welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 2*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 2

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 2
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
2

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم: آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
قسم العقائد والمعارف الإسلاميّة
يشتمل على المواضيع والكتب التالية: الاحتجاج، النبوّة، وقصص الأنبياء
الجزء الثاني
تأليف
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; اعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه الإمام صادق(عليه السلام)، 1393 .
      6 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 549 - 6 (VOL.2)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 1. العقائد والمعارف الإسلامية (1): العقل والجهل، العلم، التوحيد، العدل، والمعاد. ج 2. العقائد والمعارف الإسلامية (2): الاحتجاج، النبوّة، قصص الأنبياء.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1393
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الثاني
المؤلف:   … محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …آية الله العظمى جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1436 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 849   تسلسل الطبعة الأُولى: 425
مركز التوزيع
قم المقدسة ـ ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المشرف   

مقدّمة المشرف

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الخاتم محمد وآله الطيبين الطاهرين الّذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد ; فهذا هو الجزء الثاني من «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» نقدّمه للقرّاء الكرام ويدور البحث في هذا الجزء على محورين:
المحور الأوّل: الاحتجاج. ويدور البحث فيه حول الآيات الّتي يحتج بها الله سبحانه وتعالى على اليهود والّتي تبيّن دسائسهم وتجرّؤهم على الله سبحانه وعنادهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنكارهم نزول القرآن الكريم عليه.
كما يتناول الآيات الّتي تحتجّ على النصارى وعقائدهم الفاسدة كعقيدة التثليث ويبطلها بأوضح البراهين وأجلاها. ولنا بحث مفصّل حول عقيدة التثليث للنصارى وإبطالها، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.1
كما يشتمل الاحتجاج على المشركين وعلى تكذيبهم رسالة الرسول وجدالهم معه بغير حقّ.
المحور الثاني: النبوّة. ويدور البحث فيه على توضيح معنى النبوّة، وسبب بعث الأنبياء، وجمل من أحوالهم، والكلام حول عصمتهم ومعاجزهم، وعن سبب اختصاص كلّ نبي بمعجزة خاصّة، مع ذكر قصص الأنبياء وما فيها من الدروس والعبر.

1 . راجع الإلهيات: 2 / 21 ـ 29 ، (التوحيد في الذات).

صفحه 8
وأرجو من القرّاء الكرام أن يتحفونا بآرائهم وأفكارهم، رفداً للمسيرة العلمية، وقد بذلنا غاية الجهد والطاقة لإخراج الكتاب بحلّة قشيبة صحيحة، إلاّ ما زاغ عنه البصر، وحسر عليه النظر، فإنّ العصمة لله ومَن عصمه الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدّسة
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ 1436 هـ

صفحه 9
كتاب الاحتجاج

[الباب الأوّل ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة
في القرآن الكريم1

الآيات:

[ما جاء في سورة البقرة]2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة البقرة   
البقرة (2): (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ3 اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ

1 . بحار الأنوار: 9/2ـ 173، الباب 1.
2 . بالنظر لكثرة عدد الآيات الداخلة في هذا الباب واستجابةً لتوجيه المشرف دام ظله قمنا بتقسيم الآيات إلى أقسام صغيرة وذكر تفسيرها بعدها ليسهل على القارئ الوصول إلى معانيها .
3. ختم على قلبه: إذا جعله لايفهم شيئاً ولا يخرج منه شيئاً ومنه قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)فلا تعقل و لاتعي شيئاً، وقال الزجاج: معنى ختم و طبع و احد في اللغة، و هو التغطية على الشيء و الاستيثاق من أن لايدخله شيء. تاج العروس: 16/189، مادة «ختم».

صفحه 10
مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ1* أُولَئِك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). 6 ـ 16.

[التفسير]

قال الطبرسيّ(رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ): قيل: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته قتلوا يوم بدر; وقيل: نزلت في قوم بأعيانهم من أحبار اليهود ممّن كفر بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عناداً وكتم أمره حسداً; وقيل: نزلت في مشركي العرب; وقيل: هي عامّة في جميع الكفّار أخبر اللّه تعالى بأنّ جميعهم لايؤمنون.2
وفي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا) نزلت في المنافقين، وهم عبداللّه بن أُبيّ بن سلول، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير وأصحابهم، وأكثرهم من اليهود.(3)
وفي قوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)أنّهم كهّانهم.3

1 . العمه: التردد، و قيل: هو التردد في الضلال و التحيّر في منازعة أو طريق: أو هو أن لا يعرف الحجّة; و قيل: هو تردده لا يدري أين يتوجّه، و قيل: العمه في البصيرة و العمى في البصر، أو الثاني عام فيهما كما مال إليه الراغب. تاج العروس: 19/68: مادة« عمه».
2. مجمع البيان: 1/ 93.   3 . مجمع البيان: 1/98.
3. مجمع البيان: 1/107.

صفحه 11
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). 21ـ23.
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ). 26.

[التفسير]

وفي قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) روي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال: «إنّما ضرب اللّه المثل بالبعوضة لأنّ البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين، فأراد اللّه سبحانه أن ينبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعته»1.2
وفي قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا) الخطاب لليهود والنصارى; وقيل: هو خطابٌ لليهود الّذين كانوا بالمدينة وما حولها.(3)
وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا

1. في المصدر: صنعه. ولاحظ: الرواية في التبيان: 1/111، تفسير الصافي: 1/105، نور الثقلين: 1/45 برقم 65; كنز الدقائق: 1/197.
2. مجمع البيان: 1/135.   3 . مجمع البيان: 1/183.

صفحه 12
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاي فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). 40 ـ 42.
وقال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). 44.

[التفسير]

وفي قوله تعالى:(وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً) روي عن أبي جعفر (عليه السلام)في هذه الآية قال: كان حيي بن أخطب1 وكعب بن الأشرف2 وآخرون من اليهود لهم مأكلة على اليهود في كلّ سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحرّفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الّذي أُريد في الآية.3
وفي قوله:(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) هذه الآية خطابٌ لعلماء اليهود وكانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: أثبتوا على ما أنتم عليه ولايؤمنون هم.4

1. هو حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي حبيب من بني النضير، وهو سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى (عليه السلام)، من الأشداء العتاة، كان ينعت بسيد الحاضر والبادي، أدرك الإسلام وآذى المسلمين، فأسروه يوم قريضة، ثم قتلوه في سنة 5 هـ . الأعلام: 2/292; الإصابة8/210 برقم 11407.
2. هو كعب بن الأشرف الطائي من بني بنهان، شاعر جاهلي، كانت أُمّه من بني النضير فدان باليهودية، كان يقيم في حصن له قريب من المدينة، مازالت بقاياه إلى اليوم، يبيع فيه التمر والطعام. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم و إيذائهم، والتشبيب بنسائهم. وخرج إلى مكة بعد وقعة بدر فندب قتلى قريش فيها، وحضّ على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة، وأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة 3 للهجرة، وحملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة. الأعلام: 5/225.
3. مجمع البيان: 1/186.
4. مجمع البيان: 1/192.

صفحه 13
وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). 47.
وقال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَوَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ1 لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ). 75 ـ 79.

[التفسير]

وفي قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) قيل: إنّهم علماء اليهود الّذين يحرّفون التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً اتّباعاً لأهوائهم وإعانةً لمن يرشونهم.2
وفي قوله تعالى:(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال: كان قومٌ من اليهود ليسوا من

1. الأُمّيّ والأُمّان ـ بالضم ـ من لايكتب، أو من على خلقة الأُمة لم يتعلّم الكتاب و هو باق على جبلته، و قيل للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الأُمّي لأنّ أُمّة العرب لم تكن تكتب و لاتقرأ المكتوب و بعث الله رسولاً و هو لايكتب و لايقرأ من كتاب، و كانت هذه الخلّة إحدى آياته المعجزة، لأنّه تلا عليهم كتاب الله منظوماً تارة بعد أخرى بالنظم الّذي أُنزل عليه فلم يغيّره و لم يبدل ألفاظه. تاج العروس: 16/ 30، مادّة «أمم». القاموس المحيط: 4 / 76 .
2. مجمع البيان: 1/270.

صفحه 14
المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: أتخبرونهم1 بما في التوراة من صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيحاجّوكم به عند ربّكم، فنزلت الآية(2).(3)
وفي قوله:(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) قيل: كتابتهم بأيديهم أنّهم عمدوا إلى التوراة وحرّفوا صفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ليوقعوا الشكّ بذلك على المستضعفين من اليهود، وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)وعن جماعة من أهل التفسير; وقيل: كان صفته في التوراة: أسمر ربعة فجعلوه آدم طوالاً، وفي رواية عكرمة عن ابن عبّاس قال: إنّ أحبار اليهود وجدوا صفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مكتوبة في التوراة: أكحل2 أعين3 ربعة4 حسن الوجه، فمحوه من التوراة حسداً وبغياً فأتاهم نفر من قريش فقالوا: أتجدون في التوراة نبيّاً منّا؟ قالوا: نعم نجده طويلاً أزرق سبط الشعر، ذكره الواحديّ بإسناده في الوسيط.5
وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ... «إلى قوله»: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ

1. في المصدر: لاتخبروهم.      2. التبيان:1/316; جامع البيان:1/525.   3. مجمع البيان:1/272.
2. رجل أكحل: بيّن الكحل، وهو أن يعلو جفون العين سواد مثل الكحل من غير اكتحال. مجمع البحرين: 4/22، مادة «كحل».
3. الأعين: ضخم العين واسعها، و قيل: مَن عظم سواد عينه في سعة فهو أعين، و الأُنثى عيناء، و الجمع منها العين بالكسر، و أصله فعل بالضم، و منه قوله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ). تاج العروس: 9/290، مادة «عين».
4. رجل ربعة ومربوع: الذي ليس بطويل ولا قصير، يستعمل للمذكر والمؤنث. لسان العرب: 8/107، مادة «ربع».
5. مجمع البيان: 1/279. وراجع: أسباب النزول للواحدي: 15; تفسير ابن أبي حاتم: 1/154; العجاب في بيان الأسباب لابن حجر: 1/272; تفسير الجلالين: 19; الدر المنثور: 1/82; لباب النقول للسيوطي: 20.

صفحه 15
قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض «إلى قوله»: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ1 بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب2 وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ

1. قال الشريف الرضيّ في تلخيص البيان في مجازات القرآن: 6: هذه استعارة على التأويلين جميعاً إمّا أن يكون غُلُف جمع أغلف مثل أحمر و حمر، أو يكون جمع غلاف مثل حمار و حمر و يخفف فيقال: حمر، قال أبوعبيدة: كلّ شيء في غلاف فهو أغلف، يقال: سيف أغلف، وقوس غلفاء، و رجل أغلف; إذا لم يختتن، فمن قرأ غلف على جمع أغلف فالمعنى: أنّ المشركين قالوا: قلوبنا في أغطية عمّا تقوله، يريدون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، و نظير ذلك قوله سبحانه حاكياً عنهم، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)[ فصّلت:5] و مَن قرأ قلوبنا غلف على جمع غلاف بالتثقيل والتخفيف، فمعنى ذلك أنّهم قالوا: قلوبنا أوعية فارغة لا شيء فيها فلاتكثر علينا من قولك فإنّا لانعي منه شيئاً، فكان قولهم هذا على طريق الاستعفاء من كلامه و الاحتجاز عن دعائه.
2. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 1/349 في قوله تعالى: (فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب): أي رجعوا، و المراد رجعت اليهود من بني إسرائيل بعدما كانوا عليه من الاستنصار لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)في الاستفتاح به، وبعدما كانوا يخبرون الناس من قبل مبعثه أنّه نبي مبعوث، مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبياً، بغضب من الله استحقوه منه بكفرهم به و جحدهم بنبوته و إنكارهم إيّاه. وقال عطاء و غيره: الغضب الأوّل حين غيّروا التوراة قبل مبعث محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والغضب الثاني حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم). وقال عكرمة و الحسن: الأوّل حين كفروا بعيسى(عليه السلام)، و الثاني حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم); وقال السدي: الغضب الأوّل: حين عبدوا العجل، والثاني: حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 16
لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * «إلى قوله»: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * «إلى قوله»: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالآيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ «إلى قوله»: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارى تِلْك أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * «إلى قوله»: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارى عَلَى شَيْء وَقَالَتِ النَّصَارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْء وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِك قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * «إلى قوله»: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ). 83 ـ 116.

[التفسير]

وفي قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قال ابن عبّاس: كانت اليهود يستفتحون، أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل مبعثه، فلمّا بعثه اللّه من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، كفروا به وجحدوا

صفحه 17
ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور1: يا معشر اليهود اتّقوا اللّه وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلاّم بن مِشكم2 أخو بني النضير: ماجاءنا بشيء نعرفه وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.3
وفي قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) عن ابن عبّاس قال: سبب نزول هذه الآية ما روي أنّ ابن صوريا4 وجماعة من يهود أهل فدك لمّا قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
إلى المدينة سألوه فقالوا: يا محمّد كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبيّ الّذي يأتي في آخر الزمان; فقال: «تنام عيناي وقلبي يقظان»، قالوا: صدقت يا محمّد فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال: «أمّا العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأمّا اللّحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة»، قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه شبه من أخواله؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: «أيّهما علا ماؤه كان الشبه له»، قالوا: صدقت يا محمّد، قالوا: فأخبرنا عن ربّك ما هو؟ فأنزل اللّه سبحانه: (قُل هُوَ اللّهُ أَحَد)5

1. هو بشر بن البرّاء بن معرور، آخى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبين واقد بن عبداللّه التميمي، حليف بني عدي، شهد بدراً وأُحداً والخندق والحديبية وخيبر، وأكل مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خيبر من الشاة المسمومة، وقيل: إنّه مات منه. رجال الطوسي: 28 برقم 93، باب من روى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. سلاّم ـ بتشديد اللاّم ـ بن مِشكم ـ بكسر الميم وسكون الشين ـ سيد بني النضير في زمانه وصاحب كنزهم وبيت مالهم، وهو زوج صفية بنت حيي من أخطب ثم فارقها، وتزوّجها كنانة أبي الحقيق فقتل يوم خيبر، فصارت صفية مع السبي، أعتقها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم تزوّجها. راجع الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/218; أسد الغابة: 5/490 ; الكامل في التاريخ: 2/224.
3. مجمع البيان: 1/299.
4. هو عبداللّه بن صوريا الأعور، ويقال: ابن صور الإسرائيلي، وكان أبيض مرد، يسكن فدكاً، ويعتبر من أحبار اليهود. الإصابة :4/115 برقم 4782; التبيان: 3/525.
5 . الإخلاص:1.

صفحه 18
إلى آخر السورة، فقال له ابن صوريا: خصلةٌ واحدةٌ إن قلتها آمنت بك واتّبعتك ; أيّ ملك يأتيك بما أنزل اللّه عليك؟ قال: فقال: «جبرئيل»، قال: ذلك عدوّنا ينزل بالقتال والشدّة والحرب، و ميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك لآمنّا بك ; فأنزل اللّه هذه الآية جواباً لليهود وردّاً عليهم.1
وفي قوله تعالى: (لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا) كان المسلمون يقولون: يا رسول اللّه راعنا، أي استمع منّا، فحرّفت اليهود هذا اللّفظ فقالوا: يا محمّد راعنا، وهم يلحدون إلى الرعونة ويريدون به النقيصة والوقيعة، فلمّا عوتبوا قالوا: نقول كما يقول المسلمون فنهى اللّه عن ذلك بقوله: (لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا)، وقال قتادة: إنّها كلمة كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء; وقال عطاء: هي كلمة كانت الأنصار تقولها في الجاهليّة فنهوا عنها في الإسلام ; وقال السّديّ: كان ذلك كلام يهوديّ بعينه يقال له: رفاعة بن زيد، يريد بذلك الرعونة فنُهي المسلمون عن ذلك ; وقال الباقر(عليه السلام): «هذه الكلمة سبّ بالعبرانيّة إليه كانوا يذهبون».2 وقيل:
كان معناه عندهم: اسمع لا سمعت. ومعنى انظرنا: انتظرنا نفهم، أو فهّمنا(3) وبيّن لنا، أو أقبل علينا.(4)
وفي قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) اختلف في سبب نزولها، فروي عن ابن عبّاس أنّ رافع بن حرملة ووهب بن زيد قالا لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجّر لنا أنهاراً نتّبعك ونصدّقك، فأنزل الله هذه الآية ; وقال الحسن: عنى بذلك مشركي العرب وقد سألوا وقالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا) إلى قوله: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ

1. مجمع البيان: 9/66. وراجع: التبيان: 1/363; كنز الدقائق: 1 / 304، تفسير الرازي: 3/194; تفسير العزّ بن عبدالسلام:1/146.
2. التبيان: 1/388.      3 . في المصدر: فقّهنا.   4 . مجمع البيان: 1/336.

صفحه 19
قَبِيلاً)1 وقالوا: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنَا).(2) وقال السدي: سألت العرب محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأتيهم باللّه فيروه جهرة ; وقال مجاهد: سألت قريش محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال لهم: «نعم ولكن يكون لكم كالمائدة لقوم عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ »فرجعوا ; وقال الجبائيّ: روي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)سأله قوم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلّقون عليها التمر و غيره من المأكولات كما سألوا موسى: (إجعَل لَنا إلهاً كَما لهُم آلِهة)(3).(4)
وفي قوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) نزلت الآية في حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بن أخطب وقد دخلا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم المدينة، فلمّا خرجا قيل لحيي: أ هو نبيّ؟ فقال: هو هو، فقيل: ماله عندك: قال: العداوة إلى الموت، وهو الّذي نقض العهد وأثار الحرب يوم الأحزاب، عن ابن عبّاس; و قيل: نزلت في كعب بن الأشرف، عن الزهريّ; وقيل: في جماعة من اليهود، عن الحسن.2
وفي قوله: (قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارى عَلَى شَيْء) قال ابن عبّاس: إنّه لمّا قدم وفد نجران من النصارى على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول اللّه، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء ـ وجحد نبوّة عيسى وكفر بالإنجيل ـ فقال رجل من أهل نجران: ليست اليهود على شيء ـ وجحد نبوّة موسى وكفر بالتوراة ـ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية:(الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ): مشركو العرب قالوا لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه إنّهم ليسوا على شيء، أو قالوا: إنّ جميع الأنبياء وأُممهم لم يكونوا على شيء.(6)

1. الإسراء: 90ـ 92.      2 . الفرقان:21.      3 . الأعراف:138.   4 . مجمع البيان: 1/344.
2. مجمع البيان: 1/347.   6 . مجمع البيان: 1/352.

صفحه 20
وفي قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) نزلت في النصارى حيث قالوا: المسيح ابن اللّه، أو فيهم وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه، (سُبْحَانَهُ)تنزيهاً له عن اتّخاذ الولد وعن القبائح والصفات الّتي لاتليق به1، (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ملكاً، والولد لايكون ملكاً للأب، لأنّ البنوة والملك لايجتمعان، أو فعلاً، والفعل لايكون من جنس الفاعل، والولد لايكون إلاّ من جنس أبيه.2
وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِك قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ * وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ مَا لَك مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير * «إلى قوله»: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 118 ـ 135.
وقال تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 139 ـ 140.
وقال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا

1. في المصدر: (سبحانه) أي إجلالاً له عن اتّخاذ الولد، وتنزيهاً عن القبائح والسوء والصفات التي لاتليق به.
2. مجمع البيان: 1/360.

صفحه 21
عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * «إلى قوله»: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).142 ـ 146
وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا1 يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً2 فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِك يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ). 165ـ 167.

[التفسير]

وفي قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) هم النصارى، عن مجاهد; واليهود، عن ابن عبّاس; ومشركو العرب، عن الحسن وقتادة ; وهو الأقرب ( أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ): أي موافقة لدعوتنا (قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ) أي فيما ظهر من الآيات الباهرات الدالّة على صدقه كفاية لمن ترك التعنّت والعناد، ولو علم اللّه في إظهار ما اقترحوه مصلحة لأظهرها.3
وفي قوله: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا) عن ابن عبّاس أنّ عبداللّه بن صوريا

1. الأنداد: الأمثال و الأشباه، وقيل: الأضداد. التبيان: 2/61.
2. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 2/67: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) هم الذين تبرّأوا منهم ساداتهم الّذين اتّبعوا (لَوْ أَنَّ لَنَا  كَرَّةً) يعني رجعة إلى دار الدنيا، فالعامل في (لَوْ أَنَّ) محذوف كأنّه قال: لو صحّ أنّ لنا كرّة، لأنّ (لَوْ ) في التمنّي، و غيره تطلب الفعل. و إن شئت قدّرته: لو ثبت أنّ لنا كرّة.
3. مجمع البيان: 1/366.

صفحه 22
وكعب بن الأشرف ومالك بن الصيف1 وجماعة من اليهود ونصارى أهل نجران خاصموا أهل الإسلام كلّ فرقة تزعم أنّها أحقّ بدين اللّه من غيرها، فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب; وقالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وكلّ فريقين منهما قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا، فأنزل اللّه هذه الآية; وقيل: إنّ ابن صوريا قال لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ما الهدى إلاّ ما نحن عليه فاتّبعنا يا محمّد تهتد; وقالت النصارى مثل ذلك فنزلت.2
وقال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا3عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
). 170 ـ 171.
وقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

1. في المصدر: مالك بن الضيف. وكلا الاسمين أثبته الرواة، لكن الأكثر ذكروه تحت عنوان مالك بن الصيف، كما لم نجد له ترجمة في المصادر الرجالية. وقد ورد في مصادر التفسير والتاريخ أنّه كان من أحبار اليهود ورؤسائهم، خاصم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أنّ اللّه يبغض الحبر السمين؟! وكان حبراً سميناً فغضب، وقال: واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء!! فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟! قال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فأنزل اللّه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء)[الأنعام:91]; وقد عزله اليهود بعد قوله هذا عن الحبريّة ودفعوها إلى كعب بن الأشرف. وقد نزلت آيات أُخرى بحقّه. راجع: الميزان: 7/304; جامع البيان: 7/347 برقم 10544; الكشاف:2/34; تفسير الثعلبي:4/168; تفسير البغوي:2/114; تفسير الرازي:13/74; تفسير البيضاوي:2/429; الدر المنثور:3/29.
2. مجمع البيان: 1/402ـ403. وراجع أيضاً: تفسير البغوي: 1/119: العجاب في بيان الأسباب لابن حجر:380.
3. ألفينا: وجدنا. التبيان: 2/75.

صفحه 23
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ «إلى قوله»: وَأُولَئِك هُمُ الْمُتَّقُونَ)
177.
وقال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ1* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ2 بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ3). 204 ـ 206.
وقال سبحانه: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). 211.

[التفسير]

وفي قوله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ) عن ابن عبّاس قال: دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)اليهود إلى الإسلام فقالوا: بل نتّبع ما وجدنا عليهم آباءنا، فهم كانوا أعلم منّا، فنزلت هذه الآية، وفي رواية الضحّاك عنه أنّها نزلت في كفّار قريش.4

1. الخصم الألد: الشديدُ الخصومة الجَدِل، يقال: رجل ألد بيّن اللد، شديد الخصومة. لسان العرب: 3 / 391، مادة«لدد».
2. العزة بالإثم: أي حملته العزّة التي فيه من الغيرة و حميته الجاهلية على الإثم المنهي عنه و الزمته ارتكابه، يقال: أخذته بكذا حملته عليه. تفسير غريب القرآن للطريحي: 291.
3. المهاد في اللغة: الوطء من كلّ شيء تقول: مهدت الفراش تمهيداً، و كلّ شيء وطأته فقد مهدته، و تمهد الشيء: إذا يوطأ، و كذلك امتهدا امتهاداً، و مهد الصبي معروف، و جمع المهاد مهد، و ثلاثة أمهدة، و الأرض مهاداً لأجل التوطأة للنوم، و القيام عليها. فإن قيل: كيف قيل لجهنّم مهاد؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما: معناه القرار هاهنا، و القرار كالوطء في الثبوت عليه. الثاني: لأنّها بدل من المهاد كما قال تعالى:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم). [آل عمران: 21] لأنّه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. التبيان: 2/182.
4. مجمع البيان: 1/470.

صفحه 24
وفي قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ) قال الحسن: نزلت في المنافقين، وقال السديّ: نزلت في الأخنس بن شريق1، كان يظهر الجميل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمحبّة له والرغبة في دينه ويبطن خلاف ذلك.2
وروي عن الصادق(عليه السلام)أنّ المراد بالحرث في هذا الموضع الدين وبالنسل الناس3.4
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة آل عمران   
[ما جاء في سورة آل عمران]5
آل عمران (3): (فَإِنْ حَاجُّوك فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). 20.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِك بِأَنَّهُمْ

1. هو أبو ثعلبة الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبدالعزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، حليف بني زهرة، اسمه أُبي، وإنّما لقّب الأخنس ; لأنّه رجع ببني زهرة من بدر لمّا جاءهم الخبر أنّ أباسفيان نجا بالعير، فقيل: خنس الأخنس ببني زهرة، فسمّي بذلك، ثم أسلم الأخنس فكان من المؤلّفة، وشهد حنيناً ومات في أوّل خلافة عمر. وقال ابن عطية: ما ثبت قط أنّ الأخنس أسلم. وقيل: هو من أكابر المنافقين نزل فيه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).[البقرة:204 ]الإصابة 1/192 برقم 61; مستدركات علم رجال الحديث للنمازي:1/523 برقم 1897.
2 . مجمع البيان: 2 / 55 .
3.تفسير علي بن إبراهيم:1/71; التفسير الأصفى:1/99; كنز الدقائق:1/498.
4. مجمع البيان: 2/55. والرواية جاءت هنا لتفسير قوله تعالى: (وَيُهْلِك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)الّتي سقطت من المتن سهواً أو غفلة أو نسياناً.
5 . بالنظر لكثرة عدد الآيات الداخلة في هذا الباب واستجابةً لتوجيه المشرف دام ظله قمنا بتقسيم الآيات إلى أقسام صغيرة وذكر تفسيرها بعدها ليسهل على القارئ الوصول إلى معانيها .

صفحه 25
قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَات وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). 23 ـ 24.

[ التفسير ]

وفي قوله: (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) أي في نبوّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو في أمر إبراهيم وأنّ دينه الإسلام، أو في أمر الرجم، فقد روي عن ابن عبّاس أنّ رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكانا من ذوي شرف فيهم، وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو1: جُرت عليهما يا محمّد ليس عليهما الرجم، فقال لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): بيني وبينكما2 التوراة، قالوا: قد أنصفتنا، قال: فمن أعلمكم بالتوراة؟ قال(3): رجل أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا، فأرسلوا
إليه، فقدم المدينة وكان جبرئيل قد وصفه لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت ابن صوريا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال: فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوبٌ فقال له: إقرأ، فلمّا أتى على آية الرجم وضع كفّه عليها وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: يا رسول اللّه قد جاوزها، وقام إلى ابن صوريا ورفع كفّه عنها، و قرأ على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى اليهود بأنّ المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البيّنة رجما، وإن كانت المرأة حبلى انتظر بها حتّى تضع ما في بطنها; فأمر رسول الله باليهوديّين فرجما، فغضب اليهود لذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.3

1. في بحار الأنوار: 9/69 بزيادة: «نجربن عمرو. خ ل).
2. في المصدر: بينكم.   3 . في المصدر: قالوا.
3. مجمع البيان: 2/265.

صفحه 26
وقال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّك فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ1 * فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ «إلى قوله تعالى»: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِي مَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا2 مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الِْكتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ

1. المرية: الشك، و منه الامتراء و التماري و المماراة، والمراء و أصل الباب الاستدرار، و يقال: بالشكر تمترى النعم، أي تستدر. التبيان: 2/22.
2 . قيل في معنى الحنيف قولان: أحدهما: المستقيم الدين، لأنّ الحنفة هو الاستقامة في اللغة، وإنّما سُمّي من كان معوجّ الرجل أحنف على طريق التفاؤل كما قيل للضرير إنّه بصير. والثاني: أنّ الحنيف هو المائل إلى الحق في الدين فيكون مأخوذاً من الحنف في القدم، و هو الميل. التبيان: 2/493.

صفحه 27
يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى
أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ1 وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ2 بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ

1 . (أُولَئِك لاَ خَلاَقَ) معناه: لا نصيب وافر لهم. وقيل: في أصل الخلاق قولان:
أحدهما: الخلق: التقدير، فيوافق معناه; لأنّ النصيب: الوافر من الخير بالتقدير لصاحبه يكون نصيباً له. و الآخر: من الخلق; لأنّه نصيب ممّا يوجبه الخُلق الكريم. التبيان: 2/506.
2 . في أصل رباني قولان: أحدهما: الربّان و هو الذي يرب أمر الناس بتدبيره له و إصلاحه إياه، يقال: رب أمره يربه ربابة، و هو ربان: إذا دبّره و أصلحه، فيكون العالم ربّانياً; لأنّه بالعلم يدبّر الأمر و يصلحه. الثاني: أنّه مضاف إلى علم الرب تعالى، و هو على الدين الذي أمر به إلاّ أنّه غيّر في الإضافة، ليدلّ على هذا المعنى، كما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، و للعظيم اللحية، لحياني، و كما قيل لصاحب القصب: قصباني، فكذلك صاحب علم الدين الذي أمر به الرب ربّاني. التبيان: 2/510.

صفحه 28
بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «إلى قوله تعالى»: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «إلى قوله تعالى»: كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). 59 ـ 86 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ) قيل: نزلت في وفد نجران: العاقب والسيّد ومن معهما قالوا لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فنزلت (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى) الآيات فقرأها عليهم، عن ابن عبّاس وقتادة والحسن.1
وفي قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا) نزلت في نصارى نجران; و قيل: في يهود المدينة، وقد رواه أصحابنا أيضاً ; وقيل: في الفريقين من أهل الكتاب.(2)
وفي قوله: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) أي لايتّخذ بعضنا عيسى ربّاً، أو لايتّخذ الأحبار أرباباً بأن يطيعوهم طاعة الأرباب ; وروي عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنّه قال: ما عبدوهم من دون اللّه، ولكن حرّموا لهم حلالاً، وأحلّوا لهم حراماً، فكان ذلك اتّخاذهم أرباباً من دون اللّه2.(4)
وفي قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ) قال ابن عبّاس وغيره: إنّ أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول اللّه فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود: ما كان إبراهيم إلاّ يهوديّاً، وقالت النصارى: ما كان إلاّ نصرانيّاً، فنزلت.3

1. مجمع البيان: 2/309.   2 . مجمع البيان: 2/314.
2. التبيان: 2/488.   4 . مجمع البيان: 2/314.
3. مجمع البيان: 2/316.

صفحه 29
وفي قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ) قال الحسن والسديّ: تواطأ أحد عشر رجلاً1من أحبار يهود خيبر وقرى عرنية2 وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمّد أوّل النهار باللّسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار، وقولوا: إنّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمّداً ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم3 وقالوا: إنّهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا، فيرجعون عن دينه(4) إلى دينكم; وقال مجاهد و مقاتل والكلبيّ: كان هذا في شأن
القبلة لمّا حوّلت إلى الكعبة وصلّوا، 4 شقّ ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا (6) بما أُنزل على محمّد من أمر الكعبة وصلّوا إليها
وجه5 النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلّهم يشكّون.6
وفي قوله:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) عن ابن عبّاس قال: يعني بقوله: (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْك)عبد اللّه بن سلام، أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدّاه إليه، وبالآخر فنحاص بن عازوراء، وذلك أنّ رجلاً من قريش استودعه ديناراً فخانه; وفي بعض التفاسير: إنّ الّذين يؤدّون الأمانة في هذه الأُمّة النصارى، والّذين لايؤدّونها اليهود.7
وفي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ) نزلت في جماعة من أحبار

1 . في المصدر: اثنا عشر رجلاً.
2. في المصدر عرينة. وهي قرى بواد من أودية المدينة ممّا كان محمى للخيل في الجاهلية والإسلام، بأسفلها قلهى وهي ماء لبني جذيمة بن مالك. وقيل: قرى عرينة هي فدك وينبع وما حولها. وعرينة: قبيلة من العرب. راجع معجم البلدان: 3/92 و ج4/115 ; الوافي بالوفيات: 1/81.
3. في المصدر: دينه.   4 . في المصدر: دينهم.
4. ليس في المصدر.   6 . في المصدر بزيادة: باللّه و .
5. في المصدر: أوّل.
6. مجمع البيان: 2/322.
7. مجمع البيان: 2/326.

صفحه 30
اليهود: أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، كتموا ما في التوراة من أمر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنّه من عند اللّه لئلاّ تفوتهم الرئاسة وما كان لهم على اتّباعهم، عن عكرمة ; وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض، قام ليحلف عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحقّ وردّ الأرض.1
وفي قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا) قيل: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب اللّه من نعت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره وأضافوه إلى كتاب اللّه ; وقيل: نزلت في اليهود والنصارى حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، عن ابن عبّاس.(2)
وفي قوله: (مَا كَانَ لِبَشَر) قيل: إنّ أبا رافع القرظيّ من اليهود ورئيس وفد نجران قالا: يا محمّد أتريد أن نعبدك أو نتّخذك إلهاً; قال: معاذ اللّه أن أعبد غير اللّه أو آمر بعبادة غير اللّه ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فنزلت، عن ابن عبّاس وعطاء،2 وقيل: نزلت في نصارى نجران; وقيل: إنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك، قال: لاينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله، فنزلت3.4
وفي قوله تعالى:(كَيْفَ يَهْدِي اللهُ) قيل: نزلت في رجل من الأنصار يقال له الحارث بن سويد بن الصامت وكان قتل المحذر بن زياد البلويّ غدراً وهرب

1. مجمع البيان: 2/327.   2 . مجمع البيان: 2/329.
2. تفسير البغوي: 1/320; تاريخ الإسلام للذهبي: 2/697.
3. تخريج الأحاديث والآثار: 1/192; الكشّاف: 1/440 ; تفسير الثعلبي: 3/101، أسباب نزول الآيات: 74; تفسير الرازي: 8/117; تفسير البيضاوي: 2/56; الدر المنثور: 2/47.
4. مجمع البيان: 2/330.

صفحه 31
وارتدّ عن الإسلام ولحق بمكّة، ثمّ ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت الآيات إلى قوله: (إلاّ الّذينَ تَابُوا)فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إنّي لأعلم أنّك لصدوق، وأنّ رسول اللّه لأصدق منك، وأنّ اللّه تعالى أصدق الثلاثة، ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه1، وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام)2; وقيل: نزلت في أهل الكتاب الّذين كانوا يؤمنون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل مبعثه ثمّ كفروا بعد البعث حسداً وبغياً.3
وقال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِك فَأُولَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).93 ـ 95.
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 98 ـ 101 .
وقال تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ

1. جامع البيان: 3/461 ; تفسير الثعلبي: 3/108 ; أسباب نزول الآيات: 75 .
2. كنز الدقائق: 2/153; التفسير الصافي: 1/354; بحار الأنوار: 22/17.
3. مجمع البيان: 2 / 338ـ339; بحار الأنوار: 22/17.

صفحه 32
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا1 إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ2 ذَلِك بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِك بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِك مِنَ الصَّالِحِينَ).110 ـ 114.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ) أنكر اليهود تحليل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لحوم الإبل فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ ذلك كان حلاًّ لإبراهيم(عليه السلام)»، فقالت اليهود: كلّ شيء نحرّمه فإنّه كان محرّماً على نوح وإبراهيم وهلمَّ جرّاً حتّى انتهى إلينا، فنزلت3.(4)
وفي قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) قيل: إنّهم كانوا يغرون بين الأوس والخزرج يذكّرونهم4 الحروب الّتي كانت بينهم في الجاهليّة حتّى تدخلهم الحميّة والعصبيّة فينسلخوا عن الدين، فهي في اليهود خاصّة ; وقيل: في اليهود والنصارى، ومعناها: لم تصدّون بالتكذيب بالنبيّ وأنّ صفته ليست في كتبكم.(6)
وفي قوله تعالى:(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) قال مقاتل: إنّ رؤوس اليهود مثل

1. ضربت مأخوذ من الضرب، و إنّما قيل ضربت، لأنّها ثبت عليهم كما ثبتت بالضرب. و قوله: (أَيْنَمَا ثُقِفُوا): أي أينما وجدوا. التبيان: 2/560.
2 . قيل: أريد بالمسكنة الذّلة; لأنّ المسكين لايكون إلاّ ذليلاً، فسميّ الذليل مسكيناً. و قيل: لأنَّ اليهود أبداً يتفاقرون و إن كانوا أغنياء لما رماهم الله به من الذلّة. التبيان: 2/562.
3. مجمع البيان: 2/344.   4 . مجمع البيان: 2 / 344.
4. في المصدر: بتذكيرهم.   6 . مجمع البيان: 2/352.

صفحه 33
كعب بن الأشرف وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد اللّه ابن سلام وأصحابه فأنّبوهم على إسلامهم، فنزلت.1
وفي قوله تعالى:(لَيْسُوا سَوَاءً) قيل: لمّا أسلم عبداللّه بن سلام وجماعة قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمّد إلاّ أشرارنا، فنزلت، عن ابن عبّاس و غيره; وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، و ثمانية من الروم كانوا على عهد عيسى فصدّقوا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن عطاء.(2)
وقال تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ * ذَلِك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِك مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة2

1. مجمع البيان: 2/365; بحار الأنوار: 7/173 و ج22/ 18.   2 . مجمع البيان: 2/366.
2. فلاتحسبنّهم بمفازة من العذاب: أي بمنجاة منه، و قيل: أي ببعيد منه. و قيل: أصل المفازة: المهلكة، من الفوز بمعنى الهلاك. تاج العروس: 8/124، مادة«فوز».

صفحه 34
مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 181 ـ 189.
وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). 199.

[ التفسير ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النساء   
وفي قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ) لمّا نزل (مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسَناً)1 قالت اليهود: إنّ اللّه فقير يستقرض منّا ونحن أغنياء، قائله حيي بن أخطب، عن الحسن ومجاهد; وقيل: كتب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللّه قرضاً حسناً ; فدخل أبوبكر بيت مدارستهم فوجد ناساً كثيراً منهم أجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء، فدعاهم إلى الإسلام والزكاة والصلاة، فقال فنحاص: إن كان ما تقول حقّاً فإن الله إذاً لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيّاً لما استقرضنا أموالنا! فغضب أبوبكر وضرب وجهه، فنزلت.(2)
وفي قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) قيل: نزلت في جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وفنحاص بن عازوراء قالوا: يا محمّد إنّ اللّه عهد إلينا في التوراة أن لانؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أنّ اللّه بعثك إلينا فجئنا به لنصدّقك، فأُنزل هذه الآية، عن الكلبيّ ; وقيل: إنّ اللّه أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم يزعم أنّه نبي فلاتصدّقوه حتّى يأتي بقربان تأكله النار حتّى يأتيكم المسيح ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)،

1 . البقرة: 245 .   2 . مجمع البيان: 2 / 360 .

