welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1

الموجز
في أُصول الفقه

يبحث عن الأدلة اللفظية والعقلية

تأليف

العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني

الجزء الأول

قرّرت اللّجنة العلمية المشرفة على المناهج الدراسية في الحوزة العلمية
تدريسه لطلاب السنة الرابعة


(2)

الناشر النموذجي لسنة 1377
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
هوية الكتاب

اسم الكتاب:    الموجز في أُصول الفقه / الجزء الأوّل والثاني

المؤلف:    العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

الطبعة:    الثانية

المطبعة:    اعتماد

التاريخ:    1420 هـ. ق

الكمية:    5000 نسخة

الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ

الصف والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلّ ِفِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّيِن وَليُنذِرُواْ قَوْمهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

(التوبة ـ 122)


(4)

(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على سيّد الأنبياء و المرسلين

محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذا كتاب وجيز في أُصول الفقه يستعرض أهمّ المسائل الأُصوليّة الّتي تعدّ أُسُسَاً لاستنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعيّنة.

وقد وضعته للمبتدئين في هذا الفن، و الغرض من وراء ذلك، إيقافهم على أُمّهات المسائل من دون إيجاز مخلّ، و لا إطناب مملّ.

لقد كان كتاب المعالم الذي ألّفه الشيخ حسن بن زين الدين العاملي ـ قدّس اللّه سرّهما ـ هو الدارج في الحوزات العلمية لهذا الغرض، و قد أدّى ـ بحق ـ رسالته في العصور السالفة.

غير أنّه لمّا طرحت بعد تأليفه، أبحاث أُصولية جديدة لم يتعرض لها هذا الكتاب، اقتضت الحاجة إلى تأليف آخر بأُسلوب جديد، و قد حلّ محلّه في السنين الأخيرة كتاب « أُصول الفقه» للشيخ محمد رضا المظفر ـ رضوان اللّه عليه ـ لسدِّ ذلك الفراغ، و لكن الكتاب ـ مع الشكر الجزيل لجهود مؤلّفه ـ قد اشتمل على مطالب فوق مستوى فهم الطالب كما أوجز في بعض المواضيع وأسهب في أُخرى، و لذلك عسر فهمه عليه، فاستدعت الحاجة إلى تأليف كتاب آخر يضمُّ في طيّاته الأبحاث الأُصولية الجديدة بعبارات واضحة، و متلائمة مع اللغة


(6)

العلمية الدارجة في الحوزة مع تطبيقات تساعده بشكل أفضل على فهم المسائل الأُصولية في مختلف الأبواب و الإشارة إلى مواضعها في الكتب الفقهية.

و لقد استعرضت فيه ما هو المشهور لدى المتأخرين من أصحابنا الأُصوليين ، و ربما كان المختار عندي غيره، لكن لم أشر إليه لتوخّي الإيجاز، وصيانة الذهن عن التشويش.

كما تركت الخوض في البحوث المطروحة في الدراسات العليا، و ربما أشرت إلى بعض عناوينها في الهامش، وأسميته بـ «الموجز في أُصول الفقه» إيعازاً إلى أنّ الكتاب صورة موجزة للمسائل الأُصولية المطروحة. و بدراسته يُصبِحُ الطالب مؤهّلاً لدراسة كتاب «الفرائد» للشيخ الأنصاري ، و «الكفاية» للمحقّق الخراساني ـ قدّس سرّهما ـ. و مع ذلك ففيه غنى و كفاية لمن لا يريد التوسع في هذا العلم، ولرغبته في التخصص في علوم أُخرى كالتفسير وعلوم القرآن و العقائد و الكلام.

و الأمل أن يكون الكتاب وافياً بالغاية المنشودة، واقعاً مورد الرضا، كما نرجو من الأساتذة الكرام أن يتحفونا بآرائهم القيّمة حوله ليستدرك في الطبعات اللاحقة، و نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لما فيه الخير و الرشاد.

المؤلّف


(7)

الفهرس العام لهذا الجزء

1. المقدمة تتضمّن اثني عشر أمراً.

2. المقصد الأوّل في الأوامــر وفيه عشرة فصول.

3. المقصد الثاني في النواهـي وفيه ستة فصول.

4. المقصد الثالث في المفاهيم وفيه خمسة أُمور وستة فصول.

5. المقصد الرابـع في العمـوم والخصوص وفيه اثنا عشر فصلاً.

6. المقصد الخامس في المطلق والمقيد والمجمل والمبين وفيه ستة فصول.

و قبل الخوض في المباحث الأُصوليّة نذكر أُموراً كالمقدّمة للكتاب:


(8)


(9)

المقدمة:

وفيها أُمور:

الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله وغايته.

الأمر الثاني: في تقسيم المباحث الأُصولية إلى لفظية وعقلية.

الأمر الثالث: في الوضع وأقسامه الأربعة وتقسيمه أيضاً إلى شخصي ونوعي.

الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصورية وتصديقية.

الأمر الخامس: في الحقيقة والمجاز.

الأمر السادس: علامات الحقيقة والمجاز

الأمر السابع: الأُصول اللفظية.

الأمر الثامن: الاشتراك والترادف وإمكانهما ووقوعهما.

الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى.

الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية والمتشرعية.

الأمر الحادي عشر: في أنّ أسماء العبادات والمعاملات موضوعة للصحيح أو للأعم.

الأمر الثاني عشر: المشتق و أنـّه موضوع للمتلبس بالمبدأ أو للأعم.


(10)


(11)

الأمر الأوّل: تعريف علم الأُصول وغايته و موضوعه ومسائله

إنّ لفظة أُصول الفقه تشتمل على كلمتين تدلاّن على أنّ هنا أُصولاً وقواعد يتّـكل الفقه عليها، فلابدّ من تعريف الفقه أوّلاً، ثمّ تعريف أُصوله ثانياً.

الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية(1) عن أدلّتها التفصيلية، أعني: الكتاب و السنّة و الإجماع والعقل.

فخرج بقيد«الشرعية» العقلية، وبـ«الفرعية» الاعتقادية و بـ «التفصيلية» علم المقلِّد بالأحكام، فإنّه و إن كان عالماً بالأحكام، لكنّه لا عن دليل تفصيلي، بل بتبع دليل إجمالي و هو حجّية رأي المجتهد في حقّه في عامة الأحكام . وأمّا المجتهد فهو عالم بكلّ حكم عن دليله الخاص.

وأمّا أُصول الفقه: فهي القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية عن الأدلّة.

و بذلك يعلم أنّ أُصول الفقه من مبادىء علم الفقه، و هي بمنزلة المنطق


1 . هذا هو المعروف في تعريف الفقه، و لكنّه أعم من العلم بالأحكام الشرعية ،بل يعمّ تنقيح موضوعاتها، كتحديد الكر و الدماء الثلاثة، و أوقات الفرائض و النوافل، و متعلّقات الخمس و الزكاة إلى غير ذلك من الموضوعات التي هي بحاجة إلى التنقيح و التحديد.
و لأجل إكمال التعريف يجب عطف«تنقيح الموضوعات» على الأحكام الشرعية و يقال: الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية أو تنقيح موضوعاتها عن أدلّتها التفصيلية. فالفقيه هو العارف بالأحكام و المنقح لموضوعاتها.


(12)

إلى الفلسفة، فكما أنّ المنطق يُعرِّف الطالب كيفيّةَ إقامة البرهان على المسائل الفلسفية، فهكذا علم الأُصول يتكفّل بيان كيفيّة إقامة الدليل على الحكم الشرعي.

وأمّا غايته: فالغاية من وراء تدوين مسائل هذا العلم هي تحصيل ملكة استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها.

وأمّا موضوعه: فعلم الأُصول كسائر العلوم له موضوع و له مسائل ينطبق عليه قولهم: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» فعلينا بيان موضوعه أوّلاً، ثمّ بيان عوارضه ثانياً، و يعبر عن العوارض بالمسائل أيضاً.

فنقول: اختلفت كلماتهم في بيان موضوع علم الأُصول إلى أقوال:

1. الأدلّة الأربعة.

2. مطلق الأدلة.

3. الحجّة في الفقه.

والقول الثالث هو الظاهر، وله تقريران:

الأوّل: انّ الموضوع ـ الذي يبحث عن عوارضه ـ هو ما يصلح لأن يكون حجّة في الفقه و من شأنه أن يقع في طريق الاستنباط.

وعوارضه التي تعرض عليه:هو كونه حجّة بالفعل و معتبراً لدى الشارع.

توضيحه: أنّه ليس كلّ قاعدة علمية تصلح لأن تكون حجّة في الفقه، فليس لمسائل العلوم الطبيعية و لا الرياضية، هذه الصلاحية، و إنّما هي لعديد من المسائل، كظواهر الكتاب و خبر الواحد، و الشهرة الفتوائية، و القياس، و الاستحسان إلى غير ذلك .

ثمّ إنّ ما يصلح على قسمين: قسم تجاوز عن حد القابلية و الصلاحية، و صار حجّة بالفعل، و معتبراً لدى الشارع، كبعض ما قلناه، و قسم بقي على ما


(13)

كان عليه، و لم يعتبره الشارع أو ردع عنه، كالقياس والاستحسان.

و على ذلك فالأُصولي يبحث عن الحجج الفعلية المعتبرة لدى الشارع، العارضة لما هو حجّة بالشأن فيصدق على ما ذكرنا قولهم:«موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية».(1)

والذي يؤيد ما ذكرناه أمران:

1. انّ الغاية القصوى للفقيه من علم الأُصول، هو العثور على أُمور يحتج بها في الفقه على الأحكام الشرعية، فتحصيل الحجّة بالفعل وا لمعتبر لدى الشارع هو الغرض المنشود.

2. انّ من سبر المسائل الأُصولية يقف على أنّ المحمول فيها، امّا هو البحث عن الحجة الفعلية في الفقه صريحاً، أو ما ينتهي إليها.

أمّا الأوّل كالبحث عن حجّية ظواهر الكتاب، و خبر الواحد، و الشهرة الفتوائية إلى غير ذلك.

و أمّا الثاني كالبحث عن الخبرين المتعارضين، و ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة. والمطلوب هو تعيين ما هو الحجّة منهما عند تعارض الخبرين، و بالتالي إقامة الحجة على لزوم الإتيان أو الترك . و على ذلك فما له شأن الحجّية في الفقه هو الموضوع ، و كونه حجّة بالفعل و قاطعاً للعذر، يعدّ من العوارض الطارئة له، و التي تشكّل مسائل علم الأُصول.

الثاني: انّ الموضوع هو الحجة بالفعل في الفقه، ولكن المحمول هو البحث عن تعيّنه في حجية الظواهر وخبر الواحد والشهرة الفتوائية إلى غير ذلك. (2)


1 . الالتزام بكون العوارض ذاتية في العلوم الاعتبارية منظور فيه ، بل يكفي في المقام كون المحمول العارض للموضوع دخيلاً في الغرض الذي دوّن لأجله العلم.
2 . الفرق بين التقريرين هو أنّ الموضوع في الأوّل الحجّة الشأنيّة وفي الثاني الحجّة الفعلية، ومع الاختلاف في الموضوع تختلف العوارض والمحمولات.


(14)

فالمجتهد يعلم اجمالاً بوجود حجّة بالفعل على الأحكام الشرعية دون أن يُميّز بين حدودها وخصوصياتها، فيبحث عنها، ويضع الموضوع المقطوع بوجوده (الحجة بالفعل في الفقه) نصبَ عنيه ويبحث عن تعيناته وخصوصياته (1).

وأنت إذا استقصيت المسائل الأُصولية، تقف على أنّ روح البحث في جميعها هو البحث عن ما هو الحجّة على اثبات الأحكام الشرعية أو نفيها، أو على اثبات عذر (2) أو عدمه (3) ، وما من مسألة من المسائل إلاّ ويحتج بها بنحو من أنحاء الاحتجاج.

هذا كلّه حول الموضوع، وأمّا مسائله أي محمولاته فقد اتضحت مما سبق.

فإن قلنا أنّ الموضوع هو الحجة الشأنية فالمحمول هو البحث عن الحجة بالفعل، وإن قلنا بأنّ الموضوع هو الحجة بالفعل، فالمحمول هو البحث عن تعيناته وخصوصياته.

ومما ذكرنا يعلم وجه الحاجة إلى أُصول الفقه، فإنّ الحاجة إليه كالحاجة إلى علم المنطق، فكما أنّ المنطق يرسم النهج الصحيح في كيفية إقامة البرهان، فهكذا الحال في علم الأُصول فإنّه يُبيّـن كيفية اقامة الدليل على الحكم الشرعي.

فتلخص مما سبق تعريف علم الأُصول وموضوعه ومسائله وغايته.


1 . نلفت نظر القارئ إلى أنّ البحث عن تعين الحجة بخبر الواحد له نظير في العلوم الحقيقية كالفلسفة الالهية، فإنّ الفيلسوف يعلم أنّ ثمة وجوداً يعبر عنه بـ "الواقعية " دون أن يقف على خصوصياته وحدوده، فيتناول الوجود بالبحث، ويقول: الوجود أمّا واجب أو ممكن، إما علة أو معلول، وأمّا مجرد أو مادي، وأمّا جوهر أو عرض، فروح البحث في الجميع واحدة وهي عبارة عن البحث عن تعين الوجود بالمطلق بهذه الخصوصيات . لاحظ شرح المنظومة قسم الالهيات بالمعنى الأخص : 200 .
2 . كالبراءة التي هي بمعنى كون الجهل عذراً في مجاريها.
3 . كقاعدة الاشتغال التي هي بمعنى عدم كون الجهل عذراً في مجاريها.


(15)

الأمر الثاني: تقسيم مباحثه

تنقسم المباحث الأُصولية إلى نوعين:

الأوّل: المباحث اللفظية و يقع البحث فيها عن مداليل الألفاظ و ظواهرها التي تقع في طريق الاستنباط، كالبحث عن ظهور صيغة الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة.

الثاني: المباحث العقلية و يقع البحث فيها عن الأحكام العقلية الكلّية التي تقع في طريق الاستنباط، كما إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه و لم نعثر على دليل في مظانّه، فالعقل يستقل حينئذ بقبح العقاب بلا بيان واصل، فيستنتج منه انّ حكم الشارع في الموردين هو براءة الذمّة من الوجوب و الحرمة ظاهراً.(1)


1 . كما إذا علمنا بوجوب أحد الشيئين أوحرمته، فالعقل يستقلّ بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ولا يحصل إلاّ بالإتيان بهما في الأوّل وتركهما في الثاني فيستنبط منه حكم الشارع الظاهري.
وكالملازمات العقلية بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أوحرمته و حرمة مقدّمته، أو وجوبه وحرمة ضدّه، و هكذا.


(16)

الأمر الثالث: الوضع

إنّ دلالة الألفاظ على معانيها دلالة لفظية وضعية فاستدعت الحال إلى تعريف الوضع، و قد عُرِّف بوجوه أوضحها:

جعل اللفظ في مقابل المعنى و تعيينه للدلالة عليه.

و ربما يُعرَّف: انّه نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشىء من تخصيصه به تارة، ويسمّى بالوضع التعييني وكثرة استعماله أُخرى ويسمّى بالوضع التعيّني.

والفرق بين التعريفين واضح، فإنّ الأوّل لا يشمل إلاّالتعييني بخلاف الثاني فانّه أعمّ منه و من التعيّني.

أقسام الوضع

ثمّ إنّ للوضع ـ في مقام التصوّر ـ أقساماً أربعة:

1. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.

2. الوضع العام و الموضوع له العام.

3. الوضع العام و الموضوع له الخاص.

4. الوضع الخاص و الموضوع له العام.

ثمّ إنّ الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً هو كون المعنى الملحوظ حين

الوضع جزئياً أو كلّياً.


(17)

فإن كان الملحوظ خاصّاً ووضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الأوّل، كوضع الأعلام الشخصية .

وإن كان الملحوظ عامّاً و وضع اللفظ بازائه، فهو من القسم الثاني، كأسماء الأجناس.

وإن كان الملحوظ عامّاً و لم يوضع اللفظ بازائه بل وضع لمصاديق ذلك العام، فهو من القسم الثالث، كالأدوات والحروف على ما هو المشهور، فالواضع على هذا القول تصور مفهومي الابتداء و الانتهاء الكلييّن، ثمّ وضع لفظة «من» و «إلى» لمصاديقهما الجزئية الخارجية و التي يعبّر عنها بالمعاني الحرفية .

وإن كان الملحوظ خاصّاً، و وضع اللفظ للجامع بين هذا الخاص والفرد الآخر، فهو من القسم الرابع.

لا خلاف في إمكان الأوّلين ووقوعهما في عالم الوضع، كما لا خلاف في إمكان الثالث، و إنّما الخلاف في وقوعه.و قد عرفت انّ الوضع في الحروف من هذا القبيل.

إنّما الكلام في إمكان الرابع فضلاًعن وقوعه، فالمشهور استحالته.

ثمّ إنّه يقع الكلام في الفرق بين الثالث و الرابع بعد الاتّفاق على إمكان الثالث دون الرابع، و هو انّ الملحوظ العام له قابلية الحكاية عن مصاديقه وجزئياته، فللواضع أن يتصوّر مفهوم الابتداء و الانتهاء و يضع اللفظ لمصاديقهما التي تحكي عنها مفاهيمهما.

و هذا بخلاف الرابع فإنّ الملحوظ لأجل تشخّصه بخصوصيات يكون خاصّاً، ليست له قابلية الحكاية عن الجامع بين الأفراد، حتى يوضع اللفظ بازائه.

وبالجملة العام يصلح لأن يكون مرآة لمصاديقه الواقعة تحته، و لكن الخاص لأجل تضيّقه و تقيّده لا يصلح أن يكون مرآة للجامع بينه و بين فرد آخر.


(18)

تقسيم الوضع بحسب اللفظ الموضوع

ثمّ إنّ ما مرّ تقسيم للوضع حسب المعنى، و ثمة تقسيم آخر له حسب اللفظ الموضوع إلى شخصي ونوعي.

فإذا كان اللفظ الموضوع متصوّراً بشخصه، فيكون الوضع شخصيّاً كتصوّر لفظ زيد بشخصه; و أمّا إذا كان متصوّراً بوجهه و عنوانه، فيكون الوضع نوعيّاً، كهيئة الفعل الماضي التي هي موضوعة لانتساب الفعل إلى الفاعل في الزمان الماضي، و لكن الموضوع ليس الهيئةَ الشخصية في ضرب أو نصر مثلاً، بل مطلق هيئة «فعل»، في أيّ مادة من المواد تحقّقت.

وبذلك يعلم أنّ وضع الهيئة في الفاعل و المفعول و المفعال هو نوعي لا شخصي.


(19)

الأمر الرابع: تقسيم الدلالة إلى تصوّرية و تصديقيّة

تنقسم دلالة اللفظ إلى تصوّرية و تصديقيّة.

فالدلالة التصوّرية: هي عبارة عن انتقال الذهن إلى معنى اللفظ بمجرّد سماعه و إن لم يقصده اللافظ، كما إذا سمعه من الساهي أو النائم.

وأمّا الدلالة التصديقيّة: فهي دلالة اللفظ على أنّ المعنى مراد للمتكلّم و مقصود له.

فالدلالة الأُولى تحصل بالعلم بالوضع، و أمّا الثانية فتتوقف على أُمور:

أ. أن يكون المتكلم عالماً بالوضع.

ب. أن يكون في مقام البيان والإفادة.

ج. أن يكون جادّاً لا هازلاً.

د. أن لا ينصب قرينة على خلاف مراده.

و لأجل ذلك فقد اشتهر انّ الدلالة التصورية غير تابعة لإرادة المتكلم خلافاً للثانية.


(20)

الأمر الخامس: الحقيقة والمجاز

الاستعمال الحقيقي: هو إطلاق اللفظ و إرادة ما وضع له، كإطلاق الأسد و إرادة الحيوان المفترس.

و أمّا المجاز: فهو استعمال اللفظ و إرادة غير ما وضع له، مع وجود علقة بين الموضوع له و المستعمل فيه بأحد العلائق المسوِّغة، كإطلاق الأسد و إرادة الرجل الشجاع.

فإذا كانت العلقة هي المشابهة بين المعنيين فتطلق عليه الاستعارة، و إلاّفيطلق عليه المجاز المرسل كإطلاق الجزء و إرادة الكلّ كالعين و الرقبة.

هذا هو التعريف المشهور للمجاز، و هناك نظر آخر موافق للتحقيق، و حاصله:

أنّ اللفظ ـ سواء كان استعماله حقيقيّاً أو مجازيّاً ـ يستعمل فيما وضع له، غير أنّ اللفظ في الأوّل مستعمل في الموضوع له من دون أي ادعاء و مناسبة، و في الثاني مستعمل في الموضوع له لغاية ادعاء انّ المورد من مصاديق الموضوع له، كما في قول الشاعر:

لَدى أسد شاكي السلاحِ مقذّف * لــه لُبَــد أظفــارهُ لـم تقــلَّم

فاستعمل لفظ الأسد ـ حسب الوجدان ـ في نفس المعنى الحقيقي لادّعاء انّ المورد ـ أي الرجل الشجاع ـ من مصاديقه وأفراده حتّى أثبت له آثار الأسد من


(21)

اللُبد و الأظفار، وهذا هو المنقول عن السكاكي في «مفتاح العلوم» و هو خيرة أُستاذنا السيد الإمام الخميني ـ قدَّس سرَّه ـ (1) مع فارق ضئيل بينهما.

و الحاصل: أنّه لو كان تفهيم المعنى الموضوع له هو الغاية من وراء الكلام، فالاستعمال حقيقي، و إن كان مقدّمة و مرآة لتفهيم فرد ادّعائي و لو بالقرينة فالاستعمال مجازي.


1 . تهذيب الأُصول: 1/44.


(22)

الأمر السادس: علامات الحقيقة و المجاز

إذا استعمل المتكلم لفظاً في معنى معيّن، فلو عُلِم انّه موضوع له، سمِّي هذا الاستعمال حقيقيّاً، و أمّا إذا شُكّ في المستعمل فيه وأنّه هل هو الموضوع له أو لا؟ فهناك علامات تميّز بها الحقيقة عن المجاز.

1. التبادر:

هو انسباق المعنى إلى الفهم من نفس اللفظ مجرّداً عن كلّ قرينة، و هذا يشكِّلُ دليلاً على أنّ المستعمل فيه معنى حقيقيّ، إذ ليس لحضور المعنى في الذهن سبب سوى أحد أمرين، إمّا القرينة، أو الوضع، و الأوّل منتف قطعاً كما هو المفروض، فيثبت الثاني.

إشكال:وقد يظن أنّ العلم بالوضع، متوقّف على التبادر، و هو بدوره متوقف على العلم بالوضع حسب الفرض، إذ لولا العلم بأنّ اللفظ موضوع لذلك المعنى، لما تبادر منه المعنى، و هذا دور واضح.

والجواب: انّ الدور منتف، لأنّ المستعلِم بالتبادر، إمّا أن يكون من أهل اللسان أو لا؟

فعلى الأوّل، فالعلم التفصيلي بأنّ المستعمل فيه هو الموضوع له موقوف على التبادر عند المستعلم، و لكن التبادر عنده موقوف على العلم الارتكازي الحاصل له نتيجة نشوئه و اختلاطه مع أهل اللسان منذ صباه.


(23)

فالعلم التفصيلي بالحقيقة هو الموقوف، و العلم الإجمالي (1) الارتكازي بها هو الموقوف عليه، فاختلف الموقوف و الموقوف عليه.

وعلى الثاني، فالدور منتف أيضاً، لأنّ علم المستعلِم بالحقيقة تفصيلاً موقوف على تبادر المعنى عند أهل اللسان ـ لاعنده ـ والتبادر عند أهل اللسان موقوف على علمهم الارتكازي الحاصل لهم.

2. صحّة الحمل و السلب:

إنّ صحّة الحمل دليل على أنّ الموضوع الوارد في الكلام قد وضع للمحمول كما أنّ صحّة السلب دليل على عدمه.

توضيحه: أنّ الحمل على قسمين:

الأوّل: الحمل الأوّلي الذاتي، و هو ما إذا كان المحمول نفسَ الموضوع مفهوماً بأن يكون ما يفهم من أحدهما نفسَ ما يفهم من الآخر، مع اختلاف بينهما في الإجمال والتفصيل، كما إذا قلنا: الأسد حيوان مفترس، والإنسان حيوان ناطق.

الثاني: الحمل الشائع الصناعي، و هو ما إذا كان الموضوع مغايراً للمحمول في المفهوم، ولكن متحداً معه في الخارج، كما إذا قلنا :زيد إنسان، فما يفهم من أحدهما غير ما يفهم من الآخر غير أنّهما متحقّقان بوجود واحد في الخارج.

إذا اتّضح ما تلوناه عليك، فاعلم أنّ المقصود من أنّ صحّة الحمل أو السلب علامة للحقيقة و المجاز هو القسم الأوّل، فصحّة الحمل و الهوهوية تكشف عن وحدة المفهوم و المعنى و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّ صحّة السلب تكشف عن خلاف ذلك، مثلاً إذا صحّ حمل الحيوان


1 . المراد من العلم الإجمالي هنا هو العلم الارتكازي الحاصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة من لدن صباه إلى شيخوخته و إن لم يلتفت إليه، وهذا غير العلم الإجمالي المبحوث عنه في باب الاشتغال.


(24)

المفترس على الأسد بالحمل الأوّلي يكشف عن أنّ المحمول نفس الموضوع مفهوماً، و هو عبارة أُخرى عن وضع أحدهما للآخر، كما أنّه إذا صحّ سلب الحيوان الناطق عن الأسد بالحمل الأوّلي يكشف عن التغاير المفهومي بينهما، و هو يلازم عدم وضع أحدهما للآخر.

ثمّ إنّ إشكال الدور المذكور في التبادر يأتي في هذا المقام أيضاً.و تقرير الإشكال والجواب واحد في كلا المقامين.

3. الإطّراد:

هي العلامة الثالثة لتمييز الحقيقة عن المجاز و توضيح ذلك:

إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كليّ بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية، في زيد و عمرو و بكر، مع القطع بعدم كونه موضوعاً لكلّ واحد على حدة، يستكشف منه وجود جامع بين الأفراد قد وضع اللفظ بازائه.

فالجاهل باللغة إذا أرادالوقوف على معاني اللغات الأجنبية من أهل اللغة، فليس له سبيل إلاّ الاستماع إلى محاوراتهم، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصّاً يستعمل مع محمولات عديدة في معنى معيّن، كما إذا قال الفقيه: الماء طاهر و مطهّر، و قال الكيميائي: الماء رطب سيال، وقال الفيزيائي: الماء لا لون له، يقف على أنّ اللفظ موضوع لما استعمل فيه، لأنّ المصحّح له إمّا الوضع أو العلاقة، و الثاني لا إطراد فيه، فيتعيّن الأوّل.

و لنذكر مثالاً:

إنّ آية الخمس، أعني قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِوَ لِذِي القُربى وَ اليَتامى وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيل) (الأنفال/41) توجب إخراج الخمس عن الغنيمة.

فهل الكلمة(الغنيمة) موضوعة للغنائم المأخوذة في الحرب، أو تعمّ كلّ


(25)

فائدة يحوزها الإنسان من طرق شتى؟

يُستكشف الثاني عن طريق الاطّراد في الاستعمال، فإذا تتبعنا الكتاب والسنّة نجد إطّراد استعمالها في كلّ ما يحوزه الإنسان من أيّ طريق كان.

قال سبحانه:(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياة الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمَ كَثِيرَة)(النساء/94)، والمراد مطلق النِّعم و الرزق.

وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مورد الزكاة :«اللّهمّ اجْعَلْها مغنماً» (1)، وفي مسند أحمد:«غنيمة مجالس الذكر الجنة»، وفي وصف شهر رمضان: غنم المؤمن.

فهذه الاستعمالات الكثيرة المطّردة، تكشف عن وضعه للمعنى الأعم.

وهذا هو الطريق المألوف في اقتناص مفاهيم اللغات و معانيها وفي تفسير لغات القرآن، و مشكلات السنّة، وعليه قاطبة المحقّقين، و يطلق على هذا النوع من تفسير القرآن، التفسير البياني.

4. تنصيص أهل اللغة

المراد من تنصيص أهل اللغة هو تنصيص مدوّني معاجم اللغة العربية، فإنّ مدوّني اللغة الأوائل كالخليل بن أحمد الفراهيدي(ت170هـ) مؤلّف كتاب «العين»، و الجوهري (ت398) مؤلّف الصحاح قد دوّنوا كثيراً من معاني الألفاظ من ألسن القبائل العربية و سُكّان البادية، فتنصيص مثل هؤلاء يكون مفيداً للاطمئنان بالموضوع له.

فإن قيل: إنّ كتب اللغة موضوعة لبيان المستعمل فيه لا الموضوع له(2)،فتجد


1 . للوقوف على مصادر الروايات عليك بمراجعة الاعتصام بالكتاب والسنّة، ص 92.
2 . النسبة بين الموضوع له و المستعمل فيه هي العموم والخصوص من وجه، فقد يفترقان فيما إذا وضع اللفظ لمعنى و لم يستعمل فيه بل هُجِر قبل الاستعمال، أو استعمل فيه و لم يكن موضوعاً له كالمجاز، و قد يجتمعان كما في الاستعمال الحقيقي.


(26)

انّها تذكر للفظ «القضاء» عشرة معان(1)، و هكذا الحال في لفظ «الوحي» مع أنّهما ليسا من المشترك اللفظي في شيء، فلا يفيد التنصيص سوى انّ اللفظ قد استعمل في معنى من المعاني، و من المعلوم أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة.

قلت: إنّ ما ذكر ليس ضابطة كلّية لأنّ بعض معاجم اللغة أُلّف لبيان المعنى الأصلي الذي اشتق منه سائر المعاني التي استعمل فيه اللفظ ككتاب ا«لمقاييس» (2) و أساس اللغة، للزمخشري فمن ألقى نظرة فاحصة فيهما يميّز المعنى الأصلي عن المعنى الذي استعمل فيه اللفظ لمناسبة من المناسبات.

هذا وسيأتي الكلام في حجّية قول اللغوي في الجزء الثاني فانتظر.


1 . ستوافيك ص31.
2 . معجم مقاييس اللغة، تأليف أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا المتوفى عام 395هـ، و قد طبع الكتاب بالقاهرة سنة 1366، و لا غنى للمفسّر و الفقيه عن مراجعة هذا الكتاب.


(27)

الأمر السابع: الأُصول اللفظية

إنّ الشكّ في الكلام يتصوّر على نحوين:

أ. الشكّ في المعنى الموضوع له، كالشكّ في أنّ الصعيد هل وضع للتراب أو لمطلق وجه الأرض؟

ب. الشكّ في مراد المتكلّم بعد العلم بالمعنى الموضوع له.

أمّا النحو الأوّل من الشكّ فقد مرّ الكلام فيه في الأمر السادس، و علمتَ أنّ هناك علامات يميز بها المعنى الحقيقي عن المجازي.

وأمّا النحو الثاني من الشكّ فقد عُقد له هذا الأمر، فنقول:

إنّ الشكّ في المراد على أقسام، و في كلّ قسم أصل يجب على الفقيه تطبيق العمل عليه، و إليك الإشارة إلى أقسام الشكّ و الأُصول التي يعمل بها :

1. أصالة الحقيقة

إذا شكّ في إرادة المعنى الحقيقي أو

المجازي من اللفظ، بأن لم يعلم وجود القرينة على إرادة المعنى المجازيّ مع احتمال وجودها، كما إذا شك في أنّ المتكلم هل أراد من الأسد في قوله: رأيت أسداً، الحيوان المفترس أو الجندي الشجاع؟ فعندئذ يعالج الشكّ عند العقلاء بضابطة خاصة، و هي الأخذ بالمعنى الحقيقي مالم يدل دليل على المعنى المجازي، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الحقيقة.

وحاصلها: أنّه إذا دار الأمر بين كون مراد المتكلّم هو المعنى الحقيقي أو


(28)

المجازي، فالأصل هو الأوّل، مالم يدل دليل على الثاني، و من خرج عن هذه الضابطة فقد خرج عمّا اتّفق عليه العقلاء.

2. أصالة العموم

إذا ورد عام في الكلام كما إذا قال المولى: أكرم العلماء و شكّ في ورود التخصيص عليه و إخراج بعض أفراده كالفاسق، فالأصل هو الأخذ بالعموم و ترك احتمال التخصيص، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة العموم .

3. أصالة الإطلاق

إذا ورد مطلق و شك في كونه تمام الموضوع أو بعضه، كما قال سبحانه: (أحلّ اللّهُ البيع)(البقرة/275) و احتمل انّ المراد هو البيع بالصيغة دون مطلقه، فالمرجع عندئذ هو الأخذ بالإطلاق وإلغاء احتمال التقييد، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة الإطلاق.

4. أصالة عدم التقدير

إذا ورد كلام و احتمل فيه تقدير لفظ خاصّ، فالمرجع عند العقلاء هو عدم التقدير إلاّ أن تدلّ عليه قرينة، كما في قوله سبحانه:(وَ اسْئَلِ القرية الّتي كُنّا فِيها)(يوسف/82) و التقدير أهل القرية، و هذا ما يُعبَّر عنه بأصالة عدم التقدير.

5. أصالة الظهور

إذا كان اللفظ ظاهراً في معنى خاص دون أن يكون نصّاً فيه بحيث لا يحتمل معه الخلاف، فالأصل هو الأخذ بظهور الكلام و إلغاء احتمال الخلاف، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الظهور.

و ثمّة سؤال يطرح نفسه هو انّه ما الفرق بين أصالة الظهور و الأُصول


(29)

المتقدمة؟

و الجواب: انّ الأُصول المتقدمة الذكر تثبت أصل الظهور و هذا الأصل يبعث على لزوم الأخذ بالظهور.

وإن شئت قلت: إنّ الأُصول السابقة تثبت الصغرى، و هذا الأصل يثبت الكبرى، و هو لزوم الأخذ بالظهور عند العقلاء.

وهذه الأُصول ممّا يعتمد عليها العقلاء في محاوراتهم ولم يردع عنها الشارع.


(30)

الأمر الثامن: الاشتراك والترادف

الاشتراك عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر بالوضع التعييني أو التعيّني.

ويقابله الترادف، و هو وضع اللفظين أو الأكثر لمعنى واحد كذلك .

واختلفوا في إمكان الاشتراك أوّلاً ووقوعه بعد تسليم إمكانه ثانياً فذهب الأكثر إلى الإمكان ،لأنّ أدلّ دليل عليه هو وقوعه، فلفظة العين تستعمل في الباكية والجارية، وفي الذهب و الفضة.

و مردّ الاشتراك إلى اختلاف القبائل العربية القاطنة في أطراف الجزيرة في التعبير عن معنى الألفاظ، فقد كانت تُلْزِمُ الحاجة طائفة إلى التعبير عن معنى بلفظ، وتُلْزم أُخرى التعبيرَ بذلك اللفظ عن معنى آخر، و لمّا قام علماء اللغة بجمع لغات العرب ظهر الاشتراك اللفظي.

و ربّما يكون مردّه إلى استعمال اللفظ في معناه المجازي بكثرة إلى أن يصبح الثاني معنى حقيقياً، كلفظ الغائط، فهو موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان، ثمّ كُنِّي به عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها مع عدم هجر المعنى الأوّل.

نعم ربّما يذكر أهل اللغة للفظ واحد معاني عديدة ،و لكنّها من قبيل


(31)

المصاديق المختلفة لمعنى واحد، و هذا كثير الوقوع في المعاجم.(1)

وقد اشتمل القرآن على اللفظ المشترك، كالنجم المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، قال سبحانه:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (النجم/1).

وقال سبحانه: (وَ النَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدان) (الرحمن/6).

هذا كلّه في المشترك اللفظي.

و أمّا المشترك المعنوي، فهو عبارة عن وضع اللفظ لمعنى جامع يكون له مصاديق مختلفة، كالشجر الذي له أنواع كثيرة.

تنبيه

إنّ فهم المعنى المجازيّ بما أنّه لم يوضع له اللفظ بحاجة إلى قرينة، كقولك «يرمي» أو «في الحمام» في «رأيت أسداً يرمي أو في الحمّام» كما أنّ تعيين المعنى المراد من بين المعاني المتعددة للّفظ المشترك يحتاج إلى قرينة كقولنا:«باكية» أو «جارية» في عين باكية، أو عين جارية، لكن قرينة المجاز قرينة صارفة، و قرينة اللفظ المشترك قرينة معيّنة، و الأُولى آية المجازية دون الثانية.


1 . ذكر الفيروز آبادي في كتاب «قاموس اللغة» للقضاء معاني متعددة كالحكم، الصنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام وبلوغ النهاية، العهد،الإيصاء، الأداء مع أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى فارد، و لذلك أرجعها صاحب المقاييس إلى أصل واحد، فلاحظ.


(32)

الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى

إذا ثبت وجود اللفظ المشترك، يقع الكلام حينئذ في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد في استعمال واحد، بمعنى أن يكون كل من المعنيين مراداً باستقلاله، كما إذا قال: اشتريت العين، و استعمل العين في الذهب و الفضة. فخرج ما إذا استعمله في معنى جامع صادق على كلا المعنيين، كما إذا استعمل العين في «المسمّى بالعين» فإنّ الذهب والفضة داخلان تحت هذا العنوان، فهذا النوع من الاستعمال ليس من قبيل الاستعمال المشترك في أكثر من معنى.

إذا علمت ذلك، فاعلم أنّه اختُلِفَ في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد على أقوال أربعة:

أ. الجواز مطلقاً.

ب. المنع مطلقاً.

ج. التفصيل بين المفرد و غيره والتجويز في الثاني.

د. التفصيل بين الإثبات والنفي والتجويز في الثاني.

والحق جوازه مطلقاً، وأدلّ دليل على إمكانه وقوعه، و يجد المتتبع في كلمات الأُدباء نماذج من هذا النوع في الاستعمال : يقول الشاعر في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:

المُرتمي في الدجى،والمُبتلى بِعَمى * و المُشتكي ظمأً و المبتغي دَيْناً

يأتون سدَّتَه من كلِّ ناحية * و يستفيدون من نعمائه عيناً


(33)

فاستخدم الشاعر لفظ «العين» في الشمس، و البصر، و الماء الجاري و الذهب; حيث إنّ المرتمي في الدجى، يطلب الضياء;والمبتلى بالعمى، يطلب العين الباصرة; والإنسان الظم آن يريد الماء; و المستدين يطلب الذهب.

و كقول الشاعر يمدح صديقيه الملقّبين بشمس الدين و بدر الدين:

و لما رأيتُ الشمس والبدر معاً * قد انجلتْ دونهما الدياجي

حقّرْت نفسي و مضيتُ هارباً * و قلت ماذا موضِع السراجِ

يجد الشاعر نفسه ضئيلاً أمام صديقيه، كما أنّ السراج ضئيل دون الشمس والقمر، فيُطلِق الشمسَ و القمر، و يريد من الأوّلين: النيّرين تارة، و صديقيه «شمس الدين» و «بدر الدين»أُخرى، كما يريدمن السراج المصباح تارة، ونفسه ـ الملقّب بسراج الدين ـ أُخرى.

استدل القائل بعدم الجواز بأنّ الاستعمال عبارة عن لحاظ اللفظ وجهاً وعنواناً للمعنى، كأنّ الملقى إلى المخاطب ـ بدل اللفظ ـ هو المعنى دونه ، و لأجل ذلك يسري قبح المعنى وحسنه إلى اللفظ، و ما هو كذلك لا يمكن جعله عنواناً ووجهاً للمعنى الثاني أيضاً، لاستلزامه لحاظاً آخر للّفظ، و المفروض انّه ليس هنا إلاّ لحاظ واحد.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من جعل اللفظ وجهاً وعنواناً هو إفناء اللفظ في المعنى على وجه يذوب فيه، كذوبان الملح في الماء فهو بيّـن البطلان، ولو كان المراد منه أنّ الغرض الذاتي تعلّق بالمعنى دون اللفظ، فهو صحيح، إلاّ أنـّه لامانع من تعلّق الغرض الذاتي في لفظ واحد بمعنيين ويُنظر إليهما بلفظ واحد خصوصاً إذا اقترن الاستعمال بالقرينة الدالة على إرادتهما.

و بثبوت الجواز يظهر بطلان التفصيلين.


(34)

الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية

ذهب أكثر الأُصوليين إلى أنّ ألفاظ الصلاة والصوم و الزكاة و الحج كانت عند العرب قبل الإسلام موضوعة لمعانيها اللغوية و مستعملة فيها، أعني: الدعاء، و الإمساك، و النمو، و القصد، وهذا ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية.

و إلى أنّ تلك الألفاظ في عصر الصادقينعليمها السَّلام و قبلهما بقليل، كانت ظاهرة في المعاني الشرعية الخاصة بحيث كلّما أطلقت الصلاة والصوم و الزكاة تتبادر منها معانيها الشرعية .

إنّما الاختلاف في منشأ الأمر الثاني، وهو أنّه كيف صارت هذه الألفاظ ظاهرة في المعاني الشرعية في عصر الصادقينعليمها السَّلام وقبلهما ؟ فهنا قولان:

أ. ثبوت الحقيقة الشرعية في عصر النبوّة.

ب. ثبوت الحقيقة المتشرّعية في عصر الصحابة و التابعين.

أمّا الأوّل: فحاصله: أنّ تلك الألفاظ نقلت في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني حتى صارت حقائق شرعية في تلك المعاني في عصره، لأنّ تلك الألفاظ كانت كثيرة التداول بين المسلمين لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات و يسمعونها كراراً من فوق الم آذن.

و من البعيد أن لا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة في وقت ليس بقليل.


(35)

وأما الثاني فحاصله: أنّ صيرورة تلك الألفاظ حقائق شرعية على لسان النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني، و الأوّل بعيد جداً، و إلاّ لنقل إلينا، والثاني يتوقف على كثرة الاستعمال التي هي بحاجة إلى وقت طويل، و أين هذا من قصر مدّة عصر النبوّة؟!

يلاحظ عليه: أنّ عصر النبوّة استغرق 23 عاماً، و هي فترة ليست قصيرة لحصول الوضع التعيّني على لسانه، وإنكاره مكابرة .

على أنّ الوضع لا ينحصر في التعييني و التعيّني، بل ثمّة قسم ثالث هو الاستعمال بداعي الوضع ، كما إذا أُقيمت مراسيم احتفال لتسمية المولود الجديد، فقام أبوه يخاطب الأُم بقوله: آتيني بولدي الحسن، فهو بهذا الاستعمال أسماه حسناً، ولعلّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سلك هذا السبيل حينما قال: «صَلّوا كما رأيتموني أُصلّي». فبنفس الاستعمال وضعَ اللفظَ للمعنى.

و هناك قولان آخران يختلفان مع القولين السابقين في المبنى لكنّهما يشتركان مع القول الثاني في إنكار النقل:

الأوّل: للشيخ الباقلاني(1) و حاصله : أنّ الألفاظ المذكورة باقية على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا، و أنّ الشارع تصرّف في كيفيّتها. و هو يسلّم الأمر الأوّل الذي عليه الأُصوليون، و ينكر الأمر الثاني، أي النقل عن معانيها إلى معان أُخر، في عصر النبوّة و مابعدها.

