welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 2

صفحه 401
عن وجود الملكية التامّة، إنّما الكلام في شرطية التمكّن من التصرّف .
يقول المحقّق: والتمكّن من التصرّف في النصاب معتبر في الأجناس كلّها.1
وقال في «المعتبر»: والتمكّن من التصرّف في المال شرط الزكاة. ثم رتّب عليه عدم الزكاة في الموارد التالية:
1. فلا تجب في المغصوب.
2. ولا في المال الضائع.
3. ولا في الموروث عن غائب حتّى يصل إلى الوارث أو وكيله.
4. ولا فيما سقط في البحر حتّى يعود إلى مالكه فيستقبل به الحول. ثم قال: وبه قال أبو حنيفة. وللشافعي فيه قولان لأنّه مال مملوك.2
وقد سبق المحقّق في هذا الشرط كثيرٌ من الفقهاء، نذكر منهم ما يلي:
1. قال الشيخ: مَن كان له مال، دراهم أو دنانير فغُصبت أو سرقت أو جحدت، أو غرقت أو دفنها في موضع ثمّ نسيها، وحال عليه الحول، فلا خلاف أنّه لا يجب عليه الزكاة منها; وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي في القديم; وقال في الجديد: تجب الزكاة فيه. وبه قال زفر.3
2. وقال في «المقنعة»: ولا زكاة على مال غائب عن صاحبه إذا عدم

1 . شرائع الإسلام: 1 / 141 .
2 . المعتبر: 2 / 490 .
3 . الخلاف: 2/30، المسألة 30، كتاب الزكاة.

صفحه 402
التمكّن من التصرّف فيه والوصول إليه.1
3. وقال في «النهاية»: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان صاحبه متمكّناً منه أيّ وقت شاء، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة... ومن ورث مالاً ولا يصل إليه إلاّ بعد أن يحول عليه حول أو أحوال فليس عليه زكاة إلاّ أن يصل إليه ويحول عليه حول.2
4. وقال في «المهذب»: مَن ورث مالاً ، ولم يصل إليه ولا يتمكّن من التصرّف فيه إلاّ بعد الحول ،لم يلزمه زكاته في ذلك الحول.3
5. وقال في «الغنية»: وأمّا شرائط وجوبها في الذهب والفضة: فالبلوغ، وكمال العقل، وبلوغ النصاب، والملك له، والتصرّف فيه بالقبض أو الإذن، وحؤول الحول عليه وهو كامل في الملك.4
6. وقال في «السرائر»: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان متمكّناً منه أي وقت شاء بحيث متى مارامه قبضه، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة، وقد ورد في الروايات: إذا غاب عنه سنين ولم يكن متمكّناً منه فيها ثمّ حصل عنده يخرج منه زكاة سنة واحدة، وذلك على طريق الاستحباب دون الفرض والإيجاب.5
7. وقال في «إصباح الشيعة»: ومن كان عنده نصاب فغصب منه أو غاب

1 . المقنعة: 239، باب زكاة الغائب.
2 . النهاية: 175، باب ما تجب فيه الزكاة.
3 . المهذب: 1/160، باب زكاة الذهب.
4 . الغنية: 2/118، الفصل الأوّل. نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
5 . السرائر: 1/443، باب ما تجب فيه الزكاة.

صفحه 403
أو ضلّ ولا يتمكّن منه ثم عاد إليه في أثناء الحول، استأنف به الحول غير معتد بما سبق.1
8 . وقال في «الجامع للشرائع»: ومَن خلّف ذهباً أو فضة نفقة لعياله وهو حاضر فعليه الزكاة، وإن كان غائباً بحيث لا يتمكّن منه فلا زكاة عليه.2
إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في كون الشرط هو التمكّن الخارجي ، مقابل العاجز عنه تكويناً، لا الممنوع شرعاً.
وبذلك يعلم أنّ ادّعاء الإجماع على عنوان مطلق التمكّن عقلاً أو شرعاً، غيرتام بعد ظهور كلمات القدماء في قسم واحد منه.

القاعدة في روايات أهل البيت (عليهم السلام)

وأمّا النصوص، فهي لا تتجاوز عن هذا الحدّ، نذكر منها المهم:
1. صحيح العلاء بن رزين، عن سَدير بن حكيم الصيرفي (الذي قد روى الكشّي في مدحه وقدحه روايات ، غير أنّ في نقل الأجلاّء عنه دلالة على وثاقته، حيث نقل عنه: ابن مسكان، وفضالة بن أيوب والحسن بن محبوب) قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول، ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ إنّه احتفر الموضع الذي في جوانبه كلّها، فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة، لأنّه كان غائباً عنه وإن كان احتبسه».3

1 . إصباح الشيعة: 114، الفصل الثالث.
2 . الجامع للشرائع: 124.
3 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2 .

صفحه 404
وما دلّ على تزكيته لسنة واحدة محمول على الاستحباب لما في الرواية التالية.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الرجل يكون له الولد، فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو، ومات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجيء»، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: «لا حتى يجيء» قلت : فإذا هو جاء أيزكّيه؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده».
ورواها أيضاً يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)فهما رواية واحدة،1 تدلاّن على عدم وجوب التزكية مطلقاً حتى لسنة واحدة، فتكون قرينة على حمل الأوّل على الاستحباب.
3. صحيح رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يردّ 2 رأس المال، كم يزكّيه؟ قال: «سنة واحدة».3 والذيل محمول على الاستحباب جمعاً بين ما دلّ على عدم وجوب شيء وما دلّ من الزكاة لسنة واحدة.
4. معتبرة 4 عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أخذ مال امرأته فلم تقدر عليه، أعليها زكاة؟ قال: «إنّما هو على الذي منعها».5

1 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.
2 . أن يخسر في تجارته ولا يردّ رأس المال.
3 . الوسائل: 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث4.
4 . السند لا غبار عليه وأمّا علي بن السندي فنقل الكشّي عن نصر بن الصباح أنّه وثّقه، وروى عنه محمد بن أحمد بن يحيى في نوادره، ولم يستثنه ابن الوليد، له 84 رواية في الكتب الأربعة.
5 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

صفحه 405
إنّ إيجاب الزكاة على الآخذ قرينة على أنّه أخذه قرضاً مع اجتماع سائر الشرائط.
5. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».1 والمراد نفي وجوبه على الدائن.
6. موثّقة عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين».2
7. صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثمّ يأخذهما، متى يجب عليه الزكاة؟ قال: «إذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول، يزكّي».3
8 . ما في «قرب الإسناد» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أبي يقول: إنّما الزكاة في الذهب إذا قرّ في يدك».4
9. ما دلّ على عدم الزكاة فيما تركه لأهله نفقة وغاب عنهم.5
هذا مجموع ما وقفنا عليه من الروايات وتجمعها المحاور التالية:
1. المال المدفون المجهول مكانه، الرواية 1.

1 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.
2 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث7.
3 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.
4 . الوسائل: 6، الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10.
5 . لاحظ : الوسائل: 6، الباب 17 من أبوا ب زكاة النقدين.

