welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل أُصولية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل أُصولية

صفحه 1
رسائل أُصولية
تأليف
آية الله جعفر السبحاني

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب: رسائل أُصولية
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1425 هـ. ق / 1383 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق النعم، وبارئ النسم، حمداً يليق بعزّ جلاله، وعظمة كبريائه.
والصلاة والسلام، على من أتمّ به النعمة، وأكمل به الدين محمد أشرف الرسل، والهادي إلى أفضل السبل.
وعلى آله المخصوصين بالولاية، خير أئمّة وسادة.
أمّا بعد: فهذه رسائل في تحقيق قسم من المسائل الأُصولية، الّتي لها دور مهم في استنباط المسائل الفقهية، أفردتها بالبحث والدراسة إمّا استيفاء لحقّها، حيث إنّ القوم لم يُعيروا لها أهمية لائقة بها1 أو إيضاحاً لمقاصد القوم.2 أو نقداً لبعض الآراء 3، أو ردّاً على ما ذهب إليه أكثر الأُصوليين.4
ورائدي فيها، هو قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )5، فإن أصبت الحق فهو من الله سبحانه وإن اخگات فهو من قصوري

1 . كالبحث عن حجّية العقل ومجالاتها، أو دور العرف وسيرة العقلاء في استنباط الأحكام.
2 . كالبحث عن الجمع بين الحكمين: الواقعي والظاهري.
3 . نظرية مسلك حق الطاعة.
4 . دلالة الظواهر على معانيها قطعية.
5 . العنكبوت: 69 .

صفحه 6
أو تقصيري استلهاماً من قوله: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)1 .
وخصّصنا الرسالة السادسة، بعدم حجّية الظن أو الخبر الواحد في العقائد، كما درسنا في الرسالة السابعة تاريخ علم الأُصول بشكل موجز، وألمعنا إلى التطوير الّذي أحدثه فيه أصحابنا الإمامية في الأعصار الأخيرة.
كما طرحنا في الرسالة الثامنة الظنون غير المعتبرة عندنا كالقياس والاستحسان وغيرهما وهي مصادر التشريع عند أهل السنّة في ما لم يكن فيه دلالة قرآنية أو سنّة نبويّة أو إجماع الفقهاء.
ولئن ترتّب على جهدي هذا ثوابٌ فإنّي أُهديه إلى روح مَنْ بذر وجودي، وربّاني في حِجْره، وفتح عيوني على العلوم الدينية والمعارف الإلهية، ذلك هو الشيخ الوالد آية الله الحاج محمد حسين السبحاني التبريزي (1299 ـ 1392 هـ) .
وقد حُك على صخرة قبره هذان البيتان:
إنّ الّذي صنع العلوم مخلدٌ *** لا سيّما في العلم والعرفان
فإذا انقضت أيام مدّة عمره *** فجميل صنع المرء عمر ثان
المؤلف

1 . سبأ: 50 .

صفحه 7

الرسالة الأُولى

دور العقل

في

استنباط الحكم الشرعي


صفحه 8

صفحه 9

دور العقل في استنباط

الحكم الشرعي

المشهور عند الأُصوليّين من أصحابنا انحصار الأدلّة في أربعة، أعني: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ويعبّر عنها في كلماتهم بالأدلّة الأربعة الّتي ربما يقال: إنّها الموضوع لعلم الأُصول وأنّه يبحث فيه عن عوارضها.
ولأجل ذلك تَرى أنّهم عقدوا لكلّ واحد منها باباً أو فصلاً مستقلاً بحثوا فيه عن عوارضه وخصوصيّاته.
فهذا هو المحقّق القمي (1151ـ 1231هـ)، الّذي نهج في تأليف كتابه «القوانين المحكمة» منهج«مقدّمة معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (959ـ 1011هـ)، قد عقد لكلّ من الأدلّة الأربعة باباً واستقصى الكلام عليها، وإليك الإشارة إلى عناوينها:
قال: «الباب السادس في الأدلّة الشرعية، وفيه مقاصد:
المقصد الأوّل: في الإجماع...1 المقصد الثاني: في الكتاب...2، المقصد

1 . القوانين المحكمة:1/364، 392.
2 . القوانين المحكمة:1/393ـ 408.

صفحه 10
الثالث: في السنّة، وهو قول المعصوم أو فعله1، المقصد الرابع: في الأدلّة العقلية، والمراد من الدليل العقلي هو حكم عقلي يتوصل به إلى الحكم الشرعي، وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى الحكم الشرعي».
وقد طرح فيه قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين،وإن خلط بين الحكم العقلي القطعي كالقاعدة، والحكم العقلي الظنّي كالاستصحاب على طريقة القدماء.
وهذا هو المحقّق محمد حسين المعروف بصاحب الفصول (المتوفّى 1255هـ) قد مشى في كتابه في ضوء «القوانين المحكمة»، فخصّ كلاً من الأدلّة الأربعة بالبحث وأفرد لكلّ باباً، وإليك عناوينها:
«المقالة الثانية في الأدلّة السمعية:
القول في الكتاب.2 القول في الإجماع.3 الكلام في الخبر(السنّة).4 المقالة الثالثة في الأدلّة العقلية».5
وقد خلط في المقالة الثالثة كصاحب القوانين الدليل العقلي القطعي بالعقلي الظني، وجعل الجميع في مصاف واحد، ولكنّه أشبع الكلام في القسم القطعي.
كما أنّ الشيخ الأنصاري (1214ـ 1281هـ) خصّ الأدلّة العقلية في «مطارح الأنظار» بالبحث وأفردها عن غيرها، وأفاض في الكلام في التحسين

1 . القوانين المحكمة:1/409ـ 496.
2 . الفصول :240ـ 242.
3 . الفصول:242ـ 264.
4 . الفصول:264ـ 316.
5 . الفصول:317ـ 384.

صفحه 11
والتقبيح العقلي وغيرهما.1
هذا هو ديدن الأُصوليّين المتأخّرين وقريب منه ديدن القدماء.
مثلاً عقد الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) باباً للأخبار.2 كما عقد باباً خاصاً للإجماع.3 وأفرد فصلاً لما يعلم بالعقل والسمع.4
ولمّا وصلت النوبة للمحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)، حاول تلخيص علم الأُصول، فغيّر إطار البحث، فلم يعقد لكلّ دليل من الأدلّة الأربعة باباً خاصاً واضحاً، فقد أدخل البحث عن حجّية الكتاب، في فصل حجّية الظواهر كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن الإجماع في البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، وأدغم البحث عن السنّة في حجّية الخبر الواحد، وترك البحث عن حجّية العقل بتاتاً، بل ركّز على نقد مقال الأخباريّين في عدم حجّية القطع الحاصل من الدليل العقلي، دون أن يبحث في حجّية العقل في مجال الاستنباط وتحديد مجاريه، وتمييز الصحيح عن الزائف، وصار هذا سبباً لاختفاء الموضوع على كثير من الدارسين.
وقد كان التركيز على الأدلّة الأربعة بما هي هي أمراً رائجاً بين الأُصوليّين، سواء أصحّ كونها موضوع علم الأُصول أم لا.
وهذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلّي (543ـ 598هـ) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه ويحدّد موضع كلّ فيها، ويقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم المتواترة المتفق عليها،

1 . لاحظ مطارح الأنظار:233ـ 239.
2 . عدة الأُصول:1/63ـ 155.
3 . عدة الأُصول:2/601ـ 639.
4 . عدة الأُصول:2/759ـ 762.

صفحه 12
أو الإجماع، أو دليل العقل; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها، فمن تنكّب عنها عسف وخبط خبط عشواء وفارق قوله من المذهب.1
إذا عرفت ذلك فلنقدم أمام البحث عن حجّية العقل أُموراً تسلط الضوء على الموضوع.

1 . السرائر:1/46.

صفحه 13

1

العقل كاشف وليس بمشرّع

إنّ الشيعة الإمامية أدخلت العقل في دائرة كشف الحكم، حيث يُستكشف به الحكم الشرعي في مجالات خاصة كما يُستكشف بسائر الأدلّة من الكتاب والسنّة والإجماع.
وليس معنى ذلك إطلاق سراحه في جميع المجالات بحيث يُستغنى به عن الشرع، بل للعقل مجالات خاصة لا يصلح له الكشف إلاّ فيها، وسيوافيك بيان تلك المجالات.
ويراد من حجّيّة العقل كونه كاشفاً لا مشرّعاً، فإنّ العقل حسب المعايير الّتي يقف عليها، يقطع بأنّ الحكم عند اللّه سبحانه هو ما أدركه، وأين هذا من التشريع أو من التحكُّم والتحتم على اللّه سبحانه، كما ربّما نسمعه من بعض الأشاعرة، حيث يزعمون أنّ القائلين بحجّية العقل في مجالات خاصة يُحكِّمون العقل على اللّه، ولكنّهم غفلوا عن الفرق بين الكشف والحكم، فإنّ موقف العقل في هذه المسائل هو نفس موقفه في الإدراكات الكونية، فإذا حكم بأنّ زوايا المثلث تساوي مائة وثمانين درجة، فمعناه: أنّه يكشف عن واقع محقّق ومحتّم قبل حكم

صفحه 14
العقل، فهكذا المورد فلو حكم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، فليس معناه: أنّه يحكم على اللّه سبحانه بأن لا يُعذّب الجاهلَ غير المقصّر، بل المراد: أنّ العقل من خلال التدبّر في صفاته سبحانه ـ أعني: العدل والحكمة ـ يستكشف أنّ لازم ذينك الوصفين الثابتين للّه سبحانه، هو عدم عقاب الجاهل.
وكنّا نسمع من روّاد منهج التفكيك بين العقل والشرع أنّ روّاد الفلسفة يحتّمون على اللّه أن يحكم بالوجوب واللزوم و... وأنّ عمل الفيلسوف هو الحكم على اللّه، غافلين عن أنّ عمله هو الاستكشاف، فلو قال: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» إنّما يخبر عن تلك الحقيقة بالبرهان الّذي أرشده إليها، فيستنتج من ذلك أنّه سبحانه واجب في علمه وقدرته كما أنّه واجب في فعله وخلقه.
وليس الإشكال أمراً جديداً فقد سبقهم الرازي وقال: لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ـ خلافاً للمعتزلة ـ فانّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب. والبغداديّون خاصّة يوجبون العقاب، ويوجبون الأصلح في الدنيا.
بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي
لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، ولا فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذّب البريء. غير أنّ أهل الحديث واتباع السلفية لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له، وأمّا الإيجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل

صفحه 15
يستكشف من خلال صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلاً قادراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البريء، فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته وعدله وعدم تعذيب البريء، وليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار والكميّة، ولكن العقل يستكشف ذلك.
وبذلك يظهر أنّ ما أطنب به أتباع السلفية حول الأحكام العقلية إطناب بلا طائل، وتفسير بما لا يرضى به صاحبه، فقالوا:
أوجب العدلية على اللّه تعالى أشياء بمحض عقولهم، وإن لم ترد بها الشريعة.
بل أوجبوا على اللّه أشياء مخالفة للصحيح الصريح من نصوص الكتاب والسنّة، و لا شكّ أنّ هذا الإيجاب العقلي من المعتزلي على اللّه باطل، لأنّه يلزم عليه أن يكون هناك موجب فوق اللّه أوجب عليه شيئاً، ولا موجب عليه سبحانه وتعالى، كما يلزم عليه أن لا يكون تعالى فاعلاً مختاراً، وهو باطل.1
وقد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي وقال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ فاعله الذمّ. والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه ويقولون إنّ القادر العالم الغني لا يترك الواجب ضرورة.2

1 . مدارج السالكين:1/66.
2 . نقد المحصل:342.

صفحه 16
والعجب أنّ بعض أتباع السلفيّة يحكم على اللّه سبحانه بنفس ما يحكم به العدليّة وكأنّه غفل عمّا عليه سلفه.
قال: والحقّ أنّ الظلم ممكن مقدور عليه واللّه تعالى منزّه عنه، لا يفعله لعلمه وعدله، لا لكونه مستحيلاً عليه كما تقوله الأشاعرة، ولا لمجرّد القبح العقلي كما تقوله المعتزلة، فهو لا يحمل على أحد ذنب غيره، كما قال تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1 ، وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).2
فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزّه عنه اللّه تعالى.3

1 . الإسراء:15.
2 . طه:112.
3 . منهاج السنّة:2/309.

صفحه 17

2

تضافر الروايات على حجّيّة العقل

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام على حجّيّة العقل، نأتي بنصّين ونحيل الباقي إلى مصادرها.1
قال الإمام الصادقعليه السَّلام:«حجة اللّه على العباد النبي، والحجّة في ما بين العباد وبين اللّه العقل».2
وقال الإمام موسى بن جعفرعليه السَّلام مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول»3. وتخصيص ما دلّ على حجّية العقل بالمعارف والعقائد، تخصيص بلا وجه.
وأمّا الآيات الدالّة على حجّية العقل في مجالات خاصّة فسيوافيك نقل قسم منها عند البحث عن التحسين والتقبيح العقليّين.

1 . الكافي:1/10ـ 29، كتاب العقل والجهل.
2 . الكافي:1/25، الحديث22.
3 . الكافي: 1/16، الحديث12.

صفحه 18

3

الإدراك النظري والإدراك العملي

قسّم الحكماء الإدراك العقلي إلى: إدراك نظري، وإدراك عملي.
فالأوّل: إدراك ما ينبغي أن يُعلم، كإدراك وجود الصانع وصفاته وأفعاله.
والثاني: إدراك ما ينبغي أن يُعمل، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم، وحسن رد الوديعة وقبح الخيانة فيها، وحسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، إلى غير ذلك من العلوم الإدراكية الّتي يستعملها العقل في حياته ومعاشه.
فبذلك يعلم أنّ المقسّم إلى قسمين(النظري والعملي) هو إدراك العقل لا نفس العقل، فليس لنا عقلان أحدهما نظري و الآخر عملي، بل عقل واحد تارة يدرك ما من شأنه أن يُعلم، وأُخرى ما من شأنه أن يعمل.
فالفيلسوف والمتكلّم يعتمدان على العقل النظري في المسائل النظرية الّتي يعبّر عنها بالإلهيّات، فبالعقل يَعرفُ العبدُ إلهه وصفاته وأفعاله، كما أنّ الفقيه والأخلاقي يعتمدان على العقل العمليّ في موارد من الفقه والأخلاق.
ومن العجائب أنّ طائفة من المسلمين ألغوا دور العقل في العقائد والأحكام واعتمدوا في كلا الموردين على النقل، مع أنّه ما لم تثبت حجّية النقل عن

صفحه 19
طريق العقل كيف يمكن الاعتماد على النقل؟!
إنّ أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام أبو جعفر الباقرعليه السَّلام يقول:«إنّ اللّه لمّا خلق العقل استنطقه ـ إلى أن قال: ـ و عزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلاّ في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب».1
إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة فلندخل في صلب الموضوع وهو تحديد مساحة حجّية العقل والبرهنة على حجّيته فيها.
أقول: إنّ للعقل مجالات خاصة هو فيها حجّة بلا كلام، منها:

1 . الكافي:1/10، كتاب العقل والجهل، الحديث1.

