welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(214)

الفصل الحادي عشر

النسخ و التخصيص

النسخ في اللغة: هو الإزالة. و في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخّر على وجه لولاه لكان ثابتاً.

وبذلك علم أنّ النسخ تخصيص في الأزمان، أي مانع عن استمرار الحكم، لا عن أصل ثبوته و لنذكر مثالاً:

قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدَقَة ذلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَر فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ)(المجادلة/12) فرض اللّه سبحانه على المؤمنين إذا أرادوا مناجاة الرسول أن يقدّموا قبله صدقة.

ثمّ إنّ الصحابة لمّا نهُوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا ضنَّ كثير من الناس من التصدق حتى كفُّوا عن المسألة فلم يناجه إلاّعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بعد ما تصدّق.

ثمّ نسخت الآية بما بعدها، قال سبحانه: (ءَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة/13).

انّ النسخ في القرآن الكريم نادر جدّاً، و لم نعثر على النسخ في الكتاب إلاّفي آيتين إحداهما ما عرفت و الثانية قوله سبحانه:(وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَولِ غَيْرَ إِخْراج) (البقرة/240).


(215)

و اللام في الحول إشارة إلى الحول المعهود بين العرب قبل الإسلام حيث كانت النساء يعتددن إلى حول، و قد أمضاه القرآن كبعض ما أمضاه من السنن السائدة فيه لمصلحة هو أعلم بها.

ثمّ نسخت بقوله سبحانه: (وَ الّذينَ يُتوفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعة أَشْهُر وَعَشْراً)(البقرة/234).

وبذلك يعلم أنّه يشترط في النسخ وقوع العمل بالمنسوخ فترة، ثمّ ورود الناسخ بعده و إلى هذا يشير كلام الأُصوليين حيث يقولون يشترط في النسخ حضور العمل.

إنّ النسخ في القوانين الوضعيّة(1) يلازم البداء (2)، أي ظهور ما خفي لهم من المصالح و المفاسد، و هذا بخلاف النسخ في الأحكام الشرعية، فإنّ علمه سبحانه محيط لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فاللّه سبحانه يعلم مبدأ الحكم و غايته غير أنّ المصلحة اقتضت إظهار الحكم بلا غاية لكنّه في الواقع مغيّى.

فقد خرجنا بهذه النتيجة أنّ النسخ في الأحكام الوضعية رفع للحكم واقعاً، و لكنه في الأحكام الإلهية دفع لها و بيان للأمد الذي كانت مغيّى به منذ تشريعها ولا مانع من إظهار الحكم غير مغيّى، و هو في الواقع محدّد لمصلحة في نفس الإظهار.

هذا هوالنسخ، و أمّا حدّ التخصيص، فهو إخراج فرد أو عنوان عن كونه محكوماً بحكم العام من أوّل الأمر حسب الإرادة الجدية، و إن شمله حسب الإرادة الإستعماليّة، فهو تخصيص في الأفراد لا في الأزمان مقابل النسخ الذي


1 . المراد ما تقابل الأحكام الإلهية.فالقوانين المجعولة بيد الإنسان يسمى في اصطلاح الحقوقيين قوانين وضعية.
2 . البداء بهذا المعنى محال على اللّه دون الإنسان.


(216)

عرفت أنّه هو تخصيص فيها، و لأجل ذلك يشترط في التخصيص وروده قبل حضور وقت العمل بالعام، و إلاّفلو عمل بالعام ثمّ ورد التخصيص يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و هو قبيح على الحكيم، فلا محيص من وروده قبل العمل بالعام لو كان مخصِّصاً، نعم لو كان ناسخاً لحكم العام في مورده يجب تأخيره عن وقت حضور العمل بالعام.

تمّ الكلام في المقصد الرابع
و الحمد للّه


(217)

المقصد الخامس
في المطلق والمقيد

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في تعريف المطلق و المقيد.

الفصل الثاني: في ألفاظ المطلق.

الفصل الثالث: في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً.

الفصل الرابع: في مقدمات الحكمة.

الفصل الخامس: في المطلق والمقيد المتنافيين.

الفصل السادس: في المجمل والمبين والمحكم والمتشابه.


(218)

الفصل الأوّل

تعريف المطلق

عرّف المطلق: بأنّه ما دلّ على شائع في جنسه، و المقيّد على خلافه.

