welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 81
بقي هنا شيء وهو أنّ الإمام علي (عليه السلام)في جواب السائل الذي طلّق امرأته في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين أجاب بقوله: «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة» فلم يعتدّ بتطليقته في الشرك، مع أنّه يصدق عليها أنّها امرأة طلقت ثلاثاً.
ولكن الافتاء على ضوء هذا الحديث في مورده مشكل; لأنّه خبر مرسل رواه صاحب المناقب في كتابه بلا سند. ولو أخذنا به فإنّما يؤخذ في مورده ولا يمكن التجاوز عنه إلى موارد أقوى وأشدّ كالمحرّمات الرضاعية والمصاهرية، والله العالم.
حتّى لو افترضنا أنّه كان قد تزوّج بإحدى هذه المحرّمات ـ في حال الكفر ـ فهل يحكم عليه ببقاء عقد الزواج، بحجّة أنّ الإسلام يجب ما قبله أو يحكم عليه بالفراق لأنّها بقاءً، موضوعات جديدة؟
لكن يظهر من السيد البجنوردي ارتفاع الحرمة قائلاً: بأنّ الإسلام يجب ذلك الفعل أو ذلك القول الذي كان موجباً للحدِّ لو لم يُسلم، والمسألة بعد مشكلة شائكة.
ولعلّه يتصوّر أنّ إسلام الكافر يجعل هذه الأفعال كأنّها لم تقع من قبله، وهذا بعيد; لأنّ التشريع إنّما يتطرّق إلى نفي الحكم، وأمّا نفي الموضوع لغاية نفي الحكم فهو يحتاج إلى بيان واضح.

صفحه 82

خامساً: حقوق الآدميين

لو كانت على الكافر حقوق مالية كما إذا استقرض شيئاً من المسلم أو الكافر الذمّيّ أو أتلف شيئاً من ماله فالحكم بالضمان عندما كان كافراً لم يكن لأجل كونه مسلماً، بل كان ثابتاً عليه مع غضّ النظر عن الإسلام فرفع مثل هذا أمر غير ثابت، بل ينافي الامتنان، فالقول ببقاء ما اشتغلت به ذمته هو الأقوى، وقد نقل في «مفتاح الكرامة» أنّ المحقّق الثاني استثنى أمرين: حكم الحدث كالجنابة، وحقوق الآدميّين، وقال: إنّ الذي يسقط ما خرج وقته (لا ما بقي).
وعن الأردبيلي إنّ حقوق الآدميّين مستثنى بالإجماع .1
والأولى أن يقال: إنّها خارجة عن مدلول القاعدة من دون حاجة إلى إخراجها بالإجماع.
فعلى هذا فالديون الّتي كانت على ذمّته، ومهور أزواجه، وبدل ما أتلفه، وكلّ حقّ مالي كان على ذمّته، لا بما هو مسلم، بل بما هو بحكم بيئته ودينه، فهو باق.

سادساً: أحكام الدماء

لو قتل الكافر محقون الدم من مسلم أو ذمّي، فالحقّ عدم زوال حكمه; لأنّه إذا حُكم في حال الكفر بالقصاص والدية وغير ذلك لم يكن لأجل الإسلام، بل كان محكوماً بهما مع قطع النظر عن الإسلام، وقد عرفت أنّ القاعدة إنّما تسقط ما ثبت له في حال الكفر بحيثية الإسلام، والمفروض أنّه ثبت له أحد الأمرين لا بهذه الحيثية، بل لأجل دينه أو حكم بيئته.

1. مفتاح الكرامة: 3 / 381 .

صفحه 83
وأمّا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع من أنّه قال: «ألا إنّ كلّ دم (كان) في الجاهلية أو إحنة1، فهو تحت قدمي إلى يوم القيامة»2، فالظاهر أنّه حكم حكومي صدر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل إقرار الثبات في الجزيرة العربية، فإنّ إجراء القصاص وأخذ الديات يحتاج إلى محاكم كبيرة حتّى يميّز المحق عن المبطل، وهذا كان أمراً غير مقدور في تلك الأوقات.
ثم إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يحكم على المغيرة بالدية والقصاص لأجل المقتولين; لأنّهم كانوا كفّاراً متمردين غير محقوني الدم.
***
تمّت قاعدة الجبّ
(الإسلام يجب ما قبله)

1. الإحنة: الحقد في الصدر، والجمع إحن وإحْنات. والمؤاحنة: المعاداة. لسان العرب:13/8، مادة «أحن».
2. دعائم الإسلام: 2 / 199 .

صفحه 84
 
القواعد الفقهية
71

قاعدة

نفي السبيل للكافرين على المؤمنين
قاعدة نفي السبيل للكافرين على المؤمنين   
توضيح مفردات القاعدة مع مفادها
الاستدلال على القاعدة بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)1
نقد الاستدلال بالآية ثم الاستدلال بها بنحو آخر
الاستدلال بالسنّة الشريفة
الاستدلال بالإجماع المحصّل من تتبع الموارد
ردّ الاستدلال بالإجماع المحصّل لكونه مدركياً
تطبيقات القاعدة
ما هو المراد بالمؤمن؟
من القواعد الفقهية قاعدة:«نفي السبيل للكافرين على المؤمنين» وقد عمل بها الأصحاب في مختلف أبواب الفقه، وسيوافيك بعض مواردها عند البحث في تطبيقات القاعدة، وكأنّهم التقطوها من قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ

1. النساء: 141 .

صفحه 85
اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، وربّما أيّدوها أيضاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون» وسيوافيك مصدر الحديث ومفاده.
وقد فرّعوا على القاعدة فروعاً نظير: عدم حجب الكافر المسلم من الإرث، فلو مات الرجل وله ولي كافر وأُخت مؤمنة فالإرث للثانية; لأنّ القول بحجب الولد الكافر الأُختَ المؤمنة يلازم سلطة الكافر على المؤمنة، أو علوّه عليها.
فكلّ حكم شرعي إذا استلزم في بعض الموارد نفع الكافر وتضرّر المؤمن فهو غير مجعول ولا مشروع.
وترى في كتب القوم منع بيع العبد المسلم من الكافر لأنّه يستلزم سلطة الكافر على المؤمن، إلى غير ذلك من الموارد، وإكمال البحث يتوقّف على دراسة أُمور:

الأوّل: مفاد القاعدة

القاعدة مركّبة من كلمات عديدة:
1. نفي السبيل
2. للكافرين
3. على المؤمنين
وبما أنّا أوضحنا معنى السبيل في قاعدة الإحسان أو نفي السبيل على المحسن،1 فلا نعود إلى تفسير هذه اللفظة.

1. لاحظ : الايضاحات السنيّة للقواعد الفقهية: 1 / 296، برقم 18 .

