welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 441
3. موثّقة سماعة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس؟ فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»1.
وهي بعمومها تدلّ على أنّ الموضوع هو مطلق الفائدة الّتي تشمل الهدية.
4. ما رواه ابن إدريس في آخر «السرائر» نقلاً عن كتاب محمّد بن علي ابن محبوب: عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام): «الخمس في ذلك»، وعن الرجل يكون في دار البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء المائة درهم أو خمسين درهماً، هل عليه الخمس؟ فكتب: «أمّا ما أكل فلا، وأمّا البيع فنعم، وهو كسائر الضياع».2
وفي السند أحمد بن هلال، قال النجاشي: صالح الرواية يعرف منها وينكر، وقد رويت فيه ذموم من سيدنا أبي محمد العسكري (عليه السلام).3
وأمّا أبان بن عثمان المرميّ بالناووسية فمن أصحاب الإجماع، وهو ثقة بلا كلام.
5. ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عن سهل بن زياد، عن محمد ابن عيسى، عن علي بن الحسين بن عبد ربّه قال: سرّح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي، فكتب إليه أبي: هل عليّ فيما سرّحت إليّ خمس؟ فكتب إليه: «لا خمس

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.
3 . رجال النجاشي: الترجمة: 167 .

صفحه 442
عليك فيما سرّح به صاحب الخمس» 1.
والسراح هو التسهيل، والمراد الصلة الّتي تسهّل أمر الحياة للمُهدى إليه.
والحديث يعرب عن تعلّق الخمس بطبيعة الصلة إلاّ أن يكون المهدي إماماً صاحب الخمس. وعلى ذلك قلنا بأنّ ما يبقى في يد الطلاب إلى آخر السنة من الحقوق الشرعية الّتي تؤخذ من مكاتب المراجع لا يتعلّق به خمس، أخذاً بقوله (عليه السلام): «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس».
6. روى الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع؟ وكيف ذلك؟ فكتب (عليه السلام)بخطّه: «الخمس بعد المؤونة» 2.
وربّما يتراءى أنّ الجواب غير مطابق للسؤال غير أنّ الدقّة في الجواب تدفع ذلك التوهّم وهو أنّ الإمام (عليه السلام)أجاب عن السؤال وهو تعلّق الخمس بجميع ما يستفاد، مع شيء زائد وهو أنّ لزوم الخمس في هذه الموارد بعد المؤونة.
7. ما رواه علي بن موسى بن طاووس في كتاب «الطرف» بإسناده عن عيسى بن المستفاد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام):«أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لأبي ذرّ وسلمان والمقداد...: وإخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين وأميرهم».3 والحديث ضعيف

1 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
3 . الوسائل: 6، الباب 4من أبواب الأنفال، الحديث 21.

صفحه 443
بعيسى بن المستفاد، قال النجاشي عنه: روى عن أبي جعفر الثاني ولم يكن بذاك.1
8 . ما رواه في «تحف العقول» عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «والخمس من جميع المال مرّة واحدة».2
9. ما في «الفقه الرضوي»، من قوله: «وربح التجارة وغلّة الضيعة وسائر الفوائد والمكاسب والصناعات والمواريث وغيرها; لأنّ الجميع غنيمة وفائدة».3
10. ما رواه عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «على كلّ امرئ غنم أو اكتسب، الخمس». 4 والمراد من قوله: «غنم»، الفوز بمال من غير الاكتساب، بقرينة المقابلة.
وهذه الروايات المتضافرة كافية في الإفتاء بالوجوب في مطلق الفائدة من غير فرق بين الاكتساب وغيره. والإمعان في هذه الروايات يثبت أنّ الموضوع ما يملكه الإنسان بطريق من الطرق من غير اعتبار المهنة، ولا القصد ولا الاختيار، مضافاً إلى أنّ الهدية والجائزة مذكورتان فيها.
نعم قسم من الروايات صحيحة وقسم منها ضعيف، ولكن المجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على القول بسعة الحكم.

1 . رجال النجاشي:2/151، برقم 807.
2 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 13.
3 . الفقه الرضوي: 294 بتفاوت يسير.
4 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8 .

صفحه 444

الثاني: المال الموصى به

المال الموصى به على قسمين:
تارة تكون الوصية عهدية بأن يعهد إلى الوصي أن يعطي فلاناً بعد وفاته ذاك المال، فيكون شبه هدية من الميّت إلى الحيّ، نظير الجائزة الّتي هي من الحيّ إلى الحيّ.
وأُخرى تكون تمليكية بأن يملك مقداراً من ماله لزيد ويقول: هذا المتاع لزيد بعد وفاتي.
فالأوّل يشبه الهدية، والثاني يصدق عليه أنّه غنم وفائدة.

الثالث: الميراث غير المحتسب

والأقوال فيه لا تتجاوز الثلاثة:
الأوّل: الوجوب مطلقاً، كما عليه ظاهر «الفقه الرضوي» وظاهر «الكافي» للحلبي.
الثاني: عدمه مطلقاً، كما عليه «السرائر»، وقال ردّاً على الحلبي: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً، والأصل براءة الذمّة.
الثالث: التفصيل، بين المحتَسب وغيره، فيجب في الثاني دون الأوّل، لصحيحة علي بن مهزيار قال: «والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن».1
وما ذكره ابن إدريس غير تام; لندرة هذا النوع من الإرث وإنّما يتمّ في

1 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

صفحه 445
مطلق الميراث، ونحن لا نقول به، والدليل الوحيد هو الحديث.
نعم صوّر السيد الطباطبائي الميراث غير المحتسب بما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات وكان هو الوارث له، لكن التصوير لا يتوقّف على ذينك القيدين، بل يمكن تصويره في الرحم القريب العائش معه في البلد فيما إذا كان أخ وله أولاد كثيرون، وهلك الجميع ومات الأخ وورثه الأخ الآخر من غير احتساب، وما ذكره من التصوير، إنّما لبيان الفرد الواضح.

الرابع: الوقف الخاصّ

ما يحصل من الوقف الخاصّ يملكه الموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول فيصدق عليه الغنم والفائدة فيشبّه بالمال الموصى به إذا كانت الوصية تمليكية غير محتاجة إلى القبول، هذا إذا كان الحاصل بغير اختيار، وأمّا الحاصل منه مع الاختيار كالغرس والزراعة فيتعلّق به الخمس، لكونه داخلاً في أقسام التجارة.
وأمّا الموقوف بوجه عام فلا يملكه الإنسان إلاّ بالقبض، كما إذا وقف ضيعة على العلماء والقرّاء، وما أكثر مصاديقها، فلا يجب على كلّ واحد منهم إلاّ إذا تملّكه بالقبض، فلو زاد بعده يجب فيه الخمس كالخاصّ، فيكون أشبه بالهبة، وأمّا النذور فبما أنّ الملكية تتوقّف على قبول المنذور له فيشبه الهدية، ويكون حكمُها، حكمَها.

الخامس: عوض الخلع والمهر

إنّ صدق الغنم والفائدة عليهما غامض، بل هو أشبه بتبديل شيء بشيء، فالمهر في مقابل البضع والتسلّط على الزوجة بأنواعه، وهي وإن كانت تفوز

صفحه 446
بمال لكن في مقابل ماتبذل من رأس مالها، واللّه العالم إنّها انتفعت أو خسرت. ويقابله الخلع فالرجل يرفع سلطانه على المرأة وتمتعه بها في مقابل عوض الخلع فأشبه بمعاوضة شيء بشيء، أضف إلى ذلك: أنّه لو وجب الخمس فيهما لبان لكثرة الابتلاء بهما.