والمراد من الموصول في قولهم «ما دلّ» هو اللفظ ، و المراد من الشائع هو المتوفّر وجودُه من ذلك الجنس.

وعرّفه الشهيد الثاني: بأنّه اللفظ الدالّ على الماهية بما هي هي.(1)

ثمّ إنّ ظاهر التعريفين أنّ الإطلاق والتقييد عارضان للّفظ بما هو هو سواء تعلّق به الحكم أو لا، فهنا لفظ مطلق، و لفظ مقيّد.

و لكن هذا النوع من البحث يناسب البحوث الأدبية، و الذي يهمّ الأُصولي الذي هو بصدد تأسيس قواعد تكون مقدّمة للاستنباط هو تعريف المطلق و المقيد بلحاظ تعلّق الحكم بالموضوع، فنقول:

المطلق: عبارة عن كون اللفظ بما له من المعنى، تمامَ الموضوع للحكم، بلا لحاظ حيثية أُخرى، فبما أنّه مرسل عن القيد في مقام الموضوعية للحكم فهو مطلق.

وإن شئت قلت: إنّ الإطلاق و التقييد وصفان عارضان للموضوع باعتبار تعلّق الحكم باللفظ، فلو كان اللفظ في مقام الموضوعية مرسلاً عن القيد و الحيثية


1 . و إنّما عدل عن التعريف الأوّل، لعدم شموله (لأخذ الشيوع في التعريف) للمطلق الدالّ على الماهية المطلقة ، مثل قوله: أحلّ اللّه البيع، من دون أن يدلّ على الشيوع.


(219)

الزائدة كان مطلقاً و إلاّ كان مقيّداً.

فقولنا : أعتق رقبة مطلق لكونها تمام الموضوع للحكم و مرسلة عن القيد في موضوعيّته، و يخالفه أعتق رقبة مؤمنة فهي مقيّدة بالإيمان لعدم كونها تمام الموضوع وعدم إرسالها عن القيد.

وبذلك يظهر أنّه لا يشترط في المطلق أن يكون مفهوماً كليّاً، بل يمكن أن يكون جزئياً حقيقياً و مرسلاً عن التقيد بحالة خاصة، فإذا قال: أكرم زيداً فهو مطلق، لأنّه تمام الموضوع للوجوب و مرسل عن القيد، بخلاف ما إذا قال: أكرم زيداً إذا سلم، فهو مقيد بحالة خاصة، أعني: «إذا سلّم»، فإطلاق الكلي ـ في مقام الموضوعية للحكم ـ باعتبار الأفراد، و إطلاق الجزئي في ذلك المقام بالنسبة إلى الحالات .

ويترتب على ما ذكرنا أُمور:

الأوّل: لا يشترط في المطلق أن يكون أمراًشائعاً في جنسه بل يكفي كونه جزئياً و ذا أحوال، فلو كان موضوعاً للحكم بلا قيد فهو مطلق و إلاّ فهو مقيّد.

و بعبارة أُخرى لا يشترط في التمسّك بالمطلق أن يكون ما وقع تحت دائرة الطلب أمراً كلياً، بل يكفي كونه أمراً شخصياً، كالبيت العتيق، و الوقوف في عرفات و المزدلفة، والسعي بين الصفا و المروة.

فمثلاً إذا شكّ الحاج في جواز الطواف بالبيت مع خلو البيت عن الستر، فيصح له التمسّك بقوله سبحانه: (وَلْيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيق) (الحج/29) إذ لو كان الستر شرطاً للصحّة كان عليه البيان .

الثاني: إنّ الإطلاق و التقييد من الأُمور الإضافية، فيمكن أن يكون الحكم مطلقاًمن جهة و مقيداًمن جهة أُخرى، كما إذا قال: أطعم إنساناً في المسجد، فهو مطلق من جهة كون الموضوع هو الإنسان لا الإنسان العالم ، و مقيّد بتقييد


(220)

مكانه بالمسجد.

