welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 2 *
نویسنده :العلامة الحلی*

غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 2

صفحه 1
غاية الوصول
وإيضاح السبل
2

صفحه 2

صفحه 3
تقديم وإشراف
الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
غاية الوصول وإيضاح السبل
في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل
لابن الحاجب
تأليف
الحسن بن يوسف بن المطهر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
الجزء الثاني
تحقيق وتعليق
الشيخ آ. مرداني پور
النعماني

صفحه 4
العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق.
      غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل ج 2 / لابن الحاجب ; تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي; تحقيق وتعليق: آ. مرداني پور ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1432 ق . = 1390 .
      (دورة)    ISBN : 978 - 964 - 357 - 343 - 0
2 ج .      (ج. 1)    ISBN: 978 - 964 - 357 - 344 - 7
      (ج. 2)    ISBN:978 - 964 - 357 - 345 - 4
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 ـ ابن الحاجب، عثمان بن عمر، 570 ـ 646 ق. مختصر منتهى السؤل والأمل ـ ـ نقد وتفسير. 2. أُصول الفقه ـ ـ القرن 7 ق. الف. مرداني پور، 1340 هـ . ش ـ. المحقق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ . المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. العنوان. هـ . عنوان: مختصر منتهى السؤل والأمل. شرح.
1390 8026م2الف/ 8/155 BP    311 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   غاية الوصول وإيضاح السبل
الجزء:   الجزء الثاني
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
تقديم وإشــراف:   الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ آ. مرداني پور
الطبعــة:   الأُولى ـ 1432 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1100 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
         تسلسل النشر:665                  تسلسل الطبعة الأُولى:382
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6
   
   غاية الوصول وإيضاح السُبُل / ج 2

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد :
فإنّ علم الأُصول من المبادئ الّتي تدور عليها رحى الاستنباط، فمن أنكره فإنّما ينكره بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان به .
إنّ المستنبط مالم تثبت عنده حجّية ظواهر الكتاب خصوصاً بعد تخصيصها وتقييدها، وحجّية الخبر الواحد ، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يبحث عنها في علم الأُصول، لا يستطيع استنباط الأحكام، ولذلك قام المحقّقون من الفريقين بدراسة الأُصول الّتي لا غنى للمستنبط عنها، وتدوينها تحت اسم علم الأُصول .
ومن الكتب الّتي أُلّفت في هذا المضمار وصار محوراً لدراسة هذا العلم عبر قرون: «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل».
وقد قام لفيف من العلماء بشرحه منهم نادرة الآفاق ونابغة العراق الشيخ حسن بن يوسف المشتهر بالعلاّمة الحلي(رضي الله عنه).
وقد بلغ شرحه في التحقيق والتدقيق إلى حدّ وصفه علماء الفريقين بالحسن والجودة، فهذا ابن حجر يقول في «الدرر الكامنة»: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه .1 وكان عليه أن يزيد على ما قال: وتحقيق مرامه ومختاره، إلى غير ذلك من المزايا الّتي يقف عليها من سبر الكتاب.

1 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 8
وقد كانت نسخ الكتاب من النوادر إلى أن قامت مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بتحقيق هذا الكتاب ونشر الجزء الأوّل منه، وهذا هو الجزء الثاني تقدّمه إلى القرّاء الكرام، وبه يتم الكتاب.
ويمتاز هذا الجزء بأنّه قد استفيد في تحقيقه من نسخة ثالثة حصلت عليها المؤسسة وقد رمز لها: نسخة «ج» .
وفي ختام الكلام نشكر المحقّق البارع الثبت الشيخ آ. مرداني پور النعماني، الذي بذل جهوده في تصحيح الكتاب على نسخه الثلاث وإيضاح ما أشكل من مفاهيمه ومعانيه .
والّذي تنبغي الإشارة إليه أن أكثر ما نقل في الهامش هو تعليقات ممن درّس الكتاب وحشّى عليه، فأكثرها لا صلة له بالمتن وبذلك صار الكتاب يحتوي على أُمور ثلاثة:
1. المتن لابن الحاجب.
2. الشرح للعلاّمة الحلّي.
3. التعليقات على الشرح لمدرسي الكتاب.
فشكر الله مساعي علمائنا الذين بذلوا جهودهم وصرفوا أعمارهم في بناء صرح الحضارة العلمية.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 ذي القعدة الحرام يوم ميلاد الإمام الرضا (عليه السلام) من شهور سنة 1432 هـ
   

صفحه 9
 
شكر وتقدير
أحمد الله سبحانه وأشكره على توفيقه لتحقيق هذا الأثر الثمين، كما أتقدم بالشكر إلى محققي مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)حيث آزروني في تصحيح هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلّة الجميلة وعلى رأسهم:
1. الأُستاذ محمد بيت الشيخ .
2. الشيخ محمد الكناني.
3. السيد محسن البطاط.
وفي الختام أرى لزاماً عليّ أن اقدم شكري واعتزازي لاستاذي وشيخي العزيز آية الله جعفر السبحاني (دام ظله) الّذي كلفني بتحقيق هذا الكتاب وأعانني عليه بكل ما احتاجه من المصادر.
وللجميع مني الشكر والتقدير
والحمد لله رب العالمين
محقّق الكتاب
آ. مرداني پور

صفحه 10

صفحه 11
قال: النهي: اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء، وما قيل في حدّ الأمرِ من مزيّف وغيره، فقد قيل مقابله في حدّ النهي.
والكلام في صيغته، والخلاف في ظهور الحظر لا الكراهة وبالعكس أو مشتركةٌ أو موقوفةٌ كما تقدّم.
وحكمُها: التكرار والفور، وفي تقدّم الوجوب قرينةٌ.
نقل الأُستاذ الاجماع، وتوقّف الإمامُ، وله مسائل مختصّة.*
مبحث النهي    

[ مبحث النهي ]

* أقول: لمّا فرغ من البحث في الأمر وبيان حقيقته، شرع الآن في النهي ; وحدّه: «بأنّه اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء» وإنّما قيّد الكفَّ بكونه
كفَّاً عن فعل، احترَازَاً عن الأمر على ما مضى 1; ولا ينتقض بقولنا: «كفّ عن الزنا» لأنا نعني بقولنا: «عن فعل» [ هو الـ ] مشتق من المقتضي والزنا ليس بمشتق من   2

1 . يشير إلى أن النهي عُرّف باقتضاء كفٍّ عن فعل، لغاية إخراج الأمر، لأنّه اقتضاء فعل ، عن جهة الاستعلاء. على ما مضى سابقاً.

صفحه 12
<--- كف ;1 ولا بقولنا: «كف» عن كف الصلاة لأنّ الكفّ غير فعل .2
وقيْدُ الاستعلاءِ لابد منه في النهي كالأمر ; والحدود الّتي قيلت في الأمر فقد قيلت في النهي مقابلاتها، والتزييف على ما مضى .
والكلام في صيغته أي في أن النهي على أُصول الاشاعرة هل له صيغة تخصُّه أم لا؟ والخلاف في أنّ الصيغة تقتضي التحريم أو الكراهة أو الاشتراك او أنها موقوفة، كما في الأمر .
وحكم الصيغة في النهي التكرار والفور، ونقل الاستاذ ابوإسحاق الاسفرائني الاجماع على ان تقدُّم الوجوب على النهي قرينة لكون النهي الوارد بعده للحظر ; وتوقف 3 إمام الحرمين في ذلك، وللنهي مسائل مختصّة به.4

1. يعني يجب أن يكون النهي فعلاً مشتقاً يدل على طلب الكف عن عمل ـ كالزنا مثلاً ـ كقوله: «لا تزن» وليس قولنا: «كف عن الزنا» كذلك، فما هو المشتق أعني «كفّ» لم يتعلّق به النهي، وما تعلّق به النهي كالزنا ليس بمشتق .
2 . ربّما ينتقض تعريف النهي بقولنا: كفّ عن الكف عن الصلاة، بأنّه اقتضاء كف عن فعل مع أنّه في الواقع أمر بالصلاة.
فأجاب الشارح بأنّ الكف ليس فعلاً لأنّه أمر عدمي، فلا ينطبق عليه تعريف النهي الذي هو اقتضاء كف عن فعل.
3 . ووجه التوقف هو أن الوجوب السابق قد يصلح قرينة لمنع حمل النهي على ظاهره خلافاً لما ذهب إليه الاسفرائني.
4 . وبقوله: «وللنهي مسائل» يشير إلى ما يلي هذه الفقرة من متن وشرح.

صفحه 13
قال: النهي عن الشيء بعينه يدل على الفساد شرعاً لا لغة، وقيل: لغة.
وثالثها: في الإِجزاءِ لا السّببيّة.
لنا: أنّ فسادَهُ سلبُ أحكامِهِ، وليس في اللفظ ما يدلّ عليه لغة قطعاً.
وأمّا كونه يدل شرعاً فلأنّ العلماء لم تزل تستدل على الفساد بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها.
وأيضاً: لو لم يَفْسدْ، لزم من نفيه حكمةٌ للنهي، ومن ثبوته حكمةٌ للصحة، واللازم باطل لأنّهما في التساوي ومرجوحية النهي، [ و ] يمتنع النهي لخلوه عن الحكمة، وفي رجحان النهي تمتنع الصحة [ لذلك]. *
* أقول: الفعل المنهي عنه إمّا أن يُنهى عنه لعينه أو لغيره، فالأوّل كالنهي عن البيع الفاسد والصلاة الفاسدة، والثاني كالنهي عن البيع يوم الجمعة وقت النداء لأجل الصلاة .
وأمّا الثاني فالمشهور بين العلماء أنّه لا يدل على الفساد، ونقل عن مالك وأحمد بن حنبل أنّه يدل عليه، وقوّاه الشيخ أبو جعفر الطوسي أيضاً; وأمّا الأوّل فقد اختلف الناس فيه فذهب الجمهور إلى أنّه يدل على الفساد، وذهب آخرون إلى أنّه لا يدل عليه .
وقال أبوالحسين البصري أنّه يدل عليه في العبادات لا في المعاملات، وإلى هذا القول أشار المصنف بقوله: «وثالثها: في الإِجزاءِ لا في السببية»، فإنّ الفساد في العبادات عبارة عن عدم إِجزائها فالنهي عنها يقتضي الفساد ; وأمّا الفساد   2

صفحه 14
<--- في المعاملات فالمراد منه عدم ترتب أثره عليه وهو لا يدل، كما في البيع وقت النداء .
والذاهبون إلى أنّه يدل على الفساد، اختلفوا في جهة الدلالة فذهب قوم إلى أنّه يدلّ عليه شرعاً لا لغة وهو مذهب المصنف واختيار السيد المرتضى (رحمه الله) ; وذهب آخرون إلى أنّه يدل عليه لغة .
واحتج المصنف على مذهبه:
إمّا على عدم الدلالة اللغوية فلأن الفساد معناه سلب احكامه عنه وليس في لفظ النهي ما يدلّ عليه بإحدى الدلالات الثلاث، فانتفت الدلالات اللغوية .
وأمّا ثبوت الدلالة الشرعية فلأنّ العلماء لم يزالوا مستدلين على فساد العقود بالنهي عنها كالاستدلال على فساد الربا والزنا والأنكحة الباطلة بالنهي عنها من غير وقوع انكار منهم لذلك، وهذا إجماع دال على الدلالة الشرعية.
وأيضاً لو لم يدل على الفساد لزم من نفي المنهي عنه ـ لكونه مطلوب الترك بالنهي ـ حكمة للنهي، ومن ثبوته ـ لكون الغرض جواز التصرف فيه وصحته ـ حكمة للصحة 1، واللازم باطل فالملزوم مثله.    2

1 . ومن الطريف ما ذكره الآمدي من أنّه: [... وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحِكَم والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع إلى العبد... ]الإحكام: 2 / 210 .
هذا، مع أن فعل الله واحد ولكن تارة يتجلى في الجعل التكويني وأُخرى في الجعل الاعتباري، فعندما يكون الفعل واحداً فلابدّ وأن يكون حكمه واحداً لا يخضع للتبعض بحال.
والعجب ان السبكي عكس وقال: [... وإنّا وإن جوزنا خلو الاحكام عن الحِكَم فلا نقول وقع شيء إلاّ على وفق الحكمة...] رفع الحاجب: 3 / 30.
إلاّ أنّ محاولة السبكي هي الأُخرى لم تكلل بالنجاح عند من انعم النظر في مقالته.

صفحه 15
<--- بيان الملازمة: إنّ النهي طلب العدم فذلك الطلب إمّا أن يكون لحكمة وغرض، أو لا يكون، والثاني عبث وهو قبيح، فالأوّل حق .
وأمّا بطلان الثاني فلأنّه لا تخلو تلك الحكمة إمّا أن تكون راجحة على حكمة الصحة أو مساوية أو مرجوحة، والقسمان الأخيران باطلان والاّ لزم أنْ يكون النهي قبيحاً لأنّه غير مشتمل على الحكمة الراجحة حينئذ، وإلى هذا أشار بقوله: «لأنّهما» أي لأنّ الحكمين في حال التساوي والمرجوحية، والأوّل باطل أيضاً لأنّه لو كان النهي راجحاً لمنع شرعية الصحة لأنّه إخلال بالمصلحة الخالصة أعني: القدر الراجح من المصلحة المشتمل عليها النهي.1

1 . قد أشار الشارح في نهاية الوصول إلى هذا الاستدلال فجاءت عبارته بهذا الشأن أوضح عند قوله:
[... المنهيُّ عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة، وإلاّ لزم أن يكون الأمر والنهي بخلاف الحكمة، ولا منشأ المصلحة المساوية، وإلاّ لكان النّهي عبثاً]. نهاية الوصول: 2 / 89 .

صفحه 16
قال: اللغة: لم تَزَلِ العلماء.
وأُجيب: لفهمهم شَرعاً، بما تقدّم.
قالوا: الأمرُ يقتضي الصحّةَ، والنهي نقيضهُ، فيقتضي نقيضها.
وأُجيب: بأنّه لا يقتضيها لُغَةً، ولو سُلِّمَ فلا يلزم اختلافُ أحكام المتقابلات، ولو سُلّم فإنّما يلزم ألاّ يكون للصحة لا أن يقتضي الفساد.*
* أقول: القائل بأنّ النهي يدل على الفساد لغة احتج بوجهين :
الأوّل: أنّه لم يزل العلماء يستدلون بالنهي على الفساد فلو لم يفهموا منه الدلالة عليه وإلاّ لما صحّ منهم ذلك.
والجواب: إنّما استدلوا على ذلك بالوضع الشرعي لا بالنظر إلى اللغة لما بيّنا أولاً من أنّه لا دلالة فيه من حيث اللغة .
الثاني: الأمر يقتضي الصحة إجماعاً فالنهي يقتضي الفساد، لأنّ النهي نقيض الأمر فيقتضي نقيض نقيض الأمر، ونقيض الصحة الفساد فيكون النهي مقتضياً للفساد .
والجواب: لا دلالة للأمر على الصحة من حيث اللغة وإنّما اقتضاه من حيث الشرع، سلّمنا أنّ الأمر يقتضي الصحة لكن لا نسلّم أنّ النهي المقابل له يجب أن يقتضي نقيض ما اقتضاه فإنّ المتقابلات قد تتساوى في المعلولات، سلَّمنا لكن الواجب ان النهي يقتضي نقيض ما اقتضاه الأمر ـ أعني عدم الصحة ـ لا أن يقتضي الفساد، وبينهما فرق كثير.

صفحه 17
قال: النافي: لو دَلَّ، لناقَضَ تصريح الصحةِ، و «نهيتك عن الربا لعينه» و «تملّك به» يصح .
وأُجيب بالمنع بما سبق.*
* أقول: القائل بأنّه لا يدل على الفساد مطلقاً لا شرعاً ولا عقلاً، احتج بأنّ النهي لو دل على الفساد لزم التناقض بين النهي عن الشيء والحكم بصحته ; والتالي باطل فالمقدم مثله، وبيان الشرطية ظاهر ; وبيان بطلان التالي أنّه يصح أنْ يُقال: نهيتك عن الربا لعينه، وتملك به، وإذا صحّ ذلك لم يلزم التناقض.
والجواب: المنع من الملازمة، لما سبق في هذا الكتاب 1 من أنّ التصريح بخلاف الظاهر ولا يتناقض كقولك: «رأيت إنساناً» [ رأيت إنساناً منقوشاً ] 2، وهو كذلك هاهنا.

1 . وذلك في الصفحة 563 من الجزء الأوّل حيث قال: [التصريح قد يدلّ دلالة لا يدل عليها الظاهر وتكون مانعة من دلالة الظاهر على ما يدل عليه كالمخصص للعموم].
2 . وردت هذه العبارة في نسخة «ب» فقط وقد مرّ مضمونها في مبحث «الحقيقة والمجاز» من هذا الكتاب، والاصحّ هو الجمع بين عبارتي النسختين [ «الف» و «ب» ] فنقول: كما أنّه لا تضارب بين «رأيت إنساناً» و «رأيت إنساناً منقوشاً»، كذلك لا تضارب بين العبارتين في المقام أعني: «نهيتك عن بيع الربا بعينه» و «فإن وقع، فالبيع صحيح».

صفحه 18
قال: القائل يدل على الصحة: لو لم يدل لكان المنهيُّ عنهُ غير الشرعي، والشرعي الصحيح، كصوم يوم النحر، والصلاة في الأوقات المكروهة.
وأُجيب: بأنّ الشرعي ليس معناه المعتبر; لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة»، وللزوم دخول الوضوء وغيره في مسمّى الصلاة.
قالوا: لو كان ممتنعاً لم يُمنع. [ و ] أُجيب بأن المنع للنهي.
وبالنقض بمثل: (وَلاَ تَنْكِحُوا) و «دعي الصلاة» .
قولهم: نحمِلُه على اللغويّ، يوقعهم في مخالفة أنّ الممتنع لا يُمنع، ثم هو متعذر في الحائض.*
   

[ دليل أن النهي يدل على الصحة وردّه]

* أقول: نُقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني أنّهما قالا: النهي عن الشيء يدل على الصحة، ونازعهم في ذلك جماعة الاشاعرة والمعتزلة .
احتجّا بأنّ النهي من الشرع عن الصلاة والصوم والبيع إنّما هو على الأُمور الشرعية 1، وإلاّ لكان المنهيُّ عنه غير الشرعي وهو محال، ولما صحت الصلاة في الاماكن المكروهة ولكان الصائم يوم النحر بغير نية مأثوماً [ وليس مأثوماً بالإجماع ](2) ; والشرعي إنّما هو الصحيح المعتبر معناه بحسب عرف الشرع   2

1 . في نسخة «ب»: [عن الأُمور الشرعية].   2 . في نسخة «ج»، فحسب.