صفحه 35
فإذا أتياكم فآمنوا بهما بغير قربان (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هذا تكذيب لهم في قولهم، ودلالة على عنادهم وعلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لو أتاهم بالقربان المتقبّل كما أرادوا لم يؤمنوا به كما لم يؤمن آباؤهم1، وإنّما لم يقطع اللّه عذرهم2لعلمه سبحانه بأنّ في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة للمصالح، وكأنّ3ذلك اقتراح في الأدلّة على اللّه، والّذي يلزم في ذلك أن يزيح علّتهم بنصب الأدلّة فقط.(4)
[ما جاء في سورة النساء ]
النساء (4): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا * مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ4 وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً * إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ

1. في المصدر بزيادة: بالأنبياء الذين أتوا به وبغيره من المعجزات.
2. في المصدر بزيادة: بما سألوه من القربان الذي تأكله النار.
3. في المصدر: ولأنّ.   4. مجمع البيان:2/462ـ463.
4 . (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنّ هذه اللفظة كانت سباً في لغتهم، فأعلم الله نبيه ذلك و نهاهم عنها. الثاني: أنّها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء و السخرية. الثالث: أنّها كانت تجري منهم على حد الكبر، كما يقول القائل: أنصت لكلامنا و تفهم عنا، و إنما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة. و قوله: (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) يعني تحريكاً منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه. التبيان: 3 / 214.

صفحه 36
يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيًما * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً1 * اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ2 وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْك فَإِذًا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيًما). 44 ـ 54.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا) نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم كانا إذا تكلّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لويا بلسانهما وعاباه، عن ابن عبّاس.3
وفي قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) قيل: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا،

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 3/221: و قيل في معنى الفتيل هاهنا قولان: أحدهما: إنّه الذي في شق النواة; و قيل: الفتيل ما في بطن النواة، و النقير: ما في ظهرها، و القطمير قشرها. الثاني: ما فتلت بين إصبعيك من الوسخ. و الفتل: لي الشيء.
2. قال السيد الطباطبائي في الميزان: 4/374: الجبت: كل ما لا خير فيه، و قيل: و كل ما يعبد من دون الله سبحانه. و الطاغوت: مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيراً بمعنى الفاعل، و قيل: هو كلّ معبود من دون الله.
3 . مجمع البيان: 2 / 95 ; بحار الأنوار : 22 / 19 .

صفحه 37
فقالوا: فو اللّه ما نحن إلاّ كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفر عنّا باللّيل، وما عملناه باللّيل كفر عنّا بالنّهار، فكذّبهم اللّه تعالى1 ; وقيل نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه، وقالوا: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى، وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام)2.3
وفي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا) قيل: كان أبو برزة كاهناً في الجاهليّة فسافر4 إليه ناس ممّن أسلم فنزلت; وقيل: إنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكّة بعد وقعة أُحد ليحالفوا قريشاً على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فينقضوا العهد الّذي كان بينهم وبين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب الكتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، فذلك قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ثمّ قال كعب: يا أهل مكّة ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون نلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربَّ البيت لنجهدنَّ على قتال محمّد، ففعلوا ذلك: فلمّا فرغوا قال أبوسفيان لكعب: إنّك امرؤٌ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أُمّيّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحقّ: نحن أم محمّد؟ قال كعب: أعرضوا عليّ دينكم، فقال أبوسفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء5، ونسقيهم الماء،

1. تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي: 1/327; الكشاف: 1/533; تفسير الثعلبي: 3/325.
2. الاحتجاج: 1/14.
3 . مجمع البيان: 3 / 104 .
4. في المصدر: فتنافس.
5. الكوماء: الناقة العظيمة السنام، وبعير أكوم: مرتفع السنام، والأكوم من السنام: المرتفع العظيم. تاج العروس: 9/52، مادة «كوم».

صفحه 38
ونقري الضيف، ونفك العاني،1 ونصل الحرم، ونعمّر بيت ربّنا، ونطوف به،
ونحن أهل الحرم; ومحمّد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمّد الحديث; فقال كعب: أنتم واللّه أهدى سبيلاً ممّا عليه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت.2
وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوك يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِك الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا).60 ـ 63.
وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِك بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً). 81 ـ 83 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) كان بين رجل من اليهود ورجل من

1. العاني: الأسير. مجمع البحرين: 3/264، مادة «عنى».
2. مجمع البيان: 3/105 ـ 106.

صفحه 39
المنافقين خصومة; فقال اليهوديّ: أُخاصم إلى محمّد ـ لأنّه علم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم ـ وقال المنافق: لا بل بيني وبينك كعب بن الأشرف ـ لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة ـ فنزلت; فالطاغوت هو كعب بن الأشرف. وقيل: إنّه كاهن من جهينة أراد المنافق أن يتحاكم إليه ; وقيل: أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الأوثان بضرب القداح; وعن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنّ المعنيّ به كلّ من يتحاكم إليه ممّن يحكم بغير الحقّ.1
وفي قوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) أي تناقضاً من جهة حقّ وباطل، أو اختلافاً في الإخبار عمّا يسرّون، أو من جهة بليغ ومرذول2، أو تناقضاً كثيراً، وذلك أنّ كلام البشر إذا طال وتضمّن من المعاني ما تضمّنه القرآن لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللّفظ، وكلّ هذه3 منفيّ عن كتاب اللّه.4
وقال تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لاََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلاَُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ5 وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا). 117 ـ 119.
وقال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ

1. مجمع البيان: 3/116.
2. المرذول والرذيل والأرذل: الدون من الناس، وقيل: هو الدون الخسيس، وقيل: هو الرديء من كلّ شيء. وثوب رذل ورذيل: وسخ رديء ورذالة كلّ شيء: أردؤه. لسان العرب: 11/281، مادة« رذل».
3. في المصدر بزيادة: المعاني.
4. مجمع البيان: 3/142 بتصرّف.
5. التبتيك: القطع تقول: تبكت الشيء: ابتكه تبتيكا: إذا قطعته: و بتكه و بتك مثل قطعه و قطع، و سيف باتك: قاطع، و المراد في هذا الموضع قطع أذن البحيرة ليعلم أنّها بحيرة، و أراد الشيطان بذلك دعاءهم إلى البحيرة فيستجيبون له، و يعملون بها طاعة له. التبيان: 3/334.

صفحه 40
بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا). 123.

[ التفسير ]

وفي قوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا) فيه أقوال:
أحدها: إلاّ أوثاناً، وكانوا يسمّون الأوثان باسم الإناث: اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأُخرى وأشاف 1 ونائلة، عن أبي مالك والسديّ ومجاهد وابن زيد، وذكره أبوحمزة الثمالي في تفسيره قال: كان في كلّ واحدة منهنّ شيطانة أُنثى تتراءى للسدنة وتكلّمهم، وذلك من صنيع إبليس وهو الشيطان الّذي ذكره اللّه فقال: لعنه اللّه.2 قالوا: واللاّت كان اسماً لصخرة، والعزّى كان اسماً لشجرة إلاّ [أنّهم] نقلوهما إلى الوثن وجعلوهما علماً عليهما ; وقيل: العزّى تأنيث الأعزّ واللاّت تأنيث لفظة (الله) وقال الحسن: كان لكلّ حيّ من العرب وثن يسمّونه باسم الأُنثى.
و ثانيها: أنّ المراد: إلاّ مواتاً، عن ابن عبّاس والحسن وقتادة، فالمعنى: مايعبدون من دون اللّه إلاّ جماداً ومواتاً لايعقل ولاينطق ولايضرّ ولاينفع، فدلّ ذلك على غاية جهلهم وضلالهم، وسمّاها إناثاً لاعتقاد مشركي العرب الأُنوثة في كلّ ما اتّضعت منزلته، ولأنّ الإناث من كلّ جنس أرذله ; وقال الزجّاج: لأنّ الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث تقول: الأحجار تعجبني، ويجوز أن يكون سمّاها إناثاً لضعفها وقلّة خيرها وعدم نصرتها.

1. في المصدر: إساف. وهو الصحيح. وأساف وإساف: اسم صنم لقريش وقيل: إساف ونائلة صنمان كانا لقريش وضعهما عمرو بن لحيي على الصفا والمروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة; وقيل: إنّهما كانا من جرهم إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل ففجروا في الكعبة فمسخا حجرين عبدتهما قريش; وقيل: كانا رجلاً وامرأة دخلا البيت فوجدا خلوة، فوثب إساف على نائلة ; وقيل: فأحدثا فمسخهما اللّه حجرين. لسان العرب: 9/6، مادة«أسف».
2. تفسير أبي حمزة الثمالي: 149.

صفحه 41
و ثالثها: أنّ المعنى: إلاّ ملائكة لأنّهم كانوا يزعمون أنّ الملائكة بنات اللّه وكانوا يعبدون الملائكة، (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا): أي مارداً شديداً في كفره وعصيانه، متمادياً في شركه وطغيانه.
يُسأل عن هذا فيقال: كيف نفى في أوّل الكلام عبادتهم لغير الإناث، ثمّ أثبت في آخره عبادتهم للشيطان، فأثبت في الآخر ما نفاه في الأوّل؟ أجاب الحسن عن هذا فقال: إنّهم لم يعبدوا إلاّ الشيطان في الحقيقة، لأنّ الأوثان كانت مواتاً ما دعت أحداً إلى عبادتها، بل الداعي إلى عبادتها الشيطان فأُضيفت العبادة إليه ; وقال ابن عبّاس: كان في كلّ من أصنامهم شيطان يدعو المشركين إلى عبادتها، فلذلك حَسُن إضافة العبادة إليهما وقيل: ليس في الآية إثبات المنفي بل ما يعبدون إلاّ الأوثان وإلاّ الشيطان، (لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أي معلوماً، وروي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: في هذه الآية من بني آدم تسعة وتسعون في النار وواحدٌ في الجنّة. وفي رواية أُخرى: من كلّ ألف واحد للّه وسائرهم للنار ولإبليس، أوردهما أبوحمزة الثماليّ في تفسيره1،(وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ): يعني 2 طول البقاء في الدنيا فيؤثرونها على الآخرة3; وقيل: أقول لهم: ليس وراءكم بعثٌ ولا نشورٌ ولا جنّةٌ ولا نارٌ فافعلوا ما شئتم; وقيل: معناه: أُمنّينّهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية، وأُزيّن لهم شهوات الدنيا و زهراتها، (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ): أي ليشققنّ آذانها; وقيل: ليقطعنَّ الأُذن من أصلها وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام)، وهذا شيء قد كان مشركو العرب يفعلونه يجدعون آذان الأنعام، ويقال: كانوا يفعلونه بالبحيرة والسائبة (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) أي دين اللّه، عن ابن عبّاس وغيره، وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، وقيل: أراد معنى

1. تفسير أبي حمزة الثمالي: 150.
2. في المصدر بزيادة: أمنينهم.
3. في المصدر: فيؤثرون بذلك الدنيا ونعيمها على الآخرة.

صفحه 42
الخصاء وكرهوا الإخصاء في البهائم; وقيل: إنّه الوشم; وقيل: إنّه أراد الشمس والقمر والحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها.1
وفي قوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) قيل: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى باللّه منكم، فقال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا يقضي على الكتب، وديننا الإسلام، فنزلت الآية، فقال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء فأنزل اللّه تعالى الآية الّتي بعدها: (وَمَن يَعْمَل مِن الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَر أو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ)ففلح المسلمون; وقيل: لمّا قالت اليهود: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه، وقال أهل الكتاب: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى، نزلت.(2)
وقال تعالى: (يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِك فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِك وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيًما * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ2 وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ

1. مجمع البيان: 3/193ـ195.   2 . مجمع البيان: 3/197.
2. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن: 20: وليس التشبيه هاهنا فعلاً من غيرهم بهم، و إنّما شبّهوا هم على أنفسهم، أي تصرّفوا مع الشبهة دون اليقين، كما يقال: «أين يذهب بك» و المراد: أين تذهب، و نظائر ذلك كثيرة.

صفحه 43
مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا1 * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا* فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا* أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَـوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً).153 ـ 162 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ) روي أنّ كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا: يا محمّد إن كنت نبيّاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أُوتي موسى بالتوراة جملة فنزلت; وقيل: إنّهم سألوا أن ينزّل على رجال منهم بأعيانهم كتاباً يأمرهم اللّه فيه بتصديقه واتّباعه; وروي أنّهم سألوا أن ينزّل عليهم كتاباً خاصّاً لهم; قال الحسن: إنّما سألوا ذلك للتعنّت والتحكّم في طلب المعجزة، لا لظهور

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 20: وفي الآية استعارتان: إحداهما: قوله: (إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ)هاهنا جعل بمنزلة الداعي الذي يطاع أمره و القائد الذي يتبع أثره مبالغة في صفة الظن بشدة الاستيلاء عليهم و قوة الغلبة على عقولهم: والاستعارة الأُخرى: أن يكون قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) راجعاً إلى الظن لا إلى المسيح(عليه السلام)، فكأنّه تعالى قال: و ما قتلوا الظن يقيناً، كما يقول القائل: قد قتلت الخبر علماً، و من أمثالهم: قتل أرضاً عالمها، و قتلت أرض جاهلها، و المراد بقولهم «قتلت الخبر علماً» أي استقصيت معرفته و استخرجت دخيلته فلم يفتني شيء من علمه فكنت كأنّي قاتل له، أي ألم أبق شيئاً يعلم من كنهه كما لم يبق القائل في المقتول شيئاً من نفسه، و على هذا قولهم: أصاب فلان شاكلة الأمر و طبق مفصل الرأي، أي أدرك حقيقته و بلغ مصدوقته، و الشاكلة الخاصرة هاهنا و هي من مقاتل الحيوان.

صفحه 44
الحقّ، ولو سألوه ذلك استرشاداً لا عناداً لأعطاهم اللّه ذلك.1
وفي قوله: (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ)أي كانت حلالاً لهم قبل ذلك، فلمّا فعلوا ما فعلوا اقتضت المصلحة تحريم هذه الأشياء عليهم وهي ما بيّن في قوله سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر)(2) الآية.2
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ3 فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِنْهُ

1. مجمع البيان: 3/228ـ229.   2 . الأنعام: 146.
2. مجمع البيان: 3/238.
3. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 21: و قوله تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ)هاهنا إستعارة، و المراد بذلك أنّ الناس ينتفعون بهداه و يحيون من موت الضلالة برشده، كما تحيا الأجسام بأرواحها و تتصرّف بحركاتها.

صفحه 45
وَفَضْل وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيماً). 170 ـ 175.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) قيل: إنّه خطاب لليهود والنصارى، لأنّ النصارى غلت في المسيح فقالوا: هو ابن اللّه، وبعضهم قال: هو اللّه، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة: الأب والإبن وروح القدس; واليهود غلت فيه حتّى قالوا: ولد لغير رشدة1، فالغلوّ لازم للفريقين; وقيل: للنصارى خاصّة.2
(وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ) هذا خطاب للنصارى، أي لاتقولوا: آلهتنا ثلاثة; وقيل: هذا لايصحّ، لأنّ النصارى لم يقولوا بثلاثة آلهة، ولكنّهم يقولون: إله واحد، ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح القدس، ومعناه: لاتقولوا: اللّه ثلاثة، وقد شبّهوا قولهم: جوهر واحد ثلاثة أقانيم بقولنا: سراج واحد، ثمّ نقول: إنّه ثلاثة أشياء: دهن وقطن ونار، وشمس واحدة وإنّما هي جسم وضوء وشعاع، وهذا غلطٌ بعيدٌ، لأنّا لانعني بقولنا: سراجٌ واحد أنّه شيءٌ واحد، بل هو أشياء على الحقيقة، وكذلك الشمس، كما تقول: عشرة واحدة، وإنسان واحد، ودار واحدة، وإنّما هي أشياء متغايرة; فإن قالوا: إنّ اللّه شيء واحدٌ وإله واحدٌ حقيقةً فقولهم: ثلاثة متناقضة، وإن قالوا: إنّه في الحقيقة أشياء كما ذكرناه فقد تركوا القول بالتوحيد والتحقوا بالمشبّهة، وإلاّ فلا واسطة بين الأمرين، انتهى.3
وقال الرازيّ في تفسيره: المعنى: لاتقولوا: إنّ اللّه سبحانه واحدٌ بالجوهر، ثلاثة بالأقانيم.

1. يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية وفي المجاز: ولد فلان لرشدة ـ بفتح الراء وبكسرها ـ إذا صحّ نسبه، ضد لزنية. تاج العروس: 4/453، مادة «رشد».
2. مجمع البيان: 3/274.
3. مجمع البيان: 3 / 248 ـ 249.

صفحه 46
و اعلم أنّ مذهب النصارى مجهول جدّاً، والّذي يتحصّل منهم أنّهم أثبتوا ذاتاً موصوفاً بصفات ثلاثة، إلاّ أنّهم وإن سمّوا تلك الصفات بأنّها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنّهم يجوّزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم، ولولا أنّها ذوات قائمة بأنفسها لما جوّزوا عليها أن يحلّ في الغير و أن يفارق ذاتاً إلى أُخرى، فهم وإن كانوا يسمّونها بالصفات إلاّ أنّهم في الحقيقة يثبتون ذواتاً متعدّدةً قائمةً بأنفسها، وذلك محض الكفر.
ثمّ قال: اختلفوا في تعيين المبتدأ لقوله: (ثَلاَثَةٌ) على أقوال:
الأوّل: ما ذكرناه، أي ولاتقولوا: الأقانيم ثلاثة.
الثاني: قال الزجّاج: ولاتقولوا: آلهتنا ثلاثة، وذلك لأنّ القرآن يدلّ على أنّ النصارى يقولون: إنّ اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ).1
الثالث: قال الفرّاء: ولاتقولوا هم ثلاثة كقوله: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَة)(2)، وذلك لأنّ ذكر عيسى ومريم مع اللّه بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين; وبالجملة فلانرى مذهباً في الدنيا أشدّ ركاكةً وبعداً عن العقل من مذهب النصارى.(3)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة المائدة   
[ما جاء في سورة المائدة]
المائدة (5): (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ «إلى قوله»: فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ2 وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَة مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ

1. المائدة: 116.               2 . الكهف:22.   3 . تفسير الرازي: 11/116ـ117.
2. قال الرضي(رحمه الله) في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 18: و هذه استعارة، و المراد بها ـ والله أعلم ـ أنّهم يعكسون الكلام عن حقائقه و يزيلونه عن جهة صوابه، حملاً له على أهوائهم، وعطفاً على آرائهم.

صفحه 47
وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ1 إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِك مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِك الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ2 أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 10 ـ 19.

[ التفسير ]

وقال الطبرسي(رحمه الله) في قوله تعالى:(فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ): أي بين اليهود والنصارى.

1. فأغرينا بينهم العداوة و البغضاء: أي هيّجناها بينهم. و يقال: أغرينا أي ألصقنا بهم ذلك مأخوذ من الغراء. تفسير غريب القرآن للطريحي: 55.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 22: و هذه استعارة، و المراد على انقطاع الإرسال إلى الأُمم و خلوّ الزمان من مباعث الرسل تشبيهاً بحال إرسال الأنبياء إلى أُممهم ثم حال توفّيهم بعد أداء شرائعهم بتقرّب النار ثم خمودها، و اضطرامها ثم فتورها.

صفحه 48
وقيل: المراد بين أصناف النصارى خاصّة لأهوائهم المختلفة في الدين، وذلك أنّ النسطوريّة.1 قالت: إنّ عيسى ابن اللّه، واليعقوبيّة2: إنّ اللّه هو المسيح بن مريم، والملكانيّة3 وهم الروم قالوا: إنّ اللّه ثالث ثلاثة: اللّه وعيسى ومريم.4
وفي قوله: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ): قيل: إنّ اليهود قالوا: نحن في القرب من اللّه

1. النسطورية أو النساطرة: طائفة من المسيحيين ينتسبون إلى نسطوريوس بطريرك القسطنطينة المتوفّى في 450 من الميلاد، وقال الشهرستاني: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرّف في الأناجيل بحكم رأيه، قال: إنّ اللّه تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى(عليه السلام)كإشراق الشمس في كوة أو على بلورة، أو كظهور النقش في الشمع إذا طبع الخاتم، وزعموا أنّ الابن لم يزل متولداً من الأب وإنّما تجسّد واتّحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتّحدا، وهما جوهران اقنومان طبيعتان: جوهر قديم وجوهر محدث، إله تام وإنسان تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم ولا حدوث المحدث، لكنّهما صارا مسيحاً واحداً ومشيئة واحدة. الملل والنحل: 1/224ـ225.
2. واليعقوبية أو اليعاقبة طائفة أُخرى ينسبون إلى يعقوب البردعي أُسقف الرها، وقيل: إنّهم أهل مذهب ديسقورس; وقيل: غير ذلك، قال الشهرستاني: إنّهم قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلاّ أنّهم قالوا انقلبت الكلمة لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو. وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).[المائدة:17 ]فمنهم من قال: إنّ المسيح هو اللّه تعالى، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو. الملل والنحل: 1/225 ـ 226.
3. الملكانية أو الملكائية، قال الشهرستاني: هم أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها ومعظم الروم ملكائية، قالوا: إنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح وتدرّعت بناسوته، وصرّحوا بأنّ الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرّحوا بإثبات التثليث، وقالوا: المسيح ناسوت كلّي لا جزئي، وهو قديم أزلي من قديم أزلي، ولقد ولدت مريم إلهاً أزلياً، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت. الملل والنحل: 1/222.
4. مجمع البيان: 3/299.

صفحه 49
بمنزلة الابن من أبيه، والنصارى كما قالوا: المسيح1 ابن اللّه جعلوا نفوسهم أبناء اللّه وأحبّاءه، لأنّهم تأوّلوا ما في الإنجيل من قول المسيح: «أذهب إلى أبي وأبيكم» عن الحسن; وقيل: إنّ جماعة من اليهود منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وزيد بن التابوه وغيرهم قالوا لنبيّ اللّه حين حذّرهم بنقمات اللّه وعقوباته: لاتخوّفنا فإنّا أبناء اللّه وأحبّاؤه، وإن غضب علينا فإنّما يغضب كغضب الرجل على ولده، يعني أنّه يزول عن قريب، عن ابن عبّاس ; وقيل: إنّه لمّا قال قوم: إنّ المسيح ابن اللّه أجرى ذلك على جميعهم كما تقول العرب: هذيل شعراء، أي فيهم شعراء.(2)
وقال سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ2 وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لاََكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ).64 ـ 66 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) أي مقبوضة عن العطاء، ممسكةٌ

1 . في المصدر: لمّا قالوا للمسيح.   2 . مجمع البيان: 3/304.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 25: وهذه استعارة; لأنّ التوراة لايصحّ عليها القيام، و إنّما المراد: و لو أنّهم نفذوا حكمها و اتّبعوا نهجها و عملوا بما فيها و لم يحرّفوا كلمها من قولهم أقام فلان قناة الدين إذا حكم بالحق و أمر بالعدل.

صفحه 50
عن الرزق فنسبوه إلى البخل، عن ابن عبّاس وغيره، قالوا: إنّ اللّه كان قد بسط على اليهود حتّى كانوا من أكثر الناس مالاً، وأخصبهم ناحيةً، فلمّا عصوا اللّه في محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّبوه كفّ اللّه عنهم ما بسط عليهم من السعة فقال عند ذلك فنحاص بن عازوراء: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) ولم يقل: إلى عنقه. قال أهل المعاني: إنّما قال فنحاص ولم ينهه الآخرون ورضوا بقوله فأشركهم اللّه في ذلك; وقيل: معناه: يد اللّه مكفوفةٌ عن عذابنا، فليس يعذّبنا إلاّ بما يبرّ به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل; وقيل: إنّه استفهام وتقديره: أيد اللّه مغلولة عنّا حيث قتر المعيشة علينا؟ وقال أبو القاسم البلخيّ: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدّي إلى أنّ اللّه تعالى يبخل في حال، ويجود في حالة أُخرى، فحكى ذلك عنهم على وجه التعجيب منهم والتكذيب لهم، ويجوز أن يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء من حيث لم يوسّع على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)1 وليس ينبغي أن يتعجّب من قوم يقولون لموسى:(إجعَل لَنا إلهاً كَما لهُم آلِهةٌ)(2) ويتّخذون العجل إلهاً أن يقولوا: إنّ اللّه
يبخل تارة ويجود أُخرى; وقال الحسين2 بن عليّ المغربيّ: حدّثني بعض اليهود

1. في المصدر بزيادة: وعلى أصحابه.   2 . الأعراف: 137.
2. في بحار الأنوار: الحسن، والصحيح ما أثبتاه. وهو أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن بادان أو باذان بن ساسان بن الحرون بن بلاش بن جاماس بن فيرزان بن يزدجرد بن بهرام جور المعروف بالوزير المغربي. كان من العلماء الأدباء الدهاة ولد بمصر سنة 370 هـ ، وقتل الحاكم الفاطمي أباه، فهرب إلى الشام سنة 400 هـ ، وحرّض حسان بن المفرج الطائي على عصيان الحاكم فلم يفلح، فرحل إلى بغداد، فاتّهمه القادر العباسي لقدومه من مصر، فانتقل إلى الموصل واتصل بقرواش بن المقلد وكتب له، ثم عاد عنه. وتقلّبت به الأحوال إلى أن استوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد عشرة أشهر وأياماً، واضطرب أمره فلجأ إلى قرواش، فكتب الخليفة إلى قرواش بإبعاده ففعل، فسار إلى ابن مروان بديار بكر وأقام بميافارقين إلى أن توفّي في شهر رمضان من سنة 418 هـ ; وقيل: مات مسموماً. و حمل إلى الكوفة بوصية منه فدفن بجوار مشهد الإمام علي (عليه السلام).
ترحّم عليه العلاّمة الحلّي في خلاصته وعبّر عنه بشيخنا. له كتب منها: اختيار شعر أبي تمام، اختيار شعر المتنبي والطعن عليه، مختصر اصلاح المنطق في اللغة، ديوان شعر ونثر، وغيرها. وهو الذي وجّه إليه أبو العلاء المعري رسالة المنيح. الأعلام: 2/245; الخلاصة: 120 برقم 29، وله ترجمة ضافية في أعيان الشيعة: 6/111 برقم 220. ولشيخنا السبحاني مقال في ترجمته لاحظ : الرسائل والمقالات الجزء 9 / 259 ـ 273 .

صفحه 51
بمصر أنّ طائفة منهم قالت ذلك.1
أقول: قال الرازي: لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة; وهو أنّ اللّه تعالى موجب لذاته، وأنّ حدوث الحوادث عنه لايمكن إلاّ على نهج واحد وسنن واحد، وأنّه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه الّتي عليها يقع، فعبّروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغلّ اليد.(2)
وقال الطبرسيّ(رحمه الله) في قوله:(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) فيه أقوال:
أحدها: أنّه على سبيل الإخبار، أي غلّت أيديهم في جهنّم .
وثانيها: أن يكون خرج مخرج الدعاء كما يقال: قاتله اللّه.
وثالثها: أنّ معناه: جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم، فلم يُلق يهوديُّ أبداً غير لئيم بخيل.2
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ): أي لحرب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي هذا دلالة ومعجزة، لأنّ اللّه أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشدّ أهل الحجاز بأساً، وأمنعهم داراً، حتّى أنّ قريشاً تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى مخالفتهم وتتكثّر بنصرتهم، فأباد اللّه خضراءهم، واستأصل شأفتهم 3،

1. مجمع البيان: 3/377.      2 . تفسير الرازي: 12/41.
2. مجمع البيان: 3/377.
3. الشأفة: قرحة تخرج بباطن القدم فتقطع، أو تكوى فتذهب; وقيل: الشأفة: الأصل: واستأصل اللّه شأفته: وهو مجاز ومعناه: أزاله من أصله، أو: أذهبه كما تذهب تلك القرحة. تاج العروس: 6/150، مادة«شأف».

صفحه 52
واجتثّ أصلهم، فأجلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بني النضير وبني القينقاع، وقتل بني قريظة، وشرّد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان أهل وادي القرى، فمحا اللّه سبحانه آثارهم صاغرين.1
وفي قوله:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا) هذا مذهب اليعقوبيّة منهم لأنّهم قالوا إنّ اللّه تعالى اتّحد بالمسيح اتّحاد الذات فصارا شيئاً واحداً وصار الناسوت لاهوتاً2.3
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * «إلى قوله سبحانه»: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ

1. مجمع البيان: 3/378ـ379.
2. الناسوت: الطبيعة الإنسانية، أصله الناس، زيدت في آخره: واو وتاء مبالغة كملكوت، واللاهوت: الإلوهة، وأصله: لاه بمعنى إله، ويجوز أن يكون من لاه يليه بمعنى علا وارتفع. وقيل: إنّه من مولدات الصوفية أخذوها من الكتب الإسرائيلية، وقد ذكر الواحدي أنّهم يقولون للّه لاهوت، وللناس ناسوت وهي لغة عبرانية تكلّمت بها العرب قديماً. راجع تاج العروس:9/410، مادة «لاه».
3. مجمع البيان: 3/391.

صفحه 53
الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * «إلى قوله»: تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ذَلِك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسيِنَ1 وَرُهْبَانًا2وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِك جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ). 68 ـ 85 .

[ التفسير ]

قال الرازي في تفسير قول النصارى: (ثَالِثُ ثَلاَثَة) طريقان: الأوّل: قول المفسّرين و هو أنّهم أرادوا أنّ اللّه ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والثاني: أنّ المتكلّمين حكوا عن النصارى أنّهم يقولون: جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أنّ الشمس اسم يتناول القرص والشعاع

1. القَسّ جمعه: قسس و قسيسون: مرتبة دينية بين الأسقف و الشماس عند النصارى، و قيل: رئيس النصارى في الدين و العلم، و قيل هو الكبير العالم. والكلمة سريانية معناها: الشيخ. معجم لغة الفقهاء لمحمد قلعچي: 362، تاج العروس: 8/414، مادة «قسس».
2 . رهب: خاف، وترهّب الرجل إذا صار راهباً يخشى الله، والراهب: المتعبّد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، والجمع: الرهبان. لسان العرب:1/437، مادة «رهب».

صفحه 54
والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إنّ الكلمة التي هي كلام اللّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر والماء باللّبن، وزعمت أنّ الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكلّ إله واحد; واعلم أنّ هذا معلوم البطلان ببديهة العقل فإنّ الثلاثة لاتكون واحداً، والواحد لايكون ثلاثة، ولانرى في الدنيا مقالة أشدّ فساداً من مقالة النصارى.1
وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ): أي من اليهود (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)يريد كفّار مكّة، يُريد بذلك كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا2 المشركين على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما مرّ ; وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): «يتولّون الملوك الجبّارين ويزيّنون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم»3.4
وقال تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ). 103 ـ 104.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَك مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ

1 . تفسير الرازي: 12/60.
2. في بحار الأنوار استحاشوا، والصحيح ما أثبتناه من المصدر. واستجاشوا: أي طلبوا منهم جيشاً. صحاح الجوهري: 3/999، مادة« جيش».
3. التبيان: 3/611.
4 . مجمع البيان: 3/397.

صفحه 55
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك1 إِنَّك أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 116 ـ 120 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة) يريد: ما حرّمها أهل الجاهليّة، والبحيرة: هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أُذنها2وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تطرد من ماء، ولاتمنع من مرعى، فإذا لقيها المعيي لم يركبها; وقيل: إنّهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء جميعاً، وإن كانت أُنثى شقّوا أذنها فتلك البحيرة، ثمّ لايجزّ لها وبر، ولايذكر عليها اسم اللّه إن ذكّيت، ولا حُمل عليها، وحرّم على النساء أن يذقن من لبنها شيئاً، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصّة دون النساء حتّى تموت، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها، عن ابن عبّاس; وقيل: إنّ البحيرة بنت السائبة.

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 26: و هذه استعارة; لأنّ القديم تعالى لا نفس له، و المراد تعلم: ما عندي ولا أعلم ما عندك، وتعلم حقيقتي و ذاتي و لا أعلم حقيقتك وذاتك، أو تعلم مغيبي ولا أعلم مغيبك، فكأنّ فحوى ذلك تعلم ما أعلم و لا أعلم ما تعلم.
2. بحروا أُذنها: أي شقوها. تاج العروس:3/28، مادة«بحر».

صفحه 56
(وَلاَ سَائِبَة) وهي ما كانوا يسيّبونه،1 فإنّ الرجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو لبرء من علّة أو ما أشبه ذلك فقال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لاينتفع بها وأن لاتخلأ عن ماء، ولاتمنع من مرعى، عن الزجّاج وعلقمة; وقيل: هي الّتي تسيّب للأصنام: أي تعتق لها، وكان الرجل يسيّب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدمة آلهتهم، فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ونحو ذلك، عن ابن عبّاس وابن مسعود; وقيل: إنّ السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهنّ ذكر سيّبت فلم يركبوها، ولم يجزّوا وبرها، ولم يشرب لبنها إلاّ ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أُنثى شقّ أُذنها ثمّ يخلّى سبيلها مع أُمّها.
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأنعام   
(وَلاَ وَصِيلَة) وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أُنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأُنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، عن الزجّاج; وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كانت السابع جدياً ذبحوه لآلهتهم، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عناقاً استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جدياً وعناقاً قالوا: إنّ الأُخت وصلت أخاها فمحرَّمة علينا2 فحُرّما جميعاً، وكانت المنفعة واللّبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل; وقيل: الوصيلة: الشاة إذا أتأمت3عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، فقالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، عن محمّد بن إسحاق.
(وَلاَ حَام) وهو الذكر من الإبل; كانت العرب إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره، فلايحمل عليه، ولايمنع من ماء، ولا من مرعى،

1. من سيبت الدابة، تركتها وأهملتها تسيب حيث شاءت، وساب الفرس يسيب سيباناً: ذهب على وجهه. مجمع البحرين: 2/465،; مادة«سيب».
2. في المصدر: فحرمته علينا.
3. أتأمت المرأة فهي متمم: إذا وضعت اثنين في بطن واحد. مجمع البحرين: 1/279، مادة «تأم».

صفحه 57
عن ابن عبّاس وابن مسعود وغيرهما; وقل: إنّه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلايركب، عن الفرّاء.
أعلم اللّه سبحانه أنّه لم يحرّم من هذه الأشياء شيئاً; وقال المفسّرون:
روي عن ابن عبّاس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف كان
قد ملك مكّة، وكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، فاتّخذ الأصنام، ونصب
الأوثان، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي،
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «فلقد رأيته في النار تؤذي أهل النّار ريح قصبه».1
ويروى: يجرّ قصبه في النار.2
[ما جاء في سورة الأنعام ]
الأنعام (6): (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ «إلى قوله»: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً

1. جامع البيان: 7/117 برقم 9993 و 9994 ; الدر المنثور: 2/338. والقُصْبُ: شعب الحلق وعروق الرئة وهي مخارج الأنفاس ومجاريها. والقُصْب: المعي، والجمع أقصاب، وقيل: القصب اسم للأمعاء كلّها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الإمعاء، ومنه الحديث: «الذي يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة كالجار قصبه في النار». لسان العرب: 1/676، مادة «قصب».
2. مجمع البيان: 3/431ـ433.

صفحه 58
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِك فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا1 وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوك يُجَادِلُونَك يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ2 وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * «إلى قوله»: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْك إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ

1. الأكنّة: الأغطية. و الوقر: الصمم. تفسير القمي: 1/196.
2. النأي: البعد، ينأون: أي يتباعدون عنه، تقول: نأيت عن الشيء إذا بعدت عنه. التبيان: 4/107.

صفحه 59
السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ1 * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَك إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ * «إلى قوله»: قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ * وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلْ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا2وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيل * لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ

1. يصدفون: أي يعرضون عن تأمّلها و التفكّر فيها، يقال: صدف عنه إذا أعرض. التبيان: 4/140.
2. أي فرقاً مختلفة الأهواء والنزعات.

صفحه 60
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّك الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). 1 ـ 71 .

[ التفسير ]

وفي قوله:(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا) نزلت في النضر بن الحارث1 وعبد اللّه بن أبي أُميّة2 ونوفل بن خويلد3 قالوا: يا محمّد لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند اللّه ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنّه من عند اللّه وأنّك

1. في مجمع البيان: النصر بن الحرث، وما أثبتناه من المصادر الرجالية والحديثية. وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، من وجوه قريش وشياطينها. له اطّلاع على كتب الفرس وغيرهم، وقيل: هو أوّل مَن غنّى على العود بألحان الفرس. وهو ابن خالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمّا ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهلية وآذى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كثيراً وشهد وقعة بدر مع مشركي قريش، وكان حامل لوائهم فأسره المسلمون، وقتلوه بالأثيل (قرب المدينة) بعد انصرافهم من الواقعة في سنة 2 للهجرة. الأعلام:8/33.
2. في بحار الأنوار: عبداللّه بن أميّة، والصحيح ما أثبتناه من المصادر الرجالية. وهو عبداللّه بن أبي أُميّة بن المغيرة بن عبداللّه بن عمرو بن مخزوم واسم أبي أُمية حذيفة: وهو أخو أُم سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ; وأُمّه عاتكة عمّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم). وكان شديداً على المسلمين مخالفاً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي قال له: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل، وكان شديد العداوة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يزل كذلك إلى عام الفتح وهاجر إلى النبي قبيل الفتح مع أبي سفيان فالتمسا الدخول عليه فمنعهما، فكلّمته أُمّ سلمة فيهما فأذن لهما، فدخلا عليه وأسلما. شهد مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فتح مكة وحنيناً والطائف وقتل فيها. أُسد الغابة:3/118; مستدركات علم رجال الحديث:4/466 برقم 7595.
3. نوفل بن خويلد بن أسد القرشي، من أشد قريش أذى للمسلمين في الجاهلية، شهد الوقائع مع قريش، قتله علي بن أبي طالب (عليه السلام)يوم بدر. الأعلام: 8/54.

صفحه 61
رسوله (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ)أي لما آمنوا به، فاقتضت الحكمة استيصالهم وأن لايمهلهم. (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا) أي الرسول، أو الّذي ينزل عليه ليشهد بالرسالة (لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً) لأنّهم لايستطيعون أن يروا الملك في صورته، لأنّ أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلاّ بعد التجسّم بالأجسام الكثيفة (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) قال الزجّاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقولون: إنّما هذا بشر مثلكم، فقال: لو أنزلنا مَلكاً فرأوهم1 الملك رجلاً لكان يلحقهم من اللّبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم، وهذا احتجاج عليهم بأنّ الّذي طلبوه لايزيدهم بياناً; وقيل: معناه: ولو أنزلنا ملكاً لما عرفوه إلاّ بالتفكّر وهم لايتفكّرون، فيبقون في اللّبس الّذي كانوا فيه، وأضاف اللّبس إلى نفسه لأنّه يقع عند إنزاله الملائكة.2
وفي قوله:(قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً) قال الكلبيّ: أتى أهل مكّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: ما وجد اللّه رسولاً غيرك ; ما نرى أحداً يصدّقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنّه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا مَن يشهد أنّك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما تزعم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.(3)
وفي قوله: (وَمَنْ بَلَغَ) في تفسير العيّاشيّ: قال أبو جعفر وأبو عبداللّه(عليهما السلام): معناه: ومن بلغ أن يكون إماماً من آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)3.4
وفي قوله: (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) قال أبوحمزة الثماليّ: لمّا قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة قال عمر لعبد اللّه بن سلام: إنّ اللّه أنزل على نبيّه أنّ أهل الكتاب يعرفونه

1. في المصدر: فرأواهم، وفي التبيان: 4/84; فرأوا الملك رجلاً.
2. مجمع البيان: 4/12ـ14.      3 . مجمع البيان: 4/22.
3. تفسير العياشي: 1/356 ح13.
4. مجمع البيان: 4/22.

