welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4

صفحه 121
فغير صحيح، إذ هو راجع إلى حرمة ابنة الأخ الرضاعيّ، والبحث في حرمة ابنة الأخ الذي هو ولد نسبيّ للمرضعة لا ابنة الأخ الذي هو ولد رضاعي للمرضعة إذا كان النبيّ وعمَّه اجنبيّان لها.

المسألة الثالثة:

المشهور أنّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعاً 1، ولا في أولاد زوجته المرضعة ولادةً لا رضاعاً.
وكأنّهم استثنوا هذه المسألة من عموم المنزلة الّذي أنكروه، فإنّ بنت الفحل والمرضعة ليسا إلاّ أُخت ولده من الرضاعة، وليست أُخت الولد من المحرّمات ولو حرمت في النسب فإنّما هو لأجل أنّ أُخت الولد بنت للإنسان.
والّذي دعاهم إلى هذا الاستثناء، الروايات المستفيض بعضها:
منها: صحيحة علي بن مهزيار قال: سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام): إنّ امرأة أرضعت لي صبيّاً، فهل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها؟ فقال لي: «ما أجود ما سألت من هاهنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره .
فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة الّتي أرضعت لي هي ابنة غيرها، فقال: لو كنّ عشراً متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ وكنّ في موضع بناتك» 2.
فنزّل أولاد الفحل منزلة أولاد أبي المرتضع، للإخوّة الحاصلة بين ولد

1 . نسب إلى الشيخ في المبسوط وجماعة الذهاب إلى عدم التحريم.
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10 .

صفحه 122
أبي المرتضع وأولاد الفحل وأُخت الولد حرام لو قلنا بعموم المنزلة .
أقول: توضيح الرواية رهن دراسة كلّ من الفقرتين:
أمّا الأُولى: فموردها ما إذا أرضعت امرأة صبياً للإنسان تحرم عليه زوجته من قبل الفحل فلابدّ من حملها على ما إذا تزوّج أبو المرتضع بنتاً للفحل، فصارت زوجته أُمّ الزوجة لأبي المرتضع، فإذا أرضعت زوجة الفحل صبياً لأبي المرتضع يدخل المورد تحت الضابطة لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن، نسباً ولا رضاعاً.
نعم يدخل فيها ـ استدامة ـ لا حدوثاً حيث إنّ بقاء علقة الزوجية بينه وبين بنت الفحل، بعد الرضاع، يلازم نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الضمير في قوله: «حرمت عليه امرأته» يرجع إلى أبي المرتضع، وأُريد من الحرمة، التحريم استدامة لا حدوثاً إذ لم يكن التزويج في بدء الأمر نكاحاً في أولاد صاحب اللبن وإنّما صار كذلك استدامة.
وأمّا الفقرة الثانية فموردها مطلق المرضعة دون أن تكون المرضعة أُمّ الزوجة لأبي المرتضع ففي هذا المورد أيضاً، لا يجوز نكاح أولاد الفحل ابتداءً وحدوثاً للضابطة وبذلك ظهر الفرق بين موردي الفقرتين.
كما ظهر مصدر المسألة المعروفة من أنّه إذا أرضعت أُمّ الزوجة ولد بنتها رضاعاً محرماً، تحرم بنتها على زوجها وليس له مصدر إلاّ هذه القاعدة.
ومنها: صحيحة أيوب بن نوح: قال: كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن(عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها؟

صفحه 123
فكتب (عليه السلام): «لا يجوز ذلك لك، لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» 1 .
ومنها: صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): امرأة أرضعت ولد رجل هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقّع: «لا تحلّ له»2.
وقد أفتى الأصحاب بمضمون هذه الصّحاح، ولا يصغى إلى ما نقل عن بعضهم من أنّ ولدها وولد الفحل ليسوا في الرضاع إلاّ إخوة ولده، وهم غير محرّمين في النسب، ضرورة اشتراكهم والربائب في الحكم، وحرمة الربائب متوقّفة على الدخول بأُمّهن، وهو منتف في المقام.
وقد عرفت أنّ الرضاع، يقوم مقام النسب لا أعمّ منه والمصاهرة المتوقّف التحريم فيها على النسب وسبب آخر.
فإنّ ذلك صحيح لولا التعبّد الوارد في النصوص، ولذا ذكرنا في صدر المسألة أنّ التحريم فيها أمر تعبديّ ثبت من الشارع، ولا يكاد يستفاد من عمومات الرضاع لولا النصوص.

1 . الوسائل: 14، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 124

خاتمة وفيها مسألتان:

الأُولى : في كيفيّة الشهادة على الرضاع

قد اشتهر بين الأصحاب أنّه لا تقبل الشهادة بالرضاع إلاّ مع اشتمال الشهادة على جميع ما يعتبر في الرضاع الناشر للحرمة عند الحاكم الّذي ترفع إليه الشهادة، بأن يذكر الشاهد عامّة الخصوصيات من العدد أو الزمان أو الأثر وغير ذلك ممّا يعتبر في الرضاع المحرّم.
وحاصل الكلام: أن يشهد على وجه التفصيل، معلّلاً بتحقّق الخلاف في الشرائط المعتبرة في الرضاع المحرّم، فيحتمل أن يكون الشاهد قد استند إلى اجتهاده، أو إلى تقليد من يخالف الحاكم في الرأي، إلاّ إذا عُلمت موافقة مذهب الشاهد لمذهب الحاكم.
ولا يخلو هذا التعليل من علّة، إذ ليس الاختلاف في الرضاع بأكثر من الاختلاف في أحكام البيع والوقف والطلاق وغيرها، مع أنّهم لم يعتبروا التفصيل في الشهادة عليه .
أضف إليه: أنّه قد اتّفقت كلمة الأصحاب في أكثر شرائط الرضاع، سوى العدد، والاختلاف فيه نزر يسير، ولا يوجب ذلك اعتبار التفصيل في الشهادة.
ويمكن أن يوجّه ذلك بجهل أكثر الناس بشرائط الحرمة في باب الرضاع، وهذا يوجب على الحاكم أن لا يقبل شهادتهم إلاّ بالتفصيل.
ألاترى أنّ أكثر الناس يزعم كفاية رضعة واحدة، أو رضعات قليلة في التحريم، سواء ارتوى أم لم يرتو، متواليةً كانت الرضعات أم لا، وسواء كان الرضاع في الحولين أم بعدهما.

صفحه 125
فلأجل احتفاف الحرمة بالرضاع بشرائط متعدّدة يجهلها أكثر الناس، أو يصعب عليهم تعلّمها، يجب على الحاكم أن يستجوبهم حين الشهادة عن تفاصيل شهادتهم. وهذه وظيفة الحاكم، ومنه يعلم حكم إخبار الشاهد بالرضاع.