صفحه 19
<--- لا الباطل كالنهي عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الاوقات المكروهة لأنّ الأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم على موضوعيهما الشرعيين، والصلاة والصوم في عرف الشرع هو الفعل المعتبر في حكمه شرعاً 1 [ فإنّهما منهيّ عنهما وهما صحيحان  ].2
والجواب: ليس الصوم الشرعي ولا الصلاة الشرعية عبارة عن الصحيح المعتبر حكمه شرعاً لوجهين :
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) للحائض: «دعي الصلاة أيام حيضك» فقد نهى الحائض عن الصلاة في أيام الحيض وهي بالاتفاق غير صحيحة ; وكذلك نهيه عن بيع المضامين والملاقيح3، فإذَن النهي لا يدل على الصحة الشرعية.
الثاني: أنّه يلزم أنْ يكون الوضوء وغيره من شروط الصلاة داخلاً في مسمّى الصلاة، لأنّ المقصود من الصلاة إذا كان هو الصلاة الصحيحة ـ وهي لا تصحّ 4بدون شرائطها ـ كانت الشروط لا محالة أجزاء من المسمى، وعندي في هذه الملازمة نظر .   2

1 . يتوقف استدلال أبي حنيفة والشيباني في دعواهما على أمرين:
الأوّل: التوالي الفاسدة الّتي تترتب على عدم القول بالصحة في المقام.
الثاني: الأصلُ الّذي يقتضي تنزيل الفاظ العبادات والمعاملات على موضوعاتها الشرعية الّتي هي الأفعال المعتبرة في احكامها عند الشارع.
2 . في نسخة «ب» فقط، مع تعديل منا في إرجاع الضمائر لغرض الايضاح .
3 . الملاقيح (مفردها: لِقاح): وهو ما في ظهور فحول الأبل والخيل من ماء.
والمضامين (مفردها: مضمون): ما في ارحام الأَناثى من أجنة.
4 . وفي نسخة «ب»: «لا تقع».

صفحه 20
<--- واحتجوا أيضاً بأنّه لو لم يكن صحيحاً لكان ممتنعاً، والممتنع يستحيل النهي عنه فإنّه لا يصحّ أن يقال للأعمى: لا تبصر، كما لا يقال له: أبصر، ولكنّه قد نهي عنه فدل على الصحة.
والجواب: المنع، أي الامتناع إنما هو للنهي لا لذات المنهيّ عنه; والحاصل: إنّ المقدم إن كان المراد منه الامتناع الذاتي فالملازمة مسلّمة ولا ينفعك، وإن كان هو الامتناع مطلقاً فالملازمة ممنوعة، وأيضاً ينتقض ما ذكرتم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة أيام أقرائك» وبقوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)1 وإنه بالاتفاق لا يدل على الصحة لكونهما ممتنعين.
قالوا: لا نسلم امتناعهما لكونهما محمولين على المعنى اللغوي والممتنع هو المعنى الشرعي .
قلنا: يلزمكم مخالفة مذهبكم وهو أن الممتنع لا يمنع لأنّ النكاح اللغوي هو الوطء، ممتنع أيضاً شرعاً مع كونه منهيّاً عنه ; ثمّ إن حملهُ على اللغوي متعذّر في الحائض لأنّها غير منهيّة عن الدعاء.2
النهي عن الشيء لوصفه   

1 . النساء: 22.
2 . عند البحث عن إن «أصل النهي يدل على الفساد؟»، اشار السبكي إلى النهي عن بيع أم الولد، وتعقيباً تعرض محقّقا الكتاب للأقوال في المسألة فقالا:
«وقالت الشيعة أيضاً بجواز بيعها ولكن الشيعة لا يعتد بخلافهم!» رفع الحاجب: 3 / 48 .
إنّ رأي الشيعة هو أنّ أم الولد تعتق من سهم ولدها من الأرث، وأين هذا من دعوى جواز بيع أم الولد؟

صفحه 21
قال: مسألة: النهي عن الشيء لوصفه، كذلك، خلافاً للأكثر.
وقال الشافعي: يُضادُّ وجوبَ أصلِه يعني: ظاهراً، وإلاّ وَرَدَ نهي الكراهةِ.
وقال أبو حنيفة: يدلُّ على فساد الوصف لا المنهيّ عنه.
لنا: استدلالُ العلماء على تحريم صومِ العيد بنحوه، وبما تقدّم من المعنى .
قالوا: لو دلّ لناقض تصريح الصّحة، وطلاق الحائِضِ وذبح مِلكِ الغيرِ معتبرٌ.
وأُجيبَ: بأنّه ظاهرٌ فيهِ، وما خُولف فبدليل صَرفِ النهي عنه.*
* أقول: اختلفوا في النهي عن الشيء لأجل وصفه هل يدل على فساد أصله أم لا؟ فذهب المصنف إلى أنّه يدل عليه شرعاً لا لغة .
وعن الشافعي أنّه يضاد وجوب أصله ظاهراً، واحترز بذلك عن نهي الكراهة كالصلاة في الاماكن المكروهة، فإنّ النهي عن الصلاة لو كان يضاد وجوبها قطعاً لما كانت الصلاة في الأماكن المكروهة صحيحة وذلك باطل بالاتفاق، وأمّا إذا كان يدل ظاهراً فلا يلزم لجواز ترك الظاهر لدليل .
وذهب أبوحنيفة إلى أنّه يدل على فساد الوصف لا على فساد الأصل.
واحتج المصنف باستدلال العلماء على تحريم صوم يوم العيد بالنهي   2

صفحه 22
<--- عنه، وذلك يدل على المطلوب ; وأيضاً بما تقدم في المسألة المتقدمة 1 من أنّه لو لم يفسد لزم نفيه حكمة للنهي المنهي عنه، وقد تقرر .2
احتجوا 3: بأنّه لو دلّ على الفساد لناقض تصريح الصحة، وليس كذلك فإنّ الناهي لو قال: «لا تصلِّ في المكان المعيّن، وإنْ صليت صحت صلاتك» لم يعد مناقضاً; وأيضاً نُهي عن طلاق الحائض، وعن ذبح الحيوان المملوك للغير، وهو معتبر اتفاقاً.4
والجواب: بأنّ النهي ظاهر في الفساد، لا قطعي فلا ينافي ما ذكرتم من الصور لأنّ الظاهر قد يُعدل عنه لدليل من خارج.5
النهي يقتضي الدوام    

1 . يعني مسألة: «النهي عن الشيء بعينه يدل على الفساد». راجع ص 13 من هذا الجزء.
2 . لاحظ صفحة 14، س 12 وما بعده في توضيح العبارة.
3 . هذا هو احتجاج القائل بأن النهي عن الشيء بعينه لا يدل على الفساد.
4 . أي: يقع الطلاق ويحل أكل الذبيحة اجماعاً مع انهما اقترنا بالنهي.
5 . يبدو أن العلاّمة بصدد بيان أصل القاعدة دون المناقشة في الأمثلة الّتي وردت لأيضاحها وذلك لأن ما قيل في مثال «النهي عن الطلاق» يعارض ما عليه فقهاء مدرسة آل البيت(عليهم السلام)حيث يحكمون عندئذ ببطلان الطلاق .
يقول الشيخ محمد حسن النجفي بهذا الشأن في موسوعته: «جواهر الكلام» ما نصّه:
«يشترط في المطلقة [ أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس ] بمعنى بطلان الطلاق فيهما، بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى بل الإجماع بقسميه عليه...».    جواهر الكلام: 32 / 29 ـ 30.

صفحه 23
قال: مسألة: النهي يقتضي الدوامَ ظاهراً.
لنا: استدلالُ العلماءِ مع اختلاف الأوقات .
قالوا: نُهيت الحائضُ عن الصلاة والصوم.
قلنا: لأنّه مُقَيَّدٌ.*
* أقول: النهي عن الشيء هل يقتضي الدوام أم لا؟1
ذهب قوم إلى أنّه يقتضيه وهم الجمهور، وذهب آخرون إلى أنّه لا يدل، وهو مذهب فخر الدين الرازي.
واستدل المصنف على مذهبه باستدلال العلماء ـ على اختلافهم واختلاف أوقاتهم ـ على أنّ النهي يقتضي الدوام بمطلق النهي، وذلك إجماع منهم حصل من غير معارض، 2 فكان حجة .
احتجوا 3: بأنّ المنهيّ قد يرد بدون الدوام تارة، ومعه أُخرى، أمّا الثاني فظاهر، وأمّا الأوّل فكما في نهي الحائض عن الصلاة والصوم، فإنّه لا يقتضي الدوام بالاتفاق .
والجواب: إنّ التقييد بالوقت إنّما جاء من خارج النهي وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):   2

1 . وقد عنون الشارح المعظم المسألة في «نهاية الوصول»: 2 / 71، بما يلي: «المبحث الثاني: في أن النهي يقتضي التكرار».
2 . قال الآمدي في دلالة النهي على الدوام: [ اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائماً خلافاً لبعض الشاذين!  ] الإحكام: 2 / 215 .
3 . دليل القائلين بعدم دلالة النهي على الدوام.

صفحه 24
قال: مسألةٌ: «العام والخاص» .
أبو الحسين: العَامُّ: اللَّفظُ المُستغرِقُ لِمَا يَصلُحُ لَهُ، وليس بمانع; لأنّ نحوَ: «عشرة»، ونحوَ: «ضرَبَ زيدٌ عمراً» يدخُلُ فيه.
الغزّاليُّ: اللفظُ الواحدُ الدّالُّ من جهة واحدة على شيئين فصاعداً، وليس بجامع لخروج المعدوم والمستحيل لأن مدلولهما ليس بشيء، والموصولات لأنّها ليست بلفظ واحد; ولا بمانع لأنَّ كل مُثنَّى يدخل فيه، ولأنّ كُلَّ معهود ونكرة يدخل فيه; وقد يلتزم هذين.
والأَولى ; ما دلّ على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً ضربةً.
فقولنا: «اشتركت فيه»; ليخرج نحو: «عشرة»، و «مطلقاً» ; ليخرج المعهودون، و «ضربة» ; ليخرج نحو: «رجُل».
والخاصّ بخلافه. *
<--- «دعي الصلاة أيام أقرائِك»، وكذلك كلّ نهي لا يدل على الدوام فإنّه إنّما يكون كذلك لقرينة لفظية أو عقلية، والكلام في النهي المجرد عن القرائن.
   

[ بحث العام والخاص ]

* أقول: اختلف الناس في حدّ العام :
فالذي حدّه أبوالحسين به هو أنّه: «اللفظ المستغرق لما يصلح له،   2

صفحه 25
<--- بخلاف النكرة فإنّها صالحة لكلّ واحد واحد عِلى البدل، وليست مستغرقة لما يصلح له ».
واعترض عليه بما ذكره المصنف وهو أنّه غير مانع لأنّه تدخل فيه اسماء الأعداد نحو عشرة فإنّها تستغرق كل ما يصلح له ; ويدخل فيه نحو: «ضرب زيد عمراً» فإنّه يستغرق جميع ما يصلح له، لأنّه صالح للاثنين وقد تناولهما لكن لا بلفظ واحد بل بلفظين ومع ذلك فإنّه ليس بعام بالاتفاق.
وقد حدّه الغزالي بأنّه: «للفظ الواحد الدّال من جهة واحدة على شيئين فصاعداً»، فاللفظ الواحد احترز به عن قولنا: «ضرب زيدٌ عمراً»، فإنّه قد دلّ على شيئين لكن لا بلفظ واحد; وبقولنا: «من جهة واحدة» عن ذلك أيضاً فإنّه يدلّ على الأثنين لكن لا من جهة واحدة بل من جهتين .
واعترض عليه بأنّه غير جامع لخروج المعدوم والمستحيل عنه فإنّهما ليسا بشيئين على مذهبه ومع ذلك فقد يوجد العموم فيهما ; وتخرج عنه أيضاً الموصولات لأنّها لاتدل بانفرادها بل بانضمام صِلاتها إليها وهي مع صلاتها الفاظ متعددة مع أنّها عامّة بالاتفاق ; وليس بمانع لأنّه يدخل فيه المثنى والمجموع والنكرة فإنّها تدلّ على شيئين فصاعداً وهي ليست بعامة اتفاقاً ; وكذلك ألفاظ الأعداد ; و يدخل فيه أيضاً المعهود والنكرات فإنّها تدل على شيئين ; وله أن يلتزم دخول هذين في العام .
ولما بطل ماذكر من الحدود، حدّه هو بأنّه: «مادل على مسميّات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً ضربة واحدة» فقوله: «ما دل» جنس; وإنّما قال: ما دل ولم   2

صفحه 26
<--- يقل: لفظ دال، كما قال غيره، لأنّ العموم عنده كما هو عارض للفظ كذلك هو عارض للمعاني على ما يأتي; فلو جعل الجنس اللفظ لخرج العموم العارض للمعاني; وقوله: «على مسميّات» يندرج فيه المعدوم والموجود ويفصله عما دلّ على مسمى واحد ; وقوله: «باعتبار أمر اشتركت فيه» احترز بذلك عن اسماء الأعداد فإنّها وإن دلّت على مسميّات متعددة لكن لا باعتبار أمر اشتركت فيه بل باعتبار وضع اسم العدد له ; وقوله: «مطلقاً» احترز به عن المعهودين كقولنا: ضرب زيد عمراً ; وقوله: «ضربة» احترز به عن النكرة فإنّها تدلّ على مسميّات كثيرة ولكن لا دفعة واحدة بل على البدل .
وإذا عرفت معنى العام فالخاص ما يقابله وهو: ما دلّ على مسمّى واحد .
وقيل في حدّه: «إنّه الذي ليس بعامّ» وهو خطأ.1
العموم من عوارض الألفاظ   

1 . لأن الخاصّ عندما يعرّف بأنّه الّذي ليس بعام فلابد أن يعرَّف العام بأنّه الّذي ليس بخاصّ وهذا دور، ومن شرائط التعريف أن لا يستلزم الدور.
وبعبارة أُخرى بأنّ العام والخاص مفهومان متضادان، لم يكن تعريف احدهما بسلب حقيقة الآخر أولى من العكس، ومن شرائط التعريف أن يكون المعرِّف أجلى مفهوماً وأعرف من المعرَّف، وهو لم يتوفر هنا.

صفحه 27
قال: مسألة: العموم من عوارض الألفاظ حقيقةٌ، وأمّا في المعاني فثالثها الصحيح كذلك.
لنا: أن العموم حقيقةٌ في شمول أمر لمتعدد، وهو في المعاني كعموم المطر والخصْب، ولذلك قيل: عمّ المطرُ والخصبُ ونحوُهُ .
وكذلك المعنى الكليُّ، لشموله الجزئيات، ومن ثمّ قيل: العامُّ ما لا يمنع تصوُّرُهُ عن الشركة.
فإن قيل: المُرادُ: أمرٌ وَاحِدٌ شامِلٌ، وعُمومُ المطر ونحوُهُ ليس كذلك.
قلنا: ليس العموم بهذا الشرط لُغَةً .
وأيضاً: فإنَّ ذلك ثابتٌ في عموم الصوتِ والأمرِ، والنهي، والمعنى الكلّيِّ.*
* أقول: اختلف الناس في أنّ العموم هل يَعرضُ للمعاني عروضه للألفاظ؟ فقال قوم إنّه عارض لها وإليه ذهب المصنف ، وقال آخرون: إنّه ليس بعارض لها حقيقةً ; وتوقف الباقون .
احتج الأوّلون بأنّ العموم حقيقة في شمول أمر لأشياء متعددة ; وهذا يصحّ في المعاني كما يصحّ في الألفاظ كعموم المطر والخصب، ولهذا يقال: عمَّ الناسَ المطرُ وعمّهم الخِصبُ وعمّهم الخيرُ وعمهم العطاءُ، وكذلك المعنى الكلي كالحيوان عامّ أيضاً لشموله الجزئيات المتعددة ; ولأجل ذلك حدّوا العام بأنّه   2

صفحه 28
<--- ما لا يمنع نفس تصوره وقوع الشركة فيه .
لا يقال: المراد من شمول العام لأفراده إنّما هو الشمول مع اتحاد النسبة واتحاد المعنى الذي قيل له أنّه عام كقولنا الرجال فإنّه لفظ قد وضع للدلالة ونسبته إلى زيد وعمرو في الدلالة واحدة فيسمى عامّاً باعتبار اتحاد نسبته إلى المدلولات الكثيرة; وليس كذلك المطر والخِصب فإنّ المطر الحال بهذا الموضع غير الحال بالموضع الآخر، وكذلك العطاء الحاصل لِزيد مغاير لِلْعطاءِ الحاصل لعمرو .
لأنّا نقول: ليس اشتراط الوحدة في العام من حيث الوضع اللغوي; سلَّمنا، لكن ذلك ثابت في عموم الصوت فإنّ الصوت الواحد في الخارج يعم السامعين وإن اتحدت نسبته إليهم، وكذلك الأمر والنهي الّذي هو الطلب النفساني فإنّه يعمّ المأمورين مع وحدته ووحدة نسبته، وكذلك المعنى الكلي كالحيوان من حيث هو غير مقيّد فإنّه يدلّ على المعنى الواحد المتكثّر افراده مع وحدة نسبته إليهم، فيلزم أن تكون هذه الأشياء عامّة لصدق حدّ العامّ عليها .
هل أنّ العموم له لفظ يدل عليه لغوياً أم لا؟   

صفحه 29
قال: مسألة: الشافعي والمحققون: للعموم صيغةٌ، والخلاف في عمومها وخصوصها، كما في الأمر.
وقيل: مشتركةٌ [ وقيل: ]1 بالوقف في الإخبار لا الأمر والنهي، والوقف إمَّا على معنى: «ما ندري» وإمَّا: نَعْلَمُ أَنّهُ وُضِعَ، وَلاَ نَدري أحقيقةٌ أم مجازٌ؟
وهي أسماء الشروط والاستفهام والموصولات، والجموع
المعرَّفةُ تعريف جِنس، والمضافة، واسم الجنس كذلك، والنكرة في النفي.
لَنَا: القطع في: «لا تضرب أحداً»، وأيضاً: لم تزل العلماء تستدل بمثل: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ)، (الزَّانِيَةُ)، (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) ; كاحتجاج عمر في قتال أبي بكر مانعي الزكاة: أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، وكذلك: «الأئمة من قريش»، «ونحن معاشرالأنبياء لا نُورِّثُ»، وشاع وذاع، ولم ينكره أحدٌ.
قولهم: «فُهِمَ بالقرائن» يؤدّي إلى ألاّ يَثبُتَ للفظ مدلولٌ ظاهرٌ أبداً.
والاتفاق في: «من دخل داري، فهو حُرٌّ» أو: «طالقٌ» أنَهُ يَعُمُّ.
وأيضاً كثرة الوقائع.
واستُدِلَّ بأنّه معنى ظاهِرٌ محتاجٌ إلى التعبير عنه كغيره .

