welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 41
القواعد الفقهية
      2

قاعدة

كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه

فيصدّق قوله فيه

بيان الفرق بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية، أعني: «كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً».
خلط صاحب العناوين تبعاً للمسالك بين أمثلة القاعدتين .
تطبيقات القاعدة.
مصدر القاعدة وأدلّتها:
1. تركيز الأصحاب في غير واحدة من المسائل على قولهم: إنّه شيء لا يعلم إلاّ من جانبه، وكأ نّه أمر مسلّم عندهم.
2. الاستظهار ممّا ذكروه في مورد الغاصب إذا ادّعى التلف .
3. الاستدلال بالروايات الواردة في مورد قبول قول النساء في الحيض والعدّة.
سيوافيك أنّ مصبّ القاعدة الآتية، أعني:«أنّ كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً»، إنّما هو المرافعات والدعاوي، وأمّا هذه القاعدة فلا صلّة لها بالمرافعة، نعم ربّما يكون قول شخص موضوعَ أثر لشخص آخر ولا تعلم صحّة قوله إلاّ من قبل نفس هذا الشخص، ففي هذا المقام يقبل قوله بلا يمين. وبما مرّ في القاعدة السابقة من أنّ الموضوع فيها من له منصب ومقام، يظهر الفرق بينها وبين هذه القاعدة فإنّ الموضوع هنا

صفحه 42
مجرّد كونه لا يعلم إلاّ من قبله دون أن يكون له عنوان خاص كالولاية والوكالة.
كما يظهر الفرق بين هذه القاعدة الّتي لا تحتاج إلى اليمين وبين القاعدة الآتية، وهو وجود المرافعة فيها الّتي لا تقطع إلاّ باليمين، وعدمها في هذه القاعدة فهي لا تحتاج إليه.

خلط صاحب العناوين تبعاً للمسالك بين أمثلة القاعدتين

ولا يخفى أنّ صاحب العناوين مع أنّه جعل القاعدتين مختلفتين لكنّه خلط إحداهما بالأُخرى، في مقام الاستدلال مثلاً يستدلّ في المقام بقوله: إنّ ظاهر قوانين الشرع كلّ شيء فيه مخرج من الشرع وإلاّ فوجود شيء من التنازعات لا مخرج له شرعاً ولا مخلص، غير معلوم، كيف والشرع مبني على قطع الخصومات وطي الحكومات .1
ترى أنّ هذا الاستدلال أنسب بالقاعدة الآتية لا في المقام.

تطبيقات القاعدة

وأفضل الأمثلة لهذه القاعدة الموارد التالية:
1. سماع قول النساء في الطهر والحيض والعدّة ووجود البعل وعدمه، ودعوى المحلّلة الإصابة.
2. لو أعطى صاحب النصاب في الزكاة أزيد ممّا عليه وادّعى الغلط، فيقبل قوله ولا يحمل على التبرّع.

1. العناوين: 2 / 619، برقم 79 .

صفحه 43
3. إذا ادّعت المرأة المستطيعة عدم الخوف على نفسها في الحج وأنكر الزوج.
إلى غير ذلك من الموارد التي لا يُعلم صدق الكلام فيها إلاّ من قبل القائل.

مصدر القاعدة وأدلّتها

يدلّ على القاعدة ما يلي:
1. ما يظهر من الأصحاب في غير واحد من الموارد أنّهم يستدلّون على حجّية قول القائل بأنّه لا يعلم إلاّ من قبله، أو أنّه شيء لا يعلم إلاّ من جانبه، وكأنّ التعليل مورد قبول لهم.
2. إذا ادّعى الغاصب تلف المغصوب يقبل قوله معلِّلين بأنّه لو لم يقبل قوله لزم تخليده في الحبس ، حيث لا يتمكّن من الإثبات، ولعلّه في الواقع صادق ويأتي هذا التعليل في المقام.
3. الاستدلال بما ورد من تصديق النساء في الحيض والعدّة لقولهم: «متى ادّعت صُدّقت» وإليك ما ورد في ذلك:
أ. روى الكليني عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «العدّة والحيض للنساء إذا ادّعت صُدّقت»1.
ب. وروى عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ
أمير المؤمنين (عليه السلام)قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد
ثلاث حيض، فقال: كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى على

1. الوسائل: 1، الباب 47 من أبواب الحيض، الحديث 1 .

صفحه 44
ما ادّعت؟ فإن شهدن صدّقت، وإلاّ فهي كاذبة».1
والأمر بتكليف نسوة من بطانتها ليتعرفن على حالها في الأشهر السابقة، لأجل أنّ قولها على خلاف العادة بكثير، وإلاّ لصدّقت بلا امتحان.
***
تمّ الكلام في قاعدة
كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل
صاحبه فيصدّق قوله فيه

1. الوسائل: 1، الباب 46 من أبواب الحيض، الحديث 3.

صفحه 45
القواعد الفقهية
قاعدة: كلّ من يُسمع قوله في المرافعة فعليه اليمين مدّعياً أو منكراً   
      3

قاعدة

كلّ مَن يُسمع قوله في المرافعة

فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً

مورد القاعدة عبارة عمّن يُسمع قوله في المرافعة من غير فرق بين أن يكون مدّعياً أو منكراً، فلا يسمع قول هذا الشخص إلاّ باليمين .
نماذج من موارد القاعدة، وفيه الإشارة إلى وجود الخلط في الأمثلة المذكورة في «المسالك» و«العناوين».
دليل القاعدة:
1. النصوص الواردة في موارد القاعدة.
2. أقلّ مراتب إثبات الدعوى في اليمين، فكيف تقبل بلا يمين.
3. مقتضى الأصل هو ضمّ اليمين.
حُكي عن الشيخ الرئيس أنّه قال: من قبل كلام أحد بلا دليل وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانيّة، ولذلك نرى أنّ أصحاب النبوّات لمّا ادّعوا المقام السامي لأنفسهم طُولبوا بالدليل والبرهان فأجابوا بالمعاجز والكرامات والبراهين والبيّنات، ومن فروع هذه القاعدة أنّ من يسمع قوله في المرافعة فلا يُسمع إلاّ باليمين من غير فرق بين أن يكون مدّعياً أو منكراً، ولهذه القاعدة موارد:
1. إذا لم تكن للمدّعي بيّنة، فلا يقبل قول المنكر إلاّ باليمين.

صفحه 46
2. إذا نكل المنكر عن اليمين وردّها إلى المدّعي بإذن القاضي فلا يقبل قول المدّعي إلاّ باليمين.
3. إذا كان هناك ادّعاء وترافع ولكن لا يُعلم إلاّ من قبل المدّعي فلا يقبل قوله إلاّ باليمين.
وقد مرّ أنّ هذه القاعدة غير القاعدة المعروفة:«من أنّ كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه، فيصدّق قوله فيه» وذلك لأنّ هذه القاعدة تركّز على الدعوى والمرافعة بخلاف القاعدة السابقة، فربّما يسمع قوله وإن لم يكن هناك ادّعاء وترافع .
وعلى ضوء ما ذكرنا ظهر أنّ قسماً من الأمثلة الّتي وردت في «العناوين» تبعاً لصاحب المسالك لا صلة له بهذه القاعدة حيث يقول: وكذلك سماع قول النساء في الطهر والحيض وفي العدّة ووجود البعل وعدمه، لأنّ ما ذكره خارج عن مصبّ القاعدة، وإنّما هو إخبار عن شيء لا يعلم إلاّ من قبل المخبر، نعم ربما يكون قوله موضوعاً لشخص آخر .

نماذج من موارد القاعدة

وإليك أمثلة حول القاعدة الّتي نرى فيها وجود الترافع والدعوى:
1. من اتّهم بالسرقة وادّعى هبة المالك ليسلم من القطع. فاليمين يكفي في إسقاط القطع وأمّا حكم المال فهو تابع لقاعدة: البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.
2. إذا ادّعى الإكراه بالإقرار بالزنا أو ما يوجب الحدّ. وما يقال: لا يمين في الحدود، لا صلة له بالمقام، إذ اليمين في المقام لدفع الحدّ لا لإثباته.

