welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 121
وجه الدلالة: أنّ الأُخت لا تشارك البنت في الميراث عندنا لأنّها في الطبقة الثانية، وأنّ أهل السنّة يشاركون الأُخت مع البنت، فعلى أُصولهم فالأُخت الشيعية ترث نصف الميراث لا على مذهبها، وهذه عبارة أُخرى عن أخذ المخالف بما يعتقده.
2. روى جميل بن درّاج عن عبدالله بن محرز وزاد: «خذهم بحقّك في أحكامهم وسنّتهم كما يأخذون منكم فيه».1
3. ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن ميّت ترك أُمّه وإخوة وأخوات، فقسّم هؤلاء ميراثه، فأعطوا الأُمّ السدس، وأعطوا الإخوة والأخوات ما بقي، فمات الأخوات، فأصابني من ميراثه، فأحببت أن أسأل هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة، أم لا؟ فقال: «بلى»، فقلت: إنَّ أُمّ الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر،أعني: الدين فسكت قليلاً، ثم قال: «خذه».2
إنّ الضمير في قوله: «من ميراثه» يرجع إلى «ميّت» والضمير المؤنث في «من ميراثها» يرجع إلى الأُمّ، والظاهر أنّ السائل كان زوج إحدى الأخوات، فماتت زوجته وورثها، وبذلك صحّ معنى الحديث.
توضيحه: أنّه إذا مات الرجل وكان وارثه الوحيد هي الأُم، تكون التركة لها، فعلى هذا فالأُم هي الوارثة، ولكن على حسب فقه أهل السنّة، يكون الأُخوة والأخوات شركاء، فللأُم السدس والباقي لهم، ولمّا توفّيت إحدى

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 2.
2. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 6. والمراد أنَّ الأُم استبصرت وتشيّعت وصار ذلك مظنّة عدم جواز الأخذ، فحكم الإمام(عليه السلام) بجوازه .

صفحه 122
الأخوات وكان السائل مثلاً زوجاً لها، فهو قد ورث حسب الظاهر من الأخوات وفي الواقع من الأُم، ولذلك سأل الإمام عن حكم الواقع .
ولمّا أفتى الإمام(عليه السلام) حسب قاعدة الإلزام، استدرك السائل بأنّ أُمّه تشيّعت بعد موت المورّث، فذكر الإمام (عليه السلام) بأنّ تأخّر التشيّع لا يضر بقاعدة الالزام لأنّها سبقت على تشيّعها.

مفاد الروايات وتحليلها

مرّ الإيعاز إلى أنّ الغاية من تصحيح عمل الآخرين، سواء أكانوا من أتباع الشريعة الإسلاميّة أم من أتباع الشرائع الماضية، هو تسهيل الأمر للمسلمين وتجويز السلوك مع نظر المخالف وفقاً للمصالح العالية الّتي يعلمها صاحب الشريعة، وفي العلل والكلّيات الواردة في الروايات ما يستشم منه ذلك.
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكلّ قوم نكاح».
2. عن أبي جعفر (عليه السلام): «يجوز على أهل كلّ ذي دين بما يستحلّون».
3. قال الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم».
4. ما مرّ من ذمّ الإمام(عليه السلام) من قذف مجوسياً بحجّة أنّه ينكح أُمّه وأُخته، قال (عليه السلام):«ذاك عندهم نكاح في دينهم».
هذه هي الروايات العامّة الّتي تعمّ المسلم وغيره، كما ورد في الطائفة الثانية قولهم(عليهم السلام):
1. لا تترك بغير زوج.
2. ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم.
إلى غير ذلك من العناوين الكلّية الّتي ربّما يعثر عليها الباحث، فإنّ

صفحه 123
الظاهر من تصحيح عمل الغير إذا كان صحيحاً عنده، هو تسهيل الأمر على المجتمع، وأن لا يقذف أحد الآخر، أو لا تترك المطلّقة بلا تزويج.
كما أنّ قوله: «ألزموهم» قد ورد في مورد توهّم الحظر، فأُريد به رفع ذلك التوهّم بأنّ تصحيح عمل الغير ليس أمراً باطلاً، وأوضح من الكلّ قوله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز».1
ثم إنّ الاختلاف في مفاد الروايات تارة يتعلّق بالموضوع وأُخرى بالحكم.
أمّا الاختلاف في الموضوع كما في تزويج المجوسي إحدى المحارم، فهل يتحقّق النسب بذلك أو لا؟ الظاهر ذلك لوجهين:
1. إنّ النسب رهن التولّد من ماء الرجل والمرأة، ومن المعلوم أنّه أمر عرفي، ولذلك فولد الزنا ولد عرفي وإن لم يكن ولداً شرعياً، ولذلك لا يترتّب عليه التوارث، وأمّا سائر الأحكام فهي مترتّبة عليه فلا يجوز للولد المتولّد من الزنا الزواج بأُمّه وأُخته لأبيه، وكذا لا يجوز للزاني أن يتزوّج بنته من الزنا.
2. ما سبق من الروايات من أنّ لكلّ قوم نكاح، أو: أنّ كلّ قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه.
هذا كلّه حول الموضوع وقد عرفت أنّ التصحيح مطابق للقاعدة حتّى مع غضّ النظر عن قاعدة الإلزام.
وأمّا الاختلاف في الحكم فمقتضى القاعدة الأُولى عدم ترتيب الأثر على السبب الفاسد لعدم تعلّق علقة الزواج مع فقدان الشرط، كمن تزوّج بعقد

1. مرّ ذكر مصادر هذه الأحاديث في الصفحات الماضية.

صفحه 124
فاسد أو طلّق كذلك، فالأصل عدم ترتّب الآثار; فلا يترتّب على مثل هذا الزواج حلّية الاستمتاع، ولا وجوب التمكين على المرأة، ولا وجوب النفقة على الرجل، كما لا يجوز تزويجها بعد كون السبب فاسداً.
هذا هو مقتضى القاعدة الأُولى غير أنّ هذه الروايات وسّعت الأمر على المسلمين بل على المجتمع بشكل عام، بأنّ الأعراف الموجودة عند كلّ قوم الذين يميّزون الحلال عن الحرام ـ ولو في مذهبهم ـ يتعامل معها معاملة الصحيح، والدليل على ذلك ما مرّ من الروايات; ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)يروي عن أبيه (عليهما السلام)أنّه كان يورّث المجوسي، إذا تزوّج بأُمّه وبابنته من وجهين: من وجه أنّها أُمّه، ووجه أنّها زوجته .1

التعارض بين الروايات وعلاجه

قد عرفت تضافر الروايات على أنّ المطلّقة ثلاثاً يجوز تزويجها، وما ذلك إلاّ لأنّها مطلّقة في اعتبار المطلّق، وهذا يكفي في تزويج الآخرين.
ولا بأس بأن يكون الطلاق الصحيح في منظار المطلّق موضوعاً لتزويج الآخرين الذين لا يعتقدون بصحّته، وليس ذلك أمراً متناقضاً كما مرّ نظيره في أمر النسب.
غير أنّ الظاهر من بعض الروايات أنّه لايجوز تزويج المطلّقة ثلاثاً، روى عمر بن حنظلة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس واحد، فإنّهنّ ذوات أزواج»2.

1. الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب ميراث المجوس، الحديث 1.
2. الوسائل: 15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 20.

صفحه 125
وروى حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً، فإنّهنّ ذوات أزواج»1.
والجواب: أنّ الروايتين ناظرتين إلى طلاق الشيعي إذا طلّق زوجته ثلاث تطليقات بزعم أنّها صحيحة أو لغير ذلك، والشاهد على ذلك ما رواه عبدالله بن طاووس، قال: قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): إنّ لي ابن أخ، زوّجتُه ابنتي، وهو يشرب الشراب، ويكثر ذكر الطلاق، فقال: «إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فإنّه عنى الفراق»، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال: «ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»2.
ويظهر من رواية جعفر بن سماعة أنّ الاختلاف بين الطلاقين كان موجوداً في أذهانهم كما في الرواية رقم 4 من الطائفة الثانية .

دراسة ما تخلّص به بعض الأعاظم عن المعارضة

ثم إنّ بعض الأعاظم تخلّص عن الإشكال بوجه آخر قائلاً بأنّ تلك المطلّقة باقية على زوجيتها للمطلّق، ولكن بنفس العقد الواقع عليها من الذي يعتقد بطلان ذلك الطلاق، تخرج عن كونها زوجة للمطلّق، فذلك العقد يكون طلاقاً بالنسبة إلى الزوج الأوّل، ونكاحاً بالنسبة إلى الثاني.
ثم استظهر أنّ له نظيراً في الفقه، كما إذا وقف ذي الخيار المبيع، أو أعتق

1. الوسائل: 15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 21.
2. الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 11 .

