welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3*
نویسنده :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3

صفحه 1
مقدّمة المشرف: إجماع العترة الطاهرة (عليهم السلام)   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3
نهاية الوصول
إلى
علم الأُصول

صفحه 2

صفحه 3
إشراف
العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني
نهاية الوصول
إلى
علم الأُصول
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الثالث
تحقيق
الشيخ إبراهيم البهادري(رحمه الله)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف جعفر السبحاني ; تحقيق إبراهيم البهادرى .ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1427 ق . = 1385 .
ج.    ISBN 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 964 - 357 - 152 - 1 (ج.1)
ISBN 964 - 357 - 200 - 5 (ج.2)
ISBN 964 - 357 - 238 - 2 (ج.3)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 ش. ق ـ ، مشرف . ب. بهادرى ، إبراهيم، 1325 ـ ، محقق . ج . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . د. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول / الجزء الثالث
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   آية الله جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ إبراهيم البهادري (رحمه الله)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1427 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

آية الله جعفر السبحاني

إجماع العترة الطاهرة

يُعدّ كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» موسوعة أُصولية تتكفّل ببيان القواعد الأُصولية الّتي يبتني عليها استنباط الأحكام الشرعية، وقد نهج مؤلفه (رحمه الله) في ترصيف هذا الكتاب المنهجَ المقارن، فلذلك نجده يعرض آراء الأُصوليّين من مختلف المذاهب الإسلامية ويذكر أدلّتهم في مسألة واحدة ثم يقضي ويبرم ويخرج بالنتيجة المطلوبة، وقلّما تجد مثيلاً لهذا الكتاب بين المؤلّفات الأُصولية، إذ يسلك أغلب الأُصوليّين منهجاً خاصّاً يوافق مذهب إمامه ومتبنّياته.
ومن المسائل الأُصولية الهامّة الّتي وردت في هذا الجزء: مسألة الإجماع محصّله ومنقوله وما تبتني عليه حجّية الاتفاق، وقد أغرق المصنّف نزعاً في التحقيق فلم يُبق في القوس منزعاً.

صفحه 8
ومن العناوين الطرّة في هذا الفصل الّتي الفتت نظري هو إجماع العترة الّذي غفل عنه أكثـر الأُصوليين، إلاّ نجم الدين الطوفي، فقد عدّه
من مصادر التشريع الإسلامي في رسالته 1.
وياللعجب أنّ بعض الأُصوليّين يعدّون إجماع أهل المدينة، بل إجماع أهل الكوفة وإجماع الخلفاء من مصادر التشريع، بل ربّما يعدّون ما هو أنزل من ذلك كقول الصحابي، ولكن لا يذكرون شيئاً عن إجماع العترة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً!!
ومع ذلك كلّه فقد اختصر المؤلّف الكلام في هذا البحث، على الرغم من ضرورة التفصيل فيه حتّى يتّضح الحق بأجلى صُوره، ولذلك رأينا أن نذكر في تقديمنا هذا شيئاً ممّا يرجع إلى حجّية أقوال العترة الطاهرة فضلاً عن إجماعهم، وذلك بالبيان التالي:

إجماع العترة 2

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي وتعرض لمنابع الفقه والأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين الله بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على

1 . رسالة الطوفي كما في كتاب: «مصادر التشريع الإسلامي» لعبد الوهاب خلاّف: 109.
2 . وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته، وإلاّ فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلاً عن إجماعهم .

صفحه 9
حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)1.
والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت، وبالتالي حجّية أقوالهم رهن أُمور:
الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، كما قال سبحانه: (وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)2.
فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع أنّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:
أ. بدأ قوله سبحانه بالأداة (إِنَّمَا) المفيدة للحصر.
ب. قدّم الظرف (عَنْكُمُ) وقال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) ولم يقل ليذهب الرجس عنكم، لأجل التخصيص.
ج. بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم.
د. أكّد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: ( وَيُطَهِّرَكُمْ) تأكيداً لقوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) .

1 . الأحزاب: 33 .
2 . المائدة: 6 .

صفحه 10
هـ . أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: (تَطْهِيراً) .
كلّ ذلك يؤكد أنّ الإرادة الّتي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة الّتي تعلّقت بعامّة المكلّفين.
ونرى مثل هذا التخصيص في خطابه لمريم البتول قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)1.
الثاني: المراد من الرجس كلّ قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الإيمان، ومساوئ الأخلاق، والصفات السيئة، والأفعال القبيحة الّتي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه الله عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم الله سبحانه وجعلهم هداة للأُمّة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.
الثالث: المراد من أهل البيت هو: علي وفاطمة وأولادهما، لأنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك، كقوله سبحانه: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)2، ولكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي وأزواجه، وذلك بوجهين:
أ. نجد أنّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهنّ بصيغة

1 . آل عمران: 42.
2 . هود: 73 .

صفحه 11
جمع المؤنث ولا يذكرهنّ بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28 ـ 34 باثنين وعشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وهي كما يلي:
1. كُنْتُنَّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعَالَيْنَ، 4. أُمَتِّعْكُنَّ، 5. أُسَرِّحْكُنَّ .1
6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8 . مِنْكُنَّ .(2)
9. مِنْكُنَّ .2
10. مِنْكُنَّ.(4)
11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلاَ تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ.3
15. قَرْنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللهَ . (6)
21. اذْكُرْنَ، 22. فِي بُيُوتِكُنَّ .4
وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ... وَ يُطَهِّرَكُمْ)، فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

1 . الأحزاب: 28 .   2 . الأحزاب: 29 .
2 . الأحزاب: 30 .   4 . الأحزاب: 31 .
3 . الأحزاب: 32.   6 . الأحزاب: 33 .
4 . الأحزاب: 34.