صفحه 47
3. إذا اتّهم بالقذف وأنكره. ويأتي فيه ما ذكرنا في المثال المتقدّم.
4. إذا ادّعى المشتري تقدّم العيب على العقد، والبائع غير جازم بأحد الطرفين، وإلاّ يدخل الموضوع في المتداعيين.
وهذه الأمثلة ممّا ذكره الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» وقد أنهاها إلى اثنين وعشرين مورداً، تركنا كثيراً منها لخروجها عن موضوع بحثنا.1
وذكر صاحب «العناوين» أمثلة نقتبس منها ما يلي:
5. إذا أنكح الولي الصغيرين، وبلغ أحدهما ورضى بالعقد لكن مات قبل بلوغ الآخر وترك مالاً، فإن بلغ الزوج الآخر وأجاز العقد يسمع قوله بشرط أن يحلف على أنّه ما دعاه إلى الإجازة الطمعُ في الميراث.
6. إذا ادّعت الزوجة جنساً خاصّاً في فدية الخلع وأنكره الزوج.2
7. لو أسلم الذمّيّ وزنا بالمسلمة وادّعى تقدّم إسلامه على الزنا حذراً من القتل، لأنّ الذمّيّ إذا زنا بالمسلمة يقتل.
8 . لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول .
9. لو خُرص عليه فادّعى النقصان.
10. لو ادّعى الذمّيّ الإسلام قبل الحول، ] لتسقط منه الجزية [، قُبل قوله ولا يمين، ثم قال (المحقّق): أمّا لو ادّعى الصغير الحربي الإنبات بعلاج لا بسن، ليتخلّص عن القتل، فيه تردّد، ولعلّ الأقرب أنّه لا يقبل إلاّ مع البيّنة .3

1. لاحظ: مسالك الأفهام: 13 / 500 ـ 503 .
2. العناوين: 2 / 619 برقم 79.
3. شرائع الإسلام: 4 / 91 .

صفحه 48
الظاهر أنّ هذه الموارد لا تقبل إلاّ مع اليمين، وذلك لأنّ فصل الدعوى المسموعة لابدّ أن يكون إمّا بالبيّنة أو باليمين، وبما أنّ البيّنة غير موجودة فيتعيّن اليمين، فلا وجه لدعوى عدم اليمين، مع كون الدعوى ماليّة، خصوصاً مع وجود عامل الصدقات المنصوب من قبل الإمام أو الحاكم، فالظاهر أنّ ما ذُكر من مصاديق هذه القاعدة، وإن ذكره الشهيد الثاني ضمن قاعدة سابقة هي: سماع قول من لا يعلم إلاّ من قبله، وأمّا ما في بعض الأخبار من أمر الإمام بتصديق المالك إذا ادّعى عدم الزكاة عليه،1 فإنّما هو في صورة عدم علمه بوجوبها عليه، وأمّا مع الدعوى على سبيل الجزم بتعلّق الزكاة عليه، لا وجه لعدم اليمين، مع أنّ من القواعد عندهم أن كلّ من يقبل قوله فعليه اليمين.
وعلى كلّ تقدير فلو كانت دعوى فلا تقطع إلاّ باليمين، وإلاّ فيقبل قوله.

دليل القاعدة

إذا علمت هذا فلنذكر دليل القاعدة، فقد استدلّ على القاعدة بوجوه:
الأوّل: ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن غلام وجارية زوجّهما وليّان لهما، وهما غير مدركين، قال: فقال: «النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا».
قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه إن هو ] الآخر [ رضي.
قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية، ورضي النكاح، ثمّ مات

1. لاحظ : الوسائل: 7، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 و5 و7 .

صفحه 49
قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، وتحلّف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث، إلاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث ونصف المهر».
قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت، أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لأنّ لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية.1
وقال في «العناوين»: ما ورد صريحاً في بعض روايات المسألة من التعليل بأنّه لا يستطيع أن يشهد عليه على ما رواه بعض مشايخنا المعاصرين وإن لم أعثر عليه في كتب الأخبار لقلّة التتبع .2
ولو أنّ المتتبّع عثر على هذه القضية الكلّية لكانت دليلاً على المسألة، ولكن ياللأسف لم يقف عليه صاحب العناوين ولا المعلّقين على هذا الكتاب، والمهم إلغاء الخصوصية من هذه الرواية الّتي ذكرناها .
الثاني: أنّ الإسلام بصدد قطع الخصومات ورفع المرافعات ففي هذه الموارد إذا لم يسمع قول المدّعي ولم يتمكّن من إقامة البيّنة يبقى الترافع والتشاجر بحاله، ومن المعلوم أنّه ليس مورد رضا الشارع.
الثالث: الاستدلال بالأولوية، وتوضيحه: إذا توقّف سماع قول المنكر على اليمين، فسماع قول المدّعي أولى بأن يتوقّف على اليمين; لأنّ قوله

1. الوسائل: 17، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .
2. العناوين: 2 / 620 برقم 79.

صفحه 50
أضعف من قول المنكر، فكيف يعقل سماع قوله بلا حجّة أصلاً، مع أنّ قول الأقوى لا يسمع إلاّ بحجّة .
الرابع: دعوى تنقيح المناط والمساواة وهو عدم الفرق بين المنكر والمدّعي، فإذا ثبت في المنكر ففي المدّعي كذلك. وهذا غير الدليل الأوّل المبني على إلغاء الخصوصية من النص، وأمّا هذا الدليل فهو مبني على إلغاء الخصوصية عن المنكر وعطف المدّعي عليه .
فيصحّ للفقيه أن يدّعي أنّ كلّ مورد كان فيه اتّهام فلا يرتفع إلاّ باليمين.
أضف إلى ذلك: أنّ المقام من قبيل الشكّ في المحصّل، فإنّ القضاء أمر بسيط يتحقّق بالبيّنة واليمين وعلم القاضي وغير ذلك، ونحن نشكّ في كفاية سماع قول المدّعي في القضاء الشرعي أو لا؟ فمقتضى القاعدة ضم ما يحتمل أن يكون شرطاً أو جزءاً له، وإلاّ فالشكّ في بقاء ادّعاء المدّعي وإنكار المنكر بحاله، باق.
***
تمّ الكلام في قاعدة
كلّ مَن يسمع قوله في المرافعة
فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً.
قاعدة: حجيّة قول ذي اليد   

صفحه 51
القواعد الفقهية
      4

قاعدة

حجّيّة قول ذي اليد1

تمهيد حول تقارب هذه القاعدة مع قواعد ثلاث.
ملاكات القواعد الأربع.
أقوال العلماء حول القاعدة.
دليل القاعدة.
قول ذي اليد أمارة وليس أصلاً.

تمهيد

قبل الدخول في صلب الموضوع نشير إلى أمر ربّما يخفى على المبتدئ وهو أنّ هنا قواعد عديدة متقاربة المضمون لكنّها مختلفة:
1. حجّية قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة والتذكية وعدمها سواء أكان مالكاً أم لا.
2. حجيّة قول مَن لا يعلم إلاّ من قبله، ككون المرأة ذات زوج أو لا؟

1. هناك قاعدتان أُخريان تشتركان مع هذه القاعدة ، وهما:
أ. قاعدة اليد، ويراد بها كون اليد أمارة الملكية.
ب. قاعدة: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي، وهي من أدلّة الضمان بالمثل والقيمة. وواضح أنّ هاتين القاعدتين تختلفان عن القاعدة الّتي نحن بصدد دراستها.

صفحه 52
3. حجّية سوق المسلمين في التذكية.
4. كلّ مدّع يسمع قوله، في المرافعة فعليه اليمين.

