welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5

صفحه 1
   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5
 
5

صفحه 2

صفحه 3
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الخامس
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 284 - 6 (ج.5)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 هـ . ق ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ج. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول
الجزء:    الجزء الخامس
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   العلاّمة المحقّق آية الله العظمى جعفر السبحاني
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1429 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة بقلم: آية الله العظمى جعفر السبحاني

القول السديد في الاجتهاد والتقليد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله محمد وآله الطاهرين .
أمّا بعد:
إنّ البحث في الاجتهاد والتقليد ليس من المسائل الأُصولية، لأنّها عبارة عما يقع في طريق الاستنباط. والبحث في واقع الاجتهاد والتقليد وما يرجع إليهما من بحوث لا يقع في طريق الاستنباط، ولذلك عاد أصحابنا الأصوليون يبحثون عنهما في الكتب الأُصولية كخاتمة للكتاب، والمعروف أنّ الخاتمة كالمقدمة ليست داخلة في صميم العلم.
إلاّ أنّ العلاّمة الحلي ـ مؤلف الكتاب ـ لم يتابع سيرة الأصحاب وجرى على مسلك الآخرين حيث إنّهم يبحثون عنهما بصورة مسألة أُصولية، وقد أفاض الكلام فيهما في المقصد الثالث عشر من الكتاب، وقد شغلت هذه

صفحه 8
المباحث نصف هذا الجزء الّذي بين يدي القارئ، وبقي النصف الآخر خاصّاً بالتعادل والترجيح.
والعجب أنّه قدّم البحث في الاجتهاد والتقليد على التعادل والترجيح مع أنّ الأنسب هو العكس، لأنّ الثاني من المسائل الأُصولية حيث يقع ما هو المختار (الرجوع إلى المرجحات والتخيير عند عدمها، أو الترجيح بالمرجحات والتخيير عند عدمها) عند تعارض الأدلّة في طريق الاستنباط.
فكان عليه أن يخص المقصد الثاني عشر بالتعادل والترجيح والخاتمة بمباحث الاجتهاد والتقليد.
ونحن في غنى عن التعليق على ما أتى به المصنّف في هذه الأبواب من دلائل مشرقة على مختاراته. لكن قسماً منها ربما يحتاج إلى بسط في الكلام ولذلك اخترنا مواضع خاصة للتعليق، وهي كما يلي:
1. النبي والاجتهاد.
2. وجود الاجتهاد عند الصحابة.
مقدّمة العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني: القول السديد في الاجتهاد والتقليد   
3. في تجزؤ الاجتهاد.
4. التخطئة والتصويب في الأُصول والفروع.
5. دور الزمان والمكان في الاستنباط.
6. دور الحكم في رفع التزاحم بين الاحكام الأولية.

صفحه 9
 
1

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والاجتهاد

ذكر المصنّف (قدس سره)اختلاف الناس في أنّ النبي هل كان متعبداً بالاجتهاد كسائر الفقهاء، أو لم يكن كذلك؟ فالإمامية ـ عن بكرة أبيهم ـ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء في بيان الأحكام الشرعية الكلية، وأمّا القضاء في المرافعات فهو أمر آخر لا صلة له بالموضوع، وسيوافيك بيانه.
وقد ذكر المصنّف أدلة شافية في ترفيع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن حاجته إلى الاجتهاد بعد ما كان (فضل الله عليه كبيراً)، واللوح المكتوبة فيه الأحكام مكشوفاً له يراه بأُمّ عينيه أو بأُمّ قلبه.
ومع ذلك كله فسوف نستطرد هذا الموضوع ببيان آخر ربّما يكون بين البحثين تداخل في بيان الأدلة وإشكالاتها.
والفضل في ذلك يرجع إلى المصنّف وإلى بقية علمائنا المتقدمين.
فنقول: الاجتهاد: هو استنباط الحكم من الأدلّة الشرعية، كالكتاب والسنّة ببذل الجهد والتفكير، والمجتهد يخطئ ويصيب شأن كلّ إنسان غير

صفحه 10
معصوم، وإن كان المخطئ مأجوراً كالمصيب، إنّما الكلام في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هل كان مجتهداً في بيان الحكم الشرعي كالآخرين يخطئ ويصيب، أو أنّ علمه بعقائد الدين وأحكامه بلغ إلى مستوىً أغناه عن الاجتهاد؟
والإمعان فيما سنتلوه عليك من النصوص يدعم النظر الثاني:
أ. قال سبحانه: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).1
وقد ذكر المفسّرون أسباب نزول متعدّدة لهذه الآية تجمعها أنّه رفعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقعة كان الحق فيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان وعلّله بقوله: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) .
ففضل اللّه ورحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، وهل كان فضله سبحانه ورحمته مختصين بهذه الواقعة، أو أنّهما خيّما عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: (وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّ الحوادث والوقائع يحكم بمرّالحق و نفس الواقع مؤيداً من قبل اللّه، ومَن اختصّ بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة والمخطئ أُخرى.

1 . النساء: 113.

صفحه 11
ب. انّه سبحانه يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِفَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الّذينَ لا يَعْلَمُون) .1
والشريعة هي طريق ورود الماء، والأمر أمر الدين و معنى الآية انّه تبارك وتعالى أورد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقاً موصلةً للشريعة قطعاً، ومن حظي بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يخطئ ويصيب، وليست تلك الخصيصة من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بل قد حظي بها معظم الأنبياء، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً).2
ج. إنّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش والنقد، فلو اجتهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض الأحكام فنظره كغيره قابل للنقد و النقاش، ومعه كيف يكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، وكيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟!
كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيدة عن الصواب، وإنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الأنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.
قال الشوكاني: اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء في الأحكام الشرعية على مذاهب:

1 . الجاثية: 18.
2 . المائدة: 48.

صفحه 12
المذهب الأوّل: ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) .1 والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى) وقد حكى هذا المذهب الأُستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، وقال القاضي في «التقريب»: كلّ من نفى القياس أحال تعبّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاجتهاد.قال الزركشي: وهو ظاهر اختيار ابن حزم.
واحتجّوا أيضاً بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سُئل ينتظر الوحي ويقول: «ما أنزل عليَّ في هذا شيء» كما قال لمّا سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل عليّ إلاّ هذه الآية الجامعة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ) .(2) وكذا انتظر الوحي في كثير ممّا سئل عنه، ومن الذاهبين إلى هذا المذهب أبو علي وأبو هاشم.2
أقول : لقد لخّص الشوكاني ما ذكره ابن حزم في ذلك المجال وقال:
إنّ من ظنّ بأنّ الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو
كفر عظيم، ويكفي في إبطال ذلك أمره ـ تعالى ـ نبيه أن يقول: (إِنْ أَتَّبِعُ إلاّ
ما يُوحى إِلَيَّ
)3 وقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ
وَحْيٌ يُوحى).4 وقوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيل * لأَخَذْنا

1 . النجم: 4.   2 . الزلزلة: 7و8.
2 . إرشاد الفحول: 225.
3 . الأنعام: 50.
4 . النجم: 3و4.

صفحه 13
مِنْهُ بِالْيَمين * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين)1 .
وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُسأل عن الشيء، فينتظر الوحي، ويقول: «وما نزل عليّ في هذا شيء» ذلك في حديث زكاة الحمير و ميراث البنتين مع العم والزوجة، وفي أحاديث جمّة.2وقبل أن أذكر المذهب الثاني الوارد في كلام الشوكاني، أُشير إلى كلمة للعلاّمة الحلّي، تعرب عن موقف الإمامية في المسألة.
قال (رحمه الله) بعد تعريف الاجتهاد: ولا يصح (الاجتهاد) في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه قال الجبائيان. لقوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)ولأنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر على تلقّيه من الوحي، وانّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتى يرد الوحي، فلو ساغ له الاجتهاد، لصار إليه، لأنّه أكثر ثواباً، ولأنّه لو جاز له (الاجتهاد) لجاز لجبرئيل(عليه السلام)، وذلك يسدّ باب الجزم بأنّ الشرع الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من اللّه تعالى.
ولأنّ الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، ولا يجوز تعبّده (صلى الله عليه وآله وسلم) به، لأنّه يرفع الثقة بقوله.
وكذلك لا يجوز لأحد من الأئمّة الاجتهاد عندنا، لأنّهم معصومون، وإنّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بإلهام من اللّه تعالى.3

1 . الحاقة: 44ـ46.
2 . الإحكام في أُصول الأحكام: 5/123.
3 . مبادئ الأُصول: 51.

صفحه 14
المذهب الثاني: انّه يجوز لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ولغيره من الأنبياء الاجتهاد وإليه ذهب الجمهور واحتجوا بالوجوه التالية:
الأوّل: انّ اللّه سبحانه خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال وأمره بالتدبّر والاعتبار، وهو من أجلّ المتفكّرين في آيات اللّه وأعظم المعتبرين.
أقول: إنّ ما ضرب به من الأمثال جلّها من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» وهل يصحّ أن يقال انّه سبحانه أراده بقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرين) 1 مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن هداه اللّه (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ) .2
على أنّه سبحانه أمر بالتفكّر والتدبّر فيما يرجع إلى العوالم الغيبية والأسرار المكنونة في الطبيعة وأنّى ذلك من التفكّر في الأحكام الشرعية.
الثاني: انّ المراد من قوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) هو القرآن، لأنّهم قالوا إنّما يعلّمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان متعبّداً بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقاً عن الهوى، بل عن الوحي.
أقول: إنّ قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) وإن كان وارداً في مورد القرآن، ولكنّه آب عن التخصيص بدلالة انّ ورود التخصيص عليه يستلزم

1 . الزمر: 65.
2 . الزمر: 37.

صفحه 15
الاستهجان، فلو قيل النبي لا ينطق عن الهوى إلاّ في غير مورد القرآن لرأيت التخصيص مستهجناً، على أنّ الدليل ليس منحصراً بهذه الآية، وقد استعرضنا الدلائل السابقة.
نعم لو ثبت انّ الوحي أمره بالاجتهاد، لكان ما يفتي به إفتاءً منتهياً إلى الوحي الإجمالي، ولكن الكلام في صدور الترخيص له.
الثالث: إذا جاز لغيره من الأُمّة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضاً للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.
أقول: إنّ هذا الاستدلال من الوهن بمكان، لأنّ غير النبي يجتهد لانحصار باب المعرفة به، وهذا بخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ أمامه طرقاً كثيرة إلى الحقّ أوضحها الوحي.
الرابع: الاستدلال ببعض الأمثلة التي تدلّ بظاهرها على أنّ النبي اجتهد في الحكم الشرعي، وسيوافيك توضيح بعضها.1
ثمّ إنّ هناك مذهباً ثالثاً يُدعى مذهب الوقف عن القطع بشيء في ذلك، وزعم الصيرفي في شرح الرسالة، انّه مذهب الشافعي، لأنّه حكى الأقوال ولم يختر شيئاً منها، واختار هذا القاضي أبوبكر الباقلاني، والغزالي.2

1 . إرشاد الفحول: 225.
2 . المصدر السابق: 226.

صفحه 16
 
اجتهاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسرّب الخطأ إليه
قد سبق انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غنى عن الاجتهاد في الأحكام وانّه سبحانه أورده منهل الشريعة، وأمره باتّباعها، ولو افترضنا جواز الاجتهاد عليه، فهل يمكن أن يتسرّب إليه الخطأ أو لا؟
ذهبت الإمامية إلى صيانة اجتهاده (على فرض جواز الاجتهاد له) عن الخطأ، واستدل عليه المحقّق بوجوه:
الأوّل: انّه معصوم من الخطأ عمداً ونسياناً بما ثبت في الكلام، ومع ذلك يستحيل عليه الغلط.
الثاني: إنّنا مأمورون باتّباعه، فلو وقع منه الخطأ في الأحكام لزم الأمر بالعمل بالخطأ وهو باطل.
الثالث: لو جاز ذلك الخطأ لم يبق وثوق بأوامره ونواهيه، فيؤدي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله.1
ثمّ إنّ المخالف استدل بوجوه، منها:
الأوّل: قوله تعالى: (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ) .2
أقول: إنّ وجه المماثلة ليس تطرّق الخطأ بل عدم استطاعته (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى

1 . معارج الأُصول: 118ـ 119.
2 . الكهف: 110.

صفحه 17
تحقيق كلّ ما يقترحون عليه من المعاجز والآيات حيث أرادوا منه أن يأتي لهم بكلّ ما يقترحون عليه من عجائب الأُمور، فوافته الآية بأنّه بشر مثلكم، والفرق انّه يوحى إليه دونهم، فكيف يتمكّن من القيام بما يقترحون عليه من المعاجز والآيات بلا إذن منه سبحانه؟!
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فمن قضيتُ له بشيء من حقّ أخيه، فلا يأخذنّ إنّما أقطع له به قطعة من النار» 1 وهذا يدلّ على أنّه يجوز منه الغلط في الحكم.
أقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بالقضاء بما أدّت إليه البيّنة واليمين، فما يقضي به هو نفس الحكم الشرعي في باب القضاء سواء أكان مطابقاً للواقع أم لم يكن، فإنّه كان مأموراً في فصل الخصومات بالظواهر لا بالبواطن.
وبذلك يعلم انّه لو سوّغنا الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخطئ في مجال الإفتاء، بل ينتهي إلى نفس الواقع.
وأمّا باب القضاء، فاتّفق الجميع على أنّه كان مأموراً بالظواهر دون البواطن، سواء أكانت الظواهر مطابقة للواقع أم لا ، فقد كانت المصالح تقتضي ذلك. مع العلم بحقيقة الحال.

1 . الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.

صفحه 18
 
العلم بالملاك غير الاجتهاد
قد تحدثنا آنفاً عن الاجتهاد، وعرفت أنّه عبارة عن استخراج الحكم من الكتاب والسنّة وهو قد يخطئ وقد يصيب، وليس الحكم المستخرج مصيباً للواقع على الإطلاق.
نعم هناك أمر آخر يُعدّ كرامة اختصّ الله تعالى بها نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو انّه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، وعلّمه مصالح الأحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها وقد أطلع اللّه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها مع اختلاف درجاتها ومراتبها، لا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على عللها، بأقصر من الطرق التي وقف بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على حلاله وحرامه. وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:
«وعقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل».1
فما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من التشريع، فإنّما هو تشريع بالعلم بالملاك، وبإذن خاص منه سبحانه، وقد ورد في السنّة الشريفة:
1. إنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 234.

صفحه 19
2. إنّ اللّه فرض في السنة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صوم شعبان، وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. إنّ اللّه حرم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شراب.
4. إنّ اللّه فرض الفرائض في الإرث، ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أطعمه السدس.1
وليس هذا اللون من التشريع اجتهاداً منه ولا منافياً لاختصاص التشريع باللّه سبحانه، لما عرفت من أنّ التسنين في هذه المقامات إنّما هو بتعليم منه سبحانه بملاكات الأحكام وإذنه.

أسئلة وأجوبة

الأوّل: ربما يتراءى من بعض تفسير الآيات والروايات انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)اجتهد في بعض الأحكام ثمّ وافاه النص على الخلاف.
قال سبحانه: (ما كانَ لِنَبِىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم).(2)
(لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم) .2
(فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .3

1 . أُصول الكافي: 1/209ـ 210.   2 . الأنفال: 67.
2 . الأنفال: 68.
3 . الأنفال: 69.

صفحه 20
نزلت الآيات في غزوة بدر حيث استشار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صحابته في أمر الأسرى، فقال أبوبكر: عشيرتك فأرسلهم، وقال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل اللّه معاتباً له ولصحابته بقوله: (ما كانَ لنَبىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى...) .
رواه أهل السير، وأخرج مسلم وأحمد حديثاً في ذلك.1
التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، وهو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، وظفروا بهم ينكلون بهم قتلاً ليعتبر بهم مَن وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه ورسوله، وكانوا لا يأسرون أحداً حتى يثخنوا في الأرض، ويستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية كان لهم الحقّ في أخذ الأسرى، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أُخرى مخاطباً المسلمين عندما علا أمر الإسلام وتمّت له القوة والغلبة في الحجاز واليمن: (فَإِذا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمّا فِداءً) .2
فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض وجوازه بعده، ثمّ المن، أو الفداء بعد الإثخان.
إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:
أوّلاً: انّ اللوم انصبَّ على أخذ الأسرى لا على الفداء.

1 . تاريخ التشريع الإسلامي: 99.
2 . محمد: 4.

صفحه 21
ثانياً: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً وإنّما توجّه إلى مَنْ أخذ الأسرى.
والشاهد على الأمر الأوّل قوله: (ما كانَ لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) أي الأمر الممنوع هوأخذ الأسرى فقط لا الفداء والمن، وإلاّ لكان له عطف الفداء والمن عليه، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة: (فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) ومن الواضح انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له أيّ دور في أخذ الأسرى، بل كان هو القائد والمجاهدون هم الذي يأخذون الأسرى قبل الإثخان في الأرض بالقتل والتنكيل.
والشاهد على الأمر الثاني قوله سبحانه: (لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهَ سَبق لمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم) . والمخاطب هم المقاتلون لا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك قوله: (تُريدونُ عَرَض الدُّنيا وَ اللّهُ يُريدُ الآخرَة) .
فملخّص القول: إنّ اللوم انصبَّ على المقاتلين المجاهدين الذين أسروا الأعداء، ولم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيّ دور في ذلك.
وأمّا الروايات الواردة، فهي مختلفة جداً لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.
وقد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات، فمن قائل بأنّ العتاب والتهديد متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعاً، إلى آخر بأنّه متوجه إلى

صفحه 22
النبي والمؤمنين ما عدا عمر، إلى ثالث أنّه متوجه إلى النبي والمؤمنين ما عدا عمر وسعد بن معاذ، إلى رابع أنّه متوجه إلى المؤمنين دون النبي، إلى خامس أنّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.
وعليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات والأخذ بها، والآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسير من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهداً وانّه اجتهد خطاءً في هذه الواقعة غريب جداً.
***
الثاني: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُصدر الأحكام بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد فيها، فما معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث السواك: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».
ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وانّه لم يحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلاّ ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يُعضد شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها، ولا يُختلى خلاه».
فقال العباس: يا رسول اللّه إلاّ الأذخر، فإنّه لقينهم ولبيوتهم.
فقال: «إلاّ الأذخر».1

1 . صحيح البخاري: 4/105، باب اسم الغادر للبر والفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.

صفحه 23
فاستثناء الأذخر بعد التعميم أخذاً برأي العباس كان اجتهاداً منه (صلى الله عليه وآله وسلم)والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن.1
الجواب: أمّا الحديث الأوّل فبيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم لم يصدر عن الاجتهاد وضرب الأدلّة بعضها ببعض، وإنّما وقف على الحكم الشرعي
وهو الاستحباب عن طريق الوحي ولمّا بيّن للأُمّة أهميته من الناحية الصحية، ظهر فيه ملاك الإلزام، ولكن لم يتابعه التشريع، لما في الإلزام من حرج ومشقة.
وأمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ولا يختلى خلاه».
قال ابن الأثير: ففي حديث تحريم مكة«لا يختلى خلاها» الخلى ـ مقصور ـ النبات الرطب الرقيق مادام رطباً، واختلاؤه قطعه، وأخلت الأرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش.2
وأمّا استثناء الأذخر فلم يكن اجتهاداً من النبي بل بياناً لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة، وكان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير، ولكن لمّا تكلّم العباس بالمخصِّص، صدّقه وبيّن المخصص فوراً.
ووجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد والصائغ والناس في بيوتهم بهذا النبات

1 . تاريخ التشريع الإسلامي: 3.
2 . النهاية: 2/74.

صفحه 24
الطيب الرائحة قال الجزري: وفي حديث العباس «إلاّ الأذخر فإنّه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحدّاد والصائغ.1
الثالث: لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم ـ يعني خيبر ـ أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟» قالوا: الحمر الأنسية، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أهريقوها واكسروها» فقال رجل: أو يهرقوها و يغسلوها؟ قال: «أو ذاك».2
وجه الاستدلال: أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلاً، ولمّا طُلِب منه الاكتفاء بالإهراق والغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.
الجواب أوّلاً: إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّ البخاري نقلها كالتالي:
أ. فجاء منادي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً وأهريقوها.
ب. فنادى منادي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اكفئوا القدور . 3
ولم يُعلم أنّ النبي أمر بكسرها.

1 . النهاية: 4/135; وفي بعض النصوص القين وتعني الزينة، وهو الأظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.
2 . صحيح مسلم: 5/186، باب غزوة خيبر.
3 . صحيح البخاري: 5/136، باب غزوة خيبر.

صفحه 25
وثانياً: إذا سلّمنا أنّه أمر بالكسر، فليس هناك مانع من أن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالأُولى هو كسر القدور وطرحها جانباً، والثانية إهراقها وغسلها، فبدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو الأولى، ولمّا كان شاقاً على الناس، أمضى الحكم الثاني، وهو إخلاؤها وإكفاؤها.
ولعمري ليس في تلك الأُمور أي دلالة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجتهد كاجتهاد الآخرين، والعجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلاً بيّـن فيه فتاوى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:
ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحاً لهذا الكتاب، ورقماً على جلة هذا التأليف.1
فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والأحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن أنّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالإفتاء في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) كالإفتاء في قوله سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ) .2

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأُمور الدنيوية

لا شكّ انّ هناك أُموراً دنيوية كالزراعة والطب والحرب وفنونها

1 . إعلام الموقعين: 4/266 ـ 414.
2 . النساء: 176.

صفحه 26
يكتسبها الناس عبْـر التجربة، ولم يزل المجتمع الإنساني يتقدّم ويرتقي كلّما كثرت تجاربه و خبراته المادية، و الإنسان يخطئ ويصيب في الوقوف على أسرار الكون ونواميسه، وتلك الخطوات وإن أخفقت في بعض المراحل، لكنّها تنتهي إلى كشف الحقائق ولمس الواقع، وهذه هي الأُسس التي بنيت عليها الحضارات.
إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الأُمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطئ، أو أنّه لا يخطئ في تلك الأُمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدِّد الخطى نحو الصواب؟
يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شؤون الزراعة والطب اجتهاد غيره يخطئ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
ففي الصحيحين انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً1 فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
أقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الأسماء قال سبحانه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِهؤلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين * قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ * قالَ يا آدَمُ

1 . يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء.

صفحه 27
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون) .1
قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال: ـ علّم اللّه آدم كلّ شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، واللّه قادر على كلّ شيء.
ولأجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له.2
فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الأشياء وأسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!
فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمناً على كلّ المأثورات المعزوَّة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) .3
وعلى ضوء ذلك، فكل ما نُسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجهل بأسرار

1 . البقرة: 31ـ33.
2 . تفسير المنار: 1/262ـ265.
3 . المائدة: 48.

صفحه 28
الطبيعة ورموزها، فهو موضوع على لسانه فضلاً عن جهله بأبسط الأُمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب.ولنتناول بعض الأحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها:
1. روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه عزّ وجلّ».1
وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».2
والعجب أنّ مسلماً النيسابوري مؤلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه بـ«وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء يسير، ونترك التفصيل إلى القارئ.

1 . صحيح مسلم: 15/125، الباب 38، كتاب الفضائل.
2 . صحيح مسلم: 15 / 126، الباب 38، كتاب الفضائل.

صفحه 29
أوّلاً: لنفترض أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولم يُصنع على عين اللّه تعالى، فعلّمه من لَدُنه علماً وآتاه الكتاب و الحكمة، أفلم يكن عربياً صميماً قد ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وتوالى سفره إلى الشام؟ أفيجهل إنسان عاش تلك الظروف مثل هذا الأمر ولم يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح؟ وهل أنّ هذا الموضوع كان من الخفاء بحيث يسأل ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه»؟
ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن الله أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحويلاً
) 1 ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، والأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!
2. روى ابن هشام أنّ الحُباب بن المنذر بن الجموح قال لرسول

1 . فاطر: 43.

صفحه 30
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: «بل هو الرأي والحرب وا لمكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ماوراءه من القُلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقُلب فغوِّرت، وبنى حوضاً على القُلـب الذي نزل عليه فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية.1
أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن المنذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، ولكنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل عند رغبة الحباب إجلالاً له واستمالة لقلوب الأصحاب وتسكيناً لنفوسهم، ودعماً لمبدأ الشورى الذي يهدف الإسلام إلى تعزيزه بين المسلمين في مجالات حياتهم، في دعوة منه إلى مشاركة أكثر في صنع القرارات، ودرءاً لمحاولات الاستبداد بالرأي والتحكّم بالقرار قال سبحانه: (فَبِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ

1 . السيرة النبوية: 2/620.

صفحه 31
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِين).1 هذا إذا صحّت الرواية وإلاّ فلتُطرح.
فلم تكن مشاورة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في واحد من تلك المواقف نابعةً عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الأُمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، ومن هنا استشارهم (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر قائلاً: «أشيروا عليَّ أَيُّها الناس» ومبتغياً بذلك معرفة رأي الأنصار ومدى استعدادهم للحرب، ذلك أنّهم كانوا يؤلِّفون الأكثرية وانّهم حينما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال، ولما كان المسير إلى وادي بدر مسيراً للقتال، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا اطمأنّ إلى استعدادهم لأكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا وأبشروا».
روى ابن هشام: انّ سعد بن معاذ، قام وقال: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد ونشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا وأبشروا».2
وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحروب

1 . آل عمران: 159.
2 . السيرة النبوية: 2/615.

صفحه 32
وغيرها، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل نعوذ باللّه.
3. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه وليكفّنه فيه، فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول اللّه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «إنّ ربي خيّرني فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)1 وسأزيد على السبعين» فقال: إنّه منافق، فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) 2 فترك الصلاة عليهم.3
وفي هذا المعنى روايات أُخرى رواها أصحاب الجوامع، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها: انّه كفّنه بقميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.
وفي رواية أُخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه ونفاقه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ

1 . التوبة: 80.
2 . التوبة: 84.
3 . الدر المنثور: 4/258.

صفحه 33
لَهُمْ) قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) الآية.1
قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل اللّه: (سواء عَلَيْهِمْ استَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفر لَهُمْ) .
هذا وقد قسَّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع وعدَّ منه رأي الصحابة، وعرّفه بأنّه رأي أفقه الأُمّة وأبر الأُمّة قلوباً وأعمقهم علماً.ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي، انّه قال: البدعة ما خالفت كتاباً أو سنّة أو أثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه، وجعل ما خالف قول الصحابي بدعة، ثمّ قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أُبيّ قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول اللّه إنّه منافق، فصلّى عليه رسول اللّه، فأنزل اللّه عليه: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ).2
أقول: إنّ العاطفة قد حملت الراوي على اختلاق هذا الحديث ووضعه، وعلائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه:
1. انّ قوله سبحانه: (استغفر لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ...) ظاهر في أنّ المراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد، وعدد السبعين كناية عن المبالغة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلُّ من أن يجهل بمفهوم الآية ويحملها على التحديد. ويقول فإنّي سأزيد على السبعين.

1 . المصدر السابق: 4/258.
2 . إعلام الموقعين: 1/81.

صفحه 34
2. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم وكفرهم.
يقول سبحانه: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَومَ الْفاسِقين) .1
وقال سبحانه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) .(2)
ومثله قوله سبحانه: (ما كانَ لِلنَّبِيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصحابُ الجَحيم) .2
فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو، لكفر المستغفر له وفسقه، وعند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ) في صلاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنافق «عبد اللّه بن أُبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع.
ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام.(4)

1 . المنافقون: 6.   2 . التوبة: 80.
2 . التوبة: 113.   4 . تفسير المنار: 10/669.

صفحه 35
وهذه المحاولة من الوهن بمكان، إذ كيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ... إِذاً لأذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) .1
والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا:
1. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزل القرآن بموافقته.2
2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته.3
وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته ، ولعل من أبرز الدوافع إلى وضع تلك الروايات هو العاطفة الجامحة تجاه الخليفة والغلوّ في حقّه.

1 . الإسراء: 73ـ75.
2 . الدر المنثور: 6/639.
3 . الدر المنثور: 1/290.

صفحه 36
 
2

وجود الاجتهاد عند الصحابة

أوجز المصنّف الكلام في وجود الاجتهاد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّ كان ما ذكره وافياً بالمقام، وبما أنّ باب الاجتهاد قد أُغلق عبر القرون الماضية واختص الاجتهاد بمذهب أحد الأئمة الأربعة، فنفيض الكلام فيه حتّى يتبيّن أنّ غلق باب الاجتهاد كان خسارة عظيمة للفقه وأهله، ولابد أن يفتح على مصراعيه، فنقول:
إنّ الاجتهاد كان مفتوحاً في زمن النبوة وبين أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم)فضلاً عن غيرهم، وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته إنّ الاجتهاد يومئذ، كان خفيف المؤونة جداً، لقرب العهد، وتوفّر القرائن، وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثم كلّما بعد العهد من زمن الرسالة وكثرت الآراء والأحاديث والروايات، ربّما قد دخل فيها الدس والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي، يصعب ويحتاج إلى مزيد من المؤونة واستفراغ الوسع.1

1 . أصل الشيعة وأُصولها: 119 طبعة بيروت.

صفحه 37
ويرشدك إلى وجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الرسول لأمير المؤمنين (عليه السلام) عندما بعثه إلى اليمن: قال علي (عليه السلام) : بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قلت: يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري وقال: «اللّهمّ أهد قلبه وثبّت لسانه» فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين.1
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن: بمَ تقضي؟ قال: بما في كتاب اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: بما في سنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو جهداً، فسرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله. 2
«وبطبيعة الحال، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في واقعة، حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين وغفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً، ولهذه الأسباب وأضعاف أمثالها، احتاج حتى نفس الصحابة الذين

1. أعلام الورى : 137; والبحار : 21 / 361. وشتان بين علمه واجتهاده (عليه السلام)وعلم الآخرين واجتهادهم.
2 . الطبقات الكبرى: 2 / 347 ; الاستيعاب، لابن عبد البر ، في ترجمة «معاذ» واللفظ للثاني.
أقول: لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء، هو فصل الخصومة في الأموال والنفوس، بما يعدها العقلاء عدلاً وإنصافاً وهذا المراد من قوله: اجتهد رأيي. وعندئذ لا يكون الحديث دليلاً على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس والاستحسان وأشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط.

صفحه 38
فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، والنظر في الحديث وضم بعضه إلى بعض والالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، والحديث نقل، والقرينة لم تنقل».
«وكل واحد من الصحابة، ممن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو ومحدّث وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات، بحسب نظره فهو في هذا الحال، مفت وصاحب رأي» 1.
ولم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، وقد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين والفقهاء، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس، وأغنوا بذلك الأُمّة الإسلامية في كل مصر وعصر، عن التطلع إلى موائد الغربيين، وألّفوا مختصرات ومطوّلات، لا يحصيها إلاّ اللّه سبحانه.
وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأُمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم، الذين حثوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم، على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه، وأنّه «من لم يتفقّه ، فهو أعرابي» وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، بالتدبر في الآيات والأُصول المتلقاة عنهم، وأمروا أصحابهم بالتفريع 2، وقد بلغت عنايتهم بذلك ما جعلهم

1 . أصل الشيعة وأُصولها: 118.
2 . ستوافيك روائع نصوصهم في هذا المضمار.

صفحه 39
ينصبون بعض من يعبأ بقوله ورأيه في منصب الإفتاء، إلى غير ذلك.
والاجتهاد كما عرّفناك هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية فلا يحتج به إلاّ إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب والسنّة، وما يرجع إليها فهو مقيد من هذه الجهة وإن كان متحرراً من سوى ذلك، فلا يتقيد بمذهب ولا برأي، بل هو فوق المذاهب.
غير أنّ أئمّة أهل السنّة، قد أقفلوا باب الاجتهاد، إلاّ الاجتهاد في مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة والشافعي، وبما أنّ الفتاوى المنقولة عنهم، مختلفة أخذ علماء كل مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كل إمام في هذا الباب.
ولا أدري لماذا أُقفل هذا الباب المفتوح منذ زمن الرسول، وإن تفلسف في بيان وجهه، بعض الكتّاب من متأخّريهم، وقال: ولم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية ذلك أنّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام ورأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة مما وضعوه واستنبطوه.1
ولا يكاد يخفى على القارئ الكريم ما في اعتذاره من الإشكال.
ولقد صدع بالحق الدكتور «حامد حفني داود» أُستاذ الأدب العربي

1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث، من السنة الثالثة عن مقال لأحمد أمين المصري.

صفحه 40
بكلية الألسن في القاهرة في ما قدمه على كتاب عقائد الإمامية 1 وقال:
إنّ الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنّة أنّ الاجتهاد أُقفل بابه بأئمّة الفقه الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل.
هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق أمّا ما حاوله الفقهاء بعد هؤلاء من اجتهاد لا يعدو أن يكون اجتهاداً في المذهب أو اجتهاداً جزئياً في الفروع، وأنّ هذا ونحوه لا يكاد يتجاوز عند أهل السنّة القرن الرابع بحال من الأحوال، أمّا ما جاء عن الغزالي في القرن الخامس، وأبي طاهر السلفي في القرن السادس، وعز الدين بن عبدالسلام وابن دقيق العيد في القرن السابع، وتقي الدين السبكي وابن تيمية في القرن الثامن، والعلاّمة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في القرن التاسع... فإنّ هذا ونحوه لا يتجاوز ـ في نظر المنهج العلمي الحديث ـ باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد، وهو القدر الذي أوضحناه في كتابنا «تاريخ التشريع الإسلامي في مصر».
أمّا علماء الشيعة الإمامية فإنّهم يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في جميع صوره التي حدّثناك عنها، ويصرّون عليه كل الإصرار ولا يقفلون بابه دون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا.
وأكثر من ذلك تراهم يفترضون بل يشترطون وجود «المجتهد المعاصر» بين ظهرانيهم، ويوجبون على الشيعة اتباعه رأساً دون من مات من

1 . للعلاّمة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر راجع ص 17ـ 18 من المقدمة.

صفحه 41
المجتهدين مادام هذا المجتهد المعاصر استمد مقوّمات اجتهاده ـ أُصولها وفروعها ـ من المجتهدين، وورثها عن الأئمّة كابراً عن كابر.
وليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهوي فؤادي في قولهم بالاجتهاد.
وإنّما الجميل والجديد في هذه المسألة أنّ الاجتهاد على هذا النحو الذي تقرأه عنهم يساير سنن الحياة وتطوّرها، ويجعل النصوص الشرعية حية متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا تجمد ذلك الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم. ولعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفات الإمامية وتضخّم مطّرد في مكتبة التشيّع راجع ـ في نظرنا ـ إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه».
هذا هو الاجتهاد، وهذا دوره في خلود الدين وصلوحه للظروف والبيئات ولم يكن إغلاقه إلاّ جهلاً بأهميته أو ابتغاء للفتنة، أو تزلفاً إلى أبناء الدنيا، أو جبناً عن النطق بالصواب، وعلى أي تقدير فقد تنبّه بعض الجدد 1من أهل النظر بلزوم فتحه وإنمائه، وأنّ الاجتهاد أحد مصادر الشريعة التي تسع كل تطور تشريعي، قال في مقال له حول الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بمصر وإثبات ما عليه القواعد الشرعية من سموّ وشمول ودقة وإحكام مع اتّسامها دائماً بالجدة، وملائمة أحكامها لكل حضارة ولكل بيئة

1 . الاُستاذ علي علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الإداري.

صفحه 42
ولكل زمان: «النصوص الشرعية للأحكام التي وردت في الكتاب والسنّة قليلة إذا ما قيست بمواد القانون في أي شريعة وضعية، إذ الآيات القرآنية التي تضمّنت اُصول الأحكام على ما أحصاها ابن قيم الجوزية لا تعدو مائة وعشرين آية من نيف وستة آلاف آية، أمّا الأحاديث فخمسمائة من أربعة آلاف حديث، ولقد أراد اللّه بذلك أن يهيّئ للناس فرصة الاجتهاد في الفروع دون الأُصول، فجعل النصوص الأصلية لقواعد الشريعة عامة، دون التعمّق في التفاصيل ليتسع لها عقل من نزل فيهم القرآن وليترك للقوى الإنسانية التي أودعها مخلوقاته، فرصة العمل والتفكير والتدبير واستنباط الأحكام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنّة، لما يجد ويعرض لهم في حياتهم من مشاكل وأقضية تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهذا هو الاجتهاد وهو أحد مصادر الشريعة المحمدية.
ومشروعية هذا المصدر ثابتة من حديث معاذ بن جبل إذ أنّه لمّا بعثه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن قال له: «بمَ تقض يا معاذ؟ قال: بكتاب اللّه، قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): فإن لم تجد؟ قال: فبسنّة رسول اللّه، قال: وإن لم تجد؟ قال: اجتهد برأيي، فأقره على ذلك». 1 وما كان يمكن أن ينزل الكتاب والسنّة على غير هذا الإجمال والتعميم، لأنّ هذه الشريعة إنّما نزلت لكل زمان وكل مكان : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً) .
ولو أنّ صاحب الشريعة عني بالتفاصيل والجزئيات لوجب أن يقدر ما

1 . قد مر المراد من الحديث فلاحظ.

صفحه 43
سيكون عليه العالم من نظم مختلفة واختراعات مستحدثة في جميع الأمكنة والأزمنة فيضع لها ولما تفرّع عنها، من التفاصيل، ولو أنّه فعل ذلك لما اتسع وقت الرسالة لهذا كلّه، بل لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقدها، ولأنّها تضمّنت أحكاماً عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسهم، ويصعب عليهم تصورها، لأنّها لم تعرف في زمانهم، ولنضرب لذلك مثلاً فقد نزلت في القرآن آية تضمّنت الحكم العام لآداب التلاوة وجرت على نسق مختصر: (وَ إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)1وحدث بعد نزولها بنيف وألف وثلاثمائة عام أن اخترع المذياع (الراديو) والتلفزيون ، ولما بدأ بإذاعة آيات الذكر الحكيم به، بدأ التسائل عن حكم الشرع والدين في ذلك أحلال هو أم حرام؟ وهل تصح إذاعته في منتدى ترتكب فيه الآثام والموبقات وتدار كؤوس الخمر؟
لا بدع في أنّ حكم هذه الجزئية لم يرد بنص صريح في الكتاب، وانّ ذلك ترك للاجتهاد على هدى الحكم العام الوارد بالآية الشريفة، لا بدع في ذلك، إذ لو أُريد للشريعة أن تتضمّن الأحكام المفصلة لجميع الفروع والجزئيات لوجب أوّلاً إفهام الذين نزل عليهم الدين وقت الرسالة ما هو الراديو وما هو التلفزيون، ولو حاول الرسول ذلك وقال لهم: إنّ مخترعات البشر بإذن اللّه ستجيء للعالم بعد ألف وثلاثمائة عام بآلة يستطيع بها الإنسان أن يسمع ويرى صورة المحدث وهو على بعد آلاف الفراسخ والأميال، لما صدّقوه لعدم إمكانهم تصوره ولجادلوه فأكثروا جداله في كنه

1 . الأعراف: 204 .

صفحه 44
تلك الآلة، ولما لزمتهم حجته في أنّ الذي يقوله ليس من عنده وإنّما هو من عند اللّه لأنّ الحجة لا تلزمها صفة الإقناع إلاّ متى دخلت مناط العقل، أمّا إذا كانت فوق إدراك المرسل إليهم فهي داحضة...
والاجتهاد هو الباب الذي دخلت منه إلى حضيرة الشريعة الإسلامية كل الحضارات بما فيها من مشاكل قانونية ومالية واجتماعية فوسعها جميعاً وبسط عليها من محكم آياته وسديد قواعده ما أصاب المحجة، فكان للشريعة الإسلامية في ذلك تراث ضخم تسامى على كل الشرائع وأحاط بكل صغيرة وكبيرة من أُمور الدين والدنيا...
أفبعد ذلك يصح في الأفهام أن تتهم الشريعة الإسلامية بالقصور، أو بأنّها نزلت لعرب الجزيرة لتعالج أُمورهم في حقبة من الزمان انقضى عهدها، أو أنّها تضيق عن أن تجد الحلول لمشاكل الحضارات الحديثة، إرجعوا إليها وإلى تراثها الضخم تجدوا أنّها عالجت الجليل والخطير والصغير والكبير من أُمور الدين والدنيا فيها ذكر ما مضى، وفيها ذكر الحاضر، وفيها ذكر المستقبل وسيظل العلم الحديث يكشف عمّـا فيها من كنوز، وستترى المشاكل على العالم جيل بعد جيل، ويضطرب العالم في محاولة الحلول لها دون جدوى إلاّ إذا رجع إلى أحكام هذا الدين وهذه الشريعة المحكمة السمحة، حيث الدواء الشافي والعلاج الحاسم لكل ما يجيب العالم في حاضره وفي مستقبله. 1

1 . مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب العدد الأوّل من السنة الخامسة: 51.

صفحه 45
وممّـا يؤيد لزوم انفتاح باب الاجتهاد إلى يوم القيامة هو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما هذا ملخّصه:
انّه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متمكناً من دوام الحضور عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن كل مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب ويفوت عن الآخرين فلمّا تفرق الأصحاب بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في البلدان تفرقت الأحكام المروية عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها، فيروى في كل بلدة منها جملة، ويروى عنه في غير تلك البلدة جملة أُخرى حيث إنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام.
ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والإدراكات وسائر القوى والملكات تختلف طبعاً الآراء والاجتهادات، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسبب اختلاف فتواهم ثم تزايد ذلك الاختلاف بعد عصر الصحابة.
ثم قال: ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة فكانوا لا يتعدون عنها غالباً، ولما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الأمر إلى فقهاء الأمصار أبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان التيمي (الظاهر عثمان بن مسلم البطي) وسوار

صفحه 46
بالبصرة، والأوزاعي بالشام والليث بن سعد بمصر فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون من التابعين وتابعيهم أو يجتهدون.
وذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه:
انّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 هـ إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.
وفي آوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمن، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 هو عبد الرحمن بن القاسم.
قال: ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 هـ وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358 هـ فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).
ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

صفحه 47
فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم. 1
وهذه الكلمة الأخيرة «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّ ربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ثم فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ماورائها حراماً معيّناً مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها، بالقهر والغلبة من الدولة

1 . راجع الخطط المقريزية: 2 / 333و334و 344.

صفحه 48
والحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة، ص 216 في وقائع سنة 645 هـ يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو، سنة 656 هـ فلاحظ ذلك الكتاب 1.
وفي الختام نلفت نظر القارئ الكريم لمعرفة قضية الاجتهاد وتطوره وعلل إيصاد بابه لدى بعض المسلمين إلى المصادر التالية:
1ـ المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار: تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي، المولود في بعلبك عام 766 هـ والمتوفّـى بالقاهرة عام 845 هـ .
2ـ تاريخ اليعقوبي المعروف بابن واضح الأخباري من أعلام القرن الثالث الهجري.
3ـ الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة 723 هـ .
4ـ الإنصاف في بيان سبب الاختلاف.
5ـ عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي، المولود سنة 1114 هـ والمتوفّى 1180 هـ .
6ـ الاقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.

1 . راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلامة الطهراني : 104.

صفحه 49
7ـ الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفّـى سنة 1307 هـ ، وطبعا بالاستانة عام 1295 هـ .
8ـ حصول المأمول من علم الأُصول: له أيضاً طبع في الجوائب سنة 1296 هـ .
9ـ مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد المولود في القاهرة سنة 1288 وهي تحت عنوان: «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة»، طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344 هـ .
10ـ ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب» وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.
11ـ أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 هـ).
12ـ تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلاّمة آقا بزرگ الطهراني المتوفّـى يوم الجمعة 13 ذي الحجة عام 1389 هـ .
إلى غير ذلك من المؤلفات، وقد أشار إلى غير ما ذكرنا صديق حسن خان في كتابه «حصول المأمول في علم الأُصول» ص 198.

صفحه 50
 
شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا
ربّما يختلج في أذهان بعض القصّر من النّاس عدم مشروعية الاجتهاد الدّارج في أعصارنا هذه، مستدلاً بأنّ الفقه فيها أخذ لنفسه صورة فنيّة، وجاء على طراز سائر العلوم العقليّة الفكرية بعد ما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنيّة على سماع الأحكام من النبيّ والأئمة (عليهم السلام) وبثها بين الناس من دون اجتهاد من الراوي في تشخيص حكم اللّه تعالى بترجيح دليل على آخر أو تقييده أو تخصيص واحد بالآخر، إلى غير ذلك من الأُصول الدّارجة في زماننا.
الجواب:
إنّ ذلك أشبه شيء بالشّبهة ويمكن الإجابة عنها بوجهين:
الأوّل: إنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع وإعمال النظر في الروايات والتدقيق في دلالتها وترجيح بعضها على بعض، كان موجوداً في أعصارهم، دارجاً بين أصحابهم (عليهم السلام)، فإنّ الاجتهاد وإن توسّع نطاقه في أعصارنا وبلغ مبلغاً عظيماً، إلاّ أنّ أصله بالمعنى الجامع بين عامّة مراتبه كان دارجاً في تلك العصور، وإنّ الأئمة (عليه السلام)أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم، وكانت السيرة آنذاك هي الرّجوع إليهم من دون تزلزل وتردّد، والدالُّ على وجود الاجتهاد بهذا المعنى آنذاك عدّة من الروايات وهي كالتالي:
الأُولى: ما رواه ابن إدريس (رضي الله عنه) في «مستطرفات السرائر» نقلاً عن

صفحه 51
هشام بن سالم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأُصول وعليكم أن تفرّعوا». 1
الثانية: ما روي عن كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرّضا (عليه السلام)قال: «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع» 2.
أقول: إنّ التفريع الّذي هو استخراج الفروع عن الأُصول الكليّة الملقاة وتطبيقها على مواردها وصغرياتها، إنّما هو شأن المجتهد وما هو إلا الاجتهاد، نعم التفريع والاجتهاد يتفاوت صعوبة لتفاوت نطاقه حسب مرور الزمن، فإذا قال الإمام (عليه السلام): «لاتنقض اليقين بالشك» أو روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار» كان على المخاطبين وعلى علماء الأعصار المستقبلة استفراغ الوسع في تشخيص صغرياتها، ومايصلح أن يكون مصداقاً له وما لا يصلح، وهذا ما نسمّيه بالاجتهاد.
الثالثة: مارواه الصّدوق (رضي الله عنه) في « معاني الأخبار » عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب».3
أقول: إنّ عرفان معاني الكلام ليس إلاّ تشخيص ما هو الأظهر بين

1 . الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51.
2 . الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52 .
3 . الوسائل: 84 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27 .

صفحه 52
المحتملات بالفحص عن القرائن الحافّة بالكلام، وبعرض أخبارهم (عليهم السلام)على الكتاب والسنّة إلى غير ذلك ممّا يوضّح به المراد ويعيّن المفاد، وليس هذا إلاّ الاجتهاد.
الرابعة: ما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في عيونه بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم ـ ثم قال (عليه السلام): ـ إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولاتتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا».1
أقول: إنّ ردّ المتشابه إلى محكمه، بجعل أحدهما قرينة على الآخر، وتحقّقه موقوف على الاجتهاد.
الخامسة: الروايات الواردة في تعليم أصحابهم (عليهم السلام)كيفيّة استفادة أحكام الفروع من الذكر الحكيم، رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام)قوله: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال (عليه السلام): «يازرارة، قاله رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل به الكتاب من اللّه عزّ وجلّ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال: (فاغسلوا وجوهكم)فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: (وأيديكم إلى المرافق)، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برءُوسكم) فعرفنا حين قال: (برءُوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين

1 . الوسائل: 18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22 .

صفحه 53
بالوجه فقال: (وأرجلكم إلى الكعبين)فعرفنا حين وصلهما بالرّأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للنّاس فضيّعوه». 1
السادسة: ما في رواية عبدالأعلى مولى آل سام بعد ما سأل الإمام (عليه السلام)عن حكم المسح على المرارة، قال (عليه السلام): «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّوجلّ قال اللّه تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)2، امسح عليه» 3.
أقول: لقد أوضح للسائل كيفيّة الاستنباط، وردّ الفروع إلى أُصولها، ونظير ما تقدّم بل أقوى منه ما في مرسلة يونس 4 الطويلة الواردة في
أحكام الحائض والمستحاضة فإنّ فيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد، وغير ذلك من الروايات المرشدة إلى دلالة الكتاب وكيفيّة الاستدلال،

1 . الوسائل: 1، الباب23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.
2 . الحج: 78 .
3 . الوسائل: 1 ، الباب39 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
4 . الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب الحائض، الحديث 4.
وهناك حديث أيضاً في أبواب الحيض، الباب 41 الحديث5 ـ ص589 يمكن أن يفي بالمطلوب، وهو عن إسماعيل الجعفيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الراوي: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):إنّ المغيرة بن سعيد، روى عنك أنّك قلت له: إنّ الحائض تقضي الصّلاة؟ فقال (عليه السلام): «مالهُ، لاوفّقه اللّه، إنّ امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرّراً، والمحرّر للمسجد يدخله ثمّ لايخرج منه أبداً، فلمّا وضعتها قالت: ربّ إنّي وضعتها أُنثى وليس الذكر كالأُنثى، فلمّا وضعتها أدخلتها المسجد، فساهمت عليها الأنبياء، فأصابت القرعة زكريّا (عليه السلام) فكفلها، فلم تخرج من المسجد حتّى بلغت، فلمّا بلغت ماتبلغ النساء خرجت، فهل كانت تقدر على أن تقضي تلك الأيّام التي خرجت وهي عليها أن تكون الدهر في المسجد».

صفحه 54
وهي منبثّة في طيّات أبواب الفقه فراجع.
السابعة: قول الباقر (عليه السلام) لزرارة ومحمّد بن مسلم حيث سألاه (عليه السلام)وقالا له: ماتقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ وكم هي؟ فقال (عليه السلام) : «إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة)1 فصار التقصير في السّفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا له: قال اللّه عزّ وجلّ: (فليس عليكم جناح) ولم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك؟ فقال (عليه السلام): «أوليس قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصّفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما)(2)، ألا ترون أنّ
الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه، وصنعه نبيّه، وكذلك التقصير، شيء صنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره اللّه في كتابه» 2.
الثامنة: مقبولة عمر بن حنظلة ، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، وما يحكم له فإنمّا يأخذ سحتا، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى:(يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أن يَكْفُرُوا بِه)».
قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد

1 . النساء: 101 .   2 . البقرة: 158 .
2 . الوسائل: 5 ، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

صفحه 55
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنمّا استخفّ بحكم اللّه وعلينا ردّ، والرّاد علينا رادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه».
قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاًمن أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال (عليه السلام): « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولايلتفت إلى مايحكم به الآخر».
(إلى أن قال): قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟
قال (عليه السلام): «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد».1 وفي المقبولة إرشاد إلى كيفيّة استنباط الحكم من الكتاب والسنّة، وعلاج الخبرين المتعارضين بعرضهما عليهما، وهذا واضح لمن تأمّلها، وهي صريحة بوجود الاجتهاد ـ بالمعنى الدارج في زماننا ـ في عصر الصادق (عليه السلام).
التاسعة: روى العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام فأتيا محمّد بن علي (عليه السلام)فقال لهما: «بِمَ تقضيان»؟ فقالا: بكتاب اللّه والسنّة، قال (عليه السلام) : «فما لم تجداه في

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

صفحه 56
الكتاب والسنّة»؟ قالا: نجتهد رأينا، قال (عليه السلام): «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت وسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيّان»؟ قالا: القافّة، قال (عليه السلام): «القافة 1 ـ يتجهّم منه لهما ـ »قالا: فأخبرنا؟ قال: «لا » !!
قال ابن داود مولى له: جعلت فداك بلغني أنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام)قال: «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه وألقوا سهامهم إلاّ خرج السّهم الأصوب»، فسكت 2.
العاشرة: روى الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل طلّق امرأته طلاقاً لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فتزوّجها رجل متعة أتحلّ للأوّل؟ قال (عليه السلام): «لا ، لأنّ اللّه تعالى يقول: (فَإِنْ طَلّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَها ...)والمتعة ليس فيها طلاق» 3.
الحادية عشرة: روى الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «يا أبا محمّد، ماتقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة»؟ قال: قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال (عليه السلام): «لتقولنَّ فإنّ ذلك يعلم به قولي». قلت: لايجوز تزويج نصرانيّة على مسلمة ولا غير مسلمة.

1 . القافة جمع قائف وهو الّذي يعرف الآثار. وفي جامع أحاديث الشيعة: 24/514 التعليقة: تجهّم لهما أي: استقبلهما بوجه عبوس كريه، كناية عن عدم علم القافة وعدم تشخيصها، ـ القافة تلحقهما بهما ـ في نسخة الوافي.
2 . التهذيب: 9 /363 ح18، باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.
3 . الوسائل: 15، كتاب الطلاق، الباب9 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 4.

صفحه 57
قال (عليه السلام) : «ولِمَ» ؟ قلت: لقول اللّه عزّ وجلّ: (وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِن...) 1.
قال (عليه السلام) : «فما تقول في هذه الآية:
(وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُم...)؟» (2) .
قلت: فقوله: (لاتنحكوا المشركات) نسخت هذه الآية؟ فتبسّم (عليه السلام)ثمّ سكت 2.
الثانية عشرة: عن جعفر بن سماعة أنّه سأل عن امرأة طلّقت على غير السنّة: ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: ألست تعلم أنّ عليَّ بن حنظلة روى: إيّاكم والمطلَّقات ثلاثاًعلى غير السنّة، فإنّهنَّ ذوات الأزواج ؟ فقال: يابنيّ رواية عليّ بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (عليه السلام)أنّه قال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنَّ فلابأس بذلك» 3.
فقدّم الخبر الثاني على الأوّل بإحدى ملاكات التقديم. هذا إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الظاهرة في وجود الاجتهاد بين أصحاب الأئمّة (عليهم السلام).

1 . البقرة: 221.   2 . المائدة: 5 .
2 . الوسائل: 14 ، كتاب النّكاح، الباب1من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3.
3 . الوسائل: 15، الباب30 من أبواب مقدّمات الطّلاق وشرائطه، الحديث 6 .

صفحه 58
 
3

في تجزؤ الاجتهاد

يقع الكلام في التجزؤ في الاجتهاد في مقامين ـ وان لم يفصله المصنّف في مورده ـ فنقول:
تارة نبحث في إمكان التجزؤ وأُخرى في أحكامه.

القول في إمكان التجزّؤ

اختلفت كلمتهم في إمكان التجزؤ فالغزالي والآمدي وغيرهما يرون جواز تجزئة الاجتهاد، ونقل عن أبي حنيفة أنّ الاجتهاد غير متجزّي حيث قال: إنّ الفقيه هو الّذي له ملكة الاستنباط في الكلّ 1 والمعروف بين الأصحاب هو إمكانه. هذا:
واستدلّ القائل بالامتناع على أنّ الملكة أمر بسيط وحدانيّ، والبسيط لا يتجزّأ، فإن وجدت ملكة الاستنباط فهو الاجتهاد المطلق وإلاّ فلا اجتهاد.

1 . حاشية الأزميريّ على مرقاة الوصول المسمّـاة بمرآة الأُصول لملاّ خسرو من الحنفيّة ـ(نقلاً عن كتاب الاجتهاد في الإسلام ـ د ـ نادية شريف العمريّ).

صفحه 59
وكذا الأمر لو فسّر الاجتهاد بنفس الاستنباط لا ملكته فإنّه أيضاً أمر بين الوجود والعدم لابين الكلّ والبعض.
يلاحظ عليه بأحد أمرين:
الأوّل: أنّه ملكة بسيطة ذات مراتب متعدّدة، فهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل السهلة أو مسائل كتاب واحد كالإرث أو الدماء الثلاثة وهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل الصعبة المعضلة. فكونها بسيطة لا ينافي أنّها ذات مراتب تختلف شدَّةً وضعفاً.
الثاني: أنّ الاجتهاد ليس ملكة واحدة، بل هناك ملكات مختلفة ومتعدّدة، فإنّ ملكة الاستنباط في باب المعاملات غيرها في باب العبادات، والاستنباط في قسم من مسائلها يبتني على معرفة القواعد الفقهيّة والارتكازات العرفيّة في تلك المجالات من دون حاجة إلى معرفة فنّ الحديث ورجاله وأسناده وكيفيّة الجمع بين متعارضيه، وهذا بخلاف أبواب العبادات فإنّ الاستنباط فيها لا ينفكّ عن هذه الأُمور وغيرها، وعليه تكون ملكة الاستنباط فيها ملكتين لاملكة واحدة، ولا مانع من حصول إحداهما دون الأُخرى. 1

1 . كما قيل: إنّ مدّعي إمكان التجزّي لايريد بذلك أنّ ملكة الاجتهاد قابلة للتّجزّي وأنّ للمتجزّي نصف الملكة أو ثلثها، بل مراده أنّ متعلّق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلّقها في المجتهد المطلق لأنّها فيه أوسع. وقيل: التجزّي تبعيض في أفراد الكلّي، لا التبعيض في أجزاء الكلّ(التفريق لأجزاء المركّب) فالفرق بين المطلق والمتجزّي إنمّا هو بزيادة أفراد ملكة الاستنباط ونقيصتها لابشدّة الملكة وضعفها.

صفحه 60
قال الغزالي: وليس الاجتهاد عندي منصبّاً لايتجزّأ... فمن عرف طريق النظر القياسيّ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث...ثم ضرب أمثلة أُخرى، مثلاً أن يكون عارفاً بأُصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصّل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا وليّ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولاتعلّق لتلك الأحاديث بها...ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذّميّ وطريق التصرّف فيه فما يضرّه قصوره عن علم النحو الّذي يعرف قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَين) ... وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كلّ مسألة فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري، وكم توقّف الشافعي بل الصحابة في المسائل.1
وقال الآمدي: وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفاً بما يتعلّق بتلك المسألة، وما لابدّ منه فيها، ولايضرّه في ذلك جهله بما لاتعلّق له بها ممّا يتعلّق بباقي المسائل الفقهيّة. 2
واستدلّ القائل بالإمكان بوجهين:
الأوّل: إنّ أبواب الفقه مختلفة مدركاً، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة، عقلية أو نقلية مع اختلاف الأشخاص، وربّ شخص له مهارة في النقليات دون العقليات وكذلك العكس، وهذا يوجب حصول القدرة القويّة في بعضها دون بعض.

1 . المستصفى: 2 /353 و354.
2 . الإحكام في أُصول الأحكام: 4 /171.

صفحه 61
الثاني: استحالة حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّؤ للزوم الطّفرة. 1
وأورد عليه: بأنّ الأفراد (الاستنباطات) كلّها في عرض واحد، ولايكون بعضها مقدّمة لبعض آخر حتى يتوقّف الوصول إلى المرتبة العالية على طيّ المراتب النّازلة، فلا مانع عقلاً من حصوله دفعة ـ وبلا تدريج ـ ولو بنحو من الإعجاز من نبيّ أو إمام، إلاّ أن يكون مراده من الاستحالة، العاديّة لا العقلية فإنّه لايمكن عادة حصول الاجتهاد المطلق دفعة بل هو متوقّف على التدرّج شيئاً فشيئاً. 2

في أحكام المتجزّئ

قد وقفت على إمكان التّجزّي في الاجتهاد، فيقع الكلام في أحكامه وهي عبارة عن:
الأوّل: جواز عمله بما استنبط.
الثاني: جوازُ رجوع الغير إليه.
الثالث: نفوذ قضائه.
أمّا الأوّل: فلا شك في أنّه يجوز له العمل بما استنبط وإلاّ فلابدّ من

1 . كفاية الأُصول: 2 /467.
2 . مصباح الأُصول: 3 /442 وقال(رضي الله عنه) بعد ذلك: «فإن كان مراده هذا فهو صحيح، لكنّه خلاف ظاهر كلامه من الاستدلال بلزوم الطفرة، فإنّ ظاهره الاستحالة العقلية».