صفحه 406
2. مال الوارث الغائب، الرواية 2.
3. المال الغائب عن الإنسان، سائر الروايات.
والجميع ظاهر فيما إذا كان هناك بين المالك والمال، مانع خارجي يمنعه عن إعمال السلطة، وأين هو من المال الذي هو تحت يده لكن يمنعه عن التصرّف حكم الشرع، كما في موردي الوقف ومنذور التصدّق؟!
فلو قلنا بفهم العرف عدم الخصوصية ولو بمناسبة الحكم والموضوع فهو، وإلاّ يختص عدم الوجوب بالعجز الخارجي، ومع ذلك فالظاهر إمكان الغاء الخصوصية خصوصاً بالنسبة إلى ما ورد في صحيحة إبراهيم بن أبي محمود من قوله: «فلا يصل إليهما»1
وما في معتبرة عيص بن القاسم من قوله:«فلم تقدر عليه»2
ويؤيّد ذلك قوله:«لا صدقة على الدين» 3 فالمراد هو الدائن فهو غير متمكّن من التصرّف شرعاً ما لم يصل أجل الدين.
فعلى هذا فلنبحث في المسألتين التاليتين:

الأُولى: لو أقرض بما يتعلّق به الزكاة

لو أقرض أحد النقدين فلا تتعلّق الزكاة إلاّ بعد قبض المقترض، فالملكية وإن كانت حاصلة قبل القبض إذا كانت العين المقترضة موجودة لكنّ التصرّف غير تام، يقول السيد الطباطبائي: زكاة القرض على المقترض

1 . الوسائل:6، الباب6 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة، الحديث1.
2 . الوسائل:6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث5.
3 . الوسائل: 6، الباب 6 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة، الحديث 2 .

صفحه 407
بعد قبضه لا المقرض، فلو اقترض نصاباً من أحد الأعيان الزكوية وبقي عنده سنة، وجبت عليه الزكاة1.
وعلى هذا فعدم تعلّق الزكاة إذا كانت العين موجودة ولم تقبض، لأجل عدم تمامية الملك، ويدلّ على ما ذكرنا روايات:
1. صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً، على مَنْ زكاته، على المقرض أو على المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها ـ إن كانت موضوعة عنده حولاً ـ على المقترض»2.
2. صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء الله، على مَن الزكاة، على المقرض أو المستقرض؟ فقال:«على المستقرض، لأنّ له نفعه وعليه زكاته».3

الثانية: منذور التصدّق

إذا نذر أن يتصدّق بالعين الزكوية كالنقدين فهو على أقسام:
1. النذر المطلق.
2. النذر المؤقّت.
3. النذر المعلّق.
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.

1 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، المسألة 11.
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .
3 . الوسائل:6، الباب7 مَن أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث5.

صفحه 408

1. النذر المطلق

إذا نذر أن يتصدّق بالعين الزكوية بتمامها تقرّباً إلى الله سبحانه دون أن يؤقت وقتاً لوفاء نذره أو يعلّق على حصول شيء، فهو على قسمين:
أ. أن ينذر التصدّق قبل حلول الحول وتعلّق الزكاة بالعين، لم تجب الزكاة فيها وإن لم تخرج عن ملكه بذلك، لعدم التمكّن فيها .
نعم لو تعلّق النذر ببعض النصاب فتجب الزكاة فيما عدا المنذور إذا كان بالغاً حدّ النصاب، وإلاّ فلا.
ب. تلك الصورة ولكن نذر بعد حلول الحول وتعلّق الزكاة بالعين، ففيها يجب إخراجها أوّلاً ثم الوفاء بالنذر; وذلك لأنّه لا نذر إلاّ في ملك، والمفروض أنّه لا يملك مقدار الزكاة، لتعلّق الزكاة بالعين.
وهناك احتمال آخر بأنّه يدفع مقدار الزكاة من مقدار آخر، وهذا فيما لو كان عالماً بالحكم الشرعي وأنّه لا يصحّ الوفاء بالنذر بالمال الزكوي، وربّما يشكّل ذلك قرينة على التزامه بإخراج الزكاة من غير العين والوفاء بالنذر بالنصاب، وعلى كلّ تقدير فالمعتبر هو إحراز قصد الناذر وإلاّ فيؤدي الزكاة من العين ثم يفي بما بقي.

2. النذر المؤقّت

إذا نذر وكان الوفاء مؤقّتاً فله أقسام:
أ. إذا نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبله ووفى بالنذر قبل الحول، فلا تجب الزكاة إذا كان الباقي أقلّ من النصاب، وإلاّ يزكّي إذا كان الباقي حدّه.
ب. إذا نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبله لكنّه عصى ولم يف

صفحه 409
بنذره وقلنا بوجوب القضاء في النذر المعيّن، لا تجب الزكاة إذا لم يبق بعد ذلك مقدار النصاب; لأنّه حال الحول والنصاب متعلّق بحقّ الغير، وأمّا غيره فالمفروض أنّه دون النصاب وإلاّ فيزكّي.
ج. تلك الصورة ولكن قلنا بعدم وجوب القضاء إذا فات وقت الوفاء فيمكن أن يقال بعدم وجوب الزكاة أيضاً لانقطاع الحول بخطاب الشارع بالوفاء بالنذر قبل المخالفة، فعندئذ يكون مبدأ الحول الثاني أوان المخالفة، فلو بقي النصاب بحاله إلى نهاية الحول الثاني، تجب فيه الزكاة.
د. إذا نذر قبل الحول لكن وقّت الوفاء به بعد الحول، فحكمه حكم النذر المطلق فلا تتعلّق به الزكاة; لأنّ العبرة بتقدّم الوجوب على تعلّق الزكاة فيصدق أنّه غير متمكّن من التصرّف بالإعدام والبيع، فيشكّل أيضاً قرينة على انصراف دليل وجوبها عن هذه الصورة، فإنّ الإيجاب في المقام أشبه بالواجب المعلّق فالوجوب فعلي والواجب استقبالي.

3. النذر المعلّق

إذا نذر معلّقاً على شرط كبرء المريض، فله أقسام ثلاثة:
أ. إذا نذر قبل الحول وعلّقه على شرط وحصر الشرط قبل الحول، كان حكمه حكم النذر المطلق، فلا تجب الزكاة إلاّ إذا كان الباقي بعد إخراج المنذور حدّ النصاب.
ب. إذا نذر قبل الحول معلّقاً على برء مرضه ولكن حصل المعلّق عليه بعد الحول، وجبت الزكاة إذ لم يكن هناك منع شرعي من التصرّف عند حلول الحول، والمفروض أنّ المعلّق عليه حصل بعد الحول.

