welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : رسائل أُصولية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

رسائل أُصولية

صفحه 1
رسائل أُصولية
تأليف
آية الله جعفر السبحاني

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب: رسائل أُصولية
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1425 هـ. ق / 1383 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق النعم، وبارئ النسم، حمداً يليق بعزّ جلاله، وعظمة كبريائه.
والصلاة والسلام، على من أتمّ به النعمة، وأكمل به الدين محمد أشرف الرسل، والهادي إلى أفضل السبل.
وعلى آله المخصوصين بالولاية، خير أئمّة وسادة.
أمّا بعد: فهذه رسائل في تحقيق قسم من المسائل الأُصولية، الّتي لها دور مهم في استنباط المسائل الفقهية، أفردتها بالبحث والدراسة إمّا استيفاء لحقّها، حيث إنّ القوم لم يُعيروا لها أهمية لائقة بها1 أو إيضاحاً لمقاصد القوم.2 أو نقداً لبعض الآراء 3، أو ردّاً على ما ذهب إليه أكثر الأُصوليين.4
ورائدي فيها، هو قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )5، فإن أصبت الحق فهو من الله سبحانه وإن اخگات فهو من قصوري

1 . كالبحث عن حجّية العقل ومجالاتها، أو دور العرف وسيرة العقلاء في استنباط الأحكام.
2 . كالبحث عن الجمع بين الحكمين: الواقعي والظاهري.
3 . نظرية مسلك حق الطاعة.
4 . دلالة الظواهر على معانيها قطعية.
5 . العنكبوت: 69 .

صفحه 6
أو تقصيري استلهاماً من قوله: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِي إِلَىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)1 .
وخصّصنا الرسالة السادسة، بعدم حجّية الظن أو الخبر الواحد في العقائد، كما درسنا في الرسالة السابعة تاريخ علم الأُصول بشكل موجز، وألمعنا إلى التطوير الّذي أحدثه فيه أصحابنا الإمامية في الأعصار الأخيرة.
كما طرحنا في الرسالة الثامنة الظنون غير المعتبرة عندنا كالقياس والاستحسان وغيرهما وهي مصادر التشريع عند أهل السنّة في ما لم يكن فيه دلالة قرآنية أو سنّة نبويّة أو إجماع الفقهاء.
ولئن ترتّب على جهدي هذا ثوابٌ فإنّي أُهديه إلى روح مَنْ بذر وجودي، وربّاني في حِجْره، وفتح عيوني على العلوم الدينية والمعارف الإلهية، ذلك هو الشيخ الوالد آية الله الحاج محمد حسين السبحاني التبريزي (1299 ـ 1392 هـ) .
وقد حُك على صخرة قبره هذان البيتان:
إنّ الّذي صنع العلوم مخلدٌ *** لا سيّما في العلم والعرفان
فإذا انقضت أيام مدّة عمره *** فجميل صنع المرء عمر ثان
المؤلف

1 . سبأ: 50 .

صفحه 7

الرسالة الأُولى

دور العقل

في

استنباط الحكم الشرعي


صفحه 8

صفحه 9

دور العقل في استنباط

الحكم الشرعي

المشهور عند الأُصوليّين من أصحابنا انحصار الأدلّة في أربعة، أعني: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ويعبّر عنها في كلماتهم بالأدلّة الأربعة الّتي ربما يقال: إنّها الموضوع لعلم الأُصول وأنّه يبحث فيه عن عوارضها.
ولأجل ذلك تَرى أنّهم عقدوا لكلّ واحد منها باباً أو فصلاً مستقلاً بحثوا فيه عن عوارضه وخصوصيّاته.
فهذا هو المحقّق القمي (1151ـ 1231هـ)، الّذي نهج في تأليف كتابه «القوانين المحكمة» منهج«مقدّمة معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (959ـ 1011هـ)، قد عقد لكلّ من الأدلّة الأربعة باباً واستقصى الكلام عليها، وإليك الإشارة إلى عناوينها:
قال: «الباب السادس في الأدلّة الشرعية، وفيه مقاصد:
المقصد الأوّل: في الإجماع...1 المقصد الثاني: في الكتاب...2، المقصد

1 . القوانين المحكمة:1/364، 392.
2 . القوانين المحكمة:1/393ـ 408.

صفحه 10
الثالث: في السنّة، وهو قول المعصوم أو فعله1، المقصد الرابع: في الأدلّة العقلية، والمراد من الدليل العقلي هو حكم عقلي يتوصل به إلى الحكم الشرعي، وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى الحكم الشرعي».
وقد طرح فيه قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين،وإن خلط بين الحكم العقلي القطعي كالقاعدة، والحكم العقلي الظنّي كالاستصحاب على طريقة القدماء.
وهذا هو المحقّق محمد حسين المعروف بصاحب الفصول (المتوفّى 1255هـ) قد مشى في كتابه في ضوء «القوانين المحكمة»، فخصّ كلاً من الأدلّة الأربعة بالبحث وأفرد لكلّ باباً، وإليك عناوينها:
«المقالة الثانية في الأدلّة السمعية:
القول في الكتاب.2 القول في الإجماع.3 الكلام في الخبر(السنّة).4 المقالة الثالثة في الأدلّة العقلية».5
وقد خلط في المقالة الثالثة كصاحب القوانين الدليل العقلي القطعي بالعقلي الظني، وجعل الجميع في مصاف واحد، ولكنّه أشبع الكلام في القسم القطعي.
كما أنّ الشيخ الأنصاري (1214ـ 1281هـ) خصّ الأدلّة العقلية في «مطارح الأنظار» بالبحث وأفردها عن غيرها، وأفاض في الكلام في التحسين

1 . القوانين المحكمة:1/409ـ 496.
2 . الفصول :240ـ 242.
3 . الفصول:242ـ 264.
4 . الفصول:264ـ 316.
5 . الفصول:317ـ 384.

صفحه 11
والتقبيح العقلي وغيرهما.1
هذا هو ديدن الأُصوليّين المتأخّرين وقريب منه ديدن القدماء.
مثلاً عقد الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) باباً للأخبار.2 كما عقد باباً خاصاً للإجماع.3 وأفرد فصلاً لما يعلم بالعقل والسمع.4
ولمّا وصلت النوبة للمحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)، حاول تلخيص علم الأُصول، فغيّر إطار البحث، فلم يعقد لكلّ دليل من الأدلّة الأربعة باباً خاصاً واضحاً، فقد أدخل البحث عن حجّية الكتاب، في فصل حجّية الظواهر كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن الإجماع في البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، وأدغم البحث عن السنّة في حجّية الخبر الواحد، وترك البحث عن حجّية العقل بتاتاً، بل ركّز على نقد مقال الأخباريّين في عدم حجّية القطع الحاصل من الدليل العقلي، دون أن يبحث في حجّية العقل في مجال الاستنباط وتحديد مجاريه، وتمييز الصحيح عن الزائف، وصار هذا سبباً لاختفاء الموضوع على كثير من الدارسين.
وقد كان التركيز على الأدلّة الأربعة بما هي هي أمراً رائجاً بين الأُصوليّين، سواء أصحّ كونها موضوع علم الأُصول أم لا.
وهذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلّي (543ـ 598هـ) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه ويحدّد موضع كلّ فيها، ويقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم المتواترة المتفق عليها،

1 . لاحظ مطارح الأنظار:233ـ 239.
2 . عدة الأُصول:1/63ـ 155.
3 . عدة الأُصول:2/601ـ 639.
4 . عدة الأُصول:2/759ـ 762.

صفحه 12
أو الإجماع، أو دليل العقل; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها، فمن تنكّب عنها عسف وخبط خبط عشواء وفارق قوله من المذهب.1
إذا عرفت ذلك فلنقدم أمام البحث عن حجّية العقل أُموراً تسلط الضوء على الموضوع.

1 . السرائر:1/46.

صفحه 13

1

العقل كاشف وليس بمشرّع

إنّ الشيعة الإمامية أدخلت العقل في دائرة كشف الحكم، حيث يُستكشف به الحكم الشرعي في مجالات خاصة كما يُستكشف بسائر الأدلّة من الكتاب والسنّة والإجماع.
وليس معنى ذلك إطلاق سراحه في جميع المجالات بحيث يُستغنى به عن الشرع، بل للعقل مجالات خاصة لا يصلح له الكشف إلاّ فيها، وسيوافيك بيان تلك المجالات.
ويراد من حجّيّة العقل كونه كاشفاً لا مشرّعاً، فإنّ العقل حسب المعايير الّتي يقف عليها، يقطع بأنّ الحكم عند اللّه سبحانه هو ما أدركه، وأين هذا من التشريع أو من التحكُّم والتحتم على اللّه سبحانه، كما ربّما نسمعه من بعض الأشاعرة، حيث يزعمون أنّ القائلين بحجّية العقل في مجالات خاصة يُحكِّمون العقل على اللّه، ولكنّهم غفلوا عن الفرق بين الكشف والحكم، فإنّ موقف العقل في هذه المسائل هو نفس موقفه في الإدراكات الكونية، فإذا حكم بأنّ زوايا المثلث تساوي مائة وثمانين درجة، فمعناه: أنّه يكشف عن واقع محقّق ومحتّم قبل حكم

صفحه 14
العقل، فهكذا المورد فلو حكم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، فليس معناه: أنّه يحكم على اللّه سبحانه بأن لا يُعذّب الجاهلَ غير المقصّر، بل المراد: أنّ العقل من خلال التدبّر في صفاته سبحانه ـ أعني: العدل والحكمة ـ يستكشف أنّ لازم ذينك الوصفين الثابتين للّه سبحانه، هو عدم عقاب الجاهل.
وكنّا نسمع من روّاد منهج التفكيك بين العقل والشرع أنّ روّاد الفلسفة يحتّمون على اللّه أن يحكم بالوجوب واللزوم و... وأنّ عمل الفيلسوف هو الحكم على اللّه، غافلين عن أنّ عمله هو الاستكشاف، فلو قال: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» إنّما يخبر عن تلك الحقيقة بالبرهان الّذي أرشده إليها، فيستنتج من ذلك أنّه سبحانه واجب في علمه وقدرته كما أنّه واجب في فعله وخلقه.
وليس الإشكال أمراً جديداً فقد سبقهم الرازي وقال: لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ـ خلافاً للمعتزلة ـ فانّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب. والبغداديّون خاصّة يوجبون العقاب، ويوجبون الأصلح في الدنيا.
بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي
لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، ولا فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذّب البريء. غير أنّ أهل الحديث واتباع السلفية لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له، وأمّا الإيجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل

صفحه 15
يستكشف من خلال صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلاً قادراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البريء، فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته وعدله وعدم تعذيب البريء، وليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار والكميّة، ولكن العقل يستكشف ذلك.
وبذلك يظهر أنّ ما أطنب به أتباع السلفية حول الأحكام العقلية إطناب بلا طائل، وتفسير بما لا يرضى به صاحبه، فقالوا:
أوجب العدلية على اللّه تعالى أشياء بمحض عقولهم، وإن لم ترد بها الشريعة.
بل أوجبوا على اللّه أشياء مخالفة للصحيح الصريح من نصوص الكتاب والسنّة، و لا شكّ أنّ هذا الإيجاب العقلي من المعتزلي على اللّه باطل، لأنّه يلزم عليه أن يكون هناك موجب فوق اللّه أوجب عليه شيئاً، ولا موجب عليه سبحانه وتعالى، كما يلزم عليه أن لا يكون تعالى فاعلاً مختاراً، وهو باطل.1
وقد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي وقال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ فاعله الذمّ. والكلام فيه هو الكلام في الحسن والقبح بعينه ويقولون إنّ القادر العالم الغني لا يترك الواجب ضرورة.2

1 . مدارج السالكين:1/66.
2 . نقد المحصل:342.

صفحه 16
والعجب أنّ بعض أتباع السلفيّة يحكم على اللّه سبحانه بنفس ما يحكم به العدليّة وكأنّه غفل عمّا عليه سلفه.
قال: والحقّ أنّ الظلم ممكن مقدور عليه واللّه تعالى منزّه عنه، لا يفعله لعلمه وعدله، لا لكونه مستحيلاً عليه كما تقوله الأشاعرة، ولا لمجرّد القبح العقلي كما تقوله المعتزلة، فهو لا يحمل على أحد ذنب غيره، كما قال تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1 ، وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً).2
فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزّه عنه اللّه تعالى.3

1 . الإسراء:15.
2 . طه:112.
3 . منهاج السنّة:2/309.

صفحه 17

2

تضافر الروايات على حجّيّة العقل

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام على حجّيّة العقل، نأتي بنصّين ونحيل الباقي إلى مصادرها.1
قال الإمام الصادقعليه السَّلام:«حجة اللّه على العباد النبي، والحجّة في ما بين العباد وبين اللّه العقل».2
وقال الإمام موسى بن جعفرعليه السَّلام مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول»3. وتخصيص ما دلّ على حجّية العقل بالمعارف والعقائد، تخصيص بلا وجه.
وأمّا الآيات الدالّة على حجّية العقل في مجالات خاصّة فسيوافيك نقل قسم منها عند البحث عن التحسين والتقبيح العقليّين.

1 . الكافي:1/10ـ 29، كتاب العقل والجهل.
2 . الكافي:1/25، الحديث22.
3 . الكافي: 1/16، الحديث12.

صفحه 18

3

الإدراك النظري والإدراك العملي

قسّم الحكماء الإدراك العقلي إلى: إدراك نظري، وإدراك عملي.
فالأوّل: إدراك ما ينبغي أن يُعلم، كإدراك وجود الصانع وصفاته وأفعاله.
والثاني: إدراك ما ينبغي أن يُعمل، كإدراكه حسن العدل وقبح الظلم، وحسن رد الوديعة وقبح الخيانة فيها، وحسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، إلى غير ذلك من العلوم الإدراكية الّتي يستعملها العقل في حياته ومعاشه.
فبذلك يعلم أنّ المقسّم إلى قسمين(النظري والعملي) هو إدراك العقل لا نفس العقل، فليس لنا عقلان أحدهما نظري و الآخر عملي، بل عقل واحد تارة يدرك ما من شأنه أن يُعلم، وأُخرى ما من شأنه أن يعمل.
فالفيلسوف والمتكلّم يعتمدان على العقل النظري في المسائل النظرية الّتي يعبّر عنها بالإلهيّات، فبالعقل يَعرفُ العبدُ إلهه وصفاته وأفعاله، كما أنّ الفقيه والأخلاقي يعتمدان على العقل العمليّ في موارد من الفقه والأخلاق.
ومن العجائب أنّ طائفة من المسلمين ألغوا دور العقل في العقائد والأحكام واعتمدوا في كلا الموردين على النقل، مع أنّه ما لم تثبت حجّية النقل عن

صفحه 19
طريق العقل كيف يمكن الاعتماد على النقل؟!
إنّ أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام أبو جعفر الباقرعليه السَّلام يقول:«إنّ اللّه لمّا خلق العقل استنطقه ـ إلى أن قال: ـ و عزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلاّ في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب».1
إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة فلندخل في صلب الموضوع وهو تحديد مساحة حجّية العقل والبرهنة على حجّيته فيها.
أقول: إنّ للعقل مجالات خاصة هو فيها حجّة بلا كلام، منها:

1 . الكافي:1/10، كتاب العقل والجهل، الحديث1.

صفحه 20

1

مجال التحسين والتقبيح

إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، وتجرّد في قضائه عن كلّ شيء (عن أمر الشارع ونهيه وحتّى الآثار الّتي تترتب على الشيء، كقوام النظام الإنساني بالعدل وانهياره بممارسة الظلم) إلاّ النظر إلى نفس الفعل، فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع؟ نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، وحسنه معه، فهل يستكشف منه أنّ حكم الشرع كذلك؟ والجواب: نعم، وذلك لأنّ الحكم المزبور من الأحكام البديهيّة للعقل العملي.
فإذا عرض الإنسان العدلَ والظلم على وجدانه وعقله، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل وتنفرّاً من الظلم، وهكذا كلّ فعل يصدق عليه أحد العنوانين، وهذا من الأحكام العقلية النابعة من صميم العقل وليس متأثراً بالجوانب اللاشعورية أو الغرائز الحيوانية أو العواطف الإنسانية، أو الآثار البنّاءة أو الهدامة لهما، يقول العلاّمة الحلّي:
«إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى

صفحه 21
شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه، ويُقبِّح الإساءة والظلم ويذمّ عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع».1
ويقول أيضاً في كتاب آخر: إنّ من الأفعال ما هو معلوم الحُسن والقبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، فكلّ عاقل لا يشكّ في ذلك، وليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، وأنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.2
ومن حسن الحظ انّ الذكر الحكيم يشير إلى موقف العقل من إدراك تحسين الأشياء وتقبيحها، فترى أنّه يحتج في موارد بقضاء فطرة الإنسان بحسن بعض الأفعال،وفي الوقت نفسه يقبّح بعضها على وجه يسلِّم بأنّ الفطرة الإنسانية صالحة لهذين الإدراكين، ولذلك يتخذ وجدان الإنسان قاضياً صادقاً في قضائه ويقول:
1. ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجَارِ).3
2.(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).4
3. (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).5
ففي هذه الطائفة من الآيات يوكل الذكرُ الحكيم القضاءَ إلى وجدان

1 . كشف المراد المطبوع مع تعاليقنا:59.
2 . نهج الحق وكشف الصدق:83.
3 . سورة ص:28.
4 . القلم:35ـ 36.
5 . الرحمن:60.

صفحه 22
الإنسان، وانّه هل يسوّي بين المفسدين والمتّقين، والمسلمين والمجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، ويقول:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، ويقول أيضاً: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).
وهناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي على نحو تسلِّم أنّ المخاطب يعرفهما معرفة ذاتية، ولا يحتاج في تعرفهما إلى الشرع، وكأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته.
ويقول سبحانه:
1. (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).1
2.(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).2
3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).3
نظرية الأشاعرة
ثمّ إنّ الأشاعرة عطَّلوا دور العقل في درك الحسن والقبح، فقالوا: إنّ المرجع في الحسن والقبح هو الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن، وما أخبر عن قبحه فهو قبيح، وليس للعقل المقدرة على تمييز الحسن عن القبيح.
هذا، وقد ذهلوا عن أنّ القول بكون الحسن والقبح شرعيين، وأنّهما لا يثبتان إلاّ بالشرع، يستلزم عدم ثبوتهما حتّى بالشرع أيضاً، وذلك لأنّه إذا كان العقل عاجزاً عن درك محاسن الأفعال ومساوئها ومن ثمّ «عن حسن الصدق»

1 . النحل:90.
2 . الأعراف:33.
3 . الأعراف:157.

صفحه 23
و«قبح الكذب»، فمن أين نعلم أنّ الشارع صادق في إخباره؟ لأنّه لم يثبت بعدُ حسن الصدق ولا قبح الكذب، فإذا أخبرنا عن شيء أنّه حسن، لم نجزم بحسنه حتّى عند الشرع، لتجويز الكذب عليه.
والحاصل: أنّه لو لم نعرف حسن الأفعال وقبحها شرعاً إلاّ عن طريق إخبار الأنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن والكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.
ولو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلاّ عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا؟
أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه ـ و العياذ باللّه ـ لا يكذب؟
فهذه الاحتمالات لا تندفع إلاّ باستقلال العقل ـ قبل كلّ شيء ـ بحسن الصدق وقبح الكذب، وأنّه سبحانه منزّه عن القبح....1
وربّما يعترض عليه بأنّ ما ذكر من التالي (عدم ثبوت الحسن والقبح مطلقاً حتّى بالشرع لو كان الطريق منحصراً بالسماع من الشرع) إنّما يصحّ إذا انحصر الطريق بإخباره المحتمل فيه الصدق والكذب، وأمّا لو كان الطريق هو أمره ونهيه فلا يتطرّق إليه احتمال الكذب، لأنّه والصدق من أوصاف الإخبار لا الإنشاء.
وهذا هو ما ذكره القوشجي معترضاً به على المحقّق الطوسي وقال: إنّ الحسن والقبح عبارة عن كون الحسن متعلّق الأمر والمدح، والقبيح متعلق النهي والذمّ.2
ويلاحظ عليه: أنّ احتمال الكذب في الإنشاء وإن كان منتفياً، لكنّ هنا

1 . لاحظ كشف المراد:59، المطبوع مع تعاليقنا.
2 . شرح التجريد للقوشجي:442، طبعة تبريز.

صفحه 24
احتمالاً أو احتمالات تمنع من استكشاف الحسن والقبح، من مجرّد سماع الأمر بشيء والنهي عنه، إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره ونهيه، ولو قال: إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العبث عن فعله وكلامه; لاحتمال كونه هازلاً أو كاذباً في كلامه.
فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقّف درك حسنه وقبحه على شيء، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه، وهو حسن العدل وقبح الظلم وحسن الصدق وقبح الكذب، حتّى يستقلّ العقل في ظلِّه بإدراك أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في إخباره أو مريد لا هازل في إنشائه، فيثبت عندئذ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، وما تعلّق به النهي قبيح شرعاً، وهذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لولا استقلال العقل بإدراك حسن أو قبح بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً.

بعض الأحكام المستنبطة من هذا الأصل

إنّ هذا الأصل الّذي عليه العدلية، يحتجّ به في الأُصول في ا لموارد التالية:
1. البراءة من التكليف المحتمل; لقبح العقاب بلا بيان.
2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي وتردّد المكلّف فيه بين أمرين، لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وحسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف القطعي على وجه اليقين.
3. الإتيان بالمأمور به مُجز عن الإعادة والقضاء، لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.
4. مرجّحات باب التزاحم.

صفحه 25
إنّ مرجّحات باب التزاحم كلّها من باب تقديم الأهمّ على المهم، وإليك عناوينها:
أ. تقديم مالا بدل له على ما له بدل.
ب. تقديم المضيّق على الموسّع.
ج. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته.
د. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً.
هـ. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يستقل العقل فيها بحسن الفعل وقبح ضدّه، فيستكشف منه كونه كذلك عند الشارع.
ثمّ إنّ الحكم الشرعي المستنبط من حسن الأفعال أو قبحها، يكون حكماً إلزامياً دائراً بين الإلزام بالفعل أو الإلزام بالترك، ولذلك تكون الأحكام المستنبطة بالعقل منحصرة في حكمين: الوجوب أو الحرمة.
وذلك لأنّ العناوين المحسنة أو المقبحة ـ بحكم وجوب انتهاء كلّ ما بالعرض إلى ما بالذات ـ تنتهي إلى العدل والظلم، فإذا كان الفعل حسناً عند العقل فانّما هو لانطباق عنوان العدل عليه، فيكون خلافه ظلماً، ومعه كيف يكون جائز الترك (المستحب) أو كان الفعل قبيحاً، فإنّّما هو لانطباق عنوان الظلم عليه، ومعه كيف يكون جائز الفعل (المكروه) ولذلك حصر المتكلّمون الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في حكمين: الوجوب والحرمة.
وأمّا تقسيم الأحكام الشرعية إلى أقسام خمسة، فهو وإن كان صحيحاً لكن لا بملاك الحسن والقبح، بل بملاك المصلحة أو المفسدة الملزمة وغيرها، وهذا لا يمنع أن يكون في مورد الوجوب والحرمة ملاكان: الحسن العقلي والمصلحة الملزمة،

صفحه 26
أو القبح العقلي والمفسدة.
وهناك إجابة أُخرى نشير إليها وهي:
إنّ الأحكام المستنبطة من الحسن والقبح حسب الثبوت وإن كانت أربعة; لاختلاف درجات الحسن والقبح، فالدرجة العالية من الحسن تقتضي الوجوب والمتوسطة تقتضي الاستحباب، وهكذا القبح فالدرجة القوية منه تلازم الحرمة والدرجة الضعيفة تلازم الكراهة، إلاّ أنّ هذا صحيح حسب الثبوت، وأمّا حسب الإثبات فلا; لأنّ الحسن والقبح من المستقلات العقلية، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، وأمّا ما وراء ذلك فهو وإن صحّ واقعاً، لكن ليس للعقل إليه سبيل.
والحاصل: أنّ الضيق: إنّما هو في إدراك العقل للحسن والقبح، والعقل لا يدرك إلاّ ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، كالإحسان لمن أحسن وعدم الإساءة إليه، والعمل بالميثاق وعدم نقضه، إلى غير ذلك من العناوين التي يقف عليها العقل، فلا يستنبط منه إلاّ الحكم الإلزامي.

صفحه 27

2

في مجال الملازمات

إنّ باب الملازمات هو المجال الثاني لحكم العقل، فإذا أدرك العقل الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين وورد أحد الوجوبين في الشرع دون الآخر، يحكم العقل بالوجوب الثاني بناء على وجود الملازمة بين الحكمين، فاستكشاف الحكم الشرعي رهن ثبوت الملازمة بين الحكمين، وإليك نماذج من هذا:
1. الملازمة بين الوجوبين، كوجوب الشيء ووجوب مقدّمته.
2. الملازمة بين الحرمتين، كحرمة الشيء وحرمة مقدّمته.
3. الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، كوجوب المضيق وحرمة الموسّع عند التزاحم.
4. الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها.
5. الملازمة بين النهي عن المعاملة وفسادها.
6. الملازمة بين وجود الحكم لدى وجود الشرط والوصف و... والانتفاء لدى الانتفاء.
إلى غير ذلك ممّا يدخل في أبواب الملازمة الموصوفة عندهم بالملازمات غير

صفحه 28
المستقلة، فانّ الحكم المستكشف في هذه الموارد عن طريق الملازمة، حكم شرعي نظير:
1. وجوب مقدّمة الواجب.
2. حرمة مقدّمة الحرام.
3. حرمة الضدّ الموسّع المزاحم للمضيق كالصلاة عند الابتلاء بإزالة النجاسة عن المسجد، أو أداء الدين الحال.
4. فساد العبادة المنهي عنها، كالصوم في السفر.
5. فساد المعاملات المنهي عنها كبيع الخمر.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي توصف بباب الملازمات غير المستقلة، وفي الفقه الشيعي والأُصول دور كبير لباب الملازمات، فمن مثبت وناف ومفصِّل.
قال المحقّق السيد علي القزويني معلّقاً على قول المحقّق القمي: «ومنها ما يحكم به العقل بواسطة خطاب الشرع كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته كحكمه بوجوب المقدّمة بملاحظة الخطاب بذي المقدّمة، وبحرمة الضد، بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلا يلغو التعليق وذكر القيد ويسمّى بالاستلزامات العقلية كحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء وجوب مقدّماته واستلزام الأمر بالشيء حرمة ضدّه، واستلزام الوجود عند الوجود، والانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجة في الاستلزامات.1
إلى هنا تبيّن حجّية حكم العقل في المجالين:
1. مجال التحسين والتقبيح ويسمّى بالملازمات المستقلة.

1 . تعليقة السيد علي القزويني المطبوعة على هامش القوانين. لاحظ القوانين:2/1، قسم الحواشي.

صفحه 29
2. مجال الملازمات غير المستقلة.
ووجه تسمية الأوّل بالمستقلات والثاني بغيرها، هو: انّ إدراك الموضوع والحكم في الأوّل، راجع إلى العقل ولا يستعين في حكمه بالشرع، بل يدرك الموضوع ويصدر الحكم، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح، بخلاف القسم الثاني، فإنّه في حكمه يستعين بالشرع، فإنّ الشارع هو المعيّن للموضوع، مثلاً يقول: إنّ الوضوء مقدمة للواجب، والعقل يُصدر الحكم ويقول: مقدمة الواجب واجبة، ومثله سائر الموارد.

صفحه 30

3

في مجال تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويعدّها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع، فأُجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يعدّ تلك القيود مثالاً، لا قيداً للحكم، فيعمّم الحكم على الرجل والأُنثى ومن شكّ في المسجد والبيت.
إنّ تنقيح المناط الّذي يساعد عليه الفهم العرفي ممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس; إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم في نظر المخاطب يعمّ الرجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، مرة واحدة.
ومن هذا القبيل قصة الأعرابي الّذي قال: هلكتُ يا رسول اللّه، فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق.1
والعرف ربما يساعد على إلغاء القيدين التاليين وعدم مدخليتهما في الحكم:

1 . صحيح مسلم:3/138ـ 140، كتاب الصيام، الحديث 187، وقد روي بطرق مختلفة مع اختلاف يسير في المتن.

صفحه 31
1. كونه أعرابياً.
2. الوقوع على الأهل.
فيعمّ البدوي والقروي، والوقوع على الأهل وغيره، فيكون الموضوع من واقع نهار شهر رمضان وهو صائم.
إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، إذ ربما يُلغي بعض القيود باستحسان أو غيره، مع عدم مساعدة العرف عليه، فعليه الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف من إلغاء القيد، وإن شكّ في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.
وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار من مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.
وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».1

1 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/441ـ 442.

صفحه 32

4

في مجال تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ على مناطه، فهل للعقل أن يستحصل مناط الحكم غير المذكور في النص حتّى يُعمِّم الحكم في ضوء المناط؟
وهذا هو الأمر الرائج في فقه السنّة، الممنوع في فقه الشيعة، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً سبعة، والمهم منها هو استنباط العلة عن طريق السبر والتقسيم.
والسبر في اللغة هو الامتحان، وتقريره: أن تُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم وتصلح لأن تكون العلّة واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً في ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، وبواسطة هذا الاختبار تستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة وتُستبقى الّتي يصحّ أن تكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصّل إلى أنّ هذا الوصف هو العلّة.
أقول: إنّ السبر والتقسيم إنّما يوجب القطع بالمناط في موردين:
1. إذا كان المورد في وضوح المناط من مقولة تحريم الخمر، فلو افترضنا أنّه

صفحه 33
لم يرد فيه نصّ على علّة الحكم، فأخذ المجتهد يردّد العلّة بين كونها من العنب، أو كونها سائلاً، أو كونها ذا لون خاص، أو كونها مسكراً، وعندئذ يستبعد كلّ واحدة من العلل إلاّ الأخيرة، فيحكم بأنّها العلّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليها، وهذا النوع من المناط خاص بالخمر وما هو نظيرها في الموضوع، لكن أكثر موارد القياس يفقد هذا النوع من الاطمئنان، وأكثر من يحتج على صحّة تخريج المناط يُمثل بالخمر الّذي لا يشكّ الإنسان بعد التأمّل في أنّ مناط تحريمها هو الإسكار، فأين هو من سائر الموارد المبهمة؟!
2. التقسيم إذا كان دائراً بين النفي والإثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، والحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق، وأمّا إذا كان بشكل التقسيم والسبر، أي ملاحظة كلّ وصف خاص وصلاحيته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، وما استبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون مناطاً قطعياً بل ظنياً، وهذا شيء أطبق عليه مثبتو القياس.
وفي ضوء ما ذكرنا فتنقيح المناط في الموردين المذكورين من الأدلّة العقلية القطعية، وأمّا في غيرهما فهو من الأدلّة العقلية الظنيّة، ويشبه أن يكون نفس القياس مستنبط العلّة الّذي يبحث عنه في باب القياس، وهو من الأدلّة الظنية، ولكنّا بصدد بيان الأدلّة القطعية.
ولأجل أن يقف القارئ على أنّ تخريج المناط دليل ظني لا قطعي نأتي بمثال:
قد ورد في الحديث: «لا يُزوّج البكرَ الصغير إلاّ وليُّها»، فقد ألحق بها بعض فقهاء السنّة الثيِّب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة.
وذلك بتخريج المناط، وانّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل،

صفحه 34
فيعمّ الحكم الثيِّب الصغيرة والمجنونة أو المعتوهة لاتّحاد المناط.
وأمّا استخراج المناط فهو بالبيان التالي:
إنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل، وهما الصغر والبكارة، وبما أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية في المال كما قال: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)1 هذا من جانب، ومن جانب آخر، الولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد وهو الولاية، فتكون النتيجة أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، فيقاس على البكر الصغيرة، من في حكمها من جهة نقص العقل، وهي المجنونة أو المعتوهة، كما تقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة، وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث على المدخلية في الحكم.
ويلاحظ عليه: أنّه من أين علم أنّ الصغر تمام الموضوع للحكم مع إمكان أن يكون جزءاً منه كما هو مقتضى اجتماعه مع البكارة؟
إنّ قياس باب النكاح بباب التصرّف في الأموال، قياس مع الفارق، فإنّ العناية بصيانة مال الصغير تستدعي أن يكون الموضوع هو الصغير ذكراً كان أو أُنثى، بكراً كان أو ثيّباً، إذ لا دخالة لهذه القيود في أمر الصيانة، ولهذا يعمّ الحكم جميعَ أفراد الصغيرة، وهذا بخلاف باب النكاح فيحتمل فيها الفرق بين الصغيرة البكر والثيب، نظير الفرق بين الكبيرة البكر والثيب، حيث ذهب جماعة إلى أنّ الأُولى أيضاً لا تزوّج إلاّ بإذن الوليّ.2

1 . النساء:6.
2 . نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء، للمؤلف:1/172ـ 176.

صفحه 35
ولأجل إيضاح المقام نأتي بأمثلة أُخرى أفتى فقهاء السنّة فيها بناءً على تخريج المناط:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث. المقيس عليه
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح. المقيس
امتزاج الإخوة. المناط

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتفاق. المقيس عليه
فالجهل بالمهر يفسد النكاح. المقيس
وجود المعاوضة والجهل فيها. المناط

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده. المقيس عليه
فالسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده. المقيس
تلف المال تحت اليد العادية. المناط
فانّ تخريجات المناط في هذه الموارد وعشرات أمثالها تخريجات ظنية، وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح، أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين مالين، بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً، وإن أطلق عليه العوض فإنّما هو

صفحه 36
بضرب من المجاز والاستعارة.

التماس العلل وعرض النصوص عليها

إنّ التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وعرض النصوص على العلل المزعومة وجعلها مقياساً لصحّة النصوص الشرعية وبطلانها، كان أمراً رائجاً بين فقهاء السنّة في عصر الإمام الصادقعليه السَّلام، وعلى هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة:«إنّ هذا الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له»، وليس المراد من القياس فيها، القياس المعروف المؤلف من الأصل والفرع والجامع بينهما، بل المراد: تصحيح الأحكام حسب العلل الّتي استحسنها الفقيه حسب عقله وذوقه، فيوصف الحكم الموافق بالصحّة والمخالف بالبطلان.
وقد كان القياس بهذا المعنى مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادقعليه السَّلام وبعض فقهاء عصره، وعلى هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام وأبي حنيفة: روى أبو نعيم بسنده عن عمرو بن عبيد: دخلت على جعفر بن محمد أنا وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» إلى أن قال: «يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنّه اتّبعه بالقياس».1

1 . حلية الأولياء:3/197.

صفحه 37
فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح; لأنّ إبليس تمرّد على الأمر بالسجود، لأنّه على خلاف قياسه، لتخيّله أنّ الأمر بالسجود يقتضي أن يبتني على أساس التفاضل العنصري، ولأجل هذا خطّأ الحكم الشرعي; لاعتقاده بأنّه أفضل في عنصره من آدم; لكونه مخلوقاً من نار وهو مخلوق من طين.
وعلى هذا الاصطلاح يبتني ما رواه أبان بقوله:
قلت لأبي عبد اللّهعليه السَّلام: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون».
قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الّذي جاء به الشيطان، فقالعليه السَّلام: «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم انّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
إنّما صار أبان إلى تخطئة الخبر الّذي وصل إليه حتّى نسبه إلى الشيطان، لأجل أنّه وجده خلاف ما حصّله وأصّله، وهو انّه كلّما ازدادت الأصابع المقطوعة تزداد الدية، فلمّـا سمع قوله «قطع أربعاً، قال: عشرون» قامت سورته، إذ وجده مخالفاً للأصل الأصيل عنده، فردعه الإمام بأنّ هذا هو حكم رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وانّ استنكارك قائم على الأخذ بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين، وتصحيح الأحكام وتخطئتها حسب الموازين المتخيّلة سبب لمحق الدين، وأنّى للعقول أن تصل إليها؟

1 . الوسائل:18، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 38
هذا أحد المصطلحين في القياس، وقد صار هذا الاصطلاح مهجوراً في العصور المتأخرة، والرائج هو الاصطلاح التالي:
استنباط حكم واقعة ـ لم يرد فيها نصّ ـ من حكم واقعة ورد فيها نصّ; لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه، وهو دليل ظنّي خارج عن نطاق البحث، فافهم واغتنم.

التنصيص بالعلّة ليس من تنقيح المناط ولا تخريجه

قد علمت أنّ تنقيح المناط غير تخريجه وأنّ الأوّل من المداليل العرفية دون الثاني، ومع ذلك هنا قسم آخر خارج عن كلا القسمين، وإليك البيان:
إذا كان مناط الحكم وملاكه مذكوراً في نفس الدليل على نحو يعلم منه أنّه تمام علّة الحكم لا حكمته.
فاستكشاف أحكام سائر الموارد عن طريق هذه العلّة من المداليل اللفظية، مثلاً إذا قال: الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق غير الخمر من سائر المسكرات، به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الّتي أدلى بها الشارع.
وفي الحقيقة إذا كان استخراج الحكم غير متوقّف إلاّ على فهم النص بلا حاجة إلى اجتهاد، فهو عمل بالظاهر، بخلاف ما إذا كان متوقّفاً وراء فهم النص على بذل جهد، والوقوف على المناط، ثمّ التسوية، ثمّ الحكم، قال سبحانه:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه)1 ، فلا نحتاج في حكم الخير الكثير إلاّ إلى فهم مدلول الآية.

1 . الزلزلة:7.

صفحه 39
ولنذكر مثالاً من طريقنا:
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضاعليه السَّلام، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فيُنزح حتّى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».1
فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماءَ البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة ولا صلة له بتنقيح المناط وتخريجه، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته.
وفي ضوء ما ذكرنا، يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وأمّا المجتهد فعمله تطبيق الضابطة ـ الّتي أعطاها الشارع ـ على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه.

أولوية الحكم في الفرع

إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل; لقوة العلّة المفهومة فيه بطريق النص، فهو حجّة على الإطلاق، وهو أيضاً عمل بالنص لا بالقياس، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط وتخريجه، وعلى فرض كونه

1 . وسائل الشيعة:1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.

صفحه 40
قياساً فهو حجّة عند الجميع، نظير الاحتجاج بقوله سبحانه: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)1 على تحريم الضرب، ولا شكّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفي يقف عليه كل من تدبّر الآية.

1 . الإسراء:23.

صفحه 41

5

في مجال درك مصالح الأفعال ومفاسدها

إنّ الأحكام الشرعية عند الإمامية تابعة للمصالح والمفاسد، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، والتشريع الإلهي منزّه عن التشريع بلا ملاك، ونصوص الكتاب والسنّة يشهدان على ذلك:
إنّه سبحانه يُعلّل وجوب الاجتناب عن الخمر والميسر بأنّ اقترافهما يورث العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه عموماً والصلاة خصوصاً، يقول عزّ وجلّ:(إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).1
كما أنّه يعلّل وجوب الصلاة بأنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، يقول سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)2، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ملاكات التشريع في الذكر الحكيم.
وكذلك الروايات فقد أكد الإمام علي بن موسى الرضاعليه السَّلام في بعض كلماته

1 . المائدة:91.
2 . العنكبوت:45.

صفحه 42
ذلك، فقال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرِّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».1
وقالعليه السَّلام في وجه حرمة الدم: «إنّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».2
وقال أبو جعفر الباقرعليه السَّلام: «إنّ مُدْمِن الخمر كعابد الوثن، ويورث الارتعاش، ويهدم مروّته، ويحمل على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».3
هذا من حيث الثبوت ممّا لا شكّ فيه.
إنّما الكلام في إمكان وقوف الفقيه على مصالح الأحكام ومفاسدها التي تدور عليها الأحكام إذا لم يرد فيها نصّ صحيح، فالحقّ هو التفصيل بين ما اتّفق العقلاء على وجود المصلحة أو المفسدة في الموضوع، وما إذا لم يكن هناك اتّفاق من عامّة العقلاء، بل انفرد فيه فقيه واحد، وإليك البيان:
إذا كان إدراك المصلحة إدراكاً عامّاً يتّفق فيه العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدّرات، والمصلحة في استعمال اللقاح لصيانة الطفل عن الجُدْري والحصبة حيث أصبح العقلاء متفقين على وجود المفسدة والمصلحة الملزمة، في ذلك فلا مانع من أن يتّخذ ما أدركه العقل من المصالح والمفاسد ملاكاً لكشف حكم الشرع، وأمّا إذا لم يكن كذلك، بل أدرك فقيه واحد أو فقيهان وجود المصلحة في إنشاء حكم، فهل يصحّ لهما إنشاء حكم وفق ما أدركاه، ينسبونه إلى الشريعة الإسلاميّة؟ فالجواب هو النفي، إذ من أين للعقل، القطع بأنّ ما تصوّره

1 . مستدرك الوسائل:3/71.
2 . بحار الأنوار:62/165، ح3.
3 . بحار الأنوار:62/164، ح2.

صفحه 43
علّة، هو علّة تامّة يدور الحكم مدارها، إذ يحتمل أن يكون هناك مانع من حكم الشرع على وفق ما أدركه العقل.
يقول المحقّق الأصفهاني: إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الأحكام ومناطاتها، لا تدخل تحت ضابطة، وعليه لا سبيل للعقل بما هو إليها.1
والحاصل: أنّه لا يصحّ للفقيه أن يتّخذ ما أدركه من المصالح والمفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي من الوجوب والحرمة حتّى يكون من مصادر التشريع.
أضف إلى ذلك أنّ المصالح والمفاسد لمّا لم تكن على وزان واحد، بل ربّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحرمات، لاشتماله على مصلحة كثيرة لا يجوز تركها بحال، كإنقاذ الإنسان المتوقّف على استطراق أرض الغير، بلا إذنه، وربّ حرام ذي مفسدة كبيرة لا يجوز اقترافه وإن استلزم ترك الواجب أو الواجبات، فأنّى للعقل درك درجة المصلحة والمفسدة حتّى يكون مصدراً للتشريع والحكم بالوجوب والحرمة في عامة الحالات؟
إلى هنا تمّ بيان المجالات التي للعقل فيها دور في استكشاف الحكم الشرعي.
إذا عرفت ذلك فلندخل في مقالة الأخباريّين التي صارت سبباً للغور في هذا البحث.

1 . نهاية الدراية:2/130، الطبعة الحجريّة.

