welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1
   
    أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء
أحكام القصاص
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
السياسة الإسلاميّة
         2
أحكام القصاص
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
1433 هـ

صفحه 4
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ
      أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1433 ق . = 1391 .
672ص. (السياسة الإسلامية، 2)    ISBN: 978-964-357-505-2 (Vol)
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . قصاص (فقه) 2. فقه جعفري ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان.
3الف 2س7/ 195 BP    375 / 297
1391
اسم الكتاب:   … أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   … 1391 هـ . ش / 1433 هـ . ق / 2012 م
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 672 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر:726                  تسلسل الطبعة الأُولى:391
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5
   

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته وخاتم رسله وأكرم أنبيائه محمد، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فلمّا فرغنا عن دراسة الحدود الشرعية، اقتضت الحال دراسة أحكام القصاص، لكثرة الابتلاء بها بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران، حيث تبنّى الدستور فيها تطبيق الشريعة الإسلامية في الجانب الاجتماعي، وقد اتّخذنا «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ دام ظله1 منهجاً لدراسة أحكام القصاص على خلاف ما سبق منّا في دراسة أحكام الحدود، فقد كان رائدنا فيها «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي (قدس سره)، ولكلّ كتاب مزيّة، فقد كان السيد الأُستاذ ـ دام ظله ـ يوصي حضّار درسه الشريف باتّخاذ أُمّهات الكتب في الفقه محوراً للدراسة حتى يرجع الطلاب إليها وإلى شروحها، لكنّا عدلنا عنه في دراسة أحكام القصاص إلى ما في «تحرير الوسيلة» ; لاشتماله على مسائل مستحدثة خلت عنها الكتب الأُمّ.

1 . أُلقيت هذه المحاضرات في عام 1401هـ .

صفحه 8
ويشتمل كتابنا ـ القصاص ـ على مقدّمة وقسمين:
   1. في قصاص النفس، وفيه أربعة فصول:
الأوّل: في موجبات القصاص.
الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص.
الثالث: ما يثبت به القود.
الرابع: كيفية الاستيفاء.
   2. في قصاص ما دون النفس، وفيه مسائل.
وعلى كلّ تقدير فالرجاء من الهادي الحكيم عزّ وجلّ أن يعرّفنا الحق فنتّبعه، ويعرّفنا الباطل فنجتنبه إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
***
جعفر السبحاني

صفحه 9
   
كتاب القصاص
القصاص لغة واصطلاحاً
القصاص في الكتاب العزيز
في أقسام القصاص
   القسم الأوّل: في قصاص النفس، وفيه فصول
      الفصل الأوّل: في موجبات القصاص
      الفصل الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص
      الفصل الثالث: ما يثبت به القود
      الفصل الرابع: كيفية الاستيفاء
   القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس

صفحه 10

صفحه 11

كتاب القصاص*

وهو إمّا في النفس، وإمّا فيما دونها.

القسم الأوّل:

في قصاص النفس

والنظر فيه في الموجب، والشرائط المعتبرة فيه، وما يثبت به، وكيفية الاستيفاء

* القصاص لغةً واصطلاحاً

القصاص: على وزن فعال، مصدر قصّ، قال في اللسان: يقال: قصصت الشيء، إذا تتبّعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه قوله تعالى: (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ)1 أي: اتّبعي أثره، وكأنّ وليّ الدم يتبع أثر الجاني فيفعل به مثل فعله.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من القصّ بمعنى القطع، قال في اللسان: وأصل القصّ، القطع، يقال: قصصت ما بينهما أي قطعت، ثم نقل عن   2

1 . القصص: 11 .

صفحه 12
Eأبي منصور أنّه قال: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا، إذا اقتصّ منه له بجرحه مثل جرحه إيّاه أو قتله به.1
وعلى كلّ تقدير فالمراد به هنا القَوَد.

القصاص في الكتاب العزيز

ثمّ إنّ القصاص ورد في العديد من الآيات الكريمة، نظير قوله تعالى:
1. قال سبحانه:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2)، وذيل الآية تعليل لتشريع القصاص، فإنّه يسبّب المنع من التوغّل في الدماء حيث يرى أنّ القصاص وراء عمله. فمعنى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): أي لعلّكم تحترزون عمّا يوجب القصاص.
فعلى هذا ففي القصاص حياة المجتمع، فهو في الظاهر إماتة ولكّنه في الواقع إحياء للجماعة.
وكانت العرب قبل الإسلام يقولون: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت هذه الآية مكان قولهم هذا، ولكن بأفصح الجمل وأبلغ المعاني، كما هو مذكور في محلّه.
2. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى   2

1 . لسان العرب: 7 / 73، مادة «قصّ».   2 . البقرة:179.

صفحه 13
Eبَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)1.
ومعنى الآية: فرض عليكم القصاص في القتلى، أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول، فيقتل الحر بالحر، والعبدُ بالعبد، والأُنثى بالأُنثى. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ) المراد من الموصول هو القاتل، والضمير في «له» يرجع إليه، والمعنى: إن ترك أخوه ـ أعني: ولي الدم ـ القصاص ورضي بالدية، فالواجب على ذلك الأخ العافي هو طلب الدية بلا عنف كما يقول (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، أي لا يلحّ في الطلب، وينظره إن كان معسراً، ولا يطالبه بالزيادة على حقّه; وأمّا وظيفة المعفوّ له فقد أشار إليها بقوله: (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان)، أي الدفع إليه عند الإمكان من غير مَطْل.
ثمّ إنّ تشريع القصاص والدية لأجل أنّ ذلك(تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ)بشرط رعاية العدل(وَرَحْمَةٌ)فلم يوجب القصاص فقط، بل جوّز تبديله بالدية. (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ): أي تجاوز الحدّ بعد ما بُيّن له الحكم الإلهي (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.2
وقد تجلّت في الآية عظمة التشريع الإسلامي حيث يصف ولي الدم، أخاً للقاتل، مشعراً بأنّ القتل لم يقطع صلة الأُخوة بينهما; ثم إنّه يوصي العافي باتّباع المعروف والمعفو له بأداء إليه بإحسان، وينهاهما عن الاعتداء.
3. قال سبحانه: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ   2

1 . البقرة:178.
2 . مجمع البيان:1/265.

صفحه 14
Eفَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).1
المراد من الشهر الحرام ما يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة الحرام، وذوالحجّة الحرام، ومحرم الحرام، ورجب المرجّب.
والحرمات: جمع حُرمة، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه، وإنّما جمع الحرمات ; لأنّه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام، بل كلّ الحرمات .
وقوله في ذيل الآية: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ): أي ظلمكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، أي جازوه بمثله، وسمّاه اعتداءً من باب المشاكلة.
إلى هنا تبيّنت معاني مفردات الآية، بقي الكلام في المراد من الجملتين التاليتين:
أ. (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ).
ب. (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ).
أمّا الأُولى فالمراد بها: أنّ مَن استحلّ دمكم أيّها المسلمون في هذا الشهر، فاستحلّوا دمه فيه.
وأمّا الثانية فالمراد بها: أنّ مَن ينتهك حرمات الله يقتص منه   2

1 . البقرة:194.

صفحه 15
Eويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع عذر كل مَن ينتهك الحرمات، وعلى هذا فيمكن أن يراد من الحرمات أعم ممّا ذكرنا، كما مرّ، فتشمل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.1
4. قال تعالى:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).2
أي فرضنا على اليهود في التوراة أنّ النفس بالنفس، أي إذا قتلت نفس نفساً أُخرى فإنّه يستحق عليها القَوَد.
وأمّا قوله: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ)قال العلماء: كلّ شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأُذن والسنّ، وجميع الأطراف، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف.
وقوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)هذا عام في كلّ ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين واليدين والرجلين، وتقتص الجراحات بمثلها; وخرج عن تحت القاعدة «المأمومة» و «الجائفة» فإنّه لا قصاص فيهما، والأُولى هي التي تبلغ أُمّ الرأس، والثانية هي التي تبلغ الجوف في البدن(3) ; لأنّ في القصاص فيهما تغرير بالنفس، وكلّ جراحة يخاف منها التلف ففيها أُروش مقدّرة.   2

1 . لاحظ: مجمع البيان:2/286; تفسير الكاشف، لمغنية:1/301.
2 . المائدة:45.   3 . مجمع البيان:3/199.

صفحه 16
E(فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ): أي مَن تصدّق بالقصاص الّذي وجب له بالعفو، فهو كفّارة للمتصدّق الّذي هو المجروح أو ولي الدم ; وفي الوقت الّذي يجوّز القصاص وأخذ الدية، يحثّ على ترك المجازاة، وأنّ ذلك عند الله كفّارة للذنوب.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)كاليهود (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
هذه هي الآيات التي ورد فيها القصاص بلفظه، وهناك آيات تدلّ على القصاص بمعناه، نظير:
1. قال سبحانه: (وَ لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).1
2. قال سبحانه: (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ). (2)
3. قال سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).2
وقوله تعالى: (سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) من باب المشاكلة وإلاّ فالقصاص ليس سيئة.
4. قال سبحانه: (وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).3
بقيت هنا أُمور، هي:   2

1 . الأنعام:151.   2 . الإسراء:33.
2 . الشورى:40.
3 . النحل: 126 .

صفحه 17
Eالأوّل: خلود قاتل المؤمن في النار
يستفاد من بعض الآيات أنّ من قتل مؤمناً متعمّداً يُخلّد في النار، قال سبحانه:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما).1
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن(... وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لاَ يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا).(2)
وقد عقد صاحب الوسائل باباً في كتاب القصاص باسم: باب تحريم القتل ظلماً، وروى فيه عشرين رواية يستفاد من بعضها خلود قاتل المؤمن في النار.
ومقتضى إطلاق الآيات والروايات أنّ قاتل المؤمن يخلّد في النار، سواء كان القاتل كافراً، أو مؤمناً، مات غير تائب أو تائباً ودافعاً للدية، أو لا مع أنّ الخلود في القسم الأخير مشكل.
أمّا الجواب فبوجهين:
1. اختصاص الخلود الوارد في الآية بالقاتل الكافر أو المؤمن الّذي مات بلا توبة ودفع الدية، وأمّا إذا تاب ودفع الدية إلى ورثة المقتول فهو خارج عن مدلول الآية ; لقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(3) وتوهّم أنّ الآية ناظرة إلى حقوق الله ولا تعم حقوق الناس   2

1 . النساء:93.   2 . الفرقان:68ـ 69.   3 . النساء:48 و 116.

صفحه 18
Eخلاف إطلاقها.
2. اختصاص الخلود بمن قتل المؤمن لإيمانه .
ويشهد على ذلك تعليق الحكم بالمؤمن (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا)وأنّ قتله لأجل إيمانه، ومثل هذا يخلد في النار. ويشهد على ذلك الروايات الدالّة على أنّ التخليد لمن قتله لإيمانه:
1. صحيحة عبد الله بن سنان وابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً، هل له توبة؟ فقال(عليه السلام): «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه».1
2. موثّقة سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجل (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)؟ قال: «من قتل مؤمناً على دينه فذاك المتعمّد الذي قال الله عزّ وجل:(وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما)»2.
الثاني: لزوم المعادلة بين الجرم والعقاب
من السنن العقلية المقرّرة رعاية المعادلة بين الجرم والعقوبة، وهذه المعادلة منتفية في العذاب المخلّد، فإنّ الذنب كان مؤقّتاً منقطعاً، فكيف يكون العذاب دائماً باقياً؟
   
مَن قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعاً   
والجواب: أنّ الإشكال يتوجّه لو كان الجزاء الأُخروي من قبيل العقوبات الدنيوية حيث لا صلة بين الجرم والعقوبة إلاّ الاعتبار   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 19
Eوالجعل التشريعي، فعندئذ تجب الموازنة بين الأمرين، وأمّا إذا كانت العقوبة الأُخروية أمراً تكوينياً ملازماً لوجود الجرم وكان الجزاء تجسيماً للذنب المختلق أو الجرم المرتكب، فعندئذ تنتفي الموازنة المذكورة ; لأنّ الجرم يورث في نفس المجرم هيئة لا تفارقه أبداً، وتكون العقوبة نتيجة تلك الظلمة، فبما أنّ الظلمة دائمة في النفس تكون نتيجتها كذلك.
الثالث: قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعاً
يدلّ بعض الآيات على أنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً، يقول سبحانه: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).1
وحول هذه الآية يثار سؤال وهو: كيف يمكن أن يجعل قتل إنسان واحد، مكان قتل الناس جميعاً، وإحيائه إحياء للجميع؟
والجواب: هو أنّ قتل نفس بغير نفس أو بغير فساد في الأرض يعدّ عدواناً على الإنسانية التي تتمثّل بهذا الفرد، كما أنّ الإحسان إليه إحسان إلى الناس جميعاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هذا الفرد الذي يقتل نفساً بلا سبب هو عدو الإنسانية، ولذلك قيّد الله سبحانه عملَه: (بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ)، ولذلك لو استطاع أن يقتل الناس عامّة لقام بذلك; لأنّه قتل نفساً بلا جُرم ولا سبب، وهذا الملاك موجود في سائر الناس، فيكون قتل الفرد بمنزلة   2

1 . المائدة:32.

صفحه 20
Eقتل الجميع بمعنى أنّه لو قدر على ذلك لقتلهم .
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية كناية عن كون الناس جميعاً ذوي حقيقة واحدة إنسانية متّحدة فيها، الواحد منهم والجميع فيها سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع. مثلاً إذا وزّع الماء بين أواني كثيرة، فمن شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء، وقد قصد الماء من حيث إنّه ماء ـ وما في جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنّه ماء ـ فكأنّه شرب الجميع.1
وإن شئت قلت: إنّ الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي على جملة هذه المعاني الشريفة، فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعاً لفعل.2
ثمّ إنّ المفسّرين أجابوا عن الإشكال بأجوبة مختلفة، فقد أجاب الشيخ في «التبيان» بستة أجوبة، وفي «مجمع البيان» بخمسة، وفي «كنز العرفان» للفاضل المقداد بأربعة أجوبة، ولكن ما ذكرناه لعلّه أفضل ما يجاب به عن الإشكال.(3)

1 . الميزان:5/317، طبعة بيروت.
2 . التحرير والتنوير: 5 / 89 ـ 90.   3 . راجع: التبيان: 3 / 502 ; مجمع البيان: 3 / 322 .

صفحه 21
الفصل الأوّل:
في موجبات القصاص
القول في الموجب
تعريف القتل العمد
القتل شبه العمد
القتل الخطأ المحض
القتل العمد بالمباشرة والتسبيب
في أقسام التسبيب
1. في التسبيب المتلف الذي انفرد به الجاني
2. انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني
3. انضمام مباشرة حيوان إلى المتلف
4. الجناية بانضمام شخص آخر

صفحه 22

صفحه 23

القول في الموجب

وهو إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية.
المسألة1. يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً، وبقصد فعل يُقتل به غالباً، وإن لم يقصد القتل به. وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الديات.*
* قال المحقّق في تعريف الموجب: وهو إزهاق النفس المعصومة المكافئة، عمداً عدواناً.1
فخرج بالمعصومة; غيرها وهي كالكافر الحربي، وكلّ مَن أباح الشارع قتله، فلا قصاص فيه.
وخرج بالمكافئة: ما لو قتل غير المكافئ، كالمسلم يقتل الذمّي، والحر يقتل العبد، والأب يقتل الابن، وبالجملة ما يكون القاتل أعلى بالنسبة للمقتول.
وخرج بالعمد: القتلُ خطأ، وما عمده خطأ كالصبي والمجنون.
وخرج بالعدوان: ما لو قتل وليُّ الدم القاتل قصاصاً، أو قتل الدافع عن نفسه من هاجمه، فإنّ قتله ليس عدواناً. ويمكن الاستغناء عنه بالمعصومة،   2

1 . شرائع الإسلام:4/195.

صفحه 24
   
Eفإنّ نفسه ليست محترمة بالنسبة إلى القاتل وإن كانت محترمة بالنسبة إلى غيره، ولعلّه لذلك استغنى المصنّف عن ذكره، والأمر سهل.
ثم إنّ المراد بالمعصومة هو المعصومة بالنسبة إلى القاتل لا مطلقاً، ولذلك لو قتل الزاني المحصن، يقتل ; لأنّ نفسه معصومة بالنسبة إلى غير الحاكم.

تعريف القتل العمدي

ينقسم القتل إلى: قتل عمدي، وشبه العمد، والخطأ المحض; ولكلّ حكم خاص، فيجب على الفقيه التعرّف عليها، بشكل يستطيع أن يميّز كلّ واحد عن الآخر.
عرّف المحقّق القتل عمداً بقوله: ويتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل، بما يقتل غالباً.
وظاهر التعريف اختصاص العمد بما إذا قصد القتل، فخرج ما إذا قصد الضرب وإن اتّفق القتل وكانت الآلة ممّا يقتل بها.
ولكن الظاهر أنّه لا يختصّ بما إذا قصد القتل، بل يكفي بما لو قصد الفعل وكانت الآلة قاتلة ; كما لو رفع قضيباً حديدياً وهوى به على رأس شخص لغاية ضربه دون قتله، فهو يُعدّ قتلاً عمدياً.
فلو قال المحقّق بدل قوله: «إلى القتل» قال: «إلى الضرب» لدخل القسمان في تعريفه.   2

صفحه 25
Eإلى هنا تبيّن أنّ العمد يتحقّق في الصورتين التاليتين:
1. إذا قصد القتل بما يقتل غالباً.
2. إذا قصد فعل ما يقتل غالباً.
وهنا صورة ثالثة وهي ما إذا قصد القتل بما لا يقتل ، وهي عكس الصورة الثانية حيث قصد هناك الضرب ـ دون القتل ـ بما يقتل ، وأمّا المقام فقد قصد القتل بما لا يقتل، وإليه أشار في المتن «بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً» ولو قال: بقصد القتل بما لا يقتل غالباً، لكان أوضح. وعلى كلّ تقدير فالقتل هنا من أقسام العمد لكفاية قصد القتل وتحقّقه بما لا يقتل، ويصحّ أن يعد من أفعاله الاختيارية.
ويمكن استفادة حكم الجميع من صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد».1
فقوله: «اعتمد شيئاً» أي : قصد شيئاً من القتل والضرب بما يقتل كالحديدة والحجر، فتدخل فيه الصورتان الأُوليان.
وفي قوله: «أو بوكزة» تدخل الصورة الثالثة، فإنّ الوكزة غير قاتلة غالباً، وانّما يتّفق القتل نادراً، كما هو الحال في قصة موسى(عليه السلام)، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ   2

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

صفحه 26
Eقَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)،1 لكن إذا قصد القتل يُحسب عمداً.

القتل شبه العمد

إذا قصد الضرب دون القتل ولم تكن الآلة قاتلة، لكن ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف، قال المحقّق: فيه روايتان أشهرهما أنّه ليس بعمد.
فلندرس الموضوع على ضوء القاعدة والرواية. أمّا الأُولى فاحتمل صاحب الجواهر :
أوّلاً: عدم صدق العمد، فإنّه مع عدم القصد إليه، ولا إلى فعل ما يحصل به القتل غالباً، لا يصدق العمد عليه، بل لا يقال قتله متعمّداً أي إلى قتله، ثم عدل عن ذلك، وقال:
المتّجه فيه القصاص، لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً، إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل ولا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على مَنْ ضرب رجلاً عادياً غير قاصد للقتل، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في أنّ القتل فعل اختياري له أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ الفعل الاختياري هو الصادر عن الإنسان عن وعي وشعور وإرادة، والمفروض أنّه لم يُرد سوى الضرب لكن ترتّب عليه القتل قهراً    2

1 . القصص:15.   2 . جواهر الكلام: 42 / 17 ـ 18 .

صفحه 27
Eواضطراراً، فهو بالنسبة إلى الضرب فاعل قاصد، وأمّا بالنسبة إلى القتل فهو فاعل غير قاصد .
وإن شئت قلت: إنّ كلا الأمرين: (الضرب والقتل) فعلان له، لكن أحدهما موصوف بالاختيار دون الآخر، والعمد فرع الاختيار. وما أفاد من الضابطة من صدق القتل عمداً بمجرّد كونه قاصداً إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل مجرّد ادّعاء، فلو دخل بستان الغير عدواناً للانتفاع بثماره واغتمّ صاحبه ومات، لا يقال انّه قتله عمداً.
وقد مرّ أنّ المحقّق قال فيه روايتان، أي طائفتان، فلندرسهما.

الأُولى: ما يدلّ على أنّه ليس بعمد:

1. صحيحة أبي العباس، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها.1فإنّ الرمي بما لا يقتل يلازم عدم قصد القتل.
2. رواية يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل ; وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله، فهو عمد يقتل به; وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».2   2

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث5.

صفحه 28
Eفإنّ قوله: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» يدلّ على أنّه قصد القتل وإن بلغ ما بلغ، بخلاف ما قبله وما بعده، فإنّ مقتضى التقابل عدم كونه قاصداً للقتل .
الثانية: ما يدلّ على أنّه عمد:
1. رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»1.
2. رواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام)، قال: «قتل العمد كلّ ما عُمد به الضرب فعليه القود».2
ولا يخفى وجود الضعف فيما دلّ على القصاص ; لأنّ في سند الأُولى علي بن أبي حمزة، وفي سند الثانية إرسال.
ولعلّ من هذه الطائفة ما مرّ من صحيحة الحلبي حيث عبّر: «بوكزة». والترجيح مع الطائفة الثانية لأنّها أشهر وأوفق بالاحتياط.

القتل الخطأ المحض

   
وهو عبارة عمّا إذا قصد شيئاً فأصاب غيره، ففي صحيح أبي العباس، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلاً؟ قال: «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه».3
إلى هنا تمّت دراسة تعريف الأقسام الثلاثة للقتل العمد وشبه العمد والخطأ. وقد اقتصر الأُستاذ الكلام حيث لم يُعّرف شبه العمد ولا الخطأ المحض لعدم تعلّق القصاص بهما، وأحال ذلك إلى كتاب الديات.

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث8.
2 . الوسائل: 19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.
3 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.

صفحه 29
المسألة2. العمد قد يكون مباشرة، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود. وقد يكون بالتسبيب بنحو، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية.*

* القتل العمد بالمباشرة والتسبيب

قد عرفت أنّ الموضوع للقصاص هو القتل عن عمد، قال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما)1.
فإن قلت: لا صلة للآية بالقصاص فإنّ مفادها، ترتّب العقاب.
قلت: القتل عن عمد يساوق القتل مظلوماً، فقد دلّ قوله: (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)2 على القصاص. فالقتل عن عمد بفضل الآية الثانية موضوع للقصاص، مضافاً إلى رواية جميل الّتي تقدّمت.
فلابدّ من ثبوت كون فعله معنوناً بهذا العنوان بأحد الطرق الثلاثة:
1. إمّا أن يباشر القتل بنفسه بلا استعانة بالأسباب، كالذبح والخنق وسقي السم القاتل .
2. أن يقوم به بتسبيب من الأسباب، كما لو رماه بسهم مسموم.   2

1 . النساء: 93 .
2 . الإسراء: 33 .

صفحه 30
E3. أن يوجد شرطاً للقتل، كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر .
ثم إنّ الفرق بين القتل بالمباشرة والقتل بالتسبيب يحتاج إلى دقّة، وقد عدّ المصنّف الضرب بالسيف من أقسام المباشرة، وفي الوقت نفسه عدّ في المسألة الثالثة الرمي بالسهم أو بالبندقية من التسبيب، مع أنّ التفريق بينهما مشكل. ويمكن التفريق بوجهين:
1. لا يتوسّط في الأوّل بين فعله والتأثير في المقتول زمان، بخلاف الرمي بالسهم أو بالبندقية، خصوصاً إذا وصفنا السهم بالسمّ، وأمّا البندقية فتوجد جرحاً موجباً للسراية المولّدة للموت، فأقرب العلل إلى الزهوق هو القتل بالمباشرة، وغيره هو القتل بالتسبيب .
2. أنّ القاتل في الضرب بالسيف يباشر بيده في إماتة الرجل، بخلاف الأخيرين فإنّه يرسل السهم ويتخلّى عن الأمر والسهم يعمل عمله بلا مباشرة الرامي .
ثم إنّ تقسيم العمد إلى مباشري وتسبيبي أمر لا طائل تحته، إذ لم يرد في السنّة هذان العنوانان، وإنّما الموجود هو القتل عن عمد، فالميزان هو صدق القتل عمداً، سواء أكان مباشرياً أم تسبيبياً أو مستنداً إليه بنحو ضعيف كإيجاد الشرط، كحفر البئر الّذي وقع فيها الغير بدفع ثالث، وأمّا إذا حفر في طريقه أو استطرقه إلى ذلك فهو داخل في التسبيب .   2
   

صفحه 31

E في أقسام التسبيب

ثم إنّ المصنّف ذكر للتسبيب أقساماً:

الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف

وقد بدأ ببيانه من المسألة الثالثة إلى المسألة الخامسة عشرة.

الثاني: أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه كما لو قدّم طعاماً مسموماً

وبدأ ببيانه من المسألة السادسة عشرة إلى المسألة الثالثة والعشرين .

الثالث: أن ينضم إليه مباشرة حيوان كما لو ألقاه في البحر فالتقمه حوت

وقد بدأ ببيانه من المسألة الرابعة والعشرين إلى المسألة الحادية والثلاثين.

الرابع: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر

وبدأ ببيانه من المسألة الثانية والثلاثين إلى آخر الفصل.
وهذه المراتب الأربع للتسبيب، ولكل مرتبة أمثلة.
ولكنّك عرفت أنّ المهم هو إثبات عنوان العمد، ولا تأثير لكون الفعل صادراً عنه بالمباشرة أو بالتسبيب.
أمّا القتل المباشري فقد مثل له المصنّف بالذبح والخنق باليد   2

صفحه 32
Eوسقي السم القاتل والضرب بالسكين والسيف، والحجر الغامز.1
والجرح في المقتل 2، كالفؤاد والخاصرة والصدر وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة ونقرة النحر، فكلّ ذلك ممّا يقتل غالباً.
وقد حكم المصنّف على الجميع بأنّها من مقولة القتل عن عمد، وذلك لما عرفت من الضابطة، وهي: أنّ الفعل ممّا يقتل غالباً فالقتل موصوف بالعمد، سواء قصد القتل أو لا. والأمثلة المذكورة من هذه المقولة.
   

1 . أي الكابس على البدن لثقله.
2 . أي الجرح في المكان الّذي يقتل ولو بغرز الإبرة.

صفحه 33
المسألة 3. لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.*

1

في التسبيب المتلف الّذي انفرد به الجاني

* بدأ المصنّف بذكر التسبيب الّذي ينفرد به المتلف ضمن مسائل تنتهي إلى المسألة الخامسة عشرة .
فذكر في هذه المسألة من أقسام القتل بالتسبيب صوراً:
أ. إذا رمى بسهم أو بغيره واتّخذ المقتل غرضاً ففيه القصاص .
ب. إذا رمى بسهم من دون أن يتخذ المقتل غرضاً للرمي، بل رمى على وجه الإطلاق فأصاب المقتل، فالقتل عمدي; لأنّ الآلة قاتلة غالباً والمفروض أنّه رماه على وجه الإطلاق غير مجتنب عن المقتل، فإذا أصابه يكفي كون الفعل قاتلاً.
ج. لو رماه ملتزماً بالاجتناب عن الوصول إلى المقتل ولكنّه   2

صفحه 34
Eأصابه، فالقتل يوصف بالخطأ أو شبه العمد.
هذا ما يرجع إلى الأُوليين ـ أعني: الرمي بالسهم أو بالبندقية ـ وأمّا الثلاثة الأخيرة، أعني:
1. الخَنَق بالحبل ولم يُرخه عنه، حتى مات.
2. الغمس في الماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات.
3. جعل رأسه في جراب النورة حتى مات.
فوجهه: أنّ الفعل، وإن شئت قلت: الآلة ممّا يقتل غالباً فهو عمد، سواء قصد القتل أم لا .
وحصيلة الكلام: أنّ الأسباب الأخيرة لها صورة واحدة، ولهذا حكم فيها بالقود، بخلاف الأُوليين فلهما صور في بعضها القَوَد كما مرّ.
لو خنقه وتركه منقطع النفس أو متردّد النفس    

صفحه 35
المسألة 4. في مثل الخنق ومابعده لو أخرجه منقطع النفس، أو غير منقطع لكن متردّد النفس، فمات من أثر ما فُعل به، فهو عمد عليه القود.*
المسألة5. لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله ثم أرسله فمات بسببه، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص، وإلاّ فالدية; وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوة فمات.**

* لو خنقه وتركه منقطع النفس أو متردّد النفس

الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم، هو أنّ القاتل لم يرسل المقتول، حتّى مات بخنقه أو تحت الماء، ولكنّه في هذه الصورة، أرسله وله نفس منقطع أو متردّد لكنّه مات إثر ما فعل به، فهو أيضاً قتل عمد ; لأنّ الفعل أو الآلة ممّا يقتل، وإرساله أو إخراجه من الماء بعد تأثير الفعل القاتل لا يخرجه من وصف العمد.
** الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم من الصورتين أنّ الفعل في الأُوليين ممّا يقتل، غير أنّه لم يطلقه حتّى مات تحت الخنق ، كما في الصورة الأُولى، أو أرسله وأخرجه من الماء بعد ما لم ينفعه، فعدّ من القتل عمداً كما في الصورة الثانية.
وأمّا الأخيرة فقد خنقه أو غمس رأسه تحت الماء ولكن لم يكن ممّا   2

صفحه 36
Eيقتل به غالباً، كما إذا كانت المدة قليلة، فقد قال المحقّق: ففي القصاص تردّد، والأشبه القصاص إذا قصد القتل، والدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد.1وهو أيضاً مختار المصنّف.
وجهه: أنّ ما جاء من الأمثلة ليس ممّا يقتل غالباً كما هو المفروض، فعلى هذا لا يوصف بالعمد إلاّ إذا قصد القتل، ولذلك فصّل بين قصد القتل فالقصاص، وعدمه فالدية.
وعلى هذا يجب أن يحمل قوله: «أو عصر خصيته فمات أو أرسله منقطع القوة فمات»، على ما لا يقتل به غالباً دون ما يقتل، بقرينة أنّه قيّد دوس البطن به.
لو فعل به بمقدار لا يقتل مثله غالباً لكن كان الطرف مريضاً أو كبيراً   

1 . شرائع الإسلام :4/196.

صفحه 37
المسألة6. لو كان الطرف ضعيفاً، لمرض أو كبر ونحوها، ففعل به ما ذُكر في المسألة السابقة، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، وإلاّ ففيه التفصيل المتقدم.*
المسألة7. لو ضربه بعصا ـ مثلاً ـ فلم يقلع عنه حتى مات، أو ضربه مكرراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قوياً، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة ـ مثلاً ـ فمات، فهو عمد.**

* لو فعل به بمقدار لا يقتل مثله وكان الطرف ضعيفاً

إذا كان الطرف ضعيفاً ففعل به أحد المذكورات في المسألة السابقة بمقدار لا يقتل مثله، غالباً لمثله، كما إذا خنقه ثم أرسله، ولكن كان الطرف ضعيفاً لم يتحمّله، فهنا تفصيل:
1. إن علم أنّ فيه ضعفاً لا يتحمّله ففيه القصاص ; لأنّه قصد الفعل المنتهي إلى القتل، سواءً قصد قتله أم لم يقصد، لكفاية كون الفعل قاتلاً.
2. إذا لم يعلم أنّ فيه ضعفاً لكن قصد القتل، فيوصف بالعمد لما مرّ من أنّ الفعل إذا لم يكن ممّا يقتل ولكن قُصد به القتل، يوصف بالعمد.
3. تلك الصورة لكن لم يقصد القتل، فيكون شبه العمد وفيه الدية.
** كان الكلام في المسألة السابقة ملاحظة حال المضروب فقط ; ولكنّه هنا أعم من ملاحظة حال المضروب من كونه ضعيفاً أو صغيراً، وحال الضارب من كونه قوياً أو غير قوي، وحال زمان الفعل من كونه في هواء   2

صفحه 38
Eبارد أو لا. إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ هنا فرعين:

الأوّل: لو ضربه فلم يقلع عنه حتّى مات

لو ضربه بعصا مثلاً فلم يقلع عنه حتّى مات، ففيه القصاص، فإنّ الفعل قاتل، سواء أقصد قتله أم لا، حيث إنّ الضرب بالعصا على مخّه مثلاً قاتل، إذ قد يؤدّي نزف الدم داخل الدماغ إلى الموت.
والمتبادر من عبارة المتن أنّه ضربه ضربة واحدة فمات بقرينة تقابله مع قوله: لو ضربه مكرراً .
ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الصباح الكناني والحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف» 1.
والمتبادر من الرواية أنّ الضارب لم يكن يقصد القتل، وإلاّ لما كان هنا وجه للسؤال، إذ عندئذ يكون الضارب قاصداً للقتل والآلة قاتلة، ولذلك قلنا: إنّه يقاد قصد أم لم يقصد.
لو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله   
فإن قلت: يظهر من مرسلة يونس أنّه من مقولة شبه العمد; إذ روى عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .

صفحه 39
Eوإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله، فهو عمد يقتل به .
وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم، فهو شبه العمد»1 .
والشاهد في الفقرة الأُولى ـ أعني: «ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة» ـ لعلّه نفس الفرع الوارد في روايتي الكناني والحلبي.
قلت: الفرق في أنّ الآلة في الأوّل قاتلة دون الثاني، مع أنّ الفقرتين تشتركان في كون القتل مستنداً إلى ضربة واحدة، وكون الضارب غير قاصد للقتل، فحكم في الأُولى بالقود دون الثانية .
وأمّا الفقرة الثانية فقد حكم فيها بالقود لكون الفعل قاتلاً، قال: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» فإنّ الإلحاح بمعنى كثرة الضرب الذي يلازم القتل.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي نفس الفقرة الأُولى، غير أنّه مات في الفقرة الأُولى فوراً بخلاف الثالثة حيث مات بعد أكثر من يوم.

الفرع الثاني: لو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله

إذا ضربه مكرّراً على نحو لا تكون الضربة الواحدة كافية في القتل وإنّما قتله تعدّد الضربات، فمع كون الفعل قاتلاً فهو داخل في الفقرة الثانية في رواية يونس.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5 .

صفحه 40
Eثمّ إنّ عدم التحمّل يكون لأحد الوجوه التالية:
1. إمّا لأنّ الضرب خفيف ولكن المضروب لأجل ضعفه وصغره لا يتحمّله.
2. أو كون الضارب قوياً، وإن لم يكن المضروب ضعيفاً أو صغيراً.
3. أو كون الزمان مؤثراً في القتل، كفصل البرودة الشديدة.
ففي الجميع يحكم بالعمد; وذلك لأنّه قصد القتل، وكان ـ بملاحظة الظروف المحدقة به ـ قتّالاً.
لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه    

صفحه 41
المسألة8. لو ضربه بما لا يوجب القتل، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به، فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً ولا قود، ومع قصده عليه القود.*

* لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً

ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً ومات، فقال المحقّق: إنّه كالأوّل أي عمد .1
وظاهر العبارة فرضه فيما إذا لم يقصد القتل .
ولذلك علّله في «المسالك» بأنّ ضربه وإن لم يكن قاتلاً غالباً ولا قصده، إلاّ أنّ إعقابه بالمرض الذي حصل به التلف صيّر الأمرين بمنزلة سبب واحد، وهو ممّا يقتل غالباً وإن كان الضرب على حدته ممّا لا يقتل. ويؤيده ما سيأتي من أنّ سراية الجرح عمداً توجب القود، وإن لم يكن الجرح قاتلاً، وهذا من أفراده ; لأنّ المرض مسبب عن الجرح، ومنه نشأ الهلاك، فكان في معنى السراية. وبهذا الحكم صرّح في القواعد 2 والتحرير.3
ثم استشكل قائلاً: ولا يخلو من إشكال ; لأنّ المعتبر في العمد إمّا القصد إلى القتل، أو فعل ما يقتل غالباً، والمفروض هنا خلاف ذلك، وإنّما حدث القتل من الضرب والمرض المتعقّب له، والمرض ليس من فعل الضارب وإن   2

1 . شرائع الإسلام : 4 / 196 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 278 .
3 . تحرير الأحكام: 5 / 424 برقم 6982 .

صفحه 42
Eكان سبباً له فيه، إلى أن انتهى إلى القول بالتفصيل وقال: إنّ الضرب المعقب للمرض عمد إن قُصد به القتل، ويوجب الدية إن لم يقصد، لا أنّه عمد مطلقاً، نظير ما لو حبس نَفَسَه يسيراً ثم أرسله، فقد تقدّم فيه أنّ الأشبه القصاص إن قصد القتل، أو الديه إن لم يقصد أو اشتبه .1
ولعلّه لهذا فصّل في المتن بين قصد القتل وعدمه، وفاقاً للمسالك.
ثم إنّ صاحب الجواهر أفتى بكونه عمداً حتّى وإن كانت السراية نادرة، وذلك لما اختاره في معنى العمد 2 من الصدق العرفي، وكون العمل عدواناً من غير اعتبار قصد القتل، ولا كون الشيء ممّا يقتل مثله، إذ ذاك عمد إلى القتل لا قَتَله عامداً .3
لو منعه عن الطعام أو الشراب مدة لا يحتمل لمثله البقاء   
ولكنّك قد عرفت ضعف المبنى وأنّ مجرد قصد الفعل العدواني لا يصحّح نسبة القتل إليه إذا كان غير قاصد للقتل ولا الآلة قاتلة، وإنّما اكتفينا في صدق العمد بكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد القتل، لأجل أنّ تعلّق الإرادة بفعل يَقتل غالباً لا ينفك في الضمير عن قصد القتل كذلك، والمفروض في المقام انتفاء الأمرين. وقد مرّ أنّه لو كان الطرف ضعيفاً لمرض أو صغر أو كبر ونحوها ففعل به مثل الخنق والغمس في الماء، أنّه يوصف بالعمد إذا قصد القتل دونما إذا لم يقصد، فلاحظ.

1 . مسالك الأفهام: 15 / 70 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 17، قال: القصد إلى الفعل عدوانا الّذي حصل به القتل .
3 . جواهر الكلام: 42 / 24 .

صفحه 43
المسألة9. لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء، فهو عمد وإن لم يقصد القتل، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به لكن اتّفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.*

* لو منعه عن الطعام أو الشراب فمات

في المسألة فرعان:
1. لو منعه عن الطعام والشراب مدة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد ; لأنّ الفعل ممّا يقتل، سواء أقصد القتل أم لم يقصد .
الظاهر أنّ الضمير في «لمثله» يرجع إلى الممنوع فلابدّ من ملاحظة صنف الممنوع ثم يحكم عليه بالاحتمال وعدمه .
2. إذا منعه مدة يتحمّل مثله عادة ولا يموت، لكن اتّفق الموت أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا . ففي الأوّل القود لوجود القصد، وإن لم يكن الفعل قاتلاً غالباً، دون الثاني ; لأنّه شبه العمد، وذلك لعدم قصد القتل أوّلاً، وعدم كون الفعل ممّا يقتل ثانياً. هذا ما عليه المصنّف كالمسألة المتقدّمة.
هذا إذا كان المقياس هو صنف الممنوع من الصغر والكبر والوسط، ويمكن أن يقال: إنّ الميزان شخص الممنوع فيفرق بين علم الجاني بالحال وأنّه مميت لشخصه أو أنّه يعقب مرضاً يقتل به ففيه القود; لأنّ مثل هذا العلم لا ينفكّ عن قصد القتل، وبين جهله بالحال ففيه التفصيل بين كون قصده القتل وعدمه .

صفحه 44
لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات   
المسألة10. لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به; ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلاً فلا قود ولا دية قتل، وعليه دية جناية الإلقاء في النار، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية.*

* لو طرحه في النار فمات

فهنا صور :
1. لو كان الخروج ممتنعاً لكثرة النار أو ضعف الرجل، أو كون محل النار في وهدة، قتل به; لأنّ الآلة قتّالة.
2. لو كان قادراً بمعنى أنّه يتمكّن من الخروج ولكنّه لم يخرج ومات، فلو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلاً فلا قود ; لأنّه أعان على نفسه، بل لا دية له عليه لأنّه مستقل بإتلاف نفسه.
3. إذا اشتبه عدم خروجه بين كون تركه تخاذلاً وعدمه فهل يُحكم بالقود أو لا؟ ففيه وجهان:

الأوّل: أنّ فيه القود

وهو الظاهر من المحقّق حيث قال: ولو كان قادراً على الخروج ; لأنّه قد يُشدَه، ولأنّ النار قد تشنّج الأعصاب بالملاقاة، فلا يتيسّر له الفرار.1 فقوله «يشده» من : شُده الرجل: دهش .   2

1 . شرائع الإسلام : 2 / 196 .

صفحه 45
Eوالظاهر أنّ العبارة ناظرة إلى صورة الجهل بسبب الخروج، وأمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلاً فقد صرّح به بعد تلك العبارة وقال: أمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلاً، فلا قود ; لأنّه أعان على نفسه .
ووجّهه الشهيد الثاني في «المسالك» قائلاً: ولو مات في النار واشتبه الحال هل كان قادراً على الخروج فتركه تخاذلاً، أم لا؟ فالحكم فيه كذلك، لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء، مع الشك في المسقط وهو القدرة على الخروج فتركه مع التهاون فيه. ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يُعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهش وتحيّر أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك .1
ولعلّ نظر الشهيد الثاني إلى قاعدة المقتضي وعدم المانع، فالمقتضي محرز وهو الإلقاء في النار، والشكّ في المانع والأصل عدمه، مثل أصالة عدم كون خروجه من باب ا لتخاذل.
يلاحظ عليه: بأنّ المقتضي وإن كان موجوداً ولكن الجزء الآخر، أعني: استصحاب عدم كون الخروج من باب التخاذل فاقد للحالة السابقة، إلاّ على القول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، وهو ممنوع .
نعم يمكن أن يقال: إنّ إثبات عدم المانع غني عن الاستصحاب ; لأنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه إذا وقع في النار لا يتخاذل عن الخروج، فلو لم يخرج فإنّما هو لحصول التشنّج في أعضائه أو الدهشة الّتي منعته من الخروج، فالمقتضي ـ أعني: الإلقاء في النار ـ مع ظاهر الحال كاف في ثبوت القود   2

1 . مسالك الأفهام: 15 / 73 .

صفحه 46
Eعلى الملقي، إذ أي عاقل إذا وقع في النار لا يحاول الخروج، واحتمال التخاذل بعيد جدّاً.
وبالجملة الاحتمالان ليسا على درجة واحدة، فاحتمال أنّه لم يخرج عجزاً أقوى من احتمال كونه للتخاذل، إلاّ إذا علم أنّ الرجل قبل الإلقاء بصدد الانتحار، وإلاّ فاحتمال كون الترك مستنداً إلى التخاذل نادر لا يسبق إلى الأذهان، فلو لم نقل بالقصاص، فلا أقلّ من القول بثبوت الدية كما سيوافيك في كلام العلاّمة.

الثاني: عدم القصاص

وهو قول العلاّمة في «القواعد»، قال: وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص.
وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلاً، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص .1
فالقدرة على الخروج لا تلازمه ; لأنّ الدهشة وتشنّج الأعضاء يصدّه عن إعمال القدرة.
ثم لو قلنا بمبنى صاحب الجواهر فالضمان أظهر حيث قال: إذا قصد فعلاً عدوانياً وإن لم يكن قاصداً للقتل ولا الآلة قاتلة (2)، والمفروض أنّ   2

1 . قواعد الأحكام: 3 / 585 .   2 . جواهر الكلام: 42 / 26 .

صفحه 47
Eالفعل عدوانيٌّ، ولكنّك عرفت ضعفه.
ولكنه (قدس سره)لم يستفد من مبناه في المقام، وإنّما أيّد قول المحقّق بقوله: ودعوى أنّ مجرّد الإلقاء سبب للضمان، واضحة المنع.1
ولكنّك عرفت أنّ السبب ليس مجرّد الالقاء، بل بضميمة حال المُلقى، فإنّه قلّما يتّفق أن لا يخرج تخاذلاً، إلاّ إذا قصد الانتحار، فالقول بالقصاص أقوى.
فما في المتن: «ولو لم تظهر الحال واحتمل الأمران، لا يثبت قود ولا دية» بعيد إذا لم يكن المطروح مجنوناً ولا مخبطاً ولا انتحارياً، إذ كيف يحتمل في حقّه أنّه لم يخرج تخاذلاً، فليس هناك إلاّ احتمال واحد وهو عدم الخروج لعدم التمكّن .
ولو لم يمكن الخروج إلاّ إلى ماء مغرق أو إلقاء من شاهق، فخرج وغرق، أو ألقى نفسه من شاهق فقتل فالأقوى القود، لأنّه يشبه ما لو خنقه بحبل ثم أرسله منقطع النفس، أو غير منقطع بضع دقائق ثم مات.
فإن قلت: إنّه وإن صار مقتولاً لكن القتل لا ينسب إلى الطارح لا مباشرة ولا تسبيباً، أمّا المباشرة فواضحة، وأمّا التسبيب فهو عبارة عن كون الفعل فعلاً ناشئاً عن عمل الطارح، وما نحن فيه ليس كذلك.
قلت: يكفي في القود، أنّه صار مقتولاً بسبب الغرق أو الإلقاء من شاهق، وكلاهما مسببان من إلقائه في النار، ولولا ذلك لم يلق نفسه من شاهق أو في الماء الكثير.

1 . جواهر الكلام: 42 / 26 .

صفحه 48
لو ألقاه في البحر فعجز عن الخروج حتّى مات   
المسألة11. لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلاً أو شُكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة، ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه ثم تبيّن الخلاف، ولم يقدر الملقي على نجاته، لم يكن عمداً.*

* لو ألقاه في البحر فمات

هذه المسألة تشارك سابقتها في الفروع الثلاثة، ولكن المصنّف أضاف فرعاً رابعاً، ويعلم حكم الثلاثة الأُول ممّا ذكرناه في المسألة السابقة وإليك البيان إجمالاً :
1. لو ألقاه في البحر ولم يتمكّن من الخروج، أو منعه عنه حتى مات، ففيه القود; لأنّ الآلة قتّالة وقد قصد القتل أيضاً.
2. لو كان قادراً ولم يخرج تخاذلاً، فلا قود ولا دية.
3. لو كان قادراً على الخروج واشتبه الحال في سبب عدم خروجه، وقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الطرح في النار أو الماء بضمّ ظاهر الحال من أنّ الحريق أو الغريق يسعى في نجاة نفسه، فلو فشل فإنّما هو بسبب عدم التمكّن لا التخاذل يثبت أنّ القتل عمدي، حتّى إنّ العقلاء لا يرون هذين الاحتمالين على درجة واحدة، بل ربّما لا يلتفتون إلى أنّ عدم الخروج كان بسبب التخاذل.
لو فصده فنزف الدم ومات   
4. لو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه، ثم تبيّن الخلاف ولم يقدر الملقي أيضاً على نجاته لم يكن عمداً; وذلك لأنّه لم يقصد القتل، ولم تكن الآلة باعتقاده قتّالة، فيكون شبه العمد.

صفحه 49
المسألة 12. لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات، فعليه القود; ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشدّ، فتركه تعمّداً وتخاذلاً حتى مات، فلا قود ولا دية النفس، وعليه دية الفصد، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، وعليه دية شبه العمد.*

* لو فصده فنزف الدم ومات

في المسألة فروع:
1. لو فصده ومنعه عن الشد حتى مات.
2. لو فصده وتركه مع علمه بأنّ المجنيّ عليه قادر على الشدّ ولكنّه لم يشدّ تخاذلاً.
3. لم يكن قادراً ويعلم الجاني عدم قدرة المجنيّ عليه على الشدّ.
4. لم يكن قادراً على الشدّ ولكن الجاني لم يعلم بذلك .
وإليك أحكام الفروع.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه من مصاديق قتل العمد; لأنّ الفصد مع المنع عن الشدّ ينتهي إلى القتل، فعليه القود.
وأمّا الثاني: أعني ما لو ترك المجنيُّ عليه الشدّ عمداً حتى مات، فلا قود ولا دية النفس; لأنّ الموت مستند إلى الجزء الأخير وهو تخاذله عن   2

صفحه 50
Eالشدّ، غاية الأمر على الجاني دية الفصد.
وأمّا الثالث: ففيه القود; لأنّ الجاني يعلم بعجز المجني عليه عن الشدّ، والمفروض أنّ الجاني أيضاً لم يقم بالشدّ، فالسبب ممّا يقتل .
وأمّا الرابع: أعني إذا لم يعلم بعجز المجنيّ على الشدّ أو قدرته، فمات، فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً ففيه القود ; لأنّ قصد القتل يكفي في ثبوت القود، إلاّ أن يقوم دليلٌ على التخاذل. وإن لم يقصد القتل بل فصده برجاء شدّه ولكنّه مات قبل الشدّ، فليس عليه القود ; لأنّه لم يقصد القتل أوّلاً، ولم يثبت كون الآلة في المورد قتّالة ; لأنّه فصده برجاء الشدّ ولكن لم يوفّق لذلك، فالعمل أشبه بشبه العمد.
لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان    

صفحه 51
المسألة13. لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، فإن كان ذلك ممّا يقتل به غالباً ولو لضعف الملقى عليه ـ لكبر أو صغر أو مرض ـ فعليه القود، وإلاّ فإن قصد القتل به ولو رجاء فكذلك هو عمد عليه القود، وإن لم يقصد فهو شبه عمد، وفي جميع التقادير دم الجاني هدر، ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا ديةً ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.*

* لو ألقى نفسه من شاهق على إنسان

في المسألة فروع:
1. إذا ألقى نفسه من شاهق على إنسان عمداً وكان ذلك ممّا يقتل به (وإن لم يقصد الملقي القتل) وذلك لضعف الملقى عليه لكبر أو صغر أو مرض، فعليه القود; لأنّ الآلة ـ في خصوص المورد ـ قتّالة، ولا يشترط عندئذ قصد القتل في وجوب القود.
2. إذا لم يكن الإلقاء قاتلاً ولكنّه قصد القتل من الإلقاء ولو رجاءً، فعليه القود أيضاً ; لكون الآلة وإن لم تكن قتّالة، لكنّه قد قصد القتل وتحقّق.
3. تلك الصورة ولكنّه لم يقصد القتل فهو شبه العمد ; لأنّ المفروض أنّ الآلة غير قتّالة ولم يقصد الملقي القتل، فالدية فيها مغلّظة.
4. ولو وقع على الغير بلا اختيار فهو الخطأ المحض، ففيه الدية غير المغلّظة .
***   2

صفحه 52
Eثمّ إنّ المصنّف ذكر فرعاً خارجاً عن المسألة بقوله: لو عثر فوقع على غيره فمات، فلا شيء عليه لا دية ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.
العبارة تحتمل وجهين:
1. لو قلنا بأنّ الضمير في «مات» يرجع إلى العاثر ويكون المراد: أنّ رجلاً عثر فوقع على غيره فمات العاثر دون من وقع عليه، فعندئذ لا شيء للعاثر قوداً ولا دية ; لأنّ موته مستند إلى نفسه، فليس له طلب القصاص أو الدية، كما لا شيء على من وقع عليه، إذ لم يصدر منه شيء حتّى يسأل عنه. ولو كان هذا هو المراد لم يكن مخالفاً للقاعدة. ولكن اللازم أن يقال: ولا شيء له، لا دية ولا قوداً.
2. لو قلنا بأنّ الضمير يرجع إلى الغير يكون معنى العبارة: لو عثر فوقع على الغير ومات من وقع عليه فلا شيء على العاثر دية وقصاصاً لما يأتي من الروايات، وعندئذ يكون قوله: «ولا شيء على الّذي وقع عليه» كلاماً زائد; لأنّ المفروض أنّه مقتول ولا معنى لاحتمال القود، لكن الفرع ينطبق على ما جاء في الروايات التالية:
1. روى عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء».
لو دفعه الغير على آخر   
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: «لا شيء عليه».   2

صفحه 53
E3. ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء».1
لكنّ الإفتاء بمفادها مشكل لمخالفتها مقتضى القواعد، ولابد من القول بأنّ النفي نسبي والمنفي هو القود لا الدية، ضرورة عدم كونه أقل تأثيراً من النائم والساهي. ولذا صار الإلقاء على الشخص حالة النوم والسهو سبباً لقتله. وتصوّر أنّه لم يصدر من العاثر شيء، خلف الفرض، وإلاّ يكون موت الغير مقارناً مع عثرته، وهو غني عن البيان. ولا محيص عن حمل قوله: «ليس على الأعلى شيء» على القصاص دون الدية، نعم ليس على الأسفل شيء مطلقاً، لا القصاص ولا الدية، فلاحظ.

إذا دفعه الغير على آخر

وهذه المسألة لم يتعرّض لها المصنّف، ولها صور، ويقع الكلام فيها في مقامين:

الأوّل: مقتضى القاعدة في الصور المتصوّرة

1. لو قصد الدافع قتل الّذي وقع عليه المدفوع، أو كان الفعل قاتلاً فهلك، أُقيد به.   2

1 . الوسائل:19، الباب20 من أبواب القصاص في النفس، الأحاديث1، 2، 3.

صفحه 54
E2. لو كان ملتفتاً إلى مَن وقع عليه لكن لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلاً، فهو شبه العمد.
3. لو كان غافلاً عن المدفوع عليه فهلك، فهو من الخطأ المحض .
هذا كلّه حكم الدافع بالنسبة إلى المدفوع عليه .
4. وأمّا بالنسبة إلى المدفوع لو قصد قتله أو كان الفعل قاتلاً، أُقيد به.
5. لو لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلاً، فهو شبه العمد.
وعلى كلّ تقدير فليس هنا للمدفوع ولا المدفوع عليه شيء، إذ لم يصدر عنهما شيء عن اختيار، ولو صدر إنّما هو بتسبيب من الدافع، ولذلك ركّزنا الكلام على حكم الدافع من القصاص والدية.

الثاني: مقتضى الروايات، وإليك بيانها:

1. ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله قال: «الدية على الذي دفع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه»، قال: «وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً».1
والإشكال فيه من وجهين:
أ. أنّ مقتضى القاعدة تعلّق الدية على الدافع أوّلاً وبالذات، لا   2

1 . الوسائل:19، الباب21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.

صفحه 55
Eعلى المدفوع، أوّلاً، ثم على الدافع ثانياً كما هو صريح الرواية ; نظير باب الإكراه، فإنّ الضمان على المُكرِه(بالكسر) لا على المُكرَه (بالفتح) أوّلاً، والرجوع إلى المُكرِه ثانياً.
ب. أنّ الظاهر من الحديث عدم تعلّق القصاص بالدافع إذا قصد القتل، أو لم يقصد، وكان الوقوع ممّا يقتل غالباً مع أنّه إذا قصد القتل أو كان الوقوع آلة قاتلة يجب أن يقاد.
ويمكن الذب عن الأوّل بأنّ إرجاع أولياء المقتول إلى المدفوع، لأجل سهولة الأمر; لأنّه كان في متناولهم.
وعن الثاني، بأنّ المفروض ما إذا لم يقصد القتل ولم يكن الوقوع قاتلاً، بل كان الغرض، هو نفس الإيذاء.
2. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل كان راكباً على دابة فغشى رجلاً ماشياً حتى كاد أن يوطئه، فزجر الماشي الدابة عنه، فخرّ عنها فأصابه موت أو جرح؟ قال: «ليس الذي زجر بضامن، إنّما زجر عن نفسه».1
وربما يقال بأنّ زجره عن نفسه لا ينافي ضمانه بعد نسبة القتل إليه ; لأنّ الإذن في الدفاع عن نفسه لا ينافي الضمان، كأكل مال الغير في المجاعة.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المثال والممثل; لأنّ قتل الراكب يرجع إلى تقصيره حيث غشى الماشي ولم يكن له بدّ من الزجر عن نفسه،   2

1 . الوسائل:19، الباب21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

صفحه 56
Eوالحق أنّه لو كان الدفاع عن نفسه متوقّفاً على خصوص العمل الذي ارتكبه فلا ضمان، دونما إذا لم يكن كذلك.
وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك، أعني: الباب22 من أبواب القصاص في النفس.
3. صحيحة الحلبي: عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلاً آخر؟ قال: «هو ضامن لما كان من شيء».1 والرواية مطابقة للضوابط.
في حقيقة السحر ومراتبه   

1 . الوسائل:19، الباب21 من أبواب قصاص النفس، الحديث 23. وقوله: فيعقره أي يجرحه.

صفحه 57
المسألة 14. لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له، فهو عمد إن أراد بذلك قتله، وإلاّ فليس بعمد بل شبهه، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا، ولو كان مثل هذا السحر قاتلاً نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به.*
* يقع الكلام في موضعين :

الأوّل: في حقيقة السحر ومراتبه

اختلفت كلمات العلماء في وجود الموضوع لهذه المسألة.
نقل المحقّق عن الشيخ أنّه لا حقيقة للسحر، وفي الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة، ثمّ أضاف وقال: لعلّ ما ذكره الشيخ قريب، غير أنّ البناء على الاحتمال أقرب.1
وربّما يستدلّ على أنّه لا حقيقة للسحر بقوله سبحانه:(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جَاءُوا بِسِحْر عَظِيم)2، وقوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى )3، فإنّ الآيتين تدلاّن على عدم الحقيقة للسحر في الخارج، وإنّما يتصرّف الساحر في أعين الناس.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ للسحر مراتب: مرتبة منه تصرّف في   2

1 . شرائع الإسلام :4/197.
2 . الأعراف:116.
3 . طه:66.

صفحه 58
Eالباصرة والآيات ناظرة إليها. ففي هذه المرتبة ليست للسحر حقيقة في الخارج، لكن له حقيقة في مرحلة البصر والخيال، والخيال خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا في حدّ نفسه فله واقعية. ولعلّ عمل سحرة فرعون كان من هذا القبيل: كانوا يتصرفون في أبصارهم أو خيالهم فيتخيّلون الحبال الملتوية، أفاعي ملتوية لأجل حركتها فيما بينهم.
ومرتبة أُخرى لها تأثير في الخارج كما يشير إليه قوله سبحانه: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ)1، حيث ينسب التفرقة بين الزوج والزوجة إلى السحرة .
وعلى ما ذكرنا فللسحر واقعية غير أنّ له مراتب:
منها: ما يُري غير الواقع واقعاً، ويتصرّف في الأعين والأبصار، وربّما يوجد فيه الخوف .
لو قتله بالسحر وعلم سببية سحره له    
ومنها: ما له أثر في خارج النفس المسحورة، كما يظهر من الآية، ومن البعيد أن لا يكون لهذا العلم حقيقة وقد كان له مدارس في مصر وأساتذة وتلامذة حتّى وصفوا موسى بأنّه كبيرهم الّذي علم الآخرين السحر .2
وممّا يدلّ على أنّ له واقعية ما قاله الصدوق: إنّه روي أنّ توبة الساحر أن يحل ولا يعقد .3   2

1 . البقرة:102.
2 . طه: 71 .
3 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب بقية الحدود، الحديث 2 .

صفحه 59
Eومن الغرائب ما نقله الشيخ في المكاسب المحرّمة أنّ من أقسام السحر هو الاستعانة بالنسب الرياضية التي تسمّى بعلم الحيل وجرّ الأثقال.1مع أنّها من شعب علم الفيزياء. اللّهم إلاّ إذا أُريد ـ كما هو ظاهر قوله «الاستعانة» ـ أنّ الساحر يستعين بهذه العلوم، لا أنّها من مقولة السحر، فلاحظ.

الثاني: لو سحره فقتل

ذكر المصنّف في المتن فروعاً ثلاثة:
1. لو سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له وأراد بذلك قتله، فحكمه واضح ; لأنّ قصد القتل كاف في الحكم بالقود، وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل.
2. تلك الصورة ولكن لم يُرد بذلك قتله، فهو ليس بعمد بل شبهه، وإنّما يوصف بشبه العمد إذا لم تكن الآلة قاتلة، وهو المفروض في المتن بشهادة الفرع الثالث.
3. لو كان مثل هذا السحر قاتلاً نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به، وذلك لكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد. ولذلك لو أخّر الثاني وقدّم الثالث كان أوضح حتى يذكر القتل العمدي بكلا قسميه معاً.
هذا ما يرجع إلى المتن، ولابدّ من الالتفات إلى الأمرين التاليين:
الأوّل: لا يخفى ما في المتن من التنافي حيث ابتدأ كلامه بقوله: (لو سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له)، فقد فرض فيه السببية.   2

1 . المكاسب المحرّمة، مبحث السحر، ص 33، الطبعة القديمة.

