welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 281
كان في الصدق حينئذ نوع خفاء.1

4 . فيما إذا كان الغار متعدّداً

لمّا كان الملاك هو التغرير فلا فرق بين أن يكون الغارّ واحداً، أو متعدّداً. والثاني على قسمين: إمّا أن يكونا عرضيين كما إذا اتّفق اثنان أو ثلاثة على تغرير شخص آخر، فيرجع إلى الجميع ويقسّط عليهم، وقد مرّ أنّ الإمام قسّط دية اليد على شاهدي الزور.
أو يكونا طوليّين بأن يغرّ واحد الآخر وهو الثالث وهلمّ جرّاً، فكلّ مغرور يرجع إلى من قبله، ويستقرّ الضمان على السبب الأوّل.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام في أنّ كلّ مغرور يرجع إلى مَن غرّه، لا إلى مَن تقدّمه، وبين مسألة توارد الأيدي على مبيع واحد ثم تلف، فقالوا: بأنّ للمالك الرجوع إلى كلّ من جرت يده عليه؟
قلت: الفرق بينهما واضح، فإنّ سبب الضمان في المقام هو الغرّة، وكلّ مغرور يرجع إلى من غرّه لاعلى المتقدّم عليه; بخلاف توارد الأيدي، فإنّ وجه الضمان هو وضع اليد على الشيء، وهو سبب ضمان مستقلّ، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».

5. لا فرق في الرجوع بين العين والمنافع

فلو قدّم مال الغير لضيفه فأكله فهو له ضامن، وهكذا ما إذا أعاره مال الغير، فالمستعير يرجع إلى المعير في قيمة المنافع التي يدفعها إلى مالك

1 . العناوين :2 / 441 ، برقم 59.

صفحه 282
العارية، ونظيره إذا أباح له ركوب الدابة أو سياقة السيارة في حوائجه، ثم بان أنّهما ملك الغير.

6. تطبيقات القاعدة

قد عرفت فيما سبق بعض مصاديق القاعدة وإليك مالم نذكر:
1. إذا باع مال الغير (كالدابة) من شخص موهماً أنّه ماله، ثم تبيّن للمشتري أنّه مال الغير، فالمالك الأصلي يأخذ العين من المغرور مع أُجرة المنافع التي استوفاها، ثم هو يرجع إلى الغارّ; لأنّه استوفاها باعتقاد أنّه ملكه والمنافع له، وإلاّ لم يقدم على الاستيفاء.
وبذلك ظهر أنّه لو انتفع بلبن الشاة أو بركوب الدابّة بزعم أنّها ملكه ثم تبيّن أنّها ملك غيره يرجع فيما دفعه إلى المالك إلى الغارّ.
2. إذا قدّم ثوباً لخيّاط فقال: إقطعه لي قميصاً إذا كان كافياً له، فصدقه الخياط وقطع الثوب فصار غير كاف للقميص، فيرجع صاحب الثوب على الخيّاط بما نقص لا بقيمة كل الثوب.
3. إذا باع دابة بعنوان أنّه مالكها وكانت من مال الغير، فباعها المشتري، ثم بانت أنّها من مال الغير فيرجع في قيمة ما بذله إلى الغارّ، وأمّا حكم المنافع المستوفاة فقد ظهر حكمها ممّا تقدّم.
إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها الباحث.
***
تمّت قاعدة
المغرور يرجع إلى الغارّ

صفحه 283
قاعدة الخراج بالضمان   
القواعد الفقهية
      17

قاعدة

الخراج بالضمان

القاعدة في مصادر أهل السنّة
القاعدة في مصادر الإمامية
تبيين مفردات القاعدة
نقل كلمات الأصحاب حول القاعدة.
عدم شمول القاعدة للمقبوض غصباً، وفيه نقل فتوى شاذّة عن أبي حنيفة.
عدم شمول القاعدة للمقبوض بالعقد الفاسد.
اختصاص القاعدة بالمقبوض الصحيح .
نقوض القاعدة والإجابة عنها.
احتمالان في منافع الثمن المستوفاة.
من القواعد المعروفة الّتي عمل بها الفقهاء من الفريقين ـ مع التفاوت في بيان مجراها ـ قاعدة «الخراج بالضمان».

القاعدة في مصادر أهل السنّة

1. أخرج ابن ماجة بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً فاستغلّه ثم وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان».1

1. سنن ابن ماجة: 2 / 754، برقم 2242.

صفحه 284
2. وفي حديث آخر عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى أنّ خراج العبد بضمانه.
وفي هامش سنن ابن ماجة في تفسير الحديث: الخراج ما يحصل ويخرج من غلّة العبد المشترى، وذلك بأن من اشترى عبداً ثم استغلّه زماناً ثم اطّلع منه على عيب، فله ردّه واسترداد ثمنه ويكون للمشتري ما استغلّه.1
3. وأخرج الحاكم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه عيب لم يعلم به فاستغلّه ثم علم العيب فردّه فخاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله إنّه استغلّه منذ زمان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)«الغلّة بالضمان».2
4. وأخرج أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قضى أنّ الخراج بالضمان. وأسانيد الرواية تنتهي إلى عائشة.3
وحاصل الرواية: أنّ المشتري وإن استثمر العبد واستغلّه لكن الانتفاع له في مقابل أنّه ضمن على نحو أنّه لو تلف، لتلف في ملكه.
5. وأخرج البيهقي في سننه عن مخلد بن خفّاف قال: إبتعتُ غلاماً فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبدالعزيز، فقضى لي بردّه، وقضى عليّ بردّ غلّته، فأتيت (عروة) فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أنّ عائشة أخبرتني أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى في مثل هذا أنّ الخراج بالضمان، فعجّلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة، عن عائشة، عن

1. سنن ابن ماجة: 2 / 754، برقم 2243.
2. مستدرك الحاكم:2/15.
3. مستدرك الحاكم:2/15.

صفحه 285
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عمر: فما أيسر عليّ من قضاء قضيته، الله يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحق، فبلغتني فيه سنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأردّ قضاء عمر، وأُنفذ سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليّ، له1.
والجميع رواية واحدة تنتهي إلى عائشة.

القاعدة في مصادر الإمامية

وأمّا من طرقنا فلم يرد بهذا اللفظ وإنّما ورد ما يمكن أن ينطبق عليه بوجه آخر :
1. روى الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: حدّثني مَن سمع أبا عبدالله (عليه السلام)وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ؟ فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟
فقال: «الغلّة للمشتري، ألاترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله».2
وما ذكره عبارة أُخرى عن قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان».
2. روى الشيخ عن معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى

1. سنن البيهقي: 5 / 321.
2. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

صفحه 286
منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه». وفي بعض النسخ «حاضر» بدل «حاصر» أي الشاهد الذي يكتب لهما ويمنعهما من الإنكار1.
وهذه القاعدة عبارة أُخرى عن قولهم: «مَن عليه الغرم فله الغُنم».

تبيين مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من كلمتين:
1. الخراج. 2. الضمان.
أمّا الأوّل: فقد فسّر ابن الأثير الخراج في «النهاية» بقوله: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبداً كان أو أمة أو ملكاً، وذلك أن يشتريه فيستغلّه زماناً ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلّه، لأنّ المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء. والباء في «بالضمان» متعلّقة لمحذوف تقديره: الخراج مستحقّ بالضمان: أي بسببه.2
ويمكن أن تكون الباء بمعنى المقابلة أي الخراج في مقابل الضمان .
أمّا الثاني ـ أي معنى الضمان وماذا أُريد منه ـ : فالظاهر أنّ المراد به خصوصاً بالنظر إلى ما ورد من طرقنا، هو أنّ المشتري ضمن العين بالعقد الصحيح، بمعنى أنّها إذا تلفت، تلفت من ملكه.

1. الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3; لاحظ التهذيب: 7/176، باب الرهون برقم 37 قسم التعليقة.
2. النهاية في غريب الحديث والأثر: 2 / 19 .