1 . اضفنا لفظة «قيل» لانسجام السياق .

صفحه 30
وأُجيب: قد يُستغنى بالمجاز وبالمشترك.*
* أقول: اختلف الناس في أنّ العموم هل له لفظ يدل عليه من حيث الوضع اللغوي أم لا؟
فذهب جماعة المرجئة إلى أنّ العموم ليس له صيغة تدل عليه مختصّة به وهو مذهب السيد المرتضى .
وذهب آخرون ـ وهم الجمهور ـ إلى أنّ له صيغة تدلّ عليه .
وقيل بالوقف مطلقاً، وقيل بالوقف في الإِخبار لا في الأمر والنهي ; والقائلون بالوقف قسمان:
منهم من يقول: إِنّا لا ندري هل هو موضوع للعموم أو للخصوص، أو أنّه مشترك بينهما ؟
ومنهم من يقول: إنّا نعلم أنّه وضع لأحدهما والآخر مجاز فيه ولا نعلم المعنى الحقيقي من المجازي .
وذهب المصنف إلى أنّ العموم له صيغة تدل عليه وهي اسماء الشرط كـ «من دخل داري أكرمه» و «ما يصنع اصنع»; واسماء الاستفهام كـ «مَنْ قام» و «وَمَنْ فعل»; والموصولات كـ «الذي يدخل الدار مكرّم»; والجموع المعرّفة بلام الجنس لا بلام العهد كقوله: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )1، والجموع المضافة كقولك: «عبيدي احرار»; واسم الجنس المعرّف، كقوله: (وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2);   2

1 . التوبة: 3 .   2 . البقرة: 275.

صفحه 31
<--- والنكرة في النفي كقولك: «لا رجل في الدار» .
و الدليل على أنّ النكرة المنفية للعموم، القطع بأنّ قولك: «لا تضرب أحداً» للعموم، فإنّه لو ضرب واحداً من الناس لكان مخالفاً .
وعلى أنّ اسم الجنس للعموم استدل العلماء قديماً وحديثاً على أنّ كلّ من زنى يجلد وكلّ من سرق تقطع يده لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا...)1ولقوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) 2 وذلك إجماع لا مخالف له، فيكون حجّة.
وعلى أنّ الجمع المضاف للعموم، استدلالهم أيضاً بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ... )3 على أن كَلّ ولد ذكر يرث ضعف الأُنثى.
وعلى أن الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم، باحتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُمرتُ أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلاّ الله» تمسك عمر بالعموم ولم ينازعه أحد في ذلك، واعتمد أبوبكر على القتال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ بحقّها» 4; ولو لم يكن للعموم لكان المخلص من هذا الاحتجاج أنّ هذه الصيغة ليست للعموم، وكذلك احتجاج الأنصار في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمة من قريش» ولم ينازعهم المهاجرون في ذلك; وأيضاً احتج أبوبكر على فاطمة (عليها السلام)   2

1 . النور: 2.
2 . المائدة: 38 .
3 . النساء: 11 .
4 . الضمير في «إلاّ بحقها» يعود إلى لفظي «الدماء» و «الأموال» المذكورين في ذيل الحديث الّذي رواه عمر.

صفحه 32
<--- بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»1.    2

1 . تحدّث السبكي تبعاً للماتن عن رواية «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» وذلك في تحقيق القول عن أنّ للعموم صيغاً أو لا؟ فقال: [ وهو حديث، قال شيخنا الذهبي: ليس في شيء من الكتب الستة، والأمر كما قال، بل ولا رأيته في شيء من كتب الحديث، ثم رواه الهيثم بن كليب الشاشي من حديث أبي بكر ولفظه: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» وضع «إنا» موضع «نحن»، ولذلك خرّجه النسائي في «سننه الكبير» وهوغير معدود عند المحدثين من الكتب الستة، إنّما يعدون السنن المشهورة التي له، وعليها يخرجون الأسماء والاطراف.
وروى البخاري ومسلم: «لانورث ما تركنا صدقة» قد وقع الاحتجاج به على من ظن أنّهم يورثون علم الإسلام وشاع هذا الاحتجاج وامثاله، «وذاع ولم ينكره أحد» فكان اجماعاً على أنّ الصيغ للعموم]. رفع الحاجب: 3 / 78 .
إن هذه الرواية قد تفرد بنقلها أبو بكر ـ كما صرّح ابن حجر في الصواعق ـ وقد أوردها عند تخاصمه مع فاطمة (عليها السلام)حين صادر ضيعة فدك التي اقطعها لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّام حياته; ولسنا بصدد معالجة قضية كانت محط أخذّ ورد على مر التاريخ ومازالت، وإنّما نقول ـ بغض النظر عن كل المناقشات التي دارت حول الرواية متناً وسنداً إلى هذه اللحظة ـ ، قد عارض أصل الحديث وعمومه جمع كثير من الناس منهم الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وسيدة النساء فاطمة (عليها السلام)، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومولى رسول الله رباح، ووصيفة فاطمة أم ايمن، واسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفسه آنذاك وزوجة الشهيد جعفر الطيار سابقاً .
قال الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)في رسالته إلى عثمان بن حنيف: [... كانت بايدينا فدك من كل ما اظلته السماء فشحَّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم الله...].
وقالت فاطمة (عليها السلام) في خطبتها الغرّاء على رؤوس الاشهاد من المهاجرين والأنصار حين ألمَّ بها الحزن من كل جانب لفقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك بعد عشرة أيّام فقط من رحيله المفجع، فقالت محتجة على أبي بكر:
[يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً!].
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 16 / 251 .
فأين الإجماع؟!
أضف إلى ما ذُكر أنّ الرواية مخالفة لقوله سبحانه: (وَ وَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ) النمل: 16. وقول زكريا: (يَرِثُنيِ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) مريم: 6. والرواية الّتي تعارض كتاب الله يضرب بها عرض الجدار.
إذن لا مجال للاستشهاد بهذه الرواية لتصوير التمسك بالعموم ولابد من تبديلها بشاهد آخر.
ومن اراد أن يستزيد في الاطلاع على أصل الموضوع ـ أعني قضية فدك ـ فليراجع دراسات شيخنا الأُستاذ جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ في كتابه القيم «اشراقات ولائية ـ فروغ ولايت» حيث يبحث فيه عن حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)من شتى الجوانب ومختلف الابعاد.

صفحه 33
<--- لا يقال: العموم في هذه المواضع إنّما استفيد من قرائن منضّمةً إلى اللفظ لا من الوضع.
لأنّا نقول: لا نسلم ذلك، فانّ هذا يقتضي أنْ لا يثبت للفظ ما مدلوله ظاهر ; فإنّه حينئذ يقال: لم لا يكون المدلول استفيد من قرينة منضمة إلى الأصل ؟
وأيضاً يدّل على أنّ صيغة «مَنْ» في المجازات للعموم، اتفاق الفقهاء على أنّ قول الانسان: «من دخل داري فهو حر أو طالق» عامّ في كلّ عبد وامرأة اتصف بالدخول 1.    2

1 . قد وردت العبارة واضحة ومختصرة في نسخة «ب»:
[ وللاتفاق في: «من دخل داري فهو حر أو طالق» أنّه يعمّ].
وهناك اضافة وردت في نسخة «ب» فحسب هي:
[... وأيضاً كثرة الوقائع...] .
وعلق السُبكي في شرحه قائلاً:
[... وفي بعض النسخ هنا، «وأيضاً كثرة الوقائع»، وليست في أصل المصنّف، ولا حاجة إليها ]رفع الحاجب: 3 / 79 .
وما افاده حق لا غبار عليه لأن كثرة الوجود لا تحقق ظهوراً كما هو معروف .

صفحه 34
<--- واحتج بعض القائلين بالعموم على أنّ هذه الصيغ موضوعة له، بأنّ العموم معنى معقول يسد الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب أن توضع له لفظ في اللغة لوجود القدرة والداعي الموجبين للفعل، ولم يوضع لفظ في اللغة سوى هذه بالاتفاق فتكون هذه الالفاظ موضوعة للعموم .
اجاب المصنف بأن تمنع المقدمة الثانية1 وذلك لأنّ التعبير عن العموم قد يحصل باللفظ المجازي و قد يحصل باللفظ المشترك فلم لا يجوز أن تكون هذه الالفاظ موضوعة للخصوص ويجوز لها في العموم، أو تكون مشتركة بين الخصوص والعموم؟! فلا إضطرار حينئذ في وضع لفظ مختص بالعموم.
   

1 . يريد بالمقدمة الثانية الممنوعة قوله: «... فوجب أن يوضع له لفظ في اللغة...».

صفحه 35
قال: الخصوص متيقّن; فجَعْلُهُ له حقيقةً، أولى.
رُدّ بأنه إثبات لُغَة بالترجيح، وبأن العموم أحوطُ، فكان أولى.
قالوا: لا عَامَّ إلاّ مُخَصَّصٌ; فيظهر أنها للأغلب.
رُدّ بأن احتياج تخصيصها لدليل يُشعر بأنّها للعموم.
وأيضاً: فإنّما يكون ذلك عند عدم الدليل.
الاشتراك: أُطلقت لهما، والأصلُ الحقيقة.
أُجيب: بأنّه على خلاف الأصل، وقد تقدم مثُلُهُ .
الفارق: الإجماع عَلى أنّ التكليف للعام، وذلك بالأمر والنهي.
وأُجيب: بأنّ الإجماع على الأخبار للعام.*

[ دليل القائل بأن صيغة العموم موضوعة للخصوص ]

* أقول: احتج القائلون بأنها موضوعة للخصوص بوجهين :
الأوّل: أنّه إن كان موضوعاً للخصوص فالخاص مراد للوضع وإن كان موضوعاً للعموم كان الخاص مراداً دخوله تحت العموم، فالخاص مراد باليقين وما عداه مشكوك فيه، فيجب حمل اللفظ المطلق على المتيقّن الذي هو الخصوص لكونه أولى .
والجواب: أنّ هذا اثبات اللغة بالترجيح والأولوية، وهو غير جائز، فإنّ   2

صفحه 36
<--- اللغة إنّما تثبت بالوضع ; وأيضاً يُعارض هذا بكون العموم أحوط، فإنّه إذا عمل بالعموم كان الخاص داخلاً فيه ولا ينعكس .
الثاني: كل عام فهو مخصوص إلاّ قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ) 1، فالخصوص اغلب صوراً من العموم، فيحمل اللفظ العري عن القرينة عليه لاغلبيته.
والجواب: أنّ التخصيص الوارد في مقابلة العام إنّما يثبت بدليل خارجي، وإذا كان كذلك كان التخصيص دليلاً على كونها في الوضع للعموم لأنّ اللفظ إذا كان لا يفهم منه معنى إلاّ بقرينة كانت دلالته على ذلك المعنى بطريق المجاز; وأيضاً فإنّما يجب الحمل على الأغلب إذا لم تفهم الدلالة على وجوب الحمل على الأقل، وهاهنا ليس الأمر كذلك فإنّ الدليل الذي ذكرناه قد دلّ على أنّ هذه الألفاظ وضعت للعموم فيجب المصير إليه ولا يصلح ما ذكرتم للمعارضة.
واحتج السيد المرتضى على مذهبه ; من أنّه مشترك بين العام والخاص بأنه مستعمل في الخصوص والعموم، والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون اللفظ الذي يستعمل في العموم مشتركاً بينه و بين الخصوص .
والجواب: إنّ الاشتراك على خلاف الأصل 2 وقد تقدّم مثل هذا في باب الأمر.3   2

1 . البقرة: 29 .
2 . وهناك جواب آخر في رد مبنى الشريف المرتضى وهو أن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز فلا ينكشف الوضع من خلال كثرة وقوعه.
3 . وذلك في الصفحة 524 من الجزء الأوّل عند قوله: [... إنّ صيغة إفعل وردت في الوجوب و... ] .

صفحه 37
<--- واحتجّ من فرّق بين الأمر والنهي وبين الأخبار بأنّ الإجماع قد دلّ 1 بأنّ الأوامر والنواهي المكلف بهما للعموم فإنّ قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)2 وقوله: (لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى)3 عامّاً إجماعاً ; وأمّا الإخبارات فإنّ الإجماع لم يدلّ على عمومها فوجب التوقف إلى أن يأتي دليل من خارج يدل على أنّها للعموم .
والجواب: أنّ الإجماع قد دلّ على أنّ الإخبار للعام أيضاً كقوله: (وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)4، (وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ )5 إلى غير ذلك من الإخبارات [الدالة على الوعد والوعيد وغيرها ] 6.

1 . وجاء في نسخة «ب» عقيب «... بأنّ الإجماع قد دل...» ما يلي: [... على أن التكليف للعام أي لعامة المكلفين، وذلك إنّما هو بالأمر والنهي فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم لما كان التكليف عامّاً... ] .
2 . البقرة: 43 .
3 . الاسراء: 32 .
4 . الحديد: 3 .
5 . المائدة: 120 .
6 . في نسخة «ب» فقط.

صفحه 38
قال: مسألة: الجمع المنكّر ليس بعامٍّ.
لنا: القطعُ بأنّ «رجالاً» في الجموع ; كرجل في الوحدان، ولو قال: «له عندي عبيدٌ» صح تفسيره بأقل الجمع .
قالوا: صح إطلاقه على كُلِّ جمع، فحملُهُ على الجميع حَملٌ على جميع حقائقه .
ورُدّ بنحو «رَجُل»، وَأنّه إنّما صحّ على البدل.
قالوا: لو لم يكن للعموم، لكان مختصّاً بالبعض.
رُدّ: بـ «رجُل»، وأنّه موضوع للجمع المشترك. *

[ دلالة الجمع المنكَّر على العموم ]

* أقول: ذهب الجمهور إلى أنّ الجمع المنكّر لا يدل على العموم، وذهب الجُبَّائي إلى أنّه يدل عليه ; واحتج الجمهور بإنّ رجالاً في الجموع كرجل في الآحاد بالاتفاق، ولمّا كان رجل في الآحاد لا يدلّ على العموم بل على رجل واحد غير معيّن، كذلك رجال يدلّ على جماعة اقلهم ثلاثة غير معينين بل هو صالح للعموم والخصوص، وأيضاً إذا قال الانسان لزيد: «عندي عبيدٌ» صحّ تفسيره بالثلاثة اتفاقاً، ولو كان للعموم لما صحّ هذا التفسير .
احتجوا بأنّه يصلح لكلّ جمع من الجموع، فحمله على الجميع حمل له على جميع حقائقه، فيكون أولى من حمله على البعض لعدم الأولوية1.   2

1 . هذا دليل من قال بأن الجمع المنكَّر يدل على العموم .

صفحه 39
<--- والجواب: ينتقض ما ذكرتم بالنكرة الشائعة في جنسها على البدل كرجل فإنّه صالح لكلّ واحد واحد و مع هذا فإنّه لا يُحمل على الجميع إجماعاً فكذلك في الجمع المنكّر [ و ] 1 لأنّه إنّما يصحّ حمله على الجموع الكثيرة على سبيل البدل كصحة حمل رجل على كلّ رجل على البدل [ فلا يحمل على الكل على الجمع]2.
قالوا: لو لم يكن للعموم لكان مختصّاً بالبعض بحيث إذا استعمل في غيره يكون مجازاً فيه وليس كذلك بالاتفاق .
والجواب: المعارضة [ برجل فإنّه ليس للعموم ولا هو موضوع لرجل معيّن، وأيضاً فإنا نقول: ]3 إنّ اللّفظ وضع للجمع المشترك بين الجموع الكثيرة فصدقه على كل جمع كصدق مطلق الجمع عليه، صدق رجل على كلّ رجل على البدل.4

1 . في نسخة «ب» فقط .
2 . في نسخة «ج» فقط، وبعبارة أوضح: عندما يصح اطلاق لفظ «رجال» المنكّر على كل جمع بنحو البدل لا يصح حمله على جميع مصاديق الجموع، فلا يفيد العموم.
3 . قد وردت هذه العبارة في نسخة «ب» فحسب واما في نسخة «أ» وردت العبارة التالية بدلاً عنها: [... ووجه المشابهة... ] .
4 . الفقرة الأخيرة لم ترد في نسخة «ج» .

صفحه 40
قال: مسألة: أبنية الجمع لاثنين، تَصِحُّ، وثالثها مجاز.1
الإمام: ولواحد .
لنا: أنّه يسبق الزائد، وهو دليل الحقيقة والصحة.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)2 والمراد: أَخَوَان.
واستدلال ابن عباس بها، ولم يُنكر عليه، وَعُدِل إلى التأويل.
قالوا: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)، والأصلُ الحقيقة.
ورُدّ بقضية ابن عبّاس .
قالوا: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)3 .
هل اللفظ الموضوع للجمع يتناول الواحد والاثنين ؟   
وردّ: بأن فرعون مُرَادٌ .

1 . وردت العبارة في «منتهى الوصول والأمل...» كالتالي: «مسألة: يصح إطلاق أبنية الجمع على اثنين مجازاً، وثالثها حقيقة» منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل: 105 .
وهو الصحيح لأنهم اتفقوا على أن الجمع حقيقة في الثلاثة واختلفوا في أن يكون حقيقة في الأثنين والواحد.
توضيح ذلك:
إن محل النزاع هو أن لفظة الجمع مثل «المسلمون» يطلق على مُسلِمين اثنين حقيقة أو لا؟ بعض قال يطلق حقيقة وبعض آخر قال إنّما يطلق مجازاً.
وما يُضْعف موقف القائل بانّه يطلق على اثنين حقيقة هو أن واضع اللغة قد خصص للإثنين صيغة أُخرى وهي صيغة التثنية فلا داعي لوضع لفظ آخر.
وقد اصبح المذهب المستقر هوالقول بان ابنية الجمع حقيقة فيما زاد على الإثنين واما المذهب الآخر فقد غدا في ذمة التاريخ .
2 . النساء: 11.
3 . الشعراء: 15 .

صفحه 41
قالوا: «الاثنان فما فوقهما جماعةٌ» .
وأُجيبَ: في الفضيلةِ، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يُعرِّف الشرع لا اللغة.
النافون: قال ابن عباس: «ليس الأخوان إخوةً» .
وعورض بقول زيد: «الأَخوان إخوةٌ».
والتحقيق: أراد أحدهما حقيقة والآخر مجازاً.
قالوا: لايقال: «جاءني رجلان عاقلون»، ولا «رجالٌ عاقلان».
وأُجيب: بأنهم يُراعون صورةَ اللفظِ.*
* أقول: الجمع لفظ يطلق و يراد به المعنى الذي يفهمه أهل اللغة من اجتماع الشيء مع غيره، وقد يراد به اللفظ الذي يفهم منه الجمع كقولنا: رجال ونحوه ; والمقصود بالبحث هاهنا هو الثاني فنقول: اختلف الناس في اللفظ الموضوع للجمع هل يتناول الواحد أو الاثنين أو لا ؟
فذهب جماعة من الشافعية وزيد بن ثابت ومالك و داود والقاضي والاستاذ أبي اسحاق إلى أنّه يتناول الاثنين على سبيل الحقيقة ويقولون: أقل الجمع اثنان.
وذهب ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة ومشايخ المعتزلة إلى أنّه لا يتناول إلاّ الثلاثة فمازاد، وذهب قوم إلى أنّه يتناول الاثنين على سبيل المجاز. [ وهو اختيار المصنّف على ما يظهر من سياق كلامه ] 1 .
وذهب إمام الحرمين إلى أنّه يمكن ردّ لفظ الجمع إلى الواحد.    2

1 . في نسختي «ب» و «ج» .