المسألة الثانية: في شهادة المرأة بالرضاع

المشهور قبول شهادة المرأة في الرضاع، وحُكي ذلك عن كثير من الأصحاب، وخالف في ذلك ابنا إدريس وسعيد والشيخ والعلاّمة، لكن الأخيرين رجعا عن القول بعدم القبول في بعض كتبهما.
قال الشيخ في «الخلاف»: «قد قلنا إنّ شهادة النساء لا تقبل في الرضاع على]أي وجه[ وجه، لا منفردات، ولا مع الرجال، وإنّما تقبل منفردات
في الوصيّة والولادة والاستهلال والعيوب، ويحتاج إلى شهادة أربع
منهنّ».1
وذكر ذلك، جازماً به في كتاب الشهادات 2.
واستدلّ على عدم القبول بقوله: «دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنّ ما اعتبرناه من العدد مجمعٌ على ثبوت الحكم به عند من قال بقبول شهادتهّن، وما نقص عن ذلك ليس عليه دليل»3. ونحو ذلك في كتاب الشهادات مع إضافة «وأخبارهم».4

1 . الخلاف: 4 / 107، المسألة 20 من كتاب الرضاع .
2 . الخلاف: 6 / 257، المسألة 9 من كتاب الشهادات.
3 . الخلاف: 4 / 107، المسألة 20 من كتاب الرضاع .
4 . لاحظ : الخلاف: 6 / 257، المسألة 9 من كتاب الشهادات.

صفحه 126
وذكر في «المبسوط» أنّ أصحابنا رووا أنّه لا تقبل شهادة النساء في الرضاع1.
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ الإجماع الّذي ادّعاه غير مفيد، لذهاب المشهور من الطائفة حتّى الشيخ نفسه في شهادات المبسوط، إلى خلافه .
وثانياً: أنّ الرواية الّتي ادّعاها من أنّه «لا تقبل شهادة النساء في الرضاع أصلاً» غير موجودة في الأُصول المعتمدة. نعم جاء في مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام)في امرأة أرضعت غلاماً وجارية، قال: «يَعلم ذلك غيرها؟» قال: لا، قال: فقال: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها»2 انتهى.
ولكّنه لا يدلّ بوجه على عدم اعتبار قولها، بل غاية ما يدلّ عليه عدم اعتبار قول المرأة الواحدة إن لم يكن معها غيرها، بل هو بمفهومه على عكسه أدلّ.
وثالثاً: أنّ الرضاع عمل النساء، بل يمكن عدّه ممّا يعسر اطّلاع الرّجال عليه غالباً، فيقبل قولها عندئذ، وإن قلنا بأنّ الأصل عدم قبول قولها إلاّ فيما يعسر اطّلاع الرجال عليه، فيدخل في قوله (عليه السلام): «تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال في كلّ ما لا يجوز للرجال النظر إليه »3.
ورابعاً: يشمله قوله (عليه السلام)في خبر داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : «أُجيز شهادة النساء في الغلام ]الصبيّ [صاح أو لم يصحّ، وفي كلّ شيء لا

1 . المبسوط: 8 / 175 .
2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 10 .

صفحه 127
ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه »1.
وصحيحة محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: «تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل...» 2.
إلى غير ذلك من العمومات، وكذلك النصوص الدالّة على قبول شهادتهنّ في خصوص العذرية والنفاس واستهلال المولود والعيوب، المشتركة جميعاً مع الرضاع في تعسر اطّلاع الرجال عليه.3
وأمّا عدد الشهود فالأصل في شهادة المرأة فيما تسمع شهادتها فيه قيام المرأتين مقام الرجل، فيشترط فيهنّ مع عدم الرجل كونهنّ أربعاً، إلاّ ما خرج بالدليل، ولم يدلّ دليل على خروج الرضاع عن هذا الأصل، وبه يقيّد مفهوم مرسلة ابن بكير المتقدّمة: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها».
نعم روى أبو بصير عن الباقر (عليه السلام): «تجوز شهادة امرأتين في استهلال».4
وروى الحلبي عنه (عليه السلام)وقد سأله عن شهادة القابلة في الولادة؟ فقال: «تجوز شهادة الواحدة»5.

1 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 12 .
2 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 7 .
3 . راجع فيما دل على قبول شهادة المرأة في البكارة والحيض والنفاس: الوسائل: 18، الباب 24، الأحاديث 2 و 8 و 9 و 10 و 18 و 20 و 24 و 37 و 46 وغيرها. وراجع فيما دل على حجية قول المرأة في استهلال الصبي: الوسائل: 18، الباب 24، الأحاديث 6 و 12 و 23 و 38 و 41 و 45 وغيرها.
4 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 41. وفي المصدر: الاستهلال.
5 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 46.

صفحه 128
ولكن لا يمكن قياس الرضاع عليهما للفرق الواضح بينهما.
وقد استثنى الأصحاب ميراث المستهل والوصيّة بالمال فأثبتوا بالواحدة ربع المشهود به، وهكذا، ولكن يفارقهما الرضاع حيث إنّه لا يقبل القسمة، هذا.
ومن الغريب ما حكي عن القاضي من عدم ثبوته إلاّ بالنساء 1، ومثله ما عليه العلاّمة في التحرير من عدم ثبوته برجل وامرأتين 2 مع تصريحه بثبوته بهنّ.3
وكيف كان، فإنّ قبول قول المرأة في الرضاع لما في النكاح من الأهميّة، لا يخلو عن احتياط.
وقد حكى السيّد في الناصريات عن أصحابنا: إنّ شهادة النساء مقبولة على الانفراد وفي الولادة أيضاً.4
والله سبحانه العالم.
***
تمّت قاعدة
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 346 .
2 . تحرير الأحكام: 3 / 458، المسألة 4987 .
3 . تحرير الأحكام: 5 / 268 ، المسألة 6663 .
4 . الناصريات: 339، المسألة 160 .

صفحه 129
القواعد الفقهية
    80
جواز الوصية للوارث   
قاعدة

جواز الوصية للوارث

اتّفاق الإمامية على أنّ الوصية للوارث جائزة
اتّفاق أهل السنّة إلاّ القليل على عدم جواز الوصية للوارث
عرض القاعدة على الكتاب والسنّة
أدلّة القائلين بعدم الجواز
1. آية الوصية للوالدين منسوخة
الميراث في طول الوصية
النسخ فرع تأخّر آية المواريث عن آية الوصية
كلام للإمام عبدة في تجويز الوصية للوارث
2. آية الوصية منسوخة بالسنّة
جواز الوصية للوارث في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)
اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث، سواء أصدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا

صفحه 130
يستوعب الثلث بالوصية.1
وأمّا في مقدار الثلث فتنفّذ وصيته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له سواء كان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.
قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء،2 وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه .3
وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين وغيرهم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.4
وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.
ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض

1 . المغني: 6/78.
2 . سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
3 . الانتصار: 308.
4 . الخلاف: 4 / 133، كتاب الوصايا، المسألة 1.