صفحه 126
العبد المبتاع، فعقد الوقف وإيقاع العتق يكون فسخاً وإخراجاً عن ملك المبتاع، ووقفاً أو عتقاً أيضاً في زمان واحد، وليس أحدهما متقدّماً على الآخر حسب الزمان أصلاً.
وفيما نحن فيه يكون الخروج عن الزوجية للزوج الأوّل وصيرورتها زوجة للثاني في زمان واحد، فلم يقع العقد على زوجة الغير كما ربما يتوهّم.1
يلاحظ عليه أوّلاً: وجود الفرق بين المشبّه والمشبّه به، أمّا المشبّه فإنّ التزويج بيد المزوّج وأمّا الطلاق فهو بيد من أخذ بالساق، وليس الرجل الثاني منه، فكيف يكون تزويجه طلاقاً وتزويجاً، إلاّ بالتعبّد، فلو صحّ ذلك فما جاء في الروايات أفضل منه وهو تلقّي عمل الغير صحيحاً إذا صدر عنه حسب موازين دينه وشريعته.
نعم يصحّ في المشبّه به لأنّ كلاًّ من الفسخ والعتق بيده.
وثانياً: نحن في غنى عن التخلّص عن الإشكال بالبيان المذكور، إذ يكفي في تصحيح العمل، كون الإلزام من قبيل الحكم الواقعي الثانوي، فتكون أدلّته حاكمة على شرائط الطلاق في هذه الحالة، نظير حكومة أدلّة التقية على الأحكام الواقعية فإنّ تصحيح العمل الصادر عن تقية الفاقد لشرائط الصحّة من هذا القبيل، فتدبّر.

شمول الحكم للمسلم وغيره

لا شكّ أنّ أغلب الروايات الواردة في المقام تهدف إلى العمل الصادر

1. القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: 3 / 193.

صفحه 127
من المسلم الذي يعتقد بصحّته والطرف الآخر الذي يعتقد بفساده، لكن قسماً من الروايات الذي ذكرناها في الطائفة الأُولى تركّز على شمول الحكم لعمل غير المسلم، نظير قوله: «لكلّ قوم نكاح»، أو قوله: «يجوز على أهل كلّ ذي دين وما يستحلّون» أو قول الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن دان بدين قوم لزمته أحكامهم»، وقوله (عليه السلام): «كلّ قوم يعرفون النكاح من السفاح فنكاحهم جائز»، وأمثالها من الروايات، وعلى هذا فمن تزوّج من أهل الكتاب يحرم على الغير نكاحها بلا طلاق، كما أنّه لو طلّق يجوز نكاحها. وكذلك لو مات أحد منهم وقسّم المال على حسب شريعتهم فيملك كلّ من الورثة ما عيّنته الشريعة، فلا يجوز التصرّف فيه بلا إذن.
وعلى هذا فلو عقد الذمّيان على خمر أو خنزير ثم اشترى مَن بيده الثمن شيئاً من المسلم، فالظاهر صحّة المعاملة لإطلاق الروايات، وما في «الجواهر» من أنّ ملكية الكافر للخمر والخنزير ونحوهما مناف لقاعدة تكليف الكافر بالفروع، ولما دلّ على عدم قابليتهما للملك شرعاً من غير فرق بين المسلم والكافر، وعدم التعرّض لما في أيديهم من أديانهم لا يقتضي ملكيتهم ذلك في ديننا.1
يلاحظ عليه: أنّه لا يجوز للمسلم إيجاد الموضوع، وأمّا إذا وجد الموضوع من جانب الذميّين فمقتضى القاعدة ترتيب الأثر على فعلهما .
وما ذُكر من تكليف الكفّار بالفروع كالأُصول صحيح لكن مع قطع النظر عن الدليل الحاكم أعني: قاعدة الإلزام فإنّها توسّع موضوع الصحّة، كما أنّ إسلام الكافر يجبّ ما قبله.

1. جواهر الكلام: 31 / 9 .

صفحه 128
وقد عرفت أنّ المراد من الإلزام هو تسهيل الأمر على المجتمع ، فلذلك يترتّب الأثر على أفعال أهل الذمّة كترتّبه على أفعال المسلمين، ولذلك لو باع خمراً أو ميتة فملك الثمن، فيجوز لنا بيع الشيء في مقابل الثمن المذكور.
فإن قلت: إنّ الميتة والخمر غير مملوكين، والكفّار محكومون بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول، فكيف يجوز لنا التعامل معهم في مقابل الأثمان الّتي اكتسبوها من بيع الميتة والخمر؟
قلت: ما ذكر صحيح حسب الحكم الواقعي الأوّلي، وأمّا بالنسبة إلى هذه الروايات فما ورد فيها حكم واقعي ثانوي يجوز اتّباعه وتقديمه على الحكم الواقعي الأوّلي، وقد مرّ البحث عنه في الأمر السابق.

شمول القاعدة لمن يتعامل مخالفاً لمذهبه

المتيقّن من الروايات هو لزوم التعامل مع الفعل الصادر عنهم كالأمثلة الواردة في الروايات.
وأمّا شموله للموضوع الذي يوجده الموافق على نحو يخالف مذهبه ويوافق مذهب المقابل كما إذا أراد بيع الخمر والخنزير والميتة من الكافر المستحل، فهل يجوز بيعها؟ الظاهر: لا، لأنّها غير مملوكة للمسلم، ومصبّ الروايات غير هذا.
وبعبارة أُخرى: الحكم لا يوجد موضوعه ولا يحقّق ثبوته، فلو تعامل الكافر مع الكافر بيعاً أو شراءً أو إجارة صحيحاً عنده وباطلاً عندنا، فهذا ما يجوز لنا إلزامهم بما ألزموا أنفسهم به، فلو شروا بنفس الثمن شيئاً منّا فلا إشكال فيه، وأما إذا أردنا أن نوجد موضوعاً جديداً من جانبنا، فلا يشمله أبداً.

صفحه 129
وممّا ذكرنا يظهر أنّ القاعدة لا تشمل تغسيل الميّت إذا كان مخالفاً مع مذهب الغاسل لما عرفت من أنّ الروايات ناظرة إلى العمل الصادر من المخالف، وأمّا تغسيل الميّت فهو ليس عمله وإنّما هو عمل الغسّال، فيجب عليه أن يغسله حسب ما يعتقد بصحّته.
وإن شئت قلت: إنّ قاعدة الإلزام واردة فيما إذا صارت مبدأ للإلزام على الغير، ومن المعلوم أنّ الميّت لا يقبل الإلزام، وبذلك تظهر المناقشة في كلام كلّ مَن قال بلزوم التغسيل على مذهب الميّت.
قال السيد الطباطبائي في العروة: لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثني عشري.1
ونقل في المستمسك عن «جامع المقاصد» أنّ ظاهرهم أنّه لا يجوز تغسيله غسل أهل الولاية، ولا نعرف لأحد تصريحاً بخلافه.2 وهو كماترى.

تطبيقات القاعدة

إنّ للقاعدة تطبيقات كثيرة يقف عليها الباحث المتتبع في مختلف أبواب الفقه، وقد ذكرنا قسم منها في كلمات الفقهاء ومضمون الروايات، وقد مرّت الإشارة إلى بعضها فيما سبق:
1. اتّفقت الإمامية على خيار المجلس للبيّعين، خلافاً لفقهاء المالكية3حيث قالوا بلزوم البيع في نفس المجلس. وعلى هذا فلو كان أحد البيّعين

1. العروة الوثقى:2/30، في تغسيل الميت.
2. مستمسك العروة الوثقى: 4 / 67 .
3. الخلاف:3/8، المسألة 6، في خيار المجلس.

صفحه 130
مخالفاً غير قائل بخيار المجلس، والآخر موافقاً قائلاً به، فللثاني إلزامه بعدم الفسخ لو حاوله، أخذاً له بمذهبه.
2. اتّفقت الإمامية على أنّ المبيع إذا كان حيواناً فللمشتري الخيار ثلاثة أيام، وأنكره فقهاء أهل السنّة، فلو كان البائع موافقاً والمشتري مخالفاً فللبائع أن يلزمه بالبيع وإن لم تمض ثلاثة أيام.
3. اتّفقت الإمامية على أنّ تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له، وخالفهم فقهاء أهل السنّة، فلو تلف المبيع في أيام الخيار، وكان الخيار للمخالف دون الموافق، فمع قطع النظر عن قاعدة الإلزام فالتلف على حساب الموافق باعتبار أنّه لا خيار له، لكن ينقلب الحكم عكساً إذا لوحظت قاعدة الإلزام، فعندئذ لا يتحمّل الموافق التلف أخذاً بمذهب المخالف، بل خصوصاً إذا تلفت العين تحت يديه.1
4. إذا وهب المريض في مرض موته للشيعي جميع ما يملكه، معتقداً نفوذ تصرّفاته من الأصل مطلقاً، فعلى المتّهب أن يتملّكه إلزاماً له بمذهب الواهب، حيث يجوّزون للمريض أن يتصرّف في جميع أمواله سواء رضي الورّاث أو لا.
هذا فيما إذا وهب وتحقّق القبض والإقباض في حياة الواهب، دون ما إذا لم تتم أركان الهبة، إذ لوارث الواهب أن لا يلتزم بالهبة لعدم انعقادها كاملة.
5. إذا كان مَنْ عليه الحدّ مخالفاً وكان حدّه القتل في مذهبهم دون مذهبنا، فحوّل إجراء الحدّ إلى شيعي، فهل يجوز للشيعي قتله، وإن لم يصل

1. ما ذكرناه في المقام موافق لمذهب المشهور من أن قولهم: تلف الخيار ممّن لا خيار له قاعدة مستقلة، لكنّه عندنا مورد تأمّل. شرحنا مفاد القاعدة في منشوراتنا الفقهية.