صفحه 62
كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة؟ قال: نعرف نبيّ اللّه بالنعت الّذي نعته اللّه إذا رأيناه فيكم؟ كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان، وأيم اللّه الذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمّد أشدّ معرفة منِّي بابني، فقال له: كيف؟ قال عبد اللّه: عرفته بما نعته اللّه لنا في كتابنا فأشهد أنّه هو، فأمّا ابني فإنّي لاأدري ما أحدثت أُمّه، فقال: قد وفّقت وصدقت وأصبت1.(2)
وفي قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك) قيل: إنّ نفراً من مشركي مكّة منهم النضر بن الحارث وأبوسفيان بن حرب والوليد بن مغيرة وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وغيرهم جلسوا إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمّد؟ فقال: أساطير الأوّلين مثل ما كنت أُحدّثكم عن القرون الماضية. وأساطير الأوّلين أحاديثهم الّتي كانوا يسطّرونها; وقيل: معنى الأساطير الترّهات والبسابس2، مثل حديث رستم وإسفنديار وغيره ممّا لا فائدة فيه.3
وفي قوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك الَّذِي يَقُولُونَ): أي ما يقولون إنّك شاعرٌ أو مجنون وأشباه ذلك (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك) قرأ نافع والكسائيّ والأعشى عن أبي بكر: (لاَ يُكَذِّبُونَك) بالتخفيف، وهو قراءة عليّ(عليه السلام) والمرويّ عن الصادق(عليه السلام)4، والباقون بفتح الكاف والتشديد. وفيه وجوه:

1. تفسير أبي حمزة الثمالي:162.   2 . مجمع البيان: 4/23; بحار الأنوار: 22/ 62.
2. الترّهات: الأباطيل، وقيل: البواطل من الأُمور. واستعير في الباطل فقيل: الترّهات البسابس والترّهات الصحاصح، وهو من أسماء الباطل، وربّما جاء مضافاً أي ترهات البسابس أي جاء بالكذب والتخليط والبسابس التي فيها شيء من الزخرفة. لسان العرب: 13/480، مادة «تره».
3. مجمع البيان: 4/28ـ30.
4. روى الكليني في الكافي: 8/200، في قراءة قوله تعالى: (فَإِنَّهُم لاَ يُكَذِّبُونَك). باسناده عن عمران بن ميثم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)فقال: «بلى والله لقد كذبوه أشد التكذيب ولكنّها مخففة (لاَ يُكَذِّبُونَك) لا يأتون بباطل يكذبون به حقّك».

صفحه 63
أحدها: لايكذّبونك بقلوبهم اعتقاداً، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عناداً، وهو قول الأكثر، ويشهد له ما رواه سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدنيّ أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لقى أباجهل صافحه أبوجهل، فقيل له في ذلك فقال: واللّه إنّي لأعلم أنّه صادق، ولكنّا متى كنّا تبعاً لعبد مناف; فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.1
وقال السدّيّ: التقي أخنس بن شريق وأبوجهل بن هشام فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أصادق هو أم كاذب؟ فإنّه ليس هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبوجهل: ويحك واللّه إنّ محمّداً لصادق وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنوقصيّ باللّواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟2
وثانيها: أنّ المعنى: لايكذّبونك بحجّة، ولا يتمكّنون من إبطال ما جئت به ببرهان، ويدلّ عليه ما روي عن عليّ(عليه السلام) أنّه كان يقرأ ( لاَ يُكَذِّبُونَك)ويقول: إنّ المراد بها أنّهم لايأتون بحقّ هو أحقّ من حقّك.
وثالثها: أنّ المراد لايصادفونك كاذباً كما تقول العرب: قاتلناكم فما أجبنّاكم، أي ما أصبناكم جبناء، ولا يختصّ هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف، لأنّ أفعلت وفعّلت يجوزان في هذا الموضع، وأفعلت هو الأصل فيه.
ورابعها: أنّ المراد: لاينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنّك كنت عندهم أميناً صدوقاً، وإنّما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات اللّه، وروي أنّ أباجهل قال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): لانتّهمك ولا نكذّبك، ولكنّنا نتّهم الّذي جئت به ونكذّبه.3
وخامسها: أنّ المراد: لايكذّبونك بل يكذّبونني، فإنّ تكذيبك راجع إليّ

1 . تفسير الثعلبي: 4 / 144 .
2. الكشاف: 2/15; جامع البيان: 7/240 برقم 10275; تفسير الثعلبي: 4/144.
3. جامع البيان: 7/240 برقم 10277 ; تفسير السمرقندي: 1/465 ; تفسير الثعلبي: 4/145.

صفحه 64
ولست مختصّاً به، لأنّك رسولٌ، فمن ردّ عليك فقد ردَّ عليّ.1
وفي قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ) أي تطلب وتتّخذ (نَفَقًا فِي الأَرْضِ)أي سرباً ومسكناً في جوف الأرض (أَوْ سُلَّمًا): أي مصعداً(فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة)أي حجّة تلجئهم إلى الإيمان فافعل; وقيل: فتأتيهم بآية أفضل ممّا آتيناهم به فافعل (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) أي يصغون إليك و يتفكّرون في آياتك فإنّ من لم يتفكّر ولم يستدلّ بالآيات بمنزلة من لم يسمع (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ)يريد: إنّ الّذين لا يصغون إليك ولايتدبّرون بمنزلة الموتى فلايجيبون إلى أن يبعثهم اللّه يوم القيامة.2
(وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): أي ما اقترحوا عليه من مثل آيات الأوّلين 3 كعصا موسى وناقة ثمود (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ما في إنزالها من وجوب الاستيصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها، وما في الاقتصار بهم على ما أُوتوه من الآيات من المصلحة.4
وفي قوله: (هَلْ يُهْلَك إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ): أي الّذين يكفرون باللّه ويفسدون في الأرض، فإن هلك فيه مؤمنٌ أو طفلٌ فإنّما يهلك محنةً، ويعوّضه اللّه على ذلك أعواضاً كثيرة يصغر ذلك في جنبها.5
وفي قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): أي العارف باللّه سبحانه العالم

1. مجمع البيان: 4 / 41ـ43.
2. في المصدر: يريد: إنّ الّذين لايصغون إليك من هؤلاء الكفّار ولايتدبّرون فيما تقرأه عليهم وتبينه لهم من الآيات والحجج بمنزلة الموتى، فكما آيست أن تسمع الموتى كلامك إلى أن يبعثهم فكذلك فأيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك، وتقديره، إنّما يستجيب المؤمن السامع للحق فأمّا الكافر فهو بمنزلة الميّت فلايجيب إلى أن يبعثه اللّه يوم القيامة فيلجئه إلى الإيمان.
3. في المصدر: اقترحوا عليه مثل آيات الأوّلين.
4. مجمع البيان: 4/45ـ47.
5. مجمع البيان: 4/58.

صفحه 65
بدينه، والجاهل به وبدينه، فجعل الأعمى مثلاً للجاهل، والبصير مثلاً للعارف باللّه وبنبيّه، وفي تفسير أهل البيت(عليهم السلام): هل يستوي من يعلم ومن لا يعلم».1
وفي قوله: (الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) يريد: المؤمنين يخافون القيامة وأهوالها; وقيل: معناه: يعلمون، وقال الصادق(عليه السلام): «أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربّهم برغبتهم فيما عنده، فإنّ القرآن شافع مشفّع».(2)
وفي قوله: (مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) قيل: معناه الّذي تطلبونه من العذاب كأن يقولون: يا محمّد إئتنا بالّذي تعدنا; وقيل: هي الآيات الّتي اقترحوها عليه استعجلوه بها، فأعلم اللّه سبحانه أنّ ذلك عنده.2
وفي قوله: (مِنْ فَوْقِكُمْ) قيل: عنى به الصيحة والحجارة والطوفان والريح (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)عنى به الخسف; وقيل: (مِنْ فَوْقِكُمْ): أي من قبل كباركم (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)من سفلتكم وقيل: (مِنْ فَوْقِكُمْ) السلاطين الظلمة (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)العبيد السوء ومن لا خير فيه، وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(4) (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا): أي يخلطكم فرقاً مختلفي الأهواء لاتكونون شيعة واحدة; وقيل: هو أن يكلهم إلى أنفسهم ويخلّيهم من ألطافه بذنوبهم السالفة; وقيل: عنى به: يضرب بعضهم ببعض بما يلقيه بينهم من العداوة والعصبيّة وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض): أي قتال بعض وحرب بعض; وقيل: هو سوء الجوار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(5)
وفي تفسير الكلبيّ: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فتوضّأ وأسبغ وضوءه، ثمّ قام وصلّى فأحسن صلاته، ثمّ سأل اللّه سبحانه أن لايبعث على أُمّته عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولايلبسهم شيعاً، ولايذيق بعضهم بأس

1. مجمع البيان: 4/59.   2 . مجمع البيان: 4/60.
2. مجمع البيان: 4/69.      4 . مجمع البيان: 4/77.   5 . تفسير القمي: 1/204; التبيان: 4/163.

صفحه 66
بعض، فنزل جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد إنّ اللّه تعالى سمع مقالتك، وأنّه قد أجارهم من خصلتين، ولم يجرهم من خصلتين: أجارهم من أن يبعث عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولم يجرهم من الخصلتين الأُخريين، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرئيل فما بقاء أُمّتي مع قتل بعضهم بعضاً؟ فقام وعاد إلى الدعاء فنزل(الم * أ حَسِبَ النَّاس)الآيتين1 فقال: لابدّ من فتنة تبتلي بها الأُمّة بعد نبيّها ليتبيّن الصادق من الكاذب، لأنّ الوحي انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.(2)
وقال أبوجعفر(عليه السلام): لمّا نزل (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
قال المسلمون: كيف نصنع إن كان كلّما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذاً المسجد الحرام ولانطوف بالبيت الحرام، فأنزل اللّه تعالى:(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء)2: أمرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا.3
وفي قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ) استهوته من قولهم: هوى من حالق:4 إذا تردّى5، ويشبّه به الّذي زلّ عن الطريق المستقيم; و قيل: استغوته الغيلان في المهامة:6 وقيل: دعته الشياطين إلى اتّباع الهوى; و قيل: أهلكته; وقيل: ذهبت به (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى): أي إلى الطريق

1. العنكبوت: 1ـ2.   2 . مجمع البيان: 4/78ـ79.
2. الأنعام:69.
3. مجمع البيان: 4/80.
4. الحالق من الجبال: المنيف المشرف، ولايكون إلاّ مع عدم نبات، ويقال: جاء من حالق: أي من مكان مشرف مرتفع. لسان العرب: 10/59، مادة«حلق».
5. في المصدر: تردّى منه.
6. المهامة جمع المهمهة وهي المفازة البعيدة، وأرض مهامة: بعيدة، ويقال: المهمه: البلدة المقفرة. لسان العرب: 13/542، مادة« مه مه».

صفحه 67
الواضح، يقولون له: (ائْتِنَا) ولايقبل منهم ولايصير إليهم; لأنّه قد تحيّر لاستيلاء الشيطان عليه.1
وقال سبحانه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون * «إلى قوله تعالى»: وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم2 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ «إلى قوله»: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ * وَكَذَلِك نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ3 وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ

1. مجمع البيان: 4/85.
2. قال الرضي (رحمه الله) في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 29: هذه استعارة، و المراد أنّهم ادّعوا له سبحانه بنين و بنات بغير علم، و ذلك مأخوذ من الخرق و هي الأرض الواسعة، و جمعها خروق، لأنّ الريح تنخرق فيها أي تتسع، والخرق من الرجال: الكثير العطاء، فكأنّه ينخرق به، والخرقة جماعة الجراد، والخريقة: الريح الشديدة: الهبوب، و كأن معنى قوله تعالى: (وَخَرَقُوا لَهُ) أي اتّسعوا في دعوى البنين والبنات له وهم كاذبون في ذلك: ومن قرأ: (وَخَرَقُوا)بالتشديد فإنّما أراد تكثير الفعل من هذا الجنس، والاختراق والاختلاق والاختراع والابتشاك بمعنى واحد، وهو الادّعاء للشيء على طريق الكذب والزور.
3. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/228: واللام من قوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) على ضربين: من قال درست بلا ألف فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلاّ يقولوا: درست: كما قال: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) [النساء: 176 ]و معناه لئلاّ تضلّوا و كراهة أن تضلّوا، والمعنى: أنّي فصلت الآيات و أحكمتها لئلاّ يقولوا: إنّها أخبار قد تقدّمت و طال العهد بها و باد من كان يعرفها، كما قالوا: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[النحل: 24]; لأنّ تلك الأخبار لا تخلو من خلل، فإذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن. و الثاني: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ذلك بحضرتنا، أي ليقرّوا بورود الآية عليهم فتقوم الحجة عليهم.

صفحه 68
إِلَيْك مِنْ رَبِّك لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * «إلى قوله سبحانه»: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ * «إلى قوله»: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوك عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * «إلى قوله»: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ1 عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/262: الصغار: الذل الذي يصغر إلى الإنسان نفسه، و قيل في معنى الصغار عند اللّه ثلاثة أقوال: أوّلها: صغار أي ذلّة من عند اللّه، و لايجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر، بمعنى من عنده، لأنّ حذف «من» تلبيس هاهنا. الثاني: قال الفرّاء: اكتسب من ترك اتّباع الحق صغاراً عند اللّه، الثالث: قال الزجاج: يعني صغار في الآخرة، و هو أقواها.

صفحه 69
يَمْكُرُونَ * «إلى قوله»: وَرَبُّك الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْم آخَرِينَ * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لآت وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَلِك زَيَّنَ لِكَثِير مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ «إلى قوله»: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا1 أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذَلِك جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِك كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/306: و اختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي: هي المباعر. وقال ابن زيد: هي بنات اللبن، وقال الجبائي: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها.

صفحه 70
عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَللّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * «إلى قوله»: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ *
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي1 وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ

1. قيل في معنى (وَنُسُكِي) ثلاثة أقوال: أحدها: ذبيحتي في الحج و العمرة: و قيل: نسكي: ديني، وقيل: نسكي: عبادتي. قال الزجاج: و الأغلب عليه أمر الذبح الذي يتقرب به إلى الله و يقولون: فلان ناسك بمعنى عابد، و إنما ضمّ الصلاة إلى أصل الواجبات من التوحيد و العدل، لأنّ فيها التعظيم لله عند التكبير، و فيها تلاوة القرآن التي تدعو إلى كلّ بر، و قرّر فيها الركوع و السجود و هما خضوع لله، و فيها التسبيح وهو تنزيه الله. التبيان: 4/335.

صفحه 71
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). 91 ـ 164.

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف يخاصم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أنشدك بالّذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ اللّه سبحانه يبغض الحبر السمين؟ ـ وكان سميناً ـ فغضب وقال: واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقالوا له أصحابه: ويحك ولا موسى؟ فنزلت الآية، عن سعيد بن جبير; وفي رواية أُخرى عنه: إنّها نزلت في الكفّار أنكروا قدرة اللّه عليهم، فمن أقرَّ أنّ اللّه على كلّ شيء قدير فقد قدر اللّه حقّ قدره; وقيل: نزلت في مشركي قريش، عن مجاهد; وقيل: إنّ الرجل كان فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، عن السديّ; وقيل: إنّ اليهود قالت: يا محمّد أنزل اللّه عليك كتاباً؟ قال: نعم، قالوا: و اللّه ما أنزل اللّه من السماء كتاباً فنزلت، عن ابن عبّاس.(تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ): أي كتباً وصحفاً متفرّقة، أو ذا قراطيس، أي تودعونه إيّاها (تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا): أي تبدون بعضها وتكتمون بعضها وهو ما في الكتب من صفات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإشارة إليه، (وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ) قيل: إنّه خطابٌ للمسلمين; وقيل: هو خطابٌ لليهود، أي علّمتم التوراة فضيّعتموه، أو علّمتم بالقرآن ما لم تعلموا (قُلِ اللهُ): أي الله أنزل ذلك (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ): أي فيما خاضوا فيه من الباطل واللّعب، وهذا الأمر على التهديد.1
وفي قوله:(وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) أراد بالجنّ الملائكة لاستتارهم عن

1 . مجمع البيان: 4/108ـ109 بتصرّف.

صفحه 72
الأعين ; وقيل: إنّ قريشاً كانوا يقولون: إنّ اللّه صاهر الجنّ فحدث بينهم الملائكة، فالمراد الجنّ المعروف; وقيل: أراد بالجنّ الشياطين، لأنّهم أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان (وَخَلَقَهُمْ) الهاء والميم عائدة عليهم، أي جعلوا للّذي خلقهم شركاء لايخلقون، أو على الجنّ فالمعنى: واللّه خالق الجنّ فكيف يكونون شركاء؟ ويجوز أن يكون المعنى: وخلق الجنّ والإنس جميعاً; وقيل: إنّ المراد بالآية المجوس إذ قالوا: يزدان وأهرمن وهو الشيطان عندهم، فنسبوا خلق المؤذيات والشرور والأشياء الضارّة إلى أهرمن، ومثلهم الثنويّة القائلون بالنور والظلمة (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات): أي اختلقوا وموّهوا وافتروا الكذب على الله ونسبوا البنين والبنات إليه، فإنّ المشركين قالوا: الملائكة بنات اللّه، والنصارى قالوا: المسيح ابن اللّه، واليهود قالوا: عزير ابن اللّه(بِغَيْرِ عِلْم): أي بغير حجّة.1
وفي قوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ذلك يا محمّد، أي تعلّمته من اليهود، وهذه اللاّم لام الصيرورة، أي أنّ السبب الّذي أدّاهم إلى أن قالوا: درست، هو تلاوة الآيات.(2)
وفي قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ) قالت قريش: يا محمّد تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب به الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أنّ ثمود كانت له ناقة، فأتنا بآية من الآيات حتّى نصدّقك، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ شيء تحبّون أن آتيكم به؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهباً، وابعث لنا بعض موتانا حتّى نسألهم عنك: أ حقّ ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك، أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً; فقال رسول اللّه: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدّقونني: قالوا: نعم واللّه لئن فعلت لنتّبعنّك أجمعين، وسأل المسلمون رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينزّلها عليهم حتّى يؤمنوا، فقام رسول اللّه يدعو أن

1. مجمع البيان: 4 / 124ـ125.   2 . مجمع البيان: 4/130.

صفحه 73
يجعل الصفا ذهباً، فجاء جبرئيل(عليه السلام)فقال له: إن شئت أصبح الصفا ذهباً، ولكن إن لم يصدّقوا عذّبتهم، وإن شئت تركتهم حتّى يتوب تائبهم; فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): بل يتوب تائبهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، عن الكلبيّ ومحمّد بن كعب.1
(جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ): أي مجدّين مجتهدين مظهرين الوفاء به (إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ): أي هو مالكها والقادر عليها فلو علم صلاحكم لأنزلها (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ): أي في جهنّم عقوبة لهم، أو في الدنيا بالحيرة (وَحَشَرْنَا) أي جمعنا(عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء): أي كلّ آية; وقيل: أي كلّ ما سألوه(قُبُلاً) أي معاينة ومقابلة (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ): أي أن يجبرهم على الإيمان. وهو المرويّ عن أهل البيت(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي قوله: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ): أي من الشاكّين في ذلك، والخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به الأُمّة; وقيل: الخطاب لغيره، أي فلا تكن أيّها الإنسان أو أيّها السامع.3
(وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ): أي ما هم إلاّ يكذبون، أو لايقولون عن علم ولكن عن خرز4 وتخمين 5; وقال ابن عبّاس: كانوا يدعون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين إلى أكل الميتة، ويقولون: أ تأكلون ما قتلتم ولاتأكلون ما قتل ربّكم؟ فهذا إضلالهم.6

1. جامع البيان: 7/406 برقم 10698 ; تفسير الثعلبي: 4/179; تفسير البغوي: 2/122; تفسير ابن كثير: 2/170; الدر المنثور: 3/39، مناقب ابن شهر آشوب: 1/50; بحار الأنوار:18/202.
2. مجمع البيان: 4/135ـ137.
3. مجمع البيان: 4/142.
4. كذا في البحار المطبوع وهو تصحيف، والصحيح: حزر. والحزر: التقدير والخرص وحزر الشيء يحزره حزراً: قدّره بالحدس. لسان العرب: 4/185، مادة «حزر».
5. في المصدر: ولكن عن خرص وتخمين. والخرص: كل قول بالظن والتخمين، ومنه أخذ معنى الكذب لغلبته في مثله. تاج العروس: 3/385، مادة «خرص».
6. مجمع البيان: 4/145.

صفحه 74
وفي قوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) يعني علماء الكافرين ورؤساءهم (لِيُجَادِلُوكُمْ)في استحلال الميتة كما مرّ، وقال عكرمة: إنّ قوماً من مجوس فارس كتبوا إلى مشركي قريش ـ فكانوا أولياءهم في الجاهليّة ـ : إنّ محمّداً وأصحابه يزعمون أنّهم يتّبعون أمر اللّه، ثمّ يزعمون أنّ ما ذبحوه حلال وما قتله اللّه حرام فوقع ذلك في نفوسهم، فذلك إيحاؤهم إليهم; وقال ابن عبّاس: هم إبليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الإنس بإلقاء الوسوسة في قلوبهم.1
وفي قوله: (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) يعني الأوثان، وإنّما جعل الأوثان شركاءهم لأنّهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم.
(فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ) فيه أقوال:
أحدها: أنّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً وللأصنام زرعاً، فكان إذا زكا الزرع الّذي زرعوه للّه ولم يزك الزرع الّذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها، ويقولون: إنّ اللّه غنيّ والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الّذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الّذي زرعوه للّه لم يجعلوا منه شيئاً للّه تعالى، و قالوا: هو غنيّ، وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه للّه وبعضه للأصنام، فما كان للّه أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أُنفق على الصنم.
وثانيها: أنّه إذا كان اختلط ما جعل للأصنام بما جُعل لله ردّوه، وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا تخرَّق الماء من الّذي للّه في الّذي للأصنام لم يسدّوه، وإذا تخرّق من الّذي للأصنام في الّذي للّه سدّوه، وقالوا: اللّه أغنى، عن ابن عبّاس وقتادة وهو المرويّ عن أئمتنا(عليهم السلام).2
وثالثها: أنّه إذا هلك ما جعل للأصنام بدّلوه ممّا جعل للّه، وإذا هلك ما جعل

1 . مجمع البيان: 4/ 150.
2. تفسير القمي: 1/217.

صفحه 75
للّه لم يبدّلوه ممّا جعل للأصنام.1
وفي قوله: (قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) يعني الشياطين الّذين زيّنوا لهم قتل البنات ووأدهنَّ2 أحياءً خيفة العيلة والفقر والعار; وقيل: كان السبب في تزيين قتل البنات أنّ النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبى نساءهم، وكان فيهنّ بنت قيس بن عاصم، ثمّ اصطلحوا فأرادت كلّ امرأة منهنّ عشيرتها غير ابنة قيس فإنّها أرادت من سباها، فحلف قيس لا تولد له بنت إلاّ وأدها، فصار ذلك سنّة فيما بينهم.3
قوله:(حِجْرٌ) أي حرام، عنى بذلك الأنعام والزرع اللّذين جعلوهما لآلهتهم وأوثانهم ( لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ): أي لايأكلها إلاّ من نشاء أن نأذن له في أكلها، وأعلم سبحانه أنّ هذا التحريم زعم منهم لا حجّة لهم فيه، وكانوا لايحلّون ذلك إلاّ لمن قام بخدمة أصنامهم من الرجال دون النساء(وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا): أي الركوب عليها، وهي السائبة والبحيرة والحام وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. قيل: كانت لهم من أنعامهم طائفة لايذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها; وقيل: إنّهم كانوا لايحجّون عليها; وقيل: هي الّتي إذا ذكّوها أهلّوا عليها بأصنامهم فلايذكرون اسم اللّه عليها(افْتِرَاءً عَلَيْهِ)لأنّهم كانوا يقولون: إنّ اللّه أمرهم بذلك (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ)يعني ألبان البحائر والسيب، عن ابن عبّاس وغيره; وقيل: يعني أجنّة البحائر والسيب ما ولد منها حيّاً فهو خالص للمذكور دون النساء، وما ولدت ميّتاً أكله الرجال والنساء; وقيل: المراد به كلاهما (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا): أي إناثنا.(4)
وفي قوله: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ) معناه: فإن لم يجدوا شاهداً يشهد

1. مجمع البيان: 4/169.
2. وأد الموءُدة يئدها وأداً: دفنها في القبر وأثقلها بالتراب وهي حيّة. تاج العروس: 2/520، مادة «وأد».
3. مجمع البيان: 4/171.   4 . مجمع البيان: 4/172ـ173.

صفحه 76
لهم على تحريمها غيرهم فشهدوا بأنفسهم فلاتشهد أنت معهم.1
قوله: (عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا): أي اليهود والنصارى(وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) أي إنّا كنّا غافلين عن تلاوة كتبهم.(2)
وفي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) قرأ حمزة والكسائيّ: «فارقوا» وهو المرويّ عن عليّ(عليه السلام).2
و اختلف في المعنيّين بهذه الآية على أقوال:
أحدها: أنّهم الكفّار وأصناف المشركين، ونسختها آية السيفْ.
وثانيها: أنّهم اليهود والنصارى لأنّهم يكفّر بعضهم بعضاً.
وثالثها: أنّهم أهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأُمّة، رواه أبوهريرة وعائشة3، وهو المرويّ عن الباقر(عليه السلام): «جعلوا دين اللّه أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً»4; وصاروا أحزاباً وفرقاً (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) هذا خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلام له أنّه ليس منهم في شيء، وأنّه على المباعدة التامّة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة; وقيل: أي لست من مخالطتهم في شيء; وقيل: لست من قتالهم في شيء فنسختها آية القتال.(6)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأعراف   
[ما جاء في سورة الأعراف ]
الأعراف (7):(المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْك فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ5 مِنْهُ

1 . مجمع البيان: 4/188.   2 . مجمع البيان: 4/199.
2. روى العياشي في تفسيره: 1/385 ح 131 بإسناده عن كليب الصيداوي قال: سألت أباعبداللّه(عليه السلام)عن قول اللّه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) ثم قال: «كان عليٌّ يقرأها: فارقوا دينهم، ثم قال: فارق واللّه القوم دينهم».
3.مجمع الزوائد: 7/22ـ23 عن عائشة وأبي هريرة ; كنز العمّال: 2/22 برقم 2986 و 2987.
4. مجمع البيان: 4/203 ; بحار الأنوار: 31/584.   6 . مجمع البيان: 4/203.
5. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/340: و قيل في معنى الحرج في الآية ثلاثة أقوال: الأوّل:   2
معناه الضيق، أي لايضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفاً ألاّ تقوم بحقّه، و إنّما أنزل إليك لتنذر به. الثاني: إنّ معناه الشك هاهنا، و المعنى لاتشك فيما يلزمك له فإنّما أنزل إليك لتنذر به. الثالث: لايضيق صدرك بأن يكذّبوك.

صفحه 77
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ). 1 ـ 3 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ): فيه أقوال:
أحدها: أنّ معنى الحرج: الضيق، أي لايضيق صدرك لتشعّب الفكر، خوفاً من أن لاتقوم بتبليغ ما أُنزل إليك حقّ القيام، فليس عليك أكثر من الإنذار.
وثانيها: أنّ معنى الحرج الشك، أي لايكن في صدرك شك فيما يلزمك من القيام بحقّه.
وثالثها: أنّ معناه: فلايضيقنَّ صدرك من قومك أن يكذّبوك ويجبهوك1بالسوء فيما أُنزل إليك، وقد روي أنَّ اللّه تعالى لمّا أنزل القرآن على رسول اللّه قال: إنِّي أخشى أن يكذّبني الناس ويثلغوا رأسي2 فيتركوه كالخبزة، فأزال اللّه تعالى الخوف عنه بهذه الآية.(3)
وقال سبحانه: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد3 وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

1. يجهموك ـ خ ل. أقول: جبه الرجل يجبهه جبهاً إذا ردّه عن حاجته، أو جبهه لقيه بمكروه، وهو مجاز; و في المحكم جبهته إذا استقبلته بكلام فيه غلظة، وجبهته بالسوء والمكروه إذا استقبلته به. تاج العروس: 9/384، مادة «جبه» .
2. ثلغ رأسه: أي شدخه. صحاح الجوهري: 4/1317، مادة «ثلغ».   3 . مجمع البيان: 4/213.
3. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 34: و هذه استعارة; لأنّ   2
الوجه لايصحّ عليه القيام و المعنى فوجّهوا وجوهكم عند كلّ مسجد، و يجوز أن يكون معنى ذلك فتوجّهوا بجملتكم نحو كلّ مسجد; لأنّ وجه الشيء عبارة عن جملته.

صفحه 78
كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * «إلى قوله»: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ «إلى قوله تعالى حاكياً عن نوح على نبيّنا وآله وعليه السلام»: أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. 28 ـ 71 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) كنّى به عن المشركين الّذين
كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم، فكان يطوف الرجال والنساء عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أُمّهاتنا، ولانطوف في الثياب الّتي قارفنا فيها الذنوب; وهم الحُمس.1 قال الفرّاء: كانوا يعملون شيئاً من سيور مقطعة يشدّونه على حقويهم2 يسمّى حوفاً3، وإن عمل من صوف سمّي رهطاً، وكان تضع المرأة على قبلها النسعة4 فتقول:

1. الحُمس ـ بضم الحاء وسكون الميم ـ جمع أحمس، وهم قريش ومن ولدته وكنانة وجديلة قيس، لأنّهم تحمسّوا في دينهم، أي تشدّدوا، وكانوا يقفون بمزدلفة لا بعرفة، ويقولون: نحن أهل اللّه فلا نخرج من الحرم، وكانوا لايدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. مجمع البحرين: 1/574، مادة «حمس».
2. الحقو ـ بفتح الحاء وسكون القاف ـ : موضع شد الإزار وهو الخاصرة، ثمّ توسّعوا حتى سمّوا الإزار الّذي يشدّ على العورة حقواً. مجمع البحرين: 1/55، مادة «حقو».
3. الحوف: وهو جلد يشقّ كهيئة الإزار تلبسه الحائض والصبيان. الصحاح: 4/1347، مادة «حوف».
4. النسع: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرجال، والجمع أنساع ونسوع ونسع. والقطعة منه نسعة. وقال ابن الأثير: هو سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره، وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير. والأنساع: الحبال. لسان العرب: 8 / 352، مادة «نسع».

صفحه 79
اليوم يبدو بعضه أو كلّه *** وما بدا منه فلا أُحلّه
تعني الفرج، لأنّ ذلك لايستر ستراً تامّاً.1
وفي قوله: (فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) أي في أصنام صنعتموها أنتم وآباؤكم، واخترعتم لها أسماء سميتموها آلهة وما فيها من معنى الإلهيّة شيء، وقيل: معناه: تسميتهم لبعضها أنّه يسقيهم المطر، والآخر أنّه يأتيهم بالرزق، والآخر أنّه يشفي المرضى، والآخر أنّه يصحبهم في السفر (مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان): أي حجّة وبرهان(فَانْتَظِرُوا) عذاب اللّه فإنّه نازلٌ بكم.2
وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). 158.

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَكَلِمَاتِهِ): أي الكتب المتقدّمة والقرآن والوحي.3
وقال سبحانه: أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ

1. مجمع البيان: 4/239.
2. مجمع البيان: 4/287، وفيه: ولآخر أنّه يأتيهم بالرزق ولآخر أنّه يشفي المرضى، ولآخر أنّه يصحبهم في السفر.
3. مجمع البيان: 4/375.

صفحه 80
لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْد يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِييَّ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (إلى قوله تعالى): وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَة قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ1 وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).184 ـ 203 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة): معناه: أولم يتفكّروا هؤلاء الكفّار المكذّبون بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيعلموا أنّه ليس بمجنون، إذ ليس في أقواله

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 42: وهذه استعارة ; لأنّ المراد بها القرآن، وواحد البصائر بصيرة، وهو ما يبصر به الإنسان رشده من غيّه، ويعرف به باطله من حقّه، تشبيهاً بالعين البصيرة الّتي يرى بها الإنسان مواطئ قدمه ومناهج طرقه، وإنّما قال تعالى: (بَصَائِرُ)والمراد القرآن وهو واحد كما يشتمل عليه من الآيات البيّنات والدلائل الواضحات.

صفحه 81
وأحواله ما يدلّ على الجنون، ثمّ ابتدأ بالكلام فقال: (مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة): أي ليس به جنون، وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) صعد الصفا وكان يدعو قريشاً فخذاً فخذاً1 إلى توحيد اللّه ويخوّفهم عذاب اللّه، فقال المشركون: إنّ صاحبهم قد جنَّ، بات ليلاً يصوّت إلى الصباح، فنزلت.2
وفي قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ): معناه أنّ معبودي ينصرني، ويدفع كيد الكائدين عنّي، ومعبودكم لايقدر على نصركم، فإن قدرتم لي على ضرّ فاجتمعوا أنتم مع أصنامكم، وتظاهروا على كيدي، ولاتمهلوني في الكيد والإضرار، فإنَّ معبودي يدفع كيدكم عنّي.3
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ): أي الأصنام أو المشركين4.
(خُذِ الْعَفْوَ): أي ما عفا وفضل من أموالهم، أو العفو من أخلاق الناس، و اقبل الميسور منها; وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ): أي بالمعروف(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): أي أعرض عنهم عند قيام الحجّة عليهم والأياس من قبولهم ولاتقابلهم بالسفه. ولايقال: هي منسوخة بآية القتال، لأنّها عامّةٌ خصّ عنها الكافر الّذي يجب قتله بدليل. قال ابن زيد: لمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يا ربّ و الغضب؟ فنزل قوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي إن نالك من الشيطان وسوسة ونخسة في القلب،

1. فخذاً فخذاً أي حياً حياً، قال الجزري في «النهاية»: 3/418، مادة «فخذ»، لمّا نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ): بات يفخذ عشيرته، أي يناديهم فخذاً فخذاً وهم أقرب العشيرة إليه، و قد تكرّر ذكر الفخذ في الحديث وأوّل العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ.
2. مجمع البيان: 4/402، وفيه: أو لم يتفكّروا هؤلاء المكذبون بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنبوته في أقواله وأفعاله فيعلموا .
3. مجمع البيان: 4/413.
4. مجمع البيان: 4/414. وفيه: يعني: إن دعوتم هؤلاء الذين تعبدونهم من الأصنام.

صفحه 82
أو عرض لك من الشيطان عارض.1
وفي قوله: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَة قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا): أي إذا جئتهم بآية كذّبوا بها، وإذا أبطأت عنهم يقترحونها ويقولون: هلاّ جئتنا2 من قبل نفسك، فليس كلّ ما تقوله وحياً من السماء ; وقيل: إذا لم تأتهم بآية مقترحة قالوا: هلاّ اخترتها من قبل نفسك فتسأل ربّك أن يأتيك بها.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأنفال    
[ما جاء في سورة الأنفال]
الأنفال (8): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً4 فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ

1. مجمع البيان: 4/414ـ415.
2. في المصدر بزيادة: به.
3. مجمع البيان: 4/417.
4. المكاء: الصفير، و التصدية: التصفيق. و إنّما سُمّي مكاؤهم بأنّه صلاة لأمرين: أحدهما: أنّهم كانوا يقيمونه فعلهم الصفير والتصفيق مقام الصلاة و الدعاء و التسبيح. و الآخر: أنّهم كانوا يعملون كعمل الصلاة ممّا فيه هذا. و التبيان: 5/116.

صفحه 83
لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ). 20 ـ 38 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) السماع هنا
بمعنى القبول وهؤلاء هم المنافقون; وقيل: هم أهل الكتاب من اليهود وقريظة والنضير; وقيل: إنّهم مشركو العرب. لأنّهم قالوا: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) يعني هؤلاء المشركين الّذين لم ينتفعوا بما يسمعون من الحقّ، ولايتكلّمون به ولايعتقدونه ولا يقرون به، فكأنّهم صمٌّ بكمٌ لايعقلون كالدوابّ، قال الباقر(عليه السلام): «نزلت الآية في بني عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: سويبط»1.2
وفي قوله:(لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) إنّما قالوا ذلك مع ظهور عجزهم عن الإتيان بمثله عداوةً وعناداً; وقيل: إنّما قالوا ذلك قبل ظهور عجزهم، وكان قائل هذا النضر بن الحارث بن كلدة، وأُسر يوم بدر فقتله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعقبة بن أبي معيط وقتله أيضاً يوم بدر.(وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ)، القائل لذلك النضر بن الحارث أيضاً ; وقيل: أبوجهل.3
وفي قوله: (إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) المكاء: الصفير، والتصدية: ضرب اليد على

1. التبيان: 5/99.
2. مجمع البيان: 4/448ـ449.
3. مجمع البيان: 4/459 ـ 460 باختصار وتصرّف.

صفحه 84
اليد، قال ابن عبّاس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، وصلاتهم معناه: دعاؤهم أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح; وقيل: أراد: ليس لهم صلاة ولا عبادة وإنّما يحصل منهم ما هو ضرب من اللّهو واللّعب; وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم اللّه جميعاً ببدر، ولهم يقول و لبقيّة بني عبدالدار: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) يعني عذاب السيف يوم بدر; وقيل: عذاب الآخرة.1
وفي قوله تعالى: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ): أي في نصر المؤمنين وكبت أعداء الدين.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة التوبة   
[ما جاء في سورة التوبة]
التوبة (9): (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِك قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ * اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ3وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ «إلى قوله»:

1. مجمع البيان: 4/463، وراجع تفسير البغوي: 2/247 ; وزاد المسير لابن الجوزي: 3/240.
2. مجمع البيان: 4/466.
3. الحبر: العالم ذمّياً كان أو مسلماً بعد أن يكون من أهل الكتاب، و قيل: هو للعالم بتحبير الكلام. تاج العروس: 6/229، مادة «حبر».

صفحه 85
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ). 30 ـ 37 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) قال ابن عبّاس: القائل لذلك جماعة منهم جاءُوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، منهم: سلاّم بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا ذلك; وقيل: إنّما قال ذلك جماعة منهم من قبل وقد انقرضوا، وإنّ عزيراً أملى التوراة من ظهر قلبه، علّمه جبرئيل(عليه السلام)فقالوا: إنّه ابن اللّه، إلاّ أنّ اللّه أضاف ذلك إلى جميعهم وإن كانوا لايقولون ذلك اليوم، كما يقال: إنّ الخوارج يقولون بتعذيب أطفال المشركين، وإنّما يقوله الأزارقة منهم خاصّة، ويدلّ على أنّ هذا مذهب اليهود أنّهم لم ينكروا ذلك لمّا سمعوا هذه الآية مع شدّة حرصهم على تكذيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي عبّاد الأصنام في عبادتهم لها، أو في عبادتهم للملائكة، وقولهم: إنّهم بنات اللّه.
(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)، روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) أنّهما قالا: أما واللّه ما صاموا لهم و لا صلّوا لهم، ولكنّهم أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم فعبدوهم من حيث لايشعرون1.
و روى الثعلبيّ بإسناده عن عديّ بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عديّ اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية حتّى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال:

1. الكافي: 1/53ح 3; باب التقليد; تفسير العياشي: 2/86 برقم 45.