السادس: أُجرة الحجّ

إذا آجر نفسه للحجّ عن الغير وتملّك الأُجرة، فلا شكّ أنّه لا يتعلّق الخمس قبل القيام بالحجّ، إنّما الكلام إذا صرف الأُجرة في الحجّ وفضل منها شيءٌ، فلا وجه لعدم تعلّقه به بعد صدق كونه من مصاديق ما يفوز به الإنسان ويستفيد.
نعم يظهر من صحيح محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن مهزيار عدم تعلّقه به مطلقاً. قال : كتبت إليه: يا سيّدي رجل دُفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب (عليه السلام): «ليس عليه الخمس».1 وبما أنّ التخصيص بعيد، لابدّ من تأويل الرواية بالحمل على الصورة الأُولى (قبل القيام بالحج)، وإن كان على خلاف الظاهر.
***
تمّ الكلام في قاعدة
وجوب الخمس في كلّ فائدة

1 . الوسائل: 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

صفحه 447
القواعد الفقهية
    62

قاعدة

الخمس بعد المؤونة
المؤونة هل هي أجوف واوي أو مهموز العين؟ وجهان
المؤونة في الروايات
معنى المؤونة وهي على قسمين:
   1. ما يبذل في طريق الربح
   2. وما يصرف في معاش نفسه، والمراد هو الثاني
المعيار هو الاقتصاد حسب الحال حتى في انفاقه
المراد مؤونة السنة لا مؤونة يوم أو شهر
هل رأس المال من المؤونة؟ فيه تفصيل
ادّخار الربح لشراء الدار
المبدأ للخمس هل هو ظهور الربح أو الشروع بالاكتساب
التفصيل بين الفوائد المتدرجة، فالمبدأ هو الشروع وما تنفك الفوائد عن الشروع فالمبدأ فيه هو حال حصول الفائدة
قد ورد لفظ «المؤونة» في غير واحدة من الروايات، كما ستأتي، وهل هو أجوف واوي كما يظهر من ابن فارس حيث قال: «موْن» الميم والواو والنون، وهي الموْن أن تمون عيالك، أي تقوم بكفايتهم وتتحمل موْنتهم،

صفحه 448
وأمّا المؤنة فمن الموْن والأصل موُنة بغير همزة.1
وعلى ذلك فالفعل: مان، يمون مؤنة.
أو مهموز العين كما يظهر من صاحب القاموس حيث قال: مأن، بالهمزة، وقال: مأن القوم: احتمل مؤنتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز، فالفعل مانهم.
وقال: ومن ذلك الباب أيضاً: التموّن، كثرة النفقة على العيال، ومأنه: قام بكفايته فهو مموِّن.2
وجعله في «اللسان» من كلا البابين وقال: مأن القوم ومانهم، قام عليهم، ورجّح كونها في الأصل مهموزة.3

المؤونة في الروايات

قد ورد في غير واحدة من الروايات عدم تعلّق الخمس بالمؤونة وإنّما يتعلّق بما بقي بعد إخراجها من الفوائد، وإليك ما ورد في المقام:
1. كتب أبو جعفر الثاني(عليه السلام) بخطّه إلى بعض أصحابه:«الخمس بعد المؤونة».4
2. كتب أبو الحسن الثالث(عليه السلام) إلى علي بن محمد بن شجاع النيسابوري:«لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».5

1 . مقاييس اللغة:5/286.
2 . القاموس المحيط:4/269 و 273 مادة «المأنة» و «التموّن».
3 . لسان العرب:13/369، مادة «مأن».
4 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث1.
5 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.

صفحه 449
3. روى الشيخ بإسناده عن علي بن مهزيار، قال: قال لي أبو علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك، فاعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه به، فقال: «يجب عليهم الخمس»، فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم». قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم».1
4. كتب ابن أبي نصر إلى أبي جعفر(عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب(عليه السلام): «بعد المؤونة».2
5. روى الصدوق أنّ في توقيعات الرضا(عليه السلام) إلى إبراهيم بن محمد الهمداني: أنّ الخمس بعد المؤونة.3إلى غير ذلك من الروايات.

معنى المؤونة

قد تطلق المؤونة ويراد منها ما يبذل في طريق تحصيل الربح كأُجرة السيارة والدكان وأُجور الموظفين والدلال وغيرها ممّا يتوقّف عليه تحصيل الربح، ولا كلام في عدم تعلّقه به لعدم صدق الاسترباح إذا كان ما صرفه في سبيل تحصيله مساوياً لما استفاده، بل يعدّ في العرف خاسراً ومضيّعاً للوقت ورأس المال.
وقد تطلق ويراد منها ما يصرف في معاش نفسه وعائلته، سواء أكانوا واجبي النفقة أم لا.
وربّما يقيّد بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة. ووجه التقييد واضح

1 . الوسائل:6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث3، والرواية مضمرة.
2 . الوسائل:6، الباب12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث1.
3 . الوسائل:6، الباب12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.

صفحه 450
لانصراف المؤونة إلى المتعارف بحسب شؤونه وخصوصيات حياته، كما هو الحال في الإنفاق على الزوجة وكلّ من وجب عليه الإنفاق عليه، فالكلّ مكلّف بما يليق بشأنه، والإسراف والتوسّع والتقتير يلاحظ بحسب حاله وهو يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد ومنزلتهم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)1، وقال تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)2 غير أنّ القوام ونحوه يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد، إذ رُبّ فعل يعدّ بالنسبة إلى أحد تقتيراً ولا يعدّ بالنسبة إلى فرد آخر كذلك، قال سبحانه:(وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)3، وقال سبحانه:(كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)4، وقال: (وَابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)5.
هذه الآيات تهدف إلى أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل، وفي الروايات الإسلامية تصريحات بذلك، فلنكتف بهذا المقدار، وما ذكرناه حسب حال الافراد حاكم على جميع الأُمور من المستحبّات الشرعية والأفعال القربيّة.
نعم استشكل فيه صاحب مستند العروة، وقال: الظاهر عدم صحّة التفصيل وأنّه لا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر، فلو

1 . الإسراء:29.
2 . الفرقان:67.
3 . الإسراء:26ـ 27.
4 . الأعراف:31.
5 . القصص:77.

صفحه 451
صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل الله ذخراً لآخرته لينتفع به بعد موته، كان ذلك من الصرف في المؤونة; لاحتياج الكلّ إلى الجنّة، ولا يعدّ ذلك من الإسراف والتبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدّس بذلك.1
ولكن ظاهر الآية يصادم ما ذكره حيث يقيّد الإنفاق الذي هو أمر مستحب بالقوام وينهى عن الإسراف في الإنفاق، والتقتير، والظاهر من الآيات والروايات أنّ الاقتصاد في العبادات والمعاملات هو المرضيّ.
روى عبدالملك بن عمرو الأحول قال: تلا أبو عبدالله (عليه السلام)هذه الآية: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).2 قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الاقتار الّذي ذكره الله عزوجل في كتابه، ثم قبض قبضة أُخرى فأرخى كفه كلّها، ثم قال: هذا الإسراف، ثم أخذ قبضة أُخرى، فأرخى بعضها وأمسك بعضها، ثم قال: هذا القوام».3

المراد مؤونة السنة

المتبادر من المؤونة هو مؤونة السنة، لا مؤونة يوم ولا مؤونة شهر ولا مؤونة فصل، فإنّ أصحاب الأموال يحسبون أرباحهم أو أضرارهم في آخر السنة، وهذا صريح كلمات الفقهاء.
قال الشيخ: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها، وإخراج

1 . مستند العروة الوثقى: 250، كتاب الخمس.
2 . الفرقان:67.
3 . تفسير نور الثقلين: 4 / 29 .

