welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 401

التنبيه السادس: الفرق بين التقية والنفاق

ربّما يتصور أنّ التقية من شُعب النفاق، لأنّ النفاق إذا كان هو التظاهر بشيء على خلاف العقيدة، والمتلبّس بالتقية أيضاً يمارس عملاً أو قولاً على خلاف العقيدة، فتكون التقية من شعب النفاق.
الجواب: إنّ التقية في الكتاب والسنّة عبارة عن إظهار الكفر وإبطان الإيمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق، فإذا كان هذا مفهومها فهي تقابل النفاق الوارد في الكتاب والسنّة حيث إنّ النفاق فيهما عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل، فبين المفهومين، بعد المشرقين.
يقول سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)1.
فإذا كان هذا حدّ المنافق، فكيف يكون المتّقي من أقسامه؟
إنّ التقية وردت في الكتاب والسنّة وأمر بها سبحانه ونبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كانت من شعب النفاق لكان أمراً قبيحاً، يستحيل على الله سبحانه أن يأمر به قال سبحانه: (قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)2.
نعم تفسير النفاق بمطلق مخالفة الظاهر، الباطن، تفسير عرفي وليس بتفسير شرعي، ومن اعتمد عليه صحّ له أن يجعل التقية من أقسامه، ومع ذلك ليس النفاق بهذا المعنى قبيحاً مطلقاً وإنّما يقبح إذا أبطن الكفر وأظهر الإيمان، ويكون النفاق بهذا المعنى في مقابل التقية.

1 . المنافقون: 1 .
2. الأعراف: 28 .

صفحه 402
أضف إلى ذلك: أنّ تقية الشيعة ليس في حدّ إخفاء الإيمان والتظاهر بالكفر، بل في حدّ التظاهر بالفروع التي يعتقدها المخالف مادام الحاكم يظهر حساسية بالنسبة إلى بعض الفروع كالسجود على التربة، أو إظهار الولاء للأئمة الاثني عشر، أو إقامة المآتم للمضطهدين من آل البيت يوم العاشر وغيره، إذ لا محيص لهم في هذه الظروف إلاّ المماشاة مع من صادر أُصول الحريات الأوّلية الّتي يتمتع بها عامّة الناس في أقطار الأرض وأنحاء العالم .

التنبيه السابع: هل التقية من أُصول الدين ؟

قد تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)التأكيد على التقية إلى حدّ قالوا: «التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» وفي حديث آخر: «ولا دين لمن لا تقية له»1، مع أنّ أُصول الدين لا تتجاوز الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، وفي بعض الروايات: إتيان الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت، مع أنّ التقية ليست منها.
والجواب: أنّ الهدف من هذه التعابير هو التأكيد على العمل بالتقية، لأنّ كثيراً من شيعة الأئمة(عليهم السلام)كانوا لا يحتاطون فيعرّضون أنفسهم وأموالهم للخطر من جانب السلطان الجائر، وربّما يتسرّعون إلى ذلك بلا مبالاة تصوراً منهم أنّ هذا النوع من الاضطهاد شهادة في سبيل الله، ولأجل استئصال هذه الفكرة الخاطئة من أذهان الشيعة أخذ الإمام يخاطبهم بهذا النوع من التأكيد .
وهذا الأُسلوب من الكلام غير بعيد عن كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره، نظير قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد»، ولا شكّ أنّ التقية ليست

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3 و 4 .

صفحه 403
من الأُصول، بل هي حكم فرعي كسائر الأحكام الفرعية، غير أنّه لمّا صار عدم الاعتداد بهذا الحكم سبباً لسفك الدم وإزهاق أرواح الشيعة أخذ الإمام (عليه السلام)بالتأكيد على النحو الّذي عرفت.
وكذلك فمن أساليب المبالغة في المقام قول المعصوم (عليه السلام): «إنّ تسعة أعشار الدين في التقية».1
وهنا احتمال آخر لقوله: «لا إيمان لمن لا تقية له»، وهو نفي الإيمان بمعنى الالتزام العملي الذي هو من آثار الإيمان، لا الإيمان القلبي الذي يدور على وجوده وعدمه الإيمان والكفر.

التنبيه الثامن: التقية تؤدي إلى محق الدين

إذا مارست جماعة العمل بالتقية فترة طويلة ربّما يتجلّى للجيل المقبل بأنّ ما مارسه آباؤهم من العمل برأي المخالف والتظاهر بعقيدته من صميم الدين، فعند ذلك تؤدي التقية إلى محق الدين وزواله .
أقول: إنّ للتقية سيطرة على الظاهر دون الباطن، فالأقلية الّتي صودرت حرياتهم يمارسونها في الظاهر، وأمّا في المجالس الخاصة والبيوت فيقومون بواجبهم حسب ما يرونه حقّاً ويربّون أولادهم على وفق التعاليم الّتي ورثوها عن آبائهم وأئمتهم، ولو فرضنا أنّ ممارسة التقية مدّة طويلة تؤدي إلى محق الدين، تكون التقية عندئذ محرّمة يجب اجتنابها، ولكنّه صرف افتراض لا واقع له .

1 . وفي السند الّذي ذكره الكليني لهذه الرواية ورد أبو عمر الأعجمي، وليس له في الكتب الأربعة رواية غيرها، وهو لم يوثق.

صفحه 404
وها هي قبيلة «النخاولة» في المدينة المنوّرة عاشوا عبر قرون مع السنّة في الظاهر بالتقية ولكنّهم بقوا على عقائدهم وآدابهم وعاداتهم في حياتهم فيما بينهم.
إلى هنا تمّت مناقشة الشبه الّتي أُثيرت حول التقية، وقد عرفت أنّها شبه بنيت على أساس هار، وليست لها واقع، ولكن بقي الكلام في ذكر الآثار البنّاءة للتقية، وهذا ما سندرسه ضمن التنبيه التالي.

التنبيه التاسع: الآثار البنّاءة للتقية

لا شكّ أنّ العمل على خلاف العقيدة لا يخلو من حرج، خصوصاً إذا استمرّت هذه الحالة لسنين عديدة، حيث إنّ الإنسان يصدر في حياته عن عقيدته ولكن في موضع التقية يصدر عن ضغط الحاكم والظروف المحيطة بالإنسان، ومع كلّ ذلك فهناك آثار بناءة للتقية لأجلها أمر الله سبحانه بها وأكد عليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)، وتلك الآثار تتلخّص في الجوانب التالية:

1. حفظ النفس والنفيس

إنّ صحائف التاريخ تشهد على استشهاد عدد كبير من المؤمنين والعلماء على أيدي الظالمين الذين صادروا الحريات كافّة، حتّى في العقائد والممارسات الدينية، فلأجل إبعاد الخطر عن أرواح الشيعة جعلت التقية تُرْساً وجُنّة في مقابل الأعداء، ولذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ التقية ترس الله بينه وبين خلقه» .1

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 13 .

صفحه 405
وقال (عليه السلام): «كان أبي يقول وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقية جُنّة المؤمن».1
وفي حديث آخر قال (عليه السلام): «ما عُبد الله بشيء أحب إليه من الخبء»، قلت: وما الخبء؟ قال: «التقية».2
وفي حديث آخر: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً».3
وفي قصة وضوء علي بن يقطين وغيره ممّا مرّ دلالة واضحة على أنّ التقية إنّما شرّعت لغاية المحافظة على روح المؤمن.
روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)حديثاً جاء فيه ما يلي: «فإنّ تفضيلك أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرّنا، وإنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيتك لا يقدح فينا، ولا ينقصنا، ولئن تبرأ منّا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك، لتُبقي على نفسك روحها الّتي بها قوامها، ومالها الّذي به قيامها، وجاهها الّذي به تمسّكها، وتصون من عرف بذلك أولياءنا وإخواننا، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين، وإيّاك ثم إيّاك أن تترك التقية الّتي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك، معرّض لنعمتك ونعمتهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك ونفسك أشدّ من ضرر الناصب لنا، الكافر بنا».4

1 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 4.
2 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 15 .
3 . الوسائل: 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 34.
4 . الاحتجاج: 1 / 355 ; الوسائل: 11، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 11 .قوله: شائط: ذاهب.

