welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5

صفحه 1
   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 5
 
5

صفحه 2

صفحه 3
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الخامس
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 284 - 6 (ج.5)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 هـ . ق ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ج. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول
الجزء:    الجزء الخامس
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   العلاّمة المحقّق آية الله العظمى جعفر السبحاني
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1429 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة بقلم: آية الله العظمى جعفر السبحاني

القول السديد في الاجتهاد والتقليد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله محمد وآله الطاهرين .
أمّا بعد:
إنّ البحث في الاجتهاد والتقليد ليس من المسائل الأُصولية، لأنّها عبارة عما يقع في طريق الاستنباط. والبحث في واقع الاجتهاد والتقليد وما يرجع إليهما من بحوث لا يقع في طريق الاستنباط، ولذلك عاد أصحابنا الأصوليون يبحثون عنهما في الكتب الأُصولية كخاتمة للكتاب، والمعروف أنّ الخاتمة كالمقدمة ليست داخلة في صميم العلم.
إلاّ أنّ العلاّمة الحلي ـ مؤلف الكتاب ـ لم يتابع سيرة الأصحاب وجرى على مسلك الآخرين حيث إنّهم يبحثون عنهما بصورة مسألة أُصولية، وقد أفاض الكلام فيهما في المقصد الثالث عشر من الكتاب، وقد شغلت هذه

صفحه 8
المباحث نصف هذا الجزء الّذي بين يدي القارئ، وبقي النصف الآخر خاصّاً بالتعادل والترجيح.
والعجب أنّه قدّم البحث في الاجتهاد والتقليد على التعادل والترجيح مع أنّ الأنسب هو العكس، لأنّ الثاني من المسائل الأُصولية حيث يقع ما هو المختار (الرجوع إلى المرجحات والتخيير عند عدمها، أو الترجيح بالمرجحات والتخيير عند عدمها) عند تعارض الأدلّة في طريق الاستنباط.
فكان عليه أن يخص المقصد الثاني عشر بالتعادل والترجيح والخاتمة بمباحث الاجتهاد والتقليد.
ونحن في غنى عن التعليق على ما أتى به المصنّف في هذه الأبواب من دلائل مشرقة على مختاراته. لكن قسماً منها ربما يحتاج إلى بسط في الكلام ولذلك اخترنا مواضع خاصة للتعليق، وهي كما يلي:
1. النبي والاجتهاد.
2. وجود الاجتهاد عند الصحابة.
مقدّمة العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني: القول السديد في الاجتهاد والتقليد   
3. في تجزؤ الاجتهاد.
4. التخطئة والتصويب في الأُصول والفروع.
5. دور الزمان والمكان في الاستنباط.
6. دور الحكم في رفع التزاحم بين الاحكام الأولية.

صفحه 9
 
1

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والاجتهاد

ذكر المصنّف (قدس سره)اختلاف الناس في أنّ النبي هل كان متعبداً بالاجتهاد كسائر الفقهاء، أو لم يكن كذلك؟ فالإمامية ـ عن بكرة أبيهم ـ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء في بيان الأحكام الشرعية الكلية، وأمّا القضاء في المرافعات فهو أمر آخر لا صلة له بالموضوع، وسيوافيك بيانه.
وقد ذكر المصنّف أدلة شافية في ترفيع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن حاجته إلى الاجتهاد بعد ما كان (فضل الله عليه كبيراً)، واللوح المكتوبة فيه الأحكام مكشوفاً له يراه بأُمّ عينيه أو بأُمّ قلبه.
ومع ذلك كله فسوف نستطرد هذا الموضوع ببيان آخر ربّما يكون بين البحثين تداخل في بيان الأدلة وإشكالاتها.
والفضل في ذلك يرجع إلى المصنّف وإلى بقية علمائنا المتقدمين.
فنقول: الاجتهاد: هو استنباط الحكم من الأدلّة الشرعية، كالكتاب والسنّة ببذل الجهد والتفكير، والمجتهد يخطئ ويصيب شأن كلّ إنسان غير

صفحه 10
معصوم، وإن كان المخطئ مأجوراً كالمصيب، إنّما الكلام في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هل كان مجتهداً في بيان الحكم الشرعي كالآخرين يخطئ ويصيب، أو أنّ علمه بعقائد الدين وأحكامه بلغ إلى مستوىً أغناه عن الاجتهاد؟
والإمعان فيما سنتلوه عليك من النصوص يدعم النظر الثاني:
أ. قال سبحانه: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).1
وقد ذكر المفسّرون أسباب نزول متعدّدة لهذه الآية تجمعها أنّه رفعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واقعة كان الحق فيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان وعلّله بقوله: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) .
ففضل اللّه ورحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، وهل كان فضله سبحانه ورحمته مختصين بهذه الواقعة، أو أنّهما خيّما عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: (وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّ الحوادث والوقائع يحكم بمرّالحق و نفس الواقع مؤيداً من قبل اللّه، ومَن اختصّ بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة والمخطئ أُخرى.

1 . النساء: 113.

صفحه 11
ب. انّه سبحانه يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِفَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الّذينَ لا يَعْلَمُون) .1
والشريعة هي طريق ورود الماء، والأمر أمر الدين و معنى الآية انّه تبارك وتعالى أورد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقاً موصلةً للشريعة قطعاً، ومن حظي بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يخطئ ويصيب، وليست تلك الخصيصة من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بل قد حظي بها معظم الأنبياء، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً).2
ج. إنّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش والنقد، فلو اجتهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض الأحكام فنظره كغيره قابل للنقد و النقاش، ومعه كيف يكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، وكيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟!
كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيدة عن الصواب، وإنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الأنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.
قال الشوكاني: اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء في الأحكام الشرعية على مذاهب:

1 . الجاثية: 18.
2 . المائدة: 48.

صفحه 12
المذهب الأوّل: ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) .1 والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى) وقد حكى هذا المذهب الأُستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، وقال القاضي في «التقريب»: كلّ من نفى القياس أحال تعبّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاجتهاد.قال الزركشي: وهو ظاهر اختيار ابن حزم.
واحتجّوا أيضاً بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سُئل ينتظر الوحي ويقول: «ما أنزل عليَّ في هذا شيء» كما قال لمّا سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل عليّ إلاّ هذه الآية الجامعة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ) .(2) وكذا انتظر الوحي في كثير ممّا سئل عنه، ومن الذاهبين إلى هذا المذهب أبو علي وأبو هاشم.2
أقول : لقد لخّص الشوكاني ما ذكره ابن حزم في ذلك المجال وقال:
إنّ من ظنّ بأنّ الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو
كفر عظيم، ويكفي في إبطال ذلك أمره ـ تعالى ـ نبيه أن يقول: (إِنْ أَتَّبِعُ إلاّ
ما يُوحى إِلَيَّ
)3 وقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ
وَحْيٌ يُوحى).4 وقوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيل * لأَخَذْنا

1 . النجم: 4.   2 . الزلزلة: 7و8.
2 . إرشاد الفحول: 225.
3 . الأنعام: 50.
4 . النجم: 3و4.

صفحه 13
مِنْهُ بِالْيَمين * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين)1 .
وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُسأل عن الشيء، فينتظر الوحي، ويقول: «وما نزل عليّ في هذا شيء» ذلك في حديث زكاة الحمير و ميراث البنتين مع العم والزوجة، وفي أحاديث جمّة.2وقبل أن أذكر المذهب الثاني الوارد في كلام الشوكاني، أُشير إلى كلمة للعلاّمة الحلّي، تعرب عن موقف الإمامية في المسألة.
قال (رحمه الله) بعد تعريف الاجتهاد: ولا يصح (الاجتهاد) في حقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه قال الجبائيان. لقوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)ولأنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قادر على تلقّيه من الوحي، وانّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتى يرد الوحي، فلو ساغ له الاجتهاد، لصار إليه، لأنّه أكثر ثواباً، ولأنّه لو جاز له (الاجتهاد) لجاز لجبرئيل(عليه السلام)، وذلك يسدّ باب الجزم بأنّ الشرع الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من اللّه تعالى.
ولأنّ الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، ولا يجوز تعبّده (صلى الله عليه وآله وسلم) به، لأنّه يرفع الثقة بقوله.
وكذلك لا يجوز لأحد من الأئمّة الاجتهاد عندنا، لأنّهم معصومون، وإنّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بإلهام من اللّه تعالى.3

1 . الحاقة: 44ـ46.
2 . الإحكام في أُصول الأحكام: 5/123.
3 . مبادئ الأُصول: 51.

صفحه 14
المذهب الثاني: انّه يجوز لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ولغيره من الأنبياء الاجتهاد وإليه ذهب الجمهور واحتجوا بالوجوه التالية:
الأوّل: انّ اللّه سبحانه خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال وأمره بالتدبّر والاعتبار، وهو من أجلّ المتفكّرين في آيات اللّه وأعظم المعتبرين.
أقول: إنّ ما ضرب به من الأمثال جلّها من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» وهل يصحّ أن يقال انّه سبحانه أراده بقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرين) 1 مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن هداه اللّه (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ) .2
على أنّه سبحانه أمر بالتفكّر والتدبّر فيما يرجع إلى العوالم الغيبية والأسرار المكنونة في الطبيعة وأنّى ذلك من التفكّر في الأحكام الشرعية.
الثاني: انّ المراد من قوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) هو القرآن، لأنّهم قالوا إنّما يعلّمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان متعبّداً بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقاً عن الهوى، بل عن الوحي.
أقول: إنّ قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) وإن كان وارداً في مورد القرآن، ولكنّه آب عن التخصيص بدلالة انّ ورود التخصيص عليه يستلزم

1 . الزمر: 65.
2 . الزمر: 37.

صفحه 15
الاستهجان، فلو قيل النبي لا ينطق عن الهوى إلاّ في غير مورد القرآن لرأيت التخصيص مستهجناً، على أنّ الدليل ليس منحصراً بهذه الآية، وقد استعرضنا الدلائل السابقة.
نعم لو ثبت انّ الوحي أمره بالاجتهاد، لكان ما يفتي به إفتاءً منتهياً إلى الوحي الإجمالي، ولكن الكلام في صدور الترخيص له.
الثالث: إذا جاز لغيره من الأُمّة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضاً للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.
أقول: إنّ هذا الاستدلال من الوهن بمكان، لأنّ غير النبي يجتهد لانحصار باب المعرفة به، وهذا بخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ أمامه طرقاً كثيرة إلى الحقّ أوضحها الوحي.
الرابع: الاستدلال ببعض الأمثلة التي تدلّ بظاهرها على أنّ النبي اجتهد في الحكم الشرعي، وسيوافيك توضيح بعضها.1
ثمّ إنّ هناك مذهباً ثالثاً يُدعى مذهب الوقف عن القطع بشيء في ذلك، وزعم الصيرفي في شرح الرسالة، انّه مذهب الشافعي، لأنّه حكى الأقوال ولم يختر شيئاً منها، واختار هذا القاضي أبوبكر الباقلاني، والغزالي.2

1 . إرشاد الفحول: 225.
2 . المصدر السابق: 226.

صفحه 16
 
اجتهاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسرّب الخطأ إليه
قد سبق انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غنى عن الاجتهاد في الأحكام وانّه سبحانه أورده منهل الشريعة، وأمره باتّباعها، ولو افترضنا جواز الاجتهاد عليه، فهل يمكن أن يتسرّب إليه الخطأ أو لا؟
ذهبت الإمامية إلى صيانة اجتهاده (على فرض جواز الاجتهاد له) عن الخطأ، واستدل عليه المحقّق بوجوه:
الأوّل: انّه معصوم من الخطأ عمداً ونسياناً بما ثبت في الكلام، ومع ذلك يستحيل عليه الغلط.
الثاني: إنّنا مأمورون باتّباعه، فلو وقع منه الخطأ في الأحكام لزم الأمر بالعمل بالخطأ وهو باطل.
الثالث: لو جاز ذلك الخطأ لم يبق وثوق بأوامره ونواهيه، فيؤدي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله.1
ثمّ إنّ المخالف استدل بوجوه، منها:
الأوّل: قوله تعالى: (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ) .2
أقول: إنّ وجه المماثلة ليس تطرّق الخطأ بل عدم استطاعته (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى

1 . معارج الأُصول: 118ـ 119.
2 . الكهف: 110.

صفحه 17
تحقيق كلّ ما يقترحون عليه من المعاجز والآيات حيث أرادوا منه أن يأتي لهم بكلّ ما يقترحون عليه من عجائب الأُمور، فوافته الآية بأنّه بشر مثلكم، والفرق انّه يوحى إليه دونهم، فكيف يتمكّن من القيام بما يقترحون عليه من المعاجز والآيات بلا إذن منه سبحانه؟!
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فمن قضيتُ له بشيء من حقّ أخيه، فلا يأخذنّ إنّما أقطع له به قطعة من النار» 1 وهذا يدلّ على أنّه يجوز منه الغلط في الحكم.
أقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بالقضاء بما أدّت إليه البيّنة واليمين، فما يقضي به هو نفس الحكم الشرعي في باب القضاء سواء أكان مطابقاً للواقع أم لم يكن، فإنّه كان مأموراً في فصل الخصومات بالظواهر لا بالبواطن.
وبذلك يعلم انّه لو سوّغنا الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخطئ في مجال الإفتاء، بل ينتهي إلى نفس الواقع.
وأمّا باب القضاء، فاتّفق الجميع على أنّه كان مأموراً بالظواهر دون البواطن، سواء أكانت الظواهر مطابقة للواقع أم لا ، فقد كانت المصالح تقتضي ذلك. مع العلم بحقيقة الحال.

1 . الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.

صفحه 18
 
العلم بالملاك غير الاجتهاد
قد تحدثنا آنفاً عن الاجتهاد، وعرفت أنّه عبارة عن استخراج الحكم من الكتاب والسنّة وهو قد يخطئ وقد يصيب، وليس الحكم المستخرج مصيباً للواقع على الإطلاق.
نعم هناك أمر آخر يُعدّ كرامة اختصّ الله تعالى بها نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو انّه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، وعلّمه مصالح الأحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها وقد أطلع اللّه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها مع اختلاف درجاتها ومراتبها، لا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على عللها، بأقصر من الطرق التي وقف بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على حلاله وحرامه. وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:
«وعقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل».1
فما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من التشريع، فإنّما هو تشريع بالعلم بالملاك، وبإذن خاص منه سبحانه، وقد ورد في السنّة الشريفة:
1. إنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 234.

