welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 201
وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمن الشبر.1
صورته هكذا:
المحيط = القطر × 71 3 = 21 3 × 71 3 = 11
مساحة الدائرة = نصف القطر × نصف المحيط = 43 1 × 21 5 = 85 9
الحجم = المساحة × العمق = 85 9 × 21 3 = 1611 33 = 33 + 85 + 161
وردّ عليه في الجواهر بوجهين:
1. أنّ الحمل على المدوّر حمل على مالا يعرفه إلاّ الخواص.
2. المكسّر ليس كما ذكره، إذ لو ضرب نصف القطر ـ وهو واحد وثلاثة أرباع ـ في نصف الدائرة ـ وهو خمسة وربع ـ ثم يضرب الحاصل من ذلك في ثلاثة ونصف العمق، يبلغ حينئذ ما ذكره تقريباً لا تحقيقاً، إذ التحقيق أنّها تبلغ 32 وثمناً وربع ثمن.2
وأجاب عن الأوّل في «المستمسك»: بأنّ المراد ذكر علامة على الكُرّ وهي أن يكون قطره، ثلاثة ونصف وعمقه كذلك، وهذا ما يعرفه أغلب الأشخاص، ولو كان المراد تحصيل الحجم فهو يتوقّف على العلم بالرياضيات.3
يلاحظ على الإشكال والجواب: بأنّ المخاطب في هذه الروايات لا يمكن أن يكون إنساناً أُميّاً لا يعرف من الرياضيات شيئاً، لأنّ المطلوب في

1 . المصدر السابق.
2 . جواهر الكلام: 1 / 175 .
3 . مستمسك العروة الوثقى: 1 / 153 .

صفحه 202
الجميع هو مكسّره لا خصوص ما ورد فيها من الأبعاد، فلو كان مكسّر الأبعاد، هو ثلاثاً وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر فهو، وإن اختلفت الأبعاد زيادة ونقصاً. نعم لو كان هناك تعبّد بما ورد في الرواية من الأبعاد، كان لما ذكر في المستمسك وجه، لكنّه مقطوع العدم إذ الميزان هو كثرة الماء ووفرته بحيث تعصمه من الانفعال بالنجس، وعلى هذا فالمخاطب يجب أن يكون على استعداد لتحصيل المساحة بالأبعاد الواردة في الرواية وغيرها.
نعم حمل الرواية على المستدير بعيد، لندرة وجود الغدران والحياض على هذا الشكل، ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من الوجه الأوّل هو أوضح الوجوه، وغيره لا يخلو عن تكلّف.
وعن الثاني: أنّ صاحب الجواهر لمّا ضرب القطر في الثلاثة صارت النتيجة ما ذكره، غير أنّ المجلسي ضرب القطر في الثلاثة مضافاً إلى سُبع القطر فصارت النتيجة ما ذكره.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ السند لا بأس به والدلالة أيضاً تامّة، فيؤخذ بها لو لم يكن في المقام دليل أقوى وأوضح، كما سيوافيك.1

الثانية: رواية الحسن بن صالح الثوريّ

قد ذكرنا أنّه استدلّ على القول المشهور بروايتين: إحداهما ما مرّ من

1 . وأمّا دلالة الرواية على أنّ الكرّ ما يبلغ مكسّره ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، فصورته الرياضية هي بالنحو التالي:
5,3 × 5,3 = 25, 12
25,12 × 5,3 = 875,42
000, 43 ـ 875,42 = 125,.. وهذا هو ثُمن الشبر المذكور في كلمات الفقهاء.

صفحه 203
حديث أبي بصير، والثانية ما رواه الكليني، بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوريّ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال :
«إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجّسه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها».1

دراسة السند

1. محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد، وقد مرّ أنّه ابن عيسى .
3. ابن محبوب ـ أعني: الحسن ـ المولود عام 150 هـ والمتوفّى عام 224 هـ ، من أصحاب الإجماع.
4. الحسن بن صالح الثوريّ. قال الشيخ: زيديّ إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في «التهذيب»: زيديّ بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته.2
وقال ابن النديم في الفهرست: ولد سنة 168 هـ ، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً، وله من الكتب كتاب التوحيد.3

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . ولاحظ الباب 10، الحديث 5 ترى وجود الاختلاف فيهما في المتن.
2 . التهذيب: 1 / 408، باب المياه وأحكامها، الحديث 1 .
3 . الفهرست: الفن الثاني من المقالة الخامسة: 267 .

صفحه 204
والرواية صالحة للاحتجاج، لرواية ابن محبوب عن الحسن بن صالح، وما في «التهذيب» من كونه متروك العمل ناظر إلى ما انفرد من الرواية وليس المورد منه. إنّما الكلام في المتن .

دراسة المتن

لو صحّ كون الرواية متضمّنةً للأبعاد الثلاثة، كانت دليلاً على المشهور، ولكن لم يصحّ كونها ثلاثية الأبعاد.
أمّا أوّلاً: فإنّ الوارد في «الكافي» كما في «مرآة العقول» هو الثنائي لا الثلاثي، وإليك نصّها: قلت: كم الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها». وليس من البعد الثالث أثر فيها، ثم قال: نعم رواه الشيخ في «الاستبصار» هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»،1 لكن رواه في «التهذيب» كما في المتن، ليس فيه ذكر الطول.2
وثانياً: فإنّ صاحب الوسائل (في الطبعة المحقّقة بقلم الشيخ الرباني) مع أنّه نقل في الباب التاسع برقم 8 ما مرّ، ولكّنه نقله في الباب العاشر برقم 5 هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة ونصف عرضها»، ولم يذكر من الطول شيئاً.3
والظاهر أنّه إمّا تبع نسخة الاستبصار، أو تبع نسخة مصحّحة عنده ـ

1 . الاستبصار: 1 / 33 و 88 .
2 . مرآة العقول: 13 / 12 .
3 . لاحظ : الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 ; والباب 10، الحديث 5. دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403 هـ .

صفحه 205
كما صرّح به في آخر الجزء الثالث ـ وكأنّه في الجزء الثالث اعتذر عن غفلته وأنّه تبع لتلك النسخة، وقد صحّح في الطبعات الأخيرة، وعلى أيّ حال لا يعتدّ بنسخة الإستبصار ولا تلك النسخة، بعد كون الكافي والتهذيب على الثنائي.
نعم حاول المجلسي أن يفسّر الحديث بنحو يطابق فتوى المشهور وقال: المراد بالعرض السعة يشمل الطول أيضاً، إذ الطول إنّما يطلق فيما إذا كان أحد الجانبين أزيد من الآخر، ومع التساوي يصحّ إطلاق العرض عليهما.1
وما يقال من أنّ الطول ربّما لا يكون مساوياً كما في المستمسك صحيح، لكن لو كان غير مساو لنبّه عليه، وسكوته دال على التساوي، وإطلاق العرض وإرادة السّعة أمر ذائع، كقوله سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).(2)

الركيّ: بئر مستدير ليس له عرض وطول

وربّما استشكل بأنّ الموضوع في رواية الحسن بن صالح الثوري هو الركيّ، ومن المعلوم أنّه بئر مستدير، ليس له طول وعرض، وإنّما له قطر ومحيط، ولذلك ذهب العلاّمة المجلسي في تفسير رواية الحسن الثوريّ إلى أنّ المراد بالعرض القطر بقرينة كون السؤال عن البئر وهو مستدير غالباً فيبلغ مكسّره ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان شبر ونصف ثمن.2

1 . مرآة العقول: 13 / 12.   2 . آل عمران: 133 .
2 . مرآة العقول: 13 / 12 .

