welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 121
قلّة وكثرة ثمّ ترجيح أقلهما، حيث قال: التفصيل بين ما كان الضرر يُوعَد به المكرَه أعظم أو مساوياً فيرتفع، وبين ما كان أقلّ فلا يرتفع.1
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استدلّ على جواز الإضرار بالغير بعموم نفي الإكراه لجميع المحرّمات حتى الإضرار بالغير ما لم يبلغ الدم.
يلاحظ عليه: أنّ الإضرار بالغير بأي غرض وداع كان، أمر قبيح، سواء أكان الإضرار بالغير لأجل صيانة النفس عن عقاب المُكرِه، أم كان لأجل دفع الضرر المتوجّه إلى نفسه وصرفه إلى الغير، فالكلّ قبيح بلا إشكال. وأدلّة نفي الإكراه لم يثبت شمولها لهذه الموارد حتى يقال بتقدّمها من باب الحكومة، إذ لسانها امتناني ولا امتنان في رفع حكم الإكراه إذا كان مستلزماً للإضرار على الغير مع معارضته بأدلّة:«لا ضرر» الدالّة على نفي تشريع يستلزم الضرر على الآخرين.
فالأولى أن يقال: إنّ حديث الإكراه مختصّ بالمحرّمات الإلهية ولا يشمل حقوق الناس وشؤونهم، وإن أبيت فغاية ما يمكن أن يقال هو التفصيل بين الضررين، فإذا أُكره على الإضرار بالغير فإن كان الضرر المتوعّد به في صورة الترك أعظم ممّا أُكره عليه جاز لكن مع الضمان، نحو ما إذا قال: خُذ مال الغير وإلاّ لقتلتك، أو لقتلت ولدك، نظير ما لو تصرّف في مال الغير لرفع الجوع، أمّا الجواز فلأهمية حفظ النفس، وأمّا الضمان فلأنّ الضرورات تقدّر بقدرها.
وأمّا لو كان الضرران متساويين، فلا يجوز فضلاً عمّا إذا كان أحدهما

1 . تعليقة المحقّق الإيرواني على المكاسب:45.

صفحه 122
أدون، ولو تصرّف مع ذلك يكون ضامناً، وكون الحديث وارداً في مورد الامتنان أقوى شاهد على عدم شموله لحقوق الناس واختصاصه بحقوق الله، اللّهمّ إلاّ إذا قلنا بالتفصيل الذي عرفت.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم استدل على مختاره بوجوه غير تامّة، وقد درسناها في محاضراتنا الفقهية وأثبتنا ضعفها في كتابنا «المواهب في تحرير المكاسب» فمن أراد فليرجع إليها.1
***
تمّت قاعدة
الإكراه على العقود والأُمور المحرّمة
وبها يتمّ الفصل الرابع

1 . لاحظ: المواهب في تحرير المكاسب:794ـ 799.

صفحه 123

   الفصل الخامس   

في العقود التي يكون القبض فيها مملّكاً

وقع القبض موضوعاً لأحكام كثيرة مذكورة في كتاب البيع والخيارات، وهو على قسمين:
   1. القبض المملِّك أو المتمّم للعقد.
   2. القبض الموصوف بكونه وفاءً بالعقد.
ويراد بالأوّل ما لا يكون العقد كافياً في حصول المسبّب، بل يتوقّف إمّا على التقابض كما في بيع الصرف، أو على الإقباض كما في السَّلم والرهن.
ويراد بالثاني ما يكون العقد كافياً في حصول المسبّب كتمليك المبيع وتملّك الثمن، ويكون القبض عندئذ بمنزلة الوفاء بالعقد، على نحو لو لم يُقبض يُجبر من جانب الحاكم عليه، ويترتّب على وجوب القبض حرمة إمساك المبيع إذا طلبه المشتري، أو الثمن إذا طلبه البائع.
والكلام في هذا الفصل مختصّ ببيان الموارد التي يكون فيها القبض مملِّكاً ومتمّماً للعقد عند المشهور، وهي عبارة عن الموارد التالية:
   1. قاعدة لا رهن إلاّ مقبوضاً.
   2. قاعدة لا وقف إلاّ بالقبض.
   3. قاعدة لا حكم للهبة ما لم تقبض.
   4. قاعدة بيع الصرف وشرطية التقابض في المجلس.
   5. قاعدة بيع السلف وشرطية القبض قبل التفرّق.
   6. شرطية القبض في الحبس والرقبى.

صفحه 124

صفحه 125
القواعد الفقهية
      40

قاعدة

لا رهن إلاّ مقبوضاً
في تعريف الرهن والقبض
للقبض دوران: وفاء بالعقد و جزء للتمليك
الأقوال في دور القبض في الرهن.
   1. لا دور للقبض في الرهن
   2. القبض داخل في ماهيّة الرهن
   3. إنّ القبض شرط الصحّة
   4. إنّ القبض شرط لزوم الرهن
دليل القول بأنّه جزء للتمليك
ثمرات القاعدة

في تعريف الرهن والقبض

عُرّف الرهن بأنّه عبارة عن كونه وثيقة لدين المرتهن.1
وقال ابن سعيد الحلّي: الرهن يكون على دين ثابت في الذمّة، كثمن

1 . شرائع الإسلام:2/329.

صفحه 126
المبيع والأُجرة والمهر وعوض الخلع.1
وعرّفه سيدنا الأُستاذ بأنّه: عقد شرّع للاستيثاق على الدين.2
وأمّا القبض، فقد عرّفه ابن الأثير في «النهاية»: الأخذ بجميع الكّف، والقبضة ما قبضتَ عليه من شيء، ومثله ما في «لسان العرب».3
أقول: إنّ القبض بهذا المعنى، وإن كان متحقّقاً في البيع إذا كان يداً بيد كما في باب الصرف والسَّلم، لكنّه غير متحقّق في بيع المزارع والبساتين الفاقدة للجدران والأبواب، ووقف الأنهار والآبار وبيعها، فلابدّ أن يراد بالقبض هو الاستيلاء التامّ على ما هو الغرض من العقد.
فالقبض في مورد الرهن عبارة عن تسلّط المرتهن على العين المرهونة بحيث يمنع الغير من التصرّف فيها.
وعلى كلّ تقدير فقد اشتهرت بين الفقهاء قاعدة «لا رهن إلاّ مقبوضاً» ومع ذلك فيه أقوال:

القول الأوّل: لا دور للقبض في الرهن

ذهب بعضهم إلى أنّه لا فرق بين بابي الرهن والبيع، فالإيجاب والقبول في الرهن كاف في لزوم العقد، نظير باب البيع، فيكون العقد لازماً لكن يُجبر الراهن على التسليم، كما يجبر البائع على تسليم المبيع، والمشتري على تسليم الثمن، فعلى هذا يكون القبض في الرهن موصوفاً

1 . الجامع للشرائع:287.
2 . تحرير الوسيلة:2/5.
3 . النهاية لابن الأثير:4/6، مادة «قبض»; لسان العرب:7/214، مادة «قبض».

