welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(171)

الفصل الرابع

مفهوم الحصر

المشهور أنّ الألفاظ التالية تفيد الحصر:

1. إلاّ الاستثنائية.

2. إنّما.

3. بل الإضرابية.

4. تقديم ما حقّه التأخير.

5. تعريف المسند إليه باللاّم.

و إليك الكلام في كلّ واحد منها:

1. إلاّالاستثنائية: فيقع الكلام فيها في مواضع ثلاثة:

الأوّل: هل الاستثناء من النفي إثبات و من الإثبات نفي. و هل تدل «إلاّ» على هذا أو لا؟ فقد اتّفقت كلمتهم على الدلالة، و لم يخالف فيه إلاّ أبو حنيفة و يشهد على صحّة قولهم تبادر ما ذكرناه في عامة اللغات.

الثاني: هل الاستثناء يدلّ على الحصر أي حصر الخروج في المستثنى وعدم خروج فرد آخر عن المستثنى منه، و الظاهر هو الدلالة عليه، و يكفي في ذلك التبادر القطعي بحيث لو دلّ دليل آخر على خروج فرد غيره لعدّ مخالفاً لظاهر الدليل، فلو قال:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور والقبلة والقيام والركوع و


(172)

السجود» ثمّ قال في دليل آخر بوجوب الإعادة في غير هذه الخمسة لعدّ مخالفاً للمفهوم المستفاد من القضية الأُولى و لابدّ من علاج التعارض بوجه.

الثالث: هل الدلالة على الحصر دلالة منطوقية أو مفهومية، فيه وجهان، ولا تترتب ثمرة عملية على (1)ذلك، و ربما يتصوّر وجود الثمرة، لأنّ الدلالة المنطوقية أقوى من الدلالة المفهومية، فلو قلنا بأنّ دلالتها على الحصر دلالة منطوقية، فقد أثبتنا للحصر مقاماً أقوى في مقام المعارضة، فلو عارضته دلالة منطوقية يتساويان، و لو عارضته دلالة مفهومية تكون متقدّمة عليها.

يلاحظ عليه: أنّه ليست لتقديم الدلالة المنطوقية على المفهومية ضابطة كلية، بل التقديم تابع لأقوى الظهورين، فربما تكون الدلالة المفهومية أقوى من المنطوقية كما قدتكون الدلالة المنطوقية أقوى من الأُخرى.

تطبيقات

1. لو حصل التغيّر بملاقاة النجاسة لماء الكر أو الجاري في غير صفاته الثلاث: اللون و الطعم و الرائحة، كالحرارة و الرقة والخفة، فهل ينجس الماء أو لا؟

الظاهر هو الثاني، للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي، أعني قوله: «خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجِّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».(2)

2. لو ضمّ إلى نية التقرّب في الوضوء رياءً.

قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب، والمشهور هو البطلان لقوله سبحانه:(وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين) (البيّنة/4) و المراد من


1 . الوسائل: الجزء 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.
2 . الجواهر: 1/83.


(173)

الدين هو الطاعة، و الحصر قاض بأنّ العمل الفاقد للإخلاص لم يتعلّق به أمر فكيف يكون صحيحاً؟(1)

2. من أدوات الحصر كلمة (إنّما)

استدل علماء المعاني على إفادتها للحصر بوجهين:

أ. التبادر عند استعمال تلك اللفظة.

ب. تصريح اللغويين كالأزهري و غيره على أنّها تفيد الحصر.(2)

و التتبع في الآيات الكريمة يرشدنا إلى كونها مفيدة للحصر، أي حصر الحكم في الموضوع، قال سبحانه:

1. (إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَوَ هُمْ راكِعُونَ)(المائدة/55).

2. (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزير ) (البقرة/173).

3. (لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يخْرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ...* إِنَّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخرجُوكُمْ)(الممتحنة/8ـ9).

إلى غير ذلك من الآيات المسوقة بالحصر.

تطبيقات

1. يجب أن يُحـنَّط مساجد الميت السبعة بالحنوط، و هو الطيب المانع عن فساد البدن، و ظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور، لقول الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما


1 . الجواهر: 2/96ـ97.
2 . مطارح الأنظار:122.


(174)

الحنوط بالكافور»، و قوله: «الكافور هو الحنوط».

2. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا كنت إماماً، فإنّما التسليم(1) أن تسلم على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و تقول: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت ال(2)صلاة».

فيدل الحصر على عدم الخروج إلاّ بالتسليم الثاني.

3. من أدوات الحصر (بل الإضرابية)

تستعمل بل الإضرابيّة على وجوه:

أ. ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه كما إذا قال: جاءني زيد بل عمرو، إذا التفت إلى أنّ ما أتى به أوّلاً صدر عنه غفلةً فلا تدل على الحصر.

ب. ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه فلا تدل على الحصر، كقوله سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى*وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدّنيا)(الأعلى/14ـ 16).