صفحه 44

6

الحركة الأخبارية

في مطلع القرن الحادي عشر

ظهرت الحركة الأخبارية في مطلع القرن الحادي عشر، وقد شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، ولم تر للعقل أي وزن ولا اعتبار في العلوم إلاّ ما كانت مادته قريبةً من الحس، كالحساب والهندسة وأمثال ذلك، وأمّا ما وراء ذلك فذهبت إلى أنّ العقل عاجز عن الإدراك الصحيح.
وقد رفع رايتها الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري(المتوفّى عام 1033هـ) وألّف عند مجاورته للبلدين مكة المكرّمة والمدينة المنورة، كتابين في هذا المجال، وهما:
1. الفوائد المكية.
2. الفوائد المدنية.
والأُسس التي قامت عليها المدرسة الأخبارية لا تعدو خمسة أُسس، وأمّا ما وراء ذلك فإنّما هو أُمور جزئية أو راجع إليها، وأمّا تلك الأُسس فهي عبارة عن:

صفحه 45
1. عدم حجّية ظواهر الكتاب إلاّ بعد ورود التفسير عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام، لما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي أوّلاً، ولطروّ مخصّصات ومقيّدات على عمومه وخصوصه ثانياً.
2. نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية وعدم الملازمة بين حكم العقل والنقل، وانّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، لا أساس له.
3. نفي حجّية الإجماع من دون فرق بين المحصّل والمنقول.
4. ادّعاء قطعية صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات، لاهتمام أصحابها بتلك الروايات، فلا يحتاج الفقيه إلى دراسة أسنادها أو تقسيمها إلى الأقسام الأربعة المشهورة، كما قام به ابن طاووس وتبعه العلاّمة.
5. التوقّف عن الحكم إذا لم يدل دليل من السنّة على حكم الموضوع، والاحتياط في مقام العمل، مثلاً التدخين الذي كان موضوعاً جديداً آنذاك يُتوقف عن الحكم فيه ويراعى الاحتياط في مقام العمل بتركه.
ثمّ إنّ المحدّث الشيخ عبد اللّه بن الحاج صالح السماهيجي الذي هو أحد الأخباريين في القرن الثاني عشر، ألّف رسالة في المسائل الضرورية التي لاغنى عنها في مرحلتي الأُصول والفروع، وقد ذكر في تلك الرسالة الفروق بين الأُصوليين والأخباريين، فبلغت الأربعين.1
وقد نقلها صاحب الروضات في ترجمة محمد أمين مؤسس الأخبارية.2
وكما قلنا: فإنّ الأُسس الفارقة المهمة هي ما ذكرنا، وإليك نقل بعض الفروق الأُخرى:

1 . روضات الجنّات:4/250.
2 . روضات الجنّات:1/127.

صفحه 46
قال:
1. إنّ الأدلّة عند الأُصوليّين أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل، ولكنّها عند الأخباريين تختصر بالأوّلين، بل بعضهم يقتصر على الثاني.
2. الأُصوليون يجوزون العمل بالظنون في نفس الحكم الشرعي، والأخباريون لا يعوّلون إلاّ على العلم. إلاّ أنّ العلم عندهم قطعي واقعي، وعادي وأصلي، وهما ما وصلا عن المعصوم،ولم يجز فيه الخطأ عادة.
3. الأُصوليون يقسّمون الأخبار إلى الأربعة المشهورة، والأخباريون إلى صحيح وضعيف.
4. الأُصوليون يفسّرون الأقسام الأربعة للحديث بما هو المعروف في علم الدراية، والأخباريون يفسّرون الصحيح بالمحفوف بالقرائن التي توجب العلم بالصدور عن المعصوم، والضعيف بما هو عار عن ذلك.
5. الأُصوليون يحصرون الناس في صنفين: مجتهد ومقلّد، والأخباريون يقولون: إنّ الناس كلّهم مقلّدون للمعصوم ولا يجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح صريح.
إلى غير ذلك من الفروق.
وقبل الخوض في مقالة الأخباريين لابدّ من الإشارة إلى بعض العوامل الّتي سبّبت ظهور هذه الفرقة; فإنّ تبيينها من أهمّ المسائل في الأدوار الفقهية التي تحتاج إلى دراسة مفصّلة حتّى تعكس الظروف التي نشأت فيها الفكرة.
وهناك فروض مختلفة نقلناها في «تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره»1، ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.

1 . تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:386.

صفحه 47
والذي نظنّ أن يكون هو السبب الواقعي لظهور تلك الفرقة هو ما يلي:

سبب ظهور الفكر الأخباري

إنّ أصحاب الصادقينعليمها السَّلام ومن بعدهم كانوا على قسمين، فقد كانوا بين مُكب على جمع الأخبار وقراءتها وتصحيحها وجمعها في أصل أو كتاب دون أن يستنطقوا العقل في المعارف والمسائل العقليّة والأُصوليّة، وبين آخذ بالنقل والعقل معاً، ونذكر من القسم الثاني: زرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم، وكان الأكثر على الخط الأوّل، وقد استمرّ الخطّان إلى عصر الغيبة، فابن الجنيد وابن أبي عقيل ومن تلاهم إلى عصر الشيخ المفيد وتلميذيه المرتضى والطوسي كانوا على خط الجمع بين العقل والنقل، وعند التعارض كانوا يقدّمون العقل القطعي على النقل الظنّي.
وقد امتد الخط الأوّل إلى القرن الخامس، وبعده انحسر أمام ازدهار الخط الثاني وكانت القوة للمنهج الثاني إلى القرن العاشر.
وبهذا يُعلم المراد من «الأخباري» في لسان العلاّمة ومن قبله; وهو الخبير بالأخبار والمدوّن والناشر لها، دون أن يكون هناك منهج باسم الأخبارية أمامَ منهج الآخرين، نعم كان للطائفة الأُولى عقائد خاصة في بعض المسائل اعتمدوا فيها على بعض الروايات، فنقلها الصدوق في كتاب العقائد ونقدها الشيخ المفيد في كتاب تصحيح العقائد.
إنّ الأمين الاسترآبادي تصور أنّ الخط الأوّل كان منهجاً منسجماً تام الأركان في عصر الأئمة وبعدهم، ولكن غلب عليهم عصر الاجتهاد وصار الأمين بصدد إحيائه وبسطه، وأسماه بالأخبارية، وألقى فكرة الإحياء بصورة البرهان ونقد أُسس

صفحه 48
الأُصوليين، ثمّ إنّه تكاملت الفكرة الأخبارية بعد عصر الأمين بيد تلاميذ منهجه إلى أن عاد منهجاً متكاملاً يفارق الأُصوليين في أربعين مسألة أو بضع أُصول.
وممّا نلفت إليه النظر أنّ الأمين مؤسس هذا المنهج ممّن يؤكّد على الحس والعلوم الّتي تكون مبادئُها قريبة من الحس، ويندِّد بالعلوم النظرية الّتي تكون مبادئُها بعيدة عنه، قائلاً: إنّ العلوم النظرية قسمان:
قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار، والسبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة، أو من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الأُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، والخطأ من جهة المادة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموارد فيها إلى الإحساس.
وقسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس; ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أُصول الفقه والمسائل النظرية والفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.
ثمّ استشهد بوقوع الاختلافات بين الفلاسفة.1
والعجب أنّ تلك الفكرة (الرجوع إلى الحس والانكباب عليه) والابتعاد عن النقل والنظر بدأت في الغرب قريباً من عصر الأمين، حيث رفع رايتها علماء تجريبيون، نظير ديكارت (1596ـ 1650م)، ومن البعيد أن يكون هناك صلة بين الفريقين.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مقالة الأخباريّين حول منع العمل

1 . الفوائد المدنية:130.

صفحه 49
بالحكم المستنبط من غير الكتاب والسنّة وهي تحتمل أحد أمرين:
الأوّل: إنّهم يرفضون العمل بالمستنبط من غير المصدرين، لأجل أنّه لا يفيد القطع بالحكم، وأنّه لا يخرج عن دائرة الظن، وهذا يرجع إلى منع الصغرى.
الثاني: إنّهم يرفضون العمل بغيرهما وإن أفاد القطع بالحكم، وذلك لعدم الملازمة بين حكم العقل والشرع، والظاهر من بعض كلمات المحدّث الاسترآبادي أنّه كان يركّز على منع الصغرى وهو منع إفادة القطع حيث يقول في كتابه:
الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، ويقول أيضاً في ذيل هذا الفصل: كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامة وجمع من متأخري أصحابنا الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه بالإجماع.1
إلى غير ذلك من العبارات الّتي يجدها السابر لكتابه الدالّة على أنّه بصدد منع الصغرى.
ومع ذلك فاحتمال كون النزاع كبرويّاً وهو عدم حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة باق بحاله، وذلك لأجل نفي الملازمة بين الحكمين: العقلي والشرعي.
لو افترضنا أنّ النزاع كبروي ـ أي في حجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية ـ فيقع الكلام في مقام الثبوت والإثبات.
والمراد من الثبوت: إمكان النهي عن العمل به.
والمراد من مقام الإثبات: ورود النهي عنه شرعاً، بعد ثبوت الإمكان.
وإليك الكلام في كلا المقامين:

1 . الفوائد المدنية:90، الطبعة الحجرية.

صفحه 50

المقام الأوّل: إمكان النهي عن العمل بالقطع

يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم، امتناع النهي عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، لأنّه يعدّ تناقضاً في نظر القاطع مطلقاً، وفي الواقع عند الإصابة.
لكن الحق جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، لأنّ للشارع التصرّف في موضوع إطاعته وامتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام الّتي وصل إليها المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة، فإنّ لزوم الإطاعة وإن كان عقلياً، لكن تحديد موضوعها سعة وضيقاً بيد الشارع، فله أن يحدّد الموضوع ويخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما لا من الطرق الأُخرى.
هذا هو الوجه الذي اعتمدنا عليه، ولكن ذهب المحقّق النائيني إلى جواز التقييد بوجه آخر وهو قاعدة «نتيجة الإطلاق والتقييد» التي استفاد منها في غير مورد ومنها: إمكان تخصيص الأحكام بالعالمين بالبيان التالي، وحاصله: إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه التقييد; لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.
ومن جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل و العلم، فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط، فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك، فلابدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد وهو المصطلح عليه بـ(متمّم الجعل)، فاستكشاف كلّ من

صفحه 51
نتيجة الإطلاق والتقييد يكون من دليل آخر، وقد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وأنّ الحكم مطلق في حقّ العالم والجاهل، ولكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص، وقد خصّص في غير مورد، كما في مورد الجهر والإخفات والقصر و الإتمام.1
ومن هذه الموارد توجيه مقالة الأخباريين بأن يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد، وهي إنّ الأحكام الشرعية، إنّما تجب إطاعتها إذا وصلت إلى المكلّف عن طريق الكتاب والسنّة.
ويلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ تقابل الإطلاق والتقييد اللحاظيّين تقابل الضدّين; لفرض قيامهما بلحاظ السعة والضيق، فكيف يكون تقابلهما تقابل العدم والملكة؟
وثانياً: سلّمنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ولكن لا يصحّ ما رتب عليه، وهو أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم والجاهل به، وذلك لأنّ امتناع التقييد لأجل استلزامه الدور، وهو مختص بصورة التقييد بالعالم، فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين، فلا يلزم من امتناع التقييد امتناع الإطلاق.
وثالثاً: أنّ المحذور ـ على فرض قبوله ـ إنّما هو في الإطلاق اللحاظي، بأن يلاحظ المكلّف في حالتي العلم والجهل بالحكم، لا في الإطلاق الذاتي، وهو كون الطبيعة متعلّقة للحكم، أو كون ذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم، وهذا متحقّق في كلتا الحالتين; سواء أكان هناك علم بالحكم أم لا.
فالمحذور المتصوّر في باب الإطلاق اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا وجه لعدّهما من باب واحد.

1 . فوائد الأُصول:3/12.

صفحه 52
هذا كلّه حول الثبوت، وقد عرفت إمكان المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة. بقي الكلام في المقام الثاني:

المقام الثاني: في ورود المنع عن العمل أو عدمه

ذهبت الأخبارية إلى ورود المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، وقد استدلّوا بطوائف ثلاث من الروايات سيوافيك الكلام فيها.
وربّما يستدلّ لهم بالدليل العقليّ ولنقدّم هذا القسم على الأدلّة النقلية.

الأوّل: احتمال سعة مناط الحكم عند العقل

إنّ العقل وإن كان يدرك الجهات المحسّنة والمقبّحة، إلاّ أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات موانع ومزاحمات في الواقع وفي نظر الشارع، ولم يصل العقل إليها; إذ ليس من شأن العقل، الإحاطة بالواقع.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على موضوع بما هو هو، كقبح الظلم وخيانة الأمانة، أو كقبح ترجيح المهم على الأهمّ، وعندئذ لا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع، فما ذكره خارج عن محط البحث.
نعم لو احتمل العقل أحد هذه الأُمور لم يحكم بحكم باتّ.

الثاني: جواز خلو الواقعة من الحكم

يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم

1 . فوائد الأُصول:3/60 ناقلاً عن كتاب الفصول.

صفحه 53
أصلاً، لا موافقاً ولا مخالفاً، بأن تخلو الواقعة من الحكم رأساً، وعلى ذلك لا حكم للشرع في الموضوع وفاقاً أو خلافاً.1
يلاحظ عليه: أنّ احتمال خلو الواقعة من الحكم يخالف مع ما ورد عنهمعليهم السَّلام:«ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».
وفي حديث آخر: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه» أو «في الكتاب والسنّة».2
فكيف يمكن أن لا يكون للشارع حكم في الموضوعات الخطيرة، وقد قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في خطبة حجّة الوداع:«يا أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه».3
ثمّ إنّ الأخباريّين استدلّوا بطوائف من الروايات الّتي زعموا دلالتها على مدّعاهم، وإليك استعراضها تحت عناوين خاصة ليسهل للطالب الوقوف عليها، ولم نذكر جميع الروايات لأنّها غير خارجة عن تلك العناوين.

الطائفة الأُولى: لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم

قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم يتوسط الحجّة في تبليغه وبيانه، ولا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة.
ويدلّ على ذلك صحيح زرارة: «أما لو أنّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه، وتكون

1 . الفصول في علم الأُصول:337.
2 . الكافي:1/59ـ 62، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.
3 . الوسائل:12، الباب12 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث2.

صفحه 54
جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب، ولا كان من أهل الإيمان».1
وعن الرضا، عن آبائهعليهم السَّلام، قال: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «من دان بغير سماع ألزمه اللّه ألبتة إلى الفناء».2
وقال أبو جعفرعليه السَّلام: «كلّ ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل».3 إلى غير ذلك من الروايات.
ويلاحظ عليه: بما نوّهنا به في محاضراتنا في غير مقام، وهو أنّه كما أنّ للآيات شأن نزول، فكذلك للروايات شأن صدور، وكما أنّ شأن النزول يرفع الإبهام الطارئ على الآية لأجل الفصل الزماني، فهكذا شأن الصدور بالنسبة للرواية.
وفي ضوء تلك القاعدة فالرواية ناظرة إلى التابعين والفقهاء، كأبي حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وغيرهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت بتاتاً ولم يستضيئوا بنور علومهم، وإنّما اقتصروا على ما رواه الصحابة من المسانيد والمراسيل والموقوفات غير الكافية في مجال الإجابة عن المسائل المستجدّة.
وأمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب والسنّة وتمسّكوا بالثقلين، غاية الأمر أخذوا بالعقل في ماله شأن الحكم على وجه القطع والبت، فهؤلاء ليسوا من مصاديق الحديث، لأنّهم عرفوا ولاية ولي اللّه فوالوه في عامّة الموارد الّتي فيها لهم حكم وبيان وجعلوا أعمالهم بدلالة الولي، لكنّهم أخذوا في موارد بالحكم القاطع للعقل، لا لأجل الإعراض عن أبوابهم، بل من باب الأخذ بالحكم العقلي الّذي أيّده الأئمّة في غير واحد من رواياتهم.

1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.
3 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14، 18.

صفحه 55

الطائفة الثانية: ما يدلّ على عدم حجّية الرأي

وهناك طائفة أُخرى تدلّ على عدم حجّية الرأي، فقد روي عن الإمام علي عليه السَّلام أنّه قال:«إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه».1
وروى ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّهعليه السَّلام:«ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل».2
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الرأي هو الإفتاء بغير دليل قطعي أو سنّة صحيحة بشهادة قول أبي جعفرعليه السَّلام: «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم».3
ولذلك يوصف أصحاب القياس بأصحاب الرأي كأبي حنيفة ومدرسته.
روى الدميري عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنّه سمع عن أبي حنيفة أنّه يقول: ما جاء عن رسول اللّه فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة اخترناه، وما كان غير ذلك فهم رجال ونحن رجال.
وعن أبي حنيفة أنّه قال: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه قبلناه.4
وعلى ذلك يحمل قولهعليه السَّلام: «من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ».
أي: قال فيه قولاً غير مستفاد من كتاب ولا سنّة ولا من دليل يعتمد عليه، بل قال برأيه حسب ما يقتضيه أمره ويذهب إليه وهمه بالظن والتخمين.

1 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، 31، 12.
4 . حياة الحيوان:2/103; الملل والنحل للشهرستاني:1/338.

صفحه 56
وأين هذا من الإفتاء بالحكم العقلي القطعي الموافق للفطرة الإنسانية والحكم الواضح عند العقلاء.
والحاصل: إنّ هذه الرواية تندد بعمل أبي حنيفة; فإنّه لم يثبت إلاّ سبعة عشر حديثاً من أحاديث النبي1 ومع ذلك يبني على المقاييس والآراء الّتي اعتمد عليها فقهه الّذي عمل به أغلبُ المسلمين.
ولذلك نرى أنّ الإمام الصادقعليه السَّلام يذمّ أبا حنيفة وابن شبرمة، يقول الأخير: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمدعليمها السَّلام فقال لأبي حنيفة : «اتّق اللّه ولا تقس في الدين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس».2
وكذلك قال أبو جعفرعليه السَّلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شرّقا وغرّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».3

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة

هناك روايات تدلّ على أنّ المرجع في الأحكام هو الكتاب والسنّة، قال أمير المؤمنينعليه السَّلام: «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يزل».4
وقالعليه السَّلام: «وإنّما الناس رجلان: متتبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنّة، ولا ضياء حجّة».5
يلاحظ عليه: أنّها بصدد ردّ علم من يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس وإن لم يكن له دليل، مقابل من يرجع إلى الكتاب والسنّة، ولا صلة له بالبحث

1 . مقدّمة ابن خلدون:282، فصل الحديث، طبع دار ومكتبة الهلال.
2 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.
3 . الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25 و 16.
4 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.
5 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22و31.

صفحه 57
أبداً.
والحاصل: أنّ هذه الروايات الّتي حشدها صاحب الوسائل في الباب السادس والعاشر من أبواب صفات القاضي وغيرهما لا صلة لها بالمجتهدين الكبار الذين أخذوا الأُصول والفروع عنهمعليهم السَّلام وأناخوا ركائبهم أمام أبوابهمعليهم السَّلام، بل هي راجعة إلى المعرضين عن أبوابهم.
وقد تقدّم أنّ قسماً من أصحاب الإمام الصادقعليه السَّلام كزرارة ويونس بن عبد الرحمن وغيرهما كانوا على خط العقل مع العلم بالنقل ولم يعزلوا العقل عن منصة التشريع.
ثمّ إنّ للمحدّث الاسترآبادي مغالطة واضحة في بعض كلماته وطالما نسمعها من أصحاب التفكيك في عصرنا هذا.
قال: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نُعْصَم عنه، ومن المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً.
يلاحظ عليه: أنّه مغالطة محضة ، فإنّ المسلم الواعي لا يعوِّض كلامهم بشيء، إذ لا يعادله شيء، لكن الكلام في أنّه إذا لم يوجد عنهم نص صحيح، ولا ظاهر قويم، فهل هنا مرجع غير الشرع؟ فالأُصولي يجيب بالإثبات، لكن فيما إذا كان الموضوع ممّا يصحّ أن يرجع إليه، والأخباري يجيب بالنفي.
بلغ الكلام إلى هنا ظهيرة يوم الأحد آخر
شهر شعبان المعظم من شهور عام 1424هـ
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادقعليه السَّلام

صفحه 58

صفحه 59

الرسالة الثانية

مسلك حقّ الطاعة

بين الرفض والقبول


صفحه 60

صفحه 61

مسلك حقّ الطاعة

بين الرفض والقبول

اتّفق الأُصوليون المتأخّرون على أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو البراءة العقلية، فإذا شكّ الإنسان في وجوب شيء أو حرمته بعد الفحص عن مظان الدليل، يحكم العقل بعدم وجوبه وحرمته ظاهراً مستنداً إلى قبح العقاب بلا بيان. ولتوضيح مقصدهم نقول:
إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور:
الأوّل: عدم ورود البيان من المولى في المورد، سواء أكان البيان بالعنوان الأوّلي أم بالعنوان الثانوي، مثلاً: إذا شككنا في حرمة شرب التتن، فالعقل لا يمنع من الارتكاب بشرط أن لا يرد في المقام بيان في حرمة شرب التتن إمّا بما هو هو كما إذا قال: لا تشرب التتن، أو بما هو مشكوك الحرمة كأن يقول: إذا شككت في حرمة شيء فعليك بالاحتياط، فالبراءة العقلية رهن عدم وجود أحد البيانين وإلاّ فيرتفع موضوعها.
الثاني: عدم احتمال وجود غرض مهم للمولى في المورد بخصوصه على نحو

صفحه 62
لا يرضى بتركه حتّى في صورة الظن والشكّ، كما إذا شاهدنا غريقاً نحتمل أنّه ولد المولى، فالعقل يحكم بالاحتياط لافتراض انّ التكليف فعلي منجز في صورة الاحتمال أيضاً، كما هو كذلك في صورتي الظن والقطع.
الثالث: إذا تمكّن المولى من البيان، على نحو يكون قادراً على بيان مقاصده، وأغراضه بأحد الوجهين، ومع ذلك ترك البيان، ولم يُلزم العبدَ بالإيجاب أو الترك فعندئذ يستقل العقل بعدم مسؤولية العبد أمام مولاه، إذ لو كان له غرض لازم الاستيفاء لأبانه وبيّنه ولما سكت عنده.
نعم يمنع عن إجراء البراءة، انتفاء أحد الأُمور الثلاثة الماضية وذلك بتحقّق أحد الأُمور التالية:
أ : ورود البيان من المولى إمّا بالعنوان الأوّلي أو بالعنوان الثانوي.
ب: احتمال وجود غرض مطلوب للمولى في المورد على نحو يكون الحكم فعلياً حتّى في صورة الشكّ أيضاً.
ج: كون المولى غير متمكّن من البيان، وعاجزاً عن تقرير مقاصده، وممنوعاً من التكلّم على نحو تنقطع منه صلته بالمكلَّف.
والمفروض وجود الشرائط الثلاثة وعدم انتفائها فتجري البراءة العقلية، لعدم تمامية الحجّة على العبد، لو لم نقل بالعكس.
إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يتوقّف على إدخاله تحت عنوان الظلم بأن يكون العقاب مع عدم البيان ظلماً بالنسبة إلى العبد، لما قلنا في محلّه من أنّ المستقلات العقلية في الحكمة العمليّة أكثر من القضيتين المعروفتين: بـ: «حسن العدل وقبح الظلم»، بل ربما يستقل العقل بأُمور، وإن لم ينطبق عليها عنوان الظلم أو العدل، كاستقلاله بحسن الوفاء بالميثاق وقبح نقضه،

صفحه 63
وكاستقلاله بحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالسوء، والمقام أيضاً من هذا القبيل فالعقل مستقلّ بقبح العقاب مع تمكّن المولى من البيان، سواء أكان العقاب في هذه الحالة من مصاديق الظلم أم لا.
ثمّ إنّ الأُمور الثلاثة التالية تؤيّد كون موقف العقل، عند الشكّ في الحكم الشرعي الإيجابي أو التحريمي ، هو البراءة:
1. انّ النظام السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى أمر الطاعة، هو البراءة ما لم يكن بيان في المقام، فالرئيس لا يحتج على من دونه في الرتبة والدرجة، إلاّ بما بيّنه وشرحه له وأمره باتّباعه، ولو قام أحد الموظّفين، بكلّ ما أُمر به وبُيّـن له، على نحو لم يفته شيء منه، ولكنّه ترك ما شكّ في مطلوبيته ممّا لم يكن موجوداً في برنامجه، يعدّ مطيعاً غير عاص، ولا يحتجّ الرئيس عليه بالشكّ والترديد، مع أنّه كان متمكناً من البيان، وما هو إلاّ لقضاء فطرتهم بذلك وعقولهم عليه لا أنّهم اتّفقوا على هذا التحديد، فاتّفاقهم على تلك الضابطة من وحي الفطرة، ولأجل ذلك صارت القاعدة عالمية لا تختص بقطر دون قطر أو شعب دون شعب، والسعة والعمومية ـ كما قلنا في محلّه ـ آية كون الحكم فطريّاً نابعاً من صميم ذات الإنسان لا أمراً اتّفق عليه العقلاء لمصالح وأغراض خاصّة.
2. انّه سبحانه يصرّح في غير واحد من آياته، بأنّ الغاية من إرسال الرسل، هو قطع عذر العباد، وإبطال حجّتهم على اللّه على نحو لولا إرسال الرسل، لكانت الحجّة للعباد على اللّه تعالى.
يقول سبحانه: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكيماً)1، فالآية صريحة في أنّه سبحانه أبطل

1 . النساء:165.

صفحه 64
حجّتهم، بإرسال الرسل وأتم الحجّة عليهم به، مكان احتجاج العباد على اللّه إن لم يبعث الرسل. والآية خير دليل على أنّه لا يحتج عليهم إلاّ بالبيان الواصل، وإلاّ لاحتجّ العباد على اللّه سبحانه بأنّه أهمل بيان مقاصده وأغراضه بترك إرسال الرسل.
وليست الآية، هي الآية الفريدة في المقام بل تعزّزها آيات أُخرى يشهد الكلّ على أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ ببيان واصل، لا بالشكّ في التكليف، يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُم بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)1 ، فالآية كنظيرتها، صريحة في أنّ احتجاجه سبحانه على العباد، أو احتجاجهم عليه، يدور مدار البيان الواصل وعدمه، فلو صدر البيان من المولى، لصحّ الاحتجاج على العباد، وإلاّ لصحّ العكس، واللّه سبحانه لإيصاد باب احتجاجهم عليه، بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون للّه سبحانه عليهم الحجّة، دون أن يكون لهم الحجّة عليه.
3. انّه سبحانه يتبرّأ في كثير من آياته من التعذيب قبل البيان، ويراه أمراً غير ممكن أو غير لائق بشأنه تعالى وما هذا إلاّ لقبحه ويقول:
(وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).2
(ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمّها رَسُولاً).3
إنّ«كان» الناقصة إذا استعملت مع «ما» النافية يراد بها أحد المعنيين:

1 . طه:134.
2 . الإسراء:15.
3 . القصص:59.

صفحه 65
1. نفي الشأنية وانّه غير لائق بمقامه سبحانه، مثل قوله: (وَما كانَ اللّه لِيُضيعَ إِيمانكُم).1 والمراد من الإيمان الصلاة إلى البيت المقدس، فأطلق الإيمان وأُريد به العمل.
2. نفي الإمكان، مثل قوله سبحانه: (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّه).2 والمراد نفي الإمكان الذاتي لاستحالة وجود الممكن (الموت) بلا علّته التامة وهي إرادته سبحانه.
وعلى ضوء ذلك فالمراد من قوله (ما كُنّا مُعذّبين) وقوله: (وَماكانَ رَبّكَ مُهلِكَ القُرى) إمّا نفي الشأنية وانّه أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر القبيح، (التعذيب بلا بيان).
أو نفي الإمكان الوقوعي لا الذاتي، فانّ التعذيب قبل البيان بملاحظة ما للّه سبحانه من صفات الحكمة أو العدل، لا يصدر منه ولا يقع.
وإن أردت إرجاع المعنيين إلى معنى واحد فلامشاحّة.
فبهذه الأُمور الثلاثة، يتّضح أنّ ملاك الاحتجاج عند العقل على العباد، هو البيان الواصل، لا البيان المشكوك، وتكون البراءة العقلية في الشبهات الوجوبية أو التحريميّة أصلاً راسخاً لا تحركه العواصف.
فإن قلت: سلّمنا انّه لا يجوز العقاب إلاّ عند البيان، ولكنّه لا ينحصر البيان بالقسم القطعي، بل يعمّ الظنّي والاحتمالي، فالظن بالتكليف أو احتماله، نوع بيان له.

1 . آل عمران:143.
2 . آل عمران:145.

صفحه 66
قلت: إنّ الموضوع لوجوب الطاعة، أو حرمة التمرّد هو البيان الواصل، فلا يصدقان إلاّ مع وصوله، أمّا الظن بالحكم واحتماله، فهما موضوعان لحسن الاحتياط، فلا يحسن إلاّ إذا كان هناك أحد الأمرين فيجب تمييز ما هو موضوع لوجوب الطاعة عمّا هو موضوع لحسن الاحتياط، فالبيان الظني أو الاحتمالي موضوعان للثاني دون الأوّل. ولو كان البيان الاحتمالي كافياً في إتمام الحجّة لما تبرّأ منه سبحانه لوجوده في أكثر الناس قبل بعث الرسل.
فإن قلت: ما الفرق بين مقاصد العبد وأغراضه، ومقاصد المولى وأغراضه، فانّ سعي العبد لا يتحدد بصورة القطع بها بل يعمّ صورتي الظن والاحتمال، فليكن سعي العبد وراء مقاصد المولى وأغراضه كذلك، أفهل يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، أقل قيمة من أغراض العبد، ولا يجب تحصيلها عند الظن والشك؟
قلت: لا شكّ انّ مقاصد الشريعة أولى وأفضل من المقاصد الدنيوية للعبد لكن الكلام في حد دائرة مسؤولية العبد عند العقل، فهل هو مسؤول عن عامة مقاصد المولى وأغراضه سواء أكانت مقطوعة أم مظنونة أم مشكوكة، أو هو مسؤول عمّا قامت الحجّة عليه، سواء أكان هناك غرض أم لا، إنّ العقل الفطري يحكم بالثاني.
وإن شئت قلت: الواجب على العبد طاعة المولى فيما أمر ونهى، وعدم التمرد، حتى يدور في فلك العبودية ولا يخرج عن زيّ الرقية، وصدق الطاعة أو التمرد، فرع وجود موضوع لهما ولا موضوع إلاّ إذا تمّ البيان من المولى.
نعم ربما يكون الاحتمال منجّزاً للواقع، وباعثاً إلى الحركة نحو المحتمل، فيما لو احتمل انّه لو كان للمولى غرض في المقام، لما رضى بتركه ـ كما مرّ ـ وهو

صفحه 67
خارج عن محط البحث.
ثمّ إنّ لغير واحد من المحقّقين بياناً آخر لتقرير البراءة العقلية نذكره مشفوعاً بالنقد والتحليل.

1. البيان الواقعي غير محرّك

ذكر المحقّق النائيني قدَّس سرَّه وجهاً لحكم العقل بالبراءة عند الشكّ في التكليف، حاصله:انّ مجرد البيان الواقعي، مع عدم وصوله إلى المكلّف، لا يكفي في صحّة المؤاخذة واستحقاق العقوبة، لأنّ وجود البيان الواقعي كعدمه، غير قابل لأن يكون باعثاً ومحركاً لإرادة العبد ما لم يصل إليه الأمر ويكون له وجود علمي.1
يلاحظ عليه: أنّ الأمر مطلقاً، ـ بوجوده الواقعي و بوجوده العلمي ـ ليس محركاً للعبد نحو المطلوب وليس له أثر ـ حتّى بعد الوصول ـ سوى بيان موضوع الطاعة، وإنّما المحرك لإرادة العبد هو الخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، ونسبة التحرك إلى الأمر، نسبة مجازية باعتبار كونه موضوعاً لما يترتّب على مخالفته، العقاب، وعلى موافقته الثواب.
فإذا لم يكن للأمر تأثير سوى بيان موضوع الطاعة، فلابدّ من نقل الكلام، إلى تحديد مسؤولية العبد ـ عند العقل ـ أمام المولى، فلو كان مسؤولاً فيما تُعدّ موافقته طاعة، ومخالفته تمرّداً فلا يجب الاحتياط في صورة الظن بالتكليف أو احتماله، ولو كان مسؤولاً أمام المولى مطلقاً في عامة الحالات، فلابدّ من الاحتياط، فكون الأمر محركاً في صورة الوصول وغير محرّك عن غير هذه الصورة كأنّه أجنبيّ عمّـا هو المقصود.ولابدّ من التركيز على مقدار مسؤولية العبد أمام مولاه كما عرفت

1 . فوائدالأُصول:3/365.

صفحه 68
والعقل الفطري يحدد كمّية المسؤولية، بما لو خرج عنه لعدّ متمرّداً، ولا يصدق التمرّد إلاّ إذا كان البيان واصلاً.

2. الحكم الحقيقي متقوّم بالبيان

وهنا بيان آخر لتبيين قبح العقاب بلا بيان وهو ما أفاده المحقّق الاصفهاني فقال: إنّ مدار الإطاعة والعصيان على الحكم الحقيقي، والحكم الحقيقي متقوم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقولية تأثير الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي، وحينئذ لا تكليف حقيقي مع عدم الوصول فلا مخالفة للتكليف الحقيقي، فلا عقاب، فانّه على مخالفة التكليف الحقيقي.1
يلاحظ عليه: أوّلاً: المنع من عدم كون الحكم الإنشاني، حكماً، بشهادة صحّة تقسيمه إلى الإنشائي والفعلي، تقسيماً حقيقياً، لا مجازياً .
وثانياً: أنّ الحكم الحقيقي أعمّ من الحكم الواصل إلى المكلّف، كما إذا تمّ البيان من المولى ولكن حالت الموانع بينه وبين المكلّف، فالحكم عندئذ فعليّ حقيقيّ غير منجّز، فلو كان المدار في وجوب الطاعة، هو الحكم الحقيقي فيجب الاحتياط إذا احتمل تمامية البيان من المولى أو ظن بها مع أنّه مجرى البراءة لدى القائل.
والأولى تحديد موضوع وجوب الطاعة وحرمة التمرّد، فهل موضوع الوجوب هو انكشاف الواقع انكشافاً علميّاً، أو يعمّ مطلق الانكشاف ولو كان احتمالياً؟ فمن قال بعدم وجوب الاحتياط قال بالوجه الأوّل، ومن قال بوجوبه قال بالوجه الثاني، فالواجب علينا تحرير موضوع وجوب الطاعة لا إحراز صدق الحكم وعدم

1 . نهاية الدراية:2/190.

صفحه 69
صدقه.
وقد عرفت أنّ العبد مسؤول أمام المولى فيما أمر ونهى، إذ عندئذ يصدق أنّه مطيع لمولاه، غير متمرد ولا خارج زي الرقية، وليس مسؤولاً عمّا ظن واحتمل كما مرّ.

3. قبح العقاب بلا بيان عقلائي لا عقلي

وربّما يتصوّر انّ قبح العقاب بلا بيان، أمر عقلائي أمضاه الشارع، وليس له من حكم العقل رصيد.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكر ـ و أغمضنا عمّا قلناه من قضاء العقل الفطري به بشهادة كونه عالمياً ـ لانقلبت البراءة العقلية عندئذ إلى البراءة الشرعية وهو خلف، لأنّ بناء العقلاء لا يحتجّ به إلاّ إذا أمضاه الشارع، وبعد الإمضاء يصير أصلاً شرعياً، لا عقلياً مع أنّ القائل يرى البراءة العقلية، غير البراءة الشرعية.

حقّ الطاعة للمولى

لا شكّ انّ للمولى، حقّ الطاعة على عبده ولكنّه يتحدّد ـ بقضاء العقل الفطري ـ بما إذا تمّت الحجّة عليه من جانب المولى ببيان ما وظيفته بأحد الوجهين، وبالتالي يتحدد بصورة القطع بالوظيفة الواقعية أو الظاهرية، ولا يشمل صور الظن بالحكم أو الشكّ فيه.
وليس تحديد العقل موضوعَ الطاعة في المقام بمعنى حكومته على المولى سبحانه وتحديد مولويته بصورة العلم بالحكم بل هو كاشف عن واقعية ثابتة،

صفحه 70
وذلك بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات ككونه حكيماً عادلاً، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية نظير حكم العقل بعدم صدور القبيح منه فحكم العقل بعدم الصدور بمعنى استكشافه ذلك منه بالنظر إلى ما للمولى سبحانه من صفات تستلزم ذلك.
وقد وقفت على كلام للسيد الشهيد الصدرقدَّس سرَّه وهو ينكر هذه القاعدة ـ أي قبح العقاب بلا بيان ـ ويعتمد على قضية حقّ الطاعة ويقول: إنّ للمولى حقّ الطاعة في المجالات الثلاثة: القطع بالحكم، والظن، والاحتمال به.
ثمّ إنّه أوضح ذلك بما ألّفه بقلمه الشريف كالحلقات و بما قرره تلامذته، ونحن نذكر ما وقفنا عليه من كلماته أوّلاً ثمّ نردفه بنقل ما ذكره في محاضراته، وقد أسماه بـ«مسلك حق الطاعة»، و ذكره في غير موضع من حلقاته كما ذكر ثمار المسلكين في الحلقة الثانية.1وإليك مقتطفات من كلامه.

حقّ الطاعة أوسع من العلم بالتكليف

إنّ دائرة حقّ الطاعة أوسع من التكاليف المعلومة، بل يعمّ المظنونة والمحتملة، فحكم العقل بحقّ الطاعة للمولى غير محدّد بصورة العلم بالتكليف، وذلك «لأنّ مرجعه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة، خاصة، بينما يرجع حكم العقل بمنجزية التكاليف المحتملة عندنا، إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة وهكذا».2
ثمّ إنّهقدَّس سرَّه بيّن ما يتبنّاه تحت عنوان «مسلك حقّ الطاعة» وقال:

1 . الحلقة الثانية:46ـ 51.
2 . الحلقة الثالثة:2/13.

صفحه 71
نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتية الثابتة للّه سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً، وهذا من مدركات العقل العملي وهي غير مبرهنة، فكما أنّ أصل حقّ الطاعة للمنعِم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقاً، وعليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفظ، فلابدّ من الكلام على هذا الترخيص وإمكان إثباته شرعاً وهو ما يسمّى بالبراءة الشرعية.1
يلاحظ عليه بوجهين: أمّا أوّلاً: فإنّ ما أفاده «انّ أصل حقّ الطاعة للمنعم والخالق مدرك أوّلي للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقاً» منظور فيه، فإن أراد بالبرهان، البراهين الفلسفية الّتي يستلزم فرض نقيض المطلوب فيها اجتماعَ النقيضين أو ارتفاعهما فهو صحيح لكن هذا النوع من البرهان يختصّ بمسائل الحكمة النظرية لا الحكمة العملية والمفروض انّ المقام من القسم الثاني، وعدم وجود هذا النوع من البرهان في المقام لا يضرّ بقطعية القضية لاستقلال العقل العملي بالبراءة عندئذ.
وإن أراد من عدم كونه برهانيّاً انّ العقل العملي لا يدرك دركاً وجدانياً ما هو حكمه في مورد حقّ الطاعة ولا موضوعه سعة وضيقاً فهو مرفوض، إذ لامعنى لأن يتوقّف العقل في الموضوعات الّتي له فيها حقّ القضاء، وقد عرفت أنّ العقل في الشبهات الحكمية البدوية يحكم بحكمين:
1. إذا احتمل العبد انّ للمولى غرضاً لازم الاستيفاء في عامة المجالات وإن كان مشكوكاً، فعندئذ يستقلّ بالاشتغال واعمال الاحتياط ومورد هذا النوع من

1 . الحلقة الثالثة:2/33.

صفحه 72
الشكّ متوفّر في الشبهات الموضوعية غالباً.
2. إذا شكّ في حرمة شيء أو وجوبه ولم يكن المورد من قبيل القسم الأوّل فالعقل يستقلّ بالبراءة لافتراض انّ المولى متمكن من بيان وظيفة العبد بأحد النحوين الماضيين، فإذا سكت، يستكشف العقل عدم حكم إلزامي في المقام وإلاّ لأعرب وأبان.
ثانياً: فلو افترضنا قضاء العقل الدقيق بلزوم الاحتياط في المشكوكات، فإنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كان الحكم (لزوم إطاعة المولى في المظنونات والمشكوكات) أمراً واضحاً عند أكثر العقول، فعلى المولى أن يعتمد على قضاء عقل العبد في ذلك المجال، وأمّا إذا كان حكمه مغفولاً عنه عند العامّة حيث اعتاد الناس أنّ الامتثال رهن البيان، وقد عرفت أنّ السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى الرئيس والمرؤوس هو ذاك، فاعتماد المولى على هذا الحكم الخفيّ على أكثر الناس، غير صحيح.
هذا تحليل ما وقفنا عليه في الحلقة الثالثة من حلقاته الّتي ألّفها بقلمه الشريف.
ثمّ إنّهقدَّس سرَّه بسط الكلام فيما تبنّاه من تقدّم حقّ الطاعة على قبح العقاب بلا بيان في محاضراته وجاء فيها ما يميط الستر عن مرامه، ونحن نذكر نصّ التقرير لكن بتلخيص.

التبعيض في التنجيز تبعيض في المولوية

يقولقدَّس سرَّه :إنّ المولوية وحقّ الطاعة ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
1. المولوية الذاتية الثابتة بلا جعل واعتبار والّتي هي أمر واقعي على حدّ

صفحه 73
واقعيات لوح الواقع وهذه مخصوصة باللّه تعالى بحكم مالكيته لنا، الثابتة بملاك خالقيته.
2. المولوية المجعولة من قبل المولى الحقيقي، كما في المولوية المجعولة للنبيّ أو الوليّ، وهذه تتبع في السعة والضيق مقدار جعلها لا محالة.
3. المولوية المجعولة من قبل العقلاء أنفسهم بالتوافق على أنفسهم، كما في الموالي والسلطات الاجتماعية وهذه أيضاً تتبع مقدار الجعل والاتّفاق العقلائي.
ثمّ قال: إنّ المشهور ميّزوا بين أمرين: مولوية المولى ومنجزية أحكامه فكأنّه يوجد عندهم بابان:
أحدهما باب مولوية المولى الواقعية وهي عندهم أمر واقعي مفروغ عنه لا نزاع فيه ولا يكون للبحث عن حجّية القطع ومنجزيته مساس به.
والباب الآخر هو منجزية القطع وأنّه متى يكون تكليف المولى منجزاً؟!، وفي هذا الباب ذكروا أنّ التكليف يتنجز بالوصول والقطع ولا يتنجز بلا وصول، ولهذا حكموا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ويقولون هذا وكأنّهم لا يفترضون أنّه تفصيل بحسب روحه في الباب الأوّل وفي حدود مولوية المولى وحق طاعته.
لكن هذا المنهج غير صحيح وانّ المنجزية الّتي جعلوها باباً ثانياً إنّما هي من لوازم أن يكون للمولى حقّ الطاعة على العبد في مورد التنجيز وأيَّ تبعيض عقلي في المنجزية بحسب الحقيقة، تبعيض في المولوية، فلابدّ من جعل منهج البحث ابتداءً عن دائرة مولوية المولى وانّها بأيّ مقدار، وهنا فرضيات:
1. أن تكون مولوية المولى أمراً واقعياً موضوعها واقع التكليف بقطع النظر عن الانكشاف ودرجته، وهذا باطل جزماً، لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد

صفحه 74
الجهل المركب منجزاً ومخالفته عصياناً، وهو خلف لمعذّرية القطع.
2. أن يكون حقّ الطاعة في خصوص ما يقطع به ويصل إلى المكلّفين من تكاليف المولى، وهذا هو روح موقف المشهور الّذي يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع والوصول وموارد الشكّ، ولكنّا نرى بطلان هذه الفرضية أيضاً لأنّا نرى أنّ مولوية المولى من أتمّ مراتب المولوية على حدّ سائر صفاته، وحقّه في الطاعة على العباد أكبر حقّ، لأنّه ناشئ من المملوكية والعبودية الحقيقية.
3. المولوية في حدود ما لم يقطع بالعدم، وهذه هي التي ندّعيها وعلى أساسها ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي على أساسها ذهب المشهور إلى التبعيض في المولوية، وكأنّهم قاسوا ذلك ببعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف، نعم لو قيل بأنّ الشارع أمضى السيرة والطريقة المعتادة في المولويات الثابتة عند العقلاء وبمقدار ما تستوجبه من الحقّ فلا بأس به ويكون مرجع هذا بحسب الحقيقة إلى البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء السيرة العقلائية.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص المشهور التنجزَ بصورة البيان الواصل ليس لغاية التبعيض في حق الطاعة، لافتراض انّه أمر واقعي نابع من خالقيته أو منعميته بل تخصيصه بصورة وجود البيان لأجل وجود القصور في ناحية المطيع، لجهله بالحكم وعدم علمه بالوظيفة، فالمقتضي للطاعة وإن كان موجوداً، لكن المانع غير مفقود.
وثانياً: لو كان تخصيص التنجيز بصورة البيان الواصل، تخصيصاً في مولوية المولى، يلزم تخصيص التنجيز بصورة ما لم يقطع بالعدم تبعيضاً في حقّ الطاعة

1 . بحوث في علم الأُصول:4/30، مبحث القطع.