صفحه 127
بالوفاء بالعقد لا مملّكاً ولا متمّماً للعقد; وهذا خيرة الشيخ في الخلاف والمبسوط، وتبعه ابن إدريس.
قال الشيخ: يلزم الرهن بالإيجاب والقبول، وبه قال أبو ثور ومالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: عقد الرهن ليس بلازم ولا يجبر الراهن على تسليم الرهن، فإن سلّم باختياره، لزم بالتسليم.
دليلنا: قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1 وهذا عقد مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب.2
وقال في «المبسوط» ـ بعد ما نقل عن بعضهم أنّ عقد الرهن ليس بلازم ولا يُجبر الراهن على تسليم الرهن ـ : الأولى أن نقول: يجب بالإيجاب والقبول ويجبر على تسليمه، ثم أشار إلى قاعدتين: كلّ ما جاز بيعه، جاز رهنه من متاع، واستدامة القبض ليس بشرط في الرهن.3
وتبعه ابن إدريس وقال: وقال الأكثرون المحصّلون منهم: يلزم بالإيجاب والقبول. وهذا هو الصحيح; لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وهذا عقد يجب الوفاء به.4

القول الثاني: القبض داخل في ماهيّة الرهن

إنّ العين المرهونة ما لم يتسلّط عليها المرتهن على نحو يمنع من تسلّط الغير، ليس برهن. ولم نعثر على مَن يقول به إلاّ ما يظهر من عبارة

1 . المائدة:1.
2 . الخلاف:3/223، المسألة 5 .
3 . المبسوط:2/198.
4 . السرائر:2/417.

صفحه 128
الشيخ في «النهاية» حيث قال: ولا يدخل الشيء في أن يكون رهناً إلاّ بعد قبض المرتهن له وتمكّنه منه.1
وحمله ابن إدريس على أنّ القبض شرط اللزوم عند الشيخ، وهو حمل بلا شاهد. وعلى كلّ تقدير فهذان القولان على طرفي النقيض في المسألة.

القول الثالث: إنّ القبض شرط للصحّة

ذهب غير واحد من الفقهاء إلى أنّ القبض شرط لصحّة الرهن، فلو عقد ولم يُقبض لا يوصف بالصحّة حتى يُقبض; وهذه نظرية الشيخ المفيد، وأبي الصلاح، والديلمي، والمحقّق، وابن سعيد، وإليك مقتطفات من عباراتهم:
1. قال الشيخ المفيد: لا يصحّ الارتهان إلاّ بالقبض.(2)
2. وقال أبو الصلاح: تفتقر صحّة الارتهان إلى قبض الرهن فيما يصحّ قبضه، أو رفع الحظر فيما لا يصحّ قبضه وقبول ذلك.2
3. وقال الديلمي: لا يصحّ الارتهان إلاّ بالقبض.(4)
4. وقال المحقّق: وهل القبض شرط في الرهن؟ قيل: لا; وقيل: نعم، وهو الأصحّ، ولو قبضه من غير إذن الراهن لم ينعقد، وكذا لو أذن في قبضه ثم رجع قبل قبضه.3

1 . النهاية:431.   2 . المقنعة:622.
2 . الكافي في الفقه:334.   4 . المراسم العلوية:192.
3 . شرائع الإسلام:2/66.

صفحه 129
5. وقال ابن سعيد الحلّي: الرهن عقد لازم من جهة الراهن، جائز من جهة المرتهن. وشرط صحّته، الإيجاب والقبول والقبض باختيار الراهن.1

القول الرابع: إنّ القبض شرط لزوم الرهن

إنّ الإيجاب والقبول عقد جائز ولا يوصف باللزوم إلاّ بعد تحقّق القبض، وهذا ما يظهر من ابن زهرة، قال: فأمّا القبض فهو شرط في لزومه ـ الرهن ـ من جهة الراهن دون المرتهن. ومن أصحابنا مَن قال: يلزم بالإيجاب والقبول.2
وقال الكيدري: أمّا القبض فشرط في لزومه من جهة الراهن دون المرتهن، وقيل: يلزم بالإيجاب والقبول; لقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، الظاهر من المذهب المجمع عليه هو الأوّل.3
هذه هي أقوال أصحابنا إلى القرن السادس، وتركنا كلمات المتأخّرين لأنّها لا تخرج عن حدود هذه الأقوال الأربعة، إنّما الكلام في ما هو المستفاد من الكتاب والسنّة.
أقول: أمّا الكتاب العزيز، فيقول تعالى ـ في مورد الدين ـ : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ).4

1 . الجامع للشرائع:287.
2 . غنية النزوع:243.
3 . إصباح الشريعة بمصباح الشريعة:287.
4 . البقرة:283.

صفحه 130
أمر الله سبحانه في الآية المتقدّمة على هذه الآية أنّه إذا تداين بعض من بعض ديناً فليكتُب أوّلاً وليشهد شاهدان من الرجال ثانياً، ومن المعلوم أنّ مثل هذا في غنى عن الرهان، ثم فرض في هذه الآية عدم التمكّن من الأمرين: وقال:(وَإِنْ كُنْتُمْ) أيها المتداينون المتبايعون (عَلَى سَفَر): أي مسافرين (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) للكتابة ولا شهوداً تشهدونهم، فعندئذ (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)فالرهن المقبوض يقوم مقام الأمرين: الكتابة والشهود.
وأمّا الروايات، فقد جاء فيها ما يلي:
1. موثّقة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«لا رهن إلاّ مقبوضاً».1
2. مرسلة العياشي في تفسيره عن محمد بن عيسى، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«لا رهن إلاّ مقبوض».2
هذا ما ورد في المقام، إنّما الكلام في استظهار ما هو المراد من الآية والروايتين.
أقول: أمّا الآية فهي دليل على عدم صحّة القول الثاني بأنّ القبض داخل في ماهيّة الرهن، إذ لو كان داخلاً في حقيقة الرهن لما صحّ قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، إذ المفروض أنّ القبض داخل في حقيقة الرهن.
بقي الكلام في الأقوال الثلاثة:
أقول: إنّ مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الروايات هو القول الأوّل

1 . الوسائل:13، الباب 3 من أبواب كتاب الرهن، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب 3 من أبواب كتاب الرهن، الحديث2.

صفحه 131
وأنّ وزان الرهن وزان البيع، فالحقيقة الاعتبارية في كلا المقامين تتحقّق بالإنشاء وتكون العين المرهونة متعلّقة بحقّ المرتهن، غير أنّه يجب على الراهن إقباض العين إذا طلبها المرتهن، كما أنّه يجب على البائع تسليم المبيع إذا طلبه المشتري، وبالعكس.
وأمّا بالنظر إلى ما ورد في الكتاب والسنّة.
أمّا الآية فدلالتها على اعتبار القبض في صحّة الرهن على القول الثالث أو لزومه على القول الرابع، لا يخلو من إشكال; وذلك لأنّ مورد الآية هو السفر وعدم وجود الكاتب والشاهد، ففي مثل ذلك، ينحصر الوثوق برهان مقبوضة، وعندئذ تكون الآية إرشاداً إلى حفظ المال في هذا النوع من الظروف لا حكماً مولوياً، ولذلك لو كان المرتهن واثقاً بحفظ ماله عند المديون لجاز له ترك القبض.
يقول المحقّق الأردبيلي: إنّ دلالة الآية غير ظاهرة، لكونها بالمفهوم وكونها للإرشاد بالاتّفاق، فالقيود أيضاً كذلك، ألاترى أنّ السفر غير شرط باتّفاقنا، وكذا عدم وجدان الكاتب، فيكون القبض كذلك، كما هو ظاهر، فلا يدلّ على اللّزوم1 (ولا على الصحّة).
وبالجملة فإيجاب القبض في الرهن تعبّداً ـ إذا كان على خلاف المرتكز عرفاًـ أمر مُشكل.
بقي الكلام في الروايتين:
أمّا الأُولى فوزان قوله(عليه السلام):«لا رهن إلاّ مقبوضاً»، وكذا الثانية وهي

1 . مجمع الفائدة والبرهان:9/133.