صفحه 62
الاحتياط أو الرجوع الى الغير، والأوّل غير واجب باتفاق الكلّ أو حرام لاستلزامه العسر والحرج، وجواز الثاني موقوف على تحقّق موضوعه وهو كونه غير عالم أو جاهل سواء كان مستند التّقليد ماورد في الآيات والروايات من الرجوع إلى أهل الذكر والعلم، أم السيرة العقلائية، فإنّ الموضوع على كلّ تقدير هو غير العارف والجاهل، فلا يعمّ العالم.
وأمّا الثاني: فإن كان هناك من هو أفقه منه ـ أو على تعبير القوم ـ أعلم منه، فإن قلنا بوجوب الرجوع إليه فلا يجوز الرجوع إلى المتجزّي في المقام، بلغ ما بلغ من العلم، وإلاّ فلا مانع من الرجوع إليه، ويكون المتجزّي والمطلق في جواز الرّجوع سيّان.
نعم، ربمّا يكونُ رأي المتجزّي أقرب إلى الواقع من المطلق، كما إذا بذل جهده في باب أو أبواب مترابطة سنين، وبرز وبرع وظهرت مقدرته فيه أو فيها،وإذا كانت الفقاهة أمراً قابلاً للتفصيل فهذا المتجزّي أكثر فقاهة من المطلق الّذي صرف عمره في جميع الأبواب، ولم يتوفّق للدّقة والإمعان في كلّ باب بحسبه.
وقد مضى أنّ مبادئ الاستنباط في العبادات غيرها في المعاملات، وأنّ كلاً يحتاج إلى شيء لايحتاج إليه الآخر، بل يحتاج إلى أمر آخر، فلا مانع أن يكون رأي المتجزّي الملمّ في العبادات مثلاً أقرب إلى الواقع من المطلق الملمّ في جميع أبواب الفقه إلاّ أنّه لم تظهر الدقّة والبراعة القويتين منه.
فإن قلت: قد مضى أنّ المقبولة والمشهورة المتقدّمتين غير آبيتين عن

صفحه 63
الرجوع إلى المتجزّي إذا استنبط مقداراً معتدّاً به من الأحكام، وجازَ قضاؤه ونفذ حكمه، فلماذا لا يجوز أخذ الفتوى منه؟
قلت: إنّ مورد الروايتين هو القضاء والحكومة وهما غير أخذ الفتوى، وعدم اشتراط الاجتهاد المطلق فضلاً عن الأعلمية في نفوذ القضاء، لايكون دليلاً على عدم اشتراطهما في الفتوى، ضرورة أنّ اشتراط الأعلمية في القاضي موجب لسد باب القضاء في وجه الأُمّة إلاّ في بلد يعيش فيه الأعلم، وهو واضح البطلان بخلاف اشتراطهما في أخذ الفتوى أو المفتي، فإنّ فتواه تكفي لجميع الأُمّة.
وأمّا الثالث فالحق هو: صلاحيّة المتجزّي للقضاء إذا استنبط شيئاً معتدّاً به، وإن قصرت يده عن معضلات المسائل، فإنّ أهمّ ما يدلّ على شرطية الاجتهاد المطلق هو قوله (عليه السلام) في المقبولة: «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» إلاّ أنّه وارد في قبال المنع عن الرجوع إلى حكام الجور وقضاتهم، بمعنى وجوب الرجوع إلى من كان نظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم (عليهم السلام) ، لا إلى من نظر في حلال الآخرين وحرامهم وعرف أحكامهم التي هي مقابل أحكامهم (عليهم السلام) ، وعليه فمن استنبط شيئاً معتدّاً به من الحلال والحرام والأحكام، كان مصداقاً لقوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا».
وبذلك يعلم حال المشهورة الأُولى لأبي خديجة حيث جاء فيها: «قد عرف حلالنا وحرامنا»، فإنّ هذه الجملة وما في المقبولة ـ من قوله (عليه السلام) : «قد

صفحه 64
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» ـ تتضمّن وراء المعنى الإيجابيّ معنى سلبيّاً وهو نفي الرجوع إلى الغير، والواجب هو الرّجوع إلى من عرف حلالهم وحرامهم نظر فيهما، وهو صادق في حقّ الطبقة العالية من المتجزّئين إذا استنبطوا شيئاً معتداً به كما تقدّم.
ويؤيد ذلك أمران:
الأوّل: إن ّالقضاة الّذين كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيّام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم تكن لهم معرفة فعليّة بجميع الأحكام، لتفرّق الروايات وتشتّتها بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتّى يكونوا متدّرعين بالعلم بجميع الأحكام.
الثاني: كان الأمر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي (عليه السلام) أيضاً كذلك، فقد بعث النبي معاذاً إلى اليمن وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه...» 1. أتظنّ أنّ معاذاً كان عارفاً بجميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.
وقد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر (رضي الله عنه)في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لاتضيق به الأُمور ولا تمحكـه 2 الخصـوم ـ إلى أن قـال (عليه السلام) : ـ وأوقفهـم في الشبهات

1 . جامع الأُصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: 10/551 رقم 7651، الفصل السادس: في كيفية الحكم.
2 . أمحكهُ: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.

صفحه 65
وآخذهم بالحجج...». 1 فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين بجميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب والسنة وعمل الخلفاء أشياء يقضون ويحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.
نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية وتفتّحت العقول، وازداد العلماء علماً وفهماً، وعدداً وكميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، إلاّ أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم وتقدّمه وازدهار الثقافة.
نعم أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين.
فلا مناص من إشراف قاض ذي تجربة وممارسة، على عمل القضاة المتجزّئين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لاتزلّ بفضله سبحانه.

في تصدّي المقلّد للقضاء

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة:
الأوّل: أن يستقلَّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى ولا وكالة منه، بل يقضي على طبق رأي مقلَّده.
الثاني: أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير.

1 . نهج البلاغة: 2 / 94 رقم 52 قسم الكتب والرسائل، شرح الشيخ محمد عبده.

صفحه 66
الثالث: أن يوكّله في القضاء.
والفرق بين الأخيرين واضح، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي، بخلاف الثالث فإنّه عملُ نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة.
ثمَّ إنّ أمر القاضي ونهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر، فإنّ الأمر والنهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه، مع قطع النظر عن أمر الآمر ونهي النّاهي، وفي هذا المجال المجتهد والمقلّد سواء، يجوز لكلّ منهما أمرُ الغير ونهيه إرشاداً إلى تكاليفه الثابتة مطلقاً، وهذا بخلاف أمر القاضي، فإنَّ ما يحكمُ به ليس تكليفاً للغير مع غضّ النظر عن حكمه، وإنّما يكون تكليفاً له بعد الحكم والقضاء. مثلاً: لو اختلف العامل والمالك، فادّعى العامل ردّ رأس المال وأنكره المالك، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفعُ العين مع وجودها وإلاّ فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا، وهذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه، ولم يكن ثابتاً من قبل، وبما أنّه خلاف القاعدة ـ إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد ونفوذه ـ احتاج نفوذه إلى الدليل وقد عرفت وجود الدليل وثبوته في المجتهد المطلق والمتجزّي الذي استنبط شيئاً معتدّاً به.

صفحه 67
 
4

التخطئة والتصويب في الأُصول والفروع

عقد المصنّف (رحمه الله) فصلاً في حكم المجتهدين في الأُصول وعقد فصلاً آخر في حكم الاجتهاد في المسائل الشرعية، والّذي يجمع هذين الفصلين هو هل المصيب في الأُصول والفروع واحد، أو أكثر، وقلما يتفق من يقول بتصويب عامّة الآراء في الأُصول ومن قال به فإنّما يقول به في الفروع، ونحن نطرح المسألة هنا على صعيد التحقيق في كلا الجانبين.

التخطئة والتصويب في الأُصول

اختلفت أنظارُ الفقهاء في التخطئة والتصويب، وهل أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده أو لا ؟ واتفقوا على أنّ الحقّ واحد في موارد وهي:
الأوّل: إنّ الحقّ في الأُصول والمعارف أمر واحد، وما وافقه هو الحقّ والصّواب وما خالفه هو الخطأ ولم يقل أحد من المسلمين إلاّ من شذَّ بالتّصويب في العقائد1.

1 . قال الغزالي في المستصفى: 2 /359 ـ 360: مسألة: ذهب عبداللّه بن الحسن العنبريّ إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع.
وقال الآمدي في الإحكام: 4 /184، المسألة الثالثة: وزاد عبداللّه بن الحسن العنبريّ بأن قال: كلّ مجتهد في العقليّات مصيب.

صفحه 68
قال المرتضى (قدس سره): «ولاشبهة في أنّ العبادة بالمذاهب المختلفة إنّما يجوز فيما طريقه العمل دون العلم، وأنّ الأُصول المبنية على العلم نحو التوحيد والعدل والنبوّة، لايجوز أن يكون الحقُّ فيها إلاّ واحداً، لأنّ اللّه تعالى لايجوز أن يكون جسماً أو غير جسم ويرى ولايرى على وجهين مختلفين، وبإضافة إلى مكلّفين متغايرين، وقد يجوز أن يكون الشيء الواحد حراماً على زيد وحلالاً على عمرو ـ إلى أن قال: ـ فمن جمع بين أُصول الدّين وفروع الشرع، في هذا الباب فقد ضلّ وأبعد عن الصّواب» 1.
وقال الشيخ الطوسيّ (رضي الله عنه): «إعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغييره عما هو عليه من وجوب إلى حظر أو من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لايختلف وأنّ الحقّ في واحد وأنّ من خالفه ضال فاسق، وربمّا كان كافراً وذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث، وإذا كان محدثاً هل له صانع أم لا، والكلام في صفات الصّانع وتوحيده وعدله والكلام في النبوّة والإمامة وغير ذلك». 2
الثاني: لاشك أنّ الحقّ في الموضوعات، كالقبلة وأروش الجنايات وقيم المتلفات واحد، فأحد الظنون حقّ وغيره باطل. وأمّا إطلاق التصويب

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 /793 و794.
2 . العدّة: 2 /113 الكلام في الاجتهاد.

صفحه 69
فيها، فإنمّا لغاية كفاية الظنّ في صحّة الصلاة وعدم الإعادة 1.
قال المرتضى (قدس سره) بعد التمثيل بما ذكرناه: «وكلّ مجتهد فيما جرى هذا المجرى مصيب، ألا ترى أنّ من أدّاه اجتهاده إلى أمارة ظهرت له أنّ القبلة في جهة من الجهات، لزمته الصلاة إلى تلك الجهة بعينها، فإذا أدّى غيره اجتهاده إلى أنّ القبلة في غيرها، لزمته الصلاة إلى ما غلب في ظنّه أنّه جهة القبلة، وكلّ منهما مصيب وإن اختلف التكليف». 2
الثالث: ومثل الأمرين المتقدّمين، الموضوعات التي ثبتت أحكامها ببداهة، فلا يتطرّق إليها التصويب بل الحقّ فيها واحد. قال الشيخ (قدس سره):
«وكذلك الكلام في أنّ الظلم والعبث والكذب قبيح على كل حال، وأنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة والإنصاف حسن على كلّ حال وما يجري مجرى ذلك، وإنّما قالوا ذلك، لأنّ هذه الأشياء لايصحّ تغيّرها في نفسها ولا خروجها عن صفتها التي هي عليها ... وحكي عن قوم شذاذ لايعتمد بأقوالهم أنهم قالوا: إنّ كلّ مجتهد فيها مصيب وقولهم باطل». 3
الرابع: إذا كان في المسألة نصّ قطعي السّند والدّلالة فلا موضوع للاجتهاد وبالتالي لاموضوع للتصويب والتّخطئة. قال ابن القيّم ناقلاً عن الشافعي:

1 . أي: الحكم الوضعيّ.
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة:2 /793.
3 . عدّة الأُصول : 2 /113.

صفحه 70
«أجمع النّاس على أنّ من استبانت له سنّة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وتواتر عنه (أي الشافعيّ) أنّه قال: وإذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وصحّ عنه أنّه قال: إذا رويت عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حديثاً ولم آخذ به، فاعلموا أنّ عقلي قد ذهب، وصحّ عنه أنّه قال: لاقول لأحد مع سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)». 1
إذا تبيّن موضع النّقاش وعلم أنّ النزاع في التخطئة والتصويب في أمر آخر وهو هل أنّ للّه في كلّ حادثة حكماً معيّناً قبل اجتهاد المجتهد أو لا ؟
نقول : مذهب أصحابنا وجماعة من أهل السنّة والأباضيّين 2 إلى أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً يتّجه إليه المجتهد فيصيبه تارة ويخطئه أُخرى فالحقّ واحد قد يدرك وقد لا، ويبدو أنّ النزاع في التصويب والتخطئة نشأ من تجويز العمل بالقياس وبأخبار الآحاد، قال الطوسيّ (رضي الله عنه):
«واعلم أنّ الأصل في هذه المسألة القول بالقياس والعمل بأخبار الآحاد، لأنّ ما طريقه التواتر وظواهر القرآن فلا خلاف بين أهل العلم أنّ الحقّ فيما هو معلوم من ذلك، وإنّما اختلف القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه». 3

1 . أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: 2 /282.
2 . الاباضيّة أتباع عبداللّه بن إباض المقاعسيّ المريّ التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس ، وإليه نسبتهم وقد عاصر معاوية وعاش إلى أواخر أيّام عبدالملك بن مروان(على ما عليه الأباضيّة)، توفّي عام 86.(بحوث في الملل والنحل : 5 /218).
3 . عدّة الأُصول: 2 /114.

صفحه 71
إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يظهر من الشيخ أنّ أكثر المتكلّمين والفقهاء من غير الشيعة على التصويب وأنّ المخالف منهم بشر المريسيّ وأبو بكر الأصمّ، والأباضيّة والظّاهريّة 1.
قال (رضي الله عنه): «ذهب أكثر المتكلّمين والفقهاء إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم وأبي الحسن (الأشعري) وأكثر المتكلّمين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه فيما حكاه أبو الحسن عنهم.
وقد حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة.
وذهب الأصمّ 2 وبشر المريسيّ 3 إلى أنّ الحقّ في واحد من ذلك وهو ما يقولون به وأنّ ما عداه خطأ، حتى قال الأصمّ: إنّ حكم الحاكم ينقض به ويقولون: إنّ المخطئ غير معذور في ذلك إلاّ أن يكون خطاؤه صغيراً وإنّ سبيل ذلك سبيل الخطأ في أُصول الدّيانات.
وذهب أهلُ الظاهر ـ فيما عدا القياس من الاستدلال وغيره ـ أنّ الحقّ

1 . الظاهرية: أتباع داود بن عليّ الأصفهاني الظاهري(200 ـ 270 هـ) وما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع والأحكام لا العقائد والأصول، فالمصدر الفقهيّ عنده هو النّصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنّصوص وحدها، وإذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة. (بحوث في الملل والنّحل : 3 /137 ـ 138).
2 . هو عبدالرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزليّ الأُصولي المفسّر، كان يخطّئ علياً (عليه السلام)في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله. توفّى نحو 225 هـ . الأعلام: 3 / 323 .
3 . هو بشر بن غياث المريسيّ، فقيه معتزليّ وهو رأس الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء وإليه نسبتها وأُوذي في دولة هارون الرّشيد، توفّي عام 218 هـ . الأعلام: 2 / 55 .

صفحه 72
من ذلك في واحد، وأمّا الشافعيّ فكلامه مختلف في كتبه...
ـ إلى أن قال (رضي الله عنه): ـ والذي أذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين من المتقدّمين والمتأخّرين وهو الّذي اختاره سيّدنا المرتضى (قدّه) وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبداللّه، أنّ الحقّ في واحد». 1
ويظهر من الغزالي أنّ مورد النزاع في التصويب والتخطئة هو الواقعة التي لا نصّ فيها، وليس للّه سبحانه فيها حكم معيّن بل الحكم يتبع الظنّ قال: وقد اختلف الناس فيها واختلفت الرواية عن الشافعيّ وأبي حنيفة، وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنّيات مصيب، وقال قوم: المصيب واحد، واختلف الفريقان جميعاً في أنّه هل في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن للّه تعالى هو مطلوب المجتهد، فالّذي ذهب إليه محقّقو المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ بل الحكم يتبع الظنَّ وحكم الله تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه وهو المختار وإليه ذهب القاضي.
وذهب قوم من المصوبة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطّلب إذ لا بدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه. 2

1 . عدة الأُصول : 2 /113 و114.
2 . المستصفى: 2 /363.

صفحه 73
وعلى ذلك فالمصوّبة على فرقتين: فرقة تنكر وجود الحكم المشترك، وفرقة تثبته ولكن تنكر الأمر بإصابته، ولكن في عدّ الفرقة الثانية من المصوبة نوع خفاء، فإنّ المخطّئة تقول بنفس المقالة لأنّ المفروض عدم وجود نصّ في الواقعة، فمعه كيف يكون مأموراً بإصابته، وعليه يصير الحكم الواقعي حينئذ حكماً إنشائيّاً (لافعلياً).
وعلى كلّ تقدير: فإنّ فتوى المفتي على قول الفرقة الأُولى أشبه بالأحكام الأوّليّة الثانويّة 1 عندنا إذ للّه سبحانه في ذلك المجال حكم مشخص تابع للمصالح والمفاسد، ولأجل ذلك تختلف الأحكام الأوّلية وجوباً وحرمة باختلاف الأزمنة والأمكنة، كما أنّها على قول الفرقة الثانية أشبه بالأحكام الظاهرية التي توافق الواقع تارة وتخالفه أُخرى، فعند الموافقة يكون المؤدّى نفس الواقع، وعند المخالفة لايكون مأموراً بإصابته.
ولمّا كان القول بإنكار الحكم الإلهيّ في الوقائع التي لا نص فيها، يحبط من جامعيّة الإسلام في مجال العقيدة والشريعة، حاول بعض أهل السنّة تفسير التصويب بمعنى لا يخالف ذلك، ومجمل ما أفاد: إنّ القول بالتّصويب ليس بمعنى نفي حكم اللّه في الواقع، وإنّ حكم اللّه تابع لرأي المفتي، بل هو في قبال القول بالتأثيم وأنّ المجتهد إذا أخطأ يأثم، فصار القائل بالتصويب ـ بردّ ذلك المتقدّم ـ يعني نفي الإثم لا إصابة الواقع، فعليه يصير النزاع في التصويب والتخطئة لفظياً، وإليك توضحيه:

1 . راجع رسالة «القول المفيد في الإجتهاد والتقليد» (المطبوع ضمن الرسائل الأربع، الرسالة الثالثة): 89 ـ 90 .

صفحه 74
إنّ أهل السنّة في مجال فتوى المفتي على طوائف:
الأُولى: إنّ المجتهد لم يكلّف بإصابة الواقع لخفائه وغموضه فلذلك لم يكن مأموراً به.
الثانية: أمر المجتهد بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجوراً لكن حطَّ الإثم عنه تخفيفاً.
الثالثة: إنّ المجتهد الذي أخطأ الدليل القطعيّ آثم غير فاسق ولا كافر. وهذا قول بشر المريسي، ونسبه الغزالي والآمدي إلى ابن علّية 1 وأبي بكر الأصمّ، وهؤلاء هم المؤثّمة 2.
وعلى ضوء ذلك: فالمراد من التصويب هو نفي القول بالإثم الذي أصرّ عليه بشر المريسيّ، لا إصابة كلّ مجتهد للحقّ الملازم لنفي الحكم المشترك، وكيف يمكن نسبة القول بالتصويب بمعنى نفي حكم اللّه في الواقعة مع أنّهم

1 . إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، كان جهمياً يقول بخلق القرآن ، له مناظرات مع الشافعيّ، ولد سنة 151هـ وتوفّي عام 218 هـ . الأعلام: 1 / 32 .
2 . قال الغزالي في المستصفى: 2 /361: ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع، بل فيها حقّ معين وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم كما في العقليات، لكن المخطئ قد يكفّر كما في أصل الإلهيّة والنبوّة، وقد يفسّق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ونظائرها، وقد يقتصر على مجرّد التأثيم كما في الفقهيات وتابعه على هذا من القائلين بالقياس ابن عليّة وأبو بكر الأصمّ ووافقه جميع نفاة القياس ومنهم الإمامية.
وقال الآمدي في إحكامه: 4/ 188ـ 189: «وذهب بشر المريسيّ وابن عليّة وأبو بكر الأصمّ ونفاة القياس كالظاهريّة والإمامية إلى أنّه ما من مسألة إلاّ والحقّ فيها متعيّن، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولافاسق.

صفحه 75
رووا في كتبهم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر.1
وممّن جزم بذلك الشوكاني فقال: «إنّ المجتهد لايأثم بالخطأ بل يؤجر على الخطأ بعد أن يوفي الاجتهاد حقّه، ولم نقل: إنّه مصيب للحق الذي هو حكم اللّه في المسألة، فإنّ هذا خلاف ما نطق به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.
فقسّم مايصدر عن المجتهد في الاجتهاد في مسائل الدّين إلى قسمين: أحدهما هو مصيب فيه، والآخر هو مخطئ، فكيف يقول قائل: إنّه مصيب للحق سواء أصاب أو أخطأ، وقد سمّاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مخطئاً ... فمن زعم أنّ مراد القائل بتصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقاً فقد غلط عليهم غلطاً بيّناً ... إنّ مقصودهم: إنهم مصيبون من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ، فهذا لايقول به عالم ومن لم يفهم هذا المعنى فعليه أن يتّهم نفسه. 2
فتبيّن لنا ممّا تقدّم أمران:

1 . أخرجه البخاري في صحيحه: 8 / 157، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، ومسلم في صحيحه: 5 / 131، باب بيان أجر الحاكم بسندهما عن عمرو بن العاص .
وقال الشيخ الأنصاري(رضي الله عنه) في رسائله: 1/10: وقد اشتهر أنّ للمصيب أجرين وللمخطئ أجراً واحداً.
2 . القول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني: 87 . نقلاً عن «الاجتهاد في الإسلام» لنادية العمري: 162 و163.

صفحه 76
الأوّل: إنّ القدر المتيقّن من القول بالتصويب هو الأحكام التي لم يرد فيها نصّ وعوّل أمرها إلى المجتهدين، وبما أنّه ليس فيها واقع محفوظ، يكون الكلُّ مصيباً كالأحكام الحكوميّة.
الثاني: إنّه من المحتمل جدّاً أنّ المراد من التصويب هو نفي الإثم عن المجتهد، لا إصابة الواقع.
نعم، ما ذكره الشوكاني ربما لاينطبق على بعض تعبيراتهم، وعلى كلّ تقدير فالتصويب بالمعنى المشهور باطل عند الإمامية لتضافر الروايات على أنّ حكم اللّه مشترك بين العالم والجاهل 1.
ثمّ إنّ الدّاعي إلى القول بالتصويب هو الإشكال الموجود في الجمع بين الأحكام الواقعيّة والأمارات الظنّية التي ثبتت حجيّتها، مع العلم بأنّ بعضها على خلاف الحكم الواقعي، فزعموا أنّه لابدّ من رفع اليد عن إطلاقات الأدلّة القائلة بعدم اختصاص مداليلها بالعالمين بل شمولها للجاهلين، وإلاّ لزم اجتماع الضدّين وتفويت المصلحة أو الإبقاء في المفسدة، وقد أوضحنا الحال في باب الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري وأنّ المفاسد كلّها خطابيّة كانت أو ملاكيّة، مرتفعة، فلاحظ.

1 . قيل: لاتضافر فضلاً عن التواتر الذي ادّعاه الشيخ الأنصاريّ(رضي الله عنه) (1/144) في الرّوايات والآثار على نحو الدلالة المطابقيّة، ولم ترد على ذلك رواية واحدة ـ بعد الفحص ـ نعم هو مفاد الرّوايات الآمرة بالتوقف والاحتياط على نحو الدّلالة الالتزامية، فإنّها دالة على وجود حكم واقعي لكلّ مسألة، وأنّ الأمر بالاحتياط إنما هو لأجل التحفظ عليه وعدم الوقوع في مخالفته.

صفحه 77
ثم إنّ العلاّمة لم يبحث عن أمرين مهمين ألا وهما:
1. دور الزمان والمكان في الاستنباط.
2. دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية.
وها نحن نبحث فيهما في فصلين مستقلين.

صفحه 78
 
5

دور الزمان والمكان في الاستنباط

أو

الإسلام و متطلّبات العصر

تقديم

دلّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتّفاق المسلمين على أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الخاتم، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، ونبوته خاتمة النبوات، فما جاء على صعيد التشريع من قوانين وسنن تعدّ من صميم ثوابت هذا الدين لا تتطاول عليها يد التغيير، فأحكامه في العبادات والمعاملات وفي العقود والإيقاعات، والقضاء والسياسات أُصول خالدة مدى الدهر إلى يوم القيامة وقد تضافرت عليها الروايات:
1. روى أبو جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال جدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها

صفحه 79
الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة ، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بيّنهما اللّه عزّ وجلّ في الكتاب وبيّنتهما لكم في سنتي وسيرتي».1
2. كما روى زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الحلال والحرام، فقال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيرَه ولا يجيء بعده».2
والروايات في هذا الصدد عن النبي الأعظم وأهل بيته ـ صلوات اللّه عليهم ـ كثيرة، وقد جمعنا طائفة منها في كتابنا مفاهيم القرآن فبلغت 135 حديثاً، وبما أنّ خلود شريعته أمر لم يشكّ فيه أحد من المسلمين، وهو من ضروريات الدين نقتصر على هذا المقدار، ونطرح السؤال التالي:
إذا كانت الحياة الاجتماعية على وتيرة واحدة لصحّ أن يديرها تشريع خالد ودائم، وأمّا إذا كانت متغيرة تسودها التحوّلات والتغييرات الطارئة، فكيف يصحّ لقانون ثابت أن يسود في جميع الظروف مهما اختلفت وتباينت؟
إنّ الحياة الاجتماعية التي يسودها الطابع البدوي والعشائري كيف تلتقي مع حياة بلغ التقدم العلمي فيها درجة هائلة، فكلّ ذلك شاهد على لزوم تغيير التشريع حسب تغيير الظروف.
هذا السؤال كثيراً ما يثار في الأوساط العلمية ويراد من ورائه أمر آخر،

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47 .
2 . الكافي:1/ 58، الحديث 19 .

صفحه 80
وهو التحرّر من قيود الدين والقيم الأخلاقية، مع نسيان أو تناسي حقيقة انّ تغير ألوان الحياة لا يصادم ثبات التشريع وخلوده على النحو الذي بيّنه المحقّقون من علماء الإسلام.
وذلك لأنّ السائل قد قصرَ نظره على ما يحيط به من الظروف المختلفة المتبدلة، وذهل عن أنّ للإنسان خُلقاً وغرائز ثابتة قد فطر عليها وهي لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً، وهذه الغرائز الثابتة تستدعي لنفسها تشريعاً ثابتاً يدوم بدوامها، ويثبت بثباتها عبر القرون والأجيال، وإليك نماذج منها:
1. انّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي يحتاج لحفظ نسله إلى الحياة العائلية، وهذه حقيقة ثابتة في حياة الإنسان وجاء التشريع وفقاً لها، يقول سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)1.
2. العدالة الاجتماعية توفّر مصلحة المجتمع وتدرأ عنه الفساد والانهيار والفوضى، فليس للإنسان في حياته الاجتماعية إلاّ السير وفق نهج العدل والابتعاد عن الظلم، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسان وَايتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)2.
3. انّ الفوارق الرئيسية بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما

1 . النور:32.
2 . النحل:90.

صفحه 81
يختلفان في الخلقة على رغم كلّ الدعايات المزيّفة التي تبغي إزالة كلّ تفاوت بينهما، وبما انّ هذا النوع من الاختلاف ثابت لا يتغير بمرور الزمان فهو يقتضي تشريعاً ثابتاً على شاكلة موضوعه، يقول سبحانه: (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَبِما أَنْفقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ)1.
4.الروابط العائلية هي روابط طبيعية ، فالأحكام المنسِّقة لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، يقول سبحانه: (وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه) 2 والمراد من الأولوية هي الأقربية.
5. انّ الحياة الاجتماعية رهن الحفاظ على الأخلاق، وممّا لا شكّ فيه انّ الخمر والميسر والإباحة الجنسية تقوِّض أركان الأخلاق، فالخمر يزيل العقل، والميسر يورث العداء في المجتمع، والإباحة الجنسية تفسد النسل والمجتمع فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.
هذه نماذج استعرضناها للحياة الاجتماعية التي لا تمسّها يد التغير، وهي ثابتة ، فإذا كان التشريع على وفق الفطرة، وكان نظام التشريع قد وضع وفق ملاكات واقعية، فالموضوعات تلازم أحكامها، ملازمة العلة لمعلولها، والأحكام تتبع موضوعاتها تبعيّة المعاليل لعللها.
هذا جواب إجمالي، وأمّا الجواب التفصيلي فهو رهن الوقوف على

1 . النساء:34.
2 . الأنفال: 75.

صفحه 82
الدور الذي يلعبه الزمان والمكان في مرونة الأحكام الشرعية، وتطبيع الأحكام على متطلبات العصر، وهذا هو الذي سنقوم بدراسته.

دور الزمان والمكان في الاستنباط

قد يطلق الزمان والمكان ويراد منهما المعنى الفلسفي، فيفسر الأوّل بمقدار الحركة، والثاني بالبعد الذي يملأه الجسم، والزمان والمكان بهذا المعنى خارج عن محط البحث، بل المراد هو المعنى الكنائي لهما، أعني: تطور أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدم الزمان وتوسع شبكة الاتصالات. وهذا المعنى هو الذي يهمّنا في هذا البحث، ودراسته تتم في ضمن بحوث خمسة:
الأوّل: دراسة الروايات الواردة في ذلك المضمار.
الثاني: نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء.
الثالث: تطبيقات عملية.
الرّابع: دورالزمان والمكان في الأحكام الحكوميّة.
الخامس: في دراسة العنصرين في الفقه السني.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

صفحه 83
 
البحث الأوّل

استعراض الروايات الواردة

في ذلك المضمار

قد أُشير في غير واحد من الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) إلى أنّ للزمان والمكان دوراً في تغير الحكم إمّا لتبدّل موضوعه بتبدّل الزمان، أو لتغير ملاك الحكم إلى ملاك آخر، أو لكشف ملاك أوسع من الملاك الموجود في عصر التشريع أو غير ذلك ممّا سيوافيك تفسيره عند البحث في التطبيقات.
وأمّا ما وقفنا عليه في ذلك المجال من الأخبار، فنذكره على الترتيب التالي:
1. سئل علي (عليه السلام) عن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «غيّروا الشيبَ ولا تشبَّهوا باليهود».
فقال (عليه السلام) : «إنّما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك والدين قُلّ، فأمّا الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار».1

1 . نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 17.

صفحه 84
فقول الإمام يشير إلى إنّ عنوان التشبّه كان قائماً بقلّة المسلمين وكثرة اليهود، فلو لم يخضِّب المسلمون الشيب يوم كانوا أقلية صار عملهم تشبهاً باليهود وتقوية لهم، وأمّا بعد انتشار الإسلام في أقطار الأرض على نحو صار اليهود فيه أقلية، فلا يصدق التشبّه بهم إذا تُرك الخضاب.
2. روى محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّهما سألاه عن أكل لحوم الحمُر الأهلية، فقال: «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكلها يوم خيبر، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن».1
والحديث يشير إلى أنّ نهي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكل لحومها كان لأجل أنّ ذبحها في ذلك الوقت يورث الحرج والمشقة ،لأنّها كانت سبباً لحمل الناس و الأمتعة من مكان إلى آخر، فإذا ارتفعت الحاجة في الزمان الآخر ارتفع ملاك الحرمة.
3. روى محمد بن سنان ، أنّ الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: «كره أكل لحوم البغال والحمر الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها وقلّتها لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها».2
4. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عمّن سمعه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل؟ وقلت له: إنّه بلغنا أنّ

1 . وسائل الشيعة:16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 1.
2 . وسائل الشيعة:16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 8.

صفحه 85
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أيّما رجل ترك دينارين فهما كيّ بين عينيه، قال: فقال: «أُولئك قوم كانوا أضيافاً على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أمسى، قال: يا فلان اذهب فعشّ هذا، فإذا أصبح قال: يا فلان اذهب فغدّ هذا، فلم يكونا يخافون أن يصبحوا بغير غذاء ولا بغير عشاء، فجمع الرّجل منهم دينارين، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه هذه المقالة، فإنّ الناس إنّما يُعطَون من السنة إلى السنة فللرّجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة».1
5. روى حماد بن عثمان، قال: كنت حاضراً عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ قال له رجل : أصلحك اللّه، ذكرت أنت علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد، قال: فقال له:«إنّ علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشُهر به، فخير لباس كلّ زمان، لباس أهله».2
6. روى مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه (عليه السلام)فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقئ البيض، فقال: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال الإمام ـ بعد كلام ـ: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في زمان مُقْفر جدْب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها».3

1 . معاني الأخبار:152، باب معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «أيما رجل ترك دينارين».
2 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 7 .
3 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 10 .

صفحه 86
7. روى عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول :«بينا أنا في الطواف وإذا برجل يجذب ثوبي، وإذا هو عباد بن كثير البصري»، فقال: يا جعفر بن محمد تلبس مثل هذه الثياب وأنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من علي (عليه السلام)؟! فقلتُ :«فُرقبيّ اشتريته بدينار، وكان علي (عليه السلام)في زمان يستقيم له ما لبس فيه، ولو لبستُ مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد».1
8. روى المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ عليّاً كان عندكم فأُتي بني ديوان2 واشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب والإزار إلى نصف الساق، و الرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى إليتيه، وقال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه، قال أبو عبد اللّه: «ولكن لا يقدرون أن تلبسوا هذا اليوم ولو فعلناه لقالوا مجنون، ولقالوا مرائيّ».3
9. روى أبو بكر الحضرميّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لسيرة علي(عليه السلام) في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم تُسب شيعته».4

1 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 3 .
2 . كذا، وفي الوافي نقلاً عن الكافي:(فأُتي ببُرد نوار) وقال في بيانه:النوار: النيلج الذي يُصبغ به.
3 . الكافي: 6، باب تشمير الثياب من كتاب الزي والتجمل، الحديث 2.
4 . الكافي: 5، كتاب الجهاد:33 باب (لم يذكر عنوان الباب) الحديث 4.

صفحه 87
10. روى السراد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: أبيع السلاح؟ قال: «لا تبعه في فتنة».1
11.روى المعلى بن خنيس إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فخذوا بقوله، أما واللّه لا ندخلكم إلاّ فيما يسعكم».2 فإنّ الحكم الثاني المخالف لما روي سابقاً رهن حدوث تغير في جانب الموضوع أو تبدل الملاك أو غير ذلك من العناوين المؤثرة لتبدّل الحكم.
12. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس به».3
13.روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى ؟ فقال:« كنّا نقول: لا يخرج منها بشيء لحاجة الناس إليه، وأمّا اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه».4
14. روى الحكم بن عتيبة ، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم، قال: فقال: «إنّما كان ذلك

1 . الكافي: 5، باب بيع السلاح منهم، الحديث 4 و في الباب ما له صلة بالمقام.
2 . الكافي: 1، باب اختلاف الحديث، الحديث 9.
3 . الوسائل: 10، الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث3.
4 . الوسائل: 10، الباب 42 من أبواب الذبح، الحديث 5.

صفحه 88
في البوادي قبل الإسلام، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين (عليه السلام)على الورق» قال الحكم:قلت: أرأيت من كان اليوم من
أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟إبل؟ أم ورق؟ فقال:« الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية، انّهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل يحسب لكلّ بعير، مائة درهم ،فذلك عشرة آلاف».
قلت له: فما أسنان المائة بعير؟ فقال: «ما حال عليه الحول ذُكْران كلّها».1
يلاحظ على المقرر من الديات الست من خلال الوجوه التالية:
الأوّل: عدم وجود التعادل والتساوي بين الأُمور الست في بدء الأمر، الواردة في بعض الأحاديث.
15. روى عبد الرحمن بن الحجاج دية النفس بالشكل التالي:
أ: مائة إبل كانت في الجاهلية وأقرّها رسول اللّه.
ب: مائتا بقرة على أهل البقر.
ج: ألف شاة ثنيّة على أهل الشاة.
د: ألف دينار على أهل الذهب.

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 8.

صفحه 89
هـ : عشرة آلاف درهم على أهل الورق.
و:مائتا حلّة على أهل اليمن.1
فأين قيمة مائتي حلة من قيمة مائة إبل أو غيرها؟إن ذلك أوجد مشكلة في أداء الدية خصوصاً إذا قلنا بما هو المشهور من أنّ اختيار أي واحد منها بيد القاتل، فإذاً كيف يتصور التخيير بين الأقل والأكثر؟!
والجواب: أنّه من المحتمل أن تكون جميع هذه الموارد متقاربة القيمة، لأنّ الحلل اليمانية وإن كانت زهيدة الثمن إلاّ أنّ صعوبة اقتنائها حال دون انخفاض قيمتها.
وعلى فرض انخفاض قيمتها لما كان للجاني اختيار الحلل أخذاً بالمتيقن من مورد النص للجاني.
الثاني: المراد من الورق الوارد في النصوص هو الدينار والدرهم المسكوكين الرائجين، وهذا غير متوفر في غالب البلدان، لأنّ المعاملات تتم بالعملة الرائجة في كلّ بلد، وهي غير النقدين، وعلى فرض وجود النقدين في الأعصار السابقة، فليسا برائجين.
الثالث: لم يرد في النصوص الاجتزاء بالعملة الرائجة فما ورد من الدينار والدرهم فغير رائجين وما هو الرائج اليوم كالعملة الورقية فلم يرد فيها نصّ .

1 . الوسائل: 19، الباب 1من أبواب دية النفس، الحديث1.

صفحه 90
والجواب عن الأخيرين هو: أنّ تقويم دية النفس بالأنعام أو الحلل، لم يكن لخصوصية فيها دون غيرها، بل لأجل انّ قلّة وجود النقدين كانت سبباً لتعامل الناس بالأجناس فكان الثمن أيضاً جنساً كالمثمن ولمّا كثر الورق، قسّمها الإمام على الورق.
و هذا يعرب عن أنّ الدية الواقعية هو قيمة هذه الأنعام والحلل، لا أنفسها بما هي هي، بنحو لو أدى قيمتها لما أدّى الدية الواقعية.
ولو صحّ ذلك فلا فرق عندئذ بين النقدين والعملة الرائجة في البلاد هذه الأيام، إذ الغرض أداء قيمة النفس بأشكالها المختلفة.
16. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟
فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الفارّ منه كالفار من الزحف كراهية أن تخلو مراكزهم».1
فدلّ الحديث على أنّ النهي كان بملاك خاص، وهو انّ الخروج
كان سبباً لضعف النظام الإسلامي وإلاّ فلا مانع من أن يخرجوا منه بغية السلامة.

1 . الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث1.

صفحه 91
17. روى علي بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : القوم يكونون في البلد فيقع فيه الموت، ألهم أن يتحوّلوا عنها إلى غيرها، قال: «نعم»، قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عاب قوماً بذلك، فقال: «أُولئك كانوا ربيئة بازاء العدو فأمرهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يثبتوا في موضعهم ولا يتحولوا عنه إلى غيره، فلما وقع فيهم الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره، فكان تحويلهم عن ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف».1
18. روى عبد اللّه بن بكير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحرّ المملوكةَ اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّوجلّ:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طولاً)والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل.2
فالحديث يهدف إلى تفسير قوله سبحانه:
(وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَولاً أن يَنْكِحَ المُحْصناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ فتَيَاتِكُمُ المُؤمِناتِ)3.
فالآية تعلّق جواز تزويج الأمة بعدم الاستطاعة على نكاح الحرة لأجل غلاء مهرها بخلاف مهر الأمة فإنّها كانت زهيدة الثمن.

1 . الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.
3 . النساء: 25.

صفحه 92
فإذا عاد الزمان إلى غير هذا الوضع وصار مهر الأمة والحرة على حدّ سواء بل كان مهر الحرة أقل، فلا ينبغي أن يتزوج المملوكة لأنّ الظروف تغيّرت، فيتغيّر الحكم من الجواز إلى الكراهة أو التحريم.
19. روى بكير بن محمد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال سأله رجل وأنا حاضر، فقال: يكون لي غلام فيشرب الخمر ويدخل في هذه الأُمور المكروهة فأُريد عتقه، فهل أُعتقه أحبّ إليك أم أبيعه وأتصدق بثمنه؟ فقال: «إنّ العتق في بعض الزمان أفضل، وفي بعض الزمان الصدقة أفضل، فإن كان الناس حسنة حالُهم، فالعتق أفضل، وإذا كانوا شديدة حالُهم فالصدقة أفضل، وبيع هذا أحبّ إليّ إذا كان بهذه الحال».1
20. روى محمد بن سنان، عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث: «ليس بين الحلال والحرام إلاّ شيء يسير، يحوله من شيء إلى شيء فيصير حلالاً وحراماً».2
هذا بعض ما وقفنا عليه، ولعلّ الباحث في غضون الجوامع الحديثيّة يقف على أكثر من ذلك.

1 . الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب العتق، الحديث 1.
2 . بحار الأنوار:6/94، الحديث1، باب علل الشرائع و الأحكام.

صفحه 93
 
حصيلة الروايات
إنّ الإمعان في مضامين هذه الروايات يثبت أنّ تغير الحكم إنّما كان لإحدى الجهات التالية:
1. إذا كان حكماً حكومياً وولائياً نابعاً من ولاية النبي وصلاحياته في إدارة المجتمع وحفظ مـصالحه، فمثل هذا الحكم لا يكون حكماً شرعياً إلهياً نزل به أمين الوحي عن ربّ العالمين، بل حكماً مؤقّتاً يدور مدار المصالح والمفاسد التي أوجبت تشريع هذا النوع من الأحكام.
ومن هذا القبيل النهي عن إخراج اللحم من منى قبل ثلاثة أيّام، أو النهي عن أكل لحوم الحمير، ولذلك قال الإمام بعد تبيين علّة النهي إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن، مشيراً إلى أنّه لم يكن هذا النهي كسائر النواهي النابعة من المصالح والمفاسد الذاتية، كالخمر و الميسر بل نجم عن مصالح ومفاسد مؤقتة .
ونظيرهما النهي عن الخروج من مكان ظهر فيه الطاعون، حيث إنّ النهي كان لأجل أنّ تحوّلهم من ذلك المكان كان أشبه بالفرار من الزحف فوافاهم النهي، فإذا زال هذا القيد فلا مانع حينئذ من خروجهم.
2. انّ تبدل الحكم كان لأجل انعدام الملاك السابق، وظهور ملاك مباين، كما هو الحال في حديث الدينارين، بخلاف عصر الإمام الصادق حيث كان يعطون من السنة إلى السنة.

صفحه 94
ومثله جواز نكاح الأمة مع القدرة على الحرة، لأنّ ملاك الجواز هو غلاء مهر الحرة، وقد انتفى في ذلك العصر، بل صار الأمر على العكس كما في نفس الرواية.
3. طروء عنوان محرم عليه، كما في الأحاديث التي تعرّضت لأحكام الملابس، مثل أن يكون اللباسُ لباسَ شهرة، أو باعثاً على السخرية والرمي بالجنون. كما قد يحصل تبدّل في الملاك، ومثاله الرواية التي ربطت بين نوع الملابس وبين طبيعة العصر، من حيث القَفْر والجَدْب أو النعيم والرخاء.
4. كون الملاك أوسع كما هو الحال بالاكتفاء بالدرهم والدينار في دية النفس، في عصر الإمام علي (عليه السلام) فانّ الملاك توفر ما يقوّم به دم المجني عليه، ففي أهل الإبل الإبل، وفي أهل البقر والغنم بهما، وفي أهل الدرهم والدينار بهما.

صفحه 95
 
البحث الثاني

مقتطفات من كلمات الفقهاء

إنّ تأثيرالظروف في تفسير الروايات والفتاوى في كلام الفقهاء أمر غير عزيز، وقد وقفوا على ذلك منذ أمد بعيد، ونذكر هنا مقتطفات من كلامهم:

1.الصدوق(306ـ 381هـ)

1. روى الصدوق في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «الفرق بين المسلمين والمشركين التلحي بالعمائم».
ثمّ قال الصدوق في شرح الحديث: ذلك في أوّل الإسلام وابتدائه، وقد نقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً انّه أمر بالتلحّي ونهى عن الاقتعاط.1
قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث: التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك، والاقتعاط شدُّها من غير إدارة، وسُنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمة، فصارت من لباس الشهرة المنهي عنها.2

1 . الفقيه:1/260برقم 821.
2 . الوافي: 20/745.

صفحه 96
 
2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)
قال في مبحث تجويز النسخ: الأحكام منوطة بالمصالح، والمصالح تتغير بتغير الأوقات، وتختلف باختلاف المكلّفين، فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه.1

3. الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي(734ـ 786هـ)

قال: يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات كما في النقود المتعاورة2والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب فإنّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه، وكذا تقدير العواري بالعوائد.
ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق، فالمروي تقديم قول الزوج، عملاً بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول.
ومنه: إذا قدّم بشيء قبل الدخول كان مهراً إذا لم يسم غيره، تبعاً لتلك العادة فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة، واحتساب ذلك من مهر المثل.3
فقد أشار بقوله: «ينبغي تقديم قول الزوجة» إلى مسألة التنازع بينهما

1 . كشف المراد:173، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
2 . المتعاورة أي المتداولة.
3 . القواعد والفوائد:1/152، القاعدة الخامسة، ط النجف الأشرف.

صفحه 97
فيما إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بعدم تسلم المهر، وادّعى الرجل تسليمه إليها، فقد روى الحسن بن زياد، قال: إذا دخل الرجل بامرأته، ثمّ ادّعت المهر وقال: قد أعطيتك فعليها البيّنة وعليه اليمين.1
غير أنّ لفيفاً من الفقهاء حملوا الرواية على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول وإلاّ فالبيّنة على الزوج.
قال صاحب الجواهر: الظاهر أنّ مبنى هذه النصوص على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول، بل قيل إنّ الأمر كذلك كان قديماً، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل.2

4.المحقّق الأردبيلي (المتوفّى993هـ)

قال: ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص وهو
ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم.3

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7.
2 . الجواهر:31/133.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:3/436.

صفحه 98
 
5. صاحب الجواهر(المتوفّى1266هـ)
قال في مسألة بيع الموزون مكيلاً وبالعكس: إنّ الأقوى اعتبار التعارف في ذلك وهو مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.1

6. الشيخ الأنصاري(1214 ـ 1281هـ)

وقال الشيخ الأنصاري في بحث ضمان المثلي والقيمي: بقي
الكلام في أنّه هل يعد من تعذر المثل خروجه عن القيمة كالماء
على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة والجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف
أم لا؟ الأقوى، بل المتعيّن هو الأوّل بل حكي عن بعض نسبته إلى الأصحاب وغيرهم والمصرح به في محكي التذكرة والإيضاح والدروس قيمة
المثل في تلك المفازة ويحتمل آخر مكان أو زمان يخرج المثل فيه عن المالية.2

7. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1294ـ 1373هـ)

قال في تحرير المجلة في ذيل المادة39:«لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان» قد عرفت أنّ من أُصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلاّ بتغيير الموضوعات أمّا بالزمان والمكان والأشخاص، فلا يتغير الحكم ودين اللّه

1 . الجواهر:23/375.
2 . المكاسب:110.

صفحه 99
واحد في حقّ الجميع لا تجد لسنّة اللّه تبديلاً، وحلال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك.
نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ ورشد وحضر وسفر وفقر وغنى وما إلى ذلك من الحالات المختلفة، وكلّها ترجع إلى تغيير الموضوع فيتغير الحكم فتدبر ولا يشتبه عليك الأمر.1
الظاهر انّه يريد من قوله: «امّا بالزمان والمكان والأشخاص فلا يتغير الحكم» أنّ مرور الزمان لا يوجب تغيير الحكم الشرعي بنفسه، وأمّا إذا كان مرور الزمان سبباً لطروء عناوين موجبة لتغير الموضوع فلا شكّ انّه يوجب تغير الحكم وقد أشار إليه في ذيل كلامه.

8. السيد الإمام الخميني(1320ـ1409هـ)

قال:إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الأُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده.(2)
وقد طرح هذه المسألة غير واحد من أعلام السنّة، منهم:

1 . تحرير المجلة:1/34.   2 . صحيفة النور:21/98.

صفحه 100
1.ابن قيم الجوزية(المتوفّى751هـ) فقد عقد في كتابه فصلاً تحت عنوان «تغيّرالفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأموال والنيات والعوائد».
يقول في ذيل هذا الفصل:
هذا فصل عظيم النفع، ووقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليفِ ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها،ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.1
2. أبو إسحاق الشاطبي(المتوفّى 790هـ)، قال في الموافقات: المسألة العاشرة: إنّا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز.2
وقال في موضع آخر: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك انّ المجتهد لا يحكم على فعل من

1 . اعلام الموقعين:3/14 وقد استغرق بحثه في هذا الكتاب 56 صفحة.
2 . الموافقات:2/305، ط دار المعرفة.

صفحه 101
الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.1
3. العلاّمة محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين» مؤلف كتاب «مجموعة رسائل» قال ماهذا نصّه:
اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم مقام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه.2
4. الفقيه الأُستاذ أحمد مصطفى الزرقا، قال في كتابه «المدخل الفقهي العام»:

1 . الموافقات:4/140، ط دار الكتب العلمية، والعبارة الأُولى أصرح في المقصود.
2 . رسائل ابن عابدين:2/123.

صفحه 102
الحقيقة أنّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمان، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلاّ تبدّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحدّد في الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً.
ثمّ إنّ الأُستاذ جعل المنشأ لتغيير الأحكام أحد أمرين:
أ: فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان.
ب: حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل فرضية وأساليب اقتصادية.
ثمّ إنّه مثّل لكلّ من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد.1
5. الدكتور وهبة الزحيلي، لخّص في كتابه «أُصول الفقه الإسلامي» ما ذكره الأُستاذ السابق وقال في صدر البحث: تغير الأحكام بتغير الأزمان.
إنّ الأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة وإحقاق الحق والخير، وهذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى

1 . المدخل الفقهي العام:2/924.

صفحه 103
نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف.1
وقبل إيراد تطبيقات هذا الأصل، نود أن نشير إلى أُمور يتبين بها حدّ هذا الأصل:

الأوّل: حصر التشريع في اللّه سبحانه

دلّت الآيات القرآنية على حصر التشريع باللّه سبحانه وانّه ليس مشرّع سواه، قال سبحانه: (إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّه أَمَرَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون)(2).
والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله: (أَمَرَ أَنْ لا تَعْبُدوا إِلاّ إِيّاهُ) وقد أوضحنا ذلك في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».
وينبغي التأكيد على نكتة وهي انّ تغير الحكم وفق الزمان والمكان يجب أن لا يتنافى مع حصر التشريع باللّه سبحانه.

الثاني: خلود الشريعة

دلّ القرآن والسنّة على خلود الشريعة الإسلامية وانّ الرسول خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، و شريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة وبذلك تضافرت الآيات والروايات، كما تقدم.

1 . أُصول الفقه الإسلامي: 2/1116.   2 . يوسف: 40.

صفحه 104
فاللازم أيضاً أن لا يكون أيّ تناف بين خلود الشريعة وتأثير الزمان والمكان على الاستنباط.
ومن حسن الحظ انّ الأُستاذ أحمد مصطفى الزرقا قد صرح بهذا الشرط، وهو انّ عنصري الزمان والمكان لا يمسان كرامة الأحكام المنصوصة في الشريعة، وإنّما يؤثران في الأحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وقال ما هذا نصّه:
قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الأحكام بتغير الزمان».
أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كلّ مكلّف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي الأُصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها

صفحه 105
قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة.1
وكلامه صريح في أنّ المتغير عندهم هو الأحكام الاجتهادية لا الأحكام المنصوصة، ويريد من الأحكام الاجتهادية ما استنبطه المجتهد من القواعد الخاصة، كالقياس والمصالح المرسلة، وقد صرّح بذلك الدكتور وهبة الزحيلي حيث قال: وذلك كائن بالنسبة للأحكام الاجتهادية ـ القياسية أو المصلحية ـ المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كلّ ما له صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والاقتصاد وتغير الأحكام فيها في حدود المبدأ الشرعي، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد.
أمّا الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأُصول الشريعة الدائمة، فلا تقبل التبديل مطلقاً، مهما تبدل المكان وتغير الزمان ، كحرمة المحارم، ووجوب التراضي في العقود، و ضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره، و سريان إقراره على نفسه، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره.2
نعم، نقل تقديم بعض الأحكام الاجتهادية على النص عن أحمد بن إدريس المالكي، ونجم الدين أبو ربيع المعروف بالطوفي، و بما انّا لم نقف على نصوص كلامهم نتوقف عن القضاء في حقّهم.
وعلى أي تقدير يجب على من يقول بتأثير العاملين على استنباط الحكم الشرعي أن يحددهما بشكل لا يمس الأصلين المتقدمين أي نحترز

1 . المدخل الفقهي العام:2/924ـ 925.
2 . أُصول الفقه:2/1116.

صفحه 106
أولاً عن تشريع الحكم، وثانياً عن مس كرامة تأبيد الأحكام، وعلى ذلك فلا فرق بين الأحكام الاجتهادية والمنصوصة إذا كان الأصلان محفوظين.
الثالث: انّ المراد من تأثير الزمان والمكان على الاستنباط، هو أن يكون تغير الوضع موجباً لتبدل الحكم من دون أن يكون في النص إشارة إلى هذا النوع من التغيير، وإلاّ فلو كان التشريع الأوّل متضمناً لتغير الحكم في الزمان الثاني فهو خارج عن موضوع بحثنا وإن كان يمكن الاستئناس به، وعلى ذلك تخرج الموارد التالية عن موضوع البحث.
أ: اختلاف الحكم الشرعي في دار الحرب مع غيرها، مثلاً لو ارتكب المسلم فعلاً يستتبع الحد فلا يقام عليه في دار الحرب، بخلاف ما لو كان في دار الإسلام.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لا يقام على أحد حدّ بدار العدو».1
ب: من زنى في شهر رمضان نهاراً كان أو ليلاً عوقب على الحد لانتهاكه الحرمة، وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف.2
ج: اختلاف المجاهدين والمنفقين قبل الفتح وبعده، يقول سبحانه: (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجةً مِنَ

1 . الوسائل:18، الباب 10 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1. ولاحظ الخلاف: 5/522. قال ابن قدامة في المغني: 10/538. قال أبو حنيفة : لا حدّ ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع.
2 . الشرائع: 4/941، كتاب الحدود، المسألة العاشرة.

صفحه 107
الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الحُسْنى وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير).1
د: نسخ الحكم في الزمان الثاني، كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُول فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدَقَة )2 فقد نسخ بقوله سبحانه: (أ أشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي نَجْواكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ...)3.
هـ: تغير الأحكام بطروء العناوين الثانوية كالضرر والحرج وتقديم الأهم على المهم، والنذر والعهد واليمين وما أشبه ذلك.
وحصيلة الكلام: أنّ محور البحث هو انّ الظروف المختلفة هي العامل الوحيد لتغير الأحكام بعد التشريع الأوّل، و هذه هي التي تبعث الفقيه على الإمعان في بقاء التشريع الأوّل أو زواله، وأمّا إذا قام الشارع بنفسه ببيان اختلاف الحكمين في الظرفين فهو خارج عن محل البحث وإن كان ربما يقرّب فكرة التأثير، ويستأنس بها المجتهد. أو كان التغيير لأجل طروء عناوين ثانوية كالاضطرار والحرج فهو خارج عن مجال البحث وبذلك يعلم انّ استناد بعض من نقلنا نصوصهم من أعلام السنّة إلى تلك العناوين، خروج عن مصب البحث.

1 . الحديد: 10.
2 . المجادلة: 12.
3 . المجادلة: 13 .

صفحه 108
الرابع: إذا قلنا بتأثير الزمان والمكان على الاستنباط، فالحكم المستنبط عندئذ حكم واقعي وليس حكماً ظاهرياً كما هو معلوم، لعدم أخذ عنوان الشكّ في موضوعه ولا حكماً واقعيّاً ثانوياً أي ما يعتمد على عنواني الضرر والحرج أو غير ذلك من العناوين الثانوية، فالمجتهد يبذل جهده في فهم الكتاب والسنّة لاستنباط الحكم الشرعي الواقعي في هذه الظروف، ويكون حكمه كسائر الأحكام التي يستنبطها المجتهد في غير هذا المقام، فالحكم بجواز بيع الدم أو المني أو سائر الأعيان النجسة التي ينتفع بها في هذه الأيام ليس حكماً ظاهرياً ولا مستخرجاً من باب الضرر والحرج ،وإنّما هو حكم واقعي كسابقه (أي التحريم) غير أنّ الحكم السابق كان مبنياً على عدم الانتفاع بالأعيان النجسة انتفاعاً معتداً به، وهذا الحكم مبني على تبدل الموضوع .
وإن شئت قلت بتبدل مصداق الموضوع إلى مصداق موضوع آخر، تكون الحرمة والجواز كلاهما حكمين شرعيين واقعيين.

صفحه 109
 
البحث الثالث

تطبيقات عملية

إذا وقفت على الروايات الواردة حول تأثير الزمان والمكان، وعلى كلمات المحقّقين من الفريقين في هذا المضمار فقد آن الآوان للبحث عن التطبيقات والفروع المستنبطة على ضوء ذلك الأصل، وبما أنّ تأثير الزمان و المكان على الاستنباط ليس تأثيراً عشوائياً بل هو خاضع لمنهاج خاص يسير على ضوئه، فلنضع بين يديك هذه الأمثلة التي تحكمها ضوابط معينة ، بغية درء المحاولات التي تستهدف إنكار ثبات الأحكام ودوامها:

الأوّل : تأثيرهما في تطبيق الموضوعات على مواردها

لا شكّ انّ هناك أُموراً وقعت موضوعاً لأحكام شرعية نظير :
1. الاستطاعة: قال سبحانه: (وَ للّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً). 1
2. الفقر: قال سبحانه: (إِنّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ... وَ ابْنِ السَّبِيلِ).(2)

1 . آل عمران: 97.   2 . التوبة: 60.

صفحه 110
3. الغنى: قال سبحانه: (وَمَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِف وَمَنْ كانَ فَقيراً فليَأكُل بِالمَعْرُوفِ). 1
4. بذل النفقة للزوجة: قال سبحانه: (أسكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سكَنتُم مِنْ وُجِدْكُمْ). 2
5. إمساك الزوجة بالمعروف: قال سبحانه: (فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ أَوْ سَرِّّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف).3
ومن الواضح انّ مصاديق هذه الموضوعات تتغير حسب تغير أساليب الحياة، فالإنسان المستطيع بالأمس للحجّ، لا يعد مستطيعاً اليوم، لكثرة حاجات الإنسان في الزمان الثاني دون الأوّل ، وبذلك يتضح حال الفقر والغنى، فربّ غني بالأمس فقير اليوم.
ـ كما أنّ نفقة الزوجة في السابق كانت منحصرة في الملبس والمأكل والمسكن، وأمّا اليوم فقد ازدادت حاجاتهاعلى نحو لو لم يقم الرجل ببعض تلك الحاجات يعد عمله بخساً لحقها، وامتناعاً من بذل نفقتها.
ـ إنّ المثلي والقيمي والمكيل و الموزون موضوعات للأحكام الشرعية، مثلاً: لا تجوز معاوضة المتماثلين إذا كان مكيلاً أو موزوناً إلاّبمثله قدراً ووزناً، دون المعدود والموزون، فيجوز تبديلهما بأكثر منهما فالمثلي

1 . النساء: 6.
2 . الطلاق: 6.
3 . البقرة: 231.

صفحه 111
يضمن بالمثلي، والقيمي بالقيمي، وقد عُرِّف المثلي بكثرة المماثل، والقيمي بقلّته، ولذلك عُدت الثياب والأواني من القيميات، لكن صارا اليوم بفضل الصناعة الحديثة، مثليين .
ثمّ إنّ المتبع في كون شيء مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً هو عرف البلد الذي يتعامل فيه وهو يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان.
وبذلك اتضح انّ عنصري الزمان والمكان يؤثران في صدق المفاهيم في زمان دون زمان.

الثاني: تأثيرهما في تغير الحكم بتغيّر مناطه

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً، وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من قبل الشارع، والقسم الأوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.
فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب تغير الظروف فيتغير الحكم قطعاً، مثلاً:
1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك

صفحه 112
حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراؤه.1
قال السيد الإمام الخميني: الأقوى جواز الانتفاع بالدم في غير الأكل وجواز بيعه لذلك.2 و على ذلك تعارف من بيع الدم من المرضى وغيرهم لا مانع منه فضلاً عمّا إذا صالح عليه أو نقل حق الاختصاص ويجوز نقل الدم من بدن إنسان إلى آخر، وأخذ ثمنه بعد تعيين وزنه بالآلات الحديثة، ومع الجهل لا مانع من الصلح عليه، والأحوط أخذ المبلغ للتمكين على أخذ دمه مطلقاً، لا مقابل الدم ولا يترك الاحتياط ما أمكن.
2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الإسلام، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور»3 ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الأعضاء لغاية الانتقام والتشفّي، ولم تكن يومذاك أية فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية رغبة نفسية ذميمة ـ الانتقام ـ ولكن ظهرت اليوم فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الأعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.ويمكن أن يكون من هذه المقولة المثال التالي:
3. لا شكّ انّ التوالد والتناسل أمر مرغوب في الشرع. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، قال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «تزوّجوا فإنّي

1 . المكاسب المحرّمة: 1/57.
2 . المكاسب المحرّمة: 1/57.
3 . لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

صفحه 113
مكاثر بكم الأُمم غداً يوم القيامة».1
وروى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً، لعلّ اللّه يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلاّ اللّه».2
حتى أنّه سبحانه يمن على عباده بكثرة المال والبنين، ويقول: (اسْتَغفِروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكمْ مِدرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنيِنَ)3.
إلى غير ذلك من الآيات والروايات الحاثّة على تكثير النسل، لكن
ربما تعتري البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة لا تتمكن فيها من
توفير الخدمات اللازمة لمواطنيها، وتأمين حياة كريمة لهم، فعند ذلك ينقلب ملاك الحكم الاستحبابي إلى غيره، لأنّ هدف الشارع من تكثير النسل هو توفير العزّة والمنعة، فإذا تعسّر فحينها يكون تحديد النسل هو الحل المطلوب.
و هناك أمثلة أُخرى لم نستعرضها لعدم ثبوت تغيير الملاك عندنا، كصناعة التماثيل فربما يتصور انّ الملاك في التحريم هو كون صناعة التماثيل ذريعة لعبادة أصحابها، وأمّا اليوم فقد انتفى ذلك الملاك وعادت من الفنون الجميلة.

