welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 281
مَن خلفه. فإن سها الإمام والمأمومون كلّهم أو أكثرهم أعادوا الصلاة احتياطاً.1
والمسألة غير معنونة في كتب القدماء غير «النهاية»، ونقل العاملي عن الذخيرة أنّه قال: المشهور بين الأصحاب أنّه إذا اختصّ السهو بالإمام سجد له خاصّة دون المأموم، وفي «العزّية» إنّه مذهب الأكثر، وفي «أربعين» مولانا العلاّمة المجلسي وفي «الرياض» إنّه الأشهر بين المتأخّرين، وهو خيرة: المعتبر و المنتهى ـ على ما نقل عنه ـ والتحرير والتلخيص والمختلف والتذكرة وفوائد الشرائع وتعليق الإرشاد والدّرة والكفاية والمفاتيح والشافية، وفي الروض والمقاصد: إنّه الأجود، وفي كشف الالتباس: هو جيّد، وإليه مال في الروضة حيث قال: أمكن.2
وإذا اختصّ السهو بالمأموم فلا خلاف في عدم وجوب شيء على الإمام.

مستند القاعدة والاستدلال بالروايات

استدلّ للقاعدة بروايات أربع هي:
1. ما رواه الشيخ باسناده عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«ليس على الإمام سهو، ولا على مَن خلف الإمام سهو».3وظاهر إطلاقه عدم السهو مطلقاً، سواء أحفظ الآخر أم لا، وسيوافيك قيده في

1 . النهاية:93ـ94.
2 . مفتاح الكرامة:6/1506.
3 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 282
مرسلة يونس فانتظر.
وفي «الحدائق»: أنّ السهو يطلق في الأخبار كثيراً على الشكّ وعلى ما يشمله.1
2. ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره أنّه سُئل أبو عبد الله(عليه السلام) عن إمام يصلّي بأربع نفر أو بخمس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثاً، ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعاً يقولون هؤلاء: قوموا، ويقول هؤلاء: اقعدوا، والإمام مايل مع أحدهما، أو معتدل الوهم، فما يجب عليهم؟ قال:«ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».2
وهذه الرواية حسب ما ذكره الصدوق يرويها إبراهيم بن هاشم، ولا يذكر من روى عنه بل أرسل الرواية، لكنّ الكليني3 رواها بسنده عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وإليك تمام السند:
علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام). فإنّ إبراهيم بن هاشم في طبقة محمد بن عيسى وهو مردّد بين محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري الثقة، وبين محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، فكلاهما يروي عن يونس عن رجل، فتكون الرواية مرسلة.

1 . الحدائق الناضرة:9/269.
2 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث8. وللحديث ذيل خارج عمّا نحن فيه.
3 . الكافي:3/358، برقم 5. ولاحظ الوسائل: 5 الباب 5 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2. إذ نقل قطعة من الحديث بسند ينتهي إلى يونس عن رجل.

صفحه 283
3. ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلّي خلف الإمام لا يدري كم صلّى، هل عليه سهو؟ قال: «لا».1 وإطلاقه مقيّد بحفظ الإمام.
4. ما رواه الصدوق باسناده عن أبي الهذيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنها وعن الصبيّ؟ قال: «نعم، ألاترى أنّك تأتمّ بالإمام إذا صلّيت خلفه، فهو مثله».2

التصحيفات الموجودة في رواية هذيل في «الوسائل»

ذكر سيد مشايخنا في درسه الشريف أنّ فيما رواه صاحب الوسائل تصحيفات:
1. رواه عن أبي الهذيل، والصحيح هذيل; وهو مردّد بين هذيل بن حُنان والآخر هذيل بن صدقة الأسدي، وكلاهما لم يوثّق.
نعم بما أنّ الراوي عنه هو ابن مسكان الذي هو من أصحاب الإجماع، فيمكن كشف وثاقة هذيل عن هذا الطريق.
2. في بعض نسخ الوسائل:«على عدد صاحبه» والصحيح على عدد صاحبته.
3. في بعض نسخ الوسائل في الصلوات مع أنّ الصحيح في الطواف.3
وهناك تصحيف آخر لم يذكره(قدس سره) وهو في قوله:«أيجزيه عنها وعن

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث9.
3 . تبيان الصلاة:8/169.

صفحه 284
الصبيّ» فقد اتّفقت عليه نسخ الوسائل، بل حتى جامع أحاديث الشيعة والصحيح: «أيجزيه عنهما وعن الصبيّ»، كما في الفقيه.1
هذا مجموع ما يمكن أن يستدل به على القاعدة، والمجموع من حيث المجموع كاف في إثبات الحكم; لأنّ الراوي عن حفص هو ابن أبي عمير، والراوي عن هذيل هو ابن مسكان أو الحسن بن محبوب، وهما مدعمان بمرسلة يونس ورواية علي بن جعفر، غير أنّ مضمون الروايات يختلف سعة وضيقاً، حيث إنّ رواية حفص البختري ورواية إبراهيم بن هاشم تشملان رجوع المأموم إلى الإمام وبالعكس، لكن الرواية الثالثة والرابعة تخصّ الرجوع للمأموم، ولا تعارض بينهما.
ثمّ إنّ ظاهر رواية حفص البختري أنّه ليس على الإمام سهو، سواء
حفظ المأموم أو لا; ولا على مَن خلف الإمام سهو، سواء حفظ أو لا، غير أنّ الرواية مقيّدة بمرسلة يونس حيث قال: «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».

1 . لاحظ: من لا يحضره الفقيه:2/410، برقم 2837.

صفحه 285

فروع

1. شرطية حصول الظنّ للراجع مع كون الآخر قاطعاً

هل يشترط في الرجوع حصول الظنّ للراجع من فعل الإمام أو قوله؟ أو يجب أن يتبعه وإن لم يحصل ظنّ للراجع؟
ظاهر رواية هذيل هو الأوّل حيث قال: في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف، فإنّ الاتّكال لغاية حصول الظن من قول الصاحبة، ومع ذلك: فإنّ إطلاق الروايات يشمل كلتا الصورتين، ويكفي كون كلّ حافظاً، عند نفسه، وعليه يرجع كلّ مطلقاً.
نعم ما هو الغالب في ذلك حصول الظن خصوصاً إذا كان المأموم متعدّداً فإنّ إجماعهم على أمر يورث القطع فضلاً عن الظن.

2. عدم اشتراط الرجولية والتعدّد والعدالة في المأموم

قال في «الحدائق»: المشهور بين الأصحاب أنّه لا فرق في رجوع الإمام إلى المأموم بين كون المأموم ذكراً أو أُنثى، ولا بين كونه عادلاً أو فاسقاً، ولا بين كونه واحداً أو متعدّداً مع اتّفاقهم; لإطلاق النصوص المتقدّمة في جميع ذلك، وعدم التعرّض للتفصيل في شيء منها، ولعلّ الأظهر هو العموم.1

3. الرجوع إلى القاطع

قال في «المدارك»: كما يرجع الشاكّ من الإمام والمأموم إلى المتيقّن، كذا يرجع الظانّ إلى المتيقّن، والشاكّ إلى الظانّ.(2)

1 . الحدائق الناضرة:9/271.   2 . مدارك الأحكام:4/270.

صفحه 286
الظاهر اختصاص الرجوع بالشاكّ إلى المتيقّن دون غيره; لأنّ الروايات وردت فيمَن سها وشكّ ولا نظر لها إلى الظانّ، فكيف يرجع الظانّ إلى المتيقّن؟ كما أنّه لا يرجع الشاكّ إلى الظانّ لأنّ الموضوع حفظ القاطع لا الآخر.
فإن قلت: إنّ حكم الظنّ في باب الشكوك هو القطع حيث يعمل الظانّ على وفق ظنّه.
قلت: هو كذلك في مورد نفسه لا في مورد غيره، فليس ظنّه بمنزلة القطع بالنسبة إلى الآخر.

