welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 3

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
3

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة عشر قواعد فقهية
الجزء الثالث
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1394.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 541 - 0 (VOL.1)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1394
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الثالث
تأليف:   … آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1437 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 915   تسلسل الطبعة الأُولى: 447
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 3

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة   

مقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة، والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه محمّد وآله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا «الإيضاحات السنيّة للقواعد الفقهية» نقدّمه للقرّاء الكرام راجين منهم التسديد والتجاوز عن الهفوات.
ويشتمل هذا الجزء على الفصل السابع الذي خصصناه لدراسة القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات، وهو يشتمل على عشر قواعد:
1. قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين.
2. قاعدة ليس ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه (قاعدة الاضطرار).
3. قاعدة الجبّ (الإسلام يجب ما قبله).
4. قاعدة نفي السبيل على المؤمنين.
5. قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

صفحه 8
6. قاعدة الرفع ومعذورية الجاهل غير الشاكّ.
7. قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين.
8. قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله.
9. قاعدة التقيّة في كلّ ما يضطر إليه ابن آدم.
10. قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الجزء طلبة العلم والمحقّقين الأفاضل، راجين أن يقع موقع القبول.
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
غرّة ربيع الثاني ـ 1437 هـ

صفحه 9
 
القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات   

الفصل السابع

القواعد المحدّدة للإطلاقات والعمومات

امتازت الشريعة الإسلاميّة أنّها شريعة خاتمة للشرائع السماوية، خالدة إلى يوم القيامة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن المعلوم أنّ المجتمع البشري لم يزل في تطوّر وتغيّر عقبى الحضارات المتعدّدة، وعندئذ يطرح هنا السؤال التالي: كيف يتسنّى للشريعة الثابتة أن تدير المجتمع المتبدّل قرناً بعد قرن؟ وهذا هو الإشكال الذي ربّما يثار حول الخاتمية؟
وقد أُجيب عن الإشكال بوجه أوضحناه في كتابنا «مفاهيم القرآن»1وقلنا: إنّ ممّا صار سبباً لبقاء الشريعة إلى يوم القيامة هو حكومة العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية.
فإنّ للثانوية دوراً واضحاً في تحديد أحكام العمومات والمطلقات بحيث تعطي للشريعة مرونة قابلة للتطبيق على عامّة الحضارات والحالات فقد أمر الشارع بالوضوء والغسل والصوم والصلاة والحج والجهاد إلى عشرات الموضوعات التي وقعت محكومة بأحكام وجوبية أو شرعية، وهي في حدّ نفسها تعمّ الحالات الطارئة أيضاً :

1. لاحظ : مفاهيم القرآن: 3 / 241 ـ 249 .

صفحه 10
1. كون العمل حرجياً.
2. كون العمل ضررياً.
3. كون العمل ممّا ربّما يسبب الخوف على النفس والنفيس.
4. كون العمل يوجب تسلّط الكافر على المسلم.
فهذه العناوين الثانوية تضيّق دائرة أحكام العناوين الأوّلية، وتخصّصها بغير هذه الحالات، فلو أضر التوضّؤ أو الاغتسال، فعلى المسلم العدول إلى التيمّم; ولو كانت الصلاة من قيام حرجة على مَن يشكو من آلام الظهر، فعليه العدول الى الصلاة من جلوس، وهكذا سائر الموضوعات، وعلى هذا فللعناوين الثانوية دور واضح في تحديد أحكام العناوين الأوّلية وتضييق سعتها، كما سيتّضح لك عمّا قريب.
إنّ العناوين الثانوية الواردة في الكتاب والسنّة والتي تحدّد أحكام العناوين الأوّلية، تضفي على الشريعة الإسلامية مرونة وقابلية للتطبيق على جميع الحضارات الإنسانية في كلّ زمان ومكان، وقد اصطلح عليها الفقهاء بالأدلّة الحاكمة لأجل حكومتها وتقدّمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هوهو، فقوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1 حاكم على كلّ تشريع استلزم العمل به حرجاً لا يتحمّل عادة للمكلّف، كما أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ضرر ولا ضرار» حاكم على كلّ تشريع يورث الضرر. نعم تشخيص الحاكم عن المحكوم وما يرجع إلى الحاكم من الشروط، يحتاج إلى التفقّه والاجتهاد، وهذا ما سندرسه في هذا الفصل.

1. الحج:78.

صفحه 11
وقد اخترنا في هذا الفصل دراسة هذه العناوين التي تحدّد أحكام العناوين الأوّلية، وهي:
1. قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين.
2. قاعدة ليس ممّا حرم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه (قاعدة الاضطرار).
3. قاعدة الجبّ (الإسلام يجب ما قبله).
4. قاعدة نفي السبيل للكافرين على المؤمنين.
5. قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
6. قاعدة الرفع ومعذورية الجاهل غير الشاكّ.
7. قاعدة لزوم الوفاء بالنذر والعهد واليمين.
8. قاعدة لزوم العمل بالأحكام الولائية للنبيّ وآله.
9. قاعدة التقيّة في كلّ ما يضطر إليه ابن آدم.
10. قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

صفحه 12
قاعدة نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين   
القواعد الفقهية
      68

قاعدة

نفي الحرج والعسر الشديد والمشقّة في الدين
1. تفسير مفردات القاعدة.
2. دليل القاعدة من الكتاب العزيز.
3. الاستدلال على القاعدة بالسنّة الشريفة، وفيه ثمان روايات.
4. التعارض بين نفي الحرج مع وجوده في كثير من الأحكام .
   إجابة السيد الطباطبائي، والمحقّق النراقي، ومناقشة جوابيهما.
   ما هو الحق في رفع الاشكال؟
   حكومة القاعدة على الأحكام الأولية
5. الرفع عزيمة لا رخصة.
6. حكومة القاعدة على الواجبات والمحرّمات.
7. العبرة بالحرج الشخصي لا النوعي.
8 . حكم التعارض بين دليلي الحرج والضرر.
9. تطبيقات القاعدة.
من القواعد الفقهية الّتي لم تزل قديماً وحديثاً، دليلاً على الحكم الشرعي رفعاً أو وضعاً، هي قاعدة نفي الحرج والعسر ، وقد اتّخذت القاعدة

