمنعونه من الله (أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين): أي عدول عن الحقّ ظاهر. انتهى كلامه رفع مقامه.1
وقال الطبرسي في قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ): أي استمع القرآن طائفة من الجنّ وهم جيل رقاق الأجسام، خفيّة على صورة مخصوصة بخلاف صورة إنسان والملائكة، فإنّ الملك مخلوق من النور، والإنس من الطين، والجنّ من النار (فَقَالُوا): أي الجنّ بعضها لبعض: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً)العجب ما يدعو إلى التعجّب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ): أي الهدى (فَآمَنَّا بِهِ): أي بأنّه من عند الله (وَلَنْ نُشْرِكَ)فيما بعد (بِرَبِّنَا أَحَداً)فنوجّه العبادة إليه، وفيه دلالة على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان مبعوثاً إلى الجنّ أيضاً، وأنّهم عقلاء مخاطبون، وبلغات العرب عارفون، وأنّهم يميّزون بين المعجز وغير المعجز، وأنّهم دعوا قومهم إلى الإسلام وأخبروهم بإعجاز القرآن وأنّه كلام الله تعالى.2
وروى الواحديّ بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: ما قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في طائفة من أصحابه

1 . مجمع البيان:9/153-157 .
2 . مجمع البيان: 10 / 144 .

صفحه 198
عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلاّ من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفر الّذين أخذوا نحوتهامة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم وقالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) فأوحى الله تعالى إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)ورواه البخاريّ ومسلم.1
(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً): أي تعالى جلال ربّنا وعظمته عن اتّخاذ الصاحبة والولد، أوتعالت صفاته أو قدرته أوذكره أو فعله وأمره، أو ملكه أو آلاؤه ونعمه، والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو العظمة والجلال; وروي عن الباقر والصادق(عليهما السلام) أنّه ليس لله تعالى جدّ، وإنّما قالته الجنّ بجهالة، فحكاه سبحانه كما قالت.2
(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا): أي جاهلنا، والمراد به إبليس (عَلَى اللّهِ شَطَطاً)والشطط السرف في ظلم النفس والخروج عن الحقّ (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللّهِ كَذِباً): أي حسبنا أنّ ما يقولونه من اتّخاذ الشريك والصاحبة والولد صدق، وأنّا على حقّ حتّى سمعنا القرآن وتبيّنّا الحقّ به (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ): أي يعتصمون ويستجيرون، وكان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، وكان هذا منهم على حسب اعتقادهم أنّ الجنّ تحفظهم; وقيل: معناه أنّه كان

1 . صحيح البخاري: 1/187، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، وج6/73، تفسير سورة الجن; صحيح مسلم: 2/35، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.
2 . مجمع البيان: 10/145 .

صفحه 199
رجال من الإنس يعوذون برجال من أهل الجنّ ومن معرّة الجنّ(فَزَادُوهُمْ رَهَقاً): أي فزاد الجن للإنس إثماً على إثمهم الّذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي; وقيل: (رَهَقاً): أي طغياناً; وقيل: فرقاً وخوفاً; وقيل: شرّاً; وقيل: ذلّة; وقال الزجّاج: يجوز أن يكون الإنس الّذين كانوا يستعيذون بالجنّ زادوا الجنّ رهقاً، لأنّهم كانوا يزدادون طغياناً في قومهم بهذا التعوّذ، فيقولون: سدنا الجنّ والإنس، ويجوز أن يكون الجنّ زادوا الأنس رهقاً.1
(وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ أَحَداً): أي قال مؤمنو الجنّ لكفّارهم: إنّ كفّار الإنس الّذين يعوذون برجال من الجنّ في الجاهليّة حسبوا كما حسبتم يا معشر الجنّ أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى(عليه السلام) أو عيسى(عليه السلام); وقيل: إنّ هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى، يقول: إنّ الجنّ ظنّوا كما ظننتم معاشر الإنس أنّ الله لا يحشر أحداً يوم القيامة ولا يحاسبه، أولن يبعث الله أحداً رسولا، ثمّ حكى عن الجنّ قولهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ): أي مسسناها، وقيل: معناه طلبنا الصعود إلى السماء، فعبّر عن ذلك باللمس مجازاً، وقيل: التمسنا قرب السماء لاستراق السمع (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً)أي حفظة من الملائكة شداداً (وَشُهُباً)والتقدير: ملئت من الحرس والشهب (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ): أي كان يتهيّأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منها صوت الملائكة وكلامهم (فَمَنْ يَسْتَمِعِ)منّا (الاْنَ)ذلك (يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً)يرمى به ويرصد له، و(شِهَاباً)مفعول به و (رَصَداً)صفته. قال البلخيّ: إنّ الشهب كانت لامحالة فيما مضى من الزمان، غير أنّه لم يكن يُمنع بها الجنّ عن صعود السماء، فلمّا بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منع بها الجنّ من الصعود (وَأَنَّا لاَ نَدْري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ): أي بحدوث الرجم بالشهب وحراسة السماء، جوّزوا هجوم انقطاع

1 . مجمع البيان: 10/146 .

صفحه 200
التكليف أو تغيير الأمر بتصديق نبيّ من الأنبياء، وذلك قوله: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً): أي صلاحاً، وقيل: معناه أنّ هذا المنع لايدرى ألعذاب سينزل بأهل الأرض أم لنبيّ يبعث ويهدي إلى الرشد، فإنّ مثل هذا لا يكون إلاّ لأحد هذين.1
(وَأَنَّا مِنَّا الصاَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ): أي دون الصالحين في الرتبة (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً)2: أي فرقاً شتّى على مذاهب مختلفة، وأهواء متفرّقة، (وَأَنَّا ظَنَنَّا): أي علمنا (أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللّهَ فِي الأَرْضِ): أي لن نفوته إن أراد بنا أمراً (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً): أي أنّه يدر كنا حيث كنّا (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى): أي القرآن (آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً): أي نقصاناً فيما يستحقّه من الثواب (وَلاَ رَهَقاً): أي لحاق ظلم وغشيان مكروه (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ): أي الجائرون عن طريق الحقّ (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولـئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً): أي التمسوا الصواب والهدى (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب. إنتهى.3
أقول: سيأتي الكلام في حقيقة الجنّ وكيفيّاتهم وأحوالهم في كتاب السماء والعالم إنشاء الله تعالى.
المبعث وإظهار الدعوة وما لقي(صلى الله عليه وآله وسلم) من القوم، وماجرى بينه وبينهم   

1 . مجمع البيان: 10/146-147 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 254:
وهذه استعارة، والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ كنّا ضروباً مختلفة وأجناساً مفترقة. والطرائق جمع طريقة، وهي في هذا الموضع المذهب والنحلة. والقدد: جمع قدّة، وهي القطعة من الشيء المقدود طولا، مثل فلذة وفلذ وقربة وقرب، وقد غلب على ماكان من القطع طولا لفظ القدّ، وعلى ما كان من القطع عرضاً لفظ القط، فكأنّه سبحانه شبّه اختلافهم في الأقوال وافتراقهم في الآراء بالسيور المقدودة التي تتفرق عن أصلها، وتتشعب بعد إئتلافها.
3 . مجمع البيان: 10/150 .

صفحه 201

[أبواب]

أحواله(صلى الله عليه وآله وسلم) من البعثة إلى نزول المدينة
[الباب الخامس عشر]
المبعث وإظهار الدعوة وما لقي(صلى الله عليه وآله وسلم) من القوم، وماجرى بينه وبينهم، وجمل أحواله إلى دخول الشعب، وفيه إسلام حمزة (رضي الله عنه)، وأحوال كثير من أصحابه وأهل زمانه1

الآيات:

البقرة (2): (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).105 .
وقال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).151 .
وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).231 .
وقال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ).252 .
آل عمران (3): (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ

1 . بحارالأنوار: 18/148-176، الباب 1 من أبواب أحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)من البعثة إلى نزول المدينة.

صفحه 202
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ1 فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).103 .
وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين).164 .
النساء (4): (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً * مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً).79-80 .
وقال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَالنَّبِيِّينَـ إلى قوله ـ: لَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً).163-166 .
المائدة (5): (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).67 .
وقال تعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).99 .
الأنعام (6): (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 14 . إلى آخر الآيات.
وقال تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 14: وهذه استعارة; لأنّه تعالى شبّه المشفى لسوء عمله على دخول النار، فالمشفى لزلّة قدمه على الوقوع في النار.

صفحه 203
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ).33 .
وقال تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعَالَمِينَ).90 .
وقال تعالى: (اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).106-108 .
إلى قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ1 وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ).112-113 .
إلى قوله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَة أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).122-123 .
الأعراف (7): (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 30: وهذه استعارة، والمعنى: ولتميل إليه أفئدة هؤلاء المذكورين، ويقال: صغى فلان إلى فلان إذا مال إليه، وصغوه معه أي ميله، ومنه أصغى بسمعه إلى الكلام إذا أماله إلى جهته ليقرب من استماعه، وميل القلب إلى المعتقدات كميل السمع إلى المسموعات.

