welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 201
«التهذيب» بل قيل: إنّ عليه الأكثر، وفي «البداية»: إنّه قول مشهور لنا ولمخالفينا، إلاّ ما خرج بالدليل كرؤية الهلال وغيرها.
الثاني: عدم الكفاية وتعيّن العدلين وهو خيرة آخرين، منهم المحقّق ومَن تبعه ومنهم سيد المدارك .1
ولكنّ الحق هو القول الأوّل وقد استدلّ عليه بوجوه نذكرها تباعاً :

أدلّة القائلين بحجّية خبر الواحد في الموضوعات

الأوّل: الاستدلال على القاعدة بالقرآن الكريم
1. آية النبأ: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )2.
فلو دلّت الآية على حجّية قول الثقة عن طريق المفهوم وصفاً كان أو شرطاً، فإطلاقها يعمّ الموضوعات والأحكام، والذي يؤيّد ذلك أنّ مورد الآية هو الموضوعات حيث أخبر الوليد عن ردّة قبيلة بني المصطلق فنزلت الآية ردّاً لإخباره، فإخراج الموضوعات عن تحت المفهوم أمر لا يرضى به العرف.
بل يمكن الاستدلال بالتعليل الوارد في الآية أعني قوله تعالى: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)وقد قلنا في محلّه: إن المراد بالجهالة ليس هو عدم العلم بوجوده في خبر الثقة أيضاً، بل الأمر الذي لا يرتضيه العقلاء، الذي نعبّر عنه في الفارسية بـ «نادانى» ومن المعلوم أنّ الاعتماد على قول الثقة في الموضوعات ليس أمراً على

1 . مقباس الهداية: 88 .
2. الحجرات: 6 .

صفحه 202
خلاف ما عليه العقل والعقلاء.
والتفكيك في مفاد الآية بين الأحكام فيقبل قوله، والموضوعات فيردّ، تفكيك لا يقبله الذوق السليم.
2. آية المنع
نعم ربّما يستدلّ على حجّية قول الثقة في الموضوعات بقوله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ )1.
ببيان أنّه إذا حرم على الشاهد الكتمان أو وجب عليه البيان لزم القبول، وإلاّ كان الأمر بالبيان أمراً لغواً.
يلاحظ عليه: بأنّه إنّما تلزم اللغوية لو لم يترتّب عليه أثر أصلاً، وأمّا إذا ترتّب عليه الأثر بضمّ اليمين أو بضمّ شاهد آخر فلا يكون الأمر بالبيان لغواً، فإنّ الشاهد الواحد يشهد على ما شهده، ثم القاضي ينتظر، فإذا شهد شاهد آخر، أو كان الموضوع ممّا يُقبل فيه الشاهد الواحد مع اليمين، يترتّب عليه الأثر .

الثاني: الروايات الواردة في أبواب متفرّقة

وهذه الروايات على طوائف:

الأُولى: ما ورد في أنّ المؤذّن مؤتمن

1. روى عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جدّه، عن عليٍّ(عليه السلام) قال: «المؤذّن مؤتمن والإمام ضامن».(2)

1. البقرة: 283 .   2 . الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث2.

صفحه 203
فإذا كان المؤذّن أميناً فلازم ذلك حجّية قوله. نعم الإمام ضامن لقراءة المأموم حيث يتحمّلها عنه.
2. روى الصدوق، قال: قال الصادق(عليه السلام) في المؤذّنين:«إنّهم الأُمناء».1
3. وروى الصدوق أيضاً بإسناده عن بلال قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول:«المؤذّنون أُمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم».2
4. يظهر ممّا رواه الفقيه عن الفضل بن شاذان فيما ذكره الإمام الرضا(عليه السلام)من العلل قال:«إنّما أُمر الناس بالأذان لعلل كثيرة منها أن يكون تذكيراً للناس، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه».3

الطائفة الثانية: حجّية قول البائع للأمة

1. روى المحدّث النوري عن «فقه الرضا(عليه السلام)» قال:«إن كان البائع (للأمة) ثقة وذكر أنّه استبرأها جاز نكاحها من وقته، وإن لم يكن ثقة، استبرأها المشتري بحيضة».4
2. روى الشيخ بإسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله(عليه السلام)في الرجل يشتري الأمة من رجل، فيقول: إنّي لم أطأها، فقال: «إن وثق به فلا بأس أن يأتيها».5

1. الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث6.
2. الوسائل:4، الباب3 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث7.
3. الوسائل:4، الباب19 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث14.
4. مستدرك الوسائل:13/373، الباب 9 من أبواب بيع الحيوان، الحديث4.
5. الوسائل:14، الباب6 من أبواب العبيد والإماء، الحديث1.

صفحه 204
فإن قلت: إنّ حجّية قول البائع لأجل كونه ذا يد، والبحث مركّز على حجّية قول الثقة وإن لم يكن كذلك.
قلت: الإمام(عليه السلام) ركّز على كون البائع ثقة لا على كونه ذا يد، فيعلم منه أنّ المناط الوثوق لا كونه صاحب يد.

الطائفة الثالثة: حجّية قول الثقة في ادعاء الزوجية

روى سماعة قال: سألت(الإمام(عليه السلام)) عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة، فقال: إنّ هذه امرأتي وليست لي بيّنة، فقال: «إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه».1
فإن قلت: لعلّ القبول لأجل لزوم الاحتياط في الأعراض.
قلت:الإمام (عليه السلام) ركّز على الوثاقة، وإلاّ يلزم القبول في كلتا الحالتين سواء أكان الرجل ثقة أو لا.

الطائفة الرابعة: قبول قول الثقة في عزل الوكيل

روى الصدوق عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الأُمور وأشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال: إشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة... إلى أن قال الإمام(عليه السلام):«إنّ الوكيل إذا وكّل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبداً، والوكالة ثابتة حتّى يبلغ العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة».2

1. الوسائل:14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث2.
2. الوسائل:13، الباب2 من أبواب كتاب الوكالة، الحديث1.