صفحه 131
في حال الصحّة وقوّة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم، بإعطاء الذي لم يعطه، فيما1 بعد ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلّق الحقوق به وتعذّر تلافي العدل بينهم أولى2 وأحرى، وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء.3
وحاصل الكلام: أنّ فقهاء السنّة يشترطون لنفاذ الوصية أن لا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي إذا كان هناك وارث آخر لم يجز الوصية، فإن أجاز بقية الورثة الوصية للوارث نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة أخذاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجوز وصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة»، وقوله: «لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة».
ثمّ إنّ القوم بدل أن يعرضوا المسألة على الكتاب أخذوا بالتفلسف ونحت الحكمة للمسألة كما عرفت في كلام ابن قدامة حيث قال: «لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم».
وقال بعضهم: لما في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدّي إلى الشقاق والنزاع وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.
لكن هؤلاء غفلوا عن أنّ ما ذكروه من الوجه ليس كلّياً، بل ولا غالبياً، إذ ربّما يكون بعض الورثة أولى ببعض الميراث من غيرهم، كما إذا كان المورث صاحب كتاب مخطوط أو مطبوع لا يستفيد منه إلاّ الوارث الطالب دون الآخرين المشتغلين بالتجارة، فهل الإيصاء عندئذ يوجب البغضاء؟

1 . الظرف متعلّق بقوله: بإعطاء.
2 . مبتدأ قدّم خبره، أعني: ففي حال موته.
3 . المغني: 6/79ـ80.

صفحه 132
وربّما يكون الموصى له عاجزاً مقعداً مستحقاً للإيصاء فهل يثير الإيصاء في المقام البغضاء والحسد، ولأجل ذلك نرى أنّ قانون الوصية في مصر أخذ برأي الشيعة الإمامية في سنة 1946م،فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة، نعم التزم القانون السوري برأي الجمهور و هي أنّ الوصية لا تنفذ إلاّ إذا أجازها الورثة.
ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة.1 ومع هذا التصريح ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: ما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ بضع سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث، ورغبوا إليها في تبنّيه.(2)
يلاحظ على ما ذكره ابن قدامة من الحكمة: أنّها لا تقاوم الذكر الحكيم، واتّفاق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولو صحّت لزم تحريم تفضيل بعضهم على بعض في الحياة في البر والإحسان، لأنّ ذلك يدعو إلى الحسد والبغضاء مع أنّه لا خلاف في جوازه، وما نقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)2 من النهي، فهو محمول على التنزيه لا التحريم، إذ لم يقل أحد بحرمة التفضيل في الحياة. وسيوافيك الكلام فيما تصوّر من الحكمة.
والأوْلى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في

1 . المغني: 6 / 79 ـ 80 .   2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 465.
2 . تقدّم عن المغني (6 / 79) نقله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحة.

صفحه 133
جواز الوصية قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ) .1
المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فإنّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.
والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويّتهما بالوصية ثم عمّم الموضوع وقال: (والأقربين) ليعمّ كلّ قريب، وارثاً كان أم لا.
وهذا صريح الكتاب ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله.

أدلة القائلين بعدم الجواز

وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1. آية الوصية للوالدين منسوخة أو مخصّصة بآية المواريث

قالوا: إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء 2، وثبتت ] الوصية[ للأقربين

1 . البقرة:180.
2 . (ولأبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد ...) النساء: الآية 11.

صفحه 134
الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيّين، وجماعة من أهل العلم.
ومنهم مَن يأبى كونها منسوخة، وقال: بأنّها]آية[ محكمة، ظاهرها العموم ومعناها]موردها[ الخصوص في الوالدين اللَّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة. 1
ومرجع الوجه الأوّل:إلى نسخ جواز الإيصاء في الوالدين وأنّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرق، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانا غير وارثين.
ومرجع الوجه الثاني: إلى تقييدين، تقييد جواز الإيصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث، وتقييد جواز الإيصاء بالأقربين بما مرّ في الوجه الأوّل.
وقال الجصّاص في تفسير الآية: نسختها آية الفرائض.
وقال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين. فهي منسوخة.
وقالت طائفة أُخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمّن يرث، وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون 2.
وعلى الوجه الأوّل فآية الوصية منسوخة بالمعنى الحقيقي، وعلى الثاني مخصّصة حيث أخرج الوارث منهما وأبقى غير الوارث، لكن لازم كون

1 . الجامع لأحكام القرآن: 2/262ـ 263.
2 . أحكام القرآن: 1/164.

صفحه 135
الوصية واجبة وبقاء الأقربين تحت العموم، وجوب الوصية لغير الوارث منهما. وهو كما ترى.
تجد نظير هذه الكلمات في كتب التفسير والفقه لأهل السنّة ونعلّق عليها بوجهين:

الأوّل: الميراث في طول الوصية

إنّ السابر في كتب القوم يقف على أنّ الذي حملهم على ادّعاء النسخ والتخصيص في الآية هو رواية أبي أُمامة أو عمر بن خارجة وأنّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في خطبته ـ عام حجّة الوداع ـ : ألا إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث. 1 ولولا هذه الرواية لما خطر في بال أحد بأنّ آية المواريث ناسخة لآية الوصية، إذ لا تنافي بينهما قيد شعرة حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصّصة، إذ لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان فرضاً أو ندباً أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء، لا يتجاوز الثلث، وفي الوقت نفسه يُورِّث الوالدين والأقربين على النظام المعروف في الفقه.
والذي يوضح ذلك: هو أنّ الميراث، في طول الوصيّة، ولا يصحّ للمتأخّر أن يعارض المتقدّم ، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)2 وفي ثلاثة موارد أُخرى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ... تُوصُونَ ...يُوصَي بِهَا أَوْ دَيْن)، 3 فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.

1 . سيوافيك نصّها وسندها.
2 . النساء:11.
3 . النساء:12.

صفحه 136
وقد تفطّن القرطبي لبعض ما ذكرنا وقال: ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورِّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع.1
أقول: أمّا الإجماع ، فغير متحقّق، وكيف يكون كذلك مع أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ كما ستوافيك أحاديثهم ـ اتّفقوا على جوازه وكذلك فقهاء الإمامية طوال القرون وهم ثلث المسلمين، وبعض السلف كما يحدّث عنه صاحب المنار، وأمّا الحديث فسيوافيك ضعفه، وأنّه على فرض الصحّة سنداً، قابل للتأويل والحمل على ما زاد الإيصاء عن الثلث.

الثاني: النسخ فرع تأخّر آية المواريث عن آية الوصية

إنّ ادّعاء النسخ أو التخصيص في الآية، بآية المواريث، متوقّف على تأخّر الثانية عن الأُولى وأنّى للقائل بهما إثباته؟! بل لسان آية الوصية بما فيها من التأكيد لأجل الإتيان بلفظ (كُتِبَ)وتوصيفه بكونه حقّاً على المؤمنين يأبى عن كونه حكماً مؤقتاً لا يدوم إلاّ شهراً أو شهوراً.
ثمّ النهي الأكيد عن تبديله حيث قال: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2.
قال الإمام عبدة: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا فإنّ السياق ينافي النسخ، فإنّ اللّه تعالى إذا شرّع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقّت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب، فإنّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به

1 . الجامع لأحكام القرآن: 2/263.
2 . البقرة:181.