صفحه 287
وليس المراد بالضمان هنا المعنى المعروف من ردّ الشيء إلى مالكه بنفسه أو بما يقوم مقامه من المثل والقيمة، والشاهد هو ما ورد من طرقنا حيث قال(عليه السلام): «الغلّة للمشتري، ألاترى لو احترقت لكانت من ماله».
وإن شئت قلت: تعهد المشتري في مقابل دفع الثمن في ضمن العقد بأنّه ملكه ومن المعلوم أنّ الملك إذا تلف، يحسب على صاحبه.
وبذلك يعلم أن الاحتمالات الكثيرة الّتي ذكرها السيد الخوئي في محاضراته أمر غير لازم، فالرواية أوضح من تلك الاحتمالات.1
نقل كلمات الأصحاب حول القاعدة
قال الشيخ: إذا اشترى جارية حاملاً، فولدت في ملك المشتري عبداً مملوكاً، ثم وجد بالأُم عيباً، فإنّه يردّ الأُم دون الولد.
وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلنا. والثاني: له أن يردّهما معاً، لأنّه لا يجوز أن يفرّق بين الأُم وولدها فيما دون سبع سنين. والأوّل أصحّ عندهم. دليلنا: عموم قوله (عليه السلام): «الخراج بالضمان» 2.
وقال ابن حمزة في «الوسيلة» في فصل خصّه لبيان بيع الإقالة: بيع الإقالة إنّما يصحّ بأربعة شروط.. إلى أن قال: والرابع: أن يكون المبيع ممّا يبقى إلى تلك المدّة من غير أن يفسد ويتغيّر عن حاله، فإذا باع شيئاً على أن يقيل البيع في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه به منه، لزمته الإقالة إذا جاء بمثل الثمن في المدّة، أو قبلها. فإن جاء به بعد انقضاء المدّة لم تلزمه وكان مخيّراً،

1. مصباح الفقاهة: 2 / 387.
2. الخلاف: 3 / 108، المسألة 176 .

صفحه 288
فإن تلف المبيع في المدّة المضروبة كان من مال المبتاع، وإن حصل منه غلّة كانت له، لأنّ الخراج بالضمان .1

حكم المقبوض غصباً أو بالعقد الفاسد

ثم إنّه يقع الكلام في سعة القاعدة وضيقها فبما أنّ اللام في الضمان للجنس فتعمّ بظاهرها الأقسام الثلاثة التالية:
1. المقبوض غصباً.
2. المقبوض بالعقد الفاسد.
3. المقبوض بالعقد الصحيح.
أمّا الأوّل: فهو احتمال باطل بضرورة الفقه، إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أن كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة، وهذا ممّا لم يقل به أحد إلاّ أبو حنيفة، وقد وصف الإمام الصادق (عليه السلام)قضاءه هذا بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركاتها»2.
وقد بلغت فتوى أبي حنيفة في باب الحيل إلى درجة أغضبت البخاري فعقد (في صحيحه) كتاباً باسم كتاب الحيّل وصدّره بحديث إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ مانوى ثم قال: إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت فقُضي بقيمة الجارية الميّتة، ثم وجدها صاحبها فهي له وتُرَدُّ القيمة ولا تكون القيمة ثمناً، ثم قال: وقال بعض الناس ـ يريد أبا حنيفة ـ : الجارية للغاصب لأخذه

1. الوسيلة: 249.
2. الوسائل: 13، الباب 13 من أبواب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 289
القيمة، ثم ردّ البخاري عليه بقوله: وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتل بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربها قيمتها فيطيب للغاصب جارية غيره. ثم أضاف وقال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به» ثم ذكر البخاري، بعد ذلك باباً آخر تحت عنوان باب في النكاح ذكر أيضاً حيلة أُخرى لأبي حنيفة ثم ردّ عليه .1 وقد ذكر البخاري موارد عديدة من هذه الفتاوى الشاذة لأبي حنيفة وردّ عليها، وكان يذكره بعبارة: «وقال بعض الناس» .
إلى هنا تمّ بيان بطلان القسم الأوّل.
أمّا القسم الثاني أعني: المقبوض بالعقد الفاسد والذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري فلا تشمله الرواية، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختصّ بما إذا كانت هناك معاملة صحيحة وملكية محقّقة. فالمقبوض بالعقد الفاسد خارج عن القاعدة خروجاً موضوعيّاً لافتراض عدم كون القابض مالكاً.
وأمّا القسم الثالث أعني: المقبوض بالعقد الصحيح :فهذا هو القدر المتيقّن، فالمنافع المستوفاة للمشتري لكونه مالكاً، والفرع أي المنافع تابع للأصل، فاللام في قوله: «بالضمان» مشير إلى هذا النوع من الضمان، أي لو تلف المبيع لتلف في ملك.
ويشهد على ما ذكرنا ما ورد من طرقنا، فإنّ مورد الجميع هو العقد

1. صحيح البخاري: 1749، كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية، برقم 6965.

صفحه 290
الصحيح، ثم إنّه نُسِبَ إلى الشيخ الطوسي عدم ضمان المشتري المنافع المستوفاة في المقبوض بالعقد الفاسد، فلا يردّ المشتري إلى البائع بعد تبيّن الفساد أُجرة الركوب ولا قيمة اللبن، وما استشهد به من كلامه في «المبسوط» راجع إلى العقد الصحيح إذا استغلّ منافع المبيع ولا يشمل العقد الفاسد حيث قال: فصل في أنّ الخراج بالضمان ثم ذكر تحت هذا العنوان قوله: «إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه أن يبيّن للمشتري عيبه، ولا يكتمه أو يتبرّأ إليه من العيوب; والأوّل أحوط فإن لم يبيّنه واشتراه إنسان فوجد به عيباً كان المشتري بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء ردّ بالعيب واسترجع الثمن، فإن اختار فسخ البيع وردّ المبيع، نظر فإن لم يكن حصل من جهة المبيع نماء ردّه واسترجع ثمنه، وإن كان حصل نماء وفائدة فلا يخلو من أن يكون كسباً من جهته أو نتاجاً وثمرة، فإن كان كسباً مثل أن يكتسب بعلمه أو تجارته... فإنّه يرد المعيب، ولا يرد الكسب بلا خلاف، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان» .1
ترى أن كلامه إنّما هو في العقد الصحيح لا في العقد الفاسد، نعم شذّ من فقهائنا قول ابن حمزة حيث عقد فصلاً تحت عنوان في بيان البيع الفاسد، فقال: فإذا باع أحد بيعاً فاسداً، وانتفع به المبتاع، ولم يعلما بفساده ثم عرفا، واستردّ البائع المبيع، لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به، أو استرداد الولد إن حملت الأُم عنده وولدت، لأنّه لو تلف لكان من ماله، والخراج بالضمان.2ولم نجد من يوافقه في هذا القول.

1. المبسوط: 2 / 126، كتاب البيع.
2. الوسيلة: 255 .