صفحه 406

2. حفظ وحدة الأُمّة

لاشكّ أنّ وحدة الكلمة هي مصدر قوّة الأُمّة وأنّ اختلافها سبب انهيار أركان المجتمع وضعفه، ولذلك فهو سبحانه يصف الوحدة بأنّها هي العصمة ويقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)1.
وفي الوقت نفسه يندد بالتفرّق والتنافر حتّى يعدّه من ألوان العذاب، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ)2.
ومن آثار ممارسة التقية في بعض الأحيان هو حفظ وحدة الكلمة عندما تواجه الأُمّة أزمة من الأزمات.
وهذا هو الّذي دعا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المماشاة ومسايرة الظروف السياسية السائدة آنذاك والتخلّي عن المطالبة بحقّه بالقوّة، وما ذلك إلاّ نصرة للإسلام وحفاظاً على وحدة الأُمة، قال (عليه السلام): «فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّام قَلاَئِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ; فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الاَْحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ»3.
نعم هذا النوع من التقية الّذي مارسه الإمام (عليه السلام)كان في فترة خاصّة سبّبت سكوت الإمام (عليه السلام)، وأمّا إذا بلغ السيل الزبى وكان السكوت أمام الحاكم

1 . آل عمران: 103.
2 . الأنعام: 65 .
3 . نهج البلاغة: الكتاب 62; شرح نهج البلاغة: 6 / 94 .

صفحه 407
الجائر، يسببّ هدم الدين وتراجع الناس عن الالتزام بالشريعة الإسلامية تكون التقية محرّمة ويصبح تجريد السيف أمراً لازماً، لذا نرى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)قد جرّد سيفه وسيوف أنصاره وخاض غمار الحرب في وجه أعداء الإسلام، وضحّى بنفسه ونفيسه في طريق إحياء الدين وإظهار معالمه.

3. المحافظة على الطاقات البشرية

من وقف على حياة الأئمة(عليهم السلام)وحياة شيعتهم في عصر الأمويين والعباسيين يقف على أنّ الضغط على الشيعة بلغ ذروته، وسنأتي بأُنموذج حتّى يكون شاهداً على ما نقول:
هذا هو هارون بن خارجة من شيعة الإمام الصادق (عليه السلام)قال: كان رجل من أصحابنا طلق امرأته ثلاثاً (في مجلس واحد) فسأل أصحابنا فقالوا: ليس بشيء، فقالت امرأته: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبدالله (عليه السلام)، وكان بالحيرة آنذاك أيام أبي العباس، قال: فذهبت إلى الحيرة، ولم أقدر على كلامه، إذ منع الخليفة الناس الدخول على أبي عبدالله (عليه السلام)، وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سواديٌّ عليه جبّة صوف يبيع خياراً فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟ قال: بدرهم، فأعطيته درهماً، وقلت له: أعطني جبتّك هذه، فأخذتها ولبستها وناديت مَن يشتري خياراً ودنوت منه، فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار! فقال (عليه السلام)لي لمّا دنوت منه: «ما أجود ما احتلت، أي شيء حاجتك؟» قلت: إنّي ابتليت فطلّقت أهلي في دفعة ثلاثاً، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء وإن المرأة قالت: لا أرضى حتّى تسأل أبا عبدالله (عليه السلام)فقال: «إرجع إلى أهلك فليس عليك شيء ».1

1 . بحار الأنوار: 47 / 171 برقم 16 .

صفحه 408
فإذا كان هذا وضع الشيعة وكان هو ديدن الحكام مع الشيعة وإمامهم (عليه السلام)، فلو أنّهم لم يعملوا بالتقية وخرجوا إلى المجتمع يصير حالهم كالجندي الّذي يقابل العدو الغاشم وليس عنده شيء من السلاح ولا الدرع فتكون النتيجة استنزاف القوى والطاقات ونفادها بالتدريج ولا يبقى من الشيعة إلاّ الاسم، ومن أحاديث الأئمة(عليهم السلام)إلاّ شيئاً لا يذكر.
وأمّا إذا مارسوا التقية فترة خاصّة، فإذا هبّ عليهم نسيم الحريّة فعندئذ تيسّرت لهم المجاهرة بآرائهم وأفكارهم دون أي خوف ووجل فلهم التجاهر بأفكارهم وأعمالهم.
روى الشريف المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه» نقلاً عن تفسير النعماني عن الإمام علي (عليه السلام)أنّه قال: «وإنّ الله منّ على المؤمن بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر، أن يصوم بصيامه ويفطر بإفطاره ويصلّي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك، موسّعاً عليه فيه، وعليه أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على الأُمّة، فهذه رخصة تفضّل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر» 1.
وهذا هو معاذ بن مسلم النحوي الّذي ـ أسّس أساس علم الصرف ـ يروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال له: بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما

1 . الوسائل: 1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1 .

صفحه 409
يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخِلُ قولكم فيما بين ذلك، قال: فقال لي: «إصنعْ كذا، فإني أصنعُ كذا».1

التنبيه العاشر: حكم تسمية الإمام المهدي

هل تجوز تسمية الإمام المهدي (عليه السلام)باسمه الخاص أو لا؟ فليس لهذه المسألة صلة قوية بالتقية وأحكامها وإنّما هي مسألة فرعية، وربّما لا تجوز لمصالح خاصّة، نعم عقد الحر العاملي باباً في هذا الصدد أسماه: باب تحريم تسمية المهدي (عليه السلام)وسائر الأئمة(عليهم السلام)وذكرهم وقت التقية وجواز ذلك مع عدم الخوف. وقد نقل في الباب قرابة 23 حديثاً تختلف مضامينها.
فقسم منها يدلّ على حرمة التسمية نحو ما رواه الكليني عن علي بن رئاب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلاّ كافر».2
وقسم منها يدلّ على ترك تسميته إلى أن يقوم ويملأ الأرض عدلاً، نظير ما رواه أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث الخضر، أنّه قال: «وأشهد على رجل من ولد الحسن (عليه السلام)لا يسمّى ولا يكنّى حتّى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً، إنّه القائم بأمر الحسن بن علي (عليهما السلام)»3.

1 . الوسائل: 11، الباب 30 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 4. وبهذا المضمون الحديث 5 و 11 و 13 .
3 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3. وبهذا المضمون الحديث 9 .

صفحه 410
وقسم ثالث يدلّ على عدم جواز تسميته معلّلاً بالخوف، نظير ما رواه أبو عبدالله الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمد (عليه السلام)أن أسأل عن الاسم والمكان؟ فخرج الجواب: «إن دللتهم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه».1
وقسم رابع يدلّ على جواز التسمية وهي روايات كثيرة، نظير ما رواه محمد بن إبراهيم الكوفي أنّ أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام)بعث إلى بعض من سمّاه شاة مذبوحة وقال: «هذه من عقيقة ابني محمد».2
وأمّا الجمع بين هذه الأقسام فواضح، وهو أنّ حرمة التسمية مختصّة بما إذا ترتّب عليها ضرر أو خوف الضرر، وأمّا إذا ارتفع ذلك فلا مانع.
يقول صاحب الوسائل: والأحاديث في التصريح باسم المهدي محمد بن الحسن (عليهما السلام)وفي الأمر بتسميته عموماً وخصوصاً، تصريحاً وتلويحاً، فعلاً وتقريراً، في النصوص، والزيارات، والدعوات، والتعقيبات، والتلقين، وغير ذلك كثيرة جدّاً، قد تقدّم جملة من ذلك ويأتي جملة أُخرى وهو دال على ما قلناه في العنوان.3
***
تمّت قاعدة التقية

1 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 7. وبهذا المضمون الحديث 8 و 12 .
2 . الوسائل: 11، الباب 33 من أبواب النهي والأمر، الحديث 5. وبهذا المضمون الحديث 16 و 18 و 19 و 22 و 23 .
3. لاحظ : الوسائل: 11، الباب 34 من أبواب الأمر والنهي، آخر الباب .