صفحه 137
أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين، ومن وعيد لمن بدّله.
ثم قال: وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إنّ الوصيّة في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث]الوارث الممنوع من الإرث[ بأن يخصّ القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران، فله أن يوصي لهما بما يؤلّف به قلوبهما. 1
ولا يخفى ما في صدر كلامه من الإتقان لولا ما تنازل في آخره وحاول الجمع بين الآيتين بتخصيص جواز الوصية لمن لا يرثان من الوالدين بسبب كالقتل والكفر والسرقة، إذ لقائل أن يسأل الإمام أنّه إذا كان المراد من الوالدين والأقربين في آية الوصية هم الممنوعين من الوراثة، فما معنى هذا التأكيد والعناية البارزة في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، أوَ ليس هذا أشبه بالتخصيص المستهجن، فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة، والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.
وأمّا ما يثيرون حول الإيصاء للوالدين من كونه سبباً لظهور العداء، فقد مرّ جوابه في صدر البحث، وهنا نزيد ما ذكره ذلك الإمام بقوله:

1 . تفسير المنار: 2/136ـ 137.

صفحه 138

كلام للإمام عبدة في تجويز الوصية للوارث

وقال محمد عبدة: وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخصّ بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنياً والبعض الآخر فقيراً. مثال ذلك أن يطلّق أبوه أُمّه وهو غنيّ، ولا عائل لها إلاّ ولدها، ويرى أنّ ما يصيبها من التركة لا يكفيها، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته ـ إن لم يكن له ولد ـ عاجزاً عن الكسب فنحن نرى أنّ الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحكم أن يساوي الغني الفقير. والقادر على الكسب من يعجزه عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنّهم سواسية في الحاجة كما أنّهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصيّة مقدّماً على أمر الإرث ... ويجعل الوالدين والأقربين في آية أُخرى أولى بالوصيّة لهم من غيرهم لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحياناً، فقد قال في آيات الإرث في سورة النساء: (مِنْ بعَدِ وَصيَّة يُوصِي بِها أو دَين) فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .1
لقد بان الحقّ ممّا ذكرنا وأنّ الذكر الحكيم أعطى للإنسان حقّ الإيصاء للوالدين لمصالح هو أعرف بها، على حدّ لا يتجاوز الثلث، وليكون إيصاؤه أيضاً على حدّ المعروف.
ويؤيّده إطلاق قوله سبحانه في ذيل آية المواريث: (وأُولُوا الأرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ منَ المؤمنينَ والمهاجرينَ إلاّ أن تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ مَعروفاً كانَ ذلكَ في الكتابِ مَسطُوراً).(2) ويريد من قوله:(إلاّ أن

1 . تفسير المنار: 2/393.   2 . الأحزاب:7.

صفحه 139
تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ)الإحسانَ في الحياة، والوصيةَ عند الموت فإنّه جائز. 1وإطلاقه يعمّ الوارث وغيره.
واللّه سبحانه هو العالم بمصالح العباد، فتارة يخصّ بعض الورّاث ببعض التركة عن طريق تنفيذ الوصية ما لم تتجاوز الثلث كما في آيتنا، وأُخرى يوصي لغير الوارث بشيء منها، يقول سبحانه: (وإذا حَضَـرَ القِسمَةَ أُوْلُوا القُرْبَـى وَاليَتمَى والمَساكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً).2
والمراد من (أُوْلُوا القُرْبَـى) الأخ للميت الشقيق وهو لايرث، وكذلك العم والخال والعمّة والخالة ويعدّون من ذوي القربى للوارث، الذي لا يرثون معه وقد يسري إلى نفوسهم الحسد فينبغي التودّد إليهم، واستمالتهم بإعطائهم شيئاً من ذلك الموروث، بحسب ما يليق بهم ولو بصفة الهبة أو الهدية....3
***

2. آية الوصية منسوخة بالسنّة

قد عرفت مدى صحّة نسخ الآية بآية المواريث وربّما يقال بمنسوخيتها بالسنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل رواها أصحاب السنن في الصحاح والدار قطني والبيهقي. وكلّ هذه الأحاديث رويت مرفوعة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تنتهي أسانيدها إلى أشخاص أربعة، وإليك دراسة رواياتهم واحداً واحداً:

1 . الجامع لأحكام القرآن: 14/126. باختلاف يسير.
2 . النساء:8.
3 . تفسير المنار: 2/394.

صفحه 140
 
الأوّل: أبو أمامة الباهلي
وتنتهي إليك ثلاثة أحاديث، وهي:
1. روى الترمذي في باب ما جاء «لا وصية لوارث»: حدّثنا هنّاد وعلي بن حجر، قالا: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، أخبرنا شُرَحْبِيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، قال سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله تبارك وتعالى قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر».1
2. روى أبو داود، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا ابن عيّاش، عن شُرحبيل بن مسلم، ] قال:[ سمعت أبا أمامة ] يقول:[ سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث».2
3. روى ابن ماجة: حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث».3
إلى هنا تمّ ما روي عن أبي أمامة الباهلي، والروايات في الظاهر ثلاث ولكنّها في الحقيقة رواية واحدة، لوجود شرحبيل بن مسلم، وإسماعيل بن عياش، في جميع الأسانيد فقد اتّهم الثاني بالتخليط وأنّه كان من أروى الناس

1 . سنن الترمذي: 3 / 293، باب ما جاء في لا وصية لوارث، برقم 2203.
2 . سنن أبي داود:3/114، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم 2870.
3 . سنن ابن ماجة: 2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2713.

صفحه 141
عن الكذابين، وأنّه رجل لا يدري ما يخرج من رأسه.1 فيصبح الجميع رواية واحدة.
وأمّا شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي، قال ابن معين: ضعيف، واختتن في ولاية عبد الملك بن مروان، ووثّقه الآخرون.2

الثاني: عمرو بن خارجة

وهو أحد مَن تنتهي إليه أسانيد خمسة أحاديث، وإليك نقلها بأسانيدها ومتونها.
1. روى الترمذي، قال: حدّثنا قتيبة، أخبرنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها وهي تقصع بجرّتها.3 وإن لُعابها يسيل بين كتفيَّ، فسمعته يقول:«إنّ الله عزّ وجلّ أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر...».4
2. روى النسائي قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا قتادة عن شهر بن حوشب، أنّ ابن غنم ذكر أنّ ابن خارجة ذكر له أنّه شهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس على راحلته، وإنّها

1 . تهذيب الكمال: 3 / 175 ـ 179 .
2 . تهذيب الكمال: 12 / 431، برقم 1721 .
3 . «الجران»: هو من العنق ما بين المذبح إلى المنحر، و« تقصع بجرّتها»: أراد شدّة المضغ وضمّ بعض الأسنان على بعض، وقيل: قصع الجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق.(لاحظ: النهاية لابن الأثير: 4 / 72، مادة «قصع»).
4 . سنن الترمذي: 3 / 294 برقم 2204، باب ما جاء في لا وصيّة لوارث.

صفحه 142
لتقصع بجرّتها وإنّ لُعابها ليسيل. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته: «إنّ الله قد قسّم لكلّ إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية».1
3. وروى النسائي أيضاً قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث».2
4. روى ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطبهم وهو على راحلته، وإنّ راحلته لتقصع بجرّتها، وإنّ لُغامها ليسيل بين كتفيّ، قال:«إنّ الله قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية، والولد للفراش...».3
5. روى الدارقطني قال: حدّثنا أحمد بن زياد، نا عبد الرحمان بن مرزوق، نا عبد الوهاب، نا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: خطبنا رسول الله بمنى فقال:«إنّ الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث».4
6. روى الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا

1 . سنن النسائي:6/207، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث.
2 . سنن النسائي:6/207، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث.
3 . سنن ابن ماجة:2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2712.
4 . سنن الدارقطني:4/152، «الوصايا»، برقم3.