صفحه 206
والظاهر أنّ الاشكال غير وارد ولا حاجة في دفعه لحمل العرض على القطر ; لأنّ الركيّ ليس مساوياً للبئر المستدير، بل ربّما يكون غير مستدير، خصوصاً إذا كان الماء قريباً من الأرض، جاء في «مجمع البحرين»: الركيّ أيضاً الحوض الكبير والركيّة ـ بالفتح وتشديد الياء ـ : البئر، ومنه الحديث: «إذا كان الماء في الركيّ قدر كرّ لم ينجّسه شيء». والذي يدلّ على ذلك أنّ البئر بما له من مادّة لا يحكم فيه بالنجاسة وإن قلّ، فالذي يحتاج إلى كونه كرّاً هو الحوض المبني حول البئر حيث يستخرج الماء من البئر ويجمع فيه، وهو لا يكون مستديراً غالباً.
إلى هنا تمّ الاستدلال على القول الأوّل ـ أعني: كونه اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان شبر ـ وقد عرفت أنّ الروايتين: رواية أبي بصير والحسن الثوريّ لا بأس بالاحتجاج بهما، فإنّ السند معتبر والدلالة لا بأس بها، بشرط أن لا يكون هناك دليل مثله أو أقوى منه.
***

دليل القول الثاني:

قد عرفت أنّ ابن بابويه وجماعة القميّين وغيرهم ـ كما مرّت الإشارة إليهم ـ ذهبوا إلى أنّه عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً في عرض في عمق، ولم يعتبروا النصف، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يكون مكسّره سبعة وعشرين شبراً. وقد عرفت من اختاره من المتأخّرين.
واستدلّ عليه بما رواه الكليني بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقيّ، عن ابن سنان، عن

صفحه 207
إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال: «كرّ». قلت: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».1

دراسة السند الأوّل

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد بن خالد: ثقة.
3. البرقي المراد به: هو محمد بن خالد البرقي والد أحمد بن محمد ، قال الشيخ: محمد بن خالد البرقي من أصحاب موسى بن جعفر والرضا (عليهم السلام)، وعدّه البرقي من أصحاب الكاظم والرضا والجواد(عليهم السلام)، والعجب أنّه لم يرو عن المعصوم إلاّ روايتان.
4. ابن سنان مردّد بين الثقة والضعيف.
5. إسماعيل بن جابر: ثقة.
والظاهر أنّ المراد من ابن سنان هو محمد بن سنان الضعيف لا «عبدالله بن سنان» الثقة، إذ تبعد رواية البرقي (محمد بن خالد) عن عبدالله بن سنان.
ثم إنّ السيد الخوئي أصرّ على أنّ المراد بابن سنان هو عبدالله بن سنان، لكنّه غفل عن أنّ هذا الإصرار يورث الضعف في الرواية بما عرفت من وجود الاختلاف في الطبقة بين البرقيّ وعبدالله بن سنان .

دراسة السند الثاني

روى الشيخ :

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 208
1. عن محمد بن محمد بن النعمان: شيخه المفيد.
2. عن أحمد بن محمد بن الحسن (بن الوليد): ثقة جليل.
3. عن أبيه (محمد بن الحسن بن الوليد): الثقة، شيخ الصدوق.
4. عن محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
5. عن محمد بن أحمد بن يحيى: ثقة، صاحب نوادر الحكمة.
6. عن أحمد بن محمد (بن خالد): ثقة.
7. عن البرقيّ (محمد بن خالد): ثقة.
8 . عن عبدالله بن سنان: ثقة.
9. عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
والفرق بين هذا السند وما قبله هو ورود ابن سنان في السند السابق مجرّداً عن اسمه، وهنا تصريح باسمه.
ويرد عليه نفس ما أوردناه على السند السابق من أنّ نقل البرقيّ (محمد بن خالد) عن عبدالله بن سنان ـ الذي أدرك الإمام الباقر (عليه السلام)وأكثر الروايات عن الصادق (عليه السلام)وقلّت روايته عن أبي الحسن الكاظم(عليه السلام) ـ بعيد جدّاً.
قال الكشّي: كان من ثقات رجال أبي عبدالله (عليه السلام). قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وقيل: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)ولم تثبت .
أقول: روى قليلاً عنه1.
وقال السيد الخوئي: أدرك الإمام الباقر(عليه السلام).2

1 . لاحظ : الكافي: 5/438، باب حدّ الرضاع الذي يحرّم، الحديث 5 .
2 . معجم رجال الحديث: 17 / 224، 227 .

صفحه 209

دراسة السند الثالث

نفس السند السابق باختلاف كالتالي قال:
عن سعد بن عبدالله .
عن محمد بن خالد (مكان البرقي في السند السابق).
عن محمد بن سنان: ضعيف جداً.
عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
وهذا هو السند الصحيح، وقد عرفت اشتماله على الضعيف (محمد بن سنان).
قال النجاشي: هو رجل ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به، مات سنة 220 هـ .
وبهذا يظهر أنّ السند الصحيح هو الثالث دون الثاني، ويحتمل انطباق السند الأوّل على الثالث ما عدا أوّل السند.
نعم رواه الشيخ في «التهذيب» عن عبدالله بن سنان مكان محمد بن سنان1.
وأمّا وجه الاستدلال فبأن يقال: إنّ المراد بأحد البعدين العمق، وبالآخر كلّ من الطول والعرض، وذلك لأنّ الناس في بيان حجم المربع يستغنون بذكر أحد البعدين عن الآخر; ويؤيّد ذلك ما رواه الصدوق في المجالس قال: روي أنّ الكرّ هو ما يكون ثلاثة أشبار طولاً في ثلاثة أشبار عرضاً في ثلاثة أشبار عمقاً2.

1 . التهذيب: 1 / 37، برقم 101، والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف.
2 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

صفحه 210
ولكنّ الرواية غير صالحة للاحتجاج وقد عرفت أنّ محمد بن سنان ضعيف، مضافاً إلى وجود المعارض لها. كما أنّها معارضة لروايته الأُخرى التي تدلّ على أنّ الكرّ عبارة عمّا بلغ مكسّرهُ إلى ستة وثلاثين شبراً، كما سيوافيك.
وقد تقدّم أنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى أنّ مقدار الكرّ بالأشبار عبارة عن سبعة وعشرين شبراً، واستدلّ بروايتين إحداهما هذه الرواية، وحاصل ما أفاده:
والوجه في صراحتها أنّها وإن لم تشتمل على ذكر شيء من الطول والعرض والعمق، إلاّ أنّ السائل كغيره يعلم أنّ الماء من الأجسام، وكلّ جسم مكعّب يشتمل على أبعاد ثلاثة لا محالة، ولا معنى لكونه ذا بعدين من غير أن يشتمل على البعد الثالث، فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة مع عدم ذكر البعد الثالث، عُلم أنّه أيضاً ثلاثة كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف فإنّهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية، فتراهم يقولون: خمسة في خمسة أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضاً بهذا المقدار. وعليه إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبراً.1
يلاحظ عليه: أنّه لو تمّت الدلالة فالسند غير تام فلا يحتج بالرواية، لما عرفت من وجود محمد بن سنان في السند .
ثم إنّ السيد الخوئي (قدس سره)استدلّ على مختاره، برواية أُخرى لإسماعيل بن

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 202 .

صفحه 211
جابر التي نذكرها دليلاً على القول الثالث، أعني ما إذا بلغ مكسّرهُ ستة وثلاثين شبراً، وقد وجّه الرواية على نحو يكون مقدار الكرّ، سبعة وعشرين شبراً، وبذلك رفع التعارض بين خبري إسماعيل بن جابر.
***

دليل القول الثالث أعني: ما مكسّره 36 شبراً

قد عرفت أنّ صاحب المدارك وجماعة ذهبوا إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره ستة وثلاثين شبراً، ويدلّ عليه صحيحة إسماعيل بن جابر:
روى الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن إسماعيل بن جابر، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته (وسعه خ ل)»1.

دراسة السند

1. محمّد بن أحمد بن يحيى: ثقة، صاحب نوادر الحكمة، وطريق الشيخ في التهذيب إليه، صحيح.
2. أيوب بن نوح: ثقة.
3. صفوان بن يحيى: ثقة.
4. إسماعيل بن جابر: ثقة.
وأمّا دلالة الرواية فلا غبار عليها، حيث إنّه فرض أنّ عمقه ذراعان، وكلّ ذراع قدمان 2، والقدم شبر، وعليه فكلّ ذراع شبران، فيكون عمقه أربعة

1 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .
2 . لاحظ الوسائل: 3، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 2 و 3 .