صفحه 204
الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).158 .
وقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).199 .
الأنفال (8): (وَإِذْ قَالُوا اللّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ).32-35 .
التوبة (9): (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).33 .
يونس (10): (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ).46 .
يوسف (12): (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).3 .
وقال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).108 .
الرعد (13): (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد).7 .
وقال تعالى:(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).40 .
الحجر (15): (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ

صفحه 205
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ1 * وَقُلْ إنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ2 * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).88-99 .
النحل (16): (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).64 .
وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 88: وهذه استعارة، والمراد بها ألِن كَنفك لهم، ودُم على لطفك بهم، وجعل تعالى خفض الجناح هاهنا في مقابلة قول العرب إذا وصفوا الرجل بالحدّة عند الغضب: قد طار طيره، وقد هفا حلمه، وقد طاش وقاره; فإذا قيل: قد خفض جناحه، فإنّما المراد به وصف الإنسان بلين الكنف والكظم عند الغضب، وذلك ضد وصفه بطيرة المغضب ونزوة المتوثّب.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 88-89: وهذه استعارة; لأنّ الصدع على الحقيقة إنّما يصحّ في الأجسام لا في الخطاب والكلام، والفرق والصدع والفصل في كلامهم بمعنى واحد، ومن ذلك قولهم للمصيب في كلامه: قد طبق المفصل، ويقولون، فلان يفصل الخطاب، أي يصيب حقائقه ويوضح غوامضه; فكأنّ المعنى في قوله سبحانه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)أي: أظهر القول وبيّنه في الفرق بين الحق والباطل من قولهم: «صدع الرداء» إذا شقّه شقّاً بيّناً ظاهراً، ومن ذلك صدع الزجاجة إذا استطار بها الشق واستبان الكسر، وإنّما قال سبحانه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ولم يقل: فبلغ ما تؤمر، لأنّ الصدع هاهنا أعم ظهوراً وأشد تأثيراً; و قد يجوز أيضاً أن يكون المراد بذلك ـ والله أعلم ـ أي: بالغ في إظهار أمرك، والدعاء إلى ربك حتى يكون الدين في وضوح الصبح لايشكل نهجه، ولا يظلم فجّه، مأخوذاً ذلك من الصديع وهو الصبح، وإنّما سمّي بذلك لبيانه ووضوح اعلانه; وقد يجوز أيضاً أن يكون المراد بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) مأخوذ من المصدع، وهو واحد النبال; لأنّه ينفذ في الرمايا، والجمع: مصادع مثل مشقص ومشاقص، وهي السهام العراض الرؤوس، أي: كن في أمر الله سهماً، وأمضي في طاعته قُدماً.

صفحه 206
وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ).89 .
وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). 125 .
الإسراء (17): (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى1إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً).47-48 .
الكهف (18): (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً).27 .
مريم (19): (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاَُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً).77-80 .
وقال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا). 97 .
طه (20): (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً).99 و 100 .
الأنبياء (21): (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 99: وهذه استعارة; لأنّ النجوى مصدر كالتّقوى، وإنّما وصفوا بالمصدر لما في هذه الصفة من المبالغة في ذكر ماهم عليه من كثرة تناجيهم وإسرار المكايد بينهم، والصفة بالمصادر تدلّ على قوة الشيء الموصوف بذلك، مثل قولهم: رجل رضا وقوم عدل، وما يجري هذا المجرى.

صفحه 207
آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ).36 .
الحج (22): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).3 و 4 .
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ).49 .
وقال تعالى: (لِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم).67 .
الفرقان (25): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً).56-58 .
الشعراء (26): (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).3 و 4 .
وقال تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).214 .
فاطر (35): (إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً).22-24 .
يس (36): (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ).70 .
(غافر) المؤمن (40): (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ).77 .
الشورى (42): (فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).15 .
وقال تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً

صفحه 208
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * صِرَاطِ اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ).52 و 53 .
الزخرف (43): (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).41-44 .
الفتح (48): (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً).8 و 9 .
الذاريات (51): (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).54 و 55 .
الطور (52): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون).29 .
النجم (53): (فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاـ إلى قوله تعالى ـ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى).29-56 .
القمر (54): (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ).6 .
القلم (68): (فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين * هَمَّاز مَشَّاء بِنَمِيم * مَنَّاع لِلْخَيْرِ مُعْتَد أَثِيم * عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم). إلى آخر الآيات.8-52 .
المعارج (70):(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللّهِ ذِي الْمَعَارِجِ).1-3 .
وقال تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم). إلى آخر السورة.36-44 .

صفحه 209
المزمل (73): (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً).15 و 16 .
المدثر (74): (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْـ إلى قوله: ـ  ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لاِيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقْهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ).1-26 .
إلى قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً).49-52 .
القيامة (75): (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى).31-35 .
النبأ (78): (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ). 1-3 .
عبس (80): (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءْ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ).17-23 .
التكوير (81): (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم * ذِي قُوَّة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاع ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ).19-28 .
المطففين (83): (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا

صفحه 210
بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).29-36 .
الأعلى (87): (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى). 6-13 .
الغاشية (88): (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر * إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).21-26 .
البلد (90): (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِد وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَد * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً1 * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ2).1-10 .

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 273: وهذه استعارة، وقد مضى نظير لها، والمراد باللبد هاهنا المال الكثير الذي قد تراكب بعضه على بعض كما تلبدت طرائق الشعر وسبائخ القطن. وقد يجوز أن يكون ذلك مأخوذاً من قولهم «رجل لبد» إذا كان لازماً لبيته لا يبرحه، وبه سمّي نسر لقمان لبداً لمماطلته العمر وطول بقائه على الدهر، و كأنّه قال: (أَهْلَكْتُ مَالاً) كان باقياً لي وثابتاً عندي.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 273: وهذه استعارة، والمراد بالنجدين هاهنا الطريقان المفضيان الى الخير والشر، والنجد المكان العالي، وإنّما سمّى تعالى هذين الطريقين بالنجدين; لأنّه بيّنهما للمكلّفين بياناً واضحاً ليتّبعوا سبيل الخير ويجتنبوا سبيل الشر; فكأنّه تعالى بفرط البيان لهما قد رفعهما للعيون ونصبهما للناظرين.

صفحه 211
العلق (96): (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)إلى آخر السورة.1
البيّنة (98): (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ).1-4 .
قريش (106): (لاِِيلاَفِ قُرَيْش * اِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ). السورة 1-5 .
الماعون (107): (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ). السورة. 1-7 .
الكافرون (109): (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). السورة. 1-6 .
المسد (111): (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَب2 وَتَبَّ). السورة. 1-5 .
الفلق (113): (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ). إلى آخر السورة. 1-5 .

1 . العلق: 1-19 .
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 278-279: وهذه استعارة، والتباب: الخسران المؤدّي إلى الهلاك، وإنّما وصف سبحانه يديه بالتباب وإن كان هو المراد بذلك; لأنّ الأعمال في الأكثر إنّما تكون بالأيدي على ما تقدّم من القول في بعض الفصول المتقدّمة، فلمّا فعل فعلا يؤدّي إلى الخسار ويفضي إلى البوار، جاز نسب ذلك إلى يديه، كما يقال: هذا ما صنعت يداك، وذق ما جنت يداك. وقد تقدّم الكلام على ذلك. والمراد باليدين هنا المال والملك، يقال: فلان قليل ذات اليد أي قليل المال والملك، فكأنّه تعالى أخبر بهلاك ماله وملكه، ثم قال تعالى (وَتَبَّ): أي هلك هو أيضاً; لأنّه كان يدل بكثرة أمواله وسعة أحواله، فإذا خرج عن ملكه قرب من هلكه، ودليل ذلك قوله تعالى (مَا أَغْنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَب) [المسد: 2-3] ويكون هلاك ماله حكماً لاغرماً; لأنّه إذا كان مجموعاً من غير حلّه ومأخوذاً من غير وجهه، كان هالكاً بائراً وإن كان سالماً وافراً.

صفحه 212

التفسير:

قال البيضاوي: (مِنْ خَيْر)فسّر الخير بالوحي وبالعلم والنصرة، ولعلّ المراد به ما يعمّ ذلك.1
(وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ): أي بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي.(2)
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ)الّتي من جملتها الهداية وبعثة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)بالشكر والقيام بحقوقها (وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ)القرآن والسنّة (يَعِظُكُمْ بِهِ)بما أنزل عليكم.2
(إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً): أي في الجاهليّة متقاتلين (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)بالإسلام (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)متحابّين مجتمعين على الأُخوّة في الله، وقيل: كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتّى أطفأها الله بالإسلام، وألّف بينهم برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
(وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ)مشرفين على الوقوع في نار جهنّم لكفركم، إذ لو أدرككم الموت في تلك الحالة لوقعتم في النار (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)بالإسلام، وشفا البئر: طرفها وجانبها.(4)
قال الطبرسي (رحمه الله): قال مقاتل: افتخر رجلان من الأوس والخزرج: ثعلبة بن غنم من الأوس، وأسعد بن زرارة من الخزرج; فقال الأوسيّ: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الديار، ومنّا سعد بن معاذ الّذي اهتزّ عرش الرحمن له ورضي الله بحكمه في بني قريظة; وقال الخزرجيّ: منّا أربعة أحكموا القرآن: أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل،

1 . تفسير البيضاوي: 1/376 .   2 . تفسير البيضاوي: 1/428 .
2 . تفسير البيضاوي: 1/522 .   4 . تفسير البيضاوي: 2/74 .