صفحه 13
من النص الوارد في الذكر الحكيم، أعني قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)1.
وستعرف أنّ هذه الآية هي الآية الوحيدة الدالّة على القاعدة، وأمّا الآيات الأُخرى فهي ناظرة إلى أمر آخر، وربّما تكون مؤيّدة للقاعدة لا دليلاً عليها.
وبما أنّ الآية هي الدليل القويم للقاعدة فيلزم علينا شرحها وتفسيرها أداءً لحقّها.
أقول: إنّ الآية تتضمّن أحد عشر خطاباً، فالمخاطب هو المسلمون ثم ورد في ثنايا الآية ما يعدّ تكريماً للمؤمنين فقال: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ)عطف على قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)وبهذا ترتقي الأوامر إلى أربعة. وقيّد الجهاد بقوله: (فِي اللهِ) أوّلاً، و(حَقَّ جِهَادِهِ)ثانياً، والظاهر أنّ الثاني تأكيد للأوّل، وعندئذ أُريد بالقيدين أحد الأمرين:
1. أن يكون الباعث هو أمره سبحانه.
2. الإتيان بالفرائض عامّة والاجتناب عن المحرّمات كذلك دون تبعيض.
وعلى الأوّل فهل المراد من الجهاد هو جهاد النفس، أو جهاد العدو، أو الجميع؟

1. الحج: 78 .

صفحه 14
أقول: بما أنّ آيات السورة مزيجة من آيات مكّية ومدنيّة كما هو الظاهر لمن قرأها وتدبّر في مضامين آياتها، فإنّ قسماً منها مكّية قطعاً كالآيات التي يخاطب بها الناس مثل قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)،1 أو قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ)،2 وقسم منها مدنية قطعاً كالآيات الشارحة لخصال الحج وأحكامه.
وأمّا الآية فيلوح عليها كونها مكّية، حيث يصف إبراهيم بأنّه أباهم، والظاهر أُريد به قريش والعرب العدنانيون، وأمّا العرب المدنيّون فهم من العرب القحطانيين، وعلى هذا فالظاهر أُريد بالجهاد هو مع النفس.
ثمّ إنّه سبحانه يخاطب المسلمين بأُمور نذكرها تباعاً:
أ. (هُوَ اجْتَبَاكُمْ): أي اختاركم من بين سائر الأُمم وخصّكم بأفضل الرسل وأكمل الشرائع، فصرتم أفضل الأُمم لو شعرتم بذلك.
ب. (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) وهذه الخصيصة الثانية للشريعة الإسلامية حيث إنّ أحكامها سهلة سمحة، ولذلك أكد ذلك في آية أُخرى بقوله:(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)3.وسيوافيك بيانه بعد الفراغ عن تفسير الآية.
ج. لمّا تقدّمت كلمة الدين في قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)أوضحه بأنّ المراد هو الشريعة الإبراهيمية كما قال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)و (مِلَّةَ) منصوب بالاختصاص أي: أخصّ ملّة إبراهيم، ويحتمل أن يكون

1. النساء: 1 .
2. الحج: 5 .
3 . البقرة:185.

صفحه 15
منصوباً بفعل مضمر أي: اتبعوا ملّة إبراهيم. وقد وصف تعالى إبراهيم بالأب; لأنّ العرب العدنانيّين هم الذين كانوا مسلمين، كانوا من نسل إسماعيل. وبما أنّ أكثر المؤمنين في زمان الخطاب كانوا من ولد إبراهيم جاز ذلك.
د. (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الفقرة تدلّ على تسمية المؤمنين بالمسلمين، وأمّا من هو المسمّي فهل هو إبراهيم(عليه السلام) أو الله تعالى؟ ظاهر السياق هو الأوّل بشهادة أنّ الضمير ـ أعني: (هُوَ)ـ يرجع إلى أقرب المراجع وهو إبراهيم(عليه السلام)، وعلى هذا فالمراد من قوله:(مِنْ قَبْلُ) أي قبل القرآن، فالأُمة الإسلامية موسومون في الكتب السماوية بالمسلمين، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)1، ولا ينافي ما ذكرنا أنّه سبحانه رضي الإسلام ديناً لنا، وقوله عزّ وجلّ: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)2.
ويشير إلى ما ذكرنا ما ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)3.
هـ . ثم أشار سبحانه إلى تسميتهم بالمسلمين في القرآن أيضاً بقوله: (وَفي هذا): أي في القرآن كقوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)4،

1 . البقرة:128.
2 . المائدة: 3.
3 . البقرة: 130 ـ 132.
4 . يونس:72.

صفحه 16
وقوله:(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) كأنّه تعليل لما تقدّم من الأوامر الأربعة ـ أعني: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا...)ـ والفقرة تدلّ على أمرين:
1. الرسول شهيد على المسلمين.
2. المسلمون شهداء على سائر الناس.
إنّما الكلام في مَ هو المراد من الشهادة؟
إنّ قسماً من المفسّرين قالوا بأنّ المراد من شهادة الرسول هو شهادته يوم القيامة بأنّه قد بلّغهم من الله ما أُوحي إليه، كما أنّ المراد من شهادة المسلمين على الناس هو شهادتهم على أنّ رسلهم قد بلّغوا ما أُوحي إليهم. وربّما يستشهد على هذا بما ورد من أنّه يؤتى بالأُمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم هل بلّغتم أُممكم؟ فيقولون: نعم بلّغناهم، فينكرون (أي أُممهم) فيؤتى بهذه الأُمّة فيشهدون قد بلّغوا(الرسل السابقون) فيقول لهم الأُمم: مِن أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى بلسانه الناطق على لسان نبيّه الصادق.1
وعلى هذا فيكون معنى(شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، أي شهادة المسلمين على أُمم الرسل السابقين بأنّ أنبياءهم قد بلّغوا رسالات الله عليهم.
هذا ما لدى هؤلاء.
يلاحظ عليه: أنّ شهادة النبي على أُمّته أمر لا سترة فيه يقول سبحانه:(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).2

1 . تفسير الكشّاف :2/41; تفسير القرطبي:12/101; روح المعاني:17/211.
2 . الفرقان:30.