صفحه 212
أشبار، كما فرضت سعته أو وسعه الذي كُنّي بها عن الطول والعرض، ثلاثة أشبار، فيكون المكسّر كالتالي:
3 × 3 = 9          9 × 4 = 36
وقد استدلّ بها صاحب المدارك وغيره على كون الكرّ ستة وثلاثين شبراً.
وعلى هذا فقد روي عن إسماعيل بن جابر، حديثان مختلفان: أحدهما ما مرّ في الاستدلال على القول الثاني من كفاية مكسّره 27 شبراً، والآخر ما ورد في المقام وقد استدلّ به على لزوم كون مكسّره 36 شبراً .
ثم إنّ السيد الخوئي استدلّ بها على كون الكرّ سبعة وعشرين شبراً بحمل المورد على المستدير وقال ما هذا نصه:
إنّ ظاهر قوله: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته» هو أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، حيث فرض أنّ سعته ذراع وشبر مطلقاً أي من جميع الجوانب والأطراف، وكون السعة بمقدار معيّن من جميع النواحي والأطراف لا يتصوّر إلاّ في الدائرة لأنّها هي التي تكون نسبة أحد أطرافها إلى الآخر بمقدار معيّن مطلقاً لا تزيد عنه ولا تنقص.
وهذا بخلاف سائر الأشكال من المربع والمستطيل وغيرهما حتى في متساوي الأضلاع، فإنّ نسبة أحد أطرافها إلى الآخر لا تكون بمقدار معيّن في جميعها، إذ البعد المفروض بين زاويتين من المربع وأمثاله، أزيد من البعد الكائن بين نفس الضلعين من أضلاعه، وعلى الجملة إنّ ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع أطرافه ليس إلاّ الدائرة.1

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 200 .

صفحه 213
فإذا عرفت هذه الأُمور، وعرفت أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، وقد فرضنا أنّ عمقه أربعة أشبار وسعته ثلاثة أشبار، فلابدّ في تحصيل مساحته من مراجعة الطريق المتعارف عند أوساط الناس في كشف مساحة الدائرة.
وقد جرت طريقتهم خلفاً عن سلف ـ كما في البنائين وغيرهم ـ على تحصيل مساحة الدائرة بضرب نصف القطر في نصف المحيط، وقطر الدائرة في المقام ثلاثة أشبار فنصفه واحد ونصف، وأمّا المحيط فقد ذكروا أنّ نسبة قطر الدائرة إلى محيطها ممّا لم يظهر على وجه دقيق. ونسب إلى بعض الدراويش أنّه قال: يا من لا يعلم نسبة القطر إلى المحيط إلاّ هو. إلاّ أنّهم على وجه التقريب والتسامح ذكروا أنّ نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين. ثم إنّهم لمّا رأوا صعوبة فهم هذا البيان على أوساط الناس فعبّروا عنه ببيان آخر، وقالوا إنّ المحيط ثلاثة أضعاف القطر. وهذا وإن كان ينقص عن نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين بقليل إلاّ أنّ المساحة بهذا المقدار لابدّ منها، كما نشير إليه عن قريب.
فعلى هذه القاعدة يبلغ محيط الدائرة في المقام تسعة أشبار، لأن قطرها ثلاثة أشبار، ونصف المحيط أربعة أشبار ونصف، ونصف القطر شبر ونصف، فيضرب أحدهما في الآخر فيكون الحاصل سبعة أشبار إلاّ ربع شبر، وإذا ضرب الحاصل من ذلك في العمق وهو أربعة أشبار يبلغ الحاصل سبعة وعشرين شبراً بلا زيادة ولا نقصان إلاّ في مقدار يسير كما عرفت.1

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 201 .

صفحه 214
يلاحظ عليه: أنّ الاستظهار من الرواية بأنّ سعته ذراع وشبر من جميع الأطراف والجوانب، أمر مغفول عنه للعرف، فإنّ المتبادر من هذه التعابير هو كون السعة أي المساحة حسب اصطلاح المهندسين ذراع وشبر، وهذا يكفي أن يكون مربعاً متساوي الأضلاع، ولا يتوقّف على كونه مدوّراً.
وبالجملة قوله: ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع جوانبه، أمر فُرض على الرواية، وإنّما الظاهر وجود التساوي في الطول والعرض، ولو في نفس الضلعين.
ثم إنّه أيّد كلامه بأنّه (قدس سره)وزن ماء الكُرّ ثلاثة مرات، حيث قال: إنّا وزنا الكرّ ثلاث مرّات ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين، وهذا يخالف ما ذكره شيخ الشريعة حيث قال: إنّ العلماء قدس الله أرواحهم قد وزنوا ألفاً ومائتي رطل من الماء بأوزان عديدة بمياه مختلفة ثقيلاً وخفيفاً في أمصار متعدّدة وفي أمكنة متكثّرة ووجدوها بمعيار ست وثلاثين شبراً من دون زيادة ونقيصة .1
ولعلّ الاختلاف يرجع إلى كبر الأشبار وصغرها .
بقي الكلام في دراسة بقية الأقوال.

دراسة بقية الأقوال

1. ما روى عن ابن الجنيد: ما بلغ مكسّره مائة شبر، قال في «المدارك»: ولم نقف على مأخذه.2

1 . تحديد الكرّ بالوزن والمساحة (المطبوع مع نخبة الأزهار في أحكام الخيار) لمحمد حسين السبحاني: 197 .
2 . المدارك: 1 / 52 .

صفحه 215
ويمكن الاستدلال عليه: بما رواه الصدوق في المقنع 1 مرسلاً من قوله (عليه السلام): «إنّ الكرّ ذراعان وشبر في ذراعين وشبر»، بناء على أنّ المراد بيان الأبعاد الثلاثة، فبما أنّ الذراعين أربعة أشبار وهي مع شبر يكون خمسة أشبار، فيكون كلّ من الأبعاد خمسة فيحصل من ضرب الطول في العرض والحاصل في العمق 125 شبراً وصورته كالتالي:
5 × 5 = 25. 25 × 5 = 125 وهو غير ما عليه ابن الجنيد. نعم لو حملت الرواية على المستدير يكون مكَسره ثماني وتسعين شبراً وثمن شبر.2
2. عن القطب الراوندي: بلوغ مجموع أبعاده الثلاثة، عشرة أشبار ونصف، ومستنده هو رواية أبي بصير بحمل «في» بمعنى «مع» قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه من الأرض» 3 أي مع عمقه، وقد حمل الرواية إلى الجمع بين ثلاثة أشبار ونصف فيكون الحاصل: عشرة أشبار ونصف .
ويرد عليه: أنّ هذا القول متروك، وخلاف المتبادر من رواية أبي بصير.
ثم إنّ ما ذكره من كون مجموع أبعاده، عشرة أشبار ونصف، قد تكون

1 . المقنع: 10; الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.
2 . وصورته هكذا :
محيط الدائرة = القطر × 14 ,3       5 × 14 ,3 = 7, 15
مساحة الدائرة = نصف المحيط × نصف القطر       85,7 × 5,2 = 625 ,19
الحجم = مساحة الدائرة × العمق        625 ,19 × 5 = 125 ,98
3 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6 .