صفحه 20

1

مجال التحسين والتقبيح

إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، وتجرّد في قضائه عن كلّ شيء (عن أمر الشارع ونهيه وحتّى الآثار الّتي تترتب على الشيء، كقوام النظام الإنساني بالعدل وانهياره بممارسة الظلم) إلاّ النظر إلى نفس الفعل، فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع؟ نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، وحسنه معه، فهل يستكشف منه أنّ حكم الشرع كذلك؟ والجواب: نعم، وذلك لأنّ الحكم المزبور من الأحكام البديهيّة للعقل العملي.
فإذا عرض الإنسان العدلَ والظلم على وجدانه وعقله، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل وتنفرّاً من الظلم، وهكذا كلّ فعل يصدق عليه أحد العنوانين، وهذا من الأحكام العقلية النابعة من صميم العقل وليس متأثراً بالجوانب اللاشعورية أو الغرائز الحيوانية أو العواطف الإنسانية، أو الآثار البنّاءة أو الهدامة لهما، يقول العلاّمة الحلّي:
«إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى

صفحه 21
شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه، ويُقبِّح الإساءة والظلم ويذمّ عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع».1
ويقول أيضاً في كتاب آخر: إنّ من الأفعال ما هو معلوم الحُسن والقبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، فكلّ عاقل لا يشكّ في ذلك، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، وأنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.2
ومن حسن الحظ انّ الذكر الحكيم يشير إلى موقف العقل من إدراك تحسين الأشياء وتقبيحها، فترى أنّه يحتج في موارد بقضاء فطرة الإنسان بحسن بعض الأفعال،وفي الوقت نفسه يقبّح بعضها على وجه يسلِّم بأنّ الفطرة الإنسانية صالحة لهذين الإدراكين، ولذلك يتخذ وجدان الإنسان قاضياً صادقاً في قضائه ويقول:
1. ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجَارِ).3
2.(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).4
3. (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).5
ففي هذه الطائفة من الآيات يوكل الذكرُ الحكيم القضاءَ إلى وجدان

1 . كشف المراد المطبوع مع تعاليقنا:59.
2 . نهج الحق وكشف الصدق:83.
3 . سورة ص:28.
4 . القلم:35ـ 36.
5 . الرحمن:60.

صفحه 22
الإنسان، وانّه هل يسوّي بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، ويقول:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، ويقول أيضاً: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).
وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم أنّ المخاطب يعرفهما معرفة ذاتية، ولا يحتاج في تعرفهما إلى الشرع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته.
ويقول سبحانه:
1. (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).1
2.(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).2
3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).3
نظرية الأشاعرة
ثمّ إنّ الأشاعرة عطَّلوا دور العقل في درك الحسن والقبح، فقالوا: إنّ المرجع في الحسن والقبح هو الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن، وما أخبر عن قبحه فهو قبيح، وليس للعقل المقدرة على تمييز الحسن عن القبيح.
هذا، وقد ذهلوا عن أنّ القول بكون الحسن والقبح شرعيين، وأنّهما لا يثبتان إلاّ بالشرع، يستلزم عدم ثبوتهما حتّى بالشرع أيضاً، وذلك لأنّه إذا كان العقل عاجزاً عن درك محاسن الأفعال ومساوئها ومن ثمّ «عن حسن الصدق»

1 . النحل:90.
2 . الأعراف:33.
3 . الأعراف:157.

صفحه 23
و«قبح الكذب»، فمن أين نعلم أنّ الشارع صادق في إخباره؟ لأنّه لم يثبت بعدُ حسن الصدق ولا قبح الكذب، فإذا أخبرنا عن شيء أنّه حسن، لم نجزم بحسنه حتّى عند الشرع، لتجويز الكذب عليه.
والحاصل: أنّه لو لم نعرف حسن الأفعال وقبحها شرعاً إلاّ عن طريق إخبار الأنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن والكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.
ولو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلاّ عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا؟
أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه ـ و العياذ باللّه ـ لا يكذب؟
فهذه الاحتمالات لا تندفع إلاّ باستقلال العقل ـ قبل كلّ شيء ـ بحسن الصدق وقبح الكذب، وأنّه سبحانه منزّه عن القبح....1
وربّما يعترض عليه بأنّ ما ذكر من التالي (عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى بالشرع لو كان الطريق منحصراً بالسماع من الشرع) إنّما يصحّ إذا انحصر الطريق بإخباره المحتمل فيه الصدق والكذب، وأمّا لو كان الطريق هو أمره ونهيه فلا يتطرّق إليه احتمال الكذب، لأنّه والصدق من أوصاف الإخبار لا الإنشاء.
وهذا هو ما ذكره القوشجي معترضاً به على المحقّق الطوسي وقال: إنّ الحسن والقبح عبارة عن كون الحسن متعلّق الأمر والمدح، والقبيح متعلق النهي والذمّ.2
ويلاحظ عليه: أنّ احتمال الكذب في الإنشاء وإن كان منتفياً، لكنّ هنا

1 . لاحظ كشف المراد:59، المطبوع مع تعاليقنا.
2 . شرح التجريد للقوشجي:442، طبعة تبريز.

صفحه 24
احتمالاً أو احتمالات تمنع من استكشاف الحسن والقبح، من مجرّد سماع الأمر بشيء والنهي عنه، إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره ونهيه، ولو قال: إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العبث عن فعله وكلامه; لاحتمال كونه هازلاً أو كاذباً في كلامه.
فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقّف درك حسنه وقبحه على شيء، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه، وهو حسن العدل وقبح الظلم وحسن الصدق وقبح الكذب، حتّى يستقلّ العقل في ظلِّه بإدراك أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في إخباره أو مريد لا هازل في إنشائه، فيثبت عندئذ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، وما تعلّق به النهي قبيح شرعاً، وهذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لولا استقلال العقل بإدراك حسن أو قبح بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً.

بعض الأحكام المستنبطة من هذا الأصل

إنّ هذا الأصل الّذي عليه العدلية، يحتجّ به في الأُصول في ا لموارد التالية:
1. البراءة من التكليف المحتمل; لقبح العقاب بلا بيان.
2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي وتردّد المكلّف فيه بين أمرين، لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وحسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف القطعي على وجه اليقين.
3. الإتيان بالمأمور به مُجز عن الإعادة والقضاء، لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.
4. مرجّحات باب التزاحم.

صفحه 25
إنّ مرجّحات باب التزاحم كلّها من باب تقديم الأهمّ على المهم، وإليك عناوينها:
أ. تقديم مالا بدل له على ما له بدل.
ب. تقديم المضيّق على الموسّع.
ج. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته.
د. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً.
هـ. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يستقل العقل فيها بحسن الفعل وقبح ضدّه، فيستكشف منه كونه كذلك عند الشارع.
ثمّ إنّ الحكم الشرعي المستنبط من حسن الأفعال أو قبحها، يكون حكماً إلزامياً دائراً بين الإلزام بالفعل أو الإلزام بالترك، ولذلك تكون الأحكام المستنبطة بالعقل منحصرة في حكمين: الوجوب أو الحرمة.
وذلك لأنّ العناوين المحسنة أو المقبحة ـ بحكم وجوب انتهاء كلّ ما بالعرض إلى ما بالذات ـ تنتهي إلى العدل والظلم، فإذا كان الفعل حسناً عند العقل فانّما هو لانطباق عنوان العدل عليه، فيكون خلافه ظلماً، ومعه كيف يكون جائز الترك (المستحب) أو كان الفعل قبيحاً، فإنّّما هو لانطباق عنوان الظلم عليه، ومعه كيف يكون جائز الفعل (المكروه) ولذلك حصر المتكلّمون الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في حكمين: الوجوب والحرمة.
وأمّا تقسيم الأحكام الشرعية إلى أقسام خمسة، فهو وإن كان صحيحاً لكن لا بملاك الحسن والقبح، بل بملاك المصلحة أو المفسدة الملزمة وغيرها، وهذا لا يمنع أن يكون في مورد الوجوب والحرمة ملاكان: الحسن العقلي والمصلحة الملزمة،

صفحه 26
أو القبح العقلي والمفسدة.
وهناك إجابة أُخرى نشير إليها وهي:
إنّ الأحكام المستنبطة من الحسن والقبح حسب الثبوت وإن كانت أربعة; لاختلاف درجات الحسن والقبح، فالدرجة العالية من الحسن تقتضي الوجوب والمتوسطة تقتضي الاستحباب، وهكذا القبح فالدرجة القوية منه تلازم الحرمة والدرجة الضعيفة تلازم الكراهة، إلاّ أنّ هذا صحيح حسب الثبوت، وأمّا حسب الإثبات فلا; لأنّ الحسن والقبح من المستقلات العقلية، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، وأمّا ما وراء ذلك فهو وإن صحّ واقعاً، لكن ليس للعقل إليه سبيل.
والحاصل: أنّ الضيق: إنّما هو في إدراك العقل للحسن والقبح، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، كالإحسان لمن أحسن وعدم الإساءة إليه، والعمل بالميثاق وعدم نقضه، إلى غير ذلك من العناوين التي يقف عليها العقل، فلا يستنبط منه إلاّ الحكم الإلزامي.

صفحه 27

2

في مجال الملازمات

إنّ باب الملازمات هو المجال الثاني لحكم العقل، فإذا أدرك العقل الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين وورد أحد الوجوبين في الشرع دون الآخر، يحكم العقل بالوجوب الثاني بناء على وجود الملازمة بين الحكمين، فاستكشاف الحكم الشرعي رهن ثبوت الملازمة بين الحكمين، وإليك نماذج من هذا:
1. الملازمة بين الوجوبين، كوجوب الشيء ووجوب مقدّمته.
2. الملازمة بين الحرمتين، كحرمة الشيء وحرمة مقدّمته.
3. الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، كوجوب المضيق وحرمة الموسّع عند التزاحم.
4. الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها.
5. الملازمة بين النهي عن المعاملة وفسادها.
6. الملازمة بين وجود الحكم لدى وجود الشرط والوصف و... والانتفاء لدى الانتفاء.
إلى غير ذلك ممّا يدخل في أبواب الملازمة الموصوفة عندهم بالملازمات غير

صفحه 28
المستقلة، فانّ الحكم المستكشف في هذه الموارد عن طريق الملازمة، حكم شرعي نظير:
1. وجوب مقدّمة الواجب.
2. حرمة مقدّمة الحرام.
3. حرمة الضدّ الموسّع المزاحم للمضيق كالصلاة عند الابتلاء بإزالة النجاسة عن المسجد، أو أداء الدين الحال.
4. فساد العبادة المنهي عنها، كالصوم في السفر.
5. فساد المعاملات المنهي عنها كبيع الخمر.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي توصف بباب الملازمات غير المستقلة، وفي الفقه الشيعي والأُصول دور كبير لباب الملازمات، فمن مثبت وناف ومفصِّل.
قال المحقّق السيد علي القزويني معلّقاً على قول المحقّق القمي: «ومنها ما يحكم به العقل بواسطة خطاب الشرع كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته كحكمه بوجوب المقدّمة بملاحظة الخطاب بذي المقدّمة، وبحرمة الضد، بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلا يلغو التعليق وذكر القيد ويسمّى بالاستلزامات العقلية كحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء وجوب مقدّماته واستلزام الأمر بالشيء حرمة ضدّه، واستلزام الوجود عند الوجود، والانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجة في الاستلزامات.1
إلى هنا تبيّن حجّية حكم العقل في المجالين:
1. مجال التحسين والتقبيح ويسمّى بالملازمات المستقلة.

1 . تعليقة السيد علي القزويني المطبوعة على هامش القوانين. لاحظ القوانين:2/1، قسم الحواشي.

صفحه 29
2. مجال الملازمات غير المستقلة.
ووجه تسمية الأوّل بالمستقلات والثاني بغيرها، هو: انّ إدراك الموضوع والحكم في الأوّل، راجع إلى العقل ولا يستعين في حكمه بالشرع، بل يدرك الموضوع ويصدر الحكم، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح، بخلاف القسم الثاني، فإنّه في حكمه يستعين بالشرع، فإنّ الشارع هو المعيّن للموضوع، مثلاً يقول: إنّ الوضوء مقدمة للواجب، والعقل يُصدر الحكم ويقول: مقدمة الواجب واجبة، ومثله سائر الموارد.

صفحه 30

3

في مجال تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويعدّها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع، فأُجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يعدّ تلك القيود مثالاً، لا قيداً للحكم، فيعمّم الحكم على الرجل والأُنثى ومن شكّ في المسجد والبيت.
إنّ تنقيح المناط الّذي يساعد عليه الفهم العرفي ممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس; إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم في نظر المخاطب يعمّ الرجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، مرة واحدة.
ومن هذا القبيل قصة الأعرابي الّذي قال: هلكتُ يا رسول اللّه، فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق.1
والعرف ربما يساعد على إلغاء القيدين التاليين وعدم مدخليتهما في الحكم:

1 . صحيح مسلم:3/138ـ 140، كتاب الصيام، الحديث 187، وقد روي بطرق مختلفة مع اختلاف يسير في المتن.

صفحه 31
1. كونه أعرابياً.
2. الوقوع على الأهل.
فيعمّ البدوي والقروي، والوقوع على الأهل وغيره، فيكون الموضوع من واقع نهار شهر رمضان وهو صائم.
إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، إذ ربما يُلغي بعض القيود باستحسان أو غيره، مع عدم مساعدة العرف عليه، فعليه الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف من إلغاء القيد، وإن شكّ في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.
وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار من مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.
وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».1

1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/441ـ 442.