صفحه 143
قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: كنت تحت ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تقصع بجرّتها ولعابها وينوص بين كتفي، سمعته يقول: «ألا إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا يجوز وصيّة لوارث».1
يلاحظ أنّ عبد الرحمن بن غنم موجود في كافة الأسانيد، وكذلك «شهر بن حوشب» فيصبح الجميع حديثاً واحداً. ويكفي في ضعف الأسانيد: أنّه قيل في حقّ الثاني لا يحدّث عنه وقد طعن فيه.2

الثالث: أنس بن مالك

وقد رويت عنه رواية واحدة، بالسند التالي:
روى ابن ماجة، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنّه حدّثه عن أنس بن مالك، قال: إنّي لتحت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يسيل عليّ لُعابها، فسمعته يقول:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ألا لا وصية لوارث».3
وفي السند من لا يحتجّ به نظير عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وصف بأنّه ضعيف الحديث روى مناكير.4
وبهذا نخرج بالنتيجة التالية: أنّ الروايات المرفوعة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تتجاوز عن ثلاث روايات، فلا يخرج مثل ذلك عن الخبر الواحد، مضافاً إلى

1 . سنن الدارمي:2/419، باب الوصية للوارث.
2 . لاحظ : تهذيب الكمال:12/581 و 585 برقم 2781 .
3 . سنن ابن ماجة:2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2714.
4 . لاحظ : تهذيب التهذيب:6/266 برقم 581.

صفحه 144
أنّ في أسانيد الكثير منها رجال ضعاف لا يحتج بهم، ضربنا عن ذكرهم صفحاً، واقتصرنا بالقليل عن الكثير ; لأنّ دراسة كلّ من ورد في الأسانيد يورث الإطناب.
***
إلى هنا تمّت دراسة ما روي في السنن المعدودة من الصحاح، وإليك ما روي في سنن الدارقطني والبيهقي.

الرابع: ما روي عن ابن عباس

قد رويت عن ابن عباس عن طريق عطاء روايتان، إحداها في سندها إرسال، والأُخرى مرفوعة بواسطة عكرمة.
1. روى الدارقطني: نا أبوبكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجّاج، نا ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تجوز الوصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة».1 والحديث موقوف لأنّ عطاء لم يدرك ابن عباس.
2. روى الدارقطني أيضاً: نا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، نا محمّد بن عمرو بن خالد، نا أبي، نا يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله:«لا تجوز لوارث وصية إلاّ أن يشاء الورثة».(2) وهذا مرفوع غير أنّ عكرمة لا يحتجّ بحديثه، كان أباضياً، كذب على ابن عباس.2

1 . سنن الدارقطني:4/ 54 برقم 4104 .   2 . سنن الدارقطني:4 / 55 برقم 4109.
2 . تهذيب التهذيب:7/234 برقم 476.

صفحه 145

ما رواه الدارقطني عن عمرو بن خارجة

روى الدارقطني بسنده المتّصل إلى عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى، فقال:«إنّ الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث».1
والحديث وإن كان مشتملاً على شهر بن حوشب ولكن المتن يمكن أن يكون وجه جمع بين الروايات وأنّه لا يجوز أزيد من الثلث، وقد سقط هذا عن الروايات السابقة، فلو دار الأمر بين كون الذيل زائداً وبين كونه ساقطاً من سائر الروايات، فالثاني أولى عند أهل الحديث.

ما رواه البيهقي

روى البيهقي في باب أسماه «باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين بين الوارثين» عشر روايات، الثلاثة الأُولى منها تنتهي إلى ابن عباس عن طريق عطاء2، إمّا بلا واسطة عن ابن عباس أو عن طريق عكرمة. ثم قال البيهقي: عطاء الخراساني غير قوّي.3
وفي الحديث الرابع روى عن مجاهد: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لا وصية لوارث». ويكفي في ضعف الحديث ما ذكره الشافعي على ما حكاه البيهقي، قال: وروى بعض الشاميين حديثاً ليس ممّا يثبته أهل الحديث بأنّ بعض رجاله مجهولون» إلخ.

1 . سنن الدارقطني: 4 / 87 برقم 4255 .
2 . لاحظ: السنن الكبرى:6/264، الأحاديث الأوّل والثاني والثالث، من الباب المذكور.
3 . السنن الكبرى: 6/264.

صفحه 146
وأمّا الحديث الخامس ففي سنده إسماعيل بن عيّاش فلا يُعدّ حديثاً مستقلاًّ.
وأمّا الحديث السادس فكالخامس في سنده إسماعيل بن عيّاش .
وأمّا الحديث السابع ففي سنده شهر بن حوشب.
وأمّا الحديث الثامن ففي سنده إسماعيل بن مسلم وهو مردّد بين العبدي والمكّي، والثاني ضعّفه علماء الرجال ووصفوه بأنّه: منكر الحديث.1
وأمّا الحديث التاسع فسنده مشتمل على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وهو ضعيف الحديث، روى عن أهل الكوفة أحاديث مناكير.2
وأمّا الحديث العاشر فسنده يشتمل على سفيان بن عُيينة(المتوفّى 198 هـ) قال محمد بن عبد الله بن عمّار: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أنّ سفيان بن عُيينة اختلط سنة 197 هـ ، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء.3 وبهذا تبيّنت الأُمور التالية:
الأوّل: أنّ آية الوصية ليست منسوخة بآية المواريث، لأنّ الثانية في طول الأُولى لا في عرضها كما تبيّن.
الثاني: أنّ القول بأنّ آية الوصية منسوخة بالسنّة، فقد عرفت حال الروايات وأنّها لا تخرج عن الخبر الواحد، لأنّ الجميع ينتهي إلى أشخاص أربعة وهم: أبو أُمامة الباهلي، وعمرو بن خارجة، وأنس بن مالك، وابن

1 . تهذيب الكمال:3/198، برقم 483.
2 . تهذيب التهذيب:6/266، برقم 581.
3 . تهذيب الكمال:11/196.

صفحه 147
عباس، وأنّ عامّة الطرق إلى هؤلاء ضعيفة جدّاً.
الثالث: أنّه يمكن حمل الروايات على ما زاد عن الثلث، وقد مرّ نقله عن سنن الدارقطني.1
الرابع: إجماع أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على الجواز، وإليك نقل شيء من الروايات الصادرة عنهم.

جواز الوصية للوارث في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بجواز الوصية للوارث وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك أورد فيه حوالي ثلاثة عشر حديثاً تدلّ على المقصود نذكر شيئاً منها:
1. روى الكليني باسناده عن أبي ولاّد الحنّاط، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الميّت يوصي للوارث بشيء؟ قال: نعم، أو قال: جائز له.2
2. وروى عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز، قال: ثم تلا هذه الآية: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)3.4
3. وروى عن أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الوصيّة للوارث؟ فقال: تجوز.5

1 . لاحظ: سنن الدارقطني:4/ 87 برقم 4255 .
2 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
3 . البقرة:180.
4 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.
5 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث3.