صفحه 132
قوله (عليه السلام): «لا رهن إلاّ مقبوض» وزان الجمل التالية:
1. «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب».
2. «لا صلاة إلاّ لمن يقم صلبه».
3. «لا صلاة إلاّ بطهور».
فبما أنّ حمل هذه التراكيب على نفي الحقيقة أمر لا يساعده الذوق الفقهي، فيحمل على نفي الصحّة، فتكون الموثّقة والمرسلة الماضيتين دليلاً على شرطية القبض في صحّة الرهن مضافاً إلى الإجماعات.
وأمّا القول الرابع ـ وهو كونه شرطاً للزوم الرهن ـ فيمكن أن يكون مراد القائل من اللّزوم هو الصحّة ـ كما احتمله الأردبيلي في شرح الإرشاد ـ فلو صحّ فهو، وإلاّ فاستفادة اللّزوم من الآية والروايتين أمر لا دليل عليه، بل الظاهر هو نفي الصحّة.
وقد احتمل في «مفتاح الكرامة» تأويل اللّزوم بالصحّة وقال: وهو وجيه جدّاً لكنّه بعيد من جهة اللزوم، ومن جهة ما فرّعوا عليه من الأحكام، لكن يقرّبه سوق الأدلّة واتحادها; وقد يقال: إنّ الصحّة صحّتان: صحّة بمعنى تماميّة العقد، وصحّة بمعنى قابليته للتماميّة; فمن عبّر باللّزوم أراد الأُولى، ومن عبّر بالصحّة أراد الثانية.1

1 . مفتاح الكرامة:15/425.

صفحه 133

ثمرات القاعدة

قد تعرّفت على الأقوال الأربعة في قبض الرهن، وعلى جميع الآراء يجب أن تكون العين المرهونة مملوكة للراهن، أو يكون مأذوناً في التصرّف فيها حتى بالإرهان إذا كانت مال الغير، فلا يجوز رهن ما لا يُملك كالخمر والخنزير والنجاسات غير المملوكة، كما لا يجوز رهن المغصوب أو مال الغير إذا لم يكن الراهن مأذوناً في التصرّف، من غير فرق بين القول بأنّ القبض في الرهن بمعنى الوفاء بالعقد، أو كونه مملّكاً أو متمّماً للعقد، فعلى جميع الآراء يشترط في الرهن ما ذُكر.
نعم يترتّب على النزاع (بين كون القبض في الرهن بمعنى الوفاء بالعقد نظير القبض في البيع والإجارة، وكونه مملّكاً أو متمّماً للعقد سواءً أكان شرطاً للصحّة أو شرطاً للزوم)، جواز إلزام الراهن على الإقباض على القول الأوّل، دون القول الآخر.
كما يترتّب عدم جواز التصرّف فيه قبل القبض بهبة أو بيع على القول الأوّل، وجوازه على القول الآخر حيث إنّ القبض مملّك أو متمّم للتمليك.
***
تمّت قاعدة
لا رهن إلاّ مقبوضاً

صفحه 134
القواعد الفقهية
   41
قاعدة
لا وقف إلاّ بالقبض
شرطية القبض في الوقف
هل القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم؟
ما هو الدليل على الشرطية؟
الفروع المترتّبة على شرطية القبض
الوقف على المصلحة

شرطية القبض في الوقف

اتّفقت الإمامية على لزوم القبض في الوقف، قال الشيخ: من شرط لزوم الوقف عندنا، القبض، وبه قال محمد بن الحسن (تلميذ أبي حنيفة)، وقال الشافعي والباقون: ليس من شرط لزومه القبض.1

هل القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم؟

ومع اتّفاقهم على لزوم القبض فقد اختلفت كلماتهم بين كون القبض شرط الصحّة أو شرط اللّزوم، وإليك عبارات مَن اعتبر القبض شرطاً للصحّة:

1 . الخلاف:3/539، المسألة 2.

صفحه 135
1. قال ابن البرّاج: الوقف في الأصل صدقة وتثبت صحّته بأمرين: أحدهما: صحّة التصرّف في ما يوقفه الإنسان إمّا بملك أو إذن.
والآخر: أن يُقبضه ويخرجه عن يده إلى من هو وقف عليه أو لمن يتولّى عنه ذلك أو يقوم مقامه في قبضه.1
2. قال ابن حمزة: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على وجه من سُبُل البر، وإنّما يصحّ بثمانية أشياء، وعدّ منها: تسلم الوقف من الموقوف عليه أو من وليه، إلاّ إذا جعل ولاية الوقف لنفسه مدّة حياته، أو يكون الموقوف عليه ولده الصغير.2
3. قال الراوندي: فإذا وقف شيئاً من أملاكه زال ملكه عنه إذا قبض الموقوف عليه أو من يتولّى عنه، وإن لم يقبض لم يصحّ الوقف ولم يلزم، فهذان شرطان في صحّة الوقف، فمتى لم يقبض الوقف ولم يخرجه من يده أو وقف ما لا يملكه، كان الوقف باطلاً.3
4. قال المحقّق: والقبض معتبر في الموقوف عليه أوّلاً، ويسقط اعتبار ذلك في بقية الطبقات.4
5. قال العلاّمة الحلّي: ولو وقف لم ينعقد بدون الإقباض، فلو مات الواقف بطل الوقف.5

1 . المهذّب:2/86.
2 . الوسيلة:369.
3 . فقه القرآن:2/291.
4 . شرائع الإسلام:2/171.
5 . تحرير الأحكام الشرعية:3/292.

صفحه 136
6. وقال أيضاً: لا يصحّ وقف ما لا يمكن إقباضه; لأنّ الإقباض شرط في صحّة الوقف عندنا على ما تقدّم.1
ولنقتصر بهذا المقدار من أقوال مَن اعتبروا القبض شرطاً للصحّة.
وفي المقام مَن يعتبر القبض شرطاً للزوم:
1. قال المفيد: فإذا وقف شيئاً زال ملكه إذا قبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، وإن لم يُقبض لم يمض الوقف ولم يلزم، وقال قوم: يلزم بنفس الوقف وإن لم يُقبض، والأوّل أصحّ.2
2. قال الطبرسي: إذا تلفّظ بالوقف وقبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، لزم الوقف.3
3. قال ابن إدريس: فإذا وقف شيئاً زال ملكه عنه إذا قبض الموقوف عليه أو مَن يتولّى عنه، وإن لم يُقبض لم يمض الوقف، ولم يلزم.4
أقول: الظاهر أنّ مَن عبّر عن الصحّة باللّزوم أراد به الصحّة، بشهادة الأُمور التالية:
1. أنّ العلاّمة مع أنّه ذكر أنّ القبض شرط في الصحّة، كما مرّ، عبّر في موضع آخر من التذكرة باللّزوم وقال: الوقف يلزم بالعقد والقبض عند علمائنا أجمع.5 وبه قال أحمد في إحدى الروايتين.