ملاكات القواعد الأربع

إنّ الموضوع في كلّ واحدة من هذه القواعد هو غيره في الآخر. فالموضوع في الأُولى، قول المستولي على الشيء فيعمّ قول المستعير في كون الثوب طاهراً أو لا؟
والموضوع في الثانية قول من لا يعلم إلاّ من قبله، مثل كون المرأة ذات زوج أو لا؟
والموضوع في الثالثة سوق المسلمين وإن لم يعرف البائع.
والموضوع في الرابعة قول المدّعي في مقابل المنكر.
ولذلك عدّت قواعد أربع مختلفة على رغم تقاربها في المضمون.
وقد مرّ الكلام في القاعدة الثانية والرابعة ضمن القاعدة 2 و3، والقاعدة الثالثة سوف تأتي لاحقاً برقم 7. وإليك الكلام في القاعدة الأُولى .
أقوال العلماء حول القاعدة
1. قال العلاّمة: ولو أخبر الفاسق بنجاسة مائه أو طهارته، قبل .1
2. قال صاحب الجواهر: وكالبيّنة في القبول عندنا، إخبار صاحب اليد المالك بنجاسة ما في يده وإن كان فاسقاً كما في المنتهى والقواعد والموجز وكشف الالتباس وظاهر كشف اللثام، بل عن الذخيرة أنّه المشهور بين

1. قواعد الأحكام: 1 / 190. كون صاحب اليد مالكاً أمر غير لازم بل يكفي الاستيلاء كما في كلام السيد الطباطبائي(قدس سره).

صفحه 53
المتأخّرين، كما في الحدائق أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق عليه.1
3. قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت، كفى في الحكم بالنجاسة، وكذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه، بل وكذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته.
4. وقال أيضاً: لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلاً بل مسلماً أو كافراً.
وقال أيضاً في اعتبار قول صاحب اليد: إذا كان صبيّاً إشكال، وإن كان لا يبعد إذا كان مراهقاً.2
5. قال المحقّق الهمداني: وتثبت النجاسة بإخبار صاحب اليد على المشهور كما ادّعاه بعض، بل يظهر من غير واحد على ما حكي عنهم عدم الخلاف فيه. وعمدة المستند في اعتبار قول ذي اليد هي السيرة القطعية واستقرار طريقة العقلاء على استكشاف حال الأشياء وتمييز موضوعاتها بالرجوع إلى مَن كان مستولياً عليها متصرّفاً فيها، وفي جملة من الأخبار إيماء إليه، ولا يبعد أن يكون هذا مدرك القاعدة المعروفة الّتي ادّعي عليها الإجماع بأنّ «مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به»، إذ الظاهر أنّ المراد بأنّ القاعدة أنّ مَن كان مستولياً على شيء ومتصرّفاً فيه، قوله نافذ بالنسبة إليه، فكيف كان فربما يظهر من بعض الأخبار الواردة في العصير عدم الاعتماد على قول صاحب

1. جواهر الكلام: 6 / 176 .
2. العروة الوثقى: فصل طريق ثبوت النجاسة، المسألة: 10 و12 و13 .

صفحه 54
اليد الذي يستحل العصير بذهاب نصفه، عند إخباره بذهاب ثلثيه، ولعلّه محمول على الاستصحاب، ولا يبعد الالتزام به في خصوص مورده، بل في كلّ مورد يكون ظاهر حال المخبر مكذّباً لقوله.1

دليل القاعدة

ويمكن الاستدلال على القاعدة بما يلي:
1. ما أشار إليه المحقّق الهمداني من القاعدة المعروفة: « مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» فإنّ الظاهر من كان مستولياً على شيء ومتصرّفاً فيه، نافذ قوله فيه، فتأمّل.
2. سيرة العقلاء من الأخذ بقول صاحب اليد فيما يرجع على ما استولى عليه.
3. الروايات، وهي:
أ. ما رواه عبدالله بن بكير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه وهو لا يصلّي فيه؟ قال: «لا يُعلمه»، قال: قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».2
ب. ما رواه معاوية بن وهب وغيره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في جرذ مات في زيت، ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».3

1. مصباح الفقيه: 8 / 172، وقد نقلناه بطوله لما فيه من الفوائد. وليس في كلامه ما يشعر بوحدة القاعدتين بل يصرّح بوحدة المبنى، فتدبّر.
2. الوسائل: 1، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .
3. الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .

صفحه 55
ج. ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن حمران قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنّه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله، فقال: «لا بأس»، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل. قال: «لا، أمّا أنت فلا تبعه حتّى تكيله».1
ولا ينافي حجّية قوله مع عدم جواز بيعه إلاّ بالكيل، وذلك لأنّ ظاهر حال البائع الثاني أنّه كاله بنفسه لا اعتماداً على كيل البائع الأوّل. وبما أنّه لم يكن كذلك فعليه أن يكيله بنفسه.
ونظير ذلك الرواية التالية.
د. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يشتري الطعام، اشتريه منه بكيله وأُصدّقه؟ فقال: «لا بأس، ولكن لا تبعه حتّى تكيله».2
هـ . ما رواه زرارة قال: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبّرتني أنّه لم يطأها أحد فوقعت عليها ولم استبرئها، فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام)فقال: «هو ذا أنا قد فعلت ذلك وما أُريد أن أعود»3.
والملاك كما تقدّم هو الاستيلاء على الشيء الذي يلازم اطّلاعه على حاله.
وقد عرفت أنّ موضع القاعدة خلوّ موردها عن الترافع والدعوى، وإلاّ فيرجع إلى القاعدة الأُخرى.

1. الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.
2. الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8 .
3. الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.

صفحه 56
كما أنّ جواز الشراء من سوق المسلمين لا صلة له بهذه القاعدة، فإنّ المعتمد فيه هو سوق المسلمين.
وعلى كلّ تقدير فإنّ ما يعتمد على قول ذي اليد إذا لم يكن غير مبال في اخباره، أو لم يكن فعله مكذّباً لقوله، بل كفى في ذلك كونه صاحب اليد وإن لم تُحرز عدالته ووثاقته بل إسلامه.

قول ذي اليد أمارة وليس أصلاً

الظاهر أنّ قول ذي اليد فيما استولى عليه من باب الطريقية إلى الواقع وليس من باب التعبّد المحض، وتدلّ على ذلك سيرة العقلاء فإنّ اعتمادهم عليها من باب الكاشفية، ولذلك قلنا بسقوط قوله إذا كان غير مبال أو متهماً في شهادته، أو مكذِّباً قوله فعله.
نعم لا يعتبر فيه العدالة والوثاقة، وإلاّ فيخرج من هذا الباب لأنّ الاعتماد في المقام إنّما هو على الاستيلاء وكونه خبيراً عن حال الشيء لا على الوثاقة والعدالة.
والذي يكشف عن ذلك ما دلّ على أنّ العصير المطبوخ إذا أتى به مَن يشربه بغير الثلثين بل النصفين، لكنّه أخبر بأنّه قد ذهب ثلثاه، لا يؤخذ بقوله، لأنّ فعله يكذّب قوله، حسب ما رواه معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله، وهو يشربه على النصف؟ فقال: «لا تشربه»، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث، ولا يستحلّه على النصف، يخبرنا: أنّ عنده بختجاً

صفحه 57
على الثلث، قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، يشرب منه؟ قال: «نعم».1
نعم تُقدّم البيّنة على قول ذي اليد لأنّها أقوى منه، كيف وفي المرافعات يقدّم صاحب البيّنة على قول ذي اليد، فيقدّم في المقام بطريق أولى.
***
تمّت قاعدة
حجّية قول ذي اليد

1. الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

صفحه 58
القواعد الفقهية
      5
قاعدة: اليد أمارة الملكية   

قاعدة

اليد أمارة الملكية

ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟
ما هو الوجه لاتّفاق العقلاء على أمارية اليد؟
مبدأ نشوء الملكية في المجتمع
ما هو الدليل على حجّية اليد على الملكية؟
الاستدلال بطوائف من الروايات على القاعدة
حجّية اليد عند الاستيلاء على الحقوق
حجّية اليد عند الاستيلاء على الأعراض
حجّية اليد عند الاستيلاء على المنافع
حجّية اليد إذا جهل عنوان الاستيلاء
حجّية اليد إذا عُلم عنوانها حدوثاً لابقاءً
تفصيل السيد صاحب العروة في الموقوف
مدّعي الملكية في مقابل ذي اليد وله صور
في تحليل الحوار الدائر بين الإمام علي(عليه السلام) وأبي بكر
في جواز الشهادة بالملك مستنداً إلى اليد
في تعارض البينتين المتلاحقتين
في تعارض اليد الحاليّة مع اليد السابقة
في مستثنيات القاعدة
نسبة اليد إلى الأُصول وسائر الأمارات

صفحه 59

تمهيد

اعلم أنّ «قاعدة اليد» غير «قاعدة على اليد»، فيراد بالأولى أنّ اليد أمارة على الملكية، ويراد بالثانية أن الاستيلاء على مال الغير يوجب الضمان، فالقاعدتان متمايزتان بالذات، وقد مرّت قاعدة ثالثة تشتمل أيضاً على لفظ «اليد» وهي «حجّية قول ذي اليد على ماكان تحت استيلائه سواء أكان مالكاً أم غير مالك».
إذا عرفت ذلك فلندرس القاعدة، وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في جهات:

الأُولى: ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟

اليد في اللغة هي الجارحة ولكن استعيرت في المقام للاستيلاء وما ذلك إلاّ لأنّ الاستيلاء يتحقّق غالباً باليد دون سائر الأعضاء، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب المعاصي إلى اليد مع أَنّها ربّما تتحقّق باللسان والعين والسمع والرجل، قال سبحانه: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)1. وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)2 ومن المعلوم أنّ الأسرى لم يكونوا في أيديهم بل كانوا تحت سلطنتهم، فاليد كناية عنها.
والذي يوضح ذلك أنّ الإمام علياً(عليه السلام) يعبر عن استيلاء المجاهدين على الغنائم بالاجتناء باليد مع أنّ الاستيلاء ربما يتمّ بغير اليد، فيقول لعبدالله بن

1 . آل عمران : 182.
2. الأنفال:70.

صفحه 60
زمعة: «إنّ هذا المال ليس لي ولا لك، فإن شركتَهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، وإلاّ فجناة أيديهم لا تكون لغير أَفواههم».1
ولذلك نرى أنّ الفقهاء عبّروا باليد عن الاستيلاءات المختلفة، فالاستيلاء على الفرس بالركوب عليها لابوضع اليد، كما أنّ الاستيلاء على المعدن بشكل آخر، وعلى كلّ تقدير فالموضوع هو الاستيلاء سواء أكان لليد فيه دور أم لا.

الجهة الثانية: ما هو الوجه لاتّفاق العقلاء على أمارية اليد؟

اتّفق العقلاء على حجّية اليد وأنّها أَمارة الملكية، إذ من المتعذّر أن يقيم كلّ إنسان شاهداً على ملكية ما تحت يده أو أن يسجِّل كلّ ما يستولي عليه في الدوائر الرسمية، وقد أمضاها الشارع حسب ما عليه العقلاء; وذلك لأنّ الطابَع الغالب للاستيلاء في المجتمعات هو الاستيلاء بأساليب قانونية، فصار ذلك سبباً لاعتبار العقلاء الاستيلاء، دليلا على الملك وإمضاء الشارع له.
والعجب ممّا ذكره الماوردي حيث قال: اليد توجب إثبات التصرّف ولا توجب إثبات الملك.2
كيف يقول ذلك مع أنّ العقلاء قاطبة على خلاف هذا القول، بل يمكن أن يقال: إنّ اليد تثبت الملكية لكن لا تثبت جواز التصرّف إذا كان موجباً للضرر والضرار على الغير، ولذلك اشترطوا فيمن يحفرالبئر أن يكون بينه وبين بئر الآخرين حدّ خاص في الأرض الصلبة والرخوة.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 232.
2 . أدب القاضي: 2/236.

صفحه 61
نعم المجتمع الذي ساد فيه الاستيلاء بالظلم والنهب على نحو كان الاستيلاء بهما قد غلبَ الأُسلوب الصحيح، لا تعد اليد دليلا على الملكية. فالسيرة القطعية قبل الإسلام وبعده المتحقّقة زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام)وعدم ردعها، أفضل دليل على حجّيتها حتى جاء في بعض الروايات أنّه: لولا حجّية اليد لما قام للمسلمين سوق، وسيوافيك بيانه.

الجهة الثالثة: مبدأ نشوء الملكية في المجتمع

و الذي تنبغي الإشارة إليه هو مبدأ ظهور الملكية في المجتمع البشري.
الظاهر أنّ مبدأها هو الحيازة، فالإنسان البدائي كان يحتاج إلى طعام وهو على شواطئ الأنهار، أو في الغابات، فيذهب إلى اصطياد الأسماك لنفسه من الأنهار أو البحر أو يصطاد الطيور، وهو يرى نفسه أولى بما اصطاده واستولى عليه، فلو زاحمه آخر يراه ظالماً ومتعدّياً على حقّه.
ثم إذا كان ممّا بيده أكثر ممّا يحتاج، وكان بيد الآخر الذي هو مثله شيء آخر ربما يتبادلان فيعطي هو شيئاً ممّا حازه في مقابل ما يأخذ من الآخر ممّا حاز، فصار ذلك مبدأ لاعتبار الملكية وقضاء اليد عليها، واستمرت هذه السيرة إلى نشوء الحضارات واحدة بعد أُخرى إلى أن أتى عصر الرسالة، وتلقوها بالقبول. ولهذا قالوا: الحيازة أم الممّلكات.

الجهة الرابعة: ما هو الدليل على حجّية اليد على الملكية؟

إذا وقفت على مبدأ حدوث الملكية، فأعلم أنّ سيرة العقلاء جرت على جعل الاستيلاء دليلاً عليها من بدو طلوع ظاهرة الملكية عن طريق الحيازة إلى عصر الرسالة وبعدها، فلا نجد أحداً يشكّ في كونها دليلاً عليها إلاّ إذا

صفحه 62
قامت القرينة على الخلاف.

الاستدلال بطوائف من الروايات على القاعدة

لكن لمّا كانت السيرة دليلا لبيّاً ففي الموارد المشكوكة لايمكن التمسّك بها، ولكن لنا أن ندرس الروايات الواردة حولها.
و هي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما هو ظاهر في اعتبارها فقط

وهي ثلاث روايات:
1. مارواه العيص بن القاسم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن مملوك ادّعى أنّه حرّ، ولم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال: «نعم».1
والحديث يدلّ على أَنّ هنا يداً مستولية على المملوك ولكنّه يدّعي حرّيته، فلا يُسمع قوله لأنّ الاستيلاء حجّة مالم يكن في مقابله حجّة أقوى كالبيّنة.
2. مارواه حمزة بن حمران، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : أدخل السوق وأُريد اشتري جارية، فتقول: إنّي حرّة؟ فقال: «اشترها إلاّ أن تكون لها بيّنة».2والاستدلال بها مثل ما في الرواية السابقة.
3. مكاتبة محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.
2 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

صفحه 63
قريته الماء في غير هذا النهر ويعطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع(عليه السلام) : «يتّقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضرّ أخاه المؤمن».1 فإنّ وجود الرحى في مسير النهر بحيث يجري الماء على رحاه ثم يخرج منه دليل على استيلائه وهو يلازم أنّ له حقّ الانتفاع بالماء.
وأنت ترى أنّه لايستفاد من جواز الاشتراء على ما في الروايتين الأولتين أو المنع عن تغيير النهر، إلاّ اعتبارها، وترتيب الأثر عليها.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على كونها أمارة للملكية

وهي أربع روايات:
4. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن الدار يوجد فيه الورق؟ فقال: «إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».2
5. وفي رواية أُخرى له عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».3 ولعلّها نفس الرواية السابقة غير أنّ المسؤول في الأُولى مشخّص وهو أبو جعفر(عليه السلام) دون الأُخرى.
6. صحيحة جميل، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال: «يَدْخل منزلَه غيرُه؟» قلت: نعم، كثير، قال: «هذا لقطة».