صفحه 19
2. إنّ اللّه فرض في السنة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صوم شعبان، وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. إنّ اللّه حرم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شراب.
4. إنّ اللّه فرض الفرائض في الإرث، ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أطعمه السدس.1
وليس هذا اللون من التشريع اجتهاداً منه ولا منافياً لاختصاص التشريع باللّه سبحانه، لما عرفت من أنّ التسنين في هذه المقامات إنّما هو بتعليم منه سبحانه بملاكات الأحكام وإذنه.

أسئلة وأجوبة

الأوّل: ربما يتراءى من بعض تفسير الآيات والروايات انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)اجتهد في بعض الأحكام ثمّ وافاه النص على الخلاف.
قال سبحانه: (ما كانَ لِنَبِىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم).(2)
(لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم) .2
(فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .3

1 . أُصول الكافي: 1/209ـ 210.   2 . الأنفال: 67.
2 . الأنفال: 68.
3 . الأنفال: 69.

صفحه 20
نزلت الآيات في غزوة بدر حيث استشار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صحابته في أمر الأسرى، فقال أبوبكر: عشيرتك فأرسلهم، وقال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل اللّه معاتباً له ولصحابته بقوله: (ما كانَ لنَبىّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى...) .
رواه أهل السير، وأخرج مسلم وأحمد حديثاً في ذلك.1
التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، وهو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، وظفروا بهم ينكلون بهم قتلاً ليعتبر بهم مَن وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه ورسوله، وكانوا لا يأسرون أحداً حتى يثخنوا في الأرض، ويستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية كان لهم الحقّ في أخذ الأسرى، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أُخرى مخاطباً المسلمين عندما علا أمر الإسلام وتمّت له القوة والغلبة في الحجاز واليمن: (فَإِذا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمّا فِداءً) .2
فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض وجوازه بعده، ثمّ المن، أو الفداء بعد الإثخان.
إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:
أوّلاً: انّ اللوم انصبَّ على أخذ الأسرى لا على الفداء.

1 . تاريخ التشريع الإسلامي: 99.
2 . محمد: 4.

صفحه 21
ثانياً: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبداً وإنّما توجّه إلى مَنْ أخذ الأسرى.
والشاهد على الأمر الأوّل قوله: (ما كانَ لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) أي الأمر الممنوع هوأخذ الأسرى فقط لا الفداء والمن، وإلاّ لكان له عطف الفداء والمن عليه، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة: (فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم) ومن الواضح انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له أيّ دور في أخذ الأسرى، بل كان هو القائد والمجاهدون هم الذي يأخذون الأسرى قبل الإثخان في الأرض بالقتل والتنكيل.
والشاهد على الأمر الثاني قوله سبحانه: (لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهَ سَبق لمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم) . والمخاطب هم المقاتلون لا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك قوله: (تُريدونُ عَرَض الدُّنيا وَ اللّهُ يُريدُ الآخرَة) .
فملخّص القول: إنّ اللوم انصبَّ على المقاتلين المجاهدين الذين أسروا الأعداء، ولم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيّ دور في ذلك.
وأمّا الروايات الواردة، فهي مختلفة جداً لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.
وقد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات، فمن قائل بأنّ العتاب والتهديد متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعاً، إلى آخر بأنّه متوجه إلى

صفحه 22
النبي والمؤمنين ما عدا عمر، إلى ثالث أنّه متوجه إلى النبي والمؤمنين ما عدا عمر وسعد بن معاذ، إلى رابع أنّه متوجه إلى المؤمنين دون النبي، إلى خامس أنّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.
وعليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات والأخذ بها، والآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسير من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهداً وانّه اجتهد خطاءً في هذه الواقعة غريب جداً.
***
الثاني: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُصدر الأحكام بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد فيها، فما معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث السواك: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».
ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وانّه لم يحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلاّ ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يُعضد شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها، ولا يُختلى خلاه».
فقال العباس: يا رسول اللّه إلاّ الأذخر، فإنّه لقينهم ولبيوتهم.
فقال: «إلاّ الأذخر».1

1 . صحيح البخاري: 4/105، باب اسم الغادر للبر والفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.

صفحه 23
فاستثناء الأذخر بعد التعميم أخذاً برأي العباس كان اجتهاداً منه (صلى الله عليه وآله وسلم)والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن.1
الجواب: أمّا الحديث الأوّل فبيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم لم يصدر عن الاجتهاد وضرب الأدلّة بعضها ببعض، وإنّما وقف على الحكم الشرعي
وهو الاستحباب عن طريق الوحي ولمّا بيّن للأُمّة أهميته من الناحية الصحية، ظهر فيه ملاك الإلزام، ولكن لم يتابعه التشريع، لما في الإلزام من حرج ومشقة.
وأمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ولا يختلى خلاه».
قال ابن الأثير: ففي حديث تحريم مكة«لا يختلى خلاها» الخلى ـ مقصور ـ النبات الرطب الرقيق مادام رطباً، واختلاؤه قطعه، وأخلت الأرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش.2
وأمّا استثناء الأذخر فلم يكن اجتهاداً من النبي بل بياناً لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة، وكان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير، ولكن لمّا تكلّم العباس بالمخصِّص، صدّقه وبيّن المخصص فوراً.
ووجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد والصائغ والناس في بيوتهم بهذا النبات

1 . تاريخ التشريع الإسلامي: 3.
2 . النهاية: 2/74.

صفحه 24
الطيب الرائحة قال الجزري: وفي حديث العباس «إلاّ الأذخر فإنّه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحدّاد والصائغ.1
الثالث: لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم ـ يعني خيبر ـ أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟» قالوا: الحمر الأنسية، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «أهريقوها واكسروها» فقال رجل: أو يهرقوها و يغسلوها؟ قال: «أو ذاك».2
وجه الاستدلال: أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلاً، ولمّا طُلِب منه الاكتفاء بالإهراق والغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.
الجواب أوّلاً: إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّ البخاري نقلها كالتالي:
أ. فجاء منادي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً وأهريقوها.
ب. فنادى منادي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اكفئوا القدور . 3
ولم يُعلم أنّ النبي أمر بكسرها.

1 . النهاية: 4/135; وفي بعض النصوص القين وتعني الزينة، وهو الأظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.
2 . صحيح مسلم: 5/186، باب غزوة خيبر.
3 . صحيح البخاري: 5/136، باب غزوة خيبر.

صفحه 25
وثانياً: إذا سلّمنا أنّه أمر بالكسر، فليس هناك مانع من أن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالأُولى هو كسر القدور وطرحها جانباً، والثانية إهراقها وغسلها، فبدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو الأولى، ولمّا كان شاقاً على الناس، أمضى الحكم الثاني، وهو إخلاؤها وإكفاؤها.
ولعمري ليس في تلك الأُمور أي دلالة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجتهد كاجتهاد الآخرين، والعجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلاً بيّـن فيه فتاوى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:
ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحاً لهذا الكتاب، ورقماً على جلة هذا التأليف.1
فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والأحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن أنّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالإفتاء في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) كالإفتاء في قوله سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ) .2

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأُمور الدنيوية

لا شكّ انّ هناك أُموراً دنيوية كالزراعة والطب والحرب وفنونها

1 . إعلام الموقعين: 4/266 ـ 414.
2 . النساء: 176.

صفحه 26
يكتسبها الناس عبْـر التجربة، ولم يزل المجتمع الإنساني يتقدّم ويرتقي كلّما كثرت تجاربه و خبراته المادية، و الإنسان يخطئ ويصيب في الوقوف على أسرار الكون ونواميسه، وتلك الخطوات وإن أخفقت في بعض المراحل، لكنّها تنتهي إلى كشف الحقائق ولمس الواقع، وهذه هي الأُسس التي بنيت عليها الحضارات.
إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الأُمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطئ، أو أنّه لا يخطئ في تلك الأُمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدِّد الخطى نحو الصواب؟
يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شؤون الزراعة والطب اجتهاد غيره يخطئ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
ففي الصحيحين انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ بقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً1 فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
أقول: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الأسماء قال سبحانه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِهؤلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين * قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ * قالَ يا آدَمُ

1 . يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء.

صفحه 27
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون) .1
قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال: ـ علّم اللّه آدم كلّ شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، واللّه قادر على كلّ شيء.
ولأجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الأرض، وأمر الملائكة بالسجود له.2
فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الأشياء وأسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!
فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمناً على كلّ المأثورات المعزوَّة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) .3
وعلى ضوء ذلك، فكل ما نُسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجهل بأسرار

1 . البقرة: 31ـ33.
2 . تفسير المنار: 1/262ـ265.
3 . المائدة: 48.

صفحه 28
الطبيعة ورموزها، فهو موضوع على لسانه فضلاً عن جهله بأبسط الأُمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب.ولنتناول بعض الأحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها:
1. روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه عزّ وجلّ».1
وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».2
والعجب أنّ مسلماً النيسابوري مؤلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه بـ«وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء يسير، ونترك التفصيل إلى القارئ.

1 . صحيح مسلم: 15/125، الباب 38، كتاب الفضائل.
2 . صحيح مسلم: 15 / 126، الباب 38، كتاب الفضائل.

صفحه 29
أوّلاً: لنفترض أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولم يُصنع على عين اللّه تعالى، فعلّمه من لَدُنه علماً وآتاه الكتاب و الحكمة، أفلم يكن عربياً صميماً قد ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وتوالى سفره إلى الشام؟ أفيجهل إنسان عاش تلك الظروف مثل هذا الأمر ولم يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح؟ وهل أنّ هذا الموضوع كان من الخفاء بحيث يسأل ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه»؟
ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن الله أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحويلاً
) 1 ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، والأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!
2. روى ابن هشام أنّ الحُباب بن المنذر بن الجموح قال لرسول

1 . فاطر: 43.

صفحه 30
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: «بل هو الرأي والحرب وا لمكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ماوراءه من القُلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقُلب فغوِّرت، وبنى حوضاً على القُلـب الذي نزل عليه فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية.1
أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن المنذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، ولكنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل عند رغبة الحباب إجلالاً له واستمالة لقلوب الأصحاب وتسكيناً لنفوسهم، ودعماً لمبدأ الشورى الذي يهدف الإسلام إلى تعزيزه بين المسلمين في مجالات حياتهم، في دعوة منه إلى مشاركة أكثر في صنع القرارات، ودرءاً لمحاولات الاستبداد بالرأي والتحكّم بالقرار قال سبحانه: (فَبِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ

1 . السيرة النبوية: 2/620.

صفحه 31
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِين).1 هذا إذا صحّت الرواية وإلاّ فلتُطرح.
فلم تكن مشاورة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في واحد من تلك المواقف نابعةً عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الأُمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، ومن هنا استشارهم (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر قائلاً: «أشيروا عليَّ أَيُّها الناس» ومبتغياً بذلك معرفة رأي الأنصار ومدى استعدادهم للحرب، ذلك أنّهم كانوا يؤلِّفون الأكثرية وانّهم حينما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال، ولما كان المسير إلى وادي بدر مسيراً للقتال، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا اطمأنّ إلى استعدادهم لأكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا وأبشروا».
روى ابن هشام: انّ سعد بن معاذ، قام وقال: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد ونشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا وأبشروا».2
وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحروب

1 . آل عمران: 159.
2 . السيرة النبوية: 2/615.

صفحه 32
وغيرها، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل نعوذ باللّه.
3. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه وليكفّنه فيه، فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول اللّه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «إنّ ربي خيّرني فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)1 وسأزيد على السبعين» فقال: إنّه منافق، فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) 2 فترك الصلاة عليهم.3
وفي هذا المعنى روايات أُخرى رواها أصحاب الجوامع، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها: انّه كفّنه بقميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.
وفي رواية أُخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه ونفاقه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ

1 . التوبة: 80.
2 . التوبة: 84.
3 . الدر المنثور: 4/258.

صفحه 33
لَهُمْ) قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) الآية.1
قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل اللّه: (سواء عَلَيْهِمْ استَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفر لَهُمْ) .
هذا وقد قسَّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع وعدَّ منه رأي الصحابة، وعرّفه بأنّه رأي أفقه الأُمّة وأبر الأُمّة قلوباً وأعمقهم علماً.ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي، انّه قال: البدعة ما خالفت كتاباً أو سنّة أو أثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه، وجعل ما خالف قول الصحابي بدعة، ثمّ قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أُبيّ قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول اللّه إنّه منافق، فصلّى عليه رسول اللّه، فأنزل اللّه عليه: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ).2
أقول: إنّ العاطفة قد حملت الراوي على اختلاق هذا الحديث ووضعه، وعلائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه:
1. انّ قوله سبحانه: (استغفر لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ...) ظاهر في أنّ المراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد، وعدد السبعين كناية عن المبالغة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلُّ من أن يجهل بمفهوم الآية ويحملها على التحديد. ويقول فإنّي سأزيد على السبعين.

1 . المصدر السابق: 4/258.
2 . إعلام الموقعين: 1/81.

صفحه 34
2. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم وكفرهم.
يقول سبحانه: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَومَ الْفاسِقين) .1
وقال سبحانه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) .(2)
ومثله قوله سبحانه: (ما كانَ لِلنَّبِيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصحابُ الجَحيم) .2
فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو، لكفر المستغفر له وفسقه، وعند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ) في صلاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنافق «عبد اللّه بن أُبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع.
ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام.(4)

1 . المنافقون: 6.   2 . التوبة: 80.
2 . التوبة: 113.   4 . تفسير المنار: 10/669.