صفحه 291
وعلى هذا فلو كان العقد صحيحاً وفسخ المشتري العقد فيردّ المبيع ويأخذ الثمن والمنافع المستوفاة له، وأمّا إذا فسخ وكان العقد فاسداً فالمنافع المستوفاة غير داخلة تحت هذه القاعدة وإنّما يبحث عنها في قاعدة أُخرى، وهي: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

نقوض القاعدة

قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان» بالمعنى المختار عدّة نقوض، وهي كما يلي:
1. النقض بالعارية فإنّ الخراج أي الانتفاع من المستعار للمستعير، مع أنّه غير ضامن.
2. تلف المبيع قبل القبض، فإنّ الخراج بين العقد والقبض كاللبن والصوف للمشتري، إلاّ أنّ الضمان على البائع لقولهم: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، فالضامن هو البائع والمنتفع هو المشتري.
3. الضمان بعد القبض، إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدّة فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع لو قلنا بصحّة هذا الشرط.
يلاحظ على النقض الأوّل: من أنّ مفاد القاعدة: إنّما يملك المنافع من لو تلفت العين، لتلف في ملكه، وهذا ينطبق على المالك المستعير، فهو يملك المنافع لأنّه يملك العين التي لو تلفت لتلفت في ملكه، لا على المستعير، لأنّه لا يملك المنافع أصلاً بل أُبيح له التصرّف والانتفاع.
وبعبارة أُخرى: لبّ القاعدة، أنّ المنافع إنّما يملكها من لو تلفت العين لوقع التلف في ملكه، وأين هذا من المستعير الذي لا يملك العين ولا المنافع،

صفحه 292
غاية الأمر يباح له الانتفاع بإذن المالك.
ويلاحظ على النقض الثاني: بأنّ الاشتباه نابع من خلط معنى الضمان في قوله: الخراج بالضمان، بالضمان الوارد في قاعدة «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»، إذ المراد من الضمان في القاعدة بمعنى كونه مالكاً، فالمنافع له. وأمّا الضمان في القاعدة الأُخرى فيرجع إلى الضمان المصطلح بمعنى أنّ البائع ضمن درك ملك الغير إذا كان قبل القبض.
وعلى هذا فالمشتري ضامن بمعنى والبائع ضامن بمعنى آخر. أمّا الأوّل فضامن بمعنى أنّه مالك في مقابل تعهده بدفع الثمن إلى المشتري، فالانتفاع له.
وأمّا البائع فضامن بمعنى أنّه ضمن درك مال الغير إذا كان قبل القبض، ومنه يظهر جواب النقض الثالث، فالخلط حصل بعدم التمييز بين معني الضمانين.

إكمال

كلّ ما ذكرنا يرجع إلى المنافع المستوفاة للمبيع قبل الفسخ فقلنا: إنّها للمشتري دون البائع، حتّى إذا فسخ، إنّما الكلام إذا كانت المنافع للثمن، كما إذا كان الثمن غنماً لها صوف ولبن، ثم فسخ البائع، فهل المنافع المستوفاة للبائع أخذاً بإطلاق قوله: الخراج بالضمان، أو هي لصاحب الثمن؟ وجهان.
لو قلنا بأنّ الدليل هو النبوي فالظاهر شموله لكلتا الصورتين .
وأمّا لو قلنا بأنّ الدليل ما ورد من طرقنا فهو مختصّ بخراج المبيع ولا يعمّ خراج الثمن، إلاّ بإلغاء الخصوصية والأخذ بمفاد العلّة أعني قوله: «ألا

صفحه 293
ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله»والثمن لو سرق لكان من مال البائع، والله العالم.
***
تمّت قاعدة
الخراج بالضمان

صفحه 294
قاعدة الإحسان   
القواعد الفقهية
      18

قاعدة الإحسان

«قاعدة الإحسان» غير قاعدة «عدم ضمان المؤتمن»
دليل القاعدة من الكتاب العزيز والعقل
ما هو المراد من الإحسان؟ وهل يقتصر برفع الضرر أو يعمّ إيصال النفع؟
كفاية قصد الفاعل الإحسان وعدمها
اجتماع الضمان مع صدق الإحسان في بعض الموارد
تطبيقات القاعدة في كلمات الفقهاء
سُمّيت القاعدة بقاعدة الإحسان أخذاً من لسان دليلها، أعني قوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)1.
وفيها جهات من البحث:

الجهة الأُولى: قاعدة الإحسان غير قاعدة عدم ضمان المؤتمن

هل القاعدة هي نفس قاعدة عدم ضمان المؤتمن، أو غيرها، أو أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه؟
الظاهر التعدّد، فالموضوع في الأُولى المؤتمن بما هو مؤتمن الذي لا ينتفع بعمله، فلو تلفت الوديعة بلا إفراط ولا تفريط فلا يضمن.

1. التوبة: 91 .

صفحه 295
وأمّا الموضوع في الثانية فهو المحسن، أي مَن يقوم بعمل حسن الذي يستحسنه العقلاء، كما لو وجد حيواناً ضالاًّ في مكان فأعلفه وسقاه ونجّاه من الهلاك لكن لا تبرّعاً، فعليه الرجوع على صاحبه لأجل أنّه لا سبيل على المحسن، حتّى أنّ الحيوان لو تلف تحت يده، فلا ضمان عليه لأنّه كان محسناً وضع يده عليه لغاية الإحسان لا الانتفاع.
نعم ربّما يكون المؤتمن محسناً أيضاً لكنّه لا يكون دليلاً على وحدة القاعدتين، إذ ربّما يفترقان.
وبذلك يعلم أنّ تعبير صاحب العناوين عن القاعدة بقوله: من جملة المسقطات للضمان قاعدة الإحسان1، غير وجيه، إذ هو تخصيص بلا وجه، فالقاعدة كما تسقط الضمان توجب رجوع المحسن إلى صاحب المال بما بذل.

الجهة الثانية: دليل القاعدة من الكتاب العزيز والعقل

استدلّ على القاعدة بوجوه امتنها اثنان:
الأوّل: دليل القاعدة من الكتاب العزيز
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)2.
وفي «المجمع»: أنّ الآية نزلت في عبدالله بن زائدة، وهو ابن أُمّ مكتوم،

1. العناوين : 2 / 474، برقم 64 .
2. التوبة: 91 .

صفحه 296
وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا نبي الله، إنّي شيخ ضرير، خفيف الحال، نحيف الجسم، وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأنزل الله الآية.1
استثنى سبحانه في هذه الآية طوائف ثلاث:
1. الضعفاء وهم الذين كانت قوتهم ناقصة بالزمانة والعجز.
2. المرضى وهم أصحاب العلل المانعة من الخروج.
3. الذين لا يجدون ما ينفقون للسفر بشرط (إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ): أي أخلصوا أعمالهم من الغش. ولم يجروا في قعودهم على ما يجري عليه المنافقون من إفساد القلوب والإرجاف والتثبيط.
ثم إنّه سبحانه نفى عن هؤلاء أي سبيل، لكنّه أثبته لطائفة رابعة وقال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)2 وأُريد بهذه الطائفة المتمكّنون من الجهاد لكن يريدون أن يكونوا مع الخوالف من النساء والصبيان.
فبملاحظة الآيتين يكون المراد من السبيل هو الحرج المذكور في الآية المتقدّمة المستتبع للذمّ والعقاب والمؤاخذة، أي لا يتطرّق إليهم عتاب وذمّ، وإنّما يتطرّق هذان الأمران إلى الطائفة الأُخرى.
وبما أنّ الفقرة كلمة جامعة يستدلّ بها على مورد النزول وغيره; لأنّ القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر كما في قول الإمام الباقر(عليه السلام): «ظهره

1. مجمع البيان: 5 / 113 .
2. التوبة: 93 .

صفحه 297
تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر».1
وعلى هذا فالقرآن حجّة عبر القرون مهما تجدّدت له مصاديق ولا يختصّ بمصداق ومورد واحد، وبذلك نرى أنّ العلماء يستدلون به في غير واحد من الموارد، إنّما الكلام في مدلول الفقرة من الآية.
إنّ المحسنين جمع المحسن بمعنى كلّ محسن فربما يتوهّم بأنّه من قبيل سلب العموم; لأنّ النفي إذا ورد على العموم يفيد سلب العموم لا عموم السلب، فعلى هذا فيكون المراد ما على كلّهم سبيل، فالمنفي سلب السبيل عن الكلّ، ومع ذلك لا ينافي تطرّق السبيل على بعضهم نظير قول الشاعر:
قد أصبحت أُمّ الخيار تدعي *** عليّ ذنباً كلّه لم أصنع
بناءً على أنّ قراءة الكلّ بالنصب، أي لم أصنع كلّه لكن بعضه صنعته. ولكن الإشكال ضئيل جدّاً إذ لم تثبت القاعدة; لأنّها منقوضة بآيات، منها قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)2 .
ومن المعلوم أنّ المراد هو عموم السلب، أي أنّ الله لا يحب كلّ واحد واحد منهم، لا بمعنى أنّ الله لا يحب المجموع من حيث المجموع بحيث لا ينافي حب البعض، فإنّه باطل بالضرورة.
وأمّا الفقرة، أعني:(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل) فبما أنّ الملاك في عدم تطرّق السبيل هو الإحسان بما هو وهو أمر مطلوب عقلاً وشرعاً فمقتضى ذلك هو عموم السلب، أي لا سبيل إلى أيّ واحد من آحاد المحسنين.

