welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 4

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
4

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة ثمان قواعد فقهية
الجزء الرابع
 
تأليف
الفقه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1395.
4 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 578 - 6 (VOL.4)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (4VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1395
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الرابع
تأليف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1437 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 928    تسلسل الطبعة الأُولى: 454
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية

صفحه 5
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 4

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء الرابع والأخير من كتابنا الموسوم بـ «الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية» اخترنا فيه من القواعد الفقهية ما يتعلّق بالأحوال الشخصية وهو مصطلح جديد بين الحقوقيين وتعني القوانين الّتي تنظم حياة الفرد والمجتمع كالزواج والطلاق والوقف والوصية وغير ذلك .
وهذا الجزء يشتمل على ثمان قواعد يكثر الابتلاء بها.
وستوافيك عناوينها في أوّل صفحات الفصل.
إلاّ أنّ ما يجدر ذكره هنا هو أنّ القواعد الفقهية غير المسائل الفقهية، فالأُولى منهما ما تجري في غير واحد من أبواب الفقه، ولا تختصّ بباب دون باب، كقاعدة (لا ضرر)، وقاعدة (لا حرج)، إلى غيرهما من القواعد.
وأمّا المسائل الفقهية، فهي تختصّ بباب واحد، كمسألة (لا تُعاد)، وبما أنّ عنوان الكتاب هو «القواعد الفقهية» كان علينا ترك البحث عن المسائل الفقهية غير أنّا لمّا رأينا أنّ تلك المسائل مترامية الأطراف، ومتشعّبة، أردفنا

صفحه 8
القواعد الفقهية بمسائلها، فقسم من هذه القواعد ـ الّتي تناهز 86 قاعدة ـ هو من المسائل الفقهية لكن لسعتها أسمينا المجموع كلّه بـ «الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية».
أرجو من الله سبحانه أن يتقبّله بوجهه الكريم ويجعله ذخراً لنا، في (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم).1
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
قم المقدّسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
السادس عشر من شهر رمضان المبارك 1437 هـ

1 . الشعراء: 88 ـ 89 .

صفحه 9
مقدمة   

   الفصل الثامن

في الأحوال الشخصية

قسّم المحقّق الحلّي(قدس سره) الفقه إلى أبواب أربعة: العبادات، العقود، الإيقاعات، والأحكام، وأدخل في الأخير الإرث والقضاء والشهادة والحدود والقصاص والديات، وربّما تقسّم أبواب الفقه إلى: العبادات والعقود، والإيقاعات والسياسات .
وعلى كلّ تقدير فقد استخدم الحقوقيّون اصطلاح الأحوال الشخصية وأرادوا به عقود الأنكحة والطلاق بأنواعه وتوابعه والدين والوصية والوقف، ونحن نخصّ فصلنا هذا بالأحوال الشخصية وندرس فيه القواعد التالية التي تعدّ كلّها من الأحوال الشخصية، وهي:
1. قاعدة يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
2. قاعدة جواز الوصية للوارث.
3. قاعدة منجّزات المريض من الثلث.
4. قاعدة نفوذ إقرار المريض وعدمه.
5. قاعدة لا تعصيب في الإرث.
6. قاعدة لا عول في الإرث.
7. قاعدة دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل.
8. قاعدة دية الذمّي ثمانمائة درهم.

صفحه 10

صفحه 11
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب   
القواعد الفقهية
      79

قاعدة

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

الرضاع والنسب في اللغة
أدلّة القاعدة في الكتاب والسنّة
حقيقة الرضاع
توضيح القاعدة
عدم شمول القاعدة للمصاهرة
ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرعية
في بيان شرائط الرضاع المحرّم وهي خمسة
في أحكام الرضاع وفيه مسائل وخاتمة
القاعدة فيها مقدّمة وفصلان.
أمّا المقدّمة ففيها بيان أُمور سبعة:

صفحه 12
1. الرضاع والنسب في اللغة
2. أدلّة القاعدة في الكتاب والسنّة
3. حقيقة الرضاع.
4. توضيح القاعدة: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
5. عدم شمول القاعدة للمصاهرة.
6. إطلاق العناوين السبعة الواردة في الآية على مورد الرضاع من باب التشبيه.
7. ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرّعية.
أمّا الفصل الأوّل: في بيان شرائط الرضاع المحرّم وهي خمسة:
1. كون اللبن عن نكاح صحيح.
2. كمية الرضاع والتحديد بالعدد تارة، والزمان ثانياً، والأثر ثالثاً.
3. كيفية الرضاع.
4. وقوع الرضاع فيما دون الحولين.
5. اتّحاد الفحل وكون اللبن لفحل واحد.
أمّا الفصل الثاني: ففي أحكام الرضاع وفيه مسائل ثلاث وخاتمة فيها مسألتان وفروع في بعض المسائل.
إنّ سببيّة الرضاع للتحريم ممّا اتّفقت عليه الأُمّة جمعاء في الجملة، وقد اشتهر بينهم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
وإليك المقدّمة ففيها بيان أُمور سبعة:

صفحه 13
1

الرضاع والنسب في اللغة

قال ابن فارس: «رضع: الراء والضاد والعين أصل واحد، وهو شرب اللبن من الضرع أو الثدي. تقول رضع المولود يرضع» 1.
وقال الراغب: «يقال: رضع المولود يرضع، ورضع يرضع رضاعاً ورضاعةً.... وسمّي الثنيّتان من الأسنان الراضعتين، لاستعانة الصبيّ بهما في الرضع».2
والحاصل من كلماتهم: أنّ الرضاع مصّ اللبن من الثدي بالفم ويقابله الحلب.

النسب في اللغة

قال ابن فارس: «نسب: النون والسين والباء كلمة واحدة، قياسها: اتّصال شيء بشيء. منه النسب، سمّي لاتّصاله وللاتّصال به. تقول: نسبت أنسب، وهو نسيب فلان...
والنسيب: الطريق المستقيم، لاتّصال بعضه ببعض» 3.
وقال الراغب: «النسب والنسبة، اشتراك من جهة أحد الأبوين، وذلك ضربان: نسب بالطول، كالاشتراك من الآباء والأبناء، ونسب بالعرض، كالنسبة

1 . معجم مقاييس اللغة: 2 / 400 .
2 . مفردات الراغب: 196، مادة «رضع».
3 . معجم مقاييس اللغة: 5 / 423 .

صفحه 14
بين بني الإخوة وبني الأعمام. قال تعالى: (فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً)1. وقيل: فلان نسيب فلان، أي قريبه. وتستعمل النسبة في مقدارين متجانسين بعض التجانس، يختصّ كل واحد منهما بالآخر»2.
وقال ابن منظور: «النسب: نسب القرابات، وهو واحد الأنساب .
ابن سيدة: النِّسبة والنُّسبة والنَّسب: القرابة. وقيل: هو في الآباء خاصّةً»3.
وما ذكره ابن فارس هو الأضبط، والحاصل: أنّ النسب اتّصال وارتباط خارجيّ وحقيقيّ بين مجموعة من الأفراد بالولادة وما ينتهي إليها.
2

في أدلّة القاعدة

استفاضت قاعدة «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وضمن صيغ مختلفة منها: ما هو نصّ في القاعدة، ومنها ما يدلّ على مصاديقها المختلفة. وها نحن ذاكرون شطراً ممّا ورد في هذا الشأن:

الروايات التي تنصّ على القاعدة

1 . محمد بن علي بن الحسين باسناده عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث: أنّ رسول

1 . الفرقان: 54 .
2 . مفردات الراغب: 490 .
3 . لسان العرب: 14 / 118 .

صفحه 15
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 1.
2 . محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)أنّه سئل عن الرضاع؟ فقال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».2
3 . محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»3.
4 . محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير... إلى أن قال: فقال (عليه السلام): «ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» 4.
5 . محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الرضاع؟ فقال: «يحرم منه ما يحرم من النسب».
ورواه الشيخ أيضاً باسناده عن الحسين بن سعيد، عن القاسم، عن علي،

1 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .
4 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5. وقد أورده بتمامه في الباب 2، الحديث 18 .

صفحه 16
عن أبي إبراهيم، وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)1.
6 . محمد بن الحسن باسناده عن علي بن الحسين ]الحسن[، عن سندي بن الربيع، عن عثمان بن عيسى، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: قلت له: إنّ أخي تزوّج امرأة فأولدها، فانطلقت امرأة أخي فأرضعت جارية من عرض الناس. فيحل لي أن أتزوّج تلك الجارية الّتي أرضعتها امرأة أخي؟ فقال (عليه السلام): «لا، إنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 2. يقال فلان من عرض الناس أي من العامّة في مقابل الخواصّ.
7 . محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن سنان ـ يعني عبد الله ـ ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سئل وأنا حاضر عن امرأة أرضعت غلاماً مملوكاً لها من لبنها حتّى فطمته، هل لها أن تبيعه؟ فقال: «لا، هو ابنها من الرضاعة، حرم عليها بيعه وأكل ثمنه، ثم قال: أليس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 3.
8 . محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد كلّهم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «إذا ملك الرجل والديه4 أو أُخته أو عمّته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أُخته، وذكر أهل هذه الآية من النساء، عتقوا جميعاً، ويملك عمّه

1 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 7.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
4 . وقد خصّ من الذكور، الوالد والولد كما سيأتي وترك غيرهما لأنّه يملك كما سيأتي في ذيل الحديث، وأمّا النساء فلا يملك ذات رحم محرّم ومثّل بالأخت والعمّة والخالة وبنت الأخ، والأُخت.

صفحه 17
وابن أخيه وابن أُخته والخال، ولا يملك أُمّه من الرضاعة ولا أُخته ولا عمّته ولا خالته، إذا ملكن عتقن.
وقال: ما يحرم من النسب فإنّه يحرم من الرضاع.
وقال: يُملك الذكور ما خلا والداً أو ولداً، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم، قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم، يجري في الرضاع مثل ذلك»1 .
ورواه الشيخ أيضاً بأسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) نحوه، وزاد: وقال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 2.
9 . القاضي النعمان بن محمد الإسماعيلي: روينا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 3.
10 . ابن أبي جمهور الاحسائي: روى سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)قال: «قلت: يا رسول الله، هل لك في بنت عمّك حمزة، فإنّها أجمل فتاة في قريش؟ فقال: أما علمت أنّ حمزة أخي من الرضاعة؟ وأنّ الله تعالى حرّم من الرضاعة ما حرم من النسب» 4.
11 . محمد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي

1 . الوسائل: 13 ، الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2 .
3 . دعائم الإسلام: 2 / 239، الحديث 899 ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
4 . مستدرك الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 4 .

صفحه 18
نجران، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة» 1.
12 . محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من القرابة» 2.
وإضافة إلى ما تقدّم، هناك جملة وافرة من الأخبار تدلّ على القاعدة من خلال انطباق العناوين النسبية بالرضاع، منها:

الروايات التي تطبّق القاعدة على مواردها

13 . محمد بن علي بن الحسين باسناده عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يحرم من الإماء عشر: لا تجمع بين الأُم والابنة، إلى أن قال: ولا أمتك وهي عمّتك من الرضاعة، ولا أمتك وهي خالتك من الرضاعة، ولا أمتك وهي أُختك من الرضاعة، ولا أمتك وهي ابنة أخيك من الرضاعة» الحديث.3
14 . محمد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن ابن شمّون، عن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثمانية لا تحلّ مناكحتهم... إلى أن قال: وأمتك وهي عمتّك من

1 . الوسائل: 14 ، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 14، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9. وإليك شرح الحديث، الأوّل: إذا كانت الأمة أُختاً للفحل، الثاني: إذا كانت الأمة أُختاً للمرضعة، الثالث: إذا كانت الأمة بنتاً للمرضعة، الرابع: إذا كانت الأمة بنتاً للأخ الرضاعي للإنسان.

صفحه 19
الرضاع، أمتك وهي خالتك من الرضاع، أمتك وهي أرضعتك».1
15 . محمد بن يعقوب، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، وعن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام)في حديث قال: قلت له: أرضعت أُمّي جارية بلبني. فقال: «هي أُختك من الرضاعة». قلت فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه ـ يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر ـ قال: والفحل واحد؟ قلت: نعم، هو أخي لأبي وأُمّي. قال: «اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأُمّك أُمّها»2.
16 . محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يصلح للمرأة أن ينكحها عمّها ولا خالها من الرضاعة»3.
17 . محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن رجل كان له امرأتان فولدت كل واحدة منهما غلاماً، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أينبغي لابنه أن يتزوّج بهذه الجارية؟ قال: «لا، لأنّها أرضعت بلبن الشيخ» 4.
18 . محمد بن علي بن الحسين، باسناده عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله (عليه السلام)في الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ثم ترضع

1 . الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرّضاع، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3. أريد الأبوان النَسبيّان.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
4 . الوسائل: 14 ، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6، أراد بلبن الشيخ، لبن الأب.

صفحه 20
من لبنه جارية، يصلح لولده من غيرها أن يتزوّج تلك الجارية الّتي أرضعتها؟ قال: «لا، هي بمنزلة الأُخت من الرضاعة، لأنّ اللبن لفحل واحد»1.
19 . عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد»، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن امرأة أرضعت جارية، ثم ولدت أولاداً، ثمّ أرضعت غلاماً، يحلّ للغلام أن يتزوّج تلك الجارية الّتي أرضعت؟ قال: «لا، هي أُخته»2.
20 . محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «لا تنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها، ولا على أُختها من الرضاعة. وقال: إنّ عليّاً (عليه السلام)ذكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ابنة حمزة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما علمت أنّها ابنة أخي من الرضاعة. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمه حمزة (عليه السلام)قد رضعا من امرأة» 3.
21 . محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لو أنّ رجلاً تزوّج جاريةً رضيعاً فأرضعتها امرأته، فسد نكاحه». قال: وسألته عن امرأة رجل أرضعت جارية، أتصلح لولده من غيرها؟ قال: «لا، قلت: فنزلت بمنزلة الأُخت من

1 . الوسائل: 14 ، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13 .
2 . الوسائل:14، الباب 6 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 14. وجه السؤال وجود الفاصل الزماني بين الرضاعتين، للجارية، والغلام، فالجواب أنّه لا يضرّ.
3 . الكافي: 5 / 445، الحديث 11 من باب نوادر في الرضاع. ذكره صاحب الوسائل مقطّعاً في الباب 13، الحديث 1، والباب 8 ، الحديث 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع .

صفحه 21
الرضاعة؟ قال: نعم، من قِبَل الأب» 1.
22 . محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن أيّوب بن نوح، قال: كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن (عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب (عليه السلام): «لا يجوز ذلك لك، لأنّ ولدها صار بمنزلة ولدك» 2.
23 . محمد بن الحسن باسناده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ عليّاً (عليه السلام)أتاه رجل فقال: إنّ أمتي أرضعت ولدي وقد أردت بيعها، فقال: خذ بيدها فقل: من يشتري منّي أُمّ ولدي»3.
24 . محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «سألته عن رجل فجر بامرأة، أيتزوج أُمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا» .
ورواه الشيخ والكليني بأسانيد أُخر منتهياً إلى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)4.
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في كتبنا. كما ورد ذكر القاعدة في كتب أهل السنّة نشير إلى بعض رواياتهم في هذا الشأن.

1 . الكافي: 5 / 444، الحديث 4 من باب نوادر في الرضاع، ذكره في الوسائل مقطّعاً، لاحظ الباب 10، الحديث 1، والباب 15، الحديث 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع. أمّا فساد النكاح لأنّها بإرضاعها زوجة زوجها، صارت أُمّ الزوجة.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 14، الباب 19 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.قوله:«خذ بيدها» نوع مزاح.
4 . الوسائل: 14 ، الباب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1. لأنّ من فجر بامرأة تحرم أُمّها وبنتها النسبيين وهكذا الرضاعيين.

صفحه 22
25 . روى البيهقي في سننه بأسانيد متعدّدة منتهياً إلى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة أخبرتها أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان عندها وأنّها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة: فقلت: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أراه فلاناً لعمّ حفصة من الرضاعة (أي أرضعته امرأة مع عمر فصار أخاً لأبيها من الرضاعة وعمّاً لها)، فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حيّاً ـ لعمّها من الرضاعة ـ يدخل عليّ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم، إنّ الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة». رواه البخاري ومسلم.1
26 . وروى أيضاً باسناد آخر عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة». ورواه مسلم.2
27 . وروى أيضاً باسناده عن عروة، عن عائشة أنّها أخبرته أنّ عمّها من الرضاعة يسمى «أفلح» استأذن عليها فحجبته، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لها: «لا تحتجبي، فإنّه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». ورواه مسلم.3
28 . وروى أيضاً باسناده عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن
عباس (رضي الله عنهما) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُريد على ابنة حمزة، فقال: «إنّها
لا تحلّ لي، إنّها ابنة أخي من الرضاعة، وأنّ الله حرّم من الرضاعة ما حرّم

1 . السنن الكبرى للبيهقي: 7 / 451. وصحيح البخاري كتاب النكاح، باب (وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ) برقم99 ; صحيح مسلم: 4 / 162، كتاب الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. والظاهر أن تقول: لعمّي من الرضاعة، ولعلّ الراوي غير التعبير وفي فتح الباري أنّ اسم الرجل «أفلح» وهو لغة مشقوق الشفة أمّا العليا أو السفلى.
2 . السنن الكبرى: 7 / 451 .
3 . السنن الكبرى: 7 / 452 .

صفحه 23
من النسب». رواه البخاري ومسلم.1
قال أبو بكر محمد بن الحسين البيهقي بعد نقله الأخبار الواردة في المقام: وروينا هذا المذهب من التابعين عن القاسم بن محمد، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري.2
قال في التاج الجامع: رُغِّب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في نكاح بنت عمّه حمزة فقال: «إنّها لا تحلّ لي، إنّها ابنة أخي من الرّضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم». رواه الشيخان3.

3

في بيان حقيقة الرضاع

ولإيضاح المقصود نقدّم أُموراً:
الأوّل: أنّ الإضافة إمّا مقولية وإمّا إشراقية، فالأُولى عبارة عن النسبة الموجودة بين الشيئين كالأُبوّة والبنوّة، فإنّها نسبة موجودة بين الأب والابن، بخلاف الصور الذهنية فإنّها إضافة قائمة بنفس العالِم، ونظير ذلك بصورة أقوى: قيام العالَم بوجوده سبحانه، فالعالم كلّه فعله سبحانه قائم به.
الثاني: أنّ الإضافة المقولية تارة تكون تكوينية وأُخرى اعتبارية، فلو كانت حقيقية تكوينية فهي تعتمد في تحقّقها على أمر تكويني بحيث لولاه

1 . السنن الكبرى: 7 / 452 .
2 . السنن الكبرى: 7 / 453 .
3 . التاج الجامع للأُصول: 2 / 289، كتاب النكاح، الباب الثالث في المحرّمات.

صفحه 24
لما تحقّقت هذه الإضافة، مثلاً: أنّ الإضافة المقولية القائمة بين الأب والابن تستمد وجودها عن أمر تكويني وهو تخلّق الولد من ماء الأب، فهذا يكون سبباً للإضافة المقولية الحقيقية، وهكذا العلّة والمعلول، فإنّ تأثير الأُولى في الثاني تسبّب تحقّق الإضافة المقولية بين العلّة والمعلول، وهذه ضابطة كلية، كلّما كانت الإضافة مقولية حقيقية فهي تستمد وجودها من أمر تكويني من دون فرق بين مورد ومورد. ومثلها المقام فإنّ الإضافة المقولية بين الرضيع والمرضعة والطفل، إضافة مقولية تكوينية قائمة بأطراف ثلاثة، فهي تستمد وجودها من أمر تكويني سابق وهو مصّ الولد ثدي المرأة التي حملت من ماء الرجل.
هذا كلّه حول الإضافة المقولية الحقيقية، وأمّا الإضافة المقولية الاعتبارية فهي لا تستمد اعتبارها من أمر تكويني، بل تستمد اعتبارها من وجود مصالح مقتضية لهذه الإضافة، فقوله سبحانه خطاباً لآدم:(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)1 اعتبار الزوجية القائمة بالشخصين دون أن يستمد اعتبارها من أمر تكويني، بل بنيت الإضافة الاعتبارية على مصالح أدّت إلى اعتبارهما زوجين.
الثالث: ثمّ إنّ الإضافة الحقيقية التكوينية التي تستمد وجودها من أمر تكويني ربّما تكون سبباً للإضافة الاعتبارية فتصير المرضعة أُمّاً، والفحل أباً، والرضيع ولداً، وأولاد المرضعة إخوةً وأخوات للرضيع، وأخوات المرضعة وإخوتها خالات وأخوال له، وأخوات الفحل وإخوته عمّات وأعمام له، عنايةً ومجازاً، واعتباراً وتنزيلاً .

1 . البقرة:35.

صفحه 25
فهناك إضافة حقيقيّة مشتقّة من الرضاع، كما مرّ وإضافة اعتباريّة تصحّحها تلك الإضافة المقوليّة، تنزيلاً وتشبيهاً. ووجه الشبه والتنزيل في ذلك، ارتضاع الولد التنزيليّ من المرضعة، كارتضاع الولد النسبيّ منها، وهكذا.
4

في توضيح قاعدة

«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»

الظاهر المتبادر من الحديث أنّ نفس ما يحرم من جهة النسب هو بعينه يحرم من الرضاع .
ثمّ إنّ في تبيين الموصول احتمالين:
1. الفرد الخارجي.
2. العناوين النسبية السبعة.
أمّا الأوّل فالظاهر عدم صحّته إذ كيف يمكن أن تكون المرأة الموجودة خارجاً والمحرّمة بنسب كالأُمومة، محرّمة بالرضاع أيضاً؟ إذ بعد سبق حرمتها بالنسب، لا تحتاج في الحرمة إلى أيّ عنوان عرضيّ آخر. ولمّا جعله الشيخ الأعظم كناية عن الفرد، وصار في تصحيح العبارة إلى تقدير لفظة «نظير» وقال: «ومعنى هذه العبارة: أنّه يحرم من جهة الرضاع نظير من يحرم من جهة النسب» 1 حتّى يصحّ المعنى.

1 . كتاب النكاح: 285، المقصد الثالث في المحرّمات.

صفحه 26
وأمّا الثاني فبأن يقال: بأنّ المراد من الموصول العناوين النسبيّة السبعة المحرّمة الواردة في الذكر الحكيم في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ...)1، لكان المعنى حينئذ: أنّ «كلّ عنوان محرّم من جهة النسب، هو بنفسه محرّم من جهة الرضاع»، فالأُمومة ـ مثلاً ـ المتحقّقة بالنسب والمتحقّقة بالرضاع، سواء في الحكم.
وعندئذ لا حاجة إلى تقدير لفظة «نظير» مع ما فيه من سقوط العبارة عن البلاغة الخاصّة لكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
والعجب من الشيخ الأعظم (قدس سره)حيث فسّر الحديث ـ بعد تقديره لفظة «نظير» ـ بما فسّرناه. قال: «وإنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع والحاصل بالنسب في التحريم صنفاً، مثلاً الأُمّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان، حصل التحريم من جهة الرضاع.
ولو حصل بالرضاع ما يلازمه (العنوان) مثل أُمومة أخيه لأبويه، لم يحرم ... إلى أن قال :
فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب والرضاع في إيجاب التحريم، وأنّ العلاقة الرضاعيّة تقوم مقام العلاقة النسبيّة، وتنزل مكانها».2

1 . النساء: 23 .
2 . كتاب النكاح: 285 ـ 286 .

صفحه 27
ولا يخفى أنّ ما ذكره ذيلاً يناسب إرادة العنوان الكلّي من الموصول، لا الفرد الخارجي، وعند ذاك لا حاجة إلى تقدير كلمة «نظير».
5

في عدم شمول القاعدة للمصاهرة

لا شكّ أنّ القاعدة نصّ في قيام العلاقة الرضاعيّة مقام العلاقة النسبية، ولكن هل يمكن أن يستفاد منها أيضاً قيام العلاقة الرضاعيّة مقام العلاقة المصاهريّة أو لا ؟
الظاهر هو العدم، لأنّ المتبادر من الحديث قيام الرضاع مقام النسب.
والنسب غير المصاهرة. قال سبحانه: (وَ هُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً)1.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ هنا فرعين يختلف حكمهما:
الأوّل: إذا تزوّج امرأة ولها أُمٌّ رضاعية، فاتّفقوا ـ إلاّ من شذّ ـ على كون الأُمّ محرّمة على الزوج، وذلك لأنّ الأُمّ النسبية للزوجة الحقيقية محرّمة بشهادة قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) فتكون الأُمّ المرضعة للزوجة الحقيقية محرّمة أيضاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب» فموضوع الحرمة أمران:

1 . الفرقان: 54 .

صفحه 28
أ. المصاهرة، أي كون المرأة زوجة، وهي ثابتة بالوجدان.
ب. كون المرضعة للزوجة أُمّاً لها، وهي ثابتة بقاعدة الرضاع.
وبما ذكرنا عُلم أنّ حرمتها لأجل كونها أُمّاً رضاعية للزوجة الحقيقية.
فالمصاهرة ثابتة بالوجدان ; لأنّ المفروض أنّها زوجة، وأمّا كون المرضعة أُمّاً للزوجة فهو ثابت بالقاعدة فلا دور للقاعدة في أمر المصاهرة، بل في تنزيل الرضاع منزلة النسب.
هذا كلّه حول الفرع الأوّل.
الفرع الثاني: لو تزوّج امرأة ورزق منها ولداً، فلو أرضعته امرأة، فلا تحرم أُمّ المرضعة على الزوج ; وذلك لأنّ أحد الجزأين حاصل بالوجدان حيث إنّ المرضعة صارت أُمّاً لولده، وأمّا الجزء الآخر ـ أي كون المرضعة زوجة للأب ـ فهذا غير حاصل، ومجرّد إرضاع ولد الرجل لا يصيّر المرضعة في حكم الزوجة، فلا تتحقّق المصاهرة حتى تحرم أُمّها الرضاعيّة.
وبذلك بان الفرق بين الفرعين، ففي الفرع الأوّل المصاهرة متحقّقة حيث إنّ الزوجية حاصلة لا تحتاج إلى التنزيل، وإنّما المحتاج إليه هو الأُمومة فتنزل الأُمّ الرضاعية للزوجة منزلة الأُمّ النسبية بمقتضى الحديث فتكون المسألة من قبيل ما إذا كان الموضوع مركباً من جزأين، أحدهما أُحرز بالوجدان والآخر بالتنزيل، وتكون النتيجة حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة على الزوج، وهذا بخلاف المقام لكنّه على العكس حيث إنّ الأُمومة حاصلة بالوجدان لأنّ المرضعة صارت أُمّاً لولده بحكم قاعدة الرضاع، والمصاهرة أي كون المرضعة زوجاً للرجل منتفية، والقاعدة لا تصحّح المصاهرة بل تصحّح النسب.

صفحه 29
نعم ربّما يستظهر من الحديث أنّ المراد بلفظ النسب، النسب الحاصل بين المحرّم والمحرّم عليه، فالرضاع حينئذ إنّما ينزل منزلة النسب إذا كان التنزيل بين المحرّم والمحرّم عليه، كتنزيل الأُم الرضاعية للولد منزلة الأُمّ الحقيقيّة فلا يجوز للولد تزويجها لا ما إذا كان التنزيل بين غيرهما كتنزيل الأُمّ الرضاعيّة للزوجة، منزلة الأُمّ الحقيقيّة لها، فإنّ طرفي التنزيل فيه هما: الأُمّ الرضاعيّة للزوجة، والأُمّ الحقيقيّة لها، وأمّا الزوج فهو خارج عن حدود التنزيل، كما هو واضح. وعلى هذا يجوز للزوج تزويج الأُمّ الرضاعية للزوجة فيتّحد حكم الفرعين.
ولكن هذا تقييد من غير دليل، بل المراد من النسب في الحديث مطلق النسب الموجب للتحريم، سواء أكان حاصلاً بين نفس المحرّم والمحرّم عليه كما مثّلناه، أم كان بين أحدهما ـ وهو الأُم الرضاعيّة للزوجة هنا ـ وطرف ثالث، وهو الزوج هنا، ولا يكون التنزيل لغواً، بل يؤثّر حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة ـ المنزّلة منزلة الأُمّ الحقيقيّة لها ـ على الزوج.
وبهذا يظهر إمكان استفادة حرمة الأُمّ الرضاعيّة للمزنيّ بها على الزاني. وحرمة أُمّ الغلام الموقَب فيه وابنته وأُخته من الرضاعة على الموقِب، لأنّ موضوع الحرمة مركّبٌ من أمرين :
الأوّل: الزنا أو الإيقاب، وهو حاصل بالوجدان .
الثاني: كون المرأة أُمّاً للمزنيّ بها أو الغلام الموقَب فيه، أو بنتاً أو أُختاً له، وهذا ثابت بتنزيل الحديث بخصوص الرضاعيات من الأُم والبنت والأُخت مكانَ النسبيّات منهنّ، فيحرمن جميعهنّ على الزاني والموقِب كحرمة النسبيّات.

صفحه 30
6

الموضوع هو العناوين السبعة الحاصلة بالنسب

في العناوين السبعة الواردة في قوله سبحانه:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ...)1، احتمالات ثلاثة:
1. أن يكون كلّ عنوان موضوعاً للحاصل بالولادة، أي كون المرأة أُمّاً للإنسان عن طريق الولادة، وهكذا سائر العناوين دون أن تشمل تلك العناوين بالرضاع.
2. أن يكون مشتركاً معنوياً موضوعاً للجامع بين الولادة والحاصل بالرضاع، فالأُمّ الواردة في الآية أعمّ من الأُمّ النسبية أو الرضاعية.
3. أن يكون مشتركاً لفظياً تارة يوضع بالعناوين النسبية وأُخرى بالرضاعية.
والحقّ هو الوجه الأول لأنّه المتبادر.
ويترتّب على بطلان الثاني أنّه لا يصحّ التمسّك بهذه الآية على تحريم غير النسبيات، لخروجه عن تحت العناوين.
ويترتّب على بطلان الثالث ـ أي ليس مشتركاً لفظياً ـ أنّه يتمسّك بها في النسبيات عند الشكّ، إذا كان العنوان صادقاً لغة وعرفاً.

1 . النساء:23.

صفحه 31

7

في أنّه ليس للرضاع حقيقة شرعيّة ولا متشرّعة

الظاهر أنّه ليس للرضاع إلاّ معنى واحد متبادر عند الجميع 1، وعلى ذلك فلو شكّ في كون شيء شرطاً لنشر الحرمة أو مانعاً منه، فالإطلاق الوارد في قوله سبحانه: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)أو الوارد في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» هو المحكّم حتّى يثبت خلافه، كما هو الحال في سائر المفاهيم العرفيّة.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا: إنّ له حقيقةً شرعيّةً ومصطلحاً خاصّاً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في الشرطيّة أو المانعيّة، لعدم العلم بالموضوع له، ويعود الشكّ إلى كون المورد مصداقاً له أو لا، وفي مثله لا يصحّ التمسّك بالعموم أو الإطلاق.
وبما أنّ المختار أنّ اللفظ باق على معناه العرفي، فكلّما شكّ في كون شيء شرطاً أو مانعاً يُحكم بعدمه بمقتضى الإطلاق الموجود في الأدلّة نحو قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)2.
هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكميّةً.

1 . تقدّم أنّ الحاصل من كلمات أهل اللغة أنّ الرضاع مطلق مصّ اللبن من الثدي بالفم.
2 . النساء: 23 .

صفحه 32
وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعيّةً، مع كون مفهوم الرضاع أمراً واضحاً مبيّناً، فالمرجع هو الأُصول العمليّة الموضوعيّة، أو الحكميّة عند عدم الأُولى، فإذا شكّ في كون الرضاع متحقّقاً بشروطه الشرعيّة كيفاً وكمّاً، جرت أصالة عدم تحقّق العناوين السبعة المحرّمة، على وجه لا يكون مثبتاً، كما أنّه يجوز التمسّك ـ عند عدم الأصل الموضوعي ـ بالأصل الحكمي، أعني: بقاء الحليّة وجواز التزويج، كما لا يخفى .
وبهذا تبيّن أنّ المرجع في الشبهات الحكميّة هو الإطلاقات، وفي الشبهات الموضوعيّة هو الأُصول العمليّة.
***

صفحه 33

الفصل الأوّل

في شرائط الرضاع

إذا عرفت ما قدّمناه، فاعلم أنّه لابدّ في تحقّق الرّضاع عرفاً أو شرعاً من شروط، إليك بيانها:

الشرط الأوّل:

أن يكون اللبن عن نكاح صحيح أو ملك يمين

أقول: هكذا عنونه المحقّق (رحمه الله) في الشرائع. والمراد من النكاح هو الوطء لا العقد. وما عبّر به هو ما استحصله من الروايات، والوارد فيها إنّما هو اشتراط كون اللبن «لبن الولادة»، أو ما يقاربه، لا الوطء، نعم الغالب كون اللبن مستنداً إلى الوطء ولعلّ التعبير به لأجل كونه الغالب، وسيأتي في نهاية البحث، ما هو نتيجة التعبيرين.
قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: «إذا درّ لبن امرأة من غير ولادة، فأرضعت صبيّاً صغيراً، لم ينشر الحرمة.
وخالف جميع الفقهاء في ذلك.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم»1.

1 . الخلاف: 5 / 108، المسألة 22 من كتاب الرضاع .

صفحه 34
وأشار بقوله: «أخبارهم» إلى الروايات التالية:
1. ما رواه يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جاريةً وغلاماً من ذلك اللبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: «لا»1.
2. ما رواه يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكراناً وأُناثاً، أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: «لا» 2.
أضف إلى ذلك انصراف أدلّة الرضاع عمّا درّ من دون ولادة، لندرة وجوده، إذا قلنا إنّ ندرة الوجود كندرة الاستعمال من أسباب الانصراف.
فإذا ثبت الانصراف صار المقام مجرى للأُصول الموضوعيّة أو الحكميّة القاضية بالحليّة.

صور درّ اللّبن

ثم إنّ للدرّ صوراً تختلف في حكمها وضوحاً وخفاءً، وهي:
1. درّ اللبن بلا وطء أصلاً.
2. درّه من المنكوحة الحامل، إذا لم يكن مستنداً إلى تكوّن الحمل في رحمها.
3. الصورة السابقة، مع كون الدرّ مشكوك الحال في كونه مستنداً إلى الحمل أو لا.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 35
4. الصورة السابقة، مع العلم باستناد الدرّ إلى تكوّن الحمل.
5. درّه بعد الولادة، مع العلم بكونه استمراراً لدرّ سابق، لا مستنداً إلى تكوّن الولد في الرحم.
لا شكّ أنّ الدرّ، حسب الروايتين والإجماع المحكيّ وانصراف الأدلّة عنه، لا ينشر الحرمة فيما إذا عُلم عدم استناده إلى تكوّن آدميّ في الرحم، سواء أكانت المرأة موطوءةً أم لا، وسواء أكانت حاملاً أم فارغةً عنه .
كما لا ينشر الحرمة فيما إذا شك في استناده إلى الحمل واحتمل كونه درّاً محضاً، سواء كان قبل الولادة، كما هو الحال في الصورة الثالثة أو بعدها، كما هو الحال في الصورة الخامسة.
وإنّما الكلام في الصورة الرابعة، أعني: فيما لو درّ اللبن من الحامل وأرضعت حال الحمل وعلم استناده إلى تكوّن الحمل، فهل هو ناشر للحرمة أو لا؟ قد يقال بعدم نشره الحرمة بحجّة أنّه ليس لبن الولادة الوارد في الروايتين.
وقد يقال بكفايته بادّعاء أنّ المتبادر من سؤال السائل «عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة» وجواب الإمام، هو أنّه (عليه السلام)بصدد نفي كفاية الدرّ بلا حمل، لا بيان شرطية الولادة.
وبعبارة أُخرى: الروايتان بصدد بيان كون الدرّ مستنداً إلى الولد سواء ولد أم لا، دون الدرّ الفارغ عنه.
وعلى القول الثاني لا يصل الأمر ـ بعد شمول الإطلاقات لهذه الصورة، وقصور دليل المخصّص عن اشتراط الولادة، وكون القدر المتيقّن منه نفي

صفحه 36
الدرّ المحض ـ إلى قوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)1 فيكون القول بنشر الحرمة في هذه الصورة أحوط، بل أقوى، كما لا يخفى.
فإن قلت: كيف يمكن أن يقال بكفاية لبن الحامل، إن علم استناد اللبن إلى تكوّن الجنين، مع أنّه ورد في صحيحة ابن سنان ما يظهر منه خلافه، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن لبن الفحل؟ قال: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك، ولد امرأة أُخرى، فهو حرام» 2.
فإنّ لازم قوله: «لبن ولدك» شرطية تولّد الولد، وعدم كفاية كونه حملاً.
قلت: الظاهر أنّ الرواية سيقت لبيان وحدة الفحل لا لبيان دخالة ولادة الولد، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ما يدلّ على شرطية وحدة الفحل.
ثمّ إنّ المنساق من تعبير المحقّق بكون اللبن عن وطء صحيح، عدم كفاية سبق ماء الرجل إلى داخل فرج المرأة من دون دخول، كما ربّما يتّفق. ولكن الّذي يظهر من الروايات كفاية كون اللبن لبن الولادة وإن لم يكن هناك دخول. بشرط استناد الولادة إلى فحل شرعيّ، ولعلّ صحيحة ابن سنان المتقدّمة تعمّ المورد حيث قال: «ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك، ولد امرأة أُخرى، فهو حرام».
ومن هنا يعلم أنّ التعبير بالنكاح أو الوطء من باب الغلبة وإلاّ فالتعبير الدقيق ما ذكرناه في صدر البحث من كون اللبن، لبن الولادة، أو تكوّن الحمل من دون اشتراط الوطء.
ثمّ إنّ هنا فروعاً خمسة:

1 . النساء: 24 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .

صفحه 37

1. حكم اللبن عن الوطء بالشبهة

إذا حملت المرأة عن وطء بالشبهة، فأرضعت حال الحمل على القول بكفائيته أو بعد الولادة، على الخلاف، فهل هو ناشر للحرمة أو لا؟ قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): وأمّا الوطء بالشبهة، فالمشهور إلحاقه في النشر بالنكاح، كما في غالب الأحكام، وتردّد فيه المحقّق في الشرائع. 1
والظاهر ما هو المشهور، لأنّه ملحق بالوطء الصحيح، فتشمله الإطلاقات.
وقد دلّ الاستقراء على مشاركة ولد الشبهة غيره في كثير من الأحكام من الإرث، ولزوم النفقة، ولزوم المهر على الموطوءة، والاعتداد.
ويمكن الاستدلال بما ورد عنهم(عليهم السلام)نحو ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقال للإماء: يا بنت كذا وكذا، فإنّ لكلّ قوم نكاحاً» 2 الوارد في الأنكحة الرائجة بين المجوس وغيرهم. فإذا تلقّى الشارع هذه الأنكحة الفاسدة في شرعنا، بالقبول في الظاهر، ورتّب عليها أثر النكاح الصحيح واقعاً، فيلزم تلقّي الوطء عن شبهة كالوطء عن النكاح الصحيح.
والجامع بينهما هو الشبهة، غاية الأمر أنّ الشبهة في القسم الأوّل حكميّةٌ وفي الثاني موضوعيّةٌ، وهو بمجرّده لا يكون فارقاً بين الأمرين.
فإذا كان إقدام الإنسان على عمل باعتقاد كونه عملاً صحيحاً، مرضيّاً

1 . كتاب النكاح: 292 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 83 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2 .

صفحه 38
عند الله، فلا ريب أنّ الشارع يتلقّاه صحيحاً ويرتّب عليه الأثر.
وبذلك يظهر ضعف ما نقل عن الحلّي من التردّد، في الحكم حيث استدلّ بوجوه ثلاثة:
1. الأصل الحليّة وعدم نشر الحرمة.
2. عدم العموم الشامل للمورد.
3. عدم الدليل على عموم المنزلة ـ أي تنزيل المتولّد عن شبهة منزلة الولد الصحيح ـ .1
والكلّ ضعيفٌ، لبطلان الأصل بعد وجود الدليل، كما تقدّم، وشمول إطلاق قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)للموطوءة عن شبهة لكونها أُمّاً رضاعيّةً قطعاً، وثبوت التنزيل كما قدّمنا في قوله: «فإنّ لكلّ قوم نكاحاً»، وغيره، من غير فرق بين كون الشبهة من الطرفين أو من طرف واحد.

2. حكم لبن الخنثى

هل لبن الخنثى المشكلة الموطوءة بالشبهة ناشرٌ للحرمة أو لا؟ الظاهر عدم نشره للحرمة، للشكّ في كونها امرأةً، اللّهم إلاّ إذا بان بالحمل كونها غير مشكلة، وإلاّ فوجود اللبن الموجود في ثديها بعد الوطء لا يكون دليلاً على كونها أُنثى .
ويؤيّد ما ذكرنا رواية زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة، من لبن فحل واحد، لم يفصل بينها

1 . لاحظ : السرائر: 2 / 552 .

صفحه 39
رضعة امرأة غيرها» الحديث 1.
فالموضوع هو كون المرضعة امرأةً، وهو مشكوك في الخنثى المشكلة.

3. حكم لبن الفجور

هل اللبن الحاصل من وطء محرّم ناشرٌ للحرمة أو لا ؟
استدلّ على عدم النشر بوجوه:
1. الإجماع بقسميه، كما في الجواهر. 2
2. ما في «دعائم الإسلام» عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «لبن الحرام لا يحرِّم الحلال، ومثل ذلك امرأة أرضعت بلبن زوجها رجلاً، ثم أرضعت بلبن فجور. قال: من أرضع من لبن فجور صبيّةً لم يحرم نكاحها، لأنّ لبن الحرام لا يحرِّم الحلال»3 .
3. ما رواه بُريد العجلي في حديث قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فسّر لي ذلك؟ فقال: كلّ امرأة أرضعت من «لبن فحلها» ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام فذلك الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب، وانّما هو من نسب4 ناحية

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . جواهر الكلام: 29 / 265 ـ 266 .
3 . دعائم الإسلام: 2 / 243، الحديث 916 .
4 . في هامش الوسائل نقلاً عن بعض النسخ المصحّحة للكافي: «سبب»

صفحه 40
الصهر رضاع، ولا يحرّم شيئاً، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم» 1.
أُريد من النسب، جهة الرجال، ومن الصهرية الأُمّهات ممّا كان فيه اتّحاد الأُم دون الفحل فليس من جهة النسب بل من جهة الصهر .2
وجه الاستدلال: أنّ الفحل الوارد في الرواية كناية عن الوطء الصحيح فيخرج الموطوءة عن زنا.
4. صحيح عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن لبن الفحل؟ قال: «هو ما أرضعت «امرأتك» من لبنك ولبن ولدك، ولد امرأة أُخرى، فهو حرام».3
وجه الاستدلال: أنّ الموضوع هو «امرأتك» التي أُريد بها الزوجة.
والكلّ كما ترى، فإنّ الإجماع غير ثابت، وعلى فرض ثبوته يمكن أن يكون المستند ما ذكرناه من الروايات.
وما تفرّد به صاحب الدعائم لا يصحّ الاعتماد عليه .
وأمّا الروايتان فمن المحتمل جدّاً أن يكون ذكر الفحل في رواية العجلي لردّ عدم كفاية الدرّ المحض، ويقرب ذلك أنّ فقهاء العامّة اتّفقوا على كفاية الدرّ كما نقلناه عن الخلاف، فهي بصدد ردّ ما اشتهر بينهم من كفاية الارتضاع بمطلق اللبن وإن لم يكن هناك ولادة ولا حمل، بل ولا وطء.

1 . الوسائل: 14 ، الباب6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . لاحظ في تفسير الحديث: مرآة العقول: 2 / 213 وسيأتي تفصيله في حديث اتّحاد الفحل.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .

صفحه 41
كما أنّ لفظ «امرأتك» في صحيح ابن سنان يمكن أن يكون مشيراً إلى وحدة الفحل، وانّه يجب أن يكون اللبن مستنداً إلى شخص واحد لا شخصين، أو مشيراً إلى عدم كفاية ارتضاع لبن الرجل وإن كان نادراً، أو لعلّه لردّ ما ربّما ينقل عن مالك من أنّه لو ارتضع الصغيران من لبن البهيمة تعلّق به التحريم، بحجّة أنّهما شربا من لبن واحد فصارا أخوين كما لو شربا من لبن امرأة.
والولد المتولّد من زنا، ولد عرفيّ يترتّب عليه آثار الأولاد إلاّ ما خرج بالدليل الشرعي، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ الرضاع أمر يتكوّن منه العظم وينبت اللحم، واللبن الصحيح وغيره فيهما سيّان.
وبذلك يظهر أنّه لا وجه لتمسّك العلاّمة بلفظ «الفحل» أو «أمرأتك» كما في «التذكرة» لإثبات أنّ المقتضي للتحريم، اللبن الصادر عن نكاح يلحق به النسب، سواء كان صحيحاً أو وطء شبهة أو ملك يمين.1
ومع ذلك لا يترك الاحتياط في المقام، ولا يتزوّج الرضيع من لبن الفجور، بعد بلوغه، المرضعة وبنتها وأُختها.

4. عدم اشتراط بقاء المرضعة في حبال الرجل2

لا يشترط بقاء المرأة في حبال الرجل، بل الموضوع كون اللبن لفحل واحد، سواء كانت باقية في حباله عند الإرضاع أم لا. وعلى ذلك تترتّب صور:
1. أن يطلّقها الرجل وهي حامل منه، ثم وضعت وأرضعت.

1 . لاحظ : التذكرة: 2 / 614، الطبعة الحجرية.
2 . يقال هي في حبال فلان، أي مرتبطة بنكاحه، كالمربوط في الحبال.

صفحه 42
2. الصورة السابقة، لكنّها أرضعت حاملاً، على القول بكفايته في بعض الصور على ما مرّ.
3. أن يطلّقها وهي مرضعةٌ.
4. أن يموت عنها، فترضع بعد موته.
ولا فرق في جميع الصور في نشر الحرمة بين أن يكون الإرضاع في العدّة أو بعدها، وبعد مدّة قصيرة من الانفصال أو مدّة طويلة، ولا بين أن ينقطع اللبن ثمّ يعود أو يبقى متّصلاً، كلّ ذلك لاستناد اللبن إلى الفحل، والإرضاع إلى الأُمّ، وهما تمام الموضوع.

5. حكم تزوّج المرضعة رجلاً آخر

بعد ما علم أنّ المدار في نشر الحرمة استناد اللبن إلى الزوج، فلو خرجت عن حباله وتزوّجت رجلاً آخر، فإنّ لبنها ناشر للحرمة، وزوجها الأوّل صاحب اللبن، سواء لم يدخل بها الثاني أو دخل ولم تحمل منه، أو حملت وكان اللبن بحاله، لم تحدث فيه زيادة أصلاً، أو زاد وكان قليلاً لا يضرّ باستناد اللبن إلى الزوج الأوّل.
أمّا لو زاد لبنها بعد الحمل من الثاني زيادة تورث الظنّ بكونه من الحمل ـ وحدّده الشافعي في أحد قوليه بمضيّ أربعين يوماً من الحمل الثاني1 ـ ففيه وجهان:
الأخذ بظاهر الحال، فاللبن لهما، فلا ينشر الحرمة لاشتراط اتّحاد الفحل.

1 . نقله عنه العلاّمة في التذكرة: 2 / 617 من الطبعة الحجرية .

صفحه 43
أو أنّه للأوّل، لأصالة عدم حدوث لبن آخر مستند إلى سبب آخر.
والأوّل أحوط، والثاني أوفق بالقاعدة.
أمّا لو أرضعت بعد وضع الحمل فلا شكّ أنّه للزوج، لأنّه غذاء للولد الجديد من الزوج الثاني.
وهذه الفروع وغيرها ذكرها العلاّمة في «التذكرة». وأكثرها فروع نادرة، فلاحظ.1

الشرط الثاني:

كميّة الرضاع

اختلفت المذاهب الإسلامية في كميّة اللبن الناشر للحرمة على أقوال، وهي بين الجمهور لا تتجاوز الثلاثة 2.
1. خمس رضعات متفرّقات.
2. ثلاث رضعات.
3. الرضعة بل المصّة الواحدة ولو كانت قطرةً.
قال الشيخ (قدس سره)في «الخلاف»:
«وقال الشافعي: لا يحرّم إلاّ في خمس رضعات متفرّقات، فإن كان دونها لم يحرّم. وبه قال ابن الزبير، وعائشة. وفي التابعين: سعيد بن جبير،

1 . التذكرة: 2 / 616 ـ 617 من الطبعة الحجرية .
2 . سيأتي ذكر قول رابع لهم، وهو عشر رضعات عند نقل كلام ابن رشد.

صفحه 44
وطاووس. وفي الفقهاء: أحمد، وإسحاق.
وقال قوم: إنّ قدرها ثلاث رضعات فما فوقها، فأمّا أقلّ منها فلا ينشر الحرمة. ذهب إليه زيد بن ثابت في الصحابة. وإليه ذهب أبو ثور، وأهل الظاهر.
وقال قوم: إنّ الرضعة الواحدة أو المصّة الواحدة، حتّى لو كان قطرة تنشر الحرمة، ذهب إليه ـ على ما رووه ـ : عليّ (عليه السلام)، وابن عمر، وابن عباس. وبه قال في الفقهاء: مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه»1.
وقال ابن رشد: «أمّا مقدار المحرِّم من اللبن. فإنّ قوماً قالوا فيه بعدم التحديد، وهو مذهب مالك وأصحابه، وروي عن عليّ وابن مسعود، وهو قول ابن عمر وابن عباس، وهؤلاء يحرِّم عندهم أيّ قدر كان، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.
وقالت طائفة بتحديد القدر المحرِّم، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاث فرق :
فقالت طائفة: لا تحرّم المصّة ولا المصّتان، وتحرِّم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور.
وقالت طائفة: المحرِّم خمس رضعات، وبه قال الشافعي.
وقالت طائفة: عشر رضعات» 2.
وأمّا الخاصّة: فلهم في المسألة أقوال أشهرها ثلاثة:

1 . الخلاف: 5 / 96، المسألة 3 من كتاب الرضاع .
2 . بداية المجتهد: 2 / 35 .

صفحه 45
1. عشر رضعات.
2. خمس عشرة رضعة.
3. ما أنبت اللحم وشدّ العظم.
قال الشيخ (رحمه الله) في «الخلاف»: «من أصحابنا مَن قال: إنّ الّذي يحرّم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهنّ برضاع امرأة أُخرى.
ومنهم مَن قال: خمس عشرة رضعة، وهو الأقوى، أو رضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إذا لم يتخلّل بينهنّ رضاع امرأة أُخرى» 1.
وقال العلاّمة في «المختلف»: «ذهب المفيد وسلاّر وابن البراج وأبو الصلاح وابن حمزة إلى أن المحرِّم من الرضاع باعتبار العدد عشر رضعات متواليات، وهو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا. وقال الشيخ في النهاية والمبسوط وكتابي الأخبار: لا يحرّم أقل من خمس عشرة رضعة. وقال ابن إدريس في أول كتاب النكاح: المحرم عشر رضعات متواليات 2... ثمّ نقل عن ابن إدريس أنّه قال في موضع آخر:
والّذي أُفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة، لأنّ العموم قد خصّصه جميع أصحابنا المحصّلين، والأصل الإباحة، والتحريم طارئ، فبالإجماع من الكلّ يحرّم الخمس عشرة رضعة، فالتمسّك بالإجماع أولى وأظهر، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع. 3 إلى أن قال العلاّمة:
وقال ابن الجنيد: وقد اختلفت الرواية من الوجهين جميعاً في قدر

1 . الخلاف: 5 / 95، المسألة 3 من كتاب الرضاع .
2 . السرائر: 2 / 520 .
3 . السرائر: 2 / 551 .

صفحه 46
الرضاع المحرّم، إلاّ أنّ الّذي أوجبه الفقه عندي واحتياط المرء لنفسه: أنّ كلّ ما وقع عليه اسم رضعة، وهو ما ملأت بطن الصبيّ، إمّا بالمصّ أو بالوجور، محرّمٌ للنكاح.
وقال الصدوق في «المقنع»1: لا يحرِّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللّحم وشدّ العظم. قال: وروي أنّه لا يحرِّم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ، ليس بينهنّ رضاع. قال: وبه كان يفتي شيخنا محمد بن الحسن (رحمه الله)» 2.
ثمّ إنّ العلاّمة الحلّي بعد نقل هذه الأقوال اختار أنّ المحرّم إنّما هو عشر رضعات واستدلّ عليه بوجوه خمسة.3
نقول: لا ريب أنّه لا يكفي مسمّى الرضاع ولا الرضعة الواحدة، إجماعاً وسنّةً مستفيضةً، بل كتاباً أيضاً، لعدم صدق الأُمّ، الواردة في قوله سبحانه: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، على من أرضعت طفلاً مرّةً أو مرّتين.
ومثله قوله سبحانه: (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)، بل يتوقّف صدقها على أن يرتضع الولد من لبنها مقداراً يتحقّق معه عرفاً عنوانُ الأُمومة وغيرها من العناوين المحرّمة، فالعرف والاعتبار متصادقان على عدم كفاية المسمّى والدفعات القليلة.
ومن هنا يظهر بطلان ما نقل عن الليث من نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم وما نقلناه عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري من

1 . لاحظ : المقنع : 330 ـ الطبعة الجديدة ـ .
2 . المختلف: 7 / 29 ـ 31 ـ طبعة مكتب الإعلام الإسلامي ـ .
3 . لاحظ : المختلف: 7 / 31 ـ 32 .

صفحه 47
التحريم بمطلق الرضاع وإن قلّ.
ومن الغريب ذهاب صاحب الدعائم إلى هذا القول مستنداً إلى رواية رواها عن الإمام عليّ (عليه السلام)، قال: وعن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «يُحرِّم من الرضاع قليلُهُ وكثيرُهُ، والمصّةُ الواحدةُ تُحرِّم». ثم أضاف قائلاً: «وهذا قولٌ بيِّنٌ صوابُهُ لمن تدبّره ووُفِّق لفهمه، لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)فالرضاع يقع على القليل والكثير» الخ 1.
ولكّنه غفل عن أنّه وإن صدق الرضاع بالقليل، لكّنه لا يصدق عنوان الأُمّ الّذي هو الموضوع في الآية. خصوصاً إذا قلنا بأنّ تحقّق هذه العناوين بالإرضاع لم يكن أمراً مبتدعاً في الإسلام بل كان دارجاً قبله في عصر الجاهليّة، ومن المعلوم عدم تحقّق الأُمومة عندهم بمسمّى الإرضاع.
ومنه يظهر بطلان ما نقل عن ابن الجنيد من تحديده بالرضعة الكاملة وهي ملأة بطن الصبي.

تحليل ما ينافي القول المشهور من الروايات

إنّ في المقام روايات تُوهم كفاية القليل من الرضاع وهي عبارة عن روايات أربع:
الأُولى: روى الشيخ باسناد صحيح عن عليّ بن مهزيار، عن أبي الحسن(عليه السلام)أنّه كتب إليه يسأله عمّا يُحرِّم من الرضاع؟ فكتب (عليه السلام): «قليله وكثيره حرام»2.

1 . دعائم الإسلام: 2 / 240، الحديث 901 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10 .

صفحه 48
ولا يخفى وجود الحزازة في متنه فإنّ الرضاع قليله وكثيره محرِّم، لاحرام وإطلاق «الحرام» وإرادة المحرّم، لم يثبت، ومع ذلك يمكن علاجها بأحد الوجوه التالية:
1. حملها الشيخ على ما إذا بلغ الحدّ الذي يحرّم، مثلاً عشر رضعات أو خمسة عشر، فإنّ الزيادة عندئذ قلّت أو كثرت، تحرّم.
2. ما ذكره صاحب الوسائل وقال: ويمكن حمله على الكراهة.1
3. يمكن حمله على تحديد كلّ رضعة فإنّه إن رضع قليلاً أو كثيراً فهي رضعة محسوبة من العدد.
4. حمله على التقيّة، حيث عرفت انّ من أهل السنة من يكتفي برضعة واحدة أو بثلاث رضعات.
الثانية: ما روي عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي(عليه السلام) قال: «الرضعة الواحدة كالمئة رضعة لا تحل له أبداً».2
ولا يخفى وجود الحزازة في المتن إذ كيف تكون الرضعة الواحدة كالمئة رضعة، وعلى هذا فيحمل على التقية.
مضافاً إلى أنّ في السند الحسين بن علوان وهو عاميّ لم يوثّق، وعمرو بن خالد وهو إمامي مجهول.
الثالثة: ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «سألته عمّا
يحرّم من الرضاع؟ قال: إذا رضع حتّى يمتلي بطنه، فإنّ ذلك ينبت

1 . لاحظ (ذيل الحديث 10 في نفس الباب من الوسائل).
2 . الوسائل:14، الباب2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث12.

صفحه 49
اللحم والدم، وذلك الّذي يحرّم» 1.
الرابعة: ما أرسله ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «الرضاع الّذي ينبت اللحم والدم، هو الّذي يرضع حتّى يتضلّع، ويتملّى، وينتهي ] من [نفسه» 2. فالظاهر أنّ هذين الخبرين واردان في مقام تحديد كيفية الرضعة، لا تحديد الرضاع المحرّم بها، كما لا يخفى .

التحديدات الثلاثة لنشر الحرمة:

وقد تبع الأصحاب في تحديد التحريم، نصوص الباب، وحدّدوه بوجوه ثلاثة:
الأثر .
والعدد.
والزمان.
غير أنّ «المفيد» خصّ الحكم بالعدد، واقتصر «الصدوق» في هدايته على الزمان، وفي مقنعه على الأثر، وها نحن ندرس الجميع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: التحديد بالأثر:

وقد تضافرت عليه الروايات، نذكر منها:
1. صحيحة حمّاد عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم»3.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 50
2. ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم» 1.
3. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)أو أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى وكان ذلك عدة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم عليه بناتهنّ كلهنّ» 2.
قوله: «عدة» أي عدد كثير لا رضعة واحدة، ومحمول على ما إذا تحقّق النصاب في كلّ منهن منفردة .3
4. وصحيحته عن أبي جعفر أو أبي عبد الله (عليهما السلام)قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتى فكان ذلك عدة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم بناتهنّ كلهنّ» 4.
ويظهر من كثير من الروايات أنّه الأصل وأنّ التحديد بالعدد والزمان طريقان إليه، ودونك بعضها:
5. ما رواه علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: قلت ما يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم وشدّ العظم. قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنّه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات» 5.
6. ما رواه مسعدة بن زياد العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرم من

1 . الوسائل: 14 ، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
3 . مرآة العقول: 3 / 323.
4 . الوسائل: 14 ، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2. والظاهر اتّحادها مع الرواية السابقة، إلاّ أنّ الكليني أوردهما في موضعين من كتابه مع اختلاف طفيف في المتن .
5 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 51
الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان والثلاث حتّى بلغ العشر إذا كنّ متفرقات فلا بأس» 1.
7. ما عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير... إلى أن قال: فما الّذي يحرّم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم والدم، فقلت: وما الّذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: كان يقال: عشر رضعات» الحديث 2.
8 . وما رواه أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما ينبت اللحم والدم، ثمّ قال: أترى واحدة تنبته؟ فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: لا، فلم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات» 3.
9. ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاثة؟ قال: «لا إلاّ ما اشتدّ عليه العظم ونبت اللحم» 4.
وقد علّل في بعض الروايات شرطيّة امتلاء بطن الرضيع بأنّه الّذي ينبت اللحم والدم.
10. عن ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: «إذا رضع حتّى يمتلي بطنه فإنّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الّذي يحرم» 5.
11. وروى محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، رواه عن أبي عبد

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 18 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 21 .
4 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 23 .
5 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 52
الله(عليه السلام)قال: «الرضاع الّذي ينبت اللحم والدم هو الّذي يرضع حتّى يتضلّع ويتملّى وينتهي ] من [ نفسه».1
ويلوح من جميع ما أوردناه أنّ الأثر هو الأصل في التحريم، وقد جعل الشارع العدد والزمان طريقين إلى حصوله وتحقّقه .
ثمّ إنّه جعل الأثر في سبعة منها ـ أعني: الرواية الأُولى والثالثة والرابعة والسابعة والثامنة والعاشرة والحادية عشرة ـ إنبات اللحم والدم.
وفي أربعة منها ـ أعني: الثانية والخامسة والسادسة والتاسعة ـ إنبات اللحم والعظم .
ولا يخفى أنّ الدم أسرع نباتاً من اللحم، وهو أسرع من العظم، فلو كان الميزان هو الدم، لحصل التحريم قبل أن يتحقّق الثاني والثالث. وسيأتي التوفيق بين الطائفتين.
إذا عرفت ما تقدّم، يقع البحث في أُمور:
الأمر الأوّل: الظاهر من النصوص فعليّة الإنبات، فلو رضع رضاعاً من شأنه ترتّب ذلك عليه، لكن منع منه مانع كالإسهال، فهل يكفي أو لا؟ على القول بالفعليّة لا يكفي في نشر الحرمة.
وأمّا إذا قيل بأنّ الميزان هو الشأنية فيكفي .
والأوّل أولى، خصوصاً مع ملاحظة ما ورد في عدد العشر بأنّه «لا تنبت اللحم»2.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2. يقال تملّى حبيبه: تمتع به طويلاً ولكن في الكافي يمتلي.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 53
ثم على اعتبار الفعليّة هل يكفي مسمّى الأثر المعتدّ به لدى أهل الخبرة؟ هذا ما سيأتي في البحث التالي.

الأمر الثاني: في لزوم كون الأمر محسوساً

لو كان الأثر ملاكاً لنشر الحرمة مع قطع النظر عن العدد والزمان أو مع عدم تحقّقهما، فيشترط كون الأثر محسوساً لأهل الخُبرة، ولا يكفي حصول الأثر إذا لم يكن محسوساً، بمعنى حصول حالة خاصّة في اللحم والعظم بحيث يصحّ أن يقال: إنّه تكوّن لحمه ودمه وعظمه من لبنها، وهذا لا يتحقق إلاّ إذا كان الأثر محسوساً.
ويدلّ على ما ذكرنا من اشتراط كون الأثر محسوساً أنّ الاكتفاء بمسمّى الأثر وإن لم يكن محسوساً يُنافي التحديد بالعدد والزمان، فإنّ المسمّى يتحقّق بالرضعات اليسيرة، وقد علّل عدم كفاية العشر، بأنّه لا ينبت اللحم والعظم .1
مع أنّ مسمّى الإنبات والشدّ يتحقّق بأقلّ من عشر بكثير .
وبما ذكرنا يقطع الفقيه بعدم كفاية المسمّى من الأثر عند انفراده، في نشر الحرمة، بل لابد من حصول مرتبة خاصّة هي محسوسية الإنبات والاشتداد، كما هو واضح .
الأمر الثالث: طريق العلم بالأثر إمّا بالرجوع إلى أهل الخبرة، لو صحّ القول بكون الموضوع اختبارياً، فيشترط في المقام ما يشترط في غيره من التعدّد والعدالة، أو القطع بالأثر على النحو الّذي أوضحناه.
***

1 . لاحظ : الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

صفحه 54

الثاني: التحديد بالعدد

قد اضطربت الروايات في بيان التحديد بالعدد اضطراباً شديداً قلّما يتّفق نظيره في الفقه، واضطربت كلمات الفقهاء في المقام أيضاً لأجل اضطراب الروايات، وربّما تجد للفقيه الواحد في كتاب قولاً وفي كتاب آخر له قولاً آخر، بل قد يصعب على المتتبّع تشخيص المشهور عن غيره، بل الأشهر عن المشهور كما هو ظاهر لمن راجع الجواهر وغيرها من الموسوعات.
وقد نقلنا سابقاً في هذا الشأن كلاماً عن الشيخ في الخلاف، والعلاّمة في المختلف.
ويمكن تصنيف الروايات إلى طوائف :
الأُولى: ما دلّ على أنّ قليله وكثيره محرّم، وفيه رواية واحدة وهي ما رواه الشيخ بإسناد صحيح إلى علي بن مهزيار عن أبي الحسن (عليه السلام)أنّه كتب إليه يسأله عمّا يحرم من الرضاع، فكتب(عليه السلام): «قليله وكثيره حرام» 1.
وقد حمله الشيخ (رحمه الله) على ما إذا بلغ الحدّ الّذي يحُرّم، فإنّ الزيادة حينذاك، قلّت أو كثرت تحرّم، وقال أيضاً: «ويجوز أن يكون خرج مخرج التقية لأنّه موافق لمذهب بعض العامّة» 2.
والحمل على التقية أقرب.
الثانية: ما دلّ على أنّ الرضعة الواحدة تحرّم، وهو ما رواه الشيخ بإسناد

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10 .
2 . لاحظ نفس المصدر ذيل الحديث 10 .

صفحه 55
ضعيف إلى زيد بن علي، عن آبائه(عليهم السلام)، عن علي (عليه السلام)قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة، لا تحلّ له أبداً» .1
وقد حمله الشيخ (رحمه الله) على ما تقدّم في الحديث السابق، واستشهد للتقية بوجود رجال العامّة والزيدية في طريقه .
والرواية مع ضعف سندها وحملها على التقية معارضة برواية أُخرى رواها الشيخ عن صباح بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا بأس بالرضعة والرضعتين والثلاث» 2.
وقد مرّ الكلام في هذه الروايات سابقاً والإعادة لأجل المحافظة على نظام البحث.
الثالثة: ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة لنشر الحرمة:
منها: موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدٌّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات، من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».3
ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) في «المقنع» مرسلاً، قال: لا يحرم من الرضاع

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 12 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 22 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1. وذيل الحديث ناظر إلى وحدة الفحل وسيأتي الكلام فيها في المستقبل. وقال في الوافي: هكذا في النسخ الّتي رأيناها والصواب«وجارية» بواو الجمع(الوافي:21/236)، والشاهد قوله:«لم يحرم نكاحهما».

صفحه 56
الا ما أنبت اللحم وشدّ العظم، قال: وسئل الصادق (عليه السلام): هل لذلك حدٌّ؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينهنّ»1.
وهذه الرواية غير متّحدة مع سابقتها، لأنّ السابقة مرويّة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)وهذه عن الصادق (عليه السلام)، وإرادة الوصف من الصادق أعمّ من أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)خلاف الاصطلاح الجاري.
ولكن هنا رواية تعارض بمنطوقها هاتين الروايتين، وهي ما رواه الشيخ عن حمّاد بن عثمان أو غيره، عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «خمس عشرة رضعة لا تحرّم» 2.
ويكفي في ردّ الرواية إرسالها بقرينة «أو غيره». وقد ذُكرت لها محامل منها: حمل الشيخ على كون الرضعات متفرّقات من نساء شتى .
واحتمل الشيخ الحر (رحمه الله) الحمل على الإنكار، وأمّا ما ذكره من الحمل على التقية فهو بعيد غايته كما لا يخفى.

ما دلّ على اعتبار عشر رضعات

الرابعة: ما دلّ على كفاية عشر رضعات في التحريم. والمستند لهذا القول صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثم يرضع عشر رضعات، يروى الصبي، وينام»3.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 14 .
2 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 11 .

صفحه 57
وهذه الرواية أوضح ما في الباب، وتدلّ بصراحتها على كفاية العشر في التحريم بلا إشكال .
وقد رويت هذه الرواية بصورة أُخرى عن الفضيل بن يسار، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام)وليس فيها ذكر من العدد، قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً. قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربيّة أو أُمّ تربي أو ظئر تستأجر أو خادم تُشترى أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه».1
لكن الرواية الأُولى من أبي جعفر والثانية من أبي عبد الله، والاختلاف في المرويّ عنه يسهل الأمر، ومن هنا تبيّن أنّ التعارض الحقيقي بين رواية زياد بن سوقة ورواية الفضيل بن يسار.

ما يدلّ على اعتبار العشرة بالمفهوم

وهناك روايات أُخرى تدلّ على كفاية العشرة مفهوماً لا منطوقاً:

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 7. لم نجد في المعاجم شيئاً يناسب ما في المقام وقد بذل العلاّمة المجلسي تبعاً للسيد الداماد جهده في تفسيره ما يناسب المقام. لاحظ شرح التهذيب. ثم إنّ المراد من قوله «موقوفاً عليه» أي موقوفاً على إرضاع الولد. وأورد الصدوق هذه الرواية في معاني الأخبار:214، باب (معنى قول الصادق(عليه السلام):لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مجبوراً) باسناد آخر واختلاف طفيف في المتن، عن أبيه قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن ابن سنان، عن حريز، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مجبوراً». قال: وما المجبور؟ قال: «أُمّ مربّية، أو ظئر مستأجرة، أو خادم مشتراة، وما كان مثل ذلك، موقوف عليه».
وقال في الفقيه:3/ 477، الحديث 4672: روى حريز عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مجبوراً»، قلت: وما المجبور؟ قال: «أُمّ تربي، أو ظئر تستأجر، أو أمة تشترى».