1 . الوسائل: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1.
3 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

صفحه 64
قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً؟ قال: «يُدخِل أحد يدَه في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟»
قلت: لا، قال: «فهو له».1
قوله: «غيره» بدل من «أحد».
ترى أنّ الإمام فرّق بين الدار غير المختصة لأهلها، فجعل الورق الذي يوجد فيها لقطة، لعدم دلالة اليد في تلك الحال على الملكيّة، لكثرة تردّد الأفراد واختلافهم إليها، كالديوانية للعلماء، وبين الصندوق الذي لايُدْخل غيرُ المالك يدَه فيه فجعله له، فقوله: «فهو له» ظاهر في الملكية.
7. عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة؟ قال: «ماكان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومَن استولى على شيء منه فهو له».2
ترى أنّ الإمام(عليه السلام) جعل الاستيلاء دليلاً على الملكية، ثم إنّ في الضمير المتّصل في قوله: «ومَن استولى على شيء منه فهو له» وجهان:
1. أنّه يرجع إلى مطلق المتاع حتى وإن كان من مختصّات النساء، واللام

1. الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1. ولاحظ مستدرك الوسائل: 17/128، الباب 4 من أبواب اللقطة، الحديث 1، رواية القاضي نعمان المصري عن أمير المؤمنين(عليه السلام); ولاحظ المقنع: 127، حيث أفتى بنص الحديث الخامس.
2. الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3. ولم يرد فيه الصنف المختص بالرجال كالسيف والقلنسوة والميزان، وكأنّه مفهوم من قرينة التقابل، ولكن وردت في الرواية الناقلة لفتوى إبراهيم النخعي، لاحظ: الحديث 1 من ذلك الباب. فقد اعتمد الإمام فيه على أنّ متاع البيت للمرأة على الشهود الذين رأوا أنّ المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الزوج لا على اليد.

صفحه 65
في قوله: «له» للملكية، فالاستيلاء دليل الملكية مطلقاً حتى في مختصّات النساء.
و إنّما يستدلّ بالخصوصية إذا لم يكن لأحدهما استيلاء، وعليه فما يختصّ بالرجل فهو له وما يختصّ بالمرأة فهو لها، إلاّ إذا استولى أحدهما عليه.
2. أنّ الضمير عائد إلى خصوص متاع البيت المشترك الذي حكم فيه الإمام بالتقسيم بالمناصفة وأنّ الاشتراك دليل على ملكيتهما لولا استيلاء واحد منهما على شيء منه فهو للمستولي، وعلى ذلك فيستدلّ بالاستيلاء بعد إخراج ما يختصّ بأحدهما، على نفي الاشتراك.
وقد ذكر المحقّق النائيني الرواية بالنحو التالي: «مَن استولى على شيء فهوله» وجعلها رواية عامّة في غير متاع البيت،1 ولكن الظاهر أنّ الرواية ناظرة إلى متاع البيت، اللّهمّ إلاّ إذا ساعد العرف على إلغاء الخصوصية بأنّ الملاك هو الاستيلاء سواء أكان المستولى عليه متاع البيت أو غيره.
والعجب ممّن يفسّر قوله: «فهو له» على ترتيب آثار الملكية على ما استولى عليه ومع ذلك يقول: إنّ هذا المعنى يجتمع مع الأمارية والأصلية.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر منه أنّه ملك له واقعاً لأجل الطريق لا أنّه يُبنى على كونه مالكاً ويؤخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع كما هو حال الأصل المحرز.
هذا بعض ما وقفنا عليه من الروايات الدالّة على الملكية، وفي الحوار

1. لاحظ: أجود التقريرات: 2/456.

صفحه 66
الذي دار بين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وأبي بكر عندما سأل الإمام عن بيّنته على ملكية «فدك» الّتي كانت تحت يد الإمام(عليه السلام)، ما يدلّ على أنّ اليد أمارة الملكية.1

الطائفة الثالثة: ما يستشم منه كونها أصلا

وفيها ثلاث روايات:
8. ما رواه حفص بن غياث، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم».
قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره؟
فقال أبو عبدالله(عليه السلام): «أفيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبدالله(عليه السلام): «فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى مَن صار ملكه من قبله إليك؟».
ثمّ قال أبو عبدالله(عليه السلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».2
وجه الاستدلال: أنّ الإمام(عليه السلام) علّل تنفيذ اليد بأنّه لولاه يلزم العسر والحرج فأنفذها الشارع لرفع الحرج، وهذا يناسب كونها أصلا.
ولكن الإمعان في صدر الرواية يعرب عن كونها أمارة عند الإمام، لأنّ شبهة السائل كانت ناشئة عن كون الشهادة مأخوذة من الشهود وهو المعاينة، والذي يعاينه الإنسان كونه في يده لا أنّه ملْكُه. فأجاب الإمام بأنّه إذا اشتريت

1. الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. وسيوافيك الكلام فيه.
2 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

صفحه 67
منه هل يصحّ لك أن تقول ملكتُ وهل يصحّ أن تحلف على أنّك مالك؟! فإذا جازت الشهادة على ملكية المشتري وجاز الحلف عليها، فلِمَ لا تجوز الشهادة على الأصل وهو ملكية البائع، مع أنّ ملكية المشتري فرع ثبوتها للبائع، فهل يصحّ أن يُشهد على الفرع دون الأصل؟
ولمّا كانت شبهة الراوي في جواز الشهادة على الملكية لأجل تصوّر أنّ الشهادة لا تجوز إلاّ على الأمر الواقعي وهو بعد لم يثبت، أوضح الإمام بأنّ الشهادة تجوز بأحد أمرين:
أ : العلم الجزمي، وهو منتف في المقام.
ب : باليد والاستيلاء بشهادة أنّ الرجل بعد الشراء يعرّف نفسه مالكاً ويحلف عليه، وليس هذا إلاّ كون اليد أمارة عليها في كلا الموردين.
وأمّا تعليل الشهادة على الملكية باختلال أمر الحياة عند عدم التنفيذ، فهو من قبيل الحِكمَة لا العلّة، لأنّ الحكمة في اعتبار أكثر الأمارات هو أنّ عدم تنفيذها موجب لاختلال النظام، كحجّية الظواهر وحجّية قول الثقة وحجّيّة قول أهل الخبرة والتخصّص.
9. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك، قد اشتريته وهو سَرِقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِعَ فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».1

1. الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة، الحديث 4. وفي السند هارون بن مسلم بن سعدان،هو ثقة. ولم يوثّق مسعدة بن صدقة بالخصوص.