صفحه 42

<---[ استدلال المصنّف في المقام ]

واحتجّ المصنف على أنّه موضوع للثلاثة فما زاد، بوجهين:
الأوّل: سبق الفهم إليه، فان من قال: «أكرم الرجال»، يسبق فهم السامع إلى أنّه قصد مازاد على الاثنين ـ والعلم بذلك ضروري ـ وسبق الفهم دليل على الحقيقة على ما مضى في علامات الحقيقة والمجاز.
واستدل على أنّه يصحّ إطلاق الجمع على الاثنين [ على سبيل المجاز 1 ]بقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)2 والمراد الأخوان .
الوجه الثاني: في كونه موضوعاً للثلاثة فما زاد، استدلال ابن عباس بهذه الآية على عثمان لما حجب الأُم عن السدس بالاخوين فقال له ابن عباس: «ليس الأخوان إخوة في لسان قومك» فقال عثمان: «إنّي لا استطيع أن انقض أمراً كان قبلي»3 فعدل عثمان إلى التأويل وأيدّه ابن عباس على قوله، فدّل على أن الجمع يتناول بالحقيقة ما زاد على الأثنين، فقول عثمان دليل.
وقد كان أولى بالمصنّف أن يذكر هذا الوجه عقيب الوجه الأوّل إلاّ أنّه ذكر بينهما الاستدلال على صحة اطلاق الجمع على الاثنين 4.   2

1 . في نسخة «ج» فقط.
2 . النساء: 11 .
3 . وهو المعتمد لدى الإمامية.
4 . وردت العبارة في نسخة «ب» كما يلي: [ الاستدلال على صحة اطلاق الجمع على الاثنين مجازاً... ] والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 43

<---[ استدلال المثبتين]

احتجّوا بوجوه :
أحدها: قوله: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) والأصل في الاطلاق الحقيقة، والحقيقة إنّما هو الاثنين .1
والجواب: يبطل ما ذكرتم بقضية ابن عباس فإنّه جعلها للثلاثة [ووافقه عثمان وعدل إلى التأويل]2.
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) والمراد موسى وهارون (عليهما السلام).
والجواب: أنّ فرعون مراد معهم أيضاً .
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الاثنان فما فوقهما جماعة» .
والجواب: المراد من ذلك أنّهما يدركان فضيلة الجماعة لأنّه مستفاد من الشرع لا من اللغة.3

[ استدلال النافين ]

واحتجّ النافون لصحة اطلاق الجمع على الاثنين بوجهين :   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج»: [ فيكون تناول الجمع للأثنين حقيقة... ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» .
3 . وفي نسخة «ب» أيضاً وردت العبارة كما يلي: «لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يعرّف الشرع لا الِلُّغة»، وهذا غير صحيح لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحدث وفق قوانين اللغة إلاّ ما خرج بالدليل .

صفحه 44
<--- الأوّل: قول ابن عباس: ليس الأخوان أُخوة .
والجواب: المعارضة بقول زيد: «الأخوان أُخوة».1
والتحقيق في هذا المقام أنّ ابن عباس أراد نفي الجمع عن الاثنين بطريق الحقيقة، وزيداً أراد إثباته لهما بطريق المجاز .
الثاني: لا يصحّ وصف الاثنين بالجمع ولا بالعكس فإنّه لا يقال: جاءني رجلان عاقلون، ولا جاءني رجال عاقلان، فلا يصحّ الاطلاق .
والجواب: أنّ الوصف يُراعى فيه جانب اللفظ، وصيغة الجمع مغايرة لصيغة الاثنين، وليس النزاع في ذلك.2
هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟   

1 . قال السُبكي: «... وهذا لايحفظ عن زيد، نعم هو من القائلين برد الأم إلى السدس في الأخوين». رفع الحاجب: 3 / 102 .
2 . أي: ليس النزاع في لفظة الجمع بل في ابنيته، أعني صيغ المجموع.

صفحه 45
قال: مسألة: إذا خصّ العام، كان مجازاً في الباقي.
الحنابلة: حقيقة .
أبوالحسين: إن خصّ بما لا يستقل من شرط أو صفة أو استثناء.
الرازي: إن كان غير منحصر.
القاضي: إن خُصَّ بشرط أو استثناء.
عبدالجبار: إن خُصّ بشرط أو صفة.
وقيل: إن خُصَّ بدليل لفظيِّ.
الإمامُ: حقيقةٌ في تناولِهِ; مجاز في الاقتصار عليه .
لنا: لو كان حقيقة لكان مشتركاً ; لأن الفرض أنّه حقيقة في الاستغراقِ .
وأيضاً: الخصوصُ بقرينة، كسائر المجاز.*

[ هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟ ]

* أقول: اختلف الناس في العام إذا خُصّ هل يكون حقيقة في الباقي أو يكون مجازاً فيه على أقوال :
أحدها: قول الجمهور أنّه يكون مجازاً فيه .
وثانيها: أنّه يكون حقيقة، وهو قول الحنابلة .
وثالثها: قول أبي الحسين: إنّ المخصص ان كان ممّا يستقلّ بنفسه سواء   2

صفحه 46
<--- كان دليلاً عقلياً كالدليل الدالّ على أنّ غير القادر ليس بمراد في الخطاب، أو دليلاً لفظياً كقول المتكلم: لم ارد البعض الفلاني، كان مجازاً ; وإن كان غير مستقل بنفسه كالشرط و الاستثناء والصفة كان حقيقة في الباقي .
ورابعها: قال أبوبكر الرازي ـ من أصحاب أبي حنيفة ـ : إن كان الباقي جمعاً كان العام حقيقة فيه، وإلاّ كان مجازاً فيه .
وخامسها: قال القاضي أبو بكر: إن كان المخصص شرطاً أو استثناء كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ كان مجازاً فيه .
وسادسها: قال القاضي عبدالجبار: إنَّ المخصص إن كان شرطاً أو صفة كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ كان مجازاً فيه.
وسابعها: ذهب بعض الناس إلى أنّ المخصص إن كان دليلاً لفظياً كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ فهو مجاز فيه .
وثامنها: ذهب إمام الحرمين إلى أنّ العام حقيقة في تناوله للباقي ومجاز في الاقتصار عليه .
واحتجّ المصنف على أنّه مجاز في الباقي كيف كان المخصص، بوجهين:
الأوّل: أنّه لو كان حقيقة فيه بعد التخصيص لكان اللفظ مشتركاً، والتالي باطل فالمقدّم مثله، بيان الشرطية: أنّ التقدير إنّ اللفظ للعموم بطريق الوضع فإذا كان للخصوص أيضاً كان اللفظ مشتركاً لوجوب المغايرة بين العموم والخصوص، وبيان بطلان التالي: أن الأصل عدم الاشتراك .
الثاني: أنّ الخصوص لا يفهم من لفظ العام إلاّ بقرينة وذلك دليل المجاز .

صفحه 47
قال: الحنابلة: التناول باق، فكان حقيقةً.
وأُجيب: بأنّه كان مع غيره.
قالوا: يَسبقُ، وهو دليل الحقيقة.
قلنا: بقرينة، وهو دليل المجاز .
الرازي: إذا بقيَ غيرَ منحصر، فهو معنى العمومِ.
وأُجيب: بأنّه كان للجميع .
أبو الحسين: لو كان ما لايستقل يوجب تجوّزاً في نحو: «الرجال المسلمون»، و: «أكرم بني تميم إن دخلوا»، لكان نحو: «مسلمون» للجماعة مجازاً، ولكان نحو: «المسلم» للجنس أو العهد مجازاً، ونحو: (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)1 مجازاً.
وأُجيب: بأن الواو في «مسلمون» كألفِ «ضارب» وواو «مضروب»، والألف واللام في «المسلم» وإن كان كلمة حَرفاً أو اسماً ، فالمجموع: الدّال، والاستثناءُ سيأتي.
والقاضي: مِثله، إلاّ أنّ الصفة عنده كأنها مستقلةٌ.
وعبدالجبار: كذلك، إلاّ أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص .
المخصِّص باللفظية: لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوّزاً... إلى آخره، وهو أضعف».

1 . العنكبوت: 14 .

صفحه 48
الإمام: العامُّ كتكرار الآحاد ; وإنّما انحصر، فإذا خرج بعضها، بقي الباقي حقيقة.
وأُجيب بالمنع، فإنَّ العام ظاهرٌ في الجميع، فإذا خُصَّ خرج قطعاً، والمتكرر نَصٌّ. *
* أقول: احتجت الحنابلة على مذهبهم في أنّه يكون حقيقة بعد التخصيص بأنّ لفظ العام يتناول لما عدا المخصوص قبل التخصيص على سبيل الحقيقة والتناول باق، فالحقيقة باقية .
والجواب: المنع من بقاء الحقيقة وذلك لأنّ اللفظ إنّما كان حقيقة في الباقي لانضمام غيره إليه، وبعد التخصيص فات الشرط ففات كون اللفظ حقيقة.
واحتجوا أيضاً بأنّ الباقي بعد التخصيص يسبق إلى الفهم فيكون حقيقة.
والجواب: أنّ الفهم إنّما كان بالقرينة، وذلك دليل المجاز .
واحتجّ الرازي على مذهبه بأنّ معنى العموم هو تناول اللفظ لشيئين فصاعداً من غير حصر فإذا خص العام وبقي منه عدد غير منحصر كان معنى العموم ثابتاً في الباقي، فيكون حقيقة ثابتة.
والجواب: أنّ اللفظ كان قبل التخصيص موضوعاً للجميع، وبعد التخصيص خرج عن ذلك.
واحتجّ أبو الحسين على أنّ التخصيص بالمتصل يبقي اللفظ حقيقة في الباقي معه بأنّ من قال: «من دخل داري أكرمته»، يفيد معنى، فإذا قال: «من   2

صفحه 49
<--- دخل داري من الكرماء أكرمته»، يفيد معنى آخر وهو الإخبار بالإكرام للدّاخلين من الكرام وهذه الإفادة على سبيل الحقيقة، وكذلك لو قال: «من دخل داري إن كان مسلماً اكرمته إلاّ زيداً» أفاد على سبيل الحقيقة الإخبار بالإكرام لمن عدا زيدا ; وكذلك لو قال: «من دخل داري ان كان مسلماً اكرمته».
ولو كان افادة لفظ الشرط والصفة والاستثناء لهذه المعاني ممّا يجعل اللفظ الدالّ على معناه أوّلاً دالاً على سبيل المجاز ـ لكونه غير مستقل بالدلالة ـ لكان الواو والنون للجمع يصيِّران دلالة اللفظ مجازية، وليس كذلك ; فإنّه لا يقول أحد: إنَّ قولَنا: مسلم، يدلّ على معناه بالحقيقة وإذا دخل عليه الواو والنون فقيل مسلمون يخرج تلك الدلالة عن الحقيقة، ولكان لام الجنس والعهد في قولنا المسلم يصيِّران اللفظ دالاً على جهة المجاز لدلالتهما على معنى الجنسية والعهدية مع عدم استقلالهما، ولكان نحو قوله تعالى: (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) يدلّ على تسع مائة وخمسين على سبيل المجاز ; وليس كذلك .
وأجاب المصنف عن واو الجمع بأنّه بمنزلة ألف «ضارب» وواو «مضروب» الدالين على الفاعلية والمفعولية 1 فإنّهما لا استقلال لهما بالدلالة، ولذلك الألف واللام في نحوالمسلم الدالان على العهد أو الجنس فإنّ المجموع من الاسم والالف واللام هو الدال، وأمّا الاستثناء فسيأتي الكلام عليه في بابه .   2

1 . قد ادرجت العبارة التالية في نسختي «ب» و «ج» في المتن بعد كلمتي «الفاعلية والمفعولية»، والظاهر أنّها سيقت للتوضيح وليست من المتن في شيء: [ ووجه المشابهة بينهما أن الواو والنون يدلان على زيادة من غير ابطال لدلالة المزيد عليه وكذلك ألف «ضارب» وواو «المضروب» فإنهما دالان على معنى الفاعلية والمفعولية الزائدين على معنى المصدر المستفاد من الضرب، بخلاف الاستثناء والصفة والشرط، وأما الألف واللام في المسلم... ] .

صفحه 50
<--- وأمّا القاضي فإنّه احتجّ بما احتجّ به أبو الحسين في الاستثناء والشرط وأمّا الصفة فإنّها عنده كالمستقلة بالدلالة، ومن ثمّ استقلت الصفة بالإفادة دون الموصوف، في مثل: رأيت الكريم، بخلاف الشرط والاستثناء ففرّق بين الصفة وبين الشرط والاستثناء.
وأمّا عبد الجبار فإنّه أيضاً كأبي الحسين في الاحتجاج على الصفة والشرط وأمّا الاستثناء فإنّه عنده غير مخصص .
وأمّا من قال بأَنّ التخصيص بالدلائل اللفظية لا يوجب التجوز فاحتجّ بأنّه
لو أوجبت القرينة اللفظية التجوّز لأوجبه الالف واللام والواو والنون في الجمع ; وقد مضى تقريره والجواب عنه ; وهذا أضعف احتجاجاً من الأول، ووجه زيادة الضعف أن المحتج الأول قد يتمسك بالقياس بجامع عدم الاستقلال بخلاف المحتج ههنا .
واحتجّ امام الحرمين بأنّ قولنا: «اكرم الرجال» بمنزلة قولنا: «اكرم زيداً وعمرواً وخالداً» وإنّما إختُصر بحذف [البعض بخلاف ] 1الاسماء المتعددة واتيان حرف دال على تلك الاشخاص فإذا خرج بعض تلك الأشخاص يبقى اللفظ متناولاً للباقي على سبيل الحقيقة .
حجية العام بعد التخصيص    
والجواب: المنع من التسوية بين قولنا: «أكرم الرجال» وبين قولنا: «أكرم زيداً وخالداً»، فإنّ العام ظاهر في الجميع فإذا خُصّ العام خرج المخصوص قطعاً; وأمّا المتكرر فإنّه نص في الآحاد فلو اخرج لكان نقضاً.

1 . لم يرد هذان اللفظان في نسخة «ج» .

صفحه 51
قال: مسألة: العام بَعْدَ التخصيص بمبيّن، حجّةٌ .
وقال البلخي: إنْ خُصَّ بمتصل .
وقال البصريُّ: إنْ كان العمومُ منبئاً عنه; كـ (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)1وإلاّ فليس بحجّة، كـ (السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ)(2) فإنّه لا ينبئُ عن النصاب والحرز.
عبدالجبّار: إن كان غيرَ مفتقر إلى بيان; كـ (الْمُشْرِكِينَ) بخلاف: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) فإنّه مفتقر قبل إخراج الحائض.
وقيل: حُجّةٌ في أقل الجمع.
وقال أبو ثور: ليس بحجّة.
لنا: ما سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص .
وأيضاً : القطع بأنّه إذا قال: «أَكرم بني تميم، ولا تُكرم فلاناً» فَتَرك، عُدَّ عاصياً .
وأيضاً: فإن الأصل بقاؤه.
واستُدِلّ لو لم يكن حُجّة، لكانت دلالته موقوفةً على دلالته على الآخر. واللازم باطِلٌ، لأنّه إن عُكِسَ دور، وإلاّ فتحكمٌ.
وأُجيب: بأنّ الدور إنّما يَلزَمُ بتوقف التقدّم، وأمّا بتوقف المعيّة، فلا.

1 . التوبة: 5 .   2 . المائدة: 38 .

صفحه 52
قالوا: صار مجملاً ; لتعدد مجازه فيما بقي وفي كُلٍّ مِنْهُ.
قُلْنَا: لِمَا بَقِي بِمَا تَقَدَّمَ.
أَقلُّ الجمع: هُو المتحققُ، وَمَا بقيَ مشكوكٌ.
قلنا: لا شكّ مع ما تقدّم.*
   

[ حجّية العام بعد التخصيص ]

* أقول: اختلف الناس في أنّ العام بعد التخصيص هل هو حجّة أم لا؟
أمّا القائلون بأنّه يكون حقيقة في الباقي فإنّه يكون حجّة عندهم.
وأمّا القائلون بأنّه لا يبقى كذلك، فقد قال قوم إنّه إن بُيّن المخصص كقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فاذا قال لم أرد اليهود كان المخصوص مبيّناً، فهذا يكون حجّة في غيره، وإن لم يُبيّن لم يكن حجة لأنّه لا فرد من الافراد إلاّ ويجوز أنْ يكون هو المخصوص، كما إذا قال: لم ارد بعض المشركين .1
وقال البلخي: إنّه إن خُصّ بدليل متصل كان حجّة وذلك كالاستثناء والصفة والشرط، وإن خصّ بدليل منقطع لم يكن حجّة .
وقال أبو عبد الله البصري: إن كان العموم منبئاً عنه فإنّه يكون حجّة كما في قوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فإنّ الدليل الدالّ على منع قتل أهل الذمة غير مانع من التمسك بعموم المشركين، وإن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم   2

1 . قال الآمدي : [ واتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصاً مجملاً، فإنّه لا يبقى حجة كما لو قال: «اقتلوا المشركين إلاّ بعضهم» ]. الإحكام: 2 / 252 .

صفحه 53
<--- بالاسم العام واقتضى تعلقه بشرط لا يُنبئ عنه العام لم يكن حجّة كما في قوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)1 فإنّ قيام الدليل على اعتبار النصاب والحرز منع من التمسك بعموم اللفظ حيث لم يكن في اللفظ العام ما يُنبئ عن الشرط المذكور .
وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام بمثابة لو تركناه وإياه لصحّ منا امتثال ما أُريد منه وفعل ما لم يُرد، كان حجّة كما في قوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فإنّه بعد التخصيص بأهل الذمة يمكننا العمل به، ولولا ظهور المخصص لأمكننا العمل بما أُريد وما لم يرده; أمّا إنّ العام مفتقر إلى بيان حتى يصح الامتثال كما في قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) فإنّه قبل إخراج الحائض لا يصحّ منا العمل به لعدم الفهم بمعنى الصلاة فإنّ هذا لا يكون حجّة .
وقال قوم: إنّه يكون حجّة في أقل ما يطلق عليه اللفظ العام وهو أقل الجمع فإنّه هو المتيقن .
وقال أبو ثور وعيسى بن أبان: إنّه ليس بحجّة مطلقاً.
وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنّه حجّة مطلقاً .
واستدل المصنّف على مذهبه بثلاثة أوجه :
الأوّل: إجماع الصحابة 2 على نحو الاستدلال بالعام المخصوص من   2

1 . التوبة: 38 .
2 . والآمدي ادّعى الشهرة في المقام فقال:
[... وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من عملهم بالعمومات المخصصة فيما وراء صورة التخصيص، نقلاً شائعاً ذائعاً... ]. الإحكام: 2 / 255 .