صفحه 75
أيضاً لاستلزامه خروج صورة القطع بالخلاف من تحت حقّ الطاعة فلو كان حقّ الطاعة غير قابل للتبعيض يكون الملاك هو الصورة الأُولى التي ليس فيها أي تحديد للتنجيز وبالتالي لمولويته، وقد اعترفقدَّس سرَّه ببطلانه.
ثمّ إنّ له قدَّس سرَّه كلاماً آخر، في مبحث البراءة يتحد مضمونه مع ما سبق قال:
إنّ هناك خطأ أساسياً في هذا الطرز من التفكير، حيث فُصِّل بين الحجّية والمولوية مع أنّه لا فصل بينهما بل البحث عن الحجّية بحث عن حدود المولوية بحسب الحقيقة، لأنّ المولوية عبارة عن حقّ الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات، كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حقّ الطاعة له مراتب وكلّما كان الملاك آكد كان حقّ الطاعة أوسع.
فقد يُفرض بعضُ المراتب من منعمية المنعم لا يترتب عليه حقّ الطاعة إلاّ في بعض التكاليف المهمة في كلّها، وقد تكون المنعمية أوسع بنحو يترتّب حقّ الطاعة في خصوص التكاليف المعلومة، وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة من ذلك بأنْ كانت منعميته بدرجة يترتّب عليه حقّ الطاعة حتّى في المشكوكات والمحتملات من التكاليف، فهذا بحسب الحقيقة سعة في دائرة المولوية، إذن فالحجّية ليست شيئاً منفصلاً عن المولوية وحق الطاعة.
ومرجع البحث في قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى البحث عن أنّ مولوية المولى هل تشمل التكاليف المحتملة أم لا. ولا شكّ انّه في التكاليف العقلائية عادة تكون المولوية ضيّقة ومحدودة بموارد العلم بالتكليف، وأمّا في المولى الحقيقي فسعة المولوية وضيقها يرجع فيهما إلى حكم العقل العملي تجاه الخالق سبحانه، ومظنوني انّه بعد الالتفات إلى ما بيّناه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتّى التكاليف الموهومة. ومن هنا نحن لا نرى جريان

صفحه 76
البراءة العقلية.1
يلاحظ عليه: بأنّه أي صلة بين كون المولوية ذاتية غير مجعولة نابعة من خالقيته ومنعميّته وبين سعة الاحتجاج في صورة الشكّ في التكليف وعدم قيام الحجّة على العبد. فيمكن أن تكون مولويته وسيعة، لكن يكون حقّ الطاعة مضيّقاً، وذلك لأنّ سعة المولوية، تابعة، لسعة ملاكها وهو كونه سبحانه في عامة الحالات خالقاً موجداً للعبد من العدم إلى الوجود فهو مولى العباد في جميع الأحوال.
وأمّا سعة الطاعة وضيقها فليسا تابعين لسعة المولوية وضيقها، بل تابعة لصحّة الاحتجاج على العبد عقلاً وعدمها. وقد عرفت اختصاصها بصورة وجود موضوع الطاعة.
وبعبارة ثانية: انّ جعل سعة الطاعة وضيقها، مترتبين على سعة المولوية وعدمها غير صحيح، فإنّ السعة والضيق في مجال الطاعة تابعان لصحّة الاحتجاج وعدمها، فإن قلنا بأنّه يصحّ الاحتجاج على العبد في كلّ الأحوال الثلاثة: القطع والظن والشك، وجب على العبد الطاعة من دون حاجة إلى ملاحظة سعة مولويته أو ضيقها.
وأمّا لو قلنا بعدم صحّة الاحتجاج على العبد إلاّ فيما تمت الحجّة فيه على العبد، فلا يصحّ الاحتجاج في صورة الظن والشكّ، وإن كانت مولويته وسيعة.
والشاهد على ذلك أنّه ربما تفترق المولوية، عن حقّ الطاعة والتنجيز في صورة القطع بالخلاف، فالمولوية ثابتة حتّى مع الجهل المركب ولا يمكن سلبها

1 . بحوث في علم الأُصول:5/24، مباحث الأُصول العملية.

صفحه 77
عن العباد لكونها نابعة من أمر تكويني ذاتي، دون حقّ الطاعة أو التنجيز، بل هو مرتفع لكون القطع بالخلاف مانعاً من التنجز، وليكن الجهل بالواقع كالقطع بالخلاف مانعاً، لا لقصور في المقتضي بل لوجود المانع.
وبعبارة ثالثة هاهنا أمران:
أحدهما: ملاك الطاعة ومنشؤها.
ثانيهما: موضوع الطاعة. فملاك الطاعة ليس إلاّ المولوية، لكن موضوعها هو حكم المولى، والوصول شرط لوجوب الطاعة، وهذا هو الوجه في كون دائرة المولوية أوسع من وجوب الطاعة، إذ الطاعة متفرعة على حكم المولى الواصل إلى العبد، وإن كان منشؤها هو مولوية المولى.

صفحه 78

تحليل الاعتراض على قاعدة مسلك حق الطاعة

خاتمة المطاف

قد تعرّفت على مغزى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» وانّها قاعدة محكمة، رصينة تعدّ من أحكام العقل العملي في الحكمة العملية، كما تعرّفت على مفاد قاعدة «حق الطاعة» وانّها كسابقتها، رصينة محكمة لكنّها محدّدة بما إذا قام الدليل على وجود التكليف ولا يكفي الظن بالتكليف ولا احتماله.
وقد اعترض على مسلك «حق الطاعة» بأُمور أهمّها وجود التزاحم بين الإلزام المستفاد من قاعدة حقّ الطاعة عند الشكّ في الوجوب، وملاك الإباحة الاقتضائية الّتي تقتضي الترخيص والحرية في العمل، وإليك بيان الاعتراض كما في بعض الرسائل:
«إنّنا في موارد الشكّ في التكليف كما نحتمل أن يكون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإلزام، كذلك نحتمل أن يكون حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك اقتضائي للإباحة، فلو كان الاحتمال الأوّل مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الإلزام، لضمان الحفاظ على الملاك الإلزامي المحتمل على فرض وجوده، لكان الاحتمال الثاني أيضاً مقتضياً لحكم العقل بالبناء على الترخيص لضمان الحفاظ على الملاك الترخيصي المحتمل على فرض وجوده، لأنّ

صفحه 79
كليهما من الملاكات ذات الأهمية عند المولى على فرض وجودها، ولا وجه لترجيح الأوّل على الثاني مالم نحرز كونه أهمّ منه عند المولى إلى درجة تقتضي تقديم ضمان حفظه على ضمان حفظ الثاني عند التزاحم بينهما في مقام الحفظ».

نقد الاعتراض

الظاهر انّ الاعتراض غير وارد على مسلك حق الطاعة على فرض صحته، وشموله لحالتي الظن بالتكليف واحتماله، ويظهر ذلك من خلال بيان أمرين:

الأوّل: الفرق بين الحكم والتكليف

لا شكّ انّ الحكم مشترك بين الأحكام الخمسة، فالترخيص الاقتضائي رهن إنشاء إباحة ناشئة عن ملاك الترخيص الموجود في الشيء المباح، المقتضي الحكم بالتساوي بين الفعل والترك، وشأن هذا الإنشاء كشأن سائر الأحكام الأربعة: الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة، فالجميع رهن الإنشاء ونتاجه كما هو واضح.
وأمّا التكليف فهو وإن كان من أقسام الحكم لكن يتميّز عن مطلق الحكم بالسمات التالية:
أ. انّ التكليف يشتمل على طلب وبعث أو نهي وزجر، سواء أكان إلزامياً أم لم يكن.
ب. انّ امتثال التكليف يتّصف بالمشقة والعناء غالباً.
ج. انّ التكليف يتصوّر فيه الإطاعة والعصيان كما في الوجوب والحرمة، أو الموافقة والمخالفة كما في الاستحباب والكراهة، وبالتالي يكون المكلّف بالنسبة إليه

صفحه 80
إمّا مطيعاً أو عاصياً أو موافقاً أو مخالفاً.
د. انّ حقيقة التكليف تُلقي مسؤولية على عاتق المكلّف سواء أكانت بنحو الإلزام أم لا.
وهذه كلّها من سمات التكليف وهي متوفرة في الأحكام الأربعة دون الإباحة الاقتضائية فهي حكم ولكن ليس بتكليف.
فليس فيها طلب ولا بعث أو نهي أو زجر، ولا يستلزم العمل بها أي تعب وعناء، ولا يتصوّر فيها الطاعة والعصيان ولا الموافقة والمخالفة، ولا يثقل كاهل المكلّف بالحكم بالإباحة كلّ ذلك واضح عند التدبّر.
فإن قلت: كيف تكون الإباحة من مقولة الحكم دون التكليف مع أنّ الحكم منحصر في التكليفي والوضعي، وعلى هذا فالإباحة الاقتضائية من مقولة التكليف أخذاً بحصر الحكم فيهما.
قلت: إنّ تسمية الأحكام الخمسة بالأحكام التكليفية من باب الغلبة، لأنّ الأربعة الباقية من مقولته.
نعم الإباحة الوضعية ـ كما في قوله سبحانه: (أَحلّ اللّه البيع)ـ بمعنى إمضاء البيع وجعله ماضياً إمّا من مقولة التكليف، أو موضوع للتكليف ولعلّ الثاني أظهر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ في مورد الإباحة الذاتية حكم شرعي نابع من ملاك ذاتي في الفعل تقتضي إنشاء التسوية والترخيص وليس هناك من جانب المولى تكليف ملقى على عاتق العبد.
نعم الإباحة من الأحكام الشرعية فلو قلنا بالموافقة الالتزامية يجب الاعتقاد

صفحه 81
بها تفصيلاً وإن لم نقل بكفاية الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي فليس في موردها تكليف وبالتالي امتثال.

الثاني: مصب حق الطاعة هو التكليف لا مطلق الحكم

إنّ حقّ الطاعة عبارة عن تحمّل العبد مسؤولية أمام المولى، ولزوم مثوله بين يديه فيما أمر به أو نهى عنه، فتختص بالطبع بموارد التكليف ولا تعمّ مطلق الحكم وبالتالي لا تشمل الإباحة الاقتضائية المعلومة تفصيلاً فضلاً عن الإباحة المحتملة.
كلّ ذلك لا لأجل التمسّك بلفظ الطاعة والجمود عليه، بل لأنّ واقع الطاعة الذي هو عبارة عن مثول العبد أمام المولى يُحدِّد حقيقة الطاعة بما إذا كان العبد مسؤولاً عمّا كُلِّف به. وأمّا الأحكام الإباحيّة الّتي ليس للمولى فيها طلب ولا بعث للعبد فلا موضوع هناك للطاعة ولا للمسؤولية.
وعندئذ فإذا دار الأمر بين كون الحكم الواقعي حكماً تكليفياً مشتملاً على ملاك مقتض للإلزام أو حكماً ترخيصياً مشتملاً على ملاك يقتضي الترخيص والتسوية بين الفعل والترك.
فإن قلنا: إنّ حقّ الطاعة يختصّ بالتكاليف المبيّنة من جانب المولى ـ كما هو المختار ـ لم يكن في مورد الشبهة أيّ موضوع لحقّ الطاعة. أمّا بالنسبة إلى الوجوب المحتمل فلأجل اختصاص القاعدة بالوجوب المعلوم لا المحتمل.
وأمّا بالنسبة إلى الإباحة الاقتضائية فلأجل عدم وجود موضوع للطاعة حتّى يحكم العقل بوجوب الطاعة.
وأمّا إذا قلنا: إنّ حقّ الطاعة يسع التكاليف المعلومة والمظنونة والمحتملة

صفحه 82
فلا يزاحمه احتمال كون الحكم الواقعي إباحة اقتضائية. لعدم وجود موضوع للطاعة فيها ويتفرَّد الحكم الإلزامي المحتمل بالطاعة.
فإن قلت: هب: انّ الإباحة الاقتضائية ليست من أقسام التكليف ولا يتصوّر فيها الامتثال والعصيان لكن الغرض من إنشائها هو تيسير الأمر على المكلّف وإطلاق العنان له بين الفعل والترك.
وعلى هذا فلو كان الأمر دائراً بين كونه واجباً أو مباحاً اقتضائياً، فإيجاب الاحتياط بمقتضى قاعدة حقّ الطاعة وإلزام المكلّف بالأخذ بالفعل ينافي ملاك الإباحة الاقتضائية الّتي مدارها إعطاء المكلّف كامل الحرية بين الفعل والترك، فكون الفعل محتمل الوجوب يقتضي الإلزام والضيق، كما أنّ كونه محتمل الإباحة يقتضي التيسير والسهولة وإطلاق العنان، فشمول القاعدة لهذه الصورة يوجد التزاحم بين الملاكين المحتملين.
قلت: إنّ الغرض من جعل الإباحة الاقتضائية يتلخّص في أمرين:
الأوّل: اعتقاد المكلّف بكون حكم اللّه في هذا المورد هو الإباحة لا غير، وهذا هو المسمّى بالموافقة الالتزامية، فلو كان الحكم أي الإباحة معلومة بالتفصيل وجب الاعتقاد بإباحتها تفصيلاً، وإن لم تكن معلومة بالتفصيل كما في المقام كفى الاعتقاد بصحّة ما جاء به النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في هذا المورد إجمالاً، كلّ ذلك بناء على وجوب الموافقة الالتزامية.
الثـاني: ترخيـص المكلّف علـى الصعيـد العملـي مـن جانـب الشارع دون أن يكـون هنـاك إلـزام. فــإذا كـان المطلـوب من جعل الإباحة الاقتضائية، هو الترخيص بما هوهو فهذا حاصل غير منتف، إذ ليس من جانب المولى أي

صفحه 83
إيجـاب أو تحـريم بـل حكم بالتسوية بيـن الفعل والترك، ولكنّـه لا ينافـي أن يتعلّـق إلزام بالفعـل المبـاح القطعـي، فضلاً عـن المحتمـل، لأجل انطباق عنوان آخر.
ويشهد على صحّة ما ذكرنا الأمران التاليان:
1. انّ الفعل المباح، إذا صار مبدأ للضرر والحرج، يعرض عليه اللزوم دون أن يتصوّر وجود التزاحم بين ملاك الإباحة الاقتضائية، وملاك حرمة الضرر والحرج حتّى يكون تقديم حكمهما على الأُولى من باب الأولوية والأحقية، لأنّ اقتضاء التسوية بما هوهو لا ينافي ترجيح أحد الطرفين لأجل عامل خارجي، فاقتضاء الميزان، تساوي الكفّتين، لا ينافي ترجيح أحد الطرفين بعامل خارجي، فلا موضوع للتزاحم حتّى يرجح أثر العامل الخارجي على التساوي الداخلي.
2. انّ الفعل المباح ربّما يقع مقدّمة للواجب والحرام فإذا قلنا بالملازمة بين حكمي المقدّمة وذيها، فعندئذ يعرض عليها الإلزام بالفعل والترك، ولا يتصوّر فيه أي تزاحم بين ملاك الحكمين، حتّى يكون تقديم الإلزام على الإباحة من باب الأهميّة والأولوية.
وما ربما يقال: من أنّ العبد في الإباحة الاقتضائية مكلّف بحفظ غرض الشارع ومقصده، وهو الترخيص والتسهيل، فغير مفيد فإن أُريد انّه مكلّف في مرحلة الاعتقاد، فهو صحيح فأيّ اعتقاد بحكم الفعل يضاد الإباحة فهو تشريع محرم.
وإن أُريد انّه مكلّف به في مرحلة العمل فهو لازم الاتّباع لكن لو لم يحمله

صفحه 84
عامل خارجي على الأخذ بأحد الطرفين إلزاماً.
***
تمّ الكلام حول القاعدتين يوم اندلعت نار الحرب بين الحكومة العراقية
وقوات الاحتلال: البريطانيّة والإمريكيّة ـ خذلهما اللّه ـ
وذلك في يوم الخميس، السادس عشر من
شهر محرم الحرام من شهور عام 1424هـ.
اللّهم احفظ الإسلام والمسلمين،
وردّ كيد الظالمين إلى
نحورهم وبلادهم.

صفحه 85

الرسالة الثالثة

دور العرف وسيرة العقلاء

في استنباط الأحكام


صفحه 86

صفحه 87

دور العرف وسيرة العقلاء

في استنباط الأحكام

العرف والسيرة والعادة وبناء العقلاء ، أسماء أربعة تهدف إلى معنى واحد، وهي ألفاظ كثيرة الدوران على ألسنة الفقهاء، وربّما يعتمد عليها القضاة في فصل الخصومات، كما يعتمد عليها الفقهاء في تبيين المفاهيم وتمييز المصاديق،وأحياناً في استنباط الأحكام ونحن نستخدم كلمة العرف تارة والسيرة أُخرى.
وهل العرف، حجّة شرعية يُستنبط منه حكم كلّي شرعي كسائر المسائل الأُصولية ويصبح البحث عن حجّيته بحثاً أُصولياً كالبحث عن حجّية خبر الواحد، أو لا؟ فسنرجع إليه عند بيان مجالاته.
وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً تسلّط الضوء على المقصود:

صفحه 88

1

تقديم أُمور

1. لقد حاول بعض المعاصرين إلغاء الأحكام الشرعيّة الواردة في الأصعدة المختلفة بإحلال ما عليه العرف العام مكانها، وهؤلاء هم المنكرون لخاتميّة الإسلام، وأنّ تشريعاته كانت تشريعاً مؤقّتاً إلى أن يبلغ المجتمع درجة من الرقي يستغني بها عن تشريع السماء، وخطابنا في هذه الرسالة غير موجّه إليهم، وإنمّا نحن نتكلّم مع من يحترم تشريع الإسلام في عامّة الأصعدة غير أنّه يتخذ العرف طريقاً لاستنباط الحكم الشرعي أو العمل به فيما لا نصّ فيه كما يظهر ذلك في ثنايا الرسالة.
2. إنّ للعرف دوراً واضحاً في فهم الأحكام الشرعية في مختلف المجالات ولكنّ فقهاءنا لم يفتحوا له باباً ولم يخصّوا له فصلاً وإنّما أشاروا إلى ما له من دور في مناسبات مختلفة في شتّى الأبواب،وهذا ما صار سبباً لتعطش طلاب الحوزة إلى معرفة مكانته ودوره في الاستنباط، ولقد كتبنا في ذلك في مقدّمة موسوعة طبقات الفقهاء ـ القسم الأوّل ـ كما طرحناه على وجه الإيجاز في الجزء الثاني من كتاب «الوسيط في أُصول الفقه»، ولكن الموضوع بحاجة إلى تفصيل أكثر.
3. ويكفي في الإشارة إلى أهميّة الفهم العرفي أنّ القرآن الكريم قد أنزل

صفحه 89
بلسان قوم النبي وقال سبحانه: (ما أَرسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبيّن لَهُم...)1 ، فنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وهو كتاب عالمي حجّة على الناس على ضوء ما يدركه العربي الصميم في عصر النزول، فالخطابات القرآنية حجّة للأجيال المتأخّرة على نفس القياس.
ويكفي في أهمية الموضوع أنّ قسماً من الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى الاختلاف في ما هو المفهوم من الكتاب والسنّة عند العرف.
يقول الإمام الخميني في بيان شرائط الاجتهاد: «الأنس بالمحاورات العرفية، وفهم الموضوعات العرفية ممّا جرت محاورة الكتاب والسنّة على طبقها والاحتراز عن الخلط بين دقائق العلوم والعقليات الرقيقة، وبين المعاني العرفية العادية، فإنّه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله كما يتّفق كثيراً لبعض المشتغلين بدقائق العلوم الخلط بين المعاني العرفية السوقية الرائجة بين أهل المحاورة المبني عليها الكتاب والسنّة والدقائق الخارجة عن فهم العرف».2
ولذلك يجب على المجتهد في فهم المفردات والجمل التركيبية الرجوع إلى المعاجم الأصلية التي تذكر معاني الألفاظ ومقاصد التراكيب في عصر النزول، وممّا لا شكّ فيه طروء التطور على كثير من المفاهيم عبر القرون الغابرة وهكذا مفاد الهيئات التركيبيّة.
4. ذكروا للعرف تعاريف مختلفة، ولعلّ أفضلها ما ذكره الأُستاذ خلاف: «العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك».3

1 . إبراهيم:4.
2 . الرسائل للإمام الخميني: 96.
3 . عبد الوهاب خلاّف،علم الأُصول: 99.

صفحه 90
وإن شئت قلت: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه من فعل شاع بينهم أو قول تعارفوا عليه.
5. الفرق بينه و بين الإجماع هو انّه يشترط في الإجماع الاتّفاق في المسائل الولائيّة كالإمامة أو اتّفاق المجتهدين في المسائل الفقهية، بخلاف العرف فيكفي فيه الأكثرية الساحقة، ولا يشترط فيه الاجتهاد، بل القارئ والأُمّي فيه سواء.
6. ينقسم العرف إلى: عام، وخاص.
والمراد من الأوّل: ما يشترك فيه أغلب الناس على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وثقافاتهم، كرجوع الجاهل إلى العالم.
والثاني: ما يشترك فيه فئة من الناس في مكان أو زمان معيّن، وهذا ما يعبّر عنه بالآداب والرسوم المحلّية.
7. ينقسم العرف إلى: عملي كبيع المعاطاة في أغلب البيئات، وقوليّ كلفظ الولد حيث يستعمل عند العراقيين في الذكر دون الأُنثى خلافاً لقوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن)1، فلو وقف الواقف مزرعة على الأولاد فلا يتبادر عندهم إلاّ الذكور منهم.
8. ينقسم العرف إلى: صحيح، وفاسد.
والمراد من الأوّل: ما لا ينافي عمومات الكتاب والسنّة ولا سائر الأدلّة، كتأجيل بعض المهر وتعجيل البعض الآخر.
والمراد من الثاني: ما يخالف الحكم الشرعي، كالعقود الربوية واختلاط النساء بالرجال في مجالس اللهو.
قد قام التشريع الإلهي بردّ بعض الأعراف من رأس كالبيع الربوي والغرري

1 . النساء:11.

صفحه 91
انطلاقاً من قول الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن قائلاً:«وأمِتْ أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام».1 كما قام بإقرار بعض العادات والأعراف دون أن يتصرّف فيها إلاّ بشيء بسيط، كالنكاح والطلاق والبيع والإجارة والرهن.
9. إنّما يعتبر العرف عنصراً في الشرع إذا لم يكن في مجراه حكم شرعي. وبتعبير آخر: يكون المورد، منطقة فراغ، وإلاّ فلو كان هناك حكم شرعي فلا يكون العرف مورداً للاعتماد.
10. إنّ مصب البحث هو صيرورة العرف مصدراً لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، كخبر الواحد والإجماع المنقول والشهرة على القول بحجّيتها، وإلاّ فمجرد كونه ممّا يرجع إليه الفقيه في تبيين المفاهيم أو تمييز المصاديق أو القاضي في القضاء وفصل الخصومات لا يكون سبباً لعدّه من المسائل الأُصولية .

1 . من كلمات الرسول في خطابه التاريخي في حجة الوداع، ولقد نقله الفريقان باختلاف يسير ولعلّ ما نقله ابن شعبة الحراني في «تحف العقول» أفضل وأجمع ممّا نقله ابن هشام في سيرته، تحف العقول: 25.

صفحه 92

2

دور العرف في فهم المقاصد

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّ للعرف أو السيرة مجالات يعتمد عليها الفقيه أو القاضي في مختلف الموارد نأتي بها واحداً بعد الآخر:

1. الرجوع إلى عرف أهل اللغة

العرف هو المرجع في فهم اللغة وتشخيص معاني الألفاظ وما وضعت له، وقد أُلّفت معاجم اللغة من عصر الخليل (المتوّفى170هـ) إلى يومنا هذا على ضوء الرجوع إلى أهل اللغة، وقد حققنا في محله، انّ تنصيص أهل اللغة حجّة تحت شرائط خاصة، ليس المقام مناسباً لبيانها.

2. الرجوع إلى العرف في تبيين المفاهيم

1. إذا وقع البيع والإجارة وماشابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شيء في صدقه أو صحّته أو مانعيته شرعاً فالصحة عند العرف دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.
إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع

صفحه 93
تبادر غيره وكمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات، إذ يكون تركه إغراء بالجهل، وهو لا يجوز.
وبهذا تحلّ المشكلة المعروفة في التمسّك بالعمومات والإطلاقات في أبواب المعاملات، حيث يتمسّك بإطلاق: (أحلّ اللّه البيع) أو عموم قوله: (أَوفوا بالعقود) عند الشكّ في الجزئية والشرطية، وعندئذ يستشكل بأنّه إذا كانت ألفاظ المعاملات أسماء للصحيح منها فمرجع الشكّ في الشرطية والجزئية، إلى الشكّ في صدق الموضوع، فيكون المورد من قبيل التمسّك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لهما.
ويجاب بانّه إذا كان مفهوم البيع عند العرف أوسع من الواجد للجزء أو الشرط المشكوك وجوبهما، نستكشف من ذلك، كونه كذلك عند الشرع، فالصحيح عرفاً يكون طريقاً إلى ما هو الصحيح شرعاً إلاّ إذا قام الدليل على الخلاف. وممّن صرّح بذلك الشيخ الأنصاري في أوّل المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع قال: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصحّ لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف، بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّما خرج بالدليل.1
2. لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في تحديدهما إلى العرف.
قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي

1 . المتاجر:80، ط تبريز.

صفحه 94
يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من ردّالناس إلى عرفهم.1
3. لو افترضنا الإجمال في حدّالغناء، فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.
4. «الاحياء» ورد في الشرع مطلقاً من غير تفسير كقوله: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له»2 ،فلابدّ فيه من الرجوع إلى العرف والتعويل على ما يسمّى في العرف «احياء».3
5. وقد ورد لفظ «المؤونة» في قولهعليه السَّلام: «الخمس بعد المؤونة»4 ومفهوم «العيال» في وجوب الفطرة وغيره5، فالمرجع في تفسير هذه المفاهيم هو العرف، كما أنّ المرجع في تفسير الاستحالة والانقلاب هو العرف، فإنّ الاستحالة هي إحدى المطهرات، كاستحالة الكلب ملحاً، أو انقلاب الخمر خلاً، فالتشخيص في تعيين ذينك المفهومين على عاتق العرف.
يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الأُصول.6
يقول الإمام الخميني رحمه اللّه : أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنـوان فصحيح لا محيص عنـه إذا كـان الموضـوع مأخـوذاً فـي دليـل لفظي

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.
2 . الوسائل:17، الباب 1 من كتاب الإحياء، الحديث5.
3 . كفاية الأحكام:241.
4 . الوسائل:6، الباب12 من أبواب الخمس، الحديث 1.
5 . الوسائل:6، الباب5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث6 وغيره.
6 . مفتاح الكرامة:4/229.

صفحه 95
أو معقد الإجماع.1والشاهد في قوله«والعنوان». وكان الأولى أن يقول:«وتحديد العنوان».

3. الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

قد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً للأحكام، ولكن ربّما يعرض الإجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً له أو لا .
وهذا كالوطن والصعيد والمفازة والمعدن والحرز في السرقة والأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربّما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.
يقول المحقّق الأردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الأُمور المطلقة غير المعيّنة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة، بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب، والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الأمثلة تأمّلاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب، وهو ظاهر.2
ومع ما للعرف من الدور في فهم الحكم الشرعي وتطبيقه على المصداق ولكن ذلك الدور للعرف الدقيق لا للعرف المتهاون، وقد كان سيدنا الأُستاذ السيد الخميني قدَّس سرَّه يركّز على ذلك في دروسه الشرعية، فلو وصف العرف ما يبلغ وزنه تستعمائة وتسعة وتسعين كيلو بكونه طُناً فلا عبرة به، لأنّه عرف متسامح،

1 . البيع: 1/331.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:10/279ـ 280.

صفحه 96
وأمّا العرف الدقيق فيقول: إنّه ينقص من الطن كيلو واحد، نعم لون الدم وإن كان في العقل الدقيق من أقسام الدم لكنّه عند العرف حتّى الدقيق لونه لا نفسه، فيوصف بالطهارة لا بالنجاسة.
فإن قلت: انّ المختار عند المحقّق النائيني هو أنّ العرف مرجع في المفاهيم دون المصاديق قال:
فالتعويل على العرف إنّما يكون في باب المفاهيم، ولا أثر لنظر العرف في باب المصاديق، بل نظره إنّما يكون متبعاً في مفهوم «الكرّ» و «الفرسخ» و «الحقّة» و نحو ذلك; وأمّا تطبيق المفهوم على المصداق: فليس بيد العرف، بل هو يدور مدار الواقع; فإن كان الشيء مصداقاً للمفهوم ينطبق عليه قهراً، وإن لم يكن مصداقاً له فلا يمكن أن ينطبق عليه.
قلت: انّهقدَّس سرَّه يخطّئ مرجعية العرف المتسامح لا الدقيق ولذلك يقول بعد كلامه المتقدّم: ولو فرض أنّ العرف يتسامح أو يخطئ في التطبيق، فلا يجوز التعويل على العرف في تطبيق المفهوم على المصداق مع العلم بخطائه أو مسامحته أو مع الشكّ فيه، بل لابدّ من العلم بكون الشيء مصداقاً للمفهوم في مقام ترتيب الآثار.1

4. كشف العرف عن مراد الشارع عند الملازمة العادية

إذا كان بين الحكم الشرعي المنطوق والحكم الشرعي الآخر غير المنطوق ملازمة عادية ينتقل العرف من الحكم الأوّل المجعول إلى الحكم الثاني وإن لم يكن ملفوظاً، وهذا كما إذا دلّ الدليل على طهارة الميت بعد الأغسال الثلاثة فهو

1 . فوائد الأُصول:4/574، النشر الإسلامي.

صفحه 97
يلازم طهارة يد الغسّال، والخشب الذي أجرى الغسل عليه وسائر الأدوات عند العرف.
ونظير ذلك ما دلّ على طهارة الخمر بانقلابه إلى الخل الملازم للحكم بطهارة جميع أطراف الإناء.
ومثله ما دلّ على طهارة العصير العنبي بعد التثليث بناء على نجاسته بالغليان، فإنّ طهارة العصير يلازم عادة طهارة الإناء والأدوات التي كان الطبّاخ يستخدمها.
5. كشف الأعراف عن مقاصد المتكلّم
إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم، يتعاملون في إطارها ويتّفقون على ضوئها في كافّة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكل قرينة حالية لحلّ كثير من الاختلافات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومها، فالمرجع ليس هو اللغة بل ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين، وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك والدجاج.
3. إذا وصّى بشيء لولده،فالمرجع في تفسير الولد هو العرف، ولا يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الأُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّه في أَولادِكُم لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن).1
4. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو

1 . النساء:11.

صفحه 98
جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.
وقد روي عن الإمام الصادق عليه السَّلام فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك انّ الجهاز والمتاع يهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».1
5. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكر يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم، ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
6. ويظهر من المحقّق الأردبيلي قدَّس سرَّه انّ العرف هو المعتمد في تشخيص كون الشيء مكيلاً أو موزوناً حتى يجري فيه الربا المعاوضي، لأنّه يحرم التفاضل في مبادلة المتجانسين إذا كانا مكيلين أو موزونين، دون ما إذا كانا معدودين أو مزروعين. فلو اختلفت البلاد فكان جنس موزوناً في بلد، و معدوداً في بلد آخر،

1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 99
يكون لكلّ بلد حكمه بشرط أن لا يعلم حاله في عهد الرسول، وإليك كلامه:
قال: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لأهله وإن كان في بلد غيره.1
7. الشروط المبنيّ عليها العقد، يجب الوفاء بها وإن لم تذكر في العقد كالبكارة في التزويج عند المسلمين ولو بانت ثيّباً فللزوج حقّ الفسخ إذا لم يدخل بها بعد العلم بحالها .
8. الرجوع إلى العرف في تعيين حريم القرية فانّه يختلف حسب اختلاف الأعراف والعادات.
فقد اتضح ممّا ذكرنا انّ للعرف دوراً في تبيين الموضوع (تبيين المفاهيم)، أو تشخيص المصاديق، أو تشكيل قرينة على مقصود الشارع كما في الملازمات العادية، أو مقصود المتعاملين كما هو الحال في الأعراف والرسوم القومية، أو تشخيص الموضوع عند الشارع كما هو في الشك في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، ومرجع الجميع إلى تشخيص المفاهيم أو الصغريات أو الموضوعات، أو المقاصد.
ومع ذلك يقع في بعض الموارد صغرى لاستكشاف حكم شرعي، وبذلك يعود البحث عن حجّيته، بحثاً أُصولياً كالبحث في حجّية الإجماع المنقول، أو الشهرة الفتوائية.

6. استكشاف الجواز تكليفاً أو وضعاً بالعرف

ربّما يستكشف جواز الفعل تكليفاً أو وضعاً من السيرة العقلائية الدارجة

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.

صفحه 100
بينهم، لكن بشرطين:
1. اتّصال السيرة إلى أعصارهم وكونها بمرأى ومسمع منهم.
2. عدم ردعهم عنها، بقول أو فعل.
وهذا ما نلاحظه في العقود التالية:
1. العقود المعاطاتية في البيع والإجارة والرهن وغيرها، فهي حجّة على مَن يشترط العقد اللفظي في صحّة المعاملات المزبورة.
2. وقف الأشجار والأبنية منفكّة عن وقف العقار، فالسيرة حجّة عند الشكّ في صحّة هذا النوع من الوقوف.
3. دخول الحمام من دون تقديره المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة عينية من دون أن يعين حدّ المسافة.
5. بيع الصبي وشراؤه في المحقرات، دون الجلائل. مع أنّ الثالث والرابع غرريّان، والخامس، ينافيه قول علي عليه السَّلام عمد الصبي خطأ.1 أو قول الصادق: عمد الصبي وخطئوه واحد.2
فإن قلت: يكفي في ردع هذه السير ما دلّ على بطلان البيع والإجارة المجهولين، أو ما ورد في مورد الصبي من أنّ عمده كلا عمد، وقصده كلا قصد.
قلت: إنّ رسوخ هذه السير في حياة المسلمين والفقهاء على نحو لا يمكن لأحد إنكاره، يكشف أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة حول مانعية جهالة المبيع والأُجرة، منصرفان عن هذه الموارد أو ما ورد حول عمد الصبي ناظر إلى غير هذه الصورة.

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث2. بناء على عدم اختصاص الحديثين، بباب الديات.

صفحه 101
فالسيرة في هذه الموارد ونظائرها، كاشفة عن حكم شرعي كلّي وبهذا يصحّ البحث عن حجّيته، مسألة أُصولية. ويكون البحث عن حجّيتها بحثاً أُصوليّاً.
وبهذا تبيّن انّ الاحتجاج بالسيرة يتوقّف على وجود شرطين:
1. اتّصال السيرة بعصر المعصومينعليهم السَّلام وكونها بمرأى ومسمع منهم.
2. عدم ردع صريح عنها.
فخرج بالشرط الأوّل العقود التالية الرائجة بين العقلاء الحادثة في الحضارة الصناعية:
1. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة العصرية، فموافقة العرف لها ليس دليلاً على مشروعيتها، بل يجب التماس دليل آخر عليها.
2. عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء والهاتف والماء وغير ذلك التي تعد من متطلبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون موافقة العرف لها دليلاً على جوازها، فلابد من طلب دليل آخر.
3. بيع السرقفلية: قد شاع بين الناس أنّ المستأجر إذا استأجر مكاناً وسكن فيه مدّة فيصبح له حقّ الأولوية وربما يأخذ في مقابله شيئاً باسم «السرقفلية» حين التخلية.
4. عقود الشركات التجارية على أنواعها الرائجة في عصرنا هذا، ولكلّ منها تعريف يخصّها، ولم يكن لها أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسة إلى دليل آخر وراء العرف، فإن دلّ عليها دليل شرعي يؤخذ بها

صفحه 102
وإلاّفلا يحتج بالعرف.
وخرج بالشرط الثاني: ما يصادم الكتاب والسنّة نظير السير التالية:
1. اختلاط الرجال بالنساء في الأفراح والأعراس.
2. المعاملات الربوية بأنواعها.
3. اشتراط المرتهن الانتفاع من العين المرهونة.
4. اشتراط رب المال في المضاربة قدراً معيناً من الربح لا بالنسبة بهذه السيرة، لأنّه يحتج بها.

هل السيرة دليل مستقل أو راجع إلى السنّة؟

قد عرفت أنّ السيرة تستخدم تارة في تبيين المفاهيم وتشخيص المصاديق، وأُخرى في استكشاف مرادات الشارع فيما يرجع إلى الدلالات الالتزامية بالنسبة لكلامه، وثالثة مقاصد المتكلّم الذي وقع فعله أو كلامه موضوعاً للحكم الشرعي، إلى غير ذلك من الموارد التي لا تتجاوز عن تشخيص الصغرى أو الموضوع للحكم الشرعي، دون أن يقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، وبذلك لا يصلح أن تعدّ السيرة مسألة أُصولية يستنبط بها، الحكم الشرعي الكلّي.
نعم السيرة المتّصلة في قسم من المعاملات بعصر المعصوم وسكوتهم عنها وعدم ردعهم ربّما يكون ذريعة لتقريرهم وإمضائهم إذا كانت السيرة بمرأى و مسمع منهم، وهذا وإن كان يصحّح كون البحث عنها مسألة أُصولية، لكنّها لا تخرج عن الكشف عن السنّة التي هي قول المعصوم وفعله و تقريره، فلا يصحّ عدّها أصلاً مستقلاً، أو دليلاً خاصاً وراء الأدلّة الأربعة، فهي داخلة تحت تقرير المعصوم الذي هو قسم من السنّة.

صفحه 103

3

هل العرف من مصادر التشريع؟

هذا حسب أُصولنا ولكن الظاهر من أهل السنّة، انّه من مصادر التشريع لا بمعنى انّه كاشف عن الحكم الشرعي، بل هو خلاّق للحكم الشرعي، نظير الإجماع عندهم، فهو عندهم من مصادره كالكتاب والسنّة، فالإجماع يضفي المشروعية على الحكم المتّفق عليه،ويصير بالاتّفاق حكماً واقعياً إلهياً.
يقول الأُستاذ السوري«وهبة الزحيلي» في مستند الإجماع، بأنّه إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة، فيكون الإجماع مؤيّداً ومعاضداً له; وإمّا دليل ظنّي وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذ من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.1
والسيرة عندهم كالإجماع، غير أنّ الثاني يشترط فيه الاتّفاق والاجتهاد، دون السيرة، غاية الأمر أن لا تكون مخالفة لنصّ الكتاب والسنّة أو روح الشريعة ولذلك اشتهرت في ألسنة فقهائهم.
إنّ العرف عندهم من مصادر التشريع، وهو أصل أخذ به الحنفية والمالكية

1 . الوجيز في أُصول الفقه: 149.

صفحه 104
في غير موضع النص.
والعرف عندهم ما اعتاده الناس من معاملات و استقامت عليه أُمورهم، وهذا يُعدّ أصلاً من أُصول الفقه، ولذلك ذكر الفقهاء من الحنفية والمالكية: أنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي.
ويقول السرخسي في «المبسوط»: الثابت بالعرف كالثابت بالنص. ومعناه أنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل يعتمد عليه كالنص حيث لا نص.
وقالوا أيضاً: العرف شريعة محكمة، والعرف المعتبر ما يخصّص به العام ويقيد المطلق.1
يقول محمد أبو زهرة في حقّ العرف من منظار الحنفية والمالكية: إنّ العلماء الذين يقرّرون أنّ العرف أصل من أُصول الاستنباط، يقرّرون أنّه دليل حيث لا يوجد نصّ من كتاب أو سنّة. وإذا خالف العرف الكتاب، أو السنّة، كتعارف الناس في بعض الأوقات تناول بعض المحرمات كالخمر، وأكل الربا، فعرفهم مردود عليهم، لأنّ اعتباره إهمال لنصوص قاطعة، واتّباع للهوى وإبطال للشرائع، لأنّ الشرائع ما جاءت لتقرير الفساد.
ثمّ قال: إنّ العرف قسمان: عرف فاسد لا يؤخذ به، وهو الّذي يخالف نصاً قطعياً، فإنّ هذا يرد; والقسم الثاني عرف صحيح، فإنّه يؤخذ به ويعتبر الأخذ به أخذاً بأصل من أُصول الشرع.2
ما أفاده الأُستاذ أبو زهرة من تخصيص حجّية العرف في مجال ما لا نصّ فيه

1 . رسائل ابن عابدين: رسالة نشر العرف الذي فرغ منها عام 1241هـ، ومصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف مطابع دار الكتاب العربي وغيرهما.
2 . أُصول الفقه، للأُستاذ محمد أبو زهرة:255، ط مصر، دار الكتاب العربي.

صفحه 105
وانّه لا يحتجّ به إذا خالف الكتاب والسنّة، ممّا لا غبار عليه.
إنّما الكلام في جواز الاعتماد عليه في كشف الحكم الشرعي الكلّي، سواء أكان سائداً في عصر المعصوم أو لا.
قال أبو زهرة: العرف العام هو الّذي اتّفق عليه الناس في كلّ الأمصار، كدخول الحمام واطّلاع الناس بعضهم على عورات البعض أحياناً، وعقد الاستصناع. نعم العرف الخاص الّذي يسود في بلد أو طائفة فإنّ هذا العرف لا يقف أمام النص.1
وقال ابن عابدين: وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص للنصّ الّذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا ترك للنص، لأنّا عملنا بالنصّ في غير الاستصناع.2
وهذه الجمل توضح موقفهم من العرف وانّه حجّة فيما نصّ فيه وانّه ربما يكون مصدراً للتشريع بل مخصصاً له. وهذا هو المدّعى، ولنذكر دلائلهم على مدّعاهم.
ثمّ إنّهم استدلوا على حجّية العرف ببعض الآيات والروايات:
1. قوله سبحانه:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ).3
قال ابن عابدين: واعلم أنّ بعض العلماء استدلّ على اعتبار العرف بقوله سبحانه:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ).4

1 . أُصول الفقه:255ـ 256.
2 . سيوافيك توضيح عقد الاستصناع.
3 . الأعراف:199.
4 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف:113.