صفحه 86
بقي الكلام في الكافرين، وهو جمع كافر ويراد به خلاف المسلم، فمَن اعترف بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه الخاتم ومعاد يوم القيامة فهو داخل في حظيرة الإسلام حسب ما رواه مسلم في صحيحه في يوم خيبر حيث سأل الإمام علي (عليه السلام)رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): على مَ أقاتلهم؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله»1.
وبذلك تبيّن أنّ المراد من المؤمنين هم المسلمون عامّة، أي مَن تجمعهم الكلمات الثلاث. فمن أنكر واحداً من هذه الأُصول فهو كافر.
ثم إنّ مناسبة الحكم والموضوع (عزّة المؤمنين وذلّة الكافرين)، يقتضي أن يكون المراد هو عموم السلب لا سلب العموم، فكلّ مورد يلزم من العمل بالحكم الشرعي علوّ الكافر على المؤمن وسلطته عليه أو تضرّر المؤمنين فهذا الحكم الشرعي غير نافذ في الشريعة الإسلاميّة ، وعندئذ تَصبح قاعدة «نفي السبيل» كمثل قاعدة لا ضرر ولا حرج، حاكمة على الأدلّة الأوّلية، فكما أنّ حديث لا ضرر أو لا حرج يحدّد الأحكام الواقعية فهكذا هذه القاعدة تحدّد الأحكام الأوّلية، وكما أنّه إذا لزم العمل بالحكم الواقعي الضرر أو الحرج فهو غير مجعول فهكذا كلّ حكم شرعي إذا استلزم إطلاقه تسلّط الكافر على المؤمن فهو غير مجعول، وعلى هذا لا ولاية للكافر على المسلم، فلو وقف أرضاً على المسلمين فالتولية ابتداءً وبقاءً إنّما هي للمسلم لا للكافر، حتّى أنّ الفقهاء منعوا تزويج الكافر من المسلمة بحجّة أنّه يوجب سلطة الزوج على الزوجة، لقوله تعالى: (اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ

1. صحيح مسلم: 7 / 121، باب فضائل علي(عليه السلام).

صفحه 87
اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض )1، وكون الزوجة راضية بتزويجها منه لا يبيح ما رضيت به، إذ للزوج أن يؤدّب زوجته في موارد خاصّة كما في قوله سبحانه: (وَ اللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)2 .
فحقّ الطاعة للزوج على الزوجة من الأحكام الواقعية، لكنّه محدّد بما إذا كان الزوجان مؤمنين لا ما إذا كان الزوج كافراً والزوجة مؤمنة; لأنّ الحكم الشرعي يستلزم علوّه عليها.

الأمر الثاني: دليل القاعدة

قد عرفت مفاد القاعدة ولنذكر دليلها، فقد استدلّوا عليها بما يلي:
الدليل الأوّل: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)3.
والآية نزلت في مورد المنافقين الذين يريدون الأكل من المائدتين، ولذلك يصفهم الله سبحانه بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ):أي ينظرون لكم أيّها المؤمنون (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ)واتّفق لكم ظفر على الأعداء يتوجّهون إليكم و (قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)فأعطونا نصيبنا من الغنيمة (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ

1. النساء: 34.
2. النساء: 34.
3. النساء: 141.

صفحه 88
نَصِيبٌ): أي حظ بإصابتهم من المؤمنين، توجّهوا إلى الكافرين و (قَالُوا)للكافرين (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): أي ألم نمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين، فكأنّ منعهم عن الدخول في جملة المؤمنين كان نصراً للكافرين فيطلبون نصيبهم منهم. فالله سبحانه يقول: (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) .
ثم إنّ التعبير في جانب غلبة المؤمنين بالفتح وفي جانب غلبة الكافرين بالنصيب تكريم لما يقوم به الفريق المؤمن، وتحقير لما يقوم به الفريق الكافر، ببيان أنّ ما يصلون إليه من محاربة المسلمين شيء ضئيل قليل عبّر عنه بالنصيب .
ثم إنّ الصلة بين قوله: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ)بما تقدّم واضحة حيث إنّ قوله: (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ)يحكي عن غلبة الكفر على الإيمان وبالتالي سلطة الكافر على المؤمن، فردّ الله سبحانه هذا الوهم بأنّ الغلبة في موضع لا تكون دليلاً على الضابطة، بل الضابطة سلطة المؤمنين على الكافرين، ولو انتقضت القاعدة في مورد فهو أمر شاذ نابع من تخلّف المسلمين عن الضوابط الّتي قرّرها الإسلام، فنرى أنّ المؤمنين مع قلّتهم انتصروا على الكافرين في غزوة بدر على عكس غزوة أُحد حيث إنّهم في الثانية تركوا نصيحة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمره الرماة بالثبات فوق الجبل بأن لا يتركوا مكانهم مطلقاً، سواء أكان الفتح (لنا أم علينا)، ولكنّهم طمعاً في الغنائم تركوا ذلك الموضع، فصار ذلك سبباً لانتصار الكافرين على المؤمنين في مورد جزئي.
إلى هنا تبيّن معنى الآية، ثم إنّ في نفي الجعل احتمالات:
الأوّل: أنّ المراد من نفي الجعل هو النفي تكويناً، أي في حياة المسلمين

صفحه 89
لن يغلب الكافر المؤمن، أو لن يغلب فريق الكفّار فريق المؤمنين.
ولعلّ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وتفسيرها بغيره يخالف ظاهره.
الثاني: أنّ المراد هو لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالحجّة، وإن جاز أن يغلبوهم بالقوّة لكن المؤمنين منصورون بالدلالة والحجّة.
الثالث: أنّ المراد نفي الجعل تشريعاً لا تكويناً أي أنّه سبحانه لا يشرّع حكماً يلازم سلطة الكافر على المؤمن، ولا يريد التكوين.
الرابع: أنّ المراد هو يوم القيامة أي لن يجعل لهم يوم القيامة سلطة عليهم، ولعلّه استظهر ذلك المعنى من قوله سبحانه: (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).1
والذي يمكن أن يقال: إن الآية مع قطع النظر عمّا ورد حولها من التفسير هو نفي الجعل التكويني، لما قلنا من أنّ الآية لمّا تضمّنت انتصار الكافرين على المؤمنين صار هذا مظنّة توهّم استمرار هذا الأمر، والله سبحانه ينفي هذا النوع من الاستنصار برأسه، وبذلك ثبتت أقدام المؤمنين في ميادين الحروب والمغازي، نعم بالنظر إلى الرواية أُريد الغلبة من حيث الحجّة كما روي عن الصدوق في «عيون الأخبار».2 ولو صحّت الرواية، فإنّما هي تفسير بالباطن أو تفسير بأحد المصاديق، إذا كانت القضية كلية تعمّ الغلبة التكوينية والغلبة البرهانية، وعلى ذلك (المراد الغلبة التكوينية أو البرهانية) فالاستدلال بالآية

1. راجع للوقوف على هذه الوجوه:مجمع البيان: 3 / 256 .
2. لاحظ : تفسير نور الثقلين: 1 / 565 .

صفحه 90
على القاعدة (نفي الجعل تشريعياً) يصير مشكلاً إلاّ بملاحظة أمرين:
1. قد ورد في السنّة : لا يقاد المسلم بذمّي.1
2. أنّ نفي الجعل تكويناً يلازم نفي الجعل تشريعاً حسب حكم العقل، فإذا تعلّقت إرادته سبحانه على انتصار المؤمنين في المعارك والمغازي على الكافرين ولم يرض بتسلّطهم عليهم تكويناً فأولى أن لا يرضى به تشريعاً، إذ من القبيح أن تتعلّق إرادته على نفي السلطة تكويناً ومع ذلك يشرّع أحكاماً من عمومات وإطلاقات يلزم من العمل بهما سلطة الكافر على المؤمن. وعلى هذا فكلّ مَن فسّر نفي الجعل على نحو التكوين له أن يستنبط منه النفي التشريعي للملازمة. ولعلّ استدلال الأصحاب بالآية في مختلف أبواب الفقه مبني على هذا، أعني: الملازمة بين النفي التكويني والنفي التشريعي.
الدليل الثاني: ما رواه الصدوق في «الفقيه» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفّار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون»2.
إنّ الحديث بقرينة الذيل ظاهر في مقام التشريع وأنّ التشريع الإسلامي يوجب علوّ الإسلام على غيره، فكلّ حكم كان على جانب النقيض من هذا فهو غير مجعول، وإنّ الإطلاقات لا تعمّه، نعم إنّ علو الإسلام عبارة عن علوّ المسلمين، كما أنّ المراد من علوّ الكفر علوّ الكافرين، فأصبحت هذه الرواية كالآية السابقة من الدلائل الواضحة المضيّقة لإطلاقات الآيات والروايات والعمومات الواردة فيهما إذا استلزم الأخذ بالإطلاق ذلك العلوّ، وعلى ذلك

1. عوالي اللآلي: 2 / 362 برقم 9 ; المصنّف للصنعاني: 10 / 99 برقم 18505 .
2. الفقيه: 4 / 334، الحديث 5719، وقد نقله صاحب الوسائل مبتوراً.

