welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية/ ج 1

صفحه 1
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهيّة
1

صفحه 2

صفحه 3
الإيضاحات السَّنيّة
للقواعد الفقهية
تشتمل على إيضاح ودراسة ثلاثين قاعدة فقهية
الجزء الأوّل
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُّبْحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1393.
3 ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 541 - 0 (VOL.1)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 542 - 7 (3VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1. فقه ـ ـ قواعد. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام) . ب. عنوان .
9الف2س/ 5/169 BP   324 / 297
1393
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران قم ; سـاحة الشهداء
?37745457 32925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   … الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة
الجزء:   … الأوّل
تأليف:   … آية الله جعفر السبحاني
الطبعــة:   … الأُولى
تاريخ الطبع :   … 1435 هـ
المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   … 1000 نسخة
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 835   تسلسل الطبعة الأُولى: 418
حقوق الطبع محفوظة

صفحه 5
   
    الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهيّة / ج 1

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة

القواعد الفقهية في فقه الشيعة

جرت سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على إلقاء الأُصول على أصحابهم وحثّهم على التفريع على ضوئها، فهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام)يقول: «إنّما علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع» 1.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): «علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع »2.
وقد بذل فقهاء الشيعة من عصر الأئمة(عليهم السلام)إلى يومنا هذا جهوداً جبّارة لبلورة هذه الأُصول واستنتاج الفروع منها، وهذا ما نلاحظه جليّاً عند مراجعتنا تاريخ الفقه الشيعي. وقد ظهر في القرن الثامن على ضوء هذه الأُصول لون جديد من الفقه عند الشيعة سمّي فيما بعد بالقواعد الفقهية.3
وسنتطرّق في هذه المقدّمة إلى دور علماء الإمامية في هذا الصدد، ونشير إلى بعض من بذل جهوداً في هذا المضمار:

1. الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51.
2. الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52.
3. لاحظ مقدّمتنا على موسوعة طبقات الفقهاء (تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره).

صفحه 8

1. الشهيد الأُوّل (734 ـ 786 هـ)

هو الشيخ السعيد محمد بن مكي المعروف بالشهيد الأُوّل، ألّف كتابه المعروف بـ «القواعد والفوائد»، الذي احتوى على ما يقرب من 330 قاعدة، إضافة إلى فوائد تقرب من 100 فائدة، عدا التنبيهات والفروع، وهذه القواعد والفوائد ليست فقهية خالصة، وإنّما فيها بعض القواعد الأُصولية والعربية، لكن الطابع الفقهي هو الغالب عليها، ولم يتبع الشهيد منهجاً معيّناً في ترتيب ما أورده من قواعد وفوائد، حيث لم يفصل القواعد الفقهية عن الأُصولية أو العربية. والكتاب من الكتب الممتعة الّتي كانت تدور عليه رحى التدريس في الأعصار السابقة.

2. الفاضل المقداد (المتوفّى 826 هـ)

وبسبب هذه الثغرة (عدم الفصل بين القواعد) في كتاب «القواعد والفوائد»، قام تلميذ المؤلّف الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري الحلّيّ (المتوفّى 808 هـ) بترتيب هذه الفوائد في كتاب أسماه «نضد القواعد الفقهية» وقد أظهرها بترتيب باهر جميل. وقامت مكتبة المرعشي النجفي بطبع الكتاب ونشره في قم المقدّسة عام 1403هـ .

3. الشهيد الثاني (911 ـ 965 هـ)

قام الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي وهو من أعلام الطائفة في القرن العاشربتأليف كتاب «تمهيد القواعد الأُصولية والعربية» وقد جمع فيه بين : تخريج الفروع على الأُصول، وتخريج الفروع على القواعد العربية ولم يؤلّف مثل هذا الكتاب عند الشيعة الإمامية.

صفحه 9
والظاهر أنّ الشهيد الثاني رأى كتابي «التمهيد» و«الكوكب الدرّي» وهما للأسنوي الشافعي، أحدهما في القواعد الأُصولية والآخر في القواعد العربية وما يتفرّع عليها، فجمع بين ما في الكتابين في كتاب واحد بنحو جميل.
وقد طبع الكتاب مؤخّراً في مشهد الرضا (عليه السلام)طبعة محقّقة.

4. الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى 1227 هـ)

ألف الأُستاذ الكبير الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء كتاباً باسم «القواعد الستة عشر» طرح فيه تلك القواعد وطبع مع كتاب «الحقّ المبين» عام 1306 هـ .

5. السيد عبدالله شُبّر (المتوفّى 1241 هـ)

ألّف السيد عبدالله شُبّر صاحب التفسير المعروف كتاباً باسم «الأُصول الأصلية والقواعد الشرعية»، وقد قامت مكتبة المفيد بطبع الكتاب في قم 1404هـ .

6. المولى أحمد النراقي (1185 ـ 1245 هـ)

ثم شمّر عن ساعد التحقيق المولى أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني فألّف كتابه «عوائد الأيام من مهمات أدلّة الأحكام» وقد اشتمل هذا الكتاب على ثمان وثمانين عائدة وكلّ عائدة تُعدّ قاعدة فقهية، وقد طبع الكتاب مرات عديدة آخرها ما قام به مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة التابع لمكتب الإعلام الإسلامي في قم المقدّسة.

صفحه 10

7. عبدالفتاح المراغي (المتوفّى 1250 هـ)

وقد قام بعد المحقّق النراقي معاصره الفقيه الجليل السيد عبدالفتاح بن علي الحسيني المراغي بتأليف كتاب حول القواعد الفقهية أسماه «العناوين»، فرغ منه عام 1246 هـ ، وقد أورد فيه 94 عنواناً.
والجهود الّتي بذلها السيد المراغي في ترصيف القواعد الفقهية مشكورة جدّاً فهي دليل واضح على أنّه كان رجل علم وتحقيق وهمّة وبراعة، ويكفيك أنّنا نرى في هذا المؤلّف أفكاراً جديدة وآراءً سديدة وبراعة مشهودة في التفريع على الأُصول المتلقّاة، ويكفيك أنّ هذا الكتاب أحد المصادر الّتي استند إليها الشيخ الأنصاري في مكاسبه.
وقد طبع الكتاب مرّة بعد أُخرى، وطبع أخيراً طبعة محقّقة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم المقدّسة في جزأين.

8 . نظر علي الطالقاني (1240 ـ 1306 هـ)

لمّا طلع القرن الرابع عشر وازدهرت الجامعات الفقهية للشيعة، ألّف غير واحد من فقهائنا كتاباً أو موسوعة حول القواعد الفقهية لا يمكننا الإشارة إلى جميعها بل نذكر شيئاً منها، منهم الشيخ نظر علي بن سلطان محمد الطالقاني الفقيه الأُصولي الماهر فقد ألّف كتاب «مناطات الأحكام في القواعد الفقهية» وهو مطبوع.

9. ملا حبيب الله الكاشاني (المتوفّى 1340 هـ)

ألّف الشيخ الفاضل المحقّق ملا حبيب الله الشريف الكاشاني كتاباً أسماه: «مستقصى مدارك القواعد ومنتهى ضوابط الفوائد» اشتمل على

صفحه 11
خمسمائة قاعدة فقهية، مع الشرح المختصر لكلّ قاعدة.
وقد قام نجل المؤلّف بطبع الكتاب ونشره.

