welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 2*
نویسنده : العلاّمةالمجلسي*

المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار/ ج 2

صفحه 1
   
    المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / ج 2
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في
بحار الأنوار
2

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم: آية الله العظمى جعفر السبحاني
المنتخب من
التفسير الموضوعي
في بحار الأنوار
قسم العقائد والمعارف الإسلاميّة
يشتمل على المواضيع والكتب التالية: الاحتجاج، النبوّة، وقصص الأنبياء
الجزء الثاني
تأليف
شيخ الإسلام العلاّمة
محمد باقر المجلسي
(1037 ـ 1110 هـ)
إعداد وتنظيم وتحقيق
اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق .
      المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار / تأليف محمد باقر مجلسي ; اعداد وتنظيم وتحقيق اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام); اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه الإمام صادق(عليه السلام)، 1393 .
      6 ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 549 - 6 (VOL.2)
ISBN 978 - 964 - 357 - 540 - 3 (6VOL. SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      مندرجات ج 1. العقائد والمعارف الإسلامية (1): العقل والجهل، العلم، التوحيد، العدل، والمعاد. ج 2. العقائد والمعارف الإسلامية (2): الاحتجاج، النبوّة، قصص الأنبياء.
      1 . مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، 1037 ـ 1110 ق. بحار الانوار ـ ـ تفاسير. 2. احاديث شيعه ـ ـ قرن 12 ق. ـ ـ تفاسير. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، ناظر و مقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
301ب 3م/ 136 BP    159 / 297
1393
اسم الكتاب:   … المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار
الجزء:    …الثاني
المؤلف:   … محمد باقر المجلسي
إشراف وتقديم:    …آية الله العظمى جعفر السبحاني
إعداد وتحقيق:   … اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة:   … الأُولى ـ 1436 هـ . ق
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 849   تسلسل الطبعة الأُولى: 425
مركز التوزيع
قم المقدسة ـ ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة المشرف   

مقدّمة المشرف

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الخاتم محمد وآله الطيبين الطاهرين الّذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد ; فهذا هو الجزء الثاني من «المنتخب من التفسير الموضوعي في بحار الأنوار» نقدّمه للقرّاء الكرام ويدور البحث في هذا الجزء على محورين:
المحور الأوّل: الاحتجاج. ويدور البحث فيه حول الآيات الّتي يحتج بها الله سبحانه وتعالى على اليهود والّتي تبيّن دسائسهم وتجرّؤهم على الله سبحانه وعنادهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنكارهم نزول القرآن الكريم عليه.
كما يتناول الآيات الّتي تحتجّ على النصارى وعقائدهم الفاسدة كعقيدة التثليث ويبطلها بأوضح البراهين وأجلاها. ولنا بحث مفصّل حول عقيدة التثليث للنصارى وإبطالها، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.1
كما يشتمل الاحتجاج على المشركين وعلى تكذيبهم رسالة الرسول وجدالهم معه بغير حقّ.
المحور الثاني: النبوّة. ويدور البحث فيه على توضيح معنى النبوّة، وسبب بعث الأنبياء، وجمل من أحوالهم، والكلام حول عصمتهم ومعاجزهم، وعن سبب اختصاص كلّ نبي بمعجزة خاصّة، مع ذكر قصص الأنبياء وما فيها من الدروس والعبر.

1 . راجع الإلهيات: 2 / 21 ـ 29 ، (التوحيد في الذات).

صفحه 8
وأرجو من القرّاء الكرام أن يتحفونا بآرائهم وأفكارهم، رفداً للمسيرة العلمية، وقد بذلنا غاية الجهد والطاقة لإخراج الكتاب بحلّة قشيبة صحيحة، إلاّ ما زاغ عنه البصر، وحسر عليه النظر، فإنّ العصمة لله ومَن عصمه الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدّسة
مولد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ 1436 هـ

صفحه 9
كتاب الاحتجاج

[الباب الأوّل ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة
في القرآن الكريم1

الآيات:

[ما جاء في سورة البقرة]2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة البقرة   
البقرة (2): (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ3 اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ

1 . بحار الأنوار: 9/2ـ 173، الباب 1.
2 . بالنظر لكثرة عدد الآيات الداخلة في هذا الباب واستجابةً لتوجيه المشرف دام ظله قمنا بتقسيم الآيات إلى أقسام صغيرة وذكر تفسيرها بعدها ليسهل على القارئ الوصول إلى معانيها .
3. ختم على قلبه: إذا جعله لايفهم شيئاً ولا يخرج منه شيئاً ومنه قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)فلا تعقل و لاتعي شيئاً، وقال الزجاج: معنى ختم و طبع و احد في اللغة، و هو التغطية على الشيء و الاستيثاق من أن لايدخله شيء. تاج العروس: 16/189، مادة «ختم».

صفحه 10
مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ1* أُولَئِك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). 6 ـ 16.

[التفسير]

قال الطبرسيّ(رحمه الله) في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ): قيل: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته قتلوا يوم بدر; وقيل: نزلت في قوم بأعيانهم من أحبار اليهود ممّن كفر بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عناداً وكتم أمره حسداً; وقيل: نزلت في مشركي العرب; وقيل: هي عامّة في جميع الكفّار أخبر اللّه تعالى بأنّ جميعهم لايؤمنون.2
وفي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا) نزلت في المنافقين، وهم عبداللّه بن أُبيّ بن سلول، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير وأصحابهم، وأكثرهم من اليهود.(3)
وفي قوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)أنّهم كهّانهم.3

1 . العمه: التردد، و قيل: هو التردد في الضلال و التحيّر في منازعة أو طريق: أو هو أن لا يعرف الحجّة; و قيل: هو تردده لا يدري أين يتوجّه، و قيل: العمه في البصيرة و العمى في البصر، أو الثاني عام فيهما كما مال إليه الراغب. تاج العروس: 19/68: مادة« عمه».
2. مجمع البيان: 1/ 93.   3 . مجمع البيان: 1/98.
3. مجمع البيان: 1/107.

صفحه 11
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). 21ـ23.
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ). 26.

[التفسير]

وفي قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) روي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال: «إنّما ضرب اللّه المثل بالبعوضة لأنّ البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين، فأراد اللّه سبحانه أن ينبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعته»1.2
وفي قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا) الخطاب لليهود والنصارى; وقيل: هو خطابٌ لليهود الّذين كانوا بالمدينة وما حولها.(3)
وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا

1. في المصدر: صنعه. ولاحظ: الرواية في التبيان: 1/111، تفسير الصافي: 1/105، نور الثقلين: 1/45 برقم 65; كنز الدقائق: 1/197.
2. مجمع البيان: 1/135.   3 . مجمع البيان: 1/183.

صفحه 12
بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاي فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِر بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). 40 ـ 42.
وقال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). 44.

[التفسير]

وفي قوله تعالى:(وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً) روي عن أبي جعفر (عليه السلام)في هذه الآية قال: كان حيي بن أخطب1 وكعب بن الأشرف2 وآخرون من اليهود لهم مأكلة على اليهود في كلّ سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فحرّفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الّذي أُريد في الآية.3
وفي قوله:(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) هذه الآية خطابٌ لعلماء اليهود وكانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: أثبتوا على ما أنتم عليه ولايؤمنون هم.4

1. هو حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي حبيب من بني النضير، وهو سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى (عليه السلام)، من الأشداء العتاة، كان ينعت بسيد الحاضر والبادي، أدرك الإسلام وآذى المسلمين، فأسروه يوم قريضة، ثم قتلوه في سنة 5 هـ . الأعلام: 2/292; الإصابة8/210 برقم 11407.
2. هو كعب بن الأشرف الطائي من بني بنهان، شاعر جاهلي، كانت أُمّه من بني النضير فدان باليهودية، كان يقيم في حصن له قريب من المدينة، مازالت بقاياه إلى اليوم، يبيع فيه التمر والطعام. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم و إيذائهم، والتشبيب بنسائهم. وخرج إلى مكة بعد وقعة بدر فندب قتلى قريش فيها، وحضّ على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة، وأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة 3 للهجرة، وحملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة. الأعلام: 5/225.
3. مجمع البيان: 1/186.
4. مجمع البيان: 1/192.

صفحه 13
وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). 47.
وقال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَوَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ1 لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ). 75 ـ 79.

[التفسير]

وفي قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) قيل: إنّهم علماء اليهود الّذين يحرّفون التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً اتّباعاً لأهوائهم وإعانةً لمن يرشونهم.2
وفي قوله تعالى:(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنّه قال: كان قومٌ من اليهود ليسوا من

1. الأُمّيّ والأُمّان ـ بالضم ـ من لايكتب، أو من على خلقة الأُمة لم يتعلّم الكتاب و هو باق على جبلته، و قيل للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الأُمّي لأنّ أُمّة العرب لم تكن تكتب و لاتقرأ المكتوب و بعث الله رسولاً و هو لايكتب و لايقرأ من كتاب، و كانت هذه الخلّة إحدى آياته المعجزة، لأنّه تلا عليهم كتاب الله منظوماً تارة بعد أخرى بالنظم الّذي أُنزل عليه فلم يغيّره و لم يبدل ألفاظه. تاج العروس: 16/ 30، مادّة «أمم». القاموس المحيط: 4 / 76 .
2. مجمع البيان: 1/270.

صفحه 14
المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: أتخبرونهم1 بما في التوراة من صفة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيحاجّوكم به عند ربّكم، فنزلت الآية(2).(3)
وفي قوله:(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) قيل: كتابتهم بأيديهم أنّهم عمدوا إلى التوراة وحرّفوا صفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ليوقعوا الشكّ بذلك على المستضعفين من اليهود، وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)وعن جماعة من أهل التفسير; وقيل: كان صفته في التوراة: أسمر ربعة فجعلوه آدم طوالاً، وفي رواية عكرمة عن ابن عبّاس قال: إنّ أحبار اليهود وجدوا صفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مكتوبة في التوراة: أكحل2 أعين3 ربعة4 حسن الوجه، فمحوه من التوراة حسداً وبغياً فأتاهم نفر من قريش فقالوا: أتجدون في التوراة نبيّاً منّا؟ قالوا: نعم نجده طويلاً أزرق سبط الشعر، ذكره الواحديّ بإسناده في الوسيط.5
وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ... «إلى قوله»: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ

1. في المصدر: لاتخبروهم.      2. التبيان:1/316; جامع البيان:1/525.   3. مجمع البيان:1/272.
2. رجل أكحل: بيّن الكحل، وهو أن يعلو جفون العين سواد مثل الكحل من غير اكتحال. مجمع البحرين: 4/22، مادة «كحل».
3. الأعين: ضخم العين واسعها، و قيل: مَن عظم سواد عينه في سعة فهو أعين، و الأُنثى عيناء، و الجمع منها العين بالكسر، و أصله فعل بالضم، و منه قوله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ). تاج العروس: 9/290، مادة «عين».
4. رجل ربعة ومربوع: الذي ليس بطويل ولا قصير، يستعمل للمذكر والمؤنث. لسان العرب: 8/107، مادة «ربع».
5. مجمع البيان: 1/279. وراجع: أسباب النزول للواحدي: 15; تفسير ابن أبي حاتم: 1/154; العجاب في بيان الأسباب لابن حجر: 1/272; تفسير الجلالين: 19; الدر المنثور: 1/82; لباب النقول للسيوطي: 20.

صفحه 15
قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض «إلى قوله»: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ1 بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب2 وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ

1. قال الشريف الرضيّ في تلخيص البيان في مجازات القرآن: 6: هذه استعارة على التأويلين جميعاً إمّا أن يكون غُلُف جمع أغلف مثل أحمر و حمر، أو يكون جمع غلاف مثل حمار و حمر و يخفف فيقال: حمر، قال أبوعبيدة: كلّ شيء في غلاف فهو أغلف، يقال: سيف أغلف، وقوس غلفاء، و رجل أغلف; إذا لم يختتن، فمن قرأ غلف على جمع أغلف فالمعنى: أنّ المشركين قالوا: قلوبنا في أغطية عمّا تقوله، يريدون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، و نظير ذلك قوله سبحانه حاكياً عنهم، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)[ فصّلت:5] و مَن قرأ قلوبنا غلف على جمع غلاف بالتثقيل والتخفيف، فمعنى ذلك أنّهم قالوا: قلوبنا أوعية فارغة لا شيء فيها فلاتكثر علينا من قولك فإنّا لانعي منه شيئاً، فكان قولهم هذا على طريق الاستعفاء من كلامه و الاحتجاز عن دعائه.
2. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 1/349 في قوله تعالى: (فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب): أي رجعوا، و المراد رجعت اليهود من بني إسرائيل بعدما كانوا عليه من الاستنصار لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)في الاستفتاح به، وبعدما كانوا يخبرون الناس من قبل مبعثه أنّه نبي مبعوث، مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبياً، بغضب من الله استحقوه منه بكفرهم به و جحدهم بنبوته و إنكارهم إيّاه. وقال عطاء و غيره: الغضب الأوّل حين غيّروا التوراة قبل مبعث محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والغضب الثاني حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم). وقال عكرمة و الحسن: الأوّل حين كفروا بعيسى(عليه السلام)، و الثاني حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم); وقال السدي: الغضب الأوّل: حين عبدوا العجل، والثاني: حين كفروا بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 16
لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * «إلى قوله»: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * «إلى قوله»: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالآيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ «إلى قوله»: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارى تِلْك أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * «إلى قوله»: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارى عَلَى شَيْء وَقَالَتِ النَّصَارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْء وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِك قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * «إلى قوله»: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ). 83 ـ 116.

[التفسير]

وفي قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) قال ابن عبّاس: كانت اليهود يستفتحون، أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل مبعثه، فلمّا بعثه اللّه من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، كفروا به وجحدوا

صفحه 17
ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور1: يا معشر اليهود اتّقوا اللّه وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث، فقال سلاّم بن مِشكم2 أخو بني النضير: ماجاءنا بشيء نعرفه وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.3
وفي قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) عن ابن عبّاس قال: سبب نزول هذه الآية ما روي أنّ ابن صوريا4 وجماعة من يهود أهل فدك لمّا قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
إلى المدينة سألوه فقالوا: يا محمّد كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبيّ الّذي يأتي في آخر الزمان; فقال: «تنام عيناي وقلبي يقظان»، قالوا: صدقت يا محمّد فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال: «أمّا العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأمّا اللّحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة»، قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه شبه من أخواله؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: «أيّهما علا ماؤه كان الشبه له»، قالوا: صدقت يا محمّد، قالوا: فأخبرنا عن ربّك ما هو؟ فأنزل اللّه سبحانه: (قُل هُوَ اللّهُ أَحَد)5

1. هو بشر بن البرّاء بن معرور، آخى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بينه وبين واقد بن عبداللّه التميمي، حليف بني عدي، شهد بدراً وأُحداً والخندق والحديبية وخيبر، وأكل مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم خيبر من الشاة المسمومة، وقيل: إنّه مات منه. رجال الطوسي: 28 برقم 93، باب من روى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. سلاّم ـ بتشديد اللاّم ـ بن مِشكم ـ بكسر الميم وسكون الشين ـ سيد بني النضير في زمانه وصاحب كنزهم وبيت مالهم، وهو زوج صفية بنت حيي من أخطب ثم فارقها، وتزوّجها كنانة أبي الحقيق فقتل يوم خيبر، فصارت صفية مع السبي، أعتقها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم تزوّجها. راجع الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/218; أسد الغابة: 5/490 ; الكامل في التاريخ: 2/224.
3. مجمع البيان: 1/299.
4. هو عبداللّه بن صوريا الأعور، ويقال: ابن صور الإسرائيلي، وكان أبيض مرد، يسكن فدكاً، ويعتبر من أحبار اليهود. الإصابة :4/115 برقم 4782; التبيان: 3/525.
5 . الإخلاص:1.

صفحه 18
إلى آخر السورة، فقال له ابن صوريا: خصلةٌ واحدةٌ إن قلتها آمنت بك واتّبعتك ; أيّ ملك يأتيك بما أنزل اللّه عليك؟ قال: فقال: «جبرئيل»، قال: ذلك عدوّنا ينزل بالقتال والشدّة والحرب، و ميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك لآمنّا بك ; فأنزل اللّه هذه الآية جواباً لليهود وردّاً عليهم.1
وفي قوله تعالى: (لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا) كان المسلمون يقولون: يا رسول اللّه راعنا، أي استمع منّا، فحرّفت اليهود هذا اللّفظ فقالوا: يا محمّد راعنا، وهم يلحدون إلى الرعونة ويريدون به النقيصة والوقيعة، فلمّا عوتبوا قالوا: نقول كما يقول المسلمون فنهى اللّه عن ذلك بقوله: (لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا)، وقال قتادة: إنّها كلمة كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء; وقال عطاء: هي كلمة كانت الأنصار تقولها في الجاهليّة فنهوا عنها في الإسلام ; وقال السّديّ: كان ذلك كلام يهوديّ بعينه يقال له: رفاعة بن زيد، يريد بذلك الرعونة فنُهي المسلمون عن ذلك ; وقال الباقر(عليه السلام): «هذه الكلمة سبّ بالعبرانيّة إليه كانوا يذهبون».2 وقيل:
كان معناه عندهم: اسمع لا سمعت. ومعنى انظرنا: انتظرنا نفهم، أو فهّمنا(3) وبيّن لنا، أو أقبل علينا.(4)
وفي قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) اختلف في سبب نزولها، فروي عن ابن عبّاس أنّ رافع بن حرملة ووهب بن زيد قالا لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجّر لنا أنهاراً نتّبعك ونصدّقك، فأنزل الله هذه الآية ; وقال الحسن: عنى بذلك مشركي العرب وقد سألوا وقالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا) إلى قوله: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ

1. مجمع البيان: 9/66. وراجع: التبيان: 1/363; كنز الدقائق: 1 / 304، تفسير الرازي: 3/194; تفسير العزّ بن عبدالسلام:1/146.
2. التبيان: 1/388.      3 . في المصدر: فقّهنا.   4 . مجمع البيان: 1/336.