4. الرجوع في الأفعال

هل يختصّ الرجوع في حال الشكّ في عدد الركعات أو يعمّ الأفعال؟
قال في «المدارك»: إنّ الشاكّ من الإمام أو المأموم في فعل أو عدد يرجع إلى حفظ الآخر.1
ولكن مورد الروايات هو عدد الركعات، اللّهمّ إلاّ أن يقال: الموضوع هو الحفظ والتركيز على عدد الركعات لكثرة الابتلاء به، بل يمكن ادّعاء الإطلاق في مرسلة إبراهيم بن هاشم قال:«ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام».2
ثمّ إذا قلنا بانصراف الروايات إلى الشكّ في الركعات لو حصل لكلّ من حفظ ظنّ الآخر بالنسبة إلى الأفعال يكفي لحجّية الظنّ فيها مطلقاً من أيّ مصدر حصل.

1 . مدارك الأحكام: 4/269.
2 . مرّ تخريجه.

صفحه 287

5. إذا شكّ الإمام والمأموم

إذا شكّ الإمام والمأموم فله صور ثلاث:
1. لو اشتركا في الشكّ واتّحد لزمهما حكمه.1 (نظير ما إذا شكّا بين الثلاث والأربع).
2. وإن اختلفا فإن جمعتهما رابطة رجعا إليها، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث والآخر بين الثلاث والأربع، فيرجعان إلى الثلاث (وجهه أنّ الإتيان بالركعة الثالثة أمر حفظه أحدهما فيرجع الشاكّ إليه) لتيقّن الأوّل عدم الزيادة عليها والثاني عدم النقيصة عنها.
3. وإن لم تجمعهما رابطة تعيّن الانفراد ولزم كلاًّ منهما حكم شكّه، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين والثلاث، والآخر بين الأربع والخمس.(2)
يلاحظ على الصورة الثانية: أنّ المتيقّن من رجوع أحدهما إلى يقين الآخر، هو اليقين الذي يعمل به ذو اليقين، بخلاف المقام فإنّ صاحب اليقين لا يعمل على وفق يقينه بشهادة أنّه إذا شكّ بين الثلاث والأربع، فمقتضى كون الثلاث أمراً متيقّناً، هو إتمام الصلاة بركعة موصولة، مع أنّه يبني على الأربع ويجلس ويسلّم، ثم يقوم يصلّي بركعة مفصولة، ومثل هذا اليقين الذي لا يعمل به ذو اليقين ليس موضوعاً لرجوع الغير.
***
تمّ الكلام في قاعدة
ليس على الإمام سهو مع حفظ المأموم وبالعكس

1 . مدارك الأحكام:4/270.   2 . مدارك الأحكام:4/270.

صفحه 288
القواعد الفقهية
    50

قاعدة

لا سهو في سهو
لا سهو في سهو   
أقوال الفقهاء حول قاعدة: لا سهو في سهو.
أدلّة القاعدة وفيها روايات
الأحكام المترتّبة على السهو وهي على صنفين:
صنف يترتّب على نفس السهو
وصنف يترتب على ترك شيء من أجزاء الصلاة
لو تردّد وهو في الصلاة أنّه شاكّ أو ظانّ وله صور ثلاث
توضيح مرسلة يونس
قد صرّح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنّه: «لا سهو في سهو».
قال في «الحدائق»: وهذه العبارة لا تخلو من إجمال، وتعدّد الاحتمال في هذا المجال.1 ثم ذكر الاحتمالات الكثيرة التي تناهز الثمانية.
قال العلاّمة في «المنتهى»: ومعنى قول الفقهاء: «لا سهو في السهو» أي لا حكم للسهو في الاحتياط الذي يوجبه السهو، كمن شكّ بين الاثنتين والأربع فإنّه يصلّي ركعتين احتياطاً على ما يأتي، فلو سها فيهما ولم يدر صلّى

1 . الحدائق الناضرة:9/258.

صفحه 289
واحدة أو اثنتين، لم يلتفت إلى ذلك.1
واحتمل في «الحدائق» أنّ مراد العلاّمة من عدم الالتفات هو البناء على الفعل المشكوك فيه ثم قال: وهو ظاهر المحقّق في «المعتبر»، قال فيه: ولا حكم للسهو في السهو ; لأنّه لو تداركه أمكن أن يسهو ثانياً، فلا يتخلّص من ورطة السهو، ولأنّ ذلك حرج فيسقط اعتباره، ولأنّه شُرّع لإزالة حكم السهو، فلا يكون سبباً لزيادته.2 وعلى هذا فقد أُريد من السهو في كلا الموردين، الشكّ، أي لا حكم للشكّ في موجب الشكّ.
فلنذكر ما يدلّ على القاعدة ثم نعرّج على معنى السهو، وهل أُريد به الشكّ أو أُريد النسيان، أو أُريد كلاهما.

أدلّة القاعدة

استدلّ على القاعدة بروايات:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال:«ليس على السهو سهو ولا على الإعادة إعادة».3
وحفص هذا وإن كان ضعيفاً، لكن الراوي عنه ابن أبي عمير الذي لا يروي إلاّ عن ثقة.
2. ما رواه يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: «لا سهو في سهو» .4

1 . منتهى المطلب:7/29.
2 . المعتبر:2/394.
3 . الوسائل:5، الباب25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
4 . الوسائل:5، الباب 25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

صفحه 290
3. ما رواه إبراهيم بن هاشم في نوادره عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في حديث: «ولا سهو في سهو».1
وما رواه يونس هو نفس ما رواه إبراهيم بن هاشم فهما رواية واحدة وإن جعلهما في «الوسائل» روايتين. وقد أوعز إلى ما ذكرناه صاحب الوسائل في الباب المتقدّم أي الباب 24.
لا شكّ أنّ الشكّ والنسيان يجتمعان في ذهول الواقع وغيابه عن ذهن الإنسان، غير أنّ الشكّ يساوق الجهل البسيط، والذاهل فيه يلتفت إلى غروب الواقع عن ذهنه حين الجهل، والنسيان يساوق الجهل المركّب، حيث ينسى دون أن يلتفت إلى غيبوبة الواقع حين الجهل ثم يلتفت، فهما مشتركان في ذهول الواقع عن ذهن الإنسان، وعلى هذا فاستعمال السهو في الشكّ ليس مجازاً كما عليه البعض قائلاً «بأنّ مصحّح الاستعمال هو كثرة استعماله فيه في الروايات وألسن الفقهاء»، بل الشكّ والنسيان من مصاديق السهو الذي هو عبارة عن غروب الواقع وذهول الإنسان عنه فهو على قسمين، فتارة يكون ملتفتاً لذهوله عن الواقع فيكون شاكّاً، وأُخرى يلتفت إليه بعد فاصل زماني وأنّه ترك الجزء الفلاني مثلاً عن سهو، فيكون ناسياً ذاكراً بعد مضي زمان.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من السهو في المقام هو الشكّ لا النسيان، وذلك بالبيان التالي.

1 . الوسائل:5، الباب 25 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

صفحه 291

الأحكام المترتّبة على السهو

إنّ الأحكام الواردة في باب الخلل على قسمين:
1. ما يكون الحكم مترتّباً على عنوان السهو، بما هوهو لا بعنوان ترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب تركه، وهذا كصلاة الاحتياط وسجدتي السهو، فالمصلّي بما أنّه شكّ بين الثلاث والأربع، ولم يدر ما هو الواقع، فهذا (شكّه) صار سبباً لإيجاب صلاة الاحتياط عليه مع سجدتي السهو، وهذا النوع من الأحكام مترتّب على السهو (الذهول عن الواقع) المقارن للشكّ.
2. ما يكون الحكم مترتّباً على ترك العمل بالواقع فعلاً أو تركاً، وهذا هو السهو المقارن للجهل المركّب، فالحكم فيه مترتّب على ترك ما ينبغي فعله، فيحكم بوجوب قضاء السجدة الفائتة بعد الصلاة مع سجدتي السهو، لكن ليس لأجل ذهوله عن الواقع، بل لأجل عدم امتثاله للواجب الواقعي، فليس للسهو في المورد الثاني أيّ دور للحكم. وظاهر قوله: «لا سهو في سهو» أنّ للسهو دوراً في ثبوت الحكم وأنّه عقوبة للسهو، لا لعدم إتيان الواقع، بخلاف السهو المقارن للجهل المركّب فهو عقوبة لترك الواقع. وعلى هذا فمعنى الحديث أنّه لا يترتّب للسهو في موجبِ السهو كصلاة الاحتياط أو سجدتي السهو أي أثر للشكّ، بل الشاكّ في موجب السهو يعمل بالنحو التالي:
1. إذا وجبت عليه ركعتان من صلاة الاحتياط وشكّ أنّه أتى بركعة منها أو كلتيهما، فيبني على الأكثر.
2. إذا وجبت عليه ركعة واحدة وشكّ في أنّه هل صلّى ركعة واحدة أو أزيد؟ فيبني على الأقل، إذ لولاه يلزم البطلان، وقد مرّ أنّ موجب السهو لا يبطل بالسهو.

