welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 41
والوجوب، فيلزم التخصيص في التكاليف الإلهية، أعني: المستحبّات والمكروهات والعقود الجائزة، ولازم ذلك هو تخصيص الأكثر لكثرة المستحبّات والمكروهات والعقود الجائزة.
ولو حملنا الهيئة في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)على القدر المشترك بين الاستحباب والوجوب في مثل قولك: اغتسل للجمعة والجنابة، فتسقط الآية عن الدلالة على اللزوم، فلا يجب الوفاء به بعد الفسخ; لأنّ المفروض حمل الأمر على القدر المشترك.
يلاحظ على الإشكال: أنّ العقد ـ كما مرّ ـ هو الإلزام والالتزام بين الطرفين، وهو غير موجود لا في المستحبّات والمكروهات ولا في العقود الجائزة، وعندئذ يحمل الأمر على الوجوب من دون لزوم تخصيص.
وحاصل الجواب: إنكار وجود العقد بالمعنى المذكور، في تلك الموارد، ولأجل ذلك يكفي الإذن في العقود الجائزة من دون حاجة إلى الإيجاب والقبول.

الإشكال الثالث: لزوم العمل بمقتضى العقد جوازاً ووجوباً

ذكر صاحب العناوين أنّ المحتمل هو لزوم العمل بمقتضى العقد إن جائزاً فجائز، وإن لازماً فلازم.1
وأشار إليه الشيخ بقوله: بأنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد: العمل بما يقتضيه، من لزوم وجواز، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم.2 ونسب محقّق

1 . العناوين:2/40.
2 . المكاسب:5/18.

صفحه 42
كتاب «المكاسب» هذا الكلام في الهامش إلى العلاّمة في «المختلف»، وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ اللزوم والجواز من الأحكام الشرعية للعقد، وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع. نعم، هذا المعنى ـ أعني: وجوب الوفاء بما يقتضيه العقد في نفسه ـ يصير بدلالة الآية حكماً شرعياً للعقد، مساوياً للزوم.1
توضيحه: أنّ الآية تركّز على الوفاء بالعقد، أي بمدلوله وهو التمليك وترتيب آثاره، وأين هو من حكم الشارع باللزوم والجواز في رتبة متأخّرة؟! فليس اللزوم والجواز داخلاً في العقد حتى يقال: إنّ معنى قوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)جوازاً في العقود الجائزة، ووجوباً في العقود اللازمة.
والذي يؤيّد ما ذكرنا ما ذكره الأُصوليّون في باب تسمية أسماء العبادات والمعاملات للصحيح أو الأعمّ، حيث قالوا بأنّ المسمّى هو ذات الصحيح لا بقيد الصحيح; لأنّ الصحّة أمر انتزاعي من تطابق فعل المكلّف مع التكليف، ولا يمكن مثل ذلك أن يؤخذ في المسمّى.

الآية الثانية: آية التجارة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).2
إنّ الاستدلال تارة بالمستثنى منه، وأُخرى بالمستثنى.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ المراد من الأكل هو التصرّف لا الأكل بالمعنى

1 . المكاسب:5/18.
2 . النساء:29.

صفحه 43
اللغوي، إذ لا خصوصية له، حتى أنّ قسماً كبيراً من الأموال غير قابل للأكل.
ثمّ إنّ «الباء» في قوله: (بِالْبَاطِلِ) يحتمل أن تكون بمعنى المقابلة، كما يحتمل أن تكون للسببية، والظاهر هو الثاني، أي بسبب باطل، وعندئذ يكون المستثنى منقطعاً، لا متّصلاً; لأنّ التجارة عن تراض ليس من أقسام السبب الباطل، فالآية تنهى عن الأكل بالربا والمنابذة وتأمر بالأكل بسبب غير باطل .
ثمّ إنّ الموضوع هو الباطل العرفي، وأمّا ترخيص الشارع للأكل في بعض الموارد مع كونه باطلاً كحق المارّة أو الشفعة، فهل هو من باب التخصيص أو من باب التخصّص؟ والظاهر هو الثاني لإباء اللسان عن الأوّل، فإنّ رخصة الشارع في هذين الموردين يكشف عن ثبوت حقّ للمارة والشفيع وإن كان العرف غافلاً عنه، فلا يعدّ الترخيص من مصاديق الأكل بالباطل لمصالح كامنة فيه غفل عنها العرف.
وأمّا كيفية الدلالة فإنّ أخذ مال الغير، بعد الفسخ بلا رضاه من مقولة الأكل بالباطل.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للحرمة هو الأكل بالباطل، والتصرّف الموصوف بأنّه باطل وبعد الفسخ نشك في أنّه تصرّف بالباطل أو لا، إذ لو كان لازماً، لكان أكلاً بالباطل دون ما إذا كان جائزاً، ومع الشكّ في الموضوع كيف يتمسّك بإطلاق الحكم؟
فإن قلت: ما الفرق بين هذه الآية والآية المتقدّمة حيث قلنا بتمامية دلالتها دون المقام؟
قلت: إنّ الموضوع في قوله:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، هو العقد بمعنى الإلزام والالتزام، والفسخ من دون رضا المشتري يعدّ نقضاً وبالتالي حراماً. وأمّا

صفحه 44
المقام فالموضوع هو التصرّف بالباطل، والفسخ لا يعدّ تصرّفاً في المال فلا تشمله آية حرمة الأكل بالباطل، وبعد الفسخ يصبح التصرّف مردّداً بين كونه بالباطل أو لا، ومع الشكّ في الموضوع لا يصحّ التمسّك بإطلاق الحكم.
هذا كلّه حول الاستدلال بالمستثنى منه.
وأمّا الثاني، أعني: كيفية الاستدلال بالمستثنى، فيقال: إنّ الآية بإطلاقها دلّت على حلّية الأكل إذا كانت بسبب التجارة بقول مطلق حتى بعد فسخ أحدهما دون الآخر.1
وأورد عليه السيد الطباطبائي بأنّ الآية بصدد بيان مجرّد كون الأكل بالتجارة حلالاً في مقابل الأكل بالباطل، من غير نظر إلى بيان هذه الحلّية وأنّها مؤبّدة أو في الجملة.2 والشاهد على أنّها ليست مؤبّدة أنّ للأكل أسباباً أُخرى غير التجارة، كالإرث والهبة، وغيرهما.

الآية الثالثة: آية حلّية البيع

قال سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)3.
استدلّ بها الشيخ على أنّ الأصل في خصوص البيع اللزوم، قائلاً بأنّ

1 . المكاسب:5/19.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/375.
3 . البقرة:275.

صفحه 45
حلّية البيع التي لا يراد منها إلاّ حلّية جميع التصرّفات، المترتّب عليه (التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر) مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثّر.1
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ ظاهر الآية هو حلّية نفس البيع لا التصرّفات، من غير فرق بين قبل الفسخ أو بعده، وبعبارة أُخرى: الآية بصدد تشريع البيع، وتحريم الربا من غير نظر إلى آثار التشريع من جواز التصرّف وعدمه. والاستدلال مبني على حرمة التصرّفات بعد الفسخ حتى يكون دليلاً على اللزوم، والمفروض أنّ الآية ساكتة عنها.
وثانياً: أنّ الاستدلال فرع أن تكون الآية في مقام بيان حلّية جميع التصرّفات حتى بعد الفسخ، فإنّها في مقام نفي التساوي الذي يقول به المشركون: قائلين: لا فرق بين البيع والربا وأنّ الأوّل مثل الثاني، فنزلت الآية ردّاً على قولهم بنفي المساواة وأنّه سبحانه أحلّ البيع وحرّم الربا من غير تعرّض لسائر الحالات من حلّية البيع بعد الفسخ، فإنّ استفادة هذا فرع كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة.
قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حالَ البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء،

1 . المكاسب:5/19.

