welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4

صفحه 321
والمحقّق يصف الأب ممّن يرد عليه النقص خلافاً لبعض الروايات. وقد مضى الكلام فيها.

ما هو عامل العول ؟

وليعلم أنّ عامل العول هو الزوج أو الزوجة إذا اجتمع أحدهما مع البنت أو البنات، أو مع الأُخت أو الأخوات من قبل الأبوين أو لأب، وإلاّ لم يلزم العول.
وعلى ذلك:
1. فلو خلّفت زوجـاً وأبوين وبنتـاً، يختصّ النقص بالبنت بعد الربع والسدسين.
2. لو خلّفت زوجاً وأحد الأبوين وبنتين، يختصّ النقص بهما بعد الربع والسدس.
3. لو خلّف زوجـة وأبويـن وبنتين، يختـصّ النقـص بهما بعد الثـمن والسدسين.
4. لو خلّفت زوجـاً مع كلالة الأُم وأُختاً أو أخوات لأب وأُم أو لأب، يدخل النقص بالأُخت أو الأخوات بعد النصف والسدس إن كانت الكلالة واحدة أو الثلث إن كانت متعدّدة.
إنّ ما ذكرناه من أنّ عامل العول هو الزوج والزوجة إنّما يتمّ على أُصولنا في الإرث، وأمّا على أُصول غيرنا فيأتي العول من غير جهة الزوج والزوجة ، كما إذا مات عن أبوين مع الأُختين، فإنّهما لا يرثان على أُصولنا مع وجود الأبوين، لأنّهما أقرب من الأُختين بخلافه على أُصول غيرنا حيث ترث

صفحه 322
الأُختين بالتعصيب، فعندئذ يلزم العول، لأنّ فرض الأُم عند عدم الولد للميّت هو الثلث، وفرض الأُختين هو الثلثان، ولا يبقى من التركة للأب شيء إذا بدأنا بالأُم والأُختين.

بقيت هنا نكات نذكرها:

1. إنّ الآثار المروّية عن ابن عباس تشهد على أنّ حبر الأُمّة كان صارماً في رأيه ببطلان العول إلى حدّ كان معه مستعدّاً للمباهلة. قال ابن قدامة: روي عن ابن عباس أنّه قال في زوج وأُخت وأُم: من شاء باهلته أنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مـال نصفـاً ونصفـاً وثلثاً، هـذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟! فسُمِّيت هذه المسألة، مسألة المباهلة لذلك.1
ومن الغريب أنّ العول أسفر عن طرح مسائل اشتهرت بألقاب خاصّة نذكر منها ما يلي:
الأكدرية: وصورتها إذا ماتت المرأة عن زوج وأُمّ وأُخت وجدّ، فللزوج النصف و للأُمّ الثلث وللأُخت النصف وللجد السدس، وتسمّى هذه المسألة الأكدريّة، قيل لأنّ رجلاً اسمه الأكدر سأل عبد الملك بن مروان عنها، وقد اختلفت فتاوى فقهاء السّنة بل التابعين في المسألة، والمسألة من فروع العول حتّى ولو لم نقل إنّ للجدّ سهماً في المقام; لأنّ للزوج النصف وللأُخت النصف وللأُمّ الثلث فلا تتسع التركة لهذه الفروض، فكيف إذا قلنا بوجوب السدس للجد؟ والمسألة من مقولة العول على أُصولهم وليست كذلك على

1 . المغني: 7/69، ونقله عن ابن عباس أكثر من تعرّض للمسألة.

صفحه 323
أُصولنا ; لأنّ الأُخت لا ترث مع وجود الأُمّ خلافاً لهم حيث إنّ الأُخت للأب من مقولة العصبة ترث معها أيضاً.
المروانية: وصورتها ست أخوات متفرّقات وزوج، للزوج النصف وللأُختين لأبوين الثلثان و للأُختين لأُم الثلث، سمّيت المروانيّة لوقوعها في فرض مروان بن الحكم.
وقد ذكرت ألقاب أُخرى لبعض المسائل في الموسوعة الفقهية الكويتية.1 وإن كان بعض هذه الصور خارجاً عن مسألة العول كما مرّ.
2. قد عرفت أنّ القول بالعول لا يصمد أمام الأدلّة الدالّة على خلافه، والذي يصدّ الفقهاء الأربعة والتابعين عن العدول عن العول هو إفتاء عمر بن الخطاب بالعول، و قد عرفت أنّ الرجل كان مهاباً لا يجرأ أحد على مخالفته، ولم يكن الخليفة ملمّـاً بأحكام الفرائض، و لذلك كان يفتي بحكم في واقعة يخالفها في واقعة أُخرى.
أخرج البيهقي في سننه عن عبيدة أنّه قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجدّ مائة قضية كلّها ينقض بعضها بعضاً.2
ولا بأس بنقل ما قضى به في مسألة سمّيت بالحمّارية.
روى البيهقي بسنده عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدتُ عمرَ بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأُم مع الإخوة من الأُم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا، قال: كيف قضيت؟

1 . لاحظ : الموسوعة الفقهية الكويتية: 3 / 75 ـ 80 .
2 . السنن الكبرى:6/245.

صفحه 324
قال: جعلته للإخوة من الأُم و لم تجعل للإخوة من الأب و الأُم شيئاً، قال: تلك على ما قضينا و هذا على ما قضينا.1
وفي رواية السرخسي أنّ الإخوة لأب وأُم سألوا عمر عن هذه المسألة، فأفتى بنفي التشريك كما كان يقوله أوّلاً، فقالوا: هب أنّ أبانا كان حماراً، ألسنا من أُمّ واحدة؟ فقال عمر: صدقتم ورجع إلى القول بالتشريك.2
ومن أجل ذلك سمّيت هذه المسألة بالحمّارية.
3. أنّ فقيه المدينة: الزهري، كان يستحسن فتوى ابن عباس ويقول: إنّها الحجّة لولا أنّه تقدّم عليه عمر بن الخطاب.
روى الشيخ في «الخلاف» عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وزفر بن أوس البصري أنّهما سألا ابن عباس: من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت به عليه؟ قال: هبته وكان امرؤاً مهيباً، قال الزهري: لولا أنّه تقدّم ابن عباس، إمام عدل وحكم به وأمضاه وتابعه الناس على ذلك، لما اختلف على ابن عباس اثنان. 3
4. أطنب موسى جار اللّه الكلام في مسألة «العول» إلى حدّ مملّ جدّاً وأخذ يجترّ كلاماً واحداً، وحصيلة كلامه: يغلب على ظنّي أنّ القول بأنّ لا عول عند الشيعة، قول ظاهري، فإنّ العول هو النقص، فإن كان النقص في جميع السهام بنسبة متناسبة، فهو العول العادل أخذت به الأُمّة وقد حافظت على نصوص الكتاب، وإن كان النقص في سهم المؤخّر، فهو العول الجائر

1 . السنن الكبرى:6/255. قوله: «عام أوّل» لو صحت النسخة فهو بمعنى السنة الأُولى من خلافته.
2 . المبسوط:29/154ـ 155.
3 . الخلاف: 4 / 74 ـ 75، المسألة 81 وغيرها.