صفحه 19
قَبِيلاً)1 وقالوا: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنَا).(2) وقال السدي: سألت العرب محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يأتيهم باللّه فيروه جهرة ; وقال مجاهد: سألت قريش محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال لهم: «نعم ولكن يكون لكم كالمائدة لقوم عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ »فرجعوا ; وقال الجبائيّ: روي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)سأله قوم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلّقون عليها التمر و غيره من المأكولات كما سألوا موسى: (إجعَل لَنا إلهاً كَما لهُم آلِهة)(3).(4)
وفي قوله: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) نزلت الآية في حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بن أخطب وقد دخلا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم المدينة، فلمّا خرجا قيل لحيي: أ هو نبيّ؟ فقال: هو هو، فقيل: ماله عندك: قال: العداوة إلى الموت، وهو الّذي نقض العهد وأثار الحرب يوم الأحزاب، عن ابن عبّاس; و قيل: نزلت في كعب بن الأشرف، عن الزهريّ; وقيل: في جماعة من اليهود، عن الحسن.2
وفي قوله: (قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارى عَلَى شَيْء) قال ابن عبّاس: إنّه لمّا قدم وفد نجران من النصارى على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول اللّه، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء ـ وجحد نبوّة عيسى وكفر بالإنجيل ـ فقال رجل من أهل نجران: ليست اليهود على شيء ـ وجحد نبوّة موسى وكفر بالتوراة ـ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية:(الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ): مشركو العرب قالوا لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه إنّهم ليسوا على شيء، أو قالوا: إنّ جميع الأنبياء وأُممهم لم يكونوا على شيء.(6)

1. الإسراء: 90ـ 92.      2 . الفرقان:21.      3 . الأعراف:138.   4 . مجمع البيان: 1/344.
2. مجمع البيان: 1/347.   6 . مجمع البيان: 1/352.

صفحه 20
وفي قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) نزلت في النصارى حيث قالوا: المسيح ابن اللّه، أو فيهم وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه، (سُبْحَانَهُ)تنزيهاً له عن اتّخاذ الولد وعن القبائح والصفات الّتي لاتليق به1، (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ملكاً، والولد لايكون ملكاً للأب، لأنّ البنوة والملك لايجتمعان، أو فعلاً، والفعل لايكون من جنس الفاعل، والولد لايكون إلاّ من جنس أبيه.2
وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِك قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ * وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ مَا لَك مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير * «إلى قوله»: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). 118 ـ 135.
وقال تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ). 139 ـ 140.
وقال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا

1. في المصدر: (سبحانه) أي إجلالاً له عن اتّخاذ الولد، وتنزيهاً عن القبائح والسوء والصفات التي لاتليق به.
2. مجمع البيان: 1/360.

صفحه 21
عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * «إلى قوله»: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).142 ـ 146
وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا1 يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً2 فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِك يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ). 165ـ 167.

[التفسير]

وفي قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) هم النصارى، عن مجاهد; واليهود، عن ابن عبّاس; ومشركو العرب، عن الحسن وقتادة ; وهو الأقرب ( أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ): أي موافقة لدعوتنا (قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ) أي فيما ظهر من الآيات الباهرات الدالّة على صدقه كفاية لمن ترك التعنّت والعناد، ولو علم اللّه في إظهار ما اقترحوه مصلحة لأظهرها.3
وفي قوله: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا) عن ابن عبّاس أنّ عبداللّه بن صوريا

1. الأنداد: الأمثال و الأشباه، وقيل: الأضداد. التبيان: 2/61.
2. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 2/67: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) هم الذين تبرّأوا منهم ساداتهم الّذين اتّبعوا (لَوْ أَنَّ لَنَا  كَرَّةً) يعني رجعة إلى دار الدنيا، فالعامل في (لَوْ أَنَّ) محذوف كأنّه قال: لو صحّ أنّ لنا كرّة، لأنّ (لَوْ ) في التمنّي، و غيره تطلب الفعل. و إن شئت قدّرته: لو ثبت أنّ لنا كرّة.
3. مجمع البيان: 1/366.

صفحه 22
وكعب بن الأشرف ومالك بن الصيف1 وجماعة من اليهود ونصارى أهل نجران خاصموا أهل الإسلام كلّ فرقة تزعم أنّها أحقّ بدين اللّه من غيرها، فقالت اليهود: نبيّنا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب; وقالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وكلّ فريقين منهما قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا، فأنزل اللّه هذه الآية; وقيل: إنّ ابن صوريا قال لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ما الهدى إلاّ ما نحن عليه فاتّبعنا يا محمّد تهتد; وقالت النصارى مثل ذلك فنزلت.2
وقال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا3عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
). 170 ـ 171.
وقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ

1. في المصدر: مالك بن الضيف. وكلا الاسمين أثبته الرواة، لكن الأكثر ذكروه تحت عنوان مالك بن الصيف، كما لم نجد له ترجمة في المصادر الرجالية. وقد ورد في مصادر التفسير والتاريخ أنّه كان من أحبار اليهود ورؤسائهم، خاصم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أنّ اللّه يبغض الحبر السمين؟! وكان حبراً سميناً فغضب، وقال: واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء!! فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟! قال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فأنزل اللّه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء)[الأنعام:91]; وقد عزله اليهود بعد قوله هذا عن الحبريّة ودفعوها إلى كعب بن الأشرف. وقد نزلت آيات أُخرى بحقّه. راجع: الميزان: 7/304; جامع البيان: 7/347 برقم 10544; الكشاف:2/34; تفسير الثعلبي:4/168; تفسير البغوي:2/114; تفسير الرازي:13/74; تفسير البيضاوي:2/429; الدر المنثور:3/29.
2. مجمع البيان: 1/402ـ403. وراجع أيضاً: تفسير البغوي: 1/119: العجاب في بيان الأسباب لابن حجر:380.
3. ألفينا: وجدنا. التبيان: 2/75.

صفحه 23
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ «إلى قوله»: وَأُولَئِك هُمُ الْمُتَّقُونَ)
177.
وقال سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ1* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ2 بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ3). 204 ـ 206.
وقال سبحانه: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَة بَيِّنَة وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). 211.

[التفسير]

وفي قوله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ) عن ابن عبّاس قال: دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)اليهود إلى الإسلام فقالوا: بل نتّبع ما وجدنا عليهم آباءنا، فهم كانوا أعلم منّا، فنزلت هذه الآية، وفي رواية الضحّاك عنه أنّها نزلت في كفّار قريش.4

1. الخصم الألد: الشديدُ الخصومة الجَدِل، يقال: رجل ألد بيّن اللد، شديد الخصومة. لسان العرب: 3 / 391، مادة«لدد».
2. العزة بالإثم: أي حملته العزّة التي فيه من الغيرة و حميته الجاهلية على الإثم المنهي عنه و الزمته ارتكابه، يقال: أخذته بكذا حملته عليه. تفسير غريب القرآن للطريحي: 291.
3. المهاد في اللغة: الوطء من كلّ شيء تقول: مهدت الفراش تمهيداً، و كلّ شيء وطأته فقد مهدته، و تمهد الشيء: إذا يوطأ، و كذلك امتهدا امتهاداً، و مهد الصبي معروف، و جمع المهاد مهد، و ثلاثة أمهدة، و الأرض مهاداً لأجل التوطأة للنوم، و القيام عليها. فإن قيل: كيف قيل لجهنّم مهاد؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما: معناه القرار هاهنا، و القرار كالوطء في الثبوت عليه. الثاني: لأنّها بدل من المهاد كما قال تعالى:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم). [آل عمران: 21] لأنّه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. التبيان: 2/182.
4. مجمع البيان: 1/470.

صفحه 24
وفي قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ) قال الحسن: نزلت في المنافقين، وقال السديّ: نزلت في الأخنس بن شريق1، كان يظهر الجميل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمحبّة له والرغبة في دينه ويبطن خلاف ذلك.2
وروي عن الصادق(عليه السلام)أنّ المراد بالحرث في هذا الموضع الدين وبالنسل الناس3.4
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة آل عمران   
[ما جاء في سورة آل عمران]5
آل عمران (3): (فَإِنْ حَاجُّوك فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). 20.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِك بِأَنَّهُمْ

1. هو أبو ثعلبة الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبدالعزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، حليف بني زهرة، اسمه أُبي، وإنّما لقّب الأخنس ; لأنّه رجع ببني زهرة من بدر لمّا جاءهم الخبر أنّ أباسفيان نجا بالعير، فقيل: خنس الأخنس ببني زهرة، فسمّي بذلك، ثم أسلم الأخنس فكان من المؤلّفة، وشهد حنيناً ومات في أوّل خلافة عمر. وقال ابن عطية: ما ثبت قط أنّ الأخنس أسلم. وقيل: هو من أكابر المنافقين نزل فيه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).[البقرة:204 ]الإصابة 1/192 برقم 61; مستدركات علم رجال الحديث للنمازي:1/523 برقم 1897.
2 . مجمع البيان: 2 / 55 .
3.تفسير علي بن إبراهيم:1/71; التفسير الأصفى:1/99; كنز الدقائق:1/498.
4. مجمع البيان: 2/55. والرواية جاءت هنا لتفسير قوله تعالى: (وَيُهْلِك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)الّتي سقطت من المتن سهواً أو غفلة أو نسياناً.
5 . بالنظر لكثرة عدد الآيات الداخلة في هذا الباب واستجابةً لتوجيه المشرف دام ظله قمنا بتقسيم الآيات إلى أقسام صغيرة وذكر تفسيرها بعدها ليسهل على القارئ الوصول إلى معانيها .

صفحه 25
قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَات وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). 23 ـ 24.

[ التفسير ]

وفي قوله: (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) أي في نبوّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو في أمر إبراهيم وأنّ دينه الإسلام، أو في أمر الرجم، فقد روي عن ابن عبّاس أنّ رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا وكانا من ذوي شرف فيهم، وكان في كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو1: جُرت عليهما يا محمّد ليس عليهما الرجم، فقال لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): بيني وبينكما2 التوراة، قالوا: قد أنصفتنا، قال: فمن أعلمكم بالتوراة؟ قال(3): رجل أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا، فأرسلوا
إليه، فقدم المدينة وكان جبرئيل قد وصفه لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت ابن صوريا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال: فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوبٌ فقال له: إقرأ، فلمّا أتى على آية الرجم وضع كفّه عليها وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: يا رسول اللّه قد جاوزها، وقام إلى ابن صوريا ورفع كفّه عنها، و قرأ على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى اليهود بأنّ المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البيّنة رجما، وإن كانت المرأة حبلى انتظر بها حتّى تضع ما في بطنها; فأمر رسول الله باليهوديّين فرجما، فغضب اليهود لذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.3

1. في بحار الأنوار: 9/69 بزيادة: «نجربن عمرو. خ ل).
2. في المصدر: بينكم.   3 . في المصدر: قالوا.
3. مجمع البيان: 2/265.

صفحه 26
وقال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّك فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ1 * فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ «إلى قوله تعالى»: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِي مَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا2 مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الِْكتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ

1. المرية: الشك، و منه الامتراء و التماري و المماراة، والمراء و أصل الباب الاستدرار، و يقال: بالشكر تمترى النعم، أي تستدر. التبيان: 2/22.
2 . قيل في معنى الحنيف قولان: أحدهما: المستقيم الدين، لأنّ الحنفة هو الاستقامة في اللغة، وإنّما سُمّي من كان معوجّ الرجل أحنف على طريق التفاؤل كما قيل للضرير إنّه بصير. والثاني: أنّ الحنيف هو المائل إلى الحق في الدين فيكون مأخوذاً من الحنف في القدم، و هو الميل. التبيان: 2/493.

صفحه 27
يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى
أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ1 وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * مَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ2 بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ

1 . (أُولَئِك لاَ خَلاَقَ) معناه: لا نصيب وافر لهم. وقيل: في أصل الخلاق قولان:
أحدهما: الخلق: التقدير، فيوافق معناه; لأنّ النصيب: الوافر من الخير بالتقدير لصاحبه يكون نصيباً له. و الآخر: من الخلق; لأنّه نصيب ممّا يوجبه الخُلق الكريم. التبيان: 2/506.
2 . في أصل رباني قولان: أحدهما: الربّان و هو الذي يرب أمر الناس بتدبيره له و إصلاحه إياه، يقال: رب أمره يربه ربابة، و هو ربان: إذا دبّره و أصلحه، فيكون العالم ربّانياً; لأنّه بالعلم يدبّر الأمر و يصلحه. الثاني: أنّه مضاف إلى علم الرب تعالى، و هو على الدين الذي أمر به إلاّ أنّه غيّر في الإضافة، ليدلّ على هذا المعنى، كما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، و للعظيم اللحية، لحياني، و كما قيل لصاحب القصب: قصباني، فكذلك صاحب علم الدين الذي أمر به الرب ربّاني. التبيان: 2/510.

صفحه 28
بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «إلى قوله تعالى»: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «إلى قوله تعالى»: كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). 59 ـ 86 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ) قيل: نزلت في وفد نجران: العاقب والسيّد ومن معهما قالوا لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ فنزلت (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى) الآيات فقرأها عليهم، عن ابن عبّاس وقتادة والحسن.1
وفي قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا) نزلت في نصارى نجران; و قيل: في يهود المدينة، وقد رواه أصحابنا أيضاً ; وقيل: في الفريقين من أهل الكتاب.(2)
وفي قوله: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) أي لايتّخذ بعضنا عيسى ربّاً، أو لايتّخذ الأحبار أرباباً بأن يطيعوهم طاعة الأرباب ; وروي عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنّه قال: ما عبدوهم من دون اللّه، ولكن حرّموا لهم حلالاً، وأحلّوا لهم حراماً، فكان ذلك اتّخاذهم أرباباً من دون اللّه2.(4)
وفي قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ) قال ابن عبّاس وغيره: إنّ أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول اللّه فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود: ما كان إبراهيم إلاّ يهوديّاً، وقالت النصارى: ما كان إلاّ نصرانيّاً، فنزلت.3

1. مجمع البيان: 2/309.   2 . مجمع البيان: 2/314.
2. التبيان: 2/488.   4 . مجمع البيان: 2/314.
3. مجمع البيان: 2/316.

صفحه 29
وفي قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ) قال الحسن والسديّ: تواطأ أحد عشر رجلاً1من أحبار يهود خيبر وقرى عرنية2 وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمّد أوّل النهار باللّسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار، وقولوا: إنّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمّداً ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم3 وقالوا: إنّهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا، فيرجعون عن دينه(4) إلى دينكم; وقال مجاهد و مقاتل والكلبيّ: كان هذا في شأن
القبلة لمّا حوّلت إلى الكعبة وصلّوا، 4 شقّ ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا (6) بما أُنزل على محمّد من أمر الكعبة وصلّوا إليها
وجه5 النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلّهم يشكّون.6
وفي قوله:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) عن ابن عبّاس قال: يعني بقوله: (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْك)عبد اللّه بن سلام، أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدّاه إليه، وبالآخر فنحاص بن عازوراء، وذلك أنّ رجلاً من قريش استودعه ديناراً فخانه; وفي بعض التفاسير: إنّ الّذين يؤدّون الأمانة في هذه الأُمّة النصارى، والّذين لايؤدّونها اليهود.7
وفي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ) نزلت في جماعة من أحبار

1 . في المصدر: اثنا عشر رجلاً.
2. في المصدر عرينة. وهي قرى بواد من أودية المدينة ممّا كان محمى للخيل في الجاهلية والإسلام، بأسفلها قلهى وهي ماء لبني جذيمة بن مالك. وقيل: قرى عرينة هي فدك وينبع وما حولها. وعرينة: قبيلة من العرب. راجع معجم البلدان: 3/92 و ج4/115 ; الوافي بالوفيات: 1/81.
3. في المصدر: دينه.   4 . في المصدر: دينهم.
4. ليس في المصدر.   6 . في المصدر بزيادة: باللّه و .
5. في المصدر: أوّل.
6. مجمع البيان: 2/322.
7. مجمع البيان: 2/326.

صفحه 30
اليهود: أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، كتموا ما في التوراة من أمر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنّه من عند اللّه لئلاّ تفوتهم الرئاسة وما كان لهم على اتّباعهم، عن عكرمة ; وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض، قام ليحلف عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحقّ وردّ الأرض.1
وفي قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا) قيل: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب اللّه من نعت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره وأضافوه إلى كتاب اللّه ; وقيل: نزلت في اليهود والنصارى حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، عن ابن عبّاس.(2)
وفي قوله: (مَا كَانَ لِبَشَر) قيل: إنّ أبا رافع القرظيّ من اليهود ورئيس وفد نجران قالا: يا محمّد أتريد أن نعبدك أو نتّخذك إلهاً; قال: معاذ اللّه أن أعبد غير اللّه أو آمر بعبادة غير اللّه ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فنزلت، عن ابن عبّاس وعطاء،2 وقيل: نزلت في نصارى نجران; وقيل: إنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك، قال: لاينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله، فنزلت3.4
وفي قوله تعالى:(كَيْفَ يَهْدِي اللهُ) قيل: نزلت في رجل من الأنصار يقال له الحارث بن سويد بن الصامت وكان قتل المحذر بن زياد البلويّ غدراً وهرب

1. مجمع البيان: 2/327.   2 . مجمع البيان: 2/329.
2. تفسير البغوي: 1/320; تاريخ الإسلام للذهبي: 2/697.
3. تخريج الأحاديث والآثار: 1/192; الكشّاف: 1/440 ; تفسير الثعلبي: 3/101، أسباب نزول الآيات: 74; تفسير الرازي: 8/117; تفسير البيضاوي: 2/56; الدر المنثور: 2/47.
4. مجمع البيان: 2/330.

صفحه 31
وارتدّ عن الإسلام ولحق بمكّة، ثمّ ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت الآيات إلى قوله: (إلاّ الّذينَ تَابُوا)فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إنّي لأعلم أنّك لصدوق، وأنّ رسول اللّه لأصدق منك، وأنّ اللّه تعالى أصدق الثلاثة، ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه1، وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام)2; وقيل: نزلت في أهل الكتاب الّذين كانوا يؤمنون بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل مبعثه ثمّ كفروا بعد البعث حسداً وبغياً.3
وقال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّورَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِك فَأُولَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).93 ـ 95.
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم). 98 ـ 101 .
وقال تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ

1. جامع البيان: 3/461 ; تفسير الثعلبي: 3/108 ; أسباب نزول الآيات: 75 .
2. كنز الدقائق: 2/153; التفسير الصافي: 1/354; بحار الأنوار: 22/17.
3. مجمع البيان: 2 / 338ـ339; بحار الأنوار: 22/17.