صفحه 32

4

في مجال تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ على مناطه، فهل للعقل أن يستحصل مناط الحكم غير المذكور في النص حتّى يُعمِّم الحكم في ضوء المناط؟
وهذا هو الأمر الرائج في فقه السنّة، الممنوع في فقه الشيعة، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً سبعة، والمهم منها هو استنباط العلة عن طريق السبر والتقسيم.
والسبر في اللغة هو الامتحان، وتقريره: أن تُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم وتصلح لأن تكون العلّة واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً في ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، وبواسطة هذا الاختبار تستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة وتُستبقى الّتي يصحّ أن تكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصّل إلى أنّ هذا الوصف هو العلّة.
أقول: إنّ السبر والتقسيم إنّما يوجب القطع بالمناط في موردين:
1. إذا كان المورد في وضوح المناط من مقولة تحريم الخمر، فلو افترضنا أنّه

صفحه 33
لم يرد فيه نصّ على علّة الحكم، فأخذ المجتهد يردّد العلّة بين كونها من العنب، أو كونها سائلاً، أو كونها ذا لون خاص، أو كونها مسكراً، وعندئذ يستبعد كلّ واحدة من العلل إلاّ الأخيرة، فيحكم بأنّها العلّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليها، وهذا النوع من المناط خاص بالخمر وما هو نظيرها في الموضوع، لكن أكثر موارد القياس يفقد هذا النوع من الاطمئنان، وأكثر من يحتج على صحّة تخريج المناط يُمثل بالخمر الّذي لا يشكّ الإنسان بعد التأمّل في أنّ مناط تحريمها هو الإسكار، فأين هو من سائر الموارد المبهمة؟!
2. التقسيم إذا كان دائراً بين النفي والإثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، والحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق، وأمّا إذا كان بشكل التقسيم والسبر، أي ملاحظة كلّ وصف خاص وصلاحيته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، وما استبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون مناطاً قطعياً بل ظنياً، وهذا شيء أطبق عليه مثبتو القياس.
وفي ضوء ما ذكرنا فتنقيح المناط في الموردين المذكورين من الأدلّة العقلية القطعية، وأمّا في غيرهما فهو من الأدلّة العقلية الظنيّة، ويشبه أن يكون نفس القياس مستنبط العلّة الّذي يبحث عنه في باب القياس، وهو من الأدلّة الظنية، ولكنّا بصدد بيان الأدلّة القطعية.
ولأجل أن يقف القارئ على أنّ تخريج المناط دليل ظني لا قطعي نأتي بمثال:
قد ورد في الحديث: «لا يُزوّج البكرَ الصغير إلاّ وليُّها»، فقد ألحق بها بعض فقهاء السنّة الثيِّب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة.
وذلك بتخريج المناط، وانّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل،

صفحه 34
فيعمّ الحكم الثيِّب الصغيرة والمجنونة أو المعتوهة لاتّحاد المناط.
وأمّا استخراج المناط فهو بالبيان التالي:
إنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل، وهما الصغر والبكارة، وبما أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية في المال كما قال: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)1 هذا من جانب، ومن جانب آخر، الولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد وهو الولاية، فتكون النتيجة أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، فيقاس على البكر الصغيرة، من في حكمها من جهة نقص العقل، وهي المجنونة أو المعتوهة، كما تقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة، وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث على المدخلية في الحكم.
ويلاحظ عليه: أنّه من أين علم أنّ الصغر تمام الموضوع للحكم مع إمكان أن يكون جزءاً منه كما هو مقتضى اجتماعه مع البكارة؟
إنّ قياس باب النكاح بباب التصرّف في الأموال، قياس مع الفارق، فإنّ العناية بصيانة مال الصغير تستدعي أن يكون الموضوع هو الصغير ذكراً كان أو أُنثى، بكراً كان أو ثيّباً، إذ لا دخالة لهذه القيود في أمر الصيانة، ولهذا يعمّ الحكم جميعَ أفراد الصغيرة، وهذا بخلاف باب النكاح فيحتمل فيها الفرق بين الصغيرة البكر والثيب، نظير الفرق بين الكبيرة البكر والثيب، حيث ذهب جماعة إلى أنّ الأُولى أيضاً لا تزوّج إلاّ بإذن الوليّ.2

1 . النساء:6.
2 . نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء، للمؤلف:1/172ـ 176.

صفحه 35
ولأجل إيضاح المقام نأتي بأمثلة أُخرى أفتى فقهاء السنّة فيها بناءً على تخريج المناط:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث. المقيس عليه
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح. المقيس
امتزاج الإخوة. المناط

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتفاق. المقيس عليه
فالجهل بالمهر يفسد النكاح. المقيس
وجود المعاوضة والجهل فيها. المناط

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده. المقيس عليه
فالسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده. المقيس
تلف المال تحت اليد العادية. المناط
فانّ تخريجات المناط في هذه الموارد وعشرات أمثالها تخريجات ظنية، وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح، أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين مالين، بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً، وإن أطلق عليه العوض فإنّما هو

صفحه 36
بضرب من المجاز والاستعارة.

التماس العلل وعرض النصوص عليها

إنّ التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وعرض النصوص على العلل المزعومة وجعلها مقياساً لصحّة النصوص الشرعية وبطلانها، كان أمراً رائجاً بين فقهاء السنّة في عصر الإمام الصادقعليه السَّلام، وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة:«إنّ هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له»، وليس المراد من القياس فيها، القياس المعروف المؤلف من الأصل والفرع والجامع بينهما، بل المراد: تصحيح الأحكام حسب العلل الّتي استحسنها الفقيه حسب عقله وذوقه، فيوصف الحكم الموافق بالصحّة والمخالف بالبطلان.
وقد كان القياس بهذا المعنى مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادقعليه السَّلام وبعض فقهاء عصره، وعلى هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام وأبي حنيفة: روى أبو نعيم بسنده عن عمرو بن عبيد: دخلت على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» إلى أن قال: «يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنّه اتّبعه بالقياس».1

1 . حلية الأولياء:3/197.

صفحه 37
فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح; لأنّ إبليس تمرّد على الأمر بالسجود، لأنّه على خلاف قياسه، لتخيّله أنّ الأمر بالسجود يقتضي أن يبتني على أساس التفاضل العنصري، ولأجل هذا خطّأ الحكم الشرعي; لاعتقاده بأنّه أفضل في عنصره من آدم; لكونه مخلوقاً من نار وهو مخلوق من طين.
وعلى هذا الاصطلاح يبتني ما رواه أبان بقوله:
قلت لأبي عبد اللّهعليه السَّلام: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون».
قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الّذي جاء به الشيطان، فقالعليه السَّلام: «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم انّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
إنّما صار أبان إلى تخطئة الخبر الّذي وصل إليه حتّى نسبه إلى الشيطان، لأجل أنّه وجده خلاف ما حصّله وأصّله، وهو انّه كلّما ازدادت الأصابع المقطوعة تزداد الدية، فلمّـا سمع قوله «قطع أربعاً، قال: عشرون» قامت سورته، إذ وجده مخالفاً للأصل الأصيل عنده، فردعه الإمام بأنّ هذا هو حكم رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وانّ استنكارك قائم على الأخذ بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين، وتصحيح الأحكام وتخطئتها حسب الموازين المتخيّلة سبب لمحق الدين، وأنّى للعقول أن تصل إليها؟

1 . الوسائل:18، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 38
هذا أحد المصطلحين في القياس، وقد صار هذا الاصطلاح مهجوراً في العصور المتأخرة، والرائج هو الاصطلاح التالي:
استنباط حكم واقعة ـ لم يرد فيها نصّ ـ من حكم واقعة ورد فيها نصّ; لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه، وهو دليل ظنّي خارج عن نطاق البحث، فافهم واغتنم.

التنصيص بالعلّة ليس من تنقيح المناط ولا تخريجه

قد علمت أنّ تنقيح المناط غير تخريجه وأنّ الأوّل من المداليل العرفية دون الثاني، ومع ذلك هنا قسم آخر خارج عن كلا القسمين، وإليك البيان:
إذا كان مناط الحكم وملاكه مذكوراً في نفس الدليل على نحو يعلم منه أنّه تمام علّة الحكم لا حكمته.
فاستكشاف أحكام سائر الموارد عن طريق هذه العلّة من المداليل اللفظية، مثلاً إذا قال: الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق غير الخمر من سائر المسكرات، به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الّتي أدلى بها الشارع.
وفي الحقيقة إذا كان استخراج الحكم غير متوقّف إلاّ على فهم النص بلا حاجة إلى اجتهاد، فهو عمل بالظاهر، بخلاف ما إذا كان متوقّفاً وراء فهم النص على بذل جهد، والوقوف على المناط، ثمّ التسوية، ثمّ الحكم، قال سبحانه:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه)1 ، فلا نحتاج في حكم الخير الكثير إلاّ إلى فهم مدلول الآية.

1 . الزلزلة:7.

صفحه 39
ولنذكر مثالاً من طريقنا:
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضاعليه السَّلام، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فيُنزح حتّى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».1
فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماءَ البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة ولا صلة له بتنقيح المناط وتخريجه، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته.
وفي ضوء ما ذكرنا، يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وأمّا المجتهد فعمله تطبيق الضابطة ـ الّتي أعطاها الشارع ـ على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه.

أولوية الحكم في الفرع

إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل; لقوة العلّة المفهومة فيه بطريق النص، فهو حجّة على الإطلاق، وهو أيضاً عمل بالنص لا بالقياس، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه، وعلى فرض كونه

1 . وسائل الشيعة:1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.

صفحه 40
قياساً فهو حجّة عند الجميع، نظير الاحتجاج بقوله سبحانه: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)1 على تحريم الضرب، ولا شكّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفي يقف عليه كل من تدبّر الآية.

1 . الإسراء:23.

صفحه 41

5

في مجال درك مصالح الأفعال ومفاسدها

إنّ الأحكام الشرعية عند الإمامية تابعة للمصالح والمفاسد، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، والتشريع الإلهي منزّه عن التشريع بلا ملاك، ونصوص الكتاب والسنّة يشهدان على ذلك:
إنّه سبحانه يُعلّل وجوب الاجتناب عن الخمر والميسر بأنّ اقترافهما يورث العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه عموماً والصلاة خصوصاً، يقول عزّ وجلّ:(إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).1
كما أنّه يعلّل وجوب الصلاة بأنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، يقول سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)2، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ملاكات التشريع في الذكر الحكيم.
وكذلك الروايات فقد أكد الإمام علي بن موسى الرضاعليه السَّلام في بعض كلماته

1 . المائدة:91.
2 . العنكبوت:45.

صفحه 42
ذلك، فقال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرِّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».1
وقالعليه السَّلام في وجه حرمة الدم: «إنّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».2
وقال أبو جعفر الباقرعليه السَّلام: «إنّ مُدْمِن الخمر كعابد الوثن، ويورث الارتعاش، ويهدم مروّته، ويحمل على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».3
هذا من حيث الثبوت ممّا لا شكّ فيه.
إنّما الكلام في إمكان وقوف الفقيه على مصالح الأحكام ومفاسدها التي تدور عليها الأحكام إذا لم يرد فيها نصّ صحيح، فالحقّ هو التفصيل بين ما اتّفق العقلاء على وجود المصلحة أو المفسدة في الموضوع، وما إذا لم يكن هناك اتّفاق من عامّة العقلاء، بل انفرد فيه فقيه واحد، وإليك البيان:
إذا كان إدراك المصلحة إدراكاً عامّاً يتّفق فيه العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدّرات، والمصلحة في استعمال اللقاح لصيانة الطفل عن الجُدْري والحصبة حيث أصبح العقلاء متفقين على وجود المفسدة والمصلحة الملزمة، في ذلك فلا مانع من أن يتّخذ ما أدركه العقل من المصالح والمفاسد ملاكاً لكشف حكم الشرع، وأمّا إذا لم يكن كذلك، بل أدرك فقيه واحد أو فقيهان وجود المصلحة في إنشاء حكم، فهل يصحّ لهما إنشاء حكم وفق ما أدركاه، ينسبونه إلى الشريعة الإسلاميّة؟ فالجواب هو النفي، إذ من أين للعقل، القطع بأنّ ما تصوّره

1 . مستدرك الوسائل:3/71.
2 . بحار الأنوار:62/165، ح3.
3 . بحار الأنوار:62/164، ح2.

صفحه 43
علّة، هو علّة تامّة يدور الحكم مدارها، إذ يحتمل أن يكون هناك مانع من حكم الشرع على وفق ما أدركه العقل.
يقول المحقّق الأصفهاني: إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الأحكام ومناطاتها، لا تدخل تحت ضابطة، وعليه لا سبيل للعقل بما هو إليها.1
والحاصل: أنّه لا يصحّ للفقيه أن يتّخذ ما أدركه من المصالح والمفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي من الوجوب والحرمة حتّى يكون من مصادر التشريع.
أضف إلى ذلك أنّ المصالح والمفاسد لمّا لم تكن على وزان واحد، بل ربّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحرمات، لاشتماله على مصلحة كثيرة لا يجوز تركها بحال، كإنقاذ الإنسان المتوقّف على استطراق أرض الغير، بلا إذنه، وربّ حرام ذي مفسدة كبيرة لا يجوز اقترافه وإن استلزم ترك الواجب أو الواجبات، فأنّى للعقل درك درجة المصلحة والمفسدة حتّى يكون مصدراً للتشريع والحكم بالوجوب والحرمة في عامة الحالات؟
إلى هنا تمّ بيان المجالات التي للعقل فيها دور في استكشاف الحكم الشرعي.
إذا عرفت ذلك فلندخل في مقالة الأخباريّين التي صارت سبباً للغور في هذا البحث.

1 . نهاية الدراية:2/130، الطبعة الحجريّة.

صفحه 44

6

الحركة الأخبارية

في مطلع القرن الحادي عشر

ظهرت الحركة الأخبارية في مطلع القرن الحادي عشر، وقد شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، ولم تر للعقل أي وزن ولا اعتبار في العلوم إلاّ ما كانت مادته قريبةً من الحس، كالحساب والهندسة وأمثال ذلك، وأمّا ما وراء ذلك فذهبت إلى أنّ العقل عاجز عن الإدراك الصحيح.
وقد رفع رايتها الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري(المتوفّى عام 1033هـ) وألّف عند مجاورته للبلدين مكة المكرّمة والمدينة المنورة، كتابين في هذا المجال، وهما:
1. الفوائد المكية.
2. الفوائد المدنية.
والأُسس التي قامت عليها المدرسة الأخبارية لا تعدو خمسة أُسس، وأمّا ما وراء ذلك فإنّما هو أُمور جزئية أو راجع إليها، وأمّا تلك الأُسس فهي عبارة عن:

صفحه 45
1. عدم حجّية ظواهر الكتاب إلاّ بعد ورود التفسير عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام، لما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي أوّلاً، ولطروّ مخصّصات ومقيّدات على عمومه وخصوصه ثانياً.
2. نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل، وانّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، لا أساس له.
3. نفي حجّية الإجماع من دون فرق بين المحصّل والمنقول.
4. ادّعاء قطعية صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات، لاهتمام أصحابها بتلك الروايات، فلا يحتاج الفقيه إلى دراسة أسنادها أو تقسيمها إلى الأقسام الأربعة المشهورة، كما قام به ابن طاووس وتبعه العلاّمة.
5. التوقّف عن الحكم إذا لم يدل دليل من السنّة على حكم الموضوع، والاحتياط في مقام العمل، مثلاً التدخين الذي كان موضوعاً جديداً آنذاك يُتوقف عن الحكم فيه ويراعى الاحتياط في مقام العمل بتركه.
ثمّ إنّ المحدّث الشيخ عبد اللّه بن الحاج صالح السماهيجي الذي هو أحد الأخباريين في القرن الثاني عشر، ألّف رسالة في المسائل الضرورية التي لاغنى عنها في مرحلتي الأُصول والفروع، وقد ذكر في تلك الرسالة الفروق بين الأُصوليين والأخباريين، فبلغت الأربعين.1
وقد نقلها صاحب الروضات في ترجمة محمد أمين مؤسس الأخبارية.2
وكما قلنا: فإنّ الأُسس الفارقة المهمة هي ما ذكرنا، وإليك نقل بعض الفروق الأُخرى:

1 . روضات الجنّات:4/250.
2 . روضات الجنّات:1/127.

