welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 321

4. حكم نسيان الأفعال في النافلة

الظاهر أنّ هذا الحكم أي كون الإنسان مخيّراً بين البناء على الأقلّ أو الأكثر مختص بالشكّ، ولا يجري في نسيان الركعة أو نسيان فعل من أفعال الصلاة; وذلك لأنّ هذه الفقرة: «لا سهو في النافلة» وقعت في قياس سائر الفقرات التي أُريد من السهو فيها الشكّ، حيث جاء فيها:«ليس على الإمام سهو ـ إلى أن قال: ـ ولا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأولتين من كلّ صلاة سهو، ولا سهو في نافلة».1
فوحدة السياق تقتضي اختصاص الفقرة بالشكّ.
وقد مرّ منّا أنّ الشاك في النافلة إذا التفت بعد الشكّ على ترك الركن يأتي به إن كان المحلّ باقياً وإلاّ فتبطل صلاته.
ولكن يظهر من بعض الروايات أنّ زيادة الركن في النافلة لأجل النسيان غير مبطل، منها:
1. معتبرة عبيد الله الحلبي قال: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما، حتى قام فركع في الثالثة؟ فقال:«يدع ركعة ويجلس ويتشهّد ويسلّم ثم يستأنف الصلاة بعدُ».2
فقوله:«يدع ركعة» أي يلقي ما في يده من الركعة (الركوع) ثم يتدارك المنسي، ثم يستأنف الصلاة الأُخرى غير الأُولى; ومع ذلك، ففي الدلالة تأمّل لاحتمال أن يكون المراد من «يستأنف الصلاة» أي نفس الصلاة لا صلاة أُخرى، فعلى هذا فالحديث دالّ على بطلان النافلة بزيادة الركن، وأمّا أنّه لم

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث8.
2 . الوسائل:5، الباب18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث24.

صفحه 322
يقطع الصلاة الأُولى لعلّه تكريماً واحتراماً.
2. ما رواه الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يصلّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتى يركع، فيذكر وهو راكع؟ قال: «يجلس من ركوعه يتشهّد ثم يقوم فيتمّ»، قال: قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى (في صلاته) ثم سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: «ليس النافلة مثل الفريضة».1
ثمّ إنّ قوله «ويتم» أي يأتي بالركعة الثالثة وهو دليل على أنّ الوتر جزء من الشفع وليست بصلاة مستقلّة.

5. سقوط سجدتي السهو عند الشكّ في النافلة

قد قلنا أنّ العقوبات على قسمين:
أ. عقوبة على نفس السهو.
ب. عقوبة على فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله .
ومن المعلوم أنّ سجدتي السهو عند الشكّ في النافلة وعدم تبيّن الواقع أثر نفس السهو، كصلاة الاحتياط، فكما هي منفيّة فهكذا سجدتا السهو. فلو شكّ بين الثلاث والأربع في الفريضة فللشاكّ عقوبتان، ولو شكّ في النافلة فالعقوبة مرتفعة.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لا سهو في نافلة

1 . الوسائل:4، الباب8 من أبواب التشهّد، الحديث1.

صفحه 323
القواعد الفقهية
    53
قاعدة
لا شكّ بعد خروج الوقت
لا شكّ بعد خروج الوقت   
الشكّ بعد خروج الوقت، مختصّ بما إذا شكّ في أصل العمل
الفروع الأربعة في رواية زرارة والفضيل عن أبي جعفر(عليه السلام)
رواية زرارة والشذوذ في الفرع الثاني.
فروع القاعدة
لو شكّ بعد ما بقي من الوقت ركعة، فهل يجب الإتيان أو لا؟
لو شكّ بعد ما بقي في الوقت أقلّ من ركعة
لو بقي إلى الغروب خمس ركعات فهل تجب الصلاتان أو لا؟
لو علم إجمالاً بفوات إحدى الصلاتين: الظهر أو العصر
من القواعد المسلّمة في كتاب الصلاة أنّه لا شكّ بعد خروج الوقت، فلو شكّ المكلّف بعد الغروب أنّه صلّى الظهر أو العصر أو الظهرين، لا يعتني بشكّه ويبني على الإتيان، إنّما الكلام هل هي قاعدة مستقلّة في مقابل قاعدتي التجاوز والفراغ أو لا؟
يظهر من الشيخ الأنصاري أنّ الشكّ بعد خروج الوقت من فروع قاعدة التجاوز لأنّه ذكر ما دلّ على هذه القاعدة في عداد أخبار قاعدة التجاوز. فمن

صفحه 324
قال بوحدة القاعدتين ـ أعني: التجاوز والفراغ ـ جعل هذه القاعدة من شقوق قاعدة التجاوز.1
وأمّا سيد مشايخنا المحقّق البروجردي فقد ذهب إلى أنّ هنا قواعد ثلاث: أمّا قاعدة التجاوز فموردها هو الشكّ في وجود جزء من الأجزاء في خصوص الصلاة.
وأمّا قاعدة الفراغ فموردها هو الشكّ في صحّة المأتي به وفساده. نعم لا اختصاص لها بباب الصلاة بل تعمّ كلّ فعل ذي أثر شرعي له فردان صحيح وفاسد.
وأمّا قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت فهي عبارة عن الشكّ في أصل العمل وعدمه، ولذلك ظهر الفرق بينها وبين قاعدة التجاوز فموردها الشكّ في الجزء المركّب، والمقام الشكّ في أصله.2
وعلى كلّ تقدير فسواء أكانت قاعدة مستقلة أو جزءاً من قاعدة التجاوز فهي قاعدة مسلّمة في الفقه. ولم تذكر بصورة مستقلّة ضمن القواعد الفقهية .
نعم قال السيد الطباطبائي: إذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم إلاّ إذا كانت مؤقّتة وخرج وقتها .3
وقال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في الفصل الّذي عقده لبيان أحكام الشكوك: مَن شكّ في أنّه صلّى أو لا فانقضى الوقت، لا يعتني به ويبني على وجود المشكوك، وإن كان الوقت باقياً وجب الإتيان به، وهذا لا إشكال فيه

1 . فرائد الأُصول: 3 / 327 .
2 . تبيان الصلاة: 7 / 148 .
3 . العروة الوثقى: الفصل 56 في الشكوك الّتي لا اعتبار لها، المسألة 12، من كتاب الصلاة.

صفحه 325
للأخبار الخاصّة والعمومات الدالّة على أنّ الشكّ في وجود الشيء بعد انقضاء محلّه، ليس بشيء .1
وعلى كلّ تقدير فلندرس روايات الباب.

الرواية الأُولى:

روى الكليني بسند صحيح عن حريز، عن زرارة والفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أي حالة كنت».2
والرواية تتضمّن بيان أربعة فروع:
أ. متى شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، صلّيتها.
ب. متى شككت في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها.
ج. إن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك.
د. إن استيقنت بعد خروج الوقت أنّك لم تصلّها، فعليك أن تصلّيها.
أمّا الفرع الأوّل فهو واضح، وأمّا الثاني فلا يخلو من إجمال ولعلّ المراد أنّه شكّ في الوقت المختص مثلاً بالعصر، في أنّه أتى بها أو لا؟ فيجب عليه إتيانها، والشاهد على ذلك قوله في الفرع الثالث: «وإن شككت بعدما خرج

1 . كتاب الصلاة: 343.
2 . الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 1.

