welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 281
شكر ـ أن يكون قابلاً لأن يُشكر عليه، بأن يكون أمراً محبوباً عند الناذر مطلوباً لديه، وأمّا إذا كان النذر، نذر الزجر، فيكفي كونه أمراً غير مطلوب لدى الزاجر، وأمّا المعلّق الذي يعبّر عنه بالمتعلّق فلابدّ أن يُعدّ طاعة لله، قابلاً لأن يُملَّك لله سبحانه، وهو لا يصحّ إلاّ أن يكون طاعة لله، فما اشتهر بين الفقهاء من لزوم الرجحان في النذر فقد أُريد به الطاعة في المتعلّق.
إلى هنا تمّ ما أردنا بيانه من مقدّمات تمهيدية لما سنذكره تالياً.

النذر يحدّد أحكام العناوين الأوّلية

إذا عرفت ما ذكرنا فلنرجع إلى ما هو المطلوب من عقد هذه القاعدة، وهو كون عنوان النذر محدّداً لإطلاق المطلقات وشمول العمومات، وذلك لأنّ النذر لو تعلّق بالواجب أو ترك الحرام، فيكون مؤكّداً لوجوب الشيء أو حرمته، فلو ترك الواجب أو ارتكب الحرام فقد خالف ربّه في أمرين:
1. ترك الواجب أو ارتكاب الحرام.
2. عدم الوفاء بالنذر وتترتّب عليه الكفّارة. ففي هذين الموردين ليس لدليل النذر دور في التحديد.
وأمّا إذا تعلّق بالمستحبّ أو ترك المكروه، فيصير الفعل أو الترك واجبين لكن بالعرض لا بالذات، وذلك لاختلاف متعلّق الأمر والنهي مع متعلّق النذر، لأنّ الأمر الاستحبابي أو النهي الكراهي تعلّقا بذات الشيء بما هوهو، مستحب أو مكروه، وأمّا الأمر النذري فقد تعلّق بالوفاء بالنذر فيكون الأمر بالوفاء بالنذر واجباً بالأصالة والمتعلّق واجباً بالعرض.
ويترتّب على ذلك أنّه لو نذر صلاة الليل فليس له أن ينوي الوجوب،

صفحه 282
بل عليه أن يأتي بصلاة الليل بوصف الاستحباب لغاية الوفاء بالنذر، فلو أتى بها بنية الوجوب، لم يف بنذره.
وبما ذكرناه ظهر حكم العهد واليمين فلا نطيل الكلام فيهما.
وبما ذكرنا يظهر الضعف فيما أفاده بعض الأعاظم حيث قال: إنّ النذر إذا تعلّق بعبادة مستحبة يندك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي الجائي من قبل النذر لوحدة متعلّقهما فيكتسب الأمر النذري الوجوبي التعبّدية من الاستحباب، والأمر الاستحبابي يكتسب اللزوم من الوجوبي فيتولّد منهما أمر وجوبي عبادي.
وجه الضعف: أنّ الأمر الاستحبابي تعلّق بعنوان صلاة الليل والأمر الوجوبي تعلّق بعنوان الوفاء بالنذر، فالعنوانان في ظرف تعلّق الأحكام مختلفان، ومتّحدان في الوجود الخارجي ولكنّه ليس ظرف تعلّق الحكم.
أضف إلى ذلك: أنّه لا معنى معقول لما ذكر من الاكتساب والتولّد، إذ بأي دليل يكتسب الأمر غير العبادي، العبادية; وغير الوجوبي، الوجوب.1

لو شكّ في كون الشيء طاعة

لو شكّ في كون الشيء طاعة هل يمكن أن يحرز كونه طاعة بدليل النذر؟ مثلاً إذا نذر أحد إن رزق ولداً أن يتوضّأ بالماء المضاف وقد رزق ولداً فعليه الوضوء بالماء المضاف لقوله:(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)2.
التحقيق: لا; لأنّه يجب الوفاء بالنذر الذي ثبت كون الإتيان به طاعة لله،

1. لاحظ : تهذيب الأُصول: 1/402.
2. الحج:29.

صفحه 283
والمفروض عدم إحراز الصغرى لوجود الشكّ في كونه طاعة أو لا، فكيف يمكن التمسّك بالكبرى دون إحراز الصغرى؟!
نعم ورد أنّ الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات باطل إلاّ إذا نذر أن يصوم في السفر أو يحرم قبل الميقات ولكنّه منصوص.1
وقد أشبعنا الكلام فيه في محاضراتنا الأُصولية.2
بقي هنا شيء وهو أنّه يشترط في النذر، القربة وأُريد به تضمّن الصيغة للقربة كما يقول: «لله عليّ» ولا يحتاج بعدها إلى قوله: قربة إلى الله، أو: لله ونحوه.3
وأيضاً: أنّه يكفي قولنا: «لله عليّ كذا» ولا يعتبر قصد امتثال الأمر النذري، لما عرفت أنّه أمر توسّلي لا يتوقّف حصول الامتثال إلى قصد أمره، وقد بسط الكلام في ذلك صاحب الجواهر4 فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
لزوم الوفاء بالمنذور

1. لاحظ: الوسائل: 7، الباب10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1; و ج8 ، الباب13 من أبواب المواقيت، الحديث1.
2. لاحظ: المبسوط في أُصول الفقه:2/370ـ 375.
3. الروضة البهية:3/39.
4. جواهر الكلام:35/371ـ 374.

صفحه 284
 
القواعد الفقهية
      75

قاعدة

لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله
قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبي وآله   
المناصب الثلاثة للنبي وآله(عليهم السلام)
أ. تفويض بيان الشريعة
ب. نفوذ قضائهم
ج. كونهم حكّاماً سائسين
حقّ التصرّف في الأموال والأنفس
ثبوت هذه المناصب للفقيه الجامع للشرائط
الأحكام الولائية ليست تدخّلاً في التشريع
من القواعد المحدّدة لعموم العمومات وإطلاق المطلقات ما دلّ على لزوم العمل بالأحكام الولائية الصادرة عن النبي وآله(عليهم أفضل الصلاة والسلام) حيث إنّ لهم(عليهم السلام)مناصب ومقامات:

صفحه 285

1. تفويض بيان الشريعة إلى النبي وآله

فالنبي والأئمة من أهل بيته قد فوّض إليهم بيان الأحكام وكونهم وسائط بين الله سبحانه وسائر الناس في بيان الفرائض والمحرّمات والمستحبّات والمكروهات، وهذا أمر لا شبهة فيه.