صفحه 46
قال:
1. إنّ الأدلّة عند الأُصوليّين أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل، ولكنّها عند الأخباريين تختصر بالأوّلين، بل بعضهم يقتصر على الثاني.
2. الأُصوليون يجوزون العمل بالظنون في نفس الحكم الشرعي، والأخباريون لا يعوّلون إلاّ على العلم. إلاّ أنّ العلم عندهم قطعي واقعي، وعادي وأصلي، وهما ما وصلا عن المعصوم،ولم يجز فيه الخطأ عادة.
3. الأُصوليون يقسّمون الأخبار إلى الأربعة المشهورة، والأخباريون إلى صحيح وضعيف.
4. الأُصوليون يفسّرون الأقسام الأربعة للحديث بما هو المعروف في علم الدراية، والأخباريون يفسّرون الصحيح بالمحفوف بالقرائن التي توجب العلم بالصدور عن المعصوم، والضعيف بما هو عار عن ذلك.
5. الأُصوليون يحصرون الناس في صنفين: مجتهد ومقلّد، والأخباريون يقولون: إنّ الناس كلّهم مقلّدون للمعصوم ولا يجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح صريح.
إلى غير ذلك من الفروق.
وقبل الخوض في مقالة الأخباريين لابدّ من الإشارة إلى بعض العوامل الّتي سبّبت ظهور هذه الفرقة; فإنّ تبيينها من أهمّ المسائل في الأدوار الفقهية التي تحتاج إلى دراسة مفصّلة حتّى تعكس الظروف التي نشأت فيها الفكرة.
وهناك فروض مختلفة نقلناها في «تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره»1، ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.

1 . تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:386.

صفحه 47
والذي نظنّ أن يكون هو السبب الواقعي لظهور تلك الفرقة هو ما يلي:

سبب ظهور الفكر الأخباري

إنّ أصحاب الصادقينعليمها السَّلام ومن بعدهم كانوا على قسمين، فقد كانوا بين مُكب على جمع الأخبار وقراءتها وتصحيحها وجمعها في أصل أو كتاب دون أن يستنطقوا العقل في المعارف والمسائل العقليّة والأُصوليّة، وبين آخذ بالنقل والعقل معاً، ونذكر من القسم الثاني: زرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم، وكان الأكثر على الخط الأوّل، وقد استمرّ الخطّان إلى عصر الغيبة، فابن الجنيد وابن أبي عقيل ومن تلاهم إلى عصر الشيخ المفيد وتلميذيه المرتضى والطوسي كانوا على خط الجمع بين العقل والنقل، وعند التعارض كانوا يقدّمون العقل القطعي على النقل الظنّي.
وقد امتد الخط الأوّل إلى القرن الخامس، وبعده انحسر أمام ازدهار الخط الثاني وكانت القوة للمنهج الثاني إلى القرن العاشر.
وبهذا يُعلم المراد من «الأخباري» في لسان العلاّمة ومن قبله; وهو الخبير بالأخبار والمدوّن والناشر لها، دون أن يكون هناك منهج باسم الأخبارية أمامَ منهج الآخرين، نعم كان للطائفة الأُولى عقائد خاصة في بعض المسائل اعتمدوا فيها على بعض الروايات، فنقلها الصدوق في كتاب العقائد ونقدها الشيخ المفيد في كتاب تصحيح العقائد.
إنّ الأمين الاسترآبادي تصور أنّ الخط الأوّل كان منهجاً منسجماً تام الأركان في عصر الأئمة وبعدهم، ولكن غلب عليهم عصر الاجتهاد وصار الأمين بصدد إحيائه وبسطه، وأسماه بالأخبارية، وألقى فكرة الإحياء بصورة البرهان ونقد أُسس

صفحه 48
الأُصوليين، ثمّ إنّه تكاملت الفكرة الأخبارية بعد عصر الأمين بيد تلاميذ منهجه إلى أن عاد منهجاً متكاملاً يفارق الأُصوليين في أربعين مسألة أو بضع أُصول.
وممّا نلفت إليه النظر أنّ الأمين مؤسس هذا المنهج ممّن يؤكّد على الحس والعلوم الّتي تكون مبادئُها قريبة من الحس، ويندِّد بالعلوم النظرية الّتي تكون مبادئُها بعيدة عنه، قائلاً: إنّ العلوم النظرية قسمان:
قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار، والسبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة، أو من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الأُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، والخطأ من جهة المادة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموارد فيها إلى الإحساس.
وقسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس; ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أُصول الفقه والمسائل النظرية والفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.
ثمّ استشهد بوقوع الاختلافات بين الفلاسفة.1
والعجب أنّ تلك الفكرة (الرجوع إلى الحس والانكباب عليه) والابتعاد عن النقل والنظر بدأت في الغرب قريباً من عصر الأمين، حيث رفع رايتها علماء تجريبيون، نظير ديكارت (1596ـ 1650م)، ومن البعيد أن يكون هناك صلة بين الفريقين.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مقالة الأخباريّين حول منع العمل

1 . الفوائد المدنية:130.

صفحه 49
بالحكم المستنبط من غير الكتاب والسنّة وهي تحتمل أحد أمرين:
الأوّل: إنّهم يرفضون العمل بالمستنبط من غير المصدرين، لأجل أنّه لا يفيد القطع بالحكم، وأنّه لا يخرج عن دائرة الظن، وهذا يرجع إلى منع الصغرى.
الثاني: إنّهم يرفضون العمل بغيرهما وإن أفاد القطع بالحكم، وذلك لعدم الملازمة بين حكم العقل والشرع، والظاهر من بعض كلمات المحدّث الاسترآبادي أنّه كان يركّز على منع الصغرى وهو منع إفادة القطع حيث يقول في كتابه:
الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، ويقول أيضاً في ذيل هذا الفصل: كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامة وجمع من متأخري أصحابنا الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه بالإجماع.1
إلى غير ذلك من العبارات الّتي يجدها السابر لكتابه الدالّة على أنّه بصدد منع الصغرى.
ومع ذلك فاحتمال كون النزاع كبرويّاً وهو عدم حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة باق بحاله، وذلك لأجل نفي الملازمة بين الحكمين: العقلي والشرعي.
لو افترضنا أنّ النزاع كبروي ـ أي في حجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية ـ فيقع الكلام في مقام الثبوت والإثبات.
والمراد من الثبوت: إمكان النهي عن العمل به.
والمراد من مقام الإثبات: ورود النهي عنه شرعاً، بعد ثبوت الإمكان.
وإليك الكلام في كلا المقامين:

1 . الفوائد المدنية:90، الطبعة الحجرية.

صفحه 50

المقام الأوّل: إمكان النهي عن العمل بالقطع

يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم، امتناع النهي عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، لأنّه يعدّ تناقضاً في نظر القاطع مطلقاً، وفي الواقع عند الإصابة.
لكن الحق جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، لأنّ للشارع التصرّف في موضوع إطاعته وامتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام الّتي وصل إليها المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة، فإنّ لزوم الإطاعة وإن كان عقلياً، لكن تحديد موضوعها سعة وضيقاً بيد الشارع، فله أن يحدّد الموضوع ويخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما لا من الطرق الأُخرى.
هذا هو الوجه الذي اعتمدنا عليه، ولكن ذهب المحقّق النائيني إلى جواز التقييد بوجه آخر وهو قاعدة «نتيجة الإطلاق والتقييد» التي استفاد منها في غير مورد ومنها: إمكان تخصيص الأحكام بالعالمين بالبيان التالي، وحاصله: إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه التقييد; لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.
ومن جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل و العلم، فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط، فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك، فلابدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد وهو المصطلح عليه بـ(متمّم الجعل)، فاستكشاف كلّ من

صفحه 51
نتيجة الإطلاق والتقييد يكون من دليل آخر، وقد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وأنّ الحكم مطلق في حقّ العالم والجاهل، ولكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص، وقد خصّص في غير مورد، كما في مورد الجهر والإخفات والقصر و الإتمام.1
ومن هذه الموارد توجيه مقالة الأخباريين بأن يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد، وهي إنّ الأحكام الشرعية، إنّما تجب إطاعتها إذا وصلت إلى المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة.
ويلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ تقابل الإطلاق والتقييد اللحاظيّين تقابل الضدّين; لفرض قيامهما بلحاظ السعة والضيق، فكيف يكون تقابلهما تقابل العدم والملكة؟
وثانياً: سلّمنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ولكن لا يصحّ ما رتب عليه، وهو أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم والجاهل به، وذلك لأنّ امتناع التقييد لأجل استلزامه الدور، وهو مختص بصورة التقييد بالعالم، فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين، فلا يلزم من امتناع التقييد امتناع الإطلاق.
وثالثاً: أنّ المحذور ـ على فرض قبوله ـ إنّما هو في الإطلاق اللحاظي، بأن يلاحظ المكلّف في حالتي العلم والجهل بالحكم، لا في الإطلاق الذاتي، وهو كون الطبيعة متعلّقة للحكم، أو كون ذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم، وهذا متحقّق في كلتا الحالتين; سواء أكان هناك علم بالحكم أم لا.
فالمحذور المتصوّر في باب الإطلاق اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا وجه لعدّهما من باب واحد.

1 . فوائد الأُصول:3/12.

صفحه 52
هذا كلّه حول الثبوت، وقد عرفت إمكان المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة. بقي الكلام في المقام الثاني:

المقام الثاني: في ورود المنع عن العمل أو عدمه

ذهبت الأخبارية إلى ورود المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، وقد استدلّوا بطوائف ثلاث من الروايات سيوافيك الكلام فيها.
وربّما يستدلّ لهم بالدليل العقليّ ولنقدّم هذا القسم على الأدلّة النقلية.

الأوّل: احتمال سعة مناط الحكم عند العقل

إنّ العقل وإن كان يدرك الجهات المحسّنة والمقبّحة، إلاّ أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات موانع ومزاحمات في الواقع وفي نظر الشارع، ولم يصل العقل إليها; إذ ليس من شأن العقل، الإحاطة بالواقع.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على موضوع بما هو هو، كقبح الظلم وخيانة الأمانة، أو كقبح ترجيح المهم على الأهمّ، وعندئذ لا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع، فما ذكره خارج عن محط البحث.
نعم لو احتمل العقل أحد هذه الأُمور لم يحكم بحكم باتّ.

الثاني: جواز خلو الواقعة من الحكم

يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم

1 . فوائد الأُصول:3/60 ناقلاً عن كتاب الفصول.

صفحه 53
أصلاً، لا موافقاً ولا مخالفاً، بأن تخلو الواقعة من الحكم رأساً، وعلى ذلك لا حكم للشرع في الموضوع وفاقاً أو خلافاً.1
يلاحظ عليه: أنّ احتمال خلو الواقعة من الحكم يخالف مع ما ورد عنهمعليهم السَّلام:«ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».
وفي حديث آخر: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه» أو «في الكتاب والسنّة».2
فكيف يمكن أن لا يكون للشارع حكم في الموضوعات الخطيرة، وقد قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في خطبة حجّة الوداع:«يا أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه».3
ثمّ إنّ الأخباريّين استدلّوا بطوائف من الروايات الّتي زعموا دلالتها على مدّعاهم، وإليك استعراضها تحت عناوين خاصة ليسهل للطالب الوقوف عليها، ولم نذكر جميع الروايات لأنّها غير خارجة عن تلك العناوين.

الطائفة الأُولى: لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم

قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم يتوسط الحجّة في تبليغه وبيانه، ولا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة.
ويدلّ على ذلك صحيح زرارة: «أما لو أنّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه، وتكون

1 . الفصول في علم الأُصول:337.
2 . الكافي:1/59ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.
3 . الوسائل:12، الباب12 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث2.

صفحه 54
جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب، ولا كان من أهل الإيمان».1
وعن الرضا، عن آبائهعليهم السَّلام، قال: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من دان بغير سماع ألزمه اللّه ألبتة إلى الفناء».2
وقال أبو جعفرعليه السَّلام: «كلّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل».3 إلى غير ذلك من الروايات.
ويلاحظ عليه: بما نوّهنا به في محاضراتنا في غير مقام، وهو أنّه كما أنّ للآيات شأن نزول، فكذلك للروايات شأن صدور، وكما أنّ شأن النزول يرفع الإبهام الطارئ على الآية لأجل الفصل الزماني، فهكذا شأن الصدور بالنسبة للرواية.
وفي ضوء تلك القاعدة فالرواية ناظرة إلى التابعين والفقهاء، كأبي حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وغيرهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت بتاتاً ولم يستضيئوا بنور علومهم، وإنّما اقتصروا على ما رواه الصحابة من المسانيد والمراسيل والموقوفات غير الكافية في مجال الإجابة عن المسائل المستجدّة.
وأمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب والسنّة وتمسّكوا بالثقلين، غاية الأمر أخذوا بالعقل في ماله شأن الحكم على وجه القطع والبت، فهؤلاء ليسوا من مصاديق الحديث، لأنّهم عرفوا ولاية ولي اللّه فوالوه في عامّة الموارد الّتي فيها لهم حكم وبيان وجعلوا أعمالهم بدلالة الولي، لكنّهم أخذوا في موارد بالحكم القاطع للعقل، لا لأجل الإعراض عن أبوابهم، بل من باب الأخذ بالحكم العقلي الّذي أيّده الأئمّة في غير واحد من رواياتهم.

1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.

صفحه 55

الطائفة الثانية: ما يدلّ على عدم حجّية الرأي

وهناك طائفة أُخرى تدلّ على عدم حجّية الرأي، فقد روي عن الإمام علي عليه السَّلام أنّه قال:«إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه».1
وروى ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّهعليه السَّلام:«ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل».2
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الرأي هو الإفتاء بغير دليل قطعي أو سنّة صحيحة بشهادة قول أبي جعفرعليه السَّلام: «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم».3
ولذلك يوصف أصحاب القياس بأصحاب الرأي كأبي حنيفة ومدرسته.
روى الدميري عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنّه سمع عن أبي حنيفة أنّه يقول: ما جاء عن رسول اللّه فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترناه، وما كان غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.
وعن أبي حنيفة أنّه قال: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه قبلناه.4
وعلى ذلك يحمل قولهعليه السَّلام: «من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ».
أي: قال فيه قولاً غير مستفاد من كتاب ولا سنّة ولا من دليل يعتمد عليه، بل قال برأيه حسب ما يقتضيه أمره ويذهب إليه وهمه بالظن والتخمين.

1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
4 . حياة الحيوان:2/103; الملل والنحل للشهرستاني:1/338.

صفحه 56
وأين هذا من الإفتاء بالحكم العقلي القطعي الموافق للفطرة الإنسانية والحكم الواضح عند العقلاء.
والحاصل: إنّ هذه الرواية تندد بعمل أبي حنيفة; فإنّه لم يثبت إلاّ سبعة عشر حديثاً من أحاديث النبي1 ومع ذلك يبني على المقاييس والآراء الّتي اعتمد عليها فقهه الّذي عمل به أغلبُ المسلمين.
ولذلك نرى أنّ الإمام الصادقعليه السَّلام يذمّ أبا حنيفة وابن شبرمة، يقول الأخير: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمدعليمها السَّلام فقال لأبي حنيفة : «اتّق اللّه ولا تقس في الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس».2
وكذلك قال أبو جعفرعليه السَّلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا وغرّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».3

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة

هناك روايات تدلّ على أنّ المرجع في الأحكام هو الكتاب والسنّة، قال أمير المؤمنينعليه السَّلام: «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل».4
وقالعليه السَّلام: «وإنّما الناس رجلان: متتبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنّة، ولا ضياء حجّة».5
يلاحظ عليه: أنّها بصدد ردّ علم من يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس وإن لم يكن له دليل، مقابل من يرجع إلى الكتاب والسنّة، ولا صلة له بالبحث

1 . مقدّمة ابن خلدون:282، فصل الحديث، طبع دار ومكتبة الهلال.
2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.
3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.
4 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.
5 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.