صفحه 452
مؤنة الرجل لنفسه ومؤنة عياله سنة.1
وقال ابن إدريس: ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور، بعد أخذها. ولا يعتبر مؤن السنة، بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت تحتاج إلى ذلك.2
ما ذكره صحيح فيما إذا لم يتّخذ إخراج المعدن مكسباً له كما هو الحال في العثور على الكنز أو الأرض الّتي اشتراها من الذمّي أو الغوص في البحر، فيجب فيه الخمس إذا بلغ النصاب وبعد إخراج المُؤن في تحصيلها; وأمّا إذا اتّخذها مكسباً فيجب فيه خمس واحد، وهو خمس أرباح المكاسب بعد إخراج مؤنة سنته.
أقول: ورد لفظ السنة والعام في رواية علي بن مهزيار الطويلة، نظير:
1. قوله(عليه السلام): «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول».
2. قوله(عليه السلام):«وأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».
3. قوله(عليه السلام): «وأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس، ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته».3
وأمّا الإشكال على الرواية بأنّ الإمام(عليه السلام) أوجب نصف السدس مكان إيجاب الخمس فقد أجاب عنه صاحب الوسائل بقوله: وجه إيجابه نصف

1 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.
2 . السرائر:1/489.
3 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.

صفحه 453
السدس إباحته الباقي للشيعة لانحصار الحقّ فيه.1 وقد درس غير واحد من الفقهاء هذا الإشكال وغيره.

هل رأس المال من المؤونة؟

لا كلام في أنّ ما يحتاج إليه الشخص في إقامة نظام معاده ومعاشه من المؤونة بشرط أن لا يخرج عن مقتضى شأنه من حيث الغنى والشرف، فمثل الضيافات والهبات ممّا يتعلّق بالدنيا ومثل الزيارات والصدقات والإحسانات داخل في المؤونة بشرط عدم خروجها عن متعارف أمثاله، كما أفاده الشيخ الأعظم في كتابه.2
إنّما الكلام في إخراج رأس المال عن وجوب الخمس إذا كان من أرباح مكاسبه، مثلاً إذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به، فهل يجب إخراج خمسه ثم الاتّجار به أو لا؟ فيه وجوه:
1. تعلّقه به مطلقاً.
2. عدم تعلّقه به كذلك.
3. التفصيل بين ما كان في نفسه محتاجاً إليه بحيث لولاه عاد فقيراً أو مشتغلاً بشغل يعدّ نقصاً له، فلا يتعلّق به.
والظاهر هو الأخير وهو خيرة أكثر الأعاظم; وحاصله: أنّه إذا كان محتاجاً إلى رأس المال بحيث لو أخرج خمسه لوجب الاشتغال بشغل لا

1 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث4.
2 . لاحظ : كتاب الخمس للأنصاري:92.

صفحه 454
يناسب شأنه أو يحتاج إلى تأمين حياته بالصدقات والمبرّات، فلا يتعلّق به الخمس، إذ يصبح عندئذ كحليّ المرأة والفرش والأواني التي تحتاج إليها.
وحاصل الكلام: أنّه إذا احتاج إليه لتحصيل المؤونة مع تمكّنه من تحصيلها بطرق أُخرى مناسبة لشأنه، أو أنّه إذا أخرج خمسه يتمكّن من الاتّجار به فيتعلّق به الخمس .
وأمّا إذا انحصر الطريق بالاتّجار برأس المال، بحيث لولاه لعاد فقيراً أو مشتغلاً بشغل لا يلائم شأنه، فلا يجب فيه الخمس.

ما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية

إذا صرف الربح في غرس الأشجار وتسطيح الأرض وإصلاحها ليستغلّه في السنين الآتية ويعيش على فوائده، ومنافعه، فهل هو من المؤونة المعفيّة من الخمس، أو لا؟
الظاهر من الشيخ هو التعميم، قال:والظاهر أنّه لا يشترط التمكّن من تحصيل الربح منه بالفعل، فيجوز صرف شيء من الربح في غرس الأشجار لينتفع بثمرها ولو بعد سنين، وكذلك اقتناء إناث أولاد الأنعام لذلك.1
ويؤيّد ذلك ما ورد في رواية علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث(عليه السلام) عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كُرّ ما يُزَكّى، فأخذ منه العُشر عَشرة أكرار،2 وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً، وبقي في يده ستون كرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب

1 . كتاب الخمس للأنصاري:201.
2 . أخذت الحكومة العشر من باب الزكاة.

صفحه 455
لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع(عليه السلام):«لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».1.
والضمير في قوله: «لي منه» يرجع إلى قوله:«ستون كُرّاً» والمراد مؤونة سنته، والرواية دالّة على أنّ ما يصرف في عمارة الضيعة ولو لأجل تحصيل الربح في غير سنة الربح مستثنى من الخمس حيث إنّ ما صرفه في عمارة الضيعة ـ أعني: ثلاثين كُرّاً ـ ينتفع به في السنين الآتية.
أضف إلى ذلك: أنّ صرف الربح في الأُمور التي سيُنتفع بها في السنين الآتية لا يضرّ بمستحقّي الخمس، لأنّ صرفها في سبيل الانتفاع في السنين الآتية يسبب النتاج الأكثر والانتفاع الأزيد فيرتقي الربح في السنين القادمة، أكثر ممّا في السنين السابقة.

إدّخار الربح لشراء الدار

قد راج في أيّامنا هذه أنّ كثيراً من العمّال والموظّفين يدّخرون شيئاً من أُجورهم ورواتبهم الشهرية وأرباحهم، سنة بعد سنة حتى يتمكّنوا بها من شراء بيت سكنهم، الذي هو من المؤونة، فهل يستثنى ما ادّخر لشراء البيت من الخمس، أو لا؟
الظاهر هو الثاني، لأنّه يُعدّ من المؤونة إذا تعيّن صرفه في شراء البيت والمفروض أنّه غير واف له، فيتعيّن له إجارة البيت بالأرباح، فما دفعه إلى الموجر فهو من المؤونة، لا ما ادّخر في كلّ سنة.
نعم لو اشترى أرضاً بالأقساط فكلّ ما يدفع من هذه الأقساط ولو طال

1 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.

صفحه 456
عدّة سنين، لافتراض أنّ البيت من المؤونة والأرض جزء من البيت.
والفرق بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة واضح لأنّه يدّخر في الصورة المتقدّمة دون أن يصرفه في المؤونة بخلاف شراء الأرض للبناء عليها.
ومنه يُعلم أنّ مَن يشتري في كلّ سنة شيئاً من حاجات بنته التي ستتزوج، وهذا يُعدّ من المؤونة وقد صرف الربح في شرائه.

لو باع بيته لشراء بيت آخر

لو اشترى بيتاً أو بناه، من ثمن مخمّس أو ما لا يتعلّق به الخمس، فربّما تقتضي المصالح أو الظروف أن يبيعه ويشتري بيتاً أوسع أو أفضل، وربّما يبيع البيت السابق ويبقى المال في يده قبل أن يشتري البيت الجديد، فهل يتعلّق الخمس بهذا المبلغ؟
الظاهر: لا، لأنّه من قبيل تبديل مؤونة بمؤونة أُخرى، حتى لو باع بيته الأوّل بأكثر ممّا اشتراه به أو صرف على بنائه، لأنّ الجميع يتبدّل إلى مؤونة أُخرى.
نعم لو باع بيته للتجارة، يتعلّق الخمس بما زاد على الأصل من الربح.

المبدأ للخمس

لمّا كان الخمس متعلّقاً بما زاد على مؤونة السنة، وقع الكلام في مبدأ السنة، والأقوال في ذلك ثلاثة:
1. المبدأ، الشروع بالاكتساب.
2. المبدأ، ظهور الربح وحصوله.