صفحه 410
ج. إذا حصل المعلّق عليه مقارناً لتمام الحول فهناك احتمالات:
1. وجوب الزكاة.
2. وجوب الوفاء بالنذر.
3. التخيير بين أيّهما شاء من الزكاة والصدقة.
4. القرعة.
5. الجمع بين الأمرين بأداء الزكاة من غير العين.
ولعلّ الاحتمال الرابع هو أوجه الوجوه.
هذا إجمال الكلام في منذور التصدّق، وقد بسطنا ا لكلام في بيان ما هو الحقّ في عامة الصور في كتابنا «الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء».1

إذا شكّ في التمكّن

ثمّ إنّ المدار في التمكّن هو العرف، لأنّه المخاطب، إنّما الكلام إذا شكّ فيه، فهل يصحّ التمسّك عند الشكّ بإطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة أو لا؟ وعلى فرض عدم الصحّة فما هو المرجع؟
فنقول: قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الموضوع للتعلّق وعدمه هو التمكّن من إعمال السلطة والتصرّف في المال وعدمه دون الغيبة والحضور، وذلك لأنّه ربّما يكون غائباً ولكن تتعلّق بماله الزكاة، كما إذا أمكن إعمال السلطة عن طريق الهاتف وغيره، وربّما يكون المال حاضراً في يده ولكن يعجز عن التصرّف في ماله خوفاً من الظالم، فيكون التمكّن وعدمه ملاكاً للحكم.
وعلى ذلك فلو شكّ في التمكّن وعدمه فهل المرجع إطلاقات أدلّة

1 . لاحظ : الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 88 ـ 96.

صفحه 411
الزكاة أو الأُصول العملية؟ الأقوى هو الثاني، وذلك لأنّ الشبهة شبهة موضوعية وفيها لا يصحّ التمسّك لا بالمخصِّص ولا بالمقيِّد، ولا بالعام ولا بالإطلاق.
أمّا عدم جواز التمسّك بالمخصّص والمقيِّد، أعني: عدم وجوب الزكاة في المال الذي لا يتمكّن المالك من التصرّف فيه; فلأنّ المورد يكون شبهة مصداقية للدليل ولا يتمسّك به في مورد الشكّ، فلو شككنا أنّ زيداً العالم عادل أو فاسق لا يمكن التمسّك بالمخصّص : لا تكرم العالم الفاسق.
وأمّا عدم جواز التمسّك بإطلاقات أدلّة الزكاة وعموماتها، فلما قرّر في محلّه من أنّ المخصّص إذا كان منفصلاً وإن كان لا يزاحم ظهور عموم العام لكنّه يزاحم حجّية عموم العموم في مورد عنوانه، فيسقط عموم العام عن الحجّية في المقام، فتكون النتيجة في مورد البحث هي سقوط العام والمخصّص عن الحجّية.
وإن شئت قلت: الموضوع لوجوب الزكاة مركّب من عنوانين: المال الزكوي، المتمكّن منه.
والقيد الأوّل وإن كان محرزاً لافتراض أنّ المال زكوي، لكن القيد الثاني غير محرز، فلا مناص من الرجوع إلى الأُصول العملية، فلو كانت للمال حالة سابقة يعمل بها، لتقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول، وإلاّ فالمرجع هو البراءة.
***
تمّت قاعدة
لا زكاة إلاّ بعد التمكّن من التصرّف

صفحه 412
القواعد الفقهية
    59

قاعدة

ما فيه العشر وما فيه نصف العشر في الزكاة
ما هو الميزان لما فيه العشر وما فيه نصف العشر؟
ذكر الأصحاب ضوابط أربع والرابعة هي المختار
حكم الأراضي التي تسقى بالآلات والمضخّات
حكم الأراضي الّتي تسقى بالآبار الارتوازية
حكم الأراضي الّتي تسقى بالمطر الصناعي
اتّفق الأصحاب بأنّ ما سُقي بالماء الجاري أو بماء السماء أو بمصّ عرقه من الأرض كالنخل الّذي يقال له: البعل، فالواجب فيه هو العشر، ولو سقي بالدلو والرشا والنواضح والدوالي ففيه نصف العشر.
أمّا الدلو فواضح المفهوم، والرشا حبل الدلو جمع أرشية، وفي كلام الإمام علي (عليه السلام)بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ !»1.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 5 .

صفحه 413
فالاستقاء بالرشا إنّما هو في الآبار.
والنواضح جمع الناضح وهو البعير يستقى عليه.
والدوالي جمع الدالية وهو الدولاب الذي يستقى عليها.
ويدلّ على الحكم المذكور مضافاً - إلى الإجماع - الأخبار المستفيضة ففي صحيحة زرارة وبكير، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال في الزكاة: «ما كان يعالج بالرشاء والدوالي والنواضح ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو سماء، ففيه العشر كاملاً». 1
وفي صحيح الحلبي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «في الصدقة فيما سقت السماء والأنهار إذا كانت سيحاً أو كان بعلاً، العشر، وما سقت السواني والدوالي أو سقي بالغرب فنصف العشر».2
وفي «المصباح المنير»: الغرب كفلس، الدلو العظيمة يستقى بها على السواني.3
وفيه أيضا: «السانية»: البعير يسنّى عليه، أي يستقى من البئر، ويقال: «والسحابة تسنو الأرض» أي تسقيها فهي سانية.4
روى معاذ بن جبل أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «فيما سقت السماء والبعل والسيل، العشر; وفيما سقي بالنضح نصف العشر».5

1 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 5.
2 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب زكاة الغلاّت، الحديث 2.
3 . المصباح المنير للفيومي: 2 / 444، مادة (غربت).
4 . المصباح المنير: 1 / 292، مادة (السانية).
5 . سنن البيهقي: 4 / 129 .

صفحه 414
وقد اختلفت كلمتهم في بيان ما هي الضابطة للعشر ونصفه، فقد ذكروا ضوابط مختلفة:
الأُولى: ما ذكره العلاّمة وجعل الضابطة افتقار السقي إلى المؤونة وعدمه وقال: فإذا بلغت الغلاّت النصاب، وجبت فيها العشر إن لم يفتقر سقيها إلى مؤونة كالسقي سيحاً أو بعلاً أو عذياً1; وإن افتقر سقيها إلى مؤونة كالدوالي والنواضح وجب فيها نصف العشر، وعليه فقهاء الإسلام. 2
وهذا الضابطة غير تامة، إذ قلّما ينفك السقي عن المؤونة من إعداد المحل لوصول الماء إليه، وإصلاح سبيله وإزالة موانعه وسدّ ثغوره واستيجار شخص للسقي وغيره.
الثانية: ما ذكره المحقّق في «المعتبر» وتبعه صاحب «الجواهر»، قال في «المعتبر»: وضابط ذلك أنّ ما تسقي بآلة ترفع الماء إليه، كان فيه نصف العشر كالدالية والسانية 3 والدولاب. 4
وقال في «الجواهر»: إنّ الظاهر من النصوص والفتاوى أنّ المدار احتياج ترقية الماء إلى الأرض إلى آلة من دولاب ونحوه، وعدمه، وأنّه لا عبرة بغير ذلك من الأعمال كحفر الأنهار والسواقي وإن كثرت مؤونتها لعدم اعتبار الشارع إيّاه.5

1 . العذي ـ بكسر العين وسكون الذال المعجمة ـ : ما سقته السماء .
2 . منتهى المطلب: 8 / 197.
3 . السانية: الناعورة، وربّما يطلق على البعير يستقى عليه. كما مرّ من «المصباح المنير».
4 . المعتبر: 2 / 539 .
5 . جواهر الكلام: 15 / 237 .

