welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(57)

المبحث الثالث: استفادة الوجوب من أساليب أُخرى

إنّ للقرآن و السنّة أساليب أُخرى في بيان الوجوب والإلزام غير صيغة الأمر، فتارة يعبّر عنه بلفظ الفرض والكتابة مثل قوله سبحانه: (قَدْفَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ)(التحريم/2).وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام)(البقرة/182)، و قال: (إِنَّ الصلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنينَ كِتاباً مَوقُوتاً)(النساء/103).

وأُخرى يجعل المكلّف به في عهدة المكلّف إلى أن يخرج عن عهدته قال: (وَ للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران/97).

وثالثة يخبر عن وجود شيء في المستقبل مشعراً بالبعث الناشئ عن إرادة أكيدة، قال سبحانه: (و الوالِداتُ يُرضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَين) (البقرة/233).

وأمّا السنّة فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت في أبواب الطهارة والصلاة و غيرهما قولهم:«يَغْتَسِلُ»، «يُعيدُ الصلاة» أو «يستَقْبِل القبلة» فالجمل الخبرية في هذه الموارد و إن استعملت في معناها الحقيقي، أعني: الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل، لكن بداعي الطلب و البعث.

سؤال: فهل استعمال الجملة الخبرية لداعي البعث حقيقي أو استعمال مجازي، و على التقديرين، إذا لم يمتثل ، فهل يلزم الكذب لأجل أنّ المعصوم أخبر عن المستقبل، ولم يتحقق أو لا؟

الجواب: انّ الاستعمال حقيقي ليس بمجازي، لأنّ المستعمل فيه هو الموضوع له و إنّما الاختلاف في الداعي.

كما أنّه لو لم يمتثل العبد لا يلزم الكذب، لأنّ الاستعمال لم يكن بداعي الإخبار عن وجود الشيء بل بداعي البعث و الطلب، ولا يضرّ عدم تحقق المخبر


(58)

عنه إذا لم يكن الداعي الإخبار.

نعم هذا النوع من الاستعمال لغاية البعث آكد من الجملة الإنشائية، لأنّ الإخبار عن أمر مفروغ عنه، يكشف عن شدّة حبّ المولى بالمراد إلى حدّ يجده متحقّقاً في الخارج.

المبحث الرابع: في التوصلي والتعبدي (1)

و فيه أُمور:

الأمر الأوّل: معنى التوصلي و التعبدي

الأمر التوصلي: هو ما يتحقّق امتثاله بمجرد الإتيان بالمأمور به من دون حاجة إلى قصد القربة.

ويقابله التعبديّ: و هو ما لا يحصل امتثاله بمجرد الإتيان بالمأمور به، بل لابدّ في حصوله من الإتيان به متقرباً إلى اللّه سبحانه.

والأوّل، كدفن الميت و تطهير المسجد و أداء الدين و ردّ السلام ممّا يحصل الامتثال و يسقط الأمر بمجرّد الإتيان به ولو لرغبة نفسية.

والثاني، كالصلاة و الصوم، فلا يحصل الامتثال إلاّ بالإتيان بهما متقرباً إلى اللّه سبحانه.

ثمّ إنّ قصد القربة يحصل بأحد أمور:

أ. الإتيان بقصد امتثال أمره سبحانه.

ب. الإتيان للّه تبارك و تعالى مع صرف النظر عن الأمر.

ج. الإتيان بداعي محبوبية الفعل له تعالى، فيكون الداعي إلى الإتيان به هو


1 . ستأتي تقسيمات الواجب إلى أقسام في الفصل الخامس ومنها تقسيمه إلى التعبدي والتوصّلي.


(59)

كونه محبوباً للّه دون سائر الدواعي النفسانية.

و يراد من التعبدية في المقام هو المعنى الأوّل، و ما سيأتي من البحوث يدور حول هذا المعنى، لا المعنيين الأخيرين.

الأمر الثاني: حكم الشكّ في التوصلية و التعبدية

إذا علمنا بأنّ الواجب تعبديّ أو توصليّ فيجب امتثاله على النحو الذي عليه، إنّما الكلام فيما إذا شكّ في واجب أنّه توصلي أو تعبديّ فهل ثمة أصل لفظي يُعوَّل عليه كالشكّ في وجوب ردّ السلام؟ و أنّه هل هو توصلي يحصل الامتثال بردّه بأيّ داع كان، أو هو أمر تعبدي لا يحصل الامتثال إلاّ بقصد امتثال الأمر الوارد في الكتاب؟ قال سبحانه:(وَ إِذا حُيِيتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسنَ مِنْها أَو رُدُّوها)(النساء/86).

ولْيعلم انّ التمسك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا أمكن أخذ الشيء المشكوك اعتبارُه في متعلق الأمر، فإذا خلا منه متعلّقه، يحكم بعدم اعتباره فيه، مثلاً إذا شكّ في وجوب السورة في الصلاة فبما أنّه يمكن أخذها في متعلّق الأمر بأن يقول: صلّ مع السورة، فيصحّ التمسك بالإطلاق اللفظي إذا خلا منها متعلّق الأمر عند الشك.

وأمّا إذا تعذّر أخذ المشكوك في متعلّق الأمر فلا يصحّ التمسك بالإطلاق، لأنّ التمسك به فرع إمكان أخذه فيه و المفروض أنّه متعذر.

ثمّ إنّ الأُصوليين اختلفوا في إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق و عدمه، فلو أمكن أخذه في متعلّق الأمر، يصحّ التمسّك بإطلاقه إذاخلا عنه، وإلاّ فلا.

فذهب الأكثر إلى إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فإذا شكّ في اعتباره في المتعلّق يتمسك بإطلاقه و يُحكم بالتوصلية.

وذهب الشيخ الأنصاري إلى امتناع أخذه في متعلّق الأمر، فلا يمكن


(60)

التمسك بإطلاق المتعلّق و إثبات التوصلية، فإنّ من شرائط التمسّك بالإطلاق، إمكان الإتيان بالقيد في متعلّقه و المفروض عدم إمكان أخذ القيد فيه.

ثمّ إنّ محل الخلاف في أخذ « قصد امتثال الأمر» في المأمور به كما هو التفسير الأوّل للتعبدية، وأمّا التفسيران الآخران للتعبدية، أعني: الإتيان للّه تبارك و تعالى، أو الإتيان لأجل محبوبية الفعل، فأخذهما فيه بمكان من الإمكان .