صفحه 213
وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبّادة خطيب الأنصار ورئيسهم; فجرى الحديث بينهما تعصّباً وتفاخراً، وناديا فجاء الأوس إلى الأوسيّ، والخزرج إلى الخزرجيّ، ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فركب حماراً وأتاهم، فأنزل الله هذه الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا.1
قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)قال البيضاوي: من نسبهم، أو من جنسهم عربيّاً مثلهم، ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به، وقرئ: «مِنْ أَنْفَسَهِمْ»: أي من أشرفهم، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان من أشرف القبائل (وَيُزَكِّيهِمْ)يطهّرهم من دنس الطبائع وسوء العقائد والأعمال (وَإِنْ كَانُوا)إن هي المخفّفة.(2)
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة)من نعمة (فَمِنَ اللّهِ): أي تفضّلا منه (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة)من بليّة (فَمِنْ نَفْسِكَ)لأنّها السبب فيها لاجتلابها بالمعاصي.(3)
قال الطبرسي: قيل: خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به الأُمّة، وقيل: خطاب للإنسان، أي: ما أصابك أيّها الإنسان.2
قوله: (حَفِيظاً): أي تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب.(5)
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا): قال البيضاوي: جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزّل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء (لَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ)استدراك عن مفهوم ما قبله، وكأنّه لمّا تعنّتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتجّ عليهم بقوله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) قال: إنّهم لا يشهدون ولكن الله يشهد، أو إنّهم أنكروه ولكنّ الله يثبته ويقرّره (بِمَا أَنْزَلَ

1 . مجمع البيان: 2/355 .         2. تفسير البيضاوي: 2/111 .   3 . تفسير البيضاوي: 2/221 .
2 . مجمع البيان: 3/137 .   5 . تفسير البيضاوي: 2/223 .

صفحه 214
إِلَيْكَ)من القرآن المعجز الدالّ على نبوّتك، روي أنّه لمّا نزلت (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)قالوا: ما نشهد لك، فنزلت، (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)أنزله متلبّساً بعلمه الخاصّ به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كلّ بليغ، أو بحال من يستعدّ للنبوّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الّذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم (وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ)أيضاً بنبوّتك (وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً): أي وكفى بما أقام من الحجج على صحّة نبوّتك عن الاستشهاد بغيره.1
قوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)أقول: سيأتي أنّها نزلت في ولاية أميرالمؤمنين(عليه السلام).2

1 . تفسير البيضاوي: 2/280 .
2 . اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ هذه الآية نزلت في ولاية أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فقد روى الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعاً، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أمر الله عزّوجلّ رسوله بولاية علي(عليه السلام)... وفرض ولاية أُولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتخوّف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه، فضاق صدره وراجع ربّه عزّوجلّ، فأوحى الله عزّوجلّ إليه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَ...)فصدع بأمر الله تعالى ذكره، فقام بولاية علي(عليه السلام)يوم غدير خم، فنادى الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب ـ قال عمر بن أذينة: قالوا جميعاً غير أبي الجارود ـ وقال أبو جعفر(عليه السلام): وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأُخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزّ وجلّ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)قال أبو جعفر (عليه السلام): يقول الله عزّ وجلّ: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض». الكافي: 1/289، ح4، باب ما نصّ الله عزّوجلّ ورسوله على الأئمة. وكذلك وردت روايات أُخرى بهذا الخصوص. راجع: بصائر الدرجات: 536; دعائم الإسلام: 1/15; أمالي الصدوق:436: المجلس 56، وص 584، المجلس 74; روضة الواعظين:90; إرشاد المفيد:1/175; وغيرها كثير جدّاً. وأمّا السنّة فقد روى الكثير من علمائهم ذلك في حق علي(عليه السلام) نشير إلى قسم منهم: عمدة القاري: 18/206; تفسير ابن أبي حاتم الرازي: 4/1172 برقم 6609; تفسير الثعلبي: 4/92; أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري: 135; شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 1/239 و 249-258 و ج2/391; الدر المنثور:2/298 ; فتح القدير للشوكاني:2/60 ; تفسير الآلوسي:6/193 ; تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 42/237; مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لمحمد بن طلحة الشافعي:95; كشف الغمة: 1/237 و 318 و 324 و 325; الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي:1/245; ينابيع المودّة للقندوزي:1/359 و ج2/249، وغيرها.

صفحه 215
(وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)أي من تصديق أو تكذيب أو الأعمّ.1
قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ)قال الطبرسي (رحمه الله): قيل: إنّ أهل مكّة قالوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يامحمّد تركت ملّة قومك، وقد علمنا أنّه لا يحملك على ذلك إلاّ الفقر، فإنّا نجمع لك من أموالنا حتّى تكون من أغنانا، فنزلت.(2)
قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي ما يقولون: إنّك شاعر أو مجنون، وأشباه ذلك (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ)قرأ نافع والكسائيّ والأعشى عن أبي بكر «لايكذبونك» بالتخفيف، وهو قراءة عليّ(عليه السلام)والمرويّ عن الصادق(عليه السلام)، والباقون بفتح الكاف والتشديد. واختلف في معناه على وجوه:
أحدها: لايكذّبونك بقلوبهم اعتقاداً، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عناداً. وهو قول أكثر المفسّرين، ويؤيّده ما روي عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدنيّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك فقال: والله إنّي لأعلم أنّه صادق، ولكن متى كنّا تبعاً لعبد مناف؟! فأنزل الله هذه الآية.
وثانيها: أنّ المعنى لا يكذّبونك بحجّة ولا يتمكّنون من إبطال ماجئت به ببرهان، ويؤيّده ما روي عن عليّ(عليه السلام) أنّه كان يقرأ «لا يكذبونك» ويقول: إنّ المراد بها أنّهم لا يؤتون بحقّ هو أحقّ من حقّك.2

1 . تفسير البيضاوي: 2/370 .   2 . مجمع البيان: 4/18 .
2 . أمالي المرتضى: 4/174; كنز العمّال: 2/599 .

صفحه 216
وثالثها: أنّ المراد لا يصادفونك كاذباً.
ورابعها: أنّ المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنّك كنت عندهم أميناً صدوقاً، وإنّما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله.
وخامسها: أنّ المراد أنّ تكذيبك راجع إليّ، ولست مختصّاً به، لأنّك رسول، فمن ردّ عليك فقد ردّ عليّ.1
قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ): أي على التبليغ، وقيل: القرآن (أَجْراً): أي جُعلا من قبلكم (إِنْ هُوَ): أي التبليغ، وقيل: القرآن، أو الغرض (إِلاَّ ذِكْرى لِلْعَالَمِينَ)تذكير وعظة لهم.(2)
قوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّوا) قال الطبرسي (رحمه الله): قال ابن عبّاس: لمّا نزلت (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ).2 الآية، قال المشركون: يا محمّد لتنتهينّ عن سبّ آلهتنا، أو لنهجونّ ربّك؟ فنزلت الآية، وقال قتادة: كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار فنهاهم الله عن ذلك لئلاّ يسبّوا الله، فإنّهم قوم جهلة، وسئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانة سوداء في ليلة ظلماء» فقال: «كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سبّ آلهتهم لكيلا يسبّوا ـ الكفّار ـ إله المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا من حيث لا يعلمون».(4)
وفي قوله: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً)قيل: إنّها نزلت في حمزة بن عبد المطّلب وأبي جهل; وذلك أنّ أبا جهل آذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأُخبر بذلك حمزة وهو على دين قومه، فغضب وجاء ومعه قوس فضرب بها رأس أبي جهل وآمن; عن ابن عبّاس.

1 . مجمع البيان: 4/42-43 .   2 . تفسير البيضاوي: 2/428 .
2 . الأنبياء: 98 .   4 . مجمع البيان: 4/132 .

صفحه 217
وقيل: نزلت في عمّار بن ياسر حين آمن وأبي جهل، عن عكرمة; وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام). وقيل: إنّها عامّة في كلّ مؤمن وكافر.1
قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ)قال البيضاوي: الخطاب عامّ، وكان رسول الله مبعوثاً إلى كافّة الثقلين وسائر الرسل إلى أقوامهم، (جَمِيعاً)حال من إليكم (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)صفة لله، أومدح منصوب، أو مرفوع، أو مبتدأ خبره (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)وعلى الوجوه الأُول بيان لما قبله (يُحْيِي وَيُمِيتُ)مزيد تقرير لاختصاصه بالأُلوهيّة.2
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللّهُمَّ) قال الطبرسي (رحمه الله): القائل لذلك النضربن الحارث، وروي في الصحيحين3 أنّه من قول أبي جهل. (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)أي أهل مكّة بعذاب الاستيصال (وَأَنْتَ فِيهِمْ): أي وأنت مقيم بين أظهرهم، قال ابن عّباس: إنّ الله لم يعذّب قومه حتّى أخرجوه منها(وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ): أي وفيهم بقيّة من المؤمنين بعد خروجك من مكّة، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج من مكّة بقيت فيها بقيّة من المؤمنين لم يهاجروا لعذر وكانوا على عزم الهجرة، فرفع الله العذاب عن مشركي مكّة لحرمة استغفارهم، فلمّا خرجوا أذن الله في فتح مكّة.
وقيل: معناه وما يعذّبهم الله بعذاب الاستيصال في الدنيا وهم يقولون: غفرانك ربّنا، وإنّما يعذّبهم على شركهم في الآخرة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: لمّا قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لقريش: إنّي أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجرّ الملك إليكم، فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكون بها العرب،

1 . مجمع البيان: 4/151 .
2 . تفسير البيضاوي: 3/65 .
3 . صحيح البخاري: 5/199، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وَإِذْ قَالُوا اللّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ); صحيح مسلم: 8/129، باب في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .

صفحه 218
ويدين لكم العجم، فقال أبو جهل: (اللّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ)الآية حسداً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: غفرانك اللّهمّ ربّنا، فأنزل الله (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)الآية، ولمّا همّوا بقتل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخرجوه من مكّة أنزل الله سبحانه (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ)الآية، فعذّبهم الله بالسيف يوم بدر وقتلوا.1
وقيل: معناه لو استغفروا لم يعذّبهم، وفي ذلك استدعاء للاستغفار، وقال مجاهد: وفي أصلابهم من يستغفر (وَمَا كَانُوا): أي المشركون (أَوْلِيَاءَهُ): أي أولياء المسجد الحرام (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ): أي ما أولياء المسجد الحرام ( إِلاَّ الْمُتَّقُونَ)، هذا هو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام). (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ): أي صلاة هؤلاء المشركين الصادّين عن المسجد الحرام (إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً). قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، و (صَلاَتُهُمْ) معناه دعاؤهم، أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح، وقيل: أراد ليست لهم صلاة ولاعبادة، وإنّما يحصل منهم ما هو ضرب من اللهو واللعب، فالمسلمون الّذين يطيعون الله ويعبدونه عند هذا البيت أحقّ بمنع المشركين منه.
و روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعاً ببدر، ولهم يقول ولبقيّة بني عبد الدار: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ): أي عذاب السيف يوم بدر، أوعذاب الآخرة.(2)
(بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُم): أي من العقوبة في الدنيا ومنها وقعة بدر (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): أي نميتنّك قبل أن ينزل ذلك بهم، قيل: إنّ الله سبحانه وعد نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينتقم له منهم إمّا في حياته أوبعد وفاته، ولم يحدّه بوقت.(3)
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ): أي قبل الوحي أو القرآن (لَمِنَ الْغَافِلِينَ)

1 . تفسير القمّي: 1/276-277 .      2 . مجمع البيان: 4/460-463 .   3 . مجمع البيان: 5/195 .

صفحه 219
عن الحكم والقصص الّتي في القرآن.1
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي): أي طريقتي وسنّتي (أَدْعُوا إِلَى اللّهِ): أي إلى توحيده وعدله ودينه (عَلَى بَصِيرَة)على يقين ومعرفة وحجّة، لاعلى وجه التقليد والظنّ (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي): أي أدعوكم أنا، ويدعوكم أيضاً من آمن بي واتّبعني، وسيأتي أنّ المراد به أميرالمؤمنين(عليه السلام).2 (وَسُبْحَانَ اللّهِ): أي سبّح الله تسبيحاً، أو قل: سبحان الله; وقيل: اعتراض بين الكلامين.3
قوله: «وَلِكُلِّ قَوْم هَاد»: أي أنت هاد لكلّ قوم، أو المعنى جعل الله لكلّ قوم هادياً. وستأتي الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة.4
قوله تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) قال الطبرسي: أي نعد هؤلاء الكفّار من نصر المؤمنين عليهم، وتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): أي نقبضنّك إلينا قبل أن نريك ذلك، وبيّن بذلك أنّ بعض ذلك في حياته وبعضه بعد وفاته (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ): أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وتقوم بما أمرناك بالقيام به، وعلينا حسابهم ومجازاتهم والانتقام منهم إمّا عاجلا وإمّا آجلا، وفي هذا دلالة على أنّ الإسلام سيظهر على سائر الأديان في أيّامه. بعد وفاته، وقد وقع المُخبر به على وفق الخبر.5
(وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ): أي على كفّار قريش إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ): أي تواضع (لِلْمُؤْمِنِينَ)وأصله: أنّ الطائر إذا ضمّ فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثمّ خفضه، (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أي أظهر وأعلن وصرّح بما

1 . مجمع البيان: 5/356 .
2 . راجع: الكافي: 1/384، ح8، و ص 425، ح 68; روضة الواعظين: 105 .
3 . مجمع البيان: 5/463-464 .
4 . راجع: بحارالأنوار: 23/3-5 و ص 20 .
5 . مجمع البيان: 6/50 .

صفحه 220
أُمرت به غير خائف (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ): أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم، أو لا تلتفت إليهم ولا تخف منهم (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ): أي المصلّين (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ): أي الموت المتيقّن.1
(بِالْحِكْمَةِ): أي القرآن، وقيل: هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)هي الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله (وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ): أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج; وقيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه، كما جاء في الحديث: «أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلّم الناس على قدر عقولهم».(2)
قوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ)قد مرّ تفسيره في كتاب الاحتجاج.2
قوله: (لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ): أي لآياته وكتبه أو مواعيده وتقديراته أو أنبيائه وحجّجه صلوات الله عليهم. قوله: (مُلْتَحَداً): أي ملجأ ومعدلا ومحيصاً.3
قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) قال الطبرسي (رحمه الله): روي
في الصحيح4 عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت رجلا غنيّاً وكان لي على
العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي لا أقضيك حتّى تكفر بمحمّد، فقلت: لن أكفر به حتّى نموت ونبعث، فقال: فإنّي لمبعوث بعد الموت فسوف

1 . مجمع البيان: 6/130-133 .   2 . مجمع البيان: 6/211 .
2 . راجع بحار الأنوار : 9 / 119 .
3 . مجمع البيان: 6/335 .
4 . صحيح البخاري: 3/13، باب قول الله: (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا...)، و ص 52 من كتاب الإجارة، و ص 92 من كتاب اللقطة، و ج5/238 من كتاب التفسير; صحيح مسلم: 8/129، باب في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .

صفحه 221
أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، فنزلت.1
قوله تعالى: (لُدًّا)اللدّ جمع الألدّ وهو الشديد الخصومة (مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً): أي كتاباً مشتملا على الأقاصيص والأخبار، حقيقاً بالتفكّر والاعتبار; وقيل: ذكراً جميلا بين الناس (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ)عن الذكر أو عن الله (فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً)عقوبةً ثقيلةً فادحةً على كفره وذنوبه.(2)
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ) قال الطبرسي (رحمه الله): قيل: المراد به النضر بن الحارث فإنّه كان كثير الجدال، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأوّلين، وينكر البعث.2
قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّة): أي أهل دين (جَعَلْنَا مَنْسَكاً)متعبّداً أو شريعةً تعبّدوا بها (هُمْ نَاسِكُوهُ)ينسكونه (فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ)سائر أرباب الملل (فِي الأَمْرِ)في أمر الدين أو النسائك لأنّهم أهل عناد; أو لأنّ دينك أظهر من أن يقبل النزاع. وقيل: المراد نهي الرسول عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة، فإنّها إنّما تنفع طالب حقّ، وهؤلاء أهل مراء. وقيل: نزلت في كفّار خزاعة، قالوا للمسلمين: مالكم تأكلون ماقتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟(4)
(إِلاَّ مَنْ شَاءَ): أي إلاّ فعل من شاء (أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)أن يتوب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصوّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنّه مقصود فعله; وقيل: الاستثناء منقطع.3 (بَاخِعٌ نَفْسَكَ): أي قاتل نفسك (لاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)لئلاّ يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً): أي دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بليّة قاسرة إليه.4

1 . مجمع البيان: 6/447 .   2 . تفسير البيضاوي: 4/69 .
2 . مجمع البيان: 7/127 .   4 . تفسير البيضاوي: 4/129 .
3 . تفسير البيضاوي: 4/225 .
4 . تفسير البيضاوي: 4/231 .

صفحه 222
(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي رهطك الأدنين، واشتهرت القصّة بذلك عند الخاصّ والعامّ، وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بني عبدالمطّلب، وهم يومئذ أربعون رجلاً الرجل منهم يأكل المسنّة1 ويشرب العس،2 فأمر عليّاً(عليه السلام)برجل شاة فأدمها3، ثمّ قال: «ادنوا بسم الله»، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى صدروا، ثمّ دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثمّ قال: «هلمّوا اشربوا بسم الله»، فشربوا حتّى رووا; فبدرهم أبولهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت(صلى الله عليه وآله وسلم)يومئذ ولم يتكلّم، ثمّ دعاهم من الغد إلى مثل ذلك من الطعام والشراب. ثمّ أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «يا بني عبد المطّلب إنّي أنا النذير إليكم من الله عزّوجلّ والبشير، فأسلموا وأطيعوني تهتدواـ ثمّ قال: ـ من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيّي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟» فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً كلّ ذلك يسكت القوم ويقول عليّ: «أنا»، فقال في المرّة الثالثة «أنت»، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أُمّر عليك; أورده الثعلبيّ في تفسيره.4
وعن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت هذه الآية صعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الصفا فقال: «يا صباحاه»، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟ فقال: «أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أوممسيكم ما كنتم تصدّقونني؟» قالوا: بلى، قال:

1 . البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا أثنيا، وتثنيان في السنة الثالثة، وليس معنى أسنانها كبرها كالرجل المسن، ولكن معناه طلوع سنّها في السنة الثالثة. النهاية لابن الأثير: 2/412، مادة «سنن».
2 . العس: القدح الكبير والضخم، وهو إلى الطول، يروي الثلاثة والأربعة والعدّة، والجمع: عساس وعسسة. والعسس: الآنية الكبار. لسان العرب: 6/140، مادة «عسس».
3 . في «النهاية»: فيه فأدمته، أي: خلطته وجعلت فيه إداماً يؤكل، يقال فيه بالمد والقصر. وفي «الصحاح»; الأدم: الأُلفة والاتّفاق، يقال: أدم الله بينهما، أي أصلح وألّف، وكذلك آدم الله بينهما. (منه رحمه الله). [راجع: النهاية لابن الأثير: 1/35، مادة «أدم»; صحاح الجوهري: 5/1859].
4 . تفسير الثعلبي: 7/182 .