و هو من الوهن بمكان، لأنّ الفرق بين الدعاء اللغوي و الصلاة، أو الفرق بين النمو و الزكاة الواجبة كثير على نحو يجعل المعنى الثاني مغايراً للمعنى اللغوي، فكيف تكون باقية على معانيها اللغويّة؟ فأين القصد من أعمال الحج؟!


1 . أبوبكر محمد بن الطيب بن محمد القاضي المعروف بالباقلاني، بصري، سكن بغداد توفي عام 403هـ.


(36)

الثاني: ما اختاره بعض الأُصوليين و حقّقه سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه وحاصله: أنّ استعمال تلك الألفاظ في المعاني الشرعية كان رائجاً بين العرب قبل الإسلام، لأنّها كانت تشكّل جزءاً من شريعة إبراهيم وكانت تُحكى بنفس تلك الألفاظ عن معانيها الشرعية الواردة في شريعته.(1)و كانت شريعته ـ عليه السَّلام ـ هي الرائجة بين العرب.

وعلى ضوء ذلك تكون تلك الألفاظ بالنسبة إلى معانيها الشرعية أشبه بالحقائق اللغوية دون حاجة إلى النقل والوضع.

و هذا القول ينكر كلا الأمرين :

1. كونها حقائق في معان لغويّة ،كالدعاء و النمو...، بل كانت قبل عصر النبوّة موضوعة و مستعملة في المعاني الشرعية، إذ كانت حقائقها موجودة في شريعة الخليل و الكليم و المسيحعليهم السَّلام ، و من البعيد أن لا يكون في لغة العرب لفظ يعبّر عن هذه المعاني، و كان في الجاهلية من يصلّي و يحج مثل ما يصلّي ويحجّ المسلمون.

2. كونها منقولة في الشريعة الإسلامية ، بل هي مستعملة في نفس ما استعملت فيها المعاني الشرعية، فليس هناك أيّ نقل.

و يؤيد هذا القول استعمال الصلاة في أوائل البعثة في نفس تلك المعاني بلا قرينة.

كقوله سبحانه: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى *و لكنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّى)(القيامة/31ـ32)

وكقوله سبحانه: (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المصلّين) (المدثر/43).


1 . هذا القول هو الموافق للتحقيق، وقد أسهبنا الكلام فيه خلال دراساتنا العليا.


(37)

وقال تعالى:(أَرأيتَ الذي يَنهى* عبداً إذا صَلَّى) (العلق/9ـ10)

ومن البعيد أن يكون استعمال اللفظ في هذه الآيات في معانيها الشرعية بالقرينة.

ثمرة البحث

وأمّا ثمرة البحث بين القولين الأوّلين، فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلا قرينة، فتحمل على الحقيقة الشرعية بناءً على ثبوتها و على الحقيقة اللغوية بناءً على إنكارها، وأمّا على القولين الآخرين فلا ثمرة.

والظاهر انتفاء الثمرة مطلقاً حتى على القولين الأوّلين، لعدم الشكّ في معاني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة لكي يتوقف فهم معانيها على ثبوت الحقيقة الشرعية ونفيها إلاّ نادراً.


(38)

الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم

هل أسماء العبادات و المعاملات موضوعة للصحيح منهما، أو للأعم منه؟

يعرب عنوان البحث عن تفريعه على المسألة السابقة ، أعني: ثبوت الحقيقة الشرعية.

فعندئذ وقع الكلام في أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هل نقلها إلى القسم الصحيح من تلك المعاني، أو الأعم. و أمّا على القول الآخر فلا ينطبق عليه عنوان البحث كما لايخفى، و من أراد البحث على ضوء الأقوال الأربعة فلابدّ من تغيير عنوان البحث على وجه ينطبق على الجميع.

و لنقدّم البحث في العبادات على المعاملات فنقول:

تطلق الصحّة في اللغة تارة على ما يقابل المرض، فيقال: صحيح و سقيم. و أُخرى على ما يقابل العيب، فيقال: صحيح و معيب.

و الأوّلان(الصحة و السقم) أمران وجوديان عارضان على الشيء، فيكون التقابل بينهما تقابل التضاد.

و الثانيان (الصحّة والعيب) أمران أحدهما وجودي و الآخر عدمي، و التقابل بينهما تقابل الملكة و العدم، كالمبيع الصحيح و المعيب.

وأمّا الصحة اصطلاحاً في العبادات فقد عرِّفت تارة بمطابقة المأتي به للمأمور به، وأُخرى بما يوجب سقوط الإعادة والقضاء ويقابلها الفساد.وأمّا في


(39)

المعاملات فقدعُرِّفت بما يترتّب عليه الأثر المطلوب منها، كالملكية في البيع، و الزوجية في النكاح و هكذا.

والمراد من وضع العبادات للصحيح هي أنّ الألفاظ موضوعة لماهيات اعتبارية لو تحقّقت في الخارج لاتصفت بالصحّة(1)، فكأنّ لفظ الصحّة إشارة إلى المرتبة الخاصّة من تلك الماهية، و هي الجامعة لجميع الأجزاء والشرائط، كما أنّ الأعم في العنوان إشارة إلى مرتبة أُخرى شاملة للصحيح و غيره.

و على كلّ تقدير فالبحث في أنّ ألفاظ العبادات وضعت لما تمّت أجزاؤها و كملت شروطها ،أو للأعم منه و من الناقص.

المعروف هو القول الأوّل، واستدلّ له بوجوه(2) مسطورة في الكتب الأُصولية أوضحها:

إنّ الصلاة ماهية إعتبارية جعلها الشارع لآثار خاصّة وردت في الكتاب و السنّة، منها: كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، أو معراج المؤمن، وغيرهما، و هذه الآثار إنّما تترتب على الصحيح لا على الأعمّ منه، و هذا (أي ترتّب الأثر على الصحيح) ممّا يبعث الواضع إلى أن يضع الألفاظ لما يُحصّل أغراضه و يؤمِّن أهدافه، و ليس هو إلاّالصحيح. لأنّ الوضع للأعمّ الذي لا يترتّب عليه الأثر، أمر لغو.

استدل القائل بالأعم بوجوه أوضحها صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة.

و أُجيب عنه بأنّ غاية ما يفيده هذا التقسيم هو استعمال الصلاة في كلّ من الصحيح و الفاسد، و الاستعمال أعمّ من الحقيقة.


1 . احتراز عن دخول الصحة بمفهومها في الموضوع له، فلو قلنا بوضع الأسماء للصحيح، فلا يراد منه، الصحيح بالحمل الأوّلي، بل الصحيح بالحمل الشائع الصناعيّ.
2 . التبادر و صحّة الحمل و صحّة السلب عن الأعم و غيرها.


(40)

يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال و إن كان أعمّ من الحقيقة، و لكنّه فيما إذا احتمل كون الاستعمال من باب المجاز، وأمّا إذا كان الاحتمال منتفياً فالاستعمال يكون دليلاً على الحقيقة كما في المقام، و ذلك لأنّ المجاز ـ كما مرّ ـ قائم بالتشبيه و ادّعاء الفردية، و هو غير متحقّق في المقام ،لأنّ تقسيم الصلاة إلى الصحيح والفاسد، بشهادة الوجدان، غير متوقّف على علاقة التشابه و ادّعاء كون الفاسد مصداقاً لها، بل يصحّ التقسيم مع الغفلة عن لحاظ العلاقة و ادّعاء الفردية.

نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم الحاجة إلى الادّعاء إنّما هو في عصرنا هذا الذي كثر فيه استعمال هذه الألفاظ في الأعمّ، وهذا لا يكون دليلاً على عدم الحاجة إليه في عصر النبوّة، و لعلّ الاستعمال في الأعم كان متوقفاً على الادّعاء في ذلك العصر.


(41)

الأمر الثاني عشر: المشتق

اتّفقت كلمتهم على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ في الحال و مجاز فيما يتلبّس به في المستقبل، و اختلفوا فيما انقضى عنه التلبّس، مثلاً إذا ورد النهي عن التوضؤ بالماء المسخّن بالشمس، فتارة يكون الماء موصوفاً بالمبدأ بالفعل، و أُخرى يكون موصوفاً به في المستقبل، و ثالثة كان موصوفاً به لكنّه زال و برد الماء، فإطلاق المشتق على الأوّل حقيقة، و دليل الكراهة شامل له، كما أنّ إطلاقه على الثاني مجاز لا يشمله دليلها، و أمّا الثالث فكونه حقيقة أو مجازاً و بالتالي شمول دليلها له و عدمه مبنيّ على تحديد مفهوم المشتق، فلو قلنا بأنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ في الحال يكون الإطلاق مجازياً والدليل غير شامل له، ولو قلنا بأنّه موضوع لما تلبّس به و لو آناً ما فيكون الإطلاق حقيقيّاً و الدليل شاملاً له.

و المشهور انّه موضوع للمتلبس بالفعل.

و توضيح المقام يتوقف على تقديم أُمور:

1. الفرق بين المشتق النحويّ والأُصولي

المشتق عند النحاة يقابل الجامد، فالجميع غير المصدر (على القول بكونه الأصل) مشتق كالماضي والمضارع و الأمر و النهي و أسماء الفاعلين.

وأمّا المشتق عند الأُصوليين، فهو عبارة عمّا يجري على الذات باعتبار اتصافها بالمبدأ و اتحادها معه بنحو من الاتحاد، فخرجت الأفعال قاطبة ماضيها و


(42)

مضارعها وأمرها و نهيها ضرورة أنّها تدلّ على قيام مبادئها بالذوات قيام صدور أو حلول (1)أو طلب فعل أو طلب ترك، ولا تدل على وصف الذوات بها. فكم فرق بين قولنا :قائم و قولنا: ضرب.

كما خرجت المصادر المزيدة و المجرّدة لعدم صحّة حملها على الذوات على نحو الهوهوية، فلم يبق إلاّ أسماء الفاعلين و المفعولين وأسماء الزمان و المكان و الآلات و الصفات المشبهة و صيغ المبالغة، لوجود الملاك في جميعها، و هو انتزاع مفاهيمها عن الذوات باعتبار اتصافها بالمبدأ فيشمل حتى الزوجة و الرق و الحر، فإذن النسبة بين المشتق النحوي والمشتق الأُصولي عموم و خصوص من وجه.(2)

2. اختلاف أنحاء التلبسات حسب اختلاف المبادئ

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم انّ بعضها حقيقة في المتلبس وبعضها في الأعمّ، نظير الكاتب والمجتهد و المثمر، فما يكون المبدأ فيه حرفة أو ملكة أو قوّة يصدق فيه هذه الثلاثة، و إن زال التلبس فهي موضوعة للأعم بشهادة صدقها مع عدم تلبسها بالكتابة و الاجتهاد و الأثمار بخلاف غيرها ممّا كان المبدأ فيه أمراً فعلياً، كالأبيض والأسود.

يلاحظ عليه: أنّ المبدأ يؤخذ تارة على نحو الفعلية كقائم، و أُخرى على نحو الحرفة كتاجر، و ثالثة على نحو الصناعة كنجّار، و رابعة على نحو القوّة كقولنا: شجرة مثمرة، و خامسة على نحو الملكة كمجتهد، و سادسة على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كلابن و تامر.


1 . القيام الصدوري: كقيام الضرب بالضارب، والحلولي كقيام الضاحك بالإنسان.
2 . فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين و أمثالهما; و يفترقان في الفعل الماضي و المضارع، فيطلق عليهما المشتق النحوي دون الأصولي; وفي الجوامد كالزوج والرق، فيطلق عليها المشتق الأُصولي دون النحوي.


(43)

فإذا اختلفت المبادئ جوهراً و مفهوماً لاختلفت أنحاء التلبسات بتبعها أيضاً، وعندئذ يختلف بقاء المبدأ حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل يشترط في صدق التلبس تلبس الذات بالمبدأ فعلاً، و في القسم الثاني و الثالث يكفي عدم إعراضه عن حرفته وصناعته وإن لم يكن ممارساً بالفعل، و في الرابع يكفي كونه متلبساً بقوة الإثمار و إن لم يثمر فعلاً، و في الخامس يكفي حصول الملكة و إن لم يمارس فعلاً، فالكلّ داخل تحت المتلبس بالمبدأ بالفعل، و بذلك علم أنّ اختلاف المبادئ يوجب اختلاف طول زمان التلبس و قصره ولا يوجب تفصيلاً في المسألة.

فما تخيّله القائل مصداقاً لمن انقضى عنه المبدأ، فإنّما هو من مصاديق المتلبس و منشأ التخيّل هو أخذ المبدأ في الجميع على نسق واحد، و قد عرفت أنّ المبادئ على أنحاء.

3. ما هو المراد من الحال في عنوان البحث؟

المراد من الحال في عنوان البحث هو الفعلية في مقابل القوة، ومرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها وأنّ الموضوع له هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو الأعمّ من تلك الذات المنقضي عنها المبدأ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، وعلى القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه و ممّا انقضى عنها المبدأ.

و إن شئت قلت: النزاع في أنّ الصفات تنتزع من الذات المقارنة للمبدأ، أو تنتزع منها ومن الذات المنقضي عنها المبدأ. و على ذلك فالحال في عنوان البحث بمعنى فعلية التلبّس و ما أشبه ذلك.

وبعبارة ثالثة: إنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ، ولايرى ذاك الجامع الحقيقي للأعمّ منها و ممّا انقضى عنها المبدأ و إنّما يرى بينهما


(44)

جامعاً انتزاعياً. فالنزاع في أنّ الموضوع له هل هو ذاك الجامع الحقيقي أو جامع انتزاعي آخر.

***

إذا وقفت على هذه الأُمور. فاعلم أنّ المشتق موضوع للمتلبس بالمبدأ في الحال، و الدليل على ذلك أمران:

1. التبادر، إنّ المتبادر من المشتق هو المتلبس بالمبدأ في الحال، فلو قيل: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو قيل: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون، أو لا يؤم الأعرابي المهاجرين; لا يفهم منه إلاّ المتلبس بالمبدأ في حال الاقتداء.

2. صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل انّه قائم إذا زال عنه القيام، و لا لمن هو جاهل بالفعل، انّه عالم إذا نسي علمه.

وأمّا القائلون بالأعم فاستدلّوا بوجهين:

الأوّل: صدق أسماء الحِرَف كالنجار على من انقضى عنه المبدأ، مثل أسماء الملكات كالمجتهد.

وقد عرفت الجواب عنه و أنّ الجميع من قبيل التلبس بالمبدأ لا الزائل عنه المبدأ.

الثاني: لو تلبس بالمبدأ في الزمان الماضي يصح أن يقال انّه ضارب باعتبار تلبسه به في ذلك الزمان.

يلاحظ عليه: أنّ اجراء المشتق على الموضوع في المثال المذكور يتصور على وجهين:


(45)

أ . أن يكون زمان التلبس بالمبدأ في الخارج متحداً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول زيد ضارب أمس، حاكياً عن تلبسه بالمبدأ في ذلك الزمان، فهو حقيقة ومعدود من قبيل المتلبس لأنّ المراد كونه ضارباً في ذلك الظرف.

ب. أن يكون زمان التلبس بالمبدأ في الخارج مختلفاً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول: زيد ـ باعتبار تلبسه بالمبدأ أمس ـ ضارب في ظرف التكلم، فالجري مجاز ومن قبيل ما انقضى عنه المبدأ .

تطبيقات

1. قال رجل لعليّ بن الحسين عليمها السَّلام : أين يتوضأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة».(1)

فعلى القول بالوضع للمتلبس بالمبدء يختص الحكم بما إذا كانت مثمرة و لو بالقوة، بخلاف القول بالأعم من المتلبس و غيره فيشمل الشجرة غير المثمرة ولو بالقوة.

2. عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في المرأة ماتت و ليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».(2)

فلو قلنا بأنّ المشتق حقيقة في المنقضي أيضاً، فيجوز للزوج المطلِّق تغسيلها عند فقد المماثل و إلاّ فلا.

إذا وقفت على تلك الأُمور، فاعلم أنّ كتابنا هذا مرتّب على مقاصد، و كلّ مقصد يتضمن فصولاً :


1 . الوسائل:1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث 8.


(46)


(47)

المقصد الأوّل
في الأوامر وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة الأمر.

الفصل الثاني: في هيئة الأمر.

الفصل الثالث: في إجزاء امتثال الأمر الواقعي والظاهري.

الفصل الرابع: مقدمة الواجب وتقسيماتها.

الفصل الخامس: في تقسيمات الواجب.

الفصل السادس: اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.

الفصل السابع: في أنّ الأوامر والنواهي تتعلق بالطبائع.

الفصل الثامن: إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز .

الفصل التاسع: الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل.

الفصل العاشر: الأمر بالشيء بعد الأمر به تأكيد أو تأسيس.


(48)


(49)

الفصل الأوّل

في مادّة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: كلمة الأمر مشترك لفظي

إنّ كلمة الأمر مشترك لفظي بين معنيين هما:

إمّا الطلب والفعل و إليهما يرجع سائر المعانى التي ذكرها أهل اللغة.

أو الطلب و الشأن و إليهما يرجع سائر المعاني، و هو خيرة صاحب الفصول.

أو الطلب و الشيء و إليهما ترجع المعاني الأُخرى، و هو خيرة المحقّق الخراساني.

لا اختلاف بين الجميع في صحّة استعماله في الطلب لقوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(النور/63).

و الضمير في أمره يرجع إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإنّما الاختلاف في المعنى الثاني، و الظاهر صحّة استعماله في الفعل لوروده في القرآن. قال سبحانه:(قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ) (آل عمران/154).

و قال سبحانه:(وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُمور ) (البقرة/210).


(50)

وقال سبحانه:(وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران/159).

وأمّا الجمع فالأمر إن كان بمعنى الطلب ـ أي طلب الفعل من الغير ـ فيجمع على أوامر، كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل و الحدث فيجمع على أُمور.

بقي الكلام في استعماله في معنيين آخرين هما: الشأن و الشيء.

فذهب صاحب الفصول إلى صحّة استعماله في الشأن مستدلاً بقولهم: شَغله أمر كذا، أي شأن كذا.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر فيما ذكره من المثال بمعنى الفعل والحادثة لا الشأن كما هو واضح.

كما ذهب المحقّق الخراساني إلى صحّة استعماله في الشيء مستدلاً بقولهم: رأيت اليوم أمراً عجيباً، أي شيئاً عجيباً.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الشيء من معاني الأمر لصح وضعُ الأمر مكان الشيء مع أنّه لا يصح أن يقال :اللّه أمر، أو العقل أمر، أو البياض أمر، إلى غير ذلك مع صحّة قولنا: اللّه شيء و... .

وعلى ذلك إذا أطلقت كلمة الأمر بلا قرينة تكون مجملة و التعيين يحتاج إلى قرينة.

***

المبحث الثاني: في اعتبار العلوّ و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب

اختلف الأُصوليون في اعتبار العلو و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب إلى أقوال:

1. يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الآمر دون اعتبار الاستعلاء، فيكفي فيه صدور الطلب من العالي و إن كان مستخفضاً لجناحه، و هو خيرة


(51)

المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.

2. يعتبر في صدق مادة الأمر كلا الأمرين، فلا يعدّ كلام المولى مع عبده أمراً إذا كان على طريق الاستدعاء، و هو خيرة السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه.

3. يعتبر في صدق مادة الأمر أحد الأمرين: ا لعلو أو الاستعلاء، أمّا كفاية العلو فلما تقدّم في دليل القول الأوّل، وأمّا كفاية الاستعلاء، فلأنّه يصحّ تقبيح الطالب السافل المستعلي، ممّن هو أعلى منه و توبيخه.

4. لا يعتبر في صدق مادة الأمر واحد منهما، و هو خيرة المحقّق البروجردي.

الظاهر هو القول الثاني، فإنّ لفظ الأمر في اللغة العربية معادل للفظ «فرمان» في اللغة الفارسية، و هو يتضمن علوّ صاحبه، ولذلك يذم إذا أمر ولم يكن عالياً.

وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدقه إذا كان بصورة الاستدعاء، و يشهد له قول بريرة (1)لرسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: إنّما أنا شافع» فلو كان مجرد العلو كافياً لما انفك طلبه من كونه أمراً.

المبحث الثالث: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

إذا طلب المولى من عبده شيئاً بلفظ الأمر كأن يقول: آمرك بكذا، فهل يدل كلامه على الوجوب أو لا؟

الظاهر هو الأوّل، لأنّ السامع ينتقل من سماع لفظ الأمر إلى لزوم الامتثال


1 . روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: لما خُيِّرتْ بريرة(بعد ما أُعتقت و خُيّرت بين البقاء مع زوجها أو الانفصال عنه) رأيت زوجها يتبعها في سُكَكَ المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلَّم العباس ليكلِّم فيه النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لبريرة انّه زوجك، فقالت: تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: «إنّما أنا شافع»، قال: فخيّرها فاختارت نفسها.(مسند أحمد:1/215).


(52)

الذي يعبّر عنه بالوجوب، و ُيؤيَّد هذا الانسباق والتبادر بالآيات التالية:

1. قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم)(النور/63) حيث هدّد سبحانه على مخالفة الأمر، و التهديد دليل الوجوب.

2. قوله سبحانه: ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف/12) حيث ذمّ سبحانه إبليس لمخالفة الأمر، و الذم آية الوجوب.

3.قوله تعالى: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ)(التحريم/6)حيث سمّى سبحانه مخالفة الأمر عصياناً، و الوصف بالعصيان دليل الوجوب.

4. الإخبار عن أنّ الأمر بالسواك يلازم المشقّة، كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لولا أن أشُقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».(1)ولزوم المشقّة آية كونه مفيداً للوجوب إذ لا مشقّة في الاستحباب.

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات .


1 . وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب السواك، الباب3 ، الحديث 4.


(53)

الفصل الثاني

في هيئة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل : في بيان مفاد الهيئة

اختلفت كلمة الأُصوليين في معنى هيئة افعل إلى أقوال مختلفة :

1. انّها موضوعة للوجوب.

2. انّها موضوعة للندب.

3. انّها موضوعة للجامع بين الوجوب و الندب، أي الطلب إلى غير ذلك.

و الحقّ انّها موضوعة لإنشاء البعث إلى إيجاد متعلقه و يدلّ عليه التبادر و الانسباق، فقول المولى لعبده: اذهب إلى السوق و اشتر اللحم عبارة أُخرى عن بعثه إلى الذهاب و شراء اللحم.

و إن شئت قلت: إنّ بعث العبد إلى الفعل قد يكون بالإشارة باليد، كما إذا أشار المولى بيده إلى خروج العبد و تركه المجلس، و أُخرى بلفظ الأمر كقوله: اخرج، فهيئة افعل في الصورة الثانية قائمة مقام الإشارة باليد، فكما أنّ الإشارة باليد تفيد البعث إلى المطلوب، فهكذا القائم مقامها من صيغة افعل، وإنّما الاختلاف في كيفية الدلالة، فدلالة الهيئة على إنشاء البعث لفظية بخلاف دلالة الأُولى.


(54)

سؤال: انّ هيئة افعل و إن كانت تستعمل في البعث كقوله سبحانه:(وَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة ) (البقرة/43) أو قوله: (أَوفُوا بِالعُقود) (المائدة/1) و لكن ربما تستعمل في غير البعث أيضاً.

كالتعجيز مثل قوله سبحانه:(وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)(البقرة/23).

والتمنّي كقول الشاعر:

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلى غير ذلك من المعاني المختلفة المغايرة للبعث. فيلزم أن تكون الهيئة مشتركة بين المعاني المختلفة من البعث و التعجيز و التمنّي.

الجواب: انّ هيئة إفعل قد استعملت في جميع الموارد في البعث إلى المتعلّق و الاختلاف إنّما هو في الدواعي، فتارة يكون الداعي من وراء البعث هو ايجاد المتعلق في الخارج و أُخرى يكون الداعي هو التعجيز و ثالثة التمني و رابعة هو الإنذار والتهديد كقوله:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّه عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ)(التوبة/105) إلى غير ذلك من الدواعي ففي جميع الموارد يكون المستعمل فيه واحداً و إنّما الاختلاف في الدواعي من وراء إنشائه.

ونظير ذلك، الاستفهام فقد يكون الداعي هو طلب الفهم، و أُخرى أخذ الإقرار مثل قوله:(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الّذينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر/9).و المستعمل فيه في الجميع واحد و هو إنشاء طلب الفهم.

المبحث الثاني: دلالة هيئة الأمر على الوجوب

قدعرفت أنّ هيئة إفعل موضوعة لإنشاء البعث و أنّها ليست موضوعة للوجوب و لا للندب، و أنّهما خارجان عن مدلول الهيئة ـ و مع ذلك ـ هناك


(55)

بحث آخر، وهو أنّه لا إشكال في لزوم امتثال أمر المولى إذا علم أنّه يطلب على وجه اللزوم إنّما الكلام فيما إذا لم يعلم فهل يجب امتثاله أو لا؟ الحقّ هوالأوّل.

وقبل بيان دليله نشير إلى الفرق بين الوجوب و الندب، فنقول: إنّ البعث الإنشائي على قسمين:

فتارة يكون البعث صادراً عن إرادة أكيدة لا يرضى المولى بمخالفتها.

و أُخرى صادراً عن إرادة غير أكيدة على وجه لو خالفها لما ذمّه المولى.

وإن شئت قلت: البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس فلابدّ في تحقّقه من سبق إرادة تكوينية، فهي تختلف شدّة و ضعفاً حسب اختلاف الأغراض من البعث، فالذي يميز الوجوب عن الندب هو صدور أحد البعثين عن إرادة أكيدة، و صدور الآخر عن إرادة ضعيفة مع اشتراكهما في البعث.

وبذلك يعلم أنّ الوجوب والندب ليسا من مداليل الألفاظ، و إنّما ينتزعان من البعث الناشىء من قوة الإرادة وضعفها.

إذا تبيّن الفرق بين الوجوب والندب ثبوتاً فنقول: لو دلّ الدليل على واحد من الأمرين ـ أعني: الوجوب أو الندب ـ فهو المتَّبع و إلاّفاللازم حمله على الوجوب، أي صدور البعث عن إرادة أكيدة، و ذلك بحكم العقل على أنّ بعث المولى لا يُترك بلا امتثال و احتمال أنّ البعث ناشئ من إرادة ضعيفة لا يُعْتمد عليه مالم يدل عليه دليل.

وبعبارة أُخرى: العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية و العبودية ولا يصحّ ترك المأمور به بمجرّد احتمال أن يكون الطلب طلباًندبياً و هذا ما يعبّر عنه في سيرة العقلاء بأنّ ترك المأمور به لابدّ أن يستند إلى عذر قاطع. و العذر القاطع إمّا إحراز كون البعث ناشئاً عن إرادة غير أكيدة و المفروض عدم إحرازه، أو الامتثال و هو يتّحد في النتيجة مع الحمل على الوجوب، فخرجنا بالنتيجة التالية:


(56)

1. انّ المدلول المطابقي لهيئة إفعل هو إنشاء البعث .

2. الوجوب و لزوم الامتثال مدلول التزامي لها بحكم العقل.

سؤال: يظهر من صاحب المعالم انّه لو افترضنا أنّ الأمر حقيقة في الوجوب لما صحّ التمسّك به في أخبار الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ عند الشكّ، لأنّ صيغة الأمر مستعملة في كلماتهم في الندب كثيراً حتّى صار من المجازات الراجحة، فيشكل التمسك بمجرّد ورود الأمر في كلامهم على إثبات الوجوب.(1)

الجواب: انّ الاستعمال في الندب و إن كان كثيراً إلاّ أنّه لمّا كان بالقرينة، فلا يوجب صيرورتَه مجازاً مشهوراً فيه ليرجّح أو يتوقف على الخلاف في المجاز المشهور.

نعم لو ثبت أنّ الأئمّة كانوا يستعملون الأمر كثيراً في الندب بلا قرينة كان لما ذكره وجه.

وهناك جواب آخر و هو أنّ الوجوب والندب ـ كما مرّ ـ ليسا من المداليل اللفظية ،لما عرفت من أنّ الأمر موضوع لإنشاء البعث، بل ينتزعان من شدّة الإرادة و ضعفها، فإن كان في الكلام قرينة تدلّ على أحد الأمرين فهو، و إلاّ فالعقل حاكم بأنّه يجب على العبد إطاعة الأمر مالم يعلم الإذن في الترك.

وبعبارة أُخرى: يحكم العقل بلزوم تحصيل المؤمِّن إمّا بالإتيان بالمأمور به، أو بالعلم بالندب، و بما أنّ الثاني منتف فيتعين تحصيل الأمر الأوّل و هو الإتيان، و ترك المأمور به لأجل أنّهمعليهم السَّلام يستعملون صيغة الأمر في الندب كثيراً ليس عذراً قاطعاً في مقابل حكم العقل بلزوم تحصيله.


1 . المعالم، ص 48 جاء تحت عنوان: فائدة ،و قد استحسنه السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف، و وافقه السيد المحقّق الخوئي كمافي محاضراته:2/132.


(57)

المبحث الثالث: استفادة الوجوب من أساليب أُخرى

إنّ للقرآن و السنّة أساليب أُخرى في بيان الوجوب والإلزام غير صيغة الأمر، فتارة يعبّر عنه بلفظ الفرض والكتابة مثل قوله سبحانه: (قَدْفَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ)(التحريم/2).وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام)(البقرة/182)، و قال: (إِنَّ الصلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنينَ كِتاباً مَوقُوتاً)(النساء/103).

وأُخرى يجعل المكلّف به في عهدة المكلّف إلى أن يخرج عن عهدته قال: (وَ للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران/97).

وثالثة يخبر عن وجود شيء في المستقبل مشعراً بالبعث الناشئ عن إرادة أكيدة، قال سبحانه: (و الوالِداتُ يُرضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَين) (البقرة/233).

وأمّا السنّة فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت في أبواب الطهارة والصلاة و غيرهما قولهم:«يَغْتَسِلُ»، «يُعيدُ الصلاة» أو «يستَقْبِل القبلة» فالجمل الخبرية في هذه الموارد و إن استعملت في معناها الحقيقي، أعني: الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل، لكن بداعي الطلب و البعث.

سؤال: فهل استعمال الجملة الخبرية لداعي البعث حقيقي أو استعمال مجازي، و على التقديرين، إذا لم يمتثل ، فهل يلزم الكذب لأجل أنّ المعصوم أخبر عن المستقبل، ولم يتحقق أو لا؟

الجواب: انّ الاستعمال حقيقي ليس بمجازي، لأنّ المستعمل فيه هو الموضوع له و إنّما الاختلاف في الداعي.

كما أنّه لو لم يمتثل العبد لا يلزم الكذب، لأنّ الاستعمال لم يكن بداعي الإخبار عن وجود الشيء بل بداعي البعث و الطلب، ولا يضرّ عدم تحقق المخبر


(58)

عنه إذا لم يكن الداعي الإخبار.

نعم هذا النوع من الاستعمال لغاية البعث آكد من الجملة الإنشائية، لأنّ الإخبار عن أمر مفروغ عنه، يكشف عن شدّة حبّ المولى بالمراد إلى حدّ يجده متحقّقاً في الخارج.

المبحث الرابع: في التوصلي والتعبدي (1)

و فيه أُمور:

الأمر الأوّل: معنى التوصلي و التعبدي

الأمر التوصلي: هو ما يتحقّق امتثاله بمجرد الإتيان بالمأمور به من دون حاجة إلى قصد القربة.

ويقابله التعبديّ: و هو ما لا يحصل امتثاله بمجرد الإتيان بالمأمور به، بل لابدّ في حصوله من الإتيان به متقرباً إلى اللّه سبحانه.

والأوّل، كدفن الميت و تطهير المسجد و أداء الدين و ردّ السلام ممّا يحصل الامتثال و يسقط الأمر بمجرّد الإتيان به ولو لرغبة نفسية.

والثاني، كالصلاة و الصوم، فلا يحصل الامتثال إلاّ بالإتيان بهما متقرباً إلى اللّه سبحانه.

ثمّ إنّ قصد القربة يحصل بأحد أمور:

أ. الإتيان بقصد امتثال أمره سبحانه.

ب. الإتيان للّه تبارك و تعالى مع صرف النظر عن الأمر.

ج. الإتيان بداعي محبوبية الفعل له تعالى، فيكون الداعي إلى الإتيان به هو


1 . ستأتي تقسيمات الواجب إلى أقسام في الفصل الخامس ومنها تقسيمه إلى التعبدي والتوصّلي.


(59)

كونه محبوباً للّه دون سائر الدواعي النفسانية.

و يراد من التعبدية في المقام هو المعنى الأوّل، و ما سيأتي من البحوث يدور حول هذا المعنى، لا المعنيين الأخيرين.

الأمر الثاني: حكم الشكّ في التوصلية و التعبدية

إذا علمنا بأنّ الواجب تعبديّ أو توصليّ فيجب امتثاله على النحو الذي عليه، إنّما الكلام فيما إذا شكّ في واجب أنّه توصلي أو تعبديّ فهل ثمة أصل لفظي يُعوَّل عليه كالشكّ في وجوب ردّ السلام؟ و أنّه هل هو توصلي يحصل الامتثال بردّه بأيّ داع كان، أو هو أمر تعبدي لا يحصل الامتثال إلاّ بقصد امتثال الأمر الوارد في الكتاب؟ قال سبحانه:(وَ إِذا حُيِيتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسنَ مِنْها أَو رُدُّوها)(النساء/86).

ولْيعلم انّ التمسك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا أمكن أخذ الشيء المشكوك اعتبارُه في متعلق الأمر، فإذا خلا منه متعلّقه، يحكم بعدم اعتباره فيه، مثلاً إذا شكّ في وجوب السورة في الصلاة فبما أنّه يمكن أخذها في متعلّق الأمر بأن يقول: صلّ مع السورة، فيصحّ التمسك بالإطلاق اللفظي إذا خلا منها متعلّق الأمر عند الشك.

وأمّا إذا تعذّر أخذ المشكوك في متعلّق الأمر فلا يصحّ التمسك بالإطلاق، لأنّ التمسك به فرع إمكان أخذه فيه و المفروض أنّه متعذر.

ثمّ إنّ الأُصوليين اختلفوا في إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق و عدمه، فلو أمكن أخذه في متعلّق الأمر، يصحّ التمسّك بإطلاقه إذاخلا عنه، وإلاّ فلا.

فذهب الأكثر إلى إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فإذا شكّ في اعتباره في المتعلّق يتمسك بإطلاقه و يُحكم بالتوصلية.

وذهب الشيخ الأنصاري إلى امتناع أخذه في متعلّق الأمر، فلا يمكن


(60)

التمسك بإطلاق المتعلّق و إثبات التوصلية، فإنّ من شرائط التمسّك بالإطلاق، إمكان الإتيان بالقيد في متعلّقه و المفروض عدم إمكان أخذ القيد فيه.

ثمّ إنّ محل الخلاف في أخذ « قصد امتثال الأمر» في المأمور به كما هو التفسير الأوّل للتعبدية، وأمّا التفسيران الآخران للتعبدية، أعني: الإتيان للّه تبارك و تعالى، أو الإتيان لأجل محبوبية الفعل، فأخذهما فيه بمكان من الإمكان .

وبعبارة أُخرى: أنّ محل الخلاف في إمكان الأخذ و عدمه هو أن يأمر المولى بالنحو التالي: صلّ صلاة الظهر بقصد امتثال أمرها، و أمّا إذا قال: صلّ صلاة الظهر للّه تبارك و تعالى، أو لكونها محبوبة للّه، فأخذهما في المتعلّق ممّا لا شبهة فيه. ونحيل التفصيل إلى دراسات عليا.

المبحث الخامس: الواجب النفسي و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى نفسي وغيري.

فالواجب النفسي: هو ما وجب لنفسه، كالصلاة.

والواجب الغيري: هو ما وجب لغيره، كالوضوء.(1)

فإذا دار مفاد الصيغة بين أحد أمرين، كما إذا قال: اغتسل للجنابة، و احتمل كون الغسل واجباً لنفسه بمعنى أنّه يجب الاغتسال مطلقاً سواء أراد إقامة الصلاة أم لم يردها، أو واجباً لغيره بمعنى أنّه يجب لأجل ذيها، أعني: الصلاة، فإذا دار الواجب بينهما فما هو مقتضى الأصل اللفظي أي إطلاق المتعلّق، إذا كان المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة؟

فنقول: إنّ مقتضى الإطلاق اللفظي هو كونه نفسياً لا غيرياً، لأنّ النفسي يكفي فيه الأمر بالشيء على وجه الإطلاق بخلاف الغيري فانّه لا يكفيه ذلك بل


1 . ما يوافيك من التعاريف من قبيل شرح الاسم لا تعريف حقيقي، فلا يستشكل بأخذ المعرَّف في المعرِّف.


(61)

يحتاج إلى بيان قيد آخر، مثلاً أن يقول: اغتسل للصلاة.

توضيحه: انّ كلاً من الواجب النفسي والغيري وإن كان يشتركان في كونهما واجبين و يفترقان بقيدين هما «لنفسه» و «لغيره» لكن الحاجة إلى القيد في كلّ من القسمين راجع إلى مقام الثبوت و التحديد، وأمّا في مقام الإثبات فيكفي في بيان الواجب النفسي، الأمر بالشيء مع السكوت عن قيده بخلاف الآخر فلا يكفي الأمر بالشيء مع السكوت عن القيد، مثلاً لو كان الاغتسال واجباً نفسياً يكفي قول الشارع إغتسل، و لو كان واجباً غيرياً لا يكفي الإطلاق بل يجب أن يقول: اغتسل للصلاة.

المبحث السادس: الواجب العيني و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى العيني و الكفائي.

فالواجب العيني : هو ما يتعلّق الأمر بكلّ مكلّف و لا يسقط بفعل الغير، كالفرائض اليومية.

والواجب الكفائي: ما يتعلّق الأمر بكلّ مكلّف لكن يسقط بفعل الغير، كالصلاة على الميت.

فإذا دار أمر الواجب بين كونه عينياً أو كفائياً، كما إذا قال:«قاتل في سبيل اللّه» و دار أمره بين كونه واجباً عينياً أو كفائياً، فمقتضى الإطلاق هو كونه عينياً لا كفائياً بالبيان السابق في النفسي و الغيري، و ذلك لانّ الواجب العيني و الكفائي و إن كانا يشتركان في كونهما واجبين ويفترق كلّ بقيد يخصه، و لكنّ هذا (حاجة كلّ إلى القيد) يرجع إلى مقام الثبوت و التحديد المنطقي.

و أمّا في مقام الإثبات و بيان المراد فيكفي في بيان الواجب العيني، الأمر بالشيء و السكوت عن أيّ قيد بخلاف الواجب الكفائي فلا يكفي في بيانه الأمر به مع السكوت عن القيد بل يحتاج إلى قيد آخر نظير: مالم يقم به الآخر. فالقتال


(62)

في سبيل اللّه لو كان واجباً عينياً يكفي فيه قول المولى: قاتل في سبيل اللّه، ولو كان كفائياً فلا يكفيه ذلك إلاّأن ينضم إليه قيد آخر، أعني: مالم يقاتل غيرك.

المبحث السابع: الواجب التعييني و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى تعييني و تخييري.

فالواجب التعييني :هو الواجب بلا أن يكون له عدل، كالفرائض اليومية.

والواجب التخييري: هو الواجب الذي يكون له عدل، كخصال كفارة الإفطار العمدي في صوم شهر رمضان، المخيّرة بين صوم شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكيناًوعتق رقبة.

فإذا دار أمر الواجب بين كونه واجباً تعيينياً أو تخييرياً كقوله سبحانه: (فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ)(الجمعة/9) الذي قصدت به فريضة الجمعة، فمقتضى الإطلاق كونه تعيينياً لا تخييرياً بينها و بين صلاة الظهر. و ذلك لأنَّ كلاً من الواجبين و إن كانا يشتركان في الواجب و يفترقان بالقيد (ما ليس له عدل و ماله عدل) و لكن ذلك يرجع إلى مقام الثبوت و التحديد المنطقي، وأمّا في مقام الإثبات و بيان المراد فيكفي في بيان الواجب التعييني إيجابه مع السكوت عن أيّ قيد، بخلاف التخييري فلا يكفي إيجاب الشيء إلاّمع ذكر القيد.

كلّ ذلك إذاكان المتكلّم في مقام البيان من الجهة المشكوكة، كالنفسية و الغيريّة، و العينية و الكفائية، والتعيينية و التخييرية، و إلاّ يكون الأمر مجملاً من الناحية المشكوكة.

وهناك بيان آخر جامع يثبت به كون الأمر نفسياً عينياً تعينياً، و ذلك لما عرفت من أن حكم العقل على وجوب تحصيل المؤمِّن الذي هو فرع أحد أمرين.

إمّا العلم بكيفية الأمر و أنّه غيري أو كفائي أو تخييري، وإمّا الامتثال القطعي الذي يقتضي الأخذ بجانب الاحتياط و هو كون الأمر نفسياً و عينياً و


(63)

تعيينياً حتّى يحصل الامتثال القطعي، فمثلاً: يغتسل وإن لم يرد إقامة الصلاة، يقاتل في سبيل اللّه وإن قاتل غيره أيضاً، يصوم شهرين متتابعين و لا يكتفى بالآخرين.

المبحث الثامن: الأمر عقيب الحظر

إذا قلنا بأنّ الوجوب يستفاد من الهيئة لوضعها له كما عليه الأُصوليون، أو قلنا بأنّه يستفاد من حكم العقل على أنّ ترك امتثال بعث المولى قبيح إلاّ أن يدل دليل على جواز الترك، و على كلا القولين:

إذا ورد الأمر عقيب الحظر فهل يحمل الأمر على الوجوب أو لا؟

فمثلاً: قال سبحانه: (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحيض وَ لا تَقْرَ بُوهُنَّ).

ثمّ قال:(فَإِذا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) (البقرة/222).

مثال آخر:

قال سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّما يُتلى عَلَيْكُمْ غَير مُحِلّي الصيدِ وَ أَنْتُمْ حُرُم) .

ثمّ قال:(وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا...) (المائدة/1و2).

فقد اختلف الأُصوليون في مدلول هيئة الأمر عقيب الحظر إلى أقوال:

أ. ظاهرة في الوجوب.

ب.ظاهرة في الإباحة.

ج. فاقدة للظهور.

والثالث هو الأقوى، لأنّ الضابطة فيما إذا اكتنف الكلام بما يصلح للقرينية هو الإجمال و عدم الظهور، و ذلك لأنّ تقدّم الحظر يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الأمر الوارد بعده لرفع الحظر لا للإيجاب، فتكون النتيجة هي الإباحة، كما يحتمل


(64)

أنّ المتكلم لم يعتمد على تلك القرينة و أطلق الأمر لغاية الإيجاب، فتكون النتيجة هي الوجوب، و لأجل الاحتمالين يكون الكلام مجملاً.

نعم إذا قامت القرينة على أنّ المراد هو رفع الحظر فهو أمر آخر خارج عن البحث.