1 . تذكرة الفقهاء:2/432، الطبعة القديمة.
2 . المقنعة:652.
3 . المؤتلف من المختلف بين أئمّة السلف: 1/671.
4 . السرائر:3/152.
5 . تذكرة الفقهاء:2/427، المقصد الثاني: في الوقف، باب بيان أركان الوقف، الطبعة القديمة.

صفحه 137
2. أنّ الشهيد الثاني قال في «الروضة البهيّة»: ولا يلزم الوقف بعد تمام صيغته بدون القبض.1
وفي الوقت نفسه عبّر في «مسالك الأفهام» بالصحّة، قال: لا خلاف بين أصحابنا في أنّ القبض شرط لصحّة الوقف فلا ينعقد بدونه، كما لا ينعقد بالإيجاب مجرّداً عن القبول أو بالعكس.2
3. قال المحدّث البحراني: لا خلاف في اشتراط القبض في صحّة الوقف وتمامه بحيث إنّه بعده لا رجوع في الوقف، وأمّا قبله فله الرجوع، ولو مات قبله رجع ميراثاً... إلى أن قال: وربما عبّر بعضهم بأنّه شرط في اللّزوم، والظاهر أنّ مراده ما ذكر لا ما يتبادر من ظاهر العبارة، وقد صرّح في «المسالك» بذلك.3
وتظهر الثمرة في نماء الوقف، فلو قلنا: إنّ القبض شرط الصحّة، فالنماء بين العقد والقبض للواقف، وأمّا على القول الآخر (اللّزوم) فهو للموقوف عليه إذا حصل بعده القبض. إنّما الكلام في دليل الشرط.

ما هو الدليل على شرطية القبض؟

استدلّ على شرطية القبض صحّة أو لزوماً بروايات:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال ـ في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا ـ : «إذا لم يقبضوا

1 . الروضة البهية:3/166.
2 . مسالك الأفهام:5/314.
3 . الحدائق الناضرة:22/143.

صفحه 138
حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز; لأنّ والده هو الذي يلي أمره».1
أقول: الاستدلال به مبني على أنّ المراد من الصدقة هو الوقف، وهو ليس ببعيد، وحاصل الحديث شرطية القبض إذا كان الموقوف عليه مُدْركاً وعدم شرطيته إذا لم يكن مُدْركاً، وذلك لأنّ قبض الواقف عمّن لم يُدرك يُعدّ قبضاً عنه.
2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن جميل قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): الرجل يتصدّق على بعض ولده بصدقة وهم صغار، أله أن يرجع فيها؟ قال: «لا، الصدقة لله تعالى».2
وفقه الحديث كما مرّ.
3. ما رواه الكليني عن الحكم بن عتيبة، قال: تصدّق أبي عليّ
بدار فقبضتها، ثمّ ولد له بعد ذلك أولاد، فأراد أن يأخذها مني ويتصدّق
بها عليهم، فسألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن ذلك وأخبرته بالقصة، فقال: «لا
تعطها إيّاه»، قلت: فإنّه يخاصمني، قال:«فخاصمه ولا ترفع صوتك على صوته».3
في الوسائل: الحكم بن عتيبة، والظاهر عدم صحّته; لأنّ الحكم بن عتيبة توفّي عام 114 أو 115 هـ ، ولم يدرك من عصر إمامة الإمام الصادق(عليه السلام)على قول إلاّ سنة واحدة، وكان زيديّاً بتريّاً، روى الكشّي في ذمّه روايات

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث3.

صفحه 139
كثيرة، ومن البعيد أن يستفتي مثله الإمام الصادق(عليه السلام) ويعمل بفتياه، حتّى أنّ الإمام الباقر (عليه السلام)قال له ولسلمة بن كهيل: «شرّقا أو غرّبا فلن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهل البيت».1
ولذلك جاء في المصدر: الحكم بن أبي عقيلة.
وفقه الحديث على ما عرفت.
4. ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال ـ في رجل تصدّق على ولد له قد أدركوا ـ : «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره»... وقال:«لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».2
وفقه الحديث واضح بناء على أنّ المراد من الصدقة هو الوقف، حيث فرّق بين كون الموقوف عليه مدركاً ولم يقبض فحكم عن أنّه ميراث، وبين كونه غير مدرك فلا يجوز الرجوع; لأنّ الوقف قد قبض، فإن قبض الأب، قبض الموقوف عليه.
5. ما رواه الصدوق عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل تصدّق على ابنه بالمال أو الدار أله أن يرجع فيه؟ فقال:«نعم إلاّ أن يكون صغيراً».3
ومضمون الرواية يوافق ما تقدّم.
6. ما رواه الكليني عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال: سألته

1 . أعيان الشيعة:6/210.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث7.

صفحه 140
عن الرجل يقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً؟ فقال(عليه السلام)]صوراً ثلاثة[:
«أ. إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيّماً، لم يكن له أن يرجع فيها.
ب. وإن كانوا صغاراً وقد شرط ولايتها لهم حتى بلغوا فيحوزها لهم، لم يكن له أن يرجع فيها.
ج. وإن كانوا كباراً ولم يسلّمها إليهم ولم يخاصموا حتّى يحوزوها عنه، فله أن يرجع فيها، لأنّهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا».1
أمّا الصورة الأُولى فالظاهر أنّ المراد أنّه أوقفها على أولاده البالغين مع غيرهم من الجهات العامّة، وجعل قيّماً للوقف، فعندئذ لا يجوز له الرجوع مع حصول القبض من القيّم؟ فيكون هذا دليلاً على المسألة.
وأمّا الصورة الثانية، فالمفروض أنّ الموقوف عليهم صغار، أولاداً كانوا أو غيرهم، وعندئذ يكون قبضه قبضاً لهم ولذلك قال: لم يكن له أن يرجع فيها.
وأمّا الصورة الثالثة فالموقوف عليهم كبار لم يسلّم الوقف إليهم فلا يكون قبضه قبضاً لهم، فيجوز الرجوع ما لم يسلّطهم عليه ولذلك قال: «فله أن يرجع فيها، لأنّهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا»، والرواية صالحة لأن تكون دليلاً للمسألة.
7. روى الصدوق في «كمال الدين» بسنده عن أبي الحسين محمد بن

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.

