welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 241
يلتفت إليه عند العقلاء.
ويعدّون بعض الأشياء ممّا يصير فيها التفاوت وإن تشابهت في الصورة ولم يتميّز في الحسّ في بادئ النظر، بل عند الأغلب، لكن يعرفون أنّ الممارسين في هذا الشيء أو هذه الصنعة يعرفون أنّ فيه جيداً ورديئاً وإن كان لا يطّلع عليه كلّ ناظر، بل الغالب يتخيّلون التساوي، ولذلك لا يعتنون بمن لم يتفحّص عن ذلك، ويخرجونه عن ربقة الرشد وكمال العقل، وهذان الأمران ممّا يقال لهما المثلي والقيميّ.1

إكمال

الذي يجب التركيز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا هذه مثليات، فإنّ النهضة الصناعية جعلت كثيراً من القيميات مثلية، مثلاً: كان الحيوان والثوب أمراً قيمياً لقلّة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الذي كان ينسج بالآلات اليدوية، لكن مصانع النسيج في أيامنا هذه تنتج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش كلّ منها مثل للآخر نوعاً أو صنفاً، وكذلك حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة، ونظيرها الأواني المصنوعة، فإنّ الجميع على طراز واحد لا فرق بين فرد وفرد فلو أتلف كأساً من الألمنيوم أو ماعوناً خزفياً، فيمكنه الحصول على مثله.
إلى هنا تمّ الكلام في الصغرى وقد أوجزنا الكلام فيه خلافاً للشيخ، إنّما الكلام في الكبرى، أعني:

1. العناوين: 2 / 526، العنوان69.

صفحه 242

ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة

وهذه القاعدة لم يرد فيها نصّ في الروايات ولكنّها أمر متّفق عليه1، ولكن يمكن اقتناص حكمها من بعض النصوص، وقد استدلّ الشيخ الطوسي على القاعدة بقوله سبحانه: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ والْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)2.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من المماثلة هي المماثلة في جنس الاعتداء فمعنى الآية: اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإنّ «ما» في قوله: (بِمِثْلِ مَا)مصدرية غير زمانية، ومعنى الآية: فإن قتلوا، فاقتلوا وإن أتلفوا مالاً فافعلوا مثله، فالآية ترخّص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم، حتّى لا يخرجوا عن حدود العدل، وأين هي من الدلالة على ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمة، خصوصاً أنّ الآية تركّز على الفعل دون العين .
والأولى أن يستدلّ بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: إنّ مقتضى النبوي أنّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الغاصب ردّه، فما دامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها الشخصية والنوعية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكّن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.3

1. الخلاف:2/402 و403 بتلخيص.
2. البقرة: 194.
3. منية الطالب: 135 .

صفحه 243
فإن قلت: إنّ لازم ما ذكره المحقّق النائيني دفع المثل في القيمي إذا وجد له مثل اتّفاقاً، كما إذا أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه، كما مثّل به الشيخ الأنصاري.
قلت: لا بأس بذلك مثلاً لو كان له فرسان توأمان باعهما شخص آخر بعقدين أحدهما فاسد والآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد فيجب عليه دفع الفرس الآخر الذي عنده، كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة، وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمّة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فلو أمكن تدارك هذه الصفات سوى الشخصية كما في الفرض فيجب دفعه كما يجب على الآخر قبضه.
ولكن لمّا كانت المماثلة في المالية في المثلي نادرة جدّاً التي هي المهمّة، يضمن القيمي بالقيمي ولا يعتدّ بالصفات الصنفية والنوعية، ولذلك قالوا: يضمن القيمي بالقيمة.
وعلى ذلك فلا حاجة إلى إطالة الكلام، خصوصاً أنّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا تختصّ بدائرة الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين أو المقبوض بعقد فاسد، ضمان المثليات بالمثل .
وبذلك تعرف أنّه لا حاجة إلى الكلام في مسألة أُخرى وهي: لو شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، إذ الظاهر أنّ الأمر لا ينتهي إلى الشكّ، والعرف يقضي قضاءً قاطعاً من دون تردّد.
وعلى فرض الشكّ فاللازم ردّ المثل لما مرّ من أنّ اللازم ردّ العين بخصوصياتها الشخصية والصنفية والنوعية، فإذا تلفت العين ولم يتمكّن من

صفحه 244
أداء الخصوصيات الشخصية تجب المحافظة على سائر الخصوصيات: الصنفية والنوعية، مضافاً إلى المالية.
أضف إلى ذلك: أنّ ردّ المثل يُعد خروجاً يقينياً عن الاشتغال دون القيمة، فإنّها تشتمل فقط على مالية التالف، دون الخصوصيات النوعية والصنفية .

الأمر الثاني: لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل

لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمنه فله صورتان:
1. إذا كان السبب ارتفاع قيمة المثل، لكثرة الرغبات والطلبات مع كثرة وجوده فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه، فلاشكّ في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة، مضافاً إلى أنّه لو أراد دفع القيمة يجب عليه أداء قيمة يوم الأداء، كما سيأتي، وهو لا يفارق عن أداء المثل غاية ونتيجة.
نعم لو كان الغلاء لأجل عزّة وجوده وقلته فلا يوجد إلاّ عند من يبيع بأزيد من قيمة المثل، ففي هذه الصورة يلحق المورد بالمعدوم فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلّة لهذا النوع من المثل.
فظهر الفرق بين ارتفاع القيمة مع كثرة وجوده فيضمن المثل، وبين قلّة وجوده إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بقيمة غالية لا تتحمّل.

الأمر الثالث: لو تعذّر المثل في المثلي

لو تعذّر المثل في المثلي بمعنى أنّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، فلا شكّ أنّه يجب عليه دفع القيمة; لأنّ دفع الخصوصيات النوعية والصنفية والشخصية متعذّر، بل الممكن هو دفع مالية

صفحه 245
التالف، ويتحقّق ذلك بدفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمة أي يوم من الأيام، ففيه وجوه:
1. قيمة يوم الاستيلاء.
2. قيمة يوم التلف.
3. قيمة يوم الدفع.
4. أعلى القيم من زمان الاستيلاء إلى زمان الدفع.
والأقوى هو قيمة يوم الدفع، ويدلّ على ذلك أنّ القابض بالاستيلاء على مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة إلى ما تحت يده، وبعبارة أُخرى مسؤول عن العين (لا عن مثلها ولا عن قيمتها) إلى يوم الدفع، كما هو ظاهر قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤديه» أو ما هو بمضمونه، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين على فرض وجودها وتدفع قيمتها إلى البائع، وهذا عبارة أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع .
وإن شئت قلت: إنّ المستولي مسؤول عن العين إلى آخر يوم التراضي وليس مسؤولاً عن القيمة، وإنّما يحصل الانقلاب بالتراضي يوم الدفع، فيجب المنقلب إليه وهو قيمة يوم الدفع، وبذلك يعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّ على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف، وقد عرفت أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف، ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين التلف والأداء .
فلو تمكّن من المثل بعد دفع قيمته فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ الأقوى هو الثاني فإنّ الاتّفاق على أخذ القيمة مكان المثل نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً، سواء وجد المثل بعدُ أم لم يوجد، وليس دفع

صفحه 246
القيمة كبدل الحيلولة إلى أن يتمكّن من ردّ العين; لأنّ القرينة هناك دالّة على أنّ المصالحة مؤقتة، خلاف المقام.
***

لو كان التالف قيمياً

وبما ذكرنا يظهر حكم ما لو كان التالف قيمياً، وفرضنا اختلاف قيمة التالف من يوم الاستيلاء إلى يوم الدفع، فاللازم دفع قيمة يوم الدفع بنفس البيان السابق في المثلي.