صفحه 326
وقت الفوت» فهذه قرينة على أنّ المراد من الفقرة الثانية هو الشكّ في وقت الفوت الّذي لو لم يصلّ فيه لفات.
وأمّا الفرع الثالث فدلالة الرواية عليه واضحة، بل يمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثالثة غير مختصّة بالصلاة، والميزان قوله: «وقد دخل حائل» فلو شكّ في الصوم أو في أعمال الحج بعد فوت وقتهما، بنى على الإتيان.
وأمّا الفرع الرابع فهو على وفق القاعدة ; لأنّه استيقن أنّها فاتت و«مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».1

الرواية الثانية:

روى حريز عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا جاء يقين بعد حائل قضاه، ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشكّ جميعاً.
1. فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها.
2. وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت.
3. إلاّ أن يستيقن، لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين» 2.
لا يخفى أنّ الرواية مضطربة والّذي يمكن أن يخرجها عن الاضطراب، التصرّف في لفظين:
1. أنّ مراده من «الحائل» هو وقت صلاة العصر مثلاً حيث إنّ المسلمين كانوا ملتزمين بتفريق الصلوات، فإذا صار الظل مثله أو مثليه خرج وقت الظهر

1 . عوالي اللآلي: 2 / 54 برقم 143; ولاحظ الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات.
2 . الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 327
ودخل وقت العصر، ومن المعلوم هو خروج وقت الفضيلة لا وقت الإجزاء.
2. أنّ المراد من قوله: «يقضي» هو المعنى اللغوي ـ أعني: الإتيان ـ لا العمل خارج الوقت.
إذا وقفت على ذلك فنقول: إنّه (عليه السلام)وضع ضابطة كلّية بقوله: «إذا جاء يقين (بعدم إتيان الصلاة) بعد حائل (دخول وقت صلاة أُخرى ولم يصلّها بعد) قضاه، ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشكّ جميعاً».
هذه هي الضابطة الكلّية، ثم فرّع عليها ثلاثة فروع:
1. «فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها»، وهذا الفرع أمر لا سترة عليه وعليه الفتيا.
2. «وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت»، وهذا الفرع ممّا أعرض عنه الفقهاء لما سيأتي.
3. «إلاّ أن يستيقن»، وهذا الفرع موافق للقاعدة.
ثمّ إنّ قوله:«لأنّ العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين» تعليل للفرع الثاني الذي عرفت إعراض المشهور عنه; لأنّ دخول وقت فضيلة العصر لا يعدّ حائلاً بينه وبين الظهر لبقاء وقت الإجزاء وإن انقضى وقت الفضيلة.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا شكّ في أثناء العصر في أنّه أتى بالظهر أم لا؟ بنى على عدم الإتيان وعدل إليها إن كان في الوقت المشترك ولا تجري قاعدة التجاوز .1 وإنّما خصّ الشكّ في إتيان الظهر في أثناء العصر لكونه هو

1 . العروة الوثقى: الفصل 4 في أحكام الأوقات، المسألة 20، من كتاب الصلاة.

صفحه 328
المتعارف، ومنه تُعلم الأولوية إذا شكّ قبل العصر .
وأمّا لو شكّ في إتيان الظهر في الوقت المختصّ بالعصر، قال السيد اليزدي: يمكن البناء على الإتيان باعتبار كونه من الشكّ بعد الوقت. ولم يعلّق عليه أحد إلاّ السيد الشاهرودي حيث قال: ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط بقضاء الظهر خارج الوقت .1

فروع القاعدة

للقاعدة فروع أربعة:
1. إذا شكّ في فعل الصلاة وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فهل ينزّل منزلة تمام الوقت أو لا؟ قال السيد الطباطبائي: وجهان، أقواهما الأوّل .
2. إذا بقي أقلّ من ذلك، فالأقوى كونه بمنزلة الخروج.2
وإليك الاستدلال على الفرعين.
دلّت الروايات على أنّ «مَن صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتمّ، فقد جازت صلاته».3
وروى الشهيد في «الذكرى»: «أنّ مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر جميعاً».4

1 . العروة الوثقى: 2 / 292، المسألة 20 من أحكام الأوقات ; تعليقة السيد الشاهرودي على العروة الوثقى، هامش العروة: 1 / 179 .
2 . العروة الوثقى، الفصل 51 في أحكام الشكوك، المسألة 2، من كتاب الصلاة .
3 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 2 و 3 .
4 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .

صفحه 329
نعم روى الشهيد أيضاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»1.
ويمكن حمل الرواية على صلاة الجماعة (أو الجمعة) أي إدراك ركعة من الصلاة لا إدراك ركعة من الوقت.
وعلى كلّ تقدير، فما تضمّنته الروايات أمر لا خفاء فيه، ومورد الروايات هو القطع بعدم الاتيان، فيجب عليه إتيان الصلاة الّتي أخّرها إلى أن بقي من الوقت ركعة واحدة .
إذا عرفت ذلك فإليك دراسة الفرعين.
أمّا الفرع الأوّل: أي إذا شكّ (لا قطع) في إتيان الصلاة وقد بقي من الوقت ركعة، فهل يجب عليه الإتيان؟ وقد عرفت أنّ السيد قوّى لزوم الإتيان. والمسألة مبنيّة على أن قوله: «مَن أدرك ركعة...» هل يشمل الشاك في الإتيان إذا شكّ وقد بقي من الوقت ركعة، أو لا؟ فيه وجهان:
الأوّل: خروجه عن مصبّ الرواية; لأنّ موردها مَن أدرك ركعة من الوقت ولم يصلّ، والمفروض مَن أدرك ركعة من الوقت وشكّ في الإتيان.
الثاني: أنّه يكفي في صدق الشكّ في الصلاة مع بقاء وقتها كون الوقت صالحاً لوقوع العمل فيه شرعاً، وهذا المقدار محقّق بعد تنزيل هذا الوقت منزلة الوقت الأصلي لمن لم يأت بالصلاة. فيكون المنزَّل: أدرك ركعة من الوقت، محكوماً بحكم المنزّل عليه: مَن أدرك أربع ركعات من الوقت وشكّ، فيجب الإتيان بها في كلتا الصورتين.

1 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

صفحه 330
وأمّا ما ربما يقال من أن قوله (عليه السلام): «مَن أدرك ركعة من الوقت» مختصّ بمن لم يأت بها، لا مَن شكّ فيها; فمدفوع بأنّ استصحاب عدم الإتيان أصل تنزيلي يُثبت أنّ المكلّف ممّن لم يأت بالصلاة، فيشمله ما دلّ على أنّ الشاكّ في الوقت الصالح للصلاة، يأت بها.
وبعبارة أُخرى: إيجاب الإتيان مترتّب على أنّ الموضوع مركّب من أمرين:
1. عدم الإتيان بالفريضة.
2. كون الوقت صالحاً للإتيان.
وكلا الجزأين محرزان، أمّا الأوّل ـ أعني: الصغرى ـ فبالاستصحاب، وأمّا الثاني ـ أعني: الكبرى ـ فبقاعدة «مَن أدرك».
هذا ما يمكن أن يوجّه به كلا الفرعين، ويظهر من المعلّقين على العروة أنّهم وافقوا السيد اليزدي في وجوب الإتيان إلاّ بعضهم حيث جعله أحوط.
أقول: إنّ القائلين بوجوب الإتيان بنوا المسألة على أنّ المورد هل هو من مصاديق قوله: «مَن أدرك ركعة» أوْ لا؟ واختاروا الوجه الأوّل بالبيان الذي تقدّم.
والظاهر أنّ المسألة مبنيّة على أمر آخر، وهو أنّ قول أبي جعفر (عليه السلام): «متى شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها... صلّيتها»1 هل هو ناظر إلى الوقت الاختياري أو أعمّ منه ومن الاضطراري؟ فلو قلنا بالأوّل فلا دليل على وجوب الإتيان، ولو قلنا بالثاني فيجب. وظاهر الروايات هو الوقت

1 . الوسائل:3، الباب60 من أبواب المواقيت، الحديث1.

