welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(199)

الفصل الخامس

إجمال المخصص مصداقاً

إذا كان المخصص مبيناً مفهوماً، لكن وقع الشكّ في دخول فرد من أفراد ما ينطبق عليه العام، فيه فمثلاً، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و هو عام يشمل اليد العادية و اليد الأمينة، ثمّ لحقه المخصص فأخرج اليد الأمينة.

فلو تلف مال تحت يد إنسان مردّدة مصداقاً بين كونها يدعادية أو يد أمانة، فالإجمال ليس في مفهوم العام و لا في مفهوم الخاص، وإنّما الإجمال في المصداق و الأمر الخارجي حيث إنّ كيفية اليد مردّدة بين كونها باقية تحت العام أو كونها خارجة عنه، فهل يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص، أو لا؟

ربما ينسب إلى القدماء صحّة التمسك و لذلك أفتوا في مثال اليد المشكوكة، بالضمان، و لكن الحقّ خلافه.

بيانه: انّ الخاص (اليد الأمينة) و إن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه، كما في المقام لتردّده بينها و بين غيرها، و لكنه يوجب اختصاص حجيّة العام في غير عنوان المخصص، فكأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: على اليد «إذا لم تكن أمينة ما أخذت حتى تؤدي»، فالاحتجاج بالعام في مورد الشبهة مبني على إحراز كلا العنوانين:

أ. استيلاؤه على العين، و هو محرز بالوجدان.

ب. استيلاؤه على وجه العدوان و غير الأمانة، و هو مشكوك.


(200)

ومع الشكّ في صدق الجزء الثاني على المورد كيف يتمسك بالعام و يحكم بالضمان؟

وإلى ما ذكرنا يرجع قول العلماء: «إنّ الخاص و إن لم يكن حجّة في مورد المشتبه، لكنّه يجعل العام السابق حجّة في غير عنوانه فيجب على المتمسك إحراز كلا العنوانين».

هذا من غير فرق بين كون المخصص متصلاً أو منفصلاً، فإنّ المخصص على وجه الإطلاق يُضيِّق دائرة الحجّية.

نعم هنا فرق بين المخصص المتصل و المنفصل في جميع الموارد، و لكنّه غير فارق امّا الفرق فهو أنّ المخصص المتصل يزاحم ظهور العام فضلاً عن حجّيته و يوجب أن لا ينعقد له ظهور في العموم، و لكن المنفصل لانفصاله لا يزاحم ظهور العام، لأنّ المفروض أنّ العام قد انعقد له ظهور و لم يكن للمخصص أيّ أثر و إنّما يزاحم حجّيته بمعنى يسلب عنه الحجّية في مورد التخصيص، و على كلا الفرضين فالعام لا يحتج به في المقام إمّا لورود الخدشة على ظهور العام فيه، إذا كان المخصص متصلاً، أو على حجّيته فيه، اذا كان منفصلاً .

وقد خرجنا بالنتيجة التالية:

وهي انّ العام ليس حجّة في الشبهة المصداقية للمخصص.

سؤال: إذا كان هذا هو مقتضى القاعدة، فلماذا أفتى المشهور بضمان اليد المشكوكة مع أنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص؟

الجواب: انّ الإفتاء بالضمان ليس من هذا الباب، بل لأجل ضابطة فقهية سارية في أمثالها و هي:

إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد و كانت الصحّة حالة طارئة،عليه فلا تجري فيه أصالة الصحّة بل يحكم عليه بالفساد مالم يحرز مسوغ الصحّة. والتصرف


(201)

في مال الغير يقتضي الضمان بطبعه، وعدم الضمان أمر طارئ استثنائي، فاللازم هو الأخذ بمقتضى طبيعة الموضوع إلى أن يثبت خلافه، وإليك نظائرها:

1. إذا باع غير الولي مال اليتيم و احتمل كون بيعه مقروناً بالمسوغ، فلا يحكم عليه بالصحّة إلاّ بالعلم و البينة على وجوده، لأنّ طبع العمل (بيع مال اليتيم) محكوم بالفساد، فهو محكوم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

2. إذا قام الموقوف عليه ببيع الوقف فلا يحكم عليه بالصحة إلاّبإحراز أحد المسوغات، لأنّ طبع بيع الوقف يقتضي الفساد و الصحّة أمر طارئ عليه، فيحكم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

3. إذا تردّدت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها وغيرها فلا يجوز النظر إليها، لأنّ مقتضى طبع العمل في المقام هو حرمة النظر و جواز النظر أمر طارئ على مطلق المرأة، فيحكم بحرمة النظر إلى أن يعلم المسوغ.