صفحه 106
والاستدلال مبني على أنّ المراد به المتعارف بين الناس كما هو المتبادر من هذا اللفظ في مصطلح اليوم; ولكن الظاهر أنّ المراد هو كلّ خصلة تعرف صوابها العقول وتطمئن إليها النفوس ولا صلة له بالرسوم والأعراف القومية.1
يقول السيد الطباطبائي: العرف هو ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير الجميلة الجارية بينهم، بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الاجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة.2
والإمعان فيما ورد في الآية من الجمل الثلاث، يكشف عن أنّه سبحانه يأمر النبي بالأخذ بخصال ثلاث كلّها خير وصلاح، وهي:
أ. العفو عن المجرم وقبول عذره وبالتالي المداراة مع الناس.
ب. الدعوة إلى خصال الخير التي يعرفها العقل والشرع.
ج. الصبر و الاستقامة أمام إيذاء الجاهلين.
وأين هذا من دلالة الآية على العادات السائدة بين الناس، سواء أكانت لها جذور في العقل والشرع أم لا؟
ولذلك فسّر السيوطي الآية بالنحو التالي:
(خذ العفو): اليسر من أخلاق الناس، ولا تبحث عنها (وأْمر بالعرف): المعروف، (وأعرض عن الجاهلين): فلا تقابلهم بسفههم.3
وعلى ضوء هذا فالاستدلال بالآية على اعتبار الحسن والقبح العقليين أظهر من الاستدلال على غيره، فالعقل يدرك حسن الأفعال وقبحها في مجالات مختلفة.

1 . مجمع البيان:2/212.
2 . الميزان:9/330.
3 . تفسير الجلالين:222.

صفحه 107
2. قولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند اللّه حسن».1
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الرواية على فرض صحّة سندها تهدف إلى الحسن العقلي، الّذي رآه المسلمون حسناً حسب ضوء العقل وإرشاده فهو عند اللّه حسن، للملازمة بين ما يدركه العقل وما هو عند اللّه.
أضف إلى ذلك أنّ الحديث موقوف راوه عبد اللّه بن مسعود دون أن يسنده إلى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.
قال ابن عابدين: ناقلاً عن كتاب الأشباه: القاعدة السادسة: العادة محكم وأصلها قولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم :ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن. قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنّما هو من قول عبد اللّه بن مسعود موقوفاً عليه أخرجه الإمام أحمد في مسنده.2
3. انّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أمضى بعض الأعراف السائدة بين العرب، مثلاً أمضى ما سنّه عبد المطلب في دية الإنسان وانّه مائة من الإبل كما أمضى انّ الدية على العاقلة.
إنّ الرسول لمّا وجد عرف أهل المدينة جارياً على بيع السلم وعلى بيع العرايا وأصبح هذان النوعان من البيوع الّتي لا يستغني عنهما المتعاملون أباحهما، فرخّص في السلم ورخّص في العرايا مع أنّ كلاً منهما حسب الأحكام الشرعية عقد غير صحيح، لأنّ السلم بيع مبيع غير موجود وقت البيع بثمن حال فهو

1 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف:113.
2 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف: 113; لاحظ مسند أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، الحديث 3418.

صفحه 108
عقد على معدوم، وقد نهيصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن بيع المعدوم.
والعرايا: عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجاف، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين، وقد نهيصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً، ولكن ضرورات الناس دعتهم إلى هذا النوع من التعامل وجرى عرفهم به فراعى الرسول ضرورتهم وعرفهم ورخّص فيه.1
أقول: كأنّ الأُستاذ خلاف يهدف بكلامه هذا إلى أنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إذا اعترف ببعض الأعراف الّتي كانت تنسجم مع حياة الناس، فنحن أيضاً إذا واجهنا سيراً تنسجم مع حياة الناس وتتلاءم معها يلزم علينا إمضاؤها وتطبيق الحياة عليها وإن لم يرد على صحتها نصّ في الكتاب ولا في السنّة.
وعلى ضوء ذلك فكلّما سار عليه العقلاء في الحضارة الصناعية من المعاملات المستحدثة، فتتخذ لنفسها صبغة شرعية اقتداءً بالنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حيث أخذ بالسير السائدة.
نحن نصافق الأُستاذ بالأخذ بهذه السير ولكن بشروط محددّة:
1. أن لا تكون السيرة وما جرى عليه الناس مخالفة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا أظن أنّ الأُستاذ لا يوافقنا في هذا الشرط، وكيف ومجال العرف هو منطقة الفراغ أي في ما لا نص فيه، ولو كان هناك نص ـ سواء أوافق العرف أم خالفه ـ. فلا يكون هناك موضوع للاحتجاج بالعرف.
2. أن يكون ما اعتبره العقلاء موجوداً في عصر الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على نحو كان بمرأى و مسمع منه، وإلاّ فلا قيمة لما اجتمع عليه العقلاء مع إمضاء الشارع وتصديقه.

1 . مصادر التشريع الإسلامي:146.

صفحه 109
وأمّا ما استدلّ به على اعتبار عرف العقلاء بأنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أمضى ما سنّه عبد المطلب في دية الإنسان، أو أمضى أنّ الدية على العاقلة، فهو وإن كان صحيحاً، لكنّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في مقابل الأخذ بهذين ألغى عامّة الأعراف السائدة في الجاهلية وسننها، وجعلها تحت قدميه واستثنى القليل منها، فهو كان أشبه بالتخصيص الأكثر فالأكثر كما قال في خطبة حجة الوداع: وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم ابدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والسعاية.1
على أنّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لمّا كان عالماً بملاكات الأحكام ـ حيث تعلّم من عند اللّه ما تعلّم على وجه وصف سبحانه علمه بالعظمة وقال: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيكَ عَظِيماً)2 ـ ميّز الصالح عن غيره، والصحيح عن الفاسد، فأعطى ما هو لصالح الأُمّة وألغى ما كان فاسداً ومفسداً، وأين علمه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من غيره الّذي وصفه اللّه سبحانه بقوله: (وَمَا أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً)3؟!
هذا كلّه يرجع إلى الاستدلال بإمضاء دية النفس أو كون الدية على العاقلة.
ثمّ إنّه استدلّ ـ كما مرّ ـ بإمضاء عادتين مع كونهما مخالفتين لأُصول الشرع، ألا وهما:
1. أمضى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بيع السلم مع أنّه من أقسام بيع المعدوم.
2. أمضى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بيع العرايا، أي بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، مع أنّهما من المتجانسين اللّذين لا يجوز فيهما التفاضل، مع وجوده في هذا النوع من البيع.

1 . السيرة النبوية:2/603ـ 604; تحف العقول: 29.
2 . النساء:113.
3 . الإسراء:85.

صفحه 110
أقول: أمّا الأوّل: أعني: تشريع بيع السلم، فلم يكن منهياً عنه حتّى يرخّص النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فيه، وذلك لأنّ المنهي عنه هو قوله: «ولا بيع ما ليس عندك»1 ، وهو ناظر إلى بيع العين الشخصية الّتي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها فضوليّاً ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه، وأين هذا من بيع السلم؟!
فإنّ السلم عبارة عن ابتياع مال مضمون في ذمّة البائع إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه، والمبيع كلّي في ذمّته لا عين شخصيّة.
ولذلك اشترط الفقهاء فيه أُموراً منها ذكر الجنس والوصف، لأنّه يختلف لأجلهما الثمن، بخلاف العين الشخصية فإنّها محسوسة مشاهدة.
يقول ابن عباس: اشهد انّ السلف المضمون إلى أجل مسمّى قد أحلّه اللّه في كتابه وأذن فيه، ثمّ قرأ قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)2. 3
وبذلك يعلم أنّ عقد الاستصناع ـ هو عقد مقابل مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً ـ لا صلة له بالنهي عن بيع ما ليس عندك.
وقد صرّح بما ذكرنا بعض فقهاء السنّة منهم:
ابن تيمية حيث قال: وأمّا قولهم «السلم على خلاف القياس» فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «لا تبع ما ليس عندك» وأرخص في السلم. وهذا لم يرو في الحديث، وإنّما هو من كلام بعض الفقهاء، وذلك أنّهم قالوا: السلم بيع الإنسان ما ليس عنده، فيكون مخالفاً للقياس.

1 . بلوغ المرام:815 برقم 820. قال: ورواه الخمسة، وروي أيضاً: «ولا تبع».
2 . البقرة:282.
3 . مستدرك الحاكم:2/286.

صفحه 111
ونهي النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إمّا أن يراد به بيع عين معينة، فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه. وفيه نظر. وإمّا أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه، وإن كان في الذمّة. وهذا أشبه. فيكون قد ضمن له شيئاً لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة.
فأمّا السلم المؤجل، فإنّه دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجّل، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجّلاً في الذمّة، وكون العوض الآخر مؤجّلاً في الذمّة، وقد قال تعالى:(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ) قال ابن عباس: أشهد أنّ السلف المضمون في الذمّة حلال في كتاب اللّه، وقرأ هذه الآية.
فإجابة هذا على وفق القياس لا على خلافه».1
ومنهم ابن القيم حيث قال في «إعلام الموقعين»: «وأمّا السلم، فمن ظن أنّه على خلاف القياس فوهم دخوله تحت قول النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لا تبع ما ليس عندك» فإنّه بيع معدوم، والقياس يمنع منه.
والصواب أنّه على وفق القياس، فإنّه بيع مضمون في الذمّة موصوف مقدور على تسليمه غالباً، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدّم أنّه على وفق القياس.
وقد فطر اللّه العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمّته، مقدور في العادة على تسليمه. فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع».2

1 . الموسوعة الفقهية:25/195، نقلاً عن: مجموعة فتاوى ابن تيمية:20/529.
2 . الموسوعة الفقهية:25/195ـ 196، نقلاً عن: إعلام الموقعين عن رب العالمين(مراجعة طه عبد الرؤوف سعد):2/19.

صفحه 112
وأخيراً نضيف أنّ الحياة الاجتماعية في الوقت الحاضر متوقّفة على بيع السلم والسلف، فالكثير من أصحاب الصنائع وغيرهم يحتاجون إلى أدوات وأجهزة غير موجودة في الخارج وإنّما يهيّئونها حسب ما يطلبونها منهم، ومن المعلوم أنّ الإسلام دين الفطرة فكيف ينهى عنه أوّلاً ثمّ يرخصه؟
نعم ربّما كان بيع السلف عندهم أوسع ممّا سنّه الشارع، ولذلك يقول ابن عباس:قدم النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في تمر فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».1 ولو تصرّف فيه الشارع فإنّما حدّده بشرائط خاصّة.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل وقد عرفت أنّ تجويز السلم لم يكن استثناءً من المنهي عنه.

حول بيع العرايا

وأمّا الثاني: أعني «بيع العرايا الّذي هو عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين» فهو ليس استثناءً من الضابطة، أعني: شرطية تساوي المتجانسين كيلاً و وزناً عند مبادلتهما وذلك بالبيان التالي:
إنّ أبا سعيد الخدري قد روى عن رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مثلاً بمثل ولا تشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاً بمثل، ولا تُشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز».2

1 . بلوغ المرام:174 برقم 874.
2 . بلوغ المرام:170برقم 852.

صفحه 113
وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُـرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل ، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».1
فمورد الروايات هو المكيل والموزون من الجانبين فيحرم فيهما التفاضل، وأمّا الثمرة على الشجرة فهي ليس ممّا يوزن أو يكال عند البيع، بل هي من قبيل المشاهدات ولذلك يغتفر فيها الجهل إلى حدّ والتفاضل. فالتبادل فيها ولو بالتفاضل الرائج غير داخل في النصّ.
وبعبارة واضحة: ما ذكره الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم راجع إلى المكيل والموزون وبيع العرايا ليس من قبيل المكيل والموزون ولو من جانب واحد، بل من قبيل المشاهدات فيختلف حكمه عن حكمهما.
فتبيّن أنّ ما زعمه الأُستاذ من أنّ ترخيص بيع السلم أو العرايا كان من قبيل تقديم العرف على النص وانّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بنفسه قام بذلك ممّا لا أساس له.
فالنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أجلّ من أن يقدّم عادة الناس على التشريع الإلهي، إلاّ أن يأذن اللّه سبحانه.

1 . المصدر السابق.

صفحه 114

4

العادة كالقرينة الحالية

ثمّ إنّ فقهاء السنّة ذكروا تخريجات في المقام زاعمين أنّ للعرف بما هوهو دوراً في استنباط الحكم الجزئي للمورد، غافلين عن أنّ العرف، قسم من القرائن، وهو كالقرينة الحالية الّتي هي نظيرة القرينة المقالية فيجب اتباعهما، والعرف الخاص والعرف العام من أقوى القرائن على توجيه الكلام.
وهانحن نذكر فروعاً من التخريحات التي ذكرت في مجلة الأحكام الّتي كانت تُدرّس في معاهد الحقوق من زمن بعيد في البلاد العربية.
وكلّ ما ذكر فيها للعرف من شأن فهو لأجل كونه قرينة حالية يعتمد عليها المتكلّم في محاوراتهم ومعاملاتهم لا غير، وإليك هذه الفروع:
1. كلّما كان من توابع العمل ولم يشترط على الأجير يعتبر فيه عرف البلدة وعادتها: فالعادة في الخيط أن يكون على الخياط، وفي الحبل أن يكون على المكاري، وكذلك يعتبر العرف في اللجام والسُّرج إذا استؤجر الحيوان للركوب. فلو اشترط على أحد الطرفين القيام بتوابع العمل فهو، وإلاّ فالعرف هو المتبع.
2. وإذا استأجر كاتباً فالقلم والحبر عليه.
3. ولو استأجر الدابة فعلف الدابة على المؤجر.

صفحه 115
4. ولو دفع ثوبه إلى صبّاغ ليصبغه ولم يعين له أُجرة، استحقّ أُجرة المثل.
5. لو اشترى شيئاً من السوق بثمن معلوم ولم يصرّحا بحلول ولا تأجيل يتبع العرف والعادة ولعلها هو التعجيل.
6. لو استأجر حجرة في دار إجارة مطلقة لم يقيّدها بلون من الألوان كان له أن يسكنها ويضع فيها أمتعته وليس له استعمالها بما يخالف العادة كأن يشتغل فيها بصنعة الحدادة.
7. إذا وجد المشتري في الحنطة والشعير وأمثالهما من الحبوب المشتراة تراباً، فإن كان ذلك التراب يُعدّ قليلاً في العرف صحّ البيع ولزم، وإن كان كثيراً بحيث يعدّ عيباً عند الناس، كان المشتري مخيراً.
8. البيع المطلق ينعقد معجلاً أمّا إذا جرى العرف في بلده على أن يكون البيع المطلق مؤجلاً أو مقسّطاً إلى أجل معلوم، سينصرف البيع المطلق إلى ذلك الأجل.
9. الهدايا الّتي ترد في الختان والعرس هي لمن ترد باسمه من المختون والعروس والوالد والوالدة، وإن لم يذكر لمن وردت، ولم يمكن السؤال والبحث، فيراعى عرف البلدة وعادتها.
10. إذا وقع العقد على الثمن، فيتبع في تعيين العُمْلة عرف البلدة والعادة الجارية.
11. إذا وقع العقد بثمن له أجزاء فيتبع في تعيين الجزء عرف البلد، فإذا اشترى شيئاً بمائة ألف ريال، فالعرف هو دفع الثمن بعملة كبيرة كالألف وغيره لا بعملة صغيرة كالريال والتومان الواحد.
12. كلّ ما كان في حكم جزء من أجزاء المبيع، أي ما لا يقبل الانفكاك

صفحه 116
عن المبيع نظراً إلى عرف الاشتراء يدخل في المبيع بدون ذكر، كما إذا بيع قفل دخل مفتاحه. وإذا اشتريت بقرة حلوب لأجل اللبن، يدخل فلوها الرضيع في البيع بدون ذكر.و ما لا يكون من مشتملات المبيع ولا هو من توابعه المتصلة المستقرة أو لم يكن في حكم جزء من المبيع أو لم تجر العادة والعرف في بيعه معه، لا يدخل في البيع ما لم يذكر وقت البيع، أمّا ما جرت عادة البلدة والعرف ببيعه تبعاً للمبيع فيدخل في البيع من غير ذكر، فالأشياء غير المستقرة الّتي توضع لأن تستعمل وتنقل من محل إلى آخر كالخزّانة والكرسي و السرير المنفصلات لا تدخل في بيع الدار بلا ذكر.1
وهناك فروع أُخرى مذكورة في الكتب الفقهية يظهر حالها بما ذكرنا. وليس للعرف فيها دور سوى كونه قرينة حالية.
وبهذا يظهر انّ كلمات فقهاء السنّة حول العرف لا تخلو من إغراق، نظير :
1. العرف عادة محكمة.
2. العرف شريعة محكمة.
3. التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
4. الثابت بالعرف كالثابت بالنص.
5. العرف في الشرع له اعتبار.
6. استعمال الناس حجة.
7. الحقيقة تترك بدلالة العادة.
8. العبرة للغالب.

1 . انظر شرح المجلة: ص 13.

صفحه 117
9. المعروف عرفاً كالمشروط.
10. المعروف بين التجار كالمعروف بهم.
إلى غير ذلك من التعابير المتكررة الواردة في مجلة الأحكام1 تحت عناوين مختلفة والّتي يرجع الجميع إلى وجود القرينة الحالية الدالة على المراد.
وفي الختام نلفت نظر القرّاء إلى نكتة، وهي: أنّ دراسة تاريخ التشريع في المجتمعات البشرية تشهد على أنّ كلّ أُمّة لم يكن لها قانون مدوّن لم يكن لها محيص عن التعاطف مع العرف والعادة فكانت تتخذهما قانوناً حاسماً في المخاصمات كما كان الحال كذلك عند الرومان.
وقد كان للعرف والعادة دوراً هاماً في شمال فرنسا إلى عهد نابليون، ولمّا تمّ التقنين العام لمجموع البلد، انحسرت العادة والعرف عن مجال التقنين فلا يعتمد عليهما إلاّ في مجالات التجارة، وأمّا المسلمون فهم ـ بحمد اللّه ـ في غنى عن اتخاذ العرف أساساً للتشريع حيث أغناهم اللّه سبحانه عن كلّ تشريع سوى تشريعه، والحمد للّه على إكمال الدين وإتمام النعمة.
وأمّا إخواننا أهل السنّة فإنّما يلتجئون إلى العرف والعادة في التقنين والتشريع فيما لم يكن له أصل في عصر الرسول بسبب قلّة مصادر التشريع عندهم، فلذلك التجأوا إلى العرف والعادة في التقنين و التشريع.
يقول الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في تحرير المجلّة حول مادّة 36:
«العادة محكّمة، هذا مبنيّ على الأصل المقرّر عندهم من «عدم النص وفقد

1 . انظر شرح المجلة: ص 13، 34، 35، 37، 38، 113، 116، 124، 126، 196، 308، 492.

صفحه 118
الدليل الشرعي على حكم جملة من الحوادث»، خلافاً لما ذهبت إليه الإمامية من عدم خلوّ واقعة من الدليل على حكمها، بالعموم أو الخصوص ، وعلى فرض خلوّ واقعة من النصّ فالعادة عند الإمامية لا يعتبر بها ولا تصلح لإثبات حكم شرعيّ».1
فخرجنا من هذا البحث الضافي بنتيجتين، هما:
1. إذا وقع العرف ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي الكلّي، فهو يرجع لباً إلى السنّة لكن تقريراً وليس دليلاً مستقلاً.
2. انّ الاعتماد على العرف في رفع المنازعات ونظائرها، اعتماد على القرينة الحاليّة وهو ليس بشيء بديع.

1 . تحرير المجلة: 31.

صفحه 119

الرسالة الرابعة

الجمع بين الحكم

الواقعي و الظاهري


صفحه 120

صفحه 121

4

الجمع بين الحكم

الواقعي و الظاهري

إنّ العنوان الواقعي لهذه المسألة عند القدماء هو: جواز التعبّد خبر الواحد عقلاً، ولكنه تغيّر عنوانها في الأعصار المتأخرة من عصر المحقّق البهبهاني(1118ـ 1206هـ) إلى الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري و بقي إلى يومنا هذا.وإليك بعض كلمات القدماء.
قال المرتضى(355ـ 436هـ): إنّ شبهة من أحال التعبّد بالعمل بالخبر الواحد في تخصيص أو غيره، التي عليها المدار ومنها تتفرع جميع الشبه أنّ العموم طريقة العلم فلا يجوز أن يُخصّ بما طريق إثباته غالب العلم . ثمّ قام بقلع الشبهة.1
وقال الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ) في فصل خاص بذكر الخبر الواحد: اختلف الناس في خبر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقال قوم لا يجوز العمل به عقلاً.2

1 . الذريعة:1/281.
2 . العدّة:1/98.

صفحه 122
وقال المحقّق(602ـ 676هـ) في المعارج: يجوز التعبّد بخبر الواحد عقلاً خلافاً لابن قبة(قبل 317هـ).1
وقال الحسن ابن الشهيد الثاني زين الدين العاملي (965ـ 1011هـ) في المعالم: وماعُري من الخبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبّد به عقلاً ولا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفاً سوى ما حكاه المحقّق عن ابن قبة، ويعزى إلى جماعة من أهل الخلاف.2
وفي الجملة عنوان المسألة هو جواز التعبّد وإمكانه وعدمه. كما أنّ عنوان المسألة يختلف عن عنوان المتأخرين لأجل اختلاف أدلّتهم على امتناع التعبّد.
ذكر المحقّق في المعارج استدلال القائلين بمنع التعبّد، قال: احتج الخصم بوجهين:
أحدهما: أنّ خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب أن لا يعمل به، و]المقدمة[ الأُولى ظاهرة، ولأنّا لا نتكلم إلاّ في ما هذا شأنه من الأخبار; وأمّا الثانية فلأنّه عمل بمالا يؤمن كونه مفسدة.
ثانيهما: ثبت أنّه لا يقبل خبر النبي إلاّ بعد قيام المعجزة على صدقه ففي من عداه أولى.3
وأين هذا الاستدلال مما في كلام المتأخرين من اجتماع المثلين أو الضدّين أو الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة، إلى غير ذلك ممّا سيمر عليك.
هذا هو العنوان عند القدماء، وأمّا عنوان المتأخّرين فهو الجمع بين الحكم

1 . المعارج: 80.
2 . المعالم: 340.
3 . المعارج:81.

صفحه 123
الواقعي والظاهري، سواء أكان الحكم الظاهري موافقاً للواقع أم مخالفاً، لأنّ الحكم الظاهري إن كان مماثلاً للحكم الواقعي يلزم اجتماع المثلين وإن كان مخالفاً له يلزم اجتماع الضدّين.
وأيضاً ففي الصورة الأُولى يلزم اجتماع الإرادتين في موضوع واحد وفي الصورة الثانية يلزم اجتماع مصلحة ومفسدة أو إرادة وكراهة في موضوع واحد.
هذا مع فرض حفظ الحكمين والملاكين دون أن يكون هناك كسر وانكسار وإلاّ فلو غلب ملاك الحكم الظاهري، الملاك الواقعي ولم يكن في الساحة إلاّ الحكم الظاهري يلزم التصويب واختصاص الحكم الواقعي بالعالمين وخروج الجاهلين من تحته، وهو تصويب باطل، لاتّفاق الإمامية على أنّ أحكامه سبحانه مشتركة بين العالم والجاهل.
وهذا ما دعا المحقّقين إلى الغور في هذا المقام حتّى يرفعوا بذلك مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.
وإذا أردت تصوير المحاذير بصورة واضحة فنقول: إنّ المحذور إمّا ملاكيّ وإمّا خطابيّ وإمّا مبادئيّ.

المحذور الملاكي

المراد بالمحذور الملاكي هو التزاحم في ملاكات الحكم كالمصلحة والمفسدة، حيث اتّفقت الإمامية على أنّ أحكام اللّه سبحانه تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة وملاكها المفسدة وكان الحكم الظاهري هو الوجوب وملاكه هو المصلحة يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة، وهذا ما يعبر عنه بالمحذور الملاكي. ولا يختص المحذور الملاكي بهذه الصورة، وربّما

صفحه 124
يتجلّى بصورة أُخرى وهو تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، كما إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب والظاهري هو الإباحة، فالعمل بالثاني يفوّت مصلحة الحكم الواقعي; كما أنّه إذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة والظاهري هو الوجوب، فهو يوقع المكلّف في المفسدة.
هذا هو المحذور الملاكي سواء أتجلّى بصورة اجتماع المصلحة أو المفسدة أو تفويتها أم بصورة الإلقاء بالمفسدة.

المحذور الخطابي

المحذور الخطابي عبارة عن اجتماع المثلين أو الضدين، فعند الموافقة يلزم الأوّل أي تشريع حكمين متماثلين لموضوع واحد، وعند المخالفة يلزم الثاني، أي تشريع حكمين ضدّين لموضوع واحد.

المحذور المبادئي

المحذور المبادئي عبارة عن تواجد الإشكال في مبادئ الأحكام ـ أعني: الإرادة والكراهة ـ فانّ البعث والزجر ينش آن منهما، فلو وافق الظاهريُّ الحكمَ الواقعي يلزم اجتماع الإرادتين في شيء واحد، وإن تخالفا يلزم اجتماع الإرادة والكراهة.
هذا كلّه إذا لم يكن هناك كسر وانكسار بين الملاكين، وإلاّ فلو غلب ملاك الظاهري على ملاك الحكم الواقعي يلزم اختصاص الأحكام الواقعية بمَن لم تقم الأمارة عنده على خلاف الواقع، وهذا هو التصويب وتخصيص الأحكام بالعاملين وإخراج الجاهل عنها.
فعلى من يريد الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري والالتزام بحكمين

صفحه 125
أحدهما ظاهري والآخر واقعي السعي في حلّ المشاكل المتجلّية في ملاكات الأحكام تارة، وفي نفس الأحكام وخطاباته أُخرى، و في مبادئ الأحكام من الإرادة والكراهة والحب والبغض ثالثاً.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أتى في «الكفاية» بأجوبة خمسة وكأنّه اختار الثلاثة الأُول ورفض الجواب الرابع والخامس.
ونحن نذكر تلك الأجوبة مقرونة بالتحليل والتوضيح:

صفحه 126

1

المجعول في الأحكام الظاهرية هو الحجيّة

اختلفت كلمتهم فيما هو المجعول في باب الأمارات والأُصول إلى أقوال، منها انّ المجعول في الجميع هو الحجّية المنجلية في التنجز عند الإصابة والتعذير عند المخالفة، وعلى ذلك ليس هنا حكم ظاهري وراء الحكم الواقعي، بل ليس للشارع إلاّ حكم واحد باسم الحكم الواقعي، وأمّا الحكم الظاهري فليس له حقيقة سوى أنّ الشارع جعل الأمارة حجة فقط ، لتكون منجزّة إذا أصابت ومعذرة إذا أخطأت، وليس جعل الحجيّة أمارة كخبر الواحد ملازماً لجعل المؤدى والمحتوى.
هذا خلاصة الجواب: وإليك نص المحقّق الخراساني في هذا الصدد، قال: إنّ التعبّد بطريق غير علمي إنّما هو بجعله حجة، والحجّية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية حسب ما أدّى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف به إذا أصاب وصحة الاعتذار إليه إذا أخطأ وتكون مخالفته وموافقته تجرّياً وانقياداً مع عدم إصابته كما هو شأن الحجّة غير المجعولة (العلم والقطع) فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، ولا طلب الضدين ولا اجتماع المفسدة

صفحه 127
والمصلحة والكراهة والإرادة.1
وهو قدّس سرّه بإنكاره الحكم الظاهري بتاتاً وأنّه ليس هناك حكم وراء الواقع أجاب عن جميع الإشكالات، إذ ليس هناك وراء الحكم الواقعي حكم حتّى يلزم الاجتماع ـ أي اجتماع حكمين ضدين أو مثلين ـ ولا الإرادة ولا الكراهة ولا المصلحة ولا المفسدة، لأنّ الاجتماع في أي مرتبة من المراتب من شؤون وجود حكمين، فإذا لم يكن هناك حكم ثان لم يكن هناك ما يُعدّ من شؤون الحكم الثاني، أي الاجتماع في المظاهر الثلاثة.
نعم ما ذكره من الجواب لا يدفع محذور تفويت المصلحة، أو الإلقاء في المفسدة، فإنّ الأمر بالعمل بالأمارة بنفسه مفوّت لمصلحة الواقع أو موقع في المفسدة الواقعية وإن لم يتضمّن حكماً شرعياً، وقد أجاب عنه قدّس سرّه بأنّه مدفوع بوجود مصلحة غالبة على مصلحة التفويت أو الإلقاء.
ولعلّ مراده من تلك المصلحة هو المصلحة السلوكية في منهج الشيخ الأنصاري، و المراد بها تسهيل الأمر على المسلمين، حيث إنّ الأمر بتحصيل الواقع يورث العسر والحرج في أكثر الأزمنة بخلاف العمل بالأمارة فإنّ فيه تسهيلاً للأمر ولو خالف الواقع بنسبة قليلة لكنّه يوافقه بنسبة كثيرة، وهذا المقدار من الخير الكثير يُجبر الشر القليل.

تحليل الجواب

وهذا الجواب غير خال من الإشكال حيث إنّ القول بأنّ المجعول في باب

1 . الكفاية:2/48ـ 49.

صفحه 128
الأمارات هو الحجّية خلاف التحقيق، فإنّه ليس للشارع أيّ جعل في باب الأمارات، بل وأقصى ما قام به، انّه أمضى ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة، بالسكوت أو بإخراج الفاسق وإبقاء العادل بالروايات الإرجاعية وغيرها، فما ورد في الروايات إمّا إرشاد إلى الصغرى أو إمضاء لما في يد العقلاء حتّى أنّ ما ورد في التوقيع عن الناحية المقدسة، أعني قوله: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه» ليس بصدد إنشاء الحجّية، بل إخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه، إذ لا معنى لإنشاء الحجّية على نفسه.

صفحه 129

2

أحد الحكمين حقيقي والآخر طريقي

هذا الجواب مبني على أنّ جعل الحجّية لا يفارق جعل المؤدى ـ أي جعل الحكم الظاهري ـ فلا يمكن لنا الالتزام بجعل الحجّية من دون الالتزام بلازمه، أي جعل الحكم الشرعي على وفق الأمارة، بل يمكن أن يقال أنّه لا معنى لجعل الحجّية سوى جعل تلك الأحكام.
وعلى ضوء هذا أجاب عن المحاذير بأنّ أحد الحكمين حقيقي والآخر طريقي، والمراد من الحكم الحقيقي ما صدر عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه موجبة لإرادته وكراهته، مستلزمة لإنشائه زجراً أو بعثاً، كما أنّ المراد من الحكم الطريقي هو الحكم المنشأ عن مصلحة في نفس الحكم لا في المتعلّق، موجبة لإنشائه الذي هو سبب التنجز إن صادف الواقع والاعتذار إن خالف الواقع، وعندئذ ترتفع المحاذير.
أمّا المحذور الملاكي فلاختلاف متعلّق المصلحة والمفسدة، فحامل الملاك في الحكم الواقعي هو المتعلّق والآخر هو نفس الحكم.
أمّا الخطابي فهو مندفع باختلاف الحكمين جوهراً وذاتاً، لأنّ أحدهما طريقي والآخر حقيقي، فلا يلزم من اجتماعهما (اجتماع المثلين) المحال، أو

صفحه 130
اجتماع الضدّين.
وأمّا المحذور المبادئي أعني: الإرادة والكراهة فقد تعلّقا في الحكم الواقعي بالمتعلق، وأمّا في الحكم الظاهري فليس هناك إرادة وكراهة بالنسبة إلى المتعلّق، نعم تعلّقت الإرادة في الثاني بنفس الإنشاء، ولا مانع من اجتماع الإرادتين إذا اختلفا في المتعلّق حيث إنّها في الواقعي تعلّقت بالمتعلّق وفي الظاهري بالإنشاء.
تحليل الجواب
يلاحظ على هذا الجواب: أنّ القول بوجود حكمين أحدهما نفسي والآخر طريقي قول بلا دليل، فإنّ المجعول هو الحكم الواقعي النفسي ولا دليل على جعل حكم طريقي في مقابل الواقع، بل أقصى ما هناك هو الأمر بالعمل بالطرق ليتوصل بها المكلّف إلى الواقع، فإن أوصلته إليه فليس هنا إلاّ مؤدى الأمارة الذي هو حكم واقعي وإلاّ فتكون أُكذوبة نسبت إلى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والإمامعليه السَّلام.
وبالجملة: حكم نقلة الأحاديث والروايات عن اللّه سبحانه بواسطة أنبيائه وأئمته، حكم الناطق في الأجهزة الإعلامية من جانب الدولة، فلو أصاب خبره الواقع يكون المؤدّى نفس الواقع، وإن أخطأ يكون كلاماً مكذوباً على لسانها.
أضف إلى ذلك أنّ القول بتعلّق الإرادة في الحكم الحقيقي بالمتعلّق وفي الحكم الطريقي بنفس الإنشاء خلطٌ بين الإرادة والكراهة والحب والبغض، فإنّ الأخيرين يتعلّقان في الحكم الواقعي بالمتعلّق ولا أثر منهما في الحكم الظاهري، وأمّا الإرادة التي تعدّ من مبادئ الحكم فالواقعي والطريقي في ذلك المضمار سيّان في تعلّقها بالطلب الإنشائي مطلقاً كان واقعياً أو ظاهرياً.

صفحه 131

3

تقسيم الفعلي إلى منجّز وغير منجّز

كان الجواب الثاني مبنيّاً على أنّ الحكم الظاهري ليس حكماً حقيقياً، بل حكم طريقي للتنجيز والتعذير، ولكنّه ربّما لا يتماشى هذا الجواب مع الأُصول العملية غير المحرزة، كقوله: كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام، فإنّ ظاهره جعل الحكم الحقيقي في صورة الشك في الحلية والحرمة، وعند ذلك يعود المحذور عندما كان الحكم الواقعي هو الحرمة والظاهري هو الحليّة، حيث إنّ الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع واقعاً وفعلاً، وذلك لأنّ الإباحة على قسمين:
الأوّل: أن تكون ناشئة عن عدم مصلحة أو مفسدة ملزمتين أو غير ملزمتين.
الثاني: أن تكون ناشئة عن مصلحة في نفس الإباحة.
ومن المعلوم أنّ الإباحة بالمعنى الثاني لا تجتمع مع النهي، وعند ذلك التجأ المحقّق الخراساني إلى جواب ثالث وهو:
أنّ الأحكام الواقعية كلّها فعلية لكنّها على قسمين:
أ. فعلي منجّز، وهو إذا علم به المكلّف أو أصابته الأمارة.
ب. فعلي غير منجّز، وهو ما إذا خالفته الأمارة.

صفحه 132
ففي مجرى الأُصول غير المحرزة نلتزم بأنّ الواقع فعلي غير منجز، والحكم المنجّز عبارة عن محتوى الأُصول غير المحرزة.
وبعبارة أُخرى: الأحكام الواقعية فعلية إذا لم يكن هناك إذن في الترك لأجل المصلحة.

صفحه 133

4

الحكم الواقعي إنشائي

قد نسب المحقّق الخراساني هذا الجواب إلى الشيخ الأنصاري، وحاصله: أنّ الأحكام الواقعية أحكام إنشائية، والأحكام الظاهرية أحكام فعلية، وبعبارة أُخرى: الحكم الواقعي في مورد الأُصول والأمارات عندما كانت مخالفة له، ليس بفعلي.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
الإشكال الأوّل: لو كانت الأحكام الواقعية أحكاماً إنشائية يلزم عدم وجوب امتثالها لو قامت الأمارة عليها، وذلك لأنّ جوهر الحكم الواقعي لما كان إنشائياً فقيام الأمارة لا يغيّـر الواقع ولا يخرجه عن الإنشائية، لأنّها قامت على حكم إنشائي غير واجب الامتثال.
ثمّ أورد على نفسه وقال: لا مجال لهذا الإشكال لأنّ الحكم الواقعي قبل قيام الأمارة عليه إنشائي وبقيامها عليه يصير فعلياً بالغاً تلك المرتبة.
ثمّ أجاب عنه بما هذا توضيحه:
إنّ الأمارة إنّما تخرج الحكم الإنشائي إلى مرتبة الفعلية إذا أدّت إلى الحكم

صفحه 134
الواقعي وقامت على الحكم الإنشائي الواقعي ففي هذه المرحلة ينقلب الحكم الواقعي الإنشائي إلى الفعلية.
وأمّا المقام فقد قامت على الحكم الإنشائي التعبدي، لأنّ المفروض انّه لم يُحرز الحكم الواقعي الإنشائي بعدُ لعدم العلم بصدق الأمارة حتّى يصدق عليها أنّها قامت على حكم واقعي إنشائي.
وبعبارة أُخرى: الموضوع لوجوب الامتثال هو الحكم الإنشائي الواقعي الذي قامت عليه الأمارة، وهذا فرع العلم بوجود الحكم الواقعي في مورد الأمارة، والمفروض عدمه والذي قامت عليه الأمارة هو الحكم الإنشائي التعبديّ أو التنزيلي الذي قامت عليه الأمارة وهو غير الموضوع.
وإلى هذا الجواب أشار بقوله: «فانّه يقال لا يكاد يُحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائي لا حقيقة ولا تعبداً إلاّ حكم إنشائي تعبداً لا حكم ]واقعي[ إنشائي أدّت إليه الأمارة. أمّا حقيقة فواضح، وأمّا تعبّداً فلانّ قصارى ما هو قضية حجية الأمارة كون مؤدّاه هو الواقع تعبّداً لا الواقع]الحقيقي [الذي أدّت إليه الأمارة.
ثمّ إنّه ضعّف الجواب عما أورده على نفسه واستسلم أمام الإشكال على مرامه، وذلك بالبيان التالي:
نفترض أنّ الأثر الشرعي مترتب على الحكم الواقعي الإنشائي إذا أدّت إليه الأمارة، فالموضوع مركّب من جزءين:
أ. الحكم الواقعي الإنشائي.
ب. الذي قامت عليه الأمارة.

صفحه 135
فإذا قام الدليل على أنّ الأمارة حجّة، فهذا التنزيل فعل الحكيم لابدّ من وجود الأثر له، ولا يترتّب عليه الأثر إلاّ بتنزيل الجزء الأوّل وهو أنّ مؤدى الأمارة هو مؤدى الواقع، فصار الجزء الأوّل أيضاً محرزاً، فتنزيل الأمارة منزلة الحجة الشرعية يدلّ بدلالة الاقتضائية على أنّ مؤدى الأمارة نازل منزلة الواقع. وهذا هو المفهوم من عبارته في الكفاية في المقام حيث قال:
اللّهم إلاّ أن يقال أنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذي صار مؤدّى لها، هو دليل الحجّية بدلالة الاقتضاء.
وبالجملة إفاضة الحجّية على الأمارة فعل الحكيم وهو بما هو هو لايترتّب عليه الأثر إلاّ أن يصان عن اللغويّة بدلالة الاقتضاء بتنزيل آخر وهو جعل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع، فإذا قامت الأمارة على حكم فكأنّ الأمارة قامت على حكم واقعي إنشائي، فيتبدّل إلى الفعلية لتمام الموضوع.
ولكن الظاهر من قوله:«لكنّه لا يكاد يتم إلاّ إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلاً، وإلاّ لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»، انّ مراده أمر آخر وهو انّ جعل الحجّية على الأحكام الإنشائية لابدّ أن يحمل على بيان كون الأحكام الإنشائية تكون فعلية إذا قامت الأمارة عليها وإلاّ ـ إذ لم يلازم قيام الأمارة فعلية الأحكام الواقعية ـ يكون جعل الحجّية على الأمارة أمراً لغواً، ويصون كلام الحكيم عن اللغو، يستدلّ بإفاضة الحجية عليها، على صيرورة الأحكام الإنشائية فعلية.
وعلى هذا التقرير يصحّ ما ذكره أخيراً ـ لا على التقرير المتقدّم ـ «من أنّه لا يكاد يتمّ إلاّ إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلاً، وإلاّ لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»،فلا يستكشف من جعل الحجّية للأمارة، صيرورة

صفحه 136
الأحكام الإنشائية فعلية، وذلك لترتّب الأثر وإن لم يصر فعلية، كما في مورد النذر. كما إذا نذر للّه أن يصلي ركعتين إذا قامت الأمارة على حكم إنشائي، فيجب العمل بالنذر وإن لم يصر فعلياً.
إلى هنا تمّ الكلام حول الإشكال الأوّل الذي أورده المحقّق الخراساني على الشيخ الأنصاري، وإليك الإشكال الثاني.

الإشكال الثاني: وجود أحكام واقعية فعلية

وحاصل الإشكال هو كيف يلتزم الشيخ بكون الأحكام الواقعية إنشائية مع أنّا نعلم وجود أحكام فعلية بعثية وزجرية في موارد الطرق والأُصول العملية المتكفلة لأحكام فعلية، فإذا قامت الأمارة على حكم فعلي واحتملنا مخالفتها للواقع يلزم منه احتمال اجتماع حكمين فعليين متنافيين فكما أنّ القطع بالمتنافي محال فهكذا احتماله.
ثمّ خرج المحقّق الخراساني بالنتيجة التالية وقال: فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الفعلي الواقعي ـ الذي يكون مورد الطرق إنشائياً ـ غير فعلي.
أقول: ما نسبه المحقّق الخراساني إلى الشيخ لا يصدّقه كلامه في المقام فيكون ما ساقه من الإشكالات أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّ ظاهر كلامه في الفرائد أنّ الأحكام الواقعية فعلية، فإذا قامت الأمارة على وفقها فالمؤدى هو نفس الحكم الواقعي، وأمّا إذا خالفها فالمكلّف معذور في مخالفة الحكم الواقعي غير أنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة، بالمصلحة السلوكية. وإليك بيان مرامه في ضمن أُمور:

صفحه 137
1. الحكم الواقعي عند الشيخ هو الحكم المتعيّن المتعلق بالعباد الذين تحكي عنه الأمارة ويتعلق به العلم لا الظنّ وقد أُمر السفراء بتبليغه وإن لم يلزم امتثاله فعلاً في حقّ من قامت عنده أمارة على خلافه إلاّ أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي، أنّه لا يُعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلاً مقصّراً والرخصة في تركه عقلاً كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه.1
2. إنّهقدَّس سرَّه دفع محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة بالمصلحة السلوكية، وحاصل ما أفاد: أنّ الإشكال إنّما يتوجّه إذا لم تتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، بمصلحة في نفس التعبّد بالظن بمعنى انّه لا مانع أن يكون في سلوك الأمارة وتطبيق العمل عليها مصلحة يجبر بها الفائتة منها أو الواردة من المفسدة، وذلك لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر والحرج وبالتالي خروجهم عن الدين بخلاف الأمر بالعمل بالأمارة والأُصول ففيها تسهيل للمكلّفين في سلوكهم الاجتماعي والفردي، والمصلحة السلوكية لا تمسّ كرامة الواقع ولا تغيره غير انّه إذا صادفت الأمارة الواقع يكون نفس الواقع وإلاّ يكون كاذباً، ولكن نفس العمل بالأمارة لما كان ذا مصلحة سلوكية يتدارك به ما فات من المصالح أو ابتلى به من المفاسد.2
والمتبادر من هذه العبارة أنّ العمل بالأمارة ذا مصلحة سلوكية وهو مصلحة اليسر في العمل بالدين، لأنّ في بعث الناس إلى تحصيل العلم مفسدة العسر والحرج.
وأمّا في مورد الأمارات فليس هنا جعل للحكم الشرعي سواء أوافق الواقع

1 . الفرائد، 30، طبعة رحمة اللّه.
2 . الفرائد:30.