صفحه 86
أليس يحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّه فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم1.2
وفي قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) يعني تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، وكانت العرب تحرّم الأشهر الأربعة، وذلك ممّا تمسّكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لايغيرون فيها، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يزول التحريم إلى المحرّم ولايفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجّة، وقال ابن عبّاس: معنى قوله: (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)أنّهم كانوا أحلّوا ما حرّم اللّه وحرّموا ما أحلّ اللّه، قال الفرّاء: والّذي كان يقوم به رجل من كنانة، يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الّذي لا أُعاب ولا أُخاب، ولايردّ لي قضاء، فيقولون: نعم صدقت أنسنا شهراً وأخّر عنّا حرمة المحرّم واجعلها في صفر وأحلّ المحرّم، فيفعل ذلك، والّذي كان ينسؤها حين جاء الإسلام جنادة بن عوف بن أُميّة الكنانيّ3; قال ابن عبّاس: وأوّل من سنّ النسيء عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف; وقال أبومسلم4: بل رجل من بني كنانة يقال له القلمس(5); وقال
مجاهد: كان المشركون يحجّون في كلّ شهر عامين فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور حتّى

1. تفسير الثعلبي: 5/34.
2. مجمع البيان: 5/42ـ44.
3. هو أبوثمامة جنادة بن عوف بن أُميّة بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة الكناني، لم يذكر أنّه أسلم، وقيل: أسلم. الإصابة: 1/609 برقم 1209.
4. في المصدر بزيادة: بن أسلم.   5 . هو القلمس بن عامر بن ثعلبة. الإصابة: 1/610.

صفحه 87
وافقت الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة، ثمّ حجّ النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القابل حجّة الوداع فوافقت في ذي الحجّة، فذلك حين قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته: « ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، ورجب مضر1 الّذي بين جمادى وشعبان».2 وأراد(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و أعاد الحجّ إلى ذي الحجّة وبطل النسيء (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ): أي إنّهم لهم يحلّوا شهراً من الحرام إلاّ حرّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهراً من الحرام ليكون موافقة في العدد.3
وقال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ4 وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَ

1. في المطبوع: مفطر، والصحيح ما أثبتناه من مخطوطة بحار الأنوار وبقية أجزاء البحار والعديد من مصادر الحديث والتفسير والسيرة.
و قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: 11/168: وإنّما قيّده هذا التقييد مبالغة في إيضاحه وإزالة للبس عنه. قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجباً هذا الشهر المعروف الآن وهو الّذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا أضافه النبي(صلى الله عليه وآله)إلى مضر; وقيل: لأنّهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، وقيل: إنّ العرب كانت تسمّي رجباً وشعبان الرجبين، وقيل: كانت تسمّي جمادى ورجباً جمادين، وتسمّي شعبان رجباً. انتهى. ومضر ـ بضم الميم ـ قبيلة وهي مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
2. صحيح البخاري: 4/74، كتاب بدء الخلق، و ج5/204، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ...); سنن أبي داود: 1/435; برقم 1947 ; مسند أحمد: 5/37.
3. مجمع البيان:5/53ـ54.
4. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 53: و هذه استعارة ظاهرة، وذلك أنّ السورة لاتزيد الأرجاس إلاّ رجساً و لا القلوب مرضاً، بل هي شفاء للصدور و جلاء للقلوب، و لكنّ المنافقين لمّا ازدادوا عند نزولها عمىً وعمهاً وازدادت قلوبهم ارتياباً ومرضاً، حسن أن يضاف ذلك إلى السورة على طريقة لأهل اللسان معروفة.

صفحه 88
لاَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ). 124 ـ 127 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ):أي يمتحنون ( فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة يونس   
بالأمراض والأوجاع، أو بالجهاد مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما يرون من نصرة اللّه رسوله، وما ينال أعداءه من القتل والسبي; وقيل: بالقحط والجوع; وقيل: بهتك أستارهم وما يظهر من خبث سرائرهم (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ): أي من القرآن وهم حضور مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كرهوا ما يسمعونه، و (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض)نظراً يؤمون به:(هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد)، وإنّما يفعلون ذلك لأنّهم منافقون يحذرون أن يعلم بهم، فكأنّهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ ثمّ يقومون فينصرفون، وإنّما يفعلون ذلك مخافة أن تنزل آية تفضحهم، وكانوا لا يقولون ذلك بألسنتهم ولكن ينظرون نظرة من يقول لغيره ذلك; وقيل: إنّ المنافقين كان ينظر بعضهم إلى بعض نظر تعنّت وطعن في القرآن، ثمّ يقولون: هل يرانا أحدٌ من المسلمين فإذا تحقّق لهم أنّه لا يراهم أحدٌ من المسلمين بالغوا فيه، وإن علموا أنّه يراهم واحد كفّوا عنه ( ثُمَّ انْصَرَفُوا) عن المجلس، أو عن الإيمان(صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عن رحمته وثوابه; وقيل: إنّه دعاءٌ عليهم.1

1. مجمع البيان: 5/147ـ 148.

صفحه 89
[ما جاء في سورة يونس ]
يونس (10): (الرَ تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ1 قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ). 1 ـ 2 .
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَي إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ). 15 ـ 20 .

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54:
و هذه استعارة; لأنّ المراد بالقدم هاهنا السابقة في الإيمان و التقدم في الإخلاص، والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة; لأنّ بالقدم يكون السبق و التقدّم فسميّت قدماً لذلك، و إن كان التأخّر أيضاً يكون بها كما يكون التقدّم بخطوها، وإنّما سمّيت بأشرف حالاتها و أنبه متصرفاتها وقال بعضهم: إيمانهم في الدنيا هو قدمهم في الآخرة; لأنّ معنى القدم في العربية الشيء تقدّمه أمامك ليكون عدّة لك حتى تقدم عليه. وقال بعضهم: ذكر القدم هاهنا على طريق التمثيل و التشبيه كما تقول العرب: قد وضع فلان رجله في الباطل وتخطّى إلى غير الواجب، و معناه أنّه انتقل إلى فعل ذلك كما ينتقل الماشي و إن لم يحرّك قدمه و لم ينقل خطاه.

صفحه 90

[ التفسير ]

وفي قوله:(قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): أي لا يؤمنون بالبعث والنشور (ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا)الّذي تتلوه علينا(أَوْ بَدِّلْهُ) فاجعله على خلاف ما تقرؤه، والفرق بينهما أنَّ الإتيان بغيره قد يكون معه، وتبديله لايكون إلاّ برفعه; وقيل: معنى قوله: (بَدِّلْهُ) غيّر أحكامه من الحلال والحرام، أرادوا بذلك زوال الحظر عنهم وسقوط الأمر منهم وأن يخلّى بينهم وبين ما يريدون (وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ): أي ولا أعلمكم اللّه به بأن لاينزله عليّ (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ): أي أقمت بينكم دهراً طويلاً من قبل إنزال القرآن فلم أقرأه عليكم ولا ادّعيت نبوّة حتّى أكرمني اللّه به (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفّار أنّهم قالوا: إنّا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند اللّه، و إنّ اللّه أذن لنا في عبادتها، وأنّه سيشفّعها فينا في الآخرة; وتوهّموا أنّ عبادتها أشدُّ في تعظيم اللّه سبحانه من قصده تعالى بالعبادة، فجمعوا بين قبيح القول وقبيح الفعل وقبيح التوهّم; وقيل: معناه: هؤلاء شفعاؤنا في الدنيا لإصلاح معاشنا1، عن الحسن، قال: لأنّهم كانوا يقرّون بالبعث بدلالة قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ)(2)، (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ): أي تخبرون اللّه بما لايعلم من حسن عبادة الأصنام وكونها
شافعة، لأنَّ ذلك لو كان صحيحاً لكان تعالى به عالماً، ففي نفي علمه بذلك نفي المعلوم.2

1. في المصدر: معاشها.   2 . النحل:38.
2. مجمع البيان: 5/166ـ169.

صفحه 91
وقال تعالى:(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِك السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ1* كَذَلِك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ* قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِك كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَاْنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّك أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ2* وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْك أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ

1. قوله تعالى: (فَأَنّى تُصْرَفُونَ) أي كيف تصرفون و تعدلون عن عبادته مع وضوح الدلالة على أنّه لا معبود سواه، و الصرف هو الذهاب عن الشيء، فالصرف عن الحق ذهاب إلى الباطل، و قد أنكر الله ذلك. و فيه دلالة على أنّه من فعل غيره من الغواة; لأنّه لو كان من فعله لما أنكره كما لم ينكر شيئاً من أفعال نفسه. التبيان: 5/372.
2. قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: 10/67: في الآية المذكورة: الاستفهام للإنكار،   2
وقوله: (وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ) قرينة على أنّ المراد بنفي السمع نفي ما يقارنه من تعقّل ما يدلّ عليه الكلام المسموع، و هو المسمّى بسمع القلب. و المعنى: و منهم الذين يستمعون إليك و هم صم لا سمع لقلوبهم، و لست أنت قادراً على إسماعهم و لا سمع لهم.

صفحه 92
وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ * «إلى قوله»: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لاَ أَمْلِك لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ءَآلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ1 * وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * «إلى قوله»: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ* قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءاَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ * «إلى قوله»: وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلاَ إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * «إلى قوله»: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّك لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَة حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ

1 . هذه الآية سقطت من نسخة البحار المطبوعة.

صفحه 93
الأَلِيمَ * «إلى قوله»: وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لاَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِك حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ1 * وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُك وَلاَ يَضُرُّك فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّك إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * «إلى قوله سبحانه»: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْك وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ). 31 ـ 109 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) فيها دلالةٌ على أنّهم كانوا يقرُّون بالخالق وإن كانوا مشركين، فإنَّ جمهور العقلاء يقرُّون بالصانع سوى جماعة قليلة من ملحدة الفلاسفة، ومن أقرَّ بالصانع على هذا صنفان: موحّدٌ يعتقد أنّ الصانع واحدٌ لايستحقّ العبادة غيره، ومشركٌ وهم ضربان: فضرب جعلوا للّه شريكاً في ملكه

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 57: فهذه استعارة، و المراد بها استقم على دينك و اثبت على طريقك، و خصّ الوجه بالذكر، لأنّ به يعرف توجه الجملة نحو الجهة المقصودة و قد يجوز أن يكون المراد بذلك ـ والله أعلم ـ أقم وجهك أي قوّمه نحو القبلة التي هي الكعبة مستمراً على لزومها و غير منحرف عن جهتها.

صفحه 94
يضادّه ويناويه وهم الثنويّة1 والمجوس2; ثمّ اختلفوا فمنهم من يثبت للّه شريكاً قديماً كالمانويّة3، ومنهم من يثبت للّه شريكاً محدثاً كالمجوس، وضرب آخر لايجعل للّه شريكاً في حكمه وملكه، ولكن يجعل له شريكاً في العبادة يكون متوسّطاً بينه وبين الصانع وهم أصحاب المتوسّطات، ثمّ اختلفوا فمنهم من جعل الوسائط من الأجرام العلويّة كالنجوم والشمس والقمر، ومنهم من جعل المتوسّط من الأجسام السفليّة كالأصنام ونحوها، تعالى اللّه عمّا يقول الزائغون عن سبيله علوّاً كبيراً.4
وفي قوله تعالى: (أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى) الأصنام لاتهتدي ولاتهدي أحداً وإن هديت، لأنّها موات من حجارة ونحوها، ولكنَّ الكلام نزل على أنّها إن هديت اهتدت لأنّهم لمّا اتّخذوها آلهة عبّر عنها كما يعبّر عمّن يعقل ووصفت بصفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك، ألاترى إلى قوله تعالى:5(إِنَّ

1. الثنوية: هم أصحاب الاثنين الأزليّين يزعمون أنّ النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنّهم قالوا بحدوث الظلام، وهم يقولون بتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر و الطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح. الملل والنحل للشهرستاني: 1/244.
2. المجوس أثبتوا أصلين ـ النور والظلمة ـ لكنّهم زعموا أنّ الأصلين لايجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة محدثة، وهم على فرق، منها: الكيومرثية والزروانية والزردشتية. و لهم عقائد خاصّة، فمن أراد المزيد فليراجع: الملل والنحل: 1/233 وما بعدها.
3. المانويّة: هم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى بن مريم(عليه السلام) أحدث ديناً بين المجوسيّة والنصرانيّة، وكان يقول بنبوة عيسى(عليه السلام)، ولايقول بنبوة موسى(عليه السلام)، وزعم ماني أنّ العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنّهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلاّ من أصل قديم، وزعم أنّهما لم يزالا قويين حسّاسين درّاكين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان وفي الحيّز متحاذيان. الملل والنحل:1/244.
4. مجمع البيان: 5/184.
5. في المصدر بزيادة: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِك لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)، وقوله.:

صفحه 95
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)1، (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)، وقوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا)(2) الآية، وكذا قوله: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)(3) فأُجري عليه اللَّفظ كما يجري على من يعلم; وقيل: المراد بذلك الملائكة والجنّ; وقيل: الرؤساء والمضلّون الّذين يدعون إلى الكفر; وقيل: إنّ المعنى في قوله: (لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى)لايتحرّك إلاّ أن يحرّك (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ): أي بما لم يعلموه من جميع وجوهه; لأنَّ في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل، ويحتاج إلى الفكر فيه، أو الرجوع إلى الرسول في معرفة مراده مثل المتشابه، فالكفّار لمّا لم يعرفوا المراد بظاهره كذّبوا به; وقيل: أي لم يحيطوا بكيفيّة نظمه وترتيبه، وهذا كما أنّ الناس يعرفون ألفاظ الشعر والخطب ومعانيها وما يمكنهم إبداعها لجهلهم بنظمها وترتيبها; وقال الحسن: معناه: بل كذّبوا بالقرآن من غير علم ببطلانه; وقيل: معناه: بل كذّبوا بما في
القرآن من الجنّة والنار والبعث والنشور والثواب والعقاب.2
وفي قوله: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ): هذا الاستفهام معناه التفظيع والتهويل كما يقول الإنسان لمن هو في أمر يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟ وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): «يريد بذلك عذاباً ينزل من السماء على فسقة أهل القبلة في آخر الزمان».(5)
(أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) هذا استفهام إنكار، وتقديره: أحين وقع بكم العذاب المقدّر الموقّت آمنتم به، أي باللّه أو بالقرآن أو بالعذاب الّذي كنتم تنكرونه؟ فيقال لكم: الآن تؤمنون به (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ): أي بالعذاب (تَسْتَعْجِلُونَ)من قبل مستهزئين.3

1. الأعراف: 194.   2. الأعراف: 195.   3 . فاطر: 14.
2. مجمع البيان: 5/187ـ 190.   5 . تفسير القمي: 1/312.
3. مجمع البيان: 5/197.

صفحه 96
وفي قوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ) قيل: فضل اللّه الإسلام ورحمته القرآن; وقيل: بالعكس; وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): « فضل اللّه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ورحمته عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)»1; وروى ذلك الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس2.3
وفي قوله: (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً) يعني ما حرّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأمثالها.4
وفي قوله: (وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ): أي أقوالهم المؤذية كقولهم: إنّك ساحر أو مجنون. (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ) يحتمل (مَا)هاهنا وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى أيّ شيء، تقبيحاً لفعلهم.
والآخر: أن يكون نافية أي وما يتّبعون شركاء في الحقيقة.
ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون بمعنى الَّذي ويكون منصوباً بالعطف على (مِنْ) ويكون التقدير: والّذي يتّبع الأصنام الّذين يدعونهم من دون اللّه شركاء.5
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة هود   
وفي قوله: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل): أي ما أنا بحفيظ لكم عن الإهلاك إذا لم تنظروا أنتم لأنفسكم، والمعنى أنّه ليس عليَّ إلاّ البلاغ، ولايلزمني أن أجعلكم مهتدين، وأن أُنجيكم من النار كما يجب على من وكّل على متاع أن يحفظه من الضرر.6

1. تفسير فرات: 179 برقم 231; تفسير القمي: 1/313; بحار الأنوار: 35/427.
2. أمالي الطوسي: 254 ح50، المجلس التاسع; مناقب آل أبي طالب: 3/315 .
3. مجمع البيان: 5/201.
4 . مجمع البيان: 5/202.
5. مجمع البيان: 5/206ـ207.
6. مجمع البيان: 5/238.

صفحه 97
[ما جاء في سورة هود ]
هود (11):(الرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير * إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ1 لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * «إلى قوله»: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْك وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * «إلى قوله»: فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ). 1 ـ 17 .

1. روي عن ابن عبّاس أنّه قرأ: (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) على وزن (يحلون) و أراد المبالغة و قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: يثنونها على عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قيل: يثنونها على ما هم عليه من الكفر، و قيل: يثني الكافر صدره على سبيل الانحناء في خطابه لكافر مثله ممّن يختصه لئلا يعرف الله ما أضمره. وقال أبوعبدالله بن شدّاد: ولى ظهره إذا رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغطّى وجهه بالثوب، وأصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا أي غطيته، ومنه الاثنان لعطف أحدهما على الآخر في المعنى. التبيان: 5/449.

صفحه 98

[ التفسير ]

وفي قوله: (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمّىً) يعني يمتّعكم في الدنيا بالنعم السابقة في الخفض والدعة والأمن والسعة إلى الوقت الّذي قدّر لكم أجل الموت فيه(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ): أي ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل جزاء إفضاله، أو كلّ ذي عمل صالح ثوابه على قدر عمله (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) قيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكان حلو الكلام يلقى رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يحبّ وينطوي بقلبه على ما يكره، عن ابن عبّاس1; وروى العيّاشيّ بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبداللّه أنّ المشركين إذا مرّوا برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا ـ وغطّى رأسه بثوبه ـ حتّى لايراه رسول اللّه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.2(أَلاَ إِنَّهُمْ)يعني الكفّار والمنافقين (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ): أي يطوونها على ما هم عليه من الكفر، عن الحسن; وقيل: معناه: يخفون صدورهم3 لكيلا يسمعوا كتاب اللّه وذكره; وقيل: يثنونها على عداوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: إنّهم كانوا إذا قعدوا مجلساً على معاداة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والسعي في أمره بالفساد انضمّ بعضهم إلى بعض وثنّى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ): أي ليخفوا ذلك من اللّه تعالى على القول الأخير، وعلى الأقوال الأُخر: ليستروا ذلك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ): أي يتغطّون بثيابهم ثمّ يتفاوضون فيما كانوا يدبّرونه على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين ويكتمونه; وقيل: كنّى باستغشاء ثيابهم عن اللّيل لأنّهم يتغطّون بظلمته.4

1. تفسير الثعلبي: 5/157; تفسير البغوي: 2/373.
2. تفسير العيّاشي: 2/139 برقم 2.
3. في المصدر: يحنون صدورهم.
4. مجمع البيان: 5/2241ـ244.

صفحه 99
وفي قوله: (إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة): أي إلى أجل مسمّى ووقت معلوم، عن ابن عبّاس ومجاهد; وقيل: أي إلى جماعة يتعاقبون فيصرّون على الكفر ولايكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح; وقيل: إنَّ الأُمة المعدودة هم أصحاب المهديّ عجّل اللّه تعالى فرجه في آخر الزمان، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدّة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف،1 وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام)2.(3)
وفي قوله: (فَلَعَلَّك تَارِكٌ) روي عن ابن عبّاس أنّ رؤساء مكّة من قريش أتوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: يا محمّد إن كنت رسولاً فحوّل لنا جبال مكّة ذهباً، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوّة، فأنزل اللِّه تعالى:(فَلَعَلَّك تَارِكٌ)الآية.
و روى العيّاشيّ بإسناده عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنَّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام): «إنّي سألت ربِّي أن يواخي بيني وبينك ففعل، فسألت ربّي أن يجعلك وصيّي ففعل»; فقال بعض القوم3: واللّه لصاعٌ من تمر في شنّ4 بال أحبّ إلينا ممّا سأل محمّد ربّه، فهلاّ سأله ملكاً يعضده على عدوّه؟ أو كنزاً يستعين به على فاقته؟! فنزلت الآية.5
(فَلَعَلَّك تَارِك بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْك) وهو ما فيه سبّ آلهتهم فلا تبلغهم

1. القزع: السحاب المتفرّق، واحدتها قزعة، وقزع الخريف: يعني قطع السحاب لأنّه أوّل الشتاء، والسحاب يكون فيه متفرّقاً غير متراكم ولا مطبق ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك. لسان العرب: 8/271، مادة «قزع».
2. ينابيع المودة: 3/241 برقم 20.   3 . مجمع البيان: 5/246.
3. في المصدر: فقال رجلان من قريش.
4. الشن: القربة الخَلَق، وهي الشنّة أيضاً، وكأنّها صغيرة، والجمع: الشنان; وهي أشدّ تبريداً للماء من الجدد، ومنه حديث قيام الليل; فقام إلى شن معلّقة أي قربة. صحاح الجوهري: 5/2146، مادة «شنن» ; النهاية لابن الأثير: 2/506، مادة «شنن».
5. تفسير العياشي: 2/141 ح11.

صفحه 100
إيّاه خوفاً منهم. (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُك): أي ولعلّك يضيق صدرك بما يقولون وبما يلحقك من أذاهم وتكذيبهم; وقيل: باقتراحاتهم (أَنْ يَقُولُوا): أي كراهة أو مخافة أن يقولوا (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) من المال (أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ)يشهد له، وليس قوله: (فَلَعَلَّك) على وجه الشكّ، بل المراد به النهي عن ترك أداء الرسالة والحثّ عليه1، كما يقول أحدنا لغيره وقد علم من حاله أنّه يطيعه ولايعصيه ويدعوه غيره إلى عصيانه: لعلّك تترك بعض ما آمرك به لقول فلان، وإنّما يقول ذلك ليوئس من يدعوه إلى ترك أمره.2
(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات): أي إن كان هذا مفترى على اللّه كما زعمتم فأتوا بعشر سور مثله في النظم والفصاحة، مفتريات على زعمكم، فإنّ القرآن نزل بلغتكم، وقد نشأت أنا بين أظهركم، فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنّه من عند اللّه ،و هذا صريح في التحدّي، وفيه دلالةٌ على جهة إعجاز القرآن وأنّها هي الفصاحة والبلاغة في هذا النظم المخصوص، لأنّه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق، لأنّ البلاغة ثلاث طبقات، فأعلى طبقاتها معجز، وأدناها وأوسطها ممكنٌ، فالتحدّي في الآية إنّما وقع في الطبقة العليا منها، ولو كان وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز، والمثل المذكور في الآية لايجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس، لأنّ مثله في الجنس يكون حكايته فلايقع بها التحدّي، وإنّما يرجع ذلك إلى ما هو متعارفٌ بين العرب في تحدّي بعضهم بعضاً كما اشتهر من مناقضات امرئ القيس وعلقمة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وجرير والفرزدق وغيرهم.
(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ): أي ليعينوكم على معارضة القرآن (إِنْ

1 . في المصدر: على أدائها.
2. مجمع البيان: 5/249.

صفحه 101
كُنْتُمْ صَادِقِينَ)في قولكم: إنّي افتريته، فهذا غاية ما يمكن في التحدّي والمحاجّة، وفيه الدلالة الواضحة على إعجاز القرآن، لأنّه إذا ثبت أنَّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)تحدّاهم به وأوعدهم بالقتل والأسر بعد أن عاب دينهم وآلهتهم وثبت أنّهم كانوا أحرص الناس على إبطال أمره حتّى بذلوا مهجهم وأموالهم في ذلك، فإذا قيل لهم: افتروا أنتم مثل هذا القرآن وأدحضوا حجّته فذلك أيسر وأهون عليكم من كلّ ما تكلّفتموه، فعدلوا عن ذلك وصاروا إلى الحرب والقتل وتكلّف الأُمور الشاقّة فذلك من أدلّ الدلائل على عجزهم، إذ لو قدروا على معارضته مع سهولة ذلك عليهم لفعلوه; لأنّ العاقل لايعدل عن الأمر السهل إلى الصعب الشاقّ مع حصول الفرض بكلّ واحد منهما، فكيف ولو بلغوا غاية أمانيّهم في الأمر الشاقّ وهو قتله(صلى الله عليه وآله وسلم)لكان لايحصل غرضهم، من إبطال أمره فإنّ المحقّ قد يقتل.
فإن قيل: لم ذكر التحدّي مرّة بعشر سور، ومرَّة بسورة، ومرَّة بحديث مثله؟ فالجواب أنّ التحدّي إنّما يقع بما يظهر فيه الإعجاز من منظور الكلام، فيجوز أن يتحدّى مرّة بالأقلّ، ومرّة بالأكثر (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) قيل: إنّه خطابٌ للمسلمين; وقيل: للكفّار، أي فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المعاونة; وقيل: للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكره بلفظ الجمع تفخيماً1.2

1. في هامش النسخة المقروءة على المصنّف: لمّا كانت المذاهب المشهورة في إعجاز القرآن متردّدة بين أن يكون بالصرفة أو ببلوغه الدرجة القصوى من الفصاحة والبلاغة، أو اشتماله على العلوم الدقيقة، أو على القصص التي لايعرفها إلاّ أهل الكتاب، أو على الإخبار بالمغيبات، أو عدم وجدان الاختلاف، أو بغاية البلاغة والنظم المخصوص معاً اختار الأخير واستدلّ بالآية عليه بأنه لو كان لغير الفصاحة والنظم مدخلاً لما اكتفى بقوله: (مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات) إذ الظاهر من المماثلة، المماثلة في النظم والفصاحة كما كان عادتهم في معارضة الكلام والتفاخر به، وهذا ينفي الصرفة أيضاً; لأنَّ مثله مخلّ في ذلك; بل كان الأنسب أن يقول: ائتوا بكلام أدون من ذلك، و أيضاً الإتيان بالركيك من الكلام كان أدخل في الصرفة، وبعد فيه كلام للمتأمّل. منه (رحمه الله).
2. مجمع البيان: 5/250ـ 251.

صفحه 102
وقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْك مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُك مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ). 49.
وقال سبحانه: وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْك مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك وَجَاءَك فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَللهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّك بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 120 ـ 123.

[ التفسير ]

وفي قوله: (مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُك مِنْ قَبْلِ هَذَا) أي إنَّ هذه الأخبار لم تكن تعلمها أنت، ولا قومك من العرب يعرفونها من قبل إيحائنا إليك، لأنّهم لم يكونوا من أهل كتاب وسير.1
وفي قوله: (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك): أي ما نقوّي به قلبك، ونطيّب به نفسك، ونزيدك به ثباتاً على ما أنت عليه من الإنذار والصبر على أذى قومك.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة يوسف   
[ ما جاء في سورة يوسف]
يوسف (12): (ذَلِك مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْك وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ

1. مجمع البيان: 5/287.
2 . مجمع البيان: 5/351.

صفحه 103
بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ * أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ1 اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). 102 ـ 109 .

[ التفسير ]

وفي قوله: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) فيه أقوال:
أحدها: أنّهم مشركو قريش كانوا يقرّون باللّه خالقاً ومحيياً ومميتاً، ويعبدون الأصنام ويدعونها آلهة; عن ابن عبّاس والجبائيّ.
وثانيها: أنّها نزلت في مشركي العرب إذا سُئلوا: مَن خلق السماوات والأرض وينزل القطر؟ وقالوا: اللّه، ثمّ هم يشركون وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيّك لا شريك لك إلاّ شريك هولك تملكه وما ملك; عن الضحّاك.
وثالثها: أنّهم أهل الكتاب آمنوا باللّه واليوم الآخر والتوراة والإنجيل، ثمّ أشركوا بإنكار القرآن ونبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم); عن الحسن، وهذا القول مع ما تقدّمه رواه دارم بن قبيصة، عن عليّ بن موسى الرضا، عن جدّه2 أبي عبداللّه(عليه السلام).3
ورابعها: أنّهم المنافقون يظهرون الإيمان ويشركون في السرّ عن البلخيّ.

1. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 73: و هذه استعارة، و المراد بذلك المبالغة في صفة العذاب بالعموم لهم و الاطباق عليهم كالغاشية التي تشتمل على الشيء فتجلّله من جميع جنباته و تستره عن العيون من كلّ جهاته.
2. في المصدر: عن أبيه، عن جدّه.
3. مجمع البيان: 5/462.

صفحه 104
وخامسها: أنّهم: المشبّهة آمنوا في الجملة وأشركوا في التفصيل، وروي ذلك عن ابن عبّاس.
وسادسها: أنّ المراد بالإشراك شرك الطاعة لا شرك العبادة، أطاعوا الشيطان في المعاصيّ الّتي يرتكبونها ممّا أوجب اللّه عليها النار، فأشركوا باللّه في طاعته ولم يشركوا باللّه في عبادته1 ; عن أبي جعفر(عليه السلام).2
وروى عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنّه قال: «قول الرجل: لولا فلان لهلكت ولولا فلان لضاع عيالي جعل للّه شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه»، فقيل له: لو قال: لولا أن منَّ اللّه عليّ بفلان لهلكت، قال: «لا بأس بهذا».3
وفي رواية زرارة ومحمّد بن مسلم وحمران عنهما(عليهما السلام): «إنّه شرك النعم».4
و روى محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: «إنّه شرك لايبلغ به الكفر».5
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الرعد   
(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ الله): أي عقوبة تغشاهم وتحيط بهم.6

1. في المصدر: ولم يشركوا باللّه شرك عبادة فيعبدون معه غيره.
2. روى العياشي في تفسيره: 2/199 برقم 95 بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) قال: «شرك طاعة وليس بشرك عبادة، والمعاصي الّتي تركبون ممّا أوجب اللّه عليها النار شرك طاعة، أطاعوا الشيطان وأشركوا اللّه في طاعته ولم يكن بشرك عبادة، فيعبدون مع اللّه غيره». وكذلك رواه القمي في تفسيره: 1/358 بإسناده عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) باختلاف يسير.
3. تفسير العياشي: 2/200 برقم 96.
4 . تفسير العياشي: 2/200 برقم 97.
5. تفسير العياشي: 2/199 برقم 93.
6 . مجمع البيان: 5/462ـ463.

صفحه 105
[ما جاء في سورة الرعد ]
الرعد (13): (المرَ تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّك لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّك لَشَدِيدُ الْعِقَابِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد * «إلى قوله»: هُوَ الذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الِْمحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل * وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ1 * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 76: و هذه استعارة; لأنّ السجود في اللغة الخضوع و التذلّل إمّا باللسان الناطق عن الجملة، أو بآثار الصنعة و عجائب الخلقة، ثم نقل فصار اسماً لهذا العمل المخصوص الذي هو من أركان الصلاة; لأنّه يدلّ على تذلّل الساجد لخالقه بتطامن شخصه و انحناء ظهره، وقد ذكر في بعض الأخبار أنّ جدنا جعفربن محمد(عليه السلام)سئل عن العلة فيما كلّفنا الله تعالى من أعمال الصلاة و سائر العبادات فقال: أراد الله سبحانه بذلك إذلال الجبارين فإذا تمهّد ما ذكرنا كان في ذكر سجود الظلال فائدة حسنة، و هي أن الظل الذي هو في الشخص و هو غيرقائم بنفسه إذا ظهرت فيه أعلام الخضوع للخالق بما فيه من دلائل الحكمة و عجائب الصنعة كان ذلك أعجب من ظهور هذه الحال في البنية القائمة بنفسها و المعروفة بشخصها.

صفحه 106
شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * «إلى قوله سبحانه»:1 أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِك يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِك يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ2 * «إلى قوله»: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ ). 1 ـ 19 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ): أي بالعذاب قبل الرحمة، عن ابن عبّاس وغيره. والمثلات: العقوبات.3
(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد) فيه أقوال:
أحدها: إنّما أنت مخوّفٌ وهاد لكلّ قوم، وليس إليك إنزال الآيات، فأنت

1 . هكذا في النسخ، والآية غير متوسطة بآية أُخرى، فقوله:«إلى قوله سبحانه» زيادة، و لعلّه من النسّاخ.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 76:
و هذه استعارة، والمراد بضرب الأمثال ـ والله أعلم ـ معنيان: أحدهما أن يكون تعالى أراد بضربها تسيّرها في البلاد وادارتها على ألسنة الناس من قولهم: ضرب فلان في الأرض إذا توغّل فيها وأبعد في أقاصيها، و يقوم قوله تعالى: (يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ)[الرعد: 17] مقام قوله: ضرب به في البلاد، والمعنى الآخر في ضرب المثل أن يكون المراد به نصبه للناس بالشهرة تستدلّ عليه خواطرهم كما تستدلّ على الشيء المنصوب نواظرهم و ذلك مأخوذ من قولهم: ضربت الخباء إذا نصبته وأثبتّ طنبه، وأقمت عمده، و يكون قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)[الرعد/ 17 ]على هذا الوجه، أي ينصب منارهما و يوضح أعلامهما ليعرف المكلّفون الحق بعلاماته فيقصدوه، و يعرفوا الباطل بسماته فيجتنبوه.
3. مجمع البيان: 6/13ـ14.

صفحه 107
مبتدأٌ ومنذر خبره. وهاد عطف على منذر.
والثاني: أنَّ المنذر هو محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، والهادي هو اللّه.
والثالث: أنَّ معناه: ولكلّ قوم نبيٌّ يهديهم وداع يرشدهم.
والرابع: أنَّ المراد بالهادي كلّ داع إلى الحقّ; وعن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت الآية قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا المنذر، وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون».1 وروى مثله أبو القاسم الحسكانيّ بإسناده عن أبي برزة الأسلمي2.3
وفي قوله: (إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ) هذا مثل ضربه اللّه لكلّ من عبد غير اللّه ودعاه رجاء أن ينفعه، فمثله كمثل رجل بسط كفّيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله ويسكّن به غلّته، وذلك الماء لايبلغ فاه لبعد المسافة بينهما، فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لايصل نفعها إليهم فلا يستجاب دعاؤهم، عن ابن عبّاس; وقيل: كباسط كفّيه إلى الماء أي كالّذي يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلايأتيه

1. مناقب ابن شهرآشوب: 2/280، شواهد التنزيل: 1/381 برقم 398 وص 384 برقم 400 ; فضائل أمير المؤمنين للكوفي: 194، الفصول المهمّة لابن الصباغ المالكي: 1/574 ; جامع البيان: 13/142; تفسير الثعلبي: 5/272; تفسير الرازي: 19/14; الدر المنثور: 4/45.
2. لاحظ شواهد التنزيل: 1 / 392 برقم 414. في البحار والمجمع: أبي بردة، وما أثبتناه من المصادر الرجالية والحديثية وكتب السيرة والتفسير، والظاهر أنّ بردة تصحيف لبرزة; وذلك لتقارب اللفظ والإملاء بينهما، واللّه العالم. وهو نضلة بن عبيد بن الحارث الأسلمي، أبو برزة صحابي غلبت عليه كنيته واختلف في اسمه وقيل نضلة بن عبيد الله، وقيل: نضلة بن عمرو، وقيل: غير ذلك، وما ذكرناه الأكثر رواجاً واستعمالاً، كان من سكان المدينة ثم البصرة وشهد فتح مكة، وفتح اصطخر عام 29 هـ، ثم حضر مع علي(عليه السلام) قتال الخوارج بالنهروان، ثم شهد قتال الأزارقة مع المهلّب بن أبي صفرة. عدّه البرقي من أصفياء علي(عليه السلام)له 46 حديثاً. مات بخراسان، وقيل: بالبصرة سنة 65هـ . راجع رجال البرقي: 28 برقم 13 وص 34 برقم 10; معجم رجال الحديث: 22/47ـ48; تهذيب الكمال: 9/408 برقم 6437 ; الإصابة: 7/33 برقم 9616، تقريب التهذيب: 2/247 برقم 7177 .
3. مجمع البيان: 6/14ـ15.

صفحه 108
الماء، عن مجاهد; وقيل: كالّذي يبسط كفّيه إلى الماء فمات قبل أن يبلغ الماء فاه; وقيل: إنّه يتمثّل1 العرب لمن يسعى فيها لايدركه فيقول: هو كالقابض على الماء.
(وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَل): أي ليس دعاؤهم الأصنام من دون اللّه إلاّ في ذهاب عن الحقّ والصواب; وقيل: في ضلال عن طريق الإجابة والنفع (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)يعني الملائكة وسائر المكلّفين (طَوْعًا وَكَرْهًا): أي يجب السجود للّه تعالى إلاّ أنّ المؤمن يسجد له طوعاً، والكافر كرهاً بالسيف; أو يخضعون له إلاّ أنَّ الكافر يخضع له كرهاً لأنّه لايمكنه أن يمتنع عن الخضوع للّه تعالى لما يحلّ به من الآلام والأسقام (وَظِلاَلُهُمْ): أي ويسجد ظلالهم للّه (بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ): أي العشيّات قيل: المراد بالظلّ الشخص، فإنّ مَن يسجد يسجد معه ظلّه; قال الحسن: يسجد ظل الكافر ولايسجد الكافر، ومعناه عند أهل التحقيق أنّه يسجد شخصه دون قلبه، لأنّه لايريد بسجوده عبادة ربّه من حيث إنّه يسجد للخوف; وقيل: إنّ الظلال على ظاهرها، والمعنى في سجودها تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير2 بالطول والقصر (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): أي المؤمن والكافر. (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ): أي الكفر والإيمان، أو الضلالة والهدى، أو الجهل والعلم (أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ): أي هل جعل هؤلاء الكفّار شركاء في العبادة خلقوا أفعالاً مثل خلق الله تعالى من الأجسام والألوان والطعوم والروائح والقدرة والحياة وغير ذلك (فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ): أي فاشتبه لذلك عليهم ما الّذي خلق اللّه، وما الّذي خلق الأوثان، فظنّوا أنَّ الأوثان تستحقّ العبادة لأنّ أفعالها مثل أفعال اللّه تعالى، فإذا

1 . في المصدر: تمثيل.
2. في المصدر: وانقيادها بالتسخير.

صفحه 109
لم يكن ذلك مشتبهاً إذ كان ذلك كلّه للّه لم يبق شبهة أنّه إلاله لايستحقّ العبادة سواه.1
وفي قوله تعالى: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا): يعني فاحتمل الأنهار الماء كلّ نهر بقدره: الصغير على قدر صغره، والكبير على قدر كبره (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا): أي طافياً عالياً فوق الماء، شبّه سبحانه الحقّ والإسلام بالماء الصافي النافع للخلق، والباطل بالزبد الذاهب باطلاً ; وقيل: إنّه مثل للقرآن النازل من السماء، ثمّ يحتمل القلوب حظّها من اليقين والشك على قدرها، فالماء مثلٌ لليقين، والزبد مثلٌ للشك، عن ابن عبّاس; ثمّ ذكر المثل الآخر فقال: ( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) وهو الذهب والفضّة والرصاص وغيره ممّا يذاب ( ابْتِغَاءَ حِلْيَة): أي طلب زينة يتّخذ منه كالذهب والفضّة (أَوْ مَتَاع)معناه: ابتغاء متاع يُنتفع به، وهو مثل جواهر الأرض يتّخذ منه الأواني وغيرها (زَبَدٌ مِثْلُهُ): أي مثل زبد الماء، فإنَّ هذه الأشياء الّتي تستخرج من المعادن توقد عليها النار ليتميّز الخالص من الخبيث لها أيضاً زبد وهو خبثها (كَذَلِك يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ): أي مثل الحقّ والباطل ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً): أي باطلاً متفرّقاً بحيث لاينتفع به (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ)وهو الماء الصافي والأعيان الّتي ينتفع بها (فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)فينتفع به الناس، فمثل المؤمن واعتقاده كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كلّ شيء به، وكمثل نفع الفضّة والذهب وسائر الأعيان المنتفع بها، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الّذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الذهب والفضّة الّتي2 لاينتفع به (كَذَلِك يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ) للناس في أمر دينهم.

1 . مجمع البيان: 6 / 24 ـ 26.
2. في المصدر: الّذي.