صفحه 411
 
قاعدة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر   
القواعد الفقهية
   77
قاعدة
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تعريف المعروف والمنكر
وجوبهما عقلاً، أو سمعاً
وجوبهما عيناً، أو كفاية
التفصيل بين وظيفتي الفرد والحكومة
الأمر بالمعروف لا يضاد الحرية العقلائية
توهم التعارض بين الآيتين ودفعه
شروط وجوب الأمر بالمعروف وهي أربعة
اتّفق المسلمون على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرعاً، والمسألة لها صبغة كلامية وفي الوقت نفسه هي قاعدة فقهية، ووجه كونها كلامية واضح لأنّ أهل السنة بنوا نصب الإمام بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عليها1، وقالوا: بما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب، وما

1 . لاحظ : المواقف لعضد الدين الايجي:396، وشرح المواقف للسيد الشريف:8/346، وشرح المقاصد للتفتازاني:5/236.

صفحه 412
يقوم به الواجب ـ وهو نصب الإمام ـ واجب. وبذلك صارت مسألة الإمامة عندهم من فروع هذه المسألة، ولم تكن عندهم مسألة أُصولية من أُصول الدين.
قال الإيجي: إنّا نعلم علماً يقارب الضرورة أنّ مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات، والمناكحات، والجهاد، والحدود، والمقاصّات، وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنّما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك لا يتمّ إلاّ بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم.1
وقال التفتازاني في شرح المقاصد: أنّ الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وكثير من الأُمور المتعلقة بحفظ النظام، وحماية بيضة الإسلام، مما لا يتم إلاّ بالإمام، وما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به وكان مقدوراً فهو واجب.2
ولكنّ الشيعة ينظرون إليها بنظرة كونها أصلاً فرعياً كسائر الفروع، ومع ذلك نرى أنّ المحقق الطوسي قد طرح القاعدة في آخر التجريد في مبحث المعاد.
وعلى كلّ تقدير، فتحقيق الحال في هذه القاعدة رهن الكلام في جهات:

الأُولى: تعريف المعروف والمنكر

عُرّف المعروف بأنّه كلّ فعل حسن اختصّ بوصف زائد على حسنه إذا

1. المواقف:396.
2. شرح المقاصد:5/236ـ 237.

صفحه 413
عَرَف فاعله ذلك أو دُلّ عليه. وعرّف المنكر بأنّه: كلّ فعل قبيح عَرَف فاعله قبحه أو دُلّ عليه.1
وحكى صاحب الجواهر كلا التعريفين عن المنتهى ومحكيّ التحرير والتذكرة، وقال: إنّ المراد بالحُسْن، الجائز بالمعنى الأعم الشامل لما عدا الحرام. وقوله: بوصف زائد على حُسْنِه، لإخراج المباح الذي لا وصف فيه زائداً على حسنه. ويتبعه المكروه لأنّه لا وصف فيه زائداً على حسنه بمعنى الجواز، فيختص التعريف بالواجب والمندوب ويخرج عنه المباح والمكروه، وأمّا المنكر فليس إلاّ القبيح الذي هو الحرام .
فالمباح والمكروه فضلاً عن ترك المندوب ليسا من المعروف ولا من المنكر فلا يؤمر بهما ولا ينهى عنهما.
وربما حكي عن بعض ادراجُ المكروه في المنكر، على معنى ما كان فيه صفة تقتضي رجحان تركه.2
يلاحظ عليه: بأنّه خارج عما هو المهم، فإنّ النهي عن فعل المكروه راجح وليس بواجب، ولو قلنا بدخوله فيه، يكون النهي على قسمين: واجب ـ كما في المحرّم ـ ومستحب ـ كما في المكروه ـ ونظيره: الأمر بالمندوب، فالأمر فيه راجح وليس بواجب، فينقسم الأمر بالمعروف إلى واجب، وإلى مندوب كما عليه المحقق في الشرائع في جانب المعروف، فقط، حيث قال: المعروف ينقسم إلى الواجب والندب، فالأمر بالواجب واجب وبالمندوب

1. شرائع الإسلام:1/341.
2. جواهر الكلام:21/357.

صفحه 414
مندوب، والمنكر لا ينقسم فالنهي عنه كلّه واجب1، وكان عليه تقسيم المنكر أيضاً إلى قسمين كالمعروف، ولا يخصّ التقسيم الثنائي بالمعروف فقط، وعلى كلّ حال فالأمر سهل.

الجهة الثانية: هل يجبان عقلاً أو سمعاً؟

ذهب السيد المرتضى 2 وأبو الصلاح الحلبي3، وابن إدريس4، والمحقق الطوسي في تجريده5 إلى أنّ وجوبهما سمعي.
احتج السيد المرتضى ومن تبعه بقوله: بأنّه لو كان واجباً بالعقل لم يرتفع معروف ولم يقع منكر، أو يكون الله تعالى مخلاًّ بالواجب، واللازم بقسميه باطل، فالملزوم مثله6، وقد ذكره المحقّق الطوسي بعبارة أكثر اختصاراً وقال: الأمر بالمعروف الواجب واجب، وكذا النهي عن المنكر، والمندوب مندوب سمعاً، وإلاّ لزم خلاف الواقع أو الإخلال بحكمته تعالى.7
ولمّا كان الاستدلال في كلا الكلامين موجزاً بحاجة إلى بيان، قال العلاّمة: بيان الشرطية: أنّهما لو وجبا عقلاً لوجبا على الله تعالى; فإنّ كلّ واجب عقلي يجب على كلّ من حصل في حقّه وجه الوجوب، ولو وجبا عليه تعالى

1. شرائع الإسلام:1/341.
2 . لاحظ : مختلف الشيعة: 4 / 471، طبعة مكتب الإعلام الإسلامي، قم المقدّسة، 1415 هـ .
3. الكافي في الفقه:264.
4. السرائر:2/21.
5. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:302.
6. لاحظ : مختلف الشيعة: 4 / 471، حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 2 / 22 .
7. كشف المراد:302، قسم المتن.

صفحه 415
لكان إمّا فاعلاً لهما فكان يلزم وقوع المعروف قطعاً، لأنّه تعالى يحمل المكلّفين عليه، وانتفاء المنكر قطعاً، لأنّه تعالى يمنع المكلفين منه، وإمّا غير فاعل لهما فيكون مخلاًّ بالواجب، وذلك محال لما ثبت من حكمته تعالى.1
وأوضحه أيضاً في مختلف الشيعة.2
أقول: إنّ الاستدلال مبني على كون شيء واجباً على الله سبحانه بمعنى فعله على وجه المباشرة، فعندئذ يترتب عليه ما جاء في الاستدلال... ولكن وجوب شيء على الله من باب اللطف بمعنى آخر.
توضيحه: أنّ ما يُعد لطفاً من الله في حقّ العباد على أقسام ثلاثة:
1. ما يقوم به سبحانه بالمباشرة، كبعث الرسل وتجهيزهم بالمعاجز، ونصب الدلائل الكونية على معرفته وتوحيده، إلى غير ذلك من الأُمور التي تكون دخيلة في هداية المكلف التي هي الغرض الأقصى من خلقه.
2. ما يكون فعلاً للمكلّف (الأنبياء) ولكنه لطف في حقّ غيره، كإيجابه سبحانه تبليغ رسالات الله على الأنبياء، والدعوة إلى التوحيد.
3. ما يكون فعلاً للمكلّف وهو لطف في حقّ نفسه، كإيجابه سبحانه النظر على المكلّفين في معاجز الأنبياء وسماع دعوتهم.
إذا عرفت ذلك فمعنى كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً عقلاً على الله سبحانه، هو انّ العقل يكشف انّه سبحانه أوجبهما على العالم بالمعروف وبالمنكر لغاية وصول كلّ مكلف إلى ما خلق له .

1. كشف المراد:303.
2. مختلف الشيعة:4/456.