صفحه 325
أخذت به الشيعة وخالفت به نصوص الكتاب. 1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المعنى المناسب للعول في المقام هو الارتفاع أو الميل إلى الجور، وتفسيره بالنقص و إن كان صحيحاً ـ كما مرّ في صدر المسألة ـ لكن الأنسب في المقام هو الزيادة، لظهور ارتفاع الفرائض عن سهام التركة، وارتفاعها وإن كان ملازماً لنقص التركة عن الإجابة لجميع الفروض، لكن ينظر إلى المسألة من زاوية ارتفاع الفرائض دون نقصان سهام التركة، ولأجل ذلك يقول ابن عباس: «وأيم اللّه لو قدّموا مَن قدّم اللّه، وأخّروا مَن أخّر اللّه ما عالت فريضة» ومن المعلوم عدم صحّة تفسيره بـ «وما نقصت الفريضة».
وثانياً: سلّمنا أنّ العول بمعنى النقص لكن رمي الشيعة بأنّهم يقولون به حيث إنّهم يوردون النقص على المؤخّر، غفلة عن نظرهم، فإنّ النقص إنّما يتصوّر إذا كان المؤخّر ذا فرض، ولكنّه عندهم ليس بذي فرض، بل يرث بالقرابة كسائر من يرثون بها، وعندئذ لا يصدق النقص أبداً في هذه الحالة.
يشهد بذلك كلام ابن عباس حيث يفسّر المقدّم بأنّه مَن له فرضان، والمؤخّر بأنّه مَن ليس له إلاّ فرض واحد، حيث قال في جواب «زفر» الذي سأله عمّن قدّمه ومَن أخّره؟ فقال: والذي أهبطه مِن فرض إلى فرض فذلك الذي قدّمه، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقي، فذلك الذي أخّره اللّه.2
وبعبارة أُخرى: إنّ الذي أخّره اللّه لم يجعل له حقّاً مفروضاً في حالة التزاحم والاجتماع فيرث ما بقي، وليس هو بذي فرض في هذا الفرض لكونه

1 . الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، وقد نقلنا كلامه مجرّداً عن الطعن بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
2 . لاحظ : الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6.

صفحه 326
وارثاً بالقرابة. وبذلك تبيّـن أنّه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء.
وثالثاً: ما ذكره من أنّ السنّة حافظت على نصوص الكتاب ولكن الشيعة بإدخال النقص على المؤخّر خالفت نصوصه، من أعاجيب الكلام، فإذا كان في دخول النقص على المؤخّر (على وجه المسامحة) مخالفة لظاهر الكتاب، ففي دخوله على الجميع مخالفة مضاعفة، فقد عرفت في ما سبق أنّ من فرض اللّه له النصف أعطوه أقلّ منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقلّ منهما. فكيف لا يكون فيه مخالفة.1
***
تمّت قاعدة
لا عول في الإرث
أو
حكم الفرائض إذا عالت

1 . وقد كفانا في نقد ما اختلقه من الشبهات أو أخذها ممّن تقدّم عليه العلمان الجليلان: السيد عبد الحسين العاملي في كتابه «أجوبة موسى جار اللّه»، والسيد محسن العاملي في «نقض الوشيعة» ـ قدّس اللّه سريهما ـ .

صفحه 327
قاعدة لا عول في الإرث أو حكم الفرائض إذا عالت   
القواعد الفقهية
      85
دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل   
قاعدة

دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل

أقوال الفقهاء في القاعدة
كلام للشيخ القرضاوي
اتّفاق الفقهاء على النصف
تضافر السنّة على النصف
التنصيف في دية الأعضاء
ما هي المصلحة في تنصيف الدية؟
اتّفق الفقهاء على أنّ دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل، ومن له إلمام بالفقه يعرف ذلك. قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: دية المرأة نصف دية الرجل. وبه قال جميع الفقهاء، وقال ابن عُليّة والأصمّ: هما سواء في الدية. ثم استدل بما روى عمرو بن حزم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«دية المرأة على النصف من دية الرجل» وروى معاذ نحو هذا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو إجماع الأُمّة، وروي ذلك عن علي(عليه السلام) وعن عمر وزيد بن ثابت ولا مخالف لهم.1

1 . الخلاف:5/254، المسألة 63.

صفحه 328
وقال المحقّق: ودية المرأة على النصف من جميع الأجناس.1
إلى غير ذلك من الكلمات الموحّدة، ويدلّ على تنصيف الدية روايات عديدة نذكر اثنتين منها.
1. ما رواه عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال:«دية المرأة نصف دية الرجل».2
2. ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: في رجل قتل امرأته متعمداً، فقال:«إن شاء أهلها أن يقتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية، خمسة آلاف درهم».3
هذا كلّه حول دية النفس، وأمّا دية الأعضاء فسيوافيك الكلام فيها.

كلام للشيخ القرضاوي

والذي دعانا إلى عنوان هذه القاعدة ـ مع أنّها من مسلّمات الفقه عند الفريقين ـ ما نُشر في مجلة الشريعة الغرّاء، العدد 495 (آذار/2007م، صفر 1428هـ)، ووجدنا فيها فتوى للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي تتضمّن القول بأنّ دية المرأة تساوي دية الرجل، وأنّ حكم دية المرأة على النصف من دية الرجل لا يسنده نصّ صريح من القرآن الكريم ولا من السنّة المطهّرة كما لا يؤيّده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة. وأنّ رأيه في مساواة الديتين تعضده آراء علماء سابقين، منهم: صاحب المنار، والشيخ محمود شلتوت،

1 . شرائع الإسلام:4/246.
2 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 329
والشيخ أبو زهرة، والشيخ محمد الغزالي.
ثمّ إنّه اعتذر عن فتوى العلماء في القرون السابقة بالنصف بأنّ قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية كان من الندرة، فلم تعد مشكلة حول الموضوع حتّى تستدعي اجتهاداً جديداً من العلماء.
أقول: نحن نقدّر الاجتهاد الحرّ الخارج عن إطار المذاهب المعيّنة، فإنّ الاجتهاد رمز خلود الإسلام واستمرار شريعته. ولكن نؤكّد على لزوم اعتماد الاجتهاد الحر على الكتاب والسنّة المطهّرة والإجماع وسائر الأُصول المعتبرة وعدم الخروج عن مقتضاها قدر شعرة.
هذا وقد عادت دراسة دية الحرة المسلّمة إلى الساحة لأجل أنّ طابع العصر الحاضر هو طابع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ كنّ مهضومات الحقوق في الأدوار السابقة. فقامت مؤسسات وتشكّلت جمعيات لإحياء حقوقهن، وإخراجهنّ من زي الرقيّة للرجال، إلى الاستقلال والحرّية، وربّما يتصوّر أنّ في القول بأنّ ديتها نصف دية الرجل، هضماً لحقوقهنّ وإضعافاً لهنّ.
ومع ذلك كلّه ففي المسألة دليل قاطع من السنّة المطهّرة وإجماع المسلمين على النصف.

