welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 161
للبيع، فيكون تلخيص الكلام أنّ مَن كان له على غيره دنانير نسيئة جاز أن يبيعها عليه في الحال بدراهم، ويأخذ الثمن عاجلاً.1
وبما ذكرنا ظهر أنّه لا يكفي قبض أحدهما بدون إقباض الآخر، فلو قبض والحال كذلك كان كالأمانة في يده ويكون أشبه بالمقبوض بالسوم، فلا يضمن إذا تلف بلا تفريط.
فالملكية التامّة إنّما تتحقّق بتمامية التقابض، وبذلك ظهر ضعف الاحتمالين التاليين اللّذين نقلهما في الجواهر:
1. إنّ التقابض شرط لتأثير العقد المملّك فحصوله حينئذ يكشف عن حصوله من أوّل العقد.
وكأنّ القائل جعل التقابض شرطاً متأخّراً كاشفاً عن حصول مقتضاه من أوّل العقد.
2. احتمال عدم مدخلية التقابض في ذلك وأنّ العقد أثّر على ما يقتضيه من الملك إلاّ أنّه يبطله الافتراق قبل التقابض فكأنّه بمنزلة الفسخ بالخيار أو الإقالة.2
ولا يخفى مخالفة الاحتمالين للروايات.
ثمّ إنّ المحقّق صاحب الجواهر ذكر فروعاً وقال:
1. ولو قبض البعض خاصّة قبل التفرّق صحّ فيما قبض وبطل في غيره.

1 . التهذيب: 7 / 101 .
2 . جواهر الكلام:24/8.

صفحه 162
أمّا الصحّة فيما قبض فلكونه داخلاً في العموم، وأمّا البطلان فيما لم يقبض، لدخوله في التفرّق قبل التقابض.
ويدلّ على البطلان قوله:وسألته: هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقاً أو بيعاً؟ فقال: «ما أُحب أن أترك منه شيئاً حتى آخذه جميعاً، فلا تفعله».1
2. لو فارقا المجلس مصطحبين، لم يبطل إذا تقابضا قبل التفرّق. ويدلّ على ذلك ما سبق: «وإن نزا حائطاً فانز معه».2
3. لو وكل أحدهما في القبض عنه فقبض الوكيل قبل تفرّقهما صحّ ولو قبض بعده بطل; وذلك لأنّ الضابطة هي التقابض قبل تفرّق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أو وكيلين، وفعل الوكيل فعل المالك.3
***
تمّت قاعدة
بيع الصرف واشتراط التقابض في المجلس

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث9.
2 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث8.
3 . جواهر الكلام: 24 / 10 .

صفحه 163
القواعد الفقهية
      44
قاعدة
بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق
لزوم القبض قبل التفرّق
مقوّمات بيع السلم
ما عليه الأصحاب من عصر المفيد إلى عصرنا هذا
ما هو مقتضى القاعدة
عرّف بيع السلم بأنّه ابتياع مال مضمون إلى أجل معلوم بمال حاضر، أو في حكمه.1
توضيحه: أنّ المبيع في السلف يكون غير حاضر ويكون مؤجلاً إلى أجل معلوم، كما لو أسلف مائة طن من الحنطة في يوم كذا من شهر كذا، وأمّا الثمن فيجب أن يكون حاضراً ]وإلاّ فلو كان مؤجّلاً يكون من قبيل بيع الكالي بالكالي، وهو باطل[.
ثمّ إنّ المراد من كونه حاضراً إمّا أن يكون نقداً في مجلس البيع، أو يكون الثمن في ذمّة البائع إذا كان مديوناً للمشتري وهو بحكم الحاضر.
روى البخاري عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أسلف في شيء ففي كيل

1 . شرائع الإسلام:2/61 ، الفصل العاشر في السلف، كتاب التجارة.

صفحه 164
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».1
ورواه في «بداية المجتهد» بلفظ آخر، قال:«مَن أسلف فليسلف في ثمن معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».2
وعلى كلّ تقدير فيجب أن يكون الثمن نقداً لا نسيئة وإلاّ يكون من مصاديق بيع الكالي بالكالي.

لزوم القبض قبل التفرّق

ثمّ إنّ الشيعة الإمامية قالوا وراء ذلك ـ أي أنّ الثمن نقداً وإلاّ يكون من مصاديق بيع الكالي بالكالي ـ بشرط آخر وهو قبض الثمن قبل التفرّق، فلو كان الثمن نقداً ولكن لم يكن هناك قبض وتفرّق المتبايعان يبطل البيع، وعليه أبو حنيفة والشافعي، قال الشيخ: من شرط صحّة السلم، قبض رأس المال قبل التفرّق. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال مالك: إن تفرّقا قبل القبض من غير أن يكون تأخير القبض شرطاً كان جائزاً، وإن لم يقبضه أبداً، وإن كانا شرطا تأخير القبض، فإن كان ذلك اليوم واليومين جاز، وإن كان أكثر من ذلك لم يجز.3
مقوّمات بيع السلم
فعلى ما ذكرنا فبيع السلم يتقوّم بالأُمور التالية:
1. كون المبيع مؤجّلاً.

1 . صحيح البخاري:529، برقم 2240، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم.
2 . بداية المجتهد:5/84.
3 . الخلاف:3/201، المسألة 6.

صفحه 165
2. كون الثمن نقداً أو في حكمه.
3. حصول التقابض قبل التفرّق.

ما عليه الأصحاب من عصر المفيد إلى عصرنا هذا

ومن المعلوم أنّ الشرط الثالث غير الشرط الثاني.
ولم يذكره الشيخ المفيد في «المقنعة»، ولذلك قال العاملي في «مفتاح الكرامة»: هو خيرة الحسن ـ يريد العُمّاني ـ والمفيد على ما نقل.1 ولم نعثر على ما ذكره في «المقنعة».2
وقال ابن حمزة: وقبضه قبل التفرّق.3
وقال المحقّق: قبض رأس المال قبل التفرّق شرط في صحّة العقد، ولو افترقا قبله بطل، ولو قبض بعض الثمن صحّ في المقبوض وبطل في الباقي.4
وقال العلاّمة في «القواعد»: الرابع ـ من شروط بيع السلم ـ قبض الثمن في المجلس، فلو تفرّقا قبله بطل.5
ونقل صاحب «مفتاح الكرامة» عن الغنية والتذكرة والمسالك، الإجماع عليه قال: وهو ظاهر الدروس والمهذّب البارع.6

1 . مفتاح الكرامة: 13 / 718 .
2 . لاحظ مختلف الشيعة: 5 / 148 .
3 . الوسيلة:241.
4 . شرائع الإسلام:2/63.
5 . قواعد الأحكام:2/50.
6 . مفتاح الكرامة:9/789.