الثالث: يظهر من التعريف المشهور أنّ الإطلاق من المداليل اللفظية كالعموم، و الحقّ ـ كما سيتضحـ أنّ الإطلاق من المداليل العقلية، فإذا كان المتكلّم حكيماً غير ناقض لغرضه و جعل الشيء بلا قيد موضوعاً للحكم كشف ذلك انّه تمام الموضوع وإلاّلكان ناقضاً لغرضه و هو ينافي كونه حكيماً فيكون البحث عن المطلق و المقيد في مباحث الألفاظ استطراديّاً.

الرابع: إذا كانت حقيقة الإطلاق دائرة مدار كون اللفظ تمام الموضوع من دون اشتراط أن يكون الموضوع اسم الجنس أو النكرة أو معرفاً باللام، فنحن في غنى عن إفاضة القول في حقائق تلك الأسماء.

نعم من فسّر الإطلاق بالشيوع أو نظيره (1) فلا محيص له عن التكلّم في حقائق تلك الأسماء، وحيث إنّها ذكرت في الكتب الأُصولية نشير إليها على سبيل الإجمال.


1 . قد فسر المحقّق القمي تعريف المشهور بقوله: ما دلّ على حصّة محتملة الصدق على حصص كثيرة مندرجة تحت جنس تلك الحصة،فقد حصر المطلق في الكلي الذي يصدق على تلك الحصة و غيرها. و عليه و على غيره تحقيق مفاهيم هذه الأسماء، و لكنّا في غنى عن هذه البحوث، لأنّ مقوم الإطلاق و ملاكه، هو كون الشيء تمام الموضوع ، سواء كان كلياً أم جزئياً.


(221)

الفصل الثاني

ألفاظ المطلق

1. اسم الجنس

كان الرأي السائد بين الأُصوليين قبل سلطان العلماء انّ المطلق كاسم الجنس موضوع للماهية بقيد الإطلاق والسريان و الشيوع على نحو كان الشيوع بين الأفراد و الحالات من مداليل اللفظ، فالرقبة في (أعتق رقبة) موضوعة للرقبة المطلقة على وجه يكون الإطلاق قيداً، و هذا ما يسمّى باللا بشرط القسميّ الذي يكون الإطلاق فيه قيداً للموضوع كالمفعول المطلق.

ولكن صار الرأي السائد بعد تحقيق سلطان العلماء هو أنّه موضوع للماهية المبهمة المرسلة لا بقيد الإطلاق و يسمّونه باللا بشرط المقسمي، أعني: ما لا يكون الإطلاق قيداً كمطلق المفعول.

وعلى ذلك فاسم الجنس موضوع للماهية المبهمة المهملة بلا شرط أصلاً ملحوظ معها حتى لحاظ أنّها كذلك.

هذا ما هو المشهور، و على ذلك فالأسد و الإنسان و البقر كلّها موضوعة للماهية المعرّاة عن كلّ قيد.

نظرنا في أسماء الأجناس

إنّ ما ذكروه من أنّ أسماء الأجناس موضوعة بالوضع التعييني للماهية المعراة من كلّ قيد، متوقف على وجود واضع حكيم حتى يتصور الماهية الكلية، فيضع


(222)

اللفظ على حيالها، و إثبات واضع بهذا النحو دونه خرط القتاد.

و غاية ما يمكن أن يقال في تصحيحه انّ الإنسان البدائي عندما كان يواجه شيئاً و تمسّ الحاجة إلى تفهيمه، يطلق عليه لفظاً يراه مناسباً له ثمّ يشاع استعماله في الأفراد المشابهة.

والحاصل كانت الحاجة تدعو في مورد إلى إطلاق اللفظ في مقابل فرد من أفراد الماهية، ثمّ كثر استعماله في الأفراد المشابهة إلى أن صارت كثرة الاستعمال سبباً لوضعه التعيّني في الجنس المشترك بين أفرادها، و هذا هو المراد من كونه موضوعاً للماهية المعراة.

وعلى هذا فالوضع خاص و الموضوع له كذلك بالوضع التعييني في بدء الأمر وحصلت عمومية الموضوع بالوضع التعيّني.