1. بصائر الدرجات:216 ح7; الوسائل:18، الباب13 من أبواب صفات القاضي، الحديث49.
2. لقمان: 18 .

صفحه 298
فعلى هذا فلو قام الوصي أو القيّم على الصغير بالتصرّف في مال اليتيم طالباً به الإحسان، وكان العمل في نظر العقلاء موصوفاً به، بمعنى أن كلّ عاقل لو ولي كان له تلك الحالة فلو قام بهذا النحو أحد الأولياء، ولكن اتّفق على أنّه ترتّب على فعله ضرر فلا يضمن; لأنّ تضمينه يُعدّ نوع سبيل عليه.
والحاصل: أنّ كلّ عمل منه ينطبق عليه عنوان الملاك فلا يُذم المحسن ولا يعاقب ولا يؤاخذ بشيء.
نعم لو أتلف ذلك المحسن مورد العمل أو تعدّى عليه أو فرّط فيه فالسبيل عليه قطعيٌ، لأنّ الحكم معلّق بالإحسان وهذا النوع من العمل فاقد للملاك.
وإن شئت قلت: إنّ الفقرة عبارة أُخرى عن قوله سبحانه: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)1، فكلّ محسن جزاؤه الإحسان، فالحكم بالضمان أو الذم أو غير ذلك، ينافي إطلاق الآية.
والحاصل: أنّ ثبوت الضمان على المحسن سبيل وحرج وضيق عليه، وكلّ سبيل على المحسن منفي في الشرع، فينتج: ثبوت الضمان على المحسن، منفيّ في الشرع.

الثاني: حكم العقل

لاشكّ أنّ العقل يستقلّ بتحسين بعض الأفعال كما يستقل بتقبيحها، وممّا يستقل به العقل هو أنّ دفع الضرر عن الأخ المسلم أو إيصال الخير إليه أمر حسن، يمدح فاعله، فلو أُخذ ذلك الرجل بشيء من المؤاخذة لقيامه بهذا

1. الرحمن: 60 .

صفحه 299
العمل فيذم الفاعل ويُعدّ عمله قبيحاً.
وعلى هذا البيان فهو استدلال عقلي ليس من مقولة الاستحسان أو الظن. أضف إلى ذلك: أنّ المقام من قبيل المستقلاّت العقلية التي تستتبع حكماً شرعياً من عدم الضمان وغيره.
نعم كلّ ذلك فيما إذا كان العمل بريئاً عن التعدّي أو التفريط أو الإتلاف أو كلّ عمل يضادّ الإحسان.

الجهة الثالثة: ما هو المراد من الإحسان؟

هل المراد من الإحسان هو إيصال النفع إلى الغير؟ كما فسّره الطبرسي وقال: هو إيصال النفع إلى الغير لينتفع به مع تعرّيه من وجوه القبح.1
أو يشمل دفع الضرر أيضاً؟ الظاهر هو العموم.
وعلى هذا فلو احترقت دار إنسان أو محلّ كسبه وتوقّف إطفاء النار على كسر الباب أو هدم الجدار حتّى يصل الماء إلى النار فتُطفأ ويقلّ الضرر، فيعد كلّ ذلك إحساناً، ولذا نرى أنّ عُمّال إطفاء الحريق يعمدون إلى كسر الأبواب والشبابيك وهدم الجدران والسقوف ليصلوا إلى مصدر النار ليسيطروا عليه ويطفئوا النار، أو لإخراج ما يمكن إخراجه قبل أن يحترق.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الإحسان أمر أعمّ من إيصال النفع أو تقليل الضرر .
ثم إنّ صاحب العناوين لمّا سوّى بين الأمرين وقال: لاشبهة في أنّ إيصال نفع إلى غيره يُسمّى إحساناً للتبادر، وعدم صحّة السلب، ونصّ أهل اللغة، فهكذا دفع المضرّة نوع من الإحسان، وإن كان لفظ الإحسان يومي إلى

1. مجمع البيان: 5 / 144 .

صفحه 300
نوع من إيجاده، ومنع المضرّة ليس فيه إيجاد الإحسان، ولكن الظاهر أنّه لا يصحّ سلبه، والقدر المشترك متبادر منه .1
أقول: الظاهر أنّ الإحسان بمعنى العمل المفيد، والعمل الذي يرضى به الإنسان، وتقليل الضرر عمل مفيد يرضى به الإنسان ويمدح فاعله، وأنّ أعمال فُرق الإطفاء كلّها من هذا القبيل.
ونقل صاحب العناوين عن أُستاذه الوحيد البهبهاني بأنّه صرّح في أثناء الكلام: «انّ قاعدة الإحسان تختصّ بصورة دفع المضرّة ولا تشمل صورة جلب المنفعة». وهو أيضاً بعيد; لأنّ إيصال النفع إلى الغير عمل مفيد يمدح فاعله، فعلى هذا فتجارة الولي بمال اليتيم إذا كان عملاً عقلائياً يستحسنه كلّ من يمارس هذا العمل، لأنّه إنّما يقوم لغاية جلب المنفعة وهو إحسان إليه، فلو تلف من غير تعدّ ولا تفريط لا يضمن.

الجهة الرابعة: كفاية قصد الفاعل الإحسان وعدمها

لو قام المحسن بعمل بقصد دفع الضرر أو إيصال المنفعة وصادف العمل الواقع، فدفع الضرر; كما إذا كانت غنم شخص في معرض افتراس السباع فأدخلها في حظيرتها، فهو محسن قطعاً، أو كانت اللقطة في معرض الهلاك فأعلفها وسقاها، حتّى وجد صاحبها، فهذا أيضاً من أقسام الإحسان، لاجتماع القصد ومصادفة الواقع.
إنّما الكلام في الصورتين التاليتين:
1. إذا قصد الإحسان ولكن تخلّف عن الواقع، فأعلفها وسقاها لكن كان

1. العناوين : 2 / 476، برقم 64.

صفحه 301
الماء أو العلف مسموماً فصار سبباً لهلاكها، أو أدخلها في مأمنها ولكن انهدم البناء عليها من غير اختيار.
2. لم يقصد دفع الضرر أو إيصال المنفعة، ولكن صادف الواقع.
فما هو حكم هاتين الصورتين المذكورتين؟
ذهب السيد المراغي إلى وجوب اجتماع الشرطين: مصادفة الواقع واعتبار القصد; أمّا مصادفة الواقع لأنّه المتبادر من لفظ الإحسان حيث يوصف به إذا كان دافعاً للضرر، وأمّا اعتبار القصد فلأجل أنّ مجرّد كونه في الواقع دفع ضرر لا يكفي في صدق اللفظ، وعلى هذا فمتى ما كان قصده الإحسان واتّفق أنّه صادف الواقع، وكان فيه دفع مضرّة، فهو داخل في الآية وموجب لعدم الضمان .1
وذهب السيد البجنوردي إلى كفاية كون العمل حسناً في الواقع قائلاً: الظاهر أنّه دائر مدار الإحسان الواقعي وإن لم يقصد به الإحسان; لأنّ الظاهر من العناوين والمفاهيم الذي أخذ موضوعاً للحكم الشرعي هو واقعها والمعنى الحقيقي لها، إلاّ أن يكون المتفاهم العرفي معنى آخر غير المعنى الحقيقي .2
وهناك احتمال ثالث وهو أن يقال: أنّه يكفي قصد الإحسان، وقصد دفع الضرر عن الغير أو قصد إيصال النفع إليه، سواء أوافق الواقع أم خالف، وكأنّ المقام من مقولة الانقياد، حيث يمدح فاعله بل يثاب .