صفحه 415
وهذا أيضا كسابقه، إذ ربما يكون الماء في مكان عال ولكن يحتاج إيصاله إلى الزرع، إلى نقله من ذلك المكان بآلة من دلو وشبهه.
الثالثة: ما ذكره الشيخ الأنصاري من احتياج أصل إيصال الماء إلى الزرع إلى العلاج واستغنائه عنه. 1
وهذا أيضا غير تام، لأنّ إيصال الماء الجاري على الأرض، إلى الزرع رهن تخلية سبيله، وسدّ ثغوره، إلى غير ذلك من العلاجات.
يقول العلاّمة: ولا يؤثر حفر الأنهار والسواقي ولا احتياجها إلى الساقي ليحوّل الماء من موضع إلى آخر، في نقصان الزكاة.2
اللّهمّ إلاّ أن يقال: المراد من العلاج الوارد في صحيحة زرارة، هو العلاج الصناعي كالدوالي ونظائره، لا تخلية سبيله وسدّ ثغوره بالمسحاة وغيرها، وهذا هو مراد الشيخ الأنصاري (قدس سره).
الرابعة: ما ذكره صاحب المصباح وهو أدقّ وحاصله: إذا كان وصول الماء إلى الزرع ممّا يقتضيه طبع الماء الموجود، ففيه العشر وإن توقّف على تخلية سبيله وسدّ ثغوره إلى غير ذلك من الأُمور، وأمّا إذا كان وصول الماء إلى الزرع متوقّفاً على نقله بآلة ففيه نصف العشر.
قال (قدس سره): الظاهر أنّ المراد إناطة العشر بجري الماء ووصوله إلى الزرع على حسب ما يقتضيه طبع الماء عند تخلية سبيله، بعد جعله معدّاً للجري على تلك المزرعة، ولو بسدّ سبيله المتعارف الموجب لترقيته واستعلائه

1 . الزكاة للشيخ الأنصاري: 236 .
2 . تحرير الأحكام: 1 / 376، المسألة 1264 .

صفحه 416
عليها وإعداد المحل لوصول الماء إليه وإصلاح مجراه، وإزالة موانعه، وسدّ ثغوره وغير ذلك من الشرائط المعتبرة في تحقّق الإيصال وحصول السقي ممّا يتوقّف في العادة على المؤونة والعلاج، ويمتنع حصول السقي بدونه، وإناطة نصف العشر بعدم كون وصوله إليه بمقتضى طبعه، بل بنقله إليه بآلة من دولاب وشبهه.1
يقول العلاّمة: ولو جرى الماء في ساقية من النهر واستقرّ في مكان قريب من وجه الأرض، وافتقر إلى الآلة في صعوده، وجب نصف العشر .2
ثم إنّ هنا فروعاً:
1. إنّ ما ذكر من الآلات والأدوات راجع إلى العصور السابقة وقد تغيّر أُسلوب سقي الأراضي في السنوات الأخيرة إلى السقي بالمكائن والمضخّات من الآبار العميقة، ففيه نصف العشر، لما ذكرنا من أنّ طبع الماء ليس على نحو يجري إلى الزرع بنفسه.
2. الآبار الارتوازية الّتي يصعد ماؤها بنفسه فهي أشبه بالسقي سيحاً، ففيه العشر بلا كلام.
3. لو فرضنا أن الغلاّت تستقى بالمطر الصناعي، فهو يلحق ما يستقى بالآلات .
4. لو فرضنا أنّ الحكومة بنت سدّاً لرفع مستوى الماء في الأنهار، بحيث يجري الماء على الأرض على طبعه، على نحو لولا السدّ لما جرى الماء على

1 . مصباح الفقيه: 13 / 393 ـ 394 .
2 . تحرير الأحكام: 1 / 376، المسألة 1264 .

صفحه 417
الأرض، ففي مثله يحكم عليه بالعشر، خصوصاً إذا لم تضع الدولة ضريبة على الفلاحين مقابل استفادتهم من السدّ.
5. لو فرضنا أنّ الزراعة سقيت بأمرين، قال الشيخ في «الخلاف»: إذا سقى الأرض سيحاً وغير سيح معاً، فإن كانا نصفين أخذ نصفين، وإن كانا متفاضلين، غلب الأكثر. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر: بحسابه .1
ثم إنّه يقع الكلام فيما هو الميزان في التنصيف، وظاهر الكلمات هو التساوي في العدد والزيادة فيه، ويمكن أن يكون الميزان هو الزمان، فلو كان العدد قليلاً ولكن زمان الانتفاع أكثر، والتحقيق في محلّه.
***
تمّ قاعدة
ما فيه العشر وما فيه نصف العشر في الزكاة

1 . الخلاف: 2 / 67، المسألة 79، كتاب الزكاة.

صفحه 418
القواعد الفقهية
    60

قاعدة

عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة لا تمرينيّة

المشهور أنّ عبادات الصبيّ شرعية لا تمرينية خلافاً للعلاّمة
القاعدة عند الأكثر كلامية وقد استدلّوا عليه بوجهين
الظاهر أنّ القاعدة فقهية تبحث عن سعة الإطلاقات والعمومات لغير البالغ
انصرافها إلى غير البالغ ومع ذلك يستفاد من روايات كثيرة كون عمله صحيحاً
تطبيقات القاعدة
المشهور بين الأصحاب أنّ عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة، بمعنى أنّها مستندة إلى أنّ الشارع أمر الصبيّ بها. وإن شئت قلت: كونها مندوبة من الصبيّ مطلوبة من قبل الشارع، سواء أكانت فعل واجب أو مندوب، أو ترك محرّم أو

صفحه 419
مكروه، وفي الحقيقة الواجب في حكم المندوب، والحرام في حكم المكروه، ويقابله القول بأنّ هذه العبادات من الصبيّ تمرينيّة صرفة لا يترتّب على عملها أثر وإن كان لوليّه ثواب التمرين لذلك.
والأوّل خيرة الشيخ، قال: إذا نوى الصبي صحّ ذلك منه وكان صومه شرعيّاً.1
والثاني خيرة العلاّمة، قال: الأقرب أنّه على سبيل التمرين، وأمّا أنّه تكليف مندوب إليه، والأقرب المنع .2

في حقيقة القاعدة

وقد وقع الكلام في حقيقة القاعدة، هل هي قاعدة كلامية، أو قاعدة فقهية؟
يظهر من السيد المراغي وغيره ممّن بحث القاعدة أنّ المسألة كلامية حيث جعلوا الأثر المترتّب على المسألة ترتّب الثواب على الشرعية، وعدمه على التمرينيّة، ولذلك نرى أنّه يستدلّ على الشرعيّة بما ليس له أثر إلاّ ترتّب الثواب، يقول:
1. أنّ المستقلاّت العقلية ـ كحسن الإحسان وردّ الوديعة ونحو ذلك ـ لا ريب في كون مَن امتثل بها، مستحقّاً للثواب في نظر العقل، من دون فرق بين البالغ والصبيّ، وحكم العقل لا يقبل التخصيص، والجزاء لا ينفكّ عن العمل الحسن عقلاً، ودعوى عدم حكم العقل بحسن ردّ الوديعة أو الإحسان في

1 . المبسوط: 1 / 278 .
2 . مختلف الشيعة: 3 / 386 .