(202)

الفصل السادس

التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصص

إنّ ديدَن العقلاء في المحاورات العرفية هو الإتيان بكلّ ما له دخل في كلامهم و مقاصدهم دون فرق بين القضايا الجزئية أو الكلية، و لذا يتمسّك بظواهر كلامهم من دون أيِّ تربص.

وأمّا الخطابات القانونية التي ترجع إلى جَعْل القوانين و سَنِّ السُنن سواء كانت دولية أو إقليمية، فقد جرت سيرة العقلاء على خلاف ذلك، فتراهم يذكرون العام و المطلق في باب، و المخصص و المقيد في باب آخر، كما أنّهم يذكرون العموم والمطلق في زمان، و بعد فترة يذكرون المخصِّص و المقيِّد في زمان آخر، لدواع و أغراض غير خفية كقلّة إحاطتهم بملاكات الأحكام و مصالح العباد فربما يتراءى في أنظارهم أنّ المصلحة في جعل الحكم على وجه العام لكن يُثبت مرور الزمان خلاف ذلك و أنّ الملاك قائم ببعض الأفراد. فيُخصّ العام، و يقيد المطلق بملحق.

وقد سلك التشريع الإسلامي هذا النحو لا لأجل عدم الإحاطة بالملاكات الواقعية، بل لأجل وجود المصلحة في بيان الأحكام تدريجاً، و إليه يشير قوله سبحانه:

(وَقالَ الّذينَ كَفَرُوا لَولا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُمْلَةً واحدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتيلاً)(الفرقان/32).

فجُعِل تثبيت فؤاد النبي دليلاً على نزول القرآن نجوماً، و هذا أحد الأسباب


(203)

لبيان الأحكام عن طريق الوحي القرآني تدريجاً، و ليس ثمة سبباً منحصراً بل هناك أسباب أُخرى له.

هذا هو حال التشريع القرآني و مثله حال السنة فقد اتبعتْ النهجَ القرآني في بيان الأحكام تدريجاً في فترة تقرب من 250 سنة، فتجد ورود العموم في كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و المخصص و المقيد في كلام الأوصياء و ما هذا شأنه لا يصحّ عند العقلاء التمسك بالعموم قبل الفحص عن مخصصاته أو بالمطلق قبل الفحص عن مقيداته.

نعم لا يجب الفحص عن المخصص المتصل، لأنّ سقوطه عن كلام المتكلّم على خلاف الأصل، لأنّ سقوطه عمداً تنفيه وثاقة الراوي، و سهواً يخالفه الأصل العقلائي المجمعَ عليه.

هذا هو الدليل الرصين على وجوب الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام.

وقد استدل بوجوه أُخرى مذكورة في المطولات.

ثمّ اعلم أنّ المشهور بين الأُصوليين أنّ الفحص عن المخصص بحث عمّا يزاحم الحجّية، فالعام حجّة تامة بلا كلام و الفحص عن المخصص بحث عن الحجّة الثانية التي ربما تزاحم الحجّة الأُولى.(1)


1 . و بذلك يفارق الفحص هنا عن الفحص عن الدليل الاجتهادي في العمل بالأُصول العملية، فإنّ الفحص هنا فحص عن متمّم الحجّية، لأنّ موضوع الأُصول العملية هو الشكّ في ظرف عدم البيان، فما لم يتحقّق الفحص لا يحرز موضوع الأصل (عدم البيان)و لا يحصل المقتضي.


(204)

الفصل السابع

تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا كان هناك عام يتعقّبه ضمير يرجع إلى بعض أفراده، فهل يوجب ذلك تخصيص العام أو لا؟ مثاله قوله سبحانه:(وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ قُروء وَلا يَحلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر وَ بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصلاحاً...)(البقرة/228).

فقد دلّ الدليل على أنّه ليس كلّ بعل أحقّ باسترجاع مطلّقته، و إنّما يستحق إذا كان الطلاق رجعياً لا بائناً، فيقع الكلام في أنّه يوجب ذلك تخصيص العام و اختصاص التربص أيضاً (كالاسترجاع) للرجعيات، أو يبقى العام على عمومه سواء كانت رجعية أو بائنة و يتصرف في الضمير فقط. وجهان:

توضيحه: انّ هنا حكمين:

1. حكم العام، أعني قوله: (وَالمُطلَقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ قُروء)و ظاهره عموم حكم التربّص لعامة المطلّقات رجعيّة كانت أو بائنة.