صفحه 416
وبعبارة أُخرى: تعلّقت إرادة الباري بهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين، ومن المعلوم أنّ وصول العباد إلى تلك الغاية رهن أُمور منها فرضه على العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ لولاهما لما تتحقّق الغاية المتوخاة.
ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الإيجاب عليه سبحانه، لا يلازم أحد المحذورين.
ولا يخفى أنّ القول بأنّه (يجب على الله سبحانه) ليس بمعنى أنّ العبد يفرض شيئاً على الله إذ هو من أفحش الأغلاط، وأنّى للعبد ذلك، بل يراد به استكشاف تعلّق إرادته سبحانه بشيء من دراسة صفاته، مثلاً إنّ مقتضى كونه عادلاً أن لا يعذّب البريء، وأن لا يساوي بين المسلم والمجرم، وهكذا فالتعبير بالوجوب كناية عن إرادته القطعية المستكشفة من خلال صفاته، لكونه حكيماً لا يُخلّ بغرضه.
وحصيلة الكلام: أنّ إيجابهما على الله سبحانه من فروع قاعدة اللطف، وهو من فروع الحكمة إذ مقتضى الحكمة فعل ما يحقق غرضه وترك ما يفوّته، فإذا كان الغرض هداية الناس إلى الكمال الممكن وكان الوصول إلى ذلك الغرض متوقفاً على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب عليه سبحانه إيجاب هذين الأمرين كفاية أو عيناً، وبما ذكرنا يظهر أنّ وجوبهما عقلي بالمعنى الذي عرفت، وما ورد في الشريعة من الأوامر والنواهي حول المعروف والمنكر، إرشاد إلى حكم العقل.
وسيوافيك بعض ما ورد في الشريعة من الأوامر والنواهي حولهما.
***

صفحه 417

الجهة الثالثة: وجوبهما عيناً أو كفاية؟

ذهب الشيخ في الاقتصاد إلى أنّهما من فروض الأعيان1، واختاره ابن
حمزة،(2) وحكي عن السيد المرتضى أنّهما من فروض الكفاية 2.
وقال المحقق: ووجوبهما على الكفاية يسقط بقيام من فيه كفاية، وقيل بل على الأعيان، وهو الأشبه.3
وذهب ابن البرّاج إلى التفصيل، وقال: إنّهما فرضان من فرائض الإسلام، وربما انتهت الحال في ذلك إلى أن يكون فرضهما فرضاً على الكفاية، وربّما لم ينته إلى ذلك فيكون فرضاً على الأعيان، وفسّر الأوّل: بأن يكفي في الانتهاء عن المنكر وإيقاع المعروف أمر بعض المكلّفين ونهيه، والثاني: بأن لا يكفي إلاّ الجميع فيجب عامّاً.4
استدلّ القائل بالأعيان بالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة، قال سبحانه:
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).5
ومنها النبويان، قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليعمّكم عذاب الله».6

1. الاقتصاد:147.   2 . الوسيلة:207.
2. لاحظ: مختلف الشيعة:4/457. ولم يذكر مصدر النقل.
3. شرائع الإسلام:1/341.
4. المهذب:1/340.
5. الحج:41.
6. الوسائل:10، الباب 3 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 12.

صفحه 418
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلّه، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهواعنه كلّه».1
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يلاحظ عليه: ـ بما في الجواهر ـ بأنّه يمكن القطع بكون المراد من هذه العمومات مثل ما ورد منها في تغسيل الميّت ودفنه ونحوهما ممّا هو متعلّق بالجميع على معنى الاجتزاء به من أي شخص منهم والعقاب على الجميع مع الترك أصلاً، لا أنّ المراد فعله من كلّ واحد الذي لا يمكن تصوّره باعتبار معلومية عدم إرادة التكرار كمعلومية عدم إمكان الاشتراك كما هو واضح.2

نظرنا في المسألة

أقول: لا شكّ أنّ للأمر بالمعروف مراتب منها:

1. إنكار المنكر بالقلب وتحريم الرضا به، ووجوب الرضا بالمعروف

وهو واجب على الأعيان; روى الكليني عن ابن أبي عمير عن يحيى الطويل صاحب المقري عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «حسب المؤمن غيراً إذا رأى منكراً أن يعلم الله عزّ وجلّ من قلبه إنكاره».3
وقال الإمام علي(عليه السلام):«الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضى به».4

1. الوسائل:10، الباب10 من أبواب الأمر والنهي، الحديث10.
2. جواهر الكلام:21/360.
3. الوسائل:11، الباب5 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
4. نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 154.

صفحه 419
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أدنى الإنكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة».1
ولا شكّ أنّ هذه المرتبة من مراتب الأمر بالمعروف تجب على الأعيان.

2. الأمر والنهي باللسان

تضافرت الروايات على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(قُوا أنْفُسَكُمْ وَأَهْليكُمْ ناراً)2 كيف نقي أهلنا؟ قال: «تأمرونهم وتنهونهم».3
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن ترك إنكار المنكر بقلبه ولسانه فهو ميّت الأحياء».4
وعلى هذا فلا مجال للشكّ في أنّ هاتين الرتبتين منها واجبتان على الأعيان عند وجود سائر الشرائط، وسوف يأتي ما يؤيده عند دراسة بقية الجهات.
إنّما الكلام في الأمر بالمعروف باليد، فهل هو واجب على الأعيان أو واجب كفاية؟ فالظاهر أنّه من وظائف الحكومة، فإنّ من مراتب الأمر بالمعروف إقامة الحدود على الجناة، كقطع يد السارق وجلد الزاني والقصاص من القاتل العامد، فهذا ممّا لا يمكن عدّه من وظائف الفرد، وإلاّ لعمّت الفوضى، ولذلك نرى أنّه سبحانه تارة يعد الأمر بالمعروف وظيفة

1. الوسائل:11، الباب6 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1.
2. التحريم:6.
3. الوسائل:11، الباب9 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3، ولاحظ بقية روايات الباب.
4. الوسائل: 11، الباب3 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 420
الأعيان، ويقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).1 وأُخرى يخصّه ببعض الأُمّة ويقول:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2 .
والجمع بين الآيتين هو تقسيم المراتب إلى وظيفة الأعيان كالإنكار في القلب والإرشاد باللسان، ووظيفة الحكومة بمعنى صاحبه القوّة والمنعة، كإجراء الحدود، ومنع المتجرّئ من التمادي في المعصية.
وإن شئت التفصيل فنقول: إنّ في المقام وظيفتين:
وظيفة فردية يقوم بها الفرد حسب ما أُوتي من قوّة بقلبه ولسانه. قال الإمام الصادق(عليه السلام):«حسب المؤمن عذراً إذا رأى منكراً أن يعلم الله من نيّته أنّه كاره».3
ووظيفة اجتماعية بمعنى أنّ الخطاب للمجتمع، قائلاً: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)4، وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)5 لكن المجتمع لا يتمكّن من القيام بوظائفه الاجتماعية إلاّ بإعداد جماعة خاصّة لهذه الغاية بعد التدريب والتعليم، فيقوم بهذا الأمر الهام فريق أو جماعة منظمة، ذات أوصاف، وشرائط خاصّة، تتشكّل من المسلمين، ويتمّ إعدادها وتربيتها لهذا الغرض.

1. آل عمران: 110.
2 . آل عمران:104.
3 . الوسائل:10، الباب5 من كتاب الأمر والنهي، الحديث1.
4. المائدة:38.
5. النور:2.

صفحه 421
ومن هذا يتّضح أنّ هذه الوظيفة ليست على عاتق عامّة المسلمين
بل هي على عاتق جماعة أو فئة خاصّة من المسلمين لهم القوّة والمنعة،
ولعلّ الآية السابقة ـ أعني قوله سبحانه:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ...) ـ تشير إلى
هذا القسم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي بالمعنى الأخص; لأنّ الآية الكريمة استعملت كلمة (أُمَّةٌ)، وهذه الكلمة، وإن كانت في اللغة تطلق أيضاً على الفرد الواحد لقوله سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)1. لكنّها تدلّ ـ في الأعمّ الأغلب ـ على الجماعة، فأُمّة من الناس، أي جماعة منهم، علماً بأنّه لا يطلق كلمة (أُمَّةٌ)على كلّ جماعة، بل تلك الجماعة التي يشترك أفرادها في هدف واحد، وتجمعهم وحدة فكرية متينة.
وعلى هذا، يجب أن تقوم فئة من المسلمين مهمتها الوحيدة هي الدعوة والتبليغ بالقوّة على أن تكون ذات ثقافة إسلامية واسعة.
ويؤيّد ذلك ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول، وسُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: ولِمَ؟ قال: «إنّما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل، والدليل على ذلك كتاب الله عزّ وجلّ:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)2 فهذا خاص غير عام، وكما قال الله عزّ وجلّ:(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ

1. النحل:120.
2 . آل عمران:104.