2. علم الجنس

إنّ في لغة العرب أسماءً ترادفُ أسماءَ الأجناس، لكن تُعامل معها معاملةَ المعرفة بخلاف أسماء الأجناس فيعامل معها معاملة النكرة، فهناك فرق بين الثعلب وثعالة، والأسد، و أُسامة، حيث يقع الثاني منهما مبتدأً و ذا حال بخلاف الأوّلين، و هذا ما دعاهم إلى تسمية ذلك بعلم الجنس، و قد اختلفت أنظارهم في بيان الفرق بينهما إلى أقوال نكتفي بما ذكره الرضي في شرحه على الكافية قائلاً:

«إنّ كون علم الجنس معرفة مثل كون الشمس مؤنثاً، فكما انّ التأنيث ينقسم إلى حقيقي و مجازي، كذلك التعريف ينقسم إلى حقيقي، كالأعلام الشخصية; و مجازي، كعلم الجنس، أي يعامل معه معاملة المعرفة من صحّة وقوعه مبتدأً و ذا حال».

3. المعرّف بالألف واللام

إنّ اللفظ ينقسم إلى معرب و مبنيّ، و المعرب ما يختلف آخره باختلاف


(223)

العوامل الداخلة عليه، و هو لا يستعمل إلاّ باللام أو التنوين أو الإضافة.

ثمّ اللام تنقسم إلى: لام الجنس و لام الاستغراق، و لام العهد.

ولام الاستغراق تنقسم إلى: استغراق الأفراد، و استغراق خصائصها.

ولام العهد تنقسم إلى: ذهني، و ذكريّ، و حضوري.

فصارت الأقسام ستة و إليك الأمثلة:

1. المحلّى بلام الجنس، مثل قولهم: التمرة خير من جرادة.

2. المحلّى بلام استغراق الأفراد، مثل قولهم: جمع الأمير الصاغة.

3. المحلّى بلام استغراق خصائص الأفراد، مثل قولهم: زيد الإنسان، أي كلّ الإنسان.

4. المحلّى بلام العهد الذهني كقوله:

ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني * فمررت ثمة قلت لا يعنيني

و هو بمنزلة النكرة عندهم، و الفرق بينه وبين المحلّى بلام الجنس انّ القصد في لام الجنس إلى نفس الطبيعة من حيث هي هي، وفي الثاني إلى الطبيعة من حيث وجودها في ضمن فردها.

5. المحلّى بلام العهد الذكري، كقوله سبحانه:(إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَونَ رَسُولاً*فَعَصى فِرْعونُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً)(المزمل/15ـ16).

6. المحلّى بلام العهد الحضوري، مثل قوله: عليك بهذا الرجل.

ثمّ على القول بأنّ اللام للتعريف، تكون الخصوصيات الماضية مستفادة من القرائن لا من المدخول، و إلاّ يلزم أن يكون مشتركاً بين معاني مختلفة ولا من اللام، لأنّها موضوعة للتعريف فقط، فالخصوصيات مستفادة من القرائن المحفوفة


(224)

بالكلام.

4. النكرة

اختلفت كلمة الأُصوليين في أنّ النكرة هل وضعت للفرد المردّد بين الأفراد، أو الفرد المنتشر، أو موضوعة للطبيعة المقيّدة بالوحدة؟

والتحقيق هو الأخير، لأنّها عبارة عن اسم الجنس الذي دخل عليه التنوين، فاسم الجنس يدل على الطبيعة و التنوين يدلّ على الوحدة.ولعلّ المراد من الفرد المنتشر هو هذا.

وأمّا القول بأنّها موضوعة للفرد المردّد بين الأفراد، فغير تام، إذ لازم ذلك أن لا يصحّ امتثاله إذا وقع متعلّقاً للحكم، لأنّ الفرد الممتثل به، فرد متعيّن مع أنّ المأُمور به هو الفرد المردّد، فإذا قال: جئني بإنسان، فأيّ إنسان أتيت به فهو هو و ليس مردّداً بينه و بين غيره.


(225)

الفصل الثالث

في أنّ المطلق بعد التقييد ليس مجازاً

اختلفت كلمة الأُصوليين في أنّ المطلق بعد التقييد مجاز أو لا إلى أقوال، نذكر منها قولين:

القول الأوّل : إنّه مجاز مطلقاً، و هو المشهور قبل سلطان العلماء.

القول الثاني: إنّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة سلطان العلماء.

حجة القول الأوّل هو أنّ مقوّم الإطلاق هو الشيوع و السريان، و قد قيل في تعريفه ما دلّ على شائع في جنسه و بالتقييد يزول الشمول والسريان فينتج المجازية.