صفحه 32
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا1 إِلاَّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ2 ذَلِك بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِك بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِك مِنَ الصَّالِحِينَ).110 ـ 114.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ) أنكر اليهود تحليل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لحوم الإبل فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ ذلك كان حلاًّ لإبراهيم(عليه السلام)»، فقالت اليهود: كلّ شيء نحرّمه فإنّه كان محرّماً على نوح وإبراهيم وهلمَّ جرّاً حتّى انتهى إلينا، فنزلت3.(4)
وفي قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) قيل: إنّهم كانوا يغرون بين الأوس والخزرج يذكّرونهم4 الحروب الّتي كانت بينهم في الجاهليّة حتّى تدخلهم الحميّة والعصبيّة فينسلخوا عن الدين، فهي في اليهود خاصّة ; وقيل: في اليهود والنصارى، ومعناها: لم تصدّون بالتكذيب بالنبيّ وأنّ صفته ليست في كتبكم.(6)
وفي قوله تعالى:(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) قال مقاتل: إنّ رؤوس اليهود مثل

1. ضربت مأخوذ من الضرب، و إنّما قيل ضربت، لأنّها ثبت عليهم كما ثبتت بالضرب. و قوله: (أَيْنَمَا ثُقِفُوا): أي أينما وجدوا. التبيان: 2/560.
2 . قيل: أريد بالمسكنة الذّلة; لأنّ المسكين لايكون إلاّ ذليلاً، فسميّ الذليل مسكيناً. و قيل: لأنَّ اليهود أبداً يتفاقرون و إن كانوا أغنياء لما رماهم الله به من الذلّة. التبيان: 2/562.
3. مجمع البيان: 2/344.   4 . مجمع البيان: 2 / 344.
4. في المصدر: بتذكيرهم.   6 . مجمع البيان: 2/352.

صفحه 33
كعب بن الأشرف وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد اللّه ابن سلام وأصحابه فأنّبوهم على إسلامهم، فنزلت.1
وفي قوله تعالى:(لَيْسُوا سَوَاءً) قيل: لمّا أسلم عبداللّه بن سلام وجماعة قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمّد إلاّ أشرارنا، فنزلت، عن ابن عبّاس و غيره; وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، و ثمانية من الروم كانوا على عهد عيسى فصدّقوا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن عطاء.(2)
وقال تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ * ذَلِك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوك فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِك مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة2

1. مجمع البيان: 2/365; بحار الأنوار: 7/173 و ج22/ 18.   2 . مجمع البيان: 2/366.
2. فلاتحسبنّهم بمفازة من العذاب: أي بمنجاة منه، و قيل: أي ببعيد منه. و قيل: أصل المفازة: المهلكة، من الفوز بمعنى الهلاك. تاج العروس: 8/124، مادة«فوز».

صفحه 34
مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 181 ـ 189.
وقال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). 199.

[ التفسير ]

احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة النساء   
وفي قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ) لمّا نزل (مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسَناً)1 قالت اليهود: إنّ اللّه فقير يستقرض منّا ونحن أغنياء، قائله حيي بن أخطب، عن الحسن ومجاهد; وقيل: كتب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللّه قرضاً حسناً ; فدخل أبوبكر بيت مدارستهم فوجد ناساً كثيراً منهم أجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء، فدعاهم إلى الإسلام والزكاة والصلاة، فقال فنحاص: إن كان ما تقول حقّاً فإن الله إذاً لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيّاً لما استقرضنا أموالنا! فغضب أبوبكر وضرب وجهه، فنزلت.(2)
وفي قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) قيل: نزلت في جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وفنحاص بن عازوراء قالوا: يا محمّد إنّ اللّه عهد إلينا في التوراة أن لانؤمن لرسول حتّى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أنّ اللّه بعثك إلينا فجئنا به لنصدّقك، فأُنزل هذه الآية، عن الكلبيّ ; وقيل: إنّ اللّه أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم يزعم أنّه نبي فلاتصدّقوه حتّى يأتي بقربان تأكله النار حتّى يأتيكم المسيح ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)،

1 . البقرة: 245 .   2 . مجمع البيان: 2 / 360 .

صفحه 35
فإذا أتياكم فآمنوا بهما بغير قربان (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هذا تكذيب لهم في قولهم، ودلالة على عنادهم وعلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لو أتاهم بالقربان المتقبّل كما أرادوا لم يؤمنوا به كما لم يؤمن آباؤهم1، وإنّما لم يقطع اللّه عذرهم2لعلمه سبحانه بأنّ في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة للمصالح، وكأنّ3ذلك اقتراح في الأدلّة على اللّه، والّذي يلزم في ذلك أن يزيح علّتهم بنصب الأدلّة فقط.(4)
[ما جاء في سورة النساء ]
النساء (4): (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا * مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ4 وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً * إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ

1. في المصدر بزيادة: بالأنبياء الذين أتوا به وبغيره من المعجزات.
2. في المصدر بزيادة: بما سألوه من القربان الذي تأكله النار.
3. في المصدر: ولأنّ.   4. مجمع البيان:2/462ـ463.
4 . (وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنّ هذه اللفظة كانت سباً في لغتهم، فأعلم الله نبيه ذلك و نهاهم عنها. الثاني: أنّها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء و السخرية. الثالث: أنّها كانت تجري منهم على حد الكبر، كما يقول القائل: أنصت لكلامنا و تفهم عنا، و إنما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة. و قوله: (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) يعني تحريكاً منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه. التبيان: 3 / 214.

صفحه 36
يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيًما * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً1 * اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ2 وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْك فَإِذًا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيًما). 44 ـ 54.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا) نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم كانا إذا تكلّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لويا بلسانهما وعاباه، عن ابن عبّاس.3
وفي قوله تعالى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) قيل: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا،

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 3/221: و قيل في معنى الفتيل هاهنا قولان: أحدهما: إنّه الذي في شق النواة; و قيل: الفتيل ما في بطن النواة، و النقير: ما في ظهرها، و القطمير قشرها. الثاني: ما فتلت بين إصبعيك من الوسخ. و الفتل: لي الشيء.
2. قال السيد الطباطبائي في الميزان: 4/374: الجبت: كل ما لا خير فيه، و قيل: و كل ما يعبد من دون الله سبحانه. و الطاغوت: مصدر في الأصل كالطغيان يستعمل كثيراً بمعنى الفاعل، و قيل: هو كلّ معبود من دون الله.
3 . مجمع البيان: 2 / 95 ; بحار الأنوار : 22 / 19 .

صفحه 37
فقالوا: فو اللّه ما نحن إلاّ كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفر عنّا باللّيل، وما عملناه باللّيل كفر عنّا بالنّهار، فكذّبهم اللّه تعالى1 ; وقيل نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه، وقالوا: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى، وهو المرويّ عن أبي جعفر(عليه السلام)2.3
وفي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا) قيل: كان أبو برزة كاهناً في الجاهليّة فسافر4 إليه ناس ممّن أسلم فنزلت; وقيل: إنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكّة بعد وقعة أُحد ليحالفوا قريشاً على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فينقضوا العهد الّذي كان بينهم وبين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب الكتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، فذلك قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) ثمّ قال كعب: يا أهل مكّة ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون نلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربَّ البيت لنجهدنَّ على قتال محمّد، ففعلوا ذلك: فلمّا فرغوا قال أبوسفيان لكعب: إنّك امرؤٌ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أُمّيّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحقّ: نحن أم محمّد؟ قال كعب: أعرضوا عليّ دينكم، فقال أبوسفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء5، ونسقيهم الماء،

1. تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي: 1/327; الكشاف: 1/533; تفسير الثعلبي: 3/325.
2. الاحتجاج: 1/14.
3 . مجمع البيان: 3 / 104 .
4. في المصدر: فتنافس.
5. الكوماء: الناقة العظيمة السنام، وبعير أكوم: مرتفع السنام، والأكوم من السنام: المرتفع العظيم. تاج العروس: 9/52، مادة «كوم».

صفحه 38
ونقري الضيف، ونفك العاني،1 ونصل الحرم، ونعمّر بيت ربّنا، ونطوف به،
ونحن أهل الحرم; ومحمّد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمّد الحديث; فقال كعب: أنتم واللّه أهدى سبيلاً ممّا عليه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت.2
وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوك يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِك الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا).60 ـ 63.
وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِك بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً). 81 ـ 83 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) كان بين رجل من اليهود ورجل من

1. العاني: الأسير. مجمع البحرين: 3/264، مادة «عنى».
2. مجمع البيان: 3/105 ـ 106.

صفحه 39
المنافقين خصومة; فقال اليهوديّ: أُخاصم إلى محمّد ـ لأنّه علم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم ـ وقال المنافق: لا بل بيني وبينك كعب بن الأشرف ـ لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة ـ فنزلت; فالطاغوت هو كعب بن الأشرف. وقيل: إنّه كاهن من جهينة أراد المنافق أن يتحاكم إليه ; وقيل: أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الأوثان بضرب القداح; وعن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنّ المعنيّ به كلّ من يتحاكم إليه ممّن يحكم بغير الحقّ.1
وفي قوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) أي تناقضاً من جهة حقّ وباطل، أو اختلافاً في الإخبار عمّا يسرّون، أو من جهة بليغ ومرذول2، أو تناقضاً كثيراً، وذلك أنّ كلام البشر إذا طال وتضمّن من المعاني ما تضمّنه القرآن لم يخل من التناقض في المعاني والاختلاف في اللّفظ، وكلّ هذه3 منفيّ عن كتاب اللّه.4
وقال تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لاََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلاَُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ5 وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا). 117 ـ 119.
وقال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ

1. مجمع البيان: 3/116.
2. المرذول والرذيل والأرذل: الدون من الناس، وقيل: هو الدون الخسيس، وقيل: هو الرديء من كلّ شيء. وثوب رذل ورذيل: وسخ رديء ورذالة كلّ شيء: أردؤه. لسان العرب: 11/281، مادة« رذل».
3. في المصدر بزيادة: المعاني.
4. مجمع البيان: 3/142 بتصرّف.
5. التبتيك: القطع تقول: تبكت الشيء: ابتكه تبتيكا: إذا قطعته: و بتكه و بتك مثل قطعه و قطع، و سيف باتك: قاطع، و المراد في هذا الموضع قطع أذن البحيرة ليعلم أنّها بحيرة، و أراد الشيطان بذلك دعاءهم إلى البحيرة فيستجيبون له، و يعملون بها طاعة له. التبيان: 3/334.

صفحه 40
بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا). 123.

[ التفسير ]

وفي قوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا) فيه أقوال:
أحدها: إلاّ أوثاناً، وكانوا يسمّون الأوثان باسم الإناث: اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأُخرى وأشاف 1 ونائلة، عن أبي مالك والسديّ ومجاهد وابن زيد، وذكره أبوحمزة الثمالي في تفسيره قال: كان في كلّ واحدة منهنّ شيطانة أُنثى تتراءى للسدنة وتكلّمهم، وذلك من صنيع إبليس وهو الشيطان الّذي ذكره اللّه فقال: لعنه اللّه.2 قالوا: واللاّت كان اسماً لصخرة، والعزّى كان اسماً لشجرة إلاّ [أنّهم] نقلوهما إلى الوثن وجعلوهما علماً عليهما ; وقيل: العزّى تأنيث الأعزّ واللاّت تأنيث لفظة (الله) وقال الحسن: كان لكلّ حيّ من العرب وثن يسمّونه باسم الأُنثى.
و ثانيها: أنّ المراد: إلاّ مواتاً، عن ابن عبّاس والحسن وقتادة، فالمعنى: مايعبدون من دون اللّه إلاّ جماداً ومواتاً لايعقل ولاينطق ولايضرّ ولاينفع، فدلّ ذلك على غاية جهلهم وضلالهم، وسمّاها إناثاً لاعتقاد مشركي العرب الأُنوثة في كلّ ما اتّضعت منزلته، ولأنّ الإناث من كلّ جنس أرذله ; وقال الزجّاج: لأنّ الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث تقول: الأحجار تعجبني، ويجوز أن يكون سمّاها إناثاً لضعفها وقلّة خيرها وعدم نصرتها.

1. في المصدر: إساف. وهو الصحيح. وأساف وإساف: اسم صنم لقريش وقيل: إساف ونائلة صنمان كانا لقريش وضعهما عمرو بن لحيي على الصفا والمروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة; وقيل: إنّهما كانا من جرهم إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل ففجروا في الكعبة فمسخا حجرين عبدتهما قريش; وقيل: كانا رجلاً وامرأة دخلا البيت فوجدا خلوة، فوثب إساف على نائلة ; وقيل: فأحدثا فمسخهما اللّه حجرين. لسان العرب: 9/6، مادة«أسف».
2. تفسير أبي حمزة الثمالي: 149.

صفحه 41
و ثالثها: أنّ المعنى: إلاّ ملائكة لأنّهم كانوا يزعمون أنّ الملائكة بنات اللّه وكانوا يعبدون الملائكة، (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا): أي مارداً شديداً في كفره وعصيانه، متمادياً في شركه وطغيانه.
يُسأل عن هذا فيقال: كيف نفى في أوّل الكلام عبادتهم لغير الإناث، ثمّ أثبت في آخره عبادتهم للشيطان، فأثبت في الآخر ما نفاه في الأوّل؟ أجاب الحسن عن هذا فقال: إنّهم لم يعبدوا إلاّ الشيطان في الحقيقة، لأنّ الأوثان كانت مواتاً ما دعت أحداً إلى عبادتها، بل الداعي إلى عبادتها الشيطان فأُضيفت العبادة إليه ; وقال ابن عبّاس: كان في كلّ من أصنامهم شيطان يدعو المشركين إلى عبادتها، فلذلك حَسُن إضافة العبادة إليهما وقيل: ليس في الآية إثبات المنفي بل ما يعبدون إلاّ الأوثان وإلاّ الشيطان، (لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أي معلوماً، وروي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: في هذه الآية من بني آدم تسعة وتسعون في النار وواحدٌ في الجنّة. وفي رواية أُخرى: من كلّ ألف واحد للّه وسائرهم للنار ولإبليس، أوردهما أبوحمزة الثماليّ في تفسيره1،(وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ): يعني 2 طول البقاء في الدنيا فيؤثرونها على الآخرة3; وقيل: أقول لهم: ليس وراءكم بعثٌ ولا نشورٌ ولا جنّةٌ ولا نارٌ فافعلوا ما شئتم; وقيل: معناه: أُمنّينّهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية، وأُزيّن لهم شهوات الدنيا و زهراتها، (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ): أي ليشققنّ آذانها; وقيل: ليقطعنَّ الأُذن من أصلها وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام)، وهذا شيء قد كان مشركو العرب يفعلونه يجدعون آذان الأنعام، ويقال: كانوا يفعلونه بالبحيرة والسائبة (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) أي دين اللّه، عن ابن عبّاس وغيره، وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، وقيل: أراد معنى

1. تفسير أبي حمزة الثمالي: 150.
2. في المصدر بزيادة: أمنينهم.
3. في المصدر: فيؤثرون بذلك الدنيا ونعيمها على الآخرة.

صفحه 42
الخصاء وكرهوا الإخصاء في البهائم; وقيل: إنّه الوشم; وقيل: إنّه أراد الشمس والقمر والحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها.1
وفي قوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) قيل: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى باللّه منكم، فقال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا يقضي على الكتب، وديننا الإسلام، فنزلت الآية، فقال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء فأنزل اللّه تعالى الآية الّتي بعدها: (وَمَن يَعْمَل مِن الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَر أو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ)ففلح المسلمون; وقيل: لمّا قالت اليهود: نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه، وقال أهل الكتاب: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى، نزلت.(2)
وقال تعالى: (يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِك فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِك وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيًما * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ2 وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ

1. مجمع البيان: 3/193ـ195.   2 . مجمع البيان: 3/197.
2. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن: 20: وليس التشبيه هاهنا فعلاً من غيرهم بهم، و إنّما شبّهوا هم على أنفسهم، أي تصرّفوا مع الشبهة دون اليقين، كما يقال: «أين يذهب بك» و المراد: أين تذهب، و نظائر ذلك كثيرة.

صفحه 43
مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا1 * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا* فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا* أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَـوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً).153 ـ 162 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ) روي أنّ كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا: يا محمّد إن كنت نبيّاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أُوتي موسى بالتوراة جملة فنزلت; وقيل: إنّهم سألوا أن ينزّل على رجال منهم بأعيانهم كتاباً يأمرهم اللّه فيه بتصديقه واتّباعه; وروي أنّهم سألوا أن ينزّل عليهم كتاباً خاصّاً لهم; قال الحسن: إنّما سألوا ذلك للتعنّت والتحكّم في طلب المعجزة، لا لظهور

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 20: وفي الآية استعارتان: إحداهما: قوله: (إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ)هاهنا جعل بمنزلة الداعي الذي يطاع أمره و القائد الذي يتبع أثره مبالغة في صفة الظن بشدة الاستيلاء عليهم و قوة الغلبة على عقولهم: والاستعارة الأُخرى: أن يكون قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) راجعاً إلى الظن لا إلى المسيح(عليه السلام)، فكأنّه تعالى قال: و ما قتلوا الظن يقيناً، كما يقول القائل: قد قتلت الخبر علماً، و من أمثالهم: قتل أرضاً عالمها، و قتلت أرض جاهلها، و المراد بقولهم «قتلت الخبر علماً» أي استقصيت معرفته و استخرجت دخيلته فلم يفتني شيء من علمه فكنت كأنّي قاتل له، أي ألم أبق شيئاً يعلم من كنهه كما لم يبق القائل في المقتول شيئاً من نفسه، و على هذا قولهم: أصاب فلان شاكلة الأمر و طبق مفصل الرأي، أي أدرك حقيقته و بلغ مصدوقته، و الشاكلة الخاصرة هاهنا و هي من مقاتل الحيوان.