صفحه 57
أبداً.
والحاصل: أنّ هذه الروايات الّتي حشدها صاحب الوسائل في الباب السادس والعاشر من أبواب صفات القاضي وغيرهما لا صلة لها بالمجتهدين الكبار الذين أخذوا الأُصول والفروع عنهمعليهم السَّلام وأناخوا ركائبهم أمام أبوابهمعليهم السَّلام، بل هي راجعة إلى المعرضين عن أبوابهم.
وقد تقدّم أنّ قسماً من أصحاب الإمام الصادقعليه السَّلام كزرارة ويونس بن عبد الرحمن وغيرهما كانوا على خط العقل مع العلم بالنقل ولم يعزلوا العقل عن منصة التشريع.
ثمّ إنّ للمحدّث الاسترآبادي مغالطة واضحة في بعض كلماته وطالما نسمعها من أصحاب التفكيك في عصرنا هذا.
قال: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نُعْصَم عنه، ومن المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً.
يلاحظ عليه: أنّه مغالطة محضة ، فإنّ المسلم الواعي لا يعوِّض كلامهم بشيء، إذ لا يعادله شيء، لكن الكلام في أنّه إذا لم يوجد عنهم نص صحيح، ولا ظاهر قويم، فهل هنا مرجع غير الشرع؟ فالأُصولي يجيب بالإثبات، لكن فيما إذا كان الموضوع ممّا يصحّ أن يرجع إليه، والأخباري يجيب بالنفي.
بلغ الكلام إلى هنا ظهيرة يوم الأحد آخر
شهر شعبان المعظم من شهور عام 1424هـ
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادقعليه السَّلام

صفحه 58

صفحه 59

الرسالة الثانية

مسلك حقّ الطاعة

بين الرفض والقبول


صفحه 60

صفحه 61

مسلك حقّ الطاعة

بين الرفض والقبول

اتّفق الأُصوليون المتأخّرون على أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو البراءة العقلية، فإذا شكّ الإنسان في وجوب شيء أو حرمته بعد الفحص عن مظان الدليل، يحكم العقل بعدم وجوبه وحرمته ظاهراً مستنداً إلى قبح العقاب بلا بيان. ولتوضيح مقصدهم نقول:
إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور:
الأوّل: عدم ورود البيان من المولى في المورد، سواء أكان البيان بالعنوان الأوّلي أم بالعنوان الثانوي، مثلاً: إذا شككنا في حرمة شرب التتن، فالعقل لا يمنع من الارتكاب بشرط أن لا يرد في المقام بيان في حرمة شرب التتن إمّا بما هو هو كما إذا قال: لا تشرب التتن، أو بما هو مشكوك الحرمة كأن يقول: إذا شككت في حرمة شيء فعليك بالاحتياط، فالبراءة العقلية رهن عدم وجود أحد البيانين وإلاّ فيرتفع موضوعها.
الثاني: عدم احتمال وجود غرض مهم للمولى في المورد بخصوصه على نحو

صفحه 62
لا يرضى بتركه حتّى في صورة الظن والشكّ، كما إذا شاهدنا غريقاً نحتمل أنّه ولد المولى، فالعقل يحكم بالاحتياط لافتراض انّ التكليف فعلي منجز في صورة الاحتمال أيضاً، كما هو كذلك في صورتي الظن والقطع.
الثالث: إذا تمكّن المولى من البيان، على نحو يكون قادراً على بيان مقاصده، وأغراضه بأحد الوجهين، ومع ذلك ترك البيان، ولم يُلزم العبدَ بالإيجاب أو الترك فعندئذ يستقل العقل بعدم مسؤولية العبد أمام مولاه، إذ لو كان له غرض لازم الاستيفاء لأبانه وبيّنه ولما سكت عنده.
نعم يمنع عن إجراء البراءة، انتفاء أحد الأُمور الثلاثة الماضية وذلك بتحقّق أحد الأُمور التالية:
أ : ورود البيان من المولى إمّا بالعنوان الأوّلي أو بالعنوان الثانوي.
ب: احتمال وجود غرض مطلوب للمولى في المورد على نحو يكون الحكم فعلياً حتّى في صورة الشكّ أيضاً.
ج: كون المولى غير متمكّن من البيان، وعاجزاً عن تقرير مقاصده، وممنوعاً من التكلّم على نحو تنقطع منه صلته بالمكلَّف.
والمفروض وجود الشرائط الثلاثة وعدم انتفائها فتجري البراءة العقلية، لعدم تمامية الحجّة على العبد، لو لم نقل بالعكس.
إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يتوقّف على إدخاله تحت عنوان الظلم بأن يكون العقاب مع عدم البيان ظلماً بالنسبة إلى العبد، لما قلنا في محلّه من أنّ المستقلات العقلية في الحكمة العمليّة أكثر من القضيتين المعروفتين: بـ: «حسن العدل وقبح الظلم»، بل ربما يستقل العقل بأُمور، وإن لم ينطبق عليها عنوان الظلم أو العدل، كاستقلاله بحسن الوفاء بالميثاق وقبح نقضه،

صفحه 63
وكاستقلاله بحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، والمقام أيضاً من هذا القبيل فالعقل مستقلّ بقبح العقاب مع تمكّن المولى من البيان، سواء أكان العقاب في هذه الحالة من مصاديق الظلم أم لا.
ثمّ إنّ الأُمور الثلاثة التالية تؤيّد كون موقف العقل، عند الشكّ في الحكم الشرعي الإيجابي أو التحريمي ، هو البراءة:
1. انّ النظام السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى أمر الطاعة، هو البراءة ما لم يكن بيان في المقام، فالرئيس لا يحتج على من دونه في الرتبة والدرجة، إلاّ بما بيّنه وشرحه له وأمره باتّباعه، ولو قام أحد الموظّفين، بكلّ ما أُمر به وبُيّـن له، على نحو لم يفته شيء منه، ولكنّه ترك ما شكّ في مطلوبيته ممّا لم يكن موجوداً في برنامجه، يعدّ مطيعاً غير عاص، ولا يحتجّ الرئيس عليه بالشكّ والترديد، مع أنّه كان متمكناً من البيان، وما هو إلاّ لقضاء فطرتهم بذلك وعقولهم عليه لا أنّهم اتّفقوا على هذا التحديد، فاتّفاقهم على تلك الضابطة من وحي الفطرة، ولأجل ذلك صارت القاعدة عالمية لا تختص بقطر دون قطر أو شعب دون شعب، والسعة والعمومية ـ كما قلنا في محلّه ـ آية كون الحكم فطريّاً نابعاً من صميم ذات الإنسان لا أمراً اتّفق عليه العقلاء لمصالح وأغراض خاصّة.
2. انّه سبحانه يصرّح في غير واحد من آياته، بأنّ الغاية من إرسال الرسل، هو قطع عذر العباد، وإبطال حجّتهم على اللّه على نحو لولا إرسال الرسل، لكانت الحجّة للعباد على اللّه تعالى.
يقول سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكيماً)1، فالآية صريحة في أنّه سبحانه أبطل

1 . النساء:165.

صفحه 64
حجّتهم، بإرسال الرسل وأتم الحجّة عليهم به، مكان احتجاج العباد على اللّه إن لم يبعث الرسل. والآية خير دليل على أنّه لا يحتج عليهم إلاّ بالبيان الواصل، وإلاّ لاحتجّ العباد على اللّه سبحانه بأنّه أهمل بيان مقاصده وأغراضه بترك إرسال الرسل.
وليست الآية، هي الآية الفريدة في المقام بل تعزّزها آيات أُخرى يشهد الكلّ على أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ ببيان واصل، لا بالشكّ في التكليف، يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُم بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)1 ، فالآية كنظيرتها، صريحة في أنّ احتجاجه سبحانه على العباد، أو احتجاجهم عليه، يدور مدار البيان الواصل وعدمه، فلو صدر البيان من المولى، لصحّ الاحتجاج على العباد، وإلاّ لصحّ العكس، واللّه سبحانه لإيصاد باب احتجاجهم عليه، بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون للّه سبحانه عليهم الحجّة، دون أن يكون لهم الحجّة عليه.
3. انّه سبحانه يتبرّأ في كثير من آياته من التعذيب قبل البيان، ويراه أمراً غير ممكن أو غير لائق بشأنه تعالى وما هذا إلاّ لقبحه ويقول:
(وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).2
(ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمّها رَسُولاً).3
إنّ«كان» الناقصة إذا استعملت مع «ما» النافية يراد بها أحد المعنيين:

1 . طه:134.
2 . الإسراء:15.
3 . القصص:59.

صفحه 65
1. نفي الشأنية وانّه غير لائق بمقامه سبحانه، مثل قوله: (وَما كانَ اللّه لِيُضيعَ إِيمانكُم).1 والمراد من الإيمان الصلاة إلى البيت المقدس، فأطلق الإيمان وأُريد به العمل.
2. نفي الإمكان، مثل قوله سبحانه: (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّه).2 والمراد نفي الإمكان الذاتي لاستحالة وجود الممكن (الموت) بلا علّته التامة وهي إرادته سبحانه.
وعلى ضوء ذلك فالمراد من قوله (ما كُنّا مُعذّبين) وقوله: (وَماكانَ رَبّكَ مُهلِكَ القُرى) إمّا نفي الشأنية وانّه أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر القبيح، (التعذيب بلا بيان).
أو نفي الإمكان الوقوعي لا الذاتي، فانّ التعذيب قبل البيان بملاحظة ما للّه سبحانه من صفات الحكمة أو العدل، لا يصدر منه ولا يقع.
وإن أردت إرجاع المعنيين إلى معنى واحد فلامشاحّة.
فبهذه الأُمور الثلاثة، يتّضح أنّ ملاك الاحتجاج عند العقل على العباد، هو البيان الواصل، لا البيان المشكوك، وتكون البراءة العقلية في الشبهات الوجوبية أو التحريميّة أصلاً راسخاً لا تحركه العواصف.
فإن قلت: سلّمنا انّه لا يجوز العقاب إلاّ عند البيان، ولكنّه لا ينحصر البيان بالقسم القطعي، بل يعمّ الظنّي والاحتمالي، فالظن بالتكليف أو احتماله، نوع بيان له.

1 . آل عمران:143.
2 . آل عمران:145.

صفحه 66
قلت: إنّ الموضوع لوجوب الطاعة، أو حرمة التمرّد هو البيان الواصل، فلا يصدقان إلاّ مع وصوله، أمّا الظن بالحكم واحتماله، فهما موضوعان لحسن الاحتياط، فلا يحسن إلاّ إذا كان هناك أحد الأمرين فيجب تمييز ما هو موضوع لوجوب الطاعة عمّا هو موضوع لحسن الاحتياط، فالبيان الظني أو الاحتمالي موضوعان للثاني دون الأوّل. ولو كان البيان الاحتمالي كافياً في إتمام الحجّة لما تبرّأ منه سبحانه لوجوده في أكثر الناس قبل بعث الرسل.
فإن قلت: ما الفرق بين مقاصد العبد وأغراضه، ومقاصد المولى وأغراضه، فانّ سعي العبد لا يتحدد بصورة القطع بها بل يعمّ صورتي الظن والاحتمال، فليكن سعي العبد وراء مقاصد المولى وأغراضه كذلك، أفهل يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، أقل قيمة من أغراض العبد، ولا يجب تحصيلها عند الظن والشك؟
قلت: لا شكّ انّ مقاصد الشريعة أولى وأفضل من المقاصد الدنيوية للعبد لكن الكلام في حد دائرة مسؤولية العبد عند العقل، فهل هو مسؤول عن عامة مقاصد المولى وأغراضه سواء أكانت مقطوعة أم مظنونة أم مشكوكة، أو هو مسؤول عمّا قامت الحجّة عليه، سواء أكان هناك غرض أم لا، إنّ العقل الفطري يحكم بالثاني.
وإن شئت قلت: الواجب على العبد طاعة المولى فيما أمر ونهى، وعدم التمرد، حتى يدور في فلك العبودية ولا يخرج عن زيّ الرقية، وصدق الطاعة أو التمرد، فرع وجود موضوع لهما ولا موضوع إلاّ إذا تمّ البيان من المولى.
نعم ربما يكون الاحتمال منجّزاً للواقع، وباعثاً إلى الحركة نحو المحتمل، فيما لو احتمل انّه لو كان للمولى غرض في المقام، لما رضى بتركه ـ كما مرّ ـ وهو

صفحه 67
خارج عن محط البحث.
ثمّ إنّ لغير واحد من المحقّقين بياناً آخر لتقرير البراءة العقلية نذكره مشفوعاً بالنقد والتحليل.

1. البيان الواقعي غير محرّك

ذكر المحقّق النائيني قدَّس سرَّه وجهاً لحكم العقل بالبراءة عند الشكّ في التكليف، حاصله:انّ مجرد البيان الواقعي، مع عدم وصوله إلى المكلّف، لا يكفي في صحّة المؤاخذة واستحقاق العقوبة، لأنّ وجود البيان الواقعي كعدمه، غير قابل لأن يكون باعثاً ومحركاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه الأمر ويكون له وجود علمي.1
يلاحظ عليه: أنّ الأمر مطلقاً، ـ بوجوده الواقعي و بوجوده العلمي ـ ليس محركاً للعبد نحو المطلوب وليس له أثر ـ حتّى بعد الوصول ـ سوى بيان موضوع الطاعة، وإنّما المحرك لإرادة العبد هو الخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، ونسبة التحرك إلى الأمر، نسبة مجازية باعتبار كونه موضوعاً لما يترتّب على مخالفته، العقاب، وعلى موافقته الثواب.
فإذا لم يكن للأمر تأثير سوى بيان موضوع الطاعة، فلابدّ من نقل الكلام، إلى تحديد مسؤولية العبد ـ عند العقل ـ أمام المولى، فلو كان مسؤولاً فيما تُعدّ موافقته طاعة، ومخالفته تمرّداً فلا يجب الاحتياط في صورة الظن بالتكليف أو احتماله، ولو كان مسؤولاً أمام المولى مطلقاً في عامة الحالات، فلابدّ من الاحتياط، فكون الأمر محركاً في صورة الوصول وغير محرّك عن غير هذه الصورة كأنّه أجنبيّ عمّـا هو المقصود.ولابدّ من التركيز على مقدار مسؤولية العبد أمام مولاه كما عرفت

1 . فوائدالأُصول:3/365.

صفحه 68
والعقل الفطري يحدد كمّية المسؤولية، بما لو خرج عنه لعدّ متمرّداً، ولا يصدق التمرّد إلاّ إذا كان البيان واصلاً.