صفحه 46
فذمّهم الله به وألحق الوعيد بهم وخطّأهم في ذلك بقوله: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) أحلّ الله البيع الذي لا ربا فيه وحرّم البيع الذي فيه الربا...1.
وبعبارة أُخرى: أنّ الحلّية إمّا تكليفية أو وضعية. فعلى الأوّل يكون مفادها أنّ البيع حلال لا حرام، مثل قولنا: الغنم حلال والكلب حرام، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بحلّية الغنم على كونه حلالاً ولو كان مغصوباً أو موطوءاً أو جلاّلاً.
وعلى الثاني يكون مفاده أنّ البيع أمضاه الشارع وأحلّه محلّه دون الربا، وأمّا أنّه أحلّه في كلّ ظرف وموقف وأمضاه في جميع الشرائط، فالآية ساكتة عنه.
ولأجل الغموض في دلالة الآيتين يقول الشيخ:الإنصاف أنّ في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظراً.

الاستدلال بالنبويّات الثلاثة:

الأوّل: حرمة مال المسلم

اشتهر بين الفقهاء قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه».2
وجه الاستدلال: أنّ أخذ مال الغير وتملّكه من دون طيب نفس

1 . مجمع البيان:1/389، وبيّن في ذيل التفسير الفروق بين البيع والدين والزيادة فيهما.
2 . عوالي اللآلي:2/113، الحديث 309.

صفحه 47
صاحبه أمر حرام، فيشمل الفسخ المجرّد عن طيب النفس، يقول السيد الطباطبائي في تقريبه: فنفي حلّية المال يشمل إنشاء الفسخ أيضاً، فتدلّ على أنّ التملّك بالفسخ غير حلال أي غير ممضى.1
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ الفسخ اللفظي تصرّف في مال الغير، فالفسخ الصادر عن البائع بلا إذن المشتري تصرّف في مال الغير حتى يستدلّ بحرمة الفسخ على بطلانه وبالتالي على لزوم العقد، لكن الظاهر أنّ الحرام هو التصرّف في مال الغير، فلو كان العقد في الواقع لازماً يُعدّ التصرّف تصرّفاً في مال الغير، وأمّا إذا كان في الواقع جائزاً لا يُعدّ التصرّف تصرّفاً في مال الغير بل في مال النفس.
ومع الشكّ في الموضوع لا يصحّ التمسّك بإطلاق الدليل، والفرق بين المقام وآية وجوب الوفاء بالعقد نفس الفرق بين آية الوفاء بالعقد وحرمة الأكل، وقد مرّ بيانه.

الثاني: تسلّط الناس على أموالهم

واستدلّ أيضاً على اللزوم بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الناس مسلّطون على أموالهم».2
قال الشيخ: فإنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع: ألاّ يجوز أخذه من يده وتملّكه عليه من غير رضاه .
وبعبارة أُخرى: إنّ جواز العقد الراجع إلى تسلّط الفاسخ على تملّك

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:2/376.
2 . عوالي اللآلي:1/222، الحديث99.

صفحه 48
ما انتقل عنه وصار مالاً لغيره منه بغير رضاه، مناف لهذا العموم.1
يلاحظ عليه: أنّ الفسخ لا يعدّ تصرّفاً ولا منافياً لتسلّط الناس على أموالهم، وبعد الفسخ يكون المورد شبهة مصداقية للحديث، إذ من المحتمل أن يكون المال ملكاً للفاسخ لا للبائع.
وحصيلة الجواب عن التمسّك بالنبويّين: أنّ الفسخ اللفظي لا يُعدّ تصرّفاً في مال الغير حتى في العقد اللازم، بل يكون لغواً، وأمّا بعد الفسخ فالموضوع غير محرز، أي كونه مال امرئ مسلم أو مال الغير.

الثالث: المؤمنون عند شروطهم

روى الشيخ في «التهذيب» عن العبد الصالح(عليه السلام) في حديث أنّه قال: «فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: المؤمنون عند شروطهم».2
وفي رواية أُخرى عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: «... والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ».3
قال الشيخ: وقد استدلّ به على اللزوم غير واحد ـ منهم: المحقّق الأردبيلي(قدس سره) ـ بناء على أنّ الشرط مطلق الإلزام والالتزام ولو ابتداء من غير ربط بعقد آخر، فإنّ العقد على هذا شرط، فيجب الوقوف عنده ويحرم التعدّي عنه، فيدلّ على اللزوم بالتقريب المتقدّم في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).4

1 . المكاسب:5/21.
2 . الوسائل:14، الباب20 من أبواب المهور، الحديث4.
3 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث 1 و2.
4 . المكاسب:5/21.

صفحه 49
ثمّ إنّ الشيخ استشكل على صدق الشرط على الالتزامات الابتدائية، واستشهد ببعض الأدعية، نظير قوله(عليه السلام): «يا رب شرطي ألاّ أعود في مكروهك».1 وقول الإمام المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في أوّل دعاء الندبة: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا».2
يلاحظ عليه: أنّ الاستعمال لا يدلّ على الاختصاص، فإنّه في بعض الروايات استعمل في الالتزام الابتدائي.
روى الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيام للمشتري وهو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط»3، والمراد بالشرط هو الحكم الشرعي المستقل النافذ على المتبايعين لا الشرط الذمي التبعي بقرينة قوله: شرط أو لم يشترط.
ويدلّ أيضاً على كونه أعمّ ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد في حقّ بريرة لمّا اشترتها عائشة وشرط مواليها عليها كون ولائها لهم، ووقف عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:«ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط، قضاء الله أحق وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق».4
وجه الدلالة: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«وشرطه أوثق» حيث أراد به قوله: «الولاء لمن

1 . الصحيفة السجادية، من دعائه(عليه السلام) في ذكر التوبة.
2 . إقبال الأعمال:1/504; بحارالأنوار:102/104.
3 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث1.
4 . صحيح البخاري:1/94، كتاب الصلاة، الباب 7; الوسائل:14، الباب52 من أبواب نكاح الصيد والرماية، الحديث2.

صفحه 50
أعتق» مع أنّه حكم ابتدائي وليس تبعاً لحكم.
وعلى هذا فالشرط يعمّ التبعي والابتدائي وأُريد هنا الالتزام بأنّ المبيع للمشتري.
هذا إنّما الكلام في كيفية الاستدلال وأنّه أي فرق بين هذا النبويّ والنبويّين المتقدّمين؟
والفرق واضح فإنّ الاستدلال بهذا النبويّ على غرار الاستدلال بقوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وهو أنّ المراد من الشرط هو الإلزام والالتزام اللّذين دلّ عليهما الإيجاب والقبول. والفسخ بلا رضا الطرف الآخر، يعدّ نقضاً لذينك الأمرين، فيكون منهيّاً عنه الملازم للفساد، لأنّ النواهي في المعاملات كلّها إلاّ ما شذّ، ارشادات للفساد بخلاف النبويّين السابقين، فالمنهيّ عنه هو التصرّف، وقد مرّ أنّ الفسخ ليس تصرّفاً، والتصرّف بعد الفسخ شبهة مصداقية للحرمة.
وحصيلة الكلام: يوجد فرق بين التركيز على العمل بالإلزام والالتزام فيعمّ الفسخ المنافي، بخلاف الآخرين فالتركيز فيهما على التصرّف بلا إذن، وهو بعد الفسخ شبهة مصداقية.
وممّا ذكرنا من الفرق يظهر عدم تماميّة ما ذكره شيخ الشريعة الاصفهاني(قدس سره) من ورود الإشكال المتكرّر على المقام، لأنّ الأخذ بإطلاق الحكم متوقّف على وجود الموضوع، والمفروض أنّ وجود الموضوع بعد طروء الفسخ مجهول، فلا يحكم على وجوده بسبب إطلاق الحكم.1

1 . نخبة الأزهار:46، تقرير دروس شيخ الشريعة بقلم الوالد(قدس سره).