صفحه 44
الحقّ، ولو سألوه ذلك استرشاداً لا عناداً لأعطاهم اللّه ذلك.1
وفي قوله: (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ)أي كانت حلالاً لهم قبل ذلك، فلمّا فعلوا ما فعلوا اقتضت المصلحة تحريم هذه الأشياء عليهم وهي ما بيّن في قوله سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر)(2) الآية.2
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ3 فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِنْهُ

1. مجمع البيان: 3/228ـ229.   2 . الأنعام: 146.
2. مجمع البيان: 3/238.
3. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 21: و قوله تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ)هاهنا إستعارة، و المراد بذلك أنّ الناس ينتفعون بهداه و يحيون من موت الضلالة برشده، كما تحيا الأجسام بأرواحها و تتصرّف بحركاتها.

صفحه 45
وَفَضْل وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيماً). 170 ـ 175.

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) قيل: إنّه خطاب لليهود والنصارى، لأنّ النصارى غلت في المسيح فقالوا: هو ابن اللّه، وبعضهم قال: هو اللّه، وبعضهم قال: هو ثالث ثلاثة: الأب والإبن وروح القدس; واليهود غلت فيه حتّى قالوا: ولد لغير رشدة1، فالغلوّ لازم للفريقين; وقيل: للنصارى خاصّة.2
(وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ) هذا خطاب للنصارى، أي لاتقولوا: آلهتنا ثلاثة; وقيل: هذا لايصحّ، لأنّ النصارى لم يقولوا بثلاثة آلهة، ولكنّهم يقولون: إله واحد، ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح القدس، ومعناه: لاتقولوا: اللّه ثلاثة، وقد شبّهوا قولهم: جوهر واحد ثلاثة أقانيم بقولنا: سراج واحد، ثمّ نقول: إنّه ثلاثة أشياء: دهن وقطن ونار، وشمس واحدة وإنّما هي جسم وضوء وشعاع، وهذا غلطٌ بعيدٌ، لأنّا لانعني بقولنا: سراجٌ واحد أنّه شيءٌ واحد، بل هو أشياء على الحقيقة، وكذلك الشمس، كما تقول: عشرة واحدة، وإنسان واحد، ودار واحدة، وإنّما هي أشياء متغايرة; فإن قالوا: إنّ اللّه شيء واحدٌ وإله واحدٌ حقيقةً فقولهم: ثلاثة متناقضة، وإن قالوا: إنّه في الحقيقة أشياء كما ذكرناه فقد تركوا القول بالتوحيد والتحقوا بالمشبّهة، وإلاّ فلا واسطة بين الأمرين، انتهى.3
وقال الرازيّ في تفسيره: المعنى: لاتقولوا: إنّ اللّه سبحانه واحدٌ بالجوهر، ثلاثة بالأقانيم.

1. يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية وفي المجاز: ولد فلان لرشدة ـ بفتح الراء وبكسرها ـ إذا صحّ نسبه، ضد لزنية. تاج العروس: 4/453، مادة «رشد».
2. مجمع البيان: 3/274.
3. مجمع البيان: 3 / 248 ـ 249.

صفحه 46
و اعلم أنّ مذهب النصارى مجهول جدّاً، والّذي يتحصّل منهم أنّهم أثبتوا ذاتاً موصوفاً بصفات ثلاثة، إلاّ أنّهم وإن سمّوا تلك الصفات بأنّها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنّهم يجوّزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم، ولولا أنّها ذوات قائمة بأنفسها لما جوّزوا عليها أن يحلّ في الغير و أن يفارق ذاتاً إلى أُخرى، فهم وإن كانوا يسمّونها بالصفات إلاّ أنّهم في الحقيقة يثبتون ذواتاً متعدّدةً قائمةً بأنفسها، وذلك محض الكفر.
ثمّ قال: اختلفوا في تعيين المبتدأ لقوله: (ثَلاَثَةٌ) على أقوال:
الأوّل: ما ذكرناه، أي ولاتقولوا: الأقانيم ثلاثة.
الثاني: قال الزجّاج: ولاتقولوا: آلهتنا ثلاثة، وذلك لأنّ القرآن يدلّ على أنّ النصارى يقولون: إنّ اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ).1
الثالث: قال الفرّاء: ولاتقولوا هم ثلاثة كقوله: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَة)(2)، وذلك لأنّ ذكر عيسى ومريم مع اللّه بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين; وبالجملة فلانرى مذهباً في الدنيا أشدّ ركاكةً وبعداً عن العقل من مذهب النصارى.(3)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة المائدة   
[ما جاء في سورة المائدة]
المائدة (5): (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ «إلى قوله»: فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ2 وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَة مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ

1. المائدة: 116.               2 . الكهف:22.   3 . تفسير الرازي: 11/116ـ117.
2. قال الرضي(رحمه الله) في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 18: و هذه استعارة، و المراد بها ـ والله أعلم ـ أنّهم يعكسون الكلام عن حقائقه و يزيلونه عن جهة صوابه، حملاً له على أهوائهم، وعطفاً على آرائهم.

صفحه 47
وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ1 إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِك مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِك الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللهِ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ2 أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلاَ نَذِير فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 10 ـ 19.

[ التفسير ]

وقال الطبرسي(رحمه الله) في قوله تعالى:(فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ): أي بين اليهود والنصارى.

1. فأغرينا بينهم العداوة و البغضاء: أي هيّجناها بينهم. و يقال: أغرينا أي ألصقنا بهم ذلك مأخوذ من الغراء. تفسير غريب القرآن للطريحي: 55.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 22: و هذه استعارة، و المراد على انقطاع الإرسال إلى الأُمم و خلوّ الزمان من مباعث الرسل تشبيهاً بحال إرسال الأنبياء إلى أُممهم ثم حال توفّيهم بعد أداء شرائعهم بتقرّب النار ثم خمودها، و اضطرامها ثم فتورها.

صفحه 48
وقيل: المراد بين أصناف النصارى خاصّة لأهوائهم المختلفة في الدين، وذلك أنّ النسطوريّة.1 قالت: إنّ عيسى ابن اللّه، واليعقوبيّة2: إنّ اللّه هو المسيح بن مريم، والملكانيّة3 وهم الروم قالوا: إنّ اللّه ثالث ثلاثة: اللّه وعيسى ومريم.4
وفي قوله: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ): قيل: إنّ اليهود قالوا: نحن في القرب من اللّه

1. النسطورية أو النساطرة: طائفة من المسيحيين ينتسبون إلى نسطوريوس بطريرك القسطنطينة المتوفّى في 450 من الميلاد، وقال الشهرستاني: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرّف في الأناجيل بحكم رأيه، قال: إنّ اللّه تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى(عليه السلام)كإشراق الشمس في كوة أو على بلورة، أو كظهور النقش في الشمع إذا طبع الخاتم، وزعموا أنّ الابن لم يزل متولداً من الأب وإنّما تجسّد واتّحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتّحدا، وهما جوهران اقنومان طبيعتان: جوهر قديم وجوهر محدث، إله تام وإنسان تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم ولا حدوث المحدث، لكنّهما صارا مسيحاً واحداً ومشيئة واحدة. الملل والنحل: 1/224ـ225.
2. واليعقوبية أو اليعاقبة طائفة أُخرى ينسبون إلى يعقوب البردعي أُسقف الرها، وقيل: إنّهم أهل مذهب ديسقورس; وقيل: غير ذلك، قال الشهرستاني: إنّهم قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلاّ أنّهم قالوا انقلبت الكلمة لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو. وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).[المائدة:17 ]فمنهم من قال: إنّ المسيح هو اللّه تعالى، ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو. الملل والنحل: 1/225 ـ 226.
3. الملكانية أو الملكائية، قال الشهرستاني: هم أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها ومعظم الروم ملكائية، قالوا: إنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح وتدرّعت بناسوته، وصرّحوا بأنّ الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرّحوا بإثبات التثليث، وقالوا: المسيح ناسوت كلّي لا جزئي، وهو قديم أزلي من قديم أزلي، ولقد ولدت مريم إلهاً أزلياً، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت. الملل والنحل: 1/222.
4. مجمع البيان: 3/299.

صفحه 49
بمنزلة الابن من أبيه، والنصارى كما قالوا: المسيح1 ابن اللّه جعلوا نفوسهم أبناء اللّه وأحبّاءه، لأنّهم تأوّلوا ما في الإنجيل من قول المسيح: «أذهب إلى أبي وأبيكم» عن الحسن; وقيل: إنّ جماعة من اليهود منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وزيد بن التابوه وغيرهم قالوا لنبيّ اللّه حين حذّرهم بنقمات اللّه وعقوباته: لاتخوّفنا فإنّا أبناء اللّه وأحبّاؤه، وإن غضب علينا فإنّما يغضب كغضب الرجل على ولده، يعني أنّه يزول عن قريب، عن ابن عبّاس ; وقيل: إنّه لمّا قال قوم: إنّ المسيح ابن اللّه أجرى ذلك على جميعهم كما تقول العرب: هذيل شعراء، أي فيهم شعراء.(2)
وقال سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ2 وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لاََكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ).64 ـ 66 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) أي مقبوضة عن العطاء، ممسكةٌ

1 . في المصدر: لمّا قالوا للمسيح.   2 . مجمع البيان: 3/304.
2. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 25: وهذه استعارة; لأنّ التوراة لايصحّ عليها القيام، و إنّما المراد: و لو أنّهم نفذوا حكمها و اتّبعوا نهجها و عملوا بما فيها و لم يحرّفوا كلمها من قولهم أقام فلان قناة الدين إذا حكم بالحق و أمر بالعدل.

صفحه 50
عن الرزق فنسبوه إلى البخل، عن ابن عبّاس وغيره، قالوا: إنّ اللّه كان قد بسط على اليهود حتّى كانوا من أكثر الناس مالاً، وأخصبهم ناحيةً، فلمّا عصوا اللّه في محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّبوه كفّ اللّه عنهم ما بسط عليهم من السعة فقال عند ذلك فنحاص بن عازوراء: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) ولم يقل: إلى عنقه. قال أهل المعاني: إنّما قال فنحاص ولم ينهه الآخرون ورضوا بقوله فأشركهم اللّه في ذلك; وقيل: معناه: يد اللّه مكفوفةٌ عن عذابنا، فليس يعذّبنا إلاّ بما يبرّ به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل; وقيل: إنّه استفهام وتقديره: أيد اللّه مغلولة عنّا حيث قتر المعيشة علينا؟ وقال أبو القاسم البلخيّ: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدّي إلى أنّ اللّه تعالى يبخل في حال، ويجود في حالة أُخرى، فحكى ذلك عنهم على وجه التعجيب منهم والتكذيب لهم، ويجوز أن يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء من حيث لم يوسّع على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)1 وليس ينبغي أن يتعجّب من قوم يقولون لموسى:(إجعَل لَنا إلهاً كَما لهُم آلِهةٌ)(2) ويتّخذون العجل إلهاً أن يقولوا: إنّ اللّه
يبخل تارة ويجود أُخرى; وقال الحسين2 بن عليّ المغربيّ: حدّثني بعض اليهود

1. في المصدر بزيادة: وعلى أصحابه.   2 . الأعراف: 137.
2. في بحار الأنوار: الحسن، والصحيح ما أثبتاه. وهو أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن بادان أو باذان بن ساسان بن الحرون بن بلاش بن جاماس بن فيرزان بن يزدجرد بن بهرام جور المعروف بالوزير المغربي. كان من العلماء الأدباء الدهاة ولد بمصر سنة 370 هـ ، وقتل الحاكم الفاطمي أباه، فهرب إلى الشام سنة 400 هـ ، وحرّض حسان بن المفرج الطائي على عصيان الحاكم فلم يفلح، فرحل إلى بغداد، فاتّهمه القادر العباسي لقدومه من مصر، فانتقل إلى الموصل واتصل بقرواش بن المقلد وكتب له، ثم عاد عنه. وتقلّبت به الأحوال إلى أن استوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد عشرة أشهر وأياماً، واضطرب أمره فلجأ إلى قرواش، فكتب الخليفة إلى قرواش بإبعاده ففعل، فسار إلى ابن مروان بديار بكر وأقام بميافارقين إلى أن توفّي في شهر رمضان من سنة 418 هـ ; وقيل: مات مسموماً. و حمل إلى الكوفة بوصية منه فدفن بجوار مشهد الإمام علي (عليه السلام).
ترحّم عليه العلاّمة الحلّي في خلاصته وعبّر عنه بشيخنا. له كتب منها: اختيار شعر أبي تمام، اختيار شعر المتنبي والطعن عليه، مختصر اصلاح المنطق في اللغة، ديوان شعر ونثر، وغيرها. وهو الذي وجّه إليه أبو العلاء المعري رسالة المنيح. الأعلام: 2/245; الخلاصة: 120 برقم 29، وله ترجمة ضافية في أعيان الشيعة: 6/111 برقم 220. ولشيخنا السبحاني مقال في ترجمته لاحظ : الرسائل والمقالات الجزء 9 / 259 ـ 273 .

صفحه 51
بمصر أنّ طائفة منهم قالت ذلك.1
أقول: قال الرازي: لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة; وهو أنّ اللّه تعالى موجب لذاته، وأنّ حدوث الحوادث عنه لايمكن إلاّ على نهج واحد وسنن واحد، وأنّه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه الّتي عليها يقع، فعبّروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغلّ اليد.(2)
وقال الطبرسيّ(رحمه الله) في قوله:(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) فيه أقوال:
أحدها: أنّه على سبيل الإخبار، أي غلّت أيديهم في جهنّم .
وثانيها: أن يكون خرج مخرج الدعاء كما يقال: قاتله اللّه.
وثالثها: أنّ معناه: جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم، فلم يُلق يهوديُّ أبداً غير لئيم بخيل.2
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ): أي لحرب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي هذا دلالة ومعجزة، لأنّ اللّه أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشدّ أهل الحجاز بأساً، وأمنعهم داراً، حتّى أنّ قريشاً تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى مخالفتهم وتتكثّر بنصرتهم، فأباد اللّه خضراءهم، واستأصل شأفتهم 3،

1. مجمع البيان: 3/377.      2 . تفسير الرازي: 12/41.
2. مجمع البيان: 3/377.
3. الشأفة: قرحة تخرج بباطن القدم فتقطع، أو تكوى فتذهب; وقيل: الشأفة: الأصل: واستأصل اللّه شأفته: وهو مجاز ومعناه: أزاله من أصله، أو: أذهبه كما تذهب تلك القرحة. تاج العروس: 6/150، مادة«شأف».

صفحه 52
واجتثّ أصلهم، فأجلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بني النضير وبني القينقاع، وقتل بني قريظة، وشرّد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان أهل وادي القرى، فمحا اللّه سبحانه آثارهم صاغرين.1
وفي قوله:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا) هذا مذهب اليعقوبيّة منهم لأنّهم قالوا إنّ اللّه تعالى اتّحد بالمسيح اتّحاد الذات فصارا شيئاً واحداً وصار الناسوت لاهوتاً2.3
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * «إلى قوله سبحانه»: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ

1. مجمع البيان: 3/378ـ379.
2. الناسوت: الطبيعة الإنسانية، أصله الناس، زيدت في آخره: واو وتاء مبالغة كملكوت، واللاهوت: الإلوهة، وأصله: لاه بمعنى إله، ويجوز أن يكون من لاه يليه بمعنى علا وارتفع. وقيل: إنّه من مولدات الصوفية أخذوها من الكتب الإسرائيلية، وقد ذكر الواحدي أنّهم يقولون للّه لاهوت، وللناس ناسوت وهي لغة عبرانية تكلّمت بها العرب قديماً. راجع تاج العروس:9/410، مادة «لاه».
3. مجمع البيان: 3/391.

صفحه 53
الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * «إلى قوله»: تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ذَلِك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسيِنَ1 وَرُهْبَانًا2وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِك جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ). 68 ـ 85 .

[ التفسير ]

قال الرازي في تفسير قول النصارى: (ثَالِثُ ثَلاَثَة) طريقان: الأوّل: قول المفسّرين و هو أنّهم أرادوا أنّ اللّه ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والثاني: أنّ المتكلّمين حكوا عن النصارى أنّهم يقولون: جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أنّ الشمس اسم يتناول القرص والشعاع

1. القَسّ جمعه: قسس و قسيسون: مرتبة دينية بين الأسقف و الشماس عند النصارى، و قيل: رئيس النصارى في الدين و العلم، و قيل هو الكبير العالم. والكلمة سريانية معناها: الشيخ. معجم لغة الفقهاء لمحمد قلعچي: 362، تاج العروس: 8/414، مادة «قسس».
2 . رهب: خاف، وترهّب الرجل إذا صار راهباً يخشى الله، والراهب: المتعبّد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، والجمع: الرهبان. لسان العرب:1/437، مادة «رهب».

صفحه 54
والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إنّ الكلمة التي هي كلام اللّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر والماء باللّبن، وزعمت أنّ الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكلّ إله واحد; واعلم أنّ هذا معلوم البطلان ببديهة العقل فإنّ الثلاثة لاتكون واحداً، والواحد لايكون ثلاثة، ولانرى في الدنيا مقالة أشدّ فساداً من مقالة النصارى.1
وقال الطبرسيّ (رحمه الله) في قوله تعالى: (تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ): أي من اليهود (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)يريد كفّار مكّة، يُريد بذلك كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا2 المشركين على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما مرّ ; وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): «يتولّون الملوك الجبّارين ويزيّنون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم»3.4
وقال تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة وَلاَ سَائِبَة وَلاَ وَصِيلَة وَلاَ حَام وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ). 103 ـ 104.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَك مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ

1 . تفسير الرازي: 12/60.
2. في بحار الأنوار استحاشوا، والصحيح ما أثبتناه من المصدر. واستجاشوا: أي طلبوا منهم جيشاً. صحاح الجوهري: 3/999، مادة« جيش».
3. التبيان: 3/611.
4 . مجمع البيان: 3/397.

