welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 41
وإن شئت قلت: إنّ تشريع هذه الأحكام من باب الامتنان، إذ لولا الجهاد في سبيل الله، يكون المسلمون فريسة للكافرين، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)1.
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ»2.
واعطف عليه ما يترتّب على الحج من فوائد وعوائد يستثمرها المسلمون في هذا التجمّع العظيم، أو ما يترتّب على دفع الضرائب المالية من إقامة حكومة عادلة تحمي الضعيف وتؤمن الطريق إلى غير ذلك من الآثار، فأهمية الملاك سببت تشريع هذه الأحكام الّتي جوهرها الحرج والعسر، فإي حكم كان كذلك فهو خارج عن مدلول الآية كما هو الحال في لا ضرر، إذ ليس الإسلام هو الدين الوحيد الذي شرّع الجهاد أو فرض الضرائب، فكلّ الأنظمة في العالم يتبنون هذه الأحكام الّتي تعود على المجتمع بفوائد ومنافع لا تذكر، ولا يدور في خلد أحد أنّها تكاليف باهضة أو حرجية.
نعم هذا القسم الثاني الذي أُسس على أساس الحرج والعسر إذا سبب العمل به حرجاً وعسراً فوق ما يقتضيه نفس التكليف فيمكن القول برفعه،

1. الأنفال: 24.
2. نهج البلاغة: الخطبة رقم 27 .

صفحه 42
وفي كلام المحقّق القمي إشارة إلى ذلك، يقول: والذي يقتضيه النظر
بعد القطع بأنّ التكاليف الشاقّة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة، وعلى
هذا فالمراد بنفي العسر والحرج والضرر، نفي ما هو زائد على ما هو لازم
تلك التكليفات الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوسط الناس المبرّئين عن
المرض.1
الثالث: تكاليف ليس طبعها الحرج والعسر، يتلقّاها المكلّفون برحابة صدر كالوضوء والغسل والصلاة إلى غير ذلك من الأحكام من الزواج والطلاق، غير أنّه ربّما يطرأ عليها في بعض الأحوال الحرج الذي لا يتحمّل عادة، فعندئذ يكون الحكم المذكور مرفوعاً بهذه القاعدة، وبذلك يعلم أنّ القاعدة محكمة غير مخصّصة.

4. حكومة القاعدة على الأحكام الأوّلية

اختلفت كلمة الفقهاء فيما هو المرفوع في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار» فهل المرفوع الحكم الضرري كما عليه الشيخ الأنصاري، أو المرفوع رفع الموضوع الضرري كناية عن رفع الحكم كما هو خيرة صاحب الكفاية؟
ثم إنّ لاختلافهم في قاعدة «لا ضرر» وجهاً لأنّ متعلّق النفي هو الضرر فيأتي فيه احتمالان، لكن المرفوع في قاعدة «لا حرج» شيء يرجع إلى الشارع من أمر الجعل، فهل شأنه جعل الأحكام أو جعل الموضوع؟ ولاشكّ أنّ شأنه هو جعل الأحكام، سواء أكانت أحكاماً تكليفية أم أحكاماً وضعية كالطهارة والنجاسة والولاية والحرية والرقيّة والزوجية وأمثال ذلك، فالآية تخبر بأنّ ما

1. قوانين الأُصول: 2 / 49.

صفحه 43
يرجع إلى الشارع ـ أعني: مسألة الجعل ـ فهو منفي في مواضع الحرج والعسر.
وبذلك يتّضح كون القاعدة حاكمة على أدلّة الأحكام الأولية، وليس ميزان الحكومة إلاّ أحد أمرين:
1. كون الحاكم ناظراً إلى حال المحكوم.
2. جعل الحاكم بلا جعل للمحكوم يعدّ أمراً لغواً وكلتا الضابطتين موجودتان في المقام، فالآية تحكي عن وجود الدين الذي هو مجموع المعارف والأحكام، ثم يصفه بالسهل وعدم الحرج فيكون الثاني ناظراً، إلى الدين بمعنى مجموع المعارف والأحكام.
وكذلك: إذ لولا الدين بمعنى جعل الأحكام، لكان الإخبار عن عدم جعل الحكم الحرجي أمراً لغواً».
فإن قلت: أي أثر فقهي يترتّب على القولين: المرفوع هو الحكم الشرعي الحرجي، أو المرفوع الموضوع الحرجي كالوضوء في البرد القارص؟
قلت: يظهر الأثر فيما إذا كان نفس الحكم غير ضرري ولكن كان مردّداً بين عدّة أحكام يكون الجمع بينها حرجياً، فعندئذ لا تكون القاعدة حاكمة على لزوم الجمع بين المحتملات; لأنّ المفروض أنّ الحكم الواقعي غير حرجي. وأمّا الجمع بين المحتملات فليس موضوعاً لحكم شرعي بل هو حكم عقلي.
وقد أشار المحقّق الخراساني إلى ما ذكرنا من النتيجة في البحث في دليل الانسداد فيما إذا كان الاحتياط بالجمع بين المحتملات فعلاً أو تركاً ـ عند الانسداد ـ حرجياً فهل يمكن لنا القول بحكومة (قاعدة لاحرج) على

صفحه 44
وجوب الاحتياط عقلاً في هذه الصورة الّتي يكون الاحتياط فيها حرجياً، فيه وجهان:
1. لو قلنا بأنّ الموضوع هو الحكم الشرعي، تكون النتيجة عدم وجوب الاحتياط ورفض حكم العقل بوجوبه، وذلك لأنّ العسر والحرج في هذه الصورة مسبّبان من قِبل الأحكام الواقعية المجعولة، فإذا صارت قاعدة (لا حرج) حاكمة على تلك الأحكام ومحدّدة لها ينتفي وجوب الاحتياط عقلاً; لأنّ منشأه فعلية الأحكام الواقعية عند الجهل بالواقع، والمفروض تحديدها وعدم فعليتها في هذه الصورة فلا يكون هنا سنداً للحكم بوجوب الاحتياط.
2. لو قلنا بأنّ المرفوع هو الموضوع الحرجي ـ أعني: الاحتياط الحرجي ـ فمن المعلوم أنّ الاحتياط الحرجي ليس محكوماً بحكم شرعي حتّى تكون القاعدة حاكمة عليه، بل محكوم بحكم عقلي ـ أعني: وجوب الاحتياط ـ والحاكم والمحكوم يجب أن يكون من سنخ واحد.1
وإليك نصّ عبارته:عدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط، وذلك لما حقّقناه في معنى ما دلّ على نفي الضرر والعسر من أنّ التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلّقين بما يعمّهما هو نفيهما بلسان نفيهما فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل لعدم العسر في متعلّق التكليف وإنّما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً.
نعم لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط، لأنّ العسر حينئذ يكون من قبل

1. يلاحظ : كفاية الأُصول:2/120.

صفحه 45
التكاليف المجهولة فيكون منفيّاً بنفيه.1
***

5. هل الرفع عزيمة أو رخصة؟

إذا كان العمل العبادي أمراً حرجيّاً كالتوضّؤ في البرد القارص، فهل يصح عمله إذا تحمّل الحرج أو لا؟ وهذا ما يعبّر عنه أنّ الرفع عزيمة فيبطل، أو رخصة فيصح.
لاشكّ أنّه لو دلّ الدليل على أنّ الرفع عزيمة فلاشكّ أنّ العمل لا يقبل، وهذا نظير الصيام في السفر; روى الشيخ باسناده عن سماعة قال: سألته عن الصيام في السفر؟ فقال: «لا صيام في السفر، قد صام أناس على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فسمّاهم العصاة، فلا صيام في الحج إلاّثلاثة أيام الّتي قال الله عزوجل في الحج» 2.
وقد ورد نظير ذلك في صلاة المسافر; روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال سمعته يقول: «إن الله عزوجل تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».
وفي رواية أُخرى عن أبي عبدالله(عليه السلام): «مَن صلّى في سفره أربع ركعات فأنا إلى الله منه بريء».3
وقد دلّ الدليل على أنّ الرفع في هذين المقامين عزيمة لا رخصة.

