welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(144)

المقصد الثالث
في المفاهيم

وفيه أُمور وفصول:

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق.

الأمر الثاني: تقسيم المدلول المنطوق إلى صريح وغير صريح.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي.

الأمر الرابع : تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق.

الأمر الخامس: الشرط المسوق لتحقق الموضوع.

الفصل الأوّل: مفهوم الشرط.

الفصل الثاني: مفهوم الوصف.

الفصل الثالث: مفهوم الغاية.

الفصل الرابع: مفهوم الحصر.

الفصل الخامس: مفهوم العدد.

الفصل السادس: مفهوم اللقب.


(145)

الأمر الأوّل: تعريف المفهوم والمنطوق:

إنّ مداليل الجمل على قسمين:

قسم يصفه العرف بأنّ المتكلّم نطق به، وقسم يفهم من كلامه ولكن لا يوصف بأنّ المتكلّم نطق به، ولأجل اختلاف المدلولين في الظهور والخفاء ليس للمتكلّم إنكار المدلول الأوّل بخلاف المدلول الثاني، فإذا قال المتكلّم، إذا جاءك زيد فأكرمه فإنّ هنا مدلولين.

أحدهما: وجوب الإكرام عند المجيء، وهذا مما نطق به المتكلّم وليس له الفرار منه، ولا إنكاره.

والآخر: عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء، وهذا يفهم من الكلام وبإمكان المتكلّم التخلّص عنه بنحو من الأنحاء.

فالأوّل مدلول منطوقي، والثاني مدلول مفهومي.

وربما يعدّان من أوصاف الدلالة ويقال: دلالة منطوقية ودلالة مفهومية، ولكن الإطلاق من باب التوسع والمجاز، ولعل ما ذكرناه هو مراد الحاجبي من تعريفه للمنطوق والمفهوم بقوله:

المنطوق: ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق.

والمفهوم : ما دلَّ عليه اللفظ في غير محل النطق (1).


1 . الحاجبي: منتهى السؤل والأمل: 147، واختصره المؤلف واشتهر بالمختصر الحاجبي وشرحه العضدي، وكلاهما مطبوعان.


(146)

وما فسرنا به كلام الحاجبي أولى ممّا فسره العضدي في كتابه المعروف بـ«شرح المختصر» فلاحظ (1).

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ ما دل عليه اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ حاملاً لذلك المعنى وقالباً له فهو منطوق (تسمية للمدلول باسم الدال).

وما دل عليه اللفظ على وجه لم يكن اللفظ حاملاً وقالباً للمعنى ولكن دل عليه باعتبار من الاعتبارات فهو مفهوم.

الأمرالثاني: تقسيم المدلول المنطوقي إلى صريح وغير صريح:

تنقسم المداليل المنطوقية إلى قسمين: صريح وغير صريح. فالصريح، هو المدلول المطابقي; وأمّا غير الصريح، فهو المدلول التضمني والالتزامي.

ثم إنّ الالتزامي على ثلاثة أقسام:

أ . المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.

ب . المدلول عليه بدلالة التنبيه والإيماء.

ج . المدلول عليه بدلالة الإشارة.

أمّا الأوّل فهو ما يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً، كقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «رفع عن أُمتي تسعة الخطأ والنسيان» فإنّ المراد رفع المؤاخذة عنها وإلاّ كان الكلام كاذباً.

وقوله تعالى: (واسْئَلِ القريةَ التي كُنّا فِيها) (يوسف / 82) فلو لم يقدَّر الأهل لما صحَّ الكلام عقلاً.

وقول القائل: اعتق عبدك عنّي على ألف، فإنّ معناه ملِّكه لي على ألف ثم


1 . المحصول في علم الأُصول، الجزء الثاني قسم المنطوق والمفهوم.


(147)

اعتقه، إذ لا يصح العتق شرعاً إلاّ في ملك.

وأمّا الثاني، فهو ما لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً وشرعاً، ولكن كان مقترناً بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علة له، لبعد الاقتران و فُقِد الربطُ بين الجملتين فيفهم منه التعليل فالمدلول، هو علّية ذلك الشيء، لحكم الشارع كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اعتق رقبة» بعد قول الأعرابي: هلكت وأهلكت، وقعت على أهلي في يوم من شهر رمضان. (1)

فيعلم من ذلك أنّ الوقاع علّة لوجوب الكفارة عليه، وهذا يسمى مدلولاً بدلالة التنبيه والإيماء في مقابل المنصوص عليه كما إذا قال: «إذا واقعت فكفِّر» فالوقوع هنا علة منصوصة. كما هو في الحديث علة مؤمى إليها.

وأمّا الثالث، فهو لازم الكلام وان لم يكن المتكلّم قاصداً له مثل دلالة قوله سبحانه: (وحَمْلُهُ وفصالُهُ ثلاثُونَ شهراً) (الأحقاف / 15) إذا انضم إلى قوله تعالى: (والوالِداتُ يُرضِعْن أولادَهُنَّ حولينِ كامِلَين) (البقرة / 233) على كون أقل الحمل ستة أشهر، فإنّ المقصود في الآية الأُولى بيان ما تتحمّله الأُم من آلام و مشاقّ، و في الثانية بيان أكثر مدة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث، وهو أنّ أقل الحمل ستة أشهر.

الأمر الثالث: النزاع في باب المفاهيم صغروي:

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي وأنّ مدار البحث هو أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟

وأمّا على فرض الدلالة والانفهام العرفي فلا إشكال في حجيته.