2. الحكم الحقيقي متقوّم بالبيان

وهنا بيان آخر لتبيين قبح العقاب بلا بيان وهو ما أفاده المحقّق الاصفهاني فقال: إنّ مدار الإطاعة والعصيان على الحكم الحقيقي، والحكم الحقيقي متقوم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقولية تأثير الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي، وحينئذ لا تكليف حقيقي مع عدم الوصول فلا مخالفة للتكليف الحقيقي، فلا عقاب، فانّه على مخالفة التكليف الحقيقي.1
يلاحظ عليه: أوّلاً: المنع من عدم كون الحكم الإنشاني، حكماً، بشهادة صحّة تقسيمه إلى الإنشائي والفعلي، تقسيماً حقيقياً، لا مجازياً .
وثانياً: أنّ الحكم الحقيقي أعمّ من الحكم الواصل إلى المكلّف، كما إذا تمّ البيان من المولى ولكن حالت الموانع بينه وبين المكلّف، فالحكم عندئذ فعليّ حقيقيّ غير منجّز، فلو كان المدار في وجوب الطاعة، هو الحكم الحقيقي فيجب الاحتياط إذا احتمل تمامية البيان من المولى أو ظن بها مع أنّه مجرى البراءة لدى القائل.
والأولى تحديد موضوع وجوب الطاعة وحرمة التمرّد، فهل موضوع الوجوب هو انكشاف الواقع انكشافاً علميّاً، أو يعمّ مطلق الانكشاف ولو كان احتمالياً؟ فمن قال بعدم وجوب الاحتياط قال بالوجه الأوّل، ومن قال بوجوبه قال بالوجه الثاني، فالواجب علينا تحرير موضوع وجوب الطاعة لا إحراز صدق الحكم وعدم

1 . نهاية الدراية:2/190.

صفحه 69
صدقه.
وقد عرفت أنّ العبد مسؤول أمام المولى فيما أمر ونهى، إذ عندئذ يصدق أنّه مطيع لمولاه، غير متمرد ولا خارج زي الرقية، وليس مسؤولاً عمّا ظن واحتمل كما مرّ.

3. قبح العقاب بلا بيان عقلائي لا عقلي

وربّما يتصوّر انّ قبح العقاب بلا بيان، أمر عقلائي أمضاه الشارع، وليس له من حكم العقل رصيد.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكر ـ و أغمضنا عمّا قلناه من قضاء العقل الفطري به بشهادة كونه عالمياً ـ لانقلبت البراءة العقلية عندئذ إلى البراءة الشرعية وهو خلف، لأنّ بناء العقلاء لا يحتجّ به إلاّ إذا أمضاه الشارع، وبعد الإمضاء يصير أصلاً شرعياً، لا عقلياً مع أنّ القائل يرى البراءة العقلية، غير البراءة الشرعية.

حقّ الطاعة للمولى

لا شكّ انّ للمولى، حقّ الطاعة على عبده ولكنّه يتحدّد ـ بقضاء العقل الفطري ـ بما إذا تمّت الحجّة عليه من جانب المولى ببيان ما وظيفته بأحد الوجهين، وبالتالي يتحدد بصورة القطع بالوظيفة الواقعية أو الظاهرية، ولا يشمل صور الظن بالحكم أو الشكّ فيه.
وليس تحديد العقل موضوعَ الطاعة في المقام بمعنى حكومته على المولى سبحانه وتحديد مولويته بصورة العلم بالحكم بل هو كاشف عن واقعية ثابتة،

صفحه 70
وذلك بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات ككونه حكيماً عادلاً، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية نظير حكم العقل بعدم صدور القبيح منه فحكم العقل بعدم الصدور بمعنى استكشافه ذلك منه بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات تستلزم ذلك.
وقد وقفت على كلام للسيد الشهيد الصدرقدَّس سرَّه وهو ينكر هذه القاعدة ـ أي قبح العقاب بلا بيان ـ ويعتمد على قضية حقّ الطاعة ويقول: إنّ للمولى حقّ الطاعة في المجالات الثلاثة: القطع بالحكم، والظن، والاحتمال به.
ثمّ إنّه أوضح ذلك بما ألّفه بقلمه الشريف كالحلقات و بما قرره تلامذته، ونحن نذكر ما وقفنا عليه من كلماته أوّلاً ثمّ نردفه بنقل ما ذكره في محاضراته، وقد أسماه بـ«مسلك حق الطاعة»، و ذكره في غير موضع من حلقاته كما ذكر ثمار المسلكين في الحلقة الثانية.1وإليك مقتطفات من كلامه.

حقّ الطاعة أوسع من العلم بالتكليف

إنّ دائرة حقّ الطاعة أوسع من التكاليف المعلومة، بل يعمّ المظنونة والمحتملة، فحكم العقل بحقّ الطاعة للمولى غير محدّد بصورة العلم بالتكليف، وذلك «لأنّ مرجعه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة، خاصة، بينما يرجع حكم العقل بمنجزية التكاليف المحتملة عندنا، إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة وهكذا».2
ثمّ إنّهقدَّس سرَّه بيّن ما يتبنّاه تحت عنوان «مسلك حقّ الطاعة» وقال:

1 . الحلقة الثانية:46ـ 51.
2 . الحلقة الثالثة:2/13.

صفحه 71
نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتية الثابتة للّه سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً، وهذا من مدركات العقل العملي وهي غير مبرهنة، فكما أنّ أصل حقّ الطاعة للمنعِم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقاً، وعليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفظ، فلابدّ من الكلام على هذا الترخيص وإمكان إثباته شرعاً وهو ما يسمّى بالبراءة الشرعية.1
يلاحظ عليه بوجهين: أمّا أوّلاً: فإنّ ما أفاده «انّ أصل حقّ الطاعة للمنعم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقاً» منظور فيه، فإن أراد بالبرهان، البراهين الفلسفية الّتي يستلزم فرض نقيض المطلوب فيها اجتماعَ النقيضين أو ارتفاعهما فهو صحيح لكن هذا النوع من البرهان يختصّ بمسائل الحكمة النظرية لا الحكمة العملية والمفروض انّ المقام من القسم الثاني، وعدم وجود هذا النوع من البرهان في المقام لا يضرّ بقطعية القضية لاستقلال العقل العملي بالبراءة عندئذ.
وإن أراد من عدم كونه برهانيّاً انّ العقل العملي لا يدرك دركاً وجدانياً ما هو حكمه في مورد حقّ الطاعة ولا موضوعه سعة وضيقاً فهو مرفوض، إذ لامعنى لأن يتوقّف العقل في الموضوعات الّتي له فيها حقّ القضاء، وقد عرفت أنّ العقل في الشبهات الحكمية البدوية يحكم بحكمين:
1. إذا احتمل العبد انّ للمولى غرضاً لازم الاستيفاء في عامة المجالات وإن كان مشكوكاً، فعندئذ يستقلّ بالاشتغال واعمال الاحتياط ومورد هذا النوع من

1 . الحلقة الثالثة:2/33.

صفحه 72
الشكّ متوفّر في الشبهات الموضوعية غالباً.
2. إذا شكّ في حرمة شيء أو وجوبه ولم يكن المورد من قبيل القسم الأوّل فالعقل يستقلّ بالبراءة لافتراض انّ المولى متمكن من بيان وظيفة العبد بأحد النحوين الماضيين، فإذا سكت، يستكشف العقل عدم حكم إلزامي في المقام وإلاّ لأعرب وأبان.
ثانياً: فلو افترضنا قضاء العقل الدقيق بلزوم الاحتياط في المشكوكات، فإنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كان الحكم (لزوم إطاعة المولى في المظنونات والمشكوكات) أمراً واضحاً عند أكثر العقول، فعلى المولى أن يعتمد على قضاء عقل العبد في ذلك المجال، وأمّا إذا كان حكمه مغفولاً عنه عند العامّة حيث اعتاد الناس أنّ الامتثال رهن البيان، وقد عرفت أنّ السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى الرئيس والمرؤوس هو ذاك، فاعتماد المولى على هذا الحكم الخفيّ على أكثر الناس، غير صحيح.
هذا تحليل ما وقفنا عليه في الحلقة الثالثة من حلقاته الّتي ألّفها بقلمه الشريف.
ثمّ إنّهقدَّس سرَّه بسط الكلام فيما تبنّاه من تقدّم حقّ الطاعة على قبح العقاب بلا بيان في محاضراته وجاء فيها ما يميط الستر عن مرامه، ونحن نذكر نصّ التقرير لكن بتلخيص.

التبعيض في التنجيز تبعيض في المولوية

يقولقدَّس سرَّه :إنّ المولوية وحقّ الطاعة ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
1. المولوية الذاتية الثابتة بلا جعل واعتبار والّتي هي أمر واقعي على حدّ

صفحه 73
واقعيات لوح الواقع وهذه مخصوصة باللّه تعالى بحكم مالكيته لنا، الثابتة بملاك خالقيته.
2. المولوية المجعولة من قبل المولى الحقيقي، كما في المولوية المجعولة للنبيّ أو الوليّ، وهذه تتبع في السعة والضيق مقدار جعلها لا محالة.
3. المولوية المجعولة من قبل العقلاء أنفسهم بالتوافق على أنفسهم، كما في الموالي والسلطات الاجتماعية وهذه أيضاً تتبع مقدار الجعل والاتّفاق العقلائي.
ثمّ قال: إنّ المشهور ميّزوا بين أمرين: مولوية المولى ومنجزية أحكامه فكأنّه يوجد عندهم بابان:
أحدهما باب مولوية المولى الواقعية وهي عندهم أمر واقعي مفروغ عنه لا نزاع فيه ولا يكون للبحث عن حجّية القطع ومنجزيته مساس به.
والباب الآخر هو منجزية القطع وأنّه متى يكون تكليف المولى منجزاً؟!، وفي هذا الباب ذكروا أنّ التكليف يتنجز بالوصول والقطع ولا يتنجز بلا وصول، ولهذا حكموا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ويقولون هذا وكأنّهم لا يفترضون أنّه تفصيل بحسب روحه في الباب الأوّل وفي حدود مولوية المولى وحق طاعته.
لكن هذا المنهج غير صحيح وانّ المنجزية الّتي جعلوها باباً ثانياً إنّما هي من لوازم أن يكون للمولى حقّ الطاعة على العبد في مورد التنجيز وأيَّ تبعيض عقلي في المنجزية بحسب الحقيقة، تبعيض في المولوية، فلابدّ من جعل منهج البحث ابتداءً عن دائرة مولوية المولى وانّها بأيّ مقدار، وهنا فرضيات:
1. أن تكون مولوية المولى أمراً واقعياً موضوعها واقع التكليف بقطع النظر عن الانكشاف ودرجته، وهذا باطل جزماً، لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد

صفحه 74
الجهل المركب منجزاً ومخالفته عصياناً، وهو خلف لمعذّرية القطع.
2. أن يكون حقّ الطاعة في خصوص ما يقطع به ويصل إلى المكلّفين من تكاليف المولى، وهذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع والوصول وموارد الشكّ، ولكنّا نرى بطلان هذه الفرضية أيضاً لأنّا نرى أنّ مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، وحقّه في الطاعة على العباد أكبر حقّ، لأنّه ناشئ من المملوكية والعبودية الحقيقية.
3. المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، وهذه هي التي ندّعيها وعلى أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، وكأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة والطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء وبمقدار ما تستوجبه من الحقّ فلا بأس به ويكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص المشهور التنجزَ بصورة البيان الواصل ليس لغاية التبعيض في حق الطاعة، لافتراض انّه أمر واقعي نابع من خالقيته أو منعميته بل تخصيصه بصورة وجود البيان لأجل وجود القصور في ناحية المطيع، لجهله بالحكم وعدم علمه بالوظيفة، فالمقتضي للطاعة وإن كان موجوداً، لكن المانع غير مفقود.
وثانياً: لو كان تخصيص التنجيز بصورة البيان الواصل، تخصيصاً في مولوية المولى، يلزم تخصيص التنجيز بصورة ما لم يقطع بالعدم تبعيضاً في حقّ الطاعة

1 . بحوث في علم الأُصول:4/30، مبحث القطع.

صفحه 75
أيضاً لاستلزامه خروج صورة القطع بالخلاف من تحت حقّ الطاعة فلو كان حقّ الطاعة غير قابل للتبعيض يكون الملاك هو الصورة الأُولى التي ليس فيها أي تحديد للتنجيز وبالتالي لمولويته، وقد اعترفقدَّس سرَّه ببطلانه.
ثمّ إنّ له قدَّس سرَّه كلاماً آخر، في مبحث البراءة يتحد مضمونه مع ما سبق قال:
إنّ هناك خطأ أساسياً في هذا الطرز من التفكير، حيث فُصِّل بين الحجّية والمولوية مع أنّه لا فصل بينهما بل البحث عن الحجّية بحث عن حدود المولوية بحسب الحقيقة، لأنّ المولوية عبارة عن حقّ الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات، كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حقّ الطاعة له مراتب وكلّما كان الملاك آكد كان حقّ الطاعة أوسع.
فقد يُفرض بعضُ المراتب من منعمية المنعم لا يترتب عليه حقّ الطاعة إلاّ في بعض التكاليف المهمة في كلّها، وقد تكون المنعمية أوسع بنحو يترتّب حقّ الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة من ذلك بأنْ كانت منعميته بدرجة يترتّب عليه حقّ الطاعة حتّى في المشكوكات والمحتملات من التكاليف، فهذا بحسب الحقيقة سعة في دائرة المولوية، إذن فالحجّية ليست شيئاً منفصلاً عن المولوية وحق الطاعة.
ومرجع البحث في قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى البحث عن أنّ مولوية المولى هل تشمل التكاليف المحتملة أم لا. ولا شكّ انّه في التكاليف العقلائية عادة تكون المولوية ضيّقة ومحدودة بموارد العلم بالتكليف، وأمّا في المولى الحقيقي فسعة المولوية وضيقها يرجع فيهما إلى حكم العقل العملي تجاه الخالق سبحانه، ومظنوني انّه بعد الالتفات إلى ما بيّناه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتّى التكاليف الموهومة. ومن هنا نحن لا نرى جريان

صفحه 76
البراءة العقلية.1
يلاحظ عليه: بأنّه أي صلة بين كون المولوية ذاتية غير مجعولة نابعة من خالقيته ومنعميّته وبين سعة الاحتجاج في صورة الشكّ في التكليف وعدم قيام الحجّة على العبد. فيمكن أن تكون مولويته وسيعة، لكن يكون حقّ الطاعة مضيّقاً، وذلك لأنّ سعة المولوية، تابعة، لسعة ملاكها وهو كونه سبحانه في عامة الحالات خالقاً موجداً للعبد من العدم إلى الوجود فهو مولى العباد في جميع الأحوال.
وأمّا سعة الطاعة وضيقها فليسا تابعين لسعة المولوية وضيقها، بل تابعة لصحّة الاحتجاج على العبد عقلاً وعدمها. وقد عرفت اختصاصها بصورة وجود موضوع الطاعة.
وبعبارة ثانية: انّ جعل سعة الطاعة وضيقها، مترتبين على سعة المولوية وعدمها غير صحيح، فإنّ السعة والضيق في مجال الطاعة تابعان لصحّة الاحتجاج وعدمها، فإن قلنا بأنّه يصحّ الاحتجاج على العبد في كلّ الأحوال الثلاثة: القطع والظن والشك، وجب على العبد الطاعة من دون حاجة إلى ملاحظة سعة مولويته أو ضيقها.
وأمّا لو قلنا بعدم صحّة الاحتجاج على العبد إلاّ فيما تمت الحجّة فيه على العبد، فلا يصحّ الاحتجاج في صورة الظن والشكّ، وإن كانت مولويته وسيعة.
والشاهد على ذلك أنّه ربما تفترق المولوية، عن حقّ الطاعة والتنجيز في صورة القطع بالخلاف، فالمولوية ثابتة حتّى مع الجهل المركب ولا يمكن سلبها

1 . بحوث في علم الأُصول:5/24، مباحث الأُصول العملية.