صفحه 131
إلى حد الإكراه، لقاعدة إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم؟ في التمسّك بالقاعدة في هذا المورد نظر، 1 لأن القاعدة كالتقية فكما أنّ الثانية محدّدة بالدم، فإذا بلغت الدم فلا تقية، فلعلّ القاعدة أيضاً كذلك.
6. لو تزوّج المخالف بعقد فاسد عندهم، كما لو تزوج بغير شهود، فإنّ العقد بلا شهود فاسد عندهم، لكنّه صحيح على مذهب الإمامية، فهل يمكن إلزامه بما التزم به، فيحكم بفساد العقد، ويترتّب عليه تزويج الغير أو لا؟ فيه تأمّل. لإيجاب الاحتياط في الأعراض .
7. اتّفق الفقهاء على أنّ النكاح من محرّمات الإحرام فلا يجوز ما لم يُخْرَج منه، لكنّ المخرج عند فقهاء السنّة هو طواف الزيارة مع ركعتيه، ولكنّه عند فقهاء الشيعة هو طواف النساء مع ركعتيه، فلو فرضنا أنّ الحاجّة السنّيّة طافت طواف الزيارة وصلّت صلاته فيجوز للشيعي تزوجها لأنّها خرجت عن الإحرام وفق مذهبها، فتأمّل .
8. لو طلّق المخالف زوجته بلا إشهاد، ثم استبصر قبل أن يعقد عليها شخص آخر، فلا شكّ أنّه يرجع إلى زوجته، إنّما الكلام إذا عقد عليها آخر، فلا يبقى مورد للرجوع، لما عرفت من أنّ قاعدة الإلزام أشبه بالحكم الواقعي الثانوي.
9. لو عقد المخالف على المطلّقة اليائسة قبل انقضاء عدتها، فهذا العقد عندنا صحيح لأنّ اليائسة لا عدّة لها، ولكنّه عندهم فاسد لقولهم بوجوب الاعتداد عليها، وعلى هذا فيجوز للإمامي أن يلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، فيعقد عليها وإن لم يطلّقها الزوج العاقد.

1. جواهر الكلام: 21 / 393 .

صفحه 132
10. اتّفقت الإمامية على أنّه لا ضمان في العارية إذا لم يكن درهماً ولا ديناراً أو لم يكن من الذهب والفضة، فأعاره ولم يشترط عليه الضمان، وكان المستعير سنيّاً يعتقد بضمان العارية، فعلى المعير أن يلزمه بما ألزم به نفسه، من ضمان العارية مطلقاً.
11. ذهب فقهاء السنّة إلى بطلان الجمع بين العمّة أو الخالة وبين بنت أخيها أو أُختها في النكاح، أجازتا أو لا، خلافاً لفقهاء الشيعة فقالوا بجواز الجمع إذا أجازتا، فلو تزوّج المخالف بنت أخي الزوجة أو بنت أُختها فنكاحه باطل، فيجوز للشيعي عقد كلّ منهما أخذاً بمذهبه.
12. اتّفقت الإمامية على حضور شاهدين في صحّة الطلاق، بخلاف أهل السنّة، فلو طلّق زوجته من دون حضور شاهدين صحّ الطلاق على مذهبه، ويجوز للشيعي أن يتزوّج تلك المطلّقة أخذاً بقاعدة الإلزام.
13. الطلاق حال الحيض أو في طهر المواقعة باطل عندنا لكنّه يصحّ عند فقهاء السنّة، ويجوز للشيعي أن يتزوّج تلك المطلّقة بقاعدة الإلزام لكن بعد خروجها عن العدّة.
14. اتّفقت الإمامية على بطلان طلاق المكره لكنّه صحيح عند الحنفية، فلو طلّقت المرأة الحنفية بإكراه، يصحّ للشيعي أن يتزوّجها بمقتضى قاعدة الإلزام.
15. الحلف بالطلاق باطل عند الإمامية لكنّه صحيح عند فقهاء السنّة، فلو حلف السنّي على عدم فعل شيء وأنّه إن فعله فامرأته طالق، واتّفق أنّه فعل ذلك الشيء فتصبح امرأته طالقاً على مذهبه، فيجوز للشيعي أن يتزوّجها بمقتضى قاعدة الإلزام.

صفحه 133
16. لو اشترى شخص شيئاً بالوصف ثم رآه وكان المبيع جامعاً للوصف المذكور، فليس للمشتري خيار الرؤية لكنّه ثابت على مذهب الشافعي، وعلى هذا فلو اشترى شيعي من شافعي شيئاً بالوصف المذكور، ثم رآه مطابقاً للوصف ثبت له الخيار بقاعدة الإلزام.
17. اتّفق الفقهاء على ثبوت خيار الغبن للمغبون، إلاّ أنّ الشافعي ذهب إلى عدم ثبوته، فلو اشترى شيعي من شافعي شيئاً ثم انكشف أنّ البائع الشافعي مغبون، فللشيعي إلزامه بعدم حقّ الفسخ له .
18. اتّفقت الإمامية على صحّة بيع المُسلَم وإن لم يكن المُسلَم فيه موجوداً، بخلاف الحنفية فيشترط عندهم وجود المُسلَم فيه، وعليه لو اشترى شيعي من حنفي شيئاً سَلَماً ولم يكن المُسلَم فيه موجوداً، جاز له إلزامه ببطلان العقد.
19. اتّفقت الإمامية على أنّ الميّت لو ترك بنتاً وأخاً فالتركة كلّها للبنت، خلافاً لفقهاء السنّة فإنّ ما فضل من التركة يكون للأخ من باب التعصيب، وعلى هذا فلو ترك الميّت بنتاً سنّية وأخاً شيعياً، جاز للأخ أخذ ما فضل من التركة.
20. المشهور عند الإمامية أنّ الزوجة لا ترث من العقار، بل الأراضي مطلقاً، بخلاف فقهاء السنّة فإنّ الزوجة ترث من جميع تركة الميّت منقولاً كان أو غير منقول، وعلى ذلك فلو كان الوارث سنّياً وكانت الزوجة شيعية جاز لها أخذ ما يصل إليها من الأراضي وغيرها.
وهناك فروع أُخرى تترتّب على هذه القاعدة تركنا التعرّض لها.
تمّ الكلام في قاعدة الإلزام

صفحه 134
قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز   
القواعد الفقهية
      9

قاعدة

إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

تعبيرات مختلفة عن القاعدة في الكتب الفقهية
تفسير مفردات القاعدة
دليل القاعدة من الكتاب والسنّة والسيرة
بماذا يتحقّق الإقرار ؟
الضرر النابع من الإنكار، هل يُعدّ إقراراً على النفس؟
في تعقيب الإقرار بالاستثناء
النسبة بين البيّنة والإقرار
من القواعد المسلّمة بين كافّة العقلاء حجّية إقرار كلّ إنسان بالغ عاقل على نفسه في مجال الأموال والحقوق وغيرهما، وعليه تدور رحى القضاء في أكثر الدعاوي، ولا تجد فقيهاً أو عالماً حقوقياً ينكر حجّيّة القاعدة، وذلك لأنّ الإنسان العاقل الطالب لخيراته لا يُقدم على إضرار نفسه إلاّ أن يكون له داعياً من ضميره أو من إيمانه وخوفه من الله، فلذلك يُسمَع إقرارُه لأنّه ناتج إمّا من قضاء الضمير أو الخوف من الله سبحانه، وقلّما يتّفق أن يقرّ الإنسان على ضرره لغايات أُخرى غير بيان الواقع، ولذلك لا يعتدّ بهذا الاحتمال ويؤخذ بإقرار المقرّ.
ثم إنّ التعبير الرائج في مورد القاعدة ما ذكرناه في عنوان البحث، ولكنّ

صفحه 135
الشيخ كاشف الغطاء عبّر عن القاعدة بالنحو التالي: إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، أو جائز 1، وعُبّر عنها في مجلة الأحكام العدلية بقولهم: المرء مؤاخذ بإقراره .2
ويظهر من تعليقات ذلك الكتاب أنّه الرائج في كتب فقهاء السنّة، وعلى كلّ تقدير فالبحث في القاعدة من جهات:

الأُولى: تفسير مفردات القاعدة

القاعدة مؤلّفة من كلمات نأتي بتفسيرها واحدة بعد الأُخرى:
1. الإقرار: هو مصدر باب الإفعال مأخوذ من قرّ يقرّ بمعنى ثبت يثبت، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار)3 .
وقوله سبحانه: (وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)4.
وكأنّ المعترف باعترافه يثبِّت المقرّ به ويُضفي له وصفَ الثبات .
2. العقلاء: الذين يميّزون المضارّ عن المنافع، خرج المجانين والسُّكارى وشبههم، مع كونهم بالغين شرعاً.
3. على أنفسهم: احتراز عن الإقرار للنفس أي لخيرها ونفعها، والمراد هنا على ضررهم.