صفحه 17
وقد روي أنّ أعمال الأُمّة تعرض عليه وهو في البرزخ في كلّ أُسبوع أو أكثر أو أقلّ إنّما الكلام في شهادة المسلمين على سائر الأُمم كما يدلّ عليه قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)فإنّ الشهادة من الشهود وهو الإخبار عن حسٍّ والمفروض أنّهم فاقدون لهذا العلم، والاعتماد في الشهادة بإخبار الله تعالى شهادة على الشهادة لا شهادة على الأُمم، ثمّ إنّه سبحانه أعظم من أن يشهد على شهادته، غيره.
وهذا ما يدفعنا بدراسة الآية بشكل آخر وهو أنّ المراد من الشهادة هو الشهادة على الأعمال الواضحة والخفية والنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حائز لذلك المقام بشهادة قوله سبحانه:(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).1
إنّما الكلام في الشهود على سائر الناس فظاهر الخطاب وإن كان هم المسلمين ولكن أُريد منهم صنف خاص الذين بلغوا في الكمال والقرب إلى درجة يرون أعمال الناس حال حياتهم وبعد لقائهم، وعلى هذا يفسّر قوله سبحانه:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).2
فهذه الآية نظير آية الحجّ فالرسول شهيد على أُمّته والمخاطبون في قوله: (لِتَكُونُوا) هم المسلمون بالإرادة الاستعمالية وجماعة خاصّة قد بلغوا الدرجة العليا من الكمال حسب الإرادة الجدّية، وأمّا مَن هؤلاء الجماعة فعلى

1 . التوبة:94.
2 . البقرة:143.

صفحه 18
القارئ الكريم أن يدرس ذلك من طريق قراءة القرآن والتاريخ والحديث.
فإن قلت: إذا كان الشهود هو الصنف الخاص من المسلمين فكيف ينسبه القرآن إلى عامّة المسلمين ويقول في سورة الحجّ (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وفي سورة البقرة: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)؟
قلت: لا مانع من ذلك إذا كان هذا الصنف جماعة ممتازة من المسلمين فيصحّ نسبة أمرهم إلى عامّتهم، نظير قوله سبحانه:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).1 فمن المعلوم أنّ كلّ واحد من بني إسرائيل لم يكن ملكاً، بل كان قسم قليل منهم ملوكاً ومع ذلك نسبهم إلى الجميع.
وممّا يدلّ على أنّ المراد من الشهود على سائر الأُمم ليس عامّة المسلمين قاطبة، ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في نقد هذا القول، فقال: «قال الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ مَن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية، كلاّ لم يَعْن الله مثل هذا من خلقه، يعني الأُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وهم الأُمّة الوسطى وهم خير أُمّة أخرجت للناس».2
وحاصل الكلام: أنّ للآية ظاهراً وهو أنّ الضمائر الإحدى عشر ترجع إلى عامّة المسلمين فالرسول شهيد عليهم، وهؤلاء أيضاً شهداء على سائر

1 . المائدة:20.
2 . تفسير نور الثقلين:1/112.

صفحه 19
الناس; ولكن للآية حقيقة غير ذلك تعلم بالتأمّل، وهي أنّ ضمائر الخطاب خطاب بالإرادة الاستعمالية للأُمّة الإسلامية وخطاب بالإرادة الجدّية لجمع خاصٍّ منهم، وليس ذلك تأويلاً للآية بل تحقيقاً لمفاد الآية وما ورد في سورة البقرة.
ثمّ إنّه سبحانه لأجل أنّه خصّ المسلمين بهذه الكرامة أمرهم بالأعمال العبادية والمالية، ويقول:(فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ) في جميع الأحوال (هُوَ مَوْلاَكُمْ): أي أولى بكم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) فأتمّ السورة بما فيه تطييب لنفوس المؤمنين، وتقوية لقلوبهم.
***
قد تقدّم في ثنايا الآية الأخيرة أمران:
الأوّل: ذكر الجهاد في سبيل الله حقّ جهاده. وقد مرّ أنّ المراد هو جهاد النفس لا جهاد العدوّ.
الثاني: أنّه سبحانه ما جعل على الأُمّة الإسلامية حكماً حرجياً، بل الشريعة الإسلامية شريعة سهلة سمحة.
فلنأخذ كلاًّ من الموضوعين بالدراسة إجمالاً:

جهاد النفس

ذاع استعمال «جهاد النفس» بين المحدّثين وخاصّة بين علماء الأخلاق، والظاهر أنّهم اتّبعوا قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه (إبراهيم بن هاشم)، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بسرية فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم

صفحه 20
قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس».1 والحديث موثّق، فإنّ النوفلي والسكوني وإن كانا عاميّين لكنّهما صدوقين، وقد عمل الأصحاب برواياتهما; كما ذكره الشيخ في العُدّة قال: عملت الطائفة بما رواه: حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن درّاج والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمّتنا(عليهم السلام) فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه.2
هذا حال السند، وأمّا المضمون: فالسرية طائفة من الجيش، وفي مصطلح أهل السير فئة من الجيش يبعثها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعيّن لهم قائداً وأميراً، على خلاف الغزوة فإنّها عبارة عن الجيش الذي يقوده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه، ولذلك تربو غزوات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على سبع وعشرين غزوة، وأمّا السرايا فربّما تناهز سبعاً وخمسين سرية.
وأمّا الجهاد فقد ذكر الراغب الأصفهاني في «المفردات» بأنّه استفراغ الوسع في مدافعية العدو. 3 ويظهر من الآيات القرآنية أنّ للنفس ثلاث حالات:
1. أمّارة      2. لوّامة      3. مطمئنة
وربّما تكون أكثر من الثلاثة ككونها راضية ومرضية.
والحقيقة أنّ هنا نفساً واحدة وهي النفس الإنسانية، وهذه الصفات الخمس من حالاتها لا أنّ هناك نفوساً خمساً، فيقع الكلام تارة في التعرّف

1 . الكافي:5/12، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح3.
2 . عدة الأُصول:1/149.
3. المفرادت: 101، مادة «جهد».