صفحه 422
يَعْدِلُونَ)1 ولم يقل: على أُمّة موسى ولا على كلّ قومه، وهم يومئذ أُمم مختلفة.2
وبذلك يظهر الخلل في كلا القولين، أمّا من قال بكونهما واجبين على الأعيان قصّر النظر إلى الإنكار بالقلب واللسان، وغفل عن أنّ إجراء الحدود من مراتب الأمر بالمعروف، ولا يمكن تفويض مثل ذلك إلى كلّ من آمن بالله ورسوله.
كما أنّ من قال بكونهما واجبين كفاية نظر إلى بعض المراتب الذي فيه تنبيه الغافل، ومنع العاصي عن التمادي في المعصية، مع أنّ قسماً منها واجب عيناً كإنكار المنكر قلباً.
والظاهر أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمّام أمان لإجراء قوانين الشريعة ولذلك يجب أن تتشكّل في المجتمع الإسلامي، هيئة خاصّة تقوم بإجراء عملية الحسبة لتطهّر المجتمع عن التظاهر بالغش وترك المعروف، فهذا هو المهم في ذلك الباب، ولكن كثيراً من الفقهاء نظروا إلى هذا الأمر المهمّ من جانب الوظيفة الفردية وغضوا النظر عن مكانته وأهميته في المجتمع.

نقد كلام بعض المستشرقين

يظهر من بعض المستشرقين أنّهم اعترضوا على القوانين الإسلامية بعدم توفرها على عنصر الضمان لتطبيق تلك الأحكام، وبعبارة أُخرى: لا

1 . الأعراف:159.
2 . الوسائل:10، الباب2 من كتاب الأمر والنهي، الحديث1.

صفحه 423
يملك الإسلام ضمانة لتنفيذ أحكامه وتطبيقها في الواقع الاجتماعي، ولكنّ المعترض غفل عمّا ورد حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من آيات وروايات على أنّ القوّة التنفيذية هي الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وبذلك يعلم أنّ هذه القوّة لها سعة تشمل كلّ دائرة تقوم بالتنفيذ على مختلف الأصعدة، فالوزارات المختلفة في البلد التي تتكفّل إجراء القوانين في أصعدة كثيرة كلّها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يعلم أنّ هذه القوّة لها سعة تشمل كل دائرة تقوم بالتنفيذ على مختلف الأصعدة فالوزارات المختلفة في البلد التي تتكفّل إجراء القوانين في أصعدة كثيرة كلّها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنّ هذين اللفظين أصبحا يستعملان في ما يقوم به المحتسب في مجالات خاصّة.

الجهة الرابعة: هل الأمر بالمعروف يضاد الحرية؟

إنّ الأمر بالمعروف لا ينافي الحرية التي هي من أماني الشعوب المتحضّرة، وذلك لأنّها على قسمين:
1. الحرية المنتهية إلى الفوضى في المجتمع من دون اعتراف بقانون بشري أو سماوي، فهذا النوع من الحرية مرفوض عقلاً وشرعاً لأنّه أشبه بالحرية السائدة في عالم الغاب.
2. الحرية المحدّدة بالقوانين، وهذه هي أُمنية كلّ إنسان متحضّر، لكن الأمر بالمعروف لا ينافي تلك الحرية، بل هو دعوة للعمل بالقانون ودعوة عامّة الناس إلى الالتزام به، ولا تجد على البسيطة من يكون حرّاً من جميع الجهات، وإلاّ يكون وضع القوانين أمراً لغواً، ولذلك نرى أنّ الرسول

صفحه 424
الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه المجتمع بسفينة ذات طبقتين وبين أهلهما تخاصم فيريد سكّان الطبقة السفلى ثقب تلك الطبقة من السفينة بحجة أنّه يثقب ما يتعلق به فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في حق هؤلاء: «فإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً وإن تَركوهم غُرقوا جميعاً».1 ويتمثل قول الرسول في مَن يتعاطى توزيع المواد المخدّرة بين الشباب وغيرهم عملاً بحجّة الحرية فعامّة العقلاء لا يقبلون تلك الحجة ويصدق عليهم قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«فإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً وإن تركوهم غرقوا جميعاً».
وفي رواية أُخرى قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضر إلاّ عاملها، فإذا عمل بها علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامة».2

الجهة الخامسة: توهّم التعارض بين النصوص

لا شكّ أنّ النصوص متّفقة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكفي في ثبوته دراسة الآيات الواردة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)3.
وربّما يتصوّر التعارض بين هذه الآيات مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)4.

1 . مسند أحمد:4/268.
2 . الوسائل:11، الباب4 من أبواب الأمر والنهي، ذيل الحديث1.
3 . الحج:41.
4 . المائدة:105.

صفحه 425
والجواب: أنّ الآية ناظرة إلى أنّ لكلّ شخص حساباً خاصّاً ولا يحاسب بعمل غيره كما في آية أُخرى:(وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1، فيوم القيامة يحاسب كلّ إنسان حسب عمله، فأين ذلك من وجوب الأمر بالمعروف وكبح جماح الفاسق عن التظاهر بالمعصية؟
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية ناظرة إلى المجتمعات الفاسدة الغارقة في الفساد والانحراف. فإنّ الطريق الوحيد لإصلاحها هو الابتداء بإصلاح الذات وعدم توقّع أي إصلاح للغير قبل ذلك; وأن لا يترك إصلاح نفسه بحجّة أنّ المجتمع فاسد، وإليه يشير قوله سبحانه:(لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)،(2) ويؤيد ذلك قول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» فقيل: يا رسول الله مَن الغرباء؟ فقال:«الذين يصلحون إذا أفسد الناس من سنّتي»2.

الجهة السادسة: شروط وجوب الأمر والنهي

ذكر الفقهاء لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً أربعة:

الشرط الأوّل: العلم بالمعروف والمنكر

قال المحقّق: الأوّل: أن يعلمه منكراً ليأمن الغلط في الإنكار.3
وقال العلاّمة: علم الآمر والناهي بوجه الفعل لئلا يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.(5)

1 . الأنعام:164.   2 . المائدة:105.
2 . جامع الأُصول:10/212، أخرجه الترمذي.
3. شرائع الإسلام:1/342.   5 . قواعد الأحكام:1/524.

صفحه 426
وما عبّر به العلاّمة أفضل من عبارة الشرائع، لأنّه خصّ العلم بالنهي عن المنكر، مع أنّه شرط للأمر والنهي معاً.
ويظهر من عبارة المحقّق والعلاّمة وغيرهما أنّ هذه الشروط شروط الوجوب لا الواجب على وجه لولاها لما وجب الأمر ولا النهي، نظير الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ.
وأوّل مَن خالف هذا هو المحقّق الثاني في شرحه على القواعد، وقال: مقتضاه (كلام العلاّمة): أنّ الوجوب مشروط بجميع هذه الأُمور، وفي اشتراطه بالأوّل نظر، فإنّ من علم أنّ زيداً قد صدر منه منكر، وترك معروفاً في الجملة بنحو شهادة عدلين، ولا يعلم المعروف والمنكر، يتعلّق به وجوب الأمر والنهي. ويجب تعلّم ما يصحّ معه الأمر والنهي، كما يتعلّق بالمحدث وجوب الصلاة، ويجب عليه تحصيل الشروط. والأصل في ذلك أنّه لا دليل يدلّ على اشتراط الوجوب بهذا الأمر الواقع، بخلاف غيره، وتقييد الأمر المطلق بشيء ليصير الواجب مشروطاً بالنسبة إلى ذلك الشيء يتوقّف على الدليل.1
وتبعه الشهيد الثاني، قال: يجب على كلّ من علم بوقوع المنكر أو ترك المعروف من شخص معيّن في الجملة بنحو شهادة العدلين أن يتعلّم ما يصحّ معه النهي والأمر، ثمّ يأمر وينهى، كما يتعلق بالمحدث وجوب الصلاة ويجب عليه تحصيل شروطها، فلا منافاة بين عدم جواز أمر الجاهل ونهيه حال الجهل، وبين وجوبهما عليه كما تجب الصلاة على المحدث والكافر، ولا تصحّ منهما على تلك الحال.(2)

1. جامع المقاصد: 3/486.   2 . مسالك الافهام: 3/101.