2. حكم الضمير الراجع إلى العام، أعني: حقّ الرجوع في قوله: (َ بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِن)فقوله: (أَحَقُّ) لا يشمل كل بعل بل البعض أي المطلِّق رجعياً.

فعندئذ يقع التنافر بين الحكمين، حكم المرجع وحكم الضمير، فلابدّمن علاجه بإحدى الصور التالية:

أ. التصرّف في المرجع بإخراج البائنة عن حكمه، و ذلك لأجل أنّ الحكم الثاني يرجع إلى بعض المطلقات، فيشكِّلُ قرينة على أنّ الحكم الأوّل (التربص)


(205)

لبعض الأفراد، فيحصل التطابق بين المرجع و الضمير.

ب. التصرّف في الضمير بارتكاب الاستخدام فيه بعوده إلى خصوص المطلقة الرجعية، و إبقاء حكم العام على عمومه.

ج. عدم التصرّف في واحد من المرجع و الضمير، و التصرّف في الإسناد، و ذلك بإسناد الحكم المسند إلى البعض ( الرجعية) إلى الكل (مطلق المطلقة) توسعاً و تجوزاً ، فيكون مجازاً في الإسناد، بلا تصرف في المرجع ولا في الضمير.

وهناك وجه رابع، و هو عدم الحاجة إلى التصرف مطلقاً، و ذلك لأنّه يمكن أن يقال إنّ الحكمين باقيان على عمومهما.

1. فالمطلقات كلهنّ يتربصن بلا استثناء ، والإرادة الاستعمالية فيها مطابقة للجدية.

2. و بعولتهن أحقّ بردهنّ بلا استثناء لكن بالإرادة الاستعمالية، و أمّا الإرادة الجدية فقد تعلّقت بخصوص الرجعية، و ذلك بشهادة الدليل القطعي على خروج بعض الأصناف ـ كما إذا كان الطلاق بائناً ـ عنه .

و تظهر صحّة ما ذكرنا ممّا تقدّم في الفصل الثاني من هذا المقصد (عدم استلزام التخصيص المجاز في العام) فالعلم بتخصيص الحكم بالرجعية لا يستلزم استعمال الضمير في بعض ما يراد من العموم حتى يدور الأمر بين أحد المجازات، بل من الجائز أن يستعمل الضمير في المعنى العام أيضاً غاية الأمر علمنا بدليل خارجي اختصاص الحكم بالرجعية.وأقصى ما يلزم من ذلك تخصيص الإرادة الجدية في جانب الضمير لا الاستعمالية كما هو الضابطة في كلّ تخصيص.


(206)

الفصل الثامن

تخصيص العام بالمفهوم

إذا كان هناك عام و دليل آخر له مفهوم، فهل يقدّم المفهوم على العام أو لا؟

و إنّما عقدوا هذا البحث ـ مع اتّفاقهم على تقديم المخصص على العام ـ لأجل تصوّر أنّ الدلالة المفهومية (و إن كانت أخص) أضعف من الدلالة المنطوقية (العموم)، و لأجل ذلك عقدوا هذا الفصل و انّه هل يقدم مع ضعفه أو لا ؟و يقع الكلام في مباحث ثلاثة:

المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق.

المبحث الثاني: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذاكانا متصلين.

المبحث الثالث: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا منفصلين.

المبحث الأوّل: تخصيص العام بالمفهوم الموافق

قد نقل الاتفاق على جواز التخصيص بالمفهوم الموافق و انّ الاختلاف إنّما هو في المفهوم المخالف، فمثلاً إذا قال: اضرب من في الدار، ثمّ قال: ولا تقل للوالدين أُف.

فالدليل الثاني يدل على حرمة ضرب الوالدين أيضاً إذا كانا في الدار فيخصص العام بهذا المفهوم.


(207)

المبحث الثاني: في تخصيص العام بالمفهوم المخالف المتصل

إذا كان العام وماله مفهوم في كلام واحد على نحو يصلح أن يكون كلّ قرينة على التصرف في الآخر، فهل يخصص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا متصلين، كقوله سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فتبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ) (الحجرات/6).