صفحه 166
وقال الأردبيلي في شرح قول العلاّمة: وقبض الثمن قبل التصرّف هذا هو الشرط الرابع، قال في التذكرة: فلا تجوز التفرقة قبله، فإن تفارقا قبل القبض بطل السلم عند علمائنا أجمع... ثم قال: ظاهره (العلاّمة) أنّه يحصل الإثم مع البطلان، وفي الإثم تأمّل كما مرّ في الصرف، ويحتمل أن يريد الشرط وأنّ دليل اعتبار القبض قبل التفرّق هو إجماعنا.1
وقال المحدّث البحراني بعد نقل كلام العلاّمة في التذكرة: ونقل عن ابن الجنيد جواز تأخير القبض ثلاثة أيام، ولم أقف في الحكم المذكور على نصّ، والظاهر أنّ دليل الأصحاب إنّما هو الإجماع المدّعى مع ما عرفت من خلاف ابن الجنيد.
ولعلّه لعدم وجود النصّ توقّف صاحب البشرى2 في الحكم المذكور كما نقل عنه، وهو في محلّه .3
وبذلك ظهر أنّ المنكر هو ابن الجنيد وأنّ المتوقّف هو صاحب البشرى وصاحب الحدائق.
وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق:«ولو افترقا قبله بطل»: عند علمائنا أجمع في التذكرة، وهو الحجّة فيه بعد شهادة التتبّع وانحصار الخلاف في المحكي من قول أبي علي، وقد وصف في الدروس قوله بأنّه متروك.4

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/347.
2 . هو السيد أحمد بن طاووس أخو السيد رضي الدين علي بن طاووس من أساتذة العلاّمة الحلّي.
3 . الحدائق الناضرة:20/15ـ 19.
4 . جواهر الكلام:24/289.

صفحه 167

ما هو مقتضى القاعدة؟

أقول: مقتضى القاعدة هو حصول التمليك والتملّك للبائع والمشتري بنفس الإيجاب والقبول، وأنّ دور القبض هو دور الوفاء بالعقد لا أنّه مملّك أو متمّم للتمليك، لكن اتّفاق الأصحاب من عصر المفيد إلى يومنا هذا يصدّ الفقيه عن الإفتاء بأنّ دور القبض في السلف نفس دوره في غيره، ولذلك قال في الجواهر:إنّ في الإجماع المحكي المعتضد بما عرفت بلاغاً.1 وظاهر معقد الإجماع توقّف الملك عليه كشفاً أو نقلاً، بل الظاهر الثاني منهما.
نعم لا يشترط استمرار قبض الثمن فلو سلمه المشتري إلى البائع ثم ردّه البائع إليه وتفرّقا، جاز، لأنّ القدر المتيقّن غير هذا من الإجماع.
بقي الكلام في شرطية القبض في الحبس والرقبى فيأتي الكلام فيهما في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى.
***
تمّت قاعدة
بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق
وبها يتمّ
الفصل الخامس من الكتاب

1 . نفس المصدر.

صفحه 168

صفحه 169

   الفصل السادس   

القواعد الجارية في الأُمور العبادية وما يلحق بها

1. كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض
2. إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء
3. لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة
4. حجّية الظن في عدد الركعات وأفعال الصلاة
5. ليس على الإمام سهو مع حفظ المأموم وبالعكس
6. لا سهو في سهو
7. لا شكّ لكثير الشكّ
8. لا سهو في نافلة
9. لا شكّ بعد خروج الوقت
10. لا شكّ بعد التجاوز عن المحل
11. لا شكّ بعد الفراغ
12. البناء على الأكثر عند الشكّ في الركعات
13. لا زكاة إلاّ في الملك التام
14. لا زكاة إلاّ بعد التمكّن من التصرّف

صفحه 170
15. ما فيه العشر وما فيه نصف العشر في الزكاة
16. عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة لا تمرينيّة
17. وجوب الخمس في كلّ فائدة
18. الخمس بعد المؤونة
19. الخمس كلّه للإمام
20. لا حجّ إلاّ مع الاستطاعة
21. مَن يمرّ على ميقات وهو لا يريد النسك
22. أدنى الحلّ ميقات مَن لا يمرّ بميقات ولا بما لا يحاذيه
23. حكم صلاة الجماعة بالاستدارة حول الكعبة

صفحه 171
القواعد الفقهية
   45
قاعدة
كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض
في تحديد دم الحيض إجمالاً
القاعدة في كلمات الأصحاب
ما هو المراد من الإمكان في القاعدة؟
المراد هو الإمكان الوقوعي بالنسبة إلى الأدلّة الشرعيّة
هل القاعدة أصل عملي يحتجّ بها في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، أو أنّها قاعدة اجتهادية يتمسّك بها عند اجتماع الشرائط وانتفاء الموانع؟
دليل القاعدة
اشتهر بين الفقهاء قولهم: كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.
وتحقيق الكلام رهن البحث في جهات:

الجهة الأُولى: في تحديد دم الحيض إجمالاً

إنّ الروايات حدّدت دم الحيض بأوصاف وشروط وعُرّف بالدم السائل الذي يقذفه الرحم، وفي الأغلب يكون أسود غليظاً حارّاً يخرج بحرقة، وله شروط وقيود باعتبار سن المرأة بأن تكون بالغاً غير يائس، ولا

صفحه 172
يكون أقلّ من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة، ويجب أن يكون بين الحيضتين فاصل زماني أقلّه عشرة أيام متواليّة، إلى غير ذلك من القيود والشروط.
فلو رأت الدم في أيام العادة على الشروط المذكورة فهو حيض بلا كلام، وأمّا إذا رأته في غير أيام العادة ولكن لم يكن هناك أي مانع شرعي من جعله حيضاً، فهذا هو الذي يذكره الفقهاء بقولهم: ما يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.

الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الأصحاب

هذه القاعدة مذكورة في كتب الفقهاء منذ عصر الشيخ الطوسي إلى زماننا هذا، فلنذكر بعض الكلمات:
1. قال الشيخ في «الخلاف»: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيام العادة، أو الأيام التي يمكن أن يكون الدم فيها حيضاً; ثم استدلّ على ذلك بإجماع الفرقة وأنّ إجماعهم حجّة.1
وقال في «المبسوط»: الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيامَ حيضها التي جرت عادتها أن تحيض فيها، أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضاً. مثال ذلك: أن تكون المرأة المبتدأة (التي لم تستقر لها العادة) إذا رأت الدم مثلاً خمسة أيام ثم رأت إلى تمام العشرة أيام صفرة أو كدرة، فالجميع حيض لأنّه في أيام الحيض، وكذلك إن جرت عادتها أن تحيض كلّ شهر خمسة أيام ثم رأت في بعض الشهور

1 . الخلاف:1/235، المسألة 201.