صفحه 205

الطائفة الخامسة: في قبول شهادة القابلة على حياة المولود

روى عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الأرض، ثمّ مات؟ قال: «على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام».1

الطائفة السادسة: قبول قول المرأة في الوصية

روى الربعي عن أبي عبد الله(عليه السلام) في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي ليس معها رجل، فقال: «يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها».2
وقد تضافرت الروايات على ذلك.3
هذا ما وقفنا عليه في الباب، وربما يستدلّ بروايتين غير ناهضتين هما:
أ. خبر عبد الله بن بكير، إذ سأل الصادق(عليه السلام) عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه، وهو لا يصلّي فيه؟ قال: «يعلمه ذلك» قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».4
ولكن الاستدلال بالحديث الأخير مشكل:
أوّلاً: يمكن أن يكون قبول قوله من باب إخبار ذي اليد بالنجاسة، وهو غير مسألتنا، فإنّ الموضوع فيها حجّية خبر العدل عن موضوع وإن لم يكن تحت يده.

1. الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث6.
2. الوسائل:13، الباب22 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1.
3. لاحظ: الوسائل:13، الباب22 من أبواب كتاب الوصايا.
4. الوسائل:2، الباب74 من أبواب النجاسات، الحديث3.

صفحه 206
ثانياً: الرواية على خلاف مذهب المشهور حيث إنّ مانعية النجاسة مانعية علمية، وإن شئت قلت: شرطية طهارة الثوب شرط علمي، فإذا كان جاهلاً فالصلاة فيه حائزة للشرط ولذلك ذهب المشهور إلى عدم وجوب إعلام الجاهل بنجاسة الثوب فوجوب قضائه على خلاف قول المشهور .
ب. ما رواه بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الجبن وأنّه توضع فيه الأنفحة من الميتة، قال: «لا تصلح» ثم أرسل بدرهم فقال: «اشتر من رجل ولا تسأله عن شيء»1. حيث دلّ بمفهومه أنّه لو سئل واعترف بوضع الأنفحة فيه يكون قوله متبعاً.
وفي الاستدلال به إشكالان:
الأوّل: أنّ الأنفحة من الميتة ممّا استثني من أحكام الميتة، ولعلّ قوله: «لا تصلح» محمول على الكراهة.
الثاني: أنّ حجّية قول البائع هنا من باب إخبار ذي اليد، وهو أخصّ ممّا ذكرنا.
وهذه الروايات وإن وردت في موارد خاصّة لكن الفقيه إذا معن فيها النظر يتّخذ منها قاعدة كلّية وهي حجّية خبر العادل في الموضوعات في غير ما اشترط فيه التعدّد.
***
إلى هنا تمّ الاستدلال على حجّية قول الثقة في الموضوعات بالكتاب والسنّة، ويمكن أن يستدلّ عليها بالسيرة العقلائية، فقد جرت سيرتهم على

1. الوسائل: 16، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 4 .

صفحه 207
العمل بقول الثقة في معاشهم ومعادهم بل عملهم بالموضوعات أكثر من عملهم في الأحكام، إذ ما من يوم إلاّ وهم يصدرون عن قول الثقة في تجارتهم ومكاسبهم ومعاملاتهم، ولعلّها من أتقن السير العقلائية الّتي لا يمكن إنكارها.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به على القاعدة.

دليل القول بعدم حجّية قول الثقة في الموضوعات

استدلّ القائل بعدم الحجّية بوجوه :
1. ما استدلّ به صاحب «المنتقى» على أنّه لا يكفي في تزكية الراوي قول الثقة الواحد، فقال: إنّ اشتراط العدالة في الراوي يقتضي اعتبار العلم بها، وظاهر أنّ تزكية الواحد لا تفيده بمجردها، والاكتفاء بالعدلين مع عدم إفادتهما العلم إنّما هو لقيامهما مقامه شرعاً، فلا يقاس تزكية الواحد عليه .1
يلاحظ عليه: بمثل ما يجاب عن البيّنة فكما أنّ البيّنة تقوم مقام العلم شرعاً، فهكذا قول الثقة أيضاً فهو يقوم مقام العلم شرعاً.
وعندئذ لا فرق بين الإخبار بالأحكام أو بالموضوعات ومنها الشهادة على عدالة الراوي، فقول العادل بحكم إطلاق الروايات والسيرة العقلائية، يكون قائماً مقام العلم.
2. رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه

1. منتقى الجمّان: 1 / 14 15 .

صفحه 208
أو خُدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»1.
ثم إنّ السيد الخوئي أجاب عن الاستدلال بوجوه منها:
أ. أنّ الرواية ضعيفة ولم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة.
ب. أنّ البيّنة ليست بمعنى شهادة العدلين بل هي بمعناها اللغوي، مثل قوله سبحانه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)2 وخبر الثقة ممّا يستبان به.
ج. أن الرواية ليست في مقام الحصر لثبوت الموضوع باليد والاستصحاب.
ولعلّ الجواب الأخير هو الأفضل.
3. لو كان خبر الواحد حجّة في الموضوعات لم تبق حاجة إلى البيّنة فيها.
والظاهر أنّه أضعف الأدلة لعدم التمانع بين حجّية قول الثقة في موارد وحجّية البيّنة في موارد أُخرى، فإنّ في الفقه موارد لا يقبل فيها إلاّ شهادة عدلين كباب المرافعات، والطلاق، والهلال، والحدود الشرعية، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يشترط فيها التعدّد.
بقي هنا كلام وهو: هل يشترط في المُخبر كونه عادلاً بمعنى مجتنباً عن الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، أو يكفي كون الخبر موثوق الصدور؟

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
2. البيّنة: 1 .

صفحه 209
والمسألة مبنيّة على المختار في حجّية قول العادل في الأحكام، فلو قلنا بأنّ الحجّة هو خبر العادل فتختص الحجّية في الأحكام والموضوعات به، وإن قلنا بأنّ الحجّة هو الخبر موثوق الصدور وأنّ وثاقة الراوي كالطريق إلى الوثاقة بالصدور، فيكفي كون الخبر موثوق الصدور لأجل كون الراوي مجتنباً عن الكذب ومتثبّتاً في إخباره، وإن كان غير عادل في سائر مسائله.
ولا يتوهّم من ذلك أنّ الرجل إذا كان مرابياً زانياً ظالماً، ولكنّه كان صادقاً في قوله فيكون كلامه حجّة، لأنّ الغارق في هذه المعاصي قلّما يتّفق أن يكون متثبّتاً في قوله. إنّما الكلام في إنسان بعيد عن هذه الأعمال القبيحة وغير معروف بالفسق ولكن ثبت لنا تثبّته في الأخبار فيكون كلامه حجّة.
***
تمّت قاعدة
حجّية خبر الواحد في الموضوعات