وقوله تعالى:(وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ*بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَة مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُون ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ) (المؤمنون/62ـ63)

ج. ما كان في مقام الردع و إبطال ما جاء أوّلاً، فتدل على الحصر، قال سبحانه:(وَقالُوااتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (الأنبياء/26) و المعنى بل هم عباد فقط.

و نحوه قوله سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ


1 . الجواهر: 4/176.
2 . الوسائل:4، الباب 2 من أبواب التسليم، الحديث 2.


(175)

لِلْحَقِّ كارِهُونَ) (المؤمنون/70).

و الآية تدل على حصر ما جاء به في الحقّ.

4. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير

هناك هيئات غير الأدوات تدلّ على الحصر، مثل تقديم المفعول على الفعل، نحو قوله: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِين) (الحمد/5).

5. من أدوات الحصر تعريف المسند إليه باللاّم

إذا دخلت اللام على المسند إليه سواء كانت لام الجنس أو لام الاستغراق، فهو يفيد الحصر، كقولك :الكاتب زيد، و مثله الفتى عليّ.


(176)

الفصل الخامس

مفهوم العدد

إنّ العدد المأخوذ قيداً للموضوع يتصوّر حسب الثبوت على أقسام أربعة:

1. يُؤخذ على نحو لا بشرط في جانبي الزيادة و النقيصة، كقوله سبحانه:(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ) (التوبة/80) فالاستغفار لهم مادام كونهم منافقين لا يفيد قلّ أو كثر.

2. يؤخذ بشرط لا في كلا الجانبين، كأعداد الفرائض.

3. يُؤخذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في مسألة الكرّ حيث يجب أن يكون ثلاثة أشبار و نصف طولاً، و عرضاً و عمقاً ولا يكفي الناقص كما لا يضرّالزائد.

4. عكس الصورة الثالثة بأن يؤخذ بشرط لا في جانب الزيادة دون النقيصة، كما في أيّام العادة فيحكم عليها بالحيض إلى العشرة بشرط أن لا تتجاوز العشرة، و مثله الفصل بين المصلّين في الجماعة، فيجوز الفصل بالخطوة دون الزائد.

هذه هي أقسام العدد ثبوتاً.

وأمّا في مقام الإثبات، فالظاهر أو المنصرف إليه أنّه بصدد التحديد قلّة أو كثرة فيدلّ على المفهوم في جانب التحديد إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، مثل قوله: (الزّانِيةُ وَالزّاني فَاجْلِدُوا كُلّ واحد مِنْهُما مِائةَ جَلْدَة) (النور/2) و ظاهر الآية التحديد في كلا الجانبين.


(177)

وربما تشهد القرينة على أنّه بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة، كقوله سبحانه:(وَاسْتَشْهدوا شَهيدينَ مِنْ رِجالِكُمْ) (البقرة/282).

ومثله ما ورد في عدد الغسلات من إصابة البول وملاقاة الخنزير و في منزوحات البئر و نصاب الزكاة و الخمس و عدد من تقوم به الجمعة، فهي بصدد التحديد في جانب النقيصة دون الزيادة.

و ربما ينعكس فيؤخذ التحديد في جانب الزيادة، ككون ما تراه المرأة من الدم حيضاً في عشرة أيّام بشرط أن لا تتجاوز العشرة.

كلّ ذلك يعلم بالقرينة و إلاّفيحمل على التحديد في كلا الجانبين: الزيادة و النقيصة.

تطبيقات

1. لا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق من منافذ البدن عمداً غير الحقنة بالمائع، و ذلك أخذاً بمفهوم العدد الوارد في حديث الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ :«لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الإرتماس».(1)

2. هل يكفي الحجر الواحد في الاستنجاء إذا كان له أطراف ثلاثة أو لا يكفي؟!، فلو قلنا بمفهوم العدد، فالثاني هو المحكّم، لورود النصّ على ثلاثة أحجار إلاّ أن يحمل على الغالب.(2)

3. هل تكره قراءة أزيد من سبع آيات على الجنب، قيل: نعم، لمفهوم موثقة سماعة سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات».(3)


1 . الجواهر:16/296.
2 . الجواهر: 6/71.
3 . الجواهر:23/30.


(178)

4. يسقط خيار الحيوان بانقضاء المدة، و هي ثلاثة أيّام.(1)

5. يستحب إرغام الأنف في حال السجود ولا يجب لمفهوم ما دلّ على أنّ السجود على سبعة أعظم أو أعضاء.(2)

6. لا تنعقد الجمعة بالأقل من خمسة، لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا تكون الخطبة والجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» فيكون مفهومه ـ لو قلنا بانّ للعدد مفهوماً ـ انعقادها بالخمسة.(3)


1 . الجواهر:10/177.
2 . الجواهر:1/174.
3 . الجواهر:11/199.