صفحه 12
ب. أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتّى يتعيّن المنظور منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.
ولم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة (عليها السلام) إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الإطناب لأتينا بكلِّ ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن نذكر من كلّ طائفة إنموذجاً:
أمّا الطائفة الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي (رضي الله عنه)وحسن (رضي الله عنه)، وحسين (رضي الله عنه)، وفاطمة رضي الله عنها، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الحديث 1.
وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال:

1 . ولمن أراد المزيد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي في تفسير آية التطهير.

صفحه 13
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
ولو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول الله الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: «اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي».
وفي حديث آخر جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتّى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه ، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء ـ أعني: هلال بن حارث ـ وأُمهـات المؤمنيـن: عائشة وأُمّ سلمة.1

1 . وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ : صحيح مسلم: 7 / 122 ـ 123 ; تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7 ; الدر المنثور : 5 / 198 ـ 199 ; جامـع الأُصول لابن الأثير: 10 / 103.

صفحه 14
وبذلك تبيّنت حجية أقوال كلمات أهل البيت(عليهم السلام)في مجالي العقيدة والشريعة لاعتصامهم بحبل الله تعالى، فإذا كان قول واحد منهم حجة فكيف هو حال إجماعهم؟
فما أصدق قول القائل:
فوالِ أُناساً قولهم وكلامهم *** روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري
رزقنا الله زيارتهم في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة.

عصمة أُولي الأمر

دلت آية التطهير على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)كما عرفت آنفاً وفي الوقت نفسه دلّت آية الطاعة ـ بالإضافة إلى وجوب طاعتهم ـ على عصمة الرسول وأُولي الأمر، أعني قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)1.
والاستدلال مبني على دعامتين :
1 . إنّ الله سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ; أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .
2 . إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر

1 . النساء: 59 .

صفحه 15
والعصيان : (ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)1 من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر .
فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية ، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة . وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين ، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط . فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة . وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال :
إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار

1 . الزمر : 7 .

صفحه 16
الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.1
بيد أنّ الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه
الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر ،
ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة .
إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم ، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني . فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر نزول الآية ، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه ،

1 . مفاتيح الغيب (للرازي): 10 / 144 .

صفحه 17
حلقة بعد أُخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم); إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .

إكمال: أهل السنّة ووجه حجّية الإجماع

قد حقّق المصنّف في ثنايا بحثه عن حجّية الإجماع، أنّ الإجماع بما هو هو ليس بحجّية شرعية وليس من أدلّة التشريع، وإنّما هو حجّة لأجل كشفه عن دليل شرعي يُعدّ حجّة في المسألة.
وأمّا الإجماع عند أهل السنّة فهو من أدلّة التشريع ويُعدّ حجّة في عرض الكتاب والسنّة، وهذا لا يعني تقابله معهما، بل بمعنى أنّ كلّ واحد حجّة في مضمونه ومحتواه، وذلك بالبيان التالي:
إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة ولا تجوز مخالفته، وليس معنى ذلك أنّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس والاستحسان.

صفحه 18
فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً ومعاضداً له; ولو كان دليلاً ظنّياً كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.
ومثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتّى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي.1
فلو صحّ ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع واتّفاق الأُمّة منزلة
كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً
قطعياً كالحكم الوارد في القرآن والسنّة النبويّة، ويكون من مصادر
التشريع.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإجماع بما هو هو من أدلّة التشريع وأنّ الدليل الظني ببركة الإجماع يرتقي إلى مرتبة القطع واليقين ويكون حجّة في عرض سائر الحجج، فمعنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي لم يختتم بعد رحيل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ هناك نبوة بعد نبوّته، وهو على خلاف ما اتّفق المسلمون عليه من إغلاق باب الوحي والتشريع واختتام النبوة، فلا محيص عن القول إلاّ بالرجوع إلى ما عليه الشيعة الإمامية من أنّ الإجماع كاشف عن الدليل الصادر عن الصادع بالحق (صلى الله عليه وآله وسلم)كما أنّ حجّية العقل في

1 . الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة: 49.

صفحه 19
مجالات التشريع من هذه المقولة فليس العقل مشرعاً وإنّما هو كاشف عن الحكم الإلهي في موارد خاصة .
هذه خلاصة القول في المقام والتفصيل يطلب من موسوعاتنا الأُصولية.

خبر مؤسف

يعزّ علينا أن نكتب هذا التقديم ونحن نفتقد علماً من أعلام التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ألا وهو العلاّمة الشيخ إبراهيم البهادري تغمده الله برحمته الواسعة الّذي لبّى دعوة ربّه في خامس شهر شعبان المعظم من شهور عام 1426 هـ ، وقد شُيّع جثمانه الطاهر في موكب مهيب ودفن في مدينة قم المقدسة .
والشيخ البهادري (رحمه الله) بكلمة قصيرة كان رجلاً زاهداً دؤوباً في العمل لا يبتغي إلاّ مرضاة الله تعالى، فهو من أبرز مصاديق ما قاله العلاّمة الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني: إن الناشر (والمحقّق) لصحائف العلماء الأُمناء، يؤمّن لقومه الحياة الطيبة أكثر ممّن ينوّرون الطرق في الظلماء، و ] يمهدون السبيل [ إلى الماء .1
كرّس المغفور له عمره في تحقيق تراث أهل البيت(عليهم السلام)ونشر علومهم ، مدة من عمره تناهز ربع قرن .

1 . مجلة المرشد: 1 / 78، ط . بغداد.