صفحه 210

صفحه 211
الفصل الثاني:
في موجبات الضمان ومسقطاته
قد خصّصنا الفصل الأوّل بالبحث عن القواعد الّتي يستشكف بها حال الموضوع المشتبه، ونخصّ هذا الفصل بالقواعد الموجبة للضمان، أو المسقطة له، وهي كما يلي:
1. قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن
2. قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدي
3. قاعدة الأمين غير ضامن إلاّ بالتعدّي أو التفريط
4. قاعدة المغرور يرجع إلى الغار
5. قاعدة الخراج بالضمان
6. قاعدة الإحسان
7. قاعدة كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه
8. قاعدة التلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له
9. قاعدة الإقدام المسقط للضمان تارة والموجب له أُخرى
10. قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده
11. قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده
12. «غصب مال الغير أو استيفاء منافع ملك الغير» وهما يندرجان تحت قاعدة على اليد.      ***

صفحه 212

صفحه 213
قاعدة مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن   
القواعد الفقهية
         13

قاعدة

مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن
الإتلاف من أسباب الضمان
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة:
   الأوّل: الاستدلال بالقرآن الكريم
   الثاني: الاستدلال بالسنّة، وهي على طوائف
   الثالث: الاستدلال ببناء العقلاء
   الرابع: الاستدلال بالإجماع
تطبيقات القاعدة
اجتماع المباشر والسبب
ذكر الفقهاء قاعدة الإتلاف عند البحث في أسباب الضمان فقالوا: منها: الإتلاف، فإنّ مَن أتلف شيئاً ضمنه، والتعبير المعروف هو: مَن أتلف مال غيره، فهو له ضامن .
وهي قاعدة عامّة تجري في العالم والجاهل، والعامد والغافل، والناسي والذاكر، والصبيّ والبالغ. والفرق بين هذه القاعدة الّتي هي من أسباب الضمان وقاعدة «على اليد» التي هي أيضاً من أسبابه، هو أنّ الموضوع للضمان في هذه القاعدة هو الإتلاف بما هو هو، سواء أكان مستولياً على الشيء أو لا، أتلفه

صفحه 214
مباشرة أو بالتسبيب، وهذا بخلاف الموضوع في القاعدة الثانية فإنّ الموضوع فيها هو الاستيلاء على مال الغير، فهو موجب للضمان من غير فرق بين التلف والإتلاف.
والقاعدة باللفظ المذكور ليست منصوصة، ولكن مفادها متضافر.
ويقع البحث في جهات:

1. تفسير مفردات القاعدة

المهمّ في مفردات القاعدة أمران:
1. «المال» وهو عبارة عن كلّ شيء يبذل بإزائه الثمن من غير فرق بين الأعيان من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمساكن، والمنافع كركوب الدابة وسكنى الدار والحقوق القابلة للانتقال، وما له مالية اعتبارية كالعملة الورقية الّتي يتعامل بها الناس اليوم، إذ ليس لها في نفسها قيمة يبذل بإزائها الثمن، ولكن تعهد من اعتبرها مالاً، صار سبباً لماليتها.
والذي يدلّ على شمول المال للأقسام الأربعة: الأعيان، والمنافع، والحقوق، والاعتبارات المالية، قوله سبحانه: (الْمَالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )1 ولا شكّ في شمول الآية للأُمور المذكورة جميعاً، فكلّ ما يعدّ زينة الحياة الدنيا فهو مال. وعرّفه السيد الحجّة الكوهكمري في درسه الشريف: بما يبذل بإزائه الثمن، ولعلّه من أوضح المفاهيم العرفية الغنية عن التوضيح.
2. الضمان في ذيل القاعدة ـ أعني: «فهو له ضامن» ـ ففي «المجمع»: ضمنت الشيء ضماناً: كفلت به فأنا ضامن وضمين، وضمنت المال:

1. الكهف: 46.

صفحه 215
التزمته1، وربما يفسّر بردّ المال بعينه إن كان وإلاّ ردّ المثلي بالمثل، والقيمي بالقيمة، وسيوافيك توضيحه عند الكلام عن قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».

2. دليل القاعدة

إنّ القاعدة من ضروريات الفقه لا يشكّ في كبراها كُلُّ من له إلمام بالفقه، ولا تجد أي عاقل يشكّ في مفهوم القاعدة حيث إنّ بناء المجتمع على أساس احترام المال، وأنّ من اعتدى على مال الغير فعليه أن يجبر ما أتلفه، إذا عرفت ذلك فنقول :
استدلّ على القاعدة بوجوه غير ناجعة إلاّ ما ورد في السنّة وإليك بيانها:

الأوّل: الاستدلال على القاعدة بالقرآن الكريم

أمّا الكتاب فقد استدلّ بالآيات التالية:
1. قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)2.
قال ابن إدريس: فمن غصب شيئاً له مثل، وجب عليه ردّه بعينه، فإن تلف فعليه مثله بدليل الآية المتقدّمة .3
2. قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )4.

1. مجمع البحرين:6/275، باب «ضمن».
2. البقرة: 194 .
3. السرائر: 2 / 480 .
4. الشورى: 40 .

صفحه 216
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآيات بصدد جواز التعدّي على المعتدي، أو إيراد سيئة عليه، وهذا غير الضمان بالمثل أو القيمة، فلو قتل حيواناً فلنا قتل حيوان له مثله، وهذا غير المطلوب، والمطلوب في المقام، كون الجاني ملزماً بدفع المثل أو القيمة.
ثمّ إنّ الشيخ استدلّ في «المبسوط» 1 ببعض الآيات نظير:
أ. (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)2.
ب. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)3.
ج. (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)4.
يلاحظ عليه: أنّ هذه الآيات تدلّ بالدلالة المطابقية على الحرمة التكليفية، وأنّ تلك التصرّفات حرام جدّاً، والكلام في الحرمة الوضعية أي اشتغال ذمّة المتلف بالمثل أو القيمة.
على أنّ الكلام في الإتلاف، ولا إتلاف في مورد هذه الآيات، بل الحيلولة بين المالك وماله. نعم لو قلنا بدلالتها على الضمان بالمعنى المعروف، فلا إشكال فيه، والأَولى الاستدلال بالسنّة.

1. المبسوط: 3 / 59 ـ 60 .
2. النساء: 29 .
3. النساء: 10 .
4. المطففين: 1 3 .