صفحه 55
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك1 إِنَّك أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). 116 ـ 120 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَة) يريد: ما حرّمها أهل الجاهليّة، والبحيرة: هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أُذنها2وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تطرد من ماء، ولاتمنع من مرعى، فإذا لقيها المعيي لم يركبها; وقيل: إنّهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء جميعاً، وإن كانت أُنثى شقّوا أذنها فتلك البحيرة، ثمّ لايجزّ لها وبر، ولايذكر عليها اسم اللّه إن ذكّيت، ولا حُمل عليها، وحرّم على النساء أن يذقن من لبنها شيئاً، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصّة دون النساء حتّى تموت، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها، عن ابن عبّاس; وقيل: إنّ البحيرة بنت السائبة.

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 26: و هذه استعارة; لأنّ القديم تعالى لا نفس له، و المراد تعلم: ما عندي ولا أعلم ما عندك، وتعلم حقيقتي و ذاتي و لا أعلم حقيقتك وذاتك، أو تعلم مغيبي ولا أعلم مغيبك، فكأنّ فحوى ذلك تعلم ما أعلم و لا أعلم ما تعلم.
2. بحروا أُذنها: أي شقوها. تاج العروس:3/28، مادة«بحر».

صفحه 56
(وَلاَ سَائِبَة) وهي ما كانوا يسيّبونه،1 فإنّ الرجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو لبرء من علّة أو ما أشبه ذلك فقال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لاينتفع بها وأن لاتخلأ عن ماء، ولاتمنع من مرعى، عن الزجّاج وعلقمة; وقيل: هي الّتي تسيّب للأصنام: أي تعتق لها، وكان الرجل يسيّب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدمة آلهتهم، فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ونحو ذلك، عن ابن عبّاس وابن مسعود; وقيل: إنّ السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهنّ ذكر سيّبت فلم يركبوها، ولم يجزّوا وبرها، ولم يشرب لبنها إلاّ ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أُنثى شقّ أُذنها ثمّ يخلّى سبيلها مع أُمّها.
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأنعام   
(وَلاَ وَصِيلَة) وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أُنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكراً وأُنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، عن الزجّاج; وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كانت السابع جدياً ذبحوه لآلهتهم، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عناقاً استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جدياً وعناقاً قالوا: إنّ الأُخت وصلت أخاها فمحرَّمة علينا2 فحُرّما جميعاً، وكانت المنفعة واللّبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل; وقيل: الوصيلة: الشاة إذا أتأمت3عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، فقالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، عن محمّد بن إسحاق.
(وَلاَ حَام) وهو الذكر من الإبل; كانت العرب إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره، فلايحمل عليه، ولايمنع من ماء، ولا من مرعى،

1. من سيبت الدابة، تركتها وأهملتها تسيب حيث شاءت، وساب الفرس يسيب سيباناً: ذهب على وجهه. مجمع البحرين: 2/465،; مادة«سيب».
2. في المصدر: فحرمته علينا.
3. أتأمت المرأة فهي متمم: إذا وضعت اثنين في بطن واحد. مجمع البحرين: 1/279، مادة «تأم».

صفحه 57
عن ابن عبّاس وابن مسعود وغيرهما; وقل: إنّه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلايركب، عن الفرّاء.
أعلم اللّه سبحانه أنّه لم يحرّم من هذه الأشياء شيئاً; وقال المفسّرون:
روي عن ابن عبّاس عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف كان
قد ملك مكّة، وكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، فاتّخذ الأصنام، ونصب
الأوثان، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي،
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «فلقد رأيته في النار تؤذي أهل النّار ريح قصبه».1
ويروى: يجرّ قصبه في النار.2
[ما جاء في سورة الأنعام ]
الأنعام (6): (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ «إلى قوله»: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً

1. جامع البيان: 7/117 برقم 9993 و 9994 ; الدر المنثور: 2/338. والقُصْبُ: شعب الحلق وعروق الرئة وهي مخارج الأنفاس ومجاريها. والقُصْب: المعي، والجمع أقصاب، وقيل: القصب اسم للأمعاء كلّها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الإمعاء، ومنه الحديث: «الذي يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة كالجار قصبه في النار». لسان العرب: 1/676، مادة «قصب».
2. مجمع البيان: 3/431ـ433.

صفحه 58
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِك فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا1 وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوك يُجَادِلُونَك يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ2 وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * «إلى قوله»: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْك إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ

1. الأكنّة: الأغطية. و الوقر: الصمم. تفسير القمي: 1/196.
2. النأي: البعد، ينأون: أي يتباعدون عنه، تقول: نأيت عن الشيء إذا بعدت عنه. التبيان: 4/107.

صفحه 59
السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ1 * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَك إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ * «إلى قوله»: قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ * وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلْ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا2وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيل * لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ

1. يصدفون: أي يعرضون عن تأمّلها و التفكّر فيها، يقال: صدف عنه إذا أعرض. التبيان: 4/140.
2. أي فرقاً مختلفة الأهواء والنزعات.

صفحه 60
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّك الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). 1 ـ 71 .

[ التفسير ]

وفي قوله:(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا) نزلت في النضر بن الحارث1 وعبد اللّه بن أبي أُميّة2 ونوفل بن خويلد3 قالوا: يا محمّد لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند اللّه ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنّه من عند اللّه وأنّك

1. في مجمع البيان: النصر بن الحرث، وما أثبتناه من المصادر الرجالية والحديثية. وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، من وجوه قريش وشياطينها. له اطّلاع على كتب الفرس وغيرهم، وقيل: هو أوّل مَن غنّى على العود بألحان الفرس. وهو ابن خالة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمّا ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهلية وآذى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كثيراً وشهد وقعة بدر مع مشركي قريش، وكان حامل لوائهم فأسره المسلمون، وقتلوه بالأثيل (قرب المدينة) بعد انصرافهم من الواقعة في سنة 2 للهجرة. الأعلام:8/33.
2. في بحار الأنوار: عبداللّه بن أميّة، والصحيح ما أثبتناه من المصادر الرجالية. وهو عبداللّه بن أبي أُميّة بن المغيرة بن عبداللّه بن عمرو بن مخزوم واسم أبي أُمية حذيفة: وهو أخو أُم سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ; وأُمّه عاتكة عمّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم). وكان شديداً على المسلمين مخالفاً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي قال له: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل، وكان شديد العداوة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يزل كذلك إلى عام الفتح وهاجر إلى النبي قبيل الفتح مع أبي سفيان فالتمسا الدخول عليه فمنعهما، فكلّمته أُمّ سلمة فيهما فأذن لهما، فدخلا عليه وأسلما. شهد مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فتح مكة وحنيناً والطائف وقتل فيها. أُسد الغابة:3/118; مستدركات علم رجال الحديث:4/466 برقم 7595.
3. نوفل بن خويلد بن أسد القرشي، من أشد قريش أذى للمسلمين في الجاهلية، شهد الوقائع مع قريش، قتله علي بن أبي طالب (عليه السلام)يوم بدر. الأعلام: 8/54.

صفحه 61
رسوله (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ)أي لما آمنوا به، فاقتضت الحكمة استيصالهم وأن لايمهلهم. (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا) أي الرسول، أو الّذي ينزل عليه ليشهد بالرسالة (لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً) لأنّهم لايستطيعون أن يروا الملك في صورته، لأنّ أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلاّ بعد التجسّم بالأجسام الكثيفة (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) قال الزجّاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقولون: إنّما هذا بشر مثلكم، فقال: لو أنزلنا مَلكاً فرأوهم1 الملك رجلاً لكان يلحقهم من اللّبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم، وهذا احتجاج عليهم بأنّ الّذي طلبوه لايزيدهم بياناً; وقيل: معناه: ولو أنزلنا ملكاً لما عرفوه إلاّ بالتفكّر وهم لايتفكّرون، فيبقون في اللّبس الّذي كانوا فيه، وأضاف اللّبس إلى نفسه لأنّه يقع عند إنزاله الملائكة.2
وفي قوله:(قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً) قال الكلبيّ: أتى أهل مكّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: ما وجد اللّه رسولاً غيرك ; ما نرى أحداً يصدّقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنّه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا مَن يشهد أنّك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كما تزعم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.(3)
وفي قوله: (وَمَنْ بَلَغَ) في تفسير العيّاشيّ: قال أبو جعفر وأبو عبداللّه(عليهما السلام): معناه: ومن بلغ أن يكون إماماً من آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)3.4
وفي قوله: (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) قال أبوحمزة الثماليّ: لمّا قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة قال عمر لعبد اللّه بن سلام: إنّ اللّه أنزل على نبيّه أنّ أهل الكتاب يعرفونه

1. في المصدر: فرأواهم، وفي التبيان: 4/84; فرأوا الملك رجلاً.
2. مجمع البيان: 4/12ـ14.      3 . مجمع البيان: 4/22.
3. تفسير العياشي: 1/356 ح13.
4. مجمع البيان: 4/22.

صفحه 62
كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة؟ قال: نعرف نبيّ اللّه بالنعت الّذي نعته اللّه إذا رأيناه فيكم؟ كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان، وأيم اللّه الذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمّد أشدّ معرفة منِّي بابني، فقال له: كيف؟ قال عبد اللّه: عرفته بما نعته اللّه لنا في كتابنا فأشهد أنّه هو، فأمّا ابني فإنّي لاأدري ما أحدثت أُمّه، فقال: قد وفّقت وصدقت وأصبت1.(2)
وفي قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك) قيل: إنّ نفراً من مشركي مكّة منهم النضر بن الحارث وأبوسفيان بن حرب والوليد بن مغيرة وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وغيرهم جلسوا إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمّد؟ فقال: أساطير الأوّلين مثل ما كنت أُحدّثكم عن القرون الماضية. وأساطير الأوّلين أحاديثهم الّتي كانوا يسطّرونها; وقيل: معنى الأساطير الترّهات والبسابس2، مثل حديث رستم وإسفنديار وغيره ممّا لا فائدة فيه.3
وفي قوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك الَّذِي يَقُولُونَ): أي ما يقولون إنّك شاعرٌ أو مجنون وأشباه ذلك (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك) قرأ نافع والكسائيّ والأعشى عن أبي بكر: (لاَ يُكَذِّبُونَك) بالتخفيف، وهو قراءة عليّ(عليه السلام) والمرويّ عن الصادق(عليه السلام)4، والباقون بفتح الكاف والتشديد. وفيه وجوه:

1. تفسير أبي حمزة الثمالي:162.   2 . مجمع البيان: 4/23; بحار الأنوار: 22/ 62.
2. الترّهات: الأباطيل، وقيل: البواطل من الأُمور. واستعير في الباطل فقيل: الترّهات البسابس والترّهات الصحاصح، وهو من أسماء الباطل، وربّما جاء مضافاً أي ترهات البسابس أي جاء بالكذب والتخليط والبسابس التي فيها شيء من الزخرفة. لسان العرب: 13/480، مادة «تره».
3. مجمع البيان: 4/28ـ30.
4. روى الكليني في الكافي: 8/200، في قراءة قوله تعالى: (فَإِنَّهُم لاَ يُكَذِّبُونَك). باسناده عن عمران بن ميثم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قرأ رجل على أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَك وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)فقال: «بلى والله لقد كذبوه أشد التكذيب ولكنّها مخففة (لاَ يُكَذِّبُونَك) لا يأتون بباطل يكذبون به حقّك».

صفحه 63
أحدها: لايكذّبونك بقلوبهم اعتقاداً، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عناداً، وهو قول الأكثر، ويشهد له ما رواه سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدنيّ أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لقى أباجهل صافحه أبوجهل، فقيل له في ذلك فقال: واللّه إنّي لأعلم أنّه صادق، ولكنّا متى كنّا تبعاً لعبد مناف; فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.1
وقال السدّيّ: التقي أخنس بن شريق وأبوجهل بن هشام فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أصادق هو أم كاذب؟ فإنّه ليس هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبوجهل: ويحك واللّه إنّ محمّداً لصادق وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنوقصيّ باللّواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟2
وثانيها: أنّ المعنى: لايكذّبونك بحجّة، ولا يتمكّنون من إبطال ما جئت به ببرهان، ويدلّ عليه ما روي عن عليّ(عليه السلام) أنّه كان يقرأ ( لاَ يُكَذِّبُونَك)ويقول: إنّ المراد بها أنّهم لايأتون بحقّ هو أحقّ من حقّك.
وثالثها: أنّ المراد لايصادفونك كاذباً كما تقول العرب: قاتلناكم فما أجبنّاكم، أي ما أصبناكم جبناء، ولا يختصّ هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف، لأنّ أفعلت وفعّلت يجوزان في هذا الموضع، وأفعلت هو الأصل فيه.
ورابعها: أنّ المراد: لاينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنّك كنت عندهم أميناً صدوقاً، وإنّما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات اللّه، وروي أنّ أباجهل قال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): لانتّهمك ولا نكذّبك، ولكنّنا نتّهم الّذي جئت به ونكذّبه.3
وخامسها: أنّ المراد: لايكذّبونك بل يكذّبونني، فإنّ تكذيبك راجع إليّ

1 . تفسير الثعلبي: 4 / 144 .
2. الكشاف: 2/15; جامع البيان: 7/240 برقم 10275; تفسير الثعلبي: 4/144.
3. جامع البيان: 7/240 برقم 10277 ; تفسير السمرقندي: 1/465 ; تفسير الثعلبي: 4/145.

صفحه 64
ولست مختصّاً به، لأنّك رسولٌ، فمن ردّ عليك فقد ردَّ عليّ.1
وفي قوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ) أي تطلب وتتّخذ (نَفَقًا فِي الأَرْضِ)أي سرباً ومسكناً في جوف الأرض (أَوْ سُلَّمًا): أي مصعداً(فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة)أي حجّة تلجئهم إلى الإيمان فافعل; وقيل: فتأتيهم بآية أفضل ممّا آتيناهم به فافعل (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) أي يصغون إليك و يتفكّرون في آياتك فإنّ من لم يتفكّر ولم يستدلّ بالآيات بمنزلة من لم يسمع (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ)يريد: إنّ الّذين لا يصغون إليك ولايتدبّرون بمنزلة الموتى فلايجيبون إلى أن يبعثهم اللّه يوم القيامة.2
(وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): أي ما اقترحوا عليه من مثل آيات الأوّلين 3 كعصا موسى وناقة ثمود (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ما في إنزالها من وجوب الاستيصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها، وما في الاقتصار بهم على ما أُوتوه من الآيات من المصلحة.4
وفي قوله: (هَلْ يُهْلَك إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ): أي الّذين يكفرون باللّه ويفسدون في الأرض، فإن هلك فيه مؤمنٌ أو طفلٌ فإنّما يهلك محنةً، ويعوّضه اللّه على ذلك أعواضاً كثيرة يصغر ذلك في جنبها.5
وفي قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): أي العارف باللّه سبحانه العالم

1. مجمع البيان: 4 / 41ـ43.
2. في المصدر: يريد: إنّ الّذين لايصغون إليك من هؤلاء الكفّار ولايتدبّرون فيما تقرأه عليهم وتبينه لهم من الآيات والحجج بمنزلة الموتى، فكما آيست أن تسمع الموتى كلامك إلى أن يبعثهم فكذلك فأيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك، وتقديره، إنّما يستجيب المؤمن السامع للحق فأمّا الكافر فهو بمنزلة الميّت فلايجيب إلى أن يبعثه اللّه يوم القيامة فيلجئه إلى الإيمان.
3. في المصدر: اقترحوا عليه مثل آيات الأوّلين.
4. مجمع البيان: 4/45ـ47.
5. مجمع البيان: 4/58.

صفحه 65
بدينه، والجاهل به وبدينه، فجعل الأعمى مثلاً للجاهل، والبصير مثلاً للعارف باللّه وبنبيّه، وفي تفسير أهل البيت(عليهم السلام): هل يستوي من يعلم ومن لا يعلم».1
وفي قوله: (الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) يريد: المؤمنين يخافون القيامة وأهوالها; وقيل: معناه: يعلمون، وقال الصادق(عليه السلام): «أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربّهم برغبتهم فيما عنده، فإنّ القرآن شافع مشفّع».(2)
وفي قوله: (مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) قيل: معناه الّذي تطلبونه من العذاب كأن يقولون: يا محمّد إئتنا بالّذي تعدنا; وقيل: هي الآيات الّتي اقترحوها عليه استعجلوه بها، فأعلم اللّه سبحانه أنّ ذلك عنده.2
وفي قوله: (مِنْ فَوْقِكُمْ) قيل: عنى به الصيحة والحجارة والطوفان والريح (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)عنى به الخسف; وقيل: (مِنْ فَوْقِكُمْ): أي من قبل كباركم (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)من سفلتكم وقيل: (مِنْ فَوْقِكُمْ) السلاطين الظلمة (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)العبيد السوء ومن لا خير فيه، وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(4) (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا): أي يخلطكم فرقاً مختلفي الأهواء لاتكونون شيعة واحدة; وقيل: هو أن يكلهم إلى أنفسهم ويخلّيهم من ألطافه بذنوبهم السالفة; وقيل: عنى به: يضرب بعضهم ببعض بما يلقيه بينهم من العداوة والعصبيّة وهو المرويّ عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض): أي قتال بعض وحرب بعض; وقيل: هو سوء الجوار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام).(5)
وفي تفسير الكلبيّ: أنّه لمّا نزلت هذه الآية قام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فتوضّأ وأسبغ وضوءه، ثمّ قام وصلّى فأحسن صلاته، ثمّ سأل اللّه سبحانه أن لايبعث على أُمّته عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولايلبسهم شيعاً، ولايذيق بعضهم بأس

1. مجمع البيان: 4/59.   2 . مجمع البيان: 4/60.
2. مجمع البيان: 4/69.      4 . مجمع البيان: 4/77.   5 . تفسير القمي: 1/204; التبيان: 4/163.