10. الشيخ الخالصي الكاظمي (المتوفّى 1343 هـ)

ألّف الشيخ مهدي بن حسين بن عزيز الخالصي الكاظمي كتاباً أسماه «القواعد الفقهية» وطبع في مجلدين في مشهد عام 1343هـ .

11. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ)

ألّف شيخنا المصلح الأكبر المحقّق البارع كتاباً أسماه: «تحرير المجلة» وهو شرح لـ «مجلة الأحكام العدلية»1، وهذا الكتاب هو من نفائس الآثار المترشحة من قلم الشيخ، وذلك أنّه أبان فيه متانة الفقه الجعفري ورصانته وقوة حجّته على مستوى عال من العرض والإجادة في البيان.
وقد أضاف الشيخ ثلاثاً وعشرين قاعدة على ما كان مذكوراً في المجلة، إلى غير ذلك من الفوائد الّتي يقف عليها من قرأ مقدّمة الكتاب.

12. السيد محمد حسن البجنوردي (1316 ـ 1396 هـ)

ألّف الفقيه الجليل السيد محمد حسن البجنوردي موسوعة أسماها بـ «القواعد الفقهية» وهي أوسع وأبسط كتاب إلى عصر المؤلّف، وقد شرح فيه 63 قاعدة على وجه الدقة والبسط، وطبعت الموسوعة في سبعة أجزاء في قم عام 1419هـ .

1. مجلة الأحكام العدلية وهي كتاب ألّف بجهود سبعة علماء وبرئاسة أحمد جودت باشا يتضمّن القوانين المدنية في الدولة العثمانية.

صفحه 12

13. الشيخ ناصر مكارم الشيرازي «دام ظله»

ألّف الفقيه المحقّق آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دامت بركاته كتاباً رائعاً أسماه بـ «القواعد الفقهية» طرح فيه ثلاثين قاعدة فقهية، وقد طبع في جزأين أنيقين في قم عام 1416هـ .

14. الشيخ محمد فاضل (1350 ـ 1428 هـ)

ألّف الفقيه آية الله الشيخ محمد فاضل اللنكراني(قدس سره)كتاباً أسماه بـ «القواعد الفقهية» والكتاب مطبوع في قم عام 1416هـ .
واقتصرنا على هذا العدد المبارك تيّمناً وتبرّكاً قائلين إنّ ما ألّف أخيراً حول القواعد الفقهية أكثر ممّا ذكرنا، ولكلّ مزية، شكر الله مساعي الجميع.
***

صفحه 13
 
الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأُصولية
لابدّ من الكلام في تعريف القاعدة الفقهية حتّى يستبين الفرق بينها وبين المسائل الأُصولية.
ذكر غير واحد من المحقّقين وجوهاً خمسة تتميّز بها القاعدة الفقهية عن المسألة الأُصولية، وقد ذكرنا هذه الوجوه في محاضراتنا الأُصولية، ونقتصر هنا على ما هو المختار عندنا وهو: أنّ التفريق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية يتمّ بالمحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها، وإليك البيان:
حاصل هذا الفرق أنّ تميّز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية إنّما يتمّ بمحمولاتها المنتسبة إلى موضوعاتها، وإن شئت قلت: إنّ ملاك البحث في الأُولى غيره في الثانية، فإنّ ملاكه في المسائل الأُصولية هو الفحص عن الحجّة على الحكم الشرعي لا نفس الحكم الشرعي، ولكن المطلوب في القواعد الفقهية هو نفس الحكم الشرعي وضعاً وتكليفاً، وإليك تفصيل ذلك.
إنّ المسائل الأُصولية تدور حول الأُمور التالية:
1. ما يبحث فيه عن تعيين مفاد الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، كمفاد الأمر والنهي والعام والخاصّ إلى غير ذلك.
2. ما يبحث فيه عن الحكم العقلي كالبحث عن وجود الملازمة بين الأمر بالشيء ووجوب مقدّمته وحرمة ضده، أو الملازمة بين حرمة الشيء وفساده، أو الملازمة بين تعليق الحكم على شرط، وارتفاعه عند ارتفاعه، فالمطلوب في هذه المسائل هو حكم العقل الّذي يستنبط به حكم الشرع

صفحه 14
أخذاً بالملازمة.
3. ما يبحث فيه عن حجّية أُمور تقع في طريق الاستنباط، كالبحث عن حجّية الخبر الواحد أو الإجماع أو الشهرة، فإنّ المطلوب فيها هو الحجّية الوضعية غير المرتبطة بالعمل.
ويلحق به مبحث التعادل والترجيح، فإنّ ملاك البحث هنا عن تعيين ما هو الحجّة وكيفية تمييزها عن غيرها أو ترجيحها على حجّة أُخرى.
4. ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية عند الشكّ في الحكم الشرعي إذا لم يكن هناك طريق إليه، وإن شئت ألحقته بالقسم الثالث، لأنّ المطلوب هو طلب الحجّة بين المكلّف وبين ربّه، إمّا تنجيزاً كما هو الحال في الاحتياط، أو تعذيراً كما هو الحال في أصل البراءة.
فهذه المسائل ونظائرها تعرب عن أنّ الملاك في المسائل الأُصولية عبارة عن أُمور لا تتعلّق بالحكم الشرعي التكليفي ولا الوضعي المتعلّق بالعمل مباشرة، وإنّما المطلوب فيها أُمور خارجة عن هذا المصبّ.
وأمّا إذا لاحظنا القواعد الفقهية فسنرى أنّ المحمول فيها إمّا حكم تكليفي عملي، وإمّا حكم وضعي متعلّق بالعمل. فالأوّل كقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» فمعنى قوله: «عند شروطهم» أي يجب العمل بالشروط الّتي اتّفقوا عليها; ونظيره قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فهو من جانب ينفي الوجوب ومن جانب آخر يثبته في الموارد الخمسة، فالمحمول في كلا الطرفين إمّا رفع شرعي أو إيجاب شرعي. وأمّا الثاني أي الحكم الوضعي المتعلّق بالعمل كقوله: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