صفحه 21
على تلك الحالات، وثانياً في كيفية الجهاد مع النفس الأمّارة حتى يبلغ الإنسان إلى النفس المطمئنة.
إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني ـ أعني: جعل الحرج في الشريعة ـ وتحقيق الحال يقتضي البحث في أُمور:

1. تفسير مفردات القاعدة

اللازم قبل كلّ شيء هو تفسير مفردات القاعدة.
الحرج والعسر لغة
قال ابن فارس: له أصل واحد وهو معظم الباب وإليه مرجع فروعه، وذلك: تجمع الشيء وضيقه، فمنه الحرج جمع حرجة وهي مجتمع شجر ويقال في الجمع حرجات، ومن ذلك الحرج: الإثم، والحرج: الضيق، قال الله تعالى:(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا )1.2
قـال ابن الأثير: حرج، فيه: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»3:

1. الأنعام: 125 .
2. مقاييس اللغة: 2 / 50، مادة «حرج».
3. الظاهر أنّ هذا الحديث مكذوب على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
والرجلان من تلاميذ كعب الأحبار وقد جاءت الأخبار بأنّ حفيد العاص أصاب يوم اليرموك ضامنتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدّث منها بأشياء كثيرة من الإسرائيليات فقد قال فيها الحافظ ابن كثير: أنّ منها المعروف والمشهور والمذكور والمردود. والذي يدلّ على كونه مكذوباً ما رواه البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنّه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب وقد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها الباحث محمود أبو رية في كتابه «أضواء على السنّة النبوية» تحت عنوان: هل تجوز رواية الإسرائيليات:154ـ 155، الطبعة الثانية.

صفحه 22
الحرج في الأصل: الضيق ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق .1
وقال الفيروزآبادي: الحرج «محرّكة»: المكان الضيّق، الكثير الشجر، كالحرج ككتف والإثم، كالحرج بالكسر.2
وأنت إذا لاحظت سائر القواميس تجد هذه التعابير المتماثلة فيه، والإمعان فيما ذكره هؤلاء وغيرهم يفيد أنّ الحرج موضوع للضيق واستعماله في كثرة الشجر لأجل كون العبور بينها أمراً ضيّقاً; لأنّ الفواصل بين الأشجار قليلة، كما أنّ إطلاقه على الإثم بمعنى العصيان من هذا القبيل، لوجود مناسبة بينه وبين المعنى اللغوي حيث حبس نفسه عن رحمة الله .
وممّا يشهد على أنّ المراد من الحرج هو الضيق أي التكليف الشاق الذي يورث الضيق في نفس المكلّف أو حياته، هو قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ).3
هذا كلّه حول الحرج بقي الكلام حول العسر، لأنّ الفقهاء يعطفون أحدهما على الآخر، والعسر، لا أظن أنّه بحاجة إلى تفسير لأنّه ضد اليسر، ومع ذلك نذكر كلمات اللغويين.
قال ابن فارس: العسر يدلّ على صعوبة وشدّة، نقيض اليسر.(4)

1. النهاية: 1 / 361، مادة «حرج».
2. القاموس المحيط: 1 / 189، مادة «حرج».
3. النور: 61 .   4 . مقاييس اللغة: 4 / 319، مادة «عسر».

صفحه 23
وقال ابن الأثير: عُسر: سميت غزوة تبوك جيش العسرة; لأنّ الناس ندبوا إلى الغزو في شدّة القيظ وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال، فعسر ذلك عليهم وشقّ، والعسر ضد اليسر وهو الضيق والشدّة والصعوبة .1
وقال الفيروزآبادي: العسر: ضد اليسر، والعسرى ضد الميسرة، يقال: تعاسر واستعسر: اشتدّ والتوى.2
فتلخّص من ذلك: أنّ العسر والحرج متقاربا المفهوم، إذ في العسر ضيق كما أنّ في العسر سعة.
ويطلق الحرج على الضيق ويراد به أحد المعاني التالية:
1. ما ذكره النراقي وقال: ما كان متضمّناً لتحميل ما هو خارج عن الوسع والطاقة، أعني: كان تكليفاً بما لا يطاق، ولا يمكن الإتيان به 3.
ولا شكّ أنّ هذا القسم خارج عن محطّ بحث الفقهاء، لأنّ التكليف بما لا يطاق أمر قبيح، قال سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)4 ومن المعلوم أنّ دليل «لا حرج» دليل امتناني ولا امتنان في رفع التكليف بالمحال.
2. الضيق الذي يورث اختلال النظام، كالاحتياط التام قبل الاجتهاد بين عامّة الشبهات الوجوبية والتحريمية حسب ما حُرّر في مبحث الانسداد. ومن المعلوم أنّ رفع هذا النوع من الضيق ـ أيضاً ـ لا يعدّ امتناناً لأنّ الشارع هو الذي أمـر بحفظ النظام بسياساته وأحكامه، كأحكام الشهادة والقضاء والحدود

1. النهاية: 3 / 235، مادة «عسر».
2. القاموس المحيط: 2 / 127 .
3. عوائد الأيام: 173، العائدة: 19 .
4. البقرة: 286 .

صفحه 24
والقصـاص والدّيات إلى غير ذلك من الأحكام حول الأحوال الشخصية وأحكام التجارة وآدابها. ومثل هذا لا يقبل الوضع لكونه مضادّاً لحفظ النظام، فلا يعدّ رفعه امتناناً منه. وبعبارة أُخرى: ومعه لا يعدّ رفع الحرج المضادّ لمطلوبه امتناناً.
ولذا فيتعيّن المعنى الثالث، وهو:
3. الحرج هو الذي لا يخرج العمل عن كونه مقدوراً، غاية الأمر لا يتحمّله أكثر الناس إلاّ على مضض، على نحو لو عمّت الأحكام الأوّلية لهذه الصورة لرغب الناس عن الدين إلاّ القليل منهم. وهذا هو المقصود في المقام.
وأمّا ما سبق نقله عن «النهاية» من أنّه عبارة عن أضيق الضيق، فهو اجتهاد من القائل، ولعلّ المراد الضيق الذي يصعب تحمّله على أكثر الناس.
ومن هنا يظهر بُعد ما ذكره الطبرسي في تفسير الآية 78 من سورة الحج: أنّ الله سبحانه لم يضيّق عليكم أمر الدين فلن يكلّفكم ما لا تطيقون، بل كلّف دون الوسع فلا عذر لكم في تركه.1 لماعرفت من أنّ هذا القسم ـ الذي يرجع إلى المعنى الأوّل ـ خارج عن مصبّ القاعدة والآية، إذ لا امتنان في عدم التكليف بما لا يطاق.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة ما استدل به على القاعدة .

2. دليل القاعدة

استدلّ على القاعدة بالكتاب والسنّة وربّما بالإجماع والعقل، والمهم هنا المصدران الرئيسيّان للتشريع.

1. مجمع البيان: 7 / 185 .