صفحه 223
«فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد»، قال أبولهب: تبّاً لك، ألهذا دعوتنا جميعاً؟! فأنزل الله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَب)إلى آخر السورة1.2
قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)بهدايته فيوفّقه لفهم آياته والاتّعاظ بعظاته (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ)ترشيح لتمثيل المصرّين على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم (إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)فما عليك إلاّ الإنذار، وأمّا الإسماع فلا إليك.3
قوله: (لِيُنْذِرَ): أي القرآن أو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) (مَنْ كَانَ حَيًّا): أي عاقلا فَهِمَاً، فإنّ الغافل كالميّت، أو مؤمناً في علم الله، فإنّ الحياة الأبديّة بالإيمان، وتخصيص الإنذار به، لأنّه المنتفع به (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ): أي تجب كلمة العذاب على الكافرين المصرّين على الكفر.(4)
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ)بهلاك الكفّار (حَقٌّ)كائن لا محالة (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ)«ما» مزيدة لتأكيد الشرط (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)وهو القتل والأسر (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)قبل أن

1 . صحيح البخاري: 6/17 و 64، كتاب تفسير القرآن، سورة الشعراء والمسد; صحيح مسلم: 1/134، باب في قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ).
2 . مجمع البيان: 7/356-357. لقد روى الفريقان نزول قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)بحق أميرالمؤمنين(عليه السلام) على ما ذكره الثعلبي والطبرسي وباختلاف في الألفاظ والأسانيد، وقد استدلّ الشيعة الإمامية قاطبة على دلالة الآية على إمامة أميرالمؤمنين(عليه السلام) وولايته، أمّا علماء السنّة فقد روى الكثير منهم نزول الآية بحق علي(عليه السلام). راجع: مسند أحمد: 1/111; مجمع الزوائد: 8/302 و ج9/113; شرح نهج البلاغة: 13/210; نظم در السمطين للزرندي الحنفي:82; كنز العمّال: 13/128 برقم 36408 وص 131 برقم 36419، وص 150 برقم 36465 و 36466; جامع البيان: 19/148 برقم 20374; تفسير إبن أبي حاتم الرازي: 9/2826; شواهد التنزيل: 1/486 و 543-547; تفسير البغوي: 3/400; الدر المنثور: 5/97; تاريخ الطبري: 2/63; الكامل في التاريخ: 2/62; جواهر المطالب لابن الدمشقي الشافعي: 1/71; ينابيع المودة: 1/311-312.
3 . تفسير البيضاوي: 4/417; بحار الأنوار: 18/164 .   4 . تفسير البيضاوي: 4/441 .

صفحه 224
تراه (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم.1
قوله تعالى: (لاَ حُجَّةَ): أي لا حجاج ولا خصومة.(2)
قوله تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ): أي من القرآن بأن تتلوه حقّ تلاوته وتتّبع أوامره، وتنتهي عمّا نهي فيه عنه (إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم): أي على دين حقّ (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ): أي وإنّ القرآن الّذي أُوحي إليك لشرفٌ لك ولقومك من قريش (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف، أوعمّا يلزمكم من القيام بحقّ القرآن.(3)
أقول: سيأتي في الأخبار أنّ المراد بالقوم الائمّة(عليهم السلام) وهم يسألون عن علم القرآن.2
قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ): أي فأعرض عن مجادلتهم بعدما كرّرت عليهم الدعوة فأبوا إلاّ الإصرار والعناد (فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم)على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ (وَذَكِّرْ)ولاتدع التذكير والموعظة (فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)من قدّر الله إيمانه، أو من آمن فإنّه يزداد بصيرةً.3
(فَذَكِّرْ)فاثبت على التذكير ولاتكترث بقولهم (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)بحمد الله وإنعامه (بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون)كما يقولون.(6)
(فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى): أي عن دعوته والاهتمام بشأنه، فإنّ من كانت الدنيا منتهى همّته ومبلغ علمه لاتزيده الدعوة إلاّ عناداً.(7)

1 . تفسير البيضاوي: 5/102 .      2 . تفسير البيضاوي: 5/125 .   3 . مجمع البيان: 9/83-84 .
2 . روى الكليني في الكافي: 1/211، ح5، باب أنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الائمة(عليهم السلام) بإسناده عن الفضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام)في قول الله تبارك وتعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) قال: الذكر: القرآن، ونحن قومه، ونحن المسؤلون». وأيضاً رويت روايات أُخرى في هذا الباب، راجع: بصائر الدرجات: 29، باب18; تفسير القمّي: 2/286 .
3 . تفسير البيضاوي: 5/241 .      6 . تفسير البيضاوي: 5/248 .   7 . تفسير البيضاوي: 5/257 .

صفحه 225
(هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى): أي هذا القرآن نذيرٌ من جنس الإنذارات المتقدّمة، أو هذا الرسول نذيرٌ من جنس المنذرين الأوّلين.1
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)لعلمك أنّ الإنذار لايغني فيهم.2
قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ): أي تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم (كُلَّ حَلاَّف): أي كثير الحلف بالباطل لقلّة مبالاته بالكذب (مَهِين)من المهانة وهي القلّة في الرأي والتميّز، وقيل: ذليل عند الله وعند الناس; قيل: يعني الوليد بن المغيرة، عرض على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المال ليرجع عن دينه; وقيل: الأخنس بن شريق; وقيل: الأسود بن عبد يغوث (هَمَّاز): أي عيّاب (مَشَّاء بِنَمِيم): أي يفسد بين الناس بالنميمة (مَنَّاع لِلْخَيْرِ): أي بخيل بالمال أوعن الإسلام (مُعْتَد)متجاوز في الظلم (أَثِيم)كثير الإثم (عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ): أي جاف غليظ بعدما عدّ من مثالبه (زَنِيم): أي دعيّ ملصق إلى قوم ليس منهم (أَنْ كَانَ ذَا مَال وَبَنِينَ): أي قال ذلك حينئذ لأن كان متموّلا مستظهراً بالبنين من فرط غروره، أوعلّة لـ«لاتطع» أي لاتطع من هذه مثالبه لأن كان ذا مال (سَنَسِمُهُ)بالكيّ (عَلَى الْخُرْطُومِ)أي على الأنف، وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره، وقيل هو عبارة عن غاية الإذلال، أونسوّد وجهه يوم القيامة.3
قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ)قال البيضاوي: أي دعا داع به، بمعنى استدعاه، ولذلك عُدّي الفعل بالباء، والسائل نضر4 بن الحارث فإنّه قال: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)أو أبوجهل فإنّه قال: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ)سأله استهزاء، أو الرسول استعجل بعذابهم.(5)

1 . تفسير البيضاوي: 5/261 .
2 . تفسير البيضاوي: 5/264 .
3 . راجع: مجمع البيان: 10/88-89; تفسير البيضاوي: 5/370-371 .
4 . في المصدر: والسائل هو النضر.   5 . تفسير البيضاوي: 5/386 .

صفحه 226
أقول: ستأتي أخبار كثيرة في أنّها نزلت في النعمان بن الحارث الفهريّ1حين أنكر ولاية أميرالمؤمنين(عليه السلام) وقال: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله.2
قوله: (مُهْطِعِينَ): أي مسرعين (عِزِينَ): أي فرقاً شتّى، قيل: كان المشركون يحلقون 3 حول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حلقاً حلقاً ويستهزئون بكلامه (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِىء مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم)بلا إيمان، وهو إنكار لقولهم: لوصحّ ما يقوله لنكوننّ فيها أفضل حظّاً منهم كما في الدنيا.(4)
(إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً)يا أهل مكّة (شَاهِداً عَلَيْكُمْ)يشهد عليكم يوم القيامة بالإجابة والامتناع (وَبِيلاً): أي ثقيلا.4
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)قال الطبرسي (رحمه الله): أي المدثّر بثيابه.
وقيل: معناه يا أيّها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالإنذار، وخوّف قومك بالنار إن لم يؤمنوا.

1 . اختلف في هذا الداعي، فقال ابن عباس: هو النضر بن الحارث، وقيل: الحارث بن النعمان [في المتن: النعمان بن الحارث ]، وفي تفسير القرطبي: و هو النضر بن الحارث... و عن تفسير أبي عبيدة الهروي أنّه جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة، ومنهم من صحّف الحارث بن النعمان إلى النعمان بن المنذر، ومنهم من صحّفه إلى الحارث بن عمرو، ومنهم من قال: فقام إليه أعرابي، إلى غير ذلك وإن رجّح البعض الحارث بن النعمان. راجع مجلة تراثنا: 57/34 نقلا عن كتاب تشييد المراجعات و تفنيد المكابرات للسيد علي الميلاني.
2 . وردت هذه الرواية باختلاف في الألفاظ مع وحدة المضمون في الكثير من كتب الفريقين. راجع: الكافي: 8/57; مناقب ابن شهرآشوب: 2/166 و 241; العمدة لابن البطريق: 101; مستدرك الحاكم: 2/502; نظم درر السمطين: 93; تفسير الثعلبي: 10/35; شواهد التنزيل: 2/381 برقم 1030، وغيرها من المصادر. وللسيد علي الميلاني بحث مستفيض حول الآية في كتابه نفحات الأزهار: 8/323-381، فراجع.
3 . في المصدر: يحتفون.      4 . تفسير البيضاوي: 5/390-391 .
4 . تفسير البيضاوي: 5/407 .