صفحه 51
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو الإلزام والالتزام القائم بالمتبايعين الذي دلّ عليه الإيجاب والقبول، وقد أثّر بوجوده الحدوثي حرمة نقض الالتزام بكلّ شيء حتّى الفسخ من دون الرضا فيكون الفسخ فاسداً، للنهي الإرشادي ويبقى الإلزام والالتزام بما لهما من التأثير بحاله، نعم لو كان المنهيّ عنه هو التصرّف فللقائل أن يقول: إنّ حرمة التصرّف في ملك الغير حرام، وبعد الفسخ نشكّ في كونه ملكاً للغير.
وبالجملة آية وجوب الوفاء بالعقد، ورواية وجوب الوفاء بالشرط سدّت عامة الأبواب حتى الفسخ، حيث يعدّ نقضاً، ومعه لا مجوّز للتصرّف بعد بقاء الإلزام والالتزام بحاله، بخلاف سائر الأدلّة فإنّها منصرفة عن الفسخ، وناظرة إلى التصرّفات، وبعد الفسخ يصبح الموضوع شبهة مصداقية للرواية لاحتمال تأثير الفسخ وصيرورة المبيع ملكاً للفاسخ.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات والنبويات الثلاثة، وإليك ما بقي من الأدلّة.

الدليل السابع: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا

قال الشيخ: ومنها: الأخبار المستفيضة في «أنّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» وأنّه «إذا افترقا وجب البيع، وأنّه لا خيار لهما بعد الرضا».1
يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد بيان الوجوب النسبي لا المطلق، وأنّه لا خيار لهما بعد الافتراق من جانب خيار المجلس، وأمّا أنّه لا خيار لهما أبداً فليس الحديث بصدد بيانه، بشهادة وجود الخيار بعد الافتراق لأجل الغبن

1 . المكاسب:5/22.

صفحه 52
والتدليس وتخلّف الشرط.
وبعبارة أُخرى: اللزوم حيثي، فلا خيار من جانب المجلس، وأمّا وجوده من سائر الجوانب فالحديث ساكت عنه.
***

الدليل الثامن: مقتضى الاستصحاب

هذا هو الدليل الثامن في كلمات الشيخ حيث قال عند تفسير «الأصل»: وأنّ المراد الاستصحاب ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرّد فسخ أحدهما. ثم قال: هذا حسن.1
وربّما يعارض هذا (استصحاب الملكية اللازمة للمشتري)، باستصحابين:
1. استصحاب عدم انقطاع علاقة المالك فإنّ الظاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين التي له فيها الرجوع، وهذا الاستصحاب حاكم على الاستصحاب المتقدّم المقتضي للّزوم.2
يلاحظ عليه: أنّ علاقة المالك الأوّل إن كانت نابعة من مالكيته للمبيع فقد انتفت بإخراج المالك عن ملكه قطعاً، وإن كانت نابعة من غير هذا الوجه كاحتمال سلطة إعادة العين إلى ملكه فهي مشكوكة الحدوث لا يصار إليها إلاّ بدليل، ولا معنى لاستصحاب ما هو مشكوك الحدوث.
2. استصحاب الخيار للمتبايعين بعد الافتراق ببيان أنّا نحتمل قيام

1 . المكاسب:5/14.
2 . المكاسب:5/14.

صفحه 53
خيار آخر مكان خيار المجلس عند انقضائه كخيار الغبن فيستصحب الجامع بينهما، فخيار المجلس قطعيّ الانتفاء بالتفرّق، وحدوث خيار آخر على وجه التعيين، مشكوك الحدوث، لكن الجامع بينهما، مشكوك البقاء، فيكون المقام من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، كما لو كان زيد في الدار، وعلمنا خروجه، لكن نحتمل وجود عمرو فيها مقارناً مع وجود زيد فيها، أو نحتمل دخوله فيها حين خروجه، فوجود زيد قطعيّ الانتفاء ووجود عمرو بخصوصه مشكوك الحدوث، لكن الجامع بينهما مشكوك البقاء، فيستصحب.
يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستصحاب مصداق عقلي له، وهو فوق مستوى الفهم العرفي الذي هو الحجّة، لا الفهم الفلسفي الدقيق، فلا يعتدّ به.
فبقي استصحاب الملكية اللازمة بعد الفسخ بحاله، خالياً عن المعارض.
نعم لو قلنا بصحّة استصحاب الخيار، لكان حاكماً على ذاك الاستصحاب، لأنّ الشكّ في بقاء الملكية اللازمة وعدمه نابع عن بقاء الخيار، فلو ثبت بالاستصحاب يكون رافعاً للشكّ في بقائها. وقد عرفت أنّه مصداق عقلي للاستصحاب وليس مصداقاً عرفياً لقوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» فلا يحتجّ به.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة استصحاب الملكية اللازمة حيث كانت متيقّنة قبل الفسخ والأصل بقاؤها.

صفحه 54

حول استصحاب ملكيّة المشتري

وربّما يتصوّر أنّ المستصحب في المقام من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلّي، وهو ما إذا كان المستصحب مردّداً بين طويل العمر وقصيره، كالبقر وفرخ الدجاج فلو كان بقراً فهو باق قطعاً ولو كان فرخاً فهو غير باق كذلك، والأوّل مشكوك الحدوث والثاني قطعيّ الارتفاع، لكن الجامع بينهما مشكوك البقاء.
نظير ذلك إذا خرج من الإنسان بلل مردّد بين المني والبول وتوضّأ، فلو كان منيّاً فالحدث باق قطعاً، ولو كان بولاً فهو مرتفع، لكن الجامع كان متيقّناً وصار مشكوك البقاء.
ومثله المقام، فلو كان المنشأ الملكية اللازمة فهي باقية، وإن كانت جائزة فهي مرتفعة، والمستصحب هو الجامع بينهما، فصار المورد من قبيل الموجود المردّد بين طويل العمر (الملكية اللازمة) وقصيره (الملكية الجائزة).
أقول: الظاهر أنّه من قبيل القسم الأوّل من أقسام استصحاب الكلّي، كما إذا كان زيد في الدار وشكّ في خروجه، فكما يجوز استصحاب بقاء الفرد فهكذا يجوز استصحاب بقاء الإنسان، وهكذا المقام.
وأمّا الاحتمال السابق فهو مبني على أنّ الملكية اللازمة، غير الملكية الجائزة جوهراً، وأنّ اللزوم والجواز إمّا من الفصول المقوّمة حتى تكونا نوعين أو من المصنّفات حتى يكونا صنفين، فيصح أن يقال: إنّ الملكية المذكورة مردّدة بين كونها مصداقاً لنوع أو صنف طويل العمر، أو مصداقاً لنوع أو صنف آخر قصير العمر. وأمّا لو قلنا بأنّهما حقيقة واحدة وإنّما