المبحث التاسع: المرّة و التكرار

إذا دلّ الدليل على أنّ المولى يطلب الفعل مرّة واحدة كقوله سبحانه:(للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ) (آل عمران/97) ، أو دلّ الدليل على لزوم التكرار كقوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/185) فيتبعُ مدلوله.

وأمّا إذا لم يتبيّن واحد من الأمرين، فهل تدل على المرّة أو على التكرار أو لا تدل على واحد منهما؟

الحقّ هو الثالث، لأنّ الدليل إمّا هو هيئة الأمر أو مادته، فالهيئة وضعت لنفس البعث، و المادّة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدل على المرّة و التكرار و استفادتهما من اللفظ بحاجة إلى دليل آخر.

المبحث العاشر: الفور والتراخي

اختلف الأُصوليون في دلالة هيئة الأمر على الفور أو التراخي إلى أقوال:

1. انّها تدلّ على الفور.

2. انّها تدلّ على التراخي.

3. انّها لا تدلّ على واحد منهما.

والحقّ هو القول الثالث لما تقدّم في المرّة والتكرار من أنّ الهيئة وضعت للبعث، والمادة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك في صميم الأمر ما يدلّ على واحد منهما.


(65)

فمقتضى الإطلاق اللفظي عدم تقيّد المتعلّق بالفور والتراخي.

استدل القائل بالفور بآيتين:

1. قوله سبحانه: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين) (آل عمران/133).

وجه الاستدلال: انّ المغفرة فعل للّه تعالى، فلا معنى لمسارعة العبد إليها، فيكون المراد هو المسارعة إلى أسباب المغفرة و منها فعل المأمور به.

يلاحظ عليه: بأنّ أسباب المغفرة لا تنحصر بالواجبات إذ المستحبات أيضاً من أسبابها، و عندئذ لا يمكن أن يكون الاستباق واجباً مع كون أصل العمل مستحباً.

2. قوله سبحانه: (وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرات)(المائدة/48).

فظاهر الآية وجوب الاستباق نحوَ الخير و الإتيان بالفرائض ـ الذي هو من أوضح مصاديقه ـ فوراً.

يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية بعث العباد نحوَ العمل بالخير بأن يتسابق كلّ على الآخر مثل قوله سبحانه:(وَاسْتَبَقا الباب) (يوسف/25) ولا صلة للآية بوجوب مبادرة كلّ مكلّف إلى ما وجب عليه وإن لم يكن في مظنة السبق.


(66)

الفصل الثالث

الإجزاء

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: إطاعة أمر المولى على الوجه المطلوب

الإجزاء مصدر أجزأ بمعنى أغنى، و المقصود في المقام هو أنّ المكلّف إذا امتثل ما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي جامعاً لما هو معتبر فيه من الأجزاء أو الشرائط ـ يعدّ ممتثلاً لذلك الأمر و مسقطاً له من دون حاجة إلى امتثال ثان.

دليل ذلك: انّ الهيئة تدلّ على البعث أو الطلب، و المادة تدل على الطبيعة و هي توجد بوجود فرد واحد، فإذا امتثل المكلّف ما أمر به بإيجاد مصداق واحد منه فقد امتثل ما أمر به و لا يبقى لبقاء الأمر بعد الامتثال وجه.

إذ لو بقى فانّما هو لأحد الوجوه الاتية وكلّها مخدوشة:

أ. أن يكون المطلوب متعدداً و هو خلف، لأنّ المطلوب هو الطبيعة، و هي توجد بوجود فرد واحد.

ب. عدم حصول الغرض و هو أيضاً خلف، لأنّ المفروض أنّ الإتيان بالمأمور به محصّل للغرض و إلاّ لما أمر به و المفروض أنّه أتى به.

ج.بقاء الأمر مع حصول الغرض، و هذا أيضاً باطل لاستلزامه الإرادة الجزافية والمفروض أنّ المولى حكيم.

د. أو لجواز تبديل امتثال بامتثال آخر، كما إذا صلّى فرادى و أراد إعادته


(67)

بالجماعة.

و يلاحظ عليه : مضافاً إلى أنّ جواز التبديل غير عدم كون الامتثال الأوّل مجزئاً، انّ تجويزه في التعبديات يحتاج إلى دليل لئلاّ يلزم التشريع فانّ إعادة الصلاة الواحدة وعدّها جزءاً من الشريعة يحتاج إلى ورود الدليل، و إلاّ يكون تشريعاً إذا أفتى المجتهد بذلك، و بدعة إذ دعا الناس إليه. و الكلام فيما لا دليل على الإعادة و تبديل الامتثال. نعم لا إشكال في تبديله في التوصليات، لعدم شرطية اسناد العمل إلى اللّه في صحّتها كما مرّ فلو أمر المولى بإحضار الماء فأحضره، فله أن يبدله بامتثال آخر و إحضار ماء ثان أفضل منه.

المبحث الثاني: إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياريّ

الصلوات اليومية واجبة بالطهارة المائية قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ...) .(1)

و ربما يكون المكلّف غير واجد للماء فجُعِلت الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية لأجل الاضطرار، قال سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَو عَلى سَفَر أَوْ جاءَأَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ اوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً).(2)

فالصلاة بالطهارة المائية فرد اختياري و الأمر به أمر واقعي أوّلي، كما أنّ الصلاة بالطهارة الترابية فرد اضطراريّ و الأمر به أمر واقعي ثانوي، فيقع الكلام في أنّ المكلّف إذا امتثل المأمور به في حال الاضطرار على الوجه المطلوب، فهل يوجب امتثالُه سقوطَ الأمر الواقعي الأوّلي بمعنى أنّه لو تمكّن من الماء بعد إقامة الصلاة بالتيمم، لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء، أو لا يوجب؟ أمّا سقوط أمر نفسه فهو داخل في المبحث السابق و قد علمت أنّ امتثال أمر كلّ شيء


1 . المائدة/6.
2 . المائدة/6.


(68)

مسقط له.

ثمّ إنّ للمسألة صورتين:

تارة يكون العذر غيرَ مستوعب، كما إذا كان المكلّف فاقداً للماء في بعض أجزاء الوقت فصلّى متيمّماً ثمّ صار واجداً له.

و أُخرى يكون العذر مستوعباً، كما إذا كان فاقداً للماء في جميع الوقت فصلّى متيمّماً، ثمّ ارتفع العذر بعد خروج الوقت.

فالكلام في القسم الأوّل في وجوب الإعادة في الوقت و القضاء خارجه، كما أنّ الكلام في الثاني في وجوب القضاء.

إنّ القول بالإجزاء ـ أي عدم الإعادة في الوقت و القضاء خارجه ـ يتوقف على وجود الإطلاق في دليل البدل الاضطراري بأن يكون المتكلم في مقام البيان لما يجب على المكلّف عند الاضطرار، فلم يذكر إلاّ الإتيان بالفرد الاضطراري من دون إيعاز إلى شيء آخر بعد رفع العذر،فمثلاً:

انّ ظاهر قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة/6)، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:«يا أباذر يكفيك الصعيد عشر سنين». (1) و قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية أُخرى: «إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين».(2) هو الإجزاء و عدم وجوب الإعادة والقضاء، وإلاّ لوجب عليه البيان فلابدّ في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.

هذا كلّه إذا كان دليل البدل (آية التيمم) في مقام البيان و مفيداً للإجزاء بحكم الإطلاق.

وأمّا إذا كان دليل البدل مجملاً و لم يكن هناك دليل اجتهادي، فتصل النوبة إلى الأُصول العملية، و الأصل العملي في المقام هو البراءة من إيجاب الإعادة


1 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.
2 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.


(69)

و القضاء.

ومثل التيمم امتثال الواجب على وجه التقية، كما إذا صلّى تقيّة فغسل الرجلين مكان المسح و سجد على غير ما يصحّ عليه السجود، ثمّ ارتفع الاضطرار من غير فرق بين كون العذر مستوعباً أو غير مستوعب، فمقتضى إطلاق دليل البدل هو كفاية ما أتى به و عدم لزوم الإعادة و القضاء، إذ لو كانا واجبين لأمر بهما.

روى زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «التقية في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه».(1)

و مثله قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «رفع عن أُمّتي تسعة...» و عُدَّ منها الاضطرار.(2)

ولو افترضنا عدم الإطلاق في دليل البدل و كونه ساكتاً عن الإعادة و القضاء، فمقتضى الأصل هو البراءة .(3)

فقد خرجنا بالنتائج التالية:

1. انّ امتثال كلّ أمر سواء كان واقعياً أوّلياً أو ثانوياً موجب لسقوط نفسه.

2. انّ امتثال كلّ أمر واقعي ثانوي موجب لسقوط الأمر الواقعي الأوّلي إذا كان في دليل البدل إطلاق، فلو ارتفع العذر في الوقت أو خارجه، لا تجب الإعادة، ولا القضاء.

3. إذا لم يكن لدليل البدل إطلاق، فمقتضى الأصل العملي هو البراءة،


1 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 2.
2 . رواه الصدوق في الخصال بسند صحيح في باب التسعة ، ص 417، الحديث 1، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ  رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، وما أُكرهوا عليه و مالا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة».
3 . هذا كلّه فيما إذا لم يكن لدليل المبدل ـ الصلاة بالطهارة المائية ـ إطلاق و إلاّفيكون الاشتغال محكّماً والتفصيل موكول إلى دراساتعليا.


(70)

لأنّ الشكّ في أصل التكليف.

المبحث الثالث: في إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

الكلام في إجزاء امتثال الأمر الظاهري عن امتثال الأمر الواقعي يتوقف على توضيح الأمر الظاهري أوّلاً، ثمّ البحث عن الإجزاء ثانياً.

ينقسم الحكم عند الأُصوليين إلى واقعي و ظاهري.

أمّا الواقعي: فهو الحكم الثابت للشيء بما هوهو أي من غير لحاظ كون المكلّف جاهلاً بالواقع أو شاكّاً فيه، كوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة و غيرهما من الأحكام القطعية.

وأمّا الحكم الظاهري، فهو الحكم الثابت للشيء عند الجهل بالحكم الواقعي، و هذا كالأحكام الثابتة بالأمارات و الأُصول.(1)

أمّا الأمارة: فهي الدليل المعتبر، لأجل كونها كاشفة عن الواقع كشفاً ظنّياً كخبر الواحد.

وأمّا الأُصول: فهي ما ينتهي إليها المجتهد عند عدم الأمارة، كأصل البراءة و الاحتياط والتخيير و الاستصحاب، لا لأجل كونها كاشفة و لو نسبيّاً عن الواقع بل لكونها وظيفة عملية في هذا الظرف.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أنّ العمل بالأمارة أو الأُصول هل يقتضي الإجزاء عن امتثال الأمر الواقعي أو لا؟

فمثلاً إذا دلّ الخبر الواحد على كفاية التسبيحة الواحدة في الركعتين الأخيرتين، أو دلّ على عدم وجوب السورة الكاملة، أو عدم وجوب الجلوس بعد


1 . ما ذكر في المتن أحد الاصطلاحين في الحكم الظاهري، و ربما يُخصُّ الظاهري بالحكم الثابت بالأُصول العملية، ويعطف الحكم الثابت بالأمارات، إلى الحكم الواقعي.


(71)

السجدة الثانية، فطُبِّق العمل على وفق الأمارة ثمّ تبيّن خطؤها، فهل يجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء خارجه أو لا؟

أو إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ تبيّن أنّه نجس، فهل يُجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء بعده أو لا؟(1) ففيه أقوال:

الأوّل: الإجزاء مطلقاً من غير فرق بين كون الامتثال بالأمارة أو الأصل. و هو خيرة القدماء و السيد المحقّق البروجردي، و هو المختار.

الثاني: التفصيل بين الامتثال بالأمارة والامتثال بالأصل، فيجزي الثاني دون الأوّل. و هو مختار المحقّق الخراساني. ففيما إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ بان خلافها لا يعيد الصلاة بخلاف ما إذا اعتمد في عمله على الأمارة و صلّى بتسبيحة واحدة ثمّ بان الخلاف، فيعيد الصلاة أو يقضيها.

الثالث: عدم الإجزاء مطلقاً و هو مختار المحقّق النائيني.

وقبل إيضاح دليل القول المختار نشير إلى محلّ النزاع، و هو ما إذا قامت الأمارة أو الأصل على كيفية امتثال المأمور به من كفاية التسبيحة الواحدة ثمّ ظهر خلافها، أو طهارة الثوب الذي صلّى به، فيقع الكلام حينئذ في إجزاء امتثال الأمر الظاهري المستفاد من الأمارة، أو الأصل عن الأمر الواقعي (التسبيحات الثلاث أو الصلاة بالثوب الطاهر الواقعي) و عدمه.

وأمّا إذا قاما على أصل التكليف (لا على كيفيته) كما إذا قام الدليل ـ أمارة كان أو أصلاً ـ على وجوب صلاة الظهر و تبيَّن انّ الواجب هو الجمعة، فهذا خارج عن محل النزاع، و قد اتفق الأُصوليون على عدم الإجزاء و لم يعلم فيه مخالف.


1 . الفرق بين المثالين انّ الشبهة في المثال الأوّل حكمية و المجهول حكم الشارع، وفي الثاني موضوعية و المجهول هو المصداق أوالموضوع الخارجيّ.


(72)

إذا اتضح ذلك، فاعلم أنّ الدليل على الإجزاء هي الملازمة العرفية بين الأمر بتطبيق العمل على ما تفرضه الأمارة و الأصل، و الإجزاء عند ظهور الخلاف.

بيان الملازمة :إذا أمر المولى عبده بأن يهيّئ له دواءً ليتعافى من مرضه وأمره بالرجوع إلى صيدلي ماهر، فعيّن له كمية الدواء و كيفيته ونوعية الأجزاء المركّبة له، فاتّبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب، ثمّ بان خطأ الصيدلي في ذلك، فالعرف يعدُّ العبد ممتثلاً لأمر مولاه، و يرى عمله مسقطاً للتكليف، من دون إيجابه بالقيام مجدَّداً بتحضير الدواء.

ومثله ما إذا أمر عبده ببناء دار وأمره بالرجوع إلى مهندس متخصص و معمار ماهر، و اتبع العبد أوامره فبنى الدار، ثمّ بان خطأ المهندس أو المعمار، فإنّ العبد يُعدّ معذوراً و العمل مجزئاً.

سؤال: انّ العبد و إن كان معذوراً لعدم تقصيره في القيام بالمأمور به، بل التقصير يرجع إلى الأمارة التي أمر المولى بتطبيق العمل على وفقها، لكن غرض المولى بعدُ لم يُستوفَ، فتجب الإعادة و القضاء لذلك.

جوابه: انّه لو علم العبد أنّ غرض المولى بعدُ لم يستوف لزم عليه تجديد العمل، كما إذا أمر بإحضار الماء للتوضؤ، فأتى به ثمّ تلف، لكن الكلام فيما إذا لم يعلم ذلك ، و احتمل اجتزاء المولى بما أتى به العبد من العمل غير التام لما في إيجاب الإعادة و القضاء من الحرج الذي يوجب رغبة الناس عن الدين، وعدم إقبالهم عليه ـ و مع هذا الاحتمال ـ لا تجب الإعادة و لا القضاء ولا يجب على المكلّف تحصيل الغرض المحتمل.

تنبيه: في تبدّل القطع

لو قطع المكلّف بشيء ثمّ بان خلافه من غير فرق بين تعلّق قطعه بكيفية


(73)

العمل أو أصله، فلا ينبغي الشكّ في عدم الإجزاء، و ذلك لأنّه لم يكن هناك أمر من المولى بالمقطوع به حتى يستدل بالملازمة على الإجزاء إذ القطع حجّة عقلية و الآمر بتطبيق العمل على وفقه هو العقل لا الشرع، و من جانب آخر لم يُستوفَ غرض المولى، فهو بعد باق، فلا وجه للإجزاء.


(74)

الفصل الرابع

مقدّمة الواجب

تعريف المقدّمة: «ما يتوصل بها إلى شيء آخر على وجه لولاها لما أمكن تحصيله» من غير فرق بين كون المقدّمة منحصرة، أو غير منحصرة، غاية الأمر أنّها لو كانت منحصرة لانحصر رفع الاستحالة بها، و إن كانت غير منحصرة لانحصر رفع الاستحالة في الإتيان بها أو بغيرها وقد وقع الخلاف في وجوب مقدمة الواجب و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأمر الأول: هل النزاع في الوجوب العقلي أو الوجوب الشرعي؟

هل النزاع في وجوب المقدّمة في حكم العقل بلزوم الإتيان بها، أو في حكم الشرع به وراء حكمه بوجوب ذيها؟ و إليك البيان :

أما الأوّل: فالمراد منه حكم العقل بأنّ الوصول إلى المقصود رهن الإتيان بالمقدّمة، و هذا النوع من الوجوب الذي نعبّر عنه «باللابدية العقلية» ممّا لا يختلف فيه اثنان، و خارج عن محط النزاع.

أمّا الثاني : فالمراد منه انّ العقل بفضل الملازمة بين الوجوبين في ذهن الآمر الشارع ، يكشف عن إيجاب المقدّمة شرعاً كإيجاب ذيها، فهناك وجوبان شرعيان مختلفان تعلق أحدهما بذي المقدّمة والثاني بالمقدّمة، وأحد الوجوبين لفظي، و الآخر مُستَكشَف عن طريق العقل.

ومبنى القول (وجوب المقدّمة و عدم وجوبها) وجود الملازمة بين الوجوبين


(75)

أو بين الإرادتين و عدمه، فمن قال بأنّ البعث إلى شيء يلازم البعث إلى مقدّمته و إن لم يصرح الباعث بالثاني، فقد قال بوجوب المقدّمة شرعاً.

و من أنكر هذه الملازمة و أنّه لا ملازمة بين طلب الشيء وإيجابه، وبين إيجاب مقدّمته، فقد أنكر وجوب المقدّمة.

و لو قلنا بوجود الملازمة وبالتالي بوجوب المقدّمة، يكون الفرق بين الوجوبين أنّ أحدهما نفسي و الآخر غيري، مطلوب لغيره.

الأمر الثاني: تقسيمات المقدّمة

للمقدّمة تقسيمات مختلفة:

الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية.

المقدّمة الداخلية: و هي جزء الواجب المركب، أو كلّ ما يتوقف عليها الواجب وليس لها وجود مستقل خارج عن وجود الواجب كالصلاة فانّ كلّ جزء منها مقدّمة داخليّة باعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه، فكلّ جزء في نفسه مقدّمة لوجود المركّب، و إنّما سمّيت داخلية لأنّ الجزء داخل في قوام المركّب، فالحمد أو الركوع بالنسبة إلى الصلاة مقدّمة داخلية.

المقدّمة الخارجية: وهي كلّ ما يتوقف عليه الواجب و له وجود مستقل خارج عن وجود الواجب، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية

المقدّمة العقلية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عقلاً، كتوقف الحج على قطع المسافة.

المقدّمة الشرعية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه شرعاً، كتوقّف الصلاة على الطهارة.


(76)

المقدّمة العادية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عادة، كتوقّف الصعود إلى السطح على نصب السلَّم.

الأمرالثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحّة و الوجوب و العلم

والملاك في هذا التقسيم غير الملاك في التقسيمين الماضيين، فانّ الملاك في التقسيم الأوّل هو تقسيم المقدّمة بلحاظ نفسها و في الثاني تقسيمها بلحاظ حاكمها و هو إمّا العقل أو الشرع أو العادة و في التقسيم الثالث تقسيمها باعتبار ذيها كما سيوافيك.

مقدّمة الوجود: هي ما توقف وجود ذيها عليها كتوقف المسبب على سببه.

مقدّمة الصحّة: هي ما تتوقف صحّة ذي المقدّمة عليها كتوقف صحّة العقد الفضولي على إجازة المالك.

مقدّمة الوجوب: هي ما يتوقف وجوب ذيها عليها كتوقف وجوب الحجّ على الاستطاعة.

مقدّمة العلم: هي ما يتوقّف العلم بتحقّق ذيها عليها، كتوقّف العلم بالصلاة إلى القبلة، على الصلاة إلى الجهات الأربع.

والنزاع في وجوب المقدّمة و عدمه إنّما هو في القسمين الأوّلين أي مقدّمة الوجود و الصحّة، و أمّا مقدّمة الوجوب فهو خارج عن محطّ النزاع، لأنّها لولا المقدّمة لما وصف الواجب بالوجوب، فكيف تجب المقدّمة بالوجوب الناشئ من قبل الواجب، المشروط وجوبه بها؟

و إن شئت قلت: إنّ الغاية من إيجاب المقدّمة هو البعث إلى تحصيلها و إيجادها، هذا من جانب ومن جانب آخر، لا يوصف ذو المقدّمة بالوجوب إلاّ بعد حصول مقدّمته الوجوبية و تحقّقها في الخارج و معه (أي مع حصول المقدّمة الوجوبية) لا حاجة للبعث إلى تحصيل المقدّمة، لأنّها تحصيل للحاصل.


(77)

وأمّا المقدّمة العلمية فلا شكّ في خروجها عن محطّ النزاع، فإنّها واجبة عقلاً لا غير، ولو ورد في الشرع الأمر بالصلاة إلى الجهات الأربع، فهو إرشاد إلى حكم العقل .

الأمرالرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمُعدّ والمانع

وملاك هذا التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير كلّ في ذيها، و الجميع داخل تحت المقدّمة الوجودية غير أنّ تأثير كلّ يغاير نحو تأثير الآخر، و إليك تعاريفها.

السبب: ما يكون منه وجود المسبب و يتوقّف وجوده عليه، و هذا ما يطلق عليه المقتضي، و ربما يعرف بأنّه ما يلزم من وجوده وجود المسبب و من عدمه عدمه، و لكن التعريف الثاني يلازم العلة التامة مع أنّ السبب جزء العلة، فالتعريف الأوّل هو الأصحّ. وعلى أية حال فالدلوك سبب لوجوب الصلاة، وشغل ذمة المكلّف بها لقوله سبحانه:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل)(الإسراء/ 78).

الشرط: ما يكون مصححاً إمّا لفاعلية الفاعل، أو لقابلية القابل، و هذا كمجاورة النار للقطن، أو كجفاف الحطب شرط احتراقه بالنار.ومثاله الشرعي كون الطهارة شرطاً لصحّة الصلاة، والاستطاعة المالية شرطاً لوجوب الحج.

المُعِدّ: ما يقرّب المعلول إلى العلّة كارتقاء السلّم، فإنّ الصعود إلى كلّ درجة، معدّللصعود إلى الدرجة الأُخرى.

المانع: ما يكون وجوده مانعاً عن تأثير المقتضي، كالقتل حيث جعله الشارع مانعاً من الميراث، والحدث مانعاً من صحّة الصلاة.

وربّما يقال: المانع ما يعتبر عدمه في تأثير المقتضي، والأولى أن يقال: ما يكون وجوده مضاداً و مزاحماً للمعلول، فربما عُبر عن هذه المضادة بأنّ عدمه شرط وهو لا يخلو عن مسامحة.


(78)

الأمرالخامس: تقسيمها إلى مفوِّتة و غير مفوِّتة

المقدّمة المفوّتة: عبارة عن المقدّمة التي يحكم العقل بوجوب الإتيان بها قبل وجوب ذيها على وجه لو لم يأت بها قبله لما تمكّن من الإتيان بالواجب في وقته، كقطع المسافة للحجّ قبل حلول أيّامه بناء على تأخر وجوب الحجّ إلى أن يحين وقته، فبما أنّ ترك قطع المسافة في وقته يوجب فوت الواجب، يعبّر عنه بالمقدّمة المفوّتة.

ومثله الاغتسال عن الجنابة للصوم قبل الفجر، فإنّ الصوم يجب بطلوع الفجر، و لكن يلزم الإتيان بالغسل قبله و إلاّ لفسد الصوم، و يكون تركه مفوِّتاً للواجب.(1)

الأمرالسادس: تقسيمها إلى مقدّمة عبادية وغيرها

إنّ الغالب على المقدّمة هي كونها أمراً غير عبادي، كتطهير الثوب للصلاة، و قطع المسافة إلى الحجّ و ربما تكون عبادة،و مقدّمة لعبادة أُخرى بحيث لا تقع


1 . وهناك سؤال: وهو انّه إذا كان وجوبُ المقدّمة ـ على القول بوجوبها ـ مترشحاً من وجوب ذيها، فكيف يمكن القول بوجوب المقدّمة المفوّتة في ظرفها مع عدم وجوب ذيها؟ و هذا كالمثالين السابقين فإنّ لازم وجوب المقدّمة هناك هو تقدّم وجوبها على وجوب ذيها حيث يجب قطع المسافة قبل حلول أيّام الحجّ مع عدم وجوب الحجّ قبل أيّامه، و مثله الاغتسال قبل الفجر.
والجواب بوجهين:
الوجه الأوّل: انّ وجوب المقدّمة المفوّتة عقلي محض لا شرعي مترشح من وجوب ذيها، فإنّ العقل يحكم بأنّه لو ترك الإتيان بالمقدّمة في ظرفها لما تمكّن من الواجب في وقته، فيعاقب على ترك الواجب في ظرفه لأجل ترك المقدّمة.
الوجه الثاني: انّ الوجوب شرعي و لكن وجوب المقدّمة وجوب تبعي لا ترشحي، فليس وجوبها مترشحاً من وجوب ذيها حتى يطلب لنفسه تقدّمَ وجوب ذيها، بل هو تبعيّ لوجوب أمر آخر في ظرفه الآتي، و يكفي في هذا علم المولى بحدوث الوجوب الآخر في ظرفه ولا يلزم وجود المتبوع حين الحكم بوجوبها. فتُطلب المقدّمة قبل طلب ذيها.


(79)

مقدّمة إلاّإذا وقعت على وجه عبادي، و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث ـ الوضوء و الغسل والتيمم ـ فالأمر المقدّمي (وجوب المقدّمة) إنّما يتعلّق بها بما هي عبادة فلابدّ أن تكون عبادة قبل تعلّق الأمر الغيري بها فلا محيص من أن تكون عباديتها معلولة لشيء وراء الأمر الغيري بها، ولا مانع من القول بأنّها عبادات في نفسها، او إذا أُتي بها لغاية من الغايات، كقراءة القرآن و مسّه وغيرهما، و عند ذاك تقع موضوعاً للأمر الغيري، و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ الوضوء مستحب استحباباً نفسياً، واجب وجوباً غيريّاً و هكذا الغسل والتيمم.

الأمر السابع: تقسيم الشرط إلى شرط التكليف و الوضع و المأموربه

قد عرفت أنّ من المقدّمات هو الشرط، و لكن الشرط على أقسام:

أ. شرط للتكليف، كالأُمور العامة مثل العقل والبلوغ والقدرة.

ب. شرط الوضع أي ما هو شرط الصحّة، كالإجازة في بيع الفضولي إذ لولاها لما وصف العقد الصادر من الفضولي بالصحّة.

ج. شرط المأمور به كالطهارة من الحدث والخبث.

الأقوال فيما هو الواجب من المقدّمة

لو قلنا بوجوب المقدّمة، فقد اختلفوا فيما هو الواجب إلى أقوال:

1. القول بوجوبها مطلقاً و هو المشهور.

2. التفصيل بين السبب فلا يجب، و بين غيره كالشرط و عدم المانع و المعدّ فيجب.

3. عكس القول الثاني: يجب السبب دون غيره.

4. التفصيل بين الشرط الشرعي كالوضوء فلا يجب بالوجوب الغيري باعتبار انّه واجب بالوجوب النفسي لأنّ التقيد ـ كون الصلاة عن وضوءـ جزء


(80)

الواجب، و بين غيره فيجب بالوجوب الغيري.

5. عكس القول الرابع.

6. التفصيل بين المقدّمة الموصلة أي التي يترتب عليها الواجب بالوجوب النفسي في نفس الأمر فتجب، و المقدّمة غير الموصلة فلا تجب، وهو مختار صاحب الفصول.

فلو توقف نجاة نفس محترمة على التصرف في المغصوب، فلا يجب من باب المقدّمة إلاّ الدخول الذي يترتب عليه النتيجة، و هو إنقاذ النفس المحترمة.

7. التفصيل بين ما قصد به التوصل من المقدّمات فيقع على وصف الوجوب، و بين ما لم يقصد به ذلك فلا يقع واجباً. و هو مختار الشيخ الأنصاري. فلو دخل في المثال السالف الذكر لا لغاية إنقاذ النفس المحترمة، بل للتنزّه، فلا يتصف بالوجوب و إن انتهى في آخر المطاف إلى إنقاذه، كما إذا عدل عن رأيه و حاول إنقاذه .

هذه هي الأقوال المعروفة و هناك أقوال أُخرى قد ذكرت في المطولات. وكلّها مبنية على قبول الأصل و هو وجوب المقدّمة.

والمختار عندنا : عدم وجوب المقدّمة أساساً، فتصبح الأقوال المتقدّمة كالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّها على فرض وجوبها، و إليك بيان المختار.

وجوب المقدّمة بين اللغوية و عدم الحاجة

إنّ الغرض من الإيجاب هو جعل الداعي في ضمير المكلّف للانبعاث نحو الفعل، و الأمر المقدّمي فاقد لتلك الغاية، فهو إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه.

أمّا الأوّل، فهو فيما إذا لم يكن الأمر بذي المقدّمة باعثاً نحو المطلوب النفسي، فعند ذلك يكون الأمر بالمقدّمة أمراً لغواً لعدم الفائدة بالإتيان بها.


(81)

وأمّا الثاني، فهو فيما إذا كان الأمر بذيها باعثاً للمكلّف نحو المطلوب، فيكفي في بعث المكلّف نحو المقدّمة أيضاً، و يكون الأمر بالمقدّمة أمراً غير محتاج إليه.

والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين عدم الباعثية إذا لم يكن المكلّف بصدد الإتيان بذيها، وعدم الحاجة إليه إذا كان بصدد الإتيان بذيها، و إذا كان الحال كذلك فتشريع مثله قبيح لا يصدر عن الحكيم.

إذا تبيّن ذلك فلا حاجة في إفاضة القول في تحليل الأقوال السابقة المبنيّة على وجوب المقدّمة الذي تبيّن خلافه، و مع ذلك نشير إلى أهمّ تلك الأقوال و هي ثلاثة:

1. القول بوجوب المقدّمة مطلقاً.

2. القول بوجوب المقدّمة الموصلة.

3. القول بوجوب المقدّمة بقصد التوصل.

1. القول بوجوب المقدّمة مطلقاًً

لقد استدل على وجوب المقدّمة مطلقاً بوجوه أمتنها ما ذكره المحقّق الخراساني قائلاً بأنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاًله مقدّمات، أراد تلك المقدّمات، و لو التفت إليها ربما يجعلها في قالب الطلب مثله، و يقول أدخل السوق و اشتر اللحم.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لوجب أن يكون هناك بعثان مولويان تعلّق أحدهما بالمقدّمة، و الآخر بذيها، و الحال انّ الوجدان يشهد على خلافه و انّه ليس في المورد إلاّ بعث واحد، و لو صدر الأمر بالمقدّمة، فهو إمّا إرشاد إلى المقدّمية كما إذا لم يعرف المخاطب ما هي المقدّمة للمطلوب، أو تأكيد لأمر ذيها.


(82)

2. القول بوجوب المقدّمة الموصلة

استدل صاحب الفصول على هذا القول بوجوه أمتنها هو ما يلي:

إنّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل، و لا يرى العقل إلاّ الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب ما يقع في طريق حصوله و سلسلة وجوده، و فيما سوى ذلك لا يدرك العقل أية ملازمة بينهما.

وأجاب عنه المحقق الخراساني بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب لثبوت مناط الوجوب في مطلقها و عدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها.

وحاصل كلامهما: أنّ صاحب الفصول يدّعي انّ ملاك وجوب المقدّمة هو الوصول إلى ذيها، فيختص الوجوب بالموصلة منها; و يدّعى المحقّق الخراساني انّ ملاك وجوبها هو رفع الإحالة و إيجاد التمكن، و هو موجود في جميعها.

والحقّ مع صاحب الفصول ـ على فرض وجوب المقدّمة ـ لأنّ الغاية تُحدِّد حكم العقل و تضيِّقه، و ذلك لأنّ التمكّن من ذي المقدّمة و إن كان غاية لوجوبها لكنّها ليست تمامها، و الغاية التامة هي كون المقدّمة الممكِّنة موصلة لما هو المطلوب، و إلاّفلو لم تكن موصلة لما أمر بها، لأنّ المفروض انّ المقدّمة ليست مطلوبة و إنّما تطلب لأجل ذيها.

وإن شئت قلت: إنّ المطلوب الذاتي هو التوصل خارجاً، دون التوقف و رفع الإحالة، فلو فرض إمكان التفكيك بينهما، لكان الملاك هو التوصل خارجاً دون التوقّف.

و بما أنّ المقدّمة في متن الواقع على قسمين يتعلّق الوجوب بالقسم الموصل في الواقع و نفس الأمر دون غيره.


(83)

3. القول بوجوب المقدّمة بقصد التوصّل

إنّ قصد التوصّل معروض للوجوب، و إنّ الواجب هو خصوص ما أُوتي به بقصد التوصّل.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ ملاك الوجوب هو التوقّف، و به ترتفع الاستحالة، ولا معنى لأخذ مالا دخالة له في معروض الوجوب.

إلى هنا تمّ تحليل الأقوال حول وجوب المقدّمة، و قد عرفت أنّ الحقّ عدم وجوبها، فلا تصل النوبة إلى هذه التفاصيل.

تطبيقات

1. إنّه على القول بالملازمة بين الوجوبين يترتّب عليها وجوب المقدّمة في الواجبات وحرمتها في المحرمات، و بذلك تكون المسألة (وجوب المقدّمة) من المسائل الأُصولية لوقوعها كبرى لاستنباط حكم شرعي.

2. إذا تعلّق النذر بالواجب، فلو قلنا بوجوب المقدّمة يكفي في الامتثال الإتيان بكلّ واجب غيري، و إلاّفلابدّ من الإتيان بواجب نفسي.

3. إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات، ثمّ انصرف الآمر، فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء أمر بمقدّمته يصير الآمر ضامناً لها، فيجب عليه دفع أُجرة المقدّمات و إن انقطع العمل.

4. لو قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً، يحرم أخذ الأُجرة عليها، كما إذا أخذ الأُجرة على تطهير الثوب الذي يريد الصلاة فيه، لما تقرّر في محله من عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات.

5. لو كان لواجب واحد مقدّمات كثيرة، كالحجّ من أخذ جواز السفر، و تذكرة الطائرة، يحصل الفسق بترك هذين الأمرين على وجه لا يمكن تداركهما،


(84)

لصدق الإصرار على الصغيرة إذا كانت مخالفة الأمر المقدّمي معصية صغيرة، ولا يتوقف حصول الفسق على ترك ذيها.

6. إذا كانت المقدّمة أمراً عبادياً، كالطهارات الثلاث، فلو قلنا بأنّ قصد الأمر الغيري يكفي في كون الشيء عبادة، فعلى القول بوجوب المقدّمة يكفي قصد الأمر الغيري.

نعم في بعض هذه التطبيقات نظر ذكرناها في محلّها.

إكمال: في حكم مقدّمة المستحب و المكروه و الحرام

لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب لزم القول باستحباب مقدّمة المستحب، و ذلك لوحدة البرهان، فإنّ الملاك في وجوب المقدّمة، إمّا كونها دخيلة في تحقّق الواجب، أو موصلة إليه، فيكون الحال في مقدّمة المستحب كذلك.

إنّما الكلام في مقدّمة الحرام و المكروه، فهل المحرم و المكروه هو الجزء الأخير الذي يكون تحقّق الحرام و المكروه معه أمراً محققاً؟ أو جميع أجزاء المقدّمة من السبب و الشرط و المعد؟ وجهان، و إن كان القول بحرمة الجميع أو كراهته أوجه لوحدة البرهان في الجميع دون خصوص الجزء الأخير من دون فرق بين القول بوجوب مطلق المقدّمة، أو خصوص الموصلة منها، غاية الأمر يتوقّف وصف الجميع بالوجوب على ترتّب ذيها عليه.


(85)

الفصل الخامس

في تقسيمات الواجب

للواجب تقسيمات مختلفة نشير إليها إجمالاً، ثمّ نأخذ بالبحث عنها تفصيلاً:

1. تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط.

2. تقسيم الواجب إلى منجَّز و مُعلَّق.

3. تقسيم الواجب إلى موسَّع ومضيّق.

4.تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي.

5. تقسيم الواجب إلى نفسيّ و غيريّ.

6. تقسيم الواجب إلى عينيّ و كفائيّ.

7. تقسيم الواجب إلى تعييني و تخييري.

8. تقسيمه إلى التعبديّ والتوصلّي

و إليك البحث عنها واحداً بعد الآخر:

***

1. تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط

إذا قيس وجوب الواجب إلى شيء آخر خارج عنه، فهو لا يخرج عن أحد


(86)

نحوين:

إمّا أن يكون وجوب الواجب غير متوقّف على تحقّق ذلك الشيء، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى قطع المسافة، فالحجّ واجب سواء قطع المسافة أو لا، غاية الأمر انّه إذا لم يقطع المسافة يكون عاصياً بترك الواجب لأجل ترك مقدّمته، فوجوبه غير متوقّف على وجوده. نعم وجود الحجّ و إيجاده في الخارج يتوقّف على قطع المسافة.

و من هذا القبيل نسبة وجوب الصلاة إلى الوضوء و الغسل وغيرهما، فإنّ وجوبها غير متوقّف على وجود هذه الأُمور، فسواء تطهر أو لم يتطهر فالصلاة واجبة عليه، لكن وجودها متوقّف على وجود تلك الشروط، توقّفَ المقيّد (الصلاة متطهراً) على وجود القيد.

وإمّا أن يكون وجوبه متوقّفاً على تحقّق ذلك الشيء، بمعنى انّه لولا حصوله لما تعلّق الوجوب بالواجب، كالاستطاعة الشرعيّة(1) بالنسبة إلى الحجّ، فلولاها لما تعلّق الوجوب بالحجّ.

و من هنا يعلم انّه يمكن أن يكون وجوب الواجب بالنسبة إلى شرط واجباً مطلقاً، و بالنسبة إلى شرط آخر واجباً مشروطاً كوجوب الصلاة، بل عامة التكاليف بالنسبة إلى البلوغ والقدرة و العقل، فإنّ الصبي والعاجز و المجنون غير مكلّفين بشيء و قد رفع عنهم القلم، فوجوب الصلاة مشروط بالنسبة إلى هذه الأُمور الثلاثة، و لكنّه في الوقت نفسه غير مشروط بالنسبة إلى الطهارة الحدثية و الخبثية، فالصلاة واجبة سواء كان المكلّف متطهراً أم لا، غير انّه يجب على المكلَّف تحصيل الطهارة كسائر الأجزاء والشرائط.

وبذلك يظهر أنّ الإطلاق والاشتراط من الأُمور النسبية، فقد يكون الوجوب بالنسبة إلى شيء مطلقاً و إلى شيء آخر مشروطاً.


1 . خرجت الاستطاعة العقلية كالحج متسكّعاً فلا يجب معها الحجّ.


(87)

سؤال: هل الوجوب قبل حصول الشرط فعلي أو لا؟

الجواب: انّه ليس بفعليّ و ليس هنا أيّ بعث أو طلب فعلي بل البعث إنشائي بمعنى انّه لو استطاع لوجب عليه الحجّ.

و عندئذ يطرح السؤال التالي: إذا كان وجوب الواجب مشروطاً بالنسبة إلى شيء فما فائدة إنشاء الوجوب قبل تحقّقه؟

الجواب: انّه يكفي في وجود الفائدة صيرورة الوجوب فعلياً بعد حصول الشرط بلا حاجة إلى خطاب آخر، و ربما لا يكون بمقدور المولى إصدار الخطاب إليه بعد حصول الشرط.

ويمكن الجواب بنحو آخر، و هو انّ السؤال (ما فائدة هذا الحكم الإنشائي) إنّما يتوجّه إلى الخطابات الشخصية، و أمّا الخطابات القانونية العامة، كما هو الحال في الكتاب والسنة فلا تلزم فيها اللغوية، لأنّ المكلّفين بين واجد للشرط و فاقد له، فالخطابات فعلية في حقّ الواجدين للشرط، و إنشائية في حقّ الفاقدين له، و كفى هذا في مصونية الخطاب عن اللغوية.

الفرق بين تقييد الهيئة و المادة

تنقسم القيود إلى قسمين:

قسم يكون القيد راجعاً إلى مفاد الهيئة و يكون الوجوب مشروطاً به، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، وكالأُمور العامة بالإضافة إلى التكاليف.

و قسم يكون القيد راجعاً إلى مادة الأمر، أي ما تعلّق به الوجوب، كالصلاة في مورد الطهارة من الحدث و الخبث، فقول القائل: صلّ متطهراً يرجع إلى قوله: يجب الصلاة مع الطهارة.

والثمرة بين القيدين واضحة، فإنّ قيد الهيئة لا يجب تحصيله، لأنّ الشارع فرض الحج عند حصول الاستطاعة، بخلاف الآخر، فإنّه يجب تحصيله، لأنّه فرض


(88)

الصلاة مطلقاً، غير أنّها لا تصحّ إلاّ بالطهارة. فالحكم في القسم الأوّل مقيد، بخلافه في الثاني فانّه مطلق.

فلو تبيّن بحكم التبادر أو الفهم العرفي أنّ القيد راجع إلى أحد القسمين فهو المتَّبع، وأمّا إذا دار أمره بينهما كان الكلام مجملاً ساقطاً عن الحجية فيكون المرجع حينئذ هو الأصل العملي، للضابطة المحرّرة في محلّها، و هي انّه إذا لم يكن في المسألة دليل اجتهادي، فالمرجع هو الأُصول العملية الأربعة.

و بما أنّ نتيجة الشكّ في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة هو وجوب تحصيل القيد على المعنى الثاني دونه على المعنى الأوّل يكون المقام من قبيل الشكّ في التكليف، و هو مجرى البراءة ـ كما سيأتي في محلّه ـ .

2. تقسيم الواجب إلى منجَّز و معلّق

إنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه ينقلب (1) إلى واجب مطلق، كدخول الوقت بالنسبة إلى الصلاة، و هذا النوع من الواجب ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: أن يكون زمان فعلية الوجوب مقارناً لزمان فعلية الواجب.

و بعبارة أُخرى، أن يكون زمان الوجوب والواجب فعليين، كالصلاة عند دخول الوقت، فإنّ زمان الواجب (الصلاة) هو نفس زمان الوجوب، فهو الواجب المنجّز.

الثاني: أن لا يكون زمان فعلية الوجوب مقارناً لزمان فعلية الواجب، بأن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، و ذلك كالحج بعد الاستطاعة، و قبل حضور الموسم، فإذا حصلت صار الوجوب فعلياً مع أنّ الواجب ليس بفعلي، لأنّ فعلية الواجب معلّقة على حضور الموسم، فالوجوب فعلي و الواجب


1 . أي الحكم الجزئي في مورد المكلّف الخاص، و أمّا الحكم الكلّي فهو باق على كونه مشروطاً. فلاتغفل.