صفحه 141
جعفر الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله عن محمد بن عثمان العمري عن صاحب الزمان(عليه السلام):
«وأمّا ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا، ثم
يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم
فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه ـ إلى أن
قال: ـ
وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة ويسلّمها من قيّم يقوم فيها ويعمرها ويؤدي من دخلها، خراجَها ومؤونتها، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا، فإنّ ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنّما لا يجوز ذلك لغيره».1
والشاهد هو ما في قوله:«فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم فلا خيار فيه لصاحبه...».
وأمّا الفقرة الثانية فهي راجعة إلى مسألة أُخرى.
نعم ربما يظهر التعارض بين هذه الروايات وما رواه الشيخ بسند صحيح عن علي بن مهزيار، عن أبي الحسين قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام):إنّي وقفت أرضاً على ولدي وفي حجّ ووجوه بر ولك فيه حقّ بعدي ولي بعدك وقد أزلتها عن ذلك المجرى، فقال: «أنت في حلّ وموسّع لك».2

1 . الوسائل13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث8.
2 . الوسائل13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث6.

صفحه 142
فإنّ قوله: وقد أزلتها عن ذلك المجرى، بمعنى أحدثت التغيير في الوقف بعد القبض فهو أمر غير جائز. ومع ذلك قال الإمام(عليه السلام):«أنت في حلّ وموسّع لك».
واحتمل أنّ التغيير هنا وقع قبل القبض، وهو فرع كون الولد كباراً بالغين، وإلاّ لو كانوا صغاراً غير مدركين فالوقف يلازم القبض، فلم يبق إلاّ حمل الوقف على الوصية، بقرينة قوله:«بعدي».
ولعلّ هذا المقدار من الروايات كاف في إثبات المطلوب.

الفروع المترتبة على شرطية القبض

ثمّ إنّ هنا فروعاً تتفرّع على شرطية القبض:
1. لو مات الواقف قبل القبض بطل الوقف، وكذا لو جُنّ أو أُغمي عليه.
2. لو مات الموقوف عليه قبل القبض وكان مدركاً يبطل الوقف، فيحتاج تجديده بالنسبة إلى أولاده إلى إنشاء جديد وقبض مثله.
نعم لو كان الوقف على ولده الصغير ومات، كان قبضاً عن الطبقة الثانية، ولم يفتقر إلى نصب وكيل يقبض عنه، ولا إلى مضيّ زمان يمكن فيه الإقباض، وكذا الجَد.
3. يشترط القبض في الطبقة الأُولى، فإذا حصل الوقف والقبض لا يفتقر إلى قبض بقية الطبقات.
4. لو وقف على الفقراء أو الفقهاء، قال في «الحدائق»: لابدّ من نصب قيّم للقبض، لما عرفت من أنّ القبض معتبر شرعاً في صحّة الوقف،

صفحه 143
والموقوف على هؤلاء المذكورين في الحقيقة إنّما هو وقف على الجهة، لا وقف على الأشخاص، فلا يكفي قبض بعضهم، لأنّه ليس هو الموقوف عليه، وإنّما الوقف على جهة من جهات مصلحته، فلابدّ من نصب قيّم للقبض من الواقف أو الحاكم، أو قبض الحاكم بنفسه.1
أقول: كفاية نصب القيّم من جانب المالك على القبض من جانبهم فرع ولايته على هذا المورد. وهو موضع تأمّل، والأولى أن يرجع فيه إلى الحاكم، ولذلك قال في الحدائق: نعم لو لم يكن الواقف حاكماً شرعياً فإنّ الواجب نصب القيّم من جهته.
5. يجب أن يكون القبض بإذن الواقف فلو وقع بدونه لغي. ويمكن استظهار شرطية الإذن في القبض من صحيحة صفوان. أعني قوله: «وإن كانوا كباراً لم يسلّمها إليهم فله أن يرجع» وكذا قوله(عليه السلام) في التوقيع:«فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه بالخيار وكل ما سلّم فلا خيار فيه» فإنّ ظاهره أنّ القبض إنّما يتحقّق بتسليم الواقف، ودفعه بالفعل أو الإذن.
الوقف على المصلحة
إذا وقف شيئاً لمصلحة المسلمين، كالمسجد والمقبرة، فهل يحتاج إلى القبض؟
الظاهر عدم الحاجة إلى القبض; لأنّ الموقوف عليه هو الجهة، وليس هو متمثّلاً في شخص حتى يكون هو القابض، أضف إلى ذلك: أنّ وقف المسجد والمقبرة تحرير وإخراج عن الملك في سبيل الله، ومع ذلك

1 . الحدائق الناضرة:22/144.

صفحه 144
فالأحوط أن يُقبضه للحاكم الشرعي أو نائبه فيكون قبضه قبضاً عن المسلمين.
وأولى من ذلك إيقاع الصلاة في المسجد، ودفن المسلم بنيّة القبض في المقبرة. فقد اتّضح أنّ حكم الوقف على المصلحة يتحقّق بالأُمور التالية:
1. عدم الحاجة إلى القبض، فإنّ وقف المسجد فكّ للملك لا إدخال في ملك شخص. وهذه هي نظرية أبي الصلاح الحلبي في «الكافي» حيث قال:«لا يشترط القبض في الوقف على المصلحة».1
2. أن يقبضه الحاكم الشرعي نيابة عن المسلمين.
3. التصرّف بالوقف كإيقاع الصلاة في المسجد أو دفن الميت في المقبرة.
***
تمّت قاعدة
لا وقف إلاّ بالقبض

1 . راجع الكافي في الفقه: 324، باب الصدقة. والنص أعلاه نقله صاحب مفتاح الكرامة:21/432.

صفحه 145
القواعد الفقهية   
      42
قاعدة
لا حكم للهبة ما لم تقبض
تعريف الهبة
شرطيّة القبض في صحّة الهبة
ما هو مقتضى القاعدة؟
ما يدلّ على كون القبض شرطاً للصحّة
دراسة ما يدلّ على كون القبض شرطاً للّزوم
تعريف الهبة
الهبة ـ كما عرّفها المحقّق  :هي العقد المقتضي تمليك العين من غير عوض، تمليكاً منجّزاً مجرداً عن القربة، وقد يعبّر عنها بالنحلة والعطيّة، وهي تفتقر إلى الإيجاب والقبول والقبض، إلى أن قال: ولا حكم للهبة ما لم تقبض.1

شرطية القبض في صحّة الهبة

والكلام في المقام في الشرط الأخير أي القبض، فقد اختلفت كلماتهم في أنّ الإقباض هل هو شرط في صحّة الهبة أو شرط في لزومها؟

1 . شرائع الإسلام:2/229.

صفحه 146
1. ذهب الشيخ الطوسي إلى أنّ الإقباض في الهبة كالإقباض في البيع، ليس شرطاً في الصحة ولا في اللزوم.
قال في «الخلاف»: مَن وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ شوال فقبله الموهوب له ولم يقبضه حتى هلّ شوال ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له. وبه قال الشافعي في الأُمّ، وهو قول مالك، وقال أبو إسحاق: الفطرة على الواهب لأنّ الهبة تُملك بالقبض. دليلنا: أنّ الهبة منعقدة بالإيجاب والقبول، وليس من شرط انعقادها، القبض ـ إلى أن قال ـ : وفي أصحابنا مَن قال: القبض شرط في صحّة الهبة، فعلى هذا لا فطرة على الموهوب له.1
وقال في «المبسوط»: من وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ شوال، فقبله ولم يقبض العبد حتى يستهل شوال، فالفطرة على الموهوب له، لأنّه ملكه بالإيجاب والقبول، وليس القبض شرطاً في الانعقاد، ومَن قال: القبض شرط في الانعقاد قال: على الواهب فطرته لأنّه ملكه، وهو الصحيح عندنا. فإن قبل ومات قبل القبض وقبل أن يهلّ شوال فقبضه ورثته بعد دخول شوال لزم الورثة فطرته.2
2. يظهر من ابن البرّاج أنّه شرط للزوم العقد، قال: وإذا وهب الإنسان هبة صحيحة وباعها قبل القبض كان البيع ماضياً، وانفسخت الهبة.3 فقوله: وانفسخت الهبة، دليل على تحقّق الهبة، فلو كان القبض شرطاً للصحّة فلا معنى لانفساخ العقد إذ لا عقد فينفسخ.