صفحه 110
قال قتادة: هذه ثلاثة أمثال ضربها اللّه تعالى في مثل واحد: شبّه نزول القرآن بالماء الّذي ينزل من السماء.
و شبّه القلوب بالأودية والأنهار فمن استقصى في تدبّره وتفكّر في معانيه أخذ حظّاً عظيماً منه، كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير، ومن رضي بما أدّاه إلى التصديق بالحقّ على الجملة كان أقلّ حظّاً منه، كالنهر الصغير فهذا مثل.
ثمّ شبّه الخطرات1 ووساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء، وذلك من خبث التربة لا من الماء، وكذا اللّه(2) ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحقّ، يقول: فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفوة الماء كذلك يذهب
مخائل الشكّ باطلاً ويبقى الحقّ فهذا مثل ثان; والمثل الثالث: قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ) فالكفر مثل هذا الخبث الّذي لاينتفع به، والإيمان مثل الصافي الّذي ينتفع به.2
وقال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * «إلى قوله تعالى»: كَذَلِك أَرْسَلْنَاك فِي أُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ* وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِك فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا

1. في المصدر: الخطوات.   2 . في المصدر: وكذلك.
2. مجمع البيان: 6/29ـ30.

صفحه 111
كَسَبَتْ1 وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * «إلى قوله»: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلاَ أُشْرِك بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِك أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ مَا لَك مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ وَاق * «إلى قوله»: وَإِمَّا نُرِيَنَّك بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * «إلى قوله»: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ). 27 ـ 43.

[ التفسير]

وفي قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا) جواب لو محذوف، أي لكان هذا القرآن; وقيل: أي لما آمنوا (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا): أي أفلم يعلموا ويتبيّنوا، عن ابن عبّاس وغيره; وقيل: معناه: أولم يعلم الّذين آمنوا علماً يئسوا معه من أن يكون غير ما علموه؟ وقيل: معناه: أفلم ييأس الّذين آمنوا من إيمان هؤلاء الّذين وصفهم اللّه بأنّهم لايؤمنون؟ (قَارِعَةٌ): أي نازلة وداهية تقرعهم من الحرب والجدب والقتل والأسر (أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ) قيل: إنّ التاء في تحلّ للتأنيث، أي تحلّ تلك

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 77: وهذه استعارة، و المراد بها أنّه تعالى محص على كلّ نفس ما كسبت ليجازيها به. و شاهد ذلك قوله سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)[آل عمران: 75 ]أي مادمت له مطالباً و لأمره مراقباً لاتمهله للحيلة و لاتنظره للعيلة. و إذا لم يصح إطلاق صفة القيام على الله سبحانه حقيقة، كان المراد بها قيام إحصائه على كلّ نفس بما كسبت ليطالبها به و يجازيها عنه بحسبه، و القيام و الدوام هاهنا بمعنى واحد، و الماء الدائم هو القائم الذي لايجري.

صفحه 112
القارعة قريباً من دارهم فتجاورهم حتّى تحصل لهم المخالفة منها; وقيل: إنَّ التاء للخطاب، أي تحلُّ أنت يا محمّد بنفسك قريباً من دارهم يعني مكّة (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) بفتح مكّة; وقيل: أي بالإذن لك في قتالهم; وقيل: حتّى يأتي يوم القيامة.
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة إبراهيم   
(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا): أي فأمهلتهم وأطلت مدّتهم ليتوبوا أو ليتمّ عليهم الحجّة(فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)تفخيمٌ لذلك العقاب (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ): أي أفمن هو قائم بالتدبير على كلّ نفس وحافظ على كلّ نفس أعمالها حتّى يجازيها كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام؟ ويدلّ على المحذوف قوله تعالى: (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ): أي بما يستحقّون من الصفات، وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء للّه كما يوصف اللّه بالخالق والرازق والمحيي والمميت; وقيل: سمّوهم بالأسماء الّتي هي صفاتهم ثمّ انظروا هل تدلّ صفاتهم على جواز عبادتهم واتّخاذهم آلهة؟ وقيل: معناه إنّه ليس لهم اسم له مدخل في استحقار الإلهية، وقيل: سمّوهم ماذا خلقوا؟ وذلك استحقاد لهم، أو هل ضرّوا أو نفعوا؟(أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ): أي بل أتخبرون اللّه بشريك له في الأرض وهو لايعلمه، على معنى أنّه ليس ولو كان لعلم. (أَمْ بِظَاهِر مِنَ الْقَوْلِ): أي أم تقولون مجازاً من القول وباطلاً لا حقيقة له، فالمعنى أنّه كلام ظاهر ليس له في الحقيقة باطنٌ ومعنى فهو كلام فقط; وقيل: أم بظاهر كتاب أنزله اللّه سمّيتم الأصنام آلهة، فبيّن أنّه ليس هاهنا دليلٌ عقليٌّ ولا سمعيٌّ يوجب استحقاق الأصنام الإلهيّة (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ): أي دع ذكر ما كنّا فيه زيّن الشيطان لهم الكفر; لأنّ مكرهم بالرسول كفر منهم; وقيل: بل زيّن لهم الرؤساء والغواة كذبهم وزورهم.1

1. مجمع البيان: 6/41ـ44.

صفحه 113
وفي قوله: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ) المراد أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)الّذينَ أُعطوا القرآن، أو مؤمنو أهل الكتاب.1
وفي قوله: (وَإِمَّا نُرِيَنَّك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ): أي من نصر المؤمنين عليهم وتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال(أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك): أي نقبضك إلينا قبل أن نريك ذلك، وبيّن بهذا أنّه يكون بعض ذلك في حياته وبعضه بعد وفاته، أي فلا تنتظر أن يكون جميع ذلك في أيّام حياتك (فَإِنَّمَا عَلَيْك)أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وعلينا حسابهم ومجازاتهم.(2)
وفي قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) قيل: هو اللّه تعالى; وقيل: مؤمنو أهل الكتاب; وقيل: إنّ المراد به عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأئمّة الهدى(عليهم السلام)، عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام)بأسانيد.2
[ما جاء في سورة إبراهيم ]
إبراهيم(14): (الرَ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «إلى قوله»: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ

1. مجمع البيان:6/46.   2 . مجمع البيان: 6/50.
2. مجمع البيان: 6/53. والأسانيد في المصدر هكذا: وروي عن بريد بن معاوية، عن أبي عبداللّه(عليه السلام)أنّه قال: «إيّانا عنى، وعلي أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)». وروى عنه عبد اللّه بن كثير أنّه وضع يده على صدره، ثم قال: «عندنا واللّه علم الكتاب كملاً». ويؤيد ذلك ما روي عن الشعبي أنّه قال: ما أحد أعلم بكتاب اللّه بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من علي بن أبي طالب (عليه السلام)ومن الصالحين من أولاده وروى عاصم بن أبي النجود، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحداً أقرأ من علي بن أبي طالب(عليه السلام) للقرآن. وروى أبوعبد الرحمن عن عبداللّه بن مسعود قال: لو كنت أعلم أنّ أحداً أعلم بكتاب اللّه منّي لأتيته. قال: فقلت له: فعلي؟ قال: أو لم آته؟ انتهى. وقد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تشير إلى ذلك. راجع: بصائر الدرجات: 232ـ 236، الباب 1 ممّا عند الأئمّة(عليهم السلام)من اسم اللّه الأعظم وعلم الكتاب; الكافي: 1/229 ح 6، وص 257 ح 3; دعائم الإسلام: 1/22; أمالي الصدوق: 659 ح3، المجلس السادس والسبعون، الاحتجاج: 2/140; وغيرها كثير.

صفحه 114
أَعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْم عَاصِف لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء ذَلِك هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِك عَلَى اللهِ بِعَزِيز).1 ـ 20 .
وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار). 24 ـ 26.

[ التفسير ]

وفي قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ): أي مثل أعمالهم(كَرَمَاد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ): أي ذرّته ونسفته (فِي يَوْم عَاصِف): أي شديد الريح، فكما لايقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرّق والانتفاع به فكذلك هؤلاء الكفّار ( لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء): أي على الانتفاع بأعمالهم.1
وفي قوله: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) هي كلمة التوحيد; وقيل: كلُّ كلام أمر اللّه تعالى (كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ): أي شجرةٌ زاكيةٌ ناميةٌ راسخةٌ أُصولها في الأرض، عاليةٌ أغصانها وثمارها في السماء، وأراد به المبالغة في الرفعة، وهذه الشجرة قيل: هي النخلة;2 وقيل: شجرة في الجنّة.3
و روى ابن عقدة عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ الشجرة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفرعها

1. مجمع البيان: 6/ 68.
2. في المصدر: روى أنس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّ هذه الشجرة هي النخلة.
3. مجمع البيان: 6/74.

صفحه 115
عليّ (عليه السلام)، وغصن الشجرة1 فاطمة(عليها السلام)، وثمارها أولادها، وأوراقها شيعتنا. ثمَّ قال(عليه السلام): « إنّ الرجل من شيعتنا ليموت فتسقط من الشجرة ورقة، وإنّ المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة ورقة».2
(تُؤْتِي أُكُلَهَا): أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها(كُلَّ حِين): أي في كلّ ستّة أشهر، عن ابن عبّاس وأبي جعفر(عليه السلام)3.
وقيل: أي كلّ سنة ; وقيل: أي كلّ غداة وعشيّة; وقيل: في جميع الأوقات; وقيل: إنّه سبحانه شبّه الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبّه ما يكسبه المؤمنون من بركة الإيمان وثوابه كلّ وقت وحين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلّها من الرطب والتمر; وقيل: إنّ معنى قوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهاَ)ما يفتي به الأئمّة من آل محمّد شيعتهم في الحلال والحرام: (وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة)هي كلمة الشرك والكفر; وقيل: كلّ كلام في معصية اللّه (كَشَجَرَة خَبِيثَة) غير زاكية وهي شجرة الحنظل; وقيل: إنّها شجرةٌ هذه صفتها و هو أنّه لا قرار لها في الأرض; وقيل: إنّها الكشوث.4
و روى أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّ هذا مثل بني أُميّة5(اجْتُثَّتْ مِنْ

1. في المصدر: وعنصر الشجرة.
2. تفسير القمي: 1/369، نور الثقلين: 2/536 ح 58.
3. تنوير المقباس في تفسير ابن عباس: 213; الدر المنثور: 4/77; الكافي: 4/142 ح 5 ; تفسير العياشي: 2 / 224 ح 11 .
4. الكشوث والأكشوث والكشوثي: كلّ ذلك نبات مجتث مقطوع الأصل، وقيل: لا أصل له، وهو أصفر يتعلّق بأطراف الشوك وغيره. وقال الجوهري: الكشوث نبات يتعلّق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض. لسان العرب: 2/181، مادة «كشث».
5. روى القمي في تفسيره: 1/369 عن أبي الجارود عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كذلك الكافرون لاتصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أُميّة لايذكرون اللّه في مجلس ولا في مسجد ولاتصعد أعمالهم إلى السماء إلاّ قليل منهم». وراجع: بحار الأنوار: 31/647 ح 178.

صفحه 116
فَوْقِ الأَرْضِ): أي استؤصلت واقتلعت جثّته من الأرض(مَا لَهَا مِنْ قَرَار)ما لتلك الشجرة من ثبات، فإنّ الريح تنسفها وتذهب بها، فكما أنّ هذه الشجرة لا ثبات لها ولا بقاء ولاينتفع بها أحد، فكذلك الكلمة الخبيثة لاينتفع بها صاحبها.1
وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ). 28 ـ 30 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا): أي: عرفوا نعمة اللّه بمحمّد، أي عرفوا محمّداً ثمّ كفروا به فبدّلوا مكان الشكر كفراً. وروي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «نحن واللّه نعمة اللّه الّتي أنعم بها على عباده، وبنا يفوز من فاز».2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الحجر   
ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم اللّه بدّلوها أقبح التبديل، إذ جعلوا مكان شكرها الكفر بها; واختلف في المعنيّ بالآية فروي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)وابن عبّاس وابن جبير وغيرهم أنّهم كفّار قريش كذّبوا نبيّهم ونصبوا له الحرب والعداوة.3

1. مجمع البيان: 6/74ـ 75.
2. رواه القميّ في تفسيره: 1/371 بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، عن الصادق(عليه السلام). والرواية من مقولة الجري وتطبيق الكلي على أفضل من مصاديقه وبذلك يفسر كلما ورد في نظائر المقام.
3. التبيان: 6/294; جامع البيان: 13/289; تفسير الثعلبي: 5/319; الدر المنثور: 4/84 ـ 85.

صفحه 117
وسأل رجلٌ أمير المؤمنين(عليه السلام) عن هذه الآية فقال: هما الأفجران من قريش: بنو أُميّة وبنو المغيرة ; فأمّا بنو أُميّة فمتّعوا إلى حين، وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.1 وقيل: إنّهم جبلة بن الأيهم2 ومن تبعه من العرب تنصّروا ولحقوا بالروم (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ): أي دار الهلاك.3
[ما جاء في سورة الحجر ]
الحجر (15): (الرَ تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «إلى قوله»: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّك لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ «إلى قوله»: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا4بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ «إلى قوله»: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّك هُوَ

1. كنز العمال: 2/444 برقم 4453; تفسير العياشي: 2/230 برقم 28; تفسير الثوري: 157; جامع البيان: 13/288 و 290 ; الدر المنثور: 4/84.
2. جبلة بن الأيهم الغسّاني، أبو المنذر، ملك آل جفنة بالشام، آخر ملوك الغساسنة في بادية الشام، عاش زمناً في العصر الجاهلي، أسلم وأهدى للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هدية، فلمّا كان زمن عمر ارتدّ ولحق بالروم. وكان داس رجلاً، فلكمه الرجل، فهمّ بقتله، فقال عمر: الطمه بدلها، فغضب وارتحل إلى بلاد الروم مرتدّاً، ولم يزل بالقسطنطنية عند هرقل (ملك الروم) إلى أن توفّي. وفي المؤرّخين من يرى أنّ جبلة هذا هو باني مدينة جبلة بين طرابلس واللاذقية. سير أعلام النبلاء: 3/532 برقم 137; الأعلام: 2/112.
3. مجمع البيان: 6/77.
4. سَكَرت أبصارنا: أي حبست ومنعت عن النظر و حيرت، أو معناها غطيت و غشيت. تاج العروس: 6/537، مادة «سكر».

صفحه 118
الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي1 وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَك لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ2 * فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّك يَضِيقُ صَدْرُك بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ). 1 ـ 99.

[ التفسير ]

وفي قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي في الآخرة إذا صار المسلمون إلى الجنّة والكفّار إلى النّار.3
(مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ): أي بالموت، أو بعذاب الاستيصال إن لم يؤمنوا، أو إلاّ بالرسالة ( وَمَا كَانُوا إِذًا): أي حين تنزَّل الملائكة( مُنْظَرِينَ): أي لايمهلون ساعة.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ): أي القرآن( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) عن الزيادة والنقصان

1. (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) قيل: هي السبع الطوال سبع سور من أوّل القرآن، و قيل: المثاني التي بعد المائتين قبل المفصل، و قيل: هي فاتحة الكتاب. و هو المروي عن أئمتنا(عليهم السلام). التبيان: 6/353.
2. قوله تعالى: (اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ): أي جعلوه متفرّقاً بالإيمان ببعضه و الكفر ببعض و قيل: جعلوه عضين بأن قالوا سحر و كهانة. التبيان: 6/354.
3. مجمع البيان: 6/101.

صفحه 119
والتغيير والتحريف; وقيل: نحفظه من كيد المشركين فلايمكنهم إبطاله ولايندرس ولا يُنسى; وقيل: المعنى: وإنّا لمحمّد حافظون.
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ): أي على هؤلاء المشركين (بَابًا مِنَ السَّمَاءِ)ينظرون إليه(فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ): أي فظلّت الملائكة تصعد وتنزل في ذلك الباب; وقيل: فظلّ هؤلاء المشركون يعرجون إلى السماء من ذلك الباب وشاهدوا ملكوت السماوات (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا): أي سدّت وغطّيت; وقيل: تحيّرت وسكنت عن أن تنظر (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)سحرنا محمّد فيخيّل الأشياء إلينا على خلاف حقيقتها.1
وفي قوله: (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ): أي لاترفعنّ عينيك من هؤلاء الكفّار إلى ما متّعناهم وأنعمنا عليهم به أمثالاً من النعم من الأموال والأولاد وغير ذلك من زهرات الدنيا، فيكون (أَزْوَاجًا) منصوباً على الحال، والمراد به الأشياء والأمثال; وقيل: لاتنظرنّ ولاتعظمنّ في عينيك ولا تمدّهما إلى ما متّعنا به أصنافاً من المشركين (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب (وَاخْفِضْ جَنَاحَك لِلْمُؤْمِنِينَ): أي تواضع لهم.2
(كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ): أي أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى (اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) جمع عضة، و أصله عضوة، والتعضية: التفريق، أي فرّقوا وجعلوه أعضاءً، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه; وقيل: سمّاهم مقتسمين لأنّهم اقتسموا كتب اللّه فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها; وقيل: معناه: إنّي أُنذركم عذاباً كما أنزلنا على المقتسمين الّذين اقتسموا

1. مجمع البيان: 6 / 105ـ 106.
2 . مجمع البيان: 6 / 130 .

صفحه 120
طريق مكّة، يصدُّون عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)والإيمان به; قال مقاتل: كانوا ستّة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيّام الموسم يقولون لمن أتى مكّة: لاتغترّوا بالخارج منّا والمدّعي النبوّة، فأنزل اللّه بهم عذاباً فماتوا شرّ ميتة، ثمّ وصفهم فقال: (اَلَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أجزاءً أجزاءً1 فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأوّلين، وقالوا: مفترى; عن ابن عبّاس.
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أي أظهر وأعلن وصرّح بما أُمرت به غير خائف (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ): أي لاتخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم، أو لاتلتفت إليهم ولاتخف منهم (حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ): أي الموت.(2)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النحل   
[ما جاء في سورة النحل ]
النحل (16): (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ «إلى قوله»: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ «إلى قوله»: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ2 أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ

1. في المصدر: أي جزّؤوه أجزاء.   2 . مجمع البيان: 6/131 ـ 133.
2. لاجرم بمعنى لا شك، و قيل: هي بمعنى لابد، و لامحالة، فجرت على ذلك و كثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، و صارت بمعنى حقّاً، و قيل: بمعنى وجب و حق و هو الذي اختاره الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية وقال: لاجرم أي حق و وجب أنّه يعلم ما يبطنونه و يخفونه في نفوسهم، و مايظهرونه، لايخفى عليه منه شيء. التبيان: 6/372; مجمع البحرين: 1/263، مادة «جرم».

صفحه 121
الْمُسْتَكْبِرِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ (إلى قوله): وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذَلِك فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (إلى قوله): إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (إلى قوله): وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ1 * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ

1. (فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ): أي ترفعون أصواتكم إليه بالدعاء، يقال جأر القوم إلى الله جؤراً: إذا دعوا إليه و عجّوا إليه برفع أصواتهم. مجمع البحرين: 1/336، مادة «جأر».

صفحه 122
أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ «إلى قوله»: وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ * «إلى قوله»: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ «إلى قوله»: وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ «إلى قوله»: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِك لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم1 «إلى قوله»: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ «إلى قوله»: وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «إلى قوله»: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا

1 . قال الطوسي في التبيان: 6/ 409: قيل في معنى ضرب هذا المثل قولان: أحدهما: أنّه مثل ضربه الله في مَن يؤمل الخير من جهته وفي مَن لايؤمل، فيؤمل الخير كلّه من الله تعالى لا من جهة الأوثان و العباد، فلاينبغي أن يسوى بينها في العبادة. الثاني: أنّه مثل للكافر و المؤمن... و المراد أنّهما لايستويان قط. والأبكم الذي يولد أخرس لايُفهِّم ولا يُفهَّم.

صفحه 123
مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ «إلى قوله»: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبي مُبِينٌ «إلى قوله»: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْك أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 1 ـ 123 .
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * «إلى قوله»: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُك إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ). 125 ـ 128.

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء): أي الأصنام أو الكفّار (لاَ جَرَمَ): أي حقّاً وهو بمنزلة اليمين.1
وفي قوله: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ): أي يأخذهم العذاب في تصرّفهم في

1. مجمع البيان: 6/147ـ 148.

صفحه 124
أسفارهم وتجاراتهم; وقيل: في تقلّبهم في كلّ الأحوال ليلاً ونهاراً فيدخل فيه تقلّبهم على الفراش يميناً وشمالاً ( فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ): أي فليسوا بفائتين وما يريده اللّه بهم من الهلاك لايمتنع عليه (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف)قال الأكثر: أي على تنقّص إمّا بقتل أو بموت، أي بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذ منهم الأوّل فالأوّل حتّى يأتي على جميعهم; وقيل: في حال تخوّفهم من العذاب (يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ): أي يتميّل ظلاله عن جانب اليمين وجانب الشمال، ومعنى سجود الظلّ دورانه من جانب إلى جانب كما مرَّ; وقيل: المراد بالظلّ هو الشخص بعينه، ولهذا الإطلاق شواهد في كلام العرب (وَهُمْ دَاخِرُونَ): أي أذلّة صاغرون، فنبّه تعالى على أنّ جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبّرها، فهي في ذلك كالساجد من العباد.1
(وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا): أي له الطاعة دائمة واجبة على الدوام، من وصب الشيء وصوباً: إذا دام; وقيل: أي خالصاً(2)(نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ): أي ما مرّ ذكره في سورة الأنعام من الحرث والأنعام وغيرها.
(وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ): أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه ويحبّونه من البنين (وَهُوَ كَظِيمٌ): أي ممتلئ غيظاً وحزناً (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ): أي يدبّر في أمر البنت المولود له: أيمسكه على ذلّ وهوان أم يخفيه في التراب ويدفنه حيّاً؟ وهو الوأد الّذي كان من عادة العرب، وهو أنّ أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا ولد له أُنثى جعلها فيها وحثا عليها التراب حتّى تموت تحته، وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر.2
(وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ): أي البنات (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى): أي البنون أو

1. مجمع البيان: 6/163.   2 . مجمع البيان: 6/164ـ165.
2. مجمع البيان: 6/168.

صفحه 125
المثوبة الحسنى في الآخرة1، (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ): أي مقدّمون معجّلون إلى النار.2
وفي قوله: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا): فيه قولان:
أحدهما: أنّهم لايشركون عبيدهم في أموالهم وأزواجهم حتّى يكونوا فيه سواء ويرون ذلك نقصاً، فلايرضون لأنفسهم به، وهم يشركون عبادي في ملكي وسلطاني ويوجّهون العبادة والقرب إليهم كما يوجّهونها إليّ.
والثاني: أنّ معناه: فهؤلاء الذين فضّلهم في الرزق من الأحرار لا يرزقون ممالكيهم، بل اللّه رازق الملاّك والمماليك، فإنّ الذي ينفقه المولى على مملوكه إنّما ينفقه ممّا يرزقه اللّه، فهم سواء في ذلك.3
وفي قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) يريد حرّاً رزقناه وملّكناه مالاً ونعمة (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا) لايخاف من أحد (هَلْ يَسْتَوُونَ) يريد أنّ الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مالكاً قادراً على الإنفاق دون الآخر لايستويان، فكيف يسوّى بين الحجارة الّتي لاتعقل ولاتتحرّك وبين اللّه عزّ اسمه القادر على كلّ شيء والرازق لجميع خلقه؟ وقيل: إنّ هذا المثل للكافر والمؤمن، فإنّ الكافر لا خير عنده والمؤمن يكسب الخير (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء) من الكلام; لأنّه لايفهم ولايفهم عنه; وقيل: معناه: لايقدر أن يميّز أمر نفسه (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ): أي ثقل ووبال على وليّه الّذي يتولّى أمره(أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْر): أي لا منفعة لمولاه فيه أينما يرسله في حاجة لايرجع بخير ولايهتدي إلى منفعة (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ): أي هذا الأبكم (وَمَنْ يَأْمُرُ

1. في المصدر: والمثوبة الحسنى وهي الجنّة.
2. مجمع البيان: 6/171.
3. مجمع البيان: 6/179.

صفحه 126
بِالْعَدْلِ): أي ومن هو فصيحٌ يأمر بالحقّ والصواب (وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم): أي على دين قويم وطريق واضح فيما يأتي ويذر.
و فيه 1 أيضاً وجهان:
أحدهما: أنّه مثل ضربه اللّه تعالى في مَن يؤمّل الخير من جهته ومن لايؤمّل منه، وأصل الخير كلّه من اللّه، فكيف يسوّى بينه وبين شيء سواه في العبادة؟!
والآخر: أنّه مثلٌ للكافر والمؤمن: فالأبكم: الكافر، والّذي يأمر بالعدل: المؤمن، عن ابن عبّاس; وقيل: إنّ الأبكم أُبيّ بن خلف، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون، عن عطاء; وقيل: إنّ الأبكم هاشم بن عمرو بن الحارث القرشيّ، وكان قليل الخير يعادي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي قوله: (وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) نزلت في الّذين بايعوا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على الإسلام، فقال سبحانه للمسلمين الّذين بايعوه: لايحملنّكم قلّة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة، فإنّ اللّه حافظكم، أي أثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول وأكّدتموه بالأيمان; وقيل: نزلت في قوم حالفوا قوماً فجاءهم قوم وقالوا: نحن أكثر منهم وأعزّ وأقوى فانقضوا ذلك العهد وحالفونا. (وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا): أي لاتكونوا كالمرأة الّتي غزلت ثمّ نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للغزل، وهي امرأة حمقاء من قريش، كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن، ولاتزال ذلك دأبها، واسمها ربطة بنت عمرو بن كعب، وكان تسمّى خرقاء مكّة (أَنْكَاثًا) جمع نكث، وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم ثمّ ينكث وينقض ليغزل ثانيةً(تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ): أي دغلاً وخيانة ومكراً (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّة):

1. أي في هذا المثل.
2. مجمع البيان: 6/181 ـ 182.

صفحه 127
أي بسبب أن يكون قوم أكثر من قوم وأُمّة أعلى من أُمّة (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا): أي فتضلّوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى.1
وفي قوله:(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة) يعني إذا نسخنا آية وآتينا مكانها أُخرى (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر)قال ابن عبّاس: كانوا يقولون: يسخر محمّد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وغداً يأمرهم بأمر وإنّه لكاذب، ويأتيهم بما يقول من عند نفسه. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) قال ابن عبّاس: قالت قريش: إنّما يعلّمه بلعام وكان قيناً بمكّة روميّاً نصرانياً ; وقال الضحكاك: أرادوا به سلمان الفارسيّ، قالوا: إنّه يتعلّم القصص منه; وقال مجاهد وقتادة: أرادوا به عبداً لبني الحضرميّ روميّاً يقال له: يعيش أو عائش صاحب كتاب، وأسلم وحسن إسلامه; وقال عبد اللّه بن مسلم: كان غلامان في الجاهليّة نصرانيّان من أهل عين التمر; اسم أحدهما يسار، والآخر جبير، وكانا صيقلين يقرآن كتاباً لهما بلسانهم، وكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ربّما مرّ بهما واستمع قرائتهما فقالوا: إنّما يتعلّم منهما، ثمّ ألزمهم اللّه الحجّة وأكذبهم بأن قال: (لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ): أي لغة الّذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجميّة، والأعجميّ هو الّذي لايفصح وإن كان عربيّاً(وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبي مُبِينٌ) أي ظاهر بيّن لايتشكّل،2 يعني إذا كانت
العرب تعجز عن الإتيان بمثله وهو بلغتهم فكيف يأتي به الأعجميّ.3
وفي قوله: (وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ) الخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به غيره ليكون أبلغ في الزجر. (مَدْحُورًا): أي مطروداً مبعداً عن رحمة اللّه.4

1. مجمع البيان: 6/194ـ 195.
2. في المصدر: لايتشكك.
3. مجمع البيان: 6/199 ـ 201.
4. مجمع البيان: 6/252.

صفحه 128
وفي قوله: (إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً): أي لطلبوا طريقاً يقرّبهم إلى مالك العرش لعلمهم بعلوّه عليهم وعظمته، وقال أكثر المفسّرين: معناه: لطلبوا سبيلاً إلى معازّة1 مالك العرش ومغالبته، فإنّ الشريكين2 في الإلهية يكونان متساويين في صفات الذات، ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك فيكون إشارة إلى دليل التمانع.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الإسراء   
[ما جاء في سورة الإسراء ]
الإسراء (17): (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * «إلى قوله»: ذَلِك مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبُّك مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * «إلى قوله»: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّك فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا* اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا

1. المعازّة: المغالبة في العز، وقوله تعالى: (وَعَزَّني فِي الْخِطَابِ): أي غلبني. العين: 1/76، مادة «عزز».
2. في المصدر: المشتركين.
3. مجمع البيان: 6/254.

صفحه 129
لَك الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً * «إلى قوله»: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِك الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ1 وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُورًا * «إلى قوله»: وَإِذْ قُلْنَا لَك إِنَّ رَبَّك أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاك إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ2 فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا * «إلى قوله سبحانه»: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً * «إلى قوله تعالى»: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَك بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّك إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْك كَبِيرًا * قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَك جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ

1. قوله: (أُولَئِك) رُفع بالإبتداء، و (الَّذِينَ) صفة لهم، و (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ) خبر الإبتداء. و المعنى: الجماعة الذين يدعون يبتغون إلى ربهم (أَيُّهُمْ) رفع بالإبتداء، و (أَقْرَبُ) خبره. والمعنى: يطلبون الوسيلة ينظرون أيّهم أقرب فيتوسلون به. وقال قوم: الوسيلة هي القربة و الزلفة، و قيل: الوسيلة، والسؤل والسؤال والطلبة واحد. التبيان:6/491.
2. الشجرة الملعونة في القرآن: قيل: إنّها شجرة الزقوم، و قيل: المراد بها الكفّار، و قيل: اليهود، و قيل: إنّ الشجرة الملعونة هم بنو أُميّة و هو المرويّ عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي جعفر و أبي عبداللّه(عليهما السلام). وهو المرويّ عن سعيد بن المسيب و ابن عباس و سهل بن سعد وعائشة.
راجع: تفسير السمعاني:3/254; تفسير الرازي: 2/236; تفسير القرطبي: 10/283; الدر المنثور: 4/191; و أمّا من مصادر الإمامية. راجع: تفسير العيّاشي: 2/297 برقم 93 و 94 و 95 و ص 298 برقم 99 و 100 و 101; تفسير القمي:2/21 و 380; التبيان: 6/494; مجمع البيان: 6/266.

صفحه 130
يَكُونَ لَك بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً* وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً* قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً * قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * «إلى قوله»: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لاََمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ1 وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا). 9 ـ 100 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ). قال الكلبيّ: هم أبوسفيان والنضر بن الحارث وأبوجهل وأُمّ جميل امرأة أبي لهب، حجب اللّه رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرّون به ولايرونه(حِجَابًا مَسْتُورًا): أي ساتراً ; وقيل: مستوراً عن الأعين لايبصر إنّما هو من قدرة اللّه (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّك فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ): أي ذكرت اللّه بالتوحيد وأبطلت الشرك ( وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا): أعرضوا عنك مدبرين نافرين، والمعنيُّ بذلك كفّار قريش; وقيل: هم الشياطين; وقيل: إذا سمعوا بسم اللّه الرحمن الرحيم ولّوا; وقيل: إذا سمعوا قول لا إله إلاّ اللّه.2
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك): أي ليس يخفى علينا حال هؤلاء المشركين وغرضهم في الاستماع إليك (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى): أي متناجون،

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:103: و هذه استعارة، و المراد بالخزائن هاهنا المواضع التي جعلها الله تعالى جهات لدرور الرزق و منافع الخلق، و إلى تلك المواضع ترفع الأيدي عند السؤال و الرغبات و استدراك الخير و البركات.
2. مجمع البيان: 6/256.

صفحه 131
والمعنى: إنّا نعلمهم في حال ما يصغون إلى سماع قراءتك، وفي حال يقومون من عندك ويتناجون فيما بينهم، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم: هو كاهن، وبعضهم: هو شاعر; وقيل: يعني به أباجهل وزمعة بن الأسود وعمرو بن هشام وخويطب بن عبد العزّى، اجتمعوا وتشاوروا في أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبوجهل: هو مجنون، وقال زمعة: هو شاعر، وقال خويطب: هو كاهن، ثمّ أتوا الوليد بن المغيرة وعرضوا ذلك عليه فقال: هو ساحرٌ (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا): أي سحر، فاختلط عليه أمره; وقيل: المراد بالمسحور المخدوع والمعلّل; وقيل: أي ذا سحر; أي رئة خلقه اللّه بشراً مثلكم; وقيل: المسحور بمعنى الساحر كالمستور بمعنى الساتر.1
وفي قوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ): أي الملائكة والمسيح وعزير; وقيل: هم الجنّ لأنّ قوماً من العرب كانوا يعبدون الجنّ، عن ابن مسعود، قال: وأسلم أُولئك النفر(2) وبقي الكفّار على عبادتهم.2
وفي قوله: (إِنَّ رَبَّك أَحَاطَ بِالنَّاسِ): أي أحاط علماً بأحوالهم وما يفعلونه من طاعة أو معصية. (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاك) فيه أقوال:
أحدها: أنّ المراد بالرؤيا رؤية العين، والمراد الإسراء وما رآه في المعراج .
وثانيها: أنّها رؤيا نوم رآها أنّه سيدخل مكّة وهو بالمدينة فقصدها فصدّه المشركون في الحديبية حتّى شكّ قوم!
وثالثها: أنّ ذلك رؤيا رآها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه أنّ قروداً تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتمّ به، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) 3، وقالوا

1. مجمع البيان: 6/256 ـ257.   2 . في المصدر: أُؤلئك نفر من الجن.
2. مجمع البيان: 6/262.
3. التبيان: 6/494.

صفحه 132
على هذا التأويل أنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أُميّة 1، أخبره اللّه تعالى بتغلّبهم على مقامه وقتلهم ذريّته، وقيل: إنّ الشجرة الملعونة هي شجرة الزقّوم، وإنّما سمّيت فتنة لأنّ المشركين قالوا: إنّ النار تحرق الشجر، فكيف تنبت الشجرة في النار؟ وصدّق به المؤمنون.2
وفي قوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَك) قال ابن عبّاس: إنّ جماعة من قريش، وهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب والأسود بن المطلّب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبوجهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أُميّة3 وأُميّة بن خلف والعاص بن وائل، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج والنضر بن الحارث وأبو البختريّ بن هشام اجتمعوا عند الكعبة، وقال بعضهم لبعض: إبعثوا إلى محمّد وكلّموه وخاصموه، فبعثوا إليه أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك، فبادر ـ عليه وآله صلوات اللّه وسلامه ـ إليهم ظنّاً منه أنّه بدا لهم من أمره، وكان حريصاً على رشدهم، فجلس إليهم فقالوا: يا محمّد إنّا دعوناك لنعتذر إليك، فلا نعلم قوماً4أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، شتمت الآلهة، وعبت الدين، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالاً أعطيناك، وإن كنت تطلب الشرف سوّدناك علينا، وإن كانت علّة غلبت عليك طلبنا لك الأطبّاء; فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ليس شيءٌ من ذلك، بل بعثني اللّه إليكم رسولاً وأنزل كتاباً، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه أصبر حتّى يحكم اللّه بيننا،

1. روى العيّاشي في تفسيره: 2/297 برقم 93 بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام): (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاك إِلاَّ فِتْنَةً) لهم ليعمهوا فيها، والشجرة الملعونة في القرآن، يعني بني أُميّة. وراجع الحديث: 95.
2. مجمع البيان: 6/265 ـ266.
3. في البحار: عبد اللّه بن أُميّة، وما أثبتناه من المصادر الرجالية. راجع تعليقتنا: ص 128.
4. في المصدر: لنعذر إليك فلا نعلم أحداً...

صفحه 133
قالوا: فإذاً ليس أحد أضيق بلداً منّا، فأسأل ربّك أن يسيّر هذه الجبال ويجري لنا أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى، وليكن فيهم قُصّي فإنّه شيخ صدوق لنسألهم عمّا تقول أحقّ أم باطل؟ فقال: ما بهذا بعثت، قالوا: فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدّقك، ويجعل لنا جنّات وكنوزاً وقصوراً من ذهب، فقال: ما بهذا بعثت وقد جئتكم بما بعثني اللّه تعالى به فإن قبلتم وإلاّ فهو يحكم بيني وبينكم، قالوا: فأسقط علينا السماء كما زعمت أنّ ربّك إن شاء فعل ذلك، قال: ذاك إلى الله، إن شاء فعل; وقال قائل منهم: لا نؤمن لك حتّى تأتي باللّه والملائكة قبيلاً، فقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقام معه عبد اللّه بن أبي أُميّة المخزومي ابن عمّته عاتكة بنت عبد المطلّب فقال: يا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثمّ سألوك لأنفسهم أُموراً فلم تفعل، ثمّ سألوك أن تعجّل ما تخوّفهم به فلم تفعل، فو اللّه لا أؤمن بك أبداً حتّى تتّخذ سلّماً إلى السماء ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر، وتأتي معك نفرٌ من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك. وقال أبوجهل: إنّه أبى إلاّ سبّ الآلهة وشتم الآباء، وإنّي أُعاهد اللّه لأحملنّ حجراً فإذا سجد ضربت به رأسه; فانصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حزيناً لما رأى من قومه، فأنزل اللّه سبحانه الآيات.
(حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا): أي تشقّق لنا من أرض مكّة عيناً ينبع منه الماء في وسط مكّة (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا): أي قطعاً قد تركّب بعضها على بعض، ومعنى (كَمَا زَعَمْتَ): أي كما خوّفتنا به من انشقاق السماء وانفطارها، أو كما زعمت أنّك نبيّ تأتي بالمعجزات (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً): أي كفيلاً ضامناً لنا بما تقول; وقيل: هو جمع القبيلة، أي بالملائكة قبيلة قبيلة; وقيل: أي مقابلين لنا، وهذا يدلّ على أنّ القوم كانوا مشبّهة مع شركهم (أَوْ يَكُونَ لَك بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف): أي من ذهب; وقيل: الزخرف: النقوش(أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ): أي تصعد(وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا

صفحه 134
كِتَابًا نَقْرَؤُهُ): أي ولو فعلت ذلك لم نصدّقك حتّى تنزّل على كلّ واحد منّا كتاباً من السماء شاهداً بصحّة نبوتك نقرؤه (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي): أي تنزيهاً له من كلّ قبيح وسوء، وفي ذلك من الجواب: إنّكم تتخيّرون الآيات وهي إلى اللّه سبحانه، فهو العالم بالتدبير، الفاعل لما توجبه المصلحة، فلا وجه لطلبكم إيّاها منّي ; وقيل: أي تعظيماً له عن أن يحكم عليه عبيده; لأنّ له الطاعة عليهم; وقيل: إنّهم لمّا قالوا: أو تأتي باللّه أو ترقى في السماء إلى عند اللّه لاعتقادهم أنّه سبحانه جسم، قال: قل: سبحان ربّي عن كونه بصفة الأجسام حتّى يجوز عليه المقابلة والنزول; وقيل: معناه: تنزيهاً له عن أن يفعل المعجزات تابعاً للاقتراحات (هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً): أي هذه الأشياء ليست في طاقة البشر فلا أقدر بنفسي أن آتي بها1(قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ): أي ساكنين قاطنين (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً) منهم; وقيل: معناه: مطمئنّين إلى الدنيا ولذّاتها غير خائفين ولا متعبّدين بشرع; وقيل: معناه: لو كان أهل الأرض ملائكة لبعثنا إليهم ملكاً ليكونوا إلى الفهم إليه أسرع; وقيل: إنّ العرب قالوا: كنّا ساكنين مطمئنّين فجاء محمّد فأزعجنا وشوّش علينا أمرنا، فبيّن اللّه سبحانه أنّهم لو كانوا ملائكة مطمئنّين لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم، فكذلك كون الناس مطمئنّين لايمنع من إرسال الرسل إليهم إذ هم إليه أحوج من الملائكة.2
وفي قوله: (خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ): أي الفقر والفاقة ( وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا): أي بخيلاً.3
وقال تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلاَّ مُبَشِّرًا

1. في المصدر: أن آتي بها كما لم يقدر من كان قبلي من الرسل، واللّه تعالى إنّما يظهر الآيات المعجزة على حسب المصلحة وقد فعل، فلا تطالبوني بما لايطالب به البشر.
2. مجمع البيان: 6/292 ـ 294.
3. مجمع البيان: 6/298.