(89)

استقبالي فهو الواجب المعلّق . و بذلك ظهر أنّ المنجّز والمعلّق قسمان من أقسام الواجب المطلق الذي كان مشروطاً(1) و صار بعد حصول شرطه مطلقاً، و هو بين منجّز يكون الوجوب والواجب فعليين، و معلَّق يكون الوجوب فعلياً، و الواجب استقباليّاً.

ما هو الداعي وراء هذا التقسيم

المشهور أنّ فعلية وجوب المقدّمة تتبع فعلية وجوب ذيها، و مع ذلك فقد وقعت في الشريعة الإسلامية موارد توهم خلاف ذلك بمعنى فعلية وجوب المقدّمة دون فعلية وجوب ذيها، و هذا يستلزم انخرام القاعدة العقلية من امتناع تقدم المعلول ـ وجوب المقدّمة ـ ، على العلة ـ وجوب ذيها ـ و إليك تلك الموارد:

1. وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.

2. وجوب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر.

3. وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية قبل وقت الحج، مع عدم فعلية وجوبه إلاّ في الموسم.(2)

4. وجوب تعلّم الأحكام للبالغ، قبل مجيئ وقت الوجوب إذا ترتّب على تركه فوت الواجب في ظرفه.

5. وجوب تعلّم الأحكام على الصبي إذا علم عدم تمكّنه منه بعد بلوغه.

كلّ ذلك يستلزم تقدّم وجوب المقدّمة و فعليتها على وجوب ذيها، و لأجل


1 . نعم ربما يستعمل المنجّز في الأوسع من هذا المعنى، كما إذا كان مطلقاً من أوّل الأمر، لكنّه خارج عن مصطلح صاحب الفصول الذي ينسب إليه هذا التقسيم فلاحظ.
2 . ما ذكر من المثال إنّما يتمّ لو قلنا بفعلية وجوب الحجّ عند حصول الاستطاعة سواء حلّ الموسم أو لا، وأمّا لو قلنا بأنّوجوبه مشروط بحلول الموسم فلايتم هذا المثال.


(90)

ذلك اختار كلّ مهرباً.

فقد تفصّى صاحب الفصول عن هذه الإشكالات بهذا التقسيم، وقال بأنّ هذه الموارد و أمثالها من قبيل الواجب المعلّق أي الوجوب فعلي و الواجب استقبالي، و إن شئت قلت: بأنّ زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، فلم ينفك فعلية وجوب المقدّمة عن فعلية وجوب ذيها بل هما متقارنان .

و قد عرفت أنّ هناك مخلصاً آخر أشرنا إليه فيما سبق.(1)

3. تقسيم الواجب إلى موسّع و مضيّق

ينقسم الواجب إلى مؤقّت وغير مؤقّت.

فالواجب غير المؤقت: مالا يكون للزمان فيه مدخلية و إن كان الفعل لا يخلو عن زمان (2) ، كإكرام العالم و إطعام الفقير.

ثمّ إنّ غير المؤقت ينقسم بدوره إلى فوري: و هو ما لا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كإزالة النجاسة عن المسجد، و ردّالسّلام ، والأمر بالمعروف.

وغير فوري: وهو ما يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كقضاء الصلاة الفائتة، وأداء الزكاة، والخمس.

هذا كلّه في الواجب غير المؤقّت.

وأمّا الواجب المؤقّت فهو: ما يكون للزمان فيه مدخلية، و له أقسام ثلاثة:

أ. أن يكون زمان الوجوب مساوياً لزمان الواجب، كالصوم، و هو المسمّى


1 . حاصله أنّوجوب المقدّمة ليس مترشحاً من وجوب ذيها بل تابعٌ لوجوب ذيها، فلا مانع من تقدّم وجوب المقدّمة على ذيها، و إنّما يلزم انخرام القاعدة العقلية إذا قلنا بالأوّل دون الثاني.لاحظ التعليقة/82.
2 . و كم فرق بين عدم انفكاك الفعل عن الزمان، و مدخليته في الموضوع كسائر الأجزاء، وغير المؤقت من قبيل القسم الأوّل دون الثاني.


(91)

بالمضيّق.

ب. أن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، كالصلوات اليومية، و يعبّر عنه بالموسّع.

ج. أن يكون زمان الوجوب أضيق من زمان الواجب، و هو مجرّد تصور، ولكنّه محال لاستلزامه التكليف بمالا يطاق.

تتمة

هل القضاء تابع للأداء؟

إذا فات الواجب المؤقت في ظرفه من دون فرق بين كونه مضيّقاً أو موسّعاً، فهل يجب الإتيان به خارج وقته أو لا؟

فعلى القول الأوّل، يقال: القضاء تابع للأداء، و على الثاني يقال: القضاء بأمر جديد ويختص محلّ النزاع فيما إذا لم يكن هناك دليل يدلّ على أحد الطرفين، مثلاً:

إذا كان في دليل الواجب إطلاق يدل على وجوبه خارج الوقت أيضاً بمعنيانّ للآمر مطلوبين: 1ـ أصل العمل داخل الوقت أو خارجه، 2ـ العمل في الوقت المحدّد، فإذا فات الثاني بقى مطلوبية الأوّل على حاله، كما هو الحال في الفرائض اليومية ـ حسب الدليل الخارجي ـ ، فلا شكّ حينئذ انّ القضاء تابع للأداء.

أو كان في دليل التوقيت إشارة إلى كون الوقت ركناً و أنّه يسقط وجوب الفعل بفقدان ركنه، فلا شكّ أنّ القضاء هناك بأمر جديد.

إنّما الكلام فيما إذا لم يكن دليل على أحد الطرفين ـ أي تعدّد المطلوب أو ركنية الزمان ـ فمقتضى القاعدة سقوط الأمر المؤقّت بانقضاء وقته و عدم وجوب


(92)

الإتيان به خارج الوقت لأنّه من قبيل الشكّ في التكليف الزائد والأصل البراءة.

4. تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي

إذا كان الوجوب مفاد خطاب مستقل و مدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي سواء كان نفسياً كما في قوله سبحانه:(وَ أَقِيمُوا الصَّلاة وَ آتُوا الزَّكاة)(النور/56) أو غيرياً كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6).

وأمّا إذا كان بيان وجوب الشيء من توابع ما قصدت إفادته، كما إذا قال: اشتر اللحم، الدال ضمناً على وجوب المشي إلى السوق، فالواجب تبعي لم يسق الكلام إلى بيانه إلاّ تبعاً.

هذه هي بعض التقسيمات الواردة في صدر الفصل، وأمّا التقسيمات الأُخرى التي ذكرناها بعناوينها فنحن في غنى عن إفاضة القول فيها لما بيّناه من مفاهيمها عند البحث عن إطلاق صيغة افعل.(1)


1 . تقدّم البحث ـ إذا دار الأمر بين النفسي و الغيري، و العيني و الكفائي، و التعييني و التخييري والتعبدي التوصليـ: ص60 ـ 63 .


(93)

الفصل السادس

اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه

اختلف الأُصوليون في أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ على أقوال، و قبل الخوض في الموضوع نقدّم تفسيراً الضدّ.

ما هو المراد من الضد؟

قسّم الأُصوليون الضدّ إلى ضدّ عام و ضدّ خاص.

والضدّ العام: هو ترك المأمور به.

والضد الخاص: هومطلق المعاند الوجودي.

وعلى هذا تنحلُّ المسألة في عنوان البحث إلى مسألتين موضوع إحديهما الضدّ العام، و موضوع الأُخرى الضدّ الخاص.

فيقال في تحديد المسألة الأُولى: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أو لا؟ مثلاً إذا قال المولى: صلّ صلاة الظهر، فهل هو نهى عن تركها؟ كأن يقول:«لاتترك الصلاة» فترك الصلاة ضدّ عام للصلاة بمعنى انّه نقيض له والأمر بها نهي عن تركها.(1)


1 . كما انّ ترك الصلاة ضدّ عام لها ، كذلك الصلاة أيضاً ضد عام لتركها; وعلى هذا فالضد العام هو النقيض، ونقيض كلّ شيء إمّا رفعه أومرفوعه، فترك الصلاة رفع و الصلاة مرفوع وكلّ، نقيض للآخر و ضدّ عام له. فليكن هذا ببالك يفيدك فيما يأتي.


(94)

كما يقال في تحديد المسألة الثانية: إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أو لا؟ فإذا قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد، فهل هي لأجل كونها واجباً فوريّاً بمنزلة النهي عن كلّ فعل وجودي يعاندها، كالصلاة في المسجد؟ فكأنّه قال: أزل النجاسة ولا تصلّ في المسجد عند الابتلاء بالإزالة.

نعم على كلا القولين (الاقتضاء و عدمه) فالصلاة غير مأموربها لسقوط أمرها بالابتلاء بالأمر الأهم المضيّق.

فلنرجع إلى البحث في المسألة الأُولى، فنقول:

المسألة الأولى : الضدّ العام

إنّ للقائلين باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن الضدّ العام أقوالاً:

الأوّل: الاقتضاء على نحو العينية و انّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام، فيدلّ الأمر عليه حينئذ بالدلالة المطابقية، فسواء قلت : صلّ أو قلت: لا تترك الصلاة، فهما بمعنى واحد.

الثاني: الاقتضاء على نحو الجزئية و انّ النهي عن الترك جزء المدلول للأمر بالشيء، لأنّ الوجوب الذي هو مدلول مطابقي للأمر ينحلُّ إلى طلب الشيء والمنع من الترك، فيكون المنع من الترك الذي هو نفس النهي عن الضدّ العام، جزءاً تحليلياً للوجوب.

الثالث: الاقتضاء على نحو الدلالة الالتزامية، فالأمر بالشيء يلازم النهي عن الضدّ عقلاً.

والحقّ عدم الدلالة مطلقاً و ذلك:

أمّا القول بالعينية، فلما عرفت من انّ مفاد هيئة الأمر هو بعث المكلف إلى المأمور به و النهي هو الزجر عن المنهي عنه، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟!


(95)

وأمّا القول بالجزئية فهو مبني على كون مفاد هيئة الأمر هو الوجوب المنحلّ إلى طلب الفعل مع المنع من الترك، و قد عرفت أنّ مفاده هو البعث إلى المأمور به، وأمّا الوجوب فهو حكم عقلي بمعنى انّ بعث المولى لا يترك بلا عذر قاطع ولا صلة للوجوب بمدلول الأمر.

وأمّا القول بالدلالة الالتزامية، فهو يتصوّر على نحوين:

الأوّل: الدلالة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

الثاني: الدلالة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون نفس تصور الأطراف (الأمر بالشيء والنهي عن الضدّ العام و النسبة) كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل، فواضح الانتفاء إذ كثيراً ما يأمر الآمر و هو غافل عن الترك فضلاً عن النهي عنه.

وأمّا الثاني، فهو و إن كان بمكان من الإمكان ، لكن النهي عن الضد العام ـ على فرض صحّته ـ يكون نهياً مولويّاً، و من المعلوم عدم الحاجة إلي ذلك النهي لأنّ الأمر بالصلاة إمّا باعث للعبد نحو المأمور به أو لا، وعلى كلا التقديرين لا ملاك ولا موضوع لهذا النهي المولوي فيلزم اللغوية .

المسألة الثانية: الضد الخاص

قد عرفت أنَّ المراد من الضدّ الخاصّ هو الفعل الوجودي المعاند للواجب كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة، ومصبُّ البحث فيما إذا كان أحد الواجبين فورياً كالإزالة والآخر موّسعاً كالصلاة، وعند التزاحم يسقط أمر الواجب الموسع لكون المضيّق أهم، فيقع البحث في أنّ الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد هل يستلزم ـ وراء سقوط أمر الضد الخاص ـ النهيَ عنه أو لا ؟


(96)

وقد استدل القائلون بالملازمة بمسلكين:

الأوّل:مسلك الملازمة:

والاستدلال مبني على مقدّمات ثلاث:

أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة على القول به في البحث السابق.

ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله في الحكم أي منهيّاً عنه فينتج أنّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده العام، و أنّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.

ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً بحكم المتلازم الآخر بأن يكون ترك الإزالة حراماً ولا يكون ملازمه أعني الصلاة حراماً، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً على القول بجوازه، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً والصلاة واجبة.

الثاني: مسلك المقدمية:

وهذا الدليل مبني أيضاً على مقدّمات ثلاث:

1. انّ ترك الضد الخاص كالصلاة مقدّمة للمأُمور به وهي الإزالة وأداء


(97)

الدين.

2. انّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3. انّ الأمر بالشيء ولو أمراً غيريّاً كما في «اترك الصلاة مقدمة للإزالة» يقتضي النهي عن ضده العام أي نقيضه و هي الصلاة، وقد قرّر في محله أنّ نقيض الفعل هو الترك ونقيض الترك هو الفعل.

فيستنتج حرمة الصلاة عند الأمر بالإزالة.

والمهم في هذا الاستدلال هي المقدّمة الأُولى، أي جعل ترك الضد الخاص مقدّمة لفعل الضد الآخر، كترك الصلاة مقدّمة لفعل الإزالة، فلو تمّت هذه المقدّمة فهو، وإلاّ فالقياس عقيم.

استدل على المقدّمة الأُولى بما حاصله:

إنّ توقّف الشيء كالإزالة على ترك ضده كالصلاة ليس إلاّ من باب المضادة والمعاندة بين وجود «الإزالة» و «الصلاة» و الممانعة بينهما، ومن الواضح أنّ عدم المانع (عدم الصلاة) من المقدّمات فيكون ترك الصلاة واجباً بحكم المقدّمة الأولى.

ثم تُضمُ إلى تلك المقدّمة، المقدّمتان الأخيرتان، فينتج مطلوب المستدلّ.

ونحن نناقش المقدّمة الأولى فيبطل القياس بلا حاجة إلى الكلام في المقدّمتين الأخيرتين.

فنقول: إنّ التمانع يراد منه تارة، التمانع في الوجود، وأُخرى التمانع في التأثير.

أمّا الأوّل: فالمقصود منه أنّ بين الشيئين تمانع وتزاحم فلا يجتمعان أبداً، وهذا كالبياض والسواد والإزالة والصلاة.

وأمّا الثاني: أعني التمانع في التأثير فيراد منه المانع من تأثير المقتضي، وهذه كالرطوبة في الحطب المانع من تأثير النار فيه.


(98)

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ المراد من قولهم عدم المانع من مقدّمات الواجب هو المانع بالمعنى الثاني أي المانع من تأثير المقتضي، فيقال إنّ عدم الرطوبة في المحلّ من أجزاء العلة التامة لاشتعال الحطب.

وأمّا التمانع بالمعنى الأوّل، فلا يعدّ عدم أحد الضدين مقدّمة للضد الآخر غاية الأمر بما أنّ بين الضدين (السواد والبياض) أو (الإزالة و الصلاة) كمال المنافرة، فيكون بين أحدهما وعدم الآخر كمال الملائمة، فالعينان لا تجتمعان لوجود التنافر بينهما وأمّا وجود أحدهما مع عدم الآخر فيجتمعان دون أن يكون عدم أحدهما مقدّمة لوجود الآخر.

وبذلك ظهر وجود المغالطة في البرهان، وهو أنّ المستدل خلط بين التمانع في الوجود والتمانع في التأثير، فضرب الجميع بسهم واحد.

شبهة الكعبي في نفي المباح

نقل الأُصوليون عن الكعبي (1) القول بانتفاء المباح قائلاً: بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح فيجب المباح بحكم كونه مقدّمة، وبما أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فتكون المباحات واجبة.

والجواب ما عرفت في تحليل الدليل السابق من أنّ بين الفعلين (الحرام والمباح) التضادّ في الوجود والمعاندة في التحقق، ولكن بين أحدهما وترك الآخر كمال الملائمة، فهما متقارنان ومتلائمان لا أنّ فعل المباح مقدّمة لترك الحرام.

وترك الحرام مستند إمّا إلى فقد المقتضى أو وجود المقتضي للضد الآخر وليس مستنداً إلى وجود الضد الآخر.

فمثلاً ترك السرقة مستند إلى فقد المقتضي، كعدم الرغبة إلى ارتكاب الحرام


1 . هو أبو القاسم البلخيّ الكعبيّ (273 ـ 317هـ) خرّيج مدرسة بغداد في الاعتزال.


(99)

لأجل الخوف من اللّه، أو وجود المقتضى للضدّ و هو الرغبة النفسية لتلاوة القرآن وليس ترك السرقة مستند إلى نفس التلاوة والأكل.

الثمرة الفقهية للمسألة:

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضد عبادة كالصلاة، وقلنا بتعلّق النهي بها بأحد المسلكين السابقين تقع فاسدة، لأنّ النهي يقتضي الفساد، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه.

ثم إنّ شيخنا بهاء الدين العاملي أنكر الثمرة، وقال: إنّ الصلاة باطلة سواء قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن ضده أم لم نقل.

أمّا على الصورة الأُولى فلأجل النهي، وأمّا على الصورة الثانية فلأجل سقوط الأمر بالصلاة، لأنّ الأمر بالشيء وإن لم يقتض النهي عن الضد و لكن يستلزم سقوط الأمر بالضدّ في ظـرف الأمر بالإزالة لئلاّ يلزم الأمر بالضدين في وقت واحد، فنفس عدم الأمر كاف في البطلان وان لم يتعلّق بها النهي.

فالمسألة فاقدة للثمرة على كل حال، لأنّ الصلاة باطلة إمّا لكونها محرّمة على القول بالاقتضاء، أو غير واجبة على القول بإنكاره، ومعنى عدم وجوبها، عدم تعلّق الأمر بها (1) .


1 . ثم إنّ المتأخرين من الأُصوليين المنكرين للاقتضاء حاولوا إثبات الأمر بالمهم في ظرف الأمر بالأهم عن طريق الترتب على وجه لا يلزم الأمر بالضدين في ظرف واحد، كأن يقول: «أزل النجاسة وإن عصيت فصلّ» وبالتالي ذهبوا إلى صحّة الصلاة إذا أتى بها في ظرف الابتلاء بالأهم، ويطلب هذا البحث ـ أي تعلّق الأمر بالضد على نحو الترتب ـ من الدراسات العليا.


(100)

الفصل السابع

متعلّق الأوامر

هل الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟ فنقول: المراد من الطبيعة: هو المفهوم الكلي من غير فرق بين أن يكون من الماهيات الحقيقية، كالأكل والشرب; أو الماهيات المخترعة، كالصلاة والصوم.

والمراد من الأفراد: هي الطبيعة مع اللوازم التي لا تنفك عنها لدى وجودها ولا يمكن إيجادها في الخارج منفكة عنها، فوقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر هل هو نفس الطبيعة الصرفة بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن المشخصات الفردية لكان ممتثلاً لأوامر المولى، أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع اللوازم الفردية ؟

وعلى ذلك فالمراد من الطبيعة هو ذات الشيء بلا ضم المشخّصات، كما أنّ المراد من الفرد ذاك الطبيعي منضماً إلى المشخّصات الفردية الكلية، فمثلاً:

إذا قال: المولى أكرم العالم، فهل متعلّق الأمر هو نفس ذلك المفهوم الكلي ـ أي إكرام العالم ـ أو هو مع المشخّصات الملازمة للمأُمور به، كالإكرام في زمان معين، أو مكان معين، وكون الإكرام بالضيافة، أو بإهداء هدية إلى غير ذلك من العوارض.

إذا وقفت على معنى الطبيعة والأفراد في عنوان البحث، فنقول:

الحق أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث والطلب لا يتعلّقان إلاّ بما هو دخيل في الغرض ويقوم هو به، ولا يتعلّقان بما هو أوسع ممّا يقوم به الغرض


(101)

ولا بما هو أضيق منه، وليس هو إلاّ ذات الطبيعة دون مشخّصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها لكان ممتثلاً.

وعلى هذا فالطبيعة بما هي هي متعلّقة للطلب والبعث.

وبذلك يعلم أنّ متعلّق الزجر في النهي هو نفس متعلّق الأمر أي الطبيعة.

والحاصل: أنّ محصّل الغرض هو المحدّد لموضوع الأمر، وقد عرفت أنّ المحصّل هو نفس الطبيعة لا المشخّصات، كالزمان والمكان وسائر عوارض الطبيعة.

ثمرة المسألة:

تظهر الثمرة في باب الضمائم، كما إذا توضأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع لكفى وجود القربة في أصل الوضوء بالماء وإن لم يقصد القربة في الضمائم، وأمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبيعة بالأفراد ـ أي اللوازم ـ لبطل الوضوء لعدم قصد القربة فيها بل لأجل التبريد مثلاً.

تفسير خاطئ للفرد في المقام:

نعم ربّما يفسر احتمال تعلّق الأمر بالفرد، الفرد الخارجي أو المصداق من الطبيعة ويقال: هل الأمر يتعلّق بالمفهوم الكلي كالصلاة، أو يتعلّق بالفرد الخارجي الذي يمتثل به المكلّف.

لكنّه تفسير خاطئ، لأنّ الفرد بهذا المعنى لا يتحقق إلاّ في الخارج وهو ظرف لسقوط التكليف،لا لعروضه، والبحث إنّما هو في معروض التكليف لا فيما يسقط به، بل المراد من الفرد في المقام هوالطبيعة مع العوارض والمشخّصات كما مثلنا، و هما كالطبيعة من الأمور الكليّة.


(102)

الفصل الثامن

نسخ الوجوب

إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا ؟ ولنقدم مثالاً من الكتاب العزيز.

فرض اللّه سبحانه على المؤمنين ـ إذا أرادوا النجوى مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ تقديم صدقة قال سبحانه:

(يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا نَاجَيتُمُ الرسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطهر فإن لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (المجادلة /12).

فلمّا نزلت الآية كفّ كثير من الناس عن النجوى، بل كفّوا عن المسألة، فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ (1)، ثم نسخت الآية بما بعدها، وقال سبحانه:

(ءأشفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَلاةَ وَآتُوا الزَكاةَ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ واللّهُ خبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة / 13).

فوقع الكلام في بقاء جواز تقديم الصدقة إذا ناجى أحد مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهناك قولان:

الأوّل: ما اختاره العلاّمة في «التهذيب» من الدلالة على بقاء الجواز.

الثاني: عدم الدلالة على الجواز، بل يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الأمر. وهو خيرة صاحب المعالم.


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 5/245 في تفسير سورة المجادلة.


(103)

استدل للقول الأوّل بأنّ المنسوخ لما دلَّ على الوجوب، أعني قوله: (فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً) فقد دلَّ على أُمور ثلاثة:

1. كون تقديم الصدقة جائزاً.

2. كونه أمراً راجحاً.

3. كونه أمراً لازماً.

و القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه كالجواز وكالرجحان فيؤخذ من دليل المنسوخ، نظيره ما إذا دل دليل على وجوب شيء و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد أيضاً لابأس بترك إكرامه فيحكم بأظهرية الدليل الثاني على الأوّل وعلى بقاء الجواز والرجحان.

يلاحظ عليه: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأُمور به، وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر، وهو كون البعث تمام الموضوع لوجوب الطاعة والالتزام بالعمل عند العقلاء، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فقد دلَّ على رفع اليد عن مدلول المنسوخ فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان إذ ليس له إلاّ ظهور واحد، لا ظهورات متعدّدة حتى يترك المنسوخ (اللزوم) ويؤخذ بالباقي (الجواز والرجحان).

وبعبارة أُخرى: الجواز والرجحان من لوازم البعث إلى الفعل، فإذا نسخ الملزوم فلا وجه لبقاء اللازم.

و ربّما يقاس المقام بالدليلين المتعارضين أي ما إذا دلَّ أحدهما على الوجوب والآخر على عدمه، فيُستكشف الجواز على كلّ تقدير.

لكنّه قياس مع وجود الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هناك انّما هو لاتفاق الدليلين على الجواز، بخلاف المقام إذ لم يتفقا على بقاء الجواز ، أمّا المنسوخ فإنّ مفاده البعث وقد ارتفع، وأمّا الناسخ فإنّ مفاده منحصر في رفع الوجوب لاإثبات أمر آخر.


(104)

الفصل التاسع

الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ ولإيضاح الحال نذكر مثالاً:

إنّ الشارع أمر الأولياء ليأمروا صبيانهم بالصلاة، فعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بسند صحيح عن أبيه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بين خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بين سبع» ففي هذا الحديث أمر الإمام الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة.

فعندئذ يقع الكلام في أنّ أمر الإمام يتحدّد بالأمر بالأولياء، أو يتجاوز عنه إلى الأمر بالصلاة أى(1)ضاً.

فمحصّل الكلام: أنّه لا شك إنّ الصبيان مأُمورون بإقامة الصلاة إنّما الكلام في أنّهم مأُمورون من جانب الأولياء فقط، أو هم مأُمورون من جانب الشارع أيضاً.

وتظهر الثمرة في مجالين:

الأوّل: شرعية عبادات الصبيان، فلو كان الأمر بالأمر، أمراً بذلك الفعل تكون عبادات الصبيان شرعية، فيجوز الاقتداء بهم والاكتفاء بصلواتهم وصيامهم


1 . الوسائل: 3/ الباب 3، من أعداد الفرائض، الحديث 5.


(105)

عند النيابة عن الغير.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن أمراً بنفس ذلك الفعل فلا تكون عباداتهم شرعية بل تصبح تمرينيَّة، ولا تترّتب عليها الآثار السابقة.

الثاني: في صحّة البيع ولزومه فيما إذا أمر الوالد ولده الأكبر بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة إبلاغ أمر الوالد واطّلع الأصغر من طريق آخر على أمر الوالد فباع المبيع.

فإن قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل يكون بيعه صحيحاً ولازماً، وإن قلنا بخلافه يكون بيعه فضولياً غير لازم.

الظاهر أنّ الأمر بالأمر بالفعل أمر بذلك أيضاً، لأنّ المتبادر في هذه الموارد تعلّق غرض المولى بنفس الفعل وكان أمر المأُمور الأوّل، طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمر المأُمور الأوّل.


(106)

الفصل العاشر

الأمر بالشيء بعد الأمر به

هل الأمر بالشيء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس، فمثلاً إذا أمر المولى بشيء ثم أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟

أقول للمسألة صور:

أ . إذا قُيِّدَ متعلّق الأمر الثاني بشيء يدل على التعدّد والكثرة كما إذا قال: صلِّ، ثم قال: صلِّ صلاة أُخرى.

ب . إذا ذُكِرَ لكل حكم سبب خاص، كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة، وإن قتلت نفساً خطأ فاعتق رقبة.

ج . أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ، ثم قال: إذا بلت فتوضأ.

د . أن يكون الحكم خالياً عن ذكر السبب في كلا الأمرين.

لا إشكال انّ الأمر في الصورة الأُولى للتأسيس لا للتأكيد أوّلاً، ولا يجوز التداخل (أي امتثال كلا الواجبين بفرد واحد) ثانياً لأن الأمر الثاني صريح في التعدّد .

وأمّا الصورة الثانية، فهي كالصورة الأُولى ظاهرة في تأسيس إيجاب، وراء إيجاب آخر.

نعم يقع الكلام في إمكان التداخل بأن يمتثل كلا الوجوبين المتعدّدين


(107)

بعتق رقبة واحدة وعدمه، وسيأتي الكلام فيه عند البحث عن تداخل المسببات في باب المفاهيم، فيختص محل البحث بالصورتين الأخيرتين.

ولعل القول بالإجمال وعدم ظهور الكلام في واحد من التأكيد و التأسيس أولى، لأنّ الهيئتين تدلاّن على تعدّد البعث وهو أعم من التأكيد والتأسيس.وما يقال من انّ التأسيس أولى من التأكيد، لا يثبت به الظهور العرفي.

تم الكلام في المقصد الأوّل
و الحمد للّه


(108)


(109)

المقصد الثاني
في النواهي

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة النهي و صيغته.

الفصل الثاني: في جواز اجتماع الأمر والنهي في عنوان واحد.

الفصل الثالث: في أدلّة القائلين بالجواز.

الفصل الرابع: في أدلّة القائلين بالامتناع.

الفصل الخامس: في اقتضاء النهي في العبادات للفساد.

الفصل السادس: في اقتضاء النهي في المعاملات للفساد.


(110)


(111)

الفصل الأوّل

في مادة النهي و صيغته

النهي في اللغة الزجر عن الشيء، قال سبحانه:(أَرَأَيْتَ الّذي يَنْهى* عَبْداً إِذا صَلّى)(العلق/9ـ10) وهو تارة يكون بالفعل وأُخرى بالقول، وعلى الثاني لا فرق بين أن يكون بلفظ «إفعل» نحو اجتنب كذا أو بلفظة «لا تفعل».(1)

ويعتبر فيه العلو و الاستعلاء كما مرّ في الأمر، ويتبادر من مادة النهي الحرمة بمعنى لزوم الامتثال على وفق النهي.

قال سبحانه:(وَأَخذِهمُ الرِّبا وَ قَد نُهُوا عَنْهُ) (النساء/161).

وقال تعالى:(فَلَمّا عَتَـوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُوُنُوا قِرَدَة خاسِئين)(الأعراف/166).

وقال تبارك وتعالى:(وَما آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر/7) وقد مرّ نظير هذه المباحث في مادة الأمر فلا نطيل.

الكلام في صيغة النهي

المشهور بين الأُصوليين أنّ النهي كالأمر في الدلالة على الطلب غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود، أعني: نفس الفعل; وفي الآخر العدم،


1 . الراغب، المفردات، ص 507.


(112)

أعني: ترك الفعل.

ولكن الحق أنّ الهيئة في الأوامر وضعت للبعث إلى الفعل، وفي النواهي وضعت للزجر، لأنّ الأمر يلازم غالباً ما فيه المصلحة، والنهي يلازم غالباً ما فيه المفسدة، فالأوّل يناسبه البعث إمّا بالجوارح كالإشارة بالرأس واليد، أو باللفظ كالأمر به; والثاني يناسبه الزجر وهو أيضاً إمّا بالاشارة باليد والرأس، أو باللفظ، فكأنّ الأمر والنهي يقومان مقام البعث والزجر بالأعضاء.

وعلى ضوء ذلك فالأمر والنهي متّحدان من حيث المتعلّق (الطبيعة)، مختلفان من حيث الحقيقة والمبادئ والآثار.

أمّا الاختلاف من حيث الحقيقة، فالأمر بعث إنشائي والنهي زجر كذلك.

وأمّا من حيث المبادئ فمبدأ الأمر هو التصديق بالمصلحة والاشتياق إليها، ومبدأ النهي هو التصديق بالمفسدة والإنزجار عنها.

وأمّا من حيث الآثار فإنّ الإتيان بمتعلّق الأمر إطاعة يوجب المثوبة، والإتيان بمتعلّق النهي معصية توجب العقوبة.

وبذلك يظهر أنّ النزاع القائم بين الأُصوليين منذ عصور بعيدة ممّا لا موضوع له حيث إنّهم اختلفوا في أنّ متعلّق النهي هو الترك ونفس «أن لا تفعل» أو الكف ، وقد عرفت أنّ المتعلّق في النهي هو نفس المتعلّق في الأمر وهو الطبيعة بما هي هي، فهما متّحدان في المتعلّق مختلفان من حيث مفاد الهيئة حيث إنّ مفادها في الأمر بعث وفي الآخر زجر.

فليس لهذا البحث موضوع إذ لا دلالة للنهي بهى(1)ئته ولا بمادته على شيء وراء ذلك حتى يُبحث عنه، أعني: ترك الفعل، أو الكفّ عنه و يتردّد معناه بين الأمرين.


1 . فالمتعلّق على الأوّل عدمي، وعلى الثاني (الكف) وجوديّ.


(113)

ظهور الصيغة في التحريم

قد علمت أنّ هيئة لا تفعل موضوعة للزجر، كما أنّ هيئة إفعل موضوعة للبعث، وأمّا الوجوب والحرمة فليسا من مداليل الألفاظ وإنّما ينتزعان من مبادئ الأمر والنهي فلو كان البعث ناشئاً من إرادة شديدة أو كان الزجر صادراً عن كراهة كذلك ينتزع منهما الوجوب أو الحرمة وأمّا إذا كانا ناشئين من إرادة ضعيفة أو كراهة كذلك، فينتزع منهما الندب والكراهة.

ومع الاعتراف بانّهما ليسا من المداليل اللفظية لكن الأمر أو النهي إذا لم يقترنا بما يدل على ضعف الإرادة أو الكراهة ينتزع منهما الوجوب والحرمة بحكم العقل على أن بعث المولى أو زجره لا يترك بلا امتثال، واحتمال أنّهما ناشئان من إرادة أو كراهة ضعيفة لا يعتمد عليه مالم يدل عليه دليل.

وبعبارة أُخرى: العقل يُلزِم بتحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية والعبودية ولا يتحقق إلاّ بالإتيان بالفعل في الأمر وتركه في النهي.

النهي والدلالة على المرّة والتكرار

إنّ النهي كالأمر لا يدل على المرة والتكرار لأنّ المادة وضعت للطبيعة الصرفة، والهيئة وضعت للزجر، فأين الدال على المرة والتكرار.

نعم لمّا كان المطلوب هو ترك الطبيعة المنهي عنها، ولا يحصل الترك إلاّ بترك جميع أفرادها يحكم العقل بالاجتناب عن جميع محققات الطبيعة، وهذا غير دلالة اللفظ على التكرار.

ومنه يظهر عدم دلالتها على الفور والتراخي بنفس الدليل.


(114)

الفصل الثاني

جوازاجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين

اختلفت كلمات الأُصوليين في جواز اجتماع الأمر والنهي على قولين:

أ . جواز الاجتماع، وهو المنقول عن الفضل بن شاذان (ت /260هـ) وقدماء الإمامية وعليه الأشاعرة(1).

ب . امتناع الإجتماع، وهو الظاهر من المتأخّرين من أصحابنا والمعتزلة (2)، وسيوافيك تفصيل القولين.

ولإيضاح الحال نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: في أنواع الاجتماع

إنّ للاجتماع أنحاء ثلاثة:

أ. الاجتماع الآمري.

ب . الاجتماع المأُموري.

ج . الاجتماع الموردي.

أمّا الأوّل: فهو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي أوّلاً، والمأُمور والمنهيّ ثانياً


1 . أتباع أبي الحسن الأشعري البصري (260 ـ 324هـ).
2 . أتباع واصل بن عطاء (80 ـ 130هـ).


(115)

(المكلَّف) والمأُمور به والمنهى عنه ثالثاً (المكلَّف به) مع وحدة زمان الأمر والنهي فيكون التكليف عندئذ محالاً، كما إذا قال: صل في ساعة كذا ولا تصل فيها، ومن المعلوم أنّ الإرادة الجدية لا تتعلّق بالفعل والترك معاً في آن واحد ويعبَّـرعن هذا النوع، بالاجتماع الآمري، لأنّ الآمر هو الذي حاول الجمع بين الأمر والنهي في شيء واحد.

وأمّا الثاني: فهو عبارة عمّا إذا اتحد الآمر والناهي أوّلاً، والمأُمور والمنهي (المكلّف) ثانياً ولكن اختلف المأُمور به والمنهى عنه، كما إذا خاطب الشارع المكلّف بقوله: صل، ولا تغصب، فالمأُمور به غير المنهى عنه، والماهيتان مختلفتان غير أنّ المكلَّف بسوء اختياره جمعهما في مورد واحد على وجه يكون المورد مصداقاً لعنوانين ومجمعاً لهما، فيقع الكلام في جواز مثل هذا الاجتماع ، كما إذا صلّى في الدار المغصوبة فيبحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي في هذه الحالة؟

فعلى القول بالجواز يكون العمل محكوماً بحكمين.

وعلى القول بالامتناع يكون محكوماً بحكم واحد، وهو أهم الحكمين إما النهي أو الأمر.

وأمّا الثالث: وهو عبارة عمّـا إذا لم يكن الفعل مطابقاً لكل من العنوانين بل يكون هنا فعلان تقارنا وتجاورا في وقت واحد يكون أحدهما مطابَقاً لعنوان الواجب وثانيهما مطابَقاً لعنوان الحرام، مثل النظر إلى الأجنبية في أثناء الصلاة، فليس النظر مطابَقاً لعنوان الصلاة ولا الصلاة مطابَقاً لعنوان النظر إلى الأجنبية ولا ينطبقان على فعل واحد، بل المكلّف يقوم بعملين مختلفين متقارنين في زمان واحد، كما إذا صلّى ونظر إلى الأجنبية.

الأمر الثاني: ما هو المراد من الواحد في العنوان؟

المراد من الواحد في العنوان هو الواحد وجوداً بأن يتعلّق الأمر بشيء والنهي


(116)

بشيء آخر، ولكن اتحد المتعلّقان في الوجود والتحقّق، كالصلاة المأُموربها والغصب المنهي عنه المتحدين في الوجود عند إقامة الصلاة في الدار المغصوبة.

فخرج بقيد الاتحاد في الوجود أمران:

الأوّل: الاجتماع الموردي، كما إذا صلّى مع النظر إلى الأجنبية وليس وجود الصلاة نفسَ النظر إلى الأجنبية، بل لكل تحقق وتشخص ووجود خاص.

الثاني: الأمر بالسجود للّه والنهي عن السجود للأوثان، فالمتعلّقان مختلفان مفهوماً ومصداقاً، خرج هذان الأمران وبقي الباقي تحت عنوان الواحد.

الأمر الثالث: هل المسألة أُصولية؟

إذا كان الملاك في المسألة الأُصولية وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فالمسألة أُصولية، لأنّها على القول بالاجتماع وعدم سقوط شيء من الوجوب والحرمة تترتّب عليها الصحّة عند القدماء مطلقاً أو مع تمشي قصد القربة عند المتأخرين.

وعلى القول بامتناع الاجتماع ولزوم تقديم أحد الحكمين على الآخر في مقام الفعلية والتأثير، فإن كان المقدّم هو الوجوب يترتب عليه صحّة الصلاة، كما أنّه إذا انعكس وصار المقدّم هي الحرمة يترتب عليه الفساد، لأنّ المنهي عنه لا يكون مقرباً كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن اقتضاء النهي الفساد عند تعلّقه بالعبادات، و على كلّ تقدير فالمسألة أُصولية عقلية.

وبذلك يظهر أنّ المراد من الجواز في عنوان المسألة هو الجواز العقلي أي الإمكان المقابل للامتناع.

الأمر الرابع: هل النزاع كبروي أو صغروي؟

من الاصطلاحات الرائجة بين أهل المعقول تقسيم النزاع إلى كبروي وصغروي، فلو كان مصب النزاع، هو الأمر الكلي فيعبّر عنه بالنزاع الكبروي، ولو


(117)

كان مصبُّه هو كون المورد داخلاً تحت الأمر الكلي فيعبّر عنه بالنزاع الصغروي.

وعلى ضوء هذا، فإذا كان النزاع في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، يكون النزاع كبروياً.

وأمّا إذا كان النزاع في اجتماع الأمر و النهي في هذا المورد بالخصوص فيكون النزاع صغروياً.

إنّ تحديد النزاع في المقام بأنّه كبروي أو صغرويّ تابع لكيفيّة إقامة البرهان على المسألة، فإنّ بعض البراهين تعرب عن كبروية النزاع، كالبحث في جواز الاجتماع وعدمه كما أنّ نتيجة بعضها الآخر تعرب عن صغروية النزاع وأنّ عدم الجواز أمر مسلّم به، وانّما الكلام في أنّ المورد (كالصلاة في الدار المغصوبة) هل هو من مصاديق تلك الضابطة أو لا ؟

وستوافيك الإشارة إلى ذلك عند عرض البراهين.

واعلم أنّ النزاع فيما إذا كانت هناك مندوحة أي إذا تمكّن من إقامة الصلاة في المكان المباح وإلاّ فلو انحصر المكان بالمغصوب يسقط النهي ويبقى الأمر فقط.

الأمر الخامس: الأقوال في المسألة

إنّ القول بجواز الاجتماع هو مذهب أكثر الأشاعرة، والفضل بن شاذان من قدمائنا، وهو الظاهر من كلام السيد المرتضى في الذريعة، و إليه ذهب فحول المتأخّرين من أصحابنا كالمحقق الأردبيلي و سلطان العلماء والمحقق الخوانساري وولده والفاضل المدقّق الشيرواني والسيد الفاضل صدر الدين وغيرهم، واختاره من مشايخنا: السيد المحقّق البروجردي والسيد الإمام الخميني ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ ويظهر من المحدّث الكليني رضاه بذلك حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتابه ولم يعقبه بشيء من الرد والقبول، بل يظهر من كلام الفضل بن


(118)

شاذان (ت / 260هـ) انّ ذلك من مسلّمات الشيعة (1).

وأمّا القول بالامتناع، فقد اختاره المحقّق الخراساني في الكفاية وأقام برهانه.

إذا عرفت ذلك، فلنذكر دليل القولين على سبيل الاختصار وقد استدلوا على القول بالجواز بوجوه نقتصر منها على وجهين:


1 . لاحظ القوانين، ج1 ص 140.


(119)

الفصل الثالث

في أدلة القائلين بالجواز

1. ما ذكره قدماء الأُصوليين: إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاص، فخاطه العبد في ذلك المكان، عدّ مطيعاً لأمر مولاه، عاصياً للنهي عن الكون في ذلك المكان.

يلاحظ عليه: بأنّ القائل بالامتناع يعتبره إمّا عاصياً غير مطيع، أو مطيعاً غير عاص، و تعيين أحدهما يتوقّف على تعيين ما هو الفعليّ من الحكمين.

فلو كان الحكم الفعلي هو الحرمة، فهو عاص غير مطيع. وإن كان الفعلي هو الوجوب، فهو مطيع غير عاص.

ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بوجه آخر.

وهو أنّ متعلّق الأمر والنهي متعدّد في مقام التعلّق، والتحقّق.

أمّا الأوّل، فواضح، لأنّ مفهوم الخياطة غير مفهوم الغصب.

وأمّا الثاني، فلأنّ الخياطة لا تتحد مع الغصب، لأنّها عبارة عن إدخال الإبرة في الثوب، و أمّا الغصب فهو الكون في المكان الخاص، ولكل وجود خاص به. فالمثال أشبه بالاجتماع الموردي.

2. ما استفدناه عن مشايخنا العظام (1) ، وحاصله أنّه لو كان متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً لكان للامتناع وجه، وأمّا إذا كان مختلفاً فلا مانع من تعلّق


1 . السيد المحقّق البروجردي، والسيد الإمام الخميني رضوان اللّه عليهما، لاحظ نهاية الأُصول، وتهذيب الأُصول، تجد فيهما تفصيل مالخصناه، وهذا الدليل يعرب عن أنّ النزاع كبروي.


(120)

الأمر بحيثية والنهي بحيثية أُخرى واتّحادهما مصداقاً لا يستلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد.

توضيحه: أنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو الدخيل في الغرض دون ما يلازمه من الخصوصيات غير الدخيلة .

ومثله النهي لا يتعلّق إلاّ بما هو المبغوض، وفيه الملاك دون اللوازم والخصوصيات.