صفحه 15
وقس على ذلك سائر القواعد الفقهية الّتي لا تتجاوز أُمّهاتها عن أربعين قاعدة، وربّما تتجاوز فروعها وما انشق منها إلى مائة أو أكثر .
فإن قلت: قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حكم تكليفي فيلزم أن يكون قاعدة فقهية مع أنّ العلماء يجعلون الاستصحاب في عداد المسائل الأُصولية.
قلت: إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره)يفصّل بين جريانه في الأحكام كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة في الغيبة، وبين جريانه في الموضوعات كاستصحاب طهارة الثوب، فالأوّل عنده مسألة أُصولية والآخر قاعدة فقهية.
والظاهر أنّ مفاد: «لا تنقض» ليس حكماً تكليفيّاً بشهادة أنّ مستصحِب الطهارة إذا خالف الاستصحاب وجدّد الوضوء لم يعص الله ولا رسوله بل هو حكم وضعي غير متعلّق بالعمل، وهو جعل الحجّية لليقين السابق، وهي مسألة أُصولية مطلقاً، غاية الأمر أنّ نتيجتها تارة تكون حكماً شرعياً كالاستصحاب في الأحكام، وأُخرى مسألة فقهية كما في الموضوعات. ولم يدلّ دليل على أنّ نتائج المسائل الأُصولية يجب أن تكون كلّية. نعم يجب ألاّ تكون منحصرة في مورد واحد، فإنّ الاستصحاب كما يسري في الثوب المشتبه، يجري في موارد أُخرى.
إلى هنا تبيّن أنّ التمييز بين المقامين بما ذكرنا أولى ممّا ذكروه من الفوارق.
إذا عرفت الأمرين فلندخل في صلب الموضوع ونبحث عن القواعد الفقهية واحدة تلو الأُخرى. وقد نزلنا عند رغبة حضّار بحثنا بعد أن أنهينا البحث في الحدود والقصاص والديات، حيث طلبوا منّا دراسة القواعد الفقهية الّتي لها دور في معرفة الحكم الشرعي، وقد جعلنا للبحث منهجاً

صفحه 16
خاصّاً على خلاف ما أُلّف في القواعد الفقهية، وستقف على هذا المنهج عند قراءة الكتاب. نعم اخترنا فيه وجه الإيجاز معرضين عن الإطالة والإطناب.
وأخيراً يشتمل هذا الجزء على ثلاثين قاعدة فقهية ضمن فصول ثلاثة أرجو من الله سبحانه أن يكون نافعاً لطلبة العلم وروّاد الحقيقة .
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
13 رجب الأصب، يوم ولادة
الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)1435هـ

صفحه 17
الفصل الأوّل:
القواعد الّتي يستكشف بها حال الموضوع
لمّا كانت القواعد الفقهية، مختلفة الموضوع والمحمول، والمرمى والغرض، ولذا فقد صار من العسير جعل قسم منها تحت عنوان واحد، ومع ذلك بذلنا الجهد لتقسيمها إلى طوائف، وكلّ طائفة تشتمل على قواعد، تُؤلّفها وحدة الغرض والهدف منها.
مثلاً خصصنا هذا الفصل بقواعد لها سمة استكشاف حال الموضوع عند الشكّ والترديد، وهي عبارة عن القواعد التالية:
1. قاعدة مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.
2. قاعدة كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه، فيصدّق قوله فيه.
3. قاعدة كلّ من يسمع قوله في المرافعة، فعليه اليمين مدّعياً كان أو منكراً.
4. قاعدة حجّية قول ذي اليد فيما يخبر من النجاسة والطهارة والتذكية وغيرها.
5. قاعدة «اليد» أمارة الملكية.
6. قاعدة يد المسلم أمارة التذكية.

صفحه 18
7. قاعدة سوق المسلمين أمارة التذكية.
8 . قاعدة الإلزام.
9 . قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
10. قاعدة القرعة .
11. قاعدة العدل والإنصاف.
12. قاعدة حجّية قول العدل الواحد.
بما أنّي سمعت من سيدنا الأُستاذ (رحمه الله) أن أوّل رسالة فقهية ألّفها هي رسالته حول قاعدة: «مَنْ ملك شيئاً مَلَكَ الإقرار به»، وقد طبعت الرسالة ضمن «الرسائل العشر»، وها نحن أيضاً نبدأ بما بدأ به تيمّناً وتبرّكاً واقتفاء لسيدنا الأُستاذ، وكانت رسالته هذه تعليقة على ما كتبه الشيخ الأنصاري حول هذه القاعدة.1
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   1. قد طبعت ضمن ملحقات «كتاب المكاسب» وكذلك ضمن«رسائل فقهية من تراث
الشيخ الأعظم(رحمه الله)».

صفحه 19
قاعدة: من ملك شيئاً ملك الإقرار به   
القواعد الفقهية
      1
قاعدة
مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به
نقل كلمات الفقهاء في المقام
نقل كلمات فقهاء السنّة حول القاعدة
تفسير مفردات القاعدة
مصدر القاعدة ومدركها وما استدلّ به الفقهاء على ثبوتها
تنبيهات:
   التنبيه الأوّل: الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
   التنبيه الثاني: لزوم تقارن الإقرار بالملكية وعدمه.
   التنبيه الثالث: تحديد القاعدة بشرطين.
من القواعد المعروفة قاعدة:«مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» ولم ترد بهذا اللفظ في نصّ مأثور عن المعصومين(عليهم السلام)وإنّما ورثناها من الفقهاء العظام منذ زمن الشيخ الطوسي إلى عصرنا هذا، وهذه القاعدة غير قاعدة: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» وسيوافيك توضيح ذلك، فانتظر.
ولندرس أوّلاً أقوال الفقهاء حول القاعدة.

نقل كلمات الفقهاء في المقام

1. قال الشيخ الطوسي في العبد المأذون في التجارة ما هذا خلاصته: إذا

صفحه 20
أقرّ العبد بأنّ ما في يده ثمن المبيع الذي باعه أو أرش المعيب الذي أخذه ممّن اشتراه، فيقبل منه لأنّه «مَن ملك شيئاً ملك الإ قرار به» بشرط أن لا تكون هناك قرينة على خلاف ما يُقرّ به، بأن يكون ما بيده أكثر من مال التجارة.1 وعندئذ لم يضمنه مولاه ويكشف عن أنّه مال الغير ويتبع به إذا أعتق، كما سيوافيك منه ومن المحقّق .
2. وقال في موضع آخر من «المبسوط»: إذا أذن لعبده في التجارة فركبه دين فإن كان أذن له في الاستدانة، فإن كان في يده مال قضي منه، وإن لم يكن في يده مال كان على السيّد القضاء عنه.2
3. وقال في كتاب الإقرار: وإن كان (إقرار العبد) يتعلّق بالتجارة مثل ثمن المبيع وأرش المعيب وما أشبه ذلك فإنّه يقبل إقراره، لأنّ «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» إلاّ أنّه ينظر فيه، فإن كان الإقرار بقدر ما في يده من مال التجارة قُبِل وقضي منه، وإن كان أكثر كان الفاضل في يده يتبع به إذا أعتق.3
وما ذكره صحيح بشرط أن يقرّ العبد بأنّ ما في يده مال المولى.
4. قال القاضي: إذا أقرّ المريض المكاتِب لعبده في حال الصحّة بأنّه قبض مال الكتابة، صحّ إقراره وعتق العبد، لأنّ المريض يملك القبض فيملك الإقرار به مثل الصحيح.4
5. قال المحقّق: ولو كان ] العبد [ مأذوناً في التجارة فأقرّ بما يتعلّق به قُبِل لأنّه يملك التصرّف، فيملك الإقرار، ويؤخذ ما أقرّ به ممّا في يده، وإن

1. المبسوط: 3 / 19.
2. المبسوط: 2 / 164 .
3. المبسوط: 3 / 19 .
4. المهذّب: 2 / 393 .