صفحه 35
وهذه المحاولة من الوهن بمكان، إذ كيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ... إِذاً لأذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) .1
والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا:
1. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزل القرآن بموافقته.2
2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته.3
وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته ، ولعل من أبرز الدوافع إلى وضع تلك الروايات هو العاطفة الجامحة تجاه الخليفة والغلوّ في حقّه.

1 . الإسراء: 73ـ75.
2 . الدر المنثور: 6/639.
3 . الدر المنثور: 1/290.

صفحه 36
 
2

وجود الاجتهاد عند الصحابة

أوجز المصنّف الكلام في وجود الاجتهاد في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّ كان ما ذكره وافياً بالمقام، وبما أنّ باب الاجتهاد قد أُغلق عبر القرون الماضية واختص الاجتهاد بمذهب أحد الأئمة الأربعة، فنفيض الكلام فيه حتّى يتبيّن أنّ غلق باب الاجتهاد كان خسارة عظيمة للفقه وأهله، ولابد أن يفتح على مصراعيه، فنقول:
إنّ الاجتهاد كان مفتوحاً في زمن النبوة وبين أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم)فضلاً عن غيرهم، وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته إنّ الاجتهاد يومئذ، كان خفيف المؤونة جداً، لقرب العهد، وتوفّر القرائن، وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثم كلّما بعد العهد من زمن الرسالة وكثرت الآراء والأحاديث والروايات، ربّما قد دخل فيها الدس والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي، يصعب ويحتاج إلى مزيد من المؤونة واستفراغ الوسع.1

1 . أصل الشيعة وأُصولها: 119 طبعة بيروت.

صفحه 37
ويرشدك إلى وجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قول الرسول لأمير المؤمنين (عليه السلام) عندما بعثه إلى اليمن: قال علي (عليه السلام) : بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قلت: يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري وقال: «اللّهمّ أهد قلبه وثبّت لسانه» فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين.1
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن: بمَ تقضي؟ قال: بما في كتاب اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: بما في سنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو جهداً، فسرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله. 2
«وبطبيعة الحال، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في واقعة، حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين وغفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً، ولهذه الأسباب وأضعاف أمثالها، احتاج حتى نفس الصحابة الذين

1. أعلام الورى : 137; والبحار : 21 / 361. وشتان بين علمه واجتهاده (عليه السلام)وعلم الآخرين واجتهادهم.
2 . الطبقات الكبرى: 2 / 347 ; الاستيعاب، لابن عبد البر ، في ترجمة «معاذ» واللفظ للثاني.
أقول: لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء، هو فصل الخصومة في الأموال والنفوس، بما يعدها العقلاء عدلاً وإنصافاً وهذا المراد من قوله: اجتهد رأيي. وعندئذ لا يكون الحديث دليلاً على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس والاستحسان وأشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط.

صفحه 38
فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، والنظر في الحديث وضم بعضه إلى بعض والالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، والحديث نقل، والقرينة لم تنقل».
«وكل واحد من الصحابة، ممن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو ومحدّث وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات، بحسب نظره فهو في هذا الحال، مفت وصاحب رأي» 1.
ولم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، وقد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين والفقهاء، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس، وأغنوا بذلك الأُمّة الإسلامية في كل مصر وعصر، عن التطلع إلى موائد الغربيين، وألّفوا مختصرات ومطوّلات، لا يحصيها إلاّ اللّه سبحانه.
وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأُمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم، الذين حثوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم، على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه، وأنّه «من لم يتفقّه ، فهو أعرابي» وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، بالتدبر في الآيات والأُصول المتلقاة عنهم، وأمروا أصحابهم بالتفريع 2، وقد بلغت عنايتهم بذلك ما جعلهم

1 . أصل الشيعة وأُصولها: 118.
2 . ستوافيك روائع نصوصهم في هذا المضمار.

صفحه 39
ينصبون بعض من يعبأ بقوله ورأيه في منصب الإفتاء، إلى غير ذلك.
والاجتهاد كما عرّفناك هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية فلا يحتج به إلاّ إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب والسنّة، وما يرجع إليها فهو مقيد من هذه الجهة وإن كان متحرراً من سوى ذلك، فلا يتقيد بمذهب ولا برأي، بل هو فوق المذاهب.
غير أنّ أئمّة أهل السنّة، قد أقفلوا باب الاجتهاد، إلاّ الاجتهاد في مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة والشافعي، وبما أنّ الفتاوى المنقولة عنهم، مختلفة أخذ علماء كل مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كل إمام في هذا الباب.
ولا أدري لماذا أُقفل هذا الباب المفتوح منذ زمن الرسول، وإن تفلسف في بيان وجهه، بعض الكتّاب من متأخّريهم، وقال: ولم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية ذلك أنّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام ورأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة مما وضعوه واستنبطوه.1
ولا يكاد يخفى على القارئ الكريم ما في اعتذاره من الإشكال.
ولقد صدع بالحق الدكتور «حامد حفني داود» أُستاذ الأدب العربي

1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث، من السنة الثالثة عن مقال لأحمد أمين المصري.

صفحه 40
بكلية الألسن في القاهرة في ما قدمه على كتاب عقائد الإمامية 1 وقال:
إنّ الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنّة أنّ الاجتهاد أُقفل بابه بأئمّة الفقه الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل.
هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق أمّا ما حاوله الفقهاء بعد هؤلاء من اجتهاد لا يعدو أن يكون اجتهاداً في المذهب أو اجتهاداً جزئياً في الفروع، وأنّ هذا ونحوه لا يكاد يتجاوز عند أهل السنّة القرن الرابع بحال من الأحوال، أمّا ما جاء عن الغزالي في القرن الخامس، وأبي طاهر السلفي في القرن السادس، وعز الدين بن عبدالسلام وابن دقيق العيد في القرن السابع، وتقي الدين السبكي وابن تيمية في القرن الثامن، والعلاّمة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في القرن التاسع... فإنّ هذا ونحوه لا يتجاوز ـ في نظر المنهج العلمي الحديث ـ باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد، وهو القدر الذي أوضحناه في كتابنا «تاريخ التشريع الإسلامي في مصر».
أمّا علماء الشيعة الإمامية فإنّهم يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في جميع صوره التي حدّثناك عنها، ويصرّون عليه كل الإصرار ولا يقفلون بابه دون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا.
وأكثر من ذلك تراهم يفترضون بل يشترطون وجود «المجتهد المعاصر» بين ظهرانيهم، ويوجبون على الشيعة اتباعه رأساً دون من مات من

1 . للعلاّمة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر راجع ص 17ـ 18 من المقدمة.

صفحه 41
المجتهدين مادام هذا المجتهد المعاصر استمد مقوّمات اجتهاده ـ أُصولها وفروعها ـ من المجتهدين، وورثها عن الأئمّة كابراً عن كابر.
وليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهوي فؤادي في قولهم بالاجتهاد.
وإنّما الجميل والجديد في هذه المسألة أنّ الاجتهاد على هذا النحو الذي تقرأه عنهم يساير سنن الحياة وتطوّرها، ويجعل النصوص الشرعية حية متحركة نامية متطورة، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا تجمد ذلك الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم. ولعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفات الإمامية وتضخّم مطّرد في مكتبة التشيّع راجع ـ في نظرنا ـ إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه».
هذا هو الاجتهاد، وهذا دوره في خلود الدين وصلوحه للظروف والبيئات ولم يكن إغلاقه إلاّ جهلاً بأهميته أو ابتغاء للفتنة، أو تزلفاً إلى أبناء الدنيا، أو جبناً عن النطق بالصواب، وعلى أي تقدير فقد تنبّه بعض الجدد 1من أهل النظر بلزوم فتحه وإنمائه، وأنّ الاجتهاد أحد مصادر الشريعة التي تسع كل تطور تشريعي، قال في مقال له حول الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بمصر وإثبات ما عليه القواعد الشرعية من سموّ وشمول ودقة وإحكام مع اتّسامها دائماً بالجدة، وملائمة أحكامها لكل حضارة ولكل بيئة

1 . الاُستاذ علي علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الإداري.

صفحه 42
ولكل زمان: «النصوص الشرعية للأحكام التي وردت في الكتاب والسنّة قليلة إذا ما قيست بمواد القانون في أي شريعة وضعية، إذ الآيات القرآنية التي تضمّنت اُصول الأحكام على ما أحصاها ابن قيم الجوزية لا تعدو مائة وعشرين آية من نيف وستة آلاف آية، أمّا الأحاديث فخمسمائة من أربعة آلاف حديث، ولقد أراد اللّه بذلك أن يهيّئ للناس فرصة الاجتهاد في الفروع دون الأُصول، فجعل النصوص الأصلية لقواعد الشريعة عامة، دون التعمّق في التفاصيل ليتسع لها عقل من نزل فيهم القرآن وليترك للقوى الإنسانية التي أودعها مخلوقاته، فرصة العمل والتفكير والتدبير واستنباط الأحكام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنّة، لما يجد ويعرض لهم في حياتهم من مشاكل وأقضية تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهذا هو الاجتهاد وهو أحد مصادر الشريعة المحمدية.
ومشروعية هذا المصدر ثابتة من حديث معاذ بن جبل إذ أنّه لمّا بعثه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن قال له: «بمَ تقض يا معاذ؟ قال: بكتاب اللّه، قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): فإن لم تجد؟ قال: فبسنّة رسول اللّه، قال: وإن لم تجد؟ قال: اجتهد برأيي، فأقره على ذلك». 1 وما كان يمكن أن ينزل الكتاب والسنّة على غير هذا الإجمال والتعميم، لأنّ هذه الشريعة إنّما نزلت لكل زمان وكل مكان : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً) .
ولو أنّ صاحب الشريعة عني بالتفاصيل والجزئيات لوجب أن يقدر ما

1 . قد مر المراد من الحديث فلاحظ.

صفحه 43
سيكون عليه العالم من نظم مختلفة واختراعات مستحدثة في جميع الأمكنة والأزمنة فيضع لها ولما تفرّع عنها، من التفاصيل، ولو أنّه فعل ذلك لما اتسع وقت الرسالة لهذا كلّه، بل لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقدها، ولأنّها تضمّنت أحكاماً عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسهم، ويصعب عليهم تصورها، لأنّها لم تعرف في زمانهم، ولنضرب لذلك مثلاً فقد نزلت في القرآن آية تضمّنت الحكم العام لآداب التلاوة وجرت على نسق مختصر: (وَ إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)1وحدث بعد نزولها بنيف وألف وثلاثمائة عام أن اخترع المذياع (الراديو) والتلفزيون ، ولما بدأ بإذاعة آيات الذكر الحكيم به، بدأ التسائل عن حكم الشرع والدين في ذلك أحلال هو أم حرام؟ وهل تصح إذاعته في منتدى ترتكب فيه الآثام والموبقات وتدار كؤوس الخمر؟
لا بدع في أنّ حكم هذه الجزئية لم يرد بنص صريح في الكتاب، وانّ ذلك ترك للاجتهاد على هدى الحكم العام الوارد بالآية الشريفة، لا بدع في ذلك، إذ لو أُريد للشريعة أن تتضمّن الأحكام المفصلة لجميع الفروع والجزئيات لوجب أوّلاً إفهام الذين نزل عليهم الدين وقت الرسالة ما هو الراديو وما هو التلفزيون، ولو حاول الرسول ذلك وقال لهم: إنّ مخترعات البشر بإذن اللّه ستجيء للعالم بعد ألف وثلاثمائة عام بآلة يستطيع بها الإنسان أن يسمع ويرى صورة المحدث وهو على بعد آلاف الفراسخ والأميال، لما صدّقوه لعدم إمكانهم تصوره ولجادلوه فأكثروا جداله في كنه

1 . الأعراف: 204 .

صفحه 44
تلك الآلة، ولما لزمتهم حجته في أنّ الذي يقوله ليس من عنده وإنّما هو من عند اللّه لأنّ الحجة لا تلزمها صفة الإقناع إلاّ متى دخلت مناط العقل، أمّا إذا كانت فوق إدراك المرسل إليهم فهي داحضة...
والاجتهاد هو الباب الذي دخلت منه إلى حضيرة الشريعة الإسلامية كل الحضارات بما فيها من مشاكل قانونية ومالية واجتماعية فوسعها جميعاً وبسط عليها من محكم آياته وسديد قواعده ما أصاب المحجة، فكان للشريعة الإسلامية في ذلك تراث ضخم تسامى على كل الشرائع وأحاط بكل صغيرة وكبيرة من أُمور الدين والدنيا...
أفبعد ذلك يصح في الأفهام أن تتهم الشريعة الإسلامية بالقصور، أو بأنّها نزلت لعرب الجزيرة لتعالج أُمورهم في حقبة من الزمان انقضى عهدها، أو أنّها تضيق عن أن تجد الحلول لمشاكل الحضارات الحديثة، إرجعوا إليها وإلى تراثها الضخم تجدوا أنّها عالجت الجليل والخطير والصغير والكبير من أُمور الدين والدنيا فيها ذكر ما مضى، وفيها ذكر الحاضر، وفيها ذكر المستقبل وسيظل العلم الحديث يكشف عمّـا فيها من كنوز، وستترى المشاكل على العالم جيل بعد جيل، ويضطرب العالم في محاولة الحلول لها دون جدوى إلاّ إذا رجع إلى أحكام هذا الدين وهذه الشريعة المحكمة السمحة، حيث الدواء الشافي والعلاج الحاسم لكل ما يجيب العالم في حاضره وفي مستقبله. 1

1 . مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب العدد الأوّل من السنة الخامسة: 51.