صفحه 420
الصبيّ ممّا ينكره الوجدان وينفيه العيان، ولا فرق بين ما يستقلّ به العقل وغيره.1
2. أنّ قضية اللطف عدم خلو هذا العمل الصادر عن الصبيّ من الثواب؟ فإنّ مَن أتى بعمل حسن قاصداً به وجه الرب الكريم، فحرمانه عن الجزاء والثواب مناف للطف، وما دلّ من الكتاب والسنّة على أنّه تعالى يقدم ذراعاً على من أقدم عليه شبراً. 2
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ كون الثواب استحقاقياً أو تفضّلياً أمر مختلف فيه بين المتكلّمين، فمن قائل بالاستحقاق ومن قائل آخر بالتفضّل، وعلى هذا فالمسألة تبتني على الاستحقاق مع أنّها مختلف فيها.
2. إذا قلنا بالاستحقاق وترتّب الثواب، يكون البحث كلاميّاً لا فقهيّاً.
الظاهر أنّ القاعدة فقهية والغرض صحّة عباداته على نحو يترتّب عليها الأثر الشرعي.
ثمّ إنّه يمكن دراسة الموضوع من جهات:
الأُولى: ادّعاء سعة الإطلاقات والعمومات الواردة في العبادات.
والظاهر عدم سعتها لغير البالغين بشهادة أنّ القوانين الوضعية في سائر البلدان محدّدة بحدود خاصّة، وهذه تشكّل قرينة على أنّ العمومات والإطلاقات أيضاً محدّدة بقيد خاص، وليس هو إلاّ البلوغ.

1 . العناوين: 2 / 664، برقم 84 .
2 . العناوين: 2 / 668 .

صفحه 421
نعم الأحكام الوضعية ـ أعني: الغرامات والضمانات ـ يمكن فيها ادّعاء العموم إذا لم يكن الولي مقصّراً، وذلك للجمع بين حقّ الغير الّذي أتلف الصبيّ ماله أو جرحه وبين كون الجاني غير مكلّف، فيعود الأمر إلى الضمان في مال الصبيّ إن كان له مال، وإلاّ فيتوجه إليه الضمان بعد البلوغ، ولا يكون ذلك دليلاً على شرعية العبادات في حقّه.
نعم ربّما يؤيّد انصراف العمومات والإطلاقات إلى غير البالغ بقوله (عليه السلام): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبيّ حتّى يحتلم... الخ» 1. فهو يدلّ على رفع القلم عنه إلى حدّ الاحتلام أو حدّ الإدراك، فكيف يكون محكوماً بحكم شرعي مندوب أو مكروه؟!
قلت: التأييد مبني على أنّ المرفوع هوقلم التكليف مع احتمال أن يكون المرفوع هو قلم المؤاخذة، والثاني هو الأنسب لوروده في رفع الحدّ عن الصبيّ.
سلّمنا أنّ المراد هو رفع قلم التكليف، فالمراد من التكليف هو التكليف الإلزامي المتوجّه إلى البالغين الوارد في الكتاب والسنّة، لا التكليف الخاص الّذي لا يترتّب على تركه عتاب.
الثانية: دراسة الموضوع عن طريق الروايات المشعرة بالصحّة الدالّة على وجود التكليف التزاماً، وهي:
1. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم... إلى أن قال: فمروا صبيانكم إذا كانوا

1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11 .

صفحه 422
بني تسع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا»1.
والظاهر من الرواية أنّ الإمام (عليه السلام)أو الآباء يأمرون أبناءهم بالصيام الصحيح، على نحو لو لم يغلب عليهم العطش صاموا إلى الليل كسائر البالغين. ولا مانع من الجمع بين الشرعية وحصول ملكة الطاعة لهم حتّى لا يشقّ العمل عليهم بعد البلوغ.
2. روى غياث بن إبراهيم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا بأس بالغلام الّذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم، وأن يؤذّن »2.
3. روى طلحة بن زيد عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)، قال: «لا بأس أن يؤذّن الغلام الّذي لم يحتلم وأن يؤمّ»3.
4. روى زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يلبّي ويفرض الحج، فإن لم يحسن أن يلبّي، لبّوا عنه ويطاف به ويصلّى عنه»4.
5. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين، فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق وتصدّق وأوصى على حدٍّ معروف وحقّ هو جائز»5.

1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 8 .
4 . الوسائل: 8، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5، ولاحظ الحديث 1 .
5 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب الوصايا، الحديث 4.

صفحه 423
6. روى عبدالرحمن بن أبي عبدالله البصري قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيّته»1.
7. روى أبو بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حق، جازت وصيته، وإذا كان ابن سبع سنين، فأوصى من ماله باليسير في حق، جازت وصيته»2.
بقيت هنا روايات تدلّ على المقصود في أبواب الطلاق والعتق والنكاح، وكلّ ذلك يدلّ على أنّ الصبيّ محكوم بحكم المندوب في الواجبات والمكروه في المحرّمات. وقد اقتصرنا على ما ذكرنا.
نعم أنّ القدر المتيقّن إلاّ ما شذّ من هذه الروايات انتفاع الصبيّ بنفسه، وأمّا انتفاع الغير به فهو بحاجة إلى دراسة كلّ مورد بخصوصه، وهذا ما سيوافيك عن قريب.
الثالثة: كون عمل الصبيّ مسقطاً عن الغير بمعنى براءة ذمّة الغير بعمل الصبيّ، فالقول بذلك يتوقّف على أمرين:
1. أن تثبت مشروعية العمل من كلا الصنفين: البالغ والصبيّ.
2. أن لا يكون هنا دليل مقيّد أو مخصّص يخرج الصبيّ عن صلاحيته للإتيان بالعمل.
ولعلّ هذين الشرطين موجودان في الأمثلة التالية:

1 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب الوصايا، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 13، الباب 44 من أبواب الوصايا، الحديث 2 .

صفحه 424

1. إذا تولّى تجهيز الميّت أو أذّن

أ. إذا تولّى الصبيّ المميّز تجهيز الميّت من الغسل والتكفين والصلاة عليه ودفنه بعد الصلاة، فيسقط عن بقية المكلّفين.
ب. لو أذّن الصبيّ وأقام لصلاة الجماعة فالظاهر سقوطها عن الغير .
والظاهر وجود الشرطين في الموردين.

2. إذا صلّى وصام عن الغير

إذا صلّى وصام عن الميّت من دون أن يكون عليه قضاء صلاة أو صيام فيمكن أن يقال بصحّة العمل.
أمّا الشرط الأوّل فلأنّ المتبادر من الشرع أنّ طبيعة الصلاة وطبيعة الصوم أمر مطلوب، ولذلك ورد في النصوص: «الصلاة خير موضوع فمَن شاء استقلّ ومَن شاء استكثر»1، كما ورد: «الصوم جُنّة من النار»2، ولم يرد في الشرع دليل مخصّص يخرج الصبيّ.
وأمّا الشرط الثاني فليس هاهنا دليل يستدلّ به على عدم صلاحيته للإتيان بهذه الأعمال المذكورة، إلاّ قوله: «رفع القلم عن ثلاثة» وقد مرّ أنّ الحديث ناظر إلى قلم المؤاخذة بشهادة وروده في نفي الحدّ عن الصبيّ.
وأمّا ما ورد من أنّ «عمده خطأ»3 فهو أيضاً ناظر إلى هذا النوع من الأعمال، أي ما يكون العمد منه محكوماً بحكم والخطأ منه محكوماً بحكم

1 . مستدرك الوسائل:3/43، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث9.
2 . الوسائل : 7، الباب1 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1 و8.
3 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 2 و3.