صفحه 227
وقيل: إنّه كان قد تدثّر بشملة صغيرة لينام فقال: يا أيّها النائم قم من نومك فأنذر قومك.
وقيل: إنّ المراد به الجدّ في الأمر والقيام بما أُرسل به، فكأنّه قيل له: لاتنم عمّا أمرتك به، وهذا كما تقول العرب: فلان لاينام في أمره، إذا وصف بالجدّ وصدق العزيمة.1
وقال في قوله تعالى: (ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً): نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وذلك أنّ قريشاً اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد: إنّكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإنّ العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنّه شاعر، فعبس عندها وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر، فقالوا: نقول: إنّه كاهن، قال إذاً يأتونه فلا يجدونه يحدّث بما يحدّث به الكهنة، قالوا: نقول: إنّه مجنون، قال: إذاً يأتونه فلا يجدونه مجنوناً، قالوا: نقول: إنّه ساحرٌ، يا ساحر، قال: و ما الساحر؟ فقالوا: بشر يحبّبون بين المتباغضين، ويبغّضون بين المتحابّين، قال: فهو ساحرٌ، فخرجوا فكان لايلقى أحد منهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ قال: يا ساحر، واشتدّ عليه ذلك، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) إلى قوله: (إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ)عن مجاهد.
أقول: قدمرّ تفسير الآيات في كتاب الاحتجاج.
ثمّ قال (رحمه الله) في قوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ): قالوا لمّا نزلت هذه الآية قال أبوجهل لقريش: ثكلتكم أُمّهاتكم أما تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم2 والشجعان أفيعجز كلّ عشرة منكم أن تبطشوا

1 . مجمع البيان: 10/173-174 .
2 . الدهم: العدد الكثير. النهاية لابن الأثير: 2/145، مادة «دهم».

صفحه 228
برجل من خزنة جهنّم؟ فقال أبو الأسد الجمحيّ: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين، فنزل تمام الآيات.1
وقال (رحمه الله)في قوله: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ): أي وحشيّة نافرة (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة)يعني الأسد عن عطاء والكلبيّ، قال ابن عبّاس: الحمر الوحشيّة إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء الكفّار إذا سمعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقرأ القرآن هربوا منه. وقيل: القسورة الرماة ورجال القنص.2(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً): أي كتباً من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمّد. وقيل: معناه أنّهم يريدون صحفاً من الله تعالى بالبراءة من العقوبة وإسباغ النعمة حتّى يؤمنوا. وقيل: يريد كلّ واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعاً، وأنف من أن يكون تابعاً.3
وقال في قوله تعالى: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى): أي رجع إليهم يتبختر ويختال في مشيه; قيل: إنّ المراد بذلك أبو جهل بن هشام(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)هذا تهديد من الله له، والمعنى: وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك، وجاءت الرواية أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد أبي جهل ثمّ قال له: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)فقال أبوجهل: بأيّ شيء تهدّدني؟ لاتستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بي شيئاً، وإنّي لأعزّ أهل هذا الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: معناه: الذمّ أولى لك من تركه، إلاّ أنّه حذف، وكثر في الكلام حتّى صار بمنزلة الويل لك وصار من المحذوف الّذي لا يجوز إظهاره، وقيل: هو وعيد على وعيد; وقيل معناه وليك الشرّ في وليك، ثمّ وليك الشرّ في الآخرة وليك، والتكرار

1 . مجمع البيان: 10/181 .
2 . القانص: الصائد وكذلك القنّاص، والقنص والقنيص: الصيد. صحاح الجوهري: 3/1054، مادة «قنص».
3 . مجمع البيان: 10/188 .

صفحه 229
للتأكيد; وقيل: بعداً لك من خيرات الدنيا، وبعداً لك من خيرات الآخرة; وقيل: أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر فأولى لك في القبر، ثمّ أولى لك يوم القيامة ـ ولذلك أدخل «ثمّ» ـ فأولى لك في النار.1
وقال في قوله تعالى: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ): أصله «عمّا» قالوا: لمّا بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبرهم بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، أي يسأل بعضهم بعضاً على طريق الإنكار والتعجّب فيقولون: ماذا جاء به محمّد؟ وما الّذي أتى به؟ فأنزل الله (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ): أي عن أيّ شيء يتساءلون، والمعنى تفخيم القصّة، ثمّ ذكر أنّ تساءلهم عمّاذا فقال: (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)وهو القرآن، وقيل: هو نبأ القيامة، وقيل: كلّ ما اختلفوا فيه من أُصول الدين.(2)
وقال (رحمه الله) في قوله تعالى: (قُتِلَ الإِنْسَانُ): أي عذّب ولعن، وهو إشارة إلى كلّ كافر، وقيل: هو أُميّة بن خلف، وقيل: عتبة بن أبي لهب إذ قال: كفرت بربّ النجم إذا هوى (مَا أَكْفَرَهُ): أي ما أشدّ كفره؟! وقيل: إنّ ما للاستفهام، أي أيّ شيء أوجب كفره؟ أي ليس هاهنا شيء يوجب الكفر، فما الّذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه؟ (مِنْ أَيِّ شَيْء خَلَقَهُ)استفهام للتقرير، وقيل: معناه لم لاينظر إلى أصل خلقته ليدلّه على وحدانيّة الله تعالى؟ (مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)أطواراً: نطفة ثمّ علقة إلى آخر خلقه، وعلى حدّ معلوم من طوله وقصره وسمعه وبصره وأعضائه وحواسّه ومدّة عمره ورزقه وجميع أحواله (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ): أي سبيل الخروج من بطن أُمّه، أو طريق الخير والشرّ (كَلاَّ): أي حقّاً (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ)من إخلاص عبادته، ولم يؤدّ حقّ الله عليه مع كثرة نعمه.(3)
وقال في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيم): أي أنّ القرآن قول رسول

1 . مجمع البيان: 10/203-204 .         2 . مجمع البيان: 10/239 .   3 . مجمع البيان: 10/268 .

صفحه 230
كريم على ربّه وهو جبرئيل(عليه السلام)، وهو كلام الله أنزله على لسانه، ثمّ وصف جبرئيل فقال: (ذِي قُوَّة): أي فيما كلّف وأُمر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة، وقيل: ذي قدرة في نفسه (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين): أي متمكّن عند الله خالق العرش، رفيع المنزلة عنده (مُطَاع ثَمَّ): أي في السماء تطيعه الملائكة، قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل(عليه السلام) أنّه أمر خازن الجنّة ليلة المعراج حتّى فتح لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أبوابها فدخلها ورأى ما فيها، وأمر خازن النار ففتح له عنها حتّى نظر إليها (أَمِين)على وحي الله ورسالاته إلى أنبيائه.
ثمّ خاطب سبحانه جماعة الكفّار فقال: (وَمَا صَاحِبُكُمْ)الّذي يدعو كم إلى الله (بِمَجْنُون)والمجنون: المغطّى على عقله حتّى لايدرك الأُمور على ما هي عليه (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ): أي رأى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)جبرئيل(عليه السلام) على صورته الّتي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس وهو الأُفق الأعلى من ناحية المشرق (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين)قرأ أهل البصرة غير سهل وابن كثير والكسائيّ بالظاء، والباقون بالضاد. فعلى الأوّل أي ليس بمتّهم فيما يخبر به عن الله، وعلى الثاني أي ليس ببخيل فيما يؤدّي عن الله (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجِيم): أي ليس القرآن بقول شيطان ألقاه إليه، كما قال المشركون: إنّ الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)فأيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة الّتي قد بيّنت لكم؟ أو فأين تعدلون عن القرآن؟ (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ): أي ما القرآن إلاّ عظةٌ وتذكرةٌ للخلق (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)على أمر الله وطاعته.1
وقال في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) يعني كفّار قريش ومترفيهم كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم (كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)يعني أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل عمّار وخبّاب وبلال وغيرهم (يَضْحَكُونَ)على وجه

1 . مجمع البيان: 10/280-282 .

صفحه 231
السخريّة بهم والاستهزاء في دار الدنيا، أو من جدّهم في عبادتهم لإنكارهم البعث، أولإيهام العوامّ أنّ المسلمين على باطل (وَإِذَا مَرُّوا): أي المؤمنون (بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ): أي يشير بعضهم إلى بعض بالأعين والحواجب استهزاءً بهم.
وقيل: نزلت في عليّ(عليه السلام)، وذلك أنّه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه، فنزلت الآية قبل أن يصل عليّ(عليه السلام)وأصحابه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .1
قوله: (فَكِهِينَ): أي إذا رجع هؤلاء الكفّار إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم فيه يتفكّهون بذكرهم (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ): أي لم يرسل هؤلاء الكفّار حافظين على المؤمنين ماهم عليه، وما كلّفوا حفظ أعمالهم.2
قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)قال البيضاوي: أي سنقرئك على لسان جبرئيل، أو سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قوّة الحفظ (إِلاَّ مَا شَاءَ اللّهُ)نسيانه بأن ينسخ تلاوته، وقيل: المراد به القلّة، أو نفي النسيان رأساً (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبرئيل وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء وإنساء (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى)ونعدّك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي أو التديّن، ونوفّقك لها، ولهذه النكتة قال: (نُيَسِّرُكَ)لا «نيسّر لك» عطف على سنقرئك و (إِنَّهُ يَعْلَمُ)اعتراض (فَذَكِّرْ)بعد ما استتبّ لك الأمر (إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى)لعلّ هذه الشرطيّة إنّما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس عن البعض لئلاّ يتعب نفسه

1 . تفسير الكشّاف: 4/233; تفسير الثعلبي: 1/157; تفسير النسفي: 4/325; تفسير الرازي: 31/101; مناقب الخوارزمي: 275 برقم 254; كشف الغمة: 1/311 .
2 . مجمع البيان: 10/298-299 .