وعلى ضوء ذلك: فاللوازم الوجودية كاستدبار الجدي حين استقبال القبلة والمقارنات الاتفاقية للمأمور به، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة، خارجة عن تحت الأمر، فما هو المأُمور به هو الحيثية الصلاتية وإن اقترنت مع الغصب في مقام الإيجاد، والمنهي عنه هو الحيثية الغصبية وان اقترنت مع الصلاة في الوجود والتحقق، فالخصوصيات الملازمة أو الاتفاقية كلّها خارجة عن موضوع الأمر والنهي ولو تعلّق الأمر أو النهي بتلك الخصوصيات لكان من قبيل تعلّق الإرادة بشيء لا ملاك فيه، وليس دخيلاً في الغرض، وهو محال على الحكيم.

وعلى هذا فالوجوب تعلّق بعنوان الصلاة ولا يسري الحكم إلى غيرها من المشخصات الاتفاقية كالغصب، كما أنّ الحرمة متعلّقة بنفس عنوان الغصب ولا تسري إلى مشخصاته الاتفاقية، أعني: الصلاة، فالحكمان ثابتان على العنوان لا يتجاوزانه وبالتالي ليس هناك اجتماع.

وتظهر حقيقة الاستدلال بملاحظة ما سبق من أنّ الأحكام تتعلّق بالطبائع دون الأفراد، وقد أوضحنا هناك أنّ المراد من الأفراد هو الخصوصيات والمشخّصات الفردية.

سؤال

إنّ الأمر والنهي وإن كانا يتعلّقان بالعناوين والمفاهيم الكلّية كالصلاة بما هي هي مجردة عن العوارض، وكالغصب بما هو هو مجرداً عن المشخّصات، ولكن


(121)

المصحح لتعلّق الأحكام بالطبـائع كونها مرآة إلى الخارج وحاكية عنه. فعلى ذلك فما هو المتعلّق للأمر والنهي هو المصداق الخارجي الذي تَمثّل فيه الصلاة والغصب بوجود واحد، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وهو المصداق الخارجي؟

الجواب: ماذا يراد من تعلّق التكليف بالمصداق الخارجي، فإن أُريد تعلّقه به قبل وجوده، فهو عبارة أُخرى عن تعلّقه بالعنوان، لا المعنون وهو المختار وإن أُريد تعلّقه به بعده فهو محال لاستلزامه تحصيل الحاصل.

توضيحه: انّ هنا أمرين غير قابلين للإنكار:

1. انّ التكليف لا يتعلّق بالأمر الموجود قبله أو حينه، لاستلزامه طلب الحاصل، وهذا يجرّنا إلى القول بتعلّقه بالعنوان، لا المعنون.

2. انّ العنوان بما هو عنوان لا يتجاوز عن كونه مفهوماً لا يترتب عليه الأثر، ولا يلبِّي حاجة الآمر والمكلِّف، فلا محيص من القول بأنّه يتعلّق به لغاية الإيجاد والامتثال ولكن كون الإيجاد غرضاً للتكليف لا يلازم كونه متعلِّقاً للأمر لخروج الغاية عن مصبّ التكليف. ولو افترضنا كون الإيجاد متعلّقاً له، فهو متعلّق للأمر بعنوانه الكلّي وقبل تحقّقه، لا بعده وهذا يرجع إلى كون الإيجاد بالعنوان متعلّقاً للأمر أيضاً.

فنخرج بالنتيجة التالية: انّ العنوان هو الموضوع بالذات للتكليف، والمعنون أي المصداق الخارجي موضوع بالعرض.

والسؤال مبني على أنّ التكليف يسري من العنوان إلى المعنون، ومن الطبيعة إلى المصداق فيلزم في النتيجة اجتماع الأمر والنهي في المصداق الخارجي.

كما أنّ الجواب مبني على أنّ التكليف لا يسري من العنوان إلى المعنون، غاية الأمر انّ تطبيق المأُمور به على الخارج يكون هو الداعي للتكليف، فالأمر يتعلّق بالعنوان والنهي يتعلّق بعنوان آخر والمصداق الخارجي غاية للتكليف، فما


(122)

هو متعلّق التكليف لم يتحد فيه العنوانان و ما اتحد فيه العنوان أي المصداق الخارجي فليس متعلّقاً له بل هو غاية له. وعلى فرض كون الإيجاد جزء المكلف به، فهو بمفهومه الكلي يقع تحت دائرة الطلب لا بوجوده الخارجي.

سؤال آخر:

وهو أنّ الأمر وإن كان متعلّقاً بنفس الطبيعة بما هي هي، ولكن مقتضى إطلاق الطبيعة هو سريان الحكم إلى جميع حالاتها التي منها اقترانها في الخارج مع الغصب، فإذا قال صل فإنّ معناه صل سواء كان هناك غصب أو لا .

أو إذا قال «لا تغصب» فإنّ معناه لا تغصب سواء كانت هناك صلاة أو لا فلازم الإطلاقين كون الفعل المعنون بالصلاة و الغصب مأُموراً به ومنهياً عنه.

وبعبارة أُخرى: كون الطبيعة موضوعة للحكم دون المقارنات والمشخصات لا يكفي في رفع التعارض، فإنّ للطبيعة المطلقة حالات مختلفة، فإمّا أن تكون الطبيعة محكومة بالحكم في هذه الحالات أو لا، فعلى الأوّل يلزم كون الشيء الواحد واجباً ومحرماً، وعلى الثاني يلزم تقييد دليل الوجوب بغير هذه الحالات، كأن يكون معنى «صل» هو صل في غير حالة الغصب وهو خلاف المفروض، لأنّ الفرض هو إطلاق الموضوع من دون تقييده بعدم الآخر.

والجواب: انّ معنى الإطلاق هو كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم بلا مدخلية قيد آخر، فقولنا: اعتق رقبة هي أنّ الرقبة تمام الموضوع للوجوب من دون مدخلية الإيمان والكفر وغيرهما في الموضوع. وليس معناه أنّه موضوع للحكم مع مدخلية إحدى حالاته على وجه التخيير حتى يكون معنى قوله: إن ظاهرتَ فاعتق رقبة، هو وجوب عتق الرقبة المؤمنة، أو الكافرة العادلة، أو الفاسقة، أو العالمة، أو الجاهلة بحيث يكون لكل واحد من هذه القيود مدخلية في الحكم، ولذلك قالوا: «الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود».

وعلى ضوء ذلك يظهر جواب السؤال، فإنّ الحكم وإن كان ثابتاً في جميع


(123)

الحالات لكن الموضوع للوجوب هو الحيثية الصلاتية، وأمّا الحيثية الغصبية فإنما هي حالة من حالات الصلاة لا أنّها قيد من قيودها حتى يسري الحكم (الوجوب) من موضوعه إلى تلك الحالة المحرمة.

وإن شئت قلت: معنى الإطلاق الذاتي للمادة هو كون الصلاة مأُموراً بها حتى في زمان التصادق لكن المأُمور به هو نفس الحيثية الصلاتية ذات المصلحة، المتعلّقة للإرادة، كما أنّ المنهي عنه، هو نفس الحيثية الغصبية ذات المفسدة المنهي عنها.

وقد عرفت أنّ الحكم لا يتجاوز عن موضوعه إلى مقارنه، فالوجوب يبقى على عنوان الصلاتية في جميع الحالات الّتي منها اقترانها مع الغصب، كما أنّ الحرمة تبقى على عنوان الغصب كذلك، فالمولى يبعث إلى الأوّل ويزجر عن الثاني وفي وسع المكلّف تفكيك أحد الحكمين في مقام الامتثال عن الآخر، ولكنه بسوء اختياره جمع بين الموضوعين، فهو مطيع من جانب وعاص من جانب آخر.

وحصيلة الجواب: إنّ كون الصلاة واجبة في حالة التقارن مع الغصب غير كون الغصب متعلّقاً للوجوب، أو كون الغصب محرّماً حتى في صورة التقارن مع الصلاة غير كون الصلاة متعلّقة للحرمة.

والذي يؤيد جواز الاجتماع هو عدم ورود نص على عدم جواز الصلاة في المغصوب وبطلانها مع عموم الابتلاء به، فإنّ ابتلاء الناس بالأموال المغصوبة في زمان الدولتين الأُموية والعباسية لم يكن أقل من زماننا خصوصاً مع القول بحرمة ما كانوا يغنمونه من الغنائم في تلك الأزمان، حيث إنّ الجهاد الابتدائي حرام بلا إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ على القول المشهور، فكل الغنائم ملك لمقام إمامته، ومع ذلك لم يصلنا نهي في ذلك المورد، ولو كان لوصل، والمنقول عن ابن شاذان هو الجواز، وهذا يكشف عن صحة اجتماع الأمر والنهي إذا كان المتعلّقان متصادقين على عنوان واحد.


(124)

الفصل الرابع

في أدلة القائلين بالامتناع

استدل القائل بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات نذكر المهم منها:

أ. تضاد الأحكام بعضها مع بعض.

ب. انّ متعلّق الأحكام هي الأفعال الخارجية.

أمّا المقدّمة الأُولى: فتوضيحها انّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليّتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث في زمان، والزجر عنه في ذلك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في زمان واحد من قبيل التكليف المحال، أي يمتنع ظهور إرادتين جديتين مختلفتين في ذهن الآمر.

وأمّا المقدّمة الثانية: فتوضيحها أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج لا ما هو اسمه وعنوانه، وإنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام للإشارة إلى مصاديقها وأفرادها الحقيقية.

ثم استنتج وقال: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً يكون تعلّق الأمر والنهي به محالاً وإن كان التعلّق به بعنوانين لما عرفت من أنّ الموضوع الواقعي للتكليف هو فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته لا عناوينه وأسمائه.

يلاحظ على ذلك: أنّ الدليل بعد تسليم المقدّمة الأُولى هو ما عرفت من أنّ


(125)

الموضوع للتكاليف ليس هو الهوية الخارجية، لأنّه يستحيل أن يتعلّق البعث والزجر بها، وذلك لأنّ التعلّق إمّا قبل تحققها في الخارج، أو بعده، فعلى الأوّل فلا موضوع حتى يتعلّق به الأحكام بل مرجع ذلك إلى تعلّق الحكم بالعناوين، وعلى الثاني يلزم تحصيل الحاصل وطلب الموجود.

إن قلت:إنّ الطبيعة بما هي هي من الأُمور الذهنية التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تلبّي حاجة المولى فكيف يتعلق بها الأمر؟

قلت: التكليف يتعلّق بالطبيعة بما هي هي لغاية إيجادها في الخارج، أو لغاية الانزجار عنها فيه وإلاّ، فمن المعلوم أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلاّ هي لا تنفع ولا تضر.

وقد عرفت أيضاً أنّ الأمر بها لغاية الإيجاد لا يجعل وجود الطبيعة متعلَّقاً للتكليف، فالقوة المقنّنة إنّما تنظر إلى واقع الحياة عن طريق المناهج والعناوين الكلية وتبعث إليها لغاية الإيجاد أو تزجر عنها لغاية الترك فيكون المتعلّق فاقداً لكل شيء إلاّ نفسه غير أنّ الهدف من تعلّق التكليف بالطبيعة هو تجسيدها في الخارج، عند الأمر أو استمرار تركها عند النهي.

ثمرات المسألة: انّ القائل بجواز الاجتماع يذهب إلى حصول الامتثال والعصيان بعمل واحد، فهو يتحفّظ على كلا الحكمين بلا تقديم أحدهما على الآخر، وأما القائل بالامتناع، فهو يقدّم من الحكمين ما هو الأهم، فربما كان الأهم هو الوجوب فتكون حرمة الغصب إنشائية، وربما ينعكس فيكون الترك أهم من الإتيان بالواجب.

وعلى ضوء هذا تظهر الثمرة في الصور التالية:

أ. حصول الامتثال مطلقاً على القول بالاجتماع:

إنّ القائل بجواز الاجتماع يحكم بحصول الامتثال في المقام، عبادياً كان


(126)

العمل أو توصلياً، و أنّ الفاعل امتثل بحيثية وعصى بحيثية أُخرى.

وبالجملة على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي ليس هنا إلاّ صورة واحدة، وهي حصول الامتثال مطلقاً.

أقول: هذا هو المشهور بين أصحابنا، ولكن حصول الامتثال في التوصليّات ممّا لا غبار عليه، وأمّا التعبديّات فحصول الامتثال لا يخلو من غموض، لأنّ المأُمور به وإن كان هو الطبيعة، لكن الامتثال إنّما هو بإيجادها مع قصد التقرّب حين العمل وهو أمر مشكل في المقام إذ كيف يتقرب بالعمل الذي يعدّ مبغوضاً للمولى وخروجاً عن رسم العبودية وزيّ الرقية؟ ولأجل ذلك ينحصر حصول الامتثال في التوصليّات دون التعبديّات.

لكن يمكن أن يقال انّه لا مانع من أن يتقرب بالمأتي به من حيثية دون حيثية، وإن كان المحبوب والمبغوض موجودين بوجود واحد، كما إذا مسح رأس اليتيم في الدار المغصوبة، أو أطعمه فيها لأجل رضاه سبحانه، فيكون متقرّباً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى، وهكذا الأمر في المقام .

ب. القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر:

قد عرفت انّه ليس على القول بالاجتماع إلاّ صورة واحدة، وأمّا على القول بالامتناع فله صور مختلفة، فتارة يُقدَّم الأمر على النهي ويقال: بأنّ الحكم الفعلي هو الوجوب، كما إذا لم يتمكّن من الصلاة في الوقت إلاّ في المكان المغصوب فيحكم بالصحة لكونها مصداقاً للمأُمور به دون المنهي عنه، وأُخرى يقدّم النهي على الوجوب وهو الذي سيأتيك بيانه في الفقرات التالية.

ج. القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع الجهل بالحرمة قصوراً:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي على الأمر، ولكن إذا كان المكلّف جاهلاً بالحرمة جهلاً مع القصور فيمكن الحكم بالصحة، لأنّ الحرمة حينئذ منفية


(127)

بحديث الرفع الحاكم برفع ما لا يعلمون وليس العمل مصداقاً للتمرد والطغيان، والأمر وإن كان مرتفعاً حسب الفرض (تقديم الحرمة على الأمر) لكن يكفي التقرب بالملاك وهو كون العمل في هذه الحالة محبوباً للمولى .

د. القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي وكان الفاعل جاهلاً بالحرمة عن تقصير فالحكم هو البطلان وذلك لأنّ الصحة معلول أحد شيئين: إمّا الأمر وهو مفروض الانتفاء لتقديم جانب النهي على الأمر، و إمّا الملاك، وهو غير معلوم الثبوت للفرق بين العمل الصادر عن جهل قصوري للفاعل، والعمل الصادر عن جهل تقصيري له أو غير موجود لأنّ احرازه فرع الأمر والمفروض عدمه.

ومنه يعلم حال الناسي المقصِّـر، فلا يحكم بصحة صلاته إذا جهل بالغصب أو نسيه عن تقصير.

هـ . القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي وكان الفاعل عالماً بالحرمة لا جاهلاً ولا ناسياً فالحكم هو البطلان، لأنّ الصحّة رهن أحد شيئين: إمّا الأمر وهو مفروض الانتفاء، وإمّا الملاك وهو غير معلوم، لأنّ الفاعل بعمله هذا متمرّد وخارج عن رسم العبودية.

هذا تمام الكلام في جواز الاجتماع وعدمه.


(128)

الفصل الخامس

في اقتضاء النهي في العبادات للفساد

هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الأُصول التي يترتب عليها استنباط مسائل فقهية كثيرة ولإيضاح عنوان البحث نقدم أُموراً:

الأوّل: انّ عنوان البحث بين المتأخرين هو ما عرفته (من اقتضاء النهي ...) ولكن عنوانه بين القدماء هو «دلالة النهي على الفساد» ولعلّ التعبير الأوّل ناظر إلى أنّ الدلالة عقلية و أنّ هناك ملازمة بين تعلّق النهي بالعبادة وفسادها.

كما أنّ التعبير الثاني ناظر إلى أنّ الدلالة لفظية، والمسألة من مسائل مباحث الألفاظ.

ويمكن إرجاع التعبيرين إلى أمر واحد وهو أنّ مقصود القدماء من الدلالة في العنوان هي الدلالة الالتزامية وهي من الدلالات العقلية عند غير المنطقيين لا اللفظيّة، فيكون مرجع التعبيرين واحداً حيث إنّ القائل بأنّ النهي يدلّ على الفساد لا يعني كون الفساد مدلولاً مطابقياً أو تضمنياً للنهي وانّما يعني به الدلالة الالتزامية وهو نفس القول بوجود الملازمة بين النهي عن الشيء وفساده.

الثاني: انّ الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة ـ أعني: مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ واضح لوجهين:

1. انّ المسألتين مختلفتان موضوعاً ومحمولاً فلا قدر مشترك بينهما حتى تُبحث في الجهة المائزة، لأنّ عنوان البحث في المسألة السابقة هو:

هل يجوز تعلّق الأمر والنهي بشيئين مختلفين في مقام التعلّق، ومتحدين في


(129)

مقام الإيجاد أو لا؟ كما أنّ عنوان البحث في هذا المقام هو:

هل هناك ملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها أو لا؟

فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً، ومع هذا الاختلاف، فالبحث عن الجهة المائزة ساقط.

2. انّ المسألة السابقة تبتني على وجود الأمر والنهي، ولكن هذه المسألة تبتني على وجود النهي فقط سواء أكان هناك أمر كما في باب العبادات، أم لا كما في باب المعاملات، فوجود الأمر في المسألة السابقة يعدُّ من مقوماتها دون هذه المسألة.

الثالث: انّ النهي ينقسم إلى تحريمي وتنزيهي، وإلى نفسي وغيري، وإلى مولوي وإرشادي.(1)

والظاهر دخول الجميع تحت عنوان البحث نعم قيل انّ في دخول الغيري وجهين:

1. لو قلنا بأنّ الفساد يدور حول وجود المفسدة في نفس العمل فيختص


1 . يقسم الأمر إلى مولوي وإرشادي:والمراد من المولوي هو البعث الحقيقي نحو إيجاد الطبيعة لمصلحة فيها على وجه يترتب على امتثاله الثواب، وهذا كغالب الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة، ويسمى مولوياً لأنّ البعث يصدر من المولى إعمالاً لمولويته دون فرق بين كون البعث وجوبياً أو ندبياً.
والمراد من الإرشادي هو البعث الصادر من المولى بلسان النصح والهداية على وجه لا يترتب على امتثاله شيء سوى الوصول إلى مصلحة الفعل المرشد إليه، ويسمى إرشادياً لأنّ البعث صدر من المولى بعنوان النصح والهداية لا إعمالاً للمولوية. مثلاً إذا أمر المولى وقال: صل وحجّ أو قال صل نافلة الليل، فكلا الأمرين مولويان غير انّ الأوّلين للوجوب والأخير للاستحباب.
ثمّ إذا قال المولى بلسان الإرشاد«أطع ما أمرتك به» فالأمر الثاني أمر إرشادي لا يترتب عليه شيء سوى ما يترتب على موافقة القسم الأوّل من الأوامر ومخالفته، فلو صلى وحجّ أو صلى صلاة الليل لا يستحق ثوابين كما انّه لو عصى ولم يصل ولم يصم فلا يعاقب بعقابين.
وبهذا يتبين معنى تقسيم النهي أيضاً إلى مولويّ وإرشاديّ فلا نطيل.


(130)

البحث بالنهي النفسي دون الغيري، لأنّ المفسدة إنّما تكمن في المنهي بالنهي النفسي، وأمّا المنهي بالنهي الغيري فليست فيه أية مفسدة سوى كونه مقدّمة لما فيه المفسدة.

2. و لو قلنا بأنّ الفساد يدور حول مطلوبية العمل وعدمها، فيدخل الغيري فيه أيضاً، لأنّ المنهي بالنهي الغيري ليس مطلوباً للمولى.

وإن شئت قلت: إنّ الفساد يدور مدار كون العمل مُبْعِداً عن المولى، وهو في حال كونه مُبْعِداً لا يكون مقرِّباً، فالمنهي بالنهي الغيري مبعِد بلا شك وإلاّ لما تعلّق به النهي.

والظاهر شمول العنوان للجميع، لكن لقائل أن يختار في مقام التحقيق عدم اقتضاء النهي الغيري بل التنزيهي أيضاً للفساد، ولكنه لا يكون دليلاً على اختصاص البحث في الكتب الأُصولية بغيرهما.

الرابع: المقصود من العبادة في عنوان البحث ما لا يسقط أمرها على فرض تعلّقه بها إلاّ إذا أتى بها على وجه قربى، فخرجت التوصليات من التعريف، لأنّها أُمور يسقط أمرها ولو لم يأتِ بها كذلك.

الخامس: قد عرفت(1) انّ المراد من الصحة في العبادات هو كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به أو ما يسقط الإعادة والقضاء، كما أنّ المراد منها في المعاملات ما يترتب عليها الأثر المطلوب منها كالملكية في البيع والزوجية في النكاح.

إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع، فنقول:

إنّ النهي المتعلّق بالعبادات على أقسام:

1. أن يكون النهي المتعلّق بها، نهياً مولوياً تحريمياً.

2. أن يكون النهي المتعلّق بها نهياً مولوياً تنزيهيّاً.


1 . عند البحث عن وضع أسماء العبادات للصحيح أو للأعم، ص38.


(131)

3. أن يكون النهي المتعلّق بها، نهياً إرشادياً إلى الفساد.

4. أن يدور أمره بين كونه مولوياً أو إرشادياً .

و إليك البحث عن كل واحد منها:

القسم الأوّل: في النهي المولوي المتعلّق بنفس العبادة:

وهذا يتصوّر على أنحاء:

أ. أن يتعلّق النهي بنفس العبادة.

ب. أن يتعلّق بجزء العبادة.

ج. أن يتعلّق بشرطها الخارج عنها.

د. أن يتعلّق بوصفها الملازم لها.

هـ. أن يتعلّق بوصفها المفارق عنها.

وإليك بيان أحكامها:

أ. إذا تعلّق النهي التحريمي النفسي بنفس العبادة، فلا شك في اقتضائه للفساد، كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (1) لأنّ الصحة بمعنى مطابقة المأتي به للمأُمور ومع تعلّق النهي بنفس العبادة لا يتعلّق بها الأمر لاستلزامه اجتماع الأمر والنهي في متعلّق واحد، فلا يصدق كون المأتي به مطابقاً للمأُمور به لعدم الأمر، وبالتالي لا يكون مسقطاً للإعادة والقضاء.

وبعبارة أُخرى: انّ الصحة إمّا لأجل وجود الأمر، أو لوجود الملاك (المحبوبية) وكلا الأمرين منتفيان، أمّا الأوّل فلامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد تحت عنوان واحد، وأمّا الثاني فلأنّ النهي التحريمي يكشف عن المبغوضية فلا يكون المبغوض مقرّباً.


1 . المتقي الهندي: كنز العمال: 6/42 و 262.


(132)

وهذه هي الضابطة في دلالة النهي على الفساد وعدمها، ففي كل مورد لا يجتمع ملاك النهي (المبغوضية) مع ملاك الصحّة (الأمر أو الملاك و المحبوبية) يحكم عليها بالفساد (1).

ب. إذا تعلّق النهي التحريمي النفسي بجزء العبادة، كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة، فلا شك في أنّه يقتضي فساد الجزء، لأنّ النهي يكشف عن المبغوضية والمبغوض لا يكون مقرباً.

نعم فساد الجزء لا يؤثر على فساد الكل إلاّ إذا اقتصر على ذلك الجزء المبغوض، وإلاّ فلو أتى بفرد آخر من ذلك الجزء غير منهي عنه يكون الكل محققاً، كما إذا قرأ سورة أُخرى من غير العزائم.

ما ذكرناه هي الضابطة الكلية، ولكن ربما يكون الإتيان بفرد آخر موجباً للفساد، لأجل طروء عنوان آخر وهو استلزامه زيادة في الصلاة المكتوبة أو استلزامه القِرانَ بين السورتين، ولكن الفساد من هذه الجهة غير مطروح في هذا المقام.

ج.اذا تعلّق النهي التحريمي النفسي بشرط العبادة كما في النهي عن الطهارات الثلاث، فلا شك أنّه يستلزم الفساد للدليل المذكور في القسم الثاني، فإنّ النهي المُبْعِد عن اللّه والمثير لسخطه سبحانه لا يمكن التقرّب به.

هذا كلّه إذا كان الشرط عبادة كما في الطهارات الثلاث.

وأمّا إذا كان الشرط المنهي عنه أمراً توصلياً كالستر في الصلاة فلو تستر بالحرير، فهل يكشف عن بطلان الشرط وبالتالي عن بطلان المشروط أو لا؟


1 . وأمّا إذا لم تكن صحة الشيء رهن الأمر أو المحبوبية بل دائراً مدار كونه جامعاً للأجزاء والشرائط ـ كما في باب المعاملات ـ فلا يكشف ملاك النهي ـ أعني: المبغوضية ـ عن الفساد وبذلك(أي عدم تأثير المبغوضية) يفترق باب المعاملات عن العبادات حيث لا يحكم على المعاملات بالفساد مع تعلّق النهي النفسي بها كما سيوافيك.


(133)

الظاهر هو الأوّل، لأنّ الستر وإن لم يكن جزء الصلاة ولكن التستر جزء لها، فإذا تعلّق به النهي يكشف عن كون التستر بهذا النحو مبغوضاً لا يمكن التقرب به فيحكم عليه بالفساد.

د.إذا تعلّق النهي التحريمي النفسي بالوصف الملازم كالجهر بالنسبة إلى القراءة، والمراد من الملازم هو أن لا يكون للوصف وجود مغاير للموصوف حيث إنّ الجهر من خصوصيات القراءة وكيفياتها.

فالظاهر اقتضاؤه للفساد لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها، مقرِّبة مع أنّ الجهر بها منهياً عنه فعلاً، والمنهيّ عنه لا يمكن التقرّب به.

هـ. إذا تعلّق النهي التحريمي النفسي بالوصف المفارق وإن كان متحداً مع العبادة، كالغصبية يجري فيه ما ذكرناه في مسألة اجتماع الأمر والنهي.

وحاصله أنّ الصلاة تكون صحيحة في صورتين:

1. إذا قلنا بجواز الاجتماع وإمكان قصد القربة في هذه الحالة.

2. إذا قلنا بامتناع الاجتماع وقدّمنا الأمر على النهي، فلا محالة تكون صحيحة، لعدم النهي كما هو واضح.

نعم لو قدّمنا النهي على الأمر، فالبطلان ظاهر.

القسم الثاني: في النهي المولوي التنزيهي:

إذا كان النهي متضمّناً حكماً شرعياً تنزيهياً كأحد الأحكام الأربعة ومنشأً بداعي الردع والزجر (1) ، فهو أيضاً يلازم الفساد، لاستحالة كون المبعِّد مقرّباً وإن كانت مرتبة البعد فيه أخفّ ممّا عليه في النهي التحريمي، كاختلاف مرتبة القرب في موافقة الأمر الوجوبي والاستحبابي، لكنهما يشتركان في استحالة التقرّب، بما لا


1 . جئنا بهذا التعبير تبعاً للقوم، وإلاّ فليس للنهي مفهوم سوى الزجر والردع.


(134)

يحبّه المولى ويزجر العبد عنه وإن خالف لا يترتب عليه العقاب.

والحاصل أنّه لو أحرز أنّ النهي متضمّن لحكم شرعي أنشأ بداعي الردع والزجر، لكن لا على وجه يبغضه المولى ويعاقب عليه، بل على وجه لا يحبه، ولا يستحسنه فهو أيضاً يلازم الفساد، لامتناع التقرب بشيء مزجور وأمر مرغوب عنه.

سؤال: لو صح ما ذكر، يلزم بطلان العبادات المكروهة، كالصلاة عند طلوع الشمس وغروبها تجنباً عن التشبه بعبدة الشمس، أو الصلاة في مرابض الخيل، والبغال، والحمير ومعاطن الإبل، أو الصلاة على الطرق والأرض السبخة والمالحة، أو في بيت فيه خمر أو مسكر، مع الإجماع على صحة الصلاة إذا أتى بها المكلّف في هذه الأزمنة أو الأمكنة ؟

(1)والجواب: انّ اتفاق الأصحاب على الصحة وورود النصوص الدالة عليها (2) ، قرينة على أنّ النهي فيها لم يرد لبيان حكم شرعي تنزيهي، بل سيق لبيان قلّة الثواب مع صحّتها شرعاً لو أُتي بها، وبعبارة أُخرى ليس النهي فيها مسوقاً لبيان الحكم التكليفي بداعي الزجر والردع عنه، بل مسوقاً لبيان قلّة الثواب بالنسبة إلى غيرها، ولذلك تصح تلك العبادات مع الالتزام بقلّة ثوابها .

نعم لو أحرز أنّ النهي تضمّن حكماً شرعياً كراهياً أُنشأ لداعي ردع العبد عن العمل، دون أن يكون بصدد بيان أقلية الثواب، يُحكم على فساد العبادة، وإن كان المورد قليلاً.

سؤال آخر: ما هو الفرق بين المقامين حيث قلنا في المقام باقتضاء النهي المولوي الفساد مطلقاً سواء كان تحريمياً أو تنزيهياً بخلاف المقام السابق (جواز اجتماع الأمر والنهي) حيث ذهب القائل بجواز الاجتماع إلى صحة العبادة، ولم


1 . الوسائل: ج 3، الباب 17 ـ 20 من أبواب مكان المصلّي.
2 . الوسائل: ج 3، الباب 17 ـ 20 من أبواب مكان المصلّي.


(135)

يستشكل فيه إلاّ السيد المحقق البروجردي (1)؟

الجواب: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ النهي في المقام تعلّق بنفس العبادة، أو جزئها أو شرطها أو وصفها، بخلاف المقام الآخر، فقد تعلّق فيه النهي بعنوان آخر (الغصب) غير عنوان المأُمور به، أعني: الصلاة، لكن المكلّف جمع بينهما في مقام الامتثال بسوء اختياره، على وجه كان الاجتماع «مأُمورياً» لا «آمرياً».

نعم لو قلنا بالامتناع وقدّمنا النهي دون الأمر بحيث لم يكن في الساحة إلاّ النهي، يكون المورد من مصاديق المقام، ويحكم عليها بالفساد.

القسم الثالث: في النهي الإرشادي المتعلّق بالعبادة:

إنّ النهي كالأمر، فكما أنّ الأمر ينقسم إلى مولوي وإرشادي، فكذلك النهي ينقسم إلى مولوي، كقوله سبحانه: (وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنا إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً)(الإسراء / 32).

وإلى إرشادي كقوله سبحانه: (وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً) (النساء / 22).

فالآية الثانية بصدد الإرشاد إلى بطلان نكاحها.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ النهي الإرشادي على نحوين:

تارة يكون إرشاداً إلى الفساد، كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «دعي الصلاة أيامَ أقرائك» ـ على القول بانّ النهي فيه للإرشاد ـ فإنّ معناه أيّتها المكلَّفة لا تصلِّي، لأنّ الصلاة في هذه الحالة لا تكون صحيحة.

وتارة أُخرى إرشاداً إلى قلّة الثواب، كما في قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ


1 . فإنّه مع القول بجواز الاجتماع ذهب إلى فساد العبادة، وقد ذكرنا كلامه و ما يمكن الجواب عنه، فلاحظ.


(136)

في المسجد» (1) فإنّه بحكم الإجماع على صحة الصلاة لو صلّـى في غيره ، إرشاد إلى قلّة الثواب لا الكراهة المصطلحة.

لكنك قد عرفت ـ في صدر البحث ـ أنّ مصب النزاع هو اقتضاء النهي المولوي، أي ما أُنشأ بداعي الزجر والردع، سواء أكان تحريمياً أم تنزيهياً، وأمّا النهي الإرشادي إلى الفساد أو قلّة الثواب، فخارج عن محل النزاع، لوضوح الحال فيهما، فإنّ العبادة فاسدة في الأوّل وصحيحة في الثاني بلا كلام.

القسم الرابع: إذا لم يعلم حال النهي

إذا دار أمر النهي بين كونه نهياً مولوياً أو إرشادياً (2) ،فالظاهر هو الثاني، فإنّ العبادات المخترعة كالمعاجين لها أجزاء وشرائط وموانع، فكما إذا قال الطبيب: امزج المادة الفلانية في الدواء أو لاتمزجها فيه، يكون الأوّل إرشاداً إلى الجزئية، والثانية إرشاداً إلى المانعية،فهكذا الحال إذا قال ـ عليه السَّلام ـ : «لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه» (3) فانّه يكون ظاهراً في الإرشاد إمّا إلى المانعية المستلزمة للفساد كما هو الحال في هذه الرواية، أو إلى الكراهة وقلّة الثواب، كالنهي عن الصلاة في المواضع المكروهة.


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.
2 . فلو كان مولوياً، فهو يستلزم الفساد مطلقاً سواء كان تحريمياً أو تنزيهياً، بخلاف ما إذا كان إرشادياً، ففيه التفصيل المذكور في المتن من استلزامه الفساد إذا كان إرشاداً إلى الجزئية والمانعية، وعدمه إذا كان إرشاداً إلى قلّة الثواب.
3 . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.


(137)

الفصل السادس

في اقتضاء النهي في المعاملات للفساد

المراد من المعاملات في عنوان البحث ما لا يعتبر فيه قصد القربة، كالعقود والإيقاعات.

ثم إنّ النهي الوارد في المعاملات على أقسام أربعة كالعبادات:

1. إذا كان النهي مولوياً تحريمياً.

2. إذا كان النهي مولوياً تنزيهياً.

3. إذا كان النهي إرشادياً .

4. إذا لم يعلم حاله من المولوية والإرشادية.

وإليك البحث عن كلّ واحد منها:

القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بنفس المعاملة:

فهي على أنحاء:

أ. إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشريّ، كالعقد الصادر عن المُحْرِم في حال الإحرام بأن يكون المبغوض صدور عقد النكاح في هذه الحالة، من دون أن يكون نفس العمل بما هو هو مبغوضاً ومزجوراً عنه، فهل يدل على الفساد أو لا ؟

الظاهر عدم الاقتضاء والدلالة، لأنّ غاية النهي هي مبغوضية نفس العمل


(138)

(العقد) في هذه الحالة وهو لا يلازم الفساد وليس العقد أمراً عبادياً غير مجتمع مع النهي.

سؤال: ما الفرق بين هذا المقام وما تقدّم من العبادات، حيث اتفقوا على أنّ النهي المولوي التحريمي يلازم الفساد في العبادات دون المقام؟

والجواب: انّ الصحة في العبادات ـ كما مرّ ـ(1) رهن أحد أمرين:

الأوّل: وجود الأمر.

الثاني: قصد القربة.

والأوّل منتف لعدم إمكان اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد بعنوان واحد.

والثاني لا يجتمع مع النهي الكاشف عن كون العمل مبغوضاً أو مُبْعِداً، فكيف يتقرّب بما هو كذلك؟ وهذا بخلاف باب المعاملات، فإنّ الصحة لا تتوقف على أحد الأمرين، بل يكفي كون العمل موافقاً للقانون بلا حاجة إلى الأمر أو قصد القربة، فإذا كان العقد الصادر عن المُحْرِم واجداً لكافة الأجزاء والشرائط المعتبرة في البيع والنكاح، فيحكم عليه بالصحة وإن كان عاصياً في عمله.

ب . إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بمضمون المعاملة، كالنهي عن بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر، فإنّ الحرام ليس هو صدور العقد من المالك، وانّما المحرّم هو مضمون المعاملة ومسببها، أي مالكية الكافر لهما التي هي فعل تسبيبي لا مباشري، و مبغوض لأجل انّه يعدّ سبيلاً على المسلم وسلطة عليه، فهل يدل على الفساد أو لا؟

الكلام في هذه الصورة فيما إذا كان العقد واجداً لشرائطه من جميع


1 . مرّ في صفحة: 142.


(139)

الجهات، كشرائط العوضين والمتعاقدين وليس في البين إلاّ كون نفس العمل مبغوضاً حيث إنّه سبحانه لا يرضى بسلطة الكافر على المسلم والمصحف، فهل يدلّ نفس النهي الكاشف عن المبغوضية على الفساد أو لا، والتحقيق انّه لا يدل، وذلك لأنّ المبغوضية أعم من الفساد في باب المعاملات لا العبادات.

وبما ذكرنا تقف على وجود الفرق بين المقام والنهي عن بيع السفيه والمجنون والصغير، أو النهي عن بيع الخمر والميتة، لأنّ القسم الأوّل فاقد لشرائط المتعاقدين لشرطية العقل والبلوغ في البايع، كما أنّ الثاني فاقد لشروط العوضين لاشتراط إباحة المبيع والتمكّن من التصرّف فيه، ففي جميع تلك الصور يلازم النهيُ الفسادَ، لأنّه إرشاد إلى فقدان الشرط في هذه الموارد، والبحث في المقام إنّما هو في الجامع للأجزاء والشرائط غير أنّه تعلّق به النهي.

ج . إذا تعلّق النهي بالتسبب أي لا بالسبب ولا بالمسبب، بل تعلّق بتوصل المكلّف به إلى المسبب كتملك الزيادة عن طريق البيع الربوي، وكالتوصل إلى التملّك عن طريق الحيازة بالآلة المغصوبة، والتسبب إلى الطلاق بقوله: «أنت خلية». فليس السبب ولا المسبب بماهما من الأفعال بحرام وإنّما الحرام هو التوصل بهذا السبب إلى المسبب.

والكلام في هذا القسم كالكلام في القسمين السابقين، فلا منافاة بين مبغوضية التسبب وحصول الأثر بعده.

نعم ما ذكرنا من عدم الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة إنّما هو فيما إذا كان النهي مولوياً تحريمياً لا إرشاداً إلى الشرطية والجزئية والمانعية، وبالتالي إلى الفساد عند الاختلال وإلاّ فيدخل في القسم الثالث الآتي.

د . إذا تعلّق النهي بالأثر المترتب على المسبب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرف في الثمن والمثمن فهذا النوع عند العرف يساوق الفساد، فلا معنى لصحّة المعاملة إلاّ ترتب هذه الآثار عليها، فإذا كانت تلك الآثار مسلوبة في


(140)

الشرع فتكشف عن فساد المعاملة.

وإن شئت قلت: إنّ الصحّة لا تجتمع مع الحرمة المطلقة في التصرف في الثمن الذي دفعه المشتري أو المثمن الذي دفعه البائع.

القسم الثاني: إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة:

إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة فلا يدل على الفساد، ويُعْلم وجهه ممّا ذكرنا عند بيان أنحاء القسم الأوّل، فإنّ عدم المحبوبية لا يلازم الفساد، فالمعاملات المكروهة صحيحة حتى على النحو الرابع، أي إذا تعلّق النهي بالأثر المطلوب من المعاملة كالتصرف في المبيع.

القسم الثالث: إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد :

إذا ورد النهي بداعي بيان فساد المعاملة كما في قوله تعالى: (ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ) (النساء /22) فلا كلام في الدلالة على الفساد.

القسم الرابع: إذا كان النهي مردداً بين كونه مولوياً أو إرشادياً إلى الفساد :

إذا ورد النهي ولم يعلم حاله من المولوية والإرشادية، فالظاهر انّه يحمل على الإرشاد إلى الفساد وعدم ترتب الآثار عليه، فإذا قيل «لا تبع ما ليس عندك» فهو إرشاد إلى عدم إمضاء ذلك البيع ولما ذكرنا يستدل الفقهاء بالنواهي المتعلّقة بالمعاملات على الفساد، وما ذلك إلاّ لأجل كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد، وأنّ المعاملة فاقدة للشرط أو واجدة للمانع.

وقد عرفت أنّ محط البحث هو القسمان الأوّلان، وأمّا الأخيران فلوضوح حكمهما خارجان عنه.


(141)

تطبيقات:

لقد مضى أنّ مسألة النهي في العبادات والمعاملات من المسائل المهمة، لذا استوجب الحال بأن نستعرض تطبيقات لتلك المسائل:

1. الصلاة في خاتم الذهب:

روي عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ الروايات التالية:

أ . لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه (1).

ب . لا يصلّي الرجل وفي يده خاتم (2).

ج . لا يصلّي الرجل وفي تكّته مفتاح حديد (3).

قال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري: قد دلّت طائفة من الأخبار على اعتبار عدم كون لباس المصلّي من الذهب للرجال، والنهي في تلك الأخبار قد تعلّق بالصلاة في الذهب، والنهي المتعلّق بالعبادة يقتضي الفساد كما حرّر في محلّه (4).

2. إذا فرَّق الزكاة بين الفقراء مع طلب الإمام:

لو طلب الإمامُ الزكاة، ولكن المالك فرّقها بين الفقراء دون أن يدفعها إلى الإمام، فهل يجزي مع النهي الصادر من الإمام أو لا؟ (5)

3. لو تضرّر باستعمال الماء:

لو تضرّر باستعمال الماء في الوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم، فإن استعمل


1 . الوسائل: ج3، الباب 30 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.
2 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1 و 2.
3 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1 و 2.
4 . الحائري: الصلاة: 57.
5 . الجواهر: 15/421.


(142)

الماء وحاله هذا فهل يبطل الوضوء أو لا ؟ (1)

4. التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوبين:

إذا تيمّم بالتراب أو بالحجر المغصوبينأي الممنوع من التصرف فيه شرعاً، فهل يفسد تيمّمه أولا ؟ (2)

5. الاكتفاء بالأذان المنهيّ عنه:

إذا تغنَّى بالأذان، أو أذّنت المرأة متخضعة، أو أذّن في المسجد وهو جنب، فهل يصح الأذان منهم ويكتفي به أو لا ؟ (3)

6. حرمة الاستمرار في الصلاة:

إذا وجب قطع الصلاة لأجل صيانة النفس والمال المحترمين من الغرق والحرق، ومع ذلك استمرَّ في الصلاة فهل تبطل صلاته أو لا ؟ (4)

7. النهي عن التكفير في الصلاة:

قد ورد النهي عن التكفير في الصلاة ـ أي قبض اليد اليسرى باليمنى ـ كما ورد النهي عن إقامة النوافل جماعة في ليالي شهر رمضان (صلاة التراويح) فهل تبطل الصلاة أو لا؟

8. صوم يوم الشك بنيّة رمضان:

إذا صام آخر يوم من شهر شعبان بنيّة رمضان، فهل يصح صومه أو لا؟ (5)


1 . الجواهر: 5/111.
2 . الجواهر: 5/135.
3 . الجواهر: 9/53 ـ 59
4 . الجواهر: 11/123.
5 . الجواهر: 12/328.


(143)

9. القِران بين الحج والعمرة:

لو قارن بين الحج والعمرة بنية واحدة، فهل يبطل عمله لأجل النهي عن القِران كما لو نوى صلاتين بنية واحدة أو لا ؟(1)

10. شرط اللزوم في المضاربة:

إذا شرط اللزوم في المضاربة، فهل تبطل المضاربة للنهي عن شرط اللزوم المنكشف عن طريق الإجماع أو لا ؟ (2)

تمّ الكلام في المقصد الثاني
و الحمد للّه


1 . الجواهر: 17/207.
2 . مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، ص 13.ئ


(144)

المقصد الثالث
في المفاهيم

وفيه أُمور وفصول:

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق.

الأمر الثاني: تقسيم المدلول المنطوق إلى صريح وغير صريح.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي.

الأمر الرابع : تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق.