صفحه 457
3. المبدأ في التجارة والصناعة، هو وقت الشروع بهما، والمبدأ في الزراعة والغرس وتربية الأنعام هو حصول الربح.
وعلى الأخير، السيد الطباطبائي، قال: مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مؤونتها حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، وأمّا مَن لم يكن متكسّباً وحصل له فائدة إتفاقاً فمن حين حصول الفائدة.1
والأولى أن يقال: إنّ المهن التي تحصل الفوائد فيها متدرّجة من حين الشروع، فمبدأ السنة هو وقت الشروع، وأمّا ما ينفك حصول الربح عن الشروع فيه مثل الزرع والغرس والأنعام، فالمبدأ حال حصول الفائدة.
وما ذكرناه من التفصيل هو الأحوط، وإلاّ فالأقوى ما عليه صاحب الجواهر من أنّ المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤونة السنة من أوّل حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس.2
وإن شئت قلت: إنّ الخمس يتعلّق بمال المغتنِم لا بالشارع بالكسب ولا من جعل نفسه في مهبّ الغنم وإن لم يصل إليه، فلا معنى لتعلّقه بمن لم يغنم كما هو لازم قول القائل بأنّ المراد عام الاكتساب، نعم في الفوائد التي تحصل للإنسان اتّفاقاً فهو من أوّل يوم وصلت إليه .
***
تمّ الكلام في قاعدة
الخمس بعد المؤونة

1 . العروة الوثقى: كتاب الخمس، المسألة 60.
2 . جواهر الكلام:16/82.

صفحه 458
القواعد الفقهية
    63

قاعدة

الخمس كلّه للإمام(عليه السلام)
تقسيم الخمس إلى ستة أقسام النصف الأوّل لله وللرسول ولذي القربى
ما هو المراد من ذي القربى في الآيات الشريفة؟
هل التنصيف واجب فيكون النصف الآخر لليتامى والمساكين وابن السبيل من ذي القربى؟
نظرية كون الخمس للإمام لصاحب الجواهر وعليه جرى السيد الإصفهاني صاحب الوسيلة
الروايات الدالّة على تلك النظرية
الاستئناس للمسألة بالأنفال فإنّها للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
حاصل النظرية كونها ملكاً لمقام الإمامة لا للشخص
اشتهر بين الأصحاب أنّ الخمس يقسّم ستّة أقسام، ثلاثة للإمام وثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل المنتمين للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أخذاً بظاهر قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).1
وربّما يطرح هنا سؤال وهو ما الدليل على أنّ المراد من «ذي القربى» هم

1 . الأنفال:41.

صفحه 459
أقرباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا الطوائف الثلاثة الأُخرى، أي المنتمين للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
والجواب: أنّ تبيين المراد من القربى رهن القرائن الحافّة بالآية، فربّما يراد به أقرباء الإنسان لا أقرباء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل قوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى)1، وأمّا إذا تقدّم عليه لفظ الرسول يكون المراد به أقرباؤه، كما في هذه الآية، ومثلها قوله: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)2، وفي قوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)3، فالمراد في الآيات الثلاث من ذي القربى هم أقرباء الرسول بقرينة توجّه الخطاب إليه، أعني:(فَآتِ).
ومنه يُعلم المراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل، أي أيتام ذي القربى ومساكينهم وأبناء سبيلهم.
وقد تضافرت الروايات على ذلك، نذكر واحدة منها:
روى الشيخ في «التهذيب» بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا ـ رفع الحديث ـ قال: «الخمس من خمسة أشياء... ـ إلى أن قال: ـ فأمّا الخمس فيقسّم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل; فالذي لله فلرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فرسول الله أحق به فهو له خاصّة، والذي للرسول هو لذوي القربى والحجّة في زمانه فالنصف له خاصّة، والنصف

1 . الأنعام:152.
2 . الحشر:7.
3 . الروم:38.

صفحه 460
لليتامى و المساكين وأبناء السبيل من آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة، عوّضهم الله مكان ذلك بالخمس».1 وبهذا المضمون روايات أُخرى.

هل التنصيف واجب؟

ذهب الفقهاء في كتب الخمس إلى التنصيف، فقالوا: النصف للإمام والنصف الآخر للسادة من الأصناف الثلاثة، وبذلك يقسّم الخمس إلى قسمين: سهم الإمام، وسهم السادة.ولأجل ذلك أوجب كثيرٌ من الفقهاء صرف النصف الثاني في حق الثلاثة.
ثمّ إنّ ذلك أوجد مشكلة في أعصارنا الحاضرة، لأنّ موارد الحاجة إلى سهم الإمام أكثر من موارد الحاجة إلى سهم النصف الآخر للسادة فيكون ما بيد الفقيه من سهم السادة أكثر من موارد الحاجة.
نعم كان الوضع في القرون الأُولى خصوصاً في الثالث والرابع على غير هذا الوضع السائد اليوم وذلك لوجود مؤسسة باسم نقابة الطالبيّين فكانت أسماء السادة وأولادهم ومساكنهم مسجّلة في هذه النقابة، حتى أنّ مسؤول النقابة هو الذي يجري على السادة الحدّ والحدود. ولكن بعد قرون عطلت، ولذلك صار السادة الفقراء المنتشرين في البلاد غير معروفين، فلو كان في كلّ بلد مؤسسة تتعهّد بهذه الأُمور فإيصال الحقوق الشرعية للسادة يصبح أمراً يسيراً، ولأجل عدم وجود مثل هذه المؤسسة يكون الباقي في يد الفقيه من سهم السادة أكثر من موارد الحاجة.

1 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث9.

صفحه 461
كما أنّ التفصيل بين السهمين على وجه الدقّة أمر مشكل فهو بحاجة إلى هيئة خاصّة.
ولأجل ذلك كان بعض الأعاظم يستجيز من بعض السادة في صرف سهامهم في غير موردها، وقد حكى بعض تلامذة العلاّمة الحائري مؤسّس الحوزة العلمية في قم، أنّه كان يستجيز في صرف سهم السادة في رواتب الطلاب من بعض السادة.
ومن المعلوم أنّ هذه المحاولة غير مفيدة; لأنّ السيد المجيز لا يملك إلاّ مقدار مؤونته دون الزائد عليها، فلا فائدة في إجازته، فلابدّ لحلّ هذه المعضلة من دراسة الروايات حتى يتبيّن هل أنّ الخمس مقسّم بين الأقسام الستة على وجه التمليك بحيث لا يجوز صرف سهم السادة في غير حقّهم، أو أنّ الخمس كلّه ملك لمقام الإمامة لا ملكاً شخصياً، غير أنّه هو المسؤول عن الإنفاق على الأصناف الثلاثة على نحو لو زاد كان له(عليه السلام) ولو نقص كان الإتمام عليه من نصيبه، فلو ثبت ذلك بالأدلّة الواضحة حلّت المعضلة، وقد نقل بعض الثقاة أنّ المرجع الديني السيد أبو الحسن الإصفهاني(قدس سره) كان لا ينصّف، ويعمل بالجميع بنحو واحد؟
والذي بعثني إلى دراسة هذه المسألة أمران:
الأوّل: ما وقفت عليه في كلام صاحب الجواهر حيث قال: بل لولا وحشة الانفراد عن ظاهر اتّفاق الأصحاب لأمكن دعوى ظهور الأخبار في أنّ الخمس جميعه للإمام(عليه السلام) وإن كان يجب عليه الإنفاق منه على الأصناف الثلاثة الذين هم عياله، ولذا لو زاد كان له(عليه السلام)، ولو نقص كان الإتمام عليه من نصيبه، وحلّلوا منه من أرادوا.1

1 . جواهر الكلام:16/155.