وبعبارة أُخرى: أنّ محل الخلاف في إمكان الأخذ و عدمه هو أن يأمر المولى بالنحو التالي: صلّ صلاة الظهر بقصد امتثال أمرها، و أمّا إذا قال: صلّ صلاة الظهر للّه تبارك و تعالى، أو لكونها محبوبة للّه، فأخذهما في المتعلّق ممّا لا شبهة فيه. ونحيل التفصيل إلى دراسات عليا.

المبحث الخامس: الواجب النفسي و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى نفسي وغيري.

فالواجب النفسي: هو ما وجب لنفسه، كالصلاة.

والواجب الغيري: هو ما وجب لغيره، كالوضوء.(1)

فإذا دار مفاد الصيغة بين أحد أمرين، كما إذا قال: اغتسل للجنابة، و احتمل كون الغسل واجباً لنفسه بمعنى أنّه يجب الاغتسال مطلقاً سواء أراد إقامة الصلاة أم لم يردها، أو واجباً لغيره بمعنى أنّه يجب لأجل ذيها، أعني: الصلاة، فإذا دار الواجب بينهما فما هو مقتضى الأصل اللفظي أي إطلاق المتعلّق، إذا كان المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة؟

فنقول: إنّ مقتضى الإطلاق اللفظي هو كونه نفسياً لا غيرياً، لأنّ النفسي يكفي فيه الأمر بالشيء على وجه الإطلاق بخلاف الغيري فانّه لا يكفيه ذلك بل


1 . ما يوافيك من التعاريف من قبيل شرح الاسم لا تعريف حقيقي، فلا يستشكل بأخذ المعرَّف في المعرِّف.


(61)

يحتاج إلى بيان قيد آخر، مثلاً أن يقول: اغتسل للصلاة.

توضيحه: انّ كلاً من الواجب النفسي والغيري وإن كان يشتركان في كونهما واجبين و يفترقان بقيدين هما «لنفسه» و «لغيره» لكن الحاجة إلى القيد في كلّ من القسمين راجع إلى مقام الثبوت و التحديد، وأمّا في مقام الإثبات فيكفي في بيان الواجب النفسي، الأمر بالشيء مع السكوت عن قيده بخلاف الآخر فلا يكفي الأمر بالشيء مع السكوت عن القيد، مثلاً لو كان الاغتسال واجباً نفسياً يكفي قول الشارع إغتسل، و لو كان واجباً غيرياً لا يكفي الإطلاق بل يجب أن يقول: اغتسل للصلاة.

المبحث السادس: الواجب العيني و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى العيني و الكفائي.

فالواجب العيني : هو ما يتعلّق الأمر بكلّ مكلّف و لا يسقط بفعل الغير، كالفرائض اليومية.

والواجب الكفائي: ما يتعلّق الأمر بكلّ مكلّف لكن يسقط بفعل الغير، كالصلاة على الميت.

فإذا دار أمر الواجب بين كونه عينياً أو كفائياً، كما إذا قال:«قاتل في سبيل اللّه» و دار أمره بين كونه واجباً عينياً أو كفائياً، فمقتضى الإطلاق هو كونه عينياً لا كفائياً بالبيان السابق في النفسي و الغيري، و ذلك لانّ الواجب العيني و الكفائي و إن كانا يشتركان في كونهما واجبين ويفترق كلّ بقيد يخصه، و لكنّ هذا (حاجة كلّ إلى القيد) يرجع إلى مقام الثبوت و التحديد المنطقي.

و أمّا في مقام الإثبات و بيان المراد فيكفي في بيان الواجب العيني، الأمر بالشيء و السكوت عن أيّ قيد بخلاف الواجب الكفائي فلا يكفي في بيانه الأمر به مع السكوت عن القيد بل يحتاج إلى قيد آخر نظير: مالم يقم به الآخر. فالقتال


(62)

في سبيل اللّه لو كان واجباً عينياً يكفي فيه قول المولى: قاتل في سبيل اللّه، ولو كان كفائياً فلا يكفيه ذلك إلاّأن ينضم إليه قيد آخر، أعني: مالم يقاتل غيرك.

المبحث السابع: الواجب التعييني و إطلاق الصيغة

ينقسم الواجب إلى تعييني و تخييري.

فالواجب التعييني :هو الواجب بلا أن يكون له عدل، كالفرائض اليومية.

والواجب التخييري: هو الواجب الذي يكون له عدل، كخصال كفارة الإفطار العمدي في صوم شهر رمضان، المخيّرة بين صوم شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكيناًوعتق رقبة.

فإذا دار أمر الواجب بين كونه واجباً تعيينياً أو تخييرياً كقوله سبحانه: (فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ)(الجمعة/9) الذي قصدت به فريضة الجمعة، فمقتضى الإطلاق كونه تعيينياً لا تخييرياً بينها و بين صلاة الظهر. و ذلك لأنَّ كلاً من الواجبين و إن كانا يشتركان في الواجب و يفترقان بالقيد (ما ليس له عدل و ماله عدل) و لكن ذلك يرجع إلى مقام الثبوت و التحديد المنطقي، وأمّا في مقام الإثبات و بيان المراد فيكفي في بيان الواجب التعييني إيجابه مع السكوت عن أيّ قيد، بخلاف التخييري فلا يكفي إيجاب الشيء إلاّمع ذكر القيد.

كلّ ذلك إذاكان المتكلّم في مقام البيان من الجهة المشكوكة، كالنفسية و الغيريّة، و العينية و الكفائية، والتعيينية و التخييرية، و إلاّ يكون الأمر مجملاً من الناحية المشكوكة.

وهناك بيان آخر جامع يثبت به كون الأمر نفسياً عينياً تعينياً، و ذلك لما عرفت من أن حكم العقل على وجوب تحصيل المؤمِّن الذي هو فرع أحد أمرين.

إمّا العلم بكيفية الأمر و أنّه غيري أو كفائي أو تخييري، وإمّا الامتثال القطعي الذي يقتضي الأخذ بجانب الاحتياط و هو كون الأمر نفسياً و عينياً و


(63)

تعيينياً حتّى يحصل الامتثال القطعي، فمثلاً: يغتسل وإن لم يرد إقامة الصلاة، يقاتل في سبيل اللّه وإن قاتل غيره أيضاً، يصوم شهرين متتابعين و لا يكتفى بالآخرين.

المبحث الثامن: الأمر عقيب الحظر

إذا قلنا بأنّ الوجوب يستفاد من الهيئة لوضعها له كما عليه الأُصوليون، أو قلنا بأنّه يستفاد من حكم العقل على أنّ ترك امتثال بعث المولى قبيح إلاّ أن يدل دليل على جواز الترك، و على كلا القولين:

إذا ورد الأمر عقيب الحظر فهل يحمل الأمر على الوجوب أو لا؟

فمثلاً: قال سبحانه: (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحيض وَ لا تَقْرَ بُوهُنَّ).

ثمّ قال:(فَإِذا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) (البقرة/222).

مثال آخر:

قال سبحانه:(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّما يُتلى عَلَيْكُمْ غَير مُحِلّي الصيدِ وَ أَنْتُمْ حُرُم) .

ثمّ قال:(وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا...) (المائدة/1و2).

فقد اختلف الأُصوليون في مدلول هيئة الأمر عقيب الحظر إلى أقوال:

أ. ظاهرة في الوجوب.

ب.ظاهرة في الإباحة.

ج. فاقدة للظهور.

والثالث هو الأقوى، لأنّ الضابطة فيما إذا اكتنف الكلام بما يصلح للقرينية هو الإجمال و عدم الظهور، و ذلك لأنّ تقدّم الحظر يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الأمر الوارد بعده لرفع الحظر لا للإيجاب، فتكون النتيجة هي الإباحة، كما يحتمل


(64)

أنّ المتكلم لم يعتمد على تلك القرينة و أطلق الأمر لغاية الإيجاب، فتكون النتيجة هي الوجوب، و لأجل الاحتمالين يكون الكلام مجملاً.

نعم إذا قامت القرينة على أنّ المراد هو رفع الحظر فهو أمر آخر خارج عن البحث.

المبحث التاسع: المرّة و التكرار

إذا دلّ الدليل على أنّ المولى يطلب الفعل مرّة واحدة كقوله سبحانه:(للّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ) (آل عمران/97) ، أو دلّ الدليل على لزوم التكرار كقوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/185) فيتبعُ مدلوله.

وأمّا إذا لم يتبيّن واحد من الأمرين، فهل تدل على المرّة أو على التكرار أو لا تدل على واحد منهما؟

الحقّ هو الثالث، لأنّ الدليل إمّا هو هيئة الأمر أو مادته، فالهيئة وضعت لنفس البعث، و المادّة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك ما يدل على المرّة و التكرار و استفادتهما من اللفظ بحاجة إلى دليل آخر.

المبحث العاشر: الفور والتراخي

اختلف الأُصوليون في دلالة هيئة الأمر على الفور أو التراخي إلى أقوال:

1. انّها تدلّ على الفور.

2. انّها تدلّ على التراخي.

3. انّها لا تدلّ على واحد منهما.

والحقّ هو القول الثالث لما تقدّم في المرّة والتكرار من أنّ الهيئة وضعت للبعث، والمادة وضعت لصرف الطبيعة، فليس هناك في صميم الأمر ما يدلّ على واحد منهما.


(65)

فمقتضى الإطلاق اللفظي عدم تقيّد المتعلّق بالفور والتراخي.

استدل القائل بالفور بآيتين:

1. قوله سبحانه: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين) (آل عمران/133).

وجه الاستدلال: انّ المغفرة فعل للّه تعالى، فلا معنى لمسارعة العبد إليها، فيكون المراد هو المسارعة إلى أسباب المغفرة و منها فعل المأمور به.

يلاحظ عليه: بأنّ أسباب المغفرة لا تنحصر بالواجبات إذ المستحبات أيضاً من أسبابها، و عندئذ لا يمكن أن يكون الاستباق واجباً مع كون أصل العمل مستحباً.

2. قوله سبحانه: (وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرات)(المائدة/48).

فظاهر الآية وجوب الاستباق نحوَ الخير و الإتيان بالفرائض ـ الذي هو من أوضح مصاديقه ـ فوراً.

يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية بعث العباد نحوَ العمل بالخير بأن يتسابق كلّ على الآخر مثل قوله سبحانه:(وَاسْتَبَقا الباب) (يوسف/25) ولا صلة للآية بوجوب مبادرة كلّ مكلّف إلى ما وجب عليه وإن لم يكن في مظنة السبق.


(66)

الفصل الثالث

الإجزاء

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: إطاعة أمر المولى على الوجه المطلوب

الإجزاء مصدر أجزأ بمعنى أغنى، و المقصود في المقام هو أنّ المكلّف إذا امتثل ما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي جامعاً لما هو معتبر فيه من الأجزاء أو الشرائط ـ يعدّ ممتثلاً لذلك الأمر و مسقطاً له من دون حاجة إلى امتثال ثان.

دليل ذلك: انّ الهيئة تدلّ على البعث أو الطلب، و المادة تدل على الطبيعة و هي توجد بوجود فرد واحد، فإذا امتثل المكلّف ما أمر به بإيجاد مصداق واحد منه فقد امتثل ما أمر به و لا يبقى لبقاء الأمر بعد الامتثال وجه.

إذ لو بقى فانّما هو لأحد الوجوه الاتية وكلّها مخدوشة:

أ. أن يكون المطلوب متعدداً و هو خلف، لأنّ المطلوب هو الطبيعة، و هي توجد بوجود فرد واحد.

ب. عدم حصول الغرض و هو أيضاً خلف، لأنّ المفروض أنّ الإتيان بالمأمور به محصّل للغرض و إلاّ لما أمر به و المفروض أنّه أتى به.

ج.بقاء الأمر مع حصول الغرض، و هذا أيضاً باطل لاستلزامه الإرادة الجزافية والمفروض أنّ المولى حكيم.

د. أو لجواز تبديل امتثال بامتثال آخر، كما إذا صلّى فرادى و أراد إعادته


(67)

بالجماعة.

و يلاحظ عليه : مضافاً إلى أنّ جواز التبديل غير عدم كون الامتثال الأوّل مجزئاً، انّ تجويزه في التعبديات يحتاج إلى دليل لئلاّ يلزم التشريع فانّ إعادة الصلاة الواحدة وعدّها جزءاً من الشريعة يحتاج إلى ورود الدليل، و إلاّ يكون تشريعاً إذا أفتى المجتهد بذلك، و بدعة إذ دعا الناس إليه. و الكلام فيما لا دليل على الإعادة و تبديل الامتثال. نعم لا إشكال في تبديله في التوصليات، لعدم شرطية اسناد العمل إلى اللّه في صحّتها كما مرّ فلو أمر المولى بإحضار الماء فأحضره، فله أن يبدله بامتثال آخر و إحضار ماء ثان أفضل منه.

المبحث الثاني: إجزاء الأمر الواقعي الاضطراري عن الاختياريّ

الصلوات اليومية واجبة بالطهارة المائية قال سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى المَرافِقِ...) .(1)

و ربما يكون المكلّف غير واجد للماء فجُعِلت الطهارة الترابية مكان الطهارة المائية لأجل الاضطرار، قال سبحانه: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَو عَلى سَفَر أَوْ جاءَأَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِطِ اوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً).(2)

فالصلاة بالطهارة المائية فرد اختياري و الأمر به أمر واقعي أوّلي، كما أنّ الصلاة بالطهارة الترابية فرد اضطراريّ و الأمر به أمر واقعي ثانوي، فيقع الكلام في أنّ المكلّف إذا امتثل المأمور به في حال الاضطرار على الوجه المطلوب، فهل يوجب امتثالُه سقوطَ الأمر الواقعي الأوّلي بمعنى أنّه لو تمكّن من الماء بعد إقامة الصلاة بالتيمم، لا تجب عليه الإعادة و لا القضاء، أو لا يوجب؟ أمّا سقوط أمر نفسه فهو داخل في المبحث السابق و قد علمت أنّ امتثال أمر كلّ شيء


1 . المائدة/6.
2 . المائدة/6.


(68)

مسقط له.

ثمّ إنّ للمسألة صورتين:

تارة يكون العذر غيرَ مستوعب، كما إذا كان المكلّف فاقداً للماء في بعض أجزاء الوقت فصلّى متيمّماً ثمّ صار واجداً له.

و أُخرى يكون العذر مستوعباً، كما إذا كان فاقداً للماء في جميع الوقت فصلّى متيمّماً، ثمّ ارتفع العذر بعد خروج الوقت.

فالكلام في القسم الأوّل في وجوب الإعادة في الوقت و القضاء خارجه، كما أنّ الكلام في الثاني في وجوب القضاء.

إنّ القول بالإجزاء ـ أي عدم الإعادة في الوقت و القضاء خارجه ـ يتوقف على وجود الإطلاق في دليل البدل الاضطراري بأن يكون المتكلم في مقام البيان لما يجب على المكلّف عند الاضطرار، فلم يذكر إلاّ الإتيان بالفرد الاضطراري من دون إيعاز إلى شيء آخر بعد رفع العذر،فمثلاً:

انّ ظاهر قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة/6)، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:«يا أباذر يكفيك الصعيد عشر سنين». (1) و قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية أُخرى: «إنّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين».(2) هو الإجزاء و عدم وجوب الإعادة والقضاء، وإلاّ لوجب عليه البيان فلابدّ في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص.

هذا كلّه إذا كان دليل البدل (آية التيمم) في مقام البيان و مفيداً للإجزاء بحكم الإطلاق.

وأمّا إذا كان دليل البدل مجملاً و لم يكن هناك دليل اجتهادي، فتصل النوبة إلى الأُصول العملية، و الأصل العملي في المقام هو البراءة من إيجاب الإعادة


1 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.
2 . الوسائل:ج2، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12و15.


(69)

و القضاء.

ومثل التيمم امتثال الواجب على وجه التقية، كما إذا صلّى تقيّة فغسل الرجلين مكان المسح و سجد على غير ما يصحّ عليه السجود، ثمّ ارتفع الاضطرار من غير فرق بين كون العذر مستوعباً أو غير مستوعب، فمقتضى إطلاق دليل البدل هو كفاية ما أتى به و عدم لزوم الإعادة و القضاء، إذ لو كانا واجبين لأمر بهما.

روى زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «التقية في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه».(1)

و مثله قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «رفع عن أُمّتي تسعة...» و عُدَّ منها الاضطرار.(2)

ولو افترضنا عدم الإطلاق في دليل البدل و كونه ساكتاً عن الإعادة و القضاء، فمقتضى الأصل هو البراءة .(3)

فقد خرجنا بالنتائج التالية:

1. انّ امتثال كلّ أمر سواء كان واقعياً أوّلياً أو ثانوياً موجب لسقوط نفسه.

2. انّ امتثال كلّ أمر واقعي ثانوي موجب لسقوط الأمر الواقعي الأوّلي إذا كان في دليل البدل إطلاق، فلو ارتفع العذر في الوقت أو خارجه، لا تجب الإعادة، ولا القضاء.

3. إذا لم يكن لدليل البدل إطلاق، فمقتضى الأصل العملي هو البراءة،


1 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 2.
2 . رواه الصدوق في الخصال بسند صحيح في باب التسعة ، ص 417، الحديث 1، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ  رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، وما أُكرهوا عليه و مالا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة».
3 . هذا كلّه فيما إذا لم يكن لدليل المبدل ـ الصلاة بالطهارة المائية ـ إطلاق و إلاّفيكون الاشتغال محكّماً والتفصيل موكول إلى دراساتعليا.


(70)

لأنّ الشكّ في أصل التكليف.

المبحث الثالث: في إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

الكلام في إجزاء امتثال الأمر الظاهري عن امتثال الأمر الواقعي يتوقف على توضيح الأمر الظاهري أوّلاً، ثمّ البحث عن الإجزاء ثانياً.

ينقسم الحكم عند الأُصوليين إلى واقعي و ظاهري.

أمّا الواقعي: فهو الحكم الثابت للشيء بما هوهو أي من غير لحاظ كون المكلّف جاهلاً بالواقع أو شاكّاً فيه، كوجوب الصلاة و الصوم و الزكاة و غيرهما من الأحكام القطعية.

وأمّا الحكم الظاهري، فهو الحكم الثابت للشيء عند الجهل بالحكم الواقعي، و هذا كالأحكام الثابتة بالأمارات و الأُصول.(1)

أمّا الأمارة: فهي الدليل المعتبر، لأجل كونها كاشفة عن الواقع كشفاً ظنّياً كخبر الواحد.

وأمّا الأُصول: فهي ما ينتهي إليها المجتهد عند عدم الأمارة، كأصل البراءة و الاحتياط والتخيير و الاستصحاب، لا لأجل كونها كاشفة و لو نسبيّاً عن الواقع بل لكونها وظيفة عملية في هذا الظرف.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أنّ العمل بالأمارة أو الأُصول هل يقتضي الإجزاء عن امتثال الأمر الواقعي أو لا؟

فمثلاً إذا دلّ الخبر الواحد على كفاية التسبيحة الواحدة في الركعتين الأخيرتين، أو دلّ على عدم وجوب السورة الكاملة، أو عدم وجوب الجلوس بعد


1 . ما ذكر في المتن أحد الاصطلاحين في الحكم الظاهري، و ربما يُخصُّ الظاهري بالحكم الثابت بالأُصول العملية، ويعطف الحكم الثابت بالأمارات، إلى الحكم الواقعي.


(71)

السجدة الثانية، فطُبِّق العمل على وفق الأمارة ثمّ تبيّن خطؤها، فهل يجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء خارجه أو لا؟

أو إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ تبيّن أنّه نجس، فهل يُجزي عن الإعادة في الوقت و القضاء بعده أو لا؟(1) ففيه أقوال:

الأوّل: الإجزاء مطلقاً من غير فرق بين كون الامتثال بالأمارة أو الأصل. و هو خيرة القدماء و السيد المحقّق البروجردي، و هو المختار.

الثاني: التفصيل بين الامتثال بالأمارة والامتثال بالأصل، فيجزي الثاني دون الأوّل. و هو مختار المحقّق الخراساني. ففيما إذا صلّى في ثوب مستصحب الطهارة ثمّ بان خلافها لا يعيد الصلاة بخلاف ما إذا اعتمد في عمله على الأمارة و صلّى بتسبيحة واحدة ثمّ بان الخلاف، فيعيد الصلاة أو يقضيها.

الثالث: عدم الإجزاء مطلقاً و هو مختار المحقّق النائيني.

وقبل إيضاح دليل القول المختار نشير إلى محلّ النزاع، و هو ما إذا قامت الأمارة أو الأصل على كيفية امتثال المأمور به من كفاية التسبيحة الواحدة ثمّ ظهر خلافها، أو طهارة الثوب الذي صلّى به، فيقع الكلام حينئذ في إجزاء امتثال الأمر الظاهري المستفاد من الأمارة، أو الأصل عن الأمر الواقعي (التسبيحات الثلاث أو الصلاة بالثوب الطاهر الواقعي) و عدمه.

وأمّا إذا قاما على أصل التكليف (لا على كيفيته) كما إذا قام الدليل ـ أمارة كان أو أصلاً ـ على وجوب صلاة الظهر و تبيَّن انّ الواجب هو الجمعة، فهذا خارج عن محل النزاع، و قد اتفق الأُصوليون على عدم الإجزاء و لم يعلم فيه مخالف.


1 . الفرق بين المثالين انّ الشبهة في المثال الأوّل حكمية و المجهول حكم الشارع، وفي الثاني موضوعية و المجهول هو المصداق أوالموضوع الخارجيّ.


(72)

إذا اتضح ذلك، فاعلم أنّ الدليل على الإجزاء هي الملازمة العرفية بين الأمر بتطبيق العمل على ما تفرضه الأمارة و الأصل، و الإجزاء عند ظهور الخلاف.

بيان الملازمة :إذا أمر المولى عبده بأن يهيّئ له دواءً ليتعافى من مرضه وأمره بالرجوع إلى صيدلي ماهر، فعيّن له كمية الدواء و كيفيته ونوعية الأجزاء المركّبة له، فاتّبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب، ثمّ بان خطأ الصيدلي في ذلك، فالعرف يعدُّ العبد ممتثلاً لأمر مولاه، و يرى عمله مسقطاً للتكليف، من دون إيجابه بالقيام مجدَّداً بتحضير الدواء.

ومثله ما إذا أمر عبده ببناء دار وأمره بالرجوع إلى مهندس متخصص و معمار ماهر، و اتبع العبد أوامره فبنى الدار، ثمّ بان خطأ المهندس أو المعمار، فإنّ العبد يُعدّ معذوراً و العمل مجزئاً.

سؤال: انّ العبد و إن كان معذوراً لعدم تقصيره في القيام بالمأمور به، بل التقصير يرجع إلى الأمارة التي أمر المولى بتطبيق العمل على وفقها، لكن غرض المولى بعدُ لم يُستوفَ، فتجب الإعادة و القضاء لذلك.

جوابه: انّه لو علم العبد أنّ غرض المولى بعدُ لم يستوف لزم عليه تجديد العمل، كما إذا أمر بإحضار الماء للتوضؤ، فأتى به ثمّ تلف، لكن الكلام فيما إذا لم يعلم ذلك ، و احتمل اجتزاء المولى بما أتى به العبد من العمل غير التام لما في إيجاب الإعادة و القضاء من الحرج الذي يوجب رغبة الناس عن الدين، وعدم إقبالهم عليه ـ و مع هذا الاحتمال ـ لا تجب الإعادة و لا القضاء ولا يجب على المكلّف تحصيل الغرض المحتمل.

تنبيه: في تبدّل القطع

لو قطع المكلّف بشيء ثمّ بان خلافه من غير فرق بين تعلّق قطعه بكيفية


(73)

العمل أو أصله، فلا ينبغي الشكّ في عدم الإجزاء، و ذلك لأنّه لم يكن هناك أمر من المولى بالمقطوع به حتى يستدل بالملازمة على الإجزاء إذ القطع حجّة عقلية و الآمر بتطبيق العمل على وفقه هو العقل لا الشرع، و من جانب آخر لم يُستوفَ غرض المولى، فهو بعد باق، فلا وجه للإجزاء.


(74)

الفصل الرابع

مقدّمة الواجب

تعريف المقدّمة: «ما يتوصل بها إلى شيء آخر على وجه لولاها لما أمكن تحصيله» من غير فرق بين كون المقدّمة منحصرة، أو غير منحصرة، غاية الأمر أنّها لو كانت منحصرة لانحصر رفع الاستحالة بها، و إن كانت غير منحصرة لانحصر رفع الاستحالة في الإتيان بها أو بغيرها وقد وقع الخلاف في وجوب مقدمة الواجب و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأمر الأول: هل النزاع في الوجوب العقلي أو الوجوب الشرعي؟

هل النزاع في وجوب المقدّمة في حكم العقل بلزوم الإتيان بها، أو في حكم الشرع به وراء حكمه بوجوب ذيها؟ و إليك البيان :

أما الأوّل: فالمراد منه حكم العقل بأنّ الوصول إلى المقصود رهن الإتيان بالمقدّمة، و هذا النوع من الوجوب الذي نعبّر عنه «باللابدية العقلية» ممّا لا يختلف فيه اثنان، و خارج عن محط النزاع.

أمّا الثاني : فالمراد منه انّ العقل بفضل الملازمة بين الوجوبين في ذهن الآمر الشارع ، يكشف عن إيجاب المقدّمة شرعاً كإيجاب ذيها، فهناك وجوبان شرعيان مختلفان تعلق أحدهما بذي المقدّمة والثاني بالمقدّمة، وأحد الوجوبين لفظي، و الآخر مُستَكشَف عن طريق العقل.

ومبنى القول (وجوب المقدّمة و عدم وجوبها) وجود الملازمة بين الوجوبين


(75)

أو بين الإرادتين و عدمه، فمن قال بأنّ البعث إلى شيء يلازم البعث إلى مقدّمته و إن لم يصرح الباعث بالثاني، فقد قال بوجوب المقدّمة شرعاً.

و من أنكر هذه الملازمة و أنّه لا ملازمة بين طلب الشيء وإيجابه، وبين إيجاب مقدّمته، فقد أنكر وجوب المقدّمة.

و لو قلنا بوجود الملازمة وبالتالي بوجوب المقدّمة، يكون الفرق بين الوجوبين أنّ أحدهما نفسي و الآخر غيري، مطلوب لغيره.

الأمر الثاني: تقسيمات المقدّمة

للمقدّمة تقسيمات مختلفة:

الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية.

المقدّمة الداخلية: و هي جزء الواجب المركب، أو كلّ ما يتوقف عليها الواجب وليس لها وجود مستقل خارج عن وجود الواجب كالصلاة فانّ كلّ جزء منها مقدّمة داخليّة باعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه، فكلّ جزء في نفسه مقدّمة لوجود المركّب، و إنّما سمّيت داخلية لأنّ الجزء داخل في قوام المركّب، فالحمد أو الركوع بالنسبة إلى الصلاة مقدّمة داخلية.

المقدّمة الخارجية: وهي كلّ ما يتوقف عليه الواجب و له وجود مستقل خارج عن وجود الواجب، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

الثاني: تقسيمها إلى عقلية و شرعية و عادية

المقدّمة العقلية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عقلاً، كتوقف الحج على قطع المسافة.

المقدّمة الشرعية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه شرعاً، كتوقّف الصلاة على الطهارة.


(76)

المقدّمة العادية: ما يكون توقّف ذي المقدّمة عليه عادة، كتوقّف الصعود إلى السطح على نصب السلَّم.

الأمرالثالث: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود والصحّة و الوجوب و العلم

والملاك في هذا التقسيم غير الملاك في التقسيمين الماضيين، فانّ الملاك في التقسيم الأوّل هو تقسيم المقدّمة بلحاظ نفسها و في الثاني تقسيمها بلحاظ حاكمها و هو إمّا العقل أو الشرع أو العادة و في التقسيم الثالث تقسيمها باعتبار ذيها كما سيوافيك.

مقدّمة الوجود: هي ما توقف وجود ذيها عليها كتوقف المسبب على سببه.

مقدّمة الصحّة: هي ما تتوقف صحّة ذي المقدّمة عليها كتوقف صحّة العقد الفضولي على إجازة المالك.

مقدّمة الوجوب: هي ما يتوقف وجوب ذيها عليها كتوقف وجوب الحجّ على الاستطاعة.

مقدّمة العلم: هي ما يتوقّف العلم بتحقّق ذيها عليها، كتوقّف العلم بالصلاة إلى القبلة، على الصلاة إلى الجهات الأربع.

والنزاع في وجوب المقدّمة و عدمه إنّما هو في القسمين الأوّلين أي مقدّمة الوجود و الصحّة، و أمّا مقدّمة الوجوب فهو خارج عن محطّ النزاع، لأنّها لولا المقدّمة لما وصف الواجب بالوجوب، فكيف تجب المقدّمة بالوجوب الناشئ من قبل الواجب، المشروط وجوبه بها؟

و إن شئت قلت: إنّ الغاية من إيجاب المقدّمة هو البعث إلى تحصيلها و إيجادها، هذا من جانب ومن جانب آخر، لا يوصف ذو المقدّمة بالوجوب إلاّ بعد حصول مقدّمته الوجوبية و تحقّقها في الخارج و معه (أي مع حصول المقدّمة الوجوبية) لا حاجة للبعث إلى تحصيل المقدّمة، لأنّها تحصيل للحاصل.


(77)

وأمّا المقدّمة العلمية فلا شكّ في خروجها عن محطّ النزاع، فإنّها واجبة عقلاً لا غير، ولو ورد في الشرع الأمر بالصلاة إلى الجهات الأربع، فهو إرشاد إلى حكم العقل .

الأمرالرابع: تقسيمها إلى السبب والشرط والمُعدّ والمانع

وملاك هذا التقسيم هو اختلاف كيفية تأثير كلّ في ذيها، و الجميع داخل تحت المقدّمة الوجودية غير أنّ تأثير كلّ يغاير نحو تأثير الآخر، و إليك تعاريفها.

السبب: ما يكون منه وجود المسبب و يتوقّف وجوده عليه، و هذا ما يطلق عليه المقتضي، و ربما يعرف بأنّه ما يلزم من وجوده وجود المسبب و من عدمه عدمه، و لكن التعريف الثاني يلازم العلة التامة مع أنّ السبب جزء العلة، فالتعريف الأوّل هو الأصحّ. وعلى أية حال فالدلوك سبب لوجوب الصلاة، وشغل ذمة المكلّف بها لقوله سبحانه:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل)(الإسراء/ 78).

الشرط: ما يكون مصححاً إمّا لفاعلية الفاعل، أو لقابلية القابل، و هذا كمجاورة النار للقطن، أو كجفاف الحطب شرط احتراقه بالنار.ومثاله الشرعي كون الطهارة شرطاً لصحّة الصلاة، والاستطاعة المالية شرطاً لوجوب الحج.

المُعِدّ: ما يقرّب المعلول إلى العلّة كارتقاء السلّم، فإنّ الصعود إلى كلّ درجة، معدّللصعود إلى الدرجة الأُخرى.

المانع: ما يكون وجوده مانعاً عن تأثير المقتضي، كالقتل حيث جعله الشارع مانعاً من الميراث، والحدث مانعاً من صحّة الصلاة.

وربّما يقال: المانع ما يعتبر عدمه في تأثير المقتضي، والأولى أن يقال: ما يكون وجوده مضاداً و مزاحماً للمعلول، فربما عُبر عن هذه المضادة بأنّ عدمه شرط وهو لا يخلو عن مسامحة.


(78)

الأمرالخامس: تقسيمها إلى مفوِّتة و غير مفوِّتة

المقدّمة المفوّتة: عبارة عن المقدّمة التي يحكم العقل بوجوب الإتيان بها قبل وجوب ذيها على وجه لو لم يأت بها قبله لما تمكّن من الإتيان بالواجب في وقته، كقطع المسافة للحجّ قبل حلول أيّامه بناء على تأخر وجوب الحجّ إلى أن يحين وقته، فبما أنّ ترك قطع المسافة في وقته يوجب فوت الواجب، يعبّر عنه بالمقدّمة المفوّتة.

ومثله الاغتسال عن الجنابة للصوم قبل الفجر، فإنّ الصوم يجب بطلوع الفجر، و لكن يلزم الإتيان بالغسل قبله و إلاّ لفسد الصوم، و يكون تركه مفوِّتاً للواجب.(1)

الأمرالسادس: تقسيمها إلى مقدّمة عبادية وغيرها

إنّ الغالب على المقدّمة هي كونها أمراً غير عبادي، كتطهير الثوب للصلاة، و قطع المسافة إلى الحجّ و ربما تكون عبادة،و مقدّمة لعبادة أُخرى بحيث لا تقع


1 . وهناك سؤال: وهو انّه إذا كان وجوبُ المقدّمة ـ على القول بوجوبها ـ مترشحاً من وجوب ذيها، فكيف يمكن القول بوجوب المقدّمة المفوّتة في ظرفها مع عدم وجوب ذيها؟ و هذا كالمثالين السابقين فإنّ لازم وجوب المقدّمة هناك هو تقدّم وجوبها على وجوب ذيها حيث يجب قطع المسافة قبل حلول أيّام الحجّ مع عدم وجوب الحجّ قبل أيّامه، و مثله الاغتسال قبل الفجر.
والجواب بوجهين:
الوجه الأوّل: انّ وجوب المقدّمة المفوّتة عقلي محض لا شرعي مترشح من وجوب ذيها، فإنّ العقل يحكم بأنّه لو ترك الإتيان بالمقدّمة في ظرفها لما تمكّن من الواجب في وقته، فيعاقب على ترك الواجب في ظرفه لأجل ترك المقدّمة.
الوجه الثاني: انّ الوجوب شرعي و لكن وجوب المقدّمة وجوب تبعي لا ترشحي، فليس وجوبها مترشحاً من وجوب ذيها حتى يطلب لنفسه تقدّمَ وجوب ذيها، بل هو تبعيّ لوجوب أمر آخر في ظرفه الآتي، و يكفي في هذا علم المولى بحدوث الوجوب الآخر في ظرفه ولا يلزم وجود المتبوع حين الحكم بوجوبها. فتُطلب المقدّمة قبل طلب ذيها.


(79)

مقدّمة إلاّإذا وقعت على وجه عبادي، و مثالها منحصر في الطهارات الثلاث ـ الوضوء و الغسل والتيمم ـ فالأمر المقدّمي (وجوب المقدّمة) إنّما يتعلّق بها بما هي عبادة فلابدّ أن تكون عبادة قبل تعلّق الأمر الغيري بها فلا محيص من أن تكون عباديتها معلولة لشيء وراء الأمر الغيري بها، ولا مانع من القول بأنّها عبادات في نفسها، او إذا أُتي بها لغاية من الغايات، كقراءة القرآن و مسّه وغيرهما، و عند ذاك تقع موضوعاً للأمر الغيري، و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ الوضوء مستحب استحباباً نفسياً، واجب وجوباً غيريّاً و هكذا الغسل والتيمم.

الأمر السابع: تقسيم الشرط إلى شرط التكليف و الوضع و المأموربه

قد عرفت أنّ من المقدّمات هو الشرط، و لكن الشرط على أقسام:

أ. شرط للتكليف، كالأُمور العامة مثل العقل والبلوغ والقدرة.

ب. شرط الوضع أي ما هو شرط الصحّة، كالإجازة في بيع الفضولي إذ لولاها لما وصف العقد الصادر من الفضولي بالصحّة.

ج. شرط المأمور به كالطهارة من الحدث والخبث.

الأقوال فيما هو الواجب من المقدّمة

لو قلنا بوجوب المقدّمة، فقد اختلفوا فيما هو الواجب إلى أقوال:

1. القول بوجوبها مطلقاً و هو المشهور.

2. التفصيل بين السبب فلا يجب، و بين غيره كالشرط و عدم المانع و المعدّ فيجب.

3. عكس القول الثاني: يجب السبب دون غيره.

4. التفصيل بين الشرط الشرعي كالوضوء فلا يجب بالوجوب الغيري باعتبار انّه واجب بالوجوب النفسي لأنّ التقيد ـ كون الصلاة عن وضوءـ جزء


(80)

الواجب، و بين غيره فيجب بالوجوب الغيري.

5. عكس القول الرابع.

6. التفصيل بين المقدّمة الموصلة أي التي يترتب عليها الواجب بالوجوب النفسي في نفس الأمر فتجب، و المقدّمة غير الموصلة فلا تجب، وهو مختار صاحب الفصول.

فلو توقف نجاة نفس محترمة على التصرف في المغصوب، فلا يجب من باب المقدّمة إلاّ الدخول الذي يترتب عليه النتيجة، و هو إنقاذ النفس المحترمة.

7. التفصيل بين ما قصد به التوصل من المقدّمات فيقع على وصف الوجوب، و بين ما لم يقصد به ذلك فلا يقع واجباً. و هو مختار الشيخ الأنصاري. فلو دخل في المثال السالف الذكر لا لغاية إنقاذ النفس المحترمة، بل للتنزّه، فلا يتصف بالوجوب و إن انتهى في آخر المطاف إلى إنقاذه، كما إذا عدل عن رأيه و حاول إنقاذه .

هذه هي الأقوال المعروفة و هناك أقوال أُخرى قد ذكرت في المطولات. وكلّها مبنية على قبول الأصل و هو وجوب المقدّمة.

والمختار عندنا : عدم وجوب المقدّمة أساساً، فتصبح الأقوال المتقدّمة كالسالبة بانتفاء الموضوع، لأنّها على فرض وجوبها، و إليك بيان المختار.

وجوب المقدّمة بين اللغوية و عدم الحاجة

إنّ الغرض من الإيجاب هو جعل الداعي في ضمير المكلّف للانبعاث نحو الفعل، و الأمر المقدّمي فاقد لتلك الغاية، فهو إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه.

أمّا الأوّل، فهو فيما إذا لم يكن الأمر بذي المقدّمة باعثاً نحو المطلوب النفسي، فعند ذلك يكون الأمر بالمقدّمة أمراً لغواً لعدم الفائدة بالإتيان بها.


(81)

وأمّا الثاني، فهو فيما إذا كان الأمر بذيها باعثاً للمكلّف نحو المطلوب، فيكفي في بعث المكلّف نحو المقدّمة أيضاً، و يكون الأمر بالمقدّمة أمراً غير محتاج إليه.

والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين عدم الباعثية إذا لم يكن المكلّف بصدد الإتيان بذيها، وعدم الحاجة إليه إذا كان بصدد الإتيان بذيها، و إذا كان الحال كذلك فتشريع مثله قبيح لا يصدر عن الحكيم.

إذا تبيّن ذلك فلا حاجة في إفاضة القول في تحليل الأقوال السابقة المبنيّة على وجوب المقدّمة الذي تبيّن خلافه، و مع ذلك نشير إلى أهمّ تلك الأقوال و هي ثلاثة:

1. القول بوجوب المقدّمة مطلقاً.

2. القول بوجوب المقدّمة الموصلة.

3. القول بوجوب المقدّمة بقصد التوصل.

1. القول بوجوب المقدّمة مطلقاًً

لقد استدل على وجوب المقدّمة مطلقاً بوجوه أمتنها ما ذكره المحقّق الخراساني قائلاً بأنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاًله مقدّمات، أراد تلك المقدّمات، و لو التفت إليها ربما يجعلها في قالب الطلب مثله، و يقول أدخل السوق و اشتر اللحم.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لوجب أن يكون هناك بعثان مولويان تعلّق أحدهما بالمقدّمة، و الآخر بذيها، و الحال انّ الوجدان يشهد على خلافه و انّه ليس في المورد إلاّ بعث واحد، و لو صدر الأمر بالمقدّمة، فهو إمّا إرشاد إلى المقدّمية كما إذا لم يعرف المخاطب ما هي المقدّمة للمطلوب، أو تأكيد لأمر ذيها.


(82)

2. القول بوجوب المقدّمة الموصلة

استدل صاحب الفصول على هذا القول بوجوه أمتنها هو ما يلي:

إنّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل، و لا يرى العقل إلاّ الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب ما يقع في طريق حصوله و سلسلة وجوده، و فيما سوى ذلك لا يدرك العقل أية ملازمة بينهما.

وأجاب عنه المحقق الخراساني بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب لثبوت مناط الوجوب في مطلقها و عدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها.

وحاصل كلامهما: أنّ صاحب الفصول يدّعي انّ ملاك وجوب المقدّمة هو الوصول إلى ذيها، فيختص الوجوب بالموصلة منها; و يدّعى المحقّق الخراساني انّ ملاك وجوبها هو رفع الإحالة و إيجاد التمكن، و هو موجود في جميعها.

والحقّ مع صاحب الفصول ـ على فرض وجوب المقدّمة ـ لأنّ الغاية تُحدِّد حكم العقل و تضيِّقه، و ذلك لأنّ التمكّن من ذي المقدّمة و إن كان غاية لوجوبها لكنّها ليست تمامها، و الغاية التامة هي كون المقدّمة الممكِّنة موصلة لما هو المطلوب، و إلاّفلو لم تكن موصلة لما أمر بها، لأنّ المفروض انّ المقدّمة ليست مطلوبة و إنّما تطلب لأجل ذيها.

وإن شئت قلت: إنّ المطلوب الذاتي هو التوصل خارجاً، دون التوقف و رفع الإحالة، فلو فرض إمكان التفكيك بينهما، لكان الملاك هو التوصل خارجاً دون التوقّف.

و بما أنّ المقدّمة في متن الواقع على قسمين يتعلّق الوجوب بالقسم الموصل في الواقع و نفس الأمر دون غيره.


(83)

3. القول بوجوب المقدّمة بقصد التوصّل

إنّ قصد التوصّل معروض للوجوب، و إنّ الواجب هو خصوص ما أُوتي به بقصد التوصّل.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ ملاك الوجوب هو التوقّف، و به ترتفع الاستحالة، ولا معنى لأخذ مالا دخالة له في معروض الوجوب.

إلى هنا تمّ تحليل الأقوال حول وجوب المقدّمة، و قد عرفت أنّ الحقّ عدم وجوبها، فلا تصل النوبة إلى هذه التفاصيل.

تطبيقات

1. إنّه على القول بالملازمة بين الوجوبين يترتّب عليها وجوب المقدّمة في الواجبات وحرمتها في المحرمات، و بذلك تكون المسألة (وجوب المقدّمة) من المسائل الأُصولية لوقوعها كبرى لاستنباط حكم شرعي.

2. إذا تعلّق النذر بالواجب، فلو قلنا بوجوب المقدّمة يكفي في الامتثال الإتيان بكلّ واجب غيري، و إلاّفلابدّ من الإتيان بواجب نفسي.

3. إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات، ثمّ انصرف الآمر، فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء أمر بمقدّمته يصير الآمر ضامناً لها، فيجب عليه دفع أُجرة المقدّمات و إن انقطع العمل.

4. لو قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً، يحرم أخذ الأُجرة عليها، كما إذا أخذ الأُجرة على تطهير الثوب الذي يريد الصلاة فيه، لما تقرّر في محله من عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات.

5. لو كان لواجب واحد مقدّمات كثيرة، كالحجّ من أخذ جواز السفر، و تذكرة الطائرة، يحصل الفسق بترك هذين الأمرين على وجه لا يمكن تداركهما،


(84)

لصدق الإصرار على الصغيرة إذا كانت مخالفة الأمر المقدّمي معصية صغيرة، ولا يتوقف حصول الفسق على ترك ذيها.

6. إذا كانت المقدّمة أمراً عبادياً، كالطهارات الثلاث، فلو قلنا بأنّ قصد الأمر الغيري يكفي في كون الشيء عبادة، فعلى القول بوجوب المقدّمة يكفي قصد الأمر الغيري.

نعم في بعض هذه التطبيقات نظر ذكرناها في محلّها.

إكمال: في حكم مقدّمة المستحب و المكروه و الحرام

لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب لزم القول باستحباب مقدّمة المستحب، و ذلك لوحدة البرهان، فإنّ الملاك في وجوب المقدّمة، إمّا كونها دخيلة في تحقّق الواجب، أو موصلة إليه، فيكون الحال في مقدّمة المستحب كذلك.

إنّما الكلام في مقدّمة الحرام و المكروه، فهل المحرم و المكروه هو الجزء الأخير الذي يكون تحقّق الحرام و المكروه معه أمراً محققاً؟ أو جميع أجزاء المقدّمة من السبب و الشرط و المعد؟ وجهان، و إن كان القول بحرمة الجميع أو كراهته أوجه لوحدة البرهان في الجميع دون خصوص الجزء الأخير من دون فرق بين القول بوجوب مطلق المقدّمة، أو خصوص الموصلة منها، غاية الأمر يتوقّف وصف الجميع بالوجوب على ترتّب ذيها عليه.

Website Security Test