صفحه 331
الاختياري لا الاضطراري ، فعلى مَن يريد إيجاب الإتيان فعليه أن ينقح موضوع ما دلّ على أنّ الشاكّ في الوقت يجب عليه الإتيان، كما في الرواية، فهل المراد الشاكّ في الوقت الاختياري أو أعمّ منه والوقت الاضطراريّ؟ الظاهر هو الأوّل .
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الوارد في لسان الدليل هو «الشكّ في وقت فريضة» ولولا الروايات التنزيلية كان القدر المتيقّن هو الوقت الاختياري وأمّا بالنظر إليها، يكون المراد أعمّ منه ومن الاضطراريّ لأنّها وسعت وقت الفريضة من أربع ركعات إلى ركعة واحدة.
وبعبارة أُخرى: الموضوع للشاكّ، هو الشكّ في وقت الفريضة، والمفروض أنّ الركعة الواحدة وقعت في وقت الفريضة حسب الروايات التنزيلية، فيكون الشكّ فيه، شكّاً في وقت الفريضة.
أمّا الفرع الثاني: وممّا ذكرنا يظهر حكم الفرع الثاني، وهو ما إذا بقي من الوقت أقلّ من ركعة، فالحكم فيه واضح.
ثم إنّه لو قلنا بأنّ لسان: «مَن أدرك» لسان التوسعة وإنّ مُدرك وقت ركعة كالمُدرك لعامّة الوقت، فيختصّ بمَن أدرك ركعة، دون الفرع الثاني المفروض فيه أنّ الوقت صالح لبعض أجزاء الركعة لا تمامها؟ ولذلك قوّى السيد الطباطبائي عدم الإتيان فيه .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الأقوى وجوب الإتيان في الفرعين، مضافاً إلى أنّه الأحوط .
الفرع الثالث: قال السيد الطباطبائي: إذا ارتفع العذر المانع من التكليف ، وبقي إلى الغروب في الحضر مقدار خمس ركعات، وفي السفر مقدار ثلاث

صفحه 332
ركعات، أو إلى نصف الليل مقدار خمس ركعات في الحضر وأربع ركعات في السفر، وجبتا 1. ولم يعلّق أحد على المتن.
ووجه ذلك أنّهم ركّزوا على أن حديث: «مَن أدرك» بصدد توسعة الوقت أو توسعة الشرط، فعلى هذا فيكون الشاكّ فيه شاكّاً في الوقت، يشمله ما دلّ على أنّ مَن شكّ في الوقت يجب عليه الإتيان فيه .
ولكنّك قد عرفت أنّ مبنى المسألة هو التدقيق فيما ورد عن أبي جعفر(عليه السلام)من أنّ الشاك في الوقت يأتي به، هل هو ناظر إلى الوقت الاختياري أو يشمل حتّى الوقت الاضطراري، وقد عرفت ما هو المختار وأنّه يمكن إدخال الشكّ في الوقت الاضطراري تحت الضابطة في رواية أبي جعفر(عليه السلام).
الفرع الرابع: لو علم إجمالاً بأنّه فاتت منه إحدى الصلاتين الظهر أو العصر. فللمسألة صورتان:
الأُولى: أن يكون الشكّ في الوقت المشترك بينهما.
الثانية: أن يكون الشكّ في الوقت المختصّ بالعصر.
أمّا الصورة الأُولى فبما أنّه يعلم بصحّة إحدى الصلاتين يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة.
فإن قلت: كيف يكتفي بصلاة واحدة مع أنّه لو كان المأتي به صلاة العصر فقد كانت باطلة، فلو اكتفى بصلاة واحدة تنطبق على الظهر دون العصر.
قلت: ما ذكرت من الصورة خارج عن الفرع فإن الفرض هو أنّ إحدى

1 . العروة الوثقى: الفصل الرابع في أحكام الأوقات، المسألة 15، من كتاب الصلاة.

صفحه 333
الصلاتين صحيحة فيجوز له الاكتفاء بصلاة واحدة. وقد ثبت في محلّه أنّ الترتيب بين الظهرين شرط علمي على نحو لو تذكّر بعد الفراغ صحّ وبنى أنّها الأُولى. وعلى هذا يمكن أن يأتي بها بنيّة العصر.
وأمّا الصورة الثانية فيكفي فيها الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة، كما أنّ له أن يأتي بأربع ركعات بقصد العصر .
هذا وللقاعدة فروع أُخرى مذكورة في الكتب الفقهية.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لاشكّ بعد خروج الوقت

صفحه 334
القواعد الفقهية   
   54
لا شكّ بعد التجاوز عن المحلّ   
قاعدة
لاشكّ بعد التجاوز عن المحلّ
القاعدة في روايات أهل البيت(عليهم السلام)
نظرية المحقّق البروجردي في اختصاص القاعدة بالشكّ في الوجود، دون الصحّة، وبالشكّ في خصوص الصلاة
مناقشة كلا الأمرين على ضوء الروايات
القاعدة قاعدة عقلائية والتخصيص خلاف الارتكاز
قاعدة التجاوز والشكّ في أثناء الوضوء
من القواعد الفقهية الّتي يبحث عنها في أبواب الخلل الواقع في الصلاة قاعدة التجاوز عن المحلّ وأنّه لا يعتنى بالشكّ، وهل هي نفس قاعدة الفراغ أو غيرها؟ هذا ما سيأتي الكلام فيه، وإنّما المهمّ لنا دراسة الروايات الّتي تدلّ على عدم الاعتناء بالشكّ بعد التجاوز، وإليك الروايات.

القاعدة في روايات أهل البيت (عليهم السلام)

1. ما رواه فضالة عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشكّ وأنا ساجد فلا أدري أركعت أم لا؟ قال: «أمض» 1.

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1 .

صفحه 335
2. ما رواه صفوان عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشكّ وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال: «قد ركعت، إمضه»1.
والظاهر وحدة الروايتين لأنّ الراوي واحد، والإمام المرويّ عنه، واحد .
3. ما رواه العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن رجل شكّ بعدما سجد أنّه لم يركع؟ فقال: «يمضي في صلاته»2.
4. ما رواه أيضاً العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل شكّ ـ بعد ما سجد ـ أنّه لم يركع؟ فقال: «يمضي في صلاته حتّى يستيقن»3.
والظاهر أنّ هاتين الروايتين يمكن أن تكون متعدّدتين; لأنّ الراوي وإن كان واحداً لكن الإمام المرويّ عنه، يحتمل أن يكون مختلفاً حيث قال عن أحدهما، فلو أُريد به أبو عبد الله (عليه السلام)، يكون المروي عنه غيره في الرواية الأُخرى.
5. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع»4.
ورواه صاحب الوسائل أيضاً في الباب الخامس عشر من أبواب السجود برقم 6، وهي نفس ما تقدّم; لأنّ الراوي واحد والمروي عنه كذلك، كما أنّهما متّحدتان في أكثر من مورد في السند، حيث جاء السند في كلا الموضعين: عن محمد بن أحمد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 7 .
4 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6 .

صفحه 336
عبدالرحمن بن أبي عبدالله، فلاحظ.
6. ما رواه الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): استتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال (عليه السلام): «بلى قد ركعت فأمض في صلاتك»1.