صفحه 173
خمسة أيام دماً ثم رأت بعد ذلك إلى تمام العشرة صفرة أو كدرة، حكمنا بأنّه حيض.
فقد مثّل لقوله: أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضاً، بمثالين:
الأوّل: المبتدأة التي لم تستقرّ لها عادة فرأت خمسة أيام على صفات الحيض، ثم رأت إلى تمام العشرة صفرة أو كدرة، فاختلف حال الدم من حيث الصفات، في الرؤية الأُولى.
الثاني: مَن استقرّت لها العادة في الشهور الماضية على خمسة أيام، لكنّها صارت في بعض الشهور مختلفة مع ما سبق، عدداً، حيث زادت الأيام إلى عشرة; ووصفاً حيث كانت الخمسة الأُولى على صفات الحيض وفي الخمسة الثانية على الصفرة والكدرة، التي تناسب الاستحاضة.1
2. وقال ابن إدريس: فأمّا غير المبتدأة فهي التي لها عادة فلتلتزم عادتها إذا تجاوز دمها العشر، وأمّا إذا لم يتجاوز دمها العشر فأي دم رأته بعد عادتها وقبل تجاوز العشر فهو دم حيض; لقولهم(عليهم السلام): «الكدرة والصفرة في أيام الحيض حيض وفي أيام الطهر طهر».2 يعنون بأيام الحيض العشرة الأيام التي هي حدّ الأكثر.3
فمصبّ كلامهما هو أيّام العادة لكن صارت عادة المبتدأة مختلفة الصفات، أو صارت ذات العادة المستقرّة مختلفة مع الماضي في العدد والوصف على ما مرّ.

1 . المبسوط:1/43 ـ44.
2 . الوسائل:2، الباب4 من أبواب الحيض، الحديث9.
3 . السرائر:1/147.

صفحه 174
3. وقال ابن حمزة: والصفرة والكدرة في أيام الحيض أو فيما يمكن أن يكون حيضاً حيض، وفي أيام الطهر طهر، فإذا رأت الدم بعد انقضاء تسع سنين ولم يشتبه عليها (كما إذا كانت على صفات الحيض) أو اشتبه وكان محكوماً عليه بالحيض (لعدم التجاوز عن العشرة أيام)، تركت الصلاة والصوم ولها أربعة أحوال.1
ترى أنّه أيضاً خصّ القاعدة بما إذا زاد على أيام العادة ولم يتجاوز العشرة .
4. وقال المحقّق: وما تراه من الثلاثة إلى العشرة ممّا يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض، سواء تجانس أو اختلف.2
والشاهد في قوله: أو اختلف، بأن كان صفرة بعد ما كان حمرة. وهذا أيضاً خصّ القاعدة بأيام الحيض أي العشرة.ولكن اختلفت صفات الدم في الأيام الأخيرة قبل العشرة.
5. قال العلاّمة في «القواعد»: وكلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض وإن كان أصفر أو غيره، فلو رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة فهما حيضان. ولو استمر (أي رأت) ثلاثة وانقطع ورأته قبل العاشر وانقطع على العاشر فالدمان وما بينهما حيض، ولو لم ينقطع عليه فالحيض، الأوّل خاصّة.3
ترى أنّه خصّ القاعدة بأيام الحيض حيث إنّها إذا رأت ثلاثة ثم

1 . الوسيلة:57.
2 . شرائع الإسلام:1/29.
3 . قواعد الأحكام:1/213.

صفحه 175
انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة، فحكم على الثاني بأنّه حيض، لوجود الفاصل الزماني بين الحيضين، أعني: العشرة.وكذا إذا رأت ثلاثة ثم انقطع ورأت قبل العشر، فالدمان (ثلاثة أيام والدم قبل العشرة) وما بينهما من الأيام الخالية عن الدم محكوم بكونه حيضاً.
6. قال المحقّق الكركي في شرح قول العلاّمة:«وكلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض»: المراد بالإمكان عدم الامتناع عند الشارع، فلو رأت دماً بشرائط الحيض كلّها لكن تقدّمه دم كذلك ولم يتخلّل بينهما أقل الطهر، امتنع أن يكون حيضاً، وكذا ما بين العادة والعشرة مع التجاوز (فلا يمكن عدّ الزائد على العادة من الحيض) ولا يقدح عدم ظهور الحال قبل بلوغ العشرة; لأنّ الحكم بكونه حيضاً وعدمه عند الشارع واقع (معين عنده)، وانكشافه عندنا موقوف على التجاوز وعدمه، ولا يعتبر في إمكان كون الدم حيضاً أن يكون بصفة دم الحيض كما صرّح به المصنّف في المنتهى وغيره، وكذا غيره.1وذلك لأنّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض، حيض، فأمارية العادة مقدّمة على التمييز بالصفات.
وهذه الكلمات هي الأُم لسائر كلمات الأصحاب، ولو كان الميزان ما جاء فيها فهي مختصّة بأيام الحيض إذا تجاوز عن العادة وانقطع عند العشرة، أو كانت أيام العادة في شهرين مختلفة.
ولا يستفاد من هذه الكلمات أكثر من ذلك.
ولو كان في كلمات المتأخّرين ما يدلّ على أوسع من ذلك ـ كما ستأتي موارده ـ فهو استنباطات من الأدلّة المذكورة في كتبهم.

1 . جامع المقاصد:1/288.

صفحه 176

الجهة الثالثة: ما هو المراد من الإمكان في القاعدة؟

لا يخفى أنّ للإمكان في لسان المناطقة والحكماء إطلاقات مختلفة:
1. الإمكان الخاص: كقولك: الإنسان موجود بالإمكان الخاص، فهو بمعنى سلب الضرورة عن الطرفين، أعني: العدم والوجود.
2. الإمكان العام: وهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف، وأمّا الطرف الموافق فيمكن أن يكون ممكناً أيضاً، فهذا نظير المثال السابق إذا قلنا: الإنسان موجود بالإمكان العام، بمعنى سلب الضرورة عن عدمه، فهو ليس كشريك الباري الذي عدمه ضروري، وفي الوقت نفسه وجوده أيضاً ليس بضروري، ويمكن أن يكون الجانب الموافق ضرورياً كما هو الحال في الواجب، فإنّه موجود بالإمكان العام بهذا المعنى.
3. الإمكان الوقوعي: وهو ما لا يلزم من وقوعه محال.
وبهذا المعنى قالوا: التعبّد بالظن ممكن، أي لا يلزم من وجوده محال، خلافاً لابن قبة الذي كان يدّعي كونه مستلزماً للمحال، من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة الذي يمتنع على الله سبحانه.
4. الإمكان القياسي أو الإمكان بالقياس إلى الغير، ويراد به لا ضرورة وجود الشيء وعدمه بالنظر إلى الغير، ويرجع إلى أنّ الغير لا يأبى عن وجوده ولا عن عدمه حين يقاس إليه، وهذا يتحقّق في الأشياء التي لا تكون بينها علاقة طبيعية من جهة العلّية والمعلوليّة.
5. الإمكان الاحتمالي وهو ما اصطلح عليه الشيخ الرئيس بقوله: ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان، ويراد به أنّ الإنسان إذا سمع قضية مثلاً كنزول البشر على سطح

