welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 1 *
نویسنده :العلامة الحلّی*

غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 1

صفحه 1
غاية الوصول
وإيضاح السبل

صفحه 2

صفحه 3
تقديم وإشراف
الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
غاية الوصول وإيضاح السبل
في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل
لابن الحاجب
تأليف
الحسن بن يوسف بن المطهر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
الجزء الأوّل
تحقيق وتعليق
الشيخ آ. مرداني پور
منشورات مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق.
      غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل / لابن الحاجب ; تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي; تحقيق وتعليق: آ. مرداني پور ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1387 .
      (دورة)    ISBN : 978 - 964 - 357 - 343 - 0
2 ج .      (ج. 1)    ISBN: 978 - 964 - 357 - 344 - 7
      (ج. 2)    ISBN:978 - 964 - 357 - 345 - 4
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 ـ ابن الحاجب، عثمان بن عمر، 570 ـ 646 ق. مختصر منتهى السؤل والأمل ـ ـ نقد وتفسير. 2. أُصول الفقه ـ ـ القرن 7 ق. الف. مرداني پور، 1340 هـ . ش ـ. المحقق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ . المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. العنوان. هـ . عنوان: مختصر منتهى السؤل والأمل. شرح.
1387 8026م2الف/ 8/155 BP    311 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   غاية الوصول وإيضاح السبل
الجزء:   الجزء الأوّل
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
تقديم وإشــراف:   الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ آ. مرداني پور
الطبعــة:   الأُولى ـ 1430 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1100 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة المشرف   
   غاية الوصول وإيضاح السبل / ج 1
مقدمة المشرف
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

الأواصر العلمية

بين علماء الشيعة والسنّة

العلاقة بين علماء الشيعة والسنّة كانت وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقائدية من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب، والسبب في ذلك هو وجود مشتركات كثيرة بينهم، فكان العمل على ضوئها موجباً لنشر الثقافة الإسلامية وإرساء دعائمها، وهذا هو التاريخ يُحدّثنا عن تبادل التحديث بينهم وتتلمذ لفيف من علماء السنة لدى علماء الشيعة وبالعكس في شتى مجالات المعارف الإسلامية، وسنذكر نماذج لهذه الوشائج والعلاقات الحسنة بين علماء الفريقين:
1. الشيخ الكليني: محمد بن يعقوب الرازي (المتوفّى 329 هـ) مؤلف «كتاب الكافي» في سبعة اجزاء وهو أحد الجوامع الحديثية للشيعة.
ترجم له الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر وذكر

صفحه 8
أسانيده إليه كما أورد بعض مروياته عنه، وقال:
قدم دمشق وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري .
روى عنه أبو سعد الكوفي شيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، وأبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد الله بن محمد بن ذكوان.
ثم قال: أنبأنا أبو الحسن بن جعفر قال: أنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو القاسم المحسن بن حمزة... الورّاق بتنيس أنا أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الديبلي بتنيس في المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، أخبرني محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم إلى أن انتهى الاسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».1
2. الشيخ الصدوق محمد بن الحسين بن بابويه (306 ـ 381 هـ) شدّ الرحال لطلب الحديث إلى ارجاء العالم الإسلامي كالريّ، واستراباد، وجرجان، ونيسابور، ومشهد الرضا (عليه السلام)، ومرو الروذ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وبلخ من بلاد ماوراء النهر، وهمدان، وبغداد، والكوفة، وفيد، ومكة، والمدينة .
فقد اخذ في هذه البلاد الحديثَ عن مشايخها من غير فرق بين السني والشيعي، وقد بلغ عدد مشايخه إلى مائتين وستين شيخاً من أئمة الحديث، وإليك اسماء بعض مشايخه من محدثي السنة الذين أخذ الحديث عنهم:

1 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 56 / 297.

صفحه 9
حدّثه بنيسابور أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي المرواني النيسابوري، وقد روى عنه في علل الشرائع .1
كما حدّثه بإيلاق، بكر بن علي بن محمد بن فضل الحنفي الشاشي 2الحاكم.3
كما أخذ عنه الحديث جماعة من السنّة منهم: محمد بن طلحة النعالي البغدادي من شيوخ الخطيب البغدادي، وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد، وآخرون.4
3. الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (المتوفّى: 413 هـ) وهو التمليذ العبقري للشيخ الصدوق (قدس سره) وبدراسة حياته تتجلى لنا مكانته السامية في أوساط الأُمّة، وقدرته الفائقة على اجتذاب القلوب، فقد كان يرتاد مجلسه العلماء وطلاّب المعرفة من كافة الطوائف الّتي احتشدت عند موته باكية، نادبة عالمها الفذ، ذا القلب الكبير، والإيمان الراسخ، والعطاء الثرّ.
وإليك بعض كلمات المؤرخين الّتي تصف جلالته وسمو شخصيته، والتفاف الناس حوله:
كان له مجلس بداره بدرب رباح يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف 5 .

1 . علل الشرائع: 56.
2 . الشاش مدينة في ماوراء النهر ثم ماوراء نهر سيحون .
3 . إكمال الدين: 170 .
4 . موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 434 .
5 . المنتظم: 15 / 157 ; البداية والنهاية: 12 / 17 .

صفحه 10
وقال الذهبي نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ: كان قوي النفس كثير البّر عظيم الخشوع عند الصلاة والصوم .1
كما نقل عنه ابن حجر في لسان الميزان: ما كان ينام من الليل إلاّ هجعة ثم يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن.2
توفي ببغداد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً. وصلى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بميدان الاشْنان وضاق على الناس مع كبره 3.
وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف .4
4. إمام الأدب والتفسير والفقه الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) وصفه ابن بسام الاندلسي في اواخر كتاب الذخيرة بقوله: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجَمّاع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره وعرفت له أشعاره وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد أنّه فرع تلك الأُصول ومن أهل ذلك البيت الجليل 5.
ويقول ابن خلكان في وصف كتابه الأمالي: وله الكتاب الّذي سماه «الغرر

1 . سير اعلام النبلاء: 17 / 344 .
2 . لسان الميزان: 5 / 368 .
3 . رجال النجاشي: 403، برقم 1067.
4 . الفهرست للشيخ الطوسي: 685 .
5 . وفيات الأعيان: 3 / 313، برقم 443 نقلاً عن ابن بسّام.

صفحه 11
والدرر» وهي مجالس أملاها تشتمل عن فنون من معالي الأدب تكلم فيها على النحو والفقه وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع والعلوم.1
5. شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460 هـ)، أخذ عن مشايخ الشيعة كالمفيد والمرتضى، وفي الوقت نفسه أخذ عن غيرهم كأبي علي بن شاذان وأبي منصور السكري .2
يقول الذهبي: كان الشيخ الطوسي مقيماً ببغداد وكانت داره منتجعاً لروّاد العلم، وبلغ الأمر من الإكبار له أن جعل له القائم بأمر الله كرسي الكلام والإفادة 3 .
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة المصري أحد كبار علماء السنة: كان شيخ الطائفة في عصره غير منازع وكتبه موسوعات فقهية، وعلمية، وكان مع علمه بفقه الإمامية، وكونه أكبر رواته، عالما بفقه السنة، وله في هذا دراسات مقارنة، وكان عالماً في الأُصول على المنهاجين الإمامي والسنّي.4
6. فقيه الطائفة أبو جعفر محمد بن المنصور المعروف بابن إدريس الحلّي (543 ـ 598 هـ) ذكر في كتابه صلته بفقهاء أهل عصره من الشافعية، قال: وقد كتب إليّ بعض فقهاء الشافعية، وكان بيني وبينه مؤانسة ومكاتبة: هل يقع الطلاق الثلاث عندكم؟ وما القول في ذلك عند فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)؟ فأجبته: أما مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فإنّهم يرون أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد وحالة واحدة

1 . المصدر نفسه.
2 . مقدمة «التبيان»: 52 ـ 53، عند عدّ مشايخه، برقم 7 ـ 8 .
3 . سير اعلام النبلاء: 18 / 334، برقم 155 .
4 . موسوعة طبقات الفقهاء: 5 / 281 .

صفحه 12
دون تخلل المراجعة لا يقع منه إلاّ واحدة .1
7. المؤرّخ الكبير عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني من أعلام القرن السادس أخذ الحديث من شيخ الشيعة علي بن عبيد الله المعروف بمنتجب الدين صاحب الفهرس المعروف (المتوفى سنة 600 هـ )، وقال في حقه: علي بن عبيد الله بن حسن بن حسين بن بابويه، الرازي، شيخ ريّان من علم الحديث، سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، يكتب ما يجد ويسمع ممن يجد، ويقلّ من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع والشيوخ الذين سمع منهم وأجازوا له، وذلك على قلّة رحلته وسفره. ثم ذكر مشايخه على التفصيل، إلى أن قال: لم يزل كان يترقب بالري ويسمع من دبّ ودرج، ودخل وخرج وجمع الجموع وكان يسوّد تاريخاً كبيراً للري فلم يُقض له نقله إلى البياض، وأظن أن مسوّدته قد ضاعت بموته، ومن مجموعه كتاب الأربعين الّذي نبأه 2 على حديث سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ، المترجم لأربعين حديثاً وقد قرأته عليه بالريّ سنة أربع وثمانين وخمسمائة .3
ويظهر أيضاً أنّه قرأ عليه في سنة أُخرى أيضاً يقول: وقد قرأت عليه في شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة .4
8. إمام اللغة والادب مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي مؤلف كتاب «القاموس» الطائر الصيت، روى عن فخر المحققّين محمد بن الحسن الحلّي (682 ـ 771 هـ) كتاب «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح

1 . السرائر: 2 / 678 ـ 679.
2 . ويحتمل أنّه «بناه».
3 . التدوين في أخبار قزوين : 3 / 372 و 374 ـ 375 .
4 . نفس المصدر: 3 / 377 .

صفحه 13
العربية» وذكر روايته عنه في اجازته لابن الحلواني قال: أجزت للمولى الإمام، الحبر الهمام، البحر الهلقام، زبدة فضلاء الأيام فخر علماء الأنام، عماد الملة والدين «عوض» الفلك آبادي الشهير بابن الحلواني سقاه الله تعالى من الكلم الغرّ عذاب نطافها كما رزقه من أثمار العلوم لطاف اقطافها، أن يروي عني هذا الكتاب المسمّى بـ «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية» بحق روايتي عن شيخي ومولاي ـ علامة الدنيا ـ بحر العلوم وطود العلى فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الإمام الأعظم، برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر، بحق روايته عن والده بحق روايته عن مؤلّفه الإمام الحجة برهان الأدب، ترجمان العرب ولي الله الوالي رضي الدين أبي الفضائل الحسن بن محمد الصغائي ـ رضي الله عنه وأرضاه وقدس مهجعه ومثواه ـ إلى أن قال: وكتبت هذه الأحرف في شهر ربيع الأوّل عمّت محاسنه ـ سنة سبع وخمسين وسبعمائة .1
9. أسوة الحكماء والمتكلمين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي المعروف بنصير الدين (597 ـ 672 هـ) وصفه الصفدي بقوله: كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الإرصاد والمجسطي، ويقول بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه اطلاقاً أخذ عن علماء السنة ككمال الدين بن موسى بن يونس بن محمد الموصلي الشافعي (المتوفّى 639 هـ) .
كما أخذ عنه العديد من كبار السنة كقطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي، وشهاب الدين أبو بكر الكازروني، وأبو الحسن علي بن عمر القزويني الكاتبي .2
وقد ألف كتاباً أسماه بـ « تجريد العقائد» وقد طار صيت هذا الكتاب واشتهر

1 . الجاسوس على القاموس: 129 ـ 130، طبعة القسطنطينة.
2 . موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 244.

صفحه 14
في الأوساط العلمية وشرحه غير واحد من السنّة كشمس الدين محمد الاسفرائيني البيهقي، وشمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني (المتوفى 984 هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي (المتوفى 879 هـ) الّذي وصف الكتاب المذكور بقوله: تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنه كثير العلم، عظيم الإسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمة العظام، لم يظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأمهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة في عبارات موجزة.1
10. جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (570 ـ 646 هـ) الأُصولي الطائر الصيت من كبار العلماء في الأدب والفقه والأُصول حيث ألف «الشافية» في الصرف و «الكافية» في النحو وقد شرحهما إمام الأدب والعربية في عصره رضي الدين الاسترآبادي (المتوفّى 686 هـ) يصفه السيوطي بقوله: الرضي الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب، الّذي لم يؤلّف عليها ـ بل ولا في غالب كتب النّحو ـ مثلها، جمعاً وتحقيقاً، وحسنَ تعليل. وقد أكبّ النّاس عليه، وتداولوه واعتمده شيوخ هذا العَصْر فمَن قَبْلهم، في مصنّفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النّحاة، واختيارات جَمّة، ومذاهب ينفرد بها; ولقبه نجم الأئمة، ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته; إلاّ أنّه فرغ من تأليف هذا الشرح سنة ثلاث وثمانين وستمائة.(2)

1 . شرح التجريد لعلاء الدين القوشجي: 1 .   2 . بغية الوعاة: 1 / 567، برقم 1188 .

صفحه 15
وألف ابن الحاجب كتاباً في أُصول الفقه أسماه «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل» وهو مطبوع ـ ثم اختصره وسمّاه «مختصر السؤل والأمل» وهو أيضاً مطبوع ويعرف بمختصر ابن الحاجب، وكان مداراً للتدريس لقرون وقد اعتنى العلماء بشرحه، فقد ذكر محقّق كتاب «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» شرّاح المختصر فأنهى عددهم إلى خمسة وأربعين .1
وممن شرحه إمام الشيعة في الفقه والأُصول الحسن بن يوسف بن مطهر الحليّ (648 ـ 726 هـ)، الّذي يصفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم وكان آية في الذكاء 2.
وذكر شرحه ابن حجر في الدرر الكامنة، وقال: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه .3
هذه نبذة عن الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة في مجالات الأدب والحديث والأُصول وغيرها، وهذه هي سيرة السلف الصالح، الّتي نأمل أن يقتدي بها الخلف الصالح من خلال الأخذ بالمشتركات وانتهاج الأسلوب العلمي في مناقشة المسائل المختلف فيها، بعيداّ عن التعصب والتحزّب .
وبما أن كتاب مختصر ابن الحاجب في أُصول الفقه كان كتاباً دراسياً حتّى في الاوساط الشيعية، فقد كان المحقّق الاردبيلي يدرّس شرح العضدي على المختصر

1 . رفع الحاجب: 1 / 191 ـ 224 .
2 . لسان الميزان: 2 / 317 برقم 1295 ذكره ـ للأسف بعنوان الحسين بن يوسف المطهر، مع ان اسمه الحسن، كما انّه عنونه أيضاً باسم الحسين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 2 / 71 .
3 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 16
المذكور لتلميذيه المعروفين الحسن بن زين الدين المعروف بصاحب المعالم، والسيد محمد بن علي المعروف بصاحب المدارك،1 فلذلك عمدنا إلى إحياء ذلك الميراث القيّم الّذي كاد أن يعفي عليه الدهر ولم نعثر إلاّ على نسختين منه نشير إلى خصائصهما في آخر هذه المقدمة.
***
وقبل الحديث عن مؤلف هذا المختصر وشارحه نذكر ما الفه علماء الشيعة في أُصول الفقه إلى زمن العلاّمة الحلي (رحمه الله) أي نهاية القرن السابع، وأما الثامن فالعلاّمة الحلّي من ابطال ذلك العلم فيه وقد ألف كتباً وربّى جيلاً من العلماء الأفاضل.
لم يكن علم أُصول الفقه أمراً مغفولاً عنه في عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر (عليه السلام) واعقبه الإمام الصادق (عليه السلام) قواعد كلية في الاستنباط ومشى على ضوئها أصحابهما، وقد جمع ما أملاه الإمامان المحدّث الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) في كتاب خاص أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة ».
كما جمع العلاّمة السيد عبدالله شبر (المتوفّى 1242 هـ) تلك الأحاديث في كتاب خاص اسماه «الأُصول الأصلية».
وتلاه السيد الشريف هاشم بن زين العابدين الخوانساري (المتوفّى 1318 هـ) فأودع تلك الأحاديث بشكل خاص في كتاب أسماه «أُصول آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)». هذا ما يرجع إلى القرنين الأولين.
وأما في القرن الثالث فلم نقف إلاّ على كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» لفقيه الشيعة يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) .(2)

1 . ريحانة الادب: 3 / 392 ; روضات الجنات: 7 / 48 .   2 . رجال النجاشي: 211، برقم 810 .

صفحه 17
وفي القرن الرابع قام العلمان الجليلان من بيت بني نوبخت بدور رئيسي في هذا الصدد، وهما:
أ. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) فقد ألّف الكتب التالية:
1. الخصوص والعموم.
2. الأسماء والأحكام.
3. إبطال القياس.
يقول النجاشي: كان شيخ المتكلمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، ثم ذكر الكتابين الأولين .1
ويقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة وكان فاضلاً عالماً متكلماً وله مجلس يحضره جماعة من المتكلمين، ثم ذكر الكتاب الأخير له .2
ب. الحسن بن موسى النوبختي، يعرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلم المبّرز على نظرائه قبل الثلاثمائة وبعدها، ثم ذكر أن له كتاب: «خبر الواحد والعمل به ».3
وفي القرن الخامس بلغ علم الأُصول مرحلة جديدة، وقد بسط أصحابنا فيها الكلام ونذكر منهم ما يلي:
1. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336 ـ 413 هـ) وهو شيخ الشيعة في

1 . رجال النجاشي: 31، برقم 67 .
2 . فهرست ابن النديم: 225 .
3 . رجال النجاشي: 63، برقم 148 .

صفحه 18
عصره، صنف كتاباً باسم «التذكرة بأُصول الفقه» وقد طبع ضمن مصنفات الشيخ المفيد.
2. الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) عرّفه النجاشي بقوله: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه 1، ألّف كتاباً باسم «الذريعة» فرغ منه عام 430 هـ وقد حقق وطبع مؤخراً طبعة أنيقة .2
3. سلاّر بن عبد العزيز الديلمي الشيخ المقدم في الفقه والأدب، ألّف كتاب «التقريب في أُصول الفقه ».3
4. الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) الشيخ الجليل صاحب المؤلفات الكثيرة ألّف كتاب «العُدّة في أُصول الفقه» وهو مطبوع منتشر.
وفي القرن السادس ازدهر علم أُصول الفقه أكثر ممّا سبق ونذكر ممّا أُلّف فيه الكتابان التاليان لمؤلفين جليلين هما:
1. ابن زهرة الحلبي (511 ـ 558 هـ) وكتابه باسم : «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» خصّ الجزء الأوّل من هذا الكتاب بعلم الكلام وأُصول الفقه، وهو مطبوع.
2. سديد الدين الحمصي الرازي، قال عنه منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علامة زمانه في الأُصولين، ورع ثقة; وبعد أن ذكر مصنفاته الّتي منها: «المصادر في أُصول الفقه»، و «التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح » . قال: حضرت مجلس درسه سنين .(4)

1 . رجال النجاشي: 270، برقم 708.
2 . حقق وطبع في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، عام 1429 هـ .
3 . الذريعة: 4 / 365 .   4 . فهرست منتجب الدين: برقم 389 .