صفحه 20
وقد قام بتحقيق كتب قيّمة نذكر منها: «تحرير الأحكام» للعلاّمة الحلّي في ستة أجزاء، و «الاحتجاج» للطبرسي في جزأين، و «معالم الدين في فقه آل ياسين» لابن قطّان الحلّي في جزأين، و «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» لابن زهرة الحلبي في جزأين، و «إصباح الشيعة» للكيدري، وغيرها.
ومن أبرز ما حقّقه في أواخر عمره الجزء الأوّل والثاني وبداية الجزء الثالث من هذه الموسوعة الأُصولية.
فسلام الله عليه يوم ولِد، ويوم ماتَ ويومَ يُبعث حيّاً.

شكر وتقدير

وقد أُنيطت مهمة إتمام هذا المشروع إلى لجنة التحقيق في المؤسسة المتمثّلة بالمحقّقين الأفاضل:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. الشيخ خضر ذو الفقاري.
3. الحاج محمد عبد الكريم بيت الشيخ .
فقام الأفاضل ـ وفّقهم الله ـ بتحقيق الكتاب على أكمل وجه وبجميع مراحله من مقابلة النسخ الخطية، وتقويم نص الكتاب وضبطه، ومراجعة النصوص مع مصادرها الأصلية، وتخريج الأحاديث من كتب الفريقين،

صفحه 21
وإعراب الآيات وتخريجها، وتصحيح الكتاب بدقّة حتّى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر الله سعيهم ووفّقهم للمزيد من البذل والعطاء وخدمة الإسلام .
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة ـ إيران
25 من صفر المظفر
1427 هـ

صفحه 22
   

صفحه 23
الفصل الثالث:

في المنسوخ

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في النسخ قبل الفعل

نسخ الشيء قبل فعله ضربان:
الأوّل: نسخه بعد انقضاء وقته، ولا خلاف في جوازه، لأنّ مثل الفعل يجوز أن يصير مفسدةً في المستقبلِ، ومصلحةً في الحال، فيأمر بفعله في الحال، ثمّ ينهى عنه في المستقبل.
ولا فرق بين المطيع والعاصي في حسن توجّهِ الأمرِ والنهي معاً إليهما، فإنّه قد يحسن أن يأمر بالفعلِ من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه.
وإذا كان لو أمره فأطاع، لجاز النسخ إجماعاً، فكذا إذا أمره فعصى، لأنّ بالطّاعة والمعصية لا يتغيّر حسنُ النسخ التابع لتعريف المصالح في المستقبل .

صفحه 24
وأيضاً، فقد بيّنا أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع، فالنسخ قد يتناولهم وإن عصوا بالترك، وإذا جاز ذلك فيهم، جاز في غيرهم .
الثاني: نسخه قبل حضور وقته، أو نقضه، وقد اختلف الناس في ذلك :
فمنعه المعتزلة وبعضُ أصحابِ أبي حنيفة، وأبوبكر الصيرفي من الشافعية .
في النسخ قبل الفعل   
وذهب الأشاعرة وأكثر الشافعية إلى جوازه .
والحق الأوّل لوجوه:
الأوّل: لو جاز ذلك لزم كونُ الشخصِ الواحدِ مأموراً به، منهيّاً عنه عن فعل واحد في وقت واحد على وجه واحد، والتالي مُحالٌ، فالمقدّمُ مثلُهُ.
بيان الشرطية: أنّ المسألة مفروضةٌ فيه، فإنّه لمّا أمره غدوةً بصلاةِ ركعتين عند الغروبِ، ثمّ نهاه وقتَ الظهر عن صلاةِ ركعتين عند الغروبِ، فقد تعلّق الأمرُ والنهيُ بشيء واحد في وقت واحد من وجه واحد1ومكلِّف واحد ومكلَّف واحد، حتّى لو اختلّ شرط منها لم تكن صورة النزاع.
ولأنّ قوله: صلِّ عند الغروب ركعتين، موضوعٌ للأمرِ بالصلاةِ في ذلك الوقت لا غير، لغةً وشرعاً، وقوله: لا تصلّ عند الغروب ركعتين، موضوعٌ للنهي عنها في ذلك الوقتِ لغةً وشرعاً .
ولأنّ النّهي لو تعلّق بغيرِ ما تعلّق به الأمرُ، فإن كان المنهيّ عنه أمراً،

1 . في «ب» و «ج»: من جهة واحدة.

صفحه 25
يلزم من الانتهاء عنه وقوعُ الخلل في متعلّق الأمرِ، فيكون المتأخّر رافعاً للمتقدّم استلزاماً، فيتوارد الأمرُ والنهيُ على شيء واحد في وقت واحد من وجه واحد .
وإن لم يلزم، لم يكن صورة النزاع .
ولأنّا أجمعنا على أنّ الأمر بالشيءِ يجامع النّهيَ عن غيره، إذا لم يلزم من الانتهاء عنه الإخلالُ بالمأمور به .
وبيان بطلان التالي: أنّ متعلّقَ الأمرِ إن كان حسناً، استلزم النهيُ عنه القبيحَ أو الجهلَ، أو الحاجةَ، وإن كان قبيحاً، استلزم الأمر به أحدها، واللوازم ممتنعةٌ في حقّه تعالى.
الثاني: إذا أَمَرَ بالفعلِ في وقت معيّن، ثمّ نَهى عنه، فقد بان أنّه لم يُرد إيقاعَه، ويكون قد أمر بما لم يُرده، ولو جاز ذلك، لم يبق لنا وثوقٌ بأقوال الشارع، لجواز أن يكون المرادُ بذلك القولِ ضدَّ ما هو دالٌّ على إرادته، وهو مُحالٌ.
الثالث: أنّه يُفضي إلى أن يكون الفعلُ الواحدُ مأموراً به منهيّاً عنه، والأمر والنهي عند المجوِّزين كلامُهُ تعالى، وكلامُهُ صفةٌ واحدةٌ، فيكون الكلامُ الواحدُ أمراً ونهياً بشيء واحد في وقت واحد، وهو مُحالٌ.
اعترضوا 1 على الأوّل: بأنّه مبنيٌّ على الحسنِ والقبحِ العقلييّنِ، وهو ممنوعٌ .