1 . الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 3.
3 . نوح : 10 ـ 12.

صفحه 114
هذا بالنظر إلى البلاد الإسلامية، وأمّا بالنظر إلى دول جنوب آسيا فالتجسيم هناك رمز العبادة والشرك وذريعة إليه فهل يكفي في الحلّية خلوّ العمل من الملاك في بلد خاص، أو يجب أن يكون كذلك في كافة البلدان أو أغلبها؟ والثاني هو المتعيّن.

الثالث: تأثيرهما في كشف مصاديق جديدة للموضوع

إنّ الزمان والمكان كما يؤثران في تغيّر الملاك وتبدّله، كذلك يؤثران في إسراء الحكم إلى موضوع لم يكن موجوداً في عصر التشريع وذلك بفضل الملاك المعلوم، ولنذكر هنا أمثلة:
1. انّ السبق والرماية من التمارين العسكرية التي تكتسب بها المهارة اللازمة للدفاع عن النفس وللقتال والظاهر من بعض الروايات حصرها في أُمور ثلاثة.
روى حفص بن غياث، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل ـ يعني: النضال ـ».1
وروى عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام) قال: سمعته يقول : «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل ـ يعني النضال ـ».2
وروى الإمام الصادق(عليه السلام) عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يقول: «إنّ

1 . الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 1، 2.
2 . الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 3.

صفحه 115
الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار حرام».1
ومن المعلوم أنّ المناط للسبق بهذه الأُمور هو تقوية البنية الدفاعية، فتحصيل هذا الملاك في هذه الأعصار لا يقتصر على السبق بهذه الأُمور الثلاثة، بل يتطلب وسائل أُخرى أكثر تطوراً.
قال الشهيد الثاني في «المسالك»: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة، وهي من أهمّ الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء اللّه تعالى، الذي هو أعظم أركان الإسلام وبهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهي عن المعاملة عليهما.2
فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره أخذاً بالملاك المتيقن.
وعلى ذلك فالحصر ناظر إلى السبق فيما يعد لهواً كاللعب بالحمام كما في رواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «كلّ لهو المؤمن باطل إلاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته فانّهن حقّ».3
2. الدفاع عن بيضة الإسلام قانون ثابت لا يتغير، وإليه يرشد قوله

1 . الوسائل 13، الباب 3 من أبواب السبق والرماية، الحديث 5.
2 . المسالك: 6 / 69.
3 . الوسائل: 13، الباب 1 من أحكام السبق والرماية، الحديث 5.

صفحه 116
سبحانه:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدُوّكُمْ)1، فكان الدفاع في الصور السابقة بالسهم والنصل والسيف وما أشبه ذلك.
وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل، فقد أصبحت المعدّات الحربية تدور حول الدبابات والمدرعات والصواريخ والطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة.
3. أمر الإسلام بنشر الثقافة والتعليم والتربية وكانت الوسائل المستخدمة في هذا الصدد يوم ذاك لا تتعدى أُموراً بسيطة كالمداد والدواة، ولكن اليوم وفي ظل التقدم العلمي أصبحت وسائل التعليم متطورة للغاية حتى شملت الكامبيوتر والتلفاز والمذياع وشبكة المعلومات «الانترنت».
4. لقد ذهب المشهور إلى تخصيص الاحتكار بأجناس معدودة.
روى السكوني، عن الإمام الصادق عن آبائه(عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الحكرة في ستة أشياء: في الحنطة والشعير والتمر والزيت والسمن والزبيب».2
وروى غياث، عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال:« ليس الحكرة إلاّ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن».3

1 . الأنفال: 60.
2 . الوسائل 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10.
3 . الوسائل 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 4.

صفحه 117
وقد ذهب الشيخ الطوسي في النهاية بعد عدِّها إلى أنّه لا يكون الاحتكار في سوى هذه الأجناس، وتبعه لفيف من الفقهاء. 1
وثمة احتمال آخر وهو انّ الأجناس الضرورية يومذاك كانت منحصرة بما ورد في الروايات على نحو ينجم عن احتكارها أزمة في المجتمع الإسلامي، دون سائر الأجناس، وأمّا اليوم فلا شكّ انّه اتسعت الحاجات وتغيرت فعاد ما لم يكن ضرورياً في الماضي أمراً ضرورياً في عصرنا هذا، فلو أوجدت الحكرة في غير هذه الأجناس نفس الأزمة، يكون الجميع على حد سواء، خصوصاً وانّ الحلبي روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) انّه قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به، هل يصلح ذلك، ثمّ قال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به وإن كان الطعام قليلاً لا يسع الناس فانّه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام».2
فإذا كان الميزان هو وجود ما يسع الناس وعدمه، فلا فرق بين الطعام وغيره، فلا يبعد أن تعمّ حرمة الحكرة إلى غيره.
إذ من المعلوم انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات فانّها شرعت على أساس المصالح والمفاسد، وهذا يقتضي استيعاب الحكرة لغير ما نصّ عليه، وقد عرفت أنّ الروايات الحاصرة ناظرة إلى عمدة ما يحتاج إليه الناس في العصور الماضية.

1 . الحدائق الناضرة: 18/62.
2 . وسائل الشيعة:12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.

صفحه 118
و هذا هو خيرة صاحب الجواهر فانّه قال: بل هو كذلك في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة ويضطرون إليه ولا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها، من غير تقييد بزمان دون زمان، ولا أعيان دون أعيان، ولا انتقال بعقد، ولا تحديد بحدّ، بعد فرض حصول الاضطرار... بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء ولو مع عدم حاجة الناس ووفور الأشياء، بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحبه وإن لم يقصد الإضرار، ويمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك.1
وقال أيضاً: لو اعتاد الناس طعاماً في أيّام القحط مبتدعاً جرى فيه الحكم لو بني فيه على العلة وفي الأخبار ما ينادي بأنّ المدار على الاحتياج وهو مؤيد للتنزيل على المثال، وإن كان فيه مالا يخفى.2
وإلى ذلك ذهب فقيه عصره السيد أبوالحسن الاصفهاني، قال: الاحتكار وهو حبس الطعام وجمعه يتربص به الغلاء حرام مع ضرورة المسلمين وحاجتهم وعدم وجود من يبذلهم قدر كفايتهم ... وإنّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن، و كذا الزيت والملح على الأحوط لو لم يكن الأقوى، بل لا يبعد تحققه في كلّ ما يحتاج إليه عامة أهالي البلد من الأطعمة كالارز والذرة بالنسبة إلى بعض البلاد.3

1 . جواهر الكلام:22/481.
2 . جواهر الكلام:22/483.
3 . وسيلة النجاة: 2/8.

صفحه 119
وقال المحقّق الحائري: إذا فرض الاحتياج إلى غير الطعام من الأُمور الضرورية للمسلمين كالدواء والوقود في الشتاء بحيث استلزم من احتكارها الحرج والضرر على المسلمين فمقتضى أدلة الحرج والضرر حرمته وإن لم يصدق عليه لغة الاحتكار.
ويمكن التمسّك بالتذييل الذي هو في مقام التعليل بحسب الظاهر المتقدم في معتبر الحلبي، بناء على أنّه إذا كان الظاهر أنّ التعليل بأمر ارتكازي فيحكم بإلغاء قيد الطعام، لأنّه ليس بحسب الارتكاز إلاّمن جهة توقّف حفظ النفس عليه، فإذا وجد الملاك المذكور في الدواء مثلاً فلا ريب انّه بحكمه عرفاً، وهذا يوجب إلغاء الخصوصية المأخوذة في التعليل.1
أقول: إنّ صاحب الجواهر والمحقّق الحائري حكما بتحريم الاحتكار لأجل الاضطرار، فصارت الحرمة حكماً ثانوياً .
ولكن الحقّ انّ الحرمة حكم أوّلي لما عرفت من أنّ الملاك هو كون الناس في السعة والضيق فيجوز في الأوّل، ويحرم في الثاني، ولا أظن انّ الضيق الناجم عن احتكار الدواء للمرضى والجرحى أقل وطأة من حكر الملح والسمن والزيت.2

1 . ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة: 1/197.
2 . راجع في حكم الاحتكار، مفتاح الكرامة:4/107; مصباح الفقاهة:5/498.

صفحه 120
 
الرابع: تأثيرهما في تغير أساليب تنفيذ الحكم
1.تضافرت النصوص على حلّية الأنفال للناس، ومن الأنفال: الآجام والأراضي الموات، وقد كان انتفاع الناس بها في الأزمنة الماضية لا يورث مشكلة في المجتمع، وذلك لبساطة الأدوات المستخدمة وقتذاك، ومحدودية الاستفادة منها، ولذا لم يكن هناك أيّ ملزم للحد من انتفاع الناس من الأنفال، وأمّا اليوم فقد تطورت أساليبُ الانتفاع بها وازداد جشع الإنسان حيالها، فدعت الضرورة إلى وقف الاستغلال الجشع لهذه الأنفال من خلال وضع قوانين كفيلة بتحديد هذا الانتفاع.
2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لأصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور حول السيف و الرمح والسهم والفرس وغير ذلك، ومن المعلوم انّ تقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك ، وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل فقد أصبحت الغنائم الحربية تشمل الدبابات والمدرّعات والحافلات و الطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة ، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسّر، فعلى الفقيه أن يتخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنه.
3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من

صفحه 121
الطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحس بحرج شديد في تطبيق أعمال الحج على هذه الفتاوى، ولكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء رؤى وسيعة في تنفيذ تلك الأحكام على موضوعاتها ، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة والحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.
كانت الفتاوى في الأعصار السابقة على تحديد المطاف بـ 26 ذراعاً، ومن المعلوم انّ هذا التحديد كان يرجع فيما إذا كان عدد الحجاج لا يزيد على 100ألف حاج، وأمّا اليوم فعدد الطائفين تجاوز هذا الحد بكثير حتى بلغ عددهم في هذه الأعصار إلى مليوني حاج بل أزيد، فإذا خوطب هؤلاء بالطواف على البيت فهل يفهم منه انّه يجب عليهم الطواف بين الحدين؟ إذ معنى ذلك أن يحرم الكثير من هذه الفريضة، أو يفهم منه إيجاد التناوب بين الطائفين حتى لا يطوف حاج طوافاً ندبياً إلى أن يفرغ الحجاج من الفريضة، أو يفهم منه ما فهمه الآخرون من أنّهم يطوفون بالبيت الأقرب فالأقرب؟وإلى تينك الحالتين تشير الروايتان التاليتان1 :
1. فقد روى محمد بن مسلم مضمراً، قال :سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت؟ قال: «كان النّاس على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام

1 . الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 2.

صفحه 122
وبين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حدّ ولا طواف له».
2.محمّد بن علي الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطواف خلف المقام ؟ قال: «ما أحبّ ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بداً».
فالأُولى ناظرة إلى الحالة التي يتمكن الحاج من الطواف بين الحدين بلا مشقة كثيرة، ولعلّ الإمام المروي عنه هو أبو جعفر الباقر (عليه السلام) ، ولم يكن يوم ذاك زحام كثير; والثانية منهما ناظرة إلى عصر الزحام بحيث يعسر للحاج أن يراعي ذلك الحدّ.
3. أفتى القدماء بأنّ الإنسان يملك المعادن المركوزة في أرضه تبعاً لها دون أي قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، فلم يكن بمقدور الإنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعد تبعاً لأرضه، ولكن مع تطور الوسائل المُتاحة للاستخراج، استطاع أن يتسلط على أوسع مما يعدّتبعاً لأرضه، وانطلاقاً من ذلك لا يبقى مجال للإفتاء بأنّ صاحب الأرض يملك المعدن المركوز تبعاً لأرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها عرفاً، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الأنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الإمام.

صفحه 123
نعم لا ينبغي التأمل في قيام السيرة العقلائية بل وكذا الشرعية ـ و إن انتهت إليها ـ على دخولها في ملك صاحب الأرض بتبع ملكه للأرض، فتلحق الطبقة السافلة بالعالية والباطنة بمحتوياتها بالظاهرة أخذاً بقانون التبعية وإن لم يتم هذا الإلحاق من ناحية الإحياء حسبما عرفت، ومن ثمّ لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدناً ملكه وليس للبائع مطالبته بذلك، لأنّه باعه الأرض بتوابعها.
ولكن السيرة لا إطلاق لها والمتيقن من موردها ما يعد عرفاً من توابع الأرض وملحقاتها كالسرداب والبئر وما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي فما يوجد أو يتكون ويستخرج من خلال ذلك فهو ملك لصاحب الأرض بالتبعية كما ذكر.
وأمّا الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كآبار النفط العميقة جداً التي ربما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين، أو الآبار العميقة المستحدثة أخيراً لاستخراج المياه من عروق الأرض البالغة في العمق والبعد نحو ما ذكر أو أكثر، فلا سيرة في مثله ولا تبعية، ومعه لا دليل على إلحاق نفس الأرض السافلة بالعالية في الملكية فضلاً عن محتوياتها من المعادن ونحوها.
نعم في خصوص المسجد الحرام ورد أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء. ولكن الرواية ضعيفة السند. و من ثمّ ذكرنا في محله لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الأقطار لا ما يسامتها من شيء من الجانبين.

صفحه 124
4. انّ روح القضاء الإسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها،وكان الأُسلوب المتبع في العصور السابقة هو أُسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية، وكان هذا النوع من القضاء مؤمّناً لهدف القضاء، ولكن اليوم لما دبّ الفساد في المحاكم، وقلّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل أُسلوب القضاء إلى أُسلوب محكمة القضاة الجمع، و تعدّد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط.

الخامس: تأثيرهما في بلورة موضوعات جديدة

إنّ التطور الصناعي والعلمي أسفر عن موضوعات جديدة لم يكن لها وجود من ذي قبل، فعلى الفقيه دراسة هذه الموضوعات بدقة و إمعان و لو بالاستعانة بأهل الخبرة والتخصص في ذلك المجال، وها نحن نشير إلى بعض العناوين المستجدة.
1. التأمين بكافة أقسامه، فهناك من يريد دراسة هذا الموضوع تحت أحد العناوين المعروفة في الفقه كالصلح والضمان وغيره، مع أنّه عقد مستقل بين العقلاء، فعلى الفقيه دراسة ذلك العنوان كالموجود بين العقلاء.
2. لقد ظهرت حقوق عقلائية مستجدّة لم تكن مطروحة بين العقلاء، كحقّ التأليف، وحقّ براءة الاختراع، وحق الطبع، وحق النشر، وغيرها من الآثار الخلاّقة، وهذا ما يعبر عنه بالمالكية الفكرية وقد أقرّ بها الغرب واعترف بها رسمياً، ويعدّ المتجاوز على هذه الحقوق متعدياً.

صفحه 125
3. المسائل المستجدّة في عالم الطب كثيرة مثل التلقيح الصناعي ، و زرع الأعضاء وبيعها، والاستنساخ البشري، والتشريح، وتغيير الجنس، إلى غير ذلك من المسائل.
4. الشركات التجارية، التي تقوم بدور أساسي في الحياة الاقتصادية، وهي على قسمين: شركات الأشخاص، وشركات الأموال.
أمّا الأُولى، فمثل التضامن، وشركات التوصية، والشركات الخاصة .
وأمّا الثانية فأهم أقسامها: شركات المساهمة، فعلى الفقيه استنباط حكم هذه الشركات على ضوء النصوص والقواعد.
***
إلى هنا تبيّن أنّ تغيير الأحكام من خلال تبدّل الظروف خاضع لأُصول صحيحة لا تتنافى مع سائر الأُصول وليس التغيير في ضوئها مصادماً لحصر التشريع أو لتأبيد الأحكام أو سائر الأُصول.

السادس: تأثيرهما في تفسير القرآن الكريم

لا ينحصر تأثير الزمان والمكان على الاستنباط بل يشمل حقل التفسير أيضاً، فإنّ للقرآن الكريم آفاقاً لا متناهية، تتجلّى أمام الفكر النيّر العميق، و هو كما وصفه الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عندما سأله سائل: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلاّ غضاضة؟

صفحه 126
فأجاب (عليه السلام) : «إنّ اللّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة».1
فالإمام الرضا (عليه السلام) لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط، بل يشير أيضاً إلى سرّ خلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول.
فكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف الذي لا يزيد الباحثَ عن حقائقه وأسراره إلاّ معرفة بأنّه لا يزال في الخطوات الأُولى على طريق الوصول إلى مكامنه الخفية وأغواره السحيقة، وكتاب اللّه تعالى مثل عالمنا هذا، حافل بالحقائق والأسرار والعجائب التي لا تنقضـي،لأنّه منزل من عند اللّه الذي لا تتصور له نهاية، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعـاد، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته، ويُثبت بنفسه أنّه من عنده، ويضمّ بين دفتيه مثل عالمنا هذا، حافل بما يدلّ على أنّه كتاب سماوي، و ليس من صنع البشر، وهو خالد إلى ما شاء اللّه تعالى.
إنّ نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزية التي تعدّ من أهم مزاياه، حيث يقول في وصفه للقرآن: «له ظهر وبطن، وظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة».2

1 . البرهان في تفسير القرآن: 1/28.
2 . الكافي :2/599، كتاب القرآن.

صفحه 127
فلنستعرض مثالاً يتبيّن فيه دور الزمان في كشف اللثام عن مفهوم الآية.
إنّّه سبحانه يصف عامة الموجودات بالزوجية من دون فرق بين ذي حياة وغيره، يقول: (وَمِنْ كُلِّ شَيء خَلقْنا زَوجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)1.
و قد شغلت الآية بال المفسرين و فسّروها بما وصلت إليه علومهم، قال الراغب في تفسير الآية: وفي الآية تنبيه على أنّ الأشياء كلّها مركبة
من جوهر وعرض، ومادة وصورة، وان لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعاً وأنّه لابدّ له من صانع، تنبيهاً على أنّه تعالى هو الفرد، فبيّن
أنّ كلّ ما في العالم زوج، حيث إنّ له ضداً أو مثلاً ما، أو تركيباً ما، بل لا
ينفك بوجه من تركيب وإنّما ذكر هاهنا زوجين، تنبيهاً على أنّ الشيء وإن لم يكن له ضد ولا مثل، فإنّه لا ينفك من تركيب جوهر وعرض، وذلك زوجان.2
غير أنّ الزمان فسّر حقيقة هذه الزوجية العامة، بتركيب الذرّة (Atom) من جزأين معروفين.
وقد عبّر القرآن عن هذين الجزأين الحاملين للشحنتين المختلفتين، بالزوجية، حتى لا يقع موقع التكذيب والردّ، إلى أن يكشف الزمان مغزى الآية ومفادها.

1 . الذاريات: 49.
2 . مفردات الراغب: 216، مادة «زوج».

صفحه 128
وبذلك يعلم سرّ ما روي عن ابن عباس انّه قال: إنّ القرآن يفسره الزمان.1
فكما أنّ الزمان يفسر الحقائق الكونية الواردة في القرآن الكريم فكذلك يفسر إتقان تشريعه في مجال الفرد والمجتمع، كما هو أيضاً يفسر أخباره الغيبية الواردة فيه، وعلى ذلك فللزمان دور في الإفصاح عن معاني الآيات كدوره في استنباط الأحكام.

السابع: تأثيرهما في تفسير السنّة

ربما يرى الباحث اختلافاً في السنة المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين، فيعمد إلى رفع الاختلاف بوجوه عديدة مذكورة في الكتب الأُصولية، ولكن ثمة حل لطائفة من هذه السنن المتخالفة ، وهو أنّ لكلّ من الحكمين ظرفاً زمانياً خاصاً يستدعي الحكم على وفقه، فإذا كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد حارب قريشاً في بدر و أحد فلمصلحة ملزمة في ذلك الزمان، وإذا أظهر المرونة وتصالح معهم في الحديبية فلمصلحة ملزمة أيضاً، ولذا لم يُصغِ إلى مقالة من قال: «أنعطي الدنيّة في ديننا» وتصور أنّ في الصلح تنازلاً عن الرسالة الإلهية والأهداف السامية وغفل عن آثاره البنّاءة التي كشف عنها سير الزمان كما هو مذكور في تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . راجع النبات في حقل الحياة، تأليف نقي الموصلي، الشيخ العبيدين.

صفحه 129
 
التفسير الخاطئ لتأثير الزمان والمكان
لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، إذ انّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى، و هذا الأصل وإن خالف فيه بعض المتكلّمين، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه وسنّة نبيّه ونصوص خلفائه (عليهم السلام) .
ترى أنّه سبحانه يعلل حرمة الخمر والميسر بقوله:
(إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ فِي الخَمْرِوَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) 1.
ويستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنْكَر)(2) إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي أُشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.
وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».2
والآيات القرآنية تشهد بجلاء على ما قاله الإمام الطاهر حيث إنّها تعلّل

1 . المائدة: 91.   2 . العنكبوت: 45.
2 . مستدرك الوسائل: 3/71.

صفحه 130
تشريع الجهاد بقوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِمُوا) 1 كماتعلّل القصاص بقوله: (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْباب لعَلَّكُمْ تَتَّقُون)2.
إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بوضوح، ومع أنّ المعروف عن الإمام الأشعري هو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بزعم انّ القول بذلك يستلزم تضييقاً للإرادة الإلهية، ولكن المحقّقين من أهل السنة على خلاف ذلك، منهم الشاطبي، قال في موافقاته:
وقد ثبت أنّ الشريعة موضوعة لتحقيق مصالح الناس عاجلاً أم آجلاً، إمّا بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر والفساد عنهم، كما دلّ عليه الاستقراء وتتبع مراد الأحكام.3
وعلى ضوء ذلك فالمصالح المستكشفة عبر الزمان إذا كانت مصالح عامة أو مفاسد كذلك ولم يرد في موردها أمر ولا نهي، فللفقيه أن يستكشف من المصلحة الملزمة أو المفسدة كون الشيء واجباً أم حراماً وذلك، كتعاطي المخدرات في مورد المفاسد، و تزريق الأمصال فيما إذا انتشر الداء في المجتمع الذي لا ينقذه إلاّ التزريق، ففي هذه الموارد التي ليس للإسلام فيها حكم إلزامي يمكن أن يستكشف الوجوب أو الحرمة ببركة إدراك العقل للمصلحة النوعية أو المفسدة كذلك.

1 . الحج: 39.
2 . البقرة: 179.
3 . الموافقات:2/6.

صفحه 131
إنّ استكشاف العقل للمصالح والمفاسد إنّما يقع ذريعة للتشريع إذا كان المورد من موارد «منطقة الفراغ» أي لم يكن للشارع هناك حكم بالإلزام بالفعل أو الترك، وأمّا إذا كان هناك حكم شرعي قطعي فلا يصح للمستنبط تغيير الحكم بالمصالح والمفاسد المزعومة، فإنّه يكون من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو أمر غير جائز، وقد عرفت في صدر البحث انّ تأثير الزمان والمكان إنّما هو في الأحكام الاجتهادية دون الأحكام المنصوصة.
والحاصل انّه إذا كان هناك نص من الشارع ولم يكن الموضوع ضمن (منطقة الفراغ) فلا معنى لتقديم المصلحة على النص، فانّه تشريع محرّم يُتّخذ ذريعة للتخلص من الالتزام بالأحكام الشرعية.
وبذلك يعلم أنّ ما صدر من بعض السلف في بعض الموارد من تقديم المصالح على النصوص قد جانب الصواب بلا شكّ كالمثال التالي:
دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، من دون أن يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً. وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الأوّل وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمضي من الطلقات الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني، وسرعان ما عدل عن ذلك قائلاً : إنّ الناس
قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.1

1 . صحيح مسلم: 4/183، باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.

صفحه 132
جدير بالذكر أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة، أمر خاطئ، ولو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه، و مع ذلك حاول بعضهم تبريره بتغيّر الأحكام بالمصالح والمفاسد، لا سيما ابن قيم الجوزية، الذي قال: لمّا رأى الخليفة الثاني انّ مفسدة تتابع النصّ في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّ بإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع، أمضى عمل الناس، وجعل الطلاق ثلاثاً، ثلاثاً.1
يلاحظ عليه : أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر، لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع، وجعله مشروعاً.
والعجب انّ ابن القيم التفت إلى ذلك، وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب، قائلاً: قال الخليفة الثاني: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث.2
و هنا كلمة للشيخ محمد شلتوت شيخ الأزهر حول عدّ الاجتهاد من مصادر التشريع حيث قال فيها:

1 . أعلام الموقعين:3/48.
2 . أعلام الموقعين: 3/36، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1/336.

صفحه 133
ويشمل الاجتهاد أيضاً، النظر في تعرف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع، التي عرفت من جزئيات الكتاب وتعرفات الرسول، وأخذتْ في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة.
وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح. وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير اللّه، ومنحهم حق التفكير و النظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأُصول التشريعية، فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات، ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا.1
ما ذكره حقّ ليس وراءه شيء إلاّ أنّي لا أوافقه في قوله: «ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة» فإنّه هفوة من الأُستاذ، إذ أي أصل وحكم شرعي منصوص لا يتفق مع ما يجدّ من شؤون الحياة؟ وليس ما ذكره إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النص، وهو تشريع محرم، وتقدّم على اللّه ورسوله، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِه)(2).
ومن هنا يُفترض بكلّ مسلم أن يتجنّب هذا النوع من الاستصلاح.

1 . رسالة الإسلام، السنة الرابعة، العدد الأوّل، ص5.   2 . الحجرات: 1.

صفحه 134
 
البحث الرابع

دراسة في تأثير الزمان والمكان

في الفقه السنّي

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديماً وحديثاً، وإليك التنويه بأسمائهم وببعض كلماتهم:
1. ابن القيم الحنبلي (المتوفّى 751 هـ) يقول في فصل «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد» :
هذا فصل عظيم النفع، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة، وتكليف مالا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة.1

1 . اعلام الموقعين:3/14 ط دار الفكر وقد استغرق بحثه 56 صفحة . فلاحظ.

صفحه 135
2. السيد محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين»1 ، قال ما نصّه:
اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يُبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعدَ الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمِهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه.
ثمّ إنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف.2 ولنذكر بعض الأمثلة:
أ. افتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلِّمين التي كانت في الصدر الأوّل، ولو اشتغل المعلِّمون بالتعليم بلا أُجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة وصناعة،

1 . هو محمد أمين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد عام 1198هـ وتوفي عام 1252هـ، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.
2 . انظر رسائل ابن عابدين: 2/123ـ145.

صفحه 136
يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأُجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأُجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.
ب. قول الإمامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول اللّه بالخيريّة، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، وقد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان، لا اختلاف حجّة وبرهان.1
ج. تحقّق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثمّ كثر الفساد فصار يتحقّق الإكراه من غيره، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره، وأفتى به المتأخّرون لذلك.
وقد ساق الأمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة.

1 . الظاهر انّه يريد بالإمامين تلميذي أبي حنيفة: أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ولم يكن الفارق الزمني بين الإمام أبي حنيفة وبينهما طويلاً، فقد توفّي أبو حنيفة عام 150هـ وتوفّي أبو يوسف عام 182هـ وتوفي الشيباني عام 189هـ . وإذا كان كذلك فلماذا يعدّون القرون الثلاثة الأُولى خير القرون، والحقّ انّ بين السلف والخلف رجالاً صالحين وأشخاصاً طالحين، ولم يكن السلف خيراً من الخلف، ولا الخلف أكثر شرّاً من السلف وإنّما هي دعايات فارغة فقد شهد القرن الأوّل وقعة الطفّ والحرّة في المدينة.

صفحه 137
3.و قد طرق هذا البحث أيضاً الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال ما نصّه:
الحقيقة انّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلاّ تبدّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تُحدَّد من الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يُختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً.
ثمّ إنّ الأُستاذ جعل المنشأ لتغير الأحكام أحد أمرين:
أ. فساد الأخلاق، وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان.
ب. حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل فرضية، وأساليب اقتصادية.
ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد، ولنذكر كلا الأمرين وأمثلتهما.

أ. تغيير الأحكام الاجتهادية لفساد الزمان

1. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّ المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرّع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ

صفحه 138
فيها تصرّفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية.
ثمّ لما فسدت ذمم الناس وكثر الطمع وقلّ الورعُ وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي والحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلاّ فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله 1.
هذا في الفقه السنّي، وأمّا في الفقه الإمامي فليس ثمة مشكلة تقتضي التوسل بعنصر الزمان، والالتزام بتغيّر الأحكام في ظلّه، لأنّ للمحجور حالتين:
الأُولى: إذا حجر عليه الحاكم وحكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمَّته، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والإجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلاّ بإذنهم وإجازتهم.
الثانية: إذا لم يُحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد به الفرار من أداء الديون ولا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، وقسم آخر(كالصلح أو الهبة) يريد به الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاتـه ـ فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل.2

1 . المدخل الفقهي العام:2 / 926 ، برقم 543.
2 . لاحظ وسيلة النجاة:133، كتاب الحجر، المسألة الأُولى; تحرير الوسيلة:2/16.

صفحه 139
وجهه: انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بـأصحاب الديون فلا يكون نافذاً، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوسل بعنصر «فساد الزمان».
2. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيَّبت، لأنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الإجارة ولا عقد في الغصب.
ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّؤ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أُجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للاستغلال على خلاف الأصل القياسي في المذهب زجراً للناس عن العدوان لفساد الزمان.
ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الأئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالأعيان، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح.1

1 . المدخل الفقهي العام:2 / 927، برقم 544.

صفحه 140
أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه قضى أنّ الخراج بالضمان.1
فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، وذلك لأنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً، لأنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلاً: إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.
هذا هو معنى الحديث، وعليه شرّاح الحديث 2 ولا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه.
والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول

1 . مسند أحمد : 6/49; سنن الترمذي:3، كتاب البيوع برقم 1286; سنن النسائي: 7/254، باب الخراج بالضمان.
2 . لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي على سنن النسائي وغيره.

صفحه 141
اللّه إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان».1
وقد ورد من طرقنا أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا سمع بفتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الأرضُ بركتها».2
ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»والمنافع مال، ولأجل ذلك يجعل ثمناً في البيع وصداقاً في النكاح، مضافاً إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة،وعلى ذلك فليس هاهنامشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، ولم يكن الحكم المزعوم حكماً شرعيّاً حتى يتغير لأجل فساد أهل الزمان.
3. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت مؤجّل مهرها تُلْزم بمتابعة زوجها حيث شاء، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الأخلاق وغلبة الجور، وانّ كثيراًمن الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا نصير، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت مؤجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها إلى مكان إلاّ إذا كان وطناً لها وقد جرى فيه عقد الزواج بينهما، وذلك لفساد الزمان وأخلاق

1 . سنن ابن ماجة:2، برقم 2243.
2 . وسائل الشيعة: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 1. والحديث طويل جدير بالمطالعة.

صفحه 142
الناس، وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب.1
أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقاً شرعياً في باب النكاح، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذاالاشتراط مخالفاً للكتاب والسنّة.
ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّاً لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الإخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج والضرر، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.
4. في أصل المذهب الحنفي وغيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستنداً لقضائه، ويغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر وغيره، ولكن لوحظ فيما بعد أنّ القضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا، ولم يعد يختار للقضاء الأوفر ثقة وعفة وكفاية بل الأكثر تزلّفاً إلى الولاة وسعياً في استرضائهم وإلحافاً في الطلب.
لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي

1 . المدخل الفقهي العام:2 / 928، برقم 546.

صفحه 143
في القضاء بل لابدّ أن يستند قضاؤه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقداً أو قرضاً أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما وجحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعدما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زوراً، وميلاً إلى الأقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات لكنّه يدفع باطلاً كثيراً، وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.
على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أُمور الحسبة والتدابير الإدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها، أو علم بغصب مال; فإنّ له أن يحول بين الرجل ومطلقته، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات.1
أقول: يشترط المذهب الإمامي في القاضي: العدالة والاجتهاد المطلق، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء ولا ينفذ حكمه.
وعلى ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد، لأنّ العدالة تصدّه عن ارتكاب الآثام.
ولوافترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق اللّه سبحانه، كما إذا علم أنّ زيداً زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك، فلا يصحّ له إقامة الدعوى وإجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي

1 . المدخل الفقهي العام:2 / 928 ـ 929، برقم 546.

صفحه 144
والمدعي من غير فرق بين كونه عادلاً أو غيره.
وأمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه وإلاّ فلا يجوز، وقد حقّق ذلك في كتاب القضاء.
5. من المبادئ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعاً لا يصحّ استئجاره فيه ولا يجوز له أخذ أُجرة عليه، ومن فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات والأعمال الدينية الواجبة كالإمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الأُجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً لأنّه واجب ديني.
غير أنّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات، وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلاّ بالأجر، ولذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الأُجور عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس.1
أمّا الفقه الإمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين:
الأوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّاً لهذه الأغراض لا تبذل الأُجرة في مقابل العمل، بل الحاكم يؤمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.

1 . المدخل الفقهي العام:2 / 930، برقم 547.

صفحه 145
الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الأُجرة حراماً منصوصاً عليه وكان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان ولكن يمكن الجمع بين الأمرين وتحليله عن طريق آخر، وهو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء والأذان والإفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي والقاضي والمؤذن والمعلم حتى يتفرّغوا لأعمالهم العبادية بلا هوادة وتقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أُجرة لهم وإنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.
وبعبارة أُخرى: القاضي والمفتي والمؤذّن والمعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، ولكن بما انّ الاشتغال بهذه المهام يتوقّف على سد عيلتهم ورفع حاجتهم فالمعنيّون من المؤمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم وإلاّ فكما أنّ الإفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم ولعيالهم أيضاً واجب. وعند التزاحم يقدّم الثاني على الأوّل إذ في خلافه، خوف هلاك النفوس وانحلال الأُسرة، ولكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق الذي أشرنا إليه.
6. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ والأمانة، وأنّ عدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن الكريم لقبول شهادتهم، وأيّدتها السنّة وأجمع عليها فقهاء الإسلام.
غير أنّ المتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت

صفحه 146
بها النصوص لفساد الزمن وضعف الذمم وفتور الحس الديني الوازع، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة.
ومعنى الأمثل فالأمثل: الأحسن فالأحسن حالاً بين الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية.1
أقول: إنّ القرآن ـ كما تفضّل به الكاتب ـ صريح في اشتراط العدالة في تنفيذ الشهادة، يقول سبحانه:(وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ)2 وقال سبحانه: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ) 3.
مضافاً إلى الروايات الواردة في هذا المضمار، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب، ولكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن والشواهد التي منها شهادة الأمثل فالأمثل التي تثبت أحد الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي، ويكون علمه قابلاً للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الأمثل فالأمثل.
ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق،

1 . المدخل الفقهي العام:2/933ـ934 برقم551.
2 . البقرة: 282.
3 . الطلاق:2.

صفحه 147
فكذلك هو مظنّة الإضرار بالمحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه، فالأمر يدور بين المحذورين .
لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب وإن كان فاسقاً في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لأجل فساد الزمان.
7. أفتى المتأخّرون في إثبات الأهلّة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين، ولو لم يكن في السماء علّة تمنع الرؤية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلاّ برؤية جمع عظيم، لأنّ معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادّعاء الرؤية مظنّة الغلط أو الشبهة.
وقد علّل المتأخّرون قبول رؤية الاثنين بقعود الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة.1
وأمّا في الفقه الإمامي، فلا يعتبر قول العدلين عند الصحو وعدم العلّة في السماء إذا اجتمع الناس للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.
وأمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للرؤية ـ كما هو مورد نظر الكاتب حيث

1 . المدخل الفقهي العام:2/934 برقم549.

صفحه 148
قال: لقعود الناس عن التماس رؤية الهلال ـ فقبول قول العدلين على أساس القاعدة لا على خلافها، فليس للزمان هنا تأثير في الحكم الشرعي.
وبعبارة أُخرى: ليس في المقام دليل شرعي على وجه الإطلاق يدل على عدم قول العدلين في الصحو وعدم العلّة في السماء حتّى يؤخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين: كان هناك اجتماع للرؤية أم لم يكن، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور، وهو ما إذا كان هناك اجتماع للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بحيث قوى احتمال الاشتباه في العدلين، وأمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحالها، ومنها ما إذا ادّعى العدلان و لم يكن اجتماع ولا تكاذب ولا مظنّة اشتباه.
هذه هي المسائل التي طرحها الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا مثالاً لتغيّر الآراء الفقهية والفتاوى لأجل فساد الزمان، وقد عرفت أنّه لا حاجة لنا إلى العدول عن الحكم الشرعي، وذلك لأحد الأمرين التاليين:
أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الأوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة.
ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الأوّلي، كما في الأمثلة الباقية.
***

صفحه 149
 
ب . تغيير الأحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والأوضاع
قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين:
أحدهما: ما يكون ناشئاً عن فساد الأخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان،وقد مرّت عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.
والآخر: ما يكون ناشئاً عن أوضاع تنظيمية، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك، وهذا النوع ـ عند الكاتب ـ كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لأنّها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، والشريعة منزّهة عن ذلك، وقد قال الإمام الشاطبي(المتوفّى790 هـ) في «الموافقات»: لا عبث في الشريعة.
ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها:
1. ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه:«من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأول، عملاً بهذا النهي.
ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من (الخليفة العادل) عمر بن عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط

صفحه 150
بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمَّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة، ولم تبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لأنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع.1
أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:
أوّلاً: روى البخاري أنّ رجلاً من أهل اليمن طلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لأبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة.2
أضف إلى ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر في غير واحد من الموارد بكتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها.3
ومع هذه الموارد الكثيرة التي أذن فيها النبيّ بكتابة الحديث، والعمل به، يُثار الشك في صحة ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

1 . المدخل الفقهي العام: 2 / 933، ويوجد تصحيف في الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام .
2 . صحيح البخاري:1/29، باب كتابة العلم.
3 . سنن الترمذي: 5 / 39، باب كتابة العلم، الحديث 2666; سنن الدارمي: 1 / 125، باب من رخص في كتابة العلم; سنن أبي داود: 2 / 318، باب في كتابة العلم، ومسند أحمد: 2 / 215 و 3 / 162.

صفحه 151
ثانياً: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدَّيْن حفظاً له، واحتياطاً عليه، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!
ثالثاً: العجب من الأُستاذ أنّه سلّم بوجه المنع، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، وكان قد نحته الخطيب البغدادي1 في كتاب «تقييد العلم»2 مع أنّه غير تام، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يُخشى على القرآن أن يختلط به غيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، وهدم أُصوله.
والكلمة الفصل أنّ المنع من كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة، والخسارة التي مُني الإسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا «بحوث في الملل والنحل».3
2. قبل إنشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات، وتعطي كلاً منها رقماً خاصّاً، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لابدّ لصحّته من ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الأربع ليتميّز العقار

1 . أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي(392ـ 463هـ) مؤلّف تاريخ بغداد.
2 . تقييد العلم: 57.
3 . لاحظ: الجزء الأوّل من الكتاب المذكور: 87 ـ 108، نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1427 هـ .

صفحه 152
المعقود عليه عن غيره، وفقاً لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.
ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان أصبح يكتفى قانوناً في العقود بذكر رقم محضر العقار، دون ذكر حدوده، وهذا ما يوجبه فقه الشريعة، لأنّ الأوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت
وسيلة جديدة أسهل وأتم تعييناً وتمييزاً للعقار من ذكر الحدود في
العقود العقارية، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثاً، وقد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.
أقول: إنّ الحكم الشرعي الأوّلي هو معلومية المبيع، وهذا هو لُبُّ الشريعة، وأمّا الباقي فهو بمثابة ثوب يتغير بتغير الأزمان، فلا تحديد العقارات من الجهات الأربع حكم أصلي، ولا ذكر رقم محضر العقار، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي وهو معلومية المبيع وخروجه عن كونه مجهولاً، والشرط يحصل بكلا الوجهين، وتغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.
3. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلاّ بتفريغ العقار وتسليمه فعلاً إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبراً في يد البائع، فيكون هلاكه على ضمانه هو ومسؤوليته، وفقاً للأحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.
ولكن بعد وجود الأحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري، استقر الاجتهاد القضائي أخيراً لدينا على

صفحه 153
اعتبار التسليم حاصلاً بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري، ومن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، لأنّ تسجيل المبيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي، إذ العبرة في الملكية العقارية قانوناً، لقيود السجلّ العقاري، لا للأيدي والتصرفات، وبتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكناً أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استناداً إلى وجوده في يده، وجميع الحقوق والدعاوي المتفرعة عن الملكية، كطلب نزع اليد، وطلب الأُجرة وغير ذلك، تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.
فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الأوضاع القانونية التنظيمية الجديدة.1
أقول: اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية فهو من مال بائعه، والدليل عليه من طرقنا هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».2
وروى عقبة بن خالد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء اللّه فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو

1 . المدخل الفقهي العام:2/931.
2 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 154
في بيته حتى يُقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه».1
وأمّا من طرق أهل السنّة، روى البيهقي عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن وبقي بعض، فقال: ادفعها إليّ فأبى البائع، فانطلق المشتري وتعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه، فقال: ادخل واقبض سلعتك، فوجدها ميتة، فقال له: رد عليَّ مالي، فأبى، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله وارجع إلى جيفتك فادفنها.2
وعلى هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع وتسليم كلّ شيء بحسبه، والجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع وإن كان مشغولاً بأموال البائع أيضاً إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء والاستغلال.
وعلى ضوء ذلك فتسليم البيت والحانوت مثلاً بإعطاء مفتاحهما، وأمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعاً للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة مالم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامناً مع رفع الموانع من تسلّط المشتري على المبيع، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

1 . الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . سنن البيهقي: 5/334، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.

صفحه 155
وبعبارة أُخرى: الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي، وهو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري وقد لا يزامن، كمالو سجّل العقد في السجل ولكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عن التسلّط على المبيع، فمالم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.
على أنّ المشتري بالتسجيل وإن كان يستطيع أن يبيع العقار ولكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له مالم يكن هناك تسليم فعلي.
4. أوجب الشرع الإسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة تعتدها، وهي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر، وذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الإسلام، أهمها، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعاً لاختلاط الأنساب.
وكان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح، تعتبر المرأة داخلة في العدّة، ويُبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة، لأنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرماً واجبَ التنفيذ فوراً، لأنّ القضاء كان مؤسساً شرعاً على درجة واحدة، وليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.
لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض، أو بكليهما. وهذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع، لأنّه من الأُمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة، فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين

صفحه 156
وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلاّ بعد أن يصبح قضاؤه مبرماً غيرخاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. وذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم، أو بإبرام الحكم المطعون فيه لدى المحكمة المطعون لديها ورفضها للطعن حين ترى الحكم موافقاً للأُصول.
فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي، لأنّها لو اعتدّت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها وتتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الأوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه، وهذا النقض يرفع الحكم السابق ويوجب عودة الزوجية.1
أقول: إنّ الحكم الأوّلي في الإسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق2، فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ). 3
نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة والانفصال، والمراد من الحكم بالفرقة أمران:

1 . المدخل الفقهي العام:2/932.
2 . مجمع الزوائد:4/334، باب لا طلاق قبل النكاح.
3 . الطلاق:1.

صفحه 157
أوّلاً: انّ الطلاق لصالح الزوجين.
ثانياً: تولّي إجراء صيغة الطلاق.
فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة، وليس فوقه أحد، له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الأمرين: حق الانفصال وتنفيذه بإجراء صيغة الطلاق ويكون الحكم بالفرقة مبدأً للاعتداد.
ولو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض أو بكليهما، فلأجل الاجتناب عن بعض المضاعفات التي أُشير إليها تقتصر المحكمة الأُولى على الأمر الأوّل ـ إنّ الطلاق لصالح الزوجين ـ ويؤخر الأمر الثاني إلى إبرامه، فعند ذلك تجري صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية وتدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها.
وبذلك يعلم أنّ ما ضرب من الأمثلة لتأثير الزمان والمكان بعيد عمّا يروم إليه، سواء كان العامل للتأثير هو فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، أو حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية، فليس لنا في هذه الأمثلة أيُّ حافز للعدول عمّا عليه الشرع.
وحصيلة الكلام: أنّ الأُستاذ قد صرّح بأنّ العاملين ـ الانحلال الأخلاقي والاختلاف في وسائل التنظيم ـ يجعلان من الأحكام التي أسّسها الاجتهاد في ظروف مختلفة خاضعة للتغيير، لأنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

صفحه 158
ولكنّه في أثناء التطبيق عمد تارة إلى التصرّف في الأحكام الأساسية المؤبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها، ولا أن يحدث بها أيَّ خدش، وأُخرى إلى ضرب أمثلة لم يكن فيها للزمان أيُّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.

صفحه 159
 
6

دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية

ربّما يحصل تزاحم بين الأحكام الأولية ولا يمكن الجمع بينهما فللحاكم هنا دور في تقديم أحدهما على الآخر، فنقول: إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الأوّلية يحلّ العقد في مقامين:
الأوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الأوليّ وأحكام العناوين الثانوية، فتقدم الثانية على الأُولى، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ.
الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين الأحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لولا القضاء والحكومة لفك العقد وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط الشاغل منصبه الولاء لا الإفتاء، أي: بتقديم بعض الأحكام الواقعيّة على بعض في المقام.
بل بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين

صفحه 160
الواقعيين، ولا يحكم الحاكم في المقام إلاّ بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء.
وبعبارة أُخرى: إذا وقع التزاحم بين الأحكام الأوّليّة بعضها مع بعض، فيقدّم بعضها على بعض في ظلّ هذه العناوين الثانويّة،1 ويقوم به الحاكم الإسلاميّ بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العناوين مفاتيح بيد الحاكم، يرتفع بها التزاحم والتنافي، فمعنى مدخليّة الزّمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن لزوم رعاية المصالح العامّة الإسلامية في زمانه ومكانه، حتّى يتّضح أنّ المقام صغرى لأي كبرى من الكبريات، وأيّ حكم من الأحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلاً إجرائيّاً لجريان الأحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الأهمّ وتخطيطاً لحفظ النّظام وعدم اختلاله.
وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الإسلاميّ يتمتّع بميزتين:
الأُولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين وحكمه على وفقها، ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطاً ومستخرجاً منهما، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير حكمه حكوميّاً وولائياً في طول الأحكام الأوّليّة والثّانويّة

1 . العناوين الثانوية عبارة عن:1، الضرورة والاضطرار. 2. الضرر والضرار. 3. العسر والحرج. 4. الأهم فالأهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات والمحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين.
وهذه العناوين أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الأحكام الواقعية والأزمات الاجتماعية .

صفحه 161
وليس الهدف من تسويغ الحكم له إلاّ الحفاظ على الأحكام الواقعيّة برفع التزاحم، ولذلك سمّيناه حكما إجرائيّاً ولائيّاً حكوميّاً لا شرعيّاً ـ مثل: وجوب الوضوء ـ لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الأحكام الواقعية في ظلّ العناوين الثانوية، وما يعالج به حكم لا من سنخ المعالج، ولو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين والتشريع.
الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعاً من المصالح العامّة وصيانة القوانين الإسلامية لايخرج حكمه عن إطار الأحكام الأوّليّة والثّانويّة، ولأجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العناوين الثانويّة، نعم ربّما يقال بأنّ ولاية الفقيه أوسع من إطار الأحكام الأوّلية والثانوية.
والقول بولاية الفقيه على هذا الحد يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العناوين الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تغيّـر الصغريات ولاتمس بكرامة الكبريات.
ولأجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة تتبيّن فيها مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي.
الأوّل: لا شكّ أنّ تقوية الإسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ بيع وشراء التنباك أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الأحكام الأوّلية ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى

صفحه 162
الحاكم العرفيّ امتيازاً للشّركة الأجنبية، فصار بيعه وشراؤه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعيّ آنذاك ـ السيد الميرزا الشّيرازي (قدس سره) ـ انّ استعماله يفتح الباب لسيطرة الكفّار على المجتمع الإسلامي، حكم (قدس سره)بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمال في هذه الفترة كالمحاربة مع وليّ العصر (عليه السلام). 1 فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام واستقلال البلاد، ولايحصل إلاّ بترك استعمال التّنباك بيعاً وشراءً وتدخيناً وغيرها، فاضطرّت الشّركة حينئذ إلى فسخها.
الثاني: إنّ حفظ النفوس من الأُمور الواجبة، وتسلّط النّاس على أموالهم وحرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الإسلام أيضاً، إلاّ أنّ حفظ النفوس ربمّا يتوقّف على فتح الشوارع في البلاد داخلها وخارجها ولا يحصل إلاّ بالتصرّف في الأراضي والأملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو وإلاّ فللحاكم في المقام دور وهو ملاحظة الأهمّ بتقديمه على المهمّ فيقدّم الحكم الأوّل وهو حفظ النفوس على الثاني، ويحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الأمر يضمن لصاحب الأراضي قيمتها السوقية.
الثالث: إنّ إشاعة القسط والعدل ممّا ندب إليه الإسلام وجعله غاية لبعث الرّسل، قال سبحانه: (لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ

1 . أصدر الميرزا الشيرازي الحكم عام 1891م ونصّه كالتالي: بسم اللّه الرّحمن الرحيم: «اليوم استعمال التنباك والتتن، بأي نحو كان، بمثابة محاربة إمام الزمان(عجّ)».

صفحه 163
الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط) 1 .
ومن جانب إنّ النّاس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف والصّنعة وغيرهم، فللحاكم الإسلامي ـ حسب الولاية الإلهيّة ـ الإمعان والدقة والاستشارة والمشورة في حلّ الأزمة الاجتماعية حتّى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين فلو لم تحلّ العقد بالوعظ والنصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: بفتح المخازن وبيع ما احتكر بقيمة عادلة وتسعير الأجناس وغير ذلك.
الرابع: لاشكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية والخارجية، إلاّ أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح.
الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لايستعملونه إلاّ لصنع الخمر وتوزيعه بالخفاء أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع وانحلالاً في شخصيّتهم، فله أن يمنع من بيع العنب إلى هؤلاء.
إلى غير ذلك من المواضيع الكثيرة التي لايمكن للفقيه المفتي أو الحاكم غضّ النّظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى كما لا يخفى.

1 . الحديد: 25 .

صفحه 164
تمّ الكلام في ما يهمنا من التقديم لهذا الجزء من «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» والغرض إكمال ما لم يتوسع فيه المصنّف من الكلام مع أنّها من المباحث المهمة في حياتنا المعاصرة وبهذا الجزء تتم هذه الموسوعة الأُصولية لنابغة عصره ونادرة دهره العلاّمة الحلي (قدس سره).
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم المشرفة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
8 شوال المكرم 1428 هـ

صفحه 165
   
المقصد الثالث عشر:
في الاجتهاد والتقليد
والتعادل والترجيح
وفيه فصول:

صفحه 166

صفحه 167
 
الفصل الأوّل:

في الاجتهاد

وفيه مطالب:

الأوّل: في ماهيته

الاجتهاد لغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأُمور مستلزم للكلفة والمشقة، يقال اجتهد في حمل الثقيل أي استفرغ وسعه فيه، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة.
وأمّا في عرف الفقهاء فهو: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية بحيث ينتفي اللوم عنه بسبب التقصير. فاستفراغ الوسع كالجنس للمعنى اللغوي والاصطلاحي وما بعده مميّز للمعنى الأُصولي عن اللغوي .
وإنّما قلنا: «في طلب الظن» ليخرج الأحكام القطعية .
وقولنا: «بشيء من الأحكام الشرعية» ليخرج الاجتهاد في الأُمور العقلية .
وقولنا: «بحيث ينتفي اللوم بسبب التقصير» ليخرج اجتهاد المقصِّر مع

صفحه 168
إمكان المزيد عليه، فإنّه لا يعد في الاصطلاح اجتهاداً معتبراً .
وهذه سبيل مسائل الفروع ولذلك تسمّى هذه المسائل مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهد، وليس هذه حال الأُصول .
وإذا ثبت هذا فالاجتهاد نسبة وإضافة بين أمرين: أحدهما أن يقال له المجتهد، وهو الناظر المتصف بصفة الاجتهاد ; والثاني المُجتَهد فيه، وهي المسائل الفرعية.
في شرائط المُجتهد   

المطلب الثاني: في المُجتهد

وفيه مباحث:

الأوّل: في شرائطه

وينظمها شيء واحد كون المكلّف بحيث يتمكّن من الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام. وهذه المكنة مشروطة بأُمور 1:
الأوّل: أن يكون عارفاً بمقتضى اللفظ ومعناه، وإلاّ لم يستفد منه شيئاً، فيكون عارفاً باللغة والوضع العرفي والشرعي لجواز النقل عنها.
الثاني: أن يعرف من حال المخاطب أنّه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره، إن تجرّد، أو ما يقتضيه مع القرينة إن وجدت، لأنّه لولا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه، لجواز أن يعني به غير ظاهره مع أنّه لم يبيِّنه. وذلك إنّما

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 496 .

صفحه 169
يحصل بحكمة المتكلّم، وعصمته، والحكم بكونه تعالى حكيماً مبني على العلم بأنّه تعالى عالم بقبح القبيح، وبأنّه غني عنه. وإنّما يتمشّى ذلك على قواعد المعتزلة .
واعتذر الأشاعرة بأنّ جائز الوقوع عقلاً قد يعلم عدم وقوعه، كانقلاب ماء البحر دماً، كذا هنا يجوزمن الله تعالى كلّ شيء لكنّه خلق فينا علماً بديهيّاً بأنّه لا يعني بهذه الألفاظ إلاّ ظواهرها .
وليس بجيد، لتعذّر العلم مع حصول التجويز للنقيض.
الثالث: أن يعرف تجرّد اللفظ أو اقترانه بقرينة إن كانت معه، وإلاّ لجاز فيما حكم بتجرّده أن يكون معه قرينة تصرفه عن ظاهره .
والقرينة إمّا عقلية يظهر بها ما يجوز إرادته من اللفظ ممّا لا يجوز. وإمّا سمعية وهي الأدلة المقتضية للتخصيص. وإمّا في الأعيان أو الأزمان كالنسخ، أو المقتضية لتعميم الخاص كالقياس عند القائلين به، وحينئذ يجب أن يعرف شرائطه .
ولمّا كانت الأدلّة السّمعية نقلية، وجب أن يكون عارفاً بالنقل المتواتر والآحاد، وأن يعرف شرائطهما. ولمّا كانت الأدلّة قد تتعارض ولا يمكن العمل بجميعها ولا إهمالها ولا بالبعض محاباةً1، بل لابدّ من العمل بالراجح منها، وجب أن يكون عارفاً بجهات الترجيح وطرقه .
والضابط ما قاله الغزالي هنا وهو: أنّ مدارك الأحكام أربعة: الكتاب

1 . في «أ» و «ب»: مجاناً، وفي «ج»: مجاباً. والمحاباة أي التساهل والتطوّع بلا مرجّح.

صفحه 170
والسنّة والإجماع والعقل، فيجب معرفة هذه الأربعة، ولابدّ معها من أربعة أُخرى: اثنان مقدّمان:
أ. معرفة شرائط الحدّ والبرهان على الإطلاق.
ب. معرفة النحو واللغة والتصريف، لأنّ الأدلّة عربية وإنّما يمكن معرفة دلالتها بعد معرفة كلام العرب، وما يتوقّف معرفة الواجب المطلق عليه فهو واجب .
وأمّا العلمان المؤخّران 1 فأحدهما يتعلّق بالكتاب، وهو معرفة الناسخ والمنسوخ. والآخر بالسنّة وهو معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم، والواجب الاقتصار هنا على تعديل الفقهاء والمشايخ السابقين، لتعذّر معرفة أحوال الرجال مع طول المدة وكثرة الوسائط .
فهذه الأُمور الثمانية لابدّ من معرفتها .
ولا يشترط معرفة الكتاب العزيز بجملته، بل مايتعلّق بالأحكام، وهو خمسمائة آية .
ولا يشترط حفظها أيضاً، بل أن يعرف مواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها عند الحاجة .
وكذا السنّة يجب أن يعرف الأحاديث الدالّة على الأحكام، وهي مع كثرتها مضبوطة في الكتب .

1 . في «أ» و «ب»: المتمّمان.

صفحه 171
ولا يلزم حفظها أيضاً، بل أن يكون عنده أصل مصحّح شامل للأحاديث المتعلّقة بالأحكام الشرعية دون المواعظ والآداب وأحكام الآخرة.
وأمّا الإجماع فيجب أن يعرف مواقعه، لئلاّ يفتي بخلافه. وطريق ذلك أن يفتي بما يوافق قوله قول بعض الفقهاء المتقدّمين، أو يظن تولد هذه الواقعة في عصره ولم يبحث أهل الإجماع عنها .
وأمّا العقل فيعرف البراءة الأصليّة، وإنّا مكلّفون بالتمسك بها إلاّ مع قيام دليل صارف عنه، وهو: نص أو إجماع أو غيرهما .
هذا فيما يتعلّق بمعرفة الطرق الشرعية; وأمّا ما يتعلّق بالأُصولية فيجب أن يكون عارفاً بالله تعالى وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، لأنّه شرط في الإيمان ; وأن يعرف الرسول، ويحكم بنبوته، وما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر من المعجزات .
ولا يشترط معرفته بدقائق علم الكلام والتبحّر فيه، بل معرفته بما يتوقّف عليه الإيمان، ولا يجب عليه قدرته على تفصيل الأدلّة بحيث يتمكّن من الجواب عن الشبهات والتخلّص عن الإيرادات .
وهذه شرائط المجتهد المطلق المتصدي للحكم والإفتاء في جميع مسائل الفقه. أمّا الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه معرفته بما يتعلّق بتلك المسألة، وما لابدّ منه فيها .1

1 . هذا هو التجزؤ في الاجتهاد، وقد تقدّم بيانه في مقدمة العلاّمة السبحاني في هذا الجزء ص 58 .

صفحه 172
ولا يشترط معرفة المجتهد بجميع الأحكام والاطّلاع على مدارك جميع المسائل، لأنّه غير مقدور للبشر.
في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن متعبّداً بالاجتهاد   

البحث الثاني: في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن متعبّداً بالاجتهاد

اختلف الناس في ذلك فالذي عليه الإمامية 1 والجبّائيان أنّه لم يكن متعبّداً بالاجتهاد في شيء من الأحكام. وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز. وقال آخرون: إنّه متعبّد بالاجتهاد في الحروب، فأمّا في أحكام الدين فلا. وتوقّف الباقون .2
لنا وجوه:
الأوّل : قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)3، وقوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)4 وهو ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه
بالاجتهاد.
الثاني: قال له (صلى الله عليه وآله وسلم)بعض الصحابة في منزل نزله: «إن كان هذا بوحي من الله فالسمع والطاعة، وإلاّ فليس هو بمنزل مكيدة». فدلّ على جواز

1 . مر بيان ما هو الحق في هذه المسألة في مقدمة هذا الجزء لآية الله السبحاني: 9 وما بعدها، فراجع .
2 . راجع المحصول: 2 / 489 ; الإحكام: 4 / 172 .
3 . النجم: 3 ـ 4 .
4 . يونس: 15 .

صفحه 173
مراجعته في اجتهاده، ولا تجوز مراجعته في أحكام الشرع فيلزم أن لا يكون فيها ما هو اجتهاده.
الثالث: الاجتهاد يفيد الظن خاصة، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر على معرفة الحكم من جهة القطع بالوحي من الله تعالى، والقادر على العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن، كمن يقدر على علم القبلة فإنّه لا يجوز له التقليد والرجوع إلى الظنّ.
الرابع: مخالفه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحكم كافر، لقوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)1، والمخالف في الاجتهاد لا يُكفَّر، لأنّ الرجل إذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد بحكم النص، والمستوجب للأجر لا يُحكم بكفره.
الخامس: لو جاز له العمل بالاجتهاد لما توقّف على نزول الوحي
في شيء من الأحكام ; لأنَّ حكم العقل في الكلّ كان معلوماً له، وطرق الاجتهاد كانت معلومة له، فإذا حدث واقعة ليس فيها وحي كان مأموراً بالاجتهاد، فلا يتوقّف عنه إلى نزول الوحي، لكنّه توقّف كما في مسألة الظهار واللعان.
السادس: لو جاز له الاجتهاد لجاز لجبرئيل (عليه السلام)، فلا يعلم أنّ الحكم الّذي نزل به من الله تعالى أو من اجتهاد جبرئيل (عليه السلام).
السابع: الاجتهاد عرضة للخطأ والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منزّه عنه معصوم عن

1 . النساء: 65 .

