welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في اصول الفقه *
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في اصول الفقه

صفحه 1
الموجز في أُصول الفقه

صفحه 2
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
(التوبة ـ 122)

صفحه 3
الموجز
في
أُصول الفقه
دورة أُصولية موجزة
للمبتدئين في هذا العلم
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
قرّرت اللّجنة العلميّة المشرفة على المناهج الدراسىّء في الحوزة العلمية تدريسَه لطلاّب السنة الرابعة

صفحه 4
هوية الكتاب

صفحه 5
   
    الموجز في أُصول الفقه
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على سيّد الأنبياء و المرسلين
محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد: فهذا كتاب وجيز في أُصول الفقه يستعرض أهمّ المسائل الأُصوليّة الّتي تعدّ أُسُسَاً لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعيّنة.
وقد وضعته للمبتدئين في هذا الفن، و الغرض من وراء ذلك، إيقافهم على أُمّهات المسائل من دون إيجاز مخلّ، و لا إطناب مملّ.
لقد كان كتاب المعالم الذي ألّفه الشيخ حسن بن زين الدين العاملي ـ قدّس اللّه سرّهما ـ هو الدارج في الحوزات العلمية لهذا الغرض، و قد أدّى ـ بحق ـ رسالته في العصور السالفة.
غير أنّه لمّا طرحت بعد تأليفه، أبحاث أُصولية جديدة لم يتعرض لها هذا الكتاب، اقتضت الحاجة إلى تأليف كتاب آخر يضمُّ في طيّاته الأبحاث الأُصولية الجديدة بعبارات واضحـة، و متلائمـة مع اللغة العلمية الدارجة في الحوزة مع تطبيقات تساعده بشكل أفضل على فهم المسائل الأُصولية في مختلف الأبواب والإشارة إلى مواضعها في الكتب الفقهية.

صفحه 6
و لقد استعرضت فيه ما هو المشهور لدى المتأخرين من أصحابنا الأُصوليين إلاّ شيئاً نادراً ، و ربما كان المختار عندي غيره، لكن لم أُشر إليه لتوخّي الإيجاز، وصيانة الذهن عن التشويش.
كما تركت الخوض في البحوث المطروحة في الدراسات العليا، و ربما أشرت إلى بعض عناوينها في الهامش، وأسميته بـ «الموجز في أُصول الفقه» إيعازاً إلى أنّ الكتاب صورة موجزة للمسائل الأُصولية المطروحة.
والنهج السائد في الكتب الدراسية هو الاقتصار على أقلّ العبارات بتعابير وافية بالمراد وخالية عن التعقيد وإيكال التفصيل والشرح إلى الأُستاذ وإلاّ يخرج عن كونه متناً دراسياً. ورائدنا في تنظيم المقاصد والمباحث هو الكتب المتداولة في الأُصول، نظير الفرائد والكفاية وتقريرات الأعاظم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ .
و الأمل أن يكون الكتاب وافياً بالغاية المنشودة، واقعاً مورد الرضا و نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير و الرشاد.
المؤلّف

صفحه 7

الفهرس العام لهذا الكتاب

1. المقدمة تتضمّن اثني عشر أمراً.
2. المقصد الأوّل في الأوامــر وفيه تسعة فصول.
3. المقصد الثاني في النواهـي وفيه ستة فصول.
4. المقصد الثالث في المفاهيم وفيه خمسة أُمور وستة فصول.
5. المقصد الرابـع في العمـوم والخصوص وفيه ثمانية فصول.
6. المقصد الخامس في المطلق والمقيد والمجمل والمبين وفيه ستة فصول.
7. المقصد السادس في الحجج والأمارات وفيه مقامات ثلاثة.
8. المقصد السابع في الأُصول العملية وفيه فصول أربعة.
9. المقصد الثامن في تعارض الأدلّة وفيه أُمور أربعة وفصلان.
و قبل الخوض في المباحث الأُصوليّة نذكر أُموراً كمقدّمة للكتاب:

صفحه 8

المقدّمة:

وفيها أُمور:
الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وموضوعه وغايته.
الأمر الثاني: في تقسيم المباحث الأُصولية إلى لفظية وعقلية.
الأمر الثالث: في الوضع وأقسامه الأربعة وتقسيمه أيضاً إلى شخصي ونوعي.
الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصورية وتصديقية.
الأمر الخامس: في الحقيقة والمجاز.
الأمر السادس: علامات الحقيقة والمجاز
الأمر السابع: الأُصول اللفظية.
الأمر الثامن: الاشتراك والترادف وإمكانهما ووقوعهما.
الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى.
الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية والمتشرعية.
الأمر الحادي عشر: في أنّ أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أو للأعم.
الأمر الثاني عشر: المشتق و أنـّه موضوع للمتلبس بالمبدأ أو للأعم.

صفحه 9

الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول

وموضوعه وغايته

إنّ لفظة أُصول الفقه تشتمل على كلمتين تدلاّن على أنّ هنا أُصولاً وقواعد يتّـكل الفقه عليها، فلابدّ من تعريف الفقه أوّلاً، ثمّ تعريف أُصوله ثانياً.
الفقه ـ على ما هو المعروف في تعريفه ـ : هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية.
فخرج بقيد«الشرعية» العقلية، وبـ«الفرعية» الاعتقادية و المسائل الأُصولية وبـ «التفصيلية» علم المقلِّد بالأحكام، فإنّه و إن كان عالماً بالأحكام، لكنّه لا عن دليل تفصيلي، بل بتبع دليل إجمالي و هو حجّية رأي المجتهد في حقّه في عامة الأحكام، وأمّا المجتهد فهو عالم بكلّ حكم عن دليله الخاص.
الأُصول وإليك بيان أُمور ثلاثة فيه:
1. تعريفه: هو علم يبحث فيه عن القواعد التي يتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية عن الأدلّة.
و على ذلك فعلم أُصول الفقه من مبادئ الفقه، ويتكفّل بيان كيفيّة إقامة الدليل على الحكم الشرعي.
2.موضوعه: كلّ شيء يصلح لأن يكون حجّة في الفقه و من شأنه أن يقع في طريق الاستنباط.
فإنّه ليس كلّ قاعدة علمية تصلح لأن تكون حجّة في الفقه، فليس لمسائل العلوم الطبيعية و لا الرياضية، هذه الصلاحية، و إنّما هي لعديد من المسائل،

صفحه 10
كظواهر الكتاب و خبر الواحد، و الشهرة الفتوائية، إلى غير ذلك .
3. غايته: القدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها و العثور على أُمور يحتج بها في الفقه على الأحكام الشرعية.
ومما ذكرنا يعلم وجه الحاجة إلى أُصول الفقه، فإنّ الحاجة إليه كالحاجة إلى علم المنطق، فكما أنّ المنطق يرسم النهج الصحيح في كيفية إقامة البرهان، فهكذا الحال في علم الأُصول; فإنّه يُبيّـن كيفية إقامة الدليل على الحكم الشرعي.

الأمر الثاني: تقسيم مباحثه

تنقسم المباحث الأُصولية إلى أربعة أنواع:
الأوّل: المباحث اللفظية و يقع البحث فيها عن مداليل الألفاظ و ظواهرها التي تقع في طريق الاستنباط نظير ظهور صيغة الأمر في الوجوب.
الثاني: المباحث العقلية ويقع البحث فيها عن الأحكام العقلية الكلية التي تقع في طريق الاستنباط نظير البحث عن وجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته.
الثالث: مباحث الحجج والأمارات كالبحث عن حجّية خبر الواحد.
الرابع: مباحث الأُصول العملية، وهي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقد الدليل على الحكم الشرعي.
ويمكن تقسيمها بملاك آخر وهو تقسيمها إلى مباحث لفظيّة، وعقليّة وهذا هو الرائج بين المتأخّرين ورتّبنا كتابنا على ترتيب مباحث الكفاية.

الأمر الثالث: الوضع

إنّ دلالة الألفاظ على معانيها دلالة لفظية وضعيةو الوضع قد عُرِّف بوجوه

صفحه 11
أوضحها:
جعل اللفظ في مقابل المعنى و تعيينه للدلالة عليه.
و ربما يُعرَّف: انّه نحو اختصاص للّفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة، ويسمّى بالوضع التعييني، وكثرة استعماله أُخرى ويسمّى بالوضع التعيّني.
والفرق بين التعريفين واضح، فإنّ الأوّل لا يشمل إلاّالتعييني بخلاف الثاني فانّه أعمّ منه و من التعيّني.

أقسام الوضع

ثمّ إنّ للوضع ـ في مقام التصوّر ـ أقساماً أربعة:
1. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
2. الوضع العام و الموضوع له العام.
3. الوضع العام و الموضوع له الخاص.
4. الوضع الخاص و الموضوع له العام.
ثمّ إنّ الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً هو كون المعنى الملحوظ حين الوضع جزئياً أو كلّياً.
فإن كان الملحوظ خاصّاً ووضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الأوّل، كوضع الأعلام الشخصية .
وإن كان الملحوظ عامّاً و وضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الثاني، كأسماء الأجناس.
وإن كان الملحوظ عامّاً و لم يوضع اللفظ بازائه بل وضع لمصاديق ذلك

صفحه 12
العام، فهو من القسم الثالث، كالأدوات والحروف على ما هو المشهور، فالواضع على هذا القول تصوَّر مفهومي الابتداء و الانتهاء الكليّين ثمّ وضع لفظة «من» و«إلى» لمصاديقهما الجزئية التي يعبّر عنها بالمعاني الحرفية .
وإن كان الملحوظ خاصّاً، و وضع اللفظ للجامع بين هذا الخاص والفرد الآخر، فهو من القسم الرابع.
المعروف إمكان الأوّلين ووقوعهما في عالم الوضع، وإمكان الثالث، و إنّما البحث في وقوعه.و قد عرفت أنّ الوضع في الحروف من هذا القبيل.
إنّما الكلام في إمكان الرابع فضلاًعن وقوعه، فالمشهور استحالة الرابع فيقع الكلام فيما هو الفرق بين الثالث حيث قيل بإمكانه، والرابع حيث قيل بامتناعه.
وجهه: انّ الملحوظ العام في القسم الثالث له قابلية الحكاية عن مصاديقه وجزئياته، فللواضع أن يتصوّر مفهوم الابتداء و الانتهاء و يضع اللّفظ لمصاديقهما التي تحكي عنها مفاهيمهما.
و هذا بخلاف الرابع فإنّ الملحوظ لأجل تشخّصه بخصوصيات يكون خاصّاً، ليست له قابلية الحكاية عن الجامع بين الأفراد، حتى يوضع اللّفظ بازائه.
وبالجملة العام يصلح لأن يكون مرآة لمصاديقه الواقعة تحته، و لكن الخاص لأجل تضيّقه و تقيّده لا يصلح أن يكون مرآة للجامع بينه و بين فرد آخر.

تقسيم الوضع بحسب اللفظ الموضوع

ثمّ إنّ ما مرّ تقسيم للوضع حسب المعنى، و ثمة تقسيم آخر له حسب اللفظ الموضوع إلى شخصي ونوعي.
فإذا كان اللفظ الموضوع متصوّراً بشخصه، فيكون الوضع شخصيّاً كتصوّر

صفحه 13
لفظ زيد بشخصه; و أمّا إذا كان متصوّراً بوجهه و عنوانه، فيكون الوضع نوعيّاً، كهيئة الفعل الماضي التي هي موضوعة لانتساب الفعل إلى الفاعل في الزمان الماضي، و لكن الموضوع ليس الهيئةَ الشخصية في ضرب أو نصر مثلاً، بل مطلق هيئة «فعل»، في أيّ مادة من المواد تحقّقت.
وبذلك يعلم أنّ وضع الهيئة في الفاعل و المفعول و المفعال هو نوعي لا شخصي.

الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصوّرية و تصديقيّة

تنقسم دلالة اللّفظ إلى تصوّرية و تصديقيّة.
فالدلالة التصوّرية: هي عبارة عن انتقال الذهن إلى معنى اللّفظ بمجرّد سماعه و إن لم يقصده اللاّفظ، كما إذا سمعه من الساهي أو النائم.
وأمّا الدلالة التصديقيّة: فهي دلالة اللّفظ على أنّ المعنى مراد للمتكلّم ومقصود له.
فالدلالة الأُولى تحصل بالعلم باللغة، و أمّا الثانية فتتوقف على أُمور:
أ. أن يكون المتكلم عالماً باللغة.
ب. أن يكون في مقام البيان والإفادة.
ج. أن يكون جادّاً لا هازلاً.
د. أن لا ينصب قرينة على خلاف المعنى الحقيقي.

صفحه 14

الأمر الخامس: الحقيقة والمجاز

الاستعمال الحقيقي: هو إطلاق اللّفظ و إرادة ما وضع له، كإطلاق الأسد وإرادة الحيوان المفترس.
و أمّا المجاز: فهو استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، مع وجود علقة بين الموضوع له و المستعمل فيه بأحد العلائق المسوِّغة، كإطلاق الأسد و إرادة الرجل الشجاع.
ثمّ إذا كانت العلقة هي المشابهة بين المعنيين فيطلق عليه الاستعارة، وإلاّفيطلق عليه المجاز المرسل كإطلاق الجزء و إرادة الكلّ كالعين و الرقبة.
هذا هو التعريف المشهور للمجاز، و هناك نظر آخر موافق للتحقيق، وحاصله:
إنّ اللّفظ ـ سواء كان استعماله حقيقيّاً أو مجازيّاً ـ يستعمل فيما وضع له، غير أنّ اللّفظ في الأوّل مستعمل في الموضوع له من دون أي ادّعاء و مناسبة، و في الثاني مستعمل في الموضوع له لغاية ادّعاء انّ المورد من مصاديق الموضوع له، كما في قول الشاعر:
لَدى أسد شاكي السلاحِ مُقَذَّف *** لــه لِبَــد أظفــارهُ لـم تُقَــلَّم1
فاستعمل لفظ الأسد ـ حسب الوجدان ـ في نفس المعنى الحقيقي لكن بادّعاء انّ المورد ـ أي الرجل الشجاع ـ من مصاديقه وأفراده حتّى أثبت له آثار الأسد من اللُبد و الأظفار، وهذا هو خيرة أُستاذنا السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه .2

1 . البيت لزهير بن أبي سلمى، و هو في ديوانه ص 24; و لسان العرب ج9، ص 277، قذف.
2 . تهذيب الأُصول: 1/44.

صفحه 15
و الحاصل: أنّه لو كان تفهيم المعنى الموضوع له هو الغاية من وراء الكلام، فالاستعمال حقيقي، و إن كان مقدّمة و مرآة لتفهيم فرد ادّعائي و لو بالقرينة فالاستعمال مجازي.

الأمر السادس: علامات الحقيقة و المجاز

إذا استعمل المتكلم لفظاً في معنى معيّن، فلو عُلِم أنّه موضوع له، سمِّي هذا الاستعمال حقيقيّاً، و أمّا إذا شُكّ في المستعمل فيه وأنّه هل هو الموضوع له أو لا؟ فهناك علامات تميّز بها الحقيقة عن المجاز.

1. التبادر:

هو انسباق المعنى إلى الفهم من نفس اللّفظ مجرّداً عن كلّ قرينة، و هذا يدلّ على أنّ المستعمل فيه معنى حقيقيّ، إذ ليس لحضور المعنى في الذهن سبب سوى أحد أمرين، إمّا القرينة، أو الوضع، و الأوّل منتف قطعاً كما هو المفروض، فيثبت الثاني.

2. صحّة الحمل و السلب:

إنّ صحّة الحمل دليل على أنّ الموضوع الوارد في الكلام قد وضع للمحمول كما أنّ صحّة السلب دليل على عدم وضعه له.
توضيحه: أنّ الحمل على قسمين:
الأوّل: الحمل الأوّلي الذاتي، و هو ما إذا كان المحمول نفسَ الموضوع مفهوماً بأن يكون ما يفهم من أحدهما نفسَ ما يفهم من الآخر، مع اختلاف بينهما

صفحه 16
في الإجمال والتفصيل كما إذا قلنا: الأسد حيوان مفترس، والإنسان حيوان ناطق.
الثاني: الحمل الشائع الصناعي، و هو ما إذا كان الموضوع مغايراً للمحمول في المفهوم، ولكن متحداً معه في الخارج، كما إذا قلنا :زيد إنسان، فما يفهم من أحدهما غير ما يفهم من الآخر غير أنّهما متحقّقان بوجود واحد في الخارج.
إذا اتّضح ما تلوناه عليك، فاعلم أنّ المقصود من أنّ صحّة الحمل أو صحّة السلب علامة للحقيقة و المجاز هو القسم الأوّل، فصحّة الحمل و الهوهوية تكشف عن وحدة المفهوم و المعنى و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّ صحّة السلب تكشف عن خلاف ذلك، مثلاً إذا صحّ حمل الحيوان المفترس على الأسد بالحمل الأوّلي يكشف عن أنّ المحمول نفس الموضوع مفهوماً، و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّه إذا صحّ سلب الحيوان الناطق عن الأسد بالحمل الأوّلي كما إذا قيل: الأسد ليس حيواناً ناطقاً يكشف عن التغاير المفهومي بينهما، و هو يلازم عدم وضع أحدهما للآخر.