1. تحرير المجلة: 1 / 270 .
2. تحرير المجلة: 1 / 189 .
3. إبراهيم: 26.
4. غافر: 39.

صفحه 136
4. جائز: وفيه احتمالان:
أ. مباح أي غير حرام.
ب. جائز بمعنى نافذ يؤخذ ويؤاخذ به .
وبما أنّ القاعدة تُضيّق جواز الاعتراف بصورة واحدة وهي ما إذا كان على ضرر المقرّ نفسه، فهذا ما يمكن أن يكون قرينة على معنى الجواز وأنّه بمعنى النفوذ وأنَّ الأخذ مختص بهذه الصورة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه بمعنى الإباحة فهي لا تختصّ بصورة دون صورة، إذ يجوز للإنسان أن يعترف على نفسه وعلى غيره من دون أن يكون أمراً غير جائز.
بقي الكلام في أنّ الظرف أعني قوله: «على أنفسهم» هل هو متعلّق بالإقرار أو متعلّق بقوله: «جائز»؟ وبعبارة أُخرى: هل مفاد القاعدة عبارة عن: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، أو إقرار العقلاء جائز على أنفسهم؟
وبين المعنيين فرق واضح، فلو كان الظرف من قيود الإقرار، يكفي في نفوذه كونه على ضرره وإن كان يترتّب عليه نفع أيضاً، مثلاً: إذا اعترف بأنّ زيداً ابنه فهو اعتراف على النفس حيث تجب عليه نفقته ولكنّه يستتبع نفعاً أيضاً وهو أنّه يرثه لو مات، وعلى ذلك فالاعتراف على النفس موضوع لسماع إقراره على وجه الإطلاق، سواء ترتب عليه نفع أيضاً أو لا. فالإقرار محدّد بكونه على النفس، لكن الجواز مطلق يعمّ ما إذا كانت النتيجة هي الضرر أو مزدوجة مع النفع.
وهذا بخلاف ما إذا كان الظرف قيداً للجواز فيختصّ النفوذ في خصوص ما فيه الضرر لا غير، وفي المثال السابق يكون إقراره نافذاً في بذل النفقة لا في الميراث لافتراض أنّ النفوذ مقيّد بالضرر ولا يعمّ غيره.

صفحه 137
والظاهر أنّ الظرف متعلّق بالإقرار ولكنّ النتيجة واحدة، وذلك من وجهين:
الأوّل: لكونه أقرب من قوله: «جائز».
الثاني: أنّ مفاد القاعدة بين العقلاء هو الأخذ بإقرار المقرّ إذا كان على نفسه; لأجل أنّ العاقل لا يعترف على ضرره إلاّ بداع من الضمير الحرّ أو بخوف من الله سبحانه، والاعتراف النابع من ذلك حجّة في الاعتراف على الضرر، ولو استلزم ذلك الاعترافُ، الانتفاعَ، فلا يؤخذ بالثاني لما عرفت من أنّ وجه الأخذ بالإقرار هو أحد الأمرين، وهما مختصّان بما إذا كان المقرّ به على ضرره دون نفعه. وهذا هو الوجه لعدم عموم القاعدة لما إذا استلزم النفع.
فإن قلت: إذا قال: هذا ابني، وثبت المقرّ به وهو أنّه ابنه، فيجب ترتيب جميع الآثار سواء أكانت على ضرره كوجوب الإنفاق عليه، أو بنفعه كالإرث منه، فإنّ تفكيك أحد الأثرين عن الآخر أشبه بتفكيك اللازم عن الملزوم أو أحد اللازمين عن الآخر.
وبعبارة أُخرى: إنّ الإقرار إمّا صادق فينفذ مطلقاً، وإمّا كاذب فلا ينفذ مطلقاً، فالقول بالتفصيل بين ترتيب بعض آثاره دون بعض، مخالف للفرضين معاً.
قلت: أجاب السيد المراغي عن الإشكال بوجهين:
الأوّل: الإشكال وارد بحسب الثبوت وغير وارد بحسب الإثبات الذي تنظر القاعدة إليه .
الثاني: أنّ الإقرار إنّما يكون إقراراً بالنسبة إلى ما يسبّب ضرراً إلى نفس المقرّ، وأمّا بالنسبة إلى ما يؤدّي إلى نفع لنفسه أو ضرر على غيره، فلا يكون

صفحه 138
إقراراً أصلاً حتّى يقال بأنّه جائز ونافذ، بل الإقرار بالنسبة لهذه الصور الثلاث يكون مجرد دعوى، ولذا لا يصحّ الحكم بها شرعاً وعرفاً.1
وما ذكره أمر لا سترة عليه أمّا الثاني فلما قلنا من أنّ العقلاء إنّما يأخذون بإقرار الإنسان لأجل أنّ العاقل لا يعترف على ضرر نفسه، فلو اعترف، فهذا يدلّ على صدق إقراره، وأمّا الإقرار على نفعه أو انتفاع الغير أو ضرره فحدّث عنه ولا حرج، فشهود الزور كثيراً ما يعترفون إمّا على نفع أنفسهم أو غيرهم أو ضررهم، فيوصف حينئذ بالادّعاء لا الإقرار.
وبعبارة أُخرى: الاعتراف المطابق للواقع مائة بالمائة ـ إلاّ ما شذّ ـ هو الاعتراف على ضرر النفس ولذا يؤخذ به، وأمّا ما سوى ذلك فكون المعترف صادقاً في اعترافه مساو لكذبه.
وأمّا الأوّل أعني: مسألة تفكيك اللازم عن الملزوم أو أحد اللازمين عن الآخر فيمكن أن يقال مضافاً إلى ما ذكره من التفريق بين الثبوت والإثبات وأنّ الإشكال جار في الأوّل دون الثاني: أنّ الامتناع يتعلّق بالتكوين فلا يمكن تفكيك النار عن الحرارة، وأمّا الأُمور الاعتبارية فالتفكيك بينهما أمر جائز واقع كثيراً، مثلاً: نفترض أنّ رجلاً محدثاً توضّأ بماء أحد الانائين المشتبهين، فيحكم عليه ببقاء الحدث وطهارة مواضع الوضوء مع أنّ الماء لو كان طاهراً فهو متطهّر والمواضع طاهرة، ولو كان نجساً فهو محدث ومواضع الوضوء نجسة، ومع ذلك أفتى الفقهاء بالتفكيك، لماذا؟ لأنّ التفكيك في الأُمور الاعتبارية جائز، فيؤخذ بالاستصحاب في كلا الموردين؟ فالنفس محكومة

1. العناوين: 2 / 642، العنوان 81 ، بتصرّف .

