welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 481
لوجوب الحجّ ولا يجب تحصيلها، فلو قلنا بذلك، يؤول معناه إلى تحصيل الاستطاعة.
قال العلاّمة: لو لم يجد الزاد ووجد الراحلة وكان كسوباً يكتسب ما يكفيه وقد عزل نفقة أهله مدّة ذهابه وعوده، فإن كان السفر طويلاً، لم يلزمه الحجّ، لما في الجمع بين السفر والكسب من المشقّة العظيمة، ولأنّه قد ينقطع عن الكسب لعارض فيؤدّي إلى هلاك نفسه، وإن كان السفر قصيراً، فإن كان تكسّبه في كلّ يوم بقدر كفاية ذلك اليوم من غير فضل، لم يلزمه الحجّ، لأنّه قد ينقطع عن كسبه في أيام الحجّ فيتضرر.
وإن كان كسبه في كلّ يوم يكفيه لأيامه، لم يلزمه الحجّ أيضاً، للمشقّة، ولأنّه غير واجد لشرط الحجّ، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: الوجوب، وبه قال مالك مطلقاً.1
ومن شواذ الفتاوى قول النراقي: ولو لم يجد الزاد ولكن كان كسوباً يتمكّن من الاكتساب في الطريق لكلّ يوم بقدر ما يكفيه، وظن إمكانه بجريان العادة عليه من غير مشقّة، وجب الحجّ، لصدق الاستطاعة.2
***
تمّت قاعدة
لا حجّ إلاّ مع الاستطاعة

1 . تذكرة الفقهاء:7/59.
2 . مستند الشيعة:11/127.

صفحه 482
القواعد الفقهية
    65

قاعدة

مَن يمرّ على ميقات وهو لا يريد النسك
مَن يمرّ على ميقات وهو لا يريد النسك فهو على أصناف ثلاثة:
الأوّل: إذا مرّ على الميقات وهو لا يريد دخول الحرم فضلاً عن مكّة.
الثاني: إذا مرّ على الميقات وهو يريد دخول الحرم فقط، دون مكّة.
الثالث: إذا مرّ على الميقات وهو يريد دخول مكة ولا يريد النسك.
حكم إحرام الأصناف الثلاثة.
لا شكّ أنّ مَن يريد النسك للعمرة أو الحجّ لا يدخل الحرم إلاّ بالإحرام، وهذا أمر اتّفقت عليه المذاهب الفقهية، إنّما الكلام في مَن يدخل الحرم ولا يريد النسك، فهل يجب عليه الإحرام أو لا؟ فنقول: له أصناف، فلندرس حكمها واحداً تلو الآخر.

الصنف الأوّل: إذا مرّ على ميقات وهو لا يريد النسك

الظاهر عدم وجوب الإحرام عليه لعدم وروده في النصّ، ولا في كلمات الأصحاب، بل يظهر من «التذكرة» كونه إجماعياً، قال: مَن لا يريد النسك لو تجاوز الميقات، فإن لم يرد دخول الحرم، بل أراد حاجة في ما

صفحه 483
سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام إجماعاً، ولا شيء عليه في ترك الإحرام، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى هو وأصحابه بدراً مرّتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره، فيمرّون بذي الحليفة فلا يحرمون، ولا يرون بذلك بأساً.1
وقال في «المدارك»: وقد أجمع العلماء على أنّ مَن مرّ على
الميقات وهو لا يريد «دخول مكّة» بل يريد حاجة فيما سواها لا يلزمه الإحرام، للأصل، ولأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أتى بدراً مرّتين ومرّ على ذي الحليفة وهو محلّ.2
إنّ استدلاله بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قرينة على أنّ الصحيح في كلامه «وهو لا يريد دخول الحرم» لا دخوله مكّة، يؤيّد ذلك أنّ عبارته قريبة من عبارة «التذكرة» وفيها: «فإن لم يرد دخول الحرم».
وأمّا ما ورد من الأمر بالإحرام من المواقيت الخمسة فهو ناظر لمن يريد النسك بل هو صريحها، نحو ما رواه الحلبي قال أبو عبد الله(عليه السلام):«الإحرام من مواقيت خمسة وقّتها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر أن يُحرم قبلها ولا بعدها».3
وأمّا صحيح صفوان بن يحيى فربّما يستشمّ من ذيلها الإطلاق حيث قال: «فلا تجاوز الميقات إلاّ من علّة» لكن صدر الحديث صريح في أنّ الموضوع مَن يريد النسك حيث جاء في أوّله:كتبت إلى الرضا(عليه السلام): أنّ بعض مواليك في البصرة، يُحرمون ببطن العقيق وليس بذلك الموضع ماء ولا

1 . تذكرة الفقهاء:7/206.
2 . مدارك الأحكام:7/234.
3 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث3.

صفحه 484
منزل...إلى آخر ما قال1.
ومن المعلوم أنّ المحرم من وادي العقيق يُريد النسك، وبذلك يعلم أنّ عنوان صاحب الوسائل لهذا الباب في غير موضعه حيث قال:باب أنّ كلّ من مرّ بميقات وجب عليه الإحرام منه وإن كان من غير أهله، ثم ذكر رواية صفوان ابن يحيى وكان عليه أن يقيّد من يريد النسك.
وبالجملة ففي هذا الصنف لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الإحرام لمن يمرّ بالميقات ولا يريد النسك، خصوصاً مع وجود السيرة عليه، إنّما الكلام هو في الصنف الثاني.

الصنف الثاني: إذا مرّ بالميقات وهو يريد دخول الحرم فقط

هل يجب الإحرام على مَن يمر بالميقات وهو يريد دخول الحرم فقط؟
يظهر من عبارة «التذكرة» الماضية وجوب الإحرام حيث خصّ
عدم وجوب الإحرام بمن لا يريد دخول الحرم المشعر بوجوبه إذا أراد دخوله.
لكن الظاهر من صاحب «المدارك» وجود الاتّفاق على عدم وجوب الإحرام لمن أراد دخول الحرم غير مريد لدخول مكّة، قال: وقد أجمع العلماء على أنّ مَن مرّ على الميقات وهو لا يريد دخول مكّة، بل يريد حاجة فيما سواها لا يلزمه الإحرام، للأصل، ولأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بدراً مرّتين ومرّ على ذي الحليفة وهو محلّ.2

1 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب المواقيت، الحديث1.
2 . مدارك الأحكام:7/234.

صفحه 485
قوله: «أتى بدراً مرّتين» ليس شاهداً لهذا الصنف وإنّما هو شاهد للصنف الأوّل.
وربّما يتوهّم الوجوب من إطلاق بعض الروايات، نظير:
1. ما رواه عاصم بن حميد عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام):هل يدخل الحرم بغير إحرام؟ قال:«لا، إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن».1
2. ما رواه عاصم بن حميد ـ أيضاً ـ قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلاّ محرماً؟ قال:«لا، إلاّ مريض أو مبطون».2
ولفظة «إلاّ» في الحديث الثاني ليست استثنائية، بل هي وصف بمعنى «غير» أي هل يدخل الحرم غير محرم؟
لكنّها منصرفة إلى مَن يريد دخول مكّة للنسك.
ويؤيّد ذلك ما ذكره السيد الخوئي من أنّ جعل الحكمين لموضوعين: من يريد دخول الحرم ومن يريد دخول مكّة لغو، لأنّ الحرم محيط بمكة فلا يمكن دخول مكّة إلاّ عن طريق الحرم، فإذا أوجب الإحرام بالدخول في الحرم، يكون إيجاب الإحرام لمن يدخل مكّة من قبيل تحصيل الحاصل، لافتراض أنّه أحرم بدخول الحرم.3
أضف إلى ما ذكرنا: أنّه لو أُريد من الإحرام مجرد لبس الثوبين مع التلبية من دون الإهلال بعمرة مفردة، فهو أمر بعيد، إذ معنى ذلك أنّ الإحرام في هذا

1 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث1.
3 . معتمد العروة الوثقى:2/428.

صفحه 486
الصنف واجب نفسي، ولا يرتضيه فقيه.
وإن أُريد من الإحرام المتعقّب بعمرة مفردة، ومعنى ذلك كلّ من دخل الحرم تجب عليه العمرة المفردة، إذ لا يحل المحرم إلاّ بها، غالباً، خرج باب المحصور، فهو بحاجة إلى دليل واضح.