صفحه 138
أو خالف، وانّما تتضمن الأمارة وجوب العمل عليها لا وجوب إيجاد عمل «على طبقها».1
3. ثمّ إنّهقدَّس سرَّه دفع بالأمرين السابقين كلّ المحاذير.
أمّا تفويت المصلحة والإلقاء بالمفسدة فيتدارك بالمصلحة السلوكية.
وأمّا اجتماع المصلحة والمفسدة فأحد الأمرين قائم بموضوع الحكم الواقعي والآخر بالعمل بالأمارة ونفس السلوك.
وأمّا محذور مبادئ الأحكام، أعني: الإرادة والكراهة فمتعلّق بأحدها الحكم الواقعي والآخر العمل بالأمارة.
وأمّا محذور التضادّ الخطابي فهو مرفوع بإنكار الحكم الظاهري وأنّه ليس هنا حكم وراء الواقع. نعم أمر بالعمل بالأمارة لحيازة المصلحة السلوكية وبذلك تُعلم الأُمور التالية:
1. أنّ ما نسب المحقّق الخراساني إلى القائل بأنّ الأحكام الواقعية إنشائية، ثمّ أورد عليه إشكالين بقوله تارة وأُخرى ثانياً أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، لمّا عرفت من أنّ الشيخ يعتقد بأنّ الأحكام الواقعية لها خصائص أربع:
أ. لا يُعذر إذا كان عالماً.
ب. لا يُعذر إذا كان جاهلاً مقصّراً.
ج. يُعذر إذا كان جاهلاً قاصراً.
د. إذا كان معذوراً شرعاً.
ومن له هذه الشؤون الأربعة يكون (الحكم) فعلياً لا إنشائياً.

1 . الفرائد:27، طبعة رحمة اللّه.

صفحه 139
2. أنّ مرجع جواب الشيخ إلى الجواب الأوّل للمحقّق الخراساني من أنّ المجعول هو الحجّية لا الحكم الشرعي، غاية الأمر أنّ المحقّق الخراساني عبّر عن نظريته بأنّ المجعول هو الحجّية والشيخ الأنصاري عبّر عنها بأنّ المجعول وجوب العمل على الأمارة لا جعل مؤدّاها حكماً شرعياً.
3. إنّ الشيخ الأنصاري دفع عامّة المحاذير من غير فرق بين المحذور الملاكي(المفسدة والمصلحة) والمحذور المبادئي(الإرادة والكراهة) والمحذور الخطابي(كاجتماع الضدين أو المثلين).
هذا ما فهمناه من التدبر في كلام الشيخ ولكلّ فهمه ودليله.

صفحه 140

5

الحكمان ليسا في رتبة واحدة

قد أشار إليه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين ضرورة تأخر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.
والجواب منسوب إلى السيد محمد الفشاركي (المتوفّى 1315هـ) وقد ذكره شيخ مشايخنا المحقّق الحائري في درره .1
وحاصل الجواب: أنّ صلاة الجمعة بما هي هي موضوع للوجوب، وأمّا الموضوع لعدم الوجوب أو الحرمة عبارة عن صلاة الجمعة التي تعلّق بها الحكم الواقعي وشك فيه، فهو موضوع للحرمة أو عدم الوجوب، وأمّا تأخّر الثاني عن الواقعي بمرتبتين فظاهر، لأنّ موضوع عدم الوجوب أو الحرمة مركب من أُمور ثلاثة:
أ. صلاة الجمعة.
ب. تعلّق الحكم الواقعي به.
ج. الشكّ فيه.

1 . لاحظ درر الأُصول:2/25ـ 26.

صفحه 141
د. فعندئذ يترتّب عليه عدم الوجوب.
وعدم الوجوب متأخر عن الحكم الواقعي برتبتين، لأنّ الحكم الواقعي في رتبة ثانية والظاهري في رتبة رابعة.
ثمّ أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الحكم الظاهري وإن لم يكن في رتبة الحكم الواقعي لكن الحكم الواقعي ـ لأجل إطلاقه وشموله للحالات الثلاثة أعني: العلم بالحكم الواقعي أو الجهل به أو الشكّ فيه ـ واقع في مرتبة الحكم الظاهري وهذا الإشكال هو الذي ذكره المحقّق الخراساني في نقد القائلين بالترتب.
إلى هنا تمت الأجوبة الخمسة التي ذكرها الخراساني مع التفصيل والبيان.

صفحه 142

6

نظريتنا في الجمع بين الحكمين

قد عرفت مقالات القوم في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، غير أنّ هنا بياناً آخر وإن شئت فاجعله سادس الأجوبة وربّما توجد جذوره في الأجوبة السابقة، وحاصله مبني على أمرين:
أ. أنّ حجّية الأمارة ليس إلاّ إمضاءً للسيرة العقلائية في حياتهم ومعاشهم حيث يعتمدون على قول الثقة في مختلف المجالات لكن أخبار الثقة ليس إلاّ لغاية الإيصال إلى الواقع، فلو صادف ينجِّز وإلاّ يعذِّر دون أن يكون له دور في إنشاء الحكم وفق مؤدّاه ، مثلاً إذا أخبرنا الناطق الرسمي للدولة عن حكم مصوّب فلا يحدث خبره إنشاء حكم، سواء أكان موافقاً للواقع أو لا، بل لو صدق فقد أخبر بالواقع، ولو كذب فيكون المؤدّى كاذباً دون أن يكون هناك حكم خاطئ مجعول من جانب الدولة.
وعلى ضوء ذلك ليس في موارد الأمارات أي حكم مجعول وإنّما يؤخذ لأجل كونه طريقاً موصلاً.
ب. أنّ إيجاب العمل بالعلم موجب العسر والحرج وربّما يكون سبباً لخروج الناس عن الدين، ولذلك قام الشارع بإمضاء ما بيد العقلاء من حجّية قول الثقة

صفحه 143
وغيره الذي يوافق الواقع 90% ويخالفه 10%، ففي تجويز العمل بالأمارة خير كثير وإن كان ينتهي إلى شر قليل على عكس إيجاب تحصيل العلم، ففيه الشر الكثير، فقدم الأوّل على الثاني لتلك الغاية.
إذا عرفت ذلك فنقول: لا محذور بالتعبد بالأمارة الظنيّة لا ملاكاً ولا خطاباً ولا مبادئياً.

1. المحذور الملاكي

فله صورتان:
الأُولى: ما يتجلى بصورة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة كما إذا كان الشيء واجباً أو حراماً ودلت الأمارة على حليته ففيه تفويت المصلحة إذا كان واجباً أو الالقاء في المفسدة إذا كان حراماً.
الثانية: ما يتجلى بصورة تدافع الملاكات كما إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر، وإليك دراسة الصورتين:
أمّا الصورة الأُولى فإنّ في العمل بالأمارة وإن كان فوت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد، لكن في إيجاب العمل بتحصيل العلم والاحتياط مفسدة كبرى وهي لزوم العسر والحرج الشديدين اللّذين ربما يسببان رغبة الناس عن الدين وخروجهم عنه، زرافات ووحداناً، ففي هذا المأزق، يحكم العقل، بتقديم

صفحه 144
الأوّل على الثاني.
لا أقول: أنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة تتدارك; بل أقول: إنّ الأمارات حجّة من باب الطريقية المحضة، وإنّ قيام الأمارة لا يحدث مصلحة في المتعلّق، ولكن إذا دار الأمر بين الشرّ القليل والشر الكثير يحكم العقل بتقديم الأوّل على الثاني.
وأمّا الصورة الثانية، أعني: محذور تدافع الملاكات فدفعه واضح، لأنّه إنّما يلزم لو كانت الأمارة محدثة للمصلحة أو المفسدة في المتعلق فيلزم التدافع، وقد عرفت عدم دور للأمارة سوى الطريقية.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت الأمارة تمس كرامة الواقع وتحدث مصلحة أو مفسدة في المتعلق، كان للتدافع وجه، وأمّا لو قلنا بالطريقية المحضة كما هو الحق، فلا مصلحة ولا مفسدة في الحكم الظاهري حتى يتحقق التدافع.
حتى ولو قلنا بالمصلحة السلوكية لا يلزم التدافع، لأنّ المصلحة السلوكية مصلحة نوعية قائمة بنفس الأمر بالعمل بالأمارة لغاية إيجاد الرغبة في الدين فلا صلة لها بالمتعلّق الذي قامت به المصلحة والمفسدة.
ومن هنا تبين انّه لايكون في الأمر بالعمل بالأمارة أيُّ محذور ملاكي.

2. المحذور الخطابي

المحذور الخطابي يتلخص في اجتماع المثلين أو اجتماع الضدّين.
والجواب عنه بوجهين:
1. أنّ التماثل والتضادّ من أقسام التقابل وكلاهما من الأعراض الخارجية التي توصف بها الأُمور الحقيقية. وأمّا البعث والزجر الإنشائيّان فهما من الأُمور الاعتبارية التي لاتوصف بالتضاد والتماثل إلاّ اعتباراً، والاعتبار خفيف المؤونة فلا مانع من إنشاء البعث والزجر في شيء واحد.
وبعبارة أُخرى: انّ دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار، فإذا كان الوضع كذلك فالبعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى أن يكونا اعتباريين.

صفحه 145
فإن قلت: إنّ إنشاء الإيجاب والزجر مسبوقان بإرادتين متضادتين فكيف يمكن أن تتعلّق إرادتان بشيء واحد في آن واحد.
قلت: هذا محذور آخر سيوافيك بيانه في المحذور المبادئي والكلام في المقام في المحذور الخطابي.
2. أنّ الإشكال مبني على أن يكون في مورد الأمارات والأُصول حكم شرعي طبق المؤدّى وهو خلاف التحقيق، إذ ليس للأمارة والأُصول المحرزة دور سوى الطريقية والإيصال إلى الواقع، فإن وافق الواقع فالمتحقّق هو الواقع، وإلاّ فقد تضمّن خبراً كاذباً.
نعم يمكن القول بجعل الحكم الظاهري في الأُصول غير المحرزة كالحليّة في قوله : كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام، وكالطهارة في قوله: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، ففي هذه الصورة يدفع المحذور الخطابي بالجواب الأوّل وهو اعتبارية إنشاء الحليّة أو الطهارة.

3. المحذور المبادئي

إذا تعلّقت الإرادة القطعية بالأحكام الواقعية وفي الوقت نفسه تعلّقت بالأحكام الظاهرية لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين عند التوافق، أو المتضادتين عند التباين، ويقرب منهما مشكلة الحب والبغض إذا كان هناك تخالف بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي.
والجواب ما عرفت من أنّه ليس لنا في مورد الأمارات والأُصول المحرزة حكم مجعول باسم الحكم الظاهري حتّى تتعلّق به الإرادة والكراهة، ولو كانت هناك إرادة أو كراهة فقد تعلّقتا بالحكم الواقعي فحديث اجتماع الإرادتين أو

صفحه 146
الإرادة والكراهة أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
نعم تعلّقت إرادة المولى بالعمل بالأمارة على الوجه الكلي تيسيراً وتسهيلاً للأمر، وأين هو من تعلّقها بالمتعلّق؟
وإن أبيت إلاّ القول بامتناع اجتماع الإرادتين حتى بهذا النحو بمعنى تعلق الإرادة الذاتية بالمتعلّق وتعلق إرادة أُخرى بالعمل بالأمارة المخالفة للواقع فلا محيص عن القول برفع الشارع اليد عن الحكم الواقعي، وإرادته للمصلحة العليا وهو ترغيب الدين، وهذا لا يلازم التصويب، لأنّ الحكم الإنشائي المشترك بين العالم والجاهل موجود غير مرفوع، بينما اللازم هو تعليق فعلية الحكم الواقعي أو تنجزه على عدم قيام الأمارة على خلافه وبهذا اندفعت المحاذير الثلاثة الملاكية: والخطابية والمبادئية.

صفحه 147

الرسالة الخامسة

دلالة الظواهر على معانيها

قطعية أو ظنية؟


صفحه 148

صفحه 149

دلالة الظواهر على معانيها

قطعية أو ظنية؟

اشتهر بين الأُصوليين أنّ دلالة الظواهر على معانيها ظنيّة لا قطعية وبذلك جوّزوا تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد بحجّة أنّ ظواهر الكتاب ظنية.
وإليك سرد بعض الكلمات.
احتجّ القائل بعدم جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، بأنّ الكتاب قطعي، والخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي.
وردّ عليه صاحب المعالم بأنّ مورد التخصيص هو الدلالة وهي ظنيّة وإن كان المتن قطعيّاً، فلم يلزم ترك القطعي بالظني، بل هو ترك الظنّيّ بالظنّي.
وبتقرير آخر: وهو انّ عام الكتاب وإن كان قطعي النقل لكنّه ظنّي الدلالة، وخاص الخبر وإن كان ظني النقل لكنّه قطعي الدلالة، فصار لكلّ قوة من وجه وضعف من وجه فتساويا، فتعارضا، فوجب الجمع بينهما.1
و قال المحقّق القمي في مسألة تخصيص الكتاب بالخبر الواحد: إنّ

1 . معالم الدين:306.

صفحه 150
الكتاب وإن كان قطعي الصدور ولكنّه ظني الدلالة، و خاص الخبر وإن كان ظني الصدور ولكنّه قطعي الدلالة، فصار لكلّ قوة من وجه فتساويا فتعارضا فوجب الجمع بينهما.
ثمّ ردّ عليه بأنّ الخاص أيضاً ليس بقطعي الدلالة ـ إلى أن انتهى إلى قوله: ـ بأنّ كليهما ظنيان تعارضا وتساويا ولأجل أنّ التخصيص أرجح أنواع المجاز رجّحنا التخصيص.1
نعم ذهب السيد المرتضى في «الذريعة» والشيخ في «العدّة» إلى عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، لا بملاك أنّ ظواهر الكتاب قطعيّة، بل لوجود القصور في حجّية خبر الواحد.
قال المرتضى: والذي نذهب إليه أنّ أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كلّ حال وقد كان جائزاً أن يتعبد اللّه تعالى بذلك فيكون واجباً غير أنّه ما تعبّدنا به .2
وقال الشيخ في العدّة: لو سلّم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم لم يجز تخصيص العموم به، لأنّه ليس ما دلّ على وجوب العمل بها، يدلّ على جواز التخصيص، كما أنّ ما دلّ على وجوب العمل بها، لا يدلّ على وجوب النسخ بها، بل احتاج ذلك إلى دليل غير ذلك، فكذلك التخصيص فلا فرق بينهما.3
نعم يظهر من بعض كلماته أنّ عموم الكتاب يفيد العلم وخبر الواحد

1 . القوانين المحكمة:1/309.
2 . الذريعة:1/280.
3 . عدة الأُصول:1/345.

صفحه 151
يوجب غلبة الظن، ولا يجوز أن يترك العلم للظن على حال فوجب لذلك أن لا يُخص العموم به.1
والظاهر أنّ مراده هو كون الكتاب قطعي الصدور وخبر الوحد ظني الصدور فلا يترك القطعي بالظني، وإلاّ فلو أُريد العلم لأجل الدلالة فالخبر الواحد ـ مع قطع النظر عن الصدور ـ مثله.
هذا وقد شرح الرازي هذا الموضوع نقدّمه ضمن أُمور:

1 . عدة الأُصول:1/344.

صفحه 152

1

الرازي وكون الظواهر ظنيّة

إنّ الرازي ممّن شرح هذا الموضوع وأثبت ـ حسب ظنّه ـ بأنّ الدلائل اللفظية ظنيّة، لأنّ التمسك بالدلائل اللفظية موقوف على عشرة أُمور ظنيّة، والموقوف على الظنّي ظنّي.
وهذه الأُمور العشرة موجزها عبارة عن:
عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ، وإعرابها، وتصريفها، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، عدم الإضمار، والتأخير، والتقديم، والنسخ، وعدم المعارض العقلي، الذي لو كان لرجح عليه.1
ثمّ إنّه شرح الأُمور العشرة في غير واحد من كتبه، ويتلخّص بالنحو التالي:
1. أنّ التمسّك بالدلائل اللفظية يتوقّف على نقل مفردات اللغة، ونقل النحو والتصريف، لكن رواية هذه الأشياء منقولة بالآحاد، لأنّها تنتهي إلى أشخاص قليلين، غير معصومين، ولا يمنع إقدامهم على الكذب، أو وقوعهم في

1 . محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي71.

صفحه 153
الخطأ، ومثل هذه الرواية لا تفيد إلاّ الظن.1
2. و يتوقف على عدم الاشتراك، فإنّه بتقدير الاشتراك يجوز أن يكون مراد اللّه تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه، لكن نفي الاشتراك ظني.2
3. و يتوقف على المجاز، فإنّ حمل اللفظ على حقيقته إنّما يتعيّن لو لم يكن محمولاً على مجاز، لكن عدم المجاز مظنون.3
4. و يتوقف على عدم الحذف والإضمار، لأنّ تجويزه يفضي إلى انقلاب النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، لكن عدم الحذف والإضمار مظنون.4
5. و يتوقف على عدم التقديم والتأخير، لأنّ بسببهما يتغيّر المعنى، لكن عدمهما مظنون.5
6. و يتوقّف على عدم التخصيص، وعدمه مظنون.6
7. و يتوقّف على عدم الناسخ، وعدمه مظنون.7
8. ويتوقف على عدم النقل، فإنّ بتقدير أن يقال الشرع أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر، كان المراد هو المنقول إليه لا ذلك الأصل.8
9. و يتوقّف على عدم المعارض النقلي، لأنّ الدلائل اللفظيّة قد يقع فيها

1 . الأربعين:424.
2 . الأربعين:425.
3 . المطالب العالية:9/114.
4 . المطالب العالية:9/114.
5 . المطالب العالية:9/116.
6 . الأربعين:425.
7 . الأربعين:425.
8 . المحصول:1/571.

صفحه 154
التعارض، ويصار فيها إلى الترجيحات التي لا تفيد إلاّ الظن.1
10. ويتوقف على سلامتها عن المعارض العقلي القاطع، لأنّ بتقدير وجوده يجب صرف الظاهر السمعي إلى التأويل، لكن عدم هذا المعارض القطعي مظنون لامعلوم، لأنّ أقصى ما في الباب أنّ الإنسان لا يعرف ذلك المعارض، لكن عدم العلم لا يفيد العلم بالعدم.2
ثمّ قال: «فثبت أنّ الدلائل النقلية موقوفة على هذه المقدرات العشرة، وكلّها ظنّية، والموقوف على الظني أولى أن يكون ظنياً، فالدلائل النقلية ظنيّة».3
وقد تبعه غير واحد من المتكلّمين كالإيجي في مواقفه فنقل ما ذكره الرازي بحرفيته لكن على وجه الإيجاز. ولم يذكر أي مصدر لكلامه .4
وقد شرح السيد الشريف الجرجاني المواقف شرحاً مزجياً ونحن نأتي بكلام الشارح، الممزوج بكلام الإيجي، لأنّ فيه إيضاحاً لمقاصده قال:
المقصد الثامن: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين بما يستدلّ بها عليه من المطالب؟ قيل: لا لا تفيد وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة.(لتوقفه) أي توقف كونها مفيدة لليقين(على العلم بالوضع) أي وضع الألفاظ المنقولة عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بإزاء معان مخصوصة(والإرادة) أي وعلى العلم بأنّ تلك المعاني مرادة منه(والأوّل) وهو العلم بالوضع (إنّما يثبت بنقل اللغة) حتّى يتعيّن مدلولات جواهر الألفاظ(و) نقل (النحو) حتّى يتحقّق مدلولات الهيئات التركيبية (و) نقل(الصرف) حتّى يعرف مدلولات هيئات المفردات (و أُصولها) أي أُصول هذه العلوم الثلاثة(تثبت برواية الآحاد) ،لأنّ مرجعها إلى أشعار العرب وأمثالها

1 . الأربعين:426.
2 . الأربعين:426.
3 . الأربعين:426.
4 . المواقف:40.

صفحه 155
وأقوالها التي يرويها عنهم آحاد من الناس كالأصمعي والخليل وسيبويه، وعلى تقدير صحّة الرواية يجوز الخطأ من العرب، فإنّ امرأ القيس قد خطئ في مواضع عديدة مع كونه من أكابر شعراء الجاهلية (وفروعها) تثبت (بالأقيسة وكلاهما) يعني رواية الآحاد والقياس دليلان (ظنيان) بلا شبهة.
(والثاني) وهو العلم بالإرادة .
(يتوقّف على عدم النقل) أي نقل تلك الألفاظ عن معانيها المخصوصة التي كانت موضوعة بازائها في زمن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى معان أُخرى، إذ على تقدير النقل يكون المراد بها تلك المعاني الأُولى لا المعاني الأُخرى التي نفهمها الآن منها (و) على عدم (الاشتراك) إذ مع وجوده جاز أن يكون المراد معنى آخر مغايراً لما فهمناه.
(و) عدم (المجاز) إذ على تقدير التجوز يكون المراد المعنى المجازي لا الحقيقي الذي تبادر إلى أذهاننا.
(و) عدم (الإضمار) إذ لو أضمر في الكلام شيء تغير معناه عن حاله (و) عدم (التخصيص) إذ على تقدير التخصيص كان المراد بعض ما تناوله اللفظ لا جميعه كما اعتقدناه.
(و) عدم (التقديم والتأخير) فإنّه إذا فرض هناك تقديم وتأخير كان المراد معنى آخر لا ما أدركناه.
(والكل) أي كلّ واحد من النقل وإخواته (لجوازه) في الكلام بحسب نفس الأمر(لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن).
واعلم أنّ بعضهم أسقط الإضمار بناء على دخوله في المجاز بالنقصان

صفحه 156
وذكر النسخ وكأنّ المصنّف أدرجه في التخصيص، لأنّ النسخ على ما قيل تخصيص بحسب الأزمان .
(ثمّ بعد) هذين (الأمرين) أعني العلم بالوضع والعلم بالإرادة (لابدّ من العلم بعدم المعارض العقلي).1
هذه كلمات الرازي والإيجي والجرجاني، غير أنّ هنا نكتة نلفت إليها نظر القارئ وهي:

1 . شرح المواقف:2/51ـ 52.

صفحه 157

2

دراسة أدلّة الرازي على أنّ دلالة الظواهر ظنيّة

إنّ هنا بحثاً صغروياً.
وبحثاً كبروياً.
فلو كان البحث مركّزاً على الفحص عن انعقاد الظهور للجملة ،وعدمه، وبعبارة أُخرى: هل للكلام ظهور أو لا؟ يكون البحث صغروياً; كما إذا كان البحث مركّزاً على ظهور الكلام ـ الذي فرغنا من ثبوته ـ هل يكشف عن المعاني، كشفاً قطعياً أو ظنيّاً أو لا؟ يكون البحث كبرويّاً.
والكلام في المقام يدور حول الثاني، أي بعد ما ثبت للجملة ظهور، وصار الكلام ذا ظهور مستقر على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه.
وأمّا ما طرحه الرازي فإنّما يرجع إلى المقام الأوّل وهو الشكّ في وجود الظهور أو استقراره، فجعل ـ مثلاً ـ عدم الاشتراك سبباً لظنيّة الدلالة، إذ لو كان هناك اشتراك أو احتماله لم ينعقد للكلام ظهور.
وهكذا كسائر الشكوك فإنّ الشكّ في كون اللفظ مستعملاً في المعنى المجازي أو كون الجملة مشتملة على الحذف والإضمار كلّها يرجع إلى الشكّ في وجود الصغرى(وجود الظهور) ولا شكّ أنّ الشكّ فيه كاف في كون الدلالة ظنيّة.

صفحه 158
إنّما الكلام إذا تمت دلالة الكلام واستقر ظهوره في معنى معيّن على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه، فهل توصف دلالته حينئذ ظنيّة؟
وبذلك تعرف الفرق بين الظاهر والنصّ، فقد عرّفا بوجوه مختلفة، ولكن أوجز التعاريف للنص والظاهر هي ما يلي:
النص: ما لا يحتمل إلاّ معنىً واحداً.
الظاهر: ما يحتمل معنيين: أحدهما راجح ملتفت إليه، والثاني مرجوح لا يلتفت إليه العرف.
وإن شئت قلت: إنّ النصّ ما لا يمكن صرفه إلاّ إلى معنى واحد ولو صرفه إلى معنى آخر لعُدّ المتكلّم متناقضاً، وهذا بخلاف الظاهر، فإنّ صرفه إلى غير المعنى الظاهر أمر مرجوح ولكن لا يُعدّ تناقضاً، فالأوّل كقوله سبحانه: (قُل هُوَ اللّه أَحد) فإنّ لفظة «أحد» نصّ في التوحيد والقول بالتثليث يناقضه، أو قوله سبحانه:(فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاّ خَمْسِينَ عَاماً)1 فإنّ الألف وكذا لفظ الخمسين وهكذا سائر ألفاظ الآية لا تحتمل إلاّ معنى واحداً.
وأمّا الثاني فكقوله: أكرم العلماء فإنّه ظاهر في عامة العلماء، ولكن لو قال: بأنّ مقصودي منهم هو قسم العدول، فهذا يُعدّ خلافاً للظاهر ولا يعدّ الرجل مناقضاً إذا كان بصدد التشريع والتقنين، فإنّ المخصص في البيئات التقنينية يأتي متأخراً غالباً لا مقارناً.
ولذلك لا يقبل من الإنسان ـ الذي ليس له شأن التقنين ـ إلقاء العام وإرادة الخاص إذا لم يذكر المخصّص في جنب العام.

1 . العنكبوت:14.

صفحه 159
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ دلالة الظواهر على معانيها التي وضعت لها دلالة قطعيّة وليست بظنية ومن يصف دلالة الظواهر بالظنيّة يطلب منها ما لا يتوفر فيها، وسيتّضح ذلك بعد بيان مقدّمة.

تقسم الإرادة إلى استعمالية أو جدّية

لا شكّ أنّ للمتكلّم الذي هو بصدد الإفادة والاستفادة، إرادتين:
1. إرادة استعمالية.
2. إرادة جدّية.
والمراد من الإرادة الاستعمالية هو استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء كان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك، سواء كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.
والمراد من الإرادة الجدية هو أن يكون ما استعمل فيه اللفظ مراداً له جدّاً وما هذا إلاّ لأنّه ربما يفارق المرادان: الاستعمالي، الجدّي، كما في الهازل والمورّي والمقنن الذي يُعلّق الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص والمقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادة الجدية الإرادة الاستعمالية، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل والمورّي واللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.
إذا عرفت ذلك فنحن على القول بأنّ دلالة الظواهر على معانيها دلالة قطعية لا ظنيّة وذلك بوجوه من الأدلّة.

صفحه 160

3

دلالة الظواهر قطعية

لا شكّ أنّ المفاهمة بين الناس في أصعدة الحياة المختلفة على أساس القطع واليقين بمراد المتكلّم، فعندما يخاطب الزوجُ الزوجةَ والوالدُ الولدَ والمعلمُ المتعلمَ والسوقيُ البائع المشتريَ والموظف من راجعه، فلا يتردد المخاطب في مقاصد المتكلّم، وليس كلّ كلام يُلقى في هذه الأصعدة نصاً اصطلاحياً وإنّما الغالب هو ما يسمّيه الأُصوليون بالظواهر، وإلاّ فلو كانت دلالة الجمل في الحياة العامة للإنسان ظنية، لانهارت الحياة وامتنع التفاهم. ونحن نقول بأنّ دلالة الظواهر في جميع الأصعدة على معانيها دلالة قطعية لا ظنيّة ويتّضح ذلك ببيان أُمور:

الأوّل: المفاهمة على أساس القطع بالمراد

إنّ الأساتذة في الجامعات، والمدرسين في الثانويات، يربون جيلاً كبيراً بالظواهر التي زعم الرازي وغيره أنّها ظنيّة الدلالة باحتمال تطرق أحد الأُمور التي ستوافيك مع أنّا نرى أنّ هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن تلاميذهم، بل يتلقّون كلامهم وجملهم قاطعة الدلالة واضحة المراد.
وممّا يرشد إلى ذلك انّه سبحانه يصف الإنسان بقوله: (الرّحمنُ *عَلَّمَ

صفحه 161
الْقُرآنَ*خَلَقَ الإنسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَان)1 فالإنسان بكلامه يبين مراده بالنص والظاهر معاً فالقدح في دلالة الظواهر على المعاني كأنّه قدح في أبرز صفات الإنسان التي أشار إليها اللّه سبحانه في الآية المتقدّمة.
نعم دفع الأُصوليون الاحتمالات التي ذكرها الرازي والإيجي والجرجاني ومن تقدّم عليهم أو تأخر عنهم بأُصول عقلائية اختراعية، كدفع احتمال المجاز بأصالة الحقيقة، ودفع احتمال النقل والإضمار بأصالة عدمهما،إلى غير ذلك من الأُصول اللفظية التي دفعوا بها تلك الاحتمالات الطارئة على الذهن.
ولكنّك خبير بأنّ المفاهمة تتحقّق بين الناس مع الغفلة عن هذه الأُصول، لأنّ هذه الشكوك لا تظهر في الأذهان حتّى تعالج بهذه الأُصول، والمخاطب يتلقّى دلالة الظواهر دلالة قطعية دون أن يحتمل إرادة المجاز أو وجود الإضمار والنقل حتّى يعالج تلك الشكوك بتلك الأُصول اللفظية.

الثاني: هداية الأنبياء على أساس القطع

لا شكّ أنّه سبحانه بعث أنبيائه لهداية الناس كما أمر أولياءه وعلماء الأُمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ذلك يتحقّق بمخاطبة الناس بما لديهم من النصوص والظواهر، فلو كانت دلالة الظواهر على المقاصد دلالة ظنيّة لعرقلت خُطى الهداية والإرشاد، وأصبح عندئذ تعليم الناس وإرشادهم كأُمنية غير محقّقة. يقول سبحانه: (وما أرْسَلْنا مِنْ رَسُول إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّـنَ لَهُمْ).2

1 . الرحمن:1ـ4.
2 . إبراهيم:4.

صفحه 162

الثالث: صيرورة القرآن معجزة ظنيّة

لو كانت دلالة الظواهر ظنيّة لزم أن يكون القرآن معجزة ظنية،لأنّ الإعجاز أمر قائم باللفظ والمعنى، فلو كان ما يفهمه من ظواهر آياته مفهوماً ظنيّاً يكون إعجازه مبنياً على أساس ظني والنتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين، ومن المعلوم أنّ الإعجاز الظني لا يكون عماداً للنبوة التي تطلب لنفسها دليلاً قطعياً.
وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكشف الظواهر عن المراد الجدّي ـ فضلاً عن الاستعمالي ـ كشفاً قطعياً، لا ظنيّاً، لما عرفت من أنّ المخاطبين لا يلتفتون إلى هذه الشكوك التي أبدعها إمام المشككين، بخلاف الوجه الرابع الآتي فانّ الظواهر ـ على ذاك الوجه ـ تكشف عن المراد الاستعمالي كشفاً قطعياً، لا المراد الجدّي.

الرابع: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟

ما نذكره في هذا المقام هو بيت القصيد بين الأدلّة وهو أنّ الذين يصفون الظواهر بظنية الدلالة لم يحقّقوا ـ تحقيقاً علمياً ـ، المهمة التي أُلقيت على عاتق الظواهر فزعموا أنّ كشف الظواهر عن المراد الجدّي ظني لا قطعي ولو كان هذا هو الأمر المهم على عاتق الظواهر كان لوصف دلالتها بالظنيّة وجه، ولكن الوظيفة التي القيت على عاتقها شيء آخر وهي بالنسبة إليها قطعية الدلالة.
توضيحه: أنّ الوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني

صفحه 163
في ذهن المخاطب، سواء أكانت المعاني حقائق أو مجازات، فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس، وإذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه، فدلالة الجملة في كلا الموردين على المراد الاستعمالي قطعية وليست بظنية، وقد أدى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنيّاً، اللّهم إلاّ إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً، فالكلام عندئذ يكون قاصراً عن إحضار المعنى الاستعمالي مشخصاً، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث والكلام في الظواهر لافي المجملات والمتشابهات.

صفحه 164

سؤال وجواب

إنّ السبب لعدّ الظواهر من الظنون هو تطرق احتمالات إليها، وهي:
1. يحتمل أنّ المتكلم لم يستعمل اللفظ في معنى من المعاني.
2. أو استعمل في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلاً في كلامه.
4. أو كان مورّياً في خطابه.
5. أو كان لاغياً فيما يلقيه.
6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
فمع تطرق هذه الاحتمالات إلى الظواهر، تسلب عنها القطعيةُ ويسبّب الاضطراب في كشف الإرادة الاستعمالية عن الإرادة الجدية على وجه القطع.
هذا هو السؤال وإليك الجواب بوجهين:
أوّلاً: إنّ الاحتمالات الخمسة الأُولى موجودة في النصوص أيضاً فيحتمل فيها كون المتكلّم لاغياً أو هازلاً أو مورّياً أو متّقياً، إلى غير ذلك من الاحتمالات ومع ذلك نرى أنّ الأُصوليين يعدّونها من القطعيات.

صفحه 165
ثانياً: إنّك قد عرفت أنّ الوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر هي احضار المعاني المرادة استعمالاً في ذهن المخاطب وليس لها دور في مجال المفاهمة إلاّ ذلك، وأمّا هذه الاحتمالات ودفعها وعلاجها فليس على عاتق الظواهر حتّى توسم لأجل وجودها بوسم الظنيّة ولذلك قلنا إنّ النصوص والظواهر أمام هذه الاحتمالات سواسية.
فمؤاخذة الظواهر بوسم الظنية أشبه بقول القائل :
غيري جنى و أنا المعاقب فيكم *** فكـأنّنـي سبــابــة المتنــدّم
وأمّا الاحتمالان الأخيران أعني احتمال استعمال العام وإرادة الخاص أو المطلق وإرادة المقيّد فهما وإن كانا من خصائص الظواهر ولا يوجدان في النصوص لكنّهما لا يضران بقطعية الدلالة لما عرفت من أنّ المراد هو دلالتها على ما هو المراد استعمالاً لا ما هو المراد جدّاً بل تعيين المراد الجدّي ـ عند طروء الشكّ والريب ـ على عاتق أُصول عقلائية، تدور عليها رحى الحياة، وهي أنّ مقتضى كون المتكلّم حكيماً التحرز عما يُعدّ لغواً أو هزلاً. نعم في الموارد التي يحتمل فيها التقية أو التخصيص والتقييد فكشف الظواهر عن المراد الجدّي فرع إحراز كون المتكلّم بصدد بيان المراد الواقعي أو عدم العثور على المخصص والمقيّد في مظانها.
فتلخص من هذا البحث الضافي أُمور:
الأوّل: إنّ البحث في المقام كبروي وليس صغروياً بمعنى أنّ الكلام ـ بعد ثبوت ظهور للكلام ـ في أنّ دلالته على المعاني المرادة قطعية أو ظنية.
الثاني: ما جاء به الرازي من التشكيكات ـ على فرض صحتهاـ يرجع إلى

صفحه 166
منع الصغرى، أي عدم وجود الظاهر لا إلى منع الكبرى.
الثالث: إنّ المفاهمة بين الناس على أساس القطع بالمراد الجدّي من غير فرق بين النصوص والظواهر.
الرابع: ما عالج به الأُصوليون بعض الاحتمالات المضرّة بالظهور إنّما يحتاج إليها إذا كان هناك ريب وشك.
والمفروض صفاء ذهن المخاطبين في الأصعدة المختلفة عن هذه الشكوك حتّى تزال بها.
نعم على فرض طروء الشكوك فأصالة الحقيقة وعدم الاشتراك أو عدم النقل والإضمار محكمة مفيدة.
الخامس: المهمة الموضوعة على عاتق الظواهر هي دلالة المتكلم على المراد الاستعمالي، وأمّا المراد الجدّي فليس على عاتق الظواهر بشهادة طروء الشكوك الخمسة على النصوص أيضاً.
السادس: بما أنّ المفاهمة في الأصعدة المختلفة على القطع بالمراد فالإرادة الاستعمالية تكشف عن المراد الجدي قطعياً، لما عرفت من أنّ الشكوك التي أثارها الأُصوليون من أصحابنا أو ما أثاره الرازي ممّا يغفل عنها المتكلّم والمخاطب. نعم لو طرأ شكٌّ ـ على فرض طروئه ـ فيعالج بالأُصول العقلائية.
السابع: لما جرت السيرة على فصل المخصّص والمقيد عن العام والمطلق في صعيد التقنين والتشريع، فكشف الإرادة الاستعمالية عن الإرادة الجدّية يتوقف على الفحص عن المخصص والمقيّد. و كون المتكلّم على حالة التقنين يدفعنا إلى الفحص عنهما.

صفحه 167
ولذلك لو لم يكن المتكلّم جالساً على منصة التشريع يتلقّى العام دليلاً على الجدّ ولا يلزم الفحص عن مخصصه، وهكذا المطلق، يؤخذ به ولا يلتفت إلى مقيّده.
جعفر السبحاني
1/ذو القعدة الحرام من شهور عام 1424

صفحه 168

صفحه 169

الرسالة السادسة

عدم حجّيّة الخبر الواحد في العقائد


صفحه 170

صفحه 171

1

حكم الظن في الأُصول الاعتقادية

قد ثبت في محلّه انّ الظن الانسدادي ليس حجّة في الفروع العملية، وأمّا الظن الخاص فهو حجّة فيها، وعندئذ يقع الكلام في حجّية الظن في الأُصول الاعتقادية ويقع الكلام تارة في الظن الانسدادي وأُخرى في غيره وإليك دراسة الأمرين:

1. الظن الانسدادي والعقائد

انّ الظن الانسدادي ليس بحجّة في الأُصول الاعتقادية لعدم تمامية مقدمات الانسداد فيها لانّ من مقدماته انسداد الطريق إلى الواقع وهو غير منسد في العقائد، لإمكان عقد القلب على ما هو الواقع، وبذلك تفارق العقيدة عن العمل، لإمكان تحصل الواقع فيها بعقد القلب على ما هو الواقع، وذلك كتفاصيل الرجعة، والبرزخ والميزان والصراط، بخلاف الثاني فانّ البراءة لا تحصل إلاّ بالاحتياط في مقام العمل.
نعم 1 لا يكفي الاعتقاد الإجمالي فيما يجب فيه المعرفة التفصيلية، كمعرفة اللّه

1 . وإلى هذا الاستدراك أشار في الكفاية بقوله: نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات.

صفحه 172
سبحانه ومعرفة أنبيائه وأوصيائه ـ على القول بأنّ الوصاية منصب إلهي ـ فإنّ الأثر المترقّب منها لا يترتب على الاعتقاد الإجمالي، بل يترتب على المعرفة التفصيلية لوجوده سبحانه ومعرفة أنبيائه وأوصيائهم. نعم لا دليل على وجوب معرفة غير هذه الأُصول بالتفصيل بل، يكفي فيه الاعتقاد الإجمالي.

دفع توهّم1

ربّما يتصوّر وجوب معرفة كلّ ما جاء به النبي حول الأُمور الاعتقادية تفصيلاً. حتى ادّعى الشيخ الأنصاري لزوم تحصيل المعرفة التفصيلية في عامّة المسائل الاعتقادية من غير فرق بين أصل وأصل ـ خلافاً لما قلنا من أنّها على قسمين ـ مستدلاً بأُمور:
1. قوله سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُون)2 أي ليعرفون.
2. قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس»3، بناء على أنّ الأفضلية من الواجب، مثل الصلاة تستلزم الوجوب.
3. عمومات وجوب التفقّه في الدين الشامل للمعارف بقرينة استشهاد4 الإمام عليه السَّلام بها بوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق.

1 . أشار إليه بقوله: «ولا دلالة لمثل قوله تعالى الخ».
2 . الذاريات:56.
3 . جامع أحاديث الشيعة:4/3، الأحاديث 1ـ4.
4 . نور الثقلين:2/282، الحديث 406 وجاء فيه: أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني المدينة ـ وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفرُوا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين...) .

صفحه 173
4. عمومات طلب العلم.1
فنتيجة هذه الإطلاقات هو لزوم معرفة ما جاء به النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على كلّ قادر يتمكّن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتى يحصل اليأس، فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد، وإلاّتوقّف ولم يتديّن بالظن لو حصل.2
ولا يخفى أنّ ما ذكره من الإطلاقات غير تام، لعدم ورودها في بيان ما يجب التديّن والاعتقاد به حتى يؤخذ بإطلاقها.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ المراد منه هو معرفة اللّه سبحانه لا كلّ ما جاء به النبي في مجال المعارف بدليل انّ اللام للغاية، والنون للوقاية والمعنى: أي لعبادتي وعرفاني لا مطلق مايجب معرفته.
وأمّا الثاني: فالحديث في مقام بيان أهمية الصلوات الخمس، لا في مقام بيان ما يجب معرفته حتى يؤخذ بإطلاق قوله بعد المعرفة.
وأمّا الثالث: فبمثل ما أجبنا عن الثاني، فالآية في مقام الحثّ على النفر، وكيفيته، لا في مقام بيان ما يجب أن يتفقّه فيه، وقد تمسّك الإمام بالآية لإثبات كيفية التعرّف على الإمام بعد تسليم لزوم معرفته.
وأمّا الرابع: فهو في مقام بيان لزوم تحصيل العلم لا في بيان ما يجب تعلّمه.
هذا كلّه فيما يجب المعرفة مستقلاً، وقد عرفت أنّه لا دليل على وجوب معرفة ما ادّعى العلاّمة لزوم معرفتها، إلاّمعرفة الصانع وتوحيده، وبعض صفاته ومعرفة نبيّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وإمامه ويوم معاده.

1 . بحار الأنوار:1/162ـ 221.
2 . الفرائد: 171، طبعة رحمة اللّه.

صفحه 174
نعم يكفي تحصيل اليقين أو حصوله من دون حاجة إلى الاستدلال لعدم الدليل على اشتراطه . وعلى ذلك أكثر المسلمين فهم على يقين من عقائدهم وإن لم يكن مقروناً بالدليل غالباً.
فظهر ممّا ذكرنا أُمور:
1. الظن الانسدادي ليس حجّة في الأُصول الاعتقاديّة مطلقاً لإمكان تحصيل الواقع، بعقد القلب على ما هو عليه.
2. انّ هنا أُصولاً يجب تحصيل المعرفة التفصيلية فيها كمعرفة اللّه، فلا يكفي فيها لا عقد القلب، ولا الظن لعدم ترتّب الأثر المترقّب عليهما كالأُصول الأربعة.
3. لا دليل على لزوم تحصيل المعرفة التفصيلية في كلّ ما جاء به النبي حول المعارف، كالبرزخ والصراط والأعراف والميزان، وما استدلّ به غير كاف كما عرفت.
إلى هنا تمّ تقرير ما في الكفاية، بقي هنا شيء وهو انّ المحقّق الخراساني لم يحدّد لنا ما تجب فيه المعرفة التفصيلية، وما لا يجب، وهذا أمر مهم نشير إليه .

ما يجب فيه المعرفة التفصيلية1

أقول: يظهر من غير واحد من الروايات أنّ ما يجب تحصيل العلم به لا يتجاوز عن أُمور ثلاثة: التوحيد، والرسالة ـ وهما دعامتا الإسلام ـ والولاية وهي دعامة الإيمان ـ ولم يذكر المعاد ;لأنّ معرفة النبوة تلازم الاعتقاد بالمعاد، إذ لا يتحقّق الدّين بمعناه الحقيقي من دون اعتقاد بالمعاد.