1 . من المعترضين الآمدي في الإحكام: 3 / 91، والرازي في محصوله: 1 / 544 ـ 545 .

صفحه 26
لا يقال: إن لم يكن حسناً ولا قبيحاً، فإمّا أن يكون مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، ويلزم الأمر بالمفسدةِ، والنهي عن المصلحةِ.
لأنّا نقول: إنّه مبنيٌّ على رعاية الحكمة، في أفعاله تعالى، ونحن لا نقول به، بل يجوز أن يكون الأمرُ والنهيُ لا لمصلحة ولا لمفسدة وإن سُلِّمَ عدمُ خلُوِّهِ من المصلحةِ والمفسدةِ، لكن لانسلِّم أنّه يلزم منه الأمرُ بالمفسدةِ والنهيُ عن المصلحةِ، بل جاز أن يقال: إنّه مشتملٌ على المصلحةِ حالةَ الأمر، ومشتملٌ على المفسدةِ حالةَ النّهي، ولا مفسدةَ حالةَ الأمرِ، ولا مصلحةَ حالةَ النّهي.
وأيضاً لو سُلِّمَ الحسنُ والقبحُ، لكن كما يحسنُ الأمرُ والنهيُ لحكمة تنشأ من المأمور به والمنهيّ عنه، فقد يحسنانِ أيضاً لحكمة تتولّد من نفسِ الأمرِ والنهيِ، فإنَّ السيّدَ قد يقول لعبده: إذهب إلى القرية غداً راجِلاً، وغرضُهُ حصولُ الرّياضة في الحالِ، وعزمُهُ على أداء ذلك الفعلِ، وتوطينِ النفسِ عليه، مع علمه بأنّه يسقط عنه غداً .
والأمرُ بالفعلِ إنّما يحسنُ إذا كان كلٌّ من المأمور به، والأمرِ منشأَ المصلحةِ، فلو كان المأمورُ به منشأَ المصلحةِ دون الأمرِ أو بالعكس، لم يكن الأمرُ به حسناً، فالآمر لما أمر كان كلٌّ منهما 1 منشأَ المصلحةِ، فحسن منه الأمر .

1 . الضمير يرجع إلى المأمور به ونفس الأمر.

صفحه 27
وفي الوقت الثاني بقي المأمورُ به على حالة منشأ المصلحة، ولم يبق الأمرُ، فحسن النهيُ عنه .
لا يقال: لمّا بقي الفعلُ منشأَ المصلحةِ كما كان، فالنهيُ عنه يكون منعاً عن منشأِ المصلحة، وهو غيرُ جائز.
لأنّا نقول: يكفي في المنع من الشيءِ اشتمالُهُ على جهة واحدة من جهاتِ المفسدةِ، وهذا المأمور به وإن بقيَ منشأ المصلحة، لكنّ الأمرَ بهِ لمّا صار منشأ المفسدة، كان الأمرُ بِهِ قبيحاً، نظراً إلى نفسِ الأمرِ، وإن كان حسناً، نظراً إلى المأمور به، وذلك كاف في قبحه .
وأيضاً، نمنع اتِّحادَ متعلَّقِ الأمرِ والنهيِ، فإنّه جائزٌ أن يتناولَ النهيُ مثلَ الفعلِ الّذي تناوله الأمرُ الأوَّلُ، أو أنَّ الأمرَ تناولَ اعتقادَ وجوبِ الفعلِ أو العزم عليه، والنهي تناول الفعلَ أو أنّ لهذه الصلاةِ في هذا الوقتِ المخصوصِ وجهينِ، يقع على كلٍّ منهما، فإذا وقعت على أحدهما كانت واجبةً، وإذا وقعت على الآخر، كانت قبيحة، فالأمرُ تناولها على وجهِ الحسنِ، والنهيُ تناولَها على وجه القبح.
ثمّ اختلفوا في كيفيّة اختلاف الوجهينِ، فقال قومٌ: هو مأمورٌ بشرط بقاءِ الأمرِ، منهيٌّ عنه عند زواله، وهما حالتان مختلفتان.
وقال آخرون: إنّه مأمورٌ بالفعل بشرط أن يختاره، ويعزم عليه، وينهى عنه إذا علم عدم اختياره، وجعلوا حصولَ ذلك في علم الله تعالى بشرط هذا النسخ.

صفحه 28
وقال آخرون: يأمر بشرطِ كونِهِ مصلحةً، وإنّما يكون مصلحةً مع دوام الأمر، أمّا بعد النهي فيخرج عنها.
وقال قوم: إنّما يأمر في وقت يكون الأمر مصلحةً، ثمّ يتغيّر الحال، فيصير النهيُ مصلحةً، وإنّما يأمر الله تعالى به مع علمه بأنّ الحالَ ستتغيّر ليعزم المكلّف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل، والكلُّ متقاربٌ.
وعلى الثاني: بأنّ الأمر ليس من شرطه إرادة المأمور به وعدم الوثوق بأقوال الشارع إن أرادوا به أنّه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنّا لا نقطع بإرادته لِما هو الظاهر من كلامه، فمسلّمٌ، ولكن نمنع امتناعَهُ، فإنّه أوّل المسألة .
وإن أرادوا به أنّه لا يمكن الاعتماد على ظاهره، مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدةِ، فغيرُ مسلّم، وغير ذلك، ليس بمتصوّر.
وعلى الثالث: أنّه يلزم كون الفعل الواحد في وقت واحد مأموراً منهيّاً معاً، أو لا معاً، الأوّلُ ممنوعٌ والثاني مسلّمٌ .
ونمنع وحدة كلامه ] تعالى [ على مذهب عبد الله بن سعيد. وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري نمنع إحالته .
قولهم: يلزم ] منه [ أن تكون الصفة الواحدة أمراً نهياً.
قلنا: إنّما تسمّى الصفةُ الواحدةُ بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلّقاتها ومتعلّقاتها، فإن تعلّقت بالفعلِ سُمّيت أمراً، وإن تعلّقت بالنّهيِ سُمّيت نهياً، وذلك إنّما يمتنع إذا اتّحد زمان التعلّقِ بالفعلِ والتركِ، أمّا مع اختلافه فلا،