صفحه 177
المريخ، فلا يحكم عليه بالمحال، بل يقول: يحتمل، ومع ذلك فيمكن أن يكون محالاً ويمكن أن يكون ممكناً. ومفاد القاعدة النهي عن التسرّع في القضاء والصبر إلى أن ينكشف الواقع.
إنّما الكلام فيما هو المراد من الإمكان في هذه القاعدة؟
هنا احتمالات:
1. المراد هو الإمكان الخاص الملازم لسلب الضرورة عن كلا الطرفين، ولا شكّ أنّه ليس بمراد، إذ ـ مضافاً إلى أنّه من أوصاف الماهية، والكلام في الدم الموجود، فهو إمّا حيض بالضرورة أو ليس بحيض كذلك ـ أنّ سلب الضرورة عن كلا الطرفين مع الحكم بأنّه حيض، لا ينسجمان.
2. المراد هو الإمكان العام1 وهذا هو الذي اختاره الشهيد الثاني، قال: المراد بالإمكان في القاعدة، هو الإمكان بمعناه العام الذي هو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم، فيدخل فيه صنفان:
أ. ما تحقّق (وجب) كونه حيضاً لاجتماع شرائطه وارتفاع موانعه، كرؤية ما زاد على الثلاثة في زمن العادة الزائدة عنها (الثلاثة) بصفة دم الحيض وانقطاعه عليها (العادة).
ب. ما احتمل كونه حيضاً، كرؤيته بعد انقطاعه على العادة، ومضيّ أقلّ الطهر متقدّماً على العادة (الثانية) فإنّه يحكم بكونه حيضاً لإمكانه.
ويتحقّق عدم الإمكان بقصور السن عن تسع، وزيادة على الخمسين

1 . إنّ وصف الأوّل بالخاصّ لاختصاصه بالممكنات، ووصف الثاني بالعام لشموله لها وللواجب; يقول التفتازاني في التهذيب: امتنعت أفراد أو أمكنت. ولم توجد أو وجد الواحد فقط مع إمكان الغير أو امتناعه.

صفحه 178
والستين، وبسبق حيض محقّق لم يتخلّل بينهما أقلّ الطهر، أو نفاس كذلك، وكونها حاملاً ـ على مذهب المصنّف ـ وغير ذلك.1
وأورد عليه السيد الحكيم بقوله: القضية وإن كانت صحيحة إلاّ أنّها تكون حقيقة واقعية; لأنّ كلّ دم لا يكون سلب الحيض عنه ضرورياً، فهو حيض واقعاً، ولا يكون قضية تعبّديّة ظاهرية كما هو المقصود.2
يلاحظ عليه: بأنّه إذا قلنا: زيد موجود بالإمكان العام، فإنّ معناه سلب الضرورة عن جانب العدم، فهل يكون معنى ذلك أنّ وجوده ضروري؟ فإذا لم يكن سلب الحيض عنه ضروريّاً، لا يلازم كونه حيضاً، لاحتمال كونه استحاضة أو دم قروح وجروح.
نعم حملُ كلمات القدماء على ذلك المصطلح الذي هو للمنطقيّين والحكماء بعيد.
وعلى كلّ تقدير فسواء فسّر الإمكان بالوقوعي أو بالقياسي أو الاحتمالي، فللقاعدة تفسيران:
الأوّل: كلّ ما لم يمتنع من جهة الموانع المقرّرة في الشريعة كونه حيضاً بأن كان جامعاً لشرائطه وخالياً من موانعه المقرّرة، فهو حيض، وإن لم نعلم كونه من بعض الخصوصيات التي لا يطّلع عليها إلاّ مَن يعلم ما في الأرحام.3 والمراد من بعض الخصوصيات احتمال وجود اختلال في الرحم الذي سبب قذف الدم.

1 . مسالك الأفهام:1/59.
2 . مستمسك العروة الوثقى:3/232.
3 . كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري:3/326.

صفحه 179
وهذا هو الظاهر من الشهيد الثاني في «الروضة» قال: ومتى أمكن ـ أي كون الدم حيضاً ـ بحسب حال المرأة بأن تكون بالغة غير يائسة، ومدّته بأن لا ينقص عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة، ودوامه كتوالي الثلاثة، ووصفه كالقويّ مع التمييز، ومحلّه كالجانب إن اعتبرناه ونحو ذلك، حكم به، وإنّما يعتبر الإمكان بعد استقراره فيما يتوقّف عليه كأيّام الاستظهار، فإنّ الدم فيها يمكن كونه حيضاً، إلاّ أنّ الحكم به موقوف على عدم عبور العشرة، ومثله القول في أوّل رؤيته مع انقطاعه قبل الثلاثة.1
وعلى هذا تصبح القاعدة قاعدة اجتهادية يتمسّك بها عند اجتماع الشرائط وانتفاء المانع، كما في الأمثلة التالية:
1. إذا رأت الدم في أيام العادة.
2. إذا رأت قريباً منها.
3. إذا استمر الدم بعد انقضاء أيام العادة وانقطعت قبل العشرة أو عندها .
4. إذا رأت الدم في شهر مرّتين وبينهما طهر عشرة أيام أو أكثر لكن اتّصف بصفات الحيض.
5. إذا رأت المبتدأة دماً بوصف الحيض فتستظهر ويحكم عليها بالحيض بعد مضيّ ثلاثة أيام.
وعلى هذا فلو شكّ في شرطية التوالي، أو مانعية الحمل في الشبهة الحكمية أو في بلوغها أو كونها يائساً في الشبهة الموضوعية، فلا يحتجّ فيها

1 . الروضة البهية:1/372.

صفحه 180
بالقاعدة; لأنّها ليست أصلاً، حتى يحتجّ بها في الموارد المشكوكة.
فإن قلت: إذا كان المورد جامعاً للشرائط المعلومة والمحتملة وفاقداً للموانع كذلك فلا تبقى حاجة لجعل القاعدة.
قلت: قد مرّ أنّه ربّما يشكّ الإنسان ـ مع هذه الجامعية ـ لأجل بعض الخصوصيات الّتي لا يطّلع عليها إلاّ العالم بالغيب، لاحتمال كونه دم جرح أو قرح، أو دم طروء اختلال في الرحم، فلا يعتدّ بهذه الاحتمالات ويحتجّ بالقاعدة على كونه دم حيض.
وهذا بخلاف ما يأتي في التفسير الثاني فإنّه يحتجّ بالقاعدة في عامّة الموارد المشكوكة، إلاّ ما دلّ الدليل على عدم كونه دم حيض.
الثاني: عدم الامتناع من جهة ما وصل إلينا من الموانع الشرعية (كعدم تجاوز الدم عن العشرة، أو تخلّل عشرة أيام بين الحيضين، وغيرهما ممّا علم شرعاً كونه مانعاً) وحينئذ فمجرّد عدم ثبوت مانع شرعي لحيضية الدم يكون كافياً للحكم بحيضيته. ولا يحتاج إلى إحراز الشروط الواقعية، فيكون أصلاً عملياً يحتجّ به على الحيض في الشبهات الحكمية والموضوعية، كما في الموارد أدناه:

أمّا الشبهة الحكمية فكالمثالين التاليين:

1. إذا شكّ في شرطية التوالي وخرج الدم بصورة غير متوالية.
2. إذا شكّ في مانعية الحمل وخرج الدم وكانت حاملاً.