صفحه 55
الاختلاف إنّما هو في الأسباب، فالملكية اللازمة نفس الملكية الجائزة وإنّما الاختلاف والتغاير في أسبابها فإنّها قد تفيد اللزوم وأُخرى الجواز، والتغاير في الأسباب لا يوجب التغاير في المسبب، فحينئذ فالملكية المجرّدة عن اللزوم والجواز أمر واحد، متيقّن، نشكّ في بقائها.
وما ذكرناه من عدم التغاير بين الملكيتين هو الظاهر من الشيخ، قال: إنّ انقسام الملك إلى المتزلزل والمستقرّ ليس باعتبار اختلاف في حقيقته، وإنّما هو باعتبار حكم الشارع عليه في بعض المقامات بالزوال برجوع المالك الأصلي. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملّك، لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع وعدمه من الأحكام الشرعية للسبب، لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبّب.1
نعم يظهر من السيد الطباطبائي أنّ الاختلاف بينهما اختلاف في الحقيقة قائلاً: إنّ الملكية في أنظار العرف قسمان، وإن كان ذلك من جهة اختلاف السبب، فالملكية الحاصلة في الهبة عندهم غير الملكية الحاصلة في البيع، حيث إنّ الأوّل مبني على الجواز عندهم، ويجوّزون الرجوع فيه، بخلاف الثاني فإنّه مبني على اللزوم، فالاختلاف بينهما كالاختلاف في حدث الجنابة وحدث النوم والبول، وإلاّ فأمكن أن يقال: إنّ حقيقة الحدث أيضاً أمر واحد، وأنّ اختلاف الأحكام من جهة اختلاف الأسباب، ومن المعلوم أنّه ليس كذلك.2
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ ما مثّل به من الاختلاف بين حدث الجنابة

1 . المكاسب:3/52.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب:1/357. في بيان أدلّة المختار في المعاطاة.

صفحه 56
وحدث النوم والبول خارج محطّ البحث لقوّة الحدث في الأُولى دون الأخيرين بخلاف المقام، إذ ليست إحدى الملكيتين أقوى من الأُخرى إذ الملكية بمعنى وجود العلقة بين المالك والمملوك في كلا الموردين من مقولة واحدة، غير أنّ الشارع سوّغ للواهب أن يرجع في ملكه دون البائع، فكيف يكون ذلك سبباً للاختلاف في الحقيقة؟!
***
هذا كلّه إذا كان المستصحب بعد فسخ الفاسخ هو الملكية، ويمكن أن يقال: إنّ المستصحب بقاء العقد بعد الفسخ أو بقاء البيع بعده، فيكون دور الاستصحاب كونه محرزاً صغرى للدليل الاجتهادي، فيقال: العقد السابق باق، وكلّ عقد يجب الوفاء به، وهذا العقد يجب الوفاء به.

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال: إذا كان دور الاستصحاب إحراز الصغرى للدليل الاجتهادي ـ أعني: (أوفُوا بِالعُقُود) ـ فعندئذ يتوجّه على التمسّك به الإشكال التالي: إنّ العام المذكور أي (أوفُوا بِالعُقُود) ـ خصّص بالعقود الجائزة، وكأنّ القائل قال: يجب الوفاء بالعقود إلاّ العقود الإذنية، أي الجائزة، واستصحاب بقاء العقد غير كاف في التمسّك بالعام، بل يجب إحراز عدم عنوان المخصّص، أي عدم كونه عقداً جائزاً، والمفروض أنّه غير محرز، فيكون التمسّك بالعام في المقام من قبيل التمسّك به في الشبهة المصداقية للمخصّص.
أمّا الجواب: فهو أنّ القائل تصوّر ورود العام أوّلاً، ثم خصّص بالعقود

صفحه 57
الجائزة ثانياً، فرتّب عليه ما رتّب.
ولكن الواقع ليس كذلك، بل الخارج عن تحت العام عبارة عن عقد الهبة والعارية والوكالة وأمثال ذلك، فعندئذ يكون الشكّ في خروج عقد القرض عن تحت العام شكّاً في التخصيص الزائد، والأصل عدمه، لا شكّاً في الشبهة المصداقية.
وإن شئت قلت: إنّ الخارج ليس عنوان العقود الجائزة حتى يجب إحرازه عند التمسّك بالعام، بل الخارج عناوين العقود المتعدّدة، فكلّ من الهبة والعارية والوديعة والوكالة مخصّص، فلو شككنا في خروج عقد القرض يكون تخصيصاً زائداً. نعم لو كان الخارج عنوان العقود الجائزة يجب إحرازها.
فإن قلت: إنّ ما يجب الوفاء به هو العقد الواقعي، لا العقد التعبّدي، ولا يثبت بالاستصحاب إلاّ العقد التعبّدي.
قلت: إنّ الاستصحاب يُثبت بقاء العقد الواقعي في ظرف
الشكّ، فالثابت به هو بقاء العقد الواقعي لا العقد التعبّدي، نعم بفضل
التعبّد يثبت بقاؤه في ظرف الشكّ، والتعبّد بالبقاء سبب لإثبات وجود المستصحب لا هو قيد للمستصحب، فالذي يستصحب هو نفس العقد لا العقد التعبّدي.
وأخيراً نحن في غنى عن الاستصحاب، سواء أكان مثبتاً للّزوم أو للجواز، لما عرفت من وجود الدليل الاجتهادي على اللزوم، أعني قوله سبحانه: (أوفُوا بِالعُقود)والنبويّ: «المؤمنون عند شروطهم»، ومع هذا لا حاجة إلى البحث عن الاستصحاب. مضافاً إلى ما مرّ في صدر القاعدة من أنّ

صفحه 58
هنا طريقاً آخر لتمييز العقود الجائزة عن اللازمة وهو دراسة طبيعة العقد والفرض المترتّب عليه، فلاحظ.
***
تمّت قاعدة
الأصل في العقود اللزوم

صفحه 59
القواعد الفقهية
      33
قاعدة
الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ
تقسيم الأحكام إلى أحكام تكليفية وأحكام وضعية وتعريفهما
تقسيم الحكم الوضعي إلى مجعول شرعي و منتزع من مجعول
الكلام في مقامين:
   1. أدلّة القول بشمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره وذلك بطرق أربع
   2. دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً عن الشمول لغير البالغ كرفع القلم عن الصبي
دفع الاستدلال بوجهين:
   1. المرفوع قلم المؤاخذة لا الحكم الوضعي
   2. لو كان المرفوع هو قلم التكليف فالمرفوع أثر الأفعال الّتي يشترط فيها القصد إذا صدرت عن البالغ، وأمّا ما لا يشترط فيه القصد عند صدورها عن البالغ فلا يكون مرفوعاً.
تقسّم الأحكام في مصطلح الفقهاء إلى أحكام تكليفية وأحكام وضعية، وقبل الإشارة إلى تعريفهما نذكر تعريفاً لمطلق الحكم، فنقول:
الحكم: عبارة عن كلّ مقرّر وقانون من مقنّن نافذ في المجتمع، وإن شئت قلت: عبارة عن كلّ مقرّر وقانون عرفي أو شرعي ممّن له أهلية التقرير والتقنين.