3. الإطّراد:

هي العلامة الثالثة لتمييز الحقيقة عن المجاز و توضيح ذلك:
إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كليّ بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية، في زيد و عمرو و بكر، مع القطع بعدم كونه موضوعاً لكلّ واحد على حدة، يستكشف منه وجود جامع بين الأفراد قد وضع اللّفظ بازائه.
فالجاهل باللغة إذا أرادالوقوف على معاني اللغات الأجنبية من أهل اللغة، فليس له سبيل إلاّ الاستماع إلى محاوراتهم، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصّاً يستعمل مع محمولات عديدة في معنى معيّن، كما إذا قال الفقيه: الماء طاهر و مطهّر، و قال الكيميائي: الماء رطب سيال، وقال الفيزيائي: الماء لا لون له، يقف على أنّ اللّفظ

صفحه 17
موضوع لما استعمل فيه، لأنّ المصحّح له إمّا الوضع أو العلاقة، و الثاني لا اطّراد فيه، فيتعيّن الأوّل.
و لنذكر مثالاً آخر:
إنّ آية الخمس، أعني قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِوَ لِذِي القُربى وَ اليَتامى وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيل)(الأنفال/41) توجب إخراج الخمس عن الغنيمة.
فهل الكلمة(الغنيمة) موضوعة للغنائم المأخوذة في الحرب، أو تعمّ كلّ فائدة يحوزها الإنسان من طرق شتى؟
يُستكشف الثاني عن طريق الاطّراد في الاستعمال، فإذا تتبعنا الكتاب والسنّة نجد إطّراد استعمالها في كلّ ما يحوزه الإنسان من أيّ طريق كان.
قال سبحانه:(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياة الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمَ كَثِيرَة)(النساء/94)، والمراد مطلق النِّعم و الرزق.
وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد الزكاة :«اللّهمّ اجْعَلْها مغنماً» 1، وفي مسند أحمد:«غنيمة مجالس الذكر الجنة»، وفي وصف شهر رمضان: غنم المؤمن.
فهذه الاستعمالات الكثيرة المطّردة، تكشف عن وضعه للمعنى الأعم.
وهذا هو الطريق المألوف في اقتناص مفاهيم اللغات و معانيها وفي تفسير لغات القرآن، و مشكلات السنّة، وعليه قاطبة المحقّقين، و يطلق على هذا النوع من تفسير القرآن، التفسير البياني.

1 . للوقوف على مصادر الروايات عليك بمراجعة الاعتصام بالكتاب والسنّة، ص 92.

صفحه 18

4. تنصيص أهل اللغة

المراد من تنصيص أهل اللغة هو تنصيص مدوّني معاجم اللغة العربية، فإنّ مدوّني اللغة الأوائل كالخليل بن أحمد الفراهيدي(ت170هـ) مؤلّف كتاب «العين»، و الجوهري (ت398هـ) مؤلّف الصحاح قد دوّنوا كثيراً من معاني الألفاظ من ألسن القبائل العربية و سُكّان البادية، فتنصيص مثل هؤلاء يكون مفيداً للاطمئنان بالموضوع له.
هذا وسيأتي1 تفصيل الكلام في حجّية قول اللغوي فانتظر.

الأمر السابع: الأُصول اللفظية

إنّ الشكّ في الكلام يتصوّر على نحوين:
أ. الشكّ في المعنى الموضوع له، كالشكّ في أنّ الصعيد هل وضع للتراب أو لمطلق وجه الأرض؟
ب. الشكّ في مراد المتكلّم بعد العلم بالمعنى الموضوع له.
أمّا النحو الأوّل من الشكّ فقد مرّ الكلام فيه في الأمر السادس، و علمتَ أنّ هناك علامات يميز بها المعنى الحقيقي عن المجازي.
وأمّا النحو الثاني من الشكّ فقد عُقد له هذا الأمر، فنقول:
إنّ الشكّ في المراد على أقسام، و في كلّ قسم أصل يجب على الفقيه تطبيق العمل عليه، و إليك الإشارة إلى أقسام الشكّ و الأُصول التي يعمل بها :

1 . لاحظ صفحة 175 من هذا الكتاب.

صفحه 19

1. أصالة الحقيقة

إذا شكّ في إرادة المعنى الحقيقي أو المجازي من اللفظ، بأن لم يعلم وجود القرينة على إرادة المعنى المجازيّ مع احتمال وجودها، كما إذا شك في أنّ المتكلم هل أراد من الأسد في قوله: رأيت أسداً، الحيوان المفترس أو الجندي الشجاع؟ فعندئذ يعالج الشكّ عند العقلاء بضابطة خاصة، و هي الأخذ بالمعنى الحقيقي مالم يدلّ دليل على المعنى المجازي، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الحقيقة.

2. أصالة العموم

إذا ورد عام في الكلام كما إذا قال المولى: أكرم العلماء و شكّ في ورود التخصيص عليه و إخراج بعض أفراده كالفاسق، فالأصل هو الأخذ بالعموم وترك احتمال التخصيص، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة العموم .

3. أصالة الإطلاق

إذا ورد مطلق و شك في كونه تمام الموضوع أو بعضه، كما قال سبحانه: (أحلّ اللّهُ البيع) (البقرة/275) و احتمل انّ المراد هو البيع بالصيغة دون مطلقه، فالمرجع عندئذ هو الأخذ بالإطلاق و إلغاء احتمال التقييد، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة الإطلاق.

4. أصالة عدم التقدير

إذا ورد كلام و احتمل فيه تقدير لفظ خاصّ، فالمرجع عند العقلاء هو عدم التقدير إلاّ أن تدلّ عليه قرينة، كما في قوله سبحانه:(وَ اسْئَلِ القرية الّتي كُنّا فِيها) (يوسف/82) و التقدير أهل القرية، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة عدم التقدير.

صفحه 20

5. أصالة الظهور

إذا كان اللفظ ظاهراً في معنى خاص دون أن يكون نصّاً فيه بحيث لا يحتمل معه الخلاف، فالأصل الثابت عند العقلاء هو الأخذ بظهور الكلام وإلغاء احتمال الخلاف، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الظهور .
ثمّ إنّ الأُصول السابقة مصاديق لأصالة الظهور .
وهذه الأُصول ممّا يعتمد عليها العقلاء في محاوراتهم ولم يردع عنها الشارع فهي حجّة.

الأمر الثامن: الاشتراك والترادف

الاشتراك عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر بالوضع التعييني أو التعيّني.
ويقابله الترادف، و هو وضع اللفظين أو الأكثر لمعنى واحد كذلك .
واختلفوا في إمكان الاشتراك أوّلاً ووقوعه بعد تسليم إمكانه ثانياً فذهب الأكثر إلى الإمكان ،لأنّ أدلّ دليل عليه هو وقوعه، فلفظة العين تستعمل في الباكية والجارية، وفي الذهب و الفضة.
و مردّ الاشتراك إلى اختلاف القبائل العربية القاطنة في أطراف الجزيرة في التعبير عن معنى الألفاظ، فقد كانت تُلْزِمُ الحاجة طائفة إلى التعبير عن معنى بلفظ، وتُلْزم أُخرى التعبيرَ بذلك اللّفظ عن معنى آخر، و لمّا قام علماء اللغة بجمع لغات العرب ظهر الاشتراك اللفظي.
و ربّما يكون مردّه إلى استعمال اللّفظ في معناه المجازي بكثرة إلى أن يصبح الثاني معنى حقيقياً، كلفظ الغائط، فهو موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان،

صفحه 21
ثمّ كُنِّي به عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها مع عدم هجر المعنى الأوّل.
نعم ربّما يذكر أهل اللغة للفظ واحد معاني عديدة ،و لكنّها ربما يكون من قبيل المصاديق المختلفة لمعنى واحد، و هذا كثير الوقوع في المعاجم.1
وقد اشتمل القرآن على اللّفظ المشترك، كالنجم المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، قال سبحانه:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (النجم/1).
وقال سبحانه: (وَ النَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدان) (الرحمن/6).
هذا كلّه في المشترك اللفظي.
و أمّا المشترك المعنوي، فهو عبارة عن وضع اللّفظ لمعنى جامع يكون له مصاديق مختلفة، كالشجر الذي له أنواع كثيرة.

تنبيه

إنّ فهم المعنى المجازيّ بحاجة إلى قرينة، كقولك «يرمي» أو «في الحمام» في «رأيت أسداً يرمي أو في الحمّام» كما أنّ تعيين المعنى المراد من بين المعاني المتعددة للّفظ المشترك يحتاج إلى قرينة كقولنا:«باكية» أو «جارية» في عين باكية، أو عين جارية، لكن قرينة المجاز قرينة صارفة و معيّنة، و قرينة اللفظ المشترك قرينة معيّنة فقط، و الأُولى آية المجازية دون الثانية.

1 . ذكر الفيروز آبادي في كتاب «القاموس المحيط» للقضاء معاني متعددة كالحكم، الصنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام وبلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، الأداء مع أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى فارد، و لذلك أرجعها صاحب المقاييس إلى أصل واحد، فلاحظ.

صفحه 22

الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى

إذا ثبت وجود اللّفظ المشترك، يقع الكلام حينئذ في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد في استعمال واحد، بمعنى أن يكون كل من المعنيين مراداً باستقلاله، كما إذا قال: اشتريت العين، و استعمل العين في الذهب و الفضة. فخرج ما إذا استعمله في معنى جامع صادق على كلا المعنيين، كما إذا استعمل العين في «المسمّى بالعين» فإنّ الذهب والفضة داخلان تحت هذا العنوان، فهذا النوع من الاستعمال ليس من قبيل استعمال المشترك في أكثر من معنى.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنّه اختُلِفَ في جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد على أقوال أربعة:
أ. الجواز مطلقاً.
ب. المنع مطلقاً.
ج. التفصيل بين المفرد و غيره والتجويز في الثاني.
د. التفصيل بين الإثبات والنفي والتجويز في الثاني.
والحق جوازه مطلقاً، وأدلّ دليل على إمكانه وقوعه، و يجد المتتبع في كلمات الأُدباء نماذج من هذا النوع في الاستعمال : يقول الشاعر في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
المُرتمي في الدجى،والمُبتلى بِعَمى *** و المُشتكي ظمأً و المبتغي دَيْناً
يأتون سدَّتَه من كلِّ ناحية *** و يستفيدون من نعمائه عيناً
فاستخدم الشاعر لفظ «العين» في الشمس، و البصر، و الماء الجاري والذهب; حيث إنّ المرتمي في الدجى، يطلب الضياء;والمبتلى بالعمى، يطلب العين الباصرة; والإنسان الظم آن يريد الماء; و المستدين يطلب الذهب.

صفحه 23

الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية

ذهب أكثر الأُصوليين إلى أنّ ألفاظ العبادات كالصلاة والصوم و الزكاة والحج كانت عند العرب قبل الإسلام مستعملة في معانيها اللغوية على وجه الحقيقة، أعني: الدعاء، و الإمساك، و النمو، و القصد، وهذا ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية.
و إلى أنّ تلك الألفاظ في عصر الصادقينعليمها السَّلام و قبلهما بقليل، كانت في المعاني الشرعية الخاصة بحيث كلّما أطلقت الصلاة والصوم و الزكاة تتبادر منها معانيها الشرعية .
إنّما الاختلاف في أنّه كيف صارت هذه الألفاظ حقيقة في المعاني الشرعية في عصر الصادقينعليمها السَّلام وقبلهما بقليل ؟ فهنا قولان:
أ. ثبوت الحقيقة الشرعية في عصر النبوّة.
ب. ثبوت الحقيقة المتشرّعية بعد عصر النبوة.
أمّا الأوّل: فحاصله: أنّ تلك الألفاظ نقلت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني حتى صارت حقائق شرعية في تلك المعاني في عصره، لأنّ تلك الألفاظ كانت كثيرة التداول بين المسلمين لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات و يسمعونها كراراً من فوق الم آذن.
و من البعيد أن لا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة في وقت ليس بقليل.
وأما الثاني فحاصله: أنّ صيرورة تلك الألفاظ حقائق شرعية على لسان

صفحه 24
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني، و الأوّل بعيد جداً، و إلاّ نقل إلينا، والثاني يتوقف على كثرة الاستعمال التي هي بحاجة إلى وقت طويل، وأين هذا من قصر مدّة عصر النبوّة؟!
يلاحظ عليه: أنّ عصر النبوّة استغرق 23 عاماً، و هي فترة ليست قصيرة لحصول الوضع التعيّني على لسانه، وإنكاره مكابرة .
ثمرة البحث
وأمّا ثمرة البحث بين القولين ، فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا قرينة، فتحمل على الحقيقة الشرعية بناءً على ثبوتها و على الحقيقة اللغوية بناءً على إنكارها.
والظاهر انتفاء الثمرة مطلقاً، لعدم الشكّ في معاني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة لكي يتوقف فهم معانيها على ثبوت الحقيقة الشرعية أو نفيها إلاّ نادراً.

الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم

هل أسماء العبادات و المعاملات موضوعة للصحيح منهما، أو للأعم منه؟
تطلق الصحّة في اللغة تارة على ما يقابل المرض، فيقال: صحيح و سقيم. و أُخرى على ما يقابل العيب، فيقال: صحيح و معيب.
وأمّا الصحة اصطلاحاً في العبادات فقد عرِّفت تارة بمطابقة المأتي به للمأمور به، وأُخرى بما يوجب سقوط الإعادة والقضاء، ويقابلها الفساد.وأمّا في المعاملات فقدعُرِّفت بما يترتّب عليه الأثر المطلوب منها، كالملكية في البيع، والزوجية في النكاح و هكذا.

صفحه 25
والمراد من وضع العبادات للصحيح هي أنّ ألفاظ العبادات وضعت لما تمّت أجزاؤها و كملت شروطها ،أو للأعم منه و من الناقص.
المعروف هو القول الأوّل، واستدلّ له بوجوه1 مسطورة في الكتب الأُصولية أوضحها:
إنّ الصلاة ماهية اعتبارية جعلها الشارع لآثار خاصّة وردت في الكتاب والسنّة، منها: كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، أو معراج المؤمن، وغيرهما، و هذه الآثار إنّما تترتب على الصحيح لا على الأعمّ منه، و هذا (أي ترتّب الأثر على الصحيح) ممّا يبعث الواضع إلى أن يضع الألفاظ لما يُحصّل أغراضه و يؤمِّن أهدافه، و ليس هو إلاّالصحيح. لأنّ الوضع للأعمّ الذي لا يترتّب عليه الأثر، أمر لغو.
استدلّ القائل بالأعم بوجوه أوضحها صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة.
و أُجيب عنه بأنّ غاية ما يفيده هذا التقسيم هو استعمال الصلاة في كلّ من الصحيح و الفاسد، و الاستعمال أعمّ من الحقيقة.
وأمّا المعاملات فهنا تصويران:
الأوّل: انّ ألفاظ العقود، كالبيع و النكاح; و الإيقاعات، كالطلاق والعتق، موضوعة للأسباب التي تُسبِّب الملكية و الزوجية و الفراق و الحرية، ونعني بالسبب إنشاء العقد و الإيقاع، كالإيجاب والقبول في العقود، و الإيجاب فقط كما في الإيقاع.
و عليه يأتي النزاع في أنّ ألفاظها هل هي موضوعة للصحيحة التامّة الأجزاء

1 . التبادر و صحّة الحمل وصحّة السلب عن الأعمّ وغيرها.

صفحه 26
والشرائط المؤثرة في المسبب، أو للأعم من التام و الناقص غير المؤثر في المسبب؟
الثاني: أن تكون الألفاظ موضوعة للمسببات، أي ما يحصل بالأسباب كالملكية و الزوجية و الفراق و ا لحرية، و بما أنّ المسببات من الأُمور البسيطة، التي يدور أمرها بين الوجود و العدم، فلا يتأتى على هذا الفرض، النزاع السابق لأنّ الملكية إمّا موجودة و إمّا معدومة كما أنّ الزوجية إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، ولا يتصوّر فيهما ملكية أو زوجية فاسدة.

