welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(85)

الفصل الخامس

في تقسيمات الواجب

للواجب تقسيمات مختلفة نشير إليها إجمالاً، ثمّ نأخذ بالبحث عنها تفصيلاً:

1. تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط.

2. تقسيم الواجب إلى منجَّز و مُعلَّق.

3. تقسيم الواجب إلى موسَّع ومضيّق.

4.تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي.

5. تقسيم الواجب إلى نفسيّ و غيريّ.

6. تقسيم الواجب إلى عينيّ و كفائيّ.

7. تقسيم الواجب إلى تعييني و تخييري.

8. تقسيمه إلى التعبديّ والتوصلّي

و إليك البحث عنها واحداً بعد الآخر:

***

1. تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط

إذا قيس وجوب الواجب إلى شيء آخر خارج عنه، فهو لا يخرج عن أحد


(86)

نحوين:

إمّا أن يكون وجوب الواجب غير متوقّف على تحقّق ذلك الشيء، كوجوب الحجّ بالنسبة إلى قطع المسافة، فالحجّ واجب سواء قطع المسافة أو لا، غاية الأمر انّه إذا لم يقطع المسافة يكون عاصياً بترك الواجب لأجل ترك مقدّمته، فوجوبه غير متوقّف على وجوده. نعم وجود الحجّ و إيجاده في الخارج يتوقّف على قطع المسافة.

و من هذا القبيل نسبة وجوب الصلاة إلى الوضوء و الغسل وغيرهما، فإنّ وجوبها غير متوقّف على وجود هذه الأُمور، فسواء تطهر أو لم يتطهر فالصلاة واجبة عليه، لكن وجودها متوقّف على وجود تلك الشروط، توقّفَ المقيّد (الصلاة متطهراً) على وجود القيد.

وإمّا أن يكون وجوبه متوقّفاً على تحقّق ذلك الشيء، بمعنى انّه لولا حصوله لما تعلّق الوجوب بالواجب، كالاستطاعة الشرعيّة(1) بالنسبة إلى الحجّ، فلولاها لما تعلّق الوجوب بالحجّ.

و من هنا يعلم انّه يمكن أن يكون وجوب الواجب بالنسبة إلى شرط واجباً مطلقاً، و بالنسبة إلى شرط آخر واجباً مشروطاً كوجوب الصلاة، بل عامة التكاليف بالنسبة إلى البلوغ والقدرة و العقل، فإنّ الصبي والعاجز و المجنون غير مكلّفين بشيء و قد رفع عنهم القلم، فوجوب الصلاة مشروط بالنسبة إلى هذه الأُمور الثلاثة، و لكنّه في الوقت نفسه غير مشروط بالنسبة إلى الطهارة الحدثية و الخبثية، فالصلاة واجبة سواء كان المكلّف متطهراً أم لا، غير انّه يجب على المكلَّف تحصيل الطهارة كسائر الأجزاء والشرائط.

وبذلك يظهر أنّ الإطلاق والاشتراط من الأُمور النسبية، فقد يكون الوجوب بالنسبة إلى شيء مطلقاً و إلى شيء آخر مشروطاً.


1 . خرجت الاستطاعة العقلية كالحج متسكّعاً فلا يجب معها الحجّ.


(87)

سؤال: هل الوجوب قبل حصول الشرط فعلي أو لا؟

الجواب: انّه ليس بفعليّ و ليس هنا أيّ بعث أو طلب فعلي بل البعث إنشائي بمعنى انّه لو استطاع لوجب عليه الحجّ.

و عندئذ يطرح السؤال التالي: إذا كان وجوب الواجب مشروطاً بالنسبة إلى شيء فما فائدة إنشاء الوجوب قبل تحقّقه؟

الجواب: انّه يكفي في وجود الفائدة صيرورة الوجوب فعلياً بعد حصول الشرط بلا حاجة إلى خطاب آخر، و ربما لا يكون بمقدور المولى إصدار الخطاب إليه بعد حصول الشرط.

ويمكن الجواب بنحو آخر، و هو انّ السؤال (ما فائدة هذا الحكم الإنشائي) إنّما يتوجّه إلى الخطابات الشخصية، و أمّا الخطابات القانونية العامة، كما هو الحال في الكتاب والسنة فلا تلزم فيها اللغوية، لأنّ المكلّفين بين واجد للشرط و فاقد له، فالخطابات فعلية في حقّ الواجدين للشرط، و إنشائية في حقّ الفاقدين له، و كفى هذا في مصونية الخطاب عن اللغوية.

الفرق بين تقييد الهيئة و المادة

تنقسم القيود إلى قسمين:

قسم يكون القيد راجعاً إلى مفاد الهيئة و يكون الوجوب مشروطاً به، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، وكالأُمور العامة بالإضافة إلى التكاليف.

و قسم يكون القيد راجعاً إلى مادة الأمر، أي ما تعلّق به الوجوب، كالصلاة في مورد الطهارة من الحدث و الخبث، فقول القائل: صلّ متطهراً يرجع إلى قوله: يجب الصلاة مع الطهارة.