صفحه 60
هذا هو تعريف مطلق الحكم، سواء أكان الحكم سماوياً أو أرضياً.
وأمّا الحكم التكليفي: فهو عبارة عن الحكم الذي يتضمّن البعث والزجر أو التخيير عملاً بين الفعل والترك، فيدخل في الأمرين الأوّلين: الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة; لأنّ الجميع يتضمّن البعث والزجر إلزاماً أو غير إلزام، كما أنّ الإباحة الشرعية بمعنى الحكم بالتسوية داخلة تحت مقولة التخيير.
وأمّا الحكم الوضعي: فهو عبارة عن موضوعات إمّا مجعولة شرعاً، أو منتزعة من أحكام تكليفية لا تتضمّن البعث والزجر أوّلاً وبالذات، وإن كان لها تعلّق بأحد الأمرين باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفية.
وعلى هذا فالحكم الوضعي بين ما هو مجعول شرعاً استقلالاً، كالحاكمية أو الولاية للفقيه في قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»1، وكالماهيات المخترعة من الصلاة والصوم والزكاة والحج، فإنّ الجميع أحكام وضعية مجعولة تأسيسياً أو إمضائياً; وبين ما هو منتزع من أحكام تكليفية كالسببية من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)2، حيث ينتزع من إيجاب الصلاة عند دلوك الشمس، السببية له، وكالشرطية المنتزعة من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بطهور» أو «بفاتحة الكتاب» .
وبذلك يظهر أنّ في تسمية جعل الموضوعات والمنتزعات حكماً، نوع توسّع، ولعلّها باعتبار ما يستتبعها من الأحكام التكليفية.
إذا عرفت هذا يقع الكلام في مقامين:

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
2 . الإسراء: 78 .

صفحه 61
الأوّل: شمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره.
الثاني: دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً من الشمول.
أمّا المقام الأوّل: فنقول: يظهر من الأصحاب عموم الموضوعات التالية للبالغ وغيره:
1. الجنابة.
2. الحدث الأصغر.
3. إتلاف مال الغير .
4. تلف مال الغير في يد غير البالغ غير المأذونة.
5. حيازة المباحات وتملّكها.
6. إيجاد سبب الدية في النفس والأعضاء ومنافعها.
7. النجاسات بأنواعها.
وهكذا كلّ شيء وقع موضوعاً لحكم شرعي.

أدلّة القول بشمول الأحكام الوضعية للبالغ وغيره

يمكن الاستدلال على الشمول بطريقين:
الأوّل: ادّعاء شمول الإطلاقات للبالغ وغيره، نظير:
1. «مَن أحيا أرضاً مواتاً فهي له»1.
2. «مَن حاز مَلَك» أو «للعين ما رأت ولليد ما أخذت» 2.

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 5 و6 .
2 . الوسائل: 17، الباب 15 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

صفحه 62
3. قول الإمام علي (عليه السلام)في الدابة إذا سرّحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها، فهي للذي أحياها.1
4. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» 2.
5. ما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام): متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال: «يجب عليهما الغسل حين يدخله، وإذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما» 3.
والتعبير بالرجل من باب الغلبة.
6. عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)في سؤال أخيه علي بن جعفر قال: سألته عن الرجل يمرّ بالمكان الذي فيه العذرة، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة، فيصيب ثوبه ورأسه، يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: «نعم ينفضه ويصلّي» .4 وإطلاق العذرة يعمّ كلا الصنفين.
7. قوله (عليه السلام): «مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن»5.
إلى غير ذلك من العمومات والمطلقات الواردة في مختلف الأبواب.
ودعوى انصرافها عن الصغير دعوى بلا دليل خصوصاً الصبي الذي

1 . الوسائل: 17، الباب 13 من أبواب اللقطة، الحديث 3.
2 . مستدرك الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب الغصب، الحديث 4.
3 . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الجنابة، الحديث 9 .
4 . الوسائل: 2، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث 12. قوله: «تسفى»: ما تذريه الريح من غبار وغيره .
5 . الظاهر أنّ هذا الحديث مستفاد من عدة روايات وردت في أبواب مختلفة في الوسائل في كتاب الشهادات والرهن والإجارة والعتق وحدّ الزنا ونكاح البهائم والحدود. لاحظ : جواهر الكلام: 31 / 91 (الهامش رقم1).

صفحه 63
قرب بلوغه حسب العمر .
الثاني: أنّ تخصيص قسم من القواعد بالبلوغ ينافي الامتنان، فالقول بأنّ الصبي إذا حاز لم يملك، فللغير أن يستولي على ما حازه; أو القول بأنّ الصبي إذا أتلف لا يستتبع شيئاً، أو أنّه إذا أوجد سبب الدية في النفس والنفيس لا يحكم عليه بشيء; كلّ ذلك على خلاف الامتنان، فتخصيص هذه الأحكام بالبالغين وإخراج غيرهم عن تحتها، ينافي روح الشريعة الدالة على العدل والإنصاف، والقول بعدم الضمان في هذه الموارد نوع إذن للصبي أن يفعل ما يشاء ويعتدي على الآخرين.
الثالث: دراسة المسألة عن طريق تناسب الحكم والموضوع، فإنّ التكليف بالاجتناب عن البول والغائط وسائر النجاسات لأجل وجود القذارة فيها، ولها آثار ضارّة بالإنسان، وهذا لا فرق بين بول وغائط البالغ أو غير البالغ.
الرابع: نرى أنّ الإمام (عليه السلام)يصف عمد الصبي بالخطأ ويقول: «عن علي (عليه السلام)أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة»1.
فلو لم يكن لفعل الصبي أثر، فما معنى الحكم على عمده بأنّه خطأ ويشترك مع البالغ في الحكم وهو الدية، إلاّ أن البالغ يضمنها بنفسه، والصبي تضمن عنه عاقلته؟!
ولعلّ هذه الطرق الأربع كافية في إثبات المقتضي، إنّما الكلام في دراسة ما يمكن أن يستدلّ به على منع شمول الحكم لغير البالغ.

1 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .

صفحه 64

دراسة ما يمكن أن يكون مانعاً من الشمول

ما ذكرنا من الأدلّة كاف في إثبات الشمول، غير أنّه ربما يُتوهّم أنّ هنا مانعاً من الشمول وهو ما رواه الصدوق في «الخصال» بسنده عن ابن ظبيان، قال: أُتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي (عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ»1.
وجه المنع أنّ المتبادر من الحديث هو رفع قلم جعل الأحكام، وأنّه لم يحكم بشيء من الأحكام وضعية كانت أم تكليفية، وكأنّ فعله كلا فعل وعمله كلا عمل، لا يحكم عليه بحكم من الأحكام، وعلى ذلك فلو كان المرفوع جعل الأحكام على وجه الإطلاق يكون الحديث مخصّصاً للعمومات الظاهرة في الشمول للبالغ وغيره.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر المرفوع هو قلم المؤاخذة والعقوبة لأجل عدم الشعور أو قلّته; أمّا المجنون فلفقد عقله، وأمّا النائم فلغفلته، وأمّا الصبيّ فلقلّة شعوره، فصار ذلك سبباً لرفع المؤاخذة والمعاقبة عنهم. وأمّا رفع كلّ حكم عنه فهو غير واضح بشهادة أنّ النائم في الرواية إحدى الطوائف الثلاث الذي حكم الإمام علي(عليه السلام) برفع القلم عنه مع أنّه لو أتلف مال الغير يحكم عليه بالضمان .
وثانياً: سلّمنا أنّ المراد رفع قلم جعل التكليف، لكن تكاليف البالغ على قسمين:

1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.