صفحه 91
يُعلم أنّ استخدام الكافر للاستعانة به في العلوم الّتي يعرفها وتشغيل الأجهزة الّتي يملكها المسلمون أمر جميل، ولكن اتّخاذه والياً أو رئيساً للجيش أو حاكماً على مدينة أو رئيساً على المستشفى والمدرسة والجامعة، كلّ ذلك ممنوع، لأنّ للرئيس علواً على المرؤوسين وسلطة عليهم، فيجب عليهم إطاعته بلا شرط، وهو نفس السلطة.
الدليل الثالث: الإجماع المحصّل من تتبع الموارد الّتي تمسّك فيها الفقهاء بالقاعدة، وهو صحيح لكنّ حجية هذا الإجماع مخدوشة جدّاً، لأنّ الإجماع حجّة إذا كشف عن دليل وصل إلى المجمعين دوننا، وأمّا المقام فنعلم علماً قطعياً بأنّ العاملين بالقاعدة في مختلف الأبواب اعتمدوا على الآية والرواية.
ولك أن تستدلّ على القاعدة بوجه آخر وهو أنّ قوله سبحانه في ردّ عقيدة المنافقين يكشف عن تعلّق مشيئته على عزّ الإسلام وذلّ الكفر، قال سبحانه: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)1 ويكشف عن ذلك أيضاً ما ورد في رواية من أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُوتي بعبد ذمّي قد أسلم فقال: «اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقرّوه عنده».2
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الإسلام لا يرضى بمالكية الكافر للمسلم ملكية مستمرّة، لا ملكية مؤقّتة مصحّحة لبيعه.
ومن هنا يستكشف أنّ كلّ حكم يكون بهذا المنوال فهو مرفوض، وإلى

1. المنافقون: 8 .
2. الوسائل: 17، الباب 73 من كتاب العتق، الحديث 1.

صفحه 92
هذا الدليل أشار السيد المراغي وقال: ثالث الأدلّة: الاعتبار العقلي، فإنّ شرف الإسلام قاض بأن لا يكون صاحبه مقهوراً تحت يد الكافر مالم ينشأ السبب من نفسه، فإنّه حينئذ أسقط احترام نفسه، وهذا وإن لم يكن في حدّ ذاته دليلاً، لكنّه مؤيّد قويّ مستند إلى فحوى ما ورد في الشرع.1
وعلى هذا فأي عقد بين الكافر والمسلم إذا لم يستلزم سلطته فلا مانع منه، كما إذا ضاربه أو زارعه أو أودع شيئاً عنده أو استعار منه شيئاً أو تعاهد معه، فلا إشكال فيه .
وأمّا إذا كان هناك علوّ كالولايات والأنكحة فلا يجوز .

الأمر الثالث: في تطبيقات القاعدة

وهي كثيرة، منها:
1. لا تجوز ولاية الكافر على صغير أو مجنون أو سفيه في نكاح أو مال.
2. لا تجوز إجارة المسلم نفسه للكافر بأن يعمل له بنفسه وعمله، نعم يجوز أن يتقبّل له عملاً في ذمّته سواء عمل بنفسه أم استعان بالغير .
3. إذا كانت الأرض مشاعة بين المسلم والكافر فباع المسلم نصيبه من المسلم فليس للشريك الكافر حقّ الشفعة.
4. لا يُقتص من المسلم بالكافر، بل تجب عليه الدّية.
5. إذا التقط الكافر ولداً لقيطاً محكوماً بالإسلام بأحد الطرق المذكورة في محلّها، فلا يحكم بكفره باعتبار كون الملتقط كافراً.

1. العناوين الفقهية: 2 / 352.

صفحه 93
إلى غير ذلك من الفروع الّتي يقف عليها الباحث في مختلف الأبواب الفقهية.

الأمر الرابع: ما هو المراد بالمؤمن؟

ربّما يطلق المؤمن في مقابل المسلم كما في قوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)1. فمَن دخل الإيمان في قلبه فهو مؤمن وإلاّ فهو مسلم.
وربّما يطلق المؤمن ويراد به المسلم لكن لا بالمعنى السابق، بل مَن أسلم لساناً وقلباً ويكون مرادفاً للمؤمن بالمعنى السابق، ويدلّ عليه قوله سبحانه حاكياً عن الملائكة: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)2.
نعم للمؤمن مصطلح خاص في رواياتنا وهو مَن آمن بولاية الإمام علي (عليه السلام)وأولاده المعصومين، وهذا المعنى غير مراد في المقام.
وعلى هذا فلا فرق بين فرق المسلمين فكلّ مَن انتحل الإسلام فهو مسلم، إلاّ إذا كان ناصبياً أو خارجياً أو مجسّماً، أو من أنكر واحداً من الأحكام الضرورية.
***
تمّ الكلام في قاعدة
نفي السبيل للكافرين على المؤمنين

1. الحجرات: 14.
2. الذاريات: 35 ـ 36 .

صفحه 94
 
القواعدة الفقهية
      72

قاعدة

لا ضرر ولا ضرار1
قاعدة لا ضرر ولا ضرار   
الجهة الأُولى: مدرك القاعدة، وهي في قسمين:
   1. «الضرر والضرار» في القرآن الكريم
   2. «الضرر والضرار» في الروايات
الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الفقهاء
الجهة الثالثة: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة
الجهة الرابعة: هل الحديث مذيّل بعبارة «في الإسلام» أو «على المؤمن» أو لا؟
الجهة الخامسة: في بيان الفرق بين الضرر» و «الضرار» .
الجهة السادسة: في مفاد الهيئة التركيبية، وفيه خمسة وجوه.
تنبيهات مهمة، وهي اثنا عشر تنبيهاً.
وهي من القواعد المهمّة، وقد حظيت باهتمام العلماء في دراساتهم

1. قد صدرنا في تنظيم هذا البحث عن المحاضرات الّتي ألقيناها في أحد الدورات الأُصولية، وقد حرّرها ولدنا البار الشيخ سعيد وفقه الله لمرضاته.

صفحه 95
الفقهية والأُصولية، وسنقوم بدراستها، إن شاء الله تعالى في جهات ست، واثنى عشر تنبيهاً، وخاتمة.