(179)

الفصل السادس

مفهوم اللقب

المقصود باللقب كلّ اسم ـ سواء كان مشتقاً أو جامداً ـ وقع موضوعاً للحكم كالفقير في قولهم: أطعم الفقير، و كالسارق و السارقة في قوله تعالى: (وَالسّارِق وَ السّارِقَة) و معنى مفهوم اللقب نفي الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم، و بما أنّك عرفت عدم دلالة الوصف على المفهوم، فعدم دلالة اللقب عليه أولى، بل غاية ما يفهم من اللقب عدم دلالة الكلام على ثبوته في غير ما يشمله عموم الاسم و أمّا دلالته على العدم فلا، فمثلاً إذا قلنا إنّ محمّداً رسول اللّه، فمفاده ثبوت الرسالة للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و عدم دلالة الكلام على ثبوتها لموسى الكليم، و أمّا دلالتها على العدم فلا.

وبذلك يعلم عدم ثبوت المفهوم لما يعد أحد أركان الكلام و القيود الراجعة إليه، كالفاعل و المفعول والمبتدأ و الخبر و الظروف الزمانية والمكانية، فإنّ أقصى ما تدل عليه هذه الأُمور عدم ثبوت ما جاء فيه من الحكم في غير ما ذكر. وأمّا ثبوت العدم والحكم بالنفي فلا.

تطبيقات

1. يستدل على حرمة الصور المجسمة لذوات الأرواح، بصحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا بأس بتماثيل الشجر».(1)


1 . الوسائل: 12، الباب 94 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.


(180)

2. يستدل على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري بصحيح الحلبي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال:« في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيام للمشتري، و هو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط». فيدلّ على نفيه عن البائع بمفهوم اللقب.(1)

3. روى عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى أن يكفَّن الرجال في ثياب الحرير، فلو قلنا بمفهوم اللقب لدلّ على جواز تكفين المرأة به.(2)

4. استدل على وجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد بصحيحة ابن سنان يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحده، و مفهومه عدم جواز الاكتفاء بها لغيره.(3)


1 . الوسائل: 12، الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . الجواهر:4/170.
3 . الجواهر:9/334.


(181)

المقصد الرابع
العموم والخصوص

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في ألفاظ العموم.

الفصل الثاني: هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

الفصل الثالث: حجّية العام المخصص في الباقي.

الفصل الرابع: سراية إجمال المخصص مفهوماً إلى العام.

الفصل الخامس: في إجمال المخصص مصداقاً.

الفصل السادس: التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص.

الفصل السابع: في تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده.

الفصل الثامن: في تخصيص العام بالمفهوم.

الفصل التاسع: في تخصيص الخبر الواحد بالكتاب.

الفصل العاشر: تعقيب الاستثناء للجمل المتعددة.

الفصل الحادي عشر: في النسخ والتخصيص.


(182)


(183)

الفصل الثاني عشر: دوران الأمر بين التخصيص والنسخ.

خاتمة المطاف: في الخطابات الشفاهية.

ولنقدم أُموراً:

الأوّل: العام من المفاهيم الواضحة الغنية عن التعريف، ولكن عرّفه الأُصوليون بتعاريف عديدة و ناقشوا فيها بعدم الانعكاس تارة و عدم الاطراد أُخرى، و لنقتصر على تعريف واحد و هو:

شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله و يقابله الخاص.

الثاني: ينقسم العام إلى أقسام ثلاثة:

أ. العام الاستغراقي.

ب. العام المجموعي.

ج. العام البدلي.

أ . العام الاستغراقي: و هو لحاظ كلّ فرد فرد من أفراد العام بحياله و استقلاله، و اللفظ الموضوع له هو لفظ «كل».

ب. العام المجموعي: و هو لحاظ الأفراد بصورة مجتمعة، و اللفظ الدالّ عليه هو لفظ «المجموع»كقولك: أكرم مجموع العلماء.

ج. العام البدلي: و هو لحاظ فرد من أفراد العام لا بعينه، و اللفظ الدالّ عليه لفظ «أيّ» كقولك :أطعم أيّ فقير شئت.

وعلى ذلك فالعام مع قطع النظر عن الحكم يلاحظ على أقسام ثلاثة و


(184)

لكلّ لفظ خاص يعرب عنه و ربما يقال (1) انّ التقسيم إنّما هو بلحاظ تعلّق الحكم، فمثلاً :

العام الاستغراقي هو أن يكون الحكم شاملاً لكلّ فرد فرد، فيكون كلّ فرد وحده موضوعاً للحكم.

والعام المجموعي هو أن يكون الحكم ثابتاً للمجموع بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعاً واحداً.

والعام البدلي هو أن يكون الحكم لواحد من الأفراد على البدل، فيكون فرد واحد على البدل موضوعاً للحكم.