اتّفاق الفقهاء على النصف

أمّا الإجماع فقد اتّفقت كلمات الفقهاء على النصف عبر أربعة عشر قرناً، ولم يخالفهم إلاّ رجلين لا اعتبار لخلافهما. وقد تقدّم كلام الشيخ الطوسي في «الخلاف» مضافاً إلى روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

صفحه 330
قال ابن قدامة في شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل
العلم على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن
عُليَّة والأصم أنّهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ في كتاب عمرو بن حزم:«دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهي أخصّ ممّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسِّراً لما ذكروه، ومخصصاً له.
ودية نساء كلّ أهل دين، على النصف من دية رجالهم على ما قدّمنا في موضعه.1
وقال القرطبي(المتوفّى 595هـ): اتّفقوا على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل في النفس.2
وقال شمس الدين السرخسي(المتوفّى 495هـ): بلغنا عن عليّ(عليه السلام) أنّه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه نأخذ.3
ومن رجع إلى الكتب الفقهية يجد نظير هذه الكلمات فلا حاجة إلى نقل كلماتهم. والذي نلفت إليه نظر الأُستاذ أنّه لم يخالف ذلك القول في العصور الماضية إلاّ رجلان:
أحدهما: ابن عُليّة: وهو إسماعيل بن إبراهيم المصري(110ـ 193هـ)

1 . المغني:9/531ـ532.
2 . بداية المجتهد: 2/ 348 .
3 . المبسوط:26/79.

صفحه 331
الّذي كان مقيماً في بغداد وولي المظالم فيها في آخر خلافة الرشيد، وكفى في سقوط رأيه أنّه سيّئ الأخلاق والسلوك.
وكتب له عبد الله بن مبارك أبيات مستهلها:
يا جاعل الدين له بازياً *** يصطاد أموال المساكين1
ثانيهما: أبو بكر الأصمّ عبد الرحمن بن كيسان المعتزلي صاحب «المقالات» في الأُصول، والمعتزلة يعتمدون على العقل أكثر ممّا يعتمدون على النقل، ولذلك لا يطلق عليهم أهل السنّة في مصطلح أهل الحديث والأشاعرة.
وأي إجماع أعظم وأتقن من اتّفاق الفقهاء على حكم مضى عليه
قرون متمادية لم ينبس2 فيها أحد ببنت شفة إلاّ رجلان قد علمت
حالهما، والعجب أنّ الدكتور في صدر كلامه يقول: «لا يؤّيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة». ونقرأ في آخر الخبر أنّ المعلّق قد كتب: أنّ رأي الدكتور القرضاوي هذا يأتي مخالفاً لآراء الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة، والمذهب الظاهري والزيدي والمذهب الجعفري والمذهب الاباضي.
ولعلّه حاول بذلك إعطاء أهمية لهذا البحث.
هذا ما يمكن ذكره عن الإجماع، وأمّا السنّة فنذكر ما روى من طريقهم.

1 . طبقات الفقهاء:2/61. بازيا، هو المفعول الثاني لقوله: «يا جاعل»، والبازي طير من الجوارح يُصاد به، وهو أنواع كثيرة.
2 . ينبس: يتكلم.

صفحه 332

تضافر السنّة على النصف

1. أخرج البيهقي بسندين في أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دية المرأة على النصف من دية الرجل».1
2. أخرج البيهقي بسنده عن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على
أنّ دية المسلم الحرّ على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مائة من الإبل، فقوّم عمر بن
الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم،
ودية الحرّة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الّذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذ أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يُكلّف الأعرابي الذهب ولا الورق.2
3. أخرج البيهقي عن حمّاد عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: عقل المرأة على النصف من دية عقل الرجل في النفس وفيما دونها.3والمراد بإبراهيم، هو إبراهيم النخعي(المتوفّى 93هـ) وهو لم يدرك عليّ بن أبي طالب، والسند منقطع.

التنصيف في دية الأعضاء

هذا في دية النفس، وهكذا الكلام في دية الأعضاء والجراحات، إذ اتّفق الفقهاء على أنّ دية المرأة تساوي دية الرجل في الأُروش المقدّرة إلى حدّ

1 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 95.
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 8/ 95 .
3 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 96 .

صفحه 333
خاص، فإذا انتهت إليه فعلى النصف، وهذه الضابطة أمر متّفق عليه، غير أنّ الاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته الدية، تكون على النصف، والضابطة نفسها تؤيد الكبرى الكلّية في أنّ دية المرأة، نصف دية الرجل.
والمشهور أنّ المرأة تعاقل الرجل في دية الأعضاء والجراحات إلى ثلث الدّية، فإذا تجاوزت الثلث رجعت إلى النصف. وننقل بعض ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ثم نعرّج إلى ذكر ما روي في كتب أهل السنة.
1. روى الكليني بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):
ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من
الإبل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تعاقل (تقابل) الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان أنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
2. روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها».
3. وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت:

1 . الوسائل:19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 334
ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟! قال: هكذا السنّة.
قوله: «هكذا السنّة» دالّ على أنّه أراد سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإجماع الصحابة والتابعين.1
5. وقد أخرج البيهقي بسند متّصل إلى زيد بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، وما زاد فعلى النصف.2
4. أخرج النسائي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديتها».3

ما هي المصلحة في تنصيف الدّية؟

يقول الشيخ القرضاوي من أنّ التنصيف لا تؤيّده مصلحة.
ولعلّه عَنى أنّ التفريق بين الديتين تفريق بلا سبب ولا مصلحة.
ولكن هناك مصلحة نشير إليها وهي:
أنّه لا شكّ في أنّ المرأة المسلمة كالرجل المسلم من حيث دورها وأهميّتها في المجتمع، وليس لاختلاف الدية دليلاً على نقصان في كرامتها، وإنّما شرّعت الدية لسدّ الضرر المالي الوارد على الأُسرة بسبب قتل النفس، ومن المعلوم أنّ الضرر المالي والخلل الاقتصادي الّذي يصيب العائلة بفقد

1 . الخلاف: 5 / 254 ـ 256، المسألة 64.
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 8/97، ولاحظ بقية الروايات في نفس المصدر.
3 . سنن النسائي: 8/45، باب عقل المرأة ; سنن الدارقطني: 3 / 73 برقم 3105; التاج الجامع للأُصول: 3 / 11 ; بلوغ المرام برقم 1212 .