الجهة الأُولى: مدرك القاعدة، وفيه قسمان:

القسم الأوّل: الضرر والضرار في القرآن الكريم

وردت كلمة «الضرر» في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله سبحانه:
1. (لايستوِي القاعِدون َمِنَ المؤمِنينَ غيرُ أُولي الضّـرَرِ والمجاهدونَ في سبيلِ اللّهِ بأمْوالهِمْ وأنفُسِهِمْ...)1: أي إلاّ أهل الضرر والنقص منهم، بذهاب أبصارهم و غير ذلك من العلل الّتي لاسبيل لأهلها إلى الجهاد، للضّرر الّذي بهم. والمراد من الضرر هنا هو النقصان من عمىً أو مرض.
وأمّا الضّرار، فهو من فروع الظّلم والتعدّي على النفوس والحقوق والأموال، وعلى ذلك فهو محكوم بالقبح عقلاً وبالحرمة شرعاً.
وقد وردت هذه الكلمة وما اشتقّ منها في الآيات القرآنيّة التّالية:

1 . النساء:95. نزلت الآية ـ كما في كتب التفسير والحديث ـ في مَن تخلّف عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم تبوك وقد عذر اللّه سبحانه أُولي الضرر منهم وهو عبد اللّه بن أُم مكتوم. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت عليه (لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه) ولم يذكر أُولي الضرر. فقال ابن أُمّ مكتوم: فكيف وأنا أعمى لاأبصر؟! فتغشّى النبي الوحي ثمّ سرى عنه فقال: اكتب (لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر)فكتبتها.
وهذه الرواية و شأن النزول غير صحيح وقد أوضحنا حاله في كتابنا «الحديث النبويّ بين الرواية والدراية» انظر ص 227 عند دراسة روايات زيد بن ثابت. راجع: مجمع البيان للطبرسي :3/96 ط. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت; ومسند أحمد بن حنبل: 4/301 ط.دار الفكر.

صفحه 96
2. قوله سبحانه: (وإذا طلَّقْتُمُ النّساءَ فبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بمَعْروف أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاتتّخِذُوا آياتِ اللّهِ هُزُواً واذْكُروا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وما أنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ واتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ بكلّ شَيْء عَلِيم) .1
كان الرجل ـ في الجاهليّة ـ يطلّق امرأته ويتركها، وعندما يقرب انقضاء عدّتها، يراجعها لا عن حاجة ورغبة ولكن ليطوّل العدّة عليها إيذاءً وضراراً بها. فنهى اللّه سبحانه عن هذا الأُسلوب التعسّفي، كما قد حدّد الطّلاق بعد أن لم يكن له ولا للرجوع حدّ وحصر، بما يلي:
(الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان ولا يِحلُّ لَكُمْ أنْ تأخُذُوا ممّـا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً إلاّ أنْ يَخافا ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فأُولئكَ هُمُ الظّالمونَ) .2
وقوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا) استثناء ممّا أعطيت من المهر وإشارة إلى الخلع. والمعنى: إلاّ أن يغلب على ظنّهما ألاّ يقيما حدود الله لما بينهما من أسباب التباعد والتباغض(فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي مَا افْتَدَتْ بِهِ): أي بذلت من المال للطلاق ويجوز للزوج أخذ ما أعطى من المهر.
هذه هي الحدود الإلهيّة. وأمّا الرجوع بقصد الطّلاق، فهو ليس من الإمساك بمعروف، ولذلك فقد عدّه سبحانه من الإمساك ضراراً، فالواجب على الزوج ـ كما في هذه الآية الكريمة ـ أحد أمرين:

1 . البقرة:231.
2 . البقرة:229.

صفحه 97
الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجيّة، أو التسريح والتّخلّي عنها حتّى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار.
وروي عن عائشة أنّها قالت: كان الناس والرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر، حتّى قال رجل لامرأته: واللّه لا أُطلّقك فتبيني ولا آويكِ أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك، فكلّما شاهدت عدّتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت حتّى جاء النّبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبرته . فسكت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نزل القرآن (الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان) .
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً مَن كان طلّق ومن لم يكن طلّق.1
و«الضرار» في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين ولاالمجازاة. والمراد منه في المقام هو إيجاد الضيق والمشقّة وإدخال المكروه عن عناد و تعمّد.
فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في الآيات الأُخر، لأنّها كقرائن منفصلة تثبت ما هو المقصود من الحديث.
3. قوله سبحانه: (والوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَين لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْروفِ لا تُكَلَّف نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإنْ

1 . سنن الترمذي: 1/224; المستدرك للحاكم :2/279.

صفحه 98
أرادا فِصالاً عَنْ تَراض مِنْهُما وَ تَشاوُر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرضِعُوا أولادَكُمْ فَلاَ جُناحَ عَلَيْكُمْ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْروفِ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أنَّ اللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 1.
والآية تتكفّل ببيان عدّة أحكام:
أ . مدّة إرضاع الأُمّهات للأولاد.
ب . أنّ رزق الأُمّهات المرضعات وكسوتهن، على المولود له ـ وهو الوالد ـ على النحو المعروف.
ج . أن لا يُكلّف أحدهما الآخر بما ليس في وسعه.
د . أنّ (لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ). وفي تفسيره وجهان:
الأوّل: أن يكون الفعل (لا تُضارَّ ) بصيغة المجهول فيكون كلّ من الوالدة والمولود له هو المتضرّر، وحذف الفاعل أي «الضار» لكونه معلوماً من سياق الكلام وتكون الباء في (بِوَلَدِها)وفي (بِوَلَدِهِ) للسببية. والمعنى يحرم أن يتضرّر ويقع كلّ من الوالدة والمولود له مورداً للضرر بسبب ولدهما، فلاتضار الوالدة بأخذ ولدها عنها ودفعه إلى الضرة بعد أُنسها به، غيظاً عليها. كما لايضار الوالد بترك إرضاع ولده. ففي الصورة الأُولى، الأُمّ هي المتضرّرة والأب هو الضار، وفي الصورة الثانية الأمر بالعكس. وعلى كلّ تقدير فالولد سبب الضرر وآلته وليس مورداً له.
الثاني: أن يكون الفعل (لا تُضارَّ) بصيغة المعلوم وعلى هذا يكون كلّ من الوالدة والمولود له هو الضار، والمتضرّر هو الولد المذكور بعدهما، والباء

1 . البقرة:233.

صفحه 99
زائدة. والمعنى: لاتضارر الوالدة ولدها ولايضارر المولود له ولده، وإضرار الأُمّ بترك الإرضاع، وإضرار الأب بأخذه منها ودفعه إلى الضرة. والفرق بين الوجهين واضح، ففي الأوّل كلّ من الوالدة والمولود له هو المتضرّر والطرف المقابل هو الضار والولد سبب الضرر، وفي الثاني كلّ منهما هو الضار، والمتضرّر ـ على كلّ تقدير ـ هو الولد.
هـ . يجب على الوارث ما كان يجب على المولود له من الرزق والكسوة.
و . جواز فصل الرضيع عن الرضاع قبل الحولين عن تراض وتشاور من الوالدين، وقد شرط رضا الوالدة لأنّها تعلم من تربية الرضيع ما لايعلمه الوالد.
ز. يجوز للآباء طلب مراضع غير أُمّهات أبنائهم، إمّا لإباء الأُمّهات عن الرضاع، أو لأغراض عقلائيّة.
وعلى كلّ تقدير، فمتعلّق التحريم هو فعل الواحد أي إضرار كلٌّ مستقلاًّ وإن لم يكن الآخر ضاراً، وليس متعلّقه فعل الاثنين. ومع ذلك فلعلّ الإتيان بـ«تضار» بصيغة المفاعلة مكان «تضر»، مع أنّ الأنسب هو الثاني ـ لما عرفت من كون متعلّق التحريم إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً ـ من جهة مظنّة كون كلّ منهما بصدد الإضرار بالآخر.
4. قوله سبحانه: (وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ وَ لايُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهيد) 1.
فلو قرئ «لايضارِّ» بصيغة المعلوم بكسر الراء ـ وإن تبدّلت إلى الفتح بعد الإدغام ـ كان النهي متوجّهاً إلى الكاتب والشاهد، كأن يكتب الكاتب مالم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يشهده أو يمتنع عن إقامة الشهادة.