صفحه 60
Eوفي الوقت نفسه يقول في الذيل: (من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا) إذ لو لم يكن له واقعية كيف يكون سبباً للقتل؟!
والعجب أنّ هذا النوع من التنافي يوجد في كلام المحقّق أيضاً، حيث يقول: «فلو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا دية على ما ذكره الشيخ» وليس ما ذكره إلاّ أنّه لا حقيقة للسحر، ومع ذلك أنّه رتّب قوله: «فمات» على قوله: «فلو سحره» فلو لم يكن له واقعية فما معنى هذا الترتّب؟!
الثاني: أنّ الميزان هنا هو قصد الساحر، وأمّا الآلة ـ أعني: كون السحر قاتلاً أو لا ـ فهي مجهولة لا يمكن كشفها، ولذلك يكون الفرع الثالث منظوراً فيه .
وعلى كلّ تقدير فهل يمكن معرفة قصد الساحر بالبيّنة؟ فقد ناقش فيه الشهيد الثاني فقال بأنّ الشاهد لا يعرف قصد الساحر ولا شاهد تأثير السحر.1
ثمّ إنّ هنا كلاماً نلفت نظر القارئ إليه وهو أنّ الموضوع للقود والدية هو الأسباب الطبيعية الدارجة في المجتمع، لا الأسباب الخارجة عن العادة، كما هو في السحر، نظيره ما إذا دعا رجل على شخص لأن يقتله الله سبحانه، فقتل فلا يقاد، ولا يقتل.
اللهم إلاّ إذا ادّعي أنّ الملاك للقود والدية هو السببية واستناد الفعل   2

1 . مسالك الأفهام: 15 / 77 .

صفحه 61
Eإلى الشخص، والمفروض أنّه موجود. وهنا فرق بين السحر المبغوض، والدعاء على الغير إذا استجيب فإنّ الاستجابة دليل المحبوبية.
فإن قلت: قد ورد في الروايات: «أنّ ساحر المسلمين يقتل».1
فذلك محمول على قتله حدّاً لفساده، لا قوداً. ولا صلة له للمقام. نعم لو اجتمع السببان قدّمت حقوق الناس، ولو عفا يُقتل حدّاً.

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب بقية الحدود، الحديث 1.

صفحه 62
لو قدّم طعاماً مسموماً فأكله الجاهل ومات    
المسألة15. لو جنى عليه عمداً فسرت فمات، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك; وأمّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، ففيه إشكال، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد.*

* لو جنى عليه فسرت الجناية ومات

في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو جنى عليه عمداً وكانت الجناية ممّا تسري غالباً، فسرت، فمات.
2. إذا جنى عليه عمداً ولم تكن الجناية ممّا تسري، ولكن قصد الموت وسرت اتّفاقاً، فمات.
3. لو كانت الجناية ممّا لا تسري ولم يقصد الجاني القتل، فمات.
أمّا الفرع الأوّل: ففيه القود ; لكون الجناية سارية غالباً، وبالتالي الفعل ممّا يقتل.
وأمّا الفرع الثاني: ففيه القود أيضاً ; لكونه قاصداً القتل، وإن لم تكن الجناية سارية وقد سرت اتّفاقاً.
وأمّا الفرع الثالث ـ أعني: ما إذا كانت الجناية لا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، وإنّما قصد الفعل وانتهى إلى القتل ـ : فقد استشكل فيه أوّلاً ، وجه الإشكال ما تقدّم في المسألة الثامنة من احتمال استناد الموت إلى الجناية وما أعقبت، وكلاهما من فعل الجاني، لكنّه تقدّم ضعفه هناك، ولذلك استقرب ثانياً كونه شبه العمد ; وذلك لأنّ الآلة لم تكن ممّا تقتل ولم يقصد الجاني القتل.

صفحه 63
المسألة 16. لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات، فعليه القود، ولا أثر لمباشرة المجني عليه; وكذا الحال لو كان المجني عليه غير مميّز، سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه، أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل.*
2

انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني

* قد تقدّم أنّ للتسبيب مراتب أربع، وقد مرت الأُولى منها ـ أعني: استقلال الجاني في الجناية والإتلاف ـ والثاني منها: انضمام عمل المجني عليه إلى عمل الجاني فيؤثران في موته. وسيوافيك الكلام فيه إلى نهاية المسألة الثالثة والعشرين.

لو قدّم طعاماً مسموماً فأكله الجاهل ومات

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المسألة فرعين:
1. لو قدّم طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً فأكل الجاهل ومات.
2. لو قدّم طعاماً مسموماً إلى غير المميّز.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ عليه القود إمّا لأجل أنّ الآلة قتالة، أو لأنّه قصد قتله والمفروض أنّ الآكل غير عالم بالحال، وهذا يكفي في ثبوت القصاص.
وإن شئت قلت: السبب أقوى من المباشر ولا أثر لمباشرة المجني   2

صفحه 64
Eعليه.
وأمّا الفرع الثاني: فنفس الصورة ولكن المجني عليه غير مميّز، من غير فرق بين خلطه بطعام نفسه وتقديمه إليه أو أهدائه إلى بيته أو خلطه بطعام الآكل، وربّما يتصوّر أنّ الآكل هو القاتل لا المقدّم، أجاب عنه في الشرائع: «بأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور». 1 وعليه العقلاء في عامّة المحاكم.
لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بالسمّ   

1 . شرائع الإسلام: 4 / 197 .

صفحه 65
المسألة17. لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلاً، فأكل متعمّداً وعن اختيار، فلا قود ولا دية; ولو قال كذباً: إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا، فأكله فمات، فعليه القود; ولو قال: فيه سم، وأطلق فأكله، فلا قود ولا دية.*

* لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بالسمّ

فارق هذه المسألة مع ما تقدّم هو علم الآكل بوجود السمّ في الطعام، وفيها صور ثلاث.
قال المحقّق: لو قدّم له طعاماً مسموماً فإن علم وكان مميّزاً، فلا قود ولا دية 1 .
ثم إنّ المقدِّم تارة: يسكت ولا يصف الطعام بشيء، ولكنّ المقدّم إليه عالم بأنّ فيه سمّاً مهلكاً.
وأُخرى: يصفه بأنّ فيه سمّاً يعالج المرض الكذائي .
وثالثة: يصفه بأنّ فيه سمّاً فقط. فصارت الفروع ثلاثة.. والملاك في ثبوت القصاص وعدمه ثبوت استناد القتل إلى أي واحد من المقدّم والآكل. إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الثلاثة في المتن :
1. لو قدّم طعاماً مسموماً قاتلاً وكان الآكل عالماً بأنّ فيه سمّاً مهلكاً،   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 197 .

صفحه 66
Eأو عالماً بأنّ فيه شيئاً قاتلاً ولكن لم يعلم أنّه سم1، فالفعل مستند إليه، وليس فيه أي غرور للمقدّم، غاية الأمر يكون معيناً، لا قاتلاً، نظير من يريد الانتحار، ويطلب الآلة من الغير وهو يجيبه بالإعطاء، فالمعين آثم، وليس بقاتل .
2. ولو قدّمه له لكن وصفه بأنّه سمّ غير قاتل وفيه علاج لكذا، وكان قاتلاً فمات، فعليه القود; لأنّه وصفه وقدّمه إليه وغرّره بقصد القتل، وهو كاف في ثبوت القود، وتصوّر كون الآكل هو القاتل مردود بأنّ السبب أقوى من المباشر.
والقتل يستند إلى الواصف، كضمان الطبيب للمريض ـ المختار في التناول ـ. دواءً بأنّ فيه علاج دائه، فأكله فقتله.
3. لو قال فيه سمّ وأطلق، فأكله المجنيّ عليه، فلا قود ولا دية ; لأنّ المباشر مع علمه بالسم يكون أقوى من السبب، والقتل مستند إلى الآكل; ومثله لو كان جاعل السم في الغذاء غيره دون المقدّم، فهو المسؤول دون المقدّم ولا الآكل، نعم لو اتّفقت المسمومية فعلاً لأحد كما ربما يتّفق في الضيافة ويكون الغذاء مسموماً من دون علم المُقدِّم، فلا قصاص ولا دية.
لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، لو تخيّل أنّه مهدور الدم    

1 . جواهر الكلام :42/36. وأضاف: بأنّه لا مدخلية لجهله بالسم في إقدامه على قتل نفسه.

صفحه 67
المسألة18. لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله ـ ولو رجاءً ـ فهو عمد لو جهل الآكل، ولو لم يقصدالقتل فلا قود.*
المسألة19. لو قدم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم، فبان الخلاف، لم يكن قتل عمد ولا قود.**

* لو قدّم طعاماً فيه سمّ غير قاتل

الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها هو كون السم قاتلاً هناك دون المقام، أي لو قدّم إليه طعاماً فيه سم غير قاتل لكنّه قصد قتله به، فلو أكل الآكل وهو جاهل فمات، فعليه القود، إذ يكفي في القود قصد القتل وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل كما هو المفروض .
نعم لو لم يقصد القتل، فلا قود ; وذلك لأنّ الآلة غير قاتلة والمقدّم لم يقصد القتل، فهو شبه العمد، فعليه الدية.
** المراد أنّه لا يترتّب عليه أثر قتل العمد، وإلاّ فهو قتل عمد لغة لا شرعاً ; لأنّه قدّم إليه الطعام لغاية القتل، غاية الأمر جهله وتخيّله أنّه مهدور الدم صار مانعاً لأن يترتّب عليه أثر العمد وهو القود، لكن تجب فيه الدية لئلاّ يبطل دم المسلم سدى، ومع ذلك لابدّ من التعزير ; لأنّه على فرض الارتداد معصوم الدم بالنسبة إليه وإن كان مهدور الدم بالنسبة إلى الحاكم، والمسألة محرّرة في الحدود في باب الارتداد.

صفحه 68
لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل   
المسألة20. لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل; وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب ـ مثلاً ـ فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود.*

* لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل

في المسألة فروع ثلاثة:
1. جعل السم في طعام صاحب المنزل بقصد القتل بشهادة قوله: «لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل» وعندئذ يكون القتل عن عمد، لاجتماع الشرطين: كون الآلة قاتلة، وقصد الجاعل القتل، حتّى لو فرضنا وجود أحدهما يكفي في وصف القتل بكونه عن عمد.
وربّما يتصوّر أنّ القاتل هو الآكل لا الجاعل، والجواب ما مرّ في قاعدة الغرور ولقوة السبب وضعف المباشر، حيث إنّه تصوّر أنّه ممّا صنعه بنفسه ولم يتصرّف فيه أحد دون أن يعلم كونه مسموماً وتصرّف فيه أحد، فعندئذ لا مجال لإشكال المحقّق بأنّ فيه إشكالاً، ولعلّ وجهه قوة المباشر، وعدم إلجائه إلى الأكل ولا تقديمه إليه، ففيه الدية. وضعفه واضح لما ذكرنا.
ونقل عن بعض العامّة عدم الدية والقود، وهو عجيب .
2. ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل لقصد قتل كلبه،   2

صفحه 69
Eفأكله صاحب المنزل اشتباهاً، فلا دية ولا قود. أمّا عدم القود فظاهر ; لأنّه لم يقصد أكل صاحب المنزل حتى يقال: إنّ الآلة قتّالة، لكن القول بعدم الدية كما عليه المتن مشكل ; لأنّه أشبه بقتل الخطأ، فإنّ الجاعل قصد قتل الكلب فأصابت قتل صاحب المنزل.
3. وعلى كلّ تقدير هذا كلّه إذا لم يعلم ولم يحتمل أنّ صاحب المنزل يأكل منه، وأمّا إذا علم أو احتمل احتمالاً معتدّاً به، بأنّه يأكل منه، فلا شكّ أنّ فيه القود.

صفحه 70
لو حفر بئراً فوقع فيها شخص ومات   
المسألة21. لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات، فلا قود ولا دية; ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام، فأكله بلا إذن منه وعدواناً، فلا قود.*

* لو كان في بيته طعام مسموم وأكل منه شخص فمات

في المسألة فرعان:
1. لو كان في بيته طعام مسموم فدخل إنسان بيته عدواناً فأكل فقتل، فلا قصاص ولا دية بعد أن كان القتل منتسباً إلى الآكل دون حاجة إلى قصد صاحب الطعام.
وهذا نظير ما لو علم صاحب البيت بأنّه سيهاجم فيدخل السم في الغذاء لأكل المهاجم إذا انحصر الدفاع فيه، ويترتّب عليه القتل.
2. لو دعا رجلاً إلى بيته لا لأكل الطعام لكن الضيف أكل من طعام صاحب المنزل بغير إذنه فقتله، فلا قود ولا دية; لعدم الاستناد، اللّهم إلاّ إذا كان الطعام في متناول الضيف بحيث تدلّ القرائن على جواز الأكل، فالميزان في الحكم بالقود أو الدية أقوائية السبب من المباشر، وهو يختلف حسب اختلاف المقامات.

صفحه 71
المسألة22. لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها ودعا غيره ـ الذي جهلها ـ بوجه يسقط فيها بمجيئه، فجاء فسقط ومات، فعليه القود. ولو كانت بئراً في غير طريقه ودعاه لا على وجه يسقط فيها، فذهب الجائي على غيرالطريق فوقع فيها، لا قود ولا دية.*

* لو حفر بئراً فوقع فيها شخص ومات

لو حفر بئراً بعيدة القعر في طريق ودعا غيره مع جهالته فوقع فمات، فعليه القود، لإغرار السبب.
نعم لو كانت البئر في غير طريقه لكن الضيف اختار غير الطريق المأمون المألوف، فوقع فيها، فلا قود ولا دية لعدم الإغرار.

صفحه 72
لو جُرح فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز   
المسألة23. لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز ـ بحيث يستند القتل إليه لا إلى الجرح ـ لا قود في النفس، وفي الجرح قصاص إن كان ممّا يوجبه، وإلاّ فأرش الجناية، ولو لم يكن مجهزاً لكن اتّفق القتل به وبالجرح معاً، سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد رد نصف ديته.*

* لو جُرح فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز

في المسألة فروع:
1. لو جرحه شخص وكان الجرح متلفاً بنفسه، سواء داواه أم لم يداوه، فالجارح هو القاتل.
وهذه الصورة لم يذكرها المصنّف. وذكرها صاحب المسالك.1
2. إذا لم يكن الجرح متلفاً بنفسه، وكان الدواء السمّي مجهزاً مستقلاً على وجه يستند القتل إليه، فالأوّل جارح والقاتل هو نفسه، فلا قصاص ولا دية النفس، نعم لوليه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص، وإلاّ فأرش الجناية، نظير ما لو جرحه شخص وقتله آخر، فالآخر يقتل ; وأمّا الجارح إما يقتص ـ إن كان ممّا يوجبه ـ أو يؤخذ منه أرش الجناية.
3. إذا لم يكن الدواء مجهزاً وكان الغالب فيه السلامة فاتّفق الموت واستند إلى الجرح والدواء، قال في المسالك: فإن لم يكن كلّ منهما   2

1 . مسالك الأفهام :15/79.

صفحه 73
Eمستقلاً بالإتلاف فاتّفق الهلاك بهما كان مشتركاً بين المقتول والجارح، فإن كان الجرح وقع عمداً فسرايته كذلك ولو بالشركة كما مرّ، فللأولياء قتل الجارح بعد أن يردّوا نصف الدية في مقابل الشركة.1
وبه قال المصنّف: سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الجرح غير متلف مطلقاً وإنّما حدث التلف بضم عمل المجروح ـ أعني: التداوي بالسم ـ فلا وجه للقصاص والقود، وإنّما يتعيّن لولي المقتول قصاص الجرح أو أخذ الدية.
ويشهد على ما ذكرنا أنّه لو جرح إنسان أصبع رجل فداواه المجروح عن جهل بدواء مسموم فقتله، فالقتل وإن كان مستنداً إليهما إذ لولا الجرح لم يقدم على التداوي به، لكن الموت عرفاً مستند إلى تقصير الجارح حيث داوى نفسه بدواء مسموم وجعل ما ليس سبباً للموت، سبباً له، والسبب الناقص سبباً تاماً.
وقياس المقام على ما لو شارك شخصان في قتل واحد على نحو التساوي حيث يحكم عليهما بالقصاص بعد ردّ نصف الدية لكلّ واحد، قياس مع الفارق، لأنّ عمل كلّ واحد منهما على المقتول تجاوز عليه وعدوان، والتقصير يرجع إليهما لا إلى المجروح، وهذا بخلاف المقام فإنّ الفرد الخارجي جرحه ولم يكن جرحه قاتلاً، وإنّما قتله فعل المجروح؟ فالقاتل هو نفسه لا الأجنبي: (وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى )2.

1 . مسالك الأفهام: 15 / 79 .
2 . الأنعام: 164 .

صفحه 74
المسألة24. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، فقتله السباع، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو ألقاه إلى أسد ضار فافترسه إذا لم يمكنه الاعتصام منه بنحو ولو بالفرار، ولو أمكنه ذلك وترك تخاذلاً وتعمّداً لا قود ولا دية، ولو لم يكن الأسد ضارياً فألقاه لا بقصد القتل فاتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد، ولو ألقاه برجاء قتله فقتله فهو عمد عليه القود، ولو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد إن قصد قتله، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده.*
3
   

انضمام مباشرة حيوان إلى المتلف

* هذا هو القسم الثالث من التسبيب حيث ينضمّ إلى الجاني حيوان جارح فيكون القتل منتسباً إليهما، وإليك بيان الفروع.
1. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، ولم يمكنه الفرار منها، فقتله السباع، فهو قتل عمد ; لأنّ السبع بما أنّه فاعل غير مختار يعمل حسب طبيعته الّتي هي الفتك، فهو يصبح كالآلة بيد الضارب، وكما ينسب القتل إلى الفاعل لا إلى السيف فهكذا المقام.
2. إذا ألقاه أمام الأسد في قفصه فقتله فعليه القود; لأنّ الفعل ممّا يقتل والفاعل قصد القتل، وعلى هذا فلا فرق بين كونه في مضيق أو برّية;   2

صفحه 75
Eلأنّ المفروض أنّه لا يمكنه الاعتصام منه مطلقاً.
3. تلك الصورة لكن أمكنه الاعتصام منه وتركه تخاذلاً وتعمّداً، فلا قود ولا دية; لأنّ القتل يسند إلى المقتول نفسه.
4. إذا ألقاه في مقابل الأسد ولم يكن ضارياً، ولم يقصد القتل لكن اتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد وعليه الدية. وإن كان الفرض بعيداً إلاّ إذا كان معلّماً لعدم كون الفاعل ممّا يقتل، ولا قصد الملقي قتله، وفرض الفرع فيما يعلم أنّه لا يفترس ولا يحتمله بقرينة الشق الآتي أنّه يحتمل أنّه يفترس ولذلك ألقاه برجاء القتل.
5. إذا لم يكن الأسد ضارياً ولكن ألقاه برجاء قتله فقتله، فهو عمد عليه القود; وذلك لأنّه يكفي في صدق العمد قصد الفاعل وإن لم تكن الآلة قتّالة.
6. ولو جهل حال الأسد أنّه ضار أو لا؟ فألقاه عنده فقتله، فهو عمد إن قصد قتله.
7. تلك الصورة لكن لم يقصد قتله، لكن اتّفق القتل فيحتمل أن يكون من قبيل شبه العمد. لكن استظهر في المتن أنّه من قبيل العمد أخذاً بحكم طبيعة الأسد فهي فتّاكة قتّالة مطلقاً، وقلمّا يتّفق أن ينفك الإلقاء والحالة هذه عن قصد القتل .

صفحه 76
المسألة 25. لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً ،فمع علمه بتردّد السباع عنده فهو قتل عمد بلا إشكال، بل هو من العمد مع احتمال ذلك، وإلقائه بقصد الافتراس ولو رجاءً. نعم مع علمه أو اطمئنانه بأنّه لا يتردّد السباع فاتّفق ذلك لا يكون من العمد، والظاهر ثبوت الدية.*
المسألة 26. لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به، لكن سرى فمات، فهو عمد عليه القود.**
   

* لو ألقاه في أرض مسبعة مكتوفاً

في المسألة فروع:
1. لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً مع علمه بتردّد السباع، فلا شكّ أنّه من العمد; لأنّ إلقاءه في أرض مسبعة متكتّفاً مع العلم بتردّد السباع، يكون الملقي قاصداً قتله والفعل قتّالاً.
2. تلك الصورة ولكن يحتمل تردّد السباع، فهو عمد إذا كان بقصد الافتراس ولو رجاء، إذ يكفي في صدق العمد، قصد القتل.
3. إذا علم أو اطمأنّ بعدم تردّد السباع فاتّفق ذلك فهو شبه العمد، لعدم قصد القتل وليس الفعل ـ مع العلم بعدم التردّد ـ قاتلاً.

* لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به

هذه المسألة صورة أُخرى ممّا مرّ في المسألة الثامنة، أعني: إذا ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه ومات به ـ فقد فصّل هناك بين قصد   2

صفحه 77
Eالقتل ففيه القود، وعدمه ففيه الدية ولا محيص عنه في المقام ; لأنّ عضّ الحيوان يُعّد فعلاً سببياً له فهو بمنزلة جرحه بالعصا في المسألة الثامنة، إلاّ أن يقال بوجود الفرق بين الضرب بالعصا والإلقاء عند السبع، ففي الأوّل الفعل غير قتّال قطعاً، وأمّا الثاني فطبيعة الأسد هي الفتك فالآلة قتّالة، سواء قصد قتله أو لا، وقد أعقب مرضاً قتل به في كلا الموردين .

صفحه 78
المسألة 27. لو أنهشه حيّة لها سمّ قاتل ; بأن أخذها وألقمها شيئاً من بدنه، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فهلك. وكذا لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار، أو جمع بينها وبين من لا يقدر عليه ـ لضعف كمرض أو صغر أو كبر ـ فإنّ في جميعها ـ وكذا في نظائرها ـ قوداً.*

* لو أنهشه حية لها سمّ قاتل

في المسألة فروع أربعة والحكم في الجميع القود:
1. لو أخذ الحية ولها سم قاتل وألقمها شيئاً من بدنه.
2. لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فمات.
3. لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار.
4. لو جمع بين الحيّة وبين من لا يقدر على الفرار لضعف كمرض أو صغر أو كبر فيقاد ; لأنّ الحية بمنزلة الآلة بيد الآخذ، فيكون القتل في جميع الموارد مستنداً إليه دون الحية .
   

صفحه 79
المسألة 28. لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلاً غالباً فقتله، فعليه القود. وكذا لو قصد القتل به ولو لم يكن قاتلاً غالباً، أو لم يعلم حاله وقصد ـ ولو رجاء ـ القتل، فهو عمد.*

* لو أغرى به كلباً فقتله

في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلاً، ففيه القود; لأنّ الآلة قتّالة.
والعجب أنّ المحقّق قال: الأشبه القود،1 مع أنّه كان عليه أن يقول: فيه القود قطعاً ; لأنّ المغري قصد القتل والكلب العقور آلة قتّالة، وكون الكلب ذا اختيار يعمل حسب ما يأمره مالكه لا يعدّه قاتلاً دون المغري، إذ الكلب يُعدّ كالأداة بيد المالك.
2. تلك الصورة ولكن لم يكن الكلب قاتلاً غالباً لكنّه قصد القتل، فيقاد لكفاية قصد القتل .
3. لم يعلم حال الكلب، فقد مرّ في المسألة الرابعة والعشرين في السبع إذا لم يعلم حاله، الحكم بأنّه قتل عمد، قصد القتل أم لم يقصد، لكنّه(قدس سره)فصّل في الكلب وقال: فإن قصد القتل ولو رجاءً فهو أيضاً عمد، وإلاّ فهو شبه العمد. ولم يعلم وجه الفرق، فالظاهر أنّه إذا كان الكلب هارشاً سيئ الخلق لا يترك الإنسان ما لم يقتله، فهو عمد وإن لم يقصد القتل. اللّهمّ ـ إلاّ أن يقال بوجود الفرق بين السبع والكلب، فإنّ طبيعة الأوّل ـ إلاّ ما شذ ـ فتّاكة ; دون الكلب فالأمر فيه بالعكس، فإنّ عمله يتم في الجرح والقبض حتّى يأتي صاحبه.

1 . شرائع الإسلام :4/198.

صفحه 80
المسألة 29. لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه، فعليه القود; ولو ألقاه في البحر ليقتله فالتقمه الحوت بعد الوصول إلى البحر، فعليه القود وإن لم يكن من قصده القتل بالتقام الحوت، بل كان قصده الغرق; ولو ألقاه في البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه فقتل، فعليه الدية; ولو التقمه الحوت قبل وصوله إليه، فالظاهر أنّ عليه القود.*
   

* لو ألقاه إلى الحوت أو إلى البحر فالتقمه الحوت

في المسألة فروع:
1. لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود; لوجود الشرطين: القصد، والفعل القاتل .
2. لو ألقاه في البحر ليقتله غرقاً، فالتقمه الحوت، بعد الوصول إلى البحر، فعليه القود; لأنّه قصد القتل بالغرق وإن لم يقصده بالتقام الحوت. والعبرة بالقصد فهو كاف في صدق العمد، وإن وقع التخلّف في السبب حيث قصد القتل بالغرق لكن قتل بالتقام الحوت .
3. لو ألقاه في البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه، فقتل، قال المصنّف: فعليه الدية.
وجهه: أنّه لم يقصد إتلافه بهذا النوع، ولذلك وصفه المحقّق بأنّه قوي، لكنّه ضعيف فإنّه وإن لم يقصد النوع الخاص من الإتلاف غير أنّه قصد الجامع بين هذا النوع والنوع الآخر ـ أعني: الغرق في الماء ـ وهو كاف في   2

صفحه 81
Eصدق العمد، نظيره: ما لو ألقاه في البحر فاختطفه طير في الهواء، على نحو لولا الإلقاء لما كان هناك اختطاف، ففي الجميع القود; لما عرفت من أنّ قصد الفاعل القتل، يكفي في القود، وإن لم يتحقّق ما قصد سبب القتل.
4. ولو التقمه الحوت قبل وصوله إليه، فالظاهر أنّ عليه القود، والوجه ما هو المذكور في الفرع الثالث.

صفحه 82
المسألة30. لو جرحه ثم عضّه سبع وسرتا، فعليه القود لكن مع ردّ نصف الدية; ولو صالح الولي على الدية فعليه نصفها، إلاّ أن يكون سبب عضّ السبع هو الجارح، فعليه القود، ومع العفو ـ على الدية ـ عليه تمام الدية.*
   

* لو جرحه جارح ثم عضه سبع وسرت الجراحتان

في المسألة فروع:
1. لو جرحه ثم عضّه سبع دون أن يكون الجارح مؤثراً في عضّ السبع وسريا (جرح الجارح وجرح عضّة السبع)، قال المحقّق: لم يسقط القود، وهل يرد فاضل الدية ]إلى الفاعل[؟ الأشبه نعم.1 وذلك لاستناد موته إلى سببين: الجارح، والسبع، وإنّما يقاد منه لأجل كونه سبباً بالنسبة إلى النصف، وبما أنّه لا يمكن قصاص النصف يدفع إليه دية النصف الآخر، يعني ما قتلته عضّة السبع وعليه المصنّف.
يلاحظ عليه: بما مرّ في المسألة الثامنة فإنّ عمل الجارح، لا صلة له بعضّة السبع والمفروض أنّه لم يكن مؤثراً في تمكّن السبع منه، فلا وجه للقود إلاّ أن يقترن بقصد القتل. ويدل على ذلك أنّه لو صالح الولي على الدية فله نصفها.
2. لو كان سبب عضّة السبع هو الجارح فعليه القود ; لأنّ عضّه يعدّ   2

1 . شرائع الإسلام:4/199.

صفحه 83
Eآلة للجارح، ويعدّ المجموع فعلاً له.
3. لو عفا عن القصاص وصالح ولي المجني عليه على الدية فعليه تمام الدية، لما عرفت من أنّ عمل السبع، فعل تسبيبي للجارح، فالموت مستند إليه تماماً، فلو صولح يجب دفع الدية تماماً.

صفحه 84
المسألة 31. لو جرحه ثم عضّه سبع ثم نهشته حيّة، فعليه القود مع ردّ ثلثي الدية; ولو صالح بها فعليه ثلثها، وهكذا. وممّا ذكر يظهر الحال في جميع موارد اشتراك الحيوان مع الإنسان في القتل.*

* لو جرحه جارح ثم عضه سبع ثم نهشته حيّة

لو جرحه وعضّه السبع ثم نهشته حيّة، من دون أن يكون للجارح أي دخل في الأمرين الآخرين، فمات من الجميع، فيقتص من الجارح، مع دفع ثلثي الدية إلى ورثة الجاني، لاستناد الموت إلى أسباب ثلاثة، ثلثه يرجع إلى الجارح والثلثان لسببين آخرين، ولو صالح على الدية فعلى ثلثها فقط. وعلى كلّ تقدير ففي تعلّق القصاص تأمّل إذا لم يقصد القتل، وقد مرّ عن الماتن أنّه لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه ومات، أنّه ليس فيه القصاص مع عدم قصد القتل، فليكن المقام مثله .
وهذا هو الميزان في كلّ مورد يكون وراء الإنسان عاملٌ آخر مؤثّر في موته.
***
   

صفحه 85
المسألة 32. لو حفر بئراً ووقع فيها شخص بدفع ثالث فالقاتل الدافع لا الحافر، وكذا لو ألقاه من شاهق وقبل وصوله إلى الأرض ضربه آخر بالسيف ـ مثلاً ـ فقدّه نصفين، أو ألقاه في البحر وبعد وقوعه فيه قبل موته ـ مع بقاء حياته المستقرة ـ قتله آخر، فإنّ القاتل هو الضارب لا المُلقي.*

4

الجناية بانضمام شخص آخر

* وهذا هو القسم الرابع من أقسام التسبيب فنقول:
في المسألة فروع:
1. لو حفر واحد بئراً في أرضه وكانت الغاية الانتفاع بها، فوقع فيها آخر بدفع ثالث، فالقاتل هو الدافع لا الحافر ; لأنّ القتل ينسب إلى المباشر، لا إلى الحافر الذي حفره لغاية انتفاع نفسه.
2. لو ألقاه من شاهق فاعترضه آخر فقدّه بالسيف نصفين قبل وصوله إلى الأرض، فالقاتل هو المعترض لا الملقي.
نعم لو لم يعترضه لقتل أيضاً بسقوطه، ولكن السبب القريب هو المعترض.
نعم لو كان الملقي عالماً بالحال وأنّ المعترض يقدّه بسيفه   2

صفحه 86
Eوكان المعترض مجنوناً، فالقود على الملقي ; لأنّ المعترض كالسبع، إذا ألقاه وافترسه السبع.
3. لو ألقاه في البحر ووقع فيه لكن قبل موته بالغرق قتله آخر، فالقاتل هو الضارب، لا الملقي.
لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم   

صفحه 87
المسألة 33. لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم، فالقود على القاتل لا الممسك، لكن الممسك يحبس أبداً حتى يموت في الحبس، والربيئة تسمل عيناه بميل محمى ونحوه.*

* لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم

لو أمسك واحد وقتل الآخر، فالقاتل هو المباشر دون الممسك، والقود على الأوّل.
وروي أنّ الممسك يحبس أبداً، قال في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ من أمسك إنساناً حتى جاء آخر فقتله، أنّ على القاتل القود، وعلى الممسك أن يحبس أبداً حتى يموت. وبه قال ربيعة.1
ويدلّ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام):
«قضى علي (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل، ويحبس الآخر حتى يموت غمّاً كما حبسه حتى مات غمّاً».2
ويؤيّده أيضاً خبر سماعة قال: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل شدّ على رجل ليقتله والرجل فارٌ منه، فاستقبله رجل آخر فأمسكه عليه حتى جاء الرجل فقتله، فقتل الرجل الذي قتله وقضى على الآخر الذي أمسكه عليه أن يطرح في السجن أبداً حتى يموت فيه ; لأنّه أمسكه على الموت».3   2

1 . الخلاف:5/173، المسألة 36.
2 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 88
Eوفي خبر أبي المقدام شيء زائد وهو مروي عن «دعائم الإسلام» مرسلاً.1
ولو نظر لهما ثالث كان عيناً لهم لم يضمن، ولكن تسمل عينه، أي تفقأ بالشوك أو تكحل بمسمار محمّي.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كان معهم ردء (العون والناصر ، كما في النهاية مادة ردأ) ينظر لهم، فإنّه تسمل عينه، ولا يجب عليه القتل. وقال أبو حنيفة: يجب على الردء القتل دون الممسك، وقال مالك: يجب على الممسك دون الردء، على ما حكيناه، وقال الشافعي: لا يجب القود إلاّ على المباشر دون الممسك والردء.2
ويدلّ على ما ذكرنا خبر السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)واحد منهم أمسك رجلاً، وأقبل الآخر فقتله، والآخر يراهم؟ فقضى في ] صاحب [ الرؤية أن تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل».3
   

1 . مستدرك الوسائل:19، الباب16 من أبواب القصاص فى النفس، الحديث1.
2 . الخلاف:5/174، المسألة 37، كتاب الجنايات.
3 . الوسائل:19، الباب17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

صفحه 89
المسألة 34. لو أكرهه على القتل فالقود على المباشر إذا كان بالغاً عاقلاً دون المكرِه وإن أوعده على القتل ويحبس الآمر به أبداً حتى يموت، ولو كان المكرَه مجنوناً أو طفلاً غير مميز فالقصاص على المكرِه الآمر، ولو أمر شخص طفلاً مميّزاً بالقتل فقتله ليس على واحد منهما القود، والدية على عاقلة الطفل، ولو أكرهه على ذلك فهل على الرجل المكرِه القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.*

* لو أكرهه على القتل فالقود على المباشر

في المسألة فروع:
1. إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر إذا كان بالغاً عاقلاً دون الآمر، وإن أوعده على القتل; وذلك لأنّ الإكراه في القتل غير مؤثر لما أُثر عنهم(عليهم السلام):«إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم، فلا تقيّة».1
هذا هو حكم المباشر، وأمّا الآمر فيحبس كما سيأتي.
قال الشيخ: إذا أكره الأمير غيره على قتل من لا يجب قتله، فقال له: إن قتلته وإلاّ قتلتك. لم يحل له قتله بلا خلاف، فإن خالف وقتل فإنّ القود على المباشر دون الملجئ، ثم نقل أقوال فقهاء السنّة، فقال: إنّ للشافعية قولين:
أ. يجب عليهما القود كأنّهما باشرا قتله معاً، وبه قال زفر; وإن عفا الأولياء، فعلى كلّ واحد منهما نصف الدية والكفّارة.   2

1 . الوسائل:11، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 1و2.

صفحه 90
Eب. على الملجئ(الآمر) وحده القود، وعلى المكره (المباشر) نصف الدية.
وقال أبو حنيفة: القود على المُكرَه وحده ولا ضمان على المُكرِه من قود ولا دية ولا كفّارة.1
ويدلّ على المختار صحيح زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل أمر رجلاً بقتل رجل، فقتله؟ قال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت».2
2. لو كان المُكرَه مجنوناً أو طفلاً غير مميّز، فالقصاص على المُكرِه الآمر، لقوة السبب وضعف المباشر.
3. لو أمر شخص طفلاً مميّزاً بالقتل فقتله، ليس على واحد منهم القود، والدية على عاقلة الطفل.
وجهه: أنّ المباشر مختار غير مكره، فالفعل ينسب إليه، وبما أنّه غير مكلّف لا يقتص منه وتؤخذ الدية وهي على عاقلته. وأمّا الآمر فهو سبب بعيد. ومع ذلك يحبس الآمر كما مرّ في صحيح زرارة.
4. لو أكره الطفل المميّز ـ مكان الآمر ـ على ذلك، فقال المصنّف، فهل على الرجل المكره القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.
أقول: يقع الكلام تارة في الطفل المميّز المكرَه، وأُخرى في   2

1 . الخلاف:5/166، المسألة 29، كتاب الجنايات; ولاحظ: بداية المجتهد للقرطبي:388.
2 . الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 91
Eالرجل المُكرِه.
أمّا الأوّل فلا قود لرفع التكليف، وأمّا الدية فعلى عاقلة المباشر ; وذلك لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.
نعم للشيخ في المسألة قول خاص، قال في «النهاية»: إذا قتل الصبي رجلاً متعمّداً، كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، فإذا بلغ ذلك، اقتص منه، وأُقيمت عليه الحدود التامّة.1
وما ذكره مبني على حديث مطروح وهو خبر السكوني: «إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قُضي بالدية».2
والحديث غير معمول به وإنّما عمل به الشيخ في «النهاية»، وحكي عن ابن البراج في «المهذب»، ولكنّه ينافي عموم ما تضافر:«رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».3
كما هو مناف لنصوص البلوغ، وهو تمامية الخمسة عشرة سنة.
وأمّا الرجل المُكرِه ففيه وجهان:
1. القود على المكرِه; وذلك لأنّه هو الذي أجبر المباشر على القتل وسلب عنه الاختيار، فلا يقصر تأثيره عن المباشر.   2

1 . النهاية:761.
2 . الوسائل:19، الباب36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
3 . الوسائل:1، الباب4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث10.

صفحه 92
E2. الحبس حتى يموت فيه لما ورد في صحيح زرارة من قوله(عليه السلام): «ويحبس الآمر بقتله بالحبس حتى يموت».1
ولا يخفى أنّ الوجه الثاني هو الأقوى والأحوط، وذلك لأنّ إكراه المكره لا يسلب الاختيار عن المباشر، فإنّه هو قدّم قتل الرجل على قتله وإلاّ كان في وسعه أن يعكس.
نعم ورد في مرفوعة عبد الرحمن بن الحجاج أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)كان لا يرى الحبس إلاّ في ثلاثة: رجل أكل مال اليتيم، أو غصبه، أو رجل اؤتمن أمانة فذهب بها.2
لكن الحصر فيها إضافيّ وقد ورد الحبس في موارد أُخرى، فالسارق في المرحلة الثالثة يسجن،3 وروي: أنّ عليّاً كان يحبس في الدين، فإذا تبيّن له حاجة وإفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالاً.4
لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلاّ قتلتك   

1 . الوسائل: 19، الباب 13 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.
2 . الوسائل:18، الباب5 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات، الحديث1.
3 . لاحظ : الوسائل: 18، الباب5 من أبواب حدّ السرقة، الحديث1 و 3 وغيرهما.
4 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب كتاب الحجر، الحديث 1 و 3.

صفحه 93
المسألة 35. لو قال بالغ عاقل لآخر: «اقتلني وإلاّ قتلتك» لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة; لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً، بل وجب، ولا شيء عليه; ولو قتله بمجرد الإيعاد كان آثماً، وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية أيضاً.*

* لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلاّ قتلتك

في المسألة فروع:
الأوّل: لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلاّ قتلتك، لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة، وذلك لما ورد من عدم التقية في الدماء.
وربما يتصوّر جواز القتل ; لأنّه أسقط حقّه فلا يتسلّط الوارث عليه; لأنّه يرث ما للمورّث من الحقوق والمفروض أنّه أسقط حقّه وقال: اقتلني.
يلاحظ عليه: أنّ الإسقاط فرع الثبوت، فإذا كان الابقاء والإسقاط بيد الإنسان فله أن يسقط، ولكن ليست حياة الإنسان بيده حتى يبقيها أو يسقطها، فإسقاطه لا يؤثر في أمر القصاص، ولذلك لو رضيت المرأة بالزنا لا يسبب حلّية العمل من جانب الزاني.
وحصيلة الكلام: أنّ الإكراه لا يكون مبرراً للقتل، سواء كان المكره عليه قتل الغير، أو قتل المكره، وتوهّم انصراف أدلّة القصاص أو الدية عن مثل المقام كماترى بعد ما ورد أنّ التقية شرعت لصيانة الدماء، فإذا بلغت الدم   2

صفحه 94
Eفلا تقية.
الثاني: لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله، جاز قتله دفاعاً، بل وجب.
الثالث: ولو قتله بمجرد الإيعاد، لا شكّ أنّه كان آثماً، وهل عليه القود؟
قال في المتن: فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية. أمّا القود فيمكن أن يكون وجهه ضابطة درء الحدود بالشبهات لأجل إذنه في قتله، وأمّا الدية فالظاهر ثبوتها.
وبذلك يعلم ضعف ما في المتن من أنّ الأرجح عدم القود كما لا يبعد عدم الدية أيضاً فإنّه ليس براجح على إطلاقه، بل لابدّ من التفصيل بين الإيعاد الجدّي على نحو لو خالف يقتل، فيكون حكمه حكم الفرع السابق ; وبين الإيعاد غير المعلوم كونه جدّياً، فلا يبعد فيه القصاص، فلو درأ فيه للشبهة فلا أقل من الدية.
في الإكراه بما دون النفس   

صفحه 95
المسألة 36. لو قال: «اقتل نفسك» فإن كان المأمور عاقلاً مميّزاً فلا شيء على الآمر، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك، ويحتمل الحبس أبداً لإكراهه فيما صدق الإكراه، كما لو قال: «اقتل نفسك وإلاّ قتلتك شرّ قتلة».*
المسألة 37. يصحّ الإكراه بما دون النفس، فلو قال له: اقطع يد هذا وإلاّ قتلتك، كان له قطعها وليس عليه قصاص، بل القصاص على المكره; ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر،ولو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار أحدهما، فليس عليه شيء، وإنّما القصاص على المكره الآمر.**
* إذا قال: اقتل نفسك، وكان المأمور عاقلاً مميّزاً، فلا قود على الآمر ; لأنّ المأمور هو المباشر، والآمر على تقدير تسبيبه ضعيف جدّاً، نعم يحتمل الحبس أبداً فيما لو صدق على فعله الإكراه، كما لو قال: اقتل نفسك وإلاّ قتلتك شرّ قتلة.وقد مرّ ما يدلّ عليه في المسألة الرابعة والثلاثين، فلاحظ.
نعم لو كان المأمور غير مميّز، فالقود على الآمر لضعف المباشر ; لأنّه بمنزلة الآلة.

** في الإكراه بما دون النفس

في المسألة فروع ثلاثة:
الأوّل: لو أكرهه على مادون النفس، كما لو أكرهه على قطع يد   2

صفحه 96
في الإكراه بما دون النفس   
Eشخص وإلاّ قتله، لا شكّ أنّه يجوز له القطع، للفرق بين الإكراه على النفس والإكراه على الطرف، ففي الأوّل يحرم عليه الفعل; وذلك لأنّ التقيّة شُرّعت لصيانة الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة. وفي الثاني يجوز لأنّه بعمله هذا يحفظ نفسه.
هذا ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام فيمن يقتص منه، فقال المصنّف: القصاص على المُكرِه; وذلك لأنّ المُكرَه صار أداة طيّعة بيد المُكرِه، ولو عُدّ مباشراً فمنزلته بمنزلة السيف فلا تتوجه إليه المسؤولية، بل على من أوجد ظروف الجريمة.
ذهب السيد الخوئي إلى سقوط القصاص عن المكرِه قائلاً بعدم كونه قاطعاً لليد حتى يثبت عليه القود، وانّما القاطع هو المكرَه (بالفتح) باختياره ولو من جهة دفع الضرر الأهمّ، وأمّا عدم ثبوته على المكرَه فلعدم صدور القطع منه عدواناً الذي هو الموضوع للقصاص، وأمّا ثبوت الدية عليه فلأنّ قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من عدم ثبوت القصاص على المكرَه صحيح، إنّما الكلام في تبرئة المكرِه عن القصاص والدية مع أنّه هو الذي ألجأ المكرَه على قطع يد المسلم لحفظ نفسه، فكيف يكون بريئاً من القصاص والدية فإنّه بإكراهه المباشر وتهديده له بالقتل يضعف اختياره فيلجأ لأجل حفظ نفسه إلى قطع اليد. ثم لو فرضنا عدم القصاص هنا، فالدية على المكرِه لا على   2

1 . مباني تكملة المنهاج: 2 / 18 .

صفحه 97
Eالمكرَه; وما ذاك إلاّ لأنّ المكرَه أقدم على أمر جائز بأمر الشرع، فلو كان لهذا العمل تبعة فالمكرِه أولى أن يتحمّله دون المباشر.
نعم رفع الحرمة لا يلازم عدم الضمان في بعض الموارد، كما في جواز السرقة في أيام المجاعة فلا يرتفع الضمان، لكن المقام يفارقه حيث إنّ الآكل والضامن في المثال شخص واحد; وأمّا المقام فالقتل مستند إلى المُكرِه تسبيباً وإلى المكرَه (بالفتح) مباشرة، ولولا تهديد المكرِه لما أقدم المكرَه على العمل.
الفرع الثاني: لو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر ; وذلك لأنّه ليس مكرهاً عليه حتى ترتفع الحرمة، بل مأمور وليس في ترك العمل وعيد، فالفعل ينتسب إلى المباشر، إذ لو تركه لما ترتّب عليه شيء.
الفرع الثالث: لو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو أكرهه على قطع يد أحد الرجلين فاختار أحد الرجلين، فالقصاص على المُكرِه، إذ لا فرق بين هذا الفرع والفرع الأوّل، لاستناد الفعل إلى المُكرِه (الآمر) وإقدام المُكرَه بأمر الشارع.
وإنّما عنوَنه في المتن فلأجل رد توهّم، وهو أنّه وإن كان في أصل القطع مكرهاً لكنّه في انتخاب إحدى اليدين أو يد أحد الرجلين غير مكره، فالخصوصية بيد المكرَه لا بيد المُكرِه.
والإجابة عنه واضحة ; لأنّ الإلزام على الجامع إلزام على الخصوصية عرفاً وعقلاً ; لأنّ الجامع لا يتحقّق إلاّ في ضمن فرد، وتهديد المكرِه لا يرتفع إلاّ بانتخاب فرد من الجامع فينتهي الأمر إلى المكرَه.

صفحه 98
المسألة38. لو أكرهه على صعود شاهق فزلق رجله وسقط فمات، فالظاهر أنّ عليه الدية لا القصاص، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك لو كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً على إشكال.*

* لو أكره شخصاً على صعود شاهق فزلقت رجله

لو أُكره على صعود شاهق أو شجرة مثلاً فزلق رجله ومات، ثبت الضمان على المكرِه، والمفروض ليس مجرد الأمر، بل التوأم مع الإكراه، لكن الكلام في أنّه يثبت عليه القصاص أو الدية، فالمصنّف احتمل وجوب الدية في كلتا الصورتين، أي سواء كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً أم لا، على إشكال في الأوّل، الظاهر وجود الفرق بين ما لو لم يكن الصعود موجباً للسقوط غالباً، وما يكون كذلك ; فالفعل في الأوّل لا يقتل، فيثبت فيه الدية، بخلاف الثاني ففيه القود.
هذا كلّه إذا لم يقصد القتل في كلتا الصورتين وإلاّ يقتص مطلقاً.
لو شهد اثنان أو أكثر زوراً بما يوجب قتلاً أو رجماً   

صفحه 99
المسألة 39. لو شهد اثنان بما يوجب قتلاً كالارتداد مثلاً، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا، ثم ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص، لم يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ، وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود.
ولو طلب الولي القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً، فهل القود عليهم جميعاً، أو على الولي، أو على الشهود؟ وجوه، أقربها الأخير.*

* لو شهد اثنان أو أكثر زوراً بما يوجب قتلاً أو رجماً

في المسألة فرعان:
الأوّل: لو شهد اثنان بما يوجب قتلاً، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً، ثم ثبت كذبهم بعد إجراء الحدّ.
يقع الكلام في مَن عليه القصاص.
لا شكّ أنّ الحاكم والحدّاد لا يضمنان، بل القود على الشهود; لأنّ عملهم تسبيب متلف بحكم الشرع. والحاصل: أنّ نسبة القتل إليهما ضعيفة ; لأنّهما قاما بوظيفتهما الشرعية، وإنّما ينتسب إلى الشهود العالمين بالكذب، فالسبب هنا أقوى في التأثير من المباشر الجاهل.
ويدلّ عليه مرسل ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: «إن قال الرابع: وهمت، ضرب الحدّ وغرم الدية; وإن قال:   2

صفحه 100
Eتعمّدت، قتل».1
ونظيره خبر مسمع عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها، فيرجم، ثمّ يرجع واحد منهم، قال: «يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليَّ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا، غرما نصف الدية، وإن رجعوا وقالوا: شبّه علينا غرموا الدية; وإن قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعاً».2
ثمّ إنّ المصنّف أشار بقوله: مع ردّ الدية على حساب الشهود، إلى الضابطة في باب القصاص من أنّه مثلاً إذا قتل اثنان بواحد يُردّ على أولياء المقتولين فاضل ديتهما،وهكذا، وفي المقام إذا قتل الأربعة يُرد إلى أوليائهم ثلاث ديات، وإذا قتل اثنين منهم يأخذ ربع الدية من كلّ واحد من الباقيين فيكون المجموع نصف الدية ويرد إلى أولياء المقتولين دية ونصف الدية، لكلّ واحد ثلاث أرباع الدية، فاضل ديته.
وهذا هو الذي رواه الكليني بإسناد عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن(عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم ثمّ رجعوا، وقالوا: قد وهمنا، يلزمون الدية وإن قالوا: إنّما تعمّدنا، قتل أيّ الأربعة شاء وليُّ المقتول ورد الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانين جلدة; وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على   2

1 . الوسائل:19، الباب63 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب 64 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1 ; ولاحظ الحديث2.

صفحه 101
Eأولياء الشهود الأربعة ويجلدون ثمانين كلّ واحد منهم، ثم يقتلهم الإمام.1
الثاني: ولو شهد الشهود زوراً ولم يعلم الولي بكذب شهادتهم فليس عليه شيء، وأمّا لو علم بكذب شهادتهم ولكن طلب القصاص ; فهل القود على الشهود، أو على الولي، أو عليهم جميعاً؟
يمكن أن يقال: إنّ القود على الولي إذا كان هو المباشر للقتل مكان الحدّاد، فالمباشر هنا أقوى من السبب الذي هو الشهود، لأنّه قصد قتله وفعله، وإن كانت شهادة الشهود ذريعة لفعله.
وأمّا لو افترضنا أنّ القتل وقع بيد الحدّاد كما هو المفروض، فلا شكّ في براءته مع القاضي عن القصاص والدية، فعندئذ يقع الكلام في أنّ القصاص على مَن؟
فهنا احتمالات أُشير إليها في المتن:
1. القود على الشهود والولي، للمساواة المقتضية للتشريك.
2. القصاص على الولي; لأنّ الطلب أقوى من الشهادة فهي كالشرط.
3. القصاص على الشهود، إذ لولا الشهادة لم يؤثر الطلب.
والأقوى عند المصنّف هو الأخير، والظاهر أنّ الأوجه هو الأوّل; لأنّ القتل معلول طلب الولي الكاذب والشهود الزور .   2

1 . الوسائل:19، الباب 64 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 102
Eنعم لو تبيّن أنّ الولي كان صادقاً في نفسه وإن كان خاطئاً في الواقع، لم يبعد اختصاص القصاص بالشهود.
وليعلم أنّ ما ذكره في المتن من الارتداد أو الزنا مع الإحصان لا يصلح مثالاً للفرع الثاني، إذ ليس للولي فيهما دور، بل الأمر بيد الحاكم، ولابدّ أن يمثل بالقتل الذي للولي فيه حق الطلب.
   

صفحه 103
المسألة40. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح ـ بحيث لا يبقى له حياة مستقرة ـ فذبحه آخر فالقود على الأوّل، وهو القاتل عمداً، وعلى الثاني دية الجناية على الميت، ولو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر فالقود على الثاني، وعلى الأوّل حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً، سواء كان الجرح ممّا لا يقتل مثله أو يقتل غالباً.*

* لو جنى عليه وذبحه آخر

في المسألة فرعان:
1. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح، فذبحه آخر.
2. لو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر.
أمّا الفرع الأوّل، كما إذا ضربه ضربات شديدة بالسيف فصار كالمحتضر، فقال المحقّق: قُضي على الأوّل بالقود، وعلى الثاني دية الميّت.1
أمّا القود فلأنّه القاتل حقيقة، وأمّا الدية على الثاني فلأنّه حكم من قطع رأس الميت، والمفروض أنّ المجني عليه بحكم الميّت، وهذا أيضاً خيرة المصنّف.
وأمّا الفرع الثاني أعني: لو كانت حياته مستقرة سواء يقضي عليه الموت لولا عمل الثاني أو لا، قال المحقّق: فالأوّل جارح والثاني قاتل.2   2

1 . شرائع الإسلام :4/201.
2 . شرائع الإسلام :4/201.

صفحه 104
Eلأنّه منع من سراية الجناية الأُولى.
وما ذكره المحقّق هو خيرة العلاّمة أيضاً في «قواعد الأحكام».1
وحاصل الكلام: أنّ المذبوح لو صار على حالة يفارق روحه بعد دقائق ويصير ميّتاً حقيقة، فالأول هو القاتل غير أنّ الثاني عجّل موته; بخلاف ما إذا كانت الحياة مستقرة على نحو يدرك ويتكلّم وإن كانت الضربات تقضي عليه بعد بضع أيّام، فالقاتل هو الثاني ; لأنّه أنهى حياته بعد ما كان قابلاً للبقاء مدة لا يستهان بها.
وهنا احتمال آخر وهو أنّه لو كان فعل كلّ منهما مزهقاً فهما قاتلان، وكذا لو لم يكونا مزهقين، لكن مات منهما.
نعم لو كان أحدهما مزهقاً دون الآخر فهو القاتل.

1 . قواعد الأحكام :3/588.

صفحه 105
المسألة 41. لو جرحه اثنان فاندمل جراحة أحدهما وسرت الأُخرى فمات، فعلى من اندملت جراحته دية الجراحة أو قصاصها، وعلى الثاني القود. فهل يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل أم يقتل بلا رد؟ فيه إشكال، وإن كان الأقرب عدم الردّ.*

* لو جرحه اثنان فسرت جراحة أحدهما

لو قطع واحد يد شخص، وقطع آخر رجله، فاندملت إحداهما، ثم هلك بغير المندمل، فمن اندمل جرحه فهو جارح، والآخر قاتل يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل.
أمّا مَن اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، وأمّا مَن لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل فعليه القود لاستناد القتل إليه، دون من اندمل جرحه .
ولو افترضنا أنّه أخذت الدية من الجارح المندمل جرحه فهل يجب دفعها إلى أولياء القاتل ـ الذي لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل ـ كما عليه المحقّق حيث قال: يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل،1 أو لا، كما عليه المصنّف حيث قال: وإن كان الأقرب عدم الردّ؟
الظاهر قوة الثاني لعدم صلته بمن لم يندمل جرحه.نعم سيأتي في   2

1 . شرائع الإسلام:4/201.

صفحه 106
Eباب قصاص ما دون النفس اشتراط التساوي في السلامة من الشلل ونحوه وأنّه لا تقطع اليد الصحيحة بالشلاّء. وأمّا التساوي في غير هذا المورد فهو ليس شرطاً فلو كان المقتول واحد اليد، يقتصّ من القاتل وإن كان واجد اليدين، لأنّ القصاص فيه مركّز على إعدام حياته من دون نظر إلى جثمانه.
ولكن الظاهر من رواية سورة بن كليب دفع الدية المأخوذة إليه.
روى سورة بن كليب عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن رجل قتل رجلاً عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده ـ إلى أن قال: ـ وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كامله، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي(عليه السلام)».1 لكن الرواية ضعيفة فإنّ سورة بن كليب لم يوثّق.
 

1 . الوسائل:19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.

صفحه 107
المسألة 42. لو قطع أحد يده من الزند وآخر من المرفق فمات فإن كان قطع الأوّل بنحو بقيت سرايته بعد قطع الثاني، كما لو كانت الآلة مسمومة وسرى السمّ في الدم، وهلك به وبالقطع الثاني، كان القود عليهما; كما أنّه لو كان القتل مستنداً إلى السمّ القاتل في القطع ولم يكن في القطع سراية، كان الأوّل قاتلاً، فالقود عليه، وإذا كان سراية القطع الأوّل انقطع بقطع الثاني، كان الثاني قاتلاً.*

* لو جرحه اثنان فمات من أثرهما أو من أحدهما

في المسألة فروع :
1. إذا استند القتل إلى كلٍّ من القطعين.
2. إذا استند إلى القطع الأوّل.
3. إذا استند إلى القطع الثاني.
أمّا الفرع الأوّل: إذا جرح شخصان أحداً، على نحو لا يكون جرح الثاني مانعاً عن سراية جرح الأوّل، مثل ما إذا قطع أحدهما يده اليمنى والآخر يده اليسرى فمات منهما، فلا شكّ أنّ القود عليهما ; لاستناد الموت إليهما وعدم دخول أحد الجرحين في الآخر.
وأمّا إذا فرضنا أنّ أحد الجرحين صار مانعاً عن سراية الجرح الآخر كما قطع أحدهما يده من الزند والآخر من المرفق ففيه يدخل الجرح الأوّل في الثاني، ويكون الموت مستنداً إلى الآخر.
ولمّا كانت الحال كذلك فرض المصنّف أنّ الجرح الثاني في   2

صفحه 108
Eمورد المثال لم يكن مانعاً عن سراية الجناية الأُولى، كما إذا كانت آلة الأوّل مسمومة ودخل السمّ في الدم قبل قطع الثاني، ولكن مات من كلا السببين، فلا شكّ أنّ القود عليهما، قال المحقّق: إنّ الأجزاء الرئيسية تأثرت بألم الأوّل ثم انضم إليه ألم الثاني.
وبما ذكرنا ظهر ضعف ما ربما يقال أنّه يقتص من الجاني الثاني لانقطاع سراية الجرح الأوّل بالثاني بمعنى دخوله في ضمنه، والمفروض أنّ الألم السابق لم يبلغ حد القتل نظير ما لو جرح أحدهما وأزهق الآخر.
ولا يخفى أنّه خلاف الفرض ; لأنّ المفروض مساواتهما في التأثير، وما ذكره من أنّ الألم السابق لم يبلغ حد القتل، فليكن مثله الجرح الثاني وهو أيضاً لم يبلغ حد القتل، وإنّما بلغ حدّه بكلا القطعين.
وأمّا قياس المقام بما إذا جرح واحد وأزهق الآخر حيث إنّ القاتل هو المزهق لا الجارح، فضعفه ظاهر ; لأنّ السراية انقطعت بالتعجيل، لأنّ الإزهاق يقطع السراية بخلاف القطع من المرفق، فإنّ الروح معه باقية.
   
وأمّا الفرع الثاني: أعني لو استند القتل إلى القطع الأوّل، كما لو جرح الأوّل بآلة مسمومة يسري جراحها عادة، وكانت وحدها كافية في الموت ولم تكن الجناية الثانية مؤثّرة في موته، فالقاتل هو الأوّل، وعلى الثاني دية الجرح.
وأمّا الفرع الثالث: أي إذا انقطعت سراية القطع الأوّل بقطع الثاني، كما إذا لم تكن الآلة مسمومة وإنّما قضى عليه القطع الثاني، فالقاتل هو الثاني، وعلى الأوّل دية الجرح إلى أولياء المقتول.

صفحه 109
المسألة 43. لو كان الجاني في الفرض المتقدّم واحداً، دخل دية الطرف في دية النفس على تأمّل في بعض الفروض. وهل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يدخل إذا كانت الجناية أو الجنايات بضربة واحدة، فلو ضربه ففقئت عيناه وشجّ رأسه فمات، دخل قصاص الطرف في قصاص النفس، وأمّا إذا كانت الجنايات بضربات عديدة لم يدخل في قصاصها، أو يفرّق بين ما كانت الجنايات العديدة متوالية، كمن أخذ سيفاً وقطّع الرجلَ إرباً إرباً حتى مات، فيدخل قصاصها في قصاص النفس، وبين ما إذا كانت متفرّقة، كمن قطع يده في يوم وقطع رجله في يوم آخر، وهكذا إلى أن مات، فلم يدخل قصاصها في قصاصها؟ وجوه، لا تبعد أوجهيّة الأخير، والمسألة بعد مشكلة. نعم لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها ثم قطع رجله فاندملت ثم قتله يقتص منه ثم يقتل.*

* تداخل دية الطرف في دية النفس

كان الفرض الأخير في المسألة السابقة، هو صدور جنايتين من شخصين، ولو فرضنا صدور كلتا الجنايتين من شخص واحد وانتهى إلى موت الرجل ـ وإلاّ فهو خارج عن محط البحث ـ كما إذ فقأ العين وقطع الاذن من دون ان يموت فلا اشكال في عدم التداخل، فيقع الكلام تارة في دخول دية الطرف في دية النفس ، وأُخرى في دخول قصاصه في قصاصها، فهنا   2

صفحه 110
Eفرعان:

الفرع الأوّل: دخول دية الطرف في دية النفس

الظاهر من الفقهاء دخول دية الطرف في دية النفس، فلو جرحه ثم قتله، وتراضيا بالدية فليس هنا إلاّ دية واحدة.
وقال في «الجواهر»: إجماعاً بقسميه، إذا كانت ثبتت أصالة، (كما في صورة الخطأ)، وأمّا إذا ثبتت صلحاً (كما في صورة العمد) واتّفقا على أخذ الدية فالإشكال ـ مع إطلاق الصلح عليها عوض القصاص ـ ينشأ من دخول قصاص الطرف في النفس وعدمه .1
وإلى ذلك يشير في المتن بقوله:«على تأمّل في بعض الفروض». والمراد ما أشار إليه في الجواهر وحاصله: أنّ الجنايتين لو صدرتا عن خطأ، فالواجب فيهما أصالة هو الدية، فتدخل دية الطرف في دية النفس.
وأمّا لو صدرتا عن عمد، فالواجب في الجناية عن عمد، هو القصاص لا الدية، فالدية في طول القصاص. نعم لو تصالحا عليها يصح. وعندئذ فدخول دية الطرف في دية النفس، متفرّع على الفرع التالي، أي دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، فلو قلنا به في الأصل يكون الحكم في الفرع (دية الطرف المتصالح) كذلك، وإلاّ فلا تتداخل الديتان كما لا يتداخل القصاصان .
ثم إنّ الدليل على التداخل ـ وراء الإجماع ـ صحيحة أبي عبيدة الحذّاء ـ الّتي ستوافيك في الفرع التالي.   2

1 . جواهر الكلام :42/62.