الصنف الثالث: لو مرّ على ميقات وهو يريد دخول مكّة ولا يريد النسك

إذا مرّ على ميقات وهو يريد دخول مكّة لحاجة لا للاعتمار، فهل يجب عليه الاعتمار؟
الظاهر من الكلمات هو ذلك، قال المحقّق: كلّ مَن دخل مكّة وجب أن يكون محرماً إلاّ أن يكون دخوله بعد إحرامه، قبل مضي شهر، أو يتكرّر كالحطّاب والحشّاش. وقيل مَن دخلها لقتال جاز أن يدخل محلاًّ كما دخل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عام الفتح وعليه المغفر.1
وقال في «المدارك»: أجمع الأصحاب على أنّه لا يجوز لأحد دخول مكّة عدا ما استثني، وأخبارهم به ناطقة; فقد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): هل يدخل الرجل مكّة بغير إحرام؟
قال: «لا، إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن».2
وروى رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكّة حلالاً؟ قال: «لا يدخلها إلاّ محرماً».3

1 . شرائع الإسلام:2/252.
2 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث2 ; مدارك الأحكام:7/380 ـ 381.
3 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث4. ولا يخفى وجود التعارض بين هذه الرواية وما قبلها، حيث إنّ الأُولى استثنت المريض ومَن به بطن دون هذه .

صفحه 487
وروى وردان عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) قال: «مَن كان من مكّة على مسيرة عشرة أميال لم يدخل إلاّ بإحرام».1
إلى غير ذلك من الروايات التي نقلها صاحب الوسائل في الباب50 من أبواب الإحرام.

الإحرام مع نية العمرة أو الحج

ظاهر مَن يقول بوجوب الإحرام أن ينوي بإحرامه الحجّ أو العمرة; لأنّ الإحرام ليس عبادة مستقلّة بنفسها، بل إمّا أن يكون بحجّ أو عمرة، ويجب إكمال النسك الذي تلبّس به ليتحلّل من الإحرام.
ويظهر من السيد الطباطبائي في العروة والمعلّقين عليها، وجوب الإحرام والعمرة، قال: قد تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد والشرط في ضمن العقد، والإجارة، والإفساد، وتجب أيضاً لدخول مكّة بمعنى حرمته بدونها، فإنّه لا يجوز دخولها إلاّ محرماً.2
ويظهر من المعلّقين موافقة المتن. والمسألة مورد وفاق، وقد أفتى بها الشيخ في «النهاية»،3 و «المبسوط».4

1 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث5. إنّ «ورد ان» في السند غير أبي خالد الكابلي الثقة من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادق(عليهم السلام)والأوّل مهمل في الرجال. ثم إنّ كلّ ميل يساوي 4000 ذراع، وكلّ ذراع يساوي 45 سنتميتراً فيكون كلّ ميل 800,1 كم، ومثله يكون خارج الحرم.
2 . العروة الوثقى:المسألة 3، فصل في أقسام العمرة.
3 . لاحظ : النهاية: 247.
4 . لاحظ : المبسوط: 1/355.

صفحه 488
ولو كان في المسألة إجماع فهو، وإلاّ فما استدلّ به من روايات ناظر إلى من يريد النسك لا مطلقاً.
نعم ما استبعدناه في القسم الثاني لا يتمّ في المقام، وهو أنّ الإحرام هنا ليس واجباً نفسياً بل هو جزء من العمرة، وفرق بين مَن دخل الحرم من دون دخول مكّة، ومَن دخل نفس مكّة، فإيجاب الإحرام على الأوّل دون المناسك بعيد عن مذاق الفقه، دون الثاني.
واحتمال أنّ الإحرام هنا واجب نفسي مجرداً عن العمرة بعيد غاية البعد، بل الإحرام لغاية العمرة، نظير مَن خرج عن مكّة ودخلها في غير الشهر الذي ورد فيه محرماً ومعتمراً، فلا يدخل مكّة، فيجب عليه الإحرام والنسك، والله أعلم.
***
تمّت قاعدة
مَن يمرّ على ميقات وهو لا يريد النسك
 

صفحه 489
القواعد الفقهية   
    66

قاعدة

أدنى الحلّ: ميقات مَن لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه عرفاً
مَن يمرّ على ميقات أو ما يحاذيه فعليه الإحرام منه
إذا سلك طريقاً لا يمرّ فيه بميقات من المواقيت الستّة ولا بما يحاذي أحدها فمن أين يحرم؟
في المسألة قولان:1. الإحرام من مرحلتين من مكة
2. الإحرام من أدنى الحلّ فلا يجب عليه العود إلى أحد المواقيت
ما يدلّ على القول الثاني
دراسة فتوى السيد الخوئي
إذا سلك الحاج طريقاً لا يمرّ فيه على ميقات من المواقيت الستّة، ولا بما يحاذي أحدها، فمن أين يحرم؟
أقول: اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الآفاقيّ (النائي) يجب عليه الإحرام لعمرته من أحد المواقيت الخمسة التي وقّتها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمن يمرّ بها1، أو ممّا يحاذيها محاذاة عرفية، كما إذا كان الحدّ الفاصل بين الميقات ومهلّه، بضع كيلومترات.

1 . لاحظ : الوسائل: 8، الباب1 من أبواب المواقيت، الأحاديث 2 و3 وغيرهما.

صفحه 490
أخرج الكلبي بسند صحيح عن عبد الله بن سنان الثقة عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «مَن أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحجّ، ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء».1
ولعلّ الحدّ الفاصل بين المدينة ومسجد الشجرة يوم ذاك، كان ستة أميال، فلذلك أمر الإمام (عليه السلام)بالإحرام بعد الابتعاد عن المدينة، مقدار ستة أميال، ليكون مهلّه محاذياً للمسجد.
إنّما الكلام إذا ورد عن طريق لا يمرّ بالميقات، ولا بما يحاذيه محاذاة عرفية، فيقع الكلام في مهلِّه.
فإن قلنا بعدم تصوّر طريق لا يمرّ بالميقات2، ولا يكون محاذياً لواحد منها بحجّة أنّ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب، وقلنا بكفاية مطلق المحاذاة، وإن كانت عن مسافة بعيدة فيحرم ممّا يحاذي أحد المواقيت.
وأمّا لو قلنا بوجود طريق لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه محاذاةَ عرفية، عن مسافة قريبة، كما هو الحال في مدينة «جدّة» فإنّها ليست بميقات، كما هو واضح، ولا تحاذي أحد المواقيت كالجحفة، محاذاة عرفية3، فيقع الكلام

1 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب المواقيت، الحديث1.
2 . قال المحقّق النراقي: وقد اختلفوا في حكم مَن سلك طريقاً لا يحاذي شيئاً من المواقيت، وهو خلاف لا فائدة فيه، إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب. (مستند الشيعة:11/283) وتبعه صاحب العروة الوثقى في مبحث المواقيت، والتصديق العلمي يحتاج إلى دراسة ميدانية، وأنّى لنا هذه.
3 . وأمّا المحاذاة عن مسافة بعيدة، والتي نسمّيها محاذاة غير عرفية، فالظاهر من الخرائط الجغرافية أنّ المطار الحديث للحجاج وسواحل البحر، ومقدم الجسر الكبير تحاذي الجحفة، فإنّ الخط الممتد من الجحفة إلى جدّة يمرّ على هذه الأمكنة أو على مقربة منها.