صفحه 174
الزلل، فلا يجوز استناد حكمه إلى ما يجوز أن يكون خطأ.
الثامن: الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا غير ثابت في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الوحي متوقّع في حقّه في كلّ حالة، وإذا انتفي الشرط انتفي المشروط.
التاسع: لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلاً لغيره.
العاشر: لو كان متعبّداً بالاجتهاد لأظهره، لما فيه من فائدة الاقتداء والتأسّي به.
الحادي عشر: الأحكام الشرعية مبنية على المصالح الّتي لا علم للخلق بها، فلو قيل له (صلى الله عليه وآله وسلم): احكم بما ترى، كان ذلك تفويضاً إلى من لا علم له بالأصلح. وهو يقتضي اختلال المصالح الدينية والأحكام الشرعية.
الثاني عشر: لنا صواب في الرأي وصدق في الخبر، وقد أجمعنا على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقاً، فكذا لا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم أنّه صواب.
الثالث عشر: لو جاز أن يتعبّده الله تعالى بالاجتهاد لجاز أن يرسل
إليه رسولاً، ويجعل له أن يشرّع شريعة برأيه، وأن ينسخ شرائع الله
المنزلة على الأنبياء، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وكلّ ذلك باطل.
الرابع عشر: لو جاز صدور الأحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده لأورث

صفحه 175
ذلك تهمة في حقّه، وانّه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وهو مخلّ بمقصود البعثة، وهو ممتنع.
اعترض على الأوّل. بأنّ الآية تنصرف إلى ما ينطق به دون ما يظهر منه فعلاً فمن أين ان كلّ ما فعله كان وحياً ; قاله قاضي القضاة .1
وقال أبوالحسين: إنّ قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) لا يمنع من كونه مجتهداً، لأنّ الحكم بالاجتهاد ليس هو عن هوى .2
و قيل أيضاً إنّه تعالى إذا قال له: مهما ظننت كذا فاعلم أنّ حكمي كذا، فهنا العمل بالظن عمل بالوحي لا بالهوى .3
وفيه نظر، لأنّ القصد ليس النطق اللساني، بل الحكم الشامل للذهن والنطق .
سلّمنا، لكنّه إذا اجتهد فلابد وأن ينطق بحكم اجتهاده والإخبار عمّا ظنّه من الحكم فتكون الآية متناولة له. ومن المعلوم أنّ ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد لم يكن عن وحي ولم يقتصر على قوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) حتى عقبه بقوله: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) فيخرج عنه كون الاجتهاد ليس عن هوى .
وعلى قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) أنّه

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 2 / 242 .
2 . المعتمد: 2 / 242 .
3 . القائل هو الرازي في المحصول: 2 / 492 .

صفحه 176
يدلّ على أنّ تبديله للقرآن ليس من تلقاء نفسه بل بالوحي، والنزاع إنّما وقع في الاجتهاد .
وفيه نظر، لأنّه عقبه بقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)، وهو يدلّ على عدم تخصيص التبديل.
وعلى الثاني. بأنّ ذلك إنّما يدلّ على جواز مراجعته في الآراء الّتي ليست من الأحكام، كالآراء في الحروب، والأحكام الشرعية خارجة عن ذلك ; قاله أبوالحسين .1
وفيه نظر، لدلالة الحديث على أنّ ما يكون بالوحي لا يجوز مراجعته فيه، وما يكون بالرأي يجوز مراجعته، سواء كان في الحرب أو غيره، لجواز اشتمال النزول على حكم شرعي، فالسائل لم يتعرّض لكونه شرعياً أو لا، بل لكونه اجتهادياً أو لا.
وعلى الثالث 2. بأنّ الاجتهاد إنّما يجوز فيما لم يوجد فيه نصّ، وإذا كان كذلك لم يكن متمكّناً من معرفة الحكم بالنصّ .
وفيه نظر، إذ كلّ قضية لابدّ فيها من حكم معيّن وانّ لله تعالى عليه دليلاً، فإذا سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجب في حكمته تعالى إعلامه به.
وعلى الرابع 3. أنّ الحكم مظنون أوّلاً، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أفتى به، وجب

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 242 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 493 .
3 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 493 .

صفحه 177
القطع به، كما في الإجماع الصادر عن الاجتهاد .
وفيه نظر، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تقدير الاجتهاد لا يعلم الحكم قطعاً، فكيف يحصل لغيره العلم به مع نصّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتجويز خلافه؟
وعلى الخامس 1. أنّ العمل بالاجتهاد مشروط بالعجز عن وجدان النصّ، فلعلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصبر مقدار ما يعرف به أنّ الله لم ينزل فيه وحياً.
وفيه نظر، لأنّ الشرط إمّا عدم الوحي في الماضي، أو في المستقبل. والثاني باطل، إذ كلّ وقت يمكن حصول الوحي، فلا يصلح أن يكون شرطاً. والأوّل باطل أيضاً، لأنّه عارف بما أُوحي إليه .
وعلى السادس2. أنّه مدفوع بالإجماع .
وفيه نظر، لأنّه إبطال للاّزم، وهو إحدى مقدّمات دليلنا.
وعلى السابع 3. نمنع كون كلّ اجتهاد عرضة للخطاء، لإجماع الصحابة على الاجتهاد .
وفيه نظر، للفرق فإنّ الإجماع عندنا يشترط فيه قول المعصوم فلا يكون خطأ .
وعلى الثامن 4. بأنّ المانع من الاجتهاد هو وجود النص لا إمكانه، ثم

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 493 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 493 .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 181 .
4 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 181 .

صفحه 178
ينتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفيه نظر، لأنّ المانع بالذات ليس إلاّ التمكّن من حصول العلم إذ النص إنّما منع من هذه الحيثية والإمكان هنا متحقّق، واجتهاد الصحابة ممنوع لما سبق في القياس.
وعلى التاسع. قال أبوالحسين: إنّ ذلك ليس من حقّ الاجتهاد على الإطلاق، فإنّ الأُمّة لو أجمعت عن اجتهاد، وجب أن يجعل أصلاً .1
وفيه نظر، إذ الاجتهاد متساوي النسبة إلى كلّ مجتهد، فليس البعض بالأصالة أولى من الآخر، والإجماع عن اجتهاد ممنوع على ما تقدّم.
وعلى العاشر 2. بأنّه لا مانع أن يكون متعبّداً بالاجتهاد وإن لم يظهره صريحاً، لمعرفة ذلك .
وفيه نظر، فإنّ إخفاء مثل هذا الأصل العظيم غير جائز على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما لا يجوز إخفاء الكتاب والسنّة، ولا نسلّم معرفة ذلك، فإنّ أبا علي الجبائي ادّعى الإجماع على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن متعبّداً بالاجتهاد، فكيف يكون نقيض ذلك معلوماً؟!
وعلى الحادي عشر 3. بأنّه مبني على وجوب رعاية المصالح، وهو ممنوع. وقد تقدّم جوابه.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 242 .
2 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 180 .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 180.

صفحه 179
وعلى الثاني عشر 1. بالفرق، فإنّ الإخبار بما لا يعلم كونه صدقاً قد لا يأمن فيه الكذب وهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك ممّا لا يجوز لأحد الإقدام عليه. والاجتهاد بخلافه، إذ كلّ مجتهد مصيب .
وفيه نظر، فإنّ المجتهد مخبر عن الله تعالى، فاستلزم ما يستلزمه الخبر من المحذور، ويمنع إصابة كلّ مجتهد على ما يأتي.
وعلى الثالث عشر2. بجواز ذلك فإنّه تعالى يفعل ما يشاء، ولا قبح في أفعاله. وقد تقدّم جوابه.
وعلى الرابع عشر3. بانتفاء التهمة، لصدقه فيما يدّعيه من تبليغ الأحكام بجهة الرسالة .
وفيه نظر، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينص على كلّ حكم حكمه بأنّه منزل من الله تعالى بوحي إليه، وإلاّ لكان الحكم الّذي اجتهده معلوماً وهو ماعداه، وليس كذلك .
واعلم أنّ السيد المرتضى (رحمه الله) جوّز ذلك عقلاً لكن منع من وقوعه. وهو مذهب جماعة.4
واحتجّ المثبتون بوجوه 5:

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 180 .
2 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 181 .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 181 .
4 . راجع الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 794 .
5 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 490 ـ 491 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 172 ـ 175 .

صفحه 180
الأوّل. قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا) 1 وهو عام، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أعلى الناس بصيرةً، وأكثرهم اطّلاعاً على شرائط القياس، وما يجب ويجوز معرفة المناط والفوارق، وذلك مندرج تحت الآية، فكان مأموراً به فكان فاعلاً له، وإلاّ قدح في عصمته .
وفيه نظر، بمنع دلالته على القياس كما تقدّم .
سلّمنا لكن يفارق الأُمّة بتمكّنه من استعلام الحكم قطعاً، فلا يجوز
له المصير إلى الظن، والأصل فيه مع تسليم الدلالة على القياس أنّه
واجب عند نزول الحادثة والظن بانتفاء النص في الماضي عليها. ولا خلاف في عدم ذلك في حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه كان ينتظر الوحي فلا يكون مندرجاً تحت العموم.
الثاني: إذا غلب على ظنّ تعليل الحكم بوصف ثمّ علم أو ظن وجوده في غيره ظن المساواة في الحكم، وترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول، وهو يقتضي وجوب العمل بالقياس عليه .
ويرد عليه ما تقدّم من تمكّنه من العلم، فلا يجوز الرجوع إلى الظن.
الثالث: العمل بالاجتهاد أشقّ من العمل بالنصّ فيكون أكثر ثواباً، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أفضل الأعمال أحمزها»2 أي أشقّها، فلو لم يعمل

1 . الحشر: 2 .
2 . تفسير الرازي: 2 / 217 و 233 و ج 4 / 152 و ج 5 / 156 ; تفسير البيضاوي: 1 / 536 ; تفسير الآلوسي: 2 / 46 ; شرح نهج البلاغة: 19 / 83 ; بحار الأنوار: 67 / 191 و 237 و ج 79 / 228 .

صفحه 181
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالاجتهاد مع أنّ الأُمّة عملت به كانت الأُمّة أفضل منه. وهو باطل إجماعاً .
لا يقال: إنّه يقتضي أن لا يعمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ باجتهاد، لأنّه أفضل. وأيضاً فإنّما يجب هذا المنصب لو لم يجد أعلى منه لكنّه وجده، لأنّه كان يتمكّن من معرفة الأحكام بالوحي، وهو أعلى من الاجتهاد.
لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّه غير ممكن، فإنّ العمل بالاجتهاد مشروط بالنصّ على أحكام الأُصول، فلا يمكن العمل بالقياس في الجميع.
وعن الثاني. أنّ الوحي وإن كان أعلى درجة إلاّ أنّه خال عن تحمّل المشقّة في استدراك الحكم، ولا يظهر فيه أثر دقّة الخاطر، وجودة القريحة، وإذا كان فيه نوع فضيلة لم يجز خلوه (صلى الله عليه وآله وسلم)منه .
وفيه نظر، فإنّ المشقّة إنّما تؤثر زيادة الثواب لو كان العمل الّذي اشتملت عليه مطلوباً للشارع، أمّا إذا لم يكن مطلوباً فلا. ونحن نمنع من جواز الاجتهاد في حقّه على أنّا نمنع من اشتمال الاجتهاد على زيادة المشقّة، بل جاز أن يكون في الوحي مشقّة زائدة على الاجتهاد بما يحصل له (صلى الله عليه وآله وسلم)من الخوف والخشية من الله تعالى حال نزول الوحي عليه ; وجودة القريحة إنّما يحتاج إليها من قصرت فطنته عن بلوغ نهاية الكمال الإنسي، وهو منتف في حقّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 182
الرابع: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «العلماء ورثة الأنبياء» 1 فثبت له رتبة الاجتهاد ليرثوه عنهم .2
لا يقال: المراد به في إثبات أركان الشرع .
لأنّا نقول: إنّه تقييد من غير دليل .
وفيه نظر، إذ لا يجب أن يكون كلّ تكليف العلماء ممّا كلّف به الأنبياء (عليهم السلام) فإنّ المصير إلى الإجماع ثابت في حقّ العلماء دون الأنبياء(عليهم السلام) . وأيضاً الإرث إنّما هو فيما يثبت للأنبياء، ونحن نمنع من ثبوته لهم، فالمراد الإرث في تبليغ الأحكام إلى العامّة.
الخامس: أنّ بعض السنن مضافة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يكون بالوحي، وإلاّ انتفت فائدة الإضافة ; كما لا يقال لمن أثبت حكماً بالنص الظاهر الجلي عن الحاجة إلى الاجتهاد أنّه مذهب فلان، فلا يقال: مذهب الشافعي وجوب الصلاة، بخلاف ما إذا أثبته بضرب من الاجتهاد فإنّه يضاف إليه، فكذا هنا .
و فيه نظر، لمنافاة قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)، ويجوز

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 81 ; سنن أبي داود: 2 / 175 برقم 3641 ; سنن الترمذي: 4 / 153 برقم 2823 ; مجمع الزوائد: 1 / 126 ; الكافي: 1 / 32 ح 2، باب صفة العلم وفضله، وص 34 ح 1 باب ثواب العالم; أمالي الصدوق: 116 ح 99; ثواب الأعمال: 131; عوالي اللآلي: 1 / 358 برقم 29 و ج 2 / 241 برقم 9 ; بحار الأنوار: 1 / 164 و ج 2 / 92 و 151 ح 31.
2 . العبارة في المحصول كما يلي: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «العلماء ورثة الأنبياء» وهذا يوجب أن تثبت له درجة الاجتهاد ليرثوه عنه، إذ لو ثبت لهم ذلك ابتداءً لم يكونوا وارثين عنه.
أمّا قول العلاّمة: «ليرثوه عنهم» يعني به: ليرث العلماءُ الاجتهادَ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 183
إضافة السنّة إليه فيما لم يتل الحكم فيه .
السادس: قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ)1 وهو عام في المنصوص والمستنبط، لأنّ كلاً منهما يصدق عليه انّه ممّا أراه الله تعالى له. وقرره أبوعلي الفارسي فقال: لا يجوز إراءة العين لاستحالتها في الأحكام ولا الاعلام وإلاّ لوجب ذكر المفعول الثالث لوجود المفعول الثاني، وهو الضمير الراجع إلى ما، فإذن المعنى لتحكم بين الناس بما جعله الله لك رأياً .
وفيه نظر، فإنّ مفهوم سياق الكلام تعليل الإنزال بالحكم بما اشتمل عليه المنزل، وهو ينافي الاجتهاد. وما مصدرية، فلا يرجع إليها ضمير، فانتفى دليل فساد إرادة الإعلام.
السابع: قوله تعالى: (وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)2 والمشاورة إنّما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي .
وفيه نظر، لأنّه ليس في الأحكام الشرعية، بل في المصالح العملية في الدنيا ومصالح الحرب، وإلاّ لكان مستفيداً للأحكام من اجتهاد غيره. وهو باطل قطعاً، وإلاّ لكان ذلك الغير أكمل منه. ولا يستلزم المشاورة المصير إلى ما يذهب إليه القوم، لجواز إرادة استعلام معرفة كلّ منهم بالحروب بحيث يفوض إلى كلّ من يستصلحه لشيء ذلك الشيء.

1 . النساء: 105.
2 . آل عمران: 159 .

صفحه 184
الثامن: قوله تعالى بطريق العتاب في أُسارى بدر وقد أطلقهم: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)1 فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلاّ عمر 2، لأنّه كان قد أشار بقتلهم .
وفيه نظر، لاستلزامه التخطئة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو محال على ما بيّناه، فلا يكون ذلك بطريق العتاب له ; ويلزم أن يكون عمر أفضل منه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث حكم بالخلاص له دونه، وهو باطل بالإجماع. فإذن الوجه أنّه كان مخيراً3بالوحي بين قتل الكلّ وإطلاق الكلّ أو فداء الكلّ، فأشار بعض الأصحاب بإطلاق 4 البعض دون البعض، فنزل العتاب لذلك البعض لا له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبهذا جاء بصيغة الجمع في قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا)5 ومعلوم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن كذلك.
التاسع: قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ )6 عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطأ. وهو لا يكون فيما حكم فيه بالوحي فلم يبق سوى الاجتهاد .

1 . الأنفال: 67 .
2 . الإحكام: 4 / 173. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية. راجع تعليق التنكابني على الرواية في كتابه سفينة النجاة: 284 .
3 . في «أ» و «ج»: مخبراً.
4 . في «د»: بفداء.
5 . الأنفال: 67 .
6 . التوبة: 43 .

صفحه 185
وفيه نظر، لأنّا بيّنّا امتناع الخطأ عليه، فإن كان عتاباً له (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أصحابه، فإنّما هو على ترك الأولى، وهو راجع إلى مصالح الدنيا لا الأحكام الشرعية.
العاشر: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة: « لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» فقال العباس: إلاّ الإذخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ الإذخر».1 ومعلوم أنّ الوحي لم ينزل عليه في تلك الحال، فكان الاستثناء بالاجتهاد .
وفيه نظر، لأنّ الوحي إذا كان عامّاً لم يجز الاستثناء إلاّ لدليل، ولو لم يكن بوحي لكان عن اجتهاد ويتعذّر، بل يمتنع حصوله لو كان متعبّداً به في تلك الحال، فإنّ سرعة الوحي أشدّ من سرعة الاجتهاد، فالحكم بالتعذّر في الوحي يستلزم أولوية الحكم به في الاجتهاد .
لا يقال: إنّه مستند إلى اجتهاد سابق .
لأنّا نقول: فجاز استناده إلى وحي سابق، ولأنّه ممتنع وإلاّ لوجب عليه إظهاره إزالة للتلبيس باعتقاد العموم، بل الحق انّه كان يريد الاستثناء فسبقه العباس.
الحادي عشر : روي الشعبي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقضي القضية

1 . صحيح البخاري: 2 / 95، باب في الجنائز; وص 213، باب لا يعضد شجر الحرم; صحيح مسلم: 4 / 109، باب تحريم مكة وصيدها ; سنن ابن ماجة: 2 / 1038 ; سنن أبي داود: 1 / 448 برقم 2017 ; سنن النسائي: 5 / 203 ; مسند أحمد: 1 / 253 و 259 و 316 و 348 ; الكافي: 4 / 226 ح 3 ; من لا يحضره الفقيه: 2 / 246 برقم 2316 ; وسائل الشيعة: 12 / 557، ح 1 و 4، باب تحريم صيد الحرم. وقد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ.

صفحه 186
وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما كان قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلاّ بالاجتهاد .
وفيه نظر، لاستلزامه التخطئة في الأحكام، وهو محال عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)على أنّ الخبر مرسل فلا حجّة فيه. ونمنع أنّ الحكم بغير القرآن لا يكون إلاّ بالاجتهاد، بل يكون بالوحي ثمّ ينسخ بالقرآن، وعلى هذا تحمل الرواية إن صحّت.
الثاني عشر: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي»1 ولا يستقيم ذلك في ما كان بالوحي .
وفيه نظر، لأنّ أفعال الحج لابد وأن تكون بالوحي لعدم دلالة العقل على تفاصيلها. نعم لمّا بيّن له (صلى الله عليه وآله وسلم) الحج قارناً، فبادر ثم أُوحي إليه فضيلة التمتع وأنّه ليس للقارن ذلك، تأسف على المبادرة إلى القران وفوات العمرة.
في عدم جواز الخطاء عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)   

البحث الثالث: في عدم جواز الخطاء عليه

اختلف القائلون بجواز الاجتهاد له (صلى الله عليه وآله وسلم) في جواز الخطأ عليه في اجتهاده فالأكثر على المنع وجوزه الباقون بشرط أن لا يُقرّ عليه وهذا البحث ساقط عنا من وجهين:
الأوّل: امتناع الخطأ عليه مطلقاً ووجوب عصمته.

1 . سنن أبي داود: 1 / 401 برقم 1784 ; سنن البيهقي: 5 / 6; عوالي اللآلي: 1 / 45 برقم 59 و 213 برقم 67 و ج 2 / 235 برقم 3 ; بحار الأنوار: 30 / 632 .

صفحه 187
الثاني: امتناع تسويغ الاجتهاد له .
احتجّ المانعون 1 بأنّا مأمورون باتّباعه في الحكم لقوله تعالى:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)2 ولقوله: (فَاتَّبِعُوهُ)3، [ ولقوله: ] (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ)4 وغير ذلك من الآيات، فلو جاز عليه الخطأ لكنّا مأمورين بالخطأ، فلا يكون خطأ.
احتجّ الآخرون 5 بقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ)6، وهو يدلّ على أنّه أخطأ فيما أذن لهم .
وقال تعالى في أُسارى بدر: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)7، وهو يدلّ على الخطأ في أخذ الفداء .
وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )8 ويجوز الخطأ علينا فكذا عليه .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّكم لتختصمون لديَّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من

1 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 493 .
2 . النساء: 65 .
3 . الأنعام: 153 و 155 .
4 . النساء: 59 ; النور: 54 .
5 . راجع المحصول: 2 / 493 ـ 494 .
6 . التوبة: 43 .
7 . الأنفال: 68 .
8 . الكهف: 110 .

صفحه 188
غيره، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار».1
ولأنّه يجوز أن يغلط في أفعاله فكذا في أقواله كغيره من المجتهدين .
والجواب عن الآيتين السابقتين ما تقدّم. وعن الثالثة أنّ المراد المماثلة في عدم العلم بالغيب ولهذا عقب بقوله: (يُوحَى إِلَيَّ). والقضاء حقّ، والخطاء في طريقه من شهادة الزور أو الإقرار بالكذب، ويمنع غلط
أفعاله.
في الاجتهاد في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)   

البحث الرابع: في الاجتهاد في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)

اتّفق القائلون بالاجتهاد على جوازه بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). واختلفوا في جوازه في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأكثر جوّزوه عقلاً ومنع منه الأقل .
واختلف القائلون بالجواز في أُمور ثلاثة:
الأوّل: جوازه للقضاة والولاة في غيبته دون حضوره، ومنهم من أطلق الجواز.
الثاني: منهم من قال: يجوز ذلك مطلقاً إذا لم يوجد منع .

1 . صحيح البخاري: 3 / 162، كتاب الشهادات و ج 8 / 62، كتاب الحيل; صحيح مسلم: 5 / 129، باب الحكم بالظاهر; سنن ابن ماجة: 2 / 777 ; سنن أبي داود: 2 / 160 ; سنن الترمذي: 2 / 398 برقم 1354 ; سنن النسائي: 8 / 233 و 247 ; مسند أحمد: 2 / 332 و ج 6 / 203 و 230 ; الكافي: 7 / 414 ح 1، باب أن القضاء بالبينات; بحار الأنوار: 73 / 343. وقد وردت الرواية باختلاف في اللفظ .

صفحه 189
ومنهم من قال: لا يكفي عدم المنع بل لابدّ من الإذن فيه .
ومنهم من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف.
الثالث: اختلفوا في وقوع التعبّد به سمعاً: منهم من قال: إنّه كان متعبّداً به، ومنهم من توقّف كالجبائي، ومنهم من توقّف في حق الحاضرين دون من غاب كالقاضي عبدالجبار. 1
واعلم أنّ الوجه الجواز العقلي للحاضر فإنّه لا يمتنع عقلاً أن يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): قد أُوحي إليّ أنّكم مأمورون بالاجتهاد والعمل بما يقتضيه ظنكم .
وأمّا الغائب فلا شك في جوازه خصوصاً عند تعذّر الرجوع إليه وضيق الوقت .
وأمّا وقوع التعبّد به للحاضرين فقال قوم لم يقع لوجهين 2:
الأوّل: لو اجتهد الصحابة في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) لنُقل كما نقل اجتهادهم بعده .
اعترض بجواز قلّته فلم ينقل على أنّه قد نقل اجتهاد سعد بن معاذ.
الثاني: الصحابة كانت تفزع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحوادث، ولو جاز لهم الاجتهاد لفعلوه ولم يرجعوا إليه .

1 . راجع الإحكام: 4 / 181 ـ 182 .
2 . المحصول: 2 / 495 .

صفحه 190
اعترض بأنّهم فزعوا فيما لم يظهر وجه الاجتهاد أو تركوه لصعوبته وسهولة وجدان النص .
واحتجّ المثبتون بوجهين 1:
الأوّل: انّه حكَّم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة».2
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني 3 لمّا أمرهما أن يحكما بين خصمين: «إن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة».4
   
اعترض بأنّه خبر واحد، فلا يجوز التمسّك به في العلميات.
الثاني: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمر بالمشاورة ولا فائدة إلاّ جواز الحكم على حسب الاجتهاد .

1 . المصدر نفسه.
2 . إرشاد المفيد: 1 / 110 ; سعد السعود: 139 ; بحار الأنوار: 20 / 212 و 236 و 262 ; مستدرك الوسائل: 11 / 128 ح 19 ; فتح الباري: 7 / 317 ; الكشاف: 3 / 257 .
3 . هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة الجهني، أبو حماد ويقال أبو عامر، صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وروى عنه. وشهد صفين مع معاوية، وحضر فتح مصر مع عمرو بن العاص، وولي مصر سنة 44 هـ وعزل عنها سنة 47 هـ . ومات بمصر سنة 58 هـ . الأعلام: 4 / 240 ; تهذيب الكمال: 2 / 205 برقم 3978 .
4 . المحصول: 2 / 495. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

صفحه 191
اعترض بأنّه في الحروب ومصالح الدنيا لا أحكام الشرع .
وأمّا في حقّ الغائب فالأكثر على جواز الاجتهاد كخبر معاذ.

البحث الخامس: في تجزّؤ الاجتهاد

اختلف الناس في أنّه هل يتجزأ الاجتهاد أو لا؟ فذهب جماعة إلى الجواز فينال العالم منصب الاجتهاد في حكم دون آخر ; فمن نظر في مسألة القياس، فله الإفتاء في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في الحديث ; ومن عرف الفرائض جاز له الإفتاء فيها وإن جهل مسائل البيع وغيره.
واحتجّوا بوجهين:
الأوّل: أنّ مالكاً كان فقيهاً إجماعاً مع أنّه سُئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدري، فلو شرط في الفقه العلم بجميع الفتاوى لما جاز لمالك أن يفتي. وأُجيب بجواز تعارض الأدلّة عنده أو أنّه عجز في تلك الحال عن المبالغة في النظر، وإن كان في وقت آخر ناظراً.
الثاني: إذا اطّلع على دليل مسألة على الاستقصاء، استوى هو والعالم بكلّ المسائل في العلم بتلك المسألة، فكما جاز للثاني الإفتاء فكذا للأوّل.
اعترض بجواز أن يكون في بعض المسائل الّتي لا يعلمها تعلّق بهذه المسألة .
وفيه نظر، لمنافاته الغرض ; ولأنّا لانشترط الاستقصاء في جميع

صفحه 192
المسائل بل الأكثر، فجاز أن يكون للأقل مدخل في مسائل الأكثر، فلمّا لم يعتد بهذا التجويز فكذا هنا ; ولأنّ ذلك نادر فلا يعتدّ به في التكليف .
احتجّ الآخرون بأنّ ما يقدر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض.
واعترض بأنّ التقدير حصول جميع الأمارات في ظنّه إمّا عنه، أو بعد تحرير الفضلاء السابقين الأمارات.
 
المطلب الثالث: ما فيه الاجتهاد
وهو كلّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، فبالشرعي خرج العقلي ومسائل الكلام .
وقولنا: ليس فيه دليل قطعي، خرج ما وجد فيه دليل قاطع، كوجوب الصلوات الخمس والزكوات، وما اتّفقت عليه الأُمّة من المسائل الظاهرة.
وقال أبوالحسين: المسألة الاجتهادية هي الّتي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية .1
واعترض 2 بأنّ جواز اختلاف المجتهدين فيها مشروط بكون المسألة اجتهادية، فلو عرفنا كونها اجتهادية باختلافهم فيها، لزم الدور .
وفيه نظر، إذ لا دور في اشتراط جواز الاختلاف الشرعي بكون المسألة اجتهادية وتعريف الاجتهادية بما وقع فيها الخلاف بين العلماء.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 397 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 500 .

صفحه 193
 
المطلب الرابع: في حكم الاجتهاد
وفيه مباحث:

الأوّل: في حكم المجتهدين في الأُصول

خالف الجاحظ وأبو عبيد الله بن الحسن العنبري 1 سائر المسلمين في ذلك فذهبا إلى أنّ كلّ مجتهد في الأُصول مصيب، سواء أخطا أو لا،
ولم يريدا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد للعلم الضروري بفساده، بل نفي الإثم والخروج عن عهدة التكليف. وباقي العلماء على فساده وانّه إثم لوجوه 2:
الأوّل: الله تعالى نصب الأدلّة القاطعة على هذه المطالب ومكّن العقلاء من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلاّ بالعلم.
الثاني: يعلم بالضرورة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر اليهود والنصارى بالإيمان، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، وقاتل بعضهم، وكان يكشف عمّن بلغ منهم

1 . هو عبيد الله بن الحسن بن حصين بن أبي الحر مالك بن الخشخاش بن جناب بن الحارث بن مخفر العنبري البصري القاضي، روى عن: خالد الحذاء وداود بن أبي هند وسعيد الجريري. وروى عنه: إسماعيل بن سويد وخالد بن الحارث، ورافع بن دحية المسلي. ولد سنة مائة، وولي القضاء سنة سبع وخمسين ومائة، وتوفّي في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائة. تهذيب الكمال: 19 / 23 برقم 3627 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 500 ـ 501.

صفحه 194
ويقتله، ومعلوم أنّ المعاند العارف ممّا يقلُّ، وإنّما الأكثر مقلِّدة عرفوا دين آبائهم تقليداً ولم يعرفوا المعجزة.
الثالث: قوله تعالى: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)1، وقوله تعالى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ)2 وذمّ المكذّبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا لا ينحصر في الكتاب والسنّة.
الرابع: إجماع المسلمين على أنّهم من أهل النار، ولو كانوا غير آثمين لما ساغ ذلك .
اعترض 3 على الأوّل . بمنع نصب الأدلّة القاطعة وتمكين العقلاء من معرفتها، خصوصاً ونحن نرى الخلق مختلفين في الأديان والعقائد من زمن وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويبعد أن يكون أحد منهم مكابراً .
سلّمنا، لكن لا نسلّم اقتضاء ذلك أمرهم بالعلم، فجاز أنّهم كانوا مأمورين بالظن الغالب، سواء كان مطابقاً أو لا. وحينئذ يعذر الآتي به .
ويدلّ على أنّ التكليف إنّما وقع بالظن: أنّ اليقين التام المتولّد من البديهيتين المرتبتين ترتيباً صحيحاً متعسر، ولا يصل إليه إلاّ الآحاد فلا يقع التكليف به لجميع الخلق، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» 4،

1 . ص: 27 .
2 . فصّلت: 23 .
3 . راجع المحصول: 2 / 501 ـ 502 .
4 . مسند أحمد: 5 / 266 ; مجمع الزوائد: 2 / 260 و ج 4 / 302 ; كنز العمال: 1 / 178 برقم 900 و ج 3 / 34 برقم 5341 و 669 برقم 8412 و ج 4 / 318 برقم 10689 ; أمالي الطوسي: 528، المجلس 19 ; عوالي اللآلي: 1 / 381 برقم 3 ; بحار الأنوار: 64 / 136 و ج 65 / 318 و 346. وقد ورد الحديث في هذه المصادر باختلاف في اللفظ .

صفحه 195
ولا حرج أعظم من تكليف الإنسان في لحظة واحدة معرفة ما عجز الخلق عن معرفته في خمسمائة سنة .
ولأنّا نعلم أنّ الصحابة لم يكونوا عارفين بهذه الأدلّة والدقائق والجواب عن شبهات الفلاسفة، كما لم يكونوا عارفين بدقائق الهندسة وعلم الهيئة والحساب مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بإيمانهم.
سلّمنا أنّهم كلّفوا بالعلم لكن نمنع عقاب المخطئ والإجماع في محلّ الخلاف ممنوع.
وعلى الثاني. بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلهم 1 لجهلهم بالحق مع إصرارهم على ترك التعلّم لا للجهل مطلقاً، فلعلّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغ في إرشادهم ولم يلتفتوا إلى بيانه واشتغلوا باللهو والطرب، وأمّا من بالغ في الطلب والبحث فيمنع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قتله. سلّمنا قتله، لكن نمنع عقابه .
وعلى الثالث بأنّه ذمّ الكافر، والكفر لغة الستر، وهو لا يتحقّق إلاّ في المعاند الّذي عرف الدليل ثمّ أنكره، أو المقلّد الّذي يعرف أنّه لا يعرف الدليل على صحّة الشيء ثمّ يقول به. أمّا العاجز المتوقّف الّذي بالغ في الطلب ولم يصل فلا يكون ساتراً لما ظهر عنده، فلا يكون كافراً .

1 . في «أ» و «ب»: قتلهم .

صفحه 196
ثمّ احتجّا بأنّه تعالى ملك رحيم كريم، واستقراء أحكام الشرع يدلّ على أنّ الغالب على الشرع التخفيف والمسامحة، حتى لو احتاج إلى تعب في طلب الماء أسقط عنه فرض الوضوء، فكيف يليق بكرمه ورحمته معاقبة من أفنى طول عمره في البحث والفكر؟!
وفي الأوّل نظر، لأنّ المطلوب من المسائل الأُصولية العلم، فلو لم ينصب دليلاً عليه ويمكّن منه، لزم نسبته تعالى إلى القبيح، وهو تكليف ما لا يطاق وهو محال، ومنع تعسّر الوصول إلى العلم ; ونحن لا نوجب في اللحظة الواحدة معرفة ما عجز عنه الخلق في المدد المتطاولة، بل نوجب الفكر في الأدلة وهي ظاهرة واضحة، ولا يشترط معرفة الأدلّة على كلّ مسألة من فروع الأُصول، ولا الجواب عن الشبهات، والإجماع على العقاب ثابت، ولا عبرة بنزاعهما في خرقه.
وفي الثاني نظر، لأنّ قتله على بقاء الكفر فيستدعي العقاب، ونمنع المبالغة في الطلب والبحث مع عدم الوصول إلى الحق.
وفي الثالث نظر، للإجماع على أنّ اسم الكافر لمن خالف الملّة الإسلامية، سواء كان عن عناد أو لا ، والتغطية هنا ثابتة من حيث إنّه اعتقاد نقيض الحق. واحتجاجهما باطل بما تقدّم من منع عدم الوصول إلى الحقّ مع المبالغة في البحث والنظر، بل الواجب مع استيفاء النظر والبحث الوصول إلى الحق ; وقد تأوّل بعض المعتزلة قول الجاحظ والعنبري بالحمل على المسائل الكلامية المختلف فيها بين المسلمين، ولا يكفر مخالفها، كمسألة

صفحه 197
الرؤية وخلق الأعمال وقدم الكلام وغير ذلك، لأنّ الأدلّة فيها ظنّية متعارضة، والمشهور غير ذلك.

البحث الثاني: في حكم الاجتهاد في المسائل الشرعية

اختلف الناس في المجتهد المخطئ في الأحكام الشرعية هل هو مأثوم أم لا؟ والأكثر على عدم تأثيمه، وقال بعض الإمامية 1 والظاهرية وبشر المريسي وابن علية وأبوبكر الأصم 2 إلى أنّ الحق متعيّن في كلّ مسألة وعليه دليل، فمن أخطأه فهو آثم لكنّه ليس بكافر ولا فاسق.3
احتجّ الأوّلون 4 بالنقل المتواتر أنّ الصحابة اختلفوا فيما بينهم في المسائل الفقهية واستمروا على الاختلاف إلى أن انقرضوا، ولم ينكر أحد منهم على غيره، ولا حكم بتأثيمه، لا على سبيل الإبهام ولا التعيين، مع العلم بأنّه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الخمر والزنا لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه، فلو كانت [ المسائل ] الاجتهادية كذلك في كونها قطعية ومأثوماً على المخالفة فيها، لبالغوا في الإنكار والتأثيم كما بالغوا في الإنكار على المخالف في وجوب الصلوات الخمس .

1 . لاحظ ما كتبه العلاّمة السبحاني حول التخطئة والتصويب في مقدمة هذا الجزء ص 67 .
2 . هو أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم، فقيه معتزلي مفسّر، له مناظرات مع ابن الهذيل، قال ابن المرتضى: كان يخطئ علياً (عليه السلام)في كثير من أفعاله ويصوّب معاوية في بعض أفعاله، توفّي نحو 225 هـ . الأعلام: 3 / 323 .
3 . راجع الإحكام: 4 / 188 ـ 189 .
4 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 189 .

صفحه 198
واحتجّ الآخرون بأنّ الإنكار قد وقع من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في المسائل الفقهية، كما تقدّم في القياس .
ولأنّ الحكم واحد معين على ما يأتي، فلابدّ له من دليل يتمكّن كلّ مكلّف بالحكم من الوصول إليه، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق ; وكلّ مكلّف بالحكم مكلّف بإقامة الدليل المنصوب عليه، وإلاّ كان الحكم تشهياً، وهو محال. فالمخطئ إمّا أن يكون لتقصيره في الاجتهاد فيكون مأثوماً بترك ما كلف به، أو لعدم تمكّنه من الوصول إلى الحكم، وهو محال لاستلزامه التكليف بما لا يطاق.
في أنّ المجتهد في الفروع مطلقاً هل هو مصيب أم لا؟   

البحث الثالث: في أنّ المجتهد في الفروع مطلقاً هل هو مصيب
أم لا؟

اختلف الناس في أنّ كلّ مجتهد في الأحكام الشرعية هل هو مصيب أم لا ؟
وتقريره أن يقال: المسألة الاجتهادية إمّا أن يكون لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، أو لا .
والثاني: قول مَن حكم بإصابة كلّ مجتهد. وهو قول أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر من الأشاعرة، ومن المعتزلة قول أبي الهذيل العلاّف وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم .1

1 . راجع المحصول: 2 / 503 .

صفحه 199
واختلف هؤلاء فمنهم من قال بالأشبه، وهو أنّه وإن لم يوجد في الواقعة حكم، إلاّ أنّه وجد ما لو حكم الله تعالى بحكم لما حكم إلاّ به. وهو منسوب إلى كثير من المصوّبين .
وامّا أن لا يقال بذلك أيضاً، وهو قول باقي المصوّبين .
وأمّا الأوّل: وهو أنّ في الواقعة حكماً معيناً، فذلك الحكم إمّا أن لا يكون عليه أمارة ولا دلالة، أو يكون عليه أمارة لا دلالة، أو يكون عليه دلالة.
أمّا الأوّل، وهو حصول الحكم من غير دلالة ولا أمارة، وهو قول جماعة من الفقهاء والمتكلّمين، قالوا: وهذا الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب اتفاقاً، فلمن عثر عليه أجران، ولمن اجتهد ولم يصبه فله أجر واحد على ماتحمله من الكد في الطلب لا على حرمان الإصابة.
وأمّا الثاني، وهو أنّ عليه أمارة، فهو قول جماعة، واختلفوا :
فقال بعضهم: إنّ المجتهد لم يكلف بإصابة ذلك الدليل الظني لخفائه وغموضه، فلهذا عُذر المخطئ وأُجر عليه. وهو قول الفقهاء كافة ونسب إلى الشافعي وأبي حنيفة .
وقال آخرون: بأنّه مأمور بطلبه أوّلاً فإن أخطأ وغلب على ظنّه شيء آخر تغيّر التكليف وصار مأموراً بالعمل بمقتضى ظنه، وسقط عنه الإثم تحقيقاً .1

1 . راجع المحصول: 2 / 504 .

صفحه 200
وأمّا الثالث، وهو أنّ عليه دليلاً قطعياً فهؤلاء اتّفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه لكن اختلفوا في موضعين 1:
أحدهما : المخطئ هل يستحق الإثم أو لا؟ فذهب بشر المريسي إلى أنّه يستحقّ الإثم، ونفاه الباقون.
ثانيهما: هل ينقض قضاء القاضي فيه؟ قال الأصمّ: ينقض. وخالف فيه الباقون، والأقوى في هذه المطالب انّ لله تعالى في كلّ واقعة حكماً معيناً، وأنّ عليه دليلاً ظاهراً لا قاطعاً، وأنّ المخطئ فيه معذور، وأنّ قضاء القاضي لا ينقض به .
بيان تعيين الحكم وجوه 2:
الأوّل: إذا اعتقد أحد المجتهدين رجحان أمارة الثبوت والآخر رجحان أمارة العدم، فأحد الاعتقادين خطأ; لأنّ إحدى الأمارتين إن كانت راجحة، كان اعتقاد رجحانهِ صواباً واعتقاد رجحان الآخر غير مطابق للمعتقد فيكون خطأ; وإن لم تكن إحداهما راجحة، كان كلّ من الاعتقادين غير مطابق للمعتقد فلا يكون الاعتقادان مطابقين معاً، بل أحدهما بخلاف المعتقد قطعاً، فيكون أحدهما خطأ، فلا يكون كلّ مجتهد مصيباً بمعنى كون اعتقاده مطابقاً للمعتقد .
ولأنّ الاعتقاد الّذي لا يكون مطابقاً للمعتقد جهل، والجهل بإجماع

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 504 .
2 . راجع المحصول: 2 / 504 ـ 511 ; الإحكام: 4 / 191 ـ 196 .

صفحه 201
الأُمّة غير مأمور به، فلا يكون الكلّ مصيبين بمعنى الإتيان بالمأمور به.
اعترض بمنع كون أحد الاعتقادين خطأ.
قوله: لأنّه اعتقد أحدهما فيما ليس براجح أنّه راجح .
قلنا: اعتقد فيما ليس براجح أنّه راجح في نفس الأمر، أو في ظنه. الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم. فإنّ المجتهد لا يعتقد رجحان أمارته على أمارة صاحبه في نفس الأمر، بل في ظنّه، وهو حاصل، فيكون اعتقاده مطابقاً، وعدم الرجحان الخارجي لا يوجب عدم الرجحان الذهني، فأمكن تصويب الاعتقادين معاً .
سلّمنا اعتقاد الرجحان في نفس الأمر، لكنّه لم يجزم بذلك الرجحان، بل جوّز خلافه. ونمنع النهي عن الاعتقاد الخطأ المقارن لهذا التجويز بخلاف الجهل، لأنّ مخالفة المعتقد فيه مقارنة للجزم .
والجواب: الرجحان في الذهن إمّا أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج، أو ما يستلزمه ; لأنّا نعلم ضرورة أنّا لو اعتقدنا مساواة وجود الشيء لعدمه، امتنع حينئذ كون اعتقاد وجوده راجحاً على اعتقاد عدمه، فيجب عند حصول الظن اعتقاد كونه راجحاً في نفسه، إمّا لأنّ الظنّ نفس هذا الاعتقاد، أو لا ينفك عنه. ومعهما يحصل المقصود .
قوله: إنّه غير جازم .
قلنا: بل هو جازم، لأنّ اعتقاد أولوية وجود الشيء غير اعتقاد وجوده،

صفحه 202
واعتقاد أولوية الموجود حاصل مع الجزم، لأنّ المجتهد يقطع بأولوية اعتبار أمارته نظراً إلى هذه الجهة. نعم أنّه غير جازم بالحكم، لكنّ الجزم بالأولوية لا يقتضي الجزم بالوقوع، كما يقطع بأولوية وقوع المطر من الغيم الرطب مع أنّه قد لا يوجد المطر، وعدم المطر لا يقدح في الأولوية، بل هي مقطوع بها، كذا هنا. فثبت حصول اعتقاد جازم غير مطابق لأحد المجتهدين فيكون خطأ وجهلاً ومنهياً عنه.
الثاني: المجتهد إن كلّف بالحكم لا عن طريق، لزم خرق الإجماع على امتناع الحكم بمجرد التشهّي .
وإن كان عن طريق، فإن لم يكن له معارض تعيّن العمل به إجماعاً، فيكون تاركه مخطئاً .
وإن كان له معارض فإن كان أحدهما راجحاً تعيّن العمل به إجماعاً، لامتناع وقوع العمل بالمرجوح، فيكون تاركه مخطئاً. وإن لم يكن أحدهما راجحاً فحكم تعادل الأمارتين إمّا التخيير أو تساقطهما والرجوع إلى
غيرهما.
وعلى كلّ تقدير فالحكم واحد ومخالفه مخطئ.
والاعتراض: لِمَ لا يجوز أن يكلّف بالحكم لا عن طريق، والحكم في الدين بمجرّد التشهّي حرام إذا وجد الدليل لا عند عدمه، إذ العمل بالدليل مشروط بوجود الدليل وإلاّ كان تكليفاً بما لا يطاق وفي المسائل الاجتهادية لا دليل، لأنّه لووجد لكان تارك العمل به تاركاً للمأمور به فيكون عاصياً،

صفحه 203
فيستحق النار، لأنّ الأمر للوجوب، ولمّا أجمعوا على عدم استحقاق النار علم انتفاء الدليل، وإذا لم يوجد دليل جاز العمل بالحدس والتوهّم، كالمشتبه عليه أمارات القبلة يعمل بالوهم والحدس .
سلّمنا، الأمر بالحكم بطريق لكن يجوز حصول طريق آخر مقابل، ويكون أحدهما راجحاً .
وإنّما يجب العمل بالراجح على من علم بالرجحان لا على من لا يعلم به، لأنّ الأمارة الراجحة إنّما يجب العمل بها على من اطّلع عليها، أمّا من لا يطّلع عليها فإنّه يجوز أن يكون مكلّفاً بالأضعف، إذ لا يستبعد عقلاً أن تكون مصلحة أحد المجتهدين العمل بأقوى الأمارات ومصلحة الآخر العمل بأضعفها .
فحينئذ يخلق الله تعالى في قلب من مصلحته العمل بالأقوى الخاطر بوجوه الترجيح، ويشغل الآخر عنها فيظن أنّها أقوى الأمارات ; لأنّ مصلحته العمل على أضعف الأمارات، والظنّ بأنّها أقوى مع كونها في نفسها أضعف غير قبيح، كما لا يقبح ظن كون زيد في الدار وليس فيها.
والجواب: الدليل موجود، وهو الإجماع على وجود الترجيح بأُمور حقيقية لا خيالية، ووجود الترجيح يستدعي وجود أصل الدليل، أعني: القدر المشترك بين الدليل اليقيني والظاهري.
قوله: يجوز العمل بالأضعف إذا لم يعرف الأقوى .

صفحه 204
قلنا: مقدار رجحان القوي على الضعيف إن لم يمكن الاطّلاع عليه لم يكن معتبراً في حقّ المكلّف، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق، فيكون القدر المعتبر بين الأمارتين في حقّ المكلّف متساوياً لا راجحاً .
وإن أمكن الاطّلاع فإن وجب تحصيل العلم بتلك الأمارة إلى أقصى الإمكان كان من لم يصل إلى معرفتها إلى الأقصى تاركاً للواجب فيكون مخطئاً .
وإن لم يجب، فهو محال ; لأنّه إن كان هناك حدّ ما متى لم يصل إليه لم يكن معذوراً. وإذا وصل إليه لم يكلّف بالزيادة عليه وجب تخطئة من لم يصل إليه ومن وصل إليه كان مصيباً، وهو خلاف الإجماع، إذ لم يدّع أحدٌ حدّاً معيّناً في الاجتهاد بحيث يخطّئ القاصر عنه، ولا يعذر، ويصيب الواصل إليه.
وإن لم يكن هناك حدّ لم يكن بعض المراتب أولى بالتخطئة عندها من بعض، فإمّا أن لا يخطئ أصلاً فيكون العامل بالظن كيف كان ولو مع ألف تقصير مصيباً، وهو باطل إجماعاً ; أو يكون مخطئاً إلاّ إذا وصل النهاية الممكنة، وهو المطلوب.
الثالث: المجتهد مستدل بأمر على آخر، والاستدلال: استحضار العلم بأُمور يستلزم وجودها وجود المطلوب. واستحضار العلم بالشيء يتوقّف على وجود ذلك الشيء، فالاستدلال متوقّف على وجود الدليل، ووجود ما يدل على الشيء يتوقّف على وجود المدلول، لأنّ دلالته عليه نسبة بينه و بين

صفحه 205
المدلول، فيتوقّف ثبوتها على ثبوت كلا المنتسبين، فوجود المطلوب متقدّم على الاستدلال بمراتب، والظن متأخّر عن الاستدلال، لأنّه نتيجته، فلو كان الحكم إنّما يحصل بعد الظن كان المتقدّم على الشيء بمراتب نفس المتأخّر عنه بمراتب، وهو محال.
الرابع: المجتهد طالب، فله مطلوب متقدّم في الوجود على وجود الطلب، فيثبت الحكم قبل الطلب فيكون مخالفه مخطئاً .
لا يقال: لا نسلّم طلب المجتهد حكم الله تعالى، بل عليه الظن كمن يقال له: إن ظننت السلامة أبيح لك ركوب البحر، وإن ظننت العطب حرم; وقيل الظن لا حكم فيه عليك، بل يترتّب حكمه على ظنّك بعد حصوله، فهو طلب للظن دون الإباحة والتحريم .
لأنّا نقول: المجتهد لا يطلب الظن كيف كان، إجماعاً، بل الظن الصادر عن النظر في أمارة تقتضيه، والنظر في الأمارة يتوقّف على وجودها، ووجودها يتوقّف على وجود المدلول، فطلب الظن موقوف على وجود المدلول بمراتب، فلو توقّف وجود المدلول على حصول الظن دار.
الخامس: قوله تعالى: (وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ )1خصّ سليمان بفهم الحق في الواقعة، وهو يدلّ على عدم فهم داود،

1 . الأنبياء: 78 ـ 79 .

صفحه 206
وإلاّ لما كان التخصيص مفيداً، وهو دليل اتّحاد حكم الله تعالى في
الواقعة وانّ المصيب واحد .
اعترض بأنّ المفهوم ليس بحجّة.
سلّمنا لكنّه روي أنّهما حكما في تلك القضية بالنص حكماً واحداً، ثمّ نسخ الله تعالى الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل، وعلم سليمان بالنص الناسخ دون داود، فكان هذا هو الفهم الّذي أُضيف إليه .
ويدلّ عليه قوله تعالى: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)ولو كان أحدهما مخطئاً لما كان قد أُوتي في تلك الواقعة حكماً وعلماً .
سلّمنا اختلاف حكمهما، لكن يحتمل أنّهما حكما بالاجتهاد مع الإذن فيه وكانا محقّين في الحكم إلاّ أنّه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم به حقاً متعيّناً بنزول الوحي، وبسبب ذلك نسب التفهيم إلى سليمان.
السادس: قوله تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)1، وقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)2. ولولا ثبوت حكم معيّن في محل الاستنباط، لما كان كذلك.
اعترض بوجوب حملها على الأُمور القطعية دون الاجتهادية، لقوله:

1 . النساء: 83 .
2 . آل عمران: 7 .

صفحه 207
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) وقوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) والقضايا الاجتهادية لا علم فيها.
سلّمنا إرادة القضايا الاجتهادية، لكن قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ )وقوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) يدلّ على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حقّ العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم.
السابع: قوله تعالى: (وَلاَ تَفَرَّقُوا)1، (وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا)(2)،
(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا)2 ، وهو يدلّ على اتّحاد الحق في كلّ واقعة .
واعترض بأنّ المراد النهي عن التفرّق في أصل الدين والتوحيد وما يطلب فيه القطع دون الظن، لأنّ القائلين بجواز الاجتهاد أجمعوا على أنّ كلّ واحد من المجتهدين مأمور باتّباع ما أوجبه ظنّه ومنهي عن مخالفته، وهو أمر بالاختلاف ونهي عن الاتفاق في الأُمور الاجتهادية.
الثامن: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» 3 وهو صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطأ وصواب .

1 . آل عمران: 103 .   2 . الأنفال: 46 .
2 . آل عمران: 105 .
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: 11 / 91 ; عمدة القاري: 2 / 171 ; تفسير ابن كثير: 3 / 196 .

صفحه 208
اعترض بالقول بموجب الخبر وأنّ الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده
فله أجر واحد، غير أنّ الخطأ عندنا في ذلك إنّما يتصوّر فيما إذا كان في المسألة نص أو إجماع أو قياس جلي، وخفي عليه بعد البحث التام عنه، وهو غير متحقّق في محلّ النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوبه من ردّ المال إلى مستحقّه بسبب ظنّه صدق الشهود وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم لكونه ألحن بحجته لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى. ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أحكم بالظاهر، وانّكم لتختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجته من صاحبه، فمن حكمت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النار» .1
التاسع: الإجماع على إطلاق الخطأ في الاجتهاد .
قال أبوبكر: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك.2
وحكم عمر بقضية فقال رجل حضره: هذا والله الحق، فقال عمر: إنّ عمر لا يدري أنّه أصاب الحق، لكنّه لم يأل جهداً.3
وقال لكاتبه اكتب: هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمنه وإن كان صواباً فمن الله .

1 . مرّ مصدره. راجع ص 187 ـ 188 من هذا الجزء.
2 . الإحكام: 4 / 193 ; المستصفى: 2 / 428 ; بحار الأنوار: 34 / 377 ; إحقاق الحق: 335 .
3 . الإحكام: 4 / 193 .

صفحه 209
وقال لمّا ردّت عليه امرأة في المبالغة في المهر: أصابت امرأة وأخطأ عمر .1
وقال علي (عليه السلام) في المرأة الّتي استحضرها عمر فاجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان و عبد الرحمن بن عوف: إنّما أنت مؤدّب لا نرى عليك بأساً: «إن كانا قد اجتهدا فقد أخطآ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدية ».2
وقال ابن مسعود في المفوضّة: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان .3
وأنكر ابن مسعود وزيد على ابن عباس في ترك العول، وأنكر عليهما القول به وقال: من شاء أن يباهلني باهلته، إنّ الّذي أحصى رمل عالج عدداً لم يجعل في مال واحد نصفاً و نصفاً وثلثاً، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟!4
وقال ابن عباس: ألا يتقّي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً.5 و غير ذلك من الوقائع الكثيرة الدالّة على حكمهم بالتخطئة من غير إنكار فكان إجماعاً .

1 . تفسير القرطبي: 5 / 99 ; الإحكام: 4 / 193 ; المستصفى: 2 / 428 ; الغدير: 6 / 98 .
2 . المجموع: 19 / 13 و 144 ; الإحكام: 4 / 193 ; الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): 25 .
3 . الإحكام: 4 / 193 ـ 194 .
4 . الإحكام: 4 / 194.
5 . شرح نهج البلاغة: 20 / 27 ; تفسير الرازي: 4 / 85 ; الإحكام: 4 / 194 .

صفحه 210
اعترض بتسليم وقوع الخطأ في الاجتهاد لكن فيما إذا لم يكن المجتهد أهلاً للاجتهاد فيه، أو كان أهلاً وقصّر أو لم يقصّر لكنّه خالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جليّاً.
أمّا ما تمّ فيه الاجتهاد من أهله ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ذكروه من قضايا الصحابة ما يدلّ على وقوع الخطأ فيه .
العاشر: القول بتصويب المجتهدين يفضي إلى الجمع بين النقيضين، والتالي محال بالضرورة فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية ; أنّ أحد المجتهدين قد يقول بالنفي والآخر بالإثبات أو أحدهما بالحِلّ والآخر بالحرمة، فلو كانا حقّاً لزم الجمع بين المتناقضين.
الحادي عشر: الإجماع على تجويز البحث والمناظرة، ولو كان كلّ واحد مصيباً لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، لاعتقاد كلّ واحد حقّية ما ذهب إليه مخالفه وإصابته فيه وفائدة المناظرة إمّا معرفة صواب مذهب خصمه، أو ردّه عنه .
وفي الأوّل تحصيل الحاصل، وفي الثاني ارتكاب الحرام، إذ ردّ المصيب عمّا أصاب فيه حرام.
الثاني عشر: لو صح تصويب المجتهدين لوجب عند الاختلاف في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يُقضى بصحّة اقتداء كلّ واحد من المجتهدين بالآخر، لاعتقاد المأموم صحّة صلاة إمامه.

صفحه 211
الثالث عشر: القول بتصويب المجتهدين يستلزم التنازع. فإنّ الشافعي لو قال لزوجته الحنفية: «أنت بائن» وكانا مجتهدين فإنّه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة بجواز المراجعة، وبالنظر إلى ما تعتقده المرأة من تحريم الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، وذلك مفض إلى التنازع الّذي يمتنع رفعه شرعاً، وهو محال .
وكذا لو نكح امرأة بغير ولي، ونكحها آخر بعده بولي، فإنّه يلزم من صحّة المذهبين حلّها للزوجين، وهو محال .
وإذا استفتى العامي مجتهدين واختلفا، استحال العمل بقولهما وتركهما وترك أحدهما، لعدم الأولوية.
الرابع عشر: الأصل عدم التصويب ودوام كلّ متحقّق، إلاّ ما خرج عنه لدليل، والأصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الأصل، خالفناه في تصويب واحد غير معين للإجماع، ولا إجماع فيما نحن فيه، فوجب الحكم بنفيه .
احتجّ القائلون بأنّه لا حكم لله تعالى في الواقعة بأُمور 1:
الأوّل: لو كان في الواقعة حكم فإن لم يكن عليه دليل قطعي ولا ظنّي لزم تكليف ما لا يطاق ; وإن كان عليه ما يفيد أحدهما وجب قدرة المكلّف على تحصيله فيكون متمكّناً من تحصيل العلم به أو الظن، والحاكم بغيره حاكم بغير ما أنزل الله تعالى، فيكون كافراً، أو فاسقاً، لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 511 ـ 519 .

صفحه 212
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)1، (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)2، ويكون من أهل النار قطعاً، لأنّه تارك لأمر الله تعالى فيكون عاصياً، والعاصي من أهل النار، لقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا)3، والإجماع على فساد هذه اللوازم، فيعلم انتفاء دليل الحكم .
لا يقال: هذه العمومات مخصوصة، لأنّ أدلّة هذه الأحكام غامضة، فالتكليف باتّباعها حرج، فيكون منفياً لقوله: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)4.
لأنّا نقول: غموض أدلّة الأحكام دون أدلّة المسائل العقلية مع كثرة مقدّماتها والشبه فيها وكان الخطأ فيها كفراً و ضلالاً فكذا هنا، وإذا بطل وجود الدليل وعدمه على تقدير ثبوت الحكم، وجب القول بنفيه.
الثاني: لو كان هناك حكم لوجب أن يكون عليه دليل قاطع، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية: أنّ على تقدير وجود الحكم إن لم يوجد عليه دليل البتّة، كان التكليف به تكليفاً بما لا يطاق ; وإن وجد عليه دليل فإن لم يستلزم المدلول قطعاً ولا ظاهراً استحال التوصّل به إلى المدلول ; وإن استلزمه

1 . المائدة: 47 .
2 . المائدة: 44 .
3 . النساء: 14 .
4 . الحج: 78 .

صفحه 213
ظاهراً، فإن لم يمكن وجوده بدون المدلول كان استلزامه قطعاً لا ظاهراً;
وإن أمكن وجوده بدون المدلول في بعض الصور واستلزمه في
صورة أُخرى، فإن لم يتوقّف كونه مستلزماً له على انضمام قيد آخر إليه لزم الترجيح من غير مرجّح، لأنّ ذلك الشيء تارة ينفك عن المدلول، وتارة لا ينفك عنه مع تساوي نسبة الوقتين. وإن توقّف كان المستلزم للمدلول هو المجموع لا ما فرض دليلاً، ثمّ ذلك المجموع إن أمكن انفكاكه عن المدلول استحال استلزامه إلاّ بقيد آخر و يتسلسل، وإن لم يمكن كان دليلاً قطعياً لا ظاهراً .
لا يقال: الدليل الظاهر هو الّذي يستلزم كون المدلول أولى بالوجود أولوية غير منتهية إلى الوجوب، وهذا المعنى ملازم له أبداً .
لأنّا نقول: لا نعقل الأولوية من دون الوجوب، لأنّ العدم مع الأولوية إن امتنع كان وجوباً، وإلاّ أمكن حصوله معها تارة، والوجود أُخرى; فرجحان أحدهما على الآخر إن توقّف على أمر زائد لم يكن الأوّل كافياً في الرجحان، وإن لم يتوقّف لزم ترجيح الممكن من غير مرجح، فثبت أنّ الّذي لا يستلزم الشيء قطعاً لايستلزمه بوجه من الوجوه، فثبت أنّه لو وجد في الواقعة حكم لكان عليه دليل قاطع ; ولما انعقد الإجماع على أنّه ليس كذلك، علمنا انتفاء الحكم.
الثالث: الإجماع على أنّ المجتهد مأمور بالعمل على وفق ظنّه، ولا يعني بحكم الله تعالى إلاّ ما أمر به، فإذا كان مأموراً بالعمل بمقتضى ظنّه

صفحه 214
وعمل به كان مصيباً للقطع (على أنّه)1 عمل بما أمره الله تعالى به فكلّ مجتهد مصيب.
الرابع: لو حصل في الواقعة حكم معيّن لكان غيره باطلاً، ويستلزم التالي أُموراً أربعة:
أحدها: أن لا يجوز من الصحابة تولية بعضهم بعضاً مع المخالفة في المذاهب، لأنّ التمكين منه تمكين من ترويج الباطل، وهو غير جائز، لكنّه قد وقع ; فإنّ أبابكر ولّى زيداً مع مخالفته إيّاه في الحدّ، وولّى عمر شريحاً مع مخالفته إيّاه في كثير من الأحكام.
ثانيها: يلزم أن لا يمكّنه من الفتوى، وقد كانوا يفعلون ذلك.
ثالثها: كان يجب نقض أحكام مخالفيهم، بل الواحد ينقض حكم نفسه الّذي رجع عنه، لأنّ كثيراً منهم قضى بقضايا مختلفة ولم ينقل النقض.
رابعها: اختلفوا في الدماء والفروج والخطأ في ذلك كثير، فإنّه لا فرق بين أن يمكّن غيره بفتواه بالباطل من القتل وأخذ المال، وبين أن يباشرهما في كونه كبيراً ووجوب تفسيق فاعله والبراءة منه. ولمّا لم يوجد شيء من ذلك، علمنا انتفاء الحكم .
لا يقال: يجوز أن يكون ذلك الخطأ صغيرة فلم يجب الامتناع من التولية، ولا المنع من الفتوى ولا البراءة ولا التفسيق .