صفحه 292
3. لو شكّ في أجزاء صلاة ركعة الاحتياط وأنّه هل أتى بركوعها أو سجودها أو غيرهما؟ فلا يعتني بالشكّ فيها أخذاً بإطلاق الحديث وإن لم يتجاوز المحلّ.
4. لو شكّ في عدد سجدتي السهو أو أفعالهما قبل تجاوز المحل،
فإنّه يبني على وقوع المشكوك فيه إلاّ أن تستلزم الزيادة، فيبني على الصحيح.1
ثمّ إنّ صاحب الحدائق 2 ذكر احتمالات كثيرة في معنى الرواية وبسط الكلام فيها، وبما ذكرنا تستغني عن تفاصيله.

لو تردّد ـ وهو في الصلاة ـ أنّه شاكّ أو ظانّ

بقي هنا فرع ذكره السيد الطباطبائي في عروته، قال: لو حصلت له حالة في أثناء الصلاة، وتردّد في أنّ الحاصل له ظنّ أو شكّ كما يتّفق كثيراً لبعض الناس، كان ذلك شكّاً.
وكذا لو حصل له حالة في أثناء الصلاة، وبعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أنّه كان شكّاً أو ظنّاً، بنى على أنّه كان شكّاً إن كان فعلاً شاكّاً، وبنى على أنّه كان ظنّاً إن كان فعلاً ظانّاً; مثلاً لو علم أنّه تردّد بين الاثنتين والثلاث وبنى على الثلاث ولم يدر أنّه حصل له الظنّ بالثلاث فبنى عليه، أو بنى عليه من باب الشك، يبني على الحالة الفعلية.
وإن علم بعد الفراغ من الصلاة أنّه طرأت له حالة تردّد بين الاثنين

1 . من إفاضات سيد مشايخنا البروجردي(قدس سره) مع توضيح منّا.
2 . لاحظ الحدائق الناضرة: 9 / 262 .

صفحه 293
والثلاث وأنّه بنى على الثلاث وشكّ في أنّه حصل له الظنّ به أو كان من باب البناء في الشكّ، فالظاهر عدم وجوب صلاة الاحتياط عليه، وإن كان أحوط.1
أقول: للمسألة ـ حسب ما ذكره ـ صور ثلاث:
الصورة الأُولى: لو تردّد في أثناء الصلاة وقبل أن يدخل في فعل آخر، أنّ الحاصل له ظن حتى يعمل به، أو شكّ حتى يعمل بحكم الشكّ، وليس حصول تلك الحالة أمراً ببعيد، لانقباض النفس بسبب بعض العوارض عن إدراك ما هي فيه، فقد حكم السيد الطباطبائي بأنّه يحكم عليه بالشكّ ويعمل بحكمه.
وجهه: أنّ الشكّ والظن مشتركان في التردّد غير أنّ الظن يمتاز بالرجحان إلى أحد الطرفين، فالشكّ بين الحالتين شكّ في وجود الرجحان، والأصل عدمه.
يلاحظ عليه: أنّ الأصل مثبت لأنّ نفي إحدى الحالتين يلازم عقلاً الحالة السابقة، واحتمال أنّ المراد من الشكّ في الروايات هو خلاف اليقين ـ والمفروض هنا أنّه محرز ـ مدفوع بأنّ الموضوع هو التساوي بين الحالتين، وإلاّ فلو خرج عن حالة التساوي يعمل بمقتضى الظن، وبما أنّه غير واقف على ما هو الواقع يجمع بين وظيفتي الشاكّ والظان مهما أمكن.
نعم يمكن تصحيح ما في كلام صاحب العروة بأحد وجهين:
1. أنّ الأصل في علاج الشكوك هو البناء على الأكثر كما هو مفاد موثّقة

1 . العروة الوثقى، فصل في الشكوك في الركعات، المسألة 9.

صفحه 294
عمّار، خرج عنه ما إذا كان طريق إلى الواقع باسم الظن، والمفروض عدم إحرازه.
فإن قلت: إنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لاحتمال وجود الظن في الواقع وإن لم يلتفت إليه المصلّي.
قلت: الخارج هو الظن المشهود للمصلّي والطريق الرافع للتحيّر، والمفروض عدمه.
2. أنّ الشك المأخوذ في النصوص هو خلاف اليقين بشهادة مقابلته في بعض الروايات باليقين وهو محرز بالوجدان، غاية الأمر خرج ما إذا كان لدى المصلّي طريق إلى الواقع، ومع الشكّ في وجود الظنّ يصدق عدم وجود طريق إلى الواقع عنده، وإن شئت قلت: عدم وجود طريق مشهود ملموس عنده.
الصورة الثانية: لو حصلت له تلك الحالة في أثناء الصلاة بعد أن دخل في فعل آخر ولم يدر أنّه كان في الحالة السابقة شاكّاً أو ظاناً، بنى على حالته الفعلية، فلو كان في تلك الحالة شاكّاً يعمل بوظيفة الشكّ، وإن كان ظانّاً يعمل بوظيفة الظنّ، إذ العبرة بالحالة الحاضرة من ظنّ أو شكّ، ولا أثر لما كان عليه سابقاً. فهو في هذه الحالة بما أنّه ظانّ أو شاكّ محكوم بالعمل على وفقه، والحكم تابع لموضوعه.
الصورة الثالثة: إذا علم بعد الفراغ من الصلاة بطروء تلك الحالة وأنّه بنى على الثلاث، ولم يدر أنّ البناء على الأكثر هل كان من باب البناء في الشكّ، أو حصل له الظن بالثلاث؟ فاستظهر السيد الطباطبائي عدم وجوب الاحتياط أخذاً بأصالة البراءة، وأمّا قاعدة الاشتغال التي مقتضاها الإتيان بصلاة

صفحه 295
الاحتياط، فهي محكومة بقاعدة الفراغ.
أقول: الظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ هنا; لأنّه إنّما تجري فيما إذا
كان أحد الطرفين مقتضياً للصحّة والآخر للبطلان حسب الواقع، فلو شكّ
بعد الصلاة في الركوع فالقاعدة محكمة; لأنّه إن ركع كانت الصلاة صحيحة وإلاّ كانت باطلة، وهكذا سائر الموارد وإن لم يكن ركناً، فالأخذ
بأحد الجانبين يوجب الصحّة دون الآخر، وأمّا المقام فالمفروض أنّ
الأخذ بكلٍّ من الجانبين مقتض للصحّة، وذلك لأنّه لو كان ظانّاً بالأكثر فقد عمل به، وإن كان شاكّاً فقد عمل بمقتضى شكّه وهو البناء على الأكثر، وعلى ذلك فلا موضوع للقاعدة، ويكون المجرى مجرى الاشتغال والإتيان بصلاة الاحتياط.
فإن قلت: إنّ الشكّ تعلّق بوجوب صلاة الاحتياط، والأصل عدم وجوبها.
قلت: يجب على المكلّف تحصيل العلم بإتيان أربع ركعات تماماً، وهو بعد مشكوك، ونفي وجوب صلاة الاحتياط لا يثبت هذا العنوان.
***

توضيح مرسلة يونس

بقي الكلام في معنى الرواية التي مرّت وهي مرسلة يونس، وفيها: قال (عليه السلام): «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه مَن خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على مَن خلف الإمام سهو إذا لم يسه الإمام، ولا سهو في سهو، وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأُولتين من كلّ صلاة