صفحه 425
آخر كالقتل وسائر الجنايات، لا مثل هذه الأعمال الّتي ليس فيها تنوّع في الحكم، والشاهد على ذلك أنّ الصبيّ لو حاز شيئاً من الغابات أو من أسماك البحر، فهو يملكه وليس لأحد أخذه منه.

3. إذا ناب عن الميّت الذي عليه قضاء الصلاة

إنّما الكلام فيما إذا ناب عن الميّت كما إذا صلّى أو صام عمّن عليه هاتان الفريضتان، فيلزم هناك إحراز شرط ثالث وراء هذين الشرطين وهو إطلاق دليل النيابة على نحو يشمل البالغ والصبيّ، ولا بُعد في ادّعاء الإطلاق في أدلّة النيابة بالنسبة إلى الصلاة والصوم.

4. إذا ناب عن الغير في الحجّ

إذا ناب الصبيّ في الحجّ عن الغير فهل يسقط الحجّ عنه؟ فيه إشكال، فإنّ إطلاق دليل النيابة بالنسبة إلى هذا المورد، محلّ تأمّل، إذ لو صحّت له النيابة فيترتّب عليه محرّمات الإحرام، مع أنّه غير مكلّف بتكليف إلزامي، ومعه كيف يمكن ادّعاء الإطلاق في دليل النيابة.
فإن قلت: قد ورد في غير واحدة من الروايات أنّ الولي يحرمه، ويعينه في أداء فرائض الحجّ، حتّى ورد أنّ الولي يمنعه عن ارتكاب المحرّمات.
قلت: ما ورد في هذا المورد إحجاج للصبيّ لا حجّ منه، والكلام في الأمر الثاني، أي أن يحجّ بنفسه عن الميّت، فدليل النيابة قاصر في هذا المورد، وفي صورة الشكّ، المرجع هو أصالة الاشتغال أي اشتغال ذمّة المنوب عنه.
***
تمّت قاعدة
عبادات الصبيّ المميّز شرعيّة لا تمرينيّة

صفحه 426
القواعد الفقهية
    61

قاعدة

وجوب الخمس في كلّ فائدة
اتّفاق المسلمين على وجوب الخمس على وجه الإجمال
الغنيمة في اللغة والكتاب والسنّة
هل ورد الخمس في كلمات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
وجوب الخمس في عامّة الفوائد
الفوائد الأربع التي يحوزها الإنسان
حكم الجوائز والعطايا
حكم المال الموصى به
حكم الميراث غير المحتسب
الفوائد الحاصلة من الوقف الخاص والعام وأُجرة الحجّ
اتّفق المسلمون على أنّ الخمس على وجه الإجمال من الفرائض المسلّمة أخذاً بقوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا

صفحه 427
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)1.
فسواء أفسّرت الغنيمة بما يفوز به المجاهدون في ميادين الحرب مع الكفّار أو فسّرت بمطلق ما يفوز به الإنسان .
أضف إلى ذلك: اتّفاق فقهاء الإسلام على وجوب الخمس في الرِّكاز الّذي يشمل المعدن والكنز، لأنّه من الرّكز أي المركوز في الأرض، سواء أكان من الخالق كالمعادن، أم من المخلوق كالكنز، روى أحمد في مسنده: قضى رسول الله في الركاز الخمس.2
وروى مسلم والبخاري، واللفظ للأوّل، عن أبي هريرة قال: «العجماء جرحها جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرّكاز الخمس»3 والعجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصاب في انفلاتها فلا غرم على صاحبها. والمعدن جبار إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه إنسان فلا غرم عليه.
إنّما الكلام في سعة دائرة الخمس في غير الغنائم الحربية والرِّكاز، وعدمها. فأكثر أهل السنّة على التخصيص بالأوّلين، والشيعة الإمامية على السعة.
وعلى القول بالسعة فهل يتعلّق بخصوص أرباح المكاسب، أو يعم كلّ فائدة؟
فهاهنا موضعان من البحث:

1 . الأنفال: 41 .
2 . مسند أحمد: 1 / 314 .
3 . صحيح مسلم: 5 / 127 .

صفحه 428

الموضع الأوّل:معنى الغنيمة في اللغة والكتاب والسنّة

الحقّ أنّ وجوب الخمس أوسع من الغنائم والرِّكاز، ويدلّ عليه إطلاق الآية ـ أعني قوله: (غَنِمْتُمْ) فأكثر أهل اللغة على أنّ الغنيمة في اللغة أوسع ممّا اصطلح عليه الفقهاء، أي الغنائم الحربية، ويظهر ذلك بالرجوع إلى كلماتهم، ونحن نذكر شيئاً من ذلك :
1. قال الخليل: الغُنْم: الفوز بالشيء من غير مشقّة، والاغتنام : انتهاز الغنم.1
2. قال الأزهري: قال الليث: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.2
3. قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم، قال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء)، (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا) والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ).3
4. قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختصّ بما أُخذ من المشركين.4
5. قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة.5

1 . كتاب العين:4/426، مادة «غنم».
2 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».
3 . المفردات : مادة «غنم».
4 . مقاييس اللغة: مادة «غنم».
5 . لسان العرب: مادة «غنم».

صفحه 429
6. قال ابن الأثير: في الحديث: الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غُنْمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته. 1
7. قال الفيروز آبادي: «الغنم» الفوز بالشيء بلا مشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة. 2
8. وقال الزبيدي: الغنيمة والغنم بالضم، وفي الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنْمه وعليه غرمه» غنمه أي زيادته ونماؤه وفاضل قيمته، والغنم الفوز بالشيء بلا مشقّة.3
9. وقال في الرائد: غنم: يغنم: أصاب غنيمة في الحرب أو غيرها.4
10. أنّ الغُنم يستعمل مقابل الغرم وهو الضرر، فيكون معناه بمقتضى المقابلة هو النفع، ومن القواعد الفقهية قاعدة : «الغُنْم بالغرم» ومعناه أنّ من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره.
ودليل هذه القاعدة هو قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يُغلق الرهنُ من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، قال الشافعي: غنمه زيادته، وغرمه هلاكه ونقصه.5
وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان يغلب استعمالها في العصور

1 . النهاية في غريب الحديث والأثر: 3 / 363 ، مادة «غنم».
2 . القاموس المحيط: 4 / 158، مادة «غنم».
3 . تاج العروس: 17 / 527 ، مادة «غنم».
4 . الرائد: ج 2، مادة «غنم».
5 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 31/301، مادة «غنم».

صفحه 430
المتأخّرة عن نزول القرآن في ما يظـفر به في ساحة الحرب.
ولأجل ذلك نجد أنّ المادّة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.
***
لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ).1
والمراد بالمغانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليـل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدل على أنّ لفظ المَغْنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخرويّاً.
***
كما وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.
روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ اجعلها مَغْنماً ولا تجعلها مغرماً».2

1 . النساء: 94.
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.

صفحه 431
وفي مسند أحمد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة».1
وفي وصف شهر رمضان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنم للمؤمن». 2
وفي نهاية ابن الأثير: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.3
فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادّة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كلّ مورد يفوز به الإنسان، من جهة العِدَى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرّعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاصّ.