صفحه 135
وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ1 لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا. 105 ـ 109 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ): أي وأنزلنا عليك قرآناً فصّلناه سوراً وآيات; أو فرّقنا به الحقّ عن الباطل; أو جعلنا بعضه خبراً وبعضه أمراً وبعضه نهياً وبعضه وعداً وبعضه وعيداً ; أو أنزلناه متفرّقاً لم ننزله جميعاً، إذ كان بين أوّله وآخره نيّف وعشرون سنة (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث): أي على تثبّت وتؤدة ليكون أمكن في قلوبهم; وقيل: لتقرأه عليهم مفرّقاً شيئاً بعد شيء(وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)على حسب الحاجة ووقوع الحوادث (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا)به فإنّ إيمانكم ينفعكم ولاينفع غيركم، وهذا تهديدٌ لهم (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ): أي أُعطوا علم التوراة قبل نزول القرآن كعبد اللّه بن سلام وغيره; وقيل: إنّهم أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم; وقيل: إنّهم أُمّة محمّد(إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا): أي يسقطون على الوجوه ساجدين، وإنّما خصّ الذقن لأنّ من سجد كان أقرب شيء منه إلى الأرض ذقنه.2

1. وقال الشريف الرضي (رضي الله عنه)في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: وهذه استعارة: ومعنى فرقناه أي بيّناه للناس بنصوع مصباحه و شدوخ أوضاحه حتى صار كمفرق الرأس في وضوح مخطّه، أو كفرق الصبح في بيان منبلجه. وقد قال بعضهم: معنى فرقناه أي فصّلناه سوراً و آيات، فذلك بمنزلة فرق الشعر، و هو تمييز بعضه من بعض حتى يزول التباسه و يتخلّص التفافه.
2. مجمع البيان: 6/301 ـ 303.

صفحه 136
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الكهف   
[ما جاء في سورة الكهف ]
الكهف (18): (الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا* قَيًِّما لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا* مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا * فَلَعَلَّك بَاخِعٌ نَفْسَك عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا). 1 ـ 6 .
وقال تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ كِتَابِ رَبِّك لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * «إلى قوله»: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا1 * «إلى قوله تعالى»: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا * «إلى قوله»: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً * «إلى قوله»: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا). 27 ـ 57 .
وقال سبحانه:(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني أَوْلِيَاءَ

1 . السرادق ـ بالضم ـ : كلّ ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء، وقيل: السرادق; ما يحيط بالخيمة وله باب يدخل منه إلى الخيمة، وقيل: هو ما يمد فوق البيت. شبّه سبحانه وتعالى ما يحيط بهم من النار من جوانبهم بالسرادق الّذي يدار حول الفسطاط. مجمع البحرين: 2 / 361، مادة «سردق».

صفحه 137
إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً * «إلى قوله»: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). 102 ـ 110 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (قَيِّماً): أي معتدلاً مستقيماً لا تناقض فيه، أو قيّماً على سائر الكتب المتقدّمة يصدّقها ويحفظها وينفي الباطل عنها وهو الناسخ لشرائعها; وقيل: قيّماً لأُمور الدين يلزم الرجوع إليه فيها; وقيل: دائماً لاينسخ، 1
(فَلَعَلَّك بَاخِعٌ نَفْسَك عَلَى آثَارِهِمْ): أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الّذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، تمرّداً منهم على ربّهم (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ): أي بالقرآن (أَسَفًا): أي حزناً وتلهّفاً ووجداً بإدبارهم عنك وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به; وقيل: (عَلَى آثَارِهِمْ): أي بعد موتهم.2
وفي قوله: (إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ): أي إلاّ طلب أن تأتيهم العادة في الأوّلين من عذاب الاستيصال (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً): أي مقابلة من حيث يرونها3، وتأويله أنّهم بامتناعهم عن الإيمان بمنزلة من يطلب هذا حتّى يؤمن كرهاً.4
وفي قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي أفحسب الّذين جحدوا توحيد اللّه(أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوني) أرباباً ينصرونهم ويدفعون عنهم عقابي،

1. في المصدر: دائماً يدوم و يثبت إلى يوم القيامة لاينسخ.
2. مجمع البيان: 6/309.
3. في المصدر: يرونه.
4. مجمع البيان: 6/358.

صفحه 138
والمراد بالعباد: المسيح والملائكة; وقيل: معناه: أفحسب الّذين كفروا أن يتّخذوا من دوني آلهة وإنّي لا أغضب لنفسي عليهم ولا أُعاقبهم؟1
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ): أي يطمع لقاء ثوابه(2).2
وفي قوله: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ): أي الأحزاب من أهل الكتاب في أمر عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام كما مرّ.(4)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة مريم   
[ما جاء في سورة مريم ]
مريم(19): (ذَلِك عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ3 مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظِيم). 34 ـ 37 .
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا* وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا4 * قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ

1. مجمع البيان: 6/391.   2 . في المصدر: في لقاء ثوابه.
2. مجمع البيان: 6/393.   4 . مجمع البيان: 6/423.
3. قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ) فالاختلاف في المذهب هو أن يعتقد كلّ قوم خلاف ما يعتقده الآخرون; و الأحزاب جميع حزب، و الحزب جمع المنقطع في رأيه عن غيره. و المعنى في الآية: اختلف الأحزاب من أهل الكتاب في عيسى(عليه السلام) فقال قوم: هو الله و هم اليعقوبية، وقال آخرون: هو ابن الله و هم النسطورية، وقال قوم: هو ثالث ثلاثة و هم الإسرائيلية; وقال قوم: هو عبدالله و هم المسلمون. التبيان: 7/126.
4. الأثاث: المتاع، و الرئي: المنظر. و يجوز في«رئيا» ثلاثة أوجه في العربية: رئيا بالهمز قبل الياء، و ريئا بياء قبل الهمزة، و ريا بترك الهمزة. التبيان: 7/144.

صفحه 139
مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا * «إلى قوله»: أَفَرَأَيْتَ الذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاَُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا* أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا * «إلى قوله»: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * «إلى قوله»: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا). 73 ـ 97 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ): أي أنحن أم أنتم (خَيْرٌ مَقَامًا): أي منزلاً ومسكناً، أو موضع إقامة( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا): أي مجلساً(هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) قال ابن عبّاس: الأثاث: المتاع وزينة الدنيا، والرئي: المنظر والهيئة; وقيل: المعنيّ بالآية النضر بن الحارث وذووه، وكانوا يرجّلون شعورهم ويلبسون أفخر ثيابهم ويفتخرون بشارتهم 1 وهيئتهم على أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) أمر معناه الخبر، أي جعل اللّه جزاه ضلالته أن يمدّ له بأن يتركه فيها.2

1. الشارة والشور ـ بالضم ـ الجمال والحسن، كأنّه من الشور، وهو عرض الشيء وإظهاره. والشارة: الهيئة، ومنه الحديث: «أنّ رجلاً أتاه وعليه شارة حسنة» أي هيئة حسنة. النهاية لابن الأثير: 2/508، مادّة «شور».
2. مجمع البيان: 6/444.

صفحه 140
وفي قوله: (أَفَرَأَيْتَ الذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) أفرأيت كلمة تعجيب، وهو العاص بن وائل; وقيل: الوليد بن المغيرة ; وقيل: هو عامٌ (وَقَالَ لاَُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا): أي في الجنّة استهزاء، أو إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي أُعطى في الدنيا مالاً وولداً. (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا): أي نصل له بعض العذاب بالبعض فلاينقطع أبداً (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ): أي ما عنده من المال والولد.1
وفي قوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) الإدّ: الأمر العظيم، أي لقد جئتم بشيء منكر عظيم شنيع (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ): أي أرادت السماوات تنشقّ لعظم فريتهم وإعظاماً لقولهم (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ): أي تسقط (هَدًّا): أي كسراً شديداً ; وقيل: معناه: هدماً (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا): أي لايليق به، و ليس من صفته اتّخاذ الولد لأنّه يقتضي حدوثه واحتياجه.2
وفي قوله: (قَوْمًا لُدًّا) أي شداداً في الخصومة.3
وفي قوله: (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) أي يجدّد القرآن لهم عظة واعتباراً; وقيل: يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به.
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة طه   
[ما جاء في سورة طه ]
طه (20): (وَكَذَلِك أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِك الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْمًا). 113 ـ 114 .
وقال سبحانه:(وَقَالُوا لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَة مِنْ رَبِّهِ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُوْلَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ

1 . مجمع البيان: 6/447.
2. مجمع البيان: 6/452.
3. مجمع البيان: 6/453.

صفحه 141
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِك مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)1. 133 ـ 135 .

[ التفسير ]

(وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ) فيه وجوه:
أحدها: أنّ معناه: لاتعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل(عليه السلام) من إبلاغه، فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهّم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من قراءته ولاتقرأ معه.
وثانيها: أنّ معناه: لاتقرأ به أصحابك2 ولا تمله3 حتّى يتبيّن لك معانيه.
وثالثها: أنّ معناه: ولاتسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لأنّه تعالى إنّما ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة.(4)
وفي قوله: (أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُوْلَى): أي أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأُولى من أنباء الأُمم الّتي أهلكناهم لمّا اقترحوا الآيات ثمّ كفروا بها (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ): أي كلّ واحد منّا ومنكم منتظر، فنحن ننتظر وعد اللّه لنا فيكم وأنتم تتربّصون بنا الدوائر.4

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 7/224: قال الله تعالى لنبيه: (قُلْ) لهم يا محمد (كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ): أي كل واحد منّا و منكم متربص، فنحن نتربص بكم وعد الله لنا فيكم، و أنتم تتربصون بنا أن نموت فتستريحوا (فَسَتَعْلَمُونَ): أي سوف تعلمون فيما بعد (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ)يعني الصراط المستقيم (مَنْ) الذي (اهْتَدَى) إلي طريق الحق.(مَنْ) يحتمل أن تكون نصباً إن كانت بمعنى الذي، وأن تكون رفعاً على طريقة الإستفهام.
2. في المصدر: لاتقرأه لأصحابك.
3. في المصدر: ولاتمله عليهم.   4 . مجمع البيان: 7/59ـ 60.
4. مجمع البيان: 7/68ـ 69.

صفحه 142
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأنبياء   
[ما جاء في سورة الأنبياء ]
الأنبياء(21): (اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ* قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلَك إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ* ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ * لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *
«إلى قوله»: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ* لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ

صفحه 143
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى 1 وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِك نَجْزِي الظَّالِمِينَ * «إلى قوله»:
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِك الْخُلْدَ أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * «إلى قوله»: وَإِذَا رَآك الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ * «إلى قوله»: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ2 بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ* بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ* قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ). 1 ـ 50.
وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْم عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 7/241: قال أهل الوعيد: معناه لايشفع هؤلاء الملائكة إلاّ لمن ارتضى الله جميع عمله. قالوا: و ذلك يدلّ على أنّ أهل الكبائر لايشفع فيهم، لأنّ أعمالهم ليست رضاً لله. وقال مجاهد: معناه إلاّ لمن رضي عنه. و هذا الذي ذكروه ليس في الظاهر، بل لايمتنع أن يكون المراد لايشفعون إلاّ لمن رضي الله أن يشفع فيه، كما قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )[البقرة:255] و المراد أنّهم لايشفعون إلاّ من بعد إذن الله لهم، فيمن يشفعون فيه، و لو سلّمنا أنّ المراد إلاّ لمن رضي عمله، لجاز لنا أن نحمل على أنّه رضي إيمانه و كثيراً من طاعته، فمن أين أنّه أراد: إلاّ لمن رضي جميع عمله؟! و معنى رضا الله عن العبد إرادته لفعله الذي عرض به الثواب.
2. أي من يحفظكم و يحرسكم من بأس الرحمن و عذابه، و قيل: من عوارض الآفات. التبيان:7/251.

صفحه 144
مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْري أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). 105 ـ 112 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَم): أي قالوا: القرآن المجيد تخاليط
أحلام رآها في المنام (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا): أي لم يؤمن قبل
هؤلاء الكفّار من أهل قرية جاءتهم الآيات الّتي طلبوها، فأهلكناهم مصرّين على الكفر. (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) عند مجيئها (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)قال عليّ(عليه السلام): «نحن أهل الذكر».1
و قيل: أهل التوراة والإنجيل; وقيل: أهل العلم بأخبار الأُمم ; وقيل: أهل القرآن (فِيهِ ذِكْرُكُمْ): أي شرفكم إن تمسّكتم به، أو ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم.2
وقال البيضاويّ في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ) وإنّما خلقناها مشحونة بضروب البدايع تبصرة للنظّار، وتذكرة لذوي الاعتبار (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا)ما يتلهّى به ويلعب (لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)من جهة قدرتنا أو من عندنا ممّا يليق بحضرتنا من المجرّدات، لا من الأجسام المرفوعة،

1. جامع البيان: 17/8; تفسير الثعلبي: 6/270 ; شواهد التنزيل: 1/436 برقم 463 ; تفسير القرطبي: 11/272 ; دعائم الإسلام: 1/28 ; مناقب ابن شهر آشوب: 2/293 و ج 3/313.
و قد وردت الرواية بالإسناد إلى الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في المصادر التالية: جامع البيان: 14/145، شواهد التنزيل: 1/434 برقم 460 ; بصائر الدرجات: 58 ح 8 ; الكافي: 1/211.
2. مجمع البيان: 7/72 ـ 74.

صفحه 145
والأجرام المبسوطة، كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها و تسوية الفروش وتزيينها; وقيل: اللّهو: الولد بلغة اليمن; وقيل: الزوجة: والمراد الردّ على النصارى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ) الّذي من عداده اللّهو (فَيَدْمَغُهُ) فيمحقه.1
(وَمَنْ عِنْدَهُ) يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم بمنزلة المقرّبين عند الملوك (وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ) أي ولايتعبون منه 2 .
(أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) نزلت حين قالوا: نتربّص به ريب المنون.3
(حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ): أي طالت أعمارهم فحسبوا أن لايزالوا كذلك وإنّه بسبب ما هم فيه.4
وقال الطبرسيّ(رحمه الله) في قوله تعالى: (أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا): أي يأتيها أمرنا فينقصها من أطرافها بتخريبها ويموت أهلها; وقيل: بموت
العلماء، وروي ذلك عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: نقصانها: ذهاب عالمها.5
وقيل: معناه: ننقصها من أطرافها بظهور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على من قاتله أرضاً
فأرضاً وقوماً فقوماً، فيأخذ قراهم وأرضيهم.6
وفي قوله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)قيل: الزبور: كتب الأنبياء، والذكر: اللّوح المحفوظ; وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر: التوراة;

1. تفسير البيضاوي: 4/86 ; بحار الأنوار: 5/310.
2. تفسير البيضاوي: 4/87.
3. تفسير البيضاوي: 4/93.
4. تفسير البيضاوي: 4/95.
5. مجمع البيان: 7/89، بحار الأنوار: 67/340. وروى الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»: 1 / 186 ح 560 عن الإمام الصادق (عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلّ: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)فقال: «فقد العلماء». ورواه الكليني في الكافي: 1 / 38 ح 6، باب فقد العلماء باختلاف في الألفاظ عن أبي جعفر (عليه السلام)، والقمي في تفسيره: 1 / 366 باختلاف عن أبي عبدالله (عليه السلام).
6 . مجمع البيان: 7 / 89 .

صفحه 146
وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر: التوراة (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ)قيل: يعني أرض الجنّة ترثها عبادي المطيعون; وقيل: هي الأرض المعروفة يرثها أُمّة محمّد بالفتوح ; وقال أبو جعفر (عليه السلام): هم أصحاب المهديّ عجّل الله فرجه في آخر الزمان.1
(فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاء): أي أعلمتكم بالحرب إعلاماً نستوي نحن وأنتم في علمه، أو على سواء في الإيذان لم أُبيّن الحقّ لقوم دون قوم (وَإِنْ أَدْري): أي ما أدري (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)يعني أجل القيامة، أو الإذن في حربكم. (وَإِنْ أَدْري): أي ما أدري (لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ): أي لعلّ ما آذنتكم به اختبار لكم، أو لعلّ هذه الدنيا فتنةٌ لكم، أو لعلّ تأخير العذاب محنةٌ واختبار لكم، لترجعوا عمّا أنتم عليه (وَمَتَاعٌ إِلَى حِين): أي تتمتّعون به إلى وقت انقضاء آجالكم.2
وفي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ)قيل: المراد به النضر بن الحارث، والمراد بالشيطان 3 شيطان الإنس; لأنّه كان يأخذ من الأعاجم واليهود ما يطعن به على المسلمين.4
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الحج   
[ما جاء في سورة الحج ]
الحج(22): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * «إلى قوله تعالى»: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير * ثَاني عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

1 . مجمع البيان: 7 / 119 .
2 . مجمع البيان: 7 / 121 ـ 122 .
3 . يعني الشيطان الوارد ذكره في ذيل الآية: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد) .
4 . مجمع البيان: 7 / 127 ـ 128 .

صفحه 147
عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف1 فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِك هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِك هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ* يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ2 * «إلى قوله»: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِك أَنْزَلْنَاهُ آيَات بَيِّنَات وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * «إلى قوله»: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ3وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). 3 ـ 18 .

1. قال السيد الرضي (رضي الله عنه) في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:130: هذه استعارة، والمراد ـ والله أعلم ـ صفة الإنسان المضطرب الدين الضعيف اليقين الذي لم يثبت في الحق قدمه، ولا استمرت عليه مريرته، فأوهن شبهة تعرض له ينقاد معها، و يفارق دينه لها، تشبيهاً بالقائم على طرف مهواة، فأدنى عارض يزلقه و أضعف دافع يطرحه. انتهى. والمريرة: القوة و الشدة. واستمرت مريرته على كذا: إذا استحكم أمره عليه و قويت شكيمته فيه. و أصله من فتل الجبل. والمرير والمريرة جمعها المرائر أي الحبال المفتولة. النهاية لابن الأثير: 4/317.
2. المولى: هو الولي و هو الناصر الذي يولي غيره نصرته إلاّ أنّها نصرة سوء; و العشير: الصاحب المعاشر أي المخالط. التبيان: 7/298.
3. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 131: و هذه استعارة، والمراد: أعلم بسجود الشمس و القمر و النجوم و الشجر و ما ليس بحيوان مميز ما يظهر فيه من آثار الخضوع لله سبحانه و علامات التدبير و دلائل التصريف و التسخير فحسن لذلك أن يسمّى ساجداً على أصل السجود في اللغة لأنّه الخضوع و الاستكانة أو يكون ذلك على معنى آخر و هو أنّ الذي يظهر في الأشياء التي عددها من دلائل الصنعة و أعلام القدرة يدعو العارفين الموقنين إلى السجود وببعثهم على الخضوع اعترافاً له سبحانه بالاقتدار وإخباتاً له بالإقرار.

صفحه 148

[ التفسير ]

وفي قوله: (ثَاني عِطْفِهِ): أي متكبّراً في نفسه، تقول العرب: ثنّى فلان عطفه: إذا تكبّر وتجبّر، وعطفا الرجل: جانباه; وقيل: معناه: لاوي عنقه إعراضاً وتكبّراً .1 (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف): أي على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف، أي على طرف جبل (2) ونحوه ; وقيل: أي على شكّ ;
وقيل: يعبد الله بلسانه دون قلبه قيل: نزلت في جماعة كانوا يقدمون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، فكان أحدهم إذا صحّ جسمه ونتجت فرسه وولدت امرأته غلاماً وكثرت ماشيته رضي به واطمأنّ إليه، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية قال: ما أصبت في هذا الدين إلاّ شرّاً.2
(وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ): أي اختبار بجدب وقلّة مال (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ): أي رجع عن دينه إلى الكفر.3
وقال البيضاويّ في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)المعنى: أنَّ الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظنّ خلاف ذلك ويتوقّعه من غيظه; وقيل: المراد بالنصر الرزق والضمير لمن (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَب إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ): أي فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كلّ ما يفعله الممتلئ غضباً أو المبالغ جزعاً حتّى يمدّ حبلاً إلى سماء بيته فيختنق، من قطع: إذا اختنق فإنَّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه; وقيل: فليمدد حبلاً إلى سماء الدنيا ثمّ ليقطع به المسافة حتّى يبلغ عنانه فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه (فَلْيَنْظُرْ) فليتصوّر في نفسه (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) فعله ذلك، وسمّاه على

1 . مجمع البيان: 7 / 130 .   2 . في المصدر: حبل.
2 . التبيان: 7 / 296 ; جامع البيان: 17 / 161; تفسير الثعلبي: 7 / 9 ; الدر المنثور: 4 / 346 .
3 . مجمع البيان: 7 / 134 ـ 135.

صفحه 149
الأوّل كيداً لأنّه منتهى ما يقدر عليه (مَا يَغِيظُ) غيظه، أو الذي يغيظ من نصر الله ; وقيل: نزلت في قوم مسلمين استبطأوا نصر الله لاستعجالهم وشدّة غيظهم على المشركين.1
وقال سبحانه:(وَإِنْ يُكَذِّبُوك فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * «إلى قوله»: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّك كَأَلْفِ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * «إلى قوله»: ذَلِك بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِي الْكَبِيرُ* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَني الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِك السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ * لِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّك فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّك إِنَّك لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم * وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَا

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 118 ـ 119 .

صفحه 150
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِك فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِك عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
آيَاتُنَا بَيِّنَات تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ
1بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُمُ اَلنَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).42 ـ 74 .

[التفسير ]

(يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا): أي يثبون ويبطشون بهم.(ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ): أي عابد الصنم ومعبوده، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب، والصنم يطلب منه الذباب السلب، أو الصنم والذباب كأنّه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه، فلو حقّقت وجدت الصنم أضعف منه بدرجات. (مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ): أي ما عرفوه حقّ معرفته.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة المؤمنون   
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ): أي في جهالتهم، شبّهها بالماء الذي يغمر القامة، لأنّهم مغمورون فيها، أو لاعبون فيها (حَتَّى حِين): أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا. (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ) إنَّ ما نعطيهم ونجعله مددا لهم (مِنْ مَال وَبَنِينَ)بيانٌ لـ :

1. سطا عليه و به يسطو سطواً و سطوة: قهره و أذلّه، و هو البطش بشدة. و (يَكَادُونَ يَسْطُونَ): أي يتداولونهم بالمكروه و يبطشون بهم من شدة الغيظ. مجمع البحرين: 2/371، مادة«سطو».
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 140 ـ 141 .

صفحه 151
«مِا» وليس خبراً له، بل خبره (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ)والراجع محذوف، والمعنى: أنّ 1 الذي نمّدّهم به نسارع به (2) فيما فيه خيرهم وإكرامهم؟ (بَلْ لاَ
يَشْعُرُونَ)أنّ ذلك الإمداد استدراج 2.
(وَلَدَيْنَا كِتَابٌ)يعني: اللّوح أو صحيفة الأعمال (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة)في غفلة غامرة لها (مِنْ هَذَا) الذي وصف به هؤلاء، أو من كتّاب الحفظة (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ) خبيثة (مِنْ دُونِ ذَلِك)متجاوزة لما وصفوا به أو منحطّة (4) عمّا هم عليه من الشرك (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)معتادون فعلها. (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ) متنعّميهم (بِالْعَذَابِ) يعني: القتل يوم بدر، أو الجوع حين دعا عليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فقحطوا حتّى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحترقة.(5)
[ما جاء في سورة المؤمنون]
المؤمنون (23): (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِين * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ * «إلى قوله»: وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِك هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ* مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ3 * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ

1 . في المصدر: أيحسبون أنّ .   2 . في المصدر بزيادة: لهم.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 159.      4 . في المصدر: متخطية.   5 . تفسير أبي السعود: 6 / 142.
3. السمر جمع سامر، و السامر: القوم يسمرون: أي يتحدّثون ليلاً، و السامر قديكون واحداً أو جماعة، و قيل: إنّه أخذ من السمرة، و هي اللون بين السواد و البياض، و قيل: إنّ السمر ظل القمر، فقيل لحديث الليل; السمر; لأنّهم كانوا يقعدون في ظل القمر يتحدّثون. مجمع البيان: 7/197.
و الهجر: الكلام المرفوض، وهو المهجور منه لأنّه لا خير فيه. وفي معنى تهجرون قولان: أحدهما: تهجرون الحق بالإعراض عنه. والثاني: تقولون الهجر، وهو السيِّىء من القول. التبيان: 7/381.

صفحه 152
آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّك خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّك لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَاب شَدِيد إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا

صفحه 153
يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْني فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَك مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ * ادْفَعْ بِالتي هِيَّ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ1 * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * «إلى قوله»: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ *مَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). 54 ـ 117 .

[ التفسير ]

(إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)فاجؤا 2 الصراخ بالاستغاثة فقيل لهم: (لاَ تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)3 .
(فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) النكوص: الرجوع القهقرى (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ)الضمير للبيت، وشهرة 4 استكبارهم وافتخارهم بأنّهم قوّامه أغنى عن سبق ذكره، أو لا يأتي فإنّها بمعنى كتابي (سَامِرًا): أي يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه. (تَهْجُرُونَ) من الهجر بفتح الهاء، إمّا بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه، أو الهجر بالضمّ: الفحش (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ): أي

1. أعوذ: اعتصم بالله من شر الشياطين في كلّ ما يخاف من شرّه، والمعاذة هي التي يستدفع بها الشر. والهمزات: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، والهمز: شدة الدفع، ومنه الهمزة: الحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد. والعياذ: طلب الاعتصام من الشر. التبيان: 7/393.
2 . في المصدر: فاجثوا.
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 160 .
4 . في المصدر: شهوة.

صفحه 154
القرآن ليعلموا أنّه الحقّ (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ)من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون.1
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ)بأن كان في الواقع آلهة (لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)كما سبق في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا).(2)
وقيل: لو اتّبع الحقّ أهواءهم وانقلب باطلاً لذهب ما قام به العالم فلا يبقى، أو لو اتّبع الحقّ الذي جاء به محمد أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه، أو لو اتّبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الأُلوهيّة، ولم يقدر أن يمسك السماوات والأرض.2
(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)أجراً على أداء الرسالة (فَخَرَاجُ رَبِّك) رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى (خَيْرٌ) لسعته ودوامه .(4)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النور   
(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ)يعني القحط، روي أنّهم قحطوا حتّى أكلوا العلهز،3 فجاء أبو سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: أُنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين؟ قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ)4 يعني القتل يوم بدر .5

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 161 .   2 . الأنبياء: 22.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 162 .   4 . تفسير البيضاوي: 4 / 163.
3 . العلهز ـ بكسر العين وإسكان اللام وكسر الهاء قبل الزاي ـ : القراد الضخم، وقيل: المراد به الوبر المخلوط بالدم كان يتّخذ في أيام المجاعة ويؤكل بعد شوائه، وقيل: وكانوا يخلطون فيه القردان. النهاية لابن الأثير: 3 / 293، مادة «علهز».
4 . مستدرك الحاكم: 2 / 394 ; سنن النسائي: 6 / 413 برقم 11352 ; صحيح ابن حبان: 3 / 247.
5 . تفسير البيضاوي: 4 / 163 ـ 164 .

صفحه 155
(ذَا عَذَاب شَدِيد)يعني الجوع، فإنّه أشدّ من القتل والأسر (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)متحيّرون آيسون من كلّ خير حتّى جاءك أعتاهم يستعطفك.1
(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء): أي ملكه غاية ما يمكن; وقيل: خزائنه (وَهُوَ يُجِيرُ)يغيث من يشاء ويحرسه (وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ)ولا يغاث أحد ولا يمنع منه، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة.2
(إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ): أي لو كان معه آلهةٌ كما يقولون لذهب كلّ إله منهم بما خلقه واستبدّ به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التحارب والتغالب، كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كلّ شيء، واللاّزم باطلٌ بالإجماع والاستقراء، وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب 3.(4)
[ما جاء في سورة النور ]
النور(24): (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك وَمَا أُولَئِك بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ4 اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 164 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 165 .
3 . في المصدر بزيادة: واحد.   4 . تفسير البيضاوي: 4 / 166 .
4. الحيف: الميل في الحكم و الجنوح إلى أحد الجانبين. و قوله تعالى: (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ)أي يخافون أن يجور في حكمه. مفردات الراغب: 137، مادة «حيف».

صفحه 156
أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِك هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * «إلى قوله»: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ). 46 ـ 57 .

[التفسير ]

وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله:(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ)قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة، فدعاه اليهوديّ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف1; (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ): أي وإن علموا أنّ الحقّ يقع لهم (يَأْتُوا إِلَيْهِ): أي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مذعنين مسرعين طائعين (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): أي شكّ في نبوّتك ونفاق؟ (أَمِ ارْتَابُوا) في عدلك: أي رأوا منك ما رابهم لأجله أمرك؟ 2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الفرقان   
وفي قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) لمّا بيّن الله سبحانه كراهتهم لحكمه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا وأموالنا لفعلنا فنزلت، والمعنى: حلفوا بالله أغلظ أيمانهم وقدر طاقتهم إنّك إذا أمرتنا بالخروج إلى غزواتك لخرجنا (قُلْ لاَ تُقْسِمُوا): أي لا تحلفوا، وتمّ الكلام (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ): أي

1 . تفسير السمرقندي: 2 / 519 ; تفسير الرازي: 24 / 20 ; تفسير البيضاوي: 4 / 196 .
2 . مجمع البيان: 7 / 262 ـ 263 .

صفحه 157
طاعة حسنة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خالصة صادقة أفضل وأحسن من قسمكم; وقيل: معناه ليكن منكم طاعة (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ): أي كلّف وأُمر.1
وفي قوله: (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)قالوا: أعان محمداً على هذا القرآن عداس مولى حويطب 2 بن عبدالعزّى، ويسار غلام العلاء بن الحضرميّ، وحبر مولى عامر، وكانوا من أهل الكتاب; وقيل: إنّهم قالوا: أعانه قومٌ من اليهود (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا): أي شركاً وكذباً، وإنّما اكتفى بذلك في جوابهم لتقدّم ذكر التحدّي وعجزهم عن الإتيان بمثله. (قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أي هذه أحاديث المتقدّمين وما سطروه في كتبهم (اكْتَتَبَهَا)انتسخها; وقيل: استكتبها (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً): أي تملى عليه طرفي نهاره حتّى يحفظها وينسخها .3
[ما جاء في سورة الفرقان ]
الفرقان (25): (تَبَارَك الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا* الذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيك فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ
شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ

1 . مجمع البيان: 7 / 265 .
2 . في البحار: خويطب، وما أثبتناه من المصادر الرجالية. وهو: حويطب بن عبدالعزّى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أسلم عام الفتح، وكان من المؤلّفة قلوبهم، عاش مائة وعشرين سنة، وقال الواقدي: مات في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين. الإصابة: 2 / 124 .
3 . مجمع البيان: 7 / 281 .

صفحه 158
تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيًما* وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً * تَبَارَك الذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَك خَيْرًا مِنْ ذَلِك جَنَّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَك قُصُورًا * «إلى قوله سبحانه»: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّك بَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * «إلى قوله»: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ1 وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَك بِمَثَل إِلاَّ جِئْنَاك بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا * «إلى قوله»: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً* أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ
كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً2 *
«إلى قوله»: فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ

1. (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ): أي لنقوي به قلبك فتزداد بصيرة; و ذلك أنّه إذا كان يأتيه الوحي متجدّداً في كلّ حادثة و كلّ أمر، كان ذلك أقوى لقلبه، و أزيد في بصيرته. و القرآن نزل متفرّقاً لأنّ فيه الناسخ والمنسوخ، وفيه ما هو جواب لمن سأله عن أُمور، و فيه ما هو إنكار لما كان، و فيه ما هو حكاية شيء جرى، فاقتضت الحكمة إنزاله متفرقاً. مجمع البيان: 7/295.
2. أي أنّ سماع الكفّار كسماع الأنعام، وهم أضلّ سبيلاً من الأنعام; لأنّهم مكّنوا من طريق الفهم ولم تمكن النعم من ذلك، وهم مع ذلك لايعقلون ما تقول، إذ لو عقلوا عقل الفهم به لدعاهم عقلهم إليه; لأنّه نور في قلب المدرك له. و قيل: بل هم أضلّ سبيلاً لأنّها لاتعتقد بطلان الصواب وإن كانت لاتعرفه، وهم قد اعتقدوا ضد الصواب الذي هو الجهل. و قيل: لأنّ الأنعام تهتدي إلى منافعها ومضارها، وهؤلاء لايهتدون إلى ما يدعون إليه من طريق الحق، فهم أضل. التبيان: 7/493.

صفحه 159
بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * «إلى قوله سبحانه»: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * «إلى قوله»: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا). 1 ـ 60 .

[ التفسير ]

وقال البيضاوي في قوله تعالى: (قُلْ أَنْزَلَهُ الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)لأنّه أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وتضمّنه أخباراً عن مغيبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلاّ عالم الأسرار، فكيف يجعلونه أساطير الأوّلين؟ (وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ)كما نأكل (وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)لطلب المعاش كما نمشي، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات، فإنّ تميّز الرسل عمّن عداهم ليس بأُمور جسمانيّة، وإنّما هو بأحوال نفسانيّة.1
وفي قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ): أي الناس (لِبَعْض فِتْنَةً): أي ابتلاءً، ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم (أَتَصْبِرُونَ)علّة للجعل، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنةً لنعلم أيّكم يصبر؟2

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 207 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 212.

صفحه 160
وفي قوله: (كَذَلِك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ): أي كذلك أنزلناه متفرّقاً لنقوّي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه; لأنّ حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان أُمّيّاً وكانوا يكتبون، فلو أُلقي إليه جملة لتعيى 1 بحفظه ; ولأنّ نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض 2 في المعنى ; ولأنّه إذا نزل منجمّاً وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته مزاد ذلك قوة قلبه، ولأنّه إذا نزل به جبرئيل (عليه السلام)حالاً بعد حال يثبّت به فؤاده، ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحاليّة إلى الدلالات اللّفظيّة فإنّه يعين على البلاغة (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً): أي وقرأناه عليك شيئاً بعد شيء على تؤدة وتمهّل في عشرين سنة، أو في ثلاث وعشرين سنة، (وَلاَ يَأْتُونَك بِمَثَل)بسؤال عجيب (إِلاَّ جِئْنَاك بِالْحَقِّ)الدامغ له في جوابه (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا): أي ما هو أحسن بياناً أو معنى من سؤالهم.
(وَلاَ يَأْتُونَك)بحال عجيبة يقولون: هلا كانت هذه حاله؟ إلاّ أعطيناك من الأحوال ما يحقّ لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفاً لما بعثت له.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الشعراء   
وفي قوله: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا)يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك (إِلاَّ مَنْ شَاءَ): أي إلاّ فعل من شاء (أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) أن يتقرَّب إليه، فصوّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنّه مقصود فعله، واستثناه منه قلعاً لشبهة الطمع وإظهاراً لغاية الشفقة، حيث اعتدّ بإنفاعك نفسك بالتعرّض للثّواب والتخلّص عن العقاب أجراً وافياً مرضيّاً به مقصوراً عليه; وقيل: الاستثناء منقطع، معناه: لكن من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً فليفعل.4

1 . في المصدر: لعيل.
2 . في المصدر: غوص.
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 216 ـ 217.
4 . تفسير البيضاوي: 4 / 225.

صفحه 161
[ما جاء في سورة الشعراء]
الشعراء (26): (طَسم * تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ* لَعَلَّك بَاخِعٌ نَفْسَكَ1أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ* وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَث إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ* فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ). 1 ـ 8 .
وقال سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَان عَرَبي مُبِين * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ2 * أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ
عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِك سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ* أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * «إلى قوله»: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ * فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَك لِمَنِ اتَّبَعَك مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْك فَقُلْ إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ* وَتَوَكَّلْ عَلَى

1. البخع: قتل النفس غمّاً. مفردات الراغب:38، مادة«بخع».
2. أي أنّ ذكر القرآن في كتب الأوّلين على وجه البشارة به، لا لأنّ اللّه أنزله على غير محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وواحد (زُبُرِ) زبور و هي الكتب، تقول: زبرت الكتاب أزبره زبراً إذا كتبته، و أصله الجمع، و منه الزبرة الكتبة لأنّها مجتمعة. التبيان: 8/62.

صفحه 162
الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاك حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأْكَثَرُهُمْ كَاذِبُونَ). 192 ـ 223 .

[التفسير ]

وفي قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً): أي دلالة ملجئة إلى الإيمان أو بليّة قاسرة إليه (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) أقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله; وقيل: لمّا وصفت الأعناق بصفات العقلاء أُجريت مجراهم; وقيل: المراد بها الرؤساء أو الجماعات (مِنْ كُلِّ زَوْج)صنف (كَرِيم)محمود كثيرالمنفعة.1
وفي قوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ): أي وإنّ ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدّمة (أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً)على صحّة القرآن أو نبوّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)(أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ) كما هو زيادة في إعجازه، أو بلغة العجم (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) لفرط عنادهم واستكبارهم، أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتّباع العجم (كَذَلِك سَلَكْنَاهُ): أي أدخلنا القرآن .2
(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ): أي بالقرآن(الشَّيَاطِينُ) كما يزعمه بعض المشركين3.4
(وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ)إنزال ذلك ولا يقدرون عليه إنّهم مصروفون عن استماع

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 231 ـ 232 .
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 253 .
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 254، وفيه: كما زعم المشركون أنّه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة.
4 . مجمع البيان: 7 / 355.