1 . في المحصول: 2 / 512: لأنّه .

صفحه 215
سلّمنا أنّه كبيرة فجاز أن يقال: إنّما يلزم هذه الأُمور لوحصل في المسائل طريق مقطوع به. أمّا إذا كثرت وجوه الشبه وتزاحمت جهات التأويلات والترجيحات، صار ذلك سبباً للعذر وسقوط الذم .
سلّمنا صحّة دليلكم، لكنّه معارض بما روي عن الصحابة من التصريح بالتخطئة.
ولأنّ الصحابة اختلفوا قبل العقد لأبي بكر فقالت الأنصار: «منّا أمير ومنكم أمير»1 وكانوا مخطئين لمخالفتهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمة من قريش»2ولم يلزم من ذلك الخطأ البراءة والفسق، فكذا هنا .
ولأنّهم اختلفوا في مانع الزكاة هل يقاتل؟ وقضى عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم، وكان ذلك على خلاف النص .
ويمنع كون الاختلاف في الدماء والفروج كبيراً، فإنّه لمّا لم يمتنع كون الأقوال المختلفة صواباً على مذهبك، جاز أن يكون الخطأ فيها صغيراً.
ويمنع تساوي مباشرة القتل والغصب والتمكن منهما بالفتوى الباطلة، ولِمَ لا يجوز أن يكون تمسّكه في ذلك بما يشبه الدليل سبباً لسقوط العقاب والتفسيق؟

1 . راجع السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 1074 .
2 . مسند أحمد: 3 / 129 و ج 4 / 421 ; مستدرك الحاكم: 4 / 76 ; سنن البيهقي: 3 / 121 و ج 8 / 141 ; مجمع الزوائد: 5 / 192 ; نهج البلاغة: 2 / 27 ; بصائر الدرجات: 53 ; الكافي: 8 / 343 ; بحار الأنوار: 18 / 133 و ج 24 / 157 ح 17 و ج 25 / 104، باب الأئمة من قريش و ج 28 / 171 و 261 و 380. وقد وردت العبارة ضمن أحاديث مختلفة الألفاظ .

صفحه 216
لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّ الدليل على كونه كبيرة لو كان خطأ أنّ تارك العمل به تارك للمأمور به، فيكون عاصياً فيستحق النار.
وعن الثاني. أنّ غموض الأدلّة وكثرة الشبه أقل ممّا في العقليات مع أنّ المخطئ فيها كافر، أو فاسق.
وعن الثالث. أنّ ترك البراءة والتفسيق مع التمكين من الفتوى والعمل منقول عمّن نقلتم عنهم التصريح بالتخطئة فلابد من التوفيق، وقد
تعذّر صرفه إلى كون الخطأ صغيراً لما بيّنّا فساده، فطريق التوفيق ليس
إلاّ صرف ما نقلناه إلى قسم وما نقلتموه إلى آخر ; فإنّا لا ندّعي التصويب في كلّ الاختلافات في المسائل الشرعية حتى يضرّنا ما ذكرتم، وأنتم تدّعون الخطأ في كلّ الاختلافات فيضرّكم ما ذكرناه ; فنحمل التخطئة على ما إذا وجد في المسألة نصّ قاطع، أو على ما إذا لم يستقص المجتهد في وجوه الاستدلال.
وأمّا الأنصار فإنّهم لمّا سمعوا ذلك الحديث لا جرم لم يستحقّوا التفسيق والبراءة، بخلاف هذه المسائل فإنّ كلّ واحد من المجتهدين عرف حجّة صاحبه واطّلع عليها، فلو كان مخطئاً لكان مصرّاً على الخطأ بعد اطّلاعه عليها، فأين أحد البابين من الآخر ؟
وهذا هو الجواب أيضاً عن اختلافهم في مانعي الزكاة وقصة1المجهضة .

1 . في «ب» و «د»: قضية.

صفحه 217
قوله: لمّا جاز أن تكون المذاهب المختلفة في الدماء والفروج خفيّة فلِمَ لا يجوز أن يكون الخطأ فيها صغيراً .
قلنا: قد بيّنّا الدليل على كونه كبيراً فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «في مَن سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله». 1 وهذا وأمثاله ممّا لا يحصى كثرة يدلّ على أنّ الخطأ كبيرة.
الخامس: لو كان المجتهد مخطئاً لما حصل القطع بكون الخطأ منه مغفوراً، وقد حصل فهو غير مخطئ.
بيان الشرطية. أنّه لو حصل القطع بكونه مغفوراً لكان في ذلك الوقت إمّا أن يجوز المخطئ كونه مخلاًّ بنظر يلزمه فعله، أو لا يجوز ذلك.
فإن لم يجز كان كالساهي عن النظر الزائد فلم يكن مكلّفاً بفعله، فلا يستحقّ العقاب بتركه، فلا يكون مخطئاً وقد فرض مخطئاً. هذا خلف .
وإن جوّز كونه مخلاًّ بنظر زائد فإمّا أن يعلم في تلك الحالة أنّه مغفور له إخلاله بذلك النظر الزائد، أو لا يعلم. فإن علم لم يصحّ، لأنّ المجتهد لا يعلم المرتبة الّتي إذا انتهى إليها غفر له ما بعدها، لأنّه إن اقتصر على أوّل المراتب لم يغفر له مابعده، وما من مرتبة ينتهي إليها إلاّ ويجوز أن لا يغفر له

1 . سنن ابن ماجة: 2 / 874 ; سنن البيهقي: 8 / 22 ; مجمع الزوائد: 7 / 298 ; المعجم الكبير: 11 / 66 ; كنز العمال: 15 / 22 برقم 39895 ; من لا يحضره الفقيه: 4 / 94 ; عوالي اللآلي: 1 / 283 برقم 123 و 365 برقم 57 ; بحار الأنوار: 72 / 148 ح 3 وص 149 ح 10 و ج 101 / 383 ح 1. وقد ورد الحديث باختلاف في الألفاظ .

صفحه 218
ما بعدها. ولا يتميّز له بعض تلك المراتب من بعض. ولأنّه لو عرف تلك المرتبة القريبة لكان مُغرى بالمعصية، لعلمه بانتفاء المضرة عليه في ترك النظر الزائد مع كونه مشقة.
فإذن لا يعرف تلك المرتبة، وإذا لم يعرفها جوِّز أن لا يُغفر له إخلاله بما بعدها من النظر، وجوز أيضاً في كلّ مخطئ من المجتهدين أنّهم لم ينتهوا إلى المرتبة الّتي يغفر لهم ما بعدها، وهو يتضمّن تجويز كونهم غير مغفور لهم .
فظهر أنّه لو كان مخطئاً لما حصل القطع بكونه مغفوراً له، لكنّه حصل القطع بذلك، لأنّهم اتّفقوا من زمن عصر الصحابة إلى يومنا هذا على أنّ ذلك مغفور، فعلمنا أنّ المجتهد ليس بمخطئ.
السادس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»
خيّر في تقليد أصحابه، وقد كانوا يختلفون في المسائل، فلو كان بعضهم مخطئاً في الحكم أو الاجتهاد لكان قد حثّهم على الخطأ والمصير إليه، وهو باطل.
السابع: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا رتب معاذ الاجتهاد على السنّة والسنّة على الكتاب: «أصبت». حكم بتصويبه مطلقاً، ولم يفصّل بين حالة وأُخرى، فالمجتهد مصيب مطلقاً.
الثامن: تعيين الحق يستلزم نصب دليل قاطع دفعاً لإزاحة الإشكال وقطعاً لحجّة المحتج، كما هو المألوف من عادة الشارع في كلّ ما دعا إليه.

صفحه 219
لقوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)1.
وقوله تعالى: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(2).
وقوله تعالى: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً)2. ولو كان عليه دليل قاطع لوجب الحكم بفسق مخالفه.3
التاسع: لا خلاف في ترجيح الأدلّة المتقابلة في المسائل الاجتهادية بما لا يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدلّ على أنّ الدليل من الجانبين ما هو خارج عن الترجيح، فالدليل على كلّ واحد من الحكمين قائم، فكان حقّاً.4
والجواب عن الأوّل. أنّ على الحكم دليلاً ظاهراً لا قطعاً ولا يلزم الكفر ولا الفسق .
قيل5: لأنّ المجتهد قبل الخوض في الاجتهاد كان تكليفه طلب ذلك الحكم الّذي عيّنه الله تعالى ونصب عليه ذلك الدليل الظاهر، فإذا اجتهد

1 . النساء: 165 .   2 . إبراهيم: 4 .
2 . طه: 134 .
3 . راجع الإحكام: 4 / 199 .
4 . راجع الإحكام: 4 / 200 .
5 . القائل هو الرازي في المحصول: 2 / 519 .

صفحه 220
وأخطأ ولم يصل إلى ذلك الحكم وظن شيئاً آخر، تغيّر التكليف في حقّه وصار مأموراً بالعمل بمقتضى ظنّه. وحينئذ يكون حاكماً بما أنزل الله لا بغيره فسقط ما ذكروه من الاستدلال .
وهو الجواب عن الثاني. لأنّا نسلم أنّ المجتهد بعد أن اجتهد وظن أنّ الحكم كذا فإنّه مكلّف بالعمل بمقتضى ظنّه، وحكمه تعالى في حقّه ليس إلاّ ذلك، لكن يجوز أن يقال: إنّه قبل خوضه في الاجتهاد كان مأموراً بذلك الحكم الّذي عيّنه الله تعالى ونصب عليه الدليل، لكنّه بعد الاجتهاد ووقوع الخطأ تغيّر التكليف، وما ذكروه لا ينفي هذا الاحتمال.
ولأنّ هذه الدلالة تنتقض بما لو وجد نصّ في المسألة ولم يجده المجتهد بعد الطلب، ثمّ ظنّ بمقتضى القياس خلاف ذلك الحكم، فإنّ تكليفه حينئذ العمل بمقتضى ذلك القياس مع الإجماع على كونه مخطئاً في هذه الصورة، فجوابهم جوابنا.
ومن المصوّبة من منع من التخطئة في هذه الصورة، فالأصل في الجواب ما تقدم.
وهو الجواب عن الثالث، لأنّه إنّما يجب البراءة والتفسيق لو عمل بغير حكم الله تعالى، لكنّه بعد الخطأ مكلّف بالعمل بمقتضى ظنّه، فيكون عاملاً بحكم الله تعالى فلا يلزم شيء ممّا ذكروه .
وفيه نظر، فإنّ الحكم تابع للمصالح لا للظنون، ولا نسلّم تغيّر حكم الله تعالى باعتبار حصول ظنّ غير الحكم المعيّن، بل الحق في الجواب أنّ

صفحه 221
التكليف لم يتغير، نعم لا يأثم ولا يفسق من حيث العذر الحاصل له باعتبار أنّه مكلّف بإصابة الحكم المعين مستنداً إلى الدليل الظاهر، فلمّا حصل له ظنّ غيره لتقصير في اجتهاد ظنّ إصابة الحق فأهمل استيفاء النظر باعتبار توهّمه بسبب ظنّه أنّه فعل المأمور به .
وعن الخامس. أنّ المرتبة الّتي عندها يحكم بكونه مغفوراً له مابعدها هي الإتيان بما يقدر عليه من غير تقصير.
وعن السادس. أنّه معارض بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن اجتهد واخطأ فله أجر واحد».
وأيضاً فهو خبر واحد، وما ذكرناه دلائل قاطعة فلا يحصل التعارض. وهو الجواب عن السابع .
وعن الثامن. لا مانع من اقتضاء الحكمة طلب ظن ذلك الحكم بناء على الأدلّة الظنيّة لا طلب العلم به، فلا يجب نصب دليل قطعي ولا يلزم حصول العذر.
وعن التاسع. أنّ بتقدير تسليم أنّ الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا نمنع ذلك من اعتباره جزءاً من الدليل وحينئذ لا يكون المرجوح دليلاً، ولو كان دليلاً فلا نسلّم وجوب ترتيب الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الأمر.1

1 . ذكر الرازي هذه الأجوبة في المحصول: 2 / 519 ـ 520، فراجع .

صفحه 222
   
 
البحث الرابع: في القول بالأشبه
هذا لا يجيء على رأي الإمامية ومن وافقهم فإنّ لله تعالى في كلّ مسألة حكماً معيناً، وإنّما يأتي على رأي المصوبة .
وقد اختلف القائلون بعدم الحكم فقال بعضهم: بالأشبه، وهو أنّه وإن لم يكن لله تعالى فيها حكم لكن لو حكم لم يحكم إلاّ بكذا. ونفاه المحقّقون. وهو الحق .1
لنا: انّ ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات وكان موجوداً، كان الأمر به وارداً بالإجماع على وجوب العمل بأقوى الأمارات. فحينئذ يكون الحكم بذلك الأشبه وارداً، وقد فرض غير وارد. هذا خلف .
وإن لم يكن أقوى الأمارات موجوداً لم يكن الأشبه أيضاً موجوداً، لأنّا فرضنا الأشبه هو أقوى الأمارات .
وأمّا أن يكون الأشبه شيئاً غير العمل بأقوى الأمارات، استحال أن يكون مفسدة للمكلّف، إذ لا قائل بوجوب حكم في كلّ واقعة لو نصّ الله تعالى على حكم فيها لنصّ عليه مع كونه مفسدة للمكلّف .
وإن كان مصلحة فإن قلنا بوجوب رعاية المصالح ـ كما هو مذهبنا ومذهب المعتزلة ـ وجب أن ينص الله تعالى عليه، ليتمكّن المكلف من

1 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 520 .

صفحه 223
استيفاء تلك المصلحة ; وإن لم يجب ـ كما هو رأي الأشاعرة ـ جاز أن ينص على غيره، فيبطل القول بأنّه لو نصّ على الحكم لما نصّ إلاّ عليه .
وإن لم يكن مصلحة ولا مفسدة فهو إنّما يتمشّى على رأي الأشاعرة الذين نفوا وجوب رعاية المصلحة في الأحكام، وكلّ من قال بذلك قال: إنّه لا يتعيّن عليه أن يحكم على وجه معين، بل له الحكم كيف شاء فيمتنع القول بالأشبه.
احتجّ القائلون به بوجهين 1:
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد» صرّح بالتخطئة وليست لأجل مخالفة حكم واقع، لأنّا دللنا على أنّه لا حكم، فيكون لأجل حكم مقدّر وهو الأشبه.
الثاني: المجتهد طالب، فلابدّ له من مطلوب، ولمّا لم يكن المطلوب معيّناً وقوعاً، وجب أن يكون معيّناً تقديراً .
والجواب. أنّ ذلك الأشبه إن كان هوالعمل بأقوى الأمارات فهو حقّ. وهو قولنا .
وإن كان غيره مع أنّه تعالى لم ينصّ عليه، ولا أقام عليه دلالة ولا أمارة فكيف يكون مخطئاً بالعدول عنه، وكيف ينقص ثوابه إذا لم يظفر بما لم يكلّف بإصابته، ولا سبيل له إلى إصابته.

1 . راجع المحصول: 2 / 521 ـ 522 .

صفحه 224
 
البحث الخامس: في فصل التنازع بين المجتهدين المختلفين
اعلم أنّ القائلين بأنّ المصيب واحد أوردوا على المصوبة إشكالاً،
وهو أنّ تصويب الكلّ يفضي إلى التنازع بحيث لا يمكن حمله كما قلنا في الزوج لو قال لامرأته: «أنت بائن» وكانا مجتهدين، ثمّ راجعها وكان شافعياً يرى الرجعة والمرأة حنفية ترى أنّ الكنايات بوائن; فهاهنا يتمكّن الزوج شرعاً من مطالبتها بالوطء والمرأة مأمورة بالامتناع، ولا يمكن قطع هذه المنازعة .
قال المصوّبون: هذا الإشكال وارد عليكم أيضاً فإنّ المحقّقين ساعدوا على أنّه يجب على المجتهد العمل بموجب ظنّه إذا لم يعلم كونه مخطئاً، فهو وارد عليكم أيضاً .
وطريق التخلّص أن يقول: الحادثة إن نزلت بمجتهد واختصّت
به، عمل على ما يؤدّيه اجتهاده إليه، فإن تساوت الأمارات فيها تخيّر بينها،
أو يعاود الاجتهاد إلى أن يظهر الرجحان. وإن تعلّقت بغيره فإن كان يجري فيها الصلح كالأموال، اصطلحا فيه أو رجعا إلى حاكم يفصل بينهما إن وجد; وإن لم يوجد رضيا بمن يحكم بينهما، فإذا حكم لزمهما ولم يجز الرجوع عنه.
وإن لم يجز فيه الصلح كالمسألة المفروضة ، رجعا إلى من
يفصل بينهما ، سواء كان صاحب الحادثة مجتهداً أو حاكماً أو لم يكن،

صفحه 225
فإنّه لا يجوز للحاكم أن يحكم لنفسه على غيره، بل ينصب من يقضي
بينهما .
وإن كان مقلّداً فإن كانت الحادثة تخصّه عمل على ما اتّفق عليه الفتوى ; فإن اختلفوا، عمل بفتوى الأعلم الأزهد ; فإن استويا، تخيّر بينهما ; وإن تعلّقت بغيره، عمل كما تقدّم في المجتهدين.1

البحث السادس: في نقض الاجتهاد

إذا تغيّر اجتهاد المجتهد فإن كان في حقّه مثل أن يكون قد أدّاه اجتهاده إلى جواز التزويج بغير ولي أو إلى أنّ الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثاً، ثمّ تغيّر اجتهاده فيهما ; فإن كان الحكم الأوّل قد اتّصل به حكم حاكم وقضاء قاض، سواء كان المجتهد نفسه أو غيره، لم ينقض النكاح وكان صحيحاً، لأنّ قضاء القاضي لمّا اتّصل به فقد تأكّد فلا يؤثر فيه بغير الاجتهاد محافظة على حكم الحاكم ومصلحته .2
وفيه نظر، لأنّ الحكم من القاضي تابع للحكم في نفسه لا متبوعاً، لأنّ الحكم عندنا لا يتغيّر بحكم القاضي وعدمه، فإن كان سائغاً لم يتغيّر، وكذا إن كان غيره فلا يصير حكم القاضي ما ليس بحلال في نفسه حلالاً .
وإن لم يتّصل به حكم الحاكم لزمه مفارقتها إجماعاً، وإلاّ كان

1 . راجع المحصول: 2 / 522 ـ 523.
2 . راجع المحصول: 2 / 523 .

صفحه 226
مستديماً1 يحل الاستمتاع بها على خلاف معتقده، ومرتكباً لما يحرم بتحريمه، وهو خلاف الإجماع .
وإن كان قد أفتى غيره وعمل بفتواه ثمّ تغير الاجتهاد، كما لو أفتاه بأنّ الخلع فسخ فنكح العامّي ثم تغيّر اجتهاد المفتي، فقد اختلفوا في أنّ المقلّد هل يجب عليه مفارقة الزوجة لتغيّر اجتهاد المفتي والحق وجوبه ; كما لو قلّد مَن ليس من أهل الاجتهاد مَن هو من أهله في جهة القبلة ثمّ تغير اجتهاد المجتهد إلى جهة أُخرى في أثناء صلاة المقلّد، فإنّه يجب عليه التحوّل إلى الجهة الأُخرى ; بخلاف قضاء القاضي فإنّه متى اتّصل بالحكم استقرّ على ما تقدّم من الإشكال .
وأمّا قضاء القاضي فإن كان قد خالف دليلاً قاطعاً كنص أو إجماع أو قياس جلي وهو ما نص فيه على العلّة، فإنّه ينقض إجماعاً لظهور خطائه قطعاً. وإن لم يكن قد خالف دليلاً قاطعاً بل اجتهد وحكم باجتهاده، فإنّه لا يجوز نقض حكمه، وإلاّ لزم اضطراب الأحكام وعدم استقرار الشرع، إذ لو جاز للحاكم أن ينقض حكم نفسه أو حكم غيره بتغيّر اجتهاده المفيد للظن لجاز نقض البعض عند تغيّر الاجتهاد، وهكذا إلى غير النهاية، وهو يقتضي عدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة الّتي نصب الحاكم لها.
في أنّه لا يجوز أن يقول الله تعالى للنبي أو العالم: احكم بمهما شئت فإنّما تحكم بالصواب   

1 . في «ب»: مستدعياً.

صفحه 227
 
البحث السّابع: في أنّه لا يجوز أن يقول الله تعالى للنبي أو العالم:
احكم بمهما شئت فإنّما تحكم بالصواب
اختلف الناس في جواز تفويض الله تعالى إلى المكلّف أن يحرم ويوجب ويبيح باختياره بأن يقال له: احكم بما رأيت أو بما شئت فإنّك لا تحكم إلاّ بالصواب .
فجزم بجوازه مطلقاً مويس 1 بن عمران .
وقال أبو علي الجبائي: يجوز أن يقال ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره.
وتوقّف الشافعي في امتناعه وجوازه2، وجمهور المعتزلة على الامتناع.3
والسيد المرتضى وإن جزم في صدر كلامه بالمنع وأنّه لابدّ في كلّ حكم من دليل لا يرجع إلى اختيار الفاعل والعلم بأنّه لا يختار إلاّ الصواب غير كاف في هذا الباب، إلاّ أنّه في أثناء دلالته يشعر باختيار ذلك في الحكم الواحد لا في الأحكام المتعدّدة .(4)

1 . في النسخ الّتي بأيدينا موسى ويونس بن عمران، وما أثبتناه من كتب الرجال والأُصول كالذريعة وعدة الأُصول والمحصول وإكمال الكمال.
وهو مويس بفتح الواو وبعدها ياء ساكنة ، أحد المتكلّمين، ذكره الجاحظ وروى عنه حكايات. إكمال الكمال: 7 / 300 .
2 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 566 .
3 . راجع المحصول: 2 / 566 ; الإحكام: 4 / 215 .   4 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 174 .

صفحه 228
احتجّ المانعون بوجوه 1:
الأوّل. من أجاز هذا التكليف، إن جعل الاختيار ممّا تتم به المصلحة فهو محال لوجهين:
أحدهما: أنّه على هذا التقدير يسقط التكليف، فإنّه إذا قيل له: إن اخترت فافعله وإن لم تختر فلا تفعله، كان محض إباحة الفعل لا تكليفاً.2
واعترض بفرض الكلام في حكمين يجوز الخلو عنهما كالوجوب والتحريم.
ثانيهما. أنّ الإنسان لا ينفك من النقيضين فلا يجوز تكليفه بما لا يمكنه الانفكاك عنه، بخلاف تخيير الكفّارات لتمكّنه من الانفكاك عنها أجمع .
وإن جعل الفعل مصلحة في نفسه ثمّ يختاره المكلّف، استحال التفويض حينئذ لوجوه:
أوّلها. إمّا أن يجوز التفويض في الحوادث الكثيرة، أو في حادثة وحادثتين .
والأوّل محال للعلم القطعي بامتناع حصول الإصابة دائماً على سبيل الاتّفاق ; وكما لا يجوز أن يقال للأُمّي: اكتب كتاباً فإنّك لا تخط بيمينك إلاّ ما

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 566 .
2 . في «ب» بزيادة: وانّه باطل.

صفحه 229
طابق ترتيب الكتاب، ولا أن يقال للجاهل: اخبر بما شئت فإنّك لا تخبر إلاّ بالصدق. وإلاّ لزم بطلان الاستدلال بالاحكام على العلم وبطلان الاستدلال بالأخبار عن الغيب على النبوة ; فكذا لا يجوز أن يقال له: احكم فإنّك لا تختار إلاّ الصواب .
وأمّا الثاني وهو جوازه في القليل فإنّه وإن كان جائزاً، إلاّ أنّ القول به خارق للإجماع، فإنّ كلّ من منع من الكثير منع من القليل، فالفرق خارج عن الإجماع .
وفيه نظر، للفرق بين الكتابة المفتقرة إلى تقدّم المعرفة بالصيغة وبين الإخبار المنبئ عن تقدّم غيره، وكذا فرق بين الإخبار1 والإخبار المتوقّف على علم المطابقة.
ثانيها . إنّما يحسن القصد إلى فعل عُلِمَ أو ظُنّ كونه حسناً، فلابد وأن يتميّز له الحسن عن القبيح قبل الإقدام على الفعل. فإذا لم تتقدّم هذه الأمارة المميّزة كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح تكليفاً بما لا يطاق .
لا يقال: المميّز موجود و هو قوله: قد علمنا أنّك لا تختار إلاّ الحسن.
لأنّا نقول: هذا يقتضي أنّ العلم بالحسن بعد فعله وبعد الفعل يزول التكليف عنه. فالدور لازم لوجوب تقدّم المميز بين الحسن والقبح على الاختيار، وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق .

1 . في «أ» و «ج»: الاختبار.

صفحه 230
وقوله: «إنّك لا تحكم إلاّ بالصواب» إنّما يحصل معه التمييز بعد الفعل، والمتقدم لا يجوز أن يكون هوالمتأخّر .
وفيه نظر، لأنّ وجوب تقدّم العلم أو الظن بالحسن على الفعل إنّما ثبت على تقدير جواز وقوع القبيح، أمّا على تقدير عدمه فلا، والجواز هنا منتف.
ثالثها: لو جاز أن يقول: «احكم فإنّك لا تحكم إلاّ بالصواب» لجاز أن يكلّفه تصديق النبي وتكذيب المتنبِّي عن غير دليل، بل تفويضه إلى اختياره; ولجاز أن يكلّفه الإخبار بمهما شاء فإنّه لا يخبر إلاّ عن حق، ولجاز أن يصيب في مسائل الأُصول من غير اجتهاد، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي نزل عليه وهو باطل إجماعاً.
ورابعها: لو جاز ذلك في حقّ العالم لجاز في حقّ العامّي.
[ الوجه الثاني ] وهو يدلّ على عدم الوقوع. [ وفيه أمران: ]
1. لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأموراً باتّباع إرادته من غير دليل، لما نُهي عن اتّباع هواه، إذ معناه الحكم بكلّ ما يميل قلبه إليه من غير دليل، لكنّه قد نهي بقوله تعالى: (وَ لاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى)1، (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)2.
لا يقال: إذا قيل له: «احكم فإنّك لا تحكم إلاّ بالحق» كان نصاً على حقّيّة كلّ ما يميل قلبه إليه، فلا يكون اتّباعاً للهوى .

1 . ص: 26 .
2 . النجم: 3 .

صفحه 231
لأنّا نقول: فيبقى اتّباع الهوى منه ممتنعاً .
وفيه نظر، لإمكانه لولا القول: وفيما عدا ما خيّر1 فيه.
2. لو قيل له: «احكم فإنّك لا تحكم إلاّ بالصواب» لما قيل: لِمَ فعلت، لكّنه قد قيل له: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ )2 وهو يدلّ على عدم الوقوع أيضاً .
وفيه نظر، لتوجه العتاب إلى الأُمّة، ولأنّ توجّه العتاب إلى فعل لا يمنع من التخيير في غيره .
احتجّ مويس بوجوه 3:
أحدها. نادى مناديه (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم فتح مكة أن اقتلوا مقيس بن صبابة 4وابن أبي سرح5 وإن وجدتموهما متعلّقين بأستار الكعبة لقوله: «من تعلّق

1 . في «أ» و «ب»: خبر .
2 . التوبة: 43 .
3 . راجع المحصول: 2 / 569 ـ 571 .
4 . هو مقيس بن صبابة بن حزن بن يسار الكناني القرشي، شاعر، اشتهر في الجاهلية، شهد بدراً مع المشركين، قُتل أخوه خطأً على يد رجل من الأنصار فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ديته، ثم قدم مقيس المدينة مظهراً الإسلام، فأمر له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالدية فقبضها، ثم ترقّب قاتل أخيه حتّى ظفر به وقتله، وارتد ولحق بقريش، قال شعراً في ذلك، فأهدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دمه، فقتله نميلة بن عبدالله الليثي يوم فتح مكة سنة (8 هـ)، وقيل: رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم. الأعلام: 7 / 283 .
5 . هو عبدالله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، أخو عثمان من الرضاعة، ارتدّ فأهدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دمه، ثم عاد مسلماً واستوهبه عثمان يوم الفتح من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولي مصر لعثمان ولم يبايع علياً، توفّي سنة تسع وخمسين على قول، وقيل: الأصحّ وفاته في خلافة علي (عليه السلام). سير أعلام النبلاء: 3 / 35 برقم 8 .

صفحه 232
بأستار الكعبة فهو آمن».1 ثم شفع عثمان في ابن أبي سرح فعفا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان قتله بأمر من الله تعالى لم يقبل فيه شفاعة أحد إلاّ بوحي آخر ولم يوجد، إذ لنزوله علامات يعرفونها، ولم يظهر في ذلك الوقت شيء منها.
ثانيها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم فتح مكة: «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض لا يُختلى خلاها، ولا يعضد شجرها» فقال العباس: يا رسول الله إلاّ الإذخر!، فقال: «إلاّ الإذخر».2 ولم يكن الاستثناء بالوحي، لعدم ظهور علاماته.
ثالثها: نادى مناديه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا هجرة بعد الفتح» 3 حتى استفاض، فبينا المسلمون كذلك إذ أقبل مجاشع بن مسعود 4 بالعباس شفيعاً ليجعله

1 . تفسير السمرقندي: 44 ; إرشاد المفيد: 1 / 136 باختلاف في اللفظ ; المحصول: 2 / 569 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 36، كتاب العلم، و ج 2 / 95، باب الجنائز، وص 213، باب لا يعضد شجر الحرم، و ج 3 / 13، كتاب البيوع، و ج 8 / 38، كتاب الديات; سنن النسائي: 5 / 211 ; سنن البيهقي: 5 / 195 ; مسند أحمد: 1 / 253 ; الكافي: 4 / 226 ح 3 ; من لا يحضره الفقيه: 2 / 246 برقم 2316 ; وسائل الشيعة: 12 / 558 ، باب 88 من أبواب تروك الإحرام، ح 4.
3 . صحيح البخاري: 3 / 200 و 210، كتاب الجهاد والسير، وج 4 / 38، باب لا هجرة بعد الفتح ; صحيح مسلم: 6 / 28، باب المبايعة بعد الفتح; سنن الترمذي: 3 / 75 برقم 1638 ; مسند أحمد: 1 / 226 و 355 و ج 3 / 22 و 468 و 469 و ج 5 / 187 ; عوالي اللآلي: 1 / 44 و 162.
4 . مجاشع بن مسعود بن ثعلبة السلمي، صحابي، استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر، وغزا كابل وصالحه صاحبها الأصبهبذ، وقيل: على يديه فتح «حصن أبرويز» بفارس، وكان يوم الجمل مع عائشة أميراً على بني سليم فقتل فيه سنة 36 هـ . الأعلام: 5 / 277 .

صفحه 233
مهاجراً بعد الفتح! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُشفِّع عمّي ولا هجرة بعد الفتح ».
رابعها: لما قتل النضر بن الحارث 1 جاءته ابنته 2 فأنشدته .
أمحمدٌ ولأنت ضِنؤ نجيبة *** في قومها والفحل فحلٌ مُعرِقُ
ما كان ضَرّك لو مَننت وربّما *** منَّ الفتى وهو المغيظُ المحنقُ
إلى آخر الأبيات .
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو كنت سمعت شعرها ما قتلته».
وهذا إنّما يكون لو كان القتل بغير وحي، إذ لو كان بأمره تعالى لقتله ولو سمع الشعر.
خامسها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق».3وإسناد العفو عن الزكاة إليه يدلّ على عدم الوحي فيه.

1 . هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها، له اطّلاع على كتب الفرس وغيرهم، وهو ابن خالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وآذى رسول الله كثيراً، أسره المسلمون يوم بدر وقتلوه بالأثيل قرب المدينة. الأعلام: 8 / 31 .
2 . وهي قتيلة بنت النضر، شاعرة من الطبقة الأُولى في النساء، أدركت الجاهلية والإسلام، وقتل أبوها في وقعة بدر بعد أسره، فرثته بقصيدة ضمنها البيتين المذكورين في المتن، وأسلمت بعد مقتله وروت الحديث، وتوفّيت في خلافة عمر. الأعلام: 5 / 190 .
3 . مسند أحمد: 1 / 121 و 132 و 146 ; سنن الدارمي: 1 / 383 ; سنن ابن ماجة: 1 / 570 و 579 ; سنن الترمذي:2 / 66 برقم 616 ; بحار الأنوار: 93 / 32 ح 9 .

صفحه 234
سادسها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيها الناس كتب عليكم الحج» فقال الأقرع1: أكل عام يا رسول الله؟ يقول ذلك ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ساكت، فلمّا أعاد قال: «والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، دعوني ما ودعتكم».2
سابعها: أخّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العشاء ذات ليلة فخرج ورأسه يقطر فقال: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين».3
ثامنها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن عشت إن شاء الله أن أنهى أُمّتي أن يسمّوا; نافعاً، وأفلح، وبركة»4.
تاسعها: قال جابر: لما قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ ماعزاً رجم! قال:
«هلاّ تركتموه حتى أنظر في أمره».5 ولو لم يكن حكم الرجم إليه لما قال ذلك .

1 . هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي، صحابي قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في وفد من بني دارم فأسلموا، وكان من المؤلّفة قلوبهم، وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتّى اليمامة. توفّي سنة 31 هـ . الأعلام: 2 / 5 .
2 . مسند أحمد: 1 / 371 ; سنن النسائي: 5 / 111 ; مستدرك الحاكم: 1 / 470 .
3 . المصنّف لابن أبي شيبة: 1 / 366 برقم 15، تأويل مختلف الحديث: 184 ; كنز العمال: 8 / 56 برقم 21846 .
4 . سنن أبي داود: 2 / 468 برقم 4960 ; شرح صحيح مسلم للنووي: 14 / 118 ; كنز العمال: 16 / 426 برقم 45246 ; تفسير الآلوسي: 27 / 64 .
5 . مسند أحمد: 5 / 217 ; سنن أبي داود: 2 / 344 ; سنن الترمذي: 2 / 441 برقم 1453 ; مستدرك الحاكم: 4 / 363 ; سنن البيهقي: 8 / 219 و 228 .

صفحه 235
عاشرها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، وعن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها»1.
حادي عشر: قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)2.
ثاني عشر: القياس على خصال الكفّارة فإنّه قد سبق أنّ الواجب واحد، ثمّ إنّه تعالى فوّضها إلى المكلّف لمّا علم أنّه لا يختار إلاّ ذلك الواجب، فكذا هنا.
ثالث عشر: الواجب في التكليف يمكن المكلّف من الفعل المخرج عن العهدة، فإذا قال له تعالى: «إنّك لا تفعل إلاّ الصواب» علم أنّ كلّما يصدر عنه صواب، وكان متمكّناً من الخروج عن العهدة، فكان جائزاً.
رابع عشر: إذا استوى عند المستفتي مفتيان، وأفتى أحدهما بالتحريم والآخر بالإباحة تخيّر المستفتي بينهما، ولا فرق في العقل بين خبر يقول: «بأيّهما شئت فإنّك لا تفعل إلاّ الصواب» وبين «افعل ما شئت فإنك لا تفعل إلاّ الصّواب».
خامس عشر: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة»3.

1 . صحيح مسلم: 3 / 65، كتاب الجنائز; سنن الترمذي: 3 / 370 برقم 1504 ; مستدرك الحاكم: 1 / 375 ; سنن البيهقي: 4 / 76 ; المعجم الأوسط: 1 / 82 و ج 6 / 274 ; الجامع الصغير للسيوطي: 2 / 297 .
2 . آل عمران: 93 .
3 . صحيح البخاري: 1 / 214، باب السواك يوم الجمعة، و ج 2 / 234، كتاب الصوم، وج 8 / 131، كتاب الأحكام ; صحيح مسلم: 1 / 151، باب السواك; سنن ابن ماجة: 1 / 105، باب السواك; سنن أبي داود: 1 / 19، باب السواك; سنن الترمذي: 1 / 18 و 19، باب ما جاء في السواك; سنن النسائي: 1 / 12، باب السواك ; مسند أحمد: 1 / 80 و 120 ; الكافي: 3 / 22 ح 1، باب السواك ; بحار الأنوار: 73 / 126 ح 3 و 137 و ج 77 / 340 و 341 .

صفحه 236
سادس عشر: الإجماع عن الصحابة في قول أحدهم عن حكمه: «إن كان صواباً فمن الله ورسوله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان» أضاف الحكم إلى نفسه ولم ينكر عليه أحد، فصار إجماعاً، ولأنّ آحاد الصحابة كانوا يرجعون عمّا حكموا به أوّلاً من غير إنكار عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن 1 دليل من الشارع لما ساغ ذلك منه، ولوجب على الباقين الإنكار عليه.
سابع عشر: إذا جاز الحكم بالأمارة الظنّية مع جواز الخطأ فيها، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل وإن جاز عدوله عن الصواب.
والجواب عن الوجوه العشرة الّتي ذكرها مويس 2 أوّلاً: باحتمال أن يقال: ورد الوحي بها قبل تلك الوقائع مشروطاً، كأن يقال له: إذا استثنى أحد شيئاً فاستثني له، وكذا باقي الصور .
وتحريم إسرائيل على نفسه جاز أن يكون بالنذر، ويمنع تعيين الواجب المخير عند الله تعالى على ما تقدّم، ولأنّ إسرائيل (عليه السلام) لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلاً في عموم الآية .

1 . في «ب»: غير، وفي «د»: من غير.
2 . راجع المحصول: 2 / 573 ـ 574 ; الإحكام: 4 / 217 ـ 219 .

صفحه 237
وأمّا الإذخر فقيل: إنّه ليس من الخلا فلا يدخل في التحريم، فإباحته للاستصحاب، والاستثناء من العباس والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤكّداً .
ويجوز نزول الوحي بأمرهم بالسّواك الشاق عند كلّ صلاة إن اختار (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك، لاستحالة استناد الأوامر الشرعية إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) .
وإضافة العفو إلى نفسه بمعنى أنّه لم يأخذ صدقة الخيل والرقيق منهم لا بمعنى أنّه المسقط لها .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ولو قلت نعم لوجبت» لا يدلّ على استناد الوجوب إلى قوله: «نعم» من تلقاء نفسه، بل لأنّه لا يقول ما يقول إلاّ بوحي لما تقدّم.
وجاز أن يباح له القتل وتركه في ابن أبي سرح والنضر وماعز .
وإضافة الخطأ إلى آحاد الصحابة لا يدلّ على أنّ من حكم منهم إنّما حكم من غير دليل، بل أنّه حكم بدليل في ظنّه ثم اظهر أنّه غالط فيه، ولو كان ذلك باعتبار اختيار أُبيح لهم لم يشكّوا في كونه صواباً .
ورجوع آحاد الصحابة عن ما حكم به إلى غيره إنّما كان لظهور خطائه فيما ظنّه دليلاً .
ولا يلزم من التخيير في خصال الكفّارة من غير اجتهاد جواز ذلك في الأحكام الشرعية، لأنّ للعامي التخيّر في الخصال بخلاف التخيّر في الأحكام.

صفحه 238
ولا يلزم من العمل بالأمارة المفيدة للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم .
واعترض القائلون بالوقف على الأوّل من حجج المانعين 1 بجواز كون الاختيار ممّا يتمّ به المصلحة وليس فيه إسقاط للتكليف، لأنّه إذا قيل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن اخترت الفعل فاحكم على الأُمّة بالفعل، وإن اخترت الترك فاحكم بالترك» فهذا لا يكون إسقاطاً للتكليف، بل يكون مكلّفاً بأمر الخلق بمتعلق اختياره .
وفيه نظر، إذ البحث أعم موضوعاً من التكليف بأمر الخلق .
وعلى قوله: لا يخلو المكلّف عن الفعل والترك انّ الحكم على الخلق بالفعل أو الحكم بالترك قد ينفك عنهما. وفيه ما تقدّم .
قالوا: ويشكل بالمستفتي إذا اختلف المفتيان، والعذر واحد .
ونمنع عدم كثرة الاتّفاقي، فإنّ حكم المتّفقات في الماهية واحد.
وحال الأمثلة الّتي ذكرتموها كالكتابة وغيرها إن كانت مثل هذه الحال في المتنازع، افتقر الفرق بين القليل والكثير إلى دليل، ومنعنا الحكم فيها وإلاّ امتنع القياس على أنّ القياس لا يفيد اليقين .
سلّمنا عدم دوام الاتّفاقي، لكن إذا لم يكن الاتّفاقي ببعض الجهات معلوم السبب بسائر الجهات، فإنّ من الجائز أن يعلم الله تعالى أنّ مصلحة

1 . راجع المحصول: 2 / 571 ـ 573 .

صفحه 239
المكلّفين أكل الطعام الحلو في هذه السنة، ويعلم أنّهم خلقوا على وجه لا يشتهون إلاّ الطعام الحلو، فإذا كان تناول الطعام الحلو مصلحة للمكلّف طول عمره، لم يكن جهله بكون الفعل مصلحة مانعاً له في هذه الصورة من الإقدام عليه في أكثر أوقاته .
سلمنا تعذّر ذلك في الكثير، فجاز في القليل، والإجماع ممنوع.
وعلى الثاني. نمنع وجوب تقدّم التمييز بين الحسن والقبيح على الفعل لما تقدّم في الجواب عن الأوّل .
سلّمنا، لكّنه حاصل هنا، إذ التقدير من المكلّف من فعل القبيح، وأي فرق بين نصب أمارة قبل الفعل وبين جعل الأمارة نفس الفعل، فإنّه على التقديرين يأمن الخطأ ولا يلزم ما قالوه من عدم الأمن من فعل القبيح لو لم تتقدّم الأمارة.
وعلى الثالث والرابع . أنّ الله تعالى لمّا نصّ في تلك الصور بأنّ المكلّف لا يختار إلاّ الصواب، فلِمَ قلت: إنّه لا يجوز ورود الأمر بمتابعة إرادته؟ ولا يلزم من عدم التزام مويس ذلك عدم جواز التزام غيره له .
وعلى الخامس والسادس . إنّ قوله تعالى للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّك لا تحكم إلاّ بالصواب» ورد في زمان متأخّر، وما ذكروه ورد في زمان متقدّم، فلا يتنافيان.

صفحه 240
   

صفحه 241
 
الفصل الثاني:

في التقليد

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: في ماهية التقليد

هو العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة، مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالأخذ بقول العامي، وأخذ المجتهد بقول من هو مثله. وحينئذ فالرجوع إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى قول المفتي، وعمل القاضي بقول الشاهدين ليس بتقليد، لاشتماله على الحجّة الملزمة لوجوب قبول قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ووجوب الرجوع إلى حكم الإجماع بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والآيات الدالّة عليه، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين للإجماع عليه وقيام الأدلّة كالنصوص، وقد يسمّى ذلك تقليداً بعرف الاستعمال، والنزاع لفظي.
وأمّا المفتي فهو الفقيه، وقد تقدّم، والمستفتي مقابله .
واعلم أنّ المفتي 1 إمّا أن يكون قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لا يكون.

1 . في «ج»: المستفتى .

صفحه 242
فإن كان الأوّل فما أدّى إليه اجتهاده لا يجوز له مخالفته ولا التقليد فيه ; وإن لم يكن قد اجتهد، فقد ذهب قوم إلى أنّه لا يجوز له اتّباع غيره .
وإن كان الثاني فإن كان عامّياً صرفاً فقد اختلفوا في جواز التقليد له، وكذلك اختلفوا فيما إذا بلغ دون رتبة الاجتهاد. والحق أنّ مَن لم يبلغ رتبته يجوز له التقليد .
وإذا تقرّر هذا فإن كان الاجتهاد متجزياً ظهر الفرق بين المفتي والمستفتي، فإنّ كلّ من كان أعلم من غيره في مسألة فهو مفت بالنسبة إلى ذلك الغير والغير مستفت وإن لم يقل بالتجزية فالمفتي هو الّذي يكون من أهل الاجتهاد، وأمّا ما فيه الاستفتاء فهو المسائل الاجتهادية من الشرعيات دون العقليات.

المطلب الثاني : في المفتي

وفيه مباحث:
   

البحث الأوّل: في أنّه هل يجوز خلو الزمان عن مجتهد أم لا؟

اختلف الناس في أنّه هل يجوز خلو عصر من الأعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه ؟
فمنع منه قوم كالحنابلة وغيرهم، وجوّزه آخرون .

صفحه 243
أمّا الإمامية فإنّ الزمان عندهم لا يجوز خلوّ المعصوم منه 1 مع وجود التكليف، لكنّه لا يسمّى مجتهداً، لأنّ الأحكام عندهم متلقّاة من الوحي أو مستنبطة منه .
وأمّا المعتزلة فالقائلون بوجوب التكليف أوجبوا وجود مجتهد في كلّ عصر فيه تكليف، لاستحالة التكليف بما لا يطاق.
احتجّ الموجبون بوجوه 2:
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يزال طائفة من أُمّتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال» .3

1 . اتّفقت الإمامية على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه، إمّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور. راجع اعتقادات الصدوق: 94، باب الاعتقاد في عدد الأنبياء والأوصياء ; الهداية: 8 ; غيبة الطوسي: 243 ; رسائل في الغيبة للمفيد: 2 / 15 ; كشف اليقين للعلامة: 74 و 185 ; أصل الشيعة وأُصولها: 228 ; الشيعة في الإسلام: 53 ; إحقاق الحق: 19 / 705 .
وقد وردت الروايات في ذلك عن الأئمة الطاهرين(عليهم السلام); فعن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «لا تخلو الأرض من قائم بحجّة الله، إمّا ظاهر مشهور، وإمّا خائف مغمور، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته». وقد ورد هذا الحديث بصيغ مختلفة وألفاظ متعددة. راجع: الكافي: 1 / 178، باب الأرض لا تخلو من حجة; بصائر الدرجات: 504، باب الأرض لا تخلو من حجّة; أمالي الصدوق: 253 ح 15 ; أمالي المفيد: 250 ; مناقب آل أبي طالب: 1 / 211 ; بحار الأنوار: 23 / 1 ـ 56، باب الاضطرار إلى الحجة وأن الأرض لا تخلو من حجة ; وغيرها كثير .
2 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 239 .
3 . مسند أحمد: 4 / 99 و 252 ; سنن الدارمي: 2 / 213 ; صحيح البخاري: 4 / 187 و ج 8 / 149، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة; صحيح مسلم: 6 / 52 و 53 (عبارة: وحتّى يظهر الدجال، غير موجودة في هذه المصادر). عوالي اللآلي: 4 / 62 برقم 13 ; الإحكام: 4 / 239 .

صفحه 244
وفيه نظر، لعدم الملازمة بين ارتكاب الحقّ وبين وجود المجتهد، لجواز الاستناد إلى قول المعصوم، أو أن يقال: يجوز الإصابة دائماً اتّفاقاً.
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «واشوقاه إلى إخواني» قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك ؟
فقال: «أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس».1
وفيه نظر، لعدم دلالته على وجوب وجود المجتهد في كلّ وقت، بل يدلّ على وجود قوم صلحاء حال فساد الناس، وليس ذلك من الاجتهاد في شيء.
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «العلماء ورثة الأنبياء».2 وأحق الأُمم بالوراثة بالورثة هذه الأُمة، وأحق الأنبياء بإرث العلم عنه نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفيه نظر، لدلالته على استحقاق الإرث للعلماء لا على وجوب وجود الوارث.
الرابع: التفقّه في الدين والاجتهاد فيه فرض كفاية بحيث يأثم الكلّ لو

1 . الإحكام: 4 / 239. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية لكن ورد مضمونه في المصادر التالية: سنن النسائي: 1 / 94 ; مجمع الزوائد: 10 / 66 ; المعجم الأوسط: 5 / 341 ; كنز العمال: 12 / 183 و 184 .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 81 برقم 223 ; سنن أبي داود: 2 / 175 ; سنن الترمذي: 4 / 153 ; مجمع الزوائد: 1 / 126 ; الكافي: 1 / 32 و 34 ; بحار الأنوار: 1 / 164 و 2 / 92 و 151 .

صفحه 245
تركوه، فلو جاز خلو العصر عن مَن يقوم به لزم اتّفاق أهل العصر على الخطأ والضلال، وهو ممتنع بما تقدّم في دلائل الإجماع .
وفيه نظر، إذ ترك الواجب على الكفاية قد لا يتعقّبه الإثم بأن يظن كلّ طائفة قيام الغير به، فجاز في المتنازع ذلك.
الخامس: طريق معرفة الأحكام الشرعية إنّما هو الاجتهاد، فلو خلا العصرعن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الأحكام، لزم تعطيل الشريعة واندراس الأحكام، وهو ممتنع .
وفيه نظر، لمنع حصر الطريق في الاجتهاد .
واعترض 1 على النصوص بالمعارضة بنقيضها كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ».2
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتّخذ الناس رؤساء جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا ».3

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 240 .
2 . صحيح مسلم: 1 / 90، باب أنّ الإسلام بدأ غريباً ; سنن ابن ماجة: 2 / 1319، باب الإسلام بدأ غريباً; مجمع الزوائد: 7 / 277، باب أنّ الإسلام بدأ غريباً.
3 . صحيح البخاري: 1 / 34، كتاب العلم ; صحيح مسلم: 8 / 60، باب رفع العلم; سنن ابن ماجة: 1 / 20 ; سنن الترمذي: 4 / 139 برقم 2790 ; مسند أحمد: 2 / 162 ; تحف العقول: 37 ; مستدرك الوسائل: 17 / 245 و 308; أمالي المفيد: 20، المجلس 3 ; بحار الأنوار: 2 / 83 و 110 و 121 و ج 74 / 141 .

صفحه 246
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، فإنّها أوّل ما ينسى».1
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير القرون القرن الّذي أنا فيه، ثمّ الّذي يليه، ثمّ الّذي يليه، ثمّ تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم».2
وفيه نظر، لعدم دلالتها على خلو العصر من مجتهد، فإنّ غرابة الإسلام قد يجامع وجود مجتهدين قليلين، وكذا قبض العلماء يصدق مع قبض الأكثر، ونسيان الفرائض لا يستلزم نفي المجتهد، وانتهاء الحال إلى الحثالة يجامع قلة المجتهدين كما يصدق مع عدمهم .
وعلى الآخرين بأنّ التفقّه في الدين والتأهّل للاجتهاد فرض كفاية في كلّ عصر، إذا لم يمكن اعتماد العوام على الأحكام المنقولة إليهم في كلّ عصر عمّن سبق من المجتهدين في العصر الأوّل بالنقل المغلب على الظن، ولكن لا نسلّم امتناع ذلك .
وفيه نظر، لما يأتي من امتناع تقليد الميت .
واحتجّ المجوّزون 3 بأنّ الامتناع ليس ذاتياً لعدم المحال لو فرض واقعاً، ولا بغيره لأصالة عدمه.

1 . سنن ابن ماجة: 2 / 908 ; مستدرك الحاكم: 4 / 332 ; سنن البيهقي: 6 / 209 .
2 . الإحكام: 4 / 240. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية بهذا النص، ولكن ورد نحوه في المصادر التالية: عمدة القاري: 14 / 180; تفسير ابن كثير: 3 / 331 ; البداية والنهاية: 6 / 283 .
3 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 239 .

صفحه 247
 
البحث الثاني: في تكرر الاجتهاد
المجتهد إذا أدّاه اجتهاده إلى حكم ما وأفتى به ثمّ سئل ثانياً عن تلك المسألة هل يجب عليه الاجتهاد ثانياً، أم لا ؟
قال قوم: يجب تكرر الاجتهاد، لاحتمال أن يتغيّر اجتهاده ويطّلع على ما لم يطّلع عليه أوّلاً .
وقال قوم: لا يجب، لأنّه فعل الواجب وخرج عن عهدة التكليف بالاجتهاد، والأمر لا يقتضي التكرار، والأصل عدم اطّلاعه على ما لم يطّلع عليه أوّلاً .
وقال آخرون بالتفصيل ، وهو انّه إن كان ذاكراً للطريق الأوّل فهو مجتهد ويجوز له الإفتاء، كما لو اجتهد في الحال. وإن نسيه لزم أن يستأنف الاجتهاد، لأنّه في حكم من لم يجتهد .
وفيه نظر، لأنّ غير المجتهد لا يظن الحكم وهذا ظان له، فيجب عليه العمل بما ظنّه; ولأنّ تجويز الاطّلاع ثانياً على ما لم يطّلع عليه أوّلاً لو منع من العمل بما أدّاه اجتهاده مع الذكر أو النسيان، لم يستقر العمل بالاجتهاد إلاّ مع إفادة اليقين بوجودالمانع .
على كلّ تقدير إذا عرفت هذا فلو اجتهد لم يمنع منه إجماعاً، فإن أدّاه اجتهاده الثاني إلى خلاف فتواه في الأوّل رجع عن الأوّل وأفتى بالثاني، ويعرّف المستفتي أوّلاً برجوعه عن ذلك القول، لأنّ المستفتي إنّما يعوّل

صفحه 248
على قوله، فإذا ترك هو قول نفسه بقي عمل المستفتي بغير موجب .
وقد روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول في تحريم أُمّ المرأة مشروط بالدخول، فذاكر الصحابة فكرهوا أن يتزوّجوا، فرجع ابن مسعود إلى المستفتي وقال: سألت أصحابي فكرهوا.

البحث الثالث: في الإفتاء عن الحكاية

اختلفوا في أنّ من ليس من أهل الاجتهاد هل يجوز له الإفتاء بمذاهب غيره من المجتهدين، وبما يحكيه عن الغير ؟
فمنع منه أبوالحسين البصري 1 وجماعة من الأُصوليّين، لأنّه إنّما يسأل عمّا عنده لا عمّا عند غيره، ولأنّه لو جاز الإفتاء بطريق الحكاية عن مذهب الغير لجاز للعامي ذلك. والتالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة .
وقال آخرون بالجواز إذا ثبت ذلك عنده بنقل من يثق بقوله .
وقال آخرون بالتفصيل و هو من وجهين:
الأوّل: قال قوم 2: إن كان المفتي مجتهداً في المذهب بحيث يكون له أهلية الاطّلاع على مأخذ المجتهد المطلق الّذي يقلّده، وقدرة التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكّناً من الجمع والفرق والنظر والمناظرة كان له

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 241 .
2 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 241 .

صفحه 249
الإفتاء تميّزاً له عن العامّي، لانعقاد الإجماع من أهل كلّ عصر على قبول مثل هذا النوع من الفتوى، وإن لم يكن كذلك فلا.
الثاني: قال آخرون 1: إن حكى عن ميت لم يجز الأخذ بقوله، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه بعد موته دون حياته، فدلّ على أنّه لم يبق له قول .
وفائدة تصنيف الكتب مع موت مصنّفها استفادة طريقة الاجتهاد من تصرّفهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعض. ومعرفة المجمع عليه من المختلف فيه .
واعترض بأنّ الراوي إذا كان ثقة متمكّناً من فهم كلام المجتهد الفقيه العالم الّذي مات ثمّ روى للعامّي قوله، حصل عند العامّي ظنّ صدقه. فيظن أنّ حكمه تعالى ما روى له، والعمل بالظن واجب، فيجب على العامّي العمل به. ولانعقاد الإجماع في زماننا على جوازالعمل بهذا النوع من الفتوى، لعدم المجتهد في هذا الزمان، والإجماع حجة .
وفيه نظر، لأنّ غير المجتهد عامّي، فلا عبرة بالإجماع حينئذ .
وإن حكى عن حي مجتهد فإن سمعه منه مشافهة، جاز له العمل به، وجاز للغير المحكى له العمل أيضاً، ولهذا ساغ للحائض الرجوع إلى قول زوجها فيما يحكيه عن المجتهدين .

1 . راجع المحصول: 2 / 526 ـ 527 .

صفحه 250
وإن رجع إلى حكاية من يوثق به، فحكمه حكم السماع كما أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينفذ الآحاد إلى القبائل لتعريف الأحكام، ولولا وجوب القبول عليهم لما كان للإنفاذ فائدة .
وإن رجع إلى كتاب، فإن وثق به جرى مجرى المكتوب من جواب المفتي في جواز العمل به، ولهذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتب الكتب وينفذها إلى الأقطار.
وإن لم يثق به لم يجز العمل، لكثرة ما يتّفق من الغلط في الكتب، وهذا هو الأجود عندي.

المطلب الثالث: في المستفتي وشرائط الاستفتاء ومحلّه

وفيه مباحث:

الأوّل: في العامّي

اتّفق المحقّقون على أنّه يجوز للعامّي تقليد المجتهدين في فروع الشرع، وكذا من ليس بمجتهد وإن كان محصلاً لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، بل يجب عليه ذلك والأخذ بقول المفتي .
وقال بعض معتزلة بغداد: لا يجوز ذلك إلاّ بعد أن يتبيّن له صحّة اجتهاده بدليله .
وقال أبوعلي الجبّائي: يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها كالعبادات الخمس.1

1 . للاطّلاع على الأقوال راجع الإحكام: 4 / 234 .

صفحه 251
لنا وجوه 1:
الأوّل: قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)2 أمر بالسؤال، وهو عام لكلّ من لا يعلم وهو عام أيضاً .
وفيه نظر أمّا أوّلاً: فللمنع من العموم، إذ ليست الصيغة من صيغ العموم. وأمّا ثانياً: فلوروده عقيب إرسال الرجال 3 فيعود عليه.
الثاني: الإجماع فإنّه لم تزل العامّة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يرجعون في الأحكام إلى قول المجتهدين ويستفتونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يسارعون إلى الأجوبة من غير إشارة إلى ذكر دليل ولا ينهونهم عن ذلك، فكان إجماعاً.
الثالث: العامّي إذا حدثت به حادثة [ فإن لم يكن ] متعبّداً بشيء [فهو باطل ] وليس مجازاً إجماعاً، بل لابدّ من طريق [ الاستدلال ]، وليس البحث والنظر في الدليل المثبت للحكم [ أمراً ميسوراً ] للإفضاء ذلك إلى تعطيل المعاش والاشتغال بالفكر في فروع المسائل عن مصالح العباد، وهو يستلزم خراب الدنيا وفساد الحرث والنسل، وذلك من أعظم الحرج المنفي بقوله تعالى: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)4 و قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر

1 . راجع المحصول: 2 / 527 ; الإحكام: 4 / 234 .
2 . النحل: 43 .
3 . إشارة إلى قوله سبحانه: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 .
4 . الحج: 78 .

صفحه 252
ولا إضرار في الإسلام»1، ولا يكفي التمسّك بالبراءة الأصلية إجماعاً. [ فتعيّن الثاني أي التقليد ] 2.
الرابع: لو لزمه الاستدلال لم يكن حال كمال عقله لوجهين:
أ. أنّ الصحابة لم يلوموا تارك طلب العلم ولم يطلب رتبة المجتهد في أوّل كمال عقله.
ب. يمنعه ذلك من الاشتغال بأُمور الدنيا كما بيّنّا .
ولا حال حدوث الواقعة، وإلاّ لوجب عليه اكتساب صفة المجتهد عند نزول الحادثة، وهو غير مقدور .
لا يقال: المانعون من جواز التقليد لا يقولون بالإجماع ولا بخبر الواحد، ولا يجوز التمسّك بالظواهر المحتملة. وحينئذ يسهل الأمر عليهم، فإنّهم قالوا: ثبت أنّ الأصل عقلاً في اللّذات الإباحة، وفي المضار التحريم ; فإن ورد في بعض الحوادث نصّ قاطع في متنه ودلالته يقتضي ترك ذلك الأصل، عملنا به. وإلاّ وجب البقاء عليه، فالعامّي إذا حدث به نازلة وبه شيء من الذكاء، عرف حكم العقل فيه ; وإن كان في غاية البلادة، نبّهه المفتي على حكم العقل .

1 . مسند أحمد: 1 / 313 ; مجمع الزوائد: 4 / 110 ; من لا يحضره الفقيه: 3 / 233 و ج 4 / 334 برقم 5718 ; عوالي اللآلي: 1 / 383 برقم 11 و ج 2 / 74 برقم 195 ; بحار الأنوار: 73 / 345 .
2 . ما بين المعقوفتين إضافة منا يقتضيه كمال المعنى; والعبارة في جميع النسخ مشوشة وتمّ تصحيحها وفق «المحصول» و «الإحكام».