صفحه 29
والمأمور والمنهيّ وإن كان زمانه متّحداً، لكنَّ زمانَ تعلُّقِ الأمرِ به غيرُ زمان تعلُّقِ النهيِ به، ومع التغاير فلا امتناع.
والجواب: قد تقدّم إثبات الحسن والقبح العقليّين، وحكمته تعالى قد أثبتناها في كتبنا الكلاميّة، ولولا هذان المقامان انتفت الشرائع بالكلّية، وبقاء الأمر وانتفاء النهي لا يكونان وجهاً في قبح الفعل ولا حسنه، ولا يؤثِّرانِ في وقوعه على وجه يقتضي مصلحةً أو مفسدةً، فإنَّ الفعلَ لا يحسن بالأمرِ ولا يقبح بالنهيِ، ولا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.
قوله: قد يكون المأمور به منشأَ المصلحةِ دون الأمرِ، فيحسن النهيُ بعد الأمرِ عند كونهما معاً منشأَ المصلحة .
قلنا: قد بيّنا أنّ الأمرَ والنهيَ لا مدخل لهما في وجوه الأفعال من حسن وقبح، ولا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.
لا يقال: انّهما وان لم يقتضيا قبحَ فعل ولا حسنَهُ، ولم يؤثِّرا في وجه يقعُ الفعلُ عليه، لكنّهما دليلان على وجهي الحسنِ والقبحِ، وإذا دلاّ، فلابدّ من ثبوتِ وجه يقتضي أحدَهُما، لأنّ الدلالة إنّما تدلّ على صحّته، فلا استبعاد في أن يأمر الله تعالى بالصلاةِ وقتَ الغروبِ، وتكون الصلاة واجبةً في ذلك الوقتِ متى استمرّ حكمُ الأمرِ بها، وان لم يَرِدْ نهيٌ عنها، وإن ورد النهيُ يغيِّر حالَها، فإذا أَمَرَ بالصلاةِ اعتقد وجوبَها عليه، متى لم يَنْهَ عنها، فإذا ورد النهيُ اعتقد قبحَها، ويكون الغرضُ في هذا التكليفِ مصلحةَ المكلّفِ، كأنّا نقدّرُ أنّه تعالى عَلِمَ أنّه إن كَلَّفَهُ على هذا الوجهِ، كان مصلحةً له، في واجب عليه يفعله أو قبيح يجتنبه.

صفحه 30
لأنّا نقول: هذه الصلاة المأمور بها، إن كان فعلها في هذا الوقت مصلحةً في الدينِ، لم يتغيّر حالها بورود النهيِ، ويجب قبحُ النهيِ المتناولِ لها، وإن كانت مفسدةً في نفسِها، لم يتغيّر حالها بتناول الأمرِ أو استمرارِهِ، فيجب قبحُها وقبحُ الأمرِ المتناول.
قوله: نمنع الاتّحاد لتعلّق النهي بمثل ما تعلّق بالأمر، لا بعينه .
قلنا: إنّه باطلٌ من وجوه:
الأوّل: غيرُ محلّ النزاع، إذ المسألة مفروضة في النسخ الّذي هو رفعٌ، وليس هنا رفعٌ حينئذ.
الثاني: المكلَّفُ لا يميّز بين فعله المثلين في وقت واحد، فتكليف فعلِ أحدهما بعينه، وتجنّب الآخر المنهيّ عنه بعينه، مع أنّهما لا يتميّزانِ، تكليفٌ بمالا يُطاق.
الثالث: يمتنع أن يكون أحدهما مصلحةً والآخرُ مفسدةً، لتماثلهما، واتّحاد وقتهما ومتعلّقهما .
قوله: الأمر يتعلّق بالاعتقاد أو العزم .
قلنا: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: العزمُ والاعتقادُ مغايران1 للصلاة، ولا يعبّر عنهما بها، والأمر

1 . في «أ»: متغايران.

صفحه 31
ورد بالصّلاة، فلا يتناولهما لغةً ولا شرعاً، لا حقيقةً ولا مجازاً.
الثاني: لو كان اسمُ الصلاةِ عبارةً عنهما شرعاً، لما تأخّر بيانُهُ عن وقتِ الخطابِ، وذلك يُخْرِجُ البحثَ عن مسألة النسخ إلى مسألة تأخير البيان.
الثالث: لابدّ في الأمرِ بالاعتقادِ أو العزمِ من فائدة، ولا فائدة مع عدم وجوبِ الفعلِ الّذي تعلّقا به.
لا يقال: الفائدة اختبار المكلَّفِ.
لأنّا نقول: حقيقة الاختبار إنّما تجوز على من لا يعرف العاقبة 1 دون من يعلمها .2
وفيه نظرٌ، فإنّ العلم تابعٌ.
الرابع: لا يحسن إيجابُ العزم والاعتقاد على الإطلاقِ، والفعلُ غيرُ واجب، لقبح اعتقاد وجوبِ ما ليس بواجب .
لا يقال: أُمِر ] المكلّفُ [ بالعزمِ على الفعلِ بشرطِ كونِهِ واجباً.
لأنّا نقول: لا حاجة إلى هذا التمحّل 3 فإنّه يمكنكم أن تقولوا: «أُمر بالفعلِ بشرط كونه واجباً» ولا تضمروا العزمَ الّذي ليس بمذكور.4
وفيه نظرٌ، للفرق بين: «أمرتك بالعزمِ بشرط كونِ الفعل واجباً» وبين:

1 . في «أ»: الغاية.
2 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 377 .
3 . في «أ»: التحمّل.
4 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 377 .