1 . الخلاف:2/46، المسألة 182.
2 . المبسوط:1/240.
3 . المهذّب:2/95.

صفحه 147
3. قال الطبرسي: مَن وهب لغيره عبداً قبل أن يهلّ فقبله الموهوب له ولم يقبضه، حتى يهلّ شوال ثم قبضه، فالفطرة على الموهوب له.1
وعلى هذا فلا دور للقبض في الهبة، فلا هو جزء مملّك ولا متمّم للعقد، فالعين الموهوبة ملك للموهوب له، فالعقد تمّ بكافّة أركانه، غاية الأمر للواهب الرجوع عن هبته.
وفي مقابل هذا القول: كون القبض شرطاً للصحّة، ولا يملك الموهوب له الهبة، إلاّ بالقبض، وإليك من يقول بذلك.
1. قال الفاضل المقداد: هل القبض شرط في صحّتها أو في لزومها؟ قال التقي ]يريد أبا الصلاح الحلبي[ بالأوّل، وقال ابن إدريس: هو قول أكثر علمائنا، ونقله الشيخ عن بعض أصحابنا، واختاره المصنّف ]يريد صاحب الشرائع[.2
2. قال المحقّق: لا حكم للهبة ما لم تقبض.3
3. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على قول المحقّق: لا حكم للهبة ما لم تقبض ـ :لا خلاف بين الأصحاب في أنّ القبض شرط في الهبة في الجملة، ولكن اختلفوا في أنّه هل هو شرط لصحّتها أو للزومها؟ فمعظم المتأخّرين على الأوّل وهو مقتضى كلام المصنّف، فإنّ الحكم المنفي للهبة (لا حكم للهبة) بدونه يقتضي رفع جميع الأحكام لأنّه نكرة منفية، وذلك يقتضي عدم انعقادها بدونه أصلاً.(4)

1 . المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف:1/314.
2 . التنقيح الرائع لمختصر الشرائع:2/340.
3 . شرائع الإسلام:2/229.   4 . مسالك الأفهام:6/7.

صفحه 148
وتظهر الثمرة في الموارد التالية:
1. النماء المتخلّل بين العقد والقبض، فإنّه للواهب على الأوّل (شرط الصحة)، وللموهوب له على الثاني (شرط اللزوم).
2. لو مات الواهب قبل الإقباض فيبطل على الأوّل، ويتخيّر الوارث في الإقباض وعدمه على الثاني.
3. في فطرة المملوك الموهوب قبل الهلال ولم يقبضه إلاّ بعده، فإنّها على الواهب على الأوّل، وعلى الموهوب له على الثاني.
4. نفقة الحيوان فإنّها على الأوّل على الواهب وعلى الثاني على الموهوب له. إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون وجهاً للثمرة.
هذه هي الأقوال والثمرات المترتّبة عليها، وقبل دراسة الروايات نذكر حكم مقتضى القاعدة.

ما هو مقتضى القاعدة؟

إنّ في دور القبض في الهبة احتمالات نشير إليها:
1. إنّ مقتضى القاعدة هو أنّ عقد الهبة كسائر العقود يجب بالإيجاب والقبول ويكون القبض وفاء لمقتضاه، وعلى هذا لا دور للقبض لا في التمليك ولا في اللزوم نظير القبض في البيع.
لكن هذا الاحتمال مخالف لما ذهب إليه أكثر الفقهاء على أنّ للقبض دوراً في الهبة، وليست الهبة كسائر العقود حتى يكون القبض وفاءً لمقتضى العقد.
2. يمكن أن يقال: تحقّق مضمون الهبة بالإيجاب والقبول غير أنّه

صفحه 149
عقد جائز يلزم بالقبض، وهذا الاحتمال باطل لاتّفاقهم على أنّ الهبة عقد جائز بعد القبض أيضاً إذا لم يكن الموهوب له من الأرحام. وهذا الإشكال هو الذي تنبّه له المحدّث البحراني حيث قال: إنّ مقتضى القول بكون القبض شرطاً في اللّزوم لا في الصحّة، هو أنّ الهبة بدون القبض تكون صحيحة غير لازمة وبالقبض تكون لازمة، بمعنى أنّه لا يجوز الرجوع فيها وحصروها في مواضع مخصوصة ، وصرّحوا بأنّه لا خلاف في جواز الرجوع فيما عداها.1
3.إنّ القبض شرط الصحّة بمعنى أنّه ما لم يقبض لا تنعقد الهبة فيكون القبض مملّكاً أو متمّماً له.
وعلى هذا فلو كانت الروايات ظاهرة في الوجه الصحيح فهو، وإلاّ فلابدّ من حملها عليها، لما عرفت من عدم صحّة الوجه الثاني، وإليك دراسة ما ورد من الروايات في المقام.

ما يدلّ على كون القبض شرطاً للصحّة

1. روى الشيخ في التهذيب باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (صاحب نوادر الحكمة) عن موسى بن عمر، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«الهبة لا تكون أبداً هبة حتى يقبضها، والصدقة جائزة عليه».2
أمّا السند فموسى بن عمر وإن لم يوثّق ولكنّه ورد في أسانيد نوادر

1 . الحدائق الناضرة:22/313.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث7.

صفحه 150
الحكمة، وقد استثنى ابن الوليد جماعة ممّن ورد فيه، ولم يستثن هذا.
وأمّا العباس بن عامر فهو ثقة، كما أنّ أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع ثقة بلا كلام، فالرواية معتبرة.
وأمّا الدلالة فواضحة حيث إنّ مفهوم قوله:«الهبة لا تكون أبداً هبة إلاّ بالقبض» أنّها بدونه لا تكون هبة، فتكون باطلة بدون القبض، وأمّا قوله: «والصدقة جائزة عليه» فظاهره أنّ الصدقة تلزم بنفس الإيجاب والقبول لأنّ معنى قوله: «جائزة» أي نافذة. فيكون حكمها غير حكم الهبة، والفرق بينهما أنّه يشترط في الصدقة قصد القربة دون الهبة، ولكن التفصيل بين الهبة والصدقة غير معروف عند الأصحاب.
قال العلاّمة: الهبة والهدية والصدقة لا يملكها المتّهب والمهدى إليه والمتصدّق عليه بنفس الإيجاب والقبول إذا كانت عيناً إلاّ بالقبض، وبدونه لا يحصل الملك عند علمائنا أجمع.1
فلو قلنا بأنّه يمكن التفكيك بين فقرتي حديث واحد، يمكن الأخذ بالفقرة الأُولى دون الثانية.
2. مرسلة أبان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: النحل والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال(عليه السلام):«هي بمنزلة الميراث، وإن كان لصبي في حجره وأشهد عليه فهو جائز».2
والسند كما عرفت مرسل إلاّ أنّ المُرسِل هو أبان بن عثمان.

1 . تذكرة الفقهاء:2/417، (الحجرية).
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث1.

صفحه 151
وكلّ مَن ورد في السند ثقة، فالرواية معتبرة.
وأمّا الدلالة فواضحة حيث إنّ موت الواهب صار سبباً لكونه ميراثاً، وهو يدلّ على عدم حصول الملكية للموهوب له ولو ملكية جائزة، إذ لو كان كذلك لم يكن ميراثاً، بل يكون الوارث مختاراً في القبول والرد.
وأمّا ذيل الرواية فالمراد أنّه إذا وهب لصبي في حجره، فهو بمنزلة المقبوض، وبما أنّ الصبي من أرحامه تكون الهبة جائزة بمعنى نافذة، لا جائزة في مقابل لازمة، وقد ورد لفظ «الجائز» بمعنى النافذ في بعض الروايات.
3. ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال، عن العباس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:«الهبة والنحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال: هو ميراث، فإن كانت لصبي في حجره فأشهد عليه فهو جائز».1
والرواية موثّقة باعتبار ابن فضّال في صدر السند والأصحاب عملوا بروايته، ومضمون الحديث نفس ما ورد في مرسلة أبان.
والفرق بين النحلة والهبة أنّ الأُولى بمعنى العطية أو الهدية التي لا ينتظر المهديّ عوضاً في مقابلها، بخلاف الهبة فهي في مظان دفع المتّهب له عوضاً عنها في المستقبل.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به من الروايات.

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب الهبات، الحديث2.

صفحه 152

ما يدلّ على كون القبض شرطاً للزوم

1. صحيحة أبي بصير

روى الشيخ بسند صحيح عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «والهبة جائزة قُبضت أو لم تقبض، قُسّمت أو لم تُقسَّم; والنحل لا يجوز حتى تقبض، وإنّما أراد الناس ذلك فأخطأوا».1
والاستدلال بالرواية مبني على أنّ المراد من قوله:«جائزة» أنّها غير لازمة فتكون لازمة بالقبض، والاستدلال جيّد لولا قوله: «قُبضت أو لم تقبض» فهو صريح في كونها جائزة مطلقاً مع أنّ المدّعى أنّها تلزم بالقبض.
ثمّ إنّ التفريق بين الهبة، بأنّها جائزة مطلقاً، والنحل، فإنّها لازمة بالقبض، أمر بعيد وإن كان بينهما فرق في المفهوم.
واحتمال أنّ المراد من قوله:«جائزة» أي نافذة، إذ ربّما يطلق الجواز ويراد به النفوذ، واللّزوم لو صحّ في نفسه لما نفع المدعي إذ يكون المعنى: أنّ الهبة لازمة قبل القبض وبعده، وهو على خلاف ما اتّفقوا عليه.

2. صحيحة أبي مريم

روى الشيخ بسنده عن فضالة، عن أبان، عن أبي مريم، قال:«إذا تصدّق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أو لم يقبضها علمت أو لم تعلم، فهي جائزة».2

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث4.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب كتاب الهبات، الحديث2.

صفحه 153
والكلام في الرواية استدلالاً وجواباً واحتمالاً، مثله في الرواية الأُولى، فلا يمكن الركون إليها أيضاً.
على أنّك عرفت أنّ جعل القبض شرطاً للّزوم أمر غير معقول، فتعيّن القول الأوّل وهو أنّ القبض مملّك، ولولاه لا يحصل التملّك، ولو مات الواهب يكون ميراثاً.
ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على القول الثاني بالإجماع كما ورد في «رياض المسائل»1، وقد عرفت أنّ المسألة ذات قولين، وليس في المقام إجماع، وربّما يستدلّ على القول الثاني بالاستصحاب أي ببقاء الموهوب على ملك الواهب ما لم يقبض، والحاجة إلى الاستصحاب إنّما هي إن لم يكن هناك دليل اجتهادي، وقد عرفت تمامية الروايات على القول المشهور.
***
تمّت قاعدة
لا حكم للهبة ما لم تقبض

1 . لاحظ: رياض المسائل:9/377.

صفحه 154
القواعد الفقهية
      43
قاعدة
   بيع الصرف واشتراط التقابض في المجلس
الصرف لغة واصطلاحاً
شرطية التقابض في المجلس
شرطية كون العوضين نقداً
ما هو مقتضى القاعدة؟
ما هو مقتضى الروايات؟

الصرف لغة واصطلاحاً

الصرف ـ لغة ـ : الصوت، سمّي به الذهب والفضة لوجود الصوت فيهما عند البيع والشراء.
وفي مصطلح المتشرّعة بيع الأثمان بالأثمان، أي الذهب والفضة، سواء أكانا مسكوكين أم لا.

شرطية التقابض في المجلس

قال المحقّق: ويشترط في صحّة بيعها ـ زائداً على الربويات ـ

صفحه 155
التقابض في المجلس، فلو افترقا قبل التقابض بطل الصرف على الأشهر.1
ومعنى ذلك أنّ التقابض مملّك أو متمّم للتمليك، فلولاه لم يحصل التملّك والتمليك بتمامهما. وأشار بقوله: على الأشهر، إلى القول الآخر وإن لم يكن مشهوراً، وهو قول الصدوق ونقله الشهيد في حواشيه عن صاحب «البشرى»، وهو الظاهر من المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث ناقش في دلالة الروايات على شرطية التقابض في حصول التمليك، ولنذكر بعض الكلمات.
قال الشيخ: قد بيّنا أنّه لا يجوز بيع درهم بدرهمين، لا نقداً ولا نسيئة (لاستلزامه الربا) ولا بيع درهم بدرهم نسيئة، ولا بأس بذلك نقداً.(2) وقال مثل ذلك في الدينار.
وقال ابن زهرة: فإذا اختلف الجنس وكان أحدهما ذهباً والآخرة فضة، سقط اعتبار التماثل فقط واعتبر الحلول والتقابض بلا خلاف.2
وقال ابن حمزة: بيع الصرف يصحّ باجتماع ثلاثة شروط، وهي التبايع بالنقد، والتقابض قبل التفرّق، وتساوي البدلين في القدر مع اتّحاد الجنس.(4)
وحكى في «مفتاح الكرامة» عن السرائر أنّه قال: لا خلاف في هذا الشرط وفي البطلان بدونه، وفي كشف الرموز الإجماع على البطلان كذلك.3
وقال العلاّمة: الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض، وهو جائز بالنصّ

1 . شرائع الإسلام:2/48.   2 . النهاية:380، باب الصرف وأحكامه.
2 . غنية النزوع:1/225.   4 . الوسيلة:243.
3 . مفتاح الكرامة:9/686.