صفحه 335
الرجل أكثر منه في حالة فقدان المرأة.
ولذلك أصبحت دية المرأة نصف دية الرجل. كلّ ذلك حسب طبيعة المجتمع الإسلامي الّذي حمّل الرجل مسؤولية إدارة الأُسرة والقيمومة.
وهناك شبهات وشكوك حول التنصيف تركنا التعرّض لها روماً للاختصار.
***
تمّت قاعدة
دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل

صفحه 336
دية الذمّيّ ثمانمائة درهم   
القواعد الفقهية
      86
قاعدة

دية الذمّيّ ثمانمائة درهم

أقوال الفقهاء في القاعدة
الروايات الدالّة على القاعدة
المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم
ما يخص المجوس بالمساواة بهما
العدول عن ثمانمائة لمصلحة
قتل المسلم بكافر مع رد فاضل الديتين
مقتضى الأصل العملي في المسألة
ديته دية المسلم
ديته أربعة آلاف درهم
تفصيل للصدوق
أقوال الفقهاء السنّة في القاعدة
دليل القول بالمساواة
دليل القول بالنصف
دليل القول بالثلث
دليل القول بالتفصيل

صفحه 337
اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ دية الحرّ الذمي هي ثمانمائة، ودية الحرّة الذمّيّة نصفها. وهناك أقوال أُخرى في المسألة سنذكرها لاحقاً. وإليك التفصيل.

1

دية الذمّي ثمانمائة درهم

ولنذكر كلمات الفقهاء قبل الروايات:
1. قال المفيد: وديات أعضاء أهل الذمّة بحساب ديات أنفسهم، وهي ثمانمائة درهم للرجال منهم، وأربعمائة للنساء.1
2. قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ دية أهل الكتاب والمجوس، الذكر منهم ثمانمائة درهم والأُنثى أربعمائة درهم.2
3. قال الشيخ: دية اليهودي والنصراني مثل دية المجوسي ثمانمائة درهم.3
4. وقال أيضاً: ودية الذمّي ثمانمائة درهم جياداً، أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم.4
5. قال أبو الصلاح: ودية الحرّ الذمّيّ، ثمانمائة درهم وضحاً، ودية الحرة الذمية نصف دية الحرّ الذمّي.(5)

1 . المقنعة:765.
2 . الانتصار:545، المسألة 306، كتاب الحدود والقصاص والديات.
3 . الخلاف:5/263، المسألة 77.
4 . النهاية:749.   5 . الكافي في الفقه: 391.

صفحه 338
6. قال سلاّر: دية الذمّيّ إن كان رجلاً ثمانمائة درهم، وإن كانت امرأة أربعمائة درهم.1
7. قال ابن البرّاج: ودية الكافر ثمانمائة درهم.2
8. قال ابن زهرة: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم بدليل إجماع الطائفة.3
9. قال الكيدري: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم.4
10. قال ابن إدريس: ودية الرجل الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من الذهب، ودية نسائهم على النصف من دية ذكرانهم، ودية المجوسي ودية الذمّي سواء، لأنّ حكمهم، حكم اليهود والنصارى.5
11. قال المحقّق: ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية نسائهم على النصف.6
12. وقال أيضاً: وفي دية الذمّيّ روايات، والمشهور ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.7

1 . المراسم: 238.
2 . المهذب:2/486.
3 . غنية النزوع:2/414.
4 . إصباح الشيعة:500.
5 . السرائر:3/352.
6 . شرائع الإسلام:4/1018، كتاب الديات، في أقسام القتل.
7 . المختصر النافع: 295.

صفحه 339
13. قال ابن سعيد الحلّي: ودية الحرّ الذمّيّ ثمانون ديناراً والذمّيّة نصفها.1 وثمانون ديناراً يعادل ثمانمائة درهم تقريباً.
14. قال العلاّمة الحلّي: وأمّا الذمّي الحرّ فديته ثمانمائة درهم، سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً.... ودية المرأة الحرّة منهم: أربعمائة درهم.2
15. وقال أيضاً: دية الذمّي من اليهود والنصارى والمجوس ثمانمائة درهم.... ودية نسائهم على النصف.3
إلى غير ذلك من كلمات علمائنا المتماثلة في اللفظ والمعنى إلى العصر الحاضر.
وقال أخيرهم لا آخرهم الإمام الخميني(قدس سره): دية الذمّي الحرّ ثمانمائة درهم، يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم نصف دية الرجل.4
ويدلّ على هذا القول الروايات المتضافرة الّتي تناهز العشر أو تزيد عليها، وهي بين صحاح وحسان وهي على طوائف:

1 . الجامع للشرائع:589.
2 . قواعد الأحكام: 3 /668.
3 . تحرير الأحكام: 5/568، المسألة 7222 .
4 . تحرير الوسيلة: 2 / 559، المسألة 30 .

صفحه 340
 
الطائفة الأُولى:

دية الذمّي ثمانمائة درهم

قد وردت روايات تدلّ على أنّ دية الذمّي، أو دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم، دلالة مطابقية أو التزامية، نظير:
1. صحيحة أو حسنة ابن مسكان، عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّه قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم».1
2. موثّقة سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): كم دية الذمّي؟ قال: «ثمانمائة درهم».2
3. صحيحة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دية النصراني واليهودي والمجوسي؟ فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم، ثمانمائة درهم».3
4. معتبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن دية اليهود والنصارى والمجوس؟ قال:«هم سواء ثمانمائة درهم».4
وفي صدر السند إسماعيل بن مهران، وطريق الفقيه إليه صحيح، وفي

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث9.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث5.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث8.

صفحه 341
أثنائه درست بن أبي منصور، وهو ممّن يروي عنه ابن أبي عمير والبزنطي بطريق صحيح، ولذلك قلنا:«معتبر أبي بصير».
5. خبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال:«دية الذمّي ثمانمائة درهم».1
وإنّما وصفناه بالخبر، لتردّد محمد بن قيس بين الثقة والممدوح والمهمل الضعيف. والثقة منهم، هو محمد بن قيس البجلي، ويميّز عن غيره برواية عاصم بن حُميد عنه.
6. صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل فقأ عين نصراني؟ قال:«إنّ دية عين النصراني أربعمائة درهم».2 وهو يدلّ بالملازمة على أنّ دية النفس هو ثمانمائة، لأنّ في العينين دية كاملة.
7. خبر علي بن جعفر عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي كم هي؟ سواء؟ قال:«ثمانمائة، ثمانمائة كلّ رجل منهم».3 ويدلّ بالمفهوم على أنّ دية الأُنثى منهم، تنقص منه.
8. وفي «دعائم الإسلام» عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«إذا قتل المسلم اليهودي، أو النصراني، أُدِّب أدباً بليغاً، وغرم ديته، وهي ثمانمائة درهم».4
9. فقه الرضا:«ودية الذمّي الرجل ثمانمائة درهم، والمرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم».5

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث6.
4 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
5 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 342
 