صفحه 32
«أوجبتُ عليكَ الفعلَ بشرط كونه واجباً».
الخامس: ليس القولُ بأنّه أُمر بالعزمِ على الصلاةِ بشرط كونها واجبةً، ويتوصّل إلى ذلك بظاهر النهي، بأولى من القولِ بأنّه نهى عن إرادة الفعلِ المأمور به بشرط كونه قبيحاً، لا يتجدّد به أمرٌ آخر، ويجوز ورود أمر آخر ويتوصّل 1 إلى ذلك بظاهرِ الأمرِ.
قوله: يجوز أن يكون للفعلِ وجهان، يُؤمر به باعتبار أحدِهِما، ويُنْهى عنه باعتبار الآخر.
قلنا: هذا باطل، أمّا أوّلاً فلأنّه غيرُ محلِّ النزاعِ، إذ النّزاعُ في فعل اتّحد الوجهُ فيه، والوقتُ وجميعُ الأُمور المعتبرة فيه .
وأمّا ثانياً، فلأنّه لا نسخ حينئذ، إذ المأمورُ بِهِ والمنهيُّ عنه باقيانِ على حدّ التكليفِ، لم يرتفع أحدهما، والتمحّلات 2 الّتي ذكروها في وجهِ التغايرِ باطلةٌ، فإنَّ الشرطَ ما يتصوّر أن يوجد وأن لا يوجد، وما لا بدّ منه لا معنى لشرطيّته، والمأمور به لا يقع مأموراً إلاّ عند دوامِ الأمرِ، وعدمِ النهي، فكيف يحسن أن يقول: «آمرك بشرط أن لا أنهاك»؟ فكأنّه قال: آمرك بشرط أن آمرك، وبشرط أن يتعلّق الأمرُ بالمأمورِ، وبشرط كونِ الفعلِ المأموِرِ بِهِ حادثاً،] أ [ وعرضاً، وغير ذلك ممّا لابدّ منه، وهذا لا يصلح للشرطيّة .
ولأنّه تعالى يستحيل أن يأمر بشرطِ أن لا ينهى عنه، لأنّه تعالى عالمٌ

1 . في «أ» و «ج»: ويجوّزوا ورود أمر آخر ويتوصلّوا.
2 . في «أ»: والمحتملات.

صفحه 33
بأنّ هذا الشرطَ لا يحصل، فلا يأمر به، والأمر بشرط إنّما يحصل ممّن لا يعرف العواقبَ.
قال الغزالي: والعجب من إنكار المعتزلة ثبوتَ الأمرِ بالشرط، مع أنّهم جوّزوا الوعيد 1 منه تعالى بشرط، فوَعَدَ على الطاعة ] ثواباً [بشرط عدم ما يُحْبِطها من الفسق والردة، وعلى المعصية العقابَ، بشرط خلوّها عمّا يكفّرها من التوبة.2
وفيه نظرٌ، للفرق بين «آمرك بشرط أن لا أنهاك» وهو عالم بالعاقبة، وبين: «أُثيبك إن أطعتَ وأُعاقبك إن عصيت» لوقوع الثاني خبراً عن فعله، بخلاف الأوّل .
ولأنّ النهي 3 ليس بوجه يقع عليه الفعل .
احتجّ المجوّزون بوجوه:
الأوّل: أنّه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل، ثمّ نسخه قبل الفعل.
الثاني: قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ)4 دلّ على أنّه يمحو كلَّ ما يشاء محوَهُ، على كلّ وجه، فيدخل محو العبادة قبل دخول وقتها.

1 . في المصدر: الوعد.
2 . المستصفى: 1 / 218 .
3 . في «ج»: عدم النهيّ.
4 . الرعد: 39 .

صفحه 34
الثالث: أنّه تعالى أَمَرَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلةَ الإسراء بخمسين صلاة، فأشار عليه موسى(عليه السلام)بالرجوع، وقال له: «أُمّتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص اللهَ ينقصك»، فسأل الله تعالى في ذلك فنسخ الخمسين على التدريج إلى أن بقيَ خمسُ صلوات1، وذلك نسخٌ قبلَ الفعل وقبلَ وقته.
الرابع: يجوز أن يأمر الله تعالى زيداً بفعل في الغد، ويمنعهُ منهُ بمانع عائق له منه قبلَ الغدِ، فيكون مأموراً بالفعل في الغدِ بشرط انتفاءِ المانعِ، وإذا جاز الأمرُ بشرطِ انتفاءِ المانع مع تعقّبه بالمنع، جاز الأمرُ بالفعلِ بشرطِ انتفاءِ الناسخ مع تعقّبه بالنّسخ.
الخامس: أنّه تعالى نَسَخَ تقديمَ الصدقةِ بين يدي المناجاة قبل فعلها.
السادس: النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صالَحَ قريشاً يوم الحديبية على ردّ من هاجر إليه،2 ثمّ نسخ ذلك قبل الردّ بقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ )3.
السابع: وافَقَنا الخصمُ على أنّه تعالى لو أمر بالمواصلة في الصومِ سنةً، جاز أن ينسخه 4 عنّا بعد شهر منها، وذلك نسخٌ للصّومِ فيما بقي من السّنة قبل حضور وقته.

1 . صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة برقم 3207 ; صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله برقم 162 ; جامع الأُصول: 5 / 283 برقم 3237 ; بحار الأنوار: 18 / 330 .
2 . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب الصلح مع المشركين برقم 2700 .
3 . الممتحنة: 10 .
4 . في «أ» و «ج»: وأن ينسخه .

صفحه 35
الثامن: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُحِلَّتْ لي مكّة ساعةً من نهار».1 ومع ذلك منع من القتال فيها، وهو نسخٌ قبل وقت الفعل.
التاسع: التكليف قبل وقت الفعل ثابت، فوجب جواز رفعه بالنسخ، كما جاز رفعه بالموت، لاشتراكهما في قطع تعلُّقِ التكليفِ عن المكلَّفِ.
العاشر: لو منع من النسخ قبل وقت الفعل لزم إبطالُ النسخ بالكلّية، فإنَّ كلَّ نسخ إنّما هو رفع الحكم قبل وجود وقته، لأنَّ الفعلَ بعد الوقت ومعه يمتنع2 نسخه، وإلاّ لزم اجتماع النقيضين، فلم يبق النسخ وارداً إلاّ على الفعل قبل حضور وقته، وبالجملة فالنسخ إنّما يتحقّق فيما لم يفعل، وما فعل كيف ينسخ؟
الحادي عشر: الطهارة انّما تجب لوجوبِ الصلاةِ، ومع ذلك فقد يمنع المكلَّف بالموتِ عن الصلاة، وإن كان قد توضّأ، فأيُّ فرق بين منعه بالموت ومنعه بالنهيِ.
والجواب عن الأوّل من وجوه:
الأوّل : يمنع الأمر بالذبح، بل بمقدّماته، من الإضجاع، وأخذِ المديةِ، مع الظنِّ الغالبِ بالأمرِ بالذبح، ولهذا قال: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)3.

1 . صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد برقم 1833; صحيح مسلم: 4 / 110، كتاب الحجّ برقم 1355 ; سنن النسائي: 5 / 211 ; سنن البيهقي: 5 / 177 و 195 ; مسند أحمد بن حنبل: 1 / 253 .
2 . في «ج»: ممتنع.
3 . الصافات: 105 .

صفحه 36
ولو كان قد فعل بعضَ ما أُمِر بِهِ لقال: «قد صدّقت بعض الرؤيا».
لا يقال: قوله تعالى: (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ )1 لابدّ وأن يعود إلى شيء، والمذكورُ الذبحُ، فوجب صرفُهُ إليه، فكان مأموراً به .
ولأنّ قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ)2 إشارة إلى الذبح، لعدم وصف مقدّماته بأنّها بلاءُ مبينٌ.
ولقوله تعالى: (وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم)3، ولولا الأمرُ بالذّبح لما احتاج إلى الفداء .
لأنّا نقول: الرؤيا لا تدلّ على كونه مأموراً بذلك .
وقوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) يفيد ] الأمر [ في المستقبل، فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام .
وإضجاعُ الابنِ، وأخذُ المدية مع غلبة الظنِّ بأنّه مأمورٌ بالذبح بلاءٌ عظيمٌ .
والفداءُ كان لما يتوقّعه من الذبحِ.
الثاني: يمنع أنّه نسخ عنه، لما روي أنّه كان كلّما قطع موضعاً من الحلقِ، وتعدّى إلى غيره أوصل الله تعالى ما تقدّم قَطْعُهُ .

1 . الصافات: 102 .
2 . الصافات: 106 .
3 . الصافات: 107 .

صفحه 37
ويمنع اشتراطُ بطلانِ الحياة في حقيقةِ الذبحِ، بل هو قطعٌ في مكان مخصوص مطلقاً، فإنّه يقال: ذُبِحَ هذا الحيوانُ ولم يمت بعدُ .
وأيضاً، رُوي أنّ الله تعالى جَعَلَ على عنقه صفيحةً من حديد، فكان إذا أَمَرَّ إبراهيم (عليه السلام) السّكِّينَ لم يقطع شيئاً من الحلقِ.
ولا يتمشّى على قواعد المعتزلة أنّه تكليفُ مالا يُطاق، إلاّ إذا كان مأموراً بالإضجاع وإمرار السكِّين على الحلقِ لا بالذّبح، فهو يرجع إلى الأوّل.
الثالث: قيل: إنّه منام لا أصل له، فلا يثبت به الأمرُ .1
وهو خطأٌ، فإنّ منام الأنبياء وحيٌ معمولٌ بِهِ، وأكثرُ وحيِ الأنبياءِ كان بالمنامِ، وقد نُقِلَ أنّ وحيَ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بالمنام ستّة أشهر، ولهذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة»2، وكانت نسبةُ ستّةِ أشهر من ثلاث وعشرين سنةً من نبوّته كذلك .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما احتلم نبيٌّ قطّ». 3 يعني ما تشكّلَ له الشيطان في المنامِ على الوجه الّذي يتشكَّلُ لأهل الاحتلام .
ولأنّه لو كان خيالاً لا وحياً، لم يجر لإبراهيمَ (عليه السلام)العزمُ على الذبحِ المحرَّمِ بمجرّد منام لا أصلَ له، ولَما سمّاه بلاءً مبيناً، ولَما احتاجَ إلى الفداء .

1 . لاحظ الإحكام: 3 / 87 .
2 . مجمع الزوائد: 7 / 172، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة; مسند أحمد بن حنبل: 2 / 314 .
3 . المعجم الكبير للطبراني: 11 / 180 برقم 11564 ; مجمع الزوائد: 1 / 267، باب الاحتلام .