نظرية المحقّق البروجردي حول القاعدة

ذهب السيد المحقّق البروجردي إلى أنّ قاعدة التجاوز لها خصيصتان :
الأُولى: أنّ مجرى القاعدة هو الشكّ في وجود الجزء لا في صحّته.
الثانية: أنّ مجراها هو الصلاة دون غيرها. 2
وما ذكر من الخصيصتان يؤيّده ما ذكرناه من الروايات فمورد الجميع هو الشكّ في الإتيان بالجزء كالركوع والسجود، لا الشكّ في الصحّة بعدالتسليم بالوجود، كما أنّ مورد الجميع هو الصلاة.
وعلى ما ذكره لو شكّ في الصلاة في صحّة الجزء بعد مضيّ المحلّ وأنّ القراءة كانت صحيحة أو لا، فالروايات غير شاملة له .
وهكذا لو شكّ في غير الصلاة كالحجّ وغيره، إلاّ أنّ كلا الدعويين لا يساعدهما ما سنذكره من الروايات، وإليك توضيحه.

مناقشة الدعوى الأُولى على ضوء الروايات

1. روى حريز بن عبدالله عن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3. ولاحظ : مستدرك الوسائل: 6، الباب 20 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 و 2 .
2 . تبيان الصلاة: 7 / 119 .

صفحه 337
شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: في الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثمّ قال: «يا زرارة، إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».1
وذلك إنّ الأمثلة المذكورة وإن كانت من مصاديق الشكّ في الوجود لكن الضابطة الّتي وردت بعد تلك الأمثلة تشمل الشكّ في الصحّة لو لم نقل ظاهرة فيه، لأنّ قوله: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره» ظاهر في تسليم وجود الشيء وتعلّق الشكّ في صحته.
وبعبارة أُخرى: إنّ التجاوز عن الشيء يلازم وجوده، ولو تعلّق الشكّ به فلا محالة يتعلّق بوصفه.
فإن قلت: إنّ معنى قوله: «إذا خرجت من شيء» أي خرجت من محلّه وتجاوزت عنه، وهذا لا يلازم وجود الشيء، بل يلازم الشكّ في نفس الشيء.
قلت: ما ذكرته من المعنى مخالف للظاهر، فإنّ الظاهر الخروج عن نفس الشيء لا الخروج عن محلّه. وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ التجاوز عن الشيء أعمّ من التجاوز عن نفس الشيء أو محلّه حتى لا يلزم إخراج الأمثلة عن تحت الضابطة.
ويؤيّد ما ذكرنا من ظهور الرواية في الخروج عن نفس الشيء لا عن محلّه، الرواية التالية.

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 338
2. روى عبدالله بن المغيرة عن إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن شكّ في الركوع بعدما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعدما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».1
فإنّ الأمثلة وإن كانت من قبيل الشكّ في الوجود، لكن الضابطة إمّا أعمّ أو ظاهرة في التجاوز عن نفس الشيء، لا عن محلّه.
أضف إلى ذلك: أنّه لو قلنا بظهور الروايات في الشكّ في الوجود فيلحق به الشكّ في الصحّة; لأنّه إذا كان الشكّ في الوجود ممّا لا يعتنى به، فالشكّ في صحّة الشيء أولى بعدم الاعتناء، إلى هنا تبيّن عدم تمامية الدعوى الأُولى.

مناقشة الدعوى الثانية

اختار السيد البروجردي (قدس سره)اختصاص قاعدة التجاوز بالشكّ في أجزاء الصلاة وجوداً فقط لا غيرها، ولكن رواية زرارة المذكورة آنفاً لا تساعد على ذلك حيث جاء فيها: «رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر» قال: «يمضي» .
فإنّ الأذان والإقامة ليسا من الصلاة بل هما من مقدّماتها، والّذي يقوّي شمول الروايات لغير الصلاة أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية، بل مقتبسة ممّا عليه العقلاء فإنّهم لا يعتنون بشكوكهم في الشيء بعد التجاوز عنه، لأنّ الاعتناء به مع كثرة الأفعال يورث العسر والحرج، فالتفريق بين الصلاة وغيرها مع أنّ الضابطة أمر عقلائي، بعيد جدّاً خصوصاً بالنظر إلى بعض

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4 .

صفحه 339
التعاليل الواردة في الروايات من الأذكرية حين العمل كما سيأتي في قاعدة الشكّ بعد الفراغ، وهو لا ينسجم مع التفريق بين الشكّ في وجود الشيء والشكّ في صحّته.

قاعدة التجاوز والشكّ في الوضوء

إنّ مقتضى إطلاق قوله: «إذا خرجت من الشيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» هو عدم الاعتناء إذا شكّ في العضو المتقدّم من الوضوء، لكن الإطلاق مقيّد بما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)عن طريق زرارة فإنّ صريحها هو عدم جريانها في أثناء الوضوء قال: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله وتمسحه ممّا سمّى الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حالة أُخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى الله ممّا أوجب الله عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه».1
والرواية حاكية عن أنّ الوضوء وإن كان ذا أجزاء لكنّه في نظر الشارع عمل واحد أشبه بالعمل البسيط، ولولا هذا التعبّد لقلنا بجريان الضابطة حتّى في أثناء الوضوء.
إنّما الإشكال فيما رواه عبدالله بن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه»2.

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 340
الظاهر أنّ الضمير في قوله: «وقد دخلت في غيره» يرجع إلى لفظة «في شيء» فيكون مخالفاً لما سبق من الرواية وتكون النتيجة جريان القاعدة في أثناء الوضوء، وبما أنّه مخالف للإجماع فلا محيص من القول بأن الضمير في لفظة في «غيره» يرجع إلى الوضوء فيكون موافقاً للرواية السابقة، ولعلّ هذا أظهر لقربه.
إلى هنا خرجنا أنّه لا شكّ بعد التجاوز عن الشيء في الصلاة وغيرها وجوداً وصحّة.
وأنَّ الضابطة الواردة في آخر الرواية: «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» تشير إلى أنّ الشيء هو الوضوء لا إلى جزء من أجزاء الوضوء.
ثم إنّ هنا بحوثاً تتعلّق بقاعدة التجاوز، وبما أنّ بعضها مشترك مع قاعدة الفراغ، فسنذكرها بعد دراسة روايات قاعدة الفراغ التالية، إن شاء الله تعالى.
***
تمّ الكلام في قاعدة
لاشكّ بعد التجاوز عن المحلّ

صفحه 341
   
القواعد الفقهية
      55
قاعدة
لا شكّ بعد الفراغ
الروايات الواردة حول القاعدة
شمول الروايات لغير الصلاة
قاعدتان أو قاعدة واحدة
كفاية المضيّ أو شرطية الدخول في الغير
ما هو المراد من الغير؟
ما هو المراد من التجاوز عن المحل؟
المضيّ عزيمة لا رخصة
جريان القاعدة في الشروط
شمول القاعدة للشكّ في الصحّة
اختصاص القاعدة من احتمال الإخلال عن سهو لا عن عمد
اختصاص القاعدة بما إذا احتمل طروء الغفلة
احتمال الانطباق لأجل الجهل بالحكم
اختصاص القاعدة بالشكّ الحادث بعد العمل
تقدّم القاعدة على الحكم
من القواعد الفقهية الّتي يبحث عنها في الخلل قاعدة عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ. وأعلم أنّ فصل القاعدة الأُولى (قاعدة التجاوز) عن الثانية (قاعدة الفراغ) ليس لأجل أنّهما قاعدتان مستقلّتان، بل يمكن أن يكونا قاعدة واحدة، كما سيوافيك الكلام فيه.