صفحه 427
وأورد عليه صاحب الجواهر بوجوه:
1. كونه شرطاً للواجب دون الوجوب، مخالف لما عليه الأصحاب.
2. مخالف لما في خبر مسعدة حيث قال:«القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر».1
3. إنّ المنساق من إطلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما علمه المكلّف من الأحكام من حيث كونه مكلّفاً بها، لا أنّه يجب أن يتعلم المعروف من المنكر زائداً على ذلك، مقدّمة لأمر الغير ونهيه اللّذين يمكن عدم وقوعهما ممّا يعلمه من الأشخاص.
4. ما ذكراه من المثال خارج عمّا نحن فيه، ضرورة العلم حينئذ بتحقّق موضوع الخطاب، بخلاف من فعل أمراً أو ترك شيئاً ولم نعلم حرمة ما فعله ولا وجوب ما تركه، فإنّه لا يجب تعرّف ذلك مقدّمة للأمر والنهي لو فرضنا كونهما منه بل أصل البراءة محكم وهو مراد الأصحاب بكونه شرطاً للوجوب.2
يلاحظ على الإشكال الأوّل: أنّ ادعاء عدم الخلاف في مثل تلك المسألة التي لم تعنون في كلمات القدماء، أمر غير صحيح.
ويلاحظ على الإشكال الثاني: أنّ خبر مسعدة ناظر إلى الجهاز الحكومي الذي أُسّس لأجل نشر المعروف والمنع عن المنكر، ومقتضى عملهم أي الوقوف أمام مقترفي المنكر هو تعلّم الأحكام من قبل، فلا يعقل

1. الوسائل:10، الباب2 من كتاب الأمر والنهي، الحديث1.
2. جواهر الكلام:21/367.

صفحه 428
فيها كون الوجوب شرطاً للتكليف لأنّهم مكلّفون بذلك فلازم تكليفهم ووظائفهم هو تعلّم الواجب والمنكر قبل تكليفهم بهذه المسؤولية.
ومع ذلك يرد على المحقّق والشهيد الثانيين، أمران:
1. أنّه لو كان وجوب الأمر والنهي مطلقاً غير مشروط بالعلم بالمعروف والمنكر، يجب على كلّ مكلّف أن يدرس دورة فقهية كاملة، من أوّل الطهارة إلى آخر الدّيات حتى يتهيّأ لأمر الغير ونهيه، وهو العسر والحرج بعينه، ولم يقل به أحد.
وبعبارة أُخرى: المعروف في الشرع وهكذا المنكر، ليس من الأُمور المحدودة، بل يشملان كلّ واجب وحرام في العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات، من غير فرق بين كونه واجباً كفائياً أو عينياً. فلو وجب عليه الأمر والنهي على وجه الإطلاق يجب تحصيل مقدّمته، أعني: بالمعروف والمنكر شرعاً مع سعتهما، وهو كما ترى.
2. أنّ الشروط على قسمين: تارة تصلح أن تكون قيداً للوجوب والواجب، كالطهارة من الحدث والخبث. فعلى الأوّل لا يجب تحصليها بخلافه على الثاني.
وقسم لا يصلح إلاّ أن يقع شرطاً للتكليف كالعلم بالمعروف والمنكر، إذ لا مفهوم واضح لتقييد الواجب والحرام بعلم المكلّف بهما، بأن يقال: إنّ الواجب هو الأمر بالصلاة التي علم الآمر وجوبها، ولذلك صار الفقهاء إلى أنّ الشروط العامّة كالبلوغ والقدرة من شروط التكليف لا المكلّف، وأمّا العلم فقد جعل شرطاً لتنجّز التكليف هذا والحق هو التفصيل، بينما كان الآمر أو الناهي فرداً يقوم به وحده، فلا يأمر ولا ينهى إلاّ بعد علمه بالمعروف

صفحه 429
والمنكر، ولا يجب عليه تحصيل العلم قبلهما، بل لو كان عالماً يأمر وينهى وإلاّ فلا.
وأمّا إذا كان الآمر والناهي هو الجماعة المتولّية من قبل الحكومة الإسلامية لنشر المعروف والتصدّي لنبذ المنكر، فمقتضى كونهم مأمورين بذلك فيجب عليهم دراستهما قبل التصدّي لهذا العمل.
وعلى كلّ تقدير فيجب التعرّف على المعروف والمنكر إمّا اجتهاداً أو تقليداً.
فلو قلّد شخصان مجتهداً يقول بوجوب صلاة الجمعة عيناً، فتركها واحد منهما، يجب على الآخر أمره بإتيانها، وذلك لأنّه ترك الفريضة حسب عقيدته بلا عُذر.
ونظير ذلك لو قلّدا مجتهداً يقول بحرمة العصير الزبيبي المغلي في النار، فشربه أحدهما، يجب على الآخر نهيه، لنفس العلّة السابقة.
أمّا لو كان التارك لصلاة الجمعة أو الشارب للعصير الزبيبي مقلّداً لمن يقول بالوجوب التخييري أو لمن يقول بحلّية هذا العصير، وكان الآمر مقلداً لمن يقول خلاف ذلك، فلا يجوز له الإنكار عليه.

الشرط الثاني: تجوّز التأثير

قال المحقّق: هو أن يجوز تأثير إنكاره، فلو غلب على ظنه، أو علم أنّه لا يؤثر، لم يجب.1
وقال العلاّمة: تجوّز التأثير، فلو علم عدم المطاوعة سقط.(2)

1. شرائع الإسلام:1/342.   2 . قواعد الأحكام:1/524.

صفحه 430
نعم أشكل على هذا الشرط المحقّق الثاني بأنّه قد يشكل بالنسبة للمرتبة الأُولى منه، وهو الإنكار القلبي، إذ هو واجب مطلقاً.1
أقول: ظاهر كلام القوم ما إذا كان هناك أمر ونهي وهذا لا يشمل الإنكار بالقلب، إذ ليس هناك أمر ولا نهي.
وأورد صاحب الجواهر على هذا الشرط بأنّ الأوامر مطلقة ومقتضاها الوجوب على الإطلاق حتى في صورة العلم بعدم التأثير، إلاّ أن يقال: إنّ السقوط للإجماع.2
أقول: إنّ مقتضى إطلاق الروايات هو القيام بالوظيفة سواء أثّر أم لم يؤثّر، ومع ذلك فالفقهاء جعلوا التأثير شرطاً للوجوب، ويمكن أن يكون الشرط هو الجامع بين الحالات الثلاث:
1. العلم بالتأثير
2. الظن بالتأثير
3. احتمال التأثير
الظاهر دخول الجميع تحت الإطلاقات، خرجت صورة واحدة وهي العلم بعدم التأثير، ولعلّ هذا هو المتبادر من الروايات التالية:
1. روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: وسمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول وسئل عن الحديث الذي جاء عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام

1. جامع المقاصد:3/486.
2. لاحظ : جواهر الكلام:21/386.

صفحه 431
جائر» ما معناه؟ قال: «هذا على أن يأمره بعد معرفته وهو مع ذلك يقبل منه وإلاّ فلا».1
والرواية معتبرة، أمّا هارون بن مسلم، فقد قال النجاشي في حقّه: يُكنّى أبا القاسم، ثقة، وجه; وأمّا مسعدة بن صدقة فهو عامّيّ، لكن المجلسي الأوّل قال: الذي يظهر من أخباره في الكتب أنّه ثقة لأنّ جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافق لما يرويه الثقات، ولهذا عملت الطائفة بما رواه، بل لو تتبعت وجدت أخباره أسدّ وأمتن من أخبار مثل جميل بن درّاج وحريز.(2)
وظاهر قوله:«وإلاّ فلا» أي وإن علم أنّه لا يقبل، فلا يجب، فتبقى الصور الثلاث تحت الإطلاقات.
2. ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن يحيى الطويل صاحب المقري(المصري) قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلّم، فأمّا صاحب سوط أو سيف فلا».2
والسند صحيح، ويحيى الطويل له أربع روايات عن أبي عبد الله(عليه السلام)ولم يوثّق بالخصوص لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة فالرواية معتبرة.
إنّ استثناء (صاحب سوط أو سيف) أفضل دليل على أنّه لا يقبل; لأنّ أصحاب منطق القوّة لا يخضعون لقوّة المنطق، فالخارج هو العلم بعدم التأثير.