صفحه 54
<--- غير وقوع انكار بينهم .
الثاني: أنّا نعلم قطعاً أنّ من قال لعبده: «اكرم بني تميم ولا تكرم فلاناً» فترك إكرام من عدا فلاناً، عُدّ عاصياً ; ولو لم يكن حجّة في الباقي1 لما صح هذا .
الثالث: أنّ العام قبل التخصيص كان متناولاً لما عداه وحجّة فيه، فيبقى بعد التخصيص كذلك لأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان .
واستدل بعض الناس على أنّ العام المخصوص حجّة بأنّه لو لم يكن حجّة في الباقي وقد كان قبل التخصيص، لكانت دلالة العام على الباقي موقوفة على دلالته على الآخر ; والتالي باطل فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة .
وبيان بطلان التالي أنّه لو كان دلالته على الباقي موقوفة على دلالته على الآخر فدلالته على الآخر إمّا أن تكون موقوفة على دلالته على الباقي أو لا، والأول يلزم منه الدور، والثاني تحكم لأنّه ترجيح بلا مرجح .
والجواب: إنّ هذا يتم على تقدير أن يكون التوقف توقف التقدّم والبعدية بأن تكون دلالته على الباقي متأخرة عن دلالته على الآخر ودلالته على الآخر متأخرة عن دلالته على الباقي، أمّا إذا كان التوقف توقف المعيّة كتوقف أحد المضافين على الآخر فلا.
احتج المخالف بأنّه بعد التخصيص يصير مجملاً فلا يكون حجّة   2

1 . ورد حرفا «وإلاّ» بعد عبارة: «حجة في الباقي» وبما أنهما كانا مخلّين في السياق، أسقطناهما، علماً بأنّهما لم يردا في نسخة «ب».

صفحه 55
<--- بانفراده، إمّا الصغرى فلأنّه بعد التخصيص يحتمل أن يكون مجازاً في كل الباقي ويحتمل أن يكون مجازاً في أحد أفراده المتكثرة، ومع حصول الاحتمال يتحقق الاجمال ; وامّا الكبرى فظاهرة .
والجواب: بل هو مجاز في كل الباقي لما مضى من أن الصحابة أجمعوا على أنّه الباقي .
واحتجّ القائلون بأنّه حجة في أقل الجمع بأنّه هو المتحقق وما عداه مشكوك فيه .
والجواب: لا شك في ماعداه لما بيّناه 1 أولاً.

1 . من الأدلة الّتي دلت على لزوم الحمل على تمام الباقي.

صفحه 56
قال: مسألة: جواب السائل: غير المستقل، دونَهُ، تابعٌ للسؤال في عمومه اتفاقاً، والعامُ على سبب خاص: بسؤال مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا سُئل عن بئر بُضاعة: «خلق الله الماء طهوراً لا يُنجسُهُ شيءٌ إلاّ ما غَيَّر لونَهُ، أو طعمه، أو ريحهُ» أو بغير سؤال، كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مَرَّ بشاةِ ميمونة، فقال «أيُّما إهاب دُبغ فقد طَهُر» معتبرٌ عمومه على الأكثر، ونُقل عن الشافعي خِلافُهُ .
لنا: استدلال الصحابة بمثله; كآية السرقة وهي في سرقة المِجَنِّ أو رداء صفوان، وآية الظهار في سلمة بن صخرِ، وَآية اللعان في هلال بن أُميَّةَ أو غيرِهِ.1
وأيضاً: فإنَّ اللفظ عامٌ، والتمسُّكُ بهِ.*

[ هل إن الجواب تابع للسؤال في عمومه؟ ]

* أقول: الخطاب الوارد جواباً للسؤال إمّا أن يكون مستقلاًّ بنفسه أو لا يكون بل إنّما يتم بالسؤال، والثاني اتفق العلماء على أنّه تابع للسؤال في عمومه كما [ روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه ] 2 سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أينقص إذا جفّ؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذاً» .
وأمّا في خصوصه فقد اختلفوا فيه والأولى عندي أنّه يجري مجراه إذ   2

1 . وفي الإحكام: 2 / 259: «... إلى غير ذلك» .
2 . الإضافة من كتاب الإحكام: 2 / 256 .

صفحه 57
<--- اللفظ لا عموم له وذلك كما إذا سأله (صلى الله عليه وآله وسلم)انسان عن الوضوء بماء البحر فقال له: «يجزيك».
وأمّا الخطاب العام الوارد على سبب خاص سواء كان بسؤال كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لما سُئِل عن بئر بضاعة: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء» أو بغير سؤال كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مر بشاة ميمونة : «أيما إهاب 1 دُبغَ فقد طَهُرَ»، فقد اختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ونقل عن الشافعي خلاف ذلك، وهو مذهب مالك وأبي ثور والمزني .
واحتجّ المصنف على مذهب الجمهور بوجهين :
الأول: استدلال الصحابة بالعمومات الواردة على اسباب خاصّة فإنّهم استدلوا على آية السرقة وقد وردت في سرقة المِجن أو رداء صفوان، واستدلوا على الظهار مطلقاً وإن وردت الآية في سَلَمَة بن صَخرَ، وبآية اللعان وقد وردت في هلال بن أُمية، وغير ذلك من الآيات الّتي استدل بها الصحابة متمسكين بعموم الفاظها من غير التفات منهم إلى اسبابها الواردة عليها .
الثاني: أنّ اللفظ عام والتمسك إنّما هو باللفظ فلا اعتبار بخصوص السبب لأنّه لا يصلح أن يكون معارضاً فإنّه يحتمل أن يقول الشارع: تمسكوا بعموم اللفظ من غير التفات إلى خصوص سببه من غير مناقضة، وإذا عقل ذلك دلّ على عدم التعارض.

1 . الإهاب، هو جلد الشاة قبل أن يدبغ.

صفحه 58
أدلّة القائلين بأنّ اللفظ العام مقصور على السبب    
قال: قالوا: لو كان عامّاً، لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد.
أُجيب: أنّه اخْتُصَّ بالمنع; للقطع بدخوله، عَلَى أنّ أبا حنيفة أخرج الأَمَةَ المُسْتَفرشةَ من عمومِ «الولد للفراش» ; فلم يُلحق وَلَدُها مع وروده في ولد زَمعةَ .
وقد قال عبدالله بن زمعة: هوأخي وابنُ وليدة أبي; وُلِد على فراشه.
قالوا: لو عَمَّ لم يكن في نقل السبب فائدة.
قلنا: فائِدتُه: منعُ تخصيصه، ومعرفةُ الأسباب.
قالوا: لو قال: «تَغدَّ عندي»، فقال: «والله، لاتغديتُ»، لم يَعُمَّ.
قلنا: لِعرف خاصٍّ.
قالوا: لو عَمَّ لمْ يَكُنْ مطابقاً.
قلنا: طابق، وَزادَ.
قالوا: لو عمّ، لكان حكماً بأحد المجازات بالتحكم، لفوات الظهور بالنصوصية.
قلنا: النصُّ خارجيٌّ بقرينة. *
* أقول: احتجّ القائلون بأنّه مقصور على السبب بوجوه:
الأوّل: أنّه لو كان عامّاً لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد كما يجوز تخصيص غيره به ـ والجامع كون كل واحد منهما داخلاً تحت لفظ عام قابل للتخصيص ـ والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله .   2

صفحه 59
<--- والجواب: المنع من الملازمة والقياس باطل لوجود الفرق وذلك أَنّ تناول اللفظ العام الوارد عقيب سبب السبب، تناول قطعيّ، وتناوله لغيره على سبيل الظاهر، وإخراج ما دلّ عليه اللفظ ظاهراً من الارادة شائع بخلاف إخراج ما دلّ عليه قطعاً.
على أنّ أبا حنيفة كان من المقدّمين في النظر وقد منع من بطلان التالي حتى أخرج الأَمّة المستفرشة عن عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش» ولم يلحق ولدها بمولاها مع أنّه ورد في واقعة وليد بن زمعة1 وقال عبد الله: هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه .
الثاني: لو عمّ لم يكن في نقل السبب فائدة، والتالي باطل فالمقدّم مثله والشرطية ظاهرة .
والجواب: لا نسلم أنّ الفائدة هي قصر العام على السبب بل هناك فوائد أُخر ونحن نذكرمنها فائدتين :   2

1 . جاءَ المقطع التالي في نسخة «ب» بعد كلمة «زمعة»:
[ ورد في واقعةِ ابنِ ولِيْدَةِ زَمْعة ـ ... ـ فلمّا كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال: ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه; فقام أخوه عبدالله بن زَمْعة فقال له: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فترافعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال : «هو لك ياعبدالله بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر!»] .
والظاهر أن هذا المقطع قد أُقتبس من روايات قد وردت في مصادر مثل:
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، برقم 2053.
سنن ابن ماجة: 1 / 646، برقم 2006 ـ 2007.
سنن أبي داود: 2 / 282، برقم 2273 .

صفحه 60
<--- ـ الأُولى: منع تخصيص السبب عن اللفظ العام لكونه دالاً عليه بالقطع.
ـ الثانية: معرفة الأسباب الموجبة لمعرفة الفوائد الّتي لأجلها شرّعت الأحكام .
الثالث: لو عمّ موضع السبب وغيره لكان المجيب بقوله: «والله لا تغدّيت» للقائل: «تغدّ عندي» عامّاً، والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله .
والجواب: أنّ التخصيص هاهنا إنّما حصل من أمر خارج وهو العرف الخاص.
الرابع: الجواب ينبغي أن يكون مطابقاً للسؤال، والعامّ غير مطابق للخاص فلو كان عاماً لما طابق .
والجواب: المنع من الشرطية فإنّ الجواب بالعام جواب بالمطابق وزيادة .
الخامس: لو عم الخطاب مع السبب الخاص لكان حكماً بأحد المجازات بالتحكم، والتالي باطل فالمقدّم مثله. بيان الشرطية: إنّا نجزم بكون صورة السبب التي هي أحد مجازات العام ـ لأنّ كل صورة منه مجاز ـ مرادة من الخطاب العام لفوات الظهور وهو كونها محتملة للارادة منه بالنصوصية أي بسبب كون الخطاب نصاً فيها وأمّا التحكم فلتساوي نسبة العموم إلى جميع الصور الداخلة تحته وعدم أولوية كونه نصاً في البعض دون بعض.
في اللفظ المشترك   
والجواب: إن اردتم بعدم الأولوية عدمها بالنظر إلى العام دون أمر خارجي عنه فهو مسلّم، لكن لانسلم أن ما نحن فيه كذلك، لأن كونه نصاً في البعض خارج بقرينة وهي ورود الخطاب بياناً لذلك البعض، وإن أردتم بعدمها العدم مطلقاً فهو ممنوع.

صفحه 61
قال: مسألة: المشترك يصحّ اطلاقه على معنييه مجازاً لا حقيقة وكذلك مَدُلولا الحقيقة والمجاز.
وعن القاضي والمعتزلة: يصحُ حقيقةً إنْ صحّ الجمع.
وعن الشافعي: ظاهرٌ فيهما عند تجرد القرائن كالعام.
أبو الحسين والغزّالي: يصح ان يُرادا، لا أنّه لغة.
وقيل: لا يصح أن يُرادا.
وقيل: يجوز في النفي لا الاثبات، والأكثرُ: أَنّ جمعه باعتبار مَعنييه، مبني عليه.
لنا في المشترك: أنّه يسبق احدهما، فإذا أطلق عليهما، كان مجازاً.
النافي للصحة: لو كان المجموع حقيقة لكان مريد أحدهما خاصّة غير مريد، وهومحال.
وأجيب: بأن المراد المدلولان معاً لا بقاؤه لكلّ مفرداً.
وأمّا الحقيقة والمجاز فاستعماله لهما استعمال في غير ما وضع له أوّلاً، وهو معنى المجاز لكلٍّ مفرداً.
النافي للصحة: لو صحّ لهما لكان مريداً ما وضعت له أو لا غير مريد، وهو محال.
وأُجيب بأنّه مريد ما وضع له أوّلاً وثانياً بوضع مجازي.
الشافعي: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ... )1.

1 . الحج: 18 .

صفحه 62
(إِنَّ اللهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً)1.
وهي من الله رحمةٌ ومن الملائكة استغفارٌ.
وَأجيب: بأنّ السجود: الخضوع، والصلاة: الاعتناء بإظهار الشرف، أو بتقدير خبر أو فعل حُذفِ لدلالة ما يقارنه، أو بأنّه مجاز بما تقدّم. *
* أقول: اختلف الناس 2 في اللفظ المشترك المفرد 3 فهل يصح اطلاقه على معانيه جمعاً أم لا؟ وكذلك اختلفوا في اللفظ الدالّ على شيء بالحقيقة وعلى آخر بالمجاز هل يصحّ اطلاقه عليهما معاً أم لا؟ واثبته جماعة من الاصوليين واختلفوا فقال الجمهور منهم: أن الحقيقة والمشترك والمجازيطلق عليها بطريق المجاز .
وقال القاضي والمعتزلة: انّه يطلق عليها بطريق الحقيقة إن صحّ الجمع بين إرادة المعنيين .
ونُقل عن الشافعي أنّه ظاهر في المعاني عند تجرده عن القرائن الدالّة على ارادة أحدها دون الآخر كاللفظ العام .
وذهب أبوالحسين البصري والغزّالي إلى أنّه يصح أن يستعمل في   2

1 . الأحزاب: 56 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 223 ; الإحكام للآمدي: 2 / 261، المسألة 7.
3 . وليعلم أن الاشتراك والمساواة والحقيقة والمجاز... من صغريات مقولة العموم بالمعنى الأعم، فهي من هذه الزاوية دخلت محط البحث.

صفحه 63
<--- المعاني لا من حيث الوضع اللغوي .
وذهب آخرون إلى أنّه لا يصحّ وقيل: إنّه يصحّ في النفي دون الإثبات .
وأمّا اللفظ المشترك المجموع فقد اختلفوا فيه أيضاً، وأكثر الجمهور ذهبوا إلى أنّ حكمه حكم اللفظ المفرد .
وقد ذهب قوم من الذين قالوا إنّه لا يصحّ اطلاق اللفظ المفرد على معنييه إلى صحّة اطلاقه في المجموع .
واستدل المصنّف على أنّه ليس بحقيقة في المعاني بأنّ اللفظ موضوع لإحدها فإذا استعمل في المجموع فقد استعمل اللفظ في ما ليس بموضوع له، فيكون ذلك بطريق المجاز .
احتج المانع من الاستعمال مطلقاً بأنّ اللفظ إذا وضع للمفردين على البدل فإمّا أن يكون مع ذلك موضوعاً للمجموع أو لا يكون، فإن كان الأول كان المستعمل للفظ في المجموع مستعملاً له في بعض ما وضع له لا في جميع ما وضع له وذلك خلاف المفروض، وإن كان الثاني كان المستعمل له في المجموع مستعملاً له فيما (لم) يوضع وذلك غير جائز ; اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه مستعمل له في المجموع وفي الافراد وذلك محال لأنّ استعماله في المجموع يقتضي عدم الاكتفاء بدونه واستعماله في الافراد يقتضي الاكتفاء بكلّ من افراده وذلك تناقض وإليه اشار المصنف بقوله: «لكان مريد أحدهما غير مريد».1   2

1 . وردت العبارة التالية في نسخة «ب» فقط : [ والمصنّف عبّر عن هذه الحجة بما ذكره في الكتاب وقال: لو كان الاطلاق في المجموع صحيحاً لكان مريدا أحدهما غير مريد له وبرهان الملازمة أن المستعمل مريد لأحد المعنيين وغير مريد له لاستعماله في معنى آخر وإليه اشار المصنّف بقوله لكان مريد أحدهما غير مريد ] .

صفحه 64
<--- والجواب: أنّ اللفظ المشترك ليس موضوعاً للمفردين على البدل بحيث إذا أُريد أحدهما لا تصحّ إرادة الآخر، وإذا كان كذلك فنقول: المراد هو المدلولان معاً لا بقاؤه لكلٍّ مفرداً ; وأمّا الحقيقة والمجاز فانّ اللفظ إذا اطلق عليهما كان ذلك بطريق المجاز وذلك لأنّ استعماله فيهما استعمال له فيما ليس بموضوع له وضعاً أوّلاً، لأنّه وضع لأحد المعنيين ولا شكّ في المغايرة بين كلّ واحد وبين المجموع.
واحتجّ من قال بأنّه لا يصحّ استعماله في كلا معنيي 1 الحقيقة والمجاز لأنّه لو صحّ ذلك لكان مريد ما وضع اللفظ له أوّلاً، غير مريد، أمّا إرادته فمن حيث إرادة الحقيقة، وأمّا عدم إرادته فمن حيث إرادة المجاز، وذلك تناقض.
والجواب: أنّه مريد لما وضع له في الوضع الأوّل، وفي الوضع الثاني بطريق المجاز، فالحاصل أنّه مريد من اللفظ غير ما وضع له .
واحتجّ الشافعي على أنّ اللفظ المشترك يصحّ اطلاقه على كلا معنييه، بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبَالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)2 والسجود المستعمل في حق الناس المراد به وضع الجبهة على الأرض والمستعمل في حقّ غيرهم المراد به الخضوع، وكذلك   2

1 . وفي نسخة «ب»: [... في كلّي معنى الحقيقة والمجاز... ] .
2 . الحج: 18 .

صفحه 65
<--- قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي)1 والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء .
والجواب عن الآية الأُولى: أنّ السجود المراد به الخضوع وهو مشترك بين الجميع، وعن الآية الثانية أنّ الصلاة المراد بها الاعتناء بإظهار شرفه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحتمل أن يكون الخبر في الآية الثانية محذوفاً وقد دلّ الخبر الثاني عليه لمشاركته إياه في اللفظ ويكون التقدير: «إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون على النبي» وأن يكون الفعل محذوفاً2 في الآية الأُولى، ويحتمل أن يكون المجموع مراداً من حيث إنّه مجاز لا بطريق الحقيقة على ما تقدّم.3

1 . الأحزاب: 56 .
2 . يريد من الفعل في قوله: «يكون الفعل محذوفاً» هو فعل «يسجد» فإذا قدرنا قبل الشمس والقمر فعلَ «يسجد» لا يعد استعمالاً للّفظ في معنيين، وبذلك يرتفع المحذور.
3 . بذا يشير إلى ما تقدم منه (قدس سره)في قوله: «إنّه مريد لما وضع له في الوضع الأوّل...»، وذلك في الصفحة السابقة.