صفحه 25

1. الاستدلال بالكتاب العزيز

أ. مرّ عليك قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).1
إنّ الآية ناظرة إلى نفي وجود الحرج في دين الله، أي في أحكامه وسننه، وقد أُريد من الدين مجموع الأُصول والفروع، فالجميع خال من الضيق .
ثم إنّه سبحانه يفسّر الدين بقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ): أي شريعة ابراهيم، لأنّ شريعته داخلة في شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).2
وفي الختام نقول: نحن وإن رجّحنا أنّ المراد بالجهاد، هو جهاد النفس ولكن لا مانع من إرادة الأعمّ لو كانت الآية مدنيّة.
وقد مرّ منّا أنّ هذه الآية هي الآية الوحيدة الّتي تدلّ بصراحتها على عدم تشريع الضيق على المؤمنين، فإذا سبَّب الحكم الشرعي بقاءً، الضيقَ على المكلّف أو المكلّفين، يكون الحكم المجعول مرفوعاً أو غير موضوع من أوّل الأمر، وأنّ شمول إطلاق الحكم كان صورياً لا واقعياً.
ب. استدلّ السيد المراغي على القاعدة بآية الوضوء، أعني قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)3.

1. الحج: 78 .
2. مجمع البيان: 7 / 184، بتصرّف.
3. المائدة: 6 .

صفحه 26
مورد الاستدلال هو قوله سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)ولكن التدبّر في الآية يثبت أنّها تهدف إلى معنى آخر، وهو أنّ قوله:(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)تعليل لكلّ ما ورد في الآية بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة، والغسل من الجنابة والتيمم عند عدم الماء أو تعذّر استعماله، أي ما شرع ذلك ليلزمكم في دينكم من ضيق، ولا يعنتكم فيه، ولكن يريد بما فرض عليكم من الوضوء والغسل ليطهّركم وينظف أجسادكم بذلك، وعلى هذا فالآية تهدف إلى أنّ أمره سبحانه ـ بما في الآية ـ ليس لغاية الضيق، بل لغاية التطهير.1 وأين هذا من نفي الحرج في عامّة تشريعاته؟!
وأقصى ما يستفاد من الآية أنّ تشريع هذه الأحكام ليس لأجل إيجاد الضيق، وما كان فيها من ضيق فهو لغاية مهمة وهي تنظيف الأجساد وتطهيرها، وأين هذا المعنى من الدلالة على أنّ الله لم يشرّع حكماً حرجياً، بل ظاهر الآية أنّه شُرّع في المقام حكم فيه ضيق لكن لمصلحة عامّة.
نعم يمكن استفادة القاعدة لكن بالبيان التالي: وهو أن يكون قوله: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)علّة لخصوص قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)حيث خصّ الغسل بالوجه واليدين وأسقط الرأس والرجلين، حتّى أنّه اكتفى من الأيدي ببعضها أي من الزند إلى أطراف الأصابع، وما ذلك إلاّ لأجل أنّ الله (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)ولمّا كان في مساواة التيمم بالوضوء في المواضع حرج رفعه الله سبحانه.
ج. قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات

1. مجمع البيان: 3 / 337 ـ 338 .

صفحه 27
مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)1.
وجه الاستدلال هو أنّ الله سبحانه لم يوجب الصوم على المريض والمسافر، لما فيه من العسر; لأنّ الله يريد بكم اليسر (وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)فلو قلنا بعموم العلّة، تكون دليلاً على عامّة الأحكام، وأنّه سبحانه لم يرد العسر بل أراد اليسر.
والعجب من الطبرسي الذي جعل الآية دليلاً على بطلان قول المجبّرة فقال: لأنّه بيّن أنّ في أفعال المكلّفين ما يريده سبحانه وهو اليسر، وفيها ما لا يريده وهو العسر، ولأنّه إذا كان لا يريد بهم العسر، فأن لا يريد تكليف ما لا يطاق، أولى .2
وقد عرفت أنّ مسألة التكليف بما لا يطاق خارجة عن حدود هذه الآيات، اللهم إلاّ أن يستدلّ بالأولوية بأن يقال: إنّه إذا كانت هذه المرحلة غير مجعولة فالمرحلة العليا أولى بأن تكون كذلك.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالكتاب العزيز، وإليك ما استدلّ به على القاعدة من السنّة الشريفة.

2. الاستدلال بالسنّة الشريفة

قد ورد الاحتجاج بنفي الحرج في غير واحدة من الروايات، إمّا بنحو

1. البقرة: 185 .
2. مجمع البيان: 2 / 35.

صفحه 28
الحكمة أو بنحو التعليل، والتمييز بينهما راجع إلى ذوق الفقيه، ونذكر من هذه الروايات ما هو المهم:
الرواية الأُولى: روى الشيخ بإسناده عن عبدالأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)امسح عليه »1.
والإسناد صحيح، فرجاله كلهم ثقات، حتّى الراوي عن الإمام ـ أعني: عبدالأعلى مولى آل سام ـ فإنّه عبارة عن عبدالأعلى بن أعين العجلي، ذكره الطوسي في رجال الصادق (عليه السلام)، وقال المفيد: هو من فقهاء أصحاب الصادقين والأعلام والرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، والذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأُصول المدوّنة والمصنّفات المشهورة،2 وهذا فوق التوثيق فضلاً عن المدح.
وجه الدلالة: أنّ الإمام (عليه السلام)اتّخذ الآية كبرى لحكم شرعي وهو المسح على المرارة .
وهذا دليل على أن كلّ حكم شرعي سبَّبَ الحرج فهو مرفوع، كما أنّ المسح على البشرة هنا سبب الحرج فصار مرفوعاً.
نعم غاية ما يدلّ عليه الاستدلال بالكبرى هو رفع لزوم المسح على البشرة، وأمّا المسح على المرارة فلا تدلّ عليه الكبرى الشرعية، وإنّما أمر به الإمام (عليه السلام)وليس استنباطاً من الآية.

1. الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 4.
2. لاحظ معجم رجال الحديث: 10 / 276 برقم 6231.