صفحه 232
ويتلهّف عليهم، أولذمّ المذكّرين، واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للإشعار بأنّ التذكير إنّما يجب إذا ظنّ نفعه، ولذلك أُمر بالإعراض عمّن تولّى (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى)سيتّعظ وينتفع بها من يخشى الله (وَيَتَجَنَّبُهَا)ويتجنّب الذكرى (الأَشْقَى)الكافر، فإنّه أشقى من الفاسق، أوالأشقى من الكفرة لتوغّله في الكفر (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى): أي نار جهنّم (ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا)فيستريح (وَلاَ يَحْيَى)حياة تنفعه.1
(لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)بمتسلّط (إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)لكن من تولّى وكفر، (فَيُعَذِّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ)يعني عذاب الآخرة; وقيل: متّصل، فإنّ جهاد الكفّار وقتلهم تسلّط، وكأنّه أوعدهم بالجهاد في الدنيا، والعذاب في الآخرة; وقيل: هو استثناء من قوله: (فَذَكِّرْ). (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ)رجوعهم (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)في المحشر.(2)
(لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) أقسم سبحانه بمكّة وقيّده بحلول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فيه، إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأنّ شرف المكان بشرف أهله، وقيل: (حلّ)مستحلّ تعرّضك فيه (وَوَالِد): أي آدم أو إبراهيم(عليهما السلام) (وَمَا وَلَدَ)ذرّيّته أو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).(فِي كَبَد): أي تعب ومشقّة، وهو تسلية للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بما كان يكابده من قريش، والضمير في (أَيَحْسَبُ )، لبعضهم الّذي كان يكابد منه أكثر، أويغترّ بقوّته كأبي الأشدّ بن كلدة، فإنّه كان يبسط تحت قدمه أديم عكاظيّ ويجذبه عشرة فيتقطّع ولا يزلّ قدماه، أولكلّ أحد منهم أو الإنسان (أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)فينتقم منه (يَقُولُ): أي في ذلك الوقت (أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً): أي كثيراً، والمراد ما أهلكه سمعة و مفاخرةً ومعاداةً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)حين كان ينفق، أو بعد ذلك فيسأله عنه.(3)

1 . تفسير البيضاوي:5/480-481 .    2. تفسير البيضاوي:5/485 .   3. تفسير البيضاوي:5/493 .

صفحه 233
وقال الطبرسي: قيل: هو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنّه أذنب ذنباً فاستفتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فأمره أن يكفّر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفّارات والنفقات منذ دخلت في دين محمّد; عن مقاتل.1
(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ): أي اقرأ القرآن مفتتحاً باسمه، أومستعيناً به، وقيل: الباء زائدة، أي: اقرأ اسم ربّك الّذي خلق كلّ شيء (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق)جمع علقة (اِقْرَأْ) تكرير للمبالغة; أو الأوّل مطلق، والثاني للتبليغ، أو في الصلاة، ولعلّه لمّا قيل: اقرأ باسم ربّك فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له: (اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)الزائد في الكرم على كلّ كريم (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)أي الخطّ بالقلم (عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)بخلق القوى، ونصب الدلائل، وإنزال الآيات، فيعلّمك القراءة وإن لم تكن قارئاً، وأكثر المفسّرين على أنّ هذه السورة أوّل ما نزل من القرآن، وأوّل يوم نزل جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قائم على حراء علّمه خمس آيات من أوّل هذه السورة; وقيل: سورة المدّثّر; وقيل: سورة الحمد.(2)
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ): أي اليهود والنصارى (وَالْمُشْرِكِينَ): أي عبدة الأصنام (مُنْفَكِّينَ)عمّا كانوا عليه من دينهم (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ): أي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو القرآن (رَسُولٌ مِنَ اللّهِ)بدل من (الْبَيِّنَةُ)بنفسه، أو بتقدير مضاف. أو مبتدأ (يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً)صفته أو خبره، والرسول وإن كان أُمّيّاً لكنّه لمّا تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها، وقيل: المراد جبرئيل، وكون الصحف مطهّرة أنّ الباطل لايأتي ما فيها، وأنّها لا يمسّها إلاّ المطهّرون (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحقّ (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)عمّا كانوا عليه بأن آمن بعضهم وكفر آخرون (إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ)البشارة به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم فكانت الحجّة قائمة عليهم.(3)

1 . مجمع البيان: 10/362 .      2 . مجمع البيان: 10/398 .   3 . تفسير البيضاوي: 5/515 .

صفحه 234
قوله تعالى (رِحْلَةَ الشِّتَاءِ)قال الطبرسي: كانت لقريش رحلتان في كلّ سنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، لأنّها بلاد حامية، ورحلة في الصيف إلى الشام لأنّها بلاد باردة، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكنهم به مقام; وقيل: إنّ كلتا الرحلتين كانت إلى الشام ولكن رحلة الشتاء في البحر إلى وأيلة طلباً للدفء، ورحلة الصيف إلى بصرى وأذرعات طلباً للهواء.1
وقال في قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ): أي بالجزاء والحساب، قال الكلبيّ: نزلت في العاص بن وائل السهميّ; وقيل: في الوليد بن المغيرة، عن السدّيّ ومقاتل; وقيل: في أبي سفيان كان ينحر في كلّ أُسبوع جزورين، فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصاه، عن ابن جريج، وقيل: في رجل من المنافقين، عن ابن عبّاس. (يَدُعُّ الْيَتِيمَ): أي يدفعه بعنف (وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): أي لا يطعمه ولا يحثّ عليه إذا عجز.2
أقول: قد مضى سبب نزول سورة الجحد في كتاب الاحتجاج.3
وقال الطبرسي: روى ابن جبير، عن ابن عبّاس قال: صعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدّقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبولهب: تبّاً لك لهذا دعوتنا جميعاً؟ فأنزل الله هذه السورة: (تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَب وَتَبَّ)4: أي خسرت يداه أو صفرتا من كلّ خير، وهو ابن عبدالمطّلب عمّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَامْرَأَتُهُ) وهي أُمّ جميل

1 . مجمع البيان: 10/451 .
2 . مجمع البيان: 10/456 .
3 . لاحظ بحار الأنوار: 9 / 172، الباب 1 من كتاب الاحتجاج.
4 . صحيح البخاري: 6/64، كتاب تفسير القرآن، سورة المسد. مرّت الرواية، ص 235.

صفحه 235
بنت حرب أُخت أبي سفيان (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)كانت تحمل الغضا1 والشوك فتطرحه في طريق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج إلى الصلاة ليعقره; عن ابن عبّاس.
وفي رواية الضحّاك: قال الربيع بن أنس: كانت تبثّ وتنشر الشوك على طريق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيطأه كما يطأ أحدكم الحرير; وقيل: إنّها كانت تمشي بالنميمة بين الناس فتلقي بينهم العداوة، وتوقد نارها بالتهييج كما يوقد النار الحطب، فسمّى النميمة حطباً; عن ابن عبّاس. وقيل: معناه حمّالة الخطايا.
(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَد): أي حبل من ليف، وإنّما وصفها بهذه الصفة تخسيساً لها وتحقيراً: وقيل: حبل تكون له خشونة الليف، وحرارة النار، وثقل الحديد يجعل في عنقها زيادة في عذابها. وقيل: إنّها كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت: لأُنفقها في عداوة محمّد، فتكون عذاباً في عنقها يوم القيامة، عن سعيد بن المسيّب.2
أقول: قد مرّ تفسير سورة الفلق في باب عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . الغضاة: شجر وخشبه من أصلب الخشب، ولهذا يكون في فحمه صلابة. تاج العروس: 20/18، مادة «غضى».
في المصدر: العضاة. أقول: العضاة: كلّ شجر يعظم وله شوك، وما صغر من شجر الشوك فهو العض. صحاح الجوهري: 6/2240، مادة «عضه». والظاهر أنّ ما في المصدر هو المناسب لسياق العبارة.
2 . مجمع البيان: 10/475-477 .

صفحه 236
في كيفية صدور الوحي، ونزول جبرئيل(عليه السلام)، وعلّة احتباس الوحي   

[الباب السادس عشر]

في كيفية صدور الوحي، ونزول جبرئيل(عليه السلام)، وعلّة احتباس الوحي، وبيان أنه(صلى الله عليه وآله وسلم)هل كان قبل البعثة متعبّداً بشريعة أم لا؟1

الآيات:

مريم (19): (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).64 .
طه (20): (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً).114 .
الفرقان (25): (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً).32 .
الشعراء (26): (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبي مُبِين).192-195 .
النمل (27): (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم).6 .
الشورى (42): (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْيَاً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).51 و52 .
النجم (53): (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى ـ  إلى قولهـ: أَوْ أَدْنى). 5-9 .

1 . بحارالأنوار: 18/244-248، الباب 2 من أبواب أحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)من البعثة إلى نزول المدينة.

صفحه 237
القيامة (75): (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ).16-19 .

التفسير:

قال البيضاوي في قوله تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ): حكاية قول جبرئيل(عليه السلام) حين استبطأه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا سئل عن قصّة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشريوماً وقيل: أربعين يوماً، حتّى قال المشركون: ودّعه ربّه وقلاه، ثمّ نزل ببيان ذلك، والتنزّل: النزول على مهل; لأنّه مطاوع نزل، وقد يطلق التنزّل بمعنى النزول مطلقاً، كما يطلق نزّل بمعنى أنزل، والمعنى: وما ننزل وقتاً غبّ وقت إلاّ بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرئ (وَمَا يَتَنَزَّلُ) بالياء، والضمير للوحي (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ)وهو ما نحن فيه من الأماكن أو الأحايين لاننقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلاّ بأمره ومشيّته (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)تار كاً لك. أي ما كان عدم النزول إلاّ لعدم الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إيّاك كما زعمت الكفرة، وإنّما كان لحكمة رآها فيه.1
قوله تعالى: (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ)قال الطبرسي: فيه وجوه:
أحدها: أنّ معناه لاتعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل من إبلاغه، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهّم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من تلاوته، ولا تقرأ معه ثم اقرأ بعد فراغه منه.
وثانيها: أنّ معناه: ولا تقرأه لأصحابك ولا تمله عليهم حتّى يتبيّن لك معانيه.
وثالثها: أنّ معناه ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لأنّه تعالى إنّما

1 . تفسير البيضاوي: 4/25 .