صفحه 19
وقد فرغ من كتابه «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد» عام 581 هـ في الحلّة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز.1
وقد أشار إلى كتابه هذا ابن إدريس في سرائره قال: ولقد أحسن شيخنا محمود الحمصي (رحمه الله) فيما أورده في كتابه «المصادر في أُصول الفقه».(2)
وقد أكثر ابن إدريس المدح عليه ولا بأس بذكر ما قاله في حقه; قال: سألني شيخنا محمود بن علي بن الحسين الحمصي، المتكلم الرازي (رحمه الله) عن معنى الحديث (قول أبي جعفر (عليه السلام) قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) بردّ الحبيس وانفاذ المواريث)، فقلت: الحبيس: الملك المحبوس على بني آدم من بعضنا على بعض مدة حياة الحابس دون حياة المحبوس عليه، فإذا مات الحابس فإنّ الملك المحبوس يكون ميراثاً لورثة الحابس، وينحلّ حبسه على المحبوس عليه، فقضى (عليه السلام) برده إلى ملك الورثة... إلى أن قال: فأعجبه ذلك، وقال كنت اتطلع على المقصود فيه، وحقيقة معرفته وكان منصفاً غير مدع لما لم يكن عنده معرفة حقيقة، ولا من صنعته، وحقّاً ما أقول: لقد شاهدته على خُلق قل ما يوجد في أمثاله من عودة إلى الحق وانقياده إلى ربقته وترك المراء ونصرته كائناً ما كان صاحب مقالته وفقه الله وإيّانا لمرضاته وطاعته .2
وفي القرن السابع ألّف نجم الدين الحلي المعروف بالمحقّق (602 ـ 676 هـ) ذلك الإمام الكبير في الفقه والأُصول، كتابه: «المعارج في أُصول الفقه» وقد طبع عدة مرات، وهو مع صغر حجمه إلاّ أنّه كبير المعنى.
قال صاحب اعيان الشيعة: ومن كتبه «نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول».(4)

1 . المنقذ من التقليد: 17 .   2 . السرائر: 3 / 290 .
2 . السرائر: 2 / 190 ـ 191 .            4 . اعيان الشيعة: 4 / 192 .

صفحه 20

المؤلف والشارح بين يدي أصحاب التراجم

الكتاب الّذي نقدّمه إلى القرّاء الكرام هو تأليف عالمين كبيرين معروفين في الأوساط العلمية الإسلامية، وهما غنيان عن التعريف والتوصيف إلاّ أننا سنذكر موجزاً من حياتهما ليكون ذلك كالتقدير لما بذلاه من جهود مضنية في إرساء وإغناء المعارف الإسلامية.

المؤلف

هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدوني 1 ثم المصري، الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب بـ «جمال الدين». كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كردياً. واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومها واتقنها غاية الإتقان. ثم انتقل إلى دمشق ودرّس في جامعها في زاوية المالكية وكان الأغلب عليه علم العربية .2
ولد ابن الحاجب سنة 570 أو 571 هـ ، بـ «إسنا» من بلاد الصعيد (3).
وقال ابن خلكان: كان من أحسن خلق الله ذهناً... وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ جواب بسكون كثير وتثبت تام .3

1 . ولعل الصحيح هو الدويني نسبة إلى دوين في آخر آذريبجان من جهة ايران، وبلاد الكرك. معجم البلدان: 2 / 558 .
2 . وفيات الأعيان: 3 / 248، برقم 413 .      3 . سير أعلام النبلاء: 23 / 265 .
3 . وفيات الأعيان: 3 / 248، برقم 413 .

صفحه 21
ويقول السيوطي: وصنف في الفقه مختصراً، وفي الأُصول مختصراً، وفي النحو الكافية وشرحها ونظمها، والوافية وشرحها، وفي التصريف الشافية وشرحها، وفي العروض قصيدة، وشرح المفصّل سماه الإيضاح، وله الأمالي في النحو.
ثمّ أضاف: ومصنفاته في غاية الحسن وقد خالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات مفحمة يعسر الجواب عنها، وكان فقيهاً مناظراً مفتياً مبّرزاً في عدة علوم متبحراً ثقة ديّناً ورعاً متواضعاً .1 إلى غير ذلك من كلمات أصحاب التراجم الّتي تشبه بعضها بعضا.

تصانيفه

ألف ابن الحاجب تصانيف ـ كما قال السيوطي ـ في نهاية الحسن، وإليك اسماء بعضها:
1. الكافية في النحو (مطبوع).
2. الشافية في الصرف (مطبوع).
3. المقصد الجليل وهي قصيدة في العروض (مطبوع).
4. مختصر في الفقه ويسمى جامع الأمهات.
5. منتهى السُؤل 2 والأمل في علمي الأُصول والجدل (مطبوع).
6. مختصر منتهى السُؤل والأمل، ويعرف بمختصر ابن الحاجب (مطبوع).
إلى غير ذلك من التصانيف الّتي حفلت بذكرها كتب التراجم، وقد انهاها

1 . بغية الوعاة: 2 / 165 برقم 1632 .
2 . طبع بعنوان «منتهى الوصول والأمل»، من قبل دار الكتب العلمية (بيروت، 1405 هـ) .

صفحه 22
محقّق كتاب «رفع الحاجب» إلى أربعة وعشرين مؤلّفاً.
وفي ختام كلامنا عن المؤلف نتحف القارئ الكريم بشيء نافع وجميل وهو أن السيوطي يقول عند ذكر مؤلفاته: وله في العروض قصيدة وفي نظمه قلاقة 1فلو صحت هذه النسخة فالمعنى ان في نظمه قلقاً واضطراباً .
ولكن المنقول في الروضات عن الذهبي: وفي نظمه بلاغة .2
ولعلّ الصحيح هو الثاني، لأنّه حسب الظاهر في مقام المدح لا الذم، وعلى كل تقدير فنحن نعرض هنا شيئاً من شعره الرائق في المؤنثات السماعية والّتي جمعها في ثلاثة وعشرين بيتاً، وقد سمعتها لأوّل مرة من أُستاذي الكبير ميرزا محمد علي المدرس الخياباني (1296 ـ 1373 هـ) مؤلف «ريحانة الأدب» .
وكنت قد عزمت على شرح هذه القصيدة وأنا في أواسط العقد الثاني من عمري ولم يُقدّر لي القيام بذلك.
قال ابن الحاجب:
نفسي الفداء لسَائل وافاني *** بمسائل فاحَت كَغصن البانِ
أسماء تأنيث بغَير علامة *** هِي يا فَتى في عُرفهم ضَربان
قَد كانَ مِنها ما يؤنَث ثَمَّ ما *** هُوَ ذُوِ خيار لاختلاف مَعان
أمّا الّتي لابُدّ مِن تأنيثها *** ستُّونَ مِنها العين والاُذنانِ

1 . بغية الوعاة: 2 / 135 .
2 . روضات الجنات: 5 / 174. لم نعثر عليه في «سير أعلام النبلاء» ولا في «تاريخ الإسلام»، مع أنّ أكثر ما ذكره صاحب الروضات في ترجمته مأخوذ من هذين المصدرين. ولعله أخذ هذا الموضع من غير الذهبي دون أن يشير إلى مصدره .

صفحه 23
والنفس، ثمّ الدّار، ثمّ الدّلو من *** أعدادها والسنّ والكَتفانِ
وجَهنّم، ثمّ السَّعير وعقرب *** والأرض، ثم الإست، والعَضُدان
ثمّ الجحيم ونارها ثمّ العصا *** والرِّيح منها وَاللَّظى وَيَدان
والغول والفردوس والفلك الّتي *** في البحر ـ تجري وهي في القرآن
وعروض شعر والذراع وثعلب *** والملح ثم الفاس والوركان
والقوس ثمّ المنجنيق وارنب *** والخمر ثمّ البئر والفخذان
وكذاك في ذهب وفهر حكمهم *** ابداً وفي ضرب بكلّ معان
والعين والينبوع والدّرع الّتي *** هي من حديد قطُّ والقدمان
وكذاك في كبد وفي كرش وفي *** سقر ومنها الحرب والنعلان
وكذاك في فرس وكأس ثمّ في *** أفعى ومنها الشمس والعقبان
والعنكبوت تدبُّ والموسى معا *** ثمّ اليمين واصبع الإنسان
والرّجل منها والسراويل التي *** في الرّجل كانت زينة العريان
وكذا الشّمال من الاناث ومثلها *** ضبع ومنها الكفُّ والسّاقان
***
أمَّا الّذي قد كنت فيه مخيّراً *** هو كان سبعة عشر في التّبيان
السّلم، ثم المسك، ثم القدر في *** لغة ومنها الحال كلّ أوان

صفحه 24
والليث منها والطّريق وكالسُّرى *** ويقال في عنق كذا ولسان
وكذا السّماء والسّبيل مع الضحى *** ثمّ السلاح لقاتل الطعان
والحكم هذا في القفا أبداً وفي *** رحم وفي السكين والسُّلطان
فقصيدتي تبقى واني اكتسي *** ثوب الفناء وكلّ شيء فان1
وما أفاده في آخر القصيدة: «وقصيدتي تبقى...» كلام حق، فقد بقيت قصيدته في الاذهان والكتب وإن بَلى جسمه .
ولعل هذا المقدار في التعرف على المصنّف كاف ولمن أراد المزيد فليرجع إلى المعاجم خصوصاً «موسوعة طبقات الفقهاء» حيث وردت فيها مصادر ترجمته.2

الشارح

لا عتب على اليراع إن وقف عن الإفاضة في تحديد شخصية لامعة تُعدّ من أبرز النوابغ والفطاحل الذين يضنّ بهم الزمان إلاّ في فترات قليلة، فإن شارح المختصر هو من تلك الطبقة العليا ومن أعاظم الفقهاء والأُصوليين. وفي كلمة: انّه

1 . روضات الجنات: 5 / 186 ـ 187 .
2 . موسوعة طبقات الفقهاء، تأليف اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام): 7 / 152 .

صفحه 25
شيخ الإسلام، والمجتهد الأكبر، والمتكلم الفذ، والباحث الكبير، جمال الدين أبو منصور المعروف بالعلاّمة الحلي، وبآية اللّه على الإطلاق، و بابن المطهّر. ولد في شهر رمضان سنة 648 هـ و أخذ عن والده الفقيه المتكلم البارع سديد الدين يوسف، و عن خاله شيخ الإمامية المحقّق الحلي الذي كان له بمنزلة الأب الشفيق له، فحظى باهتمامه ورعايته، ولازم الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي مدة و اشتغل عليه في العلوم العقلية وبرع فيها وهو لا يزال في مقتبل عمره.
يعرّفه معاصره أبو داود الحلي، بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول و المنقول.1
وقال الصفدي: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته... و كان يصنف و هو راكب... و كان ريّض الأخلاق، مشتهر الذكر... وكان إماماً في الكلام والمعقولات.2
وقال ابن حجر في لسان الميزان: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وكان آية في الذكاء... و كان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق.3
ويقول في الدرر الكامنة: اشتغل في العلوم العقلية فمهر فيها وصنّف في الأُصول والحكمة وكان رأس الشيعة بالحلّة، واشتهرت تصانيفه وتخرج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه،

1 . رجال أبي داود: 119، برقم 461.
2 . الوافي بالوفيات: 13/85، برقم 79.
3 . لسان الميزان: 2/317.

صفحه 26
وصنف في فقه الإمامية وكان قيّماً بذلك داعية إليه... إلى أن قال: بلغت تصانيفه مائة وعشرين مجلداً .1

تصانيفه في علم الأُصول

قد تقدم تصريح ابن حجر بأن تصانيف العلاّمة قد بلغت مائة وعشرين مجلداً ومن أراد أن يطلع على تصانيفه في مختلف العلوم الإسلامية من الفقه والأُصول والمنطق والكلام والفلسفة والتفسير والرجال فعليه أن يرجع إلى ما ألفه السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله) في ذلك المضمار وأسماه بـ «مكتبة العلاّمة الحلّي». إلاّ أننا نقتصر في المقام بذكر تصانيفه في علمي المنطق والأُصول، لأنّ هذا التقديم مختص بأحد كتبه في هذين المضمارين، فنقول: إن العلاّمة الحليّ قد ضرب في علمي المنطق والأُصول بسهم وافر فألّف فيهما مختصرات ومتوسطات ومطوّلات، نشير أوّلاً إلى كتبه في علم الأُصول ثم نتطرق فيما بعد إلى كتبه في المنطق، فنقول: إن له في الأُصول سبعة كتب هي:
1. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»، (مطبوع) ذكره المصنّف لنفسه في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا.
2. «منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول» ذكره المصنّف في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
3. «نهج الوصول إلى علم الأُصول»، ذكره المصنّف في الخلاصة،

1 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 27
وإجازته للسيد المهنّا. وأحال في مبحث الحقيقة الشرعيّة من هذا الكتاب إلى كتاب «نهاية الوصول» .
4. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول»، (مطبوع) ذكره المصنّف في الخلاصة، وإجازته للسيد المهنّا، وله شروح كثيرة.
5. «نهاية الوصول إلى علم الأُصول». ذكره المصنّف في إجازته للسيد المهنّا .
وعرّفه في «الخلاصة» بقوله: كتاب جامع في أُصول الفقه لم يسبقه أحد، فيه ما ذكره المتقدّمون والمتأخّرون ألّفه بالتماس ولده فخر الدين. وقد قامت بتحقيقه اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) وطبع في خمسة اجزاء.
6. «غاية الوصول وإيضاح السبل» في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل 1 لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ) ذكره المصنّف في خلاصة الرجال، وهذا هو الكتاب الّذي بين يدي القارئ الكريم.
7. «النكت البديعة في تحرير الذريعة»، وهو في شرح «الذريعة في أُصول الفقه» تأليف السيد الشريف المرتضى.

تصانيفه في المنطق:

ألّف العلاّمة في هذا المضمار ما يقرب من عشرة كتب نشير إلى بعضها:
1. الأسرار الخفية في العلوم العقلية: فالجزء الأوّل منه في المنطق، وهو مطبوع.

1 . عبّر ابن الحاجب عن المنطق بالجدل.

صفحه 28
2. الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: شرح فيه قسم المنطق من كتاب التجريد لاستاذه المحقّق نصير الدين الطوسي، وهو مطبوع منتشر.
3. القواعد الجلية في شرح الشمسية: توجد نسخه في المكتبات.1
4. مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق في المنطق والطبيعي والإلهي: ألفه لسعد الدين صاحب الديوان توجد نسخه في المكتبات .(2)
ثم أن البحاثة السيد عبد العزيز الطباطبائي ذكر له أربعة كتب في المنطق، وبما أنها مفقودة فقد أعرضنا عن ذكرها .2

منهج التحقيق

من أجل اخراج هذا الكتاب بهذه الحلّة القشيبة تم الاعتماد على نسختين قديمتين من نُسَخِه، وهما:3
الأُولى: وهي الموجودة صورتها في مكتبة «مجمع البحوث الإسلامية» في مشهد المقدسة. وعليها تملك الباحث المتتبع الشيخ محمد السماوي المتوفّى عام 1370 هـ ، وقد كانت النسخة عنده مجهولة المؤلف لكنه عرف مؤلفها من خلال النقل فيها عن كتب العلاّمة، حيث يحيل فيه إلى «الاسرار الخفية في العلوم العقلية» و «مناهج اليقين في أُصول الدين» وإليك نص عبارته:

1 . مكتبة العلاّمة الحلّي: 160.   2 . نفس المصدر: 185 .
2 . نفس المصدر: 52، 63، 77، 114، 135، 173، 206.
3 . ذكر السيد عبد العزيز الطباطبائي لهذا الكتاب تسع نسخ خطية وذكر مشخصاتها، إلاّ أنّه لم يذكر ـ ضمنها ـ النسخة الأُولى (نسخة الشيخ السماوي (رحمه الله)). انظر مكتبة العلاّمة الحلي: 134 ـ 135 .

صفحه 29
أقول: أحمد الله الّذي كشف لي عن هذا الكتاب العزيز واظهره على يدي بالقرائن، الّتي منها: تحويله في المنطق على كتاب «الاسرار»، وفي الكلام على كتاب «مناهج اليقين» مكرراً في المقامين، ومنها تصريحه في ابطال ما يُعترض به على الإمامية أو ينسب إليهم ممّا لا يقولون به، ومنها تصريحه مراراً بمذهب السيد المرتضى والشيخ الطوسي قائلاً من أصحابنا إلى غير ذلك، ولولا أن كتاب «الاسرار الخفية» وكتاب «مناهج اليقين» للعلاّمة عندي لما كشف لي، فالحمد لله على ما منح والصلاة على محمد وآله وعلماء دينه الجارين على منواله كتبه محمد السماوي عفي عنه في بغداد 1349 هـ .
وما اشار إليه (قدس سره) من الكتابين هو الّذي يذكره الشارح (رحمه الله) في مقدمة هذا الكتاب، فيقول: ولما لطف الله تعالى لنا بإملاء كتابي «الاسرار [الخفية ]» و «المناهج [ مناهج اليقين ] في المباحث العقلية وتحصيل العقائد اليقينية» توجّهنا بالطلب نحو املاء شيء في هذا العلم، ولمّا كان الكتاب الموسوم بمختصر منتهى السوؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل... الخ.
ثم ان الشيخ السماوي يقول في ظهر الصفحة الأُولى من الكتاب : ثم وجدت نسخة أُخرى ناقصة أيضاً واكملتها على نسخة أُخرى ناقصة أيضاً وجدت في خزانة الرضا (عليه السلام) والّذي اظنه قوّياً ان جملة من هذه النسخة (الّتي تملّكها) بخط العلاّمة اعلى الله مقامه نظراً لما ملكته من خطه (قدس سره) . وقد مدح ابن حجر هذا الكتاب في الدرر الكامنة عند ذكره للعلاّمة باسم الحسين لا الحسن بن يوسف بن المطهر فانظر هناك.. محمد السماوي وحرر في سنة 1362 هـ .
وجاء في آخر هذه النسخة: فهذا اخر ما اردنا ايراده على هذا الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمّد النبي وآله الطيبين الطاهرين،

صفحه 30
وكان آخر فراغه يوم السبت الثاني والعشرين من شهر رجب سنة 697 سبع وتسعين وستماية.
ولعل ما ذكره الشيخ السماوي ونقلناه بنصه كاف في التعريف بالنسخة، غير أنّه بقي لنا كلام في تاريخ تأليفها ونسخها، وسيوافيك عن قريب.
النسخة الثانية: وهي الموجودة صورتها في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة في مشهد الرضا (عليه السلام)، وأصل النسخة في مكتبة الوزيري في يزد برقم 1955، وهي تقع في 229 ورقة، وجاء في آخرها: اتفق الفراغ من تحريره ضحوة يوم الجمعة في اواخر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبعمائة ببلدة السلطانية حماها الله تعالى على يد أضعف عباد الله محمد بن محمود بن محمد ملك الطبري كفّر الله عن سيئاته، وفرغ مصنفه من تسويدها في ليلة الثامن من شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعين وستماية، والحمد لله والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

تنويه

جاء في آخر النسخة الأُولى العبارة التالية: «وكان آخر فراغه يوم السبت، الثاني والعشرين من شهر رجب سنة 697 هـ ، والظاهر أن العبارة من انشاء المؤلف لا الناسخ، وقد مرّ ان العلاّمة السماوي الخبير في معرفة النسخ الخطية «ان جملة من هذه النسخة بخط المؤلّف» أو خط من أملى عليه المؤلف مباشرة ويشهد على ذلك عدم وجود اسم للناسخ ولا لتاريخ الكتابة وعلى ضوء ذلك فالمعتمد في تاريخ تأليف الكتاب هو ما جاء فيها.1

1 . ذكر السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله) انّه توجد مخطوطة كتبت في 5 رجب سنة 691 هـ في مكتبة فخر الدين النصيري في طهران، كتبها حسن بن حسين بن أحمد بن مطلوب النيلي لنفسه من خط مولانا الإمام العلاّمة جمال الحق والدين مصنفه ادام الله أيامه فرغ منه في خامس شهر رجب المبارك سنة احدى وتسعين وستمائة وذلك بالحلّة السيفية، وبهامش الورقة الأخيرة منها سجّل تاريخ فراغ المصنّف سنة 679 هـ . (انظر: مكتبة العلاّمة الحلّي: 134 ).