صفحه 253
وكما أنّ طلب المعاش غير مانع من الاشتغال في مسائل الأُصول، كذا لا يمنع من معرفة هذا القدر اليسير، لأنّ وجود نص قاطع المتن والدلالة يدركه بأدنى إشارة من قول المفتي. وإن لم يوجد نبّهه على حكم الأصل.
نعم المنع من التقليد يصعب عند الموجبين للعمل بالقياس وخبر الواحد، أمّا من يمنعهما فلا صعوبة ولو منع المعاش عن ذلك لكان منعه عن وجوب النظر في مسائل الأُصول أولى، لما فيها من الصعوبة والافتقار إلى الكدّ الشديد، ومعلوم أنّ الصحابة كانوا يلومون من لم يتعلّم علم الكلام في أوّل زمان بلوغه .
لأنّا نقول 1: الواجب في معرفة مسائل الأُصول معرفة أدلّة التوحيد والنبوة إجمالاً لا تفصيلاً، وهو سهل يحصل بأدنى تأمّل، بخلاف فروع الشرع المفتقرة إلى علوم كثيرة وبحث شديد. وإنّما يتمّ هذا الفرق إذا حصل الفرق بين صاحب الجملة والتفصيل. وهو باطل، لأنّ الدليل المركّب من مقدّمات عشر مثلاً، لو حصلت مقدّماته للمستدلّ بأسرها حصل العلم من غير زيادة، لأنّ العشرة مستقلة بالانتاج فيستحيل ضم أُخرى إليها مؤثّرة فيه.
وإن لم يحصل العلم بأسرها، بل حصل بعضها بالضرورة أو بالدليل والبعض بالتقليد، كانت النتيجة مستندة إلى التقليد، فالتمسّك بالدليل لا يقبل الزيادة ولا النقصان، كما يقال: صاحب الجملة يكفيه الاستدلال على ثبوت الصانع بالحوادث المتجدّدة. وهو باطل، لأنّ هذه الحوادث لابدّ لها من مؤثر،

1 . راجع المحصول: 2 / 528 ـ 530 .

صفحه 254
وهو معلوم للعوام ; وذلك المؤثر مختار، وهو غير معلوم لهم، فإنّه ما لم يثبت أنّه ليس بموجب لم يجب اسناده إلى المختار، فقطع العامّي بأنّه مختار من دون الاستدلال عليه، يكون تقليداً في هذه المقدّمة وفي النتيجة.
وإذا شاهد فعلاً خارقاً للعادة صدر عن بشر أو استدلّ به على ثبوته من غير أن يبرهن على أنّه من فعله تعالى دون خاصية نفس الرسول، أو خاصية دواء أو فعل جنّي، أو ملك .
وعلى أنّه تعالى فعله لغرض التصديق لا غير كان مقلّداً في بعض المقدّمات، فكذا في النتيجة فبطل فرقهم بين صاحب الجملة والتفصيل. فلم يبق إلاّ أن يقال: «أدلّة الأُصول على التفصيل سهل» 1 وهو مكابرة، أو أنّه يجوز التقليد فيهما، فينتفي الفرق بينهما .
احتجّ المانعون بوجوه 2:
الأوّل: قوله تعالى: (وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)3. والتقليد قول بغير المعلوم فكان منهياً عنه.
الثاني: أنّه تعالى ذمّ المقلّدين في قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ )4 فلا يكون جائزاً لقبح الذم على الجائز.

1 . أي أنّ الإحاطة بالأدلة على تفصيلها وتدقيقها شيء سهل ويسير.
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 531 ـ 532.
3 . البقرة: 169 .
4 . الزخرف: 23 .

صفحه 255
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة» 1خرج بعض العلوم عنه، للإجماع، فيبقى العلم بفروع الشريعة داخلاً فيه.
الرابع: القول بجواز التقليد يفضي إلى بطلانه، لأنّه يقتضي جواز تقليد من يمنع من التقليد، فيكون باطلاً.
الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اجتهدوا فكلّ ميسّر لما خلق له» 2 أمر بالاجتهاد مطلقاً.
السادس: التقليد ارتكاب لما لا يؤمن معه الخطأ والضرر، فيكون منهياً عنه .
بيان ذلك: أنّه لا يأمن فسق من قلّده وكذبه وغلطه في الاجتهاد، فيلزم أمر العامّي باتّباع الخطأ والكذب والفسق، وهو غير صادر من الشارع لقبحه.
السابع: لو جاز التقليد في الأُمور الشرعية لجاز في مسائل الأُصول. والتالي باطل، فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية: أنّ المقتضي لجواز التقليد هناك ليس إلاّ حصول أمارة

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 81 ; مجمع الزوائد: 1 / 119 و 120 ; كنز العمال: 10 / 130 و 131 و 138 ; الكافي: 1 / 30 و 31 ; بحار الأنوار: 1 / 171 و 172 و 177 و 179 و 180 .
2 . صحيح البخاري: 6 / 86، تفسير سورة الانشراح; صحيح مسلم: 8 / 47، باب كيفية خلق الآدمي ; سنن ابن ماجة: 1 / 30 ; سنن الترمذي: 3 / 302 برقم 2219 ; مسند أحمد: 1 / 82 و 157 و ج 3 / 304. وقد علّق على هذا الحديث العلاّمة الطباطبائي وناقشه في الميزان: 11 / 35 وما بعدها، فراجع.

صفحه 256
توجب ظن صدق المفتي، والعمل بالظن واجب، وهذا المقتضي ثابت هنا، فثبت الاكتفاء بالفتوى في الأُصول.
والجواب عن الأوّل. النقض بالظنون الّتي يجب العمل بها، كالأُمور الدنيوية وقيم المتلفات وأُروش الجنايات، وخبر الواحد والقياس لو جوّزوا العمل بهما. وينتقض بالشهادة، ولأنّه مشترك الإلزام فإنّ النظر والاجتهاد إنّما يثمر الظن، وهو قول بما ليس بمعلوم ولابدّ من سلوك أحدهما، وليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما، فإذن الواجب حملها على ما لا يعلم فيما يشترط فيه العلم.
وعن الثاني. بالحمل على ذمّ التقليد فيما يطلب فيه العلم جمعاً بين الأدلّة.
وعن الثالث. أنّه متروك بالإجماع في صورة النزاع، فإنّ الناس بين قائلَيْن: قائل بوجوب التقليد، وقائل بوجوب النظر والاجتهاد، وكلاهما لا يفيدان العلم .
وعن الخامس. نمنع دلالته على الوجوب، ولو دلّ على الاجتهاد فلا عموم له بالنسبة إلى كلّ مطلوب، فلا يلزم دخول صورة النزاع فيه .
سلّمنا عمومه، لكن يحمل على من له أهلية الاجتهاد جمعاً بين الأدلة.
وعن السادس. أنّه مشترك الإلزام، فإنّ العامّي وإن اجتهد فلا يأمن من وقوع الخطأ فيه، بل هو أقرب إلى الخطأ لعدم أهليته .

صفحه 257
وعن السابع. بماتقدّم من الفرق بين ما يطلب فيه العلم وما يطلب فيه الظن .
وأمّا عموم جواز التقليد في مسائل الاجتهاد وغيرها، فلأنّا لو كلّفناه الفصل بين الأمرين لكُنّا قد ألزمناه بأن يكون من أهل الاجتهاد لتوقّف الفصل عليه، فيعود المحذور .
احتجّ الجبّائي 1: بأنّ ما ليس من مسائل الاجتهاد الحقّ فيه واحد، فتجويز التقليد فيه يستلزم عدم الأمن من التقليد في خلاف الحق، بخلاف مسائل الاجتهاد لتصويب كلّ مجتهد فيها.
والجواب. نمنع إصابة كلّ مجتهد .
سلّمنا، لكن لا نأمن في مسائل الاجتهاد من التقصير في الاجتهاد من المفتي، بل تركه ومن الإفتاء بغير ما أدّاه اجتهاده إليه .
فإن قلت: مصلحة العامّي العمل بما يفتيه المفتي.
قلنا: وكذا الأمر في صورة النزاع.

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 532 .

صفحه 258
 
البحث الثاني: في غير العامّي
الرجل الّذي تنزل به الواقعة إن كان عامّياً صرفاً وجب عليه الاستفتاء كما تقدّم .
وإن كان عالماً فإما أن يبلغ رتبة الاجتهاد، أو لا .
والثاني يجوز له الاستفتاء على الأقوى .
والأوّل إمّا أن يكون قد اجتهد، أو لا. فإن اجتهد وغلب على ظنّه حكم، لم يجز له أن يقلّد مخالفه ويعمل بظن غيره إجماعاً .
وإن لم يجتهد لم يجز له التقليد أيضاً. وهو مذهب أكثر الأشاعرة.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري: يجوز للعالم أن يقلّد العالم مطلقاً. وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان .1
وفصّل آخرون وذكروا فيه وجوهاً 2:
الأوّل: قال الشافعي في القديم: يجوز لمن بعد الصحابة تقليد الصحابة، ولا يجوز تقليد غيرهم.
الثاني. قال محمد بن الحسن الشيباني: يجوز للعالم تقليد الأعلم.
الثالث. قال بعض العراقيين: يجوز التقليد فيما يخصّه دون ما يفتي به.

1 . راجع المحصول: 2 / 534 ـ 535 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 535 .

صفحه 259
الرابع. قال ابن سريج: يجوز أن يقلّد فيما يخصّه إذا خاف الفوات لو اشتغل بالاجتهاد.
لنا وجوه 1:
الأوّل. أنّه مأمور بالاعتبار، ولم يأت به، فيكون عاصياً. ولا ينتقض بالعامي لعجزه. وفيه ما تقدّم.
الثاني. أنّه متمكّن من الوصول بفكره إلى حكم المسألة، فيحرم عليه التقليد كما في مسائل الأُصول. والجامع وجوب الاحتراز عن الخطأ المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه .
لا يقال: المعتبر في الأُصول اليقين ولا يحصل بالتقليد بخلاف الفروع المعتبر فيها الظن، ويمكن حصوله بالتقليد، ولهذا حرم على العامي التقليد في الأُصول دون الفروع .
وينتقض ما ذكرتموه بقضاء القاضي حيث يحرم مخالفته، وإن تمكن من معرفة الحكم، فإنّه لا معنى للتقليد سوى وجوب العمل من غير حجّة.
وينتقض بالقريب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه يجوز أن يسأل الواسطة مع تمكّنه من سؤاله (صلى الله عليه وآله وسلم).
لأنّا نجيب عن الأوّل. بأنّا إنّما أوجبنا على المكلّف تحصيل اليقين لقدرته، والدليل حاضر، فوجب عليه تحصيله حذراً من الخطأ المحتمل.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 535 ـ 536 .

صفحه 260
وهذا المعنى حاصل في مسألتنا للمكلّف والدليل المعيّن للظن الأقوى حاصل، فوجب عليه تحصيله احترازاً عن الخطأ المحتمل في الظن الضعيف.
وعن الثاني. أنّ الدليل لمّا دلّ على عدم قبح قضاء القاضي بالاجتهاد لم يكن العمل به تقليداً، بل لذلك الدليل.
وعن الثالث. نمنع الاكتفاء بسؤال الواسطة مع القدرة على سؤال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
احتجّ المخالف بوجوه 1:
الأوّل: قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)2. والعالم قبل اجتهاده لا يعلم، فجاز له السؤال.
الثاني: قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)3. والعلماء من أُولي الأمر لنفوذ أمرهم على الأُمراء والولاة.
الثالث: قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ )4 . أوجب الحذر عند إنذار الفقيه مطلقاً، فيتناول العالم كالعامي.
الرابع: إجماع الصحابة عليه، فإنّ عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان:

1 . ذكرها مع الأجوبة عنها الرازي في المحصول: 2 / 536 ـ 538 .
2 . النحل: 43 .
3 . النساء: 59 .
4 . التوبة: 122 .

صفحه 261
أُبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل، ولم ينكر عليه باقي الصحابة الحاضرون .
لا يقال: إنّ علياً (عليه السلام) خالف فيه .
لأنّا نقول: إنّه لم ينكر جوازه، لكنّه لم يقبله، ولكن لا يوجبه حتى يضرّنا ذلك.
الخامس: حكمٌ يسوغُ فيه الاجتهاد، فجاز لغير العالم به تقليد العالم كالعامّيّ، والجامع وجوب العمل بالظن المستند إلى قول المفتي.
السادس: الإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد، بل عن العامّيّ. ووجوب عمل المجتهد به اعتماداً على عقله ودينه، وهنا قد أخبر المجتهد عن منتهى اجتهاده بعد بذل الجهد، فجواز العمل به أولى.
السابع: إذا ظنّ المجتهد العمل بفتوى مجتهد آخر، فقد ظنّ أنّ حكم الله ذلك، فيحصل ظن العقاب بترك العمل، فيجب العمل دفعاً للضرر المظنون.
والجواب عن الأوّل. أنّ الأمر يقتضي وجوب السؤال، وهو منفي في حقّ العالم إجماعاً ولأنّه يقتضي وجوب السؤال على المجتهد بعد اجتهاده، لأنّه بعد الاجتهاد غير عالم، بل ظان وهو منفي بالإجماع. ولأنّه أمر بالسؤال من غير تعيين المسؤول عنه، فيحمل على السؤال عن وجه الدليل .
وفيه نظر، لأنّ المراد بالعلم هنا يحتمل ما يشتمل العلم والظن .

صفحه 262
سلّمنا، لكن سؤال 1 أهل الذكر أي العالم ممنوع، والمسؤول هنا ليس بعالم، فامتنع السؤال لتعذّره.
وعن الثاني. نمنع عموم وجوب الطاعة على كلّ شيء وإن دلّت على وجوبها مطلقاً، فيحمل على وجوب الطاعة في القضايا والأحكام. ولو دلّت الآية على تناول صورة النزاع، لوجب التقليد، وهو منفي إجماعاً.
وفيه نظر، لأنّ الغرض بالآية إنّما يتمّ بالتعميم، ولأنّ المفعول عام بالنسبة إلى الله تعالى، فكذا في المعطوف عليه لاتّحاد الفعل. ونمنع الإجماع على عدم وجوب التقليد مع عدم التمكّن من الاجتهاد ولضيق الوقت أو لغيره من الأعذار .
و عن الثالث. أنّ الآية دالّة على وجوب الحذر عند إنذاره لا عند كلّ إنذار، ونحن نقول بالأوّل فإنّا نوجب العمل بروايته .
وفيه نظر، لأنّ الإنذار عقيب التفقّه إنّما يفهم منه الإفتاء.
وعن الرابع. يحتمل أن يكون المراد من سيرة الشيخين طريقتهما في العدل.
وعن الخامس. بالفرق، فإنّ العامّيّ عاجز فجاز له التقليد، بخلاف العالم.
وعن السادس. أنّ المفتي ربّما بنّى اجتهاده على خبر الواحد، فإذا

1 . في «أ» و «ب»: المسؤول.

صفحه 263
تمسّك به المجتهد أوّلاً كان احتمال الغلط فيه أقل ممّا إذا قلّد غيره .
وفيه نظر، إذ قد يكون اجتهاد المفتي أقوى من اجتهاده، أو مساوياً، أو أضعف.
وعن السابع. أنّ مجرّد الظن يجب العمل به إذا لم يصرفنا عنه دليل سمعي، وما ذكرناه من الأدلّة السمعية يوجب العدول عنه.

البحث الثالث: في شرائط الاستفتاء

الإجماع على أنّه لا يجوز استفتاء مَن اتّفق، بل يجب أن يجمع المفتي وصفين:
أ. الاجتهاد.
ب. الورع .
ولا يجب على المستفتي الاجتهاد البالغ في معرفة المجتهد المتورّع، بل يكفيه البناء على الظاهر، وذلك بأن يراه منتصباً للفتوى بمشهد الخلق، ويرى اجتماع الخلق عليه والانقياد إلى ما يفتيهم به، وإقبال المسلمين على سؤاله .
وقد وقع الإجماع على أنّه لا يجوز أن يقلّد مَن يظنّه غير عالم، ولا متديّن وإنّما وجب عليه ذلك، لأنّه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات .
وإذا تعدّد المجتهدون، فإن اتّفقوا على الحكم وجب على المستفتي

صفحه 264
العمل به، وإن اختلفوا وجب على المستفتي الاجتهاد في معرفة الأعلم الأورع، لأنّ ذلك طريق إلى قوة ظنه يجري مجرى قوة ظن المجتهد. وهو قول جماعة من الأُصوليّين والفقهاء وأحمد بن حنبل وابن سريج
من الشافعية والقفّال منهم. والكتاب العزيز يدلّ عليه وهو قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)1 .
وقال آخرون، كالقاضي أبي بكر وجماعة من الأُصوليّين والفقهاء:
لا يجب عليه الاجتهاد، بل يتخيّر في الرجوع إلى مَن شاء منهم، لأنّ العلماء في كلّ عصر لم ينكروا على العوام في ترك النظر في أحوال العلماء، وهو ممنوع.
فإذا اجتهد، فإن ظنّ الاستواء مطلقاً تخيّر في تقليد من شاء كالدليلين المتعارضين ولا ترجيح. وقيل: بعدم جواز وقوعه كما لا يجوز استواء أمارتي الحل والحرمة. وقيل: يسقط التكليف، لأنّا جعلنا له أن يفعل ما شاء.
وإن ظنّ الرّجحان مطلقاً تعيّن عليه العمل بقول الراجح، كما لو حصل للمجتهد رجحان إحدى الأمارتين .
وإن ظنّ رجحان كلّ منهما على الآخر باعتبار ففيه صور 2:
الأُولى: أن يستويا في الدين ويتفاضلا في العلم، فالحقّ وجوب الأخذ

1 . يونس: 35 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 533 ـ 534.

صفحه 265
بقول الأعلم، لمرتبته ورجحانه ولهذا تقدّم في الصلاة ; ولأنّ ظن إصابته للحق أقوى فيتعيّن العمل بقوله.
وقيل: يتخيّر بينهما، وليس بمعتمد.
الثانية: أن يتساويا في العلم ويتفاضلا في الدين، فالأقرب وجوب الأخذ بقول الأدين، لقوة الظن ; ويحتمل التخيير، إذ مناط التقليد وهو الورع والعلم موجود ولا ترجيح فيما يتعلّق بالاجتهاد الّذي هو العلم.
الثالثة: أن يكون أحدهما أرجح في دينه والآخر في علمه، فالأقرب ترجيح الأعلم، لاستفادة الحكم من علمه لا من دينه. وقيل1: يؤخذ بقول الأدين. والوجه الأوّل .
لا يقال: العامي ربّما اغتّر بالظواهر فيقدّم المفضول على الفاضل ويستفتي من يتعيّن استفتاء غيره، فيجب عليه الاجتهاد فيمن يقلده والبحث عنه وعن اجتماع الشرائط فيه، فإنّه لو جاز أن يحكم بغير بصيرة في ترجيح بعض العلماء على بعض، فليجز أن يحكم في المسألة بما يقع له ابتداء، إذ لا فرق بين الأمرين .
لأنّا نقول: إن أردت بالاجتهاد في معرفة الأفضل استفادته من تواتر الأخبار عن الفاضل بأنّه أفضل ومن إذعان المفضول له ومن الأمارات الدالّة عليه والقرائن الّتي لا تخفى دون البحث عن نفس العلم، فهو مسلّم ونحن نشترط ذلك ونوجبه، وأمّا ما عدا ذلك فلا.

1 . القائل هو الرازي في المحصول: 2 / 534 .

صفحه 266
 
تذنيب: في عدول المقلّد في غير ما قلّد فيه
في محلّ الاجتهاد   
إذا تبع العامّيّ بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها، لم يجز له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره، إجماعاً .
والوجه عندي جواز العدول إلى غيره في مساواته لا فيه نفسه .
وهل له اتّباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر ؟
اختلفوا 1: فمنهم من جوزه وهو الوجه عندي، إذ العلماء لم يوجبوا في كلّ عصر رجوع من استفتاهم في حكم إليهم في جميع الأحكام، بل سوّغ الصحابة وغيرهم استفتاء العامّي لكلّ عالم في مسألة، ولم يحجروا على العامّة في ذلك، ولو كان ذلك واجباً لمّا سوغوا السكوت عنه ; ولأنّ كلّ مسألة لها حكم مختصّ بها، فكما لم يتعيّن في المسألة الأُولى الاتّباع لشخص معين، بل كان مخيّراً في اتّباع من شاء، فكذا باقي المسائل لعدم الربط بينها، وبعضهم منع من ذلك. وليس بجيد.
أمّا لو عيّن العامّي لنفسه مذهباً معيناً، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره وقال: أنا على مذهبه وملتزم به، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل ؟
اختلفوا2: فجوّزه قوم، لأنّ التزامه بمذهب معيّن غير ملزم له .

1 . راجع الإحكام: 4 / 242 ـ 243 .
2 . راجع الإحكام: 4 / 243 .

صفحه 267
ومنع منه آخرون، لأنّه بالتزامه المذهب صار لازماً له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة. وقيل: إنّ كلّ مسألة من مذهب الأوّل اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتّصل عمله بها فلا مانع له من اتّباع غيره فيها. هذا خلاف الجمهور .
أمّا الإمامية فلمّا كانت الإمامة عندهم ركناً في الدين وأصلاً من أُصوله، لم يجز التقليد فيها وأوجبوا اتّباع أئمتهم ومن يدين بمقالتهم خاصة في كلّ الأحكام.

البحث الرابع: في محلّه

قد بيّنا أنّه يجوز التقليد في المسائل الفروعية الاجتهادية وبينّا الخلاف فيه، وأمّا المسائل الأُصولية فالحقّ أنّه لا يجوز التقليد في مسائل أُصول الدين ـ كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع، والنبوة، والعدل وغيرها ـ للمجتهد ولا للعامي، بل يجب على كلّ واحد منهما النظر والبحث خلافاً لعبيدالله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية حيث ذهبوا إلى جوازه، بل ربّما ذهب بعضهم إلى وجوبه.1
لنا وجوه 2:
الأوّل: أنّ تحصيل العلم في أُصول الدين قد كان واجباً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون واجباً علينا .

1 . راجع الإحكام: 4 / 229 .
2 . راجع الإحكام: 4 / 229 ـ 230 ; المحصول: 2 / 539 .

صفحه 268
أمّا الأُولى فلقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)1 وأمّا الثانية فلقوله: (وَاتَّبِعُوهُ)2 وغيرها من الأدلّة الدالّة على وجوب التأسّي.
لا يقال: نمنع إمكان إيجاب العلم بالله تعالى، لأنّ المأمور إن لم يكن عالماً به تعالى استحال أن يكون عالماً بأمره، وحال ما يمتنع أن يكون عالماً بأمره يمتنع كونه مأموراً من قبله، وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق. وإن كان عالماً به استحال أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل .
لأنّا نقول: قد بيّنا أنّ الحق أنّ وجوب المعرفة والنظر عقلي لا سمعي ودلالة السمعي للمطابقة والتوافق.3
الثاني: القرآن دلّ على ذمّ التقليد في مواضع متعدّدة. خرج عنه التقليد في المسائل الفرعية لمشقّة الاجتهاد، فينصرف ذمّ التقليد إلى مسائل الأُصول.
الثالث: الإجماع على أنّه لا يجوز تقليد غير المحقّ، وإنّما يعلم المحقّ من غيره بالنظر والاستدلال على أنّ ما يقوله حق وصواب، فإذن لا يجوز له التقليد إلاّ بعد الاستدلال، وإذا صار مستدلاًّ امتنع كونه مقلّداً.
اعترض، بالمعارضة بالتقليد في الأُمور الشرعية، فإنّه لا يجوز له تقليد المفتي إلاّ إذا كان المفتي قد أفتاه بناء على الدّليل الشرعي، فإن اكتفيت بالظن

1 . محمد: 19.
2 . الأعراف: 158 .
3 . في «أ» و «ب»: التوفيق .

صفحه 269
وإن كان المفتي مخطئاً لحطّ ذلك الخطأ عنه فليجز مثله في مسائل الأُصول .
و فيه نظر، للفرق بين الخطأ في المسائل الأُصولية والفرعية، فإنّ الخطأ في الأُولى يقتضي التكفير بخلافه في الثانية، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأُولى.
الرابع: النظر واجب، لأنّه لمّا نزل قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)1 الآية، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكّر فيها»2توعّد على ترك النظر والتفكّر فيها. فيكون واجباً، والتقليد ترك لهذا الواجب فيكون حراماً.
الخامس: الإجماع على وجوب المعرفة ومايجب عليه ويمتنع. والتقليد ليس طريقاً إلى المعرفة، لأنّ تقليد من ليس بمعصوم لا يوجب العلم لجواز الكذب عليه ; ولأنّه لو أفاد التقليد العلم، لزم اجتماع الضدين على تقدير تقليد من يعتقد الحدوث ومن يعتقد القدم ; ولأنّ العلم الحاصل عن التقليد ليس ضرورياً لعدم الاشتراك، ولا نظرياً لعدم دليله.
احتجّ المخالف بوجوه 3:
الأوّل: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكلّف الأعرابي الجاهل بأكثر من تلفّظه بالشهادتين، وكان يحكم بإيمانه باعتبار تلفّظه بهما، وما ذلك إلاّ للتقليد.

1 . البقرة: 164 .
2 . تخريج الأحاديث والآثار: 1 / 261 ; الإحكام: 4 / 229 .
3 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 539 ـ 540 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 230 .

صفحه 270
الثاني: معلوم أنّ هذه العلوم إنّما تحصل بعد الممارسة الشديدة والبحث الطويل، وأكثر الصحابة لم يمارسوا شيئاً منها فيستند اعتقادهم إلى التقليد.
الثالث: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسأل أحداً تلفظ بكلمة الشهادة هل علمت حدوث الأجسام أم لا؟ وهل علمت أنّه تعالى قادر أو لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. فعلم أنّ حضور تلك المسائل غير معتبر في الإيمان لا تقليداً ولا علماً.
الرابع: النظر غير واجب للنهي عنه في قوله تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)1 والنظر يفتح باب الجدال .
ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى الصحابة يتكلّمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها و قال: «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا».2
ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بدين العجائز»3 والمراد ترك النظر، فلو كان واجباً لم يكن منهياً عنه .
ولأنّه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض في مسائل الكلام مطلقاً، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، ولو كان واجباً لكانوا أولى بالمحافظة عليها .

1 . غافر: 4 .
2 . الإحكام: 4 / 230. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.
3 . البداية والنهاية: 12 / 189 ; تفسير الرازي: 2 / 95 ; الإحكام: 4 / 230 .

صفحه 271
ولأنّه لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الإنكار على العوام في ترك النظر، بل حكموا بإسلامهم وأقرّوهم على جهلهم.
الخامس: النظر مظنّة الوقوع في الشبهات والتورّط في الضلال، بخلاف التقليد فإنّه أقرب إلى السلامة، فيكون أولى.
السادس: الأُصول أغمض أدلّة من الفروع وأخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل كان الجواز في الأصعب أولى.
السابع: الأُصول والفروع سواء في التكليف بهما، وقد جاز التقليد في الفروع فليجز في الأُصول .
والجواب عن الأوّل. أنّ فيه نظراً لمنع الاكتفاء بالشهادتين، لورود الأمر بالنظر والفكر كما في قوله تعالى: (قُلِ انْظُرُوا )1، (أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ )2، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)3، (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ)4 إلى غير ذلك من الآيات.
وفي الثاني نظر لأنّ الصحابة لمشاهدتهم المعجزات وقوة معارفهم

1 . يونس: 101 .
2 . الروم: 8 .
3 . الزمر: 9 .
4 . الرعد: 19 .

صفحه 272
وشدة ذكائهم لا يحتاجون إلى تعب شديد في إدراك معارفهم، فلهذا لم يحتاجوا إلى الطلب الشديد.
وفي الثالث نظر، لاحتمال أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) علم من حاله العلم بشرائط الإسلام، أو أنّه كان يقبل منه ذلك للتمرس ثمّ يتبين له بعد وقت ما يحتاج إليه من المعارف.
وعن الرابع: بأنّ المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)1 ولم يرد الجدال بالحقّ لقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ )2، (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)3. ولو كان الجدال مطلقاً منهياً عنه لما أمر به .
والنظر غير منهي عنه لورود الثناء على فاعله في قوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ )4 .
ولم يثبت اسناد قوله: «عليكم بدين العجائز»، ولو ثبت حمل على إرادة التفويض إلى الله تعالى .
ولو لم ينظر الصحابة لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى وصفاته فيكون الواحد منّا أفضل منهم، وهو باطل إجماعاً. وإذا كانوا عالمين وليس

1 . غافر: 5 .
2 . النحل: 125.
3 . العنكبوت: 46 .
4 . آل عمران: 191 .

صفحه 273
بالضرورة فهو بالاستدلال، ولم ينقل المناظرة عنهم في ذلك لاتّفاقهم على المطالب الحقّة وصحّة عقائدهم وعدم من يحوجهم إلى ذلك، بخلاف مسائل الفروع لتفاوت الظنون، وهي اجتهادية متفاوتة.
وإنّما لم ينكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة و من بعدهم على العوام بترك النظر بحصول المعرفة الواجبة لهم، وهي المعرفة المستندة إلى الدليل.
وعن الخامس: أنّ اعتقاد المقلّد إن كان عن تقليد لزم إمّا التسلسل، أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة آخر وهو احتمال كذب المقلّد فيما يخبر المقلّد به، بخلاف الناظر مع نفسه فإنّه لا يكابر نفسه فيما أدّى إليه نظره.
وعن السادس: أنّ المطلوب في الأُصول القطع واليقين، وذلك لا يحصل بالتقليد، بخلاف الفروع المطلوب فيها الظن. وهو الجواب عن السابع.

صفحه 274
   

صفحه 275
 
الفصل الثالث:

في التعادل

وفيه بحثان:

الأوّل: في جوازه

الإجماع على أنّه لا يجوز تعادل الأدلّة العقلية المتقابلة بالنفي والإثبات لوجوب حصول المدلول عند وجود الدليل، فلو تعادل دليلان في نفسهما لزم حصول مدلوليهما، وهو يستلزم اجتماع النقيضين .
وأمّا الأمارات الظنّية فقد اختلفوا في تعادلها، فمنعه الكرخي وأحمد بن حنبل، وجوّزه الباقون. ثمّ اختلف المجوّزون في حكمه عند وقوعه فقال الجبّائيان والقاضي أبوبكر من الأشاعرة: حكمه التخيير، وعند بعض الفقهاء أنّهما يتساقطان ويرجع إلى مقتضى العقل .
واعلم أنّ تعادل الأمارتين قد يقع في حكمين متنافيين والفعل واحد، كتعارض الأمارتين الدالّتين على كون الفعل قبيحاً ومباحاً. وقد يكون في فعلين متنافيين والحكم واحد، كوجوب التوجه إلى جهتين غلب في ظنّه أنّهما جهتا القبلة .

صفحه 276
في جواز التعادل   
والحق أن يقول: أمّا بالنسبة إلى مجتهدين، فإنّه جائز مطلقاً ولا يعلم فيه خلافاً. وأمّا بالنسبة إلى مجتهد واحد فنقول بالجواز في القسمين معاً، لكن الأوّل غير واقع شرعاً .
أمّا جواز الأوّل فالوجدان دال عليه، إذ لا نمنع أن يخبرنا رجلان بالنفي والإثبات ويستويان في العدالة والصدق بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخر بمايز في ذلك .
وأمّا جواز الثاني فلقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في زكاة الإبل: «في كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة» فمن ملك مائتين مخير في إخراج أيّهما شاء، لأنّه بأيّهما فعل أدّى الواجب ولا أولوية لأحدهما .
والمصلّي في الكعبة، يتخيّر في استقبال أي الجدران شاء .
والولي إذا لم يجد من اللبن إلاّ ما يكفي أحد الصغيرين، ولو صرفه إليهما معاً ماتا، ولو صرفه إلى واحد منهما عاش دون الآخر، فإنّه يتخيّر لعدم الأولوية .
ولأنّ ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين يقتضي إيجاب أحد الضدين وذلك يقتضي إيجاب فعل كلّ منهما بدلاً عن الآخر .
وأمّا عدم وقوع الأوّل شرعاً، فلأنّه لو تعادلت أمارتان على الحظر والإباحة :
فإمّا أن يعمل بهما، وهو محال، وإلاّ لزم إباحة الفعل وحظره في

صفحه 277
وقت واحد لمكلّف واحد، وهو محال .
أو لا يعمل بهما، وهو محال، لأنّهما لمّا كانتا في نفسيهما بحيث لا يمكن العمل بهما البتّة كان وضعهما عبثاً، وهو غير جائز على الله تعالى .
أو يعمل بأحدهما دون الأُخرى فإمّا على التعيين، وهو ترجيح من غير مرجّح، فيكون قولاً في الدين بمجرد التشهّي; أو لا على التعيين، وهو يقتضي العمل بإحدى الأمارتين، لأنّا إذا خيّرناه بين الفعل والترك فقد أبحنا له الفعل، فيكون ذلك ترجيحاً لأمارة الإباحة بعينها على أمارة الحظر، وهو القسم الّذي تقدّم بطلانه .
اعترض من وجوه 1:
الأوّل: (يجوز العمل)2 بإحدى الأمارتين على التعيين إمّا لأنّها أحوط، أو أخذٌ بالأولى.
الثاني: لم لا يجوز اقتضاء التعادل التخيير وليس ذلك إباحة لجواز أن يقول الله تعالى: «أنت مخيّر في الأخذ بأمارة الإباحة وبأمارة الحظر، لكن متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل، وإن أخذت بأمارة الحظر فقد حرمته عليك» وليس هذا إذناً في الفعل والترك مطلقاً، بل هو إباحة وحظر في حالين متغايرين، كالمسافر المخيّر في التمام والتقصير في أحد الأماكن إن

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 435 ـ 440 .
2 . في «أ»: بجواز الأخذ، وفي «د»: لم لا يجوز العمل.

صفحه 278
شاء صلّى أربعاً فرضاً وإن شاء صلّى ركعتين، فالركعتان واجبتان ويجوز تركهما بشرط قصد الترخّص ; وكذا مَن عليه درهمان إذا قال له المالك: تصدّقت عليك بدرهم إن قبلت وإن أبيت فالاثنين أخذتهما منك عن الدين الواجب، فإن شاء قبل الصدقة ودفع درهم، وإن شاء دفع الدرهمين عن الواجب. فكذا هنا إذا سمع المكلّف قوله تعالى: (وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)1 حرم عليه الجمع بين المملوكتين، وإنّما يجوز له الجمع إذا قصد العمل بموجب الدليل الثاني، وهو قوله تعالى: (إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)2، كما قال عثمان: أحلّتهما آية وحرمتهما آية.
الثالث: سلّمنا، لكن هذه الدلالة تتمّ عند تعارض أمارة الحظر والإباحة، وأمّا عند تعارض أمارة الحظر والوجوب فإنّ التخيير يستلزم الترجيح من غير مرجّح، فدليلكم على امتناع التعادل غير متناول لكلّ الصور.
الرابع: سلّمنا فساد القول بالتخيير فلِمَ لا يجوز التساقط، والعبث غير لازم لجواز أن يكون لله تعالى فيه حكمة خفية لا يُطّلع عليها .
الخامس: التعادل في نفس الأمر وإن كان ممتنعاً، لكن لا شك في وقوع التعادل بحسب أذهاننا، فإذا انتفى العبث عن التعادل الذهني جاز أن لا يكون التعادل الخارجي عبثاً.
السادس: يشكل ما ذكرتموه بما إذا أفتى أحد المفتيين بالإباحة والآخر

1 . النساء: 23 .
2 . النساء: 24 .

صفحه 279
بالتحريم واستويا عند المستفتي فإنّهما بالنسبة إلى العامي كالأمارة.
والجواب عن الأوّل: إن جاز الترجيح بالأحوط أو بالأخف فوجوده بنفي التعادل، وإن لم يجز بطل كلامكم.
وعن الثاني: إنّما كان التخيير إباحة، لأنّ المحظور هو الّذي مُنع من فعله والمباح هو الّذي لا يُمنع منه، وإذا حصل الإذن في الفعل لا يقع الحجر فلا يبقى حظر البتة، وهو معنى الإباحة .
قوله: الفعل محظور بشرط الأخذ بأمارة الحظر، ومباح بشرط الأخذ بأمارة الإباحة مطلقاً .
قلنا: إنّه باطل ; لأنّ أمارتي الحظر والإباحة إن قامتا على ذات الفعل وماهيته باعتبار واحد، فإن رفعنا الحظر عن ماهيّة الفعل كان ذلك إباحة، فيكون ترجيحاً لإحدى الأمارتين بعينها ; وإن لم يرفع الحظر كان حظراً وهو ترجيح الأمارة الأُخرى .
وإن لم تقم الأمارتان على ذات الفعل باعتبار واحد بل قامت أمارة الإباحة على الفعل المقيّد بقيد ما، وقامت أمارة الحظر على الفعل المقيّد بقيد آخر، كان ذلك غير المتنازع، لأنّ صورة النزاع أن تقوم الأمارتان على إباحة شيء وحظره، وعلى تقدير ما ذكروه تقوم أمارة الإباحة على شيء وأمارة الحظر على آخر، فإنّهم لما قالوا عند الأخذ بأمارة الحرمة: يحرم الفعل، كان معناه أنّ أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الحرمة ; وأمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال عدم الأخذ بأمارة الحرمة،

صفحه 280
فالأمارتان إنّما قامتا على شيئين متباينين غير متلازمين، لا على شيء واحد، وكلامنا في أمارتين قامتا على حكمين متنافيين في شيء واحد لا في شيئين.
وأيضاً: إن عنيتم بالأخذ بإحدى الأمارتين اعتقاد رجحانها فهو باطل، لأنّها إذا لم تكن راجحة كان اعتقاد رجحانها جهلاً. ولأنّا نفترض الكلام فيما إذا حصل العلم بانتفاء الرجحان، ففي هذه الصورة يمتنع حصول اعتقاد الرجحان. وإن عنيتم به العزم على الإتيان بمقتضاها، فإن كان عزماً جزماً بحيث يتّصل بالفعل لا محالة، كان الفعل في ذلك الوقت واجب الوقوع، فيمتنع ورود الإباحة والحظر، لأنّه يكون ذلك إذناً في إيقاع ما يجب وقوعه، أو منعاً عن وقوع ما يجب وقوعه. وإن لم يكن جازماً جاز له الرجوع، لأنّه إذا عزم عزماً غير جازم على الترك، فلو أراد الرجوع عنه وقصد الإقدام على الفعل جاز له ذلك.
وعن الثالث: أنّه لا قائل بالفرق بين أمارتي الوجوب والإباحة، وبين أمارتي الوجوب والحظر. ولأنّ الإباحة منافية للوجوب والحظر، فعند تعادل أمارتي الوجوب والحظر لو حصلت الإباحة كان ذلك قولاً بتساقطهما معاً وإثباتاً لحكم لم يدلّ عليه دليل البتة.
وعن الرابع: أنّ المقصود من وضع الأمارة التوسّل بها إلى المدلول، فإذا كان في ذاته بحيث يمتنع التوسّل به إلى الحكم كان خالياً عن المقصود الأصلي، وهو معنى العبث. وهذا بخلاف وقوع التعارض في أفكارنا، لأنّ الرجحان حاصل في نفس الأمر فلم يكن وضعه عبثاً، نعم لمّا قصرنا في

صفحه 281
النظر لم ننتفع به. أمّا إذا كان الرجحان منتفياً في نفس الأمر، كان الوضع عبثاً.
وأمّا وقوع الثاني فلما تقدم من الصور .
واحتجّ المانع من التخيير بأنّ أمارات وجوب كلّ من الفعلين اقتضت وجوبه على وجه لا يسوغ الإخلال به، والتخيير بينه و بين ضده يقتضي تسويغ الإخلال به، فالتخيير مخالف لمقتضى الأمارتين .
والجواب أمارة وجوب الفعل يقتضي وجوبه فقط، والمنع من الإخلال به على كلّ حال موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، وحينئذ لا يكون التخيير مخالفاً لمقتضى الأمارتين .
وفيه نظر، إذ مقتضى الوجوب المنع من التخيير.

تذنيب

التعادل إن وقع للإنسان في عمل نفسه تخيّر.
وللمفتي: تخيير المستفتي في العمل بأيّهما شاء، كما يلزمه في حقّ نفسه .
وللحاكم: معيّن لأنّه نُصب لقطع التنازع، فتخيير الخصمين يفتح باب المخاصمة، لأنّ كلاً منهما يختار الأوفق له بخلاف المفتي .
ولا يمتنع عقلاً أن يقضي الحاكم بحكم إحدى الأمارتين في قضية ثم يقض بالأُخرى في غيرها إلاّ أن يمنع منه مانع شرعي كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال

صفحه 282
لأبي بكر: «لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين»1.
وما روي عن عمر أنّه قضى في مسألة بحكمين وقال: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي 2، يحتمل أن لا يكون ذلك لتعادل الأمارتين، بل لأنّه ظن في الأوّل قوة أمارة، وفي الثاني قوة الأُخرى.
   

البحث الثاني: في تعدّد أقوال المجتهد

إذا نقل عن مجتهد واحد قولان في مسألة واحدة، فإمّا أن يكون في موضعين بأن يقول في كتاب بتحريم الشيء وفي آخر بتحليله، أو في موضع واحد .
والأوّل إن علم التاريخ، كان الثاني رجوعاً عن الأوّل ظاهراً .
وإن لم يعلم حكى عنه القولان، ولا يحكم عليه برجوع عن واحد منهما بعينه للجهل به، بل يحكم بالرجوع المطلق عن أحدهما لا بعينه. وإن كان الثاني بأن يقول في موضع واحد: في المسألة قولان، فإن عقب بما يشعر بتقوية أحدهما كان ذلك قولاً له، لأنّ قول المجتهد ليس إلاّ ما يترجّح عنده، وإن لم يعقب قال بعض الناس: إنّه يقتضي التخيير، وهو باطل لما تقدّم .
ولأنّه حينئذ يكون له في المسألة قول واحد هو التخيير لا قولان، بل الوجه دلالة ذلك على توقّفه في المسألة ولم يظهر له وجه رجحان.

1 . المحصول: 2 / 440. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.
2 . المحصول: 2 / 440. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

صفحه 283
والمتوقّف في المسألة لا يكون له فيها قول فضلاً عن القولين. أمّا إذا لم يعرف قوله في المسألة وعرفنا قوله في نظيرها، فالظاهر أنّه إن لم يكن بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب، كان قوله في إحدى المسألتين هو قوله في الأُخرى، وإن كان بينهما فرق لم يحكم بأنّ قوله في المسألة كقوله في نظيرها لجواز أن يذهب إلى الفرق .
إذا عرفت هذا فقد وجد للشيخ أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) ولغيره من الفقهاء أقوال مختلفة في مسألة واحدة ويحمل على وجوه 1:
الأوّل: أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئاً وفي الجديدة
غيره ونقلهما المتأخّرون وجعلوهما قولين ويكون المتأخّر ناسخاً، وهو يدلّ على قوة دينه وشدة طلبه، لأنّه يدلّ على اشتغاله بالطلب في كلّ وقت، وأنّه متى ظهر له شيء من أُمور الدين أظهره، ولم يتعصّب لما قاله أوّلاً، بل رجع عنه.
الثاني: أن يتّحد الموضع فيذكر في كتاب واحد قولين، وينصّ على الترجيح لقوله عقيب ذكر القولين: وهذا أولى، أو أشبهه بالحق، أو به أقول. أو يفرع على أحدهما وترك التفريع على الآخر، وهو يدلّ على أنّ الّذي فرَّع عليه أقوى عنده.
الثالث: أن يذكر في المسألة قولان ولا يبيّن الترجيح، ويحتمل وجوهاً:
أحدهما: أن يكونا لبعض الناس، ويذكرهما للتنبيه على مأخذهما

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 441 .

صفحه 284
وإيضاح القول فيما لكلّ منهما وعليهما. ولأنّه لو لم يذكرهما لتعطّل الإفتاء بأحدهما، إذ قد يقوى أحدهما عند بعض الناظرين ولا يمكنه القول به، لظنّه أنّه قول حادث، خارق للإجماع ، فإذا نقل عرف أنّه لم يخرق الإجماع.
ثانيهما: لعلّ المراد احتمال قولين يمكن أن يقول بهما قائل لقوتهما وبطلان ماعداهما، فالتمييز بينهما غير ممكن إلاّ للبالغ في التحقيق، فلهذا أفرد بالذكر دون سائر الوجوه الممكنة. وكما يقال: الخمر مسكر وهو في الدن، والسكين قاطع وهو لم يقطع على إرادة الصلاحية، كذا هنا .
واعلم أنّه لا خلاف في إمكان اعتقاد الوجوب والتحريم أو النفي والإثبات معاً في مسألتين مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنا ; وفي إمكان اعتقاد الجمع بين الأحكام المختلفة الّتي لا تقابل بينها في شيء واحد، كالتحريم ووجوب الحد ونحوه ; وفي اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل كالاعتداد بالطهر والحيض، أو فعلين غير متضادين كخصال الكفّارة ; وأمّا اعتقاد حكمين متقابلين في شيء واحد على سبيل البدل ففيه الخلاف.

صفحه 285
 
الفصل الرابع:

في التراجيح

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: في مقدّماته

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في ماهيته

الترجيح: تقوية أحد الطريقين على الآخر، ليعلم الأقوى فيعمل به ويترك الأضعف. إنّما قلنا أحد الطريقين، لأنّه لا يصحّ الترجيح بين أمرين إلاّ بعد تكامل كونهما طريقين، لو انفرد كلّ منهما، إذ لا يصحّ ترجيح الطريق على ما ليس بطريق .
وقيل: إنّه عبارة عن اقتران أحد الصّالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر .
فقولنا: «اقتران أحد الصالحين» احتراز عمّا ليس بصالح للدلالة، أو أحدهما صالح دون الآخر، فإنّ الترجيح إنّما يتحقّق مع تحقّق التعارض، ولا

صفحه 286
تعارض مع عدم الصلاحية لهما أو لأحدهما .
وقولنا: المتعارضان ليخرج الصالحان اللّذان ليس بينهما تعارض، فإنّ الترجيح يطلب عند التعارض لا عند عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق في الاقتضاء، كالعلل المتعارضة في أصل القياس. وللمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء كالأدلّة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفياً وإثباتاً .
وقولنا: «بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر» احتراز عمّا اختصّ به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية والعرضية، ولا مدخل له في التقوية والترجيح.
في جواز العمل بالراجح   

البحث الثاني: في جوازه

المحقّقون على وجوب العمل بالراجح من الطريقين على جواز الترجيح، وأنكر بعضهم .
لنا وجوه 1:
الأوّل: الإجماع على العمل بالترجيح والمصير إلى الراجح من الدليلين فإنّهم قدّموا خبر التقاء الختانين على خبر أبي هريرة: «إنّما الماء من الماء» 2. وقدّم بعضهم خبر أبي هريرة: «من أصبح جنباً فلا صوم له» على

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 443 ـ 444 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 246 .
2 . صحيح مسلم: 1 / 186، باب إنّما الماء من الماء; صحيح ابن خزيمة: 1 / 117 عن أبي سعيد الخدري; كنز العمال: 9 / 376 برقم 26545 .

صفحه 287
خبر عائشة 1 أنّه كان (صلى الله عليه وآله وسلم)يصبح جنباً وهو صائم.2 وقوّى علي (عليه السلام)خبر أبي بكر فكان لا يحلّفه وكان يحلّف غيره من الرواة. وقوّى عمر خبر أبي موسى في الاستيذان بموافقة أبي سعيد الخدري.
الثاني: إذا تعارض الظنّان ثمّ رجح أحدهما تعيّن العمل بالراجح عرفاً فكذا شرعاً، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».3
الثالث: لو لم يعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح، ولقبح عقلاً ترجيح المرجوح على الراجح.
الرابع: تقرير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معاذاً لمّا بعثه قاضياً إلى اليمن في ترتيب الأدلّة وتقديم بعضها على بعض .
احتجّ المنكرون بوجهين 4:
الأوّل : إنّما قوله تعالى : ( فَاعْتَبِرُوا) 5 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « نحن
نحكم بالظاهر» 6 يقتضي عدم الالتفات إلى زيادة الظن فإنّ

1 . في الإحكام: 4 / 246: تقديم خبر عائشة على خبر أبي هريرة لكونها أعرف بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حسب ما قال، فراجع.
2 . مسند أحمد: 6 / 184 و 203 و 266 و 313 ; سنن البيهقي: 4 / 213، باب من أصبح جنباً في شهر رمضان ; سنن النسائي: 2 / 176، باب صيام من أصبح جنباً .
3 . مستدرك الحاكم: 3 / 78 ; مجمع الزوائد: 1 / 177 .
4 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 444 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 246 ـ 247 .
5 . الحشر: 2 .
6 . عمدة القاري: 7 / 249 ; تفسير الرازي: 3 / 215 ; تفسير الآلوسي: 1 / 103 ; المحصول: 2 / 444 .

صفحه 288
الدليل المرجوح ظاهر وحصل فيه الاعتبار.
الثاني: لو اعتبر الترجيح في الأمارات لاعتبر في البيّنات المتعارضة في الحكومات. والتالي باطل لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين، فالمقدّم مثله .
وبيان الشرطية. انّ العلّة وهي ترجيح الأظهر على الظاهر موجود هنا.
والجواب: أنّ ما ذكرناه دليل قطعي وما ذكرتموه ظنّي، فلا يعارضه. على أنّ غاية الآية دلالتها على وجوب النظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالراجح .
والخبر يدلّ على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجّح أحد طرفيه على الآخر، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحاً من جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهراً فيه .
ونمنع نفي الترجيح في باب الشهادة فإنّه يقدّم عندنا قول الأربعة على قول الاثنين .
سلّمنا لكن عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة، وقد ألف منهم اعتبار الترجيح في تعارض الأدلة دون الشهادة.
في محلّ الترجيح   

صفحه 289
 
البحث الثالث: في محلّه
الترجيح لا يجري في الأُمور اليقينية لوجوه 1:
الأوّل: الدليل اليقيني إنّما يحصل لو كانت مقدّماته ضرورية، أو لازمة عنها لزوماً ضرورياً، إمّا ابتداءً أو بواسطة شأنها ذلك، إمّا واحدة أو متعدّدة. وهذا إنّما يصحّ عند اجتماع علوم أربعة:
أ. العلم ضروري بحقيقة تلك المقدّمات إمّا ابتداءً، أو بواسطة شأنها ذلك.
ب. العلم الضروري بصحّة تركيبها.
ج. العلم الضروري بلزوم النتيجة عنها.
د. العلم الضروري بأنّ ما لزم عن الضروري لزوماً ضرورياً فهو ضروري. وهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معاً، وإلاّ لزم القدح في الضروريات، وإذا استحال ثبوتها انتفى التعارض.
الثاني: الترجيح هو التقوية، واليقين لا يقبل التقوية، لأنّه إن قارنه احتمال النقيض ولو على وجه ما، كان ظناً لا علماً، وإن لم يقارنه لم يقبل التقوية .
اعترض بجواز كون أحد النقيضين 2 راجحاً.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 445 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 247 ـ 248 .
2 . في «أ» و «ب»: اليقينين.

صفحه 290
الثالث: الترجيح إنّما يكون بين متعارضين وهو غير متصوّر في القطعي، لأنّ المعارض له لا يجوز أن يكون قطعياً، وإلاّ لكان العمل بهما جمعاً بين النقيضين، وتركهما رفعاً للنقيضين، والعمل بأحدهما دون الآخر ترجيحاً من غير مرجّح. ولا أن يكون ظنياً لامتناع ترجيح الظني على القطعي، وامتناع طلب الترجيح في القاطع، كيف والدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فإذن محلّ الترجيح الطرق الظنية.

تذنيب

المشهور أنّ العقليات لا يجري فيها الترجيح. وفيه تفصيل فإنّ العوام إن اقتنع منهم بالاعتقاد الجازم الحاصل عن تقليد أمكن تطرق التقوية إليه، فجرى فيه الترجيح.
   

البحث الرابع: في الترجيح بكثرة الأدلّة

اعلم أنّ الترجيح في الأدلّة يحصل بالكثرة، فإذا كان أحد الحكمين مدلولاً عليه بعدّة أدلّة كان أولى من الحكم الّذي يستدلّ عليه بأدلّة أقل . وبه قال الشافعي، خلافاً لبعضهم حيث قال: لا يحصل بكثرة الأدلة ترجيح ومن صور النزاع ترجيح أحد الخبرين بكثرة الرّواة.
لنا وجهان 1:

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 446 ـ 447 .

صفحه 291
الأوّل: الظن التابع للأمارة يقوى بكثرتها ويضعف بقلّتها، والعمل بأقوى الظنين واجب.
بيان الصغرى من وجوه:
أ. كثرة الرواة قد ينتهي إلى حصول العلم، فكلّما كانت المقارنة إلى ذلك الحد أشد كان اعتقاد صدقهم أقوى.
ب. قول كلّ واحد يفيد قدراً من الظن، فعند الاجتماع يستحيل حصول ذلك القدر خاصة، وإلاّ لزم اجتماع المؤثرات على أثر واحد، وهو محال، فلابدّ من الزيادة.
ج. احتراز العدد عن تعمّد الكذب أكثر من احتراز الواحد، وتطرق الخطأ والغلط إلى العدد أبعد من تطرّقه إلى الواحد، فالظن الحاصل بخبر العدد أقوى من ظن الواحد.
د. العاقل يحترز عن كذب يطّلع عليه غيره أكثر من احترازه من كذب لا يطّلع عليه سواه، وإذا كان احتراز الكذب هناك أكثر كان الظن أقوى.
هـ . إذا فرضنا تعارض دليلين متساويين في القوة ذهناً ثم اعتضد أحدهما بآخر يساوي أحدهما فالمجموع زائد على ذلك الواحد، لأنّ مجموعهما أعظم من كلّ واحد منهما، وكلّ واحد منهما يكون لذلك الآخر، والأعظم من المساوي أعظم.
و. إجماع الصحابة على أنّ الظن الحاصل بقول الاثنين أقوى من الظن

صفحه 292
الحاصل بقول الواحد ; فإنّ أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة في مسألة الجد حتى شهد له محمد بن مسلمة، وعمر لم يقبل خبر أبي موسى حتّى شهد له أبو سعيد الخدري، فلولا أنّ كثرة الرواة يؤثر [ في ] قوة الظن لما كان كذلك. فثبت بذلك أنّ الظن أقوى فيجب العمل به للإجماع على جواز الترجيح بقوة الدليل، وإنّما يكون لزيادة القوة في أحد الجانبين، وهذا حاصل في الترجيح بكثرة الأدلّة، إلاّ أنّ ترجيح القوة يستلزم حصول الزيادة مع المزيد عليه في محل واحد، وترجيح الكثرة يختلف محل الزيادة والمزيد عليه فيه، ولا أثر لذلك بالضرورة.
الثاني: مخالفة الدليل على خلاف الأصل، فإذا تعدّدت الأدلّة في طرف واتّحدت في آخر كانت المخالفة في الأوّل أشد محذوراً منها في الثاني، فاشترك المحذوران في قدر واختصّ أحدهما بزيادة منفية عن الآخر، فلولا الترجيح لزم ارتكاب القدر الزائد من المحذور لا لموجب، وهو محال.
احتجّوا بوجوه 1:
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن نحكم بالظاهر»2 يدلّ بإيمائه على أنّ المعتبر أصل الظهور، وأنّ الزائد عليه ملغىً ترك العمل به في الترجيح بقوة الدليل، لاتّحاد محلّ الزيادة مع المزيد عليه والقوى تتزايد عند اجتماعها في محل وتتناقص حال التفرد، أمّا كثرة الأدلّة فإنّ المحلّ في الزيادةوالمزيد

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 447 .
2 . مرّ مصدره. راجع ص 188 و 208 من هذا الجزء.

صفحه 293
عليه لمّا تعدّد، ضعفت القوة و لم يحصل كمالها.
الثاني: القياس على الشهادة والفتوى، فإنّ الإجماع دلّ على عدم الترجيح فيها بالكثرة، فكذا هنا.
الثالث: القياس على خبر الواحد لو عارضه قياسات متعدّدة كثيرة
فإنّه يترجّح على الجميع، وهو يدلّ على أنّ الترجيح لا يحصل بكثرة
الأدلّة.
والجواب عن الأوّل. أنّه متروك في الترجيح بالقوة فيترك بالترجيح بالكثرة لجامع قوة الظن، إذ هو المعتبر، والمحل في الكثرة وإن تعدّد واتّحد في القوة لكن مجموع الزيادة مع المزيد عليه يؤثر في قوة الظن. وبهذا لو أخبر عدل بأمر حصل ظن وقوعه، فإذا وافقه ثان زاد الظن، فإذا تظاهر ثالث قوي الظن، ثمّ لا يزال الظن بتزايد ترادف الأخبار إلى أن ينتهي إلى العلم، فعلم أنّ الفرق الّذي ذكروه غير قادح في تقوية الظن .
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع استناد الترجيح هنا إلى كثرة الأدلّة، بل إلى قوتها ; ولأنّ الإجماع لا يؤثر في شيء واحد، بل قول الواحد أفاد ظنّاً ما، والثاني أفاد ظناً آخر، وهكذا حتى حصل العلم.
وعن الثاني. بالمنع من عدم الترجيح بكثرة الشهود، فإنّ الإمامية ومالك بن أنس ذهبوا إلى حصول الترجيح فيها بكثرة الشهود، وفرّق الباقون بأنّ مقتضى الدليل منع كون الشهادة حجّة لما فيه من توهّم الكذب وتطرق الخطأ، وجعل قول شخص نافذاً في آخر مثله، إلاّ أنّ الشرع اعتبرها لقطع

صفحه 294
الخصومات فوجب اعتبارها على وجه لا يفضي إلى تطويل الخصومة، لئلاّ يرجع على موضوعه بالنقض، فلو أثر كثرة العدد في الترجيح طالت الخصومة، فإنّهما لو أقاما الشهادة في الطرفين على السواء كان لأحدهما طلب الإمهال ليأتي بعدد زائد، فإذا أُمهل وأقام بعد المدة كان للآخر ذلك أيضاً فلا تنقطع الخصومة البتة، فأسقط الشرع اعتبار الترجيح بالكثرة دفعاً لهذا المحذور .
وفيه نظر، إذ يمكن دفع هذا المحذور بضابط مدة كما ضبط المدة في مدّعي البيّنة بالقبض.
وأمّا الترجيح بكثرة المقتضي فقد جوّزه بعض العلماء.
وعن الثالث. أنّ أُصول تلك القياسات إن كانت شيئاً واحداً قُدّم الخبر عليها، لعدم تغاير تلك الأقيسة، لما عرفت من أنّه لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين، وإن تعدّدت منعنا عدم الترجيح .
وفيه نظر، فإنّ الوجه في الجواب أنّ شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنّة كما دلّ عليه خبر معاذ ، وخبر الواحد من السنة، فلهذا قدّم على الأقيسة الكثيرة.

صفحه 295
 
البحث الخامس: في الجمع بين الأدلّة المتعارضة
إذا تعارض دليلان لم يمكن العمل بكلّ منهما من كلّ وجه وإلاّ فلا تعارض بل لابدّ من إبطال أحدهما من كلّ وجه أو من بعض الوجوه، أو إبطالهما معاً من كلّ وجه أو من بعض الوجوه. فإن أمكن العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه كان أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر بالكلية، لأنّ دلالة اللفظ على جزء المفهوم تابعة لدلالته على كلّ مفهومه الّتي هي دلالة أصلية. فإذا عمل بكلّ منهما من وجه دون آخر فقد تركنا العمل بالدلالة التبعية، وإذا عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة الأصلية، والأوّل أولى .
فالعمل بكلّ منهما من وجه دون وجه أولى من العمل بأحدهما من كلّ وجه دون الثاني .
وفيه نظر، لأنّ العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه عمل بالدلالة التبعية وإبطال للأصلية من الدليلين، والعمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدلالة الأصلية والتبعية في أحد الدّليلين وإبطال لهما في الآخر، ولا شكّ في أولوية العمل بأصل وتابع على العمل بالتابعين وإبطال الأصلين .
إذا تقرر هذا فنقول: العمل بكلّ منهما من وجه على أقسام ثلاثة 1:
الأوّل: الاشتراك والتوزيع إن كان قبل التعارض يقبل ذلك.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 449 ـ 450 .

صفحه 296
الثاني: أن يقتضي كلّ واحد منهما أحكاماً فيعمل بكلّ منهما في حقّ بعض الأحكام.
الثالث: العامّان المتعارضان يعمل بكلّ منهما في بعض الصور، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا أُنبّئكم بخير الشهود؟»، قيل: نعم يا رسول الله، قال: «أن
يشهد الرجل قبل أن يستشهد».1
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد».2فيعمل بالأوّل في حقوقه تعالى، وبالثاني في حقوق عباده.

البحث السادس: في تقسيم الأدلّة المتعارضة

إذا تعارض الدليلان فإمّا أن يكونا عامّين على الإطلاق، أو خاصّين، أو يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو يكون كلاًّ منهما أعمّ من الآخر من وجه وأخصّ من وجه. فالأقسام أربعة .3
وعلى هذه التقادير الأربعة فإمّا أن يكونا معلومين، أو مظنونين، أو بالتفريق .
وعلى التقادير كلّها إمّا أن يكون المتقدّم معلوماً أو المتأخّر، أو لا يكون واحد منهما معلوماً.

1 . صحيح مسلم: 5 / 133، باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين; سنن أبي داود: 2 / 163 برقم 3596 ; سنن الترمذي: 3 / 373 برقم 2397 ; مسند أحمد: 5 / 193 ; كنز العمال: 7 / 12 برقم 17730.
2 . مجمع الزوائد: 5 / 225 ; المعجم الأوسط: 7 / 193 .
3 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 450 ـ 453 .