صفحه 216
مساحته مساوية لمساحة الكرّ على القول المشهور، كما إذا كان كلّ بُعد ثلاثة أشبار ونصفاً.
وقد تكون ناقصة عنها كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضه ثلاثة وعمقه أربعة ونصف، فمجموع الأبعاد وإن كان عشرة أشبار ونصف لكن مساحته تكون أربعون شبراً ونصف كالتالي:
3 × 3 = 9       9 × 5 ,4 = 5 ,40
وقد تكون بعيدة جداً عن المشهور كما لو فرض طوله ستة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر، فالمجموع عشرة أشبار ونصف، لكن المساحة اثنا عشر شبراً كالتالي:
6 × 4 = 24        24 × 5,0 = 12
إلى هنا تمّت دراسة الروايات الدالّة على مساحة الكرّ بالأشبار، وأنّ ما يمكن الاستناد إليه هو ما جاء في روايتي أبي بصير والحسن الثوريّ وهو أنّ الكرّ ثلاثة وأربعون شبراً إلاّ ثمن شبر، وقد عرفت تمامية السند والدلالة، وفي مقابل ذلك رواية إسماعيل بن جابر الّتي دلّت على أنّ مساحته ستة وثلاثون شبراً، فالروايات متعارضة، ولا ترجيح بين الروايات لو لم نقل أنّ الأحوط هو الأخذ بالقول الأوّل. ولذا اخترنا القول المشهور أخذاً بالاحتياط.

تقدير الكرّ بالوزن

قد عرفت اختلاف الأخبار في تقدير الكرّ بالحجم ـ أو المساحة حسب اصطلاح الفقهاء ـ وأنّ القول الواضح هو خيرة صاحب المدارك أعني: ما بلغ مُكسّره ستة وثلاثين شبراً.

صفحه 217
وأمّا تقديره بالوزن فلندرس ما ورد حوله سنداً ومتناً .
1. رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا
روى الكليني عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن يعقوب ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الكرّ من الماء ألف ومائتا رطل».1

دراسة السند

1. أحمد بن إدريس المكنّى بأبي عليّ الأشعري القمّي: ثقة، مات سنة 306 هـ .
2. محمّد بن أحمد بن يحيى، مؤلف نوادر الحكمة: ثقة.
3. يعقوب بن يزيد بن حمّاد: ثقة صدوق من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام).
4. ابن أبي عمير محمّد بن زياد: ثقة توفّي سنة 217 هـ .
5. بعض أصحابنا: الرواية مرسلة.
فلو قلنا بأنّ مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسانيد وأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة، فالرواية صحيحة وربما تُردّ كلّية القاعدة بأنّه ربما يروي عن غير الثقة أيضاً، وقد ذكر السيد الخوئي بعض المواضع التي روى فيها ابن أبي عمير عن غير الثقة، ومعه كيف يمكن أن يقال: لا يروي إلاّ عن ثقة، فلا يرسل إلاّ عنه، وقد أجبنا عن هذه الموارد في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».2

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .
2 . كلّيات في علم الرجال: 235 ـ 250 .

صفحه 218
وأمّا ما هو المراد من الرطل فهل أُريد به العراقي أو المدني أو المكّي؟ فسيوافيك بيانه.
ورواها الشيخ باسناده إلى محمد بن أحمد بن يحيى... الخ إلاّ أنّه قال: «الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شيء».
ورواها الصدوق في «المقنع» مرسلة، قال المحقّق في «المعتبر»: وعلى هذه عمل الأصحاب، ولا أعرف منهم رادّاً لها .1

2. رواية أُخرى لابن أبي عمير

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده عن ابن أبي عمير قال: رُوي لي عن عبدالله بن المغيرة يرفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ الكرّ ستمائة رطل».2
والرواية مرسلة من جانب ومرفوعة من جانب آخر، حكمها حكم الرواية الأُولى، والعجب أنّ ابن أبي عمير ينقل كلا الوزنين، ولعله أصدق شاهد على إرجاعهما إلى أمر واحد.

3. صحيحة محمّد بن مسلم

روى الشيخ باسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العباس ـ يعني ابن معروف ـ عن عبدالله بن المغيرة، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «والكرّ ستمائة رطل»3.

1 . لاحظ: الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، في ذيل الحديث 1.
2 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.
3 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

صفحه 219

دراسة السند

سند الشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب صحيح في التهذيبين.
1. محمد بن علي بن محبوب، فقد قال عنه النجاشي: شيخ القميين في زمانه، ثقة، عين، فقيه صحيح المذهب.
2. العباس بن معروف: أبو الفضل: قمّي، ثقة، له كتاب الآداب، من أصحاب الرضا (عليه السلام).
3. عبدالله بن المغيرة: قال النجاشي: أبو محمد البجلي: كوفي ثقة ثقة.
4. أبو أيوب الخزّاز إبراهيم بن عثمان، أو إبراهيم بن عيسى، قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهما السلام): ثقة كبير المنزلة.
5. محمّد بن مسلم الثقفي: ثقة فوق الثقة، مات سنة 150 هـ .
فالسند صحيح لا غبار عليه. إنّما الكلام في تبيين ما هو المراد من الرطل .

دراسة المتن

يظهر من غير واحدة من الروايات أنّ الرطل يطلق تارة ويراد به الرطل العراقي أو البغدادي، وأُخرى الرطل المدني، وثالثة الرطل المكّي. والفرق بين الأوّلين أنّ الرطل المدني يزيد على العراقي بثلث.
ويدل على ذلك ما رواه الكليني عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام)على يدي أبي: جعلت فداك أنّ أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة بصاع المدني، وبعضهم

صفحه 220
يقول بصاع العراقي. قال فكتب إليّ: «الصاع بستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي»، قال: وأخبرني أنّه يكون بالوزن ألف ومائة وسبعين وزنة.1
يقول العلاّمة المجلسي: اعلم أنّ الرطل يطلق بالاشتراك على المكّي والمدني والعراقي، ; والعراقي نصف المكّي وثلثا المدني .2
إذا علمت هذا فلنرجع إلى تبيين حديث ابن مسلم الذي اتّفقوا على صحّته .
أقول: إنّ شيخ الشريعة ذهب إلى أنّ المراد من الصحيحة هو الأرطال المدنية قال بأنّ المتكلّم يخاطب بلسان نفسه لا بلسان مخاطبه، وبما أنّ الإمام مدني، فتحمل الستمائة على الرطل المدني الذي يعادل تسعمائة عراقي وهو يعادل سبعة وعشرين شبراً 3 .
يلاحظ عليه: بأنّه لا يمكن حمل الصحيحة «ستمائة» على الرطل المدني، لأنّ صحيحة علي بن جعفر تدلّ على عدم عاصمية ألف رطل مدني والسائل والمجيب مدنيّان، وإليك نصّها:
روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن جرّة ماء فيها ألف رطل وقع فيه أُوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: «لا يصلح».4 وحملها على الكراهة بلا دليل .
نعم أورد عليه شيخ الشريعة وقال بأنّ نجاسة ذلك المقدار من الماء

1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1. يريد بالوزنة «الدرهم».
2 . مرآة العقول: 13 / 15 .
3 . نخبة الأزهار: رسالة في الكرّ: 204 ـ 205 .
4 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 16 .

صفحه 221
بسبب التغيّر لوقوع أُوقية بول، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار يغيّر أحد أوصاف الماء، فعدم صحّة الوضوء لأجل هذا لا لقلته عن الكرّ.1
يلاحظ عليه: بأنّ الرطل المدني عبارة عن مائة وخمسة وتسعين درهماً، كما في رواية إبراهيم بن محمد الهمداني،2 والأُوقيّة عبارة عن أربعين درهماً فتكون نسبة الأوقية إلى الرطل قريباً من الخُمس، ومن المعلوم أنّ خمس رطل من الدم أو البول لا يغيّر لون الماء ولا طعمه، إذا كان ألف رطل، وهذا دليل على أنّ المراد من الستمائة غير الرطل المدني .
وممّا ذكرنا يظهر عدم صحّة حمله على الرطل العراقي بطريق أولى، لأنّه إذا كان ألف رطل مدني من الماء غير عاصم من النجاسة، فالعراقي أولى بأن يكون كذلك.
إذا علمت هذا فاعلم أنّه يتحقّق بذلك الجمع بين الروايتين; فيحمل ما دلّ على ألف ومائتي رطل على العراقي، والصحيحة على الرطل المكّي الذي هو ضعف العراقي. وهذا النوع من الجمع لا يتوقّف على بعض الأُمور التي ذكرها الأصحاب.
مثلاً ربما يقال في إثبات أنّ الرطل في رواية ابن أبي عمير عراقي، بأنّ ابن أبي عمير أو المرسَل عنه كانا عراقيين والإمام(عليه السلام) تكلّم بلغة السائل، وهذا رجم بالغيب، إذ لم يُعلم أنّ المرسَل عنه كان عراقيّاً ولعلّه كان مدنياً أو مكّياً.
ونظيره ما يقال: إنّ صحيحة ابن مسلم تحمل على الرطل المكّي، لأنّ