الأمر الثاني عشر: هل المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل

أو الأعم منه و ممّا انقضى عنه المبدأ
إنّه اتّفقت كلمتهم على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ بالفعل ومجاز فيما يتلبّس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه التلبّس، مثلاً إذا ورد النهي عن التوضّؤ بالماء المسخّن بالشمس، فتارة يكون الماء موصوفاً بالمبدأ بالفعل، وأُخرى يكون موصوفاً به في المستقبل، وثالثة كان موصوفاً به لكنّه زال وبرد الماء، فإطلاق المشتق على الأوّل حقيقة، ودليل الكراهة شامل له، كما أنّ إطلاقه على الثاني مجاز لا يشمله دليلها، وأمّا الثالث فكونه حقيقة أو مجازاً وبالتالي شمول دليلها له وعدمه مبنيّ على تحديد مفهوم المشتق، فلو قلنا بأنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ بالفعل يكون الإطلاق مجازياً والدليل غير شامل له، ولو قلنا بأنّه موضوع لما تلبّس به ولو آناً ما فيكون الإطلاق حقيقيّاً والدليل شاملاً له.
والمشهور انّه موضوع للمتلبس بالفعل.
وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

صفحه 27

1. الفرق بين المشتق النحويّ والأُصولي

المشتق عند النحاة يقابل الجامد، فيشمل الماضي والمضارع و الأمر و النهي واسم الفاعل و مصادر أبواب المزيد.
وأمّا المشتق عند الأُصوليّين، فهو عبارة عمّا يُحمل على الذات باعتبار اتصافها بالمبدأ و اتحادها معه بنحو من الاتحاد، ولا تزول الذات بزواله فخرجت الأفعال قاطبة والمصادر لعدم صحّة حملهما على الذوات على نحو الهوهوية، والأوصاف التي تزول الذات بزوالها كالناطق فلم يندرج فيه إلاّاسم الفاعل والمفعول وأسماء الزمان و المكان و الآلات و الصفات المشبهة و صيغ المبالغة وأفعل التفضيل ويشمل حتى الزوجة و الرق و الحر لوجود الملاك المذكور في جميعها، فإذن النسبة بين المشتق النحوي والمشتق الأُصولي عموم و خصوص من وجه.1

2. اختلاف أنحاء التلبّسات حسب اختلاف المبادئ

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم انّ بعضها حقيقة في المتلبس وبعضها في الأعمّ، نظير الكاتب والمجتهد و المثمر، فما يكون المبدأ فيه حرفة أو ملكة أو قوّة يصدق فيه هذه الثلاثة و إن زال التلبّس، فهي موضوعة للأعم بشهادة صدقها مع عدم تلبّسها بالكتابة و الاجتهاد و الإثمار بخلاف غيرها ممّا كان المبدأ فيه أمراً فعلياً، كالأبيض والأسود.

1 . فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين وأمثالهما، ويفترقان في الفعل الماضي والمضارع، فيطلق عليهما المشتق النحوي دون الأُصولي; وفي الجوامد كالزوج والرق، فيطلق عليها المشتق الأُصولي دون النحوي.

صفحه 28
يلاحظ عليه: أنّ المبدأ يؤخذ تارة على نحو الفعلية كقائم، و أُخرى على نحو الحرفة كتاجر، و ثالثة على نحو الصناعة كنجّار، و رابعة على نحو القوّة كقولنا: شجرة مثمرة، و خامسة على نحو الملكة كمجتهد.
فإذا اختلفت المبادئ جوهراً و مفهوماً لاختلفت أنحاء التلبّسات بتبعها أيضاً، وعندئذ يختلف بقاء المبدأ حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل يشترط في صدق التلبّس تلبّس الذات بالمبدأ فعلاً، و في القسم الثاني و الثالث يكفي عدم إعراضه عن حرفته وصناعته وإن لم يكن ممارساً بالفعل، و في الرابع يكفي كونه متلبّساً بقوة الإثمار و إن لم يثمر فعلاً، و في الخامس يكفي حصول الملكة و إن لم يمارس فعلاً، فالكلّ داخل تحت المتلبّس بالمبدأ بالفعل، و بذلك علم أنّ اختلاف المبادئ يوجب اختلاف طول زمان التلبّس و قصره ولا يوجب تفصيلاً في المسألة.
فما تخيّله القائل مصداقاً لمن انقضى عنه المبدأ، فإنّما هو من مصاديق المتلبّس و منشأ التخيّل هو أخذ المبدأ في الجميع على نسق واحد، و قد عرفت أنّ المبادئ على أنحاء.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ مرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها وأنّ الموضوع له هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو الأعمّ من تلك الذات المنقضي عنها المبدأ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، وعلى القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه و ممّا انقضى عنها المبدأ.
***
استدلّ المشهور على أنّ المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ بالفعل بأمرين:
1. التبادر، إنّ المتبادر من المشتق هو المتلبس بالمبدأ بالفعل، فلو قيل:

صفحه 29
صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو قيل: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون، أو لا يؤم الأعرابي المهاجرين; لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ في حال الاقتداء.
2. صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل انّه قائم إذا زال عنه القيام، و لا لمن هو جاهل بالفعل، انّه عالم إذا نسي علمه.
وأمّا القائلون بالأعم فاستدلّوا بوجهين:
الأوّل: صدق أسماء الحِرَف كالنجار على من انقضى عنه المبدأ، مثل أسماء الملكات كالمجتهد.
وقد عرفت الجواب عنه و أنّ الجميع من قبيل التلبّس بالمبدأ لا الزائل عنه المبدأ.
الثاني: لو تلبس بالمبدأ في الزمان الماضي يصح أن يقال انّه ضارب باعتبار تلبّسه به في ذلك الزمان.
يلاحظ عليه: أنّ اجراء المشتق على الموضوع في المثال المذكور يتصوّر على وجهين:
أ . أن يكون زمان التلبّس بالمبدأ في الخارج متحداً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول زيد ضارب أمس، حاكياً عن تلبّسه بالمبدأ في ذلك الزمان، فهو حقيقة ومعدود من قبيل المتلبّس لأنّ المراد كونه ضارباً في ذلك الظرف.
ب. أن يكون زمان التلبّس بالمبدأ في الخارج مختلفاً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول: زيد ـ باعتبار تلبّسه بالمبدأ أمس ـ ضارب الآن، فالجري مجاز ومن قبيل ما انقضى عنه المبدأ .

صفحه 30

تطبيق

1. قال رجل لعليّ بن الحسين عليمها السَّلام : أين يتوضأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة».1
فعلى القول بالوضع للمتلبس بالمبدء يختص الحكم بما إذا كانت مثمرة ولو بالقوة، كما هي الحال في فصل الشتاء بخلاف القول بالأعم من المتلبس وغيره فيشمل الشجرة غير المثمرة ولو بالقوة كما إذا فقدت قوّة الإثمار لأجل طول عمرها.
2. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة ماتت وليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».2
فلو قلنا بأنّ المشتق حقيقة في المنقضي أيضاً، فيجوز للزوج المطلِّق تغسيلها عند فقد المماثل وإلاّ فلا.
إذا وقفت على تلك الأُمور، فاعلم أنّ كتابنا هذا مرتّب على مقاصد، وكلّ مقصد يتضمن فصولاً:

1 . الوسائل:1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
2 . الوسائل:2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث8.

صفحه 31

المقصد الأوّل

في الأوامر وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة الأمر.
الفصل الثاني: في هيئة الأمر.
الفصل الثالث: في إجزاء امتثال الأمر الواقعي والظاهري.
الفصل الرابع: مقدمة الواجب وتقسيماتها.
الفصل الخامس: في تقسيمات الواجب.
الفصل السادس: اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.
الفصل السابع: إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز .
الفصل الثامن: الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل.
الفصل التاسع: الأمر بالشيء بعد الأمر به تأكيد أو تأسيس.

صفحه 32

الفصل الأوّل

في مادّة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل:لفظ الأمر مشترك لفظي

إنّ لفظ الأمر مشترك لفظي بين معنيين هما:
الطلب والفعل، و إليهما يرجع سائر المعاني التي ذكرها أهل اللغة.
لا خلاف بين الجميع في صحّة استعماله في الطلب كقوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (النور/63).
وإنّما الخلاف في المعنى الثاني، و الظاهر صحّة استعماله في الفعل لوروده في القرآن. كقوله سبحانه:(قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ)(آل عمران/154)،:(وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُمور )(البقرة/210) و(وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران/159).
ثمّ الأمر إن كان بمعنى الطلب ـ أي طلب الفعل من الغير ـ فيجمع على أوامر، كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل فيجمع على أُمور والاختلاف في صيغة الجمع دليل على أنّه موضوع لمعنيين مختلفين.

صفحه 33

المبحث الثاني: اعتبار العلوّ و الاستعلاء في صدق مادّة الأمر بمعنى الطلب

اختلف الأُصوليون في اعتبار العلو و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب على أقوال:
1. يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الآمر دون الاستعلاء، لكفاية صدور الطلب من العالي و إن كان مستخفضاً لجناحه عند العقلاء، و هو خيرة المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.
2. يعتبر في صدق مادة الأمر كلا الأمرين، فلا يعدّ كلام المولى مع عبده أمراً إذا كان على طريق الاستدعاء، و هو خيرة السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه.
3. يعتبر في صدق مادة الأمر أحد الأمرين: ا لعلو أو الاستعلاء، أمّا كفاية العلو فلما تقدّم في دليل القول الأوّل، وأمّا كفاية الاستعلاء، فلأنّه يصحّ تقبيح الطالب السافل المستعلي، ممّن هو أعلى منه و توبيخه بمثل «انّك لم تأمرني».
4. لا يعتبر في صدق مادة الأمر واحد منهما، و هو خيرة المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه .
الظاهر هو القول الثاني، فإنّ لفظ الأمر في اللغة العربية معادل للفظ «فرمان» في اللغة الفارسية، و هو يتضمن علوّ صاحبه، ولذلك يذم إذا أمر ولم يكن عالياً.
وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدقه إذا كان بصورة الاستدعاء، و يشهد له قول بريرة 1 لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: إنّما أنا شافع» فلو كان

1 . روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: لما خُيِّرتْ بريرة(بعد ما أُعتقت و خُيّرت بين البقاء مع زوجها أو الانفصال عنه) رأيت زوجها يتبعها في سُكَكَ المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلَّم العباس ليكلِّم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريرة انّه زوجك، فقالت: تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: «إنّما أنا شافع»، قال: فخيّرها فاختارت نفسها.(مسند أحمد:1/215).

صفحه 34
مجرد العلو كافياً لما انفك طلبه من كونه أمراً.
المبحث الثالث: في دلالة مادة الأمر على الوجوب
إذا طلب المولى من عبده شيئاً بلفظ الأمر كأن يقول: آمرك بكذا، فهل يدل كلامه على الوجوب أو لا؟
الظاهر هو الأوّل، لأنّ السامع ينتقل من سماع لفظ الأمر إلى لزوم الامتثال الذي يعبّر عنه بالوجوب، و ُيؤيَّد هذا الانسباق والتبادر بالآيات التالية:
1. قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم) (النور/63) حيث هدّد سبحانه على مخالفة الأمر، والتهديد دليل الوجوب.
2. قوله سبحانه: ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف/12) حيث ذمّ سبحانه إبليس لمخالفة الأمر، و الذم آية الوجوب.
3.قوله تعالى: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ)(التحريم/6)حيث سمّى سبحانه مخالفة الأمر عصياناً، و الوصف بالعصيان دليل الوجوب.
مضافاً إلى ما ورد في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لولا أن أشُقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».1ولزوم المشقّة آية كونه مفيداً للوجوب إذ لا مشقّة في الاستحباب.

1 . وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب السواك، الباب3 ، الحديث 4.

صفحه 35

الفصل الثاني

في هيئة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل : في بيان مفاد الهيئة

اختلفت كلمة الأُصوليين في معنى هيئة افعل على أقوال منها:
1. انّها موضوعة للوجوب.
2. انّها موضوعة للندب.
3. انّها موضوعة للجامع بين الوجوب و الندب، أي الطلب إلى غير ذلك.
و الحقّ انّها موضوعة لإنشاء البعث إلى إيجاد متعلّقه و يدلّ عليه التبادر والانسباق، فقول المولى لعبده: اذهب إلى السوق و اشتر اللحم عبارة أُخرى عن بعثه إلى الذهاب و شراء اللحم.
ثمّ إنّ بعث العبد إلى الفعل قد يكون بالإشارة باليد، كما إذا أشار المولى بيده إلى خروج العبد و تركه المجلس، و أُخرى بلفظ الأمر كقوله: اخرج، فهيئة افعل في الصورة الثانية قائمة مقام الإشارة باليد، فكما أنّ الإشارة باليد تفيد البعث إلى المطلوب، فهكذا القائم مقامها من صيغة افعل، وإنّما الاختلاف في كيفية الدلالة،

صفحه 36
فدلالة الهيئة على إنشاء البعث لفظية بخلاف دلالة الأُولى.
سؤال: انّ هيئة افعل و إن كانت تستعمل في البعث كقوله سبحانه:(وَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة)(البقرة/43) أو قوله: (أَوفُوا بِالعُقود)(المائدة/1) و لكن ربما تستعمل في غير البعث أيضاً:
كالتعجيز مثل قوله سبحانه:(وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ) (البقرة/23).
والتمنّي كقول الشاعر:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
إلى غير ذلك من المعاني المختلفة المغايرة للبعث. فيلزم أن تكون الهيئة مشتركة بين المعاني المختلفة من البعث و التعجيز و التمنّي.
الجواب: انّ هيئة افعل قد استعملت في جميع الموارد في البعث إلى المتعلّق والاختلاف إنّما هو في الدواعي، فتارة يكون الداعي من وراء البعث هو إيجاد المتعلّق في الخارج، و أُخرى يكون الداعي هو التعجيز، و ثالثة التمني، و رابعة هو الإنذار كقوله:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّه عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ)(التوبة/105) إلى غير ذلك من الدواعي، ففي جميع الموارد يكون المستعمل فيه واحداً و إنّما الاختلاف في الدواعي من وراء إنشائه.
ونظير ذلك، الاستفهام فقد يكون الداعي هو طلب الفهم، و أُخرى أخذ الإقرار مثل قوله:(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الّذينَ لا يَعْلَمُونَ)(الزمر/9). والمستعمل فيه في الجميع واحد و هو إنشاء طلب الفهم.

صفحه 37

المبحث الثاني: دلالة هيئة الأمر على الوجوب

قدعرفت أنّ هيئة إفعل موضوعة لإنشاء البعث و أنّها ليست موضوعة للوجوب و لا للندب، و أنّهما خارجان عن مدلول الهيئة ـ و مع ذلك ـ هناك بحث آخر، وهو أنّه لا إشكال في لزوم امتثال أمر المولى إذا علم أنّه يطلب على وجه اللزوم إنّما الكلام فيما إذا لم يعلم فهل يجب امتثاله أو لا؟ الحقّ هوالأوّل.
لأنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية و العبودية ولا يصحّ ترك المأمور به بمجرّد احتمال أن يكون الطلب طلباًندبياً و هذا ما يعبّر عنه في سيرة العقلاء بأنّ ترك المأمور به لابدّ أن يستند إلى عذر قاطع، فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. انّ المدلول المطابقي لهيئة إفعل هو إنشاء البعث .
2. الوجوب و لزوم الامتثال مدلول التزامي لها بحكم العقل.

المبحث الثالث: استفادة الوجوب من أساليب أُخرى

إنّ للقرآن و السنّة أساليب أُخرى في بيان الوجوب والإلزام غير صيغة الأمر، فتارة يعبّر عنه بلفظ الفرض والكتابة مثل قوله سبحانه: (قَدْفَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) (التحريم/2)،وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام)(البقرة/182)، وقال: (إِنَّ الصلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنينَ كِتاباً مَوقُوتاً) (النساء/103).
وأُخرى يجعل الفعل في عهدة المكلّف قال: (وَ للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران/97).
وثالثة يخبر عن وجود شيء في المستقبل مشعراً بالبعث الناشئ عن إرادة

صفحه 38
أكيدة، قال سبحانه: (و الوالِداتُ يُرضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَين)(البقرة/233).
وأمّا السنّة فقد تظافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت في أبواب الطهارة والصلاة و غيرهما قولهم:«يَغْتَسِلُ»، «يُعيدُ الصلاة» أو «يستَقْبِل القبلة» فالجمل الخبرية في هذه الموارد و إن استعملت في معناها الحقيقي، أعني: الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل، لكن بداعي الطلب و البعث. وقد عرفت أنّ بعث المولى لا يترك بلا دليل.

المبحث الرابع: الأمر عقيب الحظر

إذا ورد الأمر عقيب الحظر فهل يحمل الأمر على الوجوب أو لا؟
فمثلاً قال سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّما يُتلى عَلَيْكُمْ غَير مُحِلّي الصيدِ وَ أَنْتُمْ حُرُم) .
ثمّ قال:(وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا...) (المائدة/1و2).
فقد اختلف الأُصوليون في مدلول هيئة الأمر عقيب الحظر على أقوال:
أ. ظاهرة في الوجوب.
ب.ظاهرة في الإباحة.
ج. فاقدة للظهور.
والثالث هو الأقوى، لأنّ تقدّم الحظر يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الأمر الوارد بعده لرفع الحظر لا للإيجاب، فتكون النتيجة هي الإباحة، كما يحتمل أنّ المتكلم لم يعتمد على تلك القرينة و أطلق الأمر لغاية الإيجاب، فتكون النتيجة هي الوجوب، و لأجل الاحتمالين يكون الكلام مجملاً.

صفحه 39
نعم إذا قامت القرينة على أنّ المراد هو رفع الحظر فهو أمر آخر خارج عن البحث.

المبحث الخامس: المرّة و التكرار

إذا دلّ الدليل على أنّ المولى يطلب الفعل مرّة واحدة كقوله سبحانه:(وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ) (آل عمران/97) ، أو دلّ الدليل على لزوم التكرار كقوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/185) فيتبعُ مدلوله.
وأمّا إذا لم يتبيّن واحد من الأمرين، فهل تدلّ على المرّة أو على التكرار أو لا تدلّ على واحد منهما؟
الحقّ هو الثالث، لأنّ الدليل إمّا هو هيئة الأمر أو مادته، فالهيئة وضعت لنفس البعث، و المادّة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدلّ على المرّة والتكرار و استفادتهما من اللفظ بحاجة إلى دليل.