صفحه 65
1. قسم يشترط في ترتّب الحكم عليه الالتفات والقصد كالقصاص، فمثل هذا لو صدر عن الصبي لا يترتّب عليه حكم القصاص لعدم الاعتداد بقصده.
2. قسم لو صدر عن الإنسان يترتّب عليه الأثر، سواء أكان هناك قصد أو لا؟ فمثل هذا يكون فيه البالغ والصبي سواء، لأنّ كون قصده كلا قصد فيشارك البالغ ويوجب انطباق الموضوع عليه. وهذا كما في إتلاف مال الغير فإنّ البالغ ضامن سواء قصد أم لا، وليس للقصد فيه مدخلية فإذا كان نفس الموضوع موضوعاً للضمان بلا مدخلية للقصد فالبالغ والصبي أمامه سواء. وبعبارة أُخرى: إذا كان نفس الفعل، موضوعاً للأثر، وهو متحقّق في البالغ والصبي فيكون الضمان محقّقاً، والحديث غير شامل له، لأنّ مصبّه ما إذا كان لقصد الفاعل مدخلية.
بل يمكن أن يقع مثل هذا موضوعاً للحكم على الغير، كما هو الحال في كون الدية على العاقلة.
فتحصّل ممّا ذكر أنّ الحكم إذا كان مترتّباً على ذات الفعل ولم يكن للقصد فيه اعتبار يمكن أن يكون موضوعاً للحكم على الصبي كما في الإتلاف، أو على الغير كما في الدية.
***
تمّت قاعدة
الأحكام الوضعية غير مشروطة بالبلوغ

صفحه 66
القواعد الفقهية
      34
قاعدة
الأحكام تابعة للأسماء
1. الحكم يدور مدار الموضوع المأخوذ في لسان الدليل وهو ما يعبر عنه بالأحكام تابعة للأسماء.
2. الاستحالة والانقلاب عبارة عن زوال الموضوع .
والشيء تارة يقع موضوعاً للحكم بما له من صورة نوعية، وأُخرى بما له من صورة جسمية .
3. إذا كان الموضوع الصورة النوعية بما هي هي ينتفي الحكم بخلاف ما لو اتّخذ على النحو الثاني.
4. ربّ متغيّر يصدق عليه الاسم وآخر لا يصدق عليه الاسم قطعاً، وهناك أشياء يُشكّ في صدق الموضوع عليها فهل المرجع قاعدة الطهارة أو الاستصحاب؟
5. مساحة القاعدة في سائر الأبواب، في الأشياء المحدّدة بالمساحة، أو الطول أو الوزن، إذا حدث التغيّر فيها.
من القواعد المعروفة في غير واحد من أبواب الفقه قاعدة: أنّ الاحكام تابعة للأسماء، فمادام الاسم صادقاً على الموضوع يحكم عليه بحكمه كالكلب بالنجاسة، وأمّا إذا خرج عن اسمه وصار ملحاً فيحكم عليه بالطهارة، ولأجل تلك القاعدة ذكر الفقهاء أنّ الاستحالة والانقلاب من المطهّرات، وذلك لعدم صدق الاسم. فالاستحالة كالعذرة إذا صارت تراباً،

صفحه 67
والخشبة المتنجّسة إذا صارت رماداً. والانقلاب كالخمر إذا صار خلاًّ، والبول أو الماء المتنجّس إذا صارا بخاراً.
توضيح ذلك: أنّ للموجودات المادّية صورتين:
1. الصورة النوعية التي بها يتقوّم الشيء وعليها مدار صدق الاسم، كالصورة النوعية للإنسان والحيوان والشجر، على نحو لو أُزيلت تلك الصورة لما صدقت عليها أسماء الأنواع .
2. الصورة الجسمية، وهي ما تتحدّد بالأبعاد الثلاثة المعروفة من الطول والعرض والعمق، وهي القدر المشترك بين الجواهر الطبيعية من الإنسان والحيوان والنبات والجماد.
فهذه الجواهر تشتمل على صورتين: نوعية وجسمية، والاسم يدور مدار الصورة النوعية، ولذلك قالوا: شيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته، وإلاّ فالمادّة مشتركة بين جميع الأعيان الأربعة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحكم الشرعي تارة يقوم بالصورة النوعية على نحو لو أُزيلت الصورة لارتفع الحكم، كما هو المعروف باسم الاستحالة على ما مثّلناه.
وأُخرى يكون الحكم قائماً بصورته الجسمية كنجاسة الحنطة، فهي باقية وإن تبدّلت طحيناً أو دقيقاً أو خبزاً، أو الحليب إذا صار جبناً، ففي هذه الموارد ربّما يُميّز الإنسان الحكم القائم بالصورة النوعية أو القائم بالصورة الجسمية، وربّما يشتبه الحال في الأمثلة التالية:
1. إذا صار الخشب النجس فحماً.

صفحه 68
2. صيرورة الطين النجس خزفاً أو آجراً.
3. إذا تبدّل البول بخاراً ثم ماءً.
فما هو المرجع في هذه الموارد؟ فهل المرجع هنا هو الاستصحاب كما عليه السيد الطباطبائي في العروة حيث يقول: «ومع الشكّ في الاستحالة لا يحكم بالطهارة» للشكّ في حصول المطهّر الموجب للرجوع إلى أصالة عدمه، الموافق لأصالة بقاء النجاسة.
أو أنّ المرجع هو قاعدة الطهارة كما لو علم بالاستحالة؟ والظاهر هو الثاني لعدم بقاء الموضوع حيث يشترط في الاستصحاب وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة، ومن المعلوم أنّ القضية المتيقّنة غير المشكوكة، فأين الطين من الخزف والخشب من الفحم. ولو قلنا بشرطية بقاء الموضوع كما هو التعبير الآخر عن شرطية وحدة القضيتين في الاستصحاب فالحكم أيضاً كذلك.
ثم إنّ الظاهر أنّ الحكم بالنجاسة فيما إذا تبدّلت الحنطة طحيناً أو عجيناً أو خبزاً، أو تبدّل الحليب جبناً، من باب الاستصحاب. وإلاّ فالظاهر عدم صدق الحنطة عليها، فقاعدة الأحكام تابعة للأسماء، غير ناهضة لإثبات النجاسة في هذه الموارد، لعدم صدق الأسماء وإنّما الموجب للحكم بالنجاسة هو استصحابها بحكم أنّ الموضوع وإن كان مرتفعاً بالدقّة العقلية لكنّه موجود في نظر العرف الدقيق أيضاً. حيث يدرك بأنّ التلوّث بالنجس باق في الحالات الثلاث الّتي تغيّرت لها الحنطة.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. أنّه ما دام الاسم صادقاً على الموضوع عقلاً وعرفاً فالحكم باق.

صفحه 69
2. إذا حدث فيه طارئ في الأوصاف والأعراض كما في تبدّل الخشب فحماً أو الطين آجراً، فالظاهر عدم بقاء الصورة النوعية، فتحكم بالطهارة.
3. إن تبدّل الحنطة إلى الدقيق أو هو إلى العجين أو الخبز، فالظاهر أنّ المرجع هو الاستصحاب لبقاء الموضوع عرفاً وأظهر منه إذا صار الماء النجس جمداً. ومع ذلك يمكن القول بجريان الاستصحاب في القسم الثاني أيضاً أعني صيرورة الطين النجس آجراً بالبيان التالي:
وحاصله: أنّ استصحاب حكم عنوان الطين وجرّه إلى عنوان الخزف والآجر من قبيل استصحاب حكم موضوع إلى موضوع آخر، وهو أشبه بالقياس، ومثله استصحاب حكم عنوان العنب إلى عنوان الزبيب، فإنّهما عنوانان مختلفان ولكلّ اسم خاص، ولذلك قلنا ببطلان الاستصحاب التعليقي إذا حاول جرّ حكم عنوان العنب إلى عنوان الزبيب .
ولكن هنا طريقاً آخر لجريان الاستصحاب في هذه الموارد، وهو أنّ الموضوع في لسان الدليل وإن كان هوالعنب لكن بعد انطباقه على الخارج، يكون الموضوع للحرمة الجزئية هو هذا الموجود الخارجي الذي أمامنا وعندئذ نشير إليه بهذا، ونقول: «هذا إذا غلى يحرم». مكان أن نقول: «العنب إذا غلى يحرم»، فإذا مضت أيام وجفّ ماؤه وصار زبيباً، فالقول باستمرار الحكم وجرّ الحكم السابق إلى اللاحق فرع حفظ الهوية الخارجية (لا العنوان) وكون المشار إليه بهذا في الفترة الأخيرة نفس المشار إليه بهذا في الفترة المتقدّمة. فإن وافقه العرف على هذه الوحدة ـ كما هو الموافق للتحقيق ـ يجري الاستصحاب من دون رائحة قياس، فيقال: هذا كان في السابق إذا غلى يحرم، والأصل بقاؤه على ما عليه، فيكون المرجع هو