وحجّة القول الثاني: انّ المطلق موضوع للحقيقة المعرّاة من كلّ قيد حتى الشيوع والسريان، فالتقييد لا يحدث أيّ تصرف في المطلق.

والحقّ انّ التقييد لا يوجب مجازية المطلق سواء كان المطلق موضوعاً للشائع أو لنفس الماهية المعراة عن كلّ قيد لما قدّمناه من أنّ تخصيص العام بالتخصيص المتصل و المنفصل، لا يستلزم مجازيته.(1)

والكلمة الجامعة في كلا المقامين هي أنّ كل لفظ مستعمل في معناه، فلو قلنا بأنّ المطلق موضوع للشائع في جنسه، فهو مستعمل في معناه، و تقييده بقيد لا يوجب استعماله في غير ما وضع له، لما عرفت من حديث تعدّد الدالّ و المدلول، فلاحظ.


1 . لاحظ ص 188 من هذا الجزء.


(226)

الفصل الرابع

مقدّمات الحكمة

الاحتجاج بالإطلاق لا يتم إلاّبعد تمامية مقدّمات الحكمة الحاكمة على أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، و هذا هو السرّ لحاجة المطلق إلى تلك المقدّمات.

وأمّا القائل بأنّ المطلق هو الشائع و الساري في أفراد جنسه، فقيل إنَّها أيضاً بحاجة إلى تلك المقدّمات، لإثبات سريان الحكم في جميع أفراد المطلق(1)، و بما أنّك عرفت أنّ المطلق ليس إلاّ كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، فالحاجة إليها لتلك الغاية.

فنقول: إنّ مقدّمات الحكمة عبارة عن:

1. كون المتكلّم في مقام بيان تمام مراده لا في مقام الإهمال و لا الإجمال.

2. انتفاء ما يوجب التعيين. وإن شئت قلت: عدم نصب القرينة على القيد.

3. انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب.

وإليك بيانها:


1 . لو كان الشيوع مدلولاً لفظياً، فالقائل به في غنى عن جريان مقدّمات الحكمة، لأنّ الدلالة اللفظية تغنيه عنها، نعم لو كان الشمول لحاظيّاً قائماًبتصور المتكلّم عند استعمال المطلق، كما هو الظاهر من المتأخرين، فالحاجة إليها قائمة بحالها.


(227)

أمّا المقدّمة الأُولى: فالمتكلّم قد يكون في مقام بيان أصل الحكم من دون نظر إلى الخصوصيات و الشرائط، فمثلاً: إذا نظر الطبيب إلى المريض في مكان عام و رأى عليه أمارات المرض، فيقول له : عليك بشرب الدواء، فليس للمخاطب التمسّك بإطلاق كلامه وشرب كلّ دواء، لأنّه لم يكن بصدد بيان غرضه بكافة خصوصياته، و إنّما يكون بهذا الصدد إذا فحص المريض في عيادته و كتابة وصفة من الدواء له.

ومثله قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّبات) (المائدة/5) وقوله: (أُحِلَ لَكُمْ صيدُ البَحْرِ)(المائدة/96) وقول الفقيه: الغنم حلال، فالجميع في مقام بيان أصل الحكم لا في مقام بيان خصوصياته، فلا يصحّ التمسك بأمثال هذه الإطلاقات عند الشكّ في الجزئية والشرطية.

وعلى ذلك إنّما يصحّ التمسّك بالإطلاق في نفي الجزئية والشرطية بالإطلاقات الواردة لبيان الموضوع بأجزائه و شرائطه دون ما كان في مقام الإجمال والإهمال، فإن ترك بيان ما هو الدخيل في الغرض قبيح في الأوّل دون الثاني.

فلنذكر مثالين:

1. قال سبحانه:(فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّهَ سَريعُ الحِساب)(المائدة/4).

فالآية بصدد بيان أنّ ما أمسكه الكلب بحكم المذكّى إذا ذكر اسم اللّه عليه و ليس بميتة، فهي في مقام بيان جواز حليّة ما يصيده الكلب و إن مات الصيد قبل أن يصل إليه الصائد.