1. العناوين : 2 / 478، برقم 64 بتصرّف.
2. القواعد الفقهية: 4 / 12.

صفحه 302
وعلى هذا فالقول الأوّل هو الأحوط، والثالث هو الأقوى، وأمّا الثاني أعني: كون الميزان هو الواقع قياساً بالمفاهيم الواقعية فهو ضعيف; فإنّ الخمر اسم للخمر الواقعي، لا الخمر المظنون المخالف للواقع، لكن المقام من فروع الحسن والقبح العقليّين اللّذين يستقلّ العقل بهما، والميزان فيه هو نيّة الفاعل وقصده، سواء أوافق الواقع أم لا؟ولا يقاس المقام بالمفاهيم الواقعيّة.

الجهة الخامسة: اجتماع الضمان مع صدق الإحسان في بعض الموارد

ربّما تنتقض القاعدة بالدين المجهول صاحبه، والقراضة في دكان الصائغ مع جهل أربابها ونحو ذلك من الصنائع، حيث إنّ صاحب اليد يتصدّق به عن المالك; وعلّلوا جوازه بأنهّ إحسان محض إلى المالك، ومع ذلك حكموا بأنّه لو ظهر مالكه فهو ضامن، فقد اجتمع الإحسان مع الضمان.
وقد أجاب عنه صاحب العناوين بقوله: إنّ تحقّق الإحسان هناك معلّق على الضمان، لأنّه إن ظهر صاحبه فهو ضامن يعطيه، وإن لم يظهر فقد وصل إليه بالصدقة، فبالمجموع المركّب صار هذا إحساناً، وأمّا بدون الضمان فلا إحسان، إذ لا يمكن أخذ مال الناس والتصدّق به عنهم بحجة أنّه إحسان إليهم، لأنّ الإحسان أمر عرفي وهو غير صادق في المقام. نعم لو كان مع الضمان مع عدم إمكان الوصول إلى المالك فلا شبهة في أنّه إحسان.1
ولكن الظاهر أنّ المورد خارج عن موضوع القاعدة; وذلك لأنّ المراد إيصال النفع إلى صاحب المال في الدنيا، وأمّا كونه نافعاً له في الآخرة وواصلاً إليه فهو خارج عن مدلول القاعدة. فالحكم بالضمان لا يعدّ نقضاً للقاعدة.

1. العناوين : 2 / 478 ـ 479، برقم 64 .

صفحه 303
وأمّا ضمان الطبيب فلأجل أنّه خارج عن القاعدة; لأنّ المحسن عبارة عمّن يعمل دون أن ينتفع بعمله، فالمنتفع بعمله خارج عن القاعدة وإن كان عمله حسناً.

الجهة السادسة: تطبيقات القاعدة في كلمات الفقهاء

1. قال المحقّق: لو وقع الصيد في شبكة فأراد (المحرم) تخليصه فهلك أو عاب، ضمن.1
وقال في «الجواهر»: كما في محكي الخلاف والمبسوط والجامع، وجميع كتب الفاضل إلاّ التبصرة فلم يتعرض فيها له; لصدق قتل الصيد ولو خطأ، لكن عن الشهيد الإشكال فيه من ذلك (قتل الصيد) ومن قاعدة الإحسان، وتبعه على ذلك غيره بل في المدارك: ينبغي القطع بعدم الضمان مع انتفاء التعدّي والتفريط; لأنّ تخليصه على هذا مباح بل إحسان محض، وما على المحسنين من سبيل، ومثله لو خلص الصيد من فم هرّة أو سبع أو من شق جدار وأخذه ليداويه ويتعهّده فمات في يده بما ناله من السبع.2
2. قال المحقّق: كلّ أرض ترك أهلها عمارتها، كان للإمام (عليه السلام)تقبيلها ممن يقوم بها وعليه طسقها لأربابها.3 واستدلّ عليه بخبر سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمّرها ويزرعها، ماذا عليه؟ قال: الصدقة، قلت: وإن كان يعرف

1. شرائع الإسلام: 1 / 290 .
2. جواهر الكلام: 20 / 291، كتاب الحج.
3. شرائع الإسلام: 1 / 247 .

صفحه 304
صاحبها، قال: «فليؤدّ إليه حقّه».1 وأضاف في «الجواهر» بعد الاستدلال بالرواية: خصوصاً إذا بلغت حدّ الموات، مضافاً إلى قاعدة الإحسان .2
وعلى ذلك فالأرض الخربة المتروكة وإن عُلم صاحبها المشرفة على الموات، يجوز للمسلم إحياؤها وأداء حقوقها إلى صاحبها أخذاً بقاعدة الإحسان .
3. قال المحقّق: إنّ الولاية في مال الطفل والمجنون للأب والجدّ للأب، فإن لم يكونا فللوصي، فإن لم يكن فللحاكم.
ولمّا لم يذكر المحقّق ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، استدرك صاحب الجواهر وقال: إنّ قاعدة الإحسان ولاية المؤمنين بعضهم على بعض ولزوم التعطيل بل والضرر في كثير من الموارد .3
4. قال المحقّق: (ولو اختلف في التلف فالقول قول الوكيل لأنّه أمين وقد يتعذّر إقامة البيّنة بالتلف غالباً فاقتنع بقوله دفعاً لالتزام ما تعذّر غالباً) وعلّله صاحب الجواهر بالقواعد التالية: قاعدة العسر والحرج والإحسان والأمانة.4
ولكن جعل المقام من مصاديق قاعدة الإحسان لا يخلو من نظر; لأنّ المتيقّن من القاعدة من كان محسناً ولم يكن منتفعاً، والوكيل منتفع.
5. قال المحقّق: فالبعير لا يؤخذ إذا وجد في كلأ وماء فلو أخذه ضمنه،

1. الوسائل: 16، الباب 3 من كتاب إحياء الموات، الحديث 3.
2. جواهر الكلام: 21 / 80 .
3. جواهر الكلام: 26 / 103، كتاب الحجر.
4. جواهر الكلام: 27 / 433، كتاب الوكالة.

صفحه 305
وفي «الجواهر»: وفي ضمانه بنية الحفظ لمالكه قولان، من إطلاق الأخبار بالنهي، والإحسان.1
6. لو كانت السفينة مشحونة بأموال شخص واحد، فرأى ربّان السفينة بأنّ نجاتهم ونجاة أموال صاحب الأموال هو بإلقاء قسم من أمواله في البحر لتخفّ السفينة، فألقاها فهو ليس بضامن.
7. لو افترضنا أنّ الولي حبس المبيع لغاية ارتفاع الأسعار، وكان أمراً عقلائياً، ولكن نزل السوق فلا ضمان على الولي.
8. لو قام الولي بالزراعة في أرض المولّى عليه غير أنّ الجفاف أضرّ بالمحصول، ولم يفي حتّى بثمن ما صُرف في الزراعة.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي ذكرها الفقهاء في تصرّف الأولياء وعدول المؤمنين والحكام إنّما لغاية دفع الضرر أو إيصال المنفعة.
***
تمّت قاعدة الإحسان

1. جواهر الكلام: 38 / 221.