صفحه 31
ولكن الظاهر من النسخة الثانية أنّه فرغ من تسويدها في ليلة الثامن شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعين وستمائة، والظاهر أن ذلك من إنشاء الناسخ وحكايته، وعلى هذا يكون المعتمد هو الأوّل، وأما السبعين المذكورة فيحتمل أن تكون تسعين لوجود التشابه بين الكلمتين في الخط ، وهذا كثير الاتفاق في النسخ الخطية .
على أن المؤلف قد ذكر أنّه قد ألف هذا الشرح بعد تأليفه لكتابه «الاسرار الخفية» و «مناهج اليقين» بشهادة أنّه قد فرغ من تأليف «مناهج اليقين» سادس ربيع الآخر سنة 681 هـ ، كما في نسخة مكتبة ملك .1
وأما: «الأسرار الخفية في العلوم العقلية» فهي فاقدة لتاريخ التأليف.
على أن المؤلف غار في هذا الكتاب وذكر مباحثاً عميقة يناسب أنّه كتبها في أواسط عمره لا في مقتبل شبابه. فلو كان تاريخ النسخة 679 هـ لكان عمره 31 سنة، وأما لو كان التاريخ 697 هـ فيكون عمره 51 سنة، وهو الأنسب.

1 . مكتبة العلاّمة الحلي: 92 .

صفحه 32
 
شكر وتقدير
وفي الختام نتقدم بالشكر الجزيل إلى صديقنا العزيز حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي أكبر الآلهي الخراساني مسؤول مجمع البحوث الإسلامية في مشهد الرضا (عليه السلام) والّذي اتحفنا بمصورتي مخطوطتي الكتاب، فشكراً له، فكم له من أياد بيضاء على العلم وأهله وجهود خيّرة من أجل نشر الثقافة الإسلامية.
ونتقدم بالشكر الوافر إلى محقّق الكتاب الشيخ آ. مرداني پور الّذي بذل جهوداً مشكورة في تحقيق الكتاب وأردفه بتعليقات مفيدة وهو أحد ابنائنا الفضلاء حيث حضر دروسنا في علم أُصول الفقه لأكثر من دورة حضور جد واستفادة، فشكر الله مساعيه.
ونشكر أيضاً اعضاء اللجنة العلمية في مؤسستنا وهم ; محمد عبدالكريم، ومحمد الكناني، وخليل النايفي، الذين تولوا مقابلة مخطوطتي الكتاب وتصحيح متنه على ضوء المخطوطتين وإرجاع رواياته إلى مصادرها، وترجمة أعلامه وترقيم آياته وغير ذلك من الاعمال الفنية الهامة الّتي ساهمت بأن يخرج الكتاب بهذه الصورة الرائعة، فجزاهم الله خير الجزاء والحمد لله رب العالمين .
جعفرالسبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
15 من ذي القعدة الحرام 1428 هـ

صفحه 33
مقدمة المحقّق   

مقدمة المحقّق

كانت رحلة شيقة وشاقة في الوقت نفسه، وذلك برفقة شيخي وأُستاذي الكريم آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني (دام ظله) حيث كان طوال الرحلة يسدد الخطى ويعدّل الاعوجاج وينقد ما كنت اكتبه من تعليق وتحقيق نقداً واعياً ودقيقاً نتلافى به بعض العثرات الحادثة.
حينما فاتحني سماحته للقيام بتحقيق هذا الكتاب كنت راغباً عن تحمل المسؤولية لما لمثل هذا العمل من تعقيد في النص وصعوبة في المضمون، وما في النسخة الخطية من تشويش ومعوقات، إلاّ انني قد رأيت رغبة من سماحته لانجاز ذلك، فبدأت متوكلاً على الله سبحانه لا لرغبة في العمل بل استجابة لرغبته ـ حفظه الله ـ ، ولكن كان ما كان! لأنّ النهوض بهذه المهمة الصعبة عاد عليّ شخصياً بالكثير من الفوائد العلمية حيث فتح لي آفاقاً جديدة كنت بأَمسِّ الحاجة إليها، ولذلك أشعر بأني مدين في ذلك لشيخي الأُستاذ ورعايته الأبوية اتجاهي في هذا المعترك.
ولابد هنا من الاشارة إلى ان الدخول في اجواء الكتاب والتفاعل معها، حفَّزني إلى ان تكون لي مساهمات متواضعة تمثلت في كتابة تعليقات في الهامش لايضاح بعض الآراء والأفكار والمواقف، أملي أن تكون نافعة للمتلقي في معالجة بعض الصعوبات الّتي تعترض طريقه اثناء قراءة المتن والشرح .
دونما شك، لولا متابعة وإشراف سماحته ـ حفظه الله ورعاه ـ لم اتمكَّن من

صفحه 34
اكمال المهمة ابداً، فبفضل جهوده المتواصلة ظهر هذا العمل المنسي إلى النور ليكون ساقية لأهل الفكر ومصدراً معتمداً لأساتذة علم الأُصول المقارن.
وقد استوفى سماحته البحث في مقدمته الشيقة الجامعة لتعريف هذا الكتاب فلم يبق باقية; لكني رأيت من الضروري ان اتحدث قليلاً عن تجربتي الشخصية مع هذا العمل، لأني وجدت الشارح ـ العلاّمة الحلي (قدس سره) ـ قد برز في شرحه المتفوق هذا، موضوعياً محنكاً لا يعيقه عائق في الاسترسال فكان ـ وللإنصاف ـ ابن بجدتها وملازم ارومتها ، وان اردنا تلخيص معالم منهجه في هذا الشرح الكريم فهي كالآتي:
1.الأدب الرفيع ودماثة الاخلاق ولين العريكة في التعامل مع الآراء والمذاهب.
2. الابتعاد عن السجالات المذهبية العقيمة الّتي لا تخدم العلم ولا تكون سبباً لتطويره بذريعة الدفاع عن المذهب.
3. النقد الهادئ الرصين البنّاء الّذي لا يخرج العمل عن كونه شرحاً لكتاب; ففي الغالب تجده يعبر عن رأيه في ما لا يرتضيه بقوله: «فيه نظر!»، وهذا إنّما يكشف عن رباطة جأش الشارح المعظم حيث يكبح جماح رغباته عند حدودها. أجل في البحوث المنطقية توسع في نقده بعض الشيء وذلك لمبررات وجيهة لا مجال للحديث عنها.
4. اضافة افكار جديدة لاثراء الشرح، ومنها درج رأي مدرسة آل البيت(عليهم السلام)الأُصولية .
5. ان العلاّمة (قدس سره) بفضل احاطته بمختلف العلوم الإسلامية، تمكن من ان يعالج موضوعات كل علم وردت في المتن حسب قواعد ذلك العلم بحنكة وطول باع وقوة عارضة فقام بالواجب على احسن ما يرام.
وبذا تمكن الشارح المفضال أن يضع منهجاً رزيناً ومتقناً لمن اراد أن يتبع

صفحه 35
الطريق الأمثل في عملية الشرح والايضاح .
أن ما بين يدي القارئ المفضال هو الجزء الأوّل من جزئي كتاب «غاية الوصول والأمل...»، وقد حوى بين دفتيه فصولاً وأبواباً هي كما يلي:
مبادئ علم الأُصول، علم المنطق [ للصلة الوثيقة القائمة بين العلمين]، مبادئ اللغة، بحث الوضع، مباحث الاحكام، بحث الأدلة الشرعية من كتاب وسنة واجماع، عدالة الصحابة، اقسام الخبر، ومباحث الأمر.
نرجو من الله العلي القدير أن يكون في عوننا لمواصلة المشوار في الجزء الثاني من هذا الكتاب القيم الجاد.
وفي الخاتمة اتقدم بشكري وتقديري لاستاذي الجليل سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني لرعايته الابوية ولشفقته وتوجيهاته القيّمة الّتي تصلح ان تكون أساساً لاعمال أُخرى لاتقل مكانة وجدّية عن هذا العمل.
كما اتقدم باعتذاري لو كان هناك تقصيراً ينشأ من العجز البشري عادة!
ولا يفوتني أن أُقدّم جزيل شكري وثنائي لزملائي في اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) الذين ساهموا في أمر التصحيح والمقابلة، كما اشكر السيد الجليل محسن البطاط الذي شاركنا في إنجاز هذا المشروع من خلال نضد حروف الكتاب واخراجه في حلة قشيبة لائقة.
والحمد لله رب العالمين
 
آ. مرداني پور
5 ذي القعدة 1428 هـ

صفحه 36

صفحه 37
مقدمة الشارح   

مقدمة الشارح

الحمد لله ذي العزّة والجلال والقدرة والكمال، المنزّه عن الأشباه والنظائر والأمثال، المتقدّس عن إدراك الحسّ وارتسام الخيال، الذي خلق الإنسان في أحسن اعتدال من غير احتذاء بغيره ولا تقدّم مثال، وشرّفه بالعقل المميّز بين الحسن والقبح من الأفعال، وتمم كمال الممكن بإرساله الرسل ليتّضح له في شرعه الحرام والحلال; أحمده على ما أولانا من الإفضال، وأشكره على ما أعطانا من النوال، واستزيده من النعم في هذه الدنيا وفي المآل; وصلّى الله على سيّد المرسلين المخصوص ببلوغ أقصى نهايات الكمال، محمّد المصطفى وعلى آله خير آل، المعصومين من الزلل في القول والفعال.
أمّا بعد، فقد أطبقت العقلاء واتّفقت العلماء على انّ أشرف النفوس الإنسانية بتكميلها في قوتها العملية، سبب مُعد لتحصيل السعادة الأُخروية، وذلك غير ممكن إلاّ بامتثال الشرائع السمعية والاقتداء بالأوامر الإلهية فكان من لطف الله تعالى بالبريّة، نصب الأحكام الشرعية.
ولمّا توقفت الأحكام على معرفة مصدرها وكيفية صفاته، وعلى معرفة الصادع بها والنظر في معجزاته، وكان علم الكلام هو المتكفل بهذه الأشياء; وجب

صفحه 38
تقديم العلم به على العلم بالأحكام. ثمّ لمّا كانت الأحكام متلقاة من الخطاب الإلهي، ومستفادة من الأمر النبوي وكانت ضروب الخطاب متكثرة الاعتبارات، متباينة في الدلالات ; وجب أن يوضع لكيفية استخراج الأدلة قانون يرجع إليه ويعوّل عليه، وذلك هو الفن المرسوم 1 بأصول الفقه. ولمّا لطف الله تعالى لنا باملاء كتابيّ: «الاسرار الخفية» و «مناهج اليقين» في المباحث العقلية وتحصيل العقائد اليقينية، توجهنا بالطلب نحو املاء شيء في هذا العلم .
ولمّا كان الكتاب الموسوم بـ «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل»2 من مصنّفات الإمام العلاّمة جمال الدين ملك المناظرين أبي بكر عمر بن الحاجب،3 قد احتوى من المسائل الشريفة والمباحث اللطيفة والايرادات اللائحة والأجوبة الواضحة، على ما لم يوجد في المبسوطات ولم يسطر في كثير من المطولات إلاّ انّه قد بلغ في الاختصار إلى حد الايجاز حتّى كاد يعدّ من الالغاز، فالناظر فيه لا يحصل إلاّ على قليل من معانيه; صرفنا الهمّة في كشف أغواره، وايضاح أسراره، وإظهار ما التبس فيه من المشكلات، وإبراز ما استتر من المعضلات، ولم نتجاوز حدّ الشرح في هذا الكتاب بذكر ما يعتمد عليه في

1 . في «ب»: الموسوم .
2 . إن ابن الحاجب قد اختصر «الإحكام في أُصول الأحكام» للآمدي واضاف إليه مباحث المنطق وسمّاه «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل» ثم اختصر الأخير فأسماه «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل».
3 . كذا في «الف» وأمّا «ب» فقد جاء فيها «ابن بكر بن عمر بن عثمان الحاجب»، والصحيح ـ كما في أكثر من مصدر ـ أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المعروف بـ «ابن الحاجب».

صفحه 39
المسائل، بل اقتصرنا على تحليل معانيه 1 ووسمناه بـ «غاية الوصول وإيضاح السبل 2 في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل»، معتصمين بالله تعالى ومتوكلين عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

1 . إنّ الشارح (قدس سره)لم يكتف في مطاوي الكتاب بالشرح والتحليل السطحيين، بل طفق يعالج القضايا المطروحة بدقة وعمق في المجالات الّتي تعرّض لها المصنّف في هذا المقام وبسبب المعارك الّتي احتدمت في ثنايا الكتاب، نجده قد برز ناقداً محنكاً، ومنظِّراً متميزاً في معترك مختلف الآراء.
2 . لعلّ التسجيل الصحيح لهذه المفردة هو «السَبَلْ» وذلك لأجل استقامة السجع وهي بمعنى: «المطر النازل من السحاب قبل أن يصل إلى الأرض» كما في كتب اللغة.

صفحه 40
مبادئ علم الأُصول   

صفحه 41
قال: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وسلّم.
أمّا بعد ; فإنّي لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار، وميلها إلى الإيجاز والإختصار; صنّفت مختصراً في أصول الفقه ،1 ثمّ اختصرته على وجه بديع وسبيل منيع، لا يصدّ اللبيب عن تعلّمه صاد، ولا يرد الأديب 2 عن تفهمه راد، والله اسائل (3) أن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل .
***
وينحصر في; المبادئ، والأدلة السمعية، والاجتهاد، والترجيح3.*

[ مبادئ علم الأُصول ]

* أقول: النظر في أصول الفقه إنّما هو نظر في طرق الأحكام الشرعية وكيفية الاستدلال بها، والأحكام الشرعية كما تلزم 4 المجتهد، تلزم (6) غيره ، ولكلّ   2

1 . ستجد أن المصنّف قد توسع حتّى شمل بحثه علمي المنطق والكلام، وذلك لمبررات موضوعية نبه عليها.
2 . في نسخة «ب»: الأريب .   3 . في نسخة «ب»: أسألُ .
3 . هذا التقسيم الرباعي هو نفس التقسيم الّذي يتبناه الآمدي في «الإحكام» من ذي قبل وجعله مفاصل لبحوث كتابه هذا.
4 . في نسخة «الف» ونسخة «ب»: يلزم .         6 . في نسخة «ب»: يلزم .

صفحه 42
قال: فالمبادئ: حدّه، وفائدته، واستمداده.*
<---واحد منهما طريق إلى تحصيل ما كلف به، فطريق المجتهد الاجتهاد وطريق غير المجتهد الاستفتاء.
والاجتهاد قد يكون بالأدلة العقلية وقد يكون بالأدلة السمعية، فيجب النظر في الأدلة السمعية في هذا العلم، وأمّا الأدلة العقلية فانّها غير دالّة على معرفة الأحكام عند المصنف فإنّه لا يقول بالوجوب العقلي وغيره من الأحكام فلهذا لم يجعل النظر في كيفية دلالتها 1 من هذا العلم على الاجتهاد وكيفيته.
ولما كانت الدلائل السمعية قد تتعارض بإن يرد عامّان أو خاصّان أو عامّ وخاصّ، أو يحصل فرع يمكن رده إلى أصلين متعارضين، وجب النظر في الترجيح.
وأمّا النظر في المبادئ، فإنّما وجب لكون كلّ علم لابدّ من مباد ينبني ذلك العلم عليها فوجب النظر في المبادئ.
* أقول: المبادئ لكلّ علم قد تكون تصوّرات وقد تكون تصديقات، فالتصورات هي الحدود، والحدود :
أمّا حدود موضوع العلم .
وأمّا حدود أجزائه .
أو حدود جزئياته .
   
أو حدود أعراضه الذاتية.
والمصنف جعل الحدّ ـ الذي هو المبدأ هاهنا ـ هو حدّ العلم، وكون   2

1 . أي: الدلالة العقلية.

صفحه 43
قال: أمّا حدّه لقباً، فالعلم بالقواعد الّتي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية.*
<---العلم محدود بما حدّه المصنف، فيه نظر; فإنّه إنّما عرّفه بإضافته إلى المعلوم، وإضافته إلى المعلوم من الأمور الخارجة عنه، فإنّ العلم من الصفات الحقيقية التي تلزمها الإضافة فيكون هذا الذي ذكره من قبيل الرسوم.
وأمّا التصديقات، فهي المقدمات الّتي يبتني العلم عليها، وبيانها إنّما يكون في علم آخر وهو المراد من الاستمداد من ذلك العلم .
وإمّا الفائدة فهي الغرض من ذلك العلم، وفي كونه من المبادئ، نظر.

[ تعريف علم أُصول الفقه ]

* أقول: أصول الفقه لفظ مركب، كل واحد من جزئيه قد وضع في اللغة على معنى وقد استعمل أحد جزئيه في العرف على معنى آخر، ثمّ إنّ مجموع اللفظين قد جعلا علماً على علم خاص، فلهذا المركب اذن، حدّان :
احدهما: بحسب اللقب وهو الذي جعل فيه مجموع اللفظين علماً على هذا العلم .
والثاني: بحسب الاضافة والتركيب .
والفرق بينهما ظاهر، فإنّ الأوّل لا إلتفات فيه إلى الأجزاء 1 من دلالتها على ما وضعت له، وإنّما الالتفات فيه إلى الاستعمال الطارئ، والثاني على العكس.
وقدم المصنف الحد بحسب اللقب على الحد بحسب الاضافة لكونه هو   2

1 . في نسخة «ب»: حال الأجزاء.

صفحه 44
<---المطلوب هاهنا بالذات، وذكر في تحديده: العلم فإنّه جنس عال، وقوله: بالقواعد، إشارة إلى الأمور الكلية الّتي يبتني عليها غيرها .
وقوله: الّتي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام... احترز به عن القواعد التي يستنبط منها العلم بالماهية والصفات، وقيّد الأحكام بالشرعية ليخرج الأحكام العقلية عنه.
وقوله: الفرعية عن أدلتها التفصيلية... ليخرج الأحكام الشرعية التي لا تكون فرعية .
وهذا الحد فيه نظر لانطباقه على علم الخلاف.1

1 . قد قيل في تعريف علم الخلاف:
      «هو علم تعرف به كيفية ايراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية»، وهو الجدل الّذي هو قسم من المنطق إلاّ انّه خص بالمقاصد الدينية.
      وفي المبررات الموضوعية لظهور هذا العلم قالوا:
      لما انتهى الأمر إلى اقتصار الناس على تقليد الأئمة الأربعة، جرى الخلاف بين المتمسكين بها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية، فجرت بينهم مناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، ولابد لصاحب هذا العلم من معرفة القواعد الّتي يتوصل بها إلى استنباط الاحكام كما يحتاج المجتهد، إلاّ أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلاف يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل من أن يهدمها المخالف بأدلته.
      ينظر: كشف الظنون: 1 / 721 ; مقدمة ابن خلدون: 456 .
      ويبدو أنّ مراد المؤلف من «الجدل» في عنوان كتابه: «... في علمي الأُصول والجدل»، هو علم الخلاف، والله العالم.