صفحه 296
سهو (ولا سهو في النافلة)».1
أقول: لا يمكن أن يفسّر السهو في جميع الفقرات بمعنى واحد وهو عدم الاعتداد بالشكّ وصحّة الصلاة، بل يفسّر في كلّ فقرة على ضوء دليل آخر، وإليك توضيح الفقرات:
1. «ليس على الإمام سهو... إلى قوله: إذا لم يسه الإمام» فمعناه أنّ كلاًّ منهما يرجع إلى الآخر الحافظ ولا يعتدّ بشكّه.
2. «ولا سهو في سهو» فمعناه أنّه لا شكّ في مُوجَب الشكّ، ولا يعتدّ به ويبني على الصحّة.
3. «وليس في المغرب سهو، ولا في الفجر سهو، ولا في الركعتين الأُولتين من كلّ صلاة سهو» بمعنى أنّ الشكّ مبطل لها، بل لابدّ فيها من التماس اليقين، أو الظنّ، إذا قيل بقيامه مقام القطع.
4. «ولا سهو في نافلة» وهي قاعدة مستقلّة سندرسها تالياً، فهو فيها إمّا مخيّر بين البناء على الأقلّ أو على الأكثر كما عليه المشهور، أو يبني على الأقلّ، وهو الأفضل عندهم، والمتعيّن عندنا كما سيوافيك.
***
تمّت قاعدة
لا سهو في سهو

1 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 8 .

صفحه 297
لا شكّ لكثير الشكّ   
القواعد الفقهية
   51

قاعدة

لا شكّ لكثير الشكّ
كلمات الأصحاب حول القاعدة ودليلها
ما هو المراد من السهو؟
ما هو الميزان في كثير الشكّ؟
هل الحكم بعدم الاعتداد عزيمة أو رخصة؟
هل كثرة الظن ملحقة بكثرة الشكّ؟
حكم كثير الشكّ لعارض
حكم كثرة الشكّ في غير الصلاة
اذا كثر الشكّ في الأفعال دون الركعات أو بالعكس
كثرة الشكّ في أصل الإتيان بالصلاة
إحصاء الصلاة بالحصى
لو تبيّن أحد طرفي الشكّ
من القواعد المعروفة في كتاب الصلاة، قولهم:«لا شكّ لكثير الشكّ»، غير أنّ الوارد في الروايات قولهم(عليهم السلام): «لا حكم للسهو مع الكثرة».

كلمات الأصحاب حول القاعدة

قال المحقّق: لا سهو على مَن كثر سهوه، ونريد بذلك البناء على ما شُكّ

صفحه 298
فيه بالوقوع، ولا يجب سجود السهو; لأنّ وجوب تداركه يقتضي الحرج، وهو منفي إذ لو كان به اعتبار، لما انفكّ متداركاً، فيقع في ورطة تتعذّر معها الصلاة.1
وقال العلاّمة: من كثر سهوه وتواتر لم يلتفت إليه، ويبني على ما شكّ فيه بأنّه واقع، ولا يسجد للسهو; لأنّ وجوب تداركه يقتضي الحرج، وهو منفي; لأنّه يقع في ورطة تتعذّر معها الصلاة، وسجود السهو تكليف يستدعي توفيقاً وهو منفيّ2.
وصريح المحقّق أنّ المراد من السهو وظاهر العلاّمة في «المنتهى» هو الشكّ، وصرّح به في «المدارك» أيضاً وقال: إنّ المراد ـ بالسهو هنا ـ الشكّ، أي من كثر شكّه لا يلتفت إلى الشكّ، بل يبني على وقوع المشكوك فيه وإن كان في محلّه ما لم يستلزم الزيادة، فيبني على المصحّح.3
وقال صاحب الحدائق: ونقل بعض مشايخنا أنّه (المراد بالسهو هو الشكّ) مذهب الأكثر، وظاهر آخرين ـ ومنهم:الشيخ وابن زهرة وابن إدريس وغيرهم، والظاهر أنّه المشهور ـ هو العموم للشكّ والسهو. وبه صرّح شيخنا الشهيد الثاني وغيره، وهو الأظهر.4
وقد مرّ أنّ المراد هو البناء على وقوع المشكوك لكن حكى في

1 . المعتبر:2/393.الورطة: الوحَل، وتطلق على واقعة لا خلاص منها.
2 . منتهى المطلب:7/27. في المصدر «توفيقاً» وفي بعض النسخ هنا بياض كما ذكره محقّق الكتاب، والظاهر أنّه «توقيفاً» بمعنى أنّ كون الشيء توقيفياً، محتاج إلى الدليل.
3 . مدارك الأحكام:4/271.
4 . الحدائق الناضرة:9/288.

صفحه 299
«الجواهر» عن المحقّق الثاني: التخيير بين البناء على وجود المشكوك ووقوعه، والبناء على الأقلّ بمعنى عدم الإتيان بالمشكوك.1
وقال الشهيد في «الذكرى»: إنّ عدم اعتناء كثير الشكّ بشكّه رخصة فيجوز أن يعمل على مقتضى الشكّ، فيتلافى إن كان في المحلّ مثلاً.2
وسيوافيك أنّ المحقّق الأردبيلي استظهر من صحيحة زرارة وأبي بصير التخيير.3 ولكن القول به على خلاف الشهرة المحقّقة، وعلى خلاف مضمون الروايات الظاهرة في الوجوب.

أدلّة القاعدة

1. ما رواه حريز صحيحاً عن زرارة وأبي بصير جميعاً، قالا: قلنا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته حتى لا يدري، كم صلّى ولا ما بقي عليه؟ قال: «يعيد»، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك، كلّما أعاد شكّ؟ قال: «يمضي في شكّه»، ثمّ قال: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ»، قال زرارة: ثمّ قال:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عُصي لم يعد إلى أحدكم».4
2. ما رواه عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام)، في الرجل يكثر عليه الوهم في

1 . جواهر الكلام:12/417.
2 . ذكرى الشيعة:223.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:3/142.
4 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2. وفي المطبوع من الوسائل في كلتا الطبعتين «نقض الصلاة» والصحيح ـ كما في المصدر ـ ما أثبتناه.

صفحه 300
الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري، أركع أم لا، ويشكّ في السجود، فلا يدري أسجد أم لا؟ فقال: «لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً».1
3. ما رواه العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان».2
4. ما رواه ابن سنان عن غير واحد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».3
5. روى الصدوق باسناده عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة أنّ الصادق(عليه السلام)قال: «إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو».4
وفي المقام مباحث:

1. ما هو المراد من السهو؟

هل المراد بالسهو هو الشكّ فتختصّ القاعدة بكثرة الشكّ، أو أعمّ منه ومن النسيان فيعمّ مَن ينسى كثيراً؟ وقد عرفت كلمات الأصحاب ونسب إلى المحقّق الثاني القول بالأعمّ، ولعلّه أخذ بإطلاق السهو الذي يطلق على الشكّ

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث5.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
3 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.
4 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث7.