المبحث السادس: الفور والتراخي

اختلف الأُصوليون في دلالة هيئة الأمر على الفور أو التراخي على أقوال:
1. انّها تدلّ على الفور.
2. انّها تدلّ على التراخي.
3. انّها لا تدلّ على واحد منهما.
والحقّ هو القول الثالث لما تقدّم في المرّة والتكرار من أنّ الهيئة وضعت للبعث، والمادة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدلّ على واحد منهما.

صفحه 40
استدل القائل بالفور بآيتين:
1. قوله سبحانه: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين) (آل عمران/133).
وجه الاستدلال: انّ المغفرة فعل للّه تعالى، فلا معنى لمسارعة العبد إليها، فيكون المراد هو المسارعة إلى أسباب المغفرة و منها فعل المأمور به.
يلاحظ عليه: بأنّ أسباب المغفرة لا تنحصر بالواجبات إذ المستحبات أيضاً من أسبابها، و عندئذ لا يمكن أن تكون المسارعة واجبة مع كون أصل العمل مستحباً.
2. قوله سبحانه: (وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرات) (المائدة/48).
فظاهر الآية وجوب الاستباق نحوَ الخير و الإتيان بالفرائض ـ الذي هو من أوضح مصاديقه ـ فوراً.
يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية بعث العباد نحوَ العمل بالخير بأن يتسابق كلّ على الآخر مثل قوله سبحانه:(وَاسْتَبَقا الباب) (يوسف/25) ولا صلة للآية بوجوب مبادرة كلّ مكلّف إلى ما وجب عليه وإن لم يكن في مظنة السبق.

صفحه 41

الفصل الثالث

الإجزاء

تصدير

لانزاع في أنّ المكلّف إذا امتثل ما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي جامعاً لما هو معتبر فيه من الأجزاء أو الشرائط ـ يعدّ ممتثلاً لذلك الأمر و مسقطاً له من دون حاجة إلى امتثال ثان.
دليل ذلك: انّ الهيئة تدلّ على البعث أو الطلب، و المادة تدلّ على الطبيعة و هي توجد بوجود فرد واحد، فإذا امتثل المكلّف ما أمر به بإيجاد مصداق واحد منه فقد امتثل ما أمر به و لا يبقى لبقاء الأمر بعد الامتثال وجه.
وإنّما النزاع في إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياري وإجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي وهاهنا مبحثان:

المبحث الأوّل: إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياريّ

الصلوات اليومية واجبة بالطهارة المائية قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ...)(المائدة/6).
و ربما يكون المكلّف غير واجد للماء فجُعِلت الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية لأجل الاضطرار، قال سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَو عَلى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ

صفحه 42
مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ اوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(المائدة/6).
فالصلاة بالطهارة المائية فرد اختياري و الأمر به أمر واقعي أوّلي، كما أنّ الصلاة بالطهارة الترابية فرد اضطراريّ و الأمر به أمر واقعي ثانوي، فيقع الكلام في أنّ المكلّف إذا امتثل المأمور به في حال الاضطرار على الوجه المطلوب، فهل يسقط الأمر الواقعي الأوّلي بمعنى أنّه لو تمكّن من الماء بعد إقامة الصلاة بالتيمم، لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء، أو لا يسقط؟ أمّا سقوط أمر نفسه فقدعلمت أنّ امتثال أمر كلّ شيء مسقطله.
ثمّ إنّ للمسألة صورتين:
تارة يكون العذر غيرَ مستوعب، كما إذا كان المكلّف فاقداً للماء في بعض أجزاء الوقت فصلّى متيمّماً ثمّ صار واجداً له.
و أُخرى يكون العذر مستوعباً، كما إذا كان فاقداً للماء في جميع الوقت فصلّى متيمّماً، ثمّ ارتفع العذر بعد خروج الوقت.
فالكلام في القسم الأوّل في وجوب الإعادة في الوقت، و القضاء خارجه، كما أنّ الكلام في الثاني في وجوب القضاء.
والدليل على الإجزاء أنّه إذا كان المتكلم في مقام البيان لما يجب على المكلّف عند الاضطرار، ولم يذكر إلاّ الإتيان بالفرد الاضطراري من دون إشارة إلى إعادته أو قضائه بعد رفع العذر، فظاهر ذلك هو الإجزاء فمثلاً:انّ ظاهر قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة/6)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«يا أباذر

صفحه 43
يكفيك الصعيد عشر سنين». 1و قوله (عليه السلام) في رواية أُخرى: «إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين».2 هو الإجزاء و عدم وجوب الإعادة والقضاء، وإلاّ لوجب عليه البيان فلابدّ في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.
ولو افترضنا عدم كون المتكلّم في مقام البيان في دليل البدل و كونه ساكتاً عن الإعادة و القضاء، فمقتضى الأصل أيضاً هو البراءة وسيأتي تفصيله.

المبحث الثاني: في إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

الكلام في إجزاء امتثال الأمر الظاهري عن امتثال الأمر الواقعي يتوقف على توضيح الأمر الظاهري أوّلاً، ثمّ البحث عن الإجزاء ثانياً.
ينقسم الحكم عند الأُصوليين إلى واقعي و ظاهري.
أمّا الحكم الواقعي: فهو الحكم الثابت للشيء بما هوهو أي من غير لحاظ كون المكلّف جاهلاً بالواقع أو شاكّاً فيه، كوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة و غيرهما من الأحكام القطعية.
وأمّا الحكم الظاهري، فهو الحكم الثابت للشيء عند عدم العلم بالحكم الواقعي، و هذا كالأحكام الثابتة بالأمارات و الأُصول.3
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أنّ العمل بالأمارة أو الأُصول هل يقتضي الإجزاء عن امتثال الأمر الواقعي أو لا؟
فمثلاً إذا دلّ خبر الواحد على كفاية التسبيحة الواحدة في الركعتين

1 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.
2 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.
3 . ما ذكر في المتن أحد الاصطلاحين في الحكم الظاهري، و ربما يُخصُّ الظاهري بالحكم الثابت بالأُصول العملية، ويعطف الحكم الثابت بالأمارات، إلى الحكم الواقعي.

صفحه 44
الأخيرتين، أو دلّ على عدم وجوب السورة الكاملة، أو عدم وجوب الجلوس بعد السجدة الثانية، فطُبِّق العمل على وفق الأمارة ثمّ تبيّن خطؤها، فهل يجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء خارجه أو لا؟
أو إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ تبيّن أنّه نجس، فهل يُجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء بعده أو لا؟
فيه أقوال ثالثها الإجزاء مطلقاً من غير فرق بين كون الامتثال بالأمارة أو الأصل.

صفحه 45

الفصل الرابع

مقدّمة الواجب

تعريف المقدّمة

«ما يتوصل بها إلى شيء آخر على وجه لولاها لما أمكن تحصيله» من غير فرق بين كون المقدّمة منحصرة، أو غير منحصرة، غاية الأمر أنّها لو كانت منحصرة لانحصر رفع الاستحالة بها، و إن كانت غير منحصرة لانحصر رفع الاستحالة في الإتيان بها أو بغيرها، وقد وقع الخلاف في وجوب مقدمة الواجب شرعاً بعد اتفاق العقلاء على وجوبها عقلاً، و قبل الدخول في صلب الموضوع نذكر أقسام المقدمّة:
فنقول: إنّ للمقدّمة تقسيمات مختلفة:

الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية

المقدّمة الداخلية: و هي جزء المركب، أو كلّ ما يتوقف عليه المركّب وليس له وجود مستقل خارج عن وجود المركّب كالصلاة فانّ كلّ جزء منها مقدّمة داخليّة باعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه، فكلّ جزء في نفسه مقدّمة لوجود المركّب، و إنّما سمّيت داخلية لأنّ الجزء داخل في قوام المركّب، فالحمد أو الركوع بالنسبة إلى الصلاة مقدّمة داخلية.

صفحه 46
المقدّمة الخارجية: وهي كلّ ما يتوقف عليه الشيء و له وجود مستقل خارج عن وجود الشيء، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية

المقدّمة العقلية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عقلاً، كتوقف الحج على قطع المسافة.
المقدّمة الشرعية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه شرعاً، كتوقّف الصلاة على الطهارة.
المقدّمة العادية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عادة، كتوقّف الصعود إلى السطح على نصب السلَّم.

الثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحّة و الوجوب و العلم

الملاك في هذا التقسيم غير الملاك في التقسيمين الماضيين، فانّ الملاك في التقسيم الأوّل هو تقسيم المقدّمة بلحاظ نفسها و في الثاني تقسيمها بلحاظ حاكمها و هو إمّا العقل أو الشرع أو العادة و في التقسيم الثالث تقسيمها باعتبار ذيها وإليك البيان.
مقدّمة الوجود: هي ما يتوقف وجود ذي المقدمة عليها كتوقف المسبب على سببه.
مقدّمة الصحّة: هي ما تتوقف صحّة ذي المقدّمة عليها كتوقف صحّة العقد الفضولي على إجازة المالك.
مقدّمة الوجوب: هي ما يتوقف وجوب ذي المقدمة عليها كتوقف وجوب الحجّ على الاستطاعة.

صفحه 47
مقدّمة العلم: هي ما يتوقّف العلم بتحقّق ذي المقدمة عليها، كتوقّف العلم بالصلاة إلى القبلة، على الصلاة إلى الجهات الأربع.
والنزاع في وجوب المقدّمة و عدمه إنّما هو في القسمين الأوّلين أي مقدّمة الوجود و الصحّة، و أمّا مقدّمة الوجوب فهو خارج عن محطّ النزاع، لأنّها لولا المقدّمة لما وصف الواجب بالوجوب، فكيف تجب المقدّمة بالوجوب الناشئ من قبل الواجب، المشروط وجوبه بها؟
وأمّا المقدّمة العلمية فلا شكّ في خروجها عن محطّ النزاع، فإنّها واجبة عقلاً لا غير، ولو ورد في الشرع الأمر بالصلاة إلى الجهات الأربع، فهو إرشاد إلى حكم العقل .

الرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمُعدّ والمانع

ملاك هذا التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير كلّ في ذيها، غير أنّ تأثير كلّ يغاير نحو تأثير الآخر، و إليك تعاريفها.
السبب: ما يكون منه وجود المسبب و هذا ما يطلق عليه المقتضي،كالدلوك فانّه سبب لوجوب الصلاة، وشغل ذمة المكلّف بها لقوله سبحانه:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) (الإسراء/ 78).
الشرط: ما يكون مصححاً إمّا لفاعلية الفاعل، أو لقابلية القابل، و هذا كمجاورة النار للقطن، أو كجفاف الحطب شرط احتراقه بالنار.ومثاله الشرعي كون الطهارة شرطاً لصحّة الصلاة، والاستطاعة المالية شرطاً لوجوب الحج.
المُعِدّ: ما يقرّب المعلول إلى العلّة كارتقاء السلّم، فإنّ الصعود إلى كلّ درجة، معدّللصعود إلى الدرجة الأُخرى.

صفحه 48
المانع: ما يكون وجوده مانعاً عن تأثير المقتضي، كالقتل حيث جعله الشارع مانعاً من الميراث، والحدث مانعاً من صحّة الصلاة.

الخامس: تقسيمها إلى مفوِّتة و غير مفوِّتة

المقدّمة المفوّتة: عبارة عن المقدّمة التي يحكم العقل بوجوب الإتيان بها قبل وجوب ذيها على وجه لو لم يأت بها قبله لما تمكّن من الإتيان بالواجب في وقته، كقطع المسافة للحجّ قبل حلول أيّامه بناء على تأخر وجوب الحجّ إلى أن يحين وقته، فبما أنّ ترك قطع المسافة في وقته يوجب فوت الواجب، يعبّـر عنه بالمقدّمة المفوّتة.
ومثله الاغتسال عن الجنابة للصوم قبل الفجر، فإنّ الصوم يجب بطلوع الفجر، و لكن يلزم الإتيان بالغسل قبله و إلاّ لفسد الصوم، و يكون تركه مفوِّتاً للواجب.

السادس: تقسيمها إلى مقدّمة عبادية وغيرها

إنّ الغالب على المقدّمة هي كونها أمراً غير عبادي، كتطهير الثوب للصلاة، و قطع المسافة إلى الحجّ، و ربما تكون عبادة،و مقدّمة لعبادة أُخرى بحيث لا تقع مقدّمة إلاّإذا وقعت على وجه عبادي، و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث (الوضوء و الغسل والتيمم ).

الأقوال في المسألة

اختلفت كلمة الأُصوليين في حكم المقدمة على أقوال:
1. وجوبها مطلقاً.

صفحه 49
2. عدم وجوبها كذلك.
3. القول بالتفصيل.
والمختار عندنا : عدم وجوب المقدّمة أساساً، فيصبح القول بالتفصيل كالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّها على فرض وجوبها، و إليك بيان المختار.

وجوب المقدّمة بين اللغوية و عدم الحاجة

إنّ الغرض من الإيجاب هو جعل الداعي في ضمير المكلّف للانبعاث نحو الفعل، و الأمر المقدّمي فاقد لتلك الغاية، فهو إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه.
أمّا الأوّل، فهو فيما إذا لم يكن الأمر بذي المقدّمة باعثاً نحو المطلوب النفسي، فعند ذلك يكون الأمر بالمقدّمة أمراً لغواً لعدم الفائدة في الإتيان بها.
وأمّا الثاني، فهو فيما إذا كان الأمر بذيها باعثاً للمكلّف نحو المطلوب، فيكفي ذلك في بعث المكلّف نحو المقدّمة أيضاً، و يكون الأمر بالمقدّمة أمراً غير محتاج إليه.
والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين عدم الباعثية إذا لم يكن المكلّف بصدد الإتيان بذيها، وعدم الحاجة إليه إذا كان بصدد الإتيان بذيها، و إذا كان الحال كذلك فتشريع مثله قبيح لا يصدر عن الحكيم.

صفحه 50

الفصل الخامس

في تقسيمات الواجب1

للواجب تقسيمات مختلفة نشير إليها إجمالاً، ثمّ نأخذ بالبحث عنها تفصيلاً:
1. تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط.
2. تقسيم الواجب إلى المؤقّت وغير المؤقّت.
3. تقسيم الواجب إلى نفسيّ وغيريّ.
4. تقسيم الواجب إلى أصلي وتبعي.
5. تقسيم الواجب إلى عينيّ وكفائيّ.
6. تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري.
7. تقسيم الواجب إلى التعبديّ والتوصلّي
***

1. تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط

إذا قيس وجوب الواجب إلى شيء آخر خارج عنه، فهو لا يخرج عن أحد نحوين:

1 . المقسم، هو الوجوب لا الواجب وإنّما يوصف الثاني بالعرض والمجاز.

صفحه 51
إمّا أن يكون وجوب الواجب غير متوقّف على تحقّق ذلك الشيء، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى قطع المسافة، فالحجّ واجب سواء قطع المسافة أو لا.
وإمّا أن يكون وجوبه متوقّفاً على تحقّق ذلك الشيء، بمعنى انّه لولا حصوله لما تعلّق الوجوب بالواجب، كالاستطاعة الشرعيّة1 بالنسبة إلى الحجّ، فلولاها لما تعلّق الوجوب بالحجّ.
و من هنا يعلم أنّه يمكن أن يكون وجوب الواجب بالنسبة إلى شيء واجباً مطلقاً، و بالنسبة إلى شيء آخر واجباً مشروطاً كوجوب الصلاة، بل عامة التكاليف بالنسبة إلى البلوغ والقدرة و العقل، فإنّ الصبي والعاجز و المجنون غير مكلّفين بشيء و قد رفع عنهم القلم، فوجوب الصلاة مشروط بالنسبة إلى هذه الأُمور الثلاثة، و لكنّه في الوقت نفسه غير مشروط بالنسبة إلى الطهارة الحدثية والخبثية، فالصلاة واجبة سواء كان المكلّف متطهراً أم لا.
وبذلك يظهر أنّ الإطلاق والاشتراط من الأُمور النسبية، فقد يكون الوجوب بالنسبة إلى شيء مطلقاً و إلى شيء آخر مشروطاً.
2. تقسيم الواجب إلى المؤقّت وغيرالمؤقّت
والمؤقّت إلى الموسّع والمضيّق.
الواجب غير المؤقت: مالا يكون للزمان فيه مدخلية و إن كان الفعل لا يخلو عن زمان 2، كإكرام العالم و إطعام الفقير.

1 . خرجت الاستطاعة العقلية كالحجّ متسكّعاً فلا يجب معها الحجّ.
2 . و كم فرق بين عدم انفكاك الفعل عن الزمان، و مدخليته في الموضوع كسائر الأجزاء، وغير المؤقت من قبيل القسم الأوّل دون الثاني.