والثمرة بين القيدين واضحة، فإنّ قيد الهيئة لا يجب تحصيله، لأنّ الشارع فرض الحج عند حصول الاستطاعة، بخلاف الآخر، فإنّه يجب تحصيله، لأنّه فرض


(88)

الصلاة مطلقاً، غير أنّها لا تصحّ إلاّ بالطهارة. فالحكم في القسم الأوّل مقيد، بخلافه في الثاني فانّه مطلق.

فلو تبيّن بحكم التبادر أو الفهم العرفي أنّ القيد راجع إلى أحد القسمين فهو المتَّبع، وأمّا إذا دار أمره بينهما كان الكلام مجملاً ساقطاً عن الحجية فيكون المرجع حينئذ هو الأصل العملي، للضابطة المحرّرة في محلّها، و هي انّه إذا لم يكن في المسألة دليل اجتهادي، فالمرجع هو الأُصول العملية الأربعة.

و بما أنّ نتيجة الشكّ في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة هو وجوب تحصيل القيد على المعنى الثاني دونه على المعنى الأوّل يكون المقام من قبيل الشكّ في التكليف، و هو مجرى البراءة ـ كما سيأتي في محلّه ـ .

2. تقسيم الواجب إلى منجَّز و معلّق

إنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه ينقلب (1) إلى واجب مطلق، كدخول الوقت بالنسبة إلى الصلاة، و هذا النوع من الواجب ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: أن يكون زمان فعلية الوجوب مقارناً لزمان فعلية الواجب.

و بعبارة أُخرى، أن يكون زمان الوجوب والواجب فعليين، كالصلاة عند دخول الوقت، فإنّ زمان الواجب (الصلاة) هو نفس زمان الوجوب، فهو الواجب المنجّز.

الثاني: أن لا يكون زمان فعلية الوجوب مقارناً لزمان فعلية الواجب، بأن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، و ذلك كالحج بعد الاستطاعة، و قبل حضور الموسم، فإذا حصلت صار الوجوب فعلياً مع أنّ الواجب ليس بفعلي، لأنّ فعلية الواجب معلّقة على حضور الموسم، فالوجوب فعلي و الواجب


1 . أي الحكم الجزئي في مورد المكلّف الخاص، و أمّا الحكم الكلّي فهو باق على كونه مشروطاً. فلاتغفل.


(89)

استقبالي فهو الواجب المعلّق . و بذلك ظهر أنّ المنجّز والمعلّق قسمان من أقسام الواجب المطلق الذي كان مشروطاً(1) و صار بعد حصول شرطه مطلقاً، و هو بين منجّز يكون الوجوب والواجب فعليين، و معلَّق يكون الوجوب فعلياً، و الواجب استقباليّاً.

ما هو الداعي وراء هذا التقسيم

المشهور أنّ فعلية وجوب المقدّمة تتبع فعلية وجوب ذيها، و مع ذلك فقد وقعت في الشريعة الإسلامية موارد توهم خلاف ذلك بمعنى فعلية وجوب المقدّمة دون فعلية وجوب ذيها، و هذا يستلزم انخرام القاعدة العقلية من امتناع تقدم المعلول ـ وجوب المقدّمة ـ ، على العلة ـ وجوب ذيها ـ و إليك تلك الموارد:

1. وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.

2. وجوب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر.

3. وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية قبل وقت الحج، مع عدم فعلية وجوبه إلاّ في الموسم.(2)

4. وجوب تعلّم الأحكام للبالغ، قبل مجيئ وقت الوجوب إذا ترتّب على تركه فوت الواجب في ظرفه.

5. وجوب تعلّم الأحكام على الصبي إذا علم عدم تمكّنه منه بعد بلوغه.

كلّ ذلك يستلزم تقدّم وجوب المقدّمة و فعليتها على وجوب ذيها، و لأجل


1 . نعم ربما يستعمل المنجّز في الأوسع من هذا المعنى، كما إذا كان مطلقاً من أوّل الأمر، لكنّه خارج عن مصطلح صاحب الفصول الذي ينسب إليه هذا التقسيم فلاحظ.
2 . ما ذكر من المثال إنّما يتمّ لو قلنا بفعلية وجوب الحجّ عند حصول الاستطاعة سواء حلّ الموسم أو لا، وأمّا لو قلنا بأنّوجوبه مشروط بحلول الموسم فلايتم هذا المثال.


(90)

ذلك اختار كلّ مهرباً.

فقد تفصّى صاحب الفصول عن هذه الإشكالات بهذا التقسيم، وقال بأنّ هذه الموارد و أمثالها من قبيل الواجب المعلّق أي الوجوب فعلي و الواجب استقبالي، و إن شئت قلت: بأنّ زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، فلم ينفك فعلية وجوب المقدّمة عن فعلية وجوب ذيها بل هما متقارنان .

و قد عرفت أنّ هناك مخلصاً آخر أشرنا إليه فيما سبق.(1)

3. تقسيم الواجب إلى موسّع و مضيّق

ينقسم الواجب إلى مؤقّت وغير مؤقّت.

فالواجب غير المؤقت: مالا يكون للزمان فيه مدخلية و إن كان الفعل لا يخلو عن زمان (2) ، كإكرام العالم و إطعام الفقير.

ثمّ إنّ غير المؤقت ينقسم بدوره إلى فوري: و هو ما لا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كإزالة النجاسة عن المسجد، و ردّالسّلام ، والأمر بالمعروف.