1 . وإلى هذا الاستدراك أشار في الكفاية بقوله: نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات.

صفحه 175
روى سماعة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السَّلام : أخبرني عن الإسلام والإيمان، أهما مختلفان؟ فقال: «إنّ الإيمان يُشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان» فقلت: فصفهما لي، فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّاللّه والتصديق برسول اللّه، به حُقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس».1
وفي رواية سفيان بن السمط، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام : «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان، فهذا الإسلام، وقال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا».2
وبهذا المضمون ما ورد في صحاح أهل السنّة روى البخاري، عن عمر بن الخطاب أنّ علياً«صرخ» (عندما بعثه النبي لمقاتلة أهل خيبر) :يا رسول اللّه على ماذا أُقاتل؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وانّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه».3
كلّ هذه الروايات تحدّد الواجب من المعرفة وانّها لا تتجاوز معرفة الأصلين في تحقّق الإسلام والولاية في تحقّق الإيمان.
هذه هي الضابطة ولو دلّ دليل على وجوب معرفة شيء آخر كمعرفة أحكام الصلاة فيكون أمراً رابعاً وخامساً.

2. الظن الخاص والعقائد

ثمّ إنّ صاحب الكفاية بعد ما فرغ عن دور الظن الانسدادي في العقائد

1 . أُصول الكافي: 2/25 ،باب انّ الإيمان يشارك الإسلام،الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: 24، باب انّ الإسلام يحقن به الدم ، الحديث 4.
3 . صحيح البخاري:1/10، كتاب الإيمان; صحيح مسلم:7/17، كتاب فضائل علي عليه السَّلام.

صفحه 176
أشار إلى دور الظن الخاص فيها1 :
وهذا هو الأمر الثاني الذي أشرنا إليه في صدر البحث.
قد عرفت عدم حجّية الظن الانسدادي في العقائدي من غير فرق بين ما يجب فيه المعرفة التفصيلية وما يكفي فيه عقد القلب وإن لم تكن فيه معرفة تفصيلية، إنّما الكلام في حجّية الظن الخاص في كلا المقطعين،فالمحقّق الخراساني يرى أنّه لا يتنزل من العلم إلى الظن، فإن أمكن تحصيل العلم فهو، ومع العجز عن العلم كان معذوراً.
أقول: كان عليه أن يبرهن على الموضوع بشكل آخر، وهو أنّ باب العلم مفتوح في العقائد التي يكفي فيها عقد القلب، ومعه لا يعمل بالظن إذ فيه مظنّة البدعة.
نعم فيما يجب فيه المعرفة التفصيلية كالأُصول الخمسة أو الأربعة إن تمكن من تحصيل العلم فهو، وإلاّ فيُعدّ معذوراً إذا كان قاصراً.
ثمّ القصور يستند تارة إلى غفلة المكلّف وأُخرى إلى غموض المطلب مع قلة الاستعداد، كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال.
نعم إذا كان الجهل عن تقصير في الاجتهاد ولو لأجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف فهو غير معذور.
فتلخص من ذلك أُمور:
1. أنّ الظن الخاص غير معتبر في العقائد بكلا قسميها.
2. إذا لم يتمكن من تحصيل العلم لا يتنزل إلى الظن بل يكون معذوراً إن كان جاهلاً قاصراً.

1 . أشار إليه بقوله:«ثمّ إنّه لا يجوز الاكتفاء بالظن».

صفحه 177
3. إنّ القصور يستند تارة إلى غفلة المكلّف وتارة إلى غموض المطلب.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني دخل في مطلب آخر من دون أن يشير إلى عنوانه وهو البحث عن وجود الجاهل القاصر وعدمه.

إمكان وجود الجاهل القاصر1

قد أشار المحقّق الخراساني إلى وجود الجاهل القاصر بقوله:«كما هو المشاهد في كثير من النساء بل الرجال» غير أنّ هناك من يتصوّر عدم وجود الجاهل القاصر لوجوه ندرسها:
1. الإجماع على أنّ المخطئ في العقائد غير معذور، وصحّة الإطلاق يتوقف على عدم وجود القاصر، وإلاّلبطل مع كون القاصر معذوراً. فيقال: الجاهل القاصر مخطئ، وكلّ مخطئ غير معذور، فينتج: الجاهل القاصر غير معذور ولو كان موجوداً، لعذّب، مع أنّ العقل يرى تعذيبه على خلاف العدل، ولا يحصل التخلص إلاّ بالقول بعدم وجوده.
يلاحظ عليه: أنّ مصبَّ الإجماع هو الجاهل المتمكن، فلا يشمل الجاهل القاصر.
2. انّ المعرفة غاية الخلقة، فلو قلنا بوجود الجاهل القاصر يلزم نفي الغاية مع أنّها لا تنفك عن فعل الحقّ سبحانه. قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْس إِلاّليَعْبُدُون) .2
يلاحظ عليه: أنّ الغاية غاية للنوع لا لكلّ فرد لبداهة وجود المجانين والأطفال الذين يتوفون في صباهم.

1 . أشار إلى هذا البحث بقوله: والمراد من المجاهدة في قوله تعالى....
2 . الذاريات :56.

صفحه 178
3. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين)1 حيث جعل الملازمة بين المجاهدة والهداية التي هي المعرفة، فلو لم يكن الطرفان ممكنين لم تصح الملازمة فعدم هداية الجاهل القاصر لعدم جهاده.
يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد بيان الملازمة بين المتمكن من الجهاد، والهداية، والملازمة بينهما مسلمة، وأمّا غير المتمكن كالقاصر فهو خارج عن الآية كخروج المجانين والأطفال الذين يتوفون في صباهم.
وقد أجاب المحقّق الخراساني عن الاستدلال بأنّ المراد من الجهاد هو جهاد النفس لا الجهاد في طريق معرفة الحق.2
أقول: إنّ هنا احتمالات:
أ. أن يكون المراد من الجهاد جهاد العدو.
ب. أن يكون المراد منه جهاد النفس.
ج. أن يكون المراد منه هو الجهاد في طريق معرفة الرب.
والأوّل غير صحيح، لأنّ السورة مكية ولم يكن جهاد العدو مشروعاً في العهد المكّي، فكيف يمكن أن تكون الآية ناظرة إليه .
أمّا الثاني : فلأنّ قوله تعالى: (والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا) يقابل قوله في الآية المتقدّمة:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّب بِالحقّ)ومقتضى التقابل أنّ البحث يدور حول الكافر والمؤمن، لا العارف وغير العارف، فتعيّن المعنى الثالث.
4. قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ

1 . العنكبوت:69.
2 . الكفاية:2/175.

صفحه 179
عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاس لا يَعْلَمُون)1 ، فإنّ قوله: (فِطَرت اللّه)عطف بيان أو بدل من الدين، نصب بفعل مقدر، مثل أعني أو أخص، وإلاّ لكان الواجب أن يكون مجروراً بحكم البدلية، ولازم ذلك أن تكون معرفته سبحانه أمراً فطرياً وخلقياً، لا يقبل القصور كسائر الأُمور الوجدانية.
والظاهر انّ الآية أوضح ما في الباب، وهي تدلّ على عدم وجود القاصر في معرفة الرب، وانّ للعالم خالقاً وصانعاً، وانّه واحد لا شريك له في ذاته، وهو أمر لا يقبل القصور إلاّ إذا عاند الإنسان فطرته وأنكر وجدانه لغاية مادية كالانحلال من القيود الشرعية، ولأجل ذلك لا يبعد ادّعاء عدم وجود القاصر في باب التوحيد.
إنّما الكلام في غيره كباب النبوة والإمامة والمعاد،والآية لا تدلّ على عدم وجود القصور فيها بشهادة أنّ قوله: (حَنيفاً) تدلّ على أنّ التوحيد هو الموافق للفطرة لا الشرك.
نعم، أكثر الكبريات الواردة في مجال الفروع أُمور فطرية كالدعوة إلى الزواج وإكرام الوالدين ورد الأمانة وحرمة الخيانة لكن الكلام في الأُصول لا الفروع.
5. دلّت العمومات على حصر الناس في المؤمن والكافر.
ودلّت الآيات على خلود الكافرين بأجمعهم في النار.
ودلّ الدليل العقلي بقبح عقاب الجاهل القاصر.
فإذا ضم الدليل العقلي إلى العمومات المتقدّمة ينتج عدم وجود القاصر في

1 . الروم:30.

صفحه 180
المجتمع الإنساني، لأنّ ما في المجتمع بين مؤمن وكافر، وكلّ كافر محكوم بالعذاب، ولا تصدق الكبرى إلاّ مع عدم وجود الكافر الجاهل القاصر فيهم، وإلاّ لخص بغير القاصر وهو خلاف الظاهر.
يلاحظ عليه: بأنّ الكبرى ناظرة إلى المتمكن من المعرفة، لأنّ عقاب العاجز القاصر قبيح فضلاً عن خلوده في النار، فالكبرى كلية غير مخصصة لكنّها واردة في حقّ المتمكن، لا كلّ إنسان وإلاّ تمنع كليّتها.

هل الجاهل القاصر كافر؟

القاصر في مجتمعنا، فهل يحكم عليه بالكفر بعد كونه معذوراً في جانب العقاب.
الظاهر أنّه كافر ثبوتاً وليس بكافر إثباتاً.
أمّا الأوّل فلأنّ المستفاد من الكتاب والسنّة أنّه ليس هنا واسطة بين المؤمن والكافر قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مؤمن واللّه بِما تَعْمَلُونَ بَصير).1
وبهذه الآية ردّ على المعتزلة القائلين بوجود الواسطة بين الإيمان والكفر فإنّ مرتكب الكبيرة عندهم لا مؤمن ولا فاسق، بل منزلة بين المنزلتين وهذا ما لا يساعد عليه القرآن الكريم.
هذا كلّه حول الثبوت وإمّا إثباتاً فالظاهر من بعض الروايات كونهم متوسطين بين الكفر والإيمان، وهذا نظير قولنا:«لا شكّ لكثير الشك» فإنّ كثير

1 . التغابن:2.

صفحه 181
الشك شاك ثبوتاً، بل هو من أوضح مصاديق الشاك، ولكنّه لا يحكم عليه ب آثار الشك كما هو محقق في محله.
ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه لا يغفر الشرك ، قال اللّه سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَن يشرك به ويَغْفِر ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء وَمَنْ يُشرك بِاللّهِ فَقَدِ افترى إِثماً عظيماً).1
هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ اللّه سبحانه يعد المستضعفين بالعفو والمغفرة مع أنّ بعضهم مشركون ويقول: (إلاَّ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطيعُونَ حيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبيلاً *فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)2، فقد استثنى سبحانه المستضعفين الذين ليس لهم قدرة الخروج ولا عرفان الطريق فما آيسهم سبحانه من عفوه، ويظهر من غير واحد من الروايات انّهم غير محكومين لا بالكفر ولا بالإيمان.
روى العياشي عن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السَّلام : أتزوّج المرجئة أو الحرورية أو القدرية؟ قال: «لا، عليك بالبُله من النساء» قال زرارة: فقلت:ما هو إلاّمؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد اللّه عليه السَّلام :« فأين أهل استثناء اللّه. قول اللّه أصد ق من قولك: (إِلاّ المُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجال وَالنِساء...)».3
روى حمران بن أعين في تفسير قوله سبحانه: (وَآخَرُونَ مُرجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) 4 ، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال:

1 . النساء:48.
2 . النساء:98ـ 99.
3 . تفسير العياشي:1/433 برقم 1091; عنه البحار:69/ 164، باب المستضعفين ، الحديث 24; وفي الباب روايات بهذا المضمون.
4 . التوبة:106.

صفحه 182
«إنّهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين، وهم المرجون لأمر اللّه».1 والمرجون،جمع المُرجى من أرجى، يرجي، يقال: أرجى الأمر: أخّره، واسم المفعول منه: مرجى، والجمع: مرجون، وهم المشركون،لكن يؤخّر أُمورهم رجاء شمول رحمته سبحانه لهم.
إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها العلاّمة المجلسي في بحاره، فلاحظ.

الجاهل القاصر والحكم الوضعي

هل الجاهل القاصر، محكوم بالأحكام الوضعية الثابتة للكافر، كنجاسته،وحرمة ذبيحته وتزويجه أو لا؟ التصديق الفقهي يتوقف على معرفة لسان الأدلّة في هذه الروايات، فهل الموضوع، هو الكافر، أو غير المسلم أو غير المؤمن باللّه ورسوله؟ فعلى الأوّل لا يحكم بشيء من هذه الأحكام، بخلاف الثاني، والحكم القطعي يتوقف على دراسة المسألة في الفقه.
***

إكمال وتفصيل

كان بحثنا فيما سلف على ضوء كتاب «الفرائد» للشيخ الأنصاري و«الكفاية» للمحقّق الخراساني، وعنوان البحث يعرب عن القائل بحجّية الظن المطلق أو الظن الخاص في مجال العقائد، مع أنّ الملموس في الخارج هو القول بحجّية خبر الواحد في العقائد.

1 . البحار:69/165، باب المستضعفين، الحديث29.

صفحه 183
فإنّ المحدّثين والسلفيّين مازالوا يعملون في تنظيم العقائد بخبر الواحد، وبذلك حشّووا صحاحهم وسننهم بأخبار الآحاد.
وعلى ذلك علينا أن نركّز على نصوص هذا القسم ، وإلاّ فالعامل بمطلق الظن في مجال العقائد غير متحقّق في الخارج.
وهذا ما دعانا إلى بسط الكلام في ذلك المجال فنقول:
المطلوب من العقيدة هو الإذعان القلبي، كما أنّ المطلوب من الشريعة هو العمل، فكأنَّ الشريعة ثمرةُ العقيدة، وكل إنسان ينطلق في سلوكه من عقيدته وإيمانه.
والّذي يجب إلفات النظر إليه هو أنّ السلوك العملي وتطبيق الحياة على الحكم الشرعي ليس رهن الإذعان بصحة الحكم الشرعي، بل ربّما يعمل به الإنسان أو يتركه مع الشك والترديد في صحة حكم ما، بشهادة أنّ جميع الأحكام الفرعية ليست من القطعيات، بل هي بين مقطوع ومظنون بها، كما أنّ له تلك الحالة مع الظن بصحة الحكم دون اليقين بها، فالعمل والتطبيق في متناول الإنسان في أيّ وقت شاء، سواء أشك في صحة الحكم أو ظنّ بها أو قطع.
وأمّا العقيدة بمعنى عقد القلب على شيء وأنّه الحق تماماً دون غيره فتختلف عن الأحكام الفرعية، فهي رهن أُسس ومبادئ تقود الإنسان إلى الإذعان على نحو لولاها لما حصلت له تلك الحالة وإن شاء وأصرّ على حصول اليقين.
فالعمل بالأحكام من مقولة الفعل وهو واقع تحت إرادة الإنسان، فربّما يعمل بما لا يجزم بصحته كما يعمل مع الجزم بها، ومثال ذلك أنّ أئمة المذاهب الفقهية مختلفون في الآراء والمصيب منهم واحد، ومع ذلك فأتباع كل إمام يعملون بفقهه مع علمهم بخطئه إجمالاً في بعض الآراء لعدم عصمته .

صفحه 184
ولكن الإذعان من مقولة انفعال النفس بالمبادئ الّتي تؤثر في طروء هذه الحالة على صحيفتها، ولولا تلك المبادئ لماترى له أثراً في الذهن .
يقول سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) .1 ماذا يريد اللّه سبحانه من هذه الجملة؟ هل يريد أنّ الدين لا يمكن أن يتعلّق به إكراه؟! لأنّه من شؤون القلب الخارجة عن القدرة، تماماً كالتصورات الذهنية، وانّما يتعلّق الإكراه بالأقوال والأفعال الّتي يمكن صدورها عن إرادة القائل والفاعل.2
يقول العلاّمة الطباطبائي: إنّ الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية الّتي تتبعها أُخرى عملية، يجمعها أنّها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأُمور القلبية الّتي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإنّ الإكراه إنّما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية.
وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أُخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً، أو تولّد المقدّمات غير العلمية تصديقاً علمياً .3
فما ادّعاه أعداء الإسلام من : «أن ّالإسلام قام بالسيف والقوة» ما هو إلا ادّعاء فارغ يجانب العقل،لأنّ السيف لا يؤثر في العقيدة والإذعان وإن كان يؤثر في تطبيق العمل وفق الشريعة.
وعلى ضوء ذلك قال المحقّقون بحجية خبر الواحد العادل في الأحكام العمليّة دون الأُصول والعقائد، لأنّه لا يفيد العلم واليقين الّذي هو أساس

1 . البقرة:256.
2 . تفسير الكاشف:1/396.
3 . الميزان:2/342.

صفحه 185
العقيدة إلا إذا احتفّ بقرائن خارجية تورث العلم والجزم،وما هذا إلا لأنّ المطلوب في الأحكام هو العمل، وهو أمر اختياري يقوم به الإنسان حتّى في حالتي الشك والتردد في صحة الحكم.
وأمّا الأُصول والمعارف فالمطلوب فيها عقد القلب والإذعان على نحو يطرد الطرف النقيض بإحكام، والخبر الواحد بما هو هو ـ وإن كان الراوي ثقة خصوصاً إذا كان بعيداً عن مصدر الوحي ـ لا يورث إلا الظن، وهو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً.
فعلى ما ذكرنا فالخبر الواحد إذا كان راويه ثقة وسنده صحيحاً، فإنّه يوصف بالصحة، ولكن لا ملازمة بين صحة السند، وصحة المضمون، لأنّ أقل ما يمكن أن يقال في آحاد الثقات انّهم ليسوا بمعصومين، ويحتمل في حقّهم الخطأ والاشتباه في السمع والبصر والذاكرة، فكيف يفيد قولهم العلم بالصحة؟ ومع ذلك فالخبر الواحد حجة في الفرعيات الّتي لا تعدّ ولا تحصى، لأنّ فرض تحصيل العلم فيها يستلزم الحرج، وربّما لا يناله الفقيه، ولذلك اعتبره الفقهاء حجة من عهد الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم إلى يومنا هذا كما اعتبره العقلاء حجة في حياتهم الاجتماعية وسلوكهم الفردي.
وأمّا الأُصول والمعارف فهي رهن دليل قطعي حاسم يجلب اليقين ويخاصم الطرف المقابل.
نعم شذّ عن هذه القاعدة الّتي تؤيدها الفطرة والكتاب والسنّة جماعةٌ اغترّوا بروايات الآحاد فجعلوها أُسساً للعقائد والأُصول، يقول ابن عبد البرّ: ليس في الاعتقاد كلّه في صفات اللّه وأسمائه إلا ما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كلّه أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه .

صفحه 186
وقال أيضاً: وكلّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، وعلى ذلك جماعة أهل السنّة .1
وجاء في شرح الكوكب المنير: ويعمل ب آحاد الأحاديث في أُصول الديانات، وحكى ذلك ابن عبد البر إجماعاً.2
يقول ابن القيم: إنّ هذه الأخبار لو لم تفد اليقين، فإنّ الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها... ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنّة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنّه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن اللّه وأسمائه وصفاته....3
وقد نقل هذه النصوص مؤلف كتاب «موقف المتكلمين من الكتاب والسنّة» عن المصادر الّتي أشرنا اليها في الهامش واستنتج من هذه الكلمات ما يلي:
يرى أهل السنّة والجماعة الأخذ بكل حديث صحّ عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في العقائد، واعتقاد موجبه، سواء أكان متواتراً أم آحاداً، إذ إنّ كلّ ما صحّ عن النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وجب القطع به واعتقاده والعمل به، سواء أوصل إلى درجة التواتر أم لم يصل، وسواء أكان ذلك في الاعتقادات أم فيما يسمّى بالعمليات، أي: المسائل والأحكام الفقهية.

1 . التمهيد:1/8.
2 . شرح الكوكب المنير:2/352 وانظر: لوامع الأنوار الإلهية:1/19.
3 . مختصر الصواعق:2/412.

صفحه 187
ـ إلى أن قال: ـ فمن أفاده الدليل العلم القاطع وجب عليه الأخذ به وتيقن دلالته، ومن أفاده الظن الغالب لم يجز له أن يترك هذا الظن الغالب لعجزه عن تمام اليقين.1
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يشبه بعضها بعضاً، ويدعو الكل إلى لزوم بناء العقيدة على العلم واليقين إنْ تيسّر ، وإلا فعلى الظن، ولا يجوز ترك الظن الغالب، لعجزه عن اليقين.
أقول: إنّ هؤلاء ـ نوّر اللّه بصيرتهم ـ لم يفرّقوا بين الأحكام العملية والأُصول العقائدية، وقاسوا الثانية بالأُولى، مع أنّه قياس مع الفارق، فالمطلوب في الأحكام هو العمل وهو يجتمع مع العلم والظن، ولكن المطلوب في الثانية هو عقد القلب والجزم ورفض الطرف المخالف، وهو لا يتولّد من الظن، فإنّ الظن لا يُذهب الشك، بخلاف اليقين فأنّه يطردهما معاً.
وتكليف الظان بموضوع، بالإذعان به وعقد القلب عليه تكليف بما لا يطاق، كتكليف الظان بطلوع الفجر، بالإذعان به.
ولو كان العمل بالظن في العقائد أمراً مطلوباً لما ندّد به القرآن الكريم في غير واحد من الآيات. قال سبحانه: (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ)2 ، وقال: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)3 ، إلى غيرذلك من الآيات .

1 . موقف المتكلّمين:1/198.
2 . الأنعام:116.
3 . يونس:36.

صفحه 188

معطيات الخبر الواحد في العقائد

لو قمنا بتنظيم العقيدة الإسلامية على ضوء الخبر الواحد لجاءت العقيدة الإسلامية أشبه بعقائد المجسّمة والمشبّهة، بل الزنادقة.
نفترض أن الخبر الواحد في العقيدة حجة إذا كان السند صحيحاً، فهل يصحّ لنا عقد القلب على ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال :

لاتُملأ النار حتّى يضع الرب رِجْلَه فيها

تحاجّت النار والجنّة فقالت النار: أُثرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسقطهم وعجزهم، فقال اللّه للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أُعذب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة ملؤها، فأمّا النّار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض .1
ولنا على الحديث ملاحظات تجعله في مدحرة البطلان:
الأُولى: أي فضل للمتكبّرين والمتجبّرين حتى تفتخر بهم النار، ثُمّ ومن أين علمتْ الجنةُ بأنّ الفائزين بها من عجزة الناس مع أنّه سبحانه أعدّها للنبيّين والمرسلين والصدّيقين والشهداء والصالحين؟!
الثانية: ثمّ هل للجنة والنار عقل ومعرفة بمن حلّ فيهما من متجبّر ومتكبّر أو ضعيف وساقط من الناس؟

1 . صحيح مسلم:8/151، دار الفكر، بيروت.

صفحه 189
الثالثة: انّه سبحانه قد أخبر بأنّه يملأ جهنم بالجِنّة والناس لا برجله تعالى، كما قال سبحانه: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعينَ)1، وقال: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعينَ). 2
وعلى ذلك فالموعود هو امتلاء جهنم بهما، وما هو المتحقّق إنّما هو امتلاء النار بوضع الرب رجله فيها، فما وُعد لم يتحقّق، وما تَحقّق لم يُعد.
الرابعة: هل للّه سبحانه رجل أكبر وأوسع حتى تمتلئ بها نار جهنم إلى حدّ يضيق الظرف عن المظروف فينادي بقوله: قط قط؟!
فالحديث أشبه بالأُسطورة، وقد صاغها الراوي في ثوب الحديث عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فجنى به على الرسول وحديثه وسوّد صحائف كتب الحديث وصحيفة عمره ـ أعاذنا اللّه من الجهل المطبق، والهوى المغري ـ.
ولا يتصوّر القارئ أنّ ما ذكرناه حديث شاذ بين أخبار الآحاد، لا بل هناك أخبار كثيرة لو اعتمدنا عليها لجاءت العقيدة الإسلامية مهزلة للمستهزئين، فإن كنت في شك فلاحظ الحديث التالي:

نزول الرب كلّ ليلة إلى السماء الدنيا

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي عبد اللّه الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة:
إنّ رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني

1 . ص: 85.
2 . هود:119.

صفحه 190
فأعطيه، ومَن يستغفرني فأغفر له. 1
وفي الحديث تساؤلات:
أوّلاً: أنّ ربّنا هو الغفور الرحيم، وهو القائل عزّ من قائل:(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم).2
والقائل تبارك وتعالى:(أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيم).3
والقائل سبحانه:(قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَميعاً).4 إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم مغفرته.
كما أنّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول:(ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُم)5، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من اللّه سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا وندائه بقوله: « مَن يدعوني فاستجيب له».
ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال

1 . صحيح البخاري:8/71، باب الدعاء نصف الليل من كتاب الدعوات; وأخرجه مسلم في صحيحه:2/175، باب الترغيب في الدعاء من كتاب الصلاة عن أبي عبد اللّه الأغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة.
2 . المائدة:39.
3 . المائدة:74.
4 . الزمر:53.
5 . غافر:60.

صفحه 191
وسائر العوارض والحوادث، وقد صار هذا الحديث سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه، وإن كنت في شكّ فاستمع لكلام من أحيا تلك الطريقة بعد اندثارها وانطماسها، يقول الرّحالة ابن بطوطة في رحلته:
وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء. ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا اللَّه، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه بـ «البحر المحيط».
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا،ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. 1

1 . ابن بطوطة: الرحلة:112، طبع دار الكتب العلمية .

صفحه 192

خاتمة المطاف

بعد أن كتبت هذه الرسالة وقفت على كلام رسالتين تحت عنوان «حجّية خبر الآحاد في العقائد والأحكام» 1 للدكتورين محمد بن جميل مبارك وعامر بن حسن صبري حيث ناقشا المسألة وخرجا بنتيجة واحدة، وهي: «خبر الواحد يفيد العلم النظري». واستشهدا على ذلك بأقوال العلماء.
وألفت نظر الدكتورين إلى أُمور:
1. هل يصحّ الاستدلال في المقام بأقوال السابقين مع انّ الموضوع ليس غائباً عنهما إذ في وسعهما نأن يختبرا الأمر بنفسهما، وأنّه هل يفيد خبر الواحد العلم أو لا من دون حاجة إلى الاستدلال يقول ذاك المحدّث أو ذاك الفقيه.
وهذا أشبه بالاستدلال على طيب رائحة القرنفل بقول العطار وبائع الورد، مع انّ كلّ إنسان ذي شامة صحيحة، يمكن أن يختبر الموضوع.
2. كيف يمكن أن يفيد خبر الواحد العلم النظري مع أنّ الرواة ليسوا بمعصومين من الخطأ والنسيان بل وكلما طال السند وتعددت الوسائط يزداد احتمال الخطأ والاشتباه، ومعه كيف يحصل العلم.
3. ماذا يريد من العلم النظري: فهو يريد العلم المنطقي وهو الاعتقاد الحازم المطابق للواقع، فأين هو من خبر الواحد.
وان علم الاطمئنان فليس هذا علماً مطلوباً في العقائد فانّ المطلوب فيها، هو الاعتقاد الحازم الذي لا يحتمل فيه الخلاف.
رحم اللّه امرءً قدره ولم يتجاوز طوره.

1 . طبعت هاتان الرسالتان مع رسائل أُخرى في ندوة «عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية» الّتي أُقيمت في المدينة المنوّرة عام 1425هـ.

صفحه 193

الرسالة السابعة

أُصول الفقه

بين الماضي والحاضر


صفحه 194

صفحه 195

أُصول الفقه

بين الماضي والحاضر

الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات والسياسات.
فالمتكلّم الإسلامي مَنْ تكفّل ببيان العقيدة، وبرهن على الإيمان باللّه سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.
كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.

صفحه 196
فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب والسنّة رهن أُمور، أهمها: العلم بأُصول الفقه، وهو العلم الذي يُرشد إلى كيفية الاجتهاد والاستنباط ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعية.
إنّ كلّ علم يوم حدوثه ونشوئه لم يكن إلاّ مسائل عديدة لا تتجاوز عدد الأصابع شغلت بال الباحث أو الباحثين، ولكنّها أخذت تتكامل وتتشعّب عبر الزمان حتّى صارت علماً متكامل الأركان، له خصوصيات كلّ علم، أعني: تعريفه وموضوعه ومسائله وغايته.
وهذه خصيصة كلّ علم من العلوم الّتي تسير مع تكامل الإنسان.
وأمامك علم المنطق; فقد نقل الشيخ الرئيس في آخر منطق الشفاء عن أرسطا طاليس أنّه قال: إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة. وأمّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه وضروبه وتمييز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا أعيننا حتّى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسدّه.1
هذا هو نفس العلم، وفي جانب كلّ علم، بحث آخر ربّما يسمّى بتاريخ العلم، وهو غير العلم نفسه، حيث يستعرض الباحث في تاريخ العلم، الأسباب الّتي أدت إلى نشوئه، أو صارت سبباً لتكامله خلال العصور، والإلماع إلى العلماء الذين كان لهم دور في تطور العلم، إلى غير ذلك من المباحث التي تناسب تاريخ العلم.

1 . شرح المنظومة،قسم المنطق، للحكيم السبزواري:5ـ6 نقلاً عن منطق الشفاء للشيخ الرئيس ابن سيناء.

صفحه 197
وايضاحاً للحال: نفترض أنّ سفينة تجري على ضفاف البحر أو تشقّ الأمواج العاتية في وسطه متقدّمة إلى الأمام، فهناك راكب فيها كما أنّ هناك ناظر إليها من بعيد، ولكلّ بالنسبة إلى السفينة رؤية خاصة، فالراكب إذا أراد وصفها فسوف يصف معدّاتها الداخلية وما فيها من غرف الملاّحين ومخازن الأطعمة والأشربة ومقاعد الركاب وغرفهم إلى غير ذلك ممّا يقع نظره عليه.
وأمّا الآخر فهو ينظر إليها بما أنّها مصنوع قام بصنعها كبار المهندسين ومهرة العمّال وِفقَ تخطيط دقيق باستخدام أدوات مختلفة ومواد منوّعة حتّى صارت جاهزة تُقلّ الركّاب وتنقل البضائع من ميناء إلى ميناء.
فالنظرة الأُولى نظرة فاحصة متعلّقة بما في داخل السفينة، والنظرة الثانية نظرة فاحصة تتعلق بخارجها.
وعلى ضوء هذا المثال يمكن التفريق بين نفس العلم وتاريخه، فالنظر إلى داخل العلم بما له من موضوع ومسائل وغاية هي دراسة لنفس العلم.
كما أنّ النظر إليه من حيث نشوئه وتكامله بيد أساتذته عبر الزمان هي دراسة لتاريخ العلم وسيره من بداية نشوئه إلى الحدّ الّذي بلغه.
وعلى هذا فـ«أُصول الفقه» علم له تعريفه وموضوعه ومسائله وغاياته، وقد أفاض فيه علماء الأُصول في بحوثهم ودراساتهم وكتبهم، ونحن هنا لا نخوض فيه، بل ننتقل إلى الجانب الثاني ـ أعني: دراسة تاريخ هذا العلم ـ والأسباب التي أدّت إلى نشوء هذا العلم وتدوينه بصورة رسائل وكتب.

حاجة الفقيه إلى أُصول الفقه

إنّ الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه وصفاته

صفحه 198
والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة تجمعها العناوين التالية:
«العبادات، المعاملات، الإيقاعات، والسياسات». فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين، فلم يترك الدين شيئاً يحتاج إليه المجتمع في عاجله وآجله، وأغنى الإنسان المسلم عن كلّ تشريع وضعي سوى ما شرّعه الدين.
يرشدنا إلى إغناء التشريع الإسلامي الأُمّة الإسلامية عن كلّ قانون سواه، لفيف من الآيات والروايات ونكتفي بما يلي:
1. قال سبحانه: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).1
2. قال أبو جعفر الباقرعليه السَّلام:«إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه».2
3. قال الإمام جعفر الصادقعليه السَّلام:«ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».3
4. وقال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفرعليه السَّلام في جواب من سأله: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه.
قال: «بلى كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».4
هذا من جانب ومن جانب آخر، أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة وبلغ

1 . المائدة:3.
2 . الكافي:1/59، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.
3 . الكافي:1/59، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.
4 . الكافي:1/59، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة.

صفحه 199
الإنسان منها ما بلغ، احتاج في تنظيم حياته إلى تشريعات خاصة أزيد ممّا كان يحتاج إليها في الظروف الغابرة; وبما أنّ الحضارة الإنسانية مازالت تتوسّع وتتكامل، فذلك يستتبع حاجة الإنسان إلى تشريعات جديدة تستننبط من الكتاب والسنّة مع سائر الأدلّة.
وهذان الأمران هما:
1. استغناء المسلم عن كلّ تشريع سوى تشريع السماء.
2. تزايد الحاجة إلى التشريعات الجديد.
فهذان الأمران يفرضان على الفقيه الدقّة والإمعان في الكتاب والسنّة واستنطاقهما مع سائر الأدلّة في الحوادث المستجدّة، وهذا هو نفس الاجتهاد الّذي فتح اللّه بابه على الأُمّة الإسلامية منذ رحيل الرسول إلى يومنا هذا.
ومن المعلوم أنّ استنطاق الأدلّة الأربعة يجب أن يكون تابعاً لنظام منطقي يصون المجتهد عن الخطأ في الاستنباط. وهذا هو علم أُصول الفقه فإنّ دوره هو تعليم المجتهد كيفية استنطاق الدليل الشرعي لاستنباط الحكم الإلهي في حقول مختلفة.
إنّ إغناء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، عن كلّ تشريع سواه، رهن اشتمالها على مادة حيوية وأُصول وقواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري عبر القرون والأجيال.
وهذه الثروة العلمية من مواهبه سبحانه للأُمّة بين سائر الأُمم.
ومن المعلوم أنّ تبسيط المادة الحيوية وتهيئتها للإجابة على مورد الحاجة دون نظام خاص يسهّل إنتاج الأحكام الفرعية من هذه المواد والأُصول، يوجد الفوضى في حقل الاستنباط.

صفحه 200
فوزان علم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، وزان علم المنطق إلى الفلسفة، فكما أنّ المنطق يعلّم الباحث كيفية الاستدلال والبرهنة على المسائل العقلية أو الكونية أو المعارف الإلهية، فهكذا علم الأُصول يرشد المجتهد إلى كيفية ردّ الفروع إلى الأُصول.

المسلمون الأوائل والمسائل المستجدّة

واجه المسلمون في فتوحاتهم واحتكاكهم مع الأُمّم الأُخرى مسائل وموضوعات مستجدّة لم يجدوا حلّها في الكتاب والسنّة بصراحة ـ مع العلم بكمال الدين في حقلي العقيدة والشريعة ـ فأخذ كلّ صحابي أو تابعي بالإجابة وفق معايير خاصّة، دون أن يكون هناك منهج خاص يصبّ تمام الجهود على مورد واحد، فمسّت الحاجة إلى تدوين أُصول وقواعد تضفي على الاجتهاد منهجية ونظاماً خاصاً يخرجه عن الفوضى في الإفتاء، فعند ذلك جاء دور أُصول الفقه المتكفّل ببيان المنهج الصحيح للاستنباط.

جذور علم الأُصول في أحاديث أهل البيتعليهم السَّلام

إنّ أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام لا سيّما الإمامين الباقر والصادقعليمها السَّلام أملوا على أصحابهم قواعد كليّة في الاستنباط يُقتنص منها قواعد أُصولية أوّلاً وقواعد فقهية ثانياً على الفرق المقرّر بينهما. وقد قام غير واحد من علماء الإمامية بتأليف كتاب في جمع القواعد الأُصولية والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام، ونخصّ بالذكر الكتب الثلاث التالية:
أ. الفصول المهمة في أُصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104هـ).

صفحه 201
ب. الأُصول الأصليّة للعلاّمة السيد عبد اللّه شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242هـ).
ج. أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى1318هـ).
بمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلّية الواردة في أحاديث أئمتهم، مضافاً إلى ما جادت به أفكارهم.
فألّف يونس بن عبد الرحمن(المتوفّى 208هـ) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل و الترجيح في الكتب الأُصولية.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237ـ 311هـ) كتاب : الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس.
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة عليهم السَّلام سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف.
وأمّا الآخرون فقد اشتهر أنّ أوّل من ألّف في أُصول الفقه هو الإمام الشافعي.
قال الإمام الرازي: اتّفق الناس على أنّ أوّل من صنّف في هذا العلم ـ أي أُصول الفقه ـ الشافعي، وهو الّذي رتّب أبوابه، وميّز بعض أقسامه في بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف.1

1 . مناقب الإمام الشافعي للرازي:56ـ 57.

صفحه 202
وما ذكره الرازي موضع تأمّل وإن اشتهر بين المتأخّرين أنّ الإمام الشافعي أوّل من ألّف في علم الأُصول والّذي طبع باسم «الرسالة» وذلك:
1. انّ أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم (المتوفّى عام 182هـ) أوّل من ألّف في أُصول الفقه على وفق مذهب أُستاذه أبي حنيفة.1
2. انّ محمد بن حسن الشيبانى (المتوفّى عام 189هـ) هو أحد من ألّف في أُصول الفقه كما صرّح به ابن النديم2، فلم يعلم تقدّم الشافعي على العالمين لو لم نقل بتقدمهما عليه.
وعلى كلّ تقدير فنحن نقدر ونثمن جهود الفقهاء الّتي بذلوها في تنمية أُصول الفقه وإظهاره للوجود ثمّ تطويره وتكامله، وهو من مواهب اللّه سبحانه.

تعريف أُصول الفقه

إنّ البحث السابق رفع الستار عن واقع أُصول الفقه وبالتالي عن تعريفه.
وهو عبارة عن: العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها، أو ينتهي إليها المجتهد بعد اليأس من العثور على الأدلّة الشرعية، وهذا كالأُصول العملية من البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، فالمستنبط يلتجئ إلى تلك الأُصول في مقام بيان الوظيفة عند اليأس من العثور على الدليل التفصيلي.
فالمجتهد تارة يستنبط الحكم الشرعي الواقعي، كما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة; وأُخرى يرشد المكلّف إلى وظيفته الفعلية من العمل بالبراءة

1 . وفيات الأعيان لابن خلكان:6/383.
2 . فهرست ابن النديم:258.

صفحه 203
والاحتياط وغيرها. والفرق بين الأمرين واضح لمن مارس أُصول الفقه لدى الإمامية.

موضوع علم الأُصول

المشهور أنّ موضوع أُصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجّة في الفقه; والثاني هو الأظهر، لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة بالأربعة، وهناك من يحتج بالعقل ومنهم من لا يحتج به.
وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فللأُصولي أن يبحث في أُصول الفقه عن عوارض «الحجّة في الفقه» ، فعندئذ يقع الكلام في العوارض الّتي تعرض على «الحجّة في الفقه» والأُصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد، وهو:
إنّ العارض على قسمين:
أ. عارض خارجي يخبر عروض شيء على المعروض خارجاً، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجية كما في الفيزياء، أو الداخلية كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.
ب. عارض تحليلي وعقلي، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، ومادّي ومجرّد، وواحد وكثير.
وعلى ضوء هذا، فالموضوع في علم أُصول الفقه هو الحجّة في الفقه، فإنّ الفقيه يعلم وجداناً بأنّ بينه و بين ربّه حججاً تتضمن بيان الشريعة والأحكام

صفحه 204
العملية. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، وانّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ وبالقياس وعدمه، إلى غير ذلك. فقولنا: خبر الواحد حجّة أو القياس حجّة، يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهراً في الوجوب والنهي في الحرمة يرجع لب البحث فيه إلى وجود الحجّة على لزوم إتيان الأمر الفلاني أو وجود الحجّة على تركه.1

اتّجاهان في تدوين أُصول الفقه

قام بتدوين أُصول الفقه في أوّل الأمر طائفتان هما المتكلّمون والفقهاء.
الطائفة الأُولى : كانت تمثّل المذهب الشافعي في الفقه.
والطائفة الثانية: كانت تمثّل مذهب الإمام أبي حنيفة.
ولأجل التعرّف على كلا الاتّجاهين عن كثب، نذكر شيئاً منهما، ثمّ نشير إلى أسماء الكتب الّتي أُلّفت في هذين المضمارين.

طريقة المتكلّمين

تمتّعت طريقة المتكلّمين بالأُمور التالية:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية حتّى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهية، فأخذوا بالفروع لما وافق الأُصول وتركوا ما لم يوافق، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول.

1 . رسائل ومقالات:4/349ـ 350 للمؤلّف.

صفحه 205
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابع عقلي واستدلالي استخدمت فيه أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليين وجواز تكليف مالا يطاق وعدمه إلى غير ذلك.
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع.
يقول الشيخ أبو زهرة في وصف هذه المدرسة: «الاتّجاه الّذي سمّى أُصول الشافعيين أو أُصول المتكلّمين كان اتّجاهاً نظرياً خالصاً وكانت عناية الباقين فيه متّجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبيّ، بل يريدون انتاج أقوى القواعد سواء أكان يؤدّي إلى خدمة مذهبهم أم لا يؤدّي ـ إلى أن قال ـ وقد كثرت في هذا المنهاج، الفروض النظرية والمناحي الفلسفية والمنطقية، فتجدهم قد تكلّموا في أصل اللغات، وأثاروا بحوثاً نظرية، ككلامهم في التحسين العقلي والتقبيح العقلي، مع اتّفاقهم جميعاً على أنّ الأحكام في غير العبادات معلّلة معقولة المعنى، ويختلفون كذلك في أنّ شكر المنعم واجب بالسمع وبالعقل، مع اتّفاقهم على أنّه واجب، وهكذا يختلفون في مسائل نظرية لا يترتب عليها عمل، ولا تسن طريقاً للاستنباط، ومن ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم.1
بل إنّهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل من صميم علم الكلام، ولا صلة لها في الفقه إلاّ من ناحية أنّ الكلام فيها كلام في أصل الدين، ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوّة، فقد عقدوا فصلاً تكلّموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة».2
ثمّ أضاف وقال: وإنّ ذلك الاتّجاه أفاد علم الأُصول في الجملة، فقد كان

1 . الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي:1/219.
2 . أُصول الفقه لأبي زهرة:16.

صفحه 206
البحث فيه لا يعتمد على تعصّب مذهبي، ولم تخضع فيه القواعد الأُصولية للفروع المذهبية، بل كانت القواعد تدرس على أنّها حاكمة على الفروع، وعلى أنّها دعامة الفقه، وطريقة الاستنباط، وأنّ ذلك النظر المجرد قد أفاد قواعد أُصول الفقه، فدُرِسَتْ دراسة عميقة بعيدة عن التعصّب في الجملة، فصحبه تنقيح وتحرير لهذه القواعد، ولا شكّ أنّ هذه وحدها فائدة علمية جليلة، لها أثرها في تغذية طلاب العلوم الإسلامية بأغزر علم وأدقه.1
وسوف توافيك قائمة بأسماء بعض الكتب التي أُلّفت على هذا المنهاج مع الإشارة إلى المسائل الّتي لا تقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي.