صفحه 111

E الفرع الثاني: دخول قصاص الطرف في قصاص النفس

ذكر المصنّف (قدس سره) في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس احتمالات:
1. دخوله مطلقاً.
2. عدم دخوله كذلك.
3. التفريق بين كون الجنايات بضربة واحدة فيدخل، أو بضربات عديدة فلا يدخل.
4. التفريق بين الجنايات العديدة المتوالية فيدخل، و غير المتوالية فلا يدخل.
ثمّ إنّه (قدس سره) أذعن بأنّه لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات ، مثلاً: قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله ، ففيه يقتصّ منه ثم يُقتل.
و أمّا كلمات الأصحاب فقد اختلفت في دخول قصاص الطرف و الشجاج في قصاص النفس إذا اجتمعا، على أقوال ثلاثة، و هي كلّها للشيخ:
أحدها: عدم الدخول مطلقاً ، وهو خيرة الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا قطع يد رجل ثم قتله، كان لولي الدم أن يقطع يده ثم يقتله. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف و محمد: ليس له القصاص في الطرف كما   2

صفحه 112
Eلو سرى إلى النفس. 1 وبه قال في المبسوط 2، وهو خيرة ابن إدريس.3
ثانيها: الدخول مطلقاً هو خيرته أيضاً في موضع آخر من «الخلاف» حيث قال: يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، ودية الطرف تدخل في دية النفس، مثل أن يقطع يده ثم يقتله، أو يقلع عينه ثم يقتله، فليس عليه إلاّ قتله أو دية النفس و لا يجمع بينهما، وبه قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: لا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، و تدخل دية الطرف في دية النفس، و قال أبو سعيد الإصطخري: لا تدخل دية الطرف في دية النفس أيضاً مثل القصاص.4
و به قال أيضا في موضع من المبسوط .5
ثالثها: التفصيل وهو التداخل إن اتّحد الضرب، وعدمه مع تعدده. ونقل المحقّق هذا القول في «الشرائع» عن الشيخ في «النهاية»، قال: ففي «النهاية» يقتص منه إن فرّق ذلك ، وإن ضربه ضربة واحدة لم يكن عليه أكثر من القتل.6
و بذلك ظهر أنّ للشيخ أقوالاً ثلاثة.   2

1 . الخلاف: 5 / 210، المسألة 89 .
2 . المبسوط: 7 / 21 و 113 .
3 . السرائر: 3 / 396 .
4 . الخلاف: 5 / 163، المسألة 23.
5 . المبسوط: 7 / 22 .
6 . شرائع الإسلام: 4 / 201. لاحظ النهاية: 771 .

صفحه 113
Eوأقول ـ أيضاً ـ : إنّ الموضوع هو ما إذا جنى عليه جنايتين، لا ما إذا جنى عليه جناية واحدة فسرت وقتلته، فقد اتّفقوا في ذلك على وحدة القصاص، وهو القتل.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ محل النزاع في غير الموضعين التاليين:
1. إذا ضربه ضربة واحدة فقطعت يده فمات بالسراية حيث كانت الآلة مسمومة، فلاريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، و لا يقتص منه بغير القتل، كما سيوافيك بيانه عند دراسة الروايات. وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على التداخل في صورة السراية.
2. إذا كان الجرح و القتل بضربتين متفرقتين زماناً كما لو قطع يده ولم يمت به واندملت ثم قتله فلا شكّ في عدم التداخل، و هذا هوالذي أشار اليه في المتن في آخر المسألة حيث قال: «نعم لا إشكال في عدم التداخل لوكان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله، يقتص منه ثم يقتل».
ولا يخفى أنّه لا حاجة إلى الاندمالين، بل يكفي اندمال واحد .
إنّما الكلام في الموردين التاليين:
1. إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً، كما إذا ضربه ضربة فقطعت يده مثلاً، و ضربه ضربة ثانية فقتلته بحيث يكون القتل منتسباً إلى كلتا الضربتين.
2 . إذا كانت الضربتان غير متواليتين زماناً ، كما إذا قطع يده ثم قطع   2

صفحه 114
Eرجله بعد زمان، ولكن القتل صار منسوباً إليهما.
فنقول: يقع الكلام في موضعين:
1. مقتضى القواعد العامّة.
2. مقتضى الروايات .

الأوّل: مقتضى القواعد العامّة

أمّا مقتضى القواعد فقد اتّفقت كلمتهم على عدم التداخل وهو رهن دراسة آيتين، وقد استدلّ بهما كلّ من قال بعدم التداخل.
الآية الأُولى: قال سبحانه: (وَ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)1، أي فرضنا على بني إسرائيل في التوراة (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ): أي تقتل النفس بالنفس إذا قتلتها (وَ الْعَيْنَ) تفقأ (بِالْعَيْنِ)، (وَالأَنْفَ) يجدع (بِالأَنْفِ)، (والأُذُنَ) تقطع (بِالأُذُنِ)، (وَالسِّنَّ) يقلع (بِالْسِّنِّ) ، (وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ) أي يقتص فيها.
ثم إنّ القصاص مصدر أُريد به المفعول أي: الجروح متقاصّة بعضها من بعض، (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ)المراد بالموصول هو المجني عليه، أي إذا تصدّق بالقصاص بالعفو عن الجاني فهو كفّارة له; وربما يتصوّر أنّ المراد به   2

1 . المائدة: 45.

صفحه 115
Eهو الجاني، والمراد بالتصدّق تمكين نفسه من القصاص.1 وهو بعيد، إذ التصدّق ظاهر في العفو، وليس تمكين النفس لإجراء الحدّ ، عفواً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأعلام استظهروا أنّ إطلاق الآية يقتضي عدم تداخل قصاص الطرف في قصاص النفس في عامّة الصور مطلقاً، سوى من مات على وجه السراية .
حيث إنّ مقتضى قوله: ( الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) هو الاقتصاص من العين بالعين، سواء أقتله أم لا، وسواء كان القتل بنفس الضربة الواقعة على الطرف ـ كما لو ضربه ضربة قطع أُذنه أوّلاً ثم عنقه ـ أم بضربتين، وسواء أكانت الضربتان متواليتين أم متفرّقتين، فالإطلاق في الآية يدلّ على عدم التداخل مطلقاً.
ولكنّ في ثبوت الإطلاق نظراً، و الظاهر أنّ موردها فيما إذا جنى جناية على الطرف فقط، أو على النفس فقط، ففي هذه الصورة يقول : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)، و أمّا إذا اجتمعت الجنايتان في مورد ففقأ العين أو جدع الأنف ثم قتله، فهل هناك قصاصان أو ثلاثة قصاصات أو قصاص واحد يدخل فيه قصاصا الطرف، أعني : العين و الأنف؟ فالآية غير ناظرة إليه، والمتبادر منها هو ما إذا انفصل كلّ واحد عن الآخر بشهادة أنّه قال: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)إذا قتله، ثم قال: (الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) إذا لم يقتل، وأمّا إذا اجتمعت الجنايتان فالآية ساكتة عن هذه الصورة، ويعلم ذلك بتدقيق النظر في الآية.    2

1 . تفسير الجلالين: 145 .

صفحه 116
Eوبعبارة أُخرى: المراد نفي التجاوز عن حدّ الجناية، فإذا قتل نفساً فلا يجوز لولي المجنيّ عليه أن يقتل نفسين أو أكثر، وإذا فقأ عيناً فليس له أن يفقأ أزيد من عين واحدة، فمصبّ الآية التأكيد على نفي التجاوز، وأين هذا من الإطلاق المدّعى؟!
الآية الثانية: قال سبحانه: (وَ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)1، ثم قال: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَ الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)2.
ترى أنّ الآيتين وردتا في أمر الجهاد مع المشركين، وكلّ منهما إرشاد إلى حكم العقل و هو رعاية العدل والإنصاف في مقام الاقتصاص وعدم التعدّي عنه، وأمّا كونهما ناظرتين إلى جناية مسلم على مسلم آخر ـ اجتمعت فيه جنايتان كبرى وصغرى، فيقتص من المعتدي بالصغرى أوّلاً ثم الكبرى، ليكون محقّقاً لقوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ـ فغير ظاهر; لأنّ مورد الآية: المشركون أوّلاً، والمراد بالمماثلة هو كيفية القتل، فلو قتل مسلماً فيقتل القاتل و لا يمثّل به.
فالآية ناظرة إلى عدم العبث بجسد الجاني انتقاماً و تشفّياً، وأين هذا المدلول في الآية من أنّ من جنى جنايتين صغرى وكبرى فمات   2

1 . البقرة: 190 .
2 . البقرة: 194 .

صفحه 117
Eبالجناية الثانية، فعلى أولياء المقتول القصاص بالطرف أوّلاً ثم القصاص بالنفس ثانياً.
هذا ما توصّلنا إليه في دراسة الآيتين و إن كان مخالفاً للرأي المشهور، فلم يثبت لحدّ الآن حسب مقتضى القواعد العامّة ، عدم التداخل.
اللّهم إلاّ أن يقال: إذا صدرت جناية حكم عليه بالقصاص، وإذا صدرت جناية ثانية نشك في زوال الحكم الأوّل، فيستصحب وتكون النتيجة عدم التداخل فتأمّل.

الثاني: مقتضى الروايات

أمّا الروايات فقد وردت روايات ثلاث كلّها صحاح، أو معتبرة:

1 . صحيحة أبي عبيدة الحذّاء

وقد استدلّ بصحيحة أبي عبيدة على التداخل ـ كما في الجواهر 1 ـ وهذه الرواية تدلّ على أمرين:
1 . دخول دية الطرف في دية النفس (و هذه هي المسألة التي مرّ ذكرها سابقاً).
2 . دخول قصاص الطرف في قصاص النفس.
ولأجل ذلك نقطّع الرواية إلى جزأين ليعلم موضع كلّ منهما.
روى أبو عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 63 .

صفحه 118
Eرجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله؟
ثم إنّ جواب الإمام (عليه السلام)مشتمل على فقرتين:

الفقرة الأُولى من الرواية:

قال (عليه السلام): «إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة، و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه و بين السنة أُقيد به ضاربه; وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة و لم يرجع إليه عقله، أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: «لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمتْه أغلظَ الجنايتين وهي الدية.
ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان، إلاّ أن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأُخرى فيقاد به ضاربه».
أقول: هذه الفقرة من الرواية تركّز على أمرين :
1. أنّ قصاص طرف واحد لا يدلّ على قصاص الطرف الآخر.
2. يدلّ على دخول دية الطرف في دية العقل، إلاّ أنّ مقتضى عموم التعليل هو دخول دية الطرف في دية النفس أيضاً في مفهوم الكلام.
و إليك الفقرة الثانية من الرواية والذي هو موضع النظر في هذا الفرع: ]قال: [ «فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث   2

صفحه 119
Eجنايات، ألزمته جناية ماجنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت، فيقاد به ضاربه، قال: فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات ».1
فتشير هذه الفقرة : «فإن ضربه ثلاث ضربات، واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات، ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت». إلى عدم دخول جناية طرف في طرف آخر.
كما تدّل على أنّ هذا الحكم محدّد إذا لم يقض على المجني عليه بالموت ، فلومات فليس هناك إلاّ قصاص واحد وهو القتل حيث قال: «ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه» فكأنّه إذا انتهت الجنايات المتعدّدة إلى الموت فإنّ الجناية الضعيفة تدخل في الجناية الأقوى. والرواية ظاهرة في التداخل.
وقلنا: إنّ الرواية صحيحة، لأنّ جميل بن صالح في سند الرواية ، أسديّ ثقة.

2. صحيحة محمد بن قيس

وهذه الصحيحة وما بعدها على طرف النقيض من رواية أبي عبيدة حيث تدلّ على التداخل إذا اتّحد الضرب و عدمه مع تعدّده، وهو خيرة المحقّق في «الشرائع» حيث قال: الأقرب ما تضمنته «النهاية» لثبوت   2

1 . الوسائل: 19، الباب 7 من أبواب ديات المنافع، الحديث1.

صفحه 120
Eالقصاص بالجناية الأُولى، ولا كذا لو كانت الضربة واحدة، و كذا لو كان بسرايته.1 وإليك نص الرواية:
روى محمد بن قيس، عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل فقأ عيني رجل وقطع أُذنيه ثمّ قتله، فقال: «إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثمّ يقتل، وإن كان ضربه ضربة واحدة، ضُربت عنقه و لم يقتصّ منه».(2)
والمتبادر من قوله: «إن كان فرّق ذلك» هو تعدّد الضربة لا التفريق في الزمان، بقرينة قوله: «و إن كان ضربه ضربة واحدة» فعلى هذا فلو تحقّقت الجنايتان بضربة واحدة تداخلتا، وإلاّ فلكلّ قصاص، حتى ولو مات. ويتحقّق التعارض بينها وبين صحيحة أبي عبيدة الحذاء في هذه الصورة دون وحدة الضربة، لاتفاقهما فيها على التداخل .
والرواية صحيحة و محمد بن أبي حمزة هو ابن صاحب دعاء السحر المعروف و هو ثقة ، نقل الكشّي عن حمدويه أنّه ثقة فاضل، وروى عنه ابن أبي عمير في المقام.

3. صحيحة حفص بن البختري

قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام) عن رجل ضُرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثمّ مات؟ فقال: «إن كان ضربه ضربة بعد ضربة، اقتصّ منه ثمّ قتل; وإن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتص منه».2    2

1 . شرائع الإسلام:4/201.   2 . الوسائل: 19، الباب 51 من أبواب القصاص في النفس ، الحديث 1.
2 . الوسائل: 19، الباب 51 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

صفحه 121
Eإذا علمت هذا فاعلم أنّ التعارض بين الرواية الأُولى والأخيرتين واضح، حيث إنّ الأُولى تدلّ على التداخل مطلقاً، ولكن الأخيرتين تفصّلان بين الضربة والضربات، والسيد الخوئي يرجّح الأخيرتين على الأُولى قائلاً بأنّهما متوافقتان لإطلاق الكتاب دون الأُولى فتتقدّمان عليها.1
و لكّنك عرفت أن الكتاب غير ناظر إلى صورة الاجتماع، كما أنّ المراد من الاعتداء هو الخروج عن الطريقة المألوفة، أعني: المثلة.
ويمكن أن يقال: بأنّ مقتضى الصحيحتين الأخيرتين هو التفريق بين وحدة الضربة و تعدّدها، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق في صورة التعدّد بين التوالي وعدمه فلا يتداخلان مطلقاً.
هذا هو مقتضى إطلاقهما غير أنّ مقتضى منطوق صحيحة أبي عبيدة التداخل في صورة توالي الضربات دون تفرّقها، فيؤخذ بالمنطوق في صورة التوالي فيتداخلان، وبإطلاق الروايتين في صورة عدم التوالي.
و الشاهد على أنّ رواية الحذّاء ناظرة إلى صورة توالي الضربات قوله: «فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات...» فهذا ظاهر في التوالي.
فخرجنا بالنتيجة التالية: التفصيل بين وحدة الضربة و تعدّدها، وفي صورة التعدّد ; التداخل عند التوالي ، وعدمه عند عدم التوالي.

1 . مباني تكملة المنهاج: 2/24.

صفحه 122
المسألة 44.لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتصّ منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول، فيأخذ كلّ واحد ما فضل عن ديته; فلو قتله إثنان وأراد القصاص يؤديّ لكلّ منهما نصف دية القتل، ولو كانوا ثلاثة فلكلّ ثلثا ديته وهكذا، وللوليّ أن يقتصّ من بعضهم ويردّ الباقون المتروكون دية جنايتهم إلى الذي اقتصّ منه، ثم لو فضل للمقتول أو المقتولين فضل عمّا ردّه شركاؤهم قام الولي به، ويردّه إليهم كما لو كان الشركاء ثلاثة فاقتصّ من اثنين، فيردّ المتروك دية جنايته، وهي الثلث إليهما، ويردّ الولي البقيّة إليهما، و هي دية كاملة، فيكون لكلّ واحد ثلثا الدية.*
   

* لو اشترك اثنان أو أكثر في القتل يجوز للولي الاقتصاص منهم

إذا قتل جماعة واحداً فقد ذهبت الإمامية إلى أنّ نفس المقتول موزّعة بين القاتلين، فيتحمّل كلّ واحد منهم بنسبته ]المقتول[ إلى الجميع، فإن اتّفقوا على الدية أُلزم كلّ واحد منهم بتلك النسبة إلى الجميع، وإلاّ فيقتصّ منهم بردّ فاضل ديتهم.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قتل جماعة واحداً قتلوا به أجمعين بشرطين:
أحدهما: أن يكون كلّ واحد منهم مكافئاً له، أعني: إذا انفرد كلّ واحد منهم بقتله قتل، وهو أن لا يكون فيهم مسلم مشارك للكفّار في قتل كافر،   2

صفحه 123
Eولا والد شارك غيره في قتل ولده.
والثاني: أن تكون جناية كلّ واحد منهم ـ لو انفرد بها ـ كان منها التلف، فإذا حصل هذا في الحياة و الجناية قتلوا كلّهم به. وبه قال في الصحابة: علي (عليه السلام)، وعمر بن الخطاب، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس. وفي التابعين: سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعطاء. وفي الفقهاء: مالك، و الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلاّ أنّ عندنا أنّهم لا يقتلون بواحد إلاّ إذا ردّ أولياؤه ما زاد على دية صاحبهم، ومتى أراد أولياء المقتول قتل كلّ واحد منهم كان لهم ذلك، وردّ الباقون على أولياء هذا المقاد منه، ما يزيد على حصّة صاحبهم. ولم يعتبر ذلك أحد من الفقهاء.1
و قالت طائفة منهم : إنّ الجماعة لا تقتل بالواحد، لكن ولي المقتول يقتل منهم واحداً ويسقط من الدية بحصته ويأخذ من الباقين، الباقي من الدية على عدد الجناة. وهو خيرة عبدالله بن الزبير ومعاذ، وفي التابعين ابن سيرين والزهري.
وقالت طائفة : إنّ الجماعة لاتقتل بالواحد، ولا واحد منهم، ذهب إليه ربيعة بن أبي عبدالرحمن وأهل الظاهر داود وأصحابه2.
فظهر أنّ الإمامية على قول واحد وغيرهم على أقوال ثلاثة .
ثم إنّه ربما يتصوّر بأنّ قتل نفسين في مقابل نفس واحدة يُعدّ إسرافاً   2

1 . الخلاف:5/155، المسألة 14، كتاب الجنايات.
2 . الخلاف:5/156، المسألة 14 كتاب الجنايات.

صفحه 124
Eفي القتل، قال سبحانه: ( وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)1 ، ولكنّه ظاهر الضعف:
أمّا أوّلاً: فلأنّ المراد من الإسراف في القتل قتل البريء والمذنب معاً والتمثيل بهما. ويدلّ عليه روايتان:
1. ما ورد في رواية إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): إنّ الله يقول في كتابه: (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)(2) ما هذا الإسراف الذي نهى الله عنه؟ قال: «نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثّل بالقاتل»2.
فكأنّ الآية نهت عمّا ربما كان شائعاً بين القبائل بأنّه إذا قتل منهم واحد يقتلون المذنب والبريء تشفّياً لغيظهم، و أين هذا ممّن شارك في قتل المظلوم بحيث يوصف بكونه قاتلاً كعديله؟
2. يمكن أن يقال: بأنّ الآية ناظرة إلى التمثيل في الجاني، فهذا يُعدّ إسرافاً في القتل; فقد روي عن علي(عليه السلام)بعد أن ضربه عبدالرحمن بن ملجم، قال: «احبسوا هذا الأسير و أطعموه وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا أولى بما صنع بي، إن شئت استقدت، وإن شئت عفوت، وإن شئت صالحت، وإن متّ فذلك إليكم، فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثّلوا به»3.   2

1 و 2 . الإسراء:33.
2 . الوسائل: 19، الباب62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
3 . الوسائل: 19، الباب62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث4.

صفحه 125
Eوثانياً: أنّ المفروض أنّ كلّ واحد من الشخصين أو الأشخاص قد شاركوا في قتله ـ وسيوافيك معنى المشاركة في القتل في المسألة التالية ـ وأنّ كلاًّ منهم عمل ما عمل بقصد الجناية والقتل فلا يعدّ الإقتصاص منه إسرافاً وتجاوزاً عن الحدّ ، يقول المحقّق: وتتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ واحد منهم ما يقتل لوانفرد، أو ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.1
وأمّا قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)فهو بصدد بيان أنّ نفس الجاني تزهق في مقابل نفس المجنيّ عليه، وأمّا لو كان الجاني واحداً أو أكثر فالآية غير ناظرة إليه.
وثالثاً: أنّه لو لم يفرض القصاص على الجماعة و اكتفي بالدية يلزم اتخاذ ذلك ذريعة إلى سفك الدماء، خصوصاً بين أهل الثراء، والله سبحانه هو العليم الحكيم.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه قد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)على جواز قتل الجميع لكن بشروط خاصّة:
1.عن داود بن سرحان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً؟ قال: «إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً، قتلوهما».2
2. عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في عشرة اشتركوا في قتل   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 202 .
2 . الوسائل: 19 ، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1 .

صفحه 126
لو قتله اثنان واختار الولي القصاص   
Eرجل، قال: «يخيّر أهل المقتول فأيّهم شاءُوا قتلوا، و يرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية»1 ، أي يأخذ من كلّ تسعة أعشار الدية.
3.عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً، قال: «إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول.....إلخ».2
4. وعن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): عشرة قتلوا رجلاً، قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، و إن شاءُوا تخيّروا رجلاً فقتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير، عشر الدية، كل رجل منهم، قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم».3
وظاهر الرواية هو التخيير بين قصاص الجميع و قصاص الواحد، ولكنّه من باب المثال، فإذا جاز التخيير في هذه الصورة، ففي غيرها بوجه أولى.
5. عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً؟ قال: «يقتلان إن شاء أهل المقتول و يرد ـ على إهلهما ـ دية واحدة».4
و ينافي ما ذكرنا من الروايات ما يلي:   2

1 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.
2 . الوسائل: 19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث4.
3 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.
4 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث11.

صفحه 127
E1. ما رواه القاسم بن عروة عن أبي العباس و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاءُوا، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ )».1
2. ورواه الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير وزاد: «وإذا قتل ثلاثة واحداً، خيّر الوالي أي الثلاثة شاء أن يقتل، ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول».2
ويظهر من الرواية الثانية أنّ الجميع رواية واحدة، ولكنّها رواية شاذّة قاصرة عن معارضة ما تضافر، فلتحمل على الندب أو التقّية أو القتل بلا ردّ الدية.
وعلى هذا فيعلم حكم الصور التالية المذكورة في المتن:

لو قتله اثنان: واختار الولي القصاص

1. فلو قتلَ الولي الجميعَ، دفع دية كاملة بالمناصفة إلى ورثة كلّ من القاتلين.
2. ولو قتل البعض دون البعض، فقد استوفى بمقدار حقّه من المقتول وهو النصف، ولكن لم يستوف حقّه ممّن بقي حيّاً وهو النصف، فيأخذ   2

1 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.
2 . الوسائل:19، الباب12 من أبواب القصاص في النفس،الحديث 8 .

صفحه 128
Eنصف الدية منه ويدفعه إلى ورثة المقتول.
لو قتله ثلاثة: واختار الولي القصاص    

ولو قتله ثلاثة: واختار الولي القصاص

3. فلو قتل الجميع، يدفع إلى ورثة كلّ واحد ثلثا الدية; وذلك لأنّ كلّ واحد شارك في قتل المقتول بالثلث فيسقط من ديته مقابل ما جناه، وتبقى دية ما لم يجنه و هو الثلثان لكلّ واحد.
4. ولو اختار الولي قتل اثنين منهم، وترك الثالث، فقد استوفى من كلّ حقّه وهو الثلث، فيبقى من كلٍّ ثلثان في ذمّة الولي، فعليه أن يأخذ ممّن لم يقتله ثلث الدية ويضم إليه ثلاثة أثلاث (أي دية كاملة) فيكون المجموع أربعة أثلاث، يدفعها إلى ورثة كلّ من المقتولين بالمناصفة.
وبذلك يعلم حال ما لم نذكر من الفروع.
بقي الكلام في أمرين:
1. هل يجب ردّ ما فضل على أولياء الجاني قبل القصاص، أو يكفي بعده؟
فالظاهر من رواية الفضيل بن يسار عدمه، حين قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) : عشرة قتلوا رجلاً؟ قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً و غرموا تسع ديات ...»1 .
ولكن الظاهر من صحيحة أبي مريم الأنصاري وجوب التقديم ،   2

1 . الوسائل: 19، الباب12 من ابواب القصاص في النفس، الحديث6.

صفحه 129
Eفعن أبي جعفر(عليه السلام)، في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل؟ قال: «إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد»، و قال: «وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية»1. ومورد الرواية هو قصاص الطرف، والاستدلال رهن وحدة الحكم في قصاص الطرف والنفس، والظاهر مساعدة العرف في فهم وحدة الحكم، ومع ذلك ففي دلالتها على وجوب التقديم نظر، وذلك بملاحظة ذيلها حيث تدلّ على جواز التأخير، فلاحظ.
وبما أنّ المصنّف سيتعرض لهذا الفرع في المسألة(50)، نحيل القارئ إلى هناك.
2. إذا قتله رجلان، وقتل الولي واحداً منهما يجب على الباقي ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتول، ولو افترضنا أنّ الباقي لم يدفع نصف الدية عليهم، فهل يجب على الولي دفعها إليهم ؟
إنّ مقتضى القواعد، هو الوجوب لأنّه المباشر للقتل وإن كان له حقّ على الآخر، لكن ظاهر صحيح الحلبي 2 رجوع أولياء المقتول إلى الباقين .
وسيوافيك في المسألة (50) أنّ اللازم وجوب تأمين حق أولياء الجاني على القاضي، ثم الحكم بالقصاص.

1 . الوسائل: 19، الباب 25 من أبواب قصاص الطرف، الحديث1.
2 . الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3 .

صفحه 130
المسألة45. تتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت، وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية; فلو اجتمع عليه عدّة، فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً لكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ. ولا يعتبر التساوي في عدد الجناية، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث أكثر وهكذا، فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، والدية عليهم سواء. وكذا لا يعتبر التساوي في جنس الجناية،فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة مثلاً، أو جرحه أحدهما وضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء، والدية عليهما كذلك بعد كون السراية من فعلهما.*
* في المسألة فرعان:
   

الفرع الأوّل: ما هو المراد من الشركة في القتل؟

ذكر المحقّق بأنّ الشركة تتحقّق بأحد أمرين:
1. أن يفعل كلّ واحد منهم ما يقتل لو انفرد.
2. ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.
وقد أشار المصنّف في المتن إلى كلا القسمين، أمّا الأوّل فقد مثّل له بقوله: كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار، أو البحر، أو جرحوه بجراحات   2

صفحه 131
Eكلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت.
وإلى الثاني بقوله: لو اجتمع عليه عدّة فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً ولكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ.
ثم إنّ الظاهر من عبارة المحقّق ـ وهكذا عبارة المصنّف - شرطية قصد الجناية في الصورة الثانية، والمراد به قصد القتل، فخرج ما إذا قصدوا به التأديب غافلين عن أنّ المجموع فعلٌ قتّال، فيكون شبه العمد.

الفرع الثاني: هل يعتبر التساوي في الجناية أو لا ؟

لا يعتبر التساوي في عدد الجناية ولا في جنسها; أمّا العدد فلو ضربه أحدهم ضربة و الآخر ضربات فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، وهكذا الدية.
وأمّا الجنس، فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة أو جرحه أحدهما و ضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء.
كلّ ذلك فيما إذا استند الموت إلى كلا الجنايتين المختلفتين عدداً أو جنساً، دون ما إذا أسند إلى الأخير، أو إلى الأقوى فلا تتحقّق الشركة.
 

صفحه 132
المسألة 46. لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف، يقتصّ منهم كما يقتصّ في النفس; فلو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحب أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما; وإن أحب أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تُقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية، وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة.*

* لو اشترك اثنان أو أكثر في الجناية على الأطراف

أشار المصنّف في هذه المسألة إلى أنّ حكم الجناية على الأطراف كحكم الجناية على النفس، دية وقصاصاً بلا فرق بينهما، كما سيشير في المسألة التالية إلى كيفية تحقّق الشركة في الجناية على الأطراف.
أمّا وحدة الحكم فقد أشار إليها المحقّق بقوله: يقتصّ من الجماعة في الأطراف كما يقتصّ في النفس1.
و ادّعى في «الجواهر» عدم الخلاف و الإشكال.2
واستدلّ عليه بصحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: «إنْ أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد ] واقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد[ 3 قال: وإن قطع   2

1 . شرائع الاسلام: 4/202.
2 . جواهر الكلام: 42/70.
3 . ما بين المعقوفتين من تهذيب الأحكام: 10 / 241 برقم 957، الباب 20 من كتاب الديات.

صفحه 133
Eيد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية».1
وبهذا يعلم حكم الفروع التالية:
1. لو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد.
2. وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تُقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية.
3. وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة، فلو قطع ثلاثة يد رجل فله أن يقطع الجميع ويرد على كل واحد ثلثا دية اليد، لأنّ كلّ واحد شارك في ثلث الجناية فيؤخذ منه ثلث الدية ويدفع إلى كلّ ثلثيها.
ثم إنّ ظاهر الصحيحة عدم جواز الاقتصاص قبل أن يؤدّي إليهما فاضل الدية .
وقد مرّ الإيعاز إليه في المسألة 44، وسيوافيك الكلام فيه في المسألة 50، فانتظر.

1 . الوسائل: 19، الباب 25 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.

صفحه 134
المسألة47. الاشتراك فيها يحصل باشتراكهم في الفعل الواحد المقتضي للقطع بأن يكرهوا شخصاً على قطع اليد، أو يضعوا خنجراً على يده واعتمدوا عليه أجمع حتى تقطع. وأمّا لو انفرد كلّ على قطع جزء من يده فلا قطع في يدهما، وكذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها فقطع كلّ جزءاً منها حتى وصل الآلتان وقطعت اليد فلا شركة ولا قطع، بل كل جنى جناية منفردة، وعليه القصاص أو الدية في جنايته الخاصّة.*
   

* الاشتراك في الجناية يحصل بالاشتراك في الفعل الواحد

إنّ الجناية على الأطراف تشارك الجناية على النفس من حيث الحكم، وأمّا من حيث الموضوع فيفترقان; وذلك لأنّ الاشتراك في النفس يتحقّق بموته بالأمرين أو الأُمور، سواء اجتمعت أم تفرّقت، وأمّا الاشتراك في الطرف لا يتحقّق إلاّ مع صدور الفعل عنهم متزامناً، نظير:
1. أن يشهدوا على رجل بما يوجب قطع يده، ثم يرجعوا عن شهادتهم.
2. يُكرهوا إنساناً على قطعه.
3. أو يضعوا حديدة على المفصل ويعتمدوا عليها جميعاً.
وقد مثل له المصنّف بمثالين :
أ. «لو انفرد كلٌّ بقطع جزء من يده» وهذا التعبير هو نفسه في «الشرائع» والظاهر أنّ المراد إذا قطع أحد الرجلين شيئاً من الزند على نحو لم تنفصل   2

صفحه 135
Eمن الساعد، بل بقيت عالقة وجاء الآخر فقطعها فانفصلت عنه، فهناك عمل واحد بمعنى قطع اليد لكن لم يشاركا فيه في زمان واحد، بل في زمانين، ولذلك لا يصدق عليه المشاركة في عمل واحد في زمان واحد.
ب. لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها فقطعت كلُّ جزءاً منها، والفرق بين الموردين وجود الفاصل الزماني في الأوّل دون الثاني.
فخرج ما لو انفرد كلّ واحد منهما بقطع جزء من يده، فيكون على كلّ واحد حقّ جنايته لانفراده بها.
وحاصل الكلام: أنّ الجناية لو كانت نتيجة مشاركة عملين متزامنين فيجري فيها ما ذكرنا في الجناية على النفس. وإلاّ فلو كان أحد العملين منفصلاً زماناً عن الآخر، أو يكون عمل كلّ غير الآخر وإن كانا متزامنين كما في المثال الثاني، يثبت على كلّ حكم جنايته.
ومع ذلك فخروج الموردين عن مصبّ النفس مورد تأمّل إذ ورد في صحيحة أبي مريم قوله: «اجتمعا على قطع يد رجل» وهو صادق على كلا الموردين. نعم حسب النظرة العقلية لم يشاركا في عمل واحد لكن حسب النظرة العرفية اجتمعا على عمل واحد، ولذا ينسب قطع اليد إليهما لا إلى الواحد.

صفحه 136
المسألة 48. لو اشترك في قتل رجل امرأتان، قتلتا به من غير ردّ شيء; ولو كنّ أكثر، فللولي قتلهنّ وردّ فاضل ديته تقسّم عليهن بالسوية; فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهنّ ردّ عليهن دية امرأة، وهي بينهنّ بالسوية; وإن كن أربعاً فدية امرأتين كذلك وهكذا; وإن قتل بعضهن ردّ البعض الآخر ما فضل من جنايتها، فلو قتل في الثلاث اثنتين ردّت المتروكة ثلث ديته على المقتولتين بالسوية، ولو اختار قتل واحدة ردّت المتروكتان على المقتولة ثلث ديتها، وعلى الولي نصف دية الرجل.*

* لو اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجل

لو اشترك في قتل رجل امرأتان قتلتا به ولا ردّ، أمّا جواز القتل فلقوله سبحانه:(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، وأمّا عدم الردّ فلأن دية المرأة نصف دية الرجل.
ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلاً عمداً؟ قال: «تقتلان به، ما يختلف في هذا أحد».1
وبهذا يظهر حكم الفروع التالية:
1. فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهن ردّ عليهن دية امرأة وهي بينهن بالسوية. ووجهه واضح ; لأنّ دية الرجل تساوي دية امرأتين، فقتل اثنتين منهما يعادل دية الرجل تماماً، وتبقى دية الثالثة التي هي نصف دية رجل على ذمة الولي، فيدفع خمسمائة دينار تقسّم على أولياء المقتولتين بالسويّة.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 15.

صفحه 137
E2. وإن كنّ أربعاً فقتل الجميع فيدفع دية امرأتين; وذلك لأنّ قتل اثنتين يعادل دية الرجل، وقتل الأخيرتين يتوقّف على دفع ديتهما فتقسّم بين أولياء المقتولات.
3. ولو قتل في الثلاثة اثنتين، فقد استوفى ولي المجنيّ عليه الدية ; لأنّه قتل امرأتين، وهما يعادلان دية رجل. ويبقى الكلام في المقام في حق المتروكة، فإنّ المقتولتين تضمنان ثلثي دية الرجل، والثلث الآخر على المتروكة، فهي تدفع ثلث دية الرجل إلى أولياء المقتولتين.
4. ولو اختار قتل واحدة من الثلاث، فاللازم على المتروكتين أمران:
1. دفع نصف الدية إلى ولي الدم ; لأنّه بقتل واحدة منهن لم يستوف إلاّ النصف ـ أعني: خمسمائة دينار ـ وبقي النصف الآخر فيجب على المتروكتين دفعها إلى ولي الدم .
2. دفع ثلث دية المرأة إلى ولي المقتولة ـ كما في المتن ـ .
وجه ذلك: أنّ المقتولة جنت ثلث دية الرجل، أعني: (333 ديناراً تقريباً) فبذلك صار هذا المقدار جزءاً من ديتها، فبقي لها (166 ديناراً تقريباً) الذي هو ثلث دية المرأة. وهذا هو الّذي تدفعه المتروكتان إليها.
وبالجملة أنّ ولي الدم يطلب نصف دية المجنيّ عليه والمرأة المقتولة تطلب ثلث دية المرأة، فاللازم على المتروكتين دفع خمسمائة دينار مضافاً إلى (166 ديناراً) .   2

صفحه 138
Eوإن أردت الصورة بالحسابات الرياضية فهي بالشكل التالي:
دية المرأة 500 دينار
ثلث دية الرجل 333 ديناراً تقريباً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباقي167 ديناراً، أو 166 ديناراً تقريباً
وهو ما فضل من دية المرأة المقتولة.
ما تدفعه المتروكتان للولي500
+ ما تدفعه المتروكتان للمقتولة 166
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمجموع ما تدفعه المتروكتان 666 ديناراً.

صفحه 139
المسألة 49. لو اشترك في قتل رجل، رجلٌ وامرأةٌ فعلى كلّ منهما نصف الدية، فلو قتلهما الولي فعليه ردّ نصف الدية على الرجل، ولا ردّ على المرأة، ولو قتل المرأة فلا ردّ، وعلى الرجل نصف الدية، ولو قتل الرجل ردّت المرأة عليه نصف ديته لا ديتها.*

* لو اشترك رجل وامراة في قتل رجل

في المسألة فروع:
1.لو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل ، يجب على كلّ واحد منهما نصف دية المقتول; وعلى هذا فلو قتلهما الولي، فالمرأة لا يرد عليها شيء، وأمّا الرجل فيرد عليه نصف الدية، وذلك واضح لأنّ دية المرأة لم يفضل منها شيء، وأمّا الرجل فيردّ عليه نصف الدية ; لأنّه مع قتله استوفى الولي تمام دية المجني عليه، فلو قتلهما فقد استوفى دية كاملة ونصف دية، ولهذا وجب رد الفاضل من ديته، ولكن يرد الفاضل على الرجل دون المرأة.
قال الشيخ المفيد في «المقنعة» بأنّ نصف الدية يقسم بينهما أثلاثاً وإليك نصّ كلامه: إذا اجتمع رجل وامرأة على قتل رجل، كان لأولياء الرجل قتلهما جميعاً و يؤدّون إلى ورثتهما خمسة آلاف درهم، يقتسمونها على ثلاثة أسهم، لورثة الرجل الثلثان ولورثة المرأة الثلث.1
ولكنّه ضعيف ; لأنّ دية المرأة نصف دية الرجل، فلو قتلت فكأنّها   2

1 . المقنعة:752.

صفحه 140
Eأدّت نصف دية المقتول، ومعه لا يستحق ورثتها شيئاً، بخلاف الرجل فإنّ له دية كاملة و ولي الدم لا يستحق إلاّ نصف دية أُخرى، فالفاضل سواء أكان خمسمائة دينار، أو خمسة آلاف درهم يردّ إلى ورثة الرجل.
2. ولو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل وقتل الولي المرأة، فلا ردّ، وبقي الرجل فعليه دفع نصف الدية إلى ولي الدم.
3. تلك الصورة لكن قتل الولي الرجل، فقد استوفى ولي الدم دية المجنيّ عليه فلا يستحق شيئاً، نعم يستحق الرجل نصف الدية فترد المرأة إلى أولياء الرجل نصف ديته.
وقال الشيخ في «النهاية»: ترد نصف ديتها (ربع دية الرجل) إلى ورثة المقتول.1 وتبعه القاضي في المهذب.2 وهو ضعيف.
لو توقّف القصاص على ردّ فاضل الدية يجب الرد أوّلاً   

1 . النهاية:745.
2 . المهذب البارع:2/468.

صفحه 141
المسألة 50. قالوا: كلّ موضع يوجب الردّ يجب أوّلاً الردّ ثم يستوفي، وله وجه. ثم إنّ المفروض في المسائل المتقدّمة ، الرجل المسلم الحرّ والمرأة كذلك.*

* لو توقّف القصاص على ردّ فاضل الدية

أشار (قدس سره) في كلامه هذا إلى أمرين:
1. أنّه إذا توقّف القصاص على ردّ فاضل الدية يجب الردّ أولاً ثم الاستيفاء، ووجهه واضح وهو: أنّ القاطع ليس له حقّ إلاّ في نصف يد الجاني فكيف يقطعها كلّها بلا مجوّز؟ اللّهم إلاّ إذا ردّ دية النصف حتى يكون هناك مبرر لقطع اليد كاملة.
أقول: هنا حقّان; حق ولي الدم وهو الاقتصاص من الرجل الذي قتل المرأة مثلاً، وحق للمجني عليه لأنّه جنى بنصف ديته لا كلّها، فلا بدّ من دفعه إليه، فالقاضي ـ الذي بيده السلطة والشوكة ـ يقوم بالجمع بين الحقّين ; إمّا بأخذ نصف الدية من ولي الدم ودفعه إلى المجني عليه الذي هو على عتبة القصاص ، أو يأخذ ضماناً على ذلك من ولي الدم على نحو لا يضيع حقّه، وعلى هذا يكون البحث عن تأخر الردّ أو تقدّمه يناسب فيما لو كان المباشر هو ولي الدم لا الجهاز الحاكم على المجتمع، فإنّك لو أمعنت النظر في بعض المسائل الواردة في الحدود والقصاص والديات، ترى كأنّها تناسب عدم وجود جهاز حاكم على المجتمع.   2

صفحه 142
E2. أشار إلى أنّ المفروض في المسائل المتقدّمة كون الرجل مسلماً حرّاً والمرأة كذلك، فخرج ما لو كان الجاني أو المجنيّ عليه عبداً أو ذمّياً، ولأجل عدم الابتلاء بهما صرف كلامه عنهما.
أمّا العبد فله وجه، وأمّا الذمّيّ فلا بأس بالإشارة إليه ضمن بعض الفروع التي فات على المصنّف بيانها، والّتي سنذكرها تالياً.

فروع

الأوّل: إذا اشترك أب مع أجنبي في قتل ابنه

فهنا أُمور:
1.جاز قتل الأجنبي.
2.لا يقتل الأب .
3.إذا قُتل الأجنبي فعلى الأب أن يعطي ورثة الأجنبي نصف الدية.
4.إذا لم يقتصّ من الأجنبي بل أخذ منه نصف الدية فهو لولي المقتول (غير الأب)، ويؤخذ من الأب أيضاً نصف الدية ويعطى لولي المقتول من أُمّه وأولاده.
   
أمّا الأوّل: فلأنّ القاتل يقتل وإن لم يكن مستقلاً في القتل، بل كان شريكاً.
وأمّا الثاني: فلما يأتي من أنّ الوالد لا يقاد بالولد.   2

صفحه 143
Eوأمّا الثالث: أعني ثبوت الدية على الأب، وإعطاؤها لورثة الأجنبي فلأجل أنّ دم المسلم لا يذهب هدراً، كما في قتل الحرّ غير الحرّ، أو فيما لو كان القتل خطأ، أو إذا فرّ القاتل فتأخذ الدية من ماله.
وفي كتاب ظريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «وقضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره ويكون له الدية ولا يقاد».1
وأمّا إعطاؤها لولي المقتصّ منه (أي ولي الأجنبي) فواضح، لأنّه لم يكن مستقلاً بالقتل بل مشاركاً، فعليه نصف الجناية.
وبما أنّه لا يمكن استيفاء النصف فيقتل ويرد عليه دية النصف المأخوذ من المشارك الآخر، وهو الأب.
وأمّا الرابع: أعني: ما إذا لم يقتصّ من الأجنبي، فيؤخذ منه نصف الدية فهو لولي المقتول (غير الأب) فلما عرفت من أنّه في كلّ مورد ينتفي القصاص تتعيّن الدية.

الفرع الثاني: لو اشترك مسلم وذمّي في قتل ذمّي

إنّ المسلم لا يقتل بالذمّيّ، لما سيوافيك من اشتراط المساواة في الدين، فعليه نصف الدية، فيعطيها إمّا لأولياء الذمّيّ القاتل إذا اقتص منه، أو لأولياء المقتول إذا لم يقتص ، فتجتمع هناك دية كاملة ـ أعني: ثمانمائة   2

1 . الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 10 .

صفحه 144
Eدرهم ـ : النصف من المسلم والنصف الآخر من الذمّيّ.

الفرع الثالث: لو اشترك إنسان وحيوان في قتل مسلم

لو اشترك إنسان مع حيوان بلا إغراء، في قتل مسلم، فلولي المقتول الأُمور التالية:
1.أن يقتل القاتل.
وإن شئت قلت: إنّ المقام لا يقصر من اشتراك رجلين في قتل واحد، غاية الأمر أنّ جرح الحيوان غير مضمون.
2.لو اقتصّ منه ردّ نصف الدية إلى أوليائه لعدم استقلاله في القتل، فلابدّ من تدارك الزيادة، كما إذا قتل رجلان رجلاً.
3. ولو أخذت منه الدية رُدّت إلى ولي المقتول لئلاّ يذهب دم المسلم هدراً، كما هو واضح.

صفحه 145
 
 
 
الفصل الثاني:
 
الشرائط المعتبرة في القصاص
 
1. التساوي في الحرية والعبودية
2. التساوي في الدين
3. انتفاء الأُبوّة
4. العقل
5. البلوغ
6. أن يكون المقتول محقون الدم

صفحه 146

صفحه 147

القول في الشرائط المعتبرة في القصاص

وهي أُمور:
الأوّل: التساوي في الحرية والرقيّة، فيقتل الحرّ بالحرّ، وبالحرّة لكن مع ردّ فاضل الدية، وهو نصف دية الرجل الحرّ، وكذا تقتل الحرّة بالحرّة وبالحرّ لكن لا يؤخذ من وليّها أو تركتها فاضل دية الرجل. *
من الشرائط المعتبرة في القصاص: التساوي في الحرية والرقية   

* الأوّل: التساوي في الحرية والعبودية

يشترط في القصاص التساوي في الحرّية والعبودية، لقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ)1.
ويترتّب على ذلك الفروع الأربعة التالية:
الأوّل: إذا قتل الحرّ حرّاً، قتل به، لصريح الآية المذكورة.
الثاني: إذا قتلت الحرّة حرّة يقتص من القاتلة، إذا لم يتراضوا على الدية، لصريح الآية أيضاً.
الثالث: إذا قتل الحرّ حرّةً، يجوز لأولياء الحرّة قتل الحرّ، لكن بشرط رد فاضل ديته، إلى ورثته.   2

1 . البقرة:178 .

صفحه 148
Eوربما يقال: إنّ قتل الحرّ بالحرّة يخالف قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ)، وجه المخالفة أنّه سبحانه حدّد القصاص (الْحُرُّ بِالْحُرِّ)كما حدّد (وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ) فقتل الحرّ بالحرّة يخالف كلتا الفقرتين، نعم يوافقه قوله سبحانه: (وَ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ... )1، فمقتضى الآية الأُولى عدم جواز قتل الرجل بالأنثى غير أنّ مقتضى الآية الثانية جواز القتل ومعادلة النفس بالنفس.
وفي المقام كلمات ثلاث ونتيجة الكلّ عدم جواز قتل الحرّ بالحرّة :
1. ما في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين(عليه السلام)في حديث قال: «ومن الناسخ ما يكون مثبتاً في التوراة من الفرائض في القصاص وهو قوله تعالى:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)فكان الذكر والأُنثى والحرّ والعبد شرعاً فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ...). فنسخت هذه الآية: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...).
وعلى هذا فلا يقتل الحرّ بالحرّة ; لأنّ الآية الأُولى منسوخة .
2. يقول الشيخ الحرّ العاملي: النسخ هنا بمعنى التخصيص فلا ينافي   2

1 . المائدة: 45.

صفحه 149
Eما مرّ من أنّها ] يعني: قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)[ محكمة لبقاء العمل بها بعده.1 وعلى ما ذكره أيضاً لا يقتل الحرّ بالحرة .
3. وفي تفسير الميزان: ونسبة قوله سبحانه:(الْحُرُّ بِالْحُرِّ...)إلى قوله: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...) نسبة التفسير.2
وهو (قدس سره) لم يبين كيفية التفسير، ويمكن الجواب بوجهين:
1. أنّ دلالة الفقرتين:(الْحُرُّ بِالْحُرِّ) و (الأُنْثَى بِالأُنْثَى) على عدم قتل الحرّ بالحرّة، بالدلالة المفهومية، وهي في المقام أشبه بدلالة الوصف غير المعتمد على الموصوف (المفهوم).
وهذا النوع من الدلالة ضعيف لا يصلح لتقييد الإطلاق في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ولذلك نفى قسم من الأُصوليّين دلالة الوصف على المفهوم خصوصاً الوصف غير المعتمد على الموصوف.
2. نفترض أنّ الفقرتين تدلاّن على المفهوم وتنفيان قتل الحرّ بالحرّة، لكن القدر المتيقّن من النفي هو قتل الحر بالحرّة من دون ردّ شيء، وأمّا معه ـ كما هو المفروض ـ فلا دلالة للمفهوم عليه، فالمنفي حسب الدلالة المفهومية هو القصاص بلا ردّ وتدارك لا القصاص ولو مع الردّ، وعلى هذا يكون المفهوم مخصّصاً لقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) فيما لا ردّ فيه دون ما إذا كان فيه ردّ فيبقى تحت قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).   2

1 . الوسائل: 19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 19.
2 . تفسير الميزان: 1/441.

صفحه 150
Eوإليك بعض النصوص:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه؟ قال: «ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلاّ نفسها» .1
2. صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمّداً، قال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم».2
3. صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا قتلت المرأة رجلاً قتلت به، وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وإن لم يفعلوا قبلوا الدية، الخ».3
نعم ربما ينافي ما ذكرنا الروايتان التاليتان:
أ. ما رواه السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قتل رجلاً بامرأة قتلها عمداً، وقتل امرأة قتلت رجلاً عمداً».4 فإنّ الفقرة الأُولى خالية عن ردّ نصف دية الرجل إلى أولياء المقتول.   2

1 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.
4 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث14.

صفحه 151
Eيلاحظ عليه: أنّ دلالتها بالإطلاق، فيقيّد بما دلّ على الرجوع. ويمكن أن يقال: إنّ الناقل لم يكن بصدد نقل الحديث بعامّة خصوصياته .
ب. ما رواه إسحاق بن عمّار عن جعفر(عليه السلام): «إنّ رجلاً قتل امرأة، فلم يجعل عليٌّ(عليه السلام) بينهما قصاصاً وألزمه الدية».1
يلاحظ عليه: بأنّه من المحتمل أنّ ورثة المقتول لم يرضوا بالقصاص مع ردّ نصف الدية، فألزمهم الإمام (عليه السلام)بأخذ الدية. وهذا المقدار من الروايات كاف في إثبات المطلوب.
الرابع: إذا قتلت الحرّة حرّاً فيقتصّ من المرأة ولا يؤخذ منها ما فضل على أشهر القولين. ويدلّ على ذلك ما مرّ عليك في صحيحة الحلبي حيث قال(عليه السلام): «إن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلاّ نفسها» وهكذا في صحيحة عبد الله بن سنان حيث جاء فيها: وفي امرأة قتلت زوجها متعمدة؟ قال: «إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه».
وفي خبر هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام)في المرأة تقتل الرجل ما عليها؟، قال: «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه».2
إلى غير ذلك من النصوص الموافقة للذكر الحكيم ـ أعني قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ـ وينافيها خبر أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر(عليه السلام)   2

1 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 16.
2 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 10.

صفحه 152
Eقال: في امرأة قتلت رجلاً، قال: «تُقْتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال».1
والرواية شاذّة لا يُعمل بها، مع إمكان حملها على الاستحباب.
***
ثمّ إنّ هنا مسائل ترك المصنّف ذكرها ولكن صاحب الشرائع عنونها، فلنذكرمنها ما هو المهم:
   

لو قتل حرّ حرّين

إذا قتل حرّ حرّين فصاعداً، فإن اجتمع أولياؤهما على الاستيفاء فليس لهم إلاّ نفسه، وذلك لما ورد في الروايات من أنّه لا يجني الجاني على أكثر من نفسه.2
ولو قتل بطلب البعض فهل يجوز للباقين طلب الدية، وجهان:
1.أنّ الأصل في الجناية هو القصاص كما سيوافيك في المستقبل، وقد فات محلّه بطلب البعض، وأمّا دية العمد فلا تثبت إلاّ صلحاً ، والصلح يتحقّق مع عدم القتل ، والمفروض أنّ القاتل قتل بطلب البعض.
2. إنّ الواجب هو أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو خيرة العلاّمة في القواعد، حيث قال: ولو قتل حرّ حرّين فليس لأوليائهما سوى قتله، فأيّهما بدأ استوفى وليس لهما المطالبة بالدية إذا قتلاه، ولو قتله أحدهما فالأقرب   2

1 . الوسائل: 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 17 .
2 . كما في رواية هشام بن سالم المتقدمة ورواية عبدالله بن سنان الآتية.

صفحه 153
Eأنّ للآخر أخذ الدية من التركة.1
وربما يؤيّد بأنّ فيه جمعاً بين الحقّين وأنّه لولاه لزم طل دم المسلم، وهو باطل لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يطلّ دم امرئ مسلم».2 والأَولى الاستدلال بما سيوافيك من رواية أبي بصير، فانتظر.
واستوجهه في «المسالك».3
لكن الذي يبعده ما ورد في الروايات:
روى عبد الله بن سنان في امرأة قتلت زوجها متعمّدة ، قال: «إن شاء أهله أن يقتلوها، قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه».4
وروى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): «وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به، ليس لهم إلاّ نفسها».5
وروى هشام بن سالم: «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه».6
ومورد الروايات وإن كان غير ما نحن فيه، لكنّها لا تختصّ بموردها، بل تعمّ سائر الموارد إذا كان فيها ملاكها، فإنّ القاتل الحرّ لا يجني على أكثر من نفسه، فبقتله تستوفي الجناية فلا يبقى موضوع للدية.   2

1 . قواعد الأحكام:3/594.
2 . عوالي اللآلي:3/581، الحديث21.
3 . مسالك الأفهام:15/126.
4 . الوسائل: 19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
5 . الوسائل:19، الباب33 من أبواب القصاص في النفس ، الحديث 3.
6 . الوسائل:19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس ، الحديث10.

صفحه 154
Eنعم يمكن تأييد القول الآخر بما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثم هرب القاتل، فلم يُقدر عليه؟ قال: «إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم».1
وقريب منه ما رواه ابن أبي نصر عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل قتل رجلاً عمداً ثم فرّ فلم يقدر عليه حتى مات؟ قال: «إن كان له مال أخذ منه، وإلاّ أخذ من الأقرب فالأقرب».2
وكيفية الدلالة هو وجود الجامع بين مورد الرواية ومورد البحث، وهو فوت القصاص إمّا بقتله أو بموته أو بفراره. إلا أن يقال: وجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه وهو استيفاء القصاص في المقام دون مورد الروايتين، فإنّ الرجل القاتل إمّا مات موتاً طبيعياً أو فرّ، فالانتقال إلى أخذ الدية من تركته في صورة الفرار أمرٌ موافقٌ للقاعدة، دون المقام.
   

1 . الوسائل:19، الباب 4 من أبواب العاقلة ، الحديث 1.
2 . الوسائل:19، الباب 4، من أبواب العاقلة، الحديث3.

صفحه 155
المسألة1. لو امتنع ولي دم المرأة عن تأدية فاضل الدية، أو كان فقيراً، ولم يرض القاتل بالدية، أو كان فقيراً، يؤخّر القصاص إلى وقت الأداء والميسرة.*

* لو امتنع ولي دم المرأة عن تأدية فاضل الدية

لو قتل الرجل المرأة وامتنع ولي المرأة ـ الّذي يريد القصاص من الرجل ـ من ردّ الفاضل أو كان فقيراً، فهل يجوز لولي المرأة طلب الدية مكان القصاص أو لا؟ وجهان:
1. أنّ الأصل هو القصاص، والدية رهن التراضي من الطرفين ، وفي المقام رهن رضا القاتل. والمفروض عدم رضاه، بل استعدّ للقصاص مع ردّ فاضل ديته.
2. أنّ الدية أصل برأسه مثل القصاص، فالخيار بيد الولىّ. واستقربه في «القواعد» وقال: الأقرب أنّ للولي الممتنع الفقير، المطالبة بدية الحرّة، إذ لا سبيل إلى طلّ الدم .1
والمشهور هو القول الأوّل، لظاهر قوله سبحانه:( وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)2. وسيوافيك أنّ الدية ليست في عرض القصاص، بل في طوله لا تفرض إلاّ بالرضا والتصالح.   2

1 . قواعد الأحكام: 2 / 284 .
2 . الإسراء:33.

صفحه 156
Eولكن الظاهر من رواية أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ الخيار بيد الولىّ حيث روى عنه(عليه السلام)في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل. قال: «إنّ أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد أحد ]فاقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد[ قال: وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية».1
والسند لا غبار عليه، وأبو مريم الأنصاري هو عبد الغفار بن القاسم الثقة، وله روايات كثيرة في الكتب الأربعة.
وعلى هذا فيجوز لولي الدم طلب الدية فلوكان القاتل واحداً فيجبر على الدفع، فلو امتنع أو كان فقيراً فعلى ولي الدم الصبر إلى الميسرة.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذُكر خلاف المشهور، ولعلّ الجانبين كانا مستعدين لدفع الدية حيث ذهبوا إلى أنّ الأصل فيها القود، والدية إنّما تثبت صلحاً موقوفاً على التراضي، فمع عدم رضا القاتل يتوقّف القصاص على بذل الولي الزائد، فلو امتنع أو كان فقيراً، يكون ولي المرأة مخيّراً بين القصاص بدفع الزائد أو الصبر إلى أن يرضى القاتل بدفع الدية.
والمسألة إجماعية، كما في الجواهر.2
دية المرأة في الأطراف تساوي دية الرجل ما لم تبلغ الثلث   

1 . الوسائل:19، الباب25، من أبواب قصاص الطرف، الحديث1.
2 . جواهر الكلام:42/82.

صفحه 157
المسألة2. يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ، وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ، فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيهما. فحينئذ لا يقتصّ من الرجل لها إلا مع ردّ التفاوت.*

* دية المرأة في الأطراف تساوي دية الرجل ما لم تبلغ الثلث

إذا قطعت المرأة إصبعاً من الرجل أو إصبعين أو ثلاثة، يقتصّ للرجل منها من دون رجوع زائد على الجرح، وإذا قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثة أصابع من المرأة، يقتصّ للمرأة من الرجل من غير ردّ، لأنّ ديتهما إلى ثلث الدية متساوية، إنّما الكلام فيما إذا تجاوزت الثلث، فإنّ دية المرأة ترجع إلى النصف.
فعلى هذا إذا قطع الرجل أربعة أصابع من المرأة فلها أن تقتصّ منه مع ردّ التفاوت على حسب ما مرّ في النفس، وذلك للمستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف.
روي عن أبان بن تغلب بسند صحيح قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ   2

صفحه 158
Eممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال (عليه السلام): «مهلاً يا أبان، إنّ هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
هذا ممّا لا خلاف فيه إنّما الكلام في أنّ الموضوع هو بلوغ الثلث أو التجاوز عنه؟ والروايات في المقام مختلفة وهي على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على أنّ الموضوع هو البلوغ، منها:
1. صحيحة أبان بن تغلب حيث جاء فيها: «فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف» ـ كما مرّ عليك نصُّها.
2. صحيحة الحلبي حيث جاء فيها: «وأصبع المرأة باصبع الرجل حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية، ضعفت دية الرجل على دية المرأة» 2.
3. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الجراحات؟ فقال: «جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتّى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء، أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة، وسنّ الرجل وسن المراة سواء...» .3
كذا ما ورد في «الوسائل» إلاّ أنّ صاحب الجواهر نقله بالنحو التالي:   2

1 . الوسائل:19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2 .

صفحه 159
Eقال: «جراحات المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا جاز ذلك تضاعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين».1
4. ما رواه جميل بن درّاج، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: «نعم، في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة» 2.
الطائفة الثانية: ما يدل على أنّ الموضوع هو الجمع بين البلوغ والتجاوز، منها:
1. ما رواه ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: «تقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل» 3.
2. ما رواه الحلبي، قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء؟ فقال: «الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ والشجّة بالشجّة، والإصبع بالإصبع سواء، حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية» 4 .   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 87 ، ولاحظ الكافي: 7 / 300 .
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 4 .
4 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب القصاص في الطرف، الحديث 6. ولاحظ الوسائل: 29 طبعة آل البيت(عليهم السلام)، ففي طبعة المكتبة الإسلامية، سقط.

صفحه 160
Eفيبقى الكلام في ترجيح أحد العنوانين على الآخر ; والظاهر أنّ الميزان هو البلوغ وذلك للأُمور التالية:
1. لأنّ صحيحة أبان وردت في مقام البيان، والشاهد عليه التفصيل الموجود فيها، فلو كان التجاوز هو الموضوع لما اقتصر على ذكر البلوغ فقط.
2. أنّ المشهور بين الأصحاب هو البلوغ، ولذلك قال العلاّمة في التحرير: ويُتساوى جراح المرأة والرجل وأطرافهما إلى أن يبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث نقصت المرأة إلى النصف، وربما قيل: ما لم يتجاوز الثلث، فإذا تجاوزت رجعت إلى النصف، والأوّل أصحّ لرواية أبان بن تغلب الصحيحة عن الصادق (عليه السلام)ورواية جميل بن دراج الصحيحة عنه .1
ويشير العلاّمة في قوله: «وربما قيل» إلى ما ذكره الشيخ في «النهاية» أعني قوله: إلى أن تتجاوز المرأة ثلث دية الرجل، فإذا جاوزت الثلث، سفلت المرأة وتضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله.(2)
3. أنّ ما دلّ على القول الأوّل من الروايات هو أكثر عدداً وأصحّ سنداً، وأظهر دلالة، لفقدان التعارض بين الصدر والذيل بخلاف الطائفة الثانية، ففيها وجود التعارض بينهما.
قال صاحب الجواهر: إنّ النصوص المعارضة مع قصور سند جملة منها غير واضحة الدلالة إلاّ من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل وهو معارض لمفهوم الغاية في الصدر، والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية   2

1 . تحرير الاحكام: 5 / 568، المسألة 7221 .   2 . النهاية: 748 .