صفحه 21
كان أكثر لم يضمنه مولاه (ويكشف أنّه مال الغير ويتبع به إذا أعتق)1.
6. وقال في كتاب الوكالة في اختلاف الموكّل والوكيل: إذا ادّعى الوكيل التصرّف وأنكر الموكّل مثل أن يقول: بعت أو قبضت، قيل: القول قول الوكيل لأنّه أقرّ بما له أن يفعله، ولو قيل: القول قول الموكّل أمكن، لكن الأوّل أشبه.2
فإنّ قوله: «لأنّه أقرّ بماله أن يفعله» عبارة أُخرى عن القاعدة .
7. قال العلاّمة: إذا اختلفا في التصرّف كأن يقول: تصرّفت كما أذنت في بيع أو عتق، فيقول الموكّل لم تتصرّف بعد، فالأقرب تقديم قول الوكيل لأنّه أمين وقادر على الإنشاء، والتصرّف إليه .3
والعبارة وإن لم تكن صريحة في القاعدة لكنّها مشيرة إليها، كما في قوله: لأنّه أمين وقادر على الإنشاء، والتصرّف إليه .
ومَن درس كتاب الإقرار في المجاميع الفقهية، يجد للقاعدة تطبيقات مختلفة.
8. عبّر فخر المحقّقين عن هذه القاعدة بتعبير آخر فقال في مسألة اختلاف الولي والمولَى عليه بعد الكمال :الأقوى أنّ كلّ من يلزم فِعلُه أو إنشاؤه غيرَه، يُمضى إقراره بذلك عليه.4 فقد رجّح قول الوليّ.
9. قال الشهيد الأوّل: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به،

1. شرائع الإسلام: 3 / 152، دار الأضواء.
2. شرائع الإسلام: 2 / 205 .
3. قواعد الأحكام: 2 / 370 .
4. إيضاح الفوائد: 2 / 55 .

صفحه 22
إلاّ في مسائل أُشكلت ]منها[:
أ. وليُّ المرأة الاختياري لا يقبل قوله.
ب. إذا أقرّ الوكيل بالبيع أو قبض الثمن أو الشراء أو الطلاق أو الثمن أو الأجل.
ج. إذا أقرّ (الزوج) في الرجعة بالعدّة لا يقبل منه، مع أنّه قادر على إنشائها، وقيل يقبل .1
أقول: أمّا المورد الأوّل فالظاهر أنّ الولي الاختياري غير قادر على الإنشاء مالم يكن هناك إذن من البالغة الرشيدة، وأمّا الموارد الباقية، فقد عرفت أنّ المحقّق ذكر القولين وقال: الأشبه القبول.
10 . قال السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره): إذا ادّعت أنّ زوجها طلّقها وأنكر فمع عدم البيّنة لها، قدّم قول الزوج مع اليمين، وإن انعكس بأن ادّعى الزوج أنّه طلّقها وأنكرت الزوجة، فقد يقال بتقديم قوله أيضاً، كما نقله المحقّق القمّي (قدس سره)عن جماعة من معاصريه لأنّ الطلاق من فعله وأمره بيده، ولقاعدة: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به .2
قال صاحب الجواهر في شرح عبارة المحقّق أعني: لو كان العبد مأذوناً في التجارة... الخ ـ : على المشهور نقلاً إن لم يكن تحصيلاً لما عرفت من أنّه مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، لكن في التذكرة استشكله .3
هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا وتركنا ذكر ما يشابهه.

1. القواعد والفوائد: 2 / 279.
2. تكملة العروة الوثقى: 581 .
3. جواهر الكلام: 35 / 110، كتاب الإقرار.

صفحه 23

نقل كلمات فقهاء السنّة حول القاعدة

وأمّا فقهاء السنّة فهم على طوائف:
الأُولى: مَن ذكر القاعدة بنفس النصّ الذي ذُكر في كتب أصحابنا:
أ. قال ابن قدامة: إن أقرّ ] المفلّس [ بعتق عبده انبنى على صحّة عتقه، فإن قلنا بصحّة عتقه، صحّ إقراره وعتق، لأنّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.1
ويظهر منه أنّ القاعدة أمر مسلّم غير أنّ الإشكال كما يظهر من ذيل كلامه في تطبيقها على المورد المذكور، وذلك لأنّ القاعدة محدّدة بما إذا لم تسبّب ضرراً على آخر، فإنّ الأخذ بإقراره هنا سبب لورود الضرر على الغرماء.
ب. قال الزيلعي في مورد العبد المأذون: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، ولأنّه لو لم يملك لامتنع الناس من المبايعة معه، خوفاً من ذهاب أموالهم بسبب التجارة معه فيؤدّي إلى انقطاع تجارته، فوجب أن يملك ضرورة مالكيته التجارة.2
ج. قال البهوتي: ويقبل إقراره أي الوكيل بأنّه تصرّف في كلّ ما وكّل فيه لأنّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به.3
الطائفة الثانية: مَن عبّر عن هذه القاعدة بلفظ آخر، وهو: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به، أي: إقراره نافذ فيه .

1. المغني: 4 / 474 .
2. تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق: 15 / 396 .
3. كشّاف القناع: 3 / 567 .

صفحه 24
ومن أمثلة ذلك: ما ذكروه في مسائل الرهن وفروعه ] من [ أنّه لو أذن المرتهن للراهن في بيع العين المرهونة، فباعها الراهن، وادّعى المرتهن أنّه رجع عن الإذن قبل البيع، فهو باطل، وادّعى الراهن أنّه باع قبل الرجوع، فهو صحيح.
قالوا: إنّ الراهن إذا قال: بعت، وصدّقه المرتهن ثمّ ادّعى الرجوع قبل البيع، فالقول قول الراهن، والبيع صحيح.
وإذا ادّعى المرتهن الرجوع، وصدّقه الراهن، ثمّ ادّعى أنّه باع قبل الرجوع، فالقول قول المرتهن، والبيع باطل1.
ثم إنّ الشيخ كاشف الغطاء يقول: ولعلّ إلى هذه القاعدة ترجع القاعدة المعروفة عند فقهائنا، أعني: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، وقد مرّ في كلام الشهيد الأوّل ما يشير إلى ذلك التعبير حيث قال: كلّ مَن قدر على إنشاء شيء قدر على الإقرار به .2
الطائفة الثالثة: مَن ذكر القاعدة قريباً من هذا اللفظ ولكن لا صلة له بقاعدتنا، وإنّما تشير إلى أنّ بيع المتبوع يلازم دخول التابع في البيع، قالوا: مَن ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته ولوازمه، وتتناول هذه القاعدة الأُصول الّتي تدخل في البيع والشراء من غير ذكر.
قال مصطفى أحمد الزرقا عند عدّه مواد مجلّة الأحكام العدلية تحت

1. تحرير المجلة: 1 / 271. ونعني بالمجلة هي «مجلة الأحكام العدلية»، وقد أُلّفت بجهود سبعة علماء وبرئاسة أحمد جودت باشا يتضمّن القوانين المدنية في الدولة العثمانية، وقد حرّرها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بتحرير جديد على ضوء فقه الإمامية، وهو من أفضل كتبه.
2. القواعد والفوائد: 2 / 279.