صفحه 342
لكن لمّا كانت الروايات على طائفتين فصلنا الثانية عن الأُولى مع إمكان إرجاع الجميع إلى جامع واحد، وإليك دراسة ما ورد هنا من الروايات:
1. روى محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يشكّ بعدما ينصرف من صلاته؟ قال: فقال: «لا يعيد ولا شيء عليه»1.
والحديث صريح في أنّ الشكّ بعد الفراغ.
2. ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كلّ ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فأمض ولا تعد»2.
3. ما رواه أيضاً محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إن شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنّه قد أتمّ، لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك»3.
4. ما رواه ابن بكير عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو»4.
5. ما رواه محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام): «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك وذكرته تذكّراً فامضه ولا إعادة عليك فيه»5.
وهذه الرواية تغاير ما سبقها; لأنّ المرويّ عنه في الأُولى هو أبو جعفر(عليه السلام)،وهنا أبو عبدالله (عليه السلام).

1 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.
3 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
5 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .

صفحه 343
6. ما رواه ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».1
وقد مضى توضيح الحديث عند البحث في القاعدة السابقة، أعني: قاعدة لا شكّ بعد التجاوز عن المحلّ.
7. ما رواه ابن أبي عمير عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): «رجل شكّ في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة؟ قال: «يمضي على صلاته ولا يعيد».2
وفي السند سقط; لأنّ ابن أبي عمير توفّي عام 217 هـ ومحمّد بن مسلم توفّي عام 150 هـ ، فلا يمكن عادة أن يروي عنه. وليس في الأسانيد مورد يروي عنه بلا واسطة.
8 . ما رواه بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعدما يتوضّأ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ»3.

شمول الروايات لغير الصلاة

إنّ الروايات الثلاث الأُولى وردت في مورد الصلاة خاصّة، لكن الروايات الأُخرى دلّت على العموم.
أمّا الرابعة فقد جاء فيها قوله: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .

صفحه 344
هو»، فهي ضابطة كلّية تعمّ العبادات كلّها لو لم نقل الأعمال كلّها.
كما أنّ الرواية الخامسة عطفت الطهورَ على الصلاة، قال: «كلّما مضى من صلاتك وطهورك».
وأمّا الروايات: السادسة والسابعة والثامنة فقد وردت في خصوص الوضوء، فاحتمال اختصاصها بالصلاة غير صحيح.
نعم الشكّ بعد الفراغ يختص بالشكّ في صحّة الشيء المأتي به، وإلاّ فلو شكّ في أصل الإتيان بالمركّب فقاعدة الاشتغال هي المحكّمة، لكن مرجع الشكّ في صحّة المأتي به غالباً إلى الشكّ في وجود الجزء أو وجود شرط المركّب أو المانع، فلا ثمرة في النزاع باختصاصها بالشكّ في الصحّة أو كونها أعم. وقلّما يتّفق أن لا يكون مرجعه إلى الشكّ في الوجود، كما إذا شكّ في صحّة التلفّظ بكلمة أو فقرة مع العلم بأصل التلفّظ.
***
إلى هنا خرجنا بالنتيجتين التاليتين:
1. قاعدة التجاوز تجري عند الشكّ في الوجود والصحّة على ما عرفت، وفي الوقت نفسه لا تختصّ بباب الصلاة .
2. إنّ قاعدة الفراغ تعمّ الصلاة وغيرها، كما تشمل الشكّ في الوجود أو الصحّة، بالوجه الّذي عرفته.
ويكون التفاوت بين القاعدتين أنّ مجرى الأُولى هو أثناء العمل، ومجرى الثانية بعد الفراغ عن العمل.

صفحه 345

تنبيهات

التنبيه الأوّل: هل هما قاعدتان أو قاعدة واحدة؟

اختلفت كلمة الأُصوليّين المتأخّرين في أن المجعول هل هو كبرى واحدة أو متعدّدة؟ ذهب الشيخ الأنصاري إلى الوحدة، واختار المحقّق النائيني والسيّد الخوئي التعدّد. والّذي يمكن أن يقال: إنّه لو أُريد من التعدّد اختلاف المجرى، وأن مصبّ قاعدة التجاوز هو أثناء العمل، ومصبّ قاعدة الفراغ بعد الفراغ عن العمل، لكان له وجه، ولذلك نحن صنّفنا الروايات ولم نذكر الجميع في موضع واحد. وأمّا لو أُريد غير ذلك فالظاهر عدم الوجه للتعدّد، وإليك بيان مايتصوّر وجهاً للتعدّد.
1. أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز هو وجود الشيء بمفاد كان التامّة، ومتعلّقه في قاعدة الفراغ هو وجوده بمفاد كان الناقصة، ولا جامع بينهما، فلا يمكن اندراجهما تحت كبرى واحدة .1
حاصله: أنّ مجرى قاعدة التجاوز هو الشكّ في وجود الشيء، وقد عبّر عنه بالشكّ بمفاد كان التامّة، لا في صحّته، الّذي عبّر عنه بالشكّ بمفاد كان الناقصة، بخلاف قاعدة الفراغ فإنّ الشكّ فيها في صحّة العمل.
يلاحظ عليه: بأنّ المجعول هو الأمر الكلّي العام الشامل لكلا الأمرين، وهو الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه بوجه عام فهو لا يعتدّ به; وأمّا كون الشكّ في أحدهما متعلّقاً بمفاد كان التامّة، وفي الأُخرى بمفاد كان الناقصة، فهو من خصوصيات المورد الّتي لا تلاحظ في إعطاء الضابطة، والملاك هو

1 . فوائد الأُصول: 4 / 620 ـ 621 .

صفحه 346
طروء الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه .
وهذا نظير قول الحكماء: «كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود» فالموضوع هو الظاهرة الإمكانية وأمّا الخصوصيات من كونه مادّياً أو مجرّداً فغير ملحوظة في ضرب القاعدة.
2. إنّ التجاوز عن الشيء غير التجاوز عن محلّه، فالشكّ في قاعدة التجاوز متعلّق بوجود الشيء، والتجاوز عنه بمعنى التجاوز عن محلّه لا عن نفسه، والشكّ في قاعدة الفراغ متعلّق بوصفه لا بوجوده، والتجاوز فيها عن نفس الشيء لا عن محلّه.1 والعبارة لا تفي إلاّ بإحدى القاعدتين.
يلاحظ عليه: مع أنّه نفس الإشكال السابق وإنّما الاختلاف في التعبير، أنّه لا مانع من استعمال التجاوز عن الشيء في المعنى الجامع بين التجاوزين: التجاوز عن محلّ الشيء، والتجاوز عن الشيء نفسه. فيجعل كبرى واحدة لكلا المقامين.
نعم لو استعمل في أحدهما لا يشمل الآخر، وأمّا إذا استعمل في الجامع فيشملهما.
3. لو كان قوله: «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه» شاملاً للشكّ في الجزء والكلّ يلزم التناقض، فإنّه لو شكّ المصلّي في الحمد وهو في الركوع، فباعتبار الشكّ في الحمد قد جاوز محلّه فلا يجب عليه العود، وباعتبار الشكّ في صحّة الصلاة لم يتجاوز عنها ; لأنّه بعد في الأثناء، فيجب عليه العود. ثم أمر بالتأمّل.2

1 . فوائد الأُصول: 4 / 623 .
2 . فوائد الأُصول: 4 / 622 بتصرّف .