الأمر الخامس: الشرط المسوق لتحقق الموضوع.

الفصل الأوّل: مفهوم الشرط.

الفصل الثاني: مفهوم الوصف.

الفصل الثالث: مفهوم الغاية.

الفصل الرابع: مفهوم الحصر.

الفصل الخامس: مفهوم العدد.

الفصل السادس: مفهوم اللقب.


(145)

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق:

إنّ مداليل الجمل على قسمين:

قسم يصفه العرف بأنّ المتكلّم نطق به، وقسم يفهم من كلامه ولكن لا يوصف بأنّ المتكلّم نطق به، ولأجل اختلاف المدلولين في الظهور والخفاء ليس للمتكلّم إنكار المدلول الأوّل بخلاف المدلول الثاني، فإذا قال المتكلّم، إذا جاءك زيد فأكرمه فإنّ هنا مدلولين.

أحدهما: وجوب الإكرام عند المجيء، وهذا مما نطق به المتكلّم وليس له الفرار منه، ولا إنكاره.

والآخر: عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء، وهذا يفهم من الكلام وبإمكان المتكلّم التخلّص عنه بنحو من الأنحاء.

فالأوّل مدلول منطوقي، والثاني مدلول مفهومي.

وربما يعدّان من أوصاف الدلالة ويقال: دلالة منطوقية ودلالة مفهومية، ولكن الإطلاق من باب التوسع والمجاز، ولعل ما ذكرناه هو مراد الحاجبي من تعريفه للمنطوق والمفهوم بقوله:

المنطوق: ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق.

والمفهوم : ما دلَّ عليه اللفظ في غير محل النطق (1).


1 . الحاجبي: منتهى السؤل والأمل: 147، واختصره المؤلف واشتهر بالمختصر الحاجبي وشرحه العضدي، وكلاهما مطبوعان.


(146)

وما فسرنا به كلام الحاجبي أولى ممّا فسره العضدي في كتابه المعروف بـ«شرح المختصر» فلاحظ (1).

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ ما دل عليه اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ حاملاً لذلك المعنى وقالباً له فهو منطوق (تسمية للمدلول باسم الدال).

وما دل عليه اللفظ على وجه لم يكن اللفظ حاملاً وقالباً للمعنى ولكن دل عليه باعتبار من الاعتبارات فهو مفهوم.

الأمرالثاني: تقسيم المدلول المنطوقي إلى صريح وغير صريح:

تنقسم المداليل المنطوقية إلى قسمين: صريح وغير صريح. فالصريح، هو المدلول المطابقي; وأمّا غير الصريح، فهو المدلول التضمني والالتزامي.

ثم إنّ الالتزامي على ثلاثة أقسام:

أ . المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.

ب . المدلول عليه بدلالة التنبيه والإيماء.

ج . المدلول عليه بدلالة الإشارة.

أمّا الأوّل فهو ما يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً، كقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «رفع عن أُمتي تسعة الخطأ والنسيان» فإنّ المراد رفع المؤاخذة عنها وإلاّ كان الكلام كاذباً.

وقوله تعالى: (واسْئَلِ القريةَ التي كُنّا فِيها) (يوسف / 82) فلو لم يقدَّر الأهل لما صحَّ الكلام عقلاً.

وقول القائل: اعتق عبدك عنّي على ألف، فإنّ معناه ملِّكه لي على ألف ثم


1 . المحصول في علم الأُصول، الجزء الثاني قسم المنطوق والمفهوم.


(147)

اعتقه، إذ لا يصح العتق شرعاً إلاّ في ملك.

وأمّا الثاني، فهو ما لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً وشرعاً، ولكن كان مقترناً بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علة له، لبعد الاقتران و فُقِد الربطُ بين الجملتين فيفهم منه التعليل فالمدلول، هو علّية ذلك الشيء، لحكم الشارع كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اعتق رقبة» بعد قول الأعرابي: هلكت وأهلكت، وقعت على أهلي في يوم من شهر رمضان. (1)

فيعلم من ذلك أنّ الوقاع علّة لوجوب الكفارة عليه، وهذا يسمى مدلولاً بدلالة التنبيه والإيماء في مقابل المنصوص عليه كما إذا قال: «إذا واقعت فكفِّر» فالوقوع هنا علة منصوصة. كما هو في الحديث علة مؤمى إليها.

وأمّا الثالث، فهو لازم الكلام وان لم يكن المتكلّم قاصداً له مثل دلالة قوله سبحانه: (وحَمْلُهُ وفصالُهُ ثلاثُونَ شهراً) (الأحقاف / 15) إذا انضم إلى قوله تعالى: (والوالِداتُ يُرضِعْن أولادَهُنَّ حولينِ كامِلَين) (البقرة / 233) على كون أقل الحمل ستة أشهر، فإنّ المقصود في الآية الأُولى بيان ما تتحمّله الأُم من آلام و مشاقّ، و في الثانية بيان أكثر مدة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث، وهو أنّ أقل الحمل ستة أشهر.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي:

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي وأنّ مدار البحث هو أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟

وأمّا على فرض الدلالة والانفهام العرفي فلا إشكال في حجيته.

وبعبارة أُخرى: النزاع في أصل ظهور الجملة في المفهوم وعدم ظهورها،


1 . السنن الكبرى: 5 / 186 .


(148)

فمعنى النزاع في مفهوم الجملة الشرطية (إذا سلَّم أكرمه) هو أنّ الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وهل هي ظاهرة في ذلك أو لا؟

وأمّا بعد ثبوت دلالتها على المفهوم أو ظهورها فيه فلا نزاع في حجيته، ومن خلال هذا البيان يظهر وجود التسامح في قولهم مفهوم الشرط حجة أو لا، فإنّ ظاهره أنّ وجود المفهوم مفروغ عنه وانّما الكلام في حجيته، مع أنّ حقيقة النزاع في وجود أصل المفهوم.

الأمر الرابع: تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق:

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إذا كان موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم موافق، كما في قوله سبحانه: (فَلا تَقُل لَهُما أُفّ)(الإسراء/23) فحرمة التأفيف تدل بالأولوية على حرمة الشتم وربما يسمّى لحن الخطاب.

وأمّا لو كان الحكم في المفهوم مخالفاً في السنخ لحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم مخالف وهو الشايع.

الأمر الخامس: الشرط المسوق لتحقّق الموضوع:

إنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع، ومحمول، وشرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع ، عند انتفاء الشرط وعدمها مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ :«إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجِّسه شيء» فهناك موضوع وهو الماء، ومحمول وهو العاصمية (لم ينجسه) وشيء آخر باسم الشرط،


(149)

أعني: الكرية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع (الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع من دون تفكيك بين الشرط والموضوع بل يكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محل النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق هنا ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ الموارد التي وقعت محل النزاع عبارة عما يلي:

1.مفهوم الشرط.

2. مفهوم الوصف.

3.مفهوم الغاية.

4.مفهوم الحصر.

5. مفهوم العدد.

6. مفهوم اللقب.

وعلى ذلك يقع الكلام في ستة فصول:


(150)

الفصل الأوّل

مفهوم الشرط

إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم أي ثبوت الجزاء لدى ثبوت الشرط وانتفاءه لدى انتفائه لا يتم إلاّ إذا ثبتت الأُمور الثلاثة التالية:

1. وجود الملازمة بين الجزاء والشرط في القضية بأن لا يكون من قبيل القضايا الاتفاقية، كما في قوله: كلما كان الإنسان ناطقاً فالحيوان ناهق، فإنّ التقارن من باب الاتفاق، ولأجل ذلك يحصل الانفكاك بينهما كثيراً.

2. أن يكون التلازم من باب الترتب أي ترتب أحدهما على الآخر، بأن يكون الشرط علة للجزاء، خرج ما إذا لم يكن هناك أي ترتب كما إذا قال: إن طال الليل قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس بينهما أي ترتب لكونهما معلولين لعلة ثالثة.

3. أن يكون الترتب علّياً انحصارياً ومعنى الانحصار عدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام الشرط .

فالقائل بالمفهوم لا محيص له إلاّ من إثبات هذه الأُمور الثلاثة، ويكفي للقائل بالعدم منع واحد منها.

ثمّ إنّ دلالة الجملة الشرطية على هذه الأُمور الثلاثة بأحد الوجوه التالية:

1. الوضع: ادّعاء وضع الهيئة على ما يلازم هذه الأُمور الثلاثة: الملازمة، الترتب، الانحصار.

2. الانصراف: ادّعاء انصراف الجملة الشرطية في ذهن المخاطب إلى هذه


(151)

الأُمور.

3. الإطلاق: ادّعاء أنّ المتكلّم كان في مقام بيان العلل ولم يذكر إلاّ واحداً منها، فيعلم انحصارها فتثبت الملازمة والترتب بوجه أُولى، أمّا إثباتها بالطريق الأوّل أي بالدلالة الوضعية، فالحق دلالة الجملة الشرطية على الأمرين : الملازمة والترتب، وذلك لأنّ المتبادر من هيئة الجملة الشرطية هو أنّ فرض وجود الشرط وتقدير حصوله، يتلوه حصول الجزاء وتحقّقه وهذا مما لا يمكن إنكاره، وهو نفس القول بالملازمة والترتب.

ولأجل ذلك نعبّر عن القضايا الشرطية بالقضايا التعليقية، وكأنّ الثاني معلّق على الأوّل خصوصاً فيما إذا كان الجزاء إنشائياً.

نعم إذا كان الجزاء جملة خبرية فالتعليق والترتب إنّما هو في الإخبار لا في الوجود والتحقق، فلأجل ذلك صحّ قولنا: إن كان النهار موجوداً فالشمس طالعة، فإنّه وإن لم يكن بين وجود النهار وطلوع الشمس ترتب خارجاً ولذلك يجوز الإخبار بالعكس، ولكن المتكلّم أضفى الترتب عليه في مقام الحكاية.

وأمّا الأمر الثالث، وهو انّ العلّية بنحو الانحصار، فهو غير ثابت، لأنّ تقسيم العلّة إلى المنحصرة وغير المنحصرة من المفاهيم الفلسفية البعيدة عن الأذهان العامة فمن البعيد، أن ينتقل الواضع إلى التقسيم، ثم يضع الهيئة الشرطية على قسم خاص منها وهي المنحصرة.

وأمّا إثبات الانحصار بالانصراف (بعد عدم الحاجة إلى إثبات الأمرين الأوّلين عن هذا الطريق لثبوتهما بثبوت الانحصار بطريق أولى) فهو أيضاً بعيد، لأنّ الانصراف رهن أحد أمرين:

1. كثرة الاستعمال في العلة المنحصرة.

2. كون العلة المنحصرة أكمل من غيرها.

وكلا الأمرين منتفيان لكثرة الاستعمال في غير المنحصرة، وكون العلة


(152)

المنحصرة ليست بأكمل في العليّة من غيرها، فلم يبق في إثبات الانحصار إلاّ الطريق الثالث وهو الإطلاق وكون المتكلّم في مقام البيان وهذا يتصوّر على وجهين:

تارة يكون في مقام بيان خصوصيات نفس السبب الوارد في الجملة الشرطية وماله من جزء وشرط ومانع من دون نظر إلى وجود سبب آخر، وأُخرى يكون في مقام بيان ما هو المؤثر في الجزاء، فعلى الأوّل يكون مقتضى الإطلاق انّ ما جاء بعد حرف الشرط هو تمام الموضوع وليس له جزء أو شرط آخر ولايتفرع عليه المفهوم، بل أقصاه أنّ ما وقع بعد حرف الشرط تمام الموضوع للجزاء وأمّا أنّه لايخلفه شيء آخر فلايمكن دفعه لأنّه ليس في مقام البيان.

وعلى الثاني أي إذا كان بصدد بيان ما هو المؤثر في الجزاء على وجه الإطلاق، فإذا ذكر سبباً واحداً وسكت عن غيره، فالسكوت يكون دالاً على عدم وجود سبب آخر قائم مقامه.

والحاصل: أنّه لو أحرز كون المتكلّم في مقام تحديد الأسباب ومع ذلك اقتصر على ذكر سبب واحد يستكشف أنّه ليس له سبب إلاّ ما جاء في كلامه فيحكم على السبب بأنّه علة منحصرة، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في مقام بيان الأسباب كلّها فإنّ مقتضى الإطلاق أنّ ما وقع تحت الشرط تمام الموضوع وليس له جزء آخر غير موجود، وأمّا أنّه ليس للجزاء سبب آخر يقوم مقام السبب الأوّل فلايدل عليه.

تطبيقات

إنّ للقول بدلالة الجملة الشرطية على المفهوم ثمرات فقهية لا تحصى، وربما يستظهر من خلال الروايات أنّ القول بالدلالة كان أمراً مسلماً بين الإمام والراوي، وإليك تلك الروايات:


(153)

1. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الشاة تُذْبَح فلا تتحرك، ويُهرق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل، إنّ علياً كان يقول: إذا ركضت الرِجْل أو طُرِفت العين فكل» (1).

ترى أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يستدل على الحكم الذي أفتى به بقوله: «لا تأكل» بكلام علي ـ عليه السَّلام ـ ، ولا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، وهو إذا لم تركض الرجل ولم تطرف العين (كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.

2. روى الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان أمير المؤمنين يضمّن القصار والصائغ احتياطاً للناس، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً» .(2)

فالرواية على القول بالمفهوم دالة على تضمينه إذا لم يكن مأموناً .(3)

3. روى علي بن جعفر في كتاب مسائله وقرب الإسناد: أنّه سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال: «إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس» .(4)

دلت الرواية على القول بالمفهوم على حرمة التجارة مع المشرك إذا حملوا سلاحاً من دون فرق بين زمان الحرب والهدنة.

4. روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».

دلت الرواية بحكم اشتمالها على المفهوم على نجاسة القليل بالملاقاة، وإلاّ كان تعليق عدم الانفعال بالكرّية أمراً لغواً.(5)

5. روى عبد اللّه بن جعفر عن أبي محمد قوله: ويجوز للرجل أن يصلّي ومعه فارة مسك، فكتب:«لا بأس به إذا كان ذكياً».


1 . الوسائل: 16/264، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13/272، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 4.
3 . مباني العروة : كتاب المضاربة: 17.
4 . الجواهر: 22/28.
5 . الجواهر: 1/106.


(154)

فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على المنع عن حمل الميتة وإن كان جزءاً صغيراً .(1)

6. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قلت له: الأمة تغطي رأسها، فقال: «لا، ولا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد».

دلّ بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد .(2)

7. روى الحلبي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأُولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئاً» .(3)

دلّ على وجوب السورة بعد الحمد في غير مورد الشرط.

8. روى ابن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا بأس أن يتكلّم إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين أن تقام الصلاة».(4)

استدلّ بها صاحب الجواهر على حرمة الكلام في أثناء الخطبة.

9. روى علي بن فضل الواسطي، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: كتبت إليه إذا انكسفت الشمس أو القمر وأنا راكب لا أقدر على النزول، فكتب إليّ: «صل على مركبك الذي أنت عليه».

استدلّ بها على عدم جواز إقامة صلاة الآيات على ظهر الدابة إلاّ مع الضرورة .(5)

10. روى معاوية بن وهب بعد أن سأله عن السرية يبعثها الإمام ـ عليه السَّلام ـ فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، أخرج منها الخمس للّه تعالى وللرسول، وقسّم بينهم ثلاثة أخماس».

استدلّ بأنّه إذا كان هناك حرب بغير إذنه، فليس ما أخذه من الغنائم بل من الأنفال .(6)


1 . الجواهر: 6/132.
2 . الجواهر: 8/222.
3 . الجواهر: 9/334.
4 . لجواهر: 11/294.
5 . الجواهر: 11/477.
6 . الجواهر: 11/294.


(155)

التنبيه الأوّل: إذا تعدّد الشرط واتحد الجزاء

إذا كان الشرط متعدّداً والجزاء واحداً كما لو قال: إذا خفي الأذان فقّصر، وإذا خفي الجدران فقصّر، فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم، تقع المعارضة بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر، فلو افترضنا أنّ المسافر بلغ إلى حدّ لايَسمع أذان البلد ولكن يرى جدرانه فيقصِّر حسب منطوق الجملة الأُولى ويُتمّ حسب مفهوم الجملة الثانية، كما أنّه إذا بلغ إلى حد يسمع الأذان و لا يرى الجدران فيتم حسب مفهوم الجملة الأولى ويُقصّر حسب منطوق الجملة الثانية، فالتعارض بين منطوق إحديهما ومفهوم الأُخرى.

وبما انّك عرفت أنّ استفادة المفهوم مبني على كون الشرط علّة تامة أوّلاً، ومنحصرة ثانياً يرتفع التعارض بالتصرف في أحد ذينك الأمرين، فتفقد الجملة الشرطية مفهومها، وعندئذ لا يبقى للمعارضة إلاّ طرف واحد وهو منطوق الآخر، وإليك بيان كلا التصرفين:

أمّا الأوّل: أي التصرف في السببيّة التامة بأن تكون الجملة الثانية قرينة على أنّ خفاء الأذان ليست سبباً تاماً للقصر، وانّما السبب التام هو خفاء كلا الأمرين من الأذان والجدران، فتكون النتيجة بعد التصرف هو إذا خفي الجدران والأذان معاً فقصر .

وأمّا الثاني: وهو التصرّف في انحصارية الشرط بأن يكون كل منهما سبباً مستقلاً لا سبباً منحصراً، فتكون النتيجة هي استقلال كل واحد في وجوب القصر، فكأنّه قال: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر.

والفرق بين التصرفين واضح، فإنّ مرجع التصرف في الأوّل إلى نفي السببية المستقلّة عن كل منهما وجعلهما سبباً واحداً، كما أنّ مرجعه في الثاني إلى سلب الانحصار بعد تسليم سببيّة كل منهما مستقلاً.


(156)

فعلى الأوّل لا يقصر إلاّ إذا خفي كلاهما وعلى الثاني يقصر مع خفاء كل منهما.

وعلى كلا التقديرين يرتفع التعارض لزوال المفهوم بكل من التصرفين، لأنّ المفهوم فرع كون الشرط سبباً تاماً ومنحصراً، والمفروض أنّه إمّا غير تام، أو غير منحصر.

إلاّ أنّه وقع الكلام في تقديم أحد التصرفين على الآخر، والظاهر هو التصرف في ظهور كل من الشرطين في الانحصار فيكون كل منهما مستقلاً في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم، وإذا حصلا معاً فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق وان تقارنا كان الأثر لهما معاً ويكونان كالسبب الواحد.

وانّما قلنا برجحان التصرف في الانحصار على التصرف في السببية التامة، لأجل أنّ التصرف في الانحصار مما لا بدّ منه سواء تعلّق التصرف برفع الانحصار أو تعلّق التصرف بالسببية التامة، فالانحصار قطعيّ الزوال ومتيقن الارتفاع، وأمّا السببية التامة فمشكوك الارتفاع فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل.

التنبيه الثاني: في تداخل الأسباب والمسببات (1)

إذا تعدّد السبب واتحد الجزاء كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضأ وإذا نُمتَ فتوضأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب أوّلاً، وتداخل المسببات ثانياً.

والمراد من تداخل الأسباب وعدمه هو أنّ السببين هل يقتضيان وجوباً واحداً فتتداخل الأسباب في التأثير، أو يقتضيان وجوبين فلا تتداخل في مقام التأثير؟

وأمّا المراد من تداخل المسببات، فالبحث في تداخلها وعدمها مبني على


1 . يكفي في عقد هذا البحث القول بكون كل شرط سبباً تاماً، لا سبباً منحصراً، فليس البحث مبنياً على اشتمال القضية الشرطية على المفهوم ،فلاحظ.


(157)

ثبوت عدم التداخل في الأسباب، فلو قلنا بأنّ كلاً من البول والنوم سبب مستقل في مقام التأثير وأنّ لكل وجوباً خاصاً يقع الكلام حينئذ في أنّ الإتيان بالطبيعة مرة هل يكفي في امتثال كلا الوجوبين وهذا ما يعبّر عنه بتداخل المسببات، أو يتوقف على الإتيان بها مرتين و هذا ما يعبّر عنه بعدم تداخل المسببات؟

ثم إنّ البحث في التداخل على وجه الإطلاق، فيما إذا أمكن تكرار الجزاء كالوضوء، وأمّا إذا لم يمكن التكرار كالقتل، فيسقط البحث على وجه الإطلاق كقتل زيد لأسباب مختلفة لكونه محارباً وزانياً محصناً ومرتداً، فإنّ القتل غير قابل للتكرر، فلا معنى للبحث عن التداخل سبباً أو مسبباً، إذا عرفت ذلك فلنبحث تارة في تداخل الأسباب، وأُخرى في تداخل المسببات.

التداخل في الأسباب

اختلفت كلمة الأُصوليين إلى أقوال:

أ . عدم التداخل مطلقاً، وهو المشهور .وإليه ذهب الشيخ الأعظم الأنصاري، والمحقّق الخراساني.

ب . التداخل مطلقاً وهو المنسوب إلى المحقّق الخوانساري.

ج. التفصيل بين اختلاف الشرط ماهية، كالنوم والبول; واتحاده، كتكرر البول. فالتداخل يتم في الثاني دون الأوّل وهو المحكي عن ابن ادريس الحلّي.

دليل القائل بعدم التداخل

لا شبهة في أنّه إذا ورد دليل خاص على التداخل أو عدمه نأخذ به، إنّما الكلام فيما إذا لم يرد دليل خاص على أحد الأمرين، فظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء (الوجوب) عند حدوث الشرط (النوم أو البول) ولازم ذلك هو حدوث الوجوبين لا الوجوب الواحد، وقد عرفت أنّ معنى عدم تداخل الأسباب هو تعدد التكليف والاشتغال، وأنّ ظاهر كل قضية أنّ الشرط علّة تامة لحدوث


(158)

الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الآخر معه أو قبله أو بعده أو لم يوجد، وليس لعدم تداخل الأسباب معنى إلاّ تعدد الوجوب.

دليل القائل بالتداخل

إنّ القائل بالتداخل يعترف بهذا الظهور (حدوث الجزاء عند حدوث الشرط) إلاّ أنّه يقول: لا يمكن الأخذ به، لأنّ متعلّق الوجوب في كلا الموردين شيء واحد وهو طبيعة الوضوء، ومن المعلوم أنّه يمتنع أن يقع الشيء الواحد متعلّقاً لوجوبين وموضوعاً لحكمين متماثلين، والمفروض أنّ متعلّق الوجوب في كليهما طبيعة الوضوء لا طبيعة الوضوء في أحدهما و الوضوء الآخر في الثاني حتى يصح تعدّد الوجوب بتعدّد المتعلّق، فإطلاق الجزاء، وأنّ الوضوء بما هو هو موضوع لا هو مع قيد كلفظ «آخر»، يقتضي التداخل.

وما ذكرناه دليل القولين; فالقائل بعدم التداخل يتمسّك بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كل شرط، وهو يلازم عدم التداخل في الأسباب; والقائل بالتداخل يتمسّك بوحدة المتعلّق وكون الموضوع للوجوبين هو نفس الطبيعة التي تقتضي وحدة الحكم و لا تقبل تعدّده فلابد من رفع اليد عن أحد الظهورين.

والظاهر تقديم ظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كلّ شرط، على إطلاق الجزاء في وحدة المتعلَّق، فتكون قرينة على تقدير لفظ مثل «فرد آخر» في متعلّق أحد الجزائين أو لفظ «مرة أُخرى» وعندئذ تكون الطبيعة موضوعة للوجوب في إحدى القضيتين، والفرد الآخر من الطبيعة موضوعة للوجوب في القضية الأُخرى.

ولعل العرف يساعد تقديم ظهور الصدر على ظهور الذيل بالتصرف في الثاني لقوة ظهور الصدر.


(159)

ويمكن توجيه تقديم ظهور الصدر على إطلاق الذيل بالارتكاز العرفي إذ المرتكز في الأذهان هو أنّ كل سبب تكويني يطلب معلولاً خاصاً، فكل من النار والشمس يفيض حرارة مستقلّة من غير فرق بين أن يتقارنا أو تتقدّم إحداهما على الأخرى فإذا كان هذا هو المرتكز في الأذهان، وسمع صاحب هذا الارتكاز من المعصوم قوله: إذا نمت فتوضأ، وإذا بلت فتوضأ، ينتقل إلى أنّ كلاً من النوم والبول يطلب وجوباً مستقلاً، و أن ّ أثر كل واحد غير أثر الآخر، والارتكاز الموجود في الأذهان يوجب انعقاد ظهور خاص للقضية وهو حدوث الوجوب عند حدوث كل شرط مستقلاً مطلقاً.

وبهذا يقدم ظهور الصدر على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق الآبية عن تعلّق الوجوبين(1) و ليس هذا من قياس التشريع على التكوين حتى يقال بأنّه أمر باطل، بل هو من باب جعل الارتكاز العرفي في العلل التكوينية قرينة على انتقال العرف لمقتضى مثلها في العلل التشريعية.

وبذلك ظهرت قوة الوجه الأوّل وضعف الوجه الثاني، وأمّا التفصيل المنقول عن ابن ادريس من التفريق بين وحدة الشرطين ماهية واختلافهما فيها، فليس له دليل صالح للذكر.

هذا كلّه حول التداخل وعدمه في الأسباب، وإليك البحث في التداخل في المسببات.

التداخل في المسببات

إذا ثبت في البحث السابق عدم التداخل و أنّ كل سبب علّة لوجوب مستقل، فحينئذ يقع الكلام في مقام آخر وهو إنّ تعدّد الوجوب هل يقتضي تعدّد الواجب أو لا؟


1 . اقتباس مما ذكره الاستاذ الكبير السيد الإمام الخميني ـ قدَّس سرَّه _ في دروسه الشريفة.


(160)

وبعبارة أُخرى :إنّ تعدّد السبب كما يقتضي تعدد الوجوب فهكذا يقتضي تعدد الامتثال أيضاً، أو لايقتضي بل يكفي في امتثال كلا الوجوبين الإتيان بمصداق واحد نظير امتثال قول القائل: أكرم العالم واكرم الهاشمي بضيافة العالم الهاشمي.

الظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، أي كفاية امتثال واحد وعدم كفايته، فتصل النوبة إلى الأصل العمليّ وهو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دل الدليل على سقوطها به، وبعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهي رهن تعدّد الامتثال.

نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعددة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.

ويستثنى من ذلك ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً وخصوصاً من وجه، كما في قضية أكرم عالماً وأكرم هاشمياً، فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين ولا يعتبر في تحقّق الامتثال إلاّ الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر .(1)

تطبيقات

1. إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الانفاق؟ قال في الجواهر:لايجوز، لكونه ليس إيتاءً للزكاة لأصالة عدم تداخل الأسباب.


1 . أجود التقريرات: 1/432.


(161)

2. إذا اجتمع للمستحق سببان يستحق بهما الزكاة، كالفقر والجهاد في سبيل اللّه جاز أن يُعطى لكل سبب نصيباً، لاندارجه حينئذ في الصنفين مثلاً، فيستحق بكل منهما.

3. إذا اجتمع سببان للخيار، كالمجلس والعيب، أو خيار الحيوان، فلا يتداخل السببان، وفائدته بقاء أحدهما مع سقوط الآخر.

4. لو تكرّر منه وطء الحائض في وقت واحد كالثلث الأوّل، أو في وقتين كما إذا كان الثاني في الثلث الثاني يقع الكلام في تكرّر الكفّارة وعدمه.

5. إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر لكل نصيب خاص من النزح، فهل يجب نزح كل ما قدّر أو لا؟

6. إذا تغيرت أوصاف ماء البئر، ومع ذلك وقعت فيه نجاسات لها نصيب من النزح، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟

7. إذا مات وهو جنب، فهل يكفي الغسل الواحد أو يجب الغسلان؟


(162)

الفصل الثاني

مفهوم الوصف

وقبل الدخول في الموضوع نقدم أُموراً:

الأوّل: المراد من الوصف في عنوان المسألة ليس خصوص الوصف النحوي بل الأُصولي، فيعم الحال والتمييز ممّا يصلح أن يقع قيداً لموضوع التكليف أو لنفسه.

وبما أنّ المفهوم مبني على أساس اشتمال المنطوق على موضوع، ومحمول، وقيد، يُتبّين أنّ البحث يختص بما إذا كان الوصف معتمداً على موصوف وإلاّ فيخرج عن محط البحث ويدخل في باب مفهوم اللقب، فمثل قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) (المائدة/ 38) خارج عن محل البحث، فإنّ نفي الحكم عن غير السارق والسارقة أشبه بانتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع.

ومع ذلك كلّه يُرى تعميم النزاع إلى الوصف غير المعتمد على الموصوف في كلمات الأُصوليين حيث يستدلون بآية النبأ على حجية خبر الواحد متمسكين بمفهوم الوصف وهو غير معتمد على موصوف قال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات /6) كما يستدلّون بحديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليّ الواجد بالدين يُحلّ عرضه وعقوبته» و هو مثل آية النبأ في عدم الاعتماد على الموصوف. (1)

الثاني: يشترط في الوصف أن يكون أخصّ من الموصوف مطلقاً حتى يصح


1 . الوسائل: 13، كتاب الدين، الباب الثامن، الحديث 4.


(163)

فرض بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف كالإنسان العادل.

فخرج منه الموارد التالية:

أ. ما إذا كانا متساويين، كالإنسان المتعجب.

ب. ما إذا كان أعم منه، كالإنسان الماشي.

وجه الخروج أنّ المفهوم فرع بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف، ففي المتساويين ينتفيان معاً، و في الأعم ينتفي الموضوع بانتفاء الوصف بطريق أولى على خلاف باب المفهوم.

ج. إذا كان أعم منه من وجه كما في الغنم السائمة زكاة فانّ بين الغنم و السائمة عموم و خصوص من وجه، فيفترق الوصف عن الموضوع في الغنم المعلوفة، والموضوع عن الوصف في الإبل السائمة و يجتمعان في الغنم السائمة، فهل هو داخل في النزاع أو لا؟

الظاهر دخوله في النزاع إذا كان الافتراق من جانب الوصف بأن يكون الموضوع باقياً والوصف غير باق كالغنم المعلوفة، وأمّا إذا ارتفع الموضوع، سواء كان الوصف باقياً، كالإبل السائمة، أو كان هو أيضاً مرتفعاً كالإبل المعلوفة فلا يدل على شيء في حقهما.

الثالث: انّ النزاع في ثبوت مفهوم الوصف وعدمه لا ينافي اتفاقهم على أنّ الأصل في القيود أن تكون احترازية وذلك:

لأنّ معنى كون القيد احترازياً ليس إلاّ ثبوت الحكم في مورد القيد، فإذا قال: أكرم الرجال طوال القامة، معناه ثبوت الحكم مع وجود الأمرين: الرجال والطوال.

وأمّا نفي الحكم عن الرجال القصار فلا يدل عليه كون القيد احترازياً، بل يُتوقف في الحكم بالثبوت أو العدم بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ لازمه نفي الحكم


(164)

في غير مورد الوصف والفرق بين الأمرين واضح، فكون القيد احترازياً يلازم السكوت في غير مورد الوصف، والقول بالمفهوم يلازم نقض السكوت والحكم بعدم الحكم في غير مورد الوصف.

الرابع: انّ النزاع في ثبوت المفهوم للوصف لا ينافي ما اتفقوا عليه من حمل المطلق على المقيد، فإنّ معنى حمل المطلق على المقيد إنّما هو تخصيص الحكم بالموضوع المقيد وقصره عليه، فكأنّ الحكم ورد على المقيد من أوّل الأمر، وأمّا دلالته على ارتفاع الحكم في مورد انتفاء القيد فلا يدل عليه، بل هو ساكت عنه كسكوت القيد الاحترازي.

وهذا بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ معناه دلالة الوصف على انتفاء الحكم عن غير مورد الوصف، وشتان بين قصر الحكم على موضوع مقيد والسكوت عن انتفائه عن غير مورده، وبين دلالة الشيء على قصر الحكم على المقيد ودلالته على انتفائه عن غير مورده.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الوصف على المفهوم، و يعلم ذلك ببيان أقسام القيود .

أقول: إنّ القيود الواردة في الكلام على أقسام خمسة:

1. القيد الزائد كقولك: الإنسان الضاحك ناطق، فإنّ الإنسان ناطق سواء كان ضاحكاً أو لا.

2. القيد التوضيحي:و هو القيد الذي يدلّ عليه الكلام و إن لم يذكر كقوله سبحانه:(وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى البِغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) (النور/33) فقوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) قيد توضيحي، إذ لا يصدق الإكراه إلاّ معه و يغني عن ذكره قوله:(وَلا تُكْرِهُوا) و مع ذلك جيئ به لنكتة خاصة، كما هو الحال في كلّ قيد توضيحي في كلام البلغاء.

3. القيد الغالبي: و هو القيد الوارد مورد الغالب، و مع ذلك لا مدخلية له


(165)

في الحكم، كقوله سبحانه:(وَرَبائبكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)(النساء/22) فكونهن في حجور الأزواج قيد غالبي، لأنّ المرأة التي توفّى عنها زوجها إذا تزوّجت مرّة أُخرى تجلب أطفالها إلى بيت زوجها الثاني، فلذلك تكون الربائب غالباً في حجر الزوج الثاني، و لكن الربيبة محرّمة سواء أكانت في حُجره أم لا.

4. القيد الاحترازي: و هو القيد الذي له مدخلية في الحكم ولا يحكم على الموضوع بحكم إلاّ معه كالدخول في الآية المتقدّمة فانّ الدخول بالأُم شرط لحرمة الربيبة، فلو لم يدخل بها و طلّقها يتوقّف في الحكم.

5. القيد المفهومي: أو القيد ذات المفهوم، و هو ما يدل على ثبوت الحكم عند وجوده و عدمه عند انتفائه، وهذا النوع من القيد يُثبت أكثر ممّا يثبته القيد الاحترازي، فإنّ الثاني يثبت الحكم في مورد القيد و يسكت عن وجوده و عدمه في غير مورده، و لكن القيد المفهومي يُثبت الحكم في مورده و ينفيه عن غيره.

إذا وقفت على أقسام القيد و آثاره المختلفة، فاعلم أنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى الذي مرّعليك، وأمّا الزائد عليه أي الانتفاء لدى الانتفاء فلا دليل عليه.

نعم ربما تدل القرائن على ثبوت المفهوم للقضية الوصفية ـ وراء كونه احترازياً ـ مثل ما حُكي أنّ أبا عبيدة قد فهم من قول رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «ليّ الواجد يُحِلُّ عرضه و عقوبته»: أنّ ليَّ غير الواجد لا يُحلّ.

و إن كان القول بالمفهوم في الحديث لا يخلو من إشكال، و ذلك لأنّ الليّ فرع الوجدان، فإذا لم يكن واجداً فلا يطلق(1) عليه الليّ، مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، فلا يدل على أنّه إذا لم يرزق ولداً فلا تختنه.


1 . و الليّ: «المطل» و الواجد: الغني، و إحلال عرضه: عقوبتُه وحبسُه.


(166)

و على كلّ تقدير فالذي دعا الأُصوليين إلى عدم القول بالمفهوم في التقييد بالوصف، هو عدم انتفاء الحكم عند انتفاء القيد في النصوص الشرعية نظير قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) (آل عمران/130) فإنّ الربا حرام مطلقاً أضعافاً كان أو لا.

وقوله سبحانه: (وَاسْتَشْهِدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ)(البقرة/282) مع اتّفاقهم على جواز القضاء بشهادة شاهد واحد ويمين المدّعي.

وقوله سبحانه:(وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي فِي حُجُورِكُمْ من نِساءِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) (النساء/23) مع حرمة الربيبة إذا دخل بأُمّها و إن لم تكن في حجره.

و قوله سبحانه: (وَ إِذا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا ) (النساء/101).

فالتقصير قيّد بالخوف من فتنة الكفار مع أنّه جائز مطلقاً سواء كان هناك فتنة أو لا.

نعم خرجت عن تلك الضابطة العقود و الإيقاعات المتداولة بين الناس حتى الأقارير و الوصايا، فإنّها لو اشتملت على قيد و وصف لأفاد المفهوم، فمثلاً لو قال: «داري هذه وقف للسادة الفقراء» فمعناه خروج السادة الأغنياء عن الخطاب.


(167)

الفصل الثالث

مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية مثل قوله:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فقد اختلف الأُصوليون فيه من جهتين:

الجهة الأُولى: في دخول الغاية«المرفق» في حكم المنطوق«اغسلوا» و هذا ما يعبّر عنه بدخول الغاية في حكم المغيّى (غسل اليد) و عدمه.

الجهة الثانية: في مفهوم الغاية، و هو موضوع البحث في المقام فقد اختلفوا في أنّ التقييد بالغاية هل يدل على انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية (العضد) و من الغاية نفسها(المرفق) إذا قلنا في النزاع الأوّل بعدم دخولها في المغيّى أو لا؟

أمّا الجهة الأُولى ففيها أقوال:

أ. خروجها مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و السيد الإمام الخميني ـ قدّس اللّه سرّهما ـ .

ب. دخولها مطلقاً.

ج. التفصيل بين ما إذا كان ماقبل الغاية و مابعدها متحدين في الجنس، فتدخل كما في قوله سبحانه:( فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6) فيجب غسل المرفق، و بين ما لم يكن كذلك فلا يدخل كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة/187) فإنّ الليل (الغاية) يغاير المغيّى(النهار).فانّ جنس النهار عرفاً هو النور، وجنس الآخر هو الظلمة فهما


(168)

مختلفان جنساً، واشتراكهما في الزمان صحيح لكنّه أمر عقليّ.

د. عدم الدلالة على شيء و إنّما يُتبع في الحكم ، القرائنُ الدالّة على واحد منهما.

وقبل بيان المختار نشير إلى أمرين:

الأوّّل: انّ البحث في دخول الغاية في حكم المغيّى إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره تارة داخلاً في حكمه و أُخرى داخلاً في حكم مابعد الغاية، كالمرفق فانّه يصلح أن يكون محكوماً بحكم المغيّى (الأيدي) و محكوماً بحكم ما بعد الغاية (العضد) و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا، كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات ، فالضربة السادسة هي بعد الغاية و ليس هنا حدّ مشترك صالح لأن يكون محكوماً بحكم المغيّى أو محكوماً بحكم ما بعد الغاية، و بذلك يظهر أنّه لو كانت الغاية، غاية للحكم لا يتصوّر فيه ذلك النزاع، كما إذا قال:«كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» فانّه لا يمكن أن يكون العلم بالحرام داخلاً في حكم المغيّى، إذ ليس بعد العلم بالحظر رخصة و « ليس وراء عبادان قرية».

الثاني: إذا كانت أداة الغاية هي لفظ «حتى» فالنزاع في دخول الغاية في حكم المغيّى و عدمه إنّما يتصوّر إذا كانت خافضة كما في قوله:« أكلت السمكة حتى رأسِها، و مثل قوله سبحانه: (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187).

وأمّا العاطفة فهي خارجة عن البحث، لأنّ الغاية فيها داخلة تحت حكم المغيّى قطعاً، كما إذا قال: مات الناسُ حتى الأنبياء، فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضاً، و الغرض من ذكر الغاية هو بيان أنّه إذا كان الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى، محكوماً بالموت فكيف حال الآخرين، و نظيره القول المعروف: مات كلُّ أب حتى آدم.


(169)

إذا عرفت ذلك فالحقّ هو القول الأوّل، أي عدم دخول الغاية في حكم المغيّى أخذاً بالتبادر في مثل المقام، قال سبحانه:(تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر* سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر ) (القدر/4و5) فإنّ المتبادر منه أنّ النزول إلى مطلع الفجر لا فيه نفسه ولا بعده، و كقول القائل: قرأت القرآن إلى سورة الإسراء، فإنّ المتبادر خروج الإسراء عن إخباره بالقراءة، فإن تمّ ما ذكرنا من التبادر فهو، و إلاّ فالقول الرابع هو الأقوى من أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى و لا في عدمه.

وعلى القول المختار تكون آية الوضوء آية واضحة المدلول في المرفق إلاّ إذا قيل إنّ «إلى» بمعنى «مع» أو قيل بوجوب الغسل من باب المقدّمة العلميّة. و أمّا على القول الرابع يكون مجملاً، فلو لم يكن هناك دليل اجتهادي من أمارة أو إجماع، ينتهي الأمر إلى الأُصول العملية، وأصل البراءة من وجوب الغسل هو المحكَّم عند ئذ.

الجهة الثانية: في مفهوم الغاية و انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية و من الغاية نفسها إذا لم نقل بدخولها في المغيّى.

فهناك صورتان:

الأُولى: أن يكون القيد غاية للحكم، فلا ريب في الدلالة على المفهوم كقولهعليه السَّلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر».

وقوله :كلّ (1)شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام، لامتناع بقاء الطهارة أو الحلية مع انكشاف الواقع و أنّه قذر أو حرام.

الثانية: أن يكون قيداً للموضوع كما في قولك : سر من البصرة إلى الكوفة، فانّ قولك: إلى الكوفة، قيد للسير لا للوجوب، و كأنّك تقول: «السير من البصرة


1 . الوسائل: ج1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث5.


(170)

إلى الكوفة واجب» و مثله قوله سبحانه:(فَاغْسِلُوا وُجوهَكُمْ وَأَيْديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)فقوله: (إِلَى المَرافِقِ) قيد الغسل لا الوجوب فكأنّه قال: غَسْلُ الأيدي إلى المرافق واجب و الظاهر دلالة الجملة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية و حتى عن الغاية أيضاً إذا قلنا بعدم دخولها في حكم المغيّى، لأنّ المتفاهم العرفي في أمثال المقام هو تحديد الواجب و تبيين ما هو الوظيفة في مقام التوضؤ، و يؤيد ما ذكرنا تبادر المفهوم في أكثر الآيات الواردة فيها حتى الخافضة قال سبحانه:(وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرنَ) (البقرة/222) و قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187) و قال: (وَ قاتِلُوهُم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة)(البقرة/193) فانّ المتبادر من هذه الآيات هو حصر الحكم إلى حدّ الغاية و سريان خلافه إلى ما بعدها.

فخرجنا بهذه النتيجة: وهي اشتمال الغاية على المفهوم من غير فرق بين أن يكون قيداً للحكم أو للموضوع، و إن كان القول بالمفهوم للأوّل أوضح.


(171)

الفصل الرابع

مفهوم الحصر

المشهور أنّ الألفاظ التالية تفيد الحصر:

1. إلاّ الاستثنائية.

2. إنّما.

3. بل الإضرابية.

4. تقديم ما حقّه التأخير.

5. تعريف المسند إليه باللاّم.

و إليك الكلام في كلّ واحد منها:

1. إلاّالاستثنائية: فيقع الكلام فيها في مواضع ثلاثة:

الأوّل: هل الاستثناء من النفي إثبات و من الإثبات نفي. و هل تدل «إلاّ» على هذا أو لا؟ فقد اتّفقت كلمتهم على الدلالة، و لم يخالف فيه إلاّ أبو حنيفة و يشهد على صحّة قولهم تبادر ما ذكرناه في عامة اللغات.

الثاني: هل الاستثناء يدلّ على الحصر أي حصر الخروج في المستثنى وعدم خروج فرد آخر عن المستثنى منه، و الظاهر هو الدلالة عليه، و يكفي في ذلك التبادر القطعي بحيث لو دلّ دليل آخر على خروج فرد غيره لعدّ مخالفاً لظاهر الدليل، فلو قال:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور والقبلة والقيام والركوع و


(172)

السجود» ثمّ قال في دليل آخر بوجوب الإعادة في غير هذه الخمسة لعدّ مخالفاً للمفهوم المستفاد من القضية الأُولى و لابدّ من علاج التعارض بوجه.

الثالث: هل الدلالة على الحصر دلالة منطوقية أو مفهومية، فيه وجهان، ولا تترتب ثمرة عملية على (1)ذلك، و ربما يتصوّر وجود الثمرة، لأنّ الدلالة المنطوقية أقوى من الدلالة المفهومية، فلو قلنا بأنّ دلالتها على الحصر دلالة منطوقية، فقد أثبتنا للحصر مقاماً أقوى في مقام المعارضة، فلو عارضته دلالة منطوقية يتساويان، و لو عارضته دلالة مفهومية تكون متقدّمة عليها.

يلاحظ عليه: أنّه ليست لتقديم الدلالة المنطوقية على المفهومية ضابطة كلية، بل التقديم تابع لأقوى الظهورين، فربما تكون الدلالة المفهومية أقوى من المنطوقية كما قدتكون الدلالة المنطوقية أقوى من الأُخرى.

تطبيقات

1. لو حصل التغيّر بملاقاة النجاسة لماء الكر أو الجاري في غير صفاته الثلاث: اللون و الطعم و الرائحة، كالحرارة و الرقة والخفة، فهل ينجس الماء أو لا؟

الظاهر هو الثاني، للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي، أعني قوله: «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجِّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».(2)

2. لو ضمّ إلى نية التقرّب في الوضوء رياءً.

قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب، والمشهور هو البطلان لقوله سبحانه:(وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) (البيّنة/4) و المراد من


1 . الوسائل: الجزء 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.
2 . الجواهر: 1/83.


(173)

الدين هو الطاعة، و الحصر قاض بأنّ العمل الفاقد للإخلاص لم يتعلّق به أمر فكيف يكون صحيحاً؟(1)

2. من أدوات الحصر كلمة (إنّما)

استدل علماء المعاني على إفادتها للحصر بوجهين:

أ. التبادر عند استعمال تلك اللفظة.

ب. تصريح اللغويين كالأزهري و غيره على أنّها تفيد الحصر.(2)

و التتبع في الآيات الكريمة يرشدنا إلى كونها مفيدة للحصر، أي حصر الحكم في الموضوع، قال سبحانه:

1. (إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَوَ هُمْ راكِعُونَ)(المائدة/55).

2. (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزير ) (البقرة/173).

3. (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يخْرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ...* إِنَّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخرجُوكُمْ)(الممتحنة/8ـ9).

إلى غير ذلك من الآيات المسوقة بالحصر.

تطبيقات

1. يجب أن يُحـنَّط مساجد الميت السبعة بالحنوط، و هو الطيب المانع عن فساد البدن، و ظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور، لقول الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما


1 . الجواهر: 2/96ـ97.
2 . مطارح الأنظار:122.


(174)

الحنوط بالكافور»، و قوله: «الكافور هو الحنوط».

2. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا كنت إماماً، فإنّما التسليم(1) أن تسلم على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و تقول: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت ال(2)صلاة».

فيدل الحصر على عدم الخروج إلاّ بالتسليم الثاني.

3. من أدوات الحصر (بل الإضرابية)

تستعمل بل الإضرابيّة على وجوه:

أ. ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه كما إذا قال: جاءني زيد بل عمرو، إذا التفت إلى أنّ ما أتى به أوّلاً صدر عنه غفلةً فلا تدل على الحصر.

ب. ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه فلا تدل على الحصر، كقوله سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى*وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدّنيا)(الأعلى/14ـ 16).

وقوله تعالى:(وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ*بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُون ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ) (المؤمنون/62ـ63)

ج. ما كان في مقام الردع و إبطال ما جاء أوّلاً، فتدل على الحصر، قال سبحانه:(وَقالُوااتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (الأنبياء/26) و المعنى بل هم عباد فقط.

و نحوه قوله سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ


1 . الجواهر: 4/176.
2 . الوسائل:4، الباب 2 من أبواب التسليم، الحديث 2.


(175)

لِلْحَقِّ كارِهُونَ) (المؤمنون/70).

و الآية تدل على حصر ما جاء به في الحقّ.

4. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير

هناك هيئات غير الأدوات تدلّ على الحصر، مثل تقديم المفعول على الفعل، نحو قوله: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِين) (الحمد/5).

5. من أدوات الحصر تعريف المسند إليه باللاّم

إذا دخلت اللام على المسند إليه سواء كانت لام الجنس أو لام الاستغراق، فهو يفيد الحصر، كقولك :الكاتب زيد، و مثله الفتى عليّ.


(176)

الفصل الخامس

مفهوم العدد

إنّ العدد المأخوذ قيداً للموضوع يتصوّر حسب الثبوت على أقسام أربعة:

1. يُؤخذ على نحو لا بشرط في جانبي الزيادة و النقيصة، كقوله سبحانه:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) (التوبة/80) فالاستغفار لهم مادام كونهم منافقين لا يفيد قلّ أو كثر.

2. يؤخذ بشرط لا في كلا الجانبين، كأعداد الفرائض.

3. يُؤخذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في مسألة الكرّ حيث يجب أن يكون ثلاثة أشبار و نصف طولاً، و عرضاً و عمقاً ولا يكفي الناقص كما لا يضرّالزائد.

4. عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة دون النقيصة، كما في أيّام العادة فيحكم عليها بالحيض إلى العشرة بشرط أن لا تتجاوز العشرة، و مثله الفصل بين المصلّين في الجماعة، فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.

هذه هي أقسام العدد ثبوتاً.

وأمّا في مقام الإثبات، فالظاهر أو المنصرف إليه أنّه بصدد التحديد قلّة أو كثرة فيدلّ على المفهوم في جانب التحديد إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، مثل قوله: (الزّانِيةُ وَالزّاني فَاجْلِدُوا كُلّ واحد مِنْهُما مِائةَ جَلْدَة) (النور/2) و ظاهر الآية التحديد في كلا الجانبين.


(177)

وربما تشهد القرينة على أنّه بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة، كقوله سبحانه:(وَاسْتَشْهدوا شَهيدينَ مِنْ رِجالِكُمْ) (البقرة/282).

ومثله ما ورد في عدد الغسلات من إصابة البول وملاقاة الخنزير و في منزوحات البئر و نصاب الزكاة و الخمس و عدد من تقوم به الجمعة، فهي بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة.

و ربما ينعكس فيؤخذ التحديد في جانب الزيادة، ككون ما تراه المرأة من الدم حيضاً في عشرة أيّام بشرط أن لا تتجاوز العشرة.

كلّ ذلك يعلم بالقرينة و إلاّفيحمل على التحديد في كلا الجانبين: الزيادة و النقيصة.

تطبيقات

1. لا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق من منافذ البدن عمداً غير الحقنة بالمائع، و ذلك أخذاً بمفهوم العدد الوارد في حديث الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ :«لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الإرتماس».(1)

2. هل يكفي الحجر الواحد في الاستنجاء إذا كان له أطراف ثلاثة أو لا يكفي؟!، فلو قلنا بمفهوم العدد، فالثاني هو المحكّم، لورود النصّ على ثلاثة أحجار إلاّ أن يحمل على الغالب.(2)

3. هل تكره قراءة أزيد من سبع آيات على الجنب، قيل: نعم، لمفهوم موثقة سماعة سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات».(3)


1 . الجواهر:16/296.
2 . الجواهر: 6/71.
3 . الجواهر:23/30.


(178)

4. يسقط خيار الحيوان بانقضاء المدة، و هي ثلاثة أيّام.(1)

5. يستحب إرغام الأنف في حال السجود ولا يجب لمفهوم ما دلّ على أنّ السجود على سبعة أعظم أو أعضاء.(2)

6. لا تنعقد الجمعة بالأقل من خمسة، لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا تكون الخطبة والجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» فيكون مفهومه ـ لو قلنا بانّ للعدد مفهوماً ـ انعقادها بالخمسة.(3)


1 . الجواهر:10/177.
2 . الجواهر:1/174.
3 . الجواهر:11/199.


(179)

الفصل السادس

مفهوم اللقب

المقصود باللقب كلّ اسم ـ سواء كان مشتقاً أو جامداً ـ وقع موضوعاً للحكم كالفقير في قولهم: أطعم الفقير، و كالسارق و السارقة في قوله تعالى: (وَالسّارِق وَ السّارِقَة) و معنى مفهوم اللقب نفي الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم، و بما أنّك عرفت عدم دلالة الوصف على المفهوم، فعدم دلالة اللقب عليه أولى، بل غاية ما يفهم من اللقب عدم دلالة الكلام على ثبوته في غير ما يشمله عموم الاسم و أمّا دلالته على العدم فلا، فمثلاً إذا قلنا إنّ محمّداً رسول اللّه، فمفاده ثبوت الرسالة للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و عدم دلالة الكلام على ثبوتها لموسى الكليم، و أمّا دلالتها على العدم فلا.

وبذلك يعلم عدم ثبوت المفهوم لما يعد أحد أركان الكلام و القيود الراجعة إليه، كالفاعل و المفعول والمبتدأ و الخبر و الظروف الزمانية والمكانية، فإنّ أقصى ما تدل عليه هذه الأُمور عدم ثبوت ما جاء فيه من الحكم في غير ما ذكر. وأمّا ثبوت العدم والحكم بالنفي فلا.

تطبيقات

1. يستدل على حرمة الصور المجسمة لذوات الأرواح، بصحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا بأس بتماثيل الشجر».(1)


1 . الوسائل: 12، الباب 94 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.


(180)

2. يستدل على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري بصحيح الحلبي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال:« في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيام للمشتري، و هو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط». فيدلّ على نفيه عن البائع بمفهوم اللقب.(1)

3. روى عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى أن يكفَّن الرجال في ثياب الحرير، فلو قلنا بمفهوم اللقب لدلّ على جواز تكفين المرأة به.(2)

4. استدل على وجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد بصحيحة ابن سنان يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحده، و مفهومه عدم جواز الاكتفاء بها لغيره.(3)


1 . الوسائل: 12، الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . الجواهر:4/170.
3 . الجواهر:9/334.


(181)

المقصد الرابع
العموم والخصوص

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في ألفاظ العموم.

الفصل الثاني: هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

الفصل الثالث: حجّية العام المخصص في الباقي.

الفصل الرابع: سراية إجمال المخصص مفهوماً إلى العام.

الفصل الخامس: في إجمال المخصص مصداقاً.

الفصل السادس: التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص.

الفصل السابع: في تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده.

الفصل الثامن: في تخصيص العام بالمفهوم.

الفصل التاسع: في تخصيص الخبر الواحد بالكتاب.

الفصل العاشر: تعقيب الاستثناء للجمل المتعددة.

الفصل الحادي عشر: في النسخ والتخصيص.


(182)


(183)

الفصل الثاني عشر: دوران الأمر بين التخصيص والنسخ.

خاتمة المطاف: في الخطابات الشفاهية.

ولنقدم أُموراً:

الأوّل: العام من المفاهيم الواضحة الغنية عن التعريف، ولكن عرّفه الأُصوليون بتعاريف عديدة و ناقشوا فيها بعدم الانعكاس تارة و عدم الاطراد أُخرى، و لنقتصر على تعريف واحد و هو:

شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله و يقابله الخاص.

الثاني: ينقسم العام إلى أقسام ثلاثة:

أ. العام الاستغراقي.

ب. العام المجموعي.

ج. العام البدلي.

أ . العام الاستغراقي: و هو لحاظ كلّ فرد فرد من أفراد العام بحياله و استقلاله، و اللفظ الموضوع له هو لفظ «كل».

ب. العام المجموعي: و هو لحاظ الأفراد بصورة مجتمعة، و اللفظ الدالّ عليه هو لفظ «المجموع»كقولك: أكرم مجموع العلماء.

ج. العام البدلي: و هو لحاظ فرد من أفراد العام لا بعينه، و اللفظ الدالّ عليه لفظ «أيّ» كقولك :أطعم أيّ فقير شئت.

وعلى ذلك فالعام مع قطع النظر عن الحكم يلاحظ على أقسام ثلاثة و


(184)

لكلّ لفظ خاص يعرب عنه و ربما يقال (1) انّ التقسيم إنّما هو بلحاظ تعلّق الحكم، فمثلاً :

العام الاستغراقي هو أن يكون الحكم شاملاً لكلّ فرد فرد، فيكون كلّ فرد وحده موضوعاً للحكم.

والعام المجموعي هو أن يكون الحكم ثابتاً للمجموع بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعاً واحداً.

والعام البدلي هو أن يكون الحكم لواحد من الأفراد على البدل، فيكون فرد واحد على البدل موضوعاً للحكم.

الثالث: ربما يتصوّر انّ في عدِّ القسم الثالث أي العام البدلي من أقسام العموم مسامحة واضحة بداهة انّ البدلية تنافي العموم فإنّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلاّفرداً واحداً و هو ليس بعام.(2)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على تفسير العام بشموله لجميع الأفراد في عرض واحد إمّا بنحو الاستقلال، أو بنحو الجمع، و هو اصطلاح خاص، و لا مانع من أن يكون العام أعمّ من أن يشمل جميع الأفراد في عرض واحد، أو يشملها لكن كلّ فرد في طول الآخر، فيشمل العامَّ البدلي.

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في فصول:


1 . القائل هو المحقّق الخراساني.
2 . أجود التقريرات:1/443.


(185)

الفصل الأوّل

ألفاظ العموم

لا شكّ انّ للعموم ألفاظاً دالّة عليه إمّا بالدلالة اللفظية الوضعية، أو بالإطلاق و بمقتضى مقدّمات الحكمة.(1)

أمّا الدالّ بالوضع عليه فألفاظ مفردة مثل:

أ. كلّ.

ب. جميع.

ج. تمام.

د. أيّ.

هـ. دائماً.

والألفاظ الأربعة الأُوَل تفيد العموم في الأفراد، واللفظ الأخير يفيد العموم في الأزمان، فقولك: أكرم زيداً في يوم الجمعة دائماً، يفيد شمول الحكم لكلّ جمعة.

إنّما الكلام في الألفاظ الّتي يستفاد منها العموم بمقتضى الإطلاق، و مقدّمات الحكمة و هي عبارة عن:

1. وقوع النكرة في سياق النفي.

2. الجمع المحلّى باللام.


1 . سيأتي تفسيرها مفصلاً في مبحث المطلق و المقيد و إجماله أن يكون المتكلّم في مقام البيان، و لم يأت في كلامه بقرينة دالّة على الخصوص، فيحكم عليه بالعموم.


(186)

3. المفرد المحلّى باللام.

فلنأخذ هذه الأُمور الثلاثة بالبحث واحداً تلوَ الآخر.

1. وقوع النكرة في سياق النفي

المعروف انّ «لا » النافية الداخلة على النكرة تفيد العموم، لأنّها لنفي الجنس و هو لا ينعدم إلاّ بانعدام جميع الأفراد، أو بعبارة أُخرى يدل على عموم السلب لجميع أفراد النكرة عقلاً (1) ، لأنّ عدم الطبيعة إنّما يكون بعدم جميع أفرادها.

ثمّ إنّ تعلّق النفي بالطبيعة تارة يكون بملاك عدم وجودها، كقولك: لا رجل في الدار إذا لم يكن هناك أيّ رجل، و أُخرى بملاك عدم صحّتها، كقولك: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، و ثالثة بلحاظ نفي الكمال عنها، نحو: لا صلاة لجار المسجد إلاّ بالمسجد.

2. الجمع المحلّى باللام

من أدوات العموم الجمع المحلّى باللام كقوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بالعُقُود)(المائدة/1) و قول القائل: جمع الامير الصاغة.

وهل الدلالة على العموم بالوضع أو بالإطلاق؟ فيه وجهان.

3. المفرد المحلّى باللام

قد عدّ من ألفاظ العموم، المفرد المحلّى باللام و استدل له بوجوه:

أ. وصفه بالجمع كقوله: أهلك الناسَ الدينار الصُفْر و الدرهم البيض.


1 . المراد من العقل هو العقل العرفي، لا العرف الفلسفي و إلاّ فحسب التحليل الفلسفي أنّ للطبيعة وجودات حسب تعدّد أفرادها ،و إعداماًحسب انعدام أفرادها.


(187)

ب. صحّة ورود الاستثناء عليه، كقوله سبحانه:(وَ العَصرِ* إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُْسر*إِلاّالّذينَ آمَنُوا). (العصر/1ـ3).

ج. انّ اللام للتعريف، و المعرّف هوأقصى المراتب المساوية للعموم، و أمّا غيره فيحتاج إلى دليل يعينه.

يلاحظ عليه: أنّ استفادة العموم في المثال و الآية لأجل القرينة الخارجية، إذ لا فرق بين دينار و دينار و درهم و درهم في إلحاق الضرر بالإنسان.

كما أنّ ماهية الإنسان طبيعة واحدة، فيكون تمام أفراده بحكم الوحدة في الجنس في خسر.

وأمّا الوجه الثالث، فهو وجه عقلي لا يُثبت الظهور الذي هو المطلوب، مضافاً إلى أنَّ أقل المراتب يصلح أن يكون هو المعرّف.


(188)

الفصل الثاني

هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

إذا خُصَّ العام و أُريد به الباقي فهل هو مجاز أو لا؟ فهنا أقوال:

أ. انّه مجاز مطلقاً، و هو خيرة الشيخ الطوسي و المحقّق والعلاّمة الحلّي في أحد قوليه.

ب. انّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و من تبعه.

ج. التفصيل بين التخصيص بمخصص متصل(والمراد منه ما إذا كان المخصص متصلاً بالكلام وجزءاً منه) كالشرط و الصفة و الاستثناء والغاية فحقيقة، وبين التخصيص بمخصص منفصل(والمراد ما إذا كان منفصلاً ولا يعدّ جزء منه)من سمع أو عقل فمجاز، و هو القول الثاني للعلاّمة اختاره في التهذيب.

والحقّ انّه حقيقة سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً.

أمّا الأوّل: أي إذا كان المخصص متصلاً بالعام، ففي مثل قولك: «أكرم كلّ عالم عادل» الوصف مخصص متصل للعام، و هو كلّ عالم غير أنّ كلّ لفظة من هذه الجملة مستعملة في معناها، فلفظة «كل» استعملت في استغراق المدخول سواء كان المدخول مطلقاً كالعالم، أو مقيداً كالعالم العادل.

كما أنّ لفظة «عالم» مستعملة في معناها سواء كان عادلاً أو غير عادل، و مثله اللفظ الثالث، أعني: عادل، فالكل مستعمل في معناه اللغوي.

نعم لا ينعقد الظهور لألفاظ العموم (كلّ عالم) إلاّ بعد فراغ المتكلّم عن


(189)

كلّ قيد يتصل به، و لذلك لا ينعقد للكلام المذكور ظهور إلاّ في الخصوص.

و إن شئت قلت: إنّ المخصص المتصل من باب تعدّد الدالّو المدلول، فهناك دوال:

1. كُلّ ، 2. عالم ، 3. عادل، و هناك مداليل، و كلّ لفظ استعمل في معناه، و إنّما تلزم المجازية لو استعملت لفظة «كل»، في «كل عالم عادل» أو استعملت لفظة «عالم» في «عالم عادل».

وبعبارة أُخرى: أنّ أداة العموم وضعت لاستيعاب المدخول، فلو كان المدخول مطلقاً يدل على استيعابه، و إن كان مقيّداً فكذلك، فلفظة«كل» في قولك: أكرم كلّ ضيف مثله في قولك: أكرم كلّ ضيف عادل، فسواء قيد الموضوع، أو أطلق، فلا يحصل أيّ فرق في ناحية أداة العموم وضعاً و استعمالاً، و إن كان هناك تفاوت بين سعة المراد الجدّي و ضيقه.

هذا كلّه في المخصص المتصل.

وأمّّا الثاني: أي المخصص المنفصل، فالتحقيق أنّ التخصيص لا يوجب المجازية في العام بالبيان التالي:

إذا قال المتكلّم :أكرم العلماء و تعلّقت إرادته الجدية بإكرام العلماء العدول.و أشار إلى موضوع الإرادة الجدية بكلام مستقل، و قال: لا تكرم العالم الفاسق، فيقع الكلام في أنّ البيان الثاني هل يستلزم كون الجملة الأُولى مستعملة في غير معناها أو لا ؟

التحقيق أنّه لا يستلزم ذلك. وجهه أنّ للمتكلّم إرادتين:

الأُولى: الإرادة الاستعمالية التي تعد مقوّمة للاستعمال، و هو إطلاق اللفظ و إرادة معناه، و يشترك فيه كلّ من يتكلم عن شعور و إرادة من غير فرق بين الهازل و الممتحِن و ذي الجدّ .

ثمّ إنّ له وراء تلك الإرادة إرادة أُخرى، و هي ما يعبّر عنها بالإرادة الجدية،


(190)

فتارة لا تتعلّق الإرادة الجدية بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، كما في الهازل والآمر امتحاناً.

وأُخرى تتعلّق الأُولى بنفس ما تعلّقت به الثانية بلا استثناء و تخصيص، كما في العموم غير المخصص.

وثالثة تتعلق الإرادة الجدية ببعض ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، و هذا كالعام المخصص، و عند ذاك يشير إلى ذلك البعض بدليل مستقل. و يكشف المخصص عن تضيق الإرادة الجدية من رأس دون الإرادة الاستعمالية.

وعلى ضوء ذلك يكفي للمقنِّن أن يلقي كلامه بصورة عامة، و يقول: أكرم كلّ عالم، و يستعمل الجملة في معناها الحقيقي من دون أن يستعملها في معنى مضيق.ثمّ إنّه يشير بدليل مستقل إلى مالم تتعلّق به إرادته الجدية كالفاسق مثلاً.

وأكثر المخصصات الواردة في الشرع والقوانين العرفية من هذا القبيل حيث نجد أنّه سبحانه يقول: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ) (البقرة/278). ثمّ يُرخَّص في السنّة الشريفة ويخصّص حرمة الربا بغير الوالد والولد، والزوج والزوجة، وما أكثر التخصيص في القوانين الوضعية حيث يتمُّ وضع القانون أوّلاً، ثمّ يَلْحقُ به ما يعدُّ متمِّماً له بعد، مثلاً تُفْرض الخدمة العسكرية على كلّ من بلغ العشرين عاماً، ثمّ يلحق به متمم آخر وهو إعفاء المريض والطالب وغيرهما منها.

كلّ ذلك يتم بصورة المخصص المنفصل.

فاعلم أنّ التخصيص بالمنفصل إنّما يوجب مجازية العام المخصَّص إذا استعمله المتكلّم في غير معناه العام من أوّل الأمر، كأن يريد بقوله: أكرم العلماء «العلماء غير الفساق» و لكنّه أمر على خلاف المتعارف، فالمتكلّم يستعمله في نفس ما وضع له، بالإرادة الاستعمالية، أو قل بالإرادة التفهيمية.

ثمّ إنّه لو كان المراد بالإرادة الاستعمالية نفسَ المراد بالإرادة الجدية لسكت،


(191)

و لم يعقبه بشيء، و أمّا إذا كان المراد بالإرادة الاستعمالية غير المراد بالإرادة الجدية من حيث السعة و الضيق لأشار إلى إخراج بعض ما ليس بمراد جداً، ويقول: لا تكرم فساق العلماء، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ضيق الإرادة الجديّة من أوّل الأمر، وأمّا الإرادة الاستعمالية فتبقيعلى شموليتها للمراد الجدي وغيره، و هذا رائج في المحاورات العرفية والملاك في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً هي الإرادة الأُولى، والمفروض أنّ العام حسب تلك الإرادة مستعمل في نفس ما وضع له وإن ورد التخصيص فإنّما يرد على ما هو المراد بالإرادة الجدية.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ العام المخصص سواء كان التخصيص متصلاً أم منفصلاً حقيقة لا مجاز فيه، و يجمع كلا التخصيصين كونُ العام و الخاص من قبيل تعدّد الدال والمدلول.

سؤال: لماذا لا يستعمل المتكلّم العامَّ في الخاص من أوّل الأمر أي فيما هو متعلّق الإرادة الجدية، بل يستعمله منذ بدء الأمر في العموم ثمّ يشير بدليل ثان إلى التخصيص.

الجواب: إنّما يستعمله كذلك لضرب القاعدة و إعطاء الضابطة فيما إذا شكَّ المخاطبُ في خروج بعض الأفراد، حتى يتمسك بالعموم إلى أن يثبت المخصص.

وهذا لا يتم إلاّ باستعماله من أوّل الأمر في العموم بخلاف ما إذا استعمله في الخصوص و في غير معناه الحقيقي فلا يمكن للمخاطب التمسك بعموم العام في موارد الشكّ، لأنّ للمعنى المجازي مراتب (1) مختلفة، ولا نعلم أيّ مرتبة من تلك المراتب هي المرادة، فيصير الكلام مجملاً في صورة الشك.


1 . وحيث يحتمل انّه استعمله في تمام الباقي كما يحتمل استعماله في بعض الباقي، و للبعض الباقي أصناف مختلفة، مثلاً العلماء غير القرّاء ،العلماء غير النحاة، العلماء غير الفقهاء، فالكل يعدّ من المجاز حيث إنّ اللفظ فيها ليس بحقيقة فتعيين أحدها يحتاج إلى دليل.


(192)

الفصل الثالث

حجّية العام المخصَّص في الباقي

إذا ورد عام و تبعه التخصيص ثمّ شككنا في ورود تخصيص آخر عليه غير ما علم، فهل يكون العام حجّة فيه أو لا؟ و هذا ما يعبّر عنه في الكتب الأُصولية بـ« هل العام المخصص حجّة في الباقي أو لا؟»: مثلاً إذا ورد النص بحرمة الربا، ثمّ علمنا بخروج الربا بين الوالد والولد عن تحت العموم و شككنا في خروج سائر الأقربين كالأخ و الأُخت، فهل العام (حرمة الربا) حجّة في المشكوك أو لا؟

هناك مبنيان:

الأوّل: انّ العام المخصَّص مستعمل في معناه الحقيقي بالإرادة الإستعمالية، و إن ورد عليه التخصيص فإنّما يخصص الإرادة الجدية، و إلاّ فالإرادة الاستعمالية باقية على حالها لا تمس كرامتها. هذا من جانب.

و من جانب آخر إنّ الأصل العقلائي هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية إلاّ ما علم فيه عدم التطابق.

فيترتب على هذين الفرضين، حجّيته في الموارد المشكوكة، كالربا بين الأخوين.

وهذه (أي حجّية العام المخصص في الباقي) هي الثمرة للفصل السابق في كون العام المخصص حقيقة في الباقي و ليس مجازاً.


(193)

الثاني: انّ العام المخصص مستعمل في غير معناه الحقيقي، فإنّ العالم موضوع لمن قام به العلم، فإذا خرج منه العالم الفاسق يلزم استعماله في غير ما وضع له، و عندئذ يكون المعنى المستعمل فيه مردّداً بين معاني متعدّدة لتعدّد مراتب المجازات.

فلو قلنا بأنّ جميع المراتب سواء يلزم إجمال العام لعدم العلم بالمعنى المستعمل فيه.

ولو قلنا بأنّ الباقي (العالم غير الفاسق) أقرب المجازات فيتعيّن هو، و قد قالوا إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

ولكن المبنى الثاني غير تام، و الصحيح ما ذكرنا، و يترتّب عليه حجّية العام في الباقي بلا كلام.


(194)

الفصل الرابع

سراية إجمال المخصِّص مفهوماً إلى العام

كان البحث في الفصل السابق منصبّاً على حجية العام في الباقي بعد كون المخصص مبيَّناً لا إجمال فيه، و إنّما كان الشكّ في تخصيص زائد بمعنى احتمال أن يكون هناك تخصيص وراء التخصيص الأوّل، فقد قلنا بحجّية العام في الباقي مالم يثبت تخصيص آخر.

وأمّا البحث في هذا الفصل فهو فيما إذا كان المخصص مجملاً مفهوماً و صار إجماله سبباً للشك في بقاء مورد تحت العام، أو داخلاً تحت الخاص، و على هذا فالفصلان مختلفان موضوعاً و محمولاً، و إن كانا يشتركان في تعلّق الشكّ ببقاء فرد أو عنوان تحت العام، لكن منشأ الشك في الفصل السابق، احتمال طروء تخصيص زائد على العام و في المقام وجود الإجمال في المخصِّص فالمسألتان متغايرتان.

ثمّ إنّ إجمال المخصص مفهوماً على قسمين: فتارة يكون مفهوم المخصص مردّداً بين الأقل و الأكثر، وأُخرى يكون مفهومه مردّداً بين المتباينين. و إليك توضيح القسمين بذكر بعض الأمثلة.

أمّا المخصص المردّد بين الأقل و الأكثر، فإليك مثالين:

أ. إذا قال: كلّ ماء طاهر إلاّما تغيّر طعمُه أو لونُه أو رائحته، فإنّ المخصِّص مردّد بين كون المراد خصوص التغيّر الحسي، أو ما يعمّه و التغيّر التقديريّ، كما إذا مزج الماء الذي وقعت فيه النجاسة، مع الطيب على فرض لولاه


(195)

لظهر التغيّر بإحدى صوره الثلاث، فالمخصص (إلاّما تغير) مردّد بين الأقل و هو التغير الحسّي، و الأكثر و هو شموله له و التقديري.

ب. إذا قال: أكرم العلماء إلاّالفساق و تردّد مفهوم الفاسق بين مرتكب الكبيرة، أو هو و مرتكب الصغيرة، فهو مردّد بين الأقل و هو مرتكب الكبيرة ، و الأعمّو هو مرتكب الكبيرة و الصغيرة.

وأمّا المخصص المردّد بين المتباينين.

فكما إذا قال المولى: أكرم العالم إلاّ سعداً، و تردّد بين سعد بن زيد و سعد ابن بكر، فالإجمال في المفهوم صار سبباً لتردّد المخصّص بين المتباينين.

إذا وقفت على إجمال المفهوم بقسميه، فاعلم أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربع. لأنّ المخصّص المجمل إمّا متصل أو منفصل و إجمال كلّ، إمّا لدورانه بين الأقل و الأكثر، أو بين المتباينين، و إليك أحكام الصور الأربع:

الصورة الأُولى: المخصص المتصل الدائر مفهومه بين الأقل و الأكثر

إذا كان العام مقروناً من أوّل الأمر بمخصص مجمل مفهوماً مردّد أمره بين الأقل و الأكثر كما عرفت في المثالين، فلا شكّ في أمرين:

1. انّ الخاص حجّة في الأقل ـ أعني: التغيّر الحسّي ـ و مرتكب الكبيرة و ليس العام حجّة فيهما بلا كلام.

2. انّ الخاص ليس حجّة في المصداق المشكوك، أي التغير التقديري و مرتكب الصغيرة.

إنّما الكلام في أمر ثالث، و هو هل العام حجّة في هذا الفرد المشكوك أو لا؟ والمسألة مبنية على سريان إجمال المخصص إلى العام فلا يكون حجّة فيه، و عدمه فيكون حجّة.


(196)

التحقيق انّه يسري، لأنّ المخصص المتصل من قبيل القرائن المتصلة بالكلام، و ما هذا شأنه يوجب «عدم انعقاد ظهور للعام إلاّفيما عدا الخاص» فإذا كان الخاص مجملاً سرى إجماله إلى العام، لأنّ ما عدا الخاص غير معلوم فلا يحتج بالعامّ في مورد الشكّ.

وإن شئت قلت: إنّ التخصيص بالمتصل أشبه شيء بالتقييد حيث يعود الموضوع مركباً من العام و عنوان «غير الفاسق» فلابدّ في الحكم بوجوب الإكرام (حكم العام) من إحراز كلا الجزئين، أعني: كونه عالماً و كونه غير فاسق، و الأوّل و إن كان محرزاً بالوجدان، و لكن الثاني (غير فاسق) غير محرز، لأنّه لو كان الفاسق موضوعاً لمرتكب الكبيرة فمرتكب الصغيرة غير فاسق، و لو كان موضوعاً للأعم فهو فاسق، و عندئذ لم يحرز عندنا الجزء الآخر، أي أنّه غير فاسق للجهل بالمفهوم حتى يتمسك بالعام.

الصورة الثانية: المخصص المتصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام منضماً إلى مخصص دائر مفهومه بين أمرين متباينين ليس بينهما قدر مشترك حتى يدور الأمر بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العالم إلاّ سعداً، و كان مردّداً بين سعد بن زيد و سعد بن بكر، فلا يمكن التمسّك بالعام في واحد منهما للبيان السابق حيث إنّ العام حجّة فيما عدا الخاص، فيجب إحراز كلا الجزئين : الأوّل: انّه (عالم) و الثاني انّه (ليس سعداً) و بما أنّ سعداً مردّد مفهوماً بين الفردين، فلا يكون موضوع العام محرزاً بتمامه في أيّواحد من الفردين.

الصورة الثالثة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين الأقلّ و الأكثر

إذا ورد العام مجرداًعن المخصص ثمّ لحقه مخصص منفصل دائر مفهومه بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء، و قال بعد فترة : لا تكرم فسّاق


(197)

العلماء، فلا شكّ أنّ العام ليس بحجّة في مرتكب الكبيرة و يقع الكلام في كونه حجّة في مرتكب الصغيرة.

المشهور بين المحقّقين كونه حجّة في مورد الصغيرة، و يقع الكلام في بيان ما هو الفرق بين المتصل و المنفصل حيث إنّ إجمال المخصص المتصل يسري إلى العام عند دورانه بين الأقل و الأكثر و لا يسري إليه إجمال المخصص المنفصل إذا دار أمره بينهما، و إليك بيان الفرق:

إنّ اتصال المخصص يوجب عدم انعقاد ظهور للعام من أوّل الأمر إلاّفي العنوان المركب، فلا يكون هنا إلاّدليل واحد و له ظهور واحد.

وهذا بخلاف ما إذا كان المخصص منفصلاً، فإنّه ينعقد للعام ظهور في العموم و يعمّ قوله: أكرم العلماء مرتكبَ الصغيرة وا لكبيرة معاً في بدء الأمر و يكون حجّة فيهما.

ثمّ إذا لحقه المخصص المنفصل فهو لا يزاحم ظهوره، لأنّ ظهوره انعقد في العموم، و إنّما يزاحم حجّيته في العموم، لأنّ ظهور الخاص أقوى، و بما انّ المخصص المنفصل ليس حجّة إلاّ في مرتكب الكبيرة دون الصغيرة، بل كان فيها مشكوك الحجية فيتمسك بالعام الذي انعقد ظهوره في العموم وكان حجّة فيه ما لم يكن هناك حجّة أُخرى والمفروض عدمها.

وبعبارة أُخرى: العام المنفصل عن المخصص ينعقد ظهوره في العموم، فيكون حجّة في وجوب أكرام العالم أعم من مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، و هذا الظهور حجّة ما لم يكن هناك دليل أقوى، و المفروض أنّ الدليل الأقوى مجمل مردّد بين الأقل و الأكثر، فلا يكون حجّة في المشكوك أي الأكثر فلا ترفع اليد عن الحجّة السابقة إلاّ بمقدار ما ثبتت حجّية الخاصّ فيه، و ليس هو إلاّ مرتكب الكبيرة فيتمسك في مورد الصغيرة، بالعام.


(198)

الصورة الرابعة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام مجرداً عن المخصص، ثمّ لحقه المخصص بعد فترة و لكن دار أمره بين متباينين، كما إذا قال: «أكرم العالم»، ثمّ قال بعد فترة: «لا تكرم سعداً» و كان سعد اسماً مردّداً بين شخصين، فهل يكون العام حجّة في واحد منهما؟

التحقيق: انّه لا يكون العام حجّة بل يسري إجمال المخصص ـ و إن كان منفصلاً ـ إلى العام و وجه ذلك مع أنّه يشترك مع الصورة الثالثة في انفصال المخصص، و لكن يفارقه في شيء آخر، و هو عدم وجود العلم الإجمالي في الصورة الثالثة في مورد مرتكب الصغيرة بل كان الشكّ فيه شكاً بدوياً بخلاف المقام، فإنّ هنا علماً إجمالياً بحرمة أو عدم وجوب إكرام أحد الشخصين، و مع هذا العلم كيف يمكن التمسك بظهور العام ـ و إن انعقد ظهوره قبل لحوق المخصص المنفصل به في العموم، بل يسقط العموم عن الحجية في كلّواحد منهما.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين الأقل والأكثر إلى العام.

2. يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.

3. يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.(1)

4. لا يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين الأقل و الأكثر إلى العام.


1 . هذه هي الصورة الرابعة قدمناها في المقام لمساواة حكمها مع القسمين الأوّلين.


(199)

الفصل الخامس

إجمال المخصص مصداقاً

إذا كان المخصص مبيناً مفهوماً، لكن وقع الشكّ في دخول فرد من أفراد ما ينطبق عليه العام، فيه فمثلاً، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و هو عام يشمل اليد العادية و اليد الأمينة، ثمّ لحقه المخصص فأخرج اليد الأمينة.

فلو تلف مال تحت يد إنسان مردّدة مصداقاً بين كونها يدعادية أو يد أمانة، فالإجمال ليس في مفهوم العام و لا في مفهوم الخاص، وإنّما الإجمال في المصداق و الأمر الخارجي حيث إنّ كيفية اليد مردّدة بين كونها باقية تحت العام أو كونها خارجة عنه، فهل يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص، أو لا؟

ربما ينسب إلى القدماء صحّة التمسك و لذلك أفتوا في مثال اليد المشكوكة، بالضمان، و لكن الحقّ خلافه.

بيانه: انّ الخاص (اليد الأمينة) و إن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه، كما في المقام لتردّده بينها و بين غيرها، و لكنه يوجب اختصاص حجيّة العام في غير عنوان المخصص، فكأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: على اليد «إذا لم تكن أمينة ما أخذت حتى تؤدي»، فالاحتجاج بالعام في مورد الشبهة مبني على إحراز كلا العنوانين:

أ. استيلاؤه على العين، و هو محرز بالوجدان.

ب. استيلاؤه على وجه العدوان و غير الأمانة، و هو مشكوك.


(200)

ومع الشكّ في صدق الجزء الثاني على المورد كيف يتمسك بالعام و يحكم بالضمان؟

وإلى ما ذكرنا يرجع قول العلماء: «إنّ الخاص و إن لم يكن حجّة في مورد المشتبه، لكنّه يجعل العام السابق حجّة في غير عنوانه فيجب على المتمسك إحراز كلا العنوانين».

هذا من غير فرق بين كون المخصص متصلاً أو منفصلاً، فإنّ المخصص على وجه الإطلاق يُضيِّق دائرة الحجّية.

نعم هنا فرق بين المخصص المتصل و المنفصل في جميع الموارد، و لكنّه غير فارق امّا الفرق فهو أنّ المخصص المتصل يزاحم ظهور العام فضلاً عن حجّيته و يوجب أن لا ينعقد له ظهور في العموم، و لكن المنفصل لانفصاله لا يزاحم ظهور العام، لأنّ المفروض أنّ العام قد انعقد له ظهور و لم يكن للمخصص أيّ أثر و إنّما يزاحم حجّيته بمعنى يسلب عنه الحجّية في مورد التخصيص، و على كلا الفرضين فالعام لا يحتج به في المقام إمّا لورود الخدشة على ظهور العام فيه، إذا كان المخصص متصلاً، أو على حجّيته فيه، اذا كان منفصلاً .

وقد خرجنا بالنتيجة التالية:

وهي انّ العام ليس حجّة في الشبهة المصداقية للمخصص.

سؤال: إذا كان هذا هو مقتضى القاعدة، فلماذا أفتى المشهور بضمان اليد المشكوكة مع أنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص؟

الجواب: انّ الإفتاء بالضمان ليس من هذا الباب، بل لأجل ضابطة فقهية سارية في أمثالها و هي:

إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد و كانت الصحّة حالة طارئة،عليه فلا تجري فيه أصالة الصحّة بل يحكم عليه بالفساد مالم يحرز مسوغ الصحّة. والتصرف


(201)

في مال الغير يقتضي الضمان بطبعه، وعدم الضمان أمر طارئ استثنائي، فاللازم هو الأخذ بمقتضى طبيعة الموضوع إلى أن يثبت خلافه، وإليك نظائرها:

1. إذا باع غير الولي مال اليتيم و احتمل كون بيعه مقروناً بالمسوغ، فلا يحكم عليه بالصحّة إلاّ بالعلم و البينة على وجوده، لأنّ طبع العمل (بيع مال اليتيم) محكوم بالفساد، فهو محكوم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

2. إذا قام الموقوف عليه ببيع الوقف فلا يحكم عليه بالصحة إلاّبإحراز أحد المسوغات، لأنّ طبع بيع الوقف يقتضي الفساد و الصحّة أمر طارئ عليه، فيحكم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

3. إذا تردّدت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها وغيرها فلا يجوز النظر إليها، لأنّ مقتضى طبع العمل في المقام هو حرمة النظر و جواز النظر أمر طارئ على مطلق المرأة، فيحكم بحرمة النظر إلى أن يعلم المسوغ.


(202)

الفصل السادس

التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصص

إنّ ديدَن العقلاء في المحاورات العرفية هو الإتيان بكلّ ما له دخل في كلامهم و مقاصدهم دون فرق بين القضايا الجزئية أو الكلية، و لذا يتمسّك بظواهر كلامهم من دون أيِّ تربص.

وأمّا الخطابات القانونية التي ترجع إلى جَعْل القوانين و سَنِّ السُنن سواء كانت دولية أو إقليمية، فقد جرت سيرة العقلاء على خلاف ذلك، فتراهم يذكرون العام و المطلق في باب، و المخصص و المقيد في باب آخر، كما أنّهم يذكرون العموم والمطلق في زمان، و بعد فترة يذكرون المخصِّص و المقيِّد في زمان آخر، لدواع و أغراض غير خفية كقلّة إحاطتهم بملاكات الأحكام و مصالح العباد فربما يتراءى في أنظارهم أنّ المصلحة في جعل الحكم على وجه العام لكن يُثبت مرور الزمان خلاف ذلك و أنّ الملاك قائم ببعض الأفراد. فيُخصّ العام، و يقيد المطلق بملحق.

وقد سلك التشريع الإسلامي هذا النحو لا لأجل عدم الإحاطة بالملاكات الواقعية، بل لأجل وجود المصلحة في بيان الأحكام تدريجاً، و إليه يشير قوله سبحانه:

(وَقالَ الّذينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُمْلَةً واحدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتيلاً)(الفرقان/32).

فجُعِل تثبيت فؤاد النبي دليلاً على نزول القرآن نجوماً، و هذا أحد الأسباب


(203)

لبيان الأحكام عن طريق الوحي القرآني تدريجاً، و ليس ثمة سبباً منحصراً بل هناك أسباب أُخرى له.

هذا هو حال التشريع القرآني و مثله حال السنة فقد اتبعتْ النهجَ القرآني في بيان الأحكام تدريجاً في فترة تقرب من 250 سنة، فتجد ورود العموم في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و المخصص و المقيد في كلام الأوصياء و ما هذا شأنه لا يصحّ عند العقلاء التمسك بالعموم قبل الفحص عن مخصصاته أو بالمطلق قبل الفحص عن مقيداته.

نعم لا يجب الفحص عن المخصص المتصل، لأنّ سقوطه عن كلام المتكلّم على خلاف الأصل، لأنّ سقوطه عمداً تنفيه وثاقة الراوي، و سهواً يخالفه الأصل العقلائي المجمعَ عليه.

هذا هو الدليل الرصين على وجوب الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام.

وقد استدل بوجوه أُخرى مذكورة في المطولات.

ثمّ اعلم أنّ المشهور بين الأُصوليين أنّ الفحص عن المخصص بحث عمّا يزاحم الحجّية، فالعام حجّة تامة بلا كلام و الفحص عن المخصص بحث عن الحجّة الثانية التي ربما تزاحم الحجّة الأُولى.(1)


1 . و بذلك يفارق الفحص هنا عن الفحص عن الدليل الاجتهادي في العمل بالأُصول العملية، فإنّ الفحص هنا فحص عن متمّم الحجّية، لأنّ موضوع الأُصول العملية هو الشكّ في ظرف عدم البيان، فما لم يتحقّق الفحص لا يحرز موضوع الأصل (عدم البيان)و لا يحصل المقتضي.


(204)

الفصل السابع

تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا كان هناك عام يتعقّبه ضمير يرجع إلى بعض أفراده، فهل يوجب ذلك تخصيص العام أو لا؟ مثاله قوله سبحانه:(وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ قُروء وَلا يَحلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر وَ بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصلاحاً...)(البقرة/228).

فقد دلّ الدليل على أنّه ليس كلّ بعل أحقّ باسترجاع مطلّقته، و إنّما يستحق إذا كان الطلاق رجعياً لا بائناً، فيقع الكلام في أنّه يوجب ذلك تخصيص العام و اختصاص التربص أيضاً (كالاسترجاع) للرجعيات، أو يبقى العام على عمومه سواء كانت رجعية أو بائنة و يتصرف في الضمير فقط. وجهان:

توضيحه: انّ هنا حكمين:

1. حكم العام، أعني قوله: (وَالمُطلَقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ قُروء)و ظاهره عموم حكم التربّص لعامة المطلّقات رجعيّة كانت أو بائنة.

2. حكم الضمير الراجع إلى العام، أعني: حقّ الرجوع في قوله: (َ بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِن)فقوله: (أَحَقُّ) لا يشمل كل بعل بل البعض أي المطلِّق رجعياً.

فعندئذ يقع التنافر بين الحكمين، حكم المرجع وحكم الضمير، فلابدّمن علاجه بإحدى الصور التالية:

أ. التصرّف في المرجع بإخراج البائنة عن حكمه، و ذلك لأجل أنّ الحكم الثاني يرجع إلى بعض المطلقات، فيشكِّلُ قرينة على أنّ الحكم الأوّل (التربص)


(205)

لبعض الأفراد، فيحصل التطابق بين المرجع و الضمير.

ب. التصرّف في الضمير بارتكاب الاستخدام فيه بعوده إلى خصوص المطلقة الرجعية، و إبقاء حكم العام على عمومه.

ج. عدم التصرّف في واحد من المرجع و الضمير، و التصرّف في الإسناد، و ذلك بإسناد الحكم المسند إلى البعض ( الرجعية) إلى الكل (مطلق المطلقة) توسعاً و تجوزاً ، فيكون مجازاً في الإسناد، بلا تصرف في المرجع ولا في الضمير.

وهناك وجه رابع، و هو عدم الحاجة إلى التصرف مطلقاً، و ذلك لأنّه يمكن أن يقال إنّ الحكمين باقيان على عمومهما.

1. فالمطلقات كلهنّ يتربصن بلا استثناء ، والإرادة الاستعمالية فيها مطابقة للجدية.

2. و بعولتهن أحقّ بردهنّ بلا استثناء لكن بالإرادة الاستعمالية، و أمّا الإرادة الجدية فقد تعلّقت بخصوص الرجعية، و ذلك بشهادة الدليل القطعي على خروج بعض الأصناف ـ كما إذا كان الطلاق بائناً ـ عنه .

و تظهر صحّة ما ذكرنا ممّا تقدّم في الفصل الثاني من هذا المقصد (عدم استلزام التخصيص المجاز في العام) فالعلم بتخصيص الحكم بالرجعية لا يستلزم استعمال الضمير في بعض ما يراد من العموم حتى يدور الأمر بين أحد المجازات، بل من الجائز أن يستعمل الضمير في المعنى العام أيضاً غاية الأمر علمنا بدليل خارجي اختصاص الحكم بالرجعية.وأقصى ما يلزم من ذلك تخصيص الإرادة الجدية في جانب الضمير لا الاستعمالية كما هو الضابطة في كلّ تخصيص.


(206)

الفصل الثامن

تخصيص العام بالمفهوم

إذا كان هناك عام و دليل آخر له مفهوم، فهل يقدّم المفهوم على العام أو لا؟

و إنّما عقدوا هذا البحث ـ مع اتّفاقهم على تقديم المخصص على العام ـ لأجل تصوّر أنّ الدلالة المفهومية (و إن كانت أخص) أضعف من الدلالة المنطوقية (العموم)، و لأجل ذلك عقدوا هذا الفصل و انّه هل يقدم مع ضعفه أو لا ؟و يقع الكلام في مباحث ثلاثة:

المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق.

المبحث الثاني: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذاكانا متصلين.

المبحث الثالث: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا منفصلين.

المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق

قد نقل الاتفاق على جواز التخصيص بالمفهوم الموافق و انّ الاختلاف إنّما هو في المفهوم المخالف، فمثلاً إذا قال: اضرب من في الدار، ثمّ قال: ولا تقل للوالدين أُف.

فالدليل الثاني يدل على حرمة ضرب الوالدين أيضاً إذا كانا في الدار فيخصص العام بهذا المفهوم.


(207)

المبحث الثاني: في تخصيص العام بالمفهوم المخالف المتصل

إذا كان العام وماله مفهوم في كلام واحد على نحو يصلح أن يكون كلّ قرينة على التصرف في الآخر، فهل يخصص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا متصلين، كقوله سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فتبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ) (الحجرات/6).

فلو قلنا بمفهوم الوصف، فالصدر ظاهر في اختصاص التبين بخبر الفاسق وعدم وجوب التبيّن في خبر العادل.

و لكن الذيل عام يعمّ خبر العادل و الفاسق، أعني قوله:( أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة) حيث إنّ الجهالة بمعنى عدم العلم بالواقع (1) ، و هي بعمومها توجب التبيّن لكلّ خبر غير علمى سواء كان المخبر فاسقاً أو عادلاً.

وعلى أيّ حال فيتردّد الأمر بين رفع اليد عن المفهوم و الأخذ بالعموم، أو الأخذ بالمفهوم و التصرف في العموم، ولايتعين أحد الأمرين إلاّ بتعيين الأظهر منهما ، فيقدّم على الظاهر، وأمّا انّ الأظهر هل هو المفهوم أو العام فيختلف حسب الموارد. وأمّا ما هو الأظهر في الآية، فسيوافيك عند البحث في حجيّة الخبر الواحد.

المبحث الثالث: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا منفصلين

إذا كان العام في كلام، و ماله مفهوم في كلام آخر منفصلين فهل يخصص العام بالمفهوم أو لا؟

فالظاهر أنّه إذا لم تكن قوّة لأحد الدليلين في نظر العرف على الآخر يعود


1 . هذا إذا قلنا بأنّ الجهالة بمعنى عد م العلم، لا بمعنى السفاهة و ما يقرب منها، وأمّا عليه، فلا يشمل العام خبر العادل حتى يكون المفهوم مخصِّصاً له و سيوافيك معناها عند البحث عن حجّية الخبر الواحد.


(208)

الكلام مجملاً، و أمّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر كما إذا كان حكم العام معللاً بشيء غير قابل للتخصيص، فيقدّم على المخصص سواء كان مفهوماً أو منطوقاً، وإليك المثال:

أ. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : انّه سئل عن الماء يبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قالعليه السَّلام : «إذاكان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».(1)

فالرواية تحمل المفهوم و هو أنّ الماء إذا لم يكن قدر كرّ يتنجس بالنجس. وفي مقابله عام قابل لتخصيصه بمفهوم الحديث المتقدم.

ب. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحُه أو طعمُه، فيُنزَحُ حتى يذهبَ الريحُ و يطيب طعمُه، لأنّ له مادة».(2)

وهو يدل على اعتصام ماء البئر و عدم انفعاله بالملاقاة سواء كان كراً أو غير كر، فهل يخصص العام (لا يفسده شيء) بالمفهوم المستفاد عن الشرطية في الحديث المتقدّم، فيختص اعتصام البئر بما إذا كان كراً لا قليلاً أو لا؟

ج. روى ابن إدريس في أوّل السرائر، و المحقّق في المعتبر، وا لمتبادر منهما انّ الحديث متّفق عليه انّه قالعليه السَّلام : «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».(3)

و مفاده عام يعمّ القليل و الكثير، فهل يخصص بالمفهوم المستفاد من الحديث الأوّل أو لا؟


1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
2 . الوسائل: 1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.
3 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث9.


(209)

الفصل التاسع

تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

اتّفق الأُصوليون على الأمرين التاليين:

أ. تخصيص الكتاب بالكتاب.

ب. تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر.

واختلفوا في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد على أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: عدم الجواز مطلقاً. و هو خيرة السيد المرتضى في «الذريعة»، و الشيخ الطوسي في «العدّة»، والمحقّق في «المعارج».

القول الثاني: الجواز مطلقاً، و هو خيرة المتأخّرين.

القول الثالث: التفصيل بين تخصيص الكتاب بمخصص قطعي قبله فيجوز بالخبر الواحد، و عدمه فلا يجوز به.

والكلام يقع في موردين:

الأوّل: تبيين مجملات القرآن و مبهماته بالخبر الواحد.

الثاني: تخصيص أحكامه و تقييد مطلقاته به.

أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ كثيراً من الآيات الواردة حول الصلاة والزكاة و الصوم وغيرها واردة في مقام أصل التشريع، و لأجل ذلك تحتاج إلى البيان، و الخبر الواحد بعد ثبوت حجيته يكون مبيّناً لمجملاته و موضحاً لمبهماته ولا يُعدُّ مثل ذلك مخالفاً للقرآن ومعارضاً له، بل يكون في خدمة القرآن و الغاية المهمة من وراء


(210)

حجّية خبر الواحد هو ذلك.

أمّا الثاني: فقد استدل المتأخرون على جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد بوجهين:

الوجه الأوّل: جريان سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب و احتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة المفيدة للعلم بعيد جدّاً، فمثلاً خصصت آية الميراث: (يُوصيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) (النساء/11) بالسنّة كقوله : لا ميراث للقاتل.(1)

2. كما خصصت آية حلية النساء، أعني قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ)(النساء/24) بما ورد في السنّة من أنّ المرأة لا تزوّج على عمّتها و خالتها.(2)

3. خصصت آية الربا بما دلّ على الجواز بين الولد، و الوالد و الزوج والزوجة.

الوجه الثاني: إذا لم نقل بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لزم إلغاء الخبر بالمرَّة إذ ما من حكم مروي بخبر الواحد إلا بخلافه عموم الكتاب ولا يخلو الوجه الثاني عن إغراق.

هذا و لنا نظر خاص في تخصيص الكتاب بخبر الواحد أوضحناه في محاضراتنا الأُصولية.

ثمّ لو قلنا بجواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لا نجيز نسخه به، لأنّ الكتاب قطعي الثبوت و خبر الواحد ظني الصدور، فكيف يسوغ نسخ القطعي بالظني خصوصاً إذا كان النسخ كلياً لا جزئياً، أي رافعاً للحكم من رأسه، و إليك المثال:


1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14، الباب30من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها.


(211)

قال سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَأَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقين) (البقرة/180).

ويدل لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبر الزمان بشهادة قوله : (كتب عليكم)الحاكي عن الثبوت و اللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله : (حقّاً على المُتَّقين) دليل على انّه حقّ ثابت على خصوص المتَّقين(والحق القديم لا يبطله شيء).

ومع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنّة إلى أنّه منسوخ بخبر الواحد، أي ما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «لا وصية لوارث» و قد أوضحنا حال الرواية سنداً و دلالة في محاضراتنا الفقهية.(1)


1 . الاعتصام بالكتاب والسنّة: 237.


(212)

الفصل العاشر

تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة

إذا تعقّب الاستثناء جملاً متعددة، ففي رجوع الاستثناء إلى الجميع أو إلى الجملة الأخيرة أقوال:

أ. رجوعه إلى جميع الجمل، لأنّ تخصيصه بالأخيرة فقط بحاجة إلى دليل.

ب. ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة لكونها أقرب.

ج. عدم ظهور الكلام في واحد منها و إن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقناً على كلّ حال، لكن الرجوع إليها شيء و ظهوره فيها شيء آخر.

د. التفصيل بين: ما إذا ذكر الموضوع في الجملة الأُولى فقط و أُشير إليه في الجمل التالية بالضمير، كما في قوله :أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم إلاّفساقهم، فالظاهر الرجوع إلى الجميع، لأنّ الاستثناء يرجع إلى عقد الوضع و لم يذكر إلاّ في صدر الكلام.

و بين ما إذا كرّر عقد الوضع في الأثناء أو في خصوص الجملة الأخيرة أيضاً كما في الآية المباركة:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداء) ، فهناك أحكام ثلاثة:

1. (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً) .

2. (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادة أَبَداً) .

3. (وَ أُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) .


(213)

تجد انّ عقد الوضع تكرّر في الجملة الثالثة باسم (الفاسقين مع تضمّنه الحكم الشرعي) ثمّ تلاها الاستثناء بقوله:

(إِلاّالّذينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلحُوا فانَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (النور/4ـ5).

فالظاهر في مثله رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة، لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلاً يوجب أخذ الاستثناء محله من الكلام، فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل.

هذه هي الأقوال في المسألة.

لا شكّ في إمكان رجوع الاستثناء إلى خصوص الأخيرة أو الجميع، و إنّما الكلام في انعقاد الظهور لواحد منهما عند العقلاء، فالاستثناء كما يحتمل رجوعه إلى الأخيرة كذلك يحتمل رجوعه إلى الجميع، و التعيين بحاجة إلى دليل قاطع، و ما ذكر من الدلائل للأقوال الثلاثة لا يخرج عن كونها قرائن ظنية، غير مثبتة للظهور.


(214)

الفصل الحادي عشر

النسخ و التخصيص

النسخ في اللغة: هو الإزالة. و في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخّر على وجه لولاه لكان ثابتاً.

وبذلك علم أنّ النسخ تخصيص في الأزمان، أي مانع عن استمرار الحكم، لا عن أصل ثبوته و لنذكر مثالاً:

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدَقَة ذلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَر فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)(المجادلة/12) فرض اللّه سبحانه على المؤمنين إذا أرادوا مناجاة الرسول أن يقدّموا قبله صدقة.

ثمّ إنّ الصحابة لمّا نهُوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا ضنَّ كثير من الناس من التصدق حتى كفُّوا عن المسألة فلم يناجه إلاّعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بعد ما تصدّق.

ثمّ نسخت الآية بما بعدها، قال سبحانه: (ءَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة/13).

انّ النسخ في القرآن الكريم نادر جدّاً، و لم نعثر على النسخ في الكتاب إلاّفي آيتين إحداهما ما عرفت و الثانية قوله سبحانه:(وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَولِ غَيْرَ إِخْراج) (البقرة/240).


(215)

و اللام في الحول إشارة إلى الحول المعهود بين العرب قبل الإسلام حيث كانت النساء يعتددن إلى حول، و قد أمضاه القرآن كبعض ما أمضاه من السنن السائدة فيه لمصلحة هو أعلم بها.

ثمّ نسخت بقوله سبحانه: (وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعة أَشْهُر وَعَشْراً)(البقرة/234).

وبذلك يعلم أنّه يشترط في النسخ وقوع العمل بالمنسوخ فترة، ثمّ ورود الناسخ بعده و إلى هذا يشير كلام الأُصوليين حيث يقولون يشترط في النسخ حضور العمل.

إنّ النسخ في القوانين الوضعيّة(1) يلازم البداء (2)، أي ظهور ما خفي لهم من المصالح و المفاسد، و هذا بخلاف النسخ في الأحكام الشرعية، فإنّ علمه سبحانه محيط لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فاللّه سبحانه يعلم مبدأ الحكم و غايته غير أنّ المصلحة اقتضت إظهار الحكم بلا غاية لكنّه في الواقع مغيّى.

فقد خرجنا بهذه النتيجة أنّ النسخ في الأحكام الوضعية رفع للحكم واقعاً، و لكنه في الأحكام الإلهية دفع لها و بيان للأمد الذي كانت مغيّى به منذ تشريعها ولا مانع من إظهار الحكم غير مغيّى، و هو في الواقع محدّد لمصلحة في نفس الإظهار.

هذا هوالنسخ، و أمّا حدّ التخصيص، فهو إخراج فرد أو عنوان عن كونه محكوماً بحكم العام من أوّل الأمر حسب الإرادة الجدية، و إن شمله حسب الإرادة الإستعماليّة، فهو تخصيص في الأفراد لا في الأزمان مقابل النسخ الذي


1 . المراد ما تقابل الأحكام الإلهية.فالقوانين المجعولة بيد الإنسان يسمى في اصطلاح الحقوقيين قوانين وضعية.
2 . البداء بهذا المعنى محال على اللّه دون الإنسان.


(216)

عرفت أنّه هو تخصيص فيها، و لأجل ذلك يشترط في التخصيص وروده قبل حضور وقت العمل بالعام، و إلاّفلو عمل بالعام ثمّ ورد التخصيص يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و هو قبيح على الحكيم، فلا محيص من وروده قبل العمل بالعام لو كان مخصِّصاً، نعم لو كان ناسخاً لحكم العام في مورده يجب تأخيره عن وقت حضور العمل بالعام.

تمّ الكلام في المقصد الرابع
و الحمد للّه


(217)

المقصد الخامس
في المطلق والمقيد

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في تعريف المطلق و المقيد.

الفصل الثاني: في ألفاظ المطلق.

الفصل الثالث: في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً.

الفصل الرابع: في مقدمات الحكمة.

الفصل الخامس: في المطلق والمقيد المتنافيين.

الفصل السادس: في المجمل والمبين والمحكم والمتشابه.


(218)

الفصل الأوّل

تعريف المطلق

عرّف المطلق: بأنّه ما دلّ على شائع في جنسه، و المقيّد على خلافه.

والمراد من الموصول في قولهم «ما دلّ» هو اللفظ ، و المراد من الشائع هو المتوفّر وجودُه من ذلك الجنس.

وعرّفه الشهيد الثاني: بأنّه اللفظ الدالّ على الماهية بما هي هي.(1)

ثمّ إنّ ظاهر التعريفين أنّ الإطلاق والتقييد عارضان للّفظ بما هو هو سواء تعلّق به الحكم أو لا، فهنا لفظ مطلق، و لفظ مقيّد.

و لكن هذا النوع من البحث يناسب البحوث الأدبية، و الذي يهمّ الأُصولي الذي هو بصدد تأسيس قواعد تكون مقدّمة للاستنباط هو تعريف المطلق و المقيد بلحاظ تعلّق الحكم بالموضوع، فنقول:

المطلق: عبارة عن كون اللفظ بما له من المعنى، تمامَ الموضوع للحكم، بلا لحاظ حيثية أُخرى، فبما أنّه مرسل عن القيد في مقام الموضوعية للحكم فهو مطلق.

وإن شئت قلت: إنّ الإطلاق و التقييد وصفان عارضان للموضوع باعتبار تعلّق الحكم باللفظ، فلو كان اللفظ في مقام الموضوعية مرسلاً عن القيد و الحيثية


1 . و إنّما عدل عن التعريف الأوّل، لعدم شموله (لأخذ الشيوع في التعريف) للمطلق الدالّ على الماهية المطلقة ، مثل قوله: أحلّ اللّه البيع، من دون أن يدلّ على الشيوع.


(219)

الزائدة كان مطلقاً و إلاّ كان مقيّداً.

فقولنا : أعتق رقبة مطلق لكونها تمام الموضوع للحكم و مرسلة عن القيد في موضوعيّته، و يخالفه أعتق رقبة مؤمنة فهي مقيّدة بالإيمان لعدم كونها تمام الموضوع وعدم إرسالها عن القيد.

وبذلك يظهر أنّه لا يشترط في المطلق أن يكون مفهوماً كليّاً، بل يمكن أن يكون جزئياً حقيقياً و مرسلاً عن التقيد بحالة خاصة، فإذا قال: أكرم زيداً فهو مطلق، لأنّه تمام الموضوع للوجوب و مرسل عن القيد، بخلاف ما إذا قال: أكرم زيداً إذا سلم، فهو مقيد بحالة خاصة، أعني: «إذا سلّم»، فإطلاق الكلي ـ في مقام الموضوعية للحكم ـ باعتبار الأفراد، و إطلاق الجزئي في ذلك المقام بالنسبة إلى الحالات .

ويترتب على ما ذكرنا أُمور:

الأوّل: لا يشترط في المطلق أن يكون أمراًشائعاً في جنسه بل يكفي كونه جزئياً و ذا أحوال، فلو كان موضوعاً للحكم بلا قيد فهو مطلق و إلاّ فهو مقيّد.

و بعبارة أُخرى لا يشترط في التمسّك بالمطلق أن يكون ما وقع تحت دائرة الطلب أمراً كلياً، بل يكفي كونه أمراً شخصياً، كالبيت العتيق، و الوقوف في عرفات و المزدلفة، والسعي بين الصفا و المروة.

فمثلاً إذا شكّ الحاج في جواز الطواف بالبيت مع خلو البيت عن الستر، فيصح له التمسّك بقوله سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيق) (الحج/29) إذ لو كان الستر شرطاً للصحّة كان عليه البيان .

الثاني: إنّ الإطلاق و التقييد من الأُمور الإضافية، فيمكن أن يكون الحكم مطلقاًمن جهة و مقيداًمن جهة أُخرى، كما إذا قال: أطعم إنساناً في المسجد، فهو مطلق من جهة كون الموضوع هو الإنسان لا الإنسان العالم ، و مقيّد بتقييد


(220)

مكانه بالمسجد.

الثالث: يظهر من التعريف المشهور أنّ الإطلاق من المداليل اللفظية كالعموم، و الحقّ ـ كما سيتضحـ أنّ الإطلاق من المداليل العقلية، فإذا كان المتكلّم حكيماً غير ناقض لغرضه و جعل الشيء بلا قيد موضوعاً للحكم كشف ذلك انّه تمام الموضوع وإلاّلكان ناقضاً لغرضه و هو ينافي كونه حكيماً فيكون البحث عن المطلق و المقيد في مباحث الألفاظ استطراديّاً.

الرابع: إذا كانت حقيقة الإطلاق دائرة مدار كون اللفظ تمام الموضوع من دون اشتراط أن يكون الموضوع اسم الجنس أو النكرة أو معرفاً باللام، فنحن في غنى عن إفاضة القول في حقائق تلك الأسماء.

نعم من فسّر الإطلاق بالشيوع أو نظيره (1) فلا محيص له عن التكلّم في حقائق تلك الأسماء، وحيث إنّها ذكرت في الكتب الأُصولية نشير إليها على سبيل الإجمال.


1 . قد فسر المحقّق القمي تعريف المشهور بقوله: ما دلّ على حصّة محتملة الصدق على حصص كثيرة مندرجة تحت جنس تلك الحصة،فقد حصر المطلق في الكلي الذي يصدق على تلك الحصة و غيرها. و عليه و على غيره تحقيق مفاهيم هذه الأسماء، و لكنّا في غنى عن هذه البحوث، لأنّ مقوم الإطلاق و ملاكه، هو كون الشيء تمام الموضوع ، سواء كان كلياً أم جزئياً.


(221)

الفصل الثاني

ألفاظ المطلق

1. اسم الجنس

كان الرأي السائد بين الأُصوليين قبل سلطان العلماء انّ المطلق كاسم الجنس موضوع للماهية بقيد الإطلاق والسريان و الشيوع على نحو كان الشيوع بين الأفراد و الحالات من مداليل اللفظ، فالرقبة في (أعتق رقبة) موضوعة للرقبة المطلقة على وجه يكون الإطلاق قيداً، و هذا ما يسمّى باللا بشرط القسميّ الذي يكون الإطلاق فيه قيداً للموضوع كالمفعول المطلق.

ولكن صار الرأي السائد بعد تحقيق سلطان العلماء هو أنّه موضوع للماهية المبهمة المرسلة لا بقيد الإطلاق و يسمّونه باللا بشرط المقسمي، أعني: ما لا يكون الإطلاق قيداً كمطلق المفعول.

وعلى ذلك فاسم الجنس موضوع للماهية المبهمة المهملة بلا شرط أصلاً ملحوظ معها حتى لحاظ أنّها كذلك.

هذا ما هو المشهور، و على ذلك فالأسد و الإنسان و البقر كلّها موضوعة للماهية المعرّاة عن كلّ قيد.

نظرنا في أسماء الأجناس

إنّ ما ذكروه من أنّ أسماء الأجناس موضوعة بالوضع التعييني للماهية المعراة من كلّ قيد، متوقف على وجود واضع حكيم حتى يتصور الماهية الكلية، فيضع


(222)

اللفظ على حيالها، و إثبات واضع بهذا النحو دونه خرط القتاد.

و غاية ما يمكن أن يقال في تصحيحه انّ الإنسان البدائي عندما كان يواجه شيئاً و تمسّ الحاجة إلى تفهيمه، يطلق عليه لفظاً يراه مناسباً له ثمّ يشاع استعماله في الأفراد المشابهة.

والحاصل كانت الحاجة تدعو في مورد إلى إطلاق اللفظ في مقابل فرد من أفراد الماهية، ثمّ كثر استعماله في الأفراد المشابهة إلى أن صارت كثرة الاستعمال سبباً لوضعه التعيّني في الجنس المشترك بين أفرادها، و هذا هو المراد من كونه موضوعاً للماهية المعراة.

وعلى هذا فالوضع خاص و الموضوع له كذلك بالوضع التعييني في بدء الأمر وحصلت عمومية الموضوع بالوضع التعيّني.

2. علم الجنس

إنّ في لغة العرب أسماءً ترادفُ أسماءَ الأجناس، لكن تُعامل معها معاملةَ المعرفة بخلاف أسماء الأجناس فيعامل معها معاملة النكرة، فهناك فرق بين الثعلب وثعالة، والأسد، و أُسامة، حيث يقع الثاني منهما مبتدأً و ذا حال بخلاف الأوّلين، و هذا ما دعاهم إلى تسمية ذلك بعلم الجنس، و قد اختلفت أنظارهم في بيان الفرق بينهما إلى أقوال نكتفي بما ذكره الرضي في شرحه على الكافية قائلاً:

«إنّ كون علم الجنس معرفة مثل كون الشمس مؤنثاً، فكما انّ التأنيث ينقسم إلى حقيقي و مجازي، كذلك التعريف ينقسم إلى حقيقي، كالأعلام الشخصية; و مجازي، كعلم الجنس، أي يعامل معه معاملة المعرفة من صحّة وقوعه مبتدأً و ذا حال».

3. المعرّف بالألف واللام

إنّ اللفظ ينقسم إلى معرب و مبنيّ، و المعرب ما يختلف آخره باختلاف


(223)

العوامل الداخلة عليه، و هو لا يستعمل إلاّ باللام أو التنوين أو الإضافة.

ثمّ اللام تنقسم إلى: لام الجنس و لام الاستغراق، و لام العهد.

ولام الاستغراق تنقسم إلى: استغراق الأفراد، و استغراق خصائصها.

ولام العهد تنقسم إلى: ذهني، و ذكريّ، و حضوري.

فصارت الأقسام ستة و إليك الأمثلة:

1. المحلّى بلام الجنس، مثل قولهم: التمرة خير من جرادة.

2. المحلّى بلام استغراق الأفراد، مثل قولهم: جمع الأمير الصاغة.

3. المحلّى بلام استغراق خصائص الأفراد، مثل قولهم: زيد الإنسان، أي كلّ الإنسان.

4. المحلّى بلام العهد الذهني كقوله:

ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني * فمررت ثمة قلت لا يعنيني

و هو بمنزلة النكرة عندهم، و الفرق بينه وبين المحلّى بلام الجنس انّ القصد في لام الجنس إلى نفس الطبيعة من حيث هي هي، وفي الثاني إلى الطبيعة من حيث وجودها في ضمن فردها.

5. المحلّى بلام العهد الذكري، كقوله سبحانه:(إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَونَ رَسُولاً*فَعَصى فِرْعونُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً)(المزمل/15ـ16).

6. المحلّى بلام العهد الحضوري، مثل قوله: عليك بهذا الرجل.

ثمّ على القول بأنّ اللام للتعريف، تكون الخصوصيات الماضية مستفادة من القرائن لا من المدخول، و إلاّ يلزم أن يكون مشتركاً بين معاني مختلفة ولا من اللام، لأنّها موضوعة للتعريف فقط، فالخصوصيات مستفادة من القرائن المحفوفة


(224)

بالكلام.

4. النكرة

اختلفت كلمة الأُصوليين في أنّ النكرة هل وضعت للفرد المردّد بين الأفراد، أو الفرد المنتشر، أو موضوعة للطبيعة المقيّدة بالوحدة؟

والتحقيق هو الأخير، لأنّها عبارة عن اسم الجنس الذي دخل عليه التنوين، فاسم الجنس يدل على الطبيعة و التنوين يدلّ على الوحدة.ولعلّ المراد من الفرد المنتشر هو هذا.

وأمّا القول بأنّها موضوعة للفرد المردّد بين الأفراد، فغير تام، إذ لازم ذلك أن لا يصحّ امتثاله إذا وقع متعلّقاً للحكم، لأنّ الفرد الممتثل به، فرد متعيّن مع أنّ المأُمور به هو الفرد المردّد، فإذا قال: جئني بإنسان، فأيّ إنسان أتيت به فهو هو و ليس مردّداً بينه و بين غيره.


(225)

الفصل الثالث

في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً

اختلفت كلمة الأُصوليين في أنّ المطلق بعد التقييد مجاز أو لا إلى أقوال، نذكر منها قولين:

القول الأوّل : إنّه مجاز مطلقاً، و هو المشهور قبل سلطان العلماء.

القول الثاني: إنّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة سلطان العلماء.

حجة القول الأوّل هو أنّ مقوّم الإطلاق هو الشيوع و السريان، و قد قيل في تعريفه ما دلّ على شائع في جنسه و بالتقييد يزول الشمول والسريان فينتج المجازية.

وحجّة القول الثاني: انّ المطلق موضوع للحقيقة المعرّاة من كلّ قيد حتى الشيوع والسريان، فالتقييد لا يحدث أيّ تصرف في المطلق.

والحقّ انّ التقييد لا يوجب مجازية المطلق سواء كان المطلق موضوعاً للشائع أو لنفس الماهية المعراة عن كلّ قيد لما قدّمناه من أنّ تخصيص العام بالتخصيص المتصل و المنفصل، لا يستلزم مجازيته.(1)

والكلمة الجامعة في كلا المقامين هي أنّ كل لفظ مستعمل في معناه، فلو قلنا بأنّ المطلق موضوع للشائع في جنسه، فهو مستعمل في معناه، و تقييده بقيد لا يوجب استعماله في غير ما وضع له، لما عرفت من حديث تعدّد الدالّ و المدلول، فلاحظ.


1 . لاحظ ص 188 من هذا الجزء.


(226)

الفصل الرابع

مقدّمات الحكمة

الاحتجاج بالإطلاق لا يتم إلاّبعد تمامية مقدّمات الحكمة الحاكمة على أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، و هذا هو السرّ لحاجة المطلق إلى تلك المقدّمات.

وأمّا القائل بأنّ المطلق هو الشائع و الساري في أفراد جنسه، فقيل إنَّها أيضاً بحاجة إلى تلك المقدّمات، لإثبات سريان الحكم في جميع أفراد المطلق(1)، و بما أنّك عرفت أنّ المطلق ليس إلاّ كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، فالحاجة إليها لتلك الغاية.

فنقول: إنّ مقدّمات الحكمة عبارة عن:

1. كون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده لا في مقام الإهمال و لا الإجمال.

2. انتفاء ما يوجب التعيين. وإن شئت قلت: عدم نصب القرينة على القيد.

3. انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب.

وإليك بيانها:


1 . لو كان الشيوع مدلولاً لفظياً، فالقائل به في غنى عن جريان مقدّمات الحكمة، لأنّ الدلالة اللفظية تغنيه عنها، نعم لو كان الشمول لحاظيّاً قائماًبتصور المتكلّم عند استعمال المطلق، كما هو الظاهر من المتأخرين، فالحاجة إليها قائمة بحالها.


(227)

أمّا المقدّمة الأُولى: فالمتكلّم قد يكون في مقام بيان أصل الحكم من دون نظر إلى الخصوصيات و الشرائط، فمثلاً: إذا نظر الطبيب إلى المريض في مكان عام و رأى عليه أمارات المرض، فيقول له : عليك بشرب الدواء، فليس للمخاطب التمسّك بإطلاق كلامه وشرب كلّ دواء، لأنّه لم يكن بصدد بيان غرضه بكافة خصوصياته، و إنّما يكون بهذا الصدد إذا فحص المريض في عيادته و كتابة وصفة من الدواء له.

ومثله قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّبات) (المائدة/5) وقوله: (أُحِلَ لَكُمْ صيدُ البَحْرِ)(المائدة/96) وقول الفقيه: الغنم حلال، فالجميع في مقام بيان أصل الحكم لا في مقام بيان خصوصياته، فلا يصحّ التمسك بأمثال هذه الإطلاقات عند الشكّ في الجزئية والشرطية.

وعلى ذلك إنّما يصحّ التمسّك بالإطلاق في نفي الجزئية والشرطية بالإطلاقات الواردة لبيان الموضوع بأجزائه و شرائطه دون ما كان في مقام الإجمال والإهمال، فإن ترك بيان ما هو الدخيل في الغرض قبيح في الأوّل دون الثاني.

فلنذكر مثالين:

1. قال سبحانه:(فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّهَ سَريعُ الحِساب)(المائدة/4).

فالآية بصدد بيان أنّ ما أمسكه الكلب بحكم المذكّى إذا ذكر اسم اللّه عليه و ليس بميتة، فهي في مقام بيان جواز حليّة ما يصيده الكلب و إن مات الصيد قبل أن يصل إليه الصائد.

وهل يصحّ التمسّك بإطلاق قوله: (فَكُلُوا) على طهارة موضع عضّه و جواز أكله بدون غسله و تطهيره، أو لا؟

الظاهر، لا لأنّ الآية بصدد بيان حلّيته و حرمته لا طهارته و نجاسته، فقوله


(228)

تعالى: (فكلوا) لرفع شبهة حرمة الأكل، لأجل عدم ذبحه بالشرائط الخاصة، لا بصدد بيان طهارته من أجل عضّه.

2. لو ورد خطاب لا بأس بالصلاة في دم أقل من درهم و شككنا في شموله للدماء الثلاثة أو دم الحيوان غير المأكول، فلا يصحّ لنا التمسك بإطلاقه، لأنّ الرواية بصدد بيان أنّ هذا المقدار من الدم غير مانع، وأمّا انّ المراد منه كلّ دم حتى الدماء الثلاثة، فلم تتطرق إليه الرواية.

وأمّا المقدّمة الثانية أي انتفاء ما يوجب التعيين، و المراد منه عدم وجوب نصب قرينة على التقييد لا متصلة ولا منفصلة، لأنّه مع القرينة المتصلة لا ينعقد للكلام ظهور إلاّ في المقيد و مع المنفصلة و إن كان ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق و لكن يسقط عن الحجّية بالقرينة المنفصلة.

وأمّا المقدّمة الثالثة، أي إنتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب والمحاورة، فمرجعه إلى أنّ وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة بمنزلة القرينة الحالية المتصلة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق.

تتميم

الأصل في كلّ متكلّم أن يكون في مقام البيان، فلو شكّ أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده، فالأصل كونه كذلك إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه كما أنّه يمكن أن يكون للمطلق جهات مختلفة، كأن يكون وارداً في مقام البيان من جهة و في مقام الإهمال من جهة أُخرى، كما في الآية السابقة، فقد كان في مقام البيان من جهة الحلية لا في مقام بيان طهارة موضع العض.


(229)

الفصل الخامس

المطلق و المقيد المتنافيان

إذا ورد مطلق و مقيد على وجه متنافيين فمثلاً قال الطبيب: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً، و قال في كلام آخر: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً حلواً، فهذان الحكمان متنافيان، لأنّ الأوّل يدل على كفاية شرب مطلق اللبن بخلاف الثاني فإنّه يخصه بالحلو منه.

ثمّ إنّ علاج هذا التنافي يحصل بأحد أمرين:

أ. حمل المطلق على المقيد فيصير اللازم هو شرب اللبن الحلو.

ب. حمل المقيد على الاستحباب و انّه من أفضل الأفراد.

و الرائج في الخطابات القانونية هو حمل المطلق على المقيد لا حمل المقيد على الاستحباب، وقد عرفت وجهه من أنّ التشريع تمّ تدريجاً و مثله يقتضي جعل الثاني متمماً للأوّل.

ثمّ إنّ إحراز التنافي فرع إحراز وحدة الحكم، و إلاّفلا يحصل التنافي كما إذا اختلف سبب الحكمين مثلاً إذا قال: إذا استيقظت من النوم فاشرب لبناً حلواً، و إذا أكلت فاشرب لبناً، فالحكمان غير متنافيين لاختلافهما في السبب، و هذا كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة، ثمّ قال: و إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة.

فعلى الفقيه في مقام التقييد إحراز وحدة الحكم عن طريق إحراز وحدة السبب وغيرها، و إلاّفلا داعي لحمل المطلق على المقيد لتعدّد الحكمين .فالملزم على التقييد هو إحراز وحدة الحكم و معه لا يصحّ حمل القيد على المستحب في قوله: أعتق رقبة مؤمنة أو الكراهة، كما إذا قال: لا تعتق رقبة كافرة، إذا وردا بعد قوله: «أعتق رقبة» بل يحمل المطلق على المقيد.


(230)

الفصل السادس

المجمل و المبين

عرّف المجمل بأنّه مالم تتضح دلالته و يقابله المبين.

والمقصود من المجمل ما جهل فيه مراد المتكلّم و مقصوده إذا كان لفظاً، أو جهل فيه مراد الفاعل إذا كان فعلاً.

وعلى ذلك فالمجمل هو اللفظ أو الفعل الذي لا ظاهر له، و المبيّن ما له ظاهر يدلّ على مقصود قائله أو فاعله.

وبذلك تظهر صحّة تقسيم المجمل إلى اللفظ و الفعل، و لأجله قالوا: إنّ فعل المعصوم يدلّ على الاستحباب أوالجواز، ولا يدل على الوجوب، فلو صلّى مع سورة كاملة، أو جلسة الاستراحة، يكشف ذلك عن الاستحباب لا عن الوجوب.

ثمّ إنّ لإجمال الكلام أسباباً كثيرة منها:

1. إجمال مفرداته كاليد الواردة في آية السرقة، قال سبحانه: (وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)(المائدة/38) فانّ اليد تطلق على الكف إلى أُصول الأصابع، و على الكف إلى الزند ،و عليه إلى المرفق، و عليه إلى المنكب، فالآية مجملة، فتعيين واحد من تلك المصاديق بحاجة إلى دليل.

2. الإجمال في متعلّق الحكم المحذوف كما في كلّ مورد تعلّق الحكم بالأعيان كقوله سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُُ الأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) (المائدة/1) فهل المتعلّق هوالأكل، أو البيع، أو جميع التصرفات؟

و منه يعلم وجود الإجمال في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَ الدَّمُ


(231)

وَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ المَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسِقٌ)(المائدة/3).

فهل المحرم أكلها، أو بيعها، أو الانتفاع منها بكل طريق؟

3. تردّد الكلام بين الادعاء والحقيقة كما في قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» فهل المراد نفي الصلاة بتاتاً، أو نفي صحّتها، أو كمالها تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم؟

ومنه يظهر وجود الإجمال في مثل قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» أو «لا بيع إلاّفي ملك» أو «لا غيبة لفاسق» أو «لا جماعة في نافلة».

و يمكن أن يكون بعض ما ذكرنا مجملاً عند فقيه و مبيّناً عند فقيه آخر، و بذلك يظهر أنّ المجمل و المبين من الأوصاف الإضافية.

تتميم

إذا وقفت على معنى المجمل و المبين، فلنذكر سائر العناوين:

النص: و هو ما لا يحتمل سوى معنى واحد، فلو حاول المتكلّم حمله على غير ذلك المعنى لا يقبل منه و يعد متهافتاً متناقضاً، مثل قوله سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) (النساء/11) فإنّ دلالة الآية على كون نصيب الذكر ضعف نصيب الأُنثى ممّا لا يحتمل فيه وجه آخر.

الظاهر: ما يتبادر منه معنى خاص، لكن على وجه لو حاول المتكلّم تأويله لقبل منه، كالأمر الظاهر في الوجوب على القول بأنّ الوجوب من المداليل اللفظية، و لو ادّعى فيما بعد أنّ المراد هو الاستحباب لما عدّ متهافتاً و متناقضاً، و التأويل في النص غير مقبول، وفي الظاهر مقبول.

المحكم: هو أُمّ الكتاب كما قال سبحانه:(هُوَ الّذي أَنْزلَ عَلَيْكَ الكِتابَ


(232)

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمّ الكِتاب وَ أُخَرُ مُتَشابِهات) (آل عمران/7).

وعلى هذا فالمحكم هو الذي يرجع إليه في فهم المتشابه، كالآيات الدالّة على الأُصول العقائدية و الأخلاقية التي لا يمسها النسخ و التخصيص، كالآيات النازلة في تنزيهه سبحانه و صفاته و أفعاله.

المتشابه: ما احتمل أكثر من معنى.و ليس ظاهراً في واحد منها، أو هو الذي خفي المراد منه في بادئ النظر.

المؤول: و هو ما أُريد منه خلاف ظاهره، كقوله سبحانه:(وَ جاءَرَبّكَ وَالمَلك صَفّاً صَفّاً)(الفجر/22).و المراد هو مجيء أمره سبحانه و ظهور عظمته لقوله سبحانه في آية أُخرى: (إِنّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَانّهُمْ آتِيهِم عذابٌ غيرُ مَرْدود)(هود/76)إلى غير ذلك من الآيات الرافعة للإجمال.

تمّت مباحث الألفاظ
و تليها الحجج الشرعية و العقلية بإذنه سبحانه
والحمد للّه ربّ العالمين

Website Security Test