صفحه 45
قال: وأمّا حدّه مضافاً، فالأُصول: الأدلة ; والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.*
* أقول: هذا هو الحدّ بحسب المعنى الثاني وهو الذي ينظر فيه من حيث الأجزاء وكيفية دلالتها على ما وضعت له، وهذا الحدّ إنّما يتألف من حدود الأجزاء فانّه بهذا المعنى مركب، والمركب يستحيل معرفته دون معرفة أجزائه من حيث جعلت أجزاء، فالأصول هي الأدلة، فإنّ أصل كلّ شيء ما يسند إليه والمدلول يسند إلى الدليل.
والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية بالاستدلال، فالعلم: جنس، والتقييد بالأحكام، ليخرج 1 العلم بالذوات والصفات، وتقييد الأحكام بالشرعية، لتخرج الأحكام العقلية، وتقييد الشرعية بالفرعية، ليخرج ما ليس بفرعي منها كالعلم بكون انواع الأدلة حجّة.(2)
وقوله: عن أدلتها التفصيلية... ليخرج عنه اعتقاد المقلد .
وقوله: بالاستدلال... ليخرج علم واجب الوجود وعلم الملائكة.2
لا يقال: الفقه من باب الظنون فكيف تجعلون جنسه العلم؟
لانّا نقول: الظنّ إنّما هو في طريقه .   2

1 . في «ب»: عنه .   2 . في «ب»: حججاً.
2 . لان العلم الحاصل بالاستدلال حصولي، وعلم واجب الوجود وعلم الملائكة حضوري في غنىً عن الاستدلال لحضور المعلوم فيه عند العالم، هذا وفي كيفية علم الباري بين العلماء خلاف.

صفحه 46
قال: وأورد: إن كان المراد البعض، لم يطردّ 1 لدخول المقلِّد، وان كان الجميع، لم ينعكس2 لثبوت «لا أدري».*
<--- وهاهنا سؤال وهو أن يقال: الدليل إذا كان إحدى مقدماته ظنية كان ظنياً فكيف تجعلون الطريق ظنياً والفقه علماً؟
والجواب أن نقول: هاهنا مقدمتان يقينيتان تفيدان العلم بالأحكام الفقهية وهما:
إنّ المكلّف متى نظر في الأخبار وغيرها من الطرق، حصل عنده ظن بثبوت ذلك الحكم وهذا يقينيّ .
وكلّ من حصل له ظن بثبوت الحكم، وجب عليه ذلك الحكم بالإجماع.
وهما تنتجان القطع بوجوب الأحكام الشرعية.
* أقول: هذا سؤال يرد على حد الفقه، وتقريره: الفقه هو العلم بالأحكام، فإمّا أن يريد العلم ببعض الأحكام، أو يريد العلم بجملة الأحكام، والقسمان باطلان:
أمّا الأوّل فلعدم الإطراد، أعني وجود الحدّ بدون المحدود، فإنّ المقلِّد الّذي استفاد بعض المسائل، يكون قد وُجد فيه الحدّ دون المحدود فانّه لا يسمّى فقيهاً مع إنّه عالم .
وأمّا الثاني فلعدم الانعكاس، أعني وجود المحدود بدون الحدّ، فإنّ كثيراً من العلماء يسمّون فقهاء مع عدم علمهم بجملة الأحكام الشرعية، فانّه قد نقل   2

1 . أي لم يكن مانعاً لدخول الغير.
2 . أي لم يكن جامعاً لجميع الأفراد .

صفحه 47
قال: وأجيب بالبعض، ويطرد لأنّ المراد بالأدلة الأمارات، وبالجميع، وينعكس لأنّ المراد تهيئته للعلم بالجميع.*
<--- عن الإمام مالك انّه سُئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: «لا أدري»، مع أنّه كان فقيهاً، وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: لثبوت «لا أدري».
ومن شرائط الحدّ، الاطراد والانعكاس فانّ التعريف بالأعمّ غير حاصل وكذلك بالأخص.
* أقول: المصنف أجاب عن هذا السؤال على تقدير كلّ واحد من قسمي المنفصلة:
أمّا على تقدير أن يكون المرادُ البعضَ، فالاطراد حاصل لانّ المقلِّد [ لا ]يدخل في هذا الحد لأنّ المراد بالأدلة إنّما هي الأمارات والمقلِّد إنّما يستفيد الحكم من الأمارة الدّالة على صدق المقلَّد، وعلى هذا التقدير [ لا ]يكون المقلِّد فقيهاً، ويطرّد الحد.1
ويحتمل أن يكون مراد المصنف: إنّ المقلِّد لا يكون فقيهاً لأنّ المقصود من الأدلة، الأمارات وهي التي يلزم من الظن فيها ظنّ وجود الشيء، والمقلِّد ليس بناظر. لكنّ هذا الاحتمال بعيد لأنّ تعليله في خروجه عن الفقه بكون الأدلة أمارات، غير مفيد في هذا.   2

1 . حاصل كلامه: ان المقلِّد يعتمد على كبرى واحدة وهي أن كلَّ ما أفتى به المفتي فهو حجة. وهذا بخلاف المجتهد فانّه يعتمد في كل مسألة على كبرى، وبالتالي يعتمد في عامة الفقه على أمارات وكبريات متوفرة.

صفحه 48
قال: وأمّا فائدته، فالعلم بأحكام الله تعالى.*
قال: وأمّا إستمداده، فمن الكلام والعربية والأحكام. أمّا الكلام، فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى، وصدق المبلّغ، ويتوقف 1 على دلالة المعجزة.**
<---والأولى أن يقال: أنّ المقلِّد غير فقيه لأنّا نشترط في الفقيه كونه عالماً بالأحكام التفصيلية من طريق الاستدلال .
وأمّا على تقدير أن يكون المراد بالأحكام الجميع، فالإنعكاس ثابت لأنّ المراد من العلم ليس هو العلم بالفعل بجميع الأحكام بل هو الاستعداد التام القريب من الفعل على معنى أن يكون مقتدراً على استخراج الأحكام الجزئية من القواعد الكلية.

[ فائدة علم الأُصول وإستمداداته ]

* أقول: قد بيّنا أنّ أصول الفقه إنّما هو النظر في طرق الأحكام الشرعية، فالمقصود منه تحصيل الطريق الذي به يتوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية التي وقع التكليف بها لتحصل السعادة الأخروية .
** أقول: العلم بأدلة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً، يتوقف :
على معرفة الله تعالى ، فإنّ معرفة الوجوب الشرعي بدون معرفة   2

1 . أي: صدق المبلغ.

صفحه 49
قال: وأمّا العربية، فلأنّ الأدلة من الكتاب والسنة عربية، وأمّا الأحكام، فالمراد تصوّرها ليمكن اثباتها ونفيها وإلاّ جاء الدور.*
<---الموجب، محال .
وعلى معرفة صفاته من كونه قادراً عالماً .
وعلى معرفة صدق الرسول (صلى الله عليه وآله) المتوقف على دلالة المعجزة .
والبحث في هذه الأمور إنّما هو في علم الكلام، فمبادئ هذا العلم 1 تتبين في علم الكلام فلهذا العلم استمداد منه.
* أقول: الأدلة التي تستفاد منها الأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنّة وهما عربيان، فتتوقف دلالة اللفظ على معرفة موضوعاتها اللغوية من جهة الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم والحذف والإضمار وغير ذلك ممّا يتبين في علم العربية، فلهذا العلم إستمداد من ذلك العلم.
وامّا إستمداد هذا العلم من الأحكام، فلأنّ الناظر في هذا العلم ناظر في طرق الأحكام فلابدّ وأن يكون متصوراً لحقائق تلك الأحكام، فإنّ الشيء الذي لا يكون متصوراً، يستحيل القصد إليه بالاثبات أو بالنفي .
ولا يراد هاهنا بالعلم بالأحكام، العلم من جهة التصديق حتّى يكون هذا العلم مستمداً من العلم بوجود الأحكام، لأنّ العلم بالوجود إنّما يثبت بالأدلة فلو تتوقف الأدلة عليه لزم الدور.

1 . أي: علم الأُصول.

صفحه 50
قال : الدليل لغة : المرشد ، والمرشد : الناصب والذاكر وما به الارشاد. وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وقيل: إلى العلم به فتخرج الأمارة، وقيل: قولان فصاعدا يكون 1 عنه قول آخر، وقيل: يستلزم لنفسه، فتخرج الأمارة.*

[ تعريف الدليل واقسامه ]

* أقول: أصول الفقه هي أدلة الفقه، فالكلام فيها يحوج إلى معرفة الدليل وانقسامه إلى ما يفيد العلم والظن ومعرفتهما ومعرفة النظر من حيث التصور، فلهذا ذكر المصنف تعريف هذه الأمور.
فالدليل في اللغة يطلق على المرشد والمرشد هو الناصب للدليل، وقد يطلق على الذاكر للدليل، ويطلق أيضاً على ما فيه دلالة وإرشاد.
وأمّا في الاصطلاح فقد يطلق في عرف الفقهاء على ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، سواء كان ذلك المطلوب علماً أو ظناً .
وإنّما قلنا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر ولم نقل ما يتوصل بصحيح النظر فيه، لأنّ الدليل الذي لا ينظر فيه لا يخرج عن كونه دليلاً لعدم النظر فيه، وقيدنا النظر بالصحيح ليخرج النظر الفاسد. وقولنا: إلى مطلوب خبري، احتراز عن الحدّ الذي يتوصل به إلى مطلوب تصوري .   2

1 . في نسخة «ب»: حتّى يكون.

صفحه 51
قال: ولابدّ من مستلزم للمطلوب، حاصل للمحكوم عليه، فمن ثَمَّ وجبت المقدمتان.*
<---وأمّا الأصوليون فانّهم يخصصون الدليل بما يفيد العلم وحينئذ تخرج الأمارة لانّها تفيد الظن، وقد حده الاوائل بأنّه: قول مؤلف من أقوال يلزم عنها قول آخر، فالقول كالجنس، وقولنا: مؤلف من أقوال، تخرج عنه القضية، فانّها مركبة من مفردين، وقولنا: يلزم عنه قول آخر: احتراز من مجموع أي قضيتين كانتا، فانّه يستلزم أحدى تينك القضيتين وهذا يشمل الدليل والأمارة وإذا قُيِّد المستلزم بقولنا لذاته، خرجت الأمارة فانّها لا تستلزم لذاتها لأنّ الأمارة قد تحصل من دون حصول الشيء الذي عليه الأمارة فإنّ وجود الغيم الرطب، أمارة لوقوع المطر وقد ينفك عنه ولوكان الاستلزام ذاتياً، امتنع الانفكاك.

[ المباحث المنطقية ]

* أقول: كل مطلوب تصديقي فانّه إنّما يكتسب بمقدمتين لا أقّل ولا أكثر، فإنّ المطلوب ـ وهو نسبة المحمول إلى الموضوع ـ إذا كانت 1 مجهولة فلابدّ من واسطة تتوسط بينهما تكون مستلزمة للمطلوب وهو الحدّ الأوسط ـ يكون ثابتاً للموضوع ويكون المحمول ثابتاً له ـ فتحصل المقدمتان، كمن يجهل أن العالم حادث فيأخذ الوسط وهو التغيّر ويجعله محمولاً على العالم وموضوعاً للحدوث فتحصل مقدمتان :   2

1 . الضمير يرجع إلى المطلوب وتأنيث الفعل باعتباره تفسيره بالنسبة .

صفحه 52
قال: والنظر، الفكر الّذي يطلب به علم أو ظن.*
<--- أحدهما: العالم متغيّر .
والثانية: كلّ متغير حادث .
وهما يستلزمان المطلوب.

[ حد النظر والعلم ]

* أقول: لفظة النظر تطلق على النظر البصريّ وتطلق على النظر الفكري، والمطلوب هاهنا بالتعريف هو الثاني فلهذا قيده1 المصنف بقوله: الفكر. وعرفه بانّه «الذي يطلب به علم أو ظن وهو تعريف له بحسب الغاية».
والتعريف التام أنْ يقال: «النظر هو ترتيب أمور ذهنية يتوصل بها إلى أمر ذهني » فـ «الأمور الذهنية» شاملة للقياس وللحد، والأمر الذهني يتناول المطلوب الخبريّ والمحدود ; وقولنا: «إلى أمر ذهني» أعمّ من أن يكون علماً أو ظناً.

1 . في «الف»: قصده.

صفحه 53
قال: والعلم 1 لا يحد، فقال الإمام: لعسره، وقيل: لانّه ضروري من وجهين :
أحدهما: انّ غير العلم لا يعلم إلاّ بالعلم فلو علم العلم بغيره كان دوراً.
وأُجيب: بأنّ توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره فلا دور .
الثاني: إنّ كلّ أحد يعلم وجوده ضرورة.
وأُجيب: بأنّه لا يلزم من حصول أمر، تصوره أو تقدم تصوره .*
* أقول: اختلف الناس في ماهية العلم اختلافاً عظيماً وأنّه هل يُحد أم لا؟ لا لخفاء حقيقتها بل لشدة وضوحها، فقال قوم لا يحد واختلفوا، فذهب إمام الحرمين 2 والغزالي 3 إلى انّه إنّما لا يحد لعسره4 فإنّ تحديد الأشياء   2

1 . في بعض النسخ: قيل: لا يُحَدّ.
2 . هو أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني (419 ـ 478 هـ) إمام الاشاعرة، وأحد مجددي منهج أبي الحسن الأشعري، خرج من نيسابور إلى الحجاز وأقام بمكة ثم المدينة فلقب بامام الحرمين. وقد ترجم له شيخنا السبحاني وذكر آراءه ونظرياته بالتفصيل في «بحوث في الملل والنحل»: 2 / 416 ـ 424.
3 . هو حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي (450 ـ 505 هـ)، تلمذ لإمام الحرمين، وتولى التدريس في مدرسة نظام الملك ببغداد، له الكثير من التصانيف في الفلسفة والكلام والتصوف وغير ذلك. وقد ترجم له شيخنا السبحاني أيضاً وذكر نماذج من آرائه في «بحوث في الملل والنحل: 2 / 425 ـ 442» .
4 . وللآمدي في كتاب «الإحكام» رأي آخر في تصوير ما ذهب إليه العلمان، لاحظ : الإحكام: 1 / 29; البرهان في أُصول الفقه: 1 / 115 ; المستصفى في أُصول الفقه: 1 / 25 .

صفحه 54
<---الظاهرة كالمدركات الحسية مثل رائحة المسك وطعم العسل ممّا يعسر جداً وكيف يمكن ذلك والوقوف على الفصول من أصعب الأشياء لا سيّما مع مشاركة الخاصة للفصل في كثير من الأشياء، ومشاركة العرض للجنس في أمور كثيرة، فلعلّ المذكور جنساً اشتبه بالعرض العام والمذكور فصلاً اشتبه بالخاصة، وإذا كان حال المدركات كذلك فالادراك نفسه أشد تعذراً في التحديد.1
ثمّ إنّهم التجأوا في تعريفه إلى المثال فقالوا: ينبغي أن يقاس الادراك بالبصيرة الباطنة بالادراك بالبصر الظاهر [ والتجأوا] إلى القسمة أيضاً، وهذا ضعيف ; فإنّ القسمة والمثال إن افادا التمييز، صلحا للتعريف الرسمي وإنْ لم يفيداه، لم يصلحا للتعريف .
وذهب جماعة من الأوائل والمتأخرين ومنهم فخر الدين الرازي 2 إلى أنّ العلم لا يحد لأنّه ضروري 3، واستدلوا بوجهين ذكرهماالمصنف وذكر تعريفهما :
الوجه الأوّل: انّ ما عدا العلم من الأشياء إنّما يعلم بالعلم، فالعلم إمّا أن   2

1 . قال الغزالي: وإذا عجزنا عن حدّ المدركات، فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز، يراجع: المستصفى: 1 / 67 .
2 . هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري (543 ـ 606 هـ) أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نُسب، وهو من أئمة الأشاعرة في عصره، وله الكثير من التصانيف المهمة ومنها مفاتيح الغيب في تفسير القرآن الكريم. اقرأ ترجمته وآراءه في ما كتبه شيخنا جعفر السبحاني في «بحوث في الملل والنحل: 2 / 451 ـ 462» .
3 . يلحظ بهذا الصدد: «الإحكام» للآمدي: 1 / 29. والرازي يُعدّ من المتأخرين، وذهب ابن سهلان الساوي (المتوفّى 450 هـ) إلى ذلك أيضاً. وقال السُبْكي في رفع الحاجب: 1 / 260: والإمام في «المحصول» ذهب إلى أنّه ضروري، لكن لم يقل انّه لا يحد...

صفحه 55
قال: ثم نقول: لو كان ضرورياً لكان بسيطاً، إذ هو معناه، ويلزم أن يكون كلّ معنى علماً.*
<--- يعلم بشيء منها أو بنفسه، وعلى التقدير الأوّل يلزم الدور وعلى التقدير الثاني يلزم منه تقدّم الشيء على نفسه وهما محالان.
وأجاب المصنف عن هذا الوجه بأن قال: نختار القسم الأول وهو كون العلم مكتسباً من غيره; قوله: يلزم الدور، قلنا: ممنوع فانّ جهة التوقف هاهنا مختلفة، بيانه: انّ غير العلم من الماهيات يتوقف تصوره على حصول العلم بالغير لا على تصور العلم، وتصور العلم يتوقف على حصول غيره لا على تصوره، فالحاصل ان العلم وغيره من الماهيات يتوقف تصور كلّ واحد منهما على حصول الاخر فالافتقار في الصفات لا في الماهيات .
الوجه الثاني: أنّ كلّ عاقل يعلم وجوده ويعلم لذّته وألمه والنار حارّة والماء بارد وأنَّ النفي والإثبات لا يجتمعان ولايرتفعان إلى غير ذلك من القضايا الضرورية وهذه علوم خاصة، وإذا كانت العلوم الخاصة ضرورية، كان مطلق العلم ضرورياً لاستلزام ضرورة العلم بالمركب ضرورة العلم بالبسائط .
وأجاب المصنف عن هذا بأنّ العلم بالخاص حاصل ولا يلزم من حصول العلم بشيء، العلم بالعلم بذلك الشيء فإنّه لا يلزم من حصول أمر، تصوره ولا تقدم تصوره.
* أقول: لما أجاب المصنف عن الدليلين المذكورين، عارض معارضة تدلّ على انّ العلم غير ضروري وهي تبتني على قاعدة ذكرها المصنف فيما بعد وهي ان التصور الضروري هو الّذي لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب في متعلقه كالوجود والشيء، وهذه القاعدة ممّا اصطلح عليها هو وحده .   2

صفحه 56
قال: وأصح الحدود، صفة توجب تميّزاً 1 لا يحتمل النقيض فيدخل ادراك الحواس، كالأشعري وإلاّ، زيد في الأمور المعنوية.*
<--- وإذا عرفت هذا فنقول: لو كان العلم ضرورياً لكان بسيطاً ويكون مساوياً للوجود والشيء، لانّه لا يكون أعمّ منهما وهو ظاهر ولا أخص والاّ لكان مركباً ; وإذا كان مساوياً للوجود والشيء، صدق على كلّ ما صدقا عليه وهما صادقان على جميع المعاني فيكون السواد والبياض وغيرهما علوماً وهو محال.
واعلم أنّ هذه المعارضة رديئة جداً:
امّا أوّلاً: فلأنّ البسيط ليس هو معنى الضروري فلا يجب أن يصدق على الضروري أنّه بسيط فإنّ من المركبات ما تكون تصوراتها ضرورية كقولنا:
النفي والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان .
وأمّا ثانياً: فلأنّه لو سلم أنّ الضروري يجب أن يكون بسيطاً لكن لم يلزم أن يكون مساوياً للوجود والشيء.
قوله: لو كان أخص لكان مركباً،2 قلنا: هذا ممنوع وإنّما يلزم التركيب لو كان الخصوص، خصوص النوع تحت الجنس.