صفحه 297
الأوّل: أن يكونا عامّين:
فإن كانا معلومين، فإن علم التاريخ وكان المدلول قابلاً للنسخ كان المتأخّر ناسخاً، (سواء القرآن والسنّة في ذلك).1
والشافعي وإن منع من نسخ القرآن بالخبر المتواتر ومن عكسه فإنّه يجوّز ذلك بحيث لو وقع لكان المتأخّر ناسخاً لكنّه ينفي الوقوع لا الجواز.
وإن لم يقبل المدلول النسخ تساقطا ووجب الرجوع إلى غيرهما. ولو تقارنا فإن أمكن التخيير بينهما تعيّن، لأنّه إذا امتنع الجمع لم يبق إلاّ التخيير. ولا يترجّح أحدهما بقوة الاسناد، لما ثبت من أنّ المعلوم لا يقبل الترجيح ; ولأنّ ما يرجع إلى الحكم بأن يكون أحدهما يقتضي التحريم أو إثبات حكم شرعي لاستلزامه طرح المعلوم بالكلية .
وإن جهل التاريخ وجب الرجوع إلى غيرهما، لأنّا نجوّز تأخّر كلّ واحد منهما، فيكون ناسخاً للمتقدّم ولا أولوية، فيطرحان معاً .
وإن كانا مظنونين، فالمتأخّر ناسخ، ولو تقارنا أو جهل التاريخ وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى، وإن تساويا وجب التخيير .
وفيه نظر، إذ مع جهالة التاريخ يمكن تأخير أحدهما فيكون ناسخاً.
وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً فإن كان المعلوم متأخراً كان

1 . العبارة في المحصول: 2 / 450 كما يلي: سواء كانا آيتين، أو خبرين، أو أحدهما آية والآخر خبراً متواتراً.

صفحه 298
ناسخاً للمتقدم وإن كان بالعكس لم يكن المتأخر ناسخاً فإنّ المعلوم لا ينسخ بالمظنون، وإن جهل التاريخ تعيّن المعلوم، لأنّه إن كان متأخراً كان ناسخاً وإن كان متقدماً لم يكن منسوخاً، وإن تقارنا كان المعلوم راجحاً فيتعين العمل به على كلّ تقدير.
الثاني: أن يكونا خاصّين، وتفصيله كما تقدّم في تفصيل العامّين.
الثالث: أن يكون كلّ منهما عاماً وخاصاً باعتبارين كما في قوله تعالى: (وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)1 مع قوله: (إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(2) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها» 2 مع نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة، فالأوّل عامٌ في الأوقات، خاصٌ في صلاة القضاء ; والثاني عام في الصلاة خاصٌ في الأوقات ; فإن علم تقدّم أحدهما وكانا معلومين، أو مظنونين، أو كان المتأخّر معلوماً كان المتأخّر ناسخاً للمتقدّم عند من قال: العام ينسخ الخاص المتقدّم، لأنّ المتأخّر وإن كان أعم من وجه لكنّه أخص من آخر، فإن كان العام من كلّ وجه ينسخ الخاص المتقدّم والعام 3 من وجه أولى بجواز النسخ. وإن كان المتقدّم معلوماً وجب الرجوع إلى الترجيح عندهم، ولم ينسخ الثاني الأوّل، لامتناع نسخ المعلوم بالمظنون .

1 . النساء: 23 .   2 . النساء: 24 .
2 . سنن الدارمي: 1 / 280، باب من نام عن صلاة أو نسيها; سنن البيهقي: 2 / 216 ; عمدة القاري: 4 / 29 .
3 . في «ج»: في العام، وفي «ب»: كالعام.

صفحه 299
أمّا من بنى العام المتأخّر على الخاص المتقدّم وأخرج بالخاص المتأخّر بعض ما دخل تحت العام المتقدّم، فالأنسب بمذهبه عدم النسخ في شيء من هذه الأقسام، بل يرجع إلى الترجيح، إذ لا يتخلّص كون المتأخّر أخصّ من المتقدّم حتى يخرج من المتقدّم ما دخل تحت المتأخّر.
وإن جهل التاريخ فإن كانا معلومين لم يجز الترجيح بقوة الإسناد، بل بما يتضمّنه أحدهما من كونه محظوراً، أو مثبتاً بحكم شرعي، لأنّ الحكم بذلك طريقة الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر إطراح للمرجوح ; بخلاف ما لو تعارضا من كلّ وجه، وإن لم يترجّح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير .
وإن كانا مظنونين جاز الترجيح بقوة الإسناد، وبما يتضمّنه من الحكم. فإن لم يترجّح فالتخيير، وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً، جاز ترجيح المعلوم لكونه معلوماً. فإن ترجّح المظنون عليه بما يتضمّنه من الحكم، كالمحرم والشرعي حتى حصل التعارض، فالحكم ما تقدّم.
الرابع: أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، فإن اتّفقا علماً أو ظنّاً وتأخّر الخاص كان ناسخاً للعام المتقدّم في مورد الخاص. وإن تأخّر العام كان ناسخاً للخاص المتقدّم عند أبي حنيفة. والحق عندنا وعند الشافعي بناء العام على الخاص وقد تقدّم. وإن وردا معاً كان الخاص مخصّصاً للعام بالإجماع. وإن جهل التاريخ بُني العام على الخاص، وعند الحنفية الوقف.1

1 . راجع المحصول: 2 / 453 .

صفحه 300
وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً قدّم المعلوم على المظنون إجماعاً، إلاّ إذا كان المعلوم عامّاً والمظنون خاصاً ووردا معاً، كتخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بخبر الواحد، وقد تقدّم.

المطلب الثاني: في وجوه التراجيح

قد عرفت فيما تقدّم أنّ التعارض إنّما يقع في الأدلّة الظنّية إمّا من كلّ وجه كخبر الواحد العام، أو من بعض الوجوه كالآيات العامّة وأخبار الآحاد الخاصّة. فإنّ الأوّل وإن كان قطعياً في متنه إلاّ أنّ دلالته على موارده ظنّية، والثاني بالعكس .
وإذا ثبت هذا فقد يقع التعارض بين الكتاب العزيز والسنّة المتواترة وبين غيرهما من الأدلّة الظنّية ; ولمّا كانت أنواع الأدلّة هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس عند بعضهم والاستدلال عند آخرين، وجب النظر في الترجيح بينها، فهاهنا أبواب :

[ الباب ] الأوّل: في الترجيح بين الأدلّة النقلية

وفيه مقدّمة ومباحث .
أمّا المقدّمة: فاعلم أنّ الأدلّة النقلية لمّا اشتملت على نقل هو السند، ومنقول هو المتن، ومنقول عنه وكان العائد إلى السند منه ما يعود إلى الراوي، ومنه ما يعود إلى نفس الرواية. وما يعود إلى الراوي إمّا أن يعود إلى نفسه، أو إلى تزكيته، وجب النظر في ذلك كلّه.

صفحه 301
 
البحث الأوّل: في التراجيح الحاصلة بسبب الراوي
اعلم أنّ الترجيح لأحد الخبرين على الآخر بالنظر إلى الراوي إمّا أن يقع بكثرة الرواة، أو بأحوالهم. أمّا الواقع بالكثرة فمن وجهين 1:
الأوّل: أن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر فيكون أرجح، خلافاً للكرخي، لأنّ الظن الحاصل به أكثر من الآخر، لأنّ احتمال وقوع الغلط والكذب على العدد الأكثر أقل من احتمال وقوعه في العدد الأقل، إذ خبر كلّ واحد يفيد الظن والظنون المجتمعة أقوى من الواحد، ولهذا لمّا كان الحد الواجب بالزنا من أكبر الحدود وآكدها جعلت الشهادة عليه أكثر عدداً من غيره، ولم يعمل أبوبكر بخبر المغيرة: «أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أطعم الجدّ السدس»، حتى اعتضد بخبر محمد بن مسلمة.
الثاني: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسناداً فإنّه أرجح من الآخر، وإنّه كلّما كانت الرواة أقل كان احتمال الغلط والكذب أقل، ومهما كان ذلك أقل كان احتمال الصحّة أظهر، وحينئذ يجب العمل به ; فعلو الإسناد راجح من هذا الوجه، إلاّ أنّه مرجوح باعتبار ندوره .
وفيه نظر، فإنّ احتمال الغلط والخطاء في العدد الأقل إنّما يكون أقل لو اتّحدت أشخاص الرواة في الخبرين أو تساووا في الصفات، أمّا إذا تعدّدت أو كانت صفات الأكثر أكثر فلا .

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 453 .

صفحه 302
وأمّا الواقعة بأحوال الراوي فهي: إمّا العلم، أو الورع، أو الذكاء، أو الشهرة، أو زمان الرواية، أو كيفية الرواية .
أمّا الحاصلة بالعلم فمن وجوه 1:
الأوّل: رواية الفقيه راجحة على رواية غيره مطلقاً عند قوم وهو الحق، لأنّه يميّز بين ما يجوز و ما لا يجوز، فإذا حضر المجلس وسمع كلاماً لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه وسأل عن مقدّمته وسبب نزوله، فيطّلع على سبب يزيل الإشكال. أمّا مَن لم يكن عالماً فإنّه لا يعرف الجائز من غيره، فينقل ما سمعه فربّما كان ذلك القدر وحده سبباً للضلال.
وقال آخرون: هذا الترجيح إنّما يعتبر في خبرين مرويين بالمعنى، أمّا اللفظ فلا. والحق ما تقدّم.
الثاني: رواية الأفقه راجحة على رواية الفقيه، لأنّ احترازه عن الغلط أكثر، فالظن الحاصل بخبره أقوى.
الثالث: العالم بالعربية أرجح رواية من غيره، لتمكّنه من التحفّظ عن مواقع الزلل، وقدرته على ما لا يقدر غيره عليه. وقيل: بل غيره أرجح، لأنّ العارف بالعربية يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ اعتماداً على خاطره، والجاهل يكون خائفاً فيبالغ في الحفظ .
وفيه نظر، فإنّ معرفته تقتضي اختلاف دلالات الألفاظ باختلاف

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 454 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 252 ـ 253 .

صفحه 303
أحوالها وتغيّر المعاني بتغيّر أدنى سبب في إعرابها، وتشوقه إلى تحقيق
ما يسمعه أكثر من الجاهل بالفرق بين المعاني المختلفة بسبب تغير
الإعراب.
الرابع: رواية الأعلم بالعربية راجحة على رواية العالم بها، لأنّ ظن احترازه أقوى.
الخامس: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة فتترجح روايته على رواية الآخر. كما روت ميمونة قالت تزوجني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن حلالان. فإنّها مقدّمة على رواية ابن عباس: انّه نكحها وهو حرام. 1 لكونها أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها به. خلافاً للجرجاني من الحنفية.
السادس: أن يكون أحدهما مباشراً والآخر غير مباشر فالمباشر أولى، لأنّه أعرف بما روى. كرواية أبي رافع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نكح ميمونة وهو حلال، فإنّه راجح على رواية ابن عباس، لأنّ أبا رافع كان هو السّفير بينهما والقابل نكاحها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان أعرف بالقضية; ولهذا رجّحنا حديث عائشة وأوجبنا الغسل من التقاء الختانين على رواية غيرها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الماء من الماء»، لأنّ عائشة مباشرة، فكانت أشد علماً بذلك.2
السابع: الّذي يسمع مشافهة أرجح رواية من غيره. كرواية القاسم بن

1 . سنن الدارمي: 2 / 38; سنن أبي داود: 1 / 413 برقم 1843 و 1844 ; سنن البيهقي: 7 / 211، باب نكاح المحرم; الإحكام: 4 / 253 .
2 . الإحكام: 4 / 253; وورد باختلاف في سنن البيهقي: 5 / 66 و ج 7 / 210 .

صفحه 304
محمد بن أبي بكر 1 عن عائشة أنّ بريرة عتقت وكان زوجها عبداً، فإنّها راجحة على رواية الأسود فإنّه روى عنها أنّه كان حرّاً، لأنّها عمة القاسم بخلاف الأسود فإنّه سمع من وراء الحجاب.2
الثامن: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند سماعه. كرواية ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أفرد وكان تحت ناقته حين لبى.3
التاسع: رواية مَن مجالسته للعلماء أكثر راجحة على رواية غيره، لتفطّن الأوّل لما لا يتفطّن له الآخر، فيقوى الظن بخبر الأوّل على الظن بخبر الثاني.
العاشر: رواية مَن مجالسته للمحدثين أكثر أرجح من رواية غيره.
الحادي عشر: من طريقه أقوى أرجح رواية إذا روى ما يقلّ اللبس فيه. كما إذا روى أنّه شاهد زيداً وقت الظهر بالبصرة، وروى الآخر أنّه رآه في ذلك اليوم ببغداد. فالأوّل أرجح، لأنّ تطرق الاشتباه إلى الثاني أكثر .
وأمّا الحاصلة بالورع فمن وجوه 4:

1 . القاسم بن محمد بن أبي بكر عدّه الشيخ تارة في أصحاب السجاد (عليه السلام)، وأُخرى في أصحاب الباقر (عليه السلام)، وذكره البرقي في أصحاب الصادق، وهو جد الإمام الصادق (عليه السلام)لأُمّه أُم فروة، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ولد فيها وتوفي بقديد (بين مكّة والمدينة) حاجّاً أو معتمراً، كان صالحاً ثقة من سادات التابعين. معجم رجال الحديث: 15 / 48 برقم 9558 ; الأعلام: 5 / 181.
2 . الإحكام: 4 / 257. ولم نعثر عليها في المصادر الحديثية.
3 . الإحكام: 4 / 253. ولم نعثر عليها في المصادر الحديثية.
4 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 455 .

صفحه 305
الأوّل: رواية الأعدل أرجح من رواية العدل، لأنّ الظن بقول الأوّل أقوى.
الثاني: رواية من عرفت عدالته بالاختبار أرجح من رواية مستور الحال عند من يقبل روايته.
الثالث: رواية من عرفت عدالته بالاختبار أولى من رواية من عرفت عدالته بالتزكية، لإمكان غلط المزكّي وخطائه.
الرابع: رواية من زكّاه كثير أولى من رواية من زكّاه قليل .
الخامس: رواية مَن عرفت عدالته بتزكية من يكثر بحثه عن أحوال الرجال و يداوم على التطّلع عليها أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية من ليس كذلك.
السادس: رواية من عرفت عدالته بتزكية الأعلم الأزهد أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية العالم الزاهد.
السابع: رواية من ذكر المزكّي سبب عدالته أرجح من رواية من أطلق المزكّي العدالة.
الثامن: رواية من استندت تزكيته إلى عمل المزكّي بخبره أولى من رواية من استندت تزكيته إلى الرواية عنه.
التاسع: رواية العدل غير المبتدع أرجح من رواية العدل المبتدع وإن لم توجب بدعته كفراً .

صفحه 306
وأمّا الحاصلة بسبب الذكاء فوجوه 1:
الأوّل: رواية زائد الضبط، الأقل نسياناً أرجح من رواية ضده.
الثاني: لو كان أحدهما أشدّ ضبطاً لكنّه أكثر نسياناً، والآخر أضعف ضبطاً لكنّه أقل نسياناً، ولم تكن قلة الضبط ولا كثرة النسيان مانعة من قبول خبره، قيل يتعارضان، ويحتمل ترجيح الأوّل.
الثالث: أن يكون أحدهما أقوى حفظاً لألفاظ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه أرجح من غيره، إذ الحجّة في قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
الرابع: الجازم بالرواية أولى من الظان .
الخامس: دائم سلامة العقل من الاختلال أرجح رواية ممّن يعتوره اختلاط العقل، إذا لم يعرف أنّه أدّى الخبر حال سلامة العقل أو حال الاختلال.
السادس: رواية حافظ الحديث أرجح من رواية المعول على المكتوب، لأنّه أبعد من الشبهة، ويحتمل الضد.
السابع: رواية ذاكر الحديث راجحة على رواية المستند إلى خط .
وأمّا الحاصلة بسبب شهرة الراوي فأُمور 2:
أحدها: رواية الكبير من الصحابة أو غيرهم أرجح من غيره في طبقته،

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 456 .
2 . راجع المحصول: 2 / 457 .

صفحه 307
لأنّ دينه كما يمنعه من اعتماد الكذب كذا علو منصبه يمنعه منه أيضاً، ولهذا كان علي (عليه السلام) يُحلّف بعض الرواة دون أبي بكر.
ثانيها: غير المدلّس أرجح من المدلّس.
ثالثها: صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى صاحب الاسم الواحد.
رابعها: رواية معروف النسب راجحة على رواية المجهول.
خامسها: رواية غير المتلبّس برجال ضعفاء أرجح من رواية من تلبّس اسمه باسم رجال ضعفاء مع صعوبة التمييز بينهم .
وأمّا التراجيح المستندة إلى زمان الرواية فأُمور 1:
الأوّل: رواية البالغ في جميع زمان الرواية أرجح من رواية الصّبي في بعض أوقات الرواية البالغ في الآخر.
الثاني: رواية البالغ وقت التحمّل والرواية أرجح من رواية المتحمّل وقت الصغر والكبر إذا لم يرو إلاّ حالة البلوغ.
الثالث: مَن انتفى عنه احتمال هذين الوجهين أرجح رواية ممّن يحتمل فيه الوجهان .
وأمّا التراجيح العائدة إلى كيفية الرواية فأُمور (2):
أحدها: أن يقع الخلاف في أحدهما أنّه موقوف على الراوي أو مرفوع

1 . راجع المحصول: 2 / 457 .   2 . راجع المحصول: 2 / 457 ـ 458 .

صفحه 308
إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فالمتّفق على رفعه أرجح.
ثانيها: الخبر المنسوب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قولاً أرجح من المنسوب إليه اجتهاداً، بأن يروي أنّه وقع ذلك في مجلس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم ينكر عليه، فالأوّل أولى، لقلة الاحتمال فيه وعدم الخلاف عنه.
ثالثها: المقترن بالسبب بأن يذكر الراوي سبب نزول ذلك الحكم أرجح من المجرد عنه، لشدة اهتمام الأوّل بمعرفة ذلك الحكم بخلاف الثاني.
رابعها: الخبر المنقول بلفظه راجح على المنقول معناه خاصة وعلى ما يحتمل انّه نقل معناه، للإجماع على قبول الأوّل والخلاف في الثاني، ولأنّ تطرّق الغلط إلى الثاني أكثر، فالظنّ فيه أضعف.
خامسها: المعتضد بحديث سابق أرجح من غيره .
سادسها: إذا أنكر الراوي الأصلي الرواية عنه كان مرجوحاً بالقياس إلى ما لا يكون كذلك. وقد تقدّم تفصيل القول فيه.
سابعها: المسند أرجح من المرسل إن عملنا 1 بالمرسل على المذهب الحق. وقال عيسى بن أبان: المرسل أولى، و قال القاضي عبد الجبار بالتساوي .
لنا: إنّ المرسل عدالته معلومة لرجل واحد وهو الراوي عنه، والمسند

1 . في «أ» و «ب» و «د»: علمنا، وفي المحصول: قبلنا.

صفحه 309
عدالته معلومة لكلّ أحد لتمكن كل واحد من البحث عنه وعن سبب جرحه وعدالته، ومعلوم رجحان رواية من علمت عدالته عند الجميع على رواية من اختصت المعرفة بعدالته لرجل واحد، فإنّ العدالة من الأُمور الباطنة قد تخفى على شخص واحد ويبعد خفاؤها عن الأكثر.
احتجّ المخالف بوجهين 1:
الأوّل: الثقة لا يسند القول إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويشهد به إلاّ مع القطع والجزم أو مقاربه بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك، بخلاف ما إذا استند وذكر الواسطة فإنّه لم يحكم على ذلك الخبر بالصحّة، ولم يزد على الحكاية بأنّ فلاناً زعم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك، فكان الأوّل أولى.
الثاني: قال الحسن البصري: إذا حدّثني أربعة نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحديث تركتهم وقلت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فأخبر عن نفسه أنّه لا يستجيز هذا الإطلاق إلاّ مع شدة الوثوق .
والجواب عن الأوّل: أنّ قول الراوي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذا، يقتضي ظاهره الجزم بصحّة خبر الواحد، وهو جهل غير جائز فلا يمكن إجراؤه على ظاهره، فيحمل على إرادة الظّن أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك أو سمعت أو رويت، كان الإسناد المشتمل على ذكر الراوي أولى لمعرفة عدالته للكّل. وهو الجواب عن الثاني [ بعينه ].
واعلم أنّ رجحان المرسل على المسند إنّما يصحّ لو قال الراوي: قال

1 . ذكرهما الرازي مع الإجابة عنهما في المحصول: 2 / 458 ـ 459 .

صفحه 310
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا لو قال: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه لا يترجّح، لأنّه في معنى قوله روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
[و ] لو كان أحد الراويين لا يرسل إلاّ عن عدل وعرف منه ذلك، والآخر لا يعرف منه ذلك ; فالأوّل أرجح، وهذا يختص بالأخبار المرسلة. وقد رجّح قوم بالحرية والذكورة قياساً على الشهادةولا بأس به.

البحث الثاني: في الترجيح المستند إلى حال ورود الخبر

وهو من وجوه 1:
الأوّل: إذا كان أحد الخبرين أو الآيتين مدنياً والآخر مكّيّاً قُدّم المدني، لأنّ غالب المكّي وقع قبل الهجرة والمدني متأخّر عنها، والمكّي المتأخّر عن المدني قليل، والقليل ملحق بالكثير، فيكون العمل على المدني لظن تأخّره، فيكون ناسخاً.
الثاني: الوارد بعد قوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشدّة شوكته وعلو شأنه راجح على الخبر الّذي لا يكون كذلك، لتأخّر الأوّل فيكون العمل عليه، لأنّ علو شأنه كان في آخر زمانه، فقد يتضمّن الخبر الوارد بعد علو شأنه ما يقتضي تأخّره عن الأوّل .
وفصّل آخرون فقالوا: إن دلّ الأوّل على علو الشأن والثاني
على الضعف كان الأوّل مقدّماً، أمّا إن لم يدلّ الثاني لا على القوة ولا

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 459 ـ 461 .

صفحه 311
على الضعف فمن أين يجب تقديم الأوّل عليه .
وفيه نظر، لأنّ الأوّل معلوم أنّه في آخر وقته (صلى الله عليه وآله وسلم) والثاني مشكوك فيه، والمعلوم مقدّم على المظنون.
الثالث: أن يكون راوي أحدهما متأخّر الإسلام ويعلم أنّ سماعه حصل بعد إسلامه، وراوي الآخر متقدّم الإسلام، فيقدّم الأوّل، لأنّه أظهر تأخّراً .
وقيل: إذا كان المتقدّم موجوداً مع المتأخّر لم يمنع تأخّر روايته عن رواية المتأخّر، وهو حسن. أمّا إذا علم موت المتقدّم قبل إسلام المتأخّر، أو علمنا أنّ أكثر روايات المتقدّم متقدّمة على روايات المتأخّر حكم بالرجحان، لأنّ النادر ملحق بالغالب.
الرابع: أن يحصل إسلام الراويين معاً، كإسلام خالد و عمرو بن العاص، لكن يعلم أنّ سماع أحدهما بعد إسلامه ولا يعلم ذلك في سماع الآخر، فيقدّم الأوّل لظهور تأخّره.
الخامس: المؤرّخ مقدّم على المطلق لظهور تأخّره .
وفيه نظر، لإمكان تأخّر المطلق. نعم لو كان المؤرّخ في آخر زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه أولى من المطلق بظن تأخّر الأوّل.
السادس: أن يكون أحدهما مؤقّتاً بوقت متقدّم والآخر مطلق، فالمطلق أرجح، لأنّه أشبه بالمتأخّر .

صفحه 312
السابع: إذا وردت حادثة كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يغلظ فيها زجراً لهم عن العادات القديمة ثمّ خفف فيها نوع تخفيف قيل: يرجّح التخفيف على التغليظ لظهور تأخّره. ويضعف بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغلظ آخر أمره عند علو شأنه، فيظن تأخيره حينئذ.
الثامن: العموم الوارد ابتداء أرجح من العموم الوارد على السبب، لوقوع الخلاف في أنّ الثاني هل هو مقصور على سببه أو لا؟ و هو وإن كان ضعيفاً إلاّ أنّه مرجّح. وهذه الوجوه ضعيفة الترجيح.

البحث الثالث: فيما يرجع إلى اللفظ

وهو على وجوه 1:
الأوّل: الفصيح راجح على الركيك، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أفصح العرب. وردّ بعضهم الركيك لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لفصاحته لا يتكلّم بغير الفصيح، ومنهم من قبله وحمل الركيك على أنّ الراوي رواه بلفظ نفسه. وعلى كلّ تقدير فالفصيح راجح عليه إجماعاً.
الثاني: قال بعضهم: الأفصح يقدّم على الفصيح. وليس بمعتمد، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتكلّم بهماً معاً، وكذا وجد في القرآن العزيز.
الثالث: الخاص مقدّم على العام. وقد تقدّم.
الرابع: قيل: الحقيقة تقدّم على المجاز، لأنّ دلالتها أظهر فإذا اشتمل

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 461 ـ 464 .

صفحه 313
أحد الخبرين على الحقيقة والآخر على المجاز، قُدّم الأوّل. وهو ضعيف، لأنّ المجاز الراجح أظهر في الدلالة من الحقيقة المرجوحة، ولأنّ المجاز الّذي هو الاستعارة أظهر دلالة من الحقيقة، فإنّ قولنا: فلان ينحر أقوى دلالة من قولنا: يضحي.
الخامس: أن يكونا حقيقتين إلاّ أنّ أحدهما أظهر في المعنى، لكثرة ناقليه، أو لكون ناقله أقوى وأتقن من غيره أو لغير ذلك والترجيحات العائدة إلى الراوي آتية هنا.
السادس: أن يكون وضع أحدهما على مسمّاه مجمعاً عليه ووضع الآخر مختلف فيه، فالأوّل أرجح.
السابع: المستغني عن الإضمار أرجح من المفتقر إليه .
وفيه نظر، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتكلّم بهما معاً.
الثامن: الدالّ على المقصود منه بالوضع الشرعي أو العرفي أولى من الدالّ عليه بالوضع اللغوي. والوجه أن يقال: حمل اللفظ الّذي صار شرعياً في غير ما وضع له في اللغة على الشرعي أولى من حمله على اللغوي، لأنّ اللغوي منسوخ حينئذ. أمّا الّذي ليس كذلك مثل أن يكون لفظ يدلّ بوضعه الشرعي على حكمه ولفظ آخر يدلّ بوضعه اللغوي على حكمه، ولا عرف للشرع في هذا اللفظ فإنّه لا يترجّح الأوّل عليه، لأنّ هذا اللغوي حيث لم ينقله الشرع يكون لغوياً عرفياً شرعياً. والأوّل شرعي لا غير، والنقل على خلاف الأصل فلا ترجيح حينئذ.

صفحه 314
التاسع: أكثر المجازين شبهاً بالحقيقة أرجح من مقابله.
العاشر: إذا تعارض خبران ولا يمكن العمل بأحدهما إلاّ بمجازين ويمكن العمل بالآخر بمجاز واحد، كان الثاني أولى لقلّة مخالفته للأصل.
الحادي عشر: ما لم يدخله التخصيص أرجح ممّا دخله، لصيرورة الثاني مجازاً بخلاف الأوّل لبقائه في تمام مسمّاه.
الثاني عشر: الدالّ على المراد بوجهين أرجح ممّا يدل بوجه واحد، لأنّ الظنّ الحاصل منه أقوى .
وفيه نظر، فإنّ قوة الدلالة لا توجب التأخير في التاريخ.
الثالث عشر: الحكم إذا اقترن بالعلّة كان راجحاً على المنفرد عنها ; ومن هذا الباب أن يقترن أحدهما بالمعنى المناسب والآخر يكون معلّقاً بمجرد الاسم، فإنّ الأوّل أولى.
الرابع عشر: أن يكون أحدهما تنصيصاً على الحكم مع اعتباره
بمحلّ الآخر والآخر ليس كذلك، يقدّم الأوّل في المشبّه والمشبّه به معاً،
لأنّ اعتبار محلّ بمحلّ إشارة إلى وجود علّة جامعة. كقول الحنفي في
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما إهاب دبغ فقد طهر»1 كالخمر يتخلّل فيحلّ، رجّحناه
في المشبّه على قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» 2، وفي

1 . مسند أحمد: 1 / 219 و 270 و 343 ; سنن الدارمي: 2 / 85 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1193 ; سنن الترمذي: 3 / 135 برقم 1782 ; سنن النسائي: 7 / 173 .
2 . مسند أحمد: 4 / 310 و 311 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1194 ; سنن أبي داود: 2 / 274 و 275 ; سنن الترمذي: 3 / 136 ; سنن النسائي: 7 / 175 .

صفحه 315
المشبّه به في مسألة تخليل الخمر على قوله: «أرِقها».
الخامس عشر: المؤكّد أرجح من غيره كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «والله لأغزون قريشاً و الله لأغزون قريشاً و الله لأغزون قريشاً».1
السادس عشر: أن يكون أحدهما تنصيصاً على الحكم مع ذكر المقتضي لضدّه كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»2فإنّه مقدّم على ما ليس كذلك، لدلالة اللفظ على ترجيح مدلوله على ضده، ولأنّ تقديمه يقتضي وحدة النسخ وتقديم ضده يقتضي تعدّده مرّتين والأوّل أولى.
السابع عشر: المقترن بتهديد مقدّم على غيره كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»3. وكذا ما كثر التهديد فيه راجح على ما قلّ فيه.
الثامن عشر: الدليل المقتضي للحكم بغير واسطة راجح على ما يقتضيه بواسطة، كما إذا كانت المسألة ذات صورتين فالمعلّل إذا فرض الكلام في صورة وأقام الدليل، فالمعترض إذا أقام الدليل على خلافه في الصورة الثانية ثم توسّل إلى الصورة الأُخرى بواسطة الإجماع يقول المعلّل: دليلي أرجح،

1 . سنن أبي داود: 2 / 98 ; سنن البيهقي: 10 / 47 و 48 ; مجمع الزوائد: 4 / 182 ; كنز العمال: 4 / 438 و 443 .
2 . مستدرك الحاكم: 1 / 374 و 376 ; المعجم الأوسط: 3 / 219 ; الجامع الصغير: 2 / 297 ; عوالي اللآلي: 1 / 45 و ج 2 / 61 ; بحار الأنوار: 10 / 441 و ج 96 / 286 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 229، كتاب الصوم; مستدرك الحاكم: 1 / 424 ; سنن البيهقي: 4 / 208 .

صفحه 316
لأنّه بغير واسطة ودليل المعترض بواسطة. والأوّل راجح، لأنّ كثرة الوسائط الظنّية تقتضي كثرة الاحتمالات، فيكون مرجوحاً.
التاسع عشر: المنطوق مقدّم على المفهوم إن قلنا بأنّه حجّة، لأنّ المنطوق أقوى دلالة على الحكم من المفهوم.
العشرون: يرجّح المجاز على المجاز الآخر لشهرته أوقوته أوقرب جهته أورجحان دليله أو شهرة استعماله.
الحادي والعشرون: المجاز راجح على المشترك. وقد تقدم الخلاف فيه.
الثاني والعشرون: الحقيقة المشهورة أرجح من غيرها.
الثالث والعشرون: إذا كان أحد الخبرين قد اشتمل على لفظ موضوع في اللغة لمعنى والشارع قد استعمله في ذلك المعنى، والآخر قد اشتمل على لفظ قد وضعه الشارع لمعنى من غير وضع أهل اللغة له، فالأوّل راجح ; لأنّ الأصل موافقة الشرع اللغة. وهذا بخلاف ما إذا كان اللفظ واحداً منفرداً واستعمل في اللغة لمعنى وفي الشرع الآخر فإنّ المعهود من الشرع أنّه إذا أطلق اللفظ فإنّما يريد به معناه الّذي وضعه هو بازائه.
الرابع والعشرون: أن يدلاّ بجهة الاقتضاء إلاّ أنّ العمل بأحدهما في مدلوله لضرورة صدق المتكلّم أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلاً والآخر لضرورة وقوع الملفوظ به شرعاً، فالأوّل أرجح ; لأنّ الخلف في كلام الشارع ومخالفة المعقول ممتنعان، بخلاف مخالفة المشروع.

صفحه 317
الخامس والعشرون: أن يدلاّ بجهة التنبيه والإيماء إلاّ أنّ أحدهما لو لم يفد كون المذكور علّة للحكم لكان ذكره عبثاً وحشواً فإنّه راجح على الإيماء بما رتّب فيه الحكم بفاء التعقيب.
السادس والعشرون: أن يدلاّ من حيث المفهوم إلاّ أنّ أحدهما يدلّ من حيث مفهوم الموافقة والآخر بمفهوم المخالفة، فالأوّل راجح للإجماع عليه بخلاف الثاني. وقيل: الثاني أولى، لأنّ فائدة مفهوم الموافقة التأكيد وفائدة مفهوم المخالفة شرع الحكم ابتداء، وهو أولى من التأكيد.
السابع والعشرون: الدال من حيث الاقتضاء راجح على الدال من قبيل الإشارة، لترجّحها بقصد المتكلّم لها بخلاف الثاني.
الثامن والعشرون: دلالة الاقتضاء أرجح من دلالة الإيماء، لتوقّف صدق المتكلّم أو مدلول منطوقه عليه بخلاف الثاني.
التاسع والعشرون: دلالة الاقتضاء أولى من دلالة المفهوم، للإجماع على الأوّل والخلاف في الثاني.
الثلاثون: إذا كان العمل بأحدهما يقتضي تخصيص العام والعمل بالآخر يقتضي تأويل الخاصّ، والأوّل أولى لكثرته بخلاف الثاني.
الحادي والثلاثون: إذا كان عموم أحدهما من قبيل الشرط والجزاء والآخر من قبيل النكرة المنفية وغيرها، فالأوّل أولى، لأنّ الشرط كالعلّة والمعلّل أولى من غيره.

صفحه 318
الثاني والثلاثون: الجمع المفيد للعموم، ومن وما أرجح دلالة على العموم من المعرّف بلام الجنس عليه، للاتّفاق بين القائلين بالعموم في الأوّل دون الثاني.
الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما إجماعاً والآخر نصاً، فالأوّل أولى للأمن من النسخ في الأوّل بخلاف الثاني.
الرابع والثلاثون: الإجماع راجح على غيره من الأدلّة.

البحث الرابع: في التراجيح العائدة إلى الحكم

وهي من وجوه 1:
الأوّل: إذا كان أحد الخبرين مقرّراً لحكم الأصل وكان الآخر ناقلاً عنه، اختلفوا: فالأكثر ترجيح الناقل، وقال بعضهم: بل المقرر أولى 2.
احتجّ الأوّلون بوجهين 3:
أ. الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلاّ منه والمقرّر حكم معلوم بالعقل، فكان اعتبار الأوّل أولى.
ب. العمل بالناقل يقتضي تقليل النسخ، لأنّه يقتضي إزالة حكم
العقل فقط ; أمّا لو جعلنا المقرر متأخّراً تكثير النسخ، لأنّ الناقل أزال

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 464 ـ 469 .
2 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 464 .
3 . راجع المحصول: 2 / 465 .

صفحه 319
حكم العقل، ثمّ المقرر أزال حكم الناقل مرة أُخرى .
اعترض على أ. لو جعلنا المبقي متأخّراً استفدنا منه ما لا يستقل العقل به، ولو جعلناه متقدّماً استفدنا منه ما يتمكّن العقل من معرفته.
وعلى ب. أنّ ورود الناقل بعد ثبوت حكم الأصل ليس بنسخ، لأنّ دلالة العقل إنّما تقيّد بشرط عدم دليل السمع، فإذا وجد انتفى دليل العقل، فلا يكون الدليل السمعي رافعاً لحكم العقل، بل يكون مبيّناً لانتهائه، فلا يكون ذلك خلاف الأصل .
ولأنّه معارض بأنّا لو جعلنا المبقي متقدّماً لكان المنسوخ حكماً ثبت بدليلين: العقل، والسمع وهو أشدّ مخالفة، لأنّه نسخ للأقوى بالأضعف.
احتجّ الآخرون بأنّ حمل الحديث على ما لا يستفاد إلاّ من الشرع أولى من حمله على ما يستقلّ العقل بمعرفته، إذ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد، وحمل كلام الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى، فلو جعلنا المبقي متقدّماً على الناقل لكنّا قد جعلناه وارداً حيث لا حاجة إليه، لأنّا نعرف ذلك الحكم بالعقل. ولو جعلنا المبقي وارداً بعد الناقل لكان وارداً حيث يحتاج إليه، فكان الحكم بتأخيره أولى.

تذنيب

قال قاضي القضاة1 : العمل بالناقل كما ذهب إليه الجمهور، أو

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 465 ـ 466 .

صفحه 320
بالمنفي كما ذهب إليه الآخرون، ليس من باب الترجيح لوجهين:
أ. أنّا نعمل بالناقل على أنّه ناسخ، والعمل بالناسخ ليس من باب الترجيح.
ب. لو كان العمل بالناقل ترجيحاً لوجب العمل بالآخر لولاه، لأنّه حكم كل خبرين رجح أحدهما على الآخر. ومعلوم أنّه لولا الناقل لكنّا عاملين بموجب الخبر الآخر لدلالة العقل لا للخبر .1
واعترض على أ. بأنّ النسخ يلزم لو علمنا تأخّر الناقل لكنّا لا نقطع بذلك، بل نقول: الظاهر بآخره مع جواز خلافه، فهو حينئذ داخل في باب الأوّل، وهذا ترجيح.
وعلى ب. بأنّه لولا الناقل لعلمنا بالآخر لأجله، لأنّا نجعله حكماً شرعياً، ولهذا لا يصحّ رفعه إلاّ بما يصحّ النسخ به، ولولا صيرورته شرعياً بعد ورود الخبر، وإلاّ لما كان كذلك.
***
[ الوجه ] الثاني 2: إذا كان أحد الخبرين يقتضي الإثبات والآخر النفي وكانا شرعيّين، قال القاضي عبد الجبار: إنّهما سواء. وضرب لذلك أمثلة ثلاثة:

1 . في المحصول: 2 / 466 العبارة كما يلي: ومعلوم أنّه لو لا الخبر الناقل لكنّا إنّما نحكم بموجب الخبر الآخر لدلالة العقل، لا لأجل الخبر .
2 . الوجه الثاني من وجوه التراجيح العائدة إلى الحكم .

صفحه 321
أ. إذا اقتضى العقل حظر الفعل، ثمّ ورد خبران أحدهما في إباحته والآخر في وجوبه.
ب. أن يقتضي العقل وجوب الفعل، ثمّ يرد خبران أحدهما يدلّ على الحظر والآخر على الإباحة.
ج. أن يقتضي العقل إباحة الفعل، ثم يرد خبران أحدهما يقتضي الوجوب والآخر الحظر .
قال أبوالحسين: لقائل أن يقول لابد وأن يكون أحدهما مطابقاً لحكم العقل، إذ كلّ فعل له في العقل له حكم الحسن أو القبح أو مازاد على الحسن، ولا يكون أحد الخبرين نفياً والآخر إثباتاً إلاّ والنفي منهما نفي لواحد من الأحكام، والإثبات منهما إثبات لبعضها .1
وقال فخر الدين الرازي: هذا يستقيم على مذهبنا في أنّ العقل لا يستقلّ بشيء من الأحكام إثباتاً و نفياً، بل إنّما يستفاد ذلك من الشرع فحينئذ لا مزية لأحدهما على الآخر. ولا يتمّ على مذهب المعتزلة، لأنّ كلّ نفي وإثبات تواردا على حكم واحد فلابدّ وأن يكون أحدهما عقلياً.
فإنّ الإباحة تشارك الوجوب في جواز الفعل، وتخالفه في جواز الترك ; وتشارك الحظر في جواز الترك وتخالفه في جواز الفعل. فهي تشارك كلّ واحد من الوجوب والحظر بما به تخالف الآخر. وإذا تقرر هذا فنقول: إذا اقتضى العقل الحظر اقتضى جواز الترك لصدق جائز الترك على المحظور،

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 184 .

صفحه 322
فإذا ورد خبر الإباحة والوجوب كانت الإباحة منافية للوجوب من حيث إنّها تقتضي جواز الترك، لا من حيث إنّها تقتضي جواز الفعل. وجواز الترك حكم عقلي، فثبت أنّه لابدّ في النفي والإثبات هنا من كون أحدهما عقلياً .
وأمّا إذا اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران في الحظر والإباحة فالكلام فيه كما تقدم .
وأمّا إذا اقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران في الوجوب والتحريم، فنقول: ثبت أنّ الإباحة تشارك كلاًّ من الوجوب والتحريم بما به تخالف الآخر، فإذا كانت الإباحة مقتضى العقل لزم أن يكون الوجوب مقرراً للحكم العقلي من وجه، وناقلاً من آخر. وكذا التحريم فهنا أيضاً لابدّ في النفي والإثبات المتواردين على أمر واحد من أن يكون أحدهما عقلياً، وإذا ثبت أنّ النفي والإثبات لابدّ وأن يكون أحدهما عقلياً رجع الترجيح إلى ما تقدّم من أنّ الناقل أرجح أم المبقي .1
وفيه نظر، لأنّ الإباحة بالمعنى الأخص منافية لكلّ من الحظر والوجوب، وهي المراد بالحكم الشرعي.

تذنيب

إذا اقتضى العقل الحظر ثمّ ورد خبران بالإباحة والوجوب، وقد عرفت مشاركة الإباحة للحظر من وجه ومخالفتها له من آخر، فخبر الإباحة يقتضي

1 . المحصول: 2 / 466 ـ 467 .

صفحه 323
بقاء حكم العقل من وجه هو الّذي حصلت به المشاركة، والنقل من وجه هو الذي حصلت به المباينة. وأمّا الوجوب فإنّه يخالف الحظر في القيدين معاً، فيكون مقتضياً للنقل من وجهين فمن رجّح الناقل رجّح خبر الوجوب، ومن رجّح المقرر رجّح خبر الإباحة .
وكذا القول لو اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران بالإباحة والحظر. وأمّا لو كان مقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران بالوجوب والتحريم وكلّ منهما يشارك الإباحة من وجه دون آخر، فيكون كلّ منهما ناقلاً من وجه ومقرراً من آخر، فيحصل التساوي .
قال أبوالحسين 1: وقد مثل قاضي القضاة الخبرين الوارد أحدهما بالإثبات والآخر بالنفي بما روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى في الكعبة وما روي: أنّه لم يصل، وما روت أُم سلمة أنّه لم يقبّلها وهو صائم وما روت عائشة أنّه قبّلها وهو صائم، قال: وليس هذا بمثال للمسألة، لأنّ القبلة والصلاة ونفيهما أفعال لا أحكام فيقال إنّها عقلية أو شرعية وإنّما الأحكام جواز الصلاة ونفي جوازها، والعقل لو تجرّد لكان مطابقاً لنفي جوازها لأنّها2 غير مصلحة، وكون القبلة غير مفسدة للصوم هو مقتضى العقل، وكذا تزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ميمونة وهو حلال أو حرام هو إيقاع فعل في أحوال، وليس ذلك بحكم وإنّما الحكم هو حسن ذلك مع الإحرام أو قبحه، ومقتضى العقل هو حسنه، هذا إذا كان هو الأصل في العقل .

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 184 .
2 . في «أ» و «ب»: فإنّها.

صفحه 324
أمّا ما يكون الأصل من حال المروي عنه نحو ما روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يصلّ في الكعبة ولم يقبّل وهو صائم، وأنّه تزوّج ميمونة و هو حلال، لأنّ الأصل منه عدم ذلك .
فالخبر المروي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى في الكعبة أولى، وتحمل رواية من لم يصل على حسب اعتقاده وأنّه خفي عليه بعض أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ورواية القبلة راجحة على رواية نفيها، لأنّ أُم سلمة روت عن حالها معه فلا تعارض رواية عائشة أنّه قبّلها وهو صائم .
وعدالة راوي تزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو حرام تقتضي أن يثبت رواية «تزويجه إياها وهو حلال» إلى أنّه استدام الأصل، فكانت هذه الرواية أولى أن تثبت العدالة.
***
[ الوجه ] الثالث: إذا تعارض خبران في الحظر والإباحة وكانا شرعيّين، قال أبوهاشم وعيسى بن أبان: إنّهما يستويان فيطرحان فيرجع المجتهد إلى غيرهما من الأدلّة .
وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء: خبر الحظر راجح لوجوه 1:
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما اجتمع الحرام والحلال إلاّ وغلب الحرام الحلال».2

1 . راجع المحصول: 2 / 468 .
2 . عوالي اللآلي: 3 / 466 برقم 17 ; بحار الأنوار: 62 / 144 ; مستدرك الوسائل: 13 / 68 .

صفحه 325
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».1 ولا يريبه جواز ترك هذا الفعل، لأنّه بين أن يكون حراماً ومباحاً، وإنّما يريبه جواز فعله فيجب تركه.
الثاني: لو طلق واحدة من نسائه ونسيها حرم عليه وطء الجميع، وكذا لو أعتق إحدى إمائه.
الثالث: دار بين ارتكاب الحرام أو ترك المباح، وترك المباح أولى، فكان الترجيح للمحرم احتياطاً .
لا يقال: يحتمل أن يكون الفعل مباحاً، فاعتقاد تحريمه إقدام على ما لا يؤمن كونه جهلا .
لأنّا نقول: إذا استباح المحظور أقدم على محظورين: الفعل، واعتقاد إباحته ; أمّا إذا امتنع عن المباح فقد أقدم على محظور واحد هو اعتقاد التحريم .
قال أبوالحسين: وقد نصر هذا القول بوجوه:
أوّلها: الحظر أدخَلُ في التعبّد من الإباحة، لأنّه أشق .
واعترضه بأنّ الفعل قد يتعبّدنا الله بحظره، وقد يتعبّدنا باعتقاد إباحته، ويرد الشرع بإباحته، وقد يرد الشرع بإباحة ما لم يكن في العقل مباحاً كما

1 . مسند أحمد 3 / 112 و 153 ; مستدرك الحاكم: 1 / 51 و ج 2 / 13 ; مجمع الزوائد: 1 / 238 وج 5 / 56 .

صفحه 326
يرد بحظر ما لم يكن محظوراً فليس أحدهما أدخلَ في التعبّد من الآخر.
ثانيها: إذا تعارض خبر حظر وإباحة فقد حصلت جهة حظر وجهة إباحة. وهاتان الجهتان متى اجتمعتا كان الحظر أولى، فإنّ الأمة بين الشريكين لمّا اجتمع فيها ملكه وهو مبيح وملك الآخر وهو محرم، قدّم الحظر .
واعترضه بأنّ ملك أحد الشريكين لبعض الأمة ليس بجهة مبيحة للوطء، بل الجهة المبيحة ملك الجميع فلم يحصل في هذه الأمة جهتان إحداهما لو انفردت أباحت، والأُخرى لو انفردت حظرت، بخلاف الخبرين فإنّ كلّ واحد منهما لو انفرد لثبت حكمه.
ثالثها: لو غرق جماعة من الأقارب وخفي المتقدّم جعلناهم كأنّهم غرقوا معاً، ولم نورّث بعضهم من بعض وغلبنا حظر التوارث بينهم.
واعترضه بأنّ ذلك حجّة للمخالف، لأنّهم قد نزلوا منزلة من لم يموتوا. وفرّق قاضي القضاة بجواز أن يكونوا قد غرقوا دفعة فجاز أن يجريهم هذا المجرى، بخلاف الخبر المبيح مع المحرم فإنّه لا يجوز ورودهما معاً، فلا يصحّ تقديرهما هذا التقدير .
لا يقال: ليس إذا تعارضت البينتان في الملك لم يسقطا وعمل عليهما، فهلاّ وجب مثله في الخبرين ؟
لأنّا نقول: إنّه يمكن العمل على البيّنتين في الملك فيجعل بينهما، وأجاب قاضي القضاة بأنّ البيّنتين يجوز صدقهما بأن تستند الشهادة إلى

صفحه 327
التصرف ويكون المتداعيان قد تصرفا، فيثبت لكلّ منهما الملك بحكم اليد، بخلاف الحظر والإباحة معاً.1
[ الوجه ] الرابع: إذا كان أحد الخبرين مثبتاً للطلاق والعتاق والآخر نافياً لهما، قال الكرخي: نقدّم المثبت لهما على النافي، وقال آخرون بالتسوية.
احتجّ الكرخي: أنّ مشروعية ملك النكاح واليمين على خلاف الأصل، فيكون زوالهما على وفق الأصل. والخبر المتأيّد بموافقة الأصل راجح على الواقع بخلاف الأصل .2
وقيل: النافي لهما أولى، لأنّه على وفق الدليل المقتضي لصحّة النكاح وإثبات ملك اليمين الراجح على النافي له.
[ الوجه ] الخامس: النافي للحد مقدّم على المثبت له عند بعض الفقهاء، خلافاً للمتكلّمين لوجوه 3:
أحدها: الحد ضرر فتكون مشروعيته على خلاف الأصل، والنافي له على وفق الأصل، فيكون النافي راجحاً.
ثانيها: ورود الخبر في نفي الحد إن لم يوجب الجزم بذلك النفي فلا أقل من إفادته الشبهة، وإذا حصلت الشبهة سقط الحد لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ادرؤوا الحدود بالشبهات»4.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 187 ـ 188 .
2 . راجع المحصول: 2 / 469 .
3 . راجع المحصول: 2 / 469 ; الإحكام: 4 / 259 .
4 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 74 برقم 5146 ; مستدرك الوسائل: 18 / 26 ح 3 و 4 ; عوالي اللآلي: 1 / 236 برقم 147 وج 2 / 349 برقم 4 .

صفحه 328
ثالثها: إذا كان الحدّ يسقط بتعارض البيّنتين مع ثبوته في أصل الشرع فليس يسقط بتعارض الخبرين في الجملة، ولم يتقدّم له ثبوت أولى.
رابعها: النهي من حيث هو نهي راجح على الأمر، لأنّ طلب الترك أشدّ، إذ القائل بالمرّة في الأمر قائل بالتكرار في النهي، ولقلّة تردّد النهي في محامله التي هي التحريم والكراهة وكثرة محامل الأمر الّتي هي الوجوب والندب والإباحة ; ولأنّ غالب النهي طلب دفع المفسدة وغالب الأمر تحصيل المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح.
خامسها: الأمر راجح على المبيح لانتفاء الضرر بمخالفة المبيح دون مخالفة الأمر. وقد يرجح المبيح باتّحاد مدلوله وتعدّد مدلول الأمر ; ولأنّ في العمل بالمبيح تأويل الأمر على بعض محامله، وفي العمل بالأمر تعطيل المبيح بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل.
سادسها: الخبر راجح على الأمر، لاتّحاد مدلول الخبر فيبعد عن الاضطراب ; ولأنّه أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه عند بعضهم ; ولأنّ في ترك العمل به محذور الكذب في خبر الشارع، وهو فوق المحذور اللازم من فوات مقصود الأمر، فكان الخبر أولى.
سابعها: المبيح مقدّم على النهي، كما تقدّم في الأمر مع المبيح وفيه ما تقدّم.
ثامنها: الخبر مقدّم على النهي كما في الأمر، وعلى المبيح .

صفحه 329
تاسعها: الخبر المشتمل على الزيادة أرجح لإمكان خفائها عن الآخر، كرواية من روى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كبّر في العيد سبعاً1 فإنّها مقدّمة على رواية من روى أربعاً.2
عاشرها: إذا اقتضي أحدهما الحظر والآخر الوجوب فالأوّل راجح، لأنّ غالب الحرمة دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتمّ. ولأنّ إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتمّ من إفضاء الوجوب إلى مقصوده، لأنّ مقصود الحرمة يتأتى بالترك، سواء كان مع قصد أو غفلة بخلاف فعل الواجب.
حادي عشر: المقتضي للتحريم راجح على المقتضي للكراهة للمساواة بينهما في طلب الترك وزيادة التحريم بما يدلّ على الذم عند الفعل ; ولأنّ المقصود منهما الترك لما يلزم من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة أولى بتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة; ولأنّ العمل بالمحرم لا يستلزم إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو طلب الترك، والعمل بالمقتضي للكراهة بما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة المحرم. ولا يخفى أنّ العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى .

1 . مسند أحمد: 1 / 73 و ج 6 / 65 ; سنن أبي داود: 1 / 256، باب التكبير في العيدين; سنن ابن ماجة: 1 / 407 ; سنن البيهقي: 3 / 285 ; الإحكام: 4 / 266 .
2 . سنن أبي داود: 1 / 256 برقم 1153 ; سنن البيهقي: 3 / 289 ; الإحكام: 4 / 266 .

صفحه 330
وفيه نظر، لأنّ دلالة مقتضي الكراهة ليس هو مطلق طلب الترك، بل الطلب غير المانع من النقيض.
ثاني عشر: معقول المعنى أرجح لسرعة القبول وسهولة الانقياد، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى، ولهذا كان شرع المعقول أغلب من شرع غيره حتى قيل انّ كلّ حكم فهو معقول المعنى حتى في ضرب الدية على العاقلة وغيره ممّا يظن أنّه غير معقول المعنى، ولاشتماله على فائدة التعدية مطلقاً عند قوم، وإلى عموم 1 الموافقة عندنا.
ثالث عشر: التكليفي وإن ترجّح باعتبار اشتماله على زيادة الثواب المنوط بالتكليف، إلاّ أنّ الوضعي راجح من حيث إنّه لا يتوقّف على ما يتوقّف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكّنه من الفعل.
رابع عشر: قيل الأخف أولى، لأنّ مبنى الشريعة على التخفيف، كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )2، (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)3.
وقيل: الأثقل أرجح، لأنّ القصد بالشرع مصالح المكلّفين وإنّما تحصل المصلحة التامّة بالأشقّ لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثوابك على قدر مشقتك»4، ولأنّ الغالب تأخّر الأثقل.

1 . «أ» و «ب»: مفهوم.
2 . البقرة: 185 .
3 . الحج: 78 .
4 . الإحكام: 4 / 273. ولم نجده في المصادر الحديثية.

صفحه 331
 
البحث الخامس: في التراجيح بالأُمور الخارجية
وهي من وجوه 1:
الأوّل: الترجيح بكثرة الأدلّة. وقد سبق.
الثاني: لو عمل بعض الفضلاء من الصحابة أو قال بخلافه والخبر ممّا لا يخفى عنه، قال بعضهم: يحمل على نسخه، أو أنّه لا أصل له. وإلاّ لما خالف، والحقّ أنّه ليس كذلك، نعم إذا عارضه خبر آخر لا يكون كذلك كان راجحاً عليه. وبه قال الشافعي.
الثالث: إذا عمل بأحد الخبرين أكثر السلف ممّن لا يجب تقليده، قال عيسى بن أبان: يجب ترجيحه لأنّ الأكثر يوفّق للصواب ما لا يوفّق له الأقل. وبه قال بعض علماء الإمامية .
وقال آخرون: لا يحصل به الترجيح، لأنّه لا يجب تقليدهم. والأوّل أنسب، لأنّ عدم وجوب التقليد لا يستلزم نفي الترجيح.
الرابع: خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى مرجوح، لأنّ كونه ممّا تعمّ به البلوى، وإن لم يوجب القدح فلا أقل من إفادة المرجوحية، ولأنّ فيه خلافاً بخلاف غيره.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 470 .

صفحه 332
 
تذنيب
ما يرجّح به الخبر قد يكون بعضه أقوى من بعض، فإذا استوى الخبران في كمية وجوه الترجيح وجب اعتبار الكيفية، فإن ترجح أحدهما فيها تعيّن العمل به، وإن تساويا تساقطا ورجع إلى غيرهما إن وجدا ووجب التخيير أو الوقف، وكذا إن تساويا في الكيفية وتفاوتا في الكمية وجب العمل بالأكثر كمية. وإن كان أحدهما أكثر كيفية وأقل كمية أو بالعكس وجب على المجتهد أن يقابل ما في أحد الجانبين من الرجحان بما في الجانب الآخر منه فإن رجح أحدهما تعيّن العمل به، وإلاّ فالحكم ما تقدّم من التساقط أوالتخيير أو الوقف، ويعتبر حال قوة الظن.

البحث السادس: في بقايا تراجيح الأخبار

وهي من وجوه:
الأوّل: ما يوافقه دليل أقوى أرجح ممّا يوافقه الأضعف، كما أنّ ما يوافقه دليل آخر أقوى ممّا لا يوافقه شيء البتّة.
الثاني: ما يوافق عمل علماء المدينة أو الأفضل أرجح، لأنّ أهل المدينة أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل.
الثالث: ما تأويله أقوى أرجح ممّا تأويله أضعف .
الرابع: العامّان إذا ورد أحدهما على سبب خاص وتعارضا بالنسبة إلى

صفحه 333
ذلك السبب، فالوارد عليه أقوى، لكونه أخصّ به ; ولأنّ محذور المخالفة فيه أشد من حيث اشتماله على تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإن تعارضا في غيره فالمطلق أولى، لأنّ عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم، وحصول الشك بتخصيص ما ورد على الواقعة بها نظر إلى بيان ما دعت الحاجة إليه وإلى أصالة مطابقة ماورد في معرض البيان لما نسب إليه الحاجة وللخلاف فيه.
الخامس: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الإخبار بالوجوب أو التحريم أو غيره كما في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)1، أو في معرض الشرط والجزاء كقوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا )2، والآخر وردت به المخاطبة شفاهاً كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ )3، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ )4، فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاهاً فخطاب المشافهة أولى، وإن كان بالنظر إلى غيره من وردت المخاطبة إليه شفاهاً كان الآخر أولى لما تقدّم من أولوية العام المطلق على الوارد على السبب. ولأنّ الشفاهي إنّما هو للحاضرين وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنّما هو بالنظر إلى دليل آخر إمّا من إجماع الأُمّة على عدم التفرقة، أو من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».

1 . المجادلة: 3 .
2 . آل عمران: 97 .
3 . البقرة: 178 و 183 .
4 . البقرة: 21 و 168، و....

صفحه 334
وفيه نظر، للتساوي من هذا الوجه، إذ التكليف منوط بالوجود الشفاهي.
السادس: ما وقع الخلاف في نسخه أو جاز تطرّق النسخ إليه أضعف من مقابله لقلّة تطرّق المنافي إليه.
السابع: العامّان إذا اتّفق على العمل بأحدهما في صورة من صور موارده وإن غلب على الظن زيادة اعتباره على مقابله إلاّ أنّ العمل بما لم يعمل به في صورة متّفق عليها أولى، لعدم إفضاء العمل به إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى ممّا يفضي إلى التعطيل، وما عمل به في صورة الوفاق وإن ترجح فيها على الآخر إلاّ أنّه يحتمل استناد الرجحان إلى أمر خارج لا وجود له في محل النزاع.
الثامن: أن يكون أحدهما قد قصد فيه بيان الحكم المختلف فيه بخلاف الآخر فهو أولى من الآخر، لأنّه أمسّ بالمقصود لقوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)1، فإنّه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأُختين في الوطء بملك اليمين، فيقدّم على قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(2) حيث لم يقصد به بيان الجمع.
التاسع: ما هو أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمّة أرجح، لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة.

1 . النساء: 23 .   2 . النساء: 3 .

صفحه 335
العاشر: ذاكر السبب في ورود ذلك النصّ أولى من غيره لشدّة اهتمامه بما رواه، وكذا المقترن بتفسير الراوي بفعله أو قوله فإنّه يكون راجحاً على ما ليس كذلك.
الحادي عشر: إذا كان الراوي من كبار الصحابة فروايته أرجح من رواية من هو من صغارهم، لأنّ الغالب قرب الأوّل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حالة السماع لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليليني منكم أُولو الأحلام والنهى».1 ولأنّ محافظته على منصبه يوجب التحرّز عن الكذب أكثر من الأصغر، وكذا متقدّم الإسلام أرجح رواية من متأخّره لزيادة أصالته في الإسلام وتحرّزه فيه.
الثاني عشر: من زكّاه الأكثر أو الأعدل أو الأفقه أرجح، وكذا مَن زُكّي بصريح المقال أرجح ممّن زُكّي بالرواية عنه أو بالعمل بروايته أو الحكم بشهادته عنه، ورواية مَن زُكّي بالحكم بشهادته أرجح من رواية مَن زُكّي بالرواية عنه.
الثالث عشر: المتواتر واجب العمل به دون الآحاد لو تعارضا.
والمعنعن أولى من الخبر الّذي طريقه مشهور مع عدم التنكير، ومن الّذي طريقه الإسناد إلى كتاب من كتب المحدّثين لبعده عن الغلط والتصحيف .

1 . صحيح مسلم: 2 / 30 ; مسند أحمد: 1 / 457 و ج 4 / 122 ; سنن الدارمي: 1 / 29 ; سنن ابن ماجة: 1 / 313 ; سنن أبي داود: 1 / 158 ; سنن الترمذي: 1 / 144 برقم 228 ; سنن النسائي: 2 / 87 و 90 .