صفحه 66
   
قال: مسألة: نفي المساواة، مثل: (لاَ يَسْتَوِي ) يقتضي العموم كغيرها.
أبو حنيفة: لا يقتضيه .
لنا: نفيٌ على نكرة، كغيرهِ.
قالوا: المساواة مطلقاً أعمُّ من المساواة بوجه خاص، والأعم لا يُشعر بالأخص.
وأُجيب: بأن ذلك في الإثبات ; وإلاّ لم يَعمَّ نفيٌ أبداً.
قالوا: لو عمّ، لم يَصدُق ; إذ لا بُدَّ من مساواة، ولو في نفي ما سواهما عنهما.
قلنا: إنّما تُنفى مساواةٌ يَصِحُ انتفاؤها.
قالوا: المساواة في الاثبات للعموم، وإلاّ لم يستقم إخبارٌ بمساواة، لعدم الاختصاص، ونقيض الكليِّ الموجَبِ جزئيٌّ سالبٌ.
قلنا: المساواة في الاثبات للخصوص، وإلاّ لم تصدق أبداً، إذ ما من شيئين إلاّ وبينهما نفيُ مساواة ولو في تعيّنهما، ونقيض الجزئي الموجب كُليُّ سالب.
والتحقيق أن العموم من النفي. *

[ في نفي المساواة]

* أقول: نفي المساواة بين الشيئين 1 كما في قوله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 2 / 176 .

صفحه 67
<--- أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)1 للعموم بمعنى أنّه يقتضي نفي المساواة من كلّ وجه عند الشافعية، وذهب أبوحنيفة إلى أنّه يصدق نفي المساواة بوجه ما .
واحتجّ القائلون بالعموم بأنّ هذه الصيغة نكرة دخل عليها حرف النفي فيكون للعموم كغيرها على ما مضى.
احتجّ المانعون 2 بوجوه :
الأول: أن المساواة أعمّ من المساواة من كلّ وجه أو من بعض الوجوه، ولا دلالة للعام على الخاصِّ .
والجواب: هذا صحيح في جانب الاثبات دون النفي، فإن نفي العامّ يقتضي نفي الخاصّ وإلاّ لم يَعمُّ نفي أحد أبداً، فإنّ لفظة رجل أعم من هذا الرجل بعينه، ومع ذلك فإن نفيه نفي لكل رجل .
الثاني: لو كان نفي المساواة يقتضي العموم لما صدق ذلك النفي البتَّة، فإنّه ما من شيئين إلاّ وهما متساويان بوجه ما، فإنَّ كلَّ ماهيتين بسيطتين كانتا أو مركبتين، يشتركان في نفي ما عداهما عنهما .
والجواب: أنّ النفي إنّما يقصد به ما يصحّ انتفاؤه دون ما يمتنع .
الثالث: أنّ المساواة في جانب الاثبات للعموم فتكون في السلب لغيره .
أمّا المقدمة الأُولى فلأنها لو لم تكن للمساواة من كلّ وجه لامتنع   2

1 . الحشر: 20 .
2 . انظر: المعتمد: 1 / 232 ـ 233 ; الإحكام للآمدي: 2 / 362، المسألة 8 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 268، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

صفحه 68
<--- الإخبار بمساواة الشيء لغيره، لأنّه لا اختصاص لبعض الوجوه دون البعض. وأمّا الثانية فلأنّ الموجبة الكلية نقيضها السالبة الجزئية ولماكانت المساواة كالموجبة الكلية كان 1 نفيها دالاً على الجزئية دون الكلية .
والجواب: أنّ المساواة في جانب الاثبات المخصوص، 2 لأنّه ما من شيئين إلاّ وهما مختلفان ولو في تعينّهما وتشخصهما وإلاّ لكانا واحداً، هذا خُلف. فنقيض المساواة للعموم لأنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية .
والتحقيق : أن العموم مستفاد من النفي.3

1 . وردت في نسخة «ب» لفظة «كان» بدل «الكلية»، والأفضل الجمع بينهما .
2 . في نسخة «ب»: للخصوص .
3 . يعني أنّه لا دلالة «للمساواة» على العموم لا نفياً ولا اثباتاً وإنّما العموم يستفاد من النفي بالذات ففي قوله: (لاَ يَسْتَوِي)العموم يفهم من «لا» فحسب.
ومن الطريف ما افاده السُبكي في رفع الحاجب حيث يقول: «... لا تحقيق في هذا المسمّى بالتحقيق، والعموم والخصوص سواء...»!. رفع الحاجب: 3 / 150 .

صفحه 69
قال: مسألة: المقتضي: ـ وهو ما احتمل أحد تقديرات، لاستقامة الكلام ـ لا عموم له في الجميع.
أما إذا تعيّن أحدها بدليل كان كظهوره، ومثّل بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان» .
لنا: لو أُضمر الجميع، لأُضمر مع الاستغناء.
قالوا: أقربُ مجاز إليهما ـ باعتبار رفع المنسوب إليهما ـ عمومُ أحكامهما.
أُجيب: بأنّ باب غير الإضمار في المجاز أكثر; فكان أولى، فيتعارضان، فيسلم الدليل.
قالوا: العرفُ في مثل: «ليس للبلد سلطانٌ» نفيُ الصفات.
قلنا: قياس في العرف.
قالوا: يتعيّن الجميعُ، لبطلان التحكم إن عُيِّن، ولزوم الإجمال إن أُبهم.
قلنا: ويلزم من التعميم: زيادة الإضمار، وتكثير مخالفة الدليل، فكان الإجمال أقربَ.*

[ في أن المقتضي لا عموم له ]

* أقول: المقتضي ـ وهو الّذي لابدّ من إضماره ليتم الكلام إذا احتمل   2

صفحه 70
<--- أحد تقديرات يستقيم بإضمار أحدها ـ هل هو عام في تلك التقديرات أم لا؟ اختلف الناس في ذلك، 1 والحقّ أنّه لا يقتضي العموم .
وأعلم أنّ المضمر أمّا أن يدلّ دليل خارجي على تعيينه وإمّا أن لا يدلّ، فإن كان الأوّل فهو كالظاهر ومثاله قوله تعالى: (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)2 وتمثلوا في القسم الثاني بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان»3 فإنّ هذا الكلام إنّما يستقيم بعد إضمار شيء آخر لوجود الخطأ والنسيان في الأُمّة قطعاً، وذلك المضمر يحتمل أشياء كثيرة .
والخلاف واقع في القسم الثاني، والدليل على أنّه لا عموم له أنَّ إضمار أحد التقديرات كاف ويكون اللفظ مع ذلك المضمر غير محتاج إلى الإضمار فلو أضمرنا معه اشياء أُخر لزم الإضمار مع الاستغناء، وهو خلاف الأصل.
احَتَجّ القائلون بالعموم بأنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان» دال بالحقيقة على رفع ذاتهما وبالمجاز على رفع احكامهما من حيث ان رفع الذات مستلزم لارتفاع الاحكام ; والحقيقة هاهنا متعذرة فيجب الحمل على المجاز، والمجازات هاهنا مختلفة بالأولوية فإنَّ رفع جميع الأحكام أولى من رفع بعض الأحكام لأنّ الأوّل أقرب من حيث إنَّ رفع الخطأ والنسيان رفع لذاتهما، ورفع جميع الاحكام اقرب إلى رفع الذات من رفع بعضها فيجب الحمل عليه. وإلى هذا   2

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 185 ; الإحكام للآمدي: 2 / 364، المسألة 9 .
2 . يوسف : 82 .
3 . وسائل الشيعة: ج 2 (كتاب الصلاة)، الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة ،الحديث 2; سنن ابن ماجة: 1 / 659، برقم 2043 و 2045 .

صفحه 71
<--- أشار المصنف بقوله: «أقرب مجاز إليهما» يعني إلى الخطأ والنسيان، وقوله: «باعتبار رفع المنسوب إليهما» إشارةٌ إلى العلّة الّتي لأجلها صحّ التجوز، وقوله: «عموم احكامهما» خبرُ قوله: «أقرب مجاز».
والجواب: أنّ المجاز بغير إضمار اكثر من المجاز بالإضمار فيكون أولى، وكلّ ما قلّ فيه الإضمار كان أولى، فتتعارض جهتا الرجحان ويبقى الدليل الأول1 سالماً عن المعارض .
واحتجوا أيضاً بأنّ العرف قاض بالحمل على جميع الصفات فإنّه إذا قيل: ليس للبلد سلطان، إنّما عنوا به نفي جميع الصفات لا نفي الذات .
والجواب: أنّ هذا قياس في العرف .2
واحتجوا أيضاً بأنّ المضمر إنْ تعيّن لزم التحكّم لأنّه ليس بعض الاحكام أولى من الباقي، وإن لم يتعين لزم الاجمال .
والجواب: أنّ تعميم الإضمار يستلزم زيادة الإضمار، وهو خلاف الأصل فيكون الإجمال أولى.

1 . وهو الّذي اشار إليه بقوله: «والدليل على أنّه لا عموم له...» .
2 . والقياس في العرفيات لا يجري فلا يصح الاحتجاج به هنا أيضاً. وقال السبكي معلّقاً: «ولك أن تمنع كون هذا قياساً وتقول: بل هو مثال ما نحن فيه». رفع الحاجب: 3 / 162 .

صفحه 72
قال: مسألة: مثل: «لا آكُلُ» و «إن أكلتُ» عامٌ في مفعولاته، فيقبل تخصيصه .
وقال أبو حنيفة: لا يقبل تخصيصاً .
لنا: أنّ «لا آكُلُ» لنفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول، وهو معنى العموم، فيجب قبوله للتخصيص.
قالوا: لو كان عامّاً، لعمّ في الزمان والمكان.
وأُجيب: بالتزامه وبالفرق بأنّ «أكلتُ» لا يُعقل إلاّ بمأكول; بخلاف ما ذُكر .
قالوا: «إنّ أكلتُ»، و «لا آكُلُ» مُطلقٌ; فلا يصحُّ تفسيرهُ بمخصص; لأنَّه غيرُهُ.
قُلنا: المُرَادُ: المقيَّدُ المطابق للمطلق، لاستحالة وجود الكلي في الخارج، وإلاّ لم يحنث بالمقيّد. *

[ هل أنّ الأفعال المتعدّية تعم مفعولاتها؟ ]

* أقول: اختلفوا 1 في قول الإنسان : «واللهِ لا أكلت» وقولهِ: «ان أكلتُ فأنتِ طالق»، وبالجملة الافعال المتعدية إلى المفعولات هل تعم جميع المفعولات أم لا؟ فذهب جماعة من الأشاعرة إلى أنّها عامّة في مفعولاتها، وعن أبي حنيفة: إنّها لا   2

1 . الإحكام للآمدي: 2 / 365، المسألة 10 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 188 .

صفحه 73
<--- تعم بل تتناول الماهية من حيث هي هي.
والفائدة أنّه إذا كان عامّاً قَبِل التخصيص، وإذا أُريد به الماهية من حيث هي لا يقبل التخصيص ; فعند الشافعي لو نوى بالأكل مأكولاً معيّناً صَحَّ ولا يحنث بالباقي وعند أبي حنيفة لا يصح. وإلى الأول 1 ذهب المصنّف واحتجّ عليه: بإنّ «لا آكل» نفي لحقيقة الأكل بالنسبة إلى كلّ مأكول ولا معنى للعموم إلاّ ذلك، وإذا كان عامّاً قَبِل التخصيص .
واحتج أبو حنيفة بوجهين :
الأوّل: أنّه لو كان الفعل عامّاً بالنسبة إلى المفعولات لكان عامّاً بالنسبة إلى ظرفي المكان والزمان والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة لاشتراكهما في المفعولية واستلزام الفعل للجميع .
والجواب: الشرطية مسلّمة، وبطلان التالي ممنوع، فإنّا نلتزم بعموم الفعل للظرفين، ولو سلمنا بطلان التالي لكن الفرق واقع بين الظرفين والمفعول به فإنَّ الأكل لا يُعقل إلاّ بمأكول بخلاف الظرفين فإنّه قد يعقل الفعل مع الغفلة عنهما وإن كان قد يستلزمهما .
الثاني: أن دلالة الفعل على مطلق المأكول، والمطلق لا دلالة له على العموم ولا على الخصوص لأنّه أعمُّ منهما وإذا لم يدل على العموم لم يقبل التخصيص وهومن حيث هو مطلق لا يصحّ تفسيره بمخصص لأنّ المخصص غير
المطلق.   2

1 . يعني: العام في جميع مفعولاته، القابل للتخصيص .

صفحه 74
<--- والجواب: أنّ المراد من التقييد إنّما هو التقييد بالمطابق للمطلق لا المخالف له لاستحالة وجود الكليّ من حيث هو كليّ في الخارج 1 وإلاّ لم يحنث بأكل شيء معيّن ضرورة كونه لم يتناوله اليمين .2
الفعل المثبت لا يكون عامّاً في أقسامه   

1 . الكليّ على ثلاثة أقسام: كليّ طبيعي، وكليّ منطقي، وكليّ عقلي.
لو لاحظت ذات الكليّ بما هي ذات من دون النظر إلى شيء آخر فالكليّ حينئذ كلي طبيعي.
ولو لاحظت مفهوم لفظ الكلي بما هو كليّ من دون النظر إلى الذات فالكليّ حينذاك هو الكليّ المنطقي.
وإن لوحظت الذات المتصفة بالكليّ المقيّدة به فهو الكليّ العقلي.
ففي المقام ظن المستشكل بأن الكليّ هنا هو الكليّ العقلي والكليّ العقلي لا أفراد له في الخارج فلا يقبل التقييد بطبيعة الحال.
واجيب بأن هذا الكليّ هو الكليّ الطبيعي الموجود في الخارج بوجود أفراده وإلاّ لم يحنث من يرتكب فرداً لانّه لم يتناول الطبيعي المقيد بالكلي .
وعليه فالعموم حاصل فهو يقبل التخصيص .
2 . بحار الأنوار: 79 / 339 ; مسند أحمد: 2 / 4 ; سنن البيهقي: 3 / 165 ; كنز العمال: 8 / 249 .

صفحه 75
قال: مسألة: الفعل المثبت لا يكون عامّاً في أقسامه; مثل: «صَلّى داخِلَ الكعبة» ; فلا يَعمُّ الفرض والنفل، ومثل: «صلّى بعد غيبوبة الشفق» فلا يعمُّ الشفقين إلاّ على رأي.
و «كان يجمع بين الصلاتين في السفر» لا يعمُّ وقتيهما.
وأمَّا تكررُ الفعلِ، فيستفاد من قول الراوي: «كان يجمع» ; كقولهم: «كان حاتمُ يُكرِمُ الضيفَ» .
وأما دخول أُمّته، فبدليل خارجيٍّ، من قول، مثل: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلّي» 1، و «خذوا عني مناسككُمْ»2 أو قرينة; كوقوعهِ بعد إجمال، أو إطلاق، أو عموم، أو بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ)3 أو بالقياس.
قالوا: قد عمّ نحو: «سها، فسجد»، و «أمَّا أنا فأُفيض الماءَ» وغيرهِ...
قلنا: بما ذكرناه أوّلاً لا بالصيغة. *
* أقول: الأفعال الواقعة إنّما تقع على وجه واحد من الجهات الّتي يحتمل أن تقع عليها، فلا تكون عامةً في تلك الجهات وذلك كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه صلّى داخل الكعبة، فإنّ الصلاة الواقعة يحتمل أن تكون فرضاً ونفلاً لكنّها إنّما تقع على أحد الوجهين دون الآخر فلا تعمهما لامتناع وقوعها على جهتي الفرض   2

1 . عوالي اللآلي: 1 / 198 و ج 3 / 85 برقم 76 ; بحار الأنوار: 82 / 279 ; سنن البيهقي: 2 / 345 ; سنن الدارقطني: 1 / 280 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 215 برقم 73 ; سنن البيهقي: 5 / 125 .
3 . الأحزاب: 21.

صفحه 76
<--- والنفل.
وكذلك اللفظ المشترك بين معنيين أحدهما سابق على الآخر، ونُقل أن الفعل وقع عقيب أحد المعنيين كما نُقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه صلّى بعد غيبوبة الشفق، فإنّ الشفق مشترك بين الحمرة المغربية والمشرقية،1 فمن قال لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه، قال بذلك هاهنا، ومن قال بجواز استعماله فيهما حمله هاهنا على أنّه صلّى بعد الشفقين .
وكذلك قوله: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع بين الصلاتين في السفر، فإنّه يحتمل أنّه فَعَلهما في وقت الأُولى ويحتمل أنّه فعلهما في وقت الثانية وليس فيه ما يعمّ وقتيهما بمعنى أنّه جمع بينهما في الوقتين وأمّا تكرر الفعل وأنّه هل وقع ذلك منه في سفر النسك وغيره فلا يستفاد من نفس وقوع الفعل وإنّما هو مستفاد من فحوى كلام الراوي لأنّه لم تجر العادة بأن يقال: «كان فلان يكرم الضيف»، إذا فعل ذلك مرة واحدة، بل مع التكرار .
وأمّا دخول الأُمة تحت هذه الأحكام فغير مستفاد من هذه الروايات بل من دليل خارجي لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، و «خذوا عني مناسككم» أو من قرينة خارجية كما إذا وقع الفعل عقيب اجمال خاطبنا الله تعالى به أو وقع عقيب اطلاق أو عموم أو بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)2فإنّه دال على وجوب التأسّي به أو بالقياس بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
لا يقال: إن العموم مستفاد من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا غير، ولهذا اتفقت الصحابة   2

1 . وفي نسخة «ب» بدل «المشرقية» وردت كلمة «البياض».
2 . الأحزاب: 21 .