صفحه 217

الثاني: الاستدلال بالسنّة

وهي على صنفين:
الصنف الأوّل: ما يدلّ على الحرمة التكليفية دون الوضعية، نظير :
1. ما رواه عبدالله بن السائب عن أبيه، عن جدّه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادّاً ولا لاعباً، من أخذ عصا أخيه فليردّها».1
2. ما رواه حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح (عليه السلام)، أنّه قال: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود».2
فإنّ هذين الحديثين وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» لا تدلّ بالدلالة المطابقية على ضمان التالف بالمثل والقيمة إلاّ بالتقريب الذي ذكره الشيخ الأنصاري وغيره وهو أن ردّ التالف في نظر العرف إمّا برد العين إن أمكن وإلاّ فبالمثل أو القيمة.
الصنف الثاني: ما يدلّ على الضمان والحرمة الوضعية، وهي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما ورد حول ما تجنيه الدابّة

تضافرت الروايات على أنّ الدابة إذا جنت يضمن صاحبها; ثمّ إنّ مَن بيده الدابة إمّا راكب، أو قائد أو سائق أو واقف; كما أنّ الدابة تارة تجني بيدها، وأُخرى برجلها، وثالثة بكليهما، ورابعة برأسها، وخامسة بمقاديم بدنها.

1. مستدرك الوسائل: 12 / 105، الباب 78، من أبواب الجهاد، الحديث 4.
2. الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

صفحه 218
وفي عامّة الصور فصاحب الدابة ضامن، غير أنّه يختلف مقدار الضمان حسب اختلاف حالات صاحبها من الركوب والقيادة والسياقة والوقوف، والتفصيل في محلّه1، ونقتصر بذكر رواية واحدة، وهي:
صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يمرّ على طريق من طرق المسلمين فتصيب دابته إنساناً برجلها، فقال: «ليس عليه ما أصابت برجلها ولكن عليه ما أصابت بيدها، لأنّ رجليها خلفه إن ركب، فإن كان قاد بها فإنّه يملك بإذن الله يدها يضعها حيث يشاء»2. ومورد الرواية هو كون صاحبها راكباً فخصّ الضمان بيديها.

الطائفة الثانية: ما ورد حول ما أفسدته البهيمة

عقد الحر العاملي في كتاب الدّيات باباً بعنوان: أنّ صاحب البهيمة لا يضمن ما أفسدت نهاراً ويضمن ما أفسدت ليلاً، أورد فيه روايات، نذكر واحدة منها، وهي:
روى السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليهم السلام)قال: «كان عليٌّ (عليه السلام)، لا يضمّن ما أفسدت البهائم نهاراً، ويقول: على صاحب الزرع حفظ زرعه، وكان يضمّن ما أفسدت البهائم ليلاً».3
وأنت إذا تفحّصت كتاب الدّيات تجد فيه أبواباً عقدها الحر العاملي كلّها تدلّ على الضمان نذكر عناوينها:

1. لاحظ كتابنا أحكام الدّيات:188ـ 195.
2. الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 3، ولاحظ بهذا المضمون الحديث 2 و4.
3. الوسائل: 19، الباب 40 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1 .

صفحه 219
أ. باب مَن وضع على الطريق شيئاً يضرّ به، ضمن ما يتلف بسببه.
ب. باب مَن حمل على رأسه شيئاً، ضمن ما يتلفه من نفس وغيرها.
ج . باب مَن أخرج ميزاباً أو كنيفاً أو نحوهما إلى الطريق، ضمن ما يتلف بسببه، إلى غير ذلك من الأبواب1.
والجميع يكشف عن اتّفاق الكلّ على ضمان ما أتلف.
ولذلك فالقاعدة من الأُمور المسلّمة، فالاستدلال عليها أشبه بالاستدلال على أمر واضح، وربما يستدلّ عليها بالأمرين التاليين:

الثالث: بناء العقلاء

إنّ بناء العقلاء في عامّة الحضارات هو تضمين مَن أتلف مال الغير بلا مجوّز ولا مبرر، وعلى القاعدة تدور رحى القضاء في عامّة الشرائع والملل، وعلى هذا فالسيرة ممضاة لا غبار عليها، حتّى يمكن أن يقال: إنّ تضمين الخاطئ أو العامد أمر فطري وأنّ العقلاء يصدرون بالحكم بالضمان عن قضاء الفطرة، وأنّ من أتلف مال الغير فقد ظلمه وتعدّى عليه، فعليه أن يقوم بتعويضه عنه.2

الرابع: الإجماع

إنّ إفتاء العلماء بالضمان في كتاب الغصب وكتاب الضمان وكتاب الدّيات في مورد إتلاف الأموال أفضل دليل على أنّ القاعدة إجماعية، وسيمرّ

1. لاحظ : الوسائل: 19، الباب 5 و8، و9 و10 و11 من أبواب موجبات الضمان.
2. مجمع الفائدة والبرهان: 6 / 424.

صفحه 220
عليك بعض كلماتهم، ولكن الإجماع مستند إمّا إلى الروايات أو إلى السيرة ولا يكون دليلاً مستقلاًّ.
وأظن أنّ البحث في الكبرى أزيد من ذلك، غير لازم، إنّما الكلام في تطبيق القاعدة على مواردها.

3. تطبيقات القاعدة

قال العلاّمة: كلّ فعل يحصل به التلف فهو موجب للضمان وإن لم يكن غصباً، كمن باشر الإتلاف لعين، فقتل حيواناً مملوكاً أو خرق الثوب، أو لمنفعة كمن سكن الدار أو ركب الدابّة، وكالمسبِّب بأن يحفر بئراً في غير ملكه عدواناً، أو يطرح المعاثر في الطرق 1.
فإتلاف العين والمنفعة أمر واضح لا يحتاج إلى التمثيل، إنّما الكلام في الإتلاف بالسبب، فنأتي ببعض الأمثلة :
1. لو فتح قفصاً عن طائر أو حلّ دابة، فذهبا، ضمنهما.
2. لو فتح القفص أو حلّ الدابة، فوقفا فجاء آخر فنفّرهما فالضمان على المنفِّرَ، لأنّ سببه أخصّ، فاختصّ به الضمان كالدافع مع الحافر.
3. لو خرج طائر إنسان عن القفص ووقع على جدار فنفَّره آخر فطار، لم يضمنه لأنّ تنفيره لم يكن سبب فواته، لأنّه كان ممتنعاً قبل التنفير.
4. لو حلّ زقَّاً فيه مائع فاندفق، ضمنه سواء خرج على الحال أو على التدريج.

1. تحرير الأحكام: 4 / 523، المسألة 6141.