صفحه 181

أمّا الشبهة الموضوعية فكالأمثلة التالية:

1. إذا خرج الدم وهي خنثى مشكل، ولم تثبت أُنوثيتها.
2. إذا خرج الدم وشكّ في بلوغها تسع سنين.
3. إذا خرج الدم وشكّ في كونها يائساً.
4. إذا رأت الدم في غير أيام العادة مع تخلّل العشر وكانت فاقدة لصفات الحيض.
5. إذا خرج الدم ولم يعلم استمراره ثلاثة أيام.
6. إذا خرج الدم وهي حامل ويُشكّ في كون الحمل مانعاً.
فبما أنّ كونها حيضاً أمر محتمل ولم يمنع عن الحكم به (بالحيض) دليل شرعي في مقام الإثبات، فيحكم به (بالحيض).
وحصيلة الكلام: أنّه إذا لم يكن دليل قاطع على عدم الحيضية، فالمرجع عندئذ هو قاعدة الإمكان، فمجرد الاحتمال كاف في الحكم به.
فلو قلنا بحجّية القاعدة فهي، وإلاّ فالمرجع هو الأصل الآخر وهو أصالة عدم كون المرأة حائضاً أو استصحاب كونها طاهراً.
كما أنّ المرجع فيما إذا رأت الدم في غير أيام العادة هو قاعدة التمييز حيث إنّ دليله يدلّ على العدم عند العدم، قال: «دم الاستحاضة بارد وأنّ دم الحيض حار».1
فمَن قال بحجيّة القاعدة يرجع في هذه الموارد الثمانية إليها، وإلاّ فالمرجع إمّا الاستصحاب أو قاعدة التمييز.

1 . الوسائل:2، الباب3 من أبواب الحيض، الحديث6.

صفحه 182
هذا مفاد القاعدة، إنّما المهم ما هو الدليل على أحد الاحتمالين وهذا ما سيوافيك في الجهة التالية.
***

الجهة الرابعة: دليل القاعدة

استدلّ على القاعدة بوجوه:

الأوّل: الأصل في دم النساء الحيضية (الغلبة)

يقال: إنّ الأصل في دم النساء كونه حيضاً; لأنّه الغالب فيها، والمخلوق فيهن للحكمة، أعني: تغذّي الجنين على الدم.
ولا يخفى أنّه ممنوع صغرى وكبرى. أمّا الصغرى: فلأنّ دم الاستحاضة مع سائر الدماء المحتملة ليس بأقلّ من دم الحيض، كدم القرح والجرح والبكارة، فالمجموع من حيث المجموع لا يقلّ عن الحيض.
وأمّا الكبرى: فقد سلمنا أنّ الدم الخارج حيض بحكم الغلبة الّتي بالغ في التأييد بها الفقيه الهمداني في مصباحه1 واستشهد بروايات، لكن الشارع حدّده بحدود وشرط له شروطاً وجعل له موانع، فما لم تحرز هذه الحدود لا يحكم عليها بالحيضية شرعاً، فلو شك في شرطيّة التوالي أو مانعية الحمل أو كونها بالغة أو يائسة، فلا يحتجّ بالقاعدة، لعدم إحراز الشروط والموانع وإن كان الخارج بصورة دم حيض عرفاً وطبيعة.

1 . مصباح الفقيه:4/68.

صفحه 183

الثاني: بناء العرف

فإنّ المتعارف أنّ المرأة (التي من شأنها أن تحيض) متى ما رأت ما يمكن أن يكون حيضاً، تبني على كونه حيضاً.
يقول الشيخ الأنصاري: استقرار سيرة المتشرّعة على جعل الدم الخارج من المخرج حيضاً ما لم يعلم كونه دماً آخر، بل على ذلك بناء العرف قاطبة، وكما يجب الرجوع إلى العرف لاستعلام مراد الشارع من ألفاظه التي لم يثبت له فيها حقيقة شرعيّة، كذلك يجب الرجوع إليه لاستعلام مصاديق ما عُلم إرادته من ألفاظ الشارع إذا لم ينصب معرّفاً خاصّاً لمعرفة تلك المصاديق.1
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ العرف مرجع في تحديد المفاهيم لا المصاديق ـ كما قيل ـ أنّ ما ذكره إنّما يفيد إذا كانت الشبهة موضوعية، كرؤية المبتدأة الدم ما لم تمض ثلاثة أيام، وأمّا إذا كانت الشبهة حكمية ـ على ما مرّت ـ2 فالنساء غير عارفات بالأحكام الكلّية التي تضمّنت شروطاً وقيوداً للحكم بالحيض، فإذا فقدن العلم بها لا تكون مرجعاً لتشخيص المصاديق.

الثالث: الإجماع

قال المحقّق في «المعتبر»: وما تراه المرأة بين الثلاثة إلى العشرة حيض إذا انقطع، ولا عبرة بلونه ما لم يعلم أنّه لقرح أو عذرة، وهو إجماع، ولأنّه زمان

1 . كتاب الطهارة:3/331.
2 . كما إذا رأت الدم أياماً غير متوالية، أو رأت وهي حامل.

صفحه 184
يمكن أن يكون حيضاً فيجب أن يكون الدم فيه حيضاً.1
ونظيره العلاّمة في «المنتهى».2 من قوله: (ولأنّه في زمان يمكن أن يكون حيضاً فيكون حيضاً) دليل لما ذكره وهو يدلّ على تسليم الكبرى.
يلاحظ عليه: أنّ الإجماع في المقام مدركي، فقد استندوا إلى ما ورد من الروايات التي سنتلوها عليك. على أنّ المتيقّن من كلماتهم هو التمسّك بالقاعدة في خصوص أيام العادة إذا اختلف وصف الدم بين الأوائل والأواخر، أو اختلف وصف العادة الثانية في بعض أيامها، فقد3 حكموا بالحيض في تلك الموارد، وأين هو من حجّية قاعدة الإمكان في الشبهات الحكمية والموضوعية.

الرابع: الروايات

استدلّ المتأخّرون على التفسير الثاني للقاعدة بالروايات المشتملة على التعليل باحتمال الحيض مع عدم المانع الشرعي، وهذا القسم من الروايات هو أفضل ما استدلّ به على المقام، والروايات على طوائف:

الطائفة الأُولى: الحبلى ربّما قذفت الدم

دلّت غير واحدة من الروايات على أنّ الحيض يجتمع مع الحمل، منها:
1. صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سُئل عن الحبلى

1 . المعتبر:1/203.
2 . منتهى المطلب:2/287.
3 . لاحظ عبارة المبسوط المتقدّمة في ص 173 .