الثالث: ربما يتصوّر انّ في عدِّ القسم الثالث أي العام البدلي من أقسام العموم مسامحة واضحة بداهة انّ البدلية تنافي العموم فإنّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلاّفرداً واحداً و هو ليس بعام.(2)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على تفسير العام بشموله لجميع الأفراد في عرض واحد إمّا بنحو الاستقلال، أو بنحو الجمع، و هو اصطلاح خاص، و لا مانع من أن يكون العام أعمّ من أن يشمل جميع الأفراد في عرض واحد، أو يشملها لكن كلّ فرد في طول الآخر، فيشمل العامَّ البدلي.

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في فصول:


1 . القائل هو المحقّق الخراساني.
2 . أجود التقريرات:1/443.


(185)

الفصل الأوّل

ألفاظ العموم

لا شكّ انّ للعموم ألفاظاً دالّة عليه إمّا بالدلالة اللفظية الوضعية، أو بالإطلاق و بمقتضى مقدّمات الحكمة.(1)

أمّا الدالّ بالوضع عليه فألفاظ مفردة مثل:

أ. كلّ.

ب. جميع.

ج. تمام.

د. أيّ.

هـ. دائماً.

والألفاظ الأربعة الأُوَل تفيد العموم في الأفراد، واللفظ الأخير يفيد العموم في الأزمان، فقولك: أكرم زيداً في يوم الجمعة دائماً، يفيد شمول الحكم لكلّ جمعة.

إنّما الكلام في الألفاظ الّتي يستفاد منها العموم بمقتضى الإطلاق، و مقدّمات الحكمة و هي عبارة عن:

1. وقوع النكرة في سياق النفي.

2. الجمع المحلّى باللام.


1 . سيأتي تفسيرها مفصلاً في مبحث المطلق و المقيد و إجماله أن يكون المتكلّم في مقام البيان، و لم يأت في كلامه بقرينة دالّة على الخصوص، فيحكم عليه بالعموم.


(186)

3. المفرد المحلّى باللام.

فلنأخذ هذه الأُمور الثلاثة بالبحث واحداً تلوَ الآخر.

1. وقوع النكرة في سياق النفي

المعروف انّ «لا » النافية الداخلة على النكرة تفيد العموم، لأنّها لنفي الجنس و هو لا ينعدم إلاّ بانعدام جميع الأفراد، أو بعبارة أُخرى يدل على عموم السلب لجميع أفراد النكرة عقلاً (1) ، لأنّ عدم الطبيعة إنّما يكون بعدم جميع أفرادها.

ثمّ إنّ تعلّق النفي بالطبيعة تارة يكون بملاك عدم وجودها، كقولك: لا رجل في الدار إذا لم يكن هناك أيّ رجل، و أُخرى بملاك عدم صحّتها، كقولك: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، و ثالثة بلحاظ نفي الكمال عنها، نحو: لا صلاة لجار المسجد إلاّ بالمسجد.

2. الجمع المحلّى باللام

من أدوات العموم الجمع المحلّى باللام كقوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوفُوا بالعُقُود)(المائدة/1) و قول القائل: جمع الامير الصاغة.

وهل الدلالة على العموم بالوضع أو بالإطلاق؟ فيه وجهان.

3. المفرد المحلّى باللام

قد عدّ من ألفاظ العموم، المفرد المحلّى باللام و استدل له بوجوه:

أ. وصفه بالجمع كقوله: أهلك الناسَ الدينار الصُفْر و الدرهم البيض.


1 . المراد من العقل هو العقل العرفي، لا العرف الفلسفي و إلاّ فحسب التحليل الفلسفي أنّ للطبيعة وجودات حسب تعدّد أفرادها ،و إعداماًحسب انعدام أفرادها.


(187)

ب. صحّة ورود الاستثناء عليه، كقوله سبحانه:(وَ العَصرِ* إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُْسر*إِلاّالّذينَ آمَنُوا). (العصر/1ـ3).

ج. انّ اللام للتعريف، و المعرّف هوأقصى المراتب المساوية للعموم، و أمّا غيره فيحتاج إلى دليل يعينه.

يلاحظ عليه: أنّ استفادة العموم في المثال و الآية لأجل القرينة الخارجية، إذ لا فرق بين دينار و دينار و درهم و درهم في إلحاق الضرر بالإنسان.

كما أنّ ماهية الإنسان طبيعة واحدة، فيكون تمام أفراده بحكم الوحدة في الجنس في خسر.

وأمّا الوجه الثالث، فهو وجه عقلي لا يُثبت الظهور الذي هو المطلوب، مضافاً إلى أنَّ أقل المراتب يصلح أن يكون هو المعرّف.


(188)

الفصل الثاني

هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟

إذا خُصَّ العام و أُريد به الباقي فهل هو مجاز أو لا؟ فهنا أقوال:

أ. انّه مجاز مطلقاً، و هو خيرة الشيخ الطوسي و المحقّق والعلاّمة الحلّي في أحد قوليه.

ب. انّه حقيقة مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و من تبعه.