صفحه 491
فيما هو الواجب على الوافدين إلى جدة جواً أو بحراً.
والمسألة معنونة في كلمات الفريقين، وهي ذات قولين منذ عهد بعيد، وإليك البيان:

1. الإحرام بقدر أقرب المواقيت إلى مكّة

قال الغزالي في «الوجيز»: ولو حاذى ميقاتاً، فميقاته عند المحاذاة، إذ المقصود مقدار البعد عن مكّة، وإن جاء من ناحية لم يحاذ ميقاتاً ولا مرّ به، أحرم من مرحلتين فإنّه أقلّ المواقيت وهو «ذات عرق».
وقال الرافعي في شرحه:لو جاء من ناحية لا يحاذي في طريقها ميقاتاً ولا يمرّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه و بين مكّة إلاّ مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقلّ مسافة من هذا القدر.
ثمّ علّق على قول الغزالي في المتن: «فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق» إنّما كان يحسب أن لو كانت «ذات عرق» أقلّ مسافة من كلّ ما سواها من المواقيت، لكن قد مرّ أنّ «ذات عرق» مع «يلملم» و «قرن المنازل»، متساوية في المسافة.1
وقال محيي الدين النووي: وأمّا إذا أتى من ناحية ولم يمرّ بميقات ولا حاذاه، فقال أصحابنا: لزمه أن يُحرم على مرحلتين من مكّة اعتباراً بفعل عمر في توقيته «ذات عرق».2

1 . فتح العزيز في شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير للرافعي:7/85ـ88، دار الفكر.
2 . المجموع:7/203 وهو شرح للمهذب للشيرازي.

صفحه 492
والظاهر أنّ فقهاء السنّة على قول واحد، وهو الإحرام على مرحلتين من مكة، واستدلّوا بوجهين:
1. انّ المرحلتين أقلّ المسافة من المواقيت إلى مكة.
يلاحظ عليه: بأنّ كونهما أقلّ المسافة بين المواقيت ومكة، لا يلازم كفاية الإحرام منه، إذ لقائل أن يقول لماذا لا يحرم من أبعد المواقيت إذا لم يجاوره ولم يكن يحاذيه؟!
وأمّا إحرام عمر من «ذات عرق» التي هي ذات مرحلتين من مكة فلا يدلّ على المطلوب، إذ قد ثبت أنّها من إحدى المواقيت.1 وقد ورد النصّ به في رواياتهم ففي صحيح مسلم: ومَهلّ أهل العراق من ذات عرق .2
2. أنّ المقصود الابتعاد بمقدار المرحلتين أو أزيد، فيكفي الإحرام من هذا المقدار من البعد.
يلاحظ عليه: أنّ ما دلّ على أنّ هذه المسافة (مرحلتين) لا يجوز قطعها إلاّ محرماً لا يكون دليلاً على جواز الإحرام منها، لأنّ ما دلّ عليه ناظر إلى مَن مرّ على الميقات ولم يحرم فيلزم عليه الإحرام منها وأين هو ممّن لم يمرّ على الميقات أصلاً؟!
ثمّ إنّ ابن الجنيد اختار هذا الوجه فقال: إذا سلك طريقاً لا يمرّ فيه على هذه المواقيت ولا يكون محاذياً فإنّه يحرم من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها فيحرم منه.3

1 . الوسائل: 8 ، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث2.
2 . صحيح مسلم برقم 2028. ولاحظ سنن الترمذي برقم 762 ; وسنن ابن ماجةّ برقم 2909.
3 . مختلف الشيعة: 4/43.

صفحه 493
وذكر الشهيد الثاني في وجهه: أنّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ محرماً من أيّ جهة دخل، وإنّما الاختلاف يقع في مازاد عليها، فهي قدر متّفق عليه.1 وفي «المدارك» ما هو قريب ممّا ذكره جدّه في «المسالك».2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الوجه لا يكون مبرّراً للإحرام من تلك المسافة، إذ لقائل أن يقول: لماذا لا يرجع إلى الميقات، وقد عرفت أنّ ما ذكره من أنّه لا يجوز قطع هذه المسافة، بلا إحرام إنّما هو فيما إذا مرّ على ميقات ولم يحرم، فعليه الإحرام من مرحلتين إلى مكة أي بمقدار أقرب المواقيت إليها وأين هو ممّن لا يمرّ بميقات ولا ما يحاذيه؟!

2. الإحرام من أدنى الحلّ

وهناك وجه آخر، وهو الإحرام من أدنى الحلّ، من غير فرق بين الجعرانة، أو الحديبية، أو التنعيم، وإن كان الثالث أقرب إلى مكة، فقد ذكره العلاّمة في عدّة من كتبه، والشهيد الثاني في «المسالك»، واستحسنه في «المدارك». وإليك بعض الكلمات:
1. قال العلاّمة في «القواعد»:ولو لم يؤدّ إلى المحاذاة فالأقرب إنشاء الإحرام من أدنى الحلّ، ويحتمل مساواة أقرب المواقيت.3
2. وقال العلاّمة فخر المحقّقين معلّقاً على قول والده في القواعد:وجه القرب أنّه ميقات للمضطرّين، كالناسي وهذا الّذي حجّ على طريق لا يؤدّي إلى ميقات ولا إلى محاذاته، منهم (المضطرّون) لتعذّر الميقات، وهو الأقوى عندي.

1 . مسالك الأفهام:2/216.
2 . مدارك الأفهام:7/223ـ224.
3 . قواعد الأحكام: 1/417.

صفحه 494
ووجه الثاني: أنّ الاعتبار بالمحاذاة إنّما هو المساواة.1
3. وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو مرّ على طريق لم يحاذ ميقاتاً ولا جاز به، قال بعض الجمهور: يحرم من مرحلتين، فإنّه أقلّ المواقيت وهو ذات عرق. ويحتمل أن يحرم من أدنى الحلّ.2
4. وقال في «التحرير»: ولو مرّ على طريق لا يحاذي ميقاتاً، فالأقرب الإحرام من أدنى الحلّ.3
5. وقال الشهيد الثاني في «المسالك»: موضع الخلاف ما لو لم يحاذ ميقاتاً فإنّه يحرم عند محاذاته ـ إلى أن قال: ـ والوجه الآخر أن يحرم من أدنى الحلّ عملاً بأصالة البراءة من الزائد.4
6. وقال في «المدارك»: واستقرب العلاّمة في «القواعد»، وولده في الشرح: وجوب الإحرام من أدنى الحل. وهو حسن، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.
وقولهم: إنّ هذه المسافة لا يجوز قطعها إلاّ محرماً، في موضع المنع; لأنّ ذلك إنّما ثبت مع المرور على الميقات لا مطلقاً، بل لولا ورود الرواية بوجوب الإحرام من محاذاة الميقات (يشير إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان5الواردة في القريب لا البعيد) لأمكن المناقشة فيه بمثل ما ذكرناه.6

1 . الإيضاح:1/284.
2 . تذكرة الفقهاء: 7/204.
3 . تحرير الأحكام:1/565.
4 . مسالك الأفهام: 2/216ـ217.
5 . تقدّم تخريجها في ص 490 .
6 . مدارك الأحكام: 7/224.

صفحه 495
7. وقال في «الرياض»: ولو لم يحاذ شيئاً منها، قيل يحرم من مساواة أقربها، إلى مكّة، وهو مرحلتان تقريباً، لأنّ هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلاّ مُحرماً، وقيل: من أدنى الحلّ، لأصالة البراءة من وجوب الزائد.1
8 . وقال النراقي: ولو فرض إمكان (سلوك طريق لا يحاذي شيئاً من المواقيت)، فالمختار الإحرام من أدنى الحلّ، لأصالة البراءة عن الزائد.2
9. وأنكر في «الجواهر» فرض المسألة وقال: فمن التأمّل في ما ذكرناه يستفاد سقوط فرض ما ذكر من أنّه لو سلك طريقاً لم يكن فيه محاذاة لميقات من المواقيت، وإن كان قد عرفت أنّ فيه الاحتمالين بل القولين: الإحرام من مقدار أقرب المواقيت، أو من أدنى الحلّ.3
10. وقد كانت المسألة ذات قولين إلى أن أفتى السيد الحكيم (قدس سره)بتعيّن الإحرام من أدنى الحلّ، وعلى ذلك طبّق فتواه عند تشرّفه بالحجّ.
وقد نبّه بذلك نجله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عند ترجمة والده ـ عند ذكر بعض فتاواه الحديثة ـ وقال: ومنها:
الفتوى بكفاية الإحرام من حدود الحرم وأدنى الحلّ للحجّاج الذين يأتون من الآفاق، ممّن لا يمرّون في طريقهم بأحد المواقيت الخمسة المعروفة، أو ما يحاذيها محاذاة عرفية، كالحجّاج الذين يأتون إلى جدّة بالطائرات، وكذلك صحّة الإحرام من هذا الموقع للمعتمر بالعمرة المفردة.
حيث كان يستفيد من روايات المواقيت أنّها مختصّة بمن يمرّ عليها أو

1 . رياض المسائل:6/195.
2 . مستند الشيعة:11/189.
3 . جواهر الكلام: 18/118.