1. كفاية الأُصول:2/120.
2. الوسائل: 7، الباب 11 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.
3. الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7 و 8 ، و لاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 46
ومن حسن الحظ أنّ روايات أهل السنّة متّفقة على أنّ القصر في السفر عزيمة، فقد أخرج مسلم في صحيحه أحاديث تسعة كلّها تدلّ على العزيمة نقتصر بذكر واحد منها.
أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة .1
وأخرج أيضاً عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتّى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة»2.
إنّما الكلام فيما لو لم يدلّ دليل من الخارج على أحد الأمرين، فهل الرفع عزيمة أو رخصة؟ فيه قولان:
الأوّل: أنّه عزيمة. وهو خيرة صاحب الجواهر، قال في حكم صيام الشيخ والشيخة وذي العطاش ما هذه عبارته: ثم لا يخفى عليك أنّ الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرّخص; ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج ونحوه ممّا يقضي برفع التكليف، مع عدم ظهور خلاف فيه من أحد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدّث البحراني، فجعل المرتفع التعيين خاصّة تمسّكاً بظاهر قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ )3.

1. صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافرين وقصرها.
2. صحيح مسلم:3/141، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
3. جواهر الكلام: 17 / 150 .

صفحه 47
لمّا كان الواجب لكلّ يوم مدّاً، دعا سبحانه المتطوّعين إلى الخير بأن يطعموا الواحد أكثر من مدّ، أو يطعموا أكثر من مسكين واحد.
ثمّ إنّ استدلال صاحب الحدائق بذيل الآية مبني على رجوعه على المطيقين ولكنّه غير ظاهر، بل يرجع إلى مجموع الأصناف الواردة في الآية .
توضيحه: أنّ المكلّفين على أصناف:
1. مَن شهد الشهر وهو سالم مقيم، فليصمه.
2. مَن كان مريضاً أو على سفر فعليه أن يصوم في أيام أُخر، كما قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ) فإنّ الواجب عليهم من أوّل الأمر هو الصيام في أيام أُخرى، وما ربّما يظهر من تفسير بعض أهل السنّة من تقدير لفظة فأفطر قبل قوله: (فَعِدَّة) فلا دليل عليه، وإنّما الداعي إلى تقدير الجملة لأجل الانتصار لمذهبهم، من كون الإفطار أمراً جائزاً.
3. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): أي الذين يصومون بمشقّة وجهد، فعليهم الإفطار والتكفير بمدّ طعام للمسكين عن كلّ يوم (فَمَنْ تَطَوَّعَ) بأكثر من مدّ، أو تطوّع لأكثر من مسكين فهو خير له.
إذا تمّت هذه الأصناف الثلاثة أو الأربعة، يعود البيان القرآني ليذكر (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ): أي أن تصوموا على النحو المذكور من أوّل الآية إلى آخرها، (خَيْرٌ لَكُمْ) فالشاهد يصوم والمسافر والمريض يصومان في أيام أُخر، والمطيق يفطر ويكفّر بمد طعام.
وبذلك ظهر أنّ الاستدلال على أنّ صيام المطيق اختياري كما عن المحدّث البحراني، أو صيام المسافر كما عليه أهل السنّة لا صلة له بمدلول الآية.

صفحه 48
وقد دعيت في سالف الأيام لمؤتمر عقد في تركيا حول أحكام المسافر، ودار الحديث عن صوم المسافر، فالحاضرون من السنّة كانوا مقلّدين لإمام مذهبهم فأجمعوا على جواز الصوم في السفر محتجّين بذيل الآية، غافلين أنّ ذيل الآية لو رجع إلى المسافر لرجع إلى المريض أيضاً، فهل يصحّ لفقيه أن يفتي بصحّة صوم المريض سواء أكان مضراً أو لا؟! أضف إلى ذلك: أنّ ذيل الآية نوع تلخيص لمجموع ما ورد في الآية من الأحكام .
الثاني: أنّه رخصة. وهو خيرة المحقّق الهمداني، قال: إنّ التيمّم في الموارد الّتي ثبت جوازه بدليل نفي الحرج، رخصة لا عزيمة، فلو تحمّل المشقّة الشديدة الرافعة للتكليف وأتى بالطّهارة المائيّة صحّت طهارته، كما تقدّمت الإشارة إليه في حكم الاغتسال لدى البرد الشديد، فإنّ أدلة نفي الحرج لأجل ورودها في مقام الامتنان وبيان توسعة الدين لا تصلح دليلاً إلاّ لنفي الوجوب لا لرفع الجواز .1
وتظهر من السيد صاحب العروة موافقة صاحب المصباح حيث فرّق بين كون استعمال الماء مضرّاً فأفتى ببطلان الوضوء، وأمّا إذا لم يكن استعمال الماء مضرّاً بل موجباً للحرج والمشقّة كتحمّل ألم البرد أو الشين فلا تبعد الصحّة وإن كان يجوز معه التيمم; لأنّ نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الأحوط ترك الاستعمال وعدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمّم أيضاً.2
ولكن الحقّ هو القول الأوّل; لأنّ لسان دليل قاعدة «لا حرج» هو تحديد الحكم الواقعي وإثباته في غير مورد الحرج ونفيه في مورده، فكأنّ التوضّؤ

1. مصباح الفقيه: 463، كتاب الطهارة.
2. العروة الوثقى: فصل في التيمم، المسألة 18.

صفحه 49
شُرع في صورة واحدة، وهي كونه غير حرجيّ، دونما إذا كان حرجيّاً ومع ذلك فكيف يمكن أن يوصف بالصحّة ويصلّي به مع أنّه فاقد للطهور؟!
هذا كلّه في الوضوء الحرجي، وأمّا الوضوء الضرري فالبطلان من وجهين:
1. كونه أمراً محرّماً غير قابل للتقرّب.
2. ما ذكرناه في قاعدة لا حرج فكأنّ الوجوب في الوضوء محدّد بغير صورة الضرر، وأمّا فيه فلا حكم لا إنشاءً ولا فعلياً.
أضف إلى ذلك: لو قلنا بصحّة الوضوء الحرجي معنى ذلك أنّ الرجل مخيّر بين التيمّم والوضوء، وهذا أمر لم يقل به أحد.
وأمّا الاكتفاء بهذا الوضوء بحجّة أنّه فاقد للأمر دون الملاك، فهو كماترى، إذ كيف نعلم أنّ هذا النوع من الوضوء الذي لم يشرّع واجد للملاك.
وحصيلة الكلام: أنّ الإطلاقات والعمومات إذا صارتا محدّدتين إلى حدّ العناوين الثانوية فإذا عرضت يسقط الأمر المستفاد من الأمر والإطلاق، ومعه كيف يمكن أن يقال: إنّ الفعل الحرجي واجد للملاك؟!
فإن قلت: ذهب غير واحد ـ ممّن منع الترتّب ـ إلى صحّة الصلاة في الوقت الموسّع إذا ابتلي بالأمر بالأهم قائلاً بوجود المصلحة التامّة فيها، غاية الأمر زاحمه الأمر بالأهم.
قلت: فرق بين مورد المقيس عليه والمقيس، فإنّ الأمر بالمهم واجد للمصلحة التامّة وشمله الأمر به غاية الأمر زاحمه الأمر بالأهم فصار مانعاً لا نافياً المصلحة التامّة، فإذا أتى بالمهم فقد أتى بما فيه مصلحة تامّة، وهذا

صفحه 50
بخلاف المقام فإنّ ظاهر قوله:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ)نفي التشريع، ومعه كيف يمكن القول ببقاء الملاك؟!
***

6. حكومة القاعدة على الواجبات والمحرّمات

إنّ القاعدة حاكمة على أدلّة الواجبات على النحو المذكور، فإذا كان في الإلزام بإتيان الواجب ضيق وحرج لا يتحمّل عادة، يكون الوجوب مرفوعاً، إنّما الكلام في حكومتها على أدلّة المحرّمات صغيرة أو كبيرة. مثلاً: لو صام في الجو الحار، واشتدّ عطشه بحيث خاف على نفسه، أو كان البقاء على تلك الحال موجباً لحرج شاق لا يتحمّل عادة ففي ذلك المورد يصلح أن يكون «لا حرج» رافعاً للتكليف بمقدار يرتفع الحرج، كما عليه الرواية فيمن أصابه العطش.
روى المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ لنا فتيات وشباباً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش؟ قال: «فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون»1.
وهكذا سائر المحرّمات إنّما الكلام في حكومة «لا حرج» على المحرّمات الكبائر كالزنا واللواط والقتل إلى غير ذلك ممّا نعلم أنّ الشارع غير راض بوجود واحد من هذه الأعمال في عامّة الحالات، فلا أظن أن فقيهاً يفتي بجواز هذه الأعمال إذا كان في تركها حرجاً، ويقرب منها القمار وشرب الخمر وغير ذلك.

1. الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1. وقد عملنا في هذا الموضوع رسالة ذكرنا حدود جواز الشرب.

صفحه 51

7. هل العبرة بالحرج الشخصي أو النوعي؟

هل الميزان في رفع الحكم الحرجي كون الحكم حرجياً على نوع المكلّفين أو حرجياً على الشخص، وإن لم يكن حرجياً على نوعهم؟ الظاهر هو الثاني، لوجود الفرق بين مقام التشريع ومقام التطبيق، فالميزان في الأوّل هو نوع المكلّفين، فإذا صار نوعهم قادرين على الفعل ينشأ الحكم على النوع وإن كان بعضهم غير قادرين غاية الأمر يستثنى المعذورون.
وأمّا مقام التطبيق فالميزان هو نفس الشخص الذي يريد امتثال الحكم، فالإنسان الضعيف يكون عليه الوضوء في البرد القارص حرجياً دون البطل الذي يقاوم الحرج والبرد بقوّة، فلا يمكن أن يقال إنّ وظيفة الثاني هي نفس وظيفة الأوّل.
وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي: أنّ كون الملاك هو الحرج الشخصي إنّما يختصّ بمقام التطبيق، وأمّا مقام التشريع فالملاك في تشريع الأحكام هو الحرج النوعي، ونأتي بمثالين:
1. قد عُلل عدم انفعال الماء الكرّ بلزوم الحرج والعسر، فلذلك يعمّ الحكم، حتى في زمان كثر الماء الجاري وقلّت الحاجة إلى ماء الكر.
2. يجب القصر والإفطار في السفر، لكونهما للمسافر أمراً حرجياً نوعاً، فيقصر ويفطر من ليس له حرجياً، لأنّ الميزان في مقام التشريع هو ملاحظة النوع، وبذلك يندفع ما ربّما يقال: لماذا نقصّر ولماذا نفطر، مع أنّ الإتمام والصيام ليس أمراً حرجياً لقسم من الأشخاص، غافلين عن أنّ الميزان في مقام التشريع هو الحرج النوعي.

صفحه 52

8. حكم التعارض بين دليلي الحرج والضرر

يظهر من الشيخ الأنصاري في فرائده أنّه ربّما يقع التعارض بين نفي الضرر والحرج، كما إذا كان تصرّف المالك في ملكه موجباً للضرر على الجار وعدم التصرّف مستلزماً للحرج عليه (لكثرة العائلة وضيق المكان) فاحتمل الشيخ سقوط القاعدتين والرجوع إلى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم»، ثم احتمل الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج; لأنّ منع المالك لدفع ضرر الغير حرج وضيق عليه، إمّا لحكومته ابتداءً على نفي الضرر، وإمّا لتعارضها والرجوع إلى الأصل.1
وما ذكره أوّلاً أولى بالاتّباع لأنّ كلتا القاعدتين على مستوى
واحد وشرّعتا لأجل تحديد الأدلّة الأوّلية، فلا وجه لحكومة إحداهما على الآخر.
ومع ذلك كلّه ففي الرجوع إلى قانون السلطنة على إطلاقه مشكل جدّاً فيما إذا كان تضرّر الجار تضرّراً كبيراً، وقد أشار إلى ذلك المحقّق السبزواري في كفايته وقال: ويشكل جواز ذلك فيما إذا تضرّر الجار تضرّراً فاحشاً، كما إذا حفر في ملكه بالوعةً ففسد بها بئر الغير، أو جعل حانوته في صف العطّارين حانوت حدّاد، أو جعل دارهُ مدبغةً أو مطبخة.2
ولذلك قامت الدول المتحضّرة بتفكيك المحلاّت السكنية عن التجارية كما عيّن لبعض الحرف مكاناً خاصّاً حتى لا يتضرّر به الآخرون،

1. فرائد الأُصول: 2 / 467 .
2. كفاية الأحكام: 241 نقلاً عن فرائد الأُصول للشيخ الأنصاري: 2 / 468 .

صفحه 53
كالمذابح والمعامل ذات الأصوات العالية.
وقد راج في عصرنا أنّ صاحب البيت يهدم بيته القديم ويبني بيتاً جديداً بعشر طبقات بحيث يوجب سقوط البيوت المجاورة عن القيمة إمّا بسبب الاستظلال، أو الإشراف على ساحات البيوت، فعلى الحكومة الإسلاميّة وضع حد لهذا النوع من التصرّف، صادراً عن الولاية، فالقول
بأنّ المرجع هو عموم السلطنة مع استلزامه الضرر الكثير على الجيران، كما ترى.
نعم لو كان الضرر على الجار قليلاً يتحمّل أو قابلاً للعلاج فعموم السلطة حاكم .
***

9. تطبيقات القاعدة

ذكر السيد المراغي فروعاً كثيرة مستنبطة من القاعدة غير أنّ لقسم من الفروع المذكورة روايات خاصّة، ونحن نذكر ما هو المهم منها:
يقول: يترتّب على نفي جعل الحكم الحرجي الفروع التالية:
1. عدم نجاسة البئر بالملاقاة.
2. العفو عن دم الجرح والقرح الذي لا يسري.
3. العفو عن الدم ما دون الدرهم البغلي.
4. جواز الصلاة في ثوب المربية للصبي.
5. جواز الصلاة في ثوب نجس لا تتمّ الصلاة به.

صفحه 54
6. طهارة آلات البئر كالعصير ـ أي أواني العصير إذا ذهب ثلثاه، على القول بالنجاسة ـ .
7. رخصة المبطون ومن بحكمه في الصلاة.
8. عدم لزوم الاحتياط في الشبهة غير المحصورة.
9. صحّة بيع الصبي فيما جرت به العادة.
10. الرخصة لكثير الشكّ.
11. طهارة ماء الاستنجاء.
12. عدم لزوم الترتيب في القضاء إلاّ في المتربتين كالظهرين والعشائين.
13. عدم لزوم العلم بصحّة أفعال الناس.
14. عدم اعتبار الشكّ بعد الفراغ.
15. القصر في السفر.
16. عدم لزوم قضاء الصلاة على الحائض.
17. إباحة الإفطار للحامل والمرضع والشيخ والشيخة وذي العطاش .
18. إباحة المحظورات عند الضرورات.
19. جواز قطع الصلاة لأُمور.
20. كفاية شهادة الواحد في الوصية.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي لأكثرها دليل خاص، ولا ينافي وجود دليل خاص كون هذه الأحكام صادرة عنهم لأجل هذه القاعدة.
يقول السيد المراغي في هذا المضمار: لاشكّ في وجود النصوص

صفحه 55
الخاصّة في هذه المسائل عن الأئمة الأطهار ولكن لا ريب أنّهم يحكمون على وفق كتاب الله الذي فيه تبيان كلّ شيء، ولعلّ ذلك كلّه حكموا به من جهة نفي الحرج .1
***
تمّ الكلام في قاعدة
نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين

1. العناوين: 1 / 297 ـ 298 .

صفحه 56
 
قاعدة ليس شيء ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه   
القواعد الفقهية
   69

قاعدة

ليس شيء ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه

الاستدلال على القاعدة بعدد من الآيات الكريمة .
الاستدلال على القاعدة بروايات تناهز عشرين رواية.
استنباط قاعدة كلية من الروايات الّتي وردت في مواضع متنوّعة.
تطبيقات القاعدة تناهز 17 مورداً .
حكومة القاعدة على وجوب الواجبات وحرمة المحرّمات.
عدم جريان القاعدة فيما لو كان ملاك الحرام أقوى من ملاك الاضطرار.
إنّ من القواعد الفقهية كون الاضطرار رافعاً للتكليف.
ولهذه القاعدة دليل قرآني، في عدد من الآيات الكريمة:
1. قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ

صفحه 57
لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)1
2. مثلها ما في سورة النحل الآية 115.
فقد أجاز سبحانه للمضطر رفع الاضطرار بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير اسم الله، بشرط ألاّ يكون باغياً ولا عادياً، فالآية تختصّ بالاضطرار إلى أكل اللحم لأجل حفظ النفس أو الحرج الشديد الذي لا يتحمّل. والباغي هو مَن يأكل للالتذاذ لا لسد الجوع، والعادي مَن يتجاوز عن سد الجوع .2
3. قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقُ... ـ إلى أن يقول: ـ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لإِثْم فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)3.

تفسير الآية

الإهلال في الذبيحة: رفع الصوت بالتسمية ومعنى أهّل لغير الله به ما ذكر غير اسم الله، كأن يقول: باسم اللات والعزى.
(الْمُنْخَنِقَةُ): الموت بالخناق.
(الْمَوْقُوذَةُ): ما تضرب حتى تموت.

1. البقرة: 173 .
2. مجمع البيان: 1 / 514 .
3. المائدة: 3 .

صفحه 58
(النَّطِيحَةُ) وهي التي ينطحها غيرها فتموت.
(وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) للأوثان تقرّباً إليها، وبذلك يفترق معناه عن قوله:(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ).
وأمّا الاستقسام بالأزلام فحاصله:روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين(عليهما السلام): أنّ الأزلام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى، فالفذ له سهم، والتوأم له سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم. والتي لا أنصباء لها: السفيح والمنيح والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزّئونه أجزاء، ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له التي لا أنصباء لها، وهو القمار، فحرّمه الله تعالى.1
فقد أجاز في المجاعة الانتفاع باللحوم المحرّمة بشرط أن لا يكون عاصياً، إمّا بأن يكون باغياً أو عادياً .
4. قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )2.
ولعلّ المراد من قوله: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)ما مرّ في سورة المائدة حيث ذكر فيها تحريم أزيد من عشرة أنواع من اللحوم. وكون سورة الأنعام مكّية، والمائدة مدنيّة، لا ينافي ذلك، لاحتمال كون خصوص هذه الآية

1. تفسير القمّي: 1 / 161 .
2. الأنعام: 119، ولاحظ الآية 145 .

صفحه 59
مدنية أمر النبي بوضعها في سورة الأنعام، وكم لها من نظير.
ويلاحظ أنّ مصبّ الآيات هو تحليل ما حرّم من اللحوم، وأمّا تحليل غير اللحوم فلا يستفاد من الآيات إلاّ بإلغاء الخصوصية، ولذلك فنحن بحاجة لأجل تعميم القاعدة إلى دراسة ما ورد من الروايات، والكلّ يصب على مصبّ واحد وهو تحديد الأحكام الأوّلية بغير صورة الاضطرار، ويكون حاكماً على الإطلاقات.
1. روى الشيخ باسناده عن عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: فإن مات رجل مسلم وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته، ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات ليس بينه وبينهن قرابة؟ قال: «يغتسل النصارى ثم يغسّلونه فقد اضطر».1
حيث إنّ المسلم لا يغسّله إلاّ مسلم غير أنّ الاضطرار رفع هذا الشرط واكتفي بغسل الكتابيّ، وإن لم يكن مسلماً، هذا مع غضّ النظر عن نجاسة أهل الكتاب.
2. روى الشيخ باسناده عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه إذا اضطر إليه .2
فقد صار الاضطرار سبباً لرفع شرطية طهارة الساتر.
3. قال المفيد في «المقنعة»: سئل عن الرجل يجدّ به السير أيصلّي على

1. الوسائل: 2، الباب 19 من أبواب غسل الميّت، الحديث 1 .
2. الوسائل: 2، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 7 .

صفحه 60
راحلته؟ قال: لا بأس بذلك ويؤمي إيماءً، وكذلك الماشي إذا اضطر إلى الصلاة.1
ومن المعلوم أنّ كتاب «المقنعة» هو الفقه المنصوص محذوف الاسناد، فقد صار الاضطرار سبباً لسقوط الركوع والسجود والانتقال إلى الإيماء .
4. روى الشيخ باسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ فقال: «لا، إلاّ أن يكون مضطراً ليس عنده غيرها وليس شيء ممّا حرّم الله، إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليه».2
وهنا صار الاضطرار سبباً لسقوط شرط السجود على النحو المألوف، بل يكفي تقديم شيء ممّا يصحّ السجود باتّجاه جبهته.
5. روى الكليني عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون: نداويك شهراً أو أربعين ليلة مستلقياً، كذلك يصلّي؟ فرخصّ في ذلك، قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ).3
إنّ الإمام (عليه السلام)استدلّ على الحكم بما ورد في تحليل الميتة عند الاضطرار، وهذا يدلّ على أنّ الكبرى المذكورة لا تختصّ بموردها.
6. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن جابر، أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المحرم إذا اضطر إلى سعوط فيه مسك من ريح تعرض له في وجهه وعلّة

1. الوسائل: 3، الباب 16 من أبواب القبلة، الحديث 7 .
2. الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب القيام، الحديث 7 .
3. الوسائل: 4، الباب 7 من أبواب القيام، الحديث 1.

صفحه 61
تصيبه؟ فقال: «استعط به».1
وكأنّ السائل ابتلى بورم في وجهه يداوى بالسعوط وفيه مسك، فقد صار الاضطرار سبباً لرفع حرمة الطيب على المحرم.
7. روى الشيخ باسناده عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً، ولا يدخل يديه في يدي القباء».2
8. روى الكليني بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «وإن اضطر إلى قباء من برد ولا يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً ولا يدخل يديه في يدي القباء».3
9. روى ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» عن جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس له إلاّ قباء، فلينكِّسه وليجعل أعلاه أسفله وليلبسه»4.
10. روى الشيخ في «التهذيب» عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «وأي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفّين إذا اضطر إلى ذلك، والجوربين يلبسهما إذا اضطر إلى لبسهما»5.
11. روى الكليني بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل

1. الوسائل: 8، الباب 19 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3. والسعوط دواء يجعل في الأنف.
2. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1 .
3. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 5.
4. الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 8 .
5. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 2.

صفحه 62
هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين؟ قال: «له أن يلبس الخفّين إن اضطر إلى ذلك وليشقّه عن ظهر القدم».1
12. روى الصدوق باسناده عن رفاعة بن موسى أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المحرم يلبس الجوربين؟ قال: «نعم والخفّين إذا اضطر إليهما».2
13. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة والصيد أيهما يأكل؟ قال: «يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله؟» قلت: بلى، قال: «إنّما عليه الفداء فليأكل وليفده».3
14. روى الكليني عن علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: «لا، إلاّ أن يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف».
ورواه الحميري في «قرب الإسناد» عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر إلاّ أنّه قال: «لا، إلاّ بإذنه، أو يضطر فيأكل بالمعروف أو يستقرض منه حتّى يعطيه إذا أيسر».4
وقد صار الاضطرار هنا سبباً لحل مال الغير.
15. روى الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الرجل يتزوّج المملوكة؟ قال: «إذا اضطر إليها فلا بأس».5

1. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
2. الوسائل: 9، الباب 51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 4.
3. الوسائل: 10، الباب 43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 1، ولاحظ الأحاديث الأُخرى في هذا الباب.
4. الوسائل: 12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 .
5. الوسائل: 14، ولاحظ أيضاً: الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب القسم والنشوز والشقاق، الحديث 1.

صفحه 63
والحديث يشير إلى ما ورد في القرآن الكريم من عدم جواز الزواج بالمملوكة إلاّ مع عدم التمكّن من الحرائر، قال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ )1.
16. روى الكليني باسناده عن الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل ضرب بسيفه جزوراً أو شاة في غير مذبحها وقد سمّى حين ضرب؟ فقال: «لا يصلح أكل ذبيحة لا تذبح من مذبحها إذا تعمّد ذلك ولم تكن حاله حال اضطرار، فأمّا إذا اضطر إليه واستصعب عليه ما يريد أن يذبح فلا بأس بذلك».2
وقد صار الاضطرار سبباً لحل الحيوان من غير ذبح ولا نحر.
17. روى الشيخ بإسناده عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليهما السلام)أنّه قال: سألته عمّا أهلّ لغير الله به؟ قال: «ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر حرّم الله ذلك، كما حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير، (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)أن يأكل الميتة»3. أي باسم الصنم.
18. روى الصدوق عن محمد بن أحمد بن يحيى مؤلف نوادر الحكمة قال: قال الصادق (عليه السلام): «من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل شيئاً

1. النساء: 25 .
2. الوسائل: 16، الباب 32 من أبواب الصيد، الحديث 1، ولاحظ : الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب الذبائح، الحديث 3. الظاهر أنّ قوله:«أن يذبح» مفعول الفعل في قوله: «ما يريد الذبح فلا بأس».
3. الوسائل: 16، الباب 55 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1، ولاحظ الباب 56، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 حول الاضطرار إلى اللحوم المحرّمة.

صفحه 64
من ذلك حتّى يموت، فهو كافر».1 ولعلّ المراد كفر النعمة، لا كفر الملّة نظير ما ورد في آية الحج:(وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).(2)
19. روى الصدوق في «العلل» عن الرضا (عليه السلام)، قال: «إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ الله ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم إليه الحاجّة، ووجدنا المحرّم من الأشياء لا حاجة بالعباد إليه، ووجدناه مفسداً، ثمّ رأيناه تعالى قد أحلّ ما حرّم في وقت الحاجة إليه، لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت، نظير ما أحلّ من الميتة والدم ولحم الخنزير إذا اضطرّ إليها المضطر، لما في ذلك الوقت من الصلاح والعصمة ودفع الموت».2
20. روى المفيد في «الإرشاد» قال: روى العامّة والخاصّة أنّ امرأة شهد عليها الشهود، أنّهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطؤها، وليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها، وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنّك تعلم أنّي بريئة، فغضب عمر، وقال: وتجرح الشهود أيضاً؟! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ردُّوها واسألوها، فلعلّ لها عذراً، فردّت وسئلت عن حالها؟ فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت مع إبل أهلي وحملت معي ماء، ولم يكن في إبلي لبن، وخرج معي خليطنا وكان في إبل، فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتّى أُمكنّه من نفسي فأبيت، فلمّا كادت نفسي أن تخرج أمكنته من نفسي كرهاً، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الله أكبر (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)فلمّا سمع عمر ذلك خلّى سبيلها.3

1. الوسائل: 16، الباب 56 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 3.   2 . آل عمران: 97 .
2. الوسائل: 17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4.
3. الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حد الزنا، الحديث 8 ولاحظ الحديث 7 .

صفحه 65

فذلكة الكلام

إنّ الإنسان في بادئ الأمر يتصوّر أنّ قاعدة الاضطرار تختصّ بباب اللحوم، فالمضطر يأكل من اللحوم المحرّمة بشرط أن لا يكون عادياً ولا باغياً، وأمّا إذا وقف على هذه الأحاديث يجد أنّ المجال أوسع بكثير من باب اللحوم، فقد لمستَ عن كثب أنّها تجري في أكثر أبواب الفقه، من الطهارة والصلاة والحج والنكاح والحدود، ولذلك لا يبقى أي ريب في شمولية القاعدة، ولو رجع الباحث إلى المسائل الّتي وردت فيها تلك الروايات تظهر له الحال بأجلى مظاهره.
نعم بسط صاحب جواهر الكلام في الاضطرار في باب الأطعمة والأشربة .1
وإليك بعض عناوين المسائل:
1. تناول الأطعمة المحرّمة مع الضرورة.
2. حكم الباغي والعادي.
3. تجاوز المضطر ما يسدّ به الرمق.
4. جواز تزوّد المضطر من الميتة ووجوب دفعها إلى مضطر آخر.
5. وجوب التناول لحفظ النفس وحرمة التنزّه مع خوف التلف .
6. لو وجد المضطر ميتة وطعاماً للغير أيّهما يقدّم؟
7. إذا لم يجد المضطر إلاّ الآدمي ميّتاً؟
8 . إذا دار الأمر بين الآدمي ميّتاً والميتة ؟

1. لاحظ: جواهر الكلام: 36 / 432 ـ 447 .

صفحه 66
9. إذا كان المضطر محرماً ولم يجد إلاّ الصيد أو وجد معه ميتة، وقد مرّ التنصيص به.
10. إذا لم يجد المضطر إلاّ الخمر أو وجد معه بولاً أو بولاً وماء متنجّساً.
11. إذا لم يجد المضطر غير ميتتين إحداهما لحيوان مأكول وأُخرى لغير مأكول .
12. إذا لم يجد المضطر غير ميتة ما يؤكل وحيوان حي غير مأكول.
13. إذا لم يجد المضطر غير مذبوح الكافر وميتة ما يؤكل.
14. إذا اضطر إلى تناول الأشربة المسكرة بقصد التداوي.
15. إذا اضطر للأكل من مال الغير.
16. لو اضطر إلى طعام الغير وليس لديه ثمن.
17. لو اضطر إلى طعام وكان صاحبه غائباً.
إلى غير ذلك من المسائل .
وقد ذكر المحقّق في الشرائع من أحكام الاضطرار الشيء الكثير، منها:
قوله: ومن اللواحق النظر في حال الاضطرار .1

إكمال

قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ موقف الاضطرار كموقف لا حرج ولا ضرر، فهو من الأدلّة المحدّدة للأحكام الواقعية ويعرب عن عدم شمولها لصورة

1. شرائع الإسلام : 3 / 229 ـ 231، كتاب الأطعمة والأشربة.

صفحه 67
الاضطرار، إنّما الكلام في أنّ الاضطرار هل يُحلّ عامّة الكبائر وعزائم المحرّمات، أو أنّه يلاحظ ما هو أقوى ملاكاً، وسيوافيك في قاعدة التقية أنّها لا تبيح كلّ محرم كان ملاكه أقوى، بل تصبح التقية عندئذ محرّمة.
وقد تضافر عنهم(عليهم السلام): أنّ التقية لصيانة الدماء، فإذا وصلت إلى الدم، فلا تقية.
وعلى هذا فإذا كان ملاك الحرمة أقوى من ملاك الاضطرار فلا يحل له، وأمّا تعيين المصاديق والصغريات فهو على عاتق الفقيه.
***
تمّت قاعدة
ليس شيءٌ ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه
(قاعدة الاضطرار)

صفحه 68
قاعدة الجّب   
 
القواعد الفقهية
70

قاعدة الجبّ

الإسلام يجبّ ما قبله
قاعدة الجبّ: الإسلام يجب ما قبله   
المرونة والتسامح في الإسلام
مصدر القاعدة من الكتاب والسنّة
تفسير مفردات القاعدة
مفاد القاعدة
تطبيقات القاعدة :
   1. الفرائض البدنية
   2. الفرائض المالية
   3. العقوبات الجزائية
   4. الأُمور الوضعية
   5. حقوق الآدميين
   6. أحكام الدماء

المرونة والتسامح في الإسلام

من خصائص القوانين الإسلامية المرونة والتسامح والصفح عن

صفحه 69
الأعمال الّتي ارتكبها الإنسان قبل الإسلام، فلا يحاسب عليها بل يضرب عنها صفحاً على وجه محدود، كما سنبين إنّ شاء الله تعالى .
إنّ الإسلام دين عالمي كما أنّه دين خاتم، فيجب أن تكون سننه وقوانينه على نحو يرغب الكافرين إلى الدخول في حظيرته، فلو شعر الكافر بأنّه سوف يؤاخذ بكلّ ما يؤاخذ به المسلم عبر حياته من فرائض عبادية أو مالية أو عقوبات إلهية، فلا يرغب في الإسلام، ولأجل هذه الغاية الكبرى وهي دخول البشر جميعاً تحت راية الإسلام وإسعادهم بعقائده وأحكامه، جعل المرونة في قوانينه والتسامح في تعامله مع الكفّار، وهذا ما تهدف إليه قاعدة الجبّ المأخوذة من قول نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة في الكتب الحديثية: «الإسلام يجبّ ما قبله»، فلأجل إسباغ الكلام في مورد القاعدة نتكلّم فيها من جهات:

الجهة الأُولى: مصدر القاعدة من الكتاب والسنّة

استدلّ للقاعدة بالكتاب والسنّة:
أمّا الكتاب فلقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)1.
فالآية تدلّ على أنّ الانتهاء عمّا كانوا عليه يوجب غفران ما صدر عنهم سلفاً، ولذلك استدلّ بها الفقهاء على سقوط الصوم والصلاة عن الكفّار إذا أسلموا .2

1. الأنفال: 38.
2. كنز العمال: 1 / 166; جواهر الكلام : 17 / 10 .

صفحه 70
إنّما الكلام في دلالة الآية، أقول: الآية تحتمل معنيين:
1. أن يتوبوا ممّا هم عليه من الشرك ويمتنعوا منه، يغفر لهم ما قد سلف من ذنوبهم.
2. أن ينتهوا من المحاربة إلى الموادعة، يغفر لهم ما قد سلف من المحاربة.
فعلى الوجه الأوّل يمكن الاستئناس دون الوجه الثاني، والظاهر هو المعنى الأخير، فإنّ الوحي يبشّرهم بأنّهم إن ينتهوا عن المحاربة يغفر لهم ما قد سلف، وإن تمادوا في المحاربة فليعلموا أنّ سنّة الله هي نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وعلى هذا فلا صلة للآية بأنّ الله يغفر لهم الفرائض البدنية والمالية وغيرها، الّتي تركوها في أيام كفرهم.
وأمّا السنّة فقد ذكرت القاعدة في روايات عديدة منها:
1. ذكر ابن سعد في طبقاته في ترجمة المغيرة بن أبي شعبة بن أبي عامر، كيفية إسلامه، وأنّه خرج مع بني مالك إلى المقوقس الذي أهدى إليهم جوائز كبيرة ولكنّه أعطاه شيئاً قليلاً، يقول: فخرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهليهم وهم مسرورون فأجمعت على قتلهم في منطقة بساق، فلمّا قتلتهم أخذت جميع ما كان معهم فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبرته الخبر وقلت: نحن على دين الشرك فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها إلى رسول الله، ليخمّسها أو يرى فيها رأيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا إسلامك فقبلته، ولا آخذ من أموالهم شيئاً ولا أخمّسه، لأنّ هذا غدر والغدر لا خير فيه»، قال: فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: يا رسول الله إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة، قال: «فإنّ

صفحه 71
الإسلام يجبّ ما كان قبله»1.
هذا هو الأصل في القاعدة.
2. ويظهر من تفسير القمّي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ذكر هذه القاعدة في مورد آخر، أعني: في مورد عبدالله بن أبي أُمية أخي أُم سلمة، حيث استقبل النبي في فتح مكّة وسلّم عليه، فلم يرد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه السلام وأعرض عنه ولم يجبه بشيء، وكانت أُخته أُم سلمة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فدخل إليها وقال: يا أُختي أنّ رسول الله قبل إسلام الناس وردّ علي إسلامي، فلمّا دخل رسول الله على أُم سلمة عرضت عليه ما دار بينها وبين أخيها عبدالله بن أبي أُمية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أُم سلمة إنّ أخاك كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا)2 إلى قوله تعالى: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)3 قالت أُمّ سلمة: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ألم تقل إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟ قال: نعم، فقبل رسول الله اسلامه.4
ولعلّ أُمّ سلمة كانت حاضرة عندما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للمغيرة بن شعبة إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، فتكون حاكية للحديث.
وأمّا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر قبول إسلامه فإنّما هو لنكتة، وهي أنّه لو قبل إسلامه في اللقاء الأوّل، تسهل عنده الجريمة الّتي ارتكبها في أيام شركه،

1. الطبقات الكبرى: 4 / 285 ـ 286 .
2. الإسراء: 90 .
3. الإسراء: 93 .
4. تفسير القمي: 2 / 26 ـ 27، سورة الإسراء.