فلو قلنا بمفهوم الوصف، فالصدر ظاهر في اختصاص التبين بخبر الفاسق وعدم وجوب التبيّن في خبر العادل.

و لكن الذيل عام يعمّ خبر العادل و الفاسق، أعني قوله:( أَن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة) حيث إنّ الجهالة بمعنى عدم العلم بالواقع (1) ، و هي بعمومها توجب التبيّن لكلّ خبر غير علمى سواء كان المخبر فاسقاً أو عادلاً.

وعلى أيّ حال فيتردّد الأمر بين رفع اليد عن المفهوم و الأخذ بالعموم، أو الأخذ بالمفهوم و التصرف في العموم، ولايتعين أحد الأمرين إلاّ بتعيين الأظهر منهما ، فيقدّم على الظاهر، وأمّا انّ الأظهر هل هو المفهوم أو العام فيختلف حسب الموارد. وأمّا ما هو الأظهر في الآية، فسيوافيك عند البحث في حجيّة الخبر الواحد.

المبحث الثالث: تخصيص العام بالمفهوم المخالف إذا كانا منفصلين

إذا كان العام في كلام، و ماله مفهوم في كلام آخر منفصلين فهل يخصص العام بالمفهوم أو لا؟

فالظاهر أنّه إذا لم تكن قوّة لأحد الدليلين في نظر العرف على الآخر يعود


1 . هذا إذا قلنا بأنّ الجهالة بمعنى عد م العلم، لا بمعنى السفاهة و ما يقرب منها، وأمّا عليه، فلا يشمل العام خبر العادل حتى يكون المفهوم مخصِّصاً له و سيوافيك معناها عند البحث عن حجّية الخبر الواحد.


(208)

الكلام مجملاً، و أمّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر كما إذا كان حكم العام معللاً بشيء غير قابل للتخصيص، فيقدّم على المخصص سواء كان مفهوماً أو منطوقاً، وإليك المثال:

أ. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : انّه سئل عن الماء يبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قالعليه السَّلام : «إذاكان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».(1)

فالرواية تحمل المفهوم و هو أنّ الماء إذا لم يكن قدر كرّ يتنجس بالنجس. وفي مقابله عام قابل لتخصيصه بمفهوم الحديث المتقدم.

ب. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحُه أو طعمُه، فيُنزَحُ حتى يذهبَ الريحُ و يطيب طعمُه، لأنّ له مادة».(2)

وهو يدل على اعتصام ماء البئر و عدم انفعاله بالملاقاة سواء كان كراً أو غير كر، فهل يخصص العام (لا يفسده شيء) بالمفهوم المستفاد عن الشرطية في الحديث المتقدّم، فيختص اعتصام البئر بما إذا كان كراً لا قليلاً أو لا؟

ج. روى ابن إدريس في أوّل السرائر، و المحقّق في المعتبر، وا لمتبادر منهما انّ الحديث متّفق عليه انّه قالعليه السَّلام : «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».(3)

و مفاده عام يعمّ القليل و الكثير، فهل يخصص بالمفهوم المستفاد من الحديث الأوّل أو لا؟


1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
2 . الوسائل: 1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.
3 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث9.


(209)

الفصل التاسع

تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

اتّفق الأُصوليون على الأمرين التاليين:

أ. تخصيص الكتاب بالكتاب.

ب. تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر.

واختلفوا في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد على أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: عدم الجواز مطلقاً. و هو خيرة السيد المرتضى في «الذريعة»، و الشيخ الطوسي في «العدّة»، والمحقّق في «المعارج».

القول الثاني: الجواز مطلقاً، و هو خيرة المتأخّرين.

القول الثالث: التفصيل بين تخصيص الكتاب بمخصص قطعي قبله فيجوز بالخبر الواحد، و عدمه فلا يجوز به.

والكلام يقع في موردين:

الأوّل: تبيين مجملات القرآن و مبهماته بالخبر الواحد.

الثاني: تخصيص أحكامه و تقييد مطلقاته به.

أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ كثيراً من الآيات الواردة حول الصلاة والزكاة و الصوم وغيرها واردة في مقام أصل التشريع، و لأجل ذلك تحتاج إلى البيان، و الخبر الواحد بعد ثبوت حجيته يكون مبيّناً لمجملاته و موضحاً لمبهماته ولا يُعدُّ مثل ذلك مخالفاً للقرآن ومعارضاً له، بل يكون في خدمة القرآن و الغاية المهمة من وراء


(210)

حجّية خبر الواحد هو ذلك.