صفحه 58
منها: ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين فقال: «لا يحرم» فعدّدت عليه حتّى أكملت عشر رضعات. فقال: «إذا كانت متفرّقة فلا» 1.
ودلالة الرواية كماترى بالمفهوم، وهو أنّ العشر إذا كانت متواليةً فإنّها تحرم. مع أنّ عمر بن يزيد نفسه روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)أنّ الخمس عشرة رضعة لا تحرم2، كما مرّ، فكيف يمكن أن نأخذ عنه التحريم بالعشر؟!
ومنها: ما رواه مسعدة بن زياد العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرم من الرضاع الا ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان والثلاث حتّى بلغ العشر إذا كنّ متفرّقات فلا بأس»3.
وقد أورده هارون بن مسلم تارةً عن مسعدة كما أوردناه، وأُخرى بلا واسطة عن أبي عبد الله (عليه السلام).
والاستدلال به بالمفهوم كسابقه .
وأورد عليه في الجواهر بأنّ الظرف فيه ـ إذا كنّ ـ إذا كان متعلّقاً بالبأس المنفيّ، اقتضى مفهومه تحريم ما دون العشر أيضاً مع الاجتماع 4. كما إذا قال: فلا بأس إذا كنّ متفرّقات، ويكون مفهومه هو المنع عند الاجتماع في الثنتين وما فوقهما فيكون المفهوم معرضاً عنه.
نعم، لا يرد ما ذكره على رواية عمر بن يزيد، كما هو واضح لمن تدبّر،

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5 .
2 . مرّ قبل الرابعة، لاحظ: الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9، وكذلك الحديث 19 .
4 . جواهر الكلام: 29 / 284، بتصرّف .

صفحه 59
لأنّ المفروض في الأُولى هو العشر فقط، بخلاف الثانية، قال المفروض: الرضعة والثنتان والثلاث حتى بلغ العشر فلو قلنا بالمفهوم يكون عدم البأس عن كلّ واحدة منها عند الاجتماع. ولا يقول واحد منّا غير أنّ دلالة هذا أيضاً بالمفهوم الّذي لا يعادل ما دلّ على عدم اعتبارها بالمنطوق.
ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما ينبت اللحم والدم. ثم قال: أترى واحدة تُنبته؟ فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: لا، فلم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات» 1.
ولكن في دلالة هذه الرواية نظر، 2 إن لم نقل أنّه على خلافه أدلّ. فإنّ الظاهر من ذيل الرواية: أنّي لم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات وهو يقول: لا .
ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة أيضاً قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير فربّما كان الفرح والحزن الّذي يجتمع فيه الرجال والنساء فربّما استخفت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الّذي بينها وبينه رضاع، وربما استخف الرجل أن ينظر إلى ذلك، فما الّذي يحرم من الرضاع؟ فقال: «ما أنبت اللحم والدم، فقلت: وما الّذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: كان يقال: عشر رضعات، قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟ فقال: دع ذا، وقال: ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع» 3 .

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 21 .
2 . وجهه ما قد يدّعى من الدلالة أنّه (عليه السلام) سكت عن العشر ولم ينفها كما نفى ما تقدّم عليها.
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 18 .

صفحه 60
ولكن الرواية ظاهرة في الإعراض عن كفاية العشر فكيف تكون دليلاً عليها؟ مع أنّها لو سلّمنا دلالتها على العشر، خارجة مخرج التقيّة وما شابهها، كما لا يخفى .
أضف إلى ذلك: أنّ عبيد بن زرارة هو الّذي روى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «عشر رضعات لا يحرمن شيئاً» 1 فكيف يمكن الاستناد إلى قوله هذا؟!
هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على تحريم العشر، ولكن يعارضه روايات:
منها: صحيحة علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم وشدّ العظم. قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنّه لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات» 2.
ومنها: موثّقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «سمعته يقول: «عشر رضعات لا يحرّمن شيئاً» 3.
ومنها: موثّقة عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: عشر رضعات لا تحرّم» 4.
ومنها: موثّقة زياد بن سوقة عن أبي جعفر (عليه السلام): «... فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً وجارية 5 عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أُخرى

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .
5 . في المصدر: «أو جارية» والصحيح ما في المتن، كما تقدّم الكلام في ذلك .

صفحه 61
من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما»1.
والحاصل: أنّ عمدة ما دلّ على كفاية العشر في التحريم رواية الفضيل بن يسار، كما أنّ عمدة ما دلّ على لزوم الخمس عشرة رواية زياد بن سوقة، فاللازم استفراغ الوسع في اختيار إحداهما وطرح الأُخرى، بعد عدم إمكان الجمع العرفي.
وقد أطنب صاحب الجواهر في الإشكال على رواية الفضيل بوجوه أخرجها بها عن حيّز الحجّية :
منها: أنّها مختلفة المتن، مع حذف العشر في بعض طرقها.
وفيه: أنّ الاختلاف غير مضرّ إذا تعلّق القصد بالمذكور، والناظر فيها بصورها المختلفة يقضي بأنّ هنا رواية واحدة، نقل كلّ راو ما يتعلّق بغرضه. كما أنّ الاختلاف في «المجبور» بالحاء أو الخاء أو الجيم غير مضرّ.
ومنها: أنّها متروكة الظاهر، ضرورة عدم اعتبار نوم الصبيّ في التحريم.
وفيه: أنّ ذكر النوم كناية عن الرضاع التامّ، فإنّ نومه قرينة على شبعه.
ومنها: عدم انحصار المحرّم في ذلك، في المرضعة الثلاث فإنّ رضاع المتبرّعة أيضاً محرّم.
وفيه: أنّ تعليق الحرمة بما ذكر في الرواية إنّما كان لأجل التحرّز عن كفاية الرضعة والرضعتين فما فوقهما ممّا دون العشر، فهي غير محرّمة، وهذا هو المترقّب من المتبرّعة، بخلاف الظئر المستأجرة والخادم المشتراة والأُمّ المربيّة، فإنّ المتحقّق معهن غالباً هو الإرضاع بالعدد المحرّم فما فوقه .

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 62
ومنها: أنّ قوله «ثم ترضع عشر رضعات»، إن كان مختصّاً بالظئر، كان مخالفاً للظاهر عند الخصم. ولو كان راجعاً إلى الجميع فاللازم أن يقول:«يرضعن».
وفيه: أنّه لا مانع من الرجوع إلى الجميع باعتبار كلّ واحد. مع أنّ الموجود في النسخ «يرضع» بالياء لا بالتاء، فإذا قرئ بالمجهول أو بالمعلوم كان راجعاً إلى الصبيّ وينتفي الإشكال من أصله .
ومنها: أنّ في طريقها محمد بن سنان الّذي ضعّفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري.
وفيه: أنّ ضعفه ـ إن سلّم ـ مجبور بعمل كثير من الأصحاب، وهذه طريقة القوم وطريقة صاحب الجواهر نفسه في مسائل كثيرة، فلماذا أغمض عنها في هذا الموضع ؟
على أنّ ضعف محمد بن سنان مورد نظر، لأنّه وردت روايات في ذمّه كما وردت أُخرى في مدحه، فتضعيفه محلّ نظر .
والحقّ أنّ هذه الوجوه لا تصلح لإسقاطها عن الحجيّة، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات الّتي منها الأبعديّة عن قول العامّة.
وقد عرفت ممّا نقلناه سابقاً من كلام الشيخ في «الخلاف»، وابن رشد في «بداية المجتهد»، أنّ العامّة يميلون إلى جانب القلّة، فيكون الخمس عشرة أبعد عن قولهم، فالعمل به متعيّن.

ما هو المرجع بعد تعارض الروايات؟

ثمّ على فرض عدم الترجيح بين الروايات، فهل المرجع في مورد

صفحه 63
الشكّ هو آية الحلّ، أعني قوله سبحانه: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ )1، أو أنّ المرجع قوله سبحانه: (وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) 2 لصدق قوله: (أَرْضَعْنَكُمْ) على الأقلّ من خمس عشرة رضعة.
الظاهر هو الأوّل، لوجهين:
1. عدم وجود الإطلاق في المخصّص، لكونه بصدد بيان أصل التشريع، ولذلك اكتفى بذكر الأُمّهات والأخوات من الرضاعة دون غيرهما.
2. على فرض التسليم، فقد قام الإجماع وتضافرت السنّة على أنّ الرضاع محرّم إذا بلغ عدد الرضعات حدّاً خاصّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فهو حجّة قطعاً في الأكثر، مشكوك الحجيّة في الأقلّ، أعني: العشر رضعات.
فلا يؤخذ إلاّ بما هو حجّة قطعاً، ويرجع في المشكوك إلى العمومات الّتي هي حجّة مطلقاً، خرج ما خرج قطعاً. وعلى فرض قصور العمومات، فالمرجع استصحاب الحلّ.
وإن شئت قلت: إنّ المخصّص مجمل مفهوماً دائر أمره بين الأقل والأكثر، أي بين المتيقّن والمشكوك، فيؤخذ بالمتيقّن ويرجع في مورد الشكّ إلى عموم العام، نظير ما إذا أمر بإكرام العلماء، ونهى عن إكرام فسّاقهم ودار أمر المخصّص بين الأقل، ـ مرتكب الكبيرة ـ والأكثر، ـ مرتكب الصغيرة ـ أيضاً ففي مورد الأخير يرجع إلى عموم العام.
***

1 . النساء: 24 .
2 . الأنبياء: 23 .

صفحه 64

الثالث: التحديد بالمدّة

تضاربت الروايات أيضاً في تحديد مدّة الرضاع المحرّم، وهي على طوائف:
1. ما دلّ على أنّ المحرّم الارتضاع حولين كاملين وهو:
ألف: ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: سألته عن الرضاع، فقال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين» 1.
ب: ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين»2.
وظاهرهما متروك لم يذهب إليه أحد، وقد حمل الشيخ الحولين على كونهما ظرفاً للرضاع بتقدير «في» فكأنّه قال: لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد في حولين كاملين.3
2. ما دلّ على أنّ المحرّم الارتضاع سنةً، وهو:
ألف: ما رواه العلاء بن رزين، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع. فقال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة» 4.
قال الشيخ: فهذا خبر شاذ نادر متروك العمل به بالإجماع، وما هذا حكمه لا يعترض به على الأخبار الكثيرة.5

1 . الوسائل: 14، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8 .
وأراد (عليه السلام) من التقيد بثدي واحد الإشارة إلى لزوم وقوع الكميّة المحرّمة من امرأة واحدة.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10 .
3 . الاستبصار: 3 / 197، ذيل الحديث 713. وفيه: (طرفاً).
4 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13 .
5 . الاستبصار: 3 / 198، ذيل الحديث 718 .

صفحه 65
وقد حاولوا التخلّص من ظاهره بتوجيهات عديدة: منها التصرّف في العبارة نظير «واحد سنّه»، أي سن المرتضع .
أو «من ثدي واحد سُنّة» بضم السين وتشديد النون، وكلّ ذلك خلاف الظاهر.
وربّما حمله البعض على التقيّة، وهذا غير تامّ، لأنّ العامّة يميلون إلى القلّة لا الكثرة.1
وكيف كان لابدّ من رفع اليد عن ظاهرها لما يأتي من الأخبار ولمخالفتها إجماع الطائفة.
ب: ما رواه الصدوق في «المقنع» قال: «وروي أنّه لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة» 2. والظاهر أنّه ليس حديثاً مستقلاً بل هو نفس ما رواه العلاء بن رزين، فيأتي فيه من الاحتمال ما مرّ في غيره مع أنّه مرسل.
3. ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع مدّةً مديدةً.
يمكن استفادة هذا المعنى من رواية الفضيل بن يسار الّتي تقدّمت مناقشتها متناً وسنداً، فإنّ فيها: عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً، قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربيّة، أو أُمّ تربي، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك، موقوفاً عليه» 3.
فإنّ إرضاع كلّ من المربية والمستأجرة والخادم لا يكون مدّةً قصيرةً، بل المتبادر منه إرضاعه فترةً طويلةً نسبيّاً من الزمن. ويؤيّده قوله في ذيل

1 . نعم يصحّ بناء على عدم لزوم وجود قائل عند العامّة في الحمل على التقيّة.
2 . المقنع: 330; والوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 17 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 7 .

صفحه 66
الرواية: «أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه»، فبيّن أنّه لا خصوصيّة فيما ذكره إلاّ من جهة كونه موقوفاً على الولد لإرضاعه.
وحيث إنّ هذه الرواية متحدّة مع الرواية الأُخرى الّتي رواها الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)وفي ذيلها «ثم يرضع عشر رضعات» 1، فلا يمكن التمسّك بها من دون الذيل.
4. ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع خمس عشرة يوماً ولياليهن.
وهوما نقله الصدوق في «المقنع» قال: «وروي أنّه لا يحرّم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ، ليس بينهنّ رضاع».2
ولا يخفى عدم حجّيته لكونه مرسلاً.
5. ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع ثلاثة أيام:
وهو ما روي في الفقه الرضوي قال: «والحد الّذي يحرم به الرضاع ـ ممّا عليه العصابة دون كل ما روي فإنّه مختلف ـ ما أنبت اللحم وقوى العظم، وهو رضاع ثلاثة أيّام متواليات، أو عشر رضعات متواليات (محرزات مرويّات بلبن الفحل)، وقد روي مصّة ومصّتين وثلاث» 3.
ولا يخفى عدم حجيّة الرواية، فلا اعتماد عليها. مضافاً إلى البون البعيد بين العلامتين ـ الثلاثة أيّام متواليات والعشر رضعات متواليات ـ كما هو واضح .

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 11 .
2 . المقنع: 330. ولاحظ : الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 15 كذا في الوسائل، وحمله على ما لو رضع كلّ يوم رضعة .
3 . الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام): 234 .

صفحه 67
فكلّ ما تقدّم من الروايات متروك أو مؤوّل كما عرفت، مع انعقاد الإجماع على خلافه. والمعوّل عليه في تحديد المدّة ما يلي:
6. ما دلّ على اليوم والليلة وهو:
ألف: موثّقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات». الحديث 1.
ب: يؤيّده ما رواه الصدوق في «المقنع» قال: «ولا يحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم». وسُئل أبو جعفر (عليه السلام)هل لذلك حدّ؟ فقال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينهنّ».2
وقد ادّعى صاحب الجواهر وغيره فتوى الطائفة عليه من دون مخالف، وعليه العمل.3
***
الأمر الثالث: اختلفت كلماتهم في ما هو الأصيل بين هذه العلامات، والمستظهر من عباراتهم وجوه :

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . المقنع: 330، ولاحظ : الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 14. وفيه «وسئل الصادق (عليه السلام)» .
3 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 286 ـ 287 .

صفحه 68

1. الأصل هو التقدير بالعدد أو الزمان

إنّ التحديد بالإنبات والشدّ تحديد بأمر مجمل، فيكون الأصل هو التقدير بالزمان والعدد، حكي هذا القول عن الحلبيّين والطبرسي، واستظهر من ظاهر كتابي الشيخ في الأخبار، حيث بنى العمل على ما يضمن التحديد بواحد من العدد والزمان، وردّ التقدير بالأثر إلى واحد منهما. ولا عبرة بالأثر لولا التقديران.
قلت: لو كان العدد أو الزمان شرطاً وراء وجود الأثر بحيث لا يكتفى بالأثر إلاّ بانضمام واحد منهما، يلزم سقوط الأثر عن كونه علامةً، والاستغناء عنه بأحد الأثرين وهو كماترى لا يجتمع مع تركيز الروايات على الأثر كما مرّ.

2. الأثر سبب مستقل كالأخيرين

إنّ الأثر علامة مستقلّة غير متوقّفة على العدد والزمان، وهما مستقلاّن كذلك، وعليه الشيخ في «الخلاف»، وحكي عن كثير من الفقهاء متقدّميهم ومتأخّريهم، وهو ظاهر النصوص حيث علّق الحكم في كثير منها على إنبات اللحم وشدّ العظم أي ظهور الأثر مطلقاً، سواء أوافق أحدهما أم خالفه.
ومناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونه أصلاً برأسه لتشبيه الأُمّ الرضاعيّة بالأُمّ النسبيّة، فكما أنّ الولد النسبي ينبت لحمه ويشتدّ عظمه من لبنها، فهكذا الولد الرضاعي ـ إذا رضع من لبن غير أُمّه على حدّ رضاع الولد النسبي ـ ينبت لحمه ويشتدّ عظمه منها ويصير ولداً والمرضعة أُمّاً رضاعيّة تنزيلاً.

صفحه 69
فلو حصل الأثر، وصدّقه أهل الخبرة، قبل أن يتمّ العدد أو قبل أن ينقضي اليوم والليلة، نشر الحرمة بلا إشكال، وإن كان نادراً جدّاً.
قال في الجواهر: «وفي حصول الأثر بما دون العدد المعتبر والمدّة وجهان، من الأصل وعموم الموثّق 1 وغيره، (فلا يحرّم وحده) ومن عدم اشتراط الانعكاس في العلامات (فيحرم وحده) فيحمل العموم على نفي التحريم بالنظر إلى بعضها، فلا ينافي التحريم ببعض آخر، ولعلّه الأقوى، وبه قطع في المسالك»2.
أقول: أمّا التمسّك بالأصل فهو في غير مورده لوجود الدليل الاجتهادي على نشر الحرمة، لما عرفت من تضافر قولهم(عليهم السلام) من أنّ المحرّم هو ما شدّ العظم وأنبت اللحم ومعه لا تصل النوبة إلى الأصل، وأمّا قوله (عليه السلام) في موثّقة زياد بن سوقة: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات» 3. فالحصر فيه إضافيّ في مقابل العامّة الذين يكتفون في نشر الحرمة بالرضاع أقلّ من يوم وليلة وخمس عشرة رضعة، وليس ناظراً إلى تقييد الأثر به وأنّه أيضاً لا ينشر الحرمة إذا لم يبلغ الحدّ المذكور في الرواية.
ولكن البحث خال عن الفائدة، لعدم تحقّق الفرض، أعني: حصول الأثر الحسيّ قبل تحقّق العلامتين إلاّ نادراً، والاكتفاء بمطلق الأثر الواقعي يستلزم الاكتفاء بالرضعة الواحدة لكونها مؤثرةً في نفس الأمر.

1 . المراد من الموثّق، موثّقة زياد بن سوقة، الباب 2، الحديث 1، من أبواب ما يحرم بالرضاع الّتي تركّز على المدّة والعدد.
2 . جواهر الكلام: 29 / 277 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 70

3. الأثر هو الأصل والآخران طريقان إليه

ربما يقال: إنّ الأصل هو الأثر والآخران علامتان له، ويشعر به تعليل عدم نشر الحرمة بالعشرة في الرواية بأنّها «لا تنبت اللحم ولا تشدّ العظم» 1.
واستدلّ له بحصر الرضاع المحرّم في كثير من الروايات بما أنبت اللحم، مع الإشارة في بعضها إلى أنّ التحريم بالعدد لكونه محصّلاً لذلك، إلى غير ذلك ممّا يقتضي كون الأثر أصلاً في التحريم، وغيرهما علامتان له.
نعم، لا تنحصر العلامة فيهما بل قد يعلم بحدس أهل الخبرة وإن لم يبلغ عدد الرضعات خمس عشرة أو لم تتمّ المدّة بعد، وقد سبق كونه نادراً جدّاً. فتكون العلامة ثلاثاً: العدد والزمان وحدس أهل الخبرة.
وعلى هذا فهنا صور ثلاث:
1. إذا ظهر الأثر وكان مقروناً مع العدد أو الزمان فلا شكّ أنّه تنشر الحرمة.
2. إذا قطع بعدم الأثر وكان مقروناً مع العدد أو الزمان فلا يورث الحرمة، لأنّ الميزان هو الأثر وهو غير متحقّق، والأمران طريقان وقد ظهر تخلّفهما عن ذي الطريق فلا عبرة بهما، وبذلك يفترق حكم هذه الصورة مع القول الثاني، أعني: استقلال كلّ من الأُمور الثلاثة، إذ عليه يورث الحرمة لكون كلّ من العدد أو الزمان سبباً مستقلاًّ .
3. إذا شكّ في وجود الأثر وكان مقروناً بأحد الأمرين فيحكم بنشر الحرمة لوجود الحجّة والطريق المعتبر إلى الأثر وإن لم يكن محسوساً.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 71
بقيت في المقام صورتان يأتي حكمهما في الأمر الرابع.

4. الأصل هو العدد

إنّ الأصل هو العدد والآخران إنّما يعتبران عند عدم الانضباط به، حكاه في «الجواهر» ولم يعلم قائله، وهو ضعيف غايته.
وأقوى الوجوه ثالثها، ويؤيّده ظاهر النصوص.
الأمر الرابع: في أنّه لابدّ لتحقّق التحريم من استناد الأثر إلى الرضاع استناداً عرفيّاً، فيترتّب عليه فرعان:
1. لو فرض تركّب غذاء الصبيّ من اللبن والسكر. أو فرض استقلالهما بحيث كان يرضع مرّة ويغتذي بالسكر مرّة أُخرى فيورث الحرمة إذا استمرّ هذا العمل مدّة طويلة ـ كما عرفت ـ بحيث يصحّ إسناد نبات واشتداد مقدار من لحمه وعظمه إلى رضاعه، وإن كان للغذاء أيضاً تأثير في ذلك.
وبالجملة، فإنّ لكلٍّ من الرضاع والغذاء تأثيراً في إنبات اللحم وشدّ العظم، فإذا استمرّ ذلك مدّةً مديدةً، يقطع بأنّ لبنها أنبت لحمه وشدّ عظمه.
2. ما إذا حصل الأثر مع الالتزام بالشرائط ولم يتحقّق نفس العدد والزمان، لما مرّ من كون الملاك هو الأثر، وقد مرّ أنّه نادر.
وأمّا ما في رواية «مسعدة» من قوله (عليه السلام): «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأما الرضعة والثنتان والثلاث، حتّى بلغ العشر، إذا كنّ متفرّقات فلا بأس» 1.
فهو يدلّ على أنّ هذه الرضعات (العشر المتفرّقات) لا تنبت اللحم ولا

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 .

صفحه 72
تشدّ العظم ـ خلافاً للعامّة ـ ، ومع ذلك لا يدلّ على سقوط الأثر عن الاعتبار عند العلم بتحقّقه بالرضاع المستمرّ، كما هو المفروض، وصحّة الاستناد إليه .
فما يدلّ عليه الحديث (العشر المتفرّقات) غير ما نحن فيه استمرار الرضاع مع عدم الشرائط، كما هو ظاهر، وبالجملة فالميزان صحّة الاستناد.
ومن ذلك يعلم أنّ المعتبر في نشر الحرمة بالأثر، تحقّقه فحسب، وليس مشروطاً بشيء من الزمان والمكان.
وأمّا مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «الرضاع الّذي ينبت اللّحم والدم هو الّذي يرضع حتّى يتضلّع ويتملّى وينتهي نفسه».1
وما رواه ابن أبي يعفور: قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: «إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه، فإنّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الّذي يحرم»2.
فالظاهر أنّهما بصدد ردّ العامّة في اكتفائهم بالمصّة والمصّتين، لا نفي الرضعة الناقصة إذا بلغت من الكثرة مرتبةً أنبتت اللّحم وشدّت العظم.
ومثله ما دلّ على اعتبار التوالي في العدد والزمان، فإنّ المراد نفي كونهما علامة لحصول الأثر عند فقد التوالي، ولكنّه لا ينافي القطع بحصوله من طريق آخر.

مشكلة عدم الانعكاس بين المدّة وكلّ من العدد والأثر

إنّ ظاهر موثّقة زياد بن سوقة هو الاكتفاء بالمدّة في نشر الحرمة وإن لم

1 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2. وقد مرّ أنّ في نسخة الكافي: يمتلي.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 73
يبلغ العدد، حيث قال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات» وهو مشكل، ضرورة لغويّة التحديد بالعدد حينئذ، فالظاهر تحقّق المدّة غالباً قبل تحقّق العدد، فإنّ الطفل، حسب العادة لا يرضع في اليوم والليلة أزيد من عشر رضعات أو اثنتي عشرة، كما هو ظاهر لمن لاحظ ولده الرضيع، أو استفسر عمّن له ولد رضيع، من غير فرق بين القول باستقلال كلّ من العدد والزمان فقط أو استقلال كلّ من الثلاثة، أو استقلال الأثر وكون كلّ منهما طريقاً إلى الأثر، لعدم التساوي بين العدد والزمان على كلّ حال، وقد ذكر في حل الإشكال وجهان:
1. ذكره صاحب الجواهر معلّلاً الاكتفاء بالمدّة وإن لم يبلغ العدد بقوله: «ويمكن أن يكون تحديد الشارع ملاحظاً فيه الوسط من الناس، فإنّه كما اعترف به في المسالك يأتي على العدد تقريباً» 1، أن يكونان متقاربين وهو لا يخلو من نظر.
2. التجأ الشيخ، والعلاّمة في «التذكرة» إلى أنّهما (أي اليوم والليلة أو الأثر) لمن لم يضبط العدد، ومقتضاه عدم اعتبارهما مع العلم بالنقص عن العدد.
والحقّ أنّ عدم انعكاس العلامتين (المدّة والعدد) معضلة تحتاج إلى تدبّر تامّ للدفاع عنها.

عدم الانعكاس من جانب الأثر

وأمّا عدم الانعكاس من جانب الأثر فغير مضرّ، ضرورة ندرة اتّفاق

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 286 ـ 287 .

صفحه 74
حصول الأثر المحسوس قبل العدد، فالقول بكون الأثر علامةً مستقلّةً، لا يضرّ بكون العدد والمدّة علامتين.
على أنّ للأثر مادّة افتراق لا يزاحم فيها العلامتين وهي ما إذا تحقّق الأثر نتيجة رضاع لفترة طويلة تخلّلها رضاع من امرأة أُخرى، فإنّ الحق أنّه يحرّم، وإن كان بالنظر إلى العدد والمدّة غير واجد لشرائطهما.

هاهنا فروع:

الأوّل: أنّ اليوم والليلة عنوانان مشيران إلى الظرف الخاصّ الّذي يرضع فيه الصبيّ، فلا يعتبر خصوص اليوم والليلة الحقيقيّين، بل يكفي الملفّق منهما.
الثاني: لو أطعم الرضيع في أثناء اليوم والليلة طعاماً آخر، فالظاهر كونه مضرّاً بصدق رضاع يوم وليلة، لأنّ المتبادر كون غذائه في ذاك الظرف هو اللبن الّذي يرضعه .
نعم لا يضرّ الغذاء القليل غير المؤثّر في جوعه وعطشه.
الثالث: هل المعتبر في الرضاع يوماً وليلة، رضاع نوع الأطفال الرُّضع، أو المناط فيه حال شخص الطفل الرضيع؟ الظاهر هو الثاني، سواء كان شربه اللبن أكثر من المتعارف أو أقلّ منه، لأنّ الحكم هنا تابع لموضوع نفسه .
الرابع: يشترط في نشر الحرمة بالإرضاع يوماً أو ليلةً احتمال تأثير اللبن في شدّ العظم وإنبات اللحم، فلو فرض حصول العلم بعدم التأثير فلا نشر، لأن المتبادر من شرطية إنبات اللحم وشدّ العظم، أنّ ملاك نشر التحريم تأثير اللبن في شدّ العظم ونبات اللحم، غاية الأمر أنّ الزمان أو العدد طريقان إليهما،

صفحه 75
فإذا علم التخلّف فلا تحريم. نعم احتمال التأثير كاف، لأنّ العلم بالأثر أمر مشكل، وقد مرّ الكلام فيه فلاحظ.
إلى هنا تمّ الكلام في الشرط الثاني لتحقّق الرضاع شرعاً، فحان البحث عن الشرط الثالث من الشروط المحقّقة للرّضاع المحرّم .

صفحه 76

الشرط الثالث:

كيفية الرضاع

يشترط في الرضاع الناشر للحرمة، من حيث الكيفيّة، ثلاثة أُمور:
الأوّل: أن تكون الرضعة كاملةً.
الثاني: أن تكون الرضعات متواليةً عدم الفصل بالرضاع من امرأة أُخرى.
الثالث: أن يرضع من الثدي، فلا يكفي الوجور.
وإليك دراستها:

الأمر الأوّل: كون الرضعة كاملة

يشترط كماليّة الرضعة; ويدلّ عليه مرسل ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «الرضاع الّذي ينبت اللحم والدم، هو الّذي يرضع حتّى يتضلّع ويتملّى وينتهي نفسه» 1.
وخبر ابن أبي يعفور قال: سألته عما يحرّم من الرضاع، قال: «إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه فإنّ ذلك ينبت اللحم والدم، وذلك الّذي يحرّم»2.
وأيضاً رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا يحرم من

1 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2، قوله: يتملّى، مضارع فعل تملّى من باب التفعّل، بخلاف ما في خبر ابن أبي يعفور فإنّه من الافتعال وكلاهما مشتقان من المِلْء.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرّضاع، الحديث 1.

صفحه 77
الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثم يرضع عشر رضعات، يروى الصبي وينام» 1.
فإنّ ذيلها دالّ على كون الرضعة كاملة تروي الصبي فينام، والتقييد بالنوم لمجرّد الإشارة إلى شبع الولد من اللبن.
وهل كماليّة الرضعة شرط في كلّ من الأثر والعدد والمدّة، أو تختصّ ببعضها؟
أمّا شرطيّته في العدد فممّا لا ريب فيه، وذلك ـ مضافاً إلى انصراف دليله إلى الرّضعات الكاملة ـ أنّه لو كفت الناقصة للزم هدم الحدّ الّذي اعتنى به الشارع وجعله، فإنّ لازم الاكتفاء بخمس عشرة مصّة أو أكثر منها بقليل، هو القول بكفاية الرضعة الواحدة، لُبّاً، مع أنّ الناظر في أخبار الباب يحدس بأن الشارع اعتبر في نشر الحرمة بالرضاع، مرتبةً خاصّةً يتكوّن معها لحم الصبيّ وعظمه من لبن المرضعة، ولم يكتف بالإنبات والشدّ العقليين اللّذين يحصلان بالرضعة الواحدة فما فوقها.
وهذا مضافاً إلى مرسل ابن أبي عمير وخبر ابن أبي يعفور، فإنّ القدر المتيقّن منهما هو العدد دون الأثر، فإنّه يحصل بالرضعات الناقصة إذا استمرّ الرضاع مدّةً طويلةً، كما لا يخفى.
وأما شرطيّته في التحريم بالمدّة، فربّما يقال به، لعدم صدق رضاع يوم وليلة بالرضعات الناقصة.
ولكنّه ضعيف جدّاً، فإنّ الملاك في التحريم بالتقدير الزمانيّ هو أن

1 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 11 .

صفحه 78
يعيش الطفل على لبن المرضعة ويتغذّى به، وهذا كما يحصل بالرضعات الكاملة يحصل بالناقصة أيضاً، غاية الأمر أنّ عدد الرضعات في اليوم والليلة يزيد إذا كانت الرضعات ناقصةً، وينقص إذا كانت كاملةً.
وإن شئت قلت: إن كان التقدير بالزمان أمارةً على حصول الغاية، أعني: الإنبات والشدّ، فلا فرق بين رضاعه الرضاع الناقص أو الكامل، بعد فرض أنّ الطفل لا يبقى جائعاً طوال الزمان المفروض.
ولو فرض ارتضاع الصبيّ بعض الرضعة ثم اشتغل بلعب ونحوه، ثم بعد فصل طويل رضع رضعةً كاملةً وهكذا في جميع المدّة، يصدق عليه رضاع يوم وليلة.
وممّا ذكرنا يظهر عدم اشتراط كماليّة الرضعة في النشر بالأثر، فإنّ الملاك فيه هو شدّ العظم ونبات اللحم، وهو كما يحصل بالرضعات الكاملة يحصل بالناقصة أيضاً على الوجه الّذي ذكرناه.
وأمّا الروايتان فقد عرفت حالهما، بأنّ القدر المتيقّن منهما هو العدد ولو أخذ بظاهرهما المتوهّم للزم خلاف الواقع، فإنّ النبات لا يتوقّف على كمال الرضعة.
فخرجنا بالنتيجة التالية وهي أنّها لا يشترط كمال الرضعة إلاّ في التحريم بالعدد، دون المدّة، فضلاً عن الأثر.

الميزان في كمال الرّضعة

قد ذُكر لحدّ كمال الرضعة في كلامهم أمران:
الأوّل: أن يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف.

صفحه 79
والثاني: أن يروي الصبي ويصدر من قبل نفسه .
والحدّ الثاني مأخوذ من الرواية الّتي تقدّمت عند البحث عن شرطيّة كمال الرضعة.
والظاهر رجوع الأمرين إلى شيء واحد، وأنّ الملاك شبعه من اللبن بحيث لا يحتاج إلى الرضاع. وأمّا قوله (عليه السلام): «حتّى يتضلّع (أي تمتلئ أضلاعه) ويتملَّى وينتهي نفسه» 1 فمحمول على الغالب، فإنّ الغالب على الأطفال إذا شبعوا، التضلّع والإعراض عن الثدي والنوم وأشباه ذلك.

فرعان في كمال الرضعة

الأوّل: قال المحقّق (رحمه الله) في الشرائع: «لو التقم الثدي ثم لفظه وعاود، فإن كان أعرض أوّلاً فهي رضعة، وإن كان لا بنيّة الإعراض، كالنفس، أو الالتفات إلى ملاعب، أو الانتقال من ثدي إلى آخر، كان الكلّ رضعة واحدة».2
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر كون مجموع الرضاع في الصورتين رضعة واحدة، لأنّه إذا رضع حتّى يشبع ويتملّى ويتضلّع، فكيف يرضع مرّةً أُخرى ـ مع عدم الفصل الطويل بين الرضعتين ـ رضعة كاملة أُخرى. فارتضاعه بعد الترك دليل على نقصان الرضعة.
الثاني: وقال (رحمه الله): «لو منع قبل استكمال الرضعة لم يعتبر في العدد» (3) لما عرفت ما يدلّ على شرطيّة كمال الرضعة. ولو لفّقت برضعة ناقصة أُخرى لم تحتسب إذا كان الفصل بينهما طويلاً، دون ما كان قصيراً بحيث يعدّ في العرف رضعةً واحدةً.

1 . لاحظ : الوسائل: 14، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
2 و 3 . شرائع الإسلام: 2 / 283 .

صفحه 80

الأمر الثاني: أن تكون الرضعات متوالية في العدد والمدة

يشترط توالي الرضعات، وقد مرّ أنّ المقصود عدم الرضاع من امرأة أُخرى بين الرضعات، فالأصل فيه موثّقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها... » 1.
وهل القيد «متواليات... لم يفصل بينها» راجع إلى الأخير، أو إليه وإلى الأوّل؟ وجهان.
ثم إنّ ظاهره كون التوالي بمعنى عدم الفصل برضاع من امرأة أُخرى، وأمّا شموله للفصل بالإطعام أو إيجار اللبن فسيوافيك حكمه عند البحث في فروع التوالي.
وعلى أيّ تقدير يكفي في شرطيّة التوالي وروده في هذه الموثّقة عند التقدير بالعدد، والزمان معاً، وقد مرّ أنّ قوله: «متواليات» راجعة إلى الأمرين، هذا، مضافاً إلى أنّ ظاهر قوله: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» كون الرضاع في ذلك الظرف من لبنها خاصّةً دون غيره، فلو ارتضع في أثنائه من غيرها لم يصدق أنّه رضع منها يوماً وليلة، بل بعض يوم أو بعض ليلة.
والقول بكفاية التلفيق في المقام بأن يرضع من لبنها في اليوم اللاحق مثل المقدار الّذي رضعه من غيرها في اليوم الأوّل، يحتاج إلى دليل.
وأمّا التقدير بالأثر، فالظاهر عدم اشتراطه بالتوالي، لحصول الملاك

1 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 81
المنصوص في الحديث، سواء أحصل التوالي أو لم يحصل، كما لا يخفى.
وقد خرجنا بالنتيجة التالية: اشتراط التوالي في نشر الحرمة بالعدد والمدة دون الأثر.

فروع التوالي

الفرع الأوّل: لا إشكال في عدم اعتبار التوالي في التقدير بالأثر، لحصوله مطلقاً بالتوالي وعدمه، غاية الأمر يتوقّف حصول الأثر على الارتضاع في مدّة أطول من الارتضاع مع التوالي، إنّما الكلام في اعتبار التوالي في العدد، بمعنى أنّ المرأة الواحدة تنفرد بإرضاعه العدد كاملاً من دون تخلّل رضاع امرأة أُخرى. عندئذ، فلو رضع من امرأة بعض العدد ثمّ رضع من أُخرى بطل حكم الأُولى. وهذا الّذي ذكرناه هو ما ورد في موثّقة زياد بن سوقة من قوله (عليه السلام): «لا يحرّم الرضاع أقل من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة، من لبن فحل واحد، لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها».1
ولو تناوب على إرضاعه عدّة نساء، لم ينشر الحرمة وإن كنّ لرجل واحد ما لم يكمل من واحدة منهنّ خمس عشرة رضعة متواليات، وبدون ذلك لا يكون صاحب اللبن أباً ولا أيّة من المرضعات أُمّاً.
والدليل عليه مضافاً إلى الإجماع المحكيّ عن الخلاف والفقيه والتذكرة، موثّقة زياد بن سوقة المتقدّمة. وهذا هو الدليل، وأمّا ما ذكره في الجواهر من تعليل الحكم بأنّ «الأصل، الإنبات، والباقيان علامتان، ومع الفصل لا يعلم، إن لم نقل لا يحصل النبات والاشتداد به وحده الّذي هو

1 . لاحظ : الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 82
المتبادر» 1 فضعيف لمنع التبادر، لحصول الإنبات بالرضعات، سواء أكانت متواليةً أم منفصلةً. بداهة تأثير ما يتغذّاه الصبيّ في لحمه ودمه، دفعةً واحدةً، قليلاً كان أو كثيراً، إذ ليس بدن الطفل كالحدائق المتّصلة الّتي يجري عليها الماء فلا تستقي الثانية إلاّ بعد الأُولى، والثالثة إلاّ بعد الثانية.
بل الغذاء بأيّ قدر كان، يؤثّر في بدن الإنسان دفعةً واحدةً، وكلّ قسم منه يأخذ حاجته، فإنّ تغذّي البدن إنّما يحصل بجريان الدم بسرعة في جميع عروقه وهو حامل للغذاء اللازم للخلايا الموجودة في الدم واللحم والعظم، فتأخذ كلّ خلية حاجتها.
الفرع الثاني: هل يعتبر التوالي في التقدير بالزمان؟ الظاهر ذلك، لعدم صدق قوله: «لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة»، على ما إذا رضع بلبن غيرها في ذلك الظرف، مضافاً إلى احتمال عود قوله: «لم يفصل بينها»، إلى التقدير بالزمان والعدد.بل الظاهر أنّ اعتبار التوالي في التقدير بالزمان أولى من اعتباره في التقدير بالعدد، لأنّ عدم التوالي في التقدير بالعدد، لا يضرّ، غاية الأمر يُسبب طول زمان الارتضاع، بخلافه في التقدير بالزمان، لأنّه يسبب قلّة ارتضاعه في المدّة المضروبة فيلزم انتهاء الزمان مع عدم حصول الأثر المطلوب عند الشرع، أعني: إنبات اللحم واشتداد العظم.
الفرع الثالث: كما أنّ الرضعة الكاملة مضرّة بالتوالي فكذلك الناقصة بلا فرق، نعم، إذا كان رضاعاً قليلاً كمثل المصّة والمصّتين من امرأة أُخرى، ممّا لا يعتدّ به عرفاً، ولا يصدق عليه رضاع امرأة أُخرى، فلا بأس به.

1 . جواهر الكلام: 29 / 291 ـ 292 .

صفحه 83
الفرع الرابع: هل الفصل بين الرضعات بالأكل أو إيجار اللبن لغير المرضعة قادح في التوالي المعتبر في العدد والزمان؟ يظهر من المسالك العدم، وأشكل صاحب الجواهر ذلك، بناءً على كون العدد كاشفاً عن الإنبات فيما لو كان الفصل بالأكل ونحوه على وجه يعلم عدم الإنبات بالخمس عشرة المتخلّلة، كما لو اتّفق الفصل بين كلّ رضعتين مثلاً حتّى أكمل الخمس عشرة رضعة1.
وفيه: أنّ الإنبات يحصل بالخمس عشرة المتخلّلة أيضاً، فإنّ كلّ غذاء يرد هاضمة الطفل يأخذ البدن حاجته منه، ذلك أنّه يتبدّل إلى الدم ويجري في عروق الإنسان، ويدور فيها كلّ دقيقة مرّتين، فتتغذّى الخلايا بها، ويحصل بها النبات والشدّ، من غير فرق بين الرضعة والرضعات، ولا بين الخمس عشرة وغيرها، ولا بين المتخلّلة والمتّصلة.
غاية الأمر أنّ الشارع حسب الإجماع والنصوص اعتبر مرتبةً خاصّةً من الإنبات الّذي لا يحصل إلاّ بالخمس عشرة، فعند ذلك لا فرق بين المتخلّلة وغيرها، بعد تأثير العدد المذكور في الأثر.
نعم لو قيل بالتفصيل بين العدد فلا يضرّ، والزمان فيضرّ إذ يشترط في خصوص الإرضاع يوماً وليلةً أن يكون رفع جوع الطفل وحاجته إلى الغذاء خلال اليوم والليلة حاصلاً بالرضاع، والأكل أو الايجار يمنعان عن ذلك .

1 . جواهر الكلام: 29 / 293 .

صفحه 84

الأمر الثالث: الارتضاع من الثدي

يشترط كون الرضاع من الثدي، فالعامّة فيه على قولين. قال ابن رشد: «وأمّا هل يحرّم الوجور واللّدود، وبالجملة ما يصل إلى الحلق من غير رضاع؟ فإنّ مالكاً قال: يحرّم الوجور واللدود، وقال عطاء وداود: لا يحرّم.
وسبب اختلافهم: هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟
فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة، وهو الّذي يطلق عليه اسم الرضاع، قال: لا يحرِّم الوجور ولا اللّدود، ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل، قال: يحرّم».1
وأمّا عندنا، فمن ذهب إلى الاشتراط تمسّك بعدم تحقّق الرضاع بدونه، وبصحيحة العلاء بن رزين عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع فقال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة»2.
وخبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع، فقال، «لا يحرِّم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين»3.
وفيه، منع عدم صدقه خصوصاً في بعض الصور، كالوجور من الثدي من دون امتصاص، إذ شرطيّة التقام الثدي أو امتصاصه غير واضحة.

1 . بداية المجتهد: 4 / 266 ـ 267. اللدود: ما يصبّ بالمسعط من الدواء في أحد شقي الفم (القاموس المحيط للفيروزآبادي: 1 / 335، مادة «اللديدان») الوجور: دواء يوجر في وسط الفم، ونقل في مجمع البحرين: 3 / 509، مادة «وجر»: أنّ وجور الصبي بمنزلة الرضاع.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8 .

صفحه 85
والروايتان، مضافاً إلى الشذوذ في متنهما، ناظرتان إلى لزوم وحدة المرضعة أثناء الارتضاع سنةً أو سنتين، من دون نظر إلى شرطيّة كون ذاك الرضاع من الثدي.
هذا، مع ما عرفت من اشتمالهما على ما لا نقول به من السنة والسنتين.
فالأحوط، إن لم يكن أقوى، نشر الحرمة في بعض الصور الّتي ليست بعيدةً عن المتعارف، كالإيجار مباشرة من الثدي في حلق الصبيّ عند رفضه التقامه.
وأمّا لو أفرغ اللبن في وعاء ثم جعله جبناً وأطعم للصبيّ فلا يحرّم قطعاً.1
وهل الامتصاص من الثدي من الحلمة، أو الامتصاص من ثقب ونحوه في غير الثدي، ناشر للحرمة؟ النشر في الأوّل بل الثاني أقرب إلى الاحتياط، بل لا يخلو من قوّة.
ثم، لو رضع من ثدي الحية بعض الرضعات ثم أكملها منها وهي ميّتة، لم ينشر الحرمة للشكّ في صدق إطلاقات الرضاع على هذا المورد، مضافـاً إلى أنّها خرجت بالموت عن التحاق الأحكام بها، كما ذكر المحقّق في شرائعه، ولا يصلح قياس الميّتة بالنائمة والغافلة ; بل المغشيّ عليها.

1 . لعدم تبادره من روايات الباب بلا شبهة. إلاّ إذا قلنا بأنّ الملاك هو الأثر وهو متحقّق في هذه الصورة أيضاً .

صفحه 86

الشرط الرابع:

وقوع الرضاع فيما دون الحولين

يشترط وقوع الرضاع جميعه فيما دون الحولين من عمر الرضيع، فإذا وقع بعضه أو جميعه فيما زاد عن الحولين لم ينشر الحرمة. وفي المسألة أقوال مختلفة عند العامّة والخاصّة.
قال ابن رشد: «اتّفقوا على أنّ الرضاع يحرّم في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وكافّة الفقهاء: لا يحرّم رضاع الكبير.
وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنّه يحرّم، وهو مذهب عائشة.
ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وسائر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».1 ثم أورد أدلّة الفريقين.
وقال شيخ الطائفة في «الخلاف»: «الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيراً، فأمّا إن كان كبيراً، فلو ارتضع المدّة الطويلة لم ينشر الحرمة. وبه قال: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول جميع الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي ومالك وغيرهم.
وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرّم كما يحرّم رضاع الصغير، وبه قال أهل الظاهر». ثم أورد أدلّة مختاره .2

1 . بداية المجتهد: 4 / 265 .
2 . الخلاف: 5 / 98، المسألة 4 من كتاب الرضاع .

صفحه 87
وقال (رحمه الله) في مسألة أُخرى: «القدر المعتبر في الرضاع المحرّم ينبغي أن يكون كلّه واقعاً في مدّة الحولين، فإن وقع بعضه في مدّة الحولين وبعضه خارجاً لم يحرّم.
مثاله: إنّ من راعى عشر رضعات من أصحابنا، أو خمس عشرة رضعة على ما اعتبرناه، فإن وقع خمس رضعات في مدّة الحولين، وباقيها بعد تمام الحولين، فانّه لا يحرّم .
وقال الشافعي: إن وقع أربع رضعات في الحولين وخامسة بعدهما، لم ينشر الحرمة، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وعن مالك روايات، المشهور منها حولان وشهر، فهو يقول: المدّة خمسة وعشرون شهراً، فخالفنا في شهر.
وقال أبو حنيفة: المدّة حولان ونصف، ثلاثون شهراً.
وقال زفر: ثلاثة أحوال ستّة وثلاثون شهراً»، ثمّ ذكر أدلّة ما اختاره 1.
وما نقله شيخ الطائفة، لا ينطبق على ما نقله ابن رشد، وقد وقف الشيخ على ما لم يقف عليه ابن رشد فإنّ تبحّر الشيخ في الفقه، لا يقاس بمثل ابن رشد.
وكيف كان فالأقوال عند الخاصّة ثلاثة مع احتمال رابع:
الأوّل: كون الرّضيع في الحولين سواء فطم أم لا، وهذا هو المشهور.
الثاني: كون الرّضيع في الحولين مع عدم فطامه. وهذا هو المحكيّ عن ابن أبي عقيل.

1 . الخلاف: 5 / 99 ـ 100، المسألة 5 من كتاب الرّضاع .

صفحه 88
الثالث: يكفي عدم الفطام وإن كان بعد الحولين، وهو قول الإسكافي.
وأمّا كفاية مطلق الرضاع في نشر الحرمة ولو بعد الحولين مع الفطام أيضاً، فلم يقل به أحد.
أمّا الروايات فعلى طوائف:
الأُولى: ما يركّز على أنّ الموضوع كون الرضاع قبل الفطام، منها:
1. ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا رضاع بعد فطام...».1
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا رضاع بعد فطام».2
الطائفة الثانية: ما يركّز على أنّ الموضوع كون الارتضاع في حولين، منها:
1. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».3
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله قال:«لا يحرّم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين».4
الطائفة الثالثة: ما يفسّر الفطام بحولين، ومنها:
ما رواه حمّاد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «لا رضاع إلاّ

1 . الوسائل:14، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث1.
2 . الوسائل:14، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث2.
3 . الوسائل:14، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث8.
4 . الوسائل:14، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث10.

صفحه 89
بعد فطام» قلت: وما الفطام؟ قال: الحولين الذي قال الله عزّ وجلّ».1
وبهذه الرواية يمكن الجمع بين الطائفتين ; لأنّ الإمام(عليه السلام) يفسّر الفطام بالحولين فيكون دليلاً على أنّ الموضوع كون عمر الرضيع في الحولين سواء فطم أو لم يفطم.
نعم هنا رواية أُخرى ربّما تكون شاهداً على ما ذهب إليه الحسن بن أبي عقيل، من عدم كفاية كون الرضيع في الحولين، بل يجب أن يكون مقروناً بعدم الفطام.
روى الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم» 2.
وبه يقيّد إطلاق ما يدلّ على كفاية الرضاع في الحولين مطلقاً، فطم أم لا، واحتمال أنّ قوله: «قبل أن يفطم» تفسيراً لما قبله، خلاف الظاهر.
ويؤيّده ما في «الكافي» في ذيل رواية منصور بن حازم أنّ معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا رضاع بعد فطام»، أنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعدما تفطمه، لا يحرم ذلك الرضاع التناكح3.
ولولا الخوف من الشهرة والاتّفاق المحكيّ لكان الأخذ به متعيّناً، ومع الشكّ في الشرطية، فالمرجع هو أصالة الحلّ فيما إذا رضع بعد الفطام، لا أصالة البراءة من الشرطيّة، لعدم جريان أدلّتها في المقام، إذ لا كلفة في شرطيّته

1 . الوسائل:14، الباب5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث5.
2 . الوسائل: 14 ، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 14 ، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1. وقد عرفت الحاشية الّتي ذكرناها على الحديث أنّ هذا من كلام الكليني، ولا حجيّة فيه .

صفحه 90
حتّى يرتفع بها، بل الكلفة ـ أعني: الحرمة ـ حاصلة من رفع الشرطيّة، كما لا يخفى.
وأمّا القول بالنشر بالرضاع بعد الحولين إذا لم يفطم، كما هو المحكي عن الإسكافي، فتردّه النصوص والإجماع المحقّق .
ولا يتمّ الاستدلال عليه بخبر داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم محرّم» .1
فإنّه معرض عنه، مع أنّه موافق لمذهب بعض العامّة فيحمل على التقيّة.

هل يشترط الحولان في ولد المرضعة؟

نقل الاشتراط عن أبي الصلاح وابني حمزة وزهرة، وعن الغنية الإجماع عليه، لأصالة الحليّة، وإطلاق «لارضاع بعد فطام»، وإطلاق الحولين.
وقد فهم ابن بكير ذلك حيث سأله ابن فضّال في المسجد فقال: ما تقولون في امرأة أرضعت غلاماً سنتين ثم أرضعت صبيّة، لها2 أقلّ من سنتين حتّى تمّت السنتان، أيفسد ذلك بينهما؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما، لأنه رضاع بعد فطام، وإنّما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا رضاع بعد فطام»، أي أنّه إذا تمّ للغلام سنتان أو الجارية، فقد خرج من حدّ اللبن ولا يفسد بينه وبين مَن شرب من لبنه، قال: وأصحابنا يقولون: إنّه لا يفسد إلاّ أن يكون الصبيّ والصبيّة يشربان شربة شربة3.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 5 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 7 .
2 . الضمير في «لها» يرجع إلى الصبية أي للصبية أقل من سنتين.
3 . الوسائل: 14، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6 .

صفحه 91
ولكنّ الإنصاف انّ الأصل لا مجال له بعد إطلاق الأدلّة، وانصراف قوله: «لا فطام» و «الحولين» إلى المرتضع، تحقيقاً لمعنى التنزيل، أي فكما أنّ مدّة ارتضاع الولد الحقيقي لا تتجاوز السنتين، فهكذا الولد التنزيلي لا يتجاوز ذلك الحدّ، فلا يتحقّق التنزيل إلاّ إذا رضع في ضمن هذا الحدّ، ولا يصير ولداً إلاّ بهذا الشرط، ولا ربط له بولد المرضعة.
ويؤيّده ما رواه الترمذي عن أُمّ سلمة: قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يحرّم من الرضاعة إلاّ ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام».1
قوله:«لا يحرّم» بتشديد الراء المكسورة «من الرضاعة» بفتح الراء وكسرها «إلاّ ما فتق الأمعاء» أي الذي شقّ أمعاء الصبي كالطعام ووقع منه موقع الغذاء وذلك أن يكون في أوان الرضاع. والأمعاء جمع معي وهو موضع الطعام من البطن.«في الثدي» أي في زمن الثدي وهو لغة معروفة فإنّ العرب تقول: مات فلان في الثدي أي في زمن الرضاع قبل الفطام. «وكان» أي الرضاع «قبل الفطام» أي زمن الفطام الشرعي.2
فإنّه ناظر إلى الرضيع، ولا ارتباط له بولد المرضعة أصلاً .
وأمّا فهم ابن بكير فليس حجّةً علينا.
نعم، نقل في «الجواهر» عبارات المقنعة، والنهاية، والمبسوط، والخلاف، والمراسم، وادّعى إجمالها وعدم ظهورها في عدم اشتراطه.3

1 . سنن الترمذي: 2 / 311، كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة لا تحرم إلاّ في الصغر...، الحديث 1162 .
2 . تحفة الأحوذي للمباركفوري:4/263.
3 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 299 .

صفحه 92
ولكنّ الإنصاف عدم وجود الإجمال فيها بل هي بإطلاقها تنفي اشتراط شيء آخر في الرضاع.
نعم أيّد صاحب الجواهر فهم ابن بكير بأنّه لو نزّل كلام الأصحاب على إرادة حولي المرتضع خاصّةً يكون لاحدّ عندهم لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة، فإنّه يبقى رضاعها مؤثّراً ولو سنين عديدة، وهو مع إشكاله في نفسه لكونه حينئذ كالدرّ، مناف لعادتهم من عدم إهمال مثل ذلك، خصوصاً بعد أن تعرّض له العامة.1
يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من أن لا يكون لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة حدّ، مادام يصدق على عملها الرضاع، وعلى ما يتغذّى به المرتضع اللبن.
مع أنّ الخاصّة إذا أهملته، فقد أهمله العامّة أيضاً، فلم يتعرّضوا لحدّ الرضاع بالنسبة إلى المرضعة.
وما ذكره في «الجواهر» من عبارات الأصحاب فهو راجع إلى حدّ الرضاع بالنسبة إلى المرتضع، كما لا يخفى على مَن أمعن النظر فيها.
بل، يمكن إثبات نشر الحرمة عن طريق الاستصحاب فيقال بأنّ إرضاع هذه المرأة عندما كان ولدها دون الحولين كان سبباً لنشر الحرمة، والأصل بقاؤه على ما كان. وهذا الأصل حاكم على أصالة الحلّية لأنّ الشكّ فيها نابع عن الشكّ في بقاء سببية الرضاع لنشر الحرمة.

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 299 .

صفحه 93

ها هنا فروع تترتّب على ما مضى

الأوّل: لو مضى من عمر ولدها أكثر من حولين، ثم أرضعت مَن هو دون الحولين، نشر الحرمة على المختار، دون القول الآخر.
الثاني: لو مضى لولدها أكثر من حولين، ثم أرضعت مَن هو دونهما العدد إلاّ رضعة واحدة، فتمّ حولاه ثم رضع المتبقيّة بعدهما، لم ينشر على القولين، لوقوع بعض الرضعات خارج الحولين.
الثالث: الصورة السابقة مع وقوع الرضعة الأخيرة في الحولين لكنّه لم يرتو منها فيهما، والكلام فيها عين ما تقدّم في سابقتها.
وهنا بحث لا يختصّ بالمقام، وهو أنّ التحديدات الواردة في الشرع من الأوزان والمثاقيل، والشهور والسنوات، والتقدير بالأشبار والمساحات، هل تجب فيها الدقّة العقليّة؟ فلو وقعت الرضعة أو بعضها في الدقائق المتعلّقة بالسنة الثالثة، لما نشرت الحرمة; لأنّه لا يصدق عليه أنّه رضع في الحولين.
أو نقص الماء المقدّر بالأرطال والأشبار مقداراً طفيفاً، أو كانت الغلّة قريبة من النصاب ولم ينقص منها إلاّ مثقال أو مثقالان، لما كان الماء عاصماً، ولا تعلّقت الزكاة بالغلّة، لعدم صدق الحدّ بالدقّة العقليّة.
أو يكفي فيه الصدق العرفي، إذا كان العرف منعزلاً عن الدقّة العقليّة. فإذا كانت الحنطة الموجودة مائة منٍّ إلاّ مثقالاً، أو كان الماء مائة منٍّ، إلاّ مثقالين، فلا يتوقّف العرف في إطلاق المائة عليهما، مع علمه بالنقصان.
فإذا كانت التحديدات الشرعية واردةً على مستوى الأفهام العرفيّة من دون مراعاة تلك المداقّة العقليّة، فيدور الحكم مدار صدقها العرفي، وإن كان الموضوع منتفياً حسب الدقّة العقليّة.

صفحه 94
وما ذكرناه تبتني عليه أحكام متعدّدة في مختلف الأبواب، ومنها نشر الحرمة في المقام، خرج ما إذا علم اهتمام الشارع بالدقّة التامّة كما في نصابي الذهب والفضة، فنقصان القليل، يوجب عدم الزكاة عليه فلاحظ.
الرابع: الصورة السابقة، ولكن تمّت الرضعة الأخيرة مع تمام الحولين، ينشر بلا إشكال لوقوع الجميع في الحولين.

الكلام في كون الشهور هلاليّةً أو عدديّةً

مبدأ الحولين من حين انفصال الولد، فإن كان أوّلَ شهر فواضح، أي يُحسب الجميع هلالياً، وإلاّ فيكمل المنكسر من الشهر الخامس والعشرين (مبدأ السنة الثالثة)، على وجه يكون شهراً هلاليّاً أو عدديّاً.
والفرق بينهما واضح، فلو كان الشهر الّذي ولد فيه غير كامل، حُسِبَ مثله أي غير كامل في الخامس والعشرين إذا قلنا بتكميله هلاليّاً، دون ما إذا قلنا بتكميله عدديّاً، فيحسب كاملاً.
مثلاً لو ولد في الحادي والعشرين من رجب، وكان الشهر غير كامل، يكمل ذلك الشهر بعشرين يوماً من الشهر الخامس والعشرين بمحاسبة الشهر هلاليّاً ـ أعني: تسعةً وعشرين يوماً ـ بخلاف ما إذا قلنا بتكميله شهراً عدديّاً، فإنّه يكمل من الشهر الخامس والعشرين، بواحد وعشرون يوماً حتّى يكون مع التسعة أيّام (منذ ولادته إلى آخر الشهر) شهراً عدديّاً، ثلاثين يوماً. هذا إذا كان الأكمال في الشهر الآخر من السنتين.
ويحتمل إكماله ممّا يليه من الشهر، والتكملة عند ذاك إمّا هلاليّة أو عدديّة .

صفحه 95
والفرق بينهما كالفرق بين السابقين فلو قلنا بالتكملة الهلاليّة حُسِبَ نقصان الشهر الأوّل بمقدار نقصانه. أي تسعة أيام وإلاّ حُسب بما يتمّ به العدد.
مثلاً لو رُئي الهلال في ليلة الثلاثين من شهر رجب، وصار الشهر تسعة وعشرين يوماً وتولّد الرضيع في اليوم الحادي والعشرين، كفى ضمّ عشرين يوماً من الشهر الثاني لا أكثر، إذا كانت المحاسبة هلاليّاً فيصير، تسعة وعشرين يوماً.
بخلاف ما إذا قلنا بتكميله عدديّاً، وذلك أنّه لو كان الشهر الّذي تولّد فيه تسعة وعشرين يوماً، لزم ضمّ واحد وعشرين يوماً إلى هذه التسعة، حتّى يصير شهراً كاملاً عدديّاً، وبما ذكرنا يعلم حكم إجراء الكسر إلى سائر الشهور حتّى تنتهي السنتان.

الكلام فيما إذا جهل التاريخ

لو جهل تاريخ إكمال الحولين وتاريخ الرضاع، تساقط الأصلان فيهما، ولا يثبت بهما التقارن، كما هو مقرّر في محلّه والمقام من موارد تعاقب الحادثين بعد العلم بوجودهما، والجهل بالمتقدّم والمتأخّر، وهما عبارتان عن الارتضاع عدداً أو مدّة وإكمال الحولين، وبما أنّهما صارا موجودين فلا معنى لاستصحاب عدم كلٍّ منهما، والذي يمكن أن يستصحب هو استصحاب عدم كلّ عند وجود الآخر فيقال: أصالة عدم إكمال الحولين لدى الارتضاع، فتكون النتيجة نشر الحرمة، أو أصالة عدم الارتضاع عند إكمال الحولين، فتكون النتيجة بقاء الحلية. وبما أنّ الأصلان متعارضان فيسقطان للتعارض.

صفحه 96

صورة الجهل بتاريخ أحدهما

لو جهل أحدهما تاريخاً وعلم تاريخ الآخر، مثلاً: عُلم أنّ الارتضاع كان في شهر رجب، وجهل كمال الحولين، فالمعلوم تاريخاً لا وجه لاستصحابه، إذ لا جهل فيه ولا شكّ فانحصر الاستصحاب في المجهول تاريخاً فيقال: أصالة عدم إكمال الحولين في زمان الارتضاع، وهل الأصل مثبت أو لا؟ الظاهر من الأُصوليّين المتأخّرين كونه مثبتاً، إذ لازمه كون الارتضاع في الحولين ; لأنّه لو لم يكن بعد إكمال الحولين فلا محال يكون فيهما.
ولكن الظاهر أنّ هذا النوع من الأُصول العدمية ليست مثبتة، والشاهد على ذلك ما ورد في صحيحة زرارة، قال: قلت: فإن حُرّك على جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».1
وجه الدلالة: أنّ استصحاب الطهارة يلازم عقلاً كون الصلاة عن طهارة أو كونها واجدة لها.
ومثله المقام فإنّ المقتضي ـ أعني: الارتضاع ـ موجود بالوجدان والشرط محرز بالأصل حيث يقال: أصالة عدم إكمال الحولين إلى زمان الارتضاع فيلزم كون الرضاع في الحولين.
فإن قلت: فرق بين الصحيحة والمقام، فإنّ المستصحب في الرواية نفس الشرط، وأمّا في المقام فهو عدم المانع ـ عدم إكمال الحولين ـ .

1 . الوسائل:1، الباب1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث1.

صفحه 97
قلت: العرف لا يفرّق بين التعبيرين; عدم إكمال الحولين، أو كونه في الحولين، فلاحظ.
وقس عليه ما إذا جهل تاريخ الرضاع، وعلم تاريخ الإكمال، حرفاً بحرف.

صفحه 98

الشرط الخامس:

اتّحاد الفحل

وقبل نقل الروايات الواردة في الباب وتوضيح مفادها نذكر أمرين:
الأمر الأوّل: ممّا انفردت به الإماميّة شرطيّة كون اللبن لفحل واحد، وليس من هذا الشرط أثر في كلمات سائر الفقهاء، فالإخوّة للأُمّ وإن لم يتّحد الفحل عندهم كالإخوّة للأب، بلا فرق بينهما، ولنذكر صور المسألة قبل ايراد الروايات:
الأُولى: إذا أرضعت امرأة واحدة رضيعة بالشرائط المعتبرة من لبن فحل واحد ينشر الحرمة.
الثانية: لو أرضعت امرأة واحدة رضيعة من لبن فحلين، بأن أرضعتها من لبن فحل واحد بعض الرضعات ثم فارقها الزوج وتزوّجت بغيره وحملت منه ثم أرضعت ذلك الطفل من لبن الفحل الثاني تكملة العدد، من دون تخلّل رضاع امرأة أُخرى في البنين بأن يتغذّى الولد في هذه المدّة المتخلّلة بالمأكول والمشروب، لم ينشر الحرمة.
هاتان الصورتان راجعتان إلى ما كانت الرضيعة واحدة، فلو اتّحد الفحل ينشر الحرمة كما في الصورة الأُولى، ولو تعدّد ـ كما في الصورة الثانية ـ لم ينشر الحرمة.
الثالثة: لو ارتضع صبيّ من امرأة بلبن رجل رضاعاً كاملاً، ثم طلّقها زوجها وتزوّجت برجل آخر وصارت ذات لبن منه، فأرضعت صبيّة رضاعاً

صفحه 99
كاملاً، لم تحرم الصبيّة على ذلك الصبي، ولا فروع أحدهما على الآخر.
الرابعة: إلى هنا كانت المرضعة واحدة وكان الفحل متعدّداً ولو انعكس كما إذا تعدّد الرضيع واتحد الفحل وتعدّدت المرضعة، كما إذا كانت لشخص عدّة زوجات وأرضعت كلّ واحدة منهن من لبنه طفلاً رضاعاً كاملاً، فإنّه يحرم بعضهم على بعض كحصول الأُخوّة الرضاعية بينهم.
وبهذه الصور ظهر معنى شرطية اتّحاد الفحل، فالموضوع هو الأُخوّة من جانب الأب ولا تكفي الأُخوّة من جانب الأُم، ولذلك حكموا بنشر الحرمة في الأوّل لوحدة الفحل، دون الثانية لتعدّده، كما أفتوا بعدم نشر الحرمة في الثالثة لتعدّد الفحل، وإن اتّحدت الأُم، وبنشرها في الرابعة لوحدة الفحل وإن تعدّدت الأُم، خلافاً للشيخ الطبرسي، فهو لم يلتزم بهذا الشرط، بل يكفي عنده اتّحاد المرضعة لأنّه يكون بينهم إخوّة الأُم. وعليه فقهاء السنّة، فلا خلاف بينهم في كفاية الاتّحاد في الأُمّ، وإنّما اختلفوا في كفاية الاتّحاد فـي الفحـل مع اختلاف الأُمّ، والمشهور عندهم كفايته أيضاً، كما هو كذلك عندنا.
الأمر الثاني: أنّ الاتّحاد في الأُمّ مع اختلاف الفحل لا يكفي إذا كان الرضيعان أجنبيّين بالنسبة إلى الأُمّ المرضعة، وأمّا إذا كان أحدهما نسبيّاً لها والآخر المرتضع أجنبيّاً، فإنّه ينشر الحرمة بينهما وإن اختلف الفحلان. وسيوافيك بيانه.
كما أنّ اتّحاد الفحل شرط لنشر الحرمة بين الرضيعين، وليس شرطاً لأصل الرضاع. فعلى هذا فالرضاع ناشر للحرمة بين المرضعة والمرتضع مطلقاً، وكذا بين كلّ من الفحلين والمرتضع، كلّ بالنسبة إلى لبنه فإذا أرضعت امرأة غلاماً وجارية، بلبن فحلين فلا ينشر الحرمة بالنسبة إلى الغلام

صفحه 100
والجارية، نعم ينشر الحرمة بالنسبة إلى فحل كلّ واحد منهما. كما سيوافيك في رواية بريد العجلي.
فظهر ممّا ذكرنا حكم أمرين:
1. أنّ وحدة الفحل شرط لنشر الحرمة بين الرضيعين الأجنبيين، لا بين الرضيع والولد النسبي.
2. أنّ وحدة الفحل شرط لنشر الحرمة بين الرضيعتين، ولذلك ينشر الحرمة بين كلّ رضيع بالنسبة إلى فحله.

وحدة الفحل في الروايات

وأمّا روايات الباب الدالّة على ما تقدّم فهي على قسمين.
الأوّل: الروايات الّتي تركّز على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، وتشير أيضاً إلى شرطية وحدة الفحل.
الثاني: الروايات الّتي تركّز على شرطية وحدة الفحل.
أمّا الأوّل فتدلّ عليه رواية بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فسّر لي ذلك، فقال: «... كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام فذلك الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلّ امرأة ارضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنّما هو نسب ناحية الصهر رضاع، ولا يحرم شيئاً، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم»1.

1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرّضاع، الحديث 1، والرواية صحيحة.