[ أصحّ الحدود في تعريف العلم ]

* أقول: لما ابطل المصنف المذهب الأوّل وهو ان يكون تصور   2

1 . في «ب»: تمييزاً.
2 . ان هذه العبارة غير واردة في المتن، ولعل الشارح المعظم قد استخلصها من لازم كلام الماتن.

صفحه 57
<--- العلم ضرورياً واختار المذهب الثاني وهو ان يكون كسبياً، شرع في تحديده، ونقل عن قدماء المعتزلة حدود مدخوله، والذي ذكره المصنف هاهنا أنّ العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، فقولنا: صفة جنس، وقولنا: توجب تمييزاً، يفصله عن سائر الصفات التي لا تقتضي التمييز كالحياة والقدرة وما شاكلهما، وقولنا: لا يحتمل النقيض، يفصله عن سائر الاعتقادات .
وأعلم أنّ هذا الحدّ كما يتناول العلم بالأمور الكلية المعقولة، يتناول الإدراك بالأمور الجزئية المحسوسة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وقد نازع جماعة في أنّه هل هو نوع من العلم أم لا؟ فذهب أبوالحسن الأشعري 1 إلى أنّه من قبيل العلوم2، وقال قوم 3 إنّه نوع مغاير للعلم.
والمصنف ذكر الحدّ على وجه يشتمل القسمين على ما ذهب إليه الأشعري وأشار إليه بقوله: فيدخل ادراك الحواس، كالأشعرييعني كما ذهب إليه الأشعري.   2

1 . هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله الأشعري البصري (260 ـ 324 هـ) شيخ أهل السنّة والجماعة وإمام الأشاعرة من أهل البصرة، كان معتزلياً تربى في بيت أبي علي الجبائي وتتلمذ عليه، وتاب من ذلك بعد أن أقام على عقيدتهم أربعين سنة. انظر: وفيات الاعيان: 1 / 464 .
2 . وقد عرف العلم بقوله: «العلم هو ما يوجب لمن قام به كونه عالماً». المواقف للأيجي: 5 / 53.
3 . يلحظ : شرح المقاصد للتفتازاني: 52 / 313.
وقال الشارح (قدس سره): والجمهور قد اطلقوا العلم على الادراك الكلي ولم يطلقوه على الّذي يقع بحسب الحواس. انظر: الاسرار الخفية في العلوم العقلية: 560 .

صفحه 58
قال: واعْتُرِض بالعلوم العادية، فانّها تستلزم جواز النقيض عقلاً. وأجيب بأنّ الجبل إذا عُلم بالعادة أنّه حجر، استحال أن يكون حينئذ ذهباً ضرورة وهو المراد ; ومعنى التجويز العقلي، انّه لو قدّر، لم يلزم منه محال لنفسه، لا انّه محتمل.*
<--- قوله: وإلاّ، زيد في الأمور المعنوية، إشارة إلى المذهب الثاني وهو قول من يجعل الإدراك نوعاً مغايراً للعلم فإنّه يحد العلم بحد أخصّ ممّا ذكره 1وهو أن يزيد فيما ذكرنا. قوله: في الأمور المعنوية، فإنّ الادراك إنّما يتناول الشيء المحسوس والأمور المعنوية إنّما يدركها العقل .(2)
* أقول: هذا إيراد يرد على حدّ العلم وهو ان يقال: هذا الحدّ غير منعكس فلا يصلح للتحديد، بيانه: أنّكم قلتم العلم صفة توجب التميز بحيث يرتفع معه احتمال النقيض وهذا الحد لا يصدق في علوم كثيرة وهي جميع العاديات، فإنّ الجبل يعلم أنّه حجر حال غيبتنا والبحر ماء، وإنّا حين خروجنا من منازلنا نعلم أنّ ما فيها من الأواني لا تنقلب أشخاصاً، مع انّ احتمال النقيض في الكل ثابت لأنّ الله تعالى قادر على جميع هذه الأُمور فلعلّ البحر ينقلب دما والحجر ذهباً حال غيبتنا2، ومع هذا الاحتمال لا يصدق الحدّ مع انّ المحدود ثابت وهو العلم .
وأجاب المصنف عنه انّ الاحتمال لا نسلم انّه ثابت لانّ البحر والجبل يعلما بالعادة انّهما لم ينقلبا ويستحيل عليهما الانقلاب بالضرورة ومع هذا العلم كيف يبقى الاحتمال للنقيض .   2

1 . في «ب»: ذكر .   2 . يراجع كشف المراد للشارح (قدس سره): 232 [ المسألة السادسة عشرة ].
2 . في نسخة «ب»: غبنا.

صفحه 59
قال: اعلم أنّ ماهية 1 الذكر الحكميّ إِمّا أن يحتمل متعلقه النقيض بوجه، أو  لا، والثاني: العلم، والأوّل: امّا أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قَدَّره أو لا، والثاني: الاعتقاد، فإن طابق فصحيح وإلاّ ففاسد، والأوّل: إمّا أن يحتمل النقيض وهو راجح أو لا، والراجح: الظن والمرجوح: الوهم والمساوي: الشكّ وقدعلم بذلك حدودها.*
<--- والتجويز العقلي الذي ذكرتموه مسلم لكن لا يقدح في الجزم الحاصل فانّ معنى التجويز هاهنا كونه في نفس الأمر ممكناً .
وتحقيق هذا ان نقول: الممكن قد يكون ممكناً في الخارج وهو الّذي يجوز وجوده ويجوز عدمه في الخارج .
وقد يكون ممكناً في الذهن على معنى انّ الذهن يجوز عنده كلّ واحد من الطرفين بدلاً عن صاحبه ولا يلزم من ثبوت أحد الإمكانين ثبوت الآخر فإنّ واجب الوجود إذا شك الذهن فيه وانّه هل هو واجب أم لا، يجوّز العقل فيه كلّ واحد من الطرفين، وإذا كان كذلك، لم يلزم من إمكان انقلاب البحر والحجر دماً وذهباً، إمكان الإنقلاب في الذهن وهذا الجواب لا يخلو من دخل.

[ في تعريف الذكر الحكمي ]

* أقول: الذكر الحكمي 2 مثل قولنا: «قام زيد» و «زيد قائم» والذي عنه ذُكر الحكمي هو قيام زيد في الذهن ومتعلقه هو قيام زيد في نفس الأمر، وهو :   2

1 . في رفع الحاجب: 1 / 274: ما عنه، وكذلك في «ب» من النسختين.
2 . الذكر الحكمي ـ كما قيل ـ الكلام الخبري الدال على معنى الخبر، وماهية الذكر الحكمي هو مفهوم الكلام الخبري.

صفحه 60
<--- أمّا أن يكون محتملاً للنقيض بوجه ما، كما يحتمل في نفس الأمر أو عند الذاكر بتقديره أو بتشكيك المشكك .
أو لا يكون محتملاً لشيء من هذه الوجوه .
والثاني هو العلم ويستجمع أموراً ثلاثةً: الجزم والمطابقة والثبات. والأوّل  ـ وهو الذي يكون محتملاً للنقيض ـ فإنّه على قسمين :
الأوّل: أن يكون محتملاً للنقيض في نفس الأمر وليس بمحتمل للنقيض عند الحاكم 1 وهذا هو الاعتقاد، فان طابق المعتقد فهو صحيح والاّ ففاسد. وإنّما قال: لو قدره... احترازاً عمّا يحتمل متعلقه النقيض بتشكيك المشكك لا بتقديره.
الثاني: أن يكون محتملاً للنقيض عند الذاكر كما انّه محتمل له في نفس الأمر وهذا على اقسام ثلاثة:
الأوّل: ان يكون الطرف المذكور أرجح من نقيضه وهذا يسمّى الظن .
الثاني: أن يكون نقيض المذكور أرجح من المذكور وهذا هو الوهم .
والثالث: أن يتساوى الطرفان وهذا هوالشك .
ومن هذا التقسيم ظهر حدود هذه الأُمور .
واعلم أنّ المصنّف قد جعل الاعتقاد قسيماً للعلم والظن، وفيه نظر .
ثمّ قوله في الاعتقاد: إن كان مطابقا كان صحيحاً، مع اشتراطه في الاعتقاد أن لا يكون محتملاً للنقيض عند الذاكر ويكون محتملاً في نفس الأمر، تشتمل   2

1 . في نسخة «ب»: عند الذاكر لو قدره .

صفحه 61
قال: والعلم ضربان: علم بمفرد، ويسمى تصوّراً ومعرفة، وعلم بنسبة ويسمى تصديقاً وعلماً.*
<--- على التناقض. 1
والأولى أن يقال: ما عنه الذكر2 الحكميّ إمّا أن يقارن جزماً أوْ لا، والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً، أو لا، والأوّل إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، والأوّل هو العلم، والثاني هو اعتقاد المقلد للحق، والثالث هو الجهل المركب .
والذي لا يقارن جزماً ان قارنه الترجيح لاحد الطرفين، فالراجح الظن والمرجوح الوهم وإلاّ فهو3 الشك.4

[ التصور والتصديق ]

* أقول: يريد قسمة العلم إلى التصور والتصديق فقال: المعلوم أمّا أن يكون مفرداً كزيد ويسمّى تصوراً ومعرفة، وامّا أن يكون نسبة بين مفردين ويسمى تصديقاً وعلماً كعلمنا بنسبة القيام إلى زيد.   2

1 . جاء في هامش النسخة «ب» ما يلي:
[ إذ الّذي يحتمل النقيض في نفس الأمر لا يكون مطابقاً فيكون اعتقاداً فاسداً فلا ينقسم الاعتقاد إلى الصحيح والفاسد ].
2 . يلاحظ أنا قد رجحنا سابقاً عبارة «ماهية الذكر الحكمي» على «ما عنه الذكر الحكمي» كما في بعض النسخ.
3 . في «ألف»: المساوي.
4 . يلاحظ: «الاسرار الخفية في العلوم العقلية»: 14 .

صفحه 62
قال: وكلاهما ضروري ومطلوب :
فالتصور الضروري ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب في متعلقه كالوجود والشيء. والمطلوب بخلافه أي تطلب مفرداته فيحد.
والتصديق الضروري ما لا يتقدمه تصور تصديق يتوقف عليه. والمطلوب بخلافه أي يطلب بالدليل.*
<--- واعلم أنّ هذه القسمة غير سديدة لأنّ التصور ليس علماً بمفرده لا غير، ولا التصديق هو العلم بالنسبة ذاتها فإنّ العلم بنسبة القيام إلى زيد في مثل قولنا: زيد قائم، من باب التصور، والتصديق ليس إلاّ الحكم بوقوع النسبة أو لا وقوعها، لا تصور النسبة.
* أقول: كلّ واحد من التصور والتصديق إمّا أن يكون ضرورياً وإمّا أن يكون مطلوباً أي مطلوب الاكتساب، فالتصور الضروري هو الذي لا يتقدمه تصور يتوقف هذا التصور الضروري عليه، ومثل هذا :
إمّا أن يكون في البسائط كالوجود والشيء وهو الذي انتفى التركيب عنه، وإلى هذا أشار بقوله: لانتفاء التركيب في متعلقه، يعني في متعلق التصور الضروري.
امّا المركبات فانّها لا تتصور إلاّ بعد تصور أجزائها فتصورها متوقف على تصور أجزائها ومستفاد منه فهي من قبيل ما التصور فيه يكون مكتسباً .   2

صفحه 63
<--- واعلم انّ هذا الذي ذكره المصنف ممّا اصطلح عليه هو وحده فإنّ التصور الضروري كما يقع في المفردات قد يقع في المركبات، نعم إذا كان تصور مفردات تلك المركبات مكتسباً، كان التصور مكتسباً، وإذا كان بديهياً فقد يكون التصور بديهياً ثمّ قد يكون بعض البسائط يكتسب تصوره بالرسوم، فتعليل كون التصور ضرورياً بكون متعلقه بسيطاً، ليس بشيء.
ومن هذا ظهر ضعف قوله: والمطلوب بخلافه أي تطلب مفرداته فيحد، فإنّ المطلوب قد يكون بسيطاً .
والحق أن تصور الضروري هو الّذي لا يتوقف على طلب وكسب، فالتصور الكسبي هو الّذي يتوقف .
وأمّا التصديق الضروري فهو الذي لا يتقدمه تصديق يتوقف هذا عليه بل إنّما يتوقف على تصور مفرداته لا غير كقولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإنّ هذا تصديق بديهي لا يتوقف على تصديق سابق عليه وإنّما يتوقف على تصور النفي وتصور الاثبات وقصور الاجتماع واما التصديق المكتسب فهو الّذي يتوقف على تصديق سابق فيكون دليلاً على ثبوته كقولنا: العالم حادث، فإنّ تصور العالم وتصور الحدوث لا يكفي في التصديق بل لابدّ من واسطة بها يتبيّن المطلوب وهي التغيّر، فنقول: العالم متغير، وكلّ متغير حادث، فيستفاد العلم بالحدوث بواسطة هذين التصديقين السابقين.

صفحه 64
قال: وأُورد على التصور: إن كان حاصلاً، فلا طلب وإلاّ فلا شعور به فلا طلب.
وأُجيب بانّه يشعربها وبغيرها 1 والمطلوب تخصيص بعضها بالتعيين.
وأورد ذلك على التصديق، وأُجيب بأنّه تتصور النسبة بنفي أو اثبات ثمّ يطلب تعيين أحدهما ولا يلزم من تصور النسبة حصولها وإلاّ لزم النقيضان.*
* أقول: هذا اشكال أورده بعض تلامذة إفلاطون عليه، وأجاب عنه المعلم الأوّل 2; ووجه ايراده :
أنّ المطلوب من التصورات والتصديقات :
إمّا أن يكون معلوماً .
وإمّا أن يكون مجهولاً .
والأوّل محال لأنّ المعلوم حاصل والطلب لا يتوجه إلى الحاصل وإلاّ لكان تحصيل الحاصل وهو محال.
والثاني محال أيضاً لأنّ المجهول لا يقع به شعور وما لا شعور به يستحيل أن تكون النفس طالبة له .   2

1 . في نسخة «الف»: يعرفها.
2 . أي: ارسطو.

صفحه 65
<--- وأجاب عنه بما أجاب به المصنف هاهنا ووجهه أن يقال :
هذه القسمة غير حاصرة فإنّ المطلوب يجب أن يكون معلوماً من وجه ومجهولاً من وجه:
أمّا في التصورات، فإنّ الماهية تكون متصورة من جهة عارض كمن يتصور ماهية الإنسان من حيث إنّه ضاحك، فإنّ الضاحك مفهومه أنّه شيء ذو ضحك فهو من حيث المفهوم شامل للإنسان وغيره فإذا طلب ماهية الإنسان، كان الطلب متوجهاً إلى تخصيص الإنسان من حمله ما صدق عليه الضاحك من حيث المفهوم فالمطلوب هاهنا معلوم من جهة، صادق يصدق عليه وعلى غيره من حيث المفهوم، ومجهول من حيث هو هو، فيطلب من تلك الجهة وهي جهة التعيين ولا غير .
ولا تحسبنَّ انّ مفهوم الضاحك ولو كان يستحيل وجوده الاّ في الإنسان، موضوع بازاء ما يصدر عنه الضحك من الأناسي ; فإنّ الألفاظ المشتقة لا تدل1على شيء ما ، صدر عنه المشتق، فأمّا ماهية ذلك الشيء في نفسه، فلا تعطيه العبارة إلاّ من خارج المفهوم.
فان قلت: إذا كان المطلوب معلوماً من وجه ومجهولاً من آخر، توجَّه عليك الاشكال فإنّ المعلوم لا يطلب ولا المجهول.
قلت: نعم، إنّما يطلب الماهية التي يصدق عليها هذان الاعتباران وحينئذ سقط السؤال .   2

1 . في النسختين «يدل» والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 66
قال: ومادة المركب: مفرداته، وصورته: هيئته الحاصلة.*
<--- وأمّا في التصديقات فإنّ المجهول فيها إنّما هو النسبة المعينة أعني نسبة الثبوت أو نسبة الانتفاء وهي معلومة من جهة التصورات ولا يلزم من
تصور نسبة الوجود أو العدم حصول النسبة وايقاعها فإنّا نتصور النقيضين كما في حالة الشكّ مثلاً ولا يلزم حصول النسبتين وإلاّ لزم وجود النقيضين وهو محال.

[ مادة المركب ]

* أقول: كلّ مركّب فانّه إنّما يتركب من أجزاء مترتبة نوعاً ما من الترتيب، سواء كان التركيب خارجياً أو ذهنياً، فإنّ الأجزاء الّتي يتركب منها المركب وهي المفردات، هي الأجزاء المادية مثل قولنا: العالم مؤلف 1 وكلّ مؤلف حادث، والترتيب المعين وهو جعل العالم حداً أصغر والتأليف حداً أوسط والحدوث حداً أكبر، هو الصورة وهي الهيئة الحاصلة للمركب بعد انضمام الأجزاء وهي الجزء الذي بحصوله يحصل المركب بالفعل وامّا الأجزاء المادية، فإنّها لا تستلزم حصول المركب بالفعل بل بالقوة.

1 . في نسخة «الف»: وقولنا.

صفحه 67
قال: والحد: حقيقي ورسمي ولفظي، فالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة، والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له مثل الخمر مائع يقذف بالزبد، واللفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف، مثل العِقار: الخمر.*

[ مبحث التصورات ]

* أقول: الحدّ في اللغة هو المنع وهو هاهنا مأخوذ من هذا المعنى فإنّ الحدّ يمنع من دخول شيء في الماهية أو خروجه عنها، وقد قسمه المصنّف هاهنا إلى ثلاثة أقسام، والأوائل يطلقون الحد على الأوّل لا غير وان اطلقوه على الباقين 1، فبنوع من المجاز .
والأوّل: هو الحد الحقيقي وهو الذي يتركب من ذاتياته مثل قولنا في تحديد الإنسان انّه الحيوان الناطق وينبغي ان يقيد هذا بقولنا: «حيث لا يشذ منها شيء»، فهذا الحد قد أنبأ عن ماهية الإنسان بواسطة ذكر ذاتياته وهي الحيوان والناطق وهما كليان وقد تركبّا تركباً حصل بواسطته ماهية الإنسان، واحترز بقوله: الكلية، عن المشخِّصات، فانها ذاتية للشخص من حيث هو شخص وان كانت لا تذكر في الحد لأن الشخصيات لا تحد. وهذا الحد إنّما يكون تاماً إذا ذكر فيه جميع الذاتيات .
والثاني: هو الحدّ الرسمي مثل قولنا في تعريف الخمر: إنّه مائع يقذف بالزبد، فإنّ هاتين الصفتين من عوارض الخمر لا من مقوماته، والتعريف بالعارض يطلق عليه اسم الرسم وقد أنبأ هذا التعريف عن الخمر ببعض لوازمه .   2

1 . كذا في النسختين ولعل الاصحّ: الباقيين.