صفحه 185
ترى الدم، أتترك الصلاة؟ فقال: «نعم، إنّ الحبلى ربّما قذفت بالدم».1
2. مرسلة حريز عمّن أخبره، عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) في الحبلى ترى الدم، قال: «تدع الصلاة فإنّه ربّما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة».2
3. صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: «نعم، إنّه ربّما قذفت المرأة الدم وهي حبلى».3
4. صحيحة سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك الحبلى ربّما طمثت؟ قال: «نعم وذلك أنّ الولد في بطن أُمّه غذاؤه الدم فربّما كثر ففضل منه، فإذا فضل دفقته، فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة».4
وجه الدلالة: أنّ الإمام (عليه السلام) أمرها بترك الصلاة بمجرّد الاحتمال الذي يساوق الإمكان.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الروايات بصدد ردّ ما عليه أبي حنيفة وأمثاله، قال الشيخ في «الخلاف»: الحامل عندنا تحيض قبل أن يستبين حملها، فإذا استبان فلا حيض. وقال الشافعي في الجديد: إنّها تحيض، ولم يفصّل. وقال في القديم: لا تحيض، ولم يفصّل، وبه قال أبو حنيفة.5
فالإمام بصدد ردّ قول مَن ينفي اجتماع الحيض مع الحمل، ويصحّح

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث1.
2 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث9.
3 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث10.
4 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث14.
5 . الخلاف:1/239، المسألة 205.

صفحه 186
الاجتماع بالتعاليل الواردة في الروايات من قوله: «إنّ الحبلى ربّما قذفت بالدم»، ومن قوله:«فإنّه ربّما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة»، ونظير ذلك.
فأين هذه التعليلات من تأسيس قاعدة باسم (قاعدة الإمكان) وأنّه كلّما لم يمتنع الحيض فهو حيض، ففتوى أبي حنيفة وأمثاله قرينة على المراد بالتعليلات ردّ هذه الظنون والأفكار، لا تأسيس قاعدة باسم: قاعدة الإمكان.
والذي يدلّ على ما ذكرنا أنّ الإمام أمر بالاختبار في مورد الحبلى، في الروايات التالية:
الف. روى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال:«إن كان دماً عبيطاً فلا تصلّي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين».1
ب. روى محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألت عن الحبلى قد استبان حبلهاترى ماترى الحائض من الدم؟ قال: «تلك الهراقة من الدم إن كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلّي، وإن كان قليلاً أصفر فليس عليها إلاّ الوضوء».2
فإنّ الارجاع إلى التمييز في الصفات في مورد الحبلى أفضل دليل على بطلان قاعدة الإمكان. وإلاّ فمع حجّيتها، لا حاجة إلى التمييز بها.
ج. روى أبو المغرا قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منهاترى كماترى الحائض من الدم؟ قال:«إن كان دماً كثيراً فلا تصلّي، وإن كان

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث6.
2 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث15.

صفحه 187
قليلاً فلتغتسل عند كلّ صلاتين».1
ترى أنّه جعل الكثرة دليلاً على كونه حيضاً والقلّة دليلاً على كونه استحاضة، فالتمسّك بالتمييز مع وجود الموضوع لقاعدة الإمكان دليل على عدم صحّتها.

الطائفة الثانية: إفطار الصائمة بمجرّد الطمث

دلّت غير واحدة من الروايات على وجوب إفطار الصائمة بمجرّد الطمث، منها:
1. روى العيص بن القاسم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «تفطر حين تطمث».2
2. روى علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في امرأة حاضت في رمضان حتى إذا ارتفع النهار رأت الطهر، قال: «تفطر ذلك اليوم كلّه، تأكل وتشرب ثم تقضيه»، وعن امرأة أصبحت في رمضان طاهراً حتّى إذا ارتفع النهار رأت الحيض؟ قال: «تفطر ذلك اليوم كلّه».3
3. روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أي ساعة رأت الدم فهي تفطر، الصائمة إذا طمثت، وإذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم، والليل مثل ذلك».4

1 . الوسائل:2، الباب30 من أبواب الحيض، الحديث5.
2 . الوسائل:2، الباب 50 من أبواب الحيض، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب الحيض، الحديث6.
4 . الوسائل:2، الباب50 من أبواب الحيض، الحديث3.

صفحه 188
كيفية الاستدلال: أنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالإفطار بمجرّد رؤية الدم، مع أنّ كون الخارج دمَ الحيض أمر محتمل.
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ الظاهر تسليم السائل والمجيب أنّ الخارج دم حيض، لا أنّه دم محتمل، وليست الروايات في مقام جعل الحيضية للمحتمل أنّه حيض.
ثانياً: أنّ الروايات بصدد بيان مفطرية الدم مطلقاً في مقابل مَن زعم أنّ خروج الدم بعد الزوال ليس بمفطر، ومَن درس روايات الباب يظهر ذلك له بوضوح.

الطائفة الثالثة: الأمر بالتحيّض قبل وقت العادة

منها: روى سماعة قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها؟ فقال: «إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلاة فإنّه ربما تعجّل بها الوقت».1 فقد اكتفى الإمام في الاستدلال على كون الدم، دم حيض بالاحتمال وأنّه ربّما يتقدّم.
يلاحظ عليه: أنّ السائل والمجيب قد تسالما أنّ الدم الخارج قبل وقت العادة دم حيض، ولكن السائل تعجّب من تقدّمه على وقت العادة، فصار الإمام بصدد دفع تعجّبه، بأنّه ربّما يتقدّم الدم فلا يضرّ بالتحيّض، وأين هذا من جعل الاحتمال دليلاً على الحيض على وجه الإطلاق؟!

1 . الوسائل:2، الباب13 من أبواب الحيض، الحديث1.

صفحه 189

الطائفة الرابعة: الاستدلال بالاحتمال

روى العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شيء؟ قال: «تترك الصلاة حتى تطهر».1
والشاهد في قوله:«ثم عاد إليها شيء» أي محتمل كونه حيضاً.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من قوله:«ثم عاد إليها شيء» هو عود الدم الذي ذهب، فالعائد كان دم حيض قطعاً لا دماً محتملاً.

الطائفة الخامسة: الاكتفاء بالصفرة في أيامها

روى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، قال: «لا تصلّي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضّأت وصلّت».2
ترى أنّ الإمام اكتفى بالصفرة بالحكم بالحيض، وهو لا يفيد إلاّ الاحتمال.
يلاحظ عليه: أنّ الإمام حكم بالحيض لكون الصفرة في أيام العادة، فالسبب للحكم بالحيض كون الصفرة في أيام العادة، وقد مرّ في كلمات القوم تبعاً للروايات أنّ الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وفي غيرها استحاضة.
وحصيلة الكلام في هذه الروايات: أنّ المفروض فيها كون الخارج دم حيض، وإنّما طرأ الشكّ في الحكم عليه بالحيض لأجل أُمور خارجة

1 . الوسائل:2، الباب32 من أبواب الحيض، الحديث1.
2 . الوسائل:2، الباب4 من أبواب الحيض، الحديث1.