صفحه 101

فقه الحديث

فهم الحديث رهن الإشارة إلى أُمور:
1. قوله في الفقرة الأُولى:«من جارية أو غلام» أُريد به أنّها أرضعت كلاًّ منهما واحداً بعد الآخر لا أنّها أرضعت إحداهما، والشاهد على ذلك الفقرة الثانية، كما سيأتي توضيحه.
2. قوله:«واحداً بعد واحد» مفعول لقوله:«أرضعت» لا أنّ الفحلين كانا واحداً بعد واحد، ضرورة عدم الحاجة إلى ذكره.
3. قوله:«من جارية أو غلام» بيان لواحد بعد واحد، ومن المعلوم أنّ الجارية والغلام كانا ولدي امرأة أُخرى بقرينة الفقرة السابقة.
وحاصل الحديث: أنّ كلاًّ من الغلام والجارية يحرم على الآخر إذا اتّحد الفحل كما في الفرض الأوّل، دونما إذا تعدّد الفحل كما في الفرض الثاني.
وجه الاستدلال: أنّه لابدّ أن يفرض الرضيعان أجنبيّين كما هو ظاهر صدره، أعني قوله (عليه السلام): «أرضعت ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام»، فلا ينشر الحرمة بالنسبة إليهما، وإن اتّحدت الأُمّ، لاختلافهما في الفحل وعدم كون واحد منهما نسبيّاً بالنسبة إلى الأُمّ حتّى لا يشترط فيه اتّحاد الفحل حسب مختار المشهور.
وعلى أيّ تقدير يكون دليلاً على ما ذهب إليه المشهور في المقام.
وأمّا ما يدلّ على اعتبار وحدة الفحل فكثير نشير إليها:
1. موثّقة زياد بن سوقة، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لا يحرم الرضاع أقل من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات

صفحه 102
من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً وجارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من (لبن) فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما»1.
واعلم أنّ الرواية نقلت في نسخ التهذيب والوسائل بغير وجهها الصحيح وذلك في قوله:«فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً وجارية» فقد جاء مكان (الواو) لفظة (أو) والصحيح ما كتبناه بقرينة قوله:«أرضعتهما».
ثمّ إنّ قوله:«عشر رضعات» كناية عن الرضاعات الناقصة.
ثمّ إنّ قوله:«خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة» ظاهر في اشتراط الوحدة في الأُمّ، وهو معرض عنه.
وأمّا محلّ الاستدلال فيركّز على شرطية اتّحاد الفحل مع الإشارة إلى عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، فلو أرضعت غلاماً وجارية عشر رضعات من لبن فحل وهما أجنبيان بالنسبة إلى المرضعة ثم أرضعتهما من لبن رجل آخر عشر رضعات، فلا يحرم كلّ من الغلام والجارية على الآخر، لأنّ كلاًّ من الرضاعين رضاع ناقص.
2. رواية عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن لبن الفحل، قال: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك ولد امرأة أُخرى، فهو حرام»2.
3. رواية سماعة قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كلّ واحدة منهما غلاماً، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس،

1 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4 .

صفحه 103
أينبغي لابنه أن يتزوّج بهذه الجارية؟ قال: «لا، لأنّها أرضعت بلبن الشيخ» 1.
والرواية دالّة على المطلوب، لأنّه (عليه السلام)علّل بوحدة الفحل ولم يعلّل بوحدة أُمّهما.
4. رواية مالك بن عطية عن أبي عبد الله (عليه السلام)في الرجل يتزوّج المرأة فتلد منه ثمّ ترضع من لبنه جارية، يصلح لولده من غيرها أن يتزوّج تلك الجارية الّتي أرضعتها؟ قال: «لا، هي بمنزلة الأُخت من الرضاعة، لأنّ اللبن لفحل واحد»2.
ودلالة الرواية كسابقتها.
5. رواية صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام)في حديث قال: قلت له: أرضعت أُمّي جارية بلبني قال: هي أُختك من الرضاعة، قلت: فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه، ـ يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر ـ قال: والفحل واحد؟ قلت: نعم، هو أخي 3 لأبي وأُمّي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأُمّك أُمّها»4.
والرواية دالّة على المطلوب، بدليل سؤاله (عليه السلام)عن وحدة الفحل دون الأُمّ، فيعلم اشتراطه.
نعم الرواية كسابقتها من الروايات لا تدلّ على اشتراط وحدة الفحل إلاّ بضميمة الروايات الّتي قدّمناها، الدالّة على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ.

1 . الوسائل: 14 ، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث 6. والرواية موثّقة مضمرة.
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13 .
3 . في نسخة: هي أُختي.
4 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3. والرواية صحيحة .

صفحه 104
وظاهر هذه الرواية اشتراط وحدة الفحل بين الابن النسبيّ للمرضعة والأجنبيّة المرتضعة منها، مع أنّ المشهور عندهم عدم شرطيّته إلاّ في المتراضعين الأجنبيّين، فتكون الرواية ظاهرةً على خلاف مختار المشهور، وسوف نتطرّق إلى هذه المسألة عند البحث عن أحكام الرضاع.
وهنا روايات أُخرى تختلف دلالتها في اعتبار وحدة الفحل.
وكيف كان فالظاهرُ من مجموع الروايات الدالّ بعضها على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، وبعضها الآخر على اعتبار الوحدة في الفحل، كونُ اتّحاد الفحل شرطاً في نشر الحرمة، فيكفي فيها، ولو وقع الاختلاف في الأُمّ المرضعة، ويظهر بذلك دليل الفروع الّتي تقدّمت.
وما ذكرناه من اشتراط وحدة الفحل بين الرضيعين الأجنبيّين دون النسبيّ والأجنبيّ هو المشهور.
وهناك مذهبان آخران يقعان بين الإفراط والتفريط وإليك بيانهما.

الأوّل: مذهب العلاّمة في قواعده وشارحها

يظهر من العلاّمة في قواعده 1 والمحقّق الكركي في شرحها 2 عدم اختصاص شرطية اتّحاد الفحل في الرضيعين الأجنبيّين، بل يعتبر في كلّ ما كان الرضاع فيه منشأً للحرمة بين الطرفين المرتضعين وإن كان أحدهما نسبيّاً والآخر رضاعيّاً. وقد عرفت كونه خلاف المشهور وخلاف المنساق من روايات الباب .

1 . لاحظ : القواعد: 3 / 27 .
2 . لاحظ : جامع المقاصد: 12 / 257 .

صفحه 105

الثاني: مذهب الطبرسي

روي عن الطبرسي (رحمه الله) أنّه اكتفى في الحرمة بالاشتراك في الأُمّ ولو اختلف الفحل 1; تمسّكاً بالعموم، حيث نزّل الرضاع منزلة النسب مطلقاً; وخبر محمد بن عبيدة الهمداني قال: قال الرضا (عليه السلام): «ما يقول أصحابك في الرّضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل، حتّى جاءتهم الرواية عنك أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرّم من النسب، فرجعوا إلى قولك، قال: فقال: وذاك أنّ أميرالمؤمنين سألني عنها البارحة فقال لي: اشرح لي «اللبن للفحل»، وأنا أكره الكلام، فقال لي: كما أنت (أي كن كما أنت) حتّى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له أُمّهات أولاد شتّى (أي إماء لهنّ أولاد شتّى من الرجل) فأرضعت واحدة منهن بلبنها غلاماً غريباً، أليس كلّ شيء من ولد ذلك الرجل من أُمّهات الأولاد الشتّى محرّماً على ذلك الغلام؟ قال: قلت: بلى. قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام): فما بال الرضاع يحرّم من قبل الفحل ولا يحرّم من قبل الأُمّهات، وإنّما الرضاع من قبل الأُمّهات، وإن كان لبن الفحل أيضاً يحرّم».2
وحاصل الرواية قياس الوحدة في الأُم، بالوحدة في الأب .
وقد حملها الشيخ على نشر الحرمة بين المرتضع وأولاد المرضعة النسبيّين دون الرضاعيّين، لما سيوافيك من أنّ الرضاع ينشر الحرمة بين المرتضع ومن ينتسب إلى الأُمّ من جهة الولادة، وانّما يشترط الفحل بين الرضيعين الأجنبيّين.

1 . لاحظ : مجمع البيان، ذيل الآية 23 من سورة النساء ونقله عنه في الجواهر: 29 / 304 .
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 .
والهمداني بسكون الميم، والموجود في الكتب الرجالية محمد بن عبيد، بدون الهاء وهو مجهول. ولا يحتج به .

صفحه 106
ولا يخفى بعد الحمل لكونه على خلاف صريح قوله: «أليس كلّ شيء من ولد ذلك الرجل من أُمّهات الأولاد الشتى» .
وقال في «الجواهر»: «يومئ إلى ذلك ظهور الخبر في حرمة الأولاد النسبيّين للفحل» 1 أي فكما أنّ مراده من قوله: «في رجل كانت له أُمّهات أولاد شتّى»، الأولاد النسبيّين فهكذا المراد ـ بقرينة المقابلة ـ من قوله (عليه السلام): «وإنّما الرضاع من قبل الأُمّهات».
أو يحمل على التقيّة; لما عرفت من ذهاب الجمهور إلى كفاية الاتّحاد في الأُمّ وإن اختلفوا في كفاية الاتّحاد في الفحل.
وعلى أيّ تقدير فالرواية مهجورةٌ، وقد أُمرنا بترك المهجور والأخذ بما هو مشهور بين أصحابنا وأصحاب الأئمّة، والمشهور بينهم حسب قضاء نفس هذه الرواية لزوم الاتّحاد في الفحل وعدم كفاية الاتّحاد في الأُمومة.

الكلام في شرطيّة وحدة الفحل في غير الرضيعين

إنّ البحث عن شرطيّة وحدة الفحل إنّما يختصّ بمورد الرضيعين، فيشترط في حرمة أحدهما على الآخر كون فحلهما واحداً، بأن يرضعا من لبن فحل واحد، فلو رضعا من لبن فحلين مع كون الأُمّ المرضعة واحدةً، لم ينشر الحرمة.
وأمّا شرطيّة وحدة الفحل في غير هذا المورد فلم نقف فيه على نصٍّ إلاّ في مورد حرمة الخالة الرضاعيّة على ابن الأُخت الرضاعيّ كما سيوافيك بيانه.
غير أن الظاهر من العلاّمة في القواعد هو شرطيّة وحدة الفحل في

1 . جواهر الكلام: 29 / 305 .

صفحه 107
الطبقة العليا، لنشر الحرمة في الطبقة السفلى.
قال في «القواعد»: «لا تحرم أُمّ المرضعة من الرضاع على المرتضع، ولا أُختها منه، ولا عمّتها ولا خالتها ولا بنات أُختها ولا بنات أخيها وإن حرمن بالنسب، لعدم اتّحاد الفحل».1
وأوضحه المحقّق الثاني في شرحه بقوله: «أطبق الأصحاب على أنّ حرمة الرضاع لا تثبت بين مرتضعين إلاّ إذا كان اللبن لفحل واحد... إلى أن قال:
فعلى هذا لو كان لمن أرضعت صبياً، أُمّ من الرضاع، لم تحرم تلك الأُمّ على الصبيّ، لأنّه نسبتها إليه بالجدودة انّما تتحصّل من رضاعه من مرضعته ورضاع مرضعته منها (أي من أُمها). ومعلوم أنّ اللبن في الرضاعين ليس لفحل واحد، فلا تثبت الجدودة بين المرتضع والأُمّ المذكورة، لانتفاء الشرط، فينتفي التحريم.
ومن هذا يعلم أنّ أُختها من الرضاع وعمّتها منه وخالتها منه لا يحرمن وإن حرمن بالنسب، لما قلناه من عدم اتّحاد الفحل. (حيث إنّ فحل الرضيع، غير فحل الأُخت والعمّة والخالة للمرضعة، ففحل الرضيع هو زوج أُمّها الرضاعية وفحل المرضعة وأُختها هو زوج أُمهما الرضاعية وهكذا). ولو كان المرتضع أُنثى لم يحرم عليه أبو المرضعة من الرضاعة، ولا أخوها منه ولا عمّها منه، ولا خالها منه، لمثل ما قلناه». انتهى كلامه.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما دلّ على لزوم اتّحاد الفحل هو رواية العجلي وليس فيها دلالة على ما ذكراه.

1 . القواعد: 3 / 27 .   2 . جامع المقاصد: 12 / 257 ـ 258 .

صفحه 108
بل منصرفها إلى لزوم اتّحاد الفحلين في الرضيعين اللّذين تجمعهما مرتبة واحدة، كما هو ظاهر قوله: «وكلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام». 1 فالمتبادر منه الرضيعان اللّذان يصلحان للرضاع من لبن واحد، لا المرضعة، بقيد كونها مرضعة للصبي والرضيع منها، إذ لا صلاحيّة فيهما للرضاع من لبن فحل واحد، فإنّ فحل المرضعة هو زوج أُمّها، وفحل الصبي هو زوج المرضعة، فلا يمكن أن يتّحدا من حيث الفحل.
نعم يمكن أن يرضع كلّ من المرضعة والصبيّ من لبن فحل واحد في زمانين مختلفين، ولكنّهما عند ذاك يصيران أخوين، ولا تكون المرضعة أُمّاً للصبيّ ـ كما لا يخفى ـ وإنّما تصير أُمّاً إذا كان فحلها وفحل أُمّ المرضعة مختلفين.
فالرواية غير ناظرة إلى أمثال هذه الصور.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي: أنّه كلّما تحقّق الرضاع المحرّم يحرم على المرتضع كلّ من ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة الواردة في الآية المباركة.
فتحرم على المرتضع نفس المرضعة، وأُمّها، وخالتها وعمّتها، كما تحرم عليه أُخت المرضعة.
نعم إنّما تحرم أُخت المرضعة من الرضاع إذا رضعت المرضعة وأُختها من لبن فحل واحد لا فحلين، ويدلّ على ذلك روايتان:
الأُولى: رواية الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الرجل يرضع من

1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .

صفحه 109
امرأة وهو غلام، أيحلّ له أن يتزوّج أُختها لأُمّها من الرضاعة؟
فقال: «إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد فلا يحلّ، فإن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحلين فلا بأس بذلك»1.
والرواية ظاهرة في الأُخت الرضاعيّة، بل صريحة فيها، فلا يشترط في حرمة النسبيّة وحدة الفحل.
الثانية: رواية عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن غلام رضع من امرأة، أيحلّ له أن يتزوّج أُختها لأبيها من الرضاع؟ فقال (عليه السلام): «لا، فقد رضعا جميعاً من لبن فحل واحد من امرأة واحدة»2.
ولعلّ وجه ما في الروايتين من اشتراط وحدة فحل المرضعة وأُختها لحرمة الثانية على ابن الأُولى الرضاعي، هو أنّ نشر الحرمة بين أُخت المرضعة وابنها متفرّع على حرمة المرضعة على مَن في طبقتها، ومن المعلوم أنّ حرمتها على مَن في طبقتها مشروط بوحدة الفحل، فإذا كان كذلك، فليكن أيضاً شرطاً في حرمة مَن ليس في طبقتها، فلا تكون أُخت المرضعة الّتي هي في طبقتها محرّمة على ابنها الّذي ليس في طبقتها إلاّ إذا اتّحدت الأُمّ والأُخت في الفحل.
وهذا التوجيه ـ مع ما فيه من النظر ـ أولى ممّا ذكره صاحب الجواهر لهذا الاشتراط 3.

1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .
3 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 306 .

صفحه 110

الفصل الثاني:

في أحكام الرّضاع

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى:

في مَن يحرم بالرضاع

الظاهر أنّ عمومات الرضاع الواردة في الكتاب والسنّة ـ مع قطع النظر عن النصوص الأُخر ـ منصرفة إلى نشر الحرمة في دائرة ضيّقة، لا تتجاوز الأُمّهات والأخوات الرضاعية، كما يشير إليه قوله سبحانه: (وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)1.
غير أنّ النصوص الواردة في المقام الصريحة في انتشار الحرمة في دائرة أوسع، تشمل الأعمامَ والعمّاتِ والأجدادَ والجدّاتِ، جعلتها من جوامع الكلم، وقد أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قد أُوتي جوامع الكلم.

1 . النساء: 23 .

صفحه 111
وقد عُرضت ابنة حمزة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأبى وقال هي ابنة أخي من الرضاعة.1 وهذا أحد النماذج، وقد تلونا عليك فيما تقدّم الشيء الوافر منها.
وعلى هذا الأساس إذا حصل الرضاع المحرّم، انتشرت الحرمة من المرضعة وفحلها إلى الرضيع، ومنه إليهما.
أما من المرضعة وفحلها فتصير المرضعة أُمّاً، وفحلها أباً، وآباؤهما أجداداً، وأُمّهاتهما جدّات، وأولادهما إخوة، وأولاد أولادهما أولاد الإخوة والأخوات.
و]تصير[ إخوة المرضعة أخوالاً وأخواتها خالات، وإخوة الفحل أعماماً، وأخواته عمّات، وأولادهما أولاد الأخوال والأعمام.
اما من الرضيع فيصير الرّضيع ذكراً كان أو أُنثى، ابناً وبنتاً، وأولاده وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو إناثاً لذكور أو إناث أحفاداً وأسباطاً لهما، كما هومقتضى البنوّة.
توضيح ما ذكرناه: إنّ الله سبحانه حرّم سبع نساء بالنسب وخمس نساء بالمصاهرة، كما قال عزوجل: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ سَاءَ سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالاَتُكُمْ وَ بَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ

1 . لاحظ : الوسائل: 14 ، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرّضاع، الحديث 1، 2 و 6 .

صفحه 112
عَلَيْكُمْ وَ حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)1.
فالمحرّمات من النسب عبارة عن: الأُمّ، والبنت، والأُخت، والعمّة، والخالة وبنت الأخ، وبنت الأُخت.
والمحرّمات من جانب المصاهرة عبارةٌ عن: منكوحة الأب، وأُمَّهات النساء، والربيبة المدخول بأُمّها، وحليلة الابن، وأُخت الزوجة.
وإليك بيان هذه العناوين إذا حصلت بالرضاع: من غير فرق بين العناوين النسبية والرضاعية فلنقدّم الكلام في الأُولى .

المحرّم من انطبق عليه أحد العناوين النسبية

الأوّل: الأُمّ مَن الرضاعة: هي مَن أرضعتك، أو ولدتْ مُرْضعتك، أو ولَدَت من ولدها، أو أرضعتها أو أرضعت من ولدها (الأُم) بواسطة أو بوسائط، فكلّهنّ بمنزلة أُمّك، وكما يَحرمن من جانب النسب يحرمن من جانب الرضاع، فالرضاع قائم مكان النسب.
الثاني: البنت من الرضاعة: هي كلّ أُنثى رضعت بلبنك، أو لبن من ولدتَه، أو أرضعتها امرأة ولدتَها، وكذلك بناتها من النّسب والرّضاع، فكلّهنَّ بمنزلة بناتك.
الثالث: الأُخت من الرضاعة: هي كلّ امرأة أرضعتها أُمّك، أو رضعت بلبن أبيك، وكذا كلّ بنت ولدتها مرضعتك أو فحلها.
الرابع والخامس: العمّات والخالات من الرضاعة: هنّ أخوات الفحل

1 . النساء: 22 ـ 23 .

صفحه 113
والمرضعة، وأخوات من ولدهما، من النّسب والرضاع، وكذا كلّ امرأة أرضعتها واحدة من جدّاتك، أو رضعت من لبن أجدادك، من النّسب والرّضاع.
السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأُخت من الرّضاعة: هنّ بنات أولاد المرضعة والفحل من الرّضاع والنّسب، وكذا كلّ أُنثى أرضعتها أُختك أو بناتها أو بنات أولادها من الرّضاع والنّسب. وبنات كلّ ذكر أرضعته أُمّك أو رضع بلبن أخيك، وبنات أولاده من الرّضاع والنّسب، فكلّهنّ بنات أخيك وأُختك.
فهذه جملة المحرّمات من الرّضاع والنّسب، فكل من يصدق عليه إحدى هذه المذكورات في الآية الكريمة، يحرم التزويج بينهما، لقيام الرضاع مقام النسب.

المحرّم من ينطبق عليه أحد العناوين المصاهرية

وأمّا المحرّم من جهة المصاهرة المذكورة في الآيتين فقد يحرم من جهة الرضاع أيضاً، فإنّه صلّى الله عليه وآله وإن قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ولم يقل ما يحرم من النسب والمصاهرة، إلاّ أنّ المحرّم من جهة المصاهرة ذو حيثيّتين: حيثيّة المصاهرة، وحيثية النّسب.
فكلّ من حليلة الابن، ومنكوحة الأب، وأُمّ الزوجة، وأُخت الزوجة، والربيبة المدخول بأُمّها، مؤلّف من حيثيّة نسبيّة وحيثيّة مصاهريّة.
مثلاً منكوحة الأب محرّمة على ابنه النسبّي، فكونه أباً للغلام أمر نسبيّ، وكونها منكوحة للأب أمر مصاهريٌّ، وقس عليه البواقي، فالرّضاع بحكم التنزيل المنصوص عليه في الروايات يقوم مكان الحيثيّة النسبيّة اعتباراً أو

صفحه 114
تنزيلاً، فمنكوحة الأب تحرم على الابن الرضاعي.
وأمّا الحيثيّة الأُخرى كونها منكوحة فيجب إيجادها تكويناً، فيتحقّق الموضوع بإحراز أحد جزأيه بالتنزيل الشرعي، والآخر بالوجدان والتكوين.
وبما ذكرنا يظهر نشر الحرمة في المسائل التالية:
1. حليلة الابن الرضاعي تحرم على الأب الرضاعي.
2. منكوحة الأب الرضاعي تحرم على الابن الرضاعي.
3. الأُم الرضاعية للزوجة تحرم على زوجها.
4. الأُخت الرضاعية للزوجة تحرم على زوجها.
5. الربيبة الرضاعية الّتي دخل بأُمها الرضاعية تحرم عليه.
وبما ذكرنا من أنّ المحرّم هو من يصدق عليه أحد هذه العناوين المذكورة في الآية، تقف على صحّة ما اشتهر بين الأصحاب من قصر نشر الحرمة بالرّضاع بين الأب الرضاعّي والأُمّ الرضاعيّة والمرتضع دون غيرهم ممّن يرتبط بالمرتضع، وذلك لانحصار عنوان ما يحرم من النسب فيهم، فكما أنّ الأب في النسب يحرم عليه كلّ أُنثى تولّدت منه ولو بوسائط، فكذلك الأب الرضاعّي تحرم عليه كلُّ أُنثى ارتضعت من لبنه ولو بوسائط، وقس بنحو ذلك الأُمّ الرضاعيّة على النسبيّة، لصدق عنوان الأب والأُمّ عليهما.

عدّ العبرة بالعناوين الملازمة للمحرّمات النسبية

أنّ المدار في التحريم صدق هذه العناوين لا لوازمها ونظائرها وإن كانت في النسب، ولأجل ذلك يجوز للفحل أن يتزوّج أُخت الرضيع بلبنه، لعدم كونها بنتاً له، وإن كانت أُختَ ولده، إلاّ أنّ حرمة أُخت الولد في النسب

صفحه 115
ليس من جهة كونها أُخت ولده، بل لأجل كونها إمّا بنتاً نسبيّةً أو ربيبةً، وكلاهما منتفيان في المقام، فكون الأُنثى أُخت الولد ليس عنواناً محرّماً بل ملازماً لعنوان محرّم في النسب. وهو كونها أُختاً للإنسان.
والملاك إنّما هو وجود الملازم (بالفتح) لا الملازم، فإنّ مقتضى التعرّض للرضاع في الآية بعد ذكر جملة من المحرّمات النسبيّة هو ذاك، كما أنّ مقتضى التنزيل الوارد في السنّة النبويّة هو ذاك أيضاً .
فإنّ المراد من الموصول، أعني: «ما»، هو هذه العناوين المذكورة في الآية الكريمة كما لا يخفى، فلا يشمل العناوين الملازمة لها.
وعلى هذا الأساس يجوز لإخوة الرضيع الّذين لم يرضعوا بلبن الفحل أن ينكحوا في أولاد المرضعة وأولاد فحلها، لأنّ تحريم نكاح الرضيع في أولادهما للإخوّة القائمة بينه وبينهم، وأمّا إخوة الرضيع فليسوا إخوةً لأولاد المرضعة والفحل، وغاية الأمر كونهم إخوةً للأخ، وليس هو من العناوين المحرّمة، بل ملازم للعنوان المحرّم في النسب، فإنّ حرمة نكاح الأخ لأُخت الأخ في النسب لكونه أخاً من الجانبين أو من جانب واحد، لا لكونه الأخ كما لا يخفى .
وقس على ما ذكرنا كلّ ما يرد عليك من الأمثلة مميّزاً بين ما تحقّق فيه العنوان المحرّم وما لم يتحقّق فيه وإن تحقّق فيه عنوان ملازم للعنوان المحرّم.
ومن ذلك يظهر أنّ الصور الأربع الّتي استثناها العلاّمة في «التذكرة» من قوله(عليه السلام): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» لا تحتاج إلى الاستثناء، كسائر الصور الّتي لم يتعرّض لها، بعد عدم شمول العموم لها ولغيرها.
فهذا الاستثناء أشبه شيء بالاستثناء المنقطع، ودونك ما ذكره قال :

صفحه 116
«يحرم في النسب أربع نسوة قد يحرمن في الرضاع وقد لا يحرمن:
الأُولى: أُمّ الأخ والأُخت في النسب حرام، لأنّها إمّا أُمّ أو زوجة أب، وأمّا في الرضاع فإن كانت كذلك حرمت أيضاً، وإن لم تكن كذلك لم تحرم، كما لو أرضعت أجنبيّة أخاك أو أُختك لم تحرم عليك.
الثانية: أُمّ ولد الولد حرام، لأنّها إمّا بنته أو زوجة ابنه (حليلة الابن)، وفي الرضاع قد لا تكون إحداهما، مثل أن ترضع الأجنبيّة ابن الابن، فإنّها أُمّ ولد الولد، وليست حراماً.
الثالثة: جدّة الولد في النسب حرام، لأنّها إمّا أُمّك أو أُمّ زوجتك، وفي الرضاع قد لا تكون كذلك، كما إذا أرضعت أجنبيّة ولدك، فإنّ أُمّها جدّته وليست بأُمّك ولا أُمّ زوجتك.
الرابعة: أُخت ولدك في النسب حرام عليك، لأنّها إمّا بنتك أو ربيبتك وإذا أرضعت أجنبيّة ولدك فبنتها أُخت ولدك وليست ببنت ولا ربيبة». انتهى كلامه.1
وهذا الّذي أوضحنا دليله هو المشهور.
ويقابله قول آخر وهو عدم الاكتفاء بالعناوين النسبيّة المحرّمة، ويكفي في نشر الحرمة وجود العناوين الملازمة الّتي يعبّر عنها «بعموم المنزلة»، وقد عقدنا لذلك فصلاً مستقلاًّ في كتابنا«فقه الرضاع»2 فمن أراد أن يقف على ما أراد السيّد الداماد في المسألة الذي هو المتفرّد في المسألة وإن نقل عن غيره

1 . تذكرة الفقهاء: 2 / 614 ـ الطبعة الحجرية ـ .
2 . لاحظ: فقه الرضاع:128ـ 132.

صفحه 117
أيضاً، فليرجع إليه وبما أنّا قد أوضحنا حال المسألة فلأجل ذلك طوينا الكلام فيه في المقام.

المسألة الثانية:

وفيها فروع ثلاثة

الأوّل: كلّ مَن ينسب إلى الفحل من الأولاد ولادةً ورضاعاً، فإنّه يحرم على الرضيع، إذا كان ذكراً لأنّه إمّا أُخت من الأب والأُمّ، إذا كانت أُمّها نفس أُمّ الرضيع، أو من الأب فقط، إذا كانت أُمّها غير أُمّ الرضيع، والأُخت من العناوين المحرّمة في الآية، ومثله إذا كان أُنثى فالجميع أخ له إمّا من الأب والأُم أو من الأب فقط .
الثاني: المنسوب إلى الأُمّ رضاعاً فقط لا يحرم على الرضيع، لعدم اتّحاد الفحل تخصيصاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» بما دلّ على لزوم اتّحاد الفحل. وقد مرّأنّ ما يدلّ عليه عبارة عن روايتي بريد العجلي، والحلبي، والشهرة المحقّقة المستفادة عن رواية الهمداني.1
وأمّا المنسوب إلى الأُمّ ولادةً ونسباً فيحرم على الرّضيع وإن لم يتّحدا في الفحل، ويدلّ عليه :
أوّلاً: العمومات الواردة في باب الرضاع، فإنّ الرضيعين من أُمٍّ واحدة ـ وإن اختلف الفحلان ـ أخوان، والإخوة من العناوين المحرّمة، غاية الأمر خرج منها الرضيعان الأجنبيّان بالنسبة إلى الأُمّ، لأدلّة لزوم اتّحاد الفحل،

1 . لاحظ : الوسائل:14، الباب6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث9، حيث دلّ على أنّ المشهور بين الأصحاب هو اتّحاد الفحل بين الرضيعين الأجنبيين.

صفحه 118
وبقي النسبيّ والأجنبيّ تحت العمومات، فينشر الحرمة وإن لم يتّحدا في الفحل .
وثانياً: موثّقة جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كلّ شيء من ولدها(النسبيّ) وإن كان من غير الرجل الّذي كانت أرضعته بلبنه، وإذا رضع من لبن رجل حرم عليه كلّ شيء من ولده وإن كان من غير المرأة الّتي أرضعته» 1.
نعم، تعارضها صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام)في حديث قال: قلت له: أرضعت أُمّي جارية بلبني. فقال: هي أُختك من الرضاعة. قلت: فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه ـ يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر ـ قال: والفحل واحد؟ قلت: نعم، هو أخي 2 لأبي وأُمّي، قال: اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأُمّك أُمّها»3.
توضيح الاستدلال: أنّه يحرم على الجارية المرتضعة نكاح أولاد المرضعة النسبية سواء كانوا من فحل واحد أم لا، مع أنّ الإمام(عليه السلام)علّل حرمة الجارية على الأخ باتّحادهما في الفحل، على رغم كون الأخ ولداً نسبيّاً للمرضعة، كما هو المفروض في الرواية، فمع كون الأخ ولداً نسبيّاً للمرضعة والمفروض أنّه يحرم على الراضعة مطلقاً اتّحد فحلهما أم لا، فلماذا علّل الحرمة باتّحادهما في الفحل ؟
وإن شئت قلت: إنّ استفسار الإمام (عليه السلام)عن اتّحاد الفحل مع تصريح

1 . الوسائل: 14 ، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
2 . في نسخة: هي أُختي.
3 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .

صفحه 119
السائل بكون الأخ ولد المرضعة نسباً، يدلّ على تغاير حكمه مع حكم صورة تعدّد الفحل. وأنّه عند تعدّد الفحل يحلّ للجارية نكاح الأخ، كما إذا كان الولد الأوّل من زوج والآخر من زوج ثان، مع أنا قلنا بأنّه لا يجوز تزويج أولاد المرضعة النسبية مطلقاً سواء كان من فحل أو لا .
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ التعليل (اللبن للفحل) ليس لنشر الحرمة، فإنّها حاصلة بعامل آخر، وهو كون كليهما من أولاد المرضعة النسبية، وإنّما هوتقدمة لصيرورة أبيه أباها وأُمّه أُمّها.
وعلى أيّ حال فالعمل على الموثّقة، للشهرة المحقّقة، وأقوائيّة دلالتها، حيث إنّ دلالتها مطابقيّة، بينما دلالة الثانية ضمنيّة، وإعراض المشهور عن الصحيحة.
على أنّ ما يدلّ على لزوم الاتّحاد في الفحل قاصر الدلالة أو ليس بصريحها على لزوم الاتّحاد فيه بين النسبيّ والرضاعيّ.
أمّا رواية بريد العجلي، فلأنّ الظاهر منها الرضيعان الأجنبيّان بالنسبة إلى المرضعة حيث قال: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام فذلك الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وكلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام، فإنّ ذلك رضاع ليس بالرّضاع الّذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنّما هو من نسب ناحية الصهر رضاع 1 ولا يحرم شيئاً وليس هو سبب

1 . قد فسّر الإمام (عليه السلام) في صدر الرواية الصهر بالانتساب من ناحية الأُمّ، وبه فسّر قوله سبحانه: (فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً). الفرقان: 54 .

صفحه 120
رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم» 1.
وحيث إنّ المفروض في الشقّ الأوّل من الرواية كون الجارية والغلام أجنبيّين بالنسبة إلى المرضعة، يكون المفروض في الشقّ الثاني منها ذلك أيضاً .
غاية الأمر أنّ المفروض في الأوّل رضاع واحد من الجارية والغلام من المرضعة، وفي الثاني رضاعهما معاً ونشر الحرمة بالنسبة إليهما.
وحيث إنّ مورد الاستدلال المصرّح بلزوم الاتّحاد في الفحل بين الرضيعين هو الشقّ الثاني، فلا يدلّ على أزيد من لزوم اتّحاد الفحل في الأجنبيّين، لا في النسبيّ والأجنبيّ.
الثالث: يحرم على المرتضع الأولاد النسبيّون والرضاعيّون لولد المرضعة النسبيّ، لعموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فإنّ الرضيع بحكم العموم أخ لولد المرضعة النسبيّ وعمّ لأولاده النسبيّين والرضاعيّين معاً.
ويدلّ عليه مضافاً إلى ما ذكر، صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «لا يصلح للمرأة أن ينكحها عمّها ولا خالها من الرضاعة»2.
وأمّا الاستدلال عليه بصحيحة أبي عبيدة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «إنّ علياً (عليه السلام)ذكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ابنة حمزة، فقال: أما علمت أنّها ابنة أخي من الرضاعة. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمّه حمزة قد رضعا من امرأة» 3

1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 6 .

صفحه 121
فغير صحيح، إذ هو راجع إلى حرمة ابنة الأخ الرضاعيّ، والبحث في حرمة ابنة الأخ الذي هو ولد نسبيّ للمرضعة لا ابنة الأخ الذي هو ولد رضاعي للمرضعة إذا كان النبيّ وعمَّه اجنبيّان لها.

المسألة الثالثة:

المشهور أنّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعاً 1، ولا في أولاد زوجته المرضعة ولادةً لا رضاعاً.
وكأنّهم استثنوا هذه المسألة من عموم المنزلة الّذي أنكروه، فإنّ بنت الفحل والمرضعة ليسا إلاّ أُخت ولده من الرضاعة، وليست أُخت الولد من المحرّمات ولو حرمت في النسب فإنّما هو لأجل أنّ أُخت الولد بنت للإنسان.
والّذي دعاهم إلى هذا الاستثناء، الروايات المستفيض بعضها:
منها: صحيحة علي بن مهزيار قال: سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني (عليه السلام): إنّ امرأة أرضعت لي صبيّاً، فهل يحلّ لي أن أتزوّج ابنة زوجها؟ فقال لي: «ما أجود ما سألت من هاهنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره .
فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة الّتي أرضعت لي هي ابنة غيرها، فقال: لو كنّ عشراً متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ وكنّ في موضع بناتك» 2.
فنزّل أولاد الفحل منزلة أولاد أبي المرتضع، للإخوّة الحاصلة بين ولد

1 . نسب إلى الشيخ في المبسوط وجماعة الذهاب إلى عدم التحريم.
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 10 .

صفحه 122
أبي المرتضع وأولاد الفحل وأُخت الولد حرام لو قلنا بعموم المنزلة .
أقول: توضيح الرواية رهن دراسة كلّ من الفقرتين:
أمّا الأُولى: فموردها ما إذا أرضعت امرأة صبياً للإنسان تحرم عليه زوجته من قبل الفحل فلابدّ من حملها على ما إذا تزوّج أبو المرتضع بنتاً للفحل، فصارت زوجته أُمّ الزوجة لأبي المرتضع، فإذا أرضعت زوجة الفحل صبياً لأبي المرتضع يدخل المورد تحت الضابطة لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن، نسباً ولا رضاعاً.
نعم يدخل فيها ـ استدامة ـ لا حدوثاً حيث إنّ بقاء علقة الزوجية بينه وبين بنت الفحل، بعد الرضاع، يلازم نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الضمير في قوله: «حرمت عليه امرأته» يرجع إلى أبي المرتضع، وأُريد من الحرمة، التحريم استدامة لا حدوثاً إذ لم يكن التزويج في بدء الأمر نكاحاً في أولاد صاحب اللبن وإنّما صار كذلك استدامة.
وأمّا الفقرة الثانية فموردها مطلق المرضعة دون أن تكون المرضعة أُمّ الزوجة لأبي المرتضع ففي هذا المورد أيضاً، لا يجوز نكاح أولاد الفحل ابتداءً وحدوثاً للضابطة وبذلك ظهر الفرق بين موردي الفقرتين.
كما ظهر مصدر المسألة المعروفة من أنّه إذا أرضعت أُمّ الزوجة ولد بنتها رضاعاً محرماً، تحرم بنتها على زوجها وليس له مصدر إلاّ هذه القاعدة.
ومنها: صحيحة أيوب بن نوح: قال: كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن(عليه السلام): امرأة أرضعت بعض ولدي، هل يجوز لي أن أتزوّج بعض ولدها؟

صفحه 123
فكتب (عليه السلام): «لا يجوز ذلك لك، لأنّ ولدها صارت بمنزلة ولدك» 1 .
ومنها: صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): امرأة أرضعت ولد رجل هل يحلّ لذلك الرجل أن يتزوّج ابنة هذه المرضعة أم لا؟ فوقّع: «لا تحلّ له»2.
وقد أفتى الأصحاب بمضمون هذه الصّحاح، ولا يصغى إلى ما نقل عن بعضهم من أنّ ولدها وولد الفحل ليسوا في الرضاع إلاّ إخوة ولده، وهم غير محرّمين في النسب، ضرورة اشتراكهم والربائب في الحكم، وحرمة الربائب متوقّفة على الدخول بأُمّهن، وهو منتف في المقام.
وقد عرفت أنّ الرضاع، يقوم مقام النسب لا أعمّ منه والمصاهرة المتوقّف التحريم فيها على النسب وسبب آخر.
فإنّ ذلك صحيح لولا التعبّد الوارد في النصوص، ولذا ذكرنا في صدر المسألة أنّ التحريم فيها أمر تعبديّ ثبت من الشارع، ولا يكاد يستفاد من عمومات الرضاع لولا النصوص.

1 . الوسائل: 14، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 14 ، الباب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2 .

صفحه 124

خاتمة وفيها مسألتان:

الأُولى : في كيفيّة الشهادة على الرضاع

قد اشتهر بين الأصحاب أنّه لا تقبل الشهادة بالرضاع إلاّ مع اشتمال الشهادة على جميع ما يعتبر في الرضاع الناشر للحرمة عند الحاكم الّذي ترفع إليه الشهادة، بأن يذكر الشاهد عامّة الخصوصيات من العدد أو الزمان أو الأثر وغير ذلك ممّا يعتبر في الرضاع المحرّم.
وحاصل الكلام: أن يشهد على وجه التفصيل، معلّلاً بتحقّق الخلاف في الشرائط المعتبرة في الرضاع المحرّم، فيحتمل أن يكون الشاهد قد استند إلى اجتهاده، أو إلى تقليد من يخالف الحاكم في الرأي، إلاّ إذا عُلمت موافقة مذهب الشاهد لمذهب الحاكم.
ولا يخلو هذا التعليل من علّة، إذ ليس الاختلاف في الرضاع بأكثر من الاختلاف في أحكام البيع والوقف والطلاق وغيرها، مع أنّهم لم يعتبروا التفصيل في الشهادة عليه .
أضف إليه: أنّه قد اتّفقت كلمة الأصحاب في أكثر شرائط الرضاع، سوى العدد، والاختلاف فيه نزر يسير، ولا يوجب ذلك اعتبار التفصيل في الشهادة.
ويمكن أن يوجّه ذلك بجهل أكثر الناس بشرائط الحرمة في باب الرضاع، وهذا يوجب على الحاكم أن لا يقبل شهادتهم إلاّ بالتفصيل.
ألاترى أنّ أكثر الناس يزعم كفاية رضعة واحدة، أو رضعات قليلة في التحريم، سواء ارتوى أم لم يرتو، متواليةً كانت الرضعات أم لا، وسواء كان الرضاع في الحولين أم بعدهما.

صفحه 125
فلأجل احتفاف الحرمة بالرضاع بشرائط متعدّدة يجهلها أكثر الناس، أو يصعب عليهم تعلّمها، يجب على الحاكم أن يستجوبهم حين الشهادة عن تفاصيل شهادتهم. وهذه وظيفة الحاكم، ومنه يعلم حكم إخبار الشاهد بالرضاع.

المسألة الثانية: في شهادة المرأة بالرضاع

المشهور قبول شهادة المرأة في الرضاع، وحُكي ذلك عن كثير من الأصحاب، وخالف في ذلك ابنا إدريس وسعيد والشيخ والعلاّمة، لكن الأخيرين رجعا عن القول بعدم القبول في بعض كتبهما.
قال الشيخ في «الخلاف»: «قد قلنا إنّ شهادة النساء لا تقبل في الرضاع على]أي وجه[ وجه، لا منفردات، ولا مع الرجال، وإنّما تقبل منفردات
في الوصيّة والولادة والاستهلال والعيوب، ويحتاج إلى شهادة أربع
منهنّ».1
وذكر ذلك، جازماً به في كتاب الشهادات 2.
واستدلّ على عدم القبول بقوله: «دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنّ ما اعتبرناه من العدد مجمعٌ على ثبوت الحكم به عند من قال بقبول شهادتهّن، وما نقص عن ذلك ليس عليه دليل»3. ونحو ذلك في كتاب الشهادات مع إضافة «وأخبارهم».4

1 . الخلاف: 4 / 107، المسألة 20 من كتاب الرضاع .
2 . الخلاف: 6 / 257، المسألة 9 من كتاب الشهادات.
3 . الخلاف: 4 / 107، المسألة 20 من كتاب الرضاع .
4 . لاحظ : الخلاف: 6 / 257، المسألة 9 من كتاب الشهادات.

صفحه 126
وذكر في «المبسوط» أنّ أصحابنا رووا أنّه لا تقبل شهادة النساء في الرضاع1.
ويلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ الإجماع الّذي ادّعاه غير مفيد، لذهاب المشهور من الطائفة حتّى الشيخ نفسه في شهادات المبسوط، إلى خلافه .
وثانياً: أنّ الرواية الّتي ادّعاها من أنّه «لا تقبل شهادة النساء في الرضاع أصلاً» غير موجودة في الأُصول المعتمدة. نعم جاء في مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام)في امرأة أرضعت غلاماً وجارية، قال: «يَعلم ذلك غيرها؟» قال: لا، قال: فقال: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها»2 انتهى.
ولكّنه لا يدلّ بوجه على عدم اعتبار قولها، بل غاية ما يدلّ عليه عدم اعتبار قول المرأة الواحدة إن لم يكن معها غيرها، بل هو بمفهومه على عكسه أدلّ.
وثالثاً: أنّ الرضاع عمل النساء، بل يمكن عدّه ممّا يعسر اطّلاع الرّجال عليه غالباً، فيقبل قولها عندئذ، وإن قلنا بأنّ الأصل عدم قبول قولها إلاّ فيما يعسر اطّلاع الرجال عليه، فيدخل في قوله (عليه السلام): «تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال في كلّ ما لا يجوز للرجال النظر إليه »3.
ورابعاً: يشمله قوله (عليه السلام)في خبر داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : «أُجيز شهادة النساء في الغلام ]الصبيّ [صاح أو لم يصحّ، وفي كلّ شيء لا

1 . المبسوط: 8 / 175 .
2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 10 .

صفحه 127
ينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه »1.
وصحيحة محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: «تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل...» 2.
إلى غير ذلك من العمومات، وكذلك النصوص الدالّة على قبول شهادتهنّ في خصوص العذرية والنفاس واستهلال المولود والعيوب، المشتركة جميعاً مع الرضاع في تعسر اطّلاع الرجال عليه.3
وأمّا عدد الشهود فالأصل في شهادة المرأة فيما تسمع شهادتها فيه قيام المرأتين مقام الرجل، فيشترط فيهنّ مع عدم الرجل كونهنّ أربعاً، إلاّ ما خرج بالدليل، ولم يدلّ دليل على خروج الرضاع عن هذا الأصل، وبه يقيّد مفهوم مرسلة ابن بكير المتقدّمة: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها».
نعم روى أبو بصير عن الباقر (عليه السلام): «تجوز شهادة امرأتين في استهلال».4
وروى الحلبي عنه (عليه السلام)وقد سأله عن شهادة القابلة في الولادة؟ فقال: «تجوز شهادة الواحدة»5.

1 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 12 .
2 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 7 .
3 . راجع فيما دل على قبول شهادة المرأة في البكارة والحيض والنفاس: الوسائل: 18، الباب 24، الأحاديث 2 و 8 و 9 و 10 و 18 و 20 و 24 و 37 و 46 وغيرها. وراجع فيما دل على حجية قول المرأة في استهلال الصبي: الوسائل: 18، الباب 24، الأحاديث 6 و 12 و 23 و 38 و 41 و 45 وغيرها.
4 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 41. وفي المصدر: الاستهلال.
5 . الوسائل: 18، الباب 24 من كتاب الشهادات، الحديث 46.

صفحه 128
ولكن لا يمكن قياس الرضاع عليهما للفرق الواضح بينهما.
وقد استثنى الأصحاب ميراث المستهل والوصيّة بالمال فأثبتوا بالواحدة ربع المشهود به، وهكذا، ولكن يفارقهما الرضاع حيث إنّه لا يقبل القسمة، هذا.
ومن الغريب ما حكي عن القاضي من عدم ثبوته إلاّ بالنساء 1، ومثله ما عليه العلاّمة في التحرير من عدم ثبوته برجل وامرأتين 2 مع تصريحه بثبوته بهنّ.3
وكيف كان، فإنّ قبول قول المرأة في الرضاع لما في النكاح من الأهميّة، لا يخلو عن احتياط.
وقد حكى السيّد في الناصريات عن أصحابنا: إنّ شهادة النساء مقبولة على الانفراد وفي الولادة أيضاً.4
والله سبحانه العالم.
***
تمّت قاعدة
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 29 / 346 .
2 . تحرير الأحكام: 3 / 458، المسألة 4987 .
3 . تحرير الأحكام: 5 / 268 ، المسألة 6663 .
4 . الناصريات: 339، المسألة 160 .

صفحه 129
القواعد الفقهية
    80
جواز الوصية للوارث   
قاعدة

جواز الوصية للوارث

اتّفاق الإمامية على أنّ الوصية للوارث جائزة
اتّفاق أهل السنّة إلاّ القليل على عدم جواز الوصية للوارث
عرض القاعدة على الكتاب والسنّة
أدلّة القائلين بعدم الجواز
1. آية الوصية للوالدين منسوخة
الميراث في طول الوصية
النسخ فرع تأخّر آية المواريث عن آية الوصية
كلام للإمام عبدة في تجويز الوصية للوارث
2. آية الوصية منسوخة بالسنّة
جواز الوصية للوارث في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)
اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث، سواء أصدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا

صفحه 130
يستوعب الثلث بالوصية.1
وأمّا في مقدار الثلث فتنفّذ وصيته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له سواء كان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.
قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء،2 وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه .3
وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين وغيرهم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.4
وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.
ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض

1 . المغني: 6/78.
2 . سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
3 . الانتصار: 308.
4 . الخلاف: 4 / 133، كتاب الوصايا، المسألة 1.

صفحه 131
في حال الصحّة وقوّة الملك وإمكان تلافي العدل بينهم، بإعطاء الذي لم يعطه، فيما1 بعد ذلك، لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلّق الحقوق به وتعذّر تلافي العدل بينهم أولى2 وأحرى، وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء.3
وحاصل الكلام: أنّ فقهاء السنّة يشترطون لنفاذ الوصية أن لا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي إذا كان هناك وارث آخر لم يجز الوصية، فإن أجاز بقية الورثة الوصية للوارث نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة أخذاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجوز وصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة»، وقوله: «لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة».
ثمّ إنّ القوم بدل أن يعرضوا المسألة على الكتاب أخذوا بالتفلسف ونحت الحكمة للمسألة كما عرفت في كلام ابن قدامة حيث قال: «لما فيه من إيقاع العداوة والحسد بينهم».
وقال بعضهم: لما في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدّي إلى الشقاق والنزاع وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة.
لكن هؤلاء غفلوا عن أنّ ما ذكروه من الوجه ليس كلّياً، بل ولا غالبياً، إذ ربّما يكون بعض الورثة أولى ببعض الميراث من غيرهم، كما إذا كان المورث صاحب كتاب مخطوط أو مطبوع لا يستفيد منه إلاّ الوارث الطالب دون الآخرين المشتغلين بالتجارة، فهل الإيصاء عندئذ يوجب البغضاء؟

1 . الظرف متعلّق بقوله: بإعطاء.
2 . مبتدأ قدّم خبره، أعني: ففي حال موته.
3 . المغني: 6/79ـ80.

صفحه 132
وربّما يكون الموصى له عاجزاً مقعداً مستحقاً للإيصاء فهل يثير الإيصاء في المقام البغضاء والحسد، ولأجل ذلك نرى أنّ قانون الوصية في مصر أخذ برأي الشيعة الإمامية في سنة 1946م،فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة، نعم التزم القانون السوري برأي الجمهور و هي أنّ الوصية لا تنفذ إلاّ إذا أجازها الورثة.
ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة.1 ومع هذا التصريح ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: ما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ بضع سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث، ورغبوا إليها في تبنّيه.(2)
يلاحظ على ما ذكره ابن قدامة من الحكمة: أنّها لا تقاوم الذكر الحكيم، واتّفاق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولو صحّت لزم تحريم تفضيل بعضهم على بعض في الحياة في البر والإحسان، لأنّ ذلك يدعو إلى الحسد والبغضاء مع أنّه لا خلاف في جوازه، وما نقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)2 من النهي، فهو محمول على التنزيه لا التحريم، إذ لم يقل أحد بحرمة التفضيل في الحياة. وسيوافيك الكلام فيما تصوّر من الحكمة.
والأوْلى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في

1 . المغني: 6 / 79 ـ 80 .   2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 465.
2 . تقدّم عن المغني (6 / 79) نقله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحة.

صفحه 133
جواز الوصية قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ) .1
المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فإنّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.
والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويّتهما بالوصية ثم عمّم الموضوع وقال: (والأقربين) ليعمّ كلّ قريب، وارثاً كان أم لا.
وهذا صريح الكتاب ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله.

أدلة القائلين بعدم الجواز

وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1. آية الوصية للوالدين منسوخة أو مخصّصة بآية المواريث

قالوا: إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء 2، وثبتت ] الوصية[ للأقربين

1 . البقرة:180.
2 . (ولأبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد ...) النساء: الآية 11.

صفحه 134
الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيّين، وجماعة من أهل العلم.
ومنهم مَن يأبى كونها منسوخة، وقال: بأنّها]آية[ محكمة، ظاهرها العموم ومعناها]موردها[ الخصوص في الوالدين اللَّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة. 1
ومرجع الوجه الأوّل:إلى نسخ جواز الإيصاء في الوالدين وأنّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرق، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانا غير وارثين.
ومرجع الوجه الثاني: إلى تقييدين، تقييد جواز الإيصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث، وتقييد جواز الإيصاء بالأقربين بما مرّ في الوجه الأوّل.
وقال الجصّاص في تفسير الآية: نسختها آية الفرائض.
وقال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين. فهي منسوخة.
وقالت طائفة أُخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمّن يرث، وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون 2.
وعلى الوجه الأوّل فآية الوصية منسوخة بالمعنى الحقيقي، وعلى الثاني مخصّصة حيث أخرج الوارث منهما وأبقى غير الوارث، لكن لازم كون

1 . الجامع لأحكام القرآن: 2/262ـ 263.
2 . أحكام القرآن: 1/164.

صفحه 135
الوصية واجبة وبقاء الأقربين تحت العموم، وجوب الوصية لغير الوارث منهما. وهو كما ترى.
تجد نظير هذه الكلمات في كتب التفسير والفقه لأهل السنّة ونعلّق عليها بوجهين:

الأوّل: الميراث في طول الوصية

إنّ السابر في كتب القوم يقف على أنّ الذي حملهم على ادّعاء النسخ والتخصيص في الآية هو رواية أبي أُمامة أو عمر بن خارجة وأنّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول في خطبته ـ عام حجّة الوداع ـ : ألا إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث. 1 ولولا هذه الرواية لما خطر في بال أحد بأنّ آية المواريث ناسخة لآية الوصية، إذ لا تنافي بينهما قيد شعرة حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصّصة، إذ لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان فرضاً أو ندباً أن يوصي للوالدين والأقربين بشيء، لا يتجاوز الثلث، وفي الوقت نفسه يُورِّث الوالدين والأقربين على النظام المعروف في الفقه.
والذي يوضح ذلك: هو أنّ الميراث، في طول الوصيّة، ولا يصحّ للمتأخّر أن يعارض المتقدّم ، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)2 وفي ثلاثة موارد أُخرى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ... تُوصُونَ ...يُوصَي بِهَا أَوْ دَيْن)، 3 فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.

1 . سيوافيك نصّها وسندها.
2 . النساء:11.
3 . النساء:12.

صفحه 136
وقد تفطّن القرطبي لبعض ما ذكرنا وقال: ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورِّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع.1
أقول: أمّا الإجماع ، فغير متحقّق، وكيف يكون كذلك مع أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ كما ستوافيك أحاديثهم ـ اتّفقوا على جوازه وكذلك فقهاء الإمامية طوال القرون وهم ثلث المسلمين، وبعض السلف كما يحدّث عنه صاحب المنار، وأمّا الحديث فسيوافيك ضعفه، وأنّه على فرض الصحّة سنداً، قابل للتأويل والحمل على ما زاد الإيصاء عن الثلث.

الثاني: النسخ فرع تأخّر آية المواريث عن آية الوصية

إنّ ادّعاء النسخ أو التخصيص في الآية، بآية المواريث، متوقّف على تأخّر الثانية عن الأُولى وأنّى للقائل بهما إثباته؟! بل لسان آية الوصية بما فيها من التأكيد لأجل الإتيان بلفظ (كُتِبَ)وتوصيفه بكونه حقّاً على المؤمنين يأبى عن كونه حكماً مؤقتاً لا يدوم إلاّ شهراً أو شهوراً.
ثمّ النهي الأكيد عن تبديله حيث قال: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2.
قال الإمام عبدة: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا فإنّ السياق ينافي النسخ، فإنّ اللّه تعالى إذا شرّع للناس حكماً وعلم أنّه مؤقّت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب، فإنّه لا يؤكّده ولا يوثّقه بمثل ما أكّد به

1 . الجامع لأحكام القرآن: 2/263.
2 . البقرة:181.

صفحه 137
أمر الوصية هنا من كونه حقّاً على المتّقين، ومن وعيد لمن بدّله.
ثم قال: وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إنّ الوصيّة في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث]الوارث الممنوع من الإرث[ بأن يخصّ القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران، فله أن يوصي لهما بما يؤلّف به قلوبهما. 1
ولا يخفى ما في صدر كلامه من الإتقان لولا ما تنازل في آخره وحاول الجمع بين الآيتين بتخصيص جواز الوصية لمن لا يرثان من الوالدين بسبب كالقتل والكفر والسرقة، إذ لقائل أن يسأل الإمام أنّه إذا كان المراد من الوالدين والأقربين في آية الوصية هم الممنوعين من الوراثة، فما معنى هذا التأكيد والعناية البارزة في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، أوَ ليس هذا أشبه بالتخصيص المستهجن، فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة، والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.
وأمّا ما يثيرون حول الإيصاء للوالدين من كونه سبباً لظهور العداء، فقد مرّ جوابه في صدر البحث، وهنا نزيد ما ذكره ذلك الإمام بقوله:

1 . تفسير المنار: 2/136ـ 137.

صفحه 138

كلام للإمام عبدة في تجويز الوصية للوارث

وقال محمد عبدة: وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخصّ بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنياً والبعض الآخر فقيراً. مثال ذلك أن يطلّق أبوه أُمّه وهو غنيّ، ولا عائل لها إلاّ ولدها، ويرى أنّ ما يصيبها من التركة لا يكفيها، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته ـ إن لم يكن له ولد ـ عاجزاً عن الكسب فنحن نرى أنّ الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحكم أن يساوي الغني الفقير. والقادر على الكسب من يعجزه عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنّهم سواسية في الحاجة كما أنّهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصيّة مقدّماً على أمر الإرث ... ويجعل الوالدين والأقربين في آية أُخرى أولى بالوصيّة لهم من غيرهم لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحياناً، فقد قال في آيات الإرث في سورة النساء: (مِنْ بعَدِ وَصيَّة يُوصِي بِها أو دَين) فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .1
لقد بان الحقّ ممّا ذكرنا وأنّ الذكر الحكيم أعطى للإنسان حقّ الإيصاء للوالدين لمصالح هو أعرف بها، على حدّ لا يتجاوز الثلث، وليكون إيصاؤه أيضاً على حدّ المعروف.
ويؤيّده إطلاق قوله سبحانه في ذيل آية المواريث: (وأُولُوا الأرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ منَ المؤمنينَ والمهاجرينَ إلاّ أن تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ مَعروفاً كانَ ذلكَ في الكتابِ مَسطُوراً).(2) ويريد من قوله:(إلاّ أن

1 . تفسير المنار: 2/393.   2 . الأحزاب:7.

صفحه 139
تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ)الإحسانَ في الحياة، والوصيةَ عند الموت فإنّه جائز. 1وإطلاقه يعمّ الوارث وغيره.
واللّه سبحانه هو العالم بمصالح العباد، فتارة يخصّ بعض الورّاث ببعض التركة عن طريق تنفيذ الوصية ما لم تتجاوز الثلث كما في آيتنا، وأُخرى يوصي لغير الوارث بشيء منها، يقول سبحانه: (وإذا حَضَـرَ القِسمَةَ أُوْلُوا القُرْبَـى وَاليَتمَى والمَساكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً).2
والمراد من (أُوْلُوا القُرْبَـى) الأخ للميت الشقيق وهو لايرث، وكذلك العم والخال والعمّة والخالة ويعدّون من ذوي القربى للوارث، الذي لا يرثون معه وقد يسري إلى نفوسهم الحسد فينبغي التودّد إليهم، واستمالتهم بإعطائهم شيئاً من ذلك الموروث، بحسب ما يليق بهم ولو بصفة الهبة أو الهدية....3
***

2. آية الوصية منسوخة بالسنّة

قد عرفت مدى صحّة نسخ الآية بآية المواريث وربّما يقال بمنسوخيتها بالسنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل رواها أصحاب السنن في الصحاح والدار قطني والبيهقي. وكلّ هذه الأحاديث رويت مرفوعة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تنتهي أسانيدها إلى أشخاص أربعة، وإليك دراسة رواياتهم واحداً واحداً:

1 . الجامع لأحكام القرآن: 14/126. باختلاف يسير.
2 . النساء:8.
3 . تفسير المنار: 2/394.

صفحه 140
 
الأوّل: أبو أمامة الباهلي
وتنتهي إليك ثلاثة أحاديث، وهي:
1. روى الترمذي في باب ما جاء «لا وصية لوارث»: حدّثنا هنّاد وعلي بن حجر، قالا: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، أخبرنا شُرَحْبِيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، قال سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله تبارك وتعالى قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر».1
2. روى أبو داود، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا ابن عيّاش، عن شُرحبيل بن مسلم، ] قال:[ سمعت أبا أمامة ] يقول:[ سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث».2
3. روى ابن ماجة: حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث».3
إلى هنا تمّ ما روي عن أبي أمامة الباهلي، والروايات في الظاهر ثلاث ولكنّها في الحقيقة رواية واحدة، لوجود شرحبيل بن مسلم، وإسماعيل بن عياش، في جميع الأسانيد فقد اتّهم الثاني بالتخليط وأنّه كان من أروى الناس

1 . سنن الترمذي: 3 / 293، باب ما جاء في لا وصية لوارث، برقم 2203.
2 . سنن أبي داود:3/114، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم 2870.
3 . سنن ابن ماجة: 2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2713.

صفحه 141
عن الكذابين، وأنّه رجل لا يدري ما يخرج من رأسه.1 فيصبح الجميع رواية واحدة.
وأمّا شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي، قال ابن معين: ضعيف، واختتن في ولاية عبد الملك بن مروان، ووثّقه الآخرون.2

الثاني: عمرو بن خارجة

وهو أحد مَن تنتهي إليه أسانيد خمسة أحاديث، وإليك نقلها بأسانيدها ومتونها.
1. روى الترمذي، قال: حدّثنا قتيبة، أخبرنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها وهي تقصع بجرّتها.3 وإن لُعابها يسيل بين كتفيَّ، فسمعته يقول:«إنّ الله عزّ وجلّ أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر...».4
2. روى النسائي قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا قتادة عن شهر بن حوشب، أنّ ابن غنم ذكر أنّ ابن خارجة ذكر له أنّه شهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس على راحلته، وإنّها

1 . تهذيب الكمال: 3 / 175 ـ 179 .
2 . تهذيب الكمال: 12 / 431، برقم 1721 .
3 . «الجران»: هو من العنق ما بين المذبح إلى المنحر، و« تقصع بجرّتها»: أراد شدّة المضغ وضمّ بعض الأسنان على بعض، وقيل: قصع الجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق.(لاحظ: النهاية لابن الأثير: 4 / 72، مادة «قصع»).
4 . سنن الترمذي: 3 / 294 برقم 2204، باب ما جاء في لا وصيّة لوارث.

صفحه 142
لتقصع بجرّتها وإنّ لُعابها ليسيل. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته: «إنّ الله قد قسّم لكلّ إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية».1
3. وروى النسائي أيضاً قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا أبو عوانة عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: خطب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث».2
4. روى ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطبهم وهو على راحلته، وإنّ راحلته لتقصع بجرّتها، وإنّ لُغامها ليسيل بين كتفيّ، قال:«إنّ الله قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية، والولد للفراش...».3
5. روى الدارقطني قال: حدّثنا أحمد بن زياد، نا عبد الرحمان بن مرزوق، نا عبد الوهاب، نا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: خطبنا رسول الله بمنى فقال:«إنّ الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث».4
6. روى الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا

1 . سنن النسائي:6/207، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث.
2 . سنن النسائي:6/207، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث.
3 . سنن ابن ماجة:2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2712.
4 . سنن الدارقطني:4/152، «الوصايا»، برقم3.

صفحه 143
قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: كنت تحت ناقة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تقصع بجرّتها ولعابها وينوص بين كتفي، سمعته يقول: «ألا إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا يجوز وصيّة لوارث».1
يلاحظ أنّ عبد الرحمن بن غنم موجود في كافة الأسانيد، وكذلك «شهر بن حوشب» فيصبح الجميع حديثاً واحداً. ويكفي في ضعف الأسانيد: أنّه قيل في حقّ الثاني لا يحدّث عنه وقد طعن فيه.2

الثالث: أنس بن مالك

وقد رويت عنه رواية واحدة، بالسند التالي:
روى ابن ماجة، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنّه حدّثه عن أنس بن مالك، قال: إنّي لتحت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يسيل عليّ لُعابها، فسمعته يقول:«إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ألا لا وصية لوارث».3
وفي السند من لا يحتجّ به نظير عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وصف بأنّه ضعيف الحديث روى مناكير.4
وبهذا نخرج بالنتيجة التالية: أنّ الروايات المرفوعة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تتجاوز عن ثلاث روايات، فلا يخرج مثل ذلك عن الخبر الواحد، مضافاً إلى

1 . سنن الدارمي:2/419، باب الوصية للوارث.
2 . لاحظ : تهذيب الكمال:12/581 و 585 برقم 2781 .
3 . سنن ابن ماجة:2/905، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم 2714.
4 . لاحظ : تهذيب التهذيب:6/266 برقم 581.

صفحه 144
أنّ في أسانيد الكثير منها رجال ضعاف لا يحتج بهم، ضربنا عن ذكرهم صفحاً، واقتصرنا بالقليل عن الكثير ; لأنّ دراسة كلّ من ورد في الأسانيد يورث الإطناب.
***
إلى هنا تمّت دراسة ما روي في السنن المعدودة من الصحاح، وإليك ما روي في سنن الدارقطني والبيهقي.

الرابع: ما روي عن ابن عباس

قد رويت عن ابن عباس عن طريق عطاء روايتان، إحداها في سندها إرسال، والأُخرى مرفوعة بواسطة عكرمة.
1. روى الدارقطني: نا أبوبكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجّاج، نا ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تجوز الوصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة».1 والحديث موقوف لأنّ عطاء لم يدرك ابن عباس.
2. روى الدارقطني أيضاً: نا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، نا محمّد بن عمرو بن خالد، نا أبي، نا يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله:«لا تجوز لوارث وصية إلاّ أن يشاء الورثة».(2) وهذا مرفوع غير أنّ عكرمة لا يحتجّ بحديثه، كان أباضياً، كذب على ابن عباس.2

1 . سنن الدارقطني:4/ 54 برقم 4104 .   2 . سنن الدارقطني:4 / 55 برقم 4109.
2 . تهذيب التهذيب:7/234 برقم 476.

صفحه 145

ما رواه الدارقطني عن عمرو بن خارجة

روى الدارقطني بسنده المتّصل إلى عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى، فقال:«إنّ الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث».1
والحديث وإن كان مشتملاً على شهر بن حوشب ولكن المتن يمكن أن يكون وجه جمع بين الروايات وأنّه لا يجوز أزيد من الثلث، وقد سقط هذا عن الروايات السابقة، فلو دار الأمر بين كون الذيل زائداً وبين كونه ساقطاً من سائر الروايات، فالثاني أولى عند أهل الحديث.

ما رواه البيهقي

روى البيهقي في باب أسماه «باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين بين الوارثين» عشر روايات، الثلاثة الأُولى منها تنتهي إلى ابن عباس عن طريق عطاء2، إمّا بلا واسطة عن ابن عباس أو عن طريق عكرمة. ثم قال البيهقي: عطاء الخراساني غير قوّي.3
وفي الحديث الرابع روى عن مجاهد: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لا وصية لوارث». ويكفي في ضعف الحديث ما ذكره الشافعي على ما حكاه البيهقي، قال: وروى بعض الشاميين حديثاً ليس ممّا يثبته أهل الحديث بأنّ بعض رجاله مجهولون» إلخ.

1 . سنن الدارقطني: 4 / 87 برقم 4255 .
2 . لاحظ: السنن الكبرى:6/264، الأحاديث الأوّل والثاني والثالث، من الباب المذكور.
3 . السنن الكبرى: 6/264.

صفحه 146
وأمّا الحديث الخامس ففي سنده إسماعيل بن عيّاش فلا يُعدّ حديثاً مستقلاًّ.
وأمّا الحديث السادس فكالخامس في سنده إسماعيل بن عيّاش .
وأمّا الحديث السابع ففي سنده شهر بن حوشب.
وأمّا الحديث الثامن ففي سنده إسماعيل بن مسلم وهو مردّد بين العبدي والمكّي، والثاني ضعّفه علماء الرجال ووصفوه بأنّه: منكر الحديث.1
وأمّا الحديث التاسع فسنده مشتمل على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وهو ضعيف الحديث، روى عن أهل الكوفة أحاديث مناكير.2
وأمّا الحديث العاشر فسنده يشتمل على سفيان بن عُيينة(المتوفّى 198 هـ) قال محمد بن عبد الله بن عمّار: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أنّ سفيان بن عُيينة اختلط سنة 197 هـ ، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء.3 وبهذا تبيّنت الأُمور التالية:
الأوّل: أنّ آية الوصية ليست منسوخة بآية المواريث، لأنّ الثانية في طول الأُولى لا في عرضها كما تبيّن.
الثاني: أنّ القول بأنّ آية الوصية منسوخة بالسنّة، فقد عرفت حال الروايات وأنّها لا تخرج عن الخبر الواحد، لأنّ الجميع ينتهي إلى أشخاص أربعة وهم: أبو أُمامة الباهلي، وعمرو بن خارجة، وأنس بن مالك، وابن

1 . تهذيب الكمال:3/198، برقم 483.
2 . تهذيب التهذيب:6/266، برقم 581.
3 . تهذيب الكمال:11/196.

صفحه 147
عباس، وأنّ عامّة الطرق إلى هؤلاء ضعيفة جدّاً.
الثالث: أنّه يمكن حمل الروايات على ما زاد عن الثلث، وقد مرّ نقله عن سنن الدارقطني.1
الرابع: إجماع أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على الجواز، وإليك نقل شيء من الروايات الصادرة عنهم.

جواز الوصية للوارث في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بجواز الوصية للوارث وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك أورد فيه حوالي ثلاثة عشر حديثاً تدلّ على المقصود نذكر شيئاً منها:
1. روى الكليني باسناده عن أبي ولاّد الحنّاط، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الميّت يوصي للوارث بشيء؟ قال: نعم، أو قال: جائز له.2
2. وروى عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز، قال: ثم تلا هذه الآية: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)3.4
3. وروى عن أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الوصيّة للوارث؟ فقال: تجوز.5

1 . لاحظ: سنن الدارقطني:4/ 87 برقم 4255 .
2 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
3 . البقرة:180.
4 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.
5 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث3.

صفحه 148
4. وروى عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«الوصية للوارث لا بأس به».1
إلى غير ذلك من الروايات التي تعترف بجواز الوصية للوارث.
نعم ما يظهر من بعض الروايات خلاف ما تضافر فإنّه محمول على ضرب من التقية ; نظير ما رواه سليمان بن قاسم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه فقال:«لا تجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين».2
ومنه يظهر وجه ما رواه العياشي في تفسيره عن أبي بصير عن أحدهما(عليهما السلام)في قوله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)3 قال: «هي منسوخة، نسختها آية الفرائض التي هي المواريث».4
***
تمّت قاعدة
جواز الوصية للوارث

1 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث4.
2 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث12.
3 . البقرة:180.
4 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث15.