صفحه 68
قال: وشرط الجميع الاطّراد والانعكاس، أي إذا وجد وجد، وإذا انتفى، انتفى.*
<--- والثالث: الحد اللفظي مثل قولنا في تفسير العقار: انّه الخمر، فإنّ هذا التعريف في الحقيقة ليس تعريفاً وإنّما هو تبديل لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى.

[ شروط التعريف ]

* أقول: التعريف بالشيء يشترط فيه المساواة بين المعرِّفِ والمعرَّف وإلاّ لكان المعرِّف إمّا أعمّ أو أخص، وكلاهما لا يفيد 1 للتعريف .
أمّا الأعم فلأنّه لا يفيد التمييز وأقل مراتب التعريف إفادة التمييز، فإنّك لو قلت في تعريف الإنسان إنّه الحيوان، لم يحصل تمييزه عن غيره من الحيوانات فلا تحصل أقل فائدة للتعريف .
وامّا الأخص فلأنّه أخفى من الأعم، فإنّ الأعم أكثر وجوداً من الأخص فهو أعرف والأعرف لا يجوز تعريفه بالأخفى فوجب تحقق المساواة والمساواة إنّما تحصل إذا كان وجود أحدهما يستلزم وجود الآخر وعدمه يستلزم عدمه وهذا هو معنى الإطراد والإنعكاس، فالاطراد هو الاستلزام في جانب الوجود، والانعكاس هو الاستلزام في جانب العدم.

1 . في نسخة «ب»: لا يصلح .

صفحه 69
قال: والذاتي ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه كاللونية للسواد والجسمية للإنسان، ومن ثمَّ لم يكن للشيء حدان ذاتيان وقد يعرَّف بأنّه غير معلل وبالترتيب العقلي.*

[ بيان الذاتي ]

* أقول: لما ذكر انّ الحدّ يتألف من الذاتيات، احتاج إلى تعريف الذاتي ما هو؟ وقد ذكر القدماء، له خواص ثلاث:
أحدها: ما عرَّفه المصنّف به وهو: «أنّ الذاتي هو الّذي لا يمكن تصور الماهية قبل تصوره ـ مثل اللونية للسواد والجسمية للإنسان ـ» فإنّ تصور ماهية الإنسان قبل تصور ماهية الجسم محال، فإنّ تصور ماهية الإنسان إنّما يتم بعد تصور أجزائها، فلو كان بعض 1 أجزائها متأخراً عنها في التصور لزم الدور، ويلزم من هذه الخاصية أن لا يكون للشيء حدّان ذاتيان لأنّ الحدّ هو الذي يستلزم تصوره تصور المحدود، فإذا كان أحد المعرفين حدّاً كفى في تصور الماهية، فيحصل تصور الماهية، وإن لم يتصور الحد الآخر فلا يكون الحد الآخر ذاتياً لأنّ الذاتي لا يتصور سبق الماهية عليه في التصور.
الخاصية الثانية: هي أنّ الذاتي لا يفتقر في وجوده لما هو ذاتي له إلى علة مغايرة لعلة الماهية، فإنّ السواد ليس لوناً بالفاعل بل الجاعل للسواد هو الذي جعله لوناً، وإليه أشار المصنف بقوله: وقد يعرف بانّه غير معلل لا بمعنى انّه لا   2

1 . في نسخة «الف»: تصور نفس .

صفحه 70
قال: وتمام الماهية هو المقول في جواب: ما هو، وجزؤها المشترك، الجنس ; والمميز، الفصل ; والمجموع منهما، النوع.*
<--- يفتقر إلى العلة بل لا يفتقر إلى علة مغايرة.
الخاصية الثالثة: التقدم في جانب الوجود الذهني، والخارجي، والعدم الخارجي والذهني ; فإنّ الماهية المركبة لا توجد إلاّ بعد وجود أجزائها ومتى عدم احد أجزائها عدمت; سواء كان الوجود أو العدم مستنداً إلى الخارج أو إلى الذهن، وليس هذا التقدم حكماً حاصلاً للجزء حالة وجوده لا غير، فإنّ الجزء لو لم يكن موجوداً لكان العقل يقضي بهذا الترتيب ; وإلى هذه الثالثة أشار بقوله: وبالترتيب العقلي أي قد يُعرَّف الذاتي بالترتيب العقلي.

[ بيان تمام الماهية ]

* أقول: الطلب بما هو إنّما يتوجه إلى طلب تحقيق الحقيقة، وتحققها إنّما يكون لمجموع ذاتياتها فالجواب بغيره لا يقع على الوجه المطابق فلا يقع في جواب ما هو إلاّ تمام الماهية، وتمام الماهية إنّما يكون بذكر أجزائها المشتركة والمميزة، فالجزء المشترك كالحيوان في مثل تعريف الإنسان بانّه الحيوان الناطق، هو الجنس ; والمميز وهو الناطق، هو الفصل ; والمجموع المركب من الجنس والفصل، هو النوع.
وأعلم أنّ كل مميز ذاتي فهو فصل وليس كلّ مشترك جنساً، فإنّ من الأجزاء ما يكون مشتركاً ولا يكون جنساً كالفصول العالية والمتوسطة.

صفحه 71
قال: والجنس: ما اشتمل على مختلف بالحقيقة، وكلٌّ من المختَلف، النوع، ويطلق النوع على ذي آحاد متفقة بالحقيقة ، فالجنس الوسط، نوع بالأوّل لا الثاني، والبسائط بالعكس.*
* أقول: الجنس كالحيوان هو الذي يشمل أشياء مختلفة بالحقائق كالإنسان والفرس وغيرهما، والاشتمال ينبغي أن يوجد هاهنا بالمعنى الأخص من مفهومه وهو اشتمال المقوَّم على ما يقومه وإلاّ انتقض بالعرض العام ومع هذا التقييد ينتقض بفصول الاجناس .
والتعريف التام للجنس هو أن يقال: أنّه الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو من حيث هو كذلك .
وامّا النوع فانّه يطلق على معنيين أحدهما اضافي والآخر حقيقي: فالاضافي: هو الكلي الّذي يقال عليه وعلى غيره الجنس في جواب ما هو قولاً أولياً، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وكلّ من المختلف النوع، يعني انّ النوع بهذا المعنى هو كلّ واحد من المختلفات يقع بحسب جنس الذي عرَّفه بانّه الذي يشتمل على مختلفات الحقيقة.
والحقيقي: هو الكلي الّذي يقال على كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب ما هو، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ويطلق النوع على ذي آحاد متفقة بالحقيقة، يعني من المقومات الّتي تقال في جواب ما هو، وإلاّ انتقض بالخاصة والفصل الأخير .
وأشار المصنف إلى الفرق بين هذين المعنيين بأنَّ كلّ واحد منهما قد    2

صفحه 72
قال: والعرضي بخلافه وهو لازم وعارض، فاللازم ما لا تتصور مفارقته وهو لازم للماهية بعد فهمها كالفردية للثلاث والزوجية للأربعة، ولازم للوجود خاصة كالحدوث للجسم والظل له ; والعارض بخلافه، وقد لا يزول كسواد الغراب والزنجي وقد يزول كصفرة الذهب.*
<--- يوجد دون صاحبه :
أمّا وجود الاضافي بدون الحقيقي فكالجنس المتوسط كالجسم فانّه نوع اضافي لانّه كلّي يقال عليه وعلى غيره من الجواهر الجنس، وهو الجوهر في جواب ما هو قولاً أوليَّاً وليس بنوع حقيقي فإنّ أفراده مختلفة الحقيقة لا بالعدد فقط .
امّا وجود الحقيقي بدون الاضافي فكالانواع البسيطة الّتي لا تندرج تحت الجنس كالعقل عند من لا يجعل الجوهر جنساً فإنّه نوع حقيقي لكونه مقولاً على كثيرين مختلفين بالعدد لا غيره 1 في جواب ما هو وليس بنوع إضافي لامتناع اندراجه تحت جنس.
* أقول: العرضي ما يقال بخلاف الذاتي وهو الذي يمكن أن يتصور فهم الذات قبل فهمه وهو ينقسم إلى قسمين لازم ومفارق :
فاللازم هو الّذي لا تتصور مفارقته وهو ينقسم :
إلى لازم للماهية بعد فهمها كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة، فإنّ هذين الوصفين من لوازم الثلاثة والاربعة من حيث الماهية لا بالنظر إلى الوجود وحده، فإنّا لو تصورنا الثلاثة والاربعة وكانتا معدومتين، كان هذان الوصفان لاحقين بهما   2

1 . في نسخة «ب»: غير .

صفحه 73
<--- بعد فهمهما، فهما لازمان للماهية.
وإلى لازم للوجود خاصة كالحدوث للجسم والظل له عند مسامتته للشمس1.
فإنّ هذين الوصفين لا يلزمان ماهية الجسم من حيث هي هي، فإنّ كثيراً من الناس يتصور ماهية الجسم ولا يتصور حدوثه ولا وقوع الظل له، فهما لازمان لوجود الجسم لا لماهيته.
وأمّا العارض 2 فهو الذي تتصور مفارقته للماهية وهو ينقسم إلى أمرين:
أحدهما: أن يكون مصاحباً له لا يزول عنه كسواد الغراب وسواد الزنجي.
والثاني: أن يكون مفارقاً له كصفرة الذهب .
والفرق بين القسم الأوّل من هذين وبين القسم الثاني من قسمي اللازم، انّ لازم الوجود تستحيل مفارقته 3 وهذا وان كان لا يفارق، فإنّه يمكن مفارقته.

1 . المسامتة: المقارنة.
2 . المراد من العارض هنا هو العرضي المفارق.
3 . لانّه يلزم الخلف ويكون المفروض لازماً، غيرُ لازم.

صفحه 74
قال: وصورة الحد، الجنس الاقرب ثمّ الفصل، وخلل ذلك، نقص.
وخلل المادة، خطأ ونقص.*

[ صورة الحدّ ]

* أقول: الحدّ قول مؤلف من ذاتيات الشيء ويشتمل على الجنس والفصل فهومركب وكلّ مركب فله اجزاء صورية واجزاء مادية.
فالجزء الصوري للحدّ ذكر الجنس الأقرب أولاً ثمّ الفصل ثانياً حتى تتحصل صورة مطابقة لصورة الشيء، والأجزاء المادية هي الجنس والفصل .
والخلل في الأوّل إنّما يكون بتقديم الفصل على الجنس وهذا يكون نقصاً في التحديد، فإنّ الحد التام هو الذي يشتمل على مجموع الذاتيات والناقص ما أخلّ فيه ببعضها، فإذا قدم الفصل، اختل الجزء الصوري فكان الحد ناقصاً وليس بخطاء فإنّ الحدود قد تكون تامّة وقد تكون ناقصة، والخلل في الثاني يقع على وجوه ذكرها المصنف وحصرها في أمرين; خطأٌ ونقصٌ .1

1 . في نسخة «ب» بزيادة:
[ فالخطأ ما يتعلق بالمعاني والنقص ما يتعلق بالألفاظ ].

صفحه 75
قال: فالخطأ كجعل الموجود والواحد جنساً، وكجعل العرضي الخاص بنوع فصلا، فلا ينعكس وترك 1 بعض الفصول فلا يطرد، وكتعريفه بنفسه مثل: الحركة عرض نُقْلة، والإنسان: حيوان بشر، وكجعل النوع والجزء جنساً، مثل: الشر ظلم الناس، والعشرة خمسة وخمسة.*

[ خلل الحدّ ]

* أقول: هذا هو الخطأ المختص بالحدود وهو يقع من جهة الجنس ويقع من جهة الفصل وقد يقع من جهتهما :
أمّا الأول: بأن يؤخذ بدل الجنس لازمه كأخذ الموجود والواحد جنساً فنقول: الإنسان موجود ناطق أو واحد ناطق ; أو يؤخذ النوع فيجعل جنساً كما
نقول: الشر ظلم الناس، فإنّ الظلم نوع من الشر جعل مكان الجنس ثم قُيّد
بكونه ظلم الناس ; أو يؤخذ الجزء فيجعل جنساً كما نقول: العشرة خمسة وخمسة، فإنّ الخمسة الأُولى جزء من العشرة ذكرت في مقام الجنس وقيدت بالخمسة الأُخرى.
وأمّا الثاني: بأن يجعل العرضي الخاص بنوع فصلاً كما نقول: الإنسان حيوان ضاحك، فالضاحك خاصة للإنسان اقيمت مقام الفصل ويلزم من التحديد بمثل هذا عدم الانعكاس فانّه لا يلزم من نفي الضحك نفي الإنسان .
وأمّا الثالث: بأن ترك بعض الفصول كما نقول: الإنسان حيوان ناطق،   2

1 . كذا في النسختين وفي نسخ أُخرى: كترك.

صفحه 76
قال: ويختص الرسمي باللازم الظاهر لا بخفيٍّ مِثْلِه، ولا أخفى وبما لا1 تتوقف عقليته عليه، مثل: الزوج عدد يزيد على الفرد بواحد وبالعكس، فإنّهما متساويان، ومثل: النار جسم كالنفس، فإنّ النفس أخفى; ومثل: الشمس كوكب نهاري، فإنّ النهار يتوقف على الشمس.*
<--- من غير ان نذكر المايت2 منه 3 . على رأي من يجعل الناطق مشتركاً بين الإنسان والملائكة. ويلزم من التحديد بمثل هذا، عدم الاطراد فانّه ليس كلّ حيوان ناطق إنساناً 4 ; أو نعرف الشيء بنفسه كما نقول: الحركة عرض نُقْلة، فان النُقْلَة هي الحركة لكنّه قد يدل فيه لفظ بلفظ، أو نقول: الإنسان حيوان بشر، فانّ البشر هو الإنسان لكنّه قد بدّل فيه اللفظ ; ولهذين المثالين مناسبة في التمثيل لما يقع الخلل فيه من جهة الفصل.
* أقول: هذه الاغلاط التي ذكرها، لا يمكن ان تدخل في الحدود فلهذا ذكرها في الرسوم، فالرسم يجب أن يكون أعرف من الرسوم 5 فانّ التعريف بالأخفى غير مفيد والخلل في هذا أن لا يذكر الأظهر بل إمّا المساوي في المعرفة والجهالة أو الأخفى أو ما تتوقف عقليته عليه:
مثال الأول أن نقول: الزوج هو العدد الذي يزيد على الفرد بواحد فانّ   2

1 . في نسخة «ب»: لا بما.
2 . المايت: اسم فاعل من باب: مات يَمِيْت مَيْتاً وهو الّذي تفارق روحه الجسد فيحل به الموت.
3 . في نسخة «ب»: فيه .
4 . باعتبار ان الملائكة من الحيوان الناطق ـ حسب الفرض ـ مع أنّها ليست من الإنسان في شيء.
5 . كذا في النسختين ويبدو ان الصحيح: المرسوم.

صفحه 77
قال: والنقص كاستعمال الألفاظ 1 الغريبة، والمشتركة، والمجازية.*
<--- الفرد يساوي الزوج في المعرفةوالجهالة ـ على رأي من يقول انّ التقابل بينهما تقابل الضدين ومن يجعل التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، يكون الزوج عنده أعرف ـ ونذكر في مثال هذا تعريف أحد المتضايفين بصاحبه .2
ومثال الثاني قولنا:النار جسم يشبه النفس، فانّ النفس أخفى من النار .
ومثال الثالث أن نقول:الشمس كوكب تطلع نهاراً، والنهار هو الوقت الذي تطلع فيه الشمس، فيلزم توقف كلّ واحد منهما في المعرفة على صاحبه، وهو دور.
وأعلم انّ كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة أشد محذوراً ممّا قبله ولهذا رتبها المصنف على هذا المثال.
* أقول: هذا الخلل مشترك في الحدود والرسوم فإنّ تحديد الشيء لغير اتحاد إنّما يكون بالفاظ يحصل منها التنصيص على المعنى فيجب أن يكون ذلك اللفظ ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه وإلاّ لاشتغل الطالب للماهية بالنظر في اللفظ، وصرفه ذلك عن الإلتفات إلى المعنى.
 

1 . فقط في نسخة «ألف».
2 . كمن يقول: «الأب هوالّذي له ابن» أو «الابن هو الّذي له أب».

صفحه 78
قال: ولا يحصل الحد ببرهان لانّه وسط يستلزم حكماً على المحكوم عليه، فلو قُدِّر في الحد، لكان مستلزماً عين المحكوم عليه ولانّ الدليل يستلزم تعقل ما يستدل عليه، فلو دلّ عليه دليل لزم الدور.*
* أقول: مقصود المصنف أن يبين كيفية انتقاص الحدود فذكر أولاً انّه لا يكتسب بالبرهان ـ أن 1 بعض الأوائل 2 قد خالف فيه ـ وذكر على ذلك دليلين :
الأوّل: إنّ البرهان هووسط يستلزم حكماً على المحكوم عليه فإنّا إذا قلنا العالم حادث، لأنّه متغير فالمتغير وسط، استلزم حكماً على العالم مغايراً له وهو المراد بالبرهان ; فلو كان الحد يستفاد من الوسط لكان مستلزماً عين المحكوم فانّ الحد هو المحدود .
والثاني: إنّ طلب الدليل إنّما يكون بعد تعقل المدلول عليه، فلو كان المدلول عليه يستفاد تعقله من الدليل المرتب تعقله على تعقله 3 لزم الدور.
واعلم انّ هذين الدليلين ضعيفان جداً .
أمّا الأوّل: فإنّ المحدود والحدّ متغايران وكيف لا يكون كذلك وأحدهما كاسب للآخر، ولأنّ المحدود هو الماهية والحدّ هو الأجزاء مفصلة ولا شك في المغايرة بين الماهية والأجزاء.   2

1 . في نسخة «ب»: فأن.
2 . يطلق وصف الأوائل والأولون في المعقول على الحكماء السبعة في الفلسفة الاغريقية، أعني: تالس الملطي وانكساغورس وأنكسيمانس وأنبادقليس وفيثاغورس وسقراط وافلاطون.
3 . في نسخة «ب»: المترتب على تعقله.