صفحه 462
الثاني: بعد ما اجتمع عندي شيء من الأخماس، وجدت أن تنصيفه إلى القسمين المذكورين بالنحو الدقيق مشكل جدّاً، فطرحت المسألة على بعض الأجلاّء، فصار ذلك سبباً لدراسة المسألة من قبلنا.
أقول: الذي يدلّ على أنّ الخمس ملك للإمام(عليه السلام) لا لشخصه بل لكونه حائزاً مقام الإمامة ورئاسة الأُمّة التي يعبّر عنها في أمثال هذه الموارد بالشخصية الحقوقية، الروايات التالية:
الأُولى: ما رواه الصدوق باسناده عن أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال:«ما كان لأبي(عليه السلام) بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».1
ترى أنّ الإمام(عليه السلام) يذكر أنّ له مالين: مال بسبب الإمامة، ومال ورثه من أبيه، فما كان لأبيه بسبب الإمامة فهو ينتقل إليه، لا ترثه ورثته، وأمّا ما كان ملكاً شخصياً لأبيه، فهو لورثته يقسّم على كتاب الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)،وأي لفظ أظهر من قوله:«ما كان لأبي بسبب الإمامة» في تبيين أنّ الأخماس ملك لمقام الإمامة يقوم بأمرها الإمام المنصوب من جانب الله سبحانه، فما ربّما يلهج به بعض الناس بأنّه ملك لشخصه ثم تأتي بعد ذلك مشكلة صيرورة الإمام أغنى الناس على وجه الأرض، ضعيف جدّاً، والمستشكل لم يفرّق بين كون المال ملكاً لشخصه أو لمقامه.
وقد ألمحنا إلى ذلك عند دراسة معالم الحكومة الإسلامية وقلنا هناك: إنّ جميع العائدات الحاصلة من الموارد والضرائب المذكورة هي ملك

1 . الوسائل:6، الباب2 من أبواب الأنفال، الحديث6.

صفحه 463
الحكومة وراجعة إلى الحاكم الإسلاميّ لا لشخصه، بل من جهة قيامه مقام الولاية والإمامة، أي أنّ هذه الأموال يعود أمرها إلى الوالي بما هو ممثل للأُمّة فعليه أن يحافظ عليها ويصرفها في شؤون الأُمّة ومصالحها.
وتدلّ على ذلك روايات كثيرة متضافرة منها ما رواه أبو علي بن راشد،1 فهذه الروايات تشير إلى أنّ للإمام نوعين من المال: نوع يعطى له لكونه إماماً وحاكماً من أجل أن يصرفه في مصالح الأُمّة، والنوع الآخر ما يملكه كسائر الناس من أسباب عادية.
الثانية: ما رواه الكليني بسند صحيح عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: سئل عن قول الله عزّ وجلّ:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)، فقيل له: فما كان لله، فلمن هو؟ فقال: لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو للإمام»، فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقلّ، ما يصنع به؟ قال:«ذاك إلى الإمام، أرأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كيف يصنع أليس إنّما كان يعطي على ما يرى؟ كذلك الإمام».2
فقوله(عليه السلام): «ذاك إلى الإمام» ظاهر في أنّ التصرّف في الأخماس راجع إلى الإمام(عليه السلام) فله أن يعطي صنفاً أكثر من صنف آخر، ثم إنّ الإمام الرضا(عليه السلام)استشهد على كون الإمام مختاراً في التصرّف بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
الثالثة: ما رواه الشيخ عن أبي خالد الكابلي3 قال: قال(عليه السلام):«إن رأيت

1 . تقدّمت الرواية.
2 . الوسائل:6، الباب2 من أبواب قسمة الخمس، الحديث1، ولاحظ أيضاً: الباب1، الحديث6.
3 . أبو خالد الكابلي المعروف بـ (كَنْكَر) من أصحاب الإمامين السجاد والباقر (عليهما السلام). رجال البرقي: 65 و 73 .

صفحه 464
صاحب هذا الأمر يعطي كلّ ما في بيت المال رجلاً واحداً، فلا يدخلن في قلبك شيء، فإنّه يعمل بأمر الله».1
فإنّ اعطاء جميع ما في بيت المال لرجل واحد من الأصناف يورث حرمان الأصناف الأُخرى، ومع ذلك فللإمام أن يفعل ذلك لمصلحة الدين، فلو كان التنصيف والتقسيم بين الأصناف أمراً لازماً وحكماً واقعيّاً، فالإمام لم يعدل عنه بل ينفذه قطعاً.
الرابعة: ما رواه الشيخ باسناده عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«على كلّ امرئ غَنِمَ أو اكتسب، الخمس ممّا أصاب، لفاطمة(عليها السلام)ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها، الحجج على الناس، فذاك لهم خاصّة، يضعونه كيف شاءوا ـ إلى أن قال ـ : إنّه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أُبيحوا».2
فقوله(عليه السلام):«ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها» ظاهر في أنّ أمر الخمس بيد الإمام، لا أنّه وكيل عنهم بل هو له، غاية الأمر يصرفه في موارده حسب ما يرى.
الخامسة: ما رواه الصدوق قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: «إئتني بخمسه» فأتاه بخمسه، فقال: «هو لك، إنّ الرجل إذا تاب، تاب ماله معه».3
إنّ مورد الرواية الحلال المختلط بالحرام الذي يجب فيه الخمس فإنّ

1 . الوسائل:6، الباب2 من أبواب قسمة الخمس، الحديث3.
2 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث8.
3 . الوسائل:6، الباب10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث3.

صفحه 465
الإمام(عليه السلام) دفع الكل إليه، فلو كان التقسيم واجباً لم يكن للإمام إلاّ أن يهبه نصف المال الذي يلي أمره.
السادسة: ما رواه الشيخ عن عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سُئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال:«لا، إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت».1
ففي قوله: «فليبعث بخمسه إلى أهل البيت» البعث به إلى الإمام.
السابعة: ما رواه الشيخ عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث طويل وجاء في أوّله:«إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه وهذه سنة عشرين ومائتين، فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء الله، إن مواليّ أسأل الله صلاحهم، أو بعضهم، قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهّرهم وأُزكّيهم بما فعلت في عامي هذا في أمر الخمس»... إلى أن قال:«إنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه بالذهب والفضّة التي حال عليهما الحول ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة، إلاّ ضيعة سأفسّر لك أمرها، تخفيفاً منّي عن مواليّ، ومنّاً منّي عليهم بما يغتال السلطان من أموالهم».2
لا شكّ أنّ التشريع بيد الله سبحانه وليس لأحد إيجاب شيء ولا رفعه، وأمّا المقام فلمّا كان الخمس ملكاً لمقام الإمامة فقد فوّض إليه أخذه وصرفه،

1 . الوسائل:6، الباب10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.
2 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.

صفحه 466
فالمصلحة اقتضت آنذاك المنّ على الشيعة بإيجاب الخمس في الذهب والفضّة دون غيرهما، ترحمّاً عليهم; لأنّ السلطان يغتال من أموالهم.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ أمر الخمس بيد الإمام(عليه السلام) فله التصرّف فيه كيف شاء حسب الظروف المقتضية ومصالح الأُمّة الإسلامية.
الثامنة: كتب إبراهيم بن محمد الهمداني (إلى الإمام الهادي(عليه السلام)) أقرأني عليٌّ (أراد علي بن مهزيار) كتاب أبيك (أي الإمام الجواد(عليه السلام)) فيما أوجبه على أصحاب الضياع، أنّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة، وأنّه ليس على مَن لم تقم ضيعته بمؤونته، نصف السدس، ولا غير ذلك...».1
وقد جاء إيجاب نصف السدس في رواية علي بن مهزيار المذكورة في نفس الباب (برقم 5). ونرى أنّ الإمام(عليه السلام) خفّف الأمر عليهم بإيجاب نصف السدس، وما هذا إلاّ لانحصار الحقّ فيه.
هذه هي الروايات التي يمكن أن يستدلّ بها على أنّ الخمس ملك لمقام الإمامة، وهذه الروايات في الدلالة على المقصود ليست على نمط واحد، إذ بعضها صريح وبعضها الآخر ظاهر، والمجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على ما يُرام.
التاسعة: الروايات الواردة في تحليل الخمس إمّا لشخص أو للشيعة كافّة، ومنها:
1. روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم قال: كنت عند أبي جعفر الثاني(عليه السلام) إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل و كان

1 . الوسائل:6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث4.