صفحه 148
4. وروى عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«الوصية للوارث لا بأس به».1
إلى غير ذلك من الروايات التي تعترف بجواز الوصية للوارث.
نعم ما يظهر من بعض الروايات خلاف ما تضافر فإنّه محمول على ضرب من التقية ; نظير ما رواه سليمان بن قاسم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه فقال:«لا تجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين».2
ومنه يظهر وجه ما رواه العياشي في تفسيره عن أبي بصير عن أحدهما(عليهما السلام)في قوله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)3 قال: «هي منسوخة، نسختها آية الفرائض التي هي المواريث».4
***
تمّت قاعدة
جواز الوصية للوارث

1 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث4.
2 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث12.
3 . البقرة:180.
4 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث15.

صفحه 149
القواعد الفقهية
      81
منجّزات المريض من الثلث   
قاعدة

منجّزات المريض من الثلث

توضيح القاعدة
في صحة هذا النوع من التصرّفات
في تقسيم تصرّفات المريض
ما هو المراد من «المرض» في المسألة؟
ما هو الأصل في المسألة؟
أقوال الفقهاء في المسألة
موقف فقهاء السنّة من المسألة
أدلّة القائلين بالإخراج عن الأصل
الإخراج من الأصل يوجب الإخلال في الحكمة
القضاء الحاسم بين القولين
مسألة منجّزات المريض ـ أي تصرّفاته القطعية في مرض موته بالبيع والشراء والهبة والصلح على وجه التبرع والمحاباة ـ من المسائل الّتي يكثر الابتلاء بها، فنرى أنّ بعض الناس إذا أحسّوا بقرب الموت أو بدت أماراته

صفحه 150
عليهم، يقدمون على نقل بعض أموالهم بصورة قطعية إلى بعض الورثة أو إلى غيرهم بحجّة أنّهم مالكون وهم أولى بمالهم ما داموا أحياءً، وينتهي ذلك إلى ضرر الورثة.
ولأجل توضيح المسألة وتحديد موضوعها وبيان حكمها نقدّم أُموراً:

الأوّل: في صحّة هذا النوع من التصرّفات

لا شكّ أنّ تصرّفات المريض في حال حياته على النحو القطعي صحيحة ما دام حيّاً ومالكاً لعقله وشعوره، كما أنّها تبقى صحيحة بعد الموت على كلا القولين (خروجها من الأصل أو من الثلث) غاية الأمر أنّه يجوز للورثة الردّ كما أنّ لهم إبقاءَه، فالتصرّف محكوم بالصحّة مالم يرد ردّ من جانبهم .
ثم إنّ المراد بالمنجّز هنا في مقابل المعلّق، وليس بمعنى الصحيح في مقابل الباطل، وسيظهر معنى المنجّز أوضح ممّا هنا في الأمر الثاني.
والمشهور بين القدماء ـ على ما قيل ـ هو الأوّل، والمشهور بين المتأخّرين هو الثاني، ولكن انقلبت الشهرة في الأعصار الأخيرة إلى الأوّل أيضاً، وقد تضاربت الآراء والأفكار في المسألة منذ أن وردت في الكتب الفقهية.

الثاني: في تقسيم تصرّفات المريض

تصرّف المريض في ملكه إما أن يكون منجّزاً، أو يكون معلّقاً على الموت. والأوّل هو المطروح في المقام، وأمّا الثاني فيرجع إلى باب الوصية.
ثم إنّ الوصية تنقسم إلى تمليكية، وعهدية. أمّا الأُولى فهي إنشاء

صفحه 151
الموصي تمليك عين أو منفعة لشخص معيّن أو أشخاص بعد وفاته.
وأمّا الثانية فهي إيصاء الموصي لشخص معيّن أو أكثر بتنفيذ وصيته الّتي كتبها ممّا يتعلّق بتجهيزه أو استيجار الحج والعبادات الفائتة عنه، ومن ذلك تعيين إدارة شؤون الصغار من أولاده.
ومن ملحقات العهدية الإيصاء بالعتق وإيقاف داره مسجداً أو مجمعاً علمياً، فكلّ ذلك يخرج من الثلث، من غير فرق بين ما لو كانت الوصية تمليكية أو عهدية، حتّى الملحق بالعهدية، فلو زاد على الثلث يحتاج إلى تنفيذ الوارث وإجازته وإلاّ يبطل.
إنّما الكلام فيما إذا كان منجّزاً غير معلّق على شيء، فإذا مات في نفس المرض الّذي نجّز التصرّفات فيه، فهل يخرج من الأصل أو الثلث؟ ونظيره المنجّز، المعلّق على غير الموت، سواء حصل المعلّق عليه قبل الموت أم بعده. كقوله: هذا لولدي إن نجح في الامتحان، فنجح قبل موته أو بعده، لأنّه لا يدخل في الوصية وإنّما هو داخل في المنجّزات.
وهذا من غير فرق بين التصرّف في العين كبيعها، أو التصرّف في المنفعة المملوكة كإجارة البيت.

الثالث: تحديد موضوع المسألة

لاشكّ أنّ قسماً كبيراً من منجّزات المريض يخرج من الأصل بلا كلام، نظير ما إذا باع بثمن المثل أو اشترى به، فلابدّ من تحديد الموضوع على نحو يكون جامعاً مانعاً، ولم يرد عنوان «منجّزات المريض» في لسان الأدلّة، والقدر المتيقّن من أدلّة الباب، إذا كان التصرّف تبرعياً مضرّاً بحال الوارث،

صفحه 152
ولذلك عمد غير واحد من الأصحاب إلى بيان ضابطة لموضوع المسألة متّخذة من دراسة الروايات ، وإليك بعض هذه الضوابط:
الضابطة الأُولى: ما ذكره العلاّمة في «القواعد» عند البحث في حقيقة التبرّع حيث قال: وهو إزالة الملك عن عين مملوكة، يجري الإرث فيها من غير لزوم ولا أخذ عوض يماثلها. فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ، وكذا لو اشترى به.1 وإليك دراسة التعريف:
1. أنّ تخصيص التبرع بإزالة الملك عن عين مملوكة، يخرج العارية، إذ ليس فيها إزالة للملك ولا مانع من خروجه عن محل البحث لجريان السيرة على هذا، إذ لم يعرف أنّ المالك يكون ممنوعاً من إعارة كتابه لغيره شهراً واحداً، دون أن يدور في خلد أحد أنّه من تصرّفات المريض وهو من الثلث.

نقد التعريف

وأورد المحقّق الثاني على التعريف بشمول «إزالة الملك» إتلاف مال الغير، فإنّ التعريف صادق عليه مع أنّه ليست من التبرعات فلا تحسب من الثلث ; لأنّه من قبيل الديون التي تخرج من الأصل، فلا يكون مانعاً للأغيار.
2. قوله: «في عين مملوكة» يخرج إزالة الملك عن الدين بالإبراء وعن المنفعة وعن التحجير، لأنّ الجميع ليس عيناً، ولاريب في أنّ خروجها تبرعي داخل في محل النزاع مع أنّ ظاهر التعريف خروجها، فلا يكون جامعاً للأفراد.
3. قوله: «يجري فيها الإرث» قيد زائد، إذ لا تتصوّر إزالة الملك من عين مملوكة لا يجري فيها الإرث ويُعدّ تبرعاً.