1. الوسائل:11، الباب2 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.   2 . روضة المتقين: 14/226.
2. الوسائل:11، الباب 2 من أبواب الأمر والنهي، الحديث2.

صفحه 432
3. ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مفضّل بن يزيد، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال لي: «يا مفضّل مَن تعرّض لسلطان جائر فأصابته بليّة، لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها».1
والرواية معتبرة، والراوي عن الإمام(عليه السلام) وإن لم يوثّق بالخصوص لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة.
والمتيقّن من الرواية هو أنّه تعرّض لسلطان جائر، وهذا قرينة على أنّ من طبعه عدم القبول، مضافاً إلى أنّ عدم الأجر على عمله، قرينة على أنّه عمل عملاً غير عقلائي.
4. ما رواه الصدوق في «عيون أخبار الرضا(عليه السلام)» عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن الريّان بن الصّلت، قال: جاء قوم بخراسان إلى الرضا(عليه السلام)فقالوا: إنّ قوماً من أهل بيتك يتعاطون أُموراً قبيحة، فلو نهيتهم عنها؟ فقال:«لا أفعل»، قيل: ولِمَ؟ قال: «لأنّي سمعت أبي(عليه السلام) يقول: النصيحة خشنة».2
والسند صحيح، أمّا عبد الله بن جعفر الحميري فهو شيخ القميّين ووجههم، قال الطوسي: ثقة، له كتب. وأمّا الريّان بن الصّلت، فقد قال النجاشي عنه: الأشعري، القمي، كان ثقة صدوقاً.
فبما أنّ القوم وصفوا بأنّهم يتعاطون أُموراً قبيحة، متظاهرين بذلك فالإمام (عليه السلام) قال في حقّهم:«لا أفعل» وعلّله بقوله: «النصيحة خشنة» معناه أنّ نفوسهم لا تتقبّل نصيحة الإمام(عليه السلام).

1. الوسائل:11، الباب 2 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
2. الوسائل:11، الباب2 من أبواب الأمر والنهي، الحديث7.

صفحه 433
5. ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن ابن محبوب، عن خطّاب بن محمد، عن الحارث بن المغيرة، أنّ أبا عبد الله(عليه السلام) قال له: «لأحملن ذنوب سفهائكم إلى علمائكم... ـ إلى أن قال: ـ ما يمنعكم إذاً بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنّبوه وتعذّلوه وتقولوا له قولاً بليغاً»، قلت: جعلت فداك إذاً لا يقبلون منّا، قال:«اهجروهم واجتنبوا مجالسهم».1
لا غبار على السند إلاّ في خطّاب بن محمد فإنّه لم يوثّق ولكن روى عنه الحسن بن محبوب، وهو من أصحاب الإجماع; وأمّا الحارث بن المغيرة فهو ثقة ثقة، والحديث يصلح أن يكون مؤيداً، وصريح في خروج العلم بعدم التأثير عن الوجوب.
6. روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرّقي، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه» قيل له: وكيف يذلّ نفسه؟ قال: «يتعرض لما لا يطيق».2
والسند لا غبار عليه إلاّ ما في آخره، فإنّ داود بن كثير الرّقي مختلف فيه، ضعّفه النجاشي ووثّقه الطوسي، وعدّه المفيد في الإرشاد من خاصّة الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)، والرواية صالحة للتأييد.
وبما ذكرنا فإنّ الأظهر وجوب الأمر والنهي مع احتمال التأثير، فضلاً عن الظن، خرج العلم بعدمه، وبما ذكرنا تظهر قوّة ما في «الجواهر»، حيث

1. الوسائل:11، الباب7 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
2. الوسائل:11، الباب13 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.

صفحه 434
قال: إنّما الكلام فيما ذكره المصنّف وجماعة، بل ربما نسب إلى الأكثر من السقوط أيضاً بغلبة الظن بعدم التأثير، مع أنّ الأوامر مطلقة، ومقتضاها الوجوب على الإطلاق حتى في صورة العلم بعدم التأثير، إلاّ أنّه للإجماع وغيره سقط في خصوصها، أمّا غيرها فباق على مقتضى الإطلاق من الوجوب، ولعلّه لذا كان ظاهر جماعة بل صريح آخرين الاكتفاء بالتجويز الذي معناه الإمكان الذي يخرج عنه الامتناع خاصّة.1
أقول: إنّ هذا الشرط معتبر فيما إذا كان الآمر فرداً عادياً يريد نصيحة مَن يترك المعروف أو يتعاطى المنكر، ومثله المبلّغون الذين يرتقون منابر الوعظ ويبلغون رسالات الله، ويخاطبون المجتمع الذي يصل صوتهم إليه، فيكفي في وجوبه احتمال التأثير ولو في واحد منهم، وعلى هذا يحمل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا ظهرت البدع في أُمّتي فليُظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله».(2)
والحديث مرفوع غير أنّ مضمونه معزّز بروايات أُخرى.
روى يونس بن عبد الرحمن في حديث قال: روينا عن الصادقين(عليهم السلام)أنّهم قالوا:«إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان».2
وأمّا اللجنة المخوّل إليهم إجراء الأمر والنهي من قبل الحكومة فأعضاء هذه اللجنة منصوبون لقلع جذور الفساد ونشر الفضائل، بمنطق القوة بعد وعظهم بقوة المنطق، فعليهم أن يدخلوا من كلّ باب لكبح الباطل من دون ملاحظة شرط التأثير وعدمه.

1. جواهر الكلام:21/368.   2 . الوسائل:11، الباب40 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
2. الوسائل:11، الباب40 من أبواب الأمر والنهي، الحديث9.

صفحه 435

سؤال و إجابة

أمّا السؤال فهو: أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) خرج في وجه الدولة الأُموية لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد صرّح بذلك في خطبته، حيث قال: «إنّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت أطلب الصلاح في أُمّة جدّي محمد، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، أسير بسيرة جدّي وسيرة أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحقّ وهو أحكم الحاكمين».1
ومع ذلك لم يكن قيامه مقروناً باحتمال التأثير، وقد صرّح بذلك عند مغادرته مكّة المكرمة باتجاه العراق، حيث قال في خطبة له: «وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، وكأنّي بأوصالي تقطّعها ذئاب الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت».2 ومع ذلك كيف يقال بأنّ الأمر بالمعروف مشروط باحتمال التأثير؟
وأمّا الجواب فبوجهين:
الأوّل: أنّ الغاية المنشودة من نهضة الحسين(عليه السلام) لم تكن اسقاط السلطة الأُموية، إنّما كانت إيقاظ الأُمة لواجبها الحتمي، وما هو إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنّ الأُمّة نسيت ذينك العمادين، والمسلمون كانوا بين راض بما يجري وبين مبغض صامت يترك الأمر إلى الله تعالى، فكانت القلوب مشفقة والأيدي مغلولة، وعلى الألسن أوكية، والمفروض أنّ

1. مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب:3/241.
2. اللهوف في قتلى الطفوف:38.