صفحه 336
وما طريقه الشهرة أولى من المستند إلى كتاب من كتب المحدّثين.
والمستند إلى كتاب مشهور بالصحّة أولى من غيره .
والذي روايته بقراءة الشيخ عليه أولى من الّذي يقرأ هو على الشيخ، أو بخبره له، أو مناولته، أو يراه بخطّه.
والمناولة أولى من الإجازة، لأنّ المناولة غير كافية وهو أن يقول: «خذ هذا الكتاب» ما لم يقل: «وحدّث به عنّي فقد سمعته من فلان» وعلى هذا يكون إجازة وزيادة .
والإجازة راجحة على رواية الخط في الكتاب، لأنّ الخطوط ممّا يشتبه. وكذا لو قال الشيخ: «هذا خطّي» فالإجازة أولى، لأنّ دلالة لفظ الشيخ على الرواية عمّن روى عنه أظهر من دلالة خطّه عليها .
والخبر الّذي لم ينكره راوي الأصل أرجح من الّذي أنكره، والّذي أنكره راوي الأصل إنكار نسيان وتوقّف أرجح من الّذي أنكره الأصل إنكار تكذيب وجحود.

البحث السابع: في تراجيح الإجماعات

اعلم أنّ بعض الإجماعات قد يرجّح على بعض، وهو من وجوه 1:
الأوّل: الإجماع الّذي دخل فيه أهل العصر أرجح من الّذي دخل فيه

1 . راجع الإحكام: 4 / 266 ـ 268 .

صفحه 337
أهل الحل والعقد خاصة، لأنّه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف .
واعلم أنّ لنا في ترجيح بعض الإجماعات على البعض الآخر نظراً، وذلك أنّهما إن لم يتعارضا فلا ترجيح، وإن تعارضا لزم أن يكون أحد الإجماعين خطاء، وهو باطل بما تقدّم.
الثاني: الإجماع الّذي دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء الذين ليسوا أُصوليّين والأُصوليّين الذين ليسوا فقهاء وخرج عنه العوام راجح على العكس، لقربهم من المعرفة والإحاطة بأحكام الشرع واستنباطها من مداركها. وكذا ما دخل فيه الأُصولي الّذي ليس بفقيه ولم يدخل فيه الفقيه أرجح من العكس، لأنّ الأُصولي أعرف بمدارك الأحكام وكيفية تلقّيها من المنطوق والمفهوم والأمر والنهي وغير ذلك.
الثالث: ما دخل فيه المجتهد المبتدع الّذي ليس بكافر أولى ممّا لم يدخل فيه، لبعده عن الخلاف.
الرابع: إجماع الصحابة أولى من إجماع التابعين، وكذا إجماع التابعين أولى من إجماع تابعي التابعين، وهكذا.
الخامس: الإجماع الّذي انقرض عصره أولى، لاستقراره وبعده عن الخلاف.
السادس: الإجماع على إثبات القول الثالث أولى من انقسام الأُمّة إلى قسمين في أنّه إجماع على نفي الثالث، لبعده عن اللبس.

صفحه 338
السابع: الإجماع غير المسبوق بالخلاف راجح على المسبوق به.
الثامن: ما لم يرجع فيه بعض المجتهدين إلى دليل ظهر له عن موافقة الباقين أرجح ممّا قد رجع فيه البعض.

خاتمة

لمّا كان الكتاب العزيز متواتراً لم يقع فيه الترجيح بسبب النقل بل بسبب المتن، ولمّا تطرّق إليه النسخ وكان حكم المنسوخ مرتفعاً لم يقع بينه و بين الناسخ ترجيح، لوجوب العمل بالناسخ، فبقي الترجيح في الدلالة من حيث العموم والخصوص، فيقدّم الخاص على العام في مورده خاصّة جمعاً بين الأدلّة. ومن حيث المطلق والمقيد فيعمل بالمقيد ويحمل المطلق عليه، لأنّه أولى من جعل المقيد للندب .
وإذا تعارض الكتاب وخبر الواحد فإن كان الكتاب معلوم المتن كما هو معلوم النقل تعيّن العمل به، لأنّه معلوم وخبر الواحد مظنون فلا يعارضه. وإن كان مظنون الدلالة كالعام مع خبر الواحد الخاص، كان الجمع بينهما أولى بأن يخص العموم به، وقد سبق.

الباب الثاني: في تراجيح الأقيسة

قد بيّنّا فيما سلف أنّ القياس لا يجوز العمل به إلاّ إذا كانت العلّة منصوصة، خلافاً للأكثر، والتفريع هنا على قول الأكثر .

صفحه 339
واعلم أنّ الترجيح في الأقيسة إمّا أن يكون بحسب ماهية العلّة، أو بحسب ما يدلّ على وجودها، أو بحسب ما يدلّ على علّتها، أو بحسب ما يدلّ على ثبوت الحكم في الأصل، أو بحسب ماهية ذلك الحكم، أو بحسب محلّ ذلك الحكم، أو بحسب محالّ العلّة، أو بحسب أُمور خارجة. فهنا مباحث:

الأوّل: في التراجيح المعتبرة بحسب ماهيّة العلّة

اعلم أنّ العلّة إمّا أن تكون وصفاً حقيقياً، أو حكمة، أو حاجة، أو وصفاً عدمياً، أو إضافياً، أو تقديرياً، أو حكماً شرعياً. وعلى كلّ تقدير فإمّا أن تكون مفردة، أو مركبة من أمرين، أو أزيد. وقد تقدّم البحث في ذلك كلّه. واعتمد بعضهم في الترجيح على أمرين:
أحدهما: أن يكون أحدهما أشبه بالعلل العقلية فإنّه راجح على ضده، لأنّ العقل أصل للنقل، والفرع كلّما كان أشبه بالأصل كان أقوى.
ثانيهما: المتّفق عليه أولى من المختلف فيه، لأنّ المتّفق عليه تكون المقدّمة فيه يقينية، ولا شك في أنّ القياس الّذي يكون بعض مقدّماته يقينياً وبعضها ظنياً أقوى من الّذي يكون جميع مقدّماته ظنّياً، لأنّ الاحتمال في الأوّل أقل فيكون الطريق أقوى .
وفيه نظر، لأنّه إنّما يكون أقوى لو كانت النسبة بين الظنّين محفوظة، أمّا على تقدير زيادة ظن ما تكون مقدّماته ظنّية على ظنّ المقدّمة الظنّية من

صفحه 340
الآخر فلا يلزم ذلك، لجواز أن يكون في غلبة الظن هنا وفاء برجحان اليقين هناك وزيادة. إذا ثبت هذا فنقول الترجيح يقع من وجوه 1:
الأوّل: الوصف الحقيقي أولى في التعليل به من باقي الأوصاف، للإجماع عليه بين القائسين، والخلاف في البواقي.
الثاني: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف العدمي، لأنّ العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع ذلك الحكم إلاّ إذا حصل العلم باشتمال ذلك العدم على نوع مصلحة، وحينئذ يبقى الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنّما هو تلك المصلحة لا العدم، فيكون التعليل بها أولى من التعليل بالعدم.
لا يقال: يلزم ذلك في الوصف الثبوتي .
لأنّا نقول: قد كان الواجب ذلك، إلاّ أنّ الوصف الثبوتي لمّا كان أدخل في الضبط من الحاجة وأبعد من الاضطراب بخلاف المصلحة رجع إليه في التعليل دون المصلحة، وأمّا العدم المحض فإنّه غير منضبط ولا يتقيد إلاّ بالإضافة إلى الوجود، وإذا لم يكن منضبطاً لم يكن صالحاً للتعليل.
الثالث: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف الإضافي، لأنّ الإضافات ليست ثبوتية، بل هي أُمور عدمية، وقد سبق رجحان التعليل بالحكمة على التعليل بالعدمي.
الرابع: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف التقديري والحكم

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 471 ـ 473 .

صفحه 341
الشرعي، لأنّ التعليل بالحاجة تعليل بنفس المؤثر، وهذا يقتضي منع التعليل بغيره تُرِكَ العمل به في الوصف الثبوتي، للإجماع عليه ولاشتماله على الضبط ; ولأنّه أشبه بالعلل العقلية فيبقى في غيره على الأصل.
الخامس: لمّا كان العدمي أشبه بالأُمور الحقيقية من الحكم الشرعي، وكان الشرعي أشبه بالوجود من العدمي، احتمل أولوية كلّ منهما على صاحبه بهذين الاعتبارين.
السادس: الأقرب أولوية التعليل بالعدم على الصفات التقديرية، لأنّ المقدّر معدوم أعطى حكم الموجود، فكلّ محذور ثبت في المعدوم ثبت في المقدّر مع زيادة محذور آخر، وهو إعطاؤه حكم الوجود مع كونه عدمياً.
السابع: تعليل الحكم الوجودي بالعلّة الوجودية أولى من تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمّي، ومن تعليل الحكم العدمّي بالوصف الوجوديّ، ومن تعليل الحكم الوجوديّ بالوصف العدمّي، لأنّ كون العلّة والمعلول عدميّين يستدعي تقدير كونهما وجوديّين، إذ العلّيّة والمعلولية وصفان ثبوتيّان، فحملهما على المعدوم لا يمكن إلاّ إذا قُدِّر المعدوم موجوداً. وتعليل العدم بالعدم أولى من القسمين الباقيين، للمشابهة. وأمّا أنّ تعليل العدم بالوجود أولى من تعليل الوجود بالعدم، ففيه احتمال، ونمنع كون العلّية والمعلولية ثبوتيّين، وقد تقدّم.
الثامن: التعليل بالحكم الشرعي أولى من التعليل بالوصف المقدّر، لاشتماله على وفق الأصل بخلاف الثاني.

صفحه 342
التاسع: العلّة المفردة أولى من المركّبة، لقلّة الاحتمال في المفردة وكثرته في المركّبة. فإنّ المفرد لو وجد لوجد بتمامه، ولو عدم عدم بتمامه ; وأمّا المركّب إذا كان من قيدين يحتمل في جانب الوجود أُموراً ثلاثة: أن يوجد هذا الجزء بدلاً عن ذلك، وبالعكس، وأن يوجد المجموع. وكذا في طرف العدم والمركّب من قيود ثلاثة فيه احتمالات تسعة 1 في طرف الوجود وكذا في طرف العدم، ولا شك أنّ ما قلّ الاحتمال فيه أولى.

البحث الثاني: في الترجيح العائد إلى ما يدلّ على وجود ذات العلّة

العلم بوجود ذات العلّة إمّا أن يكون بديهياً، أو حسياً، أو استدلالياً. والاستدلالي إمّا أن يفيد علماً، أو ظناً. وعلى التقديرين فذلك الدليل إمّا أن يكون عقلياً محضاً، أو نقلياً محضاً، أو مركّباً منهما. أمّا إذا كان الطريق يفيد اليقين فإنّه لا يقبل الترجيح، سواء كان بديهياً أو حسيّاً أو استدلالياً يقينياً، وسواء كان عقلياً محضاً أو نقلياً محضاً أو مركباً، وسواء كثرت مقدّماته أو قلّت، خلافاً لأبي الحسين 2، لأنّ القطعيات لا تقبل الترجيح على ما سبق.
لا يقال: الضروري أولى من النظري، لأنّ الضروري لا يقبل الشك والشبهة والنظري يقبلهما .
لأنّا نقول: كلّ من البديهي والكسبي واجب الحصول، فالأوّل عقيب

1 . في المحصول: 2 / 473: سبعة.
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 474 .

صفحه 343
تصوّر طرفيه، والثاني عقيب حصول مقدّمتيه، وكما يزول النظري عند زوال بعض ما لابد في حصوله منها كذا الضروري يزول عند زوال أحد تصوراته الّتي يتوقّف عليها، فلابد في وجوب الجزم من حصول موجباته في البابين. نعم النظري يتوقّف على أُمور أكثر ممّا يتوقّف عليه الضروري، فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال الضروري. أمّا في جانب الوجود والعدم فلا فرق بينهما في وجوب الوجود وامتناع العدم عند حصول كلّ ما لابدّ منه. فإذن لا فرق بين الضروري والنظري .
وفيه نظر، إذ الحكم ترجيح العلّة المفردة في القياس على المركبة باعتبار قلّة شرط وجود الأُولى، وكثرة شرط الثانية تناقض عدم الترجيح هنا.
أمّا إذا كان الطريق الدالّ على وجود العلّة ظنياً، فقد أطلق بعضهم القول فيه بقوة القياس المشتمل على مقدّمات أقل النتيجة لذلك الظن على ما اشتمل على مقدّمات أكثر، لأنّ قلّة المقدّمات يستلزم قلّة احتمال الغلط، وقلّة احتمال الغلط يستلزم قوة ظن الصواب وهذا على عمومه ليس بحق، لقبول الظن الشدة والضعف، فإذا كان ذو المقدّمات القليلة مشتملاً على ظن ضعيف في كلّ مقدماته، وكان ذو المقدّمات الكثيرة مشتملاً على ظن قوي في كلّ مقدّماته، حصل التعادل أو الترجيح للثاني على الأوّل، إذ أحدهما أزيد في الكيفية والآخر في الكمية .
إذا ثبت هذا فالدليل الظنّي الدال على وجود العلّة إمّا أن يكون نصاً، أو إجماعاً، أو قياساً .

صفحه 344
والقياس الكلام فيه كما في الأوّل ولا يتسلسل، بل ينتهي إلى النصّ أو الإجماع .
وأمّا النصّ فقد تقدّم طريق الترجيح فيه .
وأمّا الإجماع فإن كانا قطعيّين أوأحدهما لم يقبل الترجيح، لاستحالة تعارض الأدلة القطعية، ووجوب العمل بالمعلوم دون المظنون. وأمّا إن كانا ظنيّين فإنّه يقع على وجهين 1:
الأوّل: أن يكون أحدهما من الإجماعات المختلف فيها عند المجتهدين، كالإجماع الحادث عن قول بعض وسكوت الباقين.
الثاني: الإجماع المنقول بالآحاد. فهذان في محلّ الترجيح. وأمّا ما يقال من أنّ أحدهما متّفق عليه والآخر مختلف فيه، فإن أُريد به عدم الاختلاف في أحدهما ووقوعه في الآخر فليس من الترجيح، لأنّ تقديم المعلوم على المظنون قطعي. وإن عُني قلّة الاختلاف في أحدهما وكثرته في الآخر، منعنا وجوب الترجيح به .
وفيه نظر، لأنّ الاختلاف مظنّة الخطاء، فكلّما كان أقلّ كان احتمال الخطأ فيه أقل، فحصل به الرجحان .
في الترجيح العائد إلى دلائل طريق العلّيّة في الأصل   
واعلم أنّ وجود العلّة إذا كان معلوماً في أحد القياسين كان راجحاً على الآخر، لأنّ الّذي بعض مقدّماته معلوم راجح على ما كانت مقدّماته كلّها ظنّية.

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 475 .

صفحه 345
 
البحث الثالث: في الترجيح العائد إلى دلائل طريق العلّيّة
في الأصل
قد عرفت فيما تقدّم أنّ الطريق الدالّ على علّية الوصف في الأصل قد يكون نقلياً، وقد يكون عقلياً. والنقلي إمّا نص، أو إيماء .
والنصّ قد لا يحتمل سوى العلّيّة، مثل: لعلّه كذا، وبسبب كذا، ولموجب كذا وهو مقدّم على جميع الطرق، لعدم الاحتمال فيه ووجوده في غيرها .
وأمّا الّذي يحتمل غير العلّيّة لكنّه ظاهر فيها فألفاظه ثلاثة: اللام، وإنّ، والباء .
واللاّم مقدّم عليهما، لظهوره في التعليل، ولفظة «إنّ» قد ترد للتأكيد المحض. و «الباء» للإلصاق، مثل: «كتبت بالقلم». وقد يفيد كونه محكوماً به، نحو أنا أقضي بالظاهر .
وفيه نظر، فإنّ الإلصاق التقديري هنا ثابت، وهو أولى من جعله مشتركاً.
وإذا لم تأت «لا» للآلة ولا لكونه محكوماً به، فإنّها مرادفة للام لعدم الفرق بين قتله بجنايته ولجنايته، وفي أولوية تقديم «الباء» على «أنّ» وبالعكس احتمال. وأمّا الإيماءات فتشتمل على مسائل:

صفحه 346
الأُولى: قد عرفت أنّ دلالة الإيماء على علّيّة الوصف في الأصل
لا تتوقّف على كونه مناسباً، لكنّ المناسب راجح على ما لا يكون
كذلك.
الثانية: إيماء الدلالة اليقينيّة راجح على إيماء الدلالة الظّنية، إذ قد ثبت أولوية ما بعض مقدّماته قطعية ممّا يكون جميع مقدّماته ظنّية. وأمّا إذا ثبت عليه الوصفين بإيماء خبر الواحد، فالترجيح بينهما باعتبار تراجيح الأخبار الظنّية. وقد تقدّم.
الثالثة: ما ظهرت علّيّته بالإيماء راجح على ما ظهرت علّيّته بغيره
من الوجوه العقلية، كالمناسبة والدوران. ويشكل بأنّ الإيماء لمّا لم يوجد
فيه لفظ يدلّ على العلّيّة فلابد وأن يكون الدالّ على علّيّته شيئاً آخر
سوى اللفظ، ولمّا بحثنا لم نجد شيئاً يدل على العلّيّة سوى المناسبة والدوران والسبر على ما تقدّم في باب الإيماءات. وإذا ثبت أنّ الإيماء إنّما يدلّ بواسطة أحد هذه الطرق، ولا شك في أولوية الأصل على الفرع لوجود مفاسد الأصل في الفروع دون العكس. وكان كلّ واحد من الثلاثة أقوى من الإيماءات.
الرابعة: أقسام الإيماءات خمسة كما تقدّم، ويندرج تحت كلّ واحد منها أُمور كثيرة، ولا يمكن الاستقصاء في هذا الباب إلاّ بعد الكلام في تفاصيل كلّ واحد منها ونسبته إلى صاحبه، ثمّ يتكلّم في كلّ واحد من جزئيات تلك الأقسام مع مشاركته في جنسه وما هو خارج عنه، لإمكان أن

صفحه 347
يكون أحد الجنسين أقوى من الآخر، ويكون بعض أنواع الضعيف أقوى من بعض أنواع القوي، ولمّا كثرت تركناها للاختصار .
وأمّا الطرق العقلية فقد ذكر منها ستة: المناسب، والمؤثر، والشبه، والدوران، والسبر، والطرد. فهنا مسائل 1:
الأُولى: المناسبة أقوى من الدوران، خلافاً لقوم حيث قالوا العلّة المطردة المنعكسة أقوى ممّا لا تكون كذلك .
لنا: أنّ المناسبة علّة لكون الوصف علّة، فهي علّة العلّة، وليس تأثير الوصف لاطّراده مع الحكم وجوداً وعدماً، لأنّ الدوران ليس من لوازم العلّة، فإنّها قد تكون أخصّ فتنفك عن الدوران. والدوران قد ينفك عن العلّة وقد سبق ذكر أمثلته. فإذن الاستدلال بالمناسبة أقوى.
احتجّوا بوجهين:
أ. العلّة المطّردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فتكون أرجح، لما تقدّم من رجحان المشبهة للعقلية دون غيرها.
ب. الإجماع على صحّة المطّرد المنعكس. وقد أنكر بعضهم عليه ما لا يكون منعكساً.
والجواب عن أ. نمنع وجوب العكس في العلل العقلية .
سلّمنا، لكن لا نسلّم أولوية الأشبه بالعلل العقلية.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 478 ـ 480 .

صفحه 348
وعن ب. أنّ ذلك يقتضي ترجيح المناسب المطّرد المنعكس على الّذي لا يكون مطّرداً أو منعكساً ولا نزاع فيه. ولا يقتضي ترجيح الدوران المنفك عن المناسبة على المناسب المنفك عن الدوران، فإنّه إذا وجد الدوران بدون المناسبة فقد لا تحصل العلّة، كرائحة الخمر مع حرمتها.
الثانية: المناسب أقوى من التأثير، إذ معنى التأثير ليس إلاّ أنّه قد عرف تأثير هذا الوصف في نوع هذا الحكم وفي جنسه، وكون الشيء مؤثّراً في شيء لا يقتضي كونه مؤثراً فيما يشاركه في جنسه. وأمّا المناسبة فهي الموجبة لكون الوصف مؤثراً في الحكم فكان الاستدلال على العلّيّة بالمناسبة أقوى من التأثير.
الثالثة: السبر إن كان قطعياً في جميع مقدّماته تعيّن العمل به، وليس ترجيحاً. وإن كان مظنوناً في الجميع بأن يظن تعليل الحكم، ويظن انحصار العلّة في هذين الوصفين، ويظن انتفاء العلّيّة عن أحدهما فيحصل ظن ثبوتها للآخر، فالمناسبة أولى، لأنّ الدليل الدال على المقدّمات الثلاث ليس النصّ، وإلاّ كانت يقينية وقد فرضت ظنّية. هذا خلف .
وإن كان إيماءً فقد عرفت أنّه مرجوح بالنسبة إلى المناسبة.
وإن كان بعض الطرق العقلية فالمناسبة أولى، لاستقلال المناسبة بانتاج العلّيّة، والسبر لا ينتجها إلاّ بعد مقدّمات كثيرة. فالمثبت لتلك المقدّمات إن كان المناسبة كانت المناسبة أولى من السبر، للاكتفاء بالمناسبة الواحدة في ثبوت الحكم، والافتقار في السبر إلى ثلاث مقدّمات. وإن كان غيرها

صفحه 349
فالمناسبة أولى، لأنّها علّة لعلّيّة العلّة، وغير المناسبة ليس كذلك .
وإن كان مظنوناً في بعض المقدّمات معلوماً في البعض جاء 1الترجيح في تلك المقدّمات المظنونة.
الرابعة: المناسبة أقوى من الشبه والطرد، وهو ظاهر .
هذا فيما يرجع إلى الطرق الستّة العقلية بحسب الجنس، أمّا ترجيح الأنواع فاعلم أنّ ترجيح بعض المناسبات على البعض إمّا أن يكون بأُمور عائدة إلى ماهياتها، أو بأُمور خارجة عنها .
أمّا الأوّل فتقريره: أنّ كون الوصف مناسباً إمّا لمصلحة ترجع إلى الدنيا، أو إلى الدين .
والأوّل إمّا أن يكون في محلّ الضرورة، أو الحاجة، أو الزينة. ولا شك في رجحان المناسبة الضرورية على الحاجة، والحاجة على الزينة. والضرورية خمسة وأولاها ما يتعلّق بحفظ أصل الدين نظراً إلى ثمرته من حصول السعادة الأبدية .
اعترض2 بأنّ ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، لأنّ مقصود الدين حقّ الله تعالى وغيره حقّ الآدمي، وهو مرجّح على حقّه تعالى، لأنّ حقّ الآدمي مبني على الشح والمضايقة، وحقوقه تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، فإنّه تعالى لا يتضرّر بفوات حقّه بخلاف الآدمي، وما

1 . في المحصول: 2 / 480: عاد .
2 . ذكره الآمدي وأجاب عنه في الإحكام: 4 / 287 .

صفحه 350
يتضرّر بفوات حقّه أولى بالمحافظة من حقّ لا يتضرّر مستحقّه بفواته، ولهذا لوكفر وقتل فإنّا نقتله قصاصاً لا بكفره .
ورجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين في المسافر حيث
أسقط عنه ركعتان، وأداء الصوم في رمضان، وأسقط عن المريض الصوم والقيام في الصّلاة، ورجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في إنجاء الغريق، بل رجّحنا مصلحة المال على الدين حيث سوّغنا ترك الجمعة والجماعة لحفظ قليل من المال، ورجّحنا مصالح المسلمين المتعلّقة ببقاء الذمّي بين أظهرهم على مصلحة الدّين حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح.
وأُجيب بأنّ النفس وإن كانت متعلّق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي متعلّق حقّ الله تعالى بالنظر إلى أحكام أُخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنّما هو لمتعلّق الحقّين، ولا امتناع في تقديم حقّ الله تعالى وحقّ الآدمي على حقّه تعالى.
كيف وأنّ مقصود الدين متحقّق بأصل شرعية القتل وقد تحقّق، والقتل بالفعل انما هو لتحقّق الوعيد به، والمقصود بالقصاص إنّما هو التشفّي والانتقام، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقّين أولى من تضييع أحدهما.
كيف وأنّ تقديم حقّ الآدمي هنا لا يفضي إلى تفويت حقّ الله تعالى فيما يتعلّق بالعقوبة البدنية مطلقاً، لبقاء العقوبة الأُخروية ; وتقديم حقّ الله

صفحه 351
تعالى ممّا يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقاً، فكان لذلك أولى .
وتخفيف المسافر والمريض ليس تقديماً لمقصود النفس على مقصود أصل الدين، بل على فروعه، وفروع الشيء ليست كأصله، على أنّ مشقّة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقّة الأربع في الحضر، وكذا صلاة المريض قاعداً بالنسبة إليه قائماً صحيحاً .
وأداء الصوم لا يفوت مطلقاً، بل إلى خلف هو القضاء .
وكذا إنقاذ الغريق، وترك الجمعة والجماعة، وبقاء الذمّي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال لا لمصلحة المسلمين، بل لاطّلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين ليسهل انجذابه ويتيسّر استرشاده، وذلك مصلحة دينية .
وكما أنّ مقصود الدين مقدّم على غيره من مقاصد الضرورة، فكذا ما يتعلّق به مقصود النفس فيكون مقدّماً على غيره من باقي المقاصد الضرورية.
أمّا بالنسبة إلى حفظ النسب، فلأنّ حفظ النسب إنّما قصد لأجل حفظ الولد فلا يبقى ضائعاً لا كافل له فلا يطلب لعينه، بل لأدائه إلى بقاء النفس .
وأمّا بالنسبة إلى المال فكذلك، لأنّ بقاءه ليس مطلوباً لذاته، بل لأجل بقاء النفس مترفّهة منعّمة حتى يأتي بوظائف التكليف وفروض العبادات.

صفحه 352
وأمّا بالنسبة إلى حفظ العقل، فلأنّ النفس أصل والعقل تبع، والمحافظة على الأصل أولى، وكذا حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل، والمال لكونه عائداً إلى حفظ النفس، وما يفضي إلى حفظ العقل مقدّم على ما يفضي إلى حفظ المال، لكونه محلاّ للأمانة ومناط التكليف والمقصود بالخطاب للعباد بنفسه من غير واسطة بخلاف المال.
واعلم أنّ الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسباً لنوع الحكم، وقد يناسب جنسه نوع الحكم، وقد يناسب نوعه جنس الحكم، وقد يناسب جنسه جنس الحكم. وقد عرفت ذلك فيما تقدّم ومعلوم تقدّم الأوّل على الثلاثة الأخيرة، والثاني والثالث كالمتعارضين، ولا شك في تقدّمهما على الرابع .
ثمّ الجنس إمّا قريب أو بعيد، والمناسبة المتولّدة من القريب متقدّمة على المتولّدة من البعيد .
ثمّ المناسبة في كلّ واحدة من هذه قد تكون جلية، وهي الّتي يلتفت الذهن إليها في أوّل سماع الحكم، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقضي القاضي وهو غضبان».1 فإنّ الذهن يلتفت عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنّما منع من الحكم، لكونه مانعاً من استيفاء الفكرة.

1 . صحيح البخاري: 8 / 108، باب هل يقضي الحاكم وهوغضبان; سنن ابن ماجة: 2 / 776، باب لا يحكم وهو غضبان; سنن أبي داود: 2 / 161 ; سنن الترمذي: 2 / 396; من لا يحضره الفقيه: 3 / 11 برقم 3234; تهذيب الأحكام: 6 / 226 برقم 542 .

صفحه 353
وقد تكون خفية، وهي ما لا تكون كذلك. ولا شك في تقدّم الجلي على الخفي .
وأمّا الثاني: وهو ترجيح بعض المناسبات على بعض بأُمور خارجة، فهو على وجوه 1:
الأوّل: المناسبة المعتضدة بسائر الطرق من الإيماء والدوران والسبر راجحة على ما لا تكون كذلك، ويرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلّة.
الثاني: المناسبة الخالية عن المعارض راجحة على ما لا تكون كذلك، فإنّ المناسبة وإن لم تبطل بالمعارضة لكنّها مرجوحة بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك.
الثالث: المناسب من وجهين راجح على المناسب من وجه واحد، وكذا ما زاد على الاثنين بالنسبة إلى الاثنين، وهكذا .
أمّا الدوران فإنّ الحاصل في صورة واحدة راجح على الحاصل في صورتين، لقلّة احتمال الخطأ في الأوّل دون الثاني، فإنّ العصير لمّا لم يكن مسكراً فلم يكن محرّماً، فإذا كان مسكراً صار محرماً، فإذا زالت صفة الإسكار زالت الحرمة، فهاهنا يعلم أنّ شيئاً من الصفات الباقية في الأحوال الثلاثة لا يصلح لعلّيّة هذا الحكم، وإلاّ وجدت العلّة بدون الحكم، وهو خلاف الأصل (2).

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 481 .   2 . في «أ»: الصواب.

صفحه 354
وأمّا الدوران في الصورتين فهو كقول الحنفي في مسألة الحلي: «كونه ذهباً موجب للزكاة، لأنّ التبر لمّا كان ذهباً وجب الزكاة فيه، والثياب لمّا لم تكن ذهباً لم تجب الزكاة فيها». وهنا لا يمكن القدح في علّيّة الصفات الباقية بمثل ما ذكرناه في الصورة الأُولى. فيثبت أنّ احتمال المعارض في الصورة الأُولى أقلّ، فكان الظنّ فيها أقوى .
وأمّا الشبه فقد يكون شبهاً في الحكم الشرعي، وقد يكون شبهاً في الصفة واختلفوا في الراجح. والظاهر أنّ الشبه في الصفة أولى، لأنّها بالعلل العقلية أشبه.
   

البحث الرابع: في التراجيح العائدة إلى دليل الحكم

في الأصل دليل الحكم الشرعي يكون شرعياً، فإمّا أن يكون في القياسين المتعارضين قطعياً، أو ظنياً، أو بالتفريق. فإن كان قطعياً استحال الترجيح في ذلك، لما تقدّم. وإن كان ظنّياً فإمّا أن يكون الدليل الدالّ عليه لفظياً، أو إجماعاً، أو قياساً .
فإن كان إجماعاً فقد ذهبوا إلى أنّ القياس الّذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع أقوى من الّذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية، لقبولها التخصيص والتأويل بخلاف الإجماع، ويشكل بأنّا أثبتنا الإجماع بالدلائل القطعية، فالفرع لا يكون أقوى حالاً من الأصل .
وفيه نظر، فإنّ الإجماع قد ثبت كونه حجّة، وقد دلّت الأدلّة عليه فلا يقبل المعارضة .

صفحه 355
واعلم أنّا قد بيّنا أنّ حكم الأصل لا يجوز أن يثبت بالقياس، خلافاً لقوم حيث جوزوه لكنّهم اتّفقوا على أنّ القياس الثابت حكمه بالنص راجح على ماثبت حكم أصله بالقياس، لأنّ ذلك الحكم لا يتفرّع على قياس آخر إلى غير النهاية، بل لابدّ من الانتهاء إلى ما ثبت حكم أصله بالنصّ، فالنصّ أصل للقياس والأصل راجح على الفرع .
وفيه نظر، فإنّا قد بيّنّا أنّ بعض الجزئيات الضعيف قد يقوى على بعض الجزئيات القوي إذا تقاربت الأنواع فيها بالشدّة والضعف .
إذا عرفت هذا فالأدلّة اللفظية إن كانت متواترة، لم يمكن ترجيح بعضها على بعض إلاّ بما يرجع إلى المتن .
وإن كانت آحاداً، أمكن الترجيح بما يتعلّق بالمتن والإسناد. وقد تقدّمت .
وإذا كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى كان القياس أرجح فإن كان ثبوت حكم الأصل في أحد القياسين مقطوعاً به وفي الآخر مظنوناً، كان الأوّل أرجح .
وفيه نظر، فإنّ حكم الأصل مقدّمة ولا يلزم من الترجيح في مقدّمة الترجيح المطلق، إلاّ مع التساوي في باقي المقدّمات في القوة والضعف، أو تكون مقدّمات الأقوى أقوى .
وإذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواتر كان راجحاً على

صفحه 356
ما ثبت بإيماء خبر واحد بشرط التعادل في الإيمائين، ولو ثبت حكم الأصلين بخبر الواحد، كان المشتمل على الحقيقة راجحاً على المشتمل على المجاز.

البحث الخامس: في ترجيح الحاصل بسبب كيفية الحكم

وهو يقع على وجوه 1:
الأوّل: القياس الموجب للحكم الشرعي راجح على الموجب للعقلي، لأنّ القياس دليل شرعي، ولأنّ تقدير تقديم العلّة المثبتة للحكم الشرعي [ على ] المثبتة للعقلي يستلزم النسخ مرتين، وتقديم العقلي يستلزمه
مرة.
لا يقال: كيف يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علّة شرعية؟
لأنّا نقول: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع، فنستخرج العلّة
الّتي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع. أمّا لو كان أحد الحكمين نفياً والآخر إثباتاً وكانا شرعيّين فقال قوم إنّهما يتساويان، وقد سلف وجوب كون أحدهما عقلياً.
الثاني: الترجيح بكون الحكم في أحد الفرعين تحريماً ; فإن كان شرعياً كان راجحاً على الإباحة، لأنّه شرعي، ولأنّ الاحتياط يقتضيه. وإن كان عقلياً اجتمع فيه جهتان: راجحية التحريم ومرجوحية العقلي، فيرجع إلى

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 483 .

صفحه 357
غيرهما، ولابدّ في الحظر والإباحة من كون أحدهما عقلياً.
الثالث: أن يكون حكم أحد العلّتين العتق والأُخرى الرق، فمثبت العتق أولى لموافقة الأصل، ولأنّ فيه مزيد قوة.
الرابع: المسقط للحدّ أولى من مثبته، لأنّ ثبوته على خلاف الأصل .
لا يقال: مثبت العقوبة يثبت حكماً شرعياً والدارئ يثبت حكماً عقلياً، ومثبت الشرعي أولى .
لأنّا نقول: الشرع إذا ورد بالسقوط صار السقوط شرعياً، ولهذا يمتنع نسخه إلاّ بما ينسخ به الحكم الشرعي.
الخامس: المشتمل على زيادة حكم إحدى العلّتين راجح على الآخر، فمثبت الندب راجح على مثبت الإباحة، لأنّ فيه إباحة وزيادة.
السادس: مثبت الطلاق راجح على نافيه لقوة الطلاق .
السابع: القياس على الحكم الوارد على وفق قياس الأُصول أولى من القياس الوارد بخلافها، للاتّفاق على الأوّل والخلاف في الثاني، ولخلو الأوّل عن المعارض بخلاف الثاني.
الثامن: القياس على أصل أجمعوا على تعليل حكمه أولى من غيره، لأنّ إحدى مقدّمتيه قطعية، وهو تعليل حكم الأصل.
التاسع: الترجيح بشهادة الأُصول للحكم تارة أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتاً في الأُصول، وتارة دلالة الكتاب والسنّة والإجماع على ذلك

صفحه 358
الحكم. وهذه إن كانت صريحة فهي الأصل في إثبات الحكم، فلا يجوز الترجيح بها ; وإن اشتملت على احتمال شديد، جاز ترجيح القياس بها.
العاشر: الترجيح يحصل بقول الصحابي، لأنّه أعرف بمقاصد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). وكذا إذا عضَّدت العلّة علّة أُخرى، كما ترجّح أخبار الآحاد بكثرة بعضها على بعض.
الحادي عشر: إذا استلزم ثبوت حكم الفرع تخصيص عموم أو ترك ظاهر أو ترجيح مجاز على حقيقة، فهو مرجوح بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك. وفرق بين هذا الترجيح وبين ما ذكرناه من شهادة الأُصول، لأنّ الحكم الشرعي قد يكون بحيث يوجد في الشرع أُصول تشهد بصحّته وأُصول أُخر تشهد ببطلانه، فالقوة الحاصلة بسبب وجود الأُصول الّتي تشهد بصحّته غير القوة الحاصلة بسبب عدم ما يشهد ببطلانه. ومن هذا الباب كون الحكم لازماً للعلّة في كلّ الصور، فإنّ مَن يجوّز تخصيص العلّة يسلّم أنّ العلّة المطّردة أولى من المخصوصة.

البحث السادس: في الترجيح الحاصل بسبب محلّ العلّة

محلّ العلّة إمّا الأصل، أو الفرع، أو مجموعهما .
أمّا الأصل فبأن تشهد للعلّة الواحدة أُصول كثيرة، فإنّه راجح على خلافه، فإنّ شهادة الأصل دليل اعتبار العلّة، وكلّ شهادة دليل مستقل بالترجيح، فالشهادات الكثيرة ترجيح بكثرة الدلائل .

صفحه 359
وأمّا الفرع وفيه صور 1:
الأُولى: المتعدِّية أولى من القاصرة عند الأكثر، خلافاً لبعض الشافعية، لكثرة فائدة المتعدية، وللاتّفاق عليها بخلاف القاصرة، والأخذ بالمتّفق أولى.
احتجّوا بأنّ التعدية فرع الصحّة، والفرع لا يقوّي الأصل .
والجواب أنّه وإن لم يقو الأصل، لكنّه قد يدلّ على قوّته.
الثانية: ما كثرت فروعها من العلل أرجح من الأقل خلافاً لبعضهم، لأنّ كثرة الفروع يستلزم كثرة الفائدة، فكانت أولى .
لا يقال: إنّما يكون أولى لو كثرت فوائدها الشرعية، وكثرة فروعها ترجع إلى كثرة ماخلق الله تعالى من ذلك النوع، وليس ذلك بأمر شرعي.
لأنّا نقول: كثرة وجود الفرع ليس بأمر شرعي، لكنّ الفروع لمّا كثرت لزم من جعل هذا الوصف علّة كثرة الأحكام، فكان أولى.
احتجّوا بوجوه:
الأوّل: لو كان أعمّ العلّتين أرجح من أخصِّهما، لكان العمل بأعمّ الخطابين أولى من أخصِّهما.
الثاني: التعدية فرع صحّة العلّة في الأصل، فلو توقّفت صحّتها على التعدية، دار.

1 . راجع المحصول: 2 / 486 ـ 487 .

صفحه 360
الثالث: كثرة الفروع ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع، وليس [ ذلك ] بأمر شرعي، بخلاف كثرة الأُصول .
والجواب عن الأوّل. إنّما لم يترجّح أعمّ الخطابين لاستلزامه طرح أخصّهما، بخلاف العمل بأخصّهما. أمّا العلّة فإذا انتهى الأمر إلى الترجيح، وترجيح إحداهما يوجب طرح الأُخرى، فكان طرح ما تقلّ فائدته أولى.
وعن الثاني والثالث. ما تقدّم.
[ الصورة ] الثالثة : العلّة المثبتة للحكم في كلّ الفروع راجحة على المثبتة في بعضها، لأنّ الدال على الحكم في كلّ الفروع يجري مجرى الأدلّة الكثيرة، لأنّ العلّة تعود على كلّ منهما، ولأنّ دلالته على ثبوت الحكم في كلّ واحد من تلك الفروع يقتضي ثبوته في البواقي، إذ لا قائل بالفرق، فهذه العلّة العامة قائمة مقام الأدلّة الكثيرة. وأمّا العلّة الخاصّة بالصورة الواحدة فهي دليل واحد فقط، فكان الأوّل أولى .
وفيه نظر، فإنّ الترجيح بكثرة الأدلة إنّما هو مع اتحاد المحل، نعم وجه الترجيح هنا كثرة الفائدة .
وأمّا الراجع إلى الأصل والفرع معاً فهو أن تكون العلّة يُردّ بها الفرع إلى ما هو من جنسه والأُخرى يُردّ بها الفرع إلى خلاف جنسه، كقياس الحنفي الحُلي على التبر أولى من قياسه على سائر الأموال، لأنّ الاتّحاد من حيث الجنسية ثابت بينهما.

صفحه 361
 
البحث السّابع: في بقايا ترجيحات الأقيسة
وهو من وجوه 1:
الأوّل: القياس المتّفق على أنّ حكم أصله غير منسوخ أرجح من المختلف فيه.
الثاني: حكم الأصل إذا لم يعدل به عن سنن القياس راجح على المعدول عن سننه لقربه من المعقول وموافقة الدليل.
الثالث: ما قام دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه أرجح ممّا لم يقم عليه [ دليل ] خاص.
الرابع: الحكم القطعي في أحد الأصلين لكّنه معدول به عن سنن القياس مرجوح بالنسبة إلى القياس الظنّي حكم أصله الموافق لسنن القياس.2
الخامس: حكم الأصل الظنّي المتّفق على تعليله أرجح من حكم الأصل القطعي المختلف في تعليله، لأنّ التعدية إلى الفرع فرع تعقّل العلّة في الأصل وتحقّق وجودها في الفرع، واحتمال معرفة ذلك في المتّفق عليه

1 . راجع الإحكام: 4 / 279 .
2 . العبارة في الإحكام: 4 / 280 كما يلي: أن يكون حكم أحد الأصلين قطعياً لكنّه معدول به عن سنن القياس، والآخر ظني لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس أولى لكونه موافقاً للدليل وأبعد عن التعبد.

صفحه 362
أغلب ; واحتمال الخلل بالنظر إلى الحكم الظنّي وإن كان قائماً ومأموناً في جانب الحكم، إلاّ أنّ احتمال قطع القياس فيما لم يتّفق على تعليله لعدم الاطّلاع على ما هو المقصود من حكم الأصل أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل يلتحق بالظاهر الدال على حكم الأصل مع ظهور دليله وعدم الاطّلاع عليه بعد البحث التام .
وكذا إن كان دليل ثبوت حكم الأصل أحدهما راجحاً على دليل الآخر، إلاّ أنّه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه بخلاف الآخر، فما ظهر الترجيح في دليله أولى.
السادس: إذا كان حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامّة، لأنّه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه بخلاف الآخر، فما هو على وفق القاعدة العامة أولى، لأنّ العمل به عمل بأغلب ما يرد به الشرع، والعمل بمقابله بالعكس ; ولأنّ أكثر من قال باشتراط كون الحكم في الأصل غير معدول به عن القاعدة العامّة، خالف في اشتراط قيام الدليل في وجوب تعليل الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ.
السابع: إذا كان نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعاً به وفي الآخر مظنوناً، فالأوّل أولى لقوّة الظن فيه.

صفحه 363
 
البحث الثامن: في الترجيح بين المنقول والمعقول
المنقول إن كان خاصّاً دالاًّ بمنطوقه، فهو أولى بالنسبة إلى الرأي، لكونه أصلاً له، وقلّة تطرق الخلل إليه. وإن دلّ بمفهومه، فمنه ما هوضعيف جدّاً، ومنه ما هو قوي جدّاً، وبين المرتبتين مراتب كثيرة. وحينئذ يحصل الترجيح بحسب ما يقع للمجتهد في نظره من قوة الدلالة وضعفها، وذلك غير منضبط، إذ لا حاصر له يمكن الإشارة إليه .
وإن كان عامّاً فقيل: إنّه يقدّم على القياس، وقيل: بالتوقّف، وقيل: بتقديم القياس، وقيل: بتقديم الجليّ دون الخفيّ، وقيل: بتقديم القياس فيما دخله التخصيص دون ما لم يدخله. وقد تقدّم البحث في ذلك .1
واعلم أنّ الترجيح كما يعرض في التصديقات كذا يعرض في الحدود المفيدة للتصوّرات. فإن كان الحد سمعياً فالمشتمل على ألفاظ صريحة (ناصة دالّة على المعنى)2 من غير تجوّز ولا استعارة أولى من مقابله.
وكذا الحال [ لا ] عن اشتراك وغرابة واضطراب أولى من مقابله، وما يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر أولى، لأنّه أفضى إلى التعريف .
والتعريف بالأُمور الذاتية والآخر بالأُمور العرضية، فالمعرف بالأُمور

1 . راجع الإحكام: 4 / 293 .
2 . في الإحكام: 4 / 295 ; ناجمة على الغرض المطلوب.

صفحه 364
الذاتية أولى، لأنّه يشارك المعرف بالأُمور العرضية في التمييز ويزيد إفادة تصوّر الحقيقة كما هي .
وقيل: أعمّ الحدين أولى من أخصّهما، لتناوله محدود الآخر .
وقيل: الأخص أولى، لأنّ مدلوله متّفق عليه ومدلول الآخر من الزيادة مختلف فيه، وهو عن التحقيق بمعزل.
والمشتمل على جميع الذاتيات أولى من المشتمل على بعضها.
والموافق للنقل السمعي رجح على خلافه .
وما طريق اكتساب أحدهما أرجح أولى .
والموافق للوضع اللغوي أو الأقرب إلى موافقته أولى .
ومقرر الحظر ومقرر الإثبات أولى .
والمستلزم لتقرير حكم معقول أولى .
وقد يحصل في باب التصديقات والتصوّرات ترجيحات كثيرة وتركب من الأنواع ترجيحات أُخر، ولا يخفى تحصيل ذلك لمن له أدنى فطانة .
***
قال المصنف (رحمه الله): وليكن هذا آخر ما نورده في هذا الكتاب، ونسأل الله تعالى أن يجعل ما أثبتناه فيه حجّة لنا لا علينا، وأن يجعل سعينا فيه خالصاً

صفحه 365
لوجهه، ويجازينا عليه بأحسن الجزاء، ويجعله زاداً لنا يوم اللقاء، ويوفق كلّ مستعد للاستفادة منه ويبعد كلّ ممار مجادل عنه، والحمد لله ربّ العالمين.1

1 . في «أ» قال الناسخ بعد كلام المصنف هذا: خاتمة: ولقد وقع الفراغ من نسخه في يوم السبت من ثلاث وعشرين من شهر محرم الحرام من شهور السنة الخامسة والثلاثين ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية على هاجرها ألف سلام وتحية حرّره الأقل علي أصغر الچهارمحالي من نسخة قديمة نسخت في زمان المصنّف (رحمه الله) لكنها كانت مشوشة وكان في آخرها: قال المصنّف أدام الله ظلاله: وليكن هذا آخر ما نورده في هذا الكتاب إلى آخر ما أفاد. ثم نسخ بعد ذلك الناسخ: وكان الفراغ من سطر بعضه في ثامن عشر في جمادى الآخرة من شهور سنة خمس وخمسين وسبعمائة هجرية وصلى الله على سيد البرية وعلى آله العترة الطاهرة الزكية.

صفحه 366

صفحه 367
الفهارس الفنية
1. فهرس الآيات القرآنية.
2. فهرس الأحاديث.
3. فهرس الأعلام.
4. فهرس الأنبياء(عليهم السلام) .
5. فهرس المعصومين (عليهم السلام).
6. فهرس مصادر التحقيق.
7. فهرس إجمالي للأجزاء الخمسة.
8. فهرس محتويات الجزء الخامس.
   

صفحه 368

صفحه 369

فهرس الآيات القرآنية

سورة الفاتحة/ 1
الآية
رقم الآية
الجزء والصفحة
(الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
2
3/332
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
5
1 / 566
سورة البقرة/ 2
(الم)
1
1 / 340
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)
6
1/548وج3/147
وج4/125
(اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)
15
1/269
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )
21
1/571
(فَأْتُوا بِسُورَة )
23
1/374
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ)
28
1/564

صفحه 370
(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً... وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)
29
2/348وج4/
116، 434،435
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)
30
4 / 437
(وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ)
31
1/152،156
وج4/ 303
(وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ)
34
1/457
وج2/246
(وَ أَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ )
43
1/354،355،373،
437وج2/78، 396،
443،499
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ)
46
3/ 370
(وَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَ قُولُوا حِطَّةٌ)
58
1/315
(كُونُوا قِرَدَةً)
65
1/374
(إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَ لاَ بِكْرٌ )
68
2/451
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا...إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ)
69
2/451،463، 464
(إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ... وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ )
71
2/451،463
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ )
79
1/ 562
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )
86
1 / 564

صفحه 371
(وَ جِبْرِيلَ )
98
2 / 184
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )
104
2 / 349
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)
106
2/603،619وج
3/45،46،71،
77،78، 80
(فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)
115
3 / 83
(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)
124
3 / 142
(وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)
130
4 / 419
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا )
142
2 / 620
(وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ... وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)
143
1/251وج3/
167،168،172،
209،352،393
(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا)
144
2/620وج4/163
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ )
157
3 / 164

صفحه 372
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَ الْهُدَى )
159
3/393،394
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ )
164
5 / 269
(وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
169
3/190،411،539
وج4/455وج5/254
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ)
178
5 / 333
(وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )
179
4 / 93
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ )
180
3 / 89
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ )
183
5 / 333
(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )
184
1/583وج2/389
(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )
185
1/116،539وج
3/46وج4/116،
443، 444وج5/ 330
(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ... ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)
187
1/326،433وج2/
279وج3/84،112
(وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )
188
3/153،190،570
(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
194
1/268، 274
وج4/ 420

صفحه 373
(وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمَرَةَ للهِ... وَ لاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ... فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
196
1/ 318،434،
341،وج2/389
(اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)
197
1/94،269
(وَ لاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ )
221
2/286،313
وج3/152
(وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)
222
1/433وج2/
279، 517وج3/634
(وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ )
228
1/214،225،228،
399وج2/193،286،
360،361،363،364
(وَ الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ )
233
1/185،349،399
(لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
236
2 / 363
(فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )
237
1/93وج2/363،
365،401وج3/634
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ)
238
3 / 102

صفحه 374
(وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ )
267
1 / 269
(وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ )
275
1/309وج2/166،
324،330،376
وج3/639
(وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ... وَ أَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)
282
1 /373،418
وج3/ 108
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)
283
1/323،464
(للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ)
284
4/434،436
(لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ... رَبَّنَا وَ لاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ )
286
1/131،547،
560،561وج4/436
سورة آل عمران / 3
(وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)
7
1/34،401
وج5/206،207
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)
13
3 / 550
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ )
19
1 / 251

صفحه 375
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)
31
2/536،553
(وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي)
43
1 / 315
(وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ )
54
1 / 298
(لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ )
71
1 / 565
(وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)
75
2/515،516
(وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ )
85
1 / 251
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ)
90
1 / 564
(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ )
93
3/582
وج5/235
(وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )
97
1/571وج2/
282،485 وج3/
569وج5/333
(لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ )
99
1 / 565
(وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا )
103
3/177وج5/207
(وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا )
105
5/207،524

صفحه 376
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
110
3/173،232،
233،266،275،
352وج4/427
(وَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ )
133
1/453،565
(فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ... وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ )
159
1/567وج5/183
(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)
173
2/172،214وج3/164
(وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً )
191
5 / 272
(إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ )
192
1 / 251
سورة النساء/ 4
(وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ)
2
3/532،570
(فَانْكِحُوا... أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
3
1/418وج2/
227وج5/334
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى )
10
3 / 570
(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ... وَ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ ... فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)
11
1/484وج2/162،
170،171،227،291، 299وج3/92،579

صفحه 377
(وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا )
14
1/349وج3/596
وج 5 / 212
(فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)
15
2 / 601
(وَ آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا )
20
3 / 229
(وَ لاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)
22
1/307وج2/102،104
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ... وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ... وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ... وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)
23
1/481وج2/91،
120،227،313،403،
405،419،498وج5/
278، 298، 334
(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ)
24
2/299،398وج3/ 89وج5/278،298
(فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ)
25
3 / 364
(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)
29
2 / 243
(وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا )
35
1 / 481
(وَ مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا)
39
1 / 564

صفحه 378
(إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة )
40
1/548،564
(لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا... أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)
43
1/310،600،601
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ )
59
3/179،190،205، 557وج4/423
وج5/187،260
(فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )
65
5/173،187
(وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)
82
3/524،530
(وَ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
83
3/ 559وج5/
206، 207
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً... فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا)
92
1/315وج2/
243،269،520
(فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)
93
1 / 355
(لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ )
95
2 / 155
(أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ)
101
1 / 464

صفحه 379
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ )
105
5 / 183
(وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ )
115
3/144،157،
191،209،232،
266،275، 276
(مَنْ يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ )
123
1 / 563
(وَ لاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)
124
1 / 547
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ )
135
3 / 395
(وَ لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)
141
2 / 375
(مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ )
157
2/243،247
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح )
163
4 / 417
(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )
165
1/135وج3/100
وج 5/ 219
(فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ )
170
1 / 566
(إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ )
176
1 / 476

صفحه 380
سورة المائدة/ 5
(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ )
1
2/398،406
(وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا )
2
1/374،418،433
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ)
3
2/403،405وج3/564
(أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)
4
4 / 438
(وَ الُْمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
5
2/286،313
(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
6
1/326،352،439،
445وج2/279،407،
503وج3/108،364،626
(وَ بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا)
12
3 / 324
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ )
30
1 / 563
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ )
32
3 / 624
(أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ... وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )
33
1/251،315
(وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
38
1/316وج2/166،
211،224،299،425،
445،484،533
وج3/ 626، 627

صفحه 381
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ... وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
44
3/418وج4/
417،419وج5/212
(وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ)
45
3/294وج4/418
(وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
47
3/418وج5/211
(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ... فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)
48
1/542،543
(وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)
49
3/540،542
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ)
55
2 / 172 وج3 /
164، 349
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ )
64
1 / 269
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ )
67
2/180،477
وج3/395
(لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ )
87
3 / 581
(لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)
89
3 / 634
(أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ )
91
4 / 94
(أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ)
92
2 / 536

صفحه 382
(لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ )
95
1 / 473 وج2 /
154 وج 4 / 139
(لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)
101
2 / 69
(وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)
120
2 / 210
سورة الأنعام / 6
(أَنْ قَالُوا وَ اللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ )
23
1 / 572
(اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ )
24
1 / 573
(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء)
38
1/153وج3/530،
540، 561، 564
(وَ لاَ رَطْب وَ لاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين )
59
3/540،561
(الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم )
82
1/256وج2/155
(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
90
4 / 417
(قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى )
91
2/154وج4/191
(وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)
101
2/212،232،399
(هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيء)
102
2 / 326

صفحه 383
(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ)
116
1 / 562 وج3 /
377، 411، 539
(وَ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)
121
4 / 321
(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ)
125
1 / 257
(وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)
141
2/361،395،398
(قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا )
145
3 / 89، 90
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاَ آبَاؤُنَا)
148
1 / 565
(فَاتَّبِعُوهُ)
153
2/295،553،555،
558وج4/458وج5/187
(ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ )
154
2 / 458
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعًا )
159
3 / 524
(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا )
160
1 / 563
سورة الأعراف / 7
(مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)
12
1/403،404،
453،564
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا )
23
1 / 567
(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد )
31
2 / 545

صفحه 384
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ )
32
4 / 438
(فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)
39
1 / 568
(مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ)
54
1/361،362
(اسْتَعِينُوا بِاللهِ)
128
1 / 566
(وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)
145
4 / 399
(وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً )
155
3 / 325
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... وَ اتَّبِعُوهُ)
158
2/350،351،536،
543وج3/79وج5/268
(وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا )
161
1 / 315
(وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ )
179
3 / 623
(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا )
184
1 / 552
سورة الأنفال / 8
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
2
1 / 329
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَ رَسُولَهُ )
13
4 / 168
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَ لِلرَّسُولِ )
24
1/414،415،
566

صفحه 385
(وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ)
30
1 / 269
(وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى)
41
2/453،509
(وَ لاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا)
46
3/524،544
وج5/207
(حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
53
1 / 562
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
64
3 / 324
(إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)
65
3 / 324
(اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ)
66
3/94،95،96
(مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا)
67
5 / 184
(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
68
5 / 187

صفحه 386
سورة التوبة / 9
(فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)
5
1/310،434،438وج
2/211،222،224،299،
326،398،479،480
(وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)
34
2/355،425
(وَ جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ)
41
2 / 454
(عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)
43
1/565وج 5 /
184، 187، 231
(وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)
58
2 / 501
(وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا)
59
2 / 501
(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ)
60
2/500،501
(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)
80
1 / 466
(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ لاَ عَلَى الْمَرْضَى)
91
2 / 454
(وَ السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ)
100
4 / 431
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
103
1/591وج2/201،
372وج4/396

صفحه 387
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ)
122
3/383،384،385،
386،387،388،390،
391،457،465وج5/260
(أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَ لاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ)
126
1 / 567
سورة يونس / 10
(قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)
15
3/79وج5/
172،175،176
(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)
35
5 / 264
(إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)
36
3/377،540
وج4 / 454
(ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ )
46
2/458،461
(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكَاءَكُمْ)
71
3 / 125
(قُلِ انْظُرُوا)
101
1/552وج5/271

صفحه 388
سورة هود / 11
(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ)
1
2/452
(وَ مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)
27
3/212
(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)
36
1/548،558
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا )
40
1/360،361
(لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ )
43
2 / 244
(وَ نَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي )
45
2 / 162
(رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ )
47
1/567
(أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ )
73
1/360
(فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ مَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)
97
1/360،362
(وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا )
113
3 / 417
سورة يوسف / 12
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا )
2
1/249،250،260
(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ )
18
1/563،567
(فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي )
80
2 / 173

صفحه 389
(وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)
82
1/237،267،
294،295،314وج
2/400،406،514
(عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا )
83
2/171،173
(مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي )
100
1 / 567
(وَ مَا أَكْثَرُ النَّاسِوَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)
103
2 / 250
(وَ مَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ)
106
1 / 252
(هَذِهِ سَبِيلِي)
108
3 / 159
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ )
111
3/ 385
سورة الرعد / 13
(حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
11
1 / 562
(اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء)
16
2/210،348
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ)
19
5 / 271
(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ)
39
3 / 33

صفحه 390
سورة إبراهيم / 14
(وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)
4
1/154،249
وج5/219
(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ)
7
4 / 100
(إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين)
10
3/559وج4/390
(إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )
11
3 / 560
(إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)
22
1 / 563
(قُلْ تَمَتَّعُوا )
30
1 / 374
(وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً)
42
2 / 69
سورة الحجر / 15
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
9
2 / 214
(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)
29
1 / 457
(فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)
30
2/157،240،
243

صفحه 391
(إِلاَّ إِبْلِيسَ)
31
2/240،243
(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)
42
2 / 249
(اُدْخُلُوهَا بِسَلاَم آمِنِينَ)
46
1/374،395
(وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)
85
1 / 564
(لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ )
88
2 / 69
سورة النحل / 16
(مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوء)
28
1/572،573
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)
43
3/394وج5/251،260
(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
44
2/287،290،292
وج3/78،86،395،409
(لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)
51
1 / 341
(إِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً )
66
3/550،554
(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءْ)
89
1/153وج2/288،
292ج3/190

صفحه 392
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ)
90
4/149،458
(فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
98
1 / 566
(وَ إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر)
101
2/620وج3/78
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ)
102
3 / 78
(وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)
106
1 / 257
(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ)
114
1 / 374
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)
120
3 / 265
(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)
123
4/417،419
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)
125
3/159وج5/272
سورة الإسراء / 17
(وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)
7
4 / 434
(وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)
15
1/127،143
وج3/100
(فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)
23
2/200،513وج3/600

صفحه 393
(وَ اخْفِضْ لَهُمَا جُنَاحٌ الذُّلِّ )
24
1 / 269
(وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق)
31
1/473،481
(وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى)
32
3 / 363
(وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )
36
3/374،377،411،539
(وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)
70
4 / 115
(وَ لاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)
71
1 / 547
(نَافِلَةً لَكَ)
79
2 / 182
(وَ مَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى )
94
1 / 564
سورة الكهف / 18
(وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا )
23
2 / 239
(إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)
24
2 / 239
(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )
29
1 / 565
(وَ لاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
49
1 / 548
(إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)
50
2 / 243
(وَ لاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا )
69
1 / 410

صفحه 394
(جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)
77
1 / 267
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ )
110
5/187،188
سورة مريم / 19
(كهَيَعص)
1
1 / 340
(وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا )
4
1 / 269
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)
59
4 / 158
(وَ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن)
74
2 / 138
سورة طه / 20
(وَ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)
14
1/253وج4/418
(كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى)
15
1 / 563
(لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب)
61
1 / 322
(وَ لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ )
71
1 / 324
(أَفَعَصَيْتَ أَمْري)
93
1/349،410
(وَ لاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْني عِلْمًا)
114
2/452،469

صفحه 395
(فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)
115
1 / 114
(وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري )
124
1 / 563
(وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً)
134
5 / 219
سورة الأنبياء / 21
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)
22
4/391،393
(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَ لاَ يَضُرُّكُمْ )
66
4 / 441
(وَ دَاوُدَ وَ سُلَيَْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ )
78
2/170وج5/205
(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيَْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَ عِلْمًا)
79
5/205،206
(وَ عَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس)
80
1 / 155
(سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)
87
1 / 567
(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)
98
2/153،452،465
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)
101
2/153،452،467

صفحه 396
(وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)
107
4 / 115
سورة الحج / 22
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبَالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ)
18
1 / 225
(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)
19
2/171،173
(وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
29
3 / 113
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)
30
1 / 325
(لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوَاتٌ )
40
1 / 269
(فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)
52
3 / 71
(تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)
65
1 / 361
(ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا)
77
1/317،375،566
(وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )
78
1/547،561وج4/
116،128،250،443،
444وج5/212،251،330
سورة المؤمنون / 23
(وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)
5
2 / 425

صفحه 397
(إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)
6
2 / 425
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرى)
44
3 / 299
(رَبِّ ارْجِعُونِ)
99
1 / 568
(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا)
107
1 / 568
(اخْسَئُوا)
108
1 / 397
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)
115
4/114،440
سورة النور / 24
(الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)
2
1/316،445وج2/
211،291وج3/76،364
(الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)
3
3 / 363
(وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ... وَ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
4
2/262،263
(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)
5
2/263،269</