صفحه 301
والنسيان، وقد تقدّم أنّهما من مصاديق جامع واحد وهو غروب الواقع عن ذهن المصلّي. والقضاء الصحيح رهن دراسة الروايات المذكورة فنقول: والظاهر هو الوجه الأوّل، ويدلّ عليه ما يلي:
1. قوله في صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام): «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان»1، فإنّ الخطاب في قوله:«فامض على صلاتك»، وقوله في رواية زرارة وأبي بصير:«لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه» ظاهر في أنّ المصلّي يريد نقض الصلاة غبّ عروض السهو، بحيث يكونان متقارنين، وهو لا يتحقّق إلاّ في الشكّ لا في السهو بمعنى النسيان، فإنّ المصلّي ربّما ينسى ثم بعد زمان يلتفت إلى نسيانه، ويقصد نقض الصلاة. فيكون النسيان والعزم على النقض غير متزامنين.
2. أنّ الحكم تارة يترتّب على عنوان السهو بحيث يكون له دور في الحكم، وهذا هو السهو بمعنى الذهول عن الواقع وعروض الشكّ.
وأُخرى يترتّب على ترك ما يجب فعله أو فعل ما يجب تركه، وهو السهو المقارن للجهل المركّب المساوق للنسيان. وظاهر الروايات نفي ما للسهو فيه دور كما في قوله (عليه السلام): «فإذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك».2 فالموضوع للسهولة واليسر كونه شاكّاً، لا تاركاً للواقع.
3. ما ورد من التصريح بالشكّ في صحيحة زرارة وأبي بصير حيث

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 302
قالا له: الرجل يشكّ كثيراً في صلاته حيث لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه.1
فبهذه الوجوه الثلاثة يظهر أنّ المراد من السهو هو الشكّ لا النسيان، فمن كثر نسيانه غير داخل في روايات الباب. وهنا وجه رابع ذكره سيد مشايخنا البروجردي وهو:
أنّه لو قلنا بشمول القاعدة للنسيان يترتّب عليه شيء لا يلتزم به الفقيه، فلو فرضنا أنّه كان كثير النسيان في الأركان سواء تجاوز عن محلّه أم لا، فمقتضى قوله:«فامض في صلاتك»، المضيّ في الصلاة مع العلم بعدم الأركان، مطلقاً سواء تجاوز عن محلّه أم لا، وهذا ما لا يلتزم به فقيه، وأقلّ منه محذوراً ما لو نسي الجزء أو الشرط وكان محلّ التدارك باقياً، فلو قلنا بالشمول يلزم المضيّ بالصلاة مع العلم بترك الجزء والشرط.
فإن قلت: إنّ الإشكال لا يختصّ بكثير النسيان، بل يأتي مثله في الشكّاك أيضاً، مثلاً لو علم الشكّاك بعدم الإتيان بالركن ـ علم ـ في المحلّ أو بعد التجاوز، فمعنى ذلك أنّه لا يعتدّ به مع أنّه لا يقول به فقيه، ومثله ما لو علم بعد الصلاة أنّه ترك بعض الأجزاء الذي يمكن قضاؤه، ومعنى عدم الاعتداد أنّه لا يقضي، مع أنّه يقضي قطعاً كما سيوافيك.2
قلت: لا ملازمة بين الموردين، فإنّ الشكّاك يعمل بمقتضى القواعد إذا علم الحال، فلو ترك الركن وكان المحل باقياً يأتي به وإلاّ تبطل صلاته، كما أنّه يقضي الأجزاء الفائتة إذا علم بفوتها. وذلك لأنّ الحكم في الشكّاك متفرّع على

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . هذا الإشكال أورده بعض حضّار بحثنا.

صفحه 303
عنوان الشكّ فلا يشمل ما بعد الشكّ إذا ظهر الواقع، ولذلك يعمل بمقتضى القواعد.
وأمّا كثرة النسيان فالحكم بعدم الاعتداد متوجّه إليه بعد ذكر النسيان، لا حالة النسيان، فلو شملت القاعدة لمن يكثر نسيانه فمعنى ذلك أنّه لا يعتدّ بعد ارتفاع النسيان، فتكون نتيجة ذلك الحكم بالصحّة إذا ترك الركن، وعدم الإتيان به إذا شكّ في محلّه، أو عدم قضاء الأجزاء بعد الصلاة.
وبعبارة أُخرى: الحكم بعدم الاعتداد خاصّ بحالة الشكّ ولا يعمّ بعد رفعه، ولذلك يعمل بمقتضى القواعد، ولكنّه في الناسي خاص بحالة الذكر بعد النسيان، فلو عمّه يجب أن لا يعتدّ مطلقاً حتى في الصورة المذكورة.
فإن قلت: قد سبق منّا أن:«لا تعاد» تشمل صورة النسيان والشكّ، ومعنى ذلك هو كفاية صلاة ينقص بعض أجزائها وشرائطها مع العلم بعدم الإتيان.
قلت: إنّ الناسي الواقع تحت قاعدة «لا تعاد» يأتي بالمنسيّ إذا لم يتجاوز المحلّ، ويقضي بعض المنسيّ إذا تجاوز، ويعيد الصلاة إذا نسي شيئاً من الخمسة، وأين هذا من القول بشمول قاعدة كثرة الشكّ وعدم الاعتداد بالأجزاء المنسيّة إذا كثر نسيانه، بأنّه يمضي في صلاته فلا يأتي بالمنسيّ مطلقاً؟!
***
ثمّ إنّ الفرق بين هذه القاعدة وبين أصالة الصحة هو أنّ الأُولى تجري في أثناء الصلاة والثانية بعد الصلاة، كما يُعلم الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة التجاوز حيث إنّ الثانية تجري بعد التجاوز عن المحلّ، وهذه القاعدة تجري مع الشكّ في المحلّ.

صفحه 304

2. ما هو الميزان في كثرة الشكّ؟

قال المحقّق: ويرجع في الكثرة إلى ما يسمّى في العادة كثيراً، وقيل: أن يسهو ثلاثاً في فريضة، وقيل: أن يسهو مرّة في ثلاث فرائض، والأوّل أظهر.1
وقال في المعتبر: فيرجع إلى ما يسمّى في العادة كثرة، وذلك يجده الإنسان منه نفسه. وقال بعض المتأخّرين: هو الذي يكثر ويتواتر. وحدّه: أن يسهو في شيء واحد، أو فريضة واحدة، ثلاث مرّات، أو يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني: ثلاث صلوات، فيسقط بعد ذلك حكم السهو ولا يلتفت إلى سهو في الفريضة الرابعة، ثمّ يقول: ويجب أن نطالب هذا القائل بمأخذ دعواه، فإنّا لا نعلم لذلك أصلاً في لغة ولا شرع، والدعوى من غير دلالة تحكّم.2
فظهر أنّ الأقوال ثلاثة:
1. الرجوع إلى العرف في الشبهة المفهومية، أعني: كثرة السهو.
2. أن يسهو ثلاثاً في فريضة واحدة، وهو القول الثاني الذي نقله المحقّق في الشرائع والمعتبر.
3. أن يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني: ثلاث صلوات، وهذا هو القول الثالث في المعتبر، ولعلّه إليه يشير في الشرائع بقوله: أن يسهو مرّة في ثلاث فرائض.

1 . شرائع الإسلام:1/118.
2 . المعتبر:2/394.

صفحه 305
ثمّ إنّ مستند القول الثاني والثالث هو ما رواه محمد بن أبي حمزة قال: إنّ الصادق(عليه السلام)قال:«إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث فهو ممّن كثر عليه السهو».1
فعلى هذا يجب دراسة الأقوال على ضوء هذا الحديث.
أمّا القول الأوّل: فهو موافق للقاعدة لو لم يرد نصّ يحدد مفهوم الكثرة في لسان الشرع، كما هو الظاهر من رواية محمد بن أبي حمزة.
وأمّا القول الثاني ـ أي أن يسهو في فريضة واحدة ثلاث مرّات ـ : فلازم هذا القول أن يفسّر الحديث بالنحو التالي:
إذا كان الرجل ممّن يسهو (في كلّ فريضة) ثلاث، ولا يخفى أنّه خلاف الظاهر، إذ عليه يجب أن يكون (ثلاث) منصوباً لا مجروراً، مع أنّه ـ لكونه مضافاً إليه ـ مجرور.
وأمّا القول الثالث ـ أي أن يسهو في أكثر الصلوات الخمس، أعني ثلاث صلوات ـ : فلازم هذا القول أن يفسّر الحديث بقوله: إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث صلوات، فهو ممّن كثر عليه السهو، ولعلّ هذا القول هو الأقرب; وذلك لأنّ محمد بن أبي حمزة كان عالماً بأمرين:
1. أنّ للساهي حكماً في الشريعة.
2. أنّ لمن يكثر سهوه حكماً غير حكم الشاكّ، وعند ذلك سأل عن حدّ الموضوع الذي يغاير حكمه حكم الشاكّ، فقال الإمام(عليه السلام):«إذا كان الرجل ممّن يسهو في كلّ ثلاث» و حذف تمييز العدد ـ أعني: (صلوات) ـ للعلم به

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث7.