توضيحه:

إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذّر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهّد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محلّ العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.
ثمّ إنّي بعد ما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ(قدس سره) لا في المقام حيث يستدلّ على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:
إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على

صفحه 247
العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.1
وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر وقال: إنّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، وإعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمّة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذّر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذّر.2
هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية، فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.
وأمّا ما هو مفاد صحيحة أبي ولاّد، فقد أوضحنا حالها في كتابنا أحكام البيع.3
2. كلّ ما ذكرناه كان راجعاً إلى المغصوب أو المقبوض بدون إذن المالك تحت يد واحدة، وأمّا لو تعاقبت الأيدي الغاصبة أو غير المأذونة على مال الغير، فلاشكّ في أنّ كلّ واحدة من تلك الأيدي تضمن المال الذي وقع

1. كتاب البيع:1/593.
2. تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:96.
3. لاحظ: أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء:1/328ـ 336.

صفحه 248
تحت سيطرتها، إنّما الكلام في أنّ المالك يرجع إلى أي منهم؟ وهذا هو البحث المعروف بتوارد الأيدي، وبما انا استوفينا الكلام فيهما في كتابنا: «أحكام البيع في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء» فنحيل القارئ الكريم إلى الجزء الأوّل منه.
***
تمّ الكلام في قاعدة
على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي

صفحه 249
قاعدة الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدي أو التفريط   
القواعد الفقهية
         15

قاعدة

الأمين غير ضامن

إلاّ بالتعدّي أو التفريط

أُمور تمهيدية:
1. العنوان المذكور قاعدة واحدة لا قاعدتان، كما يظهر من صاحب العناوين.
2. أنّ الأمين غير المستأمن ويختلف حكمهما في بعض الموارد.
3. الكلام في مورد الأمين والمستأمن يقع تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات.
عدم ضمان الأمين ثبوتاً وعدمه إثباتاً عند الاختلاف .
عدم ضمان المستأمن ثبوتاً والاستدلال عليه بوجوه .
حكم المستأمن إثباتاً عند الاختلاف .
دراسة الروايات النافية للضمان والمثبتة له .
هل يجوز اشتراط الضمان على المستأمن والاستدلال عليه بوجوه.
أدلّة القائلين بفساد الشرط
دراسة موارد انتقاض القاعدة.

أُمور تمهيدية

وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر أُموراً تمهيدية:

صفحه 250

1. العنوان المذكور قاعدة واحدة لا قاعدتان

الظاهر أنّ ما جاء في العنوان قاعدة واحدة لا قاعدتان، فالبحث عن المستثنى والمستثنى منه مرّة واحدة، دليل على وحدتهما، إلاّ أنّ السيد المراغي جعلهما قاعدتين، ففي العنوان برقم 65 قال: من جملة أسباب إسقاط الضمان قاعدة الاستئمان. وفي العنوان برقم 60 قال: من جملة أسباب الضمان التعدّي والتفريط، ذكرهما الفقهاء في الأمانات المالكية والشرعية.1

2. الأمين غير المستأمن

إنّ الأمين غير المستأمن; فالأوّل عبارة عمّن ليس له نفع في قبض مال الغير وإنّما قبضه إحساناً وخدمة للمالك، كالودعي وكآخذ اللقطة لأجل إيصالها إلى مالكها، وهكذا المأذون شرعاً كالولي والوصي بالنسبة إلى أموال القصّر والغُيّب والمتوفين، فالأمين في هذه الموارد بمعنى الثقة; وأمّا المستأمن فهو عبارة عمّن استولى على مال الغير بإذن منه للانتفاع به، وهذا كيد المستأجر والشريك وعامل المضاربة والمستعير وعامل المزارعة والمساقاة والوكيل لما في يده من مال الموكّل، فإنّ هؤلاء مستأمنون، أي تلقاه المالك أنّهم أُمناء بمعنى أنّهم ليسوا غاصبين ولا خائنين، وفي الوقت نفسه يمكن أن لا يكونوا ثقات بالمعنى الأوّل. فعلى هذا يجب إفراد البحث عن الأمين، عن البحث عن المستأمن.

3. في ضمان الأمين والمستأمن ثبوتاً وإثباتاً

إنّ البحث في المقام أعني: عدم ضمان الأمين أو المستأمن تارة يرجع

1. العناوين: 2 / 447 و483 .

صفحه 251
إلى مقام الثبوت أي هل الأمين والمستأمن في الشرع محكومان بالضمان أو لا؟ وأُخرى في مقام الإثبات بمعنى أنّه لو تلف واتّفقا على عدم التعدّي والتفريط أو اختلفا فيهما فهل يحكم بالضمان أو لا؟ ولذلك يجب إفراد البحث لكلّ من المقامين، فإنّ قسماً من الروايات يرجع إلى مقام الثبوت وقسماً منها يرجع إلى مقام الإثبات، وربّما يتصوّر التعارض بينهما غفلة عن مصبّ الطائفتين.
4. أنّ الأمانة على قسمين: أمانة مالكية، وأمانة شرعية.
أمّا الأوّل: فهي عبارة عمّا إذا كان التسليط بإذن من المالك في إثبات اليد عليه، وهذا كما في المستأجر وعامل المضاربة والمزارعة والمساقاة والمستعير والقصّار والخياط، إلى غير ذلك، فالمال عند هؤلاء أمانة مالكية.
وأمّا الثاني: فهو عبارة عمّا إذا كان التسليط بإذن من الشارع في إثبات اليد عليه بدون اطّلاع المالك، كيد الملتقط ويد الأولياء على أموال المولّى عليهم من حاكم أو وصي أو أب أو جد أو أمين لأحدهم، فإنّه استئمان من الشرع، وهكذا يد المالك على الزكاة والخمس، واليد على مجهول المالك، والمال المأخوذ من يد سارق أو غاصب من دون اطّلاع على مالك المال.
وعلى هذا فالاستئمان أمر جامع بينهما وهو مَن استولى على مال الغير مأذوناً أمّا من المالك أو من الشارع .
5. قد أطنب غير واحد الكلام في معنى التعدّي والتفريط مع أنّه لم يرد في النص شيءٌ من العنوانين، فلو قلنا بعدم ضمان الأمين أو المستأمن فإنّما نقول في الحدود الّتي أذن له، وأمّا إذا خرج عن حدّ المأذون بأي نحو كان فيكون ضامناً لأنّه تصرّف في مال الغير بلا إذنه، كما في صحيحة أبي ولاّد لمّا

صفحه 252
اكترى بغلاً إلى مكان معيّن ولكنّه تجاوز عمّا اتّفق مع صاحب البغل، فعندئذ سأل الإمام(عليه السلام) بقوله: قلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال: لا لأنّك غاصب، قال: فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق، أليس كان يلزمني؟ قال: نعم (يلزمك) قيمة بغل يوم خالفته .1 فقد حكم الإمام (عليه السلام)بضمان أبي ولاّد مع أنّه كان مستأمناً ومستأجراً لكن لمّا خرج عن حدّ المأذون وركب البغل إلى غير الموضع الذي أكتراه حكم الإمام بالضمان.
إذا عرفت ذلك فلنبحث في موضعين:

الموضع الأوّل: عدم ضمان الأمين ثبوتاً

وأُريد من مقام الثبوت: هو ضمان الأمين عند الاستيلاء على العين في الواقع وعدمه.
قد عرفت أنّ الأمين هنا بهذا العنوان بمعنى الثقة مضافاً إلى عدم وجود نفع له في الاستيلاء على مال الغير، وأوضح الأمثلة هو المودع أو الملتقط وبعدهما الوصيّ والجدّ ووكيلهما، فقد اتّفق الفقهاء على عدم ضمانهم; وذلك لأنّ تضمين هؤلاء في هذه الصورة يستقبح عقلاً وعرفاً، ولعلّ قوله سبحانه: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)2 ناظر إلى هذه الموارد.
وبعبارة أُخرى: أنّ هنا فرقاً بين الأمانة بصفة كونها مجرّدة عن أي نفع، وبين الأمانة المختلطة كما لو كان الدفع لمصلحة الطرفين، مثل الأيدي المستأجرة ومالك المضاربة ونظائرها حتّى العارية، فالتضمين في القسم

1. الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1 .
2. التوبة: 91 .

صفحه 253
الأوّل قبيح عقلاً، فيُلام من حاول تضمين الأمين.
وسبب وضوح الحكم في هذا القسم من الأمانة هو ما دلّت الروايات عليه، نظير:
1. ما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن استودع وديعة فلا ضمان عليه».1
2. ما رواه محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها فهو لها ضامن حتّى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنّه قد خرجت من يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان»2 .
ترى أنّ الإمام يحكم بعدم ضمان صاحب الزكاة أو الوصي إذا لم يجدا من يكون مستحقّاً لها فضاعت، دون ما إذا وجدا مستحقّاً وتساهلا، فيحكم عليهما بالضمان، ومن المعلوم أنّ صاحب الزكاة وهكذا الوصيّ من مقولة الأمانة المجرّدة عن الانتفاع.

في حكم ضمان الأمين إثباتاً

إلى هنا تبيّن أنّ الأمين الذي كانت أمانته مجرّدة عن النفع لا يضمن ثبوتاً، وأمّا إثباتاً فله صورتان:

1. سنن البيهقي: 6 / 289 .
2. الوسائل: 7، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2.

صفحه 254
الأُولى: ما إذا اتّفقا على أنّ التلف كان بسبب خارج عن اختيار الأمين، فيحكم بعدم الضمان تبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت.
الثانية: ما إذا اختلفا فادّعى صاحب المال تعدّي الأمين أو تفريطه وأنكره الأمين، فلو كان للمدّعي البيّنة فهو وإلاّ تعيّن الحلف; لأنّ فصل القضاء إمّا باليمين أو بالبيّنة.وما اشتهر في الكتب وألسن المحصّلين من أنّه «ليس على الأمين إلاّ اليمين» فمورده هنا دون المستأمن، بل يحكم عليه بالضمان عند الاختلاف إلاّ في بعض الصور كما سيوافيك.
***

الموضع الثاني: في المستأمن

قد تقدّم أنّه عبارة عمّن استولى على مال الغير لمصلحته كالمستعير أو لمصلحة الطرفين كالعين المستأجرة، والمضاربة، فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ضمان المستأمن ثبوتاً

وأُريد من مقام الثبوت هو أنّ استيلاء المستأمن على مال الغير موجب للضمان مع قطع النظر عن التلف، أو لا، والظاهر هو الثاني; لأنّ وصف اليد عند الاستيلاء بالضمان فرع أحد أمرين:
أ. كون اليد، يداً عادية لقوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» فإن قلنا بأنّ مورد الحديث هو اليد العادية أعني: يد الغاصب فالموضوع غير منطبق على المورد، وإن قلنا بأنّ اليد في الرواية أعمّ من العادية فيعمّ غير المأذونة من قبل المالك أو من قبل الله تعالى، والمفروض أنّ المستأمن مأذون من قبل الطرفين.

صفحه 255
ب. التغرير فإنّ المغرور يرجع على الغار، والمفروض عدم التغرير في المقام، مضافاً إلى الروايات الخاصّة في غير واحد من الأبواب، وسوف نذكر من كلّ باب رواية واحدة:
1. ما ورد في أبواب العارية; مثل ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنها إلاّ أن يكون اشترط عليه »1.
2. ما ورد في باب الرهن; مثل ما رواه أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقّه على الراهن فأخذه.. الخ»2.
3. ما ورد في باب المضاربة; مثل ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أتجر مالاً واشترط نصف الربح، ليس عليه ضمان ».3
4. ما ورد في أبواب التجارة; مثل ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في حديث: ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة»4.
5. ما ورد في عدم ضمان الأجير; مثل ما روى علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه (يعني أبا الحسن (عليه السلام)): رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً أو غير ذلك، فاشتراه فسرق منه، أو قطع عليه الطريق، من مال مَنْ ذهب المتاع، من

1. الوسائل: 16، الباب 4 من أبواب الوديعة، الحديث 7 .
2. الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب كتاب الرهن، الحديث 7 .
3. الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 2.
4. الوسائل: 13، الباب 32 من أبواب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 256
مال الآمر أو من مال المأمور؟ فكتب (عليه السلام): «من مال الآمر»1.
6. ما دلّ على الضمان عند الاشتراط; مثل ما رواه محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركب بحراً ولا ينزل وادياً، فإن فعلتم فأنتم له ضامنون، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأجاز شرطه عليهم».2
والحديث يدلّ على أنّ طبع العمل يقتضي عدم الضمان إلاّإذا اشترط عليه.
7. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «في الرجل يعطي المال فيقول له: إيت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، فإن تجاوزها وهلك المال فهو له ضامن ».3
والرواية تدلّ على عدم الضمان إلاّ عند التعدّي والتجاوز.
8 . ما رواه أبان بن عثمان، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: وسألته عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يُسرق، أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: «ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً »4.
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في أبواب مختلفة، فالكلّ يدلّ على أنّ المؤتمن بما هو هو، غير ضامن للطوارئ الخارجة عن اختياره. فمصبّ هذه الروايات هو الثبوت.
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في المقام الثاني.

1. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 15 .
2. الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 12.
3. الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 2 .
4. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 5.

صفحه 257

المقام الثاني: حكم الموضوع إثباتاً

أقول: إنّ هاهنا صورتان:
الأُولى: إذا اتّفقا على أنّ التلف بسبب خارج عن الاختيار، فالحكم عدم الضمان لتبعية مقام الإثبات للثبوت، مضافاً إلى ما ورد في الثوب المضاع في الحمّام.
1. روى غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه وقال: إنّما هو أمين».1
2. روى إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام): «أنّ عليّاً كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب به من الثياب لأنّه أخذ الجعل على الحمّام ولم يأخذ على الثياب».2
الثانية: إذا اختلف صاحب المال مع المؤتمن، فاتّهمه بالتعدّي أو التفريط، فهل يضمن أو لا؟
أقول: إنّ الروايات في المقام على طوائف:
الطائفة الأُولى: ما يدلّ على أنّه ليس لصاحب المال اتّهام المؤتمن، منها:
1. ما رواه عبدالله بن جعفر، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ليس لك أن تأتمن من خانك ولا تتهم من إئتمنت».3

1. الوسائل:13، الباب28 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.
2. الوسائل:13، الباب28 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث3.
3. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 9 .