صفحه 79
قال: فإن قيل: فمثله في التصديق، قلنا: دليل التصديق على ثبوت النسبة أو نفيها لا على تعقلها1.*
<--- وأمّا الثاني: فلأنّ الدليل يكفي فيه تعقل المدلول عليه ببعض اعتباراته، فتغايرت جهة التوقف فلا دور; بل الحق أن نقول لو افتقر الحد إلى وسط لكان حمل الحد (2) أمّا أن يكون حمل الحدّ به 2 فيكون الوسط والمحدود متحدين في الماهية، هذا خلف ; أو على ما صدق عليه الوسط فيكون الحد حدّاً لأمور متغايرة فإنّ ما صدق عليه الوسط أعم من أن يكون هوالمحدود أو لوازمه وعوارضه، وأمّا أن لا يكون حمل الحدّ به 3 فلا يستفاد منه التحديد بل مطلق الحمل على المحدود .
* أقول: هذا إيراد يرد على الوجه الثاني وقد أجاب المصنف عنه .
وتقرير الإيراد أن يقال: أنكم ذكرتم أنّ الدليل يستلزم تعقل ما يستدل عليه، فإذا طلب الدليل على حدوث العالم، وجب أن يكون متعقلاً،4 فلو استدلّ عليه لزم الدور فيلزم أن تكون التصديقات غير مكتسبة بالبراهين .
وتقرير الجواب: أنّ دليل التصديق ليس على تعقل حدوث العالم، بل على ثبوت الحدوث للعالم أو نفيه والدليل لا يتوقف على ثبوت الحدوث أو نفيه بخلاف ما دل في الحدود.(6)

1 . في نسخة «ألف»: تعلقها.            2 . في نسخة «ب»: على الوسط.
2 . في نسخة «الف»: على الوسط، ولكن اسقاطها انسب لاستقامة العبارة.
3 . في نسخة «الف» ونسخة «ب» والنسخة المحققة من «الاسرار الخفية» وردت كلمة: الحدِّيَّة; إلاّ أن الصحيح على ما يبدو هو ما اثبتناه لانّه عدل لما ورد في الشق الأوّل من رد الدليل الثاني ، كما أن سياق الفكرة يساعد عليه، والله العالم.
4 . في نسخة «ألف»: متعلقاً.            6 . في نسخة «الف»: ذكر في الحدوث.

صفحه 80
قال: ومن ثَمَّ لم يُمنع الحدُ ولكن يُعارض ويبطل بخلله، أمّا إذا قيل الإنسان حيوان ناطق وقصد مدلوله لغة أو شرعاً، فدليله النقل بخلاف تعريف الماهية.*
قال: ويسمى كلّ تصديق قضية، ويسمى في البرهان مقدمات.**
* أقول: هذا فرع لكون الحد غير مكتسب بالبرهان، فإنّ الحدّ لما كان غير مستفاد من الدليل، لم يتوجه عليه المنع والاّ لوجب على الحادِّ إقامة الدليل على الحدّ، وقد قلنا انّه تستحيل اقامة الدليل عليه، بل طريق المنازعة فيه أن يعارضه بحد آخر حتى تلمح التفاوت من 1 الحدين من الزيادة والنقصان أو يبطل الحد بذكر 2 الخلل فيما يوجب ابطال الحد، هذا في الحدود الحقيقية.
أمّا في الحدود اللفظية كمن يقول: الإنسان في اللغة موضوع للحيوان الناطق، أو الصلاة في الشرع موضوعة للأفعال المخصوصة، وجب عليه اقامة الدليل وهو النقل عن أهل اللغة والشرع، بخلاف الماهية إذا أراد تعريفها وبيان شرح حقيقتها.

[ مبحث التصديقات ]

** أقول: التصديق هو الحكم إمّا بالإيجاب أو بالسلب وهو مرادف للقضية والخبر، فإنّ القضية هي قول يقال لقائلها أنّه صادق أو كاذب، فإذا جعلت القضية جزاءً من القياس، سمي مقدمة، فالمقدمة أخص من القضية والخصوص حصل لها باعتبار عارض عرض لها.

1 . في نسخة «ب»: بين.
2 . في نسخة «ألف»: يبطل بذكر.

صفحه 81
قال: والمحكوم عليه فيهما إمّا جزء معين أو لا، والثاني إمّا مبيّن جزئيته أو كليته أو لا; صارت أربعةً: شخصية، وجزئية محصورة، وكليّة ومهملة، كل منهما موجبة وسالبة.*

[ تقسيمات القضية ]

* أقول: هذا تقسيم للقضية باعتبار أحد جزئيها وهو المحكوم عليه، وتحقيق القول فيه أنّ نقول:
المحكوم عليه في القضية وفي المقدمة إمّا أن يكون شخصاً معيّناً أو لا يكون،
والأوّل: تسمى القضية فيه شخصية وهي إمّا موجبة أو سالبة، مثال الموجبة: زيد كاتب، ومثال السالبة: زيد ليس بكاتب .
وإمّا الثاني [ أي لا يكون شخصاً معيناً ]: فإنّه ينقسم إلى قسمين :
الأوّل: أن يكون الحكم على الأفراد التي صدق عليها الموضوع .
والثاني: أن يكون الحكم على نفس الماهية .
والأوّل [ أي: على الافراد التي صدق عليها الموضوع ] : إمّا أن يكون الحكم فيه على جميع الأفراد وإمّا أن يكون على بعضها وإمّا أن لا يذكر الكلّ ولا البعض، والأوّل: تسمى القضية فيه كلية وهي إمّا موجبة أو سالبة، مثال الموجبة: كلّ إنسان حيوان ومثال السالبة: لا شيء من الإنسان بحجر. والثاني: تسمى القضية فيه جزئية وهي امّا موجبة أو سالبة مثال الموجبة: بعض الإنسان كاتب، ومثال السالبة:    2

صفحه 82
<--- بعض الإنسان ليس بكاتب. والثالث: تسمى القضية فيه مهملة فهي إمّا موجبة أو سالبة، فالموجبة كقولنا: الإنسان كاتب، والسالبة كقولنا: الإنسان ليس بكاتب .
وأمّا الثاني: وهو الّذي يكون الحكم فيه على نفس الماهية فإنّه، ينقسم إلى قسمين:
الأوّل: أن يكون الحكم على نفس الماهية من حيث هي هي لا باعتبار العموم ولا باعتبار الخصوص وتسمى القضية الطبيعية، والمتأخرون يذكرون في مثالها: الإنسان نوع والحيوان جنس، وهو خطأ فإنّ النوعية والجنسية إنّما عرضتا للانسان والحيوان باعتبار العموم العارض لهما.
الثاني: أن يكون الحكم على الماهية باعتبار عروض العموم لها، وهذه لم يذكرها المتقدمون ونحن نسمّيها القضية العامة .
وهاتان الأخيرتان 1 لم يذكرهما المصنف لقلة فائدتهما ونحن لمَّا تعرضنا للحصر 2، وجب علينا ايرادهما.

1 . يريد (قدس سره)شقَّي الحكم على نفس الماهية، أي: الحكم لا باعتبار العموم والخصوص والحكم باعتبار عروض العموم.
2 . قد أوضحنا فروع القضية من خلال المخطط المشاهد في الصفحة التالية.

صفحه 83
سالبة
موجبة
الحكم فيه على جميع الافراد
(القضية كلية)
      سالبة         موجبة
الحكم فيه على بعض الافراد
(القضية جزئية)
      سالبة         موجبة
وأمّا أن لا نذكر الكل ولا البعض
               (القضية مهملة)
أن يكون الحكم على الأفراد الّتي صدق عليها الموضوع
أنّ الحكم فيها على نفس الماهية
إمّا أن يكون المحكوم شخصاً معيناً (فالقضية شخصية)
أن لا يكون المحكوم عليه
      شخصاً معيّناً
الحكم على نفس الماهية من حيث هي لا باعتبار عروض الكلية لها    (القضية الطبيعية)
الحكم على الماهية باعتبار عروض العموم لها (القضية العامة)
القضية

صفحه 84
قال: والمتحقق في المهملة، الجزئية فأهملت.*
قال: ومقدمات البرهان قطعية1، لأنّ لازم الحقّ حقّ، وتنتهي إلى ضرورية والاّ لزم التسلسل.**
* أقول: المهملة في قوة الجزئية لأنّها لا تخلو إمّا أن تصدق كلّية أو جزئية، فإن كانت كلّية، صدقت وهي جزئية، وإن كانت جزئية، صدقت جزئية ; فالمهملة يستلزم صدقها صدق الجزئية وكذلك على العكس فإنّ المحمول إذا صدق على شخص معين صدق على ما صدق 2 عليه الماهية فيستلزم صدق الجزئية صدق المهملة، فإذن كلّ واحد من الجزئية والمهملة يستلزم صدق الأُخرى وهو المراد بقولنا: المهملة في قوة الجزئية، وإذا كانت المهملة في قوة الجزئية استغنى بالبحث عن الجزئية عن البحث عنها.

[ البرهان ومقدماته ]

** أقول: المطلوب من البرهان إنّما هو الحكم القطعي وهو لا يحصل إلاّ من مقدمات قطعية، فإنّ الحقّ يستلزم الحقّ قطعاً وغيره لا يستلزم، فهو إنّما يتألف من القطعيات، ثمّ إنّ تلك القطعيات إنّ كانت مستفادة من غيرها، كان حكم غيرها، حكمها في كونها قطعية، لا كونها كسبية ; بل يجب الانتهاء إلى مقدمات ضرورية غنية عن الاكتساب والاّ لزم التسلسل أو الدور وهما محالان.

1 . في نسخة «ب»: لتنتج قطعياً.
2 . كذا في النسختين والاصحّ: صدقت.

صفحه 85
قال: وأمّا الأمارات فظنيّة أو اعتقاديّة، إن لم يمنع مانع، إذ ليس بين الظن والاعتقاد وبين أمر1 ربطٌ عقلي، لزوالهما مع قيام موجبهما.*
قال: ووجه الدلالة في المقدمتين، إنّ الصغرى خصوص والكبرى عموم، فيجب الاندراج فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى.**
* أقول: الأمارات إمّا أن تكون ظنية أو اعتقادية يحصل بها ظن أو اعتقاد إذا لم يمنع مانع، فانّ وجود المانع هاهنا ممكن إذ ليس بين الظن والمظنون ربط عقلي ولا بين الاعتقاد والمعتقد، فيجوز زوال الظن والاعتقاد مع قيام الموجب لهما، بخلاف البرهان الّذي يفيد القطع، فانّه يستحيل زواله مع قيام موجبه.
** أقول: قد توهم بعض الناس أنّ الدلالة هي الدليل، وهو خطأٌ فإنّ الدلالة نسبة بين الدليل والمدلول والنسبة مغايرة للمنتسبين، وإذا ثبت التغاير بين الدلالةوالدليل، فنقول:
وجه دلالة الدليل على المدلول أنّ الصغرى أخصّ من الكبرى فتندرج تحتها ويلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى، مثاله: ان [ بـ ] قولنا الإنسان حيوان والحيوان جسم، جعلنا موضوع الصغرى هو الإنسان وهو مندرج تحت محمولها، ومحمولها وهو الحيوان جعلناه موضوعاً للكبرى، فاندرج موضوع الصغرى
تحت موضوع الكبرى وكان أخصّ منه، وكلّ حكم صدق على أفراد العام صدق على الخاص بالضرورة، فيصدق الجسم على الإنسان الذي هو بعض أفراد
الحيوان.

1 . مراد المصنّف من الـ «أمر» هنا هو «المعتقد» ، والظاهر أنّه من إفادات الشارح.

صفحه 86
قال: وقد تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها.*
* أقول: إحدى المقدمتين لا تنتج وإنّما ينتج مجموع المقدمتين على ما مر، ويرد عليه سؤال وهو أن يقال: انّه يصدق قولنا: الإنسان حيوان فهو جسم، ولما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً .
والجواب عنه أن نقول: قولنا: الإنسان حيوان فهو جسم، قياس حذف فيه إحدى مقدمتيه للعلم بها وهي قولنا: وكلّ حيوان جسم ; وقولنا: لما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، قياس حذف فيه إحدى المقدمتين لوجود ما يدلّ عليها فإنّ لفظة «لما» كما دلّت على مطلق الاتصال، دلّت مع ذلك على تسليم المقدم فكان القياس هكذا: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة.
واعلم أنّه قد تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها في القياس البسيط بل في المركب وهو المسمّى بالقياس المطويّ مثل أن نقول: كلّ إنسان ناطق و كلّ ناطق حيوان وكلّ حيوان جسم وكل جسم جوهر، ينتج كلّ إنسان جوهر لكن بواسطة مقدمات محذوفة، فإن قولنا: وكلّ حيوان جسم، كبرى لصغرى محذوفة وهي قولنا: كلّ إنسان حيوان، وينتجان كلّ إنسان جسم، ثمّ نقول: كلّ إنسان جسم وكلّ جوهر جسم وينتجان: كل إنسان جوهر، الّذي هو المطلوب، فهذه المقدمات قد حذفت للعلم بها.

صفحه 87
قال: والضروريات :
منها المشاهدات الباطنة وهي ما لا تفتقر إلى عقل كالجوع والألم.
ومنها الأوليات وهي ما يحصل بمجرد العقل كعلمك بوجودك، وان النقيضين يصدق أحدهما .
ومنها المحسوسات وهي ما تحصل بالحس .
ومنها التجريبيات وهي ما تحصل بالعادة كإسهال المسهل والإسكار.
ومنها المتواترات وهي ما تحصل بالاخبار تواتراً كبغداد ومكة.*

[ مواد البرهان ]

* أقول: لما ذكر البرهان وأنّه يتألف من مقدمات امّا ضرورية ابتداءً وإمّا منتهية إلى الضروريات، وجب عليه بيان الضروريات. وتقريره أن نقول :
الحكم إمّا أن يكفي فيه مجرد تصور الطرفين ويقال له الأولى كالعلم بأنّ النقيضين لا يجتمعان، فإنّ من تصور النقيضين وتصور عدم الاجتماع كفاه هذان التصوران في الحكم بأنّ النقيضين لا يجتمعان .
وأمّا أن لا يكفي بل لابدّ من الاستعانة ببعض القوى فنقول :
تلك القوة إمّا أن تكون باطنة وهي كإدراك الجوع والألم وتسمى المشاهدات الباطنة والوجدانيات، ولا يفتقر هذا الإدراك إلى العقل فإنّه قد يحصل للبهائم .   2

صفحه 88
قال: وصورة البرهان اقتراني واستثنائي، فالاقتراني ما لا يذكر اللازم ولا نقيضه فيه بالفعل، والاستثنائي نقيضه.*
<--- وأمّا أن تكون ظاهرة فإمّا أن تكون وحدها كافية أو لا تكون، والأوّل هو المحسوسات كمن يحكم بأنّ النار حارة والشمس مشرقة، وهذه أيضاً لا تفتقر إلى العقل. والثاني لا يخلو إمّا أن يكون المعيِّن لها هو تكرار الأثر عقيب الملاقاة أو نقل الأخبار المتواترة، والأوّل هو التجربيات كالحكم بأنّ السقمونيا1 مسهل للصفراء لتكرر وقوع ذلك منها عقيب ملاقاة البدن، والثاني هو المتواترات كالعلم بوجود مكة وبغداد. وهذان القسمان لابدّ فيهما من العقل فإنّ الحكم الأوّل إنّما يحصل لوجود قياس عقلي وهو أنّ هذا الأثر لو كان اتفاقياً لما كان دائمياً ولا أكثر وهذا القياس هو الفارق بين هذا الحكم والحكم المستفاد من الاستقراء، وكذلك الثاني فإنّه لابدّ فيه من قياس وهو انّه يمتنع اطباق هذا الخلق الكثير على الكذب.

[ صور البرهان ]

* أقول: لما ذكر مادة البرهان شرع في بيان الصورة حتى تحصل الاحاطة بتمام الماهية. وأعلم أنّا ذكرنا أنّ البرهان إنّما يتألف من مقدمتين فالمطلوب لا يجوز أن يكون إحدى تينك المقدمتين وإلاّ كان البرهان مشتملاً على المصادرة على المطلوب الأوّل وهو من باب الأُغلوطات بل قد يكون جزءً من أحدهما أو خارجاً. والمقدمة التي تشتمل على قضية فإنها تكون لا محالة شرطية، فالاستثنائي يشتمل على مقدمة شرطية أحد جزئيها المطلوب أو نقيضه، وعلى مقدمة هي وضع   2

1 . السَّقَمُونيا، نبتة يستخلص منها دواء مسهل للبطن تزول به دوده.

صفحه 89
قال: فالأوّل بغير شرط ولا تقسيم، ويسمى المبتدأ فيه موضوعاً، والخبر محمولاً، وهي الحدود، والوسط الحدّ المتكرر، وموضوعه الأصغر ومحموله الأكبر، وذات الأصغر الصغرى وذات الأكبر الكبرى.*
<--- أو رفع.1
وأمّا الاقتراني فإنّه الذي لا تكون النتيجة ولا نقيضها مذكوراً فيه بالفعل كما نقول: كلّ إنسان حيوان وكلّ حيوان جسم فالنتيجة وهي قولنا: كلّ إنسان جسم، غير موجودة بالفعل في القياس ولا نقيضها .
وأمّا الاستثنائي فنقيض الاقتراني وهو أنّ يكون اللازم أو نقيضه مذكوراً فيه بالفعل كما نقول: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ثم نقول: لكن الشمس طالعة ينتج فالنهار موجود، فقولنا: النهار موجود ـ وهو عين النتيجة ـ جزء من الشرطية المذكورة، أو نقول: لكن النهار ليس بموجود ينتج فالشمس ليست بطالعة وهو نقيض الموجود في القياس، وفي هذا الكلام تساهل وشكوك ذكرناها في كتاب «الاسرار».2
* أقول: القياس الاقتراني ينقسم إلى ما يتألف من الحمليات ويسمى القياس الحملي، وإلى ما يتألف من الشرطيات أو منها ومن الحمليات ويسمى القياس الشرطي.
والشرطيات أمّا أن تكون متصلات وهو المراد بقوله: بغير شرط يعني   2

1 . إن القياس الاستثنائي يتركب من مقدمة شرطية ومقدمة حمليّة، يستثنى فيها عين أحد جزئي الشرطية أو نقيضه، لينتج عين الآخر أو نقيضه ..
2 . يراجع كتاب «الاسرار الخفية» للشارح (قدس سره)، المبحث الرابع: «في القياس الاستثنائي»: 185.

صفحه 90
قال: ولما كان الدليل قد يقوم على ابطال النقيض والمطلوب نقيضه، وقد يقوم على الشيء، والمطلوب عكسه، احتيج إلى تعريفهما، فالنقيضان كل قضيتين إذا صدقت إحداهما، كذبت الأُخرى وبالعكس.*
<--- أن يكون القياس غير مشتمل على مقدمة متصلة.
وأمّا أن تكون منفصلات وهو المراد بقوله: ولا تقسيم، وحينئذ ينفى الحملي وهو يشتمل على مقدمتين اشتركتا في بعض الحدود وتباينتا في البواقي، مثاله كل إنسان حيوان وكلّ حيوان جسم، فالإنسان وهو المبتدأ يسمى الموضوع في الصغرى والحيوان في الكبرى وهو المبتدأ يسمى الموضوع أيضاً والحيوان المخبر به عن الإنسان في المقدمة الأُولى، يسمى المحمول وكذلك الجسم في الكبرى، فهذان حدّان هما طرفان، والحد المتوسط بينهما وهو الحيوان هو المتكرر، فإنّه قد وقع تارة محمولاً في الصغرى، وتارة موضوعاً في الكبرى، وموضوع 1 هذه، المتوسط وهو الإنسان يسمى الأصغر لاندراجه تحته، ومحموله وهو الجسم يسمى الأكبر لاندراجه تحته، والمقدمة التي فيها الحد الأصغر تسمى الصغرى، والمقدمة الّتي فيها الحد الأكبر تسمى الكبرى.
* أقول: مثال الأول، كما يقع في الأقيسة الخلفيّة،2 ومثال الثاني، كما   2

1 . في نسخة «ب»: موضوعه هذا وهو الإنسان.
2 . جمع لقياس الخلف; وهو قياس يستعمله المستدل عند عجزه عن الاستدلال المباشر، فيأتي بالدليل على بطلان نقيض مطلوبه ليثبت صدق مطلوبه لأن النقيضين لا يكذبان معاً، وابطال النقيض لاثبات المطلوب يسمى بـ «قياس الخلف». يلحظ: «المنطق» للشيخ المظفر (قدس سره): 2 / 227 .