صفحه 45
وممّـا يؤيد لزوم انفتاح باب الاجتهاد إلى يوم القيامة هو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما هذا ملخّصه:
انّه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متمكناً من دوام الحضور عنده (صلى الله عليه وآله وسلم) لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن كل مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب ويفوت عن الآخرين فلمّا تفرق الأصحاب بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم) في البلدان تفرقت الأحكام المروية عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها، فيروى في كل بلدة منها جملة، ويروى عنه في غير تلك البلدة جملة أُخرى حيث إنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام.
ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والإدراكات وسائر القوى والملكات تختلف طبعاً الآراء والاجتهادات، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسبب اختلاف فتواهم ثم تزايد ذلك الاختلاف بعد عصر الصحابة.
ثم قال: ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة فكانوا لا يتعدون عنها غالباً، ولما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الأمر إلى فقهاء الأمصار أبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان التيمي (الظاهر عثمان بن مسلم البطي) وسوار

صفحه 46
بالبصرة، والأوزاعي بالشام والليث بن سعد بمصر فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون من التابعين وتابعيهم أو يجتهدون.
وذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه:
انّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 هـ إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.
وفي آوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمن، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 هو عبد الرحمن بن القاسم.
قال: ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 هـ وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين اللّه أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي، إلى مصر سنة 358 هـ فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).
ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

صفحه 47
فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم. 1
وهذه الكلمة الأخيرة «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّ ربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً ثم فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: «العامي المقلد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة، وبأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ماورائها حراماً معيّناً مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها، بالقهر والغلبة من الدولة

1 . راجع الخطط المقريزية: 2 / 333و334و 344.

صفحه 48
والحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة، ص 216 في وقائع سنة 645 هـ يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو، سنة 656 هـ فلاحظ ذلك الكتاب 1.
وفي الختام نلفت نظر القارئ الكريم لمعرفة قضية الاجتهاد وتطوره وعلل إيصاد بابه لدى بعض المسلمين إلى المصادر التالية:
1ـ المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار: تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي، المولود في بعلبك عام 766 هـ والمتوفّـى بالقاهرة عام 845 هـ .
2ـ تاريخ اليعقوبي المعروف بابن واضح الأخباري من أعلام القرن الثالث الهجري.
3ـ الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة 723 هـ .
4ـ الإنصاف في بيان سبب الاختلاف.
5ـ عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ألّفهما ولي اللّه الدهلوي، المولود سنة 1114 هـ والمتوفّى 1180 هـ .
6ـ الاقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.

1 . راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلامة الطهراني : 104.

صفحه 49
7ـ الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد: ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفّـى سنة 1307 هـ ، وطبعا بالاستانة عام 1295 هـ .
8ـ حصول المأمول من علم الأُصول: له أيضاً طبع في الجوائب سنة 1296 هـ .
9ـ مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد المولود في القاهرة سنة 1288 وهي تحت عنوان: «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة»، طبعت مستقلة في القاهرة سنة 1344 هـ .
10ـ ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب» وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.
11ـ أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: للحافظ ابن قيم الجوزية (المتوفّى 751 هـ).
12ـ تاريخ حصر الاجتهاد: لشيخنا العلاّمة آقا بزرگ الطهراني المتوفّـى يوم الجمعة 13 ذي الحجة عام 1389 هـ .
إلى غير ذلك من المؤلفات، وقد أشار إلى غير ما ذكرنا صديق حسن خان في كتابه «حصول المأمول في علم الأُصول» ص 198.

صفحه 50
 
شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا
ربّما يختلج في أذهان بعض القصّر من النّاس عدم مشروعية الاجتهاد الدّارج في أعصارنا هذه، مستدلاً بأنّ الفقه فيها أخذ لنفسه صورة فنيّة، وجاء على طراز سائر العلوم العقليّة الفكرية بعد ما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنيّة على سماع الأحكام من النبيّ والأئمة (عليهم السلام) وبثها بين الناس من دون اجتهاد من الراوي في تشخيص حكم اللّه تعالى بترجيح دليل على آخر أو تقييده أو تخصيص واحد بالآخر، إلى غير ذلك من الأُصول الدّارجة في زماننا.
الجواب:
إنّ ذلك أشبه شيء بالشّبهة ويمكن الإجابة عنها بوجهين:
الأوّل: إنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع وإعمال النظر في الروايات والتدقيق في دلالتها وترجيح بعضها على بعض، كان موجوداً في أعصارهم، دارجاً بين أصحابهم (عليهم السلام)، فإنّ الاجتهاد وإن توسّع نطاقه في أعصارنا وبلغ مبلغاً عظيماً، إلاّ أنّ أصله بالمعنى الجامع بين عامّة مراتبه كان دارجاً في تلك العصور، وإنّ الأئمة (عليه السلام)أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم، وكانت السيرة آنذاك هي الرّجوع إليهم من دون تزلزل وتردّد، والدالُّ على وجود الاجتهاد بهذا المعنى آنذاك عدّة من الروايات وهي كالتالي:
الأُولى: ما رواه ابن إدريس (رضي الله عنه) في «مستطرفات السرائر» نقلاً عن

صفحه 51
هشام بن سالم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأُصول وعليكم أن تفرّعوا». 1
الثانية: ما روي عن كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرّضا (عليه السلام)قال: «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع» 2.
أقول: إنّ التفريع الّذي هو استخراج الفروع عن الأُصول الكليّة الملقاة وتطبيقها على مواردها وصغرياتها، إنّما هو شأن المجتهد وما هو إلا الاجتهاد، نعم التفريع والاجتهاد يتفاوت صعوبة لتفاوت نطاقه حسب مرور الزمن، فإذا قال الإمام (عليه السلام): «لاتنقض اليقين بالشك» أو روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار» كان على المخاطبين وعلى علماء الأعصار المستقبلة استفراغ الوسع في تشخيص صغرياتها، ومايصلح أن يكون مصداقاً له وما لا يصلح، وهذا ما نسمّيه بالاجتهاد.
الثالثة: مارواه الصّدوق (رضي الله عنه) في « معاني الأخبار » عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب».3
أقول: إنّ عرفان معاني الكلام ليس إلاّ تشخيص ما هو الأظهر بين

1 . الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51.
2 . الوسائل: 18، كتاب القضاء، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52 .
3 . الوسائل: 84 ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27 .

صفحه 52
المحتملات بالفحص عن القرائن الحافّة بالكلام، وبعرض أخبارهم (عليهم السلام)على الكتاب والسنّة إلى غير ذلك ممّا يوضّح به المراد ويعيّن المفاد، وليس هذا إلاّ الاجتهاد.
الرابعة: ما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في عيونه بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم ـ ثم قال (عليه السلام): ـ إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولاتتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا».1
أقول: إنّ ردّ المتشابه إلى محكمه، بجعل أحدهما قرينة على الآخر، وتحقّقه موقوف على الاجتهاد.
الخامسة: الروايات الواردة في تعليم أصحابهم (عليهم السلام)كيفيّة استفادة أحكام الفروع من الذكر الحكيم، رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام)قوله: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال (عليه السلام): «يازرارة، قاله رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل به الكتاب من اللّه عزّ وجلّ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال: (فاغسلوا وجوهكم)فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: (وأيديكم إلى المرافق)، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وامسحوا برءُوسكم) فعرفنا حين قال: (برءُوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين

1 . الوسائل: 18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22 .

صفحه 53
بالوجه فقال: (وأرجلكم إلى الكعبين)فعرفنا حين وصلهما بالرّأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)للنّاس فضيّعوه». 1
السادسة: ما في رواية عبدالأعلى مولى آل سام بعد ما سأل الإمام (عليه السلام)عن حكم المسح على المرارة، قال (عليه السلام): «يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّوجلّ قال اللّه تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)2، امسح عليه» 3.
أقول: لقد أوضح للسائل كيفيّة الاستنباط، وردّ الفروع إلى أُصولها، ونظير ما تقدّم بل أقوى منه ما في مرسلة يونس 4 الطويلة الواردة في
أحكام الحائض والمستحاضة فإنّ فيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد، وغير ذلك من الروايات المرشدة إلى دلالة الكتاب وكيفيّة الاستدلال،

1 . الوسائل: 1، الباب23 من أبواب الوضوء، الحديث 1.
2 . الحج: 78 .
3 . الوسائل: 1 ، الباب39 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
4 . الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب الحائض، الحديث 4.
وهناك حديث أيضاً في أبواب الحيض، الباب 41 الحديث5 ـ ص589 يمكن أن يفي بالمطلوب، وهو عن إسماعيل الجعفيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الراوي: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):إنّ المغيرة بن سعيد، روى عنك أنّك قلت له: إنّ الحائض تقضي الصّلاة؟ فقال (عليه السلام): «مالهُ، لاوفّقه اللّه، إنّ امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرّراً، والمحرّر للمسجد يدخله ثمّ لايخرج منه أبداً، فلمّا وضعتها قالت: ربّ إنّي وضعتها أُنثى وليس الذكر كالأُنثى، فلمّا وضعتها أدخلتها المسجد، فساهمت عليها الأنبياء، فأصابت القرعة زكريّا (عليه السلام) فكفلها، فلم تخرج من المسجد حتّى بلغت، فلمّا بلغت ماتبلغ النساء خرجت، فهل كانت تقدر على أن تقضي تلك الأيّام التي خرجت وهي عليها أن تكون الدهر في المسجد».

صفحه 54
وهي منبثّة في طيّات أبواب الفقه فراجع.
السابعة: قول الباقر (عليه السلام) لزرارة ومحمّد بن مسلم حيث سألاه (عليه السلام)وقالا له: ماتقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ وكم هي؟ فقال (عليه السلام) : «إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة)1 فصار التقصير في السّفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا له: قال اللّه عزّ وجلّ: (فليس عليكم جناح) ولم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك؟ فقال (عليه السلام): «أوليس قد قال اللّه عزّ وجلّ في الصّفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما)(2)، ألا ترون أنّ
الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه، وصنعه نبيّه، وكذلك التقصير، شيء صنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره اللّه في كتابه» 2.
الثامنة: مقبولة عمر بن حنظلة ، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، وما يحكم له فإنمّا يأخذ سحتا، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى:(يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أن يَكْفُرُوا بِه)».
قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد

1 . النساء: 101 .   2 . البقرة: 158 .
2 . الوسائل: 5 ، الباب22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

صفحه 55
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنمّا استخفّ بحكم اللّه وعلينا ردّ، والرّاد علينا رادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه».
قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلاًمن أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال (عليه السلام): « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولايلتفت إلى مايحكم به الآخر».
(إلى أن قال): قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟
قال (عليه السلام): «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد».1 وفي المقبولة إرشاد إلى كيفيّة استنباط الحكم من الكتاب والسنّة، وعلاج الخبرين المتعارضين بعرضهما عليهما، وهذا واضح لمن تأمّلها، وهي صريحة بوجود الاجتهاد ـ بالمعنى الدارج في زماننا ـ في عصر الصادق (عليه السلام).
التاسعة: روى العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام فأتيا محمّد بن علي (عليه السلام)فقال لهما: «بِمَ تقضيان»؟ فقالا: بكتاب اللّه والسنّة، قال (عليه السلام) : «فما لم تجداه في

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

صفحه 56
الكتاب والسنّة»؟ قالا: نجتهد رأينا، قال (عليه السلام): «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت وسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيّان»؟ قالا: القافّة، قال (عليه السلام): «القافة 1 ـ يتجهّم منه لهما ـ »قالا: فأخبرنا؟ قال: «لا » !!
قال ابن داود مولى له: جعلت فداك بلغني أنّ أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام)قال: «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه وألقوا سهامهم إلاّ خرج السّهم الأصوب»، فسكت 2.
العاشرة: روى الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل طلّق امرأته طلاقاً لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، فتزوّجها رجل متعة أتحلّ للأوّل؟ قال (عليه السلام): «لا ، لأنّ اللّه تعالى يقول: (فَإِنْ طَلّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَها ...)والمتعة ليس فيها طلاق» 3.
الحادية عشرة: روى الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «يا أبا محمّد، ماتقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة»؟ قال: قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال (عليه السلام): «لتقولنَّ فإنّ ذلك يعلم به قولي». قلت: لايجوز تزويج نصرانيّة على مسلمة ولا غير مسلمة.

1 . القافة جمع قائف وهو الّذي يعرف الآثار. وفي جامع أحاديث الشيعة: 24/514 التعليقة: تجهّم لهما أي: استقبلهما بوجه عبوس كريه، كناية عن عدم علم القافة وعدم تشخيصها، ـ القافة تلحقهما بهما ـ في نسخة الوافي.
2 . التهذيب: 9 /363 ح18، باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.
3 . الوسائل: 15، كتاب الطلاق، الباب9 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 4.

صفحه 57
قال (عليه السلام) : «ولِمَ» ؟ قلت: لقول اللّه عزّ وجلّ: (وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِن...) 1.
قال (عليه السلام) : «فما تقول في هذه الآية:
(وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُم...)؟» (2) .
قلت: فقوله: (لاتنحكوا المشركات) نسخت هذه الآية؟ فتبسّم (عليه السلام)ثمّ سكت 2.
الثانية عشرة: عن جعفر بن سماعة أنّه سأل عن امرأة طلّقت على غير السنّة: ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: ألست تعلم أنّ عليَّ بن حنظلة روى: إيّاكم والمطلَّقات ثلاثاًعلى غير السنّة، فإنّهنَّ ذوات الأزواج ؟ فقال: يابنيّ رواية عليّ بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (عليه السلام)أنّه قال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنَّ فلابأس بذلك» 3.
فقدّم الخبر الثاني على الأوّل بإحدى ملاكات التقديم. هذا إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الظاهرة في وجود الاجتهاد بين أصحاب الأئمّة (عليهم السلام).

1 . البقرة: 221.   2 . المائدة: 5 .
2 . الوسائل: 14 ، كتاب النّكاح، الباب1من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه، الحديث 3.
3 . الوسائل: 15، الباب30 من أبواب مقدّمات الطّلاق وشرائطه، الحديث 6 .

صفحه 58
 
3

في تجزؤ الاجتهاد

يقع الكلام في التجزؤ في الاجتهاد في مقامين ـ وان لم يفصله المصنّف في مورده ـ فنقول:
تارة نبحث في إمكان التجزؤ وأُخرى في أحكامه.