صفحه 25
رقم 635 :مَن ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته، ثم قال: وعلى هذا قرّر الفقهاء: إنّ ملك الأرض يستتبع ملك ما فوقها وما تحتها، فيبني صاحبها الطباق ويحفر في الأعماق إلى ما يشاء علواً وسفلاً.1

تفسير مفردات القاعدة

لمّا كانت هذه القاعدة عند الشيخ الأنصاري غير قاعدة: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فسّر الشيخ مفرداتها بالنحو التالي (ونريد من المفردات: الملك، الشيء)، قال:
قولهم: (مَن ملك) المراد بـ (ملك الشيء) السلطنة عليه فعلاً، فلا يشمل ملك الصغير لأمواله لعدم السلطنة الفعلية، نعم يملك الصغير بعض التصرّفات المالية مثل الوصية والوقف والصدقة، وهي داخلة في عموم القضية .
قولهم: «شيئاً» الظاهر أنّ المراد خصوص الأفعال، أعني: التصرّفات على ما يقتضيه ظاهر الإقرار به لأن المقرّ به حقيقة يجوز أن يكون من الأعيان،2 لكن المراد هنا «خصوص الأفعال».
وحاصل كلامه: أنّ المراد من الملك هو السلطنة الفعلية، والمراد من الشيء: الأفعال والتصرّفات.
والذي يدلّ على صحّة تفسيره أنّ أصحابنا تمسّكوا بالقاعدة في موارد

1. المدخل الفقهي العام: 2 / 1018; ولاحظ : الموسوعة الفقهية الكويتية: 10 / 95 ; ولاحظ أيضاً: تكملة البحر الرائق: 2 / 85 .
2. رسائل فقهية (تراث الشيخ الأعظم): 23 / 184 .

صفحه 26
الوكالة والوصاية والولاية، والمأذون في البيع، كإقرار المتولّي أو إقرار الجدّ بالنكاح، فالمراد من الملك في هذه الموارد هو السلطنة لا الملكية الاعتبارية، والمراد من الشيء هو التصرّف كالبيع وعقد النكاح، لا الأعيان.

مناقشة سيدنا الأُستاذ كلام الشيخ الأنصاري

ثم إنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)ناقش كلام الشيخ في كلا الموردين :
أمّا الأوّل: أعني: «ملك» فقال: إنّها (الملكية) علقة ورابطة اعتبارية حاصلة بين الشخص والشيء تستتبعها السلطنة والاستبداد به، وهي غير السلطنة عرفاً ولغة، ولهذا وقع التشاجر منذ الصدر الأوّل بين المفسّرين والمحقّقين في أرجحية «مالك يوم الدين» أو «ملك يوم الدين» ولو كان «المالك» بمعنى السلطان لما وقع النزاع والتشاجر بين أئمة اللغة والتفسير وأساطين الأدب والعربية، لوحدة معنى اللفظين عندئذ، والنزاع كاشف عن تعدّد المعنى.
وأمّا الثاني: أنّ الشيء وإن كان من الأُمور العامّة ولكنّه في المقام بمناسبة الحكم والموضوع منصرف ومختصّ بالأعيان إن لم نقل أنّه في نفسه منصرف إليها، كما أنّه ليس ببعيد.
ثم إنّه (قدس سره)أورد على نفسه وقال:
فإن قلت: إن الظاهر من قولهم: «ملك الإقرار» هو السلطنة عليه لا المالكية، فيكون قرينة على الصدر.
يعني أنّ «ملك» الثاني أيضاً بمعنى الملكية لا السلطنة لكن من باب المشاكلة.

صفحه 27
قلت: الظاهر أنّ ذكر ملك الإقرار بعد ملك الشيء من باب المشاكلة مثل قول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في كلا الموردين صحيح لا سترة عليه، ولكنّه أخذ بتفسير اللفظ مع غضّ النظر عن موارد التطبيق، وإلاّ فمعه فالظاهر ما ذكره الشيخ الأنصاري، وقد مرّ أن أصحابنا يتمسّكون به في موارد الوكالة والوصاية والولاية والعبد المأذون في التجارة، فالملك في الجميع بمعنى السلطنة والمراد من الشيء هو التصرّفات. وهذا هو الذي جرّ الشيخ الأنصاري إلى تفسير «مَلَكَ» بالسلطنة و«الشيء» بالتصرّف، وإلاّ فمع قطع النظر عن موارد تطبيق القاعدة فالحق مع السيد الأُستاذ(قدس سره).
إذا عرفت مفردات القاعدة وبعض موارد تطبيقاتها فلنذكر مصدر القاعدة ومدركها.

مصدر القاعدة ومدركها وما استدلّ به الفقهاء على ثبوتها

قد استدلّ الفقهاء على ثبوت القاعدة بأُمور غير ناجعة، فلنذكر ما استدلّوا به :

الأوّل: الإجماع على القضية

بيانه: أنّ استدلال الأصحاب به يكشف عن وجود دليل معتبر لو عثرنا عليه لم نعدل عنه.

1. الرسائل العشر: 160 ـ 162 .

صفحه 28
واستدلّ على وجود الإجماع بالأُمور التالية:
1. دعوى العلاّمة الإجماع على قبول دعوى المسلم أمان الحربي في زمان ملك الأمان، قال (رحمه الله): ولو أقرّ المسلم بأمان المشرك فإن كان في وقت يصحّ منه إنشاء الأمان، صحّ إقراره وقبل منه إجماعاً، وإن كان في وقت لا يصحّ إنشاؤه كما لو أقرّ بعد الأسر لم يقبل قوله إلاّ أن تقوم بيّنة بأمانه قبل الأسر.1
2. قال العلاّمة: ولو أقرّ الوكيل بقبض الدين من الغريم، قُدّم قول الموكل على إشكال... فعلّق عليه فخر المحقّقين بقوله : أقول: ينشأ من أنّه ملك شيئاً فملك الإقرار به، ومن حيث إنّه إقرار في حقّ الغير، والأصحّ الأوّل.(2)
وقال في مَن له زوجات وطلق واحدة منهن بأنّه يتبع قول الزوج في تعيّنها، مستدلاًّ بأنّه مالك لإنشاء الطلاق، وكلّ مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به،(3) إلى غير ذلك من المواضع الّتي يمكن أن يعثر عليها من يتفحّص كتاب الإقرار وغيره.
يلاحظ على ما ذكره العلاّمة في «التذكرة» بوجوه:
1. كيف يمكن أن يستدلّ بالإجماع على فرع جزئي، على قضية كلّية؟
2. لو كان الحكم في الفرع إجماعياً لما احتاج للاستدلال عليه بالقاعدة، وهذا يكشف عن أنّ الفرع المذكور ليس إجماعياً حتّى تستنتج منه قضية كلّية.
إنّ الأدّلة الدالّة على نفوذ تصرّف الوكيل أو الولي أو الوصي أو المتولّي فيما فوّض إليهم أمره، تدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على قبول أقارير هؤلاء

1. تذكرة الفقهاء: 9 / 96.      2 . إيضاح الفوائد: 2 / 362 .   3 . إيضاح الفوائد: 3 / 303 .