صفحه 77
<--- على وجوب السجود عقيب السهو بما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سها فسجد 1، وأيضاً فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سئل عن حكم أجاب بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن ذلك أنّه لما سألته أُم سلمة عن الاغتسال فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا أنا فأفيض الماء على رأسي»، ومن ذلك أنّه لما سئل عن قُبلة الصائم، فقال: «أنا افعل ذلك»، 2 إلى غير ذلك من الاخبار   2

1 . إن سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من المسائل الّتي احتدم فيها التعارض بين العدلية ومن خالفهم: والمخالف قد جوَّز السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما يرتبط بغير تلقّي الوحي وإبلاغه إلاّ أنَّ العدلية لم يجوزوا عليه ذلك مطلقاً .
وقد تمسّكوا فيما ذهبوا إليه بالبرهان العقلي والدليل النقلي، فالبرهان العقلي يقتضي بأنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمسِّ الحاجة إلى كسب ثقة مخاطبيه في ابلاغ رسالته وإعمال قيادته فإذا ما جوزنا السهو عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الشؤون الشخصية والاعتيادية فإن ذلك ينتهي بالأمر إلى فقد ثقة مخاطبيه به وزعزعة اعتمادهم عليه حتّى في تلقّي الوحي وتبليغ الرسالة لأنَّ الساهي يسهو مطلقاً، والعقليّة العاميّة لا تميّز بين مقام ومقام، فالذي يسهو في مجريات الحياة الاعتيادية يسهو في غيرها أيضاً الإمام، ممّا يؤدي إلى نقض الغرض الأساس الّذي من أجله بُعث الأنبياء ألا وهو توجيه الناس نحو السعادة العاجلة في الدنيا والفلاح والسعادة الآجلة في الآخرة .
وهذا هو سر ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)من أنّه: «جُعل مع النبي روح القدس وهي لا تنام ولا تغفل ولاتلهو ولا تسهو». [ بصائر الدرجات: 454 ] وقد ورد في الذكر الحكيم أيضاً عن المسيح عيسى بن مريم: (وَ أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [ البقرة: 253 ] .
فهناك تسديد رباني دائم يعصم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الانزلاق في ميادين الحياة ومعتركاتها بأسرها.
وأما الروايات الّتي نسبت السهو للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فهي اخبار آحاد لا تقوم عليها عقيدة صحيحة وإيمان قويم يرضي العقل البشري ويلزمه بالركون إليه .
وقد عالج شيخنا الأُستاذ جعفر السبحاني ـ حفظه الله ـ الشبهات المثارة حول عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كتابه القيّم الجاد: الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف»: 3 / 288 ـ 317; والإلهيات: 3 / 200 ـ 208 .
2 . الاحكام للآمدي: 2 / 254 .

صفحه 78
   
قال: مسألة: نحوُ قولِ الصحابي: نهى (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الغرر، و: قضى بالشفعة للجار، يَعمُّ الغرر والجار.
لنا: عَدْلٌ عارفٌ، فالظاهِرُ الصِّدْقُ ; فَوَجب الاتباعُ .
قالوا: يحتمِلُ: إن كان خاصّاً، أو سَمِعَ صِيغَة خاصّةً ; فتوهَّمَ، والاحتجاجُ للمحكيّ .
قلنا: خِلاف الظّاهر.*
<---الواردة في هذا المعنى ولولا أن يكون حكمه (صلى الله عليه وآله وسلم) جارياً على الأُمة بمجرد فعله وإلاّ لما جاز التأخير عن وقت الحاجة .
لأنّا نقول: إنّما استفدنا كون حكمنا مثل حكمه بما ذكرنا من الأدلة من القول أو القرينة أو القياس لا بمجرد الصيغة أي صيغة الفعل .1

[ في رواية الراوي ]

* أقول: اختلفوا 2 في قول الصحابي: قضى بالشفعة للجار 3 ونهى   2

1 . يرى السُبكي أن مسألة التعميم أجنبية عن موضع البحث فقال: «لقائل أن يقول: دخول الأُمة وعدم دخولهم لا تعلّق له بهذه المسألة الّتي هي معقودة بخصوص الفعل أو عمومه، بل هي مسألة أُخرى تقدّمت في مسألة التأسي... وعذر الآمدي والمصنّف أنهما استشعرا سؤالاً، وهو أن يقال: فكيف دخلت الأُمّة في ذلك؟ فاجابا عنه...» رفع الحاجب: 3 / 171 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 196 ; الاحكام للآمدي: 2 / 368، المسألة 12 .
3 . التاريخ الكبير للبخاري: 1 / 112 .

صفحه 79
<--- عن بيع الغرر 1 هل يتناول كل جار وكلّ غرر أم لا؟ فذهب قوم إلى أنّه للعموم، ومنع آخرون.
احتج المثبتون بأنّ الصحابي عدل عارف فالظاهر من حاله الصدق فيما يخبر به وقد أخبر بصيغة العموم الّتي هي الشفعة والجار لكونهما معرّفين بلام الجنس، فوجب الاتباع .
احتجّوا بأنّه حكاية حال ويحتمل أنّه كان خاصّاً أو أنّ الراوي سمع صيغة خاصّة فتوهمهما للعموم، والحجّة إنّما هي المحكي لا الحكاية .
والجواب: أنّ هذا خلاف الظاهر لما بيّنا أنّ الظاهر من حال الراوي أنّه لعدالته ومعرفته لا يحكي إلاّ ما علم ثبوته.

1 . سنن أبي داود: 3 / 254، برقم 3374 ; مسند أحمد: 2 / 376 ; جامع الأُصول: 1 / 527 ، برقم 346 ـ 347 ; الخلاف للشيخ الطوسي: 3 / 155، المسألة 345 من كتاب البيوع .

صفحه 80
في الحكم إذا عُلّق على علّته   
قال: مسألة: إذا علّق حكماً على علّة عمّ بالقياس شرعاً لا بالصيغة.
وقال القاضي: لا يَعُمُّ.
وقيل: بالصيغة، كما لو قال: حَرَّمت المسكر; لكونه حلواً.
لنا: ظاهرٌ في استقلال العلّة، فوجب الاتباع، ولو كان بالصيغة لكان قول القائل: «أعتقت غانماً; لسواده» يقتضي عتق سُودان عبيده; ولا قائل به .
القاضي: يحتمل الجزئية .
قلنا: لا يُترك الظاهر للاحتمال.
الآخر: «حَرَّمتُ المسكر لإسكاره» مثل: «حرّمت الخمر لإسكاره» .
وأجيب: بالمنع.*
* أقول: اختلف الناس في الحكم إذا عُلِّق في بعض موارده على علته .
قال قوم: إنّه يعمّ في كل موارد العلّة، وقال آخرون: لا يعمّ، والقائلون بالعموم منهم من قال: إنّه يعمّ من حيث الصيغة، ومنهم من قال: إنّه يعمّ من حيث الأمر بالقياس، وهو مذهب المصنف، مثال ذلك إذا قال: حَرّمتُ المسكرَ لكونه حلواً .
واستدل المصنف على مذهبه أمّا على عمومه [ فلأنّ قوله: حرمت المسكر لكونه حلواً، ظاهرٌ في تعليل التحريم بالحلاوة على سبيل الاستقلال إذ لو كان جزء العلّة لكان من الواجب ذكرها وإذا كانت الحلاوة مستقلة بالعلّية وجب   2

صفحه 81
<--- اتباعها 1] .
وإمّا أنّه لا يدل على العموم من حيث الصيغة فلأنّه لو كانت الصيغة تدل على العموم لكان قول القائل: «اعتقت غانماً لسواده» دالاً على عموم العتق في كل اسود، وليس كذلك اتفاقاً .
واحتج القاضي: بأن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمت المسكر لكونه حلواً» يحتمل الجزئية أي يحتمل أن يقال: المراد منه: «حرمت المسكر لكونه حلواً مسكراً» لا بمجرد الحلاوة، فلا يدل على العموم.
والجواب: أن العموم ظاهر وما ذكرتموه محتمل، ولا نترك الظاهر بالمحتمل.
واحتج القائل الآخر وهو الّذي يذهب إلى أنّه يدل على العموم من حيث الصيغة: أنَّ قول القائل: «حرمت المسكر » مثل قوله: «حرمت الخمر لاسكاره» ولماكان الأول يقتضي العموم من حيث الصيغة فكذلك الثاني .
والجواب: المنع من المساواة.2

1 . جاءت الفقرة في نسخة «ب» كالآتي: [ فلأنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا علّق حكماً على علّة كان ذلك ظاهراً في استقلال العلّة في ايجاب ذلك الحكم فوجب اتباعه ].
2 . إن المستدل على التعميم بالصيغة يسعى أن يبرهن على ما يرمي إليه بالتساوي فهو يدّعي أن قولك: «حرمت المسكر» يفيد العموم بالصيغة ـ أو باللفظ ـ كذلك قولك: «حرمت الخمر لاسكارها» لأن معنى العبارتين واحد.
وأجاب المصنّف أن التساوي هنا ممنوع لأن قولك: «حرمت الخمر لإسكارها» يفيد العموم بالعلّة في حين أن قولك: «حرمت المسكر» يفيد العموم باللفظ ـ بالصيغة ـ فمن أين جاء التساوي؟! هذا وإن أردت التساوي في افادة عموم الحكم فهو صحيح لكنه خارج عن محط النزاع.
تنبيه:
قد وردت العبارة في النسخ: «ألف» و «ب» و «ج» في المثال الثاني كالآتي: «حرمت المسكر لإسكاره»، والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 82
قال: مسألة: الخلاف في أنّ المفهوم: «له عموم» لا يتحقق لأنَّ مفهوميّ الموافقة والمخالفة عامٌ فيما سوى المنطوق به، ولا يختلفون فيه.
ومن نفى العمومَ كالغزّاليّ، أراد أنَّ العموم لم يَثبت بالمنطوق به، ولا يختلفون فيه أيضاً. *
* أقول: المفهوم أمّا أن يكون مفهوم الموافقة وأمّا أن يكون مفهوم المخالفة، مثال الأول: الحكم بتحريم ضرب الأبوين بمفهوم تحريم التأفيف، ومثال الثاني: عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة لإيجابها في السائمة .
إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في المفهوم هل له عموم أم لا؟ بعد تسليم كونه حجّة، واثبته جماعة، ونفاه الغزالي1، وهذا الخلاف لفظيٌ لأنّه لا خلاف في أنّ الحكم عام فيما سوى المنطوق لأتفاقهم على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى وعلى عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة .
العطف على العام هل يقتضي عموم المعطوف أم لا ؟   
نعم لا خلاف في أنّ اللفظ لم يدلّ بمنطوقه على تحريم الضرب ولا على عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة .2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 2 / 200، 518، 521 ; المستصفى: 2 / 140 ـ 141 .
2 . فإنَّنا لانتمسك باللفظ في المقام بل بالسكوت فإذا قال: في سائمة الغنم زكاة، فنفي الزكاة عن المعلوفة ليس باللفظ; وهكذا في قوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ) (الإسراء: 23)، فإنّه دل على تحريم الشتم مثلاً لا باللفظ المنطوق حتّى نتمسك بعمومه، إذن الدلالة هنا عقلية لا بمعنى الاستغناء عن اللفظ تماماً.

صفحه 83
قال: مسألة: قالت الحنفية: مِثلُ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مُسلمٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده» : معناه «بكافر» ; فيقتضي العموم إلاّ بدليل، وهو الصحيح.
لنا: لو لم يُقدَّر شيءٌ لامتنع قتله مطلقاً، وهوباطل; فيجب الأوّل للقرينة.
قالوا: لو كان ذلك، لكان: «بكافر» الأوَّل ـ للحربي فقط; فيفسد المعنى ; ولكان (وَبُعُولَتُهُنَّ) للرجعية والبائِن; لأنّه ضمير (وَالْمُطَلَّقَاتُ) .
قلنا: خُصَّ الثاني بالدليل .
قالوا: لو كان، لكان نحو: «ضربت زيداً يوم الجمعة، وعَمَراً» أي: يوم الجمعة.
وأُجيب: بالتزامه، وبالفرق بأن ضرب عمرو في غير يوم الجمعة لا يمتنع. *
* أقول: العطف على العام هل يقتضي عموم المعطوف أم لا؟ اختلفوا، فاوجبه الحنفية ونفاه الجماهير1 ; ومثاله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مسلمٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده»2 فإن ذا العهد معطوف على المسلم فيكون حكمه حكمه في   2

1 . كذا في جميع النسخ.
2 . سنن الترمذي: 2 / 433 ; مسند أحمد: 2 / 180 ; سنن ابن ماجة: 2 / 887 ; سنن البيهقي: 3 / 92 ; فتح الباري: 13 / 36 ; سنن الدارقطني: 3 / 79 .

صفحه 84
<--- العموم والخصوص لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته، فيصير التقدير: «ولا ذو عهد في عهده بكافر» ولمّا كان الكافر الثاني المراد منه الحربي ضرورة أنّ ذا العهد يُقتل بذي العهد فوجب أن يكون الأول المراد منه أيضاً الحربي، لأنّه لو كان المراد مطلق الكافر لكان الثاني كذلك.
هذا مذهب الحنفية ويظهر منه ان الكافر في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لايقتل مسلم بكافر» ليس عامّاً; وكلام المصنّف يدل على أنهم يسلّمون أن الكافر المراد منه العموم حتّى لا يقتل المعاهد بالكافر حربياً كان أو ذمّياً إلاّ إذا خُصّ بدليل، وإليه أشار بقوله: «فيقتضي ـ أي: العطف ـ العموم» يعني 1 عموم الكافر المقدّر المعطوف على الأوّل الّذي هو عامٌّ إلاّ بدليل.
واحتجّ المصنف على مذهب الحنفية بأنّه إن لم يُقدَّر شيءٌ امتنع قتل ذي العهد مطلقاً، هذا خلف، وإن قُدِّر فيجب تقدير الأول لوجود القرينة الدالة عليه وهي دلالة سياق الكلام على أنّ المقدَّر هو الكافر، وإذا وجب تقدير الكافر فيعمّ إلاّ إذا خُصّ بدليل .
قالوا: لو كان الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في العموم والخصوص واجباً لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بكافر» الأول المراد منه الحربي لا غير، لأنّ ذا العهد يقتل بالكافر غير الحربي، ولو كان كذلك لفسد المعنى لأنّ المسلم لا يقتل بالكافر مطلقاً سواء كان حربياً أو غير حربي. وأيضاً لو كان كذلك لكان قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ)2 يتناول الرجعية والبائن لأنّ الضمير   2

1 . مغني المحتاج: 4 / 16 ; الحاوي الكبير: 12 / 15 ; الفقه على المذاهب الأربعة: 5 / 284 .
2 . البقرة: 228 .

صفحه 85
<--- فيه يرجع إلى المطلَّقات كما أنّ المعطوف عليه وهو المطلقات شامل لهما، ولمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ المعطوف لا يساوي المعطوف عليه في العموم والخصوص.
والجواب: المنع من الملازمتين المذكورتين في الآية والخبر لأنّا إنّما خصصنا في الخبر والآية، المعطوفَ بما خُصص به لوجود الدليل لا من حيث الصيغة .
قالوا: لو كان كذلك لكان العطف على الفعل المتخصص في الظرف يقتضي التخصص به كما تقول: «ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً» أي يوم الجمعة، وليس كذلك.
والجواب: إنّا نلتزم ذلك، وبالفرق بين الصورتين1 فإنَّ ضرب عمرو في غير يوم الجمعة غير ممتنع بخلاف ما ذكرناه من الصورة.

1 . قد ورد ما يأتي في متن نسخة «ب»، وأما في نسخة «أ» فورد في الهامش; وبما أن المتن في نسخة «أ» تام يتبين أن ما ورد في هامشها أضيف للتوضيح ولذلك ندرج الفقرة في الهامش كما يلي: [ لأن الدليل الّذي ذكرناه هناك لا يتمشَّى هاهنا، لأن ضرب عمرو لا يمتنع ابقاؤه على عمومه وعدم تخصيصه بيوم الجمعة لأن ضرب عمرو في غير يوم الجمعة غير ممتنع بخلاف ما ذكرناه من الصورة. ويظهر من هذا أن المصنّف يذهب إلى المساواة في التخصيص بين المعطوف والمعطوف عليه إذا كان ترك التخصيص يوجب فساد المعنى كالحديث، وإليه أشار بقوله: مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)].

صفحه 86
قال: مسألة:
مثل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)1، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ )، ليس بعام للأُمّة إلاّ بدليل من قياس أو غيره .
وقال أبو حنيفة وأحمد: عامٌ إلاّ بدليل.
لنا: القطع بأن خطاب المفرَد لا يتناول غيره لُغَةً.
وأيضاً: يجبُ أن يكون خُروج غيره تخصيصاً.
قالوا: إذا قيل لمن له منصب الاقتداء: «اركبْ لمناجزة العدو» وغيره، فُهِمَ لغةً: أنّه أمرٌ لأتباعِهِ مَعَهُ. ولذلك يقال: «فَتَحَ وكَسَرَ» والمرادُ: مع أتباعه .
قلنا: ممنوعٌ، أو فُهِم، لأن المقصود متوقفٌ على المشاركة; بخلاف هذا.
في الخطاب المصدَّر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   
قالوا: (إِذَا طَلَّقْتُمُ) يدل عليه.
قلنا: ذُكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً للتشريف، ثم خوطب الجميع .
قالوا: (فَلَمَّا قَضَى) ولو كان خاصَّاً لم يتعدّ.
قلنا: نقطع بأنّ الالحاق للقياس.
قالوا: فمثِلُ: (خَالِصَةً لَكَ)، (نَافِلَةً لَكَ) لا يفيد.

1 . المزمل: 1 .

صفحه 87
قلنا: يُفيدُ قَطْعَ الإلحاق.*

[ في الخطاب المصدَّر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ]

* أقول: اختلف الناس1 في الخطاب الّذي صُدّر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هل هو عام فيه وفي أُمّته أو ـ هو ـ خاص به ولا يعم أمته إلاّ بدليل خارجي؟ فذهب الاكثر إلى أنّه خاص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والعموم إنّما يستفاد من أمر خارج عن اللفظ 2. ونُقل عن أبي حنيفة وأحمد أنّهما قالا: إنّه يقتضي التعميم إلاّ أن يدل دليل على أنّ المراد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أُمّته وذلك مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، «يَا أَيُّهَا النَّبي (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)»3.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور من وجهين :
الأول: إنّ الخطاب الأفرادي لا يتناول الجمع من حيث اللغة فلا يكون عامّاً.
الثاني: أنّه لو كان للعموم لكان إخراج غيره تخصيصاً لذلك الخطاب وهو باطل فإنّه لم يقل أحد بأنّ الدليل إذا دلّ على أنّ الأُمّة غير مرادين من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) يكون ذلك الإخراج تخصيصاً .4
احتج المخالف بوجوه:
الأوّل: أنّ العادة في الاستعمال العرفي أن السلطان إذا أمر العظيم من   2

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 180 ; الإحكام للآمدي: 2 / 371 .
2 . في نسختي «ب» و «ج»: [ من قياس الأُمّة عليه وغيره ] .
3 . الزمر: 65 .
4 . وفي نسخة «ب»: [... تخصصاً] .