صفحه 70
الأصل العملي في الفترة الأخيرة ما دام كونه زبيباً.
وقس على هذا استصحاب النجاسة في الطين المنقلب إلى الخزف والآجر، والخشب المتحوّل إلى الفحم، فعلى ما ذكرنا فالمرجع هو الاستصحاب.
***
ثم إنّ لقاعدة: «الأحكام تابعة للأسماء» مجالاً واسعاً في سائر الأبواب لا يختصّ بباب النجاسات، إذ لها مصاديق كثيرة في كثير من الأبواب نذكر منها ما يلي:
1. أواني الفضة والذهب يحرم عملها واستعمالها فإن غيّر شيء منها على نحو زال عنها الاسم السابق، فهل تبقى على الحرمة أو لا؟
فالقاعدة غير صادقة لافتراض حدوث تغيير موجب لسلب الاسم عنها، فيكون المرجع هو الاستصحاب.
2. الأشياء المحدّدة بالوزن إذا أُنقص منها شيء كالكُرّ بالأرطال، ومُدّ الطعام في الصدقات، ونصاب النقدين والغلاّت، وصاع الفطرة إذا طرأ عليها شيء من النقص فهل يجزي أو لا؟ فيقال: الأحكام تابعة للأسماء.
3. ما حُدد بالمساحة كالكر، وبعد البالوعة عن البئر بالأذرع، وبعد الرجل عن المرأة بعشرة أذرع في الصلاة، ومسافة القصر، وفراسخ تلقّي الركبان، إذا طرأ عليها شيءٌ يغيّر حالتها.
4. ما حُدّد بالعدد كدلاء البئر، ونصب الشاة والإبل والبقر، وأعداد الرضعات، وأعداد الطواف والسعي، فتأتي فيها القاعدة، فلو صدقت عليها

صفحه 71
فهو، وإلاّ فالمرجع الأُصول العملية أو البراءة.
وبالجملة ففي هذه الموارد الّتي حدّدت إمّا بالوزن أو بالمساحة أو بالعدد إذا طرأ عليها شيء من النقص فهل يبقى الحكم السابق أو لا؟ فلو صدق الاسم فهو، وإلاّ فالمرجع هو الأُصول العملية .
ثمّ إنّ مقتضى الأصل يختلف حسب اختلاف الموارد، ففي مورد الأواني فالأصل الجاري هو استصحاب الحرمة، وفي مورد الكرّ إذا أُنقص منه شيء هو استصحاب النجاسة، وفي نصاب النقدين والغلاّت إذا نقص منه شيء عدم وجوب الزكاة، وفي صاع الفطرة إذا نقص منه شيء عدم الإجزاء، وهكذا، وبذلك ظهر أنّ القاعدة قاعدة فعّالة لها مجال كبير في أبواب الفقه .
***
تمّت قاعدة
الأحكام تابعة للأسماء

صفحه 72
القواعد الفقهية   
      35
قاعدة
الأُمور بمقاصدها
المادّة الأُولى في مجلة الأحكام العدلية عبارة عن كون الأُمور بمقاصدها
هذه القاعدة غير قاعدة العقود تابعة للقصود
تفسير مفردات القاعدة
الاستدلال على القاعدة بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب
ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في مورد القاعدة
تطبيقات القاعدة
الفرق بين التجرّي والانقياد
الحيل الشرعية معتبرة إذا أُريد بها إثبات حقّ أو دفع باطل
موقف الشارع من الحيل والذرائع إذا كانت لإبطال الحق أو إثبات الباطل
قد سبق منّا القول بأنّ الدولة العثمانية كلّفت عدداً من علماء السنّة بتدوين كتاب يكون مرجعاً في المحاكم الشرعية فكانت النتيجة وضع كتاب باسم: «مجلة الأحكام العدلية» في 1851 مادّة .
فالمادّة الأُولى عبارة عن «قاعدة الأُمور بمقاصدها»، وهي غير قاعدة العقود تابعة للقصود. فقد أُريد من العقود، ألفاظ الإيجاب والقبول، بخلاف المقام فقد أُريد من الأُمور الأفعال، كما سيظهر.

صفحه 73
فلنذكر شيئاً ممّا يرجع إلى هذه القاعدة.

تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مركّبة من أمرين:
1. الأُمور .
2. المقاصد.
أمّا الأوّل فقد أُريد به الأفعال الّتي يقوم بها المكلّف، وهو منصرف إلى فعل غير اللفظ الذي يصدر عن المكلّف لغاية من الغايات.
وأمّا الثاني فالمقاصد جمع المقصد وأُريد به الغايات والأغراض الباعثة للفعل.
مثلاً: أنّ ضرب الولي اليتيم ولو ضرباً غير خفيف إذا صدر لغاية التأديب فهو أمر حسن يثاب عليه، دونما إذا كان لغاية الإيذاء فهو قبيح محرّم ولو كان خفيفاً.
كما أنّ الاحسان إلى شخص إذا كان لغاية التقرّب إلى الله فهو يؤجر من الله، وإن كان الغرض التقرّب إلى نفس الشخص فهو أمر حسن لكن لا يؤجر، إلى غير ذلك من الأمثلة.

الاستدلال على القاعدة بما رواه البخاري

والأصل في ذلك ما رواه البخاري في الصفحة الأُولى من صحيحه عن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله

صفحه 74
فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».1
وبما أنّ البخاري كان مخالفاً لأبي حنيفة في الأصل الذي أسّسه باسم «فتح الذرائع»، فقد افتتح صحيحه بهذا الحديث ردّاً عليه.
وقال أيضاً في كتاب الحيل في صحيحه:
باب: إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له، ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمناً.
هذا هو الحقّ الصراح الذي جاء به البخاري في عنوان الفصل، لكنّه حكى بعد ذلك عن بعض الناس ـ والمراد به أبو حنيفة ـ ما يخالفه وقال:
قال بعض الناس: «الجارية للغاصب، لأخذ المالك القيمة»، وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ أنّها ماتت، حتّى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جاريةُ غيره، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة».2
ونقول إيضاحاً لكلام البخاري: إنّ فتح الذرائع لو قيل به فإنّما يقال فيما إذا كان السبب مؤثّراً في حصول النتيجة كما في الحيل الشرعية لأكل الربا دون ما لم يكن غير مؤثّر، وبه يظهر بطلان ما أفتى به أبو حنيفة، وذلك لأنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمّة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو ظهرت حياتها انكشف أنّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.

1 . صحيح البخاري:1 /2، باب كيف بدء الوحي.
2 . صحيح البخاري:8/62، كتاب الحيل، الباب التاسع، الحديث رقم 6966.