صفحه 238
ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة.1
قوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) قال البيضاوي: أي كذلك أنزلناه مفرّقاً لنقوّي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه; لأنّ حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود(عليهم السلام) حيث كان أُمّيّاً وكانوا يكتبون، فلو أُلقي عليه جملة لتعيّى بحفظه; ولأنّ نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعنى; ولأنّه إذا نزل منجّماً2 ويتحدّي بكلّ نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوّة قلبه; ولأنّه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبّت به فؤاده، ومن فوائد التفريق معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحاليّة إلى الدلالات اللفظيّة، فإنّه يعين على البلاغة (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً): أي وقرأنا عليك شيئاً بعد شيء على توءدة وتمهّل في عشرين سنة، أوثلاث وعشرين سنة.3
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَر): أي لايصحّ له (أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْيَاً): أي إلهاماً وقذفاً في القلوب، أو إلقاءً في المنام (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب): أي يكلّمه من وراء حجاب، كما كلّم موسى(عليه السلام) بخلق الصوت في الطور، وكما كلّم نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) في المعراج، وهذا إمّا على سبيل الاستعارة والتشبيه، فإنّ من يسمع الكلام ولا يرى المتكلّم، يشبه حاله بحال من يكلّم من وراء حجاب، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنويّ من كماله تعالى، ونقص الممكنات، ونوريّته تعالى، وظلمانيّة غيره، كما سبق تحقيقه في كتاب التوحيد (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً): أي ملكاً (فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ). فظهر أنّ وحيه تعالى منحصر في أقسام ثلاثة: إمّا بالإلهام والإلقاء

1 . مجمع البيان: 7/59-60 .
2 . النجم: الوقت المضروب، وتنجيم الدّين: هو أن يقدّر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة، ونجوم القرآن أي نزوله إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) آية آية في أوقات متفرّقة متتابعة خلال عشرين سنة. لسان العرب: 12/570، مادة «نجم».
3 . تفسير البيضاوي: 4/216-217 .

صفحه 239
في المنام، أو بخلق الصوت بحيث يسمعه الموحى إليه، أو بإرسال ملك، وعلم الملك أيضاً يكون على هذه الوجوه، والملك الأوّل لايكون علمه إلاّ بوجهين منها، وقد يكون بأن يطالع في اللوح، وسيأتي تحقيقه في الاخبار. (إِنَّهُ عَلِيّ)عن أن يدرك بالأبصار (حَكِيمٌ)في جميع الأفعال (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً)قيل: المراد القرآن، وقيل: جبرئيل، وسيأتي في الأخبار أنّ المراد به روح القدس، فعلى الأخيرين المراد بـ (أَوْحَيْنَا) أرسلنا (مِنْ أَمْرِنَا): أي بأمرنا، أوأنّه من عالم الأمر، وقد مرّ تحقيقه وسيأتي (مَا كُنْتَ تَدْري): أي قبل الوحي (مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِْيمَانُ)قيل: الكتاب: القرآن، والإيمان: الصلاة; وقيل: المراد أهل الإيمان على حذف المضاف; وقيل: المراد به الشرائع ومعالم الإيمان، وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن في حال من الأحوال على غير الإيمان، واستدلّ بهذه الآية على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن قبل النبوّة متعبّداً بشرع، وسيأتي تحقيقه. (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ): أي القرآن أو الروح أو الإيمان.
قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)قال الطبرسي (رحمه الله) يعني جبرئيل(عليه السلام) أي القويّ في نفسه وخلقته (ذُو مِرَّة): أي قوّة وشدّة في خلقه، ومن قوّته أنّه اقتلع قرى قوم لوط، ومن شدّته صيحته لقوم ثمود حتّى هلكوا; وقيل: ذوصحّة وخلق حسن; وقيل(شَدِيدُ الْقُوَى)في ذات الله (ذُو مِرَّة): أي صحّة في الجسم، سليم من الآفات والعيوب; وقيل: ذومرّة، أي ذو مرور في الهواء ذاهباً وجائياً ونازلا وصاعداً (فَاسْتَوَى): أي جبرئيل على صورته الّتي خلق عليها بعد انحداره إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى): أي أُفق المشرق.
قالوا: إنّ جبرئيل(عليه السلام) كان يأتي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة الآدميّين، فسأله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يريه نفسه على صورته الّتي خلق عليها، فأراه نفسه مرّتين: مرّة في الأرض، ومرّة في السماء; أمّا في الأرض ففي الأُفق الأعلى، وذلك أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بحراء فطلع له جبرئيل(عليه السلام) من المشرق فسدّ الأُفق إلى المغرب، فخرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مغشيّاً عليه فنزل جبرئيل(عليه السلام) في صورة الآدمييّن فضمّه إلى نفسه،

صفحه 240
وهو قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)وتقديره ثمّ تدلّى، أي قرب بعد بعده وعلّوه في الأُفق الأعلى فدنا من محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الحسن وقتادة: ثمّ دنا جبرئيل بعد استوائه بالأُفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقال الزجّاج: معنى دنا وتدلّى واحد، أي قرب فزاد في القرب; وقيل: فاستوى، أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علّم محمّداً; وقيل: اعتدل واقفاً في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم); وقيل: معناه استوى جبرئيل ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأُفق الأعلى يعني السماء الدنيا ليلة المعراج (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى): أي كان ما بين جبرئيل وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قاب قوسين.1
أقول: سيأتي تفسير بقيّة الآيات في باب المعراج.
قوله تعالى: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ)قال البيضاوي: أي بالقرآن قبل أن يتمّ وحيه (لِتَعْجَلَ بِهِ)لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ)في صدرك (وَقُرْآنَهُ)وإثبات قراءته في لسانك (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ)بلسان جبرئيل عليك (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)قراءته، وتكرّر فيه حتّى يرسخ في ذهنك (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)بيان ما أُشكل عليك من معانيه.(2)

[الباب السابع عشر]

إثبات المعراج ومعناه وكيفيته وصفته وماجرى فيه ووصف البراق2

   

الآيات :


1 . مجمع البيان: 9/288-289 .   2 . تفسير البيضاوي: 5/422 .
2 . بحارالأنوار: 18/282-291، الباب 3 من أبواب أحواله (صلى الله عليه وآله وسلم)من بعثته إلى نزول المدينة.

صفحه 241
الإسراء (17): (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).1 .
الزخرف (43): (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ).45 .
النجم (53): (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَآى1 * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَري * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى2 * لَقَدْ رَآى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرى).5-18 .

التفسير:

قال الطبرسي (رحمه الله) نزلت الآية في إسرائه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ذلك بمكّة: صلّى المغرب في المسجد ثم أُسري به في ليلته، ثمّ رجع فصلّى الصبح في المسجد الحرام، فأمّا الموضع الّذي أُسري إليه أين كان؟ قيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس، وقد نطق

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 220 :
وهذه استعارة، والمراد ـ والله أعلم ـ أنّ ما اعتقده القلب من صحّة ذلك المنظر الذي نظره، والأمر الذيّ باشره لم يكن عن تخيّل وتوهّم، بل عن يقين وتأمّل فلم يكن بمنزلة الكاذب من طريق تعمّد الكذب، ولا من طريق الشكوك والشبه.
2 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 220 :
وهذه استعارة وهي قريبة المعنى من الاستعارة الأولى، والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ أنّ البصر لم يمل عن جهة المبصر إلى غيره ميلا يدخل عليه به الاشتباه حتى يشك فيما رآه، ولا طغى، أي لم يتجاوز المبصر ويرتفع عنه فيكون مخطئاً لإدراكه ومتجاوزاً لمحاذاته، فكان تلخيص المعنى أنّ البصر لم يقصر عن المرئي فيقع دونه ولم يزد عليه فيقع وراءه، بل وافق موضعه ولم يتجاوز موقعه، وأصل الطغيان طلب العلو والارتفاع من طريق الظلم والعدوان، وهو في صفة البصر خارج على المجاز والاتّساع.

صفحه 242
به القرآن، ولا يدفعه مسلم; وما قاله: بعضهم: إنّ ذلك كان في النوم فظاهر البطلان، إذ لا معجز يكون فيه ولا برهان. وقد وردت روايات كثيرة في قصّة المعراج وعروج نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى السماء، ورواها كثير من الصحابة مثل ابن عبّاس، وابن مسعود وأنس، وجابر بن عبدالله، وحذيفة، وعائشة، وأُمّ هانئ، وغيرهم عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وزاد بعضهم، ونقص بعض، وتنفسم جملتها إلى أربعة أوجه:
أحدها: ما يقطع على صحّته لتواتر الأخبار به وإحاطة العلم بصحّته.
وثانيها: ماورد في ذلك ممّا تجوّزه العقول ولا تأباه الأُصول، فنحن نجوّزه، ثم نقطع على أنّ ذلك كان في يقظته دون منامه.
وثالثها: ما يكون ظاهره مخالفاً لبعض الأصول، إلاّ أنّه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول، فالأولى نأوّله على ما يطابق الحقّ والدليل.
ورابعها: ما لا يصحّ ظاهره، ولا يمكن تأويله إلاّ على التعسّف البعيد، فالأولى أن لانقبله.
فأمّا الأوّل: المقطوع به فهو أنّه أُسري به(صلى الله عليه وآله وسلم) على الجملة.
وأمّا الثاني: فمنه ماروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنّة والنار ونحو ذلك.
وأمّا الثالث: فنحو ما روي أنّه رأى قوماً في الجنّة يتنعّمون فيها، ورأى قوماً في النار يعذّبون فيها، فيحمل على أنّه رأى