صفحه 149
القواعد الفقهية
      81
منجّزات المريض من الثلث   
قاعدة

منجّزات المريض من الثلث

توضيح القاعدة
في صحة هذا النوع من التصرّفات
في تقسيم تصرّفات المريض
ما هو المراد من «المرض» في المسألة؟
ما هو الأصل في المسألة؟
أقوال الفقهاء في المسألة
موقف فقهاء السنّة من المسألة
أدلّة القائلين بالإخراج عن الأصل
الإخراج من الأصل يوجب الإخلال في الحكمة
القضاء الحاسم بين القولين
مسألة منجّزات المريض ـ أي تصرّفاته القطعية في مرض موته بالبيع والشراء والهبة والصلح على وجه التبرع والمحاباة ـ من المسائل الّتي يكثر الابتلاء بها، فنرى أنّ بعض الناس إذا أحسّوا بقرب الموت أو بدت أماراته

صفحه 150
عليهم، يقدمون على نقل بعض أموالهم بصورة قطعية إلى بعض الورثة أو إلى غيرهم بحجّة أنّهم مالكون وهم أولى بمالهم ما داموا أحياءً، وينتهي ذلك إلى ضرر الورثة.
ولأجل توضيح المسألة وتحديد موضوعها وبيان حكمها نقدّم أُموراً:

الأوّل: في صحّة هذا النوع من التصرّفات

لا شكّ أنّ تصرّفات المريض في حال حياته على النحو القطعي صحيحة ما دام حيّاً ومالكاً لعقله وشعوره، كما أنّها تبقى صحيحة بعد الموت على كلا القولين (خروجها من الأصل أو من الثلث) غاية الأمر أنّه يجوز للورثة الردّ كما أنّ لهم إبقاءَه، فالتصرّف محكوم بالصحّة مالم يرد ردّ من جانبهم .
ثم إنّ المراد بالمنجّز هنا في مقابل المعلّق، وليس بمعنى الصحيح في مقابل الباطل، وسيظهر معنى المنجّز أوضح ممّا هنا في الأمر الثاني.
والمشهور بين القدماء ـ على ما قيل ـ هو الأوّل، والمشهور بين المتأخّرين هو الثاني، ولكن انقلبت الشهرة في الأعصار الأخيرة إلى الأوّل أيضاً، وقد تضاربت الآراء والأفكار في المسألة منذ أن وردت في الكتب الفقهية.

الثاني: في تقسيم تصرّفات المريض

تصرّف المريض في ملكه إما أن يكون منجّزاً، أو يكون معلّقاً على الموت. والأوّل هو المطروح في المقام، وأمّا الثاني فيرجع إلى باب الوصية.
ثم إنّ الوصية تنقسم إلى تمليكية، وعهدية. أمّا الأُولى فهي إنشاء

صفحه 151
الموصي تمليك عين أو منفعة لشخص معيّن أو أشخاص بعد وفاته.
وأمّا الثانية فهي إيصاء الموصي لشخص معيّن أو أكثر بتنفيذ وصيته الّتي كتبها ممّا يتعلّق بتجهيزه أو استيجار الحج والعبادات الفائتة عنه، ومن ذلك تعيين إدارة شؤون الصغار من أولاده.
ومن ملحقات العهدية الإيصاء بالعتق وإيقاف داره مسجداً أو مجمعاً علمياً، فكلّ ذلك يخرج من الثلث، من غير فرق بين ما لو كانت الوصية تمليكية أو عهدية، حتّى الملحق بالعهدية، فلو زاد على الثلث يحتاج إلى تنفيذ الوارث وإجازته وإلاّ يبطل.
إنّما الكلام فيما إذا كان منجّزاً غير معلّق على شيء، فإذا مات في نفس المرض الّذي نجّز التصرّفات فيه، فهل يخرج من الأصل أو الثلث؟ ونظيره المنجّز، المعلّق على غير الموت، سواء حصل المعلّق عليه قبل الموت أم بعده. كقوله: هذا لولدي إن نجح في الامتحان، فنجح قبل موته أو بعده، لأنّه لا يدخل في الوصية وإنّما هو داخل في المنجّزات.
وهذا من غير فرق بين التصرّف في العين كبيعها، أو التصرّف في المنفعة المملوكة كإجارة البيت.

الثالث: تحديد موضوع المسألة

لاشكّ أنّ قسماً كبيراً من منجّزات المريض يخرج من الأصل بلا كلام، نظير ما إذا باع بثمن المثل أو اشترى به، فلابدّ من تحديد الموضوع على نحو يكون جامعاً مانعاً، ولم يرد عنوان «منجّزات المريض» في لسان الأدلّة، والقدر المتيقّن من أدلّة الباب، إذا كان التصرّف تبرعياً مضرّاً بحال الوارث،

صفحه 152
ولذلك عمد غير واحد من الأصحاب إلى بيان ضابطة لموضوع المسألة متّخذة من دراسة الروايات ، وإليك بعض هذه الضوابط:
الضابطة الأُولى: ما ذكره العلاّمة في «القواعد» عند البحث في حقيقة التبرّع حيث قال: وهو إزالة الملك عن عين مملوكة، يجري الإرث فيها من غير لزوم ولا أخذ عوض يماثلها. فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ، وكذا لو اشترى به.1 وإليك دراسة التعريف:
1. أنّ تخصيص التبرع بإزالة الملك عن عين مملوكة، يخرج العارية، إذ ليس فيها إزالة للملك ولا مانع من خروجه عن محل البحث لجريان السيرة على هذا، إذ لم يعرف أنّ المالك يكون ممنوعاً من إعارة كتابه لغيره شهراً واحداً، دون أن يدور في خلد أحد أنّه من تصرّفات المريض وهو من الثلث.

نقد التعريف

وأورد المحقّق الثاني على التعريف بشمول «إزالة الملك» إتلاف مال الغير، فإنّ التعريف صادق عليه مع أنّه ليست من التبرعات فلا تحسب من الثلث ; لأنّه من قبيل الديون التي تخرج من الأصل، فلا يكون مانعاً للأغيار.
2. قوله: «في عين مملوكة» يخرج إزالة الملك عن الدين بالإبراء وعن المنفعة وعن التحجير، لأنّ الجميع ليس عيناً، ولاريب في أنّ خروجها تبرعي داخل في محل النزاع مع أنّ ظاهر التعريف خروجها، فلا يكون جامعاً للأفراد.
3. قوله: «يجري فيها الإرث» قيد زائد، إذ لا تتصوّر إزالة الملك من عين مملوكة لا يجري فيها الإرث ويُعدّ تبرعاً.

1 . قواعد الأحكام: 2 / 531، كتاب الوصايا.

صفحه 153
4. قوله: «من غير لزوم» أي إذا لم تكن إزالة الملك له أمراً لازماً في الشرع وإنّما أقدم عليها من غير ملزم، كما إذا باع أو وهب من دون أن يجبا عليه فخرج ما وجب عليه قبل المرض كالواجبات المالكية كالزكاة والخمس والكفّارات والدين والنذر السابق فلا شك أنّهما يخرجان من الأصل، بقي الكلام فيما إذا نذر في مرض الموت بأن يهب داره لزيد فإنّ أصل النذر غير واجب لكن العمل به واجب، فخرج عن التعريف مع أنّه داخل في محطّ البحث.
نعم قوله: «ولا أخذ عوض يماثلها» أخرج به المعاوضات إذا كانت بثمن المثل، ولذلك فرّع عليه قوله: فلو باع بثمن المثل لزم وصحّ، وكذا لو اشترى به .
الضابطة الثانية: ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك»، 1 ونقله السيد الطباطبائي اليزديّ في رسالته أيضاً من أنّه «ما استلزم تفويت المال على الوارث بغير عوض».2
وأورد عليه بأُمور ثلاثة:
1. أنّ قوله تفويت المال يشمل الإتلافات ونحوها مع أنّها تحسب من الأصل بلا إشكال.
2. ويشتمل ما كان الإتلاف لازماً كإراقة الخمر وكسر الميسر أيضاً، ويعد الجميع مالاً وإن لم يكن ملكاً مع خروجه مع أنّه يخرج من الأصل.

1 . مسالك الأفهام: 6 / 305 .
2 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزّات المريض: 14.

صفحه 154
3. لا يشمل الحقّ مع كونه داخلاً.
الضابطة الثالثة: ما ذكره السيد الطباطبائي: هو التمليك أو الفكّ أو الإبراء المتعلّق بالمال أو الحقّ الفعلية تبرّعاً من غير لزوم سابق، أو الالتزام بأحد هذه الأُمور كذلك.1

التعريف جامع ومانع

إنّ هذا التعريف جامع ومانع. أمّا كونه جامعاً ، فقد دخل في التعريف كلّ تمليك أو فكّ ملك ـ كالوقف ـ أو إبراء للدين على وجه المحاباة، أو البيع والإجارة بصورة المحاباة، والصلح من غير عوض أو بعوض قليل، وإبراء الدين وشراء أحد العمودين الّذي ينعتق عليه.
كما دخل بالقيد الأخير ـ أعني: «من غير لزوم سابق» ـ النذر والعهد أو اليمين أو الشرط المتعلّقات بالمال أو الحق في حال المرض. نعم لو كان النذر واجباً عليه بالنذر السابق على المرض فهوخارج عن محطّ النزاع.
وأمّا عدم ذكره المنفعة، فلأنّها داخلة تحت قوله: «كلّ تمليك».
هذا كلّه في كون التعريف جامعاً، وأمّا كونه مانعاً .
فقد خرجت بقوله: «التمليك أو الفك أو الإبراء» التسبيبات كإتلاف مال الغير، وكالجناية على الغير بما يوجب الأرش أو الدية، وفعل ما يوجب الكفّارة من حيث حنث النذر والإفطار ونحوهما من أسبابها، وذلك لأنّ الجميع من قبيل الدين يُخرج من الأصل وليس فيه تمليك ولا فكّ ولا إبراء .
وخرج بتقييده المال والحقّ بكونهما فعليّين الأُمور التالية:

1 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 13 .

صفحه 155
1. قبول هبة من ينعتق عليه. 2. قبول شرط سقوط خياري المجلس والحيوان في البيع. 3. ما لو آجر نفسه بأقلّ من أُجرة المثل أو جعل الأُجرة من ينعتق عليه. 4. تزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل. 5. رد الهبة أو الوصية أو الصدقة إذا كان من أهلها، وذلك لعدم وجود مال وحقّ فعليّين قام المريض بتمليكه للغير أو فكّه أو إبرائه.
وبالجملة ليس في هذه الموارد ملك أو حقّ فعلي سابق على التصرّف حتّى يكون من مصاديق المسألة، نعم كان في وسع المريض أن يكتسب مالاً أو حقّاً ولكنّه لم يكتسبه.
6. وخرج العفو عن القصاص مع إمكان المصالحة بالمال، فإنّ إسقاط حقّ القصاص ليس إسقاطاً لحقّ مالي، وإن كان للمريض تبديله بالدية واكتساب مال جديد لكنّه لم يفعل.
والحاصل: أنّه لو كان هنا حقّ ثابت مالي يقع في محل النزاع، وأمّا إذا لم يكن هناك حقّ ثابت من ذي قبل وإنّما لم يكتسب المال أو الحقّ الجديدين، فالجميع خارج عن محلّ النزاع.
وخرجت بقيد التبرّع العقود المعاوضية بثمن المثل والصلح والإجارة بأُجرة المثل والهبة المعوضة لعدم وجود التبرّع فيها.
وخرجت بقوله: «من غير لزوم سابق» الواجبات المالكية، كالزكاة والخمس والكفّارات والعتق المنذور والصدقة المنذورة إذا كان النذر في حال الصحّة وإن حصل المعلّق عليه في حال المرض.
وما إذا صرف المال لحفظ عرضه وحفظ نفسه أو مَن يعول عليه أو حفظ ماله، لا لأجل عدم كونه عقداً من العقود، بل لأجل جريان السيرة على

صفحه 156
تصرّف المريض في هذا النوع من التصرّفات وعدم حجره عنها، ونظير ذلك إذا تحقّق كلّ ذلك بالعقد.
وقد عُلم بما ذكرنا من الضوابط وما ذكرنا حولها ممّا يدخل ويخرج، أنّ مصبّ النزاع ما إذا قام المريض بتصرّفات جديدة في عين أو حقّ أو منفعة موجودة، بنحو يُعدّ عمله إضراراً للوارث وتفويتاً لمصلحته.

الرابع: ما هو المراد من المرض الّذي يكون التصرّف فيه محلاًّ للخلاف؟

لا إشكال في أنّ المراد من المرض ليس مطلق المرض، بل المرض المتّصل بالموت، فلذلك لو تصرّف في حال المرض ثم برأ من مرضه ذلك ومات في مرض آخر، يخرج من الأصل إجماعاً.
ومع ذلك تنبغي دراسة الأدلّة حتّى نخرج بنتيجة واحدة مقابل الاحتمالات المختلفة.
إنّ العناوين الواردة لا تتجاوز عن ثلاثة:
1. ما وقع فيه «الموت» موضوعاً والمراد قربُ موته، نظير قوله: «للرجل عند موته ثلث ماله»، أو قوله: «ما للرجل من ماله، عند موته» أو: «عن الرجل يموت ما له من ماله؟».
2. ما وقع «حضور الموت» موضوعاً، كقوله: «رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له».
3. ما وقع المرض موضوعاً كقوله: «عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه، فتُبرئ ذمّته في مرضها»، أو قوله: «في رجل أوصى بأكثر من ثلثه وأعتق مملوكه في مرضه».

صفحه 157
فنقول هنا احتمالات:
الأوّل: أنّ الموضوع هو المشرف على الموت، ومَن كان على عتبته بحيث تنقضي حياته بعد يوم أو يومين أو أقل أو أكثر بقليل.
الثاني: مَن يترقّبُ منه الموت حسَب حاله ونوع مرضه، كالسرطان وغيره ـ أعاذنا الله وجميع المؤمنين منه ـ وعندئذ يكون الوقت أوسع وربّما يطول المرض شهوراً حسب شدته ومحل ظهوره، وعلى هذا فيخرج المرض الّذي لا يترقّب فيه الموت.
الثالث: مطلق المرض الّذي سواء كان الموت مترقّباً، كما مثلناه ; أو لم يكن، كما إذا ابتلى ببعض الأمراض الخفيفة لكن انتهى إلى موته. وسيوافيك أنّه خيرة السيد الطباطبائي اليزدي بشرط أن يكون التصرّف عند حضور أمارات الموت.
ظاهر العنوانين الأوّلين: عند موته، أو حضره الموت، هو الأوّل، أي المشرف على الموت، ولكن المتبادر من العنوان الثالث ما وقع فيه المرض موضوعاً، هو الاحتمال الثاني، أي من يترقّب منه الموت ولو بعد مدّة طويلة.
هذا ما فهمناه من الروايات وأمّا كلمات الأصحاب، فإليك ذكرها .

كلمات الأصحاب في تحديد المرض

يظهر من الشيخ وابن سعيد الحلّي والمحقّق الثاني أنّ الموضوع هو المرض المخوف الّذي ينطبق على الاحتمال الثاني .

صفحه 158

الموضوع: المرض المخوف

قال الشيخ : إنّ المرض المانع ممّا زاد عن الثلث هو المخوف، وهو ما يتوقّع منه الموت دون غيره، تمسّكاً بالأصل والاستصحاب وبنحو عموم «الناس مسلّطون على أموالهم» إلاّ ما أخرجه دليل، ولم يقم على غير المخوف دليل... ثم أضاف وقال:
ولأنّ الأخبار الواردة بكون تصرّف المريض من الثلث لا تدلّ على أزيد من ذلك، لأنّ في بعضها: ما للرجل عند موته. وليس المراد عند نزول الموت به قطعاً، فتعيّن حمله على ظهور أماراته; لأنّه أقرب من غيره من المجازات. والمراد ظهور ذلك بالمرض، لإشعار قوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه بذلك» وللإجماع على عدم الحجر بغير المرض .1
وقال ابن سعيد : وإقرار ذي المرض المخيف، وبيعه وهبته وصدقته إذا أقبضها حال حياته لأجنبي ووارث، وتصرّفه المنجّز، صحيح كزمان الصحة .2 وهو وإن قال بالخروج من الأصل لكن حدّد المرض بالمخيف.
وقال المحقّق الثاني: والأوّل (المرض المخوف) أظهر، إذ لا تنهض الأخبار حجّة على الحجر بمطلق المرض، وقوله (عليه السلام): «المريض محجور عليه» لا يقوم له: لأنّ المفرد لا يعمّ، ولو سلّم، منعنا صدق اسم المريض عرفاً على من حمّ ساعة، ومَنْ به وجع الضرس والعين، وإنّما يحمل المريض على مَن صدق عليه هذا الاسم عرفاً، لأنّ الحقيقة العرفية مقدّمة.3

1 . المبسوط: 4 / 44. نقلاً عن جامع المقاصد: 11 / 96 .
2 . الجامع للشرائع: 497 .
3 . جامع المقاصد: 11 / 97 .

صفحه 159

الموضوع أعمّ من المخوف وغيره

وذهب المحقّق والعلاّمة والسيد الطباطبائي اليزديّ إلى أنّ الموضوع هو أعمّ من المخوف وغيره .
قال المحقّق: كلّ مرض لا يؤمن معه من الموت غالباً فهومخوف ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الأمراض الّتي الغالب فيها السلامة فحكمها حكم الصحّة.
ثم قال: ولو قيل: يتعلّق الحكم بالمرض الّذي يتّفق به الموت، سواء كان مخوفاً في العادة أو لم يكن لكان حسناً .1
وقال العلاّمة: الأقرب عندي أنّ كلّ تصرّف وقع في مرض اتّفق الموت معه، سواء كان مخوفاً أو لا، فإنّه يخرج من الثلث إن كان تبرّعاً، وإلاّ فمن الأصل.2
واختاره السيد الطباطبائي في رسالته تمسّكاً بالإطلاقات، قال: ما ذكره الشيخ ومن تبعه فلا دليل عليه، إذ ليس في الأخبار إشارة إلى اعتبار كونه مخوفاً، بل الموجود فيها لفظ «المريض» و «غير الصحيح» و «حضرته الوفاة» و «عند موته» و «عند وفاته» .3
فالموضوع عنده مركّب من أمرين: وقال: المدار على مجموع الأمرين: من المرض، وصدق حضور الموت. فمثل الأمراض المستمرّة الّتي تطول سنين عديدة لا تكون محلاًّ للبحث إلاّ إذا كان التصرّف في آخرها.4 وبذلك

1 . شرائع الإسلام: 2 / 261 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 529 .
3 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15. وفي الطبعة المحقّقة: 106 .
4 . رسالة السيد الطباطبائي في منجزات المريض: 15. وفي الطبعة المحقّقة: 108.

صفحه 160
جمع بين العناوين الثلاثة الواردة في الروايات.
وبذلك يعلم انصراف الروايات عن الموارد التالية:
1. المرض الّذي يطول سنة أو سنتين كما هو الحال في المصابين بالغازات الكيمياوية، إذا كان التصرّف في أوائل مرضه لعدم صدق حضور الموت.
2. إذا تصرّف وهومريض ولكن مات بسبب آخر من قتل أو حرق أو قصف جوي، لعدم استناد موته إلى المرض.
3. إذا تصرّف وهو مريض وطرأ في أثناء ذلك المرض مرض آخر مات بسببه لعدم استناد موته إلى المرض الذي تصرّف فيه.
كما لا يبعد دخول الموارد التالية ملاكاً:
1. إذا صار مجروحاً وتصرّف في تلك الحالة ومات بذلك الجرح، إذ لا فرق بينه وبين المرض عرفاً.
2. إذا تصرّفت المرأة وهي في حالة الطلق المخيف غالباً.
وأمّا المذكورة تالياً ففي دخولها أو خروجها تأمّل:
1. إذا تصرّف والأمواج البحرية تتلاطم حول السفينة وتدفع بها من جانب إلى آخر.
2. إذا تصرّف والعدو يقصف البلد وهو فيه.
3. إذا تصرّف وهو أسير بيد العدو وعادته قتل الأسير.
4. إذا تصرّف في حالة قُدّم المتصرّف للقتل لأجل إجراء الحدّ أو القصاص. واتّفق الموت في جميع الصور الأربع.

صفحه 161

ما هو الأصل في المسألة؟

المراد من الأصل مقتضى القاعدة الأوّلية إذا لم يوجد دليل حاسم على أحد القولين، فيكون المرجع هو هذا الأصل.
فربما يقال: إنّ الأصل هو الخروج من الأصل لا من الثلث، وقُرّر بوجوه:

1. تسلّط الناس على أموالهم

دلّ الكتاب والسنّة على أنّ الناس مسلّطون على أموالهم، فإنّ مقتضاه نفوذ تصرّف المريض من غير توقّف على إجازة الورثة، إذ لاشكّ أنّ المال باق على ملكية المتصرّف ما دامت فيه الروح، والمراد من السلطنة أعمّ من التكليفي والوضعي، فإذا شُكّ فمقتضى القاعدة أنّ تصرّفه ممضى تكليفاً ووضعاً، وهذه الضابطة هي الأصل عند الشكّ.
يلاحظ عليه:
أوّلاّ: الظاهر من الأدلّة الدالة على تسلّط الناس على أموالهم، هو تسلّطهم على أموالهم على ضوء الضوابط المقرّرة في الكتاب والسنّة، فيجوز لهم بيع أموالهم أو هبتها أو وقفها إلى غير ذلك من أنواع التقلّبات الشرعية في الأموال والحقوق. ولا يمكن التمسّك بهذه الأدلّة في الموردين التاليين:
1. المعاملات المستحدثة كالتأمين والشركات الأربع الرائجة في الغرب الّتي لم تثبت شرعيتها ، فلا يصحّ التمسّك بهذه الأدلّة على شرعية هذه المعاملات بحجّة أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنّ لهم التقلّب والتصرّف بأي نحو كان، من غير فرق بين التصرّف الثابتة شرعيته وما لم تثبت.

صفحه 162
2. إذا ثبتت مشروعية معاملة خاصة كالهبة والوقف ولكن شُكّ في شرطية القبض في صحّتها وعدمها، فلا يمكن التمسّك بتسلّط الناس على أموالهم في نفي عدم شرطية القبض في الرهن والوقف، بل لابدّ من علاج الشكّ بطريق آخر.
والمقام من هذا القبيل حيث شكّ في مشروعية هذا النحو من التصرّف في حال المرض الّذي يتضرّر به الوارث. وبعبارة أُخرى: نشكّ في أنّ الشارع هل أعطى للرجل حق التصرّف التبرّعي في أُخريات عمره الّذي يصيّر الوارث مستجدياً في حياته .
وثانياً: سلّمنا صحّة التمسّك بها في إثبات صحّة تصرّف المريض ولزومه، لكن القول بأنّ نفوذ العقد بعد وفاته معلّق على عدم ردّ الوارث، لا ينافي تسلّط الناس على أموالهم ولزوم العقد في حياته وبعدها إلى زمان الردّ، فإنّ تصرف المورث على وجه المحاباة أو التبرّع صحيح ولازم من جانب الطرفين في حياة المورث وبعد رحيله، غير أنّ هنا حقّاً لشخص ثالث فله أن يمنع عن بقاء العقد ولزومه بعد موته، وثبوت مثل هذا الحقّ ـ لو دلّ الدليل عليه ـ لا ينافي لزوم التصرّف من جانب البائع والمشتري ولا ينافي تسلّط الناس على أموالهم في حياتهم، نظير:
1. إذا باع الشريك سهمه من أجنبي، فالبيع لازم من جانب البائع والمشتري، والتصرّف صحيح، ومع ذلك أنّ للشريك الآخر، حقّ الأخذ بالشفعة، فثبوت مثل هذا الحقّ لا ينافي صحّة التصرّف ولزوم بيعه.
2. تزويج الولي الصغير أو الصغيرة فإنّ له الولاية على تزويج المولّى عليه، لكن لزوم العقد بعد البلوغ رهن عدم الردّ من جانب المولّى عليه إذا لم

صفحه 163
يكن التزويج لصالحه، فثبوت مثل هذا الحقّ للمولّى عليه لاينافي ولاية الولي على التزويج وامتدادها إلى زمان البلوغ وانقطاعها بعد البلوغ، ومثل ذلك المقام حيث إنّ الإنسان ذو ولاية تامّة على ماله ما دام حيّاً. وانّه لو تصرّف يبقى صحيحاً ولازماً في حياته ومماته لكن للوارث تنفيذه وردّه .
3. الإيصاء بأكثر من الثلث، فقد اتّفق الفقهاء على أنّ نفوذ الوصية فيما زاد على الثلث يتوقّف على إذن الورثة، وليس هذا تخصيصاً في تسلّط الإنسان على ماله، فالتسلّط محفوظ ما دامت الروح في بدنه، وإنّما يتوقّف النفوذ بعد الموت على عدم الردّ.
فإن قلت: كيف يكون العقد صحيحاً واقعاً وباطلاً من حين الردّ مع أنّ القائل بالخروج عن الثلث يذهب إلى أن النماءات المتخلّلة بين العقد والردّ ـ إذا كان المبيع زائداً على الثلث ـ هي للوارث، وهذا لا يجتمع مع الصحّة الواقعية وكون المبيع أو الموهب للمشتري.
قلت: إنّ القول بأنّ النماءات المتخلّلة للوارث لا يلازم سلب الملكية عن المشتري، بل تبقى العين في تلك الفترة على ملكه، غاية الأمر تكون النماءات المتخلّلة للوارث، ولا مانع في التفكيك بين بقاء العين في ملك المشتري وكون النماء للوارث، نظير ذلك:
إجازة المالك في البيع الفضولي، إذا باع الفضولي بستاناً في أوّل الربيع من زيد وأجاز المالك أوّل الخريف، فالعين ملك للمالك المجيز في تلك الفترة، وأمّا النماءات فهي للمشتري بعد الإجازة، فهنا تفكيك بين ملكية العين وملكية الآثار، وهذا ما يُسمّى بالكشف الحكمي، فإنّ إجازة المالك لا تبطل مالكيته من حين العقد إلى زمان الإجازة، ومع ذلك تكون الآثار

صفحه 164
للمشتري، فالإجازة تنفيذ في جانب الآثار وأنّها للمشتري لا في جانب العين، عكس ذلك في المقام فإنّ الردّ نقض للآثار وكونها للوارث لا للمشتري مع كون العين للمشتري أو الموهوب له قبل الردّ.

2. وجوب الوفاء بالعقود

إنّ مقتضى ما دلّ على لزوم العقود والإيقاعات هو خروجها من الأصل. قال سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» فإنّ مقتضى وجوب الوفاء هو الخروج من الأصل، لأنّ الخطاب لا يختصّ بالمتعاقدين، وكذا بالنسبة إلى الباقي، فيجب على الوارث ترتيب أثر ملكية ذلك الغير والتوقّف على إجازة الوارث ينافي إطلاق وجوب الوفاء عليه واقعاً.
وبالجملة جميع ما دلّ من الأدلّة العامّة على لزوم العقود والإيقاعات قاضية بالخروج من الأصل.
يلاحظ عليه: أنّ الخطاب في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أو التكليف الوضعي في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» متوجّه لمن قام به العقد وهو البائع والمشتري والشارط والمشروط عليه فيلزم عليهم الوفاء بالعقد، وأمّا الخارج عن الخطاب فلا، إذ ليس عاقداً ولا معقوداً له ولا شارطاً ولا مشروطاً عليه.
ففي مورد الكلام يجب على المتبايعين في البيع المحاباتي في مرض الموت الوفاء بالعقد وتبادل الثمن والمثمن.
وأمّا وجوب الوفاء لمن لا صلة له بالعقد كالورثة ـ حال حياة المورث ـ فلا يستفاد منها، ولذلك قلنا لو زوّج الولي الصغيرة من زوج كبير يجب

صفحه 165
عليهما الوفاء بالعقد، وذلك لا ينافي تسلّط الصغيرة على نقض العقد بعد البلوغ إذا لم يكن الزواج بصالحها.
فإن قلت: إذا لم يجب الوفاء بالنسبة إلى غير المتعاقدين لزم من ذلك عدم جواز شراء المثمن من المشتري، لأنّ الشراء فرع كونه مالكاً وهو رهن صحّة العقد واعتباره في المتعاقدين وغيرهما .
قلت: إنّ الشراء لأجل كون المشتري صاحب اليد الكاشفة عن كونه مالكاً، لا من باب وجوب ترتيب آثار العقد للمتعاقدين وغيرهما، إلاّ إذا علم فساد العقد.

3. الاستصحاب التنجيزي

إنّ السلطنة من الأحكام الوضعية الثابتة حال الصحّة فمع الشكّ في بقائها في حال المرض هو استصحابها، ولازمه نفوذ التصرّفات بعد الموت مطلقاً والخروج من الأصل لا الثلث.
يلاحظ عليه: بما مرّ في أنّ كون العقد لازماً، في حال حياته وبعد رحيله، لا ينافي ثبوت حقّ الردّ للوارث بعد رحيله، إذ ليس معنى اللزوم أن لا يكون لأحد من غير الطرفين حقّ للفسخ، بل المراد من اللازم ما يقابل الجائز بالذات كالعارية في مقابل البيع فهو لازم بالطبع، وعلى ذلك فالعقد لازم، ولكنّه لا يمنع عن ثبوت حق الرد للوارث، فلو دلّ الدليل عليه، فهو لا ينافي لزوم العقد حسب طبعه.
وبهذا ظهر أنّ القاعدة الأوّلية تنسجم مع القولين.

صفحه 166

أقوال الفقهاء في المسألة

اتّفق فقهاء السنّة على أنّ منجّزات المريض تخرج من الثلث، وهذا ما نصّ عليه السيد في الانتصار والشيخ في الخلاف.
نعم اختلف أصحابنا في ذلك فهم بين قائل بخروجه من الأصل، وقائل بخروجه من الثلث. وها نحن نذكر بعض أقوال كلتا الطائفتين إلى نهاية القرن العاشر.

كلمات القائلين بالخروج من الأصل

1. قال المفيد: وإذا وهب في مرضه أو تصدّق، جاز ذلك له في جميع ماله، ولم يكن لأحد معارضته في ذلك. والبيع في المرض صحيح ـ كالهبة والصدقة ـ إذا كان الإنسان عاقلاً مالكاً لرأيه .1
2. قال السيد في «الانتصار»: وممّا انفردت به الإمامية أنّ مَن وهب شيئاً في مرضه الّذي مات فيه إذا كان عاقلاً مميّزاً تصحّ هبته، ولا يكون من ثلثه بل يكون من صلب ماله. وقد خالف باقي الفقهاء فيه، وذهبوا إلى أنّ الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث.2
3. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه ثم مات، فمن أصحابنا مَن قال: لزمت الهبة في جميع الموهوب ولم يكن للورثة فيها شيء. ومنهم مَن قال: يلزم في الثلث ويبطل فيما زاد عليه، وبه قال جميع الفقهاء. دليلنا على الأوّل: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب .3

1 . المقنعة: 671، كتاب الوصية، باب الوصية والهبة في المرض .
2 . الانتصار : 465، كتاب الهبة، تحت عنوان: الهبة في مرض الموت .
3 . الخلاف: 3 / 573، كتاب الهبة، المسألة 21.

صفحه 167
وقال أيضاً في كتاب الشفعة: إذا باع في مرضه المخوف شقصاً وحابى فيه من وارث، صحّ البيع ووجبت به الشفعة بالثمن الّذي وقع عليه البيع. 1
وقال ـ أيضاً ـ في «النهاية»: والهبة في حال المرض صحيحة إذا قبضها ولم يكن للورثة الرجوع فيها، فإن لم يقبضها ومات، كان ما وهب راجعاً إلى الميراث ] لأنّ القبض شرط صحّة التمليك[. وكذلك ما يتصدّق به في حال حياته، والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحّة إذا كان المريض مالكاً لرأيه وعقله .2
4. قال ابن البراج: وإذا وهب المريض في حال مرضه شيئاً وأقبضه، كانت الهبة صحيحة ولم يكن للوارث الرجوع فيها ـ إلى أن قال: ـ وبيعه في حال مرضه صحيح إذا كان ثابت العقل، مالكاً لرأيه.3
وقال في كتاب آخر له: إذا جمع بين عطية منجّزة وعطية مؤخّرة دفعة واحدة ولم تُخرجا من الثلث كيف يفعل فيهما؟
الجواب: إذا جمع بين ذلك ولم تُخرجا من الثلث قدّمت العطية المنجّزة، لأنّها سابقة وتلزمه في حقّ المعطي، فيجب فيهما ما ذكرناه من التقديم على المؤخّرة الّتي لم تلزمه.4
5. قال صاحب الوسيلة: فإن أوصى في حال الصحّة أو في المرض غير

1 . الخلاف: 3 / 455، كتاب الشفعة ،المسألة 40.
2 . النهاية : 620، كتاب الهبة.
3 . المهذب: 1 / 420، كتاب الإقرار.
4 . جواهر الفقه: 153، المسألة 536، ط . النشر الإسلامي، وفي دلالته على أنّ المنجّز من الأصل تأمّل، لو لم يدلّ على العكس، فهو ظاهر في أنّه إذا لم يكف الثلث المنجّز والمعلّق، يقدّم الأوّل لتقدّمه، فقوله: «ولم تخرجا» بمعنى عدم كفاية الثلث بهما. فلاحظ.

صفحه 168
المخوف أو المشتبه ونجّز كان من أصل المال، وإن لم ينجّز كان من الثلث.1
6. قال ابن زهرة في «الغنية»: والهبة في المرض المتّصل بالموت محسوبة من أصل المال لا من الثلث بدليل الإجماع المشار إليه .2
7. قال ابن إدريس في «السرائر»: إذا وهب في مرضه المخوف شيئاً وأقبضه ثم مات، فمن أصحابنا مَن قال: تلزم الهبة في جميع الشيء الموهوب سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، وهو الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول. ومنهم مَن قال: تلزم في الثلث وتبطل فيما زاد عليه.3
وبه أفتى في كتاب الوصية. 4
8. قال الفاضل الآبي في «كشف الرموز» بعد ذكر أدلّة القولين: والأشبه أنّ جميع تصرّفاته من الأصل لوجوه... إلى أن قال: والرابع: لفتوى أكثر الأصحاب .5
9. قال المحقّق الأردبيلي في ذيل كلام العلاّمة في «الإرشاد»: وفي التبرّعات المنجّزة قولان... ودليل الأوّل (لزوم المنجزات وصحّتها) أظهر،

1 . الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 372. وفي دلالته على أنّ منجزات المريض في المرض المخوف من الأصل تأمّل لتخصيص الاخراج من الأصل بالمرض غير المخوف واضح. ولا ملازمة بين الموردين لانّ التصرّف في المرض غير المخوف أشبه بتصرّف الإنسان المصحّ وهو من الأصل بالاتّفاق.
2 . غنية النزوع: 1 / 301، كتاب الهبة، الطبعة المحقّقة في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
3 . السرائر: 3 / 176، كتاب الهبة .
4 . السرائر: 3 / 221. والبيع في حال المرض صحيح كصحّته في حال الصحة إذا كان المريض مالكاً لاختياره ورأيه، ثابت العقل.
5 . كشف الرموز في شرح المختصر النافع: 2 / 91، ط . النشر الإسلامي.

صفحه 169
وهو الأصل، والاستصحاب، وتسلّط الناس على أموالهم .1
10. قال السبزواري في «الكفاية»: وأمّا التبرّعات المحضة كالهبات والصدقات وما في حكمها كالبيع بأقل من ثمن المثل والشراء بأزيد منه، في القدر الزائد ممّا أخذه من العوض فاختلف الأصحاب في حكمها، فقيل: إنّها تمضى من الثلث، وقيل: من الأصل، وهو أقرب للأصل.2
هذه أقوال جملة من القائلين بخروج المنجّزات من الأصل.
وأمّا القائلون بخروجها من الثلث، فإليك كلمات بعضهم:

كلمات القائلين بالخروج من الثلث

إنّ القول بنفوذها من الثلث مذهب كثير من المتأخّرين وبعض المتقدّمين، وربّما يكون لفقيه واحد رأيان:
1. قال الشيخ: رجلٌ أعتق عبداً له لا مال له غيره في مرضه المخوف، نظرت فيه فإن لم تجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد وصحّ في الثلث، ويكون الولاء في الثلث له .3
2. قال المحقّق في «النافع»: تصرّفات المريض إن كانت مشروطة بالوفاة فهي من الثلث، وإن كانت منجّزة وكان فيها محاباة أو عطية محضة فقولان; أشبههما أنّها من الثلث .4
وقال المحقّق في «الشرائع»: والمريض ممنوع من الوصية، بما زاد عن

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 9 / 214 .
2 . كفاية الأحكام: 2 / 72، كتاب الوصية.
3 . المبسوط: 4 / 10 (كتاب الوصايا).
4 . المختصر النافع، آخر أحكام الوصية: 193.

صفحه 170
الثلث إجماعاً، ما لم يُجز الورثة. وفي منعه من التبرعات المنجّزة، الزائدة على الثلث، خلاف بيننا، والوجه المنع.1
وللمحقّق كلمات مماثلة في غير هذا الباب، فقد قال في كتاب الوقف: أمّا لو وقف في مرض الموت فإن أجاز الورثة، وإلاّ اعتبر من الثلث، كالهبة والمحاباة في البيع، وقيل: يمضى من أصل التركة. والأوّل أشبه.(2)
3. قال العلاّمة في «تحرير الأحكام»: الرابع عشر: المريض محجور عليه إلاّ في ثلث ماله في التبرّعات، كالهبة، والصدقة، والعتق، ولو اشتمل البيع على المحاباة مضى ما قابل رأس المال من الأصل، والزيادة من الثلث، ولو أجازت الورثة صحّ جميع ما أجازوا فيه .2
وقال في «القواعد»: أمّا المعجلة للمريض فإن كانت تبرّعاً فالأقرب أنّها من الثلث إن مات في مرضه، وإن برئ لزمت إجماعاً .3
4. وقال فخر المحقّقين في «الإيضاح» في شرحه: اختلف الفقهاء في تصرّفات المريض المنجزة المتبرع بها، أعني : بلا عوض غير الإقرار، فقال بعضهم: إنّها من الثلث كالمعلقة بالموت، وهو اختيار والدي المصنّف والشيخ في المبسوط والصدوق وابن الجنيد، ومفهوم قول الشيخ في الخلاف. وقال المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وابن البراج وابن إدريس أنّها من الأصل. والأوّل هو الصحيح عندي، لوجوه.4

1 . شرائع الإسلام: 2 / 102، كتاب الحج.   2 . شرائع الإسلام: 2 / 212، كتاب الوقف .
2 . تحرير الأحكام: 2 / 537، كتاب الحجر.
3 . القواعد: 2 / 529، كتاب الوصايا.
4 . الإيضاح في شرح القواعد: 2 / 593 ـ 594، ط . العلمية ـ قم .

صفحه 171
5. وقال الشهيد في «اللمعة»: ولو وهب أو وقف أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث إلاّ أن يجيز الوارث .1
وقال في «الدروس» في باب الوقف: ووقف المريض ماض من الثلث إذا لم يجزه الوارث .2
6. وقال ابن قطّان في «المعالم»: ويحجر على المريض في ثلثي ماله، فلو تبرّع منه بشيء منجزاً أو وصية لم يصحّ إن مات في مرضه ولم يجز الورثة.3
7. وقال الفاضل المقداد في «شرح المختصر النافع» بعد ذكر أدلّة الثلث: والفتوى على هذا.4
8. وقال ابن فهد الحلّي في «المهذب البارع»: أقوال: المشهور أنّها من الثلث، وهو أحد قولي الشيخ... إلى قال: وقال الشيخان في النهاية والمقنعة أنّها من الأصل... والروايات بالأوّل 5.
9. وقال المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» بعدما نقل ما ذكره صاحب الإيضاح من المختلف فقال: المختار هو الأوّل، ومراده هوالثلث. واستدلّ عليه بصحيحتي ; علي بن يقطين ويعقوب بن شعيب.6

1 . اللمعة الدمشقية: 90، كتاب العطية.
2 . الدروس الشرعية: 2 / 263، كتاب الوقف .
3 . معالم الدين: 2 / 592، كتاب الوصية.
4 . التنقيح الرائع لمختصر الشرائع: 2 / 425، باب تصرّفات المريض، كتاب الوصايا.
5 . المهذب البارع: 2 / 516، كتاب الوصية.
6 . جامع المقاصد: 11 / 94 بتصرّف.

صفحه 172
10. وقال الشهيد الثاني في «المسالك» كتاب الحجر: وفي وقوع هذه وشبهها من أصل المال أو من الثلث قولان: أحدهما إنّها من الأصل... إلى أن قال: والثاني إنّها من الثلث. ذهب إليه جماعة من المتقدّمين، منهم الصدوق والشيخ في أحد قوليه ; واختاره عامّة المتأخّرين، ومنهم المصنّف، وهو الأقوى.1
وقد اقتصرنا في نقل الأقوال، بعشر كلمات من كل طائفة ليعلم أنّ القولين مشهوران متكافئان، لا يرجّح أحدهما على الآخر، وقد اختار الخروج من الثلث صاحب الجواهر وأفاض الكلام فيه .2
وأكثر من عاصرنا من المشايخ على القول بالخروج من الأصل، غير السيد المحقّق البروجردي حيث كان يرجّح القول بالثلث .
وللوقوف على واقع القولين نذكر كلمتين: إحداهما للعلاّمة الحلّي في «التذكرة»، والأُخرى لشارح «القواعد» صاحب «مفتاح الكرامة» .
قال العلاّمة: التبرعات المنجّزة، كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة المقبوضة والوقف المقبوض والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا وقعت في حال الصحة فهي من رأس المال إجماعاً.
وإن كانت في مرض الموت فهي من الثلث على أقوى القولين عندنا، وعند جمهور العلماء ; خلافاً لبعض علمائنا حيث قال: إنّها تمضي من الأصل.

1 . مسالك الأفهام: 4 / 156 .
2 . لاحظ : جواهر الكلام: 26 / 63 ـ 93، كتاب الحجر .

صفحه 173
وقال أهل الظاهر: الهبة المقبوضة من رأس المال .1
وقال العاملي ـ بعد قول العلاّمة: «... ويحجر على المريض في التبرعات كالهبة والوقف والصدقة والمحاباة فلا تمضي إلاّ من ثلث تركته وإن كانت منجّزة على رأي...» ـ : مشهور كما في «المهذّب البارع» وهو الأظهر في فتاوى أصحابنا كما في «إيضاح النافع» وعليه الفتوى كما في «التنقيح» وعليه عامّة المتأخّرين كما في حَجر «المسالك» والأكثر وسائر المتأخّرين كما في وصاياه، وعليه المتأخّرون كما في «غاية المراد» و «مجمع البرهان» والنصوص به متواترة كما في «جامع المقاصد»، وفي موضع آخر منه: إنّه قد دلّت عليه صحاح الأخبار. وفي «المفاتيح» إنّ الأخبار به أكثر وأشهر، وقد حكاه المصنّف في «المختلف» والشهيد في «غاية المراد» عن الصدوق وأبي علي والشيخ في «المبسوط» وظاهر كلام الشيخ في «الخلاف»، وتبعهما من تأخّر عنهما في الحكاية عن هؤلاء .2
ثم إنّه قال: والقول بأنّها ـ أي المنجّزات ـ من الأصل خيرة «الكافي» و «الفقيه» و «المقنعة» و «الانتصار» و «التهذيب» و «الاستبصار» و «النهاية» و «الخلاف» في مواضع منه ; الهبة والشفعة والوصايا، و «المبسوط» في موضع منه، و «المهذّب» فيما إذا أعتق في الحال، و «الوسيلة» و «الغنية» في موضعين منها، و «السرائر» في ثلاثة مواضع، و «جامع الشرائع» في باب الوقف، و «كشف الرموز» و «مجمع البرهان» في باب الحِجر، و «الكفاية» و «الوافي» و «الوسائل» و «الهداية» و «الرياض».

1 . تذكرة الفقهاء : 2 / 288، كتاب الوصايا، المسألة 167 .
2 . مفتاح الكرامة: 12 / 522 ـ 523 .

صفحه 174
وهو المحكيّ عن الكليني والقاضي أيضاً، ولعلّ وجه حكايته عن ثقة الإسلام هو أنّه عقد «باب صاحب المال أحقّ بماله ما دام حيّاً»، ثم ساق الأحاديث الدالّة عليه خاصة، ولم يذكر شيئاً من روايات القول الآخر .
وهو لازم لسلاّر كما ستسمع.
وهو ظاهر «نكت النهاية» وفي «كشف الرموز»: أنّه مذهب الأكثر، وفي «الرياض»: إنّه المشهور بين القدماء ظاهراً، بل لعلّه لا شبهة فيه جدّاً، وفي موضع من «السرائر»: إنّه الصحيح من المذهب الّذي تقتضيه الأُصول، وفي موضع آخر ـ وهو باب الوصية ـ قال: إنّه الأظهر في المذهب، وعليه الفتوى وبه العمل، لأنّ للإنسان التصرّف في ماله ونفقة جميعه في مرض الموت بغير خلاف، وفي هبة «الانتصار» و «الغنية» الإجماع عليه، وهو ـ أي الإجماع ـ ظاهر مهور «السرائر» أيضاً كما ستسمع .1

موقف فقهاء السنّة من المسألة

هذا كلّه حول أقوال الأصحاب، وأمّا فقهاء السنّة فقد اتّفقوا على أنّ التبرّعات المنجّزة تخرج من الثلث واستدلّوا بحديثين وردا في كلام ابن قدامة، قال :
إنّ التبرعات المنجّزة كالعتق والمحاباة والهبة المقبوضة والصدقة والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت في الصحّة فهي من رأس المال لا نعلم في هذا خلافاً.
وإن كانت في مرض مخوف اتّصل به الموت فهي من ثلث المال في

1 . مفتاح الكرامة: 12 / 523 ـ 524 .

صفحه 175
قول الجمهور، وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنّها من رأس المال وليس بصحيح. واستدلّ بحديثين:
1. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثُلْث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم». رواه ابن ماجة، وهذا يدلّ بمفهومه على أنّه ليس له أكثر من الثلث .
2. وروى عمران بن حصين: «أنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فاستدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجزّأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة»، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى، ولأنّ هذه الحال الظاهر منها الموت فكانت عطيته فيها في حقّ ورثته لا تتجاوز الثلث كالوصية.1
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية: إنّ المريض مرَضَ الموت تُحْجر عليه تبرّعاته فيما زاد عن ثلث تركته، لحقّ ورثته وذلك حيث لا دين، وإذا تبرع بما زاد عن الثُّلث كان له حكم الوصية إذا مات .2
أقول: أمّا الحديث الأوّل فقد ورد من طرقنا أيضاً،3 لكن التصدّق يناسب الوصية حيث إنّه ما دام حياً، فالمال له، لا يحتاج في تصرّفه إلى أن يتصدّق عليه أحد، فيكون الحديث منصرفاً عن تصرفاته المنجّزة، وإنّما يحتاج إليه بعد الموت الّذي انتقل المال إلى وارثه فالله سبحانه هو الذي بتشريعه، جعل له حقّ التصرّف في ثلث ماله وكأنّه تصدّق عليه حتى يستفيد منه لما بعد الموت.

1 . المغني والشرح الكبير: 6 / 291 بتصرّف يسير.
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 17 / 100، مادة «حجر».
3 . لاحظ : مستدرك الوسائل: 13، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 2 .

صفحه 176
وأمّا الحديث الثاني فقد رواه أبو داود في سننه عن عمران بن حصين قائلاً: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، ثم دعاهم فجّزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة.1 والوارد فيها قوله: «عند موته» مع أنّ المنقول في المغني «في مرضه».
ونقله أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد له فأقرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة.2
والظاهر سقوط أحد اللفظين: (في مرضه) أو (عند موته) .
ورواه الترمذي في سننه وقال: إنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً، قال: ثم دعاهم فجزّأهم ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة.3
فلو رجع الضمير في قوله: «فقال له قولاً شديداً» إلى الرجل فقد أقرع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياة الرجل، فإذا كان حكمه كذلك في حال حياته فأولى أن يكون كذلك بعد مماته.
ورواه البيهقي في سننه بالاسناد المتصل إلى عمران بن حصين قال: إنّ رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم. إلى آخر النص المار ذكره عن سنن الترمذي. وهذا يدلّ على أنّ الصحيح «عند موته» لا (في مرضه). وقد عبّر ابن قدامة باللازم الغالب للموت، أعني: المرض.

1 . سنن أبي داود: 4 / 28، كتاب العتق، برقم 3958 .
2 . مسند أحمد: 4 / 438 .
3 . سنن الترمذي: 2 / 409 برقم 1375 ، كتاب الأحكام .

صفحه 177

المناقشة في سند الحديث ودلالته

قد ناقش سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في سند الحديث قائلاً بأنّا: لو أغمضنا النظر عمّن يروي عن عمران بن حصين لكنَّ عمران هذا كان ممّن قيل إنّه آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السنة الّتي وقع فتح خيبر فيها، وطالت حياته إلى زمان الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين (عليه السلام)وتخلّف عنه ولم يحضر معه حرب صفين واحتاط بخياله الفاسد وقعد عن متابعة وليّ الله الأعظم، فكيف يمكن الاعتماد على نقل مثل هذا الشخص؟!1
أقول: إنّ عمران بن حصين كانت له مع الإمام علي (عليه السلام)صلة وثيقة ويُعرف ذلك من وجوه:
أوّلاً: هو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة.2
ثانياً: وروى في فضائل علي (عليه السلام)جملة أحاديث.
روى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سرية واستعمل عليهم عليّاً ـ كرم اللّه وجهه ـ ، فأصاب عليّ جارية، فأنكروا ذلك عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا: إذا لقينا رسول اللّه أخبرناه بما صنع عليّ، قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فسلّموا عليه ثم انصرفوا، فلمّا قدمت السرية سلّموا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول اللّه ألم ترَ أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام آخر منهم فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه حتى قام الرابع، فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا

1 . المجدي في تقريرات السيد البروجردي: 135.
2 . لاحظ : الغدير: 3 / 57 برقم 91 .

صفحه 178
وكذا، فأقبل عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعرف الغضب في وجهه فقال: ما تريدون من عليّ؟ ثلاث مرّات، ثمّ قال: إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كل مؤمن بعدي.1
وروى محب الدين الطبري أنّ عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «النظر إلى وجه عليّ عبادة».2
ثالثاً: كان عمران ممّن ثبت مع جمع من الصحابة على القول بإباحة المتعة وعدم نسخها، فقد ذكر الفخر الرازي 3 أنّ عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتمتعنا بها، ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء .4
رابعاً: وروى ابن قتيبة أنّ طلحة والزبير لمّا نزلا البصرة قال عثمان بن حُنيف: نعذر إليهما برجلين، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبا الأسود الدؤلي. فأرسلهما إلى طلحة والزبير فذهبا إليهما ... فتكلم أبو الأسود الدؤلي ... ثمّ تكلم عمران فقال: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان

1 . حلية الأولياء: 1 / 294 ترجمة جعفر الضبيعي. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3 / 110 باختلاف يسير ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وذكره الذهبي في تلخيصه.
2 . الرياض النضرة: 3 / 219. وروى الحديث أيضاً عن عبد اللّه بن مسعود، ثم قال: أخرجه أبو الحسن الحربي.
3 . تفسير الرازي: 3 / 200 .
4 . يريد أنّ عمر بن الخطاب نهى عنها. وروى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّتين، فقال رجل برأيه ما شاء. قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت أخرجه مسلم في صحيحه. حلية الأولياء: 2 / 355 ترجمة محمد بن واسع.

صفحه 179
ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّاً وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ، فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذان إنّ صاحبكما لا يرى أنّ معه في هذا الأمر غيره، وليس على هذا بايعناه، وأيم اللّه ليسفكنّ دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران! أمّا هذا فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك....1
هذا كلّه حول سند الحديث بقي الكلام في دلالته.

مناقشة دلالة الحديث

أورد السيد البروجردي على الدلالة بوجهين:
1. اختصاص مورده بالعتق فكيف يجوز التجاوز عن مورده إلى غيره.
2. إنّ الاستدلال مبني على أنّ الرجل أعتق ستة أعبد قبل الموت فيكون الإنشاء والمنشأ واقعاً حال الحياة قرب الموت.
ولكن يحتمل أن يكون إنشاء العتق عند الموت ولكن المنشأ ـ يعني العتق الحقيقي ـ بعد الموت فيكون من باب الوصية، لأنّ الإنشاء في الوصية في حال الحياة، والمنشأ يقع بعد موته، وليس الحديث صريحاً في أحد الاحتمالين.2
يلاحظ عليه:
أمّا الوجه الأوّل: فغير واضح لإمكان إلغاء الخصوصية وانّ الملاك تعلّق حقّ الورثة بالتركة، من غير فرق بين كونها عبداً أو غيره، بل يمكن ادّعاء

1 . الإمامة والسياسة: 1 / 61.
2 . المجدي: 138. بقلم آية الله الصافي دام ظله.

صفحه 180
الأولوية فإذا كان التصرّف في المعتق زائداً على الثلث غير نافذ في الرق ففي غيره أولى لما علم من رغبة الشارع في خروج العبيد من الرقية، ولذلك لو عُتِق شقِص من العبد، تسربت الحرية إلى سائر السهام. وفي الروايات يستسعى العبد للورثة في ثلثي قيمته كما في رواية السكوني عن علي (عليه السلام).1 فالمنع عن العتق زائداً على الثلث يستلزم المنع عنه في غيره بطريق أولى.
نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم التنفيذ في مورد الرواية لأجل أنّه لم يكن للرجل مال معتد به سوى هؤلاء الأعبد، ولو صار التصرّف لازماً غير قابل للردّ، وقعت الورثة في معرض الاستجداء، فأبطله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من باب الولاية.
ويدلّ على ذلك متن الترمذي حيث جاء فيه : أنّ رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له قولاً شديداً; وما هذا إلاّ لأجل أنّه تصرّف في عامّة أمواله، ولم يترك للوارث شيئاً، وهو أمر مذموم، لأنّه يجعله في معرض الاستجداء، وأمّا إذا كان الرجل ثرياً فتصرّف في قسم من أمواله تبرعاً، وترك للوارث ـ مع ذلك ـ شيئاً طائلاً، يمكن إلغاء الخصوصية والتجاوز عن مورد الحديث إلى مثله.
أمّا الوجه الثاني: فقد استظهره من لفظة «عند موته» فهو يحتمل وجهين:
1. أن يكون العتق مقارباً للموت ومقدّماً عليه فيكون المورد من مقولة المنجزات ويصبح الحديث دليلاً على أنّها من الثلث .

1 . لاحظ : الوسائل: 16، الباب 64 من أبواب كتاب العتق، الحديث 5 .

صفحه 181
2. أن يكون إنشاء العتق عند الموت والمنشأ أي تحقّق العتق بعد الموت، فيكون المورد من قبيل الوصية الّتي يتقدّم فيها الإنشاء ويتأخّر المنشأ.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفسير الثاني خلاف المتبادر والظاهر أنّه قام بهذا العمل بتمامه من الانشاء والمنشأ، لما أحسّ بموته وحضرته أماراته، قياماً قطعياً، لا شرطياً .

أدلّة القائلين بالإخراج عن الأصل

إذا عرفت أنّ في المسألة قولين فلنقدّم دراسة أدلّة القول بالإخراج من الأصل. فقد استدلّوا بروايات، أوضحها ما دلّ على أنّ الميت أحقّ بماله ما دام فيه الروح. وقد جاءت هذه الضابطة في رواية عمّار بأسانيد مختلفة. وإليك بيانها.

الأُولى: روايات سبع تنتهي إلى عمّار الساباطي:

1. ما رواه الشيخ بسنده عن علي بن الحسن عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال: بعدي فليس له إلاّ الثلث».1
والاستدلال مبني على أنّ النسخة: «فإن قال بعدي»، وانّ المراد من قوله:

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 12. أقول رواه في التهذيب على النحو المذكور ولكن في الكافي والفقيه: «فإن تعدّى». لاحظ : التهذيب: 9، الباب 6 من كتاب الوصايا، الحديث 9، والكافي: 7 / 8 ، باب أنّ صاحب المال أحق بماله، الحديث 7، والفقيه: 4 / 137، الباب 84، باب ما يجب من رد الوصية إلى المورث، الحديث 2 .

صفحه 182
«يبين به» أي يعزله عن ماله ويسلّمه إلى المعطى في مرضه في مقابل التعليق، وسوف يوافيك الكلام فيه.
2. ما رواه الكليني عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: الميت أحقّ بماله ما دام فيه الروح، يُبين به؟! قال: «نعم، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».1 فكان قوله: «فإن أوصى به» قائم مقام قوله في النقل السابق: «فإن قال بعدي».
فقوله: «الميت أحقّ بماله...» في الحديث الأوّل من كلام الإمام. وفي الحديث الثاني من كلام الراوي . نعم استثنى الإمام بعد كلامه صورة الوصية.
3. ما رواه الكليني عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وعن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن مرازم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يعطي الشيء من ماله في مرضه. فقال: «إذا أبان به فهو جائز، وإن أوصى به فهو من الثلث».2
4. ما رواه الشيخ بسنده عن علي بن الحسن بن فضال، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن عمّار الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال: «إذا أبانه جاز».3
وهذه الروايات الأربع نقلها مرازم عن عمّار الساباطي إذا قلنا: بأنّ المراد من بعض أصحابنا ، في الرواية الثالثة هو «عمّار»، وإلاّ فالروايات الثلاث

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 10 .

صفحه 183
مروية عن طريقه. وأمّا مرازم، فهومرازم بن حكيم الأزدي المدائني، ثقة، مات في أيام الرضا (عليه السلام).
5. ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي الحسين الساباطي، عن عمّار بن موسى الساباطي: أنّه سمع أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «صاحب المال أحقّ بماله ما دام فيه شيء من الروح، يضعه حيث يشاء».1
ولعلّ المراد من أبي الحسين، هو عمر بن شدّاد الأزدي بقرينة الرواية التالية.
6. روى الشيخ عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن ثعلبة، عن أبي الحسن عمر بن شدّاد الأزدي2 والسري جميعاً، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح. إن أوصى به كلّه فهو جائز» .3
7. ورواه صاحب الوسائل في مورد آخر عن الشيخ بتفاوت يسير واختلاف قال: «الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح، إذا أوصى به كلّه فهو جائز».4 والاختلاف في حرف الشرط ففي الحديث الأوّل «وإن» وفي الثاني «إذا» .

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 4.
2 . كما في الكافي والتهذيب وفي الفقيه والاستبصار عمرو بدل عمر. وفي الوسائل: الحسين بن عمر بن شداد الأزدي.
3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 5.
4 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 19 .

صفحه 184

نقد الاستدلال بروايات عمّار

إنّ هذه الروايات المتعدّدة ظاهراً، المتّحدة واقعاً يمكن نقدها من وجهين:
1. إنّ في المقام رواية واحدة رواها عمّار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)وهي مردّدة بين هذه المتون السبعة، وعندئذ تسقط مثل هذه الرواية عن الحجّية عند العقلاء، للاضطراب. يقول المحقّق التستري: وأكثر ألفاظ أخباره (عمّار) معقدة مختلة النظام، وأصل نسخ كتابه كانت مختلفة، ثم استشهد بموارد مضافاً إلى أنّه من الباقين في الفطحية. قال النوبختي: فاجتمع عامّة الفطحية ـ بعد الأفطح ـ على إمامة موسى بن جعفر (عليه السلام)ورجعوا عن الأفطح سوى نفر منهم فإنّهم ثبتوا على إمامة عبدالله ثم إمامة موسى (عليه السلام)فأجازوها في أخوين بعد أن لم يجز ذلك عندهم، منهم: عبدالله بن بكير، وعمّار بن موسى الساباطي، وجماعة منهم. 1
إنّ الشيخ شرط في العمل بأخبار الفطحية شرطين وقال: لا يجوز العمل بخبر غير الإمامي إلاّ إذا لم يكن في المسألة خبر إمامي، ولم تُعرِض عن خبره الطائفة .2
وقد استخرج المحقّق التستري الروايات المروية عن عمّار الّتي لم يعمل بها الأصحاب ما يتجاوز السبعين، ودون الثمانين.
كلّ ذلك يصدّ الفقيه عن الإفتاء بمضمون هذه الرواية المضطربة، عن راو مضطرب النقل، لم يعمل المشهور برواياته في موارد كثيرة.

1 . قاموس الرجال: 8 / 16، نقلاً عن فرق الشيعة: 79 .
2 . قاموس الرجال: 7 / 18، نقلاً عن عدّة الأُصول: 1 / 150 .

صفحه 185

تصنيف روايات عمّار

إنّ هذه الروايات بين ما لا دلالة له على أنّ المنجّز يخرج من الأصل، وما له دلالة عليه.
أمّا ما لا دلالة له فهو الصورة الأُولى فقط منها أعني: قوله (عليه السلام): «الميّت أحقّ بماله ما دام فيه الروح يبين به، فإن قال بعدي فليس له إلاّ الثلث».
فإنّ الاستدلال مبني على أنّ النسخة «فإن قال بعدي» وأنّ المراد من التبيين هو عزل المال وإقباضه إلى الطرف، وكلا الأمرين غير ثابتين.
أمّا الأوّل: فقد رواها الكليني والصدوق بقوله: «فإن تعدّى فليس له إلاّ الثلث» وعلى هذا فلا تكون الرواية مختصّة بمورد التنجيز، بل تعمّه والوصية، ويكون معناها إن تعدّى عن الثلث في مطلق تصرفاته تنجيزياً كان أو وصية فليس له إلاّ الثلث، وعلى هذا يكون المراد: «فإن تعدى فليس له إلاّ الثلث» 1أي إنّه إن تجاوز وتعدّى في الوصية بالزائد أو التنجيز فلا يمضي منه إلاّ الثلث .
وقال في «الجواهر»: وظنّي ـ والله أعلم ـ أنّ الرواية كذلك إلاّ أنّه لمّا صعب فهم ذلك على بعض الناس صحّفها بلفظ «بعد» بالباء الموحّدة ثم أضاف إليها لفظ: «قال» .2 وعلى هذا فالرواية دليل القول بالإخراج من الثلث لإطلاقه الشامل لكلا النوعين من التصرّف.
وربّما يفسّر قوله: «فإن تعدّى» بأنّه إن تعدّى زمن الحياة إلى ما بعد الموت فيكون في النتيجة موافقاً لما رواه الشيخ 3 ولا يخفى أنّه لا يناسبه

1 . الكافي: 7 / 8 ، كتاب الوصايا، باب أنّ صاحب المال أحق بماله ما دام حيّاً، الحديث 7 .
2 . جواهر الكلام: 26 / 73 .
3 . بلغة الفقيه: 3 / 43. حيث رواه الشيخ: «فإن قال بعدي» فإذا فسّر تعدّى بالتعدّي عن زمن الحياة إلى مابعد الموت يكون كلا النقلين بمعنى واحد.

صفحه 186
«الاستثناء» أعني: «إلاّ الثلث»، فالظاهر أن المستثنى منه هو التجاوز عن الثلث لا التجاوز عن زمن الحياة إلى ما بعد الموت.
وأمّا الثاني: فالظاهر أنّ المقصود من الإبانة هو الإظهار وتفهيم الآخرين لئلاّ يغمّ الأمر على الورثة، بعد رحيل المورِّث.
وبما ذكر ظهر أنّ دلالة الرواية الأُولى على كون الزائد من الثلث أظهر لأنّ النسخة الصحيحة هو قوله «فإن تعدّى»، نعم دلالة الصور التالية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة تامّة وإليك البيان.
أمّا الثانية والثالثة فالموضوع هو المريض فحكم (عليه السلام)«بأنّ المريض أحق بماله ما دام فيه الروح إذا أبان به»، فهو يعم المعلّق والمنجّز لكنّه قيّد المعلّق بالثلث في ذيل كلامه وقال: «وإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث»، فلو كان المنجّز مثل المعلّق في الإخراج من الثلث ، لما كان وجه للاستدراك، فتخصيص الوصيّة بعدم التجاوز عن الثلث دليل على أنّ المنجّز باق تحت إطلاق الصدر وأنّ له أن يتصرّف في ماله، من دون تحديد بالثلث.
وأمّا الرابعة فالموضوع فيها المريض، والخامسة مثلها لقوله فيها: «ما دام فيه شيء من الروح» الّذي هو كناية عن الإشراف على الموت لكنّهما غير مذيّلين بالاستدراك، فإطلاق الصدر يقتضي عدم المحدودية في المنجّز والمعلّق، لكن خرج الثاني بالدليل القطعي وبقي المنجّز تحته.
وأمّا الصورتان السادسة والسابعة، فقد مرّ إعراض الأصحاب عن مضمونهما .
فظهر أنّ رواية عمار ـ لو سلمت عن المناقشة الجانبية ـ دليل على القول بالإخراج من الأصل .

صفحه 187

الثانية: رواية أبي شعيب المحاملي

روى الكليني عن عثمان بن سعيد، عن أبي شعيب المحاملي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه»1 .
وفي الوسائل المحققّة (عن أبي المحامد) وهو مصحف عن (المحاملي) كما في رواية الشيخ حسب نقل الوسائل.
وأمّا المحاملي فهو ثقة بلا إشكال، قال النجاشي: صالح بن خالد المحاملي، أبو شعيب الكُناسي، روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، وقال في باب الكنى: «أبو شعيب المحاملي» كوفي ثقة من رجال أبي الحسن موسى (عليه السلام).2
أقول: الرواية غير تامّة سنداً فإنّ المحاملي وإن كان ثقة لكنّه لا يروي عن أبي عبد الله(عليه السلام) بلا واسطة، وعلى هذا فقد سقطت الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام)في هذه الرواية فلا يحتجّ بالمرسل. وأمّا الدلالة فهي تامّة حيث إنّ لفظ الميّت أُريد به مطلق الإنسان، مريضاً كان أو غير مريض، فإطلاقها حجّة إذا لم يدلّ دليل على الثلث في خصوص المريض. وليعلم أنّ أكثر ما سيوافيك من الروايات فهي تامّة لو لم يدلّ دليل على الثلث في خصوص المريض.

الثالثة: ما رواه سُماعة

روى الكليني بسنده عن عبدالله بن جبلة، عن سُماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 8.
2 . رجال النجاشي برقم 241 و 533.

صفحه 188
قال: «هو ماله يصنع به ما شاء إلى أن يأتيه الموت». قال: «فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث».1
ورواه صاحب الوسائل في الباب السابع عشر من أبواب الوصايا عن الكليني بنفس السند والمتن عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة من دون واسطة.2
كما روى في نفس الباب نفس الحديث عن سماعة، عن أبي بصير وقال: وزاد: «أنّ لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيّاً إن شاء وهبه، وإن شاء تصدّق به، وإن شاء تركه إلى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلاّ الثلث إلاّ أنّ الفضل في أن لا يضيّع من يعوله ويضرّ بورثته» .3
وحصيلة الكلام: أنّ حديثاً واحداً رواه سُماعة في موردين عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وفي مورد آخر عن أبي عبدالله (عليه السلام)مباشرة.
واحتمل السيد المحقّق البروجردي بأنّه نقلهما عن الإمام بلا واسطة مع عدم سماعه منه، لأجل وثوقه بأبي بصير وأنّه سمعه منه.
ولكن الاحتمال لا يناسب ظاهر الرواية: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام). ولا محيص من القول بسقوط: أبي بصير، في المورد الثاني مع وجوده في الأوّل والثاني.
ودلالتها على أنّ المنجّزات من الأصل واضح، لأنّه جعلها في مقابل الوصية وصرّح بأنّه إن أوصى به فليس له إلاّ الثلث. ومعنى ذلك عدم

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 13، الباب 17، من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 189
المحدودية في غير الوصية. ومع ذلك فدلالته بالإطلاق حيث يعمّ المصحّ والمريض، فلو تمّ دليل القول بالإخراج عن الثلث يقيّد إطلاقه بغير المريض، وأمّا هو فمنجّزه كالمعلّق محدّد بالثلث .

