welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الموجز في أُصول الفقه / ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الموجز في أُصول الفقه / ج1


(30)

الأمر الثامن: الاشتراك والترادف

الاشتراك عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر بالوضع التعييني أو التعيّني.

ويقابله الترادف، و هو وضع اللفظين أو الأكثر لمعنى واحد كذلك .

واختلفوا في إمكان الاشتراك أوّلاً ووقوعه بعد تسليم إمكانه ثانياً فذهب الأكثر إلى الإمكان ،لأنّ أدلّ دليل عليه هو وقوعه، فلفظة العين تستعمل في الباكية والجارية، وفي الذهب و الفضة.

و مردّ الاشتراك إلى اختلاف القبائل العربية القاطنة في أطراف الجزيرة في التعبير عن معنى الألفاظ، فقد كانت تُلْزِمُ الحاجة طائفة إلى التعبير عن معنى بلفظ، وتُلْزم أُخرى التعبيرَ بذلك اللفظ عن معنى آخر، و لمّا قام علماء اللغة بجمع لغات العرب ظهر الاشتراك اللفظي.

و ربّما يكون مردّه إلى استعمال اللفظ في معناه المجازي بكثرة إلى أن يصبح الثاني معنى حقيقياً، كلفظ الغائط، فهو موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان، ثمّ كُنِّي به عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها مع عدم هجر المعنى الأوّل.

نعم ربّما يذكر أهل اللغة للفظ واحد معاني عديدة ،و لكنّها من قبيل


(31)

المصاديق المختلفة لمعنى واحد، و هذا كثير الوقوع في المعاجم.(1)

وقد اشتمل القرآن على اللفظ المشترك، كالنجم المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، قال سبحانه:(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (النجم/1).

وقال سبحانه: (وَ النَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدان) (الرحمن/6).

هذا كلّه في المشترك اللفظي.

و أمّا المشترك المعنوي، فهو عبارة عن وضع اللفظ لمعنى جامع يكون له مصاديق مختلفة، كالشجر الذي له أنواع كثيرة.

تنبيه

إنّ فهم المعنى المجازيّ بما أنّه لم يوضع له اللفظ بحاجة إلى قرينة، كقولك «يرمي» أو «في الحمام» في «رأيت أسداً يرمي أو في الحمّام» كما أنّ تعيين المعنى المراد من بين المعاني المتعددة للّفظ المشترك يحتاج إلى قرينة كقولنا:«باكية» أو «جارية» في عين باكية، أو عين جارية، لكن قرينة المجاز قرينة صارفة، و قرينة اللفظ المشترك قرينة معيّنة، و الأُولى آية المجازية دون الثانية.


1 . ذكر الفيروز آبادي في كتاب «قاموس اللغة» للقضاء معاني متعددة كالحكم، الصنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام وبلوغ النهاية، العهد،الإيصاء، الأداء مع أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى فارد، و لذلك أرجعها صاحب المقاييس إلى أصل واحد، فلاحظ.


(32)

الأمر التاسع: استعمال المشترك في أكثر من معنى

إذا ثبت وجود اللفظ المشترك، يقع الكلام حينئذ في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد في استعمال واحد، بمعنى أن يكون كل من المعنيين مراداً باستقلاله، كما إذا قال: اشتريت العين، و استعمل العين في الذهب و الفضة. فخرج ما إذا استعمله في معنى جامع صادق على كلا المعنيين، كما إذا استعمل العين في «المسمّى بالعين» فإنّ الذهب والفضة داخلان تحت هذا العنوان، فهذا النوع من الاستعمال ليس من قبيل الاستعمال المشترك في أكثر من معنى.

إذا علمت ذلك، فاعلم أنّه اختُلِفَ في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد على أقوال أربعة:

أ. الجواز مطلقاً.

ب. المنع مطلقاً.

ج. التفصيل بين المفرد و غيره والتجويز في الثاني.

د. التفصيل بين الإثبات والنفي والتجويز في الثاني.

والحق جوازه مطلقاً، وأدلّ دليل على إمكانه وقوعه، و يجد المتتبع في كلمات الأُدباء نماذج من هذا النوع في الاستعمال : يقول الشاعر في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:

المُرتمي في الدجى،والمُبتلى بِعَمى * و المُشتكي ظمأً و المبتغي دَيْناً

يأتون سدَّتَه من كلِّ ناحية * و يستفيدون من نعمائه عيناً


(33)

فاستخدم الشاعر لفظ «العين» في الشمس، و البصر، و الماء الجاري و الذهب; حيث إنّ المرتمي في الدجى، يطلب الضياء;والمبتلى بالعمى، يطلب العين الباصرة; والإنسان الظم آن يريد الماء; و المستدين يطلب الذهب.