صفحه 190
عن حقيقة الدم ككون الحمل مانعاً، أو التقدّم على وقت العادة، أو أنّ خروج الدم قبل الظهر مفطر لا بعده، إلى غير ذلك من الأُمور التي سبّبت السؤال، وأين ذلك من جعل قاعدة ظاهرية على الدم المحتمل؟!
وعلى ذلك ففي الموارد المشتبهة كما مرّ فالمرجع هو التمييز بالصفات إن كانت، وإلاّ فالمرجع هو الاستصحاب، أي أصالة عدم كونها حائضاً، ولا تصل النوبة إلى قاعدة الإمكان، فهي ليست حجّة، والله العالم.
***
تمت قاعدة
كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض

صفحه 191
القواعد الفقهية
   46
قاعدة
إذا بلغ الماء قدر كرٍّ لا ينجّسه شيءٌ
الكر لغة واصلاحاً
الأقوال الستة في تقدير الكرّ بالمساحة
دراسة الروايات والأدلة
أدلّة الأقوال
تقدير الكرّ بالوزن
مشكلة الاختلاف بين التقديرين
من القواعد المعروفة ـ بل الأفضل أن نقول: من المسائل الفقهية المتداولة بين الفقهاء والّتي اتّفقوا عليها ـ قولهم: إنّ الماء إذا بلغ قدر كُرٍّ فلا ينجّسه شيءٌ، ولكنّه وقع الاختلاف في كلمات العلماء في تحديد الكرّ بالمساحة أوّلاً، وبالوزن ثانياً .
وإليك دراسة هذه القاعدة.

صفحه 192

الكُرّ لغةً واصطلاحاً

لاشكّ أنّ الكرّ كان مقياساً من المقاييس، قال الطريحي: الكرُّ ـ بالضم ـ أحد أكرار الطعام وهو ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، فانتهى ضبطه إلى اثني عشر وَسَقاً، والوسق ستون صاعاً .1
وعلى هذا فالكرّ في الطعام عبارة عن 720 صاعاً، وإليك صورته الرياضيّة:
12 × 60 = 720 صاعاً.
وهذا أكثر ممّا اعتبره الشارع في عاصميّة الماء. ولنذكر ما هو الكرّ شرعاً.
ولنبدأ بذكر أقوال علماء أهل السنّة فنقول:
إنّ الحدّ الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير هو القُلّتان (القلّة هي الجرّة سمّيت قلّة لأنها تُقل بالأيدي أو تُحمل) من قلال هجر، وهو خمس قِرَب، في كلّ قربة مائة رطل عراقي، فتكون القلّتان خمسمائة رطل بالعراقي.
وأمّا عند المالكية فلا حدّ للكثرة فلم يحدّوا لها حدّاً مقدّراً، فإذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيّره فإنّه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، ولا كراهة في العادات.
وأمّا عند الحنفية فهو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حرّكه

1 . مجمع البحرين: مادة «كرر».

صفحه 193
آدمي من أحد طرفيه لم تصل الحركة إلى الطرف الثاني منه.
والقلّة ما كان دون عَشْر في عَشْر من أذرعة العامّة، فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه .1
وفي «المنتهى»: وقال بعضهم: ما كان كلّ من طوله وعرضه عشرة أذرع في عمق شبر لم ينجس.2 فعلى هذا فكل من الطول والعرض 20 شبراً يضرب أحدهما في الآخر وتكون النتيجة أربعمائة شبر.
هذه هي أقوال أهل السُّنّة، وأمّا أقوال أصحابنا فربما ناهز عددها الخمسة أو الستة إذا أُضيف إليها قول ابن طاووس، القائل بالتخيير بين الأقوال، وسيوافيك بيانه.
إذا عرفت هذا فلنذكر ما عليه أصحابنا في تحديد الكرّ مساحة ووزناً، ويقع الكلام في مقامين:
الأوّل: دراسة الأقوال .
الثاني: دراسة الروايات والأدلّة.

1 . الفقه الإسلامي وأدلّته للزحيلي: 1 / 126 ـ 128. ولاحظ: الفقه على المذاهب الخمسة: 19; الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 39 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 33 .

صفحه 194

المقام الأوّل: في دراسة أقوال أصحابنا

القول الأوّل

ذهب الشيخ وابن البرّاج وابن إدريس وابن حمزة والمحقّق إلى أنّها عبارة عن ثلاثة أشبار ونصف طولاً، في عرض، في عمق .1 ويصفه في «المدارك» بأنّه أشهر الأقوال في المسألة.2 وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسّره (حجمه) إلى اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان الشبر .

القول الثاني

ذهب ابن بابويه وجماعة القميّين إلى أنّه عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً، في عرض، في عمق بإسقاط الأَنصاف في الأبعاد الثلاثة، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسّره (حجمه) إلى سبعة وعشرين شبراً. وهو أيضاً خيرة الشهيد الثاني في «الروضة»، والمحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد3 وهو خيرة العلاّمة في المختلف 4، ومن المتأخّرين شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيّد الخوئي ـ قدس الله أسرارهم ـ .5

1 . المبسوط:1/6 ; المهذّب:1/21 ; السرائر:1/60 ; الوسيلة:73 ; شرائع الإسلام:1 / 10.
2 . المدارك: 1 / 49، ولاحظ نخبة الأزهار للوالد، رسالة في تحديد الكرّ: 200. وهو تقرير دروس شيخه شيخ الشريعة الاصفهاني. والتنقيح في شرح العروة الوثقى للغروي (تقرير دروس السيد الخوئي): 2 / 151 ـ 209 .
3 . الروضة البهية: 1 / 257 ; مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 1 / 260 .
4 . مختلف الشيعة: 13 / 184.
5 . كتاب الطهارة للخوئي: 1 / 197 .

صفحه 195

القول الثالث

ذهب صاحب «المدارك» إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره إلى ستة وثلاثين شبراً، وحكى في المدارك أنّه يظهر من المحقّق في «المعتبر» الميل إلى هذه الرواية 1. وهو خيرة السيّد الاصفهاني وبعض المعاصرين ـ قدس الله أسرارهم ـ .
فمن اعتبر الأنصاف استند إلى رواية أبي بصير، ومن أسقطها اعتمد على رواية إسماعيل بن جابر، كما يأتي .

القول الرابع

إنّ الكرّ عبارة عن مائة شبر، وهو خيرة ابن الجنيد.2

القول الخامس

الكرّ عبارة عن ما بلغت أبعاده إلى عشرة ونصف ولم يعتبر التكسير، وهو خيرة القطب الراوندي.3
وقال العلاّمة: وما أشدّ التنافي بين كلامه وكلام ابن الجنيد .

القول السادس

التخيير بين الجمع، والعمل بكل ما روي.4
***

1 . مدارك الأحكام: 1 / 49; ولاحظ : المعتبر: 1 / 46 .
2 . حكاه عنه العلاّمة في مختلف الشيعة: 1 / 21.
3 . حكاه عنه العلاّمة في مختلف الشيعة: 1 / 22. ولاحظ : جواهر الكلام: 1 / 173 .
4 . جواهر الكلام: 1 / 174 .