صفحه 75

ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في خصوص القاعدة

ثم إنّ الدليل على القاعدة لا ينحصر بما رواه البخاري فإنّ في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)تركيز على ذلك.
1. روى أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا قول إلاّ بعمل، ولا قول ولا عمل إلاّ بنيّة، ولا قول ولا عمل ولانيّة إلاّ بإصابة السنّة»1.
2. روى أبو عروة السلمي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ الله يَحْشُر الناس على نيّاتهم يوم القيامة».2
ثم إنّ ما رواه البخاري قد روي عن طريق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عن آبائهم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال (في حديث): «إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمَن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله عزوجل، ومَن غزا يريد عرض الدنيا، أو نوى عقالاً، لم يكن له إلاّ ما نوى»3.
وعلى كلّ تقدير فالقاعدة لا تركّز على وجود القصد; لأنّه أمر مسلّم في فعل العقلاء، وإنّما المراد هو وجه القصد وغايته، ويظهر ذلك في تطبيقات القاعدة.

تطبيقات القاعدة

1. إذا التقط ملتقط لقطة يعتبر أميناً عليها، ولا يضمن إذا تلف بلا تعدّ

1 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 2.
2 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 5.
3 . الوسائل: 1، الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 10. العقال: حبل يشدّ به البعير في وسط ذراعه.

صفحه 76
أو تقصير; وأمّا لو التقطها بقصد تملّكها، وهلكت اللقطة في يده بدون تعدّ أو تقصير يكون ضامناً لها. فلو وجد صاحبها فعليه الخروج عن الضمان.
2. لو نشر الصيّاد شبكته وتعلّق بها طير، فإن كانت الغاية من النشر تجفيفها أو إصلاحها فهو ملك لمَن سبقت يده إليه، من غير فرق بين الصيّاد وغيره، وعندئذ لو سبق شخص الصيّاد فأخذ الطير من الشبكة يملكه ولا يكون غاصباً، إذ لم يدخل الطير في ملك الصيّاد; بخلاف ما لو نشرها لأجل الصيد فالطير يكون لصاحب الشبكة.
3. أمر الله سبحانه الأزواج عند قرب خروج زوجاتهم عن العدّة، بأحد أمرين: إمّا الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، ثم ينهاهم عن شيء ثالث وهو قوله: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)1، وعلى هذا فلو كان الرجوع لغاية الإضرار فهو أمر حرام، إذ يريد أن يجعل الزوجة بمنزلة الكرة فتارة يجذبها لنفسه وأُخرى يطردها عنه، ولذلك يقال: الأُمور بمقاصدها.

الفرق بين التجرّي والانقياد

التجرّي والانقياد من المفاهيم الّتي يبحث فيهما في باب القطع من أُصول الفقه، ويُمثّل للأوّل بما إذا تجرّأ وقصد شرب الخمر بمائع يقطع أنّه خمر فبان ماءً، أو خلاًّ; ويُمثّل للثاني بما إذا امتثل أمر المولى بشيء بزعم أنّه واجب وليس بواجب; فعلى هذا فيعاقب أو يُلام (على اختلاف بين العلماء في التجرّي) على الأوّل، ويثاب على الثاني، حتّى أنّه لو نوى الإطاعة وبان أنّ الموضوع حرام كما إذا قدّم طعاماً للجائع تقرّباً إلى الله ثم بان كونه مسموماً

1 . البقرة: 231.

صفحه 77
ضارّاً، فالمقدّم يثاب على عمله; لأنّ الأُمور بمقاصدها.
وفي نهاية الكلام نقول: إنّ الحيل الشرعية إنّما تصحّ إذا كانت مؤثّرة في المقصود، وكانت الغاية إثبات حقّ أو دفع باطل; وأمّا إذا كانت الغاية إبطال الحقّ أو إثبات الباطل، فهي حرام وإثم وعدوان.

موقف الشارع من الحيل والذرائع لإبطال الحقّ أو إثبات الباطل

وإن أردت أن تتعرّف على موقف الشارع من الحيل والذرائع فأقرأ هذه الآية وارجع إلى تفسيرها، قال تعالى: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)1.
فإنّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توسّلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حيازة الحيتان وحبسها عن الخروج إلى البحر يوم السبت، لغاية الاصطياد يوم الأحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحايل أمراً جائزاً، فالله سبحانه عاقبهم بنيّاتهم الفاسدة الخفيّة، لا بظاهر أعمالهم.
***
تمّت قاعدة
الأُمور بمقاصدها

1 . الأعراف: 163.

صفحه 78
القواعد الفقهية   
      36
قاعدة
التعاون على الإثم
الإعانة على الطاعة طاعة، والإعانة على الإثم إثم
الاستدلال على القاعدة بقوله سبحانه: (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
ذكر أمثلة كثيرة اختلفت كلماتهم في بيان حكمها
الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية:
1. النهي تنزيهي
2. المحرّم هو التعاون لا الإعانة
3. لو صحّ الاستدلال بالآية يلزم حرمة أكثر المعاملات
الأُمور الدالّة على تحقّق الإثم:
   1. اعتبار قصد الإعانة في المُعين وعدمه
   2. اعتبار وقوع الإثم في الخارج وعدمه
   3. اعتبار قصد المعان للإثم
   4. اعتبار علم المُعين بقدرة المعان على الإثم
   5. اعتبار العلم بتوقّف تحقق الإثم على خصوص هذه المقدّمة
الاستدلال بالروايات المتوفّرة حول إعانة الظالم
الإعانة على النفس كالإعانة على الغير
من القواعد المعروفة أنّ الإعانة على الطاعة طاعة، والإعانة على الإثم إثم.

صفحه 79
ثم إنّهم استدلّوا على القاعدة بالكتاب والسنّة.

الاستدلال بالقرآن الكريم

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)1.
ورتّبوا على ذلك فروعاً كثيرة اختلفوا في بعضها أنّها من مصاديق التعاون على الإثم:
1. بيع العنب ممّن يُعلم أنّه يصنعه خمراً.
2. بيع الخشب أو مادّة أُخرى لمن يُعلم أنّه يصنع الصليب أو الصنم.
3. بيع الحرير للرجال ويعلم البائع أنّ المشتري يلبسه.
4. بيع أواني الذهب والفضة ممّن يُعلم أنّه يستعملها.
5. بيع المتنجّس من الذمّي والميتة لمستحلّها مع كون الكفّار مكلّفين بالفروع.
6. حمل التاجر المتاع إلى بلده مع العلم بأنّ العاشر يأخذ منه العشور.
7. بيع البيت ممّن يُعلم أنّه يشرب فيه الخمر.

1 . المائدة: 2. وشنآن: بغض.

صفحه 80
8. إجارة الدار أو الدكان لصنع الخمر أو بيعه.
9. إجارة السفينة أو الدابة (أو سائر الوسائل النقلية) لحمل الخمر ونقله من مكان إلى مكان.
10. دفع الأُجرة لمن يعمل الصور المجسّمة الّتي ثبتت حرمتها.
إلى غير ذلك من الأمثلة التي اختلفت كلماتهم في بعضها، فهل هي من قبيل التعاون على الإثم أو لا؟
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّوا بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) قائلين بأنّ هذه الأعمال كلّها مقدّمة لوقوع الحرام، وصدوره من الفاعل بحيث لولا هذا المُعين لما صدر.

الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية

أُورد على الاستدلال بالآية وجوه:

1. النهي تنزيهيّ

ذكر المحقّق الإيرواني في تعليقته على مكاسب الشيخ أنّ النهي تنزيهي، وذلك بقرينة مقابلته بالأمر بالإعانة على البرّ والتقوى الذي ليس للإلزام قطعاً.
يلاحظ عليه: أنّ السياق حجّة ما لم يكن هنا دليل على الخلاف، والدليل هو تناسب الحكم (الحرمة) والموضوع (العدوان)، فإنّه يقتضي حملها على الحرمة لا على الكراهة.
Website Security Test