1 . البقرة:282.

صفحه 100
وأمّا إذا قرئ بصيغة المجهول فيكون المراد عدم الإضرار بالكاتب والشاهد، كأن يدعى الكاتب إلى الكتابة أو الشاهد إلى الشهادة في ظرف عدم تفرّغهما لذلك، والذيل يناسب المعنى الأوّل كما لايخفى. وقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.
5. قوله سبحانه: (وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصيَّة يُوصِينَ بِها أو دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَيْن وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ فَلِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَليمٌ حَليمٌ).1
منع سبحانه من الضرار في الوصيّة بمعنى أنّه ليس للإنسان أن يوصي وصيّة تضرّ بالورثة كما إذا أوصى بكل ماله، أو بأكثر من ثلثه، أو أقرّ بدين للإضرار بهم مع أنّه غير مديون. فقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.
6. قال سبحانه: (والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ إرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ ليَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ).2
نقل المفسّرون أنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا وبعثوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم، فأتاهم وصلّى فيه. فحسدهم جماعة من المنافقين

1 . النساء:12.
2 . التوبة:107.

صفحه 101
من بني غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونصلّي فيه ولانحضر جماعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتجهّز إلى تبوك. فقالوا: يا رسول اللّه إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا وتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا آتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم فيه. فلمّا انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك، نزلت عليه الآية في شأن المسجد، فوصف غاية عملهم بأُمور:
1. ضراراً، أي للضّرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليقلّ الجمع فيه.
2. وكفراً ،أي لإقامة الكفر.
3. وتفريقاً بين المؤمنين،أي لاختلاف الكلمة وإبطال الأُلفة وتفريق الناس عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
4. وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل، أي مرصداً لأبي عامر الراهب وهو الذي حارب اللّه ورسوله من قبل.1
7. قوله تعالى: (أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإنْ كُنَّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنْفِقُوا عَلَيْهنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَ إنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى) .2

1 . مجمع البيان :3/72، وفسّر الضرار بقوله: الضرار طلب الضرر ومحاولته، كما أنّ الشقاق محاولة ما يشق، يقال: ضارّه مضارّة وضراراً.
2 . الطلاق:6.

صفحه 102
والمقصود هو المنع عن الضّرار بالمطلّقة في أيّام عدّتها بالتضييق في المسكن والمأكل.
فهذه الآيات1 تثبت قاعدة كلّية وهي حرمة الضرر والضرار، أي حرمة أن يضرّ مكلّف بفرد آخر، فالضارّ أو المضارّ هو المكلّف، والمتضرّر إنسان آخر، فليكن هذا على ذكر منك فإنّه سينفعك في تفسير القاعدة.

القسم الثاني : الضّرر والضِّـرار في الروايات

الروايات الحاكية عن تحريم الضّرر والضّرار على طوائف كثيرة2نأتي بما وقفنا عليه في كتب الفريقين.

الطائفة الأُولى: ما يعتمد في بيان الحكم على نقل قضيّة سمُرة بن جُندب3

ويعلّل الأمر بالقلع بـ «أنّه رجل مضارّ» وأنّه «لاضرر ولاضرار» وإليك صور الحديث:
1. موثّقة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إنّ سمرة بن جندب كان له عذق

1 . الآيات الّتي استعملت فيها مادّة «ضرر» لاتنحصر بهذه السبعة المذكورة، إذ قد استعملت بصيغ مختلفة فيما يقارب ثلاثاً وستّين آية أُخرى، ولكن أغمض عن التشرّف بذكرها لعدم علاقتها الوثيقة بموضوع البحث.
2 . قد ادّعى فخر المحقّقين كما في إيضاح الفوائد في شرح القواعد :2/48 تواترها. وهذا هو الحقّ فإنّ من تتبّعها في مطاوي الكتب يجد صدق تلك الدعوى جليّاً، وعليه فلاحاجة إلى التفتيش عن إسنادها. فإنّها إن لم تكن متواترة فهي مستفيضة بلا إشكال. وقد أثبتنا مضمونها كما مرّ عليك ـ في القسم الأوّل ـ على ضوء الآيات الكريمة مضافاً إلى أنّ هذا المطلب من المستقلاّت العقليّة، حيث إنّ الضرر والضرار من شُعَب الظلم، والعقل يستقلّ بقبح ذلك كما هو معلوم.
3 . مرّت ترجمته في قاعدة «على اليد ما أخذت». لاحظ : ج 1 / 224، القاعدة 14.

صفحه 103
في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به إلى نخلته ولايستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فشكا إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنّه لاضرر ولاضرار».1
2. روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه إلاّ أنّه قال: «فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :إنّك رجل مضارّ ولاضرر ولا ضرار على مؤمن، قال: ثمّ أمر بها فقلعت ورمي بها إليه، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق فاغرسها حيث شئت».2
وعلي بن بندار، لم يوثّق في الكتب الأُصوليّة الرجالية، 3 كما أنّ في السند إرسالاً. والرواية مشتملة على بعض ما لايوجد في الرواية المتقدّمة مثل:
أ . إنّك رجل مضار.
ب . لاضرر ولاضرار على مؤمن.

1 . رواه المشايخ الثلاثة. الوسائل:17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 3. والرواية موثقة لأجل ابن بكير.
2 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث4.
3 . لاحظ : معجم رجال الحديث:3/141.

صفحه 104
3. مارواه الصدوق عن الحسن الصيقل، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: قال أبو جعفر(عليه السلام):«... ثمّ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): يسرّك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال:لا! قال: لك ثلاثة؟ قال:لا! قال: ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها ]فاقلعها [واضرب بها وجهه».1
والظاهر أنّ أبا جعفر(عليه السلام) حدّث بهذا وسمعه زرارة وأبو عبيدة الحذّاء، فنقلاه بالزيادة والنقصان.
4. ما نقله أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفّى عام 275هـ في سننه: عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام)يحدّث عن سمرة بن جندب أنّه كانت له عضد2 من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذّى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى وطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكر ]ذلك [له، فطلب إليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيعه، فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال:«فهبه له ولك كذا وكذا» أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال:«أنت مضار». فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للأنصاري:«إذهب فاقلع نخله».3
ولعلّ المضمون مستفيض وإن كانت الخصوصيات غير مستفيضة.
وهناك رواية أُخرى يشبه مضمونها لقضيّة سمرة من بعض الجوانب

1 . الوسائل:17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 1، وفي سند الصدوق إلى الحسن، علي بن الحسين السعد آبادي وهو غير مصرّح به بالتوثيق.
2 . الصواب«عضيد». قال ابن فارس في المقاييس: العضيد: النخلة تتناول ثمرها بيدك. ويمكن أن يسمّى بذلك لأجل أنّ العضد تطاولها فتنالها.
3 . سنن أبي داود :3/315، في أبواب من القضاء.