صفحه 306
القواعد الفقهية
      19
قاعدة كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه   

قاعدة

كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه
فهو من مال بائعه
مقتضى القاعدة أن يكون التلف من مال المشتري لكن دلّت الروايات على خلافه
الاستدلال على القاعدة بالروايات
الاستدلال على القاعدة بالإجماع وسيرة العقلاء
هل القاعدة تشمل الثمن أو لا؟
ما هو المراد من التلف؟
إذا تلف المبيع بفعل المشتري أو الأجنبي أو البائع
ما هو المراد من قوله: من مال بائعه؟
حكم النماء بعد العقد وقبل التلف
شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية وعدمه
شمول القاعدة لتلف البعض
شمول القاعدة للوصف المفقود
حكم إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع
قبل الشروع في دراسة القاعدة وما حولها من البحوث والفروع نشير إلى نكتة، وهي:
إنّ تحمّل البائع خسارة المبيع قبل القبض على خلاف القواعد الفقهية، وإن كان موافقاً لسيرة العقلاء، والدليل على كونه خلاف القواعد ما يلي:
ذهب المشهور إلى أنّ العقد سبب تام لحصول الملكية لا يتوقّف على

صفحه 307
القبض، فالمشتري بالعقد يملك المبيع وهكذا البائع يملك الثمن، فإذا تلف المبيع، ولو قبل القبض فقد تلف ما ملكه المشتري بالعقد، فجعل الضمان على البائع دون المبتاع حينئذ يكون على خلاف القاعدة الفقهية، بل مقتضاها كون التلف من المشتري، لأنّ التالف ملكه، والمفروض أنّ التلف ليس مستنداً إلى البائع بل إلى سبب طبيعي.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد العاملي بقوله:فكان ذلك(دليل القاعدة) مخرجاً عن حكم القاعدة الأُخرى القائلة بحصول الملك بمجرد العقد، المستلزمة لكون التلف من المشتري، فينبغي أن يندفع الإشكال عن المقدّس الأردبيلي ومن تبعه، لأنّه قد استشكله هنا وأعاده في باب القبض.1
نعم القبض في بيع الصرف والسَّلم من أجزاء السبب المملِّك، بمعنى أنّه لولا القبض لما حصل التمليك والتملّك، فلو تلف المبيع قبل القبض، فقد تلف مال البائع لعدم انتقال المثمن إلى المشتري قبل القبض.
وبما أنّ القبض في غير الصرف والسَّلم، ليس مملّكاً، فمقتضى القاعدة كون التلف من مال المشتري، غير أنّ سيرة العقلاء على خلافها، والقاعدة وردت على وفقها.
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ القاعدة ليست مخالفة لسائر القواعد; وذلك لأنّ المبيع وإن كان ملكاً للمشتري والتلف وقع في ملكه، لكن البائع لم يقم ببعض وظائفه وهو إقباض المبيع حتى تلف تحت يده، فيكون هو مسؤولاً عن التلف لا المشتري.
وبعبارة أُخرى: العقد شيء والوفاء به شيء آخر، والذي قام به البائع هو

1 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 308
الأوّل، وأمّا الثاني ـ أعني: الوفاء بالعقد ـ فهو بعد لم يتحقّق ومع ذلك كيف يكون التلف من مال المشتري، ولذلك تطابقت الروايات والسيرة على أنّ التلف من مال البائع. هذا وسيوافيك بيان آخر لكون التلف من مال البائع في الأمر الخامس، فانتظر.
وإن شئت قلت: إنّ العقد ومجرد دخول المبيع في ملك المشتري ليس سبباً تامّاً لضمانه، بل السبب التام هو العقد المتعقّب بقيام البائع على الوفاء أعني: تسليم المبيع وهو بعد لم يحصل.

الاستدلال على القاعدة

وقد استدلّ على القاعدة بما يلي:

الأوّل: الروايات

1. ما رواه عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى متاعاً من آخر وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، وقال: آتيك غداً إن شاء الله، فسُرِق المتاع، من مال مَن يكون؟
قال(عليه السلام): «من مال صاحب المتاع الّذي هو في بيته حتّى يُقبض ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه ]البائع[ حتّى يردّ ماله إليه».1
ولا خفاء في دلالة الرواية على المقصود. إنّما الكلام في سندها وقد ورد فيه محمد بن عبدالله بن هلال ولم يرد فيه توثيق، لكن المشايخ يروون عنه; نظراء: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسين بن عبيد، ومحمد

1 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1. والمراد من المال هو الثمن.

صفحه 309
بن أحمد بن يحيى صاحب النوادر، وغيرهم.
وأمّا عقبة بن خالد فهو الّذي روى أقضية النبي(صلى الله عليه وآله) عن الصادق(عليه السلام)وهو ممدوح، وعلى هذا فالسند لا بأس به.
2. النبوي الّذي رواه صاحب المستدرك:«كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه، فهو من مال بائعه».1
3. ما رواه بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طُنّ قصباً في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون ألف طُن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكّل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طُن وبقي عشرة آلاف طُن، فقال: «العشرة آلاف طُن الّتي بقيت هي للمشتري، والعشرون الّتي احترقت من مال البائع».2
والطُّن عبارة عن حزمة من حطب أو قصب، والجمع أطنان مثل قفل وأقفال، وأمّا الطن في الوقت الحاضر فهو وزن مقداره ألف كيلو غرام.
ودلالة الرواية على المقصود واضحة حيث إنّ التلف مع كون المبيع على نحو الكلّي في المعيّن، لا في ذمّة البائع، حُسبَ على البائع لكونه قبل القبض.
4. ما رواه ابن الحجّاج الكرخي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «كلّ طعام اشتريته في بيدر أو طسّوج فأتى الله عليه، فليس للمشتري إلاّ رأس ماله،

1 . مستدرك الوسائل: 13 / 303، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث1.
2. الوسائل:12، الباب19 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 310
ومَن اشترى من طعام موصوف ولم يسمّ فيه قرية ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤدّيه».1
والرواية الأخيرة تفصّل بين العين الشخصية والمبيع الكلّي في الذمّة، فعلى الأوّل لو تلفت العين تبطل المعاملة بشهادة أنّه يأخذ رأس ماله، وعلى الثاني يجب على البائع أن يحصّل المبيع ويسلّمه إلى المشتري وإن حدث ما حدث في مزرعته.
وهذه الروايات بأجمعها تصلح لتكون دليلاً على القاعدة، وسيوافيك المراد من قوله:«فهو من مال بائعه».
واستدلّ المحقّق السبزواري على القاعدة في مورد خيار التأخير أعني: إذا تلف المبيع بعد الثلاثة وقبل الثلاثة بصحيحة علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال:«فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه، وإلاّ فلا بيع بينهما».2
يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تدلّ على المطلوب، إذ ليس فيه عن التلف أثر، وإنّما الكلام في تأخير الثمن وأنّ المشتري لو أخّر أزيد من ثلاثة فالبيع ينفسخ.
ثمّ إنّ المحقّق السبزواري نقل عن المفيد والمرتضى وسلاّر ومن تبعهم أنّهم ذهبوا إلى أن تلف المبيع بعد مضي ثلاثة أيام من المشتري نظراً إلى ثبوت الناقل عن غير خيار.(3)

1. الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2. الطسّوج كسفود: الناحية، لاحظ: القاموس المحيط:1/205، مادة «طسج».
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث3.   3 . كفاية الأحكام:1/468.

صفحه 311
أقول: ما نقله عن المفيد وتلميذيه هو الذي نقله أيضاً عنهما في «مفتاح الكرامة» وقال: والمخالف، المفيد والسيدان ومن تبعهم في خصوص خيار التأخير.1 أي إذا أخّر المشتري تسليم الثمن ومضت ثلاثة أيام فصار البائع ذا خيار، دون المشتري ففي هذه الصورة قالوا بأنّ التلف من المشتري لا مطلقاً. ولعلّ وجه كونه من مال المشتري لأجل قاعدة أُخرى، أعني: «كلّ مبيع قد تلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له» والمفروض أنّ المشتري ممّن لا خيار له.
أقول: سيأتي الكلام في هذه القاعدة. وأنّها من فروع خيار الحيوان وليست قاعدة مستقلّة بل مصبّها بيع الحيوان، والمراد من التلف تلف الحيوان في زمن الخيار، أعني: ثلاثة أيام، فيحسب ممّن لا خيار له أعني: البائع وذلك لأنّ موته في أيام الخيار الذي ورد في قوله(عليه السلام):«صاحب الحيوان بالخيار» يكشف عن وجود مرض في الحيوان قبل العقد والذي صار سبباً لموته فيه، فالمبيع كان معيباً لا صحيحاً. وعلى ما فسّرناه لا صلة له بمورد البحث.