ج. التفصيل بين التخصيص بمخصص متصل(والمراد منه ما إذا كان المخصص متصلاً بالكلام وجزءاً منه) كالشرط و الصفة و الاستثناء والغاية فحقيقة، وبين التخصيص بمخصص منفصل(والمراد ما إذا كان منفصلاً ولا يعدّ جزء منه)من سمع أو عقل فمجاز، و هو القول الثاني للعلاّمة اختاره في التهذيب.

والحقّ انّه حقيقة سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً.

أمّا الأوّل: أي إذا كان المخصص متصلاً بالعام، ففي مثل قولك: «أكرم كلّ عالم عادل» الوصف مخصص متصل للعام، و هو كلّ عالم غير أنّ كلّ لفظة من هذه الجملة مستعملة في معناها، فلفظة «كل» استعملت في استغراق المدخول سواء كان المدخول مطلقاً كالعالم، أو مقيداً كالعالم العادل.

كما أنّ لفظة «عالم» مستعملة في معناها سواء كان عادلاً أو غير عادل، و مثله اللفظ الثالث، أعني: عادل، فالكل مستعمل في معناه اللغوي.

نعم لا ينعقد الظهور لألفاظ العموم (كلّ عالم) إلاّ بعد فراغ المتكلّم عن


(189)

كلّ قيد يتصل به، و لذلك لا ينعقد للكلام المذكور ظهور إلاّ في الخصوص.

و إن شئت قلت: إنّ المخصص المتصل من باب تعدّد الدالّو المدلول، فهناك دوال:

1. كُلّ ، 2. عالم ، 3. عادل، و هناك مداليل، و كلّ لفظ استعمل في معناه، و إنّما تلزم المجازية لو استعملت لفظة «كل»، في «كل عالم عادل» أو استعملت لفظة «عالم» في «عالم عادل».

وبعبارة أُخرى: أنّ أداة العموم وضعت لاستيعاب المدخول، فلو كان المدخول مطلقاً يدل على استيعابه، و إن كان مقيّداً فكذلك، فلفظة«كل» في قولك: أكرم كلّ ضيف مثله في قولك: أكرم كلّ ضيف عادل، فسواء قيد الموضوع، أو أطلق، فلا يحصل أيّ فرق في ناحية أداة العموم وضعاً و استعمالاً، و إن كان هناك تفاوت بين سعة المراد الجدّي و ضيقه.

هذا كلّه في المخصص المتصل.

وأمّّا الثاني: أي المخصص المنفصل، فالتحقيق أنّ التخصيص لا يوجب المجازية في العام بالبيان التالي:

إذا قال المتكلّم :أكرم العلماء و تعلّقت إرادته الجدية بإكرام العلماء العدول.و أشار إلى موضوع الإرادة الجدية بكلام مستقل، و قال: لا تكرم العالم الفاسق، فيقع الكلام في أنّ البيان الثاني هل يستلزم كون الجملة الأُولى مستعملة في غير معناها أو لا ؟

التحقيق أنّه لا يستلزم ذلك. وجهه أنّ للمتكلّم إرادتين:

الأُولى: الإرادة الاستعمالية التي تعد مقوّمة للاستعمال، و هو إطلاق اللفظ و إرادة معناه، و يشترك فيه كلّ من يتكلم عن شعور و إرادة من غير فرق بين الهازل و الممتحِن و ذي الجدّ .

ثمّ إنّ له وراء تلك الإرادة إرادة أُخرى، و هي ما يعبّر عنها بالإرادة الجدية،


(190)

فتارة لا تتعلّق الإرادة الجدية بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، كما في الهازل والآمر امتحاناً.

وأُخرى تتعلّق الأُولى بنفس ما تعلّقت به الثانية بلا استثناء و تخصيص، كما في العموم غير المخصص.

وثالثة تتعلق الإرادة الجدية ببعض ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، و هذا كالعام المخصص، و عند ذاك يشير إلى ذلك البعض بدليل مستقل. و يكشف المخصص عن تضيق الإرادة الجدية من رأس دون الإرادة الاستعمالية.

وعلى ضوء ذلك يكفي للمقنِّن أن يلقي كلامه بصورة عامة، و يقول: أكرم كلّ عالم، و يستعمل الجملة في معناها الحقيقي من دون أن يستعملها في معنى مضيق.ثمّ إنّه يشير بدليل مستقل إلى مالم تتعلّق به إرادته الجدية كالفاسق مثلاً.

وأكثر المخصصات الواردة في الشرع والقوانين العرفية من هذا القبيل حيث نجد أنّه سبحانه يقول: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ) (البقرة/278). ثمّ يُرخَّص في السنّة الشريفة ويخصّص حرمة الربا بغير الوالد والولد، والزوج والزوجة، وما أكثر التخصيص في القوانين الوضعية حيث يتمُّ وضع القانون أوّلاً، ثمّ يَلْحقُ به ما يعدُّ متمِّماً له بعد، مثلاً تُفْرض الخدمة العسكرية على كلّ من بلغ العشرين عاماً، ثمّ يلحق به متمم آخر وهو إعفاء المريض والطالب وغيرهما منها.

كلّ ذلك يتم بصورة المخصص المنفصل.

فاعلم أنّ التخصيص بالمنفصل إنّما يوجب مجازية العام المخصَّص إذا استعمله المتكلّم في غير معناه العام من أوّل الأمر، كأن يريد بقوله: أكرم العلماء «العلماء غير الفساق» و لكنّه أمر على خلاف المتعارف، فالمتكلّم يستعمله في نفس ما وضع له، بالإرادة الاستعمالية، أو قل بالإرادة التفهيمية.

ثمّ إنّه لو كان المراد بالإرادة الاستعمالية نفسَ المراد بالإرادة الجدية لسكت،


(191)

و لم يعقبه بشيء، و أمّا إذا كان المراد بالإرادة الاستعمالية غير المراد بالإرادة الجدية من حيث السعة و الضيق لأشار إلى إخراج بعض ما ليس بمراد جداً، ويقول: لا تكرم فساق العلماء، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ضيق الإرادة الجديّة من أوّل الأمر، وأمّا الإرادة الاستعمالية فتبقيعلى شموليتها للمراد الجدي وغيره، و هذا رائج في المحاورات العرفية والملاك في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً هي الإرادة الأُولى، والمفروض أنّ العام حسب تلك الإرادة مستعمل في نفس ما وضع له وإن ورد التخصيص فإنّما يرد على ما هو المراد بالإرادة الجدية.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ العام المخصص سواء كان التخصيص متصلاً أم منفصلاً حقيقة لا مجاز فيه، و يجمع كلا التخصيصين كونُ العام و الخاص من قبيل تعدّد الدال والمدلول.

سؤال: لماذا لا يستعمل المتكلّم العامَّ في الخاص من أوّل الأمر أي فيما هو متعلّق الإرادة الجدية، بل يستعمله منذ بدء الأمر في العموم ثمّ يشير بدليل ثان إلى التخصيص.

الجواب: إنّما يستعمله كذلك لضرب القاعدة و إعطاء الضابطة فيما إذا شكَّ المخاطبُ في خروج بعض الأفراد، حتى يتمسك بالعموم إلى أن يثبت المخصص.

وهذا لا يتم إلاّ باستعماله من أوّل الأمر في العموم بخلاف ما إذا استعمله في الخصوص و في غير معناه الحقيقي فلا يمكن للمخاطب التمسك بعموم العام في موارد الشكّ، لأنّ للمعنى المجازي مراتب (1) مختلفة، ولا نعلم أيّ مرتبة من تلك المراتب هي المرادة، فيصير الكلام مجملاً في صورة الشك.


1 . وحيث يحتمل انّه استعمله في تمام الباقي كما يحتمل استعماله في بعض الباقي، و للبعض الباقي أصناف مختلفة، مثلاً العلماء غير القرّاء ،العلماء غير النحاة، العلماء غير الفقهاء، فالكل يعدّ من المجاز حيث إنّ اللفظ فيها ليس بحقيقة فتعيين أحدها يحتاج إلى دليل.


(192)

الفصل الثالث

حجّية العام المخصَّص في الباقي

إذا ورد عام و تبعه التخصيص ثمّ شككنا في ورود تخصيص آخر عليه غير ما علم، فهل يكون العام حجّة فيه أو لا؟ و هذا ما يعبّر عنه في الكتب الأُصولية بـ« هل العام المخصص حجّة في الباقي أو لا؟»: مثلاً إذا ورد النص بحرمة الربا، ثمّ علمنا بخروج الربا بين الوالد والولد عن تحت العموم و شككنا في خروج سائر الأقربين كالأخ و الأُخت، فهل العام (حرمة الربا) حجّة في المشكوك أو لا؟

هناك مبنيان:

الأوّل: انّ العام المخصَّص مستعمل في معناه الحقيقي بالإرادة الإستعمالية، و إن ورد عليه التخصيص فإنّما يخصص الإرادة الجدية، و إلاّ فالإرادة الاستعمالية باقية على حالها لا تمس كرامتها. هذا من جانب.

و من جانب آخر إنّ الأصل العقلائي هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية إلاّ ما علم فيه عدم التطابق.

فيترتب على هذين الفرضين، حجّيته في الموارد المشكوكة، كالربا بين الأخوين.

وهذه (أي حجّية العام المخصص في الباقي) هي الثمرة للفصل السابق في كون العام المخصص حقيقة في الباقي و ليس مجازاً.


(193)

الثاني: انّ العام المخصص مستعمل في غير معناه الحقيقي، فإنّ العالم موضوع لمن قام به العلم، فإذا خرج منه العالم الفاسق يلزم استعماله في غير ما وضع له، و عندئذ يكون المعنى المستعمل فيه مردّداً بين معاني متعدّدة لتعدّد مراتب المجازات.

فلو قلنا بأنّ جميع المراتب سواء يلزم إجمال العام لعدم العلم بالمعنى المستعمل فيه.