صفحه 306
بالقرينة، فالموضوع هو الشكّ في ثلاث صلوات متوالية، ويعبّر عنه: بالشكّ في أكثر الصلوات الخمس.
نعم السؤال غير موجود في الرواية لكن يعلم وجوده من جواب الإمام فإنّه(عليه السلام) لا يتكلّم ارتجالاً، فكلامه قرينة عن وجود السؤال.
وعلى هذا فالميزان هو القول الثالث.
ثمّ إنّ للأساتذة حول الحديث احتمالات كثيرة أكثرها بعيدة عن الذهن، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر اختصر الكلام في المقام، فظهر ممّا ذكرنا أنّ الميزان هو الشكوك الثلاثة في ثلاث صلوات متوالية، ولو فرضنا حصول هذه الشكوك في صلاة واحدة، هل يكفي ذلك؟
الظاهر ذلك، لأنّه يحكي عن وجود اختلال في نفس المصلّي حيث لا يكاد يقدر على ضبط ما عمل. وفي تعليقات المولى مراد التفرشي على الرواية قوله: ولعلّ التعميم فيما يسهى عنه، سواء أكانت تلك الثلاث من الركعات أو الصلوات أو ممّا فيهما بشرط توالي الصلوات.1

3. هل الحكم بعدم الاعتداد عزيمة أو رخصة؟

دلّت الروايات على أنّ كثير الشكّ محكوم بغير حكم الشاكّ في عدد الركعات والأفعال، إذا كان شكّه أمراً متعارفاً ودارجاً بين الناس.
إنّما الكلام هل هو عزيمة أو رخصة؟ والتأمّل في الروايات يثبت أنّ الحكم عزيمة، إذ مضافاً إلى ما ورد من الأمر بالمضيّ، قوله(عليه السلام): «إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عُصي لم يعد».2

1 . من لا يحضره الفقيه: (قسم التعليقة):1/393.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

صفحه 307
فالاعتناء بالشكّ طريق لإطاعة الشيطان، وعدمه إرغام لأنفه، وهل يمكن أن يكون رخصة؟!
نعم استظهر المحقّق الأردبيلي الرخصة من حديث زرارة وأبي بصير جميعاً: قالا: قلنا له:الرجل يشكّ كثيراً في صلاة حتّى لا يدري، كم صلّى ولا ما بقي عليه؟ قال:«يعيد»، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ؟ قال:«يمضي في شكّه»، ثمّ قال: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ»، قال زرارة: ثمّ قال:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم».1
حيث إنّ مقتضى الجمع بين قوله:«يعيد» و قوله«ويمضي في شكّه» هو التخيير، وإلاّ لزم التناقض في الكلام.
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يراد بقوله: «يشكّ كثيراً» إرادة الكثرة في أطراف الشكّ لا في نفس الشك، وعلى ما ذكرنا فالشكّ واحد ولكن لا يدري أواحدة صلّى أم ثنتين أم ثلاثاً أم أربعاً بقرينة قوله:«حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي عليه».2

4. هل كثرة الظنّ ملحقة بكثرة الشكّ؟

لا شكّ أنّ قطع القطّاع لا يلحق بالشكّ فيما إذا كان القطع طريقياً محضاً، كما قُرر في محلّه، إذ لا يصحّ النهي عن القطع. وأمّا الظنّ فبما أنّ حجّيته

1 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . جواهر الكلام:12/417.

صفحه 308
بالجعل والاعتبار فيمكن إلحاق ظنّ الظنّان بشكّ الشكّاك، فلو كان كثير الظنّ بعدم الركوع مع عدم التجاوز عن المحلّ فيحكم عليه بعدم اعتباره ولحوقه بكثرة الشكّ فيه، فتكون النتيجة عدم الاعتداد بهذا الظنّ المنزَّل منزلة شكّ الشكّاك ولا يأتي بالركوع.
الظاهر أنّ المرجع أمر ثالث لا قاعدة حجّية الظن في أفعال الصلاة ولا كونه منزَّلاً منزلة كثير الشكّ. أمّا الأوّل فلأنّ أدلّة حجّية الظنّ في الصلاة منصرفة إلى الظنّ العادي الذي يحصل لأكثر الناس للأسباب المتعارفة، وأمّا مَن يحصل له الظن من أسباب لا يحصل منها الظن لأغلب الناس، فهو خارج عن دليل حجّيته; وأمّا الثاني فلأنّه أشبه بالقياس فلا يمكن إلحاقه بكثير الشكّ.
وعلى هذا يكون كثير الظنّ محكوماً بالحكم الثابت للمصلّي مع قطع النظر عن الظنّ، فلو كان قبل المحلّ يأتي بالركوع، ولو كان بعد تجاوز المحلّ فلا يأت به، وبالتالي لا يكون محكوماً بحكم كثير الشكّ، من غير فرق بين الركعات والأفعال والأذكار، وبالجملة يفرض الظنّ كعدمه فيعمل المكلّف حسب وظيفته لولا الظنّ، فيفرّق بين كونه قبل المحلّ وبعده.

5. شمول القاعدة لمن كثر شكّه لعارض

إنّ كثرة الشكّ تارة تكون رهن كونه وسواساً، وأُخرى نتيجة ابتلائه بمصيبة وحادثة تُشغِلَ باله فيكثر شكّه ،كموت الولد أو نزول البلايا وغير ذلك، فهل الروايات تشمل هذا القسم؟ الظاهر: لا، فإنّ مصبّ الروايات ما إذا كان الشكّ من جانب الشيطان وإغوائه، وأنّ الخبيث يريد أن يطاع فإذا عصي

صفحه 309
لم يعد، وليس المقام من هذا.

6. حكم كثرة الشكّ في غير الصلاة

إذا كان الإنسان كثير الشكّ في سائر العبادات، كالوضوء والغسل، فهل هي داخلة تحت القاعدة أو لا؟ وجهان:
1. أنّ مورد الروايات كثرة الشكّ في الصلاة، فلا تعمّ غيرها.
2. أنّ التعليل في قوله:«إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم».1 يعمّم الحكم إلى غيرها أيضاً.
وأمّا تقييد عدم الاعتداد بالصلاة في قوله: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».2 فلعلّه من باب الغلبة.
هذا كلّه (وجود الوجهين) إذا كان كثير الشكّ في الوضوء والغسل قبل الدخول في الصلاة، وأمّا بعد الدخول فيها، فلو طرأ عليه الشكّ في مقدّمات الصلاة التي يكثر سهوه فيها، فهو مشمول للقاعدة ومصداق لقوله: «إذا كثر عليك السهو، فامض على صلاتك»، لأنّ الشكّ في مقدّمات الصلاة بعد الدخول فيها، شكّ في الصلاة، ولا حاجة للقول بالإلحاق.

7. إذا كان كثير الشكّ في الأفعال فقط أو في الركعات كذلك

إذا كثر شكّ المكلّف في الركعات والأفعال فمقتضى القاعدة عدم الاعتداد، أخذاً بإطلاق قوله:«إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك»، وأمّا

1 . مرّ تخريجه.
2 . الوسائل:5، الباب16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 310
إذا كان كثير الشكّ في الركعات دون الأفعال، أو كثير الشكّ في الأفعال دون الركعات، فلكلّ حكمه، ولا يسري حكم كلّ موضوع إلى موضوع آخر.
وتوهم أنّه إذا كان كثير الشكّ في الركوع وغيره في سائر الأفعال يطلق عليه أنّه كثير الشكّ حتى ولو طرأ عليه الشكّ في غير الركوع، مدفوع بأنّ وصفه به في غير الركوع وصف مجازي، ومثله أجنبي عن مورد الروايات، أي ليس السهو من عمل الشيطان.

8. كثرة الشكّ في أصل الإتيان بالصلاة

لو فرضنا أنّ الرجل صار كثير الشكّ في الإتيان بأصل الصلاة، وأنّه كثيراً ما يشكّ في الإتيان بالفريضة، فهل عليه ألا يعتني بشكّه ويترك الصلاة؟ الظاهر: لا، لأنّ مفاد الروايات هو الشكّ في أثناء الصلاة، كما في قوله:«فإذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك» ومعنى الرواية أنّ الصلاة أمر مفروض الوجود وانّما الشكّ في خصوصياتها.
وأمّا قوله: «إنّما يريد الخبيث أن يطاع» أو قوله:«إنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد» فلعلّها من قبيل الحكمة لا يدور الحكم مدارها.