صفحه 88
<--- اتباعه بالسعي إلى العدو ومحاربته فإنّه أمر لاتباع ذلك العظيم، ولأجل ذلك يقال: «فتح الوزير المدينة وكسر العدو»، وليس ذلك الفعل حاصلاً منه بانفراده .
والجواب المنع من هذه العادة1.
سلّمنا، لكن فهم المشاركة لم تحصل هاهنا من [ أمر ] 2 العظيم بل من حيث إنّ المقصود يحصل بالمشاركة بخلاف ما نحن فيه .
الثاني: إن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)3 صُدِّر الخطاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ عممه بعد ذلك، وذلك يدل على أن كلّ خطاب صُدِّر بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه غير منحصر فيه إلاّ بدليل من خارج .
والجواب: أنّ الخطاب هاهنا صُدِّر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تشريفاً له ثمّ خوطب الجميع.
الثالث: قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)4 نفي الحرج ليقتدي به الناس وكان ذلك عامّاً.
والجواب: القطع بأنّ الالحاق إنّما هو بالقياس لأَنّ قولَه: «لئلا يكون على المؤمنين حرج» ليس فيه دلالة على أنّ نفي الحرج من مدلولات قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا) بل حاصله أنّ رفع الحرج عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج» ورد الجواب كالآتي: [ المنع من الفهم لغة ولهذا يصح أن يقال: أمر المقدّم ولم يأمر الاتباع ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» فقط.
3 . الطلاق: 1 .
4 . الأحزاب: 37 .

صفحه 89
<--- المصلحة، وعموم الخطاب غير متعيّن لذلك .
الرابع: لو لم يكن للعموم لكان التقييد في قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)1 وفي قوله: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)2 بتخصيصه غير مفيد .
والجواب: أنّ الفائدة في هذه التقييدات قطع الالحاق به وقياس الناس عليه.

1 . الأحزاب: 50 .
2 . الإسراء: 79 .

صفحه 90
قال: مسألة: خطابه لواحد ليس بعامّ، خلافاً للحنابلة.
لنا: ما تقدم مِن القطعِ ولزوم التخصيص، ومن عَدَم فائدةِ: «حُكَمي عَلَى الواحد...» .
قالوا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)، «بعثت إلى الأسودِ والأحمر»، يدلّ عليه .
وأجيب: بأنّ المعنى تعريف كُلّ ما يختص بِهِ، ولا يلزمُ اشتراكُ الجميع.
قالوا: «حُكمي على الواحد حُكَمي على الجماعة» يأبى ذلك.
قلنا: محمول على أَنّه: «عَلَى الجماعة بالقياس، أو بهذا الدَّليل»، لا أنّ خِطاب الواحد للجميع.
قالوا: نقطع بأنّ الصحابة حَكَمتْ عَلىَ الأُمة بذلك، كحُكُمِهِم بحكم ماعز في الزنا وغيره .
قلنا: إن كانوا حَكموا، للتَّسَاوِي في المعنى، فهو القياس، وإلاّ فخلاف الاجماع.
دلالة خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لواحد   
قالوا: لو كان خاصّاً، لكان: «تجزئُك، ولا تجزئ أحداً بعدك» وتخصيصُهُ عليه الصلاة والسلام خُزَيْمَةَ بقبولِ شهادتهِ وَحُدهُ ، زيادةٌ من غير فائدة.1

1 . بحار الأنوار: 2 / 272 ; شرح سنن النسائي للسيوطي: 2 / 188 ; عوالي اللآلي: 1 / 456، برقم 197، و ج 2 / 98، برقم 270 .

صفحه 91
قلنا: فائدتهُ: قطع الإلحاق، كما تقدم.*

[ دلالة خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لواحد ]

* أقول: اختلف الناس في أنّ خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لواحد هل هو بعينه خطاب لغيره من الناس أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنّه ليس بعامّ وإنّما يتناول من خوطب به، وذهبت الحنابلة وجماعة أخرى إلى أنّه عَامٌّ .
واستدل المصنف على أنّه ليس بعامٍّ بوجوه:
الأوّل: بما تقدم من القطع بأنّ الخطاب الّذي يتناول المفرد لا يتناول الجمع من حيث اللغة فلا يكون عامّاً .
الثاني: ومن لزوم التخصيص وهو أنّه لو كان عامّاً لكان إخراج غير مَنْ تناوله الخطاب تخصيصاً، وليس كذلك اتفاقاً .
الثالث: يلزم أن لا يكون لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» فائدةٌ، لأن التقدير أن حكمه على الواحد هو بعينه حكمه على الجماعة.1    2

1 . ما ورد في المتن هو الّذي جاء في نسختي «ب» و «ج»، والّذي ورد بدل ذلك في نسخة «أ» لا يخلو من ارباك واضطراب وهو كما يلي:
[... فإذا انضم القطع بأن الخطاب الافرادي لا يتناول الجمع إلى أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» غير مفيد للمطلوب، ثم المراد من عدم العموم وبيان عدم فائدة «حكمي على الواحد» للمطلوب ما سيأتي ].

صفحه 92
<--- احتجوا بوجوه :1
أحدها: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)2 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت إلى الاسود والأحمر» أي: العرب والعجم أو الإنس والجن! على ما قيل، فإنّ هذين النصّين يدلان على أنّ حكمه غير مختص بواحد دون آخر .
والجواب: أَنّ المعنى من ارساله إلى كافة الناس وبعثته إليهم تعريف كلّ واحد منهم ما يختص به كالحائض والطاهر والمقيم والمسافر وغير ذلك لا أنّ كلّ وأحد من أُمته يشارك الآخر في أحكامه .
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» 3 يأبى تخصيص أحد من الأُمة بالحكم .
والجواب: أن الحكم هوالخطاب وقد بيّنا أنّ الخطاب الإفرادي لا يتناول الجميع فالمعنى الحاق الجميع بالواحد بالقياس أو بهذا النص لا بعموم الخطاب.
الثالث: إجماع الصحابة على عموم وقائعه (صلى الله عليه وآله وسلم)، في أحكام جزئية لاشخاص معدودة وذلك أنّهم حكموا بوجوب الرجم في الزنا لحكمه (صلى الله عليه وآله وسلم)   2

1 . استدل المصنّف على صحة ما ذهب إليه الجمهور من أنَّ خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لواحد بعينه ليس بعام وإنّما يتناول من خوطب به .
ثم أتى على عرض أدلّة الحنابلة وجماعة أُخرى للبرهنة على صحة ما ذهبوا إليه بقوله: «احتجوا بوجوه» ثم الرد عليهم .
2 . سبأ: 28 .
3 . مسند أحمد: 1 / 250 ; مجمع الزوائد للهيثمي: 8 / 258، باب عموم بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم); فتح الباري: 11 / 62 .

صفحه 93
على ماعز1 بذلك، وضربوا الجزية على المجوس لضربه على مجوس هجر وغير ذلك من الوقائع.
والجواب: أنّ حكمهم بذلك أمّا أن يكون مع معرفتهم بالتساوي في السبب أو لا؟ والثاني خلاف الاجماع، والأول هو القياس بعينه، فالحاصل أنّ الإِلحاق إنّما كان بسبب القياس لا بعموم الخطاب .
الرابع: لو لم يكن حكمه على الواحد عامّاً في حقّ الكل لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بردة 2 لمّا ضحّى بعَناق 3: «يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك» 4 لا فائدة فيه فإنّ عدم الحاق غيره به مستفاد من الأصل، 5 وكذلك تخصيصه (صلى الله عليه وآله وسلم): لخزيمة بقبول شهادته، غير مفيد .
والجواب: إن الفائدة قطع الإلحاق والقياس على من خصصه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما تقدم.6

1 . ماعز بن مالك الأسلمي، هو الّذي أتى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)معترفاً بالزنا، فرجمه. لاحظ أُسد الغابة: 4 / 8، برقم 4558 .
2 . أبو بردة: هو هانئ بن نيار بن عمرو، حليف الأنصار، غلبت عليه كنيته، وهو خال البراء بن عازب، شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مات سنة 45 هـ في أوّل زمان معاوية بعد شهوده مع علي (عليه السلام)حروبه كلها، لاحظ: أسد الغابة: 5 / 53 .
3 . العَنَاق [ ج: أعْنُقَ ] انثى أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى استكمال الحول .
4 . البخاري: كتاب العيدين برقم 955، وكتاب الاضاحي برقم 5556، باختلاف بالنص.
5 . المراد من «الأصل» هنا هو انتفاء عموم الخطاب، لو سُلِّم بالانتفاء جدلاً .
6 . فقد تقدم [ ص 91 ] من أن الإلحاق إنّما كان بسبب القياس لا بعموم الخطاب، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)خصصه بالحكم لقطع الإلحاق بسبب القياس لا لقطع الإلحاق بعموم الخطاب; وبذلك ينتقض الاستدلال في الوجه الرابع.

صفحه 94
   
قال: مسألة: جمع المذكر السالم كـ (الْمُسْلِمِينَ)، ونحو «فعلوا» ـ ممّا يُغلَّبُ فيه المُذَكّرُ ـ لا يدخل فيه النساء ظاهراً; خلافاً للحنابلة.
لنا: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)1 ، ولو كان داخلاً لما حَسُن. وإن قدِّر مجيئُهُ للنصوصية، ففائدة التأسيس أولَى.
وأيضاً: قالت أُمُّ سَلَمَةَ: يا رسول الله، إنَّ النساء قُلْنَ: «ما نرى الله ذكرَ إلاّ الرِّجال»، فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)، ولو كُنَّ داخلات، لَمْ يَصحَّ تقريرهُ للنفي.
وأيضاً: فإجماع العربية على أنَّه جمعُ المذكّر.
قالوا: المعروف تغليب الذكور.
قلنا: صحيحٌ، إذا قُصد الجميعُ، ويكون مجازاً.
فإن قيل: الأصلُ الحقيقة.
قلنا: يلزم الاشتراك، وقد تقدّم مثله.
قالوا: لو لم يدخلنَ، لما شاركنَ المذكّرين في الأحكام.
قلنا: بدليل من خارج، ولذلك لم يَدخلن في الجهاد والجمعة وغيرها .
قالوا: لو أوصى لرجال ونساء بشيء، ثُمَّ قال: أوصيت لهم بكذا،

1 . الأحزاب: 35 .

صفحه 95
دخل النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة.
قلنا: بل بقرينة الإيصاء الأوّل. *

[ دخول النساء في الجمع المذكّر ]

* أقول: الجمع قسمان; جمع مذكر وجمع مؤنث. واتّفق الناس 1 على أنّ جمع المؤنث لا يدخل تحته المذكّر. وجمع المذكّر على قسمين: جمع تصحيح وجمع تكسير، والثاني اتفقوا على انّ المؤنث غير داخل تحته وإنّما النزاع وقع في جمع التصحيح كـ «المسلمين» ونحو «فعلوا» من المضمرات فقال المحققون: إنّه لا يدخل فيه النساء ظاهراً وإن جاز دخولهن فيه بقرينة، وخالفت الحنابلة في ذلك.
واستدل المصنف على عدم الدخول بوجوه :
الأول: قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) ولو كانت النساء داخلات تحت لفظة المسلمين لما حسن كما أنّه لا يحسن أن يقال: إنّ المسلمين والمسلمات إشارة إلى جماعتين، لا يقال: إنّه إنّما جيء به وان كان داخلاً تحت لفظ المسلمين لأجل التنصيص كما في قوله تعالى: (وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)2لأنّا نقول: إن فائدة التأسيس أولى من فائدة التوكيد.
الثاني: رُوي عن أُمّ سلمة أنّها قالت: يا رسول الله إنّ النساء قلن: «إنّ الله
تعالى ذكر الرجال ولم يذكر النساء» فنزل قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 184 ; الإحكام للآمدي: 2 / 375 .
2 . البقرة: 98 .

صفحه 96
<--- وَالْمُسْلِمَاتِ)فتقرير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النساء على ذلك النفي دليل على عدم الدخول.
الثالث: إجماع أهل اللسان على أَنّ هذا جمع المذكر والجمع تكرير الواحد فالواحد من هذا الجمع مذكر .
احتجوا 1 بوجوه :
أحدها: أنّ المعهود من عادة لسان العرب أن المذكَّر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر على المؤنث.
والجواب: أنّ هذا حق إذا قصد الجميع ـ اعني الرجال والنساء ـ ويكون مجازاً، أمّا إذا أُطلق ولم يعلم القصد فإنّه إنّما يتناول الذكور.
لا يقال: الأصل الحقيقة، وإذا كان مع القصد يتناول النساء على سبيل الحقيقة، كان مطلقاً على سبيل الحقيقة .
لأنّا نقول: لو كان حقيقة في المذكّر والمؤنث مع أنّه حقيقة في المذكر إجماعاً لزم الاشتراك، والأصل عدمه، وإذا تعارض الاشتراك والمجاز كان المجاز أولى لما تقدم .
ألفاظ العموم هل تعمّ المذكّر والمؤنث ؟   
وإلى رجحان المجاز على الحقيقة أشار المصنف بقوله: وقد تقدم مثله.2
الثاني: لو لم يدخلن لما شاركن المذكرين في الأحكام، والتالي باطل   2

1 . احتجاجات القائلين بأنَّ جمع المذكر السالم يدل على المؤنث أيضاً .
2 . قد تقدم في الجزء الأوّل من هذا الكتاب: ص 170، حيث قال: «إن الحق أن المجاز أولى لكونه أغلب...».

صفحه 97
قال: مسألة: مَنْ الشرطية: تشمل المؤنث، عِندَ الأكثر.
لنا: أنّه لو قال: «مَنْ دخل داري، فهو حُرٌّ»، عُتَقْنَ بالدخول.*
<--- اتفاقاً فإنّ قوله: (وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)1 يتناول الذكور والاناث.
والجواب: الدخول إنّما استفيد من خارج لا من نفس اللفظ بدلالة عدم الدخول في الجهاد مع أنّه ورد بصيغة الجمع السالم وكذلك في الجمعة وغيرها من الأحكام المختصّة بالذكور.
الثالث: أن الإنسان لو أوصى لرجال أو نساء بشيء ثمّ قال: أوصيت لهم بهذا، انصرف الموصى به إلى الموصى لهم من الذكور والاناث من غير قرينة، ولا معنى للحقيقة سوى ذلك.
والجواب: لا نسلم عدم القرينة بل الإيصاء الأول قرينة دالة على الدخول.
* أقول: اختلفوا في ألفاظ العموم الّتي لا علامة فيها للتذكير والتأنيث كـ «مَنْ» في الشرط هل يعمهما أم لا؟ فاثبته الاكثر ونفاه جماعة يسيرة.
واحتجّ الجمهور 2 بأنّ القائل إذا قال: من دخل داري فهو حر، فإنّه معتق بهذا القول الذكور والإناث مع الدخول، وهذا إجماع، ولولا أنّه للعموم فيهما، وإلاّ لما صحّ ذلك.

1 . البقرة: 43 و 110 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 183 .

صفحه 98
في دخول العبد في ألفاظ العموم   
قال: مسألة:
الخطاب بـ «الناس»، و «المؤمنين»، ونحوهما: يشمل العبيد عند الأكثر.
وقال الرازي: إن كانَ لحقِّ الله.
لنا: أن العبد من الناس والمؤمنين قطعاً; فوجب دخُولُهُ.
قالوا: ثبت صَرْفُ منافِعِهِ إلى سيِّدهِ، فلو خُوطِبَ بصرفها إلى غيره لَتَنَاقَضَ.
رُدَّ: بأنّه في غير تضايُقِ العبادات ; فلا تناقض.
قالوا: ثبتَ خروجه مِنْ خطاب الجهاد والحجّ والجمعة وغيرها.
قُلنا: بدليل، كخروج المريض والمسافر. *
* أقول: اختلف الناس 1 في دخول العبد تحت الخطاب بالتكاليف بألفاظ العام كلفظة الناس والمؤمنين ونحوهما، فاثبته الجمهور ونفاه جماعة يسيرة، ونقل عن أبي بكر الرازي 2 أن العبد داخل تحت الخطاب بحقوق الله تعالى دون حقوق الناس .
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور أنّ اللفظ عام للعبيد ولم يوجد مخصّص فوجب دخولهم تحته، أمّا عموم اللفظ فظاهر لأنّا نعلم قطعاً أنّ العبد من   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 352 ; المستصفى: 1 / 144 ; الإحكام للآمدي: 2 / 397 .
2 . يلاحظ أنّ العلاّمة الحلي في النهاية قال: «قال الرازي»، ولكنه هنا قال: «نقل عن الرازي».

صفحه 99
<--- الناس والمؤمنين، وأمّا أنّه لم يوجد مخصص فلأنّ البحث على هذا التقدير .1
وأمّا وجوب الدخول على ذلك التقدير فظاهر .
وأمّا الحمل على العموم على وجود هذا اللفظ فظاهر أيضاً.
احتجوا2 بأنه قد ثبت صرف منافع العبد إلى السيد، فلو خوطب بصرفها إلى غيره لزم التناقض .
والجواب: أنّ السيد ليس بمالك لجميع منافع العبد في كلّ وقت، فإن وقت تضايق العبادات لا يملك السيد منافع العبد، وعلى هذا التقدير لا يلزم التناقض .
واحتجوا أيضاً بأنّ العبد غير داخل تحت الخطاب بالجهاد والحجّ والزكاة وغيرها مع عمومها .
والجواب: أنّ خروجه عن هذه العبادات بدليل خاصّ كخروج المريض والمسافر.

1 . يريد أن التخصيص خلاف الأصل لأن الأصل عدمه. وقد وردت العبارة الّتي في نسختي «ب» و «ج» فقط بعد كلمة التقدير: «وأما وجوب الدخول على ذلك التقدير فظاهر» ويبدو أنها تعبير آخر عما ورد في المتن.
2 . حجة النافين دخول العبد تحت الخطاب.

صفحه 100
قال: مسألة: مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)1، (يَا عِبَادِي)2، يشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند الأكثر.
وقال الحليمي: إلاّ أن يكون معه: «قل» .
لنا: ما تقدّم .
وأيضاً: فهموهُ، لأنّه إذا كانَ لم يفعل (صلى الله عليه وآله وسلم)سألوه فيذكر التخصيص.
قالوا: لا يكون آمراً مأموراً، ومبلِّغاً مبلَّغاً بخطابِ واحد، ولأن الآمر أعلى ممن دونه.
قلنا: الآمر الله سبحانه، والمبلِّغ جبريل (عليه السلام).
قالوا: خُصّ بأحكام، كوجوب ركعتي الفجر، والضحى، والأضحى، وتحريم الزكاة، وإباحة النكاح بغير وليِّ ولا شهود ولا مهر، وغيرها.
قلنا: كالمريض والمسافر وغيرهما، ولم يخرجوا بذلك من العمومات.*
هل أن الخطابات العامّة تشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   

[ هل أن الخطابات العامّة تشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)]

* أقول: إذا ورد خطاب على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلفظ عامّ كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا عِبَادِي)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هل يشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   2

1 . البقرة: 21 .
2 . العنكبوت: 56 .
Website Security Test