صفحه 221
أمّا لو قلبته الريح أو زلزلة الأرض أو كان جامداً وأذابته الشمس، ففي الضمان وجهان مبنيّان على غلبة المباشر أو السبب.
ولو قرّب آخر منه ناراً فأذابه، فسال، فالضمان على المقرّب، فإنّ سببه اختصّ بحصول التلف عقيبه.
6. ولو أذابه أحدهما أوّلاً ثم فتح الثاني رأسه فاندفق، فالضمان على الثاني.
7. ولو فتح زقّاً مستعلي الرأس، فخرج بعضه، واستمرّ خروجه على التدريج فنكّسه آخر فاندفق، فضمان ما بعد التنكيس على الثاني، وما قبله على الأوّل .1
8. لو أرسل الماء في ملكه بقدر حاجته وهو يعلم أنّه ينزل إلى ملك غيره وأنّه لا حاجز لمنعه، ضمن.
9. وكذا لو طرح ناراً في زرعه وهو يعلم اتّصال زرعه بزرع غيره، وأنّ النار تسري إليه، ضمن.
10. لو ألقى صبيّاً في مسبعة، أو حيواناً يضعف عن الفرار، فأكله السبع، ضمنه.
11. لو غصب شاة فمات ولدها جوعاً، فيضمن.
12. لو أكلت الدابة حشيش غيره، ضمن صاحب الدابة مع تفريطه في حفظها.2

1. تحرير الأحكام: 4 / 524، المسألة 6142.
2. تحرير الاحكام: 4 / 524 ـ 525، المسألة 6143.

صفحه 222

4. اجتماع المباشر والسبب

قال العلاّمة: ولو اجتمع المباشر والسبب فالضمان على المباشر، كمن دفع غيره في بئر حفرها ثالث متعدّياً، فالضمان على الدافع.
ولو كان متلِف المال مكرهاً فالضمان على المكرِه، لضعف المباشرة بالإكراه من السبب.1
وكان على العلاّمة عطف المغرور على المكره، فإنّ الضمان فيه على الغار، كما عليه الشهيد في اللمعة في كتاب الغصب.
ثم إنّ القوم ذكروا ضمان المباشر والسبب وتقديم أحدهما على الآخر وعرّفوا المباشر بمن يصدر منه الفعل بلا واسطة، وعرّفوا السبب بكلّ فعل صار سبباً لوقوع التلف بحيث لو لم يصدر عنه هذا الفعل لم يقع التلف، كما هو الحال في حفر البئر، ولكن المهم هو تشخيص المتلف عرفاً سواء أكان هو المباشر أو موجد السبب.
وربّما يكون المتلف هو المباشر دون السبب، كما لو دفع شخصاً إلى بئر حفرها غيره.
وربّما يكون المتلف هو السبب دون المباشر كما لو ألقى صبيّاً أو حيواناً عاجزاً في مسبعة وقتله السبع، وربّما يكون كليهما، كما إذا فتح رأس زق فيه شيء مذاب وجاء الآخر فدفعه من غير وعي .
فإذا كان المدار الصدق العرفي فالبحث عن المباشر والسبب غير مهم .
ثم إنّهم يجعلون الضمان في الإكراه على المكره، بخلاف الغرور

1. تحرير الأحكام: 4 / 523، المسألة 6141.

صفحه 223
فيجعلونه على المغرور وهو يرجع إلى الغار، ولعلّ الوجه هو ضعف إرادة المكره بسبب ضغط المكره، فيناسب كون الضمان على المكرِه ابتداءً، بخلاف المغرور فإنّه مستقل في الإرادة، وإن كان الباعث هو تغرير الغار.
ومع ذلك كلّه فجعل القسمين من باب واحد، أفضل، فإنّ المُكرَه مختار في فعله حيث إنّ المُكرَه مريد وليس مضطراً حيث يرجّح العمل الإكراهي على الوعيد الذي توعِّد به، فالأَولى أن يقال: إنّ الضمان عليهما ابتداءً ويرجعان على المكرِه والغار.
***
تمّ الكلام في قاعدة
مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن

صفحه 224
القواعد الفقهية
   14
قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي   

قاعدة

على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي
الإيعاز إلى قاعدتين: قاعدة اليد، وقاعدة على اليد
مصدر ما رُوي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدِّيه.
الكلام في سند الرواية وأنّه ساقط جدّاً; وموردها في مصادر أهل السنّة، هو العارية
دلالة الرواية على الضمان
مفاد الرواية، وفيها احتمالات ثلاثة
توجيه كون العين الشخصية على عهدة المستولي
تأييد القاعدة بأُمور أُخرى
فروع القاعدة
احتمال عدم الضمان إذا تلف بآفة عامّة لا تستند إلى الآخذ
ضمان المنافع المستوفاة
ضمان المنافع غير المستوفاة، ووجه الفرق بين المقام والمقبوض بالعقد الفاسد
ما هو الميزان في كون التالف مثليّاً أو قيميّاً؟
ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة وما هو الدليل على تلك الضابطة؟
لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل .
لو تعذّر المثل في المثلي
لو كان التالف قيمياً
إحالة مسألة توارد الأيدي إلى قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»
مرّ الإيعاز إلى أنّ بين القواعد الفقهية قاعدتين يوجد نوع تشابه بينهما:

صفحه 225
إحداهما قاعدة «اليد»، والأُخرى قاعدة «على اليد» .
والأُولى أمارة الملكية، والثانية سبب لضمان ما استولى عليه وموضوعها الاستيلاء على مال الغير استيلاءً غصبياً أو استيلاءً مأذوناً من قبل المالك، لكن خرج تالياً عن كونه مأذوناً بسبب التعدّي والتفريط، ولذلك يعبّر عن القاعدة الأُولى بـ «اليد» وعن الثانية بقاعدة «على اليد»، استلهاماً من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»، وقد أرسل الفقهاء هذه الرواية في كتبهم الفقهية إرسال المسلّمات، ولكنّها لم ترد في طرقنا مسندة، نعم رواها الجمهور مسندة عن سمرة بن جندب:

مصادر الرواية

1. روى أبو داود السجستاني الأزدي (202 ـ 275 هـ) في باب «في تضمين العارية» بسنده عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» ثم إنّ الحسن نسي فقال: هو أمينك لا ضمان عليه .1
2. روى الترمذي (209 ـ 279 هـ) في باب «ما جاء في أن العارية مؤدّاة» عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»، قال: ثم نسي الحسن فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.
قال أبو عيسى (المؤلّف): هذا حديث حسن صحيح. وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم إلى هذا. وقالوا: يضمن صاحب العارية. وهو قول الشافعي وأحمد.