صفحه 77
عن العباد لكونها نابعة من أمر تكويني ذاتي، دون حقّ الطاعة أو التنجيز، بل هو مرتفع لكون القطع بالخلاف مانعاً من التنجز، وليكن الجهل بالواقع كالقطع بالخلاف مانعاً، لا لقصور في المقتضي بل لوجود المانع.
وبعبارة ثالثة هاهنا أمران:
أحدهما: ملاك الطاعة ومنشؤها.
ثانيهما: موضوع الطاعة. فملاك الطاعة ليس إلاّ المولوية، لكن موضوعها هو حكم المولى، والوصول شرط لوجوب الطاعة، وهذا هو الوجه في كون دائرة المولوية أوسع من وجوب الطاعة، إذ الطاعة متفرعة على حكم المولى الواصل إلى العبد، وإن كان منشؤها هو مولوية المولى.

صفحه 78

تحليل الاعتراض على قاعدة مسلك حق الطاعة

خاتمة المطاف

قد تعرّفت على مغزى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» وانّها قاعدة محكمة، رصينة تعدّ من أحكام العقل العملي في الحكمة العملية، كما تعرّفت على مفاد قاعدة «حق الطاعة» وانّها كسابقتها، رصينة محكمة لكنّها محدّدة بما إذا قام الدليل على وجود التكليف ولا يكفي الظن بالتكليف ولا احتماله.
وقد اعترض على مسلك «حق الطاعة» بأُمور أهمّها وجود التزاحم بين الإلزام المستفاد من قاعدة حقّ الطاعة عند الشكّ في الوجوب، وملاك الإباحة الاقتضائية الّتي تقتضي الترخيص والحرية في العمل، وإليك بيان الاعتراض كما في بعض الرسائل:
«إنّنا في موارد الشكّ في التكليف كما نحتمل أن يكون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإلزام، كذلك نحتمل أن يكون حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإباحة، فلو كان الاحتمال الأوّل مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الإلزام، لضمان الحفاظ على الملاك الإلزامي المحتمل على فرض وجوده، لكان الاحتمال الثاني أيضاً مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الترخيص لضمان الحفاظ على الملاك الترخيصي المحتمل على فرض وجوده، لأنّ

صفحه 79
كليهما من الملاكات ذات الأهمية عند المولى على فرض وجودها، ولا وجه لترجيح الأوّل على الثاني مالم نحرز كونه أهمّ منه عند المولى إلى درجة تقتضي تقديم ضمان حفظه على ضمان حفظ الثاني عند التزاحم بينهما في مقام الحفظ».

نقد الاعتراض

الظاهر انّ الاعتراض غير وارد على مسلك حق الطاعة على فرض صحته، وشموله لحالتي الظن بالتكليف واحتماله، ويظهر ذلك من خلال بيان أمرين:

الأوّل: الفرق بين الحكم والتكليف

لا شكّ انّ الحكم مشترك بين الأحكام الخمسة، فالترخيص الاقتضائي رهن إنشاء إباحة ناشئة عن ملاك الترخيص الموجود في الشيء المباح، المقتضي الحكم بالتساوي بين الفعل والترك، وشأن هذا الإنشاء كشأن سائر الأحكام الأربعة: الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة، فالجميع رهن الإنشاء ونتاجه كما هو واضح.
وأمّا التكليف فهو وإن كان من أقسام الحكم لكن يتميّز عن مطلق الحكم بالسمات التالية:
أ. انّ التكليف يشتمل على طلب وبعث أو نهي وزجر، سواء أكان إلزامياً أم لم يكن.
ب. انّ امتثال التكليف يتّصف بالمشقة والعناء غالباً.
ج. انّ التكليف يتصوّر فيه الإطاعة والعصيان كما في الوجوب والحرمة، أو الموافقة والمخالفة كما في الاستحباب والكراهة، وبالتالي يكون المكلّف بالنسبة إليه

صفحه 80
إمّا مطيعاً أو عاصياً أو موافقاً أو مخالفاً.
د. انّ حقيقة التكليف تُلقي مسؤولية على عاتق المكلّف سواء أكانت بنحو الإلزام أم لا.
وهذه كلّها من سمات التكليف وهي متوفرة في الأحكام الأربعة دون الإباحة الاقتضائية فهي حكم ولكن ليس بتكليف.
فليس فيها طلب ولا بعث أو نهي أو زجر، ولا يستلزم العمل بها أي تعب وعناء، ولا يتصوّر فيها الطاعة والعصيان ولا الموافقة والمخالفة، ولا يثقل كاهل المكلّف بالحكم بالإباحة كلّ ذلك واضح عند التدبّر.
فإن قلت: كيف تكون الإباحة من مقولة الحكم دون التكليف مع أنّ الحكم منحصر في التكليفي والوضعي، وعلى هذا فالإباحة الاقتضائية من مقولة التكليف أخذاً بحصر الحكم فيهما.
قلت: إنّ تسمية الأحكام الخمسة بالأحكام التكليفية من باب الغلبة، لأنّ الأربعة الباقية من مقولته.
نعم الإباحة الوضعية ـ كما في قوله سبحانه: (أَحلّ اللّه البيع)ـ بمعنى إمضاء البيع وجعله ماضياً إمّا من مقولة التكليف، أو موضوع للتكليف ولعلّ الثاني أظهر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ في مورد الإباحة الذاتية حكم شرعي نابع من ملاك ذاتي في الفعل تقتضي إنشاء التسوية والترخيص وليس هناك من جانب المولى تكليف ملقى على عاتق العبد.
نعم الإباحة من الأحكام الشرعية فلو قلنا بالموافقة الالتزامية يجب الاعتقاد

صفحه 81
بها تفصيلاً وإن لم نقل بكفاية الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي فليس في موردها تكليف وبالتالي امتثال.

الثاني: مصب حق الطاعة هو التكليف لا مطلق الحكم

إنّ حقّ الطاعة عبارة عن تحمّل العبد مسؤولية أمام المولى، ولزوم مثوله بين يديه فيما أمر به أو نهى عنه، فتختص بالطبع بموارد التكليف ولا تعمّ مطلق الحكم وبالتالي لا تشمل الإباحة الاقتضائية المعلومة تفصيلاً فضلاً عن الإباحة المحتملة.
كلّ ذلك لا لأجل التمسّك بلفظ الطاعة والجمود عليه، بل لأنّ واقع الطاعة الذي هو عبارة عن مثول العبد أمام المولى يُحدِّد حقيقة الطاعة بما إذا كان العبد مسؤولاً عمّا كُلِّف به. وأمّا الأحكام الإباحيّة الّتي ليس للمولى فيها طلب ولا بعث للعبد فلا موضوع هناك للطاعة ولا للمسؤولية.
وعندئذ فإذا دار الأمر بين كون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك مقتض للإلزام أو حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك يقتضي الترخيص والتسوية بين الفعل والترك.
فإن قلنا: إنّ حقّ الطاعة يختصّ بالتكاليف المبيّنة من جانب المولى ـ كما هو المختار ـ لم يكن في مورد الشبهة أيّ موضوع لحقّ الطاعة. أمّا بالنسبة إلى الوجوب المحتمل فلأجل اختصاص القاعدة بالوجوب المعلوم لا المحتمل.
وأمّا بالنسبة إلى الإباحة الاقتضائية فلأجل عدم وجود موضوع للطاعة حتّى يحكم العقل بوجوب الطاعة.
وأمّا إذا قلنا: إنّ حقّ الطاعة يسع التكاليف المعلومة والمظنونة والمحتملة

صفحه 82
فلا يزاحمه احتمال كون الحكم الواقعي إباحة اقتضائية. لعدم وجود موضوع للطاعة فيها ويتفرَّد الحكم الإلزامي المحتمل بالطاعة.
فإن قلت: هب: انّ الإباحة الاقتضائية ليست من أقسام التكليف ولا يتصوّر فيها الامتثال والعصيان لكن الغرض من إنشائها هو تيسير الأمر على المكلّف وإطلاق العنان له بين الفعل والترك.
وعلى هذا فلو كان الأمر دائراً بين كونه واجباً أو مباحاً اقتضائياً، فإيجاب الاحتياط بمقتضى قاعدة حقّ الطاعة وإلزام المكلّف بالأخذ بالفعل ينافي ملاك الإباحة الاقتضائية الّتي مدارها إعطاء المكلّف كامل الحرية بين الفعل والترك، فكون الفعل محتمل الوجوب يقتضي الإلزام والضيق، كما أنّ كونه محتمل الإباحة يقتضي التيسير والسهولة وإطلاق العنان، فشمول القاعدة لهذه الصورة يوجد التزاحم بين الملاكين المحتملين.
قلت: إنّ الغرض من جعل الإباحة الاقتضائية يتلخّص في أمرين:
الأوّل: اعتقاد المكلّف بكون حكم اللّه في هذا المورد هو الإباحة لا غير، وهذا هو المسمّى بالموافقة الالتزامية، فلو كان الحكم أي الإباحة معلومة بالتفصيل وجب الاعتقاد بإباحتها تفصيلاً، وإن لم تكن معلومة بالتفصيل كما في المقام كفى الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في هذا المورد إجمالاً، كلّ ذلك بناء على وجوب الموافقة الالتزامية.
الثـاني: ترخيـص المكلّف علـى الصعيـد العملـي مـن جانـب الشارع دون أن يكـون هنـاك إلـزام. فــإذا كـان المطلـوب من جعل الإباحة الاقتضائية، هو الترخيص بما هوهو فهذا حاصل غير منتف، إذ ليس من جانب المولى أي

صفحه 83
إيجـاب أو تحـريم بـل حكم بالتسوية بيـن الفعل والترك، ولكنّـه لا ينافـي أن يتعلّـق إلزام بالفعـل المبـاح القطعـي، فضلاً عـن المحتمـل، لأجل انطباق عنوان آخر.
ويشهد على صحّة ما ذكرنا الأمران التاليان:
1. انّ الفعل المباح، إذا صار مبدأ للضرر والحرج، يعرض عليه اللزوم دون أن يتصوّر وجود التزاحم بين ملاك الإباحة الاقتضائية، وملاك حرمة الضرر والحرج حتّى يكون تقديم حكمهما على الأُولى من باب الأولوية والأحقية، لأنّ اقتضاء التسوية بما هوهو لا ينافي ترجيح أحد الطرفين لأجل عامل خارجي، فاقتضاء الميزان، تساوي الكفّتين، لا ينافي ترجيح أحد الطرفين بعامل خارجي، فلا موضوع للتزاحم حتّى يرجح أثر العامل الخارجي على التساوي الداخلي.
2. انّ الفعل المباح ربّما يقع مقدّمة للواجب والحرام فإذا قلنا بالملازمة بين حكمي المقدّمة وذيها، فعندئذ يعرض عليها الإلزام بالفعل والترك، ولا يتصوّر فيه أي تزاحم بين ملاك الحكمين، حتّى يكون تقديم الإلزام على الإباحة من باب الأهميّة والأولوية.
وما ربما يقال: من أنّ العبد في الإباحة الاقتضائية مكلّف بحفظ غرض الشارع ومقصده، وهو الترخيص والتسهيل، فغير مفيد فإن أُريد انّه مكلّف في مرحلة الاعتقاد، فهو صحيح فأيّ اعتقاد بحكم الفعل يضاد الإباحة فهو تشريع محرم.
وإن أُريد انّه مكلّف به في مرحلة العمل فهو لازم الاتّباع لكن لو لم يحمله

صفحه 84
عامل خارجي على الأخذ بأحد الطرفين إلزاماً.
***
تمّ الكلام حول القاعدتين يوم اندلعت نار الحرب بين الحكومة العراقية
وقوات الاحتلال: البريطانيّة والإمريكيّة ـ خذلهما اللّه ـ
وذلك في يوم الخميس، السادس عشر من
شهر محرم الحرام من شهور عام 1424هـ.
اللّهم احفظ الإسلام والمسلمين،
وردّ كيد الظالمين إلى
نحورهم وبلادهم.

صفحه 85

الرسالة الثالثة

دور العرف وسيرة العقلاء

في استنباط الأحكام


صفحه 86

صفحه 87

دور العرف وسيرة العقلاء

في استنباط الأحكام

العرف والسيرة والعادة وبناء العقلاء ، أسماء أربعة تهدف إلى معنى واحد، وهي ألفاظ كثيرة الدوران على ألسنة الفقهاء، وربّما يعتمد عليها القضاة في فصل الخصومات، كما يعتمد عليها الفقهاء في تبيين المفاهيم وتمييز المصاديق،وأحياناً في استنباط الأحكام ونحن نستخدم كلمة العرف تارة والسيرة أُخرى.
وهل العرف، حجّة شرعية يُستنبط منه حكم كلّي شرعي كسائر المسائل الأُصولية ويصبح البحث عن حجّيته بحثاً أُصولياً كالبحث عن حجّية خبر الواحد، أو لا؟ فسنرجع إليه عند بيان مجالاته.
وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً تسلّط الضوء على المقصود:

صفحه 88

1

تقديم أُمور

1. لقد حاول بعض المعاصرين إلغاء الأحكام الشرعيّة الواردة في الأصعدة المختلفة بإحلال ما عليه العرف العام مكانها، وهؤلاء هم المنكرون لخاتميّة الإسلام، وأنّ تشريعاته كانت تشريعاً مؤقّتاً إلى أن يبلغ المجتمع درجة من الرقي يستغني بها عن تشريع السماء، وخطابنا في هذه الرسالة غير موجّه إليهم، وإنمّا نحن نتكلّم مع من يحترم تشريع الإسلام في عامّة الأصعدة غير أنّه يتخذ العرف طريقاً لاستنباط الحكم الشرعي أو العمل به فيما لا نصّ فيه كما يظهر ذلك في ثنايا الرسالة.
2. إنّ للعرف دوراً واضحاً في فهم الأحكام الشرعية في مختلف المجالات ولكنّ فقهاءنا لم يفتحوا له باباً ولم يخصّوا له فصلاً وإنّما أشاروا إلى ما له من دور في مناسبات مختلفة في شتّى الأبواب،وهذا ما صار سبباً لتعطش طلاب الحوزة إلى معرفة مكانته ودوره في الاستنباط، ولقد كتبنا في ذلك في مقدّمة موسوعة طبقات الفقهاء ـ القسم الأوّل ـ كما طرحناه على وجه الإيجاز في الجزء الثاني من كتاب «الوسيط في أُصول الفقه»، ولكن الموضوع بحاجة إلى تفصيل أكثر.
3. ويكفي في الإشارة إلى أهميّة الفهم العرفي أنّ القرآن الكريم قد أنزل

صفحه 89
بلسان قوم النبي وقال سبحانه: (ما أَرسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبيّن لَهُم...)1 ، فنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وهو كتاب عالمي حجّة على الناس على ضوء ما يدركه العربي الصميم في عصر النزول، فالخطابات القرآنية حجّة للأجيال المتأخّرة على نفس القياس.
ويكفي في أهمية الموضوع أنّ قسماً من الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى الاختلاف في ما هو المفهوم من الكتاب والسنّة عند العرف.
يقول الإمام الخميني في بيان شرائط الاجتهاد: «الأنس بالمحاورات العرفية، وفهم الموضوعات العرفية ممّا جرت محاورة الكتاب والسنّة على طبقها والاحتراز عن الخلط بين دقائق العلوم والعقليات الرقيقة، وبين المعاني العرفية العادية، فإنّه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله كما يتّفق كثيراً لبعض المشتغلين بدقائق العلوم الخلط بين المعاني العرفية السوقية الرائجة بين أهل المحاورة المبني عليها الكتاب والسنّة والدقائق الخارجة عن فهم العرف».2
ولذلك يجب على المجتهد في فهم المفردات والجمل التركيبية الرجوع إلى المعاجم الأصلية التي تذكر معاني الألفاظ ومقاصد التراكيب في عصر النزول، وممّا لا شكّ فيه طروء التطور على كثير من المفاهيم عبر القرون الغابرة وهكذا مفاد الهيئات التركيبيّة.
4. ذكروا للعرف تعاريف مختلفة، ولعلّ أفضلها ما ذكره الأُستاذ خلاف: «العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك».3

1 . إبراهيم:4.
2 . الرسائل للإمام الخميني: 96.
3 . عبد الوهاب خلاّف،علم الأُصول: 99.