صفحه 68
إنّ الصدر، أعني قوله: «هو لك»، يمكن أن يكون ناظراً إلى قاعدة اليد كما يمكن أن يكون ناظراً إلى أصل البراءة، فلو جعلنا قوله: «هو لك» وصفاً لقوله «كلّ شيء»، وقولَه: «حلال» خبراً للمبتدأ يكون دليلا على قاعدة اليد فيكون المعنى: كلّ شيء مفروض أنّه لك (كالثوب والعبد) حلال حتى تعلم أنّه حرام، وعلى هذا جعل الاستيلاء في ظرف الشكّ حجّة على حلّية التصرّف، وهذا يناسب كونه أصلا.
نعم لو جعلنا قوله: «هو» ضميرَ فصل ومبتدأً ثانياً، وجعلنا قوله: «حلال» خبراً له، والجار والمجرور، أعني قوله: «لك» من متعلّقات الخبر «حلال» ينطبق على قاعدة البراءة، فيكون المعنى: «كلّ شيء هو حلال لك حتى تعلم أنّه حرام بعينه»، فعندئِذ ينطبق على أصل البراءة لا على قاعدة اليد.
فلو قلنا بالتفسير الأوّل يكون الاستيلاء في ظرف الشكّ موضوعاً للحكم بحلّية التصرّف، فيكون أصلا لا أمارة، إذ لو كان أمارة لكان طارداً للشكّ لا حافظاً له.
إنّما الكلام في تعيّن التفسير الأوّل فإنّه على خلاف الظاهر، والظاهر هو التفسير الثاني، كما عليه المشهور في تفسير الرواية. فتخرج الرواية عن الصلاحية للاستدلال.
10. روى الشيخ بسنده عن العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)ذكر أنّه لو أفضي إليه الحكم لأقّر الناس على ما في أيديهم، ولم ينظر في شيء إلاّ بماحدث في سلطانه، وذكر أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم ينظر في حدث أحدثوه وهم مشركون، وأنَّ من أسلم أقرَّه على ما في يده».1

1. الوسائل: 18، الباب، 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.

صفحه 69
ومدلول الرواية هو إمضاء ما في أيدي الناس كما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)مع المشركين بالنسبة إلى ما بأيديهم عند ما أسلموا. والرواية بالنسبة إلى الصدر ظاهرة في أصل البراءة وبالنسبة إلى الأمثلة ظاهرة في قاعدة اليد. والله العالم.

الجهة الخامسة: حجّية اليد عند الاستيلاء على الحقوق

قد عرفت أنّ الاستيلاء على العين أمارة الملكية، وربّما لا تكون العين ملكاً للمستولي ولكن يكون له حقّ فيها، كحقّ الاختصاص بالخلّ المتبدَّل إلى الخمر، ومثله الميتة، فيقال: إنّ مالك الخلّ والحيوان الذي مات حتف أنفه ذو حقّ بالنسبة إلى الخمر وميتة الحيوان، فيكون الاستيلاء على العين دليلا على الاستيلاء على الحقوق; نظير ذلك، ما رواه محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام) : رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويُعَطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع(عليه السلام) : «يتّقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا يضرّ أخاه المؤمن».1
فإنّ استيلاء صاحب الرحى على الانتفاع بالماء عرفاً حيث إنّه كان يمرّ عن طريق رحاه يعدّ دليلا على كونه ذا حق.
و على هذا فلو كان الحق قائماً بملك الغير كحقّ الرهانة، فاليد حجّة في مقابل الأجنبي الذي يرد حقّه، لا في مقابل المالك إذا أنكر كون المستولي ذا حق; لأنّ هذا النوع من الحقوق إذا كانت قائمة بالأعيان وكانت الأعيان ملكاً للغير، لا تكون اليد حجّة في مقابل المالك، حيث إنّ اعترافه بملكية العين

1. الوسائل: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.

صفحه 70
للغير اعتراف بكلّ ما للعين من شؤون من جواز التصرّف وغيره، فدعوى الرهانة تخالف ذلك الإقرار.

الجهة السادسة: حجّية اليد عند الاستيلاء على الأعراض

لو تنازع شخص مع آخر في امرأة تحت يد أحدهما، أو في ولد ولد في بيته، فيحكم على المرأة بأنّها زوجة مَنْ تحت يده، وأنّ الولد ابن من ولد في بيته، وما ذلك إلاّ لأنّ وجه اعتبار اليد هو أنّ مناشئ الاستيلاء في عامّة الأعصار كانت مناشئ صحيحة خصوصاً بالنسبة للأعراض والنسب، والتخلّف بالنسبة إلى الصحيح كان أقل فاعتبر الاستيلاء على الأعراض والنسب دليلا على كونه استيلاء صحيحاً. وجريان السيرة على هذا أمر لا إشكال فيه إنّما الكلام في شمول الروايات لهذا النوع من الاستيلاء فإنّ مورد الروايات هو الأعيان والحقوق المالية، وأمّا بالنسبة للأعراض والنسب فغير شامل إلاّ بإلغاء الخصوصية.
قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا كانت امرأة تحت رجل وادّعى رجل آخر زوجيتها، يكون الأَوّل منكراً لكونه ذا يد عليها، والثاني مدّعياً.1

الجهة السابعة: حجّية اليد عند الاستيلاء على المنافع

إنّ الاستيلاء على المنافع دليل على كون المستولي عليها مالكاً لها في مقابل ادّعاء الأجنبي لها فيكون المستولي على المنافع منكراً والآخر مدّعياً، وأمّا إذا كان في مقابل المالك فلا يُعد استيلاؤه على المنافع كونه مالكاً لها; لأنّ

1 . تكملة العروة الوثقى: 537.

صفحه 71
اعتراف المستولي على المنافع، مع الاعتراف بكون العين ملكاً للمالك، يوجب انقلاب الدعوى، فإنّ مالكية العين تستلزم مالكية المنافع، فقد اعترف المستولي بمالكية المالك للمنافع، فيصير مدّعياً والمالك منكراً.
إذا كان متصرّفاً لدار الغير، مدّعياً أنّه استأجره مدّة سنة لا يسمع منه إلاّ ببيّنة; لأنّ الاعتراف بملكية الدار للغير، اعتراف بملكية منافعها له، ومعه لا تكون المنافع للمدّعي إلاّ بالبيّنة.
وربما يقال: عدم إمكان الاستيلاء على المنافع لأنّ المنفعة من الأُمور التدريجية غير قارّة الذات فلايوجد جزء منها إلا بعد انعدام جزء آخر، ومثل ذلك لايمكن أن يقع طرفاً للإضافة بينها وبين الإنسان لامتناع تحقّق الإضافة بين الموجود والمعدوم.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان الاستيلاء على المنافع في عرض الاستيلاء على العين، وأمّا إذا كان الاستيلاء عليها من خلال الاستيلاء على العين فلا يرد الإشكال، وكأنّ العين في نظر الفقهاء هي المنافع المتجسّدة في الخارج.
و لذلك قلنا في محلّه أنّ الإجارة عبارة عن تسليط الغير على العين لغاية الانتفاع وليست تسليطاً على المنافع مجرّدة عن تسليطه على العين، ولا تمليكاً لمنافعها كما هو المعروف، فصاحب العين يسلّط المستأجر على العين بما أنّها رمز المنافع، وبما أنّها وجود جمعي لها حتى فيما لو كانت المنفعة من الأعيان كالثمرة على الشجرة والزرع على الأرض، فإنّ الاستيلاء عليهما إنّما يتحقّق في ضمن الاستيلاء على العين ولو لمدّة مؤقتة.
ثمّ إنّ للسيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) كلاماً في الاستيلاء على الحقوق

صفحه 72
والمنافع، فقد جعل للجميع عنواناً واحداً وقال: كما أنّ اليد أمارة على ملكية الأعيان كذلك أمارة على ملكية المنافع، وعلى الحقوق، كحقّ الاختصاص، وحقّ الانتفاع، وحقّ الاستيثاق، وحقّ التحجير ونحو ذلك، كما إذا كان مال الغير في يده فيدّعي كون منافعه له بالإجارة أو الوقفية أو نحو ذلك، أو ادّعى كونه متوليّاً على ما في يده من العين الموقوفة، أو ادّعى كون ما في يده رهناً عنده، أو كان له رحى على نهر الغير، أو كانت جذوعه على حائط الغير ونحو ذلك، لظهور الإجماع وعموم بعض ما مرّ من الأخبار، كقوله(عليه السلام): «مَن استولى على شيء منه فهوله» ونحوه، بل لاينبغي الإشكال فيه، وكما تتحقّق اليد على الأعيان فتكون أمارة على ملكيتها عيناً أو منفعة أو الاختصاص بها كذلك تتحقّق على المنافع، وإن لم تكن العين في يده، كما إذا كانت مزرعة موقوفة على العلماء أو السادات أو نحوهم، وكانت منافعها تصرف عليهم أو ترسل إليهم، وكانت العين بيد المتولي، فإنّ يدهم على منافعها، فلو ادّعاها غيرهم لاتسمع منه بلابيّنة، وهكذا في أمثال ذلك.1
وكان عليه أن يستثني من الغير مالك العين في مورد الإجارة، كما مرّ.