القول في إمكان التجزّؤ

اختلفت كلمتهم في إمكان التجزؤ فالغزالي والآمدي وغيرهما يرون جواز تجزئة الاجتهاد، ونقل عن أبي حنيفة أنّ الاجتهاد غير متجزّي حيث قال: إنّ الفقيه هو الّذي له ملكة الاستنباط في الكلّ 1 والمعروف بين الأصحاب هو إمكانه. هذا:
واستدلّ القائل بالامتناع على أنّ الملكة أمر بسيط وحدانيّ، والبسيط لا يتجزّأ، فإن وجدت ملكة الاستنباط فهو الاجتهاد المطلق وإلاّ فلا اجتهاد.

1 . حاشية الأزميريّ على مرقاة الوصول المسمّـاة بمرآة الأُصول لملاّ خسرو من الحنفيّة ـ(نقلاً عن كتاب الاجتهاد في الإسلام ـ د ـ نادية شريف العمريّ).

صفحه 59
وكذا الأمر لو فسّر الاجتهاد بنفس الاستنباط لا ملكته فإنّه أيضاً أمر بين الوجود والعدم لابين الكلّ والبعض.
يلاحظ عليه بأحد أمرين:
الأوّل: أنّه ملكة بسيطة ذات مراتب متعدّدة، فهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل السهلة أو مسائل كتاب واحد كالإرث أو الدماء الثلاثة وهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل الصعبة المعضلة. فكونها بسيطة لا ينافي أنّها ذات مراتب تختلف شدَّةً وضعفاً.
الثاني: أنّ الاجتهاد ليس ملكة واحدة، بل هناك ملكات مختلفة ومتعدّدة، فإنّ ملكة الاستنباط في باب المعاملات غيرها في باب العبادات، والاستنباط في قسم من مسائلها يبتني على معرفة القواعد الفقهيّة والارتكازات العرفيّة في تلك المجالات من دون حاجة إلى معرفة فنّ الحديث ورجاله وأسناده وكيفيّة الجمع بين متعارضيه، وهذا بخلاف أبواب العبادات فإنّ الاستنباط فيها لا ينفكّ عن هذه الأُمور وغيرها، وعليه تكون ملكة الاستنباط فيها ملكتين لاملكة واحدة، ولا مانع من حصول إحداهما دون الأُخرى. 1

1 . كما قيل: إنّ مدّعي إمكان التجزّي لايريد بذلك أنّ ملكة الاجتهاد قابلة للتّجزّي وأنّ للمتجزّي نصف الملكة أو ثلثها، بل مراده أنّ متعلّق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلّقها في المجتهد المطلق لأنّها فيه أوسع. وقيل: التجزّي تبعيض في أفراد الكلّي، لا التبعيض في أجزاء الكلّ(التفريق لأجزاء المركّب) فالفرق بين المطلق والمتجزّي إنمّا هو بزيادة أفراد ملكة الاستنباط ونقيصتها لابشدّة الملكة وضعفها.

صفحه 60
قال الغزالي: وليس الاجتهاد عندي منصبّاً لايتجزّأ... فمن عرف طريق النظر القياسيّ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهراً في علم الحديث...ثم ضرب أمثلة أُخرى، مثلاً أن يكون عارفاً بأُصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصّل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا وليّ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولاتعلّق لتلك الأحاديث بها...ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذّميّ وطريق التصرّف فيه فما يضرّه قصوره عن علم النحو الّذي يعرف قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَين) ... وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كلّ مسألة فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري، وكم توقّف الشافعي بل الصحابة في المسائل.1
وقال الآمدي: وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفاً بما يتعلّق بتلك المسألة، وما لابدّ منه فيها، ولايضرّه في ذلك جهله بما لاتعلّق له بها ممّا يتعلّق بباقي المسائل الفقهيّة. 2
واستدلّ القائل بالإمكان بوجهين:
الأوّل: إنّ أبواب الفقه مختلفة مدركاً، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة، عقلية أو نقلية مع اختلاف الأشخاص، وربّ شخص له مهارة في النقليات دون العقليات وكذلك العكس، وهذا يوجب حصول القدرة القويّة في بعضها دون بعض.

1 . المستصفى: 2 /353 و354.
2 . الإحكام في أُصول الأحكام: 4 /171.

صفحه 61
الثاني: استحالة حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزّؤ للزوم الطّفرة. 1
وأورد عليه: بأنّ الأفراد (الاستنباطات) كلّها في عرض واحد، ولايكون بعضها مقدّمة لبعض آخر حتى يتوقّف الوصول إلى المرتبة العالية على طيّ المراتب النّازلة، فلا مانع عقلاً من حصوله دفعة ـ وبلا تدريج ـ ولو بنحو من الإعجاز من نبيّ أو إمام، إلاّ أن يكون مراده من الاستحالة، العاديّة لا العقلية فإنّه لايمكن عادة حصول الاجتهاد المطلق دفعة بل هو متوقّف على التدرّج شيئاً فشيئاً. 2

في أحكام المتجزّئ

قد وقفت على إمكان التّجزّي في الاجتهاد، فيقع الكلام في أحكامه وهي عبارة عن:
الأوّل: جواز عمله بما استنبط.
الثاني: جوازُ رجوع الغير إليه.
الثالث: نفوذ قضائه.
أمّا الأوّل: فلا شك في أنّه يجوز له العمل بما استنبط وإلاّ فلابدّ من

1 . كفاية الأُصول: 2 /467.
2 . مصباح الأُصول: 3 /442 وقال(رضي الله عنه) بعد ذلك: «فإن كان مراده هذا فهو صحيح، لكنّه خلاف ظاهر كلامه من الاستدلال بلزوم الطفرة، فإنّ ظاهره الاستحالة العقلية».

صفحه 62
الاحتياط أو الرجوع الى الغير، والأوّل غير واجب باتفاق الكلّ أو حرام لاستلزامه العسر والحرج، وجواز الثاني موقوف على تحقّق موضوعه وهو كونه غير عالم أو جاهل سواء كان مستند التّقليد ماورد في الآيات والروايات من الرجوع إلى أهل الذكر والعلم، أم السيرة العقلائية، فإنّ الموضوع على كلّ تقدير هو غير العارف والجاهل، فلا يعمّ العالم.
وأمّا الثاني: فإن كان هناك من هو أفقه منه ـ أو على تعبير القوم ـ أعلم منه، فإن قلنا بوجوب الرجوع إليه فلا يجوز الرجوع إلى المتجزّي في المقام، بلغ ما بلغ من العلم، وإلاّ فلا مانع من الرجوع إليه، ويكون المتجزّي والمطلق في جواز الرّجوع سيّان.
نعم، ربمّا يكونُ رأي المتجزّي أقرب إلى الواقع من المطلق، كما إذا بذل جهده في باب أو أبواب مترابطة سنين، وبرز وبرع وظهرت مقدرته فيه أو فيها،وإذا كانت الفقاهة أمراً قابلاً للتفصيل فهذا المتجزّي أكثر فقاهة من المطلق الّذي صرف عمره في جميع الأبواب، ولم يتوفّق للدّقة والإمعان في كلّ باب بحسبه.
وقد مضى أنّ مبادئ الاستنباط في العبادات غيرها في المعاملات، وأنّ كلاً يحتاج إلى شيء لايحتاج إليه الآخر، بل يحتاج إلى أمر آخر، فلا مانع أن يكون رأي المتجزّي الملمّ في العبادات مثلاً أقرب إلى الواقع من المطلق الملمّ في جميع أبواب الفقه إلاّ أنّه لم تظهر الدقّة والبراعة القويتين منه.
فإن قلت: قد مضى أنّ المقبولة والمشهورة المتقدّمتين غير آبيتين عن

صفحه 63
الرجوع إلى المتجزّي إذا استنبط مقداراً معتدّاً به من الأحكام، وجازَ قضاؤه ونفذ حكمه، فلماذا لا يجوز أخذ الفتوى منه؟
قلت: إنّ مورد الروايتين هو القضاء والحكومة وهما غير أخذ الفتوى، وعدم اشتراط الاجتهاد المطلق فضلاً عن الأعلمية في نفوذ القضاء، لايكون دليلاً على عدم اشتراطهما في الفتوى، ضرورة أنّ اشتراط الأعلمية في القاضي موجب لسد باب القضاء في وجه الأُمّة إلاّ في بلد يعيش فيه الأعلم، وهو واضح البطلان بخلاف اشتراطهما في أخذ الفتوى أو المفتي، فإنّ فتواه تكفي لجميع الأُمّة.
وأمّا الثالث فالحق هو: صلاحيّة المتجزّي للقضاء إذا استنبط شيئاً معتدّاً به، وإن قصرت يده عن معضلات المسائل، فإنّ أهمّ ما يدلّ على شرطية الاجتهاد المطلق هو قوله (عليه السلام) في المقبولة: «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» إلاّ أنّه وارد في قبال المنع عن الرجوع إلى حكام الجور وقضاتهم، بمعنى وجوب الرجوع إلى من كان نظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم (عليهم السلام) ، لا إلى من نظر في حلال الآخرين وحرامهم وعرف أحكامهم التي هي مقابل أحكامهم (عليهم السلام) ، وعليه فمن استنبط شيئاً معتدّاً به من الحلال والحرام والأحكام، كان مصداقاً لقوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا».
وبذلك يعلم حال المشهورة الأُولى لأبي خديجة حيث جاء فيها: «قد عرف حلالنا وحرامنا»، فإنّ هذه الجملة وما في المقبولة ـ من قوله (عليه السلام) : «قد

صفحه 64
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» ـ تتضمّن وراء المعنى الإيجابيّ معنى سلبيّاً وهو نفي الرجوع إلى الغير، والواجب هو الرّجوع إلى من عرف حلالهم وحرامهم نظر فيهما، وهو صادق في حقّ الطبقة العالية من المتجزّئين إذا استنبطوا شيئاً معتداً به كما تقدّم.
ويؤيد ذلك أمران:
الأوّل: إن ّالقضاة الّذين كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيّام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم تكن لهم معرفة فعليّة بجميع الأحكام، لتفرّق الروايات وتشتّتها بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتّى يكونوا متدّرعين بالعلم بجميع الأحكام.
الثاني: كان الأمر في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي (عليه السلام) أيضاً كذلك، فقد بعث النبي معاذاً إلى اليمن وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه...» 1. أتظنّ أنّ معاذاً كان عارفاً بجميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.
وقد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر (رضي الله عنه)في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لاتضيق به الأُمور ولا تمحكـه 2 الخصـوم ـ إلى أن قـال (عليه السلام) : ـ وأوقفهـم في الشبهات

1 . جامع الأُصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: 10/551 رقم 7651، الفصل السادس: في كيفية الحكم.
2 . أمحكهُ: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.

صفحه 65
وآخذهم بالحجج...». 1 فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين بجميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب والسنة وعمل الخلفاء أشياء يقضون ويحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.
نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية وتفتّحت العقول، وازداد العلماء علماً وفهماً، وعدداً وكميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، إلاّ أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم وتقدّمه وازدهار الثقافة.
نعم أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين.
فلا مناص من إشراف قاض ذي تجربة وممارسة، على عمل القضاة المتجزّئين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لاتزلّ بفضله سبحانه.

في تصدّي المقلّد للقضاء

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة:
الأوّل: أن يستقلَّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى ولا وكالة منه، بل يقضي على طبق رأي مقلَّده.
الثاني: أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير.

1 . نهج البلاغة: 2 / 94 رقم 52 قسم الكتب والرسائل، شرح الشيخ محمد عبده.

صفحه 66
الثالث: أن يوكّله في القضاء.
والفرق بين الأخيرين واضح، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي، بخلاف الثالث فإنّه عملُ نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة.
ثمَّ إنّ أمر القاضي ونهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر، فإنّ الأمر والنهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه، مع قطع النظر عن أمر الآمر ونهي النّاهي، وفي هذا المجال المجتهد والمقلّد سواء، يجوز لكلّ منهما أمرُ الغير ونهيه إرشاداً إلى تكاليفه الثابتة مطلقاً، وهذا بخلاف أمر القاضي، فإنَّ ما يحكمُ به ليس تكليفاً للغير مع غضّ النظر عن حكمه، وإنّما يكون تكليفاً له بعد الحكم والقضاء. مثلاً: لو اختلف العامل والمالك، فادّعى العامل ردّ رأس المال وأنكره المالك، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفعُ العين مع وجودها وإلاّ فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا، وهذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه، ولم يكن ثابتاً من قبل، وبما أنّه خلاف القاعدة ـ إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد ونفوذه ـ احتاج نفوذه إلى الدليل وقد عرفت وجود الدليل وثبوته في المجتهد المطلق والمتجزّي الذي استنبط شيئاً معتدّاً به.

صفحه 67
 
4

التخطئة والتصويب في الأُصول والفروع

عقد المصنّف (رحمه الله) فصلاً في حكم المجتهدين في الأُصول وعقد فصلاً آخر في حكم الاجتهاد في المسائل الشرعية، والّذي يجمع هذين الفصلين هو هل المصيب في الأُصول والفروع واحد، أو أكثر، وقلما يتفق من يقول بتصويب عامّة الآراء في الأُصول ومن قال به فإنّما يقول به في الفروع، ونحن نطرح المسألة هنا على صعيد التحقيق في كلا الجانبين.

التخطئة والتصويب في الأُصول

اختلفت أنظارُ الفقهاء في التخطئة والتصويب، وهل أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده أو لا ؟ واتفقوا على أنّ الحقّ واحد في موارد وهي:
الأوّل: إنّ الحقّ في الأُصول والمعارف أمر واحد، وما وافقه هو الحقّ والصّواب وما خالفه هو الخطأ ولم يقل أحد من المسلمين إلاّ من شذَّ بالتّصويب في العقائد1.

1 . قال الغزالي في المستصفى: 2 /359 ـ 360: مسألة: ذهب عبداللّه بن الحسن العنبريّ إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع.
وقال الآمدي في الإحكام: 4 /184، المسألة الثالثة: وزاد عبداللّه بن الحسن العنبريّ بأن قال: كلّ مجتهد في العقليّات مصيب.