صفحه 496
يحاذيها محاذاة عرفية، وهي المحاذاة الّتي يمرّ فيها الحاج قريباً من الميقات في حالة استقباله لمكة، وبدون ذلك فلا تكون هذه محاذاة ولا مروراً بالميقات، وبالتالي فيمكنهم أن يحرموا من أدنى الحلّ.
ومع قطع النظر عن صحّة هذا الاستنباط وعدمه فإنّ ذلك موكول للأبحاث الفقهية، ولكن المهمّ هو الشجاعة والجرأة الأدبية لهذه الفتوى، والّذي عالج بها مشكلة حقيقية يعاني منها الحجّاج استناداً لفهمه من النصوص.1

تعيّن القول الثاني

إنّ الّذي يحثّ الفقيه على الخوض في هذه المسألة هو أنّها ممّا يُبتلى به من قبل الكثير من الحجّاج، حيث إنّ الذين يقصدون الحجّ من بلدان بعيدة على أقسام:
1. قسم منهم ينزلون مطار المدينة المنوّرة ويحرمون من ذي الحليفة، وهذا من أفضل وجوه الحجّ.
2. قسم آخر ينزلون مطار جدّة ويذهبون إلى المدينة شوقاً إلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويحرمون من ذي الحليفة أيضاً.
3. قسم منهم ينزلون مطار الجحفة ويحرمون منها.
4. من ينزل مطار جدّة ولا يتمكّن من الذهاب إلى المدينة ويشقّ عليه الذهاب إلى الجحفة إمّا لضيق الوقت أو لا يريده، طلباً للراحة.
فالقسم الرابع هو أكثر ما يبتلي الحجّاج به، فأمام هؤلاء الطرق التالية:

1 . دليل الناسك:67ـ68.

صفحه 497
1. إلزامهم بالذهاب إلى أحد المواقيت، كالجحفة أو قرن المنازل أو غيرهما.
2. الإحرام من مرحلتين من مكة.
3. الإحرام من أدنى الحلّ.
أمّا الأوّل: فلا دليل على الإلزام، فإنّ ما ورد من الروايات من أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ووقّت لأهل الشام الجحفة، ووقّت لأهل نجد العقيق، ووقّت لأهل الطائف قرن المنازل، ووقّت لأهل اليمن يلملم.1
كلّ ذلك راجع إلى مَن كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا مَن سلك طريقاً لا يؤدّي إلى أحد هذه المواقيت فلا يوجد أيّ دليل على إلزامه بالعود إلى المواقيت.
وأمّا الثاني: وهو الإحرام من مرحلتين من مكّة بحجّة أنّه لا يجوز لأحد أن يجتازها بلا إحرام، فقد مرّ الكلام فيه وقلنا بأنّه راجع لمَن حضر أحد هذه المواقيت فلا يجوز له قطع المرحلتين على الأقلّ بلا إحرام، وأمّا مَن ليس من أهلها ولا مجتازاً فلا دليل على أنّها ميقات له .
فتعيّن هنا الطريق الثالث، ويشهد له ـ مضافاً إلى كونه المحتمل الذي ليس وراءه احتمال آخر ـ الأُمور التالية:
1. أنّ أدنى الحلّ ميقات العمرة المفردة، للقارن والمفرِد ولكلّ مَن يقوم بعمرة مفردة.

1 . لاحظ : الوسائل: 8 ، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث3 وغيره.

صفحه 498
2. أنّها ميقات مَن نسي الإحرام أو جهل بحكمه، فإنّه يحرم من أدنى الحلّ، فإن تعذّر فمن مكانه. ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل مرّ على الوقت الّذي يحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتّى أتى مكّة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحجّ؟ فقال: «يخرج من الحرم ويحرم ويجزيه ذلك».1
3. أنّها ميقات المقيم بمكّة ما لم تمض عليه سنتان، فإنّه يخرج إلى أحد المواقيت إذا لزمه التمتّع، ومع التعذّر إلى أدنى الحلّ.
وهذه الوجوه وما يقاربها تشرف الفقيه على أنّه يكفي الإحرام من أدنى الحلّ بلا حاجة إلى العود إلى المواقيت.
ويجب أن نذكر أنّ هناك مشكلة أُخرى تتعلّق بقاعدتنا وهي مسألة وجوب ترك التظليل ليلاً كالنهار عند جماعة من الفقهاء، خصوصاً إذا كانت الليلة مطيرة ، أو ذات رياح شديدة، فقد ذكروا ترك التظليل من تروك الإحرام، هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ السيارات المكشوفة غير متوفرة، والمتوفرة لاستهلاكها ، خطرة على حياة الحجّاج، حينما يستقلّونها من المدينة إلى مكّة. فإنّ ركوبها وإن كان يسهّل الأمر من جهة ترك التظليل، لكن ركوبها لا يخلو من خطر، كما جربناه بأُمّ أعيننا عام 1410هـ حينما انفصلت إحدى عجلات السيارة التي كنّا نستقلّها وكان جانبا الطريق منخفضين كثيراً والسيارة تسير بسرعة كبيرة، فأنجانا اللّه سبحانه من هذا الخطر بمنّه وقدرته.
وهذا بخلاف ما لو جاز لهم الإحرام من أدنى الحلّ، حيث إنّ المسافة

1 . الوسائل:8، الباب14 من أبواب المواقيت، الحديث2.

صفحه 499
بين الحديبية أو التنعيم ومكّة قريبة جدّاً، فيمكن اتّخاذ سيارات مكشوفة تسير هذه المسافة القصيرة.
والأفضل حسب الظروف الحاليّة الإحرام من الحديبية لمن يصلها عبر أحد الطريقين القديم أو الجديد، حيث تتوفر فيها الحمامات بوفرة لجميع الحجاج نساءً ورجالاً، وهذا ما شاهدته بأُمّ عيني في سفري الأخير لأداء العمرة المفردة عام 1424هـ .

دراسة فتوى السيد الخوئي(قدس سره)

ثمّ إنّ السيد الخوئي (قدس سره)أفتى في الموضوع بالأُمور التالية:
1 . لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان .
2. أو نذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدّة بمقدار معتدّ به، ولو في الظاهر فيُحرم من محل نذره.
3. الذهاب إلى «رابغ » الذي هو في طريق المدينة والإحرام منه بنذر باعتبار أنّه قبل الجحفة التي هي أحد المواقيت.
4. إذا لم يمكن المضيّ إلى أحد المواقيت ولم يحرم قبل ذلك بنذر، لزمه الإحرام من جدّة بالنذر، ثمّ يجدّد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه.1
يلاحظ على ما أفاده بأُمور:
أوّلاً: أنّ لزوم الذهاب إلى أحد المواقيت مع الإمكان، بلا ملزم، لما مرّ من أنّ الروايات الدالّة على لـزوم الإحرام من المواقيت التي وقّتها رسول

1 . المعتمد:3/324، ولاحظ المناسك.