الجهة الثامنة: حجّية اليد إذا جهل عنوان الاستيلاء

إذا كانت اليد من أوّل حدوثها مجهولة العنوان، بمعنى أنّها لايُعلم من أوّل حدوثها أنّها يد مالكة أو يد عادية أو يد أمانة شرعية كاللقطة أو أمانة مالكية كالإجارة والعارية والوديعة، وأمثال ذلك من الأمانات المالكية، وبالجملة يشكّ في كونه مالكاً بما في يده أو لا؟ ولم يكن مدّع في قباله، فإن

1 . تكملة العروة الوثقى: 493، المسألة 2.

صفحه 73
حجّية اليد بالنسبة إلى الغير، لا إشكال فيها، وإنّما الكلام في حجّيتها بالنسبة إلى المستولي، إذا شكّ في أنّه ملكه أو لا؟ ففيه قولان:
1. عدم اعتبار اليد في هذه المواضع .
2. اعتباره مطلقاً فيها.
أمّا الأوّل: فقد اختاره المحقّق النراقي في عوائده وذهب إلى عدم اعتبارها عند شكّ المستولي، حيث قال: لو قال ذو اليد: إنّي لا أعلم أنّه ملكي أو لا، لايحكم بملكيته لأنّ الثابت من اقتضاء اليد الملكية غير ذلك المورد.1أمّا الإجماع2 فظاهر، وأمّا أخبار طلب البيّنة من المدّعي، فكذلك (ظاهر في أنّ ذا اليد جازم بأنّ العين ملكه).
ثم استدلّ بروايتين:
1. ما رواه جميل بن صالح في الصحيح عن السرّاد قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): رجل وجد في بيته ديناراً؟ قال: «يدخل منزله غيره؟» قلت: نعم كثير، قال: «هذا لقطة».
قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال: «يُدخل أحدٌ يَده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟» قلت: لا، قال: «فهو له».3
الاستدلال من وجهين:
الأوّل : حكم فيما هو في داره، الذي لايعلم أنّه له مع كونه في يده على

1. لعلّه يريد قوله (عليه السلام):«فمن استولى على شيء منه فهو له».الوسائل:17، الباب8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث3.
2. لعلّه أراد بالإجماع: السيرة.
3. الوسائل: 17، الباب، 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

صفحه 74
مامرّ ومستولياً عليه: أنّه لقطة....
الثاني : علّل كون ما وجد في الصندوق له، بما يفيد العلم بأنّه ليس لغيره، من عدم إدخال غيره يده فيه، ] لا بقاعدة اليد [ وهذا يدلّ على شرطية العلم في جواز التصرّف.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال: «يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها».
قلت: فإن لم يعرفونها، قال: «يتصدّق بها».1
وجه الدلالة: أنّه لاشكّ أنّ الدراهم كانت في تصرّف أهل المنزل على ما عرفت، ولو أنّهم قالوا: إنا لانعلم أنّها لنا أو لغيرنا، فيصدق أنّهم لايعرفونها فلا يحكم بملكيتها لهم. ] فعدم عرفانهم صار سبباً لعدم شمول قاعدة اليد له [ .
و من ذلك يعلم أنّ اليد لا تكفي في حكم ذي اليد لأجلها لنفسه إن لم تعلم ملكيته.2
يلاحظ على الوجه الأوّل أي انصراف الأخبار إلى ما إذا كان ذواليد جازماً بأنّه مالكاً بأنه لا قصور في قوله: «مَن استولى على شيء منه فهوله» فإطلاقه يعمّ صورة الشكّ، فالإطلاق محكّم، فإن المورد غير مخصّص، نعم مورد القاعدة صورة التنازع ووجود مدّع في البين.

1 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 3.
2. عوائدالأيام: 742-743، العائدة 68.

صفحه 75
وأمّا السيرة فلا يمكن إنكارها فمن وجد في بيته شيئاً لايعرف وقت استيلائه عليه، فيتصرّف فيه إذا كان بيته بيتاً لايدخل فيه غيره.
وبعبارة أُخرى: إذا كان البيت الذي وجد فيه الشيء ولم يعلم منشأ استيلائه، من الأماكن العامّة كغرف الاستقبال أو ما يقال له (الديوانيات) لا يحكم عليه بأنّه ماله، بخلاف ما إذا كان في الغرف الخاصّة به التي لايدخلها غير صاحب البيت وأهله وعياله، فيحكم عليه بأنّه ماله.
إنّما المهم توضيح ما استدلّ به من الروايتين.
أمّا رواية جميل فقد عرفت أنّه استشهد بوجهين:
1. أنّ الإمام جعل ما وجد في منزله بحكم اللقطة فإنّ هذا لأجل خصوصية في المنزل حيث إنّه فرض أنّه يدخله غيره، وقد مرّ أنّ اليد في هذا النوع من الأماكن لا تكون دليلا على ملكية المالك. فعدم حجّية اليد ليست مستندة إلى كون المستولي شاكّاً ; بل لعدم صدق الاستيلاء التام، لأنّ المفروض أنّ الدار كانت مفتوحة للزائرين والوافدين.
2. أنّ الإمام علّل كون ما وجد في الصندوق له، بعلمه بأنّه ليس لغيره، لافتراض عدم إدخال يد الغير، وهذا يدلّ على شرطية العلم في جواز التصرّف فيه.
ففيه أنّ الإمام علّل كون ما وجد في الصندوق لصاحبه، بالاختصاص لا بعلمه بأنّه له إذ لاينا في أن يكون الصندوق مختصّاً بصاحبه، مع وضع مال الغير فيه لأنّ صاحب الصندوق ربما يضع أمانات الناس فيه، فمن المحتمل أن يكون الموجود فيه للغير، حيث أخذه منه وتركه فيه من دون أن يضع علامة. فالاختصاص لا يلازم العلم بكون الموجود فيه له.

صفحه 76
وأمّا التمسّك برواية إسحاق بن عمّار فالإجابة عنه واضحة بما أوردناه على الوجه الأوّل من استدلال صاحب العوائد; لأنّ بيوت مكة آنذاك كانت بحكم الفنادق والمضائف، فلا يُعدّ الاستيلاء دليلا على الملكية لصاحب البيت. فعدم الحكم بكونها ملكاً لهم لأجل ضعف الاستيلاء.
فإن قلت: إنّه إذا شكّ في انتقال العين إليه بسبب شرعي من مالكه، فمقتضى استصحاب بقاء الملك في ملك مالكه وعدم انتقاله إلى ذي اليد، أنّه مال الغير لايجوز له التصرّف.
قلت: إنّ أمارية اليد تقتضي عدم كون ما تحت يده ملك الغير، ولا يعتبر في أمارية اليد أزيد من الشكّ في كون المال مال الغير، وهو ثابت بالوجدان، ومعه لا مجال للاستصحاب.
والظاهر أنّ ادّعاء قصور الروايات لصورة الشكّ في كون المستولي عليه ملكاً له، في غير محلّه، مضافاً إلى بناء العقلاء إذ اليد عندهم حجّة، سواء أكان في البين مدّع أولا.
وبذلك علم مفاد القول الثاني، أعني: حجّية اليد في تلك المواضع.