صفحه 52
ثمّ إنّ غير المؤقت ينقسم إلى فوري: و هو ما لا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كإزالة النجاسة عن المسجد، و ردّالسّلام ، والأمر بالمعروف.
وغير فوري: وهو ما يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كقضاء الصلاة الفائتة، وأداء الزكاة، والخمس.
الواجب المؤقّت : ما يكون للزمان فيه مدخلية، و له أقسام ثلاثة:
أ. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب مساوياً لزمان الواجب، كالصوم، و هو المسمّى بالمضيّق.
ب. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب أوسع من زمان الواجب، كالصلوات اليومية، و يعبّر عنه بالموسّع.
ج. أن يكون الزمان المعيّن لإتيان الواجب أضيق من زمان الواجب، و هو مجرّد تصور، ولكنّه محال لاستلزامه التكليف بمالا يطاق.

تتمة

هل القضاء تابع للأداء؟

إذا فات الواجب المؤقّت في ظرفه من دون فرق بين كونه مضيّقاً أو موسّعاً، فقيل يدلّ نفس الدليل الأوّل على وجوب الإتيان خارج الوقت فيجب القضاء ويعبّر عنه بأنّ القضاء تابع للأداء، وقيل بعدم الدلالة فلا يجب القضاء إلاّ بأمر جديد. ويختص محلّ النزاع فيما إذا لم يكن هناك دليل يدلّ على أحد الطرفين فمقتضى القاعدة سقوط الأمر المؤقّت بانقضاء وقته و عدم وجوب الإتيان به خارج الوقت لأنّه من قبيل الشكّ في التكليف الزائدوسيأتي أنّ الأصل عند الشك في التكليف البراءة .

صفحه 53

3. تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري

الواجب النفسي: هو ما وجب لنفسه كالصلاة.
والواجب الغيري: ما وجب لغيره كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

4. تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي

إذا كان الوجوب مفاد خطاب مستقل و مدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي سواء كان نفسياً كما في قوله سبحانه:(وَ أَقِيمُوا الصَّلاة وَ آتُوا الزَّكاة)(النور/56)، أو غيرياً كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6).
وأمّا إذا كان بيان وجوب الشيء من توابع ما قصدت إفادته، كما إذا قال: اشتر اللحم، الدال ضمناً على وجوب المشي إلى السوق، فالواجب تبعي لم يُسق الكلام إلى بيانه إلاّ تبعاً.

5. تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي

الواجب العيني: هو ما تعلّق فيه الأمر بكلّ مكلّف ولا يسقط عنه بفعل الغير، كالفرائض اليومية.
الواجب الكفائي: هو ماتعلّق فيه الأمر بعامّة المكلّفين لكن على نحو لو قام به بعضهم سقط عن الآخرين كتجهيز الميت والصلاة عليه.

6. تقسيم الواجب إلى التعييني و التخييري

الواجب التعييني: هو ما لا يكون له عِدْل، كالفرائض اليومية.
الواجب التخييري: هو ما يكون له عدل، كخصال كفّارة الإفطار العمدي

صفحه 54
في صوم شهر رمضان، حيث إنّ المكلّف مخير بين أُمور ثلاثة: صوم شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكيناً، وعتق رقبة.

7. تقسيم الواجب إلى التوصّلي والتعبّدي

الواجب التوصّلي: هو ما يتحقّق امتثاله بمجرّد الإتيان بالأُمور به بأي نحو اتفق من دون حاجة إلى قصد القربة، كدفن الميت وتطهير المسجد، وأداء الدين، وردّ السلام.
الواجب التعبّدي: هو ما لا يتحقق امتثاله بمجرّد الإتيان بالمأمور به بل لابدّ من الإتيان به متقرباً إلى اللّه سبحانه، كالصلاة والصوم والحجّ.
ثمّ إنّ قصد القربة يحصل بأحد أُمور ثلاثة:
أ: الإتيان بقصد امتثال أمره سبحانه.
ب: الإتيان للّه تبارك و تعالى مع صرف النظر عن الآخر.
ج: الإتيان بداعي محبوبية الفعل له تعالى دون سائر الدواعي النفسانية .
ثمّ إنّه إذا شكّ في كون واجب توصّلياً أم تعبّدياً، نفسياً أم غيرياً، عينياً أم كفائياً، تعيينياً أم تخييرياً، فمقتضى القاعدة كونه توصلياً لا تعبّدياً، نفسياً لا غيرياً، عينياً لا كفائياً، تعيينياً لا تخييرياً، والتفصيل موكول إلى الدراسات العليا.

صفحه 55

الفصل السادس

اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه

اختلف الأُصوليون في أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ على أقوال، و قبل الورود في الموضوع نقول: الضدّ هو مطلق المعاند والمنافي، وقسّم الأُصوليون الضدّ إلى ضدّ عام و ضدّ خاص.
والضدّ العام: هو ترك المأمور به.
والضدّ الخاص: هومطلق المعاند الوجودي.
وعلى هذا تنحلُّ المسألة في عنوان البحث إلى مسألتين موضوع إحداهما الضدّ العام، و موضوع الأُخرى الضدّ الخاص.
فيقال في تحديد المسألة الأُولى: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أو لا؟ مثلاً إذا قال المولى: صلّ صلاة الظهر، فهل هو نهي عن تركها؟ كأن يقول:«لاتترك الصلاة» فترك الصلاة ضدّ عام للصلاة بمعنى انّه نقيض له والأمر بها نهي عن تركها.1
كما يقال في تحديد المسألة الثانية: إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن

1 . كما أنّ ترك الصلاة ضدّ عام لها ، كذلك الصلاة أيضاً ضد عام لتركها; وعلى هذا فالضد العام هو النقيض، ونقيض كلّ شيء إمّا رفعه أو مرفوعه، فترك الصلاة رفع و الصلاة مرفوع وكلّ، نقيض للآخر و ضدّ عام له.

صفحه 56
ضدّه الخاص أو لا؟ فإذا قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد، فهل هي لأجل كونها واجباً فوريّاً بمنزلة النهي عن كلّ فعل وجودي يعاندها، كالصلاة في المسجد؟ فكأنّه قال: أزل النجاسة ولا تصلّ في المسجد عند الابتلاء بالإزالة.

المسألة الأُولى : الضدّ العام

إنّ للقائلين باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن الضدّ العام أقوالاً:
الأوّل: الاقتضاء على نحو العينية و انّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام، فيدلّ الأمر عليه حينئذ بالدلالة المطابقية، فسواء قلت : صلّ أو قلت: لا تترك الصلاة، فهما بمعنى واحد.
الثاني: الاقتضاء على نحو الجزئية و انّ النهي عن الترك جزءٌ لمدلول الأمر بالشيء، لأنّ الوجوب الذي هو مدلول مطابقي للأمر ينحلُّ إلى طلب الشيء والمنع من الترك، فيكون المنع من الترك الذي هو نفس النهي عن الضدّ العام، جزءاً تحليلياً للوجوب.
الثالث: الاقتضاء على نحو الدلالة الالتزامية، فالأمر بالشيء يلازم النهي عن الضدّ عقلاً.
ومختار المحقّقين عدم الدلالة مطلقاً.

المسألة الثانية: الضد الخاص

استدلّ القائلون بالاقتضاء بالدليل التالي وهو مركّب من أُمور ثلاثة:
أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة على القول به في البحث السابق.

صفحه 57
ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.
ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله في الحكم أي منهيّاً عنه .
فينتج أنّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده العام، و أنّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.
ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً بحكم المتلازم الآخر فلو كان ترك الإزالة حراماً لا يجب أن يكون ملازمه، أعني: الصلاة حراماً، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً في هذا الظرف، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً والصلاة واجبة.

الثمرة الفقهية للمسألة:

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضد عبادة كالصلاة، وقلنا بتعلّق النهي بها تقع فاسدة، لأنّ النهي يقتضي الفساد، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه.

صفحه 58

الفصل السابع

نسخ الوجوب1

إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا ؟ ولنقدم مثالاً من الكتاب العزيز.
فرض اللّه سبحانه على المؤمنين ـ إذا أرادوا النجوى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ تقديم صدقة، قال سبحانه:
(يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا نَاجَيتُمُ الرسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطهر فإن لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (المجادلة /12).
فلمّا نزلت الآية كفّ كثير من الناس عن النجوى، بل كفّوا عن المسألة، فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) 2، ثم نسخت الآية بما بعدها، وقال سبحانه:
(ءأشفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَلاةَ وَآتُوا الزَكاةَ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ واللّهُ خبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة / 13).
فوقع الكلام في بقاء جواز تقديم الصدقة إذا ناجى أحد مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهناك قولان:

1 . سيوافيك تفسير النسخ في المقصد الرابع وإجماله رفع الحكم الثابت بدليل شرعي.
2 . الطبرسي: مجمع البيان: 5/245 في تفسير سورة المجادلة.

صفحه 59
الأوّل: ما اختاره العلاّمة في «التهذيب» من الدلالة على بقاء الجواز.
الثاني: عدم الدلالة على الجواز، بل يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الأمر. وهو خيرة صاحب المعالم.
استدل للقول الأوّل بأنّ المنسوخ لما دلَّ على الوجوب، أعني قوله: (فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً) فقد دلَّ على أُمور ثلاثة:
1. كون تقديم الصدقة جائزاً.
2. كونه أمراً راجحاً.
3. كونه أمراً لازماً.
و القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه كالجواز وكالرجحان فيؤخذ من دليل المنسوخ، نظيره ما إذا دلّ دليل على وجوب شيء و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد أيضاً لابأس بترك إكرامه فيحكم بأظهرية الدليل الثاني على الأوّل على بقاء الجواز والرجحان.
يلاحظ عليه: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأُمور به، وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر، وهو كون البعث تمام الموضوع لوجوب الطاعة والالتزام بالعمل عند العقلاء، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فقد دلَّ على رفع اليد عن مدلول المنسوخ فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان إذ ليس له إلاّ ظهور واحد، وهو البعث نحو المطلوب لا ظهورات متعدّدة حتى يترك المنسوخ (اللزوم) ويؤخذ بالباقي (الجواز والرجحان).
وبعبارة أُخرى: الجواز والرجحان من لوازم البعث إلى الفعل، فإذا نسخ الملزوم فلا وجه لبقاء اللازم.

صفحه 60

الفصل الثامن

الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ ولإيضاح الحال نذكر مثالاً:
إنّ الشارع أمر الأولياء ليأمروا صبيانهم بالصلاة، ، روي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع» 1 ففي هذا الحديث أمر الإمام الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة.
فعندئذ يقع الكلام في أنّ أمر الإمام يتحدّد بالأمر بالأولياء، أو يتجاوز عنه إلى الأمر بالصلاة أيضاً.
فمحصّل الكلام: أنّه لا شك أنّ الصبيان مأُمورون بإقامة الصلاة إنّما الكلام في أنّهم مأُمورون من جانب الأولياء فقط، أو هم مأُمورون من جانب الشارع أيضاً.
وتظهر الثمرة في مجالين:
الأوّل: شرعية عبادات الصبيان، فلو كان الأمر بالأمر، أمراً بذلك الفعل تكون عبادات الصبيان شرعية وإلاّتكون تمرينيّة.

1 . الوسائل: 3/ الباب 3، من أعداد الفرائض، الحديث 5.

صفحه 61
الثاني: في صحّة البيع ولزومه فيما إذا أمر الوالد ولده الأكبر بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة إبلاغ أمر الوالد واطّلع الأصغر من طريق آخر على أمر الوالد فباع المبيع.
فإن قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل يكون بيعه صحيحاً ولازماً، وإن قلنا بخلافه يكون بيعه فضولياً غير لازم.
الظاهر أنّ الأمر بالأمر بالفعل أمر بذلك أيضاً، لأنّ المتبادر في هذه الموارد تعلّق غرض المولى بنفس الفعل وكان أمر المأُمور الأوّل طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمر المأُمور الأوّل.

الفصل التاسع

الأمر بالشيء بعد الأمر به

هل الأمر بالشيء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس، فمثلاً إذا أمر المولى بشيء ثم أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟
للمسألة صور:
أ . إذا قُيِّدَ متعلّق الأمر الثاني بشيء يدلّ على التعدّد والكثرة كما إذا قال: صلِّ، ثم قال: صلِّ صلاة أُخرى.
ب . إذا ذُكِرَ لكل حكم سبب خاص، كما إذا قال: إذا نمت فتوضّأ، وإذا مسست ميّتاً فتوضّأ.
ج . أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ، ثم قال: إذا بلت فتوضأ.

صفحه 62
د . أن يكون الحكم خالياً عن ذكر السبب في كلا الأمرين.
لا إشكال في أنّ الأمر في الصورة الأُولى للتأسيس لا للتأكيدلأن الأمر الثاني صريح في التعدّد .
وأمّا الصورة الثانية، فهي كالصورة الأُولى ظاهرة في تأسيس إيجاب، وراء إيجاب آخر.
نعم يقع الكلام في إمكان التداخل بأن يمتثل كلا الوجوبين المتعدّدين بوضوء واحد وعدمه، فهو مبني على تداخل المسببات وعدمه، فعلى الأوّل يكفي وضوء واحد ولا يكفي على الثاني وسيأتي الكلام فيه في باب المفاهيم، فيختص محل البحث بالصورتين الأخيرتين.
ولعل القول بالإجمال وعدم ظهور الكلام في واحد من التأكيد و التأسيس أولى، لأنّ الهيئتين تدلاّن على تعدّد البعث وهو أعم من التأكيد والتأسيس.وما يقال من أنّ التأسيس أولى من التأكيد، لا يثبت به الظهور العرفي.
تم الكلام في المقصد الأوّل
و الحمد للّه

صفحه 63

المقصد الثاني

في النواهي

وفيه فصول:
الفصل الأوّل: في مادة النهي و صيغته.
الفصل الثاني: في جواز اجتماع الأمر والنهي في عنوان واحد.
الفصل الثالث: في اقتضاء النهي للفساد.

صفحه 64

الفصل الأوّل

في مادة النهي و صيغته

النهي هو الزجر عن الشيء، قال سبحانه:(أَرَأَيْتَ الّذي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلّى)(العلق/9ـ10) .
ويعتبر فيه العلو و الاستعلاء.ويتبادر من مادة النهي، الحرمة بمعنى لزوم الامتثال على وفق النهي. والدليل عليه قوله سبحانه:(وَأَخذِهمُ الرِّبا وَ قَد نُهُوا عَنْهُ) (النساء/161).و قوله سبحانه :(فَلَمّا عَتَـوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُوُنُوا قِرَدَة خاسِئين) (الأعراف/166).و قوله سبحانه :(وَما آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/7) وقد مرّ نظير هذه المباحث في مادة الأمر فلا نطيل.
وأمّا صيغة النهي فالمشهور بين الأُصوليين أنّها كالأمر في الدلالة على الطلب غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود، أعني: نفس الفعل; وفي الآخر العدم، أعني: ترك الفعل.
ولكن الحق أنّ الهيئة في الأوامر وضعت للبعث إلى الفعل، وفي النواهي وضعت للزجر، وهما إمّا بالجوارح كالإشارة بالرأس و اليد أو باللفظ والكتابة.
وعلى ضوء ذلك فالأمر والنهي متّحدان من حيث المتعلّق ، مختلفان من حيث الحقيقة والمبادئ والآثار.

صفحه 65
أمّا الاختلاف من حيث الحقيقة، فالأمر بعث إنشائي والنهي زجر كذلك.
وأمّا من حيث المبادئ فمبدأ الأمر هو التصديق بالمصلحة والاشتياق إليها، ومبدأ النهي هو التصديق بالمفسدة والانزجار عنها.
وأمّا من حيث الآثار فإنّ الإتيان بمتعلّق الأمر إطاعة يوجب المثوبة، والإتيان بمتعلّق النهي معصية توجب العقوبة.

ظهور الصيغة في التحريم

قد علمت أنّ هيئة لا تفعل موضوعة للزجر، كما أنّ هيئة إفعل موضوعة للبعث، وأمّا الوجوب والحرمة فليسا من مداليل الألفاظ وإنّما ينتزعان من مبادئ الأمر والنهي فلو كان البعث ناشئاً من إرادة شديدة أو كان الزجر صادراً عن كراهة كذلك ينتزع منهما الوجوب أو الحرمة وأمّا إذا كانا ناشئين من إرادة ضعيفة أو كراهة كذلك، فينتزع منهما الندب والكراهة.
ومع الاعتراف بأنّهما ليسا من المداليل اللفظية لكن الأمر أو النهي إذا لم يقترنا بما يدلّ على ضعف الإرادة أو الكراهة ينتزع منهما الوجوب والحرمة بحكم العقل على أنّ بعث المولى أو زجره لا يترك بلا امتثال، واحتمال أنّهما ناشئان من إرادة أو كراهة ضعيفة لا يعتمد عليه مالم يدلّ عليه دليل.
وبعبارة أُخرى: العقل يُلزِم بتحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية والعبودية ولا يتحقق إلاّ بالإتيان بالفعل في الأمر وتركه في النهي.

النهي والدلالة على المرّة والتكرار

إنّ النهي كالأمر لا يدلّ على المرة ولا التكرار، لأنّ المادة وضعت للطبيعة الصرفة، والهيئة وضعت للزجر، فأين الدال على المرة والتكرار؟!