صفحه 163
القرآن ممنوعون بالشهب .1
(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ) الأقرب منهم فالأقرب، فإنّ الاهتمام بشأنهم أهمّ، وروي أنّه لمّا نزلت صعد (صلى الله عليه وآله وسلم)الصفا وناداهم فخذاً فخذاً حتّى اجتمعوا إليه،فقال: لو أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، قال: فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد. (وَاخْفِضْ جَنَاحَك لِمَنِ اتَّبَعَك مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ليّن جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحطّ (الذِي يَرَاك حِينَ تَقُومُ) إلى التهجّد (وَتَقَلُّبَك فِي السَّاجِدِينَ)وتردّدك في تصفّح أحوال المجتهدين، كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نسخ فرض قيام اللّيل طاف تلك اللّيلة بيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من دندنتهم بذكر الله والتلاوة; أو تصرّفك فيما بين المصلّين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أمّمتهم. (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم)لمّا بيّن أنّ القرآن لا يصحّ أن يكون ممّا تنزَّلت به الشياطين أكّد ذلك بأن بيّن أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يصلح أن يتنزّلوا عليه من وجهين:
أحدهما: أنّه إنّما يكون على شرير كذّاب كثير الإثم، فإن اتّصال الإنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتوادّ، وحال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)على خلاف ذلك .
وثانيهما: قوله: (يُلْقُونَ السَّمْعَ): أي الأفّاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقّون منهم ظنوناً وأمارات لنقصان علمهم، فيضمّون إليها على حسب تخيّلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها، ولا كذلك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه أخبر عن مغيّبات كثيرة لا تحصى، وقد طابق كلّها، وقد فسّر الأكثر بالكلّ لقوله: (عَلَى كُلِّ أَفَّاك)والأظهر أنّ الأكثريّة باعتبار أقوالهم على معنى أنّ هؤلاء قلّ من يصدق منهم فيما

1 . لم نجد ذلك في تفسير البيضاوي، بل في مجمع البيان: 7 / 355 باختلاف في الألفاظ.

صفحه 164
يحكي عن الجنّي; وقيل: الضمائر للشياطين، أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن رجموا1 فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم، أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النمل   
[ما جاء في سورة النمل ]
النمل (27): (طَس تِلْك آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين * هُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: وَإِنَّك لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيم عَلِيم). 1 ـ 6 .
وقال تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا3 أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة القصص   
يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * «إلى قوله»: وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُنْ فِي ضَيْق مِمَّا يَمْكُرُونَ * «إلى قوله»: وَإِنَّ رَبَّك لَيَعْلَمُ مَا

1 . في المصدر: يرجموا.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 255 ـ 256 .
3. الحاجز هو المانع بين الشيئين أن يختلط أحدهما بالآخر، و قديكون ذلك بكفّ كلّ واحد منهما عن صاحبه. وفي ذلك دلالة على إمكان كفّ النار عن الحطب حتى لاتحرقه و لاتسخنه كما كفّ الماء المالح عن الاختلاط بالعذب. التبيان: 8/109.

صفحه 165
تُكِنُّ صُدُورُهُمْ1 وَمَا يُعْلِنُونَ * «إلى قوله»: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّك يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّك عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّك لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * «إلى قوله»: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّك بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 58 ـ 93 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ): أي عن الحقّ الذي هو التوحيد.2
[ما جاء في سورة القصص ]
القصص (28): (وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِك وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَاب مِنْ

1. تكن صدورهم: أي تخفي. مجمع البحرين: 4/77، مادة« كنن».
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 273.

صفحه 166
عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * «إلى قوله»: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَك نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا1 أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* «إلى قوله»: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ). 47 ـ 72 .
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة القصص   
وقال سبحانه:(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَل مُبِين * وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّك عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْك وَادْعُ إِلَى رَبِّك وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). 85 ـ 88 .
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة العنكبوت   

1. قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان:16/60: التخطّف: الاختلاس بسرعة، و قيل: الخطف و التخطّف الاستلاب من كلّ وجه، و كأنّ تخطفهم من أرضهم استعارة أُريد به القتل والسبي و نهب الأموال، كأنّهم و ما يتعلّق بهم من أهل و مال يؤخذون فتخلو منهم أرضهم. و المراد بالأرض أرض مكّة و الحرم، و القائل بعض مشركي مكّة.

صفحه 167

[ التفسير ]

وفي قوله: (لَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ)1 لولا الأُولى امتناعيّة، والثانية تحضيضيّة، والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبةٌ بسبب كفرهم ومعاصيهم: ربّنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يبلّغنا آياتك فنتّبعها ونكون من المصدقين ما أرسلناك2(هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا): أي ممّا أُنزل على موسى وعليَّ (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ)أتبعنا بعضه بعضاً في الإنزال ليتّصل التذكير، أو في النظم ليتقرّر 3 الدعوة بالحجّة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر.(4)
[ما جاء في سورة العنكبوت]
العنكبوت(29): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّك لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْء إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ). 10 ـ 13 .
وقال سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْك الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ * خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ

1 . في المصدر ذكر الآية كاملة وهوالصحيح ; لأنّ عبارة: و (لولا) الثانية تحضيضية، راجعة إلى قوله: (لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً )الواردة في ذيل الآية.
2 . في المصدر بزيادة: أي إنّما أرسلناك قطعاً لعذرهم وإلزاماً للحجّة عليهم.
3 . في المصدر: لتقرر.   4 . تفسير البيضاوي: 4 / 296 ـ 297 ; بحار الأنوار: 5 / 300 .

صفحه 168
بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِك أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِك لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِك هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَيَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَك بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * «إلى قوله»: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ1 أَفَبِالْبَاطِلِ

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:161: وهذه استعارة، لأنّ الحرم لايصحّ وصفه بالأمن على الحقيقة وإنّما يأمن الناس فيه فلاتصال هذه الحال ودوامها واختصاص الحرم بين المواضع بها حسن أن يوصف بالأمن على طريق المبالغة، ولذلك نظائر في القرآن كثيرة.

صفحه 169
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ). 41 ـ 67 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ): أي ما يصيبهم 1 من أذيّتهم في الصرف عن الإيمان (كَعَذَابِ اللهِ)في الصرف عن الكفر. (وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّك)فتح وغنيمة (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ)في الدين فأشركونا فيه، والمراد المنافقون، أو قوم ضعف إيمانهم فارتدّوا من أذى المشركين (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ): أي أثقال ما اقترفته أنفسهم (وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ)وأثقالاً أُخر معها لمّا تسبّبوا له بالإضلال والحمل على المعاصي من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء.(2)
وفي قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ)فيما اتّخذوه معتمداً ومتّكلاً (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) فيما نسجه من الخور 2 والوهن، بل ذلك أوهن، فإنّ لهذا حقيقة وانتفاعاً ما ; أو مثلهم بالإضافة إلى الموحّد كمثله بالإضافة إلى رجل يبني بيتاً من حجر وجصّ; ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم، سمّاه به تحقيقاً للتمثيل، فيكون المعنى: وإنّ أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم.3
وفي قوله: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ): أي بالخصلة الّتي هي أحسن، كمعارضة الخشونة باللّين، والغضب بالكظم; وقيل: منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشدّ منه، وجوابه أنّه آخر الدواء ; وقيل: المراد به ذوو العهد منهم، (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)بالإفراط في الاعتداء والعناد، أو بإثبات الولد،

1 . في المصدر: يصيبه.   2 . تفسير البيضاوي: 4 / 309 .
2 . الخور: رخاوة وضعف في كل شيء. كتاب العين: 4 / 302، مادة «خور».
3 . تفسير البيضاوي: 4 / 316 ـ 317.

صفحه 170
وقولهم: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)، أو بنبذ العهد ومنع الجزية 1. (فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ)هم عبدالله بن سلام وأضرابه، أو من تقدّم عهد الرسول من أهل الكتاب (وَمِنْ هَؤُلاَءِ): أي ومن العرب، أو أهل مكّة، أو ممّن في عهد الرسول من أهل الكتاب (2).2
وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): هم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون به، لأنّهم حفظوه ووعوه; وقيل: هم الأئمّة من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)3.4
(وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ): أي يقتل الناس بعضهم بعضاً فيما حولهم وهم آمنون في الحرم. (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ): أي يصدّقون بعبادة الأصنام وهي باطلة مضمحلّة.5
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الروم   
[ما جاء في سورة الروم ]
الروم (30): (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ6 وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * «إلى

1 . في المصدر: بنبيذ العهد ومنه الجزية.   2 . في المصدر: أهل الكتابين.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 318 ـ 319.
3 . لاحظ: بصائر الدرجات: 225، الباب 11 في الأئمة أُوتوا العلم; الكافي: 1 / 213، باب أنّ الأئمة(عليهم السلام)قد أُوتوا العلم.
4 . مجمع البيان: 8 / 33.
5 . مجمع البيان: 8 / 41.
6. أثاروا الأرض: أي قلبوها للزراعة و عمروها بالفلاحة. مجمع البحرين:10/333، مادة «ثور».

صفحه 171
قوله»: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِك نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * «إلى قوله»: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّك لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيَ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِك يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّك الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ). 8 ـ 60.

[ التفسير ]

وقال البيضاويّ في قوله تعالى: (وَأَثَارُوا الأَرْضَ): أي قلّبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها.1
وفي قوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً)في عبادة الأصنام (مِنْ أَنْفُسِكُمْ): أي منتزعاً

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 328.

صفحه 172
من أحواله 1 الّتي هي أقرب الأُمور إليكم (هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ)من الأموال وغيرها (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)فتكونون سواء أنتم وهم فيه شركاء يتصرّفون فيه كتصرّفكم مع (أنّه بشرٌ مثلكم وأنّها معارة لكم)(2)
(تَخَافُونَهُمْ)أن يستبدُّوا بتصرّف فيه (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. (كَذَلِك نُفَصِّلُ الآيَاتِ)نبيّنها (لِقَوْم يَعْقِلُونَ)يستعملون عقولهم في تدبّر الأمثال. 2 (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ)اللاّم فيه للعاقبة; وقيل: للأمر بمعنى التهديد، كقوله: (فَتَمَتَّعُوا)غير أنّه التفت فيه مبالغة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)عاقبة تمتّعكم (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا): أي حجّة; وقيل: ذا سلطان، أي ملكاً معه برهان (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ)تكلّم دلالة، كقوله: (كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ)3 أو نطق (بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)بإشراكهم وصحّته، أو بالأمر الذي بسببه يشركون في أُلوهيّته.4
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة لقمان   
وفي قوله: (فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا): أي فرأوا الأثر أو الزرع، فإنّه مدلولٌ عليه بما تقدّم; وقيل: السحاب، لأنّه إذا كان مصفرّاً لم يمطر (فَإِنَّك لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)والكفّار مثلهم لمّا سدّوا عن الحقّ مشاعرهم (وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)قيّد الحكم به ليكون أشدّ استحالة، فإنّ الأصمّ المقبل وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئاً (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ)سمّاهم عُمياً لفقدهم المقصود الحقيقيّ من الأبصار، أو لعمى قلوبهم.(6)
(وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّك): أي ولا يحملنّك على الخفّة والقلق (الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)

1 . في المصدر: أحوالها.   2 . في المصدر: أنّهم لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 334.
3 . الجاثية: 29.
4 . تفسير البيضاوي: 4 / 336.   6 . تفسير البيضاوي: 4 / 341.

صفحه 173
بتكذيبهم.1
[ما جاء في سورة لقمان ]
لقمان (31): (الم * تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * «إلى قوله»: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم2 وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِك لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا
وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم3 * «إلى قوله»: خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم * هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 343.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:165: وهذه استعارة و المراد بالاشتراء هاهنا الاستبدال بالشيء من غيره و كذلك البيع للشيء يكون بمعنى استبدال غيره منه فكأنّ المذموم بهذا الكلام استبدال لهو الحديث من سماع القرآن والتأدّب بآدابه و الاعتلاق بأسبابه و يدخل تحت لهو الحديث سماع الغناء و الحداء و الإفاضة في الهزل و الفحشاء و ما يجري هذا المجرى. و يروى عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال هو شراء القينات. وقيل: إنّ ذلك نزل في النضر بن الحارث ابن كلدة بن عبد الدار بن قصي وكان يبتاع الكتب و فيها أحاديث الأكاسرة و أنباء الأمم الخالية ويقرأها على قريش إلهاءً لهم عن سماع القرآن و تدبّره بزعمه وَحيَداً لهم عن تأمّل قوارعه و زواجره.
3. وقال أيضاً: وهذه استعارة لأنّ البشارة في العرف إنّما تكون بالخير والسعادة والمسرّة لا بالشر والمضرّة لكن إبلاغهم الوعيد بالعقاب لمّا كان كإبلاغهم الوعد بالثواب في تقدّم الخبر به جاز أن يسمّى لهذه العلّة باسمه و كان أبوالعباس المبرّد يذهب بذلك مذهباً حسناً فيقول: إنّ لفظ البشارة مأخوذ من البشرة فكان المخبر لغيره بخبر النفع و الخير أو خبر الشر والضر يُلقي في قلبه من كلا الأمرين ما يظهر تأثيره في بشرة وجهه فإن كان خيراً ظهرت تباشير المسرة، وإن كان شراً ظهرت فيه علامات المساءة، فحسن على هذا المعنى أن تستعمل البشارة في الشر و الضر كما تستعمل في النفع و الخير.

صفحه 174
فِي ضَلاَل مُبِين * «إلى قوله»: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُنِير* وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ* وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْك كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله»: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّار كَفُور). 1 ـ 32 .

[ التفسير ]

وقال الطبرسيّ (رحمه الله): نزل قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ)في النضر بن الحارث، كان يتّجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدّث بها قريشاً، ويقول لهم: إنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أُحدّثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، عن الكلبيّ; وقيل: نزل في رجل اشترى جارية تغنّيه ليلاً ونهاراً، عن ابن عبّاس; وأكثر المفسّرين على أنّ المراد بلهو الحديث الغناء، وهو قول ابن عبّاس وابن مسعود وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن الرضا صلوات الله عليهم، قالوا: «منه الغناء».1

1 . لاحظ : الكافي: 6 / 431، باب الغناء; وسائل الشيعة: 17 / 303، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به.

صفحه 175
وروي أيضاً عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: هو الطعن في الحقّ والاستهزاء به، وما كان أبو جهل وأصحابه يجيئون به، إذ قال: يا معشر قريش ألا أُطعمكم من الزقّوم الذي يخوّفكم به صاحبكم؟ ثمَّ أرسل إلى زبد وتمر وقال: هذا هو الزقّوم الذي يخوّفكم به ; قال أبو عبدالله(عليه السلام): «ومنه الغناء»، فعلى هذا فإنّه يدخل فيه كلّ شيء يلهي عن سبيل الله وعن طاعته (وَيَتَّخِذَهَا): أي آيات القرآن أو سبيل الله (هُزُوًا)يستهزئ بها (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا): أي ثقلاً يمنعه عن سماع الآيات.1
وفي قوله: (بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)إذ لو كان لها عمد لرأيتموها، لأنّها لو كانت تكون أجساماً عظاماً حتّى يصحّ منها أن تقلّ السماوات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، فكان يتسلسل، فإذاً لا عمد لها; وقيل: إنّ المراد بغير عمد مرئيّة، والمعنى أنّ لها عمداً لا ترونها (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): أي جبالاً ثابتةً (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ): أي كراهة أن تميد بكم.(2)
وفي قوله: (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ)جواب (لو) محذوف، تقديره: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير لاتّبعوهم (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ): أي ومن يخلص دينه لله ويقصد في أفعاله التقرّب إلى الله (وَهُوَ مُحْسِنٌ)فيها فيفعلها على موجب العلم ومقتضى الشرع (فَقَدِ اسْتَمْسَك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): أي فقد تعلّق بالعروة الوثيقة الّتي لا انفصام لها (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي وإلى الله يرجع أواخر الأُمور على وجه لا يكون لأحد التصرّف فيها بالأمر والنهي.2
وفي قوله: (كَالظُّلَلِ) شبّه الموج بالسحاب الذي يركب بعضه على بعض ; وقيل: يريد كالجبال. (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ): أي عدل في الوفاء في البرّ بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له. روى السدّي عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لمّا

1 . مجمع البيان: 8 / 76 ـ 77 .   2 . مجمع البيان: 8 / 77 .
2 . مجمع البيان: 8 / 89 ـ 90 .

صفحه 176
كان يوم فتح مكّة أمّن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس إلاّ أربعة نفر قال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبدالله بن أخطل، وقيس بن سبابة، وعبدالله بن أبي سرح; فأمّا عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإنّ آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلاّ الإخلاص ما ينجيني في البرّ غيره، اللّهمّ إنَّ لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني ممّا أنا فيه إنّي آتي محمّداً حتّى أضع يدي في يده، فلأجدنّه عفوّاً كريماً، فجاء فأسلم .1 والختر: أقبح الغدر.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة السجدة   
[ما جاء في سورة السجدة ]
السجدة (32): (الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّك لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * «إلى قوله»: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ «إلى قوله»: أَوْ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَات أَفَلاَ يَسْمَعُونَ. 1 ـ 26.
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورتي الأحزاب وسبأ   

1 . سنن النسائي: 2 / 302 ; كنز العمال: 10 / 517 ; الدر المنثور: 3 / 303 ; أُسد الغابة: 2 / 276 وج 4 / 5 ; الإصابة: 3 / 48 برقم 3158، وج 4 / 444 برقم 5654.
2 . مجمع البيان: 8 / 94 ـ 95 .

صفحه 177

[ التفسير ]

وفي قوله: (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك)يعني قريشاً، إذ لم يأتهم نبيٌّ قبل نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن أتى غيرهم من قبائل العرب مثل خالد بن سنان العبسيّ; وقيل: يعني أهل الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يأتهم نبيٌّ قبله.
(فِي سِتَّةِ أَيَّام): أي فيما قدّره ستّة أيّام (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)بالقهر والاستعلاء. 1
[ما جاء في سورتي الأحزاب وسبأ ]
الأحزاب (33): (يَا أَيُّهَا النَّبي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا2 * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً ). 45 ـ 48.
سبأ (34): (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِك لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ * وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد * أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ

1 . مجمع البيان: 8 / 99 .
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 172: و هذه استعارة، و المراد بالسراج المنير هاهنا أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يهتدي به في ضلال الكفر و ظلام الغي كما يستصبح بالشهاب في الظلماء و تستوضح الغرّة في الدهماء.

صفحه 178
الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا1 مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب * «إلى قوله تعالى»: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير * «إلى قوله»: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين * قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُوني الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله»: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْك مُفْتَرى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُب يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَك مِنْ نَذِير * «إلى قوله»: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنىً وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد * قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْري إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ* قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ). 5 ـ 50 .

1. نسقط عليهم كسفاً: أي نسقط عليهم قطعة من السماء. التبيان: 8/378.

صفحه 179

[ التفسير ]

وفي قوله: (أُولَئِك لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز): أي سيّئ العذاب .1
(أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)كيف أحاطت بهم وذلك أنّ الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدّامه وخلفه وعن يمينه وشماله، فلا يقدر على الخروج منها (كِسَفًا)من السماء أي قطعة منها تغطّيهم وتهلكهم. (2)
(وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير): أي ليس له سبحانه منهم معاون على خلق السماوات والأرض ولا على شيء من الأشياء.2
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)إنّما قال ذلك على وجه الإنصاف في الحجاج دون الشكّ، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وإن كان هو عالماً بالكاذب .3
(ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا): أي يحكم بالحقّ.4
وقال البيضاويّ في قوله تعالى: (قُلْ أَرُوني الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ): أي لأرى بأيّ صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة؟ وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجّة عليهم زيادة في تبكيتهم. (وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ): أي إلاّ رسالة عامّة لهم، من الكفّ فإنّها إذا عمّتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو إلاّ جامعاً لهم في الإبلاغ، فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة .5

1 . مجمع البيان: 8 / 193 .   2 . مجمع البيان: 8 / 196.
2 . مجمع البيان: 8 / 214.
3 . مجمع البيان: 8 / 215.
4 . مجمع البيان: 8 / 216 .
5 . تفسير البيضاوي: 4 / 401.

صفحه 180
(وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُب يَدْرُسُونَهَا)فيها دليل على صحّة الإشراك
(وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَك مِنْ نَذِير)يدعوهم إليه وينذرهم على تركه، وقد بان
من قبل أن لا وجه له فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟1.
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة)أُرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دلّ عليه (أَنْ تَقُومُوا للهِ)وهو القيام من مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الانتصاب في الأمر خالصاً لوجه الله معرضاً عن المراء والتقليد (مَثْنى وَفُرَادَى)متفرّقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً، فإنَّ الازدحام يشوِّش الخاطر ويخلّط القول (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)في أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وما جاء به لتعلموا حقيقته (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة)فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك، أو استئناف منبّه لهم، على أنّ ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه، فإنّه لايدعه أن يتصدّى لادّعاء أمر خطير من غير وثوق ببرهان فيفتضح على رؤوس الأشهاد ويلقي نفسه إلى الهلاك، فكيف وقد انضمّ إليه معجزات كثيرة؟! وقيل: ما استفهاميّة، والمعنى: ثمَّ تتفكّروا أيّ شيء به من آثار الجنون؟
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة فاطر   
(قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر): أيّ شيء سألتكم من أجر على الرسالة (فَهُوَ لَكُمْ)والمراد نفي السؤال; وقيل: ما موصولة يراد بها ما سألهم بقوله: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)2، وقوله: (لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)3 واتّخاذ السبيل ينفعهم، وقرباه قرباهم.
(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ)يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي الباطل فيدمغه، أو يرمي به إلى أقطار الأرض فيكون وعداً بإظهار الإسلام (وَمَا

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 405 .
2 . الفرقان: 57 .
3 . الشورى: 23.

صفحه 181
يُبْدِئ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ): أي زهق الباطل، أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحيّ، فإنّه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة ; وقيل: الباطل: إبليس أو الصنم، والمعنى: لا ينشئ خلقاً ولا يعيده، أو لا يبدئ خيراً لأهله ولا يعيده; وقيل: ما استفهاميّة منتصبة بما بعده.1
[ما جاء في سورة فاطر ]
فاطر(35): (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُك عَلَيْهِمْ حَسَرَات إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * «إلى قوله»: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير * إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُك مِثْلُ خَبِير * يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنيُ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْق جَدِيد * وَمَا ذَلِك عَلَى اللهِ بِعَزِيز * «إلى قوله»: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ2 * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوك فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * «إلى قوله»: وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 405 ـ 407 .
2. الظل هو الستر عن موقع الشمس، و منه الظلة و هي السترة عن موقع الشمس; و الحرور: السموم و هو الريح الحارة في الشمس; وقال الفرّاء: الحرور يكون بالليل و النهار و السموم لايكون إلاّ بالنهار، و قيل: الظل الجنة و الحرور النار. التبيان: 8/423.

صفحه 182
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * «إلى قوله»: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْك فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا * «إلى قوله»: وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السيَّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السيَّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ1 فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً). 8 ـ 43 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا): أي كمن لم يزيّن له بل وفّق حتّى عرف الحقّ واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه، فحذف الجواب لدلالة (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)وقيل: تقديره: أفمن زيّن له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة؟ فحذف الجواب لدلالة (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُك عَلَيْهِمْ حَسَرَات)عليه، ومعناه: فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيّهم وإصرارهم على التكذيب.2
(مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير) هو لفّافة النواة (وَلَوْ سَمِعُوا) على سبيل الفرض (مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)لعدم قدرتهم على الإنفاع، أو لتبرّيهم منكم ممّا تدعون لهم

1. قال السيد الشريف الرضي قدّس اللّه روحه في «تلخيص البيان في مجازات القرآن:178: هذه استعارة، و المراد أنّ اللّه تعالى يعاقب المشركين على مكرهم بالمؤمنين، فكأنّما مكروا بأنفسهم ووجهّوا الضرر إليهم لا إلى غيرهم، إذ كان المكر عائداً بالوبال عليهم; و معنى (وَلاَ يَحِيقُ): أي لايحل و لاينزل و لايحيط إلاّ بهم، و هذه الألفاظ بمعنى واحد.
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 411 ـ 412.

صفحه 183
(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)بإشراككم لهم يقرّون ببطلانه، أو يقولون: (مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) 1. (وَلاَ يُنَبِّئُك مِثْلُ خَبِير)ولا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير عالم به أخبرك وهو الله سبحانه، فإنّه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين.(2)
(وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) الكافر والمؤمن; وقيل: مثلان للصنم ولله عزَّ وجلَّ (وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ)ولا الباطل ولا الحقّ (وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ)ولا الثواب ولا العقاب (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ)تمثيلٌ آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأوّل، ولذلك كرّر الفعل ; وقيل: للعلماء والجهلاء (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)هدايته فيوفّقه لفهم آياته والاتّعاظ بعظاته (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ)ترشيحٌ لتمثيل المصرّين على الكفر بالأموات ومبالغةٌ في إقناطه عنهم (بِالْبَيِّنَاتِ)بالمعجزات الشاهدة على نبوّتهم (بِالزُّبُرِ)كصحف إبراهيم (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) كالتوراة والإنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين.(3)
(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا) ينطق على أنّا اتّخذنا شركاء (فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِنْهُ)على حجّة من ذلك الكتاب بأنَّ لهم شركة جعليّة، ويجوز أن يكون (هم) للمشركين .2
(وَلاَ يَحِيقُ): أي لا يحيط (فَهَلْ يَنْظُرُونَ)ينتظرون (إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ)سنة الله فيهم بتعذيب مكذّبيهم (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً): أي لا يبدّلها بجعل غير التعذيب تعذيباً ولا يحوّلها بأن ينقله من المكذّبين إلى غيرهم.(5)

1 . يونس: 28.         2 . تفسير البيضاوي: 4 / 415 .   3 . تفسير البيضاوي:4/416ـ417.
2 . تفسير البيضاوي:4/422.   5. تفسير البيضاوي:4/423ـ424.

صفحه 184
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة يس   
[ما جاء في سورة يس]
يس(36): (يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّك لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ «إلى قوله»: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَل مُبِين* «إلى قوله»: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ1 * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ2* «إلى قوله»: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ). 1 ـ 76 .

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:68: و قرئ ننكسه بالتشديد، و هذه استعارة والمراد ـ واللّه أعلم ـ إنّا نعيد الشيخ الكبير إلى حال الطفل الصغير في الضعف بعد القوة، و التثاقل بعد النهضة، و الأخلاق بعد الجدة، تشبيهاً بمن انتكس على رأسه فصار أعلاه سفلاً و أسفله علواً.
2. وقال أيضاً: و هذه استعارة، و المراد بالحيّ هاهنا الغافل الذي يستيقظ إذا أوقظ ، و يتعظ إذا وعظ، فسمّى تعالى المؤمن الذي ينتفع بالإنذار حيّاً لنجاته، و سمّى الكافر الذي لايصغى إلى الزواجر ميتاً لهلكه.

صفحه 185

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ)الوقائع التي خلت والعذاب المعدّ في الآخرة، أو نوازل السماء ونوائب الأرض، كقوله: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)أو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، أو عكسه، أو ما تقدّم من الذنوب وما تأخّر. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ)على محاويجكم (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)بالصانع يعني معطّلة كانوا بمكّة (لِلَّذِينَ آمَنُوا)تهكّماً بهم من إقرارهم به وتعليقهم الأُمور بمشيئته (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ)على زعمكم وقيل: قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين، إيهاماً بأنَّ الله لمّا كان قادراً أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحقّ بذلك، وهذا من فرط جهالتهم، فإنَّ الله تعالى يطعم بأسباب منها حثّ الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له.1
(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)ردّ لقولهم: إنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)شاعر، أي ما علّمناه الشعر بتعليم القرآن فإنّه غير مقفّى ولا موزون، وليس معناه ما يتوخّاه 2 الشعراء من التخيّلات المرغّبة والمنفّرة (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)وما يصحّ له الشعر ولا يتأتّى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم 3 طبعه نحواً من أربعين سنة; وقوله:
أنا النبيّ لا كذب *** وأنا ابن عبدالمطّلب
وقوله:
هل أنت إلاّ إصبع دميت *** وفي سبيل الله مالقيت

1 . تفسير البيضاوي: 4 / 435 ـ 436 .
2 . وخى الأمر: قصده، ويقال: توخّيت الشيء أتوخّاه توخّياً: إذا قصدت إليه وتعمدت فعله وتحرّيت فيه. والوخي: الطريق المعتمد. لسان العرب: 15 / 383، مادة «وخي» .
3 . في المصدر: خبرتم.

صفحه 186
اتّفاقّي من غير تكلّف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات، على أنَّ الخليل ما عدّ المشطور من الرجز شعراً، هذا وقد روي أنّه حرّك البائين وكسر التاء الأُولى بلا إشباع، وسكّن الثانية; وقيل: الضمير للقرآن، أي وما يصحّ للقرآن أن يكون شعراً (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ)عظةٌ وإرشادٌ من الله (وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) وكتابٌ سماويٌ يتلى في المعابد ظاهر أنّه ليس كلام البشر لما فيه من الإعجاز (لِيُنْذِرَ)القرآن أو الرسول (مَنْ كَانَ حَيًّا)عاقلاً فهماً، فإنَّ الغافل كالميّت، أو مؤمناً في علم الله، فإنّ الحياة الأبديّة بالإيمان، وتخصيص الإنذار به لأنّه المنتفع به (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ)وتجب كلمة العذاب (عَلَى الْكَافِرِينَ) المصرّين على الكفر (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً)أشركوها به في العبادة (لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأُمور 1 والأمر بالعكس، لأنّه (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ)معدّون لحفظهم والذبّ عنهم، أو محضرون أثرهم في النار.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الصافات   
[ما جاء في سورة الصافات ]
الصافات(37): (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ). 11 ـ 15 .
وقال سبحانه: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّك الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ

1 . حزبه أمر: أي إذا نزل به مُهمٌ أو أصابه غمٌ. ومنه حديث علي (عليه السلام): «نزلت كرائه الأُمور وحوازب الخطوب» جمع حازب، وهو الأمر الشديد. النهاية لابن الأثير: 1 / 362، مادة «حزب».
2 . تفسير البيضاوي: 4 / 440 ـ 442.

صفحه 187
لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ* سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ* فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ* مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ* إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله»: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ). 149 ـ 179 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ): أي فاستخبرهم، والضمير لمشركي مكّة، أو لبني آدم (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا)يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، و (مَنْ) لتغليب العقلاء. (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِين لاَزِب) والمراد إثبات المعاد وردّ استحالتهم بأنّ استحالة ذلك إمّا لعدم قابليّة المادَّة، ومادّتهم الأصليّة هي الطين اللاّزب الحاصل من ضمّ الجزء المائيّ إلى الجزء الأرضيّ وهما باقيان قابلان للانضمام بعد، وقد علموا أنّ الإنسان الأوّل إنّما تولّد منه، إمّا لاعترافهم بحدوث العالم، أو بقصّة آدم على نبيّنا وآله وعليه السلام، وشاهدوا تولّد كثير من الحيوانات منه بلا توسّط مواقعة،

صفحه 188
فلزمهم أن يجوّزوا إعادته كذلك، وإمّا لعدم قدرة الفاعل، فإنّ من قدر على خلق هذه الأشياء قدر على مالا يعتدّ به بالإضافة إليها، سيّما ومن ذلك بدأهم أوّلاً، وقدرته ذاتيّة لا تتغيّر (بَلْ عَجِبْتَ) من قدرة الله وإنكارهم البعث (وَيَسْخَرُونَ)من تعجّبك وتقريرك للبعث.1
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة ص   
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)يعني الملائكة، ذكرهم باسم جنسهم وضعاً منهم أن يبلغوا هذه المرتبة; وقيل: قالوا: إنّ الله صاهر الجنّ فخرجت الملائكة; وقيل: قالوا: الله والشيطان أخوان (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ)أنَّ الكفرة أو الإنس أو الجنّة إن فسّرت بغير الملائكة (لَمُحْضَرُونَ) في العذاب (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) من الولد والنسب (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ)استثناء من المحضرين منقطع أو متّصل إن فسّر الضمير بما يعمّهم وما بينهما اعتراض، أو من (يَصِفُونَ). (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) عود إلى خطابهم (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ): أي على الله (بِفَاتِنِينَ)مفسدين الناس بإغوائهم (إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) إلاّ من سبق في علم الله تعالى أنّه من أهل النار ويصلاها لا محالة، و (أَنْتُمْ) ضمير لهم ولآلهتهم، غلب فيه المخاطب على الغائب، ويجوز أن يكون (وَمَا تَعْبُدُونَ) لما فيه من معنى المقارنة سادّاً مسدّ الخبر، أي إنّكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلاّ ضالاًّ مستوجباً للنار مثلكم. (وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديّة للردّ على عبدتهم، والمعنى: وما منّا أحد إلاّ له مقامٌ معلومٌ في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: (سُبْحَانَ اللهِ)من كلامهم ليتّصل بقوله: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ).

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 7.

صفحه 189
(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) في أداء الطاعة ومنازل الخدمة (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)المنزّهون الله عمّا لا يليق به (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ) يعني مشركي قريش (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ) كتاباً من الكتب الّتي نزلت عليهم (لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم (فَكَفَرُوا بِهِ)أي لمّا جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)عاقبة كفرهم (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين): أي يوم بدر; وقيل: يوم الفتح (وَأَبْصِرْهُمْ)على ما ينالهم حينئذ (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ)روي أنّه لمّا نزل (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) قالوا: متى هذا؟ فنزل (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ)فإذا نزل العذاب بفنائهم (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ): أي فبئس صباح المنذرين صباحهم.1
[ما جاء في سورة ص]
ص (38):(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاص2 * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْء عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْء يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَك مِنْ ذِكْري بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 29 ـ 32.
2. (وَلاَتَ حِينَ مَنَا ص): أي ليس الحين حين فرار، و ليس الوقت وقت تأخير و قرار. و المناص: المنجى، يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصاً و مناصاً: أي فر وزاغ. مجمع البحرين: 4/393، مادة «نوص».

صفحه 190
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ1* جُنْدٌ مَا هُنَالِك مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ). 1 ـ 11 .
وقال سبحانه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَك لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ). 27 ـ 29 .
وقال سبحانه:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْم بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * «إلى قوله»: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين). 65 ـ 88 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (فِي عِزَّة): أي استكبار عن الحقّ (وَشِقَاق) خلاف لله ولرسوله (فَنَادَوْا)استغاثة أو توبة واستغفاراً (وَلاَتَ حِينَ مَنَاص): أي ليس الحين حين مناص، و (لا) هي المشبّهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد; وقيل: هي النافية للجنس، أي: ولا حين مناص لهم; وقيل: للفعل والنصب بإضماره أي: ولا أرى حين مناص.2

1. قال أبوهلال العسكري في الفروق اللغوية:37: الفرق بين العلّة و السبب: قال الطبرسي الفرق بينهما في عرف المتكلّمين: أنّ السبب ما يوجب ذاتاً، و العلّة ما توجب صفة.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 35.

صفحه 191
وقال الطبرسيّ (رحمه الله): قال المفسّرون: إنّ أشراف قريش ـ وهم خمسة وعشرون. منهم: الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم وأبو جهل وأُبيّ وأُميّة ـ ابنا خلف ـ وعتبة وشيبة ـ ابنا ربيعة ـ والنضر بن الحارث ـ أتوا أبا طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد أتيناك تقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنّه سفّه أحلامنا، وشتم آلهتنا، فدعا أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يابن أخي هؤلاء قومك يسألونك، فقال: ماذا يسألونني؟ قالوا: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟ فقال له أبو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك وعشر أمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلاّ الله، فقاموا وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)، فنزلت هذه الآيات.
وروي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استعبر 1 ثمّ قال: يا عمّ والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول حتّى أُنفذه أو أُقتل دونه، فقال له أبو طالب: إمض لأمرك فوالله لا أخذلك أبداً2.3
وقال البيضاويّ: (وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ): أي وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم 4 رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا)واثبتوا (عَلَى آلِهَتِكُمْ)على عبادتها (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)إنّ هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مردّ له، أو إنّ هذا الرأي الذي يدّعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة والترفّع على العرب والعجم لشيء يتمنّى أو يريده كلُّ أحد، أو إنّ دينكم يطلب

1 . عبرت عينه واستعبرت: دمعت، . لسان العرب: 4 / 532، مادة «عبر» .
2 . وردت الرواية باختلاف في الألفاظ . لاحظ : تاريخ الطبري: 2 / 67 ; الكامل في التاريخ: 2 / 64 ; سيرة ابن إسحاق: 2 / 135 ; السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 172; تفسير القمي: 2 / 228 ; جوامع الجامع: 3 / 186 ; الغدير: 7 / 359 .
3 . مجمع البيان: 8 / 343 .
4 . التبكيت كالتقريع والتعنيف. وبكته بالحجّة: أي غلبه. صحاح الجوهري: 1 / 244، مادة «بكت».

صفحه 192
ليؤخذ منكم (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا)بالذي يقوله (فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ)في الملّة الّتي أدركنا عليه آباءنا، أو في ملّة عيسى الّتي هي آخر الملل، فإنّ النصارى يثلثون; ويجوز أن يكون حالاً من هذا، أي ما سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهّان بالتوحيد كائناً في الملّة المترقّبة (إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ)كذب اختلقه. (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّك)بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتّى يتخيّروا للنبوّة 1 من شاءوا (أَمْ لَهُمْ مُلْك السَّمَوَاتِ): أي ليس لهم مدخلٌ في أمر هذا العالم الجسمانيّ الذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرّفوا فيها؟ (فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ): أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج الّتي يتوصّل بها إلى العرش حتّى يستووا عليه ويدَّبّروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يستصوبونه، والسبب في الأصل: هو الوصلة; وقيل: المراد بالأسباب السماوات لأنّها أسباب الحوادث السفليّة (جُنْدٌ مَا هُنَالِك مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ): أي هم جندٌ ما من الكفّار المتحزّبين على الرسل، مهزوم مكسور عمّا قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهيّة؟ أو فلا تكترث بما يقولون.(2)
(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ): أي ما أنبأتكم به من أنّي نذير من عقوبة من هذه صفته وإنّه واحدٌ في الأُلوهية; وقيل: ما بعده من نبأ آدم (مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْم بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ)فإنّ إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما وردت في الكتب المتقدّمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصوّر إلاّ بالوحي.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الزمر   
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)المتصنّعين بما لست (4) من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوّة وأتقوَّل القرآن (بَعْدَ حِين) بعد الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام.(5)

1 . في المصدر: يصيبوا بها.   2 . تفسير البيضاوي: 5 / 37 ـ 38.
2 . تفسير البيضاوي:5/54.      4 . في المصدر: المتصفين بما ليسوا.   5 . تفسير البيضاوي:5/56.

صفحه 193
[ما جاء في سورة الزمر ]
الزمر(39): (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * «إلى قوله»: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِك قَلِيلاً إِنَّك مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * «إلى قوله»: قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ* وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني* فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِك هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * «إلى قوله»: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِك فِي ضَلاَل مُبِين * اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَاني1تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِك هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * «إلى قوله»: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ

1. (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ): يعني القرآن (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) في الحكم التي فيه من الحجج و المواعظ و الأحكام التي يعمل عليها في الدين و صلاح التدبير يشبه بعضه بعضاً لاتناقض فيه. (مَثَاني): أي يثنى فيه الحكم و الوعد و الوعيد بتصريفها في ضروب البيان، و يثنى أيضاً في التلاوة فلايمل لحسن مسموعه في القرآن. التبيان: 9/21.

صفحه 194
يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ1 وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله»: أَلَيْسَ اللهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَك بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * «إلى قوله»: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * «إلى قوله»: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * «إلى قوله»: قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُوني أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك وَلَتَكُونَنَّ

1. متشاكسون: مختلفون متنازعون. النهاية لابن الأثير: 2/494، مادة «شكس».