صفحه 196

المقام الثاني: دراسة الروايات والأدلّة

وردت في المقام روايات وهي بين ثلاثيّ الأبعاد وثنائيّها، وإليك نقل الجميع مرّة واحدة ثم دراسة الكلّ واحدة تلو الأُخرى:
1. روى أبو بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله، ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».1
2. روى الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجّسه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟
قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»2.
3. روى إسماعيل بن جابر ، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ قال (عليه السلام): «ذراعان عمقه، في ذراع وشبر سعته».3
4. روى إسماعيل بن جابر ـ أيضاً ـ ، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال: «كرّ» قلت: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».4
دليل القول الأوّل
قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب أن الكرّ عبارة عمّا كان كلّ واحد

1 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6، وسيوافيك توضيح الرواية.
2 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . والباب 10، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
4 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 197
من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصفاً، واستدلّ عليه بروايتين:

الأُولى: رواية أبي بصير

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف،1 في مثله ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».

دراسة السند

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة جليل.
2. أحمد بن محمد في الكافي بهذا النحو، نعم نقل عن التهذيب وفي المدارك: أحمد بن محمد بن يحيى، ثم قال: فإنّه مجهول.2
وقال في «الجواهر»: أحمد بن محمد بن عيسى، وأنّ يحيى تصحيف «عيسى» 3. وهذا هو الصحيح.
3. عثمان بن عيسى. قال النجاشي: شيخ الواقفة ووجهها وأحد

1 . في بعض النسخ «نصفاً» عطفاً على ثلاثة أشبار المنصوبة لكونها خبراً لـ «كان»، وفي بعضها الآخر كالوسائل «نصف» فيكون مجروراً على حذف المضاف وإبقاء أثره أي «قدر نصف»، على حدّ قول القائل:
أكل امرئ تحسبين امرءاً *** ونار توقد بالليل ناراً
فقوله: «نار» مجرور بحذف المضاف، أي: كلّ نار توقد بالليل تحسبينها ناراً. وبعبارة أُخرى: إنّ المعطوف عليه أيضاً مجرور على حذف المضاف، أي «قدر ثلاثة أشبار ونصف» .
2 . مدارك الأحكام: 1 / 49 .
3 . جواهر الكلام: 1 / 173 .

صفحه 198
الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر (عليه السلام). ورغم ذلك عدّه الكشّي من أصحاب الإجماع الثالث، وحكى عن نصر بن صباح توبته ورجوعه عن الوقف، وقال الطوسي في «العدّة»: عملت الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً ومتحرّزاً عن الكذب، وعدّه ابن شهرآشوب من ثقات أبي الحسن (عليه السلام)، له 746 رواية في الكتب الأربعة .1 ويدلّ على رجوعه روايته عن الرضا (عليه السلام).
روى الكليني بسنده عن عثمان بن عيسى قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في الرجل يعطى الحَجّة فيدفعها إلى غيره؟ قال: «لا بأس به»2. ووجود الروايات الكثيرة في الكتب الأربعة عنه دليل على اعتماد الأصحاب بنقله وروايته. وإلاّ لما أصرّوا بنقل أحاديثه الكثيرة وضبطها.
4. عبدالله بن مسكان: ثقة بلا كلام.
5. أبو بصير وهو ثقة بلا كلام، وقد أثبتنا في محلّه أن كلّ من كُنّي بأبي بصير كلّهم ثقات، لا فرق بين المرادي والاسدي وغيرهما، لو كان له مصداق غيرهما.3
وعلى هذا لا يمكن ردّ الرواية بسهولة، ومفادها هو المشهور بين القدماء.
وبهذا عرفت حال السند إنّما الكلام في دلالة الرواية على المطلوب.

1 . الموسوعة الرجالية الميسرة: 296 ، برقم 3726.
2 . الكافي: 4 / 309، كتاب الحج، الحديث 3.
3 . لاحظ مقدّمتنا لكتاب «مسند أبي بصير» للشيخ بشير المحمّدي المازندراني.

صفحه 199

دراسة المتن

الاستدلال على القول المشهور مبني على تضمّن الرواية بياناً للأبعاد الثلاثة.
وقد اختلفت كلمتهم في دلالة الرواية على الأبعاد الثلاثة وأنّها كيف تتضمّن بيانها، وأوضح الوجوه أن يقال:
1. أنّ قوله: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» بيان لأحد الطرفين: الطول والعرض.
وقوله: «في مثله» بيان للطرف الآخر.
وقوله: «ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» بيان لمقدار العمق، وهو خبر ثان لـ «كان».
وهذا هو الذي يظهر من شيخنا بهاء الدين العاملي حيث قال: الضمير في قوله «مثله» يعود إلى ما دلّ عليه قوله: «ثلاثة أشبار ونصفاً» أي في مثل ذلك المقدار لا مثل الماء، إذ لا محصّل له .1
ثم إنّ لعلمائنا الأبرار كلمات أُخرى في توجيه الرواية، أكثرها يرجع إلى بيان الأبعاد الثلاثة، وأخيرها يرجع إلى أنّ مورد الرواية هو المستدير الغني عن الأبعاد الثلاثة، وإليك تلك الوجوه:
الأوّل: أنّ سوق الكلام يدلّ على البعد الآخر، والاكتفاء في المحاورات ببيان البعض استغناءً به عن الآخر، أمر ذائع، قال الشاعر:
كانت حنيفة أثلاثاً فُثلثهم *** من العبيد وثلث من مواليها

1 . الحبل المتين: 1 / 471، الطبعة المحقّقة.

صفحه 200
حيث فُهم الثلث الآخر وهو من لم يكن عبيداً ولا موالياً من سياق الكلام، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «أُحب من دنياكم ثلاثاً: الطيب والنساء» ولم يذكر القسم الثالث الذي هو الصلاة في هذا الباب.1
الثاني: أمّا قوله: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» فهو بيان لأحد البعدين من العرض أو الطول .
وقوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف» بيان للبعد الآخر. لأنّ : «ثلاثة أشبار ونصف» بدل من «مثله» .
وقوله: «في عمقه في الأرض» بيان للعمق.
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «في عمقه في الأرض» عندئذ، يصير كلاماً منقطعاً لا يصلح أن يكون مبيّناً لمقدار العمق، إلاّ أن تقدّر لفظة «كذلك» بأن يقال: «في عمقه في الأرض كذلك» وهي ليست موجودة.
الثالث: أن يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» بياناً لأحد جانبي الطول والعرض، وترك ذكر الجانب الآخر للاكتفاء بذكر أحد البعدين الشائع في الكلام، ويكون قوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» راجعاً إلى بعد العمق.2
الرابع: يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» ناظراً إلى قطر المستدير، وقوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» ناظراً إلى العمق، فيضرب نصف القطر في نصف المحيط والنتيجة في العمق ويكون الحاصل 33 شبراً

1 . مجمع البحرين: 3 / 472، مادة «كرّ».
2 . لاحظ: مرآة العقول: 13 / 13 .
Website Security Test