و كقول الشاعر يمدح صديقيه الملقّبين بشمس الدين و بدر الدين:

و لما رأيتُ الشمس والبدر معاً * قد انجلتْ دونهما الدياجي

حقّرْت نفسي و مضيتُ هارباً * و قلت ماذا موضِع السراجِ

يجد الشاعر نفسه ضئيلاً أمام صديقيه، كما أنّ السراج ضئيل دون الشمس والقمر، فيُطلِق الشمسَ و القمر، و يريد من الأوّلين: النيّرين تارة، و صديقيه «شمس الدين» و «بدر الدين»أُخرى، كما يريدمن السراج المصباح تارة، ونفسه ـ الملقّب بسراج الدين ـ أُخرى.

استدل القائل بعدم الجواز بأنّ الاستعمال عبارة عن لحاظ اللفظ وجهاً وعنواناً للمعنى، كأنّ الملقى إلى المخاطب ـ بدل اللفظ ـ هو المعنى دونه ، و لأجل ذلك يسري قبح المعنى وحسنه إلى اللفظ، و ما هو كذلك لا يمكن جعله عنواناً ووجهاً للمعنى الثاني أيضاً، لاستلزامه لحاظاً آخر للّفظ، و المفروض انّه ليس هنا إلاّ لحاظ واحد.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من جعل اللفظ وجهاً وعنواناً هو إفناء اللفظ في المعنى على وجه يذوب فيه، كذوبان الملح في الماء فهو بيّـن البطلان، ولو كان المراد منه أنّ الغرض الذاتي تعلّق بالمعنى دون اللفظ، فهو صحيح، إلاّ أنـّه لامانع من تعلّق الغرض الذاتي في لفظ واحد بمعنيين ويُنظر إليهما بلفظ واحد خصوصاً إذا اقترن الاستعمال بالقرينة الدالة على إرادتهما.

و بثبوت الجواز يظهر بطلان التفصيلين.


(34)

الأمر العاشر: الحقيقة الشرعية

ذهب أكثر الأُصوليين إلى أنّ ألفاظ الصلاة والصوم و الزكاة و الحج كانت عند العرب قبل الإسلام موضوعة لمعانيها اللغوية و مستعملة فيها، أعني: الدعاء، و الإمساك، و النمو، و القصد، وهذا ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية.

و إلى أنّ تلك الألفاظ في عصر الصادقينعليمها السَّلام و قبلهما بقليل، كانت ظاهرة في المعاني الشرعية الخاصة بحيث كلّما أطلقت الصلاة والصوم و الزكاة تتبادر منها معانيها الشرعية .

إنّما الاختلاف في منشأ الأمر الثاني، وهو أنّه كيف صارت هذه الألفاظ ظاهرة في المعاني الشرعية في عصر الصادقينعليمها السَّلام وقبلهما ؟ فهنا قولان:

أ. ثبوت الحقيقة الشرعية في عصر النبوّة.

ب. ثبوت الحقيقة المتشرّعية في عصر الصحابة و التابعين.

أمّا الأوّل: فحاصله: أنّ تلك الألفاظ نقلت في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني حتى صارت حقائق شرعية في تلك المعاني في عصره، لأنّ تلك الألفاظ كانت كثيرة التداول بين المسلمين لا سيّما الصلاة التي يؤدّونها كلّ يوم خمس مرّات و يسمعونها كراراً من فوق الم آذن.

و من البعيد أن لا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة في وقت ليس بقليل.


(35)

وأما الثاني فحاصله: أنّ صيرورة تلك الألفاظ حقائق شرعية على لسان النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني، و الأوّل بعيد جداً، و إلاّ لنقل إلينا، والثاني يتوقف على كثرة الاستعمال التي هي بحاجة إلى وقت طويل، و أين هذا من قصر مدّة عصر النبوّة؟!

يلاحظ عليه: أنّ عصر النبوّة استغرق 23 عاماً، و هي فترة ليست قصيرة لحصول الوضع التعيّني على لسانه، وإنكاره مكابرة .

على أنّ الوضع لا ينحصر في التعييني و التعيّني، بل ثمّة قسم ثالث هو الاستعمال بداعي الوضع ، كما إذا أُقيمت مراسيم احتفال لتسمية المولود الجديد، فقام أبوه يخاطب الأُم بقوله: آتيني بولدي الحسن، فهو بهذا الاستعمال أسماه حسناً، ولعلّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سلك هذا السبيل حينما قال: «صَلّوا كما رأيتموني أُصلّي». فبنفس الاستعمال وضعَ اللفظَ للمعنى.

و هناك قولان آخران يختلفان مع القولين السابقين في المبنى لكنّهما يشتركان مع القول الثاني في إنكار النقل:

الأوّل: للشيخ الباقلاني(1) و حاصله : أنّ الألفاظ المذكورة باقية على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا، و أنّ الشارع تصرّف في كيفيّتها. و هو يسلّم الأمر الأوّل الذي عليه الأُصوليون، و ينكر الأمر الثاني، أي النقل عن معانيها إلى معان أُخر، في عصر النبوّة و مابعدها.

و هو من الوهن بمكان، لأنّ الفرق بين الدعاء اللغوي و الصلاة، أو الفرق بين النمو و الزكاة الواجبة كثير على نحو يجعل المعنى الثاني مغايراً للمعنى اللغوي، فكيف تكون باقية على معانيها اللغويّة؟ فأين القصد من أعمال الحج؟!