أمّا الثاني: فقد استدل المتأخرون على جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد بوجهين:

الوجه الأوّل: جريان سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب و احتمال أن يكون ذلك بواسطة القرينة المفيدة للعلم بعيد جدّاً، فمثلاً خصصت آية الميراث: (يُوصيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) (النساء/11) بالسنّة كقوله : لا ميراث للقاتل.(1)

2. كما خصصت آية حلية النساء، أعني قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ)(النساء/24) بما ورد في السنّة من أنّ المرأة لا تزوّج على عمّتها و خالتها.(2)

3. خصصت آية الربا بما دلّ على الجواز بين الولد، و الوالد و الزوج والزوجة.

الوجه الثاني: إذا لم نقل بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لزم إلغاء الخبر بالمرَّة إذ ما من حكم مروي بخبر الواحد إلا بخلافه عموم الكتاب ولا يخلو الوجه الثاني عن إغراق.

هذا و لنا نظر خاص في تخصيص الكتاب بخبر الواحد أوضحناه في محاضراتنا الأُصولية.

ثمّ لو قلنا بجواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لا نجيز نسخه به، لأنّ الكتاب قطعي الثبوت و خبر الواحد ظني الصدور، فكيف يسوغ نسخ القطعي بالظني خصوصاً إذا كان النسخ كلياً لا جزئياً، أي رافعاً للحكم من رأسه، و إليك المثال:


1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14، الباب30من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها.


(211)

قال سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَأَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقين) (البقرة/180).

ويدل لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبر الزمان بشهادة قوله : (كتب عليكم)الحاكي عن الثبوت و اللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله : (حقّاً على المُتَّقين) دليل على انّه حقّ ثابت على خصوص المتَّقين(والحق القديم لا يبطله شيء).

ومع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنّة إلى أنّه منسوخ بخبر الواحد، أي ما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «لا وصية لوارث» و قد أوضحنا حال الرواية سنداً و دلالة في محاضراتنا الفقهية.(1)


1 . الاعتصام بالكتاب والسنّة: 237.


(212)

الفصل العاشر

تعقيب الاستثناء للجمل المتعدّدة

إذا تعقّب الاستثناء جملاً متعددة، ففي رجوع الاستثناء إلى الجميع أو إلى الجملة الأخيرة أقوال:

أ. رجوعه إلى جميع الجمل، لأنّ تخصيصه بالأخيرة فقط بحاجة إلى دليل.

ب. ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة لكونها أقرب.

ج. عدم ظهور الكلام في واحد منها و إن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقناً على كلّ حال، لكن الرجوع إليها شيء و ظهوره فيها شيء آخر.

د. التفصيل بين: ما إذا ذكر الموضوع في الجملة الأُولى فقط و أُشير إليه في الجمل التالية بالضمير، كما في قوله :أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم إلاّفساقهم، فالظاهر الرجوع إلى الجميع، لأنّ الاستثناء يرجع إلى عقد الوضع و لم يذكر إلاّ في صدر الكلام.

و بين ما إذا كرّر عقد الوضع في الأثناء أو في خصوص الجملة الأخيرة أيضاً كما في الآية المباركة:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداء) ، فهناك أحكام ثلاثة:

1. (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً) .

2. (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادة أَبَداً) .

3. (وَ أُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) .


(213)

تجد انّ عقد الوضع تكرّر في الجملة الثالثة باسم (الفاسقين مع تضمّنه الحكم الشرعي) ثمّ تلاها الاستثناء بقوله:

(إِلاّالّذينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلحُوا فانَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (النور/4ـ5).

فالظاهر في مثله رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة، لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلاً يوجب أخذ الاستثناء محله من الكلام، فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل.

هذه هي الأقوال في المسألة.

لا شكّ في إمكان رجوع الاستثناء إلى خصوص الأخيرة أو الجميع، و إنّما الكلام في انعقاد الظهور لواحد منهما عند العقلاء، فالاستثناء كما يحتمل رجوعه إلى الأخيرة كذلك يحتمل رجوعه إلى الجميع، و التعيين بحاجة إلى دليل قاطع، و ما ذكر من الدلائل للأقوال الثلاثة لا يخرج عن كونها قرائن ظنية، غير مثبتة للظهور.

Website Security Test