صفحه 436
الإمام(عليه السلام)علم بتأثير نهضته على هذه الغاية التي عرفتها.
وبعبارة أُخرى: كان الحسين(عليه السلام) فاتحاً في نهضته إذ لم يكن يتبنى شيئاً في إيقاظ الأُمة وتعريف الملأ بالذين هم الأحقّ بالخلافة والقيادة. فقد كان عالماً بأنّ ثورته مؤثرة في إيقاظ الأُمة.
الثاني: نسلم أنّ الغاية من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) هي القضاء على دعاة الضلال وكسر شوكة الباطل عن طريق الشريعة واسقاط الطغمة الأموية عن عرش الخلافة، وهذه الغاية وإن لم تتحقّق يوم شهادته حتى ولا بعد شهادته بوقت، ولكنّها تحقّقت بعد سنوات حيث إنّ ثورته صارت أسوة وقدوة للآخرين، فتوالت الثورات واحدة بعد الأُخرى، إلى أن تم القضاء على الدولة الأموية عام 132هـ ، وإليك الإشارة إلى رؤوس تلك الثورات التي تأثرت بثورة الإمام الحسين(عليه السلام):
1. ثورة أهل المدينة وإخراج عامل يزيد منها.
2. ثورة التوابين في الكوفة.
3. ثورة المختار الثقفي.
4. ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
5. ثورة زيد بن علي.
6. ثورة أصحاب الانتفاضة كيحيى بن زيد.
الثالث: أنّ الإمام علم أنّ الطغمة الأُموية لو بقيت على منصة الحكم لمحق الدين واستشرى الانحراف، ولا يمكن دفع شرّها، إلاّ بتضحيته هو والخُلّص من أهل بيته، فلم يكن قيامه قيام فرد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فحسب حتى يلاحظ التأثير وعدم التأثير، بل هو موقف المنجي إذا

صفحه 437
أراد إنقاذ الغريق، سواء أذعن بإنقاذه أو لا، إذ يجب عليه السعي وبذل غاية المجهود لإنقاذ غريقه، فإن نجح فقد عمل بوظيفته لقوله سبحانه:(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)1، وإن لم ينجح فقد بذل جهده، وبذلك نرى أنّ الإمام(عليه السلام) قد ضحّى بنفسه ونفيسه والخُلّص من أهل بيته، بل ضحّى حتى بنسائه وأطفاله لبلوغ الغاية المنشودة، لمّا رأى أنّ الدين في خطر.
وبعبارة أُخرى: لم يقم الإمام الطاهر (عليه السلام)بنية إصلاح الحاكم الجائر وهدايته إلى الطريق المستقيم حتى يفكّر في تأثيره، وإنّما قام لإنقاذ المجتمع الإسلامي من الانحراف الذي بدأ يتوسّع منذ جاء أبوه إلى منصّة الحكم وأسّس دولة أُموية تحكم باسم الدين وهم بصدد محقه والقضاء عليه. وأين هذا من مسألة قيام الفرد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يشترط فيه احتمال التأثير؟

فروع مترتّبة على شرط التأثير

تقدّم أنّ الخارج عن الإطلاقات هو العلم بعدم التأثير، وهناك فروع:
1. لو قامت بيّنة عادلة على عدم التأثير، فالظاهر سقوط الوجوب، أخذاً بالحجّة. نعم احتمل السيد الأُستاذ في التحرير عدم السقوط مع احتماله.2ولا يخلو من احتياط.
2. لو علم أو احتمل أن أمره أو نهيه مع التكرار يؤثّر، فالظاهر أنّه داخل تحت الإطلاقات، فوجب التكرار.

1. التوبة:52.
2. تحرير الوسيلة، كتاب الأمر بالمعروف:1/429.

صفحه 438
3. لو علم أو احتمل أنّ انكاره بشكل علني يؤثر، وجب بشرط أن يكون الفاعل متجاهراً، وإلاّ لا يجوز، لأنّ كشف السرّ أمر غير جائز.
4. لو علم أنّ أحداً همّ بارتكاب حرام، واحتمل تأثير نهيه عنه، فهل يجب أو لا؟
الأقوى عدم الوجوب لعدم الموضوع للمنكر خارجاً، وأمّا القصد فهو أمر قلبي خارج عن مصبّ الإطلاقات، نعم لو قام بالأمر أو النهي لجاز.
5. لو توقّف المنع عن الحرام على ارتكاب محرّم أو ترك واجب، لا يجوز إلاّ إذا كان المورد أمراً أهم، كقتل النفس المحترمة. وأمّا لو كان الموقوف عليه أهم ممّا يُنهى عنه، أو مساوياً له، فلا يجوز في الأوّل، ولا يجب في الثاني.

الشرط الثالث: إصرار الفاعل

قال المحقّق:الثالث: وأن يكون الفاعل مصرّاً على الاستمرار، فلو لاح منه أمارة الامتناع أو أقلع عنه، سقط الإنكار.1
وقال العلاّمة: إصرار المأمور والمنهي على ما يستحقّ بسببه أحدهما، فلو ظهر الإقلاع، سقط.(2)
وقال في «التحرير»: وأن يكون المأمور أو المنهي مصرّاً على الاستمرار، فلو ظهر منه أمارة الامتناع، سقط الوجوب.2
وقال الشهيد الأوّل في «الدروس»: ولو لاح من المتلبس أمارة الندم حرم قطعاً.(4)

1. شرائع الإسلام:1/342.   2 . قواعد الأحكام: 1/524.
2. تحرير الأحكام:2/241.   4 . الدروس الشرعية: 2 / 47 .

صفحه 439
وهذا الشرط لم يذكره المحقّق الطوسي في تجريده.1 كما أنّه لم يرد في الروايات وإنّما استخرجه الفقهاء بملاحظة أنّ في ترك الإصرار، فقد الموضوع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى كلّ تقدير فالإطلاقات محكّمة إلاّ ما استقلّ العقل على عدم الوجوب لفقد الموضوع، ولا يتحقّق إلاّ في حالتين:
1. العلم بترك الإصرار.
2. قيام البيّنة الشرعية على الترك.
وأمّا في غير هاتين الصورتين، فالظاهر وجوب الأمر والنهي، فلو قامت أمارة ظنيّة غير الحجّة على الترك، أو احتمل الترك، فالظاهر وجوبهما لشمول الإطلاقات لهاتين الصورتين.
وقد مرّ أنّ الشرط لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنّما استخرجه الفقهاء لأجل حفظ الموضوع، فلو علم الإقلاع أو قامت حجّة شرعيّة عليه، فلا موضوع للأمر فيهما فقط دون غيرهما.
وما ذكرنا ـ أعني: عدم السقوط عند الأمارة الظنيّة ـ هو خيرة الشهيد الثاني، قال: إنّما الكلام في سقوطه بمجرد ظهور أمارة الامتناع، فإنّ الأمارة علامة ضعيفة يشكل معها سقوط الواجب المعلوم.2
وأمّا ما في «الدروس» من سقوطهما مع ظهور الأمارة3، فهو محمول على ما إذا كانت الأمارة حجّة.

1. لاحظ: كشف المراد:303.
2. مسالك الأفهام:3/103.
3. الدروس الشرعية: 2 / 47 .

صفحه 440
وبما ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده السيد الأُستاذ، قال: لو ظهرت منه أمارة ظنّية على الترك، فهل يجب الأمر أو النهي أو لا؟ لا يبعد عدمه.
وكذا لو شك في استمراره وتركه.1 فلو أراد من (أمارة ظنّية) ما هو الحجّة، لتمّ، وإلاّ فالإطلاق محكّم.
فإن قلت: فإذا كان الخارج عن تحت الإطلاقات غير المعتبر واقعاً، فلو شكّ في استمراره وتركه فهو في الواقع شبهة مصداقية للمخصّص وفي مثله لا يجوز التمسّك بالعام كما هو المقرّر في محلّه.
قلت: ما ذكرته صحيح لولا أنّ الاستصحاب ينقّح الموضوع ويجعله من مصاديق العام أو الإطلاق وهو أنّه كان مصرّاً ومستمرّاً، والأصل بقاؤه.
وربما يقال: إنّه لا يسقط الوجوب حتى مع العلم بعدم الاستمرار، قائلاً بأنّه محكوم بالفسق ما لم تعلم توبته، فتجري عليه حينئذ جميع الأحكام التي منها أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ما لم تتحقّق التوبة، ولو بالطريق الذي يتحقّق به مثلها من إظهار الندم ونحوه.
ويظهر من السيد الأُستاذ التفصيل بين الأمر بالتوبة، والأمر بالمعروف فلا يسقط الأوّل دون الثاني، قال: من الواجبات التوبة من الذنب، فلو ارتكب حراماً أو ترك واجباً تجب التوبة فوراً، ومع عدم ظهورها منه وجب أمره بها، وكذا لو شكّ في توبته، وهذا غير الأمر والنهي بالنسبة إلى سائر المعاصي، فلو شكّ في كونه مصرّاً أو علم بعدمه، لا يجب الإنكار بالنسبة إلى تلك المعصية، لكن يجب بالنسبة إلى ترك التوبة.(2)

1. تحرير الوسيلة: 1/431.   2 . تحرير الوسيلة: 1/432.
Website Security Test