صفحه 161
Eإلى الشرط كذا يمكن بالعكس .1
ومراده من (مفهوم الغاية في الصدر) هو دلالته على شرطية البلوغ فقط دون شيء آخر، أعني التجاوز.
أقول: إنّ الثمرة للقولين لا تظهر في مورد اليد، إذا كانت الدية إبلاً أو ديناراً، وذلك لأنّه لا واسطة بين البلوغ والتجاوز في الإصبع مطلقاً، سواء كانت الدية إبلاً أو ديناراً مثلاً ; لأنّه لو قطع ثلاث أصابع تكون ديته ثلاثين إبلاً ولا تبلغ ثلث الدية، لأنّ ثلث الدية عبارة عن ثلاث وثلاثين وثلث دينار، فلا يتجاوز الثلث إلاّ بقطع أربعة أصابع حتّى تكون الدية أربعين من الإبل، وعندئذ يتحقّق العنوانان، وعلى ذلك فلا فرق أن يقال: بلغت الثلث أو تجاوزته .
نعم تظهر الثمرة بين كون الموضوع هو البلوغ أو التجاوز في المورد التالي: قد قُرر في محلّه أنّه لو انتهت الجراحة في اللسان إلى استئصاله بالنسبة إلى عامّة الحروف، فعلى الجارح الدية الكاملة، وأمّا في غير الاستئصال فتعتبر الدية حسب حروف المعجم، وهي ثمان وعشرون حرفاً، وتقسّط الدية على الحروف بالسوية، ويؤخذ نصيب ما أعدم منها، فلو قسّمنا الدية الكاملة وهي ألف دينار على عدد الحروف المذكورة، يكون نصيب كل حرف 7,35 ديناراً تقريباً، وعلى هذا فلو أدّت الجناية على اللسان إلى ذهاب تسعة أحرف وثلث حرف واحد تكون ديته 333 ديناراً تقريباً، وهو ثلث الدية، فلو قلنا بأنّ   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 87 .

صفحه 162
Eالميزان هو بلوغ الثلث، فلو أُصيبت المرأة بهذه الجراحة يتنزل نصيبها من الدية إلى النصف أي يكون 5,166 ديناراً، وأمّا لو قلنا بأنّ الميزان هو التجاوز عن الثلث فتكون دية المرأة والرجل في هذه الصورة سواء.
وأمّا لو بلغت الجناية إلى ضياع عشرة حروف فتكون ديتها 357 ديناراً تقريباً، وهي تزيد على الثلث أربع وعشرين ديناراً تقريباً، فلو أُصيبت المرأة بضياع عشرة حروف تتنّزل ديتها إلى النصف 5,178 ديناراً، على كلا القولين.
ثم إنّ الحكم (دية المرأة نصف دية الرجل) لايختصّ فيما لو تساوت الديتان بينهما في درجات ثم اختلفتا، بل يعمّ ما ورد النصّ على الثلث وما فوقه ابتداءً، فدية المرأة نصف دية الرجل، مثلاً: قال الشيخ في «المبسوط»: في الشفتين: في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان، فدية المرأة في العليا نصف دية الرجل فضلاً عن الثلثين.1
وقالوا في سلس البول الدية: إذا دام إلى الليل، وإن كان إلى الزوال فثلثا الدية، وإن دام إلى ارتفاع النهار فثلث الدية. ففي الجميع تكون دية المرأة نصف دية الرجل، إلى غير ذلك من الموارد.(2)
إذا عرفت ذلك فهنا فروع:
لو قطعت المرأة أصابع الرجل   
الفرع الأوّل: إذا طلبت المرأة القصاص في ثلاث أصابع والعفو عن الرابعة، فهل يجوز لها ذلك، وجهان:
أ. أنّ الحقّ راجع إليها فهي تتخيّر بين قطع ثلاث أصابع من دون ردّ   2

1 . المبسوط:7/132.   2 . شرائع الاسلام:4/263، جواهر الكلام:43/314.

صفحه 163
Eشيء أو قطع أربع وردّ الزائد.
ب. أنّ المرأة مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين بناءً على أنّ الثابت لها بالأصالة إنّما هو الدية، أو القصاص في الأربعة مع ردّ الفاضل.1
ولك أن تقول: إنّ المرأة يجوز لها القصاص على وجه التساوي إذا لم تتجاوز الجناية عن الثلث كما إذا قطعت ثلاثة أصابع منها، وأمّا إذا تجاوزت الجناية فهي مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع، أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين، وأمّا إجراء القصاص في اثنين والعفو عن اثنين آخرين ، فلم يثبت.
الفرع الثاني: لا شكّ أنّ الحكم السابق قطعي فيما لو قطع الرجل أصابع المرأة بضربة واحدة، وأمّا لو قطعها بضربات متعدّدة بحيث تُعدّ كلّ ضربة جنايةً مستقلّة، كما إذا قطع كلّ إصبع من الأصابع الأربعة في أُسبوع، فالظاهر أنّ للمرأة جواز قطع الجميع من دون ردّ شيء، لأنّ ما سبق من رجوع الدية بعد الثلث إلى النصف هو فيما إذا كانت الجناية واحدة، وأمّا إذا تعدّدت فلكلٍّ حكمٌ ثابت يستصحب عند الشكّ.
الفرع الثالث: إذا انعكس الأمر، فقطعت المرأة أصابع الرجل، فهنا الأمر سهل، فأصبع بأصبع، أي للرجل أن يقطع أربعة أصابع من المرأة في مقابل قطعها أصابعه الأربعة من دون ردّ شيء زائد.

1 . مسالك الأفهام:15/126.

صفحه 164
الثاني: التساوي في الدين، فلا يقتل مسلم بكافر، مع عدم اعتياده قتل الكفّار .*
من الشرائط المعتبرة في القصاص: التساوي في الدين   

* الثاني: التساوي في الدين

قد أشار في المتن إلى أمرين :
1. عدم جواز قتل المسلم بالكافر. وهذا هو الذي سندرسه هنا .
2. يجوز قتله عند الاعتياد وهذا هو الذي ستأتي دراسته في المسألة رقم (2) .

الأمر الأوّل : لايقتل المسلم بالكافر

سواء أكان حربياً أو ذمّياً أو معاهداً أو مستأمناً . وشذّ من قال من العامّة بجواز قتل المسلم بالذميّ ، ونُسب إلى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة ، وفي حقّه يقول القائل :
يا قاتل المسلم بالكافر *** جِرتَ وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها *** من فقهاء الناس أو الشاعر
جار على الدين أبو يو *** سف بقتله المسلم بالكافر
فاسترجعوا وابكوا على دينكم *** واصطبروا فالأجر للصابر
عدم جواز قتل المسلم بالكافر   
قال الشيخ : لا يقتل مسلمٌ بكافر، سواء كان معاهداً أو مستأمناً أو حربياً. وبه قال في الصحابة: علي(عليه السلام)وعمر وعثمان وزيد بن ثابت، وفي   2

صفحه 165
Eالتابعين: الحسن البصري وعطاء وعكرمة ، وفي الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وإليه ذهب: أبو عبيد وأبو ثور، وذهبت طائفة إلى أنّه يُقتل بالذميّ، ولايقتل بالمستأمن ولا بالحربي، ذهب إليه الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه، والمستأمن عند أبي حنيفة كالحربي.
ثم استدلّوا بقوله تعالى: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)1.
وبما رواه الجمهور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
ثم نقل ما روت العامّة عن علي(عليه السلام) أنّه أخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه مكتوب: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»2.
والمسألة مورد اتّفاق إلاّ أنّ الاستدلال بالآية مورد نظر، لانصراف الآية إلى السبيل على المؤمن بلا وجه، وأمّا قتله لأجل أنّه قتل ذميّاً محترم الدم، فالآية منصرفة عنه، فالأولى الاستدلال بالروايات التي مضى قسم منها عن الخلاف، وما تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهي مختلفة:
الأُولى: ما يدلّ على أنه لايقتل، بل يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم، روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه   2

1 . النساء: 141 .
2 . الخلاف: 5 / 145، المسألة 2 .

صفحه 166
Eقال: «لايُقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ، على قدر ديّة الذمّي ثمانمائة درهم» .1
الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّه يقتل بشرط ردّ فضل دية المسلم، منها:
1. روى ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه»2.
2. روى سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة فقال: «هذا حديث شديد لا يتحمّله الناس، ولكن يعطي الذمّيّ دية المسلم ثم يقتل به المسلم» .3
ومراده من إعطاء دية المسلم هو دفع فاضل الدية بقرينة سائر الروايات، فيطرح من عشرة آلاف درهم ثمانمائة درهم فيصير 9200 درهماً.
3. روى أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه وأدّوا فضل ما بين الديتين».4
عدم جواز قتل المسلم بالكافر   
الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّه يقتل إذا كان معتاداً للقتل الّذي يأتي الكلام عنه في المسألة التالية، ولا يخفى عدم وجود التعارض بين الطائفة الأُولى والثالثة، لأنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص فتختصّ   2

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
2 . الوسال: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
3 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3. وفي طبعة آل البيت «لا يحتمله» فلاحظ.
4 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4 .

صفحه 167
Eالأُولى بالثانية، إنّما الكلام في رفع التعارض بين الأُوليين .
فربما يقال لأجل رفع التعارض بحمل الطائفة الثانية على المتعوّد، فلا يقتل إلاّ إذا كان قد اعتاد قتلهم، والنسبة بينهما نسبة العموم والخصوص.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لسان ما دلّ على جواز القتل بشرط رد فضل دية المسلم آب عن حمله على صورة الاحتياط، فإنّ المتبادر منها أنّه صدر من المسلم القتل اتّفاقاً لا مستمراً واعتياداً.
وثانياً: أنّ ما دلّ على جواز القتل عند الاعتياد خال عن ردّ فضل الدية، فلو كان شرطاً لجواز القتل كان على الإمام أن يذكر هذا الشرط في نفس المسألة.
فالذي يمكن أن يقال حمل هذه الطائفة على التقية، فقد مرّ جواز القتل من الشعبي وأبي حنيفة وأصحابه حيث نقله الشيخ في «الخلاف».

صفحه 168
المسألة 1. لا فرق بين أصناف الكفّار من الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، ولو كان الكافر محرّم القتل كالذميّ والمعاهد يعزّر لقتله، ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم.*
المسألة 2. لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص منه بعد ردّ فاضل ديته، وقيل إنّ ذلك حدٌّ لا قصاص، وهو ضعيف.**
* لا فرق في عدم جواز قتل المسلم بالكافر ]إلاّ ما يستثنى في المسألة التالية[ بين الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، لإطلاق ما دلّ على عدم جواز القتل، الّذي مرّ في ضمن الشرط الثاني.
نعم لو كان محرّم القتل كالذميّ والمعاهد، يعزّر لقتله ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم، كما دلّت عليه صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«لا يقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ على المسلم جنايته للذميّ، على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم » وقد مضى الكلام فيه عند دراسة الشرط الثاني.
   

** لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة

فهنا أقوال:
الأوّل: أنّه يقتل قصاصاً، بعد أن يردّ أولياء المقتول فاضل دية المسلم من دية الذمّيّ. وهو خيرة الشيخ في «النهاية»، وسلاّر في «المراسم»، وابن حمزة في «الوسيلة».   2

صفحه 169
Eقال الشيخ : وإذا قتل المسلم ذميّاً عمداً وجب عليه ديته، ولايجب عليه القود إلاّ أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمّيّ ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال، ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم .1
ونسبه المحقّق إلى «قيل» مشعراً بضعفه، قال: وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص بعد ردّ فاضل ديته .2
وكذلك العلاّمة في «القواعد» حيث قال:وقيل:إن اعتاد قتل أهل الذّمة، قتل قصاصاً بعد ردّ فاضل دية المسلم .3
الثاني: أنّه يقتل حدّاً لا قصاصاً، لإفساده في الأرض. وهو قول ابن الجنيد، وأبي الصلاح.4
الثالث: أنّه لايقتل مطلقاً. وهو قول ابن إدريس، فإنّه بعد ما روى ما دلّ على جواز القتل بعد ردّ فاضل الدية، قال:ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الرواية ولا يعرّج عليها، لأنّها مخالفة للقرآن والإجماع .5   2

1 . النهاية: 749; ولاحظ: المراسم: 236، والوسيلة: 431 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 196 .
3 . قواعد الأحكام: 3 / 605 .
4 . مختلف الشيعة: 9 / 323 .
5 . السرائر: 3 / 352 .

صفحه 170
Eوالأقوى هو الأوّل، ويدلّ عليه ما ورد من الروايات:

الأُولى: رواية إسماعيل بن الفضل

روى إسماعيل بن الفضل رواية واحدة نقلت بصورة ثلاث روايات تختلف طولاً وقصراً (مع أنّها واحدة) لوحدة الراوي والإمام المرويّ عنه:
أ- قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوداً لقتلهم».
قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم ، قال: «لا، إلا أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر» .1
والحديث في بادئ النظر لا يخلو عن اضطراب من وجهين:
الأوّل: السؤال عن شيء واحد مرتين، حيث سأل الراوي في الأوّل عن دماء اليهود والمجوس والنصارى، وفي الثاني عن قتل أهل الذمة وأهل الكتاب، مع أنّ الجواب عن أحد السؤالين مغن عن السؤال الآخر.
الثاني: ماذا يريد السائل من قوله : هل عليهم ـ أولياء المقتول ـ شيءٌ؟ مع أنّه لو كان هنا شيءٌ، فإنّما هو على القاتل لا على أولياء المقتول .
والجواب عن الأوّل هو اختلاف المسؤول عنه فيهما، فإنّ السؤال في الأوّل عن دماء المجوس واليهود والنصارى إذا أخلّوا بشرائط الذمّة لا ما   2

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 171
Eإذا عملوا بها... وأما المسؤول عنه في السؤال الثاني فهو مطلق أهل الذمّة الذين عبّر عنهم ثانياً بقوله: «أهل الكتاب»، وبين الموضوعين فرق واضح، وجواز القتل في الأوّل لا يكون دليلاً على جوازه في الثاني، فأين المخل بالشرائط عن العامل بها؟!
والجواب عن الثاني هو: أنّه يمكن أن يكون المراد دفع فاضل الدية عند قتل المسلم، وهذا على أولياء المقتول.
إذا عرفت ذلك فلندرس سائر صور الرواية.
ب- روى أبان عن إسماعيل بن الفضل:
قال:سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال«لا، إلا أن يكون معوّداً لقتلهم فيقتل وهو صاغر» .1
ورواها الصدوق عن علي بن الحكم عن إسماعيل بن الفضل مثله، إلاّ أنه قال:«إلا أن يكون معتاداً لذلك لايدع قتلهم».
ج- روى جعفر بن بشير، عن إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قلت له:رجل قتل رجلاً من أهل الذمة؟ قال: «لايقتل به إلاّ أن يكون متعوّداً للقتل» .2
والظاهر أنّ الجميع رواية واحدة لوحدة الراوي والمروي عنه.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7.

صفحه 172

E الثانية: رواية محمد بن الفضل

روى يونس عن محمد بن الفضل (أو الفضيل) عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال: قلت له: رجل قتل رجلاً من أهل الذمة؟ قال:«لا يقتل به إلا أن يكون متعوّداً للقتل» .1
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في أُمور:

الأوّل: إذا قلنا بجواز قتل المتعوّد، فما هو الموضوع؟

هنا احتمالات:
1. قتل من غشى المسلمين وأظهر العداوة لهم.
2. قتل أهل الذمّة إذا عملوا بشرائط الذمّة.
3. مطلق أهل الكتاب وإن لم يكونوا من أهل الذمّة، كما في المستأمن.
والظاهر أنّ الموضوع هو الثاني، إذ هو القدر المتيقّن، وقد ورد ذلك اللفظ في السؤال الثاني في الرواية الأُولى لإسماعيل بن الفضل، كما ورد أيضاً في الرواية الثانية له .
قتل المعتاد لقتل الكفّار يتمّ بعد رد فاضل الدية   
وعلى هذا فلو قتل المخل بشرائط أهل الذمة أو المستأمن فلا يقتل ; لأنّ الأصل في الدماء الحرمة، فقتل المسلم في هاتين الصورتين موضع شك يدرأ بالشبهة .   2

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث 7 .

صفحه 173

E الثاني: القتل يتم بعد ردّ فاضل الدية

إنّ الحكم (قتل المعتاد) إمّا محل إجماع أو مشهور، حتى أنّ صاحب الجواهر حكى عن صاحب «غاية المراد»، أنّه قال: إنّ هذه المسألة إجماعية، ولو كان هذا الخلاف مؤثراً في الإجماع، لم يوجد إجماع أصلاً .1
ثم إنّ المصنّف قيّد قتل المسلم المعتاد بالذميّ بأنّه يجوز الاقتصاص بعد ردّ فاضل ديته، بمعنى أنّه يطرح ثمانمائة درهم من ألف دينار وهي دية المسلم، فيرد الباقي إلى أولياء المسلم المقتص منه.
وقد حكى صاحب الجواهر عن المرتضى والشيخين وابني حمزة وسعيد وسلاّر والشهيد جواز القصاص بعد رد فاضل ديته.(2) ومع ذلك فليس في الروايتين ما يدلّ عليه، وقد مرّ أنّ ما دلّ على ردّ فاضل الدية منصرف عن صورة الاعتياد، وعلى هذا فرد فاضل الدية يكون من باب الاحتياط .

الثالث: هل القتل من باب القصاص أو الحدّ ؟

قال في «الجواهر»: لم يحك القول بالقتل حدّاً إلاّ عن أبي علي (ابن الجنيد) والتقيّ (أبي الصلاح)، نعم في «كشف اللثام» حكايته عن المختلف وظاهر الغنية، بل عن الفقيه أنّه يقتل عقوبة لخلافه على الإمام. قال: والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك.(3)
أقول: ظاهر ما ورد في مورد المعتاد هو القصاص; وذلك لأنّه ورد فيما رواه إسماعيل بن الفضل، قوله : سألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 151.   2 . جواهر الكلام: 42 / 152.   3 . جواهر الكلام: 42 / 153.

صفحه 174
Eوهو يدلّ أنّ القتل من باب القصاص ; ونظير ذلك ما رواه محمد بن الفضل، والّذي جاء في كلام الإمام الرضا (عليه السلام): «لا يقتل به إلاّ أن يكون متعوّداً للقتل»1.
فتظهر ثمرة كون القتل حدّاً أو قصاصاً فيما لو عفا أولياء المقتول، فيسقط القتل لو كان بالقصاص دونما لو كان حدّاً; لأنّ عفو الورثة لا يؤثّر في ردّ العقوبة.
وتظهر الثمرة أيضاً في ردّ فاضل الدية على القول به، فعلى الحدّ لا ردّ دون القصاص.
هذا وقد يظهر من حديث سماعة أنّ القتل من باب الحدّ، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن مسلم قتل ذميّاً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّيّ، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذميّ فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأداها ولم يجحدها».2
فإنّ التعبير بقوله:«حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّيّ» يدلّ على أنّه من باب الحدّ أي حتّى يحجم ويمتنع عن قتل الذمّيّ.
حكم القصاص بين أهل الذمّة حكمه بين المسلمين    
ثم إنّ الاعتياد أمر عرفي يتحقّق بتكرّره مرّتين مع استمرار القصد. والله العالم.

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث 7.
2 . الوسائل: 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 1 .

صفحه 175
المسألة 3. يقتل الذمّيّ بالذمّيّ وبالذمّيّة مع ردّ فاضل الدية، والذمّيّة بالذمّيّة وبالذمّيّ من غير ردّ الفضل كالمسلمين، من غير فرق بين وحدة ملّتهما واختلافهما، فيقتل اليهودي بالنصراني وبالعكس والمجوسي بهما، وبالعكس.*

* حكم القصاص بين الذمّيين حكمه بين المسلمين

فعلى هذا يظهر حكم الفروع التالية:
1. لو قتل الذمّيّ ذمّياً يقتل به، لقوله سبحانه:(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
2. لو قتل الذمّيّ ذمّيّة، يقتل بها بعد ردّ فاضل الدية، لأنّ دية الذمّيّة نصف دية الذمّيّ، كما أنّ دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل المسلم .
3. تقتل الذمّيّة بالذمّيّة أخذاً بقوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وتقتل الذمّيّة بالذمّيّ من غير رجوع عليها بالفضل، كما هو الحال في قصاص المسلمة بالمسلم.
روى السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقول: يقتصّ اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً».1

1 . الوسائل: 19، الباب 48 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 176
المسألة 4. لو قتل ذمّي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه، من غير فرق بين كون المال عيناً أو ديناً منقولاً أو لا، ولا بين كونه مساوياً لفاضل دية المسلم أو زائداً عليه أو مساوياً للدية أو زائداً عليها.*
لو قتل ذمّي مسلماً عمداً   

* لو قتل الذمّيّ مسلماً عمداً

المشهور بين الأصحاب أنّه يدفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله أو استرقاقه.
قال في «النهاية»: وإذا قتل الذمّيُّ مسلماً عمداً دُفع برمّته هو وجميع ما يملكه إلى أولياء المقتول، فإن أرادوا قتله كان لهم ذلك، ويتولّى ذلك عنهم السلطان، وإن أرادوا استرقاقه، كان رقّاً لهم; فإن أسلم بعد القتل، فليس عليه إلاّ القود والمطالبة بالدية كما يكون على المسلم سواء .1
وحاصل كلامه: أنّه إذا لم يُسلم يُدفع هو وجميع مايملكه إلى أولياء المقتول، وإن أسلم يكون حكمه حكم المسلم إذا قتل المسلم.
وقال العلاّمة: ولو قتل الذمّيّ مسلماً عمداً، دُفع هو وماله إلى أولياء المقتول ويتخيّرون بين قتله واسترقاقه، ولو أسلم قبل الاسترقاق لم يكن لهم إلاّ قتله كما لو قتل وهو مسلم .2   2

1 . النهاية: 748 .
2 . قواعد الأحكام: 3 / 606 .

صفحه 177
Eوهنا أُمور:

الأوّل: دليل الحكم

والأصل في ذلك روايتان:
الأُولى: مارواه ضريس الكناسي والتي رواها عنه المشايخ، وإليك نصّها كما ورد في «الكافي»:
عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر(عليه السلام) في نصرانيٍّ قتل مسلماً فلمّا أُخذَ أسلم، قال:«اقتله به»، قيل: وإن لم يسلم: قال: «يدفع إلى أولياء المقتول ]فإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا استرقوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء المقتول[ هو وماله »1.
ورواها الصدوق في «الفقيه» والشيخ في «التهذيب» بنفس اللّفظ إلاّ بإضافة كلمة «عين» في قوله: «وإن كان معه عين مال،قال:دفع إلى أولياء المقتول» .2
ورواها في الوسائل عن «الكافي» بالنحو التالي: «وإن شاءُوا استرقوا(قيل) وإن كان معه عين ]مال[، قال: «دفع إلى أولياء المقتول هو وماله».3    2

1 . الكافي: 7 / 310، كتاب الديات.
2 . الفقيه: 4 / 121 برقم 5251 ; التهذيب: 10 / 190 ـ 191، برقم 750 .
3 . الوسائل: 19، الباب 49 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 178
Eفقد تفرّد صاحب الوسائل بنقل لفظة «قيل» .
ونقلها في «الجواهر» مطابقاً لما نقله الشيخ في «التهذيب».1
الرواية الثانية: ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)، بنفس اللفظ الذي نقله عن ضريس الكناسي، ففيه كلمة «عين مال» مكان «مال» في نقل «الكافي»، مع عدم اشتماله على لفظة «قيل» في قوله: «قيل: وإن كان معه مال»2.
إذا علمت مصدر الحكم فيظهر وجه ما ورد في كلام المصنّف من أنّه يدفع هو وماله إلى أولياء المقتول وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه.

الأمر الثاني: هل هناك فرق بين عين ماله وما في ذمم الغير؟

   
ففي رواية الكافي:«وإن كان معه مال»، وفي رواية الشيخ: «إن كان معه عين مال» وحسب القواعد تقدّم النقيصة على الزيادة ; لأنّ احتمال السقوط أكثرمن احتمال الزيادة السهوية. لكن إتقان الكليني يدفعنا إلى الأخذ به، فيعم الحكم العين وما في ذمم الغير.
هذا وبما أنّ أخذ المال أمر على خلاف القاعدة فالذي يستحقه أولياء المقتول نفس القاتل وفاضل ديته، وأمّا الزائد عليه سواء كان عيناً أو في الذمة على خلاف القاعدة، فيقتصر على القدر المتيقّن وهو العين لا في الذمم.   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 156 .
2 . التهذيب: 10 / 190 برقم 750 .

صفحه 179

E الأمر الثالث: التجاوز على أعراض المسلمين يخرج الذمّي عن ذمّته

يظهر من بعض الروايات أنّ التجاوز على أعراض المسلمين يخرج الذمّيّ عن ذمّته ; فقد روي عن الامام الهادي (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)1 .
حينما سُئل الإمام في زمان المتوكل عن رجلٍّ نصرانيٍّ فجر بامرأة مسلمة وأرادوا أن يقيموا عليه الحدّ فأسلم، فكتب الامام في جوابه:«يضرب حتى يموت». 2 واستدلّ عليه بالآية المتقدّمة، ولعلّها ظاهرة في خروجه عن الذمّة. ولكن الظاهر في المقام عدم خروج هذا الشخص عنها، وإلاّ لأوكل عقوبته إلى الإمام دون أولياء المقتول. وهذا يدلّ على عدم خروجه عن الذمّة.

الأمر الرابع: أولياء المقتول مخيّرون بين القتل والعفو والاسترقاق

الظاهر من الروايتين الأُولى والثانية أنّ أولياء المقتول مخيّرون بين أُمور ثلاثة: 1. القتل 2. العفو 3. الاسترقاق.
والظاهر أنّ دفع ماله إليهم لأجل استرقاقهم له، خصوصاً على ما نقله الكليني حيث قال: «وإن شاءُوا استرقّوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء   2

1 . غافر: 84 ـ 85 .
2 . الوسائل: 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث 2 .

صفحه 180
Eالمقتول»، فإنّ الظاهر منه ترتّب دفع المال على صورة الاسترقاق دون ما إذا اختاروا القتل أو العفو فليس لهم عندئذ أخذ ماله.
نعم حسب ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بتوسيط «قيل» بين «استرقوا» وبين«وإن كان معه مال» يمكن أن يُعدّ أخذ ماله أمراً مستقلاً غير تابع للاسترقاق، ولكن الوجه الأوّل هو الأقوى.
قال العلامة في «التحرير»: وإذا اختار الأولياء القتل تولى ذلك عنهم السلطان، قال ابن إدريس: وإذا اختاروا قَتْلَه لم يكن لهم على ماله سبيلٌ، لأنّه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه .1

1 . تحرير الأحكام: 5 / 455، المسألة 7041 .

صفحه 181
المسألة 5. أولاد الذمّيّ القاتل أحرار لا يسترقّ واحد منهم لقتل والدهم، ولو أسلم الذمّيّ القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله.*
* في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل: في استرقاق أولاد الذمّيّ القاتل

الظاهر أنّ المراد من الأولاد هم الأصاغر لا مطلق الأولاد، كما يقول المحقّق: وفي استرقاق ولده الصغار تردّد، أشبهه بقاؤهم على الحرية.1
وقال العلاّمة: وهل يسترق الأولياء أولادهم الأصاغر؟ قال الشيخ: نعم، ومنعه ابن إدريس .2
وجه الاسترقاق هو تبعية الولد لأبيه، وقد ثبت له الاسترقاق فيثبت لتابعه; ولأنّ المقتضي لحقن دمه هو وماله ونفي استرقاقه هو التزامه بالذمّة، وبالقتل خرقها فتجري عليه أحكام الحرب، التي من جملتها استرقاق أصاغر أولاده.3
ووجه عدمه هو أنّ المتيقّن من تبعية الأولاد للآباء في الاسترقاق إذا أسروا في ميدان القتال لا في هذه الصورة، فأصالة بقائهم على الحرية لانعقادهم عليها كاف في عدم جواز استرقاقهم مضافاً إلى أنّ جناية الأب   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 211 .
2 . تحرير الأحكام: 5 / 455 برقم 7041 .
3 . فالتبعيّة في المقام سبب لاسترقاق الولد الصغار. بخلاف التبعية في قتل ولد الزانية حيث إنّها سبب لقتل القاتل المسلم وعدم التبعية لعدم قتله، فانتظر.

صفحه 182
Eلا تتجاوزه، قال سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)1.
وقد مرّ أن قتل الذمّيّ المسلم لايخرجه عن الذمّة وإلاّ لما خيّر أولياء الدم بين الأُمور الثلاثة، أضف إلى ذلك: سكوت الرواية عنه مع كونه في مقام البيان، ولذلك قال المحقّق: إنّ الأشبه بالقواعد بقاؤهم على الحرية .

الفرع الثاني: لو أسلم قبل الاسترقاق

قال المحقّق: لم يكن لهم إلاّ قتله، كما لو قتل وهو مسلم .
وقال العلاّمة: ولو أسلم فإن كان قبل الإسترقاق لم يكن لهم على ماله وأولاده سبيل، وليس لهم استرقاقه بل لهم قتله كما لو قتل وهو مسلم; وإن كان بعد الاسترقاق، لم يسقط عنه شي من الأحكام. 2
والدليل عليه رواية ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام)في نصراني قتل مسلماً، فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به».3
لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به    

1 . الأنعام: 164 ; الإسراء: 15 ; فاطر: 18; الزمر: 7 .
2 . تحرير الأحكام: 5 / 455، المسألة 7041 .
3 . الوسائل: 19، الباب 49 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 ; ولاحظ التهذيب: 1 / 190. برقم 750 .

صفحه 183
المسألة6. لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به، بل عليه الدية إن كان المقتول ذا دية.*

* لو قتل الكافر كافراً ثم أسلم

قال المحقّق: ولو قتل الكافر كافراً، وأسلم القاتل، لم يقتل به، وأُلزم الدية، إن كان المقتول ذا دية .1
إذا كان القاتل والمقتول كلاهما كافرين، يقع الكلام في تعلّق القصاص أوّلاً، والدية ثانياً، ومن المعلوم أنّ مطلق الكافرليس مصون الدم بل قسم منه، أعني: الذمّيّ فهو الذي يستحقّ القصاص والدية، وبذلك يعلم أنّ الأفضل في التعبير أن يقال:ولو قتل الكافر ذميّاً، حتى يستحق كلا الأمرين .
ولو فرضنا أنّ القاتل أسلم بعد القتل ـ عن صميم القلب لافراراً من القصاص ـ فهل هذا يوجب سقوط القصاص أوّلاً، وتتعلّق به الدية ثانياً؟
أمّا أوّلاً: فإنّ الإسلام يكون حاجزاً بينه وبين قتله، روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ، ثمانمائة درهم» .2
فإن قلت: إنّ ما ورد من الروايات حول أنّه لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر، ناظر إلى ما كان القاتل مسلماً حال جنايته لا بعدها، كما في المقام.   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 211 .
2 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5 .

صفحه 184
Eقلت: إنّ ظاهر بعض الروايات هو الأعم، سواء أكان مسلماً حينها أو بعدها وحين القصاص، نظير ما رواه إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال:«لا» .1
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن استظهار أنّ المناط حال الاقتصاص، فقد مرّ ذلك في رواية محمد بن قيس قوله: «لايقاد مسلم بذمّي في القتل»، مضافاً إلى كونه موافقاً للاحتياط المطلوب في الدماء .
وأمّا الثاني: أعني تعلّق الدية، فلأجل ما ربّما يقال: كلّ مورد امتنع القصاص تجب فيه الدية ; وذلك لأنّ المفروض أنّ المقتول محقون الدم، فلو منع من الاقتصاص لأجل التفاوت بالدين فيجب جبران دمه بالدية، وإلاّ يكون مهدور الدم، وهو خلاف الفرض. نعم لو أسلم فراراً عن القصاص لاينفع إسلامه، لما مرّ في الرواية الواردة عن الإمام الهادي(عليه السلام).
   

1 . الوسائل: 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6 .

صفحه 185
المسألة7. يقتل ولد الرشيدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام حين تميّزه ولولم يبلغ، وأمّا في حال صغره قبل التميّز أو بعده وقبل إسلامه، ففي قتله به وعدمه تأمّل وإشكال.*

* لو قتل ولدُ الحلال ولدَ الزنا

في المسألة فروع:
1. لو قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد بلوغه ووصفه الإسلام.
2. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل بلوغه وبعد تميّزه ووصفه الإسلام.
3. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد تميّزه وقبل وصفه إسلامه.
4. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل تميّزه.
فقد أفتى المصنّف بالقصاص في الصورتين الأُوليين، وتأمّل واستشكل في الصورتين الأخيرتين.
قال المحقّق: ويقتل ولد الرشيدة بولد الزنية لتساويهما في الإسلام.1
وقال العلاّمة: يقتل ولد الرشدة بولد الزنية.(2)
والرشدة (بكسر الراء وفتحها) خلاف الزنية، وهي بهما أيضاً.
ثم إنّ الداعي لعنوان المسألة هو أنّ بعض الفقهاء كالسيد المرتضى يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم.2 وهو قول شاذّ في مقابل الآخرين.   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 212 .   2 . تحرير الأحكام: 5 / 459 برقم 7050.
2 . الانتصار: 544، المسألة 503 .

صفحه 186
Eوحقيقة الكلام قبل الخوض في بيان الفروع أنّ ولد الزنا إذا كان الزاني مسلماً محكوم بالإسلام تبعاً، قبل البلوغ، وصف الإسلام أوْ لا، مميّزاً كان أو غير مميّز، كولد الحلال في عامّة المراتب ; وذلك لأنّه ولد ـ حقيقي لغوي عرفي ـ للزاني، ويترتّب عليه كلّ أثر شرعي للأولاد، فيحرم عليه الزواج مع أُخته بنت الرشيدة، كما أنّه يجب على الوالد نفقته، إلى غير ذلك من الآثار.
نعم هو محروم من الإرث ونحوه إخراجاً حكميّاً لا وضعياً، فعلى ما ذكرنا فهو محكوم بالإسلام بالتبعية التكوينية للأب، سواء كان قبل التمييز أو بعده،قبل التوصيف أو بعده.
وبعبارة أُخرى: إنّ الاشتباه حصل بين كونه ولداً تكوينياً عرفياً لغوياً، وبين كونه ولداً شرعياً، تولّد من عقد شرعي أو ملك يمين; ولكن نفي الثاني لا يلازم نفي الأوّل، إذ لا شكّ أنّه ولد حقيقي، يحرم على الأب الزواج منها إذا كانت بنتاً ويجوز له النظر إليها، إلى غير ذلك من الأحكام العامّة في الأولاد، إلاّ ما خرج بالدليل كالميراث و الإمامة في الصلاة والقضاء.
وبذلك يعلم أنّ ولد الحلال يقتل إذا قتل ولد الحرام حسب القواعد في عامّة الفروع الأربعة، الّتي أُشير إليها في المتن. لقوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).1
فعلى هذا لو قتله إذا كان بالغاً وأظهر الإسلام، أو قتله قبل البلوغ ولكنّه واصف الإسلام ، فلا شكّ في القصاص عند المصنّف وغيره ، إنّما   2

1 . المائدة: 45 .

صفحه 187
Eالإشكال عندهم في الصورة الثالثة(ميّز و لم يصف الإسلام) والرابعة(لم يميّز). وجه الاشكال هو عدم وجود التبعية ; لأنّه ليس ولداً شرعياً يحكم بإسلامه لأجلها، ولذلك تأمّل في المتن واستشكل.
يلاحظ عليه: أنّ ملاك التبعية هو كون المولود ولداً حقيقياً عند العرف والمفروض أنّه كذلك، فولد الزاني المسلم محكوم بالإسلام لأجل التبعية. ولذلك نرى أنّ العلاّمة أفتى بجواز القصاص من دون فرق بين الصور، قال:يقتل ولد الرشدة بولد الزنية مع تساويهما في الإسلام، وعند مَن يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم، والمعتمد ما قلناه .1
ثم لو قلنا بعدم التبعية فمع ذلك يجري فيه القصاص ; وذلك لأنّ الوارد: «لايقاد المسلم بذمّي».
وإن شئت قلت: لايقاد مسلم بكافر، والمفروض أنّ ولد الزنا في الصورتين الأخيرتين ليس محكوماً بالكفر ولا بالإسلام، فلا يعمّه دليل الاستثناء...

1 . تحرير الأحكام: 5 / 459 برقم 7050.

صفحه 188

ومن لواحق هذا الباب فروع

منها: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً فأسلم وسرت إلى نفسه، فلا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعليه دية النفس كاملة، وكذا لو قطع صبي يد بالغ فبلغ ثم سرت جنايته، لا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعلى عاقلته دية النفس.*
* في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً وسرت جنايته

لو قطع صبيٌّ يد بالغ وسرت جنايته   
إذا جنى المسلم جناية على طرف من أطراف ذمّيّ فسرت إلى نفسه لا يقتصّ منه، فالنفس والأطراف في الحكم واحدة.
روى محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لايقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات».1 هذا حكم القصاص، وأمّا الدية فهي عليه ما دام المجنيّ عليه كافراً.
كما في نفس الرواية حيث جاء فيها: «ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم» ولكن لو فرضنا أنّ الذمّيّ أسلم بعد الجناية وسرت الجناية إلى نفسه فقتلته، فلاشكّ في عدم القصاص نفساً وطرفاً; لعدم التساوي في الدين عند الجناية، إنّما الكلام في مقدار الدية،   2

1 . الوسائل: 19، الباب47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث5.

صفحه 189
Eفهل يستحق دية الذمّيّ أو دية المسلم؟
الظاهر هو الثاني; لأنّ الميزان حال التأدية، والمفروض أنّه مسلم في ذلك الحال.
وبعبارة أُخرى: أنّ الجناية كانت مضمونة حين وقوعها بالدية لا بالقصاص وقد سرت الجناية المضمونة إلى نفسها فيكون المضمون حال تحقّق الجزء الأخير كما هو الحال في عامّة الجنايات .
وإن شئت قلت: إنّه وإن جُرح حال الكفر ولكنّه مات بجرح سرى إلى نفسه فقتله وهو مسلم، فيصح أن يُسند القتل إلى القاتل وأن يقال بأنّه قتل مسلماً ولو نهاية، فيلزم دفع دية المسلم.

الفرع الثاني: لو قطع صبي يد بالغ وسرت جنايته

لو قطع صبيٌّ يد بالغ، ثم بلغ الجاني ثم سرت جنايته، فلاشكّ أنّ الصبي حين الجناية لم يكن محكوماً بالقصاص في الطرف لعدم كونه بالغاً، وقد رفع القلم عن ثلاثة: «الصبي حتى يحتلم» إنّما الكلام إذا سرت جنايته بعد البلوغ وانتهت إلى تلف النفس، فهل يحكم على الصبي البالغ بالقصاص ؟ الظاهر: لا; لأنّ قصده كلا قصد، فلا عبرة بجنايته حين الصبى، فلو سرت إلى تلف النفس فالسراية نتيجة جناية غير مضمونة على الصبي فلا يحكم بالقصاص، وأمّا الدية فنعم لكن على العاقلة.

صفحه 190
ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت فلا قود، ولا دية على الأقوى، وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار، والأوّل أقوى، ولو رماه فأصابه بعد إسلامه فلا قود ولكن عليه الدية، وربما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي، وهو ضعيف، وكذا الحال لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه فلا قود، وعليه الدية.*
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت إلى النفس.
2. لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه.
3. لو رمى ذمّياً فأسلم ثم أصابه.
والجامع بين هذه الفروع: أنّ الجناية وقعت في حال كفر المجني عليه، وأمّا ما يتبع الجناية فقد وقع في حال الإسلام، مثلاً:
ففي الأوّل قطع يد الحربي في حال الكفر والسراية إلى النفس في حال الإسلام، وفي الثاني وقع الرمي إلى الحربي في حال الكفر لكن وقعت الإصابة في حال إسلام المرمي.
ومثله الثالث فرمي الذمّي كان في حال الكفر، ولكن الإصابة حصلت في حال الإسلام.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع:   2
   

صفحه 191

E الفرع الأوّل: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم وسرت الجناية

لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم المقطوع وسرت الجناية إلى نفسه، يقع الكلام في القصاص أوّلاً، وفي الدية ثانياً.
أمّا القصاص، فلا، وذلك لما مرّ من رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل، ولا في الجراحات»، فإذا كان الحكم في الذمّيّ ثابتاً، ففي الحربي والمرتد بطريق أولى.
وقد عرفت أنّ الميزان في القصاص هو حال الجناية، والمفروض كونه كافراً في حالها وهو لا يعادل مسلماً.
وأمّا الدية فمثل القصاص ; لأنّ الجناية لم تكن مضمونة حال وقوعها، لأنّ مقطوع اليد هو الحربي أو المرتد، وبهذا يفارق ما مرّ في الملحق الأوّل، أعني: لو قطع مسلم يد ذمّيّ عمداً فأسلم، لأنّ الجناية هناك وقعت على محقون الدم، ولذلك أفتى في المتن بعدم القصاص والدية .
وما ربما يقال من أنّ الميزان في الدية حال الاستقرار ـ كما أشار إليه في المتن ـ إنّما يصحّ إذا كانت الجناية على محقون الدم.

الفرع الثاني: لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه

لو رمى الحربي، ولكن أصابه بعد إسلامه، فقد أفتى المصنّف بعدم القود ولكن عليه الدية، أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية والمفروض أنّه في تلك الحال كافر مهدور الدم، إنّما الكلام في وجوب الدية، فقد   2

صفحه 192
Eعلّله المحقّق بقوله: لأنّ الإصابة صادفت مسلماً محقون الدم1، وكأنّ الميزان في كون المجني عليه محقون الدم أو مهدوره هو وقت الإصابة، والمفروض أنّه مسلم حالها.
وبذلك يظهر الفرق بين الفرع الأوّل والثاني، فإنّ الجناية في الأوّل وقعت بعامّة أجزائها حال الكفر، لكن نتيجة الجناية صارت سبباً للقتل وهو مسلم، وهذا بخلاف المقام (الثاني) فإنّ جزءاً من الجناية (أعني: الرمي) وقع في حال الكفر، ولكن الجزء الآخر (أعني: الإصابة) الّذي هو فعل تسبيبي للرامي وقع حال الإسلام، فإذا لم يحكم بالقود فلا بدّ من الدية.

الفرع الثالث: لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه

كما إذا رمى بالصاروخ من طريق بعيد قال المصنّف: فلا قود، وعليه الدية.
أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية، والمفروض أنّ الرمي وقع في حال الكفر، وأمّا الإصابة (أعني: الجزء الآخر) قد وقعت في زمان الإسلام، فالقصاص منتف ; لأنّ الميزان فيه حال الجناية، وقد تحقّقت وهو مسلم فلا يقتص من الجاني المسلم بكافر ذمّي، وأمّا الدية فلأنّه محقون الدم قبل الرمي وبعده.
في أحكام المرتد   
وعلى كلّ تقدير فالفرعان الأخيران من الفروض النادرة التي لا تتحقّق إلا في نوادر الزمان.

1 . شرائع الإسلام:4/212.

صفحه 193
ومنها: لو قتل مرتد ذمّياً يقتل به، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود، وعليه دية الذمّيّ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً ـ ولو عن فطرة ـ قتل به، ولو قتله مسلم فلا قود، والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام (عليه السلام)تعزيره.*

* في أحكام المرتد

في المسألة فروع:
1. لو قتل مرتدٌ ذميّاً، وبقي على ارتداده.
2. إن قتل مرتدٌ ذميّاً، وأسلم ثم قتل الذمّي.
3. لو قتل ذمىٌّ مرتدّاً ولوعن فطرة.
4. لو قتل مسلمٌ مرتدّاً.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى نكتة وهي أنّ المرتدّ في المسألة تارة يفرض كونه مقتولاً، وأُخرى يفرض كونه قاتلاً، فما هو الوجه في تخصيصه بالبحث؟
أقول: إنّ تخصيص المرتد بالبحث لأجل أُمور ثلاثة:
1. أنّ المرتد برزخ بين المسلم والكافر، فلا هو مسلم قطعاً ومع ذلك لايتعامل معه معاملة الكافر ، تماماً، حيث يحرم عليه نكاح الذمّية ولا يرثه الكافر ويجب عليه قضاء صلواته إذا أسلم ثانياً، ولذلك عاد موضوعاً للبحث.
وقد أشار إليه في «الشرائع» بقوله: «منشأه تحرّم المرتد بالإسلام» المانع من نكاحه الذمّية، ومن إرث الذمّي له، ومن استرقاقه ووجوب   2

صفحه 194
Eقضاء الصلاة عليه لو تاب فأسلم، كل ذلك صار سبباً لا بتعاده عن الكفر واقترابه إلى الاسلام.
2. يظهر من بعض أحكام المرتد أنّه أسوأ حالاً من الذمّيّ كوجوب قتله مع عدم قبول توبته، إجماعاً وعدم حل ذبيحته، وعدم إقراره بالجزية.
3. هل المرتد مهدور الدم مطلقاً أو مهدور بالنسبة إلى الإمام والمسلمين أو هو مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام الحاكم بارتداده .
فكل ذلك ـ كما أشار إليه في الجواهر 1 ـ صار سبباً للتردد في الحكم، ولذلك قال المحقّق: إذا قتل مرتد ذميّاً، ففي قتله تردد منشأه تحرّم قتل المرتد بالاسلام. 2
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لو قتل المرتد ذميّاً وبقي على ارتداده

الأقوى جواز قتله، لإطلاق أدلّة القصاص ـ أعني قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ـ فخرج عنها قتل المسلم بالذمّي، أو الكافر، وبقي الباقي تحت إطلاق الآية.
في أحكام المرتد   
وما مرّ من اشتراط التساوي في الدين فهو حاصل في المقام، لأن الكفر كالملّة الواحدة فيقتل النصراني باليهودي وبالعكس ، ويقتل المرتدّ بالذمّي.
إلاّ أن يقال بتحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام، فيصير مانعاً   2

1 . جواهر الكلام:42/163-164.
2 . شرائع الإسلام:4/213 .

صفحه 195
Eمن القصاص كما هو الحال في الفرع التالي.

الفرع الثاني: لو قتل المرتد ذميّاً ثم عاد إلى الإسلام

مقتضى القاعدة هو القود لتساوي القاتل والمقتول في الدين أي الكفر في حال الجناية وقد عرفت أنّ الميزان هو تلك الحالة، لكن الحكم بعدم القود في المتن لأجل تحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام فصار مانعاً من القود وإلاّ فالإسلام المتأخر لا يمنع من القود الثابت. وما يقال من أنّ الميزان هو حال القصاص لا الجناية ينافي ما سبق من أنّ الملاك حال الجناية فلاحظ، نعم عليه الدية لأن الذمّيّ محقون الدم، وكل مورد يمتنع القصاص تتعيّن الدية، على تأمّل في كليّة القاعدة.

الفرع الثالث: لو قتل ذمىٌّ مرتدّاً ولو عن فطرة

قال الشيخ: إذا قتل نصرانىٌّ مرتدّاً وجب عليه القود، وليس للشافعي فيه نصٌّ، ولأصحابه فيه ثلاثة أوجه: قال أبو إسحاق: لا قود له ولادية، ومنهم من قال: عليه القود فإن عفا فعليه الدية، وقال أبو الطيب ابن سلمة: عليه القود، فإن عفا فلا دية له 1 .
ثم إن الداعي لعنوان هذه المسألة كما مرّ هو تحديد قولهم: «المرتد مهدور الدم» فهل هو مهدور الدم لخصوص الإمام أو للمسلمين أو لأعم منهم ومن غيرهم، فصار ذلك سبباً لعنوان المسألة، وبما أن المرتد ليس مهدور   2

1 . الخلاف:5/172، المسألة34 .

صفحه 196
Eالدم بالنسبة إلى الكافر الذمّيّ فيقتل الذمّيّ به، وأمّا كونه مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام أو عموم المسلمين فيترك بحثه إلى موضعه.
وبالجملة كون الإنسان مهدور الدم لايلازم جواز قتله لغير الحاكم، فإنّ الزاني المحصن مهدور الدم لكن بالنسبة إلى الإمام لاغيره.
قال المحقّق: لو قتل ذمّىٌّ مرتدّاً قُتل به، لأنّه محقون الدم بالنسبة للذمّيّ1.

الفرع الرابع: لو قتل المسلم مرتدّاً

فلا قود لعدم الكفاءة، فيشمله قوله: لا يقتل مسلم بكافر، إنّما الكلام في الدية فقد تردّد المحقّق فيه واستقرب أنّه لادية له، ولعلّ وجهه أنّه مباح الدم، ولكنّه مبني على عدم الاحترام بالنسبة للمسلمين، ولا يبعد كونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الإمام، فإنّ القول بعدم الدية أشبه بتنزيل المرتد منزلة الحيوانات التي لا احترام لها، وهو بعيد، كيف ولو قتل مسلم ذمّيّاً تجب عليه الدية، فالمرتد لأجل وجود سبق للإسلام في حياته لا يقصر عن الذمّيّ، فالأحوط دفع الدية. إلاّ أن يقال: إنّ المرتد أدون من الذمّيّ ; لأنّه مجاز في البقاء على دينه بخلاف المرتد بل أضرّ من الذميّ كما لا يخفى فصار أدون منه .
لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي   
نعم من قال بعدم الدية ـ كالمحقّق في الشرائع والمصنّف في المتن ـ ذكروا أنّ للإمام تعزير القاتل، لأنّه ارتكب أمراً حراماً... .

1 . شرائع الاسلام:4/213 .

صفحه 197
ومنها: لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي، كان عليه القود; ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام، قيل: لا قود عليه ولا دية، وفيه تردّد.*

* لو وجب على مسلم قصاص أو حدّ

في المسألة فرعان:
1. لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي.
2. لو وجب قتل إنسان لحدّ شرعي كالزنا واللواط، فقتله غير الإمام.
أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ أنّ على القاتل القود، لأنّه محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم، فتعمّه العمومات والقواعد، أعني قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى غير ذلك. إلاّ إذا عفا عنه ولي الدم.
الفرع الثاني: لو وجب قتله بحدّ من حدود الله كالزنا واللواط فقتله غير الإمام، قال المحقّق: لم يكن عليه قود ولادية، مستدلاًّ بأنّ عليّاً(عليه السلام) قال لرجل قتل رجلاً وادّعى أنّه وجده مع امرأته: «عليك القود إلاّ أن تأتي ببيّنة». 1
وأشار (قدس سره) إلى خبر سعيد بن المسيّب: أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري أنّ ابن أبي الجسرين(الحسين) وجد رجلاً مع امرأته فقتله، فأسأل لي عليّاً(عليه السلام) عن هذا؟ قال أبو موسى: فلقيت عليّاً(عليه السلام) فسألته... إلى أن قال:   2

1 . شرائع الإسلام:4/213 .

صفحه 198
E(فقال: والله ما هذا في هذه البلاد ـ يعني الكوفة ـ ولا هذا بحضرتي، فمن أين جاءك هذا؟ قلت: كتب إليّ معاوية أنّ ابن أبي الجسرين (الحسين) وجد مع امرأته رجلاً فقتله وقد أشكل عليه القضاة فيه فرأيك في هذا؟) فقال: «أنا أبو الحسن إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلاّ دفع برمّته».1
لكن تردّد في المتن ; وذلك لأنّ الحديث مختصّ بالزوج، فالتعدّي إلى غير هذا المورد ـ خصوصاً الأجانب ـ مشكل، فكونه مهدور الدم لدى الحاكم، لا يبرّر جواز قتله لغيره ; لأنّ الأصل في الدماء الاحترام، فلو قتله غيره يقتصّ منه، لقوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، خرج منه مورد الرواية وبقي الباقي تحته. فلو لم نقل بالقود لانصراف الآية إلى محقون الدم، فلا أقل من القول بالدية.
من الشرائط المعتبرة في القصاص: انتفاء الأبوّة   

1 . الوسائل:19، الباب69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

صفحه 199
الشرط الثالث: انتفاء الأبوّة، فلا يقتل أبٌ بقتل ابنه، والظاهر أن لا يقتل أب الأب، وهكذا.*

* الثالث: انتفاء الأُبوّة

هنا فرعان:
الأوّل: لا يقتل الوالد بقتله الولد، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه.1
وقال الشيخ في «الخلاف»: لا يقتل الوالد بولده، سواء قتله بالسيف حذفاً أو ذبحاً، وعلى أي وجه كان. وبه قال في الصحابة: عمر بن الخطاب. وفي الفقهاء: ربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف فلا قود، وإن قتله ذبحاً أو شقّ بطنه فعليه القود، وبه قال عثمان البتي.2
ويدلّ على ما ذكرنا روايات:
1. ما رواه حمران عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «لا يقاد والد بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».3
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقتل   2

1 . جواهر الكلام :42/169.
2 . الخلاف:5/151، المسألة 9 . يقال: حذفه بالعصا أو الحجر: ضربه.
3 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

صفحه 200
Eابنه، أيقتل به؟ قال(عليه السلام):«لا».1
3. ما رواه الفضيل بن يسار عن الصادق(عليه السلام)، قال: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده».2 إلى غير ذلك من الروايات.3
الفرع الثاني: عموم الحكم لأب الأب وإن علا، وقد جزم به المحقّق في «الشرائع»، ولكنّه تردّد في «النافع». والدليل عليه شمول إطلاق الأب لأب الأب، فعلى هذا فيصدق عليه قول الصادق(عليه السلام): «لا يقتل الأب بابنه».
إنّ المتتبع للقرآن والسنّة يقف على أنّ الأب في الإطلاق يشمل الجدّ أيضاً، فلو مات الجدّ وليس له وارث إلا الأحفاد والأسباط يشمله قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)4.
وقوله سبحانه:( أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ)5 حيث يشمل أبا الأب.
وقوله سبحانه: (وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ)6 ، فهو يشمل الجدّ وإن علا.   2

1 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.
2 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.
3 . لاحظ: الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث،4 و6و 7و 8و 9 و10 و 11.
4 . النساء: 11 .
5 . النور: 61 .
6 . النور: 31 .

صفحه 201
Eومع ذلك كلّه ففي النفس من الشمول شيءٌ حيث إنّ الموضوع في أغلب الروايات هو الوالد، نعم ورد في رواية واحدة: «لا يقتل الأب بابنه إذا قتله»1.
ومن المعلوم أنّ الوالد لا يطلق إلاّ على الأب بلا واسطة، قال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا )2، فالوالد في الآية هو الأب بلا واسطة.
والشاهد على ذلك أنّ إبراهيم استغفر لوالده في آخر عمره كما مرّ مع أنّه قد تبرّأ عن أبيه آزر في أوائل نبوّته، قال سبحانه: (وَ مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)3. وهذا دليل على أنّ مَن تبرّأ منه غير من دعا له، ولذلك عبّر عن الأوّل بالأب وعن الآخر بالوالد، وهذا دليل على اختصاص الوالد بمن تولّد الإنسان منه بخلاف الأب، وبما أنّ الوارد في أكثر النصوص هو الوالد لا يمكن رفع اليد عنه بحديث واحد.
وبالجملة فإطلاق قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)محكم في غير الوالد، وخروج الجدّ يحتاج إلى دليل، فتردّد المحقّق في المختصر النافع في محلّه.

1 . الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.
2 . نوح: 28 .
3 . التوبة: 114 .

صفحه 202
المسألة1: لا تسقط الكفّارة عن الأب بقتل ابنه ولا الدية، فيؤدّي الدية إلى غيره من الورّاث، ولا يرث هو منها.*
لا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم    

* وجوب الكفّارة على الأب

أشار المصنّف في هذه المسألة إلى أمرين:
1. وجوب الكفّارة على الأب.
2. وجوب الدية إلى ورثة المقتول.
وقد أشار المحقّق في المقام إلى أحكام ثلاثة وقال: وعليه الكفّارة والدية والتعزير.1
والمفروض أنه قتل عمد، وسقوط القصاص عن الأب لا يكون دليلاً على جواز القتل فضلاً عمّا يترتّب عليه من الكفّارة. وأما وجوب أداء الدية فكذلك; لأنّه دم محترم لايذهب سُدى، وكل مورد يمتنع فيه القصاص ففيه الدية، مضافاً إلى ما في كتاب ظريف: «قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه لا قود لولد أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره، وتكون له الدية و لا يُقاد»2.
وأما التعزير ففي خبر جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)في الرجل يقتل بأبنه أو عبده؟ «قال لا يقتل به ولكن يضرب ضرباً شديداً وينفى عن مسقط رأسه».3   2

1 . شرائع الاسلام:4/214.
2 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث10.
3 . الوسائل:19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث9.

صفحه 203
المسألة2: لا يقتل الأب بقتل ابنه ولو لم يكن مكافئاً له، فلا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم.*
المسألة3. يقتل الولد بقتل أبيه، وكذا الأُمّ وإن علت بقتل ولدها، والولد بقتل أُمّه، وكذا الأقارب كالأجداد والجدّات من قبل الأُمّ، والإخوة من الطرفين، والأعمام والعمّات والأخوال والخالات.**
E والحديث محمول على بيان المصداق، كما احتمله في «الجواهر»، وقال: ولعله محمول على أن ذلك بعض أفراد ما يراه الحاكم.1

* لا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم

وجه عنوان المسألة هو احتمال أنّ سقوط القصاص عن الأب القاتل يختصّ بما إذا كانا متكافئين في الدين كمسلمين أو كافرين، وأمّا إذا كانا غير متكافئين، كما إذا كان الأب كافراً والابن مسلماً، فالقول بالسقوط يحتاج إلى دليل. والظاهر أنّ إطلاق ما مضى من الروايات كاف للحكم بالسقوط في هذه الصورة أيضاً; ففي صحيحة حمران عن أحدهما(عليهما السلام)، قال: «لا يقاد والد بولده»، 2 وفي خبر الفضيل بن يسار: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله» 3، إلى غير ذلك من الروايات.
** في المسألة فروع نشير إلى عناوينها:   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 170 .
2 . الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

صفحه 204
E1. قتل الولد بقتل أبيه.
2. قتل الأُم وإن علت بقتل ولدها.
3. قتل الولد بقتل أُمّه.
4. قتل الأجداد والجدّات من قبل الأُم، بقتل ولد بنتهم.
5. قتل الإخوة من الطرفين بقتلهم الأخ.
6. قتل الأعمام والعمات والأخوال والخالات بقتل ابن أخيهم أو ابن أُختهم.
وإليك دراسة الجميع:
تُقتل الأُم بقتل ولدها وبالعكس   

الفرع الأوّل: إذا قتل الولد أباه يقتل قصاصاً

ووصفه في «الجواهر» بقوله: إجماعاً بقسميه.1
ويدلّ عليه وراء الإجماع وإطلاق قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)2 أو (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) 3 ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا يقتل الأب بابنه إذا قتله، ويقتل الابن بأبيه إذا قتل أباه»4.   2

1 . جواهر الكلام:42/170.
2 . المائدة: 45 .
3 . البقرة: 178 .
4 . الوسائل: 19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.

صفحه 205

E الفرع الثاني: إذا قتلت الأُم ولدها تقتل وإن علت

ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلاخلاف أجده.1
قال الشيخ في «الخلاف»: الأُمّ إذا قتلت ولدها، قتلت به. وكذلك أُمّهاتها، وكذلك أُمّهات الأب ـ وإن علون ـ فأمّا الأجداد فيجرون مجرى الأب، لا يقادون به، لتناول اسم الأب لهم.
وقال الشافعي: لا يقاد واحد من الأجداد والجدّات، والأُمّ وأُمّهاتها في الطرفين بالولد. وهو قول باقي الفقهاء، لأنّه لم يذكر فيه خلاف.
ودليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضاً قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)2 وكذلك قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ولم يفصل، فوجب حملها على العموم، إلاّ ما أخرجه الدليل.3

الفرع الثالث: إذا قتل الولد أُمّه، يقتل بها

ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.
والأولى الاستدلال بالعمومات، أعني: ما مرّ من الآيات، وخصوص ما رواه أبو عبيدة، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل قتل أُمّه؟ قال: «يقتل   2

1 . جواهر الكلام:42/170.
2 . البقرة: 178 .
3 . الخلاف: 5/152، المسألة 10.