صفحه 347
يلاحظ عليه: أنّ التعبّد بوجود الجزء في محلّه، يلازم التعبّد بصحّة ما أتى به من الصلاة وإن لم يخرج عنها وإلاّ يكون التعبّد به لغواً، ومعه لا موضوع للتعبّد الآخر حتّى يجب العود، ولعلّه لأجل هذا أمر بالتأمّل.
4. أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو أجزاء المركّب، وفي قاعدة الفراغ هو نفس المركّب بما له من الوحدة الاعتبارية، ولفظ «الشيء» في قوله (عليه السلام): «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» لا يمكن أن يعمّ الكلّ والجزء في مرتبة واحدة بلحاظ واحد، فإنّ لحاظ الجزء شيئاً بحيال ذاته، إنّما يكون في المرتبة السابقة على تأليف المركّب، لأنّه في مرتبة التأليف لا يكون الجزء شيئاً بحيال ذاته في مقابل الكلّ، بل شيئية الجزء تندكّ في شيئية الكلّ، ويكون لحاظه تبعياً فلا يمكن أن يُراد من لفظ «الشيء» في الرواية ما يعمّ الجزء والكلّ، بل إمّا أن يراد الجزء فتختصّ الرواية بقاعدة التجاوز، وإمّا أن يراد الكلّ فتختصّ الرواية بقاعدة الفراغ.
وحاصله: أنّ إرادة الجزء والكلّ بلفظ واحد مستلزم لاجتماع اللحاظين المختلفين فيه .1
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الشيء هو عنوانه العام لا مقيّداً بالكلّ ولا مقيّداً بالجزء، غاية الأمر مقتضى إطلاقه شمول الحكم لعامّة مصاديقه من الجزء والكلّ ـ أعني: القراءة والصلاة ـ وقد مرّ أنّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود: الجزء والكلّ .
وفي الختام نشير إلى نكتة عامّة لا تختصّ بالمقام وهو أنّ الاستظهار

1 . فوائد الأُصول: 4 / 622.

صفحه 348
من الآية والحديث يجب أن يستند إلى أُمور عرفية، يعتمد عليها المخاطب العام في فهم المراد من التبادر والاطّراد، وفهم نوابغ اللغة، أو الانصراف أو القرائن المقالية أو الحالية إلى غير ذلك من الأُمور الّتي تحدّد ظهور الكلام، وأمّا الاستدلالات العقلية كما في كلام المحقّق النائيني وغيره، لا ينعقد بها الظهور، لأنّها ليست مطروحة للعرف العام الذي هو المخاطب بالكلام.
وبذلك يعلم أنّ قسماً من الاستظهارات من الأدلّة المبنيّة على الدقائق العقلية، لا يثبت بها الظهور، ولا يصحّ الاعتماد عليها في مقام الاستظهار، وهذه ضابطة يجب أن تراعى في عامّة المقامات من غير فرق بين المقام وغيره، والله العالم.
***

التنبيه الثاني: كفاية المضيّ أو شرطية الدخول

هل يكفي كفاية المضيّ عن الشيء أو يشترط الدخول في الغير؟
ربّما يقال بكفاية المضيّ; لما في رواية محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»1.
وأمّا القائل بشرطية الدخول في الغير فقد استدل بوروده في غير واحدة من الروايات; ففي رواية زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء». 2 ونظيرها غيرها ممّا مضى.

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.
2 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 349
والّذي يمكن أن يقال التفصيل بين الشكّ في الوجود والشكّ في الصحّة. أمّا الأوّل فلأنّ الدخول في الغير محقّق للتجاوز عن محلّ الشيء على نحو لولا الدخول في الغير لوجب أن يعود ويأتي به ثانياً.
وأمّا الشكّ في الصحّة فلو كان في أثناء الصلاة فالظاهر أيضاً لزوم الدخول في الغير، كما إذا شكّ في صحّة قراءة آية أتمّها ولم يدخل في الآية الأُخرى، فالظاهر الرجوع لعدم صدق التجاوز فإنّ الإتمام غير التجاوز، ولا يتحقّق إلاّ بقراءة الآية التالية، أو الدخول بواجب آخر.
وأمّا إذا كان الشكّ في الصحّة في نهاية الصلاة كما إذا شكّ في صحّة السلام الأخير بعد سكوت طويل وقد أتمّه ولم يشتغل بشيء.
ولو قلنا بأنّ السكوت الطويل بعد التسليم يحقّق التجاوز فلا يشترط الدخول في الغير، وإلاّ فهو أيضاً يشبه الدخول في الغير .
وعلى هذا فالبحث قليل الثمرة أو عديمها; لأنّ المضيّ قلّما يتّفق أن يفارق الدخول في الغير.
***

التنبيه الثالث: ما هو المراد من الغير؟

قد دلّت غير واحدة من الروايات على شرطية الدخول في الغير، نحو ما رواه زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» .1
ونظيره ما رواه إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كلّ شيء

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .

صفحه 350
شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»1. وقد مرّ حديث ابن أبي يعفور في باب الوضوء.2 ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1. المراد من غيره الأجزاء المستقلّة كالتكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهّد.
2. المراد مطلق الأجزاء فيعمّ المستقلّة وغير المستقلّة، كالهوي إلى السجود والنهوض إلى القيام، بل يعمّ أبعاض الجزء كالقراءة حيث شكّ في الجزء الأوّل من القراءة بعد الدخول في الجزء الآخر.
3. قياس الشكّ بالنسيان فيراد من غيره ما لو نسي لما أمكنه العود، فيختصّ بالدخول بالأركان. ولا يخفى ضعف هذا الوجه فإنّه من مقولة قياس الشكّ في الشيء بنسيانه ولا دليل على وحدة الشكّ مع النسيان، فإنّ الناسي يعود ما لم يدخل في الأركان لعلمه في الترك دون الشاك فربّما لا يعود إذا دخل في الغير وإن لم يكن ركناً لعدم علمه بالترك. والحاصل: أنّ قياس الشاكّ في الإتيان بالعالم بعده، قياس مع الفارق.
بقي الكلام في القولين الأوّل والثاني.
وقد استدلّ للقول الأوّل، بروايتين:
الأُولى: ما رواه زرارة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل شكّ في الأذان وقد كبّر؟ قال: «يمضي»، قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأه؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي»، قلت: شكّ في

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.
2 . لاحظ : الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 351
الركوع وقد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته»، ثمّ قال: «يا زرارة، إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».1
الثانية: ما رواه إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد؟ قال: «فليسجد ما لم يركع، فإذا رفع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلّم ثم يسجدها فإنّها قضاء»، وقال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».2
يلاحظ عليه: أنّ الأمثلة من باب الغلبة، فإنّ الإنسان في هذه الموارد لا يشكّ إلاّ إذا دخل في الجزء المستقلّ، فعلى ذلك فلا يستفاد منه الحصر.
أضف إلى ذلك: أنّ الضابطة في ذيل كلتا الروايتين تشمل مطلق الغير، ففي ذيل رواية زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» وفي ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر: «كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».
وحصيلة الكلام: هل الأمثلة تقيّد الضابطة وتحدّد الغير بالجزء المستقلّ، أو أنّ الضابطة تقدّم على الأمثلة وتحمل على المورد الغالب وليست الضابطة في تينك الروايتين بأقلّ ظهوراً من قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» مع أنّ السؤال في الصدر كان عن الوضوء.

1 . الوسائل:5، الباب23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . تهذيب الأحكام:2/153، كتاب الصلاة، برقم 602، وقد جزّأها الحرّ العاملي في الوسائل، ولذلك نقلناها من التهذيب.