صفحه 105
ونحن ننقلها هنا للمناسبة.
5. في كتاب «قرب الاسناد»: ابن عيسى، عن البزنطيّ قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول في تفسير (واللَّيلِ إذا يَغْشى) 1 قال: «إنّ رجلاً من الأنصار كان لرجل في حائطه نخلة وكان يضرّ به، فشكا ذلك إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة، فأبى، فبلغ ذلك رجلاً من الأنصار يكنّى أبا الدّحداح فجاء إلى صاحب النخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي، فباعه فجاء إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اشتريت نخلة فلان بحائطي، قال: فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : فلك بدلها نخلة في الجنّة، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): (وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى * فَأمّا مَنْ أعْطى)يعني النخلة (وَاتَّقى)إلخ».2

الطائفة الثانية: ما يشتمل على لفظ «لاضرر ولاضرار» مجرّداً عن قضيّة سمرة ومن دون دلالة صريحة على مورد صدوره من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

وإليك بيانه:
6. روى الكليني بسنده عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «لاضرر ولاضرار».3
7. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء،

1. الليل: 1 .
2 . بحار الأنوار: 22/101 نقلاً عن قرب الاسناد:156; الليل: 3 ـ 5 .
3 . الوسائل :17، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 5.

صفحه 106
وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع كلاء، فقال:لاضرر ولاضرار».1
وما نقله صاحب الوسائل في البابين حديث واحد تطرّق إليه التعدّد بسبب التقطيع، والسند أيضاً واحد رواه الكليني مجتمعاً في الكافي.2ويحتمل أن يكون «نفع الشيء» مصحف«نقع الشيء» والمراد: فاضل الماء، ونقع البئر: فاضل مائها. والموجود في «الكافي» المطبوع أخيراً «وقال» لاضرر ولاضرار، وفي الوسائل كما عرفت«فقال»، وفي الباب الثاني عشر من أبواب الاحياء «قال» بلا عاطف.3
فلو كان مع «الفاء»، يكون علّة للحكم السابق أعني: «لايمنع فضل ماء...» ودالاًّ على صدور هذه القاعدة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مورد سمرة أيضاً.
ولو كان مع «الواو»، أو بدون العاطف، يكون قضاءً مستقلاًّ غير مرتبط بما تقدّمه، ولكن الراوي، أي عقبة بن خالد ، ضمّه إلى سائر الأقضية . وقد حكى شيخ الشريعة أنّه رأى في نسخة مصحّحة من «الكافي» أنّه مع «الواو» لامع «الفاء»، ولكن الظاهر خلافه كما سيوافيك.
8. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار» وقال:إذا أُرّفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة».4

1 . الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 2.
2 . الكافي :5، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 6.
3 . فالكافي نقله مع «الواو» والوسائل تارة مع «الفاء» وأُخرى بلا عاطف أصلاً، والسند والمتن في البابين 7و12 من الوسائل واحد.
4 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1، والكافي : 5، كتاب المعيشة، باب الشفعة، الحديث 4.

صفحه 107
والظاهر اتّحاده مع الحديث السادس وقد حصل التعدّد من تقطيع الكليني حيث نقل قسماً منه في باب الشفعة وقسماً آخر في باب الضرار، والسند في الجميع واحد، وقد وقع قوله: «لاضرر ولاضرار» هنا تعليلاً للحكم بالشفعة إذا لم تحدّد الحدود، وبعدمها إذا حدّت الحدود، وليس قضاءً مستقلاًّ، إذ لايصح إدخال قضاء مستقلّ في أثناء قضاء واحد. وبذلك يقوى كون الصحيح في الحديث السادس هو «الفاء» ليكون تعليلاً للحكم بعدم المنع، ويترتّب على ذلك عدم ورود قوله: «لاضرر» مستقلاًّ، وإنّما ورد إمّا مقترناً بقضية سمرة، أو مسألة نقع الماء ليمنع فضل الكلاء، أو مسألة الشفعة.1
9. ما أرسله الصدوق عند الاستدلال على أنّ المسلم يرث الكافر فقال:(العبارة له) فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟ وكيف صار الإسلام يزيده شراً؟
ـ مع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يزيد ولاينقص».
ـ مع قوله(عليه السلام): «لاضرر ولاضرار في الإسلام»، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً.

1 . وممّا يؤيّد أنّ جملة «لاضرر ولاضرار» جاءت مقترنة بمسألة الشفعة، ما ورد في كتاب فقه الرضا (عليه السلام): ص35 على ما حكاه المجلسي في البحار :101/257، أنّه قال:«إعلم أنّ الشفعة واجبة في الشركة المشاعة... ولاضرر في شفعة ولاضرار».
ولايخفى أنّ كتاب فقه الرّضا(عليه السلام) وإن كان كتاباً فقهيّاً لاحديثيّاً، إلاّ أنّ الكتب الفقهيّة المؤلّفة في القرون الأُولى ـ حتى القرن الرابع ـ كانت تلتزم بنقل نصوص الأحاديث على الأغلب بعنوانها فتاوى لمؤلّفيها. وعليه فيحتمل قويّاً أنّ ما جاء في هذا الكتاب كان نصّاً للحديث نقله مؤلّفه بنفس التعبير من دون إشارة إلى أنّه حديث عن المعصوم(عليه السلام).

صفحه 108
ـ ومع قوله(عليه السلام):«الإسلام يعلو ولايعلى عليه».1
ولاشكّ أنّ الجمع بين الأحاديث الثلاثة، من فعل الصدوق، كما أنّ قوله:«فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً» من كلامه، ذكره مقدّمة للاستدلال به على أنّ المسلم يرث الكافر. ويدلّ على ذلك ما روي عن معاذ أنّه احتجّ على أنّ المسلم يرث اليهودي بقوله:سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«الإسلام يزيد ولاينقص». ورواه في الوسائل في نفس الباب، الحديث الثامن.
وعلى كلّ تقدير، فالقاعدة حسب هذا النقل مذيّلة بلفظة «في الإسلام». ولايخفى أنّ تذييل هذه الرواية بلفظة «في الإسلام» لاينحصر بما نقله الصدوق في «من لايحضره الفقيه»، إذ رواها أيضاً في كتابه «معاني الأخبار» ونقلها الشيخ في «الخلاف»، والعلاّمة في «التّذكرة»، والطّريحي في «مجمع البحرين». ومن العامّة: ابن الأثير في نهايته، وهؤلاء أرسلوها إرسال المسلّمات في كتبهم، وإليك عباراتهم:
10. في كتاب «معاني الأخبار»: عن محمّد بن هارون الزنجاني، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم بأسانيد متّصلة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أخبار متفرقة أنّه نهى عن المحاقلة والمزابنة... إلى أن قال: «وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاتعضية في ميراث». ومعناه أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسّم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان في ذلك ضرر عليهم أو على بعضهم، يقول: فلايقسم ذلك... والشيء الذي لايحتمل القسمة مثل الحبّة من

1 . الفقيه :4، كتاب الميراث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 1و3; ورواه في الوسائل: 17، كتاب الفرائض والمواريث، الباب الأوّل من الموانع، الحديث 9و11.