1 . نخبة الأزهار: تقرير بحوث شيخ الشريعة بقلم الوالد: 199 .
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

صفحه 222
محمّد بن مسلم ثقفي مكّي، والإمام (عليه السلام)تكلّم بلسان السائل، وهو ضعيف بوجهين:
أوّلاً: أنّه لم يثبت أنّ محمّد بن مسلم كان يقطن مكّة، فهو وإن كان مكّياً ولادة أو عشيرة، ولكّنه يسكن العراق فهو وزرارة وأمثالهما كلّهم كوفيون عراقيون.
وثانياً: أنّ المتكلّم إنّما يتكلّم بلسان قومه لا بلسان سائله، إلاّ إذا دلّت القرينة على ذلك.
والحاصل أنّ وجه الجمع هو ما ذكرنا وهو أنّه إذا ارتفع احتمال كون الرطل مدنياً يتردّد الأمر بين العراقي والمكّي، وبما أنّ العراقي ضعف المكّي وقد ورد حكم الوزنين في الرواية، فيحمل أحدهما على المكّي والآخر على العراقي. ولا يعدّ مثل هذا المورد من المتعارضين.
يقول صاحب الوسائل: المراد بالحديث الأوّل الرطل العراقي ; لأنّه يقارب اعتبار الأشبار، لأنّهم أفتوا السائل على عادة بلده، ولذلك اعتبر في الصاع رطل العراقي; ولأنّه يوافق حديث الستمائة، فإنّ المراد به الرطل المكّي وهو رطلان بالعراقي، ولا يجوز أن يراد بستمائة الرطل العراقي ولا المدني; لأنّه متروك بالإجماع، ويأتي في أحاديث الماء المضاف ما يدلّ على إطلاقهم الرطل على العراقي.1
فإن قلت: أثبت البحث الماضي أنّ الرطل في صحيحة محمد بن مسلم مكّي لا مدني، ولكن يبقى هنا إشكال وهو وجود التعارض بين تلك

1 . الوسائل: 1، ص 124، ذيل الباب 11 من أبواب الماء المطلق.

صفحه 223
الصحيحة وما رواه ابن أبي عمير من كون الكرّ ألفاً ومائتي رطل، فإنّ حمله على العراقي لغاية الجمع بينهما، جمع تبرعي، بل هما من قبيل المتعارضين، إذ يبقى في رواية ابن أبي عمير احتمالان :
1. أن يكون المراد من ألف ومائتي رطل، الرطل المدني الذي يكون مكسّره ألفاً وثمانمائة رطل عراقي.
2. أن يكون المراد الرطل المكِّي فيكون مكسّره ألفين وأربعمائة بالعراقي، فيقع التعارض عندئذ بين صحيحة محمد بن مسلم التي حملت على ألف ومائتي رطل عراقي وبين المرسلة التي يتردّد مفهوم الرطل فيها بين المدني فيكون مكسّره ألف وثمانمائة وبين المكِّي الذي يكون مكسّره ألفين وأربعمائة.
قلت: أحد الاحتمالين منتف قطعاً وهو حمل المرسلة على الرطل المكّي لا لأجل أنّ المُرسِل عراقي، ولا لأنّ المرسل عنه مثله، إذ المرسِل وإن كان عراقياً ولكن لا نعلم أنّ المرسَل عنه كذلك، بل لأجل أنّ رواة الشيعة المتواجدين في العراق الذين أخذ ابن أبي عمير عنهم الحديث، بين عراقي ومدني، فالمكِّي منهم ـ ولادة ومسكناً ـ قليل نادر، حتى يحمل الحديث على لسان الراوي، أو يُحمل على لسان الإمام; لأنّه أيضاً ليس مكّياً.
نعم يبقى احتمال كون المراد من الرطل في المرسلة هو المدني، فيرتقي مكسّر الكرّ إلى ألف وثمانمائة رطل عراقي، والذي يمكن الذبُ به عن الإشكال هو أنّ هذا المقدار من الرطل لم يقل به أحد من الأصحاب، ولا روي عن أحد، وهذا أوضح دليل على أنّهم فهموا من الحديث الأرطال العراقية، فيتحقّق الجمع بين الصحيحة والمرسلة بنحو واضح.

صفحه 224
فإن قلت: مقتضى الأصل عند إجمال المخصّص هو الأخذ بالقدر المتيقّن; وذلك لأنّ هنا عامّاً يدلّ على انفعال الماء بمجرد ملاقاة النجاسة، خرج منه ما إذا كان الماء كرّاً، فبما أنّ المخصّص منفصل لا يضر بظهور العام ولا حجّيته فيؤخذ بالقدر المتيقّن، وهو خروج ألف ومائتي رطل عراقي وبقي ما دونه تحته.1
قلت: ما ذكرته مبني على وجود الإجمال في المخصّص، وقد مرّ عدم الإجمال فيه ولو بفضل الإجماع، والإجماع وإن لم يرفع الإجمال عن دلالة اللفظ ولكن يرفع الإجمال عن المقصود.

تنبيه

إذا كان مقدار الكرّ 1200 رطل عراقي، فما هو مقداره بالكيلوغرامات، فنقول: يمكن أن يقال: إنّ 1200 رطل عراقي يساوي 133 صاعاً وثلث الصاع، أي (33 ,133)، لأن كلّ صاع يساوي 9 أرطال عراقية.
وبما أنّ وزن كلّ صاع هو ثلاثة كيلوغرامات تقريباً، فيضرب 33,133 × 3 فتكون النتيجة: 99 ,399 كيلوغراماً.
هذا إذا كان المصدر للتقدير ما روي عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، كما مرّ.
وربّما يحاسب بشكل آخر فتكون النتيجة تارة أقل ممّا ذكر وأُخرى أكثر.
قال المجلسي (رحمه الله): الرطل العراقي عبارة عن مائة وثلاثين درهماً على

1 . التنقيح على العروة الوثقى: 1 / 175.

صفحه 225
المشهور، فيكون واحداً وتسعين مثقالاً شرعياً، وبالصيرفي ثمانية وستين مثقالاً وربع مثقال.
وصورة المسألة هي بالنحو التالي:
الرطل = 130 درهما = 91 مثقالاً شرعياً = 25,68 مثقالاً صيرفياً
فإذا ضربنا 25 ,68 في ألف ومائتي رطل يكون وزن الكرّ بالمثقال الصيرفي كالتالي:
1200 × 25,68 = 81900
والمثقال الصيرفي في مقابل الغرام فيه أقوال نختار منها:
1. كلّ مثقال صيرفي يعادل 6,4 غراماً، فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 6,4 = 376740 غراماً. وكلّ كيلو غرام يعادل 1000 غرام، فعليه نقسم النتيجة على 1000 لتحويل الوزن من الغرام إلى الكيلوغرام
376740 00 1000 = 740 ,376 كيلوغراماً
2. كلّ مثقال صيرفي يعادل 6875,4 غراماً فتكون النتيجة كالتالي:
81900 × 6875,4 = 25,383906 غراماً = 90625,383 كيلوغراماً
3. كلّ مثقال صيرفي يعادل 8 ,4 غراماً فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 8,4 = 393120 غراماً
393120 00 1000 = 120 ,393 كيلو غراماً
4. كلّ مثقال صيرفي يعادل 884 ,4 غراماً، فعليه يكون وزن الكر:
81900 × 884,4 = 6 ,399999 غراماً
6 ,399999 00 1000 = 999 ,399 كيلوغراماً

صفحه 226
وأكثر فقهائنا المتأخّرين على أحد هذه الأقوال، كالسيد الأُستاذ الإمام الخميني والسيد الحكيم والسيد الخوئي والسيد الصدر وغيرهم، فمن أراد المزيد فليرجع إلى رسائلهم العملية، مبحث أقسام المياه، مسألة مقدار الكر وزناً، رحم الله علمائنا الماضين، وحفظ الله الباقين منهم.