صفحه 90
وإن شئت قلت: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه من فعل شاع بينهم أو قول تعارفوا عليه.
5. الفرق بينه و بين الإجماع هو انّه يشترط في الإجماع الاتّفاق في المسائل الولائيّة كالإمامة أو اتّفاق المجتهدين في المسائل الفقهية، بخلاف العرف فيكفي فيه الأكثرية الساحقة، ولا يشترط فيه الاجتهاد، بل القارئ والأُمّي فيه سواء.
6. ينقسم العرف إلى: عام، وخاص.
والمراد من الأوّل: ما يشترك فيه أغلب الناس على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وثقافاتهم، كرجوع الجاهل إلى العالم.
والثاني: ما يشترك فيه فئة من الناس في مكان أو زمان معيّن، وهذا ما يعبّر عنه بالآداب والرسوم المحلّية.
7. ينقسم العرف إلى: عملي كبيع المعاطاة في أغلب البيئات، وقوليّ كلفظ الولد حيث يستعمل عند العراقيين في الذكر دون الأُنثى خلافاً لقوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن)1، فلو وقف الواقف مزرعة على الأولاد فلا يتبادر عندهم إلاّ الذكور منهم.
8. ينقسم العرف إلى: صحيح، وفاسد.
والمراد من الأوّل: ما لا ينافي عمومات الكتاب والسنّة ولا سائر الأدلّة، كتأجيل بعض المهر وتعجيل البعض الآخر.
والمراد من الثاني: ما يخالف الحكم الشرعي، كالعقود الربوية واختلاط النساء بالرجال في مجالس اللهو.
قد قام التشريع الإلهي بردّ بعض الأعراف من رأس كالبيع الربوي والغرري

1 . النساء:11.

صفحه 91
انطلاقاً من قول الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن قائلاً:«وأمِتْ أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام».1 كما قام بإقرار بعض العادات والأعراف دون أن يتصرّف فيها إلاّ بشيء بسيط، كالنكاح والطلاق والبيع والإجارة والرهن.
9. إنّما يعتبر العرف عنصراً في الشرع إذا لم يكن في مجراه حكم شرعي. وبتعبير آخر: يكون المورد، منطقة فراغ، وإلاّ فلو كان هناك حكم شرعي فلا يكون العرف مورداً للاعتماد.
10. إنّ مصب البحث هو صيرورة العرف مصدراً لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، كخبر الواحد والإجماع المنقول والشهرة على القول بحجّيتها، وإلاّ فمجرد كونه ممّا يرجع إليه الفقيه في تبيين المفاهيم أو تمييز المصاديق أو القاضي في القضاء وفصل الخصومات لا يكون سبباً لعدّه من المسائل الأُصولية .

1 . من كلمات الرسول في خطابه التاريخي في حجة الوداع، ولقد نقله الفريقان باختلاف يسير ولعلّ ما نقله ابن شعبة الحراني في «تحف العقول» أفضل وأجمع ممّا نقله ابن هشام في سيرته، تحف العقول: 25.

صفحه 92

2

دور العرف في فهم المقاصد

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّ للعرف أو السيرة مجالات يعتمد عليها الفقيه أو القاضي في مختلف الموارد نأتي بها واحداً بعد الآخر:

1. الرجوع إلى عرف أهل اللغة

العرف هو المرجع في فهم اللغة وتشخيص معاني الألفاظ وما وضعت له، وقد أُلّفت معاجم اللغة من عصر الخليل (المتوّفى170هـ) إلى يومنا هذا على ضوء الرجوع إلى أهل اللغة، وقد حققنا في محله، انّ تنصيص أهل اللغة حجّة تحت شرائط خاصة، ليس المقام مناسباً لبيانها.

2. الرجوع إلى العرف في تبيين المفاهيم

1. إذا وقع البيع والإجارة وماشابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شيء في صدقه أو صحّته أو مانعيته شرعاً فالصحة عند العرف دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.
إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع

صفحه 93
تبادر غيره وكمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات، إذ يكون تركه إغراء بالجهل، وهو لا يجوز.
وبهذا تحلّ المشكلة المعروفة في التمسّك بالعمومات والإطلاقات في أبواب المعاملات، حيث يتمسّك بإطلاق: (أحلّ اللّه البيع) أو عموم قوله: (أَوفوا بالعقود) عند الشكّ في الجزئية والشرطية، وعندئذ يستشكل بأنّه إذا كانت ألفاظ المعاملات أسماء للصحيح منها فمرجع الشكّ في الشرطية والجزئية، إلى الشكّ في صدق الموضوع، فيكون المورد من قبيل التمسّك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لهما.
ويجاب بانّه إذا كان مفهوم البيع عند العرف أوسع من الواجد للجزء أو الشرط المشكوك وجوبهما، نستكشف من ذلك، كونه كذلك عند الشرع، فالصحيح عرفاً يكون طريقاً إلى ما هو الصحيح شرعاً إلاّ إذا قام الدليل على الخلاف. وممّن صرّح بذلك الشيخ الأنصاري في أوّل المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع قال: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصحّ لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف، بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّما خرج بالدليل.1
2. لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في تحديدهما إلى العرف.
قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي

1 . المتاجر:80، ط تبريز.

صفحه 94
يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من ردّالناس إلى عرفهم.1
3. لو افترضنا الإجمال في حدّالغناء، فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.
4. «الاحياء» ورد في الشرع مطلقاً من غير تفسير كقوله: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له»2 ،فلابدّ فيه من الرجوع إلى العرف والتعويل على ما يسمّى في العرف «احياء».3
5. وقد ورد لفظ «المؤونة» في قولهعليه السَّلام: «الخمس بعد المؤونة»4 ومفهوم «العيال» في وجوب الفطرة وغيره5، فالمرجع في تفسير هذه المفاهيم هو العرف، كما أنّ المرجع في تفسير الاستحالة والانقلاب هو العرف، فإنّ الاستحالة هي إحدى المطهرات، كاستحالة الكلب ملحاً، أو انقلاب الخمر خلاً، فالتشخيص في تعيين ذينك المفهومين على عاتق العرف.
يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الأُصول.6
يقول الإمام الخميني رحمه اللّه : أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنـوان فصحيح لا محيص عنـه إذا كـان الموضـوع مأخـوذاً فـي دليـل لفظي

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.
2 . الوسائل:17، الباب 1 من كتاب الإحياء، الحديث5.
3 . كفاية الأحكام:241.
4 . الوسائل:6، الباب12 من أبواب الخمس، الحديث 1.
5 . الوسائل:6، الباب5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث6 وغيره.
6 . مفتاح الكرامة:4/229.

صفحه 95
أو معقد الإجماع.1والشاهد في قوله«والعنوان». وكان الأولى أن يقول:«وتحديد العنوان».

3. الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

قد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً للأحكام، ولكن ربّما يعرض الإجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً له أو لا .
وهذا كالوطن والصعيد والمفازة والمعدن والحرز في السرقة والأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربّما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.
يقول المحقّق الأردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الأُمور المطلقة غير المعيّنة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة، بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب، والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الأمثلة تأمّلاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب، وهو ظاهر.2
ومع ما للعرف من الدور في فهم الحكم الشرعي وتطبيقه على المصداق ولكن ذلك الدور للعرف الدقيق لا للعرف المتهاون، وقد كان سيدنا الأُستاذ السيد الخميني قدَّس سرَّه يركّز على ذلك في دروسه الشرعية، فلو وصف العرف ما يبلغ وزنه تستعمائة وتسعة وتسعين كيلو بكونه طُناً فلا عبرة به، لأنّه عرف متسامح،

1 . البيع: 1/331.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:10/279ـ 280.

صفحه 96
وأمّا العرف الدقيق فيقول: إنّه ينقص من الطن كيلو واحد، نعم لون الدم وإن كان في العقل الدقيق من أقسام الدم لكنّه عند العرف حتّى الدقيق لونه لا نفسه، فيوصف بالطهارة لا بالنجاسة.
فإن قلت: انّ المختار عند المحقّق النائيني هو أنّ العرف مرجع في المفاهيم دون المصاديق قال:
فالتعويل على العرف إنّما يكون في باب المفاهيم، ولا أثر لنظر العرف في باب المصاديق، بل نظره إنّما يكون متبعاً في مفهوم «الكرّ» و «الفرسخ» و «الحقّة» و نحو ذلك; وأمّا تطبيق المفهوم على المصداق: فليس بيد العرف، بل هو يدور مدار الواقع; فإن كان الشيء مصداقاً للمفهوم ينطبق عليه قهراً، وإن لم يكن مصداقاً له فلا يمكن أن ينطبق عليه.
قلت: انّهقدَّس سرَّه يخطّئ مرجعية العرف المتسامح لا الدقيق ولذلك يقول بعد كلامه المتقدّم: ولو فرض أنّ العرف يتسامح أو يخطئ في التطبيق، فلا يجوز التعويل على العرف في تطبيق المفهوم على المصداق مع العلم بخطائه أو مسامحته أو مع الشكّ فيه، بل لابدّ من العلم بكون الشيء مصداقاً للمفهوم في مقام ترتيب الآثار.1

4. كشف العرف عن مراد الشارع عند الملازمة العادية

إذا كان بين الحكم الشرعي المنطوق والحكم الشرعي الآخر غير المنطوق ملازمة عادية ينتقل العرف من الحكم الأوّل المجعول إلى الحكم الثاني وإن لم يكن ملفوظاً، وهذا كما إذا دلّ الدليل على طهارة الميت بعد الأغسال الثلاثة فهو

1 . فوائد الأُصول:4/574، النشر الإسلامي.

صفحه 97
يلازم طهارة يد الغسّال، والخشب الذي أجرى الغسل عليه وسائر الأدوات عند العرف.
ونظير ذلك ما دلّ على طهارة الخمر بانقلابه إلى الخل الملازم للحكم بطهارة جميع أطراف الإناء.
ومثله ما دلّ على طهارة العصير العنبي بعد التثليث بناء على نجاسته بالغليان، فإنّ طهارة العصير يلازم عادة طهارة الإناء والأدوات التي كان الطبّاخ يستخدمها.
5. كشف الأعراف عن مقاصد المتكلّم
إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم، يتعاملون في إطارها ويتّفقون على ضوئها في كافّة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكل قرينة حالية لحلّ كثير من الاختلافات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومها، فالمرجع ليس هو اللغة بل ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين، وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك والدجاج.
3. إذا وصّى بشيء لولده،فالمرجع في تفسير الولد هو العرف، ولا يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الأُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّه في أَولادِكُم لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن).1
4. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو

1 . النساء:11.

صفحه 98
جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.
وقد روي عن الإمام الصادق عليه السَّلام فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك انّ الجهاز والمتاع يهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».1
5. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكر يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم، ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
6. ويظهر من المحقّق الأردبيلي قدَّس سرَّه انّ العرف هو المعتمد في تشخيص كون الشيء مكيلاً أو موزوناً حتى يجري فيه الربا المعاوضي، لأنّه يحرم التفاضل في مبادلة المتجانسين إذا كانا مكيلين أو موزونين، دون ما إذا كانا معدودين أو مزروعين. فلو اختلفت البلاد فكان جنس موزوناً في بلد، و معدوداً في بلد آخر،

1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 99
يكون لكلّ بلد حكمه بشرط أن لا يعلم حاله في عهد الرسول، وإليك كلامه:
قال: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لأهله وإن كان في بلد غيره.1
7. الشروط المبنيّ عليها العقد، يجب الوفاء بها وإن لم تذكر في العقد كالبكارة في التزويج عند المسلمين ولو بانت ثيّباً فللزوج حقّ الفسخ إذا لم يدخل بها بعد العلم بحالها .
8. الرجوع إلى العرف في تعيين حريم القرية فانّه يختلف حسب اختلاف الأعراف والعادات.
فقد اتضح ممّا ذكرنا انّ للعرف دوراً في تبيين الموضوع (تبيين المفاهيم)، أو تشخيص المصاديق، أو تشكيل قرينة على مقصود الشارع كما في الملازمات العادية، أو مقصود المتعاملين كما هو الحال في الأعراف والرسوم القومية، أو تشخيص الموضوع عند الشارع كما هو في الشك في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، ومرجع الجميع إلى تشخيص المفاهيم أو الصغريات أو الموضوعات، أو المقاصد.
ومع ذلك يقع في بعض الموارد صغرى لاستكشاف حكم شرعي، وبذلك يعود البحث عن حجّيته، بحثاً أُصولياً كالبحث في حجّية الإجماع المنقول، أو الشهرة الفتوائية.

6. استكشاف الجواز تكليفاً أو وضعاً بالعرف

ربّما يستكشف جواز الفعل تكليفاً أو وضعاً من السيرة العقلائية الدارجة

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.

صفحه 100
بينهم، لكن بشرطين:
1. اتّصال السيرة إلى أعصارهم وكونها بمرأى ومسمع منهم.
2. عدم ردعهم عنها، بقول أو فعل.
وهذا ما نلاحظه في العقود التالية:
1. العقود المعاطاتية في البيع والإجارة والرهن وغيرها، فهي حجّة على مَن يشترط العقد اللفظي في صحّة المعاملات المزبورة.
2. وقف الأشجار والأبنية منفكّة عن وقف العقار، فالسيرة حجّة عند الشكّ في صحّة هذا النوع من الوقوف.
3. دخول الحمام من دون تقديره المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة عينية من دون أن يعين حدّ المسافة.
5. بيع الصبي وشراؤه في المحقرات، دون الجلائل. مع أنّ الثالث والرابع غرريّان، والخامس، ينافيه قول علي عليه السَّلام عمد الصبي خطأ.1 أو قول الصادق: عمد الصبي وخطئوه واحد.2
فإن قلت: يكفي في ردع هذه السير ما دلّ على بطلان البيع والإجارة المجهولين، أو ما ورد في مورد الصبي من أنّ عمده كلا عمد، وقصده كلا قصد.
قلت: إنّ رسوخ هذه السير في حياة المسلمين والفقهاء على نحو لا يمكن لأحد إنكاره، يكشف أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة حول مانعية جهالة المبيع والأُجرة، منصرفان عن هذه الموارد أو ما ورد حول عمد الصبي ناظر إلى غير هذه الصورة.

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث2. بناء على عدم اختصاص الحديثين، بباب الديات.
Website Security Test