الجهة التاسعة: حجّية اليد إذا عُلم عنوانها حدوثاً لا بقاءً

إذا علم أنّ استيلاءه على العين لم يكن بسبب شرعي، نظير الأمثلة التالية:
1. إذا علم أنّه استولى عليها بيد عادية أو كانت عارية ولكن يحتمل انتقال المال إليه بناقل شرعي.
2. إذا كانت العين من الأعيان الموقوفة وقد استولى عليها وهي موقوفة

صفحه 77
ولكن يحتمل انتقال العين إليه ببعض المجوّزات لبيع الوقف.
3. إذا كانت العين من الأراضي المفتوحة عنوة العامرة حال الفتح، وقد استولى عليها من دون مجوز شرعي، لكن يحتمل انتقالها إليه بوجه شرعي، كأمر ولي المسلمين.
فيقع الكلام في الأمثلة الثلاثة:
أمّا المثال الأوّل: أعني الاستيلاء بيد عادية فالظاهر عدم حجّية اليد فيها، وذلك لانصراف الروايات عن هذه الصورة التي علم أنّه استولى عليه وهو غير مالك، لكن يحتمل انتقاله إليه بوجه شرعي، لما مرّ أنّ طبع المال يقتضي الحرمة إلاّ أن يدلّ دليل على الانتقال، فكون طبع المال مقتضياً للحرمة كاف، بلاحاجة إلى الاستصحاب.
ثم إنّ المحقّق النائيني سلك مسلكاً آخر وهو سقوط اليد والعمل على ما يقتضيه استصحاب حال اليد فإنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملك إذا كانت مجهولة العنوان غير معنونة بعنوان الإجارة والغصب ونحوهما، فاستصحاب حال اليد يوجب تعنونها بعنوان الإجارة أو الغصب فلا تكون كاشفة عن الملكية.
وبعبارة أُخرى: أنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملكية إذا لم يعلم حالها، والاستصحاب يرفع موضوع اليد (لم يعلم حالها فيجعلها معلومة الحال وإن كانت عادية ).1
أقول: نحن نوافقه في المدّعى، ولكن الأولى الاستدلال عليه بالوجه التالي:

1. فوائد الأُصول: 4/604-605، المحشّاة بتعاليق المحقّق العراقي.

صفحه 78
إنّه إنّما يحتجّ باليد في صورتين :
1. إذا أحرزت صحّة الاستيلاء .
2. أو جهل عنوانه حدوثاً ـ كما مرّ ـ في الجهة السابعة، لا ما إذا أحرز فساد الاستيلاء كالغصب، أو أحرز أنّه بطبعه غير مقتض للملكية كالعارية، ولو أَحرز أنّه كان من أوّل الأمر كذلك فلا يحتجّ باليد على الملكية لقصورها من أوّل الأمر فتسقط اليد عن الاعتبار ويرجع إلى الأصل. فالأصل مرجع لا حاكم.
و بعبارة أُخرى: تقديم الاستصحاب على اليد ليس من باب حكومته عليها، أي برفع موضوع اليد كما قال بل من باب قصور قاعدة اليد في المقام، لما عرفت من عدم استقرار بناء العقلاء على الملكية في الموارد التي أحرز فساد منشأ استيلائه كما هو المفروض من أنّ الاستيلاء كان استيلاء عادية أوعارية.
وأمّا المثال الثاني: أعني إذا كانت العين من الأعيان الموقوفة ولكن يحتمل انتقال العين إليه ببعض المجوّزات كبيع الوقف.
فالظاهر سقوط اليد عن الحجّية في هذا المقام أيضاً; لأنّه إنّما يستدلّ بالاستيلاء على الصحّة والملكية بقاءً، إذا أُحرزت صحّة الاستيلاء أوجهل حدوثاً، وأمّا إذا عُلم أنّ الاستيلاء كان على الفساد حدوثاً فلا يستدلّ به على الصحّة بقاءً، ولذلك قلنا في محلّه: إنّ أصالة الصحّة لاتجري في بيع الموقوفات حتى من الوليّ مالم يحرز وجود أحد المجوّزات، لأنّ طبع هذا العقد على الفساد فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل شرعي، وهكذا المقام فإنّ اليد إنّما يحتجّ بها فيما إذا كان المستولى عليه بطبعه قابلا للتملّك، وأمّا إذا كان

صفحه 79
بطبعه غير صالح للتملّك فلا يحتج باليد بمجرّد احتمال مجوّز الانتقال.
وبذلك تستغني عمّا أتعب به المحقّق النائيني نفسه، من حكومة الاستصحاب على اليد، لأنّ استصحاب عدم طروء ما يجوز معه بيع الوقف يقتضي سقوط اليد فإنّه بمدلوله المطابقي يرفع موضوع اليد، فهو كاستصحاب حال اليد، لما عرفت من وجود القصور في شمول قاعدة اليد للمقام، ومعه لا حاجة للحكومة بل يصبح الأصل مرجعاً .

تفصيل صاحب العروة في الموقوف

فصّل السيد الطباطبائي اليزدي بين ما إذا حدثت اليد على العين وهي موقوفة وبين ما إذا حدثت على ما كان وقفاً، ويحتمل طروء بعض مسوّغات بيع الوقف عند استيلائه عليه، فمنع عن حجّية اليد في الصورة الأُولى وقبله في الصورة الثانية.
قال: لو علم أنّ اليد حدثت على ماكان وقفاً1 واحتمل طروء بعض مسوّغات بيع الوقف بعد ذلك، كان استصحاب حال اليد حاكماً عليها، 2وأمّا إذا لم يعلم ذلك بل احتمل أن تكون اليد حدثت بعد بطلان الوقف فلا يكون في البين مايقتضي سقوط أمارية اليد.3
ولعلّ ما ذكره من التفصيل أولى بأن يتبع وذلك لوجود الفرق بين كون الاستيلاء على العين في مال غير قابل للنقل والانتقال فشمول اليد قاصر في

1. والأَولى أن يقال «حين ما كان وقفاً ».
2. الضمير يرجع إلى مسوّغات بيع الوقف.
3. فوائد الأُصول للكاظمي الخراساني:4/606 نقلاً عن السيد الطباطبائي اليزدي في ملحقات العروة، كتاب القضاء.

صفحه 80
هذا المقام، لأنّ طبع العين يقتضي بطلان النقل إلاّ بمجوّز، والمفروض أنّه غير معلوم بخلاف الثاني فإنّه استولى عليه من دون العلم بأنّ العين لاتقبل النقل والانتقال، بل يحتمل حدوث اليد بعد بطلان الوقف بحصول بعض المجوّزات، بحيث إنّ اليد المتقدّمة مجهولة، فربّما تجري فيه أصالة الصحّة.
وأمّا المثال الثالث أعني: إذا كانت العين من الأراضي المفتوحة عنوة ففيه أيضاً وجهان:
الأوّل: إذا استولى عليها من دون أن يكون هنا مجوّز شرعي للاستيلاء فحكمه حكم الاستيلاء على العين الموقوفة لكن يحتمل حدوث المجوّز، وقد عرفت قصور اليد القاعدة.
وأمّا إذا كان الاستيلاء مجهول العنوان بأن يعلم أنّ الأرض من الأراضي المفتوحة عنوة لكن يحتمل عروض مجوّز للبيع قبل استيلائه عليها، فلا يبعد اعتبار اليد في المقام، كما ذكرناه في القسم السابق.
ثم إنّ المحقّق الاصفهاني ذكر وجه حجّية اليد في الصورة الأخيرة بما هذا حاصله: إنّ ملاك الحجّية (وهي غلبة الأيدي المالكية في مقابل غيرها) محفوظ في المقام، وغلبة بقاء الأعيان الموقوفة على حالها، لندرة تحقّق المسوّغ، وإن كانت ثابتة لاتنكر، ولكنّها إنّما هي في اليد التي ثبتت على الوقف حدوثاً إذا شكّ في بقائها على حالها أو انقلابها إلى يد الملك، وأمّا في مورد البحث المفروض انقطاع اليد السابقة على الوقف فيها، وحدوث يد أُخرى يشكّ في أنّها على الملك أو الوقف، فلا مجال لتوهّم بقاء اليد على حالها، فإنّ غلبة كون الأيدي مالكيّة شاملة له، ولا وجه للعدول عنها، وإذ قد