الطائفة الثانية:

المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم

يستفاد من بعض الروايات أنّ المرتكز لدى الصحابة في دية اليهودي والنصراني هو ثمانمائة درهم، وكان الشكّ عالقاً بدية المجوسي، نظير:
10. صحيح سماعة بن مهران عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «بعث النبي خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم، ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال:«إنّهم أهل الكتاب».1
رواه الشيخ عن ابن أبي عمير وسنده إلى كتبه في «الفهرست» صحيح.
وربّما تضعّف الرواية بأنّ التاريخ لم يسجّل بعث خالد بن الوليد إلى البحرين بينما بعث إلى أماكن أُخرى، والإشكال مبني على تصوّر أنّ المراد من البحرين ما هو المتبادر في عصرنا هذا، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث إنّ المتبادر من «البحرين» في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، غير المتبادر منه في الأعصار المتأخرة، فإنّه في عصرنا عبارة عن الجزيرة الخاصة التي يحيطها

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث7 ; وفي تهذيب الأحكام: 10 / 186: «انّهم أهل كتاب».

صفحه 343
الماء من كلّ جانب، وقد اعترفت إيران باستقلالها، كما اعترفت الأُمم المتحدة به، ولكنّه في عصر الرسول، كان يطلق على منطقة وسيعة. يقول ياقوت الحموي: وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان ـ إلى أن قال: ـ البحرين من أعمال العراق وحدّه من عمان ناحية جُرّفار، واليمامة على جبالها، وربّما ضُمّت اليمامة إلى المدينة وربّما أُفردت. هذا كان أيّام بني أُميّة ولمّا ولي بنو العباس صيّروا عمان والبحرين واليمامة عملاً واحداً.1
وقد أمدّنا الجغرافيّ الهمدانيّ بمعلومات قيّمة عن البحرين، فتحدث عن المدن والقرى ومن يسكنها من القبائل، فمن ذلك قوله: مدينة البحرين العظمى هجر، وهي سوق بني محارب من عبد القيس، ومنازلها ما دار بها من قرى البحرين، فالقطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وسكانها جذيمة من عبد القيس سيدهم ابن مِسْمار ورهطه، ثمّ العُقير من دونه وهو ساحل وقرية دون القطيف من العَطف، وبه نخل، ويسكنه العرب من بني محارب، ثمّ السِّيف سِيْفُ البحر، وهو من أوال، على يوم، وأوال جزيرة في وسط البحر مسيرة يوم ، وفيها جميع الحيوان كلّه إلاّ السّباع، ثمّ السَّتار وتعرف بستار البحرين، وهي منازل بني تميم فيه متصلة البيضاء وكان بها نخل وسكن، والفطح وهو طريق بين الستار والبحر إلى البصرة، ومن المياه المتصلات معقلات ثمّ خمس ثم معقلا طويلع وهو عن يمين سنام ثم كاظمة البحور... فالإحساء منازل ودور لبني تميم، ثمّ لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب، وعن يمين البحرين ودونها يبرين، والخِنّ، موضع فيه نخل كثير لبني وَدَعة، ويبرين

1 . معجم البلدان: 1/346، مادة «بحرين».

صفحه 344
نخل وحصون وعيون جارية وغير جارية وسِبَاخ، والبحرين إنّما سمّيت البحرين من أجل نهرها مُحلِّم ولنهر «عين الجريب».1
وقد بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى «بني جذيمة» بن عامر بن عبد مناة من كنانة.2 ولعلّه أصاب في سفره هذا بما أصاب، وقد عرفت ما في كلام الهمداني من أنّ القطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وساكنها«جذيمة من عبد القيس».

الطائفة الثالثة:

ما يخصّ المجوس بالمساواة بهما

وقد وردت روايات تحكي عن أنّ السائل أو عامّة الناس كانوا يعرفون مقدار دية اليهودي والنصراني، ولكن كانوا في شكّ في دية المجوسي، وأنّها هل تساوي دية الطائفتين أو لا؟ نظير:
11. صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء؟ فقال:«نعم، قال الحق».3 والمراد بإبراهيم هو إبراهيم الكرخي من فقهاء السنّة.
12. موثّق زرارة قال: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال:«هم من أهل الكتاب ومجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات».4

1 . صفة جزيرة العرب:279ـ 281.
2 . السيرة النبوية: 4/ 882 ، باب مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث11.

صفحه 345
والحديثان بصدد بيان التسوية، وأمّا ما هو مقدار الدية، فلا يدلاّن على شيء منه، فيحتمل أن تكون ديتهم دية المسلم، أو ثمانمائة، أو أربعة آلاف درهم.
ومع ذلك لا يخلو من إشعار لما هو المشهور، إذ لو كان المراد هو مماثلة ديتهم مع دية المسلم لقال ديتهم كدية المسلم، ويؤيد ما ذكر، صحيحا ابن مسكان وليث المرادي الماضيان (الحديث الأوّل والثالث) فإنّ التعبير في الأحاديث الثلاثة واحد، وقد جاء التصريح بمقدار الدية في الصحيحين الماضين فلاحظ.

الطائفة الرابعة:

في أنّ العدول عن ثمانمائة لمصلحة

وقد وردت رواية تعرب عن كون ثمانمائة هو الحكم الشرعي، غير أنّ الإمام يحكم بتغريمه بأكثر منها لصيانة دماء الأبرياء من أهل الذمة، نظير:
13. موثّقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال:«هذا شيء شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّي، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها».1

1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 346
والحديث يدلّ على وجود التفاوت بين الديتين، أعني: قوله:«فليعط أهله، دية المسلم»، كما أنّ قوله: «ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم» يدلّ على أنّ الحكم الأوّلي والمسلّم بين المسلمين في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده في دية الذمّي هو ثمانمائة، وإنّما عدل الإمام عنه إلى كونها دية المسلم، لمصلحة ملزمة وقد أشار إليها بقوله:«حتى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّي». ويكون الحكم عندئذ أشبه بالحكم الولائي لدَرء المفسدة لا حكماً شرعياً كليّاً وإن فقد ملاكه.
وسيوافيك فقه الحديث عند الكلام في أدلّة القائلين بالمساواة.

الطائفة الخامسة:

قتل المسلم بكافر مع ردّ فاضل الديتين

استفاضت الروايات على جواز قتل المسلم بكافر إذا ردّ فضل دية المسلم، وهي تنفي المماثلة بين الديتين وتثبت وجود التفاوت بين الديتين، وإن لم يعيّن مقدارها، وبالتالي تصلح لردّ القول بالمساواة:
14. روى الكليني بسند صحيح فيه محمد بن عيسى العبيدي ـ وهو أيضاً ثقة على المشهور ـ عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه».1
15. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل قتل رجلاً من أهل

1 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث2.