الرابعة: ما روي عن محمد بن مسلم

وممّا استدلّ به على أنّ منجّزات المريض من الأصل ما روي عن محمد بن مسلم:
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط عن العلاء بن رزين القلاّء ، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصيته (بوصية) وكان أكثر من الثلث؟
قال (عليه السلام): «يمضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».1 ورواه الكليني والصدوق بسندهما عن العلاء بن رزين.
2. روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: في رجل أوصى بأكثر من الثلث وأعتق مماليكه في مرضه؟ فقال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».2
روى الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم مثله إلاّ أنّ في أكثر النسخ: «عن جميل» بدل قوله: «عن رجل» والفرق بين الروايتين أنّ الأُولى مروية عن أبي

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 3.
2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

صفحه 190
عبدالله (عليه السلام)والثانية مروية عن أبي جعفر (عليهما السلام)، وأيضاً أنّ الرجل على الرواية الأُولى «أعتق ثم أوصى»، وأمّا على الرواية الثانية «أوصى ثم أعتق».
ثم لو كان المراد من قوله: «عن رجل» في الرواية الثانية هو جميل، تخرج الرواية عن الإرسال إلى الإسناد، وإن كانت مراسيل ابن أبي عمير حجّة.
وجه الاستدلال: أنّه (عليه السلام)حكم بنفوذ العتق وعدم دخول النقص عليه، فهو دليل على خروجه من الأصل .1 وجعل العمل بما أوصى مشروطاً بعدم تجاوزه الثلث.
ومع ذلك كلّه فالروايتان لا تدلاّن على مقصود المستدلّ.
وجهه: أنّ أساس الاستدلال أنّ الضمير في قوله: «وكان أكثر من الثلث » يرجع إلى خصوص «ما أوصى به» وعندئذ أنفذ الإمام عتق العبد بقوله: «يمضي عتق الغلام» أو قوله: «جاز العتق»، سواء أكانت قيمته مساوية للثلث أم أقلّ أم أكثر، فيدلّ على أنّ المنجّزات تخرج من الأصل .
ولكن الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الجمع، أعني:«عتق الغلام وما أوصى به»، وكان المفروض في ذهن الراوي أنّ كلا الأمرين يخرجان من الثلث غير أنّهما يزيدان على الثلث، إذ لو كان راجعاً إلى خصوص ما أوصى به وكان السؤال منصبّاً على زيادة ما أوصى به على الثلث لما كان هناك وجهٌ لذكر عتق الغلام في سؤال السائل، لأنّ المفروض أنّ المنجّز يخرج من الأصل.
نعم مقتضى القواعد رجوع الضمير في «كان» إلى الأقرب وهو «ما أوصى به» لكن القريب في الرواية الأُولى هو «ما أوصى به» ولكنّه في الرواية

1 . رسالة في منجّزات المريض للسيد الطباطبائي: 18، نقلاً عن بعضهم .

صفحه 191
الثانية هو «عتق الغلام». ومع هذا الاختلاف لا ينعقد ظهور في رجوعه إلى ما أوصى.
فإن قلت: لو كان الضمير في «كان» يرجع إلى كلا الأمرين كان اللازم أن يقول:«وكانا».
قلت: لا مانع من افراد الضمير برجوعه إلى كلّ واحد، كقوله سبحانه:(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1، نعم ورد التعبير عن نفس المعنى بصيغة التثنية في سورة طه: (فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ).2
وهذا يدلّ على أنّ السؤال لم يكن منصبّاً على زيادة «ما أوصى به» على الثلث، بل كان منصبّاً على زيادة العتق والوصية عليه. وكان المنجّز والمعلّق في نظر الراوي سواء، وأنّه لا يجوز للرجل أن يتصرّف في ماله بأي نحو كان بأزيد من الثلث، فأراد أن يعرف حكم الشارع في مثل المقام، فهل الميزان هو:
1. ما أوصى به أوّلاً كما هو الحال في من أوصى بأُمور كثيرة تزيد على الثلث فيؤخذ بالأوّل والثاني والثالث؟
2. أو تقسيط الثلث على المنجّز والمعلّق ؟
3. أو تقديم المنجّز على المعلّق كما أجاب به الإمام (عليه السلام)؟
فتكون الرواية دليلاً على أمرين:
1. أنّ المنجّز يخرج من الثلث كالوصية.

1 . الشعراء:16.
2 . طه:47.

صفحه 192
2. وأنّه إذا اجتمع المنجّز والوصية وكان الثلث غير واف بهما يقدّم المنجّز على المعلّق.
هذا، وكما استدلّ بالصحيحين على أنّ المنجّزات تخرج من الأصل فهكذا استدلّ بهما على العكس، وسيوافيك بيانه عند سرد أدلّة القول الثاني، فانتظر.

الخامسة: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي همّام1

روى إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع به في وصيّته؟
قال: «يبدأ بالعتق فينفذه ».2
إنّ في الرواية احتمالين:
أ. أنّه أوصى بأُمور ومنها العتق فكان جميع ما أوصى به من العتق وغيره يزيد على الثلث، فأمر الإمام (عليه السلام)بتقديم العتق على سائر ما أوصى به، وهذا هو قول الشيخ في المسألة من أنّه إذا أوصى رجل بالعتق وغيره يبدأ بالعتق أوّلاً، ولكن هذا الاحتمال ضعيف لقوله: «وأعتق مملوكاً» ـ مخبراً ـ عن وقوع العتق على أنّه عطف قوله: «وأعتق مملوكاً» على قوله: «رجل أوصى» فيكون العتق مغايراً للوصية.

1 . قال النجاشي: مولى كندة البصري، يكنّى أبا همّام، روى عن الرضا (عليه السلام)، ثقة هو وأبوه وجدّه، له عشرون رواية في الكتب الأربعة. لاحظ الموسوعة الرجالية الميسّرة: 85 برقم 922 .
2 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 193
ب. أنّ الرجل قام بأمرين: أعتق وأوصى، وكان في مرتكز السائل أنّ المنجَّز والمعلّق يخرجان من الثلث، والمفروض أنّ المجموع يزيد على الثلث، فما هو العلاج؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)بتقديم المنجّز على المعلّق وصرف الثلث فيه أوّلاً، وإيراد النقص على الوصيّة. فالرواية على عكس المقصود أدلّ لافتراض أنّ الجميع يخرج من الثلث غاية الأمر يقدّم المنجّز على المعلّق.

السادسة: مرسلة الكليني

روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم، فعابه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «ترك صبية صغاراً يتكفّفون الناس». 1
والظاهر أنّ الكليني نقل الرواية بالمعنى، والأصل ما في الفقيه: أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار وله ستة من الرقيق فأعتقهم عند موته وليس له مال غيرهم، فأتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأُخبر، فقال: «ما صنعتم بصاحبكم»; قالوا: دفناه، قال: «لو علمت ما دفناه (ما دفنته) مع أهل الإسلام، ترك ولده يتكفّفون الناس».2
وفي «قرب الإسناد»: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بلغه أنّ رجلاً من الأنصار توفّي وله صبية صغار، وليس لهم مبيت ليلة، تركهم يتكفّفون الناس، وقد كان له ستة من الرقيق ليس له غيرهم، وأنّه أعتقهم عند موته، فقال لقومه: ما صنعتم به؟ قالوا: دفناه، قال: «أما إنّي لو علمته ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام، ترك ولده صغاراً يتكفّفون الناس».3

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 9.
2 . الفقيه: 4 / 186 برقم 5427، كتاب الوصية; علل الشرائع: 189، الباب 369 .
3 . قرب الاسناد: 63 برقم 200 .

صفحه 194
والرواية على خلاف المقصود أدلّ، فإنّ ظاهر قوله: «ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام» أنّ عمله هذا كان عملاً غير مشروع إمّا تكليفاً فقط وأنّ المعتق كان صحيحاً، أو وضعاً أيضاً وأنّ صحّته بقاءً موقوف على عدم ردّ الورثة وأنّ لهم أولوليّهم إذا كانوا صغاراً استردادَ حقوقهم، وأمّا أنّ الورثة أو المولى، لم يردّوا الزائد على الثلث بعد كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلعلّ المصلحة العائليّة اقتضت التنفيذ.
فظهر بما ذكرنا أنّ ما استدلّ به على القول بالإخراج من الأصل لا يخلو من وجوه أربعة:
1. ما يدلّ على القول بالإخراج من الأصل صريحاً، تامّ دلالة وسنداً، وذلك كالصور الأربع من صور رواية عمّار بن موسى، أعني: الثانية إلى الخامسة .
2. ما يدلّ على هذا القول بالإطلاق وأنّ للمرء أن يتصرّف في ماله ما دام الروح في بدنه، وهو مطلق شامل للمنجّز والمعلّق والمريض والمصحّ، وفي الوقت نفسه قابل لإخراج المريض عن إطلاقه، وهذا كرواية أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران.
3. ما لا صلة له بالموضوع، وهذا كرواية محمد بن مسلم وإسماعيل بن همّام.
4. ما يدلّ على الموضوع صريحاً تام دلالة لا سنداً . وهو مرسلة الكليني. ولكنّها بالنسبة إلى ما ورد في الفقيه وقرب الاسناد تصير غير مقبولة.

صفحه 195

أدلّة القائلين بالإخراج عن الثلث

واستدلّ للقول بالثلث بطوائف ست من الروايات:

الطائفة الأُولى: للرجل عند موته ثلث ماله

1. معتبر عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «للرجل عند موته ثلث ماله. وإن لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه».1
2. ما رواه في البحار: ليس للميت من ماله إلاّ الثلث، فإذا أوصى بأكثر من الثلث ردّ إلى الثلث.2
أقول: إنّ ذيل الحديثين قرينة واضحة على أنّ المراد من الصدر هو الإيصاء وأنّهما بصدد بيان أنّ الرجل لا يملك لما بعد الموت أزيد من الثلث، وأين هذا من أنّه لا يملك لما قبل الموت ـ إذا كان مريضاً ـ أزيد من الثلث؟
3. خبر أبي حمزة عن بعض الأئمة(عليهم السلام)قال: «إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطوّلتُ عليك بثلاثة; سترتُ عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعتُ عليك فاستقرضتُ منك فلم تُقدّم خيراً، وجعلتُ لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً».3
4. النبوي: «إنّ الله تعالى تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم».4
إنّ التعبير بالتطوّل في خبر أبي حمزة، والتصدّق في النبوي يناسب

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
2 . بحار الأنوار: 100 / 207، الحديث 18 .
3 . الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .
4 . مستدرك الوسائل: 14، الباب 9 من كتاب الوصايا، الحديث 3.

صفحه 196
الوصية، وذلك لأنّه مادام حياً (فالمال ماله)، فلا يحتاج في التملّك والتصرّف إلى التطوّل والتصدّق عليه، لأنّ الله ملّكه في حال حياته، والتركة بعدُ لم تنتقل إلى الورثة وإنّما يحتاج إلى التطوّل والتصدّق من الله إذا مات وانتقلت التركة إلى الورثة، فتصدق عليه سبحانه حتى جعل له الخيار في ثلث ماله يكتسب به الخير لما بعد موته، فهذه الروايات الأربع لا صلة لها بالموضوع.
5. صحيح يعقوب بن شعيب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يموت، ما له من ماله؟ فقال: «له ثلث ماله».1
6. صحيحة الحسين بن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: «الثلث، والثلث كثير».2
وقد تقرّر في محلّه أنّ جواب «ما» الاستفهامية للعموم .
هذه الروايات تصلح للاستدلال على المطلوب.
وجه الاستدلال: أنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو من قارب موته وأشرف عليه ولكنّه بعد حيّ يُرزق، فدلّ على أنّه في هذه الحالة لا يملك إلاّ ثلثه، هذا من جانب، ومن جانب آخر اتّفق الفقهاء على أنّ الإنسان يملك أمواله ما دامت الروح في بدنه، والجمع بين هذين الأمرين المتنافيين يحصل بالوجه التالي:
أنّه يملك أمواله في تلك الحالة جميعاً لكن لا تكون تصرفاته نافذة إلاّ في مقدار الثلث. والروايات مطلقة تعمّ المنجّزة والمعلّقة.

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 2.
2 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوصايا، الحديث 8 ، وقد استدل به وبما قبله، المحقّق الثاني في جامع المقاصد: 11 / 94.

صفحه 197
نعم فقد حملها الشيخ مشكور الحولاني على الإيصاء أيضاً وقال: إنّ المراد من قوله: «عند موته» أو قوله: «يموت» هو ما بعد الموت قائلاً: بأنّ لفظة «عند» حقيقة في مكان حضور المضاف إليه أو زمانه لغة أو عرفاً الّتي لا ينافيها ثبوت استعمال اللفظ المزبور في بعض الموارد في مكان مشارفة حضور المضاف إليه أو زمانه (قلنا: لا ينافي) لكون الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز. 1
وبعبارة أُخرى: فرض الموت أمراً مسلماً محقّقاً فطفق يسأل عمّا يملكه الرجل في هذه الساعة فيكون السؤال راجعاً إلى ما يملكه بعد الموت وينطبق على الوصية.
وعلى ذلك فالروايتان ناظرتان إلى حدّ الإيصاء ولا صلة لهما بالمنجّز. لأنّ الرواية تركّز على ملك الميّت بعد موته لا على ملكه في حال حياته. فلا تشملان المنجّز في حياته، لأنّه ملك الميّت في حياته.
وعليه جرى السيد الطباطبائي في رسالته وقال: المراد منهما المال الّذي للميّت بعد موته، أمّا ما اشتمل منها على لفظ «الميّت» ولفظ: «يموت» فظاهر، وأمّا ما اشتمل منها على لفظ: «عند موته» فليحمل عليها، مع أنّها لو بقيت على ظاهرها أفادت عدم ملكية ما عدا الثلث وعدم جواز إتلافه وأكله وصرفه على نفسه بلبس واستخدام وغير ذلك من التصرفات غير المحاباتية، وهو خلاف الضرورة، فيتعيّن إرادة الملكية البعدية .2
يلاحظ عليهما: أنّ حمل الروايات على أنّ السؤال عمّا ينفع الميّت بعد

1 . منجّزات المريض للحولاني: 65.
2 . رسالة في منجّزات المريض للطباطبائي: 19 .

صفحه 198
الموت يحتاج إلى قرينة، وليس إضافة لفظ: «عند» إلى موت الرجل قرينة على ذلك، لشيوع استعمال ذلك فيمن سيوافيه الموت ولو بعد عدّة أيّام فيرجع السؤال إلى ما يملكه في هذه الحالة، وهي حالة قبل فرض الموت. والأولى أن يقال: إنّ الروايات الأربع السابقة قرينة على أنّ المراد ما ينفع الميّت بعد موته وأنّه هو الثلث، وليست الروايات ناظرة إلى ما يملكه الميّت قبل موته. والروايات يفسّر بعضها بعضاً.

الطائفة الثانية: ما ورد في الهبة

1. موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتُبرئُه منه في مرضها؟ قال: «لا ولكن إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها» .1
2. خبر أبي ولاّد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الدينُ فتُبرِئُه منه في مرضها؟ قال (عليه السلام): «بل تهِبُه له فتجوز هبتُها، ويحسب ذلك من ثلثها إن كانت تركت شيئاً».2
3. صحيح الحلبي، قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضُه فتُبرئُه منه في مرضها؟ فقال (عليه السلام): «لا» .3 ويحمل هذا الصحيح على التفصيل المذكور في الحديثين السابقين.
أقول: المهمّ في هذه الطائفة هذه الروايات الثلاث حيث يدلّ الجميع ـ بعد حمل صحيح الحلبي على التفصيل الموجود فيما سبق عليه من

1 . الوسائل: 13، الباب 7 من كتاب الهبات، الحديث 3.
2 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .
3 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 15.

صفحه 199
الروايات ـ على أنّ هبة المريضة وعطيتها لا تجوز إلاّ من ثلثها. والهبة تصرّف منجّز.
نعم يبقى الكلام في وجه التفصيل بين الهبة حيث تجوز من الثلث وبين الإبراء حيث لا يجوز مطلقاً لا من الأصل ولا من الثلث، ولعلّ وجهه ـ كما احتمله المجلسي في ملاذ الأخبار ـ هو أنّ الصداق يومذاك كان عيناً، كدار أو بستان أو غير ذلك، لا ديناً في الذمّة، ومن المعلوم أنّ الإبراء يتعلّق بما في الذمّة لا بالأعيان الخارجية، عكس الهبة فهي تتعلّق بالأعيان لا بالذمّة، فتجويزها في المقام دون الإبراء دليل على أنّ الصداق كان عيناً لا ديناً، فصارت الهبة نافذة. نعم ما ذكر من الوجه لا يتم في خبر أبي ولاّد لورود لفظ «الدين» فيه. اللّهم إلاّ أن يحمل على المعنى الوسيع الشامل للعين إذا كانت في يد الآخر.
نعم يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات هو الهبة، ولا يمكن ممّا ورد في الهبة انتزاع ضابطة كلّية تشمل سائر المعاملات المحاباتية. إلاّ بضم ما يأتي من الروايات في غير مورد الهبة.
وأمّا الروايات الأُخرى الواردة في المقام فلا دلالة لها على المطلوب، نظير:
4. خبر سماعة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطيّة الوالد لولده؟ فقال (عليه السلام): «أمّا إذا كان صحيحاً فهو ماله يصنع به ما شاء، وأما في مرضه فلا يصلح».1
وجه عدم الدلالة فلأنّها تدلّ بمنطوقها على عدم صحة الهبة في حال

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 11 .

صفحه 200
المرض مطلقاً، وهذا لم يقل به أحد، بناءً على أنّ نفي الصلاحية بمعنى نفي الصحة، لأنّ للمريض أن يهب على وجه الإجمال إمّا من الأصل أو من الثلث.
اللّهم إلاّ أن يقال: ليس للمريض التصرّف كيفما شاء ـ كما هو الحال في غيره ـ لا أنّه ليس له التصرّف أصلاً.
5. خبر جراح المدائني، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن عطية الوالد لولده ببينة؟ قال: «إذا أعطاه في صحّته جاز ».1
أقول: إنّ الرواية تدلّ بمفهومها على عدم جواز هبة المريض مطلقاً، وهو على خلاف الإجماع. إلاّ أن يقال: إنّ إطلاق الجواز في حال الصحة قرينة على أنّ المراد من إطلاق المنع في حال المريض أن يكون مثل المصحّ فيكون مبسوط اليد في التصرّف في ملكه ما شاء.
6. خبر السكوني عن علي (عليه السلام) أنّه كان يرد النحلة في الوصية، وما أقرّ به عند موته بلا ثبت ولا بينة ردّه.2
الظاهر أنّ الخبر خارج عن مصبّ البحث حيث يرّد أمران: النحلة أي الهبة في الوصية، والإقرار بالشيء عند الموت. والأوّل خارج عن موضوع البحث، وأمّا الإقرار فهو موضوع خاص سنبحثه بعد الفراغ من المسألة.

الطائفة الثالثة: فيمن أعتق عبده وليس له مال سواه

ونكتفي في بيان هذه الطائفة بما ورد فيه العتق دون أن يقترن بلفظ الوصية.

1 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 14.
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 12.

صفحه 201
1. ما رواه علي بن عقبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال (عليه السلام) : «ما يعتق منه إلاّ ثلثه، وسائر ذلك الورثة أحق بذلك، ولهم ما بقي ».1
2. ما رواه عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً له ليس له غيره، فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه» .2
والظاهر أنّ الروايتين رواية واحدة باختلاف يسير. وأن الولد والوالد، سمع الحديث عن الإمام (عليه السلام)في مجلس واحد. ولكن كان السائل هو الوالد، وكان الولد مستمعاً، ولذلك قال الوالد: سألته، دون الولد .
وليس المراد من (حضور الموت) هو حضور النزع حتّى يقال: فإنّ حضور الموت مانع من مباشرة العتق فيراد منه حينئذ الوصية.3
بل المراد هو إحساسه بموته مع كونه عاقلاً مالكاً لعقله، نظير ما ورد في قوله سبحانه: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي).4
3. خبر السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)قال: إنّ رجلاً أعتق عبداً له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة».(5)

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 4.
2 . الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب الوصايا، الحديث 13.
3 . لاحظ : مسالك الأفهام: 6 / 308 ; وجواهر الكلام: 26 / 71 .
4 . البقرة: 133 .   5 . الوسائل: 16، الباب 64 من أبواب كتاب العتق، الحديث 5 .

صفحه 202
4. النبوي: «أنّ رجلاً أعتق ستة أعبد له، فأقرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة».1
وهذه الروايات ظاهرة في أنّ العتق كان منجّزاً بشهادة قوله: «أعتق» ولم يكن معلّقاً، وإلاّ لقال: أوصى بعتقهم. بل أعتق الجميع، وصاروا أحراراً وأرقّهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من جديد، وحمل الروايات على الوصية خال عن الشاهد، مخالف للظاهر .
فإذا كان هذا حال العتق، فغيره أولى بذلك لما علم من رغبة الشارع إلى شيوع العتق. كيف وقد خصّص سهماً من الزكاة للرقاب، كما جعل كفّارة أكثر المعاصي، عتق العبد، حتّى لو عتق جزء مشاع من العبد المشترك يسري العتق إلى سائر أجزائه فيسعى العبد في قيمة الباقي. وهذا هو المراد من التغليب في العتق.
ثم إنّ تعدّد المعتَق صار سبباً في الرواية النبوية لإرجاع الأربعة إلى الرقّية .
وأمّا إذا كان المعتق واحداً مشتركاً فيحكم على الكل بالحرية، غاية الأمر يستسعى العبد في الثلثين، كما في رواية السكوني دون أن يحكم على الباقي بالرقيّة لعدم التبعيض في الرقيّة.
وعليه يحمل ما في رواية عقبة بن خالد حيث قال: «ما يعتق منه إلاّ ثلثه». وأمّا الباقي فتقوّم قيمتُه، مكان العين.2
وأُورد على الاستدلال بهذه الروايات بوجوه:

1 . مسند أحمد: 4 / 438 .
2 . منجّزات المريض، للشيخ مشكور النجفي: 76 .

صفحه 203
1. وجود الضعف في روايات هذه الطائفة وليس له جابر سوى الشهرة بين المتأخّرين.
يلاحظ عليه: أنّ بين هذه الروايات صحيحة الحلبي وموثّقة سماعة فكيف يكون الجميع ضعيفاً؟! أضف إلى ذلك أنّ الاستدلال إنّما هو بمجموع الروايات الواردة في مختلف الأبواب فإنّ البعض يدعم البعض الآخر.
2. لا يمكن انتزاع ضابطة كلية منها لاختصاص هذه الطائفة بالعتق في مورد لم يكن للمعتِق مال غير ما أعتق فلا تشمل غير العتق من التصرّفات، والعتق الّذي معه مال للمعتِق.
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا سابقاً بأنّ انتزاع الضابطة إنّما يحصل من مجموع روايات الباب لا خصوص هذه الطائفة، وأمّا اختصاص الروايات بمن ليس له مال سوى ما أعتق فالظاهر أنّه ليس قيداً للموضوع وإنّما ذكر ليكون ذريعة لإباء الورثة عن الإجازة، كما هو ظاهر لمن تأمّل فيه.

الطائفة الرابعة: فيما إذا اجتمع العتق والوصية

قد اجتمع العتق والوصية في روايات تعدّ من الصحاح وإليك تقديم الصحيح على غيره:
الأوّل: صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه وأوصى بوصية فكان أكثر من الثلث، قال: «يَمْضي عتق الغلام ويكون النقصان فيما بقي».1
الثاني: صحيحه الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام)قال في رجل أوصى بأكثر من

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

صفحه 204
الثلث وأعتق مماليكه في مرضه، فقال: «إن كان أكثر من الثلث رُدّ إلى الثلث وجاز العتق».1
أقول: إنّ الاستدلال بالصحيحين مبنيّ على ثبوت أمرين:
1. العتق لم يكن مورداً للوصية وإنّما كان أمراً منجّزاً .
2. أنّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما، لا على خصوص ما أوصى.
ويدلّ على الأمر الأوّل أُمور ثلاثة:
أ. التعبير عن العتق بالفعل الماضي فيهما، وحتّى فيما يأتي من الصحيح الثالث لإسماعيل بن همّام.
ب. جعله في مقابل الوصية في الصحاح الثلاثة حيث قال: «فأعتق غلامه وأوصى بوصية»، وقريب منه ما في الصحيحين الآخرين، ولو كان العتق جزءاً من الوصايا كان اللازم أن يقول: وأوصى بوصية أُخرى.
ج. لو كان العتق جزءاً من الوصايا لزم العمل بما أوصى به مقدّماً، ولكنّ العتق ممّا أُوصي به ـ حسب الفرض ـ مؤخّر في الصحيح الثاني مع أنّ الإمام أمر بتنفيذه وهو مؤخّر في الذكر.
ويدلّ على الثاني، أي أنّ السؤال كان مركّز على عدم وفاء الثلث بهما لا على خصوص ما أوصى، هو أنّ ظاهر الحديث وجود المزاحمة بين العتق والعمل بالوصية، والمزاحمة إنّما تتحقّق إذا كان الثلث مَخْرجاً لهما، وإلاّ فلو كان العتق مُخْرجاً من الأصل والوصية من الثلث لم يكن بينهما أيّة مزاحمة. ولم يكن وجه لذكره وهذا يكشف أنّ الأمر المسلّم بين الإمام والراوي كونهما مخرجاً من الثلث وهو غير واف بهما. وبعبارة أُخرى: إذ لو كان العتق خارجاً

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

صفحه 205
من الأصل وكان الثلث مختصّاً بالوصيّة فلا يتصوّر هناك زيادة ولا نقصان من ناحية العتق. نعم يتصوّر النقصان من ناحية أُخرى وهو وفاء الثلث بالوصية وعدمه لكنّه خارج عن مقصود السائل .
وقد مرّ عند ذكر أدلّة القائلين بكونه مخرجاً من الأصل، أنّ الضمير في قوله: «فكان» أو «إن كان» في الصحيحين يعود إلى مجموع العتق والوصية فهما كانا أكثر من الثلث.
فإن قلت: الضمير يرجع إلى الأقرب وهوقوله: «أوصى بوصية» في الصحيح الأوّل.
قلت: إنّ الوصية وإن كانت أقرب ولكنّ الأقرب في الصحيح الثاني هو العتق، وهذا دليل على عدم العناية بواحد منهما.
الثالث: صحيح إسماعيل بن همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام)في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكاً، وكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، كيف يصنع به في وصيته؟ قال :«يبدأ بالعتق فينفذه» .1
ودلالته على المقصود رهن ثبوت أمرين :
1. أنّ العتق كان منجّزاً لا معلّقاً.
2. أنّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما.
أمّا الأمر الأوّل فيكفي من ذلك مقابلة العتق مع الوصية في سؤال الراوي.
مضافاً إلى أنّه لو كان من مقولة الوصية لزم تقديم ما أوصى به أوّلاً على الثاني، مع أنّ الإمام عكس فقدّم العتق على ما أوصى به أوّلاً، بخلاف ما لو كان

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 206
من مقولة المنجّز، فإنّه يقدّم على المعلّق وإن كان مؤخّراً في الذكر.
وأمّا الأمر الثاني وهو أنّ السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما معاً، فيدلّ عليه :
أ. لو كان السؤال مختصّاً بما أوصى به وأنّه إن زاد على الثلث فماذا يفعل؟ لما كان لذكر العتق وجه، لأنّ العتق يخرج من الأصل ولا يزاحم الوصية حتّى يذكر في جانبها.
ب. قوله: «يبدأ بالعتق» أي يبدأ بالعتق في الإخراج من الثلث، وذلك لأنّه إذا اجتمع المنجّز والمعلّق ولم يكن الثلث وافياً لهما، قُدّم المنجّز على المعلّق.
وأمّا قوله: «كيف يصنع به في وصيّته» ليس دليلاً على أنّ العتق كان من هذه المقولة، إذ المراد أنّه كيف يصنع بالثلث في وصيته مع أنّ العتق يزاحمه ويوجب عدم وفائه بما أوصى.
وأمّا قوله: «وكان جميع ما أوصى به» محمول على الوصية اللغوية، أي ما ذكره وأبلغه.
الرابع: روى الكليني عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له ثم أوصى بوصية أُخرى، أعتقت الخادم من ثلثه، وألقيت الوصية إلاّ أن يفضل من الثلث ما يبلغ الوصية».1
ورواه الشيخ عن كتاب محمد بن علي بن محبوب بالسند الموجود في

1 . الوسائل: 13، الباب 67 من أبواب الوصايا، الحديث 3.

صفحه 207
«الكافي» مع اختلاف يسير في متنه: عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن أعتق رجل عند موته خادماً له، ثم أوصى بوصية أُخرى أُلقيت الوصية وأعتقت الجارية من ثلثه إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية». 1
والاستدلال بالرواية على ثبوت أمرين ماضيين:
1. العتق منجّز ومعلّق.
2. السؤال مركّز على عدم وفاء الثلث بهما.
أمّا الأمر الأوّل: فربّما يحتمل أن يكون المورد من باب الوصية بشهادة قوله: «ثم أوصى بوصية أُخرى» وكلا الأمرين كانا من باب الوصية لكن تقديم العتق على الأمر الثاني لأجل تقدّم الإيصاء بالعتق على الإيصاء الآخر في لفظ الموصي، بشهادة لفظة «ثم».
ويمكن أن يقال: إنّ العتق كان منجّزاً والثانية معلّقة، وأمّا التعبير بلفظة «بوصية أُخرى» فهو:
إمّا من باب المشاكلة في التعبير حيث عبّر عن العتق أيضاً بالوصية لوقوعه في مصاحبتها كقول القائل:
قالـوا اقتـرح شيئـاً نُجِـدْ لـك طبخـه *** قلت اطبخوا لي جبةً وقميصاً
ويؤيّد ذلك ذيل الحديث: «إلاّ أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية» الظاهر في كون الثاني فقط من مقولة الوصية ألاّ أن يقدّر لفظة «الأُخرى» وهو خلاف الظاهر .

1 . الوسائل: 13، الباب 11 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .

صفحه 208
أو من باب استعمال الوصية في كلّ ما يقوم به الرجل قبل موته من منجّز ومعلّق، وقد كان هذا الاستعمال رائجاً، نظير:
1. روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له» .1 فكان ما أوصى به إقراراً وسمّاه الإمام وصيّة.
2. عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، فقال: «إن كان الميّت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له ».2 ترى أنّه وصف الإقرار بالوصية.
3. عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين، وأوصى (أي أقرّ) أنّ هذا الّذي ترك لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً».3
وأمّا الأمر الثاني: فإنّ قوله: «إلاّ أن يفضل من ثلثه»، صريح في صرف مقدار منه في غير مورد الإيصاء وليس هو إلاّ العتق، فلو بقى شيءٌ يُصرف في الوصية.

الطائفة الخامسة: عتق مَن عليه دين

دلّت الموثّقة التالية على أنّه إذا أعتق المولى عبده ولم يكن له مال غير المعتق وكان عليه دين بقدر قيمته أو أقلّ منه، يُنفّذ قدرُ ثلث الزائد على الدين،

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .
3 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 14 .

صفحه 209
وعندئذ يحكم على العبد بالحرية ويستسعى العبد في حق الغريم وثلثي الورثة : مثلاً إذا أعتق عبداً قيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً، فلو أخرج حق الغريم ـ أعني : الدين ـ يبقى للورثة ثلاثمائة درهم فينفذ العتق من ثلثه ـ أعني: مائة درهم ـ وهو بالنسبة إلى قيمة الكل، سدسه، فتكون النتيجة ينعتق منه سدسه ويستسعى للغريم، نصف القيمة، وللورثة، ثلثي الباقي، أعني: مائتي درهم. وهذه الرواية صريحة في أنّ المنجّز، يخرج من الثلث لا من الأصل وإلاّ كان اللازم ـ بعد إخراج الدين ـ انعتاق نصفه، وكان اللازم عليه أن يستسعى في نصف قيمته للغرماء فقط دون أن يستسعى للورثة.
نعم يبقى الإشكال في ما هو الوجه في هذا الشرط من كون قيمته ضعف دينه أو أقل. وإليك ما ورد في المقام:
1. موثّقة الحسن بن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئاً غيره، قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له منه ثلاثمائة درهم وله السدس من الجميع، ويقضي عنه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة، ثلثها» .1
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ وهي مفصّلة نقتصر على موضع الحاجة ـ في رجل ترك عبداً لم يترك مالاً غيره وقيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم، فقال: «إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 4. وفي الكافي: 7 / 27، الحديث 3: ثلاثمائة درهم، ويقضي منه ثلاثمائة درهم فله من الثلاثمائة، ثلثها وهو السدس من الجميع .

صفحه 210
أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يُتهم الرجل على وصيته وأُجيزت وصيته على وجهها... ، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له (العبد) السدس».1
والتصريح بأنّه يعتق منه السدس أقوى دليل على أنّ العتق المنجّز يخرج من الثلث، فلو كان من الأصل لزم كون نصفه حرّاً، لأنّ قيمة العبد ستمائة، فنصفها للغرماء، والنصف للمالك عند الموت فيكون نصفه حرّاً مع أنّ الإمام قال: إنّ له السدس .
فإن قلت: الاستدلال مبنيّ على جعل المقام من قبيل المنجّز ويمكن أن يقال: إنّ المورد من باب الوصية لقوله: «لم يُتّهم الرجل على وصيته» وقوله: «وأُجيزت وصيته»، فالباقي للوارث بعد أداء الدين هو ثلاثمائة، فللميّت منها الثلث ـ أعني: المائة ـ وهي تعادل قيمة سدس العبد.
قلت: قد تقدّم أنّ استعمال الوصية في كلماتهم في مورد المنجّز، لأحد أمرين: إمّا من باب المشاكلة أو شيوع استعمالها في مورد المنجّز
فإن قلت: إنّ الاستدلال مبني أوّلاً: على عدم الفرق بين العتق وغيره. وثانياً: على عدم الفرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن. وثالثاً: على عدم الفرق بين ما إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدين أو أقل . وكلّ هذه لا تتم إلاّ بالإجماع على عدم الفرق. وإلاّ فلا دليل على التعدية.2
قلت: إذا ثبت الحكم في العتق ثبت في غيره بطريق أولى لما علمنا من رغبة الشارع في العتق، فإذا كان العتق من الثلث فغيره أولى بأن يكون من

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، ذيل الحديث 5.
2 . رسالة منجّزات المريض للسيد الطباطبائي: 20، ولاحظ الطبعة المحقّقة: 137.

صفحه 211
الثلث. وأمّا إلغاء الخصوصية من الجهات الأُخرى فإنّما هو بملاحظة مجموع ما دلّ على أنّ المنجّز يخرج من الثلث .
بقيت في المقام رواية أُخرى وهي لجميل بن دراج أو لجميل عن زرارة1، عن أبي عبدالله(عليه السلام)في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، فقال: «إن كان قيمته مثل الّذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلاّ لم يجز ».2
إنّ الحديث يدلّ على أنّ العتق ينفذ، وأمّا أنّه ينفذ من الأصل أو الثلث فلم يتعرض الحديث لبيانه.

الطائفة السادسة: الأخبار الواردة في إقرار المريض

دلّت الروايات على أنّ المقرّ إذا لم يكن متّهماً ينفذ إقراره من الأصل، وإلاّ فمن الثلث.
قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي وللوارث على كلّ حال إذا كان مرضيّاً موثوقاً بعدالته، ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّ به من أصل المال; فإن كان غير موثوق به
وكان متّهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بيّنة أُعطي من أصل المال، وإن لم يكن معه بيّنة أُعطي من الثلث إن بلغ ذلك، فإن لم يبلغ فليس له أكثر منه.3
فللمسألة صور ثلاث:

1 . كما في الفقيه: 3 / 118 .
2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .
3 . النهاية: 617 .

صفحه 212
1. إذا كان مرضياً يُعطى من أصل المال.
2. إذا كان غير مرضي وكان له بيّنة فكذلك.
3. تلك الصورة وإن لم يكن له بيّنة فمن الثلث.
ويدلّ على ذلك الروايات التالية:
1. صحيح إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث».1
2. خبر العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلاّ عندك فأحلف لنا ما لها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فيحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».2
الظاهر أنّ المراد من قوله :ويضع الأمر إلخ، أنّه يدفع المال إلى الأولياء، وعلى هذا فلو كانت مأمونة يحلف بأنّه ليس عنده مال منها ويدفع المقرّ به للمقرّ له، ولو كانت متهمة لا يحلف ويدفع إلى الأولياء ثلثي المال، والثلث للمقرّ له، فتدبّر.
وجه الاستدلال بالروايتين اشتراك تصرّفات المريض مع إقرار

1 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا ، الحديث 2.

صفحه 213
المريض إذا كان متّهماً في كون المانع عن النفوذ فيما زاد على الثلث، هو تعلّق حقّ الوارث به، وهو كما يمنع من نفوذ الإقرار فيه، كذلك يمنع من نفوذ المنجّز فيه أيضاً، لوجود الملاك وهو تعلّق حقّ الغير به.
وأورد عليه سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بوجود الفرق بين الإقرار والمنجّز قائلاً:
أوّلاً: أنّ المقرّ بإقراره لا يخرج شيئاً من كيسه وممّا يملكه، وإنّما يقرّ بأنّ الشيء الفلاني ملك لفلان وإن كان تحت يده، وهذا بخلاف المنجّزات فإنّه ببيعه وشرائه وهبته ووقفه يخرج شيئاً ممّا يملك، فلو ثبت لزوم الإخراج من الثلث إذا كان متهماً فلا يكون دليلاً على سائر الموارد.
يلاحظ عليه: بأنّ وجه الاستدلال ليس جعل الإقرار من مصاديق المنجّز، حتّى يقال: إنّ أحدهما إخبار، والآخر إنشاء، بل وجهه ما أشرنا إليه من أنّ المانع في عدم النفوذ فيما زاد، كون المريض في كلتا الصورتين في مظنّة الإضرار بالوارث بعد تعلّق حقه بالميراث.
وثانياً: أنّ الحكم المزبور ليس أمراً متفقاً عليه وإنّما هو أحد الأقوال. ففي المسألة أقوال أنهاها في الجواهر إلى عشرة.1

الإخراج من الأصل يوجب الاختلال في الحكمة

هذه أدلّة القولين من حيث الروايات، وأمّا القضاء الحاسم بينهما فسيوافيك بيانه إلاّ أنّنا نشير هنا إلى نكتة، وهي أنّ الشريعة المقدّسة ـ صيانة

1 . لاحظ : جواهر الكلام : 26 / 81 ـ 82 ; ولاحظ رسالة المجدي.

صفحه 214
لحقّ الورثة ـ لم تسمح للمورّث التصرّف بأكثر من الثلث، وحتّى عدّ التجاوز سرقة في بعض الروايات . فقد ورد عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «ما أُبالي أضررت بولدي أو سرقتهم ذلك المال» .1
وقد تضافرت الروايات على وجوب عدم الإضرار بالورثة بالوصية. ومع ذلك كيف يمكن أن يقال إنّه فتح باب الإضرار على الورثة بتنفيذ منجّزاته من أصل المال بلا قيد ولا شرط، فهذان الحكمان متزاحمان لا يجتمعان، فهو أشبه بفتح الذرائع عند الأحناف، كلّ ذلك يوجب ترجيح القول بالإخراج من الثلث.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر ويقول: بل في سؤال هذا البعض دلالة واضحة على معلومية الفرق بين حالي الصحة والمرض بالنسبة إلى النفوذ من الأصل وعدمه، وغير ذلك خصوصاً اختلال حكمة حصر الوصية في الثلث، ضرورة التجاء كل من يريد حرمان الورثة حينئذ أو بعضهم عند حضور موته، إلى التنجيز.2

القضاء الحاسم بين القولين

إذا عرفت القولين، والقائلين بهما، والأدلّة الّتي استدلّ بها عليهما فلابدّ من دراسة علاج الروايات المتخالفة فهل يمكن الجمع بينهما دلالة أو لا يمكن؟ وعلى الثاني فهل هي متكافئة أو لا ؟
وفيه وجوه:

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب الوصايا، الحديث 1.
2 . جواهر الكلام : 26 / 71 .

صفحه 215

الأوّل: الجمع الدلالي بين الطائفتين

قد عرفت أنّ ما يدلّ على أنّ المنجّزات تخرج من الأصل على أقسام:
1. ما يدلّ بالنص لا بالإطلاق على أنّ المنجّز يخرج من الأصل، وذلك كالصور الأربعة من رواية عمّار ـ أعني: الثانية والثالثة والرابعة والخامسة ـ فإنّ دلالتها على المطلوب واضحة وصريحة. وقد مرّ أنّ الرواية لأجل التشويش في النقل ليست بحجّة.
2. ما يدلّ بالإطلاق على أنّ المنجّز يخرج من الأوّل ، وهذا كرواية
أبي شعيب المحاملي وسماعة بن مهران. حيث دلاّ على أنّ المنجّز أعمّ
من المريض والمصح من الأصل، فيقيّد المطلق بما ورد في خصوص المريض.
3. مرسلة الكليني فقد مرّ أنّه رواه نقلاً بالمعنى والصحيح ما رواه الصدوق في الفقيه وهي على خلاف المقصود أدلّ حيث إنّ ظاهر قوله: «ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام» أنّ عمله كان عملاً غير شرعي.
فلو أمكن الجمع الدلالي بين ما يدلّ بالإطلاق وما يدلّ بالخصوص على أنّ منجّز المريض يخرج من الثلث، فلا تصل النوبة إلى الترجيح بالمرجّحات، وإلاّ فلابد من ترجيح أحد القولين بها.

الثاني: الترجيح بكثرة الروايات

إنّ كثرة الروايات وتضافرها في جانب القول بالإخراج عن الثلث على وجه يجعل الحكم المستفاد منها متضافراً بخلاف القول الآخر، وذلك لأنّ ما يدلّ على القول بالإخراج من الأصل لا يتجاوز أربع روايات: رواية عمّار على

صفحه 216
بعض صورها، ورواية أبي شعيب المحاملي، ورواية سماعة، ومرسلة الكليني.
بخلاف ما يدلّ على القول بالإخراج من الثلث، فالروايات متضافرة :
1. رواية عقبة بن خالد وولده، وهما رواية واحدة.
2. خبر السكوني.
3. النبويّ المعروف حول من أعتق ستة أعبد له. وقد تعرّفت على هذه الروايات الثلاث في الطائفة الثالثة.
4. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).
5. صحيحه الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام).
6. صحيح إسماعيل بن همّام، وقد تعرّفت عليها في الطائفة الرابعة.
7. موثّقة حسن بن الجهم التي تقدّمت في الطائفة الخامسة.
8. موثّقة سماعة .
9. صحيح الحلبي.
المذكورتين في الطائفة الثانية.
هذا والعجب من قول الشهيد الثاني في «المسالك» حيث ناقش في كثير من هذه الروايات وقال: وأجود ما في هذا الباب متناً وسنداً الرواية العاميّة (النبوية) ومن ادّعى خلاف ذلك، فالسبر يردّ دعواه وعليها اقتصر ابن الجنيد في كتابه «الأحمدي».1
وقد عرفت صراحة قسم من الروايات في الإخراج من الثلث .

1 . مسالك الأفهام: 6 / 309 .

صفحه 217
هذا مع قطع النظر عن الروايات الّتي يمكن تطبيقها على الثلث وإن لم تكن متعيّنة فيه.

الثالث: الترجيح بالشهرة الفتوائية

إنّ شهرة الإفتاء بالثلث بين القدماء أمر ظاهر والمقصود من فتوى القدماء هو نقل الرواة الوعاة من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)وعلى رأسهم محمد بن مسلم، وإسماعيل بن همّام وحسن بن الجهم وسماعة والحلبي الذين رووا الإخراج من الثلث، وقد يظهر من كثير من الأسئلة عن جواز التصرّف في المرض وعدمه، أنّ المنع كان ذائعاً وشائعاً بين أصحاب الأئمة، ولذلك عادوا يسألون أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عنه.
نعم الشهرة الفتوائية من عصر الكليني إلى يومنا هذا ليست مستقرّة على أحد الحكمين، بل لكلّ من القولين قائل ودليل.

الرابع: القول بالإخراج من الأصل يناقض الحكمة

ما أشرنا إليه تبعاً لصاحب الجواهر من أنّ القول بالإخراج من الأصل أشبه بفتح الذرائع، وأشار إليه أيضاً صاحب المسالك وقال: لولا كونها من الثلث لاختلّت حكمة حصر الوصيّة في الثلث، فإنّه لولاه لالتجأ كلّ مَن يريد الزيادة في الوصية على الثلث إلى العطايا المنجّزة، فيفوت الغرض الباعث على المنع من الزائد.1
ولكنه (قدس سره)ناقش في تلك الحكمة قائلاً: إنّها غير منصوصة . وليس ببعيد

1 . مسالك الأفهام: 6 / 307. ملخصاً.

صفحه 218
أن يكون الحكمة في ذلك سهولة إخراج المال بعد الموت على النفس حيث يصير للغير فيمنع من التجري عليه لتضييع حقّ غيره... وهذه الحكمة ليست حاصلة في الحيّ وإن كان مريضاً، لأنّ البرء ممكن، والشح بالمال في الجملة حاصل، فيكون كتصرّف الصحيح في ماله لا في مال غيره. وكون مال المريض في معرض ملك الورثة في الحال بخلاف الصحيح مطلقاً ممنوع، فرب مريض عاش أكثر من الصحيح، وربّما كان لا في حال المراماة الّتي يغلب معها ظن التلف أبلغ من المريض.1
يلاحظ عليه: أنّ محطّ البحث هو مَن حضره الموت وأشرف على الرحيل، ففي هذه الحالة يسهل له إخراج المال من ملكه، ويقلّ شحّه وحرصه حيث يرى نفسه على عتبة الموت فلو جاز إخراج المنجّزات من الأصل لعاد المحذور، وأمّا ما ذكره من أنّ ربّ مريض عاش أكثر من الصحيح لا يكون دليلاً على عدم صحة الحكمة إذ هي غاية القلّة.

الخامس: الحمل على التقيّة

وربّما يحتمل أنّ الروايات الواردة في الإخراج من الثلث وردت تقية لموافقة مضمونها مع فتوى فقهاء السنّة. ولكن الحمل بعيد جدّاً، إذ قلّما يتّفق ورود رواية للتقية ليس فيها إشارة إليها، وأكثر ما ورد في التقية يذكر فيها لفظ الناس ونحوه.
على أنّه إذا كانت هذه الروايات وردت للتقية كان لهم(عليهم السلام)في إشارة إلى ردّ القول الآخر في ثنايا الروايات الدالّة على الإخراج من الثلث.
فبملاحظة هذه القرائن والشواهد تظهر قوّة القول بالإخراج من الثلث

1 . مسالك الأفهام: 6 / 309 ـ 310 .

صفحه 219
وضعف القول الآخر، ومن أراد الاحتياط فليس له الإفتاء بأحد القولين، بل الإفتاء بالتصالح، كما عليه السيد الميلاني (قدس سره)في رسالته العمليّة.
وينبغي التنبيه على أُمور:

الأوّل: ما هو المراد من الثلث؟

اعلم أنّ هنا مسألتين:
الأُولى ما هو المراد من الثلث في باب الوصية الّتي اتّفقت كلمتهم فيها على عدم جوازها فيما إذا كانت زائدة على الثلث؟
الثانية: ما هو المراد من الثلث في منجّزات المريض على القول بعدم جوازها فيما إذا زادت على الثلث ؟ وها نحن ندرس كلماتهم في كلا المسألتين:
أمّا المسألة الأُولى: فقال المحقّق: ويعتبر الثلث وقت الوفاة لا وقت الوصاية، فلو أوصى بشيء(كعين) وكان موسراً في حال الوصية ثم افتقر عند الوفاة لم يكن بإيساره(حال الوصية) اعتبار. وكذلك لو كان في حال الوصية فقيراً ثم أيسر وقت الوفاة، كان الاعتبار بحال إيساره (الّذي هو وقت الوفاة).1
ثم إنّ صاحب المسالك أشكل على المحقّق في جعل الوفاة هي الميزان في تقدير الثلث بأنّه إنّما يتم إذا كان الموصى به قدراً معيناً كعين أو مائة درهم مثلاً. وأمّا لو انعكس (كما إذا أوصى بثلث ماله في المبرّات) أشكل اعتبار وقت الوفاة (إذا أيسر بعد الوصاية) للشك في قصد الزائد(إذا أيسر بعد

1 . شرائع الإسلام : 2 / 246، كتاب الوصايا، باب في الموصى به .

صفحه 220
الوصاية) وربّما دلّت القرائن على عدم إرادته على تقدير زيادته كثيراً حيث لا تكون الزيادة متوقعة له، غالباً.1
ولعلّ وجهه أنّ الموصى به في هذه الصورة خرج عن الإبهام وتعيّن في العين كالسجادة، أو مائة درهم، فليس هنا أي إبهام في إرادة الموصي، فلو كان أقلّ من الثلث حين الموت، يؤخذ بما أقرّ وصرّح، وإن كان أكثر منه فلا يقبل منه بحكم الشرع، إذ ليس له الإيصاء بأكثر من الثلث.
وهذا بخلاف ما لو أوصى بالكسر كالثلث، إذ يتوجّه إليه الإشكال في صورة واحدة، وهي ما إذا كان الثلث حين الوصية أقلّ من الثلث حين الموت، فلو كان الملاك هو حال الموت، يلزم إدخال ما لم يوص به في الوصية مع عدم إرادة الموصي له، أو لا أقلّ من الشكّ في إرادته الزائد على الثلث حين الوصية.
أقول: وقد تبع الشهيد في ذلك «جامع المقاصد» إذ فيه ما هذا نصه:
واعلم أنّ هذا يستقيم فيما إذا أوصى بقدر معلوم، أمّا إذا أوصى بثلث تركته وكان في وقت الوصية قليلاً، فتجدّد له مال كثير بالإرث أو بالوصية أو بالاكتساب، ففي تعلّق الوصية بثلث المتجدّد مع عدم العلم بإرادة الموصي للموجود2 وقت الوصية والمتجدد، نظر ظاهر، منشؤه دلالة قرائن الأحوال على أنّ الموصي لم يُرد ثلث المتجدّد حيث لا يكون تجدّده متوقّعاً. وقد تقدّم الإشكال فيما إذا أوصى لأقرب الناس إليه وله ابن وابن ابن، فمات الابن فإنّ استحقاق ابن الابن لها لا يخلو من تردّد.3

1 . مسالك الأفهام: 6 / 153 .
2 . متعلق بقوله:«تعلق الوصية».
3 . جامع المقاصد: 10 / 116 .

صفحه 221
أقول: إنّ مرجع القولين إلى إبهام إرادة الموصي في أنّه هل أراد الثلث وقت الإيصاء أو عند الموت. فيمكن أن يريد الموصي الثلث الموجود حين الوصية أو يريد الثلث الموجود حين الموت. وبعبارة أُخرى يرجع الإشكال إلى تعيين المشاع فهل المشاع هو الثلث حين الوصية أو حين الوفاة؟ وعلى هذا فلو دلّت القرينة على أحد الأمرين فهو وإلاّ فاللازم التصالح لدوران الأمر بين المتباينين.
أمّا المسألة الثانية: فالظاهر أنّ المراد هو الثلث حين الموت لا حين الوصية، ولما عرفت أنّ الثلث هناك كان متعلّقاً بإرادة الموصي فصار ذلك سبباً للتردّد بين الوصية والوفاة، وأمّا المقام فالثلث منصوص من جانب الشرع وأنّ الرجل إذا تصرّف في ماله في حال مرضه فمات، فليس له إلاّ الثلث من التركة والزائد عليه يحتاج إلى إجازة الوارث. وعلى هذا يكون المراد كل ما يملكه المتصرّف من مال ـ عيناً أو ديناً أو حقّاً أو منفعة ـ أو من حقّ مالي، كحقّ التحجير، وحقّ الخيار والشفعة، وحقّ القصاص الّذي كان له، وحقّ الجناية عمدية أو خطائية، ونحو ذلك حتّى نصب الشبكة في الماء (لاصطياد السمك) فلو آلت إلى المال أو بذل بازائها المال، كان من جملة ما يخرج منه الثلث .
وحاصل الكلام أنّ المراد من الثلث، ثلث التركة وينطبق على حالة الموت فقط.
وممّا يدل على أنّ المراد هو الثلث بعد الموت هو أنّه ربما يتجدد للميّت شيء من الملك ـ كما سيوافيك في الأمثلة التالية ـ فلا محيص من القول بالإشاعة في التركة.

صفحه 222
نعم يبقى هنا سؤالان:
1. إنّ تصرّف المالك وبيعه أو هبته في حال حياته لا ينسجم مع القول بالإشاعة، لأنّ المفروض أنّه أفرزه بالبيع والهبة؟
ويمكن أن يجاب بأنّ تصرّف المالك بالبيع والهبة لا يخرج المورد من الإشاعة، وذلك لأنّ التعيّن فيما تصرّف فرع أن يكون بمقدار الثلث، ولا يُعلم ذلك إلاّ بالمحاسبة بعد الموت، وعلى هذا يبقى مورد التصرّف جزءاً للتركة.
2. إنّ التصرّف في العين لازماً إذا كان بمقدار الثلث أو أقل يوجب القسمة القهرية بين الميّت والوارث؟
ويمكن أن يجاب بما مرّ من أنّ التعيّن مشروط بظهور الحال بعد الموت، بل ربّما ينقص عن الثلث أو يزيد بالأخصّ وقد مرّ أنّه ربّما يحصل للميّت ملك جديد.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المدار هو الثلث في زمان الموت لا زمان التصرّف، فلو نقص المال عن زمان التصرّف أو زاد عليه فالمدار هو الثلث زمان الموت.
فيترتّب على ما ذكرنا إذا نقصت التركة بعد الموت قبل القسمة أو زادت بالنماء بارتفاع القيمة السوقية يترتّب النقصان والزيادة على الجميع حتّى ولو كان النقصان في سائر الأعيان غير ما تصرّف فيه، أو كانت الزيادة خاصّة بأحدهما، وذلك لأنّ ثلث المشاع بذلك يزيد وينقص.
ثم إنّ من آثار كون الثلث مشاعاً لا مفروزاً ولا متعيّناً تكون الزيادات الخارجية الحاصلة بعد الموت مشاعة أيضاً إذا كان بسبب حق سابق. نظير:

صفحه 223
1. إذا وقع السمك في الشبكة الّتي نصبها الميت .
2. إذا تصالح الورثة على حقّ القصاص الثابت للميّت.
3. إذا تصالح سائر ذوي الحقوق كحق الشفعة ونحوها.
4. الزيادة الحاصلة بفسخ المعاملة الخيارية أو بالإقالة.
5. أو كان مديوناً تبرع به متبرع فإن الثلث يزيد به.
6. ولو أُوصي له بمال فمات قبل القبول وقام الوارث مقام الموصى له فقبل الموصي به فأخذه فإنّ قبوله يزيد في الثلث. نعم الحقوق المتجدّدة للميّت بالموت أو بعده لا تحسب من التركة ولا توجب زيادة في الثلث كجرح الميّت عمداً أو خطأً، أو قطع رأسه بعد الموت، فأمثال ذلك لا يحسب من التركة ولا يزيد في الثلث.

الأمر الثاني: إجازة الوارث تنفيذ لفعل المورّث

لو قلنا بأنّ منجّزات المريض من الثلث فلو زاد عليه وردّ الوارث فهو، وإن أجاز فهو تنفيذ لما فعله المورّث وليس عملاً جديداً ولا عطية ابتداءً ، من غير فرق بين منجّزات المريض ومعلّقاته إذا زادت على الثلث، فليست الإجازة إلاّ الرضا بما فعله المورث، فالمعطي في الحقيقة هو المورث، وأمّا الوارث فبما أنّ له حقّ الرد فهو بإجازته نفذ العمل السابق التام، وتظهر الثمرة فيما لو كانت العطية في حيازة المعطى فلا يحتاج إلى قبض آخر.
فإن قلت: إنّ هذا إنّما يتمّ في المنجزّ وأمّا في الوصية فلا، حيث إنّ المال بعد الموت للوارث والميّت متصرّف في مال الورثة، إذ المفروض أنّه علق التمليك على ما بعد الموت الّذي ينتقل المال إليهم.

صفحه 224
قلت: لا فرق بين المنجّز والمعلّق، فالأوّل إنشاء تمليك بلا قيد وتنتقل العين إلى الموهوب له من دون قيد وشرط، وأمّا الوصية فهي أيضاً إنشاء تمليك عين أو منفعة بعد الموت، لكن ينتقل الملك بموت الموصي فإذا مات انتقل الموصى به إلى الموصى له، سواء أكان بمقدار الثلث أو زائداً عليه.
فإن قلت: إنّ موت المورّث سبب لانتقال التركة إلى الورثة، فيكون الناقل هو إجازة الورثة.
قلت: الموت وإن كان سبباً ناقلاً للتركة إلى الوارث لكن بشرط أن لا يتصرّف فيه المالك حال حياته، فالعين صارت ملكاً للموصى له بعد العقد وتحقّق الموت، غاية الأمر أنّ للوارث حق التنفيذ والرد، وما ذكر من الإشكال مبني على أنّ عين الموصى له تدخل في ملك الوارث بعد الموت ثم منه إلى الموصى له، إذ لو كان كذلك لبطلت الوصية بلا حاجة إلى الردّ، مع أنّ الوصية نافذة والعين ملك للموصى له ملكاً متزلزلاً.

الأمر الثالث: إذا أجاز في حياة المورّث

إذا قلنا بأنّ الزائد على الثلث في المنجّزات يحتاج إلى تنفيذ الوارث، فلو افترضنا أنّ الوارث أجاز فعل المورّث في حال حياته فهل يكون التنفيذ لازماً عليه بحيث لا يجوز له الرد بعد فوت المورّث؟
ربّما يقال بأنّ مقتضى القاعدة عدم الصحة لعدم انتقال المال إليه إلاّ بعد الموت وقبله لا ربط له به، فيكون نظير إجازة غير المالك في الفضولي.
وإن شئت قلت: إنّ المجيز إمّا أن يكون مالكاً، أو من له الحق في العين. فالأوّل كمالك العين في البيع الفضولي، والثاني كإجازة المرتهن بيع العين

صفحه 225
المرهونة من دون إجازته، وأمّا الوارث في حياة المورّث فليس مالكاً ولا من له الحق في التركة.
قلت: الظاهر صحّة الإجازة في حال الحياة والدليل على ذلك وجهان:
الأوّل: أنّ المقتضي للإجازة والردّ كاف في صحّتهما ولا يتوقّف على وجود العلّة التامّة لهما، ولذلك نرى أنّ الفقهاء قالوا بصحّة الضمان إذا وجد المقتضي له ، وهذا كما في ضمان التدارك، مثلاً: إذا باع زيد عين من عمر ولكن المشتري يحتمل أن تكون العين مستحقة للغير فيطلب ضامناً يضمن أنّه لو ظهرت مستحقةً للغير فعليه ضمان الثمن الّذي دفعه إلى البائع. هذا من جانب ومن جانب آخر أنّهم أجمعوا على بطلان ضمان ما لم يجب، والبائع حسب الظاهر لم يجب عليه شيء حتّى يضمنه الثالث، ولكن لمّا كان البيع مقتضياً لذلك حيث إنّه في معرض الاستحقاق للغير، صحّ ضمان الثالث عنه.
وعلى ضوء ذلك صحّحوا ضمان الجريرة حيث يضمن كل من الشخصين ضمان ما يرتكبه من الجريرة الّتي فيها دية أو تدارك، وما هذا إلاّ لوجود المقتضي وهو كون الإنسان في معرض الإضرار بالغير خطأً .
وفي المقام بما أنّ المال ينتقل إلى الوارث بعد موته فله شأن فيه ليس لغيره، فيصح تنفيذه في حياة المورّث المنجّز الزائد على الثلث حتّى الوصية.
الثاني: ما ورد في الروايات ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك، فلمّا مات الرجل نقضوا الوصية، هل لهم أن يردّوا ما أقرّوا به؟ فقال: «ليس لهم ذلك والوصية جائزة عليهم إذا أقرّوا بها في حياته».1

1 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

صفحه 226
والرواية محمولة على ما إذا تجاوزت الوصية الثلث وإلاّ ليس للورثة دور في مقدار الثلث لا ردّاً ولا تنفيذاً.
ويدلّ على ذلك الحمل موثّقة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث وورثته شهود فأجازوا ذلك له؟ قال: «جائز».
ونقل في الوسائل عن التهذيب أنّ ابن رباط قال: هذا عندي على أنّهم رضوا بذلك في حياته وأقرّوا به.1
فإذا كانت الإجازة في حال حياة الموصي نافذة فتكون كذلك في المعلّق بوجه أولى.

الأمر الرابع: إذا ردّ الوارث في حياة المورّث

إذا ردّ الوارث في حياة المورّث ما زاد على الثلث فهل يكون نافذاً كالإجازة في حياته؟ الظاهر وجود الفرق بين الإجازة والردّ، فإنّ الإجازة بمعنى إسقاط حق الرد، وبما أنّ المقتضي كان موجوداً فيسقط حق الردّ بعد الموت.
وأمّا الرد فقد ورد في موقع غير صحيح، لأنّ المملِّك هو المورث والمالك هو المشتري أو الموهوب له وليس للوارث هناك أي حق سوى أنّه لو مات المورّث يتمكن من إعمال حق الرد، والمفروض أنّ المورث بعد حيٌّ يرزق.
فإن قلت: ما الفرق بين الردّ والإجازة حيث صحّت الإجازة في حال

1 . الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 227
حياة المورّث دون الردّ.
قلت: الفرق بينهما أنّ الإجازة ليست تدخّلاً في أمر الغير، بل أقصاها إسقاط حق ربّما يحتمل أن يتّخذه ذريعةً للرد، وأمّا الردّ في حال حياة المورّث فإنّه تدخل في أمر المالك، الّذي يملك أمر نفسه.
وإن شئت قلت: إنّ الإجازة إسقاط للحقّ ولا يعود، وأمّا الردّ فمرجعه إلى حفظ الحقّ، فله أن يُسقط هذا الحقّ المحفوظ .
وبعبارة ثالثة: أنّه لا فرق بين السكوت والردّ، فالحقّ في الموردين محفوظ للوارث غاية الأمر، الردّ حال حياة المورّث تأكيد لحفظه وبقائه فله أن يسقط هذا الحقّ المؤكّد، مثل غير المؤكّد.

الأمر الخامس: إذا اجتمع الدين المستغرق للتركة مع المنجّز

فعلى القول بإخراج الثاني من الأصل يقدّم المنجّز على الدين، لأنّه أخرجه من التركة قبل أن تموت فلا يكون متعلقاً للدين وإن لم يكن للميت مال غيره فيبقى الدين حينئذ بلا وفاء. حيث تمّ النقل القطعي قبل تعلّق حق الوفاء.
وأمّا على القول بإخراجها من الثلث ـ الذي يخرج من التركة ـ فيقدّم الدين عليه، وذلك لأنّ المتبادر من قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن)1 أنّ الميراث يتعلّق بما وراء الدين والوصية، فإذا استغرق الدينُ التركة فلم يترك المورّث تركة حتّى يخرج المنجّز منها.
وبعبارة أُخرى: أنّ إخراج المنجّز من الثلث عملاً بقوله: «للميّت عند

1 . النساء: 12 .

صفحه 228
موته ثلث ماله» فرع إيراثه تركة حتّى يُخرج منه، فإذا استغرق الدين الميراث فلم يترك تركة حتّى يُخرج المنجّز من ثلثها، فليس هنا ثلث الموروث حتّى يُخرج منه.
وحصيلة الكلام: أنّه لو قلنا بإخراج المنجّزات من الأصل تقدّم على الدين مطلقاً، بقي للغرماء شيء أو لا، شريطة أن لا يُحجر على المنجزّ من جانب الحاكم قبل التنجيز بالحجر، وأمّا لو قلنا بإخراجها من الثلث فإنّما تخرج منه إذا لم يكن في المورد دين فعندئذ تخرج من الثلث والزائد عليه رهن إجازة الوارث.
وأمّا إذا كان في المورد دين يستوعب التركة فلا تنفذ لا في مقدار الثلث ولا في الزائد عليه، لما عرفت من أنّ ما نجزّه المورث بالبيع أو بالهبة جزء التركة غير خارج منها والثلث إنّما يتصوّر إذا ترك الميّت ـ بعد الدين ـ شيئاً يكون ثلثاه للوارث وثلثه للميّت نفسه، وأمّا إذا استغرق الدين التركة فلا موضع للميراث ولا للثلث ولا الزائد عليه.
وتكون النتيجة: إذا زاحم عمل المنجّز حقوق الورثة يتوقّف نفوذ الزائد على إجازتهم. وأمّا إذا زاحم حق الغرماء فيقدّم حقّهم على المنجّز بالدليل المذكور.
ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي استشهد على ذلك بالحديثين التاليين:
1. موثّقة الحسن بن الجهم: قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول في رجل أعتق مملوكاً وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم، وعليه دين ثلاثمائة درهم، ولم يترك شيئاً غيره؟ قال: «يعتق منه سدسه، لأنّه إنّما له

صفحه 229
منه ثلاثمائة درهم وله السدس من الجميع (ويُقضى منه ثلاثمائة درهم وله من الثلاثمائة ثلثها) ».1
فلو كان الدين غير مزاحم للأمر المنجّز كان اللازم عتق ثلث المملوك لا سدسه، وهذا يدلّ على أنّ المنجّز يلاحظ بعد إخراج الدين فإن استغرق الدين التركة حتّى المنجّز، يحكم بانحلال العقد ويصرف في مورد الدين، وإن بقي شيء ينفذ على حدّ ثلث الباقي.
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رواية طويلة وجاء فيها: قلت: فإن قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم...، إلى أن قال (عليه السلام): فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة، ويكون له السدس».2
والاستدلال بهذه الرواية نفس الاستدلال بالرواية السابقة.

الأمر السادس: في بيع الفضولي إذا أجاز المالك

اختلفت كلمتهم في بيع الفضولي إذا أجازه المالك، فهل هو كاشف عن ملكية المشتري من زمان العقد أو ناقل؟ ولكلّ من القولين دليل.
فلو قلنا بأنّ المنجّز يخرج من الأصل فلا موضوع للإجازة ولا للردّ، وأمّا إذا قلنا بأنّه من الثلث فهل يمكن تصوير ذلك النزاع في المقام بأن تكون إجازة الوارث كاشفة عن ملكية المشتري بالبيع المحاباتي من زمان العقد، أو يكون ناقلاً بأن يدخل المبيع في ملك المشتري عند الإجازة؟

1 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4. في الكافي: «وهو السدس...».
2 . الوسائل: 13، الباب 39 من أبواب الوصايا، الحديث 5.

صفحه 230
أقول : إنّ تصوير كلا الاحتمالين في المقام مشكل، أمّا احتمال أنّ الإجازة ناقلة فهو مشكل جدّاً، إذ هو مبني على أحد الوجوه:
1. انتقال المال بعد الموت وقبل الإجازة للوارث. ولازم ذلك أن يكون تملّك المشتري عطية جديدة يترتب عليه آثارها، وهو كما ترى. قد مرّ ضعفه.
2. الحكم ببقاء المال بين الموت والإجازة بلا مالك.
3. القول بكون الملك باقياً على ملك الميّت، فالالتزام بهذه الأُمور مشكل، فالقول بأنّ الإجازة ناقلة غير تام جدّاً .
وأمّا احتمال أنّ الإجازة كاشفة فهو أيضاً لا يخلو من إشكال، لأنّها إنّما تتصوّر إذا كان البائع غير المالك كما إذا باع الفضولي وأجازه المالك بعد شهر، وأمّا إذا كان البائع هو نفس المالك الّذي له السلطة التامة ففي مثل ذلك يتحقّق الإنشاء والمنشأ من زمان العقد حقيقة لا تقديراً من دون حاجة إلى إجازة، غاية الأمر أنّ الشارع أعطى للوارث حق الرد والحيلولة بين استمرار ملكية المشتري للعين، فإذا لم يرد بقي المال في ملكية المشتري من دون حاجة إلى إجازة، فالرد مانع للاستمرار عن الملكية وليست الإجازة شرطاً.
فخرجنا بهذه النتيجة: النزاع المعروف في مورد الفضولي لا يتصور في المقام.