وبعبارة أُخرى: النزاع في أصل ظهور الجملة في المفهوم وعدم ظهورها،


1 . السنن الكبرى: 5 / 186 .


(148)

فمعنى النزاع في مفهوم الجملة الشرطية (إذا سلَّم أكرمه) هو أنّ الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، وهل هي ظاهرة في ذلك أو لا؟

وأمّا بعد ثبوت دلالتها على المفهوم أو ظهورها فيه فلا نزاع في حجيته، ومن خلال هذا البيان يظهر وجود التسامح في قولهم مفهوم الشرط حجة أو لا، فإنّ ظاهره أنّ وجود المفهوم مفروغ عنه وانّما الكلام في حجيته، مع أنّ حقيقة النزاع في وجود أصل المفهوم.

الأمر الرابع: تقسيم المفهوم إلى مخالف وموافق:

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إذا كان موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم موافق، كما في قوله سبحانه: (فَلا تَقُل لَهُما أُفّ)(الإسراء/23) فحرمة التأفيف تدل بالأولوية على حرمة الشتم وربما يسمّى لحن الخطاب.

وأمّا لو كان الحكم في المفهوم مخالفاً في السنخ لحكم الموجود في المنطوق فهو مفهوم مخالف وهو الشايع.

الأمر الخامس: الشرط المسوق لتحقّق الموضوع:

إنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع، ومحمول، وشرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع ، عند انتفاء الشرط وعدمها مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ :«إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجِّسه شيء» فهناك موضوع وهو الماء، ومحمول وهو العاصمية (لم ينجسه) وشيء آخر باسم الشرط،


(149)

أعني: الكرية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع (الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع من دون تفكيك بين الشرط والموضوع بل يكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محل النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق هنا ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ الموارد التي وقعت محل النزاع عبارة عما يلي:

1.مفهوم الشرط.

2. مفهوم الوصف.

3.مفهوم الغاية.

4.مفهوم الحصر.

5. مفهوم العدد.

6. مفهوم اللقب.

وعلى ذلك يقع الكلام في ستة فصول:


(150)

الفصل الأوّل

مفهوم الشرط

إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم أي ثبوت الجزاء لدى ثبوت الشرط وانتفاءه لدى انتفائه لا يتم إلاّ إذا ثبتت الأُمور الثلاثة التالية:

1. وجود الملازمة بين الجزاء والشرط في القضية بأن لا يكون من قبيل القضايا الاتفاقية، كما في قوله: كلما كان الإنسان ناطقاً فالحيوان ناهق، فإنّ التقارن من باب الاتفاق، ولأجل ذلك يحصل الانفكاك بينهما كثيراً.

2. أن يكون التلازم من باب الترتب أي ترتب أحدهما على الآخر، بأن يكون الشرط علة للجزاء، خرج ما إذا لم يكن هناك أي ترتب كما إذا قال: إن طال الليل قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس بينهما أي ترتب لكونهما معلولين لعلة ثالثة.

3. أن يكون الترتب علّياً انحصارياً ومعنى الانحصار عدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام الشرط .

فالقائل بالمفهوم لا محيص له إلاّ من إثبات هذه الأُمور الثلاثة، ويكفي للقائل بالعدم منع واحد منها.

ثمّ إنّ دلالة الجملة الشرطية على هذه الأُمور الثلاثة بأحد الوجوه التالية:

1. الوضع: ادّعاء وضع الهيئة على ما يلازم هذه الأُمور الثلاثة: الملازمة، الترتب، الانحصار.

2. الانصراف: ادّعاء انصراف الجملة الشرطية في ذهن المخاطب إلى هذه


(151)

الأُمور.

3. الإطلاق: ادّعاء أنّ المتكلّم كان في مقام بيان العلل ولم يذكر إلاّ واحداً منها، فيعلم انحصارها فتثبت الملازمة والترتب بوجه أُولى، أمّا إثباتها بالطريق الأوّل أي بالدلالة الوضعية، فالحق دلالة الجملة الشرطية على الأمرين : الملازمة والترتب، وذلك لأنّ المتبادر من هيئة الجملة الشرطية هو أنّ فرض وجود الشرط وتقدير حصوله، يتلوه حصول الجزاء وتحقّقه وهذا مما لا يمكن إنكاره، وهو نفس القول بالملازمة والترتب.

ولأجل ذلك نعبّر عن القضايا الشرطية بالقضايا التعليقية، وكأنّ الثاني معلّق على الأوّل خصوصاً فيما إذا كان الجزاء إنشائياً.

نعم إذا كان الجزاء جملة خبرية فالتعليق والترتب إنّما هو في الإخبار لا في الوجود والتحقق، فلأجل ذلك صحّ قولنا: إن كان النهار موجوداً فالشمس طالعة، فإنّه وإن لم يكن بين وجود النهار وطلوع الشمس ترتب خارجاً ولذلك يجوز الإخبار بالعكس، ولكن المتكلّم أضفى الترتب عليه في مقام الحكاية.

وأمّا الأمر الثالث، وهو انّ العلّية بنحو الانحصار، فهو غير ثابت، لأنّ تقسيم العلّة إلى المنحصرة وغير المنحصرة من المفاهيم الفلسفية البعيدة عن الأذهان العامة فمن البعيد، أن ينتقل الواضع إلى التقسيم، ثم يضع الهيئة الشرطية على قسم خاص منها وهي المنحصرة.

وأمّا إثبات الانحصار بالانصراف (بعد عدم الحاجة إلى إثبات الأمرين الأوّلين عن هذا الطريق لثبوتهما بثبوت الانحصار بطريق أولى) فهو أيضاً بعيد، لأنّ الانصراف رهن أحد أمرين:

1. كثرة الاستعمال في العلة المنحصرة.