صفحه 156
والإجماع، ويشترط فيه التقابض في المجالس بلا خلاف، فلو تفرّقا قبله، بطل، ولو تقابض البعض صحّ فيه خاصّة.1
وقال في «القواعد»: الصرف: بيع الأثمان بمثلها وشرطه التقابض في المجلس.2
ولعلّ هذا المقدار يكفي في الوقوف على موضع المسألة من الشهرة، وأمّا في فقه أهل السنّة فقد اشترطوا أمرين: عدم النسيئة، وعدم التفاضل، وفي «بداية المجتهد»: يخصّ هذا البيع شرطان: أحدهما: عدم النسيئة وهو الفور، والآخر: عدم التفاضل وهو اشتراط المثلية، وقال: أجمع العلماء على أنّ بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلاّ مثلاً بمثل، يداً بيد.3
ثمّ إنّ قوله:«يداً بيد» إشارة إلى كونهما نقداً، وهو لا يلازم التقابض في المجلس، بل يمكن أن يفارق أحدهما المجلس ويرسل الجنس الآخر عن طريق وكيله وخادمه، وهذا يصدق عليه «يداً بيد».
إذا عرفت ذلك فلندرس مقتضى القاعدة.

ما هو مقتضى القاعدة؟

مقتضى القاعدة هو أنّ الإيجاب والقبول سبب تام لإيجاد علقة البيع، من دون توقّف على شيء زائد، من التقابض في المجلس، غاية الأمر أنّ

1 . تحرير الأحكام:2/313.
2 . قواعد الأحكام:2/37.
3 . بداية المجتهد:5/69.

صفحه 157
الإقباض والقبض أمر واجب وفاءً بالعقد، فليس للقبض دور إلاّ كونه وفاءً للعهد، غير أنّ الحديث النبوي دلّ على شرطية التماثل إذا كان الجنسان متّحدين وكون البيع نقداً لما رواه مسلم في صحيحه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق، إلاّ مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضه على بعض، ولا تبيعوا شيئاً غائباً منه بناجز إلاّ يداً بيد».1
وأمّا الشرط الثالث فهو من خصائص الفقه الإمامي وهو التقابض في المجلس، نعم احتمل المحقّق الأردبيلي أنّه ليس شرطاً ثالثاً وإنّما هو عبارة عن كونهما نقداً لا أحدهما نقداً و الآخر نسيئة، كما هو المفهوم من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يداً بيد».

ما هو مقتضى الروايات؟

وأمّا مقتضى الروايات فقد دلّت على أمر ثالث وراءهما.
1. ما رواه الكليني والشيخ عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو ديناراً، ثم يقول: أرسل غلامك معي حتى أعطيه الدنانير، فقال: «ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير».
فقلت: إنّما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض، وهذا يشقّ عليهم؟ فقال: «إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه، ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق».(2)

1 . صحيح مسلم:5/42.   2 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث1.

صفحه 158
ودلالة الحديث واضحة، حيث إنّ صريحها المنع من التأخير بعد نقد الدراهم ووزنها إلى أن يرسل غلامه معه، والمفروض أنّهم في دار واحدة، كما صرّح به في الخبر، فلم يرض(عليه السلام) إلاّ أن يرسل الغلام معه ويجعله وكيلاً في البيع والتقابض في المكان الذي يدفع فيه الورق، وأي نصّ أصرح من ذلك.1
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وإن نزا حائطاً فانز معه».2
ودلالته واضحة حيث يدلّ على النهي عن المفارقة، حتى يأخذ منه، بل يبالغ في أنّه إن نزا حائطاً أي وثب، فلينز معه لئلاّ تحصل المفارقة الموجبة لبطلان العقد.
3. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجل ابتاع من رجل بدينار وأخذ بنصفه بيعاً، وبنصفه ورقاً؟ قال: «لا بأس»، وسألته: هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقاً أو بيعاً؟ فقال:«ما أُحب أن أترك منه شيئاً حتى آخذه جميعاً، فلا يفعله».3
نعم، لفظ «أُحب» يشعر بالكراهة، ولكنّه ظهور ضعيف في مقابل ما

1 . الحدائق الناضرة:19/279.
2 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث8.
3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث9. قوله: «بيعاً» أراد به متاعاً. لاحظ التهذيب:7/ 100 برقم 430.

صفحه 159
دلّ على اللّزوم والوجوب.
وعلى هذا التقابض يحمل صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن بيع الذهب بالفضة مثلين بمثل يداً بيد؟ فقال: «لابأس».1
نعم ناقش في دلالة الروايات المحقّق الأردبيلي، وقال: وفي دلالة الكلّ تأمّل، إذ ليست بصريحة في الاشتراط، بل ولا في الإثم، فإن يداً بيد كأنّه كناية عن النقد لا النسيئة، فلا يدلّ على اشتراط القبض، ولفظة «ما أحب» تشعر بالاستحباب، وهو ظاهر.2
يلاحظ عليه: بما عرفت من وضوح دلالة رواية محمد بن مسلم والحلبي، وأمّا لفظة «لا أُحب» فقد عرفت أنّه ظهور ضعيف، حتى ادّعى صاحب الحدائق أنّه من الألفاظ المتشابهة لاستعماله في الأخبار بمعنى التحريم كثيراً، مع استعماله فيها بمعنى الكراهة، فلا يحمل على أحدهما إلاّ بالقرينة، والقرينة هنا على إرادة التحريم قوله(عليه السلام) في آخر الرواية:«فلا تفعله» وهو حقيقة في التحريم.
إلى هنا تمّ ما يدلّ على فتوى المشهور، نعم هناك روايات تؤيّد نظر الصدوق وأكثرها عن عمّار الساباطي.
روى الشيخ عن عمّار بن موسى الساباطي روايات أربع تدلّ على عدم البأس، وهي:
1. عن عمّار بن موسى الساباطي، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«لا

1 . الوسائل:12، الباب 2من أبواب الصرف، الحديث 6 و7.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.

صفحه 160
بأس أن يبيع الرجل الدنانير بأكثر من صرف يومه نسيئة».1
2. عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة؟ قال:«لا بأس».2
3. عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الدنانير بالدراهم بثلاثين أو أربعين أو نحو ذلك نسيئة لا بأس».3
4. عن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن الرجل هل يحلّ له أن يسلف دنانير بكذا وكذا درهماً إلى أجل؟ قال: «نعم لا بأس».
وعن الرجل يحلّ له أن يشتري دنانير بالنسيئة؟ قال:«نعم إنّ الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء».4
قال الشيخ: هذه الأخبار الأصل فيها عمّار فلا تعارض الأخبار الكثيرة السابقة.5
أقول: يشير الشيخ بكلامه هذا إلى ما ذكره في بعض كتبه من أنّ متفردات عمّار لا يعمل بها وقد تفرّد بهذه الروايات.
نعم ورد في الصحيح عن زرارة قال:«لا بأس أن يبيع الرجل الدنانير نسيئة، بمائة أو أقل أو أكثر».6
وحمله الشيخ على أن يكون قوله:«نسيئة» صفة الدنانير، ولا يكون حالاً

1 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث10.
2 . الوسائل:12، الباب 2 من أبواب الصرف، الحديث11.
3 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث12.
4 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث14.
5 . الوسائل: 12 / 460، الباب 2 من أبواب الصرف، ذيل الحديث 14.
6 . الوسائل:12، الباب2 من أبواب الصرف، الحديث13.