صفحه 500
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ناظرة إلى مَن كان من أهل هذه المواقيت أو كان ممّن يجتازها، وأمّا مَن سلك طريقاً لا يؤدّي إلى أحدها، فلا دليل على لزوم الذهاب إلى المواقيت.
ثانياً: أنّ نذر الإحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول إلى جدّة بمقدار معتدّ به أو في الطائرة، وإن كان يحل مشكلة الإحرام، لكن يبقى الإشكال في الاستظلال بعده بسقف الطائرة، ونحوها إذا كان الطيران في النهار، أو في الليالي الممطرة، أو ذات الرياح العاصفة .
وجه الإشكال: أنّ حقيقة الإحرام عبارة عن العزم على ترك المحرمات، فكيف يجتمع ذلك العزم الجدّي، مع العلم بنقضه في الطريق أو قبل ركوب الطائرة، ونحو ذلك، وهذه مشكلة يجب التخلّص منها على نحو لا يصادم حقيقة الإحرام الذي هو أمر قلبي قائم بالجزم والنيّة .
أضف إلى ذلك: أنّ هذا الاقتراح ، لا ينفكّ عن وجوب الفدية عليه وهو تكليف زائد وتحميل عليه، وهو رهن الدليل.
ثالثاً: أنّه إذا تمكّن من الذهاب إلى «رابغ» يتمكّن غالباً من الذهاب إلى الجحفة، فإنّها بمقربة منه، والطريق معبّد، ذلول، والمسافة قليلة جدّاً.
رابعاً: إذا لم يمكن المضيّ إلى أحد المواقيت ولم يُحرم قبل ذلك بنذر، فقد أفتى بلزوم الإحرام من جدّة بالنذر، ثمّ يجدّد إحرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه، ولم يُعلم وجهه; لأنّ المورد خارج عن مصبّ روايات النذر، لأنّ مورد رواياته1 هو نذر الإحرام قبل الميقات، ثمّ اجتيازه والمرور به. وأين

1 . لاحظ : الوسائل: 8 ، الباب12 من أبواب المواقيت، الحديث 1ـ3.

صفحه 501
هو من المفروض، وهو نذر الإحرام قبل الدخول في الحرم ثمّ الدخول فيه مُحرماً ، وقد ثبت في محلّه أنّه لا يمكن تحليل الحرام ـ تكليفاً أو وضعاً ـ بالنذر واليمين والعهد، والإحرام قبل الميقات، أو بعده حرام تكليفاً وباطل وضعاً، خرجت منه صورة واحدة، وهو نذره قبل الميقات ثمّ المرور به مُحرماً، والصور الأُخرى باقية تحت المنع.
***
تمّت قاعدة
أدنى الحلّ: ميقات مَن لا يمرّ بميقات ولا بما يحاذيه عرفاً

صفحه 502
حكم صلاة الجماعة بالاستدارة حول الكعبة   
القواعد الفقهية
    67

حكم صلاة الجماعة

بالاستدارة حول الكعبة

تاريخ ظهور الصلاة جماعة بهذه الكيفية
أوّل من تعرض للمسألة من الأصحاب
نقل كلمات فقهاء أهل السنة
ما هو الأصل في المسألة
مشكلة تقدم المأموم على الإمام في بعض الصور
مشكلة مواجهة ا لمأموم للإمام
مشكلة وجود الحائل بين الإمام والمأموم
الاستدلال على الصحة بالسيرة
كان لكلّ مذهب من المذاهب الأربعة مقام خاص في المسجد الحرام، يقوم فيه إمام المذهب ويقتدي به المصلّون، كل إمام في ضلع من أضلاع الكعبة المشرفة، وبعد أن جاء السعوديون إلى منصَّة الحكم أزالوا هذه

صفحه 503
المقامات الأربعة وجعلوها مقاماً واحداً لإمام من الحنابلة فقط، وبذلك أعادوا صلاة الجماعة بالاستدارة حول الكعبة الشريفة.
وأصبحت هذه المسألة مورد بحث ونقاش بين فقهائنا من جديد بعدما كانت المسألة معنونة في كتب المتقدمين أيضاً ، وقبل الخوض في دراسة دليل المسألة صحة وفساداً نقدم أُموراً:

الأوّل: تاريخ ظهور الصلاة جماعة بهذه الكيفية

يظهر من الأزرقي في «تاريخ مكة المكرمة» أنّ أوّل من أدار الصفوف حول الكعبة هو خالد بن عبدالله القسري، يقول: كان الناس يقومون قيام شهر رمضان في أعلى المسجد الحرام تركّز حربة خلف المقام بربوة فيصلي الإمام خلف الحربة، والناس وراءه فمَن أراد صلى مع الإمام ومَن أراد طاف بالبيت وركع خلف المقام، فلمّا ولي خالد بن عبدالله القسري مكة لعبد الملك بن مروان وحضر شهر رمضان، أمر خالد القراء أن يتقدّموا فيصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة، وذلك أنّ الناس ضاق عليهم أعلى المسجد فأدارهم حول الكعبة.
فقيل له: تقطع الطواف لغير المكتوبة، قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، فأمرهم ففصلوا بين كل ترويحتين بطواف سبع.
فقيل له: فإنّه يكون في مؤخر الكعبة وجوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف من مصل وغيره فيتهيّأ للصلاة، فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة، يقولون: الحمد لله والله أكبر، فإذا بلغوا الركن الأسود في الطواف السادس سكتوا بين التكبيرتين سكتة حتّى يتهيّأ الناس ممّن في الحجر ومن

صفحه 504
في جوانب المسجد من مصل وغيره فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير، ويصلي ويخفّف المصلي صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتّى يفرغوا من السبع، ويقوم مسمع فينادي (الصلاة رحمكم الله).
قال: وكان عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونظائرهم من العلماء يرون ذلك ولا ينكرونه.
ثم نقل عن ابن جريج قلت لعطاء: إذا قلّ الناس في المسجد الحرام أحبّ إليك أن يصلوا خلف المقام أو يكونوا صفاً واحداً حول الكعبة؟
قال: بل يكون صفاً واحداً حول الكعبة وتلا: (وَ تَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ)1. 2
ويظهر من كلام الأزرقي أنّ الدافع إلى الصلاة حول الكعبة استدارة هو ضيق المكان في صلاة التراويح، ولم يكن قبله أي سابقة لها، وقد تصدى عبدالملك للخلافة عام 65 هـ بعد وفاة أبيه مروان بن الحكم وتوفّي عام 86 هـ .
وبما أنّه لم تمتد سلطة عبدالملك بن مروان إلى مكة المكرمة الّتي كان قد استولى عليها عبدالله بن الزبير إلى أن قتل هذا الأخير عام 73 هـ فيكون هذا الشكل من الصلاة قد بدأ بين عام 73 هـ و 86 هـ ، ولو تم التعرف على تاريخ ولاية خالد بن عبدالله القسري لتعيّن هذا الأمر بدقة.

1 . الزمر: 75 .
2 . تاريخ مكة للأزرقي: 2 / 65 ـ 66 .

صفحه 505

الثاني: أوّل من تعرض للمسألة من الأصحاب

لم نجد عنواناً لهذه المسألة عند أصحابنا قبل ابن الجنيد فهو أوّل من تعرّض لها حسب اطّلاعنا، نقله العلاّمة عنه وقال: قال ابن الجنيد: الإمام إذا صلى في المسجد الحرام أحاط المصلون حول البيت من حيث لا يكون أحدهم أقرب إلى جدار البيت منه، ولم يذكر علماؤنا ذلك والأقرب الوقوف خلف الإمام للعموم .1
وعلى ضوء هذا فقد جعل الميزان في تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه عليه ـ على اختلاف فيما هو الشرط ـ هو أن يكون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكثر من الفاصل المكاني بين الإمام والكعبة، وعلى ذلك تجوز الصلاة بالاستدارة التامة لكن برعاية هذا الشرط.
مثلاً: إذا كان الإمام واقفاً حيال مقام إبراهيم (عليه السلام)فالفاصل بينه وبين الكعبة حوالي 12 متراً تقريباً، فيجب أن يكون الفاصل المكاني المستدير في تمام الدور أكثر من هذا المقدار حتّى يصدق كون المأموم خلف الإمام أو غير متقدم عليه. وسيوافيك أنّ هذا الشرط إنّما يتحقّق في بعض الصور لا كلّها.
ولم نجد من تعرض للمسألة بعد ابن الجنيد إلى عصر العلاّمة الحلي، وقد خلت كتب الشيخ الطوسي من عنوان هذه المسألة ومن أتى بعده كابن البراج، وابن زهرة وابن إدريس والمحقّق وغيرهم. وإليك نقل كلمات الآخرين:

1 . مختلف الشيعة: 3 / 90 .