صفحه 139
بالحدث استصحاباً، والأعضاء محكومة بالطهارة بنفس الدليل، ونظيره ما إذا شك بعد الفراغ عن الصلاة هل كان متطهّراً أو لا؟ فيحكم بكونه متطهّراً لكن تطهّراً نسبياً، أي بالنسبة إلى الصلاة الّتي فرغ عنها، وأمّا بالنسبة للصلوات الآتية فيجب عليه تحصيل الطهارة، وما هذا إلاّ لأنّ قاعدة الفراغ تثبت صحةً حيثية، أو طهارة بالنسبة إلى ما مضى لا بالنسبة إلى ما يأتي.1

الجهة الثانية: دليل القاعدة من الكتاب والسنّة والسيرة

استدلّ على حجّية القاعدة بوجوه أمتنها هو سيرة كافّة الناس في جميع الأقطار وكلّ المحاكم على الأخذ بإقرار الإنسان على نفسه، وعليه تدور رحى المحاكم في المرافعات والقضاء على المقرّ، ولا تجد إنساناً يشكّ في حجّية هذا الاعتراف، اعترافاً نابعاً من صحوة الضمير أو خشية من عقوبة الله تعالى ونحو ذلك ممّا يدفع الإنسان إلى الاعتراف على نفسه بلا ضغط خارجي، وإلاّ فالاعتراف الناتج من عامل خارجي لا قيمة له.
ومع وجود هذه السيرة المستمرة الموجودة قبل الإسلام وبعده إلى يومنا هذا، لا حاجة للاستدلال على القاعدة بوجوه غير ناهضة.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»2.
فالظاهر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدد إمضاء السيرة الموجودة بين العقلاء ولم يكن بصدد تشريع جديد، والاستدلال به بين الفقهاء عبر القرون أوضح دليل

1. العناوين: 2 /648، العنوان 82 .
2. عوالي اللآلي: 1 / 223 برقم 104. وقال الشيخ الحر العاملي: وروى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».لاحظ: الوسائل: 6، الباب3 من كتاب الإقرار، الحديث2.

صفحه 140
على صحّته وصدوره عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك ما ورد من النصوص الخاصّة في مقامات على اعتبار الإقرار في كتابي الحدود والإقرار، وقد عقد الحر العاملي باباً باسم: ثبوت الزنا بالإقرار أربع مرّات 1، كما أنّه عقد باباً آخر تحت عنوان: إنّ السرقة لا تثبت إلاّ بالإقرار مرّتين مع عدم البيّنة2، وفي كتاب الإقرار من الناحية الفقهية والحديثية نجد شواهد كثيرة على حجيّة الإقرار.
وربّما يستدلّ بالآيتين التاليتين:
1. قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ ولَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ )3.
2. قوله تعالى: (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)4.
بتقريب أنّه إذا وجب القول على الشاهد، أو حرم الكتمان على المرأة فيجب قبول قولهما، وإلاّ يكون إيجاب قول الحقّ وعدم الكتمان أمراً لغواً.
يقول الفاضل النراقي: إنّ في دلالتهما على إلزام كلّ أحد بمقتضى إقراره على نفسه، نظراً.(5)
وجه النظر هو أنّ الآيتين لا تدلاّن على أنّ شهادة كلّ، علّة تامّة للقبول فيمكن أن يكون جزء علّة ويتوقّف القبول على أُمور أُخرى كالتعدّد والعدالة وغيرهما، ولذلك نرى أنّ الشيخ الأنصاري ردّ الاستدلال بأمثال الآيتين على حجّية قول الثقة.

1. الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا.
2. الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ السرقة.
3. النساء: 135 .
4. البقرة: 228 .   5 . عوائد الأيام: 488.

صفحه 141

الجهة الثالثة: بماذا يتحقّق الإقرار؟

يتحقّق الإقرار باللفظ المتضمّن للإخبار عن حقّ واجب كقوله: لك عليّ أو عندي أو في ذمّتي أو ما يشبهه، والميزان في الدلالة على الإقرار هو العرف، مثلاً إذا قال القائل لشخص: لي عليك عشرة، فأجاب أعطيتك، يُعد إقرار بالأخذ فعليه أن يثبت الإعطاء، وذلك لأنّ الإعطاء فرع كونه كما قال. ومع ذلك يمكن التفريق بين كون المجيب واقفاً بالدلالة الالتزامية وكونه إنساناً ساذجاً غير واقف به، فيعد إقراراً في الأوّل دون الثاني.
قال المحقّق ولو قال: إن شهد لك فلان فهو صادق في جواب قوله: لي عليك عشرة، لزمه الإقرار في الحال، لأنّه إذا صدّق وجب الحقّ وإن لم يشهد.1
وجه ذلك ـ على ما ذكره صاحب الجواهر ـ أمران:
1. السبب المقتضي لشغل الذمّة أمر آخر من بيع أو قرض ونحوهما فإذا حكم بالصدق على تقدير الشهادة فقد حكم بثبوت سبب يقتضي شغل الذمّة ومع ثبوته يجب الحكم على تقدير الشهادة وعدمه، لما عرفت من أنّ المقتضي للشغل غير الشهادة.
2. المال إمّا أن يكون ثابتاً في ذمّته أو لا، والثاني باطل لاستلزامه كذب الشاهد على تقدير الشهادة، لأنّه خبر غير مطابق لكنّه حكم بصدقه على تقديرها فيكون مخالفاً للغرض فيتعيّن الأوّل.2

1. شرائع الإسلام: 3 / 143، كتاب الإقرار .
2. جواهر الكلام: 35/9.

صفحه 142
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في الإقرار ما هو المتبادر عند العرف العامّ، وأمّا ما هو الثابت بالتحليل العقلي فليس موضوعاً لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»، لأنّ الإقرار عبارة عمّا يعترف به المقرّ مع الالتفات إليه، وأمّا اللازم الذي لا يلتفت إليه المتكلّم فلا يقال إنّه أقرّ بذلك وما ذكره من البيانين من هذه المقولة.
وهذا النوع من التعبير الوارد في كلام المحقّق أشبه بالتعليق على المحال وبما أنّه يعلم أنّه لا يشهد، علّق إقراره على الممتنع والمعلّق على الممتنع ممتنع، نظير ذلك قول أحدهم: «إن شهد فلان أنّي لست لأبي فهو صادق» ولا يريد بذلك إلاّ ما ذكرنا للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لأبيه، ولأجل ما ذكرنا يقول في العناوين: إنّ مثل هذا ليس إقراراً; لأنّ العرف لا يعدّون هذا إقراراً بالاشتغال بل يستعملونه غالباً في مقام التعليق على الامتناع ويريدون به أنّه لا يشهد على ذلك أصلاً، وقال السيد المراغي بعد هذا الكلام: إنّ المدار ما يسمّى في العرف إقراراً1.
فكما يتحقّق الإقرار باللفظ يكون بالإشارة المفهمة عند العجز عن الكلام، للصدق عليها عرفاً، فتدخل تحت العموم بشرط أن تكون الإشارة صريحة عند العقلاء بالاعتراف .
وكما يتحقّق باللفظ والإشارة يتحقّق كذلك بالكتابة، سواء قدر على الكلام أو لا، وتصوّر عدم صدق الإقرار مع القدرة على التكلّم، كماترى، بل يتلقون الكتابة أفضل من التكلّم لأنّه يزول بخلاف الكتابة.

1. العناوين : 2 / 634، العنوان81 .

صفحه 143
أضف إلى ذلك: أنّه سبحانه يأمر بكتابة الدين ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ )1 .
واحتمال أنّ الكاتب كتب لأجل تمرين الخط وتحسينه احتمال ساقط; لأنّ التمرين لا ينحصر في الاعتراف بأمر مالي.
ثم إنّ الشيخ الطوسي ذكر ضروباً للإقرار وأتى بأمثلة كثيرة استغرق بحثه في هذه المسألة صفحات كثيرة.2
وتبعه العلاّمة أيضاً في القواعد.3
وبما أنّ الميزان عندنا كون اللفظ أو الإشارة أو الكتابة صريحة عند العرف فلا وجه للبحث عن الصغريات فهي متروكة إلى العرف، وربّما سنشير إلى بعضها في الجهة الخامسة.

الجهة الرابعة: الضرر النابع من الإنكار، هل يُعدّ إقراراً على النفس؟

إنّ الإقرار بالضرر تارة يكون ناتجاً عن الاعتراف بشيء على وجه الإثبات كأن يقول: عندي لفلان عشرة دراهم، أو أنّ هذه الدار الّتي تحت يدي لفلان.
وأُخرى يكون الإقرار بالضرر ناتجاً عن الإنكار كما لو قيل له: هل هذا مالك؟ فيقول: لا، ليس مالي. فيقع الكلام في أنّ الضرر الناتج من الإنكار هل

1. البقرة: 282 .
2. لاحظ : المبسوط: 3 / 4 38 .
3. لاحظ : قواعد الأحكام: 2 / 411 ـ 418 .