مشكلة الاختلاف بين التقديرين

ربّما يقال بعدم التطابق بين التحديد بالوزن والتحديد بالحجم (المساحة) يعني الأشبار، وهو أنّ مختار المشهور في التقدير بالمساحة كون مكسّره ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر وهو لا ينطبق على ألف ومائتي رطل عراقي، لأنّ غير واحد من الأصحاب وزنوا ألفاً ومائتي رطل عراقي فبعضهم يدّعي انطباقه على ستة وثلاثين كما عليه شيخ الشريعة في دروسه، وبعض آخر يدّعي انطباقه على سبعة وعشرين، فكيف يمكن الجمع بين التقدير بالوزن والتقدير بالأشبار؟
فلو قلنا: إنّ الكرّ ما يكون مكسّره ستة وثلاثين فقد ادّعي أنّ الوزن منطبق عليه .
وأمّا لو قلنا بمقالة المشهور وقلنا إنّه الأحوط، فالتفاوت بين الوزن والمساحة كثير، فأين نسبة الماء الموجود في ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، وبين الماء الموجود في سبعة وعشرين شبراً.
والذي يمكن أن يقال أحد أمرين:
1. أنّ الروايات ناظرة إلى الغدران الموجودة في الصحاري، والحياض المختلفة في البيوت ممّا لا يكون مربعاً أو مستطيلاً حتى يسهل

صفحه 227
تقديره بالأشبار بشكل دقيق، ولذلك احتاطوا بالتقدير الأكبر ـ أعني: ثلاثة وأربعين شبراً ـ حتى يكون طريقاً إلى التقدير الواقعي بالأشبار، أعني: ستة وثلاثين شبراً أو سبعة وعشرين.
2. أنّ الكرّ إذا بلغ ألفاً ومائتي رطل عراقي لا ينفعل بورود الدم أو البول عليه، ولكن إذا غسلت فيه الأواني أو الثياب ينقص منه شيءٌ كثير، وبالتالي لا يكون عاصماً، فلذلك اتّخذوا تقديراً أكثر بالأشبار حتى لا ينتهي الأمر إلى بعض الصور التي يسبب التطهير فيها نقصان الماء عن مقدار الكرّ.
***
تمّت قاعدة
إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيءٌ

صفحه 228
القواعد الفقهية   
   47

قاعدة

لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة
دراسة دليل القاعدة سنداً ودلالةً
القاعدة مركّبة من أمرين
القاعدة قاعدة فقهية
في معنى الإعادة
الكلام في مفاد المستثنى منه
خروج العامد والجاهل الملتفت عن تحت القاعدة
شمول القاعدة للنقيصة والزيادة
رفع التعارض بين القاعدة وصحيحة أبي بصير
شمول القاعدة للأجزاء والشرائط والموانع
تطبيقات لصدر القاعدة وذيلها
الكلام في مفاد المستثنى
اشتهر في ألسن الفقهاء قديماً وحديثاً قاعدة «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة»، وهي مأخوذة من الحديث الصحيح الذي رواه الصدوق في «الخصال» بالسند التالي، قال: حدّثني أبي، عن سعد]بن عبد الله القمّي[، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد]الأهوازي[، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز]بن عبد الله السجستاني[، عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«لا تعاد

صفحه 229
الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع والسجود»، ثم قال(عليه السلام): «القراءة سنّة، والتشهّد سنّة، والتكبير سنّة، ولا تنقض السنّة الفريضة».1
ورواه في «الوسائل» في غير واحد من الأبواب.2
وقد رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن زرارة، وطريق الشيخ إليه في «الفهرست»3 مشتمل على ابن أبي جيد وهو من مشايخ النجاشي، ومشايخه كلّهم ثقات; وفي آخر السند ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن زرارة; ومراسيل ابن أبي عمير كمسانيده.4
ويقع الكلام في جهات:

الأُولى: في سند الرواية

لا شكّ أنّ الرواية صحيحة، وأحمد بن محمد ثقة; سواء أكان أحمد ابن محمد بن خالد، أو أحمد بن محمد بن عيسى، والظاهر هو الثاني، وباقي السند لا غبار عليه.
ويؤيّد بعض مضمون الحديث ما رواه الصدوق باسناده
عن الأعمش، عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) في حديث شرائع الدين
قال: «وفرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجّه، والقبلة،

1 . الوسائل:4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث14.
2 . لاحظ : الوسائل:3، الباب9 من أبواب القبلة، الحديث1، غير أنّه ترك ذيل الحديث أعني قوله: القراءة سنة... إلخ.
3 . تهذيب الأحكام:2/152، برقم 597.
4 . لاحظ الموسوعة الرجالية الميسّرة: 638.

صفحه 230
والركوع، والسجود، والدعاء»1.
ولعلّه أراد من التوجّه: النيّة، وسيوافيك أنّها أيضاً من الأركان، وأمّا وجه ترك ذكره في الرواية الأُولى فسيأتي الكلام فيه، وقد استدلّ بها الأصحاب في أبواب الصلاة.

الجهة الثانية: القاعدة مركّبة من أمرين

إنّ قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة» مشتمل على المستثنى منه والمستثنى، وكلّ يشكّل قاعدة، فالمستثنى منه دليل على أنّ الإخلال بغير الخمسة لا يضرّ بالصلاة، وهذه قاعدة مستقلّة يأتي تفصيلها، كما أنّ قوله: «إلاّ من خمسة» هي أيضاً قاعدة مستقلّة أُخرى تدلّ على أنّ الإخلال بها يبطل الصلاة، وبما أنّ القاعدتين وردتا في حديث واحد، جعلتا قاعدة واحدة مسمّاة (بقاعدة لا تعاد).

الجهة الثالثة: القاعدة قاعدة فقهية

لا شكّ أنّها قاعدة فقهية، وقد قلنا بأنّ المحمول إذا كان حكماً شرعياً تصبح القاعدة قاعدة فقهية، كما هو الحال في المقام، مضافاً إلى اختصاصها بباب الصلاة; والقاعدة الأُصولية لا تختصّ بباب دون باب.

الجهة الرابعة: في معنى الإعادة

إنّ قوله(عليه السلام):«لا تعاد...» مشتقّ من الإعادة، وهو في اللغة إعادة الشيء

1 . الوسائل:4، الباب1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث15. والدعاء أي القراءة فريضة وليست بركن، فلا منافاة بين ما روي عن الأعمش وما مرّ من زرارة حيث عدّت القراءة فيه سنّة أي ليست بركن.

صفحه 231
السابق بنفسه دون مثاله ونظيره.
وربّما يستعمل في الإعادة بالمثل، يقول سبحانه:(إنّهُ هُوَ يُبْدئُ وَيُعيد)1: أي يصيّر الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات في الحياة في الآخرة.2 وأحياناً يتوسّع فيستعمل فيما إذا كان الثاني أكمل من الأوّل، كما هو الحال في المقام، فإنّ المعاد جامع للشرائط والأجزاء المخلّة دون الأُولى.

الجهة الخامسة: في مفاد المستثنى منه

قد عرفت أنّ الحديث يشكّل قاعدتين فلنقدّم الكلام في القاعدة الأُولى، أعني: أنّ الإخلال بغير الخمسة لا يبطل الصلاة، إنّما الكلام في إطلاق القاعدة لعامّة صور الإخلال وهي:
1. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عمداً.
2. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة جهلاً بسيطاً بالحكم.
3. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة جهلاً مركّباً.
4. الإخلال بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عن سهو ونسيان.
فيقع الكلام في شمول المستثنى منه لعامة الصور أو بعضها.
***

1 . البروج:13.
2 . مجمع البحرين، مادة «عود».