صفحه 506

الثالث: نقل كلمات فقهاء أهل السنّة

قال العلاّمة: المصلي خارج الكعبة وهو مشاهد لها يستقبل أي جدرانها شاء وكذا لو كان في حكم المشاهد، ولو تعدّدوا وأرادوا الاجتماع ففي صلاتهم مستديرين حولها إشكال، ولا إشكال لو كانوا منفردين .1
ولعل وجه الإشكال عند العلاّمة غيره عند ابن الجنيد، فالإشكال عند الثاني هو تقدّم المأموم على الإمام في بعض الأحايين، ولذلك لو كان الفاصل المكاني بين الكعبة والمأموم أكثر من الفاصل المكاني بينها وبين الإمام لجاز عنده بالاستدارة الكاملة.
وأمّا الإشكال عند العلاّمة فلعله هو مسألة المواجهة وكون المأموم مواجهاً للإمام في نصف الدائرة وهو أمر غريب .
فإنّ المأموم يقف خلف الإمام أو مع الإمام على جهة واحدة، ولكنّه في نصف الدائرة يقف مواجهاً للإمام ومقابلاً له وهوأمر غير متعارف.
وقد صرح بهذا، في المنتهى وقال: لو صلّى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة واستدار المأمومون حولها صحت صلاة مَن خلف الإمام خاصة، سواء أكان بُعد المأمومين في الجهة الأُخرى عنها أكثر من بُعد الإمام أو لا، خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.
لنا: إنّ موقف المأموم خلف الإمام أو إلى جانبه إنّما يحصل في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة، ولأنّهم وقفوا بين يدي الإمام فتبطل صلاتهم.2

1 . تذكرة الفقهاء: 3 / 10 .
2 . منتهى المطلب : 6 / 257 .

صفحه 507
وعبارته كالصريح في أنّ المحذور ليس هو تقدّم المأموم بل مواجهته للإمام، وهذا صريح قوله: «ولأنّهم وقفوا بين يدي الإمام».
فظهر ممّا نقلناه أنّ مشكلة صلاة الجماعة بالإستدارة أمران:
1. لزوم تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.
2. مواجهة المأموم للإمام أحياناً.
ويظهر من الشهيد في «البيان» أنّ المانع عنده هو الوجه الأوّل، قال: ولو صلّوا جماعة فلهم الاستدارة حولها وينبغي أن لا يكون المأموم إليها أقرب من الإمام.
ويظهر منه (قدس سره)في كتاب «الدروس» أنّ المانع هو نفس ما ذكره في البيان حيث قال: أن لا يتقدّم المأموم على الإمام بعقبه، ولا عبرة بمسجده إلاّ في المستديرين حول الكعبة بحيث لا يكون المأموم أقرب إليها.1
وقال في «الذكرى»: لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة حتّى خرج عن الكعبة، بطلت صلاة الخارج لعدم إجزاء الجهة هنا. ولو استداروا صحّ، للإجماع عليه عملاً في كلّ الأعصار السالفة. نعم، يشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام .2
وظاهر هذا الكلام أنّ الإشكال عنده هو تقدّم المأموم على الإمام، ولذلك اشترط أن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.
وأمّا الشهيد الثاني فيظهر منه أيضاً أنّ الإشكال هو تقدّم المأموم على

1 . الدروس الشرعية: 1 / 220 .
2 . ذكرى الشيعة: 3 / 161 .

صفحه 508
الإمام في الصلاة استدارة، فقال: إنّ قول المحقّق «ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام» مفهومه الاعتبار بتساوي الأقدام حال القيام،... إلى أن قال: وأمّا في حال الركوع فظاهرهم أنّه كذلك وأنّه لا اعتبار بتقدّم رأس المأموم، وكذا حال السجود والتشهد فيجوز تقدم رأس المأموم على رأسه. لكن يستثنى منه مالو كانت الصلاة حول الكعبة فإنّه لا يجوز أن يكون مسجد المأموم أقرب إليها.1
وأمّا سبطه فقد ألمح إلى كلا الإشكالين حيث ذكر كلام ابن الجنيد والشهيد في الذكرى اللّذين ركّزا على الإشكال الأوّل، ثم نقل كلام العلاّمة في «التذكرة» و «المنتهى» الّذي يشير إلى الإشكال الثاني وقال في آخر كلامه: ولم أقف في ذلك على رواية من طرق الأصحاب، والمسألة محل تردّد، ولا ريب أنّ الوقوف في جهة الإمام أولى وأحوط .2
وأمّا الشيخ الأكبر كاشف الغطاء فلم يهتم بالإشكال الثاني وإنّما اهتم بالاشكال الأوّل وقال: وحول الكعبة يصح الدوران في الصف ومقابلة الوجوهِ الوجهَ بشرط أن تكون الفاصلة من جانب المأمومين أوسع .3 وسيأتي حدّ الفاصل اللازم بين الإمام والكعبة، وبينها وبين المأموم فانتظر.
إلى غير ذلك من الكلمات للمتأخرين والمعاصرين وربّما نمرّ على كلماتهم عند الاستدلال على حكم المسألة.

1 . مسالك الأفهام: 1 / 308 .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 332 .
3 . كشف الغطاء: 1 / 265 .

صفحه 509

الرابع: ما هو الأصل في المسألة

إنّ الأصل في المقام هو الفساد إلاّ أن يدل دليل على خلافه، وذلك لأنّ العبادات أُمور توقيفية لا دور للعقلاء فيها، فإذا شُك في امتثال الأمر بالفرد الخاص فالأصل هو الفساد .
وإن شئت قلت: إنّ مشروعية العبادات أمر توقيفي فما عُلم كونه مشروعاً فهو مشروع، وما شُك في مشروعيته فهو ممنوع وإن كان في الواقع مشروعاً، وهذا كإتيان الصلاة مع قبض اليد اليسرى باليمنى، حيث إنّ للصلاة فردين ومصداقين: أحدهما إتيان الصلاة بالسدل والآخر بالقبض، فالشك في جواز القبض كاف في كونه بدعة مبطلة للصلاة. وهذا هو الأصل في المقام.
وربّما يقرر بأنّ الأصل في المقام هوالصحة، وهو أنّ صلاة الجماعة ترجع في حقيقتها إلى أنّها هي عدل للواجب التخييري، لا أنّها من مسقطات وجوب الصلاة، فإذاً يدور الأمر بين كون الواجب هو الفرادى ومطلق الجماعة وبين كون الواجب هو الفرادى والجماعة المقيّدة بأنّها بغير الاستدارة، ومقتضى الأصل هو البراءة عن هذا التقييد 1.

الشكّ في الامتثال المقتضي للاحتياط

إنّ المأمور به هو طبيعة الصلاة والصلاة جماعة وفرادى من مصاديق هذا الواجب، والتخيير بين المصداقين عقلي لا شرعي، وعلى هذا فيكون مرجع الشك إلى سقوط الطبيعة بالفرد الخاص والأصل خلافه، فإنّ قاعدة

1 . مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام)، العدد (44)ص (94)، وقد استظهره صاحب المقال من كلام السيد الخوئي في مسألة اشتراط التأخّر وعدم كفاية المساواة الحقيقية وقال: وهو يجري في مقامنا بالنحوالمذكور.

صفحه 510
الاشتغال محكمة حتّى يثبت الامتثال. وبالجملة إذا كانت للطبيعة المأمور بها مصاديق مختلفة ويقطع بحصول الامتثال ببعض المصاديق ويُشك
في حصوله بالبعض الآخر يكون المقام محكوماً بالاشتغال، لأنّه قبيل الشك في السقوط فلو أمر المولى بتطهير النجس بالماء وشك في صحة التطهير بماء الكبريت فالاشتغال محكم ما لم يكن هنا إطلاق لفظي حاكم على
الأصل .
وقد صرح بما ذكرنا السيد الحكيم (قدس سره)بتعبير آخر حيث قال:
تارة يكون الشك في صحة الجماعة حدوثاً وأُخرى يكون بقاءً، فإن كان الأوّل فالمرجع أصالة عدم انعقاد الجماعة، لأنّ انعقادها إنّما يكون بجعل الإمامة للإمام من المأموم في ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شُكّ في شرطية شيء مفقود أو مانعية شيء موجود ـ للإمام أو المأموم أو الائتمام ـ فقد شُك في الانعقاد الملازم للشك في حصول الإمامة للإمام والمأمومية للمأموم، والأصل العدم في جميع ذلك، وبعبارة أُخرى الشك في المقام في ترتب الأثر على الجعل المذكور ومقتضى الأصل عدمه.1
وربّما يتصور أنّ الأصل العملي محكوم بالإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة، وذلك لأنّ مقتضى الإطلاقات الواردة في صلاة الجماعة عدم اشتراط شيء من تأخّر المأموم عن الإمام أو عدم تقدّمه عليه، غاية الأمر خرج منها ما إذا لم تكن الصلاة إلاّ على جهة واحدة وعلى خط مستقيم فيشترط فيه التأخر، أو عدم التقدم، وأمّا إذا أمكنت الصلاة استدارة وعلى جميع الجهات

1 . مستمسك العروة: 7 / 217 .