1. سنن أبي داود: 3 / 296، الحديث 3561 .

صفحه 226
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف. وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وبه يقول إسحاق .1
3. روى ابن ماجة (207ـ275 هـ) في باب العارية، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»2.
ويقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في سند الحديث.
الثاني: في دلالته.وإليك دراستهما.

المقام الأوّل: في سند الحديث

أمّا دراسة السند، فمع قطع النظر عن دراسة أحوال سائر من ورد في الاسناد، فيكفي في سقوطه أنّ الراوي هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري الذي يعرّفه الذهبي في تاريخه بقوله: له صحبة ورواية وشرف، ولي إمرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقتل منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يُشينان عليه.3
هذا ما يذكره الذهبي في بدء ترجمته، ولكنّه يذكر في حقّه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة

1. سنن الترمذي: 3 / 566، الحديث 1266 .
2. سنن ابن ماجة: 2 / 802، الحديث 2400 .
3. تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة «يُثنيان» وهو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه، بقرينة ما سيمرّ عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.

صفحه 227
سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك، فقال: إنّي كنت أنا وهو(سمرة) وأبو هريرة في بيت فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.1
وروي عن ابن طاووس وغيره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر(أبي محذورة): «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل(أبو محذورة) قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.
ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه يعنون دار الإمارة قُتِل بها سبعون ألفاً، فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل: مَن فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».
ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي أنّه قال: نرجو له بصحبته.2
وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، إلى آخر ما ذكر.3
روى الطبري في حوادث سنة 50 هـ ، قال: عن محمد بن سليم قال:

1. سير أعلام النبلاء: 3 / 183 ـ 185. ومعنى ذلك أنّ سمرة آخر من مات منهم.
2. سير أعلام النبلاء: 3 / 183 ـ 185. قوله: بقعة نشفت من الدم، بمعنى شربت الدم يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شربه.
3. أُسد الغابة: 2 / 354 .

صفحه 228
سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.1
ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر أنّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام): (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)2.
وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ )3 فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.4
ثم إنّ المعروف بين الأصحاب ـ خصوصاً فيمن يعتمد على مثل هذه الرواية ـ هو أنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر أنّ عمل

1. تاريخ الطبري: 3 / 176 .
2. البقرة: 204 ـ 205 .
3. البقرة: 207 .
4. شرح نهج البلاغة: 4 / 73 .

صفحه 229
الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان جدلاً واحتجاجاً على الآخرين، فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:
قال في كتاب «الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته التي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله، ملكه. ثم استدلّ وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه، فمن ادّعى أنّه أزال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.
ثم قال «الشيخ»: وروى قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»1، فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.2
وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.

المقام الثاني: دلالة الرواية على الضمان

وقبل الخوض في بيان الدلالة نذكر أُموراً:
1. من البعيد أن يتكلّم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا الحديث، بلا مناسبة ولا سؤال، فقد ورد الحديث في جواب سؤال جهل مورده، فهل مورده الغصب أو السرقة أو الأمانة المأذونة لكن خرجت عن كونها أمانة مأذونة بالتعدّي والتفريط، أو أنّ موردها الأمانة المأذونة الّتي لم يطرأ فيها على العين أي تعدّ

1. الخلاف: 3 / 407، المسألة 20 .
2. يلاحظ: الخلاف: المسألة 22، كتاب الغصب.

صفحه 230
ولا تفريط ومع هذا الاحتمال لايمكن الأخذ بإطلاق الحديث.
2. أنّ الحسن الذي روى الحديث عن سمرة، لمّا أفتى بعدم ضمان العارية، قائلاً: «هو أمينك لا ضمان عليه» حملوا كلامه هذا على نسيانه الحديث، وأنّه لو كان ذاكراً لما قال بعدم ضمانه. ويمكن أن يقال: إنّه ما نسي ولكن حمل الرواية على الوجوب التكليفي لا الوضعي بمعنى الضمان.
3. أنّ أصحاب السنن كلّهم رووا الحديث في باب العارية وهذا قرينة على أنّ مورد الرواية هو العارية، ويؤيّد ذلك ما روى ابن مالك، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «العارية مؤدّاة، والمنحة مردودة» 1
أقول: المراد من المنحة العطية كأرض يعطيها للزرع، وشاة للبن، أو شجرة لأكل الثمرة، ومن القريب أن يكون الحديث ناظراً لمورد العارية والمنحة.
إذا عرفت ذلك فبما أنّ الأصحاب اعتمدوا على الرواية إمّا جدلاً كما هو الحقّ، أو استدلالاً، فلا بأس بتوضيح ألفاظ الرواية.

احتمالات ثلاثة في مفاد الرواية

قوله: «على اليد» خبر مقدّم، وقوله: «ما» مبتدأ مؤخّر، ويكون التقدير: ما أخذت اليد عليها.
وبما أنّ الظرف ظرف مستقر، وقوله: «على اليد» متعلّق بأحد الأفعال العامّة، مثل: ثابت أو: مستقر، فيكون التقدير: على اليد ثابت أو مستقر عليها ما أخذت، فيكون دليلاً على الضمان.

1. سنن ابن ماجة: 2 / 802، الحديث 2399 .

صفحه 231
وأمّا لو قلنا بأنّ المقدّر هو الحفظ والتقدير: على اليد حفظ ما أخذت حتّى تؤدّيه، فليس ببعيد إذا كان مورد الرواية هو العارية على ما ذكرنا من القرائن فيكون دليلاً على الوجوب التكليفي.
وأمّا احتمال تقدير: على اليد يجب رد ما أخذت حتّى تؤدّيه، فغير صحيح إذ يلزم أن تكون الغاية والمغيّى واحداً.
ثم إنّ لفظ اليد تارة يطلق ويراد بها الجارحة، مثل قوله تعالى: (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ )1.
وأُخرى تطلق ويراد بها الشخص القادر، كقوله سبحانه: (فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2.
وثالثة تطلق وتستعمل بالإرادة الاستعمالية في الجارحة ولكن كناية عن الشخص بما له من الاستيلاء على الشيء، وعندئذ يكون معنى الرواية: ضمان الشخص المستولي لما أخذ ثابت حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة. وعندئذ تدلّ الرواية على الضمان.