صفحه 258
فإنّ ظاهر الرواية أنّه كان هناك مظنّة نزاع بين المؤتمن وصاحب المال فالإمام (عليه السلام)نهى عن اتّهام المؤتمن.
2. ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل استأجر ظئراً فدفع إليها ولده، فغابت بالولد سنين، ثم جاءت بالولد وزعمت أنّها لا تعرفه، وزعم أهلها أنّهم لا يعرفونه، قال (عليه السلام): «ليس لهم ذلك فليقبلوه إنّما الظئر مأمونة»1.

الطائفة الثانية: ما دلّ على التفصيل بين إقامة البيّنة وعدمها

1. ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أنّه سُرق من بين متاعه، قال: «فعليه أن يقيم البيّنة أنّه سُرق من بين متاعه، وليس عليه شيء، فإن سُرق متاعه كلّه فليس عليه شيء».2
أمّا التفريق بين ذهاب خصوص مال السائل فلم يقبل قول القصّار إلاّ مع البيّنة، وبين ذهاب المال كلّه فيقبل قوله بلا بيّنة، فوجهه أنّ القرينة قائمة على صدق قول المدّعي في الصورة الثانية دون الأُولى.
2. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حمّال يحمل معه الزيت، فيقول: قد ذهب أو أُهرق أو قطع عليه الطريق، «فإن جاء ببيّنة عادلة أنّه قطع عليه، أو ذهب، فليس عليه شيء، وإلاّ ضمن»3.
3. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن رجل جمّال استكري منه إبلاً، وبعث معه بزيت إلى أرض فزعم أنّ بعض زقاق الزيت انخرق

1. الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
2. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 5.
3. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 16.

صفحه 259
فاهراق ما فيه؟ فقال: «إن شاء أخذ الزيت وقال: إنّه انخرق، ولكنّه لا يصدّق إلاّ ببيّنة عادلة»1.
4. ما رواه علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل استأجر دابّة فوقعت في بئر فانكسرت، ما عليه؟ قال: «هو ضامن إن كان لم يستوثق منها، فإن أقام البيّنة أنّه ربطها فاستوثق منها، فليس عليه شيء».2
يلاحظ على هذه الروايات: أنّها محمولة على ما دلّت القرائن على كذب قول الطرف، فصارت مظنّة الخيانة، فلا بأس بالقول بالضمان، والشاهد على ذلك أنّه بعدما يحكم أمير المؤمنين (عليه السلام)بضمان الأجير المشارك يستثني طوائف: إلاّ من سبع أو من غرق أو حرق أو لص مكابر،3 لأنّ مظنّة الإتلاف منتفية في المستثنى.

الطائفة الثالثة: ما يفصّل بين كون الأجير ثقة أو لا؟

وهي كثيرة نذكر منها:
ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الحمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه؟ قال: «إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو له ضامن »4.

1. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.
2. الوسائل: 13، الباب 32 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 4.
3. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 4 .
4. الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 7، وبهذا المضمون لاحظ: الأحاديث 3، و12 من الباب 30، ولاحظ الحديث 3 من الباب 32، ولاحظ الحديث 3 من الباب4.

صفحه 260
وهذه الروايات محمولة على ما في القسم الثاني من وجود أمارات تدلّ على عدم التعدّي والتفريط، ولذلك فرّق بين المأمون وغير المأمون .

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على ضمانه إلاّ إذا حلف

ويدلّ على ذلك ما رواه بكر بن حبيب قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أعطيت جبّة إلى القصّار فذهبت بزعمه؟ قال: «إن اتّهمته فاستحلفه، وإن لم تتّهمه ليس عليه شيء».1
وحصيلة الكلام في هذه الروايات ما يلي:
1. ما يدلّ على عدم الضمان مطلقاً.
2. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا أقام البيّنة على عدم التعدّي والتفريط.
3. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا كان الأجير ثقة أميناً.
4. ما يدلّ على الضمان إلاّ إذا استحلفه وحلف على عدم التعدّي والتفريط.
الإمعان في هذه الطوائف يثبت بأنّ الأصل في مقام الترافع هو الضمان وأنّه لا يمكن الاعتماد على قول الأجير إلاّ أن تكون هنا قرينة تعطي الاطمئنان، نظير:
1. سرقة أموال الأجير والموجر، إذ هو قرينة على صدق قوله .
2. إذا شهدت البيّنة على أنّ التلف لم يكن مستنداً إلى عمل الأجير.
3. إذا كان الأجير ثقة وأميناً، قلّما يتفق أن يكذب.

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 6; ولاحظ الحديث 6 من الباب 30.

صفحه 261
4. إذا حلف على عدم التعدّي.
وعلى هذا فتقيّد الطائفة الأُولى بما ورد في هذه الروايات من التفصيل.
بقي هنا شيءٌ وهو أنّ ما ذكرنا في مقام الثبوت والإثبات فيما إذا لم يثبت تفريط العامل أو الأجير أو المستأجر، وإلاّ فيحكم بالضمان وتدلّ على ذلك الروايات التالية:
1. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن القصّار يفسد؟ فقال: «كلّ أجير يُعطى الأُجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن»1.
2. ما رواه إسماعيل بن أبي الصباح عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الثوب ادفعه إلى القصّار فيحرقه؟ قال: «أغرمه، فإنّك إنّما دفعته إليه ليصلحه ولم تدفع إليه ليفسده».2
3. روى السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:«أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)رفع إليه رجل استأجر رجلاً يصلح بابه، فضرب المسمار فانصدع الباب، فضمّنه أمير المؤمنين (عليه السلام)».3
4. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يُعطي الثوب ليصبغه فيفسده، فقال: «كلّ عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن»4.
***

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.
2. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب التجارة، الحديث 8 .
3. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 10.
4. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 19 .

صفحه 262

هل يجوز اشتراط الضمان على الأمين والمستأمن؟

قد عرفت أنّ الحكم الثبوتي هو عدم الضمان إذا اتّفقا على عدم التعدّي والتفريط من جانب الأجير، وعندئذ يقع الكلام: هل يجوز شرط الضمان على الأجير والحال هذه حتّى يضمن إذا سرق أو غرق، ونحو ذلك، أو لا؟
قال السيد الطباطبائي: العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعيّبها إلاّ بالتعدّي أو التفريط، ولو شرط المؤجر ضمانها على المستأجر بدونهما، فالمشهور عدم الصحّة لكن الأقوى الصحّة وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من مال على تقدير التلف أو التعيب لا بعنوان الضمان.1
وجه كونه أولى لأنّه لا يشترط عليه الضمان حتى يشتغل بما سيوافيك، وإنّما يشترط عليه عملاً كإعطاء مقدار مخصوص نظير إذا اشترط عليه خياطة قميص.
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: اشتراط الضمان على الأمين أي من له صفة الأمانة مجرّدة عن أي نفع، فالظاهر عدم صحّته، لوضوح كونه منافياً لمقتضى العقد عرفاً على نحو يعدّ الاشتراط أمراً قبيحاً يلام المشترط على رؤوس الأشهاد .
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا شرط في الوديعة أن تكون مضمونة، كان الشرط باطلاً، ولا تكون مضمونة بالشرط، وبه قال جميع الفقهاء إلاّ عبيد الله ابن الحسن العنبري فإنه قال: تكون مضمونة. دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع

1. العروة الوثقى:5/61، كتاب الإجارة.