2. نفوذ قضائهم

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القاضي الأوّل في الإسلام ينفذ قضاؤه ويحرم ردّه، قال سبحانه:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)1 وبما أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)خلفاء الرسول بنص حديثي الثقلين والسفينة، فيثبت لهم هذا المنصب الذي كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

3. كونهم حكاماً سائسين

إنّ للنبي وراء هذين المنصبين منصباً ثالثاً وهو كونه حاكماً ورئيساً يباشر أُموراً تُعدّ من صميم العمل السياسي والنشاط الحكومي. ويدلّ عليه أمران:

1. سيرته في الفترة المدنية

لمّا هاجر النبي إلى المدينة واستوطن فيها وضع أُسس الحكومة الإسلامية في ظلّها وقام بأعمال لا يقوم بها إلاّ السائس القائم بأُمور البلد نظير:
1. أنّه عقد بين أصحابه وبين القبائل المتواجدة في المدينة ـ كاليهود

1. النساء:65.

صفحه 286
وغيرهم ـ اتّفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.1
2. أنّه جهّز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة العربية، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لإرهاب الخصوم.
3. بعث السفراء والمندوبين إلى الملوك والزعماء يدعوهم إلى الإنضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية، وقد جمعت تلك الرسائل في كتاب بعنوان «مكاتيب الرسول».
4. نصب القضاة وعيّن الولاة وأوصاهم بما أوصاهم به.
5. فرض الضرائب في أموال المسلمين وتجاراتهم دون أن يخسر بها أصحاب الأموال، وفي الوقت نفسه بها قوام الحكومة.
إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يقوم بها إلاّ الإنسان السائس الحاكم ويحقّقها من أجل تشكيل دولة قادرة على إنجاز خططه ومشاريعه.

2. النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحقّ التصرّف في الأموال والأنفس

أعطى الله سبحانه للنبي ولاية التصرّف في الأموال والأنفس، لا برغبة شخصية بل لمصالح عامّة، بها قوام المجتمع وسيادة الهدوء فيه، ونشر الإسلام، يقول سبحانه:(النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)2 والمراد بالأولوية، الأولوية في التصرّف في الأموال والنفوس، أمّا الأموال فكإيجاب

1. لاحظ: السيرة النبوية:1/431.
2. الأحزاب:6.

صفحه 287
الضرائب لأجل تعبئة الجيش، وأمّا النفوس فكالأمر بالمشاركة في الجهاد الذي لا يخلو عن التضحية والشهادة.
نعم هذه الأولوية من شؤون كونه حاكماً سائساً للمسلمين، إذ الحكومة على المجتمع لا تنفكّ عن هذا النوع من التصرّف، وبهذا يتبيّن أنّ ولاية النبي تحدّد الإطلاقات والعمومات في الأموال والأنفس، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه، إلاّ أنّ ولاية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتعبئة الجيش تكون حاكمة على إطلاق الحديث، قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1.
ويستفاد من الآية أنّ أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة المجتمع يقدّم على كلّ ما ذكر في الآية، وما هذا إلاّ لأجل مصالح كلّية لا لرغبة شخصية.
ولإتمام البحث نذكر شيئاً من الأوامر الولائية التي أمر بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

1. قلع النخلة والرمي بها إلى صاحبها

قد ورد في غير واحد من الأحاديث أنّه بعدما اشتكى الأنصاري إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره أنّ سمرة بن جندب يدخل البستان بلا استئذان، فطلبه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إذا أردت الدخول فاستئذن، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع، فقال له: لك بها عذق يُمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه،

1. التوبة:24.

صفحه 288
فإنّه لا ضرر ولا ضرار.1 فإنّ قلع النخلة كان تصرّفاً في مال الغير ولا يحلّ إلاّ بطيب نفسه، غير أنّ الأمر الولائي ـ أخذاً بجانب المصلحة ـ يقدّم على إطلاق الحديث.

2. فرض المقاطعة على المخلّفين الثلاثة من كافّة الجوانب

قال سبحانه:(وَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)2.
روى المفسّرون في شأن نزول الآية أنّها نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلمّا قدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، جاءوا إليه واعتذروا، فلم يكلّمهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقدّم إلى المسلمين بألاّ يكلّمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن له: يا رسول الله: نعتزلهم؟ فقال: لا، ولكن لا يقربوكن، فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم... إلخ.3
وكان أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لازم الإطاعة والاتّباع في حقّ هؤلاء، فصار محدّداً لكثير من الإطلاقات والعمومات.

1. الوسائل:17، الباب12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث3، ولاحظ أيضاً نفس الباب، الحديث4.
2. التوبة:118.
3. مجمع البيان:5/149.

صفحه 289

3. الإمام علي(عليه السلام) يفرض ضريبة إضافية

روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم وزرارة عنهما(عليهما السلام)جميعاً قالا: «وضع أمير المؤمنين(عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».1 فإنّ الزكاة إنّما هي على الأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، ولكنّ الإمام(عليه السلام)وضع على غيرهنّ أيضاً زكاة لأجل المصلحة الاجتماعية، وهذا ليس بمعنى التدخّل في التشريع، فإنّ التشريع حقّ لله سبحانه وليس لأحد التدخّل فيه، وإنّما هو أحكام مؤقّتة للمنصب الذي أعطاه سبحانه لرسوله ووصيّه، وهو في طول الأحكام الأوّلية والثانوية وليست أحكاماً ثابتة عبر الزمان، ومن هذا المنظار يعلم مناصب الفقيه، وإليك بيانها على وجه الإيجاز.

مناصب الفقيه وولايته

قد وقفت على المناصب الثلاثة للنبي وخلفائه المعصومين، فنفس هذه المناصب ثابتة للفقيه الجامع للشرائط:

أ. الفقيه ومنصب الإفتاء

إنّ الفقيه الجامع للشرائط له الإفتاء في المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية وهذا من ضروريات الفقه، قال علي بن موسى الهمداني للإمام الصادق(عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم

1. الوسائل:7، الباب16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1، الخيل العتاق: النجائب، والبرذون: الخيل الذي أبواه أعجميان، والأُنثى برذونة. مجمع البحرين.

صفحه 290
ديني؟ قال الرضا(عليه السلام):«من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا».1
إلى غير ذلك من الأدلّة التي لا تحتاج إلى بيان.

ب. الفقيه ومنصب القضاء

إنّ للفقيه منصب القضاء في عصر الحضور والغيبة بتنصيب من الإمام المعصوم، وكفى في ذلك مقبولة عمر بن حنظلة.2
وبما أنّ المسألة مذكورة في الكتب الفقهية نقتصر بذلك.

ج. الفقيه وسياسة المجتمع

هذا هو المنصب الثالث الذي لم يزل مثاراً للبحث والنقاش منذ عصر قديم إلى يومنا هذا، وليس المراد من الحكومة، القضاء بين الناس، بل ما يقوله الشيخ الأنصاري(رحمه الله): الثالث ولاية التصرّف في الأموال والأنفس، وهو المقصود هنا.3
وبما أنّ المسألة محرّرة في كتب المتأخّرين كالعوائد للنراقي، والمكاسب للشيخ الأنصاري، ورسالة ولاية الفقيه للسيد الأُستاذ(قدس سره)، إلى غير ذلك من الرسائل، فنقتصر بهذا المقدار، إذ الغرض من عقد هذه المسألة، شيء آخر وهو أنّه لو ثبت هذا المنصب للفقيه فالأحكام الولائية تكون محدّدة للإطلاقات والعمومات.
ولنذكر كلاماً للمحقّق الكركي الذي تصدّى لمنصب شيخ الإسلام في

1. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث27.
2. لاحظ: الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
3 . المكاسب: 3 / 546 .

صفحه 291
أوائل القرن العاشر وطرح ولاية الفقيه بحماس وقوّة ونقتبس من كلامه ما يلي، وبه يظهر كيفية تحديد الأحكام الولائية العمومات والإطلاقات، قال: اتّفق أصحابنا (رضوان الله عليهم) على أنّ الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى(صلوات الله وسلامه عليهم) في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحاب القتل والحدود مطلقاً.
فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغُيّاب والأطفال والسفهاء المفلسين، ويتصرّف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).1
ولمّا قامت الثورة الإسلامية في إيران الإسلام تجلّت ولاية الفقيه بأجلى مظاهرها في مواضع مختلفة، وظهرت حكومة الأحكام الولائية على الإطلاقات والعمومات وقد عرفت أنّها أحكام مؤقّتة، لرأب الصدع وحلّ المشاكل التي أوجدتها الظروف الخاصّة.
وبما أنّ ولاية الفقيه ربّما تفسّر بالتدخل بالتشريع نرفع الغطاء عن وجه هذه الولاية، فنقول: إن حكم الحاكم على قسمين:
الأوّل: إنّ تصدّيه للأُمور التالية بنصّ من الشارع:
أ. التصدّي للقضاء وما يتبعه.
ب. التصدّي لأُمور الصغار الذين ليس لهم ولي.

1. صلاة الجمعة المطبوع ضمن رسائل الكركي:4/263ـ 264.

صفحه 292
ج. التصدّي لأُمور الغيّب من الناس.
د. التصدّي لإجراء الحدود الشرعية والتعزيرات.
هـ . نفوذ حكمه في رؤية الهلال.
و. تصديه لأخذ الزكوات والأخماس.
إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يرضى الشارع بإهمالها، فما يحكم به الوالي مأخوذ من الشرع ومستنبط منه.
الثاني: إذا كان بين الحكمين الشرعيين تزاحم فإن رفع التزاحم بأحد المرجّحات ليس حكماً مستنبطاً ومستخرجاً منها، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم يصير حكمه لحلّ الأزمة حكماً ولائياً في طول الأحكام الأوّلية حتى الثانوية، فيكون حكمه حكماً علاجياً يعالج به تزاحم الأحكام الواقعية، كما هو الحال في وضع علي(عليه السلام) ضريبة على الخيل العتاق وغيره، فإنّه ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة، وإنّما حكم ولائي لحلّ الأزمة الاقتصادية التي واجهها الإمام في حكومته.
ولأجل توضيح المقام نأتي بمثال موجود في الأذهان، ونقول: لا شكّ أنّ تقوية الإسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التنباك أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الأحكام الأوّلية، ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الأجنبية، فصار بيعه وشراؤه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي(قدس سره)ـ أنّ استعماله يوجب انشباب أظفار الكفّار على هيكل المجتمع الإسلامي، حكم(قدس سره)بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمالات كمحاربة وليّ

صفحه 293
العصر(عجل الله فرجه الشريف) وأصدر عام 1891م، حكمه التالي:«بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان بمثابة محاربة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف»، فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التنباك بيعاً وشراءً وتدخيناً وغيرها، فاضطرت الشركة حينئذ إلى فسخ العقد.
***
تمّت قاعدة
لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبي وآله

صفحه 294
 
قاعدة التقيّة   
القواعد الفقهية
         76

قاعدة التقية

بيان مفردات القاعدة
الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية
أدلة القاعدة
الجهة الأُولى: ما استدل به من الكتاب والسنّة
   لماذا يتقى من المسلم؟
الجهة الثانية: التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
الجهة الثالثة: التقية في كلّ شيء أضطر إليه ابن آدم
الجهة الرابعة: أقسام التقية والتقية المحرّمة
الجهة الخامسة: ترك التقية في العبادة وحكمها شرعاً
الجهة السادسة: إجزاء العمل على وفق التقية
الجهة السابعة: حكم التقية في الموضوعات
الجهة الثامنة: في اعتبار عدم المندوحة
الجهة التاسعة: الوضوء الصادر تقية وحكم الأعمال اللاحقة
الجهة العاشرة: في التقية المدارائية
تنبيهات عشرة مهمة
تحظى مسألة التقية في الفقه الإمامي بأهمية بالغة، فهي من المفاهيم

صفحه 295
الإسلامية السامية، وقد وردت في الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات، وركّزت عليها السنّة النبوية، وأكّد عليها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك لخصائص إيجابية تكمن فيها، ولانسجامها مع حكم العقل وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدّسة، والسيرة العملية بين المسلمين.
غير أنّها وقعت غرضاً للمخالفين فزعموا أنّها ثغرة في الفقه الشيعي، ولذلك قام سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) في سالف الزمان بإلقاء محاضرات في الموضوع دوّنتها يومذاك في صحائف مازالت بيدي، ولم أتفرّغ لتبييضها ونشرها كسائر ما نشرت من محاضراته، فيما مضى.
وفي هذه الأيام اشتد الهجوم العنيف على الشيعة وعقائدهم وعلى الخصوص التقية، فلهذا رأيت من الواجب دراسة الموضوع مستعيناً بما ذكره سيدنا الأُستاذ(رحمه الله) في محاضراته، مضيفاً إليه ما يجب ذكره في هذه الأيام جواباً عن التهم التي تلصق بالفقه الإمامي، وإن كنت كتبت شيئاً منها في سالف الأيام ردّاً على تلك الشبهات، والله المستعان.

بيان مفردات القاعدة

التقية لغةً اسم لـ«اتقى»، «يتقي». والتاء في أوّلها بدل من الواو، والأصل: «وقية» فأبدل «الواو» إلى «التاء» فيقال: «تقية» وأصله من «الوقاية». وكأنّ المتقي يجعل «التقية» وقاية لنفسه من العدو.
ثم إنّ التقية ـ كما هو واضح ـ من المفاهيم ذات الإضافة، فلها إضافة إلى مَن يتقي، وإلى المُتقى منه، وإلى مورد التقية.
أمّا المتقي فهو لا يخلو من أن يكون إماماً معصوماً، أو مسلماً شيعياً، أو مسلماً سنيّاً.

صفحه 296
وأمّا المُتقى منه فهو مطلق المخالف الذي صادر حريات المتقي، من غير فرق بين أن يكون كافراً أو سنيّاً أو شيعياً.
وأمّا مورد التقية فهو عبارة عن العقيدة والشريعة إذا تظاهر بها الإنسان المؤمن يؤخذ ويضرب أو يقتل أو تصادر أمواله.
والغاية من التقية هو دفع الضرر عن طريق إخفاء العقيدة أو مماشاة الظالم، وسيوافيك الفرق بينها و بين النفاق، وأنّ القرآن دعا إليها وفي الوقت نفسه نهى عن النفاق.
إنّ التقية ـ خوفاً من المخالف الغاشم ـ أمر فطري تأمر به فطرة الإنسان عندما يرى أنّ المخالف قد صادر عامة الحريات فلم يبق له محيص في حفظ نفسه وعرضه وماله إلاّ المماشاة مع المخالف على نحو لولا الخوف من المخالف، لما أخفى عقيدته ولا سايره في العمل.
وفي الحقيقة أنّ التقية سلاح الضعيف أمام القوي الذي لا يرحم مخالفه إلاّ باتّباعه وهو مجهّز بكل وسائل القوة والبطش والظلم، ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقية.
ولو افترضنا أنّ في التقية بعض السلبيات فهي تتوجّه إلى مَن صادر حريات الناس وسلب حقوقهم ـ بلا وعي ـ وأجبرهم عليها.
ومن قرأ شيئاً من التاريخ، سواء أكان راجعاً إلى ما قبل الإسلام أم بعده يجد أنّ الضعفاء عبر القرون كانوا يتقنعون بهذا السلاح المعنوي لصيانتهم عن الأضرار الجسيمة التي تتوجّه إليهم، ولم يستثن منهم إلاّ الأنبياء الذين لم تكتب عليهم التقية، لأنّها لا تنسجم مع دعوى النبوّة حيث إنّهم بُعثوا لكسر الأصنام وتصحيح عقائد الناس ودعوتهم إلى التوحيد والاعتقاد بالدار

صفحه 297
الآخرة، ونشر المعروف وهجر المنكر، وأمّا غيرهم فالتقية في حقّهم تنقسم إلى واجب ومستحب ومكروه وحرام، كما سيوافيك بيانه.
وهذا هو مؤمن آل فرعون يعرفه سبحانه بقوله: (يَكْتُمُ إِيمانَهُ) ومع ذلك كان يتّخذ من التقية غطاءً وقناعاً ويقول الحق حسب ما تسمح له الظروف، قال سبحانه:(وقالَ رَجُلٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ...).1 فهو كان يتظاهر معهم في العقيدة والعمل، ولكنّه يعتقد خلاف ما يتظاهر به.
وإذا مررنا على تاريخ الأُمّة الإسلامية نرى أنّ العلماء الصادقين كانوا يعملون بالتقية في شدة الظروف.
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء عدد من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تقضي عليهم وعلى ما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن استلزم ذلك قتل الجميع من دون رحمة، ولمّا أبصر أُولئك المحدّثون حدّ السيف مشهّراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.(2) والقصّة صريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة، وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.

1 . غافر: 28.   2 . تاريخ الطبري: 7/195ـ 206.

صفحه 298

الشيعة أكثر ابتلاء بالتقية

إنّ الشيعة عامّة والإمامية خاصّة أكثر الناس ابتلاءً بالتقية، وذلك لأنّ الحكومات الغاشمة من الأمويين إلى العباسيين ثم العثمانيين، يرون مذهب الشيعة خطراً على مناهجهم، فكانوا يُحرّضون الناس على الشيعة وعلى قتلهم والتنكيل بهم، ولهذه الظروف القاسية لم يكن للشيعة مفر إلاّ اللجوء إلى التقية، أو رفع اليد عن المبادئ التي آمنوا بها والتي هي عندهم أغلى من النفس والمال.
وها نحن نذكر أُنموذجين ممّا ابتلى به الشيعة من مضايقات وظلامات لذكرهم فضائل الأئمة ومناقبهم.
1. هذا هو ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين(عليهما السلام)؟ قال ابن السكيت: والله إنّ قنبراً خادم علي(عليه السلام)خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل ثلاث وأربعين، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة، ولمّا مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك.1
2. وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكىّ بالدماء مضرّجُ

1 . وفيات الأعيان لابن خلكان:3/33; سير أعلام النبلاء للذهبي:12/16.

صفحه 299
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ1
فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!
وفي رأس القرن العاشر كانت ثلاث دول إسلامية كبيرة: الدولة العثمانية وعاصمتها القسطنطينية، والدولة الصفوية وعاصمتها تبريز، ودولة المماليك وعاصمتها القاهرة.
تولّى السلطان سليم زعامة السنّة، كما تولّى إسماعيل زعامة المذهب الشيعي، لكنّ السلطان سليم قتل في الأناضول وحدها أربعين ألفاً وقيل: سبعين لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة.2
وقال السيد عبد الحسين العاملي إنّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، وقُتل من جرّاء هذه الفتوى عشرات الأُلوف من شيعة حلب.
وفعل الجزّار والي عكّا في جبل عامل فعل الحجّاج في العراق وانتهب أموال العامليّين ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد،وبقيت أفران عكا توقد أُسبوعاً كاملاً من كتب العامليين.3

1 . ديوان ابن الرومي: 2 / 243.
2. البلاد العربية والدولة العثمانية للخضري:40، ط ـ 1960م، كما في الشيعة والحاكمون:194.
3. الشيعة والحاكمون: 194 ـ 196 .

صفحه 300
هذا كلّه في العصور السابقة وأمّا في العصر الحاضر فحدّث عنه ولا حرج.
ويكفي في ذلك ما يحدث في العراق وسورية ولبنان واليمن ،بل لم يسلم حتّى حجّاج بيت الله الحرام، فقد قتل في هذا العام (1436هـ) في الحرم الآمن لله سبحانه عدد كبير من ضيوف الرحمن يعدّ أكثرهم شيعة آل الله يوم عيد الأضحى، أي اليوم الذي جعله الله عيداً للمسلمين فصار ذلك اليوم يوم حداد وحزن، والله يعلم مَن هو المسبّب لاضطهاد المئات من الأبرياء بين قتيل وجريح ومفقود لم يعرف مصيره لحدّ الآن.
قال العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة، وتستجلب المخالفة بالطبع رقابة وحزارة في النفوس وقد يجرّ إلى اضطهاد أقوى الحزبين لأضعفه أو إخراج الأعزّ منهما الأذل كما يتلوه علينا التاريخ ، وتصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع

صفحه 301
الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية.
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى، متّبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم.1
روي عن صادق آل البيت(عليهم السلام) في الأثر الصحيح:«التقية ديني ودين آبائي» غير أنّ التقية لها شروط وأحكام أوضحها العلماء في كتبهم الفقهية .2
لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت(عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاً لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم. وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لابدّ أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.
ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.

1 . لاحظ : غافر: 28، النحل:106.
2 . لاحظ : أوائل المقالات: 96 ـ 97، قسم التعليقة.

صفحه 302
والذي يرشدك إلى ما ذكرنا هو أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عبّروا في غير واحدة من الروايات، عن التقية بأنّها «جُنّة المؤمن وحرزه وترسه وحصنه»، والجُنّة هو ما يدفع به المحارب ضربات العدو.
1. روى الكليني عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «كان أبي(عليه السلام)يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، إنّ التقية جُنّة المؤمن».1
2. وروى أيضاً عن أبي عبدالله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن».2
3. وروى أيضاً عن حريز، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «التقية ترس الله بينه وبين خلقه».3
وهذه الروايات تدل على أنّ التقية كانت سلاح المظلومين المضطهدين في مقابل الأسلحة الفتاكة التي تتوارد عليهم يوماً بعد يوم، فلم يكن لهم محيص إلاّ اللجوء إليها.
4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «ليس منا من لم يلزم التقية، ويصوننا عن سفلة الرعية».4 فالإنسان الساقط غير المتخلّق بأخلاق القرآن والسنّة يكون جريئاً بالنسبة إلى المخالف دون أن يراعي الحدود فلذلك أمر أهل البيت(عليهم السلام) بلزوم الأخذ بالتقية.
5. يقول المفضّل: سألت الإمام الصادق(عليه السلام) عن قوله: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث5.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 7.
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 13.
4 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 28.

صفحه 303
وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)1 قال: «التقية»، (فَما اسطاعُوا أنْ يظهروهُ وَ مَا استطاعُوا لَهُ نَقباً)(2) قال: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن
الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً».2
وقد انتقل الإمام(عليه السلام) من قصة ذي القرنين حيث إنّه عمل سدّاً بين المستضعفين والمستكبرين (يأجوج ومأجوج) إلى مسألة دينية واجتماعية هي أنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام)مازالوا معرّضين لهجمات المخالفين، فالذي يحميهم من شرور الأعداء هو التقية أي المماشاة معهم في اللسان والموافقة في العمل حتى لا يثوروا عليهم، إلى غير ذلك من الروايات التي تصور التقية بصور مختلفة حتى يقف الإنسان الواعي على أنّ الشيعة لم يطرقوا باب التقيّة مختارين، وإنّما أُلجئوا واضطروا إلى الدخول في ذلك الحصن بإذن من الله سبحانه.
***

أدلّة القاعدة

لأجل التعرّف على أدلّة جواز أو وجوب التقية وأقسامها وأحكامها على ضوء الكتاب والسنّة فلندرس كلّ ذلك وهو يأتي ضمن جهات:

الجهة الأُولى: ما استدلّ به من القرآن الكريم

شُرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم ووردت فيها آيات كريمة نستعرضها في المقام، ويستفاد من الجميع جوازها تكليفاً بالمعنى الأعم

1 . الكهف:95. الردم: السدّ .   2 . الكهف:97.
2 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 34.

صفحه 304
الّذي ينسجم مع وجوبها أو استحبابها في بعض الأحيان.

الآية الأُولى:

قال سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان وَلكِن مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ).1
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ) فيه وجهان:
الأوّل: أنّه بدل من (الْكَاذِبُونَ) في الآية المتقدمة أعني قوله تعالى:(إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
الثاني: أنّه مبتدأ، وقوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) خبره، وبما أنّ لفظة «مِن» تشير إلى الشرط دخلت الفاء على الخبر، وعلى هذا يكون ما بينهما جملة معترضة.
ترى أنّه سبحانه يسمح للمكرَه إظهار الكفر كرهاً ومجاراة للكافرين خوفاً منهم بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وقبل أن نذكر بعض كلمات المفسرين نذكر شأن نزول الآية:
1. ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي وأعطاهم عمّار ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول الله، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال رسول الله: «كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه»، وفي ذلك

1 . النحل:106.

صفحه 305
نزلت الآية، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت».1
2. قال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ثم قال: أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي.2
3. قال ابن كثير في تفسير قوله:(إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان): إنّه استثناء ممّن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
وقد روى العوفي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عمّار حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد، فوافقهم على ذلك مكرهاً وجاء معتذراً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف تجد قلبك؟»، قال: مطمئن بالإيمان، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن عادوا فعد». وقد ذكر بعض ما روي في هذا الصدد.3
ومورد الآية هو الاتّقاء من المشرك، وسوف يوافيك أنّ المورد غير مخصِّص، فلو كان الظلم من المسلم مثل ما كان من الكافر تجوز التقية أخذاً بالملاك وهو صيانة النفس والنفيس من الهلاك.

1 . مجمع البيان: 3 / 388.
2 . الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 4/57.
3 . تفسير ابن كثير:2/587.

صفحه 306
الآية الثانية:
قال سبحانه:(لا يَتّخذ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيء إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذركمُ اللهُ نَفسهُ وَإلَى اللهِ المَصيرِ).1
ولنذكر بعض الكلمات حول الآية:
1. قال الطبري: (إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً)قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (إلاّ أن تتقوا مِنْهُمْ تُقاةً)قال: التقية باللسان من حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان )فلا إثم عليه، إنّما التقية باللسان.2
وقوله:«التقية باللسان وليس بالعمل» فيما إذا كان إظهار الولاية لهم كافياً في دفع الشر، وأمّا إذا توقّف دفع الأذى على عمل إيجابي يدلّ على ولائه لهم فيجب حفظاً للنفس والنفيس. ولعلّ التأكيد على اللسان، لأجل الحذر عن الولاء قلباً وجناناً.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس، أو العرض، أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن

1 . آل عمران:28.
2 . جامع البيان للطبري:3/153.

صفحه 307
بالإيمان، لا يكون كافراً، بل يُعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وقد نزلت فيه الآية التي ذكرناها آنفاً.
2. قال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء. والعدو قسمان :
الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.
الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة.1
3. وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: (إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع على جوازها الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق).2

لماذا يتّقى من المسلم؟

ربما يقال: إنّ مورد الآية هو اتّقاء المسلم من الكافر، ولكنّ الشيعة تتّقي من المسلم حيث يُخفون عقيدتهم عن المسلم السنّي وهو يصلي ويصوم مثلهم، وهو خارج عن مفاد الآية؟
هذا هو السؤال وأمّا الإجابة فواضحة، فإنّ المورد ليس بمخصّص، فإنّ الغرض من تشريع التقية هو صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي

1 . روح المعاني:3/121.
2 . محاسن التأويل:2/180.

صفحه 308
في إيذاء الطرف الآخر، ففي تلك الظروف الحرجة لا مناص للمسلم الضعيف من اللجوء إلى التقية لصيانة نفسه ونفيسه، وهذا ممّا صرّح به علماء الإسلام في تفسير الآية، ونقتصر بثلاث كلمات لأقطاب التفسير:
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إلاّ أنْ تتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً)ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من قتل دون ماله فهو شهيد».1
2. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».2
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه:(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاّ

1 . تفسير الرازي: 8 / 13 في تفسير الآية.
2 . محاسن التأويل: 4 / 82 . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب أي بثّ حديث الرسول تقية وحفظاً لنفسه.

صفحه 309
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمان): ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهىّ عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».1
وحصيلة الكلام أنّه: يظهر من غضون التاريخ أنّ التقية من السلطان الجائر كانت أمراً شائعاً، وكان المسلمون يعملون بالتقية صادرين عن قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)2 .
هذا هو ابن الحنفية قال لبعض الغزاة: لا تفارق الأُمّة. اتق هؤلاء القوم بتقيتهم ـ قال الراوي: يعني بني أُمية ـ ولا تقاتل معهم. قال: قلت: وما تقيتهم؟ قال: تحضرهم وجهك عند دعوتهم، فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك، وتصيب من مال الله الّذي أنت أحق به منهم3.
وقال ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان إلاّ كنت متكلّماً به 4.
وقد كان حذيفة يقول: فتنة السوط أشد من فتنة السيف، وقال السرخسي: فكان حذيفة ممّن يستعمل التقية. 5

1 . تفسير المراغي: 3 / 136.
2 . آل عمران: 28 .
3 . الطبقات الكبرى، لابن سعد: 5 / 96. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام)لمصطفى قصير العاملي: 28 .
4 . الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 10 / 180. كما في التقية عند أهل البيت (عليهم السلام): 28 .
5 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 46. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .

صفحه 310
وفي الروايات: قال جابر بن عبدالله: لا جناح عليّ في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها .1
وعن بريدة بن عميرة: قال: لحقت بعبد الله بن مسعود، فأمرني بما أمره به رسول الله أن أُصلّي الصلاة لوقتها واجعل صلاتهم تسبيحاً، قال ابن عساكر: يعني أنّ الأُمراء إذا أخّروا الصلاة أُصلّيها لوقتها ثم أُصلّي معهم نافلة مخافة الفتنة.2
وروى أحمد في مسنده عن أبي ذر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخّرون الصلاة؟ ثم قال: صلّ الصلاة لوقتها ثم انهض، فإن كنت في المسجد حتّى تقام الصلاة فصل معهم .3
إلى غير ذلك ممّا يجده المتتبع في غضون التاريخ أنّ المسلمين كانوا يتّقون من السلاطين، وكان من مظاهر التقية مسألة الزكاة.
قال أبان: دخلت على الحسن وهو متوار زمن الحجاج في بيت أبي خليفة فقال له رجل: سألت ابن عمر أدفع الزكاة إلى الأُمراء؟ فقال: ابن عمر: ضعها في الفقراء والمساكين، فقال لي الحسن: ألم أقل لك إنّ ابن عمر كان إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء والمساكين؟ 4
إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصّة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّىّ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى، يلجأ إلى الاتّقاء عن أخيه

1 . المبسوط، للسرخسي: 24 / 47. كما في التقية عند أهل البيت(عليهم السلام): 28 .
2 . تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: 9 / 205 .
3 . مسند أحمد: 5 / 168 .
4 . المصنف، لعبدالرزاق الصنعاني: 4 / 47 ـ 48 .

صفحه 311
المسلم لا لقصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو عنده موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده.
نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ الله ليس له جهة، أو أنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبىّ الأكرم، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي وغيرهم الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شرّعت لأجله التقية، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارضه المهمّ.

الآية الثالثة:

قال سبحانه:(وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يعَْبُدُونَ إلاّ اللهَ فَأْوُوا إلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً).1 إنّ قصة أصحاب الكهف معروفة لا تحتاج إلى بيان وتفسير،فقد كانوا يعيشون مع الوثنيين مدة بعدما آمنوا بربهم وشملتهم الهداية الإلهية، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (وإذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ)، فإنّ الاعتزال فرع أن يكون القوم معهم في حلّهم وترحالهم أي مخالطين لهم.

1 . الكهف:16.

صفحه 312
فعاشوا مدّة في تلك الظروف بالتقية إلى أن عزموا على مواجهة ضغط المجتمع بالخروج عليهم(فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمواتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنا إذاً شَطَطاً)1.
فعند ذلك لم يكن لهم بد من الخروج عن بيئتهم ملتجئين إلى الكهف حتى يكتب الله تعالى لهم ما تقتضيه رحمته.
روى الكليني عن درست الواسطي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «ما بلغت تقية أحد تقيةَ أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير فآتاهم الله أجرهم مرّتين».2
وروى عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين».3
وفي رواية ثالثة عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «إنّ جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمد إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنّة».4
ولا ينافي ما جاء في هذا الخبر مع تظاهر أبي طالب بالإيمان بدين ابن أخيه(صلى الله عليه وآله وسلم) في أشعاره الكثيرة، وذلك لأنّه يمكن الجمع بأنّه لم يكن يتظاهر

1. الكهف:14.
2 . الوسائل:11، الباب26، من أبواب كتاب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . الوسائل:11، الباب29من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
4 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث17.

صفحه 313
بالإيمان في أوائل الأمر وكان يسالم قومه وإن تظاهر بذلك في أواخر عمره بعد ما بلغ السيلُ الزبى.
إنّ أبا طالب يصرّح بأنّ ابن أخيه محمداً رسول كموسى وعيسى إذ يقول:
ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً *** نظير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمر الله يهدي ويعصم1
ويقول في قصيدة أُخرى:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** نبيّاً كموسى خطّ في أوّل الكتب2

الآية الرابعة:

قال سبحانه:(وَقَالَ رَجُلٌ مَؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَون يَكْتُمُ إيمانهُ أتَقْتُلُونَ رَجلاً أنْ يَقُول رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُم بِالبَيّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإن يَكُ كاذِباً فَعَلْيه كَذِبُهُ وَإنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذي يَعدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).3
وكانت عاقبة أمره كما قال سبحانه: (فوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ).4
وهذا بعد ما بُعث موسى للرسالة.
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيته استطاع أن ينجي نبىّ الله من الموت: (وجاءَ

1. أعيان الشيعة:4/121.
2. الغدير:7/391.
3 . غافر:28.
4. غافر:45.

صفحه 314
رَجُلٌ مِن أقصى المدِينةِ يَسْعَى قالَ يامُوسى إنّ المَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنّي لَكَ مِنَ النّاصِحين)1. وهذا قبل أن يبعث موسى للرسالة. كلّ ذلك بناء على وحدة الرجلين مصداقاً .
وهذه الآيات تدلّ على جواز التقية لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر.
***

التقية بمعنى التورية

ربّما نسبت التقية إلى بعض الأنبياء ولكن لا بهذا المعنى ـ أي المماشاة مع الكافرين قولاً وعملاً ـ بل بمعنى التورية في تكلّمهم معهم.
روى الصدوق في العلل عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «لا خير فيمن لا تقية له، وقد قال يوسف: (أيَّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُون) 2 وما سرقوا شيئاً».3
ولا يخفى أنّ يوسف(عليه السلام) لم يكن هو المؤذِّن وإنّما أذَّن بذلك عماله، والنسبة إلى يوسف(عليه السلام)باعتباره هو الآمر، وقد صدرت هذه التورية لبعض المصالح التي فيها عزل أخيه بنيامين عن بقية إخوته، وهذه ليست تقية اصطلاحاً، بل المتّقي هنا هو القوي، والمتّقى منه هو الضعيف.
ونظير ذلك ما روي في حقّ إبراهيم(عليه السلام)، روى الكليني عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «التقية من دين الله»، قلت: من دين الله؟ قال: «أي والله

1. القصص:20.
2 . يوسف: 70 .
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 18 ولاحظ الحديث 19.

صفحه 315
من دين الله، ولقد قال يوسف: (أيَّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُون) والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: (إنِّي سَقِيمٌ)1 والله ما كان سقيماً».2
والتقية في المقامين اصطلاح خاص لا صلة له بالتقية في الأحكام والعقائد.
***

الجهة الثانية: التقية في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)

كان الضغط على الشيعة عامّة وعلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)خاصّة، سائداً أيام الأُمويين والعباسيين، فلم يكن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) بد إلاّ دعوة الشيعة إلى مماشاة المخالفين قولاً وعملاً حتى يصونوا بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ولذلك نرى تأكيداً شديداً على التقية في رواياتهم، والتي منها:
1. ما رواه الكليني عن ابن عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له».3
2. وروى أيضاً عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن القيام للولاة؟ فقال: قال أبو جعفر(عليه السلام): «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له».4
3. وروى أيضاً عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «اتقوا

1 . الصافات: 89 .
2 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.
3 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
4 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

صفحه 316
على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنّه لا إيمان لمن لا تقية له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم، أنّكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم، ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا».1
4. وروى أيضاً عن حبيب بن بشير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): سمعت أبي يقول: «لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلىّ من التقية، يا حبيب إنّه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله يا حبيب، إنّ الناس إنّما هم في هدنة، فلو قد كان ذلك كان هذا».2
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب.
فعليه يطرح هذا السؤال من الموافق والمخالف، وهو ما هو السر في التأكيد على التقية وجعلها تسعة أعشار الدين ووصف من لا تقية له بفاقد الإيمان؟
والجواب عن ذلك: أنّ مَن قرأ تاريخ حياة الشيعة في القرون الماضية يرى أنّ الشيعة كانوا يؤخذون بالظنة ويقتلون وتصادر أموالهم، وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ ما ذكره أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث».
قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت

1 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث8.
2 . الوسائل:11، الباب24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث9.

صفحه 317
الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة 1، وعلى كلّ منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي(عليه السلام)، فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضمّ إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ويحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنّ عليه.2
فإذا كان حال الشيعة بهذا الشكل في عصر معاوية المعروف بالدهاء والمرونة ـ كما تعرّفه كتب التاريخ ـ فكيف حالهم في عصر المروانيين الذين سلّطوا على شيعة الكوفة الحجّاج بن يوسف الثقفي فنكّل بهم وقتلهم قتلاً فظيعاً. ثم بعد أن دالت دولة الأمويين جاء عصر بني العباس فلم يكونوا أقل

1 . الكورة: البقعة الّتي تجتمع فيها المساكن والقرى. المنجد، مادة «كور».
2 . شرح نهج البلاغة: 11 / 44 ـ 46 .

صفحه 318
من سابقيهم في الظلم والقتل حتى صدق قول شاعرهم:
يا ليت جور بني مروان دام لنا *** يا ليت عدل بني العباس في النار
إنّ هدر الدم في سبيل الله تعالى من أفضل القربات، لكن بشرط أن تترتب عليه نتيجة إيجابية، لا على عكس المقصود، كإبعاد الشيعة من أوطانهم، وإقفال مساجدهم ومحافلهم، وإحراق كتبهم ومحو آثارهم. ففي هذه الظروف يؤكد الإمام(عليه السلام)على التقية ويراها تسعة أعشار الدين مبالغة في المقصود، ويرى المخالف ممّن لا دين له، أي لا يحترم دمه وعرضه ودم سائر أبناء مذهبه.
هذه بغداد مركز العلم والثقافة وقد كان الشيعة والسنة يعيشون فيها متسالمين، إلاّ أنّه بعد أن احتلّ السلاجقة بغداد وأزالوا حكم البويهيين فقد أضرموا نار العداء بين هاتين الطائفتين، وسرت شرارتها إلى الكرخ فقتل هناك من الشيعة وهدمت دورهم وأُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وأخذوا يحرقون الكتب، ولم يجد الشيخ بدّاً من مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الأشرف.
ثم لماذا نتصفح الأوراق التالدة للطائفتين، إذ يكفينا النظر إلى النار التي أجّجها الاستكبار العالمي في هذه الأيام بين الطائفتين ويتحمّل مسؤوليتها أُمراء المنطقة ووعّاظهم، فما زلنا نسمع بالقتل والدمار قائمين على قدم وساق، فلا يمر شيعي في بعض المناطق إلاّ ويؤخذ ويقتل أو يطلق سراحه بعد أخذ الأموال الطائلة.
فعند ذلك تتجلّى قيمة ما دعا إليه الأئمة(عليهم السلام) من وجوب الأخذ بالتقية.
***

صفحه 319

الجهة الثالثة: التقية في كلّ شيء اضطر إليه ابن آدم

الظاهر ممّا روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عموم التقية في كلّ شيء إلاّ ما خرج بالدليل. وإليك بعض ما ورد في ذلك:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «التقية في كلّ ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به».1
2. ما رواه أيضاً عن محمد بن مسلم و زرارة قالا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له».2
3. ما رواه البرقي في محاسنه عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «التقية في كلّ ضرورة».3
إلى غير ذلك ممّا يرفع شأن التقية ويصفها بقوله: «لا خير فيمن لا تقية له».4
ومع ذلك كله فقد ورد الاستثناء في موارد ثلاثة:
1. شرب الخمر، 2. مسح الخفّين، 3. متعة الحج.
ولعلّ المراد من الخمر هو الفقّاع الذي ورد في حقّه: انّه خميرة استصغرها الناس.5
والظاهر من الزمخشري أنّه الطلا وقال:

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث1.
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث2.
3 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث8.
4 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث30.
5. تهذيب الأحكام:9/125، الحديث 275.

صفحه 320
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به *** وأكتمه كتمانه لي أسلم
فان حنفياً قلت: قالوا بأنّني *** أُبيح الطلا وهو الشراب المحرّم1
روى الصدوق في «الخصال» عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قال:«لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفين».2
وروى الكليني عن زرارة قال: قلت له: في مسح الخفّين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهن أحداً: شرب الخمر، ومسح الخفين، ومتعة الحج»، قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهن أحداً.3
روى الشيخ عن أبي الوردة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى علياً(عليه السلام)أراق الماء ثمّ مسح على الخفين؟ فقال: «كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي(عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين»، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: «لا، إلاّ من عدوّ تتّقيه، أو ثلج تخاف على رجليك».4
وهاهنا سؤال وهو أنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالتقية في كلّ شيء اضطر إليه الإنسان، إلاّ أنّه استثنى هذه الأُمور الثلاثة، وعندئذ يقع الكلام فيما هو السر في هذا الاستثناء، مع العلم بأنّه إذا دار الأمر بين قتل الإنسان والمسح على الخفين تجب التقية، وهكذا في الموردين الآخرين.
والجواب: أنّ هذا الاستثناء يرجع إلى نفس أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولذلك قال في رواية زرارة: «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً»، ولم يقل: «ثلاثة لا تتقوا

1. لاحظ : بحار الأنوار : 104 / 104 .
2 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث3.
3 . الوسائل:11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث5.
4 . الوسائل:1، الباب38 من أبواب الوضوء، الحديث5.
Website Security Test