صفحه 91
قال: فإن كانت شخصية، فشرطها أن لا يكون بينهما في المعنى إلاّ النفي والإثبات فيتحد الجزءان بالذات والإضافة والجزء والكل والقوة والفعل والزمان والمكان والشرط.*
<--- يقع في الاشكال الثلاثة المغايرة للأول. والتعريف الذي ذكره للتناقض، تعريف ناقص والتعريف التام ان نقول: التناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأُخرى ; فالاختلاف جنس يقع فيه اختلاف المفردات واختلاف القضايا، ثمّ اختلاف القضايا قد يكون بالسّلب والايجاب وقد يكون بغيرهما.
وإنّما ذكرنا الاختلاف بالسلب والإيجاب ليخرج عنه قولنا: هذا الموجود واجب، هذا الموجود ممكن، فانّهما قضيتان يلزم من صدق احديهما كذب الأُخرى وبالعكس وليسا متناقضتين. ومثل هذه الصورة داخلة في التعريف الّذي ذكره المصنف، وإنّما ذكرنا قيد الذات ليخرج مثل قولنا: هذا إنسان، هذا ليس بناطق، فإنّهما قضيتان اختلفتا بالسلب والإيجاب، يلزم من صدق احداهما كذب الأُخرى وبالعكس، لكنهما غير متناقضتين لأنّ الاقتسام ليس لذات الاختلاف بل لأنّ الإنسان يلزمه الناطق، وبين ثبوت الشيء وسلب لازمه المساوي، معاندة في الصدق والكذب، وهذه الصورة أيضاً تدخل في الحدّ الذي ذكره المصنف، وما ذكرناه نحن هو المنطبق على حدّ التناقض وهو الذي ذكره المتقدمون.

[ شروط التناقض ]

* أقول: القضية الشخصية هي التي موضوعها شخص معيّن، وشرط   2

صفحه 92
<--- التناقض فيها الاتحاد في كلّ شيء إلاّ في النفي والإثبات، والأشياء الّتي تتحد القضية باعتبار اتحادها هي التي ذكرها، وهي: الذات في كلّ واحد منهما حتّى يكون الموضوع والمحمول في كلّ واحد منهما هو المذكور في الأخرى، كما تقول، زيد كاتب زيد ليس بكاتب ; فإنّ مع اختلاف الموضوع لا يلزم التناقض فانّه قد يصدق زيد كاتب وعمر ليس بكاتب .
وكذلك إذا اختلف المحمول قد يصدقان، كما تقول: زيد كاتب، زيد ليس بنجار .
والاضافة، فإنك لو قلت: زيد أب أي لعمر وزيد ليس بأب أي لخالد، كانت الاضافة مختلفة فإنّ أبوة عمر مغايرة لأبوة خالد وجاز صدقهما .
والجزء أو الكلّ، فإنّك لو قلت: الزنجي أسود، أي بعضه، ليس الزنجي بأسود أي ليس كلّ أجزائه ; كان الجزء والكلّ مختلفين فيهما وجاز صدقهما.
والقوة أو الفعل، فإنّك لو قلت: الخمر مسكر في الدن 1 أي بالقوة، الخمر ليس بمسكر في الدن أي بالفعل ; اختلفت القضيتان بالقوة والفعل وجاز صدقهما.
والزمان، فإنك لو قلت: زيد موجود أي في هذا اليوم، زيد ليس بموجود أي في الأمس ; لم يلزم التناقض لاختلاف الزمان المقتضي لاختلاف الحكم .
والمكان، فإنّك لو قلت: زيد موجود أي في الدار، زيد ليس بموجود أي في السوق ; لم يلزم التناقض لوقوع الاختلاف في الحكم لاختلاف المكان .
والشرط، فإنّك لو قلت الأبيض مفرّق للبصر أي بشرط البياض، الأبيض ليس بمفرق للبصر أي بشرط زوال البياض، لم يقع تناقض لاختلاف الحكم بسبب   2

1 . الدّنُّ: إناء عظيم يشبه الحُبَّ غير انّه اطول وقيل: هو أصغر من الحب.

صفحه 93
قال: وإلاّ لزم اختلاف الموضوع لأنّه إن اتحدّا، جاز أن يكذبا في الكلّية، مثل: كلُّ إنسان كاتبٌ ; لأنّ الحكم بعرضيٍّ خاصٌ بنوع، وَأَنْ يصدقا في الجزئية، لأنّه غير متعيّن.*
قال: فنقيضُ الكلية المثبتة، جزئية سالبة، ونقيض الجزئية المثبتة كلية سالبة.**
<--- تغاير الشرط .
امّا إذا روعيت هذه الأمور المعدودة وجعلت واحدة منهما لزم التناقض جزماً.
* أقول: إذا لم تكن القضية شخصيّة، كانت محصورة وحينئذ يلزم اختلاف الموضوع في الكلية والجزئية حتّى يكون في إحدى القضيتين كليّاً، وفي الأخرى جزئياً، حتى يقع بينهما تناقض فإنّهما لو اتحدتا في الكلّية أو الجزئية جاز كذبهما إن كانتا كليتين مثل أن تقول: كلّ إنسان كاتب بالفعل، ولا شيء من الإنسان بكاتب بالفعل، فإنّ الكتابة بالفعل لما كانت مختصة بالإنسان، لم يصدق سلبها عنه ولما كانت من الخواص القاصرة، لم يصدق ايجابها على كلّ افراده. وإذا كانتا جزئيتين جاز صدقهما كما في هذه المادة بعينها، فإنّه يصدق فيه بعض الإنسان كاتب بالفعل وبعضه ليس بكاتب، لأنّ الموضوع هاهنا غير متعين حتّى يلزم توارد السلب والإيجاب على شيء واحد .
واعلم أنّ هذا الشرط وحده غير كاف ما لم ينضم إلى ما تقدم من الشروط المذكورة في الشخصية .
** أقول: لمّا بيّنا أنّ التناقض مطلقاً إنّما يكون مع المخالفة في الكيف   2

صفحه 94
قال: وعكس كلّ قضية، تحويل مفرديها على وجه يصدق.*
<--- وبيّنا أنّه لا يكون في المحصورات الاّ مع المخالفة في الكم أيضاً، ظهر انّ نقيض الكلية المثبتة أعني الموجبة، جزئية سالبة حتّى يكون الجزئي مخالفاً للكلي وهو الإشارة إلى المخالفة في الكمّ، والسلب مخالفاً للإيجاب وهو الإشارة إلى المخالفة في الكيف وبالعكس. ونقيض الجزئية الموجبة، كلية سالبة; فنقيض قولنا: كلّ إنسان حيوان، بعض الإنسان ليس بحيوان وبالعكس، فإنّ إحدى القضيتين إذا ناقضت أُخرى، كانت الأُخرى مناقضة للأُولى ونقيض قولنا: بعض الإنسان حيوان، لا شيء من الإنسان بحيوان وبالعكس .
والمصنف لم يذكر تناقض ذوات الجهة وفي ذكره تطويل لا يليق ايراده هاهنا وقد ذكرناه في كتاب «الأسرار» على الاستقصاء.1

[ العكس المستوي ]

* أقول: لما فرغ من ذكر التناقض شرع في بيان العكس المستوي، وحدّه بأنّه: تحويل مفردي القضية على وجه يصدق، ومثال هذا أنّا إذا عكسنا قولنا: كلّ إنسان حيوان، كان قولنا: بعض الحيوان إنسان، فقد كان الإنسان موضوعاً في الأصل والحيوان محمولاً، وفي العكس جعلنا الحيوان موضوعاً والإنسان محمولاً، فقد حولنا كلّ واحد من مفردي القضية إلى مكان صاحبه .
وقد عرّف العكس بعض القدماء بأنّه: «عبارة عن جعل الموضوع محمولاً والمحمول موضوعاً»، وهذا الحد يختص بالحمليات، والذي ذكره المصنف   2

1 . يراجع: «الأسرار الخفية»: 68. وليعلم أنّ بحث الجهات في المنطق غيرُ بحث الجهات في الحكمة.

صفحه 95
قال: فعكس الكلية الموجبة، جزئية موجبة ; وعكس الكلية السالبة مثلها، وعكس الجزئية الموجبة مثلها، ولا عكس للسالبة الجزئية.*
<--- يعم الحمليات والشرطيات كما نعكس قولنا: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، إلى قولنا: قد يكون إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة، فقد جعلنا المقدم في الأصل تالياً في العكس، والتالي في الأصل مقدماً في العكس .
واعلم أنّه يشترط في العكس الموافقة في الكيف اصطلاحاً 1 ولم يذكره المصنف. وتجب أيضاً الموافقة في الصدق، لا بمعنى أنّ العكس يجب أن يكون صادقاً بل بمعنى أنّه متى صدق الأصل صدق العكس، فإنّ العكس لازم للأصل وكذب اللازم مع صدق الملزوم، محال. وهذا الشرط ذكره المصنف بقوله: على وجه يصدق، ولا يريد بالصدق هاهنا، الصدق الفعلي بل على ما فسرنا. وبعض القدماء 2 يشترطون الموافقة في الكذب أيضاً وهو خطأ فإنّ كذب الملزوم لا يوجب كذب اللازم، وأيضاً فإنّ قولنا: كلّ حيوان إنسان، كاذب، مع صدق قولنا: بعض الإنسان حيوان.
* أقول: الكلية لا تخلو إمّا أن تكون موجبة أو سالبة، والجزئية لا تخلو   2

1 . وقال الشارح (قدس سره)في «الأسرار» :
«واشتراطُ حفظ الكيف حصل بالاصطلاح وأما الصدق فواجب...». لاحظ: «الأسرار الخفية»: 81 .
وقال شارح الشمسية: «وأنمّا وقع الاصطلاح عليه لأنهم تتبعوا القضايا فلم يجدوها في الأكثر بعد التبديل صادقة لازمة إلاّ موافقة لها في الكيف».
2 . هو أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري (المتوفّى 663 هـ) في كتابه «ايساغوجي»، على ما قيل.

صفحه 96
<--- أيضاً من إحديهما، فهذه أربعة أنواع على ما مرّ :
فالموجبة الكلّية تنعكس كنفسها في الكيف دون الكمّ فعكسها إذن موجب جزئي، أمّا المتابعة في الكيف فلما ذكرناه أوّلاً، وأمّا عدم متابعتها في الكمّ فلأنّه يصدق كلّ إنسان حيوان ولا يصدق كلّ حيوان إنسان، وحاصله: أنّ المحمول قد يكون أعمّ من الموضوع ويستحيل حمل الخاص على كلّ أفراد العام بل ينعكس جزئية، مثلاً: لو لم يصدق بعض ج ب في عكس قولنا كلّ ب ج، لصدق نقيضه وهو لا شيء من ج ب ونجعله كبرى، والأصل صغرى، هكذا: كلّ ب ج و لا شيء من ج ب ينتج لا شيء من ب ب، وهو محال.
والسالبة الكلية تنعكس كنفسها في الكمّ والكيف، لأنّه إذا صدق لا شيء من ج ب، صدق لاشيء من ب ج، وإلاّ لصدق بعض ب ج ونجعله صغرى فنقول: بعض ب ج ولا شيء من ج ب للأصل، ينتج بعض ب ليس ب، هذا خلف .
وأمّا الموجبة الجزئية فتنعكس كنفسها في الكمّ والكيف، لانّه إذا صدق بعض ج ب، يصدق بعض ب ج وإلاّ فلا شيء من ب ج فنجعله كبرى للأصل ونقول: بعض ج ب و لا شيء من ب ج و ينتج بعض ج ليس ج، هذا خلف .
وأمّا السالبة الجزئية فلا تنعكس لأنّه يصدق: ليس كلّ حيوان انساناً، وإلاّ لصدق ليس كلّ إنسان بحيوان.
والشرطيات المتصلة على هذا المنهاج، فإنّه إذا صدق كلّما كان 1 ـ أو قد يكون ـ إذا كان أب فـ : ج د، صدق قد يكون إذا كان ج د فـ : أ ب، و إلاّلصدق نقيضه وهو: ليس البتة إذا كان ج د فـ : أ ب فنجعله كبرى للصغرى، وينتج ليس البتة   2

1 . في نسخة «ب»: أو .

صفحه 97
قال: وإذا عُكِست الموجبةُ الكليةُ بنقيضِ مفرديها، صدقت ; ومِنْ ثَمَّ انعكست السالبة سالبة جزئية.*
<--- ـ أو قد لا يكون ـ إذا كان أ ب فـ : أ ب وهو محال، وكذلك إذا صدق ليس البتة إذا كان أ ب فـ : ج د، صدق ليس البتة إذا كان ج د فـ : أ ب وإلاّ فقد يكون إذا كان ج د فـ : أ ب وينتج مع الأصل: قد لا يكون إذا كان ج د، فـ : ج د، وهو محال .
والسالبة الجزئية لا تنعكس لانّه يصدق قد لا يكون إذا كان هذا حيواناً فهو إنسان، ولا يصدق قد لا يكون إذا كان هذا إنساناً فهو حيوان .
وأعلم أنّ هذا الحكم ليس على إطلاقه بل في موجهات معيّنة في ذكرها طول، فليطلب من كتاب «الأسرار».1

[ عكس النقيض ]

* أقول: هذا نوع من العكس يقال له عكس النقيض، وهو عبارة عن جعل نقيض المحكوم عليه محكوماً به، ونقيض المحكوم به محكوماً عليه مع الموافقة في الكيف والصدق .
ولنمتحن هذا في المحصورات الأربع فنقول:
الموجبة الكلية إذا عُكست بنقيض مفرديها صدقت، مثلاً: إذا صدق كل ج ب، صدق كلّما ليس ب ليس ج، وإلاّ صدق: ليس بعض ما ليس ب، ليس ج وهو يستلزم بعض ما ليس ب ج وينعكس إلى قولنا: بعض ج ليس ب، وكان كل    2

1 . ولعل مراده ما أشار إليه بقوله:
«ولابد من ان نذكر هنا بعض المذاهب المخالفة لما أصّلناه، ونبيِّن خطأها ونذكر شكوكاً وحلاً لها». راجع «الأسرار الخفية»: 84 .

صفحه 98
قال: وللمقدمتين، باعتبار الوسط، أربعة أشكال :
فالأوّل: محمول لموضوع النتيجة، موضوع لمحمولها .
الثاني: محمول لهما .
الثالث: موضوع لهما .
الرابع: عكس الأوّل.*
<--- ج ب، هذا خلف .
والموجبة الجزئية لا تنعكس لأنّه يصدق: بعض الحيوان غير إنسان، ولا يصدق بعض الإنسان غير حيوان .
والسالبة الكلية والسالبة الجزئية تنعكسان سالبة جزئية لأنّه إذا صدق: لا شيء من ج ب، أو ليس بعض ج ب، صدق: ليس بعض ما ليس ب ليس ج، وإلاّ لصدق: كلّ ما ليس ب ليس ج، وتنعكس هذه الموجبة الكلية بنقيض مفرديها هذا العكس إلى قولنا: كلّ ج ب و هو يضاد الكلي ويناقض الجزئي، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ومن ثَمَّ انعكست السالبة سالبة، فإنّا إنما بيّنا عكس السالبتين بأن عكسنا قولنا: كلّ ما ليس ب ليس ج وهو موجبة كلية إلى قولنا: كلّ ج ب .
وكذلك البحث في عكس نقائض المتصلات.

[ الأشكال القياس ]

* أقول: الحدّ الأوسط ـ وهو المتكرر في المقدمتين باعتبار وضعه عند الحدّين الآخرين ـ يكون على ثلاثة أقسام لا غير:   2

صفحه 99
قال: فاذا رُكِّب كلُّ شكل باعتبار الكلية والجزئية والموجبة والسالبة، كانت مقدراته ستة عشر ضرباً، الأوّل أبيّنها، لذلك يتوقف غيره على رجوعه إليه وينتج المطالب الأربعة1.*
<--- الأوّل: أن يكون موضوعاً في إحدى المقدمتين محمولاً في الأخرى.
الثاني: أن يكون محمولاً فيهما.
الثالث: أن يكون موضوعاً فيهما .
الأوّل ينقسم إلى قسمين لأنّه أمّا أن يكون محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى أو بالعكس، فهذه أربعة أقسام سمَّوا كل قسم منها شكلاً:
فالأوّل: هو الذي يكون الأوسط فيه محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى .
والثاني: هو الّذي يكون الأوسط فيه محمولاً في المقدمتين .
والثالث: هو الّذي يكون الأوسط فيه موضوعاً في المقدمتين .
والرابع: هو الذي يكون الأوسط فيه موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى وهو عكس الأوّل.
* أقول: كلّ شكل يشتمل على مقدمتين: إحداهما صغرى والأُخرى   2

1 . يريد بالمطالب الأربعة، نتائج الضروب الأربعة من موجبة كلية وموجبة جزئية وسالبة كلية وسالبة جزئية.
ولابد من التنبيه هنا على أنّ المطالب جمع مطلب، وهي تطلق على الأدوات الّتي يطلب بها المجهول التصوري أو التصديقي مثل «ما» و «هل» ; وأمّا المطلوب وهو نتيجة القياس قبل تحصيلها، يجمع على مطاليب، وعليه يكون تعبير المتن من سهو الناسخ أو من هفوة القلم.

صفحه 100
<--- كبرى، والصغرى لا تخلو عن أربعة أقسام: أمّا أن تكون موجبة كلية أو سالبة كلية أو موجبة جزئية أو سالبة جزئية.
وعلى هذه التقادير الأربعة فالكبرى أحدها،1 ومضروب الأربعة في نفسها ستة عشر فكل شكل من الأشكال الأربعة إذا ركب مقدمتاه، حدث له باعتبار الكم والكيف ستة عشر ضرباً، لكنها ليست كلها منتجة بل بعضها عقيم لوجوب اشتراط مايشترط في كلّ شكل منها على ما يأتي .
وقدم الشكل الأول على باقي الأشكال لكونه أوضحها، فانّ الشكل الثاني إنّما يتبين بالردّ إليه بأن نعكس كبراه، والثالث بعكس صغراه، والرابع بعكس مقدمتيه معاً.
ولمّا كان الثاني موافقاً للأول في أشرف مقدمتيه أعني الصغرى لكونها موجبة، ومخالفاً له في الكبرى، كان تالياً للاول ثم يتلوه الثالث لموافقته إيّاه في الكبرى، وتأخر الرابع لبعده عنه في المقدمتين معاً.
والشكل الأوّل ينتج المحصورات الأربع أعني: الموجبتين والسالبتين على ما يأتي، فله 2 هذه الخصوصية أيضاً.
شرط انتاج الشكل الثاني   

1 . للشارح (قدس سره)في هذا المجال عبارة أوضح أوردها في «الجوهر النضيد»: 102، فراجع.
2 . في نسخة «ب»: علة.
Website Security Test