صفحه 467
يتولّى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف في حلّ، فإني قد أنفقتها، فقال(عليه السلام):«أنت في حلّ».1
2. ما رواه علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر(عليه السلام) من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه:«من أعوزه شيء من حقّي فهو في حلّ».2
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على الإباحة لشخص أو لجماعة، كلّ ذلك يؤيّد موقفنا من المسألة.
العاشرة: الروايات التي تدلّ على أنّ الأنفال كلّها للإمام خاصّة، ومنها: ما رواه أبو الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال ولنا صفو المال».3
ولا شكّ أنّ الخمس والأنفال كلّها من المنابع المالية للحكومة الإسلامية، والحكم في الجميع واحد، فتصوّر أنّ الأنفال لها حكم خاص وراء الخمس،بعيد عن الاعتبار.
***
تمّ الكلام في قاعدة
الخمس كلّه للإمام(عليه السلام)

1 . الوسائل:6، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث3.
2 . الوسائل:6، الباب4 من أبواب الأنفال، الحديث2.
3 . الوسائل:6، الباب2 من أبواب الأنفال، الحديث 2.

صفحه 468
القواعد الفقهية
      64

قاعدة

لا حجّ إلاّ مع الاستطاعة
وجوب الحج مشروط بالاستطاعات الأربع: المالية، البدنية، الطريقية، الزمانية.
هل المراد من الاستطاعة في الآية الاستطاعة العقلية أو الاستطاعة الخاصة؟
هل الراحلة شرط للبعيد والقريب المتمكّن من المشي وعدمه، أو يختص بالبعيد وغير المتمكّن من المشي؟
دراسة الروايات الواردة، وهي على أصناف
اشتراط الزاد مطلقاً وإن كان كسوباً قادراً على تحصيل الزاد في الطريق
ذكر الفقهاء لوجوب حجّة الإسلام شروطاً منها: الاستطاعة، وهي على أقسام:
1. الاستطاعة المالية.
2. الاستطاعة البدنية.
3. الاستطاعة الطريقيّة بأن يكون الطريق آمناً.
4. الاستطاعة الزمانية بأن يكون الوقت كافياً للذهاب إلى الحجّ. فلو فُقِدَ أحد هذه الأقسام لاختلّت الاستطاعة بضرورة الفقه. والمهمّ من هذه الشرائط

صفحه 469
هو الشرط الأوّل، أعني: الاستطاعة المالية.
قال صاحب الجواهر: إنّ الاستطاعة شرط في الوجوب بإجماع المسلمين ونصّ الكتاب والسنّة المتواترة من سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لعلّ ذلك من ضروريات الدين كأصل وجوب الحجّ وحينئذ فلو حجّ بلا استطاعة لم يجزه عن حجّة الإسلام لو استطاع بعد ذلك.1
أقول: البحث في الاستطاعة المالية يقع في مقامات:
المقام الأوّل: لا يجب الحجّ مع القدرة العقلية التي ترافق المتسكع2والمستجدي وغيرهما ممّن يتمكّن من الحجّ بلا زاد ولا راحلة; والدليل على هذا الشرط أنّه لو أُريد من الاستطاعة الواردة في الآية القسم العقلي، الشامل لهاتين الطائفتين لما احتاج إلى ذكرها في الآية; لأنّ التكاليف عامّة مشروطة بالقدرة ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يراد منها الفرد الآخر الذي يعبّر عنه بالاستطاعة الشرعية.
نعم يظهر من السيد الخوئي أنّ الاستطاعة المذكورة في الآية إرشاد إلى ما حكم به العقل، ويكون الحجّ بمقتضى العقل والآية المباركة واجباً عند التمكّن والقدرة. نعم يرتفع وجوبه فيما إذا كان حرجياً لأنّه منفي في الشريعة المقدّسة كسائر الواجبات الشرعية.
ولو كنا نحن والعقل والآية لكان حال الحجّ حال بقية الواجبات الإلهية من اعتبار القدرة فيه وارتفاع وجوبه عند الحرج.
هذا باعتبار حكم العقل والآية، وأمّا بحسب الروايات فالاستطاعة

1 . جواهر الكلام:17/248.
2 . من حجّ بلا زاد ولا راحلة.

صفحه 470
المعتبرة في الحجّ أخصّ ممّا يقتضيه العقل والآية، حيث فسّرت الاستطاعة في جملة من الروايات بالزاد والراحلة.1
وحاصل ما أفاده أنّ الاستطاعة في الآية أعمّ وفي الروايات أخصّ.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من الاستطاعة في الآية هو الاستطاعة العقلية لما كانت هناك حاجة لذكرها لأنّ عامّة التكاليف، مشروطة بها مع أنّا نرى أنّ غير دليل الحجّ مطلقة غير مقيدة، وهذا دليل على أنّ المراد بالاستطاعة فيها غير العقلية بل الاستطاعة الخاصّة، سواء أسمّيت بالشرعية أو العرفية، وهي التي فسّرتها الروايات بالزاد والراحلة.
وعلى ما ذكره فمَن استطاع إلى الحجّ بلا زاد ولا راحلة كما إذا كان في خدمة الحجاج أو يعمل في الطريق، فيتمكّن من الحجّ بعمله، فهما داخلان في الآية خارجان بالروايات على خلاف ما ذكرناه.
المقام الثاني: بعد ما ثبتت الاستطاعة الخاصّة وفسّرت في الروايات بالزاد والراحلة، يقع الكلام في شرطية الراحلة لمن يفتقر إلى قطع المسافة البعيدة، مطلقاً حتى مع التمكّن من المشي إلى الحجّ بلا حرج، وعدم شرطيتها، وفيه قولان:
إنّ الكلام في المقام الثاني مركّز على شرطية الراحلة فيما إذا احتاج إلى قطع المسافة، وكان متمكّناً من المشي بلا جهد ولا مشقّة، وأمّا الكلام في شرطيتها فيما لا يتوقّف على قطع المسافة، كما إذا كان منزله قريباً من مكّة، فهو خارج عن موضع البحث، وسيوافيك الكلام فيه.

1 . المعتمد في شرح العروة الوثقى: 60.

صفحه 471
كما أنّ الكلام مركّز على خصوص الراحلة، وأمّا شرطية الزاد مطلقاً أو لمن يحتاج إليه فهو أمر آخر سيوافيك بيانه.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ المشهور بين القدماء هو اشتراط الراحلة مطلقاً على مَن يحتاج إلى قطع المسافة كالنائي، سواء تمكّن من المشي أم لا، وإليك كلماتهم:
قال المفيد: والاستطاعة عند آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) للحجّ بعد كمال العقل وسلامة الجسم ممّا يمنعه من الحركة التي يبلغ بها المكان، إلى أن قال: ثم وجود الراحلة بعد ذلك والزاد.1
وقال الشيخ في «الخلاف»: من لم يجد الزاد والراحلة لا يجب عليه الحجّ، فإن حجّ لم يجزه، وعليه الإعادة إذا وجدهما، وقال باقي الفقهاء: أجزأه.2
وعلى ذلك جرى الشيخ في «المبسوط»3، وابن زهرة4 وابن إدريس5، والمحقّق6، وعلى هذا فمَن ملك الزاد بما يكفيه في الأكل والشرب دون الراحلة ولكن يتمكّن من المشي إلى بيت الله بلا عسر، لا يجب عليه الحجّ.
نعم يظهر من العلاّمة في «المنتهى» و«التذكرة» وجوب الحجّ والحالة

1 . المقنعة:384.
2 . الخلاف:2/246، المسألة 3 و 4، من كتاب الحجّ.
3 . المبسوط:1/297.
4 . غنية النزوع:2/152.
5 . السرائر:1/507.
6 . شرائع الإسلام:1/225.