صفحه 29
الرواية الثانية: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن ابن مسكان قال: حدّثني محمد بن ميسّر قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل
منه، وليس معه إناء يغرف به، ويداه قذرتان؟ قال: «يضع يده، ثم يتوضّأ،
ثمّ يغتسل، هذا ممّا قال الله عزوجل: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَج
)»1.
والرواية صحيحة فرجال السند كلّهم ثقات، والمفروض في الرواية كون الماء قليلاً غير كر، وفرض أنّ يديه قذرتان، فإن كان المراد من القذرة هو القذارة الشرعية فتكون الرواية دليلاً على عدم انفعال الماء القليل .
وإن كان المراد القذارة العرفية، فتدلّ الرواية على نفي الحكم الاستحبابي ـ في الظروف الخاصة ـ وهو غسل اليدين خارج الماء قبل الاغتراف منه.
وعلى كلّ تقدير فالرواية تدلّ على أنّ قوله سبحانه كبرى لنفي حكم شرعي يورث الحرج، والحكم المرفوع إما نجاسة الماء القليل ـ على خلاف المشهور ـ أو لزوم غسل الأيدي خارج الماء قبل الاغتراف من الماء القليل لأجل الوضوء.
وبما أنّ الاحتمال الأوّل على خلاف المشهور، فالرواية محمولة على الاحتمال الثاني.
الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد الأهوازي عن ابن

1. الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.

صفحه 30
سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يحمل الركوة 1 أو التور2، فيدخل أصبعه فيه؟ قال: فقال: «إن كانت يده قذرة فأهرقه، وإن كان لم يصبها قذر، فليغتسل منه، هذا ممّا قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»3.
فالإمام (عليه السلام)فصّل بين ما لو كانت يده قذرة (أي نجسة) فأمر بإهراق الماء لانفعال الماء القليل كما يشير إليه قوله: «وإن كان لم يصبها قذر»، وأمّا إذا لم يصبها به فأجاز الاغتسال منه، وجعل مبدأ الحكم قوله سبحانه: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) .
فإن قلت: إذا فرضنا أنّه لم تصب أصبعه قذارة فما هي الحاجة إلى الاستدلال بالآية؟
قلت: لاحتمال وجود النجاسة، لافتراض أنّ الرجل جنب، وإصابة القذارة أمر محتمل. فردّ التوقّف والاحتياط بنفي الحرج.
الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّا نسافر فربّما بُلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث، فقال: «إن عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا ـ يعني أفرج الماء بيدك ـ ثم توضّأ، فإنّ

1. الركوة: إناء صغير من الجلد يشرب به الماء، والجمع ركاء.
2. التور: إناء من صفر أو حجارة قد يتوضأ منه.
3. الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11 .

صفحه 31
الدين ليس بمضيّق، فإنّ الله عزوجل يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»1.
والسند جميل وفيه الحسين بن عثمان وهو عبارة عن الحسين بن عثمان بن شريك، قال النجاشي عنه: ثقة. ويحتمل اتّحاده مع الحسين بن عثمان الرواسي الذي وصفه الكشّي بأنّ حمّاداً وجعفراً والحسين أبناء عثمان بن زياد الرواسي كلّهم فاضلون خيار ثقات.
والظاهر أنّ الماء كان كرّاً بشهادة كونه غديراً، وهو لا ينفك غالباً عن الكرّية.
وبما أنّه كانت فيه العذرة عرض في قلب الراوي شيء عاقه عن أن يتوضّأ منه، فأمر الإمام بإفراج الماء بيده حتّى يتوضّأ بالماء الأسفل، وجعل الإمام (عليه السلام)التوسعة مستفادة من الآية الكريمة.
الرواية الخامسة: ما رواه الكليني بسند صحيح عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: في الرجل الجُنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء، فقال: «لا بأس (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)»2.
ولعلّ وجه السؤال هو امتزاج الماء الذي يغتسل به بغسالة الحدث الأكبر، فتكون الرواية دليلاً على جواز الاغتسال إذا كان ما ينتضح قليلاً، استناداً إلى الآية الكريمة.
الرواية السادسة: ما رواه عبدالله بن جعفر الحميري عن مسعدة بن

1. تهذيب الأحكام: 1 / 417، في أبواب المياه وأحكامها من كتاب الطهارة، الحديث 1316 / 35 ; الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14.
2. الوسائل: 1 ، الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل، الحديث 5.

صفحه 32
صدقة قال: حدّثني جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ممّا أعطى الله أُمّتي وفضّلهم على سائر الأُمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ نبيّ (نبيّاً)، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له: إجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) يقول: من ضيق» .1
وظاهر الرواية أنّ رفع الحرج في الأُمم السابقة كان مختصّاً بأنبيائهم، ولكنّه عمّ الأُمّة الإسلاميّة جميعاً بقوله تعالى: (عَلَيْكُمْ) .
الرواية السابعة: ما رواه المجلسي في «بحار الأنوار» عن كتاب عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )2؟ فقال: «في الصلاة والزكاة والصيام والخير أن تفعلوه»3.
وفيه دلالة على أنّ المراد من الجهاد، هو السعي في طاعة أوامره ونواهيه سعياً جادّاً كاملاً.
والرواية ناظرة إلى سعة القاعدة بالنسبة إلى كافّة الأحكام الشرعية.
***
هذه هي الروايات الّتي استدلّ بها الإمام (عليه السلام)على الحكم الشرعي بآية لا حرج، وبما أنّها وردت في غير مورد من الموارد تكون حجّة كلّية في عامّة

1. قرب الإسناد: 84، برقم 277.
2. الحج: 77 ـ 78 .
3. بحار الأنوار: 1 / 55 .

صفحه 33
الأبواب، وهناك روايات خلت من الاستدلال بالآية لكن تدلّ على القاعدة نظير:
الرواية الثامنة: ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناد صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألته ] الإمام الكاظم (عليه السلام)[ عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي بها؟ فقال: «نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر (عليه السلام)كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك» .1 وكان سوق المسلمين آية التذكية.
ولعلّ هذا المقدار من الروايات كاف في البرهنة على القاعدة .
وقد جمع المحقّق النراقي ما يمكن أن يستدلّ به من الروايات في المقام فناهزت الثماني عشرة رواية .2
وفيما ذكرنا غنى وكفاية.