صفحه 206
Eبها صاغراً، ولا أظن قتله بها كفّارة له ولا يرثها».1
وهل يردّ أولياء الدم فاضل دية الابن، لكون القاتل رجلاً والمقتول امرأة، فمقتضى الضابطة دفع فاضل الدية، لكن قوله: «يقتل بها صاغراً» مشعر بعدم ردّ فاضل الدية، وإلاّ لما قتل صاغراً.
الفروع الرابع والخامس والسادس: أعني إذا قتل الأجداد والجدّات من قبل الأُم، أو الأُخوة أو الأعمام أو الأخوال فالعمومات في الجميع محكّمة، إذ الخارج عن تحتها هو قتل الأب وإن علا، ابنه، وأمّا غيرهم فالعمومات في الجميع محكّمة.
لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً فقتله أحدهما   

1 . الوسائل: 19، الباب32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث5.

صفحه 207
المسألة4. لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً: 1. فإن قتله أحدهما قبل القرعة، فلا قود. 2. ولو قتلاه معاً فهل هو كذلك لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما، أو يرجع إلى القرعة؟ الأقوى هو الثاني،3. ولو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتلاه، توجّه القصاص على الراجع بعد ردّ ما يفضل عن جنايته، وعلى الآخر نصف الدية بعد انتفاء القصاص عنه. 4. ولو قتله الراجع خاصّة اختصّ بالقصاص. 5. ولو قتله الآخر لا يقتص منه. 6. ولو رجعا ]قبل القتل[ معاً فللوارث أن يقتص منهما بعد ردّ دية نفس عليهما. 7. وكذا الحال لو رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل. 8 . بل الظاهر أنّه لو رجع مَن أخرجته القرعة، كان الأمر كذلك، بقي الآخر على الدعوى أم لا.*

* لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً

قد ذكر المصنّف لصورة التداعي ثماني صور، وقبل الخوض في بيان أحكامها نقدّم بيان صورة لم يذكرها المصنّف، وهي: مَن قتل وادّعى أنّه ابنه فنقول: لوقتل شخصاً وادّعى أنّه ابنه، لم تسمع دعواه ما لم تثبت ببيّنة ونحوها، فيجوز لولي المقتول الاقتصاص.
وذلك لأنّ الأصل في الدماء الحرمة ولايصح رفع اليد عنها إلاّ بدليل، وهذا النوع من الاستدلال جار في نظائر المقام، ككون الأصل في الوقف حرمة البيع، فلو شُكّ في وجود مسوّغاته فلا يُعتدّ بالشكّ ويكون الأصل حاكماً. هذا هو المختار في المقام.   2

صفحه 208
Eفإن قلت: إنّ التمسّك بعموم قوله سبحانه:(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية حيث خرج منه قتل الوالد بولده، والمورد مردّد بين كونه والداً حتى يدخل في المخصّص، وأجنبياً حتى يبقى تحت العام، ومعه لا يصحّ التمسّك بالعام للشكّ في بقائه تحته.
قلت: أجاب عنه السيد الخوئي بأنّه يصحّ إحراز موضوع جواز القتل بالأصل، بناءً على جواز التمسّك بالأصل لإثبات كون الفرد المشكوك فيه من الأفراد الباقية تحت العام، فيتمسّك به 1 .
ومقصوده من الأصل هو أصالة عدم تخلّق هذا من ماء هذا، أو أصالة عدم نسبة الأُبوة والبنوة بينهما، فيثبتان عدم كون المورد من أفراد المخصص فيبقى تحت العام، أعني: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
يلاحظ عليه: بما مرّ منّا مراراً وهو أنّ استصحاب العدم الأزلي ليس أصلاً عقلانياً يعتمد عليه، مضافاً إلى أنّ القضية المتيقّنة سالبة بانتفاء الموضوع، والمشكوكة موجبة معدولة المحمول، وقد أوضحنا حاله في المباحث الأُصولية. والأولى في الاستدلال ما ذكرنا من الضابطة في الدماء التي عليها العقلاء وسيرة الأصحاب من دون الحاجة إلى التمسّك بعموم الآية أو إطلاق الأدلّة.
لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً ثم قتلاه معاً   
ثم إنّ المصنّف لم يذكر هذا الفرع، وإنّما ذكر صورة التداعي وقال: «لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً» فقد ذكر له صور ثمان، نشير إليها:   2

1 . مباني تكملة المنهاج:2/73.

صفحه 209
Eالصورة الأُولى: لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً وعلم صدق أحدهما وكذب الآخر، كانت الوظيفة الإقراع بينهما ـ كما مرّ ـ لكن قتله أحدهما قبل القرعة .
قال المحقّق: فلا قود لتحقّق الاحتمال(احتمال الأُبوّة) في طرف القاتل.1
وأوضحه في «الجواهر» بقوله: فلم يثبت شرط القصاص الذي هو انتفاء الأُبوة في الواقع، مضافاً إلى إشكال التهجّم على الدماء مع الشبهة،2 ولذلك قال المصنّف: فلا قود.
أقول: إنّ مفروض المسألة هو العلم الإجمالي بصدق أحدهما دون الآخر، فالوظيفة الأوّلية بعد اليأس عن سائر الطرق هي القرعة، فإنّ المقام دائر بين المحذورين فمن جانب، وجود العلم الإجمالي بكون أحدهما أب المقتول المانع من إجراء القصاص، ومن جانب أنّ ترك القصاص يوجب ذهاب دم المسلم، فلماذا لايكون المرجع هو القرعة كما كانت هي الوظيفة قبل القتل، فإذا أصابت القرعة أحدهما فلو كان هو القاتل فيترك وتؤخذ منه الدية، وإن كان غيره فيقتص منه، وقد ورد في حق القرعة قوله(عليه السلام): «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى الله إلاّ خرج سهم المحقّ».3
الصورة الثانية: لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً ثم قتلاه معاً قبل أن   2

1 . شرائع الإسلام : 4/214 .
2 . جواهر الكلام:42/171.
3 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.

صفحه 210
Eيقترعا، فهنا علم إجمالي بأنّ أحدهما مصون الدم بالنسبة إلى المقتول، والآخر مهدوره بالنسبة إليه، فهنا وجهان أشار إليهما المصنّف:
الأوّل: لاقود عليهما، لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما.
الثاني: الرجوع إلى القرعة، وهو الأقوى عند المصنّف.
وأمّا المحقّق فقد رجّح كون الحكم في هذه الصورة نفس الحكم في الصورة الأُولى وهو أنّه لاقود، وعلّله بقوله: وجود الاحتمال بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، ثم احتمل الرجوع إلى القرعة وقال: وربما خطر الاستناد إلى القرعة، وردّه بأنّه تهجّم على الدم.1
وقال في «المسالك» في توضيح عبارة المحقّق: ويحتمل القرعة بعد القتل فإن ظهرت لمن قتله فلا قصاص، وإن ظهرت للآخر اقتص من القاتل لظهور انتفائه عنه شرعاً، ثم قال: والأصحّ الأوّل (عدم القود) للشبهة الدارئة للقتل حالته وفوات محل القرعة بالنظر إلى مثل ذلك وإن بقيت في غيره.(2)
لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً ثم رجعا أو رجع أحدهما   
أقول: كيف تكون القرعة تهجّماً على الدم مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ليس من قوم تنازعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى الله إلاّ خرج سهم المحقّ»2، وأمّا قوله: «فوات محل القرعة» فنمنع فوات وقتها، إذا كان للقرعة أثر شرعي، فالظاهر أنّ الصورتين من باب واحد وهو الإقراع لأجل تعيين الأب، غاية الأمر أنّ أحد المتداعيين قتله في الأُولى، وكليهما قتلاه في الثانية.
الصورة الثالثة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتلاه، توجّه القصاص   2

1 . شرائع الإسلام:4/214.   2 . مسالك الأفهام: 15 / 158.
2 . الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5 .

صفحه 211
Eعلى الراجع لاعترافه بانتفاء الأُبوّة فيقتل بالقتل العمد. نعم إنّه جنى بنصف ديته دون تمام ديته ، فعلى الآخر ردّ نصف الدية إليه بعد انتفاء القصاص عنه.
الصورة الرابعة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتل الراجع، فلاشكّ أنّه يقتصّ من الراجع، لانتفاء الأُبوّة، ولايردّ عليه شيئاً من الدية لعدم اشتراك الآخر معه في القتل.
الصورة الخامسة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتله غير الراجع فلا يقتصّ منه لثبوت وجود المانع فيه ـ أعني: الأبوة ـ غير أنّه يحكم بالدية.
الصورة السادسة: لو ادّعياه ورجعا فقتلاه، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما، فإنّ حكمهما حكم من قتلا رجلاً، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما.
الصورة السابعة: لو ادّعياه وقتلاه ولكن رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل، فحكمه حكم الصورة السابقة، إذ لا فرق بين كون الرجوع قبل القتل كما في السابق أو بعد القتل كما في المقام.
الصورة الثامنة: لو ادّعياه وأصابت القرعة أحدهما ثم قتلاه ولكن رجع من خرجت باسمه القرعة، فيقتل الراجع سواء بقي الآخر على الدعوى أم لا، وذلك لتقدّم الإقرار على القرعة ولكن في تقدّم الإقرار على القرعة بعد حكم الحاكم بمفاد القرعة، تأمل خصوصاً بعد قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ خرج سهم المحقّ» ومعه يكون الحكم بقتل الراجع أمراً مشكلاً.
نعم يقتل الآخر إذا شارك مع الراجع في القتل.

صفحه 212
المسألة5. لو قتل رجل زوجته، يثبت القصاص عليه لولدها منه، على الأصحّ. وقيل: لا يملك أن يقتصّ من والده، وهو غير وجيه.*
* في المسألة فروع ذكر المصنّف بعضها وترك البعض الآخر، ونحن نأتي بالجميع وهي:
لو قتل الرجل زوجته   

الأوّل: قتل الرجل زوجته

لو قتل الرجل زوجته هل يقتصّ منه لولدها أو لا؟ فيه وجهان:
1. لا يثبت القود بالولد على والده بالأصالة، وكذا بالتبع والإرث، وهذا خيرة «المبسوط»، قال: رجل له زوجة وله منها ولد فقتل هذا الرجل زوجته، لم يرثها وورثها ولده ولم يرث القصاص من أبيه، لأنّه لو قتله أبوه لم يملك القصاص عليه.1
2. مقتضى القاعدة قصر الحكم على موضع اليقين وظاهر النص، وهو ما لو قتل الأب الابن، فإنّ أولياء الابن لايستحقون القصاص. فالمراد من قوله: لايقاد بالولد الوالد هو قصاص الوالد بقتل الولد، لاقصاص الولد بقتل الأُم الذي ورث الابن حقّ قصاصها. قال في «المسالك»: إنّ الباء ظاهرة هنا في السببية ولايكون الولد سبباً للقود إلاّ مع كونه هو المقتول، وأمّا إذا كان المقتول مورّثه (الأُم) فذلك المقتول هو السبب دون الولد.
فإن قلت: إنّ استيفاء القصاص موقوف على مطالبة المستحق، فإذا   2

1 . المبسوط: 7 / 10 .

صفحه 213
Eكان هو الولد وطلب القصاص كان هو السبب في القود.
قلت: إنّ السبب الحقيقي هو قتل الزوجة، وإن شئت قلت: قتل أُمّه، غير أنّ طلب الولد طلب لإجراء ما ثبت لا لإيجاد الاستحقاق، ولذلك لوكان للزوجة المقتولة ولد من غير ذلك الزوج كان له الطلب والاستيفاء.
إنّ استيفاء القصاص بواسطة الولد سواء كان بالمباشرة أو بالتسبيب ـ أعني: طرح الدعوى وطلب القصاص ـ ينافي ما أمر به سبحانه من المصاحبة بالمعروف حتى ولو كانا كافرين. قال سبحانه: (وَ إِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَ صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)1، وبالنظر إلى الروايات ـ خصوصاً الروايات التي رواها الكليني في كتاب الإيمان والكفر باب البرّ بالوالدين ـ فإنّ مقتضى الجميع هو الخضوع للوالدين في عامّة الحالات وجاء في بعضها: «إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم». 2
فلو قلنا بعموم: «الحدود تدرأ بالشبهات» لهذا المقام أيضاً، كان وجه عدم القود على خلاف ما في المتن.
ومع ذلك فالذي يصدّنا عن الإفتاء بمفاد الضابطة صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ قال: «لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له» إلى أن قال: «وإن كان قال لابنه: يا ابن الزانية وأُمّه   2

1 . لقمان: 15 .
2 . الكافي: 2 / 157 ـ 163 .

صفحه 214
Eميّتة ولم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلاّ ولدها منه، فإنّه لايقام عليه الحدّ ; لأنّ حق الحدّ قد صار لولده منها، فإن كان لها ولد من غيره فهو وليُّها يُجلد له...». 1
ومورد الرواية وإن كان هو حدّ القذف، لكن العبرة بعموم التعليل حيث قال: «إلاّ ولدها منه فإنّه لا يقام عليه الحدّ».

الثاني: قذف الرجل زوجته

لو قذف الزوج زوجته وماتت الزوجة ولا وارث إلاّ ولده منها، فيقع الكلام في أنّه هل يثبت حدّ القذف لولده منها أو لا؟ وقد عرفت أنّ الحقّ هو الثاني لصحيحة محمد بن مسلم . نعم لو كان لها ولد من غيره فله القصاص في كلتا الصورتين: قتل الزوجة وقذفها ـ على كلا القولين ـ لكن بعد ردّ نصيب ولده من الدية وهو النصف، ثم استيفاء الحدّ.

الثالث: قتل أحد الولدين أباه ثم الولد الآخر أُمّه

من الشرائط المعتبرة في القصاص: العقل    
لو كان للرجل من زوجة واحدة ولدان قتل أحدهما الأب والآخر الأُمّ، فلكلّ منهما على الآخر القود مختصّاً به ; لعموم قوله سبحانه: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا )2، وللحاكم أن يقتل أحدهما ثمّ الآخر، ولو كان هناك تشاحّ في الاقتصاص مع اتحاد وقت الجناية، أقرع بينهما وقدّم في الاستيفاء من أخرجته القرعة، فلو بدر أحدهما واقتصّ قبل القرعة كان لورثة الآخر الاقتصاص منه.

1 . الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب حدّ القذف، الحديث 1 .
2 . الإسراء: 33 .

صفحه 215
الشرط الرابع والخامس: العقل والبلوغ، فلا يقتل المجنون ; سواء قتل عاقلاً أو مجنوناً. نعم تثبت الدية على عاقلته، ولا يقتل الصبي بصبي ولا ببالغ وإن بلغ عشراً أو بلغ خمسة أشبار، فعمده خطأ حتى يبلغ حدّ الرجال في السن أو سائر الأمارات، والدية على عاقلته.*

* الشرط الرابع: العقل

لو قتل مجنون عاقلاً أو مجنوناً مطبقاً كان أو أدوارياً، وكان القتل في زمان الجنون، لايقتل بل تثبت الدية على عاقلته ; لأنّ عمده خطأٌ.
قال الشيخ في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ عمد الصبي والمجنون وخطأهما سواء، فعلى هذا يسقط القود عنهما والدية على العاقلة مخفّفة... وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم الصبي حتى يبلغ».1
وتدلّ عليه روايات:
1. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين(عليه السلام)يجعل جناية المعتوه على عاقلته، خطأ كان أو عمداً». 2
2. وروى إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً   2

1 . الخلاف: 5 / 176، المسألة 39 .
2 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 1.

صفحه 216
Eفجعل الدية على قومه وجعل خطأه وعمده سواء.1
3. روى أبو البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) أنّه كان يقول: «في المجنون والمعتوه الذي لايفيق والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم». 2
4. روى بريد بن معاوية العجلي قال: سُئل أبو جعفر(عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتى خولط وذهب عقله، ثم إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعدما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قُتل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يُعرف دُفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم يكن له مال أُعطي الدية من بيت المال ولا يبطل دم امرئ مسلم».3
من الشرائط المعتبرة في القصاص: البلوغ   
قوله: «وإن لم يشهدوا عليه بذلك» يراد به: لم يشهدوا على أحد الأمرين أنّه قتله حين هو صحيح أو قتله حين هو مجنون، إذ على الأوّل يقتصّ منه وعلى الثاني على العاقلة، فبما أنّه لم يُعرف أحد الأمرين أفتى الإمام بكونه محكوماً بدفع الدية من ماله إذا كان له مال، وإلاّ فمن بيت المال، وعلى ماذكرنا لاتكون الرواية مخالفة لما مرّ من كون ديته على العاقلة.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 217

E الشرط الخامس: البلوغ

لا يقتل الصبي بقتل صبي ولا بالغ; لأنّ البلوغ شرط، فقد مضى كلام الشيخ في «الخلاف» حول المجنون والصبي.
ويدلّ عليه:
1. قول علي(عليه السلام): «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». 1
2. صحيح ابن مسلم: «عمد الصبي وخطأه واحد». 2
3. خبر إسحاق بن عمّار: «عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة». وفي نسخة: «يحمل على العاقلة». 3
4. ومضت رواية أبي البختري وفيها: «... والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم». 4
وهذه الروايات تركّز على شرطية البلوغ غير أنّ المشهور أنّ بلوغ الصبي بإتمام خمس عشرة سنة، إلاّ أنّه قد وردت في المقام روايات تخالف الضابطة التي ذكرناها و إليك دراستها:
أ . يقتصّ من الصبي إذا بلغ عشراً.   2

1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11 .
2 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

صفحه 218
Eروى أبو بصير عن الباقر(عليه السلام) أنّه سُئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلاً خطأ، قال: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما». 1
يقول العلاّمة المجلسي في دراسة الحديث: لا يخفى مخالفته للمشهور، بل للإجماع، ويحتمل أن يكون المراد بخطئهما ما صدر عنهما لنقصان عقلهما لا الخطأ المصطلح، فالمراد بغلام لم يُدرك، شاب لم يبلغ كمال العقل مع كونه بالغاً.2
وقال الشيخ الطوسي حول الخبر: هذا مخالف لقول الله، لأنّ الله تعالى حكم في قتل الخطأ الدية دون القود، ولا يجوز أن يكون الخطأ عمداً، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأ إلاّ فيمن ليس بمكلّف، ثمّ ذكر ما ذكره العلاّمة المجلسي بأنّ المراد: لم يدرك حدّ الكمال.3
ولذلك حملها الشيخ على بلوغ الغلام عشر سنين أو خمسة أشبار، وهو حمل بلا دليل.
ب . يقتص من الصبي إذا بلغ ثماني سنين.
روى الحسن بن راشد عن العسكري(عليه السلام) قال: «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود».4   2

1 . الوسائل: 19، الباب 34 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .
2 . مرآة العقول:24/64.
3 . التهذيب:10/243.
4 . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 4 .

صفحه 219
Eج: يقتص من الصبي إذا بلغ خمسة أشبار.
روى السكوني عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضي بالدية».1
وقد أفتى المفيد ببعض هذه الروايات، فقال: والصبي إذا قتل كانت الدية على عاقلته ; لأنّ خطأه وعمده سواء، فإذا بلغ الصبي خمسة أشبار اقتصّ منه.2
وتبعه الشيخ في «النهاية»، قال: وإذا قتل الصبي رجلاً متعمّداً كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار. 3
والحق أنّ هذه الروايات شاذّة لاتقاوم ماذكرناه، رواية وفتوى، ولذلك نرى أنّ المحقّق يشير إلى تلك الروايات بقوله: وفي رواية يقتص من الصبي إذا بلغ عشراً، وفي أُخرى: إذا بلغ خمسة أشبار، وتقام عليه الحدود ـ ومع ذلك قال: ـ والوجه أنّ عمد الصبي خطأ محض يلزم أرشهُ العاقلة حتى يبلغ خمس عشرة سنة.4   2

1 . الوسائل: 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.
2 . المقنعة: 748 .
3 . النهاية: 761.
4 . شرائع الإسلام: 4 / 215 .

صفحه 220

كلام للمحقّق الأردبيلي حول هذه الروايات

إنّ المحقّق الأردبيلي استقوى في بدء كلامه شرطية البلوغ في القصاص وقال ما هذا حاصله: إنّ قوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وكذا قوله: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) وكذا قوله: (وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وإن كان يدفع شرطية البلوغ، إلاّ أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد والإجماع، وقد عرفت وجود الخبر الواحد والاجماع على شرطية البلوغ.
إلى هنا أظهر موافقته للمشهور ولكنّه تأمّل فيما بعد، وحاصل كلامه: أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد، وكذا الإجماع بشرط أن يكونا نصّين في موردهما، مثل قوله: «لا ربا بين الزوج والزوجة» بالنسبة إلى قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا)1، ولكنّ الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، فإن الثابت: رفع القلم عامّاً، وهو قابل للتخصيص بغير القصاص.
وحاصل كلامه: أنّه يجب العمل على خلاف ما ذكروه فيجب تخصيص الخبر الواحد ـ أعني: رفع القلم ـ بقوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
ثم أضاف وقال: على أنّه قد يقال: ليس القصاص من باب القلم، فإنّ المتبادر منه التكليف، فيحتمل أن يكون فعلهما موجباً للقصاص مع رفع القلم عنهما، كما يثبت به ضمان المتلفات (إذا أتلف الصبيّ) والدية فيما يوجب الدية، يمكن أن يوجب القصاص إن كان عمداً. 2   2

1 . البقرة: 275 .
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 6. أي يكون القصاص حكماً وضعيّاً غير مرفوع بالرواية كما في نظائره.

صفحه 221
Eيلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه كيف يمكن تخصيص حديث الرفع بآية النفس، مع أنّ حديث رفع القلم آب عن التخصيص، وما ذلك إلاّ لوجود أرضية تقتضي رفع القلم عن الثلاثة في عامّة الموارد، فكيف يمكن أن يقال: «رفع القلم عن الثلاثة» إلاّ في مورد القصاص؟
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ القصاص ليس من مقولة التكليف، بل من مقولة شبيه بضمان الصبيّ المال الّذي أتلفه ، غير تامّ، لأنّ ضمان الصبيّ يفارق الاقتصاص منه، فإنّ المال يمكن أن يعوّض دون النفس.

صفحه 222
المسألة1. لو قتل عاقل ثمّ خولط وذهب عقله، لم يسقط عنه القود; سواء ثبت القتل بالبيّنة، أو بإقراره حال صحّته.*

* لو قتل عاقل ثم ذهب عقله فهل يسقط عنه القود؟

لو قتل عاقل ثم خولط وذهب عقله فهل يجري عليه القصاص، أولا؟
اتّفقت كلمة فقهائنا على عدم السقوط، ويدلّ عليه خبر بريد العجلي قال: سُئل أبو جعفر(عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل، قتل به...». 1
وفي «المسالك»: ومن وجب عليه القصاص ثم جنّ استوفي منه القصاص، سواء ثبت موجب القصاص بإقراره أم بالبيّنة، خلافاً لبعض العامّة حيث منع من الاقتصاص منه في المجنون مطلقاً، ولبعض آخر حيث فصّل فقال: إن جنّ حين قدّم للقصاص اقتصّ منه، وإن جنّ قبله لم يقتص. ويضعّف بأنّه حقّ وجب عليه حال تكليفه، فلا يسقط باعتراض الجنون كغيره من الحقوق، ولأصالة بقاء الحقّ. 2
   

1 . الوسائل: 19، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .
2 . مسالك الأفهام: 15 / 162 .

صفحه 223
المسألة2. لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص، فلو قتل بالغ غير رشيد فعليه القود.*

* ما هو المراد بالرشد؟

المراد من الرشد هو خلاف السفه الذي لايُعتدّ بمعاملاته وهباته، لقوله سبحانه: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). 1
ومن المعلوم أنّه شرط في نفوذ عقوده، ولم ينقل الخلاف إلاّ عن العلاّمة، ومع ذلك فكلامه مختلف، ففي مورد يقول: والأقرب أنّ عمده خطأ محض يلزم العاقلة أرش جنايته حتى يبلغ خمس عشرة سنة، إن كان ذكراً، وتسعاً إن كان أُنثى بشرط الرشد فيهما. 2
وفي موضع آخر يقول: والسفيه والمفلّس كالبالغ في استيفاء القصاص وعفوه، وكالصبي في اسقاط الدية.3 ولكن العبارة الأخيرة ناظرة إلى استيفاء القصاص وعفوه لا الاقتصاص منه، وعلى كلّ تقدير فلا وجه لهذا الشرط بعد إطلاق الروايات.
 

1 . النساء: 6 .
2 . تحرير الأحكام: 5 / 464، المسألة 7059 .لا يجوز لهما إسقاط الدية ; لأنّه أمر مالي لا يجوز لهما التصرّف فيه كالصبي.
3 . تحرير الأحكام: 5 / 501، المسألة 7139 .

صفحه 224
المسألة3. لو اختلف الوليّ والجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته، فقال الولي: قتلته حال بلوغك أو عقلك، فأنكره الجاني، فالقول قول الجاني بيمينه، ولكن تثبت الدية في مالهما بإقرارهما لا العاقلة، من غير فرق بين الجهل بتاريخهما أو بتاريخ أحدهما دون الآخر. هذا في فرض الاختلاف في البلوغ، وأمّا في الاختلاف في عروض الجنون، فيمكن الفرق بين ما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشكّ في تاريخ عروض الجنون، فالقول قول الولي، وبين سائر الصور فالقول قول الجاني; ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً.*
* في المسألة فروع أربعة:
حكم القصاص لو اختلف الولي والجاني في بلوغ الجاني عند جنايته   

الأوّل: اختلاف الولي والجاني في بلوغ الجاني عند جنايته

فلو قال الجاني بعد بلوغه: قتلت وأنا غير بالغ .
وادّعى الولي أنّه جنى وهو بالغ، وعندئذ فهنا صور ثلاث:
1. إمّا أن يكون كُلٌّ من تاريخ البلوغ والقتل مجهولين.
2. أن يكون البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه.
3. أن يكون البلوغ معلوم التاريخ والقتل مجهوله.
وهنا يقع الكلام في جميع الصور في مقامين:
1. حكم القصاص، هل يقتص أو لا؟
2. حكم الدية إذا لم نقل بالقصاص.   2

صفحه 225

E المقام الأوّل: حكم القصاص

الصورة الأُولى: إذا كان كلّ من البلوغ والقتل مجهولي التاريخ، ومن المعلوم أنّه لا يمكن التمسّك لا بالدليل العام ـ أعني قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ـ ولا بمخصّصه «إلاّ الصبي والمجنون» لأنّه من قبيل التمسّك بالعام أو المخصّص في الشبهة المصداقية. فتصل النوبة إلى الاستصحاب، والأصلان متعارضان، فأصالة عدم البلوغ إلى زمان القتل الذي يلازم عقلاً عدم الضمان معارض لاستصحاب عدم القتل إلى زمان البلوغ الذي يلازم عقلاً القصاص، فالأصلان متعارضان فضلاً عن أنّهما بالنسبة إلى كلا الأثرين: عدم القصاص والقصاص مثبتان.
الصورة الثانية: إذا كان البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه، فمن المعلوم أنّ الأصل لا يجري في معلوم التاريخ لعدم وجود الجهل فيه بالذات، وكونه مجهولاً من حيث التقدّم والتأخّر على البلوغ، غير كاف لجريان الاستصحاب، فإنّ المصحّح لجريان الاستصحاب كون الشيء مجهولاً من حيث الزمان والبقاء، لا مجهولاً بالنسبة إلى الآخر، فتصل النوبة إلى الأصل الآخر أعني مجهول التاريخ.
فنقول: إذا عُلم بحدوث القتل في يوم السبت، وشُكّ في حدوث البلوغ وأنّه هل حدث قبل يوم السبت فيقتص من القاتل، أو بعده فلا يقتص منه فيقال: أصالة عدم حدوث البلوغ إلى يوم السبت، وهذا (أي إحراز عدم شرط القصاص إلى زمان القتل) كاف في الحكم بعدم القصاص، لأنّ   2

صفحه 226
Eالقصاص مشروط بالبلوغ، والمفروض أنّه محرز العدم بحكم الاستصحاب، ومع إحراز عدم الشرط يكون المشروط ساقطاً.
الصورة الثالثة: إذا كان البلوغ معلوم التاريخ والقتل مجهوله فمثلاً علمنا بحدوث البلوغ يوم السبت وجهل تاريخ القتل، فمصب الاستصحاب هو المجهول على الإطلاق فيقال: أصالة عدم القتل إلى زمان البلوغ، ولازم ذلك عقلاً، وقوع القتل في زمان البلوغ، وبما أنّه لازم عقلي لا يترتّب عليه الأثر الشرعي (أعني: القصاص) فلذلك حكم المصنّف في جميع الصور بعدم القصاص، أمّا الأُولى فللتعارض، وأمّا الثانية فلأنّ مفاد الاستصحاب إحراز عدم شرط القصاص أعني البلوغ في زمان القتل، وأمّا الثالثة فلازم الاستصحاب وإن كان وجود الشرط في زمان القتل، لكنّه لازم عقلي لا يترتّب عليه أثر شرعي.

المقام الثاني: في حكم الدية

الضابطة الكلّية في الدية أنّه إذا ثبتت جناية الصبي بالإقرار فهي في ماله، ولو ثبتت بالبيّنة فهي على العاقلة، والمفروض أنّها ثبتت بإقرار الجاني (الصبي) بعد بلوغه، فتكون الدية في ماله. ولا شكَّ أنّ القتل أمر مسلّم صدر من الفاعل، فإذا امتنع القصاص تحل محلّه الدية. ولا يمكن التخلّي عن الدية بعد القتل المردّد بين العمد والخطأ.

الفرع الثاني: إذا اختلفا في الإفاقة

لو اختلف الولي والجاني في تاريخ عروض الجنون والقتل   
لو كان الجاني مسبوقاً بالجنون ثم أفاق، وصدرت منه الجناية وتردّد   2

صفحه 227
Eبين كونها وقعت قبل الإفاقة أو بعدها، فالولي يدّعي كونها بعد الإفاقة، والجاني يدّعي أنّها وقعت قبل الإفاقة، فتأتي فيها الصور الثلاث في كلّ من المقامين، والنظر في جميعها واحد، أي كما سبق في الفرع الأوّل.

الفرع الثالث: إذا اختلفا في عروض الجنون

كان الكلام في الفرع الثاني حول تاريخ الإفاقة، بعد تسليم أصل الجنون وقد عرفت أنّ الحكم في الصور الثلاث هو عدم ثبوت القصاص وتعلّق الدية في مال الجاني.
وأمّا إذا اختلفا في تاريخ عروض الجنون بعد تسليم أنّه كان رجلاً سالماً مصحّاً، وعلى هذا فقد تحقّقت ظاهرتان، ظاهرة الجنون وظاهرة القتل، واختلف في تاريخ عروض الجنون وأنّه هل كان قبل القتل أو بعده؟ فقال المصنّف (قدس سره) بتقديم قول الولي فيما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشُكّ في تاريخ عروض الجنون، وتقديم قول الجاني في سائر الصور.
وإليك دراسة الصور الثلاث:
أمّا الصورة الأُولى: إذا كان تاريخ القتل معلوماً وتاريخ عروض الجنون مجهولاً، والرجل كان مسبوقاً بالعقل والشعور واختلفا في تاريخ عروض الاختلال، فالأصل بقاء كونه سالماً إلى زمان القتل، فيتحقّق بذلك موضوع القصاص وهو القتل في حال السلامة.
وإن شئت قلت: استصحاب كونه عاقلاً إلى زمان القتل، فالقتل محرز بالوجدان، والشرط محرز بالأصل، فيقدّم قول الولي.   2

صفحه 228
Eفإن قلت: استصحاب بقاء العقل أو عدم الجنون إلى زمان القتل لايثبت وقوع القتل فيهما.
قلت: لو عُدّ مثل هذا الأصل مثبتاً لبطلت أكثر الاستصحابات، مثلاً: لوشكّ في بقاء الوضوء وصلّى، فإنّ استصحاب الطهارة لايثبت وقوع الصلاة في الطهارة.
وأمّا الصورتان الأخيرتان، أعني:
1. إذا كان كلّ من عروض الجنون ووقوع القتل مجهولي التاريخ، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان، فتكون النتيجة عدم إحراز شرط القصاص وهو العقل حال الجناية، فيقدّم قول الجاني.
2. إذا كان تاريخ القتل مجهولاً وتاريخ عروض الجنون معلوماً، فالأصل لايجري في معلوم التاريخ، وإنّما يجري في مجهوله، فأصالة عدم وقوع القتل إلى زمان عروض الجنون تكفي في عدم ثبوت القصاص لعدم إحراز سبب القصاص، أعني: القتل قبل زمان الجنون.

الفرع الرابع: لو لم يعهد للقاتل حال الجنون

وهو ما أشار إليه بقوله: ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً.
لو ادّعى الجاني صغره فعلاً والولي يدّعي بلوغه   
وتوضيحه: هو أنّ الجاني يدّعي أنّه قتله وهو مجنون، والولي يدّعي أنّه قتله وهو عاقل، وبتعبير آخر: يختلفان في أصل الجنون وعدمه، ومن المعلوم أنّه يقدّم قول الولي ; لأنّ الأصل في الإنسان هو السلامة، كما هو الحال في سائر الأحكام، فمن يدّعي الخلاف يجب عليه إثباته.

صفحه 229
المسألة4. لو ادّعى الجاني صغره فعلاً وكان ممكناً في حقّه، فإن أمكن إثبات بلوغه فهو، وإلاّ فالقول قوله بلا يمين، ولا أثر لإقراره بالقتل، إلاّ بعد زمان العلم ببلوغه وبقائه على الإقرار به.*

* لو ادّعى الجاني صغره فعلاً والولي يدّعي بلوغه

الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، وهو أنّ اختلاف الولي والجاني فيما تقدّم بعد بلوغ الجاني أو إفاقته، فحينئذ يدّعي الجاني: فعلته وأنا غير بالغ، ويدّعي الولي أنه فعله وهو بالغ; وأمّا المقام فإنّ الجاني ادّعى صغره فعلاً، وبالتالي يكون فعله قبل البلوغ، ويدّعي الولي بلوغه في هذا الحال .
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هنا صورتين:
الأُولى: إذا أمكن أن يثبت الولي بلوغ الجاني بأحد الوجوه، إمّا بإقامة البيّنة على تاريخ ولادته، ومضي خمس عشرة سنة منها أو إثباته بأحد العلائم، فعندئذ يقدّم قول الولي لقيام البيّنة، ويدخل المورد في المسألة السابقة وتأتي فيها الصور الثلاث.
الصورة الثانية: إذا لم يتمكّن الولي من إثبات بلوغ الجاني، فيقدّم قول الجاني بلا يمين، أمّا التقديم فلأجل الاستصحاب ـ أي استصحاب القاضي أو غيره ـ وأمّا عدم الحاجة إلى اليمين فلأنّه من وظائف البالغ، والمفروض أنّه لم يحرز بلوغه، فكيف يكلّف به؟! بل أنّه يلزم التعارض ; لأنّ اليمين دليل   2

صفحه 230
Eكونه بالغاً مع أنّ المحلوف عليه كونه غير بالغ، فكيف يجتمعان؟
ثمّ إنّه ينتظر إلى أن يبلغ إذ لا أثر لإقراره بالقتل وهو غير بالغ، فإن بلغ وأقرّ بالقتل حين الصبا تتعلّق به الدية لكن في ماله لا في مال العاقلة، لما ذكرنا من اختصاص تعلّق الدية بالعاقلة في حال ثبوت الجناية بالبيّنة.
لو قتل البالغُ الصبيَّ   

صفحه 231
المسألة5. لو قتل البالغ الصبي قُتل به على الأشبه، وإن كان الاحتياط أن لا يختار ولي المقتول قتله، بل يصالح عنه بالدية، ولا يقتل العاقل بالمجنون وإن كان أدواريّاً مع كون القتل حال جنونه، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً أو شبهه، وعلى العاقلة إن كان خطأً محضاً، ولو كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين.*
* في المسألة فروع نشير إلى عناوينها:
1. إذا قتل البالغُ الصبيَّ.
2. إذا قتل البالغُ العاقلُ المجنونَ.
3. إذا أراد المجنونُ قتل العاقلِ، فقتله دفاعاً.

أمّا الفرع الأوّل: إذا قتل البالغُ الصبيَّ

فالمشهور أنه يقتل به، قال العلاّمة: لو قتل البالغُ الصبيَّ قُتل به على الأصحّ، سواء أكان الصبي مميّزاً أو غير مميّز إن كان القتل عمداً، وإن كان شبيه عمد فالدية كاملة في مال الجاني، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة.1 وقد نزّل الصبي ـ إذا قُتِل ـ منزلة البالغ في عامّة الأحكام.
وقال في «المسالك»: القول بقتل البالغ بالصبي مذهب أكثر   2

1 . تحرير الأحكام: 5 / 464، المسألة 7062 .

صفحه 232
Eالأصحاب، بل هو المذهب لعموم الأدلّة المتناولة له، وخالف في ذلك أبو الصلاح،1 فألحقه بالمجنون في إثبات الدية بقتله عمداً مطلقاً لاشتراكهما في نقصان العقل. 2
أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو ماذكره المشهور لقوله سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) دون أن يقيّد بالبلوغ، والمجنون خرج بالدليل كما سيوافيك.
ويؤيّد القود ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن فضّال عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود».3
ونوقش بالإرسال في السند لقوله: عن بعض أصحابه. ويمكن الذب عنه بنقل الصدوق حيث نقله بإسناده عن عبدالله بن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام)بالنحو التالي: قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): «كلّ من قتل بشيء صغر أو كبر بعد أن يتعمّد فعليه القود» .4
وسند الصدوق إلى عبد الله بن بكير صحيح في المشيخة، قال (قدس سره): وما كان فيه عن عبد الله بن بكير فقد رويته عن أبي (رحمه الله)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن عبد الله بن بكير. والتلميذ (الحسن بن علي) والأُستاذ (عبد الله بن   2

1 . الكافي في الفقه: 384 .
2 . مسالك الأفهام: 15 / 164.
3 . الوسائل: 19، الباب 31 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4 .
4 . الفقيه: 4 / 83 ، باب القود ومبلغ الدية، الحديث 28.

صفحه 233
Eبكير) فطحيان ثقتان. 1
فلم يبق إلاّ الاختلاف البسيط بين النقلين والظاهر أنّ «بشيء» مصحّف «شيئاً»، كما أنّ «صغر أو كبر» مصحف «صغيراً أو كبيراً».
ومع ذلك ففي الاستناد على المرسلة اعتماداً على ما نقله الصدوق مسنداً، إشكال; وذلك لأنّ الوارد في المسند قوله:«كلّ من قتل بشيء صغر أو كَبُر بعد أن يتعمّد فعليه القود»، فإنّ الظاهر أنّ الحديث بصدد بيان أمر آخر، وهو عدم العبرة بصغر الآلة وكبرها، فمن قتل بآلة من غير فرق بين كونها صغيرة أو كبيرة يقتصّ منه، وأين هذا ممّا نحن فيه؟
واحتمال أنّ قوله: «بشيء» مصحّف «شيئاً»، بعيد أيضاً، إذ لا وجه للعدول من لفظ «الإنسان» إلى لفظ «شيئاً»، واحتمال أنّ «شيئاً» مصحّف «نفساً» يبعّده تذكير الفعلين ـ أعني: صغر أو كبر ـ فإنّ النفس مؤنث سماعي يسند إليه الفعل بالتأنيث.
كلّ ذلك يكون سبباً للاحتياط الذي أشار إليه المصنّف في المتن. وبذلك ظهر أنّ القول بالقصاص مطابق للقواعد العامّة والرواية.
ثمّ إنّ المصنّف احتاط بعدم اختيار الولي القصاص، بل يصالح بالدية. وجهه: ما يأتي في قتل المجنون حيث ورد فيه قوله: «فلا قود لمن لا يقاد منه» فبما أنّ الصبي لا يقاد منه ـ لو قتل ـ فلا قود له، وسيوافيك وجه العدول   2

1 . لاحظ : مشيخة الفقيه: 4 / 13، آخر الكتاب.

صفحه 234
Eعن الضابطة.
نعم سيأتي في الفرع الثاني ما في رواية أبي بصير التي تصلح أن تكون دليلاً للحلبي، واحتياط المتن بالمصالحة بالدية، فانتظر.
لو قتل البالغ المجنون   

الفرع الثاني: إذا قتل العاقلُ المجنونَ

وله صورتان:

الأُولى: إذا قتل المجنون دون أن يهاجمه

فالمشهور فيها عدم القصاص، على خلاف ماسبق في قتل الصغير، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلاخلاف أجده فيه، كما عن الغنية وغيرها، الاعتراف به، بل في «كشف اللثام» نسبته إلى قطع الأصحاب، بل عن «كشف الرموز» الإجماع عليه، وهو الحجّة بعد الرواية. 1
قال العلاّمة: كما يعتبر العقل في طرف القاتل كذا يعتبر في طرف المقتول، فلو قتل العاقل مجنوناً لم يقتل به، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً وشبه العمد، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة. 2
ويدلّ عليه صحيحة أبي بصير (يعني المرادي) قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن رجل قتل رجلاً مجنوناً، فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين، قال:   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 184 .
2 . تحرير الأحكام: 5 / 464، المسألة 7061 .

صفحه 235
Eوإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لايقاد منه، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون، ويستغفر الله ويتوب إليه». 1
والشاهد في قوله: «وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده، فلا قود لمن لايقاد منه».
فإن قلت: التعليل الوارد في الرواية: «فلا قود لمن لا يقاد منه» يقتضي أن لايقاد من قاتل الصبي; لأنّ الصبي لايقاد منه، فقاتله مثله، ولذلك ذهب أبو الصلاح في الفرع السابق إلى عدم القصاص.
قلت: إن قوله: «فلا قود لمن لا يقاد منه» ضابطة كليّة، فلا مانع من أن تخرج عنها صورة واحدة، أعني: إذا قتل البالغُ الصبىَّ.
وإن شئت قلت: إنّ رواية ابن فضّال صريحة في موردها والضابطة ظاهرة في موردها، فالنصّ يقدّم على الظاهر. ومع ذلك فقد عرفت الإشكال في الاعتماد على رواية ابن فضّال، ولذلك قوّينا جانب الاحتياط إلاّ إذا ثبت الإجماع على الخلاف.

الصورة الثانية: إذا قتل العاقل المجنون دفاعاً عن نفسه فيما لو أراده

فقد مرّ عليك ما في رواية أبي بصير أنّه قال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت   2

1 . الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 236
Eمال المسلمين».1
ويؤيّده أيضاً خبر أبي الورد، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) أولأبي جعفر(عليه السلام): أصلحك الله: رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله فقال: «أرى أن لايُقتل به ولا يُغرم ديتَه، وتكون ديتُه على الإمام ولايبطل دمه». 2
وإنّما يصح الاستدلال به على هذا الفرع إذا كان المورد من مورد الدفاع مع أنّه بعد تناول السيف يعجز المجنون عن قتله فلا يكون قتله دفاعاً، ولأجل هذا قال في «الجواهر»: بعد حمله على الدفع.3
ومع ذلك يمكن تصحيح كون قتله دفاعاً عن نفسه، وهو أنّ المجنون بعد أخذ السيف منه تشبّث بأشياء أُخرى لضرب العاقل كالحجر أو غيره، فلم يجد العاقل بدّاً إلاّ قتله.
ومع ذلك كلّه فبين الخبرين تفاوت، إذ على صحيحة أبي بصير فالدية على بيت مال المسلمين، وفي خبر أبي الورد على الإمام، وبما أنّ بيت مال المسلمين تحت يد الإمام، صحّ التعبير عنه بقوله: على الإمام.
فإن قلت: إنّ الصحيحة والخبر اتّفقا على دفع الدية إمّا من بيت مال المسلمين أو من الإمام، ولكن إيجاب الدية يخالف ما تضافر عنهم من أنّ   2

1 . الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .
3 . جواهر الكلام: 42 / 186 .

صفحه 237
Eمن دفع لصّاً أو محارباً أو نحوهما فلا قود ولادية عليه، وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك نذكر من رواياته مايلي:
1. صحيحة العلاء بن الفضيل قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إذا أراد الرجل أن يضرب رجلاً ظلماً فاتّقاه الرجل أو دفعه عن نفسه فأصابه ضرر، فلا شيء عليه»1.
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أيّما رجل قتله الحدّ في القصاص فلادية له»، وقال: «أيمّا رجل عدا على رجل ليضربه فدفعه عن نفسه فجرحه أو قتله، فلا شيء عليه»2.
قلت: إنّ هذه الروايات روايات عامّة لامانع من ورود التخصيص عليها في مورد قتل المجنون، فدم الظالم يكون سدى مطلقاً لتعدّيه وظلمه ; بخلاف المجنون، فهو مسلوب الإرادة والاختيار ; فالأوّل ليس مستحقّاً للترحّم، بخلاف الثاني.
وأخيراً كما في المتن، لا فرق في الحكم بين كون المجنون مطبقاً أو أدواريّاً، مع كون القتل حال جنونه، لإطلاق الأدلّة.

1 . الوسائل: 19، الباب 22 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.
2 . الوسائل: 19، الباب 22 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .

صفحه 238
المسألة6. في ثبوت القود على السكران الآثم في شرب المسكر ـ إن خرج به عن العمد والاختيار ـ تردّد، والأقرب الأحوط عدم القود.
نعم لو شكّ في زوال العمد والاختيار منه يلحق بالعامد، وكذا الحال في كلّ ما يسلب العمد والاختيار، فلو فرض أنّ في البنج وشرب المرقد حصول ذلك يلحق بالسكران، ومع الشكّ يعمل معه معاملة العمد، ولو كان السكر ونحوه من غير إثم فلا شبهة في عدم القود، ولا قود على النائم والمغمى عليه، وفي الأعمى تردّد.*
* في المسألة فروع:
1. السكران الآثم في شرب الخمر إذا قتل نفساً بلا اختيار.
2. نفس الصورة إذا شُكّ في زوال الاختيار.
3. إذا شرب المسكر من غير إثم .
4. من شرب كلّ ما يسلب العمد والاختيار.
5. النائم إذا قتل شخصاً، وهكذا المغمى عليه .
6. الأعمى إذا قتل شخصاً.
وإليك دراسة الفروع:
في ثبوت القود على السكران   

الفرع الأوّل: في ثبوت القود على السكران الآثم

إذا شرب المسكر وكان آثماً في شربه، وقتل شخصاً خارجاً عن الاختيار، فهل عليه القود أو لا؟   2

صفحه 239
Eفقد تردّد في المتن وجعل الأحوط عدم القود.
وقد ذكر الشهيد الثاني منشأ التردّد وقال: إنّ منشأه أنّ الشارع لم يعذّر السكران مطلقاً، بل نزّله منزلة الصاحي فيقتص منه، وهو اختيار الأكثر، ومِن أن القصد شرط في العمد، وهو منتف في حقّه، وتنزيله منزلة الصاحي مطلقاً ممنوع، ولعلّ هذا أظهر .1
ومع ذلك فإنّ المحقّق جعل الثبوت أشبه، وقال: وفي ثبوت القود على السكران تردّد، والثبوت أشبه، لأنّه كالصاحي في تعلّق الأحكام .(2)
ولعلّ التفصيل ـ مع قطع النظر عن النصوص ـ أقرب إلى الحق، وهو أنّ السكران إذا علم أو احتمل أنّ شرب الخمر سيؤدي إلى ارتكاب جرائم كالقطع والقتل، فعليه القود، وإن خرج عن الاختيار والعمد ; وذلك لأنّ الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالعلم حتّى الاحتمال في هذه الحالة منجز للحكم الواقعي قبل أن يسكر، فيبقى على فعليّته حتّى بعد الإسكار.
فإن قلت: إنّ خطاب السكران الفاقد للشعور قبيح.
قلت: فرق بين الخطاب القانوني والخطاب الشخصي، فهو غير مخاطب بالخطاب الشخصي في هذه اللحظة لكنّه تمّت الحجّة عليه قبل أن يسكر، هذا على حسب القواعد وأمّا بالنسبة إلى النصوص فهناك رواية واحدة نقلت بوجهين: أحدهما نقله السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام)، والآخر نقله محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام). وإليك كلا الوجهين مع الإشارة إلى   2

1 . مسالك الأفهام: 15 / 166 .   2 . شرائع الإسلام: 4 / 216 .

صفحه 240
Eوجوه الاختلاف بينهما.
   

دليل القول بتعلّق القود على السكران

روى السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون 1 بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فسجنهم، فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقيدهما، فقال علي (عليه السلام)للقوم: فلعل ذينك اللّذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي (عليه السلام): بل اجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين» 2.
وجه الدلالة: أنّ ظاهر الحديث المفروغية عن كون القود عليهما لو فرض العلم بأن الباقيين قتلاهما، وبعبارة أُخرى: أنّ الأمير (عليه السلام)توقّف في القصاص لاحتمال أنّ كلّ واحد قتل صاحبه، ولذلك توقّف عن قصاص الباقيين. نعم لولا هذا الاحتمال لتوجّه عليهما القود.
وروى محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في أربعة شربوا مسكراً، فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين   2

1 . بعج بطنه بالسكين، إذا شقّه، فهو باعج.
2 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.

صفحه 241
Eفترفع من الدية، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء».1
ولا يخفى وجود التنافي بين النقلين، ومن القريب أن تكون القضية قضية واحدة، وأمّا وجه التنافي :
أوّلاً: أنّ المتبادر من رواية السكوني أنّ عدم القصاص لأجل عدم تعيّن القاتل، لوجود احتمال أنّ كلاًّ منهما قتل الآخر، وإلاّ فلو كان متعيّناً لقيد منهما.
ولكن المتبادر من صحيحة محمد بن قيس أنّه لا يقاد حتّى مع تعيّن القاتل; وذلك لأنّ الإمام تلقّى أنّ القتل صدر من المجروحين بشهادة أنّه جعل دية المقتولين على المجروحين، ولولا ذلك لما كان هناك وجه لهذا.
ثانياً: أنّ الإمام (عليه السلام)(حسب نقل السكوني) جعل دية المقتولين على القبائل الأربعة، وأخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين، وأمّا على حسب صحيحة محمد بن قيس فقد جعل دية المقتولين على المجروحين وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، ومع هذا التعارض لا يمكن العمل بالروايتين.
ولذلك تردّد في المتن في تعلّق القود، ولا بأس به لولا ملاحظة القواعد العامّة، أعني قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)من غير فرق بين السكران وغيره. إلاّ أن يدّعي الانصراف إلى الصاحي دون السكران، كلّ ذلك إذا لم يعلم أو لم يحتمل ترتّب القتل على شرب المسكر، وإلاّ فالنص فيه محكّم ولا   2

1 . الوسائل: 19، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1 .

صفحه 242
Eمعنى للانصراف .

الفرع الثاني: لو شكّ في زوال الاختيار

أمّا إذا قتل السكران شخصاً وشُكّ في زوال الاختيار فقد ألحقه في المتن بالعامد لاستصحاب الاختيار والقصد.

الفرع الثالث: لو شرب المسكر من غير إثم

إذا شرب المسكر للعلاج على نحو لا يكون آثماً وقتل نفساً خارجاً عن العمد والاختيار، فيأتي فيه ما تقدّم في الإثم وهو أنّه لو علم أو احتمل صدور القطع والقتل يتوجّه عليه القود; لأنّ العلم قبل الاضطرار ـ بل الاحتمال في المقام ـ منجِّز للتكليف فيتوجّه عليه القود، وأمّا إذا قطع بالسلامة ولكن صارت النتيجة على خلاف ما كان يتنبّأ يكون القتل خطأ خصوصاً إذا لم يكن آثماً في شرب الخمر.

الفرع الرابع: مَن شرب كلّ ما يسلب العمد والاختيار

لو بنّج نفسه بما لا يُعدّ مسكراً، أو شرب مرقداً، أو كلّ ما يسلب العمد والاختيار كذلك لا لعذر، فقد اختلف العلمان في ذلك فذهب الشيخ في «المبسوط» إلى إلحاقه بالسكران، وقال: وأمّا من جُنّ بسبب هو غير معذور فيه، مثل أن يشرب الأدوية المجننة فذهب عقله، فهو كالسكران .1
لا قود على النائم إذا قتل شخصاً، لو قتل الأعمى شخصاً   
ولكن تردّد فيه المحقّق وقال: أمّا مَنْ بنّج نفسه أو شرب مرقداً لا   2

1 . المبسوط: 7 / 50 .

صفحه 243
Eلعذر، فقد ألحقه الشيخ (رحمه الله)بالسكران، وفيه تردّد.1
وأمّا المصنّف فقد ألحقه بالسكران، ولكن فيه منع واضح ; لأنّ السكران موضوع والمبنّج موضوع آخر، فلو قلنا بعدم القود بالسكران لا يلازم القول في المبنّج، والقول بالقصاص هنا أقوى أخذاً بإطلاق (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) خرج السكران وبقي الباقي تحته، خصوصاً إذا علم بأنّه ربما يؤدّي إلى القتل. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ السكران وإن غلب استعماله في الشراب لكنّه يشمل المبنّج أيضاً لغة، كما هو الظاهر من «المفردات»، وعلى هذا فالاحتياط عدم القصاص خصوصاً بملاحظة درء الحدود بالشبهات.

الفرع الخامس: لا قود على النائم إذا قتل شخصاً

ووصفه في «الجواهر» بقوله: الإجماع بقسميه عليه.(2)
لأنّ النوم أمر طبيعي للإنسان، فحكمه حكم سائر المتلفات، إنّما الكلام في أنّ الدية في ماله أو على عاقلته. والظاهر هو الأوّل ; لأنّ الأصل في الضمان كونه على المتلف، خرج عنه الخطأ المحض فهو على العاقلة.

الفرع السادس: إذا قتل الأعمى شخصاً

لاشك أنّه إذا صدر القتل من الأعمى عن خطأ، فلا شكّ أنّ فحكمه حكم المبصر، أي فيه الدية على العاقلة دون القود; إنّما الكلام إذا صدر عنه عن عمد، فهل هو كالمبصر يُقاد منه، أو أنّ عمده خطأ كالصبي؟   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 216.   2 . جواهر الكلام: 42 / 188 .

صفحه 244
Eأمّا الأوّل: فهو خيرة ابن إدريس 1 والمحقّق (2) وفخر
المحقّقين 2، فهؤلاء يقولون بأنّ الأعمى كالمبصر في وجوب القصاص عليه لوجود المقتضي له، وهو قصده إلى القتل وانتفاء المانع ; لأنّ العمى لا يصلح مانعاً مع اجتماع شروط القصاص حتّى التكليف والقصد ونحوهما.
هذا ولعموم الأدلّة من الآيات والروايات الشاملة للأعمى والمبصر على وجه واحد.
وأمّا الثاني: فهو خيرة ابن الجنيد (4)، والشيخ قال في «النهاية»: إن عمد الأعمى وخطأه سواء تجب فيه الدية على عاقلته، 3 وابن البراج 4 .
هذان هما القولان المعروفان بين فقهائنا، ولاشكّ أنّ القول الأوّل هو مقتضى القواعد، أي عدم الفرق بين الأعمى والمبصر، وإنّما يخرج عنه إذا كان هناك دليل عليه، وليس في المقام إلاّ روايتان:
1. ما رواه الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه، فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال: فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «هذان متعدّيان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته...».5   2

1 . السرائر: 3 / 368 .   2 . شرائع الإسلام: 4 / 216 .
2 . إيضاح الفوائد: 4 / 601 .   4 . مختلف الشيعة: 9 / 347 .
3 . النهاية: 760 .
4 . المهذب: 2 / 495 .
5 . الوسائل:19، الباب10 من أبواب العاقلة، الحديث1.

صفحه 245
E2. ما رواه أبو عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح متعمّداً؟ فقال: «إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ولا يبطل حق امرئ مسلم».1
والاستدلال بالروايتين فرع صحّة السند وتمامية الدلالة في المتن.
أمّا السند فقد روى الشيخ الرواية الأُولى بالسند التالي: عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبدالله، عن العلاء، عن محمد الحلبي. والسند لا غبار عليه إلاّ في محمد بن عبدالله 2، وهو مشترك بين الثقة وغيره.
يلاحظ عليه: أنّ الصدوق رواه بسنده عن العلاء 3، وطريقه إليه صحيح في «الفقيه»، وسواء أُريد منه العلاء بن رزين أو العلاء بن سيابة4، لاحظ المشيخة. وعلى هذا فالرواية صالحة للاحتجاج.
وأمّا سند الرواية الثانية ففيه عمّار الساباطي وهو فطحي.
يلاحظ عليه: أنّ الأصحاب عملوا بروايات الفطحيين الثقات، وقد روي عن الإمام العسكري (عليه السلام)أنّه سُئل عنهم فقال: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا»5.   2

1 . الوسائل:19، الباب35 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 15 .
3 . الفقيه: 4 / 107، برقم 361 .
4 . لاحظ : مشيخة الفقيه: 4 / 57، 126، آخر الكتاب.
5 . من لا يحضره الفقيه: 4 / 542.

صفحه 246
Eهذا كلّه حول سندي الروايتين، وأمّا الدلالة فقد أورد عليها بوجهين:
الأوّل: أنّ رواية الحلبي تتحدّث عن كون الدية على عاقلة الأعمى يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة تعلّقت الدية بماله.
وأمّا الرواية الثانية فقد جعلت الدية في مال الأعمى ابتداءً، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام.
فعلى الرواية الأُولى تؤدّى الدية بالترتيب التالي:
على العاقلة أوّلاً ثم الأعمى ثانياً .
وعلى الرواية الثانية تؤدّى الدية بالترتيب التالي:
على الأعمى أوّلاً وعلى الإمام ثانياً.
يلاحظ عليه: بأنّ غاية ما يلزم تقييد الرواية الثانية بالأُولى، فيقال: الدية على العاقلة أوّلاً ثم على الأعمى في ماله وإلاّ فعلى الإمام، فيتصرّف في الرواية الثانية بدأ بتقديم العاقلة على الأعمى، كما يتصرف في نهاية الرواية الأُولى بأن في حال فقدان ماله تكون الدية على الإمام.
وبعبارة أُخرى: تضاف الدية على العاقلة على الرواية الثانية، والدية على الإمام على الرواية الأُولى.
بقي هنا أمر وهو تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهذا وإن استسهله صاحب الجواهر وقال: ودعوى عدم صلاحية أخبار الآحاد ـ وإن   2

صفحه 247
Eصحّت ـ لتخصيص الكتاب، قد ذكرنا فسادها في الأُصول .1
ولكنّه ليس بسهل فهذا هو المحقّق (رحمه الله) يمنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد.(2)
نعم تبيين مجملات الكتاب بالخبر الواحد أمر مقبول وعليه سيرة الفقهاء، إنّما الكلام في تخصيصه وتضيق دائرة حكمه بالخبر الواحد. وليس هذا إنكاراً لحجية الخبر الواحد وإنّما الكلام في سعة حجيته في مقابل عموم الكتاب وإطلاقه.
فإنّ للكتاب مقاماً سامياً لا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي، وهذه هي سيرة العقلاء في العدول عن الدستور الدائم، فلا يُعدل عنه إلاّ بدليل قطعي.
ولذلك تردّد المصنّف في الحكم، فمن أنصف فليقل: إنّه إذا ثبت بالعلائم والأمارات المفيدة للقطع أو إقرار الأعمى بأنّه كان بصدد قتل المجني عليه، يعامل معه معاملة المبصر، ونظيرها ما لو كانت الآلة قتّالة.
نعم لو لم تكن الآلة قتالة وادّعى عدم قصد القتل، يشكل الاقتصاص منه، فعلى هذا فالظاهر هو التفصيل بين ما عُلم أو اعترف بأنّه بصدد القتل يقتصّ منه، سواء كانت الآلة قتّالة أو لا.
وهكذا لو كانت الآلة قتّالة وإن لم يعترف بقصد القتل.
نعم لو لم تكن الآلة قتّالة ولم يعترف بقصد القتل، فلا يقتص منه. والله العالم.

1 . جواهر الكلام: 42 / 190 .   2 . معارج الأُصول: 172 .

صفحه 248
الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم، فلو قتل من كان مهدور الدم ـ كالساب للنبي(صلى الله عليه وآله)ـ فليس عليه القود. وكذا لا قود على من قتله بحقّ كالقصاص والقتل دفاعاً، وفي القود على قتل من وجب قتله حدّاً ـ كاللائط والزاني والمرتدّ فطرة بعد التوبة ـ تأمّل وإشكال،ولا قود على من هلك بسراية القصاص أو الحد.*
من الشرائط المعتبرة في القصاص: أن يكون المقتول محقون الدم   

* الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم لا مهدوره

وقد مضى في صدر هذا الكتاب أنّ الموجب هو إزهاق النفس المعصومة عمداً، ومن المعلوم أنّ مهدور الدم ليس نفساً معصومة.
وقد أخرج المصنّف عن محقون الدم في المتن الموارد التالية:
1. سابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. من قتله بحقٍّ، كالقصاص والدفاع.
3. من هلك بسراية القصاص أو الحدّ.
هذه هي الموارد الّتي أخرجها في المتن على أنّه لا قصاص على من قتل هؤلاء. ولكنّه تأمّل في الرابع .
4. قاتل اللائط والزاني والمرتدّ فطرة بعد التوبة، فلو قتل أحد هؤلاء شخصٌ فهل يقاد به أو لا؟ ففيه تأمّل.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الأوّل: فقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك فنقل فيه أربع   2

صفحه 249
Eروايات، نذكر واحدة منها: روى محمد بن مسلم، قال: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت لو أنّ رجلاً الآن سبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أيقتل؟ قال: «إن لم تخف على نفسك فاقتله»1.
وأمّا الثاني: فهو متمثّل في موردين:
1. من قتله بحق، فقد روى أبو الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: سألته عن رجل قتله القصاص، له دية؟ فقال: «لو كان ذلك لم يقتص من أحد. وقال: من قتله الحدّ فلا دية له »2 .
وأظهر مصداق له هو الحدّاد عند القاضي المجري لحكمه، ويؤيد ذلك ما رواه الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «من ضربناه حدّاً من حدود الله فمات، فلا دية له علينا» 3 .
وقد روى في «الفقيه» عن الصادقين (عليهما السلام)قولهما: «من قتله القصاص فلا دية له» 4.
وروى أبو العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عمّن أُقيم عليه الحد (فمات)، أيقاد منه، أو تؤدّى ديته؟ قال: «لا، إلاّ أن يزاد على القود».5 والضمير في «منه» يعود إلى المقيم للحدّ.   2

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب حدّ القذف، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
4 . الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.
5 . الوسائل:19، الباب24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.