الأمر السابع: إذا ادّعى الوارث أنّه أجاز لظنّه قلّة المال

إذا أجاز الوارث ثم ادّعى أنّه إنّما أجاز لظنّه قلّة الزائد على الثلث، سواء أكان المال المنجّز مشاعاً، كما إذا باع نصف البستان محاباةً، وتبيّن أنّ نصف البستان أكثر من ثلث البائع ; أو كان عيناً معيّنة، كما إذا باع سجادة كبيرة محاباة

صفحه 231
وكانت قيمتها أزيد من ثلث البائع، فادّعى في كلا الموردين أنّه أجاز بظن أنّ الزائد أقلّ في ظنّه وهو الآن أكثر ممّا كان ظنّه، فهل يسمع قوله أو لا؟ فيقع الكلام في مقامين:
1. في تكليف الوارث المجيز بظن قلّة الزائد مع كونه أكثر ممّا ظن.
2. في سماع قولهم في المحاكم أو لا؟
أمّا الأوّل: إذا كانت الإجازة مطلقة ولم تكن مقرونة بالظن بالقلّة، أو كانت مقرونة بالظن بالقلّة، لكن كان الظن المذكور من قبيل الداعي، ففي هاتين الصورتين يحكم بالنفوذ. أمّا إذا كانت مطلقة فواضح. وأمّا إذا كانت مقرونة بالظن المذكور مع كونه داعياً فيحكم بالنفوذ أيضاً، لأنّ الداعي لا يوجب تقييد الرضا الّذي دلّت عليه الإجازة، فلا يبطل التصرّف الواقع عن الرضا.
وبعبارة أُخرى: ليس ظنّ القلّة موضوعاً للرضا، بل الرضا المطلق، غاية الأمر أن الّذي دفع المجيز إلى الإجازة هو فكرة قلّة الزائد على نحو لو كان على الخلاف لأجاز أيضاً. وهذا نظير ما إذا ائتم بداعي أنّ الإمام زيد ثم تبيّن أنّه عمرو فإنّ صلاته وجماعته صحيحة، إذ ليس الداعي قيداً على نحو لو تخلّف لم يأتم، بل يأتم مطلقاً غاية الأمر تصوّر أنّه زيد.
هذا كلّه إذا كانت الإجازة مطلقة أو كان الظن من قبيل الداعي، وأمّا لو كان الرضا مقيّداً لقلّة الزائد فبان الخلاف فلا تنفذ الإجازة، وهذا نظير ما إذا اقتدى على أنّ الإمام زيد على نحو لو كان غيره لم يقتد به .
هذا كلّه حكم الوارث في حدّ نفسه .
وأمّا الثاني: فالظاهر عدم السماع، لأنّ ظواهر الألفاظ حجّة في جميع

صفحه 232
المقامات، فيؤخذ بإطلاق كلامهم في مقام الإجازة.
وبعبارة أُخرى: أنّ إجازاتهم لا تخلو عن صورتين :
الأُولى: إذا كان كلامهم حاكياً عن الإجازة المطلقة، أو كان كاشفاً أنّ الظن بقلّة الزائد من قبيل الداعي فلا تسمع دعواهم، لتطابق الإثبات مع الثبوت. ولما عرفت أنّه ليس لهم الرد إذا أجازوا مطلقاً أو كان الظنّ بقلّة الزائد من قبيل الداعي.
والثانية: ادّعوا أنّ إجازتهم في أنفسهم كانت مقيّدة فقد تبيّن الخلاف فلا تسمع إلاّ بالبيّنة.
***
تمّت قاعدة
منجّزات المريض من الثلث

صفحه 233
القواعد الفقهية
      82
نفوذ إقرار المريض وعدمه   
قاعدة

نفوذ إقرار المريض وعدمه

نفوذه من الأصل مطلقاً
نفوذه من الأصل مع عدم التهمة
في الإقرار للوارث
ما يدلّ على النفوذ مطلقاً
ما يدلّ على النفوذ إذا كان المقرّ مرضياً
ما يدلّ على النفوذ على حدّ الثلث
في الإقرار لغير الوارث
إذا كان مصدّقاً وضاقت التركة
إذا حابى المشتري بثلثه ماله
لمّا فرغنا من محاضراتنا حول حكم منجّزات المريض وانتهينا إلى أنّها تخرج من الثلث، ناسب أن نردف البحث السابق ببحث نفوذ إقرار المريض وعدمه، وعلى فرض نفوذه فهل ينفذ مطلقاً أو فيه تفصيل؟
إنّ الإقرار قد يكون بالعين، وأُخرى بالدين. وعلى كلا التقديرين فتارة

صفحه 234
يقرّ للوارث، وأُخرى للأجنبي.
اختلف الأصحاب في نفوذ إقرار المريض إلى أقوال وردت سبعة منها في الجواهر.1 وأنهاها السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) في رسالة «منجّزات المريض» إلى عشرة2، غير أنّ قسماً من الأقوال متداخلة يمكن إرجاعه إلى قول واحد، والمهمّ هما القولان التاليان:

1. نفوذه من الأصل مطلقاً

ذهب ابن زهرة في الغنية وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في الجامع إلى نفوذه من الأصل.
قال ابن زهرة: ويصحّ إقرار المحجور عليه لفلس، وإقرار المريض للوارث وغيره، بدليل الإجماع المشار إليه.3
وقال ابن إدريس: ويصحّ إقرار المريض الثابت العقل، للوارث وغيره، سواء كان بالثلث أو أكثر منه. وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك.4
وقال ابن سعيد: إقرار العاقل غير المحجور عليه صحيح، عدلاً وفاسقاً، مريضاً وصحيحاً، لأجنبي ووارث.5

1 . جواهر الكلام: 26/81 ، كتاب الحجر. وفي كتاب الإقرار:35/116 عند قول المحقّق: على أظهر القولين وقال هو بعدها: (بل الأقوال الّتي هي ستة أو سبعة، بل قيل هي عشرة) وأحال التفصيل إلى كتاب الحجر، فلاحظ.
2 . رسالة في منجّزات المريض للسيد الطباطبائي:22.
3 . غنية النزوع: 270.
4 . السرائر:2/499، باب الإقرار.
5 . الجامع للشرائع:338.

صفحه 235
وربما يظهر من إطلاق القاضي في المهذّب قال: إذا أقرّ البالغ الكامل العقل الّذي ليس بمولى عليه، المطلق التصرّف على نفسه بشيء، كان إقراره ماضياً وحكم عليه به.1

2. نفوذه من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها

ذهب جماعة إلى أنّه يخرج من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها، من غير فرق في الموضعين بين العين والدين والوارث والأجنبي، وقد حكي عن الأكثر والظاهر أنّه المشهور. وأُريد من التهمة، الإضرار بالوارث إذا أقرّ بالأجنبيّ أو لإيصال الخير لوارث دون آخر، إذا أقرّ لوارث.
هذان القولان هما القولان المعروفان، وهناك أقوال ترجع إلى الثاني.
منها: أنّه من الأصل مع العدالة وعدم التهمة، ومن الثلث مع فقد القيدين.
قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي والوارث على كلّ حال، إذا كان مرضيّاً موثوقاً بعدالته، ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّ به من أصل المال; فإن كان غير موثوق به، وكان متهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بينة، أُعطي من أصل المال، وإن لم تكن بيّنة أُعطي من الثلث.(2)
فإنّ هذا القول نفس القول الثاني، لأنّ العدالة طريق إلى عدم التهمة.
ومنها: أنّه من الأصل إن كان عدلاً وإلاّ فمن الثلث حُكِي عن المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» أنّه نسبه إلى بعض الأصحاب.2

1 . المهذّب البارع:1/404.   2 . النهاية:617ـ 618.
2 . لاحظ : جامع المقاصد: 11 / 107 ـ 108.

صفحه 236
والقائل اكتفى بقيد واحد وهو العدالة عن قيد عدم التهمة، فيرجع إلى القول السابق.
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي ولم يكن متّهماً، وإلاّ فإن كان متّهماً أو كان للوارث مطلقاً فهو من الثلث. وهو مختار المحقّق في النافع.1
وجه رجوعه أنّه قسّم الإقرار للأجنبي إلى قسمين: إمّا أن يكون متّهماً أو لا يكون، ولكنّه جعل الإقرار للوارث قسماً واحداً لغلبة الاتّهام في الإقرار للوارث. فهذا القول في الحقيقة تفصيل بين المتّهم وغيره، غاية الأمر لمّا كانت التهمة شائعة في الإقرار للوارث، جعله قسماً واحداً.
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي مطلقاً أو كان للوارث وكان غير متّهم، وإلاّ فمن الثلث. وهو خيرة ابن حمزة.2
وجه رجوعه أنّه فرض الإقرار للأجنبي قسماً واحداً لغلبة عدم الاتّهام فيه وجعل الإقرار للوارث إلى قسمين. إلى غير ذلك من الأقوال الّتي يمكن إرجاعها إلى القول الثاني.
وللعلاّمة الحلّي كلام في المقام لا يخلو ذكره من فائدة، قال:
ولو أقرّ ] المريض[ بدين أو عين لأجنبي، فالأقوى عندي من أقوال علمائنا: إنّه ينفذ من الأصل إن لم يكن متّهماً في إقراره. وإن كان متّهماً، نفذ من الثلث، لأنّه مع انتفاء التهمة يريد إبراء ذمّته، فلا يمكن التوصل إليه إلاّ بالإقرار عن ثبوته في ذمّته، فلو لم يُقبل منه بقيت ذمّته مشغولةً، وبقي المقرّ له ممنوعاً عن حقّه، وكلاهما مفسدة، فاقتضت الحكمة قبول قوله. أمّا مع التهمة فإنّ

1 . المختصر النافع:168، آخر كتاب الوصية.
2 . الوسيلة:284.

صفحه 237
الظاهر أنّه لم يقصد الإخبار بالحقّ، بل قَصَد منعَ الوارث عن جميع حقّه أو بعضه والتبرّع به للغير، فأُجري مجرى الوصيّة.1
وأمّا فقهاء السنّة فيظهر فيما نقله العلاّمة عن الشافعي خروج الإقرار للوارث في مرض الموت عن محط البحث وأنّه لا يقبل، لأنّه أشبه بالوصية للوارث التي لا تصحّ عندهم.
إنّما الكلام في الإجنبي ففيه روايات ثلاث عن الشافعي:
1. يصحّ إقراره للأجنبي وأطلق (أي لم يقيّد بالثلث) وهو إحدى الروايات عن أحمد.
2. أنّه لا يقبل، لأنّه إقرار في مرض الموت، فأشبه الإقرار لوارث.
3. أنّه يقبل إقراره من الثلث، ولا يقبل في الزائد، لأنّه ممنوع من عطية ذلك للأجنبيّ2، كما هو ممنوع من عطية الوارث عندهم، فلم يصحّ إقراره بما لا يملك عطيته، بخلاف الثلث فما دون.3
ويظهر من الشيخ في «الخلاف» أنّ الإقرار للوارث أيضاً محل خلاف وليس موضعَ اتفاق.
قال: يصحّ الإقرار للوارث في حال المرض. وبه قال أبو عبيد، وأبو ثور، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي.
والقول الآخر: إنّه لا يصحّ. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري،

1 . تذكرة الفقهاء:15/267.
2 . لأنّ منجّزات المريض التي عبّر عنها بالعطيّة عندهم من الثلث.
3 . تذكرة الفقهاء:15/268.

صفحه 238
وأحمد. وقال أبو إسحاق المروزي: المسألة على قول واحد، وهو أنّه يصحّ إقراره.1
أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية ـ مع قطع النظر عن الروايات الواردة في المسألة ـ هو نفوذ الإقرار. ويدلّ عليه سيرة العقلاء والروايات الدالّة على نفوذ إقرار كلّ شخص على نفسه مريضاً كان أو غير مريض، أقرّ للوارث أو للأجنبي. ولكن دراسة الروايات تستدعي الكلام في موضعين:
الأوّل: إقرار المريض للوارث.
الثاني: إقرار المريض لغير الوارث.

الموضع الأوّل:

في الإقرار للوارث

إنّ الروايات الواردة فيه على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدلّ على النفوذ مطلقاً

دلّت صحيحة أبي ولاّد على نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً، سواء أكان المقَرّ به مقدار الثلث، أم أزيد منه، وسواء أكان المقرّ ثقة أم متّهماً في إقراره.
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد(بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد) عن ابن محبوب، عن أبي ولاّد2 قال: سألت أبا

1 . الخلاف: 3/368، المسألة 13 .
2 . أبو ولاّد الحنّاط، حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن الأوّل(عليهما السلام).

صفحه 239
عبد الله(عليه السلام) عن رجل مريض أقرّ عند الموت لوارث بدين له عليه؟ قال:«يجوز ذلك»، قلت: فإن أوصى لوارث بشيء؟ قال:«جائز».1
وفي الحديث فقرتان:
الأُولى: إقراره لوارث.
الثانية: إيصاؤه لوارث.
أمّا الأُولى: فلا مانع من الأخذ بإطلاقها، سواء أكان بمقدار الثلث أم أزيد، كان المقرّ أميناً أم لا. وأمّا الفقرة الثانية فلابدّ من تقييد إطلاقها فيما إذا لم تتجاوز الوصية الثلث.
ويمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثانية فاقدة للإطلاق، حتى تحتاج إلى التقييد لأنّها وردت لردّ ما اشتهر بين السنّة من أنّه لا وصية لوارث، وكأنّ السائل سأل عن أصل الوصية من غير نظر إلى كميّتها، فقال الإمام(عليه السلام): جائز.
فمقتضى هذه الرواية نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً من غير فرق بين حال المقرّ من كونه ثقة أو متّهماً، ومن غير فرق بين كون المقرّ به بمقدار الثلث أو لا.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الاحتمال المذكور في الفقرة الثانية يأتي في الأُولى أيضاً، وإنّها بصدّد بيان أصل الجواز ردّاً للمخالف وليس بصدّد بيان الكميّة.

الثانية: ما يدلّ على النفوذ إذا كان المقرّ مرضيّاً

يستفاد من بعض الروايات نفوذ الإقرار بالدين للوارث بشرط أن يكون المقرّ مرضيّاً غير متّهم. ويدلّ عليه:

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث4.

صفحه 240
1. صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً؟ فقال:«إن كان الميّت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».1 والرواية محمولة على المريض وموردها الإقرار للوارث.
وقد مرّ في قاعدة «منجّزات المريض» أنّ المراد من الوصية هنا وحتّى فيما يأتي من الرواية هو الإقرار، بشهادة قوله:«أنّ له عليه ديناً».
وتتميز الرواية عن الصحيحة بتقييد نفوذ إقرار المقرّ بكونه مرضيّاً بخلاف الرواية السابقة فقد كانت مطلقة من هذه الحيثية. نعم هذه الرواية وما يتلوها مطلقتان من حيث المقرّ من دون تقييده بكونه مريضاً، لكنّها محمولة على المريض بشهادة أنّه أوصى لبعض ورثته بأنّ له عليه ديناً. والغالب على مثل هذه الوصايا هو حالة المرض.
2. ما رواه الشيخ بسند موثق عن أبي أيوب، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، قال:«إن كان الميّت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».2والرواية محمولة على المريض والإقرار للوارث.
والكلام في هذه الرواية نفس الكلام في الرواية السابقة، وقد ورد في الروايتين قيدان: كون المقرّ له وارثاً، وكون المقرّ مرضيّاً.
قلنا: إنّ الرواية محمولة على المريض، لأنّ إقرار المصحّ للوارث أو الأجنبي ليس مشروطاً بكونه مرضيّاً، نعم والرواية حجّة في مورد الإقرار للوارث دون الأجنبيّ.

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث8.

صفحه 241
ثمّ إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بعدما أفاض الكلام في روايتي; منصور بن حازم، وأبي أيوب، قال: وتعليق الإقرار للوارث على كون المقرّ مرضيّاً، موافق لمذهب مالك من فقهاء المدينة المعاصر للإمام الصادق(عليه السلام)، فتحمل على التقية.1
أقول: التفصيل الوارد في الرواية بين كون المقرّ مرضيّاً وعدمه، ليس موجوداً في مذهب مالك حسب ما نقله الشيخ في «الخلاف» وقد نقلناه في صدر الرسالة، قال: يصحّ الإقرار للوارث في حال المرض وبه قال: أبو عبيدة و... إلى أن قال: والقول الآخر: أنّه لا يصحّ. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد.2 فمذهبه عدم صحّة الإقرار للوارث مرضيّاً كان المقرّ أو لا.
أضف إلى ما ذكرنا أنّ مجرّد كون مضمون الرواية موافقاً لفتوى مالك التي مرّت عليك لا يوجب ضعفاً، لأنّ المسؤول هو الإمام الصادق(عليه السلام)المتوفّى 148هـ، وأمّا مالك فقد توفّي عام 179هـ، والفاصل الزماني بين الوفاتين يتجاوز ثلاثين سنة، فلم يكن لمالك في عهد الإمام الصادق(عليه السلام) دور كدور أبي حنيفة وابن شبرمة في مجال الإفتاء حتّى يتّقى منه. نعم صار إمام دار الهجرة في عهد المنصور وبعده.

الثالثة: ما يدلّ على النفوذ على حدّ الثلث

تدلّ الرواية التالية على نفوذ إقراره إذا لم يكن زائداً على الثلث.
روى الكليني بسند صحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد

1 . المجدي:184.
2 . الخلاف:3/368، المسألة 13.

صفحه 242
الله(عليه السلام) عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال:«يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث».1
ومقتضاها: أنّه إذا أقرّ المريض بدين للوارث يُقْبل، إذا كان بمقدار الثلث، سواء أكان مرضيّاً أم لا.
فالرواية مشتملة على القيود التالية:
أ. كون المقرّ مريضاً.
ب. والمقرّ له وارثاً.
ج. وتحديد نفوذ إقراره إذا لم يزد على الثلث.
وفي الوقت نفسه مطلق من حيث كونه مرضيّاً أو لا.
ومع حفظ القيدين الأوّلين تكون النتيجة: أنّ المريض المقرّ بالدين للوارث ينفذ إقراره على حدّ الثلث.
ويقرب منها ما رواه الشيخ عن سماعة قال: سألته عمّن أقرّ للورثة بدين عليه وهو مريض؟ قال: «يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلاً».2 وهل المراد قلّة المال في حدّ نفسه، أو بالنسبة إلى ماتركه من الميراث، أو ثلث المال الذي هو أقلّ بالنسبة إلى ثلثيه؟ وجوه.
وعندئذ يقع الكلام في وجه الجمع بين هذه الروايات فيمكن الجمع بالوجه التالي:
تدل الطائفة الأُولى على نفوذ إقراره للوارث مطلقاً، سواء أكان متّهماً أم

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث3.
2 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث9.

صفحه 243
لا، فيقيّد إطلاقها بما في الطائفة الثانية من اشتراط كون المقرّ مرضيّاً.
وأمّا الطائفة الثانية فبما أنّها مقيّدة بكونه مرضيّاً، فإطلاقها حجّة في المقام لكنّها محمولة على المريض لأنّ إقرار المصحّ حجّة مطلقاً، مرضياً كان أو غير مرضي، فتكون دليلاً خاصّاً.
وأمّا الطائفة الثالثة فتبقى على إطلاقها، لأنّ النفوذ إذا كان محدّداً بالثلث فهو نافذ، سواء أكان مرضيّاً أم غير مرضي، إذا لكلّ إنسان عند موته الثلث من أمواله.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. إذا كان المقرّ به على حدّ الثلث فلا يشترط فيه شيء لا كونه مرضيّاً ولا كونه مريضاً، ضرورة أنّ الإنسان يملك ثلث ماله لما بعد موته.
2. إذا كان المقرّ به أزيد من الثلث ففيه التفصيل بين كون المقرّ مرضيّاً فينفذ إقراره مطلقاً، وبين كونه غير مرضيّ فيدخل في الصورة الثانية تحت الضابطة الثابتة من نفوذ إقراره في الثلث. وهذا القول هو المعروف بين الأصحاب.
نعم أنّ مورد التفصيل، كون الإقرار للوارث مزاحماً لحقّ سائر الورثة فيؤخذ به إذا كان مرضيّاً، وأمّا إذا كان مزاحماً لحق غيرهم من الغرماء فالرواية ساكتة عنه، فهل يقدّم فيه الإقرار أو يقدّم حق الغرماء، فقد مرّ الكلام فيه في الرسالة السابقة، وسيوافيك أيضاً عند الكلام في الإقرار لغير الوارث، فانتظر.
فإن قلت: إنّ هنا طائفة رابعة تنفي نفوذ الإقرار للوارث مطلقاً.
1. خبر قاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل اعترف

صفحه 244
لوارث له بدين في مرضه؟ فقال(عليه السلام): «لا تجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين».1
2. خبر مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)قال: قال علي(عليه السلام):«لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين». يعني إذا أقرّ المريض لأحد من الورثة بدين له عليه فليس له ذلك.2
قلت: مضمون الروايتين يُخالف مذهب الشيعة المأخوذ من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فإنّهم اتّفقوا على جواز الوصية للوارث، فلا يمكن العمل بها وبما فيها من عدم نفوذ الإقرار للوارث، لأنّ الجميع أخبار ضعاف تلوح منها التقية.

الموضع الثاني:

في الإقرار لغير الوارث

إذا أقر لغير الوارث بدين فهل ينفذ مطلقاً، أو لا، أو فيه نفس التفصيل السابق؟
الروايات الواردة فيه على أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما لا صلة له بالمقام، نظير:

1. ما رواه سعد بن سعد(الثقة)، عن الرضا(عليه السلام) قال: سألته عن رجل

1 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوصايا، الحديث12.
2 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث13. أضف إليه إطلاق خبر السكوني، الحديث12 من هذا الباب فإنّه يدلّ بإطلاقه على عدم نفوذ النحلة والوصية للوارث.

صفحه 245
مسافر حضره الموت فدفع مالاً إلى أحد التجار، فقال له: إنّ هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث يشاء، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الّذي جعله له بأمر، ولا يدري صاحبه ما الّذي حمله على ذلك، كيف يصنع؟ قال: «يضعه حيث شاء».1 فإنّ قوله:«إنّ هذا المال لفلان بن فلان» ظاهر في الإقرار، ولكن قوله: «فادفعه إليه يصرفه كيف يشاء» ظاهر في الوصية، وإلاّ يكون كلاماً لغواً، فالرواية في مورد الإيصاء، ولعلّه كان على قدر الثلث أو أقلّ منه.
2. مكاتبة محمد بن عبد الجبار الإمام العسكري(عليه السلام) قال:
كتبت إلى العسكري(عليه السلام): امرأة أوصت إلى رجل وأقرّت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه2وصفر ونحاس وكلّ ما لها أقرّت به للموصى إليه، وأشهدت على وصيتها، وأوصت أن يحجّ عنها من هذه التركة حجّتان، وتُعطي مولاة لها أربعمائة درهم، وماتت المرأة وتركت زوجاً، فلم ندر كيف الخروج من هذا واشتبه علينا الأمر.
وذكر الكاتب: أنّ المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصحّ لهذا الوصي، فقال: لا تصحّ تركتك لهذا الوصي إلاّ بإقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود، وتأمريه بعد أن ينفذ ما توصّيه به فكتبت له بالوصية على هذا وأقرّت للوصي بهذا الدين، فرأيك ـ أدام الله عزك ـ في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا وتعريفنا ذلك لنعلم به إن شاء الله؟ فكتب(عليه السلام) بخطّه:«إن كان الدين

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث6.
2 . الشبه ـ محرّكة ـ : النحاس الأصفر.

صفحه 246
صحيحاً معروفاً مفهوماً فيخرج الدين من رأس المال إن شاء الله، وإن لم يكن الدين حقّاً أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف».1
فقه الحديث: إنّ المرأة ـ على ما يعطيه صدر الحديث ـ أقرّت بدين، أو أوصت بأُمور كثيرة تستوعب جميع التركة، وكان المعروف عند فقهاء السنّة في المسألة أنّ الإقرار ينفّذ من الثلث كالوصية. وكانت المرأة ـ قبل موتها عالمة بذلك ـ شاورت شخصاً، وهو أرشدها إلى طريق تنفيذ جميع ما أقرّت به وما أوصت إليه وهو أن تقرّ للموصى له بدين يحيط بعامة التركة وتستشهد على ذلك، ثم تأمر الموصى له بتنفيذ ما أوصت به.
فلمّا وصل الكتاب إلى الإمام العسكري(عليه السلام) أجاب بأنّه إذا كان الدين معروفاً مفهوماً(أي ديناً واقعياً لا صورياً) يخرج من رأس المال، وإلاّ لا يعتد بالدين بالإقرار، وإنّما ينفذ ما أوصت به من ثلثها على قدر كفايته.
هذا هو المفهوم من الرواية ولكن لا يحتج بها في المقام. لأنّه خصّ الإخراج من الأصل إذا كان الدين أمراً قطعياً حيث قال:«إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً» وهو خارج عن محل البحث لشمول قوله سبحانه:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)2 له.

القسم الثاني: ما يدلّ على عدم النفوذ مطلقاً

روى السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، عن علي (عليه السلام)أنّه كان يردّ النحلة

1 . تهذيب الأحكام:9/190، الحديث9، باب الإقرار في المرض; الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث 10. قوله: «في مسألة الفقهاء»، من باب التقيّة لئلاّ يؤخذ الكاتب بانّه يريد فتوى الإمام العسكري(عليه السلام).
2 . النساء:11.

صفحه 247
في الوصية، وما أقرّ به بلا ثبت ولا بيّنة، ردّه.1 بناء على أنّ المراد من الرد هو الرد مطلقاً حتى في مقدار الثلث لا كالرد في الوصية. حيث يردّ مازاد عليه، والرواية مُعرض عنها لا يحتجّ بها، وقد مرّ مثلها في القسم الأوّل وهو وإن لم يكن مقيّداً بالمريض ولكنّه منصرف إليه أو يعمّه بإطلاقه.

القسم الثالث: النفوذ إذا كان مصدَّقاً أو مأموناً

يستفاد من الروايتين الأُوليين ـ بعد الإمعان والدقّة ـ النفوذ من الأصل إذا كان المقرّ مصدّقاً مأموناً، وإلاّ فيخرج من الثلث. وإليك دراستهما:
1. ما رواه الشيخ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين، وأوصى أنّ الذي ترك لأهل المضاربة، أيجوز ذلك؟ قال:«نعم إذا كان مصدّقاً».2والمتبادر من الرواية عدم نفوذ إقراره عند الاتهام حتى في الثلث خلافاً لما يأتي في صحيح بياع السابري حيث إنّ ظاهره نفوذه في الثلث إذا كان متّهماً، وسيوافيك رفع التعارض بينهما.
والرواية تدلّ على أنّ المضارب كان عنده مال مضاربة أوّلاً، وعليه دين ثانياً لغير أهلها، فخاف الرجل أنّه إذا لم يقرّ بأنّ المال لأهل المضاربة يتملّكه الدائن بزعم أنّه ملك المديون. فبما أنّ هذا الإقرار بظاهره كان إضراراً على الدائن حيث لم يترك شيئاً يؤدي به الدين سأل الإمام عن جواز هذا الإقرار، فقال(عليه السلام) بالجواز إذا كان مصدّقاً، أي مصدّقاً عند الناس. ومعنى جواز الإقرار

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث12.
2 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث14.

صفحه 248
هو تصديقه بأنّ العين أو الأعيان الموجودة عنده لأهل المضاربة فتدفع إليهم وإن أورث ضرراً على الوارث والدائن. والحديث يقرب ممّا ورد في روايات القسم الأوّل: أي الإقرار للوارث، فقد جاء فيه تصديقه إذا كان مرضيّاً، والمورد من قبيل الإقرار للأجنبي وهو أهل المضاربة، والمقرّ به، هو العين لا الدين بشهادة قوله:«أنّ الذي ترك لأهل المضاربة».
2. ما رواه الكليني عن العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها ] المتوفاة[ الرجل فقالوا : إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلاّ عندك فاحلف لنا ما لها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فيحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».1
وهل الرواية تشير إلى مجرّد جواز الحلف وعدمه، من دون نظر إلى نفوذ إقرارها في صورة جواز الحلف،وعدم نفوذه في صورة عدم جوازه، أو تشير إلى أنّ جواز الحلف لأجل نفوذ إقرارها، وعدمه لأجل عدم نفوذه.
المتبادر هو الثاني إذ الغاية من السؤال توجيه الودعيّ إلى ما يجب عليه؟ فهل يدفع الوديعة إلى فلانة أو يدفعها إلى الوارث، فتجويز الحلف فيما إذا كان المقرّ مرضيّاً، عبارة أُخرى عن لزوم دفع الأمانة إلى صاحبها. والدفع إلى الورثة عند عدم كون المقرّ متّهماً.
والّذي يشهد على ذلك ذيل الحديث أعني قوله:«فإن كانت متّهمة فلا

1 . الوسائل:13، الباب16 من أبواب الوصايا، الحديث2.

صفحه 249
يحلف ويضع الأمر على ما كان فإنّما لها من مالها ثلثه».
فإنّ معناه أنّها إذا كانت متّهمة يدفع المال إلى الوارث، إذ ليس لها حقّ التصرّف في أموالها، إلاّ في ثلثها لا في جميعها. وهي تصرفت في الجميع.
وهذا هو مضمون التعليل، وأمّا أنّه هل يجوز إقرار المقرّ في صورة الاتّهام في مقدار الثلث أو لا؟ فالظاهر هو الأوّل لقوله:«ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها، ثُلَثه» فكأنّ الرواية بصدد تنزيل الإقرار منزلة الوصية فكما أنّها إذا أوصت بالزائد على الثلث لا ينفذ إلاّ في مقداره، فهكذا إذا أقرّ بالزائد، فينفذ في مقداره.
فإن قلت: إنّ مقتضى مفهوم صحيحة «إسماعيل بن جابر»1 عدم نفوذ إقرار المقرّ فيما زاد على الثلث مطلقاً، سواء أكان المقرّ مصدّقاً ومأموناً أو لا، حيث قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث» وهذا ينافي منطوق رواية العلاء بياع السابري ورواية أبي بصير الدّالتين على نفوذ إقراره، إذا كان المقرّ مأموناً أو مصدّقاً.
قلت: الظاهر أنّ الصحيحة بصدد ردّ ما اشتهر بين فقهاء السنّة من عدم نفوذ الإقرار للوارث كالوصية في حال المرض، ولذلك قال:«يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث».
وأمّا صورة ما زاد على الثلث فليست مطروحة في سؤال الراوي ولا في جواب الإمام(عليه السلام)، سواء أكان المقرّ مأموناً ومصدّقاً أو لا، فالصحيحة فاقدة

1 . سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث». (الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3 .

صفحه 250
للمفهوم فلا موضوع للتعارض بين المفهوم ومنطوق الأُخريين. مضافاً إلى أنّ مورد الصحيحة هو الإقرار للوارث، والبحث مركّز على الإقرار للأجنبي.
فإن قلت: إنّ بين الروايتين ـ رواية أبي بصير ورواية العلاء ـ : تعارضاً من جانب آخر، فالأُولى تدلّ على أنّه إذا كان متهماً لا ينفذ مطلقاً سواء في الثلث أم الزائد عليه حيث ورد فيها: وأوصى أنّ هذا الّذي تركه لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال:«نعم إذا كان مصدّقاً»، والمتبادر أنّه إذا لم يكن مصدّقاً لا ينفذ حتّى في مقدار الثلث. والثانية تدلّ على أنّ المقرّ إذا كان متّهما لا ينفذ إقراره في الزائد وإن كان ينفذ في الثلث حيث قال:«وإن كانت متهمة فلا يحلف ويضع الأمر على ما كان فإنّما لها من مالها ثلثه».
قلت: الظاهر عدم التعارض وذلك لاختلاف موردهما، فإنّ الإقرار للأجنبي في رواية العلاء كان مزاحماً لحقّ الوارث فلذلك لو كان مصدّقاً ينفذ مطلقاً، وإن كان متّهماً ينفذ على حدّ الثلث، كما قال:«فإنّما لها من مالها ثلثه».
وأمّا الإقرار للأجنبي في رواية أبي بصير فقد كان مزاحماً لحقّ الغريم فلو كان مصدّقاً ينفذ مطلقاً، لأنّه تصرّف في ماله حال كونه غير محجور، وأمّا إذا كان متّهماً ومريباً أمره فلا ينفذ مطلقاً ويقدّم حق الغرماء، لما ذكرنا عند البحث في الإقرار للوارث أنّه إذا كان مزاحماً لحق الغريم وكان المقرّ متّهماً، أنّه لا ينفذ مطلقاً، لأنّ الإخراج من الثلث فرع وجود التركة حتّى يخرج المُقرّ به من ثلثها، والدين يُعدم التركة، لأنّ الميراث حسب قوله سبحانه:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن) عبارة عمّا يبقى بعد إخراج الدين، فلو استوى الدين والتركة أو زاد عليها لا يبقى مال في البين حتّى يُصرف في مورد الإقرار.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان الإقرار بالعين أو الدين في مقابل الدين

صفحه 251
المسلّم، لا ينفذ إقراره إذا كان المقرّ متّهماً مظنون الكذب لا في الثلث ولا في الزائد عليه، وأمّا إذا كان الإقرار بالدين أو العين مزاحماً لحقّ الوارث، مضراً بميراثه فينفذ في الثلث وإن كان متّهماً، لأنّ لصاحب المال من ماله الثلث.
وبذلك ترتفع المعارضة بين روايتي العلاء وأبي بصير، فنفوذ الإقرار في مقدار الثلث في رواية العلاء عندما كان المقرّ متّهماً، لأجل كون الإقرار في مقابل حقوق الورثة وميراثهم، فينزّل إقرار مظنون الكذب، منزلة الوصية فينفذ في الثلث.
وأمّا عدم نفوذ الإقرار حتّى في مقدار الثلث في رواية أبي بصير ـ عندما كان متّهماً ـ فلأجل كون الإقرار بظاهره إضراراً بالغرماء لا بالوارث، وعندئذ يأتي فيه ما ذكرنا من أنّ تنزيل إقرار مظنون الكذب منزلة الوصية، فرع وجود التركة، وثلثها والمفروض عدمها.
وقد أوعزنا إلى ذلك التفصيل في قاعدة منجّزات المريض وقلنا بأنّه لو كانت المنجّزات مخرجة من الأصل فلا كلام فيه، وأمّا لو قلنا بأنّه يخرج من الثلث فإنّما يخرج منه إذا لم يكن في مقابله دين مستغرق للتركة، وإلاّ فلا يخرج أبداً، وقد استشهدنا على ذلك بصحيحة الحسن بن الجهم وصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، ولذلك نقول في المقام بنفس هذا التفصيل في الإقرار بالدين، فلو كان المتضرّر هو الوارث ففيه التفصيل بين المصدّق والمتّهم، فينفذ في الكلّ إذا كان مصدّقاً، وفي الثلث إذا كان متّهماً، وإن كان المتضرر هم الغرماء فلا ينفذ عند الاتّهام مطلقاً، لأنّ الدين يستغرق التركة فلا يبقى ثلث حتّى يخرج المقرّ به منه.
***

صفحه 252
 
خاتمة
وفيها مسألتان 1:

الأُولى: إذا كان مصدَّقاً وضاقت التركة

إذا كان المقرّ مصدَّقاً ومأموناً وأقرّ بالعين، ومع ذلك عليه دين ولم يكن له تركة سواه، أو كان ولم يكن وافياً بأداء الدين، فيقدّم الإقرار بالعين على الدين على كلّ حال، لأنّها بحكم إقراره المصدَّق لم يكن مالكاً لها حتّى تورث.
إنّما الكلام فيما إذا أقرّ بالدين ـ لا بالعين ـ وعليه أيضاً دين ثابت بالبيّنة أو بالإقرار في حال الصحّة، فلو كان هنا سعة في المال وكان مصدّقاً، نفذ إقراره من الأصل، وأمّا لو ضاق المال عنهما، فهنا قولان :
1. قال الشيخ: إذا أقرّ بدين في حال صحّته، ثم مرض، فأقرّ بدين آخر في حال مرضه، نُظر فإن اتّسع المال لهما استوفيا معاً، وإن عجز المال قُسِّم الموجود على قدر الدينين، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا ضاق المال قُدِّم دينُ الصحّة على دين المرض، فإن فضل شيء صرف إلى دين المرض. ] ويريد التقسيم بالحصص. واستدلّ الشيخ على مختاره بأنّهما [دينان ثبتا في الذمّة، فوجب أن يتساويا في الاستيفاء، لأنّ تقديم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل.2

1 . الأُولى ترجع إلى إقرار المريض، والثانية إلى منجّزات المريض الّتي مرّ الكلام فيها قبل الإقرار. وقد جمعنا بينهما في المقام لأجل التناسب.
2 . الخلاف:3/367، المسألة 12.

صفحه 253
وقال العلاّمة: ولو ضاق المال عنهما فهو بينهما بالحصص ـ وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور. قال أبو عبيد: إنّه قول]أكثر[ أهل المدينة ـ لأنّهما حقّان تساويا في وجوب القضاء من أصل المال لم يختص أحدهما برهن فاستويا، كما لو ثبتا ببيّنة. ] وهو نفس القول الأوّل الذي هو خيرة الشيخ الطوسي[.
وقال النخعي: إنّه يُقدَّم الدَّين الثابت بالبيّنة ـ وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ـ لأنّه أقرّ بعد تعلّق الحقّ بتركته، فوجب أن لا يشارك المُقرّ له مَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة، كغريم المفلّس الّذي أقرّ له بعد الحجر عليه ] وهو نفس خيرة أبي حنيفة[.
وإنّما قلنا: إنّه تعلّق الحقّ بتركته; لأنّ الشارع مَنَعه من التصرّف في أكثر من الثلث، ولهذا لم تُنفذ هباته وتبرّعاته من الأصل، فلم يشارك مَنْ أقرّ له قبل الحجر ومَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة الّذي أقرّ له المريض في مرضه.
ولو أقرّ لهما جميعاً في المرض، فإنّهما يتساويان، ولا يُقدَّم السابق منهما.1
أقول: الظاهر صحّة القول الأوّل وهو التقسيم بالحصص كما هو الحال في مال المفلّس إذا ضاق عن أداء الديون وما استدلّ به النخعي من «أنّه تعلّق الحق بتركته، لأنّ الشارع منعه من التصرّف في أكثر من الثلث» إنّما يناسب منجّزات المريض لا إقراره، فإنّ المقرّ يخبر عن الدين عليه، ولا يتصرّف في ماله، فشارك المقرّ له من ثبت دينُه بالبيّنة. وأمّا قوله:«فلم يشارك من أقرّ له قبل الحجر» فهو خروج عن موضوع المسألة إذ الموضوع مَنْ أقرّ في حال المرض

1 . تذكرة الفقهاء:15/269.

صفحه 254
دون أن يكون محجوراً في التصرّف من قبل الحاكم.

الثانية: إذا حابى المشتري بثلثي ماله

إذا باع في مرضه عيناً لا يملك غيرها وقيمتها ثلاثون، بعشرة فقد حابى المشتري بثلثي ماله وليس له المحاباة بأكثر من الثلث، لأنّ المورد من مصاديق منجّزات المريض التي مرّت أنّها من الثلث، فهنا صور:
1. إذا أجاز الورثة ذلك لزم البيع إجماعاً. وإن لم يجز.
2. فإن اختار المشتري فسخ البيع كان له ذلك لتبعض الصفقة عليه.
3. وإن اختار الإمضاء، فهنا وجوه:
الأوّل: أنّه يأخذ نصف المبيع بنصف الثمن(نصف العشر الذي هو عبارة عن خمسة دراهم) ويفسخ البيع في الباقي، وهو خيرة العلاّمة وأحد وجهي الشافعي، وسنشير إلى دليله في آخر البحث.
الثاني: أنّ المشتري يأخذ ثلثي العبد بالثمن كلّه، لأنّه يستحق ثلث العبد بثمنه الّذي دفعه والثلث الآخر بالمحاباة.
الثالث: قال أصحاب الرأي: يقال للمشتري: إن شئت أديت عشرة أُخرى وأخذت العبد، وإن شئت فسخت ولا شيء لك.
الرابع: قال مالك: له أن يفسخ البيع ويأخذ الثمن ويأخذ ثلث العبد بالمحاباة، ويسمّيه أصحابه: خُلع الثُّلث.1
والظاهر قوّة القول الأوّل وقد أشار إلى دليله العلاّمة بقوله: إنّ البيع إنّما وقع على مقابلة الثمن بكلّ المبيع، فإذا بطل البيع في بعض المبيع وجب أن

1 . تذكرة الفقهاء: 22 / 83، المسألة 351 .

صفحه 255
يبطل من الثمن بازائه، كما أنّه لو بطل البيع في الجميع بطل جميع الثمن، وله نظائر، مثلاً لو اشترى سلعتين فبطل البيع في إحداهما إمّا لعيب أو لغيره فإنّ المشتري يأخذ السلعة الأُخرى بقسطها من الثمن لا بجميعه.
توضيح ما أراد: إنّ مقتضى الجمع بين حقّ الميّت ورعاية حق الورثة هو أنّ الورثة إذا ملكوا نصف العين مع نصف الثمن، أعني: خمسة دراهم مثلاً، فقد استوفوا حقهم، وذلك لأنّ المفروض أنّ العين تساوي ثلاثين درهماً فإذا رُدّ إليهم نصف العين فقد رُدّ إليهم خمسة عشر درهماً من عشرين درهماً فإذا أخذوا خمسة دراهم من المشتري فقد أخذوا حقّهم كلّه.
15+5=20 وهو يعادل ثلثي قيمة العين.
وفي هذه الحالة فقد تملّك المشتري نصف العين بخمسة دراهم من عنده وعشرة دراهم حاباه بها البائع.
وأمّا القول الثاني: فحاصله أنّه يدفع العشرة ويتملّك ثلثي العين، ثلثاً في مقابل الثمن وثلثاً آخر بالمحاباة.
يلاحظ عليه: أنّ البائع لم يعمل عملين: أحدهما بيع ثلث العين بعشرة، وثانيهما دفع الثلث الآخر محاباةً وعطيةً، وإنّما عمل عملاً واحداً وهو البيع بعشرة، فكيف يتملّك ثلثي العين، ثلث منها بالبيع والثلث الآخر بالمحاباة.
وأمّا القول الثالث: فحاصله التخيير بين دفع عشرة أُخرى وأخذ العين، والفسخ بلا استحقاق شيء.
يلاحظ عليه: أنّه إذا فسخ لماذا لا يستحق شيئاً، أو ليس نتيجة الفسخ هي رجوع كلّ من الثمن والمثمن إلى محلّه، فإذا رجعت العين إلى الورثة يرجع الثمن إلى المشتري.

صفحه 256
وأمّا القول الرابع: وهو قول مالك، أعني: أنّ له أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث العين بالمحاباة.
فيلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من أنّ البائع المريض الّذي مات لم يقم بعملين: أحدهما البيع، والآخر المحاباة، حتّى يفسخ البيع ويأخذ الثمن وتبقى المحاباة مكانه فيأخذ ثلث العين بالمحاباة.
هذا وللعلاّمة الحلّي فروع كثيرة في إقرار المريض، فمن أراد فليرجع إلى التذكرة(باب الوصية).
***
تمّت قاعدة: نفوذ إقرار المريض وعدمه

صفحه 257
لا تعصيب في الإرث   
القواعد الفقهية
      83
قاعدة

لا تعصيب في الإرث

في السهام المنصوصة
في تحرير محلّ النزاع في التوريث بالعصبة
ما هو المراد من العصبة لغة واصطلاحاً؟
في تبيين ملاك الوراثة عند الطائفتين
دراسة أدلّة نفاة العصبة
دراسة أدلّة المخالف
اختلافهم في معنى العصبة
مضاعفات القول بالتعصيب
في الفقه الإمامي وفي كتاب الإرث قاعدتان معروفتان يُعدّان من مختصّات فقه الإمامية، وهما:
1. قاعدة لا تعصيب في الإرث، وأنّ الإرث بالقرابة فقط.

صفحه 258
2. قاعدة لا عول في الإرث، أو حكم الفرائض إذا عالت.
غير أنّ دراسة هاتين القاعدتين على ضوء الكتاب والسّنة يتوقف على التعرّف على السهام المنصوصة في كتاب الله تعالى، وإليك الآيات الواردة في بيان السهام وهي ثلاث آيات:
قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلاَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيًما).1
وقال تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ).(2)
وقال تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).2

1 . النساء:11.   2 . النساء:12.
2 . النساء:176.

صفحه 259
السهام المنصوصة ستة:

الأوّل: النصف

وله موارد ثلاثة:
1. الزوج إذا لم يكن للزوجة ولد، قال سبحانه:(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَك أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ).
2. البنت الواحدة، قال سبحانه:(وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ويرد الباقي إليها، قرابة لا فرضاً عندنا.
3. سهم الأُخت للأب والأُمّ أو الأُخت للأب إذا تفرّدتا عن ذكر مساو في القرب وإلاّ فللذكر مثل حظّ الأُنثيين، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَك قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَك لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ).
وتقييد الأُخت بالأب والأُمّ أو بالأب، إحترازاً عن الأُخت للأُم فقط فإنّ سهمها هو السدس، وكلا القسمين يسمى كلالة، لكنّ الأُولى كلالة من الجانبين، أو من جانب الأب، والأُخرى كلالة من جانب الأُمّ فقط.

الثاني: الربع

وله موردان:
1. الزوج إذا كان للزوجة ولد، يقول سبحانه:(فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن).
2. الزوجة إذا لم يكن للزوج ولد قال سبحانه:(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) فتعامل الإسلام مع الزوج والزوجة معاملة الذكر والأُنثى، فله ضعف ما للأُنثى في حالتي وجود الولد وعدمه.

صفحه 260

الثالث: الثمن

وله مورد واحد:
وهو الزوجة إذا كان للزوج ولد، قال سبحانه:(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن).

الرابع: الثلثان

وله موردان:
1. البنتان فصاعداً، قال سبحانه: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) والموضوع في الآية هو ما زاد عن اثنتين، لكنّ الإجماع والسّنة دلاّ على ثبوته لبنتين أيضاً.
وربّما تفسّر الآية بأنّ المراد: فإن كنّ اثنتين وما فوقهما، وأمّا تعليق الحكم على فوق الاثنتين، لتفهيم أنّه إذا كانت الفريضة لفوق اثنتين هي الثلثان فالأولى أن لا يزيد عليهما إذا كانت اثنتين. ولكنّه مفيد في نفي احتمال الزيادة لا احتمال النقيصة.
وربما يؤيّد ذلك بأنّه إذا كانت البنت مع الابن ترث الثلث بحكم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)، فأولى أن يكون كذلك إذا كانت مع مثلها، فتأمّل.1
2. الأُختان فصاعداً للأب والأُمّ أو للأب، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَك قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَك لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَك وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، والآية واردة في

1 . وجه التأمّل: أنّ كون نصيب البنت هو الثلث عند الاجتماع مع الابن، لا يكون دليلاً على كونه كذلك إذا اجتمعت مع مثلها. فلاحظ.

صفحه 261
الاثنتين، وأمّا حكم ما فوق ذلك فيعلم من السنّة والإجماع. ويعلم أنّ الاخوان من الأُمّ، ليس لهم فرض في الكتاب العزيز، وإنّما الفرض للأخوات من الأُمّ.

الخامس: الثلث

وله موردان:
1. الأُمّ إذا لم يكن للميّت ولد، مع عدم الحاجب من الإخوة، قال سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) والثلثان للأب قرابة لا فرضاً.
2. سهم الاثنين من الأخ والأُخت فصاعداً من وُلد الأُمّ، قال سبحانه:(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ). فلكلّ من الأخ أو الاُخت من جانب الأُمّ هو السدس وإليه يشير قوله سبحانه:(وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)، وأمّا الاثنان منهما أو أكثر فللجميع الثلث.
والآية وإن كانت خالية عن القيد بكونهم من الأُمّ لكن يكفي في حملنا عليها، أنّه سبحانه أثبت في مقام للأُختين، الثلثان وقال: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) مع انّه سبحانه أثبت في المقام للأختين الثلث، فلا محيص عن حمل ما ورد في المقام على أولاد الأُمّ، والآخر، على الأُختين من الأب والأُمّ أو الأب وحده، أضف إلى ذلك ما ورد عن ابن مسعود حيث فسّرها: وله أخ أو أُخت من أُمّ.

صفحه 262

السادس: السدس

وله موارد ثلاثة:
1. كلّ واحد من الأب والأُمّ إذا كان للميّت ولد، قال سبحانه:(وَلاَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَك إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ).
2. الأُمّ في هذه الصورة ولكن لم يكن له ولد وكان لها حاجب من الإخوة للميت، قال سبحانه:(فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن) والأسداس الخمسة للأب قرابة لا فرضاً.
فصارت الأمّ ذات فرضين: الثلث إذا لم يكن للميّت ولد مع عدم الحاجب وإلاّ السدس، ومثله إذا كان للميّت ولد.
3. سهم الواحد (من الأخ أو الأخت) من جانب الأُمّ ذكراً كان أو أُنثى، قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ) وأمّا الأسداس الخمسة فترد إليه قرابة لا فرضاً إذا تفرّد، أو تفرّدت.
هذه هي الفروض المنصوصة في الكتاب، إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع، وهنا أُمور:

الأوّل: في تحرير محلّ النزاع في التوريث بالعصبة

اتّفقت الإمامية على أنّ ما فضُلَ عن السهام يردُّ على أصحاب السهام بخلاف سائر الفقهاء. ولأجل إيضاح محل الخلاف بين الإمامية وسائر الفقهاء نذكر أُموراً:
الأمر الأوّل: إذا بقي من سهام التركة شيء ـ بعد إخراج الفريضة ـ هنا صورتان:

صفحه 263
الصورة الأُولى: أن يكون بين أصحاب الفروض مساو، لا فرض له. وبعبارة أُخرى أن يجتمع من لا فرض له مع أصحاب الفرض، فيرد الفاضل بعد أخذ ذوي الفروض سهامهم، إلى المساوي الذي ليس له سهم خاص في الكتاب، وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا ماتت عن أبوين وزوج.
2. إذا مات عن أبوين وزوجة.
فالزوج في الأوّل، والزوجة في الثاني، والأُم في كليهما من أصحاب الفروض دون الأب، فما فضل بعد أخذهم، فهو لمن لا فرض له، أي الأب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُم الثلث، والباقي للأب، نعم الأب من أصحاب الفروض إذا كان للميّت ولد قال سبحانه: (ولأبَويهِ لِكُلِّ واحِد منهُما السُّدُسُ إنْ كانَ لَهُ وَلَد) بخلاف الأُمّ فهي مطلقاً من ذوات الفروض.
قال الخرقي في متن المغني: «وإذا كان زوج وأبوان، أُعطي الزوج النصف والأُم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، وإذا كانت زوجة أُعطيت الزوجة الربع، والأُمّ ثلث ما بقي، وما بقي للأب.
قال ابن قدامة: هاتان المسألتان تسمّيان العمريتين لأنّ عمر قضى فيهما بهذا القضاء، فاتّبعه على ذلك عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي ذلك عن عليّ، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي، (وهنا يختلف المنهجان فهؤلاء جعلوا للأُم ثلث الباقي مع أنّها تأخذ ثلث التركة على منهجنا)، وجعل ابن عباس ثلث المال كلّه للا ُمّ في المسألتين،... ويروى ذلك عن علي».1

1 . المغني : 6/ 237. وهذا ونظائره الكثيرة في الفرائض يعرب عن عدم وجود نظام محدّد   2
في الفرائض في متناول الصحابة، ومع أنّهم يروون عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ أعلم الصحابة بالفرائض هو زيد بن ثابت وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ». لكنّه تبع قضاء عمر ولم يكن عنده شيء في المسألة التي يكثر الابتلاء بها.

صفحه 264
3. ذلك الفرض ولكن كان للا ُمّ حاجب، فللزوج والزوجة نصيبهما الأعلى وللا ُمّ السدس، والكل من أصحاب الفرض، والباقي للأب الذي لا فرض له.
4. إذا مات عن أبوين وابن وزوج أو زوجة، فلهما نصيبهما الأدنى ـ لأجل الولد ـ وللوالدين السدسان، والباقي للابن الذي لا فرض له.
5. إذا مات عن زوج أو زوجة وإخوة من الأُمّ، وإخوة من الأبوين أو من الأب، فللزوج النصف أو للزوجة الربع، وللإخوة من الأُم الثلث، والباقي لمن لا فرض له أي الإخوة من الأبوين أو الذين يتقرّبون بالأب.
ففي هذه الصورة فالزائد بعد إخراج الفرائض للمساوي في الطبقة الذي لا فرض له. ولعلّ هذه الصورة إذا كان في طبقة من لا فرض له، موضع اتّفاق بين الفقهاء: السنّة والشيعة.
الصورة الثانية: إذا لم يكن هناك قريب مساو لا فرض له وزادت سهام التركة عن الفروض، فهناك رأيان مختلفان بين الفقهاء: الشيعة والسنّة.
1. الشيعة كلّهم على أنّ الزائد يردّ إلى أصحاب الفرائض عدا الزوج والزوجة1 بنسبة سهامهم ولا تخرج التركة من هذه الطبقة، وهذا نظير ما لو ترك بنتاً واحدة وأبوين، فللأُولى النصف ولكلّ واحد من الأبوين السُدس،

1 . اتّفقت عليه المذاهب كلّها، قال ابن قدامة: «فأمّا الزوجان فلا يرد عليهما، باتّفاق أهل العلم» المغني: 6/257.

صفحه 265
والباقي ـ أي السدس ـ يُردّ إليهما حسب فروضهم. حيث إنّ الفروض خمسة، سُدسان للأبوين، وثلاث أسداس للبنت، فتصير الفروض خمسة، تضرب في ستة فيكون 30، للبنت 15 أي النصف، وللأبوين 10 وهو السدسان، يبقى5، 3 منها للبنت حسب فرضها، و2 للأبوين حسب فرضهما.
فالنتيجة: تأخذ البنت 18، والأب6، والأُمّ 6.وإليك صورة المسألة:
مجموع السهام6×5=30.      مجموع الفروض3+2=5
سهام الأبوين 2×6=12.      سهام البنت 3×6=18
30 00 5 =6
2. أهل السنّة يرون أنّه يرد إلى أقرباء الميّت من جانب الأب والابن وهم العصبة.

الأمر الثاني: ما هو المراد من العصبة لغة واصطلاحاً؟

قال ابن منظور: العصبة والعصابة: جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين. وفي التنزيل: (وَنَحنُ عُصْبة).1
قال الأخفش: والعصبة والعصابة: جماعة ليس لها واحد.
وقال الراغب: العصَب: أطناب المفاصل،... ثم يقال: لكلّ شدّ عصب، والعصبة: جماعة متعصّبة متعاضدة. قال تعالى: (لَتَنُوأُ بِالعُصْـبَةِ) 2. والعصابة: ما يعصب به الرأس والعمامة.3

1 . يوسف : 8 .
2 . القصص: 76.
3 . مفردات الراغب: 336، مادة «عصب».

صفحه 266
وقال في النهاية: العصبة: الأقارب من جهة الأب ; لأنّهم يعصبونه ويعتصب بهم، أي يحيطون به ويشتدّ بهم.1
وقال الطريحي: عَصَبة الرجل، جمع «عاصب» ككفرة جمع كافر، وهم بنوه وقرابته لأبيه، والجمع: العصاب، قال الجوهري: وإنّما سمُّوا عصبة، لأنّهم عصبوا به أي: أحاطوا به فالأب طرف، والابن طرف، والأخ جانب، والعم جانب...2 وكلامه توضيح لما أجمله ابن الأثير.
وقد سبق الطريحي، ابن فارس في مقاييسه فقال: له أصل واحد يدل على ربط شيء بشيء ثم يفرّع ذلك فروعاً وتطلق على أطناب المفاصل التي تلائم بينها، وعلى العشرة من الرجال لأنّها قد عصبت كأنّها رُبط بعضها ببعض.3
وعلى كل تقدير فهو في الأصل بمعنى الربط والإحاطة، وكأنّ الإنسان يحاط بالعصبة ويرتبط بها مع غيرهم.
وأمّا في اصطلاح الفقهاء فهو لا يتجاوز عمّـا ذكره الطريحي في كلامه، وأحسن التعاريف ما ذكره صاحب الجواهر حيث قال: العصبة: الابن والأب ومن تدلّى بهما، وهو يشمل الأخ والعمّ وغيرهما.
ثمّ إنّ العصبة عندهم تنقسم إلى العصبة بالنفس، وإلى العصبة بالغير; أمّا الأُولى فهي عبارة عن كلّ ذكر يدخل في نسبته إلى الميّت أُنثى، وهم يرثون حسب الترتيب التالي:

1 . النهاية لابن الأثير: 3 / 235، مادة «عصب».
2 . مجمع البحرين: 2 / 122، مادة «عصب».
3 . معجم مقاييس اللغة: 4 / 339، مادة «عصب».

صفحه 267
الابن
ثم ابن الابن، وإن نزل فإنّه يقوم مقام أبيه.
ثم الأب
ثم الجد لأب وإن علا
ثم الأخ لأبوين
ثم الأخ لأب
ثم ابن الأخ لأبوين
ثمّ ابن الأخ لأب
ثم العمّ لأبوين
ثم العمّ لأب
ثم ابن العمّ لأبوين
ثم ابن العمّ لأب.1
وأمّا الثانية فأربع من الإناث:
1. البنت أو البنات.
2. بنت ابن أو بنات ابن.
3. أُخت أو أخوات لأبوين.
4. أُخت أو أخوات لأب.

1 . المغني:6/236، عند قول الماتن: وابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ; الفقه عند المذاهب الخمسة:509.

صفحه 268
وممّا ذكرنا يظهر أنّ العصبة من تدلى إلى الميّت من جانب الأب سواء كان ذكراً أو أُنثى، ومع وجود العصبة بالنفس في الطبقة لا ترث الفاضل الأُنثى في نفس الطبقة. نعم لو لم يكن ذكر ـ كالأخ ـ يرث هؤلاء.

الأمر الثالث: في تبيين ملاك الوراثة عند الطائفتين

إنّ الضابطة لتقديم بعض الأقرباء السببيين على البعض الآخر عند الإمامية أحد أمرين:
1. كونه صاحب فريضة في الكتاب، قال سبحانه:(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ).
2. القربى، إذا لم يكن صاحب فريضة، فالأقرب إلى الميّت هو الوارث، إمّا للكل أو لما فضل عن التركة.
أمّا الأوّل: فكما إذا مات عن أب وحده، ولم يكن في طبقته غيره، فيرث الكلّ للقرابة، إذ ليس الأب ذا فريضة عندئذ، وإنّما يكون ذا فريضة إذا كان للميّت ولد.
وأمّا الثاني: فكما إذا مات عن أب وأُمّ، فالأمّ ذات فريضة وهي الثلث إذا لم يكن للميّت أخ، والباقي للأب قرابة، قال سبحانه:(وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).1
وأمّا عند أهل السنة فعندهم ملاك ثالث ـ وراء الفرض والقرابة ـ وهو التعصيب بالمعنى الذي عرفت، بعد أصحاب الفرض وإن بَعُدَ عنهم ـ وإليك بعض الأمثلة:

1 . الأنفال:75.

صفحه 269
1. إذا مات الإنسان عن أُخت أو أُختين وله أخ، فالأولتان ترثان النصف أو النصفين، والباقي يُرد إلى الأخ.
2. تلك الصورة إذا كان للميّت عمّ، فالفاضل للعمّ.
وأمّا عندنا فالفاضل يُرد إلى أصحاب الفروض أي الأُخت أو الأُختين دون الأخ والعمّ.
ثمّ لا يظهر الاختلاف على كلا المنهجين: الردّ بالقرابة أو الردّ بالعصبة، في بعض الموارد، كالمثال التالي:
إذا توفي عن أُمّ وابن الابن، وبما أنّ الأولاد ينزّلون منزلة الآباء، فللأُمّ السدس، والباقي لابن الابن، عندنا بالقرابة وعندهم بالتعصيب، حيث يُرد الفاضل عن الفريضة، إلى من لا نصيب له وهو ابن الابن، عندنا، وإليه عندهم لأجل التعصيب لما مرّ من كونه من أقسام التعصيب بالنفس.
ولكنّه يظهر الخلاف فيما إذا كانت العصبة بعيدة عن ذي الفرض، لا قريبة كابن الابن ـ كما مرّ ـ وذلك كالمثالين التاليين:
1. إذا ترك بنتاً أو بنات، وأخاً، فالفاضل عن نصيب البنت والبنتين إلى الأخ، ولا يمكن الردّ إليه عندنا بالقرابة لأنّه في الطبقة التالية، وإنّما يُردّ إلى أصحاب الفريضة وأمّا عندهم فيردّ إليه بالعصبة.
2. إذا ترك أُختاً أو أخوات ولم يكن له أخ، بل كان عنده عمّ، فعند الإمامية تردّ إلى الأُخت والأخوات ردّاً وقرابة وإلى العمّ عندهم.
وحصيلة الكلام أنّ الملاك عندنا في ردّ الفاضل، القرابة وكون الوارث في طبقة من له الفرض كابن الابن، فلا يُردّ إلى الأخ والعمّ. وأمّا الملاك عندهم

صفحه 270
كونه عصبة وإن كان بعيداً كالأخ والعمّ.
قال الشيخ الطوسي: القول بالعصبة باطل عندنا، ولا يورث بها في موضع من المواضع، وإنّما يورث بالفرض المسمّى، أو القربى، أو الأسباب التي يورث بها من الزوجية والولاء. وروي ذلك عن ابن عباس ; لأنّه قال فيمن خلّف بنتاً وأُختاً: إنّ المال كلّه للبنت دون الأُخت، ووافقه جابر بن عبد اللّه في ذلك.
وروى موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الأعمش ولم يجعل داود الأخوات مع البنات عصبة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك فأثبتوا العصبات من جهة الأب والابن.1
إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدراسة أدلّة نفاة العصبة فنقول:

دراسة أدلّة نفاة العصبة

احتجّت الإماميّة على نفي التعصيب وأنّه مع وجود الأقرب وإن كان ذا فرض، لا يردّ الباقي إلى البعيد وإن كان ذكراً، بوجوه:
الأوّل: قوله سبحانه: (للرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَك الوالدانِ والأقربونَ وللنساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرك الوالدانِ والأقربونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصيباً مَفْروضاً).(2)
وجه الاستدلال: أنّه أوجب توريث جميع النساء والأقربين ودلّت على المساواة بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث، لأنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً ممّا ترك الوالدان والأقربون، كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً كذلك، مع

1 . الخلاف: 4 / 62 ، كتاب الفرائض، المسألة 80 .   2 . النساء:6.

صفحه 271
أنّ القائل بالتعصيب، عليه توريث البعض دون البعض مع كونهما في رتبة واحدة وذلك في الصور التالية:
1. لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يردّ عندهم إلى الأخ، ويحكم على الأُخت بالحرمان لما مرّ من أنّ العصبة عبارة عن الأب والابن والأخ والعمّ.
2. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.
3. لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الأُخت يردّ إلى العمّ، لا العمّة، مع أنّهما في درجة واحدة.
4. لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الأخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الأخ مع كونهما في درجة واحدة.
فالآية تحكم على وراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء، والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبنية على هضم حقوق النساء، كما سيوافيك بيانه.
وحمل الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لاالميراث لأجل التعصيب كما ترى، والحاصل أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال وإهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.
قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى والدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا (محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 272
أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الجاهليّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً)1 وليس لهم أن يقولوا إنّنا نخصّ الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلم القاطع لا نخصّ بها القرآن، كما لا ننسخه، وإنّما يجوز بالسنّة أن نخصّ أو ننسخ إذا كانت تقتضي العلم اليقين، ولا خلاف في أنّ الأخبار المروية في توريث العصبة أخبارآحاد لا توجب علماً، وأكثر ما تقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظواهر الكتاب.2
قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: (للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَرك الوالِدانِ والأقربونَ...): قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الأخ دون الأُخت، وتوريث العمّ دون العمّة، وابن العمّ دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الإرث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والأخ والأُخت، وابن الابن وبنته، والعمّ والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميّت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم في طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الإسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق

1 . المائدة:50.
2 . الانتصار: 554، كتاب الفرائض .

صفحه 273
المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء.1
***
الثاني: قوله سبحانه: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).2
وجه الاستدلال: أنّ المراد من الأولويّة هو الأقربية أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك فكيف يرث الأخ أو العمّ مع وجود الأقرب أعني البنت أو الأُخت، وهما أقرب إلى الميّت من الأخ والعمّ، لأنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والأخ يتقرّب إليه بالأب، والأُخت تتقرّب إلى الميّت بالأب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والأُخت تتقرّب بواسطة، والعمّ يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.
والعجب أنّهم يراعون هذا الملاك في ميراث العصبة حيث يقدّمون الأخ لأبوين، على الأخ لأب.وابن الأخ لأبوين، على ابن الأخ لأب، كما أنّ العمّ لأبوين يقدّمونه على العمّ لأب، وابن العمّ لأبوين على ابن العمّ لأب. هذا في العصبة بالنفس ومثلها العصبة بالغير. فالبنت أو البنات مقدّمات على بنت ابن أو بنات ابن، إذا لم يكن للميّت أخ، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى البنت، هذا كما إذا توفى وله بنت فترث النصف فرضاً والآخر عصبة إذ المفروض أنّه ليس له أخ حتّى يرد إليه، فالبنت بالنسبة إلى النصف الآخر مقدّمة على بنت الابن.

1 . مع الشيخ جاد الحق، شيخ الأزهر: 15ـ 16; مجموعة الرسائل: 1 / 146 .
2 . الأنفال:75.

صفحه 274
وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الأقرب فالأقرب ـ مضافاً إلى ما ورد من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الأيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الإسلام1 ـ أنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي ـ كمن له ولاء العتق ـ شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الأرحام.2
وروى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ) : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض لأنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر(عليه السلام): «أيّهم أولى بالميّت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو أخوه؟ أليس الأُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟».3
وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء .4
ويظهر من السيد في الانتصار أنّ القائلين بالتعصيب ربّما يعترضون على الإمامية بأنّ الحرمان موجود في فقههم، كما إذا مات الرجل عن بنت وعمّ أو ابن عمّ، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.

1 . لاحظ : مجمع البيان: 2/563، طبعة صيدا.
2 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 10 .
3 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 11 .
4 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2.

صفحه 275
والجواب: أنّ الحرمان في المثال لأجل عدم الاستواء في القرابة والدرجة ألا ترى أنّ ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرث مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاتين فالعمّ أو ابنه، لا يساوي البنتَ في القربى والدرجة، وهو أبعد منها كثيراً.
وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العمّ وبنو العمّ، لأنّ درجة هؤلاء واحدة وقرباهم متساوية، والمخالف (في تلك الموارد) يورّث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الإشارة إليها وهذا واضح، فليتأمّل.1
***
الثالث: قوله سبحانه: (إنِ امْرؤٌا هَلَك لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَرك ...)2 والآية ظاهرة في أنّ توريث الأُخت من الأخ مشروط بعدم وجود الولد له، مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الأُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لأبوين، أو أُخت وأخوات لأب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الأب، فلو مات عن بنت وأُخت لأبوين أو لأب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة وهي الأُخت أو الأخوات مع أنّ وراثة الأُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية.
قال الخرقي: والأخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.

1 . الانتصار: 560، كتاب الفرائض والمواريث، فصل في الكلام على العصبة.
2 . النساء:176.

صفحه 276
وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالأخوات هاهنا، الأخوات من الأبوين، أو من الأب،... وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأُخت: للبنت النصف ولاشيء للأُخت. فقيل له: إنّ عمر قضى بخلاف ذلك جعل للأُخت النصف، فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه؟ يريد قول اللّه سبحانه: (إنِ امْرؤا هَلَك لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَرك ...) فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.
ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل على أنّ الأُخت لايفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الأخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الأخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: (وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها وَلَد) وعلى قياس قوله: «ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها».1
حاصل كلامه: أنّ الأُخت ترث من الأخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الأمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.
يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية فإذا كان الولد وعدمه غير مؤثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالألفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف العام وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان الأُخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.
وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الأخ مع الولد، غير ثابت

1 . المغني: 6/227.

صفحه 277
وعلى فرض تسليمه فهو ليس بحجة.
الرابع: الروايات المروية في الصحاح والمسانيد وفي جوامعنا، ننقل منها ما يلي:
1. روى الشيخان عن سعد بن أبي وقّاص أنّه قال: مرضت بمكّة مرضاً فأشفيت1 منه على الموت، فأتاني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يعودني فقلت: يا رسول اللّه: إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكفّفون الناس 2.
وفي لفظ مسلم في باب الوصية بالثلث : «ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة».3 والرواية صريحة في أنّه كان يدور في خلد سعد، أنّها الوارثة المتفرّدة والنبيّ سمع كلامه وأقرّه عليه ولم يرد عليه بشيء، وقد كان السؤال والجواب بعد نزول آيات الفرائض.
2. روى البيهقي عن حيّان الجعفي قال: كنت جالساً مع سويد بن غفلة فأتى في ابنة وامرأة ومولى فقال: كان علي(عليه السلام) يعطي الابنة النصف والمرأة الثمن ويردّ ما بقي على الابنة.4
3. روي: من ترك مالاً فلأهله.5

1 . أي فأشرفت وقاربت.
2 . صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
3 . صحيح مسلم: 5 / 71، كتاب الوصية.
4 . السنن الكبرى: 6/242، باب الميراث بالولاء.
5 . صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): من ترك مالاً فلأهله; كنز العمال: 11/ 10 برقم 3045 ; جامع الأُصول: 9/631، قال: رواه الترمذي.