صفحه 66
نعم لمّا كان المطلوب هو ترك الطبيعة المنهي عنها، ولا يحصل الترك إلاّ بترك جميع أفرادها يحكم العقل بالاجتناب عن جميع محققات الطبيعة، وهذا غير دلالة اللفظ على التكرار.
ومنه يظهر عدم دلالتها على الفور والتراخي بنفس الدليل.

الفصل الثاني

اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين

اختلفت كلمات الأُصوليين في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، وقبل بيان أدلّة الطرفين نذكر أُموراً:

الأمر الأوّل: في أنواع الاجتماع

إنّ للاجتماع أنحاء ثلاثة:
ألف: الاجتماع الآمري:فهو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي والمأُمور والمنهيّ (المكلَّف) والمأُمور به والمنهى عنه ثالثاً (المكلَّف به) مع وحدة زمان امتثال الأمر والنهي فيكون التكليف عندئذ محالاً، كما إذا قال: صل في ساعة كذا ولا تصل فيها، ويعبَّـرعن هذا النوع، بالاجتماع الآمري، لأنّ الآمر هو الذي حاول الجمع بين الأمر والنهي في شيء واحد.
ب: الاجتماع المأموري: هو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي، والمأُمور والمنهي ولكن اختلف المأُمور به والمنهى عنه، كما إذا خاطب الشارع المكلّف بقوله: صل، ولا تغصب، فالمأُمور به غير المنهى عنه، بل هما ماهيّتان مختلفتان

صفحه 67
غير أنّ المكلَّف بسوء اختياره جمعهما في مورد واحد على وجه يكون المورد مصداقاً لعنوانين ومجمعاً لهما،.
ج الاجتماع الموردي:وهو عبارة عمّـا إذا لم يكن الفعل مصداقاً لكل من العنوانين بل يكون هنا فعلان تقارنا وتجاورا في وقت واحد يكون أحدهما مصداقاً لعنوان الواجب وثانيهما مصداقاً لعنوان الحرام، مثل النظر إلى الأجنبية في أثناء الصلاة، فليس النظر مطابَقاً لعنوان الصلاة ولا الصلاة مطابَقاً لعنوان النظر إلى الأجنبية ولا ينطبقان على فعل واحد، بل المكلّف يقوم بعملين مختلفين متقارنين في زمان واحد، كما إذا صلّى ونظر إلى الأجنبية.
تنبيه: إذا عرفت هذا فاعلم انّ النزاع في الاجتماع المأموري لا الآمري والموردي.

الأمر الثاني: ما هو المراد من الواحد في العنوان؟

المراد من الواحد في العنوان هو الواحد وجوداً بأن يتعلّق الأمر بشيء والنهي بشيء آخر، ولكن اتحد المتعلّقان في الوجود والتحقّق، كالصلاة المأُموربها والغصب المنهي عنه المتحدين في الوجود عند إقامة الصلاة في الدار المغصوبة.
فخرج بقيد الاتحاد في الوجود أمران:
الأوّل: الاجتماع الموردي، كما إذا صلّى مع النظر إلى الأجنبية وليس وجود الصلاة نفسَ النظر إلى الأجنبية، بل لكلّ تحقّق وتشخّص ووجود خاص.
الثاني: الأمر بالسجود للّه والنهي عن السجود للأوثان، فالمتعلّقان مختلفان مفهوماً ومصداقاً.

الأمر الثالث: الأقوال في المسألة

إنّ القول بجواز الاجتماع هو مذهب أكثر الأشاعرة، والفضل بن شاذان من

صفحه 68
قدمائنا، وهو الظاهر من كلام السيد المرتضى في الذريعة، و إليه ذهب فحول المتأخّرين من أصحابنا كالمحقّق الأردبيلي و سلطان العلماء والمحقّق الخوانساري وولده والفاضل المدقّق الشيرواني والسيد الفاضل صدر الدين وغيرهم، واختاره من مشايخنا: السيد المحقّق البروجردي والسيد الإمام الخميني ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ ويظهر من المحدّث الكليني رضاه بذلك حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتابه ولم يعقبه بشيء من الرد والقبول، بل يظهر من كلام الفضل بن شاذان (ت 260هـ) انّ ذلك من مسلّمات الشيعة .1
وأمّا القول بالامتناع، فقد اختاره المحقّق الخراساني في الكفاية وأقام برهانه.
إذا عرفت ذلك، فلنذكر دليل القولين على سبيل الاختصار وقد استدلوا على القول بالجواز بوجوه منها:
أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو الدخيل في الغرض دون ما يلازمه من الخصوصيات غير الدخيلة، ومثله النهي لا يتعلّق إلاّ بما هو المبغوض دون اللوازم والخصوصيات.
وعلى ضوء ذلك فما هو المأُمور به هو الحيثية الصلاتية وإن اقترنت مع الغصب في مقام الإيجاد، والمنهي عنه هو الحيثية الغصبية وان اقترنت مع الصلاة في الوجود والتحقّق.
وعلى هذا فالوجوب تعلّق بعنوان الصلاة ولا يسري الحكم إلى غيرها من المشخّصات الاتفاقية كالغصب، كما أنّ الحرمة متعلّقة بنفس عنوان الغصب ولا تسري إلى مشخصاته الاتفاقية، أعني: الصلاة، فالحكمان ثابتان على العنوان لا يتجاوزانه وبالتالي ليس هناك اجتماع.

1 . لاحظ القوانين، ج1 ص 140.

صفحه 69
والذي يؤيد جواز الاجتماع هو عدم ورود نص على عدم جواز الصلاة في المغصوب وبطلانها مع عموم الابتلاء به، فإنّ ابتلاء الناس بالأموال المغصوبة في زمان الدولتين الأُموية والعباسية لم يكن أقل من زماننا خصوصاً مع القول بحرمة ما كانوا يغنمونه من الغنائم في تلك الأزمان، حيث إنّ الجهاد الابتدائي حرام بلا إذن الإمام (عليه السلام) على القول المشهور، فالغنائم ملك لمقام الإمامة، ومع ذلك لم يصلنا نهي في ذلك المورد، ولو كان لوصل، والمنقول عن ابن شاذان هو الجواز، وهذا يكشف عن صحة اجتماع الأمر والنهي إذا كان المتعلّقان متصادقين على عنوان واحد.
استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات نذكر المهم منها:
المقدّمة الأُولى: انّ الأحكام الخمسة متضادة ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث في زمان، والزجر عنه في ذلك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في زمان واحد من قبيل التكليف المحال.
المقدّمة الثانية: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج لا ما هو اسمه وعنوانه، وإنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام للإشارة إلى مصاديقها وأفرادها الحقيقية.
ثم استنتج وقال: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً يكون تعلّق الأمر والنهي به محالاً وإن كان التعلّق به بعنوانين لما عرفت من أنّ الموضوع الواقعي للتكليف هو فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته لا عناوينه وأسمائه.
يلاحظ على ذلك: ـ بعد تسليم المقدّمة الأُولى ـ بما قرّر في محلّه من أنّ الموضوع للتكاليف ليس هو الهوية الخارجية، لأنّه يستحيل أن يتعلّق البعث والزجر بها، وذلك لأنّ التعلّق إمّا قبل تحقّقها في الخارج، أو بعده، فعلى الأوّل فلا موضوع

صفحه 70
حتى يتعلّق به الأحكام بل مرجع ذلك إلى تعلّق الحكم بالعناوين، وعلى الثاني يلزم تحصيل الحاصل وطلب الموجود.
ثمرة النزاع: انّ القائل بجواز الاجتماع يذهب إلى حصول الامتثال والعصيان بعمل واحد، فهو يتحفّظ على كلا الحكمين بلا تقديم أحدهما على الآخر، وأما القائل بالامتناع، فهو يقدّم من الحكمين ما هو الأهم، فربما كان الأهم هو الوجوب فتكون حرمة الغصب إنشائية، وربما ينعكس فيكون الترك أهم من الإتيان بالواجب.

الفصل الثالث

في اقتضاء النهي للفساد

هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الأُصول التي يترتب عليها استنباط مسائل فقهية كثيرة ويقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في العبادات
و قبل البحث فيها نذكر أُموراً:
الأوّل: المقصود من العبادة في عنوان البحث ما لا يسقط أمرها على فرض تعلّقه بها إلاّ إذا أتى بها على وجه قربى، فخرجت التوصليات من التعريف، لأنّها أُمور يسقط أمرها ولو لم يأتِ بها كذلك.
الثاني: قد عرفت1 انّ المراد من الصحة في العبادات هو كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به أو ما يسقط الإعادة والقضاء.

1 . عند البحث عن وضع أسماء العبادات للصحيح أو للأعم، ص24.

صفحه 71
الثالث: انّ النهي ينقسم إلى تحريمي وتنزيهي، وإلى نفسي وغيري، وإلى مولوي وإرشادي.
والظاهر دخول الجميع تحت عنوان البحث.1
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع، فنقول:
إذا تعلّق النهي بنفس العبادة، فلا شك في اقتضائه للفساد، كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة أيام أقرائك» 2 لأنّ الصحة بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به ومع تعلّق النهي بنفس العبادة لا يتعلّق بها الأمر لاستلزامه اجتماع الأمر والنهي في متعلّق واحد، فلا يصدق كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به لعدم الأمر، وبالتالي لا يكون مسقطاً للإعادة والقضاء.
وبعبارة أُخرى: انّ الصحة إمّا لأجل وجود الأمر، أو لوجود الملاك (المحبوبية) وكلا الأمرين منتفيان، أمّا الأوّل فلامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد تحت عنوان واحد، وأمّا الثاني فلأنّ النهي يكشف عن المبغوضية فلا يكون المبغوض مقرّباً.
وهذه هي الضابطة في دلالة النهي على الفساد وعدمها، ففي كل مورد لا يجتمع ملاك النهي (المبغوضية) مع ملاك الصحّة (الأمر أو الملاك و المحبوبية) يحكم عليها بالفساد .3

1 . قد يكون النهي إرشاداً إلى قلّة الثواب كما في قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» ]الوسائل:3، الباب2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 7[ فانّه لا يستلزم الفساد و بالتالي لا يدخل في النزاع.
2 . المتقي الهندي: كنز العمال: 6/42 و 262.
3 . وأمّا إذا لم تكن صحة الشيء رهن الأمر أو المحبوبية بل دائراً مدار كونه جامعاً للأجزاء والشرائط ـ كما في باب المعاملات ـ فلا يكشف ملاك النهي ـ أعني: المبغوضية ـ عن الفساد وبذلك(أي عدم تأثير المبغوضية) يفترق باب المعاملات عن العبادات حيث لا يحكم على المعاملات بالفساد مع تعلّق النهي النفسي بها كما سيوافيك.

صفحه 72

المقام الثاني: في المعاملات

ولإيضاح الحال نذكر أُموراً:
الأوّل: المراد من المعاملات في عنوان البحث ما لا يعتبر فيه قصد القربة، كالعقود والإيقاعات.
الثاني: انّ المراد من الصحة في المعاملات ما يترتب عليها الأثر المطلوب منها كالملكية في البيع والزوجية في النكاح.
الثالث: إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي أو التنزيهي بالمعاملة بما هو فعل مباشريّ، كالعقد الصادر عن المُحْرِم في حال الإحرام بأن يكون المبغوض صدور عقد النكاح في هذه الحالة، من دون أن يكون نفس العمل بما هو هو مبغوضاً ومزجوراً عنه، فالظاهر عدم اقتضائه الفساد، لأنّ غاية النهي هي مبغوضية نفس العمل (العقد) في هذه الحالة وهو لا يلازم الفساد وليس العقد أمراً عبادياً حتّى لا يجتمع مع النهي.
نعم إذا كان النهي إرشاداً إلى فساد المعاملة كما في قوله تعالى: (ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ) (النساء /22) فلا كلام في الدلالة على الفساد.
تنبيه :انّ الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة ـ أعني: مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ واضح لوجهين:
1. انّ المسألتين مختلفتان موضوعاً ومحمولاً فلا قدر مشترك بينهما حتى تُبحث في الجهة المائزة، لأنّ عنوان البحث في المسألة السابقة هو:
هل يجوز تعلّق الأمر والنهي بشيئين مختلفين في مقام التعلّق، ومتحدين في مقام الإيجاد أو لا؟ كما أنّ عنوان البحث في هذا المقام هو:

صفحه 73
هل هناك ملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها أو لا؟
فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً، ومع هذا الاختلاف، فالبحث عن الجهة المائزة ساقط.
2. انّ المسألة السابقة تبتني على وجود الأمر والنهي، ولكن هذه المسألة تبتني على وجود النهي فقط سواء أكان هناك أمر كما في باب العبادات، أم لا كما في باب المعاملات، فوجود الأمر في المسألة السابقة يعدُّ من مقوماتها دون هذه المسألة.

تطبيقات:

لقد مضى أنّ مسألة النهي في العبادات والمعاملات من المسائل المهمة، لذا استوجب الحال بأن نستعرض تطبيقات لتلك المسائل:

1. الصلاة في خاتم الذهب:

روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام):
لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه .1
قال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري: قد دلّت طائفة من الأخبار على اعتبار عدم كون لباس المصلّي من الذهب للرجال، والنهي في تلك الأخبار قد تعلّق بالصلاة في الذهب، والنهي المتعلّق بالعبادة يقتضي الفساد كما حرّر في محلّه .2

2. إذا فرَّق الزكاة بين الفقراء مع طلب الإمام:

لو طلب الإمامُ الزكاة، ولكن المالك فرّقها بين الفقراء دون أن يدفعها إلى

1 . الوسائل: ج3، الباب 30 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.
2 . الحائري: الصلاة: 57.

صفحه 74
الإمام، فهل يجزي مع النهي الصادر من الإمام أو لا؟ 1

3. لو تضرّر باستعمال الماء:

لو تضرّر باستعمال الماء في الوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم، فإن استعمل الماء وحاله هذا فهل يبطل الوضوء أو لا ؟2

4. التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوبين:

إذا تيمّم بالتراب أو بالحجر المغصوبينأي الممنوع من التصرف فيه شرعاً، فهل يفسد تيمّمه أولا ؟ 3

5. الاكتفاء بالأذان المنهيّ عنه:

إذا تغنَّى بالأذان، أو أذّنت المرأة متخضعة، أو أذّن في المسجد وهو جنب، فهل يصح الأذان منهم ويكتفي به أو لا ؟ 4

6. حرمة الاستمرار في الصلاة:

إذا وجب قطع الصلاة لأجل صيانة النفس والمال المحترمين من الغرق والحرق، ومع ذلك استمرَّ في الصلاة فهل تبطل صلاته أو لا ؟ 5

7. النهي عن التكفير في الصلاة:

قد ورد النهي عن التكفير في الصلاة ـ أي قبض اليد اليسرى باليمنى ـ كما

1 . الجواهر: 15/421.
2 . الجواهر: 5/111.
3 . الجواهر: 5/135.
4 . الجواهر: 9/53 ـ 59
5 . الجواهر: 11/123.

صفحه 75
ورد النهي عن إقامة النوافل جماعة في ليالي شهر رمضان (صلاة التراويح) فهل تبطل الصلاة أو لا؟

8 . صوم يوم الشك بنيّة رمضان:

إذا صام آخر يوم من شهر شعبان بنيّة رمضان، فهل يصح صومه أو لا؟1

9. القِران بين الحج والعمرة:

لو قارن بين الحج والعمرة بنية واحدة، فهل يبطل عمله لأجل النهي عن القِران كما لو نوى صلاتين بنية واحدة أو لا ؟ 2

10. شرط اللزوم في المضاربة:

إذا شرط اللزوم في المضاربة، فهل تبطل المضاربة للنهي عن شرط اللزوم المنكشف عن طريق الإجماع أو لا؟3
تمّ الكلام في المقصد الثاني
و الحمد للّه

1 . الجواهر: 12/328.
2 . الجواهر: 17/207.
3 . مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، ص 13.

صفحه 76

صفحه 77

المقصد الثالث

في المفاهيم

وفيه أُمور :
الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق.
الأمر الثاني: تقسيم المدلول المنطوقي إلى صريح وغير صريح.
الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي.
الأمر الرابع : تقسيم المفهوم إلى موافق و مخالف .
الأمر الخامس: أقسام مفهوم المخالف.
الأوّل: مفهوم الشرط.
الثاني: مفهوم الوصف.
الثالث: مفهوم الغاية.
الرابع: مفهوم الحصر.
الخامس: مفهوم العدد.
السادس: مفهوم اللقب.

صفحه 78

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق:

إنّ مداليل الجمل على قسمين:
قسم يصفه العرف بأنّ المتكلّم نطق به، وقسم يفهم من كلامه ولكن لا يوصف بأنّ المتكلّم نطق به، ولأجل اختلاف المدلولين في الظهور والخفاء ليس للمتكلّم إنكار المدلول الأوّل بخلاف المدلول الثاني، فإذا قال المتكلّم، إذا جاءك زيد فأكرمه فإنّ هنا مدلولين.
أحدهما: وجوب الإكرام عند المجيء، وهذا ممّا نطق به المتكلّم وليس له الفرار منه، ولا إنكاره.
والآخر: عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء، وهذا يفهم من الكلام وبإمكان المتكلّم التخلّص عنه بنحو من الأنحاء.
فالأوّل مدلول منطوقي، والثاني مدلول مفهومي، ولعل ما ذكرناه هو مراد الحاجبي من تعريفه للمنطوق والمفهوم بقوله:
المنطوق: ما دلَّ عليه اللّفظ في محل النطق.
والمفهوم : ما دلَّ عليه اللّفظ في غير محل النطق .1
والحاصل انّ ما دل عليه اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ حاملاً لذلك المعنى وقالباً له فهو منطوق .
وما دلّ عليه اللّفظ على وجه لم يكن اللّفظ حاملاً وقالباً للمعنى ولكن دلّ عليه باعتبار من الاعتبارات فهو مفهوم.