صفحه 68
قال المرتضى (قدس سره): «ولاشبهة في أنّ العبادة بالمذاهب المختلفة إنّما يجوز فيما طريقه العمل دون العلم، وأنّ الأُصول المبنية على العلم نحو التوحيد والعدل والنبوّة، لايجوز أن يكون الحقُّ فيها إلاّ واحداً، لأنّ اللّه تعالى لايجوز أن يكون جسماً أو غير جسم ويرى ولايرى على وجهين مختلفين، وبإضافة إلى مكلّفين متغايرين، وقد يجوز أن يكون الشيء الواحد حراماً على زيد وحلالاً على عمرو ـ إلى أن قال: ـ فمن جمع بين أُصول الدّين وفروع الشرع، في هذا الباب فقد ضلّ وأبعد عن الصّواب» 1.
وقال الشيخ الطوسيّ (رضي الله عنه): «إعلم أنّ كلّ أمر لا يجوز تغييره عما هو عليه من وجوب إلى حظر أو من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لايختلف وأنّ الحقّ في واحد وأنّ من خالفه ضال فاسق، وربمّا كان كافراً وذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث، وإذا كان محدثاً هل له صانع أم لا، والكلام في صفات الصّانع وتوحيده وعدله والكلام في النبوّة والإمامة وغير ذلك». 2
الثاني: لاشك أنّ الحقّ في الموضوعات، كالقبلة وأروش الجنايات وقيم المتلفات واحد، فأحد الظنون حقّ وغيره باطل. وأمّا إطلاق التصويب

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 /793 و794.
2 . العدّة: 2 /113 الكلام في الاجتهاد.

صفحه 69
فيها، فإنمّا لغاية كفاية الظنّ في صحّة الصلاة وعدم الإعادة 1.
قال المرتضى (قدس سره) بعد التمثيل بما ذكرناه: «وكلّ مجتهد فيما جرى هذا المجرى مصيب، ألا ترى أنّ من أدّاه اجتهاده إلى أمارة ظهرت له أنّ القبلة في جهة من الجهات، لزمته الصلاة إلى تلك الجهة بعينها، فإذا أدّى غيره اجتهاده إلى أنّ القبلة في غيرها، لزمته الصلاة إلى ما غلب في ظنّه أنّه جهة القبلة، وكلّ منهما مصيب وإن اختلف التكليف». 2
الثالث: ومثل الأمرين المتقدّمين، الموضوعات التي ثبتت أحكامها ببداهة، فلا يتطرّق إليها التصويب بل الحقّ فيها واحد. قال الشيخ (قدس سره):
«وكذلك الكلام في أنّ الظلم والعبث والكذب قبيح على كل حال، وأنّ شكر المنعم و ردّ الوديعة والإنصاف حسن على كلّ حال وما يجري مجرى ذلك، وإنّما قالوا ذلك، لأنّ هذه الأشياء لايصحّ تغيّرها في نفسها ولا خروجها عن صفتها التي هي عليها ... وحكي عن قوم شذاذ لايعتمد بأقوالهم أنهم قالوا: إنّ كلّ مجتهد فيها مصيب وقولهم باطل». 3
الرابع: إذا كان في المسألة نصّ قطعي السّند والدّلالة فلا موضوع للاجتهاد وبالتالي لاموضوع للتصويب والتّخطئة. قال ابن القيّم ناقلاً عن الشافعي:

1 . أي: الحكم الوضعيّ.
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة:2 /793.
3 . عدّة الأُصول : 2 /113.

صفحه 70
«أجمع النّاس على أنّ من استبانت له سنّة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وتواتر عنه (أي الشافعيّ) أنّه قال: وإذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وصحّ عنه أنّه قال: إذا رويت عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حديثاً ولم آخذ به، فاعلموا أنّ عقلي قد ذهب، وصحّ عنه أنّه قال: لاقول لأحد مع سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)». 1
إذا تبيّن موضع النّقاش وعلم أنّ النزاع في التخطئة والتصويب في أمر آخر وهو هل أنّ للّه في كلّ حادثة حكماً معيّناً قبل اجتهاد المجتهد أو لا ؟
نقول : مذهب أصحابنا وجماعة من أهل السنّة والأباضيّين 2 إلى أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً يتّجه إليه المجتهد فيصيبه تارة ويخطئه أُخرى فالحقّ واحد قد يدرك وقد لا، ويبدو أنّ النزاع في التصويب والتخطئة نشأ من تجويز العمل بالقياس وبأخبار الآحاد، قال الطوسيّ (رضي الله عنه):
«واعلم أنّ الأصل في هذه المسألة القول بالقياس والعمل بأخبار الآحاد، لأنّ ما طريقه التواتر وظواهر القرآن فلا خلاف بين أهل العلم أنّ الحقّ فيما هو معلوم من ذلك، وإنّما اختلف القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه». 3

1 . أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: 2 /282.
2 . الاباضيّة أتباع عبداللّه بن إباض المقاعسيّ المريّ التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس ، وإليه نسبتهم وقد عاصر معاوية وعاش إلى أواخر أيّام عبدالملك بن مروان(على ما عليه الأباضيّة)، توفّي عام 86.(بحوث في الملل والنحل : 5 /218).
3 . عدّة الأُصول: 2 /114.

صفحه 71
إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يظهر من الشيخ أنّ أكثر المتكلّمين والفقهاء من غير الشيعة على التصويب وأنّ المخالف منهم بشر المريسيّ وأبو بكر الأصمّ، والأباضيّة والظّاهريّة 1.
قال (رضي الله عنه): «ذهب أكثر المتكلّمين والفقهاء إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم وأبي الحسن (الأشعري) وأكثر المتكلّمين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه فيما حكاه أبو الحسن عنهم.
وقد حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة.
وذهب الأصمّ 2 وبشر المريسيّ 3 إلى أنّ الحقّ في واحد من ذلك وهو ما يقولون به وأنّ ما عداه خطأ، حتى قال الأصمّ: إنّ حكم الحاكم ينقض به ويقولون: إنّ المخطئ غير معذور في ذلك إلاّ أن يكون خطاؤه صغيراً وإنّ سبيل ذلك سبيل الخطأ في أُصول الدّيانات.
وذهب أهلُ الظاهر ـ فيما عدا القياس من الاستدلال وغيره ـ أنّ الحقّ

1 . الظاهرية: أتباع داود بن عليّ الأصفهاني الظاهري(200 ـ 270 هـ) وما أسّسه من المذهب يرتبط بالفروع والأحكام لا العقائد والأصول، فالمصدر الفقهيّ عنده هو النّصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنّصوص وحدها، وإذا لم يكن النصّ أخذوا بالإباحة الأصليّة. (بحوث في الملل والنّحل : 3 /137 ـ 138).
2 . هو عبدالرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم المعتزليّ الأُصولي المفسّر، كان يخطّئ علياً (عليه السلام)في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله. توفّى نحو 225 هـ . الأعلام: 3 / 323 .
3 . هو بشر بن غياث المريسيّ، فقيه معتزليّ وهو رأس الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء وإليه نسبتها وأُوذي في دولة هارون الرّشيد، توفّي عام 218 هـ . الأعلام: 2 / 55 .

صفحه 72
من ذلك في واحد، وأمّا الشافعيّ فكلامه مختلف في كتبه...
ـ إلى أن قال (رضي الله عنه): ـ والذي أذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين من المتقدّمين والمتأخّرين وهو الّذي اختاره سيّدنا المرتضى (قدّه) وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبداللّه، أنّ الحقّ في واحد». 1
ويظهر من الغزالي أنّ مورد النزاع في التصويب والتخطئة هو الواقعة التي لا نصّ فيها، وليس للّه سبحانه فيها حكم معيّن بل الحكم يتبع الظنّ قال: وقد اختلف الناس فيها واختلفت الرواية عن الشافعيّ وأبي حنيفة، وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنّيات مصيب، وقال قوم: المصيب واحد، واختلف الفريقان جميعاً في أنّه هل في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن للّه تعالى هو مطلوب المجتهد، فالّذي ذهب إليه محقّقو المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ بل الحكم يتبع الظنَّ وحكم الله تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه وهو المختار وإليه ذهب القاضي.
وذهب قوم من المصوبة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطّلب إذ لا بدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه. 2

1 . عدة الأُصول : 2 /113 و114.
2 . المستصفى: 2 /363.

صفحه 73
وعلى ذلك فالمصوّبة على فرقتين: فرقة تنكر وجود الحكم المشترك، وفرقة تثبته ولكن تنكر الأمر بإصابته، ولكن في عدّ الفرقة الثانية من المصوبة نوع خفاء، فإنّ المخطّئة تقول بنفس المقالة لأنّ المفروض عدم وجود نصّ في الواقعة، فمعه كيف يكون مأموراً بإصابته، وعليه يصير الحكم الواقعي حينئذ حكماً إنشائيّاً (لافعلياً).
وعلى كلّ تقدير: فإنّ فتوى المفتي على قول الفرقة الأُولى أشبه بالأحكام الأوّليّة الثانويّة 1 عندنا إذ للّه سبحانه في ذلك المجال حكم مشخص تابع للمصالح والمفاسد، ولأجل ذلك تختلف الأحكام الأوّلية وجوباً وحرمة باختلاف الأزمنة والأمكنة، كما أنّها على قول الفرقة الثانية أشبه بالأحكام الظاهرية التي توافق الواقع تارة وتخالفه أُخرى، فعند الموافقة يكون المؤدّى نفس الواقع، وعند المخالفة لايكون مأموراً بإصابته.
ولمّا كان القول بإنكار الحكم الإلهيّ في الوقائع التي لا نص فيها، يحبط من جامعيّة الإسلام في مجال العقيدة والشريعة، حاول بعض أهل السنّة تفسير التصويب بمعنى لا يخالف ذلك، ومجمل ما أفاد: إنّ القول بالتّصويب ليس بمعنى نفي حكم اللّه في الواقع، وإنّ حكم اللّه تابع لرأي المفتي، بل هو في قبال القول بالتأثيم وأنّ المجتهد إذا أخطأ يأثم، فصار القائل بالتصويب ـ بردّ ذلك المتقدّم ـ يعني نفي الإثم لا إصابة الواقع، فعليه يصير النزاع في التصويب والتخطئة لفظياً، وإليك توضحيه:

1 . راجع رسالة «القول المفيد في الإجتهاد والتقليد» (المطبوع ضمن الرسائل الأربع، الرسالة الثالثة): 89 ـ 90 .

صفحه 74
إنّ أهل السنّة في مجال فتوى المفتي على طوائف:
الأُولى: إنّ المجتهد لم يكلّف بإصابة الواقع لخفائه وغموضه فلذلك لم يكن مأموراً به.
الثانية: أمر المجتهد بطلبه وإذا أخطأ لم يكن مأجوراً لكن حطَّ الإثم عنه تخفيفاً.
الثالثة: إنّ المجتهد الذي أخطأ الدليل القطعيّ آثم غير فاسق ولا كافر. وهذا قول بشر المريسي، ونسبه الغزالي والآمدي إلى ابن علّية 1 وأبي بكر الأصمّ، وهؤلاء هم المؤثّمة 2.
وعلى ضوء ذلك: فالمراد من التصويب هو نفي القول بالإثم الذي أصرّ عليه بشر المريسيّ، لا إصابة كلّ مجتهد للحقّ الملازم لنفي الحكم المشترك، وكيف يمكن نسبة القول بالتصويب بمعنى نفي حكم اللّه في الواقعة مع أنّهم

1 . إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، كان جهمياً يقول بخلق القرآن ، له مناظرات مع الشافعيّ، ولد سنة 151هـ وتوفّي عام 218 هـ . الأعلام: 1 / 32 .
2 . قال الغزالي في المستصفى: 2 /361: ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع، بل فيها حقّ معين وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم كما في العقليات، لكن المخطئ قد يكفّر كما في أصل الإلهيّة والنبوّة، وقد يفسّق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ونظائرها، وقد يقتصر على مجرّد التأثيم كما في الفقهيات وتابعه على هذا من القائلين بالقياس ابن عليّة وأبو بكر الأصمّ ووافقه جميع نفاة القياس ومنهم الإمامية.
وقال الآمدي في إحكامه: 4/ 188ـ 189: «وذهب بشر المريسيّ وابن عليّة وأبو بكر الأصمّ ونفاة القياس كالظاهريّة والإمامية إلى أنّه ما من مسألة إلاّ والحقّ فيها متعيّن، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولافاسق.

صفحه 75
رووا في كتبهم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر.1
وممّن جزم بذلك الشوكاني فقال: «إنّ المجتهد لايأثم بالخطأ بل يؤجر على الخطأ بعد أن يوفي الاجتهاد حقّه، ولم نقل: إنّه مصيب للحق الذي هو حكم اللّه في المسألة، فإنّ هذا خلاف ما نطق به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.
فقسّم مايصدر عن المجتهد في الاجتهاد في مسائل الدّين إلى قسمين: أحدهما هو مصيب فيه، والآخر هو مخطئ، فكيف يقول قائل: إنّه مصيب للحق سواء أصاب أو أخطأ، وقد سمّاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مخطئاً ... فمن زعم أنّ مراد القائل بتصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقاً فقد غلط عليهم غلطاً بيّناً ... إنّ مقصودهم: إنهم مصيبون من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ، فهذا لايقول به عالم ومن لم يفهم هذا المعنى فعليه أن يتّهم نفسه. 2
فتبيّن لنا ممّا تقدّم أمران:

1 . أخرجه البخاري في صحيحه: 8 / 157، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، ومسلم في صحيحه: 5 / 131، باب بيان أجر الحاكم بسندهما عن عمرو بن العاص .
وقال الشيخ الأنصاري(رضي الله عنه) في رسائله: 1/10: وقد اشتهر أنّ للمصيب أجرين وللمخطئ أجراً واحداً.
2 . القول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني: 87 . نقلاً عن «الاجتهاد في الإسلام» لنادية العمري: 162 و163.