الثاني: الإجماع

حكى الإجماع على مفاد القاعدة غير واحد من الأصحاب.
قال العلاّمة في «التذكرة»:ولا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وهو محكي عن الشعبي وربيعة لأنّه قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذّر، انفسخ البيع، كما لو تفرّقا قبل القبض في الصرف.

1 . مفتاح الكرامة:10/1025.

صفحه 312
وقال أبو حنيفة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلاّ العقار.
وقال مالك: إذا هلك المبيع قبل القبض، لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري ]والتلف يُحسب عليه[، إلاّ أن يطالبه]المشتري[ به فلا يسلمه]البائع[، فيجب عليه]البائع [قيمته للمشتري وبه قال أحمد وإسحاق لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الخراج بالضمان»1 ونماؤه للمشتري فضمانه عليه، ولأنّه من ضمانه بعد القبض، فكذا قبله كالميراث.2
أقول: سيوافيك الكلام في نماء المبيع التالف، فانتظر.
وقال العاملي بعد قول العلاّمة «وإذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه»: إجماعاً كما في السرائر، وكشف الرموز، وجامع المقاصد، والروضة، ويتناوله إجماع الغنية بإطلاقه، كما تسمع، ففي التذكرة في باب القبض: لا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن.
وفي الكفاية: أنّه لا يعرف فيه خلافاً إلى أن قال: مضافاً إلى ما ذكروه في باب الثمار فيما إذا تلفت الثمرة المبتاعة، فإنّهم حكموا من غير خلاف ولا تأمّل بأنّ تلفها قبل القبض من البائع.3
ولعلّ هذه الكلمات كافية في إثبات الاتّفاق في المقام.
نعم يحتمل أن يكون إجماعهم مستنداً إلى الروايات الّتي تقدّمت قبل ذلك فيكون الإجماع مدركياً لا تعبدياً.

1. تعليل لقوله:«ويكون من ضمان المشتري».
2 . تذكرة الفقهاء:10/112ـ113.
3 . مفتاح الكرامة:10/1024ـ 1025.

صفحه 313

الثالث: سيرة العقلاء على أنّ التلف من البائع

جرت سيرة العقلاء في المقام على وقوع الخسارة على البائع; وذلك لأنّ العقد وإن تمّ والمشتري وإن ملك المبيع، لكن لمّا كان البيع مقدّمة للتسليم والإقباض وكانت الغاية القصوى من التعهّد هو انتفاع المشتري من المبيع، فإذا امتنع ما هو المقصود الأقصى لما كان هناك أي تكليف على المشتري لأنّه تعهد في مقابل تسلّم المبيع والانتفاع به والمفروض أنّه لم يتحقّق، فإذا غلب التقدير على تدبير العباد فيكون البائع هو المسؤول عن التلف لا المشتري.
وفيما ذكرنا من الأدلّة الثلاثة غنى وكفاية.

الكلام في أُمور:

1. هل القاعدة تشمل الثمن أو لا؟

هل القاعدة تختصّ بتلف المبيع، أو تعمّ تلف الثمن أيضاً عند المشتري قبل قبضه؟
الظاهر هو الثاني لما ذكرنا من أنّ الغاية من البيع عند العقلاء هي المعاوضة وانتفاع كلّ بما في يد الآخر من المتاع والثمن، فإذا امتنعت المعاوضة تسقط المسؤولية، فلا يكون للمشتري مسؤولية أمام البائع، كما هو المفروض، وبالعكس.
نعم ربّما يقال بشمول القاعدة للثمن أيضاً بلفظها، لأنّ المبيع يطلق ويراد به الأعمّ.1 ولكنّه لو صحّ فإنّما هو من باب المجاز ولا يصار إليه إلاّ

1 . جواهر الكلام :23/85 .

صفحه 314
بدليل، والأولى في التعميم ما ذكرنا من الدليل الثالث.

2. ما هو المراد من التلف؟

ثمّ إنّ المراد من التلف خروج العين المبتاعة عن حيز الانتفاع جزءاً أو كلاًّ، سواء بقيت العين كالأعيان المسروقة، أو لم تبق، كما إذا تلفت بالحرق. ولا فرق أيضاً بين تلف العين أو تلف الصفات كالفواكه الفاسدة، وذلك لما عرفت من أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية وإنّما هي قاعدة عقلائية أمضاها الشارع، وبما أنّ الغاية من البيع هو انتفاع الطرفين من العوضين، فإذا امتنع الانتفاع لم يحصل الغرض، فلا محيص عن انحلال العقد، وعلى هذا فلا فرق بين تلف العين أو تلف الصفات الدخيلة في الغرض.
بل يمكن أن يقال شمول القاعدة لما يجب إتلافه شرعاً، كما إذا باع عبداً جنى قبل القبض أو ارتد كذلك، وبذلك يعلم أنّ تفسير صاحب الجواهر التلف بآفة سماوية تفسير بالفرد الغالب.1

3. لو امتنع المشتري من القبض

إذا كان البائع مستعدّاً للإقباض ولكن امتنع المشتري عن القبض، فهل التلف من مال البائع أيضاً أو لا؟
ففي «الجواهر»: أنّ الظاهر كونه من مال المشتري إذا كان عدم القبض لامتناع منه، بلا خلاف أجده فيه، لانصراف القاعدة إلى غير هذه الصورة.
بل قد يقال بذلك أيضاً إذا كان التأخير بالتماس من المشتري بعد

1 . جواهر الكلام:23/83.

صفحه 315
العرض عليه والتمكين منه، وفاقاً لجماعة، إمّا لأنّ مثله يسمّى قبضاً، أو لأنّ المراد من النبوي غيره.1
أقول: أمّا الشق الثاني ـ أعني: إذا كان التأخير بالتماس منه ـ فالضمان فيه على البائع، لأنّه مورد رواية عقبة بن خالد حيث قال المشتري: آتيك غداً إن شاء الله، فسرق المتاع.2
نعم الروايات منصرفة عن الشق الأوّل وهو امتناع المشتري، بل يمكن أن يقال إنّها خارجة عنها موضوعاً لصدق القبض عندئذ; لأنّه عبارة عن رفع الموانع عن استيلاء المشتري على المتاع وهو حاصل، بل ولولا النص لقلنا بخروج البائع عن الضمان في صورة الالتماس أيضاً لصدق القبض عرفاً.

4. إذا تلف المبيع بفعل المشتري أو الأجنبي أو البائع

الظاهر من التلف في الروايات هو التلف بآفة داخليّة، أو خارجة عن حيطة المتبايعين; فيقع الكلام فيما إذا تلف بفعل المشتري تسبيباً أو مباشرة، أو البائع كذلك، أو الأجنبي.
أمّا إذا تلف بفعل المشتري فلا شكّ أنّ إتلافه يعدّ قبضاً من غير فرق بين التسبيب والمباشرة.
وأمّا إذا تلف بفعل البائع فيرجع المشتري إليه بالمثل أو القيمة، ولا وجه لانحلال العقد.
وهذا بخلاف ما لو أتلفه الأجنبي، ففيه احتمالات:

1 . جواهر الكلام:23/83 .
2 . الوسائل:12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1.

صفحه 316
1. يتخيّر المشتري بين الرجوع إلى الأجنبي والفسخ والرجوع بالثمن. وهذا ما نسبه صاحب الجواهر إلى المشهور.1
2. رجوع البائع إلى الأجنبي للأخذ بالمثل أو القيمة، وعندئذ يكون المشتري مخيّراً بين قبول البدل، أو فسخ العقد والرجوع بالثمن.
3. انحلال العقد وانفساخه ورجوع المشتري إلى الثمن فقط، والبائع إلى الأجنبي لعدم إمكان التقابض. ولعلّ الأخير هو الأقوى.