1 . الحاجبي: منتهى السؤل والأمل: 147، واختصره المؤلف واشتهر بالمختصر الحاجبي وشرحه العضدي، وكلاهما مطبوعان.

صفحه 79

الأمرالثاني: تقسيم المدلول المنطوقي إلى صريح وغير صريح:

تنقسم المداليل المنطوقية إلى قسمين: صريح وغير صريح. فالصريح، هو المدلول المطابقي; وأمّا غير الصريح، فهو المدلول التضمني والالتزامي.
ثم إنّ الالتزامي على ثلاثة أقسام:
أ . المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.
ب . المدلول عليه بدلالة التنبيه .
ج . المدلول عليه بدلالة الإشارة.
أمّا الأوّل فهو ما يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ والنسيان» فإنّ المراد رفع المؤاخذة عنها أو نحوها وإلاّ كان الكلام كاذباً.
وقوله تعالى: (واسْئَلِ القريةَ التي كُنّا فِيها) (يوسف / 82) فلو لم يقدَّر الأهل لما صحَّ الكلام عقلاً.
وقول القائل: اعتق عبدك عنّي على ألف، فإنّ معناه ملِّكه لي على ألف ثم اعتقه، إذ لا يصح العتق شرعاً إلاّ في ملك.
وأمّا الثاني، فهو ما لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً وشرعاً، ولكن كان مقترناً بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علة له، لبعد الاقتران و فُقِد الربطُ بين الجملتين فيفهم منه التعليل فالمدلول، هو علّية ذلك الشيء، لحكم الشارع كقوله : «بطل البيع» لمن قال له: «بعت السمك في النهر» فيعلم منه اشتراط القدرة على التسليم في البيع.
وأمّا الثالث، فهو لازم الكلام وإن لم يكن المتكلّم قاصداً له مثل دلالة قوله

صفحه 80
سبحانه: (وحَمْلُهُ وفصالُهُ ثلاثُونَ شهراً) (الأحقاف / 15) إذا انضم إلى قوله تعالى: (والوالِداتُ يُرضِعْن أولادَهُنَّ حولينِ كامِلَين) (البقرة / 233) على كون أقل الحمل ستة أشهر، فإنّ المقصود في الآية الأُولى بيان ما تتحمّله الأُم من آلام و مشاقّ، و في الثانية بيان أكثر مدة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث، وهو أنّ أقل الحمل ستة أشهر.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي:

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي وأنّ مدار البحث هو مثلاً أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟
وأمّا على فرض الدلالة والانفهام العرفي فلا إشكال في حجيته.
وبعبارة أُخرى: النزاع في أصل ظهور الجملة في المفهوم وعدم ظهورها، فمعنى النزاع في مفهوم الجملة الشرطية (إذا سلَّم أكرمه) هو أنّ الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وهل هي ظاهرة في ذلك أو لا؟
وأمّا بعد ثبوت دلالتها على المفهوم أو ظهورها فيه فلا نزاع في حجيته، ومن خلال هذا البيان يظهر وجود التسامح في قولهم مفهوم الشرط حجة أو لا، فإنّ ظاهره أنّ وجود المفهوم مفروغ عنه وانّما الكلام في حجيته، مع أنّ حقيقة النزاع في وجود أصل المفهوم.

الأمر الرابع: تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق:

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إذا كان موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم موافق، كما في قوله سبحانه: (فَلا تَقُل لَهُما أُفّ)

صفحه 81
(الإسراء/23) فحرمة التأفيف تدل بالأولوية على حرمة الشتم وربما يسمّى لحن الخطاب.
وأمّا لو كان الحكم في المفهوم مخالفاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم مخالف.
الأمر الخامس: أقسام مفهوم المخالف
اعلم أنّ الموارد التي وقعت محل النزاع من مفهوم المخالف عبارة عما يلي:
1.مفهوم الشرط.
2. مفهوم الوصف.
3.مفهوم الغاية.
4.مفهوم الحصر.
5. مفهوم العدد.
6. مفهوم اللقب.
وإليك التفصيل:

صفحه 82

الأوّل: مفهوم الشرط

واعلم أنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع، ومحمول، وشرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع ، عند انتفاء الشرط وعدمها مثل قوله (عليه السلام) :«إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجِّسه شيء» فهناك موضوع وهو الماء، ومحمول وهو العاصمية (لم ينجسه) وشيء آخر باسم الشرط، أعني: الكرية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع (الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع من دون تفكيك بين الشرط والموضوع بل يكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محل النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق هنا ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.
إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم (أي انتفاء الجزاء لدى انتفاء الشرط)لا يتم إلاّ إذا ثبتت الأُمور الثلاثة التالية:
1. وجود الملازمة بين الجزاء والشرط في القضية بأن لا يكون من قبيل القضايا الاتفاقية، كما في قوله: كلما كان الإنسان ناطقاً فالحمار ناهق، فإنّ التقارن من باب الاتفاق، ولأجل ذلك يحصل الانفكاك بينهما كثيراً.
2. أن يكون التلازم من باب الترتب أي ترتب أحدهما على الآخر، بأن يكون الشرط علة للجزاء، فخرج ما إذا لم يكن هناك أي ترتب كما إذا قال: إن طال الليل قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس بينهما أي ترتب لكونهما معلولين لعلة ثالثة.
3. أن يكون الترتب علّياً انحصارياً، ومعنى الانحصار عدم وجود علّة

صفحه 83
أُخرى تقوم مقام الشرط .
فالقائل بالمفهوم لا محيص له إلاّ من إثبات هذه الأُمور الثلاثة، ويكفي للقائل بالعدم منع واحد منها.
ثمّ إنّ دلالة الجملة الشرطية على هذه الأُمور الثلاثة بأحد الوجوه التالية:
1. الوضع: ادّعاء وضع الهيئة على ما يلازم هذه الأُمور الثلاثة: الملازمة، الترتب، الانحصار.
2. الانصراف1: ادّعاء انصراف الجملة الشرطية في ذهن المخاطب إلى هذه الأُمور.
3. الإطلاق: ادّعاء أنّ المتكلّم كان في مقام بيان العلل ولم يذكر إلاّ واحداً منها، فيعلم انحصارها فتثبت الملازمة والترتب بوجه أُولى.
أمّا إثباتها بالطريق الأوّل أي بالدلالة الوضعية، فالحق دلالة الجملة الشرطية على الأمرين : الملازمة والترتب، وذلك لأنّ المتبادر من هيئة الجملة الشرطية هو أنّ فرض وجود الشرط وتقدير حصوله، يتلوه حصول الجزاء وتحقّقه وهذا مما لا يمكن إنكاره، وهو نفس القول بالملازمة والترتب.
وأمّا إثبات الأمر الثالث، وهو انّ العلّية بنحو الانحصار بالدلالة الوضعية، فهو غير ثابت، لأنّ تقسيم العلّة إلى المنحصرة وغير المنحصرة من المفاهيم الفلسفية البعيدة عن الأذهان العامة فمن البعيد، أن ينتقل الواضع إلى التقسيم، ثم يضع الهيئة الشرطية على قسم خاص منها وهي المنحصرة.

1 . إذا كان اللّفظ موضوعاً لحقيقة ذات أنواع كالحيوان أو ذات أصناف كالماء فتبادر منه ـ عند الاستعمال ـ نوع أو صنف إلى الذهن دون الأنواع والأصناف الأُخرى، يقال: اللفظ منصرف إلى كذا، مثلاً إذا قيل: «لا تصل في مالا يؤكل لحمه» يكون منصرفاً إلى غير الإنسان.

صفحه 84
وأمّا إثبات الانحصار بالانصراف فهو أيضاً بعيد، لأنّ الانصراف رهن أحد أمرين:
1. كثرة الاستعمال في العلة المنحصرة.
2. كون العلة منحصرة أكمل من كونها غير منحصرة.
وكلا الأمرين منتفيان لكثرة الاستعمال في غير المنحصرة، وكون العلّة المنحصرة ليست بأكمل في العليّة من غيرها.
وأمّا إثبات الانحصار بالإطلاق وهو كون المتكلّم في مقام البيان وهذا يتصوّر على وجهين:
تارة يكون في مقام بيان خصوصيات نفس السبب الوارد في الجملة الشرطية وماله من جزء وشرط ومانع من دون نظر إلى وجود سبب آخر، وأُخرى يكون في مقام بيان ما هو المؤثر في الجزاء، فعلى الأوّل يكون مقتضى الإطلاق انّ ما جاء بعد حرف الشرط هو تمام الموضوع وليس له جزء أو شرط آخر ولايتفرع عليه المفهوم، بل أقصاه أنّ ما وقع بعد حرف الشرط تمام الموضوع للجزاء وأمّا أنّه لايخلفه شيء آخر فلايمكن دفعه لأنّه ليس في مقام البيان.
وعلى الثاني أي إذا كان بصدد بيان ما هو المؤثر في الجزاء على وجه الإطلاق، فإذا ذكر سبباً واحداً وسكت عن غيره، فالسكوت يكون دالاً على عدم وجود سبب آخر قائم مقامه.
والحاصل: أنّه لو أحرز كون المتكلّم في مقام تحديد الأسباب ومع ذلك اقتصر على ذكر سبب واحد يستكشف أنّه ليس له سبب إلاّ ما جاء في كلامه فيحكم على السبب بأنّه علة منحصرة، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في مقام بيان الأسباب كلّها فإنّ مقتضى الإطلاق أنّ ما وقع تحت الشرط تمام الموضوع وليس له

صفحه 85
جزء آخر غير موجود، وأمّا أنّه ليس للجزاء سبب آخر يقوم مقام السبب الأوّل فلايدلّ عليه.

تطبيقات

إنّ للقول بدلالة الجملة الشرطية على المفهوم ثمرات فقهية لا تحصى، وربما يستظهر من خلال الروايات أنّ القول بالدلالة كان أمراً مسلماً بين الإمام والراوي، وإليك تلك الروايات:
1. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الشاة تُذْبَح فلا تتحرك، ويُهراق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل، إنّ علياً كان يقول: إذا ركضت الرِجْل أو طَرِفت العين فكل» .1
ترى أنّ الإمام (عليه السلام) يستدلّ على الحكم الذي أفتى به بقوله: «لا تأكل» بكلام علي (عليه السلام) ، ولا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، وهو إذا لم تركض الرجل ولم تطرف العين (كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.
2. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين يضمّن القصار والصائغ احتياطاً للناس، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً» .2
فالرواية على القول بالمفهوم دالة على تضمينه إذا لم يكن مأموناً .3
3. روى علي بن جعفر في كتاب مسائله وقرب الإسناد: أنّه سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال: «إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس» .4

1 . الوسائل: 16/264، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13/272، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 4.
3 . مباني العروة : كتاب المضاربة: 17.
4 . الجواهر: 22/28.

صفحه 86
دلّت الرواية على القول بالمفهوم على حرمة التجارة مع المشرك إذا حملوا سلاحاً من دون فرق بين زمان الحرب والهدنة.
4. روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».
دلّت الرواية لاشتمالها على المفهوم على انفعال القليل بالملاقاة، وإلاّ كان تعليق عدم الانفعال بالكرّية أمراً لغواً .1
5. روى عبد اللّه بن جعفر عن أبي محمد(عليه السلام) قوله: ويجوز للرجل أن يصلّي ومعه فارة مسك، فكتب:«لا بأس به إذا كان ذكياً».
فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على المنع عن حمل الميتة وإن كان جزءاً صغيراً.2
6. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قلت له: الأمة تغطي رأسها، فقال: «لا، ولا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد».
دلّ بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد .3
7. روى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأُولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئاً» .
دلّ بمفهومه على وجوب السورة بعد الحمد في غير مورد الشرط.4
8. روى ابن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «لا بأس أن يتكلّم إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين أن تقام الصلاة».
استدلّ بها صاحب الجواهر على حرمة الكلام في أثناء الخطبة.5
9. روى علي بن فضل الواسطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: كتبت إليه إذا انكسفت الشمس أو القمر وأنا راكب لا أقدر على النزول، فكتب إليّ: «صل على

1 . الجواهر: 1/106.
2 . الجواهر: 6/132.
3 . الجواهر: 8/222.
4 . الجواهر: 9/334.
5 . الجواهر: 11/294.

صفحه 87
مركبك الذي أنت عليه». أي صلّ على مركبك إذا لم تقدر على النزول.استدلّ بها على عدم جواز إقامة صلاة الآيات على ظهر الدابة إلاّ مع الضرورة .1
10. روى معاوية بن وهب بعد أن سأله عن السرية يبعثها الإمام (عليه السلام)فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام (عليه السلام) ، أخرج منها الخمس للّه تعالى وللرسول، وقسّم بينهم ثلاثة أخماس».
استدلّ بأنّه إذا كان هناك حرب بغير إذنه، فلا يعدّ ما أصابوه من الغنائم بل من الأنفال .2
وينبغي التنبيه على أمرين:

التنبيه الأوّل: إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء

إذا كان الشرط متعدّداً والجزاء واحداً كما لو قال: إذا خفي الأذان فقصّر، وإذا خفي الجدران فقصّر، فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم، تقع المعارضة بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر، فلو افترضنا أنّ المسافر بلغ إلى حدّ لايَسمع أذان البلد ولكن يرى جدرانه فيقصِّر حسب منطوق الجملة الأُولى ويُتمّ حسب مفهوم الجملة الثانية، كما أنّه إذا بلغ إلى حد يسمع الأذان و لا يرى الجدران فيتم حسب مفهوم الجملة الأُولى ويُقصّر حسب منطوق الجملة الثانية، فالتعارض بين منطوق إحداهما ومفهوم الأُخرى.
وبما انّك عرفت أنّ استفادة المفهوم مبني على كون الشرط علّة تامة أوّلاً، ومنحصرة ثانياً يرتفع التعارض بالتصرف في أحد ذينك الأمرين، فتفقد الجملة الشرطية مفهومها، وعندئذ لا يبقى للمعارضة إلاّ طرف واحد وهو منطوق الآخر، وإليك بيان كلا التصرفين:

1 . الجواهر: 11/477.
2 . الجواهر: 11/294.

صفحه 88
أمّا الأوّل: أي التصرف في السببيّة التامة بأن تكون الجملة الثانية قرينة على أنّ خفاء الأذان ليست سبباً تاماً للقصر، وانّما السبب التام هو خفاء كلا الأمرين من الأذان والجدران، فتكون النتيجة بعد التصرف هو إذا خفي الجدران والأذان معاً فقصر .
وأمّا الثاني: وهو التصرّف في انحصارية الشرط بأن يكون كل منهما سبباً مستقلاً لا سبباً منحصراً، فتكون النتيجة هي استقلال كل واحد في وجوب القصر، فكأنّه قال: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر.
والفرق بين التصرفين واضح، فإنّ مرجع التصرف في الأوّل إلى نفي السببية المستقلّة عن كل منهما وجعلهما سبباً واحداً، كما أنّ مرجعه في الثاني إلى سلب الانحصار بعد تسليم سببيّة كل منهما مستقلاً.
فعلى الأوّل لا يقصر إلاّ إذا خفي كلاهما وعلى الثاني يقصر مع خفاء كل منهما.
وعلى كلا التقديرين يرتفع التعارض لزوال المفهوم بكل من التصرفين، لأنّ المفهوم فرع كون الشرط سبباً تاماً ومنحصراً، والمفروض أنّه إمّا غير تام، أو غير منحصر.
إلاّ أنّه وقع الكلام في تقديم أحد التصرفين على الآخر، والظاهر هو التصرف في ظهور كلّ من الشرطين في الانحصار فيكون كل منهما مستقلاً في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم، وإذا حصلا معاً فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق وإن تقارنا كان الأثر لهما معاً ويكونان كالسبب الواحد.
وانّما قلنا برجحان التصرف في الانحصار على التصرف في السببية التامة، لأجل أنّ التصرف في الانحصار مما لا بدّ منه سواء تعلّق التصرف برفع الانحصار

صفحه 89
أو تعلّق التصرف برفع السببية التامة، فالانحصار قطعيّ الزوال ومتيقن الارتفاع، وأمّا السببية التامة فمشكوك الارتفاع فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل.