صفحه 76
الأوّل: إنّ القدر المتيقّن من القول بالتصويب هو الأحكام التي لم يرد فيها نصّ وعوّل أمرها إلى المجتهدين، وبما أنّه ليس فيها واقع محفوظ، يكون الكلُّ مصيباً كالأحكام الحكوميّة.
الثاني: إنّه من المحتمل جدّاً أنّ المراد من التصويب هو نفي الإثم عن المجتهد، لا إصابة الواقع.
نعم، ما ذكره الشوكاني ربما لاينطبق على بعض تعبيراتهم، وعلى كلّ تقدير فالتصويب بالمعنى المشهور باطل عند الإمامية لتضافر الروايات على أنّ حكم اللّه مشترك بين العالم والجاهل 1.
ثمّ إنّ الدّاعي إلى القول بالتصويب هو الإشكال الموجود في الجمع بين الأحكام الواقعيّة والأمارات الظنّية التي ثبتت حجيّتها، مع العلم بأنّ بعضها على خلاف الحكم الواقعي، فزعموا أنّه لابدّ من رفع اليد عن إطلاقات الأدلّة القائلة بعدم اختصاص مداليلها بالعالمين بل شمولها للجاهلين، وإلاّ لزم اجتماع الضدّين وتفويت المصلحة أو الإبقاء في المفسدة، وقد أوضحنا الحال في باب الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري وأنّ المفاسد كلّها خطابيّة كانت أو ملاكيّة، مرتفعة، فلاحظ.

1 . قيل: لاتضافر فضلاً عن التواتر الذي ادّعاه الشيخ الأنصاريّ(رضي الله عنه) (1/144) في الرّوايات والآثار على نحو الدلالة المطابقيّة، ولم ترد على ذلك رواية واحدة ـ بعد الفحص ـ نعم هو مفاد الرّوايات الآمرة بالتوقف والاحتياط على نحو الدّلالة الالتزامية، فإنّها دالة على وجود حكم واقعي لكلّ مسألة، وأنّ الأمر بالاحتياط إنما هو لأجل التحفظ عليه وعدم الوقوع في مخالفته.

صفحه 77
ثم إنّ العلاّمة لم يبحث عن أمرين مهمين ألا وهما:
1. دور الزمان والمكان في الاستنباط.
2. دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية.
وها نحن نبحث فيهما في فصلين مستقلين.

صفحه 78
 
5

دور الزمان والمكان في الاستنباط

أو

الإسلام و متطلّبات العصر

تقديم

دلّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتّفاق المسلمين على أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الخاتم، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، ونبوته خاتمة النبوات، فما جاء على صعيد التشريع من قوانين وسنن تعدّ من صميم ثوابت هذا الدين لا تتطاول عليها يد التغيير، فأحكامه في العبادات والمعاملات وفي العقود والإيقاعات، والقضاء والسياسات أُصول خالدة مدى الدهر إلى يوم القيامة وقد تضافرت عليها الروايات:
1. روى أبو جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال جدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها

صفحه 79
الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة ، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بيّنهما اللّه عزّ وجلّ في الكتاب وبيّنتهما لكم في سنتي وسيرتي».1
2. كما روى زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الحلال والحرام، فقال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيرَه ولا يجيء بعده».2
والروايات في هذا الصدد عن النبي الأعظم وأهل بيته ـ صلوات اللّه عليهم ـ كثيرة، وقد جمعنا طائفة منها في كتابنا مفاهيم القرآن فبلغت 135 حديثاً، وبما أنّ خلود شريعته أمر لم يشكّ فيه أحد من المسلمين، وهو من ضروريات الدين نقتصر على هذا المقدار، ونطرح السؤال التالي:
إذا كانت الحياة الاجتماعية على وتيرة واحدة لصحّ أن يديرها تشريع خالد ودائم، وأمّا إذا كانت متغيرة تسودها التحوّلات والتغييرات الطارئة، فكيف يصحّ لقانون ثابت أن يسود في جميع الظروف مهما اختلفت وتباينت؟
إنّ الحياة الاجتماعية التي يسودها الطابع البدوي والعشائري كيف تلتقي مع حياة بلغ التقدم العلمي فيها درجة هائلة، فكلّ ذلك شاهد على لزوم تغيير التشريع حسب تغيير الظروف.
هذا السؤال كثيراً ما يثار في الأوساط العلمية ويراد من ورائه أمر آخر،

1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47 .
2 . الكافي:1/ 58، الحديث 19 .

صفحه 80
وهو التحرّر من قيود الدين والقيم الأخلاقية، مع نسيان أو تناسي حقيقة انّ تغير ألوان الحياة لا يصادم ثبات التشريع وخلوده على النحو الذي بيّنه المحقّقون من علماء الإسلام.
وذلك لأنّ السائل قد قصرَ نظره على ما يحيط به من الظروف المختلفة المتبدلة، وذهل عن أنّ للإنسان خُلقاً وغرائز ثابتة قد فطر عليها وهي لا تنفك عنه مادام الإنسان إنساناً، وهذه الغرائز الثابتة تستدعي لنفسها تشريعاً ثابتاً يدوم بدوامها، ويثبت بثباتها عبر القرون والأجيال، وإليك نماذج منها:
1. انّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي يحتاج لحفظ نسله إلى الحياة العائلية، وهذه حقيقة ثابتة في حياة الإنسان وجاء التشريع وفقاً لها، يقول سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)1.
2. العدالة الاجتماعية توفّر مصلحة المجتمع وتدرأ عنه الفساد والانهيار والفوضى، فليس للإنسان في حياته الاجتماعية إلاّ السير وفق نهج العدل والابتعاد عن الظلم، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسان وَايتاءِ ذِي القُربى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)2.
3. انّ الفوارق الرئيسية بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما

1 . النور:32.
2 . النحل:90.

صفحه 81
يختلفان في الخلقة على رغم كلّ الدعايات المزيّفة التي تبغي إزالة كلّ تفاوت بينهما، وبما انّ هذا النوع من الاختلاف ثابت لا يتغير بمرور الزمان فهو يقتضي تشريعاً ثابتاً على شاكلة موضوعه، يقول سبحانه: (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَبِما أَنْفقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ)1.
4.الروابط العائلية هي روابط طبيعية ، فالأحكام المنسِّقة لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، يقول سبحانه: (وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْض فِي كِتابِ اللّه) 2 والمراد من الأولوية هي الأقربية.
5. انّ الحياة الاجتماعية رهن الحفاظ على الأخلاق، وممّا لا شكّ فيه انّ الخمر والميسر والإباحة الجنسية تقوِّض أركان الأخلاق، فالخمر يزيل العقل، والميسر يورث العداء في المجتمع، والإباحة الجنسية تفسد النسل والمجتمع فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.
هذه نماذج استعرضناها للحياة الاجتماعية التي لا تمسّها يد التغير، وهي ثابتة ، فإذا كان التشريع على وفق الفطرة، وكان نظام التشريع قد وضع وفق ملاكات واقعية، فالموضوعات تلازم أحكامها، ملازمة العلة لمعلولها، والأحكام تتبع موضوعاتها تبعيّة المعاليل لعللها.
هذا جواب إجمالي، وأمّا الجواب التفصيلي فهو رهن الوقوف على

1 . النساء:34.
2 . الأنفال: 75.

صفحه 82
الدور الذي يلعبه الزمان والمكان في مرونة الأحكام الشرعية، وتطبيع الأحكام على متطلبات العصر، وهذا هو الذي سنقوم بدراسته.

دور الزمان والمكان في الاستنباط

قد يطلق الزمان والمكان ويراد منهما المعنى الفلسفي، فيفسر الأوّل بمقدار الحركة، والثاني بالبعد الذي يملأه الجسم، والزمان والمكان بهذا المعنى خارج عن محط البحث، بل المراد هو المعنى الكنائي لهما، أعني: تطور أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدم الزمان وتوسع شبكة الاتصالات. وهذا المعنى هو الذي يهمّنا في هذا البحث، ودراسته تتم في ضمن بحوث خمسة:
الأوّل: دراسة الروايات الواردة في ذلك المضمار.
الثاني: نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء.
الثالث: تطبيقات عملية.
الرّابع: دورالزمان والمكان في الأحكام الحكوميّة.
الخامس: في دراسة العنصرين في الفقه السني.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

صفحه 83
 
البحث الأوّل

استعراض الروايات الواردة

في ذلك المضمار

قد أُشير في غير واحد من الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) إلى أنّ للزمان والمكان دوراً في تغير الحكم إمّا لتبدّل موضوعه بتبدّل الزمان، أو لتغير ملاك الحكم إلى ملاك آخر، أو لكشف ملاك أوسع من الملاك الموجود في عصر التشريع أو غير ذلك ممّا سيوافيك تفسيره عند البحث في التطبيقات.
وأمّا ما وقفنا عليه في ذلك المجال من الأخبار، فنذكره على الترتيب التالي:
1. سئل علي (عليه السلام) عن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «غيّروا الشيبَ ولا تشبَّهوا باليهود».
فقال (عليه السلام) : «إنّما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك والدين قُلّ، فأمّا الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار».1

1 . نهج البلاغة، قسم الحكم، رقم 17.

صفحه 84
فقول الإمام يشير إلى إنّ عنوان التشبّه كان قائماً بقلّة المسلمين وكثرة اليهود، فلو لم يخضِّب المسلمون الشيب يوم كانوا أقلية صار عملهم تشبهاً باليهود وتقوية لهم، وأمّا بعد انتشار الإسلام في أقطار الأرض على نحو صار اليهود فيه أقلية، فلا يصدق التشبّه بهم إذا تُرك الخضاب.
2. روى محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّهما سألاه عن أكل لحوم الحمُر الأهلية، فقال: «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكلها يوم خيبر، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس، وإنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن».1
والحديث يشير إلى أنّ نهي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أكل لحومها كان لأجل أنّ ذبحها في ذلك الوقت يورث الحرج والمشقة ،لأنّها كانت سبباً لحمل الناس و الأمتعة من مكان إلى آخر، فإذا ارتفعت الحاجة في الزمان الآخر ارتفع ملاك الحرمة.
3. روى محمد بن سنان ، أنّ الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: «كره أكل لحوم البغال والحمر الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها وقلّتها لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها».2
4. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عمّن سمعه، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل؟ وقلت له: إنّه بلغنا أنّ

1 . وسائل الشيعة:16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 1.
2 . وسائل الشيعة:16، الباب 4 من كتاب الأطعمة والأشربة، الحديث 8.

صفحه 85
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أيّما رجل ترك دينارين فهما كيّ بين عينيه، قال: فقال: «أُولئك قوم كانوا أضيافاً على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أمسى، قال: يا فلان اذهب فعشّ هذا، فإذا أصبح قال: يا فلان اذهب فغدّ هذا، فلم يكونا يخافون أن يصبحوا بغير غذاء ولا بغير عشاء، فجمع الرّجل منهم دينارين، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه هذه المقالة، فإنّ الناس إنّما يُعطَون من السنة إلى السنة فللرّجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة».1
5. روى حماد بن عثمان، قال: كنت حاضراً عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ قال له رجل : أصلحك اللّه، ذكرت أنت علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد، قال: فقال له:«إنّ علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشُهر به، فخير لباس كلّ زمان، لباس أهله».2
6. روى مسعدة بن صدقة: دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه (عليه السلام)فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقئ البيض، فقال: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال الإمام ـ بعد كلام ـ: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في زمان مُقْفر جدْب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها».3

1 . معاني الأخبار:152، باب معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «أيما رجل ترك دينارين».
2 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 7 .
3 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 10 .

صفحه 86
7. روى عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول :«بينا أنا في الطواف وإذا برجل يجذب ثوبي، وإذا هو عباد بن كثير البصري»، فقال: يا جعفر بن محمد تلبس مثل هذه الثياب وأنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من علي (عليه السلام)؟! فقلتُ :«فُرقبيّ اشتريته بدينار، وكان علي (عليه السلام)في زمان يستقيم له ما لبس فيه، ولو لبستُ مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد».1
8. روى المعلى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ عليّاً كان عندكم فأُتي بني ديوان2 واشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب والإزار إلى نصف الساق، و الرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى إليتيه، وقال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه، قال أبو عبد اللّه: «ولكن لا يقدرون أن تلبسوا هذا اليوم ولو فعلناه لقالوا مجنون، ولقالوا مرائيّ».3
9. روى أبو بكر الحضرميّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لسيرة علي(عليه السلام) في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم تُسب شيعته».4

1 . الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 3 .
2 . كذا، وفي الوافي نقلاً عن الكافي:(فأُتي ببُرد نوار) وقال في بيانه:النوار: النيلج الذي يُصبغ به.
3 . الكافي: 6، باب تشمير الثياب من كتاب الزي والتجمل، الحديث 2.
4 . الكافي: 5، كتاب الجهاد:33 باب (لم يذكر عنوان الباب) الحديث 4.

صفحه 87
10. روى السراد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: أبيع السلاح؟ قال: «لا تبعه في فتنة».1
11.روى المعلى بن خنيس إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فخذوا بقوله، أما واللّه لا ندخلكم إلاّ فيما يسعكم».2 فإنّ الحكم الثاني المخالف لما روي سابقاً رهن حدوث تغير في جانب الموضوع أو تبدل الملاك أو غير ذلك من العناوين المؤثرة لتبدّل الحكم.
12. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأمّا اليوم فلا بأس به».3
13.روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى ؟ فقال:« كنّا نقول: لا يخرج منها بشيء لحاجة الناس إليه، وأمّا اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه».4
14. روى الحكم بن عتيبة ، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم، قال: فقال: «إنّما كان ذلك

1 . الكافي: 5، باب بيع السلاح منهم، الحديث 4 و في الباب ما له صلة بالمقام.
2 . الكافي: 1، باب اختلاف الحديث، الحديث 9.
3 . الوسائل: 10، الباب 41 من أبواب الذبح، الحديث3.
4 . الوسائل: 10، الباب 42 من أبواب الذبح، الحديث 5.