وهل يصحّ التمسّك بإطلاق قوله: (فَكُلُوا) على طهارة موضع عضّه و جواز أكله بدون غسله و تطهيره، أو لا؟

الظاهر، لا لأنّ الآية بصدد بيان حلّيته و حرمته لا طهارته و نجاسته، فقوله


(228)

تعالى: (فكلوا) لرفع شبهة حرمة الأكل، لأجل عدم ذبحه بالشرائط الخاصة، لا بصدد بيان طهارته من أجل عضّه.

2. لو ورد خطاب لا بأس بالصلاة في دم أقل من درهم و شككنا في شموله للدماء الثلاثة أو دم الحيوان غير المأكول، فلا يصحّ لنا التمسك بإطلاقه، لأنّ الرواية بصدد بيان أنّ هذا المقدار من الدم غير مانع، وأمّا انّ المراد منه كلّ دم حتى الدماء الثلاثة، فلم تتطرق إليه الرواية.

وأمّا المقدّمة الثانية أي انتفاء ما يوجب التعيين، و المراد منه عدم وجوب نصب قرينة على التقييد لا متصلة ولا منفصلة، لأنّه مع القرينة المتصلة لا ينعقد للكلام ظهور إلاّ في المقيد و مع المنفصلة و إن كان ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق و لكن يسقط عن الحجّية بالقرينة المنفصلة.

وأمّا المقدّمة الثالثة، أي إنتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب والمحاورة، فمرجعه إلى أنّ وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة بمنزلة القرينة الحالية المتصلة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق.

تتميم

الأصل في كلّ متكلّم أن يكون في مقام البيان، فلو شكّ أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده، فالأصل كونه كذلك إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه كما أنّه يمكن أن يكون للمطلق جهات مختلفة، كأن يكون وارداً في مقام البيان من جهة و في مقام الإهمال من جهة أُخرى، كما في الآية السابقة، فقد كان في مقام البيان من جهة الحلية لا في مقام بيان طهارة موضع العض.


(229)

الفصل الخامس

المطلق و المقيد المتنافيان

إذا ورد مطلق و مقيد على وجه متنافيين فمثلاً قال الطبيب: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً، و قال في كلام آخر: إذا استيقظت من النوم اشرب لبناً حلواً، فهذان الحكمان متنافيان، لأنّ الأوّل يدل على كفاية شرب مطلق اللبن بخلاف الثاني فإنّه يخصه بالحلو منه.

ثمّ إنّ علاج هذا التنافي يحصل بأحد أمرين:

أ. حمل المطلق على المقيد فيصير اللازم هو شرب اللبن الحلو.

ب. حمل المقيد على الاستحباب و انّه من أفضل الأفراد.

و الرائج في الخطابات القانونية هو حمل المطلق على المقيد لا حمل المقيد على الاستحباب، وقد عرفت وجهه من أنّ التشريع تمّ تدريجاً و مثله يقتضي جعل الثاني متمماً للأوّل.

ثمّ إنّ إحراز التنافي فرع إحراز وحدة الحكم، و إلاّفلا يحصل التنافي كما إذا اختلف سبب الحكمين مثلاً إذا قال: إذا استيقظت من النوم فاشرب لبناً حلواً، و إذا أكلت فاشرب لبناً، فالحكمان غير متنافيين لاختلافهما في السبب، و هذا كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة، ثمّ قال: و إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة.

فعلى الفقيه في مقام التقييد إحراز وحدة الحكم عن طريق إحراز وحدة السبب وغيرها، و إلاّفلا داعي لحمل المطلق على المقيد لتعدّد الحكمين .فالملزم على التقييد هو إحراز وحدة الحكم و معه لا يصحّ حمل القيد على المستحب في قوله: أعتق رقبة مؤمنة أو الكراهة، كما إذا قال: لا تعتق رقبة كافرة، إذا وردا بعد قوله: «أعتق رقبة» بل يحمل المطلق على المقيد.


(230)

الفصل السادس

المجمل و المبين

عرّف المجمل بأنّه مالم تتضح دلالته و يقابله المبين.

والمقصود من المجمل ما جهل فيه مراد المتكلّم و مقصوده إذا كان لفظاً، أو جهل فيه مراد الفاعل إذا كان فعلاً.

وعلى ذلك فالمجمل هو اللفظ أو الفعل الذي لا ظاهر له، و المبيّن ما له ظاهر يدلّ على مقصود قائله أو فاعله.