صفحه 352

ما يؤيّد كفاية مطلق الدخول في الغير

قد ورد في بعض الروايات كفاية مطلق الدخول في الغير وإن كان من المقدّمات، نحو:
1. ما رواه الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): استتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «بلى قد ركعت فامض في صلاتك».1 فإنّ استتمام القيام مقدّمة للسجود، فكفى فيه الدخول عن الرجوع إلى الركوع.
2. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود ولم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع» .2
نعم هنا رواية أُخرى لعبد الرحمن بن أبي عبدالله، ربّما تدلّ على عدم الكفاية، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل رفع رأسه من السجود فشكّ قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: «يسجد» 3.
فيقع الكلام فيما هو الفرق بين الهوي إلى السجود فقد صار كافياً للتجاوز، وبين النهوض من سجوده فلم يكف؟
أقول: إنّ بين الروايتين تعارضاً حيث إنّ الأُولى تدلّ على كفاية الجزء غير المستقل، والثانية على عدم كفايته، والترجيح مع الأُولى، لأنّها توافق الإطلاقات الواردة في كفاية مطلق الدخول في الغير.
نعم لو قلنا بوحدة الروايتين وأنّ هنا رواية واحدة قد قام بعض الرواة بفصل الصدر عن الذيل، فعندئذ يكون الإشكال أكثر حيث إنّ رواية واحدة

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3.
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6.
3 . الوسائل: 4، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6 .

صفحه 353
تعارض صدرها وذيلها فيرجع علمها إليهم(عليهم السلام)ويؤخذ بالإطلاقات، وغاية ما يمكن أن يقال كفاية الدخول في الغير وأنّ خروج الموردين في الذيل من باب التعبّد فيقتصر عليه، وهذا هو الظاهر من السيّد الطباطبائي في عروته حيث قال: فلو شكّ في الركوع أو الانتصاب منه بعد الهويّ للسجود لم يلتفت. نعم لو شكّ في السجود وهو آخذ في القيام وجب عليه العود. ثم قال: ولو شكّ في التشهّد بعد الأخذ في القيام لم يلتفت، والفارق النصّ الدالّ على العود في السجود فيقتصر على مورده ويعمل بالقاعدة في غيره.1
فالظاهر منه أنّه عمل برواية عبدالرحمن صدراً وذيلاً، فأفتى بعدم الرجوع إذا دخل في الهويّ، وأفتى بالرجوع إذا شكّ في السجود بعدما أخذ في القيام .

التنبيه الرابع: ما هو المراد من المحلّ؟

قد عرفت أنّ التجاوز عند الشكّ في صحّة الموجود، بمعنى التجاوز عنه والدخول في غيره. وأمّا التجاوز عند الشكّ في وجود الشيء، إنّما هو بمعنى التجاوز عن محلّه، وعندئذ يقع الكلام في ما هو المراد من المحلّ؟ فهنا وجوه أربعة:
1. المحلّ الشرعي .
2. المحلّ العقلي.
3. المحلّ العرفي.
4. المحلّ العادي.

1 . العروة الوثقى: الفصل 51، فصل في الشكّ، المسألة 10، كتاب الصلاة.

صفحه 354
فالمحلّ الشرعي عبارة عن جعل الشارع له محلاًّ للجزء، فجعل محلّ التكبيرة قبل القراءة، ومحلّ القراءة قبل الركوع وهكذا.
والمراد من المحلّ العقلي هو المحلّ المقرّر بحكم العقل مثلاً: محلّ الراء الساكنة في التكبيرة بعد الباء بلا فصل، وإلاّ لزم الابتداء بالسكون.
والمراد من المحلّ العرفي هو الطريقة المألوفة عند العرف في إنجاز العمل الخاص، وذلك كالقراءة فإنّ الفصل الطويل بين المفردات أو الجمل يوجب خروج الكلام عن كونه كلاماً.
والمراد من المحلّ العادي ما جرت عليه عادة الشخص حيث إنّه لا يفرّق بين غسلات الغسل بل يأتي بها متوالية، فإذا شكّ في غسل الجزء الأخير بعدما خرج من الحمّام، فقد مضى المحلّ العادي دون الشرعي.
هذا ما ذكره القوم.
أقول: قد مرّ أن هذا البحث يختصّ بالشكّ في وجود الشيء، حيث يكون التجاوز فيه عن محلّه فيقع الكلام; في المراد من المحلّ ؟ وأمّا الشكّ في صحّة الشيء بعد كونه موجوداً فالتجاوز فيه إنّما عن نفس الشيء.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الظاهر من الوجوه الأربعة هو الوجه الأوّل حيث إنّ المركّب من مخترعات الشارع فهو الّذي يضع كلّ جزء في محلّه، فيكون المراد التجاوز عن المحلّ الذي قرّره الشارع.
ويمكن أن يقال: إنّه لا حاجة لعقد هذا التنبيه بعد كون الشرط الدخول في الغير، فإذا دخل في الغير المحدّد شرعاً كفى، سواء أقلنا:إنّ الغير هو الجزء المستقل أو غير المستقل، فلا تبقى حاجة للبحث عن المحلّ.

صفحه 355
فإن قلت: على ما ذكرت فالذي خرج من الحمّام وشكّ في غسل الجزء الأخير من أجزاء الغسل، يجب ألاّ يعتني بالشكّ لأنّه دخل في الغير.
قلت: إنّما يكفي إذا أنجز عملاً وشكّ في كماله ونقصانه، وأمّا أنّه إذا احتمل أنّه لم يغسل الجزء الأخير، فلم يحرز أصل العمل حتّى يكون مجرى لقاعدة الفراغ، فلذلك يجب عليه الاعتداد.
***

التنبيه الخامس: المضيّ عزيمة1 لا رخصة

قد مضى في غير واحدة من الروايات الأمر بالمضيّ بقوله: «بلى قد ركعت» أو «بلى قد ركع»، فيقع الكلام في كون المضيّ عزيمة لازمة أو رخصة؟
الظاهر هو الأوّل، لأنّ الإمام يخبر عن وجود الركوع في محلّه ويأمر بتعبّدنا بوجوده في محلّه، ومع ذلك فلو رجع وركع يكون من مصاديق: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة» .
أضف إلى ذلك: وجود الأمر والنهي في صحيحة محمّد بن مسلم حيث قال: «لا يعيد ولا شيء عليه» 2. أو قوله: «فامض ولا تعد» 3.
نعم لا بأس بإعادة العمل مستحباً، بعد الفراغ عنه لا أثناءه، لأنّ الإعادة في الأثناء ربّما تكون مشمولةً بقوله: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة» وذلك

1 . من عزمت عزماً: إذا أردت فعله وقطعت عليه، فيكون كناية عن كون المضيّ قطعيّاً.
2 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

صفحه 356
لأنّ المعيد محكوم بأنّه فعل وأتى بما شكّ فيه، فلو أعاد يكون ـ حسب حكم الشرع ـ مُزيداً في صلاته.
نعم قد ورد جواز الإعادة في الطواف; روى منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه» قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً، والإعادة أحبّ إليّ وأفضل» 1.
والرواية محمولة على ما إذا شكّ بعد الفراغ عن العمل أي بعد الخروج عن المطاف، فصار عمله مجرى لقاعدة الفراغ، ومع ذلك كانت الإعادة مستحبة.
***

التنبيه السادس: في جريان القاعدة في الشروط

اختلفت كلمتهم في جريان القاعدة عند الشكّ في الشروط على أقوال أربعة :
1. ذهب كاشف الغطاء في كشفه 2، وصاحب الجواهر في جواهره 3إلى أنّ حكم الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط، بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل، حكم الأجزاء في عدم الالتفات، فلا اعتبار في الشكّ في الوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها

1 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8 .
2 . كشف الغطاء: 278 .
3 . جواهر الكلام: 2 / 363 .