3. الاستدلال بحكم العقل

إنّ السيد المراغي هو ممّن استدلّ على نفي الحرج والعسر بدليل عقلي فقال: يمكن أن يقال: إنّ قضية العقل السليم عدم وقوعهما في التكاليف، نظراً إلى أنّ المتّفق عليه عند أصحابنا وجوب اللطف على الله سبحانه، ومعناه: التقريب من الطاعة والتبعيد عن المعصية الّتي هي المهلكة العظمى، ولا ريب أنّ التكليف البالغ حدّ الحرج يُبعّد عن الطاعة ويكون باعثاً إلى كثرة المخالفة،

1. الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
2. عوائد الأيام: 174 ـ 178 .

صفحه 34
والله سبحانه أرحم بعباده من أن يفتنهم بما يوقعهم في العذاب غالباً.
وكما أنّ التكليف بما لا يطاق ممتنع عليه تعالى، للزوم القبح والخروج عن العدل، فكذلك التكليف بالحرج، فإنّه مناف للّطف والرحمة.1
وربّما يعترض عليه بأنّ التكليف بما لا يطاق بمعنى عدم القدرة على امتثال التكليف أمر قبيح عقلاً ولكنّه لا صلة له بقاعدة لا حرج; لأنّ ظاهر القاعدة أنّه تبارك وتعالى في مقام الامتنان على هذه الأُمّة، ولا امتنان في رفع ما لا يمكن جعله ووضعه .2
يلاحظ عليه: بأنّ السيد المراغي لم يستدلّ في المقام بقبح التكليف بما لا يطاق حتّى يتوجّه إليه ما ذكر، وإنّما جمع بين أمرين لكن كلاًّ بملاك خاص: التكليف بما لا يطاق وهو على خلاف العدل; والتكليف الحرج فإنّه على خلاف اللطف، ويبعّد عن الطاعة ويكون باعثاً إلى كثرة المخالفة، وهو ينافي اللطف والرحمة، ولا شكّ أنّ رفعه لطف وامتنان.
ويؤيد ما ذكره المراغي، قولُه سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
)3.
والإصر في اللغة هو الثقل، وربّما يستعمل بمعنى العهد والهمّ، ولكن المراد هنا هو الأوّل.

1. العناوين: 1 / 286 .
2. القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: 1 / 252 ـ 253 .
3. البقرة: 286 .

صفحه 35
روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سأل الله سبحانه في ليلة المعراج عدم المؤاخذة على الأُمور التالية:
1. النسيان: (لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا).
2. الخطأ: (أَوْ أَخْطَأْنَا).
3. الإصر: (وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) .
ربّما يقال: بأنّ الخطأ والنسيان من الأُمور غير الاختيارية فلا تصحّ المؤاخذة عليها فكيف طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عدم المؤاخذة عليها؟
والجواب: أنّهما اختياريان عن طريق مقدّماتهما، فمن الممكن أن يتّخذ الإنسان أُسلوباً في الحياة لا يخطأ ولا ينسى فيما يرجع إلى الشريعة.
وأمّا الإصر فيحتمل أن يكون هو التكليف الثقيل، والله سبحانه قد رفعه عن هذه الأُمّة، دون الأُمم السابقة.
وأمّا قوله: (مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)فلا يدلّ على اختصاصه بالأُمّة، إذ الظاهر أن المراد به هو العذاب، عاجلاً أو آجلاً.
وعلى كلّ تقدير فقوله: (وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)يكون مؤيّداً لما نحن فيه .1

3. إشكال وإجابة

ربّما قال: كيف يقول سبحانه: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) مع أنّا نلمس الحرج في التكاليف الشاقّة والأحكام الصعبة، وأهل العرف يعدّونه عسراً وحرجاً وضيقاً، كالصوم في اليوم الحار الطويل، والحجّ للنائي، ولزوم

1. لاحظ: الميزان في تفسير القرآن: 2 / 444; ومجمع البيان: 2 / 286 .

صفحه 36
الثبات في مقابلة الكفّار، وحرمة الفرار، والتوضّؤ بالماء البارد في الشتاء وفي السفر، ومجاهدة النفس، والسعي في طلب العلم في البلاد البعيدة، وعدم الخوف من لومة لائم في بيان أحكام الله وإجراء حدوده، والجهاد في سبيله، ونظائر ذلك.
وقال المحقّق النراقي: إنّ نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يُشاهد من التكاليف الشاقّة والأحكام الصعبة الّتي لا يشكّ العرف في كونها عسراً أو صعبة، بل حرجاً وضيقاً، كالتكليف بالصيام في الأيام الحارة الطويلة، وبالحج، والجهاد ومقارعة السيف والسنان، والأمر بالقرار في مقابلة الشجعان، والنهي عن الفرار من الميدان، وعدم المبالاة بلوم اللوّام في إجراء الأحكام، والوضوء بالمياه الباردة في ليالي الشتاء، لا سيّما في الأسفار.
وأشدّ منها الجهاد الأكبر مع أحزاب الشيطان، والمهاجرة عن الأوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال والحرام، وترك الرسوم والعادات المتداولة بين الأنام، المخالفة لما يرضى به الملك العلاّم، إلى غير ذلك .1
وكأنّ الشيخ الحرّ العاملي التفت إلى الإشكال وحمل نفي الحرج على التكليف بما لا يطاق .
وقال: نفي الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق، وإلاّ لزم رفع جميع التكاليف .2
حيث التزم بأنّ عامّة التكاليف لا تخلو من حرج وعسر، فكيف يمكن لنا نفي الحرج في الدين؟

1. عوائد الأيام: 187.
2. الفصول المهمّة: 249 .

صفحه 37
فتكون الأدلّة مجملة لا يحتجّ بها إلاّ فيما هو المتيقّن، أعني: الخارج عن قدرة الإنسان.
ولا يخفى أنّه لو صحّ ما ذكره يلزم إنكار القاعدة من رأس، فإنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً لا يحتاج إلى إقامة دليل من الكتاب والسنّة، وأمّا ما سواه فقد اعترف القائل بأنّ الجميع من مصاديق الحرج.
ثم إنّ المحقّق النراقي قال: ولم أعثر على مَن تعرّض لذلك المقال إجمالاً ولا تفصيلاً إلاّ طائفة من المتأخّرين. ثم ذكر قولين أحدهما من السيد الطباطبائي بحر العلوم، والآخر من صاحب القوانين، ثم أجاب هو جواباً آخر، ولا بأس بالتعرّض لما أجاب به السيد الطباطبائي.
أمّا الأوّل فقد قال: ذكر بعض سادة مشايخنا طاب ثراه في فوائده، قال (قدس سره)بعد بيان نفي الحرج: وأمّا ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة، كالحج، والجهاد، والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس، والدية على العاقلة، ونحوها، فليس شيء منها من الحرج، فإنّ العادة قاضية بوقوع مثلها، والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض، كالمحارب للحميّة، أو بعوض يسير، كما إذا أُعطي على ذلك أُجرة، فإنّا نرى أنّ كثيراً يفعلون ذلك بشيء يسير.
وبالجملة: فما جرت العادة بالإتيان بمثله والمسامحة وإن كان عظيماً في نفسه، كبذل النفس والمال، فليس ذلك من الحرج في شيء.
نعم تهذيب النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات، أو نوع منها، على الدوام حرج وضيق، ومثله منتف في الشرع.1

1. فوائد الأُصول: 118، الفائدة 36.