التنبيه الثاني: في تداخل الأسباب والمسببات 1

إذا تعدّد السبب واتحد الجزاء كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضّأ وإذا نُمتَ فتوضّأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب أوّلاً، وتداخل المسببات ثانياً.
والمراد من تداخل الأسباب وعدمه هو أنّ السببين هل يقتضيان وجوباً واحداً فتتداخل الأسباب في التأثير، أو يقتضيان وجوبين فلا تتداخل في مقام التأثير؟
وأمّا المراد من تداخل المسبّبات وعدمه هو أنّ الإتيان بالطبيعة مرّة هل يكفي في امتثال كلا الوجوبين أو يتوقف على الإتيان بها مرّتين.
ثمّ البحث في تداخل المسببات وعدمه مبني على ثبوت عدم التداخل في الأسباب وأنّ البحث في التداخل يجري إذا أمكن تكرار الجزاء كالوضوء وإلاّ فيسقط البحث كقتل زيد لكونه محارباً و مرتداً فطرياً فإنّ القتل غير قابل للتكرر، فلا معنى للبحث عن التداخل سبباً أو مسبباً.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم الأسباب من حيث التداخل وعدمه، والمتبادر عرفاً من القضيتين: إذا بُلت فتوضّأ و إذا نمت فتوضّأ هو عدم التداخل بمعنى انّ كلّ شرط علّة لحدوث الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الآخر معه أم قبله أم بعده أم لم يوجد، وليس لعدم تداخل الأسباب معنى إلاّ تعدد الوجوب.
الثاني: حكم تداخل المسببات أي كفاية وضوء واحد

1 . يكفي في عقد هذا البحث القول بكون كل شرط سبباً تاماً، لا سبباً منحصراً، فليس البحث مبنياً على اشتمال القضية الشرطية على المفهوم ، فلاحظ.

صفحه 90
وعدمه فالظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، فتصل النوبة إلى الأصل العمليّ وهو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دلّ الدليل على سقوطها به، وبعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهي رهن تعدّد الامتثال.
نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.
فخرجنا بهذه النتيجة: انّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعدّدة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.

تطبيقات

1. إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الإنفاق؟ قال في الجواهر:لا يجوز، لكونه ليس إيتاءً للزكاة لأصالة عدم تداخل الأسباب.
2. إذا اجتمع للمستحق سببان يستحق بهما الزكاة، كالفقر والجهاد في سبيل اللّه جاز أن يُعطى لكل سبب نصيباً، لاندارجه حينئذ في الصنفين مثلاً، فيستحق بكل منهما.
3. إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر لكل نصيب خاص من النزح، فهل يجب نزح كل ما قدّر أو لا؟
4. إذا تغيّرت أوصاف ماء البئر، ومع ذلك وقعت فيه نجاسات لها نصيب من النزح، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟

صفحه 91

الثاني: مفهوم الوصف

ولإيضاح الحال نذكر أُموراً:
الأوّل: المراد من الوصف في عنوان المسألة ليس خصوص الوصف النحوي بل الأُصولي، فيعم الحال والتمييز ممّا يصلح أن يقع قيداً لموضوع التكليف أو لنفسه.
الثاني: يشترط في الوصف أن يكون أخصّ من الموصوف مطلقاً حتى يصح فرض بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف كالإنسان العادل، فخرج منه ما إذا كانا متساويين، كالإنسان المتعجب و ما إذا كان أعم منه مطلقاً، كالإنسان الماشي.
و أمّا إذا كان أعم منه من وجه كما في الغنم السائمة زكاة فانّ بين الغنم والسائمة عموم و خصوص من وجه، فيفترق الوصف عن الموضوع في الغنم المعلوفة، والموضوع عن الوصف في الإبل السائمة و يجتمعان في الغنم السائمة، فهل هو داخل في النزاع أو لا؟
الظاهر دخوله في النزاع إذا كان الافتراق من جانب الوصف بأن يكون الموضوع باقياً والوصف غير باق كالغنم المعلوفة، وأمّا إذا ارتفع الموضوع، سواء كان الوصف باقياً، كالإبل السائمة، أو كان هو أيضاً مرتفعاً كالإبل المعلوفة فلا يدلّ على شيء في حقهما.
الثالث: انّ النزاع في ثبوت مفهوم الوصف وعدمه لا ينافي اتفاقهم على أنّ الأصل في القيود1 أن تكون احترازية وذلك:

1 . أقول: إنّ القيود الواردة في الكلام على أقسام خمسة:
1. القيد الزائد كقولك: الإنسان الضاحك ناطق .
2. القيد التوضيحي:و هو القيد الذي يدلّ عليه الكلام و إن لم يذكر كقوله سبحانه:(وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى البِغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) (النور/33).
3. القيد الغالبي: و هو القيد الوارد مورد الغالب، و مع ذلك لا مدخلية له في الحكم، كقوله سبحانه:(وَرَبائبكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) (النساء/22) فكونهن في حجور الأزواج قيد غالبي.
4. القيد الاحترازي: و هو القيد الذي له مدخلية في الحكم ولا يحكم على الموضوع بحكم إلاّ معه كالدخول في الآية المتقدّمة فانّ الدخول بالأُم شرط لحرمة الربيبة، فلو لم يدخل بها و طلّقها يتوقّف في الحكم.
5. القيد المفهومي: أو القيد ذات المفهوم، و هو ما يدلّ على ثبوت الحكم عند وجوده و عدمه عند انتفائه، وهذا النوع من القيد يُثبت أكثر ممّا يثبته القيد الاحترازي، فإنّ الثاني يثبت الحكم في مورد القيد و يسكت عن وجوده و عدمه في غير مورده، و لكن القيد المفهومي يُثبت الحكم في مورده وينفيه عن غيره.

صفحه 92
لأنّ معنى كون القيد احترازياً ليس إلاّ ثبوت الحكم في مورد القيد، فإذا قال: أكرم الرجال طوال القامة، معناه ثبوت الحكم مع وجود الأمرين: الرجال والطوال.
وأمّا نفي الحكم عن الرجال القصار فلا يدل عليه كون القيد احترازياً، بل يُتوقف في الحكم بالثبوت أو العدم، بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ لازمه نفي الحكم في غير مورد الوصف والفرق بين الأمرين واضح، فكون القيد احترازياً يلازم السكوت في غير مورد الوصف، والقول بالمفهوم يلازم نقض السكوت والحكم بعدم الحكم في غير مورد الوصف.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الوصف على المفهوم، لأنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى الذي مرّعليك، وأمّا الزائد عليه أي الانتفاء لدى الانتفاء فلا دليل عليه.

صفحه 93
نعم ربما تدلّ القرائن على ثبوت المفهوم للقضية الوصفية ـ وراء كونه احترازياً ـ مثل ما حُكي أنّ أبا عبيدة قد فهم من قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليّ الواجد يُحِلُّ عرضه و عقوبته»: أنّ ليَّ غير الواجد لا يُحلّ.1
نعم خرجت عن تلك الضابطة العقود و الإيقاعات المتداولة بين الناس حتى الأقارير و الوصايا، فإنّها لو اشتملت على قيد و وصف لأفاد المفهوم، فمثلاً لو قال: «داري هذه وقف للسادة الفقراء» فمعناه خروج السادة الأغنياء عن الخطاب.

الثالث: مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية مثل قوله:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فقد اختلف الأُصوليّون فيه من جهتين:
الجهة الأُولى: في دخول الغاية«المرفق» في حكم المنطوق«اغسلوا» و هذا ما يعبّر عنه بدخول الغاية في حكم المغيّى (غسل اليد) و عدمه.
الجهة الثانية: في مفهوم الغاية، و هو موضوع البحث في المقام فقد اختلفوا في أنّ التقييد بالغاية هل يدلّ على انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية (العضد) ومن الغاية نفسها(المرفق) إذا قلنا في النزاع الأوّل بعدم دخولها في المغيّى أو لا؟

أمّا الجهة الأُولى ففيها أقوال:

أ. خروجها مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و السيد الإمام الخميني قدّس اللّه سرّهما.

1 . والليّ: «المُطِلّ» و الواجد: الغني، و إحلال عرضه: عقوبتُه وحبسُه.

صفحه 94
ب. دخولها مطلقاً.
ج. التفصيل بين ما إذا كان ماقبل الغاية و مابعدها متحدين في الجنس، فتدخل كما في قوله سبحانه:(فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فيجب غسل المرفق، و بين ما لم يكن كذلك فلا يدخل كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة/187) فإنّ الليل (الغاية) يغاير المغيّى(النهار).فانّ جنس النهار عرفاً هو النور، وجنس الآخر هو الظلمة فهما مختلفان جنساً، واشتراكهما في الزمان صحيح لكنّه أمر عقليّ.
د. عدم الدلالة على شيء و إنّما يُتبع في الحكم ، القرائنُ الدالّة على واحد منهما.
وقبل بيان المختار نشير إلى أمرين:
الأوّّل: انّ البحث في دخول الغاية في حكم المغيّى إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره تارة داخلاً في حكمه و أُخرى داخلاً في حكم مابعد الغاية، كالمرفق فانّه يصلح أن يكون محكوماً بحكم المغيّى (الأيدي) ومحكوماً بحكم ما بعد الغاية (العضد) و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا، كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات ، فالضربة السادسة هي بعد الغاية و ليس هنا حدّ مشترك صالح لأن يكون محكوماً بحكم المغيّى أو محكوماً بحكم ما بعد الغاية، وبذلك يظهر أنّه لو كانت الغاية، غاية للحكم لا يتصوّر فيه ذلك النزاع، كما إذا قال:«كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» فانّه لا يمكن أن يكون العلم بالحرام داخلاً في حكم المغيّى، إذ ليس بعد العلم بالحظر رخصة .
الثاني: إذا كانت أداة الغاية هي لفظ «حتى» فالنزاع في دخول الغاية في حكم المغيّى و عدمه إنّما يتصوّر إذا كانت خافضة كما في قوله:« أكلت السمكة

صفحه 95
حتى رأسِها، و مثل قوله سبحانه: (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187).
وأمّا العاطفة فهي خارجة عن البحث، لأنّ الغاية فيها داخلة تحت حكم المغيّى قطعاً، كما إذا قال: مات الناسُ حتى الأنبياء، فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضاً، و الغرض من ذكر الغاية هو بيان أنّه إذا كان الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى، محكوماً بالموت فكيف حال الآخرين، و نظيره القول المعروف: مات كلُّ أب حتى آدم.
إذا عرفت ذلك فالحقّ هو القول الأوّل، أي عدم دخول الغاية في حكم المغيّى أخذاً بالتبادر في مثل المقام، قال سبحانه:(تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر ) (القدر/4و5) فإنّ المتبادر منه أنّ النزول أو السلام إلى مطلع الفجر لا فيه نفسه ولا بعده، و كقول القائل: قرأت القرآن إلى سورة الإسراء، فإنّ المتبادر خروج الإسراء عن إخباره بالقراءة، فإن تمّ ما ذكرنا من التبادر فهو، و إلاّ فالقول الرابع هو الأقوى من أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى و لا في عدمه.
الجهة الثانية: في مفهوم الغاية و الظاهر دلالة الجملة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية و حتى عن الغاية أيضاً إذا قلنا بعدم دخولها في حكم المغيّى، لأنّ المتفاهم العرفي في أمثال المقام هو تحديد الواجب و تبيين ما هو الوظيفة في مقام التوضّؤ، و يؤيد ما ذكرنا تبادر المفهوم في أكثر الآيات الواردة فيها حتى الخافضة كقوله سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187) و قال: (وَ قاتِلُوهُم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة)(البقرة/193) فانّ المتبادر منها هو حصر الحكم إلى حدّ الغاية و سريان خلافه إلى ما بعدها.

صفحه 96

الرابع: مفهوم الحصر

المشهور أنّ للحصر أدوات منها:
1. إلاّ الاستثنائية.
2. إنّما.
3. بل الإضرابية.
4. توسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر.
5. تعريف المسند إليه باللاّم.
6. تقديم ما حقّه التأخير.
و إليك الكلام في كلّ واحد منها:

1. إلاّ الاستثنائية:

هل الاستثناء يدلّ على الحصر أي حصر الخروج في المستثنى وعدم خروج فرد آخر عن المستثنى منه؟ و الظاهر هو الدلالة عليه، و يكفي في ذلك التبادر القطعي بحيث لو دلّ دليل آخر على خروج فرد غيره لعدّ مخالفاً لظاهر الدليل، فلو قال:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور والقبلة والوقت والركوع و السجود»1 ثمّ قال في دليل آخر بوجوب الإعادة في غير هذه الخمسة لعدّ مخالفاً للمفهوم المستفاد من القضية الأُولى و لابدّ من علاج التعارض بوجه.

2. كلمة «إنّما»

استدلّ على إفادتها للحصر بوجهين:

1 . الوسائل: الجزء 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.

صفحه 97
أ. التبادر عند استعمال تلك اللفظة.
ب. تصريح اللغويين كالأزهري و غيره على أنّها تفيد الحصر.1
و التتبع في الآيات الكريمة يرشدنا إلى كونها مفيدة للحصر، أي حصر الحكم في الموضوع، قال سبحانه:
1. (إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَوَ هُمْ راكِعُونَ)(المائدة/55).
2. (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزير ) (البقرة/173).
3. (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يخْرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ... * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخرجُوكُمْ)(الممتحنة/8ـ9).
إلى غير ذلك من الآيات المسوقة بالحصر.

3. «بل الإضرابية)

تستعمل بل الإضرابيّة على وجوه:
أ. ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه كما إذا قال: جاءني زيد بل عمرو، إذا التفت إلى أنّ ما أتى به أوّلاً صدر عنه غفلةً فلا تدلّ على الحصر.
ب. ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر

1 . مطارح الأنظار:122.

صفحه 98
المضرب إليه فلا تدلّ على الحصر، كقوله سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدّنيا) (الأعلى/14ـ 16).
ج. ما كان في مقام الردع و إبطال ما جاء أوّلاً، فتدلّ على الحصر، قال سبحانه:(وَقالُوااتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (الأنبياء/26) و المعنى بل هم عباد فقط.
و نحوه قوله سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ)(المؤمنون/70).
و الآية تدلّ على حصر ما جاء به في الحقّ.
4. من أدوات الحصر توسيط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر
مثل قولك: «زيد هو القائم»، وقول الصادق (عليه السلام) «الكافور هو الحنوط».
5. من أدوات الحصر تعريف المسند إليه باللاّم
إذا دخلت اللام على المسند إليه سواء كانت لام الجنس أو لام الاستغراق، فهو يفيد الحصر، كقوله سبحانه: (الحمد للّه) وكقولك :الكاتب زيد، و مثله الفتى عليّ.
6. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير
هناك هيئات غير الأدوات تدلّ على الحصر، مثل تقديم المفعول على الفعل، نحو قوله: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِين) (الحمد/5).

صفحه 99

تطبيقات

1. لو حصل التغيّر بملاقاة النجاسة لماء الكر أو الجاري في غير صفاته الثلاث: اللون و الطعم و الرائحة، كالحرارة و الرقة والخفة، فهل ينجس الماء أو لا؟
الظاهر هو الثاني، للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي، أعني قوله: «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجِّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».1
2. لو ضمّ إلى نية التقرّب في الوضوء رياءً.
قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب، والمشهور هو البطلان لقوله سبحانه:(وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) (البيّنة/4) و المراد من الدين هو الطاعة، و الحصر قاض بأنّ العمل الفاقد للإخلاص لم يتعلّق به أمر فكيف يكون صحيحاً؟2
3. يجب أن يُحـنَّط مساجد الميت السبعة بالحنوط، و هو الطيب المانع عن فساد البدن، و ظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور، لقول الصادق (عليه السلام) : «إنّما الحنوط بالكافور»، و قوله: «الكافور هو الحنوط».3

1 . الجواهر:1/83.
2 . الجواهر:2/96ـ 97.
3 . الجواهر: 4/176.

صفحه 100

الخامس: مفهوم العدد

إنّ العدد المأخوذ قيداً للموضوع يتصوّر على أقسام أربعة:
1. يُؤخذ على نحو لا بشرط في جانبي الزيادة و النقيصة، كقوله سبحانه:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) (التوبة/80) فالاستغفار لهم مادام كونهم منافقين لا يفيد قلّ أو كثر.
2. يؤخذ بشرط لا في كلا الجانبين، كأعداد الفرائض.
3. يُؤخذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في مسألة الكرّ حيث يجب أن يكون ثلاثة أشبار و نصف طولاً، و عرضاً و عمقاً ولا يكفي الناقص كما لا يضرّالزائد.
4. عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة دون النقيصة، كالفصل بين المصلّين في الجماعة، فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.
الظاهر أو المنصرف إليه أنّه بصدد التحديد قلّة و كثرة فيدلّ على المفهوم في جانب التحديد إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، مثل قوله: (الزّانِيةُ وَالزّاني فَاجْلِدُوا كُلّ واحد مِنْهُما مِائةَ جَلْدَة) (النور/2) و ظاهر الآية التحديد في كلا الجانبين.
وربما تشهد القرينة على أنّه بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة، كقوله سبحانه:(وَاسْتَشْهدوا شَهيدينَ مِنْ رِجالِكُمْ)(البقرة/282).ومثله ما ورد في عدد الغسلات من إصابة البول وملاقاة الخنزير.
و ربما ينعكس فيؤخذ التحديد في جانب الزيادة، ككون ما تراه المرأة من
Website Security Test