المورد غير مخصّص

إذا كان لفظ الغنيمة أمراً عامّاً فالمورد غير مخصّص بشهادة أنّا نرى أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز، وقد استدلّت الحنفية على وجوب الخمس فيها بقوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ).4
فإن قلت: إنّ الخطاب في قوله: (غَنِمْتُمْ)للمجاهدين المقاتلين.
قلت: لا دليل على أنّ الخطاب للمجاهدين بل هو لمطلق المؤمنين

1 . مسند أحمد: 2/330و 374 و 524.
2 . المصدر نفسه: ص 177.
3 . النهاية: 3 / 390، مادة «غنم».
4 . الفقه الإسلامي وأدلته: 2 / 776 .

صفحه 432
الذين فازوا بغنيمة من الغنائم، والشاهد على أنّ الخطاب لمطلق المؤمنين الآيات السابقة عليه وهي:
1. قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَ أَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)1 .
أيُ فرق بين قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ...)وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء)فالجميع خطاب للمؤمنين على الإطلاق .
2. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)2.
ولذلك نرى أنّ القرطبي وغيره يعترفون بشمول الآية الفوائد والأرباح، وإنّما خصّها بغنائم دار الحرب لأجل الإجماع الّذي ادّعاه.3
والّذي يؤيّد عموم الآية هو أنّه سبحانه حرّم الزكاة على بني هاشم .
روى أبو هريرة: أخذ الحسن بن عليّ تمرة من تمر الصدقة وجعلها في فيه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كخ كخ إرم بها، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة» وفي حديث: «أن لا تحل لنا الصدقة»4. ولفظة «كخ» بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء كلمة يزجر بها الصبيّ عن المستقذرات فيقال له: كخ، أي اتركه، وهي معرّبة.
وروى مسلم في صحيحه باسناده عن عبد المطّلب بن ربيعة بن

1 . الأنفال: 28 .
2 . الأنفال: 29 .
3 . يلاحظ : الجامع لأحكام القرآن: 8 / 1 .
4 . صحيح مسلم: 3 / 117، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب .

صفحه 433
الحارث ـ في حديث ـ قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبدالمطلب على أن يبعث كلّ ولده: «عبدالمطلب بن ربيعة، والفضل بن العباس» إلى رسول الله حتّى يبعثهما إلى جباية الصدقات فيكون لهما ما لسائر العاملين،...، فأرسلوهما ودخلا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: فتواكلنا الكلام ثمّ تكلّم أحدنا فقال:يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمّرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدّي إليك كما يؤدّي الناس ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلاً حتّى أردنا أن نكلّمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِع1 علينا من وراء الحجاب أن لا تكلّماه، قال: ثم قال: إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنّما هي أوساخ الناس، ادعوا لي مَحْميَة2 ـ وكان على الخمس ـ ونوفل بن الحارث ابن عبدالمطلب، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمَية: أنكح هذا الغلام ابنتك ـ أي للفضل بن عباس ـ فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك ـ لي ـ3 فأنكحني، وقال لمَحْميَة: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا.4
وقد ورد هذا المضمون في طرقنا، حيث روى عيص بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ أناساً من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الّذي جعل الله عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا بني

1 . تلمع ـ بضم التاء وإسكان اللام وكسر الميم، ويجوز فتح التاء والميم ـ يقال: ألمع ولَمع إذا أشار بثوبه أو بيده.
2 . محمية: رجل من بني أسد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استعمله على الأخماس.
3 . أي لعبد المطلب بن ربيعة.
4 . شرح صحيح مسلم للنووي : 7 / 184 ـ 185 .

صفحه 434
عبدالمطلب، إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وعدت الشفاعة ـ إلى أن قال: ـ أتروني مؤثراً عليكم غيركم».1
وفي حديث آخر عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)، قالا: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وأنّ الله قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وأنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبدالمطلب» 2
فإذا كان الوضع كذلك فمن الضروري أنّ الحرب ليست قائمة بين المسلمين والكفّار طول الزمان حتّى يسدّ بالغنائم الحربية خلّة بني هاشم وحاجاتهم، والشاهد على ذلك استيلاء الكفّار عبر قرون على البلاد الإسلاميّة، فصار المسلمون مكان أن يتسلّطوا على أموال الكفّار صاروا مضطهدين فإذا كانت الحال كذلك فبماذا ترفع حاجاتهم مع حرمة الصدقة عليهم مع كونهم طوائف كثيرة منتشرة في مختلف البلدان الإسلاميّة. وهذا يدفعنا للقول بوجود طريق مشروع آخر لسدّ خلّتهم، وإلاّ فإنّ الفقراء من بني هاشم في أعصارنا، أي أعصار الهدنة يصبحون فقراء يعيشون في فقر مدقع.

سؤال وإجابة

لو كان الخمس مشرّعاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فلماذا لم يرد في السنّة النبوية، بل لم يرد في أخبار أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قبل الصادقين (عليهما السلام).
هذا هو السؤال الّذي يطرحه المنكرون المعاندون لأهل البيت(عليهم السلام) مرّة بعد أُخرى .

1 . الوسائل: 9، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 9، الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 435
والجواب: أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وإن لم يبعث شخصاً لجباية الأخماس، لكن ورد في بعض الروايات أنّه طلب الخمس من بعض الطوائف، كما فيما رواه البخاري: وفد عبدالقيس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في شهر الحرام، فمرنا بأمر فصل إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَنْ وراءنا، قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا اله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم»1.
ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يطلب من بني عبدالقيس أن يدفعوا إليه غنائم الحرب، كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين، فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.
واحتمال أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)طلب منهم خمس النهب ساقط جداً، لعدم تمكّنهم من النهب ـ كما هو معلوم ـ ونهي رسول الله عنه على ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله على أن لا ننهب .2
نعم كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يبعث العاملين على جباية الزكاة، ولم ير منه بعث العمّال لجباية الأخماس، ولعلّ الوجه أنّ الزكاة حقّ الفقراء والمساكين ومصالح المسلمين الواردة في الآية الشريفة، وبها كان قوام حياتهم، ولذلك كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جهاز لجباية الزكاة، حتّى أنّ إحدى مصارفها هم العمّال الذين

1 . صحيح البخاري: 4 / 250، باب قول الله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، من كتاب التوحيد، وج 1 / 13 و 19، وج 3 / 53 .
2 . صحيح البخاري: 2 / 48، باب النهب بغير اذن صاحبه.

صفحه 436
قد أُشير إليهم في قوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا).
وأمّا الخمس فقد كان لرفع حاجته وحاجات بني هاشم، فلعلّ الظروف لم تكن مساعدة لبعث الجباة والحثّ على أخذ الخمس لنفسه وبني هاشم من المسلمين. والقوم حديثو عهد بالإسلام، وقد ترك النبي بعض ما يليق أن يعمله لأجل تلك الغاية وعدم تحمّل القوم لبعض هذه الأعمال.
إلى هنا خرجنا عن دراسة الموضع الأوّل وهو وجوب الخمس في غير الغنائم الحربية، آية ورواية، بقي الكلام في الموضع الثاني .