صفحه 109
الجواهر... وما أشبه ذلك من الأشياء، وهذا باب جسيم من الحكم يدخل فيه الحديث الآخر «لاضرر ولا إضرار في الإسلام» فإن أراد بعض الورثة قسمة ذلك لم يُجَب إليه ولكن يباع ثم يقسّم ثمنه بينهم...».1
11. قال الشيخ الطوسي:وأيضاً قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام» يدلّ على ذلك. لأنّه متى لم يرد عليه قيمة ما نقص دخل عليه في ذلك الضرر.2
12. قال العلاّمة:الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا. وبه قال مالك وأحمد; لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار في الإسلام».3
13. قال الطريحي:وقضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».4
14. قال ابن الأثير:وإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».5

الحديث غير المذيّل بلفظة الإسلام

هذا ما وجدناه مذيّلاً بهذه الكلمة، وأمّا غير المذيّل فكثير مرّ بعضه وإليك موارد أُخر:
15. ما رواه القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي في «دعائم الإسلام» قال: روينا عن أبي جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام) أنّ رسول

1 . معاني الأخبار:281، تصحيح علي أكبر الغفاري، الناشر :دار المعرفة ـ بيروت سنة 1399.
2 . الخلاف: 2/186، كتاب الشفعة، ط.اسماعيليان ـ قم.
3 . تذكرة الفقهاء:1/497 ، خيار الغبن، المسألة الأُولى ط. قديم.
4 . مجمع البحرين، مادة «ضرر».
5 . النهاية لابن الأثير، مادة «ضرر».

صفحه 110
اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا ضرر ولا إضرار».1
16. ما رواه عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)أنّه قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط ولكن هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:«لايترك وذلك أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لاضرر ولاضرار»، فإن هدمه، كُلّف أن يبنيه».2
وروى المحدّث النوري كلا الحديثين الأخيرين في مستدركه.3
وعلى كلّ تقدير فلعلّ الإمام(عليه السلام) استند إلى ما ورد في قضيّة سمرة، أو إلى حديث الشفعة، أو غيرهما باعتبار أنّها قاعدة كلّية.
وأمّا ما ورد من طرق العامّة سوى ما نقلناه عن نهاية ابن الأثير فكما يلي:
17. مـا رواه مـالك بن أنس (المتـوفّـى عـام 179هـ) في موطئه عن عمـرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أنّ رسـول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قـال:«لاضرر ولاضرار».4
18. روى أحمد بن حنبل في مسنده وقال: حدّثنا عبد اللّه:حدثنا أبو كامل الجحدري: حدثنا الفضيل بن سليمان: حدثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة ،قال:
إنّ من قضاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المعدن جُبار، والبئر جُبار، والعجماء

1 . دعائم الإسلام :2/499، كتاب القسمة والبنيان، الحديث (1781) وفي الهامش رمز إلى النسخة الأصلية بـ (س) وفيها «لاضرر ولاضرار».
2 . دعائم الإسلام : 2/504، الحديث(1805).
3 . مستدرك الوسائل: 3/150.
4 . الموطّأ:638، كتاب القضاء، باب القضاء في المرفق، الحديث 36.

صفحه 111
جرحها جُبار والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجُبار: الهدر الذي لايغرم .
وقضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز الخمس.
وقضى أنّ تمر النخل لمن أبّرها إلاّ أن يشترط المبتاع.
وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلاّ أن يشترط المبتاع.
وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور.
وقضى لحمل بن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأُخرى.
وقضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة، فورثها بعلها و بنوها قال:وكان له من امرأتيه كلتيهما ولد. قال:فقال أبو القاتلة المقضي عليه: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كيف أغرم مَن لاصاح ولا استهلّ ولاشرب ولاأكل. فمثل ذلك بطل. فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): هذا من الكهّان.
قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطّريق ثمّ يريد أهلها البنيان
فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع قال: وكانت تلك الطريق تُسمّى الميتاء.
وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أُولئك مبلغ جريدتها حيّز لها.
وقضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه فكذلك تنقضي حوائط أو يفنى الماء.

صفحه 112
وقضى أنّ المرأة لاتعطي من مالها شيئاً إلاّ بإذن زوجها.
وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.
وقضى أنّ مَن أعتق مشركاً في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال.
وقضى أن لاضرر ولاضرار .
وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.
وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.
وقضى في الدية الكبرى المغلّظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقّة وأربعين خلفة.
وقضى في الدية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكور.
وقد جمع عُبادة بن الصّامت1 في هذا الحديث من أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ما يقارب العشرين قضاءً.
19. وقال أحمد بن حنبل أيضاً:حدّثنا عبد اللّه: حدّثني أبي: حدّثنا عبدالرزاق :أنا معمر، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاإضرار، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره

1 . مسند أحمد: 5 / 327. وعُبادة بن الصّامت من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن النقباء الاثنى عشر ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. وكانت له مواقف بطوليّة في الشام ضد معاوية بن أبي سفيان فأبعد من جرّاء ذلك بأمر من عثمان إلى المدينة وتوفّي في زمانه وكان من المعترضين عليه.
أُنظر: معجم رجال الحديث: 9/222 ، السبعة من السلف للفيروز آبادي :131 نقلاً عن مسند أحمد بن حنبل: 5/325 ، الغدير: 10/179 و180 نقلاً عن تاريخ ابن عساكر: 7/211.

صفحه 113
والطريق الميتاء سبعة أذرع».1
20. ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قضى أن «لاضرر ولاضرار».2
21. ما رواه هو أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار».3
هذا ما وقفنا عليه من هذه الطائفة ولعلّ هناك مالم نقف عليه.

الطائفة الثالثة : ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط:

22. روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)
في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك
فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد، وقُضِي أنّ البعير برئ، فبلغ ثمنه
]ثمانية خ ل [دنانير قال: فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أُريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقّه إذا أُعطي الخمس.4

1 . مسند أحمد بن حنبل: 1/213 ط. دار الفكر ـ بيروت. والميتاء ـ بكسر الميم ـ أعظم الطرق هي التي يكثر مرور الناس فيها. وقيل: الطريق العامرة. وقيل: الطريق الواسعة. فتح الباري:5/84; عمدة القاري:13/23.
2 . سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقّه ما يضرّ بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
3 . سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقّه ما يضر بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
4 . الوسائل :13، الباب22 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

صفحه 114
توضيحه: أنّ البعير ارتفعت قيمته بسبب برئه، فلو نحر يتضرّر المشتري، ولأجل ذلك ليس للشريك الإصرار على النحر ليأخذ الرأس والجلد، بل يباع ويكون للشريك الخمس، والحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة وأنّه ليس للطرف الآخر الإصرار على إعمال الحق إذا استلزم الإضرار بالغير، بل يجب أن يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على تحريم الإضرار بالغير :

والتحريم المستفاد من روايات هذه الطائفة على نوعين:

الف: التحريم المباشر.

ب : التحريم غير المباشر.

الف . التحريم المباشر:

ونعني به ما عبّر عنه بصيغة النهي أو بمادّته، أو بما فيه توعّد وتهديد، أو تصريح بالحرمة، أو أنّه من الكبائر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث التالية:
23. روي في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ) قال: وجاء في الحديث:«إنّ الضرار في الوصية من الكبائر».1
24. روى الصدوق، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لاينبغي للرجل أن يطلّق امرأته ثمّ يراجعها وليس له فيها حاجة ثمّ

1 . مجمع البيان :2/18.