9. إحصاء الصلاة بالحصى

قد ورد في بعض الروايات جواز إحصاء الصلاة بالحصى.
1. روى حبيب الخثعمي قال: شكوت إلى أبي عبد الله(عليه السلام) كثرة السهو في الصلاة، فقال: «أحص صلاتك بالحصى» أو قال: «احفظها بالحصى».1

1 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث1.

صفحه 311
2. روى الشيخ عن حبيب بن المعلّى، أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام)، فقال له: إنّي رجل كثير السهو، فما أحفظ صلاتي إلاّ بخاتمي أحولّه من مكان إلى آخر؟ فقال: «لا بأس».1
3. وروى أيضاً عن عبد الله بن المغيرة، عنه(عليه السلام) أنّه قال:«لا بأس أن يعدّ الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعدّ به».2
والروايات بصدد الإرشاد، فإنّ الرجل لو دخل من هذا الباب يدفع عن نفسه كثرة الشكّ ويعدم موضوعه، ولا بأس به. ولا منافاة بينها وبين ما دلّ على المضيّ.

10. لو تبيّن أحد طرفي الشكّ

إنّ كثير الشكّ محكوم بالمضيّ فلو بقي على حالة الشكّ فهو، وأمّا إذا تبيّن الواقع، فله صورتان:
الأُولى: إذا كان المضيّ مطابقاً للواقع فلا كلام في الصحّة كما لو تبيّن إتيان الفعل (التشهّد) الذي شُكّ فيه قبل مضيّ محلّه، سواء تبيّن بعد مضيّ محلّه أو بعد الصلاة، أو تبيّن له التمام عند الشكّ بين الثلاث والأربع بعد الصلاة.
الصورة الثانية: لو كان المضيّ مخالفاً للواقع بأن اقتضى الواقع الاستئناف أو التدارك في الأثناء أو القضاء بعد الصلاة كالأمثلة التالية:
1. لو شكّ بين الأربع والخمس ولم يلتفت لكثرة شكّه، ثم تبيّن عند

1 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . الوسائل:5، الباب28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

صفحه 312
التسليم أنّه صلّى خمساً.
2. لو شكّ في السجدة، قبل التشهّد والقيام، فلم يلتفت لأنّه كثير الشكّ ثم تبيّن له قبل الدخول في ركوع الركعة الأُخرى أنّه لم يسجد.
3. أو أنّه شكّ في الركوع فلم يلتفت ثم تبيّن أنّه لم يركع قبل الدخول في السجدة الثانية.
4. أو شكّ في السجدة الثانية أو التشهّد قبل مضيّ محلّهما،فلم يلتفت ثم تبيّن له بعد الدخول في الركوع أنّه لم يفعل المشكوك .
فالظاهر أنّ هذه الموارد خارجة عن الروايات فيعمل فيها بمقتضى القواعد.
أمّا الصورة الأُولى: إذا تبيّن أنّه صلّى خمساً، يعيد الصلاة.
وأمّا الصورة الثانية: إذا تبيّن أنّه لم يسجد قبل الدخول في ركوع الركعة فيرجع فيسجد.
وأمّا الصورة الثالثة: فيرجع فيركع.
وأمّا الصورة الرابعة: فيقضي بعد الصلاة، يقول الشيخ الأنصاري: كلّ هذه لأدلّتها العامّة السليمة عن المعارض عدا ما يتوهّم من إطلاق الحكم بالمضيّ مع كثرة الشكّ الشامل لصورة تبيّن الخلاف، وهو فاسد; لأنّ تلك الإطلاقات في مقام بيان حكم نفس الشكّ الكثير من غير كونها في مقام بيان حكم ما لو تبيّن عدم الإتيان بالمشكوك فيه، فيجب الرجوع عند تبيّن الخلاف إلى الأدلّة العامّة.1

1 . أحكام الخلل في الصلاة:137.

صفحه 313
وبعبارة أُخرى: المضيّ وعدم الاعتناء حكم الشاكّ الذي بقى على شكّه ولم يتبيّن له الواقع، دون من خرج عن الشكّ وتبيّن له الواقع، فيكون عندئذ محكوماً بحكم الواقع.
***
تمّت قاعدة
لا شكّ لكثير الشكّ

صفحه 314
القواعد الفقهية
    52

قاعدة

لا سهو في نافلة
لا سهو في نافلة   
كلمات الأصحاب حول القاعدة
دليل القاعدة
التخيير بين البناء على الأقلّ أو الأكثر
نقل ما ورد من الروايات حولها
مفاد الروايات
نفي حكم الفريضة في النافلة
بعد قصور الأدلّة، المرجع هو الأصل
حكم الشكّ في أفعال النافلة
حكم نسيان الأفعال في النافلة
زيادة الركن غير مخل في النافلة حسب بعض الروايات
من القواعد الفقهية في باب الصلاة قولهم:«لا سهو في نافلة» والمسألة معنونة في كتب الفريقين.

كلمات الأصحاب حول القاعدة

قال الشيخ في «الخلاف»: لا سهو في النافلة. وبه قال ابن سيرين، وقال باقي الفقهاء: حكم النافلة حكم الفريضة فيما يوجب السهو. ثم قال الشيخ:

صفحه 315
دليلنا: إجماع الفرقة وأيضاً الأصل براءة الذمّة، فمن أوجب عليها حكماً فعليه الدلالة، وأخبارنا في هذا الباب أكثر من أن تحصى.1
وقال الشيخ في «النهاية»:ولا سهو في نافلة، فمن سها في شيء من النوافل بنى على ما أراد، ويستحب أن يبني على الأقلّ.2
وقال المحقّق: ولو شكّ في عدد النافلة تخيّر في البناء على الأقلّ أو الأكثر، والبناء على الأقل أفضل، وهذا متّفق عليه بين الأصحاب; لأنّ النافلة لا تجب بالشروع فيقتصر على ما أراد.3
وقال في «الشرائع»: مَن شكّ في عدد النافلة بنى على الأكثر، وإن بنى على الأقل كان أفضل.4
وقال العلاّمة في «المنتهى»: لا سهو في النافلة، بل للمصلّي أن يبني على ما أراد لأنّها لا تجب بالشروع فيها عندنا استصحاباً للحالة الأُولى، فكان الخيار في ذلك إلى المصلّي. نعم يستحب البناء على الأقلّ لأنّه المتيقّن.5
وهذه العبائر تدلّ على التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر، لكن البناء على الأقلّ أفضل. ولولا اتّفاق الأصحاب ]حتّى أنّ صاحب مفتاح الكرامة نقل عن الأمالي أنّه عُدّ من دين الإمامية أن لا سهو في النافلة فمن سها فيها بنى على

1 . الخلاف:1/45، المسألة 210، كتاب الصلاة.أقول: كيف يقول ذلك ونحن لم نعثر إلاّ على مسند ومرسل فقط.
2 . النهاية:93.
3 . المعتبر:2/395 و 396.
4 . شرائع الإسلام:1/118.
5 . منتهى الطلب:7/34.

صفحه 316
ما شاء1[، لكان البناء على الأقلّ هو المتعيّن كما يظهر ممّا ورد من الروايات في المقام.
وقال في «المدارك»:وأمّا جواز البناء على الأكثر فقال المصنّف في المعتبر: إنّه متّفق عليه بين الأصحاب، واستدلّ «بأنّ النافلة لا تجب بالشروع فكان للمكلّف الاقتصار على ما أراد». ثم اعترض عليه بقوله: وهو استدلال ضعيف، إذ ليس الكلام في جواز القطع وإنّما هو في تحقّق الامتثال بذلك ويتوقّف على الدليل، إذ مقتضى الأصل عدم وقوع ما تعلّق به الشكّ.2
ولا يخفى أنّ المحقّق علّل التخيير بما ذكر لا جواز البناء على الأكثر، كما هو ظاهر من عبارته التي نقلناها آنفاً. نعم يرد الإشكال على كلا الوجهين.
وعلى كلّ تقدير فالجزم بالتخيير أو تعيّن البناء على الأقلّ رهن دراسة ما رُوي.