صفحه 88
في البوادي قبل الإسلام، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين (عليه السلام)على الورق» قال الحكم:قلت: أرأيت من كان اليوم من
أهل البوادي، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟إبل؟ أم ورق؟ فقال:« الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية، انّهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل يحسب لكلّ بعير، مائة درهم ،فذلك عشرة آلاف».
قلت له: فما أسنان المائة بعير؟ فقال: «ما حال عليه الحول ذُكْران كلّها».1
يلاحظ على المقرر من الديات الست من خلال الوجوه التالية:
الأوّل: عدم وجود التعادل والتساوي بين الأُمور الست في بدء الأمر، الواردة في بعض الأحاديث.
15. روى عبد الرحمن بن الحجاج دية النفس بالشكل التالي:
أ: مائة إبل كانت في الجاهلية وأقرّها رسول اللّه.
ب: مائتا بقرة على أهل البقر.
ج: ألف شاة ثنيّة على أهل الشاة.
د: ألف دينار على أهل الذهب.

1 . الوسائل: 19، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 8.

صفحه 89
هـ : عشرة آلاف درهم على أهل الورق.
و:مائتا حلّة على أهل اليمن.1
فأين قيمة مائتي حلة من قيمة مائة إبل أو غيرها؟إن ذلك أوجد مشكلة في أداء الدية خصوصاً إذا قلنا بما هو المشهور من أنّ اختيار أي واحد منها بيد القاتل، فإذاً كيف يتصور التخيير بين الأقل والأكثر؟!
والجواب: أنّه من المحتمل أن تكون جميع هذه الموارد متقاربة القيمة، لأنّ الحلل اليمانية وإن كانت زهيدة الثمن إلاّ أنّ صعوبة اقتنائها حال دون انخفاض قيمتها.
وعلى فرض انخفاض قيمتها لما كان للجاني اختيار الحلل أخذاً بالمتيقن من مورد النص للجاني.
الثاني: المراد من الورق الوارد في النصوص هو الدينار والدرهم المسكوكين الرائجين، وهذا غير متوفر في غالب البلدان، لأنّ المعاملات تتم بالعملة الرائجة في كلّ بلد، وهي غير النقدين، وعلى فرض وجود النقدين في الأعصار السابقة، فليسا برائجين.
الثالث: لم يرد في النصوص الاجتزاء بالعملة الرائجة فما ورد من الدينار والدرهم فغير رائجين وما هو الرائج اليوم كالعملة الورقية فلم يرد فيها نصّ .

1 . الوسائل: 19، الباب 1من أبواب دية النفس، الحديث1.

صفحه 90
والجواب عن الأخيرين هو: أنّ تقويم دية النفس بالأنعام أو الحلل، لم يكن لخصوصية فيها دون غيرها، بل لأجل انّ قلّة وجود النقدين كانت سبباً لتعامل الناس بالأجناس فكان الثمن أيضاً جنساً كالمثمن ولمّا كثر الورق، قسّمها الإمام على الورق.
و هذا يعرب عن أنّ الدية الواقعية هو قيمة هذه الأنعام والحلل، لا أنفسها بما هي هي، بنحو لو أدى قيمتها لما أدّى الدية الواقعية.
ولو صحّ ذلك فلا فرق عندئذ بين النقدين والعملة الرائجة في البلاد هذه الأيام، إذ الغرض أداء قيمة النفس بأشكالها المختلفة.
16. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أُخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟
فقال: «لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الفارّ منه كالفار من الزحف كراهية أن تخلو مراكزهم».1
فدلّ الحديث على أنّ النهي كان بملاك خاص، وهو انّ الخروج
كان سبباً لضعف النظام الإسلامي وإلاّ فلا مانع من أن يخرجوا منه بغية السلامة.

1 . الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث1.

صفحه 91
17. روى علي بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : القوم يكونون في البلد فيقع فيه الموت، ألهم أن يتحوّلوا عنها إلى غيرها، قال: «نعم»، قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عاب قوماً بذلك، فقال: «أُولئك كانوا ربيئة بازاء العدو فأمرهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يثبتوا في موضعهم ولا يتحولوا عنه إلى غيره، فلما وقع فيهم الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره، فكان تحويلهم عن ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف».1
18. روى عبد اللّه بن بكير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحرّ المملوكةَ اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّوجلّ:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طولاً)والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل.2
فالحديث يهدف إلى تفسير قوله سبحانه:
(وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَولاً أن يَنْكِحَ المُحْصناتِ المُؤمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ فتَيَاتِكُمُ المُؤمِناتِ)3.
فالآية تعلّق جواز تزويج الأمة بعدم الاستطاعة على نكاح الحرة لأجل غلاء مهرها بخلاف مهر الأمة فإنّها كانت زهيدة الثمن.

1 . الوسائل: 2، الباب 20 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14 الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.
3 . النساء: 25.

صفحه 92
فإذا عاد الزمان إلى غير هذا الوضع وصار مهر الأمة والحرة على حدّ سواء بل كان مهر الحرة أقل، فلا ينبغي أن يتزوج المملوكة لأنّ الظروف تغيّرت، فيتغيّر الحكم من الجواز إلى الكراهة أو التحريم.
19. روى بكير بن محمد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال سأله رجل وأنا حاضر، فقال: يكون لي غلام فيشرب الخمر ويدخل في هذه الأُمور المكروهة فأُريد عتقه، فهل أُعتقه أحبّ إليك أم أبيعه وأتصدق بثمنه؟ فقال: «إنّ العتق في بعض الزمان أفضل، وفي بعض الزمان الصدقة أفضل، فإن كان الناس حسنة حالُهم، فالعتق أفضل، وإذا كانوا شديدة حالُهم فالصدقة أفضل، وبيع هذا أحبّ إليّ إذا كان بهذه الحال».1
20. روى محمد بن سنان، عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) في حديث: «ليس بين الحلال والحرام إلاّ شيء يسير، يحوله من شيء إلى شيء فيصير حلالاً وحراماً».2
هذا بعض ما وقفنا عليه، ولعلّ الباحث في غضون الجوامع الحديثيّة يقف على أكثر من ذلك.

1 . الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب العتق، الحديث 1.
2 . بحار الأنوار:6/94، الحديث1، باب علل الشرائع و الأحكام.

صفحه 93
 
حصيلة الروايات
إنّ الإمعان في مضامين هذه الروايات يثبت أنّ تغير الحكم إنّما كان لإحدى الجهات التالية:
1. إذا كان حكماً حكومياً وولائياً نابعاً من ولاية النبي وصلاحياته في إدارة المجتمع وحفظ مـصالحه، فمثل هذا الحكم لا يكون حكماً شرعياً إلهياً نزل به أمين الوحي عن ربّ العالمين، بل حكماً مؤقّتاً يدور مدار المصالح والمفاسد التي أوجبت تشريع هذا النوع من الأحكام.
ومن هذا القبيل النهي عن إخراج اللحم من منى قبل ثلاثة أيّام، أو النهي عن أكل لحوم الحمير، ولذلك قال الإمام بعد تبيين علّة النهي إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن، مشيراً إلى أنّه لم يكن هذا النهي كسائر النواهي النابعة من المصالح والمفاسد الذاتية، كالخمر و الميسر بل نجم عن مصالح ومفاسد مؤقتة .
ونظيرهما النهي عن الخروج من مكان ظهر فيه الطاعون، حيث إنّ النهي كان لأجل أنّ تحوّلهم من ذلك المكان كان أشبه بالفرار من الزحف فوافاهم النهي، فإذا زال هذا القيد فلا مانع حينئذ من خروجهم.
2. انّ تبدل الحكم كان لأجل انعدام الملاك السابق، وظهور ملاك مباين، كما هو الحال في حديث الدينارين، بخلاف عصر الإمام الصادق حيث كان يعطون من السنة إلى السنة.

صفحه 94
ومثله جواز نكاح الأمة مع القدرة على الحرة، لأنّ ملاك الجواز هو غلاء مهر الحرة، وقد انتفى في ذلك العصر، بل صار الأمر على العكس كما في نفس الرواية.
3. طروء عنوان محرم عليه، كما في الأحاديث التي تعرّضت لأحكام الملابس، مثل أن يكون اللباسُ لباسَ شهرة، أو باعثاً على السخرية والرمي بالجنون. كما قد يحصل تبدّل في الملاك، ومثاله الرواية التي ربطت بين نوع الملابس وبين طبيعة العصر، من حيث القَفْر والجَدْب أو النعيم والرخاء.
4. كون الملاك أوسع كما هو الحال بالاكتفاء بالدرهم والدينار في دية النفس، في عصر الإمام علي (عليه السلام) فانّ الملاك توفر ما يقوّم به دم المجني عليه، ففي أهل الإبل الإبل، وفي أهل البقر والغنم بهما، وفي أهل الدرهم والدينار بهما.

صفحه 95
 
البحث الثاني

مقتطفات من كلمات الفقهاء

إنّ تأثيرالظروف في تفسير الروايات والفتاوى في كلام الفقهاء أمر غير عزيز، وقد وقفوا على ذلك منذ أمد بعيد، ونذكر هنا مقتطفات من كلامهم:

1.الصدوق(306ـ 381هـ)

1. روى الصدوق في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «الفرق بين المسلمين والمشركين التلحي بالعمائم».
ثمّ قال الصدوق في شرح الحديث: ذلك في أوّل الإسلام وابتدائه، وقد نقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً انّه أمر بالتلحّي ونهى عن الاقتعاط.1
قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث: التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك، والاقتعاط شدُّها من غير إدارة، وسُنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمة، فصارت من لباس الشهرة المنهي عنها.2

1 . الفقيه:1/260برقم 821.
2 . الوافي: 20/745.

صفحه 96
 
2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)
قال في مبحث تجويز النسخ: الأحكام منوطة بالمصالح، والمصالح تتغير بتغير الأوقات، وتختلف باختلاف المكلّفين، فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه.1

3. الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي(734ـ 786هـ)

قال: يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات كما في النقود المتعاورة2والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب فإنّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه، وكذا تقدير العواري بالعوائد.
ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق، فالمروي تقديم قول الزوج، عملاً بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول.
ومنه: إذا قدّم بشيء قبل الدخول كان مهراً إذا لم يسم غيره، تبعاً لتلك العادة فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة، واحتساب ذلك من مهر المثل.3
فقد أشار بقوله: «ينبغي تقديم قول الزوجة» إلى مسألة التنازع بينهما

1 . كشف المراد:173، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
2 . المتعاورة أي المتداولة.
3 . القواعد والفوائد:1/152، القاعدة الخامسة، ط النجف الأشرف.

صفحه 97
فيما إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بعدم تسلم المهر، وادّعى الرجل تسليمه إليها، فقد روى الحسن بن زياد، قال: إذا دخل الرجل بامرأته، ثمّ ادّعت المهر وقال: قد أعطيتك فعليها البيّنة وعليه اليمين.1
غير أنّ لفيفاً من الفقهاء حملوا الرواية على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول وإلاّ فالبيّنة على الزوج.
قال صاحب الجواهر: الظاهر أنّ مبنى هذه النصوص على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول، بل قيل إنّ الأمر كذلك كان قديماً، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل.2

4.المحقّق الأردبيلي (المتوفّى993هـ)

قال: ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص وهو
ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم.3

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7.
2 . الجواهر:31/133.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:3/436.

صفحه 98
 
5. صاحب الجواهر(المتوفّى1266هـ)
قال في مسألة بيع الموزون مكيلاً وبالعكس: إنّ الأقوى اعتبار التعارف في ذلك وهو مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.1

6. الشيخ الأنصاري(1214 ـ 1281هـ)

وقال الشيخ الأنصاري في بحث ضمان المثلي والقيمي: بقي
الكلام في أنّه هل يعد من تعذر المثل خروجه عن القيمة كالماء
على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة والجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف
أم لا؟ الأقوى، بل المتعيّن هو الأوّل بل حكي عن بعض نسبته إلى الأصحاب وغيرهم والمصرح به في محكي التذكرة والإيضاح والدروس قيمة
المثل في تلك المفازة ويحتمل آخر مكان أو زمان يخرج المثل فيه عن المالية.2

7. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1294ـ 1373هـ)

قال في تحرير المجلة في ذيل المادة39:«لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان» قد عرفت أنّ من أُصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلاّ بتغيير الموضوعات أمّا بالزمان والمكان والأشخاص، فلا يتغير الحكم ودين اللّه

1 . الجواهر:23/375.
2 . المكاسب:110.

صفحه 99
واحد في حقّ الجميع لا تجد لسنّة اللّه تبديلاً، وحلال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك.
نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ ورشد وحضر وسفر وفقر وغنى وما إلى ذلك من الحالات المختلفة، وكلّها ترجع إلى تغيير الموضوع فيتغير الحكم فتدبر ولا يشتبه عليك الأمر.1
الظاهر انّه يريد من قوله: «امّا بالزمان والمكان والأشخاص فلا يتغير الحكم» أنّ مرور الزمان لا يوجب تغيير الحكم الشرعي بنفسه، وأمّا إذا كان مرور الزمان سبباً لطروء عناوين موجبة لتغير الموضوع فلا شكّ انّه يوجب تغير الحكم وقد أشار إليه في ذيل كلامه.

8. السيد الإمام الخميني(1320ـ1409هـ)

قال:إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الأُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده.(2)
وقد طرح هذه المسألة غير واحد من أعلام السنّة، منهم:

1 . تحرير المجلة:1/34.   2 . صحيفة النور:21/98.

صفحه 100
1.ابن قيم الجوزية(المتوفّى751هـ) فقد عقد في كتابه فصلاً تحت عنوان «تغيّرالفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأموال والنيات والعوائد».
يقول في ذيل هذا الفصل:
هذا فصل عظيم النفع، ووقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليفِ ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها،ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.1
2. أبو إسحاق الشاطبي(المتوفّى 790هـ)، قال في الموافقات: المسألة العاشرة: إنّا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز.2
وقال في موضع آخر: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك انّ المجتهد لا يحكم على فعل من

1 . اعلام الموقعين:3/14 وقد استغرق بحثه في هذا الكتاب 56 صفحة.
2 . الموافقات:2/305، ط دار المعرفة.