صفحه 66
بعض، فنزل جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد إنّ اللّه تعالى سمع مقالتك، وأنّه قد أجارهم من خصلتين، ولم يجرهم من خصلتين: أجارهم من أن يبعث عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولم يجرهم من الخصلتين الأُخريين، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا جبرئيل فما بقاء أُمّتي مع قتل بعضهم بعضاً؟ فقام وعاد إلى الدعاء فنزل(الم * أ حَسِبَ النَّاس)الآيتين1 فقال: لابدّ من فتنة تبتلي بها الأُمّة بعد نبيّها ليتبيّن الصادق من الكاذب، لأنّ الوحي انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.(2)
وقال أبوجعفر(عليه السلام): لمّا نزل (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
قال المسلمون: كيف نصنع إن كان كلّما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذاً المسجد الحرام ولانطوف بالبيت الحرام، فأنزل اللّه تعالى:(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء)2: أمرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا.3
وفي قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ) استهوته من قولهم: هوى من حالق:4 إذا تردّى5، ويشبّه به الّذي زلّ عن الطريق المستقيم; و قيل: استغوته الغيلان في المهامة:6 وقيل: دعته الشياطين إلى اتّباع الهوى; و قيل: أهلكته; وقيل: ذهبت به (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى): أي إلى الطريق

1. العنكبوت: 1ـ2.   2 . مجمع البيان: 4/78ـ79.
2. الأنعام:69.
3. مجمع البيان: 4/80.
4. الحالق من الجبال: المنيف المشرف، ولايكون إلاّ مع عدم نبات، ويقال: جاء من حالق: أي من مكان مشرف مرتفع. لسان العرب: 10/59، مادة«حلق».
5. في المصدر: تردّى منه.
6. المهامة جمع المهمهة وهي المفازة البعيدة، وأرض مهامة: بعيدة، ويقال: المهمه: البلدة المقفرة. لسان العرب: 13/542، مادة« مه مه».

صفحه 67
الواضح، يقولون له: (ائْتِنَا) ولايقبل منهم ولايصير إليهم; لأنّه قد تحيّر لاستيلاء الشيطان عليه.1
وقال سبحانه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون * «إلى قوله تعالى»: وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْم2 سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ «إلى قوله»: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ * وَكَذَلِك نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ3 وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ

1. مجمع البيان: 4/85.
2. قال الرضي (رحمه الله) في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 29: هذه استعارة، و المراد أنّهم ادّعوا له سبحانه بنين و بنات بغير علم، و ذلك مأخوذ من الخرق و هي الأرض الواسعة، و جمعها خروق، لأنّ الريح تنخرق فيها أي تتسع، والخرق من الرجال: الكثير العطاء، فكأنّه ينخرق به، والخرقة جماعة الجراد، والخريقة: الريح الشديدة: الهبوب، و كأن معنى قوله تعالى: (وَخَرَقُوا لَهُ) أي اتّسعوا في دعوى البنين والبنات له وهم كاذبون في ذلك: ومن قرأ: (وَخَرَقُوا)بالتشديد فإنّما أراد تكثير الفعل من هذا الجنس، والاختراق والاختلاق والاختراع والابتشاك بمعنى واحد، وهو الادّعاء للشيء على طريق الكذب والزور.
3. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/228: واللام من قوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) على ضربين: من قال درست بلا ألف فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلاّ يقولوا: درست: كما قال: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) [النساء: 176 ]و معناه لئلاّ تضلّوا و كراهة أن تضلّوا، والمعنى: أنّي فصلت الآيات و أحكمتها لئلاّ يقولوا: إنّها أخبار قد تقدّمت و طال العهد بها و باد من كان يعرفها، كما قالوا: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[النحل: 24]; لأنّ تلك الأخبار لا تخلو من خلل، فإذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن. و الثاني: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ذلك بحضرتنا، أي ليقرّوا بورود الآية عليهم فتقوم الحجة عليهم.

صفحه 68
إِلَيْك مِنْ رَبِّك لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * «إلى قوله سبحانه»: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ * «إلى قوله»: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوك عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * «إلى قوله»: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ1 عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/262: الصغار: الذل الذي يصغر إلى الإنسان نفسه، و قيل في معنى الصغار عند اللّه ثلاثة أقوال: أوّلها: صغار أي ذلّة من عند اللّه، و لايجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر، بمعنى من عنده، لأنّ حذف «من» تلبيس هاهنا. الثاني: قال الفرّاء: اكتسب من ترك اتّباع الحق صغاراً عند اللّه، الثالث: قال الزجاج: يعني صغار في الآخرة، و هو أقواها.

صفحه 69
يَمْكُرُونَ * «إلى قوله»: وَرَبُّك الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْم آخَرِينَ * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لآت وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَلِك زَيَّنَ لِكَثِير مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ «إلى قوله»: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا1 أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذَلِك جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِك كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ

1. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/306: و اختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي: هي المباعر. وقال ابن زيد: هي بنات اللبن، وقال الجبائي: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها.

صفحه 70
عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَللّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * «إلى قوله»: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ *
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * «إلى قوله»: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي1 وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ

1. قيل في معنى (وَنُسُكِي) ثلاثة أقوال: أحدها: ذبيحتي في الحج و العمرة: و قيل: نسكي: ديني، وقيل: نسكي: عبادتي. قال الزجاج: و الأغلب عليه أمر الذبح الذي يتقرب به إلى الله و يقولون: فلان ناسك بمعنى عابد، و إنما ضمّ الصلاة إلى أصل الواجبات من التوحيد و العدل، لأنّ فيها التعظيم لله عند التكبير، و فيها تلاوة القرآن التي تدعو إلى كلّ بر، و قرّر فيها الركوع و السجود و هما خضوع لله، و فيها التسبيح وهو تنزيه الله. التبيان: 4/335.

صفحه 71
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). 91 ـ 164.

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف يخاصم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أنشدك بالّذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أنّ اللّه سبحانه يبغض الحبر السمين؟ ـ وكان سميناً ـ فغضب وقال: واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقالوا له أصحابه: ويحك ولا موسى؟ فنزلت الآية، عن سعيد بن جبير; وفي رواية أُخرى عنه: إنّها نزلت في الكفّار أنكروا قدرة اللّه عليهم، فمن أقرَّ أنّ اللّه على كلّ شيء قدير فقد قدر اللّه حقّ قدره; وقيل: نزلت في مشركي قريش، عن مجاهد; وقيل: إنّ الرجل كان فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، عن السديّ; وقيل: إنّ اليهود قالت: يا محمّد أنزل اللّه عليك كتاباً؟ قال: نعم، قالوا: و اللّه ما أنزل اللّه من السماء كتاباً فنزلت، عن ابن عبّاس.(تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ): أي كتباً وصحفاً متفرّقة، أو ذا قراطيس، أي تودعونه إيّاها (تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا): أي تبدون بعضها وتكتمون بعضها وهو ما في الكتب من صفات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإشارة إليه، (وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ) قيل: إنّه خطابٌ للمسلمين; وقيل: هو خطابٌ لليهود، أي علّمتم التوراة فضيّعتموه، أو علّمتم بالقرآن ما لم تعلموا (قُلِ اللهُ): أي الله أنزل ذلك (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ): أي فيما خاضوا فيه من الباطل واللّعب، وهذا الأمر على التهديد.1
وفي قوله:(وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) أراد بالجنّ الملائكة لاستتارهم عن

1 . مجمع البيان: 4/108ـ109 بتصرّف.

صفحه 72
الأعين ; وقيل: إنّ قريشاً كانوا يقولون: إنّ اللّه صاهر الجنّ فحدث بينهم الملائكة، فالمراد الجنّ المعروف; وقيل: أراد بالجنّ الشياطين، لأنّهم أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان (وَخَلَقَهُمْ) الهاء والميم عائدة عليهم، أي جعلوا للّذي خلقهم شركاء لايخلقون، أو على الجنّ فالمعنى: واللّه خالق الجنّ فكيف يكونون شركاء؟ ويجوز أن يكون المعنى: وخلق الجنّ والإنس جميعاً; وقيل: إنّ المراد بالآية المجوس إذ قالوا: يزدان وأهرمن وهو الشيطان عندهم، فنسبوا خلق المؤذيات والشرور والأشياء الضارّة إلى أهرمن، ومثلهم الثنويّة القائلون بالنور والظلمة (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات): أي اختلقوا وموّهوا وافتروا الكذب على الله ونسبوا البنين والبنات إليه، فإنّ المشركين قالوا: الملائكة بنات اللّه، والنصارى قالوا: المسيح ابن اللّه، واليهود قالوا: عزير ابن اللّه(بِغَيْرِ عِلْم): أي بغير حجّة.1
وفي قوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) ذلك يا محمّد، أي تعلّمته من اليهود، وهذه اللاّم لام الصيرورة، أي أنّ السبب الّذي أدّاهم إلى أن قالوا: درست، هو تلاوة الآيات.(2)
وفي قوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ) قالت قريش: يا محمّد تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب به الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أنّ ثمود كانت له ناقة، فأتنا بآية من الآيات حتّى نصدّقك، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ شيء تحبّون أن آتيكم به؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهباً، وابعث لنا بعض موتانا حتّى نسألهم عنك: أ حقّ ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك، أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً; فقال رسول اللّه: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدّقونني: قالوا: نعم واللّه لئن فعلت لنتّبعنّك أجمعين، وسأل المسلمون رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينزّلها عليهم حتّى يؤمنوا، فقام رسول اللّه يدعو أن

1. مجمع البيان: 4 / 124ـ125.   2 . مجمع البيان: 4/130.

صفحه 73
يجعل الصفا ذهباً، فجاء جبرئيل(عليه السلام)فقال له: إن شئت أصبح الصفا ذهباً، ولكن إن لم يصدّقوا عذّبتهم، وإن شئت تركتهم حتّى يتوب تائبهم; فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): بل يتوب تائبهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، عن الكلبيّ ومحمّد بن كعب.1
(جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ): أي مجدّين مجتهدين مظهرين الوفاء به (إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ): أي هو مالكها والقادر عليها فلو علم صلاحكم لأنزلها (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ): أي في جهنّم عقوبة لهم، أو في الدنيا بالحيرة (وَحَشَرْنَا) أي جمعنا(عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْء): أي كلّ آية; وقيل: أي كلّ ما سألوه(قُبُلاً) أي معاينة ومقابلة (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ): أي أن يجبرهم على الإيمان. وهو المرويّ عن أهل البيت(صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي قوله: (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ): أي من الشاكّين في ذلك، والخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به الأُمّة; وقيل: الخطاب لغيره، أي فلا تكن أيّها الإنسان أو أيّها السامع.3
(وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ): أي ما هم إلاّ يكذبون، أو لايقولون عن علم ولكن عن خرز4 وتخمين 5; وقال ابن عبّاس: كانوا يدعون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين إلى أكل الميتة، ويقولون: أ تأكلون ما قتلتم ولاتأكلون ما قتل ربّكم؟ فهذا إضلالهم.6

1. جامع البيان: 7/406 برقم 10698 ; تفسير الثعلبي: 4/179; تفسير البغوي: 2/122; تفسير ابن كثير: 2/170; الدر المنثور: 3/39، مناقب ابن شهر آشوب: 1/50; بحار الأنوار:18/202.
2. مجمع البيان: 4/135ـ137.
3. مجمع البيان: 4/142.
4. كذا في البحار المطبوع وهو تصحيف، والصحيح: حزر. والحزر: التقدير والخرص وحزر الشيء يحزره حزراً: قدّره بالحدس. لسان العرب: 4/185، مادة «حزر».
5. في المصدر: ولكن عن خرص وتخمين. والخرص: كل قول بالظن والتخمين، ومنه أخذ معنى الكذب لغلبته في مثله. تاج العروس: 3/385، مادة «خرص».
6. مجمع البيان: 4/145.

صفحه 74
وفي قوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) يعني علماء الكافرين ورؤساءهم (لِيُجَادِلُوكُمْ)في استحلال الميتة كما مرّ، وقال عكرمة: إنّ قوماً من مجوس فارس كتبوا إلى مشركي قريش ـ فكانوا أولياءهم في الجاهليّة ـ : إنّ محمّداً وأصحابه يزعمون أنّهم يتّبعون أمر اللّه، ثمّ يزعمون أنّ ما ذبحوه حلال وما قتله اللّه حرام فوقع ذلك في نفوسهم، فذلك إيحاؤهم إليهم; وقال ابن عبّاس: هم إبليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الإنس بإلقاء الوسوسة في قلوبهم.1
وفي قوله: (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) يعني الأوثان، وإنّما جعل الأوثان شركاءهم لأنّهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم.
(فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ) فيه أقوال:
أحدها: أنّهم كانوا يزرعون للّه زرعاً وللأصنام زرعاً، فكان إذا زكا الزرع الّذي زرعوه للّه ولم يزك الزرع الّذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها، ويقولون: إنّ اللّه غنيّ والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الّذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الّذي زرعوه للّه لم يجعلوا منه شيئاً للّه تعالى، و قالوا: هو غنيّ، وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه للّه وبعضه للأصنام، فما كان للّه أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أُنفق على الصنم.
وثانيها: أنّه إذا كان اختلط ما جعل للأصنام بما جُعل لله ردّوه، وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا تخرَّق الماء من الّذي للّه في الّذي للأصنام لم يسدّوه، وإذا تخرّق من الّذي للأصنام في الّذي للّه سدّوه، وقالوا: اللّه أغنى، عن ابن عبّاس وقتادة وهو المرويّ عن أئمتنا(عليهم السلام).2
وثالثها: أنّه إذا هلك ما جعل للأصنام بدّلوه ممّا جعل للّه، وإذا هلك ما جعل

1 . مجمع البيان: 4/ 150.
2. تفسير القمي: 1/217.

صفحه 75
للّه لم يبدّلوه ممّا جعل للأصنام.1
وفي قوله: (قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) يعني الشياطين الّذين زيّنوا لهم قتل البنات ووأدهنَّ2 أحياءً خيفة العيلة والفقر والعار; وقيل: كان السبب في تزيين قتل البنات أنّ النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبى نساءهم، وكان فيهنّ بنت قيس بن عاصم، ثمّ اصطلحوا فأرادت كلّ امرأة منهنّ عشيرتها غير ابنة قيس فإنّها أرادت من سباها، فحلف قيس لا تولد له بنت إلاّ وأدها، فصار ذلك سنّة فيما بينهم.3
قوله:(حِجْرٌ) أي حرام، عنى بذلك الأنعام والزرع اللّذين جعلوهما لآلهتهم وأوثانهم ( لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ): أي لايأكلها إلاّ من نشاء أن نأذن له في أكلها، وأعلم سبحانه أنّ هذا التحريم زعم منهم لا حجّة لهم فيه، وكانوا لايحلّون ذلك إلاّ لمن قام بخدمة أصنامهم من الرجال دون النساء(وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا): أي الركوب عليها، وهي السائبة والبحيرة والحام وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. قيل: كانت لهم من أنعامهم طائفة لايذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها; وقيل: إنّهم كانوا لايحجّون عليها; وقيل: هي الّتي إذا ذكّوها أهلّوا عليها بأصنامهم فلايذكرون اسم اللّه عليها(افْتِرَاءً عَلَيْهِ)لأنّهم كانوا يقولون: إنّ اللّه أمرهم بذلك (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ)يعني ألبان البحائر والسيب، عن ابن عبّاس وغيره; وقيل: يعني أجنّة البحائر والسيب ما ولد منها حيّاً فهو خالص للمذكور دون النساء، وما ولدت ميّتاً أكله الرجال والنساء; وقيل: المراد به كلاهما (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا): أي إناثنا.(4)
وفي قوله: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ) معناه: فإن لم يجدوا شاهداً يشهد

1. مجمع البيان: 4/169.
2. وأد الموءُدة يئدها وأداً: دفنها في القبر وأثقلها بالتراب وهي حيّة. تاج العروس: 2/520، مادة «وأد».
3. مجمع البيان: 4/171.   4 . مجمع البيان: 4/172ـ173.

صفحه 76
لهم على تحريمها غيرهم فشهدوا بأنفسهم فلاتشهد أنت معهم.1
قوله: (عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا): أي اليهود والنصارى(وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) أي إنّا كنّا غافلين عن تلاوة كتبهم.(2)
وفي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) قرأ حمزة والكسائيّ: «فارقوا» وهو المرويّ عن عليّ(عليه السلام).2
و اختلف في المعنيّين بهذه الآية على أقوال:
أحدها: أنّهم الكفّار وأصناف المشركين، ونسختها آية السيفْ.
وثانيها: أنّهم اليهود والنصارى لأنّهم يكفّر بعضهم بعضاً.
وثالثها: أنّهم أهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأُمّة، رواه أبوهريرة وعائشة3، وهو المرويّ عن الباقر(عليه السلام): «جعلوا دين اللّه أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً»4; وصاروا أحزاباً وفرقاً (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء) هذا خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلام له أنّه ليس منهم في شيء، وأنّه على المباعدة التامّة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة; وقيل: أي لست من مخالطتهم في شيء; وقيل: لست من قتالهم في شيء فنسختها آية القتال.(6)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأعراف   
[ما جاء في سورة الأعراف ]
الأعراف (7):(المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْك فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ5 مِنْهُ

1 . مجمع البيان: 4/188.   2 . مجمع البيان: 4/199.
2. روى العياشي في تفسيره: 1/385 ح 131 بإسناده عن كليب الصيداوي قال: سألت أباعبداللّه(عليه السلام)عن قول اللّه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) ثم قال: «كان عليٌّ يقرأها: فارقوا دينهم، ثم قال: فارق واللّه القوم دينهم».
3.مجمع الزوائد: 7/22ـ23 عن عائشة وأبي هريرة ; كنز العمّال: 2/22 برقم 2986 و 2987.
4. مجمع البيان: 4/203 ; بحار الأنوار: 31/584.   6 . مجمع البيان: 4/203.
5. قال الشيخ الطوسي في التبيان: 4/340: و قيل في معنى الحرج في الآية ثلاثة أقوال: الأوّل:   2
معناه الضيق، أي لايضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفاً ألاّ تقوم بحقّه، و إنّما أنزل إليك لتنذر به. الثاني: إنّ معناه الشك هاهنا، و المعنى لاتشك فيما يلزمك له فإنّما أنزل إليك لتنذر به. الثالث: لايضيق صدرك بأن يكذّبوك.