صفحه 29
واخبارهم في المحاكم وغيرها في هاتيك الموارد (بشرط أن لا يكونوا متّهمين أو لا يُسبّبوا ضرراً على الآخرين، فإنّ القاعدة منصرفة عن هذين الموردين)، ومعه لا حاجة إلى إلتماس دليل آخر من إجماع على حكم فرعي جزئي.
ثم إنّ في كلام المحقّق ـ حيث تردّد في قبول إقرار العبد المأذون ـ إشارة إلى عدم ثبوت الإجماع.
وكلّ مَن استدلّ بهذه القاعدة جعل مفادها أحد الوجهين، وهذا يدلّ على عدم ثبوت قضية كلّية عن طريق الإجماع.

الثاني: الاستدلال بقاعدة الائتمان

اتّفق الفقهاء على أنّ من إئتمنه المالك على ملكه أو أذن له الشارع بأمر لا يجوز اتّهامه، فيكون لازم ذلك قبول إقراره .
هذا وقد اعتمد عليه الشيخ في ثبوت القاعدة وقال: إنّ مَن يملك إحداث تصرّف فهو غير متّهم في الإخبار عنه حين القدرة عليه، والظاهر صدقه ووقوع المقرّ به، وإن كان هذا الظهور متفاوت الافراد قوّة وضعفاً بحسب قدرة المقرّ فعلاً على إنشاء المقرّ به .1
ويشهد على ذلك موثّقة مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وليس لك أن تتّهم مَن قد ائتمنته، ولا تأتمن الخائن وقد جربته»2.

1. رسائل فقهية: 23 / 199 .
2. الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 10 .

صفحه 30
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأمين هو الودعي الذي لم يكن له أي نفع في المقام، وهذا هو الذي يقبل قوله بلا يمين إلاّ مع عروض الاتّهام، وأمّا الولي والوكيل والوصي أو المتولّي للوقف، فليسوا من مصاديق الأمين الذي قيل في حقّه: «ليس على الأمين إلاّ اليمين».
وعلى هذا فالدليل أخصّ جدّاً من المدّعى.

الثالث: قاعدة قبول قول من لا يُعلم إلاّ من قبله

وهذه القاعدة ثابتة في الجملة وقد وردت روايات في تصديق المرأة في الحمل وخروج العدّة والحيض، وقد روي أنّ الله سبحانه قد فوّض إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل .1
يلاحظ عليه: بأنّه أخصّ من المدّعى، فإنّ فعل الوكيل والولي ليس ممّا لا يعلم إلاّ من قبلهما، وهذا بخلاف الحيض والحمل والعدّة فإنّها أُمور خفيّة .

الرابع: ادّعاء الملازمة بين ثبوت الحق لشخص وحجّية قوله في مقام الإثبات

إذا فرضنا أنّ شخصاً مالك للبيع والشراء ودفع الثمن وأخذه إلى غير ذلك من التصرّفات، فمعنى ذلك وجوب قبول قوله في مقام الإثبات والإقرار، وإلاّ يلزم لغوية جعل تلك الحقوق عليه إلاّ نادراً .
وبالجملة فالسلطنة على التصرّفات لا يراد بها السلطنة في مقام الثبوت فقط بأن يزوّج الوليّ الصغيرَ والصغيرةَ أو يبيع الوكيل شيئاً دون أن يكون له صلة بالإثبات، فثبوت الحقّ له ونفوذ عمله ثبوتاً يلازم ثبوته إثباتاً.

1. الوسائل: 15، الباب 24 من أبواب العدد من كتاب الطلاق، الحديث 2 .

صفحه 31
ولعلّ هذا الدليل أفضل الأدلّة.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده المحقّق العراقي حسب ما نقله تلميذه في مقام الاستدلال على القاعدة بثبوت الملازمة بين السلطنة على الشيء والسلطنة على إثباته، بمعنى أنّ القدرة على وجود الشيء واقعاً ملازم مع القدرة على إيصاله إلى مرتبة الإظهار والإثبات، مثلاً لو كانت له السلطنة على بيع داره، أو وقفه، أو هبته، أو غير ذلك من التصرّفات، فلابدّ وأن تكون له السلطنة على إثبات هذا العمل والفعل .1
وأورد عليه السيد البجنوردي بعدم الملازمة بين الجعلين وعدم لزوم لغوية الجعل الأوّل أي كونه سلطاناً على تلك الأُمور لإمكان الإشهاد على صدورها منه حتّى في مثل الرجوع إلى زوجته المطلّقة رجعة في العدّة، فيُشهد عدلين على أنّه رجع إليها في العدّة ـ إلى أن قال في نقد الملازمة حتّى عرفاً ـ : بأنّ العرف لا يفهم من قوله: الطلاق بيد من أخذ بالساق، أنّ إخبار الزوج بطلاق زوجته حجّة على وقوعه.2
يلاحظ عليه: بأنّ مَن فوّض إليه الأمر لو كان مصدر أمر واحد كان للمستشكل أن يقول بعدم الملازمة بين الجعل الأوّل والجعل الثاني كالطلاق والرجوع.
وأمّا إذا كان المفوّض إليه كلّ يوم في شأن كالعبد المأذون في البيع والشراء، أو الوكيل كذلك، أو العامل في المضاربة، أو متولّي الوقف فلا يتمكّن كلّ منهم أن يُشهدوا على أعمالهم الجزئية بشاهدين، ففي هذه

1. القواعد الفقهية: 1 / 9 .
2. القواعد الفقهية: 1 / 10 ـ 11 .

صفحه 32
الموارد تدّعى الملازمة بين الجعلين، ويؤخذ بها في غير هذه الموارد بحكم الغلبة في أكثرها.
***
وربّما يتصوّر أنّ المورد من مصاديق حجّية قول ذي اليد، قائلاً بأنّ مَن ملك شيئاً يكون بالنسبة إليه ذا يد.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في حجّية قول ذي اليد هو الاستيلاء على الشيء حتّى ولو كان مستعيراً فيقول: هذا طاهر أو هذا مال زيد، فيكون قوله حجّة، بخلاف الموضوع في القاعدة فإنّه عبارة عن اتّصاف المستولي بأحد العناوين الّتي تسبّب كون الإقرار نافذاً، كالولاية والوكالة والوصاية، وكونه متولّياً إلى غير ذلك من العناوين، فكيف تكون القاعدة من فروع قاعدة حجيّة قول ذي اليد.
إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به على القاعدة، بقيت هنا أُمور نذكرها ضمن تنبيهات.