توجيه كون العين الشخصيّة على عهدة المستولي

فإن قلت: إنّ العين المضمونة موجودة في الخارج، والخارج ظرف لها، فكيف يمكن أن تكون في ذمّة المستولي، فإنّ الذمم موضع الكلّيات لا الأعيان الخارجية.
قلت: هذا ما أوردته على السيد الأُستاذ (رحمه الله) عند دراسته متاجر الشيخ .

1. المائدة: 38 .
2. يس: 83 .

صفحه 232
وحاصل ما أجاب به: هو أنّ المراد من استقراره على اليد هو كونها مسؤولة عن العين لا في ذمّته، وهذا مثل الكفالة فالكفيل مسؤول عن المكفول بأن يحضره كلّما أراد القاضي لا أنّه على ذمّة الكفيل، فمسؤولية المستولي على العين شيء، وكونها في ذمّته شيء آخر، والرواية ناظرة إلى المعنى الأوّل.
فإن قلت أيضاً: إنّ غاية ما يدلّ عليه الحديث كون المستولي مسؤولاً عن العين وعليه ردّها إلى المالك. وأمّا إذا تلفت العين فيجب عليه ردّ المثل أو القيمة، فهذا ما لا يستفاد من الرواية.
قلت:يمكن تقريب ذلك بوجهين:
1. ليس المراد من الاستيلاء هو الاستيلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستيلاء على الشيء كناية عن الاستيلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها ماليّة، فإذا استولى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهّد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.
2. أنّ المفهوم من ردِّ العين هو ردّها مهما أمكن، ولكن للردّ مراحل فلو كانت موجودة، فيكون محكوماً بردّها، وإن تلفت فإن كانت مثلية فبمثلها وإن كانت قيمية فبقيمتها، هذا هو المفهوم عرفاً، وكأنّ لردّ العين درجات ومراتب فإن أمكن ردّها بخصوصياتها الشخصية فهو، وإلاّ فبخصوصياتها النوعية إن كانت مثلية، وإلاّ فبماليتها.
فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الرواية (مع قطع النظر عمّا قدّمناه) على أنّ اليد

صفحه 233
سبب لضمان ما وقع تحتها.

تأييد القاعدة بأُمور أُخرى

إنّ القاعدة بلفظها وإن لم تثبت، لكن هناك قرائن تدلّ على صحّة مضمونها، نظير:

1. بناء العقلاء

جرت سيرة العقلاء على ضمان مَن استولى على مال الغير بغير وجه شرعي أو قانوني، سواء أكان من باب السرقة أو الغصب أو عن طريق الجهل بكونه مال الغير، فإذا تلفت العين تحت يده يحكم عليه بالضمان والخروج عن العهدة من دون تردّد ولا ريب.

2. حرمة مال المسلم

إنّ حرمة مال المسلم بل الذمّي من الأحكام القطعية في الشريعة الإسلاميّة، ويكفي في ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع: «فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم»1.
وروى الشيخ في المجالس والأخبار بأسناده عن أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وصية له: قال يا أبا ذر: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه».2

1. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص، الحديث 3.
2. الوسائل: 8 ، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 9 .

صفحه 234

3. الروايات الواردة في الأُجراء

وردت روايات متضافرة في مورد الغسّال والصباغ والقصّار والصائغ والبيطار والدلاّل بأنّهم إذا أفسدوا متاعاً ضمنوا1.
كما وردت روايات في أبواب مختلفة:
1. مورد الجمّال والحمّال والمُكاري والملاّح على ثبوت الضمان إذا فرّطوا.
2. في مورد المستأجر إذا استأجر دابة إلى مسافة فتجاوزها يضمن .2
3. ما ورد في باب العين المستأجرة في أنّ العين أمانة لا يضمنها المستأجر إلاّ مع التفريط. فكلّ ذلك يدلّ على حرمة مال المسلم، وإن أخذه يضمن تحت شرائط خاصّة، فربّما تتبدّل اليد المأذونة إلى اليد غير المأذونة.
ولعلّ هذا المقدار كاف في إثبات أصل الضمان.

فروع القاعدة

الكلام في المقام في تلف العين وهي في يد المستولي كما إذا سُرقت العين، خرج أمران:
1. إذا أتلفها المستولي، إذ عندئذ يدخل تحت القاعدة الماضية: من أتلف مال الغير فهو له ضامن.
2. إذا تلفت العين بآفة سماوية أو أرضية بحيث لو كانت العين في يد المالك لتلفت .

1. الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب كتاب الإجارة.
2. الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة.

صفحه 235
فهذان الأمران خارجان عن مصبّ البحث ومفاد القاعدة. أمّا الأوّل فلما عرفت وأمّا الثاني فستوافيك دراسته عن قريب.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الرواية وسائر الروايات عدم الفرق بين العلم والجهل فمَن استولى على مال الغير وتلف بيده بسرقة أو غصب ، فهو ضامن، سواء علم أو جهل، لإطلاق الرواية، ويشهد على ذلك بالخصوص ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن زيد صاحب السابري قال: أوصى إليّ رجل بتركته فأمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا هي شيء يسير لا يكفي للحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة، فقالوا: تصدّق بها عنه إلى أن قال: فلقيت جعفر بن محمد (عليهما السلام)في الحجّ فقلت له: رجل مات وأوصى إليّ بتركته أن أحجّ بها عنه فنظرت في ذلك فلم يكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء، فقالوا: تصدّق بها، فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدّقت بها، قال (عليه السلام): «ضمنت إلاّ أن لا يكون مبلغ ما يحجّ به من مكّة فإن كان لا يبلغ ما يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان، وإن كان يبلغ ما يحجّ به من مكّة فأنت ضامن»1.
سيوافيك أنّ الإمام (عليه السلام)فرض على أبي ولاّد ضمان المنافع المستوفاة في حديث طويل سيوافيك في المستقبل، وهو كان رجلاً جاهلاً بالضمان، فلو ثبت الضمان على الجاهل في المنافع المستوفاة ففي تلف العين بطريق أولى .

حكم التلف بأسباب سماوية

إذا استولى شخص على عين الغير ولكن تلفت بأسباب سماوية

1. الوسائل: 13، الباب 37 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 2.

صفحه 236
كالزلزال والطوفان والعدو الخارجي على نحو لو كانت العين تحت يد المالك نفسه لتعرّضت إلى نفس هذا التلف، فهل المستولي ضامن في هذه الصورة أو لا؟
ربما يقال: إطلاق ظاهر الأدلّة هو ذلك، ولكن القول به مشكل لعدم مدخلية المستولي في التلف أصلاً إذ الفرض أنّ سبب التلف قد عمّ كلّ ما في البلد، نعم مقتضى الاستصحاب لو كان قصور في الدليل الاجتهادي هو الضمان ما لم يدلّ دليل على عدمه، والمفروض عدم دليل صالح قاطع. ولكن مقتضى الاحتياط هو التصالح إذا رضي المالك وإلاّ فيحكم بالضمان والله العالم.