صفحه 115
يطلّقها ، فهذا الضرار الذي نهى اللّه عزّ وجلّ عنه إلاّ أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك».1
25. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ :(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال: «الرجل يطلّق حتى كادت أن يخلو أجلها راجعها ثمّ طلّقها، يفعل ذلك ثلاث مرّات، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك».2
26. وروى الكليني، عن زرارة وحمران ابني أعين ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر، وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) قالوا: سألناهما عن قوله:(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) ، قال: «هو الرجل يطلّق المرأة تطليقة واحدة، ثمّ يدعها حتّى إذا كان آخر عدّتها راجعها، ثمّ يطلّقها أُخرى فيتركها مثل ذلك، فنهى اللّه عن ذلك».3
27. روى الصدوق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى. يقول اللّه عزّ وجلّ: (لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ)، لايضار بالصبي، ولايضار بأُمّه في إرضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فإذا أرادا الفصال عن تراض منهما كان حسناً، والفصال هوالفطام».4

1 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
2 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
3 . الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3.
4 . الوسائل: 15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 7; ويقرب منه في نفس المصدر الحديث 3.

صفحه 116
28. روى الكليني، عن محمّد بن الحسين قال:كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذه الرحى أ له ذلك أم لا؟ فوقع(عليه السلام): «يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضرّ أخاه المؤمن».1
29. روى الكليني، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه(عليهما السلام)قال:«قرأت في كتاب لعلي(عليه السلام) إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومَن لحق بهم من أهل يثرب أنّ كل غازية بما يعقب... وأنّ الجار كالنفس غير مضار ولاآثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه وأبيه،لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على عدل وسواء».2
والظاهر أنّ المراد من الجار في الحديث، مَن أُعطي له الأمان، بقرينة كون الموضوع هو الغازي، وإنّما فسّر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه في كتاب المعيشة بلاصدر.3
30. روى الصدوق في «عقاب الأعمال» عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث قال:«ومَن أضرّ بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللّه له بعقوبة دون النار... ـ إلى أن قال:ـ ومَن ضارّ مسلماً فليس منّا ولسنا منه في الدنيا والآخرة... ألا وإنّ اللّه ورسوله بريئان... ممّن أضر بامرأته حتى تختلع منه».4
31. روى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي

1 . الوسائل: 17، الباب 15 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل :11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.
3 . لاحظ : الكافي: 5/292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.
4 . الوسائل: 15، الباب 2 من أبواب الخلع والمباراة، الحديث 1.

صفحه 117
عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث:«أنّه نهى أن يضارّ بالصبي أو تضارّ أُمّه في رضاعه».1
32. روى محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمد بن إسماعيل والحسين بن سعيد جميعاً ،عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) ، فقال: «كانت المراضع ممّا تدفع إحداهنّ الرجل إذا أراد الجماع، تقول: لا أدعك، إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه. وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول:إنّي أخاف أن أُجامعك فأقتل ولدي، فيدفعها فلايجامعها، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل».
وروي بأسانيد أُخرى صحيحة.2
33. روى علي بن إبراهيم في تفسيـره، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لاينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها: لا أقربك فإنّي أخاف عليك الحبل فتغيلي]فتقتلي خ ل، فتغيلين خ ل [ولدي، وكذلك المرأة لايحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول:إنّي أخاف أن أحبل فأغيل ]فأقتل خ ل [ ولدي. وهذه المضارّة في الجماع على الرجل والمرأة، وعلى الوارث مثل ذلك. قال: لايضار المرأة التي يولد لها ولد]لاتضار المرأة التي لها ولد خ ل [وقد توفّي زوجها،

1 . الوسائل: 15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.
2 . الوسائل : 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

صفحه 118
ولايحل للوارث أن يضار أُمّ الولد في النفقة فيضيّق عليهما».1
34. قال عليّ(عليه السلام) في خطبة يصف فيها المتّقين:«... ولاينسى ما ذكّر، ولاينابز بالألقاب، ولايضارّ بالجار...».2
وإنّ قوله(عليه السلام): «ولا يضارّ بالجار» وإن كان جملةً خبريّة إلاّ أنّها تتضمّن نهياً عن الإضرار بالجار بنحو أبلغ ممّا لو قال:«لاتضارّ بالجار» بصورة جملة إنشائيّة كما لايخفى على أهل العلم.
35. روى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: قيل لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك؟ فقال: «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلابأس، وإن كان فيه ضرر فلا، وقال(عليه السلام):(بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرَةٌ) فأنتم لايخفى عليكم وقدقال اللّه عزّ وجلّ:(وَ اللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح)» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله.3
36. روى محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)قال: قلت له: يشهدني هؤلاء على إخواني قال:«نعم، أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً». قال الصدوق: وفي نسخة

1 . الوسائل: 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 193 (خطبة همام).
3 . الوسائل :12 ، الباب 71من أبواب ما يكتسب به،الحديث 1;و لاحظ: فروع الكافي :1/364، والتهذيب :2/103; وتفسير العياشي: 1/107.

صفحه 119
أُخرى:وإن خفت على أخيك ضرراً فلا.
وقال الشيخ الحرّ العاملي: أقول:«حمل الصدوق الرواية الأُولى على غير المعسر، والثانية على المعسر».1
37. رواية «تحف العقول» حول المكاسب المحلّلة والمحرّمة: روى الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق(عليه السلام) أنّه سئل عن معائش العباد فقال:«...كذلك السكّين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة الّتي تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما فلابأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ...».2
38. محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن عبد اللّه بن المغيرة، عن السّكوني، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي(عليه السلام): ما أُبالي أضررتُ بولدي أو سرقتهم ذلك المال». ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن عبد اللّه بن المغيرة مثله إلاّ أنّه قال: «أضررت بورثتي».3
39. وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« كان أبو جعفر(عليه السلام) يقول:

1 . الوسائل :18، الباب 19 من أبواب الشهادات، الحديث 2; ولاحظ : الفقيه :3/42 ، الحديث 2.
2 . الوسائل :12 ، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1; ولاحظ : رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ; وتحف العقول: 80 ـ 83 من الطبعــة الأُولى وص331ـ 338 من الطبعة الثانية.
3 . الوسائل :13، الباب 5 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.

صفحه 120
عظّموا أصحابكم ووقّروهم، ولايتهجّم بعضكم على بعض، ولاتضارّوا ولاتحاسدوا، وإيّاكم والبخل وكونوا عباد اللّه المخلصين».1
40. وعن أبي الصباح قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه:(وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِك)قال: «لاينبغي للوارث أن يضارّ المرأة فيقول:لاأدع ولدها يأتيها يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء ولاينبغي أن يقتّر عليه».2
41. وبالإسناد ، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لايضارّ الرجل امرأته إذا طلّقها فيضيّق عليها قبل أن تنتقل، قبل أن تنقضي عدّتها ، فإنّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: (وَلا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)» .3
42. وبإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل اكترى أرضاً من أرض أهل الذمّة من الخراج وأهلها كارهون، وإنّما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها أو غير عجز؟ فقال: «إذا عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها إلاّ أن يضارّوا، وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها».4
ويظهر من هذا الحديث أنّ حرمة الإضرار بالغير لاتختصّ بالمؤمنين بل تشمل كلّ من كان دمه أو ماله أو عرضه محترماً من أهل الذمّة وغيرهم،

1 . الوسائل: 8 ، الباب 5 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2; ولاحظ: الأُصول :609، باب حسن المعاشرة.
2 . الوسائل: 15 ، الباب 12 من أبواب النفقات، الحديث4.
3 . الوسائل: 15، الباب 18 من أبواب العِدَد، الحديث 2.
4 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4; ومثله في الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 10.