ولو قلنا بأنّ الباقي (العالم غير الفاسق) أقرب المجازات فيتعيّن هو، و قد قالوا إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

ولكن المبنى الثاني غير تام، و الصحيح ما ذكرنا، و يترتّب عليه حجّية العام في الباقي بلا كلام.


(194)

الفصل الرابع

سراية إجمال المخصِّص مفهوماً إلى العام

كان البحث في الفصل السابق منصبّاً على حجية العام في الباقي بعد كون المخصص مبيَّناً لا إجمال فيه، و إنّما كان الشكّ في تخصيص زائد بمعنى احتمال أن يكون هناك تخصيص وراء التخصيص الأوّل، فقد قلنا بحجّية العام في الباقي مالم يثبت تخصيص آخر.

وأمّا البحث في هذا الفصل فهو فيما إذا كان المخصص مجملاً مفهوماً و صار إجماله سبباً للشك في بقاء مورد تحت العام، أو داخلاً تحت الخاص، و على هذا فالفصلان مختلفان موضوعاً و محمولاً، و إن كانا يشتركان في تعلّق الشكّ ببقاء فرد أو عنوان تحت العام، لكن منشأ الشك في الفصل السابق، احتمال طروء تخصيص زائد على العام و في المقام وجود الإجمال في المخصِّص فالمسألتان متغايرتان.

ثمّ إنّ إجمال المخصص مفهوماً على قسمين: فتارة يكون مفهوم المخصص مردّداً بين الأقل و الأكثر، وأُخرى يكون مفهومه مردّداً بين المتباينين. و إليك توضيح القسمين بذكر بعض الأمثلة.

أمّا المخصص المردّد بين الأقل و الأكثر، فإليك مثالين:

أ. إذا قال: كلّ ماء طاهر إلاّما تغيّر طعمُه أو لونُه أو رائحته، فإنّ المخصِّص مردّد بين كون المراد خصوص التغيّر الحسي، أو ما يعمّه و التغيّر التقديريّ، كما إذا مزج الماء الذي وقعت فيه النجاسة، مع الطيب على فرض لولاه


(195)

لظهر التغيّر بإحدى صوره الثلاث، فالمخصص (إلاّما تغير) مردّد بين الأقل و هو التغير الحسّي، و الأكثر و هو شموله له و التقديري.

ب. إذا قال: أكرم العلماء إلاّالفساق و تردّد مفهوم الفاسق بين مرتكب الكبيرة، أو هو و مرتكب الصغيرة، فهو مردّد بين الأقل و هو مرتكب الكبيرة ، و الأعمّو هو مرتكب الكبيرة و الصغيرة.

وأمّا المخصص المردّد بين المتباينين.

فكما إذا قال المولى: أكرم العالم إلاّ سعداً، و تردّد بين سعد بن زيد و سعد ابن بكر، فالإجمال في المفهوم صار سبباً لتردّد المخصّص بين المتباينين.

إذا وقفت على إجمال المفهوم بقسميه، فاعلم أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربع. لأنّ المخصّص المجمل إمّا متصل أو منفصل و إجمال كلّ، إمّا لدورانه بين الأقل و الأكثر، أو بين المتباينين، و إليك أحكام الصور الأربع:

الصورة الأُولى: المخصص المتصل الدائر مفهومه بين الأقل و الأكثر

إذا كان العام مقروناً من أوّل الأمر بمخصص مجمل مفهوماً مردّد أمره بين الأقل و الأكثر كما عرفت في المثالين، فلا شكّ في أمرين:

1. انّ الخاص حجّة في الأقل ـ أعني: التغيّر الحسّي ـ و مرتكب الكبيرة و ليس العام حجّة فيهما بلا كلام.

2. انّ الخاص ليس حجّة في المصداق المشكوك، أي التغير التقديري و مرتكب الصغيرة.

إنّما الكلام في أمر ثالث، و هو هل العام حجّة في هذا الفرد المشكوك أو لا؟ والمسألة مبنية على سريان إجمال المخصص إلى العام فلا يكون حجّة فيه، و عدمه فيكون حجّة.


(196)

التحقيق انّه يسري، لأنّ المخصص المتصل من قبيل القرائن المتصلة بالكلام، و ما هذا شأنه يوجب «عدم انعقاد ظهور للعام إلاّفيما عدا الخاص» فإذا كان الخاص مجملاً سرى إجماله إلى العام، لأنّ ما عدا الخاص غير معلوم فلا يحتج بالعامّ في مورد الشكّ.

وإن شئت قلت: إنّ التخصيص بالمتصل أشبه شيء بالتقييد حيث يعود الموضوع مركباً من العام و عنوان «غير الفاسق» فلابدّ في الحكم بوجوب الإكرام (حكم العام) من إحراز كلا الجزئين، أعني: كونه عالماً و كونه غير فاسق، و الأوّل و إن كان محرزاً بالوجدان، و لكن الثاني (غير فاسق) غير محرز، لأنّه لو كان الفاسق موضوعاً لمرتكب الكبيرة فمرتكب الصغيرة غير فاسق، و لو كان موضوعاً للأعم فهو فاسق، و عندئذ لم يحرز عندنا الجزء الآخر، أي أنّه غير فاسق للجهل بالمفهوم حتى يتمسك بالعام.