صفحه 263
الأُمّة; لأنّ خلاف العنبري قد انقرض، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ليس على المستودع ضمان» ولم يفصّل 1.
الثاني: اشتراط الضمان على المستأمن: أي تلقّاه أميناً حسب فعله
وإن لم تثبت أمانته واقعاً، وهذا هو محلّ البحث كالمستأجر والمستعير وغيرهما فقد نسب إلى المشهور فساد الشرط، وذهب السيد المرتضى (2) والأردبيلي 2، وصاحب الرياض 3 إلى الصحّة، ويكفي في القول بها، عموم أدلّة نفوذ الشروط من قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم»، وكأنّه ملازمة بين الإيمان والعمل بالشروط، لكن بشرط أن لا يكون في المقام مانع عن نفوذه، ولذلك تجب علينا دراسة أدلّة القائلين بالفساد.

أدلّة القائلين بفساد الشرط

استدلّ القائلون بالفساد بوجوه أربعة:

1. التضمين مخالف للإطلاقات

الإطلاقات المتضافرة الدالّة على أنّه ليس على المؤتمن ضمان، وقد مرّت الروايات عند دراسة ضمان المؤتمن في مقام الثبوت فلاحظ.
والجواب واضح، لأنّها ناظرة إلى بيان طبع العقد، وأنّه لا يقتضي الضمان بخلاف البيع، لا أنّه يقتضي عدم الضمان .
وبعبارة أُخرى: إنّ عقد الإجارة بما هو هو لايقتضي ضمان العين

1. الخلاف: 4 / 171، المسألة 2.   2 . الانتصار: 467 .
2. مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 96 .
3. رياض المسائل: 9 / 200 .

صفحه 264
المستأجرة، وأمّا أنّه لا يقتضي الضمان حتّى مع الاشتراط فالروايات منصرفة عنه لتقدّم أحكام العناوين الثانوية (الاشتراط) على العناوين الأوّلية (عقد الإجارة بما هو هو).

2. التضمين مخالف لمقتضى العقد

بما أنّ مقتضى عقد الإجارة عدم الضمان فشرط التضمين مخالف لمقتضى عقدها، وكلّ شرط كذلك فهو فاسد ومفسد.
يلاحظ عليه: أنّه مخالف لمقتضى العقد المطلق، لا مقتضى مطلق العقد. توضيحه: أنّه فرق بين الأثر المترتّب على مطلق العقد في عامّة الصور وبين الأثر المترتّب على صورة واحدة وهي ما إذا كان العقد مطلقاً لا مقيّداً.
أمّا الأوّل أي الأثر المترتّب على مطلق العقد في عامّة الحالات، فهذا نظير وجود الثمن في البيع والأُجرة في الإجارة، فمثل هذا لا يمكن شرط عدمه، فلو باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة فالشرط فاسد والعقد باطل، وذلك لأنّ البيع مبادلة مال بمال والإجارة تسليط المستأجر على العين في مقابل أُجرة، فالبيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة يلازم نفي حقيقتهما، ولذلك لا يصحّ شرط عدمهما.
وأمّا الثاني أعني: الأثر المترتّب على العقد في حالة الإطلاق لا في عامّة الحالات فهذا نظير كون الثمن نقداً، فلو اشترط تأخير الثمن يكون نافذاً، إذ ليس فيه شيء ينافي ماهية البيع وإنّما ينافي إطلاقه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المقام من قبيل القسم الثاني فإنّ عقد الإجارة لا يقتضي ضمان المستأجر العين، لأنّ الضمان رهن أحد أُمور ثلاثة:

صفحه 265
1. كون الاستيلاء عدوانياً.
2. كون المستأجر غارّاً.
3. كونه متلفاً.
والمفروض انتفاء كلّ ذلك، وأمّا أنّه يقتضي عدم الضمان فلا ولذلك يصحّ تضمينه، ولا يُعد اشتراط الضمان نفياً لماهية الإجارة.

3. شرط التضمين كشرط النتيجة

كلّ أمر شرعي له سبب خاص، يجب على الإنسان أن يسلك طريقه وذلك كالنكاح والطلاق، فإنّ الشارع جعل لكلّ سبباً خاصّاً; مثلاً قال في الطلاق: إنّما الطلاق أن يقول الزوج: أنت طالق، ومثله باب الوقف، فإن جعل شيء موقوفاً يحتاج إلى سبب خاص، فمثل هذه الأُمور لا تتحقّق بالشرط في ضمن عقد، فلو شرط في ضمن البيع والإجارة كون الزوجة مطلّقة أو كون ماله وقفاً يكون الشرط فاسداً، والتضمين من هذا القبيل يحتاج إلى سبب خاص لا يتحقّق بالشرط.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الكبرى أمر مسلّم وهو أنّ كلّ مجعول شرعي أو عقلائي رهن سبب خاصّ، لا يتحقّق بالشرط كما مثّل، وأمّا كون الضمان على عهدة المستأجر من مصاديق هذه الكبرى، فليس بواضح، ويشهد على ذلك صحّة الاشتراط في العارية، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون قد اشترط عليه».1

1. الوسائل:13، الباب 1 من أبواب كتاب العارية، الحديث1.

صفحه 266
ثمّ كيف لا يصحّ ضمان العين بالاشتراط مع أنّ الضمان ليس بأصعب من الميراث وقد دلّت الروايات على توريث المتمتع بها عند الاشتراط; روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: «تزويج المتعة نكاح بميراث، ونكاح بغير ميراث، إن اشترطت كان، وإن لم تشترط لم يكن».1

4. «المؤمنون عند شروطهم» ليس بمشرّع

وهنا دليل رابع ذكره السيد الخوئي(رحمه الله) وحاصل كلامه: أنّ قول الرسول(صلى الله عليه وآله): «المؤمنون عند شروطهم» ليس مشرّعاً، وإنّما يلزم العمل بالشرط إذا ثبتت مشروعيته من ذي قبل، وإلاّ فالحكم لا يثبت موضوعه.
هذا حاصل كلامه وإليك نصّه، قال: إنّ الشرط الصحيح يرجع إلى أحد أمرين: إمّا تعليق الالتزام بالعقد بتحقّق وصف أو أمر خارجي كمكاتبة العبد، والمقام ليس من هذا القبيل، أو تعليق أصل العقد على الالتزام بشيء، فيجب الوفاء به بمقتضى عموم «المؤمنون» وعليه فيعتبر في مورد الشرط أن يكون شيئاً قابلاً لتعلّق الالتزام به بأن يكون داخلاً تحت قدرة المشروط عليه واختياره، ومن الواضح أنّ الضمان الذي معناه: كون التلف في عهدة الشخص وكون الذمّة مشغولة بمثل التالف أو قيمته، حكم شرعي أو عقلائي مجعول بأسباب خاصّة ولا يكاد يتحقّق بجعل الشارط ولا بالتزام المشروط عليه لخروجه عن اختيار المتعاقدين... إلى أن قال: إنّ ما هو خارج عن اختيار المشروط عليه راجع إلى الشارع والمقنّن كالمجعولات الشرعية الّتي منها الضمان فليس للشارط تغيير القانون وتبديله ولا يكاد يشمله عموم

1. الوسائل:14، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث1.