صفحه 33
 
تنبيهات

التنبيه الأوّل: الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

المشهور هو وجود قاعدتين إحداهما: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، والأُخرى قاعدة: مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به، فمَن جعلهما قاعدتين حاول أن يفرّق بينهما، وأمّا مَن جعلهما قاعدة واحدة كالسيد الأُستاذ في الرسائل العشر فهو في فسحة من هذا البحث، فقد ادّعى عدم استقلال هذه القاعدة، وأنّها مقتنصة من قواعد ثلاث:
أ. قاعدة الإقرار.
ب. قاعدة الإئتمان.
ج. قاعدة قبول قول من لايعلم إلاّ من قبله.
ثم إنّه جعل القاعدة من قبيل الجمع في التعبير عن عدّة قواعد. وأنكر أصالة القاعدة.
وقد مرّ في بيان مصدر القاعدة ضعف هذه الوجوه، وأنّ المدرك الوحيد هو الملازمة بين جعل الحقوق وقبول الإخبار عنه من دون نظر إلى كونه إقراراً على نفسه، أو كون المقرّ مؤتمناً، أو أنّ المورد ممّا لا يقبل إلاّ من قبله.
فالحقّ استقلال القاعدتين، فإنّ الظاهر أنّ وجه سماع إقراره هو انطباق عنوان عليه بسبب سماع إقراره كالولاية والوكالة والوصاية متجرّداً عن كونه مالكاً، بخلاف قاعدة الإقرار، إذ لا يشترط فيه انطباق أحد هذه العناوين بل يكفي كون إقراره باعثاً للضرر.
إنّما الكلام في بيان الفرق بينهما فهناك وجوه من الفرق:

صفحه 34

الأوّل: النسبة بين القاعدتين هي التباين

الأظهر أنّه لا صلة بين القاعدتين ويعلم ذلك من دراسة التعبير فيهما .
أمّا قاعدتنا فالموضوع فيها هو «مَن ملك شيئاً» أي من فوّض إليه التصرّف في شيء، والمحمول هو «ملك الإقرار به» أي ينفذ إقراره .
وأمّا الموضوع في القاعدة الثانية فهو «إقرار العقلاء» والمحمول هو «جائز» فلا وجه لإرجاع إحداهما إلى الأُخرى، فإنّ الظاهر أنّ وجه سماع إقراره هو انطباق عنوان عليه يسبب سماع إقراره كالولاية والوكالة والوصاية متجرّداً عن كونه مالكاً، بخلاف قاعدة الإقرار، إذ لا يشترط فيه انطباق أحد هذه العناوين بل يكفي كون إقراره باعثاً للضرر. إنّما الكلام فيما هي النسبة في مقام التطبيق.

الثاني: النسبة عموم وخصوص من وجه

وربّما يتصوّر أنّ النسبة بينهما في مقام التطبيق هو العموم والخصوص من وجه، أمّا مورد الاجتماع ففيما إذا كان مالكاً لأمر كملك الإنسان للوصية لماله أو الوقف أو الهبة، فإذا أقرّ بأنّه وهب ماله لفلان فهذا يدخل في القاعدتين: إقرار العقلاء على أنفسهم، وإقرار من ملك.
أمّا الأوّل فواضح لأنّه مسلّط على الوصية وهبة أمواله فيملك الإقرار به، وأمّا الثاني فلأنّه مالك له هبة أمواله فيقبل إقراره إذا أقرّ.
وأمّا مادّة الافتراق من ناحية قاعدة:«إقرار العقلاء على أنفسهم»، فكما إذا أقرّ بقتل شخص فهو داخل في قاعدة الإقرار، لا في قاعدة:«مَن ملك»، إذ ليس هنا مسلّطاً على هذا الفعل (القتل).

صفحه 35
وأمّا مادة الافتراق من قاعدة:«مَن ملك»، كما إذا أقرّ الوكيل عن شخص بتجارة من قبله، فإنّه خارج عن تحت قاعدة الإقرار وداخل في قاعدة: مَن ملك .1
يلاحظ على مادّة الاجتماع بأنّها داخلة تحت قاعدة الإقرار وخارجة عن قاعدة مَن ملك، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من القاعدة كما يظهر من موارد استعمالها هو ما إذا قام الشخص بفعل، لا بما أنّه مالك بل لما أنّ له ولاية أو وكالة أو تول، وهذه الموارد هي الّتي تحتاج إلى جعل الحجّية لإقرار القائل، وأمّا إذا كان مالكاً وأقرّ فهو أمر واضح لا يحتاج إلى جعل قاعدة ثانية بل تكفي فيه قاعدة الإقرار، وبذلك يعلم أنّ بين القاعدتين تباين مفهوماً ومصداقاً.
وبذلك يظهر أنّه لو قلنا بأنّ مصبّ قاعدة الإقرار هو الأفعال الراجعة إلى نفس المقرّ بما أنّه فاعل كالقتل أو مالك فلو أقرّ على ضرره يسمع، وأمّا قاعدة مَن ملك فهي ناظرة إلى ما قام به الإنسان من فعل نابع عن كونه موصوفاً بعنوان عارضي كالولاية والوكالة إلى غير ذلك.
وإن شئت قلت: قاعدة الإقرار ناظرة إلى فعل يرجع إلى الإنسان مجرّداً عن أي عنوان عارضي، بخلاف قاعدة مَن ملك فإنّها ناظرة إلى مكلّف موصوف بعنوان طارئ من الطوارئ، ويشهد على ذلك استدلال الفقهاء في أغلب الموارد بالقاعدة.

الثالث: النسبة عموم وخصوص مطلق

وربّما يقال بأنّ النسبة بين القاعدتين عموم مطلق وذلك ببيانين:

1. القواعد الفقهية: 2 / 372 (مكارم الشيرازي).

صفحه 36
الأوّل: أنّ قاعدة الإقرار مختصّة بما إذا أقرّ على ضرر نفسه لا مطلق الإقرار، ولو كان له نفع فيه، وأمّا هذه القاعدة فعامّة سواء أكانت له أو عليه.
الثاني: أنّ هذه القاعدة تشمل إقرار الصبيّ فيما له أن يفعله كتصرّفه فيما ملكه بالوقوف أو الصدقة أو الوصية، بخلاف قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، فإنّها لا تشمله لانصراف العقلاء فيها إلى البالغين .
يلاحظ على البيان الأوّل: بأنّه إنّما يتمّ لو كان هذا الضرر والنفع ملحوظاً في جعل هذه القاعدة كما أنّ الضرر ملحوظ في جعل قاعدة الإقرار، فيصحّ ادّعاء النسبة المذكورة، ولكن الحق أنّ الضرر ملحوظ في قاعدة الإقرار، وأمّا في قاعدتنا فليس الضرر أو النفع ملحوظاً بل تمام الموضوع قيام الإنسان بعمل فوّض إليه، ولا صلة له بإلحاق الضرر والنفع.
فإن قلت: قوله: «مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به» مطلق يعمّ صورتي الضرر والنفع.
قلت: ليس الإطلاق بمعنى الجمع بين القيود، بل الإطلاق هو رفض القيود.
نعم لو كانت القاعدة: مَن ملك شيئاً، ملك الإقرار به، سواء كان على نفعه أو ضرره، يصحّ ما ادّعاه .
ويلاحظ على البيان الثاني: بأنّ مالكية الصبيّ للوقوف أو الصدقة أو الوصية إنّما هي بدليل آخر ولولاه لما شملته القاعدة، لأنّها كقاعدة الإقرار منصرفة إلى البالغين.
وبعبارة أُخرى: وجود النص على تنفيذ وقف الصبيّ وصدقته ووصيته، للروايات الخاصّة الواردة في محلها، وإلاّ فالقاعدتان منصرفتان إلى البالغين، فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبيّ حتّى يحتلم» دليل حاكم

صفحه 37
على جميع الأبواب فوقف الصبيّ ووصيته وصدقته، أمر لم يكتب ولم يمض، فحديث الرفع في مورد الصبيّ نظير ما دلّ على نفي الضرر والحرج، أُمور تحدّد عامّة التكاليف الشرعية إلاّ ما خرج من الأحكام الوضعية ـ كإتلافه مال الغير ـ فيكتب عليه بالرد إمّا بالوليّ أو بالصبي بعد البلوغ، إذ لولا الضمان لزم خلاف الامتنان، فإنّ دليل رفع القلم دليل امتناني بشرط أن لا يكون موجباً لتضرّر الآخرين.