صفحه 77
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ * اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ). 1 ـ 3 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ): فيه أقوال:
أحدها: أنّ معنى الحرج: الضيق، أي لايضيق صدرك لتشعّب الفكر، خوفاً من أن لاتقوم بتبليغ ما أُنزل إليك حقّ القيام، فليس عليك أكثر من الإنذار.
وثانيها: أنّ معنى الحرج الشك، أي لايكن في صدرك شك فيما يلزمك من القيام بحقّه.
وثالثها: أنّ معناه: فلايضيقنَّ صدرك من قومك أن يكذّبوك ويجبهوك1بالسوء فيما أُنزل إليك، وقد روي أنَّ اللّه تعالى لمّا أنزل القرآن على رسول اللّه قال: إنِّي أخشى أن يكذّبني الناس ويثلغوا رأسي2 فيتركوه كالخبزة، فأزال اللّه تعالى الخوف عنه بهذه الآية.(3)
وقال سبحانه: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد3 وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

1. يجهموك ـ خ ل. أقول: جبه الرجل يجبهه جبهاً إذا ردّه عن حاجته، أو جبهه لقيه بمكروه، وهو مجاز; و في المحكم جبهته إذا استقبلته بكلام فيه غلظة، وجبهته بالسوء والمكروه إذا استقبلته به. تاج العروس: 9/384، مادة «جبه» .
2. ثلغ رأسه: أي شدخه. صحاح الجوهري: 4/1317، مادة «ثلغ».   3 . مجمع البيان: 4/213.
3. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 34: و هذه استعارة; لأنّ   2
الوجه لايصحّ عليه القيام و المعنى فوجّهوا وجوهكم عند كلّ مسجد، و يجوز أن يكون معنى ذلك فتوجّهوا بجملتكم نحو كلّ مسجد; لأنّ وجه الشيء عبارة عن جملته.

صفحه 78
كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * «إلى قوله»: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ «إلى قوله تعالى حاكياً عن نوح على نبيّنا وآله وعليه السلام»: أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. 28 ـ 71 .

[ التفسير ]

وفي قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) كنّى به عن المشركين الّذين
كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم، فكان يطوف الرجال والنساء عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أُمّهاتنا، ولانطوف في الثياب الّتي قارفنا فيها الذنوب; وهم الحُمس.1 قال الفرّاء: كانوا يعملون شيئاً من سيور مقطعة يشدّونه على حقويهم2 يسمّى حوفاً3، وإن عمل من صوف سمّي رهطاً، وكان تضع المرأة على قبلها النسعة4 فتقول:

1. الحُمس ـ بضم الحاء وسكون الميم ـ جمع أحمس، وهم قريش ومن ولدته وكنانة وجديلة قيس، لأنّهم تحمسّوا في دينهم، أي تشدّدوا، وكانوا يقفون بمزدلفة لا بعرفة، ويقولون: نحن أهل اللّه فلا نخرج من الحرم، وكانوا لايدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. مجمع البحرين: 1/574، مادة «حمس».
2. الحقو ـ بفتح الحاء وسكون القاف ـ : موضع شد الإزار وهو الخاصرة، ثمّ توسّعوا حتى سمّوا الإزار الّذي يشدّ على العورة حقواً. مجمع البحرين: 1/55، مادة «حقو».
3. الحوف: وهو جلد يشقّ كهيئة الإزار تلبسه الحائض والصبيان. الصحاح: 4/1347، مادة «حوف».
4. النسع: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرجال، والجمع أنساع ونسوع ونسع. والقطعة منه نسعة. وقال ابن الأثير: هو سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره، وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير. والأنساع: الحبال. لسان العرب: 8 / 352، مادة «نسع».

صفحه 79
اليوم يبدو بعضه أو كلّه *** وما بدا منه فلا أُحلّه
تعني الفرج، لأنّ ذلك لايستر ستراً تامّاً.1
وفي قوله: (فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) أي في أصنام صنعتموها أنتم وآباؤكم، واخترعتم لها أسماء سميتموها آلهة وما فيها من معنى الإلهيّة شيء، وقيل: معناه: تسميتهم لبعضها أنّه يسقيهم المطر، والآخر أنّه يأتيهم بالرزق، والآخر أنّه يشفي المرضى، والآخر أنّه يصحبهم في السفر (مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان): أي حجّة وبرهان(فَانْتَظِرُوا) عذاب اللّه فإنّه نازلٌ بكم.2
وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْك السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). 158.

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَكَلِمَاتِهِ): أي الكتب المتقدّمة والقرآن والوحي.3
وقال سبحانه: أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْء وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ

1. مجمع البيان: 4/239.
2. مجمع البيان: 4/287، وفيه: ولآخر أنّه يأتيهم بالرزق ولآخر أنّه يشفي المرضى، ولآخر أنّه يصحبهم في السفر.
3. مجمع البيان: 4/375.

صفحه 80
لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * «إلى قوله»: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْد يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِييَّ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (إلى قوله تعالى): وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَة قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ1 وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).184 ـ 203 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة): معناه: أولم يتفكّروا هؤلاء الكفّار المكذّبون بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيعلموا أنّه ليس بمجنون، إذ ليس في أقواله

1 . قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 42: وهذه استعارة ; لأنّ المراد بها القرآن، وواحد البصائر بصيرة، وهو ما يبصر به الإنسان رشده من غيّه، ويعرف به باطله من حقّه، تشبيهاً بالعين البصيرة الّتي يرى بها الإنسان مواطئ قدمه ومناهج طرقه، وإنّما قال تعالى: (بَصَائِرُ)والمراد القرآن وهو واحد كما يشتمل عليه من الآيات البيّنات والدلائل الواضحات.

صفحه 81
وأحواله ما يدلّ على الجنون، ثمّ ابتدأ بالكلام فقال: (مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة): أي ليس به جنون، وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) صعد الصفا وكان يدعو قريشاً فخذاً فخذاً1 إلى توحيد اللّه ويخوّفهم عذاب اللّه، فقال المشركون: إنّ صاحبهم قد جنَّ، بات ليلاً يصوّت إلى الصباح، فنزلت.2
وفي قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ): معناه أنّ معبودي ينصرني، ويدفع كيد الكائدين عنّي، ومعبودكم لايقدر على نصركم، فإن قدرتم لي على ضرّ فاجتمعوا أنتم مع أصنامكم، وتظاهروا على كيدي، ولاتمهلوني في الكيد والإضرار، فإنَّ معبودي يدفع كيدكم عنّي.3
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ): أي الأصنام أو المشركين4.
(خُذِ الْعَفْوَ): أي ما عفا وفضل من أموالهم، أو العفو من أخلاق الناس، و اقبل الميسور منها; وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ): أي بالمعروف(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ): أي أعرض عنهم عند قيام الحجّة عليهم والأياس من قبولهم ولاتقابلهم بالسفه. ولايقال: هي منسوخة بآية القتال، لأنّها عامّةٌ خصّ عنها الكافر الّذي يجب قتله بدليل. قال ابن زيد: لمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يا ربّ و الغضب؟ فنزل قوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ): أي إن نالك من الشيطان وسوسة ونخسة في القلب،

1. فخذاً فخذاً أي حياً حياً، قال الجزري في «النهاية»: 3/418، مادة «فخذ»، لمّا نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ): بات يفخذ عشيرته، أي يناديهم فخذاً فخذاً وهم أقرب العشيرة إليه، و قد تكرّر ذكر الفخذ في الحديث وأوّل العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ.
2. مجمع البيان: 4/402، وفيه: أو لم يتفكّروا هؤلاء المكذبون بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنبوته في أقواله وأفعاله فيعلموا .
3. مجمع البيان: 4/413.
4. مجمع البيان: 4/414. وفيه: يعني: إن دعوتم هؤلاء الذين تعبدونهم من الأصنام.

صفحه 82
أو عرض لك من الشيطان عارض.1
وفي قوله: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَة قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا): أي إذا جئتهم بآية كذّبوا بها، وإذا أبطأت عنهم يقترحونها ويقولون: هلاّ جئتنا2 من قبل نفسك، فليس كلّ ما تقوله وحياً من السماء ; وقيل: إذا لم تأتهم بآية مقترحة قالوا: هلاّ اخترتها من قبل نفسك فتسأل ربّك أن يأتيك بها.3
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة الأنفال    
[ما جاء في سورة الأنفال]
الأنفال (8): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * «إلى قوله تعالى»: وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً4 فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * «إلى قوله تعالى»: قُلْ

1. مجمع البيان: 4/414ـ415.
2. في المصدر بزيادة: به.
3. مجمع البيان: 4/417.
4. المكاء: الصفير، و التصدية: التصفيق. و إنّما سُمّي مكاؤهم بأنّه صلاة لأمرين: أحدهما: أنّهم كانوا يقيمونه فعلهم الصفير والتصفيق مقام الصلاة و الدعاء و التسبيح. و الآخر: أنّهم كانوا يعملون كعمل الصلاة ممّا فيه هذا. و التبيان: 5/116.

صفحه 83
لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ). 20 ـ 38 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) السماع هنا
بمعنى القبول وهؤلاء هم المنافقون; وقيل: هم أهل الكتاب من اليهود وقريظة والنضير; وقيل: إنّهم مشركو العرب. لأنّهم قالوا: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) يعني هؤلاء المشركين الّذين لم ينتفعوا بما يسمعون من الحقّ، ولايتكلّمون به ولايعتقدونه ولا يقرون به، فكأنّهم صمٌّ بكمٌ لايعقلون كالدوابّ، قال الباقر(عليه السلام): «نزلت الآية في بني عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: سويبط»1.2
وفي قوله:(لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) إنّما قالوا ذلك مع ظهور عجزهم عن الإتيان بمثله عداوةً وعناداً; وقيل: إنّما قالوا ذلك قبل ظهور عجزهم، وكان قائل هذا النضر بن الحارث بن كلدة، وأُسر يوم بدر فقتله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعقبة بن أبي معيط وقتله أيضاً يوم بدر.(وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ)، القائل لذلك النضر بن الحارث أيضاً ; وقيل: أبوجهل.3
وفي قوله: (إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) المكاء: الصفير، والتصدية: ضرب اليد على

1. التبيان: 5/99.
2. مجمع البيان: 4/448ـ449.
3. مجمع البيان: 4/459 ـ 460 باختصار وتصرّف.

صفحه 84
اليد، قال ابن عبّاس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، وصلاتهم معناه: دعاؤهم أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح; وقيل: أراد: ليس لهم صلاة ولا عبادة وإنّما يحصل منهم ما هو ضرب من اللّهو واللّعب; وروي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم اللّه جميعاً ببدر، ولهم يقول و لبقيّة بني عبدالدار: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) يعني عذاب السيف يوم بدر; وقيل: عذاب الآخرة.1
وفي قوله تعالى: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ): أي في نصر المؤمنين وكبت أعداء الدين.2
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة التوبة   
[ما جاء في سورة التوبة]
التوبة (9): (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِك قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ * اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ3وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ «إلى قوله»:

1. مجمع البيان: 4/463، وراجع تفسير البغوي: 2/247 ; وزاد المسير لابن الجوزي: 3/240.
2. مجمع البيان: 4/466.
3. الحبر: العالم ذمّياً كان أو مسلماً بعد أن يكون من أهل الكتاب، و قيل: هو للعالم بتحبير الكلام. تاج العروس: 6/229، مادة «حبر».

صفحه 85
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ). 30 ـ 37 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) قال ابن عبّاس: القائل لذلك جماعة منهم جاءُوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، منهم: سلاّم بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا ذلك; وقيل: إنّما قال ذلك جماعة منهم من قبل وقد انقرضوا، وإنّ عزيراً أملى التوراة من ظهر قلبه، علّمه جبرئيل(عليه السلام)فقالوا: إنّه ابن اللّه، إلاّ أنّ اللّه أضاف ذلك إلى جميعهم وإن كانوا لايقولون ذلك اليوم، كما يقال: إنّ الخوارج يقولون بتعذيب أطفال المشركين، وإنّما يقوله الأزارقة منهم خاصّة، ويدلّ على أنّ هذا مذهب اليهود أنّهم لم ينكروا ذلك لمّا سمعوا هذه الآية مع شدّة حرصهم على تكذيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا): أي عبّاد الأصنام في عبادتهم لها، أو في عبادتهم للملائكة، وقولهم: إنّهم بنات اللّه.
(اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)، روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) أنّهما قالا: أما واللّه ما صاموا لهم و لا صلّوا لهم، ولكنّهم أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم فعبدوهم من حيث لايشعرون1.
و روى الثعلبيّ بإسناده عن عديّ بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عديّ اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية حتّى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال:

1. الكافي: 1/53ح 3; باب التقليد; تفسير العياشي: 2/86 برقم 45.

صفحه 86
أليس يحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّه فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم1.2
وفي قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) يعني تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، وكانت العرب تحرّم الأشهر الأربعة، وذلك ممّا تمسّكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لايغيرون فيها، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يزول التحريم إلى المحرّم ولايفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجّة، وقال ابن عبّاس: معنى قوله: (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)أنّهم كانوا أحلّوا ما حرّم اللّه وحرّموا ما أحلّ اللّه، قال الفرّاء: والّذي كان يقوم به رجل من كنانة، يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الّذي لا أُعاب ولا أُخاب، ولايردّ لي قضاء، فيقولون: نعم صدقت أنسنا شهراً وأخّر عنّا حرمة المحرّم واجعلها في صفر وأحلّ المحرّم، فيفعل ذلك، والّذي كان ينسؤها حين جاء الإسلام جنادة بن عوف بن أُميّة الكنانيّ3; قال ابن عبّاس: وأوّل من سنّ النسيء عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف; وقال أبومسلم4: بل رجل من بني كنانة يقال له القلمس(5); وقال
مجاهد: كان المشركون يحجّون في كلّ شهر عامين فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور حتّى

1. تفسير الثعلبي: 5/34.
2. مجمع البيان: 5/42ـ44.
3. هو أبوثمامة جنادة بن عوف بن أُميّة بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة الكناني، لم يذكر أنّه أسلم، وقيل: أسلم. الإصابة: 1/609 برقم 1209.
4. في المصدر بزيادة: بن أسلم.   5 . هو القلمس بن عامر بن ثعلبة. الإصابة: 1/610.

صفحه 87
وافقت الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة، ثمّ حجّ النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في العام القابل حجّة الوداع فوافقت في ذي الحجّة، فذلك حين قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته: « ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، ورجب مضر1 الّذي بين جمادى وشعبان».2 وأراد(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و أعاد الحجّ إلى ذي الحجّة وبطل النسيء (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ): أي إنّهم لهم يحلّوا شهراً من الحرام إلاّ حرّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهراً من الحرام ليكون موافقة في العدد.3
وقال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ4 وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَ

1. في المطبوع: مفطر، والصحيح ما أثبتناه من مخطوطة بحار الأنوار وبقية أجزاء البحار والعديد من مصادر الحديث والتفسير والسيرة.
و قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: 11/168: وإنّما قيّده هذا التقييد مبالغة في إيضاحه وإزالة للبس عنه. قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجباً هذا الشهر المعروف الآن وهو الّذي بين جمادى وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا أضافه النبي(صلى الله عليه وآله)إلى مضر; وقيل: لأنّهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، وقيل: إنّ العرب كانت تسمّي رجباً وشعبان الرجبين، وقيل: كانت تسمّي جمادى ورجباً جمادين، وتسمّي شعبان رجباً. انتهى. ومضر ـ بضم الميم ـ قبيلة وهي مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
2. صحيح البخاري: 4/74، كتاب بدء الخلق، و ج5/204، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ...); سنن أبي داود: 1/435; برقم 1947 ; مسند أحمد: 5/37.
3. مجمع البيان:5/53ـ54.
4. قال الشريف الرضي في« تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 53: و هذه استعارة ظاهرة، وذلك أنّ السورة لاتزيد الأرجاس إلاّ رجساً و لا القلوب مرضاً، بل هي شفاء للصدور و جلاء للقلوب، و لكنّ المنافقين لمّا ازدادوا عند نزولها عمىً وعمهاً وازدادت قلوبهم ارتياباً ومرضاً، حسن أن يضاف ذلك إلى السورة على طريقة لأهل اللسان معروفة.

صفحه 88
لاَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ). 124 ـ 127 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ):أي يمتحنون ( فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ)
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة يونس   
بالأمراض والأوجاع، أو بالجهاد مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما يرون من نصرة اللّه رسوله، وما ينال أعداءه من القتل والسبي; وقيل: بالقحط والجوع; وقيل: بهتك أستارهم وما يظهر من خبث سرائرهم (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ): أي من القرآن وهم حضور مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كرهوا ما يسمعونه، و (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض)نظراً يؤمون به:(هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد)، وإنّما يفعلون ذلك لأنّهم منافقون يحذرون أن يعلم بهم، فكأنّهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ ثمّ يقومون فينصرفون، وإنّما يفعلون ذلك مخافة أن تنزل آية تفضحهم، وكانوا لا يقولون ذلك بألسنتهم ولكن ينظرون نظرة من يقول لغيره ذلك; وقيل: إنّ المنافقين كان ينظر بعضهم إلى بعض نظر تعنّت وطعن في القرآن، ثمّ يقولون: هل يرانا أحدٌ من المسلمين فإذا تحقّق لهم أنّه لا يراهم أحدٌ من المسلمين بالغوا فيه، وإن علموا أنّه يراهم واحد كفّوا عنه ( ثُمَّ انْصَرَفُوا) عن المجلس، أو عن الإيمان(صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عن رحمته وثوابه; وقيل: إنّه دعاءٌ عليهم.1

1. مجمع البيان: 5/147ـ 148.

صفحه 89
[ما جاء في سورة يونس ]
يونس (10): (الرَ تِلْك آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ1 قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ). 1 ـ 2 .
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَي إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * «إلى قوله»: وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ). 15 ـ 20 .