الموضع الثاني: وجوب الخمس في عامّة الفوائد

إنّ الفوائد الّتي يحوزها الإنسان على أقسام:
1. ما يحصل بالاكتساب كالتجارة والصناعة والزراعة والإجارة.
2. ما يحصل بشرط القبول فقط كالجوائز والهدايا.
3. ما يدخل في ملك الإنسان بلا حاجة إلى القبول كالإرث.
4. ما يدخل في ملكه من دون اختيار كنتاج المواشي، وارتفاع القيمة السوقية.
وعلى كل تقدير فقد اختلفت أراء الفقهاء في متعلّق الخمس، على أقوال:
1. اعتبار التكسّب مطلقاً فيختصّ بالأربعة المذكورة (التجارة والصناعة والزراعة والإجارة).
2. تقييد الكسب باتّخاذه مهنة وشغلاً مستمرّاً، وقد نسب إلى جمال المحقّقين في تعليقته على الروضة البهية.

صفحه 437
3. عموم الحكم لكلّ فائدة اختيارية أو غير اختيارية. فيشمل الهبة والهدية والمال الموصى به حتّى الخلع والمواريث إلاّ إذا دلّ الدليل على إخراجه.
وأمّا كلمات الأصحاب فقسم منها يستفاد منه العموم نذكر منها ما يلي:
1. قال الشيخ في «النهاية»: ويجب الخمس في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات والزراعات وغير ذلك بعد إخراج مؤونته ومؤونة عياله.1
2. قال أبو الصلاح الحلبي: وما فضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك .2
3. قال ابن زهرة: ويجب الخمس أيضاً في الفاضل من مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة بأي وجه كان، بدليل الإجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط.3
أقول: لاشكّ أنّ عبارة الحلبي صريحة في العموم، لكن في دلالة عبارة الشيخ وابن زهرة على العموم، تأمّل، لاحتمال أن يراد من قولهما: أو غير ذلك، ما يشبه التكسّب كالإجارات والاحتطاب والاحتشاش وجمع العسل من الجبال، وبالجملة كلّ عمل يدوي يورث نفعاً.
نعم يظهر من عبارة الشيخ المفيد في «المقنعة»، والسيد المرتضى في

1 . النهاية: 196 ـ 197 .
2 . الكافي: 170 .
3 . غنية النزوع: 1 / 129 .

صفحه 438
«الانتصار»، والشيخ في «الخلاف»، وسلاّر الديلمي في «المراسم»، وابن حمزة في «الوسيلة» والمحقّق في «المعتبر»، الاختصاص بالأربعة المذكورة.1
وأمّا المتأخّرون المقاربون لعصرنا فقد قوّى الشيخ الأعظم (قدس سره)سعة الحكم وقال في رسالته: الوجوب لا يخلو عن قوّة وفاقاً للمحكي عن الحلبي. واختاره الشهيد الأوّل في اللمعة، ومال إليه الشهيد الثاني في شرح اللمعة وهو ظاهر الإسكافي لكن من حيث الاحتياط .2
أقول: لا يخفى أنّ شهرة الفتوى بين القدماء لها منزلة كبيرة، لكن اقتصار أكثرهم على أرباح المكاسب لا يُعدّ دليلاً على الإعراض، لما بيّنّا من أنّ وجوب الخمس في هذا القسم برز وظهر في عصر الصادقين (عليهما السلام)،ولم يكن قبل عصرهما منه اسم ولا أثر وإن كان أصله موجوداً في كلمات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على ما بيّناه، وعلى هذا الأساس لا بأس أن يختفي حكم بعض أصنافه على أكثر القدماء; أضف إلى ذلك: وجود الفرق بين استنباط القدماء والمتأخّرين، حيث إنّ المتأخّرين يستعملون الدقّة في الأحاديث أكثر من القدماء، ويحيطون بها ببركة الجوامع الحديثية أكثر من غيرهم، ويصنّفون الروايات على وجه يظهر منه حكم كثير من الفروع، وعلى ذلك لا يعدّ عدم إفتائهم دليلاً على الإعراض، وها نحن نذكر بعض الفروع المختلف فيها:

1 . لاحظ في الوقوف على كلماتهم; كتاب الخمس في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء: 287 .
2 . لاحظ : كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 191 ـ 192 .

صفحه 439

الأوّل: الجوائز والعطايا

قد مرّ عليك تصريح الحلبي في وجوب الخمس فيها، حيث قال: أو هبة. ونقله المحقّق في «المعتبر» 1 عن أبي الصلاح الحلبي ثم قال: وأنكر قوله بعض المتأخّرين، يريد به ابن إدريس.2
ولو صحّ ما ذكره ابن إدريس فمعنى ذلك أنّ الأصحاب لم يقولوا بوجوب الخمس في الهبة إلى أعصاره سوى الحلبي. لكن نسبة الإنكار في كلام المحقّق إلى ابن إدريس يستفاد منها العكس وأنّ المنكر هو ابن إدريس لا غيره، ويؤيّد ذلك أنّ الشهيد نسب الخلاف إلى ابن إدريس.3
وقد حاول الشهيد الثاني إدخال الهبة في عنوان التكسّب قائلاً: بأنّها معاملة تحتاج إلى القبول، وهو نوع من التكسّب .4
وعلى كلّ تقدير فالحجّة لنا هي الروايات، مع غضّ النظر عن اختلاف الأصحاب.
أقول: يدلّ على وجوب الخمس الآية الكريمة والروايات. أمّا الآية فلعلّ لفظ الغنيمة يصدق على العطايا والجوائز.
قال ابن فارس: إنّها بمعنى إفادة شيء لم يملك من قبل.5 وأمّا الروايات فقد تضافرت على وجوب الخمس فيها، وهي بين رواية صحيحة وغير صحيحة فيدعم بعضها بعضاً :

1 . لاحظ : المعتبر: 2 / 623 .
2 . السرائر: 1 / 490 .
3 . الدروس الشرعية: 1 / 258 .
4 . مسالك الأفهام: 1 / 265 .
5 . معجم مقاييس اللغة: 4 / 397، مادة «غنم».

صفحه 440
1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمد وعبدالله بن محمد، عن علي بن مهزيار، قال1: كتب إليه أبو جعفر 2(عليه السلام) ـ وقرأت أنا3 كتابه إليه في طريق مكّة ـ وجاء فيها قوله: «والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان الّتي لها خطر».4
والرواية مفصّلة ولبعض الأصحاب مناقشة في بعض مقاطعها، وللبعض الآخر إجابة عن تلك المناقشة.
ثم إنّ تقييد الإمام (عليه السلام)الجوائز بما له خطر، لأجل أنّ غيرها ربّما لا يبقى إلى نهاية السنة، أو أنّ الحكم خاصّ بقسم من الجوائز.
2. صحيحة علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد، قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: «يجب عليهم الخمس»، فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم»، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم»5.
والمتاع كلّ ما يتمتّع به من عروض الدنيا كثيرها وقليلها، خطيرها وحقيرها.

1 . أي كلّ من أحمد وعبدالله. و «كتب إليه»: أي إلى ابن مهزيار.
2 . الإمام الجواد (عليه السلام).
3 . أي كلّ من الرجلين.
4 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
5 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.