1 . قواعد الأحكام: 2 / 531، كتاب الوصايا.

صفحه 153
4. قوله: «من غير لزوم» أي إذا لم تكن إزالة الملك له أمراً لازماً في الشرع وإنّما أقدم عليها من غير ملزم، كما إذا باع أو وهب من دون أن يجبا عليه فخرج ما وجب عليه قبل المرض كالواجبات المالكية كالزكاة والخمس والكفّارات والدين والنذر السابق فلا شك أنّهما يخرجان من الأصل، بقي الكلام فيما إذا نذر في مرض الموت بأن يهب داره لزيد فإنّ أصل النذر غير واجب لكن العمل به واجب، فخرج عن التعريف مع أنّه داخل في محطّ البحث.
نعم قوله: «ولا أخذ عوض يماثلها» أخرج به المعاوضات إذا كانت بثمن المثل، ولذلك فرّع عليه قوله: فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ، وكذا لو اشترى به .
الضابطة الثانية: ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك»، 1 ونقله السيد الطباطبائي اليزديّ في رسالته أيضاً من أنّه «ما استلزم تفويت المال على الوارث بغير عوض».2
وأورد عليه بأُمور ثلاثة:
1. أنّ قوله تفويت المال يشمل الإتلافات ونحوها مع أنّها تحسب من الأصل بلا إشكال.
2. ويشتمل ما كان الإتلاف لازماً كإراقة الخمر وكسر الميسر أيضاً، ويعد الجميع مالاً وإن لم يكن ملكاً مع خروجه مع أنّه يخرج من الأصل.

1 . مسالك الأفهام: 6 / 305 .
2 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزّات المريض: 14.

صفحه 154
3. لا يشمل الحقّ مع كونه داخلاً.
الضابطة الثالثة: ما ذكره السيد الطباطبائي: هو التمليك أو الفكّ أو الإبراء المتعلّق بالمال أو الحقّ الفعلية تبرّعاً من غير لزوم سابق، أو الالتزام بأحد هذه الأُمور كذلك.1

التعريف جامع ومانع

إنّ هذا التعريف جامع ومانع. أمّا كونه جامعاً ، فقد دخل في التعريف كلّ تمليك أو فكّ ملك ـ كالوقف ـ أو إبراء للدين على وجه المحاباة، أو البيع والإجارة بصورة المحاباة، والصلح من غير عوض أو بعوض قليل، وإبراء الدين وشراء أحد العمودين الّذي ينعتق عليه.
كما دخل بالقيد الأخير ـ أعني: «من غير لزوم سابق» ـ النذر والعهد أو اليمين أو الشرط المتعلّقات بالمال أو الحق في حال المرض. نعم لو كان النذر واجباً عليه بالنذر السابق على المرض فهوخارج عن محطّ النزاع.
وأمّا عدم ذكره المنفعة، فلأنّها داخلة تحت قوله: «كلّ تمليك».
هذا كلّه في كون التعريف جامعاً، وأمّا كونه مانعاً .
فقد خرجت بقوله: «التمليك أو الفك أو الإبراء» التسبيبات كإتلاف مال الغير، وكالجناية على الغير بما يوجب الأرش أو الدية، وفعل ما يوجب الكفّارة من حيث حنث النذر والإفطار ونحوهما من أسبابها، وذلك لأنّ الجميع من قبيل الدين يُخرج من الأصل وليس فيه تمليك ولا فكّ ولا إبراء .
وخرج بتقييده المال والحقّ بكونهما فعليّين الأُمور التالية:

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 13 .

صفحه 155
1. قبول هبة من ينعتق عليه. 2. قبول شرط سقوط خياري المجلس والحيوان في البيع. 3. ما لو آجر نفسه بأقلّ من أُجرة المثل أو جعل الأُجرة من ينعتق عليه. 4. تزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل. 5. رد الهبة أو الوصية أو الصدقة إذا كان من أهلها، وذلك لعدم وجود مال وحقّ فعليّين قام المريض بتمليكه للغير أو فكّه أو إبرائه.
وبالجملة ليس في هذه الموارد ملك أو حقّ فعلي سابق على التصرّف حتّى يكون من مصاديق المسألة، نعم كان في وسع المريض أن يكتسب مالاً أو حقّاً ولكنّه لم يكتسبه.
6. وخرج العفو عن القصاص مع إمكان المصالحة بالمال، فإنّ إسقاط حقّ القصاص ليس إسقاطاً لحقّ مالي، وإن كان للمريض تبديله بالدية واكتساب مال جديد لكنّه لم يفعل.
والحاصل: أنّه لو كان هنا حقّ ثابت مالي يقع في محل النزاع، وأمّا إذا لم يكن هناك حقّ ثابت من ذي قبل وإنّما لم يكتسب المال أو الحقّ الجديدين، فالجميع خارج عن محلّ النزاع.
وخرجت بقيد التبرّع العقود المعاوضية بثمن المثل والصلح والإجارة بأُجرة المثل والهبة المعوضة لعدم وجود التبرّع فيها.
وخرجت بقوله: «من غير لزوم سابق» الواجبات المالكية، كالزكاة والخمس والكفّارات والعتق المنذور والصدقة المنذورة إذا كان النذر في حال الصحّة وإن حصل المعلّق عليه في حال المرض.
وما إذا صرف المال لحفظ عرضه وحفظ نفسه أو مَن يعول عليه أو حفظ ماله، لا لأجل عدم كونه عقداً من العقود، بل لأجل جريان السيرة على

صفحه 156
تصرّف المريض في هذا النوع من التصرّفات وعدم حجره عنها، ونظير ذلك إذا تحقّق كلّ ذلك بالعقد.
وقد عُلم بما ذكرنا من الضوابط وما ذكرنا حولها ممّا يدخل ويخرج، أنّ مصبّ النزاع ما إذا قام المريض بتصرّفات جديدة في عين أو حقّ أو منفعة موجودة، بنحو يُعدّ عمله إضراراً للوارث وتفويتاً لمصلحته.

الرابع: ما هو المراد من المرض الّذي يكون التصرّف فيه محلاًّ للخلاف؟

لا إشكال في أنّ المراد من المرض ليس مطلق المرض، بل المرض المتّصل بالموت، فلذلك لو تصرّف في حال المرض ثم برأ من مرضه ذلك ومات في مرض آخر، يخرج من الأصل إجماعاً.
ومع ذلك تنبغي دراسة الأدلّة حتّى نخرج بنتيجة واحدة مقابل الاحتمالات المختلفة.
إنّ العناوين الواردة لا تتجاوز عن ثلاثة:
1. ما وقع فيه «الموت» موضوعاً والمراد قربُ موته، نظير قوله: «للرجل عند موته ثلث ماله»، أو قوله: «ما للرجل من ماله، عند موته» أو: «عن الرجل يموت ما له من ماله؟».
2. ما وقع «حضور الموت» موضوعاً، كقوله: «رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له».
3. ما وقع المرض موضوعاً كقوله: «عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه، فتُبرئ ذمّته في مرضها»، أو قوله: «في رجل أوصى بأكثر من ثلثه وأعتق مملوكه في مرضه».