الصورة الثانية: المخصص المتصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام منضماً إلى مخصص دائر مفهومه بين أمرين متباينين ليس بينهما قدر مشترك حتى يدور الأمر بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العالم إلاّ سعداً، و كان مردّداً بين سعد بن زيد و سعد بن بكر، فلا يمكن التمسّك بالعام في واحد منهما للبيان السابق حيث إنّ العام حجّة فيما عدا الخاص، فيجب إحراز كلا الجزئين : الأوّل: انّه (عالم) و الثاني انّه (ليس سعداً) و بما أنّ سعداً مردّد مفهوماً بين الفردين، فلا يكون موضوع العام محرزاً بتمامه في أيّواحد من الفردين.

الصورة الثالثة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين الأقلّ و الأكثر

إذا ورد العام مجرداًعن المخصص ثمّ لحقه مخصص منفصل دائر مفهومه بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء، و قال بعد فترة : لا تكرم فسّاق


(197)

العلماء، فلا شكّ أنّ العام ليس بحجّة في مرتكب الكبيرة و يقع الكلام في كونه حجّة في مرتكب الصغيرة.

المشهور بين المحقّقين كونه حجّة في مورد الصغيرة، و يقع الكلام في بيان ما هو الفرق بين المتصل و المنفصل حيث إنّ إجمال المخصص المتصل يسري إلى العام عند دورانه بين الأقل و الأكثر و لا يسري إليه إجمال المخصص المنفصل إذا دار أمره بينهما، و إليك بيان الفرق:

إنّ اتصال المخصص يوجب عدم انعقاد ظهور للعام من أوّل الأمر إلاّفي العنوان المركب، فلا يكون هنا إلاّدليل واحد و له ظهور واحد.

وهذا بخلاف ما إذا كان المخصص منفصلاً، فإنّه ينعقد للعام ظهور في العموم و يعمّ قوله: أكرم العلماء مرتكبَ الصغيرة وا لكبيرة معاً في بدء الأمر و يكون حجّة فيهما.

ثمّ إذا لحقه المخصص المنفصل فهو لا يزاحم ظهوره، لأنّ ظهوره انعقد في العموم، و إنّما يزاحم حجّيته في العموم، لأنّ ظهور الخاص أقوى، و بما انّ المخصص المنفصل ليس حجّة إلاّ في مرتكب الكبيرة دون الصغيرة، بل كان فيها مشكوك الحجية فيتمسك بالعام الذي انعقد ظهوره في العموم وكان حجّة فيه ما لم يكن هناك حجّة أُخرى والمفروض عدمها.

وبعبارة أُخرى: العام المنفصل عن المخصص ينعقد ظهوره في العموم، فيكون حجّة في وجوب أكرام العالم أعم من مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، و هذا الظهور حجّة ما لم يكن هناك دليل أقوى، و المفروض أنّ الدليل الأقوى مجمل مردّد بين الأقل و الأكثر، فلا يكون حجّة في المشكوك أي الأكثر فلا ترفع اليد عن الحجّة السابقة إلاّ بمقدار ما ثبتت حجّية الخاصّ فيه، و ليس هو إلاّ مرتكب الكبيرة فيتمسك في مورد الصغيرة، بالعام.


(198)

الصورة الرابعة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام مجرداً عن المخصص، ثمّ لحقه المخصص بعد فترة و لكن دار أمره بين متباينين، كما إذا قال: «أكرم العالم»، ثمّ قال بعد فترة: «لا تكرم سعداً» و كان سعد اسماً مردّداً بين شخصين، فهل يكون العام حجّة في واحد منهما؟

التحقيق: انّه لا يكون العام حجّة بل يسري إجمال المخصص ـ و إن كان منفصلاً ـ إلى العام و وجه ذلك مع أنّه يشترك مع الصورة الثالثة في انفصال المخصص، و لكن يفارقه في شيء آخر، و هو عدم وجود العلم الإجمالي في الصورة الثالثة في مورد مرتكب الصغيرة بل كان الشكّ فيه شكاً بدوياً بخلاف المقام، فإنّ هنا علماً إجمالياً بحرمة أو عدم وجوب إكرام أحد الشخصين، و مع هذا العلم كيف يمكن التمسك بظهور العام ـ و إن انعقد ظهوره قبل لحوق المخصص المنفصل به في العموم، بل يسقط العموم عن الحجية في كلّواحد منهما.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين الأقل والأكثر إلى العام.

2. يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.

3. يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.(1)

4. لا يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين الأقل و الأكثر إلى العام.


1 . هذه هي الصورة الرابعة قدمناها في المقام لمساواة حكمها مع القسمين الأوّلين.
Website Security Test