2. كون العلة المنحصرة أكمل من غيرها.

وكلا الأمرين منتفيان لكثرة الاستعمال في غير المنحصرة، وكون العلة


(152)

المنحصرة ليست بأكمل في العليّة من غيرها، فلم يبق في إثبات الانحصار إلاّ الطريق الثالث وهو الإطلاق وكون المتكلّم في مقام البيان وهذا يتصوّر على وجهين:

تارة يكون في مقام بيان خصوصيات نفس السبب الوارد في الجملة الشرطية وماله من جزء وشرط ومانع من دون نظر إلى وجود سبب آخر، وأُخرى يكون في مقام بيان ما هو المؤثر في الجزاء، فعلى الأوّل يكون مقتضى الإطلاق انّ ما جاء بعد حرف الشرط هو تمام الموضوع وليس له جزء أو شرط آخر ولايتفرع عليه المفهوم، بل أقصاه أنّ ما وقع بعد حرف الشرط تمام الموضوع للجزاء وأمّا أنّه لايخلفه شيء آخر فلايمكن دفعه لأنّه ليس في مقام البيان.

وعلى الثاني أي إذا كان بصدد بيان ما هو المؤثر في الجزاء على وجه الإطلاق، فإذا ذكر سبباً واحداً وسكت عن غيره، فالسكوت يكون دالاً على عدم وجود سبب آخر قائم مقامه.

والحاصل: أنّه لو أحرز كون المتكلّم في مقام تحديد الأسباب ومع ذلك اقتصر على ذكر سبب واحد يستكشف أنّه ليس له سبب إلاّ ما جاء في كلامه فيحكم على السبب بأنّه علة منحصرة، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في مقام بيان الأسباب كلّها فإنّ مقتضى الإطلاق أنّ ما وقع تحت الشرط تمام الموضوع وليس له جزء آخر غير موجود، وأمّا أنّه ليس للجزاء سبب آخر يقوم مقام السبب الأوّل فلايدل عليه.

تطبيقات

إنّ للقول بدلالة الجملة الشرطية على المفهوم ثمرات فقهية لا تحصى، وربما يستظهر من خلال الروايات أنّ القول بالدلالة كان أمراً مسلماً بين الإمام والراوي، وإليك تلك الروايات:


(153)

1. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الشاة تُذْبَح فلا تتحرك، ويُهرق منها دم كثير عبيط، فقال: «لا تأكل، إنّ علياً كان يقول: إذا ركضت الرِجْل أو طُرِفت العين فكل» (1).

ترى أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يستدل على الحكم الذي أفتى به بقوله: «لا تأكل» بكلام علي ـ عليه السَّلام ـ ، ولا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، وهو إذا لم تركض الرجل ولم تطرف العين (كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.

2. روى الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان أمير المؤمنين يضمّن القصار والصائغ احتياطاً للناس، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً» .(2)

فالرواية على القول بالمفهوم دالة على تضمينه إذا لم يكن مأموناً .(3)

3. روى علي بن جعفر في كتاب مسائله وقرب الإسناد: أنّه سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال: «إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس» .(4)

دلت الرواية على القول بالمفهوم على حرمة التجارة مع المشرك إذا حملوا سلاحاً من دون فرق بين زمان الحرب والهدنة.

4. روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء».

دلت الرواية بحكم اشتمالها على المفهوم على نجاسة القليل بالملاقاة، وإلاّ كان تعليق عدم الانفعال بالكرّية أمراً لغواً.(5)

5. روى عبد اللّه بن جعفر عن أبي محمد قوله: ويجوز للرجل أن يصلّي ومعه فارة مسك، فكتب:«لا بأس به إذا كان ذكياً».


1 . الوسائل: 16/264، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13/272، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 4.
3 . مباني العروة : كتاب المضاربة: 17.
4 . الجواهر: 22/28.
5 . الجواهر: 1/106.


(154)

فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على المنع عن حمل الميتة وإن كان جزءاً صغيراً .(1)

6. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قلت له: الأمة تغطي رأسها، فقال: «لا، ولا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد».

دلّ بمفهومه على وجوب تغطية الرأس مع الولد .(2)

7. روى الحلبي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأُولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئاً» .(3)

دلّ على وجوب السورة بعد الحمد في غير مورد الشرط.

8. روى ابن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا بأس أن يتكلّم إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين أن تقام الصلاة».(4)

استدلّ بها صاحب الجواهر على حرمة الكلام في أثناء الخطبة.

9. روى علي بن فضل الواسطي، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: كتبت إليه إذا انكسفت الشمس أو القمر وأنا راكب لا أقدر على النزول، فكتب إليّ: «صل على مركبك الذي أنت عليه».

استدلّ بها على عدم جواز إقامة صلاة الآيات على ظهر الدابة إلاّ مع الضرورة .(5)

10. روى معاوية بن وهب بعد أن سأله عن السرية يبعثها الإمام ـ عليه السَّلام ـ فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، أخرج منها الخمس للّه تعالى وللرسول، وقسّم بينهم ثلاثة أخماس».

استدلّ بأنّه إذا كان هناك حرب بغير إذنه، فليس ما أخذه من الغنائم بل من الأنفال .(6)


1 . الجواهر: 6/132.
2 . الجواهر: 8/222.
3 . الجواهر: 9/334.
4 . لجواهر: 11/294.
5 . الجواهر: 11/477.
6 . الجواهر: 11/294.


(155)

التنبيه الأوّل: إذا تعدّد الشرط واتحد الجزاء

إذا كان الشرط متعدّداً والجزاء واحداً كما لو قال: إذا خفي الأذان فقّصر، وإذا خفي الجدران فقصّر، فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم، تقع المعارضة بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر، فلو افترضنا أنّ المسافر بلغ إلى حدّ لايَسمع أذان البلد ولكن يرى جدرانه فيقصِّر حسب منطوق الجملة الأُولى ويُتمّ حسب مفهوم الجملة الثانية، كما أنّه إذا بلغ إلى حد يسمع الأذان و لا يرى الجدران فيتم حسب مفهوم الجملة الأولى ويُقصّر حسب منطوق الجملة الثانية، فالتعارض بين منطوق إحديهما ومفهوم الأُخرى.

وبما انّك عرفت أنّ استفادة المفهوم مبني على كون الشرط علّة تامة أوّلاً، ومنحصرة ثانياً يرتفع التعارض بالتصرف في أحد ذينك الأمرين، فتفقد الجملة الشرطية مفهومها، وعندئذ لا يبقى للمعارضة إلاّ طرف واحد وهو منطوق الآخر، وإليك بيان كلا التصرفين:

أمّا الأوّل: أي التصرف في السببيّة التامة بأن تكون الجملة الثانية قرينة على أنّ خفاء الأذان ليست سبباً تاماً للقصر، وانّما السبب التام هو خفاء كلا الأمرين من الأذان والجدران، فتكون النتيجة بعد التصرف هو إذا خفي الجدران والأذان معاً فقصر .

وأمّا الثاني: وهو التصرّف في انحصارية الشرط بأن يكون كل منهما سبباً مستقلاً لا سبباً منحصراً، فتكون النتيجة هي استقلال كل واحد في وجوب القصر، فكأنّه قال: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر.

والفرق بين التصرفين واضح، فإنّ مرجع التصرف في الأوّل إلى نفي السببية المستقلّة عن كل منهما وجعلهما سبباً واحداً، كما أنّ مرجعه في الثاني إلى سلب الانحصار بعد تسليم سببيّة كل منهما مستقلاً.


(156)

فعلى الأوّل لا يقصر إلاّ إذا خفي كلاهما وعلى الثاني يقصر مع خفاء كل منهما.

وعلى كلا التقديرين يرتفع التعارض لزوال المفهوم بكل من التصرفين، لأنّ المفهوم فرع كون الشرط سبباً تاماً ومنحصراً، والمفروض أنّه إمّا غير تام، أو غير منحصر.

إلاّ أنّه وقع الكلام في تقديم أحد التصرفين على الآخر، والظاهر هو التصرف في ظهور كل من الشرطين في الانحصار فيكون كل منهما مستقلاً في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم، وإذا حصلا معاً فإن كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق وان تقارنا كان الأثر لهما معاً ويكونان كالسبب الواحد.

وانّما قلنا برجحان التصرف في الانحصار على التصرف في السببية التامة، لأجل أنّ التصرف في الانحصار مما لا بدّ منه سواء تعلّق التصرف برفع الانحصار أو تعلّق التصرف بالسببية التامة، فالانحصار قطعيّ الزوال ومتيقن الارتفاع، وأمّا السببية التامة فمشكوك الارتفاع فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل.

التنبيه الثاني: في تداخل الأسباب والمسببات (1)

إذا تعدّد السبب واتحد الجزاء كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضأ وإذا نُمتَ فتوضأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب أوّلاً، وتداخل المسببات ثانياً.

والمراد من تداخل الأسباب وعدمه هو أنّ السببين هل يقتضيان وجوباً واحداً فتتداخل الأسباب في التأثير، أو يقتضيان وجوبين فلا تتداخل في مقام التأثير؟

وأمّا المراد من تداخل المسببات، فالبحث في تداخلها وعدمها مبني على


1 . يكفي في عقد هذا البحث القول بكون كل شرط سبباً تاماً، لا سبباً منحصراً، فليس البحث مبنياً على اشتمال القضية الشرطية على المفهوم ،فلاحظ.


(157)

ثبوت عدم التداخل في الأسباب، فلو قلنا بأنّ كلاً من البول والنوم سبب مستقل في مقام التأثير وأنّ لكل وجوباً خاصاً يقع الكلام حينئذ في أنّ الإتيان بالطبيعة مرة هل يكفي في امتثال كلا الوجوبين وهذا ما يعبّر عنه بتداخل المسببات، أو يتوقف على الإتيان بها مرتين و هذا ما يعبّر عنه بعدم تداخل المسببات؟

ثم إنّ البحث في التداخل على وجه الإطلاق، فيما إذا أمكن تكرار الجزاء كالوضوء، وأمّا إذا لم يمكن التكرار كالقتل، فيسقط البحث على وجه الإطلاق كقتل زيد لأسباب مختلفة لكونه محارباً وزانياً محصناً ومرتداً، فإنّ القتل غير قابل للتكرر، فلا معنى للبحث عن التداخل سبباً أو مسبباً، إذا عرفت ذلك فلنبحث تارة في تداخل الأسباب، وأُخرى في تداخل المسببات.

التداخل في الأسباب

اختلفت كلمة الأُصوليين إلى أقوال:

أ . عدم التداخل مطلقاً، وهو المشهور .وإليه ذهب الشيخ الأعظم الأنصاري، والمحقّق الخراساني.

ب . التداخل مطلقاً وهو المنسوب إلى المحقّق الخوانساري.

ج. التفصيل بين اختلاف الشرط ماهية، كالنوم والبول; واتحاده، كتكرر البول. فالتداخل يتم في الثاني دون الأوّل وهو المحكي عن ابن ادريس الحلّي.

دليل القائل بعدم التداخل

لا شبهة في أنّه إذا ورد دليل خاص على التداخل أو عدمه نأخذ به، إنّما الكلام فيما إذا لم يرد دليل خاص على أحد الأمرين، فظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء (الوجوب) عند حدوث الشرط (النوم أو البول) ولازم ذلك هو حدوث الوجوبين لا الوجوب الواحد، وقد عرفت أنّ معنى عدم تداخل الأسباب هو تعدد التكليف والاشتغال، وأنّ ظاهر كل قضية أنّ الشرط علّة تامة لحدوث


(158)

الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الآخر معه أو قبله أو بعده أو لم يوجد، وليس لعدم تداخل الأسباب معنى إلاّ تعدد الوجوب.

دليل القائل بالتداخل

إنّ القائل بالتداخل يعترف بهذا الظهور (حدوث الجزاء عند حدوث الشرط) إلاّ أنّه يقول: لا يمكن الأخذ به، لأنّ متعلّق الوجوب في كلا الموردين شيء واحد وهو طبيعة الوضوء، ومن المعلوم أنّه يمتنع أن يقع الشيء الواحد متعلّقاً لوجوبين وموضوعاً لحكمين متماثلين، والمفروض أنّ متعلّق الوجوب في كليهما طبيعة الوضوء لا طبيعة الوضوء في أحدهما و الوضوء الآخر في الثاني حتى يصح تعدّد الوجوب بتعدّد المتعلّق، فإطلاق الجزاء، وأنّ الوضوء بما هو هو موضوع لا هو مع قيد كلفظ «آخر»، يقتضي التداخل.

وما ذكرناه دليل القولين; فالقائل بعدم التداخل يتمسّك بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كل شرط، وهو يلازم عدم التداخل في الأسباب; والقائل بالتداخل يتمسّك بوحدة المتعلّق وكون الموضوع للوجوبين هو نفس الطبيعة التي تقتضي وحدة الحكم و لا تقبل تعدّده فلابد من رفع اليد عن أحد الظهورين.

والظاهر تقديم ظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كلّ شرط، على إطلاق الجزاء في وحدة المتعلَّق، فتكون قرينة على تقدير لفظ مثل «فرد آخر» في متعلّق أحد الجزائين أو لفظ «مرة أُخرى» وعندئذ تكون الطبيعة موضوعة للوجوب في إحدى القضيتين، والفرد الآخر من الطبيعة موضوعة للوجوب في القضية الأُخرى.

ولعل العرف يساعد تقديم ظهور الصدر على ظهور الذيل بالتصرف في الثاني لقوة ظهور الصدر.


(159)

ويمكن توجيه تقديم ظهور الصدر على إطلاق الذيل بالارتكاز العرفي إذ المرتكز في الأذهان هو أنّ كل سبب تكويني يطلب معلولاً خاصاً، فكل من النار والشمس يفيض حرارة مستقلّة من غير فرق بين أن يتقارنا أو تتقدّم إحداهما على الأخرى فإذا كان هذا هو المرتكز في الأذهان، وسمع صاحب هذا الارتكاز من المعصوم قوله: إذا نمت فتوضأ، وإذا بلت فتوضأ، ينتقل إلى أنّ كلاً من النوم والبول يطلب وجوباً مستقلاً، و أن ّ أثر كل واحد غير أثر الآخر، والارتكاز الموجود في الأذهان يوجب انعقاد ظهور خاص للقضية وهو حدوث الوجوب عند حدوث كل شرط مستقلاً مطلقاً.

وبهذا يقدم ظهور الصدر على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق الآبية عن تعلّق الوجوبين(1) و ليس هذا من قياس التشريع على التكوين حتى يقال بأنّه أمر باطل، بل هو من باب جعل الارتكاز العرفي في العلل التكوينية قرينة على انتقال العرف لمقتضى مثلها في العلل التشريعية.

وبذلك ظهرت قوة الوجه الأوّل وضعف الوجه الثاني، وأمّا التفصيل المنقول عن ابن ادريس من التفريق بين وحدة الشرطين ماهية واختلافهما فيها، فليس له دليل صالح للذكر.

هذا كلّه حول التداخل وعدمه في الأسباب، وإليك البحث في التداخل في المسببات.

التداخل في المسببات

إذا ثبت في البحث السابق عدم التداخل و أنّ كل سبب علّة لوجوب مستقل، فحينئذ يقع الكلام في مقام آخر وهو إنّ تعدّد الوجوب هل يقتضي تعدّد الواجب أو لا؟


1 . اقتباس مما ذكره الاستاذ الكبير السيد الإمام الخميني ـ قدَّس سرَّه _ في دروسه الشريفة.


(160)

وبعبارة أُخرى :إنّ تعدّد السبب كما يقتضي تعدد الوجوب فهكذا يقتضي تعدد الامتثال أيضاً، أو لايقتضي بل يكفي في امتثال كلا الوجوبين الإتيان بمصداق واحد نظير امتثال قول القائل: أكرم العالم واكرم الهاشمي بضيافة العالم الهاشمي.

الظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، أي كفاية امتثال واحد وعدم كفايته، فتصل النوبة إلى الأصل العمليّ وهو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دل الدليل على سقوطها به، وبعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهي رهن تعدّد الامتثال.

نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعددة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.

ويستثنى من ذلك ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً وخصوصاً من وجه، كما في قضية أكرم عالماً وأكرم هاشمياً، فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين ولا يعتبر في تحقّق الامتثال إلاّ الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر .(1)

تطبيقات

1. إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الانفاق؟ قال في الجواهر:لايجوز، لكونه ليس إيتاءً للزكاة لأصالة عدم تداخل الأسباب.


1 . أجود التقريرات: 1/432.


(161)

2. إذا اجتمع للمستحق سببان يستحق بهما الزكاة، كالفقر والجهاد في سبيل اللّه جاز أن يُعطى لكل سبب نصيباً، لاندارجه حينئذ في الصنفين مثلاً، فيستحق بكل منهما.

3. إذا اجتمع سببان للخيار، كالمجلس والعيب، أو خيار الحيوان، فلا يتداخل السببان، وفائدته بقاء أحدهما مع سقوط الآخر.

4. لو تكرّر منه وطء الحائض في وقت واحد كالثلث الأوّل، أو في وقتين كما إذا كان الثاني في الثلث الثاني يقع الكلام في تكرّر الكفّارة وعدمه.

5. إذا وقعت نجاسات مختلفة في البئر لكل نصيب خاص من النزح، فهل يجب نزح كل ما قدّر أو لا؟

6. إذا تغيرت أوصاف ماء البئر، ومع ذلك وقعت فيه نجاسات لها نصيب من النزح، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟

7. إذا مات وهو جنب، فهل يكفي الغسل الواحد أو يجب الغسلان؟


(162)

الفصل الثاني

مفهوم الوصف

وقبل الدخول في الموضوع نقدم أُموراً:

الأوّل: المراد من الوصف في عنوان المسألة ليس خصوص الوصف النحوي بل الأُصولي، فيعم الحال والتمييز ممّا يصلح أن يقع قيداً لموضوع التكليف أو لنفسه.

وبما أنّ المفهوم مبني على أساس اشتمال المنطوق على موضوع، ومحمول، وقيد، يُتبّين أنّ البحث يختص بما إذا كان الوصف معتمداً على موصوف وإلاّ فيخرج عن محط البحث ويدخل في باب مفهوم اللقب، فمثل قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) (المائدة/ 38) خارج عن محل البحث، فإنّ نفي الحكم عن غير السارق والسارقة أشبه بانتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع.

ومع ذلك كلّه يُرى تعميم النزاع إلى الوصف غير المعتمد على الموصوف في كلمات الأُصوليين حيث يستدلون بآية النبأ على حجية خبر الواحد متمسكين بمفهوم الوصف وهو غير معتمد على موصوف قال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات /6) كما يستدلّون بحديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليّ الواجد بالدين يُحلّ عرضه وعقوبته» و هو مثل آية النبأ في عدم الاعتماد على الموصوف. (1)

الثاني: يشترط في الوصف أن يكون أخصّ من الموصوف مطلقاً حتى يصح


1 . الوسائل: 13، كتاب الدين، الباب الثامن، الحديث 4.


(163)

فرض بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف كالإنسان العادل.

فخرج منه الموارد التالية:

أ. ما إذا كانا متساويين، كالإنسان المتعجب.

ب. ما إذا كان أعم منه، كالإنسان الماشي.

وجه الخروج أنّ المفهوم فرع بقاء الموضوع مع انتفاء الوصف، ففي المتساويين ينتفيان معاً، و في الأعم ينتفي الموضوع بانتفاء الوصف بطريق أولى على خلاف باب المفهوم.

ج. إذا كان أعم منه من وجه كما في الغنم السائمة زكاة فانّ بين الغنم و السائمة عموم و خصوص من وجه، فيفترق الوصف عن الموضوع في الغنم المعلوفة، والموضوع عن الوصف في الإبل السائمة و يجتمعان في الغنم السائمة، فهل هو داخل في النزاع أو لا؟

الظاهر دخوله في النزاع إذا كان الافتراق من جانب الوصف بأن يكون الموضوع باقياً والوصف غير باق كالغنم المعلوفة، وأمّا إذا ارتفع الموضوع، سواء كان الوصف باقياً، كالإبل السائمة، أو كان هو أيضاً مرتفعاً كالإبل المعلوفة فلا يدل على شيء في حقهما.

الثالث: انّ النزاع في ثبوت مفهوم الوصف وعدمه لا ينافي اتفاقهم على أنّ الأصل في القيود أن تكون احترازية وذلك:

لأنّ معنى كون القيد احترازياً ليس إلاّ ثبوت الحكم في مورد القيد، فإذا قال: أكرم الرجال طوال القامة، معناه ثبوت الحكم مع وجود الأمرين: الرجال والطوال.

وأمّا نفي الحكم عن الرجال القصار فلا يدل عليه كون القيد احترازياً، بل يُتوقف في الحكم بالثبوت أو العدم بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ لازمه نفي الحكم


(164)

في غير مورد الوصف والفرق بين الأمرين واضح، فكون القيد احترازياً يلازم السكوت في غير مورد الوصف، والقول بالمفهوم يلازم نقض السكوت والحكم بعدم الحكم في غير مورد الوصف.

الرابع: انّ النزاع في ثبوت المفهوم للوصف لا ينافي ما اتفقوا عليه من حمل المطلق على المقيد، فإنّ معنى حمل المطلق على المقيد إنّما هو تخصيص الحكم بالموضوع المقيد وقصره عليه، فكأنّ الحكم ورد على المقيد من أوّل الأمر، وأمّا دلالته على ارتفاع الحكم في مورد انتفاء القيد فلا يدل عليه، بل هو ساكت عنه كسكوت القيد الاحترازي.

وهذا بخلاف القول بالمفهوم، فإنّ معناه دلالة الوصف على انتفاء الحكم عن غير مورد الوصف، وشتان بين قصر الحكم على موضوع مقيد والسكوت عن انتفائه عن غير مورده، وبين دلالة الشيء على قصر الحكم على المقيد ودلالته على انتفائه عن غير مورده.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الوصف على المفهوم، و يعلم ذلك ببيان أقسام القيود .

أقول: إنّ القيود الواردة في الكلام على أقسام خمسة:

1. القيد الزائد كقولك: الإنسان الضاحك ناطق، فإنّ الإنسان ناطق سواء كان ضاحكاً أو لا.

2. القيد التوضيحي:و هو القيد الذي يدلّ عليه الكلام و إن لم يذكر كقوله سبحانه:(وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى البِغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) (النور/33) فقوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) قيد توضيحي، إذ لا يصدق الإكراه إلاّ معه و يغني عن ذكره قوله:(وَلا تُكْرِهُوا) و مع ذلك جيئ به لنكتة خاصة، كما هو الحال في كلّ قيد توضيحي في كلام البلغاء.

3. القيد الغالبي: و هو القيد الوارد مورد الغالب، و مع ذلك لا مدخلية له


(165)

في الحكم، كقوله سبحانه:(وَرَبائبكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)(النساء/22) فكونهن في حجور الأزواج قيد غالبي، لأنّ المرأة التي توفّى عنها زوجها إذا تزوّجت مرّة أُخرى تجلب أطفالها إلى بيت زوجها الثاني، فلذلك تكون الربائب غالباً في حجر الزوج الثاني، و لكن الربيبة محرّمة سواء أكانت في حُجره أم لا.

4. القيد الاحترازي: و هو القيد الذي له مدخلية في الحكم ولا يحكم على الموضوع بحكم إلاّ معه كالدخول في الآية المتقدّمة فانّ الدخول بالأُم شرط لحرمة الربيبة، فلو لم يدخل بها و طلّقها يتوقّف في الحكم.

5. القيد المفهومي: أو القيد ذات المفهوم، و هو ما يدل على ثبوت الحكم عند وجوده و عدمه عند انتفائه، وهذا النوع من القيد يُثبت أكثر ممّا يثبته القيد الاحترازي، فإنّ الثاني يثبت الحكم في مورد القيد و يسكت عن وجوده و عدمه في غير مورده، و لكن القيد المفهومي يُثبت الحكم في مورده و ينفيه عن غيره.

إذا وقفت على أقسام القيد و آثاره المختلفة، فاعلم أنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى الذي مرّعليك، وأمّا الزائد عليه أي الانتفاء لدى الانتفاء فلا دليل عليه.

نعم ربما تدل القرائن على ثبوت المفهوم للقضية الوصفية ـ وراء كونه احترازياً ـ مثل ما حُكي أنّ أبا عبيدة قد فهم من قول رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ : «ليّ الواجد يُحِلُّ عرضه و عقوبته»: أنّ ليَّ غير الواجد لا يُحلّ.

و إن كان القول بالمفهوم في الحديث لا يخلو من إشكال، و ذلك لأنّ الليّ فرع الوجدان، فإذا لم يكن واجداً فلا يطلق(1) عليه الليّ، مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، فلا يدل على أنّه إذا لم يرزق ولداً فلا تختنه.


1 . و الليّ: «المطل» و الواجد: الغني، و إحلال عرضه: عقوبتُه وحبسُه.


(166)

و على كلّ تقدير فالذي دعا الأُصوليين إلى عدم القول بالمفهوم في التقييد بالوصف، هو عدم انتفاء الحكم عند انتفاء القيد في النصوص الشرعية نظير قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) (آل عمران/130) فإنّ الربا حرام مطلقاً أضعافاً كان أو لا.

وقوله سبحانه: (وَاسْتَشْهِدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ)(البقرة/282) مع اتّفاقهم على جواز القضاء بشهادة شاهد واحد ويمين المدّعي.

وقوله سبحانه:(وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي فِي حُجُورِكُمْ من نِساءِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) (النساء/23) مع حرمة الربيبة إذا دخل بأُمّها و إن لم تكن في حجره.

و قوله سبحانه: (وَ إِذا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا ) (النساء/101).

فالتقصير قيّد بالخوف من فتنة الكفار مع أنّه جائز مطلقاً سواء كان هناك فتنة أو لا.

نعم خرجت عن تلك الضابطة العقود و الإيقاعات المتداولة بين الناس حتى الأقارير و الوصايا، فإنّها لو اشتملت على قيد و وصف لأفاد المفهوم، فمثلاً لو قال: «داري هذه وقف للسادة الفقراء» فمعناه خروج السادة الأغنياء عن الخطاب.


(167)

الفصل الثالث

مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية مثل قوله:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)(المائدة/6) فقد اختلف الأُصوليون فيه من جهتين:

الجهة الأُولى: في دخول الغاية«المرفق» في حكم المنطوق«اغسلوا» و هذا ما يعبّر عنه بدخول الغاية في حكم المغيّى (غسل اليد) و عدمه.

الجهة الثانية: في مفهوم الغاية، و هو موضوع البحث في المقام فقد اختلفوا في أنّ التقييد بالغاية هل يدل على انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية (العضد) و من الغاية نفسها(المرفق) إذا قلنا في النزاع الأوّل بعدم دخولها في المغيّى أو لا؟

أمّا الجهة الأُولى ففيها أقوال:

أ. خروجها مطلقاً، و هو خيرة المحقّق الخراساني و السيد الإمام الخميني ـ قدّس اللّه سرّهما ـ .

ب. دخولها مطلقاً.

ج. التفصيل بين ما إذا كان ماقبل الغاية و مابعدها متحدين في الجنس، فتدخل كما في قوله سبحانه:( فَاغسِلُوا وُجُوهكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6) فيجب غسل المرفق، و بين ما لم يكن كذلك فلا يدخل كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة/187) فإنّ الليل (الغاية) يغاير المغيّى(النهار).فانّ جنس النهار عرفاً هو النور، وجنس الآخر هو الظلمة فهما


(168)

مختلفان جنساً، واشتراكهما في الزمان صحيح لكنّه أمر عقليّ.

د. عدم الدلالة على شيء و إنّما يُتبع في الحكم ، القرائنُ الدالّة على واحد منهما.

وقبل بيان المختار نشير إلى أمرين:

الأوّّل: انّ البحث في دخول الغاية في حكم المغيّى إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره تارة داخلاً في حكمه و أُخرى داخلاً في حكم مابعد الغاية، كالمرفق فانّه يصلح أن يكون محكوماً بحكم المغيّى (الأيدي) و محكوماً بحكم ما بعد الغاية (العضد) و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا، كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات ، فالضربة السادسة هي بعد الغاية و ليس هنا حدّ مشترك صالح لأن يكون محكوماً بحكم المغيّى أو محكوماً بحكم ما بعد الغاية، و بذلك يظهر أنّه لو كانت الغاية، غاية للحكم لا يتصوّر فيه ذلك النزاع، كما إذا قال:«كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» فانّه لا يمكن أن يكون العلم بالحرام داخلاً في حكم المغيّى، إذ ليس بعد العلم بالحظر رخصة و « ليس وراء عبادان قرية».

الثاني: إذا كانت أداة الغاية هي لفظ «حتى» فالنزاع في دخول الغاية في حكم المغيّى و عدمه إنّما يتصوّر إذا كانت خافضة كما في قوله:« أكلت السمكة حتى رأسِها، و مثل قوله سبحانه: (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187).

وأمّا العاطفة فهي خارجة عن البحث، لأنّ الغاية فيها داخلة تحت حكم المغيّى قطعاً، كما إذا قال: مات الناسُ حتى الأنبياء، فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضاً، و الغرض من ذكر الغاية هو بيان أنّه إذا كان الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى، محكوماً بالموت فكيف حال الآخرين، و نظيره القول المعروف: مات كلُّ أب حتى آدم.


(169)

إذا عرفت ذلك فالحقّ هو القول الأوّل، أي عدم دخول الغاية في حكم المغيّى أخذاً بالتبادر في مثل المقام، قال سبحانه:(تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر* سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر ) (القدر/4و5) فإنّ المتبادر منه أنّ النزول إلى مطلع الفجر لا فيه نفسه ولا بعده، و كقول القائل: قرأت القرآن إلى سورة الإسراء، فإنّ المتبادر خروج الإسراء عن إخباره بالقراءة، فإن تمّ ما ذكرنا من التبادر فهو، و إلاّ فالقول الرابع هو الأقوى من أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى و لا في عدمه.

وعلى القول المختار تكون آية الوضوء آية واضحة المدلول في المرفق إلاّ إذا قيل إنّ «إلى» بمعنى «مع» أو قيل بوجوب الغسل من باب المقدّمة العلميّة. و أمّا على القول الرابع يكون مجملاً، فلو لم يكن هناك دليل اجتهادي من أمارة أو إجماع، ينتهي الأمر إلى الأُصول العملية، وأصل البراءة من وجوب الغسل هو المحكَّم عند ئذ.

الجهة الثانية: في مفهوم الغاية و انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية و من الغاية نفسها إذا لم نقل بدخولها في المغيّى.

فهناك صورتان:

الأُولى: أن يكون القيد غاية للحكم، فلا ريب في الدلالة على المفهوم كقولهعليه السَّلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر».

وقوله :كلّ (1)شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام، لامتناع بقاء الطهارة أو الحلية مع انكشاف الواقع و أنّه قذر أو حرام.

الثانية: أن يكون قيداً للموضوع كما في قولك : سر من البصرة إلى الكوفة، فانّ قولك: إلى الكوفة، قيد للسير لا للوجوب، و كأنّك تقول: «السير من البصرة


1 . الوسائل: ج1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث5.


(170)

إلى الكوفة واجب» و مثله قوله سبحانه:(فَاغْسِلُوا وُجوهَكُمْ وَأَيْديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ)فقوله: (إِلَى المَرافِقِ) قيد الغسل لا الوجوب فكأنّه قال: غَسْلُ الأيدي إلى المرافق واجب و الظاهر دلالة الجملة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية و حتى عن الغاية أيضاً إذا قلنا بعدم دخولها في حكم المغيّى، لأنّ المتفاهم العرفي في أمثال المقام هو تحديد الواجب و تبيين ما هو الوظيفة في مقام التوضؤ، و يؤيد ما ذكرنا تبادر المفهوم في أكثر الآيات الواردة فيها حتى الخافضة قال سبحانه:(وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرنَ) (البقرة/222) و قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْود) (البقرة/187) و قال: (وَ قاتِلُوهُم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة)(البقرة/193) فانّ المتبادر من هذه الآيات هو حصر الحكم إلى حدّ الغاية و سريان خلافه إلى ما بعدها.

فخرجنا بهذه النتيجة: وهي اشتمال الغاية على المفهوم من غير فرق بين أن يكون قيداً للحكم أو للموضوع، و إن كان القول بالمفهوم للأوّل أوضح.

Website Security Test