صفحه 144
هو داخل تحت عموم القاعدة، أو لا يدخل؟
والجواب هو أنّ الظاهر أنّه لا فرق بين الصورتين، وذلك لأنّ العرف يتلقّاه أيضاً اعترافاً بأنّه ليس ملكه. وتظهر الثمرة في أنّه مثلاً لو رجع عن إنكاره وقال هو: ملكي، فلو قلنا بأنّ الإنكار السابق اعتراف وإقرار داخل في القاعدة يكون الإثبات ثانياً بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، وقد ثبت عندهم أنّه لا إنكار بعد الإقرار، وأمّا إذا لم نقل بأنّ الإنكار اعتراف فلا يُعد الإثبات إنكاراً بعد الإقرار.
وبما أنّا قلنا بأنّ الإنكار إقرار على النفس فيعد الإثبات إنكاراً بعد الإقرار .
ثم إنّ ما ذكرنا من أنّ إثباته يُعد إنكاراً إنّما هو فيما إذا كان في المقام مَن يدّعي ملكية المقرّ به، ففي ذلك يدخل المقام تحت قوله: لا إنكار بعد الإقرار.
وأمّا إذا كان هذا النوع من الإنكار وثم الإثبات في مقام ليس هناك من يعارضه، كما إذا قال بأنّ هذا المال الذي في يدي ملك لزيد، ثم قال: هذا ملكي، ولم يكن زيد مدّعياً للمقرِّ به، فعندئذ للمسألة صورتان:
1. إذا أمكن تجدّد الملك للمقرّ، كما إذا احتمل أنّه اشتراه من زيد.
2. إذا لم يمكن تجدّد الملك له بحسب الزمان كما إذا لم يكن فاصل زماني بين القولين، وعندئذ فالحكم بصحّة تصرّف المقرّ مشكل من جهة أنّ الإقرار دلّ على أنّه ليس في ملكه ولا يمكن تجدّد ملك له بحسب الفرض فلا يعتمد على تصرّفه، ويترتّب على ذلك أنّه لو وهب المقرّ به لشخص فلا يملك إلاّ بإجازة من أقرّ له.

صفحه 145

الجهة الخامسة: في تعقيب الإقرار بالاستثناء

اشتهر بينهم أنّ حكم الاستثناء والمستثنى منه متناقضان فالاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فلو قال: له عليّ عشرة إلاّ واحد فهو إقرار بالتسع، أو قال إلاّ اثنان لزمته ثمانية، فلا يؤخذ بظهور الكلام إلاّ بعد فراغ المتكلّم عمّا يلحق به، نعم يشترط أن لا يكون الاستثناء مستوعباً، كما إذا قال: له عليّ عشرة إلاّ مثلها، فهو أشبه باللعب.
ثم إنّ العلاّمة عقد فصلاً بعنوان: تعقيب الإقرار بما ينافيه، فذكر أمثلة كثيرة للاستثناء، كما عقد فصلاً آخر لما إذا كان المنافي غير الاستثناء، كما إذا قال: له هذا الدرهم، ثم قال: بل هذا، وبما أنّ البحث في الصغريات متروك للفقيه واستظهاره، فلا وجه للبحث عن الأمثلة .1
وعلى ذلك نطرح مثالاً ليكون نموذجاً للتطبيق:
لو قال قائل لزيد: أليس لي عليك كذا، فلو قال: بلى، فقد اتّفقوا على أنّه إقرار بالمنفي، إنّما الكلام إذا قال: نعم، فهل هو تصديق للمنفي (لي عليك كذا) أو تصديق للنفي أعني (ليس)؟ وهذا نظير قوله سبحانه: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا )2.
وقد نقلوا عن ابن عباس أنّهم لو قالوا: نعم لكفروا، وهذا يدلّ على أنّ (بلى) تفيد التصديق للمنفي أي: ربكم، لا تصديقاً للنفي أعني: «لست»، ومع

1. قواعد الأحكام: 2 / 429 ـ 437 .
2. الأعراف: 172 .

صفحه 146
ذلك كلّه فلعلّ الأعراف والتقاليد في هذه الموارد تختلف فيما بينها.
قال ابن هشام: إنّ بلى تختصّ بالنفي وتفيد إبطاله، سواء كان مجرّداً نحو: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي)، 1 أم مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان نحو: أليس زيد بقائم؟ فتقول: بلى، أو توبيخياً نحو: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْوَاهُمْ )2، وقوله: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ )3، أو تقريرياً نحو قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ *قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ)4، وقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )5 فأجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرّد في ردّه بـ «بلى»، ولذلك قال ابن عباس وغيره: لو قالوا نعم لكفروا، وجهه أنّ «نعم» تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب، ولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال أليس لي عندك ألف، فقال: بلى، لزمته، ولو قال: نعم لم تلزمه.
وقال آخرون: تلزمه فيهما، وجروا في ذلك على مجرى العرف لا اللغة.6
ثم إنّ العلاّمة بعد ما ذكر أنّ «نعم» تصديق للمخبر به قال: هنا احتمال آخر وهو أنّ كلّ واحد من «نعم» و«بلى» يقام مقام الآخر في العرف، ثم قال: والاحتمالان وجهان أيضاً للشافعية، وقال الآخرون: تحمل على مفهوم أهل

1. التغابن: 7 .
2. الزخرف: 80 .
3. القيامة: 3 4 .
4. الملك: 8 ـ9.
5. الأعراف: 172 .
6. مغني اللبيب: 1 / 153 ـ 154 .

صفحه 147
العرف، لا على دقائق العربية .1
وقد تقدّم منّا أنّ الميزان هو فهم العرف.
وأمّا التطبيقات فكلّ ما ذكره الفقهاء في باب الإقرار يُعدّ من التطبيقات .

الجهة السادسة: النسبة بين البيّنة والإقرار

إنّ نسبة البيّنة إلى الإقرار كنسبة الدليل الاجتهادي إلى الأصل العملي فكما أنّ الدليل الاجتهادي رافع للشكّ وحاكم على الأصل الذي موضوعه هذا الشك، فهكذا البيّنة مقدّمة على الإقرار، لأنّ البيّنة حجّة عامّة وطريق إلى اثبات الواقع فتكون حجّة على الجميع، وهذا بخلاف الإقرار فإنّما يُلزم به المقرُّ دون غيره، وتظهر حقيقة الأمر في المثال التالي:
لو أقرّ زيد بزوجية هند له وأنكرت هي، فالمقرّ وحده ملزم بترتيب آثار الزوجية لها ممّا يعود على ضرره كالإنفاق، دون غيره، وأمّا لو أقام بيّنة على الزوجية فيكون حجّة على المقرّ والمنكر أعني: (هنداً) وإلى هذا المعنى أُشير في مجلة الأحكام العدلية بقولهم:
البيّنة حجّة متعدّية والإقرار حجّة قاصرة 2.
والتعبير الأفضل أن يقال: إنّ البيّنة حاكمة على الإقرار، موسّعة لدوره، كما في المثال المذكور.
تمّ الكلام في قاعدة
إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

1. تذكرة الفقهاء: 15 / 244 .
2. تحرير المجلة: 1 / 188 .

صفحه 148
القواعد الفقهية
   
      10

قاعدة القرعة

1. القرعة قاعدة عقلائية
2. القرعة في الكتاب العزيز
3. القرعة في السنّة الشريفة
   الروايات العامّة في القرعة
   الروايات الخاصّة في مورد القرعة، وهي على طوائف:
      1. القرعة عند تعارض البيّنتين.
      2. القرعة فيما لو اشتبه الولد.
      3. القرعة فيما لو نذر عتق أوّل عبد يملكه.
      4. الإيصاء بعتق ثلث مماليكه.
      5. في اشتباه الحرّ بالمملوك.
      6. في ميراث الخنثى المشكل.
   الروايات المتفرّقة الّتي لا تدخل تحت عنوان واحد
4. تحديد مفاد أدلّة القرعة
5. عدم ورود التخصيص على القرعة
6. هل القرعة أمارة أو أصل؟
7. هل الإقراع وظيفة شخص معيّن؟
8 . هل العمل بالقرعة عزيمة أو رخصّة؟
من القواعد الّتي يستكشف بها الموضوع قاعدة القرعة، والقرعة في اللّغة بمعنى الدقّ والضرب، يقال: قرع الباب أي: دقّه .

صفحه 149
قال ابن فارس في «المقاييس»: الإقراع والمقارعة من المساهمة، وسمِّيت بذلك لأنّها شيء كأنّه يُضرَب، يقال: قارعتُ فلاناً قرعتُه: أصابتني القرعة دونه.
والكلام في أدلّتها ومفادها وحدودها ضمن أُمور:

الأوّل: القرعة قاعدة عقلائية

القرعة قاعدة عقلائية يتمسّك بها العقلاء عند انغلاق جميع أبواب الحلول وانسداد جميع الطرق، وتشهد بذلك الآيات والروايات حيث إنّ عبّاد بني إسرائيل ساهموا في تعيين من يكفل مريم بنت عمران، كما أنّ أهل السفينة ساهموا لتشخيص العبد العاصي أو تعيين واحد من الركاب لإلقائه في البحر بغية تخفيف وزن السفينة، إلى غير ذلك من الموارد التي ستمرّ عليك.
فإذا كانت القرعة من القواعد العقلائية تكون الآيات والروايات الواردة حولها إمضاءً لما بأيدي الفقهاء كمّاً وكيفاً.
ومَن تتبّع سيرة العقلاء في موارد القرعة يقف على أنّهم يقارعون بشرط أمرين:
أ: انغلاق أبواب الحلول.
ب: كون المورد من قبيل التنازع أو التزاحم، فلو كان هناك عموم في أبواب القرعة يُحمل على ذلك المورد، وبذلك يُعلم أنّه لا يصحّ الإقراع في الإناءين المشتبهين، ولا في القبلة المشتبهة بين الجوانب الأربعة، أو بين الإمامين اللّذين نعلم بعدالة واحد منهما، إلى غير ذلك.
وعلى ذلك يحمل قوله (عليه السلام): «كلّ مجهول ففيه القرعة»1 .وقوله (عليه السلام):

1. الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث11.