صفحه 250
E2. من قتل دفاعاً عن نفسه أو ماله، فقد روى محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن لصٍّ دخل على امرأة وهي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المرأة إلى سكين فوجأته بها فقتلته؟ فقال: «هدر دم اللص»1.
مَن هلك بسراية القصاص أو الحدّ   
وأمّا الثالث: مَن هلك بسراية القصاص أو الحدّ فقد روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة». 2 فقوله: «ولا جراحة» إشارة إلى أنّ الجرح للقصاص إذا سرى وأدّى إلى موت الجارح فلا قصاص. ويمكن الاستدلال له بما مرّ من رواية أبي الصباح الكناني من قوله (عليه السلام):«من قتله الحدّ فلا دية له» فإطلاقه يعمّ ما لو قطعت يد السارق لكن الجرح سرى إلى نفسه فيصدق عليه أنّه قتله الحد.
وأمّا الرابع: أعني من قتل الزاني المحصن واللائط والمرتدّ فطرة بعد التوبة بدون إذن القائم بالأمر، فهل يقاد به أو لا ؟ ففي «الجواهر»: ليس في شيء ممّا وصل إلينا من النصوص تعرّض لذلك، فضلاً عن تواترها .3
والحق أن يقال: إنّ الأصل في الدماء هو الاحترام ولا يجوز لأحد إراقة دم وإن كان غير مصون عند الله سبحانه، لأنّ كونه مهدور الدم إجمالاً لا يكون دليلاً على كونه كذلك بالنسبة إلى عامّة الناس، وإلاّ يلزم الهرج والفوضى.
ووجه التأمّل عدم وجود نصّ في المورد.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 22 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6. ولاحظ بقية روايات الباب .
2 . الوسائل: 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8 .
3 . جواهر الكلام: 42 / 192 .

صفحه 251
Eوبذلك ظهر أنّ مهدور الدم على أقسام أربعة:
أ. أن يكون مهدور الدم لعامّة الناس كسابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والكافر والحربي.
ب. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى كلّ مسلم كالمرتد قبل التوبة ; لأنّه كالكافر، فلو قتله المسلم لم يثبت عليه القود. لما مرّ من أنّه لا يقاد المسلم بكافر.
ج. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى الإمام ونائبه كالزاني واللائط والمرتدّ فطرة بعد التوبة ; لأنّ الأصل في الدماء الحرمة، خرج عنه قتلهم بحكم الإمام أو نائبه فيبقى الباقي تحت قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
د. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى ورثة المقتول وأوليائه. هذا هو المشهور، وقد علم وجهه ممّا ذكرنا في الطوائف الثلاث، فلاحظ.
***

صفحه 252

صفحه 253
الفصل الثالث:
في ما يثبت به القود
الأوّل: الإقرار بالقتل
الثاني: البيّنة
الثالث: القسامة، وفيه مقاصد
1. في اللوث
2. في كمية القسامة
3. في أحكام القسامة

صفحه 254

صفحه 255

القول فيما يثبت به القود

وهو أُمور:

الأوّل: الإقرار بالقتل

ويكفي فيه مرّة واحدة، ومنهم من يشترط مرّتين، وهو غير وجيه.*

* الأوّل: الإقرار بالقتل

يثبت القود بإقرار القاتل بالقتل، أخذاً بما عليه سيرة العقلاء وإمضاء الشرع لها، أعني: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، إلى غير ذلك من الروايات الّتي ستوافيك دراستها في أثناء المسائل الّتي تُعرب عن مفروغية ثبوت القود بالإقرار.
إنّما الكلام في كفاية المرّة منه، والظاهر كفايتها من دون حاجة إلى التعدّد أخذاً بالسيرة وإطلاق الرواية، إذا اجتمعت شرائط الإقرار.
وأمّا لزوم التعدّد في بعض الموارد فإنّما هو بتعبّد من الشارع.
ولعلّ تداخل حقّ الناس مع حقّ الله سبحانه صار سبباً للتعدّد.
وبذلك ظهر أنّ من اشترط التعدّد لا يعتمد على دليل مُقِنع.

صفحه 256
المسألة 1. يعتبر في المقرّ: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، والحرّية. فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مراهقاً، ولا المجنون، ولا المكره، ولا الساهي والنائم والغافل والسكران الذي ذهب عقله واختياره.*

* في شروط المقر

قد تكرّر من المصنّف وغيره ذكر هذه الشروط في كثير من الأبواب، ووجه اعتبارها عدم الاعتداد بأقارير هؤلاء، فيشترط في المقرّ: البلوغ والعقل ; لأنّ الصبي والمجنون مسلوبي العبارة.
كما يشترط الاختيار والقصد ; لأنّ حجّية الإقرار لأجل كونه كاشفاً عن الواقع، وإقرار المُكره يفقد هذه الخصوصية، ونظيره الهازل الّذي يفقد القصد، فلا يكشف إقراره عن الواقع.
وبذلك يُعلم عدم حجّية إقرار الساهي والنائم والغافل والسكران الّذي ذهب عقله; وذلك لأنّ الملاك في حجّية الإقرار كونه كاشفاً عن الواقع.
وأمّا اشتراط الحرية فلأنّ إقرار العبد إقرار على المولى وإضرار له، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز لا على غيرهم.
في قبول إقرار المحجور عليه بالقتل العمدي   

صفحه 257
المسألة 2. يقبل إقرار المحجور عليه لسفه أو فلس بالقتل العمدي، فيؤخذ بإقراره، ويقتصّ منه في الحال من غير انتظار لفكّ حجره.*

* في قبول إقرار المحجور عليه بالقتل العمدي

إذا كان الإنسان محجوراً عليه (ماليّاً) لسفه أو فلس، فهو محجور التصرّف في أمواله، وعلى هذا فلو أقرّ بالقتل عمداً فيسمع لعدم منافاته لحقوق الآخرين; لأنّ نتيجة الإقرار بالقتل العمد هو الاقتصاص منه لا التصرّف في أمواله. وتوهم أنّه كيف لا يسمع إقراره في ماله، ويسمع في نفسه، مدفوع، بأنّ عدم رشده في التصرّفات المالية وتطرّق الغبن إلى عقوده غالباً صار سبباً للمنع عن التصرّف وعدم قبول إقراره فيها، وأمّا التصرّف في النفوس فإنّ قبح القتل أمر فطري يعرفه السفيه وغيره، فلو اعترف فلا وجه لعدم قبول إقراره.
وأمّا إذا أقرّ بالقتل خطأ، يجمع بين إقراره وحقّ الغرماء، فيسمع فيكون المال في ذمّة المحجور، ولكن لا يشارك ولي الدم الغرماء بشرط عدم تصديق الغرماء صحّة القتل، وإلاّ فيشارك الغرماء في مقدار الدية، لعدم الفرق بين الدين قبل الحكم بالحجر والدين الطارئ بعده.
 

صفحه 258
المسألة 3. لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأ، كان للولي الأخذ بقول صاحب العمد، فيقتصّ منه، والأخذ بقول صاحب الخطأ، فيلزمه بالدية، وليس له الأخذ بقولهما.*
خيار الولي بين مَن أقرّ بالقتل العمد وآخر بالقتل الخطأ    

* خيار الولي بين مَن أقرّ بالقتل العمد وآخر بالقتل الخطأ

لو قُتل شخصٌ وادّعى أحد الشخصين أنّه قتله عمداً، وادّعى الآخر أنّه قتله خطأ، فما هي وظيفة الولي أو القاضي أمام الرجلين؟
قال المحقّق بالتخيير، وقال: لو أقرّ واحدٌ بقتله عمداً، وآخر بقتله خطأ، تخيّر الولي تصديق أحدهما، وليس له على الآخر سبيل .1
وعلّله في الجواهر بقوله: إنّ إقرار كلٍّ منهما سبب في إيجاب مقتضاه على المقرّ، ولا يمكن الجمع بين الأمرين فيتخيّر ولو جهل الحال .2
يلاحظ عليه: كيف يمكن القول بتخييره مع علمه الإجمالي بكذب أحدهما، فهو أشبه بالشبهة المحصورة، فلو أخذ بقول صاحب العمد فاستعدّ للاقتصاص فهو شاكّ في حصول شرط الاقتصاص وهو العمد لاحتمال صدور القتل من الآخر.
ولو أخذ بقول صاحب الخطأ فاستعدّ لأخذ الدية، فهو شاكّ في استحقاقها، فمقتضى القاعدة ترك قوليهما إلى أن تتبيّن الحال.   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 218 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 206 .

صفحه 259
Eهذا هو مقتضى القاعدة وأمّا بالنظر إلى غيره، فقد ورد التخيير في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل وجد مقتولاً فجاء رجلان إلى وليّه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ؟ فقال: «إن هو أخذ ]بقول  [صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل»1.
وقد رواها الصدوق عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن حيّ، والظاهر أنّ الراوي في آخر الحديث في كلا النقلين واحد، فالحسن بن صالح في نقل الكليني هو الحسن بن صالح بن حيّ، فقد سقط «صالح» بين اسم الراوي وجدّه، قال الشيخ الطوسي: الحسن بن صالح بن حيّ، له أصل .
وقال في رجال الباقر (عليه السلام): الهمداني، الثوري، الكوفي، صاحب المقالة، زيدي، إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في رجال الصادق (عليه السلام): أبو عبدالله ، أُسند عنه .
وقال في «التهذيب»: هو زيدي بتريّ، متروك العمل بما يختصّ بروايته .
وقال ابن النديم في «الفهرست»: ولد سنة 168 هـ ، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً، له أكثر من 47 رواية، فقد روى عنه الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع في جميع ذلك إلاّ في مورد   2

1 . الوسائل: 19، الباب 3 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 260
Eواحد، فقد روى عنه علي بن محمد بن سليمان النوفلي .1
وعلى هذا فالرواية غير صالحة للاحتجاج. نعم يمكن أن يقال: إنّها صالحة للاحتجاج بوجهين:
1. رواية ابن محبوب عنه في موارد كثيرة تبلغ 46مورداً وقد قلنا في محلّه إنّ كثرة رواية الثقة عن شخص، آية كونه ثقة عنده وإلاّ لغى عمله، نعم قلة روايته لا تدلّ على شيء.
2. عمل الأصحاب بها على درجة جابرة لضعف السند، فلو صحّ ما ذكرنا أمكن الإفتاء بالتخيير، وإلاّ فاللازم إرجاء الحكم حتى يتبيّن الواقع.
مَن أقرّ بالقتل العمد ثم رجع عن إقراره بعد اعتراف آخر به   

1 . الموسوعة الرجالية الميسّرة: برقم 1531 .

صفحه 261
المسألة 4. لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتهم بقتله عمداً، فجاء آخر وأقرّ أنّه هو الذي قتله، ورجع المقرّ الأوّل عن إقراره، درئ عنهما القصاص والدية، وتؤدّى دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب، ولا بأس به، لكن يقتصر على موردها والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلا يبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية، ولو لم يكن لهما مال، ففي القود إشكال.*

* مَن أقرّ بالقتل العمد ثم رجع عن إقراره بعد اعتراف آخر به

لو أقرّ شخصّ بقتل رجل عمداً وأقرّ آخر أنّه هو الّذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره، فما هو الحكم؟
ثم إنّ الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها واضح، بوجهين:
1. أنّ أحد الإقرارين على العمد والآخر على الخطأ في المسألة السابقة، ولكنّهما في المقام على العمد.
2. عدم رجوع المقرّ الأوّل في المسألة السابقة دون المقام.
إذا عرفت ذلك فلندرس مقتضى القاعدة في المسألة.
الظاهر أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الادّعائين يصدّنا عن الأخذ بأيّ منهما، نظير المسألة السابقة، فلا يمكن القول بالتخيير، إذ في كلّ احتمال مخالفة الواقع خصوصاً في الدماء، وإنّ رجوع الغير لا يؤثر في حجّية   2

صفحه 262
Eإقراره بل هو باق على ما كان، وقد اشتهر أنّه لا إنكار بعد الإقرار، فكأنّ كلاًّ منهما يقرّ بأنّه القاتل.
وعلى هذا فمقتضى القاعدة تأخير الحكم إلى أن يظهر الواقع.
هذا على مقتضى القاعدة ولكن وردت في المقام رواية تدلّ على درء القصاص والدية عنهما، وأنّ دية المقتول من بيت المال، فهل هي حجّة يخرج بها عن مقتضى القاعدة أو لا؟
وإليك نصّ الرواية:
روى الكليني عن علي بن إبراهيم مرسلاً عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «أُتي أمير المؤمنين(عليه السلام) برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرع ـ إلى أن قال ـ : فقال: أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني، وبيدي سكين ملطخ بالدم، والرجل يتشحط في دمه، وأنا قائم عليه، خفت الضرب فأقرّرت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة، وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه، فقمت متعجباً، فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن، وقولوا له: ما الحكم فيهما، فقال: فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه قصتهما، فقال الحسن(عليه السلام): قولوا لأمير المؤمنين(عليه السلام):   2

صفحه 263
Eإن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله عزّ وجلّ:(وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)1 يخلّى عنهما، وتخرج دية المذبوح من بيت المال».2
ورواها الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم نحوه 3 .
ورواها الصدوق مرسلة وقال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): «وجد على عهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه رجل مذبوح في خربة... الخ» 4.
وبذلك ظهر أنّ المشايخ الثلاثة رووا الحديث إمّا مرسلاً أو بإسناد فيه إرسال، والظاهر عمل الأصحاب بالرواية، ففي «الجواهر»: وفي التنقيح وغاية المرام، عليها عمل الأصحاب، وعن السرائر نسبتها إلى رواية أصحابنا ولم نجد مخالفاً في ذلك إلاّ ثاني الشهيدين وأبا العباس فيما حُكي عنه لأرسال الخبر المنجبر بما عرفت على وجه يصلح قاطعاً للأصل .5 وقد عبر الصدوق عن الرواية بقوله:وقال: أبو جعفر(عليه السلام) مشعراً بجزمه بصدور الحديث.
والّذي أظن أنّ الحكم الوارد في الرواية على وفق القاعدة، لما عرفت من أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الإقرارين يصدّ الفقيه عن الأخذ بأحدهما، وقد وصل إليه سيدنا الحسن بن علي (عليه السلام)ولكن عبّر عن هذه الحقيقة بلطافة خاصّة تقنع السامع وقال (عليه السلام): «إن كان هذا ذبح هذا فقد أحيا هذا» .   2

1 . المائدة: 32 .
2 . الوسائل:19، الباب 4 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1.
3 . التهذيب: 10 / 173، برقم 679 .
4 . الفقيه: 3 / 514 في باب الحيل في الأحكام، الحديث 8 .
5 . جواهر الكلام: 42 / 207 .

صفحه 264
Eثم إنّ صاحب الجواهر جعل فتوى الإمام الحسن (عليه السلام)كرامة له باعتبار أنّه لو كان غيره لأخذ بقاعدة الإقرار إلاّ أنّه لمّا كان مؤيداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته، والفرض أنّ الحكم عند الله تعالى شأنه على خلاف قاعدة الإقرار للحكمة الّتي ذكرها أبو محمد (عليه السلام)، قضى فيها بما سمعت، وأراد أمير المؤمنين (عليه السلام) إظهار أمر الحسن (عليه السلام)وأنّه من معادن أسرار الله تعالى.1
وما ذكره (قدس سره)له وجه، ولكن ما ذكرناه أوضح، حيث إنّ الإمام (عليه السلام)وقف على وجود الكذب في أحد الإقرارين فصدّه عن الأخذ بأحدهما، لكنّه تطرّق إلى ذلك ببيان آخر، كما عرفت.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بالرواية الموافق للقاعدة هو المتعيّن.
هذا كلّه إذا رجع المقرّ الأوّل عن إقراره، وإلاّ فيكون حكمه عند المصنّف وغيره حكم المسألة السابقة وهو التخيير في القصاص والدية، وقد عرفت الكلام فيه فلاحظ .
بقي الكلام في أمرين أُشير إليهما في المتن:
1. لو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل بالقواعد.
الأمر الثاني الّذي يثبت به القود: البيّنة   
2. أنّ ظاهر قوله: «وتخرج دية المذبوح من بيت المال» عدم الفرق بين وجود بيت المال وعدمه ولكن المصنّف لم يستبعد إلزامهما أو أحدهما بالدية في صورة عدم وجود بيت المال، لئلاّ يبطل دم مسلم، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال عند الماتن، وقد عرفت أنّ الحق تأخير الحكم إلى أن يتبيّن.

1 . جواهر الكلام: 42 / 208 .

صفحه 265

الثاني: البيّنة

لا يثبت ما يوجب القصاص ـ سواء كان في النفس أو الطرف ـ إلاّ بشاهدين عدلين، ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمّات إلى الرجال، ولا توجب بشهادتهنّ الدية فيما يوجب القصاص، نعم تجوز شهادتهنّ فيما توجب الدية كالقتل خطأ أو شبه عمد، وفي الجراحات التي لا توجب القصاص كالهاشمة وما فوقها. ولا يثبت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد، ويمين المدّعي على قول مشهور.*

* الأمر الثاني الذي يثبت به القود: البيّنة

في المسألة فروع ستة:
1. ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال .
2. عدم ثبوته بشهادة النساء منفردات .
3. عدم ثبوته بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال.
4. عدم ثبوت الدية بشهادتهنّ فيما يوجب القصاص.
5. ثبوت الدية بشهادتهنّ في قتل الخطأ وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص.
6. عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي.
وإليك دراسة الفروع:   2

صفحه 266
Eأمّا الأوّل: أي ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال، سواء أكانت الجناية في النفس أو الطرف، وتكفي شهادة عدلين منهم، لإطلاق حجّية البيّنة.
وأمّا الفرع الثاني: أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منفردات. ويدلّ عليه الروايات التالية:
1 روى محمد بن الفضيل عن الرضا(عليه السلام): «لا تجوز شهادتهنّ في الطلاق ولا الدم».1
2. ما رواه إبراهيم الخارقي عن أبي عبد الله (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال:«لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ولا في الدم».2
3. ما رواه غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي(عليه السلام): «لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في القود».3
4. ما رواه موسى بن إسماعيل بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام)قال:«لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا قود».4
عدم ثبوت القصاص بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال   
وأمّا الفرع الثالث: ـ أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال ـ ففيه خلاف، فقد ذهب الشيخ إلى عدم ثبوته   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث2.
3 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث7.
4 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث8.

صفحه 267
Eبشهادة امرأتين ورجل قال: لا يثبت القتل الموجب للقود إلاّ بشهادة رجلين، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبه قال الشافعي. 1 وتبعه ابن إدريس في «السرائر»2.
وأمّا المحقّق فقد اختلفت كلمته، ففي هذا المقام وافق الشيخ وقال: فلا يثبت ما يجب به القصاص إلاّ بشاهدين، ولا يثبت بشاهد وامرأتين .3 وعليه المصنّف في المتن.
ولكنّه في كتاب الشهادات، عند البحث عن حقوق الآدمي استظهر ثبوته بالشاهد والمرأتين، وقال: وفي العتق والنكاح والقصاص تردّد، أظهره ثبوته بالشاهد والمرأتين .4
ثم إنّ هنا قولاً ثالثاً وهو أنّه لا يثبت القصاص بشاهد وامرأتين ولكن تثبت به الدية، ووصفه المحقّق بالشذوذ .5
ونسبه في الجواهر إلى الشيخ في النهاية وابن الجنيد وأبي الصلاح والقاضي، والفاضل في المختلف .6
أمّا دليل القول بعدم الثبوت، فهو مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة،   2

1 . الخلاف: 3 / 252، المسألة 4 .
2 . السرائر: 2 / 115 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 218 .
4 . شرائع الإسلام: 4 / 136.
5 . شرائع الإسلام: 4 / 218 .
6 . جواهر الكلام: 42 / 208 .

صفحه 268
Eحيث إنّ مقتضاها عدم الفرق بين كونهنّ منفردات أو منضمّات، وفي مقابل ذلك يوجد ما يدلّ على الجواز، نظير:
1. ما رواه جميل بن درّاج ومحمد بن حمران عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده، إنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول لا يبطل دم امرئ مسلم»1.
2. ما رواه محمد بن فضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في حديث قال: «تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال».2
3. ما رواه المفضّل بن صالح عن زيد الشحّام في حديث قال: قلت له: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال:«نعم».3
4. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة ».4
عدم ثبوت الدية بشهادة النساء فيما يوجب القصاص   
5. عن عبد الله بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) في امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبياً في بئر فمات؟ قال:«على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة».5   2

1 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث5.
3 . الوسائل:19، الباب2 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث9.
4 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث26.
5 . الوسائل:18، الباب24 من أبواب الشهادات، الحديث33.

صفحه 269
Eوالذي يمكن أن يقال: إنّ الروايات المانعة ناظرة إلى القصاص، وأمّا الروايات المجوّزة فيمكن حملها على الدية، ويشهد على ذلك أنّ عليّاً (عليه السلام)قال: على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة، فيثبت بشهادتهن ما يوجب الدية، كما سيوافيك، والتفصيل في محلّه.
الفرع الرابع: عدم ثبوت الدية بشهادة النساء فيما يوجب القصاص.
وجهه: أنّ ثبوت الدية فرع ثبوت القصاص، والمفروض عدم حجّية قولهن فيه حتى تثبت إذا اتّفق الطرفان على التصالح بالدية.
الفرع الخامس: ثبوت الدية بشهادتهنّ في القتل الخطئي وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص، وذلك كحجيّة قولهنّ في الأُمور المالية. وقد عرفت أنّ الروايات السابقة الدالّة على ثبوت الدم بشهادتهن محمولة على هذه الصورة، وإلى ذلك يشير المحقّق بقوله: ويثبت بكلّ منهما ما موجبه الدية، و قد مثّل له بالأمثلة التالية:
1. قتل الخطأ الشبيه بالعمد، إذ ليس فيه القصاص بل الدية.
2. الهاشمة وهي كسر عظم الرأس الّذي ليس فيه القصاص بل الدية.
3. المنقلة وهي التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها .
4. الجائفة وهي الطعنة الّتي تبلغ الجوف.
وفي الجميع الدية دون القصاص، تثبت بشاهد وامرأتين.1    2

1 . يلاحظ: شرائع الإسلام: 4 / 218 .

صفحه 270
Eوعليه المصنّف في المتن، حيث أشار إلى هذه الأمثلة بقوله: (الهاشمة وما فوقها) .
الفرع السادس: عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي ففيه خلاف، والمشهور عدم الثبوت.
قال في «الشرائع»: ولا بشاهد ويمين .1
ونسبه في «الجواهر» إلى المشهور، ونقل عن الرياض الاتّفاق عليه، كما نقل الثبوت بهما عن الشيخ وابن إدريس. 2 والتفصيل موكول إلى محلّه.
الشهادة بالقتل يجب أن تكون صريحة غير مبهمة   

1 . شرائع الإسلام: 4 / 218 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 209 .

صفحه 271
المسألة 1. يعتبر في قبول الشهادة بالقتل أن تكون الشهادة صريحة أو كالصريحة، نحو قوله: «قتله بالسيف»، أو «ضربه به فمات»، أو «أراق دمه فمات منه»، ولو كان فيه إجمال أو احتمال لا تقبل. نعم الظاهر عدم الاعتبار بالاحتمالات العقلية التي لا تنافي الظهور أو الصراحة عرفاً، مثل أن يقال في قوله:«ضربه بالسيف فمات»، يحتمل أن يكون الموت بغير الضرب، بل الظاهر اعتبار الظهور العقلائي، ولا يلزم التصريح بما لا يتخلّل فيه الاحتمال عقلاً.*

* الشهادة بالقتل يجب أن تكون صريحة غير مبهمة

إنّ الشهادة على ما يوجب القتل كسائر الموضوعات يجب أن تكون صريحة أو ظاهرة في نظر العرف في الموجب، وتكون عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال المساوي للاحتمال الآخر، كل ذلك لأنّ اعتبار البيّنة عند العقلاء لأجل كونها كاشفة عن الواقع كشفاً وثوقيّاً مفيداً للاطمئنان، ولا يحصل ذلك إلاّ إذا كانت عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال.
نعم لا يعتدّ ببعض الاحتمالات الخارجة عن دائرة فهم العرف فإنّها وسوسة لا يعتنى بها.
فإذا قال: ضربه بالسيف فمات، لا يحتمل العرف إلاّ أنّه مات بضرب السيف، لا عامل آخر، ولذلك يقول المحقّق: ولا تقبل الشهادة بالقتل إلاّ صافية عن الاحتمال، كقوله: ضربه بالسيف فمات، أو فقتله، أو فأنهر دمه فمات   2

صفحه 272
Eفي الحال، أو لم يزل مريضاً منها حتّى مات وإن طالت المدّة .1
والأمثلة المذكورة أمثلة للخلوص عن الاحتمال، قال العلاّمة في التحرير: يشترط في الشهادة خلوصها عن الاحتمال، مثل أن يقول: ضربه بالسيف فمات من الضربة... الخ 2.
يعتبر في قبول الشهادة توارد الشهادتين على أمر واحد   

1 . شرائع الإسلام: 4 / 218 .
2 . تحرير الأحكام : 5 / 70.

صفحه 273
المسألة 2. يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد، فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة والآخر عشية، أو شهد أحدهما أنّه قتله بالسم والآخر أنّه بالسيف، أو قال أحدهما: إنّه قتله في السوق، وقال الآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، والظاهر أنّه ليس من اللوث أيضاً، نعم لو شهد أحدهما بأنّه أقرّ بالقتل والآخر بمشاهدته لم يقبل شهادتهما، ولكنّه من اللوث.*

* البيّنة حجّة إذا تواردت الشهادتان على أمر واحد

لا شكّ أنّه يشترط في حجّية البيّنة توارد الشهادتين على أمر واحد حتّى يصدق أنّه قام شاهدان عادلان عليه، وبما أنّ كلاًّ من الزمان والمكان وآلة القتل يُعدّ من مشخّصاته، فلابدّ أن ترد شهادتهما على وقوع القتل في زمان واحد ومكان واحد وآلة مشخّصة، فلو اختلفا وشهد أحدهما أنّه قتله نهاراً والآخر ليلاً، أو شهد أنّه قتله في الشارع والآخر شهد على أنّه قتله في البيت، أو شهد أحدهما على أنّه قتله بالسيف، والآخر على أنّه قتله بالسمّ، لا يحتجّ بهما لما ذكرنا من أن العبرة بالبيّنة لأجل كونها طريقاً إلى الواقع، وهي لا تنفكّ عن عدم وجود التعارض في شهادة الشاهدين. وأمّا إذا كان هناك تعارض فيسقط كلاهما عن الاعتبار.
وقد قُرّر في محلّه أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التساقط، ولو دلّ الدليل على أخذ الراجح من الخبرين أو التخيير عند التساوي، فإنّما هو   2

صفحه 274
Eبدليل خارجي ولولاه لسقط عن الاعتبار، هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في ثبوت اللوث في هذه الموارد، فقد فرّق المصنّف بين الموردين التاليين:
الأوّل: إذا قال أحدهما: قتله في السوق، والآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، واستظهر أنّه ليس من اللوث .
الثاني: لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بالقتل، والآخر بمشاهدته، لم تقبل شهادتهما ولكنّه من اللوث.
أمّا عدم قبول شهادتهما في الأوّل فلوجود التعارض، وأمّا في الثاني فلأجل اختلاف المشهود به، فقد شهد أحدهما بإقرار القاتل بالقتل، والآخر شهد بمشاهدته نفس القتل، فلم يردا على موضوع واحد.
إنّما الكلام في الفرق بين الموردين في عدم ثبوت اللوث في الأوّل وثبوته في الثاني.
أمّا الأوّل: فالظاهر من الشيخ في «المبسوط» أنّه من مقولة اللوث، فإنّه بعد ما ذكر أنّ شهادتهما لم تثبت على أمر واحد، قال: لكنّه يكون لوثاً لأنّ كلّ واحد منهما يقوّي ما شهد به صاحبه، فإذا ثبت أنّه لوث كان له أن يحلف مع أيّهما شاء .1
وأمّا المحقّق فقد استشكل فيه وقال: «وفيه إشكال لتكاذبهما» 2.
وقد وافقه المصنّف في المتن، ويمكن أن يقال: إنّه لو قلنا بلزوم   2

1 . المبسوط: 7 / 254 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 219 .

صفحه 275
Eوجود شاهد واحد بلا معارض في اللوث، صحّ ما ذكراه لوجود التعارض.
وأمّا لو قلنا بكفاية وجود الظن بالقتل فلا شكّ أنّ شهادتهما تورث الظن، وقد عرّف (قدس سره)اللوث بقوله: والمراد به أمارة ظنيّة قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول ; وكذا لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخل فيها غير أهلها... الخ.
فإذا كان الملاك هو الأمارة الظنيّة فلا يبعد من حصول الظن بأنّ المشهود عليه هو القاتل، وإن اختلف الشاهدان في مكان القتل.
وأمّا الثاني: فلاشكّ أنّه من موارد اللوث لعدم التعارض بين شهادتي الشاهدين، إذ لا تنافي بين الشهادة على الإقرار بالقتل والشهادة على نفس القتل. ولذلك قال المحقّق: لو شهد أحدهما بالإقرار والآخر بالمشاهدة لم يثبت (القتل لاختلاف المشهود به) وكان لوثاً لعدم التكاذب (بل التعاضد)1.
 

1 . لاحظ : جواهر الكلام: 42 / 213 .

صفحه 276
لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً وشهد الآخر بالإقرار عمداً   
المسألة 3. لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً وشهد الآخر بالإقرار عمداً، ثبت أصل القتل الذي اتّفقا عليه، فحينئذ يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فإن أنكر أصل القتل لا يقبل منه، وإن أقرّ بالعمد قبل منه، وإن أنكر العمد وادّعاه الوليّ فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن ادّعى الخطأ وأنكر الوليّ، قيل: يقبل قول الجاني بيمينه، وفيه إشكال، بل الظاهر أنّ القول قول الوليّ، ولو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الوليّ العمد، فالظاهر هو التداعي.*

* لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً والآخر بالإقرار عمداً

إذا شهد أحد الشاهدين بالإقرار بأصل القتل دون وصفه من العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار بالقتل وبالوصف وأنّه قتله عمداً يثبت ما أجمعا عليه وهو القتل، لاتّفاقهما عليه من دون تكاذب، ولكن لا يثبت الوصف ـ أعني: العمد ـ لكون الشهادة عليه واحدة، فعندئذ يجب على القاضي أن يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فعند ذلك تأتي الصور التالية:
1. أنكر المدّعى عليه أصل القتل.
2. أقرّ بالقتل والعمد.
3. أنكر العمد وادّعاه الولي.
4. ادّعى القتل خطأ وأنكر الولي.
5. لو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد.   2

صفحه 277
Eوإليك دراسة أحكام الصور:
أمّا الصورة الأُولى: فلا يقبل منه، لما عرفت من اتّفاق الشاهدين على الإقرار بالقتل، وإن اختلفا في الوصف حيث وصفه أحدهما بالعمد، والآخر سكت عنه.
وأمّا الصورة الثانية: أي إذا أقرّ بالعمد قُبل منه ; لأنّ الإقرار مرّة واحدة كاف في ثبوته فضلاً عن شهادة عادل واحد على العمد أيضاً .
وأمّا الصورة الثالثة: أي إذا ادّعى الولي العمد وأنكره المدّعى عليه، فلو أقام الولي البيّنة فهو، وإلاّ فالقول قول المنكر مع يمينه.
وأمّا الصورة الرابعة: أعني إذا ادّعى المدّعى عليه الخطأ، وأنكره الوليّ، مثلاً بأن يقول: قتلتُه خطأ، وأنكره الولي، فهنا قولان:
1. قول المحقّق، بتقديم قول الجاني مع يمينه حيث قال: فإن قال خطأ، وصدّقه الولي فلا بحث، وإلاّ فالقول قول الجاني مع يمينه.1
ووجّهه في «الجواهر» بقوله: لأنّه من التفسير الّذي يرجع به إليه، ولأنّه كذي اليد على صفة فعله .2
2. قول المصنّف وهو أنّه يقدّم قول الولي فيكون منكراً وله اليمين، ووجهه: أنّه لو كان الميزان مصبّ الدعوى فمن يدّعي الخطأ هو المدّعي ومن ينكره فهو المنكر، والمفروض أنّ المدّعى عليه يدّعي الخطأ والولي   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 219 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 213 .

صفحه 278
Eينكره.
أقول: ما ذكره يصحّ إذا كان الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر هو مصب الدعوى وظاهرها، وأمّا لو كان الميزان هو نتيجة الدعوى فلا شكّ أنّ الولي هو المدّعي لأنّه بانكاره الخطأ لا يريد إلاّ أنّ القتلَ موصوف بالعمد، فيكون هو المدّعي، والمدّعى عليه هو المنكر.
وبعبارة أُخرى: ماذا يريد الولي من إنكار الخطأ مع أنّه لا يترتّب عليه أثر، بل يريد إثبات كون القتل عن عمد، ومن المعلوم أنّ حلفه على نفي الخطأ ـ لو افترضنا أنّه منكر ـ لا يثبت كون القتل عن عمد، فلا يصل الولي بإنكاره ويمينه إلى ما يتوخّاه إلاّ إذا صرّح بما يدّعيه.
وعندئذ تدخل هذه الصورة في الصورة التالية، وعلى ما ذكرنا فالظاهر ما عليه المحقّق من تقديم قول الجاني.
الصورة الخامسة: وهوما إذا ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد، فيمكن أن يكون من قبيل التداعي، ونتيجته سقوط الدعويين، وبما أنّ أصل القتل ثابت، فكلّ مورد لم يمكن الحكم فيه بالقصاص تؤخذ فيه الدية.
ويحتمل إلحاقه بالصورة الرابعة إذا كان الميزان نتيجة الدعوى، فلاحظ.
لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق   

صفحه 279
المسألة 4. لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، فإن أراد الولي إثبات دعواه فلابد من القسامة.*

* لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق

لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً، والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، ويثبت الولي دعواه بالقسامة إن شاء 1.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة رقم 2، أعني: إذا اختلفا في الزمان والمكان أو الآلة، حيث إنّ الشيخ ذهب إلى القول باللوث واستشكل فيه المحقّق والمصنّف.
قلت: الفرق بينهما وجود التكاذب في المسألة السابقة حيث إنّ القتل غدوة، غير القتل عشيّة، فلم يكن هناك شاهد واحد على القتل ; بخلاف المقام لعدم التكاذب بين الشاهدين ضرورة عدم تضمنّ شهادة الآخر الصفة، فكان كالشاهد الواحد ابتداءً من غير أن يشهد معه غيره، بخلاف ما إذا تضمّنت شهادة الآخر المناقضة.2
أقول: التفريق بين المسألتين مبني على أنّ اللوث يتوقّف على   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 219 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 214 .

صفحه 280
Eشهادة الواحد غير المعارض كما يظهر من الجواهر هنا وفي المسألة السابقة، ولكن لو قلنا بكفاية الظن بالقتل الحاصل من الشهادتين المتناقضتين، لا يبعد كلام الشيخ في «المبسوط» هنا وفي السابق.
ونظير المسألة السابقة في عدم ثبوت اللوث ما إذا ادّعى أحدهما أنّ القتل عن عمد والآخر أنّ القتل كان خطأ.
وعلى كلّ تقدير فلو كان الميزان وجود الشاهد الخالي عن المعارض لم يثبت اللوث، لا في المسألة السابقة، ولا فيما إذا اختلفا في العمد والخطأ، بل يثبت فيما إذا لم يكن بينهما تكاذب كما في الشهادة على القتل بالعمد والشهادة على مطلق القتل، كما في المقام ; وأمّا لو كان الميزان وجود المظنّة بالقتل بالعمد، فالجميع من موارد اللوث.
لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد وآخران بأنّه عمرو   

صفحه 281
المسألة5. لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد مثلاً، وآخران بأنّه عمرو دونه، قيل: يسقط القصاص، ووجب الدية عليهما نصفين لو كان القتل المشهود به عمداً أو شبيهاً به، وعلى عاقلتهما لو كان خطأ، وقيل: إنّ الولي مخيّر في تصديق أيّهما شاء، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً، والوجه سقوط القود والدية جميعاً.*

* لو شهد اثنان بالقتل على شخص وآخران على آخر

إذا شهد اثنان على أنّ زيداً قتله، وشهد آخران على أنّ عمراً قتله، ففي المسألة أقوال:
الأوّل: لو كانت الشهادتان على العمد يسقط القصاص إذا كان المشهود به قتلاً عمديّاً ووجبت الدية عليهما نصفين فيما إذا كان المشهود به عمداً وشبه عمد، ولو كانت الشهادتان على الخطأ كانت الدية على عاقلتهما. وهذا هو خيرة المفيد والشيخ وجماعة أُخرى. ونسبه في الجواهر إلى القاضي والصهرشتي والطبرسي والعلاّمة.1
قال المفيد ـ بعد عنوان المسألة ـ : بطل القود في هذا المكان وكان دية المقتول على النفسين اللّذين اختلف الشهود فيهما بالسوية.2
وقال الشيخ في «النهاية» بعد عنوان المسألة: بطل هاهنا القود إن   2

1 . جواهر الكلام:42/219.
2 . المقنعة:737.

صفحه 282
Eكان عمداً، وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين. وإن كان القتلُ شبيه العمد فكمثل ذلك، وإن كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما نصفين.1
ووجهه: أنّ البيّنتين لا يمكن العمل بهما لاستلزامه قتل نفسين ولا يمكن تركهما للعلم بمطابقة إحداهما للواقع، ولاستلزامه بطلان دم مسلم، ولا العمل بإحداهما دون الأُخرى لكونه ترجيحاً بلا مرجّح. وأمّا ثبوت الدية عليهما فلكي لا يبطل دم امرئ مسلم.
وبعبارة أُخرى: أنّ القصاص يسقط لعدم معلومية مورده بعد تعارض البيّنتين فيه، فلا يمكن التهجّم عليه بقتل واحد منهما فضلاً عن قتلهما. وأمّا ثبوت الدية في الصور الثلاث: إذا كان المشهود به قتلاً عمدياً أو شبه عمد أو خطأ فلعدم بطلان دم المسلم وتساويهما في قيام البيّنة على كلّ منهما .2
ثم إنّ شهادتهما قبل طلب القاضي مبنيّة على أحد الأُمور الثلاثة:
1. جواز التبرّع بالشهادة في الدماء، ولو لم يكن هناك طلب من القاضي.
2. أن يكون للمدّعي وكيلان فادّعى كلّ منهما.
3. أو أنّ للمدّعى عليه براءة نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره.
ولكن الظاهر عدم تمامية هذا القول لوجود العلم الإجمالي بكذب إحدى البيّنتين، فمع ذلك كيف يمكن الغمض عن القصاص والأخذ بالدية، فإنّ البيّنتين كما يتكاذبان في مورد القصاص يتكاذبان في الدية،   2

1 . النهاية: 742ـ 743.
2 . جواهر الكلام: 42 / 219 .

صفحه 283
Eفإحداهما تكلّف زيداً بإعطاء الدية، والأُخرى تكلّف عمراً به، فالتنصيف مخالفة تفصيلية لهذا العلم، وعدم بطلان دم المسلم لا يقتضي كونهما عليهما، بل يمكن أن تكون على بيت المال.
القول الثاني: وهو ما احتمله المحقّق وقال: ويحتمل وجه آخر وهو تخيّر الولي في تصديق أيهما شاء كما لو أقرّ اثنان بقتله منفرداً، ومع ذلك فقد قال المحقّق: إنّ القول الأوّل أولى .
وقد استدلّ على هذا القول بوجوه ضعيفة احتجّ بها ابن إدريس، وهي:
1. قوله تعالى:(فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ونفي القتل عنهما (المشهود عليهما) ينافي إثبات السلطان.
2. أنّ البيّنة ناهضة على كلّ منهما بوجوب القود، فلا وجه لسقوطه.
3. إنّا أجمعنا على أنّه لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل فأقرّ آخر بأنّه القاتل يتخيّر الولي في التصديق والإقرار.1 فالشهادة الثانية بمنزلة إقرار فرد على أنّه القاتل.
وما ذكره من الوجوه ضعيف.
أمّا الأوّل فلأنّ الولي له السلطان إذا عرف القاتل، لا مطلقاً بأن يتردّد بين شخصين.
وأمّا الثاني فلأنّ البيّنة لا تنهض مع المعارض، والمفروض أنّ   2

1 . السرائر:3/341ـ342.

صفحه 284
Eالبيّنتين متعارضتان .
وأمّا الثالث فإنّ قياس تعارض البيّنتين بتعارض البيّنة والإقرار، أمر لا نقول به، فلا يمكن استكشاف حكم المقام من تلك المسألة.
القول الثالث: وهو ما يظهر من المحقّق في «نكت النهاية»، وحاصله: أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما، أو يقولوا: لا نعلم; فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه، لقيام البيّنة على الدعوى.وتهدر البيّنة الأُخرى فلا يكون لهم على الآخر سبيل.
وإن قالوا: لا نعلم، فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد1، لا على مجرد القتل فيثبت القتل من أحدهما ولا يتعيّن، والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل، فيسقط وتجب الدية ; لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر .2
يلاحظ عليه: بأنّه ليس قولاً ثالثاً بل تفصيلاً للقول الأوّل، فخصّوا القول الأوّل بما إذا لم يكن للأولياء ادّعاء خاص بالنسبة إلى أحد المتهمين، وفي غير هذا المورد، قالوا بأنّه يجوز للولي قتل من ادّعوا عليه القتل وقامت عليه البيّنة.
ومع ذلك كلّه ففيه إشكال، لأنّ تجويز القتل يكون بيد القاضي فكيف يحكم بقتل ما ادّعاه الأولياء مع كون البيّنة معارضةً بالبيّنة الأُخرى؟ حتّى لو افترضنا أنّ القائم بالقصاص نفس الأولياء مع قطع النظر عن القاضي فليس   2

1 . متعارضتان في تعيين القاتل لا في أصل القتل.
2 . نكت النهاية: 3 / 374 ـ 375 .

صفحه 285
Eلهم بأن يأخذوا بالبيّنة المعارضة.
القول الرابع: ما اختاره المصنّف من سقوط القود والدية جميعاً، ووجهه أنّ التعارض كما يوجب سقوط البيّنتين عن الحجّية في المعنى المطابقي فهكذا يوجب سقوطهما عن الحجّية في المعنى الالتزامي.
فإن القتل عن عمد هو المعنى المطابقي للبيّنتين فيسقطان وأمّا القصاص فهو معنى التزامي لهما، فإذا تعارضتا تسقطان عن الحجّية في كلا المعنيين: القتل والقصاص، ونظيره: إذا شهدتا على القتل عن خطأ، فهذا هو المعنى المطابقي الّذي تعارضت فيه البيّنتان. وأمّا الدية فهو لازم المعنى، وقد ثبت في محلّه أنّ لازم التعارض سقوط الأمارة عن الحجّية في كلا الحقلين: المطابقي والالتزامي.
والأولى أن يقال: إنّ للقاضي أن يؤخّر القضاء حتى يتمكّن ـ على ضوء جمع القرائن والشواهد ـ من تعيين القاتل، ولو لم يتمكّن فالدية على بيت المال لئلاّ يبطل دم مسلم. والله العالم.

صفحه 286
المسألة 6. لو شهدا بأنّه قتل عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل وأنّ المشهود عليه بريء من قتله، ففي رواية صحيحة معمول بها: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثم ليؤدّ الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصاً ـ دون صاحبه ـ ثم يقتلوهما، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان. والمسألة مشكلة جداً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما.*
   

* لو شهدا على شخص بالقتل العمد وأقرّ آخر بالقتل

لو شهدا أنّه قتل زيداً عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل، وبرّأ المشهود عليه، فقد ذهب جماعة إلى الأحكام التالية:
1. للولي قتل المقرّ، ولا ردّ لإقراره بالانفراد.
2. للولي قتل المشهود عليه ويردّ المقرّ نصف ديته إلى أولياء المشهود عليه.
3. للولي قتلهما بعد أن يردّ الوليّ على المشهود عليه نصف ديته دون المقرّ .   2

صفحه 287
E4. ولو أراد الولي الدية كانت عليهما نصفين.
هذا وقد أفتى بما ذكرنا الشيخان والحلبي والقاضي والكيدري ويحيى بن سعيد وابن حمزة وابن زهرة، بل ادّعى في الرياض أنّ عبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي وفخر الدين .1
وقد استندوا في ذلك إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا2 حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه.
قال: فقال أبو جعفر(عليه السلام):
أ. «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ولا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة3 الذي شُهد عليه».
ب. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ. ثم ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شُهد عليه،   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 223 .
2 . فلم يبرحوا وما زالوا.
3 . الصحيح أن يقال: «على الذي شهد عليه» لأنّ المفروض قتل المقرّ لا المشهود عليه، كما سيوافيك في الشرح.

صفحه 288
Eنصف الدية».
ج. قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟
قال: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه، ثم يقتلونهما به».
د. قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟
قال: فقال: «الدية بينهما نصفان، لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه».
هـ . قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شُهد عليه، على الذي أقرّ، نصف الدية حيث قتل (غير المقرّ)، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ، على أولياء الذي شُهد عليه، ولم يُقرّ؟
قال: «لأنّ الذي شُهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرّئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه، فلزم الذي أقرّ وبرّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شُهد عليه ولم يقر ولم يبرّئ صاحبه».1
والرواية مع صحّة سندها لم يعمل بها ابن إدريس تبعاً لقاعدة عدم حجيّة خبر الآحاد.
فلنذكر أُموراً لحلّ المسألة:
1. الفرق بين هذه المسألة والمسألة الخامسة هو أنّ التعارض كان هناك بين البيّنتين بخلاف المقام، فإنّ التعارض هنا بين البيّنة والإقرار.   2

1 . الوسائل:19، الباب5 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1.

صفحه 289
E2. أنّ المفروض في قوله(الفقرة الأُولى): «إن أراد أولياء المقتول أنْ يقتلوا الذي أقرّ على نفسه» هو قتل المقرّ مع حفظ المشهود عليه، وعندئذ لا ينسجم مع قوله: «ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شُهد عليه» والصحيح أن يقال: على الذي شهد عليه.
ويدلّ على ذلك قول السائل في الفقرة الخامسة التي وردت عند قتل المشهود عليه دون المقرّ.وإليك النصّ:
قلت: كيف جعل لأولياء الّذي شُهد عليه «على الّذي أقرّ»، ولم يقل: على ورثة الّذي أقرّ.
وبه يظهر أنّ الصحيح في ذيل تلك الفقرة «على الّذي شُهد عليه»، لا «على أولياء الذي شُهد عليه»، فلاحظ.
3. أنّ قوله عندما سأل السائل عن قتل كليهما ـ : «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الّذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه ثم يقتلونهما به».
والمفروض: أداء الدية قبل قتلهما بشهادة قوله: «ثم يقتلونهما به» وعندئذ يُدفع فاضل الدية إلى نفس المشهود عليه لا إلى ورثته. مع أنّه قال: أن يدفعوا الدية إلى أولياء الّذي شُهد عليه، نصف الدية.
4. أنّ مورد الرواية في قتل كليهما لا يخلو في بدء النظر عن صور أربع:
أ. علم الأولياء بكذب المقرّ، أو بكذب البيّنة، أو كذب كليهما.   2

صفحه 290
Eب. ما إذا عُلم اشتراكهما في القتل.
ج. ما إذا عُلم إجمالاً عدم الاشتراك.
د. ما إذا لم يتبيّن الاشتراك ولا عدمه.
أمّا الصورة الأُولى فهي خارجة عن منصرف الرواية الصحيحة، إذ كيف يجوز قتل من علمت براءته عن القتل إجمالاً كما في العلم بكذب أحدهما، فكيف إذا علم كذب كليهما، وإقرار العقلاء إنّما يؤخذ إذا لم يُعلم كذبه.
وأمّا الصورة الثانية ـ أي إذا عُلم العلم بالاشتراك ـ فالظاهر خروجها عن مورد السؤال أيضاً ، لأنّ حكمها معلوم داخل فيما إذا اشترك جماعة في قتل شخص.
وقد مرّ حكمه في فصل القول بالموجب المسألة 44، وقال المصنّف هناك: لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتُص منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول... الخ.
وبعبارة أُخرى: لمّا كان حكم المشاركة في القتل واضحاً، صار ذلك سبباً لانصراف الرواية عنه، على أنّ بعض الفقرات لا يناسب العلم بالمشاركة.
وأمّا الصورة الثالثة ـ أعني: العلم بعدم المشاركة ـ فهي أيضاً خارجة عن مصبّ الرواية لقضاء الفطرة على أنّ قتل شخص مع العلم بعدم المشاركة أمر يعد تهجّماً على الدماء ولا يرضى به صاحب الفطرة السليمة، وعندئذ   2

صفحه 291
Eكيف أجاز الإمام قتلهما، لكن مع رد نصف الدية كما في الشق الثاني.
ويظهر من المحقّق أنّه حمل الرواية على صورة العلم بعدم الاشتراك، ولذلك أشكل على الرواية بقوله: وفي قتلهما إشكال لانتفاء الشركة.1
وقد سبقه ابن إدريس وقال: لي في قتلهما جميعاً نظر ; لعدم شهادة الشهود وإقرار المقرّ بالشركة. ثم قال: لو شهدت البيّنة بالاشتراك وأقرّ الآخر به، جاز قتلهما ويرد عليهما معاً دية.2
ولا يخفى أنّه لو قامت البيّنة على الاشتراك يدخل المورد في الصورة الثانية ويرتفع الإشكال. لكن الكلام في عدم دلالة البيّنة عليه.
وأمّا الصورة الرابعة ـ أعني: حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الاشتراك ولا عدمه ـ ففيها: أنّه مع عدم العلم بالمشاركة كيف يجوز قتلهما، كما في الرواية مع أنّ قتلهما رهن ثبوت المشاركة؟
***
ثم إنّ السيد الخوئي (قدس سره)حاول حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الحال، ولكنّه أثبت أنّ مقتضى الجمع بين أخذ البيّنة وإقرار المقرّ هو ثبوت المشاركة، وبذلك سهل الحكم بقتلهما.
وأمّا كيفية استفادة المشاركة فقد ذكره بالبيان التالي ـ مع إيضاح منّا ـ :
إنّ البيّنة تدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المشهود   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 221 .
2 . السرائر: 3 / 342 .

صفحه 292
Eعليه، وبالدلالة الالتزامية على نفي اشتراك غيره فيه، لكن الدلالة الالتزامية تسقط من جهة إقرار الآخر بالقتل.
فإن قلت: إنّ إقرار المقرّ ـ أيضاً ـ يدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المقرّ، وبالدلالة الالتزامية على نفي الاشتراك من غيره .
قلت: إقرار المقرّ حجّة بالإضافة إلى ما عليه من الآثار، وأمّا بالإضافة إلى نفي القتل عن غيره فلا يكون حجّة، إذ ليس إقراراً على النفس، بل إقراراً لصالح الغير فالنتيجة من ضمّ البيّنة إلى الإقرار هي أنّهما معاً قاتلان على نحو الاشتراك فيجري عليهما حكم الاشتراك في القتل، غير أنّ ولي المقتول إذا اقتصّ من المقرّ فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه، وذلك لأجل أخذ المقرّ بإقراره. ثم طبّق الصحيحة على هذا الفرع 1 .
وعلى ما ذكره تدخل الرواية في صورة العلم بالمشاركة تعبّداً .
يلاحظ عليه: أنّه قدّم الدلالة المطابقية للبيّنة على الدلالة الالتزامية في المقرّ حيث إنّ مقتضى الأولى كون المشهود عليه مصدراً للقتل، ومقتضى الثانية عدم كونه مصدراً، فقدّم المطابقية في البيّنة على الالتزامية في الإقرار، ولكنّ الظاهر من ذيل الرواية هو العكس، وذلك لأنّه عندما سأل الراوي عما هو الفرق من أنّه إذا قتل المشهود عليه يردّ المقرّ نصف الدية إلى ورثة المقتول دون العكس، فلو قُتل المقرّ لا يؤدّي المشهود عليه شيئاً إلى ورثة المقرّ، فأجاب الإمام (عليه السلام)بقوله:   2

1 . مباني تكملة المنهاج: 2 / 10 .

صفحه 293
E«إنّ الّذي شُهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ، الّذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه فلزم الّذي أقرّ وبرأ ما لم يلزم الّذي شُهد عليه ولم يبرّئ صاحبه».
فإنّ معنى ذلك أنّ الدلالة الالتزامية للمقرّ بعدم مشاركة غيره باق على قوّته لا يسقط عن الاعتبار، وكفى في ترتّب الأثر عليه حصر القتل في المقرّ وبالتالي تبرئة الغير.
وبذلك عُلم أنّ تجويز قتلهما فرع ثبوت الاشتراك، وإلاّ فيكون مخالفاً للضوابط، والمفروض أنّه لم يثبت الاشتراك.
وحصيلة الكلام: أنّ تجويز قتل كلّ واحد وحده ممّا لا إشكال فيه لأحد لحجّية البيّنة في مفادها والإقرار في مفاده، إنّما الاشكال في تجويز قتلهما مع عدم ثبوت الاشتراك.
كلّ ذلك صار سبباً لما ذكره في المتن من الاحتياط وقال: والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها، وعدم التهجّم على قتلهما .
ويمكن حمل الرواية على صورة تبيّن الحال، لكن بصور مختلفة حسب ادّعاء الأولياء وأنّ لكلّ شقّ من الرواية صورة خاصّة:
1. فإن ادّعوا أنّ القاتل هو المشهود عليه فيقتل هو ليس لهم التعرّض للمقرّ.
2. ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ فيقتل وليس للأولياء التعرّض   2

صفحه 294
Eللمشهود عليه.
3. فإن ادّعوا الاشتراك فيقتلان مع ردّ فاضل الدية.
4. وإن حصل التوافق بينهم وبين المتّهمين على الدية فتؤخذ منهما بالمناصفة.
وعلى هذه الفروض تكون الرواية موافقة للقاعدة ويتّحد موردها مع ما يأتي في المسألة السابعة.
هذا كله على القول بالأخذ بالرواية، وأمّا حكم العقلاء عند عدم تبيّن الحال، فالظاهر أنّهم يأخذون بإقرار المقرّ ويتركون ما شهدت عليه البيّنة، لأنّ المقرّ يشهد على فعله، والبيّنة تشهد على فعل الغير، والأوّل أقرب إلى القبول.
فإن قلنا بذلك فهو، وإلاّ فغاية ما يمكن أن يقال: هو أخذ الدية منهما، لئلا يبطل دم امرئ مسلم.
   

صفحه 295
المسألة 7. لو فرض في المسألة المتقدّمة، أنّ أولياء الميّت ادّعوا على أحدهما دون الآخر، سقط الآخر، فإن ادّعوا على المشهود عليه سقط إقرار المقرّ، وإن ادّعوا على المقرّ سقطت البيّنة.*

* في ادّعاء أولياء المقتول على أحدهما دون الآخر

قد سبق الكلام فيما ذكر في المسألة الخامسة، أعني: إذا ما شهد اثنان على كون زيد قاتلاً، وآخران على كون عمرو قاتلاً، فقد مرّ هناك أنّ المحقّق ذكر في «نكت النهاية» أنّ الأولياء لو كانوا ادّعوا القتل على أحدهما يتعيّن هو للقتل. وفي المقام أيضاً إذا ادّعى الأولياء أنّ القاتل هو المشهود عليه، فليس لهم التعرّض للمقرّ، ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ سقطت البيّنة، لوضوح أنّه إذا لم يكن للأولياء أي ادّعاء على الآخر، لم يكن لهم التعرّض له، وإن قامت البيّنة أو ادّعى المقرّ.
وبذلك يظهر أنّ مورد الرواية غير هذه الصورة، بل لم يكن لأولياء الدم إدّعاء لخصوص واحد منهما.
 
 

صفحه 296

الثالث: القسامة

تعريف القسامة واللوث    
والبحث فيها في مقاصد:

] المقصد[ الأوّل: في اللوث

والمراد به أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد، لا يدخل فيها غير أهلها، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة. وبالجملة: كلّ أمارة ظنّية عند الحاكم توجب اللوث، من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظنّ، فيحصل اللوث بإخبار الصبيّ المميّز المعتمد عليه، والفاسق الموثوق به في إخباره والكافر كذلك، والمرأة ونحوهم.*

* تعريف القسامة واللوث

القسامة في اصطلاح الفقهاء اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم، ولغة اسم للأيمان، قال الجوهري في «الصحاح»: القسامة هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، فهي اسم مصدر أُقيم مقام المصدر، يقال: أقسم إقساماً وقَسامة، كما يقال: أكرم إكراماً وكرامة، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة، لكن الفقهاء خصّوها بها.   2

صفحه 297
Eوأمّا اللوث في اللغة من التلوث وهو التلطّخ، يقال: لوّث ثيابه بالطين: لطّخها به أو من اللوث بمعنى الالتباس . فإطلاق اللوث في المقام لأجل وجود التلطّخ في البين، أو لالتباس الحق بالباطل واشتباه القاتل بغيره.1
وفي الاصطلاح: اللوث: أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي كالشاهد ولو واحداً، وكما لو وجد متشحّطاً بدمه، وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها، أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة، هذا والميزان وجود أمارة يغلب معها الظن بصدق مدّعي القتل، سواء أكانت الأمارات ما ذُكر أو ما فسّره المصنّف، وأضاف وقال: كلّ أمارة ظنية عند الحاكم توجب اللوث.
وصورته: أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا تقوم عليه بيّنة، ويدّعي الولي على واحد أو جماعة، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدّعيه ويحكم بما سيذكر.2
وهل يحصل اللوث بإخبار الفاسق والكافر والمرأة ونحوهم؟ قال المحقّق: ولا يثبت اللوث في شهادة الصبي ولا الفاسق ولا الكافر ولو كان مأموناً في نحلته.3 خلافاً للشهيد الثاني في «المسالك»4،   2

1 . مجمع البحرين : مادة «لوث».
2 . مسالك الأفهام :15/198.
3 . شرائع الإسلام :4/222.
4 . مسالك الأفهام: 15/200.

صفحه 298
تعريف القسامة واللوث    
Eولصاحب الجواهر1 والمصنّف في المتن، والظاهر أنّ الأخير هو الأقوى ; لأنّ الميزان وجود الظن بصدق المدّعي، فلو أفاد قولهم الظن تقبل، ولذلك قيّد المصنّف في المتن كون الفاسق موثوقاً به في أخباره وكذلك الكافر.
ثمّ إنّه يعتبر في القسامة اللوث وهو كما مرّ أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي.
ويدلّ على اعتباره ما هو الأصل في القسامة وهو قصة حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول مع أهل خيبر، وقد كان بين الأنصار والخيبريين عداء سافر، كما سيوافيك بيانه. وقد قال الطريحي في مجمع البحرين: إنّ القسامة تثبت مع اللوث.2
ولم ينقل «الخلاف» إلاّ من الكوفي، ولم يُعرف.
نعم يظهر من الأردبيلي أنّه لا دليل عليه إلاّ الإجماع، قال: ثمّ اعلم أنّ هذه الأخبار خالية من اعتبار اللوث لفظاً، يعني لم يوجد للقسامة شرط اللوث. نعم في بعضها وجد القتيل في قبيلة وقرية كذا، ونحو ذلك، وليس ذلك بواضح ولا صريح في اشتراطه، إلى أن قال: وكأنّ لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطّلعت عليه، فتأمل.3
ولكن مَن أمعن النظر في الروايات الواردة عن الفريقين وغيرها   2

1 . جواهر الكلام :42/238.
2 . مجمع البحرين، مادة «لوث».
3 . مجمع الفائدة:14/182ـ 183.