صفحه 511
فالإطلاقات الواردة في باب الجماعة محكمة لا يشترط فيها شيء لا عدم التقدّم ولا عدم التأخّر.
يلاحظ عليه: بأنّه ماذا يريد من الإطلاقات في المقام، فهل يريد ما ورد في التأكيد على استحبابها في الفريضة، الّذي عقد لها الحر العاملي ـ في الوسائل ـ باباً تحت عنوان: «باب تأكد استحبابها في الفرائض»، ومن المعلوم أنّها ليست في مقام البيان لشرائط الجماعة، فإنّ الروايات الواردة في الحث على الجماعة كلها نظير قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من سمع النداء ولم يجبه من غير علّة فلا صلاة له».1
أو أنّه يريد ما ورد: «أنّ أقل ما تنعقد به الجماعة اثنان» كقول زرارة في حديث قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الرجلان يكونان جماعة؟ فقال (عليه السلام): «نعم، ويقوم الرجل عن يمين الإمام».2
وبالجملة هذه الروايات ونظائرها ناظرة إلى تشريع الجماعة واستحبابها المؤكّد، ولا نظر لبيان الشرائط والأجزاء حتّى يتمسك به في مورد الشك على نفي الجزئية.
فخرجنا بالأمرين التاليين:
1. أنّ الأصل الأوّلي هو الفساد، لأنّه من قبيل الشك في الامتثال، أو الشك في انعقاد الجماعة.
2. أنّ الأصل غير محكوم بالإطلاقات، إذ ليس هنا إطلاق حاكم على

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

صفحه 512
الأصل ويلزم الرجوع إلى أدلّة الشروط في المقام، وإليك البيان.
قد سبق أنّ الإشكال في المقام يدور على أمرين:
أ. إشكال تقدّم المأموم على الإمام في بعض الصور.
ب. مواجهة المأموم مع الإمام في بعض الأحايين.
وإليك دراستهما.

الأوّل: مشكلة تقدّم المأموم على الإمام

قال المحقّق: ولا يجوز أن يقف المأموم قدّام الإمام. 1 واستُدل عليه بعدم الخلاف بين الأصحاب، وظاهر «المعتبر» الإجماع عليه من غير فرق بين الابتداء والاستدامة كما هو صريح معقد بعضها اقتصاراً في العبادة التوقيفية على ما علم ثبوته من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)والصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسيرة سائر فرق المسلمين في جميع الأعصار والأمصار بعد قصور الإطلاقات المساقة لغيره عن تناول مثل ذلك .2
وظاهر كلامه كظاهر كلام الآخرين أنّه ليس هناك دليل لفظي يدل على عدم جواز تقدم المأموم على الإمام، ولو كان فإنّما هو إشارات وتلميحات، غير أنّ معقد الإجماع يعمّ عامّة الحالات سواء أكان في المسجد الحرام أم غيره.
ولا يمكن أن يقال: إنّ الإجماع دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن وهوما إذا صلّوا على جهة واحدة.

1 . شرائع الإسلام : 1 / 123 .
2 . جواهر الكلام : 13 / 221 .

صفحه 513
بل يمكن أن يستظهر ذلك من كلمة الإمام بأنّه إمام يقتدى به في الأقوال والأفعال، ولازم ذلك عدم كون المأموم متقدماً على الإمام. ولذلك نرى أنّه ورد في الروايات أنّ الإمام قد سُئل عن رجل أمّ قوماً فصلى بهم ركعة ثم مات؟ قال (عليه السلام): «يقدّمون رجلاً آخر فيعتد بالركعة ويطرحون الميت خلفهم ويغتسل مَنْ مسه» .1
وعلى كل تقدير لا يمكن أن نشك في شرطية عدم تقدّم المأموم على الإمام في حال من الأحوال وفي مسجد دون مسجد وإن كان عدم جواز مساواة الإمام والمأموم موضع تأمل ونقاش.
إذا علمت ذلك فالمهم هو تبيين مدار التقدّم وملاكه.

ما هو مدار التقدّم والتأخّر ؟

فلو كان الملاك في التقدّم والتأخّر هو عدم أقربية المأموم إلى الكعبة من الإمام، بل يكونان متساويين أو يكون المأموم أبعد من الكعبة من الإمام، فلازم ذلك صحة الصلاة استدارة بشرط أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها الإمام غير الدائرة الّتي يقف عليها المأموم وتكون الدائرة الثانية أبعد وأوسع من الدائرة الأُولى حتّى تكون المسافة بين المأموم والكعبة أكثر من المسافة بين الإمام والكعبة في عامّة الحالات.
وذلك لأنّ الكعبة لمّا كانت مربعة تقريبا 2 فلو دارت عليها دائرة، فخطوط هذه الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال، لفرض كون الكعبة على

1 . الوسائل: 5، الباب 43 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .
2 . إذ ان أضلاعها غير متساوية.

صفحه 514
شكل المربع المستطيل فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة كما في الشكل التالي:
الكعبة المشرفة
وعلى ذلك فيجب أن تكون الدائرة الّتي يقف عليها المأمومون أكبر من الدائرة الّتي قام عليها الإمام، أي أبعد عن الكعبة في جميع النقاط، وإلاّ فمجرد كون الفاصل المكاني بين المأموم والكعبة أكبر منه بين الإمام والكعبة في بعض الحالات، لا يكفي ـ كما هو الظاهر من الكلمات الماضية ـ مالم يكن الفصل على حّد يكون الفصل أكبر في عامة الحالات، وهذا كما في الرسم التالي.
الكعبة المشرفة
*
*
*
*
موقف الإمام
موقف المأمومين

صفحه 515
فإن الشرط ـ أعني: عدم تقدم المأموم ـ محفوظ في جميع الحالات.
وبذلك يعلم أنّ مجرّد كون المأموم خلفاً أو جانباً بحسب الدائرة البركاليّة، لا يلازم عدم أقربيّته إلى الكعبة من الإمام، ضرورة زيادة جوانب الكعبة بل لابد أن تكون الدائرة الّتي وقف عليها المأموم أوسع من الدائرة الّتي وقف عليها الإمام على نحو يكون الإمام أقرب إلى الكعبة من المأموم في عامة الحالات كما هو ظاهر في الرسم المتقدّم .
وأمّا لو كان الميزان في التقدم هو نفس موقف الإمام مع قطع النظر عن الأقربية والأبعدية بالنسبة إلى الكعبة، فحينئذ لو وقف المأمومون على نفس الدائرة الّتي وقف عليها الإمام لصدق عدم التقدم، بناءً على كفايته وهذا واضح، مثلاً: لو أمر الضابط الجنود أن يقفوا بشكل دائري، فوقفوا على خط دائري جنباً إلى جنب، فيصدق عدم تقدّم أحدهم على الآخرين.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: بإمكان دعوى صدق الخلْف أو الجانب، إذ هما بالنسبة إلى كل واحد بحسبه ولو بملاحظة الدائرة البركالية .1
والمتبادر من معاقد الاجماعات والإشارات الواردة في الروايات أنّ الميزان عدم تقدّم المأموم على موقف الإمام من دون لحاظ الجهة الّتي يتّجهان لها.
وبعبارة أُخرى: الملاك في تحقّق هذا الشرط موقف كل من الإمام والمأموم في غير المسجد الحرام باتفاق الفقهاء، فلابد أن يكون هو نفس الملاك في المسجد الحرام أيضاً، وإلاّ يجب أن يلتزم بأحد أمرين:

1 . لاحظ جواهر الكلام : 13 / 230 .