5. ما هو المراد من قوله:«من مال بائعه»؟

إنّ الظاهر من العبارة وقوع التلف في ملك البائع، حيث فرض أنّه من ماله، مع أنّ المفروض أنّه حين التلف كان ملكاً للمشتري، فوقوع التلف في مال البائع يلازم القول بأنّه ينفسخ العقد قبل التلف ويدخل المبيع في ملك البائع فيقع التلف في ملكه، فيصدق عليه أنّه من مال البائع، ويعبّر عنه بالضمان المعاملىّ.
فعلى هذا لابد من الالتزام بأمرين:
أ. تقدير دخول المبيع في ملك البائع قبل التلف.
ب. انحلال العقد وانفساخه.
والأمران مفهومان من قوله: «من مال بائعه»، إذ لا يمكن أن يكون الشيء الواحد بتمامه مالاً لشخصين، فإذا صار مالاً للبائع فلابدّ أن ينحل العقد وتخرج العين من ملك المشتري وتدخل في ملك البائع فيصدق أنّه من مال البائع.

1 . جواهر الكلام:23/83 .

صفحه 317
وهذا النوع من التقدير غير عزيز في الفقه، نظير:
1. إذا قال: «اعتق عبدك عنّي» فمعناه تمليك العبد للقائل ثم عتقه عنه.
2. إذا قال: «ألق متاعك في البحر» فبما أنّ الإتلاف في المورد يتحقّق بفعل المالك، فضمان الغير أعني: الآمر يتوقّف على تمليكه إيّاه ثم إتلافه بأمره.
3. إذا اشترى أحد العمودين فقد ورد في الرواية «أنّهم إذا مُلكوا عُتقوا»، والرواية تؤيد الملكية التقديرية ثم العتق، وعلى كلّ تقدير فالمتبادر من الرواية ما ذكرنا.
4. إذا قتل المورّث، يقدّر دخول الدية في ملك الميّت ثم تورث .
وعلى هذا لا تكون القاعدة مخالفة لسائر القواعد، لافتراض أنّ التلف على القول بالانفساخ والملكية التقديرية وقع في ملك البائع، لاالمشتري، فيكون هو الضامن لا المشتري.
وربّما يحتمل: أن يكون قوله:«فهو من مال بائعه» كناية عن كون الخسارة والغرامة عليه من دون أن ينحل العقد وينفسخ ويخرج المبيع من ملك المشتري، وعلى ذلك يجب على البائع دفع الخسارة والغرامة بالمثل أو القيمة، وهذا ما يعبّر عنه بالضمان الواقعي.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مخالف لقوله: «فهو من مال بائعه»، ولو صحّ ما ذكر يجب أن يقول: فهو على بائعه.
وثانياً: أنّه مخالف لرواية الحجّاج الكرخي حيث قال: فليس للمشتري

صفحه 318
إلاّ رأس ماله.1 وقد مرّ الكلام فيه وعرفت كلام المحقق السبزواري في المقام.
وسيوافيك نظير هذا البحث في القاعدة الثانية فتربص حتّى حين.

6. حكم النماء بعد العقد وقبل التلف

لو كان للمبيع نماءٌ منفصل كاللبن والنتاج، فتلف المبيع قبل قبضه وبقي النتاج، المشهور أنّه للمشتري، لأنّه نماء ملكه، والمفروض أنّ الفسخ من حين الفسخ لا من حين العقد.
وبعبارة أُخرى: النماء حصل في ملك المشتري والفرع تابع للأصل فمن ملك الأصل ملك فرعه، والمفروض تأخّر الانفساخ عن وجود النماء.
أقول: المسألة مبنية على أنّ انحلال العقد من حين التلف أو من زمان العقد.
فلو قلنا بالأوّل فالنماء للمشتري لأنّه حصل في ملك المشتري، والفرع تابع للأصل، فلو خرج عن ملكه ودخل في ملك البائع فلا تبطل الملكية السابقة.
ولو قلنا بالثاني فهو للبائع والعرف يساعده حيث يعدّ تملّك المشتري للنماء أكل المال بالباطل بعد ما رجع المشتري إلى تمام ثمنه بل يراه مخالفاً للعدل والإنصاف، خصوصاً إذا كان النتاج كثيراً والبائع بعدُ لم يَقبض الثمن أو قبض وكانت المدّة قصيرة، وعندئذ فلا مناص من القول بالانحلال من رأس لا من زمان التلف. فالقول بكون النماء للبائع هو الأقوى.

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2.

صفحه 319
فإن قلت: إذا كان الانحلال من حين العقد فما معنى كون المبيع داخلاً في ملك البائع قبل التلف، إذ لم يخرج عن ملكه حتى يدخل فيه ثانياً؟
قلت: لا منافاة بين الأمرين، فمن جانب أنّ العقد صحيح فلازم ذلك دخول المبيع في ملك المشتري إلى زمان تلفه، ومن جانب آخر أنّ التلف في مال البائع وانحلال العقد من حينه ودخوله في ملكه ثم انحلال العقد عند التلف، ويكفي في خروجه عن ملك المشتري ودخوله في ملكه تملّك البائع المبيع من حين العقد إلى زمان التلف اعتباراً.
فإن قلت: لازم ذلك الفرض كون شيء واحد ملكاً لشخصين في فترة واحدة وهي: بدء العقد إلى زمان الانحلال.
قلت: الاعتبار خفيف المؤونة، ويكفي في صحّته ترتّب الأثر والمسوّغ لهذين الاعتبارين، اختلاف زمانهما، فالأوّل من الاعتبارين كان في زمان العقد، والاعتبار الثاني كان حين الانحلال، فاختلاف زمان الاعتبارين كاف في صحّتهما وإن كان زمان المعتبَر واحداً.

7. شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية

هل القاعدة تختص بالبيع، أو تعمّ سائر العقود المعاوضية أيضاً كالإجارة والصلح بالعوض والهبة المعوّضة إلى غير ذلك من العقود الّتي يكون الغرض الأقصى منها التقابض والانتفاع؟
أمّا النصوص فلا يستفاد منها شمول القاعدة لغير البيع، غير أنّك عرفت أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبّدية تمنع عن الخروج عن إطار النص، وإنّما هي قاعدة عقلائية مطابقة لقضاء العرف في ذلك المجال.

صفحه 320
وعلى هذا فلا مانع من شمولها لكلّ عقد معاوضي، مثلاً إذا احترق البيت الّذي آجره أو عطبت الدابة المستأجرة قبل القبض، ينحل العقد لعدم إمكان العمل بما تعهّد، ومنه يعلم حال الصلح بالعوض والهبة المعوّضة.
وبالجملة كلّما امتنع العمل بالمسؤولية خصوصاً لأجل الأعذار العامّة، فالعرف يقضي بانحلال العقد لعدم إمكان العمل خصوصاً إذا امتنع بآفة سماوية حيث يتلقّى أنّ التقدير كان على خلاف التدبير.

8 . شمول القاعدة لتلف البعض

إذا وقع التلف على بعض المبيع، كما إذا باع طناً من الحنطة وتلف النصف منه، أو باع فرسين وعطب أحدهما، أو باع نعلين وضاع أحدهما.
قال العلاّمة: احتراق السقف أو تلف بعض الأبنية ]هو[ كتلف عبد من عبدين، لأنّه يمكن إفراده في البيع بتقدير الاتّصال والانفصال، بخلاف يد العبد، فهو أصحّ وجهي الشافعية، والآخر أنّه كسقوط يد العبد.1
أقول: المسألة مبنيّة على تعدّد المطلوب وأنّ الباقي مطلوب، والهالك مطلوب آخر، أو وحدته، بحيث لو هلك بعض الأجزاء لما رغب الطرف بالباقي لعدم الانتفاع المطلوب بالباقي أو قلّته.
وعلى هذا فلو تلف نصف طن من الحنطة فيمكن القول ببقاء العقد لا انحلاله، غاية الأمر للمشتري الخيار لتبعّض الصفقة، بخلاف ما إذا سرق أحد النعلين، فالغاية المطلوبة صارت غير ميّسرة والتقابض غير ممكن، فلا محيص إلاّ عن انحلال العقد.

1 . تذكرة الفقهاء: 10/119.