صفحه 267
«المؤمنون» بوجه لعدم كون الشرط مشرِّعاً ولا موجداً لحكم لم يكن مشروعاً في حدّ نفسه 1.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ التضمين من الأُمور الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء في موارد خاصّة ويكفي في صحّتها شرعاً، عدم ردعها في الشرع كسائر العقود والإيقاعات، والمفروض عدم ورود المنع، فيصحّ التمسّك في لزومه شرعاً بالنبوي.
ولذلك نرى أنّ الفقهاء يتمسّكون به إذا لم يكن الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة من دون أن يتبادر إلى أذهانهم عدم كون النبوي مشرّعاً .
وثانياً: يمكن للعاقد المشترط أن يعبّر عن هذا الشرط بإنشاء الضمان ويقول: آجرتك هذه الدابة وأنت ضامن إذا تلفت تحت يدك من غير تعدّ ولا تفريط، وهذا غير ما أشار إليه السيد الطباطبائي اليزدي في مقام التصحيح حيث قال في متن العروة: وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان.

موارد انتقاض القاعدة

قد عرفت عدم ضمان المؤتمن لما قبضه عند التلف بغير تعدّ ولا تفريط، غير أنّ السيد المراغي في عناوينه قال: إنّ القاعدة منقوضة بعدّة موارد، وهو وإن أجاب عنها بوجه غير ناهض لكن نحن ندرس كلّ واحد على وجه الاستقلال:

1. المستند في شرح العروة الوثقى: 30 / 225 ـ 226، موسوعة السيد الخوئي.

صفحه 268
1. حكمهم بضمان المقبوض بالسوم، قال العلاّمة في «التحرير»: المقبوض بالبيع الفاسد مضمون، وكذا المقبوض بالسوم.1
إنّما الكلام في دليل المسألة، فقال السيد المراغي: الدليل قوله: «على اليد ما أخذت» وهو كماترى; لأنّ القدر المتيقّن من الرواية هو الغاصب أو غير المأذون من المالك، والمفروض أنّه مأذون منه.
قال الشيخ في «النهاية»: ومَن اشترى من رجل عبداً وكان عند البائع عبدان، فقال للمبتاع: اذهب بهما فاختر أيّهما شئت وردّ الآخر، و]البائع [قبض المال، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده، فليرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن ممّا أعطى ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار حينئذ أيّهما شاء وردّ النصف الذي أخذه، وإن لم يجده كان العبد بينهما نصفين.2
ثمّ إنّ الشيخ استند في كلامه هذا على رواية محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبداً وكان عنده عبدان، فقال للمشتري: اذهب بهما فأختر أيّهما شئت ورد الآخر، وقد قبض المال، وذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده؟ قال(عليه السلام): «ليردّ الذي عنده منهما، ويقبض نصف الثمن ممّا أعطى من البيع، ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده اختار أيهما شاء، وردّ النصف الذي أخذ; وإن لم يوجد كان العبد بينهما، نصفه للبائع ونصفه للمبتاع».3

1. تحرير الأحكام: 4 / 526 .
2. النهاية:411.
3. الوسائل:13، الباب16 من أبواب بيع الحيوان، الحديث1.

صفحه 269
قال ابن إدريس: الرواية مخالفة لأُصول مذهب أصحابنا وفتاويهم وتصانيفهم وإجماعهم; لأنّ المبيع إذا كان مجهولاً كان البيع باطلاً بغير خلاف، وقوله:«يقبض نصف الثمن ويكون العبد الآبق بينهما ويردّ الباقي من العبدين» فيه اضطراب كثير وخلل كبير، إن كان الآبق الذي وقع عليه البيع فمن مال مشتريه والثمن بكماله لبائعه، وإن كان الآبق غير من وقع عليه البيع والباقي]هو [الذي وقع عليه البيع فلأيّ شيء يردّه؟».1
وحاصل إشكاله: أنّ للمسألة ثلاث صور:
الأُولى: إذا كان البيع مجهولاً فالبيع باطل من رأس.
الثانية: إذا كان المبيع هو الآبق فذهب من مال المشتري، فلابدّ أن يرد نصف الثمن إلى البائع.
الثالثة: إذا كان المبيع هو الباقي فالبيع صحيح ولا معنى لأخذ النصف.
أقول: أمّا الرواية ففي سندها ابن أبي حبيب وهو ليس كثير الرواية، ولم يوثّق خصوصاً، نعم روى عنه ابن أبي عمير بسند صحيح في «الوافي»، فلا يمكن الاستناد بمثل هذه الرواية، فثبت أنّ المقبوض بالسوم غير مضمون إذا تلف. خصوصاً أنّ الرواية خارجة عن المقام; لأنّ المفروض أنّ المقبوض بالسوم بعدُ، لم يملكه المشتري بخلاف ظاهر الرواية.
2. حكمهم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد فإنّهم أجروه مجرى الغصب إلاّ في الإثم إذ كان جاهلاً بالفساد ومع أنّ القابض مأذون من قبل المالك.

1. السرائر:2/350.

صفحه 270
يلاحظ عليه: أنّه خارج عن موضوع الأمانات المالكية لأنّها عبارة عن أن يأذن المالك للقابض في قبض مال المالك الآذن، وأمّا المقبوض بالعقد الفاسد فإنّ المالك أقبض ماله للمشتري باعتبار أنّه ماله وأنّه ملك بالعقد وأنّ العقد صحيح. فأين هو من باب الأمانات؟!
3. صاحب اليد مأذون في الصدقة إذا كان المأخوذ مجهول المالك مع أنّه ضامن.
يلاحظ عليه: أنّه مالم يتصدّق ليس بضامن وإنّما يضمن إذا أتلفه بأن يصدقه عن صاحب المال والضمان في هذه الصورة خارج عن موضع القاعدة.
4. أنّ آكل المال في المخمصة مأذون في الأخذ مع أنّه ضامن.
يلاحظ عليه: أنّه مأذون من باب الأمر بالأخذ بشرط الضمان، ودفع مثل ما أكل عند التمكّن.
وإن شئت قلت: إنّ المورد على خلاف الصدقة فهناك لم يكن ضامناً وإنّما يضمن عند الإتلاف، وأمّا الأكل في المخمصة فالقابض ضامن بالقبض من أوّل الأمر.
5. أنّ كلاًّ من الصائغ والطبيب ونحوهما مأذون في التصرّف في المال مع أنّه ضامن لما تلف في يده عندهم، ونحوهما الملاح والمكاري والأجير.1
يلاحظ عليه: بأنّ البحث مركّز على الضمان في صورة التلف، وهؤلاء

1. العناوين: 2 / 483، العنوان65.