طريقة الفقهاء

وهناك طريقة أُخرى تمتاز بما يلي:
أ. إنّها تنظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمه هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأُصولية طبقاً لما قرّره أئمّة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهية، وتكون القاعدة الأُصولية منسجمة مع الفروع الفقهية، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيّده البرهان وعضده الدليل; فتجد كثرة التخريج تشكّل الطابع العام في كتبهم التي أُلفت على هذه الطريقة.
ب. خلو هذه الطريقة من الأساليب العقلية والقواعد الكلامية.
ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على هذا الأُسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي(المتوفّى 220هـ).

1 . أُصول الفقه لأبي زهرة:17.

صفحه 207
قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه: الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع، وقد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأُصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم ويثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. وبذلك يصحّحون بها استنباطها ويتزودون بها في مقام الجدل والمناظرة، فكانت دراسة الأُصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبية وحججها، ولقد قال بعض العلماء: إنّ الحنفية أوّل من سلكوا هذه الطريقة ولم تكن لهم أُصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط.1

نظرة إلى طريقة الفقهاء

إذا كانت الغاية من تدوين علم الأُصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط، وتأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي; فيجب أن تكون القواعد الأُصولية حاكمة على الفروع ودعامة للفقه، وطريقة للاستنباط، وهذا لا ينطبق إلاّ على طريقة المتكلّمين.
وأمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام ومخرِّجو مذهبه، فتكون حينئذ قليلة الجدوى، لأنّه يصبح دفاعاً عن مذهب معيّن، فلو وافقها أخذ به وإن خالفها رفضها.
والحاصل أنّ علم الأُصول هو العلم الذي يُعدّ منهاجاً للاستنباط وطريقاً إليه، وأمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب والدفاع عنه، فيصبح علم الأُصول أداة طيّعة لفتوى الإمام ولا يكون منهاجاً للاجتهاد.
ولأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين نرى اختلافاً واضحاً بين الأُصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.

1 . نفس المصدر:18.

صفحه 208
نعم الذي يؤاخذ على طريقة المتكلّمين هو أنّ الكتب الأُصولية عندهم، قد أصبحت مقتصرة على ذكر القواعد والأُصول دون تطبيقها على مصاديقها، وبذلك أصبحت لا تنفع للفقيه، من حيث التطبيق والتدريب. نعم قام بعضهم بالجمع بين الأمرين في بعض كتبهم.
وهذا الإشكال ـ ذكر القواعد بلا تطبيقات وتمرينات ـ داء منتشر ولا يختص بكتب علم الأُصول فقط، بل يعمّ كتب النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع فيجد المتعلّم فيها قواعد جافّة دون أن يطبّقها على موارد في الكتاب والسنّة، أو كلمات البلغاء وأشعار الفصحاء.
ولأجل أن يقف القارئ على نماذج ممّا أُلّف في هذين المضمارين، نشير إلى بعض من ذينك النمطين.

المؤلّفون على طريقة المتكلّمين

قام غير واحد من الأُصوليّين بتأليف كتب أُصولية على هذه الطريقة، ونشير إلى أسمائهم مع كتبهم على وجه الإيجاز:
1. أبو بكر الصيرفي(المتوفّى 330هـ): مؤلّف : «البيان في دلائل الاعلام على أُصول الأحكام».
2. محمد بن سعيد القاضي (المتوفّى 346هـ): مؤلف: «الهداية» و كان علماء خوارزم يتداولونه.
3.القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ): مؤلف : «التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».
4. قاضي القضاة عبد الجبار(534ـ 415هـ): مؤلّف: «النهاية» و «العمد.

صفحه 209
5. أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيّب(المتوفّى 436هـ): مؤلّف: «المعتمد».
6. أبو الوليد الباجي (المتوفّى 474هـ): مؤلّف كتاب: «إحكام الفصول في أحكام الأُصول».
7. أبو إسحاق الشيرازي(المتوفّى 476هـ): مؤلّف: «اللمع» و كتاب «التبصرة».
8. أبو نصر أحمد بن جعفر بن الصباغ (المتوفّى 477هـ): مؤلّف:«العدّ» و «تذكرة العامل» و «الطريق السالم».
9. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني(المتوفّى 478هـ): مؤلّف: «الورقات»، و كتاب «البرهان».
10. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي(المتوفّى 505هـ): مؤلّف: «المستصفى»، و«المنخول من تعقليات الأُصول».
11. أحمد بن علي بن برهان البغدادي (المتوفّى518هـ): مؤلّف: كتاب «الوصول إلى علم الأُصول».
12. فخر الدين محمد بن عمر الرازي (المتوفّى 606هـ): مؤلّف : «المحصول في علم أُصول الفقه».
13. سيف الدين الآمدي (المتوفّى 631هـ): مؤلف: «الإحكام في أُصول الأحكام».
14. ابن الحاجب المالكي (المتوفّى 646هـ): مؤلّف: «منتهى السؤل

صفحه 210
والأمل في علمي الأُصول والجدل»، وكتاب «مختصر المنتهى».
إلى غير ذلك من المؤلّفات على هذا الطراز.
إنّ التأليف على هذا الغرار وإن دام قروناً ولكن أكثر ما كتب تلخيص لكتب ثلاثة:
1. «المعتمد» لأبي الحسين البصري.
2. «البرهان» لإمام الحرمين الجويني.
3. «المستصفى» للغزالي.
وهناك ملاحظة أُخرى، وهي أنّ مؤلّفي أكثر هذه الكتب قد أدخلوا في علم الأُصول ما لا يمّت له بصلة إلاّ على وجه بعيد، فهذا هو الآمدي قد أدخل في كتاب «الإحكام في أُصول الأحكام» ـ الّذي طبع في أربعة أجزاء ـ كثيراً من المباحث الكلامية نظير:
1. التعرف على مبدأ اللغات وطرق معرفتها.
2. التكليف بما لا يطاق.
3. تكليف المعدوم.
4. في عصمة الأنبياءعليهم السَّلام.
5. في حقيقة الخبر وأقسامه.
6. في أنّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان متعبداً بالاجتهاد فيما لا نصّ فيه.
7. جواز الاجتهاد للنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.
إلى غير ذلك من المباحث، التي ليس لها علاقة بأُصول الفقه، ولا تُمثّل تكاملاً لهذا العلم، بل هي بحوث زائدة إذا لم تكن مضرّة به.

صفحه 211
وقد وقف أبو الحسين البصري(المتوفّى 436هـ) على ما ذكرنا وقال في مقدّمة كتابه «المعتَمد»: ثمّ الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أُصول الفقه، بعد شرحي «كتاب العمد» و استقصاء القول فيه، أنّي سلكتُ في «الشرح» مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأُصول الفقه من دقيق الكلام، نحو القول في أقسام العلوم وحدّ الضروري منها والمتكتسب، وتوليد النظر العلمَ ونفي توليده النظرَ، إلى غير ذلك. فطال الكتاب بذلك وبذكر ألفاظ «العمد» على وجهها، وتأويل كثير منها.
فأحببتُ أن أؤلّف كتاباً مرتّبة أبوابه غير مكرّرة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأُصول الفقه من دقيق الكلام. إذا كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم، وإن يعلق به من وجه بعيد. فإنّه إذا لم يجز أن يُذكَر في كتب الفقه التوحيد والعدل ـ وأُصول الفقه، مع كون الفقه مبنياً على ذلك مع شدة اتّصاله به ـ ، فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أُصول الفقه، على بُعد تعلّقها بها، ومع أنّه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب، أولى. وأيضاً فإنّ القارئ لهذه الأبواب في أُصول الفقه إن كان عارفاً بالكلام، فقد عرفها على أتمّ استقصاء، وليس يستفيد من هذه الأبواب شيئاً. وإن كان غير عارف بالكلام، صعب عليه فهمها، وإن شرحتُ له. فيعظم ضجره ومَلله. إذ كان قد صرف عنايتَه وشغل زمانه بما يصعب عليه فهمه. وليس بمدرك منه غرضه. فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أُصول الفقه.1

الكتب المؤلّفة على طريقة الفقهاء

قد تقدّم أنّ طائفة من الأُصوليّين نهجوا منهجاً غير منهج السابقين فألّفوا

1 . المعتمد في أُصول الفقه:1/3.

صفحه 212
كتباً أُصولية طبقاً لما قرّره أئمّة المذهب في فروعهم الفقهية، وهذا النوع خال من الأساليب العقلية والقواعد الكلامية. وقد قام غير وحد من المهتمّين بأُصول الفقه بتأليف كتب على هذا الغرار، نظير:
1. أبو الحسن الكرخي (المتوفّى340هـ): وله رسالة في الأُصول.
2. أبو منصور الماتريدي(المتوفّى 333هـ): مؤلّف : «مآخذ الشرائع في الأُصول».
3. أبو زيد عبيد اللّه بن عمر القاضي (المتوفّى 340هـ): مؤلّف : «تقويم الأدلّة».
4. أبو بكر الجصاص(المتوفّى 370هـ):مؤلّف: «أُصول الجصاص».
5. فخر الإسلام البزدوي(المتوفّى 482هـ): مؤلّف كتاب: «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول».
6. شمس الأئمّة السرخسي (المتوفّى 482هـ): مؤلّف: «تمهيد الفصول في الأُصول».
7. الحافظ النسفي(المتوفّى 701هـ): مؤلّف: «منار الأنوار في أُصول الفقه».
وقد عمدوا إلى الفروع يؤلّفونها إلى مجاميع يُوجد بينها التشابه ثمّ يستنبطون منها الضوابط والقواعد.
وعلى ضوء ذلك فأُصول الفقه عندهم ـ كما تقدّم ـ أشبه بالقواعد الفقهية، حيث إنّ الفقيه يضم مسألة إلى مسألة ثمّ يوحّد بينهما و بين الآخرين وينتزع من الجميع قاعدة فقهية تعمّ الجميع.

صفحه 213
مثلاً إنّ الفقيه إذا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان وأنّ البيع أيضاً يوجب فاسده وصحيحه الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة بين المالين أو بين المال والمنفعة، فينتزع من الجميع قاعدة كلّية ويقول: كلّما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
فالقواعد الأُصولية في طريقة الفقهاء أشبه بالقواعد الفقهية، فكلّ قاعدة لا تنسجم مع ما وقف عليه الفقيه في ثنايا استنباطه تكون مردودة وإن كان البرهان يوافقه.

طريقة الإمامية في تدوين الأُصول

وأمّا طريقة الإمامية فالموجود ما بين أيدينا من القرن الرابع أشبه بطريقة المتكلّمين، حيث طرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي، وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلامية في كتبهم، وفي الوقت نفسه، استمدّوا في تأسيس القواعد الأُصولية من الروايات الواردة من أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام .وإليك نزراً ممّن ألّف على هذا النمط.
1. محمد بن محمد بن النعمان (المتوفّى 413هـ): مؤلّف كتاب: «التذكرة في أُصول الفقه».
2. الشريف المرتضى(المتوفّى 436هـ): مؤلّف: «الذريعة».
3. سلاّر الديلمي(المتوفّى 448): مؤلّف : «التقريب في أُصول الفقه».
4. محمد بن الحسن الطوسي(المتوفّى 460هـ): مؤلّف: «العدّة في أُصول الفقه».
5. ابن زهرة الحلبي(المتوفّى558هـ): مؤلّف: «الغنية».

صفحه 214
6. سديد الدين الحمصي(المتوفّى حوالي 600هـ): مؤلّف : «المصادر في أُصول الفقه».
7. نجم الدين الحلي(المتوفّى 676هـ): مؤلّف : «المعارج في أُصول الفقه».
8. العلاّمة الحلّي نابغة العراق الحسن بن مطهر(المتوفّى 726هـ): مؤلّف : عدة كتب في الأُصول أعظمها : «نهاية الوصول إلى علم الأُصول».
9. عميد الدين الأعرجي(المتوفّى 754هـ): مؤلّف : «منية اللبيب في شرح التهذيب».
10. ضياء الدين الأعرجي(كان حياً 740هـ): مؤلّف: «النقول في تهذيب الأُصول».
11. فخر المحقّقين محمد بن الحسن الحلّي (المتوفّى771هـ): مؤلّف: «غاية الأُصول في شرح تهذيب الأُصول».
12. الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786هـ): مؤلّف: «القواعد والفوائد» و يشتمل على قواعد أُصولية وفقهية.
13. المقداد بن عبد اللّه السيوري(المتوفّى 826هـ): مؤلّف : «نضد القواعد».
14. زين الدين بن نور الدين الشهيد الثاني(المتوفّى 965هـ): مؤلّف: «تمهيد القواعد».
إلى هنا تمّت المرحلة الأُولى الّتي طواها علم الأُصول.
وبعد أن ظهرت الحركة الإخبارية في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، عمّ الركود على الفكر الأُصولي عبر قرنين. إلى أن برز المحقّق

صفحه 215
البهبهاني إلى الساحة، فقام بالرد على فكرة الأخبارية وإبطال أسسهم واستطاع أن يشيد للأُصول أركاناً جديدة ودعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الّذي دام قرنين.
وبذلك انتهى عصر الركود وبدأ عصر الابداع والابتكار من زمانه إلى نهاية القرن الرابع عشر، ففي هذه الفترة بلغ علم الأُصول ذروة التكامل فأسست قواعد ومسائل لم يكن لها أي أثر في زبر السابقين، سنّة وشيعة، حتّى صار علم الأُصول الحديث عند الإمامية بالنسبة إلى القديم منه، كأنّهما علمان مختلفان، أو أنّ أحدهما بداية الأُصول والآخر نهايتها.
وها نحن نذكر شيئاً من ابتكارات علمائنا في القرنين الأخيرين بما ادهش العقول و أبهر النفوس.

صفحه 216

تطور علم الأُصول عند الإمامية

نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعاً وابتكاراً، أو بياناً وإيضاحاً حتى أوصلوه إلى القمة، ومع ذلك كلّه لا نرى مانعاً من بيان ما يختصّ بالإمامية من تنشيط وتصعيد الحركة الأُصولية عبر القرنين و قد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد وضوابط تُمِدُّ المستنبط في مختلف الأبواب، وها نحن نشير إلى بعضها:

1. تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، ومشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.
وأمّا تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق فهو من خصائص أُصول الفقه للإمامية.
والفرق بينهما أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، وفي الثاني يرجع إلى المادة.
وبعبارة أُخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلاّ أنّ القيد في الواجب المشروط قيد

صفحه 217
للوجوب كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلاً. ولكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حالي لكن الواجب مقيد بوقت متأخر.
وهذا نظير مَن استطاع الحج، فوجوب الحج مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها وبحصولها يكون الوجوب فعلياً ولكن الواجب استقبالي مقيّد بظرفه، أعني: أشهر الحجّ.
ويترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، ونقتصر على ذكر ثمرة واحدة.
إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة ـ عند القوم ـ ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب فلا تجب مقدّمته شرعاً فلا يجب تحصيلها.
هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعلي ـ بحصول الاستطاعة ـ يجب تحصيل مقدّمات الحج وإن كان الواجب استقبالياً.

2. دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة

لقد بذل الأُصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة، دلالة تضمنيّة أو التزامية، وطال النقاش بين الموافق والمخالف، ولكن المتأخّرين من الإمامية دخلوا من باب آخر، وهو أنّ السيرة المستمرة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى ونهيه لا يترك بدون جواب ـ رغم عدم دلالتهما على الوجوب والحرمة لفظاً ـ و كيفية الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل والترك في الثاني. وهو عبارة عن الوجوب والحرمة.

صفحه 218
كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكد على متابعة الأمر والنهي حذراً من احتمال المخالفة.
وبالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب ومندوب كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، ومع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذراً من المخالفة الاحتمالية.

3. الترتّب أو الأمر بالضدّين مترتباً

انّ ثمرة القول بانّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، هو بطلان الضد المنهيّ عنه إذا كان عبادة وهذا كما إذا وقعت المزاحمة بين واجب مضيق، وآخر موسّع كإزالة النجاسة عن المسجد، والفريضة الموسع وقتُها، فالأمر بالأولى يقتضي النهي عن الثانية، وتكون الثمرة بطلانها لانّ الصحّة والزجر عن الفعل لا يجتمعان.
وربما قيل ببطلان الثمرة وانّ الصلاة باطلة ولا يحتاج في بطلان الفريضة إلى تعلّق النهي بها، إذ يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بها ـ عند تعلق الأمر بالإزالة ـ لانّ الأمر بها وإن لم يلازم النهي عن الصلاة، لكنّه يلازم عدم الأمر بها وإلاّ يلزم طلب الضدين.وبما انّ طلبهما باطل، فلا محيص عن عدم تعلّق الأمر بالصلاة وهو يكفي في البطلان.
ثمّ إنّ جماعة سلّموا بطلان الثمرة لكنّهم حاولوا تصحيح الصلاة بالأمر بها عن طريق الترتب بأن يكون الأمر بالضد، مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، ويقال:أزل النجاسة عن المسجد، وإن عصيت فصلّ.

صفحه 219
وهذه هي المسألة المعروفة بالترتب ولها دور في استنباط قسم من الأحكام واطلب تفاصيلها عن المحصول.1

4. العام بعد التخصيص ليس بمجاز

الرأي المعروف عند الأُصوليين انّ العام المخصَّص مجاز، لانّ المخصِّص قرينة على استعماله في غير المعنى الموضوع له، ولكن المحققين من أصحابنا أثبتوا انّه بعد التخصيص أيضاً حقيقة مطلقاً سواء أكان المخصص متصلاً أم منفصلاً بتصوير أنّ للمتكلّم ارادتين: إرادة استعمالية، وارادة جديّة والعام مطلقاً مستعمل بالإرادة الاستعمالية في المعنى الموضوع له، والتخصيص إنّما يتوجه إلى الإرادة الجدية فالمتكلّم يستعمل العامّ في المعنى الموضوع له، ثمّ يشير بدليل آخر إلى انّ قسماً منه ليس بمراد جداً، ولا يستلزم ذلك استعمال العام من بدء الأمر في الخصوص.
ويترتّب على ذلك ثمرة أُصولية وهي صحّة التمسك بالعام عند الشك في وجود تخصيص ثان، لانّ العام حسب الفرض استعمل في العموم بالإرادة الاستعمالية وانعقد ظهوره فيه وهو حجّة فيه ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بمقدار ما قام الدليل على خلافه والمفروض عدم قيامه إلاّ في مورد واحد.

5. دلالة المطلق على الشيوع عقلية

عرف الأُصوليّون القدماء المطلق بانّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه، وظاهر ذلك انّ دلالة المطلق على الفرد الشائع دلالة لفظيّة، وليست كذلك لانّ البيع ـ مثلاً ـ في قوله سبحانه:(أَحَلّ اللّه البيع) موضوع للطبيعة المعرّاة عن كلّ

1 . المحصول:2/75ـ 80.

صفحه 220
قيد، وليس فيه ما يدلّ على الشيوع ولا على فرد منها بل مدلولها، نفس الطبيعة. هذامن جانب، ومن جانب آخر: انّ المتكلّم في مقام بيان تمام مطلوبه ومراده فلو كان متعلق التحليل بيع خاص لبيّنه.
فانضمام هذين الأمرين، يثبت انّ الامتثال يحصل بإتيان أي فرد من أفراد الطبيعة، لانّها توجد بفرد ما ، فالشيوع بمعنى كفاية إتيان كلّ فرد في مقام الامتثال حكم عقلي لا لفظي.

6. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية غير صحيح

كان الرائج بين قدماء الأُصوليين، جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، و ثبت انّ زيداً عالم ولم يثبت أنّه غير فاسق، فالرائج عنه هو التمسك بالعام والقول بوجوب اكرامه.
والشاهد على ذلك افتاؤهم فما لو تلف مال الغير عند شخص وشك في انّ يده كانت يداً أمانية أو غيرها فيحكم عليه بالضمان تمسكاً بقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.
مع انّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لخروج اليد الأمانية عنه، حيث إنّ الأمين لا يضمن ما لم يكن هناك تفريط، فالأمر دائر في بقاء زيد تحت العام إذا كانت يد غير أمانية وخروجها عنه ودخولها تحت المخصص إذا كانت أمانية. ومع دوران الأمر بين الأمرين كيف يصحّ التمسك بالعام وعلى ضوء ذلك ذهب أصحابنا إلى عدم صحّة التمسك بالعام إلاّ إذا ثبت بنحو من الأنحاء عدم عنوان المخصص والتفصيل في محله. وللمسألة دور كبير في الفقه يقف عليه من كان ممارساً للفقه.

صفحه 221

7. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة. فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقلية بمعنى أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.
لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإمامية ـ كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط ولولا إحرازه لم يتم التمسّك بالمطلق، وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، جلاّله وغيره،)وبحجّة انّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، ذلك لأنّ المتكلّم بصدد بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.
نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)1 ولم يقل فكلوا بعد غسل مواضع العض.
ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ بسكوته على عدم شرطيّته.

1 . المائدة:4.

صفحه 222
وبالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه و هو غير صالح للتمسّك.

8. الملازمات العقلية

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة والنهي على حرمة مقدّمته وحاول كثير من الأُصوليين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء الثلاثة، ولكن الإمامية طرقوا باباً آخر في ذلك المجال وانتهوا إلى نفس النتيجة لكن من طريق أوضح، وهو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم واستخدامه، فهكذا الإرادة التشريعية بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.
وقد استفاد الأُصوليّون من هذه القاعدة ـ الملازمة العقلية ـ في غير واحد من أبواب أُصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشيء و إجزائه عن الإتيان به ثانياً، والنهي عن العبادات وفسادها، والنهي عن المعاملات وفسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت، فللملازمات دور كبير في استنباط الأحكام.

9. التعارض والتزاحم والفرق بينهما

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدورُ حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلاً يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب

صفحه 223
التعادل والترجيح ويرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.
وأمّا إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل والإنشاء، وهذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم.وإلاّ فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلاً عن غريقين.
وبذلك ظهر الفرق بين التعارض والتزاحم بوجه آخر، وهو أنّ ملاك التشريع والمصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر غالباً، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين ولكن المانع هو عجز المكلّف، وعند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر .
وبذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف مع كون الحكمين ذا ملاك. ورفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، وها نحن نذكر رؤوسها دون تفصيل:
1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.
2. تقديم المضيّق على الموسّع.
3. تقديم الأهمّ بالذات على المهم.
4. سبق أحد الحكمين زماناً.
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
والتفصيل موكول إلى محله.

صفحه 224
ولنمثل لإعمال مرجّحات باب التزاحم مثالاً يوضح المقصود:
قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيوية التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.
غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ، إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....

10. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكر الإنسان فيه ويلتفت إليه فهو بين قاطع وظان وشاك.
لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإمامية لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظن يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظن بالحجّية، القطع بعدمها،ولكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظن هو الظن

صفحه 225
بالحكم الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة والبدعة حرام قطعي لا مزية فيه.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظن، مع الشك في حجّيته وإذن الشارع بالعمل به فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين، في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وهو غير عالم بأنّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال، فقد نسب إليه حكماً ما لم يعلم كونه منه، ولذلك أصبحت الضابطة الأُولى عند الإمامية حرمة العمل بالظن إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّته، كخبر الثقة الضابط، و البيّنة، و قول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.
وأمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام .أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

ألف. الشكّ في شيء له حالة سابقة

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقاً وإنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة ويسمّى باصطلاح الأُصوليين بالاستصحاب عملاً بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

ب. الشكّ في أصل تشريع الحكم

إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه وليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أووجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأمثال ذلك، فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويعضده ما ورد في الشرع من قوله

صفحه 226
سبحانه:(وَمَا كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 وبعث الرسول كناية عن بيان الوظائف في العقائد والأحكام وقول النبيّ الأكرم:«رفع عن أُمّتي تسع: ما لا يعلمون...».
وهذا(الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأُصوليّين بالشبهة البدويّة.

ج. إذا كان عالماً بالحكم وجاهلاً بالمكلّف به

إذا كان المكلّف عالماً بالحكم الشرعي وجاهلاً بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر ولم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال ولزوم تحصيل البراءة اليقينية وهو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.
من غير فرق بين كون الجهل متعلّقاً بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور أو بمتعلقات الأحكام كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة مردّدة بين المغرب والعشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية،وعلى هذا الأصل فرّعوا فروعاً كثيرة.

د. تلك الصورة ولكن لم يكن الاحتياط ممكناً

كما إذا دار أمر الشيء بين كونه واجباً أو حراماً، فالمرجع هاهنا هو التخيير.
وبذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانها وهي:
أ. الاستصحاب، عندما كانت هناك حالة سابقة.

1 . الإسراء:15.

صفحه 227
ب. البراءة، إذا كان الشكّ في الحكم الشرعي ولم يكن هناك حالة سابقة بالنسبة إليه.
ج. قاعدة الاشتغال، عند الشكّ في المكلّف به مع إمكان الاحتياط.
د. التخيير، فيما إذا لم يمكن الاحتياط.
إنّ بعض هذه القواعد وإن كان يتواجد في أُصول الآخرين ولكن بيان أحكام القاطع والظان والشاك بهذا المنوال من خصائص أُصول الإمامية.

11. تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية وفقاهية

إنّ تقسيم ما يحتجّ به المستنبط إلى دليل اجتهادي، وأصل عملي من خصائص أُصول الفقه عند الإمامية، لأنّ ما يحتجّ به المجتهد ينقسم إلى قسمين:
أ. ما جُعِلَ حجّة لأجل كون الدليل بطبعه طريقاً ومرآة إلى الواقع، وإن لم يكن طريقاً قطعياً بشكل كامل، وهذا كالعمل بقول الثقة والبيّنة وأهل الخبرة وغير ذلك، فإنّها حجج شرعية لأجل كونها مرايا للواقع وتسمّى بالأدلّة الاجتهادية.
وهذا بخلاف الأدلّة الفقاهية أعني الأُصول العملية كالاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاشتغال، فالمجتهد وإن كان يحتج بها، ولكن لا بما أنّها طرق إلى الواقع ومرايا له، وإنّما يحتجّ بها لأجل الضرورة ورفع الحيرة، حيث انتهى المستنبط إلى طريق مسدود.
و يترتّب على ذلك تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي، فلا يحتج بأصل البراءة مع وجود الدليل كقول الثقة على وجوب الشيء أو حرمته، ولا بالاستصحاب إذا كان هناك دليل اجتهادي كالبيّنة على ارتفاع المستصحب.

صفحه 228
وبذلك يظهر الخلط بين كلمات الفقهاء فلم يميّزوا بين الأدلّة الاجتهادية والأُصول العملية فربّما جعلوا الأصل معارضاً للدليل الاجتهادي.

12. تقديم أحد الدليلين على الآخر بملاكات

لا شكّ أنّ بعض الأدلّة يتقدّم على الآخر ولكن المذكور في كلمات الأُصوليين ملاك واحد، وهو أنّ المخصص يتقدّم على العام، والمقيّد على المطلق وربّما يضاف إليهماتقدّم الناسخ على المنسوخ، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن هناك موجبات أُخرى توجب تقدّم أحد الدليلين الاجتهاديين على الآخر، وهي عبارة عن العنوانين التاليين:
أ. كون الدليل حاكماً على دليل آخر.
ب. كونه وارداً على الآخر.
أمّا الحاكم فهو عبارة عن: أن يكون لسان أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر لسان التفسير فيقدّم المفسِّـر على المفسَّـر، مثلاً: قال سبحانه: (يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى الْمَرافِق)1، فالآية صريحة في الطهارة المائية وأنّ شرط صحة الصلاة هو تحصيل الطهارة المائية قبلها.
وإذا قيس قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» إلى الآية، يأخذ لنفسه طابَع التفسير ويوسّع الشرط اللازم تحصيله قبل الصلاة، فتكون النتيجة شرطية مطلق الطهارة: المائية والترابية، غاية الأمر أنّ الاجتزاء بالثانية رهن فقدان الأُولى.
ونظير ذلك قوله: «الطواف بالبيت صلاة» فيستدلّ به على وجوب تحصيل

1 . المائدة:6.

صفحه 229
الطهارة قبل الطواف، وذلك لأنّ الدليل الثاني جعل الطواف من مصاديق الصلاة ادّعاءً و تشريعاً فيكون الطواف محكوماً بالصلاة من أحكام.
وأمّا الوارد فهو أن يكون أحد الدليلين مزيلاً ورافعاً لموضوع الدليل الآخر، وهذا نظير قول الثقة بالنسبة إلى أصل البراءة العقلية، فإنّ موضوع البراءة هو قبح العقاب بلابيان، أي بلا بيان من الشارع، فإذا أخبر الشارع بحجّية قول الثقة فيكون قوله في مورد الشك بياناً من الشارع، فيكون رافعاً له.

13. الأقل والأكثر والشكّ في المحصّل

إذا تعلّق الحكم الشرعي بمركب ذي أجزاء، وشككنا في قلّة أجزائه وكثرته، كما إذا شككنا في أنّ الجلسة بعد السجدتين واجبة أو مستحبة، فالمرجع هو البراءة عن وجوبها، لأنّ الأجزاء الباقية معلومة الوجوب وهذا الجزء مشكوك وجوبه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة، أخذاً بقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون» حيث إنّ وجوب هذا الجزء ممّا لا يُعلم.
وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح الأُصوليّين من الإمامية «بالأقل والأكثر الارتباطيين».
ولكنّهم استثنوا صورة أُخرى ربّما تسمّى بالشكّ في المحصّل تارة، والشكّ في السقوط ثانياً، ومورده ما إذا كان المكلّف به أمراً بسيطاً لا كثرة فيه، ولكن محقَّقه ومحصّله في الخارج كان كثيراً ذا أجزاء، فشككنا في جزئية شيء لمحصِّله وعدمه، مثلاً لو قلنا بأنّ الطهور في قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» اسم للطهارة النفسانية الحاصلة للنفس الإنسانية لا للغسلات والمسحات، ولكن نشكّ في جزئية شيء كالمضمضة والاستنشاق وعدمه للمحصِّل، فيحكم هنا بالاشتغال ولزوم ضم

صفحه 230
الاستنشاق أو المضمضة إلى الوضوء، وذلك لأنّ المحصِّل وإن كان مركّباً ذا أجزاء منحلاً إلى ما علم وجوبه كالغسلات والمسحات وإلى ما شكّ في وجوبه كالمضمضة والاستنشاق، وهو في حدّ نفسه قابل لإجراء البراءة عن وجوده، ولكن بما أنّ تعلّق الوجوب بالطهور بمعنى الطهارة النفسانية وهو أمر بسيط لا يتجزأ ولا يتكثر، فلا تقع مجرى للبراءة، بل العقل يبعث المكلّف إلى تحصيلها بالقطع والجزم، لأنّ الاشتغال اليقيني بهذا الأمر البسيط يقتضي البراءة اليقينية، ولا تحصل البراءة القطعية إلاّ بضمّ الاستنشاق والمضمضة إلى سائر الواجبات والإتيان بهما رجاءً واحتمالاً.

14. تقدّم الأصل السببي على المسببي

كثيراً ما يتصوّر أنّ أحد الأصلين معارض للأصل الآخر، وهذا صحيح إذا كان الأصلان في درجة ورتبة واحدة، وأمّا إذا كان أحد الأصلين متقدّماً رتبة على الآخر وكان الأخذ بأحدهما رافعاً للشكّ في الجانب الآخر فيؤخذ بالمتقدّم ويطرح الآخر، وملاك التقدّم هو كون الشكّ في أحد الأصلين ناشئاً عن الشكّ في الأصل الآخر، فإذا عملنا بالأصل في جانب السبب يرتفع الشك عن الجانب المسبب حقيقة، ولنذكر مثالاً:
إذا كان هناك ماء طاهر شككنا في طروء النجاسة عليه، ثمّ غسلنا به الثوب النجس قطعاً، فربّما يتصوّر تعارض الأصلين، فإنّ مقتضى استصحاب طهارة الماء هو كون الثوب المغسول به طاهراً، ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب كون الماء نجساً فيقال: تعارض الاستصحابين.
ولكن الأُصولي الإمامي يقدّم استصحاب طهارة الماء على استصحاب

صفحه 231
نجاسة الثوب، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل بالماء، نابع عن كون الماء طاهراً وعدمه، فإذا قلنا بحكم الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ»بطهارة الماء وقال إنّه طاهر، فيزول الشك في جانب الثاني ويحكم عليه بالطهارة، وذلك لأنّ كلّ نجس، غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر.
ومن هنا ينفتح أمام الفقيه باب واسع لرفع التعارض بين الأُصول العملية.

15. ما يصحّ أخذه في المتعلّق وما لا يصحّ

ومن ابتكاراتهم تقسيم القيود إلى قسمين:
قسم يتعلّق به الطلب ويقع تحت دائرته، كالطهارة، فيقال: صلّ مع الطهارة، أو صلّ إلى القبلة، إلى غير ذلك من القيود المأخوذة في جانب المتعلّق.
وهناك قيود لا يتعلّق بها الطلب ولايتحقّق إلاّ بعد تعلّق الطلب بالمتعلِّـق ومثلها ـ ما يتولـد بعد تعلّق الطلـب ـ لا يقع متعلّقاً له، كقصد الأمر وقصد الوجه (الوجوب أو الندب)، فإنّ هـذه القيود، قيود فـوق دائرة الطلب وإنّمـا تتولّد بعده.
ويترتّب على ذلك أنّه لو شكّ في أنّ واجباً كذا تعبّدي أو توصّلي، لا يمكن الحكم بأنّه توصّلي بحجّة أنّ قصد الأمر لم يقع في متعلّق الأمر، لأنّ المفروض أنّ قصد الأمر ـ على فرض وجوبه ـ لا يمكن أخذه في متعلّق الطلب، فعدم أخذه فيه لا يكون دليلاً على عدم أخذ قيداً للمتعلّق.
وهذا التقسيم وإن وقع موضعاً للنقاش، ولكنّه لا يخلو عن فائدة.

صفحه 232

16. استصحاب الزمان والزمانيات

لمّا كان الاستصحاب عند الإمامية أصلاً من الأُصول، ودلّ على حجّيته الأحاديث الصحيحة، ذكروا حوله بحوثاً علمية جليلة، منها التقسيم التالي:
1. استصحاب الزمان: ما إذا كان الزمان معنوناً بعنوان وجودي، ككونه ليلاً أو نهاراً.
2. استصحاب الأمر غير القار بالذات: وهذا كالحركة وجريان الماء وسيلان الدم وبقاء التكلم والمشي إذا شكّ في بقائها، فإنّ ذات الأفعال في هذه المسألة أُمور متدرجة بالذات متقضية بالطبع.
3. استصحاب الأمر القار بالذات المقيد بالزمان: وهذا كالجلوس في المسجد إلى الظهر .
والغاية من هذا التقسيم هو أنّ روح الاستصحاب هو إبقاء ما كان، وهذا لا يتصوّر إلاّ في القسم الثابت مع أنّ المستصحب في كلّ من الأقسام الثلاثة غير ثابت.
أمّا الليل والنهار فهي أُمور زمانية والزمان لا يتصوّر فيه البقاء، وأمّا الأُمور الوجودية المزيجة بالزمان كالحركة وجريان الماء فهي أيضاً كالأُمور الزمانية(الليل والنهار) لأنّ المفروض أنّ الحركة أمر غير قارّ بالذات.
ومنه يظهر حال القسم الثالث فإنّ الجلوس وإن كان قاراً بالذات لكن تقيده بالزمان يجعله مثله .
ومع هذا فقد ذكر المحقّقون وجوهاً لجريان الاستصحاب فيها بتصوير أنّ بقاء كلّ شيء بحسبه وأنّ للزمان والزمانيات والأُمور المقيدة بالزمان بقاءً وثباتاً عرفية مشروحة في محلها.

صفحه 233

17. تقسيم المستصحب إلى جزئي وكلّي

قسّم المستصحب إلى كونه جزئياً وكلّياً.فلو علمنا بوجود زيد في الغرفة وشككنا في خروجه فيصحّ لنا استصحاب وجوده الجزئي كما يصحّ لنا استصحاب وجود الإنسان، لأنّ في العلم بوجود زيد في الغرفة علماً بوجود الإنسان فيه.
وعلى ذلك تترتب آثارٌ في الفقه.

18. تقسيم الاستصحاب إلى تنجيزي وتعليقي

إذا كان الحكم الشرعي محمولاً على الموضوع بلا قيد ولا شرط، فالحكم تنجيزي وإلاّ فتعليقي، سواء عُبّر عنه بالجملة الخبرية التي قصد منها الإنشاء في نحو قولك: العصير العنبي حرام إذا غلى، أو بالجملة الإنشائية نحو قولك: اجتنب من العصير العنبي إذا غلى.
وعندئذ يقسّم الاستصحاب حسب انقسام القضية إلى استصحاب تنجيزي واستصحاب تعليقي، وقد وقع الكلام في جواز التنجيزي وعدمه.

19. الأُصول المثبتة

إنّ القدماء لمّا قالوا بحجّية الاستصحاب من باب الظن والأمارة، رتّبوا عليه الآثار العقلية; وأمّا المتأخّرون من أصحابنا الإمامية فلمّـا قالوا بحجّية الاستصحاب بما أنّه أصل لا أمارة، منعوا من ترتيب الآثار العقلية لأنّه أصل والأصل لا يثبت به إلاّ الحكم الشرعي فقط، ونوضح ذلك بالمثال التالي:

صفحه 234
إذا شككنا في حياة زيد فمقتضى قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» هو ترتيب الآثار الشرعية ، للحياة الواقعية، على الحياة التعبّدية الثابتة بالأصل، فهو ـ بفضل الاستصحاب ـ مالك لماله، لا يقسّم باحتمال موته.
وأمّا الآثار العقلية للحياة، كجريان الدم في عروقه فلا يثبت باستصحاب الحياة، وإن كان من لوازمها. وعلى ضوء ذلك لو ترتّب على جريان الدم أثر شرعي ـ كإعطاء الصدقة للفقير ـ فلا يثبت ولا يُحكَمُ به، وذلك لتوسط الأمر العقلي(جريان الدم) بين المستصحب(الحياة)، والأثر الشرعي:(وجوب الصدقة) فالحياة، تلازم جريان الدم، وهو موضوع لوجوب التصدّق.
وإيضاحاً للحال نأتي بمثالين:
1. إذا مات الوالد في زوال يوم الجمعة، وعلمنا بموت الولد أيضاً لكن تردّد موته بين كونه قبل الزوال أو بعده، فموت الوالد لأجل كونه معلوم التاريخ وغير مشكوك لا من جهة أصل وجوده ولا زمانه لا يجري فيه الأصل، بخلاف موت الولد فإنّه يجري فيه الأصل، فيقال: الأصل بقاء حياة الولد إلى زوال يوم الجمعة.
فلو كان الأثر (الإرث) مترتّباً على حياة الولد حين موت الوالد فيرثه الولد، وأمّا لو قلنا بترتّبه على تأخّر موته عن حياة الأب، فلا يرث، لأنّ عنوان التأخر لازم عقلي للمستصحب، حيث إنّ لازم بقاء حياة الولد، إلى زمان موت الوالد مع العلم بموته أيضاً، هو تأخّر موته عن موت الوالد.
2. إذا علمنا بإصابة البول للماء القليل زوال يوم الجمعة، ثمّ علمنا بأنّه صار كرّاً إمّا قبل الزوال أو بعده، فالأصل لا يجري في معلوم التاريخ لعدم الشكّ فيه وإنّما يجري في مجهوله، فيقال: أصالة عدم صيرورته كرّاً إلى زوال يوم الجمعة، فلو كانت النجاسة مترتّبة على الماء غير الكرّ فيحكم عليه بالنجاسة، وأمّا لو كان

صفحه 235
مترتّباً على تأخّر الكرّية عن إصابة البول فلا يحكم عليه بها، لأنّ تأخّر الكرّية عنها لازم عقلي لعدم صيرورته كرّاً إلى زوال يوم الجمعة مع العلم بحدوث الكرّية أيضاً.

20. في استصحاب حكم المخصّص

إذا ورد التخصيص على عموم وعلم خروج فرد من تحته في فترة من الزمان ولكن شكّ في أنّ خروجه يختص بها أو يعمّ ما بعدها، كما في قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعقُود)، وقد خرج منه العقد الغبني، فالمغبون ذو خيار بين الإمضاء والفسخ، فشككنا في أنّ الخيار فوري أو ثابت إلى زمان لا يتضرر البائع من تزلزل العقد.
فحينئذ يقع البحث هل المرجع بعد انقضاء الفور هو عموم العام، أعني: (أَوفوا بالعقود)، فيكون العقد لازماً.
أو المرجع استصحاب حكم المخصص، أعني: كونه جائزاً؟ وهناك تفصيل وتحقيق لا يسع المقام له.
هذه نماذج ممّا ابتكره فحول الأُصوليّين عبر القرنين، وهناك مسائل أُخرى لا تنقص أهميتها عمّا ذكرنا، خصوصاً بحوثهم حول العلم الإجمالي .
إنّ لأصحابنا حول العلم الإجمالي بحوثاً ابتكارية، نظير:
1. انّ متعلّق العلم الإجمالي تارة يكون محصوراً وأُخرى غير محصور.
2. العلم الإجمالي في المحصور، منجّز للتكليف.
3. هل هو منجّز على وجه العلّة التامة، بحيث لا يجوز الترخيص في أطرافه; أو منجّز على الوجه المقتضي، فيجوز الترخيص في بعض أطرافه؟

صفحه 236
4. هل خروج أحد الأطراف، قبل تعلّق العلم الإجمالي أو مطلقاً، مانع عن تنجيزه، أو لا، أو فيه تفصيل؟
5. هل طروء الاضطرار على بعض الأطراف قبل تعلق العلم الإجمالي، مانع عن التنجيز أو لا؟
6. هل ملاقي بعض أطراف الشبهة، محكوم بنفس حكم الملاقى أو لا، أو فيه تفصيل؟
إلى غير ذلك من مباحث لم يسبق إليهم سابق.
رحم اللّه الماضين من علمائنا
وحفظ اللّه الباقين منهم

صفحه 237

الرسالة الثامنة

حكم ما لا نصّ فيه

في الفقه السنّي

1. القياس
2. الاستحسان
3. الاستصلاح أو المصالح المرسلة
4. سدّ الذرائع
5. فتح الذرائع
6. قول الصحابي
7. إجماع أهل المدينة

صفحه 238

صفحه 239

حكم ما لا نصّ فيه

في الفقه السنّي

انّ مصادر التشريع عندنا، هو الكتاب والسنّة والإجماع، والعقل، وأمّا عند السنّة، فمصادر التشريع، هي الثلاثة الأُولى، ثمّ يأتي دور الاستنباط فيعتمد على أُصول وقواعد وعلى رأسها القياس.
قال أبو القاسم محمد بن أحمد بن جُزَي (المتوفّى سنة 741): «يجب على العالم أن ينظر أوّلاً في الكتاب فإن لم يجدها، نظرها في السنة، فإن لم يجدها نظر فيما أجمع عليه العلماء واختلفوا فيه، يأخذ بالإجماع ورجّح بين الأقوال في الخلاف فإن لم يجدها في أقوالهم استنبط حكمها بالقياس وبغيره من الأدلّة وعددها على التفصيل عشرون ما بين متفق عليه ومختلف فيه.1
وقد اتّفقت كلمتهم على انّه إنّما يعتمد على هذه الضوابط إذا لم يكن هناك دلالة قرآنية، أو سنة نبوية أو إجماع من العلماء، قال نظام الدين الشاشي:«القياس حجّة من حجج الشرع يجب العمل به عند انعدام ما فوقه

1 . تقريب الأُصول في علم الأُصول:101، ط دار النفائس، الاردن.