صفحه 299
Eفي الأُمور الّتي ستمرّ عليك، يذعن بأنّ القسامة فرع وجود اللوث والاتّهام. روى مسلم في صحيحه قال: إنّ عبد الله بن سهل ومحيّصة بن مسعود (رضي الله عنهما) خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أنّ عبدالله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه .
ثم أقبل حيت قدم على قومه فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة ـ وهو أكبر منه ـ وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمحيصة: كبر كبر (يريد السن) فتكلّم حويصة ثم تكلّم محيصة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إمّا أن يدوا صاحبكم، وإمّا أن يؤذنوا بحرب» .
فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إليهم في ذلك، فكتبوا: إنّا والله ما قتلناه.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم .
قالوا: لا .
قال: فتحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين.
فوداه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من عنده، فبعث إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مائة ناقة حتّى أُدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء.1   2

1 . صحيح مسلم: 5 / 100 ـ 101، باب القسامة.

صفحه 300
Eوما في الحديث من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) وداه بمائة ناقة لأجل أنّ ولي الدم لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فختمت الدعوى. ولكن بما أنّ دم المسلم لا يبطل وداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بما ذُكر، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى دفع الدية من بيت المال.
وفي رواية أُخرى: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمّته».1
هذا ما روته العامّة، وأمّا من طرقنا فنأتي بقسم منه:
1. روى بريد بن معاوية عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلاّ في الدم خاصّة، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته، فقالوا: يا رسول الله ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فوداه رسول الله(صلى الله عليه وآله)2، وقال: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوِّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلاّ أُغرموا   2

1 . صحيح مسلم: 5 / 99، باب القسامة .
2 . وجه دفع الدية من بيت المال، لأجل أنّ المدّعي لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فوداه رسول الله بما ذكر ختاماً للدعوى.

صفحه 301
Eالدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».1
2. روى عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن القسامة، هل جرت فيها سُنّة؟ فقال: «نعم، خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا، فوجد أحدهما ميّتاً، فقال أصحابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يحلف اليهود، قالوا: يا رسول الله كيف يحلف اليهود على أخينا ]وهم[ قوم كفّار؟ قال: فاحلفوا أنتم، قالوا: كيف نحلف على ما لم نعلم ولم نشهد؟ فوداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من عنده ».
قال: قلت: كيف كانت القسامة؟ قال: فقال: أما إنّها حق، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً، وإنّما القسامة حوط يحاط به الناس »2.
3. ما رواه زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن القسامة فقال: «هي حق، إنّ رجلاً من الأنصار وُجد قتيلاً في قليب من قلب اليهود، فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: يا رسول الله إنّا وجدنا رجلاً منّا قتيلاً في قليب من قلب اليهود، فقال: ائتوني بشاهدين من غيركم، قالوا: يا رسول الله ما لنا شاهدان من غيرنا، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم، قالوا: يا رسول الله كيف نقسم على ما لم نر؟ قال: فيقسم اليهود، قالوا: يا رسول الله كيف نرضى باليهود وما فيهم من الشرك أعظم، فوداه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»، قال زرارة: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس كيما إذا   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
2 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 302
Eأراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك، فامتنع من القتل» .1
وقد ذكرت هذه الحادثة في غير واحدة من الروايات، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الوسائل.
بقيت هنا أُمور:
شرطية اللوث في القسامة   

الأوّل: ما هي حكمة هذا التشريع ؟

يظهر من مجموع ما روي في شأن الحادثة أنّ التشريع إسلامي، ولم يكن له أثر في الشرائع السابقة ولا الأُمم الماضية، وإنّما شرّعه سبحانه وبيّنه لنبيّه في الشريعة الخاتمة.
وأمّا الحكمة فقد أُشير إليها في رواية الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن القسامة كيف كانت؟
فقال: «هي حق وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، وإنّما القسامة نجاة للناس» 2.
وروى زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل» 3.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
3 . الوسائل: 19، الباب 9، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 303

E الأمر الثاني: شرطية اللوث في القسامة

إنّما يعتدّ بالأيمان إذا كانت هناك أمارة ظنية بالقتل عند الحاكم، ولولا ذلك فلا يعتدّ بالأيمان وإن بلغت ما بلغت، ويمكن استظهار ذلك من الأُمور التالية:
1. اتّفاق الروايات الناقلة لشأن تشريع القسامة على وجود العداء السافر بين يهود خيبر والمسلمين، وصار ذلك أمارة ظنّية على اتّهامهم بالقتل خصوصاً مع وجود المقتول في قليب من قُلبهم.
فإن قلت: لا شكّ أنّ مورد الرواية هو اللوث، لكن المورد لا يكون مخصّصاً.
قلت: ما ذكرته صحيح على الوجه الكلّي إلاّ أنّ تضافر الروايات الناقلة لشأن التشريع على وجود اللوث بين المدّعي والمدّعى عليه، يكشف عن كونه السبب لتشريع القسامة، وإعطاء الاعتبار ليمين المدّعي.
2. أنّ الاحتجاج بالقسامة على خلاف القاعدة وقد أُشير إليه في رواية بريد بن معاوية عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلاّ في الدم خاصّة» 1.
فالرواية تدلّ على أنّ اليمين في المقام على المدّعي، على خلاف الأصل، فوجه اعتبارها ـ مع كونها على خلاف الأصل ـ هو أنّ فيها نجاة   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.

صفحه 304
Eالناس كما مرّ، ففي ذلك يقتصر على القدر المتيقّن وهو وجود اللوث في البين.
3. أنّ القول باعتبار القسامة من دون اللوث ربما يكون سبباً لقتل البريء إذا جاء الفاسق بالأيمان على ما يدّعيه، وعندئذ يكون الاعتبار بها على طرف النقيض من حكمة تشريعها.
4. أنّ الفرق بين القسامة والبيّنة والإقرار هو اعتبار الأخيرين مطلقاً، سواء كانت قرينة ظنّية أو لا، بخلاف القسامة فيعتبر فيها القرينة الظنّية على القتل.
وأخيراً أنّ الادّعاء على شخص مجرداً عن أي قرينة ظنيّة لا يُسمع عند العقلاء، فكيف يعتدّ به الشرع ويعتدّ بأيمانه.
براءة المدّعى عليه عند الحلف   

الأمر الثالث: براءة المدّعى عليه عند الحلف

يظهر من رواية بريد بن معاوية ـ الّتي مرّت عند نقل شأن التشريع ـ أنّه إذا «حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلاّ أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم، إذا لم يقسم المدّعون»1، أن المدّعى عليه إذا حلف يحكم عليه بالبراءة من الدية; ولكن الظاهر من بعض الروايات خلافه، وأن المدّعى عليهم إذا حلفوا خمسين قسامة حُكم عليهم بدفع الدية; ففي رواية أبي بصير، قال: «فإن على الذين ادّعي عليهم أن   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 305
Eيحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم، وإن كان بأرض فلاة أدّيت ديته من بيت المال، فإنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم» 1.
ونظيره رواية مسعدة بن زياد، فقد جاء فيها قوله: «حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل ذلك إذا قتل في حيٍّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة، فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال »2.
فإنّ المتبادر من الروايتين وجوب دفع الدية حتّى مع القسامة من المدّعى عليهم، وهو على طرف النقيض من رواية بريد أوّلاً، وعدم ترتّب الأثر على القسامة مع لزوم دفع الدية، فكيف الجمع ؟
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من أهل القرية في رواية أبي بصير: «فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» غير المدّعى عليهم، فكأنَّ هناك اثنين ادّعي عليهما:
1. الجماعة الذين ادّعي عليهم فقد ابرأوا بالحلف.
2. القرية الّتي وجد فيها القتيل، فتصل النوبة إليهم بعد حلف الجماعة الأُولى .
ولكنّ هذا الجمع بعيد، والقول بطروء التصحيف في الرواية أفضل.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6 .

صفحه 306
Eوأمّا ما ورد في رواية مسعدة بن زياد من قوله: «ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل» فيمكن أن يقرأ الفعل بصيغة المعلوم ويرجع الضمير إلى الإمام (أبي)1 في صدر الرواية، أي يؤدّي أبي الدية إلى أولياء القتيل، فتكون الدية في مال الإمام; بخلاف ما لو قتل في عسكر، فالدية من بيت المال، ومن المعلوم أنّ بين المالين عموماً وخصوصاً من وجه أو مطلق.
وعلى كلّ تقدير فالروايتان الأخيرتان مع غض النظر عن التوجيه لا يمكن الاحتجاج بهما، إذ لا معنى لفرض العقوبة بعد القسامة. اللّهم إلاّ أن يقال بأنّ القسامة أثّرت في رفع القصاص دون الدية فبقيت بحالها.
في ثبوت اللوث   

1 . أبو جعفر الباقر (عليه السلام).

صفحه 307
المسألة 1. لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب، أو محلّة منفردة كانت مطروقة، فلا لوث إلاّ إذا كانت هناك عداوة فيثبت اللوث.*
المسألة2. لو وجد قتيل بين القريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي فهما سواء في اللوث، نعم لو كان في إحداهما عداوة فاللوث فيها وإن كانت أبعد.**

* في ثبوت اللوث

ما ذكره في المتن مبني على اعتبار اللوث في القسامة، أعني: الظن واتّهام شخص أو قبيلة، ولذلك فرّق بين قرية أو محلة مطروقة، فيها الإياب والذهاب، فلا يمكن اتّهام شخص أو قبيلة ساكنة فيها، بالقتل; لأنّ المفروض أنّها محل تردّد أقوام مختلفة، فلا يصح اتّهام الساكنين فيها، بخلاف ما لو كانت منعزلة، فالاتّهام أمر قابل للتصديق.
نعم لو ثبت وجود العداوة بين المقتول والساكنين في قرية مطروقة أو محلّة منفردة مطروقة كذلك، يثبت اللوث.
** ما ذكره (قدس سره)من أنّه لو وجد قتيل بين القريتين يُقدّم الأقرب، نصّ عليه غير واحد من الأصحاب عند البحث عن اللوث .
قال الشيخ: فلو وجد القتيل بين قريتين، كانت ديته على أقرب القريتين عليه، فإن كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة، كانت ديته على القريتين.1   2

1 . النهاية: 754.

صفحه 308
Eوقال المحقّق: ولو وجد بين قريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي في القرب فهما في اللوث سواء.1
وقال يحيى بن سعيد: ودية الموجود بين القريتين على أهل أقربهما إليه، فإن تساويا فعليهما .2
إلى غير ذلك من الكلمات، فالجميع يُشعر بأنّ الحكم قيد وجود اللوث، أي الأمارة الظنّية على وجود القتل الصادر من المنتمين إلى قبيلة واحدة أو قبيلتين، وعندئذ يتوجّه أمر القسامة إلى من فيه اللوث.
أمّا الروايات:
1. روى سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلاً في القرية أو بين قريتين؟ قال: «يقاس بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت»3 .
2. ما رواه محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «قضى أمير المؤمنين في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه» .4
وقال في «الوسائل» بعد نقل الرواية: لعلّه محمول على وجود   2

1 . شرائع الإسلام : 4 / 223.
2 . الجامع للشرائع: 583.
3 . الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 4. ورواه الكليني والشيخ أيضاً عن الحلبي.
4 . الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5 .

صفحه 309
Eاللوث وتحقّق القسامة، لكنّ تحقّق القسامة بعيد، وإلاّ لأُشير إليها.
وقال الشيخ حول الروايتين: إنّ ما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم إن كانوا متّهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة فأمّا إذا لم يكونوا متّهمين أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم .1
واستشهد على ذلك بالخبرين التاليين:
1. روى علي بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا أن يحلفوا أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم...» .2
2. ما رواه مسعدة بن زياد عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كان أبي رضي الله عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً »3.
ثم إنّ صاحب الجواهر أصرّ على كون الحكم أمراً تعبدياً لا صلة له بوجود اللوث وقال: ولم يظهر لنا وجه معتدّ به لذلك ضرورة أنّه بعد أن ذكروا كون المدار في اللوث على حصول أمارة تفيد الحكم ظناً بصدق المدّعي من غير اعتبار أمارة خاصّة لم يكن فائدة في التعرّض للأمارات، فإنّ قرائن الأُصول مختلفة أشدّ اختلاف لا يمكن حصرها، والنصوص المذكورة لا تعرض   2

1 . التهذيب: 10 / 205.
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
3 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6 .

صفحه 310
Eفيها للقسامة .1
يلاحظ عليه: أنّ حمل هذه الروايات على مجرد التعبّد أمر بعيد، إذ لا وجه لوجوب الدية على قبيلة أو قبيلتين لمجرد وجود القتيل في أقرب الطرق إلى أحدى القبيلتين أو وجوده في نقطة متساوية إليهما دون أن يكون هناك أي أمارة ظنيّة على صدق المدّعين ودون أن يمتنع المتّهمون من القسامة، بأن يترتّب الدية على مجرد وجود القتيل قريباً من محلّتهم.
وعدم تعرّض الروايات لوجود اللوث لأجل أنّ هذه المرافعات لا تخلو عنه، والشاهد على ذلك أنّه لا يمكن الإفتاء طبقاً للروايات في هذه الأيام الّتي كثرت فيها الحيل وستر الأُمور، فإنّ كثيراً من المجرمين يقتلون الأبرياء في مكان ويضعونهم في مكان آخر.
وإن شئت قلت: إنّ فرض العقوبة على فرد أو قبيلة بمجرد وجود قتيل أمام بيته، أو في عقر قبيلتهم، يُعدّ أمراً مخالفاً لقضاء الفطرة، فكيف يستسيغه الشارع ويقرّه. ولابدّ من حمل هاتين الروايتين: رواية سماعة ومحمد بن قيس على وجود اللوث وامتناع الطرفين من إقامة القسامة.
   

1 . جواهر الكلام: 42 / 234 .

صفحه 311
المسألة3. لو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوي، فلا قسامة ولا تغليظ، والبيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، فللولي ـ مع عدم البيّنة ـ إحلاف المنكر يميناً واحداً.*

* لو لم يحصل اللوث فلا قسامة ولا تغليظ

الأصل الأوّلي في الدعاوى هو ما بيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله) في قوله: «البيّنة للمدعي، واليمين على من أنكر» ولكن المقام على العكس، كما في رواية أُخرى عنه(صلى الله عليه وآله): «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر إلاّ في القسامة» ولذلك خالفت القسامة غيرها من الدعاوى في أُمور:
1. كون اليمين ابتداءً على المدّعي.
2. تعدّد الأيمان فيها.
3. جواز الحلف على إثبات حق الغير.
4. جواز الحلف على نفي حق الغير.
5. عدم سقوط الدعوى بنكول من توجهت عليه اليمين، بل ترد اليمين على غيره.
نعم لو لم تجتمع شروطها فالحكم فيها كغيرها من الدعاوى في اليمين، كيفية وكميّة، فليس للولي ـ مع عدم البيّنة ـ إلاّ إحلاف المنكر يميناً واحداً.

صفحه 312
المسألة4. لو قتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد، أو وجد في فلاة أو سوق أو على جسر، ولم يعلم من قتله فديته من بيت مال المسلمين. نعم لو كان في الموارد المذكورة أمارة ظنيّة على كون القتل بفعل شخص معيّن مثلاً، حصل اللوث.*
   

* لو قتل شخص في زحام الناس

ما ذكره في المتن لأجل عدم اللوث على معيّن وعدم ادّعاء الولي، فلذلك تؤدّى ديته من بيت المال لئلاّ يبطل دم المؤمن، وإلاّ فلو كان هناك لوث وادّعاه الولي، لاشترك مع سائر المواضع. فإطلاق عبارة المصنّف ـ كالشرائع ـ مبني على الغالب، قال المحقّق: وأمّا من وجد في زحام، على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع، فديته على بيت المال. وكذا لو وجد في جامع عظيم أو شارع، وكذا لو وجد في فلاة.1
وعلى كلّ تقدير تدلّ عليه عدة أخبار ذكرها صاحب الوسائل نذكر منها ما يلي:
1. روى عبد الله بن سنان وعبد الله بن بكير جميعاً عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)في رجل وجد مقتولاً لا يدرى من قتله؟ قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته، أُعطوا ديته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرئ مسلم ; لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام،   2

1 . شرائع الإسلام:4/223.

صفحه 313
Eويصلّون عليه ويدفنونه، قال: وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات، أنّ ديته من بيت مال المسلمين».1
2. روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة عليٍّ (عليه السلام)بالكوفة فقتلوا رجلاً فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين» .2
3. ما رواه مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام)أن أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله، فديته من بيت المال» 3.
وممّا يودى من بيت المال من قتل في الهايشات، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ليس في الهايشات عقل ولا قصاص» 4. والهايشات جمع الهايشة وهي عبارة عن الجماعة من الناس، يقال: هاش القوم إذا تحركوا وهاجوا.
وعلى كلّ تقدير فالمراد هو الجماعة الّتي يخرجون دفعة واحدة من مكان واحد لوقوع الفزع.
وفي رواية أُخرى مرفوعة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): «فواداه من بيت المال»5.
والمورد مَن أقسام من قتل في الزحام.

1 . الوسائل:19، الباب6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1.
2 . الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
3 . الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
4 . الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3 .
5 . الوسائل: 19، الباب 6 من أبواب دعود القتل وما يثبت به، الحديث 4.

صفحه 314
المسألة5. لو تعارضت الأمارات الظنّية بطل اللوث، كما لو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح ملطّخ بالدم، وسبع من شأنه قتل الإنسان، ولم تكن أمارة لحصول القتل بأيّهما وفي كلّ طرف شكّ محض، فلابدّ في مثله فصل الخصومة بالطرق المعهودة غير القسامة.*
المسألة6. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الأقوى بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل، ولا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه كما في سائر المقامات على الأصح.**

* لو تعارضت الأمارات الظنية بطل اللوث

وجهه ما عرفت من أنّ القسامة مبنيّة على وجود الأمارة الظنّية بالقتل، وهناك الأمارة الدالة على القتل معارضة بكون القتل مستنداً إلى سبع، ومع الشكّ في الموضوع لا يحكم عليه باللوث حتى يحكم بالقسامة.
** في المسألة فرعان:
لا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه   
1. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل. قال الشيخ في «الخلاف»: كلّ موضع قلنا: قد حصل اللوث على ما فسّرناه، فللولي أن يقسم سواء كان في القتيل أثر القتل أو لم يكن أثره، وبه قال الشافعي.1 وذلك لأنّ الموضوع للقسامة الأمارة الظنّية على القتل لا أثره والمفروض وجودها.   2

1 . الخلاف:5/310، المسألة8.

صفحه 315
Eأقول: الأولى أن يقال: لا يشترط في اللوث ظهور الجراحة والدم ولا يبطل اللوث بالخلو عنهما، ومع ذلك يجب أن يكون في المقتول شيء ما يدلّ على أنّه مات بعامل خارجي لا بعامل داخلي، كالسكتة القلبية.
ولقد أحسن في «المسالك» فقال: لا يشترط في القسامة ظهور الجراحة والدم ولا يبطل اللوث بالخلو عنهما، عندنا وعند الأكثر لأن القتل قد يحصل بالخنق وعصر الخصية والقبض على مجرى النفس، فإذا ظهر أثر الخنق أو العصر قام ذلك مقام الجراحة والدم .1
وبعبارة أُخرى: يجب أن توجد هناك علامة للقتل ولو بنحو إجراء التحليلات والفحوصات الّتي تشخص الموت الطبيعي عن الموت بأسباب خارجية.
فالتعبير: «لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل» كما في الشرائع وفي المتن، ليس بتام.
2. لا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه
كما هو الحال أيضاً في بقية الدعاوى لجواز الحكم على الغائب، ومع ذلك فالغائب على حجّته، ولم يدلّ دليل على اشتراطه في خصوص المقام.

1 . مسالك الأفهام: 15 / 201 .

صفحه 316
ما يسقط به اللوث   
المسألة7. لو ادّعى الوليّ أنّ فلاناً من أهل الدار قتله بعد أن وجد مقتولاً فيها حصل اللوث، وثبتت الدعوى بالقسامة بشرط ثبوت كون المدّعى عليه في الدار حين القتل، وإلاّ فلا لوث بالنسبة إليه، فلو أنكر كونه فيها وقت القتل كان القول قوله مع يمينه.*

* لو ادّعى الولي أنّ فلاناً من أهل الدار قتله

قال المحقّق: لو ادّعى الولي أنّ واحداً من أهل الدار قتله، جاز إثبات دعواه بالقسامة.1
ما ذكره (قدس سره)في المتن موافق للقاعدة، فإنّ وجود القتيل في الدار أمارة ظنّية على اتّهام أهله بالقتل، لكن مجرد ذلك لا يكون أمارة إلاّ إذا ثبت كون المتهم متواجداً فيها، وعندئذ فلو أقام بينة على عدم كونه فيها، أو حلف عليه عند ما لا يكون للمدّعي بيّنة فلا يثبت اللوث.
نعم لو كان في البيت فادّعى خروجه منه قبل القتل، لا يسمع منه، بل يكون محكوماً بوجوده فيه بحكم الاستصحاب.
ثم لو ثبت عدم وجود المدّعى عليه في البيت إما بالبيّنة أو باليمين، يتوجّه الاتّهام إلى سائر المتواجدين في البيت، بشرط أن يثبت وجودهم في البيت بالبيّنة أو بالإقرار.   2

1 . شرائع الإسلام:4/223.

صفحه 317

ما يسقط به اللوث

هذا وكان الأنسب أن يذكر المصنّف ما يسقط به اللوث كما ذكر ما يثبت به، وقد ذكر العلاّمة أُموراً ستة بأنّها مسقطة للّوث، وإليك ما ذكره.
قال: ويسقط اللوث بأُمور:
1. عدم الخلوص عن الشكّ، فلو وجد بقرب المقتول ذو سلاح ملطخ بدم وسبع من شأنه القتل، بطل، وقد مّر ذلك من المصنّف في المسألة الخامسة.
2. تعذّر إظهاره عند الحاكم. فلو ظهر عنده على جماعة فللمدّعي أن يعين، فلو قال: القاتل منهم واحد، فلا لوث.
3. إبهام الشاهد المقتولَ كقوله: قتل أحد هذين، ليس بلوث، فإبهام المقتول مسقط للقسامة.
4. لو ظهر اللوث في أصل القتل دون وصفه من عمد أو خطأ، ففي القسامة إشكال.
5. ادّعاء الجاني الغيبوبة فإذا حلف، سقط أثر اللوث عنه، وقد مرّ ذلك عن المصنّف في المسألة السابعة.
6. تكاذب الورثة، بمعنى أنّ بعضهم يدّعي القتل والبعض الآخر يكذب، فإنّ التكاذب يضعف الظن بالقتل.1

1 . قواعد الأحكام:3/616ـ617.

صفحه 318
في كمية القسامة   

المقصد الثاني: في كميّة القسامة

وهي في العمد خمسون يميناً، وفي الخطأ وشبهه خمس وعشرون على الأصحّ.*
* إذا ثبت اللوث حلف المدّعي وقومه خمسين يميناً في العمد، يحلف كلّ واحد يميناً واحداً، وفي الخطأ وشبهه قولان، أشهرهما خمس وعشرون يميناً.
أمّا كونه خمسون يميناً في العمد فلم يخالف فيه أحدٌ، إلاّ ابن حمزة الذي ذهب إلى كفاية الخمس والعشرين في العمد إذا كان هناك شاهد واحد.1ولكن لم يدلّ عليه دليل سوى تصوّر أنّ الخمسين بمنزلة شاهدين فخمسة وعشرون بمنزلة شاهد، فإذا انضم إلى شاهد آخر يتم النصاب، ولكنّه غير معتمد، إذ لا دليل على أنّ الخمسين بمنزلة البيّنة حتّى يكون نصفه بمنزلة الشاهد الواحد، فقوله شاذّ لم يوافقه أحد .
إنّما الكلام في عدد الأيمان في الخطأ، ففيه قولان:
الأوّل: أنّها فيه خمسة وعشرون، وهو خيرة الشيخ والمحقّق والعلاّمة.
قال الشيخ في «الخلاف»: القسامة في قتل الخطأ خمسة وعشرون   2

1 . الوسيلة:460.

صفحه 319
Eرجلاً. وقال الشافعي: لا فرق بين أنواع القتل، ففي جميعها القسامة خمسون رجلاً.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.1
وقال في «النهاية»: خمسون رجلاً منهم يقسمون بالله تعالى أنّ المدّعى عليه قتل صاحبهم إن كان القتل عمداً، وإن كان خطأ فخمسة وعشرون رجلاً يقسمون مثل ذلك.2
وقال العلاّمة: الوجه ما قاله الشيخ، لأنّ القتل خطأ أدون من قتل العمد فناسب تخفيف القسامة ; ولأنّ التهجّم على الدم بالقود أضعف من التهجّم على أخذ الدية، فكان التشديد في إثبات الأوّل أولى.3
نعم نقل المحقّق أنّ من الأصحاب من سوّى بين العمد والخطأ، فلا يكفي في الخطأ أيضاً إلاّ خمسون يميناً، وعليه المفيد،4والديلمي5، وابن إدريس6، وقال المحقّق: والتسوية أوثق بالحكم، والتفصيل أظهر في المذهب.7   2

1 . الخلاف:5/308، المسألة4.
2 . النهاية:740.
3 . مختلف الشيعة:9/300.
4 . المقنعة:736.
5 . المراسم:232.
6 . السرائر:3/338.
7 . شرائع الإسلام:4/224.

صفحه 320
Eأمّا الأوثقية فللاحتياط، وأمّا الأظهرية فقد عرفت الروايات الحاكمة بالتفصيل.
وقال العلاّمة: وفي عدد القسامة في الخطأ وعمد الخطأ قولان، أقربهما مساواتهما للعمد. وقيل خمس وعشرون يميناً، وهو مشهور.1
أمّا الروايات فهي ـ حسب الظاهر ـ على قسمين:

الأوّل: مطلقة تعمّ العمد والخطأ

1. ما رواه بُريد بن معاوية فقد جاء فيها: «فأقيموا قُسامة خمسين رجلاً أقيده برُمّته»2.
2. ما رواه زرارة ففي قوله: «فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم» 3.
3. ما رواه أبو بصير وفيه: «ليقسم منكم خمسون رجلاً على أنّهم قتلوه»4، فمع قطع النظر عن المورد فالروايات مطلقة تعمّ العمد والخطأ، وأمّا بالنظر إلى المورد فوجود الإطلاق فيها موضع تأمّل بل منع، فإنّ موردها هو العمد.   2

1 . قواعد الأحكام:3/618.
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
3 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
4 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 321

E الثاني: ما يفصّل بين العمد والخطأ

1. ما رواه عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «في القسامة خمسون رجلاً في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً، وعليهم أن يحلفوا بالله».1
2. ما رواه يونس عن الرضا (عليه السلام) وما رواه أبو عمر المتطبّب قال: «عرضت على أبي عبدالله (عليه السلام)ما أفتى به أمير المؤمنين في الديات: إلى أن قال: «والقسامة جَعل في النفس على العمد خمسين رجلاً وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً» .2
ومقتضى الجمع ـ لو كان هناك إطلاق ـ هو حمل المطلق على المقيّد.

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2 .

صفحه 322
المسألة1. إن كان له قوم بلغ مقدار القسامة حلف كلّ واحد يميناً، وإن نقصوا عنه كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا القسامة، ولو كان القوم أكثر فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في غيره.*
   

* لو نقص العدد عن مقدار القسامة

في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو بلغ قوم المدّعي خمسين رجلاً حلف كُلٌّ يميناً، كما هو المنصوص.
2. لو نقصوا عن خمسين رجلاً، اتّفقت كلمتهم على أنّ الأيمان تُكرَّر عليهم حتى يكملوا القسامة.
3. لو كانوا أزيد من خمسين رجلاً فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في غيره، لأنّ الحقّ منحصر فيهم، فهم مختارون في تعيين من يحلف.
لا كلام في الأوّل والثالث، وإنّما الكلام في الفرع الثاني وهو فيما لو نقصوا فاحتاجوا إلى تكرار الأيمان، فهل يكفي ذلك أو لا ؟
قال المحقّق: وإن نقصوا عنه كُرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا القسامة.1
وفي الجواهر ـ بعد قول المحقّق المذكور أعلاه ـ : كما صرّح به غير   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 224.

صفحه 323
E واحد، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل عنها وعن «الخلاف» أنّه لو كان الولي واحداً أقسم خمسين، إجماعاً، بل زاد في الثاني نسبته إلى أخبار الفرقة أيضاً.1
ومع ذلك فقد استشكل فيه السيد الخوئي، قائلاً بأنّه لم يرد فيها نصّ.
أقول: النصوص تركّز على خمسين رجلاً، ففي رواية زرارة: «فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم» .2
وفي رواية أبي بصير: «فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً» 3.
وفي رواية يونس: «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً»4.
وفي رواية بريد بن معاوية: «وأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته»5.
فإنّ الظاهر أنّ «رجلاً» في قوله: «خمسين رجلاً» في محل التمييز لـ «قسامة» حيث إنّ «قسامة» بمعنى من يقسم، مبهم من حيث العدد، فرفع إبهامه بقوله: «خمسين رجلاً».   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 244.
2 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.
3 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.
4 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2.
5 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.

صفحه 324
E وأمّا قراءة «قسامة» بالإضافة إلى «خمسين» فغير ظاهر .
إلى هنا تبيّن أنّ الروايات تركّز على عدد الخمسين، ومع ذلك كلّه يمكن القول بأنّ العبرة بخمسين يميناً، سواء أصدرت من خمسين رجلاً أو أقل، والذي يقرّب ذلك أمران:
1. ما في رواية مسعدة بن زياد عن جعفر (عليه السلام)قال: «كان أبي (رضي الله عنه)إذا لم يقم القوم المدعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتهمين قتلوه، حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً» 1.
ترى أنّه يركّز على خمسين يميناً لا على خمسين رجلاً، واحتمال أنّ عدد المتّهمين كانوا خمسين رجلاً، بعيد .
يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية حلف المدّعى عليه لإسقاط القود، ولا ملازمة بين كفاية خمسين يميناً في الإسقاط وكفايته في ثبوته.
2. أنّ المستفاد من روايات القسامة أنّها شرعت احتياطاً للناس وصيانة للدماء، فإذا كان ذلك هو الملاك فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلاً، فإنّه ربّما لا يتحقّق إلاّ نادراً .
فلو كان الحكم معلّقاً على خمسين رجلاً دون التكرار، ربما يكون ذلك جرأة للقتل، إذ كيف يمكن في الأحوال الغابرة والحاضرة اجتماع خمسين نفراً قاطعين بالقتل، للحلف.
ويؤيد ذلك أنّه ورد تكرير اليمين في مورد القسامة في الأعضاء كما سيوافيك.

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6 .

صفحه 325
المسألة 2. لو لم يكن للمدّعي قسامة، أو كان ولكن امتنعوا ـ كلاًّ أو بعضاً ـ حلف المدّعي ومن يوافقه إن كان، وكرّر عليهم حتى تتمّ القسامة، ولو لم يوافقه أحد كرّر عليه حتى يأتي بتمام العدد.*

* لو لم يكن للمدّعي قسامة

إذا لم يكن للمدّعي قسامة أو كان ولكن يمتنعون عن الحلف كلّهم أو بعضهم، أمّا الثاني فقد تبيّن حكمه ممّا سبق، وهو أن يحلف المدّعي ومن يوافقه على وجه التكرير.
إنّما الكلام إذا لم يكن له قسامة ، فعندئذ يكرر عليه اليمين إلى خمسين حتى يتم العدد. قال الشيخ الطوسي: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف.1 وقد مرّ بيان ذلك في المسألة المتقدّمة.
 

1 . الخلاف:5/314، المسألة 13.

صفحه 326
المسألة3. لو كان العدد ناقصاً فهل يجب التوزيع عليهم بالسويّة، فإن كان عددهم عشرة يحلف كلّ واحد خمسة، أو يحلف كلٌّ مرّةً ويتمّ وليّ الدم النقيصة، أو لهم الخيرة بعد يمين كلّ واحد، فلهم التوزيع بينهم بأي نحو شاءُوا، لا يبعد الأخير وإن كان الأولى التوزيع بالسويّة. نعم لو كان في التوزيع كسر كما إذا كان عددهم سبعة، فبعد التوزيع بقي الكسر واحداً فلهم الخيرة، والأولى حلف ولي الدم في المفروض، بل لو قيل إنّ النقيصة مطلقاً على ولي الدم أو أوليائه فليس ببعيد، فإذا كان العدد تسعة فالباقي خمسة يحلفها الولي أو الأولياء، فإن كان في التوزيع بين الأولياء كسر فهم بالخيار، ولو وقع فيهم تشاحّ فلا يبعد الرجوع إلى القرعة، وليس هذا نكولاً.*
لو كان العدد ناقصاً عن الخمسين فكيف يُتمّم العدد؟   

* كيف يتمّم العدد لو كان ناقصاً عن الخمسين ؟

في المسألة فروع:
الأوّل: لو كان العدد ناقصاً عن الخمسين، كما إذا كان عددهم عشرة، فكيف يُتمّم العدد؟ فهنا احتمالات:
1. التقسيم بالسوية، فيحلف كلّ واحد خمس مرات، فيبلغ عدد الحلف إلى خمسين، كما هو الحال في الأُمور الجماعية حيث يقسّم العمل على الجميع من غير تمييز.
2. يحلف كلٌّ مرّة واحدة، ويتم ولي الدم النقيصة، فلو كان ولي   2

صفحه 327
Eالدم واحداً يحلف أربعين مرّة، وبضم العشرة إليها يتم العدد. ولعلّ وجهه أنّ الحلف متوجّه إليه أوّلاً وبالذات، وكفاية حلف الغير على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المتيقّن.
3. لهم الخيرة بعد حلف كلّ واحد، فيوزعون بينهم بأي نحو شاءُوا، فربما يحلف واحد منهم مرّتين والبعض الآخر ثلاث مرّات، وهكذا حتى يتم العدد، ولم يستبعد المصنّف الأخير ; لأنّ العمل عملهم فلهم الخيرة في أي نحو شاءُوا، ولكنّه استقرب التقسيم بالسوية، تبعاً للمحقّق حيث قال: لو كان المدّعون جماعة، قسّمت عليهم الخمسون بالسوية.1
وفي رواية بُريد بن معاوية: «أقيموا رجلين عدلين من غيركم، أقيده برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً، أقيده برّمّته»2وهل ظاهره أو منصرفه التسوية بالتقسيم، أو التوزيع بأي شكل شاءُوا، الظاهر أنّ النصوص غير ناظرة إلى هذه الصورة لكن طبع الأمر في الأُمور الجماعية هو المساواة، إلاّ إذا اتّفقوا على كيفيّة خاصّة .
الفرع الثاني: إذا اخترنا في الفرع السابق، التقسيم بالسوية وحصل بالتوزيع كسر ـ كما إذا كان العدد سبعة وبعد التقسيم بالسوية بلغ عدد الحلف إلى 49 مرة ـ فيبقى الكسر واحداً، فهنا وجهان:
أ. لهم الخيرة في إكمال العدد بحلف أي فرد شاءُوا.   2

1 . شرائع الإسلام:4/224.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث3.

صفحه 328
Eب. يتعيّن حلف وليّ الدم لكونه أولى من غيره وإن كانوا مشاركين في الشهادة، وعلى هذا لو كان عددهم تسعة وحلف كلّ خمس مرات يبقى كسر وهو خمس، فيتمّها الولي أو الأولياء.
الفرع الثالث: لو قلنا في الفرع السابق أنّ الباقي من الأيمان ـ بعد التوزيع بين المشاركين في الشهادة ـ للأولياء، وكان في التوزيع بين الأولياء كسر كما في المثال السابق، أعني: إذا كان عددهم تسعة فكلّ حلف خمسة أيمان، فصار خمسة وأربعين يميناً، فبقي الخمسة، وكانت الأولياء ثلاثة فيبقى يمينان فهم بالخيار.
الفرع الرابع: لو وقع بينهم تشاحّ في إكمال العدد بمعنى أن يحلف البعض دون البعض الآخر، فلا يعدّ ذلك نكولاً بعد ما شهد أوّلاً وحلف قبل إكمال العدد، ففي حسم النزاع يرجع إلى القرعة، بناءً على أنّه لا يشترط في جريان القرعة ثبوت حق في الواقع غير معلوم لنا، بل تجري ولو لم يكن حق ثابت كما هو في كفالة مريم 1، بل يكفي مجرد التشاحّ والشجار. لكن الرجوع إلى القرعة وإلزام من خرجت القرعة باسمه، يحتاج إلى الدليل، فولي الدم بالخيار بين اليمين المكملة، حتى يصل العدد إلى النصاب، وتركها مع ترك الادّعاء.
ما هو المعتبر في القسامة؟   

1 . لاحظ : آل عمران: 44.

صفحه 329
المسألة4. هل يعتبر في القسامة أن تكون من الورّاث فعلاً، أو في طبقات الإرث ولو لم تكن وارثاً فعلاً، أو يكفي كونها من قبيلة المدّعي وعشيرته عرفاً وإن لم تكن من أقربائه؟ الظاهر عدم اعتبار الوراثة فعلاً. نعم الظاهر اعتبار ذلك في المدّعي، وأمّا سائر الأفراد فالاكتفاء بكونهم من القبيلة والعشيرة غير بعيد، لكن الأظهر أن يكونوا من أهل الرجل وأقربائه، والظاهر اعتبار الرجولية في القسامة، وأمّا في المدّعي فلا تعتبر فيه وإن كانت أحد المدّعين، ومع عدم العدد من الرجال ففي كفاية حلف النساء تأمّل وإشكال، فلابدّ من التكرير بين الرجال، ومع الفقد يحلف المدّعي تمام العدد ولو كان من النساء.*

* ما هو المعتبر في القسامة والمدّعي؟

في المسألة فروع:
1. ما هو المعتبر في القسامة (أي الحالف)؟
2. ما هو المعتبر في المدّعي؟
3. هل تعتبر الرجولية في القسامة؟
4. هل تعتبر الرجولية في المدّعي؟
5. إذا لم يبلغ حلف الرجال عدد الخمسين هل يكفي حلف النساء، أو يجب التكرير بين الرجال؟
6. مع الفقد يحلف المدّعي تمام العدد ولو كان من النساء.   2

صفحه 330
Eوإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: قال الشيخ: القسامة يراعى فيها خمسون من أهل المدّعي يحلفون، فإن لم يكونوا حلف الولي خمسين يميناً، وقال من وافقنا في القسامة: إنّه لا يحلف إلاّ ولي الدم خمسين يميناً.1
وقال العلاّمة: الحالف وهو: كلّ مستحق قصاص أو دية، أو دافع أحدهما عنه، أو قوم أحدهما معه.2
وأمّا المصنّف فقد احتمل فيه احتمالات:
1. أن يكون وارثاً فعلاً.
2. أن يكون في طبقات الإرث ولو لم يكن وارثاً فعلاً.
3. اعتبار كونه من أقربائه، وإن لم يكن في طبقات الإرث كالأقربين سبباً، لا نسباً كأبي الزوجة وأخيها وأُمّها وجدّها وجدتها وهكذا.
4. الاكتفاء بكونه من قبيلة الرجل وعشيرته.
استظهر المصنّف الوجه الثالث، ولا شكّ أنّه أحوط وكون الحالف من قبيلة الرجل لا يلازم كونه من أقربائه، إذا كانت الصلة التي تَربطهما، في درجة بعيدة كاشتراكهما في الجد العاشر، وعلى كلّ تقدير فهنا احتمالات أربعة لابدّ في تعيين إحداها من دراسة الروايات.   2

1 . الخلاف:5/308، المسألة 6. ومراده من قوله: «من وافقنا» هو المالكية، كما يظهر من ذيل كلامه.
2 . إرشاد الأذهان:2/219. قوله:«قوّمه» بالتشديد وحاصله: انّ الحالف إمّا مستحق قصاصاً أو دية ـ كما إذا كان وارثاً، أو هو ليس مستحقاً لهما لكنّه يدعم استحقاق الوارث لأحدهما.

صفحه 331
Eأمّا الروايات فهي بحسب ظاهرها على أقسام:
الأوّل: كفاية كون الحالف رجلاً، ففي رواية بُريد بن معاوية: «فأقيموا قسامة خمسين رجلاً، أقيده برمّته».1 ولا شكّ أنّ الرواية ليست في مقام بيان شرائط الحالف فلا يصحّ التمسك بإطلاقها وإلاّ يلزم كفاية حلف الجار إذا كان رجلاً.
الثاني: ما يدلّ على كون الحالف من قبيلة المدّعي، ففي رواية علي بن فضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلاً».2
ومورد الرواية هو حلف المدّعى عليه بخلاف الرواية التالية فإنّ موردها حلف قوم المدّعي.
وما رواه مسعدة بن زياد عن جعفر(عليه السلام) قال: «كان أبي(رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتهمين قتلوه... الخ».3
وفي رواية عبد الله بن سنان: خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا فوجد أحدهما ميتاً، فقال أصحابه لرسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يحلف اليهود».4 ولعلّ «صاحبنا» كناية عن   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3، ولاحظ أيضاً الباب 10، الحديث 3و 5.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث5.
3 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث6.
4 . الوسائل:19، الباب10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1.

صفحه 332
Eكون المقتول من قومهم.
الثالث: ما يدلّ على أنّ الحالف من أهل المقتول، ففي رواية ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن القسامة على مَن هي؟ أعلى أهل القاتل أو على أهل المقتول؟ قال: «على أهل المقتول».1
فصار الأمر دائراً بين كون الحالف من قبيلة المقتول أو من أهله، فمقتضى القاعدة الأخذ بالقدر المتيقّن وهو كونه من أهل الرجل وأقربائه، ولا يكفي كونه من قبيلته إذا لم يعد من أقربائه، فما استظهره المصنّف في المتن هو الأظهر.
الفرع الثاني: كان الكلام في الفرع السابق حول الحالف وخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يشترط كونه من أقرباء الرجل والكلام في هذا الفرع حول المدّعي، والظاهر من المصنّف أنّه يعتبر فيه كونه وارثاً فعلاً.
ويستظهر ذلك تارة من كلام الفقهاء أيضاً حيث يكون الحلف عندهم متوجّهاً إلى المدّعي، ثم إلى القوم، يقول العلاّمة: ويحلف المدّعي مع اللوث خمسين يميناً في العمد، إلى أن قال: ولو كان للمدّعي قوم حلف كلّ واحد يميناً إن كانوا خمسين.2
هل تعتبر الرجولية في القسامة والمدّعي   
وتارة أُخرى من الروايات فقد ورد أنّه إذا لم يحلف المدّعي   2

1 . الوسائل:19، الباب10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث6.
2 . إرشاد الاذهان: 2 / 219 .

صفحه 333
Eحلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلاّ أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم .1 فإنّ الظاهر أنّه أُغرموا الدية على المدّعى وهو آية كونه وارثاً.
الفرع الثالث: ظاهر الروايات اعتبار الرجولية في القسامة، لما عرفت من تكرّر كلمة «رجل» في قوله: خمسين رجلاً. وليس المقام ممّا لا يحتمل الخصوصية فيه.
وسيوافيك أنّه إذا لم يبلغ عدد الرجال الخمسين، كرّر على الموجودين من الرجال.
الفرع الرابع: لا شكّ أنّه لا يعتبر في المدّعي الرجولية، فربما ينحصر أولاد المقتول في الإناث، فلو اعتبرت الرجولية في المدّعي، يذهب دم المقتول هدراً، مع أنّ القسامة قد شرعت صيانة للدماء، ففي رواية زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس، لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد، خاف ذلك فامتنع من القتل».2
الفرع الخامس: إذا لم يبلغ عدد القسامة من الرجال الخمسين فهل يكفي حلف النساء أو لابدّ من التكرير بين الرجال؟
الظاهر هو الثاني ; لما عرفت من ورود الرجال في الرواية في   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3 .
2 . الوسائل:19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث1. ولاحظ الحديث 8 و 9.

صفحه 334
Eالحالف، فمع إمكان إتمام اليمين بالرجال لا تصل النوبة إلى غيرهم.
الفرع السادس: مع فقد الرجال يحلف المدّعي ـ ولو كان امرأة ـ خمسين مرّة، لما عرفت من عدم اعتبار الرجولية في المدّعي، ولا عبرة بحلف غير المدّعية من النساء، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ نكتة تشريع القسامة صيانة الدماء، فلو لم يقبل حلف المرأة المدّعية على وجه التكرير، بطل دم المسلم.
لو كان المدّعي أو المدّعى عليه في القتل أكثر من واحد   

صفحه 335
المسألة 5. لو كان المدّعي أكثر من واحد فالظاهر كفاية خمسين قسامة، وأمّا لو كان المدّعى عليه أكثر ففي كفاية خمسين قسامة وعدمها إشكال، والأوجه تعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه، فلو كان اثنين يحلف كلّ منهما مع قومه خمسين قسامة على ردّ دعوى المدّعي، وإن كان الاكتفاء بالخمسين لا يخلو من وجه، لكن الأوّل أوجه.*

* لو كان المدّعي أو المدّعى عليه أكثر من واحد

في المسألة فرعان:
1. لو كان المدّعي أكثر من واحد، فهل يكفي خمسون قسامة؟
2. إذا كان المدّعى عليه أكثر من واحد، فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم فهل تتعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه؟
ولندرس الفرعين تالياً:
أمّا الفرع الأوّل ـ أعني: كفاية خمسين قسامة حتى ولو كان المدّعي أكثر من واحد، ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
1. إطلاق ما دلّ على كفاية خمسين يميناً، حيث يعمّ وحدة المدّعي أو تعدّده.
2. أنّ تعدّد المدّعي لا يؤثر في تعدّد الدعوى، فالاثنان وما فوقهما يدّعون شيئاً واحداً; بخلاف تعدّد المدّعى عليه فإنّ تعدّده يؤثر في تعدد الادّعاء، حيث إنّ زيداً المدّعى عليه غير بكر المدّعى عليه.   2

صفحه 336
Eوأمّا الفرع الثاني: أعني لو كان المدّعى عليهم في القتل أكثر من واحد فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم ، فهل يكتفى منهم بالخمسين ـ عندما لم يحلف المدّعي ـ أو على كلّ واحد خمسين يميناً؟ وجهان.
يظهر الوجه الأوّل من الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف، وكذلك المدّعى عليه إن كان واحداً فعليه خمسون يميناً، وإن كان المدّعون جماعة فعليهم خمسون يميناً عندنا، ولا يلزم كلّ واحد خمسون يميناً، وكذلك في المدّعى عليه إن كان واحداً لزمته خمسون يميناً، وإن كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يميناً.1
وربما يستظهر ما ذكره الشيخ من بعض النصوص:
1. رواية أبي بصير عن الإمام أبي عبد الله(عليه السلام) حيث جاء فيها: «فإذا ادّعى الرجل على القوم أنّهم قتلوا، كانت اليمين لمدّعي الدم قبل المدّعى عليهم، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون إنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا قبلوا الدية; وإن لم يقسموا، فإنّ على الذين ادّعى عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً».2
وجه الاستدلال أنّ ظاهر قوله:«الذين ادّعى عليهم» كونهم أكثر من واحد، فاكتفي عندئذ بحلف خمسين رجلاً.   2

1 . الخلاف:5/314، المسألة 13.
2 . الوسائل: 19، الباب10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 337
Eيلاحظ على الاستدلال ـ مضافاً إلى وقوع البطائني في سند الرواية ـ أنّ الظاهر من صدر الحديث أنّ المتهم بالقتل كان شخصاً واحد حيث جاء فيها: «فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً» فعلى هذا لا عبرة بالجمع في قوله: «فإنّ على الذين ادّعى عليهم...»فلعلّ الإتيان بصيغة الجمع باعتبار تعدّد الموارد.
2. ما في رواية عبدالله بن سنان. قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن القسامة، هل جرت فيها السنة... إلى أن قال: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يحلف اليهود ».1
وجه الاستدلال: أنّ الأمر بحلف اليهود، دليل على أنّ المدّعى عليه أكثر من واحد، ومع ذلك اكتفى بحلف خمسين رجلاً لا أكثر، وقد ورد هذا التعبير في غير واحدة من الروايات، وقد أشرنا إليه في الهامش .
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ في النسبة توسّعاً حيث نسب فعل الفرد إلى كلّ من ينتمي إليه في العقيدة. ولذلك جاء في بعض النصوص في نفس الواقعة: إن فلانا اليهودي قتل صاحبنا .2
وعلى هذا فلا دلالة في الروايتين على ما عليه الشيخ في «الخلاف»، ولابدّ أن يرجع إلى القاعدة كما سيوافيك.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1، ولاحظ الحديث 3 و 5 فقد نسب القتل إلى اليهود.
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.

صفحه 338
Eولهذا ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى خلافه، قال: والأقوى في المدّعى عليه أن يحلف كلّ واحد خمسين يميناً.1
والظاهر أنّ لكلّ وجهاً، أمّا وجه القول الأوّل أنّ المدّعى به جناية واحدة لاتّحاد موضوعها، وقد قدّر الشارع عليها خمسين يميناً، فيقسط عليهم كما يقسط على قوم المدّعى عليه لو كان واحداً.2
وأمّا وجه القول الثاني الذي اختاره في «المبسوط» فلأجل أنّ الدعوى واقعة على كلّ واحد منهم بالدم، ومقتضى القاعدة حلف كلّ منكر خمسين يميناً .
وبعبارة أُخرى: أنّ هنا دعويين لا دعوى واحدة. مقتضى تعدّدها تعدّد مقتضيها، وإن كان الموضوع واحداً.
ومن المعلوم أنّ الحلف لدعوى لا يغني عن الحلف لدعوى أُخرى، فلاحظ.
لو لم يحلف المدّعي فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه   

1 . المبسوط:7/222.
2 . مسالك الأفهام:15/207.

صفحه 339
المسألة 6. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، فعليه أيضاً خمسون قسامة، فليحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته، وحلف كلّ واحد ببراءته، ولو كانوا أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد، وحكم ببراءته قصاصاً ودية. وإن لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً، فإذا حلف حكم ببراءته قصاصاً ودية; وإن لم تكن له قسامة ونكل عن اليمين أُلزم بالغرامة، ولا يردّ في المقام اليمين على الطرف. *

* لو لم يحلف المدّعي فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه

في المسألة فروع:
1. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، يرد اليمين على المدّعى عليه.
2. إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه فليحضر من قومه خمسين رجلاً يشهدون ويحلفون ببراءته.
3. ولو كان من يحلف أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان.
4. إذا حلف خمسون رجلاً من عشيرته أو كررت عليهم الأيمان، حكم عليه بالبراءة قصاصاً ودية.
5. إذا لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً.
6. إذا لم يكن له قسامة ولم يحلف المدّعى عليه أُلزم بالغرامة.
7. إذا نكل المدّعى عليه لا يردّ اليمين على المدّعي.   2

صفحه 340
Eوإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: لو لم يحلف المدّعي ولا عشيرته

إذا لم يحلف المدّعي ولا عشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، قال المحقّق: ولو لم يكن للولي قسامة ولا حلف هو، كان له إحلاف المنكر خمسين يميناً إن لم يكن له قسامة من قومه.1
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك.2 ويدلّ عليه:
في وجوب حلف المدّعى عليه ومن معه لإثبات براءته   
1. ما رواه علي بن الفضيل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».3 ومن المعلوم أنّه لا تصل النوبة إلى حلف المدّعى عليه إلاّ بعد نكول المدّعي عن الحلف. والنكول وإن لم يكن مذكوراً في الرواية لكنه مفروض، والرواية تدلّ على عدم ثبوت الغرامة إذا حلفوا، كما سيوافيك.
2. ما رواه مسعدة بن زياد، عن جعفر(عليه السلام) قال: «كان أبي(رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يُقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثمّ يؤدّي   2

1 . شرائع الإسلام :4/225.
2 . جواهر الكلام :42/251.
3 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 341
Eالدية إلى أولياء القتيل، ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر، أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال».1 وسيوافيك الكلام في توضيح قوله: «ثم يؤدّي الدية إلى أولياء المقتول» فانتظر.

الفرع الثاني: في وجوب حلف المدّعى عليه ومن معه لإثبات براءته

إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه، يجب عليه إحضار خمسين رجلاً يشهدون ويحلفون ببراءته، أو إحضار من يتمكّن منه وإن كانوا أقل من خمسين حتى تتكرّر عليهم الأيمان، ومع التمكّن لا تصل النوبة إلى يمين المدّعى عليه مُفرداً. وظاهر المتن ـ وفاقاً للسيد الحكيم في منهاج الصالحين ـ وجوب الإحضار إذا كان المدّعى عليه متمكّناً من الخمسين أو أقلّ منه مع تكرار الأيمان عليهم.
واستدلّ على وجوب الإحضار بالروايتين التاليتين:
الأُولى: ما ورد في رواية أبي بصير قوله (عليه السلام): «فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون; ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً» 2.
وجه الدلالة: أنّ المدّعى عليه في الحقيقة كان واحداً ومعيّناً بشهادة ما في رواية بُريد بن معاوية وهو قول الصحابة: «إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا» فيكون يمين الآخرين لأجل إحضار المدّعى عليه، إيّاهم للحلف.   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث6.
2 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 342
Eيلاحظ عليه: أنّه لا يدلّ على وجوب الإحضار، بل يدلّ على أنّ المدّعى عليه لو أحضرهم لحلفوا، من دون دلالة على وجوب الإحضار وعدم كفاية يمينه مع التكرار.
الثانية: ما في رواية بريد بن معاوية، قال (عليه السلام): «وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ; ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً» .1
وجه الدلالة: أنّه يؤكّد على حلف خمسين رجلاً، ومعه كيف يمكن الاكتفاء بيمين شخص واحد مع التكرار؟
ويرد عليه أيضاً ما أوردناه على دلالة الأُولى، من أنّها تخبر عن طريقة حلف هؤلاء إذا تواجدوا، وأمّا لزوم إحضارهم لهذه الغاية، فلا تدلّ عليه.
اللهمّ إلاّ أن يقال: الشكّ في كفاية يمين شخص واحد عن يمين خمسين رجلاً مع التمكّن منه، يكفي في الحكم بعدم الكفاية. وعلى هذا فاللازم لزوم إحضار خمسين رجلاً من قبيلته للحلف، وإن لم يتمكّن من خمسين رجلاً، فبالأقل منهم ويكرر اليمين إلى أن يكمل العدد، ولا تصل النوبة إلى يمين شخص واحد على وجه التكرار إلاّ مع عدم التمكّن من غيره.
لو أتى المدّعى عليه بالحلف والقسامة حُكم ببراءته   

الفرع الثالث: لو كان المدّعى عليه ومن معه أقل من الخمسين

إذا كان المدّعى عليه ومن معه أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد ـ كما هو الحال في جانب المدّعي ـ على ما مرّ .   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 3.

صفحه 343

E الفرع الرابع: لو أتى المدّعى عليه بالحلف والقسامة

إذا حلف المدّعى عليهم يحكم ببراءتهم عن القصاص والدية أخذاً بمقتضى الحلف إجماعاً.
ويدلّ على عدم ثبوت الدية على المدّعى عليه بعد الحلف ما يلي:
1. صحيحة بريد بن معاوية وفيها:«وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ; ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً وإلاّ أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون ».1
وجه الدلالة: أنّ غرامة المدّعى عليه الدية علقت على عدم الحلف، فيكون مفهومه عدم ثبوتها مع الحلف.
2. رواية علي بن الفضيل وفيها: «فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم».2
وجه الدلالة بنفس ما مرّ في صحيحة بريد بن معاوية.
لكن يظهر من بعض الروايات ثبوت الدية حتّى بعد الحلف، نظير:
1. ما رواه مسعدة بن زياد عن جعفر (عليه السلام)قال: «كان أبي رضي الله عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثمّ يؤدّي الدية إلى أولياء القتيل، ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر،   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3.
2 . الوسائل:19، الباب9، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث5.

صفحه 344
Eأو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال»1.
والشاهد في قوله: «ثم يؤدّي الدية».
أقول: الظاهر عدم الدلالة على وجوبها على المدّعى عليه ; لأنّ الضمير في «يؤدّي» يرجع إلى الإمام الذي عبّر عنه بأبي، فلو كان المراد المتهمين كان عليه أن يقول: ثم يؤدون الدية إلى أولياء المقتول، وقد جاء الفعل (يؤدي) في الوسائل بصيغة المبني للمعلوم المذكّر، ولكن في التهذيب ورد الفعل بالمبني للمجهول المؤنث (تؤدّى)، ومن الواضح أنّ الفاعل غير معلوم فلا يدلّ على أنّ المؤدّي هو المدّعى عليه الذي حلف.2 فمن المحتمل كون المؤدّي هو الإمام، وعلى هذا لا دلالة للحديث على ثبوت الدية على المدّعى عليه.
2. ما جاء في ذيل رواية أبي بصير: «فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ; ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» 3.
   
وجه الدلالة: أنّ قوله: «فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» جملة مركّبة من الشرط والجزاء، فلابد أن يكون بينهما وجه ارتباط، فعلى هذا يجب أن يكون أهل القرية هم الذين ادّعي عليهم، وإلاّ يلزم عدم الصلة بين الجملة الشرطية والجملة الجزائية، إذ عندئذ يكون معنى الجملة: فإن حلف المتّهمون بالقتل تجب الدية على قوم آخرين ليس لهم جرم سوى   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6 .
2 . التهذيب: 10 / 206، برقم 17.
3 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 345
Eوجود القتيل في محلّتهم، وهذا لا يناسب كلام الإمام.
أقول: الرواية ضعيفة بوقوع علي بن أبي حمزة في سندها فلا يحتجّ بها.
3. ما رواه أبو البختري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)عن أبيه: «أنه أُتي عليٌّ (عليه السلام)بقتيل وجد بالكوفة مقطعاً، فقال: «صلّوا عليه ما قدرتم عليه منه، ثمّ استحلفهم قسامة بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، وضمّنهم الدية»1.
فإن قوله: «ضمنّهم الدية» ـ بالتشديد ـ يدلّ على أنّ الضامن هو المدّعى عليهم. ولو قرئ بغير التشديد يكون الضامن هو الإمام.
ولكن الرواية لا يحتجّ بها، لأنّ أبا البختري مرميّ بالكذب.
فتلخّص أنّ المؤدّي في الرواية الأُولى هو الإمام، وأمّا الرواية الثانية والثالثة فليستا بحجّة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه إذا حلف المدّعى عليه برأ من القصاص والدية.

الفرع الخامس: لو لم يكن للمدّعى عليه قسامة

إذا لم يكن للمدّعى عليه قسامة من قومه يحلف المدّعى عليه خمسين يميناً، ويحكم عليه بالبراءة من القصاص والدية كما مرّ في المدّعي.

الفرع السادس: لو امتنع المدّعى عليه عن الحلف

إذا امتنع المنكر عن القسامة ولم يكن له من يُقسم عنه من قومه   2

1 . الوسائل: 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 8 .

صفحه 346
Eأُلزم الدعوى،1 لقوله(عليه السلام)في رواية بريد بن معاوية: «وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلاّ أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».2
وقوله (عليه السلام): «إذا وجد قتيلاً بين أظهرهم» قيد محقّق للموضوع مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، وليس شرطاً زائداً.
وقوله (عليه السلام)في رواية علي بن الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».3
فإنّ قوله: «حلفوا جميعاً ما قتلوه» يعرب عن وجود المدّعي في المورد وأنّه اتّهم القوم بالقتل، فينطبق على اللوث، وإلاّ فلا معنى في مورد ميّت ليس له مدّع أن يحلف قوم بأنّهم ما قتلوه.
وعلى كلّ تقدير فالواجب على المتّهمين إذا نكلوا، هو الدية لا القصاص وقول المحقّق: أُلزم الدعوى، يفسّر بالدية لا القصاص عند العمد، والدية عند الخطأ، فإنّه ينافي الروايتين، ولذلك قال المصنّف: أُلزم بالغرامة.   2
   

1 . شرائع الإسلام : 4 / 225 .
2 . الوسائل:19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3 .
3 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 5.

صفحه 347

E الفرع السابع: عدم ردّ اليمين إلى الطرف

الضابطة في باب القضاء عدم القضاء بالنكول لكن القضاء هنا مع النكول، لافتراق المقام عن موضع القاعدة كما سيوافيك.
الظاهر من الشيخ في «المبسوط» هو ردّ اليمين أيضاً إلى المدّعي حيث قال: فإن حلفوا برئوا وإن نكلوا عنها رُدّت على المدّعي.1 ولعلّ وجهه عموم القاعدة بعدم القضاء بالنكول.
ولكن الظاهر أنّ القاعدة راجعة إلى غير هذا المورد; وذلك لأنّ عدم القضاء بنكول المنكر فيما إذا كانت اليمين متوجّهة إليه ابتداءً، لا في مثل المقام حيث إنّ اليمين وجبت على المنكر لامتناع المدّعي فلا معنى لإرجاع اليمين إليه.
وبعبارة أُخرى: أنّ القضاء في المقام بنكول المدّعي لأجل أنّ اليمين هنا على المدّعي أصالة، وإنّما يحلف المدّعى عليه بنكول المدّعي أو ردّه، فإذا نكل لم يعد إلى المدّعي لكونه خلاف الفرض.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. إذا حلف المدّعى عليه على نفيه يحكم ببراءته عن القصاص والدية.
2. إذا لم يحلف المدّعي، ونكل المدّعى عليه ثبتت الدية لا القصاص.
وأمّا القصاص عند حلف المدّعي فسيأتي الكلام فيه في المقصد الثالث.

1 . المبسوط:7/223.