صفحه 232

الصورة الأُولى: الإخلال عن عمد

إذا أخلّ بغير الخمسة بالزيادة والنقيصة عمداً، فهل تصحّ صلاته؟
والجواب ـ بكلمة واحدة ـ : لا، ولم يقل به أحد للزومه التناقض في التشريع، فمن جانب يأمر المكلّف بغير الخمسة، ومعنى ذلك مدخليتها في الغرض وفي بعث المكلّف إليه، ومن جانب آخر يرخّص في تركها عمداً. نعم حكي عن المحقّق محمد تقي المعروف بـ : (الميرزا الشيرازي الثاني) تصوير ذلك بالالتزام بأمرين: أحدهما: متعلّق بالخمسة المستثناة وغيرها ممّا ثبت ركنيّته (كالنيّة مثلاً). والآخر بإتيان باقي الأجزاء والشرائط معها، فلو أتى بالخمسة وغيرها ممّا ثبتت ركنيّته وترك الباقي عمداً مع العلم بوجوب إتيانها فالأمر المتعلّق بنفس الخمسة وغيرها ممّا ثبتت ركنيّته يسقط بالامتثال، والأمر المتعلّق بإتيان باقي الأجزاء والشرائط أيضاً يسقط بواسطة عدم بقاء المحل والموضوع له، إذ محلّه وموضوعه كان إتيان باقي الأجزاء والشرائط مع الخمسة، والمفروض أنّه أتى بالخمسة وسقط أمرها.1
وربّما يقرّب التصوير بما ورد من صحّة الصلاة إذا جهر في
موضع المخافتة أو عكس، عن تقصير فقد تعلّق أمر بذات الصلاة الجامع بين الجهر والإخفات، وأمر آخر بإتيانها جهراً في الصلوات الجهرية ومخافتة في غيرها، فإذا أخلّ بالأمر الثاني فقد امتثل الأمر الأوّل وسقط الأمر الثاني لعدم إمكان الامتثال بعد سقوط الأمر الأوّل. ونظيرها ما إذا نذر أن يصلّي الفريضة في المسجد، فإذا صلّى في البيت امتثل الأمر الأوّل أي الأمر بالفريضة، وسقط

1 . القواعد الفقهية للبجنوردي:1/80.

صفحه 233
الأمر الثاني لعدم إمكان امتثاله بعد امتثال الأمر الأوّل.
أقول: هذا ما نقل عن المحقّق الشيرازي وهو تصوير صحيح لكن لا واقع له فيما بأيدينا من الأحكام، ثم إنّ ما ذكره إنّما يصحّ فيما إذا كان للمولى مطلوبان على نحو يُعدّ المطلوب الثاني كمالاً للمطلوب الأوّل لا مؤثّراً في صحّته كما مثّل في الإجهار مكان المخافتة أو الصلاة في البيت مكان الصلاة في المسجد، وأمّا المقام فليس هاهنا إلاّ مطلوب واحد مركّب من أجزاء بينها وصلة كاملة، فلو أخلّ بواحد في ظرف العمد فكأنّه لم يمتثل. ولذلك قلنا ذلك تصوير وليس له حقيقة.

الصورة الثانية: الإخلال عن جهل بسيط

إذا أخلّ بالأجزاء والشرائط عن جهل بسيط بالحكم، الملتفت إلى جهله فهل تصحّ صلاته؟ الظاهر لا، لانصراف الرواية عنه; لأنّ صاحب الجهل البسيط ملتفت للموضوع، وأنّه يحتمل جزئية الجزء أو شرطية الشرط أو مانعية المانع ومع ذلك يترك التعلم ويأتي بالصلاة.
وجه الانصراف هو أنّ موضوع الرواية مَن يريد الامتثال، وهذا هو الذي يقال له: أعد ولا تعد، وأمّا مَن دخل في الصلاة وهو شاك في كون العمل صحيحاً أو غير صحيح، فهو ليس بصدد الامتثال إلاّ في صورة عدم كون المشكوك مطلوباً في الصلاة.
أضف إلى ذلك ما نقله سيدنا الأُستاذ(قدس سره) عن شيخه المحقّق الحائري(رحمه الله)بأنّ الإسلام حثّ على التعليم والتعلّم وذمّ الجاهل في غير واحدة من الروايات، فلو قلنا بشمول الرواية للجاهل الملتفت لزم التناقض بين الحثّ

صفحه 234
والحكم بالصحّة; لأنّ الثاني يبعث الجاهل إلى ترك التعلّم وصرف العمر في طريقه. والقاعدة على القول بالشمول تصدّه عنه وتدعو إلى التقاعد عن التعلّم.
روى مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى: (قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)1 قال: «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً، فإن قال: نعم، قال تعالى له: أفلا عملت بعلمك، وإن قال: كنت جاهلاً، قال تعالى: أفلا تعلّمت حتى تعمل، فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة».2
فدلّ حُسن العقاب على عدم سقوط التكليف، وبالتالي عدم صحّة عمله.

الصورة الثالثة: الإخلال عن جهل مركّب

إذا كان غافلاً عن جزئية شيء، فهل القاعدة تشمله؟ فلو صلّى مدّة من الزمان بلا سورة، فهل تصحّ صلاته؟ الظاهر شمول القاعدة لهذا النوع من الجهل كالناسي، إذ لا فرق بينهما ويجمعهما عدم الالتفات إلى الجزئية، غير أنّ الناسي كان عالماً ثم عرضه النسيان بخلاف الجاهل المركّب فإنّه لم يزل غير عالم.
قال السيد الطباطبائي: وإن كان الإخلال بسائر الشروط أو الأجزاء ـ زيادة ونقصاً ـ جهلاً بالحكم، فالأحوط الإلحاق بالعمد في البطلان، لكن

1 . الأنعام:149.
2 . أمالي المفيد: 227، المجلس35.

صفحه 235
الأقوى إجراء حكم السهو عليه.1
ويمكن الاستدلال على الإلحاق بروايتين:
1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«إنّ الله عزّ وجلّ فرض الركوع والسجود، والقراءة سنّة، فمَن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة، ومَن نسي القراءة فقد تمّت صلاته ولا شيء عليه».2
وجه الاستدلال: أنّه(عليه السلام) أخرج العمد في ترك الجزء، وهذا دليل على أنّ المبطل هو الترك عن عمد وأمّا غيره فيحكم على صلاته بالصحّة، سواء أكان جاهلاً مقصّراً أو قاصراً، أو ساهياً.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ مورد النظر هو العامد والناسي، بشهادة أنّه ذكر القسمين، وإدخال الجاهل المقصّر في الساهي ليس بأولى من إدخاله تحت العامد، خصوصاً إذا كان الجاهل متبختراً غير مبال لتمامية صلاته وعدمها.
2. موثّق منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: «أليس قد أتممت الركوع والسجود»؟ قلت: بلى، قال: «قد تمّت صلاتك إذا كان نسياناً».3
وجه الدلالة: أنّ الإمام(عليه السلام) وإن خصّ الصحّة بالناسي لكن علّله بقوله:«أليس قد أتممت الركوع والسجود» فهذا دليل على أنّ إتمام ذينك الركنين كاف في الحكم بصحّة الصلاة إذا ترك الإنسان التشهّد وما أشبهه بغير

1 . العروة الوثقى: فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة3.
2 . الوسائل:4، الباب27 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث2.
3 . الوسائل:4، الباب29 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث2.