صفحه 72
ولذلك أخّر قبول إسلامه حتّى توسّطت أُمّ سلمة له، وبذلك أفهمه أنّ جريمته كانت باهظة، ولولا شفاعة أُمّ المؤمنين له لما قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إسلامه وصفح عنه.
3. جاء في «السيرة الحلبية»: أمر النبي بقتل عبدالله بن أبي سرح لأنّه كان أسلم قبل الفتح ثم ارتدّ وهرب إلى مكّة، ولمّا كان يوم الفتح وعلم بإهدار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)دمه، لجأ إلى عثمان بن عفان ـ أخيه من الرضاعة ـ فقال رسول الله لعثمان: أما بايعته وأمّنته؟ قال: بلى ولكن يذكر جرمه القديم فيستحي منك، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله»، وأخبره عثمان بذلك.1
4. وجاء فيها أيضاً عند الكلام عن إسلام هبّار الأسود الذي أمر النبي بقتله، وهو ممّن أمر بقتلهم أيضاً بقوله: رجع النبي من مكّة إلى المدينة فجاء هبّار رافعاً صوته: يا محمد أنا جئت مقراً بالإسلام، ثم ذكر الشهادتين وخاطب النبي بقوله: فاصفح عن جهلي وعمّا كان منّي، فإنّي مقرّ بسوء فعلي، معترف بذنبي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا هبّار عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما كان قبله»2.
هذه هي مصادر القاعدة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا مصدرها على لسان الإمام علي (عليه السلام)فقد روى العلاّمة المجلسي عن المناقب لابن شهرآشوب قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إنّي طلّقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول: فقال عمر: كما أنت حتّى يجيء علي بن أبي طالب، فجاء علي (عليه السلام)فقال: قصّ عليه قصتك،

1. السيرة الحلبية: 3 / 37، طبعة دار المعرفة ـ بيروت.
2. السيرة الحلبية: 3 / 39 .

صفحه 73
فقصّ عليه القصة، فقال علي(عليه السلام): «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة».1

الجهة الثانية: تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من ألفاظ ثلاث:
1. الإسلام. 2. يجبّ. 3. ما قبله.
أمّا اللفظة الأُولى: فأُريد بالإسلام مَن اعتنق الإسلام في الظاهر وتشهّد بالشهادتين، من دون أن يُعلم أنّ إسلامه مبني على إيمانه واعتقاده بهما أو لا.
نعم خرج المنافق فإنّه وإن اعتنق الإسلام لفظاً لكن القرائن القطعيّة تدلّ على كذب اعتناقه وأنّه يقول ما لم يؤمن به. نعم تعامل النبيّ الأكرم مع منافقي عصره لمصلحة ملزمة لأنّهم والمؤمنين كانوا من عشيرة واحدة كالأوس والخزرج، فلو طردهم النبيّ عن حوزة الإسلام لاختلّ الأمر وانفصمت وحدة الكلمة التي بها قوام الحكومة الإسلامية.
وبعبارة أُخرى: ليس الإسلام في الحديث في مقابل الإيمان، بأن يسلم لفظاً ولم يؤمن قلباً كما هو الحال في مورد الأعراب الذين قالوا آمنّا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولذلك أمروا أن يقولوا أسلمنا.2
بل المراد مَن أظهر الشهادتين واعترف بهما، سواء عُلم أنّه أظهرهما عن اعتقاد وإيمان، أم لم يعلم ، بحيث يكفي عدم العلم ظاهراً بمخالفة إقراره مع ضميره خرج قسم المنافق الذي عُلم فيه عدم المطابقة.

1. بحار الأنوار: 40/230، نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب: 2 / 186.
2. لاحظ : الحجرات: 14.

صفحه 74
وأمّا اللفظة الثانية: أعني الجبّ، فهو بمعنى القطع .
قال الطريحي: الجبّ (بالفتح): القطع، يقال: جببته أي قطعته، ومنه: خصيٌّ مجبوب أي مقطوع.1
وجاء في «النهاية» لابن الأثير: في ذكر الحديث: «إنّ الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها»: أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب.2
ولكن الجزري انفرد في عطف التوبة على الإسلام، فإنّ قاعدة الجبّ غير قاعدة التوبة.
وأمّا اللفظة الثالثة: أعني «ما قبله» فقد أُريد بها الكفر.

الجهة الثالثة: في مفاد القاعدة

يظهر مفاد القاعدة بإمعان النظر في أمرين:
الأوّل: أنّ قاعدة الجب قاعدة امتنانية كقاعدتي: لا ضرر، ولا حرج، فهذه القواعد تُعدّ محدّدة للأحكام الأوّلية وأنّها شرعت في غير موارد الحرج والضرر، وفي حقّ الكافر إذا أسلم، وإذا كانت قاعدة امتنانية يجب أن تكون على نحو لا تورث ضرراً للآخر، ولذلك لو استقرض الكافر شيئاً من المسلم أو الكتابي الذي يعيش في ظل الإسلام، فإسلام الكافر لا يسبب سقوط وجوب أداء القرض.
وإن شئت قلت: الأحكام الثابتة له ـ لا من جهة الإسلام ـ بل من جهة

1. مجمع البحرين:2/21، مادة «جبب».
2. النهاية في غريب الحديث: 1 / 234 .

صفحه 75
كونه محكوماً بها حسب دينه، أو حسب اتّفاق العقلاء عليه، فهي غير مرفوعة عنه.
وبعبارة أُخرى: ما حكم على الكافر على فرض كونه مسلماً هو المرفوع إذا أسلم، وأمّا ما حكم عليه لا من هذه الحيثية بل من حيثية أُخرى، فالقاعدة غير ناظرة إليه .
الثاني: أنّ دليل قاعدة الجب دليل ترغيبي للكافر ليدخل في حظيرة الإسلام، إذ لا شكّ أنّ في الإسلام عقوبات ومؤاخذات بالنسبة إلى قسم من المعاصي والجرائم، فالكافر يخاف إن أسلم من أن يحكم عليه بتلك العقوبات والمؤاخذات، فلأجل رفع هذا الخوف يقول: الإسلام يجبّ ما قبله.
الثالث: لا منافاة بين هذه القاعدة وما عليه المشهور من كون الكفّار محكومين بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول.
توضيحه: أنّه لاشكّ أنّ الكفّار محكومون بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول، على ما هو المشهور، لكن الأحكام الثابتة على الكافر لأجل الإسلام تكون مرفوعة بعد ما يسلم، لا أنّهم غير مكلّفين بها أصلاً وبتاتاً .
إذا عرفت هذه الأُمور الثلاثة فيمكننا تفسير القاعدة عن طريق تعامل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع المشركين والكتابيّين إذا أسلموا، فقد دلّت الضرورة على أنّهم إذا أسلموا لا يحكم عليهم بقضاء الفرائض البدنية كالصلاة والصوم والحج، بل لا يحكم عليهم بأداء ما وجب عليهم من الزكاة والصدقات في السنين الماضية، فهم كانوا مكلّفين بهذه الأحكام من جهة الإسلام، فإذا أسلموا سقطت رحمة وترغيباً.
ولأجل إيضاح القاعدة نعرضها على غير واحد من الموارد حتّى يتبين

صفحه 76
الساقط عن غيره، ولأجل ذلك نفتح جهة رابعة لهذا الموضوع.

الجهة الرابعة: تطبيقات القاعدة

إذا تعرفت على مفاد القاعدة على وجه الإجمال فلنعرضها على مواردها حتّى يتبين مورد الجبّ عن غيره.

أوّلاً: الفرائض البدنية

دلّت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين على سقوط قضاء هذه الفرائض كلّها عن الكافر إذا أسلم، فلا يجب عليه قضاء الصلوات والصوم والحج، نعم لو زالت الاستطاعة قبل أن يسلم، سقط عنه الحج، وأمّا لو بقي عليها يجب عليه، لأنّه موضوع جديد، لأنّ الساقط ما وجب عليه حال الكفر، وأمّا ما هو المفروض فقد وجب عليه بعد أن أسلم.