صفحه 157
فنقول هنا احتمالات:
الأوّل: أنّ الموضوع هو المشرف على الموت، ومَن كان على عتبته بحيث تنقضي حياته بعد يوم أو يومين أو أقل أو أكثر بقليل.
الثاني: مَن يترقّبُ منه الموت حسَب حاله ونوع مرضه، كالسرطان وغيره ـ أعاذنا الله وجميع المؤمنين منه ـ وعندئذ يكون الوقت أوسع وربّما يطول المرض شهوراً حسب شدته ومحل ظهوره، وعلى هذا فيخرج المرض الّذي لا يترقّب فيه الموت.
الثالث: مطلق المرض الّذي سواء كان الموت مترقّباً، كما مثلناه ; أو لم يكن، كما إذا ابتلى ببعض الأمراض الخفيفة لكن انتهى إلى موته. وسيوافيك أنّه خيرة السيد الطباطبائي اليزدي بشرط أن يكون التصرّف عند حضور أمارات الموت.
ظاهر العنوانين الأوّلين: عند موته، أو حضره الموت، هو الأوّل، أي المشرف على الموت، ولكن المتبادر من العنوان الثالث ما وقع فيه المرض موضوعاً، هو الاحتمال الثاني، أي من يترقّب منه الموت ولو بعد مدّة طويلة.
هذا ما فهمناه من الروايات وأمّا كلمات الأصحاب، فإليك ذكرها .

كلمات الأصحاب في تحديد المرض

يظهر من الشيخ وابن سعيد الحلّي والمحقّق الثاني أنّ الموضوع هو المرض المخوف الّذي ينطبق على الاحتمال الثاني .

صفحه 158

الموضوع: المرض المخوف

قال الشيخ : إنّ المرض المانع ممّا زاد عن الثلث هو المخوف، وهو ما يتوقّع منه الموت دون غيره، تمسّكاً بالأصل والاستصحاب وبنحو عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» إلاّ ما أخرجه دليل، ولم يقم على غير المخوف دليل... ثم أضاف وقال:
ولأنّ الأخبار الواردة بكون تصرّف المريض من الثلث لا تدلّ على أزيد من ذلك، لأنّ في بعضها: ما للرجل عند موته. وليس المراد عند نزول الموت به قطعاً، فتعيّن حمله على ظهور أماراته; لأنّه أقرب من غيره من المجازات. والمراد ظهور ذلك بالمرض، لإشعار قوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه بذلك» وللإجماع على عدم الحجر بغير المرض .1
وقال ابن سعيد : وإقرار ذي المرض المخيف، وبيعه وهبته وصدقته إذا أقبضها حال حياته لأجنبي ووارث، وتصرّفه المنجّز، صحيح كزمان الصحة .2 وهو وإن قال بالخروج من الأصل لكن حدّد المرض بالمخيف.
وقال المحقّق الثاني: والأوّل (المرض المخوف) أظهر، إذ لا تنهض الأخبار حجّة على الحجر بمطلق المرض، وقوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه» لا يقوم له: لأنّ المفرد لا يعمّ، ولو سلّم، منعنا صدق اسم المريض عرفاً على من حمّ ساعة، ومَنْ به وجع الضرس والعين، وإنّما يحمل المريض على مَن صدق عليه هذا الاسم عرفاً، لأنّ الحقيقة العرفية مقدّمة.3

1 . المبسوط: 4 / 44. نقلاً عن جامع المقاصد: 11 / 96 .
2 . الجامع للشرائع: 497 .
3 . جامع المقاصد: 11 / 97 .

صفحه 159

الموضوع أعمّ من المخوف وغيره

وذهب المحقّق والعلاّمة والسيد الطباطبائي اليزديّ إلى أنّ الموضوع هو أعمّ من المخوف وغيره .
قال المحقّق: كلّ مرض لا يؤمن معه من الموت غالباً فهومخوف ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الأمراض الّتي الغالب فيها السلامة فحكمها حكم الصحّة.
ثم قال: ولو قيل: يتعلّق الحكم بالمرض الّذي يتّفق به الموت، سواء كان مخوفاً في العادة أو لم يكن لكان حسناً .1
وقال العلاّمة: الأقرب عندي أنّ كلّ تصرّف وقع في مرض اتّفق الموت معه، سواء كان مخوفاً أو لا، فإنّه يخرج من الثلث إن كان تبرّعاً، وإلاّ فمن الأصل.2
واختاره السيد الطباطبائي في رسالته تمسّكاً بالإطلاقات، قال: ما ذكره الشيخ ومن تبعه فلا دليل عليه، إذ ليس في الأخبار إشارة إلى اعتبار كونه مخوفاً، بل الموجود فيها لفظ «المريض» و «غير الصحيح» و «حضرته الوفاة» و «عند موته» و «عند وفاته» .3
فالموضوع عنده مركّب من أمرين: وقال: المدار على مجموع الأمرين: من المرض، وصدق حضور الموت. فمثل الأمراض المستمرّة الّتي تطول سنين عديدة لا تكون محلاًّ للبحث إلاّ إذا كان التصرّف في آخرها.4 وبذلك

1 . شرائع الإسلام: 2 / 261 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 529 .
3 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15. وفي الطبعة المحقّقة: 106 .
4 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15. وفي الطبعة المحقّقة: 108.

صفحه 160
جمع بين العناوين الثلاثة الواردة في الروايات.
وبذلك يعلم انصراف الروايات عن الموارد التالية:
1. المرض الّذي يطول سنة أو سنتين كما هو الحال في المصابين بالغازات الكيمياوية، إذا كان التصرّف في أوائل مرضه لعدم صدق حضور الموت.
2. إذا تصرّف وهومريض ولكن مات بسبب آخر من قتل أو حرق أو قصف جوي، لعدم استناد موته إلى المرض.
3. إذا تصرّف وهو مريض وطرأ في أثناء ذلك المرض مرض آخر مات بسببه لعدم استناد موته إلى المرض الذي تصرّف فيه.
كما لا يبعد دخول الموارد التالية ملاكاً:
1. إذا صار مجروحاً وتصرّف في تلك الحالة ومات بذلك الجرح، إذ لا فرق بينه وبين المرض عرفاً.
2. إذا تصرّفت المرأة وهي في حالة الطلق المخيف غالباً.
وأمّا المذكورة تالياً ففي دخولها أو خروجها تأمّل:
1. إذا تصرّف والأمواج البحرية تتلاطم حول السفينة وتدفع بها من جانب إلى آخر.
2. إذا تصرّف والعدو يقصف البلد وهو فيه.
3. إذا تصرّف وهو أسير بيد العدو وعادته قتل الأسير.
4. إذا تصرّف في حالة قُدّم المتصرّف للقتل لأجل إجراء الحدّ أو القصاص. واتّفق الموت في جميع الصور الأربع.