صفحه 240
من الدليل في الحادثة .1
نعم ذهب بعضهم إلى تخصيص العموم بالقياس، لكنّه أمر تضاربت فيه الآراء فمن قائل بالجواز، إلى آخر قائل بالمنع، إلى ثالث مفصّل بين القياس الجليّ فيقدم على العام، والخفي، إلى رابع مفصّل بين العام المخصَّص من قبل وعدمه، فيقدم في الأوّل دون الثاني، إلى خامس متوقف في المسألة إلى غير ذلك ممّا لا يهمنا بيانه ومن أراد الوقوف على أقوالهم فليرجع إلى الأحكام للآمدي2/313، و تيسير التحرير:1/321.
وبذلك نخرج بالنتيجة التالية:
انّ الرجوع إلى القياس واضرابه في الفقه السنّي، إنّما هو فيما لا نصّ فيه أو ما لا نقل فيه من الفقهاء كالإجماع ، وبما أنّ هذه القواعد مورد نقاش عندنا فقد قمنا بدراستها في هذه الرسالة واقتصرنا بتحليل الأُصول التالية المهمة عندهم وتركنا غير المهم منها، أو ما ليس بمورد نقاش كالاستصحاب والبراءة، أعني:
1. القياس، 2. الاستحسان، 3. الاستصلاح، 4. سدّ الذرائع، 5. فتح الذرائع، 6. قول الصحابي، 7. إجماع أهل المدينة.
وأسميناها«حكم ما لانصّ فيه في الفقه السنّي».
ومن المعلوم انّ حكم «ما لا نصّ فيه» عند الإمامية يستنبط من الأُصول العملية الأربعة، ولكلّ أصل مجرى خاص.

1 . أُصول الشاشي192 لنظام الدين أبي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي المتوفّى سنة 344، ط بيروت.

صفحه 241

1

القياس

ولنقدم أُموراً:

الأمر الأوّل: حقيقة القياس

القياس في اللّغة: هو التسوية، يقال قاس هذا بهذا أي سوّى بينهما، قال علي عليه السَّلام :«لا يقاس ب آل محمد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من هذه الأُمّة أحد» 1 أي لا يُسوّى بهم أحد.
وفي الاصطلاح: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصٌّ، عن حكم واقعة ورد فيها نصٌّ، لتساويهما في علّة الحكم، و مناطه وملاكه.
ثمّ إنّ أركان القياس أربعة:
الأصل: وهو المقيس عليه.
الفرع:وهو المقيس.
الحكم: وهو ما يحكم به على الثاني بعد الحكم به على الأوّل.
العلّة: وهو الوصف الجامع، الذي يجمع بين المقيس و المقيس عليه، ويكون هو السبب للقياس.

1 . نهج البلاغة، الخطبة الثانية.

صفحه 242
مثلاً إذا قال الشارع: «الخمر حرام لكونه مسكراً»، فإذا شككنا في حكم سائر السوائل المسكرة كالنبيذ والفقاع يحكم عليهما بالحرمة، لاشتراكهما مع الخمر في الجهة الجامعة.

الأمر الثاني: أقسام القياس

إنّ القياس ينقسم إلى منصوص العلّة، ومستنبطها.
فالأوّل فيما إذا نصَّ الشارع على علّة الحكم وملاكه على وجه علم أنّها علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها لا حكمته التي ربّما يتخلّف الحكم عنها.
والثاني، فيما إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، وإنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره وجهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.
وينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:
تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم و مناطه.
و أُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظن بكونه كذلك.وسيوافيك حكم القسمين تحت عنوان «تنقيح المناط».
وقلّما يتّفق لإنسان عادي أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع ومناطه واقعاً، وأنّه ليس هناك ضمائم أُخرى وراء ما أدرك.

الأمر الثالث: الفرق بين علّة الحكم و حكمته

الفرق بين علّة الحكم وحكمته، هو أنّ الحكم لو كان دائراً مدار الشيء وجوداً وعدماً، فهو علّة الحكمِ و مناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، وامّا إذا كان

صفحه 243
الحكم أوسع ممّا ذُكر في النصّ، أو اسْتُنْبِطَ، فهو من حِكَم الأحكام و مصالحه، لا من مناطاته وملاكاته، فمثلاً:
الإنجاب وتكوين الأُسرة من فوائد النكاح و مصالحه، وليس من مناطاته و ملاكاته، بشهادة أنّه يجوز تزويج المرأة العقيمة واليائسة ومن لا تطلب ولداً بالعزل، وغير ذلك من أقسام النكاح.

الأمر الرابع: القياس في منصوص العلّة

العمل بالقياس في منصوص العلّة راجع في الحقيقة إلى العمل بالسنّة، لا بالقياس، لأنّ الشارع شرّع ضابطة كلّية عند التعليل، فنسير على ضوئها في جميع الموارد التي تمتلك تلك العلّة، كما في قول الإمام الرضا عليه السَّلام في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لأنّ له مادة.1
فإنّ قوله :«لأنّ له مادة» تعليل لقوله:«لا يفسده شيء» فيكون حجّة في غير ماء البئر، لانّه يشمل بعمومه ماء البئر، وماء الحمام، والعيون وحنفية الخزّان وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كانت له مادّة، و عندئذ يكون العمل بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة، والفروع بأجمعها داخلة تحتها.

الأمر الخامس: قياس الأولوية

القياس الأولوي: هو عبارة عن كونِ الفرع(ضرب الوالدين) أولى بالحكم

1 . وسائل الشيعة:1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

صفحه 244
من الأصل(التأفيف) عند العرف، مثل دلالة قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُف) 1 على تحريم الضرب، ولا شكَّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفيّ، يقف عليه كل من سمع الآية.

الأمر السادس: تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات، لا يراها العرفُ المخاطبُ دخيلة في الموضوع، ويتلقّاها من قبيل التمثيل على وجه القطع واليقين، فهذا ما يسمّى بـ «تنقيح المناط» أو«إلغاء الخصوصية»، كما في قصة الأعرابي حيث قال: هلكتُ يا رسولَ اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وقال له: ماصنعتَ؟ قال: وقعتُ على أهلي في نهار رمضان، قال: أعتق.2
والعرف يساعد على إلغاء القيدين التاليين وعدم مدخليتهما في الحكم.
1. كونه أعرابياً.
2. الوقوع على الأهل.
فيعمّ حكم العتق البدويَّ والقرويَّ،والوقوع على الأهل وغيره، فيكون الموضوع: «من أفطر بالوقاع صيام شهر رمضان».
وهذا ممّا لا غبار عليه في عامّة الموارد، وليس هذا من موارد القياس المبحوث عنه، بل تُعدّ التسرية من المداليل العرفيّة.

الأمر السابع: تخريج المناط

إذا حكم الشارع بحكم على موضوع من دون أن ينصّ لمناطه ولكن اجتهد

1 . الإسراء:23.
2 . صحيح مسلم، كتاب الصيام، الحديث187.

صفحه 245
المجتهد لتخريج مناطه وبالتالي تسرية الحكم إلى كلّ موضوع يوجد فيه المناط.
مثلاً قد ورد في الحديث«لا يزوِّجُ البكرَ الصغيرةَ إلاّ وليُّها»، فقد ألحق بها أصحاب القياس الثيّبَ الصغيرة، بل المجنونةَ والمعتوهةَ، وذلك بتخريج المناط، وانّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل، فيعمّ الحكمُ الثيّبَ الصغيرة والمجنونة أو المعتوهة لاتّحاد المناط.
وأمّا كيفية تخريج المناط فبأن يقال قد اعتبر الشارع الصغر علّة للولاية على المال، والولاية على المال. والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد وهو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، ولهذا يقاس على البكر الصغيرة، مَن في حكمها من جهة نقص العقل، وهي الثيب الصغيرة والمجنونة والمعتوهة.
وبذلك أسقطوا دلالة لفظ «البكارة» من الحديث مع إمكان أن تكون جزءاًمن التعليل كما هو مقتضى جمعها مع الصغر على فرض امكان استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير.1
وهذه النقطة هي النقطة الحسّاسة بين نفاة القياس ومثبتيه.
فإنّ العلم بمناطات الأحكام وملاكاتها أمر مشكل لا يصحّ لأحد ادّعاؤه، فإنّ الإنسان لم يزل في عالم الحس خاطئاً فيما يُمارس من العلوم، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة على العقل، إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات، خصوصاً في ما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك

1 . الأُصول العامة للفقه المقارن:298.

صفحه 246
مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً لكن الظن لا يغني من الحقّ شيئاً.

الأمر الثامن: التماس العلل وتصحيح النصوص

ربّما يطلق القياس ويراد به التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية وجعلها مقياساً لصحّة النصوص الشرعية، فما وافقها يؤخذ ويحكم عليه أنّه حكم اللّه، وما خالفها يرفض ويحكم عليه بأنّه ليس حكمه سبحانه.
والقياس بهذا المعنى كان رائجاً في عصر الإمام الصادقعليه السَّلام. وقد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّهعليه السَّلام: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع إمرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون». قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون». قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! انّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.
قالعليه السَّلام:«مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس،والسنّة إذا قيست محق الدين».1
والقياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة والقضاء فيها بالقبول إن وافق، والرد إن خالف. والقياس بهذا المعنى صار مهجوراً، لا يستعمل إلاّ في أحاديث أئمّة أهل البيت،والقياس بالمعنى الرائج عند الفقهاء غير هذا تماماً كما مرّ.

1 . الوسائل:29/352، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 247

الأمر التاسع: السبب من وراء العمل بالقياس

ظهر القول بالقياس بعد رحيل النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لمواجهة الأحداث الجديدة، وكان هناك اختلاف حادّ بين الصحابة في الأخذ به، ولو توفّرت بأيديهم نصوص فيها لما حاموا حول القياس، ولكن إعواز النصوص جرّهم إلى العمل بالقياس، لأجل معالجة المشاكل العالقة والمسائل المستحدثة، وقد نقل ابن خلدون عن أبي حنيفة أنّه قال لم يصحّ عندي من أحاديث الرسول إلاّ سبعة عشر حديثاً.1 فإذا كان الصحيح عنده هذا المقدار اليسير فكيف يقوم باستنباط الأحكام من الكتاب والسنّة؟! فلم يكن له محيص إلاّ اللجوء إلى القياس ونظائره.
قال عبد الوهاب خلاف: إنّ نصوص القرآن والسنّة متناهية، والوقائع غير محدودة، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية مصادر تشريعية لما لا يتناهى، والقياس هو المصدر التشريعي الّذي يساير الوقائع المتجدّدة، ويكشف عن حكم الشريعة فيما يقع في الحوادث ويوفق بين التشريع والمصالح.2
هذا النص يدلّ على أنّ اللجوء إلى القياس وأشباهه، كان لأجل انسداد العلم، وعدم التمكّن من استنباط الحكم الشرعي عن طريق الكتاب والسنّة، فلم يروا بدّاً من العمل بالظن القياسي بحجّة أنّه أقرب الطرق إلى كشف الحكم الشرعي في الموارد.
يلاحظ عليه: أنّ عدم إيفاء النصوص بالإجابة عن جميع الأسئلة المتوفرة،

1 . مقدمة ابن خلدون:444، الفصل السادس في علوم الحديث. لكنّ الحنفية ينكرون صحّة هذه النسبة إلى إمامهم.
2 . مصادر التشريع الإسلامي:35، انظر المنخول من تعليقات الأُصول:327و 359.

صفحه 248
لا يكون دليلاً على أنّ الشارع جعل القياس حجّة فيما لا نصّ فيه، إذ من المحتمل أنّ الشارع قد حلّ العقدة من طريق آخر: نظير:
1. الرجوع إلى الأُصول العملية الأربعة، أعني: البراءة والتخيير والاحتياط والاستصحاب، التي لها دلائل صالحة في الكتاب والسنّة والعقل، ولكلّ مورد خاص; ففي الشكّ في أصل التكليف، المرجع هو البراءة، وفي ما لو علم التكليف ولم يتمكّن من الاحتياط يعمل بالتخيير،وفي ما يتمكّن منه فالمرجع هو الاحتياط، كلّ ذلك فيما إذا لم يكن للشيء المشكوك حالة سابقة، وإلاّ يعمل على وفق الحالة السابقة.
2. أو الرجوع إلى أحاديث أئمّة أهل البيت الذين هم قرناء الكتاب في الحجّية، لقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».1 ولا عذر لفقهاء السنّة في ترك العمل بأحاديثهم، بعد قبول حديث الثقلين.
3. الرجوع إلى القوانين الوضعية لمجالس التقنين الحرّ في العالم.
فعدم إيفاء النصوص بالإجابة لا يكون دليلاً لخصوص حجّية القياس مع أنّ أمام المجتهد هذه الطرق الثلاثة، وبالأخصّ الطريق الثاني الّذي أكّد عليه النبي الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في غير موضع من المواضع.

الأمر العاشر: الاختلاف في حجّية القياس

إنّ العمل بالقياس قد وقع موقع نقاش بين الصحابة وبعدهم، فأئمّة أهل البيتعليهم السَّلام وفي مقدّمتهم الإمام علي بن أبي طالبعليه السَّلام أنكروا العمل به، ووافقهم من الفقهاء: داود بن خلف إمام أهل الظاهر، وتبعه ابن حزم الأندلسي، فلم

1 . حديث متواتر أو متضافر.

صفحه 249
يقيموا له وزناً، وقد عقد شيخنا الحرّ العاملي في «وسائل الشيعة» باباً خاصّاً أسماه باب عدم جواز القضاء والحكم بالمقاييس، ونقل فيه ما يربو على 20 حديثاً في النهي عن القياس، وقد روى عن ابن سيرين أنّه قال: أوّل من قاس إبليس، وماعُبِدتْ الشمس والقمر إلاّ بالمقاييس.
روى عن الحسن البصري: أنّه تلا هذه الآية: (خَلَقْتَني من ناروَخَلَقْتهُ مِنْ طين)1، قال: قاس إبليس، وهو أوّل من قاس.
وروى مسروق أنّه قال: إنّي أخاف وأخشى أن أقيس فتزلّ قدمي.
وروى عن الشعبي قال: واللّه لئن أخذتم بالمقاييس لتحرّمن الحلال ولتحلّنّ الحرام،إلى غير ذلك.2
إنّ أعلام نفاة القياس أكثر ممّن ذكرنا، فمن حاول أن يقف على أسمائهم، فعليه الرجوع إلى: «الذريعة» للسيد المرتضى.3و«العدّة» للشيخ الطوسي.4

أدلّة القائلين بحجّية القياس

استدلّوا على حجّية القياس بالدليل النقلي تارة والعقلي أُخرى، وإليك بيانهما:

أ. الدليل النقلي

واعلم أنّ الأصل الأوّلي في الظنون التي لم يقم دليل على حجّيتها، هو عدم

1 . الأعراف:12.
2 . الدارمي، السنن1، باب تفسير الزمان:65.
3 . الذريعة:2/677ـ 697.
4 . العدّة:2/688ـ 690.

صفحه 250
الحجّية ـ و قد ثبت في محلّه أنّ الشكّ في حجّية كلّ ظن ـ لم يقم على حجّيته دليل ـ يلازم القطع بعدم الحجّية مالم يدل دليل عليه، فيكفي في نفي حجّيّة عدم الدليل عليها، وقد استدلّ القائلون بحجّته بوجوه من النقل نشير إلى أهمّها:
1. حديث الجارية الخثعمية قالت: يا رسول اللّه إنّ أبي أدركته فريضة الحج شيخاً، زمناً لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟
فقال لها:«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدَيْن اللّه أحقّ بالقضاء».
2. حديث ابن عباس: انّ امرأة جاءت إلى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقالت: إنّ أُمي نذرت أن تحجّ فماتت قبل أن تحجّ، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجّي عنها، أرأيت لو كان على أُمّك دَيْن أكنت قاضية؟».
قالت: نعم، فقال: «اقضوا للّه فإنّ اللّه أحقّ بالوفاء».1
وجه الاستدلال: انّ الرسول ألْحق دَيْن اللّه بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس بشهادة أنّه قال: «فدَيْن اللّه أحقّ بالقضاء والوفاء».2
يلاحظ على الاستدلال بكلا الحديثين ـ مضافاً إلى أنّ الاستدلال على حجّية قياس غير المعصوم، بقياس المعصوم نوع من القياس، وهو أوّل الكلام ـ بوجهين:
الأوّل: أنّ القياس الوارد في كلام النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم من باب القياس الأولوي، وذلك لأنّه إذا وجب الوفاء بحقوق الناس حسب النص فحقوق اللّه أولى بالقضاء والوفاء ـ كما نصّ به النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في الحديث ـ وأين هذا من مورد النزاع؟! وقد تقدّم أنّ القياس الأولويّ عمل بالنصّ، لأنّه مدلول عرفي وليس عملاً بالقياس.
الثاني: أنّ القياس من أقسام الاستنباط وهو استخراج حكم الفرع من

1 . السرخسي، أُصول الفقه:2/130.
2 . السرخسي، أُصول الفقه:2/130.

صفحه 251
الأصل بالدقّة وإعمال النظر وبعد التأنّي والتفكير.وذلك لأنّ الحكم يكون في الأصل واضحاً، وفي الفرع خفيّاً، فيُزال الخفاء عن وجه الفرع بفضل القياس.
ولكن المقام يفقد هذا الشرط، فإنّ الأصل والفرع على صعيد واحد وهو وجوب قضاء الدين، غير أنّ المخاطب كان يحضره حكم أحد الموردين دون الآخر، فأرشده النبي إلى ما كان يحضره من قضاء دين الناس، حتّى ينتقل إلى حكم ما لا يحضره، لما أنّ الموردين من أقسام الضابطة الكلية، أعني: وجوب أداء الحق ممّن عليه،إلى من له من غير فرق بين كونه من مقولة حقوق اللّه أو حقوق الناس.
إنّ المقام أشبه بما يقال: إنّ من شرائط الاستدلال بالقياس أن لا يتناول دليل الأصل، إثبات الحكم في الفرع، وإلاّ لغى التمسك بالعلّة المشتركة، كما إذا قيل: النبيذ حرام بجامع الإسكار الموجود في الخمر، مع دليل الأصل كاف في إثبات الحكم له من دون حاجة إلى التعليل، وهو قوله:«كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام».1
وجه الشبه: انّ الكبرى الشرعية «يجب قضاء الدين» يتناول حكم الفرع كما يتناول حكم الأصل، غير أنّ المخاطب كان غافلاً عن أحد الفردين، نبّه النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بأنّه مثل حق الناس يجب قضاؤه.
3. حديث عمر بن الخطاب، قال: قلت: يا رسول اللّه، أتيتُ أمراً عظيماً، قبّلتُ وأنا صائم، فقال رسول اللّه: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم»، فقلتُ: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه: «فصم».
وجه الاستدلال: انّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قاس القُبْلة بالمضمضة، فحكمَ بعدم بطلان

1 . صحيح مسلم بشرح النووي، باب الأثر:13/172و 167.

صفحه 252
الصوم.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحديث دليل على بطلان القياس، لأنّ عمر ظنَّ أنّ القُبلة تُبطل الصوم قياساً على الجماع، فردَّ عليه رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: بأنّ الأشياء المماثلة و المتقاربة لا تستوي أحكامها.
وثانياً: أنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع من حكم الأصل، بحيث يستمد الفرع حكمه من الأصل، وليس المقام كذلك، بل كلاهما في مستوى واحد كغصني شجرة، أو كجدولي نهر .
وإن شئت قلت: إنّ المبطل هو الشرب لا مقدّمته (المضمضة)، كما أنّ المبطل هو الجماع لا مقدّمته، فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الشرب، دون الجماع، أرشده النبي إلى تشبيه القُبلَة بالمضمضة إقناعاً للمخاطَب، لا استنباطاً للحكم من الأصل.
وكم فرق بين كون المتكلّم في مقام استنباط حكم الفرع من الأصل، وكونه في مقام إرشاد المخاطب إلى حكم اللّه وإقناعه بالمثال، وهذا المورد وما تقدّم من الموردين من قبيل الثاني دون الأوّل.

ب: الدليل العقلي

ويقرّر بوجهين:
أ. انّه سبحانه ما شرّع حكماً إلاّلمصلحة، وأنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعةُ المسكوت عنها، الواقعةَ المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة و العدالة أن تساويها في الحكم، تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتفق وعدلَ اللّه و حكمتَه أن يحرّم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده،

صفحه 253
ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر، وهي الإسكار، لأنّ مآل هذا ، المحافظةُ على العقول من مسكر، وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر.1
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى مسلّمة، وهي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح والمفاسد، إنّما الكلام في امكان وقوف الإنسان على مناطات الأحكام وعللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، و أمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علماً قطعيّاً بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، ولذلك روي عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام أنّه سبحانه حرّم الخمر وحرّم النبيُّ كلَّ مسكر.2 ولو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجية القياس اثنان.
ولأجل إيضاح الحال، و أنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:
إذا نصّ الشارع على حكم ولم ينصّ على علّته ومناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر والتقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً، وبواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علّة، ويستبقي ما يصحّ أن يكون علة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟
ولكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غض النظر عن النهي الوارد في العمل بالقياس:
أوّلاً: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم

1 . عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الإسلامي: 34ـ35.
2 . الشوكاني: نيل الأوطار:3/152.

صفحه 254
بأنّ العلّة عندنا وعنده واحدة؟
ثانياً: لو افترضنا أنّ المُقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين نعلم أنّها تمام العلّة، لعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع ولم يصل المُقيس إليه؟
ثالثاً: نحتمل أن تكون خصوصية المورد دخيلة في ثبوت الحكم، مثلاً لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعاً في فساد البيع، ولكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه، إذا كان المهر فيه مجهولاً، فالعلّة هي الجهل بالثمن، لا مطلق الجهل بالعوض حتى يشمل المهر، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.
وقد وردعلى لسان أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام النهي عن الخوض في تنقيح المناط.
والذي يكشف عن هذا المطلب، هو أنّ الجارية تحت العبد إذا أُعتقت فلها الخيار إن شاءت مكثت مع زوجها، وإن شاءت فارقته، أخذاً بالسنّة حيث إنّ بريدة كانت تحت عبد، فلمّـا أُعتقت، قال لها رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:«اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه».1
ثمّ إنّ الحنفية قالت بأنّ الجارية تحت الحرّ إذا أُعتقت لها الخيار كالمعتقة تحت العبد، لاشتراكهما في كونهما جاريتين اعتقتا، ولكن من أين نعلم بأنّ الانعتاق تمام المناط للحكم؟ و لعلّ كونها تحت العبد وافتقاد المماثلة جزء العلّة؟ فما لم نقطع بالمناط لا يمكن إسراء الحكم، وهذا هو الذي دعا الشيعة إلى منع العمل بالقياس وطرح تخريج المناط الظني الذي لا يغني من الحق شيئاً.

1 . الكافي:1/266 برقم4.

صفحه 255

2

الاستحسان

الاستحسان لغة: عدّ الشيء حسناً، كالاستقباح، وهو عدّه قبيحاً.
وأمّا اصطلاحاً فقد اختلفوا في تعريفه، ولنذكر تعريفين:
1. الاستحسان: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس. وعلى هذا التعريف، فالاستحسان استثناء من القياس و مخصِّص له، و كأنّ المجتهد يترك القياس الجلي بقياس خفي.
مثلاً مقتضى القياس الجلي، هو إلحاق سؤر الطيور المعلَّمة بسؤر الحيوان المفترس في النجاسة ـ على القول بنجاسة سؤره ـ لاشتراكهما في الافتراس، ولكن مقتضى القياس الخفي إلحاقه بسؤر الإنسان في الطهارة.
وعلى هذا فالاستحسان من شعب القياس وليس دليلاً مستقلاً فيرد عليه ما أوردناه على مطلق القياس.
2. الاستحسان : هو ترك الدليل في المسألة قياساً كان أو غيره، لدليل يستحسنه المجتهد بعقله. ولعلّ التعريف الثاني أوفق كما يظهر من بعض

صفحه 256
الأمثلة.
1. انّ مقتضى قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما).1
هو قطع يد السارق من دون فرق بين عام الرخاء و المجاعة، لكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة.
2. يقول سبحانه: (وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْن لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) .2
وقد نقل عن مالك بن أنس إخراج الأُم، الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن تُرضع ولدها.
يلاحظ عليه: بأنّ التفريق بين عام المجاعة وغيره، أو بين الأُمّهات، إن كان مستنداً إلى دليل شرعي ـ لا أقلّ من انصراف الدليل عن عام المجاعة، أو الأُم الرفيعة المنزلة ـ فهو، وإلاّفلا وجه لصرف الحكم عنهما، لأنّ ذمّة المجتهد رهن إطلاق الدليل الأوّل، فلا يجوز له العدول عن مقتضى دليله إلى حكم آخر بمجرّد الاستحسان وموافقته لطبعه، بل لابدّ من دليل شرعي يعتمد عليه في العدول، وعلى ضوء ذلك فالعدول لو كان مستنداً إلى دليل شرعي فهو عدول من حجّة إلى حجّة أقوى، سواء استحسنه الطبع أم لا، وإن لم يكن كذلك فهو تشريع محرّم.
وبذلك يظهر أنّ الاستحسان بما هو استحسان ليس له قيمة في مجال الإفتاء، بل الاعتبار بالدليل، فلو كان هناك دليل للعدول فالمنكر والمثبت للاستحسان أمامه سواء، وإن لم يكن فلا وجه للعدول .
3. هو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة إلى حكم آخر فيها، لدليل شرعي اقتضى هذا العدول، وهذا الدليل الشرعي المقتضي للعدول هو سند

1 . المائدة:38.
2 . البقرة:233.

صفحه 257
الاستحسان.1
أقول: إذا كان ثمة دليل معتبر على العدول فلا عبرة بالاستحسان حتى يكون الدليل سنداً وعماداً له. ويكون استخدام لفظ«الاستحسان» في المقام غير صحيح، لأنّ الفقيه إمّا يعتمد على دليل شرعي، فالحجّة هو الدليل سواء استحسنه المجتهد أم لا، وإلاّ فلا قيمة له بمجرد أنّ الفقيه يميل إليه بطبعه.
وقد كان مالك بن أنس أكثر الناس أخذاً به، حيث قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم; وكان الشافعي رافضاً له، حيث قال: من استحسن فقد شرّع; إلى ثالث يفصِّل بين الاستحسان المبني على الهوى و الرأي، والاستحسان المبني على الدليل.
والقول الحاسم في الاستحسان هو أن يقال: إنّ المجتهد المستحسِن إذا استند إلى ما يستقل به العقل من حسن العدل و قبح الظلم، أو إلى دليل شرعي، فلا إشكال في كونه حجّة، لأنّه أفتى بالدليل، لا بمجرّد الاستحسان، وأمّا إذا استند لمجرد استحسان طبعه و فكره، وأنّ الحكم الشرعي لو كان كذا لكان أحسن، فهو تشريع باطل، و إفتاء بمالم يقم عليه دليل شرعي.

1 . عبد الوهاب الخلاف: مصادر التشريع الإسلامي: 71.

صفحه 258

3

الاستصلاح

أو

المصالح المرسلة1

المصالح المرسلة : عبارة عن تشريع الحكم في واقعة لا نصّ فيها، ولا إجماع، وفقَ مصلحة مرسلة لم يدلّ دليل على اعتبارها ولا على عدم اعتبارها، وفي الوقت نفسه في اعتبارها جلب نفع أو دفع ضرر.
فقد ذهب مالك وآخرون تبعاً له إلى أنّ الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الأحكام فيما لا نصّ فيه ولا إجماع، ولكنّ الشافعي ومن تبعه ذهبوا إلى أنّه لااستنباط ولا استصلاح، ومن استصلح فقد شرّع.
وقد اشترط «مالك» فيها شروطاً ثلاثة:
1. أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع ولا دليلاً من أدلّته.
2. أن تكون ضرورية للناس مفيدة لهم، أو دافعة ضرراً عنهم.

1 . المرسلة: غير المعتمدة على نصّ خاص لاحظ «المدخل للدواليبي:284.ويمكن أن يكون المراد، المصالح العامة غير المختصة بفرد أو فئة.

صفحه 259
3. أن لا تمسَّ العبادات، لأنّ أغلبها لا يعقل لها معنى على هذا التفسير.1
وقد استدلّ عليها بما يلي:
إنّ الوقائع تحدث والحوادث تتجدّد، فلو لم ينفتح للمجتهدين باب التشريع بالاستصلاح، ضاقت الشريعة الإسلامية عن مصالح العباد، وقصرت عن حاجاتهم ولم تصلح لمسايرة مختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال، مع أنّها الشريعة العامة لكافّة الناس وخاتمة الشرائع كلّها.2
وقد قرّره بعض المعاصرين بلفظ آخرُ قال:
إنّ الحياة في تطوّر مستمر ومصالح الناس تتجدّد وتتغيّر في كلّ زمن. فلو لمتشرّع الأحكام المناسبة لتلك المصالح لوقع الناس في حرج، وتعطّلت مصالحهم في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة الزمن و مراعاة المصالح والتطوّرات، وهذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس وتحقيقها.3
فلنذكر عدّة أمثلة:
1. ما روي أنّ عمر منع إعطاء المؤلّفة قلوبهم ما كانوا يأخذونه في عهد الرسول بعدما قوي الإسلام.
2. تجديد عثمان أذاناً ثانياً لصلاة الجمعة لمّا كثر المسلمون، و لم يكف الأذان بين يدي الخطيب وإعلامهم.

1 . الدكتور أحمد شلبي: تاريخ التشريع الإسلامي: 172ـ173.
2 . مصادر التشريع الإسلامي:75.
3 . الوجيز في أُصول الفقه: 94 لوهبة الزحيلي.

صفحه 260
3. اشتراط سن معيّنة للمباشرة عند الزواج.
4. إنشاء الدواوين.
5. و سَكِّ النقود.
والنظر الحاسم في المقام هو: إنّ استخدام المصالح المرسلة في مجال الإفتاء يتصوّر على وجوه:
الأوّل: الأخذ بالمصلحة وترك النصّ بالمصلحة المزعومة، وهذا نظير إمضاء الطلاق ثلاثاً، ثلاثاً.
روى مسلم عن ابن عباس أنّه قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه و أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناها عليهم، فأمضاه عليهم.1
لا شكّ أنّ الخليفة صدر في حكمه هذا عن مصلحة تخيّلها، ولكنّ هذا النوع من الاستصلاح رفض للنصّ في موردها، وهو تشريع محرّم.
وعلى هذا نهى الخليفة عن متعة الحج ومتعة النساء، و الحيعلة في الأذان.
الثاني: إذا كان الحكم على وفق الاستصلاح مخالفاً لإطلاق الدليل كما هو الحال في منع إعطاء المؤلّفة قلوبهم، فإنّ مقتضى إطلاق الآية كونهم من مصارف الزكاة، سواء أكان للإسلام قوّة أم لا، فتخصيص الحكم بحالة ضعف الإسلام تقديم للرأي على إطلاق الكتاب، وقد مرّ عن الإمام مالك أنّه قال: من شرائط العمل بالاستصلاح عدم مخالفته لإطلاق أُصول الشرع.

1 . صحيح مسلم:4/183، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.

صفحه 261
الثالث: أن يكون الحكم على وفق المصلحة مستلزماً لإدخال ما ليس من الدين في الدين، فيكون تشريعاً محرّماً بالأدلّة الأربعة، وقد عرفت أنّ من الشرائط التي اعتبرها مالك بن أنس أن لا تمس المصالح المرسلة العبادات، لأنّ أغلبها توقيفية، وعلى هذا يكون الأذان الثاني أو الثالث بدعة محرّمة.
وأمّا المصلحة المزعومة من عدم كفاية الأذان بين يدي الخطيب لإعلامهم فلا يكون مسوّغاً لتشريع أذان آخر، و إنّما يتوصل إليه بأمر آخر.
الرابع: أن يكون المورد ممّا ترك أمره إلى الحاكم الإسلامي، ولم يكن للإسلام فيه حكم خاص، وهذا كتجنيد الجنود وإعداد السلاح وحماية البلاد، فإنّ القانون هو ما ورد من قوله سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللّه وَعَدُوَّكُمْ).1
وأمّا تطبيق هذا القانون الكلّـي فهو رهن المصالح، فللحاكم تطبيق القانون الكلّـي على حسب المصالح، وهذا كتدوين الدواوين، وسك النقود، فإنّ الحكم الشرعي فيها هو حفظ مصالح المسلمين وصيانة بلادهم من كيد الأعداء.
وعلى هذا فالاستصلاح أو المصالح المرسلة تتحدّد بهذا القسم دون سائر الأقسام.
الخامس: تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامّة، فلو افترضنا أنّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي والأئمّة المعصومينعليهم السَّلام، وفيه مصلحة عامّة للمسلمين، كضرورة إقامة الحكومة; أو مفسدة لهم، كالمخدّرات القتّالة، فالعقل يحكم بجلب الأُولى والاجتناب عن الثانية، وعندئذ يكون الاستصلاح منشأ لكشف العقل عن حكم شرعي من دون أن يكون للمجتهد

1 . الأنفال:60.

صفحه 262
حقّ التشريع.
إنّ لسبب عد الاستصلاح من مصادر التشريع أُمور ثلاثة:
1. إهمال العقل كأحد مصادر التشريع في مجال التحسين والتقبيح، لا بمعنى كونه مشرعاً بنفسه، بل كاشفاً عن التشريع الإلهي في مجالات خاصة مرّت الإشارة إليها سابقاً.
2. عدم دراسة أحكام العناوين الأوّلية والثانوية كأدلّة الضرر والحرج، فإنّ الأحكام الأوّلية محدّدة بعدم استلزام إطلاقها الضرر والحرج، فإذا صار سبباً لأحدهما، يقدّم حكمها على أحكام العناوين الأوّلية.
3. عدم التفريق بين الأحكام الشرعية والأحكام الولائية الحكومية، فإنّ الأُولى أحكام شرعية خالدة إلى يوم القيامة، وأمّا الثانية أحكام مؤقتة يضعها الحاكم الإسلامي لرفع المشاكل في الحياة، فإنشاء الدواوين أو سك النقود، أو فرض التجنيد ونظائرها من هذا القبيل فهي من اختيارات الحاكم الإسلامي.

صفحه 263

4

سدّ الذرائع

الذرائع جمع ذريعة بمعنى الوسيلة.
فتارة تطلق و يراد منها مقدّمة الشيء، أعني، ما يتوقّف عليه وجوده، من غير فرق بين أن يكون واجباً كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، أو حراماً كالمشي إلى النميمة أو استماع الغيبة.
وأُخرى تطلق و يراد منها ما يفضي إلى الحرام، وإن لم يكن وجود الشيء متوقفاً عليه، كضرب المرأة برجلها ذات الخلاخيل فإنّه ذريعة للافتتان بها، فإنّ الضرب بالأرجل في هذه الحالة يُفضي إلى الافتتان و إن كان الافتتان لا يتوقف على الضرب بالأرجل.
وثالثة تطلق ويراد الوسائل الموضوغة للأُمور المباحة إلاّ أنّ فاعلها قصد بها التوصّل إلى أمر محرّم.
وإن شئت قلت: العمل الذي يعدّ حلالاً في الشرع لكن الفاعل يتوصّل به إلى فعل محظور، والمالكية والحنابلة الذين هم الأصل لتأسيسه يركّزون على هذا القسم وأوضحه الشاطبي بالمثال التالي:

صفحه 264
إذا اشتري شخص غنماً من رجل بعشرة إلى أجل، ثمّ باعها منه بثمانية نقداً، فقد صار مآل هذا العمل مقدّمة لأكل الربا، لأنّ المشتري أخذ ثمانية، ودفع عشرة عند حلول الأجل، فالقائل بسدّ الذرائع يمنع البيع الأوّل تجنباً عن الربا.1
إذا عرفت هذا فنقول:
إنّ سدّ الذرائع ليس مصدراً فقهياً مستقلاً في إطلاقاته الثلاثة.
أمّا الأوّل، فهو داخل في المبحث المعروف من الملازمة بين حكم ذي المقدّمة ومقدّمته، فلو كانت ذريعة للواجب أو للمستحب أو للحرام توصف بحكمه على القول بالملازمة بين وجوب الشيء أوحرمته وبين وجوب مقدّمته أوحرمته.ويكون سدّ الذرائع عنواناً آخر لحكم المقدّمة الذي يبحث عنه في الأُصول.
كما أنّ الذريعة بالمعنى الثاني تدخل في الإعانة على الإثم وتكون محكومة بحكمها، يقول سبحانه: (ولا تَسُبُّوا الّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِعِلْم).2
وأمّا الثالث فهو داخل في فتح الذرائع وسيأتي حكمه فيه.
وبذلك تبيّن أنّه ليس سدّ الذرائع مصدراً فقهيّاً مستقلاً، بل هو داخل في أحد العنوانين (حرمة مقدّمة الحرام، أو حرمة الإعانة بالإثم).
وقد أكثرت المالكية والحنابلة من إعماله خلافاً للحنفية حيث حلّ فتح الذرائع ـ عندهم ـ مكانها كما سيوافيك.

1 . الموافقات:4/112.
2 . الأنعام:108.

صفحه 265

5

فتح الذرائع

(الحيل)

إنّ فتح الذرائع من أُصول الحنفية كما أنّ سد الذرائع من أُصول المالكية، وقد صارت هذه القاعدة مثاراً للنزاع وسبباً في الطعن بالحنفية حيث إنّ نتيجة التحيّل، إبطال مقاصد الشريعة.
ومن أكثر الناس ردّاً للحيل، الحنابلة ثمّ المالكية، لأنّهم يقولون بسدِّ الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة وقد عرّف: التوصل بفعل حلال، إلى فعل محظور، أو التدرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز.1 فنقول:
إنّ إعمال الحيل على أقسام:
الأوّل: أن يكون التوصّل بها منصوصاً في الكتاب والسنّة فليس المكلّف هو الذي يتحيّلها، بل الشارع رخّص في الخروج عن المضائق بطريق خاص، كتجويز السفر في شهر رمضان لغاية الإفطار، وقال:(وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ

1 . سدّ الذرائع في الشريعة الإسلامية:74.

صفحه 266
مِنْ أَيّام أُخَر).1
الثاني: إذا كان هناك أمر واحد له طريقان أحلّ الشارع أحدهما وحرّم الآخر، فلو سلك الحلال لا يعد ذلك تمسّكاً بالحيلة، لأنّه اتخذ سبيلاً حلالاً إلى أمر حلال، وذلك كمبادلة المكيل والموزون من المثلين، فلو بادل التمر الرديء بالجيد متفاضلاً عُدّ رباً محرماً، دونما إذا باع كل على حدة، فالنتيجة واحدة ولكن السلوك مختلف.
الثالث: إذا كانت الوسيلة حلالاً، ولكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو لا تتعلّق إرادته الجدية إلاّ بالمحرّم، ولو تعلّقت بالسبب فإنّما تعلّقت به صورياً لا جدياً، كما إذا باع ما يساوى عشرة بثمانية نقداً ثمّ اشتراه بعشرة نسيئة إلى أربعة أشهر، فمن المعلوم أنّ الإرادة الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية و دفع عشرة وحيث إنّه رباً محرّم احتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الإرادة الجدية بهما، فيكون فتح هذه الذريعة أمراً محرّماً، وهذا ما يسمّى ببيوع الآجال، وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من فتح الذرائع بقوله سبحانه:(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) 2.3
ففتح الذرائع في هذا القسم إبطال لمقاصد الشريعة التي عليها تدور الأحكام.

1 . البقرة:185.
2 . الأعراف:163.
3 . مجمع البيان:2/490، ط صيدا. واقرأ سبب نزولها فيه.

صفحه 267

6

قول الصحابي

تَعدّ المذاهب غير المذهب الحنفي قولَ الصحابي من مصادر التشريع إجمالاً، والتحقيق انّ لقول الصحابي صوراً يختلف حكمها باختلاف الصور:
1. لو نقل قول الرسول وسنّته يؤخذ به إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية.
2. لو نقل قولاً ولم يسنده إلى الرسول ودلّت القرائن على أنّه نقل قول لا نقل رأي، فهو يعدّ في مصطلح أهل الحديث من الموقوف للوقف على الصحابي من دون إسناد إلى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فليس حجّة لعدم العلم بكونه قول الرسول. غاية الأمر الظن بأنّه سمعه من رسول اللّه، وليس بحجّة ما لم يقم دليل قاطع على حجّيته.
3. إذا كان للصحابي رأي في مسألة ولم يقع موقع الإجماع إمّا لقلّة الابتلاء، أو لوجود المخالف، فهو حجّة لنفس الصحابي المستنبِط ولمقلّديه إذا كان مفتياً وقلنا بجواز تقليد الميت، وليس بحجّة للمجتهد الآخر.
نعم ذهب مالك وبعض الأحناف إلى حجّيته لسائر المجتهدين، واختار

صفحه 268
الإمام الرازي والأشاعرة والمعتزلة عدمَ كونه حجّة، والحقّ معهم، لأنّ رأي المستنبط حجّة على نفسه ومقلّديه، لا على المجتهدين.
ثمّ أيّ فرق بين الصحابة والتابعين فكيف لا يكون قول التابعي ـ ما لم يسند إلى النبي ـ ورأيه حجة، ويكون قول الصحابة ورأيه حجة.
وهناك حقيقة مرّة وهي أنّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي الذي يعدّ الحجر الأساس للبناء الفقهيّ، يوجب انهيار صَرْحِ البناء الذي أُشيد عليه، وبالتالي انهيار القسم الأعظم من فتاواهم، ولو حلَّ محلّها فتاوى أُخرى ربّما استتبع فقهاً جديداً لا أنس لهم به.

صفحه 269

7

إجماع أهل المدينة

ذهب مالك إلى حجّية اتّفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ أهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل، فالحق لا يخرج عمّـا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدم على القياس وخبر الواحد، وقد أفتى بمسائل نظراً لاتّفاق أهل المدينة عليها.نظير الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، والقضاء بشهادة واحد ويمين صاحب الحق، والإسهام في الجهاد لفرس أو لفرسين1 ;وقد ردّ عليه معاصره الليث بن سعد في رسالة مبسّطة.
لكن القول الحاسم: إنّ اتّفاق أهل المدينة لو كان ملازماً لقول المعصوم ملازمة عادية فيؤخذ به، وإلاّ فلا يكون حجّة، ومثله اتّفاق المصرين ـ الكوفة والبصرة ـ فإن كان ملازماً لقول المعصوم كالإمام علي عليه السَّلام يؤخذ به، وإلاّ فهو أمارة ظنية لو لم يقم الدليل على حجّيتها ـ إذ لا قيمة لاتفاق فئة ليسوا بمعصومين.

1 . اعلام الموقعين:3/94ـ 100، طبع دار الفكر.

صفحه 270
وكان على الإمام مالك أن يعدَّ اتّفاق أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام أحد الحجج، مكان عدّ إجماع أهل المدينة منها، لأنّهم معصومون بنصِّ الكتاب و تصريح صاحب الرسالة.
هذه هي المصادر التي عدّها فقهاء أهل السنّة حججاً شرعيّة، طرحناها بصورة موجزة ومن أراد الإسهاب فليرجع إلى الجزء الثاني من «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»1، وقد تجلّت الحقيقة، واتّضح ما هو الحق وليس وراءه شيء.
الحمد للّه الذي بنعمته
تتمّ الصالحات

1 . الانصاف: 2، الفصل السادس، 429 ـ 587.
Website Security Test