حكم المنافع المستوفاة

إذا استولى على عين لها منفعة قد استوفاها، فهل عليه ردّ قيمتها؟ المشهور هو الضمان، واحتجّ له بوجوه:
1. عموم على اليد ما أخذت، فإنّ عمومها يشمل المنافع المستوفاة أيضاً ، والاستيلاء على العين استيلاء على المنفعة، فتدخل المنفعة في استيلاء المستولي.
وأُورد عليه بأنّ الاستيلاء على المنافع بالاستيلاء على العين لكن دخولها في الحديث ممنوع لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حتّى تؤدّيه» فإنّ المتبادر هو ردّ ما أخذه بعينه وهو ينطبق على العين دون المنفعة، لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها.
2. ما رواه أبو ذر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «وحرمة مال المسلم

صفحه 237
كحرمة دمه» والظاهر من هذه الفقرة هو أنّ مال المسلم محترم، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما ينوب عنه، والقيمة تنوب عن المنفعة.
وأظن أنّ الفقيه في المقام غني عن إقامة الدليل على ضمان المنافع المستوفاة; وذلك:
أوّلاً: وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامّة الشعوب، وهو أنّ استيفاء مال الغير لا يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري.
وثانياً: صحيحة أبي ولاّد الحناط في حديث طويل، حاصله: قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجّهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت ممّا بيني وبينه ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فلمّا ذكرت القصّة لأبي عبدالله (عليه السلام)قال الإمام (عليه السلام): «أرى له صاحب البغل عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة، توفّيه إيّاه».1
ومن المعلوم أنّ يد أبي ولاّد كانت يداً ضامنة; لأنّه خالف ما اتّفق مع المالك في عقد الإجارة حيث استأجر البغل للذهاب إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً، ولكنّه لمّا أتاه الخبر بأنّ غريمه توجه إلى النيل سار إلى النيل، وهكذا.
وثالثاً: روايات الأمة المسروقة إذا تبينت السرقة بعد أن أولدها

1. الوسائل: 13، الباب 17 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.

صفحه 238
المشتري فقال الإمام(عليه السلام):«إنّه يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولدها بقيمتة».1

ضمان المنافع غير المستوفاة

الكلام في المنافع غير المستوفاة يقع تارة في المبيع المقبوض بالعقد الفاسد، وأُخرى في اليد غير المأذونة دون أن يكون في البين عقد، وهذا هو الذي يهمنا في المقام.
ويمكن الاستدلال بوجهين:
1. بناء العقلاء، 2. قاعدة حرمة مال المسلم .
أمّا الأوّل: فنقول: لو غصب إنسان دار الغير ولم ينتفع بها عبر سنين، فهل يمكن القول ببراءة الغاصب من منافع العين المغصوبة؟ حتّى ولو قلنا بعدم الضمان بالمقبوض بالعقد الفاسد، فلا يمكن القول به في المقام، وذلك لأنّ المال المغصوب بالقهر والعدوان عند العقلاء مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه ومن جملة الشؤون، المنافع سواء استوفاها أم لم يستوفها، وذلك لأنّ ضمان العين رمز لضمان المنافع وكأنّها تمثّل لها، فكيف يكون ضامناً للعين دون أن يكون ضامناً لمنافعها، وعلى هذا يجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.
وأمّا الثاني أعني: قاعدة حرمة مال المسلم: فيدل عليها ما في وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي ذر: «وحرمة ماله كحرمة دمه»2.

1. الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث3.
2. الوسائل: 8 ، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 3.

صفحه 239
ونظيره ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع وقال: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»1.
ويمكن الاستئناس على الضمان بقاعدة مَن أتلف، فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها، تفريط لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً.2
وأمّا ضمان المنافع غير المستوفاة في المقبوض بالعقد الفاسد فهو خارج عن محط بحثنا.
ثم إنّ أكثر المباحث المذكورة في قاعدة اليد هي نفسها في قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» ومنها هذه المسألة أي ضمان المنافع غير المستوفاة فتارة يبحث عنها تحت قاعدة «على اليد» الّتي يدور الحكم فيها على مدار الاستيلاء دون العقد، وأُخرى يبحث عنها في قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» الّتي يدور البحث فيها حول المقبوض بالعقد الفاسد، وهكذا البحوث التالية الّتي ستمر عليك فهي مشتركة بين القاعدتين، ولذلك يقع الكلام في أُمور :

الأوّل: ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة

إنّ الشيخ الأنصاري استقصى البحث فيه عند البحث عن قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» غير أنّ هذا البحث مشترك بين القاعدتين فنقول: ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمي، يشتمل على أمرين:

1. الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
2. تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 96.

صفحه 240
1. ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً؟ وهذا بحث صغروي .
2. ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة، وهو بحث كبروي، وقد أطال الشيخ الكلام في الصغرى وأوجزه في الكبرى، ولو أوجز في كليهما لكان أفضل، فلنقدّم البحث في الصغرى، أعني:

ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً؟

أقول: إنّ صاحب الجواهر عرّفهما بتعاريف ربّما تناهز العشرة أو تتجاوزها .1
مثلاً: عرّفوا المثلي ما تتساوى قيمة أجزائه، كالحنطة، والقيمي ما لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع. ثم عقبوا البحث بالنقض والإبرام في كون التعريف جامعاً أو مانعاً.
أقول: الظاهر أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف; لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، فلو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل، فما حكم به العرف أنّه مثلي فيضمن بالمثل، وما حكم به أنّه قيمي فيضمن بالقيمة.
ولصاحب العناوين هنا كلام متين نورده بنصّه، قال: والتحقيق أن يقال: إنّ المثلي والقيمي تحديدهما موكول إلى العرف، فإنّ أهل العرف يعدّون بعض الأشياء ممّا لا تفاوت بين أفرادها ولا يداقّون في أخذ فرد دون فرد، وينسبون كلّ مَن فرّق بين أفراده إلى السفاهة والبلاهة، لاهتمامه فيما لا

1. جواهر الكلام: 37 / 90 .
Website Security Test