صفحه 195
مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ). 1 ـ 66 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)يحتمل المتّخذين من الكفرة، والمتّخذين من الملائكة وعيسى والأصنام، على حذف الراجع، وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم، وهو مبتدأ خبره على الأوّل: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)بإضمار القول، أو (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) وهو متعيّن على الثاني، وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيّزه حالاً أو بدلاً من الصلة، (زُلْفَى)مصدرٌ أو حال (لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)كما زعموا (لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)، إذ لا موجود سواه إلاّ وهو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين، ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه، ومن البيّن أنّ المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد له .1 ثمّ قرّر ذلك بقوله سبحانه: (هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) فإنّ الأُلوهيّة الحقيقيّة تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذاتيّة، وهي تنافي المماثلة فضلاً عن التولّد، 2 لأنَّ كلّ واحد من المثلين مركّب من الحقيقة المشتركة والتعيّن المخصوص، والقهّاريّة المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد.3
(نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ): أي نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو ربّه الذي كان يتضرّع إليه.4
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ)خبره محذوف دلّ عليه قوله: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ

1 . في المصدر: الوالد.
2 . في المصدر: التوالد.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 57 ـ 58 .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 59 .

صفحه 196
ذِكْرِ اللهِ): أي من أجل ذكره.1
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً)للمشرك والموحّد (رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل)مثَّل المشرك ـ على مايدّعيه مذهبه من أن يدّعي كل واحد من معبوديه عبوديّته ويتنازعوا فيه ـ بعبد يتشارك فيه جمعٌ يتجاذبونه ويتعاورونه في المهام المختلفة في تحيّره وتوزّع قلبه، والموحّد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل.2
وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَيُخَوِّفُونَك بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ): كانت الكفّار تخيفه بالأوثان الّتي كانوا يعبدونها، قالوا: أما تخاف أن تهلكك آلهتنا؟ وقيل: إنّه لمّا قصد خالد لكسر العزّى بأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: إيّاك يا خالد فبأسها شديد! فضرب خالد أنفها بالفأس فهشمها فقال:
كفرانك يا عزّى لا سبحانك *** سبحان من أهانك3
(أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا)من الشفاعة (وَلاَ يَعْقِلُونَ) جواب هذا الاستفهام محذوفٌ، أي أولو كانوا بهذه الصفة تتّخذونهم شفعاء وتعبدونهم راجين شفاعتهم؟ (قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا): أي لا يشفع أحد إلاّ بإذنه (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ)أي نفرت; وقيل: انقبضت .4
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة غافر   
وقال البيضاويّ: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ): أي القرآن; أو المأمور به دون المنهيّ عنه; أو العزائم دون الرخص ; أو الناسخ دون المنسوخ; ولعلّه ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة.5

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 63.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 65.
3 . مجمع البيان: 8 / 401 ; بحار الأنوار: 8 / 51 .
4 . مجمع البيان: 8 / 404 .
5 . تفسير البيضاوي: 5 / 73.

صفحه 197
[ ما جاء في سورة غافر ]
غافر (المؤمن) (40): (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْك تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ1 فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * «إلى قوله»: وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق * ذَلِك بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ). 4 ـ 22 .
وقال سبحانه: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ2 * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * «إلى قوله»: قُلْ إنِّي نُهِيتُ أَنْ

1. دحض، داحضة: أي باطلة زائلة. و (لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ): أي ليزيلوا به الحق و يذهبوا به، ويقال: مكان دحض: أي مزل مزلق لاتثبت فيه قدم و لا حافر. والمدحضين: المغلوبين المقهورين. تفسير غريب القرآن للطريحي: 334، مادة «دحض».
2. (بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ): أي صباحاً و مساء. وقيل: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك) معناه صلّ بحمد ربّك (بِالْعَشِيِّ) معناه من زوال الشمس إلى الليل، (وَالإِبْكَارِ): من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. التبيان: 9/87 .

صفحه 198
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَني الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * «إلى قوله»: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنى يُصْرَفُونَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله»: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِك مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْك وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِك الْمُبْطِلُونَ). 55 ـ 78 «إلى آخر السورة».

[ التفسير ]

(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ)عامّ في كلّ مجادل مبطل وإن نزلت في مشركي مكّة أو اليهود حين قالوا: لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود، يبلغ سلطانه البرّ والبحر، وتسير معه الأنهار (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ)إلاّ تكبّر عن الحقّ، وتعظّم عن التفكّر والتعلّم، أو إرادة الرياسة، أو أنّ النبوّة والملك لا يكون 1 إلاّ لهم (مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)ببالغي دفع الآيات أو المراد (لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ)فمن قدر على خلقها أوّلاً من غير أصل قدر على خلق الإنسان ثانياً من أصل .2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة فصّلت   
(فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ): أي بالعذاب في الدنيا والآخرة (قُضِيَ بِالْحَقِّ)بإنجاء المحقّ وتعذيب المبطل (وَخَسِرَ هُنَالِك الْمُبْطِلُونَ) المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها.3

1 . في المصدر: لا يكونان.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 98 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 102.

صفحه 199
[ما جاء في سورة فصّلت]
فصلت (41): (حَم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ1 وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * «إلى قوله»: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لاََنْزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * «إلى قوله»: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * «إلى قوله»: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا
إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم *
«إلى قوله»: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»:194: و هذه استعارة، والأكنّة جمع كنان و هو الستر و الغطاء، مثل عنان و أعنّة و سنان و أسنّة، و ليس هناك على الحقيقة شيء ممّا أشاروا إليه و إنّما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن وبواقع البيان فكأنّهم من قوة الزهادة فيه و شدة الكراهية له قد وقرت أسماعهم عن فهمه و أكنّت قلوبهم دون علمه، و ذلك معروف في عادة الناس أن يقول القائل منهم لمن يشنأ كلامه و يستثقل خطابه: ما أسمع قولك، و لا أعي لفظك، وإن كان صحيح حاسة السمع، إلاّ أنّه حمل الكلام على الاستثقال و المقت. و على هذا قول الشاعر:
وكلام سيّئ قد وقرت *** أذني عنه وما بي من صمم

صفحه 200
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد * مَا يُقَالُ لَك إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِك إِنَّ رَبَّك لَذُو مَغْفِرَة وَذُو عِقَاب أَلِيم * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَاَعَجَمِيٌّ وَعَرَبي قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ1 وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِك يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد * «إلى قوله»: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاق بَعِيد). 1 ـ 52.

[ التفسير ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الشورى   
وفي قوله: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة): أي في أغطية، وهذه تمثيلاتٌ لنبوّ2 قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقاده، ومجّ أسماعهم 3 له، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول (فَاعْمَلْ)على دينك، أو في إبطال أمرنا (إِنَّنَا عَامِلُونَ)على ديننا، أو في إبطال أمرك.4
وقال الطبرسيّ (رحمه الله): قيل: إنَّ أبا جهل رفع ثوباً بينه وبين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمّد أنت من ذاك الجانب، ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك، إنّنا عاملون على ديننا ومذهبنا.5 (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ): أي لا تميلوا عن سبيله وتوجّهوا إليه بالطاعة.(6)

1. (فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ): الثقل في الأذن أو ذهاب السمع كلّه، و قد وقرت أذنه: أي ثقل سمعها، أو صمّت. مجمع البحرين: 4/533، مادة« وقر».
2 . نبا بصره عن الشيء ينبو نبواً ونبوة: أي تجافى، ونبا فلان عن فلان: إذا لم ينقد له، ونبا بفلان منزله: إذا لم يوافقه. كتاب العين: 8 / 379، مادة «نبو».
3 . مجّ أسماعهم: أي لا تعي كلّ ما تسمع. النهاية لابن الأثير: 4 / 298، مادة «مجج» .
4 . تفسير البيضاوي: 5 / 105 ـ 106 .
5 . مناقب ابن شهر آشوب: 1 / 51 ; بحار الأنوار: 18 / 203 .   6 . مجمع البيان: 9 / 7 .

صفحه 201
وفي قوله: (وَالْغَوْا فِيهِ): أي عارضوه باللّغو والباطل وبما لا يعتدُّ به من الكلام. (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ): أي لتغلبوه باللّغو والباطل، ولا يتمكّن أصحابه من الاستماع ; وقيل: ألغوا فيه بالتخليط في القول والمكاء والصفير ; وقيل: معناه: ارفعوا أصواتكم في وجهه بالشعر والرجز، عن ابن عبّاس والسدّيّ: لمّا عجزوا عن معارضة القرآن احتالوا في اللّبس على غيرهم وتواصوا بترك استماعه والإلغاء عند قراءته.1
وقال البيضاويّ في قوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا): أي ما يلقّى هذه السجيّة وهي مقابلة الإساءة بالإحسان (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا)فإنّها تحبس النفس عن الانتقام (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم) من الخير وكمال النفس ; وقيل: الحظّ العظيم: الجنّة.2
(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا)جوابٌ لقولهم: هلاّ نزل القرآن بلغة العجم (لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) بيّنت بلسان نفقهه (أَأعَجَمِيٌّ وَعَرَبيّ)أكلام أعجميّ ومخاطب عربيّ؟ إنكار مقرّر للتخصيص (أُولَئِك يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيد)هو تمثيل لهم في عدم قبولهم واستماعهم له بمن تصيح به من مسافة بعيدة.3
[ ما جاء في سورة الشورى ]
الشورى(42): (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل * وَكَذَلِك أَوْحَيْنَا إِلَيْك قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ «إلى قوله» * أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ «إلى قوله»: * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ

1 . مجمع البيان: 9 / 19 ـ 20 ; بحار الأنوار: 17 / 87 .
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 115 ـ 116; بحار الأنوار: 68 / 68 .
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 117 ـ 118 ; بحار الأنوار: 17 / 200 .

صفحه 202
نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّك إِلَى أَجَل مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَك مِنْهُ مُرِيب* فَلِذَلكِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَاب وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ «إلى قوله: قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ «إلى قوله»: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأ يَوْمَئِذ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ «إلى قوله»: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ)1 ـ 53 .

[ التفسير ]

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ): أي شرع لكم دين نوح ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن بينهما من أرباب الشرائع عليهم الصلاة والسلام، وهو

صفحه 203
الأصل المشترك فيما بينهم المفسّر بقوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)، وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله (وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)ولا تختلفوا في هذا الأصل، أمّا فروع الشرائع فمختلفةٌ (وَمَا تَفَرَّقُوا)يعني الأُمم السالفة; وقيل: أهل الكتاب (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ)يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو المشركين الذين أُورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب (فَلِذَلكِ): أي فلأجل ذلك التفرّق، أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته (لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ): أي لا حجاج بمعنى لا خصومة، إذ الحقّ قد ظهر ولم يبق للمخاصمة مجال (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ)في دينه (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ)من بعدما استجاب له الناس ودخلوا فيه، أو من بعدما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر، أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقرّوا بنبوّته واستفتحوا به (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ)زائلةٌ باطلةٌ.1
(فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)استبعادٌ للافتراء عن مثله بالإشعار على أنّه إنّما يجترئ عليه من كان مختوماً على قلبه، جاهلاً بربّه، وكأنّه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه ; وقيل: (يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ)يمسك القرآن والوحي عنه أو يربط عليه بالصبر فلا يشقّ عليك أذاهم.2
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)يعني ما أوحى إليه وسمّاه روحاً، لأنّ القلوب تحيا به; وقيل: جبرئيل (عليه السلام)، والمعنى: أرسلناه إليك بالوحي (مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ): أي قبل الوحي، وهو دليلٌ على أنّه لم يكن متعبّداً قبل النبوّة بشرع; وقيل: المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلاّ السمع (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا): أي الروح; أو الكتاب; أو الإيمان.3

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 124 ـ 126.
2 . تفسير البيضاوي: 5 / 129.
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 137 ; بحار الأنوار: 71 / 54 .

صفحه 204
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الزخرف   
[ما جاء في سورة الزخرف ]
الزخرف (43): (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبي فِي الأَوَّلِينَ * «إلى قوله»: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين * وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * «إلى قوله تعالى»: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * «إلى قوله»: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلاَل مُبِين * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الذِي

صفحه 205
وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ * وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ). 2 ـ 45.

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَإِنَّهُ)عطف على إنّا (فِي أُمِّ الْكِتَابِ)في اللّوح المحفوظ، فإنّه أصل الكتب السماويّة (لَدَيْنَا)محفوظاً عندنا عن التغيير. (لَعَلِيّ)رفيع الشأن في الكتب السماويّة، لكونه معجزاً من بينها (حَكِيمٌ) ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا)أفنذوده ونبعّده عنكم، مجازٌ من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، والفاء للعطف على محذوف، أي أنهملكم فنضرب عنكم الذكر؟ و (صَفْحاً)مصدر من غير لفظه، فإنّ تنحية الذكر عنهم إعراض ; أو مفعول له ; أو حال بمعنى صافحين، وأصله أن تولّي الشيء صفحة عنقك; وقيل: إنّه بمعنى الجانب فيكون ظرفاً (أَنْ كُنْتُمْ): أي لئن كنتم (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا): أي من القوم المسرفين ; لأنّه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مخبراً عنهم (وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ) وسلف في القرآن قصّتهم العجيبة، وفيه وعدٌ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووعيدٌ لهم بمثل ما جرى على الأوَّلين (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا): أي ولداً فقالوا: الملائكة بنات الله، ولعلّه سمّاه جزءاً كما سمّي بعضاً; لأنّه بضعة من الوالد، دلالة على استحالته على الواحد الحقّ
في ذاته (وَهُوَ كَظِيمٌ)مملوءٌ قلبه من الكرب (أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ): أي أو جعلوا له، أو اتّخذ من يتربّى في الزينة يعني البنات (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ)في المجادلة (غَيْرُ مُبِين) مقرّر لما يدّعيه من نقصان العقل وضعف الرأي (وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)كفر آخر تضمّنه مقالهم شنّع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله أنقصهم رأياً وأخسّهم صنفاً (أَشَهِدُوا

صفحه 206
خَلْقَهُمْ)أحضروا خلق الله إيّاهم فشاهدوهم إناثاً، فإنّ ذلك ممّا يعلم بالمشاهدة.1
(كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ ): أي من قبل القرآن (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ): أي أتتّبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وهو حكاية أمر ماض أُوحي إلى النذير، أو خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويؤيّد الأوّل أنّه قرأ ابن عامر وحفص قال: وقوله: (قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ): أي وإن كان أهدى إقناطاً للنذير من أن ينظروا ويتفكّروا فيه (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ)المعاصرين للرسول من قريش (وَآبَاءَهُمْ)بالمدّ في العمر والنعمة فاغترّوا بذلك وانهمكوا في الشهوات.(2)
وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم): يعنون بالقريتين مكّة والطائف، وبالرجل منهما الوليد بن المغيرة من مكّة وعروة بن مسعود الثقفيّ من الطائف; وقيل: عتبة بن ربيعة من مكّة وابن عبد ياليل من الطائف; وقيل: الوليد بن المغيرة من مكّة وحبيب بن عمرو الثقفيّ من الطائف، عن ابن عبّاس; وإنّما قالوا: ذلك لأنّ الرجلين كانا عظيمي قومهما وذوي الأموال الجسيمة فيهما، فدخلت الشبهة عليهم حتّى اعتقدوا أنّ من كان كذلك كان أولى بالنبوّة، فقال سبحانه ردّاً عليهم: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)يعني النبوّة بين الخلق، ثمّ قال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي نحن قسمنا الرزق في المعيشة على حسب ما علمنا من مصالح عبادنا، فليس لأحد أن يتحكّم في شيء من ذلك، فكما فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق فكذلك اصطفينا للرسالة من شئنا. (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات): أي أفقرنا البعض وأغنينا البعض ولم نفوِّض ذلك إليهم مع قلّة خطره فكيف نفوّض

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 137 ـ 142.   2 . تفسير البيضاوي: 5 / 143 ـ 144.

صفحه 207
اختيار النبوّة إليهم مع عظم محلّها وشرف قدرها؟ (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)
معناه أنَّ الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة أنّ في ذلك تسخيراً من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليهم، ليستخدم بعضهم بعضاً فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم; وقيل: معناه: ليملك بعضهم بعضاً بمالهم فيتّخذونهم عبيداً ومماليك. (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ): أي الثواب، أو الجنّة، أو النبوّة.1
(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ): أي فإمّا نتوفّينّك فإنّا منتقمون من أُمّتك بعدك. (أَوْ نُرِيَنَّكَ الذِي وَعَدْنَاهُمْ): أي في حياتك ما وعدناهم من العذاب (فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ): أي قادرون على الانتقام منهم وعقوبتهم في حياتك وبعد وفاتك، قال الحسن وقتادة: إنّ الله أكرم نبيّه بأن لم يره تلك النقمة ولم ير في أُمّته إلاّ ما قرّت به عينه، وقد كان بعده نقمةٌ شديدةٌ .2
وقد روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أُري ما يلقى أُمّته بعده فمازال منقبضاً ولم ينبسط ضاحكاً حتّى لقى الله تعالى .3
وروى جابر بن عبدالله الأنصاري قال: إنّي لأدناهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع بمنى قال: «لا ألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنّني في الكتيبة 4 الّتي تضاربكم»، ثمّ التفت

1 . مجمع البيان : 9 / 77 ـ 79 .
2 . جامع البيان: 25 / 96 برقم 23874 و 23875 ; تفسير الثعلبي: 8 / 336 ; تفسير القرطبي: 16 / 92 ; تفسير ابن كثير: 4 / 138 ; الدر المنثور: 6 / 18 .
3 . معاني القرآن للنحاس: 6 / 363 برقم 33 ; تفسير السمرقندي: 3 / 246 ; تفسير الثعلبي: 8 / 336; تفسير القرطبي: 16 / 92 ; تفسير ابن كثير: 4 / 138 ; الدر المنثور: 6 / 18 .
4 . الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش، والجمع كتائب. النهاية لابن الأثير: 4 / 148، مادة «كتب».

صفحه 208
إلى خلفه فقال: أو عليّ ثلاث مرّات، فرأينا أنّ جبرئيل (عليه السلام)غمزه فأنزل الله تعالى
على أثر ذلك (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).1
وقيل: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُري الانتقام منهم، وهو ما كان من نقمة الله من المشركين يوم بدر بعد أن أخرجوه من مكّة (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ): أي شرف (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف; وقيل: عن القرآن وعمّا يلزمكم من القيام بحقّه (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا): أي سل مؤمني أهل الكتاب، والتقدير: سل أُمم من أرسلنا ; وقيل: معناه: وسل الأنبياء وهم الذين جمعوا له ليلة الإسراء وكانوا سبعين نبيّاً 2 منهم موسى وعيسى ـ على نبيّنا وآله وعليهما السلام ـ ولم يسألهم لأنّه كان أعلم بالله منهم .3
وقال تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَة فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * «إلى قوله»: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي يُوعَدُونَ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا

1 . شواهد التنزيل: 2 / 216 برقم 851 ; أمالي الطوسي: 363 برقم 11، المجلس 13; الاحتجاج للطبرسي: 1 / 291 ; العمدة لابن البطريق: 354 .
2 . في المصدر: تسعين نبياً.
3 . مجمع البيان : 9 / 83 ـ 84.

صفحه 209
رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )57 ـ 89 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً)اختلف في المراد على وجوه:
أحدها: أنّ معناه: ولمّا وصف ابن مريم شبهاً في العذاب بالآلهة، أي فيما قالوه وعلى زعمهم، وذلك أنّه لمّا نزل قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ )1 قال المشركون: قد رضينا أن تكون آلهتنا حيث يكون عيسى، وذلك قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ): أي يضجّون ضجيج المجادلة حيث خاصموك، وهو قوله: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ): أي ليست آلهتنا خيراً من عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنّه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، عن ابن عبّاس ومقاتل.
وثانيها: أنَّ معناه: لمّا ضرب الله المسيح مثلاً بآدم في قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب)2، اعترض على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك قوم من كفّار قريش فنزلت.
وثالثها: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا مدح المسيح وأُمّه وأنّه كآدم في الخاصيّة قالوا: إنّ محمداً يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى، عن قتادة.
ورابعها: ما رواه سادة أهل البيت(عليهم السلام)عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: جئت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً فوجدته في ملأ من قريش فنظر إليّ ثمّ قال: «يا عليّ إنّما مثلك في

1 . الأنبياء: 98 .
2 . آل عمران: 59.

صفحه 210
هذه الأُمّة كمثل عيسى بن مريم، أحبّه قومٌ فأفرطوا في حبّه فهلكوا، وأبغضه قومٌ وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قومٌ فنجوا». فعظم ذلك عليهم وضحكوا وقالوا: يشبّهه بالأنبياء والرسل فنزلت1 (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ): أي المسيح، أو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو عليّ (عليه السلام)(لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ): أي بدلاً منكم معاشر بني آدم (مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)بني آدم.2
(أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ): أي بل أبرموا أمراً في كيد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)والمكر به (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ): أي محكمون أمراً في مجازاتهم (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ)السرّ: ما يضمره الإنسان في نفسه ولا يظهره لغيره. والنجوى: ما يحدّث به المحدّث غيره في الخفية.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورتي الدّخان والجاثية   
وقال البيضاويّ: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)فإنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يكون أعلم بالله وبما يصحّ له وما لا يصحُّ له، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه، ومن حقّ تعظيم الوالد تعظيم ولده، ولا يلزم من ذلك صحّة كينونة الولد وعبادته له، إذ المحال قد يستلزم المحال ; 4 وقيل: معناه: إن كان له ولد في زعمكم (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)لله الموحّدين له; أو الآنفين منه أو من أن يكون له ولد، من عبد يعبد: إذا اشتدّ أنفه; أو ما كان له ولدٌ فأنا أوَّل الموحّدين من أهل مكّة (فَأَنّى يُؤْفَكُونَ)يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره (وَقِيلِهِ)وقول الرسول، ونصبه للعطف على (سِرَّهُمْ)أو

1 . شواهد التنزيل: 2 / 227 برقم 860 ; كنز العمال: 2 / 500 برقم 4596; مناقب ابن شهرآشوب:1 / 227 ; إحقاق الحق: 7 / 292 وج 14 / 338 و ج 23 / 146.
2 . مجمع البيان : 9 / 89 ـ 90 .
3 . مجمع البيان : 9 / 96 .
4 . في المصدر بزيادة: بل المراد نفيها على أبلغ الوجوه، كقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)غير أنّ «لو» ثمة مشعرة بانتفاء الطرفين و «إن» هنا لا تشعر به ولا بنقيضه فإنّها لمجرد الشرطية، بل الانتفاء معلوم بالانتفاء اللازم الدالّ على انتفاء ملزومه، والدلالة على أنّ إنكاره للولد ليس لعناد ومراء، بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به .

صفحه 211
على محلّ الساعة، أو لإضمار فعله، أي قال: (وَقِيلِهِ)، وجرّه عاصم وحمزة عطفاً على (السَّاعَةُ). (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)فأعرض عن دعوتهم آيساً عن إيمانهم (وَقُلْ سَلاَمٌ)تسلّم منكم ومتاركة.1
[ما جاء في سورتي الدّخان والجاثية]
الدّخان (44): (حَم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ «إلى قوله»: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ «إلى قوله»: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ).
الجاثية(45): (حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * «إلى قوله»: تِلْك آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتخَّذَهَاَ هُزُوًا أُولَئِك لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْني عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز أَلِيمٌ2 * «إلى قوله»: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ «إلى قوله تعالى»: ثُمَّ جَعَلْنَاك عَلَى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْك مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَاللهُ وَلِي الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْم

1 . تفسير البيضاوي: 9 / 154 ـ 156 ; بحار الأنوار: 64 / 98 .
2. (مِنْ رِجْز أَلِيمٌ): فمن جرّ (أَلِيمٌ) جعله صفة (رِجْز). و الرجز هو الرجس، وقال قوم: هو شيء من العذاب، وقال آخرون: هو العذاب. التبيان: 8/375.

صفحه 212
يُوقِنُونَ * «إلى قوله»: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِك مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ). 1 ـ 24 .

[ التفسير ]

وفي قوله سبحانه: (فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَ الله وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ): أي بعد آيات الله، وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم كما في أعجبني زيد وكرمه، أو بعد حديث الله وهو القرآن، وآياته: دلائله المتلوّة أو القرآن، والعطف لتغاير الوصفين. (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا): أي يعفوا ويصفحوا (لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ)لا يتوقّعون وقائعه بأعدائه، من قولهم: أيّام العرب: لوقائعهم، أو لا يأملون الأوقات الّتي وقّتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها; وقيل: إنّها منسوخة بآية القتال (لِيَجْزِيَ قَوْمًا)علّة للأمر (ثُمَّ جَعَلْنَاك عَلَى شَرِيعَة): أي طريقة (مِنَ الأَمْرِ): أي أمر الدين (هَذَا)أي القرآن أو اتّباع الشريعة (بَصَائِرُ لِلنَّاسِ)بيّنات تبصّرهم وجه الفلاح.1
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأحقاف   
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ): أي ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنّه يعبده، وقُرئ: «آلَهَةُ هَوَاهُ» لأنّه كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده، فإذا
رأى أحسن منه رفضه إليه(وَقَالُوا مَا هِيَ) ما الحياة أو الحال(إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)الّتي نحن فيها(نَمُوتُ وَنَحْيَا) نكون أمواتاً ونطفاً وما قبلها ونحيا بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيا بعض، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة، ويحتمل أنّهم أرادوا به التناسخ فإنّه عقيدة أكثر عبدة الأوثان(وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ) إلاّ مرور الزمان (وَمَا لَهُمْ بِذَلِك مِنْ عِلْم)

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 168 ـ 171 .

صفحه 213
يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلّق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث، أو كليهما(إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) إذ لا دليل لهم عليه، وإنّما قالوه بناءً على التقليد والإنكار لمّا لم يحسّوا به .1
[ما جاء في سورة الأحقاف]
الأحقاف(46): (حَم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَل مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُوني بِكِتَاب مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ2وَمَا أَدْري مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 172 ـ 173 .
2. (بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ): أي ما كنت بأوّل مرسل. و البدعة: ما ابتدع من الدين و غيره، و جمعها بدع. وكل من أحدث شيئاً فقد أبدعه. التبيان: 1/429.

صفحه 214
فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْك قَدِيمٌ1 * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * «إلى قوله»: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَك إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ). 1 ـ 35 .

[ التفسير ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورتي محمد والفتح   
وفي قوله: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى)وبتقدير الأجل ينتهي إليه الكلّ وهو يوم القيامة، أو كلّ واحد وهو آخر مدّة بقائه المقدّر له (أَوْ أَثَارَة مِنْ عِلْم)أو بقيّة من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين، هل فيها ما يدلّ على استحقاقهم للعبادة، أو الأمر بها (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ)إنكار أن يكون أحد أضلّ من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)ما دامت الدنيا (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) لأنّهم إمّا جمادات، وإمّا عباد مسخّرون مشتغلون بأحوالهم (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ)على الفرض (فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا): أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه وأُعرّض نفسي للعقاب من غير توقّع نفع ولا دفع ضرّ من قبلكم؟ (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ)تندفعون فيه من القدح في آياته (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) بديعاً منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه وهو الإتيان بالمقترحات كلّها (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ): أي

1. (إِفْك قَدِيمٌ): أي كذب متقدّم حيث لم يهتدوا به، ووصفه بالقديم للمبالغة في التقدّم، أي ليس أوّل من ادّعى الكذب في ذلك، بل قد تقدّم أشباهه. و القديم في عرف اللغة هو المتقدّم الوجود، وفي عرف المتكلّمين هو الموجود الذي لا أوّل لوجوده. التبيان: 9/273.

صفحه 215
عبدالله بن سلاّم; وقيل: موسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(عَلَى مِثْلِهِ)مثل القرآن، وهو ما في التوراة من المعاني المصدّقة للقرآن المطابقة لها، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)استيناف مشعر بأنّ كفرهم به لضلالهم المسبّب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)لأجلهم (لَوْ كَانَ خَيْرًا)الإيمان، أو ما أتى به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)(مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ)وهم سقاط، إذ عامّتهم فقراء وموال ورعاة، وإنّما قاله قريش ; وقيل: بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لمّا أسلم جهيّنة ومزنة وأسلم وغفار، أو اليهود حين أسلم ابن سلاّم وأصحابه .1
(بَلاَغٌ): أي هذا الذي وعظتم به، أو هذه السورة بلاغ، أي كفاية، أو تبليغ من الرسول . (2)
[ما جاء في سورتي محمد والفتح ]
محمد(48): (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِك التي أَخْرَجَتْك أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * «إلى قوله»: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِك قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِك الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ). 12 ـ 16 إلى آخر السورة.
الفتح(48): (إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنَّمَا

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 176 ـ 179 .   2 . تفسير البيضاوي: 5 / 187 .

صفحه 216
يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً). 8 ـ 10 .

[التفسير ]

وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (مِنْ قَرْيَتِك التي أَخْرَجَتْك): أي أخرجك أهلها، والمعنى: كم من رجال هم أشدّ من أهل مكّة (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ): أي على يقين من دينه وعلى حجّة واضحة من اعتقاده في التوحيد والشرائع (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)هم المشركون; وقيل: هم المنافقون وهو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام)(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)يعني المنافقين 1 (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)يعني الذين أتاهم الله العلم والفهم من المؤمنين، عن الأصبغ بن نباتة عن عليّ (عليه السلام)قال: «إنّا كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا: (مَاذَا قَالَ آنِفًا)2: أي أيّ شيء قال الساعة، وإنّما قالوا استهزاءً وإظهاراً أنّا لم نشتغل بوعيه وفهمه; وقيل: إنّما قالوا ذلك لأنّهم لم يفهموا معناه ولم يعلموا ما سمعوه; وقيل: بل قالوا ذلك تحقيراً لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي لم يقل شيئاً فيه فائدة; ويحتمل أيضاً أن يكونوا سألوا رياءً ونفاقاً، أي لم يذهب عنّي من قوله إلاّ هذا، فماذا قال؟ أعده عليَّ لأحفظه.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورتي الحجرات وق   
وفي قوله: (وَتُعَزِّرُوهُ): أي تنصروه بالسيف واللّسان (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك)المراد بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان.4

1 . في المصدر: أي ومن المنافقين.
2 . تفسير العياشي: 1 / 14 برقم 1 ; جوامع الجامع: 3 / 367 ; تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني: 2 / 584 .
3 . مجمع البيان: 9 / 167 ـ 169 .
4 . مجمع البيان: 9 / 188; بحار الأنوار: 17 / 20 .

صفحه 217
وفي قوله: (لَعَنِتُّمْ): أي لوقعتم في عنت وهو الإثم والهلاك.1
[ ما جاء في سورتي الحجرات وق ]
الحجرات(49): (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ2 وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِك هُمُ الرَّاشِدُونَ). 7 .
وقال سبحانه: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ3 مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * «إلى قوله»: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). 14 ـ 18 .
ق (50): (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِك رَجْعُ بَعِيدٌ* «إلى قوله»: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِنْ مَحِيص * إِنَّ فِي ذَلِك لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * «إلى قوله»: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ). 1 ـ 45 .

1 . مجمع البيان: 9 / 221.
2. لعنتّم: أي أصابكم عنت و مكروه. التبيان: 9/345.
3. لايلتكم: أي لاينقصكم. التبيان: 9/351.

صفحه 218

[ التفسير ]

(قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا)هم قوم من بني أسد أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في سنة جدبة وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، إنّما كانوا يطلبون الصدقة، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا): أي لم تصدّقوا على الحقيقة في الباطن (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا): أي استسلمنا مخافة السبي والقتل (لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ): أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم (شَيْئًا)قالوا: فلمّا نزلت الآيتان أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحلفون أنّهم مؤمنون صادقون في دعواهم الإيمان، فأنزل الله سبحانه: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ): أي أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه، والمعنى أنّه سبحانه عالمٌ بذلك فلا يحتاج إلى إخباركم به، وكان هؤلاء يقولون: آمنّا بك من غير قتال وقاتلك بنو فلان، فقال سبحانه: (يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا): أي بأن أسلموا.1
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورتي الذاريات والطور   
وقال البيضاويّ في قوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ): قبل قومك (مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا): أي قوّة كعاد وثمود (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاَدِ)فخرقوا في البلاد وتصرّفوا فيها، أو جالوا في الأرض كلّ مجال حذر الموت، وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه (هَلْ مِنْ مَحِيص): أي لهم من الله، أو من الموت; وقيل: الضمير في (نَقَّبُوا)لأهل مكّة، أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقّعوا مثله لأنفسهم (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ): أي قلبٌ واع يتفكّر في حقائقه (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ)وأصغى لاستماعه (وَهُوَ شَهِيدٌ) حاضرٌ بذهنه ليفهم معانيه، أو شاهدٌ بصدقه فيتّعظ بظواهره وينزجر بزواجره (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار):

1 . مجمع البيان: 9 / 230 ـ 232 ; بحار الأنوار: 65 / 239 .

صفحه 219
أي بمسلّط تقهرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد وإنّما أنت داع.1
[ما جاء في سورتي الذاريات والطور]
الذاريات(51): (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِك مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). 50 ـ 55 إلى آخر السورة.
الطور(52): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّك بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون* أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ* أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ2* أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ* فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّك أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَان مُبِين * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 231 ـ 233 .
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 218: و هذه استعارة، أي إن كانوا حلماء عقلاء كما يدّعون، فكيف تحملهم أحلامهم و عقولهم على أن يرموا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالسحر و الجنون و قد علموا بعده عنهما و مباينته لهما؟! و هذا القول منهم سفه وكذب، و هاتان الصفتان منافيتان لأوصاف الحلماء و مذاهب الحكماء، و خرج قوله سبحانه: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا) مخرج التبكيت لهم و الازراء عليهم. ونظير هذا الكلام قوله سبحانه حاكياً عن قوم شعيب(عليه السلام): (يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا )[هود:87]: أي دينك و ما جئت به من شريعتك التي فيها الصلوات و غيرها من العبادات تحملك على أمرنا بترك ما يعبد آباؤنا.

صفحه 220
مِنْ مَغْرَم مُثْقَلُونَ1* أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ2 * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لاَ يُغْني عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِك وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك فَإِنَّك بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ). 29 ـ 49 .

[ التفسير ]

(أَتَوَاصَوْا بِهِ): أي كأنّ الأوّلين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضاً بهذا القول حتى قالوه جميعاً (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)إضراب عن أنَّ التواصي جامعهم لتباعد أيّامهم إلى أنَّ الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)فأعرض عن مجادلتهم (فَمَا أَنْتَ بِمَلُوم)على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النجم   
(فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّك)بحمد الله وإنعامه (بِكَاهِن وَلاَ مَجْنُون) كما يقولون (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) ما يقلق النفوس من حوادث الدهر; وقيل: المنون: الموت (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)أتربّص هلاككم كما تتربّصون هلاكي. (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ)عقولهم بهذا التناقض في القول، فإنّ

1. الغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه أو خيانة، يقال: غرم كذا غرماً و مغرماً، و أغرم فلان غرامة. و الغريم يقال لمن له الدَّيْن ولمن عليه الدَّيْن، و الغرام ما ينوب الإنسان من شدة و مصيبة. مفردات الراغب: 360، مادة «غرم».
2. المركوم و ارتكم الشيء و تراكم: اجتمع بعضه فوق بعض. تاج العروس: 8/317، مادة «ركم».
3 . تفسير البيضاوي: 5 / 241 .

صفحه 221
الكاهن يكون ذا فتنة ودقّة نظر، والمجنون مغطّى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متّسق مخيّل، ولا يتأتّى ذلك من المجنون (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) مجاوزون الحدّ في العناد (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ)اختلقه من تلقاء نفسه (بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ) فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء)أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدّر فلذلك لا يعبدونه؟ أو من أجل لا شيء من عبادة ومجازاة (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)يؤيّد الأوّل فإنّ معناه: أم خلقوا أنفسهم؟ ولذلك عقّبه بقوله: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)وأم في هذه الآيات منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار (بَلْ لاَ يُوقِنُونَ): أي إذا سئلوا: من خلقكم ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّك)خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوّة من شاءوا، أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من شاءُوا 1 (أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ)الغالبون على الأشياء يدبّرونها كيف شاءُوا (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ) مرتقى إلى السماء (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا)على تبليغ الرسالة (فَهُمْ مِنْ مَغْرَم)من التزام غرم (مُثْقَلُونَ) محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتّباعك (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا)قطعة (مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا)من فرط طغيانهم وعنادهم (سَحَابٌ مَرْكُومٌ)هذا سحابٌ تراكم بعضها على بعض (فَإِنَّك بِأَعْيُنِنَا)في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك.(2)
[ما جاء في سورة النجم ]
النجم(53): (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * «إلى قوله»: أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى *

1 . في المصدر: من اختارته حكمته.   2 . تفسير البيضاوي: 5 / 248 ـ 251 .

صفحه 222
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْك إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنّى * فَللهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى * وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا * «إلى قوله»: أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى1 * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى). 1 ـ 41 «إلى آخر السورة».

[ التفسير ]

وقال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى): أي أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله وتعبدون معها الملائكة وتزعمون أنَّ الملائكة بنات الله; وقيل: معناه: أفرأيتم أيّها الزاعمون أنّ اللاّت والعزّى ومناة بنات الله؟ لأنّه كان منهم من يقول: إنّما نعبد هؤلاء لأنّهم بنات الله ; وقيل: زعموا أنّ الملائكة بنات الله وصوَّروا أصنامهم على صورهم وعبدوها من دون الله، واشتقّوا لها أسماءً من أسماء الله فقالوا: اللاّت من الله، والعزّى من

1. (أَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى): أي قطع عطيته و يؤس من خيره، مأخوذ من كدية الركية، و هو أن يحفر الحافر فيبلغ الكدية، و هي الصلابة من حجر أو غيره فلا يعمل معوله شيئاً فييأس. مجمع البحرين: 4/24، مادة«كدى».

صفحه 223
العزيز; وقيل: إنّ اللاّت صنم كانت ثقيف تعبده، والعزّى صنم أيضاً ; وقيل: إنّها كانت شجرة سمرة عظيمة لغطفان يعبدونها فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خالد بن الوليد فقطعها، وقال:
يا عزّ كفرانك لا سبحانك *** إنّي رأيت الله قد أهانك
عن مجاهد; وقال قتادة: كانت مناة صنماً لهذيل 1 بين مكّة والمدينة; وقال الضحّاك والكلبيّ: كانت في الكعبة لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكّة; وقيل: اللاّت والعزّى ومناة أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها، ومعنى الآية: أخبروني عن هذه الأصنام هل ضرّت أو نفعت أو فعلت ما يجب أن يعدل بالله؟ ثمّ قال سبحانه منكراً على كفّار قريش قولهم: الملائكة بنات الله وكذلك الأصنام: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْك إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى): أي جائرة غير معتدلة، يعني أنّ القسمة التي قسّمتم من نسبة الإناث إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.2
وفي قوله: (أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى): ونزلت الآيات السبع في عثمان بن عفّان كان يتصدّق وينفق ماله، فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن سعد بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إنّ لي ذنوباً وإنّي أطلب بما أصنع رضى الله وأرجو عفوه، فقال له عبدالله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها; فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الصدقة، فنزلت: (أَفَرَأَيْتَ الذِي تَوَلَّى): أي يوم أُحد حين ترك المركز وأعطى قليلاً ثمّ قطع نفقته. إلى قوله: (سَوْفَ يُرى)، فعاد عثمان إلى ما كان عليه. عن ابن عبّاس وجماعة من المفسّرين .3

1 . في المصدر: بقديد.
2 . مجمع البيان: 9 / 293 ـ 295 .
3 . تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: 447 ; تفسير الثعلبي: 9 / 150 ; أسباب نزول الآيات: 267 ; تفسير القرطبي: 17 / 111. مع اختلاف يسير في العبارة.

صفحه 224
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتّبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على