دليل القاعدة

1. ما رواه الصدوق باسناده عن إبراهيم بن هاشم في نوادره أنّه سُئل أبو عبد الله(عليه السلام)...ثم قال: «ولا سهو في نافلة».3
وهذه الرواية هي التي رواها الكليني في «الكافي»4 عن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وعلى هذا فالرواية مرسلة.

1 . مفتاح الكرامة:6/1515.
2 . مدارك الأحكام:4/274.
3 . الوسائل:5، الباب24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 8 .
4 . الكافي:3/358، برقم 5.

صفحه 317
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام)قال: سألته عن السهو في النافلة؟ فقال:«ليس عليك شيء».1 ورواه الكليني أيضاً بسنده عن العلاء بن رزين مثله.
ثم قال: وروي أنّه: «إذا سها في النافلة بنى على الأقلّ».2
وكأنّ الكليني فهم من رواية العلاء: «ليس عليك شيء» التخيير وأنّه بنى على ما شاء، ولذلك استدركه بقوله: وروي أنّه إذا سها في النافلة بنى على الأقلّ.
هذه هي فتاوى الأصحاب وهذه هي الروايات الواردة في المقام.

التخيير بين البناء على الأقلّ أو الأكثر

أقول: لولا القول بالتخيير بين الأصحاب لكان ما رواه الكليني وغيره هو المتعيّن.
توضيح ذلك: أنّ أكثر النوافل ثنائي وبعضها ثلاثي كالوتر على القول بأنّها ثلاث ركعات يجوز فيها الوصل، ورباعي كما في صلاة الأعرابي، وصلاة جعفر الطيار أربع ركعات بثلاثمائة مرّة سبحان الله... إلخ، وصلاة أمير المؤمنين(عليه السلام) فإنّها أربع ركعات بتسليمتين.3
أمّا الشكّ في الصلاة الثنائية والثلاثية في الفرائض فحكمه البطلان، وأمّا الشكّ في الرباعية منها فحكمها البناء على الأكثر ثم الإتيان بصلاة

1 . وفي الجواهر:«أو سهو» على ما في نسخة أُخرى.
2 . الوسائل:5، الباب18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
3 . النهاية:140ـ 141.

صفحه 318
الاحتياط وسجدتي السهو في بعض الصور.
فإذا قيل: «لا سهو في النافلة، أو ليس عليك شيء» يراد منه نفي الحكم الثابت في الفرائض في تلك الصلوات، بمعنى أنّ الشكّ في الثنائية والثلاثية من النوافل لا يوجب البطلان، كما أنّ الشكّ في الرباعية منها لا يوجب البناء على الأكثر ولا يوجب صلاة الاحتياط ولا سجدتي السهو، ونتيجة ذلك هو البناء على الأقلّ الذي أفتى الأصحاب بكونه أفضل. ولولا اتّفاق الأصحاب على جواز التخيير حتى عُدّ في الأمالي من دين الإمامية، كان المستفاد ممّا رُوي نفي أحكام الفريضة عن النوافل.
فلو شكّ في الثنائية من النوافل والثلاثية منها صحّت صلاته وليس عليه شيء من الحكم بالبطلان، ولو شكّ في الرباعية ليس عليه شيء من البناء على الأكثر، فإذا كانت أحكام الشكّ في الفريضة مرفوعة رفعاً تشريعياً عن النوافل، يتعيّن العمل بالأصل وهو عدم الإتيان بالركعة المشكوكة.
كلّ ذلك يعرب أنّ للشريعة المقدّسة اهتماماً بفرض الله فوق اهتمامها بفرض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،واهتمامها بالأخير فوق اهتمامها بالنوافل، هذا هو المستفاد من الروايات، لكن اتّفاق الأصحاب يصدّنا عن المخالفة. وهو مخيّر بين البناء على الأقل أو الأكثر، وإن كان الأوّل أفضل.
هنا فروع:

1. اختصاص القاعدة بالنوافل بالذات

إذا كانت الصلاة واجبة بالذات لكن صارت مستحبة لعارض، كصلاة العيدين بناء على استحبابها في عصر الغيبة، فهل الروايات تشملها؟

صفحه 319
الظاهر: لا، لانصراف لفظ النافلة في الروايات ومعقد الإجماع إلى النوافل بالذات.

2. شمول القاعدة للنافلة الملتزمة بالنذر واليمين

لو نذر صلاة الليل أو أمر السيد عبده أو الوالد ولده بنافلة الليل، فشكّ فيها فالقاعدة حاكمة فيها; لأنّها نافلة بالذات غير واجبة حتى بالعرض، وما ربّما يُرى في بعض الكلمات من صيرورتها واجبة، لا يخلو عن مسامحة; وذلك لأنّ متعلّق الوجوب هو الوفاء بالنذر لا صلاة الليل، ولا يفي بنذره إلاّ بإتيان صلاة الليل بنيّة الاستحباب، وقد قلنا في محلّه إنّ الحكم المتعلّق بالموضوع كالوجوب المتعلّق بالوفاء بالنذر لا يتعدّى عن موضوعه إلى موضوع آخر كصلاة الليل، وما عن المحقّق النائيني في بعض تقريراته من أنّ وجوب الوفاء بالنذر يكتسب التعبّدية من الأمر بصلاة الليل، كما أنّ الأمر بصلاة الليل يكتسب الوجوب من الأمر بالوفاء بالنذر فيتولّد هنا أمر تعبّدي بصلاة الليل1، فهو استحسان محض، بل هنا أمران:أمر بالوفاء بالنذر، وأمر بصلاة الليل، لا يتعدّى أحدهما عن موضوعه إلى موضوع آخر.

3. حكم الشكّ في أفعال النافلة

الظاهر انصراف الروايات إلى الشكّ في الركعات دون الأفعال، ولذلك صار محور البحث بين الأصحاب هو التخيير بين البناء على الأكثر أو الأقل، أو تعيين الأقل، وهذا يناسب الشكّ في الركعات، وأمّا الشكّ في الأفعال فالظاهر صحّة ما في «الجواهر» من قوله: وأمّا الشكّ في الأفعال فيقوى النظر

1 . فوائد الأُصول:1/440، مبحث اجتماع الأمر والنهي.

صفحه 320
في مساواة النافلة فيه الفريضة، فيتدارك مع بقاء المحلّ ولا يلتفت مع خروجه.1
ويؤيّد ذلك القاعدة المعروفة من عدم الفرق بين النافلة والفريضة في الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل.
نعم حكى في «الجواهر» عن الرياض ومحتمل الذخيرة ومجمع البرهان أنّهم لم يوجبوا التدارك ولو في المحلّ ركناً أو غيره تمسّكاً بعموم الصحيح، أعني قوله: سألته عن السهو في النافلة؟ فقال:«ليس عليك شيء»، والخبر أعني قوله:«لا سهو في نافلة». وأولويته من العدد2 لكن دلالة الروايتين على الأفعال ضعيفة جداً بعد كون مدار البحث بين الأصحاب هو الركعات، وأمّا الثالث فهو أشبه بالقياس.
هذا كلّه فيما إذا تعلّق الشكّ بغير الركن فيتدارك في محلّه دونما إذا خرج، وأمّا الركن كالركوع فيتدارك في محلّه، كما إذا شكّ في الركوع قبل السجدة الثانية ثم التفت أنّه تركه فيرجع ويركع ثم يسجد، وأمّا إذا شكّ ثم التفت بعد خروج محلّه فهل تصحّ الصلاة أو لا؟ الظاهر لا ; لما قلنا من اشتراك النوافل مع الفرائض في عامّة الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل، وفقد الركن موجب للبطلان في الفريضة وهكذا النافلة، وقد مرّ أنّ الرواية ناظرة إلى عدد الركعات دون الأفعال.

1 . جواهر الكلام:12/428.
2 . جواهر الكلام:12/429.
Website Security Test