صفحه 472
هذه حيث قال: وإنّما يشترط الزاد والراحلة في حقّ المحتاج إليهما لبعد مسافته، أمّا القريب فيكفيه اليسير من الأُجرة بنسبة حاجته. والمكّي لا تعتبر الراحلة في حقّه ويكفيه التمكّن من المشي.1
وجه الدلالة قوله:«في حقّ المحتاج إليهما لبعد مسافته».
وقال في «التذكرة»:الراحلة إنّما هي شرط في حق البعيد عن مكّة، وأمّا أهل مكّة فلا تشترط الراحلة فيهم، وكذا مَن كان بينه وبين مكّة مكان قريب لا يحتاج إلى الراحلة.2 وجه الدلالة كما سبق.
واستجوده في «المدارك» قال: لكن في تحديد القرب الموجب لذلك خفاء، والرجوع إلى اعتبار المشقّة وعدمها جيّد، إلاّ أنّ اللازم منه عدم اعتبار الراحلة في حقّ البعيد أيضاً إذا تمكّن من المشي من غير مشقّة شديدة، ولا نعلم به قائلاً.3
وعلى هذا فقد بدأ الخلاف من العلاّمة الحلّي في كتابيه «المنتهى» و«التذكرة».
نعم إنّ المحدّث البحراني، والمحقّق النراقي، ممّن مالوا إلى اختصاص شرطية الراحلة للعاجز.
فقال البحراني بعد نقل الروايات: وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الإشكال، فإنّ الخروج عن ما ظاهرهم الإجماع عليه مشكل،

1 . منتهى المطلب:10/77.
2 . تذكرة الفقهاء:7/51.
3 . مدارك الأحكام:7/36.

صفحه 473
وموافقتهم مع ما عرفت أشكل.1
وأمّا المحقّق النراقي فقد استظهر من ظاهر بعض الكلمات، اختصاص الشرطية للمحتاج إلى الراحلة، فقال: ظاهر المنتهى الأوّل، حيث اشترط الراحلة للمحتاج إليها، وهو ظاهر الذخيرة والمدارك، وصريح المفاتيح وشرحه، ونسبه في الأخير إلى الشهيدين، بل التذكرة، بل يمكن استفادته من كلام جماعة قيّدوها بالاحتياج أو الافتقار.2
ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الروايات فصنف منها يؤيّد موقف المشهور، وصنف آخر منها يؤيّد خلافه.

أمّا الصنف الأوّل: ما يدلّ على الاشتراط (رأي المشهور)

فمنه الروايات التالية:
1. صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله(عليه السلام) وأنا عنده عن قول الله عزّ وجلّ:(وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) ما يعني بذلك؟ قال(عليه السلام):«مَن كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة، فهو ممّن يستطيع الحجّ» أو قال: «لمن كان له مال» فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحاً في بدنه، مخلّى في سربه، له زاد وراحلة، فلم يحجّ، فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ قال:«نعم».3
وإطلاق الرواية يشمل القريب والبعيد، ومَن يتمكّن من المشي ومَن لا يتمكّن.

1 . الحدائق الناضرة:14/85.
2 . مستند الشيعة:11/28.
3 . الوسائل: 8 ، الباب 8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.

صفحه 474
2. معتبرة محمد بن أبي عبد الله بسند ينتهي إلى السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سأل رجل من أهل القدر، فقال: يابن رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) أليس قد جعل الله لهم الاستطاعة؟ فقال(عليه السلام):«ويحك إنّما يعني بالاستطاعة الزاد والراحلة، ليس استطاعة البدن».1
والحديث بحاجة إلى دراسة السند والمتن، أمّا السند فمحمد بن أبي عبد الله في صدر السند هو محمد بن جعفر الأسدي الثقة، وأمّا موسى بن عمران فلم يوثّق وله ثلاث روايات في الفقيه والتهذيب، وأمّا دراسة المتن، فما معنى كون السائل رجلاً من أهل القدر، فماذا كان يريد هذا السائل حتى ردّ عليه الإمام(عليه السلام)؟
أقول: روى الفريقان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: القدرية مجوس هذه الأُمّة فكلّ من الطائفتين: الجبريّة والتفويضية، يفسّر القدريّ بالطرف المقابل لا شكّ أنّ القدري ـ حسب اللغة ـ يطلق على مَن يثبت القضاء والقدر كعامّة المحدّثين والأشاعرة، ولكن لمّا كان لازم ذلك كونهم مجوس هذه الأُمّة قالوا بخروج هذا اللفظ عن معناه اللغوي وتبدل إلى المعنى المعاكس، فيطلق القدري ـ كما في الحديث ـ على مَن ينفي القضاء والقدر ويثبت اختيار الإنسان زاعماً بأنّ القول بالقضاء والقدر لا ينسجم مع اختيار الإنسان، فلذلك استدلّ بالآية على مختاره، فأجابه الإمام(عليه السلام)بأنّ المراد من الاستطاعة ليس استطاعة البدن ـ كون الإنسان قادراً مختاراً ـ بل الزاد والراحلة.

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.

صفحه 475
والرواية أيضاً بإطلاقها تدلّ على شرطية الراحلة مطلقاً إذا كانت في مقام البيان.
3. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) ما يعني بذلك؟ قال:«مَن كان صحيحاً في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة».1
4. ما رواه الصدوق في «عيون الأخبار» عن الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام)في كتابه إلى المأمون، قال(عليه السلام):«وحجّ البيت فريضة على مَن استطاع إليه سبيلاً، والسبيل الزاد والراحلة مع الصحّة».2 إلى غير ذلك من الروايات.
ودلالة الجميع بالإطلاق.

وأمّا الصنف الثاني: ما دلّ على اختصاص الراحلة بالعاجز

وفي مقابل الروايات السابقة، ما يستظهر منه أنّ الراحلة شرط للمحتاج إليها دون غيره، وهي كالروايات التالية:
1. صحيحة محمد بن مسلم في حديث، قال:«قلت لأبي جعفر(عليه السلام): فإن عرض عليه الحج فاستحيا؟، قال:«هو ممّن يستطيع الحجّ، ولم يستحيي!! ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل».3
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: قلت له: فإن

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث7.
2 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث3.
3 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 476
عرض عليه ما يحجّ به، فاستحيا من ذلك أهو ممّن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال:«نعم، ما شأنه، يستحيي!! ولو يحجّ على حمار أجدع؟! فإن كان يستطيع المشي أن يمشي بعضاً، ويركب بعضاً آخر فليحجّ».1
وجه الدلالة: ما في ذيل كلتا الروايتين «فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل أو فليحجّ» وهو دليل على عدم اشتراط الراحلة بعضاً أو كلاًّ.
يلاحظ على الاستدل بأنّ الظاهر من الروايتين هو أنّ الأمر بالحجّ على النحو المذكور في الذيل راجع إلى مَن وجب عليه الحجّ ثم تركه فوجب عليه أن يأتي به ولو بالنحو المذكور لا إلى من لا يجب عليه الحجّ، والشاهد على ذلك قول السائل:«فإن عُرض عليه الحجّ فاستحيا» حيث إنّ الحياء صار سبباً لعدم قبول الحجّ، ومن المعلوم أنّ من موارد الاستطاعة عرض الحجّ على الإنسان، فلو عُرض عليه يصير مستطيعاً وإن كان فقيراً، إذا كان مطمئناً بأنّ مَن يعرض عليه الحج يفي بوعده بتوفير الزاد والراحلة.
فإن قلت: إنّ ما ذكرت من المعنى لا ينسجم مع ما رواه الصدوق باسناده عن هشام بن سالم عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:«من عُرض عليه الحجّ ولو على حمار أجدع، مقطوع الذنب، فأبى، فهو مستطيع للحجّ».2
فإنّ الظاهر أنّ وجوب الحجّ عليه بالنحو الموجود في الرواية كان أمراً ابتدائياً لا عقوبة على ترك الحجّ على نحو الاستطاعة الشرعية.