صفحه 150
«القرعة سنّة»1. وذلك لأنّ السيرة العقلائية كالقرينة المتّصلة بهذه المطلقات تمنع عن انعقاد إطلاقاتها في غير ذلك الباب، وبذلك يُصبح العمل بالقرعة في غير مورد التنازع والتزاحم أمراً فارغاً عن الدليل، لأنّ السيرة مختصّة بذلك الباب والإطلاقات منزّلة عليها، فيكون الإقراع في غير هذا الإطار متوقّفاً على الدليل.

الثاني: القرعة في الكتاب العزيز

جاء في محكم التنزيل حديث الإقراع مرّتين كما سيوافيك، والاستدلال بالآيات الحاكية لها على أساس أنّ القرآن كتاب هداية ، فلو كانت القرعة أمراً منبوذاً لشجبها القرآن، ولا يقتصر على مجرّد نقلها من بني إسرائيل أو من الآخرين بلا نقد ولا ردّ، فإنّ النقل بلا ردّ آية أنّه سنّة مرضيّة عند اللّه تعالى، وبذلك يصبح الكتاب دليلاً على صحّة القرعة من هذه الزاوية لا من زاوية استصحاب أحكام الشرائع السابقة، وإنّما نحتاج إلى الاستصحاب إذا ثبت الحكم فيها عن غير طريق القرآن، وإلاّ فلو نقل القرآن حكماً أو سنّة بلا ردّ ولا شجب فيؤخذ به من دون حاجة إلى الاستصحاب، وهذه ضابطة كلّية فاغتنمها.
نقل القرآن الكريم حديث القرعة في موردين:
أ: المساهمة في تعيين كفيل مريم (عليها السلام) يقول سبحانه: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لدَيْهِمْ إِذ يُلْقُونَ أَقلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون).(2)

1. الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.   2 . آل عمران:44.

صفحه 151
قال الطبرسي: في الرواية دلالة على أنّهم بلغوا في التشاحّ عليها إلى حدّ الخصومة، وفي وقت التشاحّ قولان:
أحدهما: حين ولادتها وحمل أُمّها إيّاها إلى الكنيسة، فتشاحّوا في الذي يحضنها ويكفل تربيتها. وهذا قول الأكثر.
وثانيهما: قال بعضهم: كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها، وفي هذه الآية دلالة على أنّ للقرعة مدخلاً في تمييز الحقوق.1والخصوصية الحافّة بالمقام أمران:
1. أنّهم تقارعوا في مورد التزاحم حيث إنّ كلّ واحد من عبّاد الكنيسة كان يتبنّى حضانتها لنفسه، لينال شرف ذلك، فاتّفقوا على المساهمة، فخرج السهم باسم خير الكفلاء لها، أعني: زكريا(عليه السلام).
2. تقارعوا في مجهول ليس له واقع محفوظ، معلوم واقعاً ومجهول ظاهراً، وهذا يدلّ على أنّ القرعة لا تختصّ بما إذا كان له واقع معلوم ، بل تستخدم فيما إذا لم يكن كذلك، لأجل تعيّن الحقّ في واحد منهم، لعدم إمكان التقسيم بينهم أو قيام الجميع به.
ب: المساهمة في تعيين من يُلقى في البحر، يقول سبحانه:(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ).2 والمساهمة في الآية بمعنى المقارعة مأخوذة من إلقاء السهام، و«الدحض» الزلق ويطلق على السقوط.

1. مجمع البيان:2/747، ط دار المعرفة.
2. الصافّات:139ـ141.

صفحه 152
وقد جاءت القصة أيضاً في سورة القلم من دون إشارة إلى المساهمة، قال سبحانه: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَولا أَنْ تَدارَكَهُ نعمةٌ مِنْ رَبِّهِ لََنُبِذَ بالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُوم).1
قال الطبرسي: واختلفوا في سبب ذلك، قيل: إنّ السفينة احتبست، فقال الملاّحون: إنّ هاهنا عبداً آبقاً، فإنّ من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فلذلك اقترعوا، فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات.2
ولكن الظاهر أنّ الإلقاء كان لأجل إيجاد الخفّة في وزن السفينة، ويشهد على ذلك قوله: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ). فعلى الأوّل يكون المورد ممّا هو معلوم واقعاً ومجهول ظاهراً، بخلاف الثاني فيكون من قبيل المردّد واقعاً وظاهراً، فتعيّن العبد الآبق من قبيل الأوّل بخلاف طلب الخفّة بإلقاء شخص في البحر من قبيل الثاني، وعلى كلّ تقدير فالمورد من قبيل تزاحم الحقوق، أي من قبيل تزاحم مصلحة الجميع مع مصلحة الفرد، فالأمر دائر بين غرق الجميع أو غرق واحد منهم، فالثاني هو المتيقّن ويتمسّك في تعيين الفرد بالقرعة.

الثالث: القرعة في السنّة الشريفة

وردت القرعة في السنّة الشريفة وفيها روايات بصدد إعطاء الضابطة الكلية، كما فيها روايات خاصّة لموارد معينة، وهي على طوائف ست، وتتلو هذين القسمين روايات متفرقة، لا تدخل تحت عنوان خاص، وإليك بيان الجميع.

1. القلم: 48ـ 49.
2. مجمع البيان:8/716.

صفحه 153

الروايات العامّة في القرعة

1.روى الصدوق باسناد فيه إرسال عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «أوّل مَن سُوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول اللّه عزّوجلّ: (وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذ يلقُونَ أَقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَريم)والسهام ستّة; ثمّ استهموا في يونس لمّا ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللّجة، فاستهموا فوقع على يونس ثلاث مرّات، قال: فمضى يونس إلى صدر السفينة، فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه; ثمّ كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاماً أن يذبحه، فلمّا ولد عبد اللّه لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في صلبه، فجاء بعشر من الإبل فساهم عليها وعلى عبد اللّه، فخرجت السهام على عبد اللّه، فزاد عشراً، فلم تزل السهام تخرج على عبد اللّه ويزيد عشراً، فلمّـا أن خرجت مائة خرجت السهام على الإبل، فقال عبد المطلب: ما أنصفتُ ربي، فأعاد السهام ثلاثاً، فخرجت على الإبل فقال: الآن علمت أنّ ربّي قد رضي، فنحرها».1
2. عن سيّابة وإبراهيم بن عمر جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهوحرّ، فورث ثلاثة، قال: «يقرع بينهم، فمَن أصابه القرعة أُعتق، قال: والقرعة سنّة».2
3. عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)إلى اليمن، فقال له حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول اللّه أتاني قوم قد تبايعوا جارية، فوطأها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاماً فاحتجّوا فيه، كلّهم يدّعيه، فأسهمت بينهم، فجعلته للّذي خرج سهمه وضمَّنته

1. الوسائل:18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12.
2. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

صفحه 154
نصيبهم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه، إلاّ خرج سهم المحقّ».1 والوجه في عدّ هذه الرواية من القسم العام، هو ذيلها لا موردها.
ورواه الصدوق هكذا: «ليس من قوم تقارعوا...»2 ثمّ ذكر بقية الحديث كما في الوسائل. ولعلّ الأوّل أصحّ، لأنّ التقارع فرع التنازع، ولعلّه سقط من قلمه.
4. روى محمد بن حكيم (حكم) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن شيء؟ فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة» قلت له: إنّ القرعة تخطئ، وتصيب، قال: «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ».3
ثمّ إنّ المراد من الموصول في قوله:«كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ» أحد أمرين :
الأوّل: أن يكون المراد حكمه سبحانه بإعمال القرعة، فهو بما أنّه ذو مصلحة تامّة مصيب ليس بمخطئ.
الثاني: أن يكون المراد هو نفس القرعة والمساهمة فهي مصيبة، كما هو الظاهر من الرواية التالية:
5. روى الصدوق، قال: قال الصادق (عليه السلام): «ما تنازع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّوجلّ، إلاّ خرج سهم المحقّ».4

1. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.
3. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11.
4. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13.