التنبيه الثاني: لزوم تقارن الإقرار بالملكية وعدمه

قد تقدّم أنّ الملكية في القاعدة بمعنى وجود السلطنة لا الملكية المصطلحة، فهل يشترط في الأخذ بالإقرار كونه مقروناً بالسلطنة بأن يقرّ حين يملك، أو يكفي وجود الملكية والسلطنة على الإقرار، وإن لم يكن حين الإقرار مالكاً؟
استظهر الشيخ الأنصاري أنّ المتبادر من القضية وقوع الإقرار بالشيء المملوك حين كونه مملوكاً، وأنّ مِلكَ الإقرار بالشيء تابع لملك ذلك الشيء حدوثاً وبقاءً على ما تقتضيه الجملة الشرطية الدالّة عند التجرّد عن القرينة على كون العلّة في الجزاء هو نفس الشرط لا حدوثه وإن زال، واستشهد على ذلك :
أوّلاً: بقول المحقّق في طلاق المريض: فلو قال: طلقت في الصحّة ثلاثاً، قُبل منه، ولم ترثه. والوجه أنّه لا يقبل بالنسبة إليها (أي إلى الزوجة).1
ترى أنّه فرّق بين صحّة الطلاق وعدم إرث الزوجة، أمّا الطلاق فيقبل

1. شرائع الإسلام: 3 / 27 .

صفحه 38
لأنّه يملك طلاق المرأة حتّى في حال مرض الموت، ووجه عدم قبول إرثها للتهمة الّتي هي الأصل في إرثها منه لو طلقها في حال المرض .1
ثانياً: ما ذكره العلاّمة في «التحرير» من عدم سماع العبد المأذون بالتجارة بعد الحجر عليه بدين يسنده إلى حال الإذن.2 ثم نقل الخلاف عن الشيخ الطوسي وصاحب «الإيضاح»، أمّا الأوّل فلم نجد له عبارة في «المبسوط» صالحة للاستدلال.
وأمّا صاحب «الإيضاح» فقد صرّح بذلك حيث قال: قال الوالد: ويقبل قول الولي في الإنفاق بالمعروف على الصبيّ أو ماله والبيع للمصلحة والقرض لها والتلف من غير تفريط، سواء كان أباً أو غيره على إشكال، وقال الشارح: بأنّ الأقوى أنّ كلّ مَن يلزم فعله أو إنشاؤه غيرَه، يمضي إقراره بذلك عليه كبيع الولي، وظاهره الإطلاق سواء كان الإقرار حين الملك أو بعد زواله3.4
وعلى كلّ تقدير فليس هناك نصّ في القاعدة حتّى يستظهر أحد القولين فكلّ يتكلّم حسب انطباعه عن القاعدة.

نظرنا في الموضوع

والذي يمكن أن يقال: حجّية إقراره في كلتا الحالتين، وذلك لأنّ الغرض من تأسيس القاعدة هو رفع الحرج عن كلّ مَن يقوم بعمل عن جانب

1. لاحظ جواهر الكلام:32/153 ونقل وجوهاً أُخرى وناقشها; المبسوط:5/68ـ 69.
2. تحرير الأحكام:2/114، الطبعة الحجرية.
3. إيضاح الفوائد: 2 / 55.
4. رسائل فقهية للشيخ الأنصاري:185ـ 187.

صفحه 39
الغير كالولي والوكيل والوصي والمتولّي، فإنّ قيامهم بالاستشهاد لكلّ أمر جزئي، أمر حرجي، فصارت صحّة اتّصافهم بالمالكية ملازمة لقبول قولهم، وهذا الملاك باق في كلتا الحالتين، حالة بقاء الملكية وحالة زوالها.
وبعبارة أُخرى: بما أنّه كان ذا حقّ في المقام عرفاً وشرعاً فيقبل قوله فيما تصرّف، زال ملكه أو لم يزل .
وحصيلة الكلام: إنّ الغاية من القاعدة تسهيل الأمر لمن له ولاية على الأمر، ومثل هذا يقبل قوله لتلك الحيثية حدوثاً وإن فقدت بقاءً.
نعم ربّما يؤيد بقاء السلطنة على الإقرار حتّى بعد زوال العنوان باستصحاب بقائها، لكنّه مرفوض، لأنّ الموضوع لها هو الوكيل والولي القادر لإيجاد الفعل شرعاً وقانوناً وأين ذلك من المعزول والعاجز، والأولى التمسّك بما ذكرنا من أنّ الغاية لتأسيس القاعدة هو جعل التسهيل لأصحاب الولاية في الأُمور الّتي يمارسونها، إذ من العسير إقامة البيّنة على كلّ أمر صغير وكبير وصار ذلك سبباً لقبول أقاريرهم، من غير فرق بين حالتي المقارنة والمفارقة.

التنبيه الثالث: تحديد القاعدة بشرطين

بما أنّ القاعدة لغاية تسهيل الأمر على مَن له الولاية سواء أكان مالكاً أو لا، فيشترط فيها شرطان:
الأوّل: أن لا يكون متّهماً في إقراره، كما إذا دلّت القرائن على تخلّفه عن الحدود الشرعية.
الثاني: أن لا يكون موجباً للضرر على الغير، فلو قال في حال مرض

صفحه 40
الموت بأنّه طلّق زوجته في حال الصحّة ليتحقّق حرمانها من الإرث فيقبل منه الطلاق; لأنّه يملك الإقرار به في مرض الموت وليس مشروطاً بشرط دون الإرث لأنّه إقرار على ضرر الغير بعد الموت، عندئذ يصير مدّعياً والزوجة منكرة، فتجري هناك قاعدة المدّعي والمنكر. وقد مرّ كلام صاحب الجواهر في المقام.
وعلى ذلك فنحن قد اخترنا القول الوسط، لا الرفض المطلق ولا القبول المطلق، بل القبول مشروطاً بأمرين، وهذا هو المتيقّن من القاعدة .
وبذلك يعلم أنّه إذا كان للبائع خيار في المبيع مدّة شهر وادّعى المشتري أنّه باعه من ثالث، لن يقبل قوله إلاّ إذا أقام البيّنة، لأنّه وإن ملك المبيع في زمان الخيار، لكنّه لمّا كان إقراره بالبيع موجباً للضرر على البائع لا يقبل، فيكون المشتري مدّعياً والبائع منكراً.
وعلى كلّ تقدير فالقاعدة ناظرة إلى الموارد الّتي يدّعي أحد الأولياء والأوصياء وأمثالهم أُموراً لا تسبّب ضرراً على الغير، فيقبل قولهم .
***
قاعدة كلّ شيء لا يعلم إلاّ من قبل صاحبه فيصدّق قوله فيه   
تمّ الكلام في قاعدة
مَن ملك شيئاً ملك الإقرار به