صفحه 357
بعد الدخول في الغاية، ولا فرق بين الوضوء وغيره.
2. ذهب صاحب المدارك 1 وكشف اللثام 2 إلى عدم اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجبا إعادة المشروط، ولا يخفى أنّ بين القولين بعد المشرقين.
3. فصّل الشيخ الأنصاري بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه، لعموم لغويّة الشكّ في الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه، وأمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الشكّ فيه; لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطاً لهذا المشروط الآخر لم يتجاوز عنه، بل محلّه باق، فالشكّ في تحقّق شرط هذا المشروط شكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه.3 وسيوافيك توضيحه في بيان المختار.
4. التفصيل بين كون القاعدة أصلاً فلا يكفي لمشروط آخر، أو كونها أمارة فتكفي حتّى لمشروط آخر لم يدخل به بعد.
هذا مجموع الأقوال الّتي ذكرت في المقام، والحق أن يقال: إنّ الشكّ في الشروط على أقسام ثلاثة:
الأوّل: أن يكون الشرط محقِّقاً لعنوان المأمور به بما أنّه أمر عبادي، كقصد الصلاة وقصد عنواني الظهر والعصر، وكقصد الأمر، فلو شكّ في أثناء العمل أنّه هل كان قاصداً لهذه العناوين المحقّقة للعنوان، فالظاهر بطلان العمل; لأنّ المتبادر من الروايات كون الموضوع أمراً مسلّماً والشكّ في

1 . مدارك الأحكام: 8 / 141 .
2 . كشف اللثام: 5 / 411 .
3 . فرائد الأُصول: 3 / 339 ـ 340 .

صفحه 358
الطوارئ والعوارض، وأمّا إذا كان شاكّاً في أنّه نوى الصلاة أو لا، قصد عنواني الظهر أو لا، دخل في الصلاة بقصد الأمر أو لا، ففي هذه الموارد يحكم ببطلان العمل، من غير فرق بين طروء الشكّ في الأثناء أو بعد الفراغ عن العمل; لأنّ مرجع الشكّ في أنّه صلّى أو لم يصل .
القسم الثاني: الشرط غير المقوّم للعنوان، ولكن يكون محلّه الشرعي هو قبل العمل، وهذا كالأذان والإقامة، فلو شكّ فيهما وهو متهيّأ للدخول، فليرجع إلى أداء الشرط، وإن شكّ فيهما وهو في أثناء الصلاة فلا يعتدّ بشكّه، ومن هذا القبيل سبق الظهر لصلاة العصر، فلو شكّ وهو في أثناء صلاة العصر أنّه هل صلّى الظهر أو لا؟ يبني على وجود الشرط (وهو سبق الظهر على العصر)، فتكون صلاته صحيحة .
نعم القاعدة لا تثبت إلاّ كون العصر واجداً للشرط فقط، وأمّا أنّه صلّى الظهر في الواقع أو لا، فلا تثبته بل يجب عليه صلاة الظهر بعد الفراغ عن العصر. وقد سبق وقلنا: إنّ الصحّة الثابتة بقاعدة التجاوز حيثية لا مطلقة.
القسم الثالث: الشرط غير المقوّم للعنوان، ولكن يعتبر وجوده من بدء الصلاة إلى نهايتها كالستر والاستقبال، فإنّ محلّ إحرازها وإن كان أوّل الصلاة لكن التقيّد بهما غير مشروط بأوّلها بل يعمّها إلى آخرها.
ولهذا القسم صور:
1. إذا شكّ في وجود التقيّد بالستر والاستقبال بعد الفراغ عن الصلاة، فلا يعتني بالشكّ.
2. إذا شكّ في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة، وهو واجد له حين الشكّ، فالصلاة محكومة بالصحّة.

صفحه 359
3. إذا أحرز وجود التقيّد في الركعة السابقة وشكّ في الحالية، كان عليه الفحص، فإن أحرز فهو، وإلاّ تكون محكومة بالبطلان.
4. إذا شكّ في الطهارة الحدثية، فلو قلنا بأنّ الشرط هو الغسلات والمسحات مع قصد القربة فمحلّ إحرازها هو قبل الصلاة، فلو شكّ في أثنائها يمضي إلى آخرها. نعم يتوضّأ بالنسبة إلى الصلوات الأُخرى. ولو قلنا بأنّ الشرط هو الحالة النفسانية الحاصلة بالغسلات والمسحات المقرونة بقصد القربة فهو شرط مجموع العمل، فيكون حالها حال الستر والقبلة، فلو شكّ في إحرازها فلا تجري القاعدة بالنسبة إلى ما بقي من صلاته; ويؤيّد ما ذكرنا صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل يكون على وضوء ويشكّ على وضوء هو أو لا؟ قال: «إذا ذكر (شكّه) وهو في صلاته انصرف فتوضّأ وأعادها، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك».1
وإليك فقه الحديث: لو كان المورد من قبيل الاستصحاب بأن كان على يقين من وضوئه ثم شكّ في بقائه، لا يصحّ التفريق بين عروض الشكّ في أثناء الصلاة أو بعدها; وأمّا لو كان من قبيل الشكّ الساري حيث شكّ في صحّة اليقين السابق فالفرق بين الشكّ في الأثناء وبين الشكّ بعد الفراغ، مطابق للقاعدة حيث إنّه في أثناء العمل شاك في كون العمل مقروناً بالشرط أو لا، وقد فرضنا أنّه شرط من أوّل الصلاة إلى آخرها; بخلاف الشكّ بعد الفراغ.
***

1 . الوسائل: 1، الباب 44 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

صفحه 360

التنبيه السابع: شمول القاعدة للشكّ في الصحّة

لمّا ذهب الشيخ الأنصاري إلى تخصيص قاعدة التجاوز، بالشكّ في الوجود، وعدم شمولها للشكّ في صحّة الجزء ـ كما إذا ركع وشكّ بعد التجاوز أنّه ركع صحيحاً أو لا ـ أشكل عليه الأمر في مورد المثال لخروجه عن مصبّ الروايات وحاول تصحيحه بالبيان التالي:
إنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به حكمه، حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو; لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح ـ ثم قال: ـ لكن الإنصاف أنّ الإلحاق لا يخلو عن إشكال; لأنّ الظاهر من أخبار الشكّ في الشيء اختصاصها بغير هذه الصورة، إلاّ ان يدّعى تنقيح المناط أو يستند إلى بعض ما يستفاد منه العموم، مثل موثّقة ابن أبي يعفور.1
أقول: إنّ الإشكال نبع من القول بتخصيص قاعدة التجاوز بالشكّ في الإتيان، وعندئذ توجّه الإشكال في إلحاق الشكّ في الصحّة بالشكّ في الإتيان، وأمّا لو قلنا بعموم الروايات وشمولها لكلا القسمين كان الإشكال والجواب في غير موردهما.
والذي يدلّ على العموم الأُمور التالية:
1. ما ورد في ذيل صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء» 2، فإنّ الظاهر من الخروج من شيء هو الإتيان به والشكّ في صحّته وفساده، وحمله على الخروج من محلّه يحتاج إلى قرينة.
2. ما ورد في ذيل صحيحة إسماعيل بن جابر: «وكلّ شيء ممّا قد

1 . فرائد الأُصول: 3 / 342 .
2 . الوسائل: 4، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
Website Security Test