وبذلك تظهر صحّة تقسيم المجمل إلى اللفظ و الفعل، و لأجله قالوا: إنّ فعل المعصوم يدلّ على الاستحباب أوالجواز، ولا يدل على الوجوب، فلو صلّى مع سورة كاملة، أو جلسة الاستراحة، يكشف ذلك عن الاستحباب لا عن الوجوب.

ثمّ إنّ لإجمال الكلام أسباباً كثيرة منها:

1. إجمال مفرداته كاليد الواردة في آية السرقة، قال سبحانه: (وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)(المائدة/38) فانّ اليد تطلق على الكف إلى أُصول الأصابع، و على الكف إلى الزند ،و عليه إلى المرفق، و عليه إلى المنكب، فالآية مجملة، فتعيين واحد من تلك المصاديق بحاجة إلى دليل.

2. الإجمال في متعلّق الحكم المحذوف كما في كلّ مورد تعلّق الحكم بالأعيان كقوله سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُُ الأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) (المائدة/1) فهل المتعلّق هوالأكل، أو البيع، أو جميع التصرفات؟

و منه يعلم وجود الإجمال في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَ الدَّمُ


(231)

وَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ المَوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسِقٌ)(المائدة/3).

فهل المحرم أكلها، أو بيعها، أو الانتفاع منها بكل طريق؟

3. تردّد الكلام بين الادعاء والحقيقة كما في قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» فهل المراد نفي الصلاة بتاتاً، أو نفي صحّتها، أو كمالها تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم؟

ومنه يظهر وجود الإجمال في مثل قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» أو «لا بيع إلاّفي ملك» أو «لا غيبة لفاسق» أو «لا جماعة في نافلة».

و يمكن أن يكون بعض ما ذكرنا مجملاً عند فقيه و مبيّناً عند فقيه آخر، و بذلك يظهر أنّ المجمل و المبين من الأوصاف الإضافية.

تتميم

إذا وقفت على معنى المجمل و المبين، فلنذكر سائر العناوين:

النص: و هو ما لا يحتمل سوى معنى واحد، فلو حاول المتكلّم حمله على غير ذلك المعنى لا يقبل منه و يعد متهافتاً متناقضاً، مثل قوله سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) (النساء/11) فإنّ دلالة الآية على كون نصيب الذكر ضعف نصيب الأُنثى ممّا لا يحتمل فيه وجه آخر.

الظاهر: ما يتبادر منه معنى خاص، لكن على وجه لو حاول المتكلّم تأويله لقبل منه، كالأمر الظاهر في الوجوب على القول بأنّ الوجوب من المداليل اللفظية، و لو ادّعى فيما بعد أنّ المراد هو الاستحباب لما عدّ متهافتاً و متناقضاً، و التأويل في النص غير مقبول، وفي الظاهر مقبول.

المحكم: هو أُمّ الكتاب كما قال سبحانه:(هُوَ الّذي أَنْزلَ عَلَيْكَ الكِتابَ


(232)

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمّ الكِتاب وَ أُخَرُ مُتَشابِهات) (آل عمران/7).

وعلى هذا فالمحكم هو الذي يرجع إليه في فهم المتشابه، كالآيات الدالّة على الأُصول العقائدية و الأخلاقية التي لا يمسها النسخ و التخصيص، كالآيات النازلة في تنزيهه سبحانه و صفاته و أفعاله.

المتشابه: ما احتمل أكثر من معنى.و ليس ظاهراً في واحد منها، أو هو الذي خفي المراد منه في بادئ النظر.

المؤول: و هو ما أُريد منه خلاف ظاهره، كقوله سبحانه:(وَ جاءَرَبّكَ وَالمَلك صَفّاً صَفّاً)(الفجر/22).و المراد هو مجيء أمره سبحانه و ظهور عظمته لقوله سبحانه في آية أُخرى: (إِنّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَانّهُمْ آتِيهِم عذابٌ غيرُ مَرْدود)(هود/76)إلى غير ذلك من الآيات الرافعة للإجمال.

تمّت مباحث الألفاظ
و تليها الحجج الشرعية و العقلية بإذنه سبحانه
والحمد للّه ربّ العالمين

Website Security Test