صفحه 516
1. أن يكون الملاك في غير المسجد الحرام هو موقف الإمام والمأموم، وأمّا في المسجد الحرام فالملاك هو الكعبة بأن لا يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام.
2. مراعاة كلا الأمرين.
والأوّل أمر غريب لعدم الدليل على التفريق بين المسجد الحرام وسائر الأمكنة، والثاني موافق للاحتياط ولكن ليس لاعتبار الجمع دليل صالح.
وبذلك يظهر أنّ مشكلة تقدّم المأموم على الإمام في الصلاة الاستدارية إمّا غير متحقّق مطلقاً إذا قلنا بأنّ الميزان هو ملاحظة موقف الإمام، وإمّا غير متحقّق في بعض الدوائر إذا كانت الدائرة الثانية أوسع من الدائرة الّتي يقف فيها الإمام، ومتحقّق في البعض الآخر.

الثاني: إشكال مواجهة المأموم للإمام

الإشكال الثاني في المسألة هو لزوم المواجهة بأن يكون المأموم مواجهاً للإمام دون أن يكون في جنبه أو خلفه، وتظهر المواجهة بوضوح في النصف الثاني من الدائرة، مع أنّه أمر غير معهود، ولذلك اشترط بعض القائلين بالجواز بكون استقبال الإمام والمأمومين إلى جهة واحدة. إذ لو قيل بالجواز مطلقاً يلزم جواز الجماعة في داخل الكعبة على التعاكس بأن يكون وجه كل منهما إلى الآخر وهو ممّا لا مجال للالتزام به .1
والحق أنّ هذا الاشكال يستحق التأمّل، وما دلّ على جواز إقامة الصلاة جماعة منصرف إلى الفرد الشائع ، وأما هذا الفرد النادر فإطلاق الأدلة على

1 . مستمسك العروة: 7 / 248 .

صفحه 517
فرض وجوده منصرفة عنه.
فإن قلت: إنّ الشكل الهندسي للمسجد الحرام كان دائرياً منذ أن بنيت الكعبة من قبل نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، لأنّ الطواف بالبيت العتيق ـ الّذي نادى به الله عزوجل على لسان إبراهيم الخليل في قوله: (وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)1 ـ يشهد لذلك، أوليس ذلك قرينة على جواز الصلاة بالجماعة استدارة وإن استلزم في بعض الحالات مواجهة المأموم للإمام؟
قلت: لاشك أنّ المطاف يكون دائرياً وأمّا كون المسجد في عصر النبي إبراهيم (عليه السلام)بني على شكل دائرة فلم يدل عليه دليل. وعلى فرض كونه كذلك لا يكون دليلاً على جواز الصلاة جماعة بالاستدارة.
إلى هنا تمت دراسة الاشكالين المذكورين في كلام الفقهاء وهناك إشكال ثالث.

الثالث: وجود الحائل بين الإمام والمأموم

من شروط صحة الجماعة أن لايكون بين الإمام والمأموم حائل يمنع عن مشاهدته، قال المحقّق: لاتصحّ مع حائل بين الإمام والمأموم يمنع المشاهدة، وقال صاحب «الجواهر»: الظاهر أنّه إجماعي كما في «الذخيرة» بل هو كذلك في صريح «الخلاف» و «المنتهى» و «المدارك».
ويدل عليه صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام): إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الّذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم

1 . الحج: 29 .

صفحه 518
بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة، إلاّ من كان من حيال الباب، قال: وقال: هذه المقاصير لم تكن في زمان أحد من الناس وإنّما أحدثها الجبارون، ليست لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة مَنْ فيها صلاة».1
ووجه الإشكال: أنّ الكعبة المشرفة تحول بين الإمام وكثير من المأمومين الذين يصلّون في النصف الثاني من الدائرة بحيث إنّهم لا يرونه.
ويمكن أن يقال: إنّه لا يشترط مشاهدة جميع المأمومين الإمام، بل يكفي مشاهدة من يشاهده من المأمومين وإن تعددت الوسائط .2
فإذا وقف المأموم في نصف الدائرة الثانية فهو وإن كان لا يشاهد الإمام لأنّ الكعبة تحول بينهما إلاّ أنّه يشاهد الإمام بوسائط ولايقاس المقام بصلاة الإمام بالمقصورة، فإنّ مقصورة المسجد كانت بشكل يحجز عن دخول الغير ولم يكن الإمام مشاهداً مطلقاً وإنّما يطلع المأمومون على أحواله من الركوع والسجود بواسطة تكبير المكبرين.
أضف إلى ذلك انصراف ما دلّ على عدم وجود الحائل عن هذا النوع من الحائل الّذي اقتضته طبيعة صلاة الجماعة في ذلك المكان.
إلى هنا درسنا الإشكالات الثلاثة في المقام، وقد عرفت أنّ الإشكال الثاني أقوى من الأوّل والأخير، فالاقتصار في إقامة الصلاة جماعة على نحو الاستدارة على ما لا يوجد فيه أحد الموانع الثلاثة هو الأحوط.
***

1 . الوسائل: 5، الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2 . جواهر الكلام: 13 / 159 .

صفحه 519

الاستدلال على الصحة بالسيرة

إنّ قسماً من الفقهاء استدلّوا على الصحة بالسيرة وفي مقدّمتهم الشهيد الأوّل في «الذكرى» حيث قال: ولو استداروا صحّ للإجماع عليه عملاً في كل الأعصار السالفة.1
وقد أُيدت السيرة بأنّ أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في عام الفتح بلغوا عشرة آلاف أو أكثر، فكيف يمكن لهم الصلاة فيه بنحو الخط المستقيم ؟
بل بلغ عدد المرافقين في حجة الوداع إلى مائة ألف .
وهذه السيرة الّتي لم يعترض عليها أئمة الشيعة (سلام الله عليهم اجمعين) خير دليل على كونها أمراً مقبولاً عندهم.(2)
يلاحظ عليه: أنّ كل ما ذكروه حول هذه السيرة نابع عن عدم الوقوف على وقت بدء الصلاة بهذه الكيفية، وقد عرفت أنّ أوّل من أدارها هو خالد بن عبدالله القسري، وأنّ السبب للاستدارة هو ضيق المكان على الناس في صلاة التراويح ولم يكن هذا الملاك موجوداً في الصلوات اليومية.
وأمّا عدم سعة المسجد الحرام للآلاف المؤلفة فهو أمر صحيح لكنّه ليس دليلاً على إقامة الصلاة في المسجد الحرام، بل ربّما أقامها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خارج المسجد، خصوصاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أقام خارج مكة يوم فتحها وقد سُئل عن السبب؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلاً (في مكة).2
وحقيقة الكلام: أنّ المسجد الحرام لم يكن بهذه السعة ولم يكن أيضاً

1 . الذكرى: 162 .   2 . المحقّق الاصفهاني: صلاة الجماعة: 136 .
2 . صحيح البخاري: 5 / 92، باب غزوة الفتح ; صحيح مسلم: 4 / 108، باب جواز الإقامة في مكة.

صفحه 520
كافياً حتّى ولو أقاموا الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استدارة، وهذا ابن الجوزي يصف لنا بناء المسجد الحرام ويقول: إنّ المسجد الحرام كان صغيراً ولم يكن عليه جدار إنّما كانت الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية فضاق على الناس المسجد فاشترى عمر بن الخطاب دوراً فهدمها، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً، ثم وسع المسجد عثمان بن عفان واشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبير في المسجد واشترى دوراً وأدخلها فيه، وأول مَنْ نقل إليه أساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف الوليد بن عبدالملك ثم زاد المنصور في شقه الشامي ثم زاد المهدي، وكانت الكعبة في جانب فأحب أن تكون وسطاً فاشترى من الناس الدور ووسطها، ثم توالت الزيادات فيه إلى يومنا هذا.1
***
تمّ الكلام في قاعدة
حكم صلاة الجماعة بالاستدارة حول الكعبة
***
نجز الجزء الثاني من «الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية»
بيد مؤلّفه جعفر السبحاني ابن الفقيه
الشيخ محمد حسين السبحاني
شاكراً حامداً لله في قم
المشرّفة عام 1436 هـ

1 . مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، لأبي الفرج ابن الجوزي: 1 / 358 .
Website Security Test