صفحه 278
4. وربّما يستدل بما روي عن واثلة بن الأسقع الليثي، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «المرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه».1
ومورد الاستدلال قوله:«ولدها الذي تلاعن عليه» سهم الأُم هو السدس أو الثلث وقد حكم على الفاضل عن تركة الولد بالرد عليها دون العصبة. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الردّ لعدم وجودالعصبة (بحكم اللعان) فلا يصحّ الاستدلال به على ما إذا كانت هناك عصبة.
الخامس: إنّ القول بالتعصيب يقتضي كون توريث الوارث مشروطاً بوجود وارث آخر وهو مخالف لما علم الاتّفاق عليه لأنّه إمّا أن يتساوى الوارث الآخر فيرثان، وإلاّ فيمنع وذلك في المثال الآتي:
إذا خلّف الميّت بنتين، وابنة ابن، ـ توفي أبوها ـ وعمّاً. وأمّا على منهجنا فيردّ الفاضل على البنتين، وأمّا على منهج العصبة فالفاضل يرد على العمّ لانهن من العصبة بالنفس والابنة عصبة بالغير يرد الفاضل إلى العم، ولا شيء لبنت الابن. ولكنّه لو كان معها أخ أي ابن الابن، فهي تتعصّب به، وبما أنّه أولى ذكر بالميّت يكون مقدّماً على العم ويكون الفاضل بينهما أثلاثاً، للاجماع على المشاركة، إذ يصبح ابنة الابن، وابن الابن أولاداً للميّت، ولا يجوز التمييز بين الولدين لقوله سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حظِّ الأُنثيين)وهذا هو ما قلناه من أنّه يلزم أن يكون توريث الابنة مشروطاً بالأخ وإلاّ فيرث العم.
قال الخرقي في متن المغني: «فإن كنّ بنات، وبنات ابن، فللبنات الثلثان

1 . مسند أحمد : 3/490; سنن ابن ماجة: 2/916 باب تحوز المرأة، ثلاث مواريث، برقم 2742، وفي جامع الأُصول: 9/614، برقم 7401 ... ولدها الذي لاعنت عنه. أخرجه أبو داود والترمذي.

صفحه 279
وليس لبنات الابن شيء إلاّ أن يكون معهنّ ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظّ الأُنثيين».1
السادس: لقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ الفاضل عن الفروض للأقرب، وهي متضافرة لو لم نقل أنّها متواترة.
وقال الشهيد الثاني: وفي الحقيقة مرجع الجمهور في ذلك إلى حرف واحد، وهو أنّهم رووا عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر». ومرجع الإمامية إلى حرف واحد وهو أنّهم رووا عن أئمّتهم إنكار ذلك وتكذيب الخبر، والتصريح برد الباقي على ذوي الفروض.2
1. روى حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل ترك أُمّه وأخاه؟ قال: يا شيخ تريد على الكتاب؟ قال، قلت: نعم. قال: «كان علي (عليه السلام)يعطي المال الأقرب». فالأقرب. قال، قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟ قال: «قد أخبرتك أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يعطي المال الأقرب فالأقرب».3
2. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل مات وترك ابنته وأُخته لأبيه وأُمّه؟ فقال: «المال للابنة وليس للأُخت من الأب والأُمّ شيء».4
3. روى عبد اللّه بن خدّاش المنقري أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وترك ابنته وأخاه؟ فقال: «المال للابنة».5

1 . المغني: 6/229.
2 . مسالك الأفهام: 13 / 95 (كتاب الفرائض).
3 . الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث: 6 .
4 . الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 1 .
5 .الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 2 .

صفحه 280
4. عن بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل مات وترك ابنته وعمّه؟ فقال: «المال للابنة وليس للعمّ شيء»، أو قال: «ليس للعمّ مع الابنة شيء».1
ويظهر من مناظرة الرشيد مع الإمام أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) أنّ توريث العمّ مع الأبناء كان مؤامرة سرّيـة لإقصاء عليّ عن حقّه، بتقديم العمّ على ابنة رسول اللّه.
قال الرشيد: فلمَ ادّعيتم أنّكم ورثتم رسول الله والعمّ (يريد العباس جدّه) يحجب ابن العمّ (يريد عليّاً) قال أبو الحسن: فآمنّي، قال: قد أمنتك، فقال: «إنّ في قول عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): إنّه ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أُنثى لأحد سهم إلاّ للأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعمّ (العباس) مع ولد الصلب (فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)) ميراث، ولم ينطق به الكتاب إلاّ أن تيماً وعديّاً وبني أُمية قالوا: العمّ والد، رأياً منهم بلا حقيقة ولا أثر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)».2
5. ما رواه حسين الرزاز قال: أمرت من يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام): المال لمن هو؟ للأقرب أو العصبة؟ فقال: «المال للأقرب والعصبة في فيه التراب».3
6. ما رواه العيّاشي في تفسيره عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

1 . الوسائل:17، الباب5، من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 17، الباب5 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 14. ولاحظ الأحاديث: 4 و 5 و7 ـ 13 من ذلك الباب.
3 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 1، وفي السند «صالح بن السندي» وهو ممدوح، و «حسين الرزاز» مجهول، وفي التهذيب: 9/267 برقم 972 «البزاز» وهو أيضاً مجهول.

صفحه 281
اختلف عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وعثمان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه ]أي[ وله ذو قرابة لا يرثونه، ليس لهم سهم مفروض، فقال عليّ: ميراثه لذوي قرابته لأنّ اللّه تعالى يقول: (وأُولُوا الأرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعض في كِتابِ اللّهِ) وقال عثمان: اجعل ماله في بيت مال المسلمين.1
ولعل الرجل ترك أخاً وحده من جانب الأب إذ ليس له سهم مفروض وإنّما الفرض للأخت وحدها.

دراسة أدلّة المخالف

لقد اتّضح الحق وتجلّى بأجلى مظاهره، بقي الكلام في دراسة أدلّة المخالف فقد استدلّ بوجوه:
الأوّل: لو أراد سبحانه توريث البنات ونحوهنّ أكثر ممّا فرض لهنّ لفعل ذلك، والتالي باطل، فإنّه تعالى نصّ على توريثهنّ مفصّلاً ولم يذكر زيادة على النصيب.
بيان الملازمة أنّه تعالى لما ورّث الابن الجميع لم يفرض له فرضاً، وكذا الأخ للأب والأُم وأشباههم، فلولا قصر ذوي الفروض على فرضهم لم يكن في التنصيص على المقدار فائدة.
وحاصله: أنّ كل من له فرض لا يزاد عنه، وكل من لم يفرض له يعطى الجميع. فردّ الجميع يختص بمن لا فرض له، والمفروض أنّ البنت أو الأُخت لكلّ فرض، أعني النصف.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض، بورود النقيصة على ذوات الفروض عند

1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 9.

صفحه 282
أهل السنّة إذا عالت الفرائض على السهام، كما سيوافيك شرحه فيما إذا توفّي عن زوج وأُختين لأبوين فإنّ الفرائض (الثلثان للأختين والنصف للزوج) تعول على السهام إذ ليس لنا عدد يشمل الثلثين والنصف فإنّهم يدخلون النقص على الجميع مثل باب الديون، فربّما يكون سهم البنت والأُخت أقلّ من النصف، فإذا جاز النقص فما المانع من الزيادة، بل الأمر في النقصان أولى ; لأنّ النقصان ينافي الفرض بخلاف الزيادة عليه بدليل آخر، فإنّ فيه إعمال الدليلين والأخذ بمفادهما.
وثانياً: بالحلّ، إنّ تحديد الفرض بالنصف إنّما يكون لغواً إذا لم تترتّب عليه فائدة مطلقاً ، ولكنّه ليس كذلك لترتّب الثمرة عليه فيما إذا كان معه وارث ذو فرض كالأُم ، فإنّ كيفية الرد على الوارثين لا تعلم إلاّ بملاحظة فرضهما ثم الردّ عليهما بحسب تلك النسبة1، فلو لم يكن سهم البنت و البنتين منصوصاً في الذكر الحكيم لما علمت كيفيّة الرد.
وبالجملة: أنّه وإن كان لا تظهر للقيد ثمرة إذا كان الوارث هو البنت أوالأُخت وحدها ، ولكنّه ليس كذلك إذا كان معه وارث آخر وهو ذوفرض مثلها كالأُمّ، فإنّ الردّ عليهما يتوقّف على ملاحظة فرضهما، ثمّ الردّ بتلك النسبة.
وثالثاً: أنّ التصريح بالفرض لأجل التنبيه على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف أو الثلثان، وإنّما تأخذ الزائد بعنوان آخر وهو أنّه ليس معه وارث مساو

1 . فإنّ سهم البنت هو النصف من التركة 63 وسهم الأُمّ هو الثلث من التركة 62 فالمجموع يكون خمسة اسداس ويبقى سدس واحد يرد إليهما حسب فرضهما وذلك بضرب مجموع السهمين أعني(الخمس) في مخرج السدس (5×6=30) فيرد إلى البنت خمسة عشر سهماً وإلى الأُمّ عشرة أسهم يبقى خمسة أسهم فيرد ثلاثة أسهم إلى البنت وسهمان إلى الأُمّ.

صفحه 283
بخلاف الابن أو الأخ، فإنّ كلاًّ يستحق المال كلّه بالذات.
ورابعاً: أنّ المفهوم في المقام أشبه بمفهوم اللقب وهو ليس بحجّة فيه.
الثاني: قوله سبحانه: (إنِ امْرُؤٌا هَلَك لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَرك وهوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد).
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه حكم بتوريث الأُخت للأبوين أو للأب، نصف ميراث أخيها مع عدم الولد وحكم بتوريث الأخ ميراثها أجمع بدليل قوله تعالى: (وهوَ يَرِثُها) الجميع مع عدم الولد فلو ورثت الأُخت إذا كانت وحدها الجميع فرضاً وردّاً كما هو مذهبكم لن تبقى للفرق بين الأخ والأُخت ثمرة أصلاً.
والجواب بوجهين:
1. أنّ التقييد بالنصف مع أنّها ربّما ترث الكلّ لأجل التنبيه على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف، وأنّ الأصل القرآني هو استحقاق الذكر ضعف سهم الأُنثى وهو النصف، وأنّها إن ورثت المال كله فإنّما هو لأجل طارئة خاصّة.
2. أنّ التصريح بالفرض لأجل تبيين ما يتوقّف عليه تقسيم الفاضل، بينها وبين من يشاركه في الطبقة كالإخوة أو الأخوات من الأُمّ، فإنّ الباقي يردّ عليهما بنسبة سهامهما، فلو لم يكن هناك تحديد بالنصف فمن أين تعلم كيفيّة الردّ.1

1 . قد مرّت كيفية تقسيم الفاضل فيما إذا ترك بنتاً وأمّاً والمقام نظير ما سبق، غير أنّ الوارث كان بنتاً وأمّاً، وأمّا المقام فالوارث أُخت والإخوة أو الأخوات من الأُم، فيضرب مجموع السهمين أعني الخمس في مخرج السدس: 6 × 5 = 30، على ما تقدم، فلاحظ .

صفحه 284
الثالث: قوله تعالى: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنْك وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًا).1
وجه الاستدلال: أنّ زكريا (عليه السلام) لمّا خاف أن ترثه العصبة، سأل اللّه سبحانه أن يهبه وليّاً حتى يرث المال كلّه، لا وليّةً حتى ترث المال نصفه ويرث الموالي الفاضل، ولولا ذلك لما أكّد على كون الولد الموهوب من اللّه ذكراً، في قوله سبحانه: (وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنك وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا).
يلاحظ عليه: أنّ المقصود من (وَلِيّاً) هو مطلق الأولاد ذكراً كان أو أُنثى، وذلك على مساق إطلاق المذكّر وإرادة الجنس وهو شائع في القرآن الكريم، مثل قوله سبحانه: (إلاّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) بشهادة قوله تعالى في آية أُخرى: (هُنالِك دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِن لَدُنك ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنَّك سَمِيعُ الدُّعاء).(2)
بل يمكن أن يقال إنّه طلب ذرّية مثل مريم لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (كُلَّما دََخَلَ عَلَيها زَكريّا المحرابَ وَجدَ عِندها رِزْقاً قالَ يا مَريمُ أنّى لَك هذا قالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ حِساب * هنالِك دَعا ... )أي في هذه الحال التي رأى فيها في مريم من الكرامة سأل اللّه سبحانه أن يرزقه ذريّة طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل أُنثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.
ولو سلّمنا أنّه طلب الذكر، لأنّ الذكر بما أنّه لا فرض له يرث الكلّ،

1 . مريم: 5ـ 6.   2 . آل عمران: 38.

صفحه 285
والأُنثى بما أنّ لها فرض كالنصف لا ترث الكلّ ويرث العصبة الباقي، وبعبارة أُخرى لم يطلب لأجل أنّه لو رزق الأُنثى ترثه العصبة وإنّما سأله الذكر لمحبّة كثيرة له، أو لأنّه أولى بالإدارة من الأُنثى، كما لا يخفى.
الرابع: الروايات والآثار الواردة في هذا المجال، ولعلّها أهم المدارك والمصادر لهذه الفتيا.

الرواية الأُولى: بقية المال لأوْلى رجل ذكر

رواية عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 132 هـ) رواها الشيخان في غير مورد.
روى البخاري عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر».1
يلاحظ عليه: أوّلاً: الروايات تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني وقد وثّقه علماء الرجال 2 لكن يعارض توثيقهم مع ما ذكره أبو

1 . صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، وص 152، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة، ورواها عن سليمان بن حرب (مكان مسلم بن إبراهيم) ورجال السند في غيرهما، واحد، وباب ابني عم أحدهما أخ والآخر زوج ص 153، رواهـا عـن أُميّة بن بسطام، عن يزيد بن زريع عن روح عن عبد اللّه بن طاووس.
وصحيح مسلم: 5/59، باب ألحقوا الفرائض بأهلها عن ابن طاووس عن ابن عباس برقم1615.
وسنن الترمذي: 3 / 283، أبواب الفرائض، باب ما جاء في ميراث العصبة برقم 2179.
وسنن أبي داود في الفرائض باب ميراث العصبة برقم 2898.
ولاحظ : السنن الكبرى للبيهقي: 6/238، باب العصبة; وجامع الأُصول: 9/6104 برقم 7421.
2 . لاحظ : تهذيب التهذيب: 5/268 برقم 458 ; تهذيب الكمال: 15 / 130 برقم 3346، وغيرهما.

صفحه 286
طالب الأنباري 1 في حقّ هذه الرواية قال: حدّثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدّثني سفيان، عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا بن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ مَنْ وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: (آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضةً مِنَ اللّه) وقوله: (وَأُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه) وهل هذه إلاّ فريضتان وهل أبقتا شيئاً ، ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عني، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد اللّه بن طاووس فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك 2 وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً ـ يعني بني هاشم ـ .3
إنّ سليمان بن عبد الملك الأموي المرواني هو الذي قتل أبا هاشم عبد

1 . هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري: قال النجاشي: شيخ من أصحابنا «أبو طالب» ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة، توفّـي عام 356هـ . (رجال النجاشي برقم 615، طبع بيروت).
وأمّا رجال السند ففي تعليقة الخلاف أنّه لم يتعرّف على البربريّ، وأمّا بشر بن هارون لعلّه تصحيف بشر بن موسى إذ هو الراوي عن الحميدي على ما في تاريخ البغدادي: 86 . والحميدي هو عبد اللّه بن الزبير القرشي توفّي بمكة 219هـ ، كما في تذكرة الحفّاظ : 2/413. وسفيان هو سفيان بن عيينة، وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد اللّه بن عبيد السبيعي.
2 . سليمان بن عبد الملك بن مروان سابع خلفاء بني أُمية، بويع سنة 96، وتوفّي سنة 98، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان خاتمه بيده يختم رسائله بخاتمه صيانة عن التزوير.
3 . تهذيب الأحكام: 9/262 ; الخلاف: 2 / 278، المسألة 80 ، وفيه حارثة بن مضرب بدل قاربة.

صفحه 287
اللّه بن محمد بن علي الحنفية بالسمّ ظلماً وخداعاً، فكيف يكون حال من يواليهم.
وثانياً: أنّ نسبة الآيات المتقدمة إلى هذه الرواية وإن كان نسبة الإطلاق إلى التقييد، ولكن الاعتماد على هذه الرواية في تقييد الذكر الحكيم، ممّا لا يجترئ عليه الفقيه الواعي، لأنّ وراثة العصبة ليست من المسائل التي يقلّ الابتلاء بها، بل هي ممّا تعمّ البلوى بها في عصر النبيّ وعصور الخلفاء، فلو كان هناك تشريع على مضمون هذه الرواية لما خفي على غيره ونقله الآخرون، وقد عرفت أنّ الأسناد تنتهي إلى عبد اللّه ابن طاووس.
وثالثاً: أنّ فقهاء المذاهب أفتوا في موارد على خلاف مضمون هذا الخبر، وقد أشار إليها فقيه الطائفة الطوسي، نذكر قسماً منها.
1. لو مات وخلّف بنتـاً وأخـاً وأُختـاً، فقد ذهبوا إلى أنّ للبنت النصف والنصف الآخر للأخ والأُخت (للذَّكر مثل حظّ الأُنثيين) مع أنّ مقتضى خبر ابن طاووس أنّ النصف للبنت أخذاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألحقوا الفرائض بأهلها» والنصف الآخر للأخ لأنّه «أولى رجل ذكر».
2. لو أنّ رجلاً مات وترك بنتاً، وابنة ابن، وعمّـاً ، فقد ذهبوا إلى أنّ النصف للبنت والنصف الآخر لابنة الابن والعمّ، مع أنّ مقتضى الخبر أن يكون النصف الآخر للعم وحده لأنّه أولى ذكر.1

1 . لاحظ : الخلاف: 2/278، المسألة 80 ; تهذيب الأحكام: 9/262.

صفحه 288

اختلافهم في معنى العصبة

قال السيد المرتضى: وفيهم مَن يذهب فيها إلى أنّ المراد بها قرابة الميّت من الرجال الذين اتّصلت قرابتهم به من جهة الرجال كالأخ والعمّ، دون الأُخت والعمّة، ولا يجعل الرجال الذين اتّصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة كإخوة الميّت لأُمّه، وفيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصّب والرايات والديوان والنصرة. ومع هذا الاختلاف لا إجماع يستقرّ على معناها، على أنّهم يخالفون لفظ هذا الحديث الذي يروونه لأنّهم يعطون الأُخت مع البنت بالتعصيب وليست برجل ولا ذكر كما تضمّنه لفظ الحديث.1
إلى غير ذلك من الأحكام التي اتّفقوا عليها وهي على طرف النقيض من الخبر.
فإن قلت: فماذا تصنع بالخبر، مع أنّ الشيخين نقلاه، بل نقله غيرهما على ما عرفت؟
قلت: يمكن حمل الخبر على ما لا يخالف إطلاق الكتاب ولا ما أطبق المسلمون عليه وهو أنّه وارد في مجالات خاصّة: مثلاً:

تفسير الخبر بوجه يوافق المختار

1. رجل مات وخلّف أُختين من قبـل الأُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فالأُختان من أصحاب الفرائض، كلالة الأُمّ، يعطى لهما الثلث والباقي لأولى ذكر، وهو الأخ لأب.
2. رجل مات وخلّف زوجة وخالاً وخالة، وعمّـاً وعمّة، وابن أخ،

1 . الانتصار: 556، فصل في الكلام على العصبة.

صفحه 289
فالزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع، والباقي يدفع إلى أولى ذكر، وهو ابن الأخ.
3. رجل مات وخلّف زوجة، وأُختاً لأب، وأخاً لأب وأُمّ، فإنّ الزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع، والباقي للأخ للأب والأُم، ولا ترث الأُخت لأب معه.
4. امرأة ماتت وخلّفت زوجاً، وعمّـاً من قبل الأب والأُم، وعمّة من قبل الأب، فللزوج النصف سهمه المسمّى، وما بقي للعمّ للأب والأُمّ، ولا يكون للعمّة من قبل الأب شيء.
إلى غير ذلك من الصور التي يمكن أن ينطبق عليها الخبر دون أن يخالف الضابطة من تقدّم الأقرب على الأبعد على ما عليه الإمامية.
قال السيد المرتضى: ولا عتب إذا قلنا: إنّ الرواية وردت في من خلّف أُختين لأُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لأب وأُمّ، وأخاً لأب، فإنّ الأُختين من الأُمّ فرضهنّ الثلث وما بقي فلأولى ذكر قرب وهو الأخ من الأب وسقط ابن الأخ وبنت الأخ، لأنّ الأخ أقرب منهما.
وقال في موضع آخر: وهو أن يخلف الميّت امرأة وعمّـاً وعمّةً، وخالاً وخالة، وابن أخ أو أخاً، فللمرأة الربع وما بقي فلأولى ذكر وهو الأخ أو ابن الأخ وسقط الباقون. والعجب أنّهم ورثوا الأُخت مع البنت عصبة، فإن قالوا: من حيث عصَّبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصِّبها.
وكذلك يلزمهم أن يجعلوا العمّة عند عدم العمّ عصبة في ما توجّه لإنجازه وفعله، فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها، قلنا: والأُخت أيضاً لا تعقل

صفحه 290
عن أخيها، فلا تجعلوها عصبة مع البنات.1

الرواية الثانية: ما ورد في ميراث البنتين

ما أخرجه الترمذي، وابن ماجة، وأبو داود، وأحمد عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحان إلاّ ولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلاَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيمًا) فبعث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما الثمن وما بقي فهو لك.2
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ جابر بن عبد اللّه نقل نزول الآية في واقعة أُخرى، قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، من طرق عن جابر بن عبد اللّه قال: عادني رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر في

1 . الانتصار: 557 بتصرّف يسير.
2 . سنن الترمذي: 3 / 280، باب ما جاء في ميراث البنات برقم 2172; سنن ابن ماجة: 2/908، باب فرائض الصلب برقم 272; سنن أبي داود: 3/121، باب ما جاء في ميراث الصلب برقم 2891; مسند أحمد: 3 / 352 .

صفحه 291
بني سلمة ماشيين فوجدني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا أعقل شيئاً فدعا بماء فتوضّأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت : (يُوصيكُمُ اللّهُ فِـي أولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنثيين).1 واحتمال نزول الآية مرّتين، أو كون سبب النزول متعدّداً كما ترى.
وثانياً: أنّ الرواية نقلت بصورة أُخرى وهي أنّ الوافدة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت زوجة ثابت بن قيس بن شمّاس لا زوجة سعد بن الربيع إلى آخر الحديث.2
وثالثاً: أنّ في سند الرواية من لا يصحّ الاحتجاج به وإليك البيان:
1. عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والأسانيد في سنن الترمذي وابن ماجة وابن داود، تنتهي إليه.
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه وكان كثير العلم، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل: صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد تغيّـر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه.3
2. الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي ضعّفه

1 . الدر المنثور: 2/124 ـ 125 .
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 229، باب فرض الابنتين فصاعداً.
3 . تهذيب التهذيب: 6/140، ولاحظ بقيّة كلامه.

صفحه 292
الأزدي، وأورد له ابن عدي حديثين منكرين، وضعّفه الدارقطني، ووثّقه ابن حبَّان.1
3. الراوي عنه في سنن أبي داود: بشر بن المفضّل، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانياً.(2)
إلى غير ذلك من رجال في الأسانيد، مرميّين بأُمور لا يحتجّ معها.

الرواية الثالثة: في ميراث البنت والأُخت

روى الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلّماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفّي وترك ابنته وأُخته؟ فأعطى الابنة النصف، والأُخت النصف.2
وفي لفظ أبي داود : أنّ معاذ بن جبل ورث أُختاً وابنة، فجعل لكلّ واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبيّ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يومئذ حي.3
والأثر يتضمّن عمل الصحابة وهو ليس بحجّة إلاّ إذا أُسند إلى المعصوم.
والرجوع إلى الآثار الواردة عن الصحابة في مجال الفرائض يعرب عن أنّه لم يكن عندهم إحاطة بأحكام الفرائض، بل كلٌّ كان يفتي حسب معايير ومقاييس يتخيّلها صحيحة. ويكفي في ذلك اختلاف أبي موسى الأشعري مع ابن مسعود في رجل ترك بنتاً وأُختاً وابنة ابن.

1 . تهذيب التهذيب: 4/121.   2 . تهذيب التهذيب: 1/459.
2 . صحيح البخاري: 8/150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
3 . سنن أبي داود: 2 / 5، في الفرائض: باب ما جاء في ميراث الصلب برقم 2893. ولاحظ جامع الأُصول: 9/610 برقم 7394.

صفحه 293
روى البخاري : سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأُخت؟ فقال: للابنة النصف، وللا ُخت النصف ن وأْت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأُُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأُخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.1

مضاعفات القول بالتعصيب

ثمّ إنّه يلزم على القول بالتعصيب أُمور يأباها الطبع ولا تصدّقها روح الشريعة نأتي بنموذج واحد:
لو كان للميّت عشر بنات وابن، يأخذ الابن السدس، وتأخذ البنات خمسة أسداس، وذلك أخذاً بقوله سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ). نعم للبنات الثلثان إذا لم يكن للميّت ولد والمفروض وجود الابن، قال سبحانه: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ).2
لو كان له مكان الابن، ابن عمّ للميّت، فللبنات فريضتها وهي الثلثان، والباقي أي الثلث لابن العمّ. فيكون الابن أسوأ من ابن العمّ.
قال السيد المرتضى: وإذا كنّا قد دللنا على بطلان الميراث بالعصبة فقد بطل كلّ ما بيّنه مخالفونا من المسائل في الفرائض على هذا الأصل وهي

1 . صحيح البخاري: 8/151، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة; سنن الترمذي: 4/415، باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب برقم 2093; سنن أبي داود: 3/120، باب ما جاء في ميراث الصلب برقم 2890.
2 . النساء:11.

صفحه 294
كثيرة...، فمن هذه المسائل:
1. أن يخلّف الرجل بنتاً وعمّـاً فعند المخالف أنّ للبنت النصف والباقي للعمّ بالعصبة، وعندنا أنّه لاحظّ للعمّ والمال كلّه للبنت بالفرض والردّ.
2. وكذلك لو كان مكان العمّ ابن عمّ.
3. وكذلك لو كان مكان البنت ابنتان.
4. ولو خلف الميّت عمومة وعمّـات أو بني عمّ وبنات عمّ فمخالفنا يورّث الذكور من هؤلاء دون الإناث لأجل التعصيب، ونحن نورّث الذكور والإناث. ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة.1
يقول المحقّق محمد جواد مغنية: إنّ الإنسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً أو أُنثى امتداد لوجوده، ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الأُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الإخوان أو الأعمام.
ويفكر الآن، الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والأخذ بقول الإمامية من ميراث البنت تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحّة الوصيّة للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الإمامية، على الرغم من اتّفاق المذاهب على عدم الصحّة.(2)
***
تمّت قاعدة
لا تعصيب في الإرث

1 . الانتصار: 559.   2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 517ـ 518.

صفحه 295
لا عول في الإرث أو حكم الفرائض إذا عالت   
القواعد الفقهية
      84
قاعدة
لا عول في الإرث
أو
حكم الفرائض إذا عالت
العول لغة واصطلاحاً
العول تاريخياً
الأقوال المطروحة في العول
ذكر نماذج من صور العول
أدلّة القائلين بالعول
أدلّة القائلين ببطلان العول
أُسلوب علاج العول من منظار روائي
كلالة الأُم وارثة بالفرض مطلقاً
ما هو عامل العول؟
قبل الخوض في المقصود، نقدّم أُموراً:

صفحه 296

الأوّل: العول لغة واصطلاحاً

للعول في اللغة معاني متعدّدة أو معنى واحد، له مصاديق مختلفة، فيُستعمل في الموارد التالية:
1. الفاقة والحاجة يقال: عال، يعيل، عيلة: إذا احتاج ، قال الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً)1 وفي الحديث: «ما عال مقتصد».2
2. الميل إلى الجور، قال سبحانه: (ذلك أَدْنى أَنْ لا تَعُولُوا).3
3. النقصان: يقال: عال الميزان عولاً فهو عائل إذا نقص.
4. الارتفاع: يقال: عالت الناقة بذنبها إذا رفعته، ومنه العويل وهو ارتفاع الصوت بالبكاء.
إلى غير ذلك ممّا ذكره أصحاب المعاجم.4
وأمّا اصطلاحاً فهو عبارة عن زيادة السهام المفروضة في الكتاب على مبلغ المال، أو نقصان المال عن السهام المفروضة.
قال السيد المرتضى: إنّ العول في اللغة العربية اسم للزيادة والنقصان، وهو يجري مجرى الأضداد، وإنّما دخل هذا الاسم في الفرائض في
الموضع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه، فدخل
هاهنا النقصان، ويمكن أن يكون دخوله لأجل الزيادة، لأنّ السهام زادت
على مبلغ المال. و  ]بالجملة[ إذا أُضيف إلى المال كان نقصاناً وإذا أُضيف

1 . التوبة:28.
2 . معجم مقاييس اللغة:4/198، مادة «عيل».
3 . النساء:3.
4 . انظر لسان العرب :11/481ـ 484، مادة «عول»; المصباح المنير:2/599.

صفحه 297
إلى السهام كان زيادة.1
وحصيلة الكلام هو أنّ العول عبارة عن زيادة سهام الفروض عن أصل المسألة بزيادة كسورها عن الواحد الصحيح. مثلاً إذا ترك الميت زوجة وأبوين وبنتين فللزوجة الثُّمن، وللأبوين الثلث، وللبنتين الثلثان، و التركة لا تتسع للثمن والثلث والثلثين، بل يستغرق الأخيران مجموعَ التركة ولم يتَّسع للثمن.
وكذا لو ما تت امرأة وتركت زوجاً وأُختين شقيقتين، فللزوج النصف ـ لعدم الولد للميت ـ و للأُختين الثلثان، والمال المتروك لا يتسع للنصف والثلثين، ولا يتحقّق العول إلاّ بوجود الزوج أو الزوجة مع سائر الورثة، فلو فقد الزوج والزوجة بين الورثة لما يتحقّق العول عندنا، وأمّا عند غيرنا فيتحقّق عند فقدهما أيضاً كما سيوافيك.

الثاني: العول، تاريخيّاً

إنّ مسألة العول من المسائل التي لم يرد فيها نصّ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ابتلى بها عمر بن الخطاب عندما ماتت امرأة في عهده وكان لها زوج وأُختان، فجمع الصحابة، فقال لهم: فرض اللّه تعالى للزوج النصف، وللأُختين الثلثان، فإن بدأت للزوج لم يبق للأُختين حقّهما، وإن بدأت للأُختين لم يبق للزوج حقّه، فأشيروا عليَّ، فاتّفق رأيه مع عبد اللّه بن مسعود، على العول، أي إيراد النقص على الجميع بنسبة فرضهم من دون تقديم ذي فرض على آخر; وخالف ابن عباس، في عصر عثمان، وقال: إنّ الزوجين

1 . الانتصار:561، فصل في العول.

صفحه 298
يأخذان تمام حقّهما ويدخل النقص على البنات، فهو يقدّم مَن له فرضان في الكتاب على مَن له فرض واحد كما سنبيّن.
ومنذ ذلك العصر صار الفقهاء على فرقتين، فالمذاهب الأربعة وما تقدّمها من سائر المذاهب الفقهية قالوا بالعول، والشيعة الإمامية، تبعاً للإمام علي(عليه السلام)وتلميذه ابن عباس على خلافه، فهم على إيراد النقص على البعض دون بعض من دون أن يكون عملهم ترجيحاً بلا مرجّح.
فعن عبد اللّه بن عباس أنّه قال: أوّل مَن أعال الفرائض عمر لمّا التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضاً، فقال: ما أدري أيّكم قدَّمه اللّه ولا أيّكم أخّره، فقال: ما أجد شيئاً أوسع لي من أن أقسِّم التركة عليكم بالحصص، وأُدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة، ولم يخالف في ذلك أحد حتى انتهى أمر الخلافة إلى عثمان، فأظهر ابن عباس خلافه في ذلك وقال: لو أنّهم قدَّموا مَن قدَّم اللّه وأخّروا مَن أخّر اللّه ما علت فريضة قط، فقيل له: مَن قدّمه اللّه ومَن أخّره اللّه؟ فقال: قدّم اللّه الزوج والزوجة، والأُمّ والجدة، وأمّا مَن أخّره اللّه فالبنات وبنات الابن والأخوات الشقيقات والأخوات لأب.
وفي رواية أُخرى أنّه قال: من أهبطه اللّه من فرض إلى فرض فهو الذي قدّمه، ومن أهبطه اللّه من فرض إلى غير فرض فهو الذي أخّره.1
ويظهر من بعض الروايات أنّ ابن عباس كان يصرّ على رأيه ويدعو المخالف إلى المباهلة.
قال الشربيني في «مغني المحتاج» : كان ابن عباس صغيراً فلمّا كبر أظهر

1 . لاحظ : المبسوط للسرخسي:29/161ـ 162.

صفحه 299
الخلاف بعد موت عمر، وجعل للزوج النصف، وللأُمّ الثلث وللأُخت ما بقي1، ولا عول حينئذ، فقيل له: لِمَ، لَمْ تقل هذا لعمر؟ فقال: كان رجلاً مهاباً فهبتُه، ثمّ قال: إنّ الذي أحصى رمل عالج2 عدداً  لم يجعل في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً، ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث؟!
ثمّ قال له علي(عليه السلام): هذا لا يغني عنك شيئاً لو متُّ أو متَ لقُسِّم ميراثنا على ما عليه الناس من خلاف رأيك، قال: فإن شاءوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ، ونساءنا ونساءهم، وأنفسنا وأنفسهم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين، فسمّيت المباهلة لذلك.3
وروى الجصّاص في تفسيره عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود قال: دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس بعد ما ذهب بصره فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحص في مال نصفاً و نصفاً و ثلثاً، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر: يابن عباس، مَنْ أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وَلِمَ؟ قال: لمّا تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال: واللّه ما أدري كيف أصنع بكم؟ واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه و لاأيّكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أُقسمه عليكم بالحصص، ثمّ قال ابن عباس: وأيم اللّه لو قدّم مَن قدّم اللّه، وأخّر مَن أخّر اللّه ماعالت فريضة، فقال له زفر:

1 . وهذه المسألة نفس ما ابتلى به عمر بن الخطاب، غير أنّه أُضيفت عليها «الأُمّ».
2 . ما تراكم من الرمل، وفي حديث فاطمة(عليها السلام): «وكم من غليل معتلج بصدرها ـ كامن فيه ـ لم تجد إلى بثّه سبيلاً». (مجمع البحرين، مادة «علج» و الغليل الحقد والضغن).
3 . مغني المحتاج:3/33; وانظر: المبسوط للسرخسي: 29/161.

صفحه 300
وأيّهم قدّم وأيهم أخّر؟ فقال: كلّ فريضة لا تزول إلاّ إلى فريضة فتلك التي قدّم اللّه وتلك فريضة الزوج، له النصف فإن زال فإلى الربع لا ينقص منه، والمرأة لها الربع فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا تنقص منه، والأخوات لهن الثلثان والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهم كان لهنّ ما بقي فهؤلاء الذين أخّر اللّه، فلو أعطى مَن قدّم اللّه فريضة كاملة ثمّ قُسِّم ما يبقى بين من أخّر اللّه بالحصص ما عالت فريضة، فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته واللّه.1

الثالث: الأقوال المطروحة في العول

اتّفقت الشيعة ووافقهم الظاهرية وثلّة من الصحابة والتابعين على بطلان العول بمعنى إدخال النقص على جميع الورثة بنسبة فروضهم، بل يقدّم مَن له الفرضان على مَن له فرض واحد.
قال السيد المرتضى في «الانتصار»: والذي تذهب إليه الشيعة الإمامية: أنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدّم ذوو السهام المؤكّدة من الأبوين والزوجين على البنات، والأخوات من الأُم على الأخوات من الأب والأُمّ أو من الأب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهنّ.
وذهب ابن عباس إلى مثل ذلك، وقال به أيضاً عطاء بن أبي رباح: و حكى الفقهاء من العامّة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقر (عليهم السلام)ومحمد بن الحنفية،وهو مذهب داود بن علي الاصفهاني.
وقال باقي الفقهاء: إنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُسِّم بينهم على

1 . أحكام القرآن:2/109; مستدرك الحاكم:4/340.

صفحه 301
قدر سهامهم، كما يفعل في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها.1
وقال في الناصريات: وذهب أصحابنا ـ بلا خلاف ـ انّ الفرائض لا تعول. ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الاصفهاني، وخالفنا باقي الفقهاء.2
وقال الشيخ في «الخلاف»: العول عندنا باطل، فكلّ مسألة تعول على مذهب المخالفين فالقول عندنا فيها بخلاف ما قالوه. وبه قال ابن عباس فإنّه لم يُعْوِلْ المسائل، وأدخل النقص على البنات و بنات الابن والأخوات للأب والأُمّ أو للأب، وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، وداود بن علي، و أعالها جميع الفقهاء.3
وممّن خالف العول ابن حزم في «المُحلّى» و هو من أعيان مذهب الظاهرية وقال: أوّل من قال به (العول) زيد بن ثابت ووافقه عليه عمر بن الخطاب، وصحّ عنه هذا، وروي عن علي و ابن مسعود غير مسند، وذكر عن العباس ولم يصحّ، وصحّ عن شريح ونفر من التابعين يسير، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع، فإن لم يمكنهم ذلك، لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنّه قول الجمهور وأنّ خلافه شذوذ، وأنّ خصومهم ليرثون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة نعوذ باللّه من مثلها... وبقول ابن عباس هذا، يقول: عطاء، ومحمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي

1 . الانتصار:561ـ 562.
2 . الناصريات:403، المسألة190.
3 . الخلاف:4/73، المسألة81.

صفحه 302
بن الحسين، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا وغيرهم.1

الرابع: ذكر نماذج من صور العول

ذكر الفقهاء للعول صوراً مختلفة نذكر بعضها روماً للاختصار:
1. زوج وأُختان من أب وأُمّ، أو من أب وحده: للزوج النصف أي الثلاثة من ستة، وللا ُختين الثلثان أي الأربعة منها. ومن المعلوم أنّ المال ليس فيه نصف وثلثان فلو أُخذ من الست، النصفُ، لا يفي الباقي بالثلثين وهكذا العكس، فتعول السهام إلى السبعة (3+4=7).
ففي المذهب الإمامي يقدّم الزوج فيعطى له النصف والباقي للأُختين، وأمّا القائل بالعول فهو يقسّم التركة إلى سبعة سهام، مكان الستة فيعطي للزوج ثلاثة سهام، وللا ُختين أربعة سهام لكن من السبعة، وبذلك يُدخل النقص على الجميع، فلا الزوج ورث النصف الحقيقي ولا الأُختان، الثلثين، بل أخذ كلٌّ أقلّ من سهامه.
2.تلك الصورة ومعهما أُخت واحدة من الأُم فريضتها السدس، ومن المعلوم أنّ التركة لا تفي بالنصف والثلثين والسدس، فتعول التركة إلى ثمانية سهام وذلك (1+3+4=8). ففي الفقه الإمامي يقدّم الزوج والأُخت من الأُمّ لكونهما ذو فرضين2 فيعطى للزوج النصف وللأُخت السدس والباقي للأُختين، وأمّا القائل بالعول فهو يورد النقص على الجميع، فيقسّم المال إلى

1 . المحلّى:9/263ـ 264، المسألة1717.
2 . أمّا الزوج فواضح، وأمّا الأُخت من الأُمّ فلقوله:(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ)(النساء:12).

صفحه 303
ثمانية سهام، فيعطي للزوج ثلاثة. وللأُختين أربعة، وللا ُخت من الأُم واحداً، ولكنّ الكلّ من ثمانية أجزاء، فلا الزوج نال النصف، ولا الأُختان الثلثين، ولا الأُخت من الأُم، السدس.
3.تلك الصورة ومعهم أخ من أُم وفريضتها أيضاً السدس فتعول الفريضة إلى تسعة، وذلك (1+1+3+4=9).
ففي الفقه الإمامي يقدّم الزوج و الأُخت من الأُم، والأخ من الأُمّ، ويختصّ الباقي بالأُختين; وأمّا القائل بالعول فيعطي للزوج ثلاثة، وللا ُختين أربعة، ولكلّ من الأُخت والأخ من الأُم واحداً لكن من تسعة أسهم، لا من ستة سهام، وبالتالي لا يُمتَّع الزوج بالنصف، ولا الأُختان بالثلثين، ولا الأُخت والأخ من الأُم بالثلث إلاّ لفظاً.
4. زوجة وأبوان و بنتان و هي المسألة المعروفة باسم المسألة المنبرية، وهي التي سُئل عنها الإمام عليّ (عليه السلام)وهو على المنبر، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة؟ فقال الإمام(عليه السلام): «صار ثمن المرأة تسعاً». ومراده: أنّه على الرأي الرائج، إدخال النقص على الجميع صار سهمها تسعاً.
وذلك لأنّ المخرج المشترك للثلثين والسدس والثمن هو عدد (24) فثلثاه (16) وسدساه(8) وثمنه (3)، وعند ذلك تعول الفريضة إلى (27) سهماً، وذلك مثل (3+8+16=27).
فالقائل بالعول، يورد النقص على جميع أصحاب الفروض، فيعطي لأصحاب الثلثين (16) سهماً، وللأبوين (8) سهام، وللزوجة (3) سهام، من (27)، بدل إعطائهم بهذا المقدار من (24) سهماً، والزوجة وإن أخذت (3)

صفحه 304
سهام، لكن لا من (24) سهماً حتى يكون ثمناً واقعياً، بل من (27) وهو تُسْع التركة، وهي في الواقع (24) سهماً 1. بخلاف المذهب الإمامي فهو يقدّم الزوجة والأبوين والباقي لابنتيه.
هذه هي نظرية العول وبيانها بوجه سهل غير مبتن على المحاسبات الدقيقة وإن كان البيان على ضوئها أتقن وأدق.
ويظهر من السيد المرتضى أنّ القائلين بالعول ربّما يوافقون الإمامية في بعض الصور، كامرأة ماتت وخلّفت بنتين وأبوين وزوجاً، والمال يضيق عن الثلثين والسدسين والربع، فنحن بين أُمور: إمّا أن ندخل النقص على كلّ واحد من هذه السهام أو ندخله على بعضها، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ البنتين هاهنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن يُعطى الأبوان السدسين والزوج الربع، ويجعل ما بقي للابنتين، ونخصّهما بالنقص لأنّهما منقوصتان بالإجماع.2
إذا عرفت هذه الأُمور فلندرس أدلّة القائلين بالعول أوّلاً، ثمّ أدلّة القائلين بتقديم ذي الفرضين على مَن له فرض واحد.

1 . سهم الزوجة 273 = 91 مجموع السهام 3+8+16= 27 .
2 . الانتصار: 562، فصل في العول.

صفحه 305
 
أدلّة القائلين بالعول
استدلّ القائلون بالعول بوجوه:1

1. قياس الحقّ بالدّين

إنّ الدُّيّان يقتسمون المال على تقدير قصوره عن دينهم بالحصص، وكذلك الورّاث، والجامع، الاستحقاق للمال.
يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق فإنّ الدَّيْن يتعلّق بالذّمة، والتركة كالرهن عند الدائن. وبعبارة أُخرى: تعلّق الدين بعين المال تعلّقُ استحقاق لا تعلّق انحصار، فلو لم يؤدّوا حقّ الغرماء فلهم مصادرة التركة واستيفاء طلبهم من باب التقاصّ، ولو قاموا بالتأدية من غير التركة فليس لهم أيّ اعتراض، ولأجل ذلك ليس بمحال أن يكون لرجل على رجل ألف، ولآخر ألفان، ولثالث عشرة آلاف وإن صار الدَّين أضعاف التركة، لأنّ المديون أتلف مال الغير بالاستقراض والصرف، فصار مديوناً بما أتلف، كان بمقدار ماله أو أزيد أو أنقص فلا إشكال في تعلّق أضعاف التركة بالذمّة لأنّها تسع أكثر من ذلك.
وأمّا سهام الإرث فإنّها إنّما تتعلّق بالتركة والأعيان الموروثة، ومن المحال أن يكون للمال نصف، ونصف وثلث(كما إذا ماتت الزوجة عن زوج وأُخت للأبوين وأُختين للأُمّ)، فامتلاك الورثة من التركة بقدر هذه الفروض أمر غير معقول، فلابدّ أن يكون تعلّقها بشكل آخر تسعه التركة. بأن لا يكون لبعض أدلّة الفروض إطلاق يعمّ حالي الانفراد والاجتماع حتى لا يستلزم

1 . أخذنا الدلائل الثلاثة الأُول من المغني: 6/242 مع تفصيل منّا.

صفحه 306
المحال، وسيوافيك بيان ماله إطلاق لحال الاجتماع مع سائر الفروض وما ليس له إطلاق.
وقد فصّل أصحابنا في نقد هذا الدليل بوجوه، وما ذكرناه أتقن، وإليك ما ذكره المرتضى في نقد هذا الدليل:
قال : ما يقولونه في العول: الديون إذا كانت على الميّت ولم تف تركته بالوفاء بها، فإنّ الواجب القسمة للمال على أصحاب الديون بحسب ديونهم من غير إدخال النقص على بعضهم، وذلك أنّ أصحاب الديون مستوون في وجوب استيفاء أموالهم من تركة الميّت، وليس لأحد مزية على الآخر في ذلك، فإن اتّسع المال لحقوقهم استوفوها، وإن ضاق تساهموه وليس كذلك مسائل العول، لأنّا قد بيّنّا أنّ بعض الورثة أولى بالنقص من بعض، وأنّهم غير مستويين كاستواء أصحاب الديون، فافترق الأمران .1

2. قياس الإرث بالوصية

إنّ التقسيط مع القصور واجب في الوصية للجماعة، فالميراث كذلك، والجامع بينهما استحقاق الجميع التركة، فلو أوصى لزيد بألف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بعشرين ألف، وضاق ثلثه عن القيام بالجميع، يُورد النقص على الجميع حسب سهامهم.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحكم ليس بمسلّم في المقيس عليه حتى يستظهر حال المقيس منها. بل الحكم فيه أنّه يعطى الأوّل فالأوّل ـ عند الإيصاء ـ إلى أن يبقى من المال شيء ويسقط من لم يسعه الثلث، لأنّه أوصى بشيء لم يملكه

1 . الانتصار: 564، فصل في العول.

صفحه 307
فتكون وصيّته باطلة.
نعم لو ذكر جماعة ثمّ سمّى، كما إذا قال: زيد وعمر وبكر لكلّ واحد ألف، فعجز عنه مقدار ما ترك، فلا شك أنّه يدخل النقص على الجميع.
وثانياً: أنّ الفارق بينه وبين المقام هو تصريح الموصي بالعول، حيث ذكر أسماءً على وجه التفصيل، ثم ذكر سهامهم التي لا تكفي تركته بها، وأين هذا من مورد الإرث الذي لم يصرّح فيه بالعول، ولو ورد التصريح به في الشريعة ـ وأغمضنا عمّـا سيوافيك ـ يجب اتّباعه، والمفروض أنّه لم يرد فيه التصريح بالتقسيط بما ورد فيه التصريح به.

3. تقديم البعض على البعض ترجيح بلا مرجّح

إنّ النقص لابدّ من دخوله على الورثة على تقدير زيادة السهام، على كلا القولين، أمّا عند العائل فعلى الجميع وأمّا عند غيره فعلى البعض، لكن هذا ترجيح من دون مرجّح.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ رفع الأمر المحال بإيراد النقص على الجميع فرع إحراز صحّة أصل تشريعه، وأنّه يصحّ أن يتملّك شخص، نصفَ المال، وآخر نصفَه الآخر، وثالث ثلثَه، وقد عرفت أنّه غير صحيح وأنّ المال لا يتحمّل تلك الفروض، ومع عدم صحّة تشريعه لا تصل النوبة إلى احتمال ورود النقص على الجميع.
وثانياً: وجود المرجّح الذي أشار إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وتلميذه ابن عباس سابقاً، وسيأتي كلامهما وكلام عترته الطاهرة.

صفحه 308

4. قول علي(عليه السلام)في المسألة المنبرية

روى البيهقي قال: أخبرنا أبو سعيد، أنبأنا أبو عبد اللّه، ثنا محمد بن نصر، ثنا إسحاق، ثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (رضي الله عنه)في امرأة وأبوين وبنتين، صار ثمنها تسعاً.1
والمسألة تسمّى المنبرية، لأنّه سئل عنها الإمام وهو على المنبر، يخطب، ويظهر من أحمد المرتضى الزيديّ أنّ السائل كان هو ابن الكوّا، أحد المناوئين فأجاب الإمام بقوله: «صار ثمنها،تسعاً» ثمّ مضى في خطبته.2
قال في الشرح الكبير: إنّ المرأة كان لها الثمن ثلاثة من أربعة وعشرين صار لها بالعول ثلاثة من سبعة وعشرين وهي التُّسع. 3
و بعبارة أُخرى: أنّ الثلاثة إذا نسبت إلى أربعة وعشرين فهو ثُمن التركة وإذا نسبت إلى سبعة وعشرين فهو تُسْع التركة ولذلك قال: «صار ثمنها تسعاً»، و هذا صريح في العول، إذ على القول الآخر: أنّها لا تنقص سهمها عن الثمن، وقد جعل الإمام ثمنها تسعاً.
يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف، والدلالة غير تامّة.
أمّا الأوّل فهو رجلان:
1. شريك بن عبد الله.
2. ابوإسحاق السبيعي
أمّا الأوّل: فهو شريك بن عبد اللّه بن أبي شريك، أبو عبد اللّه الكوفي القاضي فقد ترجمه ابن حجر في التهذيب» وقال: قال الجوزجاني: شريك،

1 . السنن الكبرى:6/253.
2 . البحر الزخّار: 356 باب العول والردّ ; الشرح الكبير في ذيل متن المغني:7/74.
3 . الشرح الكبير في ذيل متن المغني:7/ 74 .

صفحه 309
سيّئ الحفظ، مضطرب الحديث مائل.
وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة : شريك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الخطأ، صاحب حديث و هو يغلط أحياناً.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث.
وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى و لا عبد الرحمن حدثنا عنه بشيء.
ونقل عن عبد اللّه بن أحمد عن أبيه الإمام أحمد: حسن بن صالح أثبت من شريك، كان شريك لا يبالي كيف حدث.1
أمّا الثاني: فهو عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وقد وصفه ابن حيّان في «الثقات» بأنّه كان مدلّساً، كما وصفه به حسين الكرابيسي و أبو جعفر الطبري.2
ومع كلّ ذلك كيف يحتجّ به على الحكم الشرعي؟!
وأمّا الدلالة: ففيه احتمالات:
1. أنّ الإمام ذكر ذلك تعجّباً، وكأنّه قال: أصار ثُمنها تسعاً؟! فكيف يمكن ذلك، مع أنّه سبحانه جعل فرضها الثمن، وفي ما سألت صار فرضها تُسعاً حسب الظاهر، و أمّا ما هو علاج المسألة وصيانة ثمنها الوارد في القرآن، فقد سكت عنه الإمام و مضى في خطبته.
2. أنّ ما ذكره إخبار عمّا جرى عليه الناس بعد إفتاء الخليفة بإدخال النقص على الجميع، دون أن يفتي على وفقه.
3. أنّه ذكر ذلك مجاراة للرأي السائد في ذلك وإخماداً للفتنة، حيث إنّ السائل كان أحد المناوئين للإمام، وقد حاول بسؤاله، أن يجعل الإمام في

1 . تهذيب التهذيب:4/295ـ 296.
2 . تهذيب التهذيب:8/59

صفحه 310
مأزق، وكان عارفاً برأي الإمام .
ويظهر ما ذُكر ممّا نقله شيخ الطائفة عن أبي طالب الأنباري قال: حدثني الحسن بن محمد بن أيوب الجوزجاني قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن شعبة ،عن سماك، عن عبيدة السلماني قال: كان علي(عليه السلام)على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة، فقال علي(عليه السلام): صار ثمن المرأة تسعاً. قال سماك: قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمر بن الخطاب وقعت في إمارته هذه الفريضة، فلم يدر ما يصنع وقال: للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وللزوجة الثمن. قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين والبنتين، فقال له أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): إعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي بن أبي طالب(عليه السلام): لهما ما يبقى. فأبى ذلك عليه عمر وابن مسعود، فقال علي(عليه السلام): على ما رأى عمر. قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي(عليه السلام)بعد ذلك في مثلها أنّه أعطى للزوج الربع، مع الابنتين، وللأبوين السدسين والباقي ردّ على البنتين]قال: [وذلك هو الحق وإن أباه قومنا.1
ويستفاد من الحديث أوّلاً: أنّ عليّاً وأصحاب النبيّ إلاّ القليل منهم كانوا يرون خلاف العول، وأنّ سيادة القول العول لأجل أنّ الخليفة كان يدعم ذلك آنذاك.
وثانياً: أنّ الإمام عمل في واقعة برأيه وأورد النقص على البنتين فقط،

1 . تهذيب الأحكام: 9 / 259،الحديث 14 (971)، كتاب الفرائض والمواريث، باب إبطال العول والعصبة.

صفحه 311
وعلى ذلك يكون المراد من قوله ، فقال علي(عليه السلام): «على ما رأى عمر»، هو المجاراة والمماشاة، وإلاّ يصير ذيل الحديث مناقضاً له.
إلى هنا تمّت دراسة أدلّة القائلين بالعول. فلنذكر أدلّة المنكرين.

أدلّة القائلين ببطلان العول

استدلّ القائلون ببطلان العول بوجوه:

1. استلزام العول نسبة الجهل أو العبث إلى اللّه

يستحيل أن يجعل اللّه تعالى في المال نصفين وثلثاً، أو ثلثين ونصفاً ونحو ذلك ممّا لا يفي به وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً، تعالى اللّه عن ذلك.
توضيحه: أنّ السهام المنصوصة في الذكر الحكيم ستة، وهي:
الثلثان: وهو فرض صنفين: 1. البنتان فصاعداً، 2. والأُختان الشقيقتان فصاعداً أو من الأب.
النصف: وهو فرض أصناف ثلاثة: 1. الزوج مع عدم الولد، 2. والبنت المنفردة، 3. والأُخت منفردة من الأبوين، أو من الأب.
الثلث: وهو فرض صنفين:1. الأُمّ مع عدم الولد، 2. الأخوان أو الأُختان أو أخ و أُخت، فصاعداً من الأُمّ.
الربع: وهو فرض صنفين: 1. الزوج مع الولد، 2. الزوجة مع عدم الولد.
السدس: وهو فرض أصناف ثلاثة: 1. الأبوان مع الولد، 2. الأُمّ مع الحاجب، 3. الأخ و الأُخت من الأُمّ.

صفحه 312
الثمن: وهو فرض صنف واحد وهو الزوجة مع الولد.
إذا عرفت ذلك فعندئذ يقع الكلام في أنّ الأدلّة المتكفّلة لبيان فروض هذه الأصناف هل هي مطلقة، بمعنى ثبوت الفرض في كافّة الصور، كاجتماع أبوين والبنت مع الزوج، أو ليس لها ذلك الإطلاق؟
فعلى الأوّل يلزم عبثية التشريع ولغويته لاستغراق فرض الزوج (النصف) و فرض البنت المنفردة (النصف) مثلاً مجموع التركة وعدم اتّساعها لفرض الأبوين وهو الثلث.
وعلى الثاني يلزم الوقوف على مَن قدّمه اللّه سبحانه ومَن أخّره لئلاّ يلزم المحذور وهذا هو المطلوب.

2.استلزامه التناقض والإغراء بالجهل

إنّ القول بالعول يؤدّي إلى التناقض والإغراء بالجهل، أمّا التناقض فيظهر في المثال التالي إذا ماتت المرأة وتركت أبوين وبنتين وزوجاً، فمخرج هذه الفروض اثنا عشر لأنّه يشمل على الجميع، فمعنى ذلك أنّ للأوّلين أربعة من اثني عشر، وللثانيتين، ثمانية من اثني عشر، وللزوج ثلاثة من اثني عشر، فإذا أعلناها عن طريق جمع الفروض 4+8+3 يرتقي إلى خمسة عشر سهماً فأعطينا الأبوين أربعة من خمسة عشر وللبنتين ثمانية من خمسة عشر، وللزوج ثلاثة من خمسة عشر، فقد دفعنا للأبوين (مكان الثلث) خمساً وثلُثه، وإلى الابنتين (مكان الثلثين) ثلثاً وخمساً، وإلى الزوج (مكان الربع) خُمساً، وذلك نفس التناقض.
وأمّا الإغراء بالجهل، فقد سمّى اللّه سبحانه، الخمس وثلثه باسم الثلث،

صفحه 313
والخُمس باسم الربع، وثلثاً وخمساً باسم الثلثين.
ويمكن جعل الدليل الأوّل والثاني، دليلاً واحداً بأن يقال: إذا جعل اللّه سبحانه في المال نصفين وثلثاً، فأمّا أن يجعلها بلا ضم حلول ـ مثل العول ـ إليه، يلزم كونه سبحانه جاهلاً أو عابثاً تعالى عن ذلك، وأمّا أن يجعل مع النظر إلى حلول مثل العول، يلزم التناقض بين القول والعمل، والإغراء مع كونه قبيحاً.

3. يلزم تفضيل النساء على الرجال

لو قلنا بالعول يلزم تفضيل النساء على الرجال في موارد، ومن المعلوم أنّه يخالف روح الشريعة الإسلامية، ولنذكر نموذجاً:
إذا ماتت المرأة عن زوج وأبوين وبنتاً، فالتركة لا تتسع نصفاً للبنت وربعاً للزوج وثلثاً للوالدين وبشهادة أنّ المخرج لها هو اثنا عشر وهو لا يكفي على الفروض الثلاثة، فلو قلنا بالعول ارتفعت السهام بجمعها إلى 13 سهماً، فللبنت منها 6 وللأبوين منها 4 وللزوج منها 3، فهذه صورة المسألة :
41 (سهم الزوج)+ 21 (سهم البنت) + 62 (سهم الأبوين) = 123 + 6 + 4 = 1213
ففي هذه الصورة على القول بالعول صار سهم البنت 6 من 13.
ولو كان الابن ـ الذي لا فرض له بل يرث الباقي باتّفاق من الفقهاء ـ مكان البنت، أُعطي الأبوان 4 سهام من أصل 12 سهماً، والزوج 3 سهام من أصل 12 سهماً والباقي وهو 5 سهام للابن فصار سهم الابن أقلّ من سهم البنت، وهذا التالي الفاسد جاء من القول بالعول في الصورة الأُولى.
وقد جاء ذلك الدليل في رواية أبي جعفر الباقر(عليه السلام).

صفحه 314
أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)في امرأة ماتت و تركت زوجها وأبويها وابنتها، قال: للزوج الربع ثلاثة أسهم من اثني عشر سهماً، و للأبوين لكلّ واحد منهما السدس سهمين من اثني عشر سهماً، و بقي خمسة أسهم فهي للابنة، لأنّه لو كان ذكراً لم يكن له أكثر من خمسة أسهم من اثني عشر سهماً، لأنّ الأبوين لا ينقصان كلّ واحد منهما من السدس شيئاً وإنّ الزوج لا ينقص من الربع شيئاً.1
وقد جاءت الإشارة إلى بعض هذه الصور التي يلزم على القول بالعول زيادة نصيب النساء على الرجال في الروايات.2

4. تصريح أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ببطلان العول

قد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى ما عرفت عن الإمام علي(عليه السلام)ـ على بطلان العول، وإليك طائفة منها:
1. أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «السهام لا تعول».
2. أخرج الكليني عن محمد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر(عليه السلام)صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّه وخط عليّ بيده، فإذا فيها أنّ السهام لا تعول.
3. أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: كان ابن عباس يقول: إنّ الذي يحصي رمل عالج ليعلم أنّ

1 . الوسائل:17، الباب18 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث2.
2 . لاحظ : الوسائل: 17، الباب3 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث3.

صفحه 315
السهام لا تعول من ستة، فمن شاء لاعنته عند الحجر أنّ السهام لا تعول من ستة».1
ومعنى قوله: «لا تعول من ستة» أنّها و إن زادت ولكن لا تزيد أُصولها على ستة.
إلى غير ذلك من الروايات التي رواها الشيخ الحرّ العاملي في «الوسائل».2

أُسلوب علاج العول من منظار روائي

قد عرفت أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أنكروا العول، ولم يكتفوا بالإنكار فحسب، بل وضعوا الحلول المناسبة لعلاجه والتي وردت في روايات كثيرة، نختار منها طائفة، و من أراد التفصيل، فليرجع إلى الجوامع الحديثية.
1. ما ذكره ابن عباس و قد أخذه عن إمامه وأُستاذه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد تقدّم ذكره فلنقتصر على محل الشاهد، قال:
وأيم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه وأخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة.
فقال له زفر: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟
فقال: كلّ فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه. وأمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر.
فأمّا الذي قدَّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى

1 . الوسائل:17، الباب6 من أبواب موجبات الإرث، الحديث1، 11، 12.
2 . لاحظ : الوسائل: 17، الباب 6 و 7 من أبواب موجبات الإرث .

صفحه 316
الربع لا يزيله عنه شيء; والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء; والأُم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه.
وأمّا التي أخّر: ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقي، فتلك التي أخّر; فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما أخّر بدئ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملاً، فإن بقى شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له.1
فقد جاء في كلام ابن عباس الطوائف الذين لا يدخل عليهم النقص وهم عبارة عن:
1. الـزوج. 2. الزوجـة. 3. الأُم، وهـؤلاء يشتركون في أنّهم لا يهبطون عن فريضة إلاّ إلى فريضة أُخرى، وهذا دليل على أنّ سهامهم محدودة لا تنقص.
وكان عليه أن يذكر الأخ والأُخت من أُمّ، لأنّهم أيضاً لا يهبطون من سهم (الثلث) إلاّ إلى سهم آخر و هو السدس، وقد جاء الجميع في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)التالي .
2. روى أبو عمر العبدي عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)أنّه كان يقول: «الفرائض من ستة أسهم: الثلثان أربعة أسهم، والنصف ثلاثة أسهم، والثلث سهمان، والربع سهم ونصف، والثمن ثلاثة أرباع أسهم، ولا يرث مع الولد إلاّ

1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث: 6. لاحظ : المستدرك للحاكم: 4/340، كتاب الفرائض، والحديث صحيح على شرط مسلم; وأورده الذهبي في تلخيصه إذعاناً بصحّته.

صفحه 317
الأبوان والزوج والمرأة، ولا يحجب الأُم عن الثلث إلاّ الولد والإخوة، ولا يزاد الزوج عن النصف ولا ينقص من الربع، ولا تزاد المرأة على الربع ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الإخوة من الأُم على الثلث ولا ينقصون من السدس وهم فيه سواء الذكر والأُنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلاّ الولد، والوالد، والدية تقسّم على من أحرز الميراث».1
قوله:«ولا يحجبهم عن الثلث» بمعنى يمنعهم عن الإرث بتاتاً إذ مع الولد أو الوالد لا ترث الأُخوة من الأُمّ، فلاحظ.
3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان، والزوج، والمرأة». 2 والرواية موثقة، أمّا الأُمّ فهي ذات فرضين، وأمّا الأب فله فرض واحد وهو السدس، وإلاّ فيرث الباقي، فيقع الكلام كيف يكون ممّا قدم الله مع كونه ذا فرض واحد؟ وهذه الرواية غير معمول بها في مورد الأب، ولذلك نرى أنّ المحقّق يقول: يدخل النقص على الأب أو البنت، الخ .3
4. مرسلة أبي المعزاء عن رجل عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّ الله عزّ وجلّ أدخل الأبوين على جميع أهل الفرائض فلم ينقصهما من السدس لكلّ واحد منهما، وأدخل الزوج والزوجة على جميع أهل المواريث فلم ينقصهما من الربع والثمن».4 وفيه نفس السؤال حول الأب في الحديث السابق.

1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 12.
2 . الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 3.
3 . شرائع الإسلام: 4 / 823 ، في مقادير السهام من كتاب الفرائض، طبعة الاستقلال، طهران .
4 . الوسائل:17، الباب7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث4.

صفحه 318
وبما أنّ المراد من المرأة هي الزوجة فلابدّ من تقييد الرواية بإدخال كلالة الأُم فيها، لأنّها أيضاً لا يدخل عليها ضرر. فإذا كان هؤلاء مَن قدّمهم اللّه ولا يدخل عليهم النقص، فيكون مَن أخّره اللّه عبارة عن البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت أو الأخوات.
5. محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قلت له: ما تقول في امرأة تركت زوجها وإخوتها لأُمّها وإخوة وأخوات لأبيها؟ قال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، ولإخوتها من أُمّها الثلث سهمان الذكر والأُنثى فيه سواء، وبقي سهم للإخوة والأخوات من الأب: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)، لأنّ السهام لا تعول، ولأنّ الزوج لا ينقص من النصف، ولا الإخوة من الأُم من ثلثهم، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث». 1
6.وورد تعبير لطيف في رواية الصدوق في «عيون الأخبار»: عن الرضا(عليه السلام)في كتابه إلى المأمون وهو أنّه: «وذو السهم أحقّ ممّن لا سهم له». 2

ما الفرق بين كلالة الأب والأُم

بقي الكلام في عدّ البنت والبنات، والأُخت والأخوات من الأب، ممّن يدخل عليهم النقص دون الأُخت والأخ من الأُم، مع أنّ الطوائف الثلاث على وتيرة واحدة.
فللبنت: الثلثان والنصف، وللأُخت للأب: الثلثان والنصف، ولكلالة الأُم: الثلث والسدس. فما هو الفارق بين الطائفة الثالثة والأُوليين؟

1 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 17.
2 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 15.

صفحه 319
يتّضح الجواب ببيان أمرين:

1. كلالة الأُمّ وارثة بالفرض مطلقاً

إنّ كلالة الأُمّ واحدة كانت أو كثيرة ترث بالفرض، ودخول الأخ في كلالة الأُم، لا يخرجها عن كونها وارثة بالفرض، فالواحد منها سواء أكان ذكراً أم أُنثى له السدس، وغير الواحد، سواء أكان ذكراً أم أُنثى، أو ذكراً وأُنثى لهم الثلث يقتسمون بالمناصفة.
وهذا بخلاف الطائفتين الأُوليين فللبنت والأُخت الواحدتين النصف، ولأزيد من الواحد الثلثان، ولو انضمّ إليهما الأخ فللذكر مثل حظّ الأُنثيين في الطائفتين، أي لا يرثن بالفرض بل بالقرابة.
وعلى ذلك فكلالة الأُم مطلقاً وارثة بالفرض لا ترث إلاّ به، بخلاف البنت وأزيد، أو الأُخت وأزيد، فربّما يرثن بالقرابة وذلك فيما إذا انضمّ إليهنّ الأخ.
وبعبارة أُخرى: إنّ كلالة الأُم، ترث بالفرض مطلقاً سواء كان معهم ذكر أو لا، تفرّدت من الطبقة بالإرث أو لا، فلو لم يكن وارث سواها وكانت واحدة ترث السدس، وإن كانت غير واحدة ترث الثلث فرضاً والباقي ردّاً في كلتا الصورتين.

2. عدم ورود النقص عليهم مطلقاً

إنّ كلالة الأُم لا ينقص حظّهم في صورة من الصور عند تطوّر الأحوال وترث السدس أو الثلث في عامّة الأحوال لو لم يزد عند الردّ كما إذا انحصر الوارث بهم. وهذا بخلاف البنت والأُخت فلو دخل فيهم: الأخ، يتغيـّر

صفحه 320
الفرض من النصف أو الثلثين، إلى مجموع ما ترك بعد دفع سهام الآخرين كالوالدين في خصوص البنت، أو كلالة الأُم في خصوص الأُخت، ثم يقتسمون بالتثليث وتنقص حظوظ البنت أو البنات أو الأُخت والأخوات عن النصف والثلثين بكثير، وهذا آية جواز دخول النقص عليهم عند التزاحم.
وخلاصة الأمرين: أنّ كلالة الأُم ترث دائماً بالفرض حتى فيما إذا تفرّدت، وأمّا الطائفتان الأُوليان فإنّما ترثان بالفرض تارة كما إذا لم يكن بينهم أخ، وأُخرى بالقرابة فقط كما إذا انضمّ الأخ إليهنّ.
وأيضاً: كلالة الأُم لا يرد عليها النقص ولا ينقص حظهم عن الثلث والسدس، بخلاف الأخيرتين فينقص حظّهما عن النصف والثلثين.
ولعلّه إلى ما ذكرنا من الأمرين يشير صاحب الجواهر بقوله: دون من يتقرّب بالأُم الذي لا يرث إلاّ بالفرض، بخلاف غيره فإنّه يرث به تارة وبالقرابة أُخرى، كالبنت والبنتين، اللَّتين ينقصن إذا اجتمعن مع البنين عن النصف أو الثلثين بنصّ الآية، لأنّ للذكر حينئذ مثل حظّ الأُنثيين. 1
وقال العاملي: ويدخل النقص على البنت والبنات، لأنّهنّ إذا اجتمعن مع البنين ربّما نقصن عن العشر أو نصفه لنصّ الآية: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)، وكذا الحال في الإخوة والأخوات من قبل الأب أو من قبلهما.2
وقال المحقّق: يكون النقص داخلاً على الأب أو البنت أو البنتين، أو من يتقرّب بالأب والأُم أو بالأب من الأُخت أو الأخوات دون من يتقرّب بالأُم؟(3)

1 . جواهر الكلام : 39/ 110. وحاشية جمال الدين على الروضة البهية: 2/297 في هامش الكتاب.
2 . مفتاح الكرامة: 8/120.   3 . شرائع الإسلام :4/823 .

صفحه 321
والمحقّق يصف الأب ممّن يرد عليه النقص خلافاً لبعض الروايات. وقد مضى الكلام فيها.