صفحه 347
الذمّة؟ فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ثمّ يقتل به المسلم».1
وإنّما تصلح للاستدلال إذا أُريد ردّ فضل ما بين الديتين. وأمّا إذا أُريد دفع نفس دية المسلم فلا، ولذلك يأتي ذكر الرواية عند ذكر أدلّة القول الثاني.
16. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين».2
17. صحيح أبي بصير قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم؟ قال: «تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خُيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك».3
ولمّا كانت هذه الروايات معارضة لما دلّ على أنّ المسلم لا يقاد بكافر4 ، صار فقهاء الإمامية أمام هذه الروايات على طوائف:
أ. منهم من ردّ العمل بها كابن إدريس حيث قال بأنّه لا يجوز قتل المسلم به مطلقاً، سواء أكان معتاداً لقتل أهل الذمّة أو لا.5
ب. منهم مَن عمل بها على وجه الإطلاق ولم يشترط شيئاً (الاعتياد) كالصدوق في «المقنع» قال: وإذا قطع المسلم يد المعاهد، خُيّر أولياء المعاهد،

1 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث3 .
2 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 4.
3 . الوسائل: 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
4 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 وغيره.
5 . لاحظ : السرائر: 3/352.

صفحه 348
فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صُنع كذلك.1
ج. ومنهم من حملها على المتعوّد لقتل الذميّ، كالشيخ في «النهاية» قال: إذا قتل المسلم ذمّيّاً عمداً، وجب عليه ديته ولا يجب عليه القود، إلاّ أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود كان على الإمام أن يقيده به بعد أن يأخذ من أولياء الذمّي ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يردّوا أو لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال.2
ويدلّ على مختار الشيخ ما رواه إسماعيل بن الفضل عن الصادق(عليه السلام)قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يُقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».3
وعلى كلّ تقدير فالروايات صالحة لردّ القول بالمساواة وإن لم تُقدِّر مقدار الدية.
وهذه الروايات المتضافرة مع الإجماع بين المتقدّمين والشهرة من المتأخّرين تُشرف الفقيه على القطع بأنّ دية الذمّي لا تتجاوز عن ثمانمائة، ولأجل إيقاف القارئ على موقف المتأخّرين من الحكم المجمع عليه بين

1 . المقنع: 534.
2 . النهاية:749.
3 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 .

صفحه 349
المتقدّمين، نذكر شيئاً من آرائهم.

موقف المتأخّرين من الحكم المشهور

قد عرفت أنّ الرأي السائد بين القدماء إلى عصر العلاّمة هو أنّ دية الذمّي ثمانمائة درهم، ويعلم ممّا ذكره الفقيه المتتبع السيّد العاملي اتّفاق المتأخّرين عليه أيضاً.
قال في «مفتاح الكرامة» بعد قول العلاّمة«فديته ثمانمائة درهم»: إجماعاً كما في «الانتصار» و«الخلاف» و«الغنية» و«كنز العرفان»، وهو المشهور رواية وفتوى كما في «كشف اللثام» وأشهر فيهما كما في «الروضة»، والمشهور في عمل الأصحاب كما في «المقتصر»، والمشهور كما في «النافع» و «كشف الرموز» و «المهذب البارع» و«التنقيح» و «ملاذ الأخيار»، وعليه عامّة أصحابنا إلاّ النادر كما في «الرياض».
والأخبار بذلك متضافرة وهي سبعة أخبار أو أكثر وفيها الصحيح والمعتبر، معتضدة بالأصل، والشهرات، والإجماعات، ومخالفة العامة لأنّهم أطبقوا في دية اليهودي والنصراني على خلافنا، واختلفوا على أربعة أقوال: فمن قائل: إنّ ديته ثلث دية المسلم، وقائل: بأنّـها نصفها، وقائل: بأنّها دية المسلم، وقائل: إن كان عمداً فديته وإن كان خطأ فنصف ديته.(نعم) وافقنا في المجوسي مالك والشافعي.1

1 . مفتاح الكرامة:10/368، الطبعة الحجرية، وقد عرفت أنّ عدد الروايات يُناهز العشر أو يتجاوزها. وسيأتي الكلام حول أقوال فقهاء السنة في المقام، فانتظر.

صفحه 350

مقتضى الأصل العملي في المسألة

إنّ مقتضى الأصل العملي في المسألة هو البراءة من الزائد على ثمانمائة، لأنّه من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليّين.
فإن قلت: إنّ المقام من قبيل الشكّ في المحصِّل، لأنّه يعلم باشتغال ذمّته بالدية ويشكّ في أنّ محقّق الدية هل هو الأقل أو الأكثر؟
قلت: إنّ عنوان الدية كالعنوان المشير إلى ما اشتغلت به ذمّته وليست لها أصالة وموضوعية، والأصل إنّما هو اشتغال الذمّة بما هو مردّد بين الأقل والأكثر.
هذا نظير ما إذا علم أنّه مديون لزيد وقد سجّله في «مذكرة» لكنّه فقدها فإنّه لا يُلزم إلاّ بالأقل لا بالأكثر، بتوهّم أنّ ذمّته مشغولة بما في «المذكرة»، ولا يحصل اليقين بأداء ما فيها إلاّ بالعمل بالأكثر.
***
 
2

ديته دية المسلم

ورد في بعض الروايات أنّ ديته كدية المسلم، ولم نعثر على قائل به من عصر الشيخ إلى عصرنا الحاضر، ونسبه المحقّق في «الشرائع» إلى بعض الروايات وقال:
وفي بعض الروايات: دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم.

صفحه 351
وفي بعضها: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف. والشيخ(رحمه الله)نزّلهما على من يعتاد قتلهم، فيغلِّظ الإمام الدية بما يراه عن ذلك حسماً للجرأة.1
وظاهر ذلك أنّه لم يجد قائلاً به ونسبه إلى بعض الروايات.
ومثله العلاّمة في «التحرير» قال: وفي رواية: ] ديته [ دية المسلم، وفي أُخرى: أربعة آلاف درهم، وحملها الشيخ على من يعتاد بقتلهم، فيغلّظ الإمام بما يراه حسماً للجرأة عليهم.2
وربّما يتصوّر أنّه نفس خيرة الصدوق في «الفقيه»، وسيوافيك أنّ مختاره في «الفقيه» غير هذا.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ عليه:
1. صحيحة أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي، دية المسلم».3
والشيخ أخذ الرواية من كتاب إسماعيل بن مهران ولم يذكر سنده إلى الكتاب في المشيخة، وطريقه إليه في «الفهرست» ضعيف; ولكن نقلها في «الفقيه»4، وسند الصدوق إليه صحيح، إذ في سنده إليه محمد بن موسى المتوكل، وعلي بن الحسين السعد آبادي، وقد ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقة الأوّل، والثاني مؤدِّب أبي غالب الزراري ومعلمه، ولذلك قال الأردبيلي: والرواية بين حسنة في النهاية على ما قال العلاّمة وابن داود،

1 . شرائع الإسلام: 4 / 247، كتاب الديات، في أقسام القتل.
2 . تحرير الأحكام: 5 / 565، المسألة 7222 .
3 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
4 . الفقيه:4/122، برقم 5254.

صفحه 352
وصحيحة على ما رأيته في الفقيه.1
2. صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«من أعطاه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ذمّة فديته كاملة». قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«وهؤلاء من أعطاهم ذمّة».2
وفي نسخة «الاستبصار»: ممّن أعطاهم.3
وجه الدلالة: أنّ زرارة تلقّى قوله: «من أعطاه رسول اللّه ذمّة فديته كاملة» قضيّة خارجية تختصّ بمن أعطاه شخص الرسول تلك الذمّة، ولذلك عاد وسأله عن المتواجدين في عصره من اليهود والنصارى والمجوس، فأجاب الإمام بأنّهم أيضاً ممّن أعطاه الرسول ذمّة، لأنّه إنّما أعطى المتواجدين من أهل الكتاب في عصره ذمّة، بما هو رسوله سبحانه وتبيان شرعه وحامل وحيه، فلا يختص حكمه بعصر دون عصر.
وبعبارة أُخرى: إنّ حكمه على المتواجدين في عصره كان من باب القضية الحقيقية الّتي يعم الحكم جميع أفراد الموضوع عبر القرون.
ويتجلّى ذلك المعنى بوضوح على نسخة«الاستبصار» حيث جاء فيها «ممّن أعطاهم»، ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاهم لأجل أنّهم من مصاديق الضابطة الكلّية في مورد الطوائف الثلاث.
3. ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 14/306.
2 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .
3 . الاستبصار: 4 / 269، برقم 1019 .

صفحه 353
أهل السواد» .1 وتحمل الرواية على إعطاء نفس الدية على الفضل بين الديتين، كما مرّ.
يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات:
أوّلاً: إعراض الأصحاب عنها، إذ لم نجد مَن أفتى بها، وسيوافيك أنّ الصدوق لم يعمل بها، وانّما أفتى بالتفصيل بين حالات الذمّي.
وثانياً: كيف يمكن لنا طرح الروايات المتضافرة وقد اشتهر العمل بها عبر القرون، والأخذ بروايتين(صحيح أبان و زرارة) لم يعمل أحد بهما؟!
وثالثاً: احتمال التقية، لما عرفت من أنّه المروي عن ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، كما مرّ.
ورابعاً: أنّ المهم في المقام ، هو موثّقة سماعة حيث إنّ الإمام قام بتنفيذ التسوية بين المسلم وغيره في زمانه قائلاً: بأنّ هذا شيء شديد لا يحتمله الناس.
والقائل بالتسوية يتمسّك بهذا التعليل ويقول: إنّ التعليل يعمّ زماننا حيث إنّ الناس لا يحتملون كون دية المسلم، عشرة آلاف درهم والذمّي ثمانمائة، مضافاً إلى أنّ منظمة حقوق الإنسان ـ الّتي انضمّ إليها أكثر البلاد الإسلامية ـ تصرّ على التسوية في الحقوق من دون تمايز بين المتديّن وغيره، ولا بين المسلم وغيره.
يلاحظ عليه:

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 354
إنّ قوله: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس» يحتمل وجهين:
1. أنّ تقدير دية الذمّيّ بالأقل من دية المسلم ممّا لا يحتمله الناس مطلقاً، سواء كان القاتل عامداً أو خاطئاً، وسواء القتل بنيّة الإفساد وتملّك الأموال أو للتشفّي واستيلاء الغضب عليه.
2. انّ قتل الذمّي لغاية تملّك أراضيه والاستيلاء على أمواله والخروج من مغبّة هذا العمل بأداء ثمانمائة درهم، ممّا لا يحتمله الناس.
فلو كان المراد هو الأوّل، لكان الاستناد إليه صحيحاً، في الخاطئ والعامد، دون ما إذا كان المراد هو الثاني.
ولكن الظاهر غير الأوّل، ويشهد عليه ذيل الحديث: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميّين».
حيث إنّ العبارة ظاهرة في أنّ الإمام يندّد بأُناس كانوا بصدد قتل الذميّين وتملّك أراضيهم، والخروج عن مغبّة عملهم بدفع شيء قليل، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الأعمال يورث الفساد والفوضى في المجتمع، ويسلب الأمان عنه، فالإمام يلزم القاتل في هذه الصورة بدفع الدية الكاملة، وأين هذا من الصورتين التاليتين:
1. القاتل الخاطئ الّذي يعلو عليه الحزن لعمله.
2. القاتل العامد، من دون أن يكون الداعي، سفك دمه، وتملّك أمواله وأراضيه، وإنّما قتله نتيجة خلافات انتهت إلى قتل الذمي.
وعلى هذا فليس للفقيه النابه إلاّ الاقتصار بالتسوية في صورة واحدة،

صفحه 355
أعني: إذا كان الداعي، هو الفساد وإشاعة الفوضى.
ثمّ إنّ الحكم بالتسوية ليس بمعنى نسخ الحكم الشرعي، فإنّ النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باطل بلا إشكال، بل من باب دَرء الفساد بتغريم القاتل بأكثر ممّا وجب عليه فيصبح حكماً ولائياً.
وخامساً: أنّ هنا جمعاً آخر ذكره الشيخ الطوسي في «التهذيب» وهو أنّ ما دلّ على المماثلة في مقدار الدية، أو على أربعة آلاف درهم ـ كما في بعض الروايات ـ محمول على مورد المتعوّد لقتل الأبرياء من الذميّين حيث قال: الوجه في هذه الأخبار أن تحملها على من يتعوّد قتل أهل الذمّة، فإنّ من كان كذلك فللإمام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة، وتارة أربعة آلاف درهم، بحسب ما يراه أصلح في الحال وأردع لكي ينكل عن قتلهم غيره، فأمّا من ندر ذلك منه فلا يلزمه أكثر من الثمانمائة حسب ما قدّمناه أوّلاً.1
ويدلّ على هذا الجمع حديثان:
1. صحيح إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء، إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».2
2. نفس موثّقة سماعة الّتي استدلّ بها على المماثلة، فقد جاء فيها

1 . التهذيب: 10/ 187، برقم 737.
2 . الوسائل: 19، الباب16 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 356
قوله (عليه السلام): «فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد»1، أي حتّى يتراجع عن القتل مرّة أُخرى.
وحاصل الكلام : أنّ الحكم بالمثل في رواية سماعة مختص بالعامد دون الخاطئ وناظر إلى مَن هو بصدد قتل الأبرياء وأخذ أراضيهم، فلا محيص للإمام من ردعه عن القتل وتراجعه عن الظلم بالحكم عليه بأخذ دية المسلم، حتّى تنطفئ نائرة الفتنة. والتعليل ناظر إلى تلك الصورة، من غير فرق بين كونه حكماً ولائياً أو واقعيّاً. وإن كان الحقّ هو الأوّل، لأنّ الثاني يلازم النسخ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فإن قلت: إنّ مورد التعليل وإن كان ما ذكر، لكنّه يعمّم، كما أنّه يخصّص، فالناس لا يحتملون التفرقة بين الديتين بهذا المقدار الهائل.
قلت: لو صحّ ما ذكر لزم الشطب على قسم من الأحكام السياسية والقضائية والأحوال الشخصية، لأنّ الغربيّين ودعاتهم في الشرق لا يحتملون قطع يد السارق وحدّ الزاني ـ بالرضا ـ ورجم المحصن والمحصنة، والقضاء باليمين، وفصل الخصومة بعلم القاضي، أو كون الطلاق بيد الرجل فقط، فهؤلاء في منأى عن التفكير بمثل هذه الأُمور، أفهل يصحّ لنا تعطيل تلك الأحكام لأجل رفض هؤلاء؟! كلا ولا.
***

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 357
 
3

ديته أربعة آلاف درهم

وربّما تقدّر ديته بأربعة آلاف درهم الّتي تساوي أربعمائة دينار، ولم نقف على مَن عمل به من الأصحاب، وما نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد، غير هذا القول، بل هو كالصدوق يُفصِّل بين حالات الذمّيّ كما سيوافيك.
ويدلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم».1
قال الصدوق في «الفقيه»: «قد روي أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي أربعة آلاف درهم، لأنّهم أهل الكتاب».2
وفي الفقه الرضوي:«وروي أنّ دية الذمّيّ أربعة آلاف درهم».3
وقال المرتضى: فإن احتجوا بما رواه عمرو بن حزم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «في النفس مائة إبل»، وهذا يقتضي أن يكون ذلك في كلّ نفس .
قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً ولا يجوز أن نرجع به عمّا ذكرناه من الأدلة الموجبة للعلم. وهو أيضاً معارض بأخبار نرويها كثيرة عن

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.
2 . الفقيه: 4/ 122، برقم 5253 .
3 . فقه الرضا (عليه السلام): 331 ; مستدرك الوسائل:18/304، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 358
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتضمّن بعضها أنّ الدية النصف، وبعضها أنّ الدية الثلث، فإذا تعارضت الأخبار سقطت.1
وهذه الأخبار الّتي أشار إليها السيّد المرتضى بقوله: (بأخبار نرويها كثيرة عن النبيّ) ليست في كتبنا، بل هي مبثوثة في «سنن البيهقي» وغيره على ما عرفت.
ومجموع الروايات لا يتجاوز عن رواية في سندها «علي بن أبي حمزة البطائني»، ومرسلة الصدوق، وفتوى الفقه الرضوي، والجميع لا ينهض حجّة في مقابل الروايات المستفيضة.
وعلى كلّ تقدير فأمّا ما رُوي من أنها أربعة آلاف في كتبنا، فيلاحظ عليه:
أوّلاً: بإعراض الأصحاب عنه وما أفتى أحد بمضمونه.
وثانياً: احتمال التقيّة فيه لما عرفت من وجود نفس القول عند العامّة، روى البيهقي عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، ودية المجوسي بثمانمائة درهم.2
وأمّا الحكم بالنصف أو الثلث الوارد في كلام السيد فيحمل على أحد الوجوه الثلاثة التالية:
1. أن يكون الحكم ولائياً، لعدم تحمّل الناس الحكم الشرعي الواقعي، كما مرّ .

1 . الانتصار:547.
2 . السنن الكبرى: 8 / 100.

صفحه 359
2. أن يكون الحكم راجعاً إلى العامد ولا يعم الخاطئ.
3. أن يحمل على المتعوّد قتل الأبرياء من أهل الذمّة، ليكون تغريمه هذا المقدار الباهظ رادعاً له عن العمل، كما مرّ.
إلى هنا تمّت دراسة الأقوال والروايات، وعرفت أنّه لا قائل عندنا بالثاني والثالث بصورة أنّه حكم شرعي واقعي.
***

4

تفصيل للصدوق

ثمّ إنّ هنا تفصيلاً للصدوق جنح إليه لأجل الجمع بين الروايات.

لكلّ من الثلث والمثل والثمانمائة، موردٌ خاص

حاول الصدوق أن يجمع بين الطوائف الثلاث من الروايات، بحمل كلّ على مورد خاص، وقال ما هذا لفظه:
قال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله): هذه الأخبار اختلفت لاختلاف الأحوال، وليست هي على اختلاف في حال واحد، بل لهما أحوال ثلاثة:
1. متى كان اليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ على ما عوهدوا عليه من ترك إظهار شرب الخمور وإتيان الزِّنا وأكل الرِّبا والميتة ولحم الخنزير ونكاح الأخوات وإظهار الأكل والشرب بالنهار في شهر رمضان واجتناب صعود

صفحه 360
مساجد المسلمين واستعملوا الخروج باللّيل عن ظهراني1 المسلمين والدخول بالنهار للتسوّق وقضاء الحوائج، فعلى من قتل واحداً منهم أربعة آلاف درهم، و مرّ المخالفون على ظاهر الحديث فأخذوا به ولم يعتبروا الحال.
2. ومتى آمنهم الإمام وجعلهم في عهده وعقده وجعل لهم ذمّة ولم ينقضوا ما عاهدهم عليه من الشرائط الّتي ذكرناها وأقرّوا بالجزية وأدّوها فعلى من قتل واحداً منهم خطأ دية المسلم وتصديق ذلك. إلى أن قال:
3. ومتى لم يكن اليهود والنصارى والمجوس على ما عوهدوا عليه من الشرائط الّتي ذكرناها، فعلى من قتل واحداً منهم ثمانمائة درهم، ولا يقاد لهم من مسلم في قتل ولا جراحة كما ذكرته في أوّل هذا الباب، والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك، كما جاء في المؤلى 2 إذا وقف بعد أربعة أشهر أمره الإمام بأن يفي3 أو يطلق، فمتى لم يفِ وامتنع من الطلاق ضربت عنقه لامتناعه على إمام المسلمين.4
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الشيخ الطوسي في الجمع بين المتعوِّد وغيره، المتعوِّد على اختلاف درجاته، أولى ممّا ذكره فإنّه جمع بلا شاهد حيث جعل ملاك الاختلاف في مقدار الدية، مقدار انضباط أهل الذمّة ومدى صلتهم

1 . أي من بينهم: إذا جاءُوا من القرى إلى البلدان للبيع والشراء فليكن دخولهم بالنهار وخروجهم بالليل; لأنّ في الدخول بالليل ريبة. لاحظ : الفقيه:4/123، قسم التعليق.
2 . من الإيلاء.
3 . أي يؤدي الكفّارة ويرجع.
4 . الفقيه:4/123ـ 124.
Website Security Test