صفحه 155
6. روى الصدوق أيضاً: أيُّ قضية أعدل من القرعة إذا فوِّض الأمر إلى اللّه، أليس اللّه يقول: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضين) .1
وقد رواهما الصدوق بصورة حديث واحد، والظاهر أنّ الجمع من فعل الراوي وهما حديثان، ولأجل ذلك جعلنا لكلّ رقماً خاصاً.
7. روى منصور بن حازم، قال: سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مسألة: «فقال هذه تخرج بالقرعة ثمّ قال:ـ فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّوجلّ، أليس اللّه يقول: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضين)؟» .2
والحديث جَمَع بين مضمون الحديثين السابقين اللّذين نقلهما الصدوق.
8 . روى الشيخ في «النهاية» قال: روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وعن غيره من آبائه وأبنائه (عليهم السلام)من قولهم: «كلّ مجهول ففيه القرعة» فقلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب، فقال: «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ».3 وهو نفس الحديث الماضي تحت الرقم4.
9. العيّاشي في «تفسيره» عن الثُّمالي، عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث يونس (عليه السلام)قال: «فساهمهم فوقعت السّهام عليه، فجرت السنّة: أنّ السّهام إذا كانت ثلاث مرّات أنّها لا تخطئ، فألقى نفسه، فالتقمه الحوت».4

1. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 17.
3. الوسائل:18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 18.
4. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 22.

صفحه 156
10. ما رواه العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام، فأتيا محمّد بن عليّ(عليهما السلام)، فقال لهما: «بِمَ تقضيان؟» فقالا: بكتاب اللّه والسنّة، قال: «فما لم تجداه في الكتاب والسنّة؟» قالا: نجتهد رأينا، قال: «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت، فسقط عليهما فماتتا، وسلم الصبيّان»؟ قالا: القافّة، قال: «القافة يتجهّم منه لهما»،( وفي بعض النسخ: القافة يلحقهما بهما) قالا: فأخبرنا، قال: «لا». قال ابن داود مولى له: جعلت فداك قد بلغني: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ وجلّ وألقوا سهامهم، إلاّ خرج السَّهم الأصوب» فسكت.1
11. عن إسحاق العرزمي قال: سئل وأنا عنده يعني: أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مولود ولد وليس بذكر ولا أُنثى، وليس له إلاّ دبر، كيف يورّث؟ قال: «يجلس الإمام ويجلس معه ناس، فيدعو اللّه، ويجيل السِّهام على أيّ ميراث يورّثه، ميراث الذّكر أو ميراث الأُنثى؟ فأيّ ذلك خرج ورّثه عليه ثمّ قال: وأيّ قضيّة أعدل من قضيّة يجال عليها بالسِّهام، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: (فَساهَمَ فكانَ مِنَ الْمُدحضين) .2
ورواه ثعلبة بن ميمون، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
كما رواه عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). والجميع رواية

1. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الغرقى، الحديث 4. وفي بعض النسخ: يتهجّم منه: أي يستبعد ويستنكر الجواب.
2. الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 1، 3و 4. وسيوافيك نقل هذه الرواية في ضمن الأخبار الخاصّة، والداعي إلى النقل هنا هو الذيل وهناك هو الصدر.

صفحه 157
واحدة وإن جاءت في الوسائل بصورة روايات متعدّدة.
هذه هي الروايات العامّة التي نقلها صاحب الوسائل في الأبواب التي أشرنا إليها ـ وفيها كفاية ـ وإليك ما رواه المحدّث النوري في مستدركه.
12. روي في «دعائم الإسلام»: عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهم السلام)أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل.1 وسيوافيك بيانه.
والظاهر أنّ الحديث منقول بالمعنى، وأنّ الراوي انتزع هذا المفهوم من حكمهم بالقرعة في موارد مختلفة.
13. قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «وأيّ حكم في الملتبس أثبت من القرعة؟ أليس هو التفويض إلى اللّه جلّ ذكره؟!».2
14. روي في «فقه الرضا(عليه السلام)»: وكلّ ما لا يتهيأ الإشهاد عليه، فإنّ الحقّ فيه أنّ يستعمل القرعة.قد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «فأيّ قضيّة أعدل من القرعة إذا فوّض الأمر إلى اللّه؟!».3
15. روى أحمد بن محمّد بن عيسى بسنده إلى عبد الرحيم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «إنّ عليّاً (عليه السلام)كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب ولم تجر به سنّة، رجم فيه يعني ساهم فأصاب ثمّ قال: يا عبد الرحيم وتلك من المعضلات».4

1. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
3. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث4. الظاهر أنّ المراد من «الإشهاد» إقامة البيّنة عليه.
4. مستدرك الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.

صفحه 158
هذه هي الروايات العامّة التي يستفاد منها أنّ القرعة قاعدة عامّة في مورد التنازع والتزاحم و يدلّ على ذلك التعابير التالية الواردة فيها:
أ: «تنازعوا».
ب: «فوّضوا».
ج: «سهم المحق».
د: «السهم الأصوب».
وكلّها ظاهرة في التنازع ، وبهذه التعابير يقيّد ما ظاهره الإطلاق.

تقييد ما ظاهره الإطلاق

مثل:
1. ما رواه محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن شيء، فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة».1 ولعلّ المراد من شيء في السؤال ما فيه التنازع أو التزاحم.
2. عن «الدعائم» أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما أشكل.(2) فلعلّ المراد من قوله:«فيما أشكل» ما أشكل لأجل التنازع والتزاحم.
3.أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي جعفر(عليه السلام) من أنّ عليّاً(عليه السلام) كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب، ولم تجر فيه سنّة، رجم فيه (يعني ساهم).2فالمراد الموضوعات التي لم يرد في علاج الشبهة فيها شيء من الكتاب والسنّة.

1. تقدّم برقم 4.   2 . تقدّم برقم 12.
2. تقدّم برقم 15.

صفحه 159
فهذه الأحاديث الثلاثة التي توهم الإطلاق تقيّد بما تضافر من أنّ موضعها هو التشاحّ. نعم ورد في الكتب الفقهية من «أنّ القرعة لكلّ أمر مشتبه أو مشكل» فلم نجد لهما مصدراً. نعم عقد البخاري في صحيحه باباً في كتاب الشهادات أسماه «باب القرعة في المشكلات»،1 ولم ينقل في ذلك الباب حديثاً بهذا اللفظ، بل ذكر قضايا جزئية، وسيوافيك في القسم التالي.

الروايات الخاصّة

قد ورد إعمال القرعة في موارد خاصّة، وهي على طوائف، نذكر من كلّ طائفة حديثاً أو حديثين ونحيل محلّ الباقي إلى الهوامش.

الطائفة الأُولى: القرعة عند تعارض البيّنتين

16. عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان عليّ (عليه السلام)إذا أتاه رجلان (يختصمان) بشهود، عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين، وكان يقول: اللّهمّ ربّ السّماوات السّبع (وربّ الأرضين السّبع) أيّهم كان له الحقّ فأدّه إليه».
ثمّ يجعل الحقّ للّذي يصير عليه اليمين إذا حلف.2
17. عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا عليه(شهد الأوّلان) واختلفوا، قال: «يقرع بينهم، فأيّهم قرع عليه اليمين وهو أولى بالقضاء».3

1. صحيح البخاري:3/181، كتاب الشهادات.
2. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
3. الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6. ولاحظ ما يرجع إلى هذه الطائفة من الوسائل: الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 7 و8و 11 و12.

صفحه 160

الطائفة الثانية: القرعة فيما لو اشتبه الولد

18. عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا وقع الحرّ والعبد والمشرك على امرأة في طهر واحد وادّعوا الولد، أُقرع بينهم، وكان الولد للّذي يُقرع».1
19. عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت، فادّعوه جميعاً، أقرع الوالي بينهم، فمن قُرع، كان الولد ولده، ويردّ قيمة الولد على صاحب الجارية».2
ولا يخفى أنّ العمل بالقرعة كما مرّ فيما لو استعصت الحلول، وأمّا لو تمكّن بطريق آخر معرفة ذلك، كإجراء الاختبارات الطبيّة لمعرفة فصيلة دم المولود كي يتم على ضوئه إلحاقه بالأب الذي ولد منه، تنتفي حينئذ الحاجة إلى القرعة.

الطائفة الثالثة: فيما لو نذر عتق أوّل عبد يملكه

20. عن عبيد اللّه بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث سبعة جميعاً، قال: «يقرع بينهم ويعتق الذي خرج سهمه».3

1. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ولاحظ أيضاً الوسائل: 14، الباب 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2و 3و 5.وأيضاً الوسائل، 17، الباب 10 من أبواب ميراث ولد الملاعنة، الحديث 1; ومستدرك الوسائل، 17، الباب 11من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.
2. الوسائل: 18، الباب 13من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.
3. الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.
Website Security Test