صفحه 38
الرابع: لا نسلِّمُ أنّه نَسَخَ الذبحَ قبل التمكُّنِ من الامتثالِ، بل كان بعده، والخلافُ إنّما هو فيما قبلَ التمكُّنِ لا بعده، ولا سبيل إلى بيانِ أنّه نسخ قبل التمكّنِ من الامتثالِ إلاّ بعد بيانِ أنّ مطلقَ الأمرِ يقتضي الوجوبَ على الفورِ، أو أنّ وقتَ الأمرِ كان مضيَّقاً و 1 امتناع الصغائر على الأنبياء .2
واعترض: بأنّ ذلك لا يمنع رفعَ تعلّقِ الوجوبِ بالمستقبلِ، لأنّ الأمرَ باق عليه، وهو المانع عندهم، ولأنّه لو كان موسَّعاً، لقضت العادةُ بتأخّره، رجاء نسخه، أو موته لكبر سنّه، وعظم هذا الأمر .
وفيه نظرٌ، لأنّ الأنبياء(عليهم السلام)أسرعُ امتثالاً من غيرهم إلى الأوامر، والأمرُ وإن كان موسَّعاً، إلاّ أنّ تقديمَهُ أولى، ومنزلة النبوّةِ تمنع من الإخلال بالأولويّة (ويمنع كون المانع تعلّق الأمر مطلقاً، وإلاّ امتنع النّسخُ عند القائلين بالرّفع).3
وعن الثاني بوجوه:
الأوّل: أنّها تدلّ على محوِ كلّ ما يشاءُ، وليس فيها ما يدلّ على أنّه يشاءُ محوَ العبادة قبلَ دخول وقتها، مع كونه ممتنعاً، فإن بيّن إمكانَ مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه تركُ الاستدلالِ بالآية.
الثاني: حقيقةُ المحوِ هي محوُ الكتابة، والمرادُ به محوُ ما يكتبه

1 . أي مع امتناع الصغائر.
2 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 88 .
3 . ما بين القوسين يوجد في «ج».

صفحه 39
الملكانِ من المُباحاتِ، وتبقية ما يشاء1 من الطاعاتِ والمعاصي.
الثالث: قيل: المراد به محو البلايا والنكبات بالصدقة، على معنى أنّه لولاها لنزل ذلك.
الرابع: رُوي أنّه تعالى يمحو من اللوح المحفوظ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، لما يتعلّق بذلك من صلاح الملائكة .2
وعن الثالث بوجوه:
الأوّل: أنّه خبر واحد فلا يقبل فيمايجب أن يعلم.
الثاني: الخبر يتضمّن ما يدفعه العقلُ، وفيه من الشّبه والأباطيل ما
يدلّ على فساده، لتضمّنه أنّ المصالح الدّينيّة تتعلّق بمشورة الخلق
وإيثارهم .
الثالث: أنّه يقتضي نسخَ شيء قبلَ وقته، وقبل تمكُّنِ المكلَّفِ من العلمِ به، وعلّة المخالفِ تقتضي منعَ ذلك، لأنّه يُجَوِّزُ هذا النسخَ على أن يكون الغرضُ في التعبّد بالمنسوخِ العزمَ على أدائه، والاعتقاد لوجوبه، وهذا لا يتمّ إلاّ مع علم المكلَّفِ بالتعبّدِ بالمنسوخِ.
اعترض على الأوّل3: بأنَّ المسألة اجتهاديّةٌ، فجاز إثباتها بخبر الواحد.

1 . وفي النسخ الّتي بأيدينا: «ما أثبتنا» والصحيح ما أوردناه في المتن.
2 . ذكره المرتضى في الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 440، ولم نعثر عليه في غير هذا الموضع .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 90 .

صفحه 40
وعلى الثاني والثالث: بأنّه قد نسخ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد علمه .
سلّمنا أنّه نسخ عن المكلَّفين قبل علمهم به، ولكن لِمَ قالوا بامتناعه؟
وفائدةُ الثوابِ والعقابِ باعتقاد الوجوبِ والعزمِ على فعلِهِ مبنيٌّ على رعاية الحكمة في أفعاله .
وفيه نظرٌ، لأنّها وإن كانت اجتهاديّةً، لكن قصّة المعراج من الأُمور الشهيرة، فكان يجب اشتهار روايته إلى أن يتاخم العلم .
والنسخُ على النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غيرُ مفيد في منع القبح من النسخ عن الأُمّةِ قبل تمكُّنهم من العلم بما كُلِّفوا فيه، فلا معنى لذكره هنا .
وحكمته تعالى ثابتةٌ في علم الكلام .
وعن الرابع: يمنع أن يأمره بفعل ثمّ يمنعه عنه، لأنّه إمّا أن يأمره مطلقاً، أو بشرط زوال المنع، فإن كان الأوّل، فمَنْعُهُ منه بعدَ ذلك يكون تكليفاً بما لا يُطاق، وهو مُحالٌ، وإن كان الثاني فالأمر بالشرطِ لا يجوز وقوعُهُ من العالِمِ بعواقبِ الأُمورِ، على ما تقدّم .
ويخالف هذا ما إذا أَمَرَ جماعةً أن يفعلوا الفعلَ في غد، فإنّه يجوز
أن يمنع بعضَهُمْ من الفعلِ، لكنّا نستدلُّ بهذا المنع على أنّ ذلك البعضَ غيرُ مراد بالخطابِ، ولا مكلَّفٌ به، ولا يجوز أن يمنع جميعَهُمْ .
وعن الخامس: أنّ النسخ بعد حضورِ وقتِ الفعل، ولهذا ناجى عليٌّ (عليه السلام)رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن قَدَّمَ الصّدقةَ، ولهذا عاتبهم الله تعالى بقوله: (أَأَشْفَقْتُمْ