صفحه 38
ولا يخفى أنّ هذا الجواب على طرف النقيض ممّا ذكره الحرّ العاملي، الذي هو في جانب الإفراط وهذا الجواب في جانب التفريط، إذ لا يسلّم وجود الحرج في عامّة التكاليف إلاّ في موارد خاصّة، كتهذيب النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام، فقال: فيها حرج وضيق ومثله منتف في الشرع.
إذ كيف يمكن إنكار وجود الحرج في جهاد العدو في ساعات العسرة، أو في السير إلى الحج بقطع الفيافي القاحلة على ظهور الجمال والدواب في الصيف الحار أو الشتاء والبرد القارص، وعلى أي حال فهذا الجواب يخالف عمل الفقهاء (بقاعدة لا حرج) في أبواب الفقه المختلفة والّتي هو ينكر وجود الحرج فيها.
ثم إنّه (قدس سره)نقل عن صاحب القوانين جواباً آخر، وبما أنّ هذا الجواب مجمل تركنا التعرّض له؟ فمن اراد فليرجع إلى قوانين الأُصول.1
والمهمّ ما تبّناه صاحب العوائد من الجواب وقال: إنّ أدلّة نفي العسر والحرج تدلاّن على انتفائهما كلّية; لأنّهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي فيفيدان العموم، وقد ورد في الشرع: التكليف ببعض الأُمور الشاقّة والتكاليف الصعبة أيضاً، ولا يلزم من وروده إشكال في المقام، كما لا يرد بعد قوله سبحانه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ )2 إشكال في تحريم كثير ممّا وراءه، ولا بعد قوله: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا )3 إلى آخره، تحريم أشياء

1. لاحظ : قوانين الأُصول: 2 / 49 .
2. النساء: 24.
3. الأنعام: 145.

صفحه 39
كثيرة، بل يخصّص بأدلّة تحريم غيره عموم ذلك. فكذا هاهنا، فإنّ تخصيص العمومات بمخصّصات كثيرة ليس بعزيز، بل هو أمر في أدلّة الأحكام شائع، وعليه استمرت طريقة الفقهاء .
فغاية الأمر: كون أدلّة نفي العسر والحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصّص، وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يرد شيء من الإشكالين .1
يلاحظ عليه: أنّ دليل نفي الحرج إمّا أصل أو دليل اجتهادي، فعلى الأوّل يجب أن يكون الشك مأخوذاً في لسانه، مع أنّ ما أوردناه من الأدلّة خال عن أخذ الشك فيه، فتعيّن أن يكون دليلاً اجتهادياً دالاًّ على عدم تشريع الحرج في الدين مطلقاً، وأمّا تخصيصه بـ «إلاّ ما خرج بالدليل» فغير صحيح من وجهين:
أوّلاً: أنّ لسان الدليل آب عن التخصيص، إذ يستهجن أن يقال: ما جعل الله في الدين حرجاً إلاّ في موضع كذا وكذا وكذا.
وثانياً: أن لازم ما ذكره كون القاعدة مخصَّصة بمخصّصات كثيرة مثل ما ذكره من الأمثلة، والتخصيص الأكثر مستهجن جدّاً.
وبذلك يعلم ضعف ما التزم به بعض الأعلام حيث قال ـ بعد نفي الحرج عن كثير من الموارد المتوهمة: ـ ومنها ما يبقى من الموارد النادرة التي يمكن التزام تخصيص القاعدة بها إذا كان دليله أخصّ من أدلّة نفي الحرج، أو بمنزلة الأخص كالجهاد الذي فيه من المشقّة والحرج ما لا يخفى.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في صدر جوابه من نفي الحرج المتوهّم في

1. عوائد الأيام: 192 ـ 193 .

صفحه 40
أكثر الموارد أمر مقبول، ولكن ما التزم به في ذيل كلامه من التخصيص غير تام، لما عرفت من أنّ لسان الدليل آب عن التخصّيص.

ما هو الحقّ في الجواب؟

الحقّ أن يقال: إنّ الأحكام الشرعية التي تقترن بالحرج على أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما يكون الناس هم السبب في جعل تلك الأحكام حفظاً للأمن والسلام، نظير الأحكام المشرّعة في الحدود والقصاص والديات، إذ لولا هذه الأحكام لسادت الفوضى في المجتمع، وما دلّ على نفي الحرج منصرف عن هذا القسم من الأحكام، إذ الحرج جاء من جانب الناس لا من جانب التشريع ، وهذا نظير مَن ألقى نفسه من على شاهق فيحكم عليه في الطريق بالقتل الفظيع، فالحكم به نابع من عمله لا من جانبنا ولا من جانب الله سبحانه .
الثاني: الأحكام الّتي بنيت على الحرج والعسر، بحيث يُعدّ الحرج موضوعاً لها ومقوّماً لها، وهذا كالأمر بالجهاد والحج والمرابطة، فإنّ هذه الأحكام خصيصتها الحرج والعسر. وقد ذكر الشيخ وغيره أنّ حديث لا ضرر لا يشمل الأحكام الّتي شرّعت على أساس الضرر كإعطاء الفرائض المالية والكفّارات وغيرها، فإنّ تشريع هذه الأحكام مبني على فرض وجود الحرج والعسر فيها.
فلو قال الشارع: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)ناظر إلى غير هذه الأحكام الّتي خصيصتها الحرج، والشاهد على ذلك أنّ الشارع شرع الجهاد والحج والفرائض المالية في عصر الرسالة وفي الوقت نفسه خاطبهم بقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).