صفحه 271
لم يكتب عليهم الضمان عند التلف وإنّما يضمنون عند الإتلاف، وهو خارج عن محطّ البحث.
ثم إنّ السيد المراغي أجاب عن جميع الإشكالات وقال: إنّ الاستئمان عبارة عن إذن المالك أو الشارع في قبض المال أو التصرّف فيه لمصلحة المالك لا لمصلحة القابض نفسه ولا للمركّب منهما، فهذه الأمثلة ليست كذلك، فإنّها إمّا لمصلحة القابض أو للمركّب منهما.1
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الأمين والمستأمن، ولو صحّ ما ذكر لاختصّ عدم الضمان بالودعي، مع أنّ الأصحاب عمّموا القاعدة للأجير والوكيل والعامل في المضاربة والساقي في المساقاة، ومن المعلوم أنّ القبض في هذه الموارد لمصلحة القابض أو للمركّب منهما.
***
تمّ الكلام في قاعدة
الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدّي أو التفريط

1. العناوين: 2 / 484 .

صفحه 272
قاعدة المغرور يرجع إلى الغار   
القواعد الفقهية
      16

قاعدة

المغرور يرجع إلى الغارّ

الأسباب العامّة للضمان
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة:
   1. النبوي الشريف: «المغرور يرجع إلى مَن غرّه»
   2. ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
   3. بناء العقلاء
مفاد القاعدة
فيما إذا كان الغارّ متعدّداً
لا فرق في الرجوع بين العين والمنافع
تطبيقات القاعدة
ذكر الفقهاء للضمان أسباباً أهمها مايلي:
1. «اليد» للنبوي المشهور :«على اليد ما أخذت حتى تؤدي».
2. «الإتلاف» أعني قولهم :«مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن».
3. «الغرور» وقد أشتهر قولهم :«المغرور يرجع إلى الغارّ».
وللضمان أسباب أُخرى كالأمر بعمل محترم فالآمر ضامن بقيمة العمل، أو الأمر بإلقاء مال إلى البحر لتخفّ الفلك. أو الإقدام بتملّك شيء

صفحه 273
بالعوض لا بالمجانّ، وسيأتي تفصيله في قاعدة «مايضمن»، إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة في محلّها، وما نحن بصدد بيانه هو تبيين القاعدة المعروفة :«المغرور يرجع إلى الغارّ» التي لها جذور في الروايات المتضافرة في باب النكاح، إذا كان مقروناً بالتدليس ، وباب شهادة الزور إذا رجع الشاهد بعد الحكم ،و مثّلوا لها بأمثلة نظير:
لو قدّم لك شخص طعاماً لتأكله مجاناً أو دابة لتركبها ،ثم ظهر أنّهما لغيره ،فللمالك أن يرجع إليك بالقيمة أو الأجرة لقاعدة الإتلاف، ولك أن ترجع بما دفعت على من غرّك أو أغراك بأنّه طعامه وقد بذله لك، أو أنّها دابته وقد أحلّ لك ركوبها.
و بعبارة أُخرى: كلّ غرامة وردت على جاهل بالواقع كان منشؤها شخصاً آخر بحيث كان تدليسه سبباً لذلك، فهو ضامن لها.
ثم إنّه يقع الكلام في أُمور:

1. تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مركّبة من أُمور ثلاثة، والمهم منها تفسير لفظة «غرّ».
أمّا اللغة فذُكر في «اللسان»: غرّ يغر غِرّاً وغُرّة وغروراً :خدعه وأطمعه بالباطل1، و المادّة تدلّ على وجود الخدعة في المقام ،و بذلك يعلم أنّ النبوي الوارد في النهي عن بيع الغرر عبارة عن البيع الذي فيه الخدعة والتدليس ولاصلة له بالبيع المجهول ،فمن فسّر الغرر بالضرر والجهل فقد غفل عن معناه الحقيقي.

1. لسان العرب:5/11، مادة «غرر».

صفحه 274

2. دليل القاعدة

قد استدلّ على القاعدة بمايلي:
الدليل الأوّل: النبويّ المعروف: «المغرور يرجع إلى من غرّه»
وقد أرسلوه في الكتب الفقهية إرسال المسلّمات، ولم نعثر على ذكر له في كتب الحديث إلاّ ما ذكره البيهقي في سننه ناقلاً عن الشافعي: أنّهم (أي الإمام علي(عليه السلام) وعمر وابن عباس) قضوا في المغرور يرجع بالمهر على من غرّه.1
وذكره ابن الأثير في «النهاية».(2)
والظاهر أنّ القاعدة مأخوذة من بناء العقلاء حيث إنّ المتضرّر يرجع إلى مَن أوقعه في الضرر إذا كان المتضرّر جاهلاً، وعلى كلّ تقدير ففيما يأتي من الأدلّة غنى وكفاية.
الدليل الثاني: ما روي عن ائمة أهل البيت(عليهم السلام) في مورد النكاح وشهادة الزور
أمّا الأوّل: فإليك نقل المهم منها:
1. صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : في رجل تزوّج امرأة من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها، قال: فقال: «إذا دُلّست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فإنّها تردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها».2

1. السنن الكبرى: 7 / 219 .   2 . النهاية في الحديث والأثر:3 / 356، مادة «غرر».
2 . الوسائل:14،الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس،الحديث 1.

صفحه 275
العفلاء: المرأة التي يخرج في قبلها شيء يمنع عن وطئها.1 والزمانة: العاهة والآفة، ورجل «زمن» أي مبتلى، بيّن الزمانة كعدم بعض الأعضاء، أو تعطيل القوى. ويقال: زمن الشخص زمناً وزمانة فهو زمن، وهو مرض يدوم زماناً طويلاً.(2)
وقوله: «دلِّست» يُقرأ بصيغة المجهول بشهادة ذيل الحديث:«من وليها الذي كان دلّسها» فهو يدلّ على أنّ المدلّس هو الولي لا الزوجة، والمورد ممّا يفسخ بلا طلاق.
2. معتبرة رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبدلله(عليه السلام) عن البرصاء؟ فقال:«قضى أميرالمؤمنين(عليه السلام) في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء، أنّ لها المهر بما اُسْتحلَّ من فرجها، وأنّ المهر على الذي زوّجها وإنّما صار عليه المهر لأنّه دلّسها».2
و الروايتان كافيتان في المقام; لأنّ قوله في الرواية الأُولى: «كان دلّسها» وفي الثانية: «لأنّه دلّسها» من قبيل التنصيص بالعلّة التي تستفاد منها ضابطة كلّية وأنّ كلّ مورد ينطبق عليه عنوان التدليس وتضرّر به شخص فالضرر يستقرّ على المدلِّس.
3. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«في كتاب علي (عليه السلام): مَن زوّج امرأة فيها عيب دلّسه ولم يبيّن ذلك لزوجها فإنّه يكون لها الصداق لما استحلّ من فرجها، ويكون الذي ساق الرجل إليها، على الذي زوّجها ولم يبيّن».3

1. مجمع البحرين:5/424، مادة «عفل».   2 . مجمع البحرين:6/260، مادة «زمن».
2 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 2.
3 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 7.