ما هو عامل العول ؟

وليعلم أنّ عامل العول هو الزوج أو الزوجة إذا اجتمع أحدهما مع البنت أو البنات، أو مع الأُخت أو الأخوات من قبل الأبوين أو لأب، وإلاّ لم يلزم العول.
وعلى ذلك:
1. فلو خلّفت زوجـاً وأبوين وبنتـاً، يختصّ النقص بالبنت بعد الربع والسدسين.
2. لو خلّفت زوجاً وأحد الأبوين وبنتين، يختصّ النقص بهما بعد الربع والسدس.
3. لو خلّف زوجـة وأبويـن وبنتين، يختـصّ النقـص بهما بعد الثـمن والسدسين.
4. لو خلّفت زوجـاً مع كلالة الأُم وأُختاً أو أخوات لأب وأُم أو لأب، يدخل النقص بالأُخت أو الأخوات بعد النصف والسدس إن كانت الكلالة واحدة أو الثلث إن كانت متعدّدة.
إنّ ما ذكرناه من أنّ عامل العول هو الزوج والزوجة إنّما يتمّ على أُصولنا في الإرث، وأمّا على أُصول غيرنا فيأتي العول من غير جهة الزوج والزوجة ، كما إذا مات عن أبوين مع الأُختين، فإنّهما لا يرثان على أُصولنا مع وجود الأبوين، لأنّهما أقرب من الأُختين بخلافه على أُصول غيرنا حيث ترث

صفحه 322
الأُختين بالتعصيب، فعندئذ يلزم العول، لأنّ فرض الأُم عند عدم الولد للميّت هو الثلث، وفرض الأُختين هو الثلثان، ولا يبقى من التركة للأب شيء إذا بدأنا بالأُم والأُختين.

بقيت هنا نكات نذكرها:

1. إنّ الآثار المروّية عن ابن عباس تشهد على أنّ حبر الأُمّة كان صارماً في رأيه ببطلان العول إلى حدّ كان معه مستعدّاً للمباهلة. قال ابن قدامة: روي عن ابن عباس أنّه قال في زوج وأُخت وأُم: من شاء باهلته أنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مـال نصفـاً ونصفـاً وثلثاً، هـذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟! فسُمِّيت هذه المسألة، مسألة المباهلة لذلك.1
ومن الغريب أنّ العول أسفر عن طرح مسائل اشتهرت بألقاب خاصّة نذكر منها ما يلي:
الأكدرية: وصورتها إذا ماتت المرأة عن زوج وأُمّ وأُخت وجدّ، فللزوج النصف و للأُمّ الثلث وللأُخت النصف وللجد السدس، وتسمّى هذه المسألة الأكدريّة، قيل لأنّ رجلاً اسمه الأكدر سأل عبد الملك بن مروان عنها، وقد اختلفت فتاوى فقهاء السّنة بل التابعين في المسألة، والمسألة من فروع العول حتّى ولو لم نقل إنّ للجدّ سهماً في المقام; لأنّ للزوج النصف وللأُخت النصف وللأُمّ الثلث فلا تتسع التركة لهذه الفروض، فكيف إذا قلنا بوجوب السدس للجد؟ والمسألة من مقولة العول على أُصولهم وليست كذلك على

1 . المغني: 7/69، ونقله عن ابن عباس أكثر من تعرّض للمسألة.

صفحه 323
أُصولنا ; لأنّ الأُخت لا ترث مع وجود الأُمّ خلافاً لهم حيث إنّ الأُخت للأب من مقولة العصبة ترث معها أيضاً.
المروانية: وصورتها ست أخوات متفرّقات وزوج، للزوج النصف وللأُختين لأبوين الثلثان و للأُختين لأُم الثلث، سمّيت المروانيّة لوقوعها في فرض مروان بن الحكم.
وقد ذكرت ألقاب أُخرى لبعض المسائل في الموسوعة الفقهية الكويتية.1 وإن كان بعض هذه الصور خارجاً عن مسألة العول كما مرّ.
2. قد عرفت أنّ القول بالعول لا يصمد أمام الأدلّة الدالّة على خلافه، والذي يصدّ الفقهاء الأربعة والتابعين عن العدول عن العول هو إفتاء عمر بن الخطاب بالعول، و قد عرفت أنّ الرجل كان مهاباً لا يجرأ أحد على مخالفته، ولم يكن الخليفة ملمّـاً بأحكام الفرائض، و لذلك كان يفتي بحكم في واقعة يخالفها في واقعة أُخرى.
أخرج البيهقي في سننه عن عبيدة أنّه قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجدّ مائة قضية كلّها ينقض بعضها بعضاً.2
ولا بأس بنقل ما قضى به في مسألة سمّيت بالحمّارية.
روى البيهقي بسنده عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدتُ عمرَ بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأُم مع الإخوة من الأُم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا، قال: كيف قضيت؟

1 . لاحظ : الموسوعة الفقهية الكويتية: 3 / 75 ـ 80 .
2 . السنن الكبرى:6/245.

صفحه 324
قال: جعلته للإخوة من الأُم و لم تجعل للإخوة من الأب و الأُم شيئاً، قال: تلك على ما قضينا و هذا على ما قضينا.1
وفي رواية السرخسي أنّ الإخوة لأب وأُم سألوا عمر عن هذه المسألة، فأفتى بنفي التشريك كما كان يقوله أوّلاً، فقالوا: هب أنّ أبانا كان حماراً، ألسنا من أُمّ واحدة؟ فقال عمر: صدقتم ورجع إلى القول بالتشريك.2
ومن أجل ذلك سمّيت هذه المسألة بالحمّارية.
3. أنّ فقيه المدينة: الزهري، كان يستحسن فتوى ابن عباس ويقول: إنّها الحجّة لولا أنّه تقدّم عليه عمر بن الخطاب.
روى الشيخ في «الخلاف» عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وزفر بن أوس البصري أنّهما سألا ابن عباس: من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت به عليه؟ قال: هبته وكان امرؤاً مهيباً، قال الزهري: لولا أنّه تقدّم ابن عباس، إمام عدل وحكم به وأمضاه وتابعه الناس على ذلك، لما اختلف على ابن عباس اثنان. 3
4. أطنب موسى جار اللّه الكلام في مسألة «العول» إلى حدّ مملّ جدّاً وأخذ يجترّ كلاماً واحداً، وحصيلة كلامه: يغلب على ظنّي أنّ القول بأنّ لا عول عند الشيعة، قول ظاهري، فإنّ العول هو النقص، فإن كان النقص في جميع السهام بنسبة متناسبة، فهو العول العادل أخذت به الأُمّة وقد حافظت على نصوص الكتاب، وإن كان النقص في سهم المؤخّر، فهو العول الجائر

1 . السنن الكبرى:6/255. قوله: «عام أوّل» لو صحت النسخة فهو بمعنى السنة الأُولى من خلافته.
2 . المبسوط:29/154ـ 155.
3 . الخلاف: 4 / 74 ـ 75، المسألة 81 وغيرها.

صفحه 325
أخذت به الشيعة وخالفت به نصوص الكتاب. 1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المعنى المناسب للعول في المقام هو الارتفاع أو الميل إلى الجور، وتفسيره بالنقص و إن كان صحيحاً ـ كما مرّ في صدر المسألة ـ لكن الأنسب في المقام هو الزيادة، لظهور ارتفاع الفرائض عن سهام التركة، وارتفاعها وإن كان ملازماً لنقص التركة عن الإجابة لجميع الفروض، لكن ينظر إلى المسألة من زاوية ارتفاع الفرائض دون نقصان سهام التركة، ولأجل ذلك يقول ابن عباس: «وأيم اللّه لو قدّموا مَن قدّم اللّه، وأخّروا مَن أخّر اللّه ما عالت فريضة» ومن المعلوم عدم صحّة تفسيره بـ «وما نقصت الفريضة».
وثانياً: سلّمنا أنّ العول بمعنى النقص لكن رمي الشيعة بأنّهم يقولون به حيث إنّهم يوردون النقص على المؤخّر، غفلة عن نظرهم، فإنّ النقص إنّما يتصوّر إذا كان المؤخّر ذا فرض، ولكنّه عندهم ليس بذي فرض، بل يرث بالقرابة كسائر من يرثون بها، وعندئذ لا يصدق النقص أبداً في هذه الحالة.
يشهد بذلك كلام ابن عباس حيث يفسّر المقدّم بأنّه مَن له فرضان، والمؤخّر بأنّه مَن ليس له إلاّ فرض واحد، حيث قال في جواب «زفر» الذي سأله عمّن قدّمه ومَن أخّره؟ فقال: والذي أهبطه مِن فرض إلى فرض فذلك الذي قدّمه، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقي، فذلك الذي أخّره اللّه.2
وبعبارة أُخرى: إنّ الذي أخّره اللّه لم يجعل له حقّاً مفروضاً في حالة التزاحم والاجتماع فيرث ما بقي، وليس هو بذي فرض في هذا الفرض لكونه

1 . الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، وقد نقلنا كلامه مجرّداً عن الطعن بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
2 . لاحظ : الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6.

صفحه 326
وارثاً بالقرابة. وبذلك تبيّـن أنّه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء.
وثالثاً: ما ذكره من أنّ السنّة حافظت على نصوص الكتاب ولكن الشيعة بإدخال النقص على المؤخّر خالفت نصوصه، من أعاجيب الكلام، فإذا كان في دخول النقص على المؤخّر (على وجه المسامحة) مخالفة لظاهر الكتاب، ففي دخوله على الجميع مخالفة مضاعفة، فقد عرفت في ما سبق أنّ من فرض اللّه له النصف أعطوه أقلّ منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقلّ منهما. فكيف لا يكون فيه مخالفة.1
***
تمّت قاعدة
لا عول في الإرث
أو
حكم الفرائض إذا عالت

1 . وقد كفانا في نقد ما اختلقه من الشبهات أو أخذها ممّن تقدّم عليه العلمان الجليلان: السيد عبد الحسين العاملي في كتابه «أجوبة موسى جار اللّه»، والسيد محسن العاملي في «نقض الوشيعة» ـ قدّس اللّه سريهما ـ .

صفحه 327
قاعدة لا عول في الإرث أو حكم الفرائض إذا عالت   
القواعد الفقهية
      85
دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل   
قاعدة

دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل

أقوال الفقهاء في القاعدة
كلام للشيخ القرضاوي
اتّفاق الفقهاء على النصف
تضافر السنّة على النصف
التنصيف في دية الأعضاء
ما هي المصلحة في تنصيف الدية؟
اتّفق الفقهاء على أنّ دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل، ومن له إلمام بالفقه يعرف ذلك. قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: دية المرأة نصف دية الرجل. وبه قال جميع الفقهاء، وقال ابن عُليّة والأصمّ: هما سواء في الدية. ثم استدل بما روى عمرو بن حزم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«دية المرأة على النصف من دية الرجل» وروى معاذ نحو هذا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو إجماع الأُمّة، وروي ذلك عن علي(عليه السلام) وعن عمر وزيد بن ثابت ولا مخالف لهم.1

1 . الخلاف:5/254، المسألة 63.

صفحه 328
وقال المحقّق: ودية المرأة على النصف من جميع الأجناس.1
إلى غير ذلك من الكلمات الموحّدة، ويدلّ على تنصيف الدية روايات عديدة نذكر اثنتين منها.
1. ما رواه عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال:«دية المرأة نصف دية الرجل».2
2. ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: في رجل قتل امرأته متعمداً، فقال:«إن شاء أهلها أن يقتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية، خمسة آلاف درهم».3
هذا كلّه حول دية النفس، وأمّا دية الأعضاء فسيوافيك الكلام فيها.

كلام للشيخ القرضاوي

والذي دعانا إلى عنوان هذه القاعدة ـ مع أنّها من مسلّمات الفقه عند الفريقين ـ ما نُشر في مجلة الشريعة الغرّاء، العدد 495 (آذار/2007م، صفر 1428هـ)، ووجدنا فيها فتوى للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي تتضمّن القول بأنّ دية المرأة تساوي دية الرجل، وأنّ حكم دية المرأة على النصف من دية الرجل لا يسنده نصّ صريح من القرآن الكريم ولا من السنّة المطهّرة كما لا يؤيّده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة. وأنّ رأيه في مساواة الديتين تعضده آراء علماء سابقين، منهم: صاحب المنار، والشيخ محمود شلتوت،

1 . شرائع الإسلام:4/246.
2 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 329
والشيخ أبو زهرة، والشيخ محمد الغزالي.
ثمّ إنّه اعتذر عن فتوى العلماء في القرون السابقة بالنصف بأنّ قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية كان من الندرة، فلم تعد مشكلة حول الموضوع حتّى تستدعي اجتهاداً جديداً من العلماء.
أقول: نحن نقدّر الاجتهاد الحرّ الخارج عن إطار المذاهب المعيّنة، فإنّ الاجتهاد رمز خلود الإسلام واستمرار شريعته. ولكن نؤكّد على لزوم اعتماد الاجتهاد الحر على الكتاب والسنّة المطهّرة والإجماع وسائر الأُصول المعتبرة وعدم الخروج عن مقتضاها قدر شعرة.
هذا وقد عادت دراسة دية الحرة المسلّمة إلى الساحة لأجل أنّ طابع العصر الحاضر هو طابع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ كنّ مهضومات الحقوق في الأدوار السابقة. فقامت مؤسسات وتشكّلت جمعيات لإحياء حقوقهن، وإخراجهنّ من زي الرقيّة للرجال، إلى الاستقلال والحرّية، وربّما يتصوّر أنّ في القول بأنّ ديتها نصف دية الرجل، هضماً لحقوقهنّ وإضعافاً لهنّ.
ومع ذلك كلّه ففي المسألة دليل قاطع من السنّة المطهّرة وإجماع المسلمين على النصف.

اتّفاق الفقهاء على النصف

أمّا الإجماع فقد اتّفقت كلمات الفقهاء على النصف عبر أربعة عشر قرناً، ولم يخالفهم إلاّ رجلين لا اعتبار لخلافهما. وقد تقدّم كلام الشيخ الطوسي في «الخلاف» مضافاً إلى روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

صفحه 330
قال ابن قدامة في شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل
العلم على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن
عُليَّة والأصم أنّهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ في كتاب عمرو بن حزم:«دية المرأة على النصف من دية الرجل»، وهي أخصّ ممّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسِّراً لما ذكروه، ومخصصاً له.
ودية نساء كلّ أهل دين، على النصف من دية رجالهم على ما قدّمنا في موضعه.1
وقال القرطبي(المتوفّى 595هـ): اتّفقوا على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل في النفس.2
وقال شمس الدين السرخسي(المتوفّى 495هـ): بلغنا عن عليّ(عليه السلام) أنّه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه نأخذ.3
ومن رجع إلى الكتب الفقهية يجد نظير هذه الكلمات فلا حاجة إلى نقل كلماتهم. والذي نلفت إليه نظر الأُستاذ أنّه لم يخالف ذلك القول في العصور الماضية إلاّ رجلان:
أحدهما: ابن عُليّة: وهو إسماعيل بن إبراهيم المصري(110ـ 193هـ)

1 . المغني:9/531ـ532.
2 . بداية المجتهد: 2/ 348 .
3 . المبسوط:26/79.

صفحه 331
الّذي كان مقيماً في بغداد وولي المظالم فيها في آخر خلافة الرشيد، وكفى في سقوط رأيه أنّه سيّئ الأخلاق والسلوك.
وكتب له عبد الله بن مبارك أبيات مستهلها:
يا جاعل الدين له بازياً *** يصطاد أموال المساكين1
ثانيهما: أبو بكر الأصمّ عبد الرحمن بن كيسان المعتزلي صاحب «المقالات» في الأُصول، والمعتزلة يعتمدون على العقل أكثر ممّا يعتمدون على النقل، ولذلك لا يطلق عليهم أهل السنّة في مصطلح أهل الحديث والأشاعرة.
وأي إجماع أعظم وأتقن من اتّفاق الفقهاء على حكم مضى عليه
قرون متمادية لم ينبس2 فيها أحد ببنت شفة إلاّ رجلان قد علمت
حالهما، والعجب أنّ الدكتور في صدر كلامه يقول: «لا يؤّيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة». ونقرأ في آخر الخبر أنّ المعلّق قد كتب: أنّ رأي الدكتور القرضاوي هذا يأتي مخالفاً لآراء الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة، والمذهب الظاهري والزيدي والمذهب الجعفري والمذهب الاباضي.
ولعلّه حاول بذلك إعطاء أهمية لهذا البحث.
هذا ما يمكن ذكره عن الإجماع، وأمّا السنّة فنذكر ما روى من طريقهم.

1 . طبقات الفقهاء:2/61. بازيا، هو المفعول الثاني لقوله: «يا جاعل»، والبازي طير من الجوارح يُصاد به، وهو أنواع كثيرة.
2 . ينبس: يتكلم.

صفحه 332

تضافر السنّة على النصف

1. أخرج البيهقي بسندين في أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دية المرأة على النصف من دية الرجل».1
2. أخرج البيهقي بسنده عن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على
أنّ دية المسلم الحرّ على عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مائة من الإبل، فقوّم عمر بن
الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم،
ودية الحرّة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الّذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذ أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يُكلّف الأعرابي الذهب ولا الورق.2
3. أخرج البيهقي عن حمّاد عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال: عقل المرأة على النصف من دية عقل الرجل في النفس وفيما دونها.3والمراد بإبراهيم، هو إبراهيم النخعي(المتوفّى 93هـ) وهو لم يدرك عليّ بن أبي طالب، والسند منقطع.

التنصيف في دية الأعضاء

هذا في دية النفس، وهكذا الكلام في دية الأعضاء والجراحات، إذ اتّفق الفقهاء على أنّ دية المرأة تساوي دية الرجل في الأُروش المقدّرة إلى حدّ

1 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 95.
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 8/ 95 .
3 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 96 .

صفحه 333
خاص، فإذا انتهت إليه فعلى النصف، وهذه الضابطة أمر متّفق عليه، غير أنّ الاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته الدية، تكون على النصف، والضابطة نفسها تؤيد الكبرى الكلّية في أنّ دية المرأة، نصف دية الرجل.
والمشهور أنّ المرأة تعاقل الرجل في دية الأعضاء والجراحات إلى ثلث الدّية، فإذا تجاوزت الثلث رجعت إلى النصف. وننقل بعض ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ثم نعرّج إلى ذكر ما روي في كتب أهل السنة.
1. روى الكليني بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):
ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من
الإبل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تعاقل (تقابل) الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان أنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
2. روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها».
3. وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت:

1 . الوسائل:19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

صفحه 334
ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟! قال: هكذا السنّة.
قوله: «هكذا السنّة» دالّ على أنّه أراد سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإجماع الصحابة والتابعين.1
5. وقد أخرج البيهقي بسند متّصل إلى زيد بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، وما زاد فعلى النصف.2
4. أخرج النسائي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديتها».3

ما هي المصلحة في تنصيف الدّية؟

يقول الشيخ القرضاوي من أنّ التنصيف لا تؤيّده مصلحة.
ولعلّه عَنى أنّ التفريق بين الديتين تفريق بلا سبب ولا مصلحة.
ولكن هناك مصلحة نشير إليها وهي:
أنّه لا شكّ في أنّ المرأة المسلمة كالرجل المسلم من حيث دورها وأهميّتها في المجتمع، وليس لاختلاف الدية دليلاً على نقصان في كرامتها، وإنّما شرّعت الدية لسدّ الضرر المالي الوارد على الأُسرة بسبب قتل النفس، ومن المعلوم أنّ الضرر المالي والخلل الاقتصادي الّذي يصيب العائلة بفقد

1 . الخلاف: 5 / 254 ـ 256، المسألة 64.
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 8/97، ولاحظ بقية الروايات في نفس المصدر.
3 . سنن النسائي: 8/45، باب عقل المرأة ; سنن الدارقطني: 3 / 73 برقم 3105; التاج الجامع للأُصول: 3 / 11 ; بلوغ المرام برقم 1212 .

صفحه 335
الرجل أكثر منه في حالة فقدان المرأة.
ولذلك أصبحت دية المرأة نصف دية الرجل. كلّ ذلك حسب طبيعة المجتمع الإسلامي الّذي حمّل الرجل مسؤولية إدارة الأُسرة والقيمومة.
وهناك شبهات وشكوك حول التنصيف تركنا التعرّض لها روماً للاختصار.
***
تمّت قاعدة
دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل

صفحه 336
دية الذمّيّ ثمانمائة درهم   
القواعد الفقهية
      86
قاعدة

دية الذمّيّ ثمانمائة درهم

أقوال الفقهاء في القاعدة
الروايات الدالّة على القاعدة
المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم
ما يخص المجوس بالمساواة بهما
العدول عن ثمانمائة لمصلحة
قتل المسلم بكافر مع رد فاضل الديتين
مقتضى الأصل العملي في المسألة
ديته دية المسلم
ديته أربعة آلاف درهم
تفصيل للصدوق
أقوال الفقهاء السنّة في القاعدة
دليل القول بالمساواة
دليل القول بالنصف
دليل القول بالثلث
دليل القول بالتفصيل

صفحه 337
اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ دية الحرّ الذمي هي ثمانمائة، ودية الحرّة الذمّيّة نصفها. وهناك أقوال أُخرى في المسألة سنذكرها لاحقاً. وإليك التفصيل.

1

دية الذمّي ثمانمائة درهم

ولنذكر كلمات الفقهاء قبل الروايات:
1. قال المفيد: وديات أعضاء أهل الذمّة بحساب ديات أنفسهم، وهي ثمانمائة درهم للرجال منهم، وأربعمائة للنساء.1
2. قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ دية أهل الكتاب والمجوس، الذكر منهم ثمانمائة درهم والأُنثى أربعمائة درهم.2
3. قال الشيخ: دية اليهودي والنصراني مثل دية المجوسي ثمانمائة درهم.3
4. وقال أيضاً: ودية الذمّي ثمانمائة درهم جياداً، أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم.4
5. قال أبو الصلاح: ودية الحرّ الذمّيّ، ثمانمائة درهم وضحاً، ودية الحرة الذمية نصف دية الحرّ الذمّي.(5)

1 . المقنعة:765.
2 . الانتصار:545، المسألة 306، كتاب الحدود والقصاص والديات.
3 . الخلاف:5/263، المسألة 77.
4 . النهاية:749.   5 . الكافي في الفقه: 391.

صفحه 338
6. قال سلاّر: دية الذمّيّ إن كان رجلاً ثمانمائة درهم، وإن كانت امرأة أربعمائة درهم.1
7. قال ابن البرّاج: ودية الكافر ثمانمائة درهم.2
8. قال ابن زهرة: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم بدليل إجماع الطائفة.3
9. قال الكيدري: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم.4
10. قال ابن إدريس: ودية الرجل الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من الذهب، ودية نسائهم على النصف من دية ذكرانهم، ودية المجوسي ودية الذمّي سواء، لأنّ حكمهم، حكم اليهود والنصارى.5
11. قال المحقّق: ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية نسائهم على النصف.6
12. وقال أيضاً: وفي دية الذمّيّ روايات، والمشهور ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.7

1 . المراسم: 238.
2 . المهذب:2/486.
3 . غنية النزوع:2/414.
4 . إصباح الشيعة:500.
5 . السرائر:3/352.
6 . شرائع الإسلام:4/1018، كتاب الديات، في أقسام القتل.
7 . المختصر النافع: 295.

صفحه 339
13. قال ابن سعيد الحلّي: ودية الحرّ الذمّيّ ثمانون ديناراً والذمّيّة نصفها.1 وثمانون ديناراً يعادل ثمانمائة درهم تقريباً.
14. قال العلاّمة الحلّي: وأمّا الذمّي الحرّ فديته ثمانمائة درهم، سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً.... ودية المرأة الحرّة منهم: أربعمائة درهم.2
15. وقال أيضاً: دية الذمّي من اليهود والنصارى والمجوس ثمانمائة درهم.... ودية نسائهم على النصف.3
إلى غير ذلك من كلمات علمائنا المتماثلة في اللفظ والمعنى إلى العصر الحاضر.
وقال أخيرهم لا آخرهم الإمام الخميني(قدس سره): دية الذمّي الحرّ ثمانمائة درهم، يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم نصف دية الرجل.4
ويدلّ على هذا القول الروايات المتضافرة الّتي تناهز العشر أو تزيد عليها، وهي بين صحاح وحسان وهي على طوائف:

1 . الجامع للشرائع:589.
2 . قواعد الأحكام: 3 /668.
3 . تحرير الأحكام: 5/568، المسألة 7222 .
4 . تحرير الوسيلة: 2 / 559، المسألة 30 .

صفحه 340
 
الطائفة الأُولى:

دية الذمّي ثمانمائة درهم

قد وردت روايات تدلّ على أنّ دية الذمّي، أو دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم، دلالة مطابقية أو التزامية، نظير:
1. صحيحة أو حسنة ابن مسكان، عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّه قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم».1
2. موثّقة سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): كم دية الذمّي؟ قال: «ثمانمائة درهم».2
3. صحيحة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دية النصراني واليهودي والمجوسي؟ فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم، ثمانمائة درهم».3
4. معتبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن دية اليهود والنصارى والمجوس؟ قال:«هم سواء ثمانمائة درهم».4
وفي صدر السند إسماعيل بن مهران، وطريق الفقيه إليه صحيح، وفي

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث9.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث5.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث8.

صفحه 341
أثنائه درست بن أبي منصور، وهو ممّن يروي عنه ابن أبي عمير والبزنطي بطريق صحيح، ولذلك قلنا:«معتبر أبي بصير».
5. خبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال:«دية الذمّي ثمانمائة درهم».1
وإنّما وصفناه بالخبر، لتردّد محمد بن قيس بين الثقة والممدوح والمهمل الضعيف. والثقة منهم، هو محمد بن قيس البجلي، ويميّز عن غيره برواية عاصم بن حُميد عنه.
6. صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل فقأ عين نصراني؟ قال:«إنّ دية عين النصراني أربعمائة درهم».2 وهو يدلّ بالملازمة على أنّ دية النفس هو ثمانمائة، لأنّ في العينين دية كاملة.
7. خبر علي بن جعفر عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي كم هي؟ سواء؟ قال:«ثمانمائة، ثمانمائة كلّ رجل منهم».3 ويدلّ بالمفهوم على أنّ دية الأُنثى منهم، تنقص منه.
8. وفي «دعائم الإسلام» عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال:«إذا قتل المسلم اليهودي، أو النصراني، أُدِّب أدباً بليغاً، وغرم ديته، وهي ثمانمائة درهم».4
9. فقه الرضا:«ودية الذمّي الرجل ثمانمائة درهم، والمرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم».5

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث4.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث6.
4 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
5 . مستدرك الوسائل:18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 342
 
الطائفة الثانية:

المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم

يستفاد من بعض الروايات أنّ المرتكز لدى الصحابة في دية اليهودي والنصراني هو ثمانمائة درهم، وكان الشكّ عالقاً بدية المجوسي، نظير:
10. صحيح سماعة بن مهران عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «بعث النبي خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم، ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال:«إنّهم أهل الكتاب».1
رواه الشيخ عن ابن أبي عمير وسنده إلى كتبه في «الفهرست» صحيح.
وربّما تضعّف الرواية بأنّ التاريخ لم يسجّل بعث خالد بن الوليد إلى البحرين بينما بعث إلى أماكن أُخرى، والإشكال مبني على تصوّر أنّ المراد من البحرين ما هو المتبادر في عصرنا هذا، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث إنّ المتبادر من «البحرين» في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، غير المتبادر منه في الأعصار المتأخرة، فإنّه في عصرنا عبارة عن الجزيرة الخاصة التي يحيطها

1 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث7 ; وفي تهذيب الأحكام: 10 / 186: «انّهم أهل كتاب».

صفحه 343
الماء من كلّ جانب، وقد اعترفت إيران باستقلالها، كما اعترفت الأُمم المتحدة به، ولكنّه في عصر الرسول، كان يطلق على منطقة وسيعة. يقول ياقوت الحموي: وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان ـ إلى أن قال: ـ البحرين من أعمال العراق وحدّه من عمان ناحية جُرّفار، واليمامة على جبالها، وربّما ضُمّت اليمامة إلى المدينة وربّما أُفردت. هذا كان أيّام بني أُميّة ولمّا ولي بنو العباس صيّروا عمان والبحرين واليمامة عملاً واحداً.1
وقد أمدّنا الجغرافيّ الهمدانيّ بمعلومات قيّمة عن البحرين، فتحدث عن المدن والقرى ومن يسكنها من القبائل، فمن ذلك قوله: مدينة البحرين العظمى هجر، وهي سوق بني محارب من عبد القيس، ومنازلها ما دار بها من قرى البحرين، فالقطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وسكانها جذيمة من عبد القيس سيدهم ابن مِسْمار ورهطه، ثمّ العُقير من دونه وهو ساحل وقرية دون القطيف من العَطف، وبه نخل، ويسكنه العرب من بني محارب، ثمّ السِّيف سِيْفُ البحر، وهو من أوال، على يوم، وأوال جزيرة في وسط البحر مسيرة يوم ، وفيها جميع الحيوان كلّه إلاّ السّباع، ثمّ السَّتار وتعرف بستار البحرين، وهي منازل بني تميم فيه متصلة البيضاء وكان بها نخل وسكن، والفطح وهو طريق بين الستار والبحر إلى البصرة، ومن المياه المتصلات معقلات ثمّ خمس ثم معقلا طويلع وهو عن يمين سنام ثم كاظمة البحور... فالإحساء منازل ودور لبني تميم، ثمّ لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب، وعن يمين البحرين ودونها يبرين، والخِنّ، موضع فيه نخل كثير لبني وَدَعة، ويبرين

1 . معجم البلدان: 1/346، مادة «بحرين».

صفحه 344
نخل وحصون وعيون جارية وغير جارية وسِبَاخ، والبحرين إنّما سمّيت البحرين من أجل نهرها مُحلِّم ولنهر «عين الجريب».1
وقد بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى «بني جذيمة» بن عامر بن عبد مناة من كنانة.2 ولعلّه أصاب في سفره هذا بما أصاب، وقد عرفت ما في كلام الهمداني من أنّ القطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وساكنها«جذيمة من عبد القيس».

الطائفة الثالثة:

ما يخصّ المجوس بالمساواة بهما

وقد وردت روايات تحكي عن أنّ السائل أو عامّة الناس كانوا يعرفون مقدار دية اليهودي والنصراني، ولكن كانوا في شكّ في دية المجوسي، وأنّها هل تساوي دية الطائفتين أو لا؟ نظير:
11. صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء؟ فقال:«نعم، قال الحق».3 والمراد بإبراهيم هو إبراهيم الكرخي من فقهاء السنّة.
12. موثّق زرارة قال: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال:«هم من أهل الكتاب ومجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات».4

1 . صفة جزيرة العرب:279ـ 281.
2 . السيرة النبوية: 4/ 882 ، باب مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة.
3 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث1.
4 . الوسائل:19، الباب13 من أبواب ديات النفس، الحديث11.

صفحه 345
والحديثان بصدد بيان التسوية، وأمّا ما هو مقدار الدية، فلا يدلاّن على شيء منه، فيحتمل أن تكون ديتهم دية المسلم، أو ثمانمائة، أو أربعة آلاف درهم.
ومع ذلك لا يخلو من إشعار لما هو المشهور، إذ لو كان المراد هو مماثلة ديتهم مع دية المسلم لقال ديتهم كدية المسلم، ويؤيد ما ذكر، صحيحا ابن مسكان وليث المرادي الماضيان (الحديث الأوّل والثالث) فإنّ التعبير في الأحاديث الثلاثة واحد، وقد جاء التصريح بمقدار الدية في الصحيحين الماضين فلاحظ.

الطائفة الرابعة:

في أنّ العدول عن ثمانمائة لمصلحة

وقد وردت رواية تعرب عن كون ثمانمائة هو الحكم الشرعي، غير أنّ الإمام يحكم بتغريمه بأكثر منها لصيانة دماء الأبرياء من أهل الذمة، نظير:
13. موثّقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال:«هذا شيء شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّي، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها».1

1 . الوسائل:19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 346
والحديث يدلّ على وجود التفاوت بين الديتين، أعني: قوله:«فليعط أهله، دية المسلم»، كما أنّ قوله: «ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم» يدلّ على أنّ الحكم الأوّلي والمسلّم بين المسلمين في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده في دية الذمّي هو ثمانمائة، وإنّما عدل الإمام عنه إلى كونها دية المسلم، لمصلحة ملزمة وقد أشار إليها بقوله:«حتى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّي». ويكون الحكم عندئذ أشبه بالحكم الولائي لدَرء المفسدة لا حكماً شرعياً كليّاً وإن فقد ملاكه.
وسيوافيك فقه الحديث عند الكلام في أدلّة القائلين بالمساواة.

الطائفة الخامسة:

قتل المسلم بكافر مع ردّ فاضل الديتين

استفاضت الروايات على جواز قتل المسلم بكافر إذا ردّ فضل دية المسلم، وهي تنفي المماثلة بين الديتين وتثبت وجود التفاوت بين الديتين، وإن لم يعيّن مقدارها، وبالتالي تصلح لردّ القول بالمساواة:
14. روى الكليني بسند صحيح فيه محمد بن عيسى العبيدي ـ وهو أيضاً ثقة على المشهور ـ عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه».1
15. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل قتل رجلاً من أهل

1 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث2.

صفحه 347
الذمّة؟ فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ثمّ يقتل به المسلم».1
وإنّما تصلح للاستدلال إذا أُريد ردّ فضل ما بين الديتين. وأمّا إذا أُريد دفع نفس دية المسلم فلا، ولذلك يأتي ذكر الرواية عند ذكر أدلّة القول الثاني.
16. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين».2
17. صحيح أبي بصير قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم؟ قال: «تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خُيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك».3
ولمّا كانت هذه الروايات معارضة لما دلّ على أنّ المسلم لا يقاد بكافر4 ، صار فقهاء الإمامية أمام هذه الروايات على طوائف:
أ. منهم من ردّ العمل بها كابن إدريس حيث قال بأنّه لا يجوز قتل المسلم به مطلقاً، سواء أكان معتاداً لقتل أهل الذمّة أو لا.5
ب. منهم مَن عمل بها على وجه الإطلاق ولم يشترط شيئاً (الاعتياد) كالصدوق في «المقنع» قال: وإذا قطع المسلم يد المعاهد، خُيّر أولياء المعاهد،

1 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث3 .
2 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 4.
3 . الوسائل: 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
4 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 وغيره.
5 . لاحظ : السرائر: 3/352.

صفحه 348
فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صُنع كذلك.1
ج. ومنهم من حملها على المتعوّد لقتل الذميّ، كالشيخ في «النهاية» قال: إذا قتل المسلم ذمّيّاً عمداً، وجب عليه ديته ولا يجب عليه القود، إلاّ أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود كان على الإمام أن يقيده به بعد أن يأخذ من أولياء الذمّي ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يردّوا أو لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال.2
ويدلّ على مختار الشيخ ما رواه إسماعيل بن الفضل عن الصادق(عليه السلام)قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يُقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».3
وعلى كلّ تقدير فالروايات صالحة لردّ القول بالمساواة وإن لم تُقدِّر مقدار الدية.
وهذه الروايات المتضافرة مع الإجماع بين المتقدّمين والشهرة من المتأخّرين تُشرف الفقيه على القطع بأنّ دية الذمّي لا تتجاوز عن ثمانمائة، ولأجل إيقاف القارئ على موقف المتأخّرين من الحكم المجمع عليه بين

1 . المقنع: 534.
2 . النهاية:749.
3 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 .

صفحه 349
المتقدّمين، نذكر شيئاً من آرائهم.

موقف المتأخّرين من الحكم المشهور

قد عرفت أنّ الرأي السائد بين القدماء إلى عصر العلاّمة هو أنّ دية الذمّي ثمانمائة درهم، ويعلم ممّا ذكره الفقيه المتتبع السيّد العاملي اتّفاق المتأخّرين عليه أيضاً.
قال في «مفتاح الكرامة» بعد قول العلاّمة«فديته ثمانمائة درهم»: إجماعاً كما في «الانتصار» و«الخلاف» و«الغنية» و«كنز العرفان»، وهو المشهور رواية وفتوى كما في «كشف اللثام» وأشهر فيهما كما في «الروضة»، والمشهور في عمل الأصحاب كما في «المقتصر»، والمشهور كما في «النافع» و «كشف الرموز» و «المهذب البارع» و«التنقيح» و «ملاذ الأخيار»، وعليه عامّة أصحابنا إلاّ النادر كما في «الرياض».
والأخبار بذلك متضافرة وهي سبعة أخبار أو أكثر وفيها الصحيح والمعتبر، معتضدة بالأصل، والشهرات، والإجماعات، ومخالفة العامة لأنّهم أطبقوا في دية اليهودي والنصراني على خلافنا، واختلفوا على أربعة أقوال: فمن قائل: إنّ ديته ثلث دية المسلم، وقائل: بأنّـها نصفها، وقائل: بأنّها دية المسلم، وقائل: إن كان عمداً فديته وإن كان خطأ فنصف ديته.(نعم) وافقنا في المجوسي مالك والشافعي.1

1 . مفتاح الكرامة:10/368، الطبعة الحجرية، وقد عرفت أنّ عدد الروايات يُناهز العشر أو يتجاوزها. وسيأتي الكلام حول أقوال فقهاء السنة في المقام، فانتظر.

صفحه 350

مقتضى الأصل العملي في المسألة

إنّ مقتضى الأصل العملي في المسألة هو البراءة من الزائد على ثمانمائة، لأنّه من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليّين.
فإن قلت: إنّ المقام من قبيل الشكّ في المحصِّل، لأنّه يعلم باشتغال ذمّته بالدية ويشكّ في أنّ محقّق الدية هل هو الأقل أو الأكثر؟
قلت: إنّ عنوان الدية كالعنوان المشير إلى ما اشتغلت به ذمّته وليست لها أصالة وموضوعية، والأصل إنّما هو اشتغال الذمّة بما هو مردّد بين الأقل والأكثر.
هذا نظير ما إذا علم أنّه مديون لزيد وقد سجّله في «مذكرة» لكنّه فقدها فإنّه لا يُلزم إلاّ بالأقل لا بالأكثر، بتوهّم أنّ ذمّته مشغولة بما في «المذكرة»، ولا يحصل اليقين بأداء ما فيها إلاّ بالعمل بالأكثر.
***
 
2

ديته دية المسلم

ورد في بعض الروايات أنّ ديته كدية المسلم، ولم نعثر على قائل به من عصر الشيخ إلى عصرنا الحاضر، ونسبه المحقّق في «الشرائع» إلى بعض الروايات وقال:
وفي بعض الروايات: دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم.

صفحه 351
وفي بعضها: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف. والشيخ(رحمه الله)نزّلهما على من يعتاد قتلهم، فيغلِّظ الإمام الدية بما يراه عن ذلك حسماً للجرأة.1
وظاهر ذلك أنّه لم يجد قائلاً به ونسبه إلى بعض الروايات.
ومثله العلاّمة في «التحرير» قال: وفي رواية: ] ديته [ دية المسلم، وفي أُخرى: أربعة آلاف درهم، وحملها الشيخ على من يعتاد بقتلهم، فيغلّظ الإمام بما يراه حسماً للجرأة عليهم.2
وربّما يتصوّر أنّه نفس خيرة الصدوق في «الفقيه»، وسيوافيك أنّ مختاره في «الفقيه» غير هذا.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ عليه:
1. صحيحة أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي، دية المسلم».3
والشيخ أخذ الرواية من كتاب إسماعيل بن مهران ولم يذكر سنده إلى الكتاب في المشيخة، وطريقه إليه في «الفهرست» ضعيف; ولكن نقلها في «الفقيه»4، وسند الصدوق إليه صحيح، إذ في سنده إليه محمد بن موسى المتوكل، وعلي بن الحسين السعد آبادي، وقد ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقة الأوّل، والثاني مؤدِّب أبي غالب الزراري ومعلمه، ولذلك قال الأردبيلي: والرواية بين حسنة في النهاية على ما قال العلاّمة وابن داود،

1 . شرائع الإسلام: 4 / 247، كتاب الديات، في أقسام القتل.
2 . تحرير الأحكام: 5 / 565، المسألة 7222 .
3 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
4 . الفقيه:4/122، برقم 5254.

صفحه 352
وصحيحة على ما رأيته في الفقيه.1
2. صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«من أعطاه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ذمّة فديته كاملة». قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«وهؤلاء من أعطاهم ذمّة».2
وفي نسخة «الاستبصار»: ممّن أعطاهم.3
وجه الدلالة: أنّ زرارة تلقّى قوله: «من أعطاه رسول اللّه ذمّة فديته كاملة» قضيّة خارجية تختصّ بمن أعطاه شخص الرسول تلك الذمّة، ولذلك عاد وسأله عن المتواجدين في عصره من اليهود والنصارى والمجوس، فأجاب الإمام بأنّهم أيضاً ممّن أعطاه الرسول ذمّة، لأنّه إنّما أعطى المتواجدين من أهل الكتاب في عصره ذمّة، بما هو رسوله سبحانه وتبيان شرعه وحامل وحيه، فلا يختص حكمه بعصر دون عصر.
وبعبارة أُخرى: إنّ حكمه على المتواجدين في عصره كان من باب القضية الحقيقية الّتي يعم الحكم جميع أفراد الموضوع عبر القرون.
ويتجلّى ذلك المعنى بوضوح على نسخة«الاستبصار» حيث جاء فيها «ممّن أعطاهم»، ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاهم لأجل أنّهم من مصاديق الضابطة الكلّية في مورد الطوائف الثلاث.
3. ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 14/306.
2 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .
3 . الاستبصار: 4 / 269، برقم 1019 .

صفحه 353
أهل السواد» .1 وتحمل الرواية على إعطاء نفس الدية على الفضل بين الديتين، كما مرّ.
يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات:
أوّلاً: إعراض الأصحاب عنها، إذ لم نجد مَن أفتى بها، وسيوافيك أنّ الصدوق لم يعمل بها، وانّما أفتى بالتفصيل بين حالات الذمّي.
وثانياً: كيف يمكن لنا طرح الروايات المتضافرة وقد اشتهر العمل بها عبر القرون، والأخذ بروايتين(صحيح أبان و زرارة) لم يعمل أحد بهما؟!
وثالثاً: احتمال التقية، لما عرفت من أنّه المروي عن ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، كما مرّ.
ورابعاً: أنّ المهم في المقام ، هو موثّقة سماعة حيث إنّ الإمام قام بتنفيذ التسوية بين المسلم وغيره في زمانه قائلاً: بأنّ هذا شيء شديد لا يحتمله الناس.
والقائل بالتسوية يتمسّك بهذا التعليل ويقول: إنّ التعليل يعمّ زماننا حيث إنّ الناس لا يحتملون كون دية المسلم، عشرة آلاف درهم والذمّي ثمانمائة، مضافاً إلى أنّ منظمة حقوق الإنسان ـ الّتي انضمّ إليها أكثر البلاد الإسلامية ـ تصرّ على التسوية في الحقوق من دون تمايز بين المتديّن وغيره، ولا بين المسلم وغيره.
يلاحظ عليه:

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 354
إنّ قوله: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس» يحتمل وجهين:
1. أنّ تقدير دية الذمّيّ بالأقل من دية المسلم ممّا لا يحتمله الناس مطلقاً، سواء كان القاتل عامداً أو خاطئاً، وسواء القتل بنيّة الإفساد وتملّك الأموال أو للتشفّي واستيلاء الغضب عليه.
2. انّ قتل الذمّي لغاية تملّك أراضيه والاستيلاء على أمواله والخروج من مغبّة هذا العمل بأداء ثمانمائة درهم، ممّا لا يحتمله الناس.
فلو كان المراد هو الأوّل، لكان الاستناد إليه صحيحاً، في الخاطئ والعامد، دون ما إذا كان المراد هو الثاني.
ولكن الظاهر غير الأوّل، ويشهد عليه ذيل الحديث: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميّين».
حيث إنّ العبارة ظاهرة في أنّ الإمام يندّد بأُناس كانوا بصدد قتل الذميّين وتملّك أراضيهم، والخروج عن مغبّة عملهم بدفع شيء قليل، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الأعمال يورث الفساد والفوضى في المجتمع، ويسلب الأمان عنه، فالإمام يلزم القاتل في هذه الصورة بدفع الدية الكاملة، وأين هذا من الصورتين التاليتين:
1. القاتل الخاطئ الّذي يعلو عليه الحزن لعمله.
2. القاتل العامد، من دون أن يكون الداعي، سفك دمه، وتملّك أمواله وأراضيه، وإنّما قتله نتيجة خلافات انتهت إلى قتل الذمي.
وعلى هذا فليس للفقيه النابه إلاّ الاقتصار بالتسوية في صورة واحدة،

صفحه 355
أعني: إذا كان الداعي، هو الفساد وإشاعة الفوضى.
ثمّ إنّ الحكم بالتسوية ليس بمعنى نسخ الحكم الشرعي، فإنّ النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باطل بلا إشكال، بل من باب دَرء الفساد بتغريم القاتل بأكثر ممّا وجب عليه فيصبح حكماً ولائياً.
وخامساً: أنّ هنا جمعاً آخر ذكره الشيخ الطوسي في «التهذيب» وهو أنّ ما دلّ على المماثلة في مقدار الدية، أو على أربعة آلاف درهم ـ كما في بعض الروايات ـ محمول على مورد المتعوّد لقتل الأبرياء من الذميّين حيث قال: الوجه في هذه الأخبار أن تحملها على من يتعوّد قتل أهل الذمّة، فإنّ من كان كذلك فللإمام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة، وتارة أربعة آلاف درهم، بحسب ما يراه أصلح في الحال وأردع لكي ينكل عن قتلهم غيره، فأمّا من ندر ذلك منه فلا يلزمه أكثر من الثمانمائة حسب ما قدّمناه أوّلاً.1
ويدلّ على هذا الجمع حديثان:
1. صحيح إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء، إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».2
2. نفس موثّقة سماعة الّتي استدلّ بها على المماثلة، فقد جاء فيها

1 . التهذيب: 10/ 187، برقم 737.
2 . الوسائل: 19، الباب16 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 356
قوله (عليه السلام): «فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد»1، أي حتّى يتراجع عن القتل مرّة أُخرى.
وحاصل الكلام : أنّ الحكم بالمثل في رواية سماعة مختص بالعامد دون الخاطئ وناظر إلى مَن هو بصدد قتل الأبرياء وأخذ أراضيهم، فلا محيص للإمام من ردعه عن القتل وتراجعه عن الظلم بالحكم عليه بأخذ دية المسلم، حتّى تنطفئ نائرة الفتنة. والتعليل ناظر إلى تلك الصورة، من غير فرق بين كونه حكماً ولائياً أو واقعيّاً. وإن كان الحقّ هو الأوّل، لأنّ الثاني يلازم النسخ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فإن قلت: إنّ مورد التعليل وإن كان ما ذكر، لكنّه يعمّم، كما أنّه يخصّص، فالناس لا يحتملون التفرقة بين الديتين بهذا المقدار الهائل.
قلت: لو صحّ ما ذكر لزم الشطب على قسم من الأحكام السياسية والقضائية والأحوال الشخصية، لأنّ الغربيّين ودعاتهم في الشرق لا يحتملون قطع يد السارق وحدّ الزاني ـ بالرضا ـ ورجم المحصن والمحصنة، والقضاء باليمين، وفصل الخصومة بعلم القاضي، أو كون الطلاق بيد الرجل فقط، فهؤلاء في منأى عن التفكير بمثل هذه الأُمور، أفهل يصحّ لنا تعطيل تلك الأحكام لأجل رفض هؤلاء؟! كلا ولا.
***

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث1.

صفحه 357
 
3

ديته أربعة آلاف درهم

وربّما تقدّر ديته بأربعة آلاف درهم الّتي تساوي أربعمائة دينار، ولم نقف على مَن عمل به من الأصحاب، وما نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد، غير هذا القول، بل هو كالصدوق يُفصِّل بين حالات الذمّيّ كما سيوافيك.
ويدلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم».1
قال الصدوق في «الفقيه»: «قد روي أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي أربعة آلاف درهم، لأنّهم أهل الكتاب».2
وفي الفقه الرضوي:«وروي أنّ دية الذمّيّ أربعة آلاف درهم».3
وقال المرتضى: فإن احتجوا بما رواه عمرو بن حزم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «في النفس مائة إبل»، وهذا يقتضي أن يكون ذلك في كلّ نفس .
قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً ولا يجوز أن نرجع به عمّا ذكرناه من الأدلة الموجبة للعلم. وهو أيضاً معارض بأخبار نرويها كثيرة عن

1 . الوسائل: 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.
2 . الفقيه: 4/ 122، برقم 5253 .
3 . فقه الرضا (عليه السلام): 331 ; مستدرك الوسائل:18/304، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث2.

صفحه 358
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يتضمّن بعضها أنّ الدية النصف، وبعضها أنّ الدية الثلث، فإذا تعارضت الأخبار سقطت.1
وهذه الأخبار الّتي أشار إليها السيّد المرتضى بقوله: (بأخبار نرويها كثيرة عن النبيّ) ليست في كتبنا، بل هي مبثوثة في «سنن البيهقي» وغيره على ما عرفت.
ومجموع الروايات لا يتجاوز عن رواية في سندها «علي بن أبي حمزة البطائني»، ومرسلة الصدوق، وفتوى الفقه الرضوي، والجميع لا ينهض حجّة في مقابل الروايات المستفيضة.
وعلى كلّ تقدير فأمّا ما رُوي من أنها أربعة آلاف في كتبنا، فيلاحظ عليه:
أوّلاً: بإعراض الأصحاب عنه وما أفتى أحد بمضمونه.
وثانياً: احتمال التقيّة فيه لما عرفت من وجود نفس القول عند العامّة، روى البيهقي عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، ودية المجوسي بثمانمائة درهم.2
وأمّا الحكم بالنصف أو الثلث الوارد في كلام السيد فيحمل على أحد الوجوه الثلاثة التالية:
1. أن يكون الحكم ولائياً، لعدم تحمّل الناس الحكم الشرعي الواقعي، كما مرّ .

1 . الانتصار:547.
2 . السنن الكبرى: 8 / 100.

صفحه 359
2. أن يكون الحكم راجعاً إلى العامد ولا يعم الخاطئ.
3. أن يحمل على المتعوّد قتل الأبرياء من أهل الذمّة، ليكون تغريمه هذا المقدار الباهظ رادعاً له عن العمل، كما مرّ.
إلى هنا تمّت دراسة الأقوال والروايات، وعرفت أنّه لا قائل عندنا بالثاني والثالث بصورة أنّه حكم شرعي واقعي.
***

4

تفصيل للصدوق

ثمّ إنّ هنا تفصيلاً للصدوق جنح إليه لأجل الجمع بين الروايات.

لكلّ من الثلث والمثل والثمانمائة، موردٌ خاص

حاول الصدوق أن يجمع بين الطوائف الثلاث من الروايات، بحمل كلّ على مورد خاص، وقال ما هذا لفظه:
قال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله): هذه الأخبار اختلفت لاختلاف الأحوال، وليست هي على اختلاف في حال واحد، بل لهما أحوال ثلاثة:
1. متى كان اليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ على ما عوهدوا عليه من ترك إظهار شرب الخمور وإتيان الزِّنا وأكل الرِّبا والميتة ولحم الخنزير ونكاح الأخوات وإظهار الأكل والشرب بالنهار في شهر رمضان واجتناب صعود

صفحه 360
مساجد المسلمين واستعملوا الخروج باللّيل عن ظهراني1 المسلمين والدخول بالنهار للتسوّق وقضاء الحوائج، فعلى من قتل واحداً منهم أربعة آلاف درهم، و مرّ المخالفون على ظاهر الحديث فأخذوا به ولم يعتبروا الحال.
2. ومتى آمنهم الإمام وجعلهم في عهده وعقده وجعل لهم ذمّة ولم ينقضوا ما عاهدهم عليه من الشرائط الّتي ذكرناها وأقرّوا بالجزية وأدّوها فعلى من قتل واحداً منهم خطأ دية المسلم وتصديق ذلك. إلى أن قال:
3. ومتى لم يكن اليهود والنصارى والمجوس على ما عوهدوا عليه من الشرائط الّتي ذكرناها، فعلى من قتل واحداً منهم ثمانمائة درهم، ولا يقاد لهم من مسلم في قتل ولا جراحة كما ذكرته في أوّل هذا الباب، والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك، كما جاء في المؤلى 2 إذا وقف بعد أربعة أشهر أمره الإمام بأن يفي3 أو يطلق، فمتى لم يفِ وامتنع من الطلاق ضربت عنقه لامتناعه على إمام المسلمين.4
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الشيخ الطوسي في الجمع بين المتعوِّد وغيره، المتعوِّد على اختلاف درجاته، أولى ممّا ذكره فإنّه جمع بلا شاهد حيث جعل ملاك الاختلاف في مقدار الدية، مقدار انضباط أهل الذمّة ومدى صلتهم

1 . أي من بينهم: إذا جاءُوا من القرى إلى البلدان للبيع والشراء فليكن دخولهم بالنهار وخروجهم بالليل; لأنّ في الدخول بالليل ريبة. لاحظ : الفقيه:4/123، قسم التعليق.
2 . من الإيلاء.
3 . أي يؤدي الكفّارة ويرجع.
4 . الفقيه:4/123ـ 124.

صفحه 361
بالإمام وعدمه، وهذا النوع من الجمع، جمع تبرّعي بلا شاهد.

أقوال فقهاء السنّة في المسألة

قد عرفت ما هو الحقّ فيها حسب رواية أئمّة أهل البيت(عليهم السلام). بقي الكلام في أقوال فقهاء السنّة، فلهم في المسألة آراء أربعة:
1. دية الذميّ مثل دية قتل المسلم. ذهب إليه من الصحابة: ابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
2. دية الذمّيّ على النصف من دية المسلم. ذهب إليه من التابعين:عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، ومن الفقهاء: مالك بن أنس.
والظاهر من الشيخ الطوسي في «الخلاف» أنّ النصف عند أصحاب هذا القول حكم كلّ من الذمّي والذمّيّة . فدية الذمّي نصف دية المسلم، ودية الذمّيّة نصف دية المسلمة.
لكن الظاهر من الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، أنّ دية الذمّيّة مثل دية المسلمة حيث قال عند نقل هذا القول: دية الكتابي المعاهد أو المستأمن نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين أي كنساء المسلمات.1 فقوله: «كنساء المسلمات» ينافي كون دياتهن نصف ديات المسلمات، وسيوافيك أنّ القرطبي نقل خلاف ذلك.
3. دية الذمّيّ ثلث دية المسلم. وبه قال من الصحابة: عمر و عثمان، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء، ومن الفقهاء: أبو ثور وإسحاق والشافعي.

1 . لاحظ : الفقه الإسلامي وأدلّته:6/311، تأليف الدكتور وهبة الزحيلي.

صفحه 362
فدية الذمّيّ عندهم أربعة آلاف درهم بناء على أنّ دية المسلم اثنا عشر ألف درهم.
4. التفريق بين العمد، والخطأ، فلو كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم، حكاه الشيخ الطوسي عن أحمد بن حنبل.1
وإليك بعض كلماتهم:
قال شمس الدين السرخسي الحنفي: ودية أهل الذمّة وغيرهم مثل دية المسلمين، رجالهم كرجالهم ونساؤهم كنسائهم، وكذلك جراحاتهم وجناياتهم بينهم وما دون النفس من ذلك سواء.
وقال مالك: دية الكتابي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم(القول الثاني).
وحديث سعيد بن المسيب: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في دية الكتابي بثلث دية المسلم، وفي رواية بنصف دية المسلم(القول الثالث).
وعن عمر أنّه قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم.2
وقال القرطبي: وأمّا دية أهل الذمّة إذا قُتلوا خطأ، فإنّ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ ديتهم على النصف من دية المسلم، ذكرانهم على النصف من ذكران المسلمين، ونساؤهم على النصف من نسائهم.3 وبه قال: مالك وعمر

1 . لاحظ : الخلاف: 5/263، المسألة 77.
2 . المبسوط للسرخسي: 26/84.
3 . هذا يؤيد أنّ فيما نقلنا من القول بالنصف مطلقاً ذكراناً وإناثاً، خلافاً لما نسبه إليهم الفقيه المعاصر.فلاحظ.

صفحه 363
بن عبد العزيز، وعلى هذا تكون دية جراحهم على النصف من دية المسلمين.
الثاني: أنّ ديتهم ثلث دية المسلم. وبه قال الشافعي، وهو مرويّ عن: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وقال به جماعة من التابعين.
الثالث: أنّ ديتهم مثل دية المسلمين. وبه قال أبو حنيفة والثوري وجماعة، وهو مرويّ عن ابن مسعود، وقد روي عن عمر وعثمان، وقال به جماعة من التابعين.1
وما نقله الشيخ في «الخلاف» من التفصيل ليس موجوداً في هذين النصّين.
ولندرس أدلّة أقوالهم.

أدلة القول بالمساواة ومناقشتها

استدلّت الحنفية على مماثلة الديتين بوجوه أتى بها السرخسي في مبسوطه، وهي:
1. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ).2 والمراد منه ما هو المراد من قوله في قتل المؤمن:(وَدِيةٌ مسلّمة إِلى أَهْله)، وهو الدية الكاملة.
2. وفي حديث ابن عباس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ودى العامريّين اللّذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري وكانا مستأمنين عند رسول اللّه بدية حرّين مسلمين، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «دية كلّ ذي عمد في عمده ألف دينار».

1 . بداية المجتهد: 2/ 339.
2 . النساء: 92.

صفحه 364
3. وعن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ مثل دية الحر المسلم.
4. وقال علي (عليه السلام) : إنّما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا.
5. وما نقلوا فيه من الآثار بخلاف هذا لا يكاد يصحّ، فقد روي عن معمر قال: سألت الزهري عن دية الذمّيّ، فقال: مثل دية المسلم، فقلت: إنّ سعيداً يروي خلاف ذلك، قال: ارجع إلى قوله تعالى:(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ). فهذا بيان أنّ الرواية الشاذة لا تقبل فيما يدلّ على نسخ الكتاب، ثمّ تأويله: أنّه قضى بثُلْث الدية في سنة واحدة فظن الراوي: أنّ ذلك جميع ما قضى به، وعند تعارض الأخبار يترجّح المثبت للزيادة.
6. وأجاب عمّا يدلّ على الاختلاف وقال: وقوله:«المسلمون تتكافأ دماؤهم» لا يدلّ على أنّ دماء غيرهم لا تكافئهم، فتخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه، والمراد بالآثار: وأمّا ما يدلّ على نفي المساواة بينهما فإنّما هو في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا، فإنّا نرى المساواة بيننا وبينهم في بعض أحكام الدنيا، ولا يجوز أن يقع الخلف في خبر اللّه تعالى.1
هذه هي أدلّة القول بالمساواة الّتي ساقها السرخسي في كتابه، وإليك دراستها ومناقشتها.

1. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ...)

أقول: لا صلة للآية بالمقام وذلك لوجهين:

1 . المبسوط للسرخسي:26/85.

صفحه 365

الأوّل: المقتول في الآية مؤمن لا ذمّيّ

إنّ الاستدلال بالآية على أنّ دية الذمّيّ تساوي دية المسلم نشأ عن الغفلة عن أنّ مرجع الضمير في قوله: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم...) هو المؤمن ، لا الكافر، وعليه يكون المقتول مؤمناً من قوم كافرين، لا كافراً. والدليل سياق الآية، وإليك لفظها في مقاطع ثلاثة:
1. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا).
2. (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).
3.(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).
وقد بُيِّن في هذه المقاطع الثلاثة أحكام قتل المؤمن.
إذا كان المقتول مؤمناً من قوم مؤمنين فتجب الكفّارة والدية معاً.
وإن كان المقتول مؤمناً لكن من قوم محاربين، فتجب الكفّارة لقتل المؤمن خطأ، ولا تجب الدية، لأنّ المحارب لا يرث شيئاً من المؤمن.
وإن كان المقتول مؤمناً لكن لا من قوم محاربين، بل من قوم بينكم و بينهم ميثاق من الذمّة والأمان، فيجب الأمران: الكفّارة والدية.
وإن أردت توضيح مفاد الآية فاجعل الفقرات الثلاث كلاًّ تلو الأُخرى:
1.(مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة...).
2. (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ...).
3. (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ...).

صفحه 366
فالمقتول في الفقرتين الأُوليين مؤمن بتصريح الآية فيهما، فيكون المقتول في الثالثة أيضاً مؤمناً بحكم وحدة السياق، كما هو الظاهر.

الثاني: إيجاب الكفّارة دليل على كون المقتول مؤمناً

ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّ المقتول خطأ مؤمن لا كافر ذمّي، حيث إنّ الموضوع في الأصناف الثلاثة هو القتل خطأ وهي إيجاب الكفّارة والتوبة على القاتل في الآية وراء الدية، قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤمِنَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ).1
ولا كفّارة في قتل الكافر خطأ، ولا توبة إجماعاً.
وقد خاض جماعة من المفسّرين في تفسير الآية فذكروا في مرجع الضمير وجهين دون أن يرجّحوا أحدهما على الآخر:
الأوّل: أنّ المقتول كافر، إلاّ أنّه تلزم الدية على القاتل، لأنّ له ولقومه عهداً.
الثاني: أنّه مؤمن، فعلى قاتله دية يؤدّيها إلى قومه من المشركين، لأنّهم أهل ذمة.2
وقد أطنب الرازي في تفسير الآية ورجّح كون المقتول، هو المؤمن فيما بين أهل العهد والذمة وقال:
إنّ المراد منه المسلم، وذلك لأنّه تعالى ذكر أوّلاً حال المسلم القاتل

1 . النساء:92.
2 . التبيان:3/292; مجمع البيان:2/91; تفسير القرطبي:5/325.

صفحه 367
خطأ، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمّة، ولا شكّ أنّ هذا ترتيب حسن، فكان حمل اللفظ عليه جائزاً، والّذي يؤكد صحّة هذا القول أنّ قوله: (وَإِنْ كانَ)لابدّ من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدّم، والّذي جرى ذكره فيما تقدّم هو المؤمن المقتول خطأ، فوجب حمل اللفظ عليه.1
فخرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّه لا صلة للآية بمورد البحث، أعني: قتل الذمي ; لأنّ موردها قتل المؤمن.

أدلّة القول بأنّ المقتول ذميّ

ثمّ إنّ القائلين بأنّ المقتول ذمّيّ، اعترضوا على أصحاب القول الآخر(المقتول مؤمن) بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ المسلم المقتول خطأ، سواء أكان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمّة فهو داخل تحت قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمناً خطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ)، فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه وهو لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكّان دار الحرب، فإنّه تعالى أعاده لبيان أنّه لا تجب الدية في قتله.
حاصل الإشكال: لو كان المقتول خطأ هو المؤمن كان اللازم الاقتصار بالشق الأوّل، دون ذكر الشق الثالث لأنّه داخل تحته.
ولمّا كان لازم ذلك، هو ترك الشق الثاني أيضاً، لأنّ المقتول فيه أيضاً مؤمن، استدركه وقال بخلاف ما إذا كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب

1 . تفسير الرازي: 10 / 235 .

صفحه 368
فإنّه تعالى أعاده لبيان أنّه لا تجب الدية في قتله.
يلاحظ عليه: بأنّ المقتول في الشقوق الثلاثة هو المؤمن، لكن باختلاف في الدار والأُسرة المنتمي إليها، فالمؤمن المقتول خطأ:
إمّا أن يكون من سكان دار الإسلام ففيه الدية والكفّارة.
أو من سكان دار الحرب ففيه الكفّارة دون الدية. أمّا الأوّل فلأجل كون المقتول مؤمناً، وأمّا الثاني فلأنّه لا يرث الكافر المؤمن.
أو من سكان مواضع أهل الذمّة والعهد.
وإذا اختلفت القيود المؤثرة في الحكم، لا يكون القسم الثالث من قبيل عطف الشيء على نفسه.
الثاني: إذا كان المقتول مؤمناً، فكيف يرثه قومه الكفّار؟! لأنّ المفروض أنّه مؤمن ولكن قومه كفّار لا يرثون بخلاف ما إذا كان المقتول كافراً، حيث يرثه قومه الكافرون.
يلاحظ عليه: أنّه لو قلنا بشمول «لا توارث بين أهل ملّتين» للدية أيضاً يُقيّد إطلاقه بما إذا كان المقتول مؤمناً وقتله مسلم خطأ، فيرثه قومه وإن كانوا كافرين. ولعلّ بين أهله من يكون مسلماً ولا يكون هو الوحيد في اعتناق الإسلام.
الثالث: أنّ قوله:(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)يقتضي أن يكون من ذلك القوم في الوصف الّذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإنّ كونه منهم مجمل لا يدرى أنّه منهم في أي الأُمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف، زال الإجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلّت الآية

صفحه 369
على أنّه منهم في كونه معاهداً وجب أن يكون ذمياً أو معاهداً مثلهم.
يلاحظ عليه: بأنّ الإجمال كما يرتفع بكون المقتول أيضاً ممّن له الميثاق كقومه، يرتفع بكونه مؤمناً، ومع ذلك فهو منهم، من حيث الدم والوطن والعيش بينهم.
وبالجملة: هذه الوجوه، لا تضر بظهور الآية في أنّ المقتول مؤمن لا ذمّيّ، كما لا يخفى.
والحاصل: أنّ الآية في عامّة مواضعها بصدد بيان حكم قتل المؤمن، وأنّه على صور ثلاث: إمّا أن يكون من أُمّة مسلمة، أو من قوم عدو محارب، أو من قوم لهم ذمّة، فيجب الأمران في الأُولى والثالثة دون الثانية. بل فيها الكفّارة فقط.
وبذلك يظهر ضعف ما ذيّل به السرخسي كلامه، وقال:
1. إنّه لا يصحّ نسخ الكتاب بالرواية أوّلاً.
2. إنّ الرواية شاذّة ثانياً.
3. يُردّ قول سعيد بن المسيب بالرجوع إلى الآية ثالثاً.
وذلك لأنّ الجميع فرع كون المقتول ذمّيّاً، لا مؤمناً.

دراسة سائر الوجوه

قد عرفت عدم دلالة الآية على ما تبنّوه، وإليك دراسة سائر أدلّتهم.

2. رواية ابن عباس

أخرج الترمذي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ودي

صفحه 370
العامريّين بدية المسلمين وكان لهما عهد من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال أبو عيسى (مؤلّف السنن): هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.1
ويكفي في ضعف الرواية أنّ الراوي إباضي، تجنّبه مسلم وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده، إلاّ من حديث أو حديثين، قال عبد اللّه بن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه(بن عباس) فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحُشّ، فقلت: ألا تتقي اللّه؟! فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي.2

3. ما نقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «دية كلّ ذي عمد في عمده ألف دينار».
أقول: لم نقف عليه مسنداً في الصحاح والسنن، وعلى فرض الثبوت، فهو منصرف إلى دية المسلم.
وعلى فرض العموم أو الإطلاق يقيّد بما دلّ على أنّه أقلّ من دية المسلم.

4. ما نقل عن علي (عليه السلام)

نقل عن الإمام علي (عليه السلام)أنّه قال: «إنّما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا»، والرواية على فرض صحّة النقل، فإنّما تدلّ على حقن دمائهم وحرمتها، وأمّا تكافؤ دمائهم ومساواتها مع

1 . سنن الترمذي: 2 / 429، كتاب الديات، برقم 1425 .
2 . ميزان الاعتدال:3/94، برقم 5716.

صفحه 371
المؤمنين في الدية، فلا يدلّ عليه كلامه.
كيف؟! وهو الراوي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».1
فتخصيص التكافؤ بالمؤمنين لا يخلو من دلالة على حصره بهم. ولو كان هنا تكافؤ في الدماء فلماذا قال: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر»؟

5. ما نقل عن الشيخين

ما رواه عن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ في مثل دية الحرّ المسلم.
لكن قول الصحابي أو فتواه ليس حجّة على غيره ما لم يرفعه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
مضافاً إلى أنّه معارض بما رواه ابن المسيب من أنّ عمر قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم وفي دية المجوسي بثمانمائة.2
وبه يظهر ضعف الاستدلال بما روي عن عبد اللّه بن مسعود قال: من كان له عهد أو ذمة فديته دية المسلم.3 إذ الحديث موقوف غير مرفوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبالجملة : الروايات عن الصحابة مختلفة متعارضة أوّلاً، وموقوفات ثانياً.

1 . سنن أبي داود: 2 / 375 ، برقم 4530.
2 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 100، باب دية أهل الذمّة.
3 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 103، باب دية أهل الذمّة.

صفحه 372

دليل القول بالنصف

ذهبت المالكية والحنابلة إلى أنّ دية الكتابي (اليهودي والنصراني) نصف دية المسلم.
واستدلّ عليه بما رواه أصحاب السنن بألفاظ مختلفة، تنتهي أسانيده إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه، وإليك ما نقلوه، وهو في الحقيقة رواية واحدة:
1. أخرج الترمذي باسناده، عن أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال : «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن