welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 241

خاتمة المطاف

الإضرار بالنفس

الإضرار بالنفس من المسائل التي يبتلي بها المكلّف في عصورنا هذه، نظير الدفاع عن الإسلام والمسلمين وإن كلّفه حياته، أو قتل المرأة نفسها تخلّصاً من الاعتداء على عرضها، أو الانتحار بغية التخلّص من مرض صعب العلاج.
وثمّة مسائل عامّة تدور حول تلك القاعدة، كالتدخين، وتعاطي المخدّرات، أو إهداء عضو من الأعضاء كالكلية للفاقدين لها، ومباراة الملاكمة التي كثيراً ما تنتهي إلى نقص أو جرح أو كسر لبعض الأعضاء، وتلويث البيئة الطبيعية التي ينجم عنها الإضرار بالنفس والغير، إلى غير ذلك من المسائل الجديدة التي ابتلى بها إنسان القرن العشرين.
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً كمقدّمة:

أ. أقسام الضرر بالنفس

المراد من الضرر بالنفس ما يعود إلى شخص الإنسان، سواء عاد الضرر إلى بدنه، أو إلى عرضه، أو إلى ماله، فالجميع يدخل تحت عنوان الضرر الشخصي، وعلى ذلك ينقسم الضرر إلى الأقسام التالية:
1. الانتحار وقتل النفس.
2. نقص عضو من الأعضاء.
3. إخماد قوّة من القوى الجسمانية الظاهرية والباطنية، كإزالة صفات

صفحه 242
الرجولية والإنجاب في الإنسان.
4. تعريض النفس إلى الأمراض واعتلال المزاج من خلال استعمال الأفيون والمخدّرات.
5. الإضرار بماله دون أن يعود إليه بنفع يذكر وإن لم يبلغ حد التبذير والإسراف.
6. الإذلال لنفسه وشخصيته.
هذه هي الأقسام المتصورة.

ب. خروج الضرر المنجبر

إنّ محطّ البحث هو الإضرار غير المنجبر، وأمّا إذا كان هناك ضرر يُجبر بنفع مساو أو أكثر فهو خارج عن محطّ البحث، وهذا كما إذا تحمّل السفر الشاقّ لأجل التجارة أو كسب المقام أو العلم، فلا شكّ أنّ العقلاء لا يرون ذلك ضرراً، لأنّ الضرر هو النقص، ولا نقص هناك بعد ما عاد الرجل من سفره بثروة طائلة.

ج. خروج بعض الأقسام عن محطّ البحث

لا شكّ انّ الإضرار بالنفس إذا انتهى إلى قتل النفس أو قطع عضو من الأعضاء أو إخماد قوّة من القوى كالرجولية والإنجاب فهو محرّم لا خلاف فيه، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (وَلاتُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة).1
وقال سبحانه: (وَلاتَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).(2)

1 . البقرة:195.   2 . النساء: 29.

صفحه 243
وأمّا قطع العضو أو إفساد القوى فهو أمر قبيح عند العقل وكفر للنعمة وتغيير لخلق اللّه سبحانه، فلا أظن بفقيه يُفتي بحلّيته إنّما الكلام في سائر الأقسام.

د. الرأي المشهور بين الفقهاء

إنّ المشهور بين الفقهاء منذ عصر مؤلّف «فقه الرضا» إلى يومنا هذا هي الحرمة، وكفى في ذلك، الفحص في أبواب مختلفة، وقد ذكرنا كلمات الفقهاء في بحوثنا الأُصولية، ومن أراد فليرجع إلى «الرسائل الأربع: الرسالة الثانية بقلم الشيخ الفاضل محسن الحيدري، حفظه اللّه» ولا نطيل البحث فيها، بل نقتصر بذكر عدة كلمات:
قال الشيخ الأنصاري في الفرائد: فكلّ إضرار بالنفس أو الغير محرّم غير ماض على مَن أضرّ.1
وقال في رسالته الخاصّة التي عملها في تفسير قاعدة «لا ضرر» : إنّ العلماء لم يُفرّقوا بين الإضرار بالنفس والإضرار بالغير.2
وقال: نعم قد استفيد من الأدلّة العقلية والنقلية تحريم الإضرار بالنفس.3
ويقول الإمام الخميني رحمه اللّه : يحرم تناول كلّ ما يضر بالبدن، سواء أكان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط

1 . فرائد الأُصول: 415، طبعة رحمة اللّه.
2 . رسالة نفي الضرر:21ـ 22.
3 . رسالة نفي الضرر:21ـ 22.

صفحه 244
الجنين، أو سبباً لانحراف المزاج، أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو لفقد بعض القوى كشرب ما يقطع به قوّة الباه.1
ويقول السيد الخوئي(رحمه الله): تحرم السموم القاتلة، وكلّ ما يضرّ الإنسان ضرراً يعتدّ به، ومنه الأفيون المعبر عنه بالترياك، سواء أكان من جهة المقدار المستعمل منه، أم من جهة المواظبة عليه.2
هذه بعض كلمات الأعلام، غير أنّ السيد الخوئي (قدس سره)خالف ما ذكره في منهاجه وجوّز في بحوثه الأُصولية الإضرار بالنفس، وقال:
ولكن التحقيق عدم ثبوت ذلك على إطلاقه أي في غير التهلكة وما هو مبغوض في الشريعة الإسلامية المقدّسة كقطع الأعضاء ونحوه، فإنّ العقل لا يرى أيّ محذور في إضرار الإنسان بماله، بأن يصرفه كيف يشاء بدافع عقلائي3 ما لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير، ولا بنفسه بأن يتحمّل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت سيرة العقلاء على السفر غير الخالي من الضرر على البدن بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر.4
يلاحظ عليه: أنّ بعض ما ذكره خارج عن محطّ البحث، لما علمت أنّ الضرر المنجبر بالنفع لا تشمله القاعدة وهو أمر رائج بين العقلاء، و المنافع

1 . تحرير الوسيلة: 2/163.
2 . منهاج الصالحين:2/337.
3 . لا يخفى أنّه إذا كان الإضرار بدافع عقلائي لا يطلق عليه الضرر لما عرفت أنّ البحث في الضرر غير المنجبر، فلابدّ من فرض الإضرار بالمال وصرفه في أغراض غير عقلائية وإن لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير.
4 . مصباح الأُصول: 2/549.

صفحه 245
الدنيوية لا تنفكّ عن الضرر بالبدن.
هذه هي المقدّمات اللازمة، فلندخل في صلب البحث، فنقول:
دلّ على حرمة الإضرار بالنفس الكتاب والسنّة والعقل.

الاستدلال على التحريم بالكتاب والسنّة

أمّا الكتاب فيكفي قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) .1
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه عطف على عمل السوء، الظلم بالنفس، والفرق بينهما أنّ المراد من عمل السوء هو الظلم بالغير ويقابله الظلم بالنفس، وكلاهما داخلان تحت الإثم المحرّم، قال سبحانه:
(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَن وَالإِثْم) .2
فتكون النتيجة حرمة الظلم على الغير والنفس على الوجه الكلي، وهو لا ينحصر بالمعاصي والمحرّمات الواردة في الكتاب والسنّة بعناوينها بل يعمّه وغيره، فكلّ شيء عُدَّ ظلماً على النفس فهو محرّم غير أنّ المعاصي من مصاديق الظلم على النفس لما يترتّب عليه من العقوبات.
وبذلك يظهر أنّ تخصيص الظلم بالنفس على خصوص الجرائم والمعاصي لا وجه له، بل يعم كلّ ما حرّمه الشارع أو ما يعدّ في العرف إضراراً على النفس وأمراً قبيحاً، وتعيين مصداقه بيد العرف.

1 . النساء:110ـ 111.
2 . الأعراف:33.

صفحه 246
وأمّا السنّة فيدّل على حرمة الإضرار لفيف من الروايات المبثوثة في أبواب الفقه، وإليك بيانها:

1. حديث لا ضرر

إذا كان مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي الحكم الضرري كما عليه المشهور في تفسير القاعدة فيشمل كلّ حكم ضرري، سواء أكان وجوباً أم إباحة، فالإضرار بالنفس إذاكان واجباً فهو حكم ضرري، كما أنّه إذا كان جائزاً أو مستحباً فهو أيضاً حكم ضرري يرتفع بعموم القاعدة.
وإن شئت قلت: إنّ الإضرار بالنفس لا يخلو من أحد أحكام خمسة، فلو كان حراماً فهو، وإلاّ فلو كان جائزاً بالمعنى الأعم داخلاً تحت الأحكام الأربعة الباقية، فهو حكم ضرري لا يجتمع مع نفي الحكم الضرري بصورة عامّة.
ويظهر من الشيخ عدم شمول القاعدة للضرر بالنفس بحجّة أنّ المنفيّ عبارة عمّا يكون حكم الشارع سبباً للإضرار لا اختيار المكلّف، وهو لا يصدق إلاّ إذا كان الإضرار واجباً دون ما يكون جائزاً موكولاً إلى اختيار المكلَّف، فإنّ سبب الإضرار عندئذ هو المكلّف، يقول ما هذا نصه: إنّ إباحة الإضرار بالنفس بل طلبُه على وجه الاستحباب ليس حكماً ضررياً ولا يلزم من جعله ضرر على المكلّفين.1
يلاحظ عليه: بما عرفت أنّ تشريع الإضرار على كلا الوجهين إيجاباً أو جوازاً ينافي عموم قوله: «لا ضرر» في لوح التشريع، ولا حكم ضرري في نطع التقنين. فتجويز الإضرار بالنفس وإباحته أو استحبابه حكم شرعي مجعول

1 . رسالة نفي الضرر: 21.

صفحه 247
ليس لصالح المكلّف بل لضرره، وهو يتنافى مع قوله: «لم أشرع حكماً ضررياً بتاتاً».
وبذلك يظهر النظر فيما ذكره المحقّق الخوئي تبعاً للشيخ حيث قال: إذا كان معنى قوله: «لا ضرر» هو نفي تشريع الحكم الضرري فهو يختصّ بجعل حكم إلزامي من الوجوب والحرمة، فانّه الذي يكون العبد ملزماً بامتثاله، فعلى تقدير كونه ضررياً كان وقوع العبد في الضرر مستنداً إلى الشارع بجعل الحكم الضرري.
وأمّا الترخيص في شيء يكون موجباً للضرر على نفس المكلّف أو على غيره فلا يكون مشمولاً لدليل نفي الضرر، لأنّ الترخيص في شيء لا يلزم المكلّف في ارتكابه حتى يكون الترخيص ضررياً، بل العبد باختياره وإرادته يرتكبه، فيكون الضرر مستنداً إليه لا إلى الترخيص المجعول من الشارع.1
والفرق بين الكلامين أنّ ظاهر كلام الشيخ نفي شمول القاعدة للحكم غير الإلزامي إذا انتهى إلى الضرر بالنفس، دونما إذا انجرّ إلى الضرر بالغير، بخلاف الكلام الثاني فإنّه صريح في عدم الشمول سواء استلزم الضرر بالنفس أو الغير حيث قال: موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الضرر على كلّ تقدير يستند إلى نفس المكلّف سواء كان الحكم إيجابياً أم إباحياً.
أمّا الثاني فواضح، وأمّا الأوّل فلأنّ الحكم الشرعي الإيجابي ليس سبباً

1 . مصباح الأُصول: 2/533.

صفحه 248
تامّاً لإيقاع الضرر وإنّما تتوسط بين الحكم الضرري ونفس الإيقاع، إرادة المكلّف واختياره كما تتوسّط أيضاً بين الحكم الإباحي وإيقاع الضرر.
نعم الفرق بينهما أنّ الشارع حثَّ على الإيقاع في صورة الإيجاب دون غيره، وهذا الفرق لا يكون فارقاً في أنّ الإضرار يعود إلى المباشر.
وثانياً: أنّ تشريع جواز الإضرار بالغير ينافي نفي جعل أيّ حكم ضرري، فلو أباح الشارع قتل النفس المحترمة وهتك الأعراض المصونة بلا إلزام، لما كان له أن يهتف ويقول لا حكم ضرري بحجّة أنّ العبد باختياره وإرادته يوقع الضرر.
ومن المعلوم أنّ ترخيص الإضرار رخصة من الشارع وتجويز له.

2. حديث وجوب الإفطار عند إضرار الصوم

ثمّة روايات تدلّ على وجوب الإفطار عند إضرار الصوم، روى الصدوق عنهم (عليهم السلام) : «كلّما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».1
كما روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصوم، قال (عليه السلام):« كلّ شيء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم».2
فقوله: «يسعه» لا ينافي ما رواه الصدوق من وجوب الإفطار، لأنّ الرواية الثانية بصدد نفي وجوب الصوم ولا نظر له إلى وجوب الإفطار أو جوازه.

1 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.

صفحه 249
وعلى كلّ حال فإنّ إيجاب الإفطار لنفي الإضرار، يدلّ على أنّ الملاك هو الإضرار، فيمكن أن يقال بأحد أمرين:
1. أنّ الحرام هو الإضرار بالبدن واقعاً ووجوب الصوم في حال المرض من مصاديق ذلك الحرام الكلّي.
2. أنّ الحرام هو نفس الصوم في حال المرض ولكن بملاك الإضرار، وعندئذ فالإضرار وإن لم يكن مصبّاً للحرمة لكن يكون مبغوضاً عند الشارع، لأنّه لا يمكن أن يكون الصوم حراماً بذلك الملاك ولا يكون ملاكه وسببه مبغوضاً.
وربما يقال بأنّ وجوب الإفطار بملاك أنّ الصوم رد هدية اللّه تبارك وتعالى، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».1 فحرمة الصوم لأجل كونه رداً للهدية لا بملاك الإضرار.
ولكنّه كلام غير تام، إذ لا مانع أن يكون في الحكم ملاكان: إضرار بالنفس، وردُّ هدية للّه تبارك وتعالى، وما أحسن كلام المحقّق في «المعتبر» حيث قال: المريض لا يصحّ صومه مع التضرّر لقوله (عليه السلام): «لا ضرر ولا ضرار» ولو تكلّفه لم يصحّ، لأنّه منهيّ عنه، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه في العبادات ويجب عليه لو لم يتضرّر.2

1 . الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.
2 . المعتبر: 2/685.

صفحه 250

3. حديث لزوم التيمّم إذا كان استعمال الماء مضرّاً

اتّفق الفقهاء على لزوم التيمّم وترك الاغتسال إذا كان استعمال الماء مضرّاً; ويدلّ عليه ما رواه البزنطي عن الرضا (عليه السلام)في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح، أو يكون يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: «لا يغتسل ويتيمّم».1
وتقرير الاستدلال كالسابق، فإنّ المراد من الخوف على النفس هو خوف الضرر، فالحرام إمّا هو الإضرار على النفس إذا كان هناك مظنته والاغتسال مصداق من مصاديق ذلك الموضوع الكلّي، أو يكون الحرام نفس الاغتسال وتضرّر الإنسان ملاكه فهو طبعاً مبغوض شرعاً لا يمكن أن يكون جائزاً.

4. حديث ما يضرّ من الأطعمة

هناك روايات تدلّ على تحريم المضرّ من الأطعمة، وأنّه سبحانه لم يحرِّمها إلاّ لكونها مضرَّة، ولنذكر منها ما يلي:
روى مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني جعلني اللّه فداك لِمَ حرم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟
قال: «إنّ اللّه لم يحرِّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه، من رغبة منه فيما حرّم عليهم، ولا زهد فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم، فأحلّه لهم، وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّمه عليهم.

1 . الوسائل:1، الباب 5 من أبواب التيمم، الحديث 7.

صفحه 251
ثمّ أباحه للمضطر وأحله له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثمّ قال: أمّا الميتة فإنّه لا يُدْمنها (وفي نسخة: لم ينل منها) أحد إلاّ ضَعُفَ بدنه ونَحَل جسمُه وذهبت قوّته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلاّ فجأة».1
والاستدلال بالحديث على غرار ما سبق والضمير المجرور(عنه) في قوله: «فعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه» يرجع إلى الموصول فتكون الميتة محرّمة لأجل الإضرار، وكذلك الدم، وعلى كلّ تقدير فالحرام إمّا هو عنوان الإضرار، والدم والميتة من مصاديق ذلك الحرام الكلّي، أو الحرام هو نفس تلك العناوين ولكن الإضرار علّة وملاك، ولا يصحّ أن يكون الشيء حراماً وملاكه غير مبغوض.
هذا وأنّ السيد الخوئي أورد على الاستدلال بالحديث بإشكالات أربعة، ولولا موقفه المسبَّق في مسألة الإضرار بالنفس لما حام فكره حول تلك الإشكالات، وإنّما هي وليدة اختيار جواز الإضرار بالنفس، وإليك الإشكالات ومناقشتها.
الإشكال الأوّل: أنّ الضرر لو كان علّة للتحريم يُستفاد منه عدم حرمة الميتة من نفس هذه الرواية، لأنّ المذكور فيها ترتّب الضرر على إدمانها، فلزم عدم حرمة الميتة من غير الإدمان(لعدم الملاك فيه) لأنّ العلّة المنصوصة تُعمِّم كما أنّها تُخصِّص.
مناقشتنا: أوّلاً: أنّ الموجود في بعض النسخ هو قوله: «لم ينل منها»

1 . الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1; وقد روي بأسانيد مختلفة تورث الاطمئنان بصدور الحديث.

صفحه 252
مكان «لا يُدمنها» فيكون الضرر كامناً في النيل منها لا في الإدمان، وتكون النتيجة حرمة أكل الميتة مطلقاً ولو مرّة.
وثانياً: أنّه يمكن أن يكون ملاك التحريم في صورة الإدمان هو الضرر، وأمّا في غير تلك الصورة، فملاك التحريم أمر آخر وهو أنّ تناول القليل وإن كان غير مضر لكنّه سيؤدِّي إلى تناول الكثير، وهذا أمر واضح في بعض المحرّمات، فإنّ المعتاد على المخدِّر ربّما يتناول شيئاً قليلاً منه على وجه لا يضر أبداً، ولكنّه يكون سبباً للاعتياد شيئاً فشيئاً، ولذلك حرّم الإسلام الإدمان على تناول الميتة بملاك الضرر، كما حرم القليل منها بملاك آخر وهو انتهاؤه إلى الإدمان عليها، وهذا ليس بعزيز، فإنّ الخمر حرام لإسكاره، ومع ذلك محرّم قليله الذي لا يُسكر أبداً.
وقد روي: «أنّ ما أسكر كثيره فقليله أيضاً حرام».1
فملاك التحريم في الكثير هو الإسكار كما أنّ ملاكه في القليل هو انتهاؤه إلى تناول الكثير.
الثاني: أنّه لو كان الضرر علّة للتحريم كانت الحرمة دائرة مداره، فإذا انتفى الضرر في موارد انتفت الحرمة، ولازم ذلك أن لا يحرم قليل من الميتة مثلاً بمقدار تقطع بعدم ترتّب الضرر عليه، مع أنّ ذلك خلاف الضرورة من الدين....
والفرق بين الإشكالين هو أنّ الأوّل منهما يُركِّز على أنّ الضرر يترتّب على إدمان أكل الميتة فلا يحرم إذا أكل لا مدمناً قليلاً كان المأكول أو كثيراً، ولكن الثاني يركّز على أنّ الضرر يترتّب على أكل الكثير ولو مرّة واحدة في

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 5.

صفحه 253
تمام العمر لا على القليل.
يلاحظ عليه: بما مرّمن أنّ المحرّم هو الأكل المضرّ، ولكن النهي عن أكل القليل منه لملاك آخر وهو ما عرفت من أنّ تجويزه القليل سيؤدّي إلى الكثير.
الثالث: أنّا نقطع بعدم كون الميتة بجميع أقسامها مضرّة للبدن، فإذا ذبح حيوان إلى غير جهة القبلة فهل يحتمل أن يكون أكله مضرّاً بالبدن مع الإدمان؟
يلاحظ عليه: أنّ الميتة في مصطلح القرآن والسنّة، هو ما مات حتف أنفه وإطلاقها على غير المذكّى مصطلح جديد في لسان المتشرّعة، من باب المجاز لوحدة حكمهما، والمقصود منها في الرواية هو الميتة في مصطلح العرف، أعني: ما إذا ما مات حتف أنفه، وهي مضرّة بلا شكّ.
أضف إلى ذلك: من أين تعلم بخلو غير المذكّى من الضرر، ونفيه على وجه الجزم ادّعاء محض.
الرابع: ما ورد في الروايات من ترتّب الضرر على أكل جملة من الأشياء كتناول الجبن في النهار، وإدمان أكل السمك، وأكل التفاح الحامض، إلى غير ذلك ممّا ورد في الأطعمة والأشربة، فراجع أبواب الأطعمة والأشربة من الوسائل مع أنّه لا خلاف ولا إشكال في جواز أكلها.1
يلاحظ عليه: أنّ تحليل الشارح أكل ما ذكر كاشف عن انجبار الضرر بنفع عاجل، وإلاّ فلو كان ضررها كضرر الميتة والدم لما أحلّها.
وبالجملة هذه الإشكالات ليست بمثابة تسبّب رفع اليد عن الرواية.

1 . مصباح الأُصول:2/550.

صفحه 254

5. حديث تحف العقول

روى الحسن بن علي بن شعبة عن الصادق (عليه السلام)قال: «أمّا ما يحل للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية... إلى أن قال: وكلّ شيء يكون فيه المضرة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة».1

6. حديث فقه الرضا

اعلم يرحمك اللّه أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقو للجسم فيه قوّة البدن فحلال، وكلّ مضر يذهب بالقوّة فحرام.2
وإذا تفحّصت أبواب الأطعمة المباحة والمحرّمة في هذين الجزأين من «الوسائل» لوقفت على روايات كثيرة تعلّل الحلية والحرمة بالصلاح والفساد.
وكيفية الاستدلال كما سبق من أنّ الموضوع إمّا المضرّ، والعناوين المحرّمة مصاديق للحرام الواقعي، أو أنّ الحرام هو نفس تلك العناوين والضرر هو الملاك ولا يمكن أن يكون العنوان حراماً والملاك غير مبغوض.

7. حديث ما يضر بالبدن

روى إسحاق بن عبد العزيز قال سئل أبو عبد اللّه في التدليك بالدقيق بعد النورة؟ فقال: «لا بأس» قلت: يزعمون أنّه إسراف؟ فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف ـ إلى أن قال: ـ إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن». وفي

1 . الوسائل: 17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.
2 . مستدرك الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 5.

صفحه 255
رواية أُخرى: «إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال».1
فالرواية تعلّل حرمة الإسراف فيما يرجع إلى البدن، بالإضرار به، والاستدلال في الجميع على نمط واحد.

الاستدلال على التحريم بالعقل

لا شكّ أنّ العقل يستقبح الإضرار بالنفس من دون غرض عقلائي مسوِّغ له، ويستقلّ بلزوم الاجتناب عنه، ويستكشف منه، كونه عند الشارع كذلك لما ذكر في محلّه أنّ حكم العقل بالقبح والاجتناب عن شيء حكم على نفس الشيء بما هو هو من دون خصوصية للمدرِك فيستكشف أنّه أيضاً كذلك عند الشارع.
وأمّا زرع الأعضاء ، فإنّما يجوز شريطة إذن الطبيب المتخصّص بذلك، كما في إهداء إحدى الكليتين لمن يعاني من عطل في عمل كليتيه، لأنّ الكلية الواحدة ـ هي في الواقع ـ بديلة عن الأُخرى، فإذا كانت إحداهما كافية في إنجاز الوظائف المخوّلة إليها في نظر المتخصّص، فلا مانع من إهداء إحداها إلى المريض الآخر، ولكن لا يجوز ذلك في العين ولا في اليد، لأنّه نقص في العضو وإضرار بالبدن.
***
تمّت قاعدة
لا ضرر ولا ضرار

1 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 5.

صفحه 256
 
القواعد الفقهية
      73

قاعدة الرفع

قاعدة الرفع   
تضافر حديث الرفع ووجوده في مصادر الفريقين
دراسة مدلول الحديث، وأنّ المرفوع عموم الآثار
المرفوع هو الأثر المترتب على فعل المكلف، لا الأثر المترتب على الشيء الخارجي
الأقوال في معذورية الجاهل
نقل كلام السيد الجزائري والمحقّق الأردبيلي
الأحاديث العشرة الدالة على معذورية الجاهل بالحكم
حكم مَن أفطر جاهلاً بحكم الشيء المفطر
الأقوال الخمسة في المسألة
بيان ما هو المختار، والتفريق بين الغافل والشاك
بيان ما هو المختار في معذورية الجاهل
من القواعد المحدّدة للإطلاق والعمومات قاعدة الرفع، والأصل في ذلك ما رواه الصدوق في «التوحيد» و«الخصال» عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«رفع عن أُمّتي

صفحه 257
تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».1
والرواية صحيحة بلا إشكال، وأحمد بن محمد بن يحيى وإن لم يوثّق ظاهراً إلاّ أنّه من مشايخ الصدوق، فهو أرفع من أن يحتاج إلى توثيق فأبوه محمد بن يحيى من مشايخ الكليني وهو من معاصريه وفي طبقته.
ورواها الكليني مرفوعة باختلاف يسير في آخرها.2
ورواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الأُمّة ست خصال: الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه.3
والحديث مرسل لتأخّر طبقة أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى عام 280هـ) ـ على القول المشهور ـ عن إسماعيل الجعفي الذي هو من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام).
وهناك صور أُخرى للرواية خلت من ذكر ما لا يعلمون.4
وفيما ذكرنا غنى وكفاية.
وأمّا مصادر أهل السنّة، فقد جاء فيها ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه

1. الوسائل:11، الباب56، من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
2. لاحظ: الكافي:2/463، باب ما رفع عن الأُمّة، الحديث2.
3. الوسائل:16، الباب16 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث3.
4. لاحظ: الوسائل:16، الباب16 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث4 و 5 و 6.

صفحه 258
قال: «وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».1

دراسة مدلول الحديث

لقد تكلّم الأصوليّون في مبحث البراءة عن مفاد الحديث على وجه مبسوط، والذي يهمّنا في هذا المقام هو بيان ما هو المرفوع، فتارة يقال: إنّ المرفوع هو المؤاخذة، وأُخرى الأثر المناسب لكلّ من الأُمور التسعة، ولكنّ الحقّ أنّ المرفوع هو جميع الآثار، فإنّ مقتضى رفع الشيء عن صفحة التشريع يناسب كونه مسلوب الأثر على وجه الإطلاق، إذ عندئذ يصحّ للشارع أن يخبر عن خلو صفحة التشريع عمّا لا يعلمون، وأمّا إذا كان بعضها موضوعاً دون الآخر فلا يناسب القول بالرفع على وجه الإطلاق، وعلى هذا فلا فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر، ووجوب جلد شاربها، أو الوضعية كالجزئية والشرطية عند الجهل بحكم الجزء والشرط. وتدلّ على أنّ المرفوع عموم الآثار، القرائن التالية:
1. إطلاق الحديث من جانب المرفوع فلا يختصّ بمرفوع دون مرفوع.
2. كونه حديث امتنان الذي يناسب رفع الجميع.
3. ظهور كون الرفع من خواص أُمّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لو اختصّ الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في الجاهل خصوصاً إذا كان غافلاً، إذ تقبح المؤاخذة عليه بحكم العقل.

1. رواه بهذا اللفظ: ابن ماجة في سننه:1/659، برقم 2043، و 2045، والبيهقي في سننه:6/84، وابن حبّان في صحيحه:16/202، والهيثمي في مجمع الزوائد:6/250، والطبراني في المعجم الأوسط:8/161، وغيرهم.

صفحه 259
4. ما رواه البرقي عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن(عليه السلام) في الرجل يستكره على اليمين بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال(عليه السلام):«لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا، وما لا يطيقوا، وما أخطأوا»1، فقد استدلّ الإمام(عليه السلام)بحديث الرفع عن رفع الحكم الوضعي، أعني: صحّة الطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، ومقتضى وحدة السياق كون الرفع أيضاً كذلك.
فإن قلت: إنّ الحلف على الأُمور الثلاثة باطل عندنا مطلقاً حتى في حال الاختيار فضلاً عن صورة الإكراه فيكون استدلال الإمام بالقاعدة من باب التقية لعدم الفرق بين حالتي الإكراه والاختيار.
قلت: قد أجاب عنه شيخنا الأنصاري في فرائده وقال: إنّ التقية في تطبيق الكبرى على المورد(الحلف على الأُمور الثلاثة)، لا في أصل القاعدة فهي حجّة في غير هذه الموارد.
وعلى ما ذكرنا فالجاهل معذور في الأحكام الوضعية والتكليفية إلاّ إذا دلّ الدليل على الاشتغال كما هو الحال في صيد المحرم، فإنّ الكفّارة تتعلّق بالعالم بالحكم والجاهل به.
روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: سألته عن المحرم يصيد الصيد بجهالة؟ قال(عليه السلام):«عليه كفّارة»، قلت: فإن أصابه خطأ؟ قال:«وأي شيء الخطأ عندك»؟ قلت: ترمي هذه النخلة فتصيب نخلة أُخرى، فقال:«نعم هذا الخطأ، وعليه الكفّارة».2

1. الوسائل:16، الباب12 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث12; نقلاً عن المحاسن:136.
2. الوسائل:9، الباب31 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2; ولاحظ سائر أحاديث الباب.

صفحه 260

المرفوع هو الأثر المترتّب على فعل المكلّف

الآثار الشرعية تارة تترتّب على فعل المكلّف كالحرمة المترتّبة على شرب الخمر، وأُخرى على ذات الشيء كالنجاسة المترتّبة على ذات الخمر، فالمرفوع هو الأوّل دون الثاني، فلو شرب الخمر جهلاً بالحكم فالمرفوع هو الحرمة دون نجاسة يده وما لاقاه الخمر.
فحديث الرفع دالّ على صحّة عبادة الجاهل وسائر أعماله إلاّ أن يدلّ دليل على الخلاف، وبما أنّا أشبعنا الكلام في مفاد الحديث في محاضراتنا الأُصولية، فلنقتصر بذلك، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «المبسوط».1

حكم الجاهل بالأحكام

ولمّا بلغ بنا الكلام إلى هنا ناسب أن نبحث عن حكم الجاهل بالأحكام، فإنّ القول المشهور ربّما يخالف ما استفدناه من حديث الرفع وإليك الأقوال:
1. عدم معذورية الجاهل إلاّ في موردين:
أ. الجهر والإخفات.
ب. القصر والإتمام.
وقد اشتهر قولهم: عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل، واستثنى بعض المعلّقين: ما إذا كان مطابقاً للواقع أو لفتوى مَن يجب عليه تقليده.2
2. ذهب جمع من المتأخّرين ومتأخّري متأخّريهم إلى معذورية

1. لاحظ: المبسوط:3/365ـ 389.
2. العروة الوثقى: فصل التقليد، المسألة7.

صفحه 261
الجاهل مطلقاً إلاّ في مواضع يسيرة، ونسب هذا القول في الحدائق إلى المحدّث السيد نعمة الله الجزائري.1 بل حكى عن المحقّق الأردبيلي صحّة صلاة العوام كيف كانت.2
3. ما نقله صاحب الجواهر عن بعض مشايخه وهو الفرق بين الجاهل المقصّر في السؤال وبين غير المقصّر.3
4. التفريق بين الغافل والشاك، أي بين غير المتنبّه للواقعة والمتنبّه.4
ويظهر من صاحب الجواهر إرجاع القول الثالث إلى الرابع حيث قال: التفصيل بين الجاهل المقصّر وبين غير المقصّر لعدم تنبّهه.(5)
ولعلّ القول الأخير الذي نعبّر عنه بالفرق بين الشاكّ والغافل هو الأوفق بالروايات، وإليك ما يدلّ على المعذورية في موارد خاصّة والتي تصلح لانتزاع ضابطة كلّية في عامّة الموارد، فالغافل معذور، لا يجب عليه القضاء والكفّارة دون المتنبّه الشاك، وإليك ما يدلّ على هذا القول.
وقبل دراسة الأدلّة نذكر ما ذكره السيد الجزائري في هذا المقام، فإنّ فيه إيضاحاً للمراد، قال: والناس في الأعصار السابقة واللاحقة كانوا يتعلّمون العبادات وأحكامها من الواجبات والمندوبات والسنن بعضهم من بعض من غير معرفة باجتهاد ولا تقليد، والعوام في جميع الأعصار حتى في أعصار الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يصلّون ويصومون على ما أخذوا من الآباء ومن حضرهم من

1. الحدائق الناضرة:1/78، المقدمة الخامسة، والدرر النجفية:1/78 وسيوافيك كلامه.
2. مجمع الفائدة البرهان:2/54ـ55.
3. جواهر الكلام:16/255، فيمن استعمل المفطر جاهلاً بالحكم.
4. الحدائق الناضرة:1/78ـ 87، المقدمة الخامسة.   5 . جواهر الكلام:16/255.

صفحه 262
العلماء وإن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد.
وأنت إذا تتبّعت عبادات عوام المذهب لا سيّما في الصلاة، ما تجد أحداً منهم إلاّ والخلل في عباداته خصوصاً الصلاة، ولا سيّما القراءة فيما يوجب بطلانها بكثير، فيلزم بطلان صلاتهم كلّها، فيكونون متعمّدين في ترك الصلاة مدّة أعمارهم بل مستحلّين تركها; لأنّهم يرون أنّ الصلاة المشروعة هي ما أتوا به وقد حكمتم ببطلانها، فهذه الداهية العظمى والمصيبة الكبرى على عوام مذهبنا مع تكثّرهم ووفورهم .1
وقال المحقّق الأردبيلي: وبالجملة كلّ من فعل ما هو في نفس الأمر وإن لم يعرف كونه كذلك، ما لم يكن عالماً بنهيه وقت الفعل حتى لو أخذ المسائل من غير أهلها، بل لو لم يأخذ من أحد، وظنها كذلك به وفعل، فإنّه يصحّ فعله، وكذا في الاعتقادات وإن لم يأخذها عن أدلّتها، فإنّه يكفي ما اعتقده دليلاً وأوصله إلى المطلوب ولو كان تقليداً.
ثم استدلّ بما رواه أبو أيوب الخزّاز عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن التيمّم؟ فقال: «إنّ عمّاراً أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمّار تمعّكت كما تتمعّك الدابّة»، فقلت له: كيف التيمّم؟ فوضع يده على المِسح،2 ثم رفعها فمسح وجهه ثم مسح فوق الكف قليلاً.3 قوله: فتمعّك: من المعك وهو التمرّغ في التراب بجميع بدنه قياساً بالغسل.

1. لاحظ: الدرر النجفية:1/78ـ79.
2. المِسح ـ بالكسر ـ هو البلاس، أي البساط.
3. الوسائل:2، الباب11 من أبواب التيمّم، الحديث2.

صفحه 263
وقال: إن تأمّلت مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار حين غلط في التيمم، قال: أفلا صنعت كذا، فإنّه يدلّ على أنّه لو فعل كذا لصحّ، مع أنّه ما كان يعرف.1
ولا يخفى أنّ بين نظر العلمين فرقاً واضح، لأنّ الثاني إنّما يقول بالإجزاء إذا كان عمل الجاهل مطابقاً للواقع، لا مخالفاً، بخلاف الجزائري فإنّه يقول بالإجزاء مطلقاً إلاّ ما خرج بالدليل، وليس كلام المحقّق الأردبيلي أمراً بعيداً، إذ عليه أغلب المعلّقين على العروة، حيث إنّ السيد الطباطبائي يقول ببطلان عمل العامي المجرّد عن الاجتهاد والتقليد والاحتياط، فجاء المتأخّرون استثنوا صورة، وهي ما إذا وافق عمل فتوى مَن يجب عليه الرجوع إليه بشرط صدور العمل العبادي مقروناً بالقربة.

ما يدلّ على معذورية الجاهل الغافل

1. صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«مَن لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه وهو مُحرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه».2
2. مرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام): في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلّها وطاف وسعى؟ قال: «تجزيه نيّته إذا كان قد نوى ذلك فقد تمّ حجّه، وإن لم يهل».3
3. روى الشيخ عن علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان متمتّعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يُحرم يوم التروية بالحجّ حتى رجع إلى

1. مجمع الفائدة والبرهان:2/54ـ55. وقوله:«ألاّ فعلت كذا» جاء في رواية زرارة بالنحو التالي:«صنعت كذا ثم أهوى بيديه إلى الأرض» لاحظ الحديث 8 من نفس الباب.
2. الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث4.
3. الوسائل:8، الباب20 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 264
بلده؟ قال:«إذا قضى المناسك كلّها فقد تمّ حجّه».1
4. ما رواه الشيخ عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: أنّ رجلاً أعجميّاً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه... فقال لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة، فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء، وأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي وأنزعه من قبل رجلي، وأنّ حجي فاسد، وأنّ عليّ بدنة، فقال له: متى لبست قميصك، أبعد ما لبّيت أم قبل، قال: قبل أن ألبّي، قال: فأخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحجّ، واصنع كما يصنع الناس».2
والقدر المتيقّن من هذه الأحاديث معذورية الجاهل بالحكم إذا كان غافلاً غير متنبّه، لا شاكّاً متنبّهاً ومتردّداً، فهو خارج عن مساق هذه الروايات.
والذي يشهد على أنّ القدر المتيقّن هو الجاهل الغافل الرواية التالية:
5. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة؟ أهي ممّن لا تحلّ له أبداً؟ فقال: «لا أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعدما تنقضي عدّتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك». فقلت: بأي الجهالتين أعذر: بجهالته أن يعلم أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال: «إحدى الجهالتين أهون من

1. الوسائل:8، الباب20 من أبواب المواقيت، الحديث2.
2. الوسائل:9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 265
الأُخرى، الجهالة بأنّ الله حرم عليه ذلك، وذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها». فقلت: وهو في الأُخرى معذور. فقال: «نعم إذا انقضت مدتها فهو معذور في أن يتزوجها».1
وجه الشهادة: أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بأنّ الجاهل بالحكم غير قادر على الاحتياط، وهو منحصر بالجاهل الغافل لا الشاكّ، إذ هو قادر على الاحتياط، فدلّت الرواية على أنّ الجاهل الغافل عن الموضوع والحكم إذا تزوّج في العدّة فلا ينشر الحرمة مطلقاً دخل بها أو لا، غير أنّ الإطلاق خصّص بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا تزوّج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها لم تحلّ له أبداً عالماً كان أو جاهلاً، وإن لم يدخل بها حلّت للجاهل ولم تحلّ للآخر».2
ولذلك نرى أنّ الشيخ الحرّ العاملي علّق على صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وقال:هذا مخصوص بالغافل دون حالة الشكّ والشبهة; لأنّه لا يقدر على الاحتياط مع الغفلة.
وفي نفس الباب، روايات أُخرى تدلّ على معذورية الجاهل إذا تزوّج في العدّة ولم يدخل بها.
ويبقى في مورد الرواية سؤال وهو أنّ لازم القول بالتفصيل بين الغافل والشاكّ وحمل الفقرة الثانية عليه أن لا يكون الشاكّ في الموضوع معذوراً مع أنّ الإمام أيضاً وصفه بكونه معذوراً، والجواب أنّه يعد مستثنى من القاعدة التي اخترناها.

1. الوسائل:14، الباب17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث4.
2. الوسائل:14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث3.

صفحه 266
6. ما ورد في الحدود في موثّقة ابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر، فرفع إلى أبي بكر، فقال له: أشربت خمراً؟ قال: نعم، قال: ولم، وهي محرّمة؟ قال: فقال له الرجل: إنّي أسلمت وحسن إسلامي ومنزلي بين ظهراني1 قوم يشربون الخمر ويستحلونها (يستحلون)، ولو علمت أنّها حرام اجتنبتها، فالتفت أبو بكر إلى عمر، فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلاّ أبو الحسن، فقال أبو بكر: ادع لنا عليّاً، فقال عمر: يؤتى الحَكم في بيته، فقام والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى أتوا أمير المؤمنين(عليه السلام) فأخبراه بقصّة الرجل وقصّ الرجل قصته، فقال: «ابعثوا معه مَن يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار مَن كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه»، ففعلوا ذلك به فلم يشهد عليه أحد بأنّه قرأ عليه آية التحريم، فخلّص عنه، فقال له:«إن شربت بعدها أقمنا عليك الحدّ».2
7. ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتمّ الصلاة، فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة».3
8. روى زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر(عليه السلام): رجل صلّى في السفر أربعاً، أيعيد أم لا؟ قال: «إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له

1. ظَهْرانيهم: وسطهم وفي معظمهم ويقال: رأيته بين ظَهراني الليل: بين العشاء والفجر.
2. الوسائل:18، الباب10 من أبواب حدّ المسكر، الحديث1.
3. الوسائل:5، الباب17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3. أزمعت أي عزمت، وأزمع الأمر وبه وعليه: مضى فيه، وثبّت عليه عزمه. لسان العرب: 8 / 143، مادة «زمع».

صفحه 267
فصلى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».1
وعلى ضوء هذه الروايات فالغافل عن الحكم الشرعي بالكلّية معذور، بخلاف غير الغافل إذ عليه الفحص والتفتيش عن الأدلّة والسؤال، ويشهد على هذا التفصيل مضافاً إلى ما تقدّم من حديث عبد الرحمن بن الحجاج:
9. حسنة بُريد الكُناسي في حديث طويل، قال: قلت: فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة ولكن لا تدري كم هي؟ فقال: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم».2
فإنّ قوله: «لزمتها الحجّة» بمعنى أنّ الشكّ كاف في الحكم بعدم كونها معذورة.
وممّا يدلّ على خروج الجاهل الشاكّ عن إطلاق هذه الروايات هو أنّ القول بصحّة عباداته ومعاملاته، يستلزم إقرار الجاهل على جهله، وهو بعيد عن روح الإسلام، وإلاّ يكون إرسال الرسل وإنزال الكتب قليل الفائدة، إذ لازم القول بالإطلاق هو عدم وجوب التعلّم والسؤال على الجاهل الشاكّ، وهو يلازم ما ذكرنا.
10. ما رواه مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفر بن محمد(عليهما السلام) وقد سُئل عن قوله تعالى: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)،(3) فقال: «إنّ الله تعالى يقول للعبد

1. الوسائل:5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4. أُريد بقوله: «فسّرت» أنّ قوله سبحانه:(لا جُناحَ) في آية التقصير، نظير قوله تعالى في آية السعي:(لا جُناحَ أن يَطَوّفَ بِهِما)، فالتقصير واجب مثل وجوب السعي بين الصفا والمروة، وأمّا وجه التعبير عن الحكم الوجوبي بقوله: (لا جُناحَ) فلنكتة مذكورة في الرواية، فلاحظ.
2. الوسائل:18، الباب17 من أبواب حدّ الزنا، الحديث13.   3 . الأنعام:149.

صفحه 268
يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بماعلمت؟ وإن قال: كنت جاهلاً، قال: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة».1
ولعل فيما ذكرنا من الروايات في أبواب مختلفة كاف في إثبات ما اخترناه.

مَن أفطر عن جهل

نعم بقي الكلام في الروايات الواردة فيمن أفطر جهلاً بحكم (الشيء) المفطر، فإنّ للأصحاب فيه أقوالاً وإليك بيانها:
1. عدم وجوب القضاء والكفّارة على الجاهل، وهذا هو ما روي عن الشيخ في «التهذيب» وابن إدريس، قالا: إذا جامع أو أفطر جاهلاً بالتحريم لم يجب عليه شيء، وظاهره سقوطهما معاً، واحتمله في «المنتهى» لسقوط القلم عنه.2 وهو خيرة صاحب الحدائق جمعاً بين الطائفتين من الروايات.3
2. وجوب القضاء والكفّارة، وهو الظاهر من المحقّق في «الشرائع» حيث قال: كلّ ما ذكرناه أنّه يفسد الصيام، إنّما يفسده إذا وقع عمداً، سواء كان عالماً أو جاهلاً.4 والجاهل من أقسام العامد.
3. وجوب القضاء دون الكفّارة، وهو خيرة المحقّق في «المعتبر».5

1. أمالي الشيخ المفيد:228.
2. لاحظ: التهذيب:4/208; السرائر: 1 / 386 ; المنتهى: 9 / 99 .
3. الحدائق: 13 / 66 .
4. شرائع الإسلام:1/191.
5. المعتبر:2/662.

صفحه 269
وفي «المدارك» : وإلى هذا القول ذهب أكثر المتأخّرين، وهو المعتمد.1
ونقل في «الجواهر» قولاً رابعاً وهو التفصيل بين الجاهل المقصّر في السؤال فيجب عليه القضاء والكفّارة، وبين غير المقصّر فلا تجب عليه الكفّارة خاصّة، قال: واختاره بعض مشايخنا.2
وهناك قول خامس وهو التفريق بين الجاهل الشاك في الحكم والجاهل الغافل غير المتنبّه، فيجب القضاء والكفّارة على الأوّل دون الثاني، ولعلّه مقتضى الجمع بين الروايات.
إذا عرفت الأقوال فلنذكر الروايات، وهي على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدلّ بإطلاقه على وجوبهما

1. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن رجل يعبث بامرأته حتى يُمني وهو مُحرم من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان؟ فقال(عليه السلام):«عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الذي يجامع».3
2. ما رواه سماعة، قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستين مسكيناً مدّ لكلّ مسكين».4
3. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن النعمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه

1. مدارك الأحكام:6/606.
2. جواهر الكلام:16/255.
3. الوسائل:7، الباب4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث3.
4. الوسائل:7، الباب4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث4.

صفحه 270
سُئل عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان، فقال: «كفّارته جريبان من طعام وهو عشرون صاعاً».1
ووجوب الكفّارة لا ينفك عن وجوب القضاء، إذ لولا فساد العمل لما وجبت الكفّارة وفساد العمل يلازم القضاء.
ولو تمّ إطلاق الروايات فهي دليل قول المحقّق من وجوبهما.
وأمّا ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا(عليه السلام) فالظاهر أنّه محمول على العامد، كما لا يخفى على مَن لاحظ الرواية.2

الطائفة الثانية: ما يدلّ على اختصاصهما بالعامد

1. ما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل أفطر من شهر رمضان متعمّداً يوماً واحداً من غير عذر، قال:«يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق».3
2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال:سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً؟ قال: «يتصدّق بعشرين صاعاً ويقضي مكانه».4وسيوافيك توضيحه في الحديث التالي.
3. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعاً

1. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث6.
2. لاحظ: الوسائل:7، الباب10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث1.
3. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث1.
4. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث4.

صفحه 271
لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل».1
4. ما رواه المشرقي 2 عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أيّاماً متعمّداً، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب:«مَن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوماً بدل يوم».3
5. ما رواه سماعة، قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمّداً؟ قال: «عليه عتق رقبة أو إطعام ستّين مسكيناً أو صوم شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم، ومن أين له مثل ذلك اليوم».4
ثمّ إنّ صاحب الحدائق جمع بين الطائفتين بتقييد الطائفة الأُولى بالثانية، فخرج بالنتيجة التالية وهي ثبوت القضاء والكفّارة في المتعمّد دونهما في غيره.5
وأورد في «المستند» على هذا الجمع: بأنّه لا يصحّ الاستناد إلى قيد تعمّد الإفطار، لورود القيد كما في السؤال أو في الجواب أيضاً لذكره في السؤال، الموجب لعدم اعتبار مفهوم له.6
يلاحظ عليه: أنّ اهتمام السائل أو الإمام بهذا القيد يكشف عن كون الارتكاز عن مدخليته في الحكم، وإلاّ لما كان هناك داع لذكره في السؤال أو الجواب.

1. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث10.
2. وهو هشام بن إبراهيم، لاحظ رجال النجاشي برقم 1169.
3. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث11 .
4. الوسائل:7، الباب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث13.
5. الحدائق الناضرة:13/130.
6. مستند الشيعة:10/327.

صفحه 272
فيصحّ تقييد الطائفة الأُولى بالثانية ويثبت التفصيل. ويمكن تأييد هذا القول بطريق آخر وهو التشكيك في وجود الإطلاق في الطائفة الأُولى، فإنّ المتبادر منها هو العمد كما في قوله: عن رجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم، أو رواية سماعة: عن رجل لزق بأهله فأنزل، كلّ ذلك يتبادر منه أنّ المكلّف كان واقفاً على الحرمة، بشهادة أنّه محرم.
نعم: الذي يمكن أن يقال في الطائفة الثانية: إنّ الشاكّ في الحكم من أقسام المتعمّد حيث إنّه مع تردّده في الحكم قام بالفعل فمثله يُعدّ عامداً، كمن إذا تردّد في كون إنسان محقون الدم أو مهدوره فقتله، فيُعدّ عامداً لا خاطئاً، فالقدر المتيقّن من الروايات المخصّصة المقيّدة هو الجاهل الغافل غير الشاك وغير المتنبه، وهو أيضاً يلوح من صاحب الجواهر.1

الطائفة الثالثة: ما هو صريح في معذورية الجاهل

ويدلّ بعض على معذورية الجاهل نظير:
1. ما تقدّم في رواية عبد الرحمن بن الحجاج من أنّ الجاهل بالحكم لا يقدر على الاحتياط، وقد قلنا إنّه مختصّ بغير الشاكّ وغير المتنبّه، وإلاّ فالشاك قادر على الاحتياط.
2. موثّقة زرارة وأبي بصير، قالا جميعاً: سألنا أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وأتى أهله وهو محرم، وهو لا يرى إلاّ أنّ ذلك حلال له؟ قال: «ليس عليه شيء».2

1. جواهر الكلام:16/255.
2. الوسائل:7، الباب9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث12.

صفحه 273
فإنّ الرواية هي الرواية الحاسمة الجامعة بين الروايات، فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الجاهل بالحكم غير المتنبّه يسقط عنه القضاء والكفّارة في عامّة الأبواب، إلاّ إذا دلّ دليل على فساد العمل من وجوب القضاء أو الكفّارة كما في صيد المحرم فالكفّارة واجبة على العالم والجاهل.
ثمّ إنّ القول بالإجزاء وعدم القضاء والكفّارة إنّما هو فيما إذا تحقّق منه الإمساك عن الأكل والشرب، وإن لم يُمسك عن البعض الآخر، كالارتماس في الماء وغيره وإلاّ، فعليه القضاء قطعاً لعدم صدور عمل منه يقوم مقام الواجب، وقد أوضحنا ذلك في مبحث الإجزاء في الأُصول. وإنّ القول به فيما إذا قام المكلّف بعمل شرعي فاقد للشرائط أو الإجزاء دون ما لم يقم بعمل أصلاً.
***
تمّت
قاعدة الرفع

صفحه 274
 
القواعد الفقهية
      74

قاعدة

لزوم الوفاء بالمنذور
قاعدة لزوم الوفاء بالمنذور   
تعريف النذر
دليل مشروعية النذر
أقسام النذر
ما هو الشرط المعلّق عليه؟
دليل المخالف
النذر يحدّد أحكام العناوين الأوّلية
لو شكّ في كون الشيء طاعة
من القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات، قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين، فإنّ المنذور قد يكون مستحبّاً، لكنّه يصبح بتعلّق أحد العناوين الثلاثة واجباً، بالعرض، لما سيوافيك أنّ الوجوب يتعلّق بالوفاء أوّلاً وبالذات لقوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)1، وبالمنذور ثانياً وبالعرض،

1. الحج:29.

صفحه 275
وسيوافيك توضيحه، ومثله العهد واليمين.
إذا عرفت ذلك فلنذكر شيئاً ممّا يتعلّق بماهيّة النذر، ومن خلاله يظهر حال العهد واليمين، وقبل الورود في الموضوع نذكر أُموراً تمهيدية فنقول:

1. تعريف النذر

النذر: ـ لغة ـ الوعد. و ـ شرعاً ـ : الالتزام بالفعل أو الترك على وجه مخصوص، وعرّفه في «الدروس» بقوله: التزام الكامل المسلم المختار القاصد غير المحجور عليه، بفعل أو ترك، لقوله:لله، ناوياً القربة.1

2. دليل مشروعيته

يدلّ على مشروعية النذر قوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)2، وقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا)3، مضافاً إلى الإجماع والسنّة والسيرة.

3. أقسام النذر

ينقسم النذر إلى: نذر البِرّ، ونذر الزجر، ونذر التبرّع.
والأوّلان رهن وجود شرط به يكون النذر نذرَ برّ أو زجر، فنذر البرّ كأن يقول: إن عافاني الله أو رزقني ولداً فللّه عليّ كذا، وأمّا نذر الزجر كأن يقول: إن كذبت فللّه عليّ كذا، أو إن تركت واجباً أو مستحبّاً فللّه عليّ كذا، وهذان

1. الدروس الشرعية:2/149.
2. الحج:29.
3. الإنسان:7.

صفحه 276
القسمان ـ أعني: نذر البرّ ونذر الزجر ـ من أقسام النذر المعلّق أي ما يشتمل على شرط وجزاء.
وأمّا نذر التبرّع فهو أن يقول: لله عليّ كذا، دون أن يعلّقه على شيء.
قال المحقّق: ولا ريب في انعقاد النذر بالأُوليين أي المعلّق بكلا قسميه، وفي الثالثة خلاف والانعقاد أصح.1
ونسب الخلاف إلى السيد المرتضى حيث قال: إنّ العرب لا تعرف من النذر إلاّ ما كان معلّقاً كما قاله تغلب، والكتاب والسنّة وردا بلسانهم، والنقل على خلاف الأصل. ونقله الطريحي في «مجمع البحرين» مادة «نذر».2ولكن الظاهر وقوعه.
وما ذكر من أنّ النذر هو الوعد بشرط يخالف ما حكي عن بعضهم أنّه مطلق الوعد، وعلى كلّ تقدير فظاهر الكتاب صحّته لقوله سبحانه عن امرأة عمران:(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)3، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ نذرها كان معلّقاً فكأنّها قالت: إن كان ما في بطني ذكراً فهو محرّر.
وقد ورد في بعض الروايات ما يدلّ على صحّة النذر المتبرّع، نظير:
1. ما رواه عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«مَن جعل لله عليه ألاّ يركب محرماً سمّاه، فركبه... إلى أن قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكيناً».4

1 . شرائع الإسلام: 3/186.
2. مجمع البحرين:3/491، مادة «نذر».
3. آل عمران:35.
4. الوسائل:16، الباب19 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث 1.

صفحه 277
2. ما رواه أبو بصير عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«مَن جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله فيه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً».1
إلى غير ذلك من الروايات.

4. ما هو الشرط في المعلّق عليه؟

يقع الكلام في النذر المعلّق في مقامين:
1. ما هو الشرط في المعلّق عليه؟
2. ما هو الشرط في المعلّق؟
أمّا المقام الأوّل، فنقول: إذا قصد بالنذر الشكر، فيلزم أن يكون الشرط ممّا يَحسُن الشكر عليه، سواء أكان من فعل الله سبحانه، كأن يقول: إن عافاني الله فعليّ كذا; أو فعل النفس، كما إذا قال: إن وفقني الله لصلاة الليل، فيشترط عندئذ كونه واجباً أو مندوباً أو ترك محرّم أو ترك مكروه، فيلتزم بالمنذور شكراً لله تعالى حيث وفّقه إليه، ولذلك لا ينعقد النذر لو علّقه شكراً على ترك واجب أو مندوب أو فعل حرام أو مكروه، إذ لا موضوع للشكر.
هذا إذا قصد بالنذر الشكر، وأمّا إذا قصد به الزجر، فيكفي كون الشرط فعل محرّم أو مكروه أو ترك واجب أو ترك مندوب; وأضاف في «الجواهر»: ترك مباح راجح أو متساوي الطرفين،2 وهو في محلّه; لأنّ الميزان تحقّق الزجر عند الناذر، فلو كان المباح ممّا ينزجر عنه الناذر كفى في تحقّق الشرط.

1. الوسائل:16، الباب 25 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث2.
2. جواهر الكلام: 35/376.

صفحه 278

5. ما هو الشرط في المعلّق؟

هذا هو المقام الثاني، وربّما يعبّر عنه بمتعلّق النذر، فضابطه وجود الرجحان الشرعي فيه كأن يكون طاعة لله، مقدوراً للناذر، فهو إذن مختص بالعبادات كالحج والصوم والصلاة والهدي والصدقة والعتق; لصحيحة أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قال: عليّ نذر؟ قال:«ليس النذر بشيء، حتى يسمّي لله شيئاً صياماً، أو صدقة، أو هدياً، أو حجّاً».1
فلو نذر محرّماً أو مكروهاً لم ينعقد إجماعاً، إنّما الكلام فيما إذا نذر شيئاً متساوي الطرفين أو كان راجحاً في الدنيا، فهل ينعقد أو لا؟ المشهور: عدم الانعقاد. ويدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ من صحيحة الكناني ما يلي:
1. ما راوه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يقول: عليّ نذر؟ قال: «ليس بشيء حتّى يسمّي شيئاً، ويقول: عليّ صوم لله، أو يتصدّق، أو يعتق، أو يهدي هدياً، فإن قال الرجل: أنا أهدي هذا الطعام، فليس هذا بشيء إنّما تهدى البُدن».2
وجه الدلالة: أنّ الاهتمام بالأمثلة التي كلّها من مقولة الطاعة يرشدنا إلى أنّه يشترط في المنذور (المتعلّق) الرجحان، وهي لا تخلو إمّا أن تكون واجبة أو مستحبة أو ترك حرام أو ترك مكروه. و «البُدن» جمع «البدنة» وهي الإبل على قول، أو أعمّ منه ومن الناقة والبقرة.
2. ما رواه ابن عباس قال: بينما النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب إذا هو برجل قائماً في

1. الوسائل:16، الباب1 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث2، ولاحظ سائر أحاديث الباب.
2. الوسائل:16، الباب1 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث3.

صفحه 279
الشمس، فسأل عنه، فقال: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم فلا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«مروه، فليتكلّم وليستظل وليقعد، وليتمّ صومه».1
ويؤيّد ما ذهب إليه المشهور أنّ الناذر يجعل المتعلّق لله ويملّكه له، كما يحكي عنه قوله:«لله عليّ»، ومن المعلوم أنّ ما هو المناسب لجعل الشيء لله، ما يكون من مقولة الطاعة وأمراً راجحاً، وإلاّ فالأمر المباح المتساوي الطرفين لا يصلح لذلك.

دليل المخالف

ذهب الشهيد في «الدروس» إلى صحّة النذر بالمباح، واستدلّ عليه بروايتين:
1. ما رواه الحسن بن علي عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لي جارية ليس لها منّي مكان ولا ناحية، وهي تحتمل الثمن، إلاّ أنّي كنت حلفت فيها بيمين، فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً، ولي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤنة، فقال:«فِ لله بقولك له».2
يلاحظ عليه: ما احتمله في الوسائل من كون عدم البيع أرجح مثل كونها حافظة للقرآن أو معلّمة للأحكام، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون سبب الرجحان. أضف إلى ذلك: وجود الضعف في السند، فإنّ أبا عبد الله الرازي مطعون فيه، ذكر النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى استثناء ابن

1. صحيح البخاري:7/234، ولاحظ: سنن البيهقي:10/75.
2. الوسائل:16، الباب17 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث11.

صفحه 280
الوليد أبا عبد الله الرازي من كتاب نوادر الحكمة.1
2. ما رواه يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، عن أبيه:«أنّ امرأة نذرت أن تقاد مزمومة بزمام في أنفها، فوقع بعير فخرم أنفها، فأتت عليّاً(عليه السلام)تخاصم، فأبطله، فقال:«إنّما نذرت لله».2 أي تقاد المرأة مثقوباً أنفها فوقع بعير على المرأة فخرق أنف المرأة، وظاهره انعقاد مثل هذا النذر.
يلاحظ عليه: ما في «الوسائل» من أنّ الحديث لا يدلّ على صحّة هذا النذر، بل على عدم الضمان، لكونها هي التي فرطت وأذنت. ولعلّ الظروف لم تكن صالحاً لبيان بطلان النذر.
وربّما يفصل بين النذر المعلّق وغيره، فاعتبر الطاعة في الأوّل واكتفى في الثاني بالمباح الراجح.3
يلاحظ عليه: أنّ مورد ما دلّ على الرجحان هو النذر غير المعلّق فلاحظ رواية أبي بصير وابن عباس، وعلى هذا يقع التعارض بينه وبين ما دلّ على عدم شرطية الرجحان، والترجيح مع الصنف الأوّل، لما عرفت من وجود الضعف في السند في الرواية الأُولى، والدلالة في الثانية.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بهاتين الروايتين في مقابل سائر الروايات وما عليه جل الأصحاب، أمر مشكل.
***
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يشترط في المعلّق عليه ـ إذا كان النذر نذر

1. لاحظ: معجم رجال الحديث:15/51.
2. الوسائل:16، الباب17 من أبواب كتاب العهد والنذر، الحديث8.
3. اللمعة الدمشقية:78.
Website Security Test