1 . أبوبكر محمد بن الطيب بن محمد القاضي المعروف بالباقلاني، بصري، سكن بغداد توفي عام 403هـ.


(36)

الثاني: ما اختاره بعض الأُصوليين و حقّقه سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه وحاصله: أنّ استعمال تلك الألفاظ في المعاني الشرعية كان رائجاً بين العرب قبل الإسلام، لأنّها كانت تشكّل جزءاً من شريعة إبراهيم وكانت تُحكى بنفس تلك الألفاظ عن معانيها الشرعية الواردة في شريعته.(1)و كانت شريعته ـ عليه السَّلام ـ هي الرائجة بين العرب.

وعلى ضوء ذلك تكون تلك الألفاظ بالنسبة إلى معانيها الشرعية أشبه بالحقائق اللغوية دون حاجة إلى النقل والوضع.

و هذا القول ينكر كلا الأمرين :

1. كونها حقائق في معان لغويّة ،كالدعاء و النمو...، بل كانت قبل عصر النبوّة موضوعة و مستعملة في المعاني الشرعية، إذ كانت حقائقها موجودة في شريعة الخليل و الكليم و المسيحعليهم السَّلام ، و من البعيد أن لا يكون في لغة العرب لفظ يعبّر عن هذه المعاني، و كان في الجاهلية من يصلّي و يحج مثل ما يصلّي ويحجّ المسلمون.

2. كونها منقولة في الشريعة الإسلامية ، بل هي مستعملة في نفس ما استعملت فيها المعاني الشرعية، فليس هناك أيّ نقل.

و يؤيد هذا القول استعمال الصلاة في أوائل البعثة في نفس تلك المعاني بلا قرينة.

كقوله سبحانه: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى *و لكنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّى)(القيامة/31ـ32)

وكقوله سبحانه: (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المصلّين) (المدثر/43).


1 . هذا القول هو الموافق للتحقيق، وقد أسهبنا الكلام فيه خلال دراساتنا العليا.


(37)

وقال تعالى:(أَرأيتَ الذي يَنهى* عبداً إذا صَلَّى) (العلق/9ـ10)

ومن البعيد أن يكون استعمال اللفظ في هذه الآيات في معانيها الشرعية بالقرينة.

ثمرة البحث

وأمّا ثمرة البحث بين القولين الأوّلين، فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلا قرينة، فتحمل على الحقيقة الشرعية بناءً على ثبوتها و على الحقيقة اللغوية بناءً على إنكارها، وأمّا على القولين الآخرين فلا ثمرة.

والظاهر انتفاء الثمرة مطلقاً حتى على القولين الأوّلين، لعدم الشكّ في معاني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة لكي يتوقف فهم معانيها على ثبوت الحقيقة الشرعية ونفيها إلاّ نادراً.


(38)

الأمر الحادي عشر: الصحيح و الأعم

هل أسماء العبادات و المعاملات موضوعة للصحيح منهما، أو للأعم منه؟

يعرب عنوان البحث عن تفريعه على المسألة السابقة ، أعني: ثبوت الحقيقة الشرعية.

فعندئذ وقع الكلام في أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هل نقلها إلى القسم الصحيح من تلك المعاني، أو الأعم. و أمّا على القول الآخر فلا ينطبق عليه عنوان البحث كما لايخفى، و من أراد البحث على ضوء الأقوال الأربعة فلابدّ من تغيير عنوان البحث على وجه ينطبق على الجميع.

و لنقدّم البحث في العبادات على المعاملات فنقول:

تطلق الصحّة في اللغة تارة على ما يقابل المرض، فيقال: صحيح و سقيم. و أُخرى على ما يقابل العيب، فيقال: صحيح و معيب.

و الأوّلان(الصحة و السقم) أمران وجوديان عارضان على الشيء، فيكون التقابل بينهما تقابل التضاد.

و الثانيان (الصحّة والعيب) أمران أحدهما وجودي و الآخر عدمي، و التقابل بينهما تقابل الملكة و العدم، كالمبيع الصحيح و المعيب.

وأمّا الصحة اصطلاحاً في العبادات فقد عرِّفت تارة بمطابقة المأتي به للمأمور به، وأُخرى بما يوجب سقوط الإعادة والقضاء ويقابلها الفساد.وأمّا في


(39)

المعاملات فقدعُرِّفت بما يترتّب عليه الأثر المطلوب منها، كالملكية في البيع، و الزوجية في النكاح و هكذا.

والمراد من وضع العبادات للصحيح هي أنّ الألفاظ موضوعة لماهيات اعتبارية لو تحقّقت في الخارج لاتصفت بالصحّة(1)، فكأنّ لفظ الصحّة إشارة إلى المرتبة الخاصّة من تلك الماهية، و هي الجامعة لجميع الأجزاء والشرائط، كما أنّ الأعم في العنوان إشارة إلى مرتبة أُخرى شاملة للصحيح و غيره.

و على كلّ تقدير فالبحث في أنّ ألفاظ العبادات وضعت لما تمّت أجزاؤها و كملت شروطها ،أو للأعم منه و من الناقص.

المعروف هو القول الأوّل، واستدلّ له بوجوه(2) مسطورة في الكتب الأُصولية أوضحها:

إنّ الصلاة ماهية إعتبارية جعلها الشارع لآثار خاصّة وردت في الكتاب و السنّة، منها: كونها ناهية عن الفحشاء و المنكر، أو معراج المؤمن، وغيرهما، و هذه الآثار إنّما تترتب على الصحيح لا على الأعمّ منه، و هذا (أي ترتّب الأثر على الصحيح) ممّا يبعث الواضع إلى أن يضع الألفاظ لما يُحصّل أغراضه و يؤمِّن أهدافه، و ليس هو إلاّالصحيح. لأنّ الوضع للأعمّ الذي لا يترتّب عليه الأثر، أمر لغو.

استدل القائل بالأعم بوجوه أوضحها صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة و الفاسدة.

و أُجيب عنه بأنّ غاية ما يفيده هذا التقسيم هو استعمال الصلاة في كلّ من الصحيح و الفاسد، و الاستعمال أعمّ من الحقيقة.


1 . احتراز عن دخول الصحة بمفهومها في الموضوع له، فلو قلنا بوضع الأسماء للصحيح، فلا يراد منه، الصحيح بالحمل الأوّلي، بل الصحيح بالحمل الشائع الصناعيّ.
2 . التبادر و صحّة الحمل و صحّة السلب عن الأعم و غيرها.


(40)

يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال و إن كان أعمّ من الحقيقة، و لكنّه فيما إذا احتمل كون الاستعمال من باب المجاز، وأمّا إذا كان الاحتمال منتفياً فالاستعمال يكون دليلاً على الحقيقة كما في المقام، و ذلك لأنّ المجاز ـ كما مرّ ـ قائم بالتشبيه و ادّعاء الفردية، و هو غير متحقّق في المقام ،لأنّ تقسيم الصلاة إلى الصحيح والفاسد، بشهادة الوجدان، غير متوقّف على علاقة التشابه و ادّعاء كون الفاسد مصداقاً لها، بل يصحّ التقسيم مع الغفلة عن لحاظ العلاقة و ادّعاء الفردية.

نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم الحاجة إلى الادّعاء إنّما هو في عصرنا هذا الذي كثر فيه استعمال هذه الألفاظ في الأعمّ، وهذا لا يكون دليلاً على عدم الحاجة إليه في عصر النبوّة، و لعلّ الاستعمال في الأعم كان متوقفاً على الادّعاء في ذلك العصر.


(41)

الأمر الثاني عشر: المشتق

اتّفقت كلمتهم على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ في الحال و مجاز فيما يتلبّس به في المستقبل، و اختلفوا فيما انقضى عنه التلبّس، مثلاً إذا ورد النهي عن التوضؤ بالماء المسخّن بالشمس، فتارة يكون الماء موصوفاً بالمبدأ بالفعل، و أُخرى يكون موصوفاً به في المستقبل، و ثالثة كان موصوفاً به لكنّه زال و برد الماء، فإطلاق المشتق على الأوّل حقيقة، و دليل الكراهة شامل له، كما أنّ إطلاقه على الثاني مجاز لا يشمله دليلها، و أمّا الثالث فكونه حقيقة أو مجازاً و بالتالي شمول دليلها له و عدمه مبنيّ على تحديد مفهوم المشتق، فلو قلنا بأنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ في الحال يكون الإطلاق مجازياً والدليل غير شامل له، ولو قلنا بأنّه موضوع لما تلبّس به و لو آناً ما فيكون الإطلاق حقيقيّاً و الدليل شاملاً له.

و المشهور انّه موضوع للمتلبس بالفعل.

و توضيح المقام يتوقف على تقديم أُمور:

1. الفرق بين المشتق النحويّ والأُصولي

المشتق عند النحاة يقابل الجامد، فالجميع غير المصدر (على القول بكونه الأصل) مشتق كالماضي والمضارع و الأمر و النهي و أسماء الفاعلين.

وأمّا المشتق عند الأُصوليين، فهو عبارة عمّا يجري على الذات باعتبار اتصافها بالمبدأ و اتحادها معه بنحو من الاتحاد، فخرجت الأفعال قاطبة ماضيها و


(42)

مضارعها وأمرها و نهيها ضرورة أنّها تدلّ على قيام مبادئها بالذوات قيام صدور أو حلول (1)أو طلب فعل أو طلب ترك، ولا تدل على وصف الذوات بها. فكم فرق بين قولنا :قائم و قولنا: ضرب.

كما خرجت المصادر المزيدة و المجرّدة لعدم صحّة حملها على الذوات على نحو الهوهوية، فلم يبق إلاّ أسماء الفاعلين و المفعولين وأسماء الزمان و المكان و الآلات و الصفات المشبهة و صيغ المبالغة، لوجود الملاك في جميعها، و هو انتزاع مفاهيمها عن الذوات باعتبار اتصافها بالمبدأ فيشمل حتى الزوجة و الرق و الحر، فإذن النسبة بين المشتق النحوي والمشتق الأُصولي عموم و خصوص من وجه.(2)

2. اختلاف أنحاء التلبسات حسب اختلاف المبادئ

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم انّ بعضها حقيقة في المتلبس وبعضها في الأعمّ، نظير الكاتب والمجتهد و المثمر، فما يكون المبدأ فيه حرفة أو ملكة أو قوّة يصدق فيه هذه الثلاثة، و إن زال التلبس فهي موضوعة للأعم بشهادة صدقها مع عدم تلبسها بالكتابة و الاجتهاد و الأثمار بخلاف غيرها ممّا كان المبدأ فيه أمراً فعلياً، كالأبيض والأسود.

يلاحظ عليه: أنّ المبدأ يؤخذ تارة على نحو الفعلية كقائم، و أُخرى على نحو الحرفة كتاجر، و ثالثة على نحو الصناعة كنجّار، و رابعة على نحو القوّة كقولنا: شجرة مثمرة، و خامسة على نحو الملكة كمجتهد، و سادسة على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كلابن و تامر.


1 . القيام الصدوري: كقيام الضرب بالضارب، والحلولي كقيام الضاحك بالإنسان.
2 . فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين و أمثالهما; و يفترقان في الفعل الماضي و المضارع، فيطلق عليهما المشتق النحوي دون الأصولي; وفي الجوامد كالزوج والرق، فيطلق عليها المشتق الأُصولي دون النحوي.


(43)

فإذا اختلفت المبادئ جوهراً و مفهوماً لاختلفت أنحاء التلبسات بتبعها أيضاً، وعندئذ يختلف بقاء المبدأ حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل يشترط في صدق التلبس تلبس الذات بالمبدأ فعلاً، و في القسم الثاني و الثالث يكفي عدم إعراضه عن حرفته وصناعته وإن لم يكن ممارساً بالفعل، و في الرابع يكفي كونه متلبساً بقوة الإثمار و إن لم يثمر فعلاً، و في الخامس يكفي حصول الملكة و إن لم يمارس فعلاً، فالكلّ داخل تحت المتلبس بالمبدأ بالفعل، و بذلك علم أنّ اختلاف المبادئ يوجب اختلاف طول زمان التلبس و قصره ولا يوجب تفصيلاً في المسألة.

فما تخيّله القائل مصداقاً لمن انقضى عنه المبدأ، فإنّما هو من مصاديق المتلبس و منشأ التخيّل هو أخذ المبدأ في الجميع على نسق واحد، و قد عرفت أنّ المبادئ على أنحاء.

3. ما هو المراد من الحال في عنوان البحث؟

المراد من الحال في عنوان البحث هو الفعلية في مقابل القوة، ومرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها وأنّ الموضوع له هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو الأعمّ من تلك الذات المنقضي عنها المبدأ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، وعلى القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه و ممّا انقضى عنها المبدأ.

و إن شئت قلت: النزاع في أنّ الصفات تنتزع من الذات المقارنة للمبدأ، أو تنتزع منها ومن الذات المنقضي عنها المبدأ. و على ذلك فالحال في عنوان البحث بمعنى فعلية التلبّس و ما أشبه ذلك.

وبعبارة ثالثة: إنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ، ولايرى ذاك الجامع الحقيقي للأعمّ منها و ممّا انقضى عنها المبدأ و إنّما يرى بينهما


(44)

جامعاً انتزاعياً. فالنزاع في أنّ الموضوع له هل هو ذاك الجامع الحقيقي أو جامع انتزاعي آخر.

***

إذا وقفت على هذه الأُمور. فاعلم أنّ المشتق موضوع للمتلبس بالمبدأ في الحال، و الدليل على ذلك أمران:

1. التبادر، إنّ المتبادر من المشتق هو المتلبس بالمبدأ في الحال، فلو قيل: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو قيل: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون، أو لا يؤم الأعرابي المهاجرين; لا يفهم منه إلاّ المتلبس بالمبدأ في حال الاقتداء.

2. صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل انّه قائم إذا زال عنه القيام، و لا لمن هو جاهل بالفعل، انّه عالم إذا نسي علمه.

وأمّا القائلون بالأعم فاستدلّوا بوجهين:

الأوّل: صدق أسماء الحِرَف كالنجار على من انقضى عنه المبدأ، مثل أسماء الملكات كالمجتهد.

وقد عرفت الجواب عنه و أنّ الجميع من قبيل التلبس بالمبدأ لا الزائل عنه المبدأ.

الثاني: لو تلبس بالمبدأ في الزمان الماضي يصح أن يقال انّه ضارب باعتبار تلبسه به في ذلك الزمان.

يلاحظ عليه: أنّ اجراء المشتق على الموضوع في المثال المذكور يتصور على وجهين:


(45)

أ . أن يكون زمان التلبس بالمبدأ في الخارج متحداً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول زيد ضارب أمس، حاكياً عن تلبسه بالمبدأ في ذلك الزمان، فهو حقيقة ومعدود من قبيل المتلبس لأنّ المراد كونه ضارباً في ذلك الظرف.

ب. أن يكون زمان التلبس بالمبدأ في الخارج مختلفاً مع زمان النسبة الكلامية، كأن يقول: زيد ـ باعتبار تلبسه بالمبدأ أمس ـ ضارب في ظرف التكلم، فالجري مجاز ومن قبيل ما انقضى عنه المبدأ .

تطبيقات

1. قال رجل لعليّ بن الحسين عليمها السَّلام : أين يتوضأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة».(1)

فعلى القول بالوضع للمتلبس بالمبدء يختص الحكم بما إذا كانت مثمرة و لو بالقوة، بخلاف القول بالأعم من المتلبس و غيره فيشمل الشجرة غير المثمرة ولو بالقوة.

2. عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في المرأة ماتت و ليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».(2)

فلو قلنا بأنّ المشتق حقيقة في المنقضي أيضاً، فيجوز للزوج المطلِّق تغسيلها عند فقد المماثل و إلاّ فلا.

إذا وقفت على تلك الأُمور، فاعلم أنّ كتابنا هذا مرتّب على مقاصد، و كلّ مقصد يتضمن فصولاً :


1 . الوسائل:1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث 8.


(46)


(47)

المقصد الأوّل
في الأوامر وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة الأمر.

الفصل الثاني: في هيئة الأمر.

الفصل الثالث: في إجزاء امتثال الأمر الواقعي والظاهري.

الفصل الرابع: مقدمة الواجب وتقسيماتها.

الفصل الخامس: في تقسيمات الواجب.

الفصل السادس: اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.

الفصل السابع: في أنّ الأوامر والنواهي تتعلق بالطبائع.

الفصل الثامن: إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز .

الفصل التاسع: الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل.

الفصل العاشر: الأمر بالشيء بعد الأمر به تأكيد أو تأسيس.


(48)


(49)

الفصل الأوّل

في مادّة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: كلمة الأمر مشترك لفظي

إنّ كلمة الأمر مشترك لفظي بين معنيين هما:

إمّا الطلب والفعل و إليهما يرجع سائر المعانى التي ذكرها أهل اللغة.

أو الطلب و الشأن و إليهما يرجع سائر المعاني، و هو خيرة صاحب الفصول.

أو الطلب و الشيء و إليهما ترجع المعاني الأُخرى، و هو خيرة المحقّق الخراساني.

لا اختلاف بين الجميع في صحّة استعماله في الطلب لقوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(النور/63).

و الضمير في أمره يرجع إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإنّما الاختلاف في المعنى الثاني، و الظاهر صحّة استعماله في الفعل لوروده في القرآن. قال سبحانه:(قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ) (آل عمران/154).

و قال سبحانه:(وَ قُضِيَ الأَمْرُ وَ إِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُمور ) (البقرة/210).


(50)

وقال سبحانه:(وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران/159).

وأمّا الجمع فالأمر إن كان بمعنى الطلب ـ أي طلب الفعل من الغير ـ فيجمع على أوامر، كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل و الحدث فيجمع على أُمور.

بقي الكلام في استعماله في معنيين آخرين هما: الشأن و الشيء.

فذهب صاحب الفصول إلى صحّة استعماله في الشأن مستدلاً بقولهم: شَغله أمر كذا، أي شأن كذا.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر فيما ذكره من المثال بمعنى الفعل والحادثة لا الشأن كما هو واضح.

كما ذهب المحقّق الخراساني إلى صحّة استعماله في الشيء مستدلاً بقولهم: رأيت اليوم أمراً عجيباً، أي شيئاً عجيباً.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الشيء من معاني الأمر لصح وضعُ الأمر مكان الشيء مع أنّه لا يصح أن يقال :اللّه أمر، أو العقل أمر، أو البياض أمر، إلى غير ذلك مع صحّة قولنا: اللّه شيء و... .

وعلى ذلك إذا أطلقت كلمة الأمر بلا قرينة تكون مجملة و التعيين يحتاج إلى قرينة.

***

المبحث الثاني: في اعتبار العلوّ و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب

اختلف الأُصوليون في اعتبار العلو و الاستعلاء في صدق الأمر بمعنى الطلب إلى أقوال:

1. يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الآمر دون اعتبار الاستعلاء، فيكفي فيه صدور الطلب من العالي و إن كان مستخفضاً لجناحه، و هو خيرة


(51)

المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.

2. يعتبر في صدق مادة الأمر كلا الأمرين، فلا يعدّ كلام المولى مع عبده أمراً إذا كان على طريق الاستدعاء، و هو خيرة السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه.

3. يعتبر في صدق مادة الأمر أحد الأمرين: ا لعلو أو الاستعلاء، أمّا كفاية العلو فلما تقدّم في دليل القول الأوّل، وأمّا كفاية الاستعلاء، فلأنّه يصحّ تقبيح الطالب السافل المستعلي، ممّن هو أعلى منه و توبيخه.

4. لا يعتبر في صدق مادة الأمر واحد منهما، و هو خيرة المحقّق البروجردي.

الظاهر هو القول الثاني، فإنّ لفظ الأمر في اللغة العربية معادل للفظ «فرمان» في اللغة الفارسية، و هو يتضمن علوّ صاحبه، ولذلك يذم إذا أمر ولم يكن عالياً.

وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدقه إذا كان بصورة الاستدعاء، و يشهد له قول بريرة (1)لرسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: إنّما أنا شافع» فلو كان مجرد العلو كافياً لما انفك طلبه من كونه أمراً.

المبحث الثالث: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

إذا طلب المولى من عبده شيئاً بلفظ الأمر كأن يقول: آمرك بكذا، فهل يدل كلامه على الوجوب أو لا؟

الظاهر هو الأوّل، لأنّ السامع ينتقل من سماع لفظ الأمر إلى لزوم الامتثال


1 . روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: لما خُيِّرتْ بريرة(بعد ما أُعتقت و خُيّرت بين البقاء مع زوجها أو الانفصال عنه) رأيت زوجها يتبعها في سُكَكَ المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلَّم العباس ليكلِّم فيه النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم لبريرة انّه زوجك، فقالت: تأمرني يا رسول اللّه؟ قال: «إنّما أنا شافع»، قال: فخيّرها فاختارت نفسها.(مسند أحمد:1/215).


(52)

الذي يعبّر عنه بالوجوب، و ُيؤيَّد هذا الانسباق والتبادر بالآيات التالية:

1. قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم)(النور/63) حيث هدّد سبحانه على مخالفة الأمر، و التهديد دليل الوجوب.

2. قوله سبحانه: ( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف/12) حيث ذمّ سبحانه إبليس لمخالفة الأمر، و الذم آية الوجوب.

3.قوله تعالى: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ)(التحريم/6)حيث سمّى سبحانه مخالفة الأمر عصياناً، و الوصف بالعصيان دليل الوجوب.

4. الإخبار عن أنّ الأمر بالسواك يلازم المشقّة، كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لولا أن أشُقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».(1)ولزوم المشقّة آية كونه مفيداً للوجوب إذ لا مشقّة في الاستحباب.

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات .


1 . وسائل الشيعة، كتاب الطهارة، أبواب السواك، الباب3 ، الحديث 4.


(53)

الفصل الثاني

في هيئة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل : في بيان مفاد الهيئة

اختلفت كلمة الأُصوليين في معنى هيئة افعل إلى أقوال مختلفة :

1. انّها موضوعة للوجوب.

2. انّها موضوعة للندب.

3. انّها موضوعة للجامع بين الوجوب و الندب، أي الطلب إلى غير ذلك.

و الحقّ انّها موضوعة لإنشاء البعث إلى إيجاد متعلقه و يدلّ عليه التبادر و الانسباق، فقول المولى لعبده: اذهب إلى السوق و اشتر اللحم عبارة أُخرى عن بعثه إلى الذهاب و شراء اللحم.

و إن شئت قلت: إنّ بعث العبد إلى الفعل قد يكون بالإشارة باليد، كما إذا أشار المولى بيده إلى خروج العبد و تركه المجلس، و أُخرى بلفظ الأمر كقوله: اخرج، فهيئة افعل في الصورة الثانية قائمة مقام الإشارة باليد، فكما أنّ الإشارة باليد تفيد البعث إلى المطلوب، فهكذا القائم مقامها من صيغة افعل، وإنّما الاختلاف في كيفية الدلالة، فدلالة الهيئة على إنشاء البعث لفظية بخلاف دلالة الأُولى.


(54)

سؤال: انّ هيئة افعل و إن كانت تستعمل في البعث كقوله سبحانه:(وَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة ) (البقرة/43) أو قوله: (أَوفُوا بِالعُقود) (المائدة/1) و لكن ربما تستعمل في غير البعث أيضاً.

كالتعجيز مثل قوله سبحانه:(وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ)(البقرة/23).

والتمنّي كقول الشاعر:

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلى غير ذلك من المعاني المختلفة المغايرة للبعث. فيلزم أن تكون الهيئة مشتركة بين المعاني المختلفة من البعث و التعجيز و التمنّي.

الجواب: انّ هيئة إفعل قد استعملت في جميع الموارد في البعث إلى المتعلّق و الاختلاف إنّما هو في الدواعي، فتارة يكون الداعي من وراء البعث هو ايجاد المتعلق في الخارج و أُخرى يكون الداعي هو التعجيز و ثالثة التمني و رابعة هو الإنذار والتهديد كقوله:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّه عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ)(التوبة/105) إلى غير ذلك من الدواعي ففي جميع الموارد يكون المستعمل فيه واحداً و إنّما الاختلاف في الدواعي من وراء إنشائه.

ونظير ذلك، الاستفهام فقد يكون الداعي هو طلب الفهم، و أُخرى أخذ الإقرار مثل قوله:(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الّذينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر/9).و المستعمل فيه في الجميع واحد و هو إنشاء طلب الفهم.

المبحث الثاني: دلالة هيئة الأمر على الوجوب

قدعرفت أنّ هيئة إفعل موضوعة لإنشاء البعث و أنّها ليست موضوعة للوجوب و لا للندب، و أنّهما خارجان عن مدلول الهيئة ـ و مع ذلك ـ هناك


(55)

بحث آخر، وهو أنّه لا إشكال في لزوم امتثال أمر المولى إذا علم أنّه يطلب على وجه اللزوم إنّما الكلام فيما إذا لم يعلم فهل يجب امتثاله أو لا؟ الحقّ هوالأوّل.

وقبل بيان دليله نشير إلى الفرق بين الوجوب و الندب، فنقول: إنّ البعث الإنشائي على قسمين:

فتارة يكون البعث صادراً عن إرادة أكيدة لا يرضى المولى بمخالفتها.

و أُخرى صادراً عن إرادة غير أكيدة على وجه لو خالفها لما ذمّه المولى.

وإن شئت قلت: البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس فلابدّ في تحقّقه من سبق إرادة تكوينية، فهي تختلف شدّة و ضعفاً حسب اختلاف الأغراض من البعث، فالذي يميز الوجوب عن الندب هو صدور أحد البعثين عن إرادة أكيدة، و صدور الآخر عن إرادة ضعيفة مع اشتراكهما في البعث.

وبذلك يعلم أنّ الوجوب والندب ليسا من مداليل الألفاظ، و إنّما ينتزعان من البعث الناشىء من قوة الإرادة وضعفها.

إذا تبيّن الفرق بين الوجوب والندب ثبوتاً فنقول: لو دلّ الدليل على واحد من الأمرين ـ أعني: الوجوب أو الندب ـ فهو المتَّبع و إلاّفاللازم حمله على الوجوب، أي صدور البعث عن إرادة أكيدة، و ذلك بحكم العقل على أنّ بعث المولى لا يُترك بلا امتثال و احتمال أنّ البعث ناشئ من إرادة ضعيفة لا يُعْتمد عليه مالم يدل عليه دليل.

وبعبارة أُخرى: العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية و العبودية ولا يصحّ ترك المأمور به بمجرّد احتمال أن يكون الطلب طلباًندبياً و هذا ما يعبّر عنه في سيرة العقلاء بأنّ ترك المأمور به لابدّ أن يستند إلى عذر قاطع. و العذر القاطع إمّا إحراز كون البعث ناشئاً عن إرادة غير أكيدة و المفروض عدم إحرازه، أو الامتثال و هو يتّحد في النتيجة مع الحمل على الوجوب، فخرجنا بالنتيجة التالية:


(56)

1. انّ المدلول المطابقي لهيئة إفعل هو إنشاء البعث .

2. الوجوب و لزوم الامتثال مدلول التزامي لها بحكم العقل.

سؤال: يظهر من صاحب المعالم انّه لو افترضنا أنّ الأمر حقيقة في الوجوب لما صحّ التمسّك به في أخبار الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ عند الشكّ، لأنّ صيغة الأمر مستعملة في كلماتهم في الندب كثيراً حتّى صار من المجازات الراجحة، فيشكل التمسك بمجرّد ورود الأمر في كلامهم على إثبات الوجوب.(1)

الجواب: انّ الاستعمال في الندب و إن كان كثيراً إلاّ أنّه لمّا كان بالقرينة، فلا يوجب صيرورتَه مجازاً مشهوراً فيه ليرجّح أو يتوقف على الخلاف في المجاز المشهور.

نعم لو ثبت أنّ الأئمّة كانوا يستعملون الأمر كثيراً في الندب بلا قرينة كان لما ذكره وجه.

وهناك جواب آخر و هو أنّ الوجوب والندب ـ كما مرّ ـ ليسا من المداليل اللفظية ،لما عرفت من أنّ الأمر موضوع لإنشاء البعث، بل ينتزعان من شدّة الإرادة و ضعفها، فإن كان في الكلام قرينة تدلّ على أحد الأمرين فهو، و إلاّ فالعقل حاكم بأنّه يجب على العبد إطاعة الأمر مالم يعلم الإذن في الترك.

وبعبارة أُخرى: يحكم العقل بلزوم تحصيل المؤمِّن إمّا بالإتيان بالمأمور به، أو بالعلم بالندب، و بما أنّ الثاني منتف فيتعين تحصيل الأمر الأوّل و هو الإتيان، و ترك المأمور به لأجل أنّهمعليهم السَّلام يستعملون صيغة الأمر في الندب كثيراً ليس عذراً قاطعاً في مقابل حكم العقل بلزوم تحصيله.


1 . المعالم، ص 48 جاء تحت عنوان: فائدة ،و قد استحسنه السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف، و وافقه السيد المحقّق الخوئي كمافي محاضراته:2/132.
Website Security Test