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث7.

صفحه 477
قلت: الظاهر أنّ الحديث غير مروي بالنحو الصحيح، فلو قورن هذا الحديث بما مرّ من روايتي محمد بن مسلم والحلبي لظهر أنّ الحديث نقل على وجه مبتور. وإن أبيت إلاّ على صحّة الحديث بالنحو المذكور فهو معرض عنه لم يقل به أحد.
3. ما رواه علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): قول الله عزّ وجلّ:(وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)؟ قال: «يخرج ويمشي إن لم يكن عنده»، قلت: لا يقدر على المشي؟ قال: «يمشي ويركب» قلت: لا يقدر على ذلك، أعني المشي؟ قال: «يخدم القوم ويخرج معهم».1
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ضعيفة سنداً بوجود علي بن أبي حمزة البطائني ومعرض عنها مضموناً، وذلك لأنّ القائل بعدم الاشتراط إنّما يقول به إذا كان متمكّناً بلا مشقّة، وأمّا معها فلم يقل به أحد، فعلى هذا فما في الرواية من أنّه إذا لم يقدر على المشي، يخدم القوم ويخرج معهم لم يفت به أحد، إذ لم يقل أحد بوجوب الاكتساب للحج، والخروج مع القوم وخدمتهم اكتساب.
4. صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل عليه دين، أعليه أن يحجّ؟ قال:«نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، ولقد كان من حجّ مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مشاة، ولقد مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء، فقال: «شدّوا أزركم واستبطنوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم».2

1 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2.
2 . الوسائل:8، الباب11 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1.

صفحه 478
وجه الاستدلال: أنّ معنى قوله:«واجبة على مَن أطاق المشي من المسلمين» هو مَن قدر على الحجّ ولو بالجهد والمشقّة، ويدلّ على ذلك لفظة «أطاق» فإنّه ليس مجرد القدرة بل القدرة مقرونة بالجهد حسب ما ذكره أهل اللغة حيث قالوا: والطوق والطاقة أي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه.1 وفي «مجمع البحرين»: «مروا صبيانكم بكذا ما أطاقوه».2
وأظهر من الجميع قوله سبحانه:(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين).3 فقد فسّر بمن يتحمّل الصوم بجهد وحرج شديدين كالشيخ والشيخة.
يلاحظ على الاستدلال بأنّ مضمون الرواية، معرض عنه لظهوره في المشي إلى الحجّ مع المشقّة، بشهادة استشهاده بأصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء.
إلى هنا تبيّن أنّ الروايات المعارضة إمّا ساقطة سنداً أو غير واضحة الدلالة. وعلى فرض الدلالة فالمضمون في أكثرها مهجور.
وعلى ما ذكرنا فنحن في غنى عن الجمع بين الروايات، لما عرفت من أنّ قسماً منها أجنبي عن محطّ الكلام وقسم منها معرض عنه، ومع ذلك فقد ذكر السيد الطباطبائي في العروة وجوهاً في علاج الروايات:
1. طرحها لمخالفتها ظاهر الكتاب أوّلاً وموافقتها فتوى مالك ثانياً،

1 . لسان العرب:1/233، مادة «طوق».
2 . مجمع البحرين: 5 / 209، مادة «طوق».
3 . البقرة:184.

صفحه 479
وربّما كان هناك من يوافقه من التابعين أو الفقهاء.
يلاحظ عليه: أنّ الأولى أن يقول إنّها تخالف ما هو المشهور بين الأصحاب، وقد دلّت مقبولة عمر بن حنظلة من أنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وأُريد به المشهور ويكون مخالفه ممّا لا ريب في بطلانه.
2. الحمل على الحجّ المندوب ولكن لا توافقه روايتا محمد بن مسلم والحلبي، حيث ورد فيهما «فليفعل» و «فليحجّ».
3. حملها على مَن استقرت عليه حجّة الإسلام سابقاً، وهذا هو الظاهر من رواية محمد بن مسلم والحلبي.

المقام الثالث: اشتراط الراحلة في القريب

مقتضى إطلاق الأدلّة اشتراطها حتى في القريب من مكّة ممّن يتمكّن من المشي بلا جهد لقلّة المسافة.
قال العلاّمة في «التذكرة» نقلاً عن العامّة: إنّهم شرطوا أن يكون بينه وبين البيت مسافة القصر،فأمّا القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقّه، لأنّها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها فلزمه (المشي) كالسعي إلى الجمعة، ولو لم يتمكّن من المشي اشترط في حقّه وجود الحمولة، لأنّه عاجز عن المشي، فأشبه البعيد.1
والدليل على الاشتراط هو الإطلاقات، وقد عرفت أنّ موضع البحث فيما يتوقّف على قطع الطريق، فلا فرق بين القريب والبعيد.
وربما يقال لا دليل على اعتبار الراحلة في السفر إلى عرفات

1 . تذكرة الفقهاء:7/51.

صفحه 480
بعد اختصاص الآية الشريفة والأخبار بالسفر إلى البيت، والاستطاعة
الشرعية معتبرة بالنسبة إليه، وفي غيره تكفي القدرة على حدّ كفايتها في سائر الأحكام.
وعلى ما ذكره فيجب عليه المشي إلى عرفات بشرط أن لا يكون مورثاً للحرج، وعلى ما ذكرنا فلا يجب عليه إلاّ مع التمكّن من الراحلة.
ثمّ إنّ فيما ذكره تأمّلاً; لأنّ البيت مقصود على كلّ حال من غير فرق بين المتمتع، والقارن والمفرد، والأوّل يقصد البيت ابتداءً، ثم يقصد سائر المشاعر، والأخيران يقصدانه بعد الرجوع من الموقف، وعلى كلّ تقدير فالآية غير مختصّة بالمتمتع.
ويمكن أن يقال: إنّ الموضوع في اشتراط الراحلة وعدمه هو قطع المسافة في السفر إلى الحجّ، وأمّا إذا كان في غنى عن ذلك عرفاً كأن كان بيته في مكّة المكرّمة، أو بينها وبين عرفات، فيمكنه المشي عادة، فلا يبعد وجوب الحجّ عليه وانصراف الروايات عنه.

المقام الرابع: في اشتراط الزاد مطلقاً

المراد من الزاد المأكول والمشروب، وسائر ما يحتاج إليه المسافر، من الأوعية التي يتوقّف عليها حمل ما يحتاج إليه المسافر بحسب حاله قوّة وضعفاً، وزمانه حرّاً وبرداً، وشأنه شرفاً وضعة، وهذا لا شكّ في اشتراطه مطلقاً.
فمن لم يتمكّن من ذلك لكنّه كان كسوباً قادراً على تحصيل الزاد في الطريق، فلا يجب ولا يكفي عن حجّة الإسلام، وذلك لأنّ الاستطاعة شرط