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 54:
و هذه استعارة; لأنّ المراد بالقدم هاهنا السابقة في الإيمان و التقدم في الإخلاص، والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة; لأنّ بالقدم يكون السبق و التقدّم فسميّت قدماً لذلك، و إن كان التأخّر أيضاً يكون بها كما يكون التقدّم بخطوها، وإنّما سمّيت بأشرف حالاتها و أنبه متصرفاتها وقال بعضهم: إيمانهم في الدنيا هو قدمهم في الآخرة; لأنّ معنى القدم في العربية الشيء تقدّمه أمامك ليكون عدّة لك حتى تقدم عليه. وقال بعضهم: ذكر القدم هاهنا على طريق التمثيل و التشبيه كما تقول العرب: قد وضع فلان رجله في الباطل وتخطّى إلى غير الواجب، و معناه أنّه انتقل إلى فعل ذلك كما ينتقل الماشي و إن لم يحرّك قدمه و لم ينقل خطاه.

صفحه 90

[ التفسير ]

وفي قوله:(قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): أي لا يؤمنون بالبعث والنشور (ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا)الّذي تتلوه علينا(أَوْ بَدِّلْهُ) فاجعله على خلاف ما تقرؤه، والفرق بينهما أنَّ الإتيان بغيره قد يكون معه، وتبديله لايكون إلاّ برفعه; وقيل: معنى قوله: (بَدِّلْهُ) غيّر أحكامه من الحلال والحرام، أرادوا بذلك زوال الحظر عنهم وسقوط الأمر منهم وأن يخلّى بينهم وبين ما يريدون (وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ): أي ولا أعلمكم اللّه به بأن لاينزله عليّ (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ): أي أقمت بينكم دهراً طويلاً من قبل إنزال القرآن فلم أقرأه عليكم ولا ادّعيت نبوّة حتّى أكرمني اللّه به (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفّار أنّهم قالوا: إنّا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند اللّه، و إنّ اللّه أذن لنا في عبادتها، وأنّه سيشفّعها فينا في الآخرة; وتوهّموا أنّ عبادتها أشدُّ في تعظيم اللّه سبحانه من قصده تعالى بالعبادة، فجمعوا بين قبيح القول وقبيح الفعل وقبيح التوهّم; وقيل: معناه: هؤلاء شفعاؤنا في الدنيا لإصلاح معاشنا1، عن الحسن، قال: لأنّهم كانوا يقرّون بالبعث بدلالة قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ)(2)، (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ): أي تخبرون اللّه بما لايعلم من حسن عبادة الأصنام وكونها
شافعة، لأنَّ ذلك لو كان صحيحاً لكان تعالى به عالماً، ففي نفي علمه بذلك نفي المعلوم.2

1. في المصدر: معاشها.   2 . النحل:38.
2. مجمع البيان: 5/166ـ169.

صفحه 91
وقال تعالى:(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِك السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ1* كَذَلِك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ* قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِك كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَاْنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّك أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ2* وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْك أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ

1. قوله تعالى: (فَأَنّى تُصْرَفُونَ) أي كيف تصرفون و تعدلون عن عبادته مع وضوح الدلالة على أنّه لا معبود سواه، و الصرف هو الذهاب عن الشيء، فالصرف عن الحق ذهاب إلى الباطل، و قد أنكر الله ذلك. و فيه دلالة على أنّه من فعل غيره من الغواة; لأنّه لو كان من فعله لما أنكره كما لم ينكر شيئاً من أفعال نفسه. التبيان: 5/372.
2. قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: 10/67: في الآية المذكورة: الاستفهام للإنكار،   2
وقوله: (وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ) قرينة على أنّ المراد بنفي السمع نفي ما يقارنه من تعقّل ما يدلّ عليه الكلام المسموع، و هو المسمّى بسمع القلب. و المعنى: و منهم الذين يستمعون إليك و هم صم لا سمع لقلوبهم، و لست أنت قادراً على إسماعهم و لا سمع لهم.

صفحه 92
وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ * «إلى قوله»: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لاَ أَمْلِك لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ءَآلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ1 * وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * «إلى قوله»: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ* قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءاَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ * «إلى قوله»: وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلاَ إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِك لاَيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * «إلى قوله»: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّك لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَة حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ

1 . هذه الآية سقطت من نسخة البحار المطبوعة.

صفحه 93
الأَلِيمَ * «إلى قوله»: وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لاَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * «إلى قوله»: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِك حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ1 * وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُك وَلاَ يَضُرُّك فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّك إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * «إلى قوله سبحانه»: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْك وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ). 31 ـ 109 .

[ التفسير ]

وفي قوله: (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) فيها دلالةٌ على أنّهم كانوا يقرُّون بالخالق وإن كانوا مشركين، فإنَّ جمهور العقلاء يقرُّون بالصانع سوى جماعة قليلة من ملحدة الفلاسفة، ومن أقرَّ بالصانع على هذا صنفان: موحّدٌ يعتقد أنّ الصانع واحدٌ لايستحقّ العبادة غيره، ومشركٌ وهم ضربان: فضرب جعلوا للّه شريكاً في ملكه

1. قال الشريف الرضي في «تلخيص البيان في مجازات القرآن»: 57: فهذه استعارة، و المراد بها استقم على دينك و اثبت على طريقك، و خصّ الوجه بالذكر، لأنّ به يعرف توجه الجملة نحو الجهة المقصودة و قد يجوز أن يكون المراد بذلك ـ والله أعلم ـ أقم وجهك أي قوّمه نحو القبلة التي هي الكعبة مستمراً على لزومها و غير منحرف عن جهتها.

صفحه 94
يضادّه ويناويه وهم الثنويّة1 والمجوس2; ثمّ اختلفوا فمنهم من يثبت للّه شريكاً قديماً كالمانويّة3، ومنهم من يثبت للّه شريكاً محدثاً كالمجوس، وضرب آخر لايجعل للّه شريكاً في حكمه وملكه، ولكن يجعل له شريكاً في العبادة يكون متوسّطاً بينه وبين الصانع وهم أصحاب المتوسّطات، ثمّ اختلفوا فمنهم من جعل الوسائط من الأجرام العلويّة كالنجوم والشمس والقمر، ومنهم من جعل المتوسّط من الأجسام السفليّة كالأصنام ونحوها، تعالى اللّه عمّا يقول الزائغون عن سبيله علوّاً كبيراً.4
وفي قوله تعالى: (أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى) الأصنام لاتهتدي ولاتهدي أحداً وإن هديت، لأنّها موات من حجارة ونحوها، ولكنَّ الكلام نزل على أنّها إن هديت اهتدت لأنّهم لمّا اتّخذوها آلهة عبّر عنها كما يعبّر عمّن يعقل ووصفت بصفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك، ألاترى إلى قوله تعالى:5(إِنَّ

1. الثنوية: هم أصحاب الاثنين الأزليّين يزعمون أنّ النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنّهم قالوا بحدوث الظلام، وهم يقولون بتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر و الطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح. الملل والنحل للشهرستاني: 1/244.
2. المجوس أثبتوا أصلين ـ النور والظلمة ـ لكنّهم زعموا أنّ الأصلين لايجوز أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة محدثة، وهم على فرق، منها: الكيومرثية والزروانية والزردشتية. و لهم عقائد خاصّة، فمن أراد المزيد فليراجع: الملل والنحل: 1/233 وما بعدها.
3. المانويّة: هم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى بن مريم(عليه السلام) أحدث ديناً بين المجوسيّة والنصرانيّة، وكان يقول بنبوة عيسى(عليه السلام)، ولايقول بنبوة موسى(عليه السلام)، وزعم ماني أنّ العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنّهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلاّ من أصل قديم، وزعم أنّهما لم يزالا قويين حسّاسين درّاكين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان وفي الحيّز متحاذيان. الملل والنحل:1/244.
4. مجمع البيان: 5/184.
5. في المصدر بزيادة: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِك لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)، وقوله.:

صفحه 95
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)1، (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)، وقوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا)(2) الآية، وكذا قوله: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)(3) فأُجري عليه اللَّفظ كما يجري على من يعلم; وقيل: المراد بذلك الملائكة والجنّ; وقيل: الرؤساء والمضلّون الّذين يدعون إلى الكفر; وقيل: إنّ المعنى في قوله: (لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى)لايتحرّك إلاّ أن يحرّك (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ): أي بما لم يعلموه من جميع وجوهه; لأنَّ في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل، ويحتاج إلى الفكر فيه، أو الرجوع إلى الرسول في معرفة مراده مثل المتشابه، فالكفّار لمّا لم يعرفوا المراد بظاهره كذّبوا به; وقيل: أي لم يحيطوا بكيفيّة نظمه وترتيبه، وهذا كما أنّ الناس يعرفون ألفاظ الشعر والخطب ومعانيها وما يمكنهم إبداعها لجهلهم بنظمها وترتيبها; وقال الحسن: معناه: بل كذّبوا بالقرآن من غير علم ببطلانه; وقيل: معناه: بل كذّبوا بما في
القرآن من الجنّة والنار والبعث والنشور والثواب والعقاب.2
وفي قوله: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ): هذا الاستفهام معناه التفظيع والتهويل كما يقول الإنسان لمن هو في أمر يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟ وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): «يريد بذلك عذاباً ينزل من السماء على فسقة أهل القبلة في آخر الزمان».(5)
(أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) هذا استفهام إنكار، وتقديره: أحين وقع بكم العذاب المقدّر الموقّت آمنتم به، أي باللّه أو بالقرآن أو بالعذاب الّذي كنتم تنكرونه؟ فيقال لكم: الآن تؤمنون به (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ): أي بالعذاب (تَسْتَعْجِلُونَ)من قبل مستهزئين.3

1. الأعراف: 194.   2. الأعراف: 195.   3 . فاطر: 14.
2. مجمع البيان: 5/187ـ 190.   5 . تفسير القمي: 1/312.
3. مجمع البيان: 5/197.

صفحه 96
وفي قوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ) قيل: فضل اللّه الإسلام ورحمته القرآن; وقيل: بالعكس; وقال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): « فضل اللّه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ورحمته عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)»1; وروى ذلك الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس2.3
وفي قوله: (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً) يعني ما حرّموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأمثالها.4
وفي قوله: (وَلاَ يَحْزُنْك قَوْلُهُمْ): أي أقوالهم المؤذية كقولهم: إنّك ساحر أو مجنون. (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ) يحتمل (مَا)هاهنا وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى أيّ شيء، تقبيحاً لفعلهم.
والآخر: أن يكون نافية أي وما يتّبعون شركاء في الحقيقة.
ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون بمعنى الَّذي ويكون منصوباً بالعطف على (مِنْ) ويكون التقدير: والّذي يتّبع الأصنام الّذين يدعونهم من دون اللّه شركاء.5
احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في سورة هود   
وفي قوله: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل): أي ما أنا بحفيظ لكم عن الإهلاك إذا لم تنظروا أنتم لأنفسكم، والمعنى أنّه ليس عليَّ إلاّ البلاغ، ولايلزمني أن أجعلكم مهتدين، وأن أُنجيكم من النار كما يجب على من وكّل على متاع أن يحفظه من الضرر.6

1. تفسير فرات: 179 برقم 231; تفسير القمي: 1/313; بحار الأنوار: 35/427.
2. أمالي الطوسي: 254 ح50، المجلس التاسع; مناقب آل أبي طالب: 3/315 .
3. مجمع البيان: 5/201.
4 . مجمع البيان: 5/202.
5. مجمع البيان: 5/206ـ207.
6. مجمع البيان: 5/238.

صفحه 97
[ما جاء في سورة هود ]
هود (11):(الرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير * إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ1 لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * «إلى قوله»: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * «إلى قوله»: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْك وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * «إلى قوله»: فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَة مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ). 1 ـ 17 .

1. روي عن ابن عبّاس أنّه قرأ: (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) على وزن (يحلون) و أراد المبالغة و قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: يثنونها على عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قيل: يثنونها على ما هم عليه من الكفر، و قيل: يثني الكافر صدره على سبيل الانحناء في خطابه لكافر مثله ممّن يختصه لئلا يعرف الله ما أضمره. وقال أبوعبدالله بن شدّاد: ولى ظهره إذا رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغطّى وجهه بالثوب، وأصل الثني العطف تقول: ثنيته عن كذا أي غطيته، ومنه الاثنان لعطف أحدهما على الآخر في المعنى. التبيان: 5/449.

صفحه 98

[ التفسير ]

وفي قوله: (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمّىً) يعني يمتّعكم في الدنيا بالنعم السابقة في الخفض والدعة والأمن والسعة إلى الوقت الّذي قدّر لكم أجل الموت فيه(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْل فَضْلَهُ): أي ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل جزاء إفضاله، أو كلّ ذي عمل صالح ثوابه على قدر عمله (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) قيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكان حلو الكلام يلقى رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يحبّ وينطوي بقلبه على ما يكره، عن ابن عبّاس1; وروى العيّاشيّ بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبداللّه أنّ المشركين إذا مرّوا برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا ـ وغطّى رأسه بثوبه ـ حتّى لايراه رسول اللّه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.2(أَلاَ إِنَّهُمْ)يعني الكفّار والمنافقين (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ): أي يطوونها على ما هم عليه من الكفر، عن الحسن; وقيل: معناه: يخفون صدورهم3 لكيلا يسمعوا كتاب اللّه وذكره; وقيل: يثنونها على عداوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: إنّهم كانوا إذا قعدوا مجلساً على معاداة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والسعي في أمره بالفساد انضمّ بعضهم إلى بعض وثنّى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ): أي ليخفوا ذلك من اللّه تعالى على القول الأخير، وعلى الأقوال الأُخر: ليستروا ذلك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ): أي يتغطّون بثيابهم ثمّ يتفاوضون فيما كانوا يدبّرونه على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين ويكتمونه; وقيل: كنّى باستغشاء ثيابهم عن اللّيل لأنّهم يتغطّون بظلمته.4

1. تفسير الثعلبي: 5/157; تفسير البغوي: 2/373.
2. تفسير العيّاشي: 2/139 برقم 2.
3. في المصدر: يحنون صدورهم.
4. مجمع البيان: 5/2241ـ244.

صفحه 99
وفي قوله: (إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة): أي إلى أجل مسمّى ووقت معلوم، عن ابن عبّاس ومجاهد; وقيل: أي إلى جماعة يتعاقبون فيصرّون على الكفر ولايكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح; وقيل: إنَّ الأُمة المعدودة هم أصحاب المهديّ عجّل اللّه تعالى فرجه في آخر الزمان، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدّة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف،1 وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبداللّه(عليهما السلام)2.(3)
وفي قوله: (فَلَعَلَّك تَارِكٌ) روي عن ابن عبّاس أنّ رؤساء مكّة من قريش أتوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: يا محمّد إن كنت رسولاً فحوّل لنا جبال مكّة ذهباً، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوّة، فأنزل اللِّه تعالى:(فَلَعَلَّك تَارِكٌ)الآية.
و روى العيّاشيّ بإسناده عن أبي عبداللّه(عليه السلام) أنَّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام): «إنّي سألت ربِّي أن يواخي بيني وبينك ففعل، فسألت ربّي أن يجعلك وصيّي ففعل»; فقال بعض القوم3: واللّه لصاعٌ من تمر في شنّ4 بال أحبّ إلينا ممّا سأل محمّد ربّه، فهلاّ سأله ملكاً يعضده على عدوّه؟ أو كنزاً يستعين به على فاقته؟! فنزلت الآية.5
(فَلَعَلَّك تَارِك بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْك) وهو ما فيه سبّ آلهتهم فلا تبلغهم

1. القزع: السحاب المتفرّق، واحدتها قزعة، وقزع الخريف: يعني قطع السحاب لأنّه أوّل الشتاء، والسحاب يكون فيه متفرّقاً غير متراكم ولا مطبق ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك. لسان العرب: 8/271، مادة «قزع».
2. ينابيع المودة: 3/241 برقم 20.   3 . مجمع البيان: 5/246.
3. في المصدر: فقال رجلان من قريش.
4. الشن: القربة الخَلَق، وهي الشنّة أيضاً، وكأنّها صغيرة، والجمع: الشنان; وهي أشدّ تبريداً للماء من الجدد، ومنه حديث قيام الليل; فقام إلى شن معلّقة أي قربة. صحاح الجوهري: 5/2146، مادة «شنن» ; النهاية لابن الأثير: 2/506، مادة «شنن».
5. تفسير العياشي: 2/141 ح11.

صفحه 100
إيّاه خوفاً منهم. (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُك): أي ولعلّك يضيق صدرك بما يقولون وبما يلحقك من أذاهم وتكذيبهم; وقيل: باقتراحاتهم (أَنْ يَقُولُوا): أي كراهة أو مخافة أن يقولوا (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) من المال (أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ)يشهد له، وليس قوله: (فَلَعَلَّك) على وجه الشكّ، بل المراد به النهي عن ترك أداء الرسالة والحثّ عليه1، كما يقول أحدنا لغيره وقد علم من حاله أنّه يطيعه ولايعصيه ويدعوه غيره إلى عصيانه: لعلّك تترك بعض ما آمرك به لقول فلان، وإنّما يقول ذلك ليوئس من يدعوه إلى ترك أمره.2
(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات): أي إن كان هذا مفترى على اللّه كما زعمتم فأتوا بعشر سور مثله في النظم والفصاحة، مفتريات على زعمكم، فإنّ القرآن نزل بلغتكم، وقد نشأت أنا بين أظهركم، فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنّه من عند اللّه ،و هذا صريح في التحدّي، وفيه دلالةٌ على جهة إعجاز القرآن وأنّها هي الفصاحة والبلاغة في هذا النظم المخصوص، لأنّه لو كان جهة الإعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق، لأنّ البلاغة ثلاث طبقات، فأعلى طبقاتها معجز، وأدناها وأوسطها ممكنٌ، فالتحدّي في الآية إنّما وقع في الطبقة العليا منها، ولو كان وجه الإعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الإعجاز، والمثل المذكور في الآية لايجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس، لأنّ مثله في الجنس يكون حكايته فلايقع بها التحدّي، وإنّما يرجع ذلك إلى ما هو متعارفٌ بين العرب في تحدّي بعضهم بعضاً كما اشتهر من مناقضات امرئ القيس وعلقمة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، وجرير والفرزدق وغيرهم.
(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ): أي ليعينوكم على معارضة القرآن (إِنْ

1 . في المصدر: على أدائها.
2. مجمع البيان: 5/249.
Website Security Test