ثانياً: الفرائض المالية

دلّت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين على سقوط الفرائض المالية عندما أسلم وتظهر الحال في الصور التالية:
1. لو تلف ما وجبت فيه الزكاة أو الخمس قبل أن يُسلم فلا شيء عليه.
2. إذا كان وقت تعلّق الزكاة كافراً فلا يجب عليه الزكاة وإن كان النصاب باقياً.
3. نعم لو بقي النصاب بحاله إلى السنة التالية يجب عليه أداء الزكاة بما أنّه مسلم، لا قضاء عمّا وجب عليه عند الكفر.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) بقوله: لو أسلم الكافر

صفحه 77
بعدما وجبت عليه الزكاة، سقطت عنه وإن كانت العين موجودة، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله1. فإنّ ما ذكره تام بالنسبة إلى السنوات السابقة، وأمّا لو حال عليه الحول، فيجب عليه إخراج الزكاة لأنّه موضوع جديد في حال إسلامه.
ثمّ إنّ قوله: «ان بقي النصاب» ناظر إلى النقدين والأنعام الثلاثة، وأمّا الغلاّت الأربع فلو كان حين تعلّق الزكاة كافراً، لبدو الصلاح فلا تجب الزكاة وإن كان النصاب باقياً فلاحظ.
ثم إنّ السيد الخوئي اعترض على فتوى المشهور من سقوط الزكاة بأنّ الدليل عليه هو الإسلام يجب ما قبله ويهدم وقال: لكنّه من أجل ضعف السند غير صالح لان يستند إليه، ثم أيّد ضعف الرواية مستظهراً بأنّ الإمام رفضها كما في ما رواه الشيخ باسناده عن جعفر بن رزق الله، قال: قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا، فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)وسؤاله عن ذلك، فلمّا قدم الكتاب كتب أبو الحسن (عليه السلام): «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين، سله عن هذا، فإنّه شيءٌ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به السنة، فكتب: إنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم تجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب؟ فبيّن لنا بما أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟ فكتب (عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ

1. العروة الوثقى: كتاب الزكاة، مسائل متفرقة، المسألة 17.

صفحه 78
الْكَافِرُونَ)1 قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات .2
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل أخصّ من المدعّى; وذلك لأنّ الإمام (عليه السلام)رفض القاعدة في هذا المورد الخاصّ أعني: كون الإسلام كان ناتجاً عن خوف من إجراء الحد عليه، ولم يرفضها مطلقاً. كما إذا كان إسلامه عن طوع ورغبة أو لم يعلم حاله.
وحصيلة الكلام: أنّ المصاديق الجديدة لا تعطف على المصاديق الغابرة، فليست قاعدة الجبّ قاعدة تجعل الكافر بعد إسلامه مجرّداً عن أي تكليف مالي أو تكليف بدني، فعلى الفقيه أن يميّز بين الغابر والحاضر.

ثالثاً: العقوبات الجزائية

لاشكّ أنّ للإسلام أحكاماً جزائية تشمل المسلم والكافر، فلو سرق قطعت يده، ولو زنا يجلد إذا لم يكن محصناً ومع الإحصان يقتل رجماً، وإذا أفطر يُعزّر أو يُحدّ خمسة وعشرين جلدة، ولو شرب الخمر يجلد ثمانين جلدة، ولو رمى المحصنات ولم يأت بأربعة شهداء فيُجلد ثمانين جلدة، إلى غير ذلك من الأحكام الجزائية الواردة في كتاب الحدود، فالكافر إذا ارتكب واحدة من هذه الجرائم أو غيرها ثم أسلم تسقط عنه أحكام هذه الجرائم فلا تقطع يده ولا يجلد ولا يقتل، وقس على ذلك ما لم نذكر من الأحكام الجزائية.

1. غافر: 84 ـ 85 .
2. الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث 2.

صفحه 79

رابعاً: الأُمور الوضعية

لاشكّ أنّ هنا أُموراً وضعية لها أحكام في الإسلام فهل ترتفع أحكامها عن الكافر بعدما أسلم أو تبقى أحكامها بعده؟ نظير:
1. الجنابة والحيض والنفاس، فإنّها أُمور تكوينية فقد حكم عليها بأحكام خاصّة منها الاغتسال فلو كان كافراً ثم أسلم يغفر له ما ترك من الأحكام، وأمّا بعد ما أسلم فهي من حيث البقاء موضوعات جديدة، تبقى أحكامها، فإنّ الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس من شروط صحّة الصلاة والصوم، فلو أراد أن يصلّي أو يصوم فعليه أن يغتسل لأنّها حكم جديد على موضوع جديد، وقد مضى أنّ المرفوع هو المصاديق الغابرة، لا الجديدة .
2. الرضاع أمر تكويني فمن ارتضع ـ في الإسلام ـ من امرأة يحرم عليه نكاحها ونكاح أُمها وبنتها.
3. الزنا أمر تكويني فلو زنى بامرأة يحرم عليه نكاح أُمّها وأُختها وبنتها، وهكذا لو أوقب غلاماً يحرم عليه نكاح أُمّه وأُخته وبنته.
فلو افترضنا أنّ الكافر قام بأحد هذه الأعمال ثم أسلم هل تسقط أحكام هذه الموضوعات عنه، فيجوز له نكاح أُمِّه الرضاعية أو نكاح واحدة من هذه النساء المحرّمة عليه؟ أو لا ؟
الظاهر ـ والله العالم ـ بقاء الحرمة; لأنّ المرفوع هو الأحكام الجزائية الّتي لو ارتكبها وهو مسلم لحكم عليه بالجلد أو الرجم أو القطع، وأمّا الأحكام الوضعية المترتّبة على الموضوعات المضادة بالفعل، فالقول برفعها مشكل، وذلك لأنّه بعدما أسلم يصدق على أُمّه الرضاعية، أنّها أُمّه، كما يصدق على بنت الزنية أنّها بنت مَن زُني بأُمّها، أو أُخت من زُني بأُختها، أو أنّها امرأة

صفحه 80
زُني بها وهي ذات بعل .
فإن قلت: إنّه سبحانه استثنى من تزويج ما تزوّج الآباء وقال: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً).1
كما أنّه استثنى من الجمع بين الأُختين إلاّ ما قد سلف وقال: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا).(2)
وعلى هذا فلو تزوّج المشرك ما نكح أبوه حال الشرك، أو جمع بين الأُختين، فظاهر الآية، هو العفو وجواز البقاء.
قلت: ما ذكرته من الاستظهار خلاف الاتّفاق، قال الطبرسي حول الآية الثانية: استثناء منقطع، ومعناه لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به، وليس المراد به أنّ ما قد سلف حال النهي، يجوز استدامته بلا خلاف.2
ولذلك لمّا أسلم بعض مَن كان له من النساء أزيد من أربع، أمره الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بانتخاب أربع منهن وقال:«وفارق سواهن».3

1. النساء:22.   2 . النساء:23.
2. مجمع البيان:2/30.
3. أ ـ فقد روي أنّ غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر من النساء، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «اختر أربعاً منهنّ وفارق سائرهن».مستدرك الوسائل:14/428، الباب5 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث3، وراجع: سائر روايات الباب; عوالي اللآلي:1/228 برقم 123 ; سنن البيهقي:7/181.
ب ـ وروى الطبراني في «المعجم الكبير» باسناده عن الحارث بن قيس بن عميرة قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة وأسلمن معي وهاجرن معي، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«اختر أربعاً منهن» فجعلت أقول للتي أُريد إمساكها: أقبلي، وللتي لا أُريد إمساكها: أدبري.(المعجم الكبير:18/359).
ج ـ لاحظ: الوسائل: 14، الباب6 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد.
د ـ عن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وعنده عشر نسوة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ».صحيح ابن حبّان:9/466; سنن الدار قطني:3/189.
Website Security Test