وغير فوري: وهو ما يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه، كقضاء الصلاة الفائتة، وأداء الزكاة، والخمس.

هذا كلّه في الواجب غير المؤقّت.

وأمّا الواجب المؤقّت فهو: ما يكون للزمان فيه مدخلية، و له أقسام ثلاثة:

أ. أن يكون زمان الوجوب مساوياً لزمان الواجب، كالصوم، و هو المسمّى


1 . حاصله أنّوجوب المقدّمة ليس مترشحاً من وجوب ذيها بل تابعٌ لوجوب ذيها، فلا مانع من تقدّم وجوب المقدّمة على ذيها، و إنّما يلزم انخرام القاعدة العقلية إذا قلنا بالأوّل دون الثاني.لاحظ التعليقة/82.
2 . و كم فرق بين عدم انفكاك الفعل عن الزمان، و مدخليته في الموضوع كسائر الأجزاء، وغير المؤقت من قبيل القسم الأوّل دون الثاني.


(91)

بالمضيّق.

ب. أن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، كالصلوات اليومية، و يعبّر عنه بالموسّع.

ج. أن يكون زمان الوجوب أضيق من زمان الواجب، و هو مجرّد تصور، ولكنّه محال لاستلزامه التكليف بمالا يطاق.

تتمة

هل القضاء تابع للأداء؟

إذا فات الواجب المؤقت في ظرفه من دون فرق بين كونه مضيّقاً أو موسّعاً، فهل يجب الإتيان به خارج وقته أو لا؟

فعلى القول الأوّل، يقال: القضاء تابع للأداء، و على الثاني يقال: القضاء بأمر جديد ويختص محلّ النزاع فيما إذا لم يكن هناك دليل يدلّ على أحد الطرفين، مثلاً:

إذا كان في دليل الواجب إطلاق يدل على وجوبه خارج الوقت أيضاً بمعنيانّ للآمر مطلوبين: 1ـ أصل العمل داخل الوقت أو خارجه، 2ـ العمل في الوقت المحدّد، فإذا فات الثاني بقى مطلوبية الأوّل على حاله، كما هو الحال في الفرائض اليومية ـ حسب الدليل الخارجي ـ ، فلا شكّ حينئذ انّ القضاء تابع للأداء.

أو كان في دليل التوقيت إشارة إلى كون الوقت ركناً و أنّه يسقط وجوب الفعل بفقدان ركنه، فلا شكّ أنّ القضاء هناك بأمر جديد.

إنّما الكلام فيما إذا لم يكن دليل على أحد الطرفين ـ أي تعدّد المطلوب أو ركنية الزمان ـ فمقتضى القاعدة سقوط الأمر المؤقّت بانقضاء وقته و عدم وجوب


(92)

الإتيان به خارج الوقت لأنّه من قبيل الشكّ في التكليف الزائد والأصل البراءة.

4. تقسيم الواجب إلى أصلي و تبعي

إذا كان الوجوب مفاد خطاب مستقل و مدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي سواء كان نفسياً كما في قوله سبحانه:(وَ أَقِيمُوا الصَّلاة وَ آتُوا الزَّكاة)(النور/56) أو غيرياً كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ) (المائدة/6).

وأمّا إذا كان بيان وجوب الشيء من توابع ما قصدت إفادته، كما إذا قال: اشتر اللحم، الدال ضمناً على وجوب المشي إلى السوق، فالواجب تبعي لم يسق الكلام إلى بيانه إلاّ تبعاً.

هذه هي بعض التقسيمات الواردة في صدر الفصل، وأمّا التقسيمات الأُخرى التي ذكرناها بعناوينها فنحن في غنى عن إفاضة القول فيها لما بيّناه من مفاهيمها عند البحث عن إطلاق صيغة افعل.(1)


1 . تقدّم البحث ـ إذا دار الأمر بين النفسي و الغيري، و العيني و الكفائي، و التعييني و التخييري والتعبدي التوصليـ: ص60 ـ 63 .


(93)

الفصل السادس

اقتضاء الأمر بالشيء ، النهي عن ضدّه

اختلف الأُصوليون في أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ على أقوال، و قبل الخوض في الموضوع نقدّم تفسيراً الضدّ.

ما هو المراد من الضد؟

قسّم الأُصوليون الضدّ إلى ضدّ عام و ضدّ خاص.

والضدّ العام: هو ترك المأمور به.

والضد الخاص: هومطلق المعاند الوجودي.

وعلى هذا تنحلُّ المسألة في عنوان البحث إلى مسألتين موضوع إحديهما الضدّ العام، و موضوع الأُخرى الضدّ الخاص.

فيقال في تحديد المسألة الأُولى: هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أو لا؟ مثلاً إذا قال المولى: صلّ صلاة الظهر، فهل هو نهى عن تركها؟ كأن يقول:«لاتترك الصلاة» فترك الصلاة ضدّ عام للصلاة بمعنى انّه نقيض له والأمر بها نهي عن تركها.(1)


1 . كما انّ ترك الصلاة ضدّ عام لها ، كذلك الصلاة أيضاً ضد عام لتركها; وعلى هذا فالضد العام هو النقيض، ونقيض كلّ شيء إمّا رفعه أومرفوعه، فترك الصلاة رفع و الصلاة مرفوع وكلّ، نقيض للآخر و ضدّ عام له. فليكن هذا ببالك يفيدك فيما يأتي.


(94)

كما يقال في تحديد المسألة الثانية: إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أو لا؟ فإذا قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد، فهل هي لأجل كونها واجباً فوريّاً بمنزلة النهي عن كلّ فعل وجودي يعاندها، كالصلاة في المسجد؟ فكأنّه قال: أزل النجاسة ولا تصلّ في المسجد عند الابتلاء بالإزالة.

نعم على كلا القولين (الاقتضاء و عدمه) فالصلاة غير مأموربها لسقوط أمرها بالابتلاء بالأمر الأهم المضيّق.

فلنرجع إلى البحث في المسألة الأُولى، فنقول:

المسألة الأولى : الضدّ العام

إنّ للقائلين باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن الضدّ العام أقوالاً:

الأوّل: الاقتضاء على نحو العينية و انّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام، فيدلّ الأمر عليه حينئذ بالدلالة المطابقية، فسواء قلت : صلّ أو قلت: لا تترك الصلاة، فهما بمعنى واحد.

الثاني: الاقتضاء على نحو الجزئية و انّ النهي عن الترك جزء المدلول للأمر بالشيء، لأنّ الوجوب الذي هو مدلول مطابقي للأمر ينحلُّ إلى طلب الشيء والمنع من الترك، فيكون المنع من الترك الذي هو نفس النهي عن الضدّ العام، جزءاً تحليلياً للوجوب.

الثالث: الاقتضاء على نحو الدلالة الالتزامية، فالأمر بالشيء يلازم النهي عن الضدّ عقلاً.

والحقّ عدم الدلالة مطلقاً و ذلك:

أمّا القول بالعينية، فلما عرفت من انّ مفاد هيئة الأمر هو بعث المكلف إلى المأمور به و النهي هو الزجر عن المنهي عنه، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟!


(95)

وأمّا القول بالجزئية فهو مبني على كون مفاد هيئة الأمر هو الوجوب المنحلّ إلى طلب الفعل مع المنع من الترك، و قد عرفت أنّ مفاده هو البعث إلى المأمور به، وأمّا الوجوب فهو حكم عقلي بمعنى انّ بعث المولى لا يترك بلا عذر قاطع ولا صلة للوجوب بمدلول الأمر.

وأمّا القول بالدلالة الالتزامية، فهو يتصوّر على نحوين:

الأوّل: الدلالة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

الثاني: الدلالة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون نفس تصور الأطراف (الأمر بالشيء والنهي عن الضدّ العام و النسبة) كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل، فواضح الانتفاء إذ كثيراً ما يأمر الآمر و هو غافل عن الترك فضلاً عن النهي عنه.

وأمّا الثاني، فهو و إن كان بمكان من الإمكان ، لكن النهي عن الضد العام ـ على فرض صحّته ـ يكون نهياً مولويّاً، و من المعلوم عدم الحاجة إلي ذلك النهي لأنّ الأمر بالصلاة إمّا باعث للعبد نحو المأمور به أو لا، وعلى كلا التقديرين لا ملاك ولا موضوع لهذا النهي المولوي فيلزم اللغوية .

المسألة الثانية: الضد الخاص

قد عرفت أنَّ المراد من الضدّ الخاصّ هو الفعل الوجودي المعاند للواجب كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة، ومصبُّ البحث فيما إذا كان أحد الواجبين فورياً كالإزالة والآخر موّسعاً كالصلاة، وعند التزاحم يسقط أمر الواجب الموسع لكون المضيّق أهم، فيقع البحث في أنّ الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد هل يستلزم ـ وراء سقوط أمر الضد الخاص ـ النهيَ عنه أو لا ؟


(96)

وقد استدل القائلون بالملازمة بمسلكين:

الأوّل:مسلك الملازمة:

والاستدلال مبني على مقدّمات ثلاث:

أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة على القول به في البحث السابق.

ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله في الحكم أي منهيّاً عنه فينتج أنّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده العام، و أنّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.

ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً بحكم المتلازم الآخر بأن يكون ترك الإزالة حراماً ولا يكون ملازمه أعني الصلاة حراماً، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً على القول بجوازه، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً والصلاة واجبة.

الثاني: مسلك المقدمية:

وهذا الدليل مبني أيضاً على مقدّمات ثلاث:

1. انّ ترك الضد الخاص كالصلاة مقدّمة للمأُمور به وهي الإزالة وأداء


(97)

الدين.

2. انّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3. انّ الأمر بالشيء ولو أمراً غيريّاً كما في «اترك الصلاة مقدمة للإزالة» يقتضي النهي عن ضده العام أي نقيضه و هي الصلاة، وقد قرّر في محله أنّ نقيض الفعل هو الترك ونقيض الترك هو الفعل.

فيستنتج حرمة الصلاة عند الأمر بالإزالة.

والمهم في هذا الاستدلال هي المقدّمة الأُولى، أي جعل ترك الضد الخاص مقدّمة لفعل الضد الآخر، كترك الصلاة مقدّمة لفعل الإزالة، فلو تمّت هذه المقدّمة فهو، وإلاّ فالقياس عقيم.

استدل على المقدّمة الأُولى بما حاصله:

إنّ توقّف الشيء كالإزالة على ترك ضده كالصلاة ليس إلاّ من باب المضادة والمعاندة بين وجود «الإزالة» و «الصلاة» و الممانعة بينهما، ومن الواضح أنّ عدم المانع (عدم الصلاة) من المقدّمات فيكون ترك الصلاة واجباً بحكم المقدّمة الأولى.

ثم تُضمُ إلى تلك المقدّمة، المقدّمتان الأخيرتان، فينتج مطلوب المستدلّ.

ونحن نناقش المقدّمة الأولى فيبطل القياس بلا حاجة إلى الكلام في المقدّمتين الأخيرتين.

فنقول: إنّ التمانع يراد منه تارة، التمانع في الوجود، وأُخرى التمانع في التأثير.

أمّا الأوّل: فالمقصود منه أنّ بين الشيئين تمانع وتزاحم فلا يجتمعان أبداً، وهذا كالبياض والسواد والإزالة والصلاة.

وأمّا الثاني: أعني التمانع في التأثير فيراد منه المانع من تأثير المقتضي، وهذه كالرطوبة في الحطب المانع من تأثير النار فيه.


(98)

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ المراد من قولهم عدم المانع من مقدّمات الواجب هو المانع بالمعنى الثاني أي المانع من تأثير المقتضي، فيقال إنّ عدم الرطوبة في المحلّ من أجزاء العلة التامة لاشتعال الحطب.

وأمّا التمانع بالمعنى الأوّل، فلا يعدّ عدم أحد الضدين مقدّمة للضد الآخر غاية الأمر بما أنّ بين الضدين (السواد والبياض) أو (الإزالة و الصلاة) كمال المنافرة، فيكون بين أحدهما وعدم الآخر كمال الملائمة، فالعينان لا تجتمعان لوجود التنافر بينهما وأمّا وجود أحدهما مع عدم الآخر فيجتمعان دون أن يكون عدم أحدهما مقدّمة لوجود الآخر.

وبذلك ظهر وجود المغالطة في البرهان، وهو أنّ المستدل خلط بين التمانع في الوجود والتمانع في التأثير، فضرب الجميع بسهم واحد.

شبهة الكعبي في نفي المباح

نقل الأُصوليون عن الكعبي (1) القول بانتفاء المباح قائلاً: بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح فيجب المباح بحكم كونه مقدّمة، وبما أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فتكون المباحات واجبة.

والجواب ما عرفت في تحليل الدليل السابق من أنّ بين الفعلين (الحرام والمباح) التضادّ في الوجود والمعاندة في التحقق، ولكن بين أحدهما وترك الآخر كمال الملائمة، فهما متقارنان ومتلائمان لا أنّ فعل المباح مقدّمة لترك الحرام.

وترك الحرام مستند إمّا إلى فقد المقتضى أو وجود المقتضي للضد الآخر وليس مستنداً إلى وجود الضد الآخر.

فمثلاً ترك السرقة مستند إلى فقد المقتضي، كعدم الرغبة إلى ارتكاب الحرام


1 . هو أبو القاسم البلخيّ الكعبيّ (273 ـ 317هـ) خرّيج مدرسة بغداد في الاعتزال.


(99)

لأجل الخوف من اللّه، أو وجود المقتضى للضدّ و هو الرغبة النفسية لتلاوة القرآن وليس ترك السرقة مستند إلى نفس التلاوة والأكل.

الثمرة الفقهية للمسألة:

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضد عبادة كالصلاة، وقلنا بتعلّق النهي بها بأحد المسلكين السابقين تقع فاسدة، لأنّ النهي يقتضي الفساد، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه.

ثم إنّ شيخنا بهاء الدين العاملي أنكر الثمرة، وقال: إنّ الصلاة باطلة سواء قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن ضده أم لم نقل.

أمّا على الصورة الأُولى فلأجل النهي، وأمّا على الصورة الثانية فلأجل سقوط الأمر بالصلاة، لأنّ الأمر بالشيء وإن لم يقتض النهي عن الضد و لكن يستلزم سقوط الأمر بالضدّ في ظـرف الأمر بالإزالة لئلاّ يلزم الأمر بالضدين في وقت واحد، فنفس عدم الأمر كاف في البطلان وان لم يتعلّق بها النهي.

فالمسألة فاقدة للثمرة على كل حال، لأنّ الصلاة باطلة إمّا لكونها محرّمة على القول بالاقتضاء، أو غير واجبة على القول بإنكاره، ومعنى عدم وجوبها، عدم تعلّق الأمر بها (1) .


1 . ثم إنّ المتأخرين من الأُصوليين المنكرين للاقتضاء حاولوا إثبات الأمر بالمهم في ظرف الأمر بالأهم عن طريق الترتب على وجه لا يلزم الأمر بالضدين في ظرف واحد، كأن يقول: «أزل النجاسة وإن عصيت فصلّ» وبالتالي ذهبوا إلى صحّة الصلاة إذا أتى بها في ظرف الابتلاء بالأهم، ويطلب هذا البحث ـ أي تعلّق الأمر بالضد على نحو الترتب ـ من الدراسات العليا.


(100)

الفصل السابع

متعلّق الأوامر

هل الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟ فنقول: المراد من الطبيعة: هو المفهوم الكلي من غير فرق بين أن يكون من الماهيات الحقيقية، كالأكل والشرب; أو الماهيات المخترعة، كالصلاة والصوم.

والمراد من الأفراد: هي الطبيعة مع اللوازم التي لا تنفك عنها لدى وجودها ولا يمكن إيجادها في الخارج منفكة عنها، فوقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر هل هو نفس الطبيعة الصرفة بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن المشخصات الفردية لكان ممتثلاً لأوامر المولى، أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع اللوازم الفردية ؟

وعلى ذلك فالمراد من الطبيعة هو ذات الشيء بلا ضم المشخّصات، كما أنّ المراد من الفرد ذاك الطبيعي منضماً إلى المشخّصات الفردية الكلية، فمثلاً:

إذا قال: المولى أكرم العالم، فهل متعلّق الأمر هو نفس ذلك المفهوم الكلي ـ أي إكرام العالم ـ أو هو مع المشخّصات الملازمة للمأُمور به، كالإكرام في زمان معين، أو مكان معين، وكون الإكرام بالضيافة، أو بإهداء هدية إلى غير ذلك من العوارض.

إذا وقفت على معنى الطبيعة والأفراد في عنوان البحث، فنقول:

الحق أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث والطلب لا يتعلّقان إلاّ بما هو دخيل في الغرض ويقوم هو به، ولا يتعلّقان بما هو أوسع ممّا يقوم به الغرض


(101)

ولا بما هو أضيق منه، وليس هو إلاّ ذات الطبيعة دون مشخّصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها لكان ممتثلاً.

وعلى هذا فالطبيعة بما هي هي متعلّقة للطلب والبعث.

وبذلك يعلم أنّ متعلّق الزجر في النهي هو نفس متعلّق الأمر أي الطبيعة.

والحاصل: أنّ محصّل الغرض هو المحدّد لموضوع الأمر، وقد عرفت أنّ المحصّل هو نفس الطبيعة لا المشخّصات، كالزمان والمكان وسائر عوارض الطبيعة.

ثمرة المسألة:

تظهر الثمرة في باب الضمائم، كما إذا توضأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع لكفى وجود القربة في أصل الوضوء بالماء وإن لم يقصد القربة في الضمائم، وأمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبيعة بالأفراد ـ أي اللوازم ـ لبطل الوضوء لعدم قصد القربة فيها بل لأجل التبريد مثلاً.

تفسير خاطئ للفرد في المقام:

نعم ربّما يفسر احتمال تعلّق الأمر بالفرد، الفرد الخارجي أو المصداق من الطبيعة ويقال: هل الأمر يتعلّق بالمفهوم الكلي كالصلاة، أو يتعلّق بالفرد الخارجي الذي يمتثل به المكلّف.

لكنّه تفسير خاطئ، لأنّ الفرد بهذا المعنى لا يتحقق إلاّ في الخارج وهو ظرف لسقوط التكليف،لا لعروضه، والبحث إنّما هو في معروض التكليف لا فيما يسقط به، بل المراد من الفرد في المقام هوالطبيعة مع العوارض والمشخّصات كما مثلنا، و هما كالطبيعة من الأمور الكليّة.


(102)

الفصل الثامن

نسخ الوجوب

إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا ؟ ولنقدم مثالاً من الكتاب العزيز.

فرض اللّه سبحانه على المؤمنين ـ إذا أرادوا النجوى مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ تقديم صدقة قال سبحانه:

(يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا نَاجَيتُمُ الرسولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطهر فإن لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) (المجادلة /12).

فلمّا نزلت الآية كفّ كثير من الناس عن النجوى، بل كفّوا عن المسألة، فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ (1)، ثم نسخت الآية بما بعدها، وقال سبحانه:

(ءأشفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقات فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَلاةَ وَآتُوا الزَكاةَ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ واللّهُ خبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(المجادلة / 13).

فوقع الكلام في بقاء جواز تقديم الصدقة إذا ناجى أحد مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهناك قولان:

الأوّل: ما اختاره العلاّمة في «التهذيب» من الدلالة على بقاء الجواز.

الثاني: عدم الدلالة على الجواز، بل يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الأمر. وهو خيرة صاحب المعالم.


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 5/245 في تفسير سورة المجادلة.


(103)

استدل للقول الأوّل بأنّ المنسوخ لما دلَّ على الوجوب، أعني قوله: (فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نجواكُم صَدَقَةً) فقد دلَّ على أُمور ثلاثة:

1. كون تقديم الصدقة جائزاً.

2. كونه أمراً راجحاً.

3. كونه أمراً لازماً.

و القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه كالجواز وكالرجحان فيؤخذ من دليل المنسوخ، نظيره ما إذا دل دليل على وجوب شيء و دلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد أيضاً لابأس بترك إكرامه فيحكم بأظهرية الدليل الثاني على الأوّل وعلى بقاء الجواز والرجحان.

يلاحظ عليه: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأُمور به، وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر، وهو كون البعث تمام الموضوع لوجوب الطاعة والالتزام بالعمل عند العقلاء، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فقد دلَّ على رفع اليد عن مدلول المنسوخ فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز أو الرجحان إذ ليس له إلاّ ظهور واحد، لا ظهورات متعدّدة حتى يترك المنسوخ (اللزوم) ويؤخذ بالباقي (الجواز والرجحان).

وبعبارة أُخرى: الجواز والرجحان من لوازم البعث إلى الفعل، فإذا نسخ الملزوم فلا وجه لبقاء اللازم.

و ربّما يقاس المقام بالدليلين المتعارضين أي ما إذا دلَّ أحدهما على الوجوب والآخر على عدمه، فيُستكشف الجواز على كلّ تقدير.

لكنّه قياس مع وجود الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هناك انّما هو لاتفاق الدليلين على الجواز، بخلاف المقام إذ لم يتفقا على بقاء الجواز ، أمّا المنسوخ فإنّ مفاده البعث وقد ارتفع، وأمّا الناسخ فإنّ مفاده منحصر في رفع الوجوب لاإثبات أمر آخر.


(104)

الفصل التاسع

الأمر بالأمربفعل، أمر بذلك الفعل

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ ولإيضاح الحال نذكر مثالاً:

إنّ الشارع أمر الأولياء ليأمروا صبيانهم بالصلاة، فعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بسند صحيح عن أبيه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بين خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بين سبع» ففي هذا الحديث أمر الإمام الأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة.

فعندئذ يقع الكلام في أنّ أمر الإمام يتحدّد بالأمر بالأولياء، أو يتجاوز عنه إلى الأمر بالصلاة أى(1)ضاً.

فمحصّل الكلام: أنّه لا شك إنّ الصبيان مأُمورون بإقامة الصلاة إنّما الكلام في أنّهم مأُمورون من جانب الأولياء فقط، أو هم مأُمورون من جانب الشارع أيضاً.

وتظهر الثمرة في مجالين:

الأوّل: شرعية عبادات الصبيان، فلو كان الأمر بالأمر، أمراً بذلك الفعل تكون عبادات الصبيان شرعية، فيجوز الاقتداء بهم والاكتفاء بصلواتهم وصيامهم


1 . الوسائل: 3/ الباب 3، من أعداد الفرائض، الحديث 5.


(105)

عند النيابة عن الغير.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن أمراً بنفس ذلك الفعل فلا تكون عباداتهم شرعية بل تصبح تمرينيَّة، ولا تترّتب عليها الآثار السابقة.

الثاني: في صحّة البيع ولزومه فيما إذا أمر الوالد ولده الأكبر بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة إبلاغ أمر الوالد واطّلع الأصغر من طريق آخر على أمر الوالد فباع المبيع.

فإن قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل يكون بيعه صحيحاً ولازماً، وإن قلنا بخلافه يكون بيعه فضولياً غير لازم.

الظاهر أنّ الأمر بالأمر بالفعل أمر بذلك أيضاً، لأنّ المتبادر في هذه الموارد تعلّق غرض المولى بنفس الفعل وكان أمر المأُمور الأوّل، طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمر المأُمور الأوّل.


(106)

الفصل العاشر

الأمر بالشيء بعد الأمر به

هل الأمر بالشيء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس، فمثلاً إذا أمر المولى بشيء ثم أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟

أقول للمسألة صور:

أ . إذا قُيِّدَ متعلّق الأمر الثاني بشيء يدل على التعدّد والكثرة كما إذا قال: صلِّ، ثم قال: صلِّ صلاة أُخرى.

ب . إذا ذُكِرَ لكل حكم سبب خاص، كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة، وإن قتلت نفساً خطأ فاعتق رقبة.

ج . أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ، ثم قال: إذا بلت فتوضأ.

د . أن يكون الحكم خالياً عن ذكر السبب في كلا الأمرين.

لا إشكال انّ الأمر في الصورة الأُولى للتأسيس لا للتأكيد أوّلاً، ولا يجوز التداخل (أي امتثال كلا الواجبين بفرد واحد) ثانياً لأن الأمر الثاني صريح في التعدّد .

وأمّا الصورة الثانية، فهي كالصورة الأُولى ظاهرة في تأسيس إيجاب، وراء إيجاب آخر.

نعم يقع الكلام في إمكان التداخل بأن يمتثل كلا الوجوبين المتعدّدين


(107)

بعتق رقبة واحدة وعدمه، وسيأتي الكلام فيه عند البحث عن تداخل المسببات في باب المفاهيم، فيختص محل البحث بالصورتين الأخيرتين.

ولعل القول بالإجمال وعدم ظهور الكلام في واحد من التأكيد و التأسيس أولى، لأنّ الهيئتين تدلاّن على تعدّد البعث وهو أعم من التأكيد والتأسيس.وما يقال من انّ التأسيس أولى من التأكيد، لا يثبت به الظهور العرفي.

تم الكلام في المقصد الأوّل
و الحمد للّه


(108)


(109)

المقصد الثاني
في النواهي

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة النهي و صيغته.

الفصل الثاني: في جواز اجتماع الأمر والنهي في عنوان واحد.

الفصل الثالث: في أدلّة القائلين بالجواز.

الفصل الرابع: في أدلّة القائلين بالامتناع.

الفصل الخامس: في اقتضاء النهي في العبادات للفساد.

الفصل السادس: في اقتضاء النهي في المعاملات للفساد.


(110)


(111)

الفصل الأوّل

في مادة النهي و صيغته

النهي في اللغة الزجر عن الشيء، قال سبحانه:(أَرَأَيْتَ الّذي يَنْهى* عَبْداً إِذا صَلّى)(العلق/9ـ10) وهو تارة يكون بالفعل وأُخرى بالقول، وعلى الثاني لا فرق بين أن يكون بلفظ «إفعل» نحو اجتنب كذا أو بلفظة «لا تفعل».(1)

ويعتبر فيه العلو و الاستعلاء كما مرّ في الأمر، ويتبادر من مادة النهي الحرمة بمعنى لزوم الامتثال على وفق النهي.

قال سبحانه:(وَأَخذِهمُ الرِّبا وَ قَد نُهُوا عَنْهُ) (النساء/161).

وقال تعالى:(فَلَمّا عَتَـوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُوُنُوا قِرَدَة خاسِئين)(الأعراف/166).

وقال تبارك وتعالى:(وَما آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر/7) وقد مرّ نظير هذه المباحث في مادة الأمر فلا نطيل.

الكلام في صيغة النهي

المشهور بين الأُصوليين أنّ النهي كالأمر في الدلالة على الطلب غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود، أعني: نفس الفعل; وفي الآخر العدم،


1 . الراغب، المفردات، ص 507.


(112)

أعني: ترك الفعل.

ولكن الحق أنّ الهيئة في الأوامر وضعت للبعث إلى الفعل، وفي النواهي وضعت للزجر، لأنّ الأمر يلازم غالباً ما فيه المصلحة، والنهي يلازم غالباً ما فيه المفسدة، فالأوّل يناسبه البعث إمّا بالجوارح كالإشارة بالرأس واليد، أو باللفظ كالأمر به; والثاني يناسبه الزجر وهو أيضاً إمّا بالاشارة باليد والرأس، أو باللفظ، فكأنّ الأمر والنهي يقومان مقام البعث والزجر بالأعضاء.

وعلى ضوء ذلك فالأمر والنهي متّحدان من حيث المتعلّق (الطبيعة)، مختلفان من حيث الحقيقة والمبادئ والآثار.

أمّا الاختلاف من حيث الحقيقة، فالأمر بعث إنشائي والنهي زجر كذلك.

وأمّا من حيث المبادئ فمبدأ الأمر هو التصديق بالمصلحة والاشتياق إليها، ومبدأ النهي هو التصديق بالمفسدة والإنزجار عنها.

وأمّا من حيث الآثار فإنّ الإتيان بمتعلّق الأمر إطاعة يوجب المثوبة، والإتيان بمتعلّق النهي معصية توجب العقوبة.

وبذلك يظهر أنّ النزاع القائم بين الأُصوليين منذ عصور بعيدة ممّا لا موضوع له حيث إنّهم اختلفوا في أنّ متعلّق النهي هو الترك ونفس «أن لا تفعل» أو الكف ، وقد عرفت أنّ المتعلّق في النهي هو نفس المتعلّق في الأمر وهو الطبيعة بما هي هي، فهما متّحدان في المتعلّق مختلفان من حيث مفاد الهيئة حيث إنّ مفادها في الأمر بعث وفي الآخر زجر.

فليس لهذا البحث موضوع إذ لا دلالة للنهي بهى(1)ئته ولا بمادته على شيء وراء ذلك حتى يُبحث عنه، أعني: ترك الفعل، أو الكفّ عنه و يتردّد معناه بين الأمرين.


1 . فالمتعلّق على الأوّل عدمي، وعلى الثاني (الكف) وجوديّ.


(113)

ظهور الصيغة في التحريم

قد علمت أنّ هيئة لا تفعل موضوعة للزجر، كما أنّ هيئة إفعل موضوعة للبعث، وأمّا الوجوب والحرمة فليسا من مداليل الألفاظ وإنّما ينتزعان من مبادئ الأمر والنهي فلو كان البعث ناشئاً من إرادة شديدة أو كان الزجر صادراً عن كراهة كذلك ينتزع منهما الوجوب أو الحرمة وأمّا إذا كانا ناشئين من إرادة ضعيفة أو كراهة كذلك، فينتزع منهما الندب والكراهة.

ومع الاعتراف بانّهما ليسا من المداليل اللفظية لكن الأمر أو النهي إذا لم يقترنا بما يدل على ضعف الإرادة أو الكراهة ينتزع منهما الوجوب والحرمة بحكم العقل على أن بعث المولى أو زجره لا يترك بلا امتثال، واحتمال أنّهما ناشئان من إرادة أو كراهة ضعيفة لا يعتمد عليه مالم يدل عليه دليل.

وبعبارة أُخرى: العقل يُلزِم بتحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية والعبودية ولا يتحقق إلاّ بالإتيان بالفعل في الأمر وتركه في النهي.

النهي والدلالة على المرّة والتكرار

إنّ النهي كالأمر لا يدل على المرة والتكرار لأنّ المادة وضعت للطبيعة الصرفة، والهيئة وضعت للزجر، فأين الدال على المرة والتكرار.

نعم لمّا كان المطلوب هو ترك الطبيعة المنهي عنها، ولا يحصل الترك إلاّ بترك جميع أفرادها يحكم العقل بالاجتناب عن جميع محققات الطبيعة، وهذا غير دلالة اللفظ على التكرار.

ومنه يظهر عدم دلالتها على الفور والتراخي بنفس الدليل.