صفحه 276
أقول: يراد من الموصول الأوّل «الذي ساق الرجل إليها»: المهر، ومن الموصول الثاني «الذي زوجها»: الولي.
4. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إنّما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل» ، قلت: أرأيت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال: المهر لها بما استحل من فرجها ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها»1.
وإطلاق الرواية محمول على ما إذا كان هناك تدليس; وذلك لأنّ الولي يعلم قطعاً أنّ الّتي يزوّجها، لها أحد هذه العيوب، ومع ذلك سكت عنها، فالسكوت تدليس في المقام، لأنّ المتزوّج يحمل سكوته على أنّ المورد فاقد لهذه العيوب.
5. ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أوعرجاء أو برصاء، قال: «ترد على وليّها ويكون لها المهر على وليّها»2.
و الكلام في هذه الرواية كالكلام في سابقتها، وأنّ الإطلاق محمول على التدليس بالبيان السابق.
6. ما ورد في «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام)أنّه قال: «ترد المرأة من القرن، والجذام، والجنون، و البرص، وإن كان دخل بها فعليه المهر، وإن شاء أمسك وإن شاء فارق، ويرجع بالمهر على من غرّه بها، وإن كانت هي التي

1 . الوسائل14، الباب 2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 5.
2 . الوسائل14، الباب2 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 6.

صفحه 277
غرّته رجع به عليها، وترك لها أدنى شيء ممّا يستحلّ به الفرج».1
و الرواية لا تخلو من بيان العلّة وأنّ الغرور هو السبب للرجوع .
إلى غير ذلك من الروايات في أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح، فراجع.2
وأمّا الثاني: أي ما ورد في شهادة الزور، فهي:
7. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) في شاهد الزور، ما توبته؟ قال: «يؤدّي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف أو الثلث إن كان شهد هذا وآخر معه».3
8 . صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبدالله(عليه السلام) في شاهد الزور؟ قال: «إن كان شيء قائماً بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائماً ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل».4
9. مرسلة الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله(عليه السلام)في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعدما قتل الرجل؟ قال: «إن قال الرابع (الراجع): أُوهمتُ، ضرب الحد وأُغرم الدّية، وإن قال: تعمّدتُ، قتل»5.
ومورد الاستدلال هو قوله: «أُغرم الدية» لأنّه صار سبباً لقتل الرجل.

1. مستدرك الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 6.
2 . لاحظ: الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 1 و2.
3 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1.
4 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 2.
5. الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1 .

صفحه 278
10. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في رجل شهد عليه رجلان بأنّه سرق، فقطعت يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنّما شبّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر».1
والمراد بنصف الدية هو خمسمائة دينار وهي دية اليد الواحدة وهو نصف دية الإنسان الكاملة.
و ربما يردّ الاستدلال بما ورد في شاهد الزور بأنّه خارج عن مورد النزاع وهو ما إذا كان التدليس والتغرير هو السبب الوحيد للضمان، وأمّا في مورد شاهد الزور فضمانه لأجل الإتلاف; و ذلك لأنّ الإتلاف وإن كان بحكم القاضي ومُجري حكمه، لكن السبب هنا أقوى من المباشر، إذ لولا شهادته لما أقدم القاضي على الحكم بالقطع، فعلى هذا فالضمان لأجل الإتلاف وهو ينسب إلى الشاهد لأنّه أقوى من المباشر لأجل التدليس .
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الإتلاف هو الإتلاف المباشري، وشاهد الزور لا يوصف بكونه متلفاً إتلافاً مباشرياً، واستقرار الضمان عليه لغاية تدليسه أو كذبه أو اشتباهه.
و حصيلة الكلام: أنّ الحكم بضمان شاهد الزور لغاية التغرير ولا يصدق عليه كونه متلفاً.

1. الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب كتاب الشهادات. الحديث 1،ولاحظ الحديث 2 و3 أعني ما رواه السكوني عن علي (عليه السلام).

صفحه 279

الدليل الثالث: بناء العقلاء

جرت سيرة العقلاء في عامّة الأعصار على مؤاخذة من غرّ رجلاً، وصار تغريره سبباً لتضرّر الشخص، فيؤخذ الغارّ بجبر ضرر المغرور، ولعلّ الروايات المتقدّمة إمضاء لسيرة العقلاء، والشاهد عليه هو التعليل الوارد فيها.
هذا هو المهم في الباب وأمّا الاستدلال بالإجماع فضعيف جدّاً; وذلك لأنّ المجمعين إنّما صدروا عن بناء العقلاء أو عن الروايات الواردة في باب النكاح وشهادة الزور. نعم من تتبّع أبواب الفقه يجد أنّ القاعدة كانت أمراً مسلّماً بينهم.

3. مفاد القاعدة

إنّ للقاعدة صوراً أربع:
أ. إذا كان الغارّ والمغرور عالمين بالواقع.
ب. إذا كان الغارّ جاهلاً والمغرور عالماً.
ج. إذا كان الغارّ عالماً والمغرور جاهلاً.
د. إذا كان كلّ منهما جاهلاً.
ولا شكّ أنّ الصورتين الأُولتين خارجتان عن مصبّ البحث لعدم صدق التغرير بعد كونهما عالمين بالواقع، فنفترض أنّ الولي يمدح المرأة التي يريد تزويجها ويخفي المرض الذي يوجب الفسخ، وكان الزوج عالماً بحالها من ابتلائها بالبرص وغير ذلك، فلا يقال إنّ الولي غرّر الزوج; والثاني أيضاً مثله، لعدم صدق الغرر كذلك; وأمّا الثالثة فهي المورد المتيقّن للروايات، فالولي مع علمه بما عليه المرأة مثلاً يغرّر ويمدحها بشكل يتصوّر

صفحه 280
الزوج أنّها امرأة حسناء بريئة من العيب، والزوج جاهل.
إنّما الكلام في الصورة الرابعة، أي فيما إذا كانا جاهلين، فهل يصدق أنه غرّه وخدعه أو لا؟ وجهان:
1. من أنّ الخدعة ليست من العناوين القصدية التي تتوقّف على العلم كالقيام للتعظيم والقعود للتحقير، فإذا قام بمدح بنته على نحو سبَّب رغبة الزوج بها مع ما فيها من العيوب التي تسقطها من القيمة، يصدق أنّه غرّه.
2. أنّ الغرر فسّر بالخدعة والحيلة، ومن المعلوم أنّ الإنسان الجاهل غير القاصد لا يقال عنه أنّه احتال وخدع. نعم لا يبعد أن يكون الحكم شاملاً لهذه الصورة، ملاكاً.
إنّ الجاهل بالموضوع وإن لم يكن غارّاً، لكن النتيجة بين صورة الغرور وعدمه واحدة، وهو تضرّر الطرف بفعل الرجل الجاهل.
وإن شئت قلت: إنّ الجهل سبب لرفع الحكم التكليفي أعني: الحرمة والعقاب وأمّا الحكم الوضعي، أي كون الرجل سبباً للخسارة، فهي غير مرفوعة.
ولقد أحسن السيد المراغي في المقام فقال: وأمّا لو كان جاهلاً في الواقع كمن اعتقد أنّه مال نفسه فبذله لغيره فتبيّن أنّه مال الغير فهل يصدق عليه الغارّ أم لا؟ احتمالان، ومثله مالو زعم أنّه مأذون في الدفع، أو اعتقد أنّه وكيل ونحو ذلك من الطرق الرافعة للضمان باعتقاده فبان خطأه. والذي يقوى في النظر حينئذ: أنّ ذلك أيضاً يعدّ غروراً، فإنّ فعله قد غرّ الآخذ الثاني، و إن كان هو أيضاً غير عالم بالواقع، وتغرّره بنفسه لا ينافي كونه غارّاً لغيره، وإن