صفحه 236
عمد، فالعبرة بعموم التعليل لا بخصوص المورد، نعم لا يعمّ العمد، وقد مرّ وجهه.
ولا يخفى أنّه إشعار، والاعتماد عليه مشكل.
والأَولى التفصيل بين الجاهل المقصّر الذي لم يتعلّم أحكام الصلاة فترك بعض الأجزاء جهلاً بالحكم وبين القاصر، والدليل الوحيد ـ مضافاً إلى انصراف قاعدة «لا تعاد» عن ذلك المصلّي المقصّر المعاقب ـ ما مرّ من الحديث من أنّه لمّا اعتذر بالجهل يخاطب: «أفلا تعلّمت» كلّ ذلك قرينة على انصراف الحديث عن الجاهل المقصّر، وبذلك ظهر خروج الطوائف التالية عن الحديث:
1. التارك عمداً.
2. التارك جهلاً بالحكم الملتفت لجهله عند الصلاة.
3. التارك الجاهل غير الملتفت لجهله، المقصّر عن التعلّم.
فبقي تحت الحديث عنوانان هما:الناسي والجاهل القاصر.
نعم استثني من الجاهل المقصّر موردان وهما الجهر والإخفات، والقصر والإتمام، فقد أفتى المشهور بالصحّة من أجل النصّ الخاصّ لا لحديث «لا تعاد».
روى الصدوق بسنده الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسياً أو

صفحه 237
ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته».1
ثمّ إنّ صحّة الصلاة في حقّ الجاهل والناسي ليس بمعنى عدم اشتراكهما مع الآخرين في حكم الله المشترك، كيف وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الجميع محكومون بحكم واحد، بل تكون القاعدة دليلاً على عدم فعلية الحكم المنسيّ أو المجهول في حقّهما، أو عدم كونه منجّزاً في موردهما على اختلاف بيننا وبين المشهور في مورد الجهل والنسيان، فالمشهور على كون الحكم غير فعليّ في حقّ الجاهل والناسي بناء على أنّ لكلّ إنسان خطاباً خاصّاً، وأمّا نحن فالحكم عندنا فعليّ غير منجّز; لأنّ المراد من الفعلّي تمامية البيان من المولى ووضعه في مظانّه، سواءأ وقف عليه المكلف أم لا. والمفروض أنّ البيان قد تمّ من جانب المولى وإن لم يقف عليه المكلّف.
وهذا الجواب سار في مجموع العناوين الثانوية الحاكمة على أحكام العناوين الأوّلية، فإنّ تقديم حكمها على أحكام العناوين الأوّلية ليس بمعنى إخراج المورد عن تحت الأحكام المشتركة، بل مع التحفّظ بالاشتراك يحكم الشارع بصحّة الصلاة في هذه الأحوال تسهيلاً وترغيباً للناس بالدين، وقد بُيّن ذلك في مبحث الإجزاء في علم الأُصول.

شمول القاعدة للزيادة

إذا دلّ دليل على أنّ زيادة الجزء مبطلة للصلاة، كما في الموردين التاليين:

1 . الوسائل:4، الباب26 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1، ولاحظ : الحديث 2، ولاحظ: الوسائل:5، الباب17 من أبواب صلاة المسافر.

صفحه 238
1. القران بين السورتين. روى العياشي عن المفضّل بن صالح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«لا تجمع بين السورتين في ركعة واحدة إلاّ (الضُّحَى) و(أَلَمْ نَشْرَحْ) و(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لاِيلاَفِ قُرَيْش).1
2. السجود لقراءة العزائم، فلو قرأ المصلّي إحدى سور العزائم الأربع وسجد فإنّه زيادة في المكتوبة، وقد نُهي عنها، ففي رواية زرارة عن أحدهما(عليهما السلام):«لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم فإنّ السجود زيادة في المكتوبة».2
فلو قرأه ناسياً أو جاهلاً عن قصور، فهل يشمله قوله:«لا تعاد» بناء على شموله للزيادة أو لا يشمل لاختصاصه بالنقيصة، كلّ ذلك فيما إذا كانت الزيادة ـ لولا هذا الحديث ـ موجبة للإعادة، وإلاّ فزيادة الجزء دون أن تكون الزيادة منهيّاً عنها بالخصوص، خارج عن مصبّ البحث، إلاّ أن يقال: إنّ تحديد العبادة بالأجزاء والشرائط على وجه الدقّة دليل على أنّ الواجب هو الإتيان بها دون زيادة ونقيصة فلا نحتاج في النهي عن الزيادة إلى دليل خاص، بل يكفي نفس الدليل على كيفية الصلاة.
الظاهر أنّ الحكم شامل للزيادة بكلتا الصورتين، لأنّ المتبادر من الحديث أنّ الإمام(عليه السلام)بصدد إعطاء الضابطة حول الخلل الوارد في الصلاة من حيث الإعادة وعدمها، فتخصيصها بالنقيصة خلاف المتبادر من الحديث. واستدلّ على اختصاصها بالنقيصة بأُمور:
1. إنّ المتبادر من الحديث عدم وجوب الإعادة لأجل عدم كلّ ما

1 . الوسائل:4، الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث5.
2 . الوسائل:4، الباب40 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1.

صفحه 239
اعتبر في الصلاة إلاّ من عدم هذه الخمسة، وعلى هذا فالحديث يختصّ بالنقيصة دون الزيادة فإنّ إخلالها ليس لأجل العدم بل لأجل الوجود.
يلاحظ عليه: ما ذكرته وإن كان حسب التعبير صحيحاً إلاّ أنّ الكلام في كون المقدّر هو العدم، ولماذا لا تقول: لا تعاد الصلاة بشيء إلاّ الخمسة، والشيء يطلق على الزيادة قطعاً.
2. إنّ ذيل الحديث أعني قوله: «التشهّد سنّة، والقراءة سنّة، ولا تنقض السنّة الفريضة» كالتعليل للصدر، ومن المعلوم أنّه تعليل للفقدان والنقيصة لا للزيادة بشهادة أنّه يقول:إنّ الفرائض، أعني: الأجزاء الركنية إذا وجدت لا يضرّها فقد الأجزاء غير الركنية، التي عبّر عنها بالسنة.
يلاحظ عليه: أنّ التعليل يصلح للنقيصة والزيادة معاً، بأن يقول: إنّك إذا أتممت الأجزاء الركنية فزيادة السنّة لا تنقض الفريضة.
3. إنّ الزيادة لا تتصوّر في جانب المستثنى إلاّ في الركوع والسجود دون الوقت والقبلة والطهور، فكيف يمكن عموم المستثنى منه للزيادة؟!
يلاحظ عليه: أنّه يكفي وجود النقيصة في المستثنى منه إجمالاً في صحّة الاستثناء.
بقي هنا شيء وهو أنّه لو قلنا بعموم القاعدة للزيادة يقع التعارض بين إطلاقها وصحيح أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».1 وهذا ما ندرسه تالياً.

1 . الوسائل:5، الباب19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

صفحه 240

التعارض بين «لا تعاد» وصحيح أبي بصير

إذا قلنا باختصاص قوله:«لا تعاد» بالنقيصة فلا تعارض بين الحديثين لاختصاص أحدهما بالنقيصة والآخر بالزيادة، وأمّا لو قلنا بشموله للزيادة أيضاً يلزم التعارض بينه وبين صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».1
وجه التعارض: أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فالقاعدة عامّة تشمل النقيصة والزيادة، وخاصّة تختصّ بغير الأركان الخمسة، والصحيح عام يشمل الأركان وغيرها، خاصّ يختصّ بالزيادة فيجتمعان في الزيادة غير الركنية، فلو عملنا بالقاعدة تكون الصلاة صحيحة، ولو أخذنا بالصحيح تكون الصلاة باطلة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ذكر كيفية التعارض بوجه آخر وحاصل ما أفاد: القاعدة خاصّة لاختصاصها بالسهو، وعامّة لعمومها للزيادة والنقيصة، والحديث خاصّ لاختصاصه بالزيادة، وعام لشموله العمد والسهو، فيقع التعارض في الزيادة السهوية غير الركنية، فلا تعاد على القاعدة، وتعاد على الصحيح2.
لا شكّ أنّ المشهور هو العمل بالقاعدة وتقديمها على الصحيح، إنّما الكلام في وجه التقديم.
يظهر من الشيخ الأنصاري أنّ وجه التقديم أنّ صحيح أبي بصير في عداد ما دلّ على ما يُخل فعله وتركه بالصلاة كالحدث والتكلّم وترك

1 . الوسائل:5، الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.
2 . الفرائد:2/385، الطبعة المحقّقة.
Website Security Test