صفحه 348
المسألة7. تثبت القسامة في الأعضاء مع اللوث، وهل القسامة فيها خمسون في العمد وخمس وعشرون في غيره فيما بلغت الجناية الدية ـ كالأنف والذكر ـ وإلاّ فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد، وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه، أو ستّة أيمان فيما فيه دية النفس، وبحسابه من الست فيما فيه دون الدية؟ الأحوط هو الأوّل، والأشبه هو الثاني.
وعليه ففي اليد الواحدة أو الرجل الواحدة ـ وكلّ ما فيه نصف الدية ـ ثلاث أيمان، وفيما فيه ثلثها اثنتان وهكذا، وإن كان كسر في اليمين أكمل بيمين; إذ لا تكسر اليمين، فحينئذ في الإصبع الواحدة يمين واحدة، وكذا في الأنملة الواحدة، وكذا الكلام في الجرح، فيجزي الست بحسب النسبة، وفي الكسر يكمل بيمين.*
* في المسألة فروع:
   

1. ثبوت القسامة في الأطراف

قال الشيخ: يثبت عندنا في الأطراف قسامة مثل العينين، واللسان، واليدين، والرجلين والشمّ وغير ذلك. وقال جميع الفقهاء: لا قسامة في الأطراف وإنّما هي في النفس وحدها، إلاّ أنّ الشافعي قال: إذا ادّعى قطع طرف تجب فيه الدية كاملة (كالعضو الواحد مثل الأنف) ، كان على المدّعى عليه اليمين.1   2

1 . الخلاف:5/312، كتاب القسامة، المسألة 12.

صفحه 349
Eوقال المحقّق: وتثبت القسامة في الأعضاء مع التهمة.1
وظاهر الكلمات عدم الفرق بين ما فيه القصاص كالعين، وما ليس فيه كالمأمومة.
وعلى كلّ تقدير يدلّ على ثبوتها في الأعضاء ما سيوافيك من رواية عبدالله بن أيوب عن أبي عمر المتطبّب في عدد القسامة في الأعضاء .2

2. في عدد القسامة وقدرها

اختلفت كلمة الأصحاب في عدد القسامة وقدرها في مورد الطرف، إلى قولين:
1. ذهب الأكثر إلى أنّها ـ كالنفس فيما فيه الدية الكاملة كاللسان والأنف واليدين ـ خمسون يميناً في العمد وخمس وعشرون في الخطأ، وبنسبتها من الخمسين يميناً فيما ديته دون ذلك.
2. والبيّنة في الأعضاء مثلُ البيّنة في النفس من شهادة مسلمين عدلين. والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس، فكلُّ شيء من أعضاء الإنسان، يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما، كان فيه القسامة: ستةُ رجال يحلفون بالله تعالى: أنّ المدّعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادّعوه عليه.3
وقال الشيخ في «الخلاف»: وعند أصحابنا أنّ ما يجب فيه الدية   2

1 . شرائع الإسلام:4/225.
2 . لاحظ : الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث 2 وسيوافيك لفظه.
3 . النهاية:741.

صفحه 350
Eفي الأطراف، فالقسامة فيه ستة أنفس، بستة أيمان، فإن لم يكونوا كررت على المدّعي ستة أيمان، وفيما نقص بحسابه.1
حاصل القول الأوّل: أنّه لو كانت دية الطرف تمامها كقطع كلتا اليدين الذي فيه دية كاملة ففيه خمسون يميناً، كدية النفس.
وإن كانت دية العضو أقل من دية كاملة كقطع اليد الواحدة، إذ فيه نصف الدية ولمّا كانت نسبة دية اليد إلى دية النفس هو النصف، فيجب عليه نصف أيمان النفس، أعني: خمساً وعشرين يميناً.
وإن كانت دية العضو عُشر الدية كالإصبع الواحد ففيها عُشر الخمسين، أعني: خمس أيمان، وهكذا.
وهذا هو المراد من قول المصنّف: وإلاّ فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه.
وقد ذكرنا مثال العمد فعليك التمثيل للخطأ أيضاً.
وحاصل القول الثاني: أنّ القسامة في الطرف ست أيمان، ففي قطع اليد الواحدة نصف الست وهو ثلاث أيمان.
وفي الإصبع الواحد، فبما أنّ ديته عشر الدية الكاملة، فيجب فيه عُشر الست، وبما أنّه لا عُشر للستة يتعيّن يمين واحدة، إذ لا يمكن التبعّض في اليمين.
نعم هنا احتمال آخر وراء القولين وهو احتمال عدم اعتبار النسبة   2

1 . الخلاف:5/313ـ314، كتاب القسامة، المسألة 12.

صفحه 351
Eفي الأقل وتكون فيه القسامة خمسون أو ستة.
وهناك احتمال رابع وهو نفي القسامة رأساً ويكون كسائر الدعاوي، بالقضاء بالبيّنة أو يمين المنكر، لكن لم نعثر على القائل بهذين الوجهين، وإنّما الموجود هما القولان الأوّلان.1 والاحتمال الرابع مخالف لما سيوافيك من رواية ظريف.
إنّما الكلام في دليلي القولين فربما يقال المشهور هو القول الثاني يعني القول بأنّ القسامة في الأعضاء ستة، وقد عرفت القول به عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وتبعه ابن البرّاج(2) وابن حمزة.2 والمنقول عن الشيخ المفيد هو القول الأوّل، وهو خيرة سلاّر3، وابن إدريس.4
وعلى ذلك فلم يظهر وجود الشهرة في أحد القولين، ويمكن الاستدلال على القول الأوّل ـ مضافاً إلى كونه أحوط، وأنّ القسامة على خلاف القاعدة، يُقتصر فيه بالمتيقّن، وهو اعتبار خمسين قسامة ـ بإطلاق ما دلّ على أنّ في العمد خمسون وفي الخطأ خمس وعشرون، كصحيح عبدالله بن سنان قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): «في القسامة خمسون رجلاً في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً وعليهم أن يحلفوا بالله».5 من غير فرق بين النفس والطرف، ولكن الإطلاق حجّة مالم يكن في البين ما يقيّده، وسيوافيك   2

1 . جواهر الكلام : 42 / 256 .   2 . المهذب:2/501.
2 . الوسيلة:460.
3 . المراسم:232 و 248.
4 . السرائر:3/338.
5 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 352
Eما يقيّده في دليل القول الثاني.
واحتجّ للقول الثاني بوجهين :
1. ما رواه الكليني بسندين ينتهي أحدهما إلى الرضا (عليه السلام)والآخر إلى أبي عمر المتطبّب. ورواية الكليني بالسند المنتهي إلى الرضا(عليه السلام) صحيحة. ورواه الصدوق والشيخ وفي سندهما ضعف.
قال (عليه السلام): «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً وعلى ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار، ستة نفر وما كان دون ذلك فحسابه من ستة نفر، والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستة أجزاء الرجل».1
نعم يكتفي بالستة في إثبات الدية كما عليه الرواية من أوّلها إلى آخرها، بل في ذيلها تصريح بما ذكرناه بالاختصاص بالدية حيث قال: «وإن كان كلّه حلف ست مرات ثم يعطى» وأمّا القصاص فلا دليل على ثبوته بها بل مقتضى القاعدة هو الاقتصار بالخمسين .
   
2. ما ذكره العلاّمة من أنّ الجناية هنا أخفّ، فكان الحلف فيها أخفّ والتشدّد فيه أقل عملاً بالتناسب.2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 2، ولاحظ الكافي: 7 / 362 ـ 363 .
2 . مختلف الشيعة:9/301.

صفحه 353
المسألة8. يشترط في القسامة علم الحالف، ويكون حلفه عن جزم وعلم، ولا يكفي الظن.*
المسألة9. هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم في العمد والخطأ في النفس وغيرها؟ فيه خلاف، والوجه عدم القبول.**

* علم الحالف شرط في القسامة

بمعنى أنّه لا يكفي الظن لأنّ الحلف هنا نوع قضاء وهو فرع الجزم بالموضوع، لقولهم(عليهم السلام): لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك.1
وروى المحقّق في «الشرائع» عن النبي(صلى الله عليه وآله) وقد سُئل عن الشهادة، قال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».2

** قسامة الكافر على المسلم

اختلفت كلمتهم في قبول قسامة الكافر على المسلم، وذهب الشيخ في «المبسوط» إلى القبول، قال: فإن كان المقتول مشركاً والمدّعى عليه القتل مسلماً، قال قوم: يقسم وليّه ويثبت القتل على المسلم، وقال قوم: لا قسامة لمشرك على مسلم. والأوّل: أقوى عندنا لعموم الأخبار غير أنّه لا يثبت به القود وإنّما يثبت به المال.3   2

1 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل:18، الباب20 من أبواب الشهادات، الحديث3.
3 . المبسوط:7/216.

صفحه 354
Eوفي الوقت نفسه ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى العدم، وقال: إذا كان ولي المقتول مشركاً والمدّعى عليه مسلماً لم يثبت القسامة. وبه قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنّه يثبت القسامة، فإذا حلفوا ثبت القتل.
ثم استدلّ الشيخ على عدم قبول قسامة الكافر بوجوه خمسة:
1. الأصل براءة الذمة .
2. إثبات القتل على المسلم بيمين المشرك، يحتاج إلى دليل .
3. لو أوجبنا القتل عليه بيمينهم لوجب أن يقاد به، وقد بيّنا أنّه لا يقاد مسلم بكافر.
4. لو أوجبنا عليه الدية لأوجبنا بيمين كافر ابتداءً على مسلم مالاً.
5. مع علمنا بأنّهم يستحلّون أموال المسلمين ودماءهم .1
واستدلّ في «المسالك» على خيرة الشيخ في «الخلاف» بوجه سادس وهو أنّ استحقاق القسامة سبيل ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم بالآية.2
والظاهر قبول قسامته في العمد والخطأ لكن النتيجة مطلقاً هي الدية، ويعلم ذلك من دراسة أهمّ أدلّة المانعين على وجه الاختصار:
1. لو أوجبنا القتل بيمينهم فهو مخالف لقوله: «لا يقاد مسلم بذمّي»،   2

1 . الخلاف:5/312، المسألة10.
2 . مسالك الأفهام:15/210.

صفحه 355
Eولو أوجبنا الدية لزم قبول يمين الكافر ابتداءً على المسلم في مال.
يلاحظ عليه : أنّ القتل العمدي يثبت بيمين الكافر ، ولمّا امتنع القصاص لأجل أنّه لا يقاد مسلم بذمّي ينتقل إلى الدية، وقد مرّ أنّ كلّ مورد امتنع فيه القصاص ينقلب إلى الدية.
وبعبارة أُخرى: المقتضي موجود لثبوت القتل، غاية الأمر المانع يمنع عن تأثيره وهو «لا يقاد مسلم بذمّي» فينتقل إلى الدية.
2. أنّ استحقاق القسامة سبيل، ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم.
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يترتّب على القسامة هو الدية وهو حق ماليّ ولا يعدّ مثله سبيلاً، كما لو اقترض المسلم من ذمّيّ يجب عليه رد عوضه ولا يعدّ سبيلاً.
3. أنّ الغاية من تشريع القسامة حقن دماء المسلمين .1
يلاحظ عليه: بأنّه محجوج بخلافه حيث جاء في رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «هي حق ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ولم يكن شيء ».2 والغاية حقن دماء الناس لا   2

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث 3. وفيه: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة، فتختص بهم .
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث 8 . ولاحظ الحديث 9 أيضاً وفيه: إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس.

صفحه 356
Eخصوص المسلمين.
ولو افترضنا دليلاً كلّياً في عدم الاعتداد بحلف الكافر، فيكون إطلاق دليل القسامة مخصصاً له.
نعم يبقى الكلام في تقرير النبي(صلى الله عليه وآله) الأنصار على الإباء حيث قال رسول الله لهم: لكم بيّنة؟، فقالوا: لا، فقال: «أفتقسمون؟» فقالت الأنصار: كيف نقسم على ما لم نره. فقال: فاليهود يقسمون، فقالت الأنصار: يقسمون على صاحبنا؟ قال: فوداه الرسول(صلى الله عليه وآله) من عنده.1 فإن تأدية الدية صار سبباً لتقرير إنكار الأنصار قسامة الكافر، فيدل على أنّ حلفهم ليس بشيء.
وقد أجاب عن ذلك صاحب الجواهر بقوله: إنّما كان ذلك سياسة لا لعدم جواز قسامتهم، وإلاّ لم يأمر به(صلى الله عليه وآله) فإنّ ذلك صريح في ثبوتها.2
ولعلّ المقصود من السياسة أنّه لا يترتّب على قسامة اليهود على البراءة سوى دفع الدية من بيت المال ـ كما هي الضابطة ـ فلذلك ترك دعوة القوم عليها (القسامة) وقدّم الدية من بيت المال أخذاً بقول القائل: «خذ الغايات واترك المبادئ».
وعلى كلّ تقدير فالأخذ بقسامتهم وإثبات الدية لا يخلو من وجه.

1 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث 7 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 257 ـ 258 .

صفحه 357
المسألة10. لابدّ في اليمين من ذكر قيود يخرج الموضوع ومورد الحلف عن الإبهام والاحتمال من ذكر القاتل والمقتول ونسبهما ووصفهما بما يزيل الإبهام والاحتمال، وذكر نوع القتل من كونه عمداً أو خطأ أو شبه عمد، وذكر الانفراد أو الشركة ونحو ذلك من القيود.*

* في شروط اليمين

لاشكّ أنّه يعتبر في سماع الدعوى كونها مقرونة بذكرالخصوصيات الّتي تخرجها عن الإجمال والإبهام، فلابد من ذكر القاتل والمقتول ونسبهما وما يزيل الاحتمال، وذكر الانفراد والشركة ونوع القتل، فإذا كان هذا حال الدعوى فليكن اليمين مثلها، فلا تقبل إلاّ إذا طابقت نفس الدعوى مع خصوصياتها، وقد ذكر المحقّق خصوصيات اليمين وهي دليل على اشتراط ذكرها في الدعوى أيضاً لينطبق اليمين على الدعوى، قال: ويشترط في اليمين أُمور:
1. ذكر القاتل والمقتول.
2. الرفع في نسبهما بما يزيل الاحتمال.
3. وذكر الانفراد أو الشركة.
4. ونوع القتل.
ثم الشيخ فرّق بين يمين المدّعي ويمين المدّعى عليه عند نكول المدّعي فقال: فأمّا صفة اليمين الّتي يقسم بها وما يحتاج إليه ، يحتاج إلى   2

صفحه 358
Eأربعة أشياء: ذكر القاتل والمقتول، ويقول: قتله منفرداً بقتله لم يشترك فيه غيره عمداً أو خطأ.1
وأمّا في صفة المدّعى عليه فيحتاج أن يذكر فيها ستة أشياء: ما قتل فلان فلاناً، ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيءٌ، ولا وصل إلى شيء من بدنه، ولا أحدث شيئاً مات منه .2
وأمّا الروايات فلم يرد في ناحية يمين المدّعي سوى تصريحهم بالقتل، وأمّا في ناحية المدّعى عليه فقد جاء في رواية مسعدة بن زياد أنهم يقسمون «خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً» 3، وقريب من ذلك ما رواه أبو بصير .4
والذي يمكن أن يقال: إنّه لا خصوصية لباب القسامة وإنّما الحكم في باب المحاكم والمرافعات واحد، وهو طرح الدعوى مقرونة بالوضوح بذكر القيود الّتي تخرج الدعوى عن الإبهام والإجمال، ولذلك ربما يحتاج إلى ذكر الزمان والمكان. وعليه فاليمين في ذلك الباب مثل اليمين في سائر الأبواب يجب أن تكون منطبقة على نفس ما طُرح في الدعوى .

1 . المبسوط: 7 / 237.
2 . المبسوط: 7 / 239.
3 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 6 .
4 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ، الحديث 5.

صفحه 359

المقصد الثالث: في أحكامها

المسألة1. يثبت القصاص بالقسامة في قتل العمد، والدية على القاتل في الخطأ شبيه العمد، وعلى العاقلة في الخطأ المحض، وقيل: تثبت في الخطأ المحض على القاتل لا العاقلة، وهو غير مرضيّ.*

* في أحكام القسامة

في المسألة فروع:
1. إذا حلف خمسون رجلاً على قتل العمد، يقتصّ من القاتل.
2. إذا حلفوا على شبه العمد، تثبت الدية على القاتل.
3. إذا حلفوا على قتل الخطأ، تثبت الدية على العاقلة.
أمّا الفرع الأوّل: فيظهر من النصّ والفتوى أنّ القسامة تقوم مقام البيّنة والإقرار، فلو كان موردها القتل عن عمد يترتّب عليه أثره وهو القصاص حيث إنّ الأصل فيه هو، وأمّا الدية فإنّما تصل النوبة إليها عند التراضي، قال الشيخ المفيد: فأمّا قتل العمد ففيه القود على ما قدّمناه، وإن اختار ذلك أولياء المقتول، وإن اختاروا العفو فذلك لهم .1    2

1 . المقنعة: 735; ولاحظ : النهاية: 734 ; وتحرير الأحكام: 5 / 489، المسألة 7121.

صفحه 360
Eوقال سبحانه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)1 وعلى هذا فالصغرى ثابتة بالقسامة، وأنّ القتل كان عن عمد، والكبرى بالنصّ، وفي روايات القسامة الّتي تشير إلى حكمة التشريع إشارة إلى ذلك، روى زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل» .2
وروى بُريد بن معاوية عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطاباً للأنصار: «فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته».3
وأمّا الفرع الثاني ـ أعني: كون القتل شبه العمد ـ : فالدية على القاتل; وذلك لأنّ العاقلة تحمل دية القتل خطأ، والمفروض أنّه ليس خطأ، فيبقى تحت الضابطة الكلية، فالصغرى أي كون القتل شبه عمد تثبت بالقسامة، والكبرى تثبت بالدليل وهي: أنّ دية القتل على القاتل إلاّ ما خرج بالدليل، أي إذا كان القتل خطأً محضاً.
قال في «الجواهر»: وثبوت الدية على القاتل في عمد الخطأ بلا خلاف أجده فيه، ولا إشكال.4
وأمّا الفرع الثالث: المشهور أنّ دية قتل الخطأ على العاقلة   2

1 . المائدة: 45.
2 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1. وبهذا المضمون الحديث 2 من هذا الباب.
3 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3.
4 . جواهر الكلام :42/265.

صفحه 361
Eلتضافر الروايات عليه، منها:
ما رواه الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «يا حكم إذا كان الخطأ من القاتل (أو الخطأ) من الجارح وكان بدويّاً فدية ما جنى البدويُّ من الخطأ على أوليائه البدويين، قال: وإذا كان القاتل أو الجارح قرويّاً فإنّ دية ما جنى من الخطأ على أوليائه من القرويين».1 والرواية محمولة على كون عاقلة البدويّ بدويّةً أيضاً، وعاقلة القروي قرويةً أيضاً، وإلاّ فالضامن هو العاقلة وإن خالفت القاتل في البيئة.
وصحيحة محمد الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال: فقال أبو عبد الله(عليه السلام): هذان متعدّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً ; لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين».2
ومعتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام):«أنّ علياً(عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».3
هذا هو المشهور غير أنّ العلامة أفتى بأنّها على القاتل، قال في التحرير: وإن كان القتل خطأ تثبت الدية على القاتل لا على العاقلة، فإنّ العاقلة   2

1 . الوسائل:19، الباب8 من أبواب العاقلة، الحديث1.
2 . الوسائل: 19، الباب 10 من أبواب العاقلة، الحديث 1 .
3 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث3.

صفحه 362
Eإنّما تضمن الدية مع البيّنة لا مع القسامة.1
ويدل على ذلك خبر زيد بن علي عن آبائه(عليهم السلام) قال: «لا تعقل العاقلة إلاّ ما قامت عليه البيّنة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصّة ولم يجعل على العاقلة شيئاً».2
ويمكن أن يقال: إنّ الرواية بصدد عدم ثبوت الدية بإقرار القاتل لا بالقسامة، فالحصر في مقابل الإقرار، لا في مقابل الثبوت بالقسامة. على أنّ القسامة بمنزلة البيّنة كما في رواية بُريد بن معاوية،3 وزرارة.4

1 . تحرير الأحكام:5/487.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب العاقلة، الحديث1.
3 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3.
4 . الوسائل:19، الباب10 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث3.

صفحه 363
المسألة 2. لو ادّعى على اثنين وله على أحدهما لوث، فبالنسبة إلى ذي اللوث كان الحكم كما تقدّم من إثباته بخمسين قسامة، وبالنسبة إلى غيره كانت الدعوى كسائر الدعاوي، اليمين على المدّعى عليه ولا قسامة، فلو حلف سقطت دعواه بالنسبة إليه، وإن رد اليمين على المدّعي حلف، وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين، بل لابدّ في اللوث من خمسين غير هذا الحلف على الأقوى.*

* لو ادّعى على اثنين وله على أحدهما لوث

حاصل المسألة: أنّ القسامة فرع وجود اللوث، فإن كان المدّعى عليه واحداً أو كان متعدّداً، وكان اللوث في الجميع، تكفي قسامة واحدة في الحكم على المدّعى عليه أو عليهم.
وأمّا إذا كان المدّعى عليه متعدّداً ولكن اختصّ اللوث بواحد دون الآخرين فتكون الدعوى على غير ذي اللوث كسائر الدعاوي العادية، فإن أقام المدّعي البيّنة يثبت المدّعى، وإلاّ فإن حلف المدّعى عليه تثبت براءته، وإن نكل عن اليمين حلف المدّعي يميناً واحداً فتثبت مشاركته في القتل.
كلّ ذلك على ضوء القواعد.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر أنّ هذا الحلف لا يدخل في الخمسين، ومراده أنّ المدّعي إذا حلف هنا حلفاً واحداً ومع ذلك لابدّ له من خمسين حلفاً بالنسبة إلى ذي اللوث، لا يمكن له أن يحسب هذا اليمين كواحد من   2

صفحه 364
Eالخمسين لاختلاف الموضوع.
قال الشهيد في «المسالك»: وفي دخوله في جملة الخمسين أو كونه خارجاً عنها، القولان السابقان فيما إذا تعدّد المدّعى عليه.1
ثم إنّ قول الماتن: «وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين» أمر غير لازم; لأنّ كلامه في حلف المدّعي بالنسبة إلى غير ذي اللوث الّذي يكفي فيه حلف واحد، ولا قسامة فيه، فعندئذ لا يناسب قوله: «وهذا الحلف... الخ» لوضوح أنّ حلفه بالنسبة إلى غير ذي اللوث لا يقوم مقام حلفه معه.

1 . مسالك الأفهام :15/215.

صفحه 365
المسألة3. لو أراد قتل ذي اللوث بعد الثبوت عليه بالقسامة، يردّ عليه نصف ديته، وكذا لو ثبت على الآخر باليمين المردودة وأراد قتله، يردّ عليه نصف الدية.*

* لو أراد قتل ذي اللوث بعد الثبوت عليه بالقسامة

المفروض في هذه المسألة نفس المفروض في المسألة السابقة، أعني: إذا اختصّ اللوث بواحد منهما دون الآخر، فأراد قتلهما فلابدّ أن يردّ وليّ الدم لأولياء كلّ من المقتولين نصفَ الدية ; لأنّ كل واحد باعترافه مشارك في القتل لا منفرد فلا يملك الوليُّ إلاّ نصفه، وبما أنّ التنصيف غير ممكن ينتقل البدل إلى الدية. وأمّا إذا أراد قتل واحد منهما فيرد المتروك نصف الدية إلى أولياء المقتول .1
 

1 . جواهر الكلام: 42 / 266 .

صفحه 366
المسألة 4. لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدعوى إلى الحاكم تسمع دعواه، ويطالبه خمسين قسامة، ومع الفقد يُحلفه خمسين يميناً في العمد، وفي غيره نصفها حسب ما عرفت، ويثبت حقّه، ولم يجب انتظار سائر الأولياء، وله الاستيفاء ولو قوداً، ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه قالوا:
1. حلف بقدر نصيبه، فإذا كان واحداً ففي العمد خمس وعشرون، وإن كان اثنين فلكلّ ثلث وهكذا، وفي الكسور يجبر بواحدة.
2. ويحتمل ثبوت حق الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه.
3. ويحتمل التفصيل بين قسامة الحاضر فيقال بثبوت حق الغائب بها، ويمينه خمسين يميناً مع فقد القسامة، فيقال بعدم ثبوته بها.
4. ويحتمل ثبوت حق الغائب بضم يمين واحدة إلى عدد القسامة، ومع فقدها و]مع[يمين الحاضر ضمّ حصّته من الأيمان.
5. ويحتمل عدم ثبوت دعوى الغائب إلاّ بخمسين قسامة، ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر، ولو كان الغائب أزيد من واحد وادّعى الجميع كفاهم خمسين قسامة أو خمسين يميناً من جميعهم.
أقوى الاحتمالات الأخير، سيّما إذا ثبت حقّه ] الحاضر[ بخمسين يميناً منه، وتأتي الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء.*

* لو كان لوث وبعض الأولياء غائب

لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدعوى   
إذا تعدّد الولي حلف الجميع خمسين يميناً موزعة عليهم ولا   2

صفحه 367
Eيثبت الحق بدون مجموع الأيمان، إنّما الكلام إذا كان بعض الأولياء صغيراً أو غائباً فهل للآخر أو الآخرين إقامة القسامة واستيفاء الحق.
الظاهر أنّ لهم ذلك، مثلاً لو كان الولي اثنين تخيّر الحاضر بين أن يصبر إلى أن يحضر الغائب فيحلف كلّ بحسب حصته، وبين أن يحلف في الحال خمسين يميناً ويثبت حقّه.
إنّما الكلام فيما لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه، فهل يحلف أو لا يحلف، وعلى الأوّل فكيف يحلف؟
قال المحقّق: لو كان أحد الوليين غائباً وهناك لوث، حلف الحاضر خمسين يميناً ويثبت حقّه، ولم يجب الارتقاب .1
لاشكّ أنّه لو كان بين الورثة حقٌّ يتعلّق بالجميع وعلى نحو العام الاستغراقي، يجوز للحاضر أن يقيم القسامة على القتل أو يحلف خمسين يميناً ويثبت حقّه، وذلك لما عرفت من أنّ الحق على وجه العام الاستغراقي، أي لكلّ حق القصاص .
إنّما الكلام في الاستيفاء فيظهر من المتن جواز الاستيفاء ولو قوداً، لكنّه يخالف ما سيأتي منه في فصل كيفية الاستيفاء(المسألة السابعة) من أنّه لو كان أولياء الدم أكثر من واحد فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلاّ باجتماع الجميع. ثم قال: وعن جمع: يجوز لكلّ واحد منهم المبادرة، ولا يتوقّف على إذن   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 226.

صفحه 368
Eالآخر، ولكن يضمن حصص من لم يأذن، والأوّل أقوى .
والحاصل: أنّ إثبات الحق شيء لا يتوقّف على إذن الآخرين والاستيفاء شيء آخر، فكأنّ تجويز الاستيفاء من المصنّف في المقام مبني على مختار الآخرين.
ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه يقع الكلام في كيفية إثبات حقّه ثم استيفائه، حيث ذكر المصنّف هنا وجوهاً أوّلها هو المشهور وآخرها مختاره، وإليك بيانها:
1. فلو كان الغائب واحداً حلف بقدر نصيبه، ففي العمد خمس وعشرون، وفي الخطأ نصفَه وهو ثلاثة عشر يميناً.
قال المحقّق: ولو حضر الغائب حلف بقدر نصيبه وهو خمس وعشرون يميناً، وكذا لو كان أحدهما صغيراً .1
ولنذكر بعض الصور:
أ. إذا كان الورّاث ثلاثة أحدهم غائب، حلف الحاضران خمسين يميناً كلّ منهما خمسة وعشرون، وإذا حضر الغائب يحلف سبعة عشر يميناً.
وجه ذلك: أنّ ثبوت الحق يتوقّف على خمسين يميناً، فلا مناص للحاضِرَين من خمسين يميناً حتى يثبت الحق، وليس لهما تقسيط الخمسين على ثلاثة، لاحتمال أنّ الغائب لا يدّعي أو لا يحلف، وأمّا الغائب فإنّما   2

1 . شرائع الإسلام : 4 / 226.

صفحه 369
Eيحضر بعد ثبوت الحق فليس له من اليمين إلاّ نصيبه.
ب . لو كان الحاضر من الثلاثة واحداً حلف خمسين يميناً، لما عرفت من أنّ ثبوت الحق يتوقّف على الخمسين، وليس له الاعتماد على حلف الآخرَين لاحتمال عدم ادّعائهما أو حلفهما، نعم لو حضرا ليس لهما في الحلف إلاّ نصيب كلّ، أعني: سبعة عشر يميناً، وهكذا سائر الصور.1
وحاصل الكلام: أنّ الحاضر سواء كان واحداً أو اثنين يجب عليه أو عليهما خمسون يميناً، وأمّا غيره فيحلف على قدر نصيبه .
2. ثبوت حق الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه.
3. التفصيل بين قسامة الحاضر ويمينه، ففي الأوّل يثبت حق الغائب بها أيضاً دون الثاني فلا يثبت بيمين الحاضر حق الغائب .
4. ثبوت حق الغائب بضم يمين واحدة إلى عدد القسامة، ومع فقد القسامة ويمين الحاضر، ضمّ حصّته من الأيمان.
5. عدم ثبوت دعوى الغائب إلاّ بخمسين قسامة، ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر.
فلو كان الغائب أزيد من واحد وادّعى الجميع، كفاهم خمسون قسامة أو خمسون يميناً من الأولياء.
وقد قوّى المصنّف الوجه الأخير خصوصاً إذا ثبت حق   2

1 . جواهر الكلام:42/267، بتصرّف منا.

صفحه 370
Eالحاضر بخمسين يميناً منه.
هذا كلّه في الغائب، وتأتي هذه الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء كالطفل.
هذا ما يرجع إلى بيان المتن، ويقع الكلام في موضعين:

الأوّل: فيما يثبت به حق الغائب

وقد ذكر المصنّف وجوهاً واحتمالات، ويمكن أن يقال: إنّ قسامة الحاضر إن كانت كالبيّنة على وجه الإطلاق فيثبت حق الحاضر الحالف والغائب غير الحالف معاً من دون حاجة إلى يمين آخر، وإن كانت كالبيّنة لكن في خصوص المدّعي دون غيره، فاللازم حلف الآخر خمسين يميناً تماماً لعدم مدخلية ما صدر عن الحاضر، وهذا الشق هو الاحتمال الأخير في المتن.
ويمكن أن يفرّق بالإتيان بخمسين قسامة، وبين تكرير اليمين على المدّعي، ففي الأوّل يثبت حق الغائب أيضاً، دون الثاني لأنّ القدر المتيقّن كفاية التكرير لصاحب اليمين لا لغيره وهذا هو الاحتمال الثالث.
وعلى ذلك فهل عليه الإتيان بخمسين قسامة، أو يكفي خمس وعشرون منها، الظاهر هو الأوّل، لأنّ المفروض عدم ثبوت حقّ الغائب بيمين الحاضر، وأمّا ما مرّ من الوجوه فليس له دليل واضح.   2
في حكم قدوم الغائب   

صفحه 371

E الثاني: حكم قدوم الغائب

1. إذا قدم الغائب بعد اقتصاص الحاضر ورضي بالقصاص فلا شيء عليهما، ولا حاجة إلى إقامة القسامة ولا اليمين ; لأن الغاية منهما هو الاقتصاص وقد حصل.
2. وإذا قدم الغائب بعد اقتصاص الحاضر ولم يرض بالقصاص، يجب دفع ما يستحقه من الدية ; لأنّه باعترافه ذو حق، ولا يحتاج إلى إقامة القسامة ولا اليمين; لأنّ اعتراف الحاضر كاف في وجوب دفع نصف الدية إليه .
3. إذا قدم الغائب قبل استيفاء الحاضر وأراد القصاص أو الدية فيدخل في الموضع السابق من أنّه هل يحلف بقدر نصيبه أو يكفي قسامة الحاضر؟ فقد مرّ الكلام فيه. وبذلك يظهر أنّ موضع هذه الاحتمالات فيما إذا ثبت حق الحاضر ولكن لم يستوف وإليه يشير في المتن بقوله: «ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه».

صفحه 372
المسألة 5. لو كذّب أحد الوليّين صاحبه لم يقدح في اللوث فيما إذا كانت أمارات على القتل. نعم لا يبعد القدح إذا كان اللوث بشاهد واحد مثلاً، والمقامات مختلفة.*
   

* لو كذّب أحد الوليين صاحبه فهل يقدح في اللوث

قال الشيخ: إذا قتل رجل وهناك لوث وله وليان أخوان أو ابنان، فادّعى أحد الوليين أنّ هذا قتل أبي، وكذّبه الآخر وقال: ما قتله هذا، فلا يقدح هذا التكذيب في اللوث. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو اختيار المزني; والآخر يقدح وهو الصحيح عندهم. واستدلّ الشيخ على عدم القدح بوجوه:
1. أنّه قد ثبت اللوث قبل التكذيب فمن قال: إنّ التكذيب أثّر فيه، فعليه الدليل.
2. فبثبوت اللوث ثبت حق للوليين، فإذا كذّب أحدهما لا يسقط حق الآخر.
3. أنّ اليمين مع اللوث في الدماء كاليمين مع الشاهد في الأموال. ولو أنّ أحد الابنين ادّعى مالاً لأبيه فأقام شاهداً واحداً وكذبه أخوه وقال: لا حقّ لأبينا على هذا، لم يقدح هذا التكذيب في شاهد أخيه، وكان له أن يحلفه (ظ . يحلف) ، فكذلك لا يقدح التكذيب في اللوث وله أن يحلف.1
وقال المحقّق: ولو أكذب أحد الوليّين صاحبه، لم يقدح ذلك في   2

1 . الخلاف:5/315، المسألة 15. ولاحظ : المبسوط:7/235.

صفحه 373
Eاللوث وحلف لإثبات حقّه خمسين يميناً.1
أقول: البحث في المقام صغروي، وما أكثر البحث في الصغرى في الكتب الفقهية، كالبحث عن مصاديق المؤونة في الخمس والاستطاعة في الحج، إلى غير ذلك، وبما أنّ اللوث قائم بالظن بالقتل فيدور الكلام حول بقائه مع تكذيب أحد الأولياء، ولذلك قال المصنّف في المتن: نعم لا يبعد القدح إذا كان اللوث بشاهد واحد مثلاً .
وجه القدح: أنّ شهادة الواحد على القتل تعارض تكذيب الولي الآخر، وعند ذلك يذهب الظن بالقتل فتبطل القُسامة.
وعلى ما ذكرنا فالميزان بقاء الظن بالقتل وعدمه، ولعلّه يختلف حسب اختلاف المقامات كما في المتن.
وأمّا ما ذكره الشيخ من الوجوه الثلاثة على إثبات بقاء اللوث فغير ناجحة.
أمّا الأوّل ـ الذي هو أشبه بالتمسّك بالاستصحاب، حيث قال: قد ثبت اللوث قبل التكذيب، ومن قال بأنّ التكذيب أثّر فيه فعليه الدليل ـ فضعيف; وذلك لأنّ الأُمور الوجدانية لا تقبل التعبّد بالبقاء وعدمه، لأنّ الإنسان أعرف بوجدانه ووجدانياته، فهو إمّا أن يشعر ببقاء الظن أو يشعر بعدمه، ومعه لا معنى للتعبّد بالبقاء.
ومنه يظهر ضعف الثاني، أعني قوله: فبثبوت اللوث ثبت حق   2

1 . شرائع الإسلام:4/226.

صفحه 374
Eللوليين، فإذا كذب أحدهما لا يسقط عن الآخر; وذلك لأنّ اللوث مُثبِتُ حق للوليين ما دام الموضوع موجوداً وهو الظن بالقتل، فإذا ذهب يبطل الحق بذهاب موضوعه.
وأمّا الوجه الثالث ـ أعني: قياس اليمين مع اللوث في الدماء باليمين مع الشاهد في الأموال ـ فهو قياس مع الفارق; وذلك لأنّه لا يشترط في إثبات المال، الظنُ والاتّهام بخلاف المقام، فإنّ اللوث قائم بالظن بالقتل فلو زال الظن بتكذيب الآخر لانتفى الموضوع.
ثم إنّ الشهيد الثاني ذكر هنا فروعاً يناهز عددها إلى ستة أو سبعة 1، وتبعه صاحب الجواهر فنقلها مشروحة 2، ولكنّ البحث فيها غير مفيد; وذلك لأنّه إذا زال الظن بالقتل فلا موضوع حتّى يبحث، إلاّ أن يفرّق بين الصور بذهابه فيه دون البعض الآخر.
ولكن الحق بطلان القسامة بالتكاذّب والتعارض من غير فرق بين صورة وصورة.
لو مات الولي قبل القسامة أو بعدها أو أثناء الأيمان   
ثم إنّ القسامة على خلاف مقتضى القاعدة، وقد شرّعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بإذن من الله تعالى في مورد قتيل خيبر، فيقتصر في الأخذ بها بالقدر المتيقّن، وهو اتّفاق الأولياء على القتل دون تصديق بعض وتكذيب آخرين، فإسراء حكم اللوث ممّا شُرّع فيه إلى غيره، يحتاج إلى دليل.

1 . مسالك الأفهام: 15 / 218 ـ 219 .
2 . جواهر الكلام: 42 / 270 ـ 272 .

صفحه 375
المسألة 6. لو مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه، قام وارثه مقامه في الدعوى، فعليه إذا أراد إثبات حقّه، القسامة، ومع فقدها خمسون أو خمس وعشرون يميناً; وإن مات الولي في أثناء الأيمان، فالظاهر لزوم استئناف الأيمان; ولو مات بعد كمال العدد، ثبت للوارث حقّه من غير يمين.*
* للمسألة فروع:
1. لو مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه.
2. لو مات الولي أثناء الأيمان.
3. لومات الولي بعد كمال العدد. وإليك دراسة الفروع.

الفرع الأوّل: لو مات الولي قبل إقامة القسامة

فلأنّها حقّ ينتقل من المورّث إلى وارثه، ولذا قال المحقّق: وإذا مات الولي قام وارثه مقامه .1
وقال الشيخ: فإن مات قبل أن يبتدئ باليمين قام وارثه مقامه; لأنّ الوارث يقوم مقام مورّثه في الحجج والبراهين بدليل أنّه لو مات وخلّف ديناً له ]للوارث [ به شاهد واحد، كان لوارثه أن يحلف مع الشاهد ويستحق كما عليه الموّرث .2   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 226 .
2 . المبسوط: 7 / 234 .

صفحه 376

E الفرع الثاني: لو مات الولي أثناء الأيمان

إذا مات الولي أثناء الأيمان فهل تبطل أيمان الولي، أو لا، فعلى الوارث إكمال أيمانه؟
قال الشيخ: فإن مات أثناء القسامة بطلت قسامته ولم يعتدّ بها، لأنّ القسامة كاليمين الواحد، فلو كانت يميناً واحدة فشرع بها، ثم مات لم يعتدّ بها.1
وقال المحقّق: فإن مات في أثناء الأيمان، قال الشيخ: يستأنف الأيمان ; لأنّه لو أتمّ لا يثبت حقّه بيمين غيره .2
ولعلّ مراده أنّه لو قلنا: يبني ولا يستأنف، حكمنا له ] للوارث [ بالدية بيمين غيره.3
ولا يخفى ضعف الدليلين ; أمّا الأوّل فكيف يمكن أن يقال: إنّ خمسين يميناً، بمنزلة يمين واحد مع كثرتها وتعدّدها.
وأمّا الدليل الثاني، أعني: إثبات الحق بيمين الغير، وإن كان غير معتبر في الفقه لكنّه معتبر في القسامة حيث إنّ العشيرة يحلفون على القتل مع أنّ الغرض إثبات حق الغير، أعني: حق الوارث لأجل قتل مورّثه.   2

1 . المبسوط: 7 / 234 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 226.
3 . المبسوط: 7 / 234 .

صفحه 377
Eومع ذلك فالظاهر ـ وفاقاً للمتن ـ لزوم الاستئناف، لوجه آخر وهو ما عرفت من أنّ القسامة على خلاف القاعدة يقتصر فيها على موضع القطع واليقين، وهو صدور الأيمان جميعاً من شخص واحد أو من أشخاص متزامناً.

الفرع الثالث: لو مات الولي بعد كمال العدد

فحكمه واضح ; لأنّ الوارث يرث ما للمورّث من الأموال والحقوق، وقد صار الوارث ذا حق بعد الأيمان ومات عنه.

صفحه 378
المسأله7. لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً غيبة لا يقدر معها على القتل أو محبوساً كذلك، فهل تبطل القسامة بذلك واستعيدت الدية، أم لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين؟ فيه تردّد، والأرجح الثاني. نعم لو علم ذلك وجداناً بطلت القسامة واستُعيدت الدية; ولو اقتصّ بالقسامة أو الحلف أُخذت منه الدية لو لم يعترف بتعمد الكذب، وإلاّ اقتص منه.*
   

* لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية

لو حلف مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً في حال القتل غيبة لا يقدر معها على القتل، فهل تبطل القسامة أو لا ؟1
وقد ذكر المصنّف هنا وجوهاً أربعة هي:
الأوّل: تبطل القسامة واستعيدت الدية.
الثاني: لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين.
الثالث: لو علم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة، بطلت القسامة واستعيدت الدية.
والمفروض في هذه الصور الثلاث أنّ المدّعي أخذ الدية.
الرابع: لو اقتصّ بالقسامة أو الحلف تؤخذ منه الدية لو لم   2

1 . شرائع الإسلام:4/227.

صفحه 379
Eيعترف بالكذب وإلاّ اقتصّ منه.
أمّا الأوّل: فوجه البطلان هو أنّ اللوث أمر ظنيّ، فإذا ثبت بالبيّنة ما ينافيه تُقدَّم البيّنة على الدليل الظنيّ، وعندئذ تستعاد الدية، أخذاً بلازم البيّنة. وعليه المحقّق في الشرائع 1، والعلاّمة في القواعد .2
وأمّا الثاني: أي عدم المجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين فوجهه ما ورد في الروايات من أنّ اليمين ذهبت بحقّ المدّعي، فعن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له» قلت له: وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: «نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامة، ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه».3
وقد استوجهه المصنّف.
فإن قلت: إنّ مورد الرواية في المدّعي والمنكر، فلو حلف المنكر ذهبت يمينه بحقّ المدّعي، وأمّا المقام فاليمين هنا هي للمدّعي، وإذهابه بحقّ المنكر خارج عن مدلول الرواية.
قلت: الظاهر من قوله: ذهبت اليمين بحقّ المدّعي، هو أنّ الأثر لليمين بما هو هو، سواء أكانت في جانب المنكر أو المدّعي .   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 227 .
2 . قواعد الأحكام: 3 / 617 .
3 . الوسائل:18، الباب9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.

صفحه 380
Eوأمّا الثالث ـ أعني: لو علم وجداناً صحّة ما شهدت به البيّنة بطلت القسامة واستعيدت الدية ـ فلأجل أنّه لا مجال بعد العلم بالبيّنة ولا بالقسامة.
وأمّا الرابع ـ أعني : لو اقتص بالقسامة أو الحلف مع العلم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة ـ : تؤخذ منه الدية، فلأجل أنّه أخذها عدواناً، هذا إذا لم يعترف بالكذب، وإلاّ فيقتصّ منه لاعترافه بتعمّد الكذب.

صفحه 381
المسألة 8 . لو استوفى حقه بالقسامة فقال آخر: «أنا قتلته منفرداً» فإن كان المدّعي حلف وحده أو مع القسامة فليس له الرجوع إلى المقرّ إلاّ إذا كذّب نفسه وصدّق المقرّ، وحينئذ ليس له العمل بمقتضى القسامة، ولابدّ من ردّ ما استوفاه، وإن لم يحلف وقلنا بعدم لزوم حلفه وكفى حلف قومه فإذا ادعى جزماً فكذلك ليس له الرجوع إلى المقرّ إلاّ مع تكذيب نفسه، وإن ادعى ظنّاً وقلنا بسماع دعواه كذلك، جاز له الرجوع إلى المقرّ وجاز العمل بمقتضى القسامة، والظاهر ثبوت الخيار لو لم يكذّب نفسه ورجع عن جزمه إلى الترديد أو الظن.*

* لو استوفى حقّه بالقسامة وأقرّ آخر بالقتل منفرداً

المفروض في هذه المسألة أنّ مدّعي اللوث استوفى حقّه بالدية لا بالقصاص.
وقد عنون الشيخ المسألة في «الخلاف» وقال: إذا ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّاً له، وهنا لوث، وحلف المدّعي القسامة، واستوفى الدية، فجاء آخر فقال: أنا قتلته وما قتله ذلك، كان الولي بالخيار بين أن يصدّقه ويكذّب نفسه ويردّ الدية ويستوفي منه حقّه، وبين أن يكذّب المقرَّ ويَثبت على ما هو عليه. ثم نقل عن الشافعي قولين واستدلّ على مختاره بقول النبي(صلى الله عليه وآله): «إنّ إقرار العاقل جائز على نفسه» وهو إذا قبل من الثاني فقد كذّب نفسه في الأوّل فقبل منه ذلك، وإقرار الثاني مقبول على نفسه لعموم الخبر.1   2

1 . الخلاف:5/315ـ316، المسألة 16.

صفحه 382
Eوحاصل كلامه: أنّه مخيّر بين تصديق المقرّ وعدمه. وخالفه في «المبسوط» بأنّه ليس له أن يدّعي على المقرّ حيث قال: لو ادّعى رجل على رجل أنّه قتل ولياً له وهناك لوث، فحلف المدّعي واستوفى منه الدية، ثم جاء رجل آخر فقال: ما قتله المحلوف عليه وأنا الذي قتلته والضمان عليّ، فهل للحالف أن يدّعي على المقرّ؟ قال قوم: ليس له أن يدّعي عليه، وقال قوم أُخر: له أن يدّعي عليه. ثم قال: والأقوى عندي الأوّل، لأنّا بيّنا أنّه لا يجوز أن يحلف إلاّ على علم وإذا ثبت ذلك فكأنّه قال: أنا أعلم أنّ الثاني ما قتله، فيكون مكذّباً له.1
وأمّا المصنّف فقد ذكر للمسألة فروعاً:
1. إذا حلف المدّعي وحده أو مع القسامة ولم يكذّب نفسه فليس له الرجوع إلى المقرّ; وذلك لأنّ معنى الحلف أنّ القاتل هو المحلوف عليه لا المقرّ، فكيف يرجع إليه؟
2. إذا لم يحلف المدّعي وإنّما حلف قومه وقلنا بكفاية حلفهم عن المدّعي ولم يكذّب نفسه فالحكم كالفرع السابق، أي ليس له الرجوع إلى المقرّ لأنّ تقديمهم على الحلف والسكوت يدل على أنّ القاتل عنده هو المحلوف عليه.
3. نفس هاتين الصورتين ولكن كذّب نفسه وصدّق المقر، وحينئذ ليس له العمل بمقتضى القسامة ولابدّ من ردّ ما استوفاه من الدية إلى   2

1 . المبسوط:7/242.

صفحه 383
Eالمتهم، بل يرجع إلى المقرّ أخذاً باعترافه. وأشار المصنّف إلى هاتين الصورتين بالاستثناء في كلتا الصورتين الأُوليين.
4. وإن ادّعى ظناً وقلنا بسماع دعواه، قال المصنّف: جاز له الرجوع إلى المقرّ، كما جاز العمل بمقتضى القسامة لكن هذا التخيير في كلامه مشروط بأن لا يكون هو الحالف، بل الحالف غيره وإلاّ مع حلفه الملازم للتصديق الجدّي بأنّ المحلوف عليه هو القاتل كيف يظن بأنّ القاتل هو المقرّ، وكان على المصنّف أن يقول هكذا: «جاز له الرجوع إلى المقرّ، وجاز له العمل بمقتضى القسامة بشرط أن يكون الحالف غيره ومعه لا يجوز له الرجوع إلى المقرّ».
نعم يجوز له الرجوع إلى المقرّ في صورتين تاليتين وإن حلف:
1. تكذيب نفسه، 2. عدم تكذيب نفسه لكن رجع عن الجزم إلى الترديد أو الظن كما أشار إليه في المتن.

صفحه 384
المسألة9. لو اتُّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه حتى يحضر البيّنة، فالظاهر جواز إجابته إلاّ إذا كان الرجل ممّن يوثق بعدم فراره، ولو أخّر المدّعي إقامة البيّنة إلى ستة أيام يخلّى سبيله.*
* هنا فرعان :
1. لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه، هل تجوز إجابته؟
2. على القول بجواز الحبس فما هي مدّته ؟
وإليك دراسة الفرعين:
لو اتُّهم رجل بالقتل وطلب الولي من الحاكم حبسه   

الفرع الأوّل: لو اتُّهم رجل بالقتل وطلب الولي من الحاكم حبسه

ففيه أقوال:
1. ذهب ابن إدريس والشهيد الثاني إلى عدم جواز الحبس قبل ثبوت الحقّ مطلقاً.1
2. يحبس مقيداً بالتماس الولي، وهو الظاهر من المحقّق وإن تردّد فيه.2
3. يحبس مع حصول التهمة في نظر الحاكم. وهو خيرة العلاّمة في «المختلف».3   2

1 . السرائر:3/343; مسالك الأفهام :15/223.
2 . شرائع الإسلام:4/227.
3 . مختلف الشيعة:9/305.

صفحه 385
E4. يحبس لمن لا يوثق بعدم قراره، وهو الظاهر من الماتن.
لا شكّ أنّ حبس المتهم عقوبة في حق من لم يثبت أنّه مجرم، فتجويزه رهن دليل. والدليل عليه ـ مضافاً إلى رواية السكوني التي ستوافيك في النوع الثاني ـ أنّ المصالح العالية الاجتماعية ربما تبرّر إيجاد الضيق المؤثّر في حقّ فرد أو فردين، ومنها أنّه لا يبطل دم المسلم، وأن لا تسود الفوضى على المجتمع بفرار القاتل. نعم ذلك إذا حصل ظنّ التهمة للحاكم. كما هو أيضاً مورد رواية السكوني.
ولا يجوز للحاكم حبس الشخص بصرف اتّهامه بالقتل مجرّداً عن الأمارات والعلائم المفيدة للظن بالقتل، وإلاّ ربما يتّخذه بعض الأشرار ذريعة للتنكيل والأضرار بالصالحين برميهم بالقتل حتّى يتم اعتقالهم وسجنهم من قبل الحاكم، وإن أُفرج عنه بعد ستة أيام إذا لم يأت المدّعي ببيّنة.

الفرع الثاني: ما هي مدة جواز الحبس؟

إذا جاز الحبس فالمشهور أنّه لا يتجاوز ستة أيام، وقال ابن حمزة: لا يتجاوز ثلاثة أيام .1
روى السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول بثَبت وإلاّ خلّى سبيله ».2   2

1 . مختلف الشيعة: 9 / 305 .
2 . الوسائل: 19، الباب 12 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث 1 .

صفحه 386
Eوفي الوسائل: الثبت ـ بفتحتين ـ وهو بمعنى الحجّة كما عن الصحاح. ولكن في «الكافي»: ببيّنة، 1 وفي «التهذيب»: ببيّنة تثبت 2.
ومرجع الجميع واحد وهو أن يأتي المدّعي ما يثبت دعواه من الإقرار والبيّنة والقسامة.
ولو كان الموضوع خطيراً لا تكفي الأيام القليلة لإثبات الدعوى، يجب على الحاكم أن يتّخذ أُسلوباً يتضمّن الإفراج عنه بعدها، والتمكّن من إلقاء القبض عليه عند الحاجة بأخذ الكفالة لإحضاره.
نعم لو كان المتهم مورد وثوق، لا يبعد عدم جواز إجابة المدّعي، وذلك لأنّ الغاية من الحبس هو التمكّن منه عند الحاجة، والمفروض أنّه حاصل.

1 . الكافي: 7 / 370، الحديث 5 .
2 . التهذيب: 10 / 174، الحديث 683 .

صفحه 387
 
 
 
الفصل الرابع:
 
القول في كيفية الاستيفاء
وفيه مسائل

صفحه 388

صفحه 389
المسألة1. قتل العمد يوجب القصاص عيناً، ولا يوجب الدية لا عيناً ولا تخييراً، فلو عفا الولي القود يسقط وليس له مطالبة الدية، ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها، ولو عفا الولي بشرط الدية فللجاني القبول وعدمه، ولا تثبت الدية إلاّ برضاه، فلو رضي بها يسقط القود وتثبت الدية، ولو عفا بشرط الدية صحّ على الأصح، ولو كان بنحو التعليق فإذا قبل سقط القود، ولو كان الشرط إعطاء الدية لم يسقط القود إلاّ بإعطائه، ولا يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه، وقيل: يجب لوجوب حفظها.*

* ما هو المتعيّن أوّلاً وبالذات في قتل العمد؟

هنا قولان:
1. الواجب بالأصالة هو القصاص، ولا تتعيّن الدية إلاّ برضا الطرفين .
2. أنّ ولي الدم مخيّر بين القصاص وأخذ الدية.
أمّا الأوّل ـ أعني: أنّ الواجب في قتل العمد بالأصالة هو القود لا غير ـ فهو المشهور، وعليه الشيخان (المفيد والطوسي) والمتأخّرون، فلا تثبت الدية عندهم إلاّ صلحاً، ومتى اختار ولي المقتول الدية لم يستحقها إلاّ   2

صفحه 390
Eبرضا الجاني، وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ المفيد: فأمّا قتل العمد ففيه القود على ما قدّمناه إن اختار ذلك أولياء المقتول، وإن اختاروا العفو فذلك لهم، وإن اختاروا الدية ليس لهم ذلك ما بذل لهم القاتل من نفسه القود، وإنّما لهم ذلك إن اختاره القاتل وافتدى به نفسه.1
وقال الشيخ في «النهاية»: وليس في قتل العمد الدية، إلاّ أن يبذل القاتل من نفسه الدية، ويختار ذلك أولياء المقتول، فإن لم يبذل القاتل الدية من نفسه لم يكن لأولياء المقتول المطالبة بها وليس لهم إلاّ نفسه، ومتى بذل الدية ولم يأخذها أولياء المقتول وطلبوا القود كان لهم أيضاً ذلك.2
وقد استدلّ المشهور بالكتاب تارة; كقوله تعالى:(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)3، وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ)4، فإنّ ظاهر الآيتين اختصاص حق ولي الدم بالنفس فقط لا التخيير بينها وبين الدية.
هل القصاص متعيّن في قتل العمد؟   
وبالسنّة أُخرى كصحيحة عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه، إلاّ أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً، أو ألف   2

1 . المقنعة:735. بتلخيص.
2 . النهاية: 734.
3 . المائدة: 45.
4 . البقرة:178.

صفحه 391
Eدينار أو مائة من الإبل».1
ورواية جميل بن درّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره»، وقال: «إذا أقرّ على نفسه بالقتل، قتل وإن لم تكن عليه بيّنة».2
وأمّا القول الثاني فقد حُكي عن العماني وابن الجنيد، قال الثاني: إنّ لولي المقتول عمداً الخيار بين أن يقتصّ، أو يأخذ الدية، أو يعفو عن الجناية. ولو شاء الوليّ أخذ الدية، وامتنع القاتل عمداً من ذلك وبذل نفسه للقود كان الخيار إلى الولي، ولو هرب القاتل فشاء الولي أخذ الدية من ماله حكم بها له، وكذلك القول في جراح العمد، وليس عفو الولي والمجنيّ عليه من القود مسقطاً حقّه من الدية.3
وأمّا ما نقل عن العماني فليس صريحاً في مخالفة المشهور .
فظهر ممّا ذكرنا أنّ المتعيّن في قتل العمد هو القصاص عيناً، لا الدية عيناً، ولا تخييراً، ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها.
استدلّ للقول بالتخيير بالروايات التالية:
1. ما رواه عبد الله بن سنان وابن بكير جميعاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً ـ إلى أن قال: ـ فقال: «إن لم يكن علم   2

1 . الوسائل:19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 9.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.
3 . مختلف الشيعة:9/274.

صفحه 392
Eبه، انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه، أعطاهم الدية».1
2. ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سئل عن رجل قتل مؤمناً وهو يعلم أنّه مؤمن غير أنّه حمله الغضب على أنّه قتله، هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له؟ قال: «توبته إن لم يُعْلَم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنّه قتله، فإن عُفي عنه أعطاهم الدية».2
وجه الدلالة في كلتا الروايتين أنّه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند عفو الولي عن الاقتصاص جاز للولي ترك القصاص ومطالبته بالدية لا محالة، وهذا هو معنى التخيير.3
3. ما رواه أبو بكر الحضرمي قال : قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل قتل رجلاً متعمّداً؟ قال: «جزاؤه جهنم». قال: قلت له: هل له توبة؟ قال: «نعم، يصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً ويعتق رقبة ويؤدّي ديته».
قلت: لا يقبلون منه الدية؟ قال:«يتزوج إليهم ثم يجعلها صلة يصلهم بها» قال: قلت: لا يقبلون منه، ولا يزوّجونه؟ قال: «يصرّه صراراً ثم يرمي بها في دارهم».4   2

1 . الوسائل:15، الباب28 من أبواب الكفارات، الحديث1.
2 . الوسائل:15، الباب28 من أبواب الكفارات، الحديث3.
3 . مباني تكملة المنهاج:2/125.
4 . الوسائل:15، الباب28 من أبواب الكفّارات، الحديث4.

صفحه 393
E4. النبوي: «من قتل له قتيل فهو يخيّر النظرين: إمّا أن يفدي، وإمّا أن يقتل».1
5. النبوي الآخر: «من أُصيب بدم أو خبل ـ أي الجراح ـ فهو بالخيار بين أحد ثلاث: إمّا أن يقتصّ أو يأخذ العقل، أو يعفو».(2)
أقول: أمّا الروايات الثلاث فلا غبار في سندها، حتى الثالثة وإن حكم عليها السيد الخوئي بالضعف، فإنّ السندي بن محمد ومنذر بن جعفر ثقتان، نعم أبو بكر الحضرمي ممدوح وقد روى عنه ابن مسكان الذي هو من أصحاب الإجماع، ومع ذلك فعند التعارض يقدّم ما دلّ على عدم التخيير للوجهين التاليين:
1. موافقته للكتاب، ومخالفة الآخرين معه .
2. موافقة ما دلّ على التخيير للعامّة، قال الشيخ الطوسي: القتل العمد يوجب القود فقط، فإن اختار الولي القصاص فعل، وإن اختار العفو فعل وسقط حقّه من القصاص ولا تثبت له الدية على القاتل إلاّ برضاه، وإنّما يثبت المال على القاتل إذا اصطلحوا على مال، قليلاً كان أو كثيراً، فأمّا ثبوت الدية عليه بغير رضاه فلا. وبه قال أبو حنيفة ومالك، وللشافعي فيه قولان أحدهما: إنّ موجب القتل أصلان: القود أو الدية، وهو اختيار أبي حامد; والقول الثاني: موجبه القود فقط.2   2

1 و 2 . سنن البيهقي:8/52.
2 . الخلاف:5/176ـ177، المسألة 40.

صفحه 394
Eوأمّا النبويان فلم يثبت سندهما، ويمكن حملهما على ما إذا أراد القاتل ذلك، نظير خبر العلاء بن فضيل عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «والعمد هو القود أو رضا وليّ المقتول».1 فإنّه محمول على ما إذا أراد القاتل ذلك.
***
ثمّ إنّ هنا فروعاً ذكرها المصنّف نشير إليها:
1. لو عفا الولي القود، يسقط ما هو الواجب عيناً، وليس للولي مطالبة الدية، لعدم وجوبها عليه عيناً ولا تخييراً; ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها، لما علمت من أنّ القصاص هو المتعيّن .
2. لو عفا الولي بشرط الدية ـ والمراد من الشرط هنا الشرط الفقهي لا الأُصولي، نظير قولك: آجرتك الدار على أن تخيط لي قميصاً، فهو بمعنى طلب فعله، ولا يُعدّ مثل ذلك تعليقاً للإجارة بالخياطة بل الإنشاء مطلق غير أنّ المنشأ مقيّد بإنشاء الفعل ـ وقبل الجاني يحصل الانقلاب ويسقط القود وتتعيّن الدية.
وبذلك يُعلم أنّ المراد من «شرط الدية» كونها في ذمّة الجاني، وقد حصلت المبادلة بين القصاص واشتغال ذمّته بالدية، ويصبح عقداً واجب الوفاء به .
وبذلك يُعلم ضعف ما في «الجواهر» حيث قال: إنّه مبني على   2

1 . الوسائل:19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث13.

صفحه 395
Eلزوم الشرط في الإيقاع مع رضا المشترط عليه فهو لا يخلو من بحث، بل منع إلاّ في مثل الخلع ونحوه ممّا ثبت بالأدلّة، ولذا ذكر غير واحد أنّه على المختار لا تثبت الدية إلاّ صلحاً، بل يمكن في الفرض المزبور حصول العفو وعدم لزوم الشرط على الجاني وإن كان الأقوى خلافه، باعتبار اقتران قصد العافي بالمال ولو على جهة الشرطية الإلزامية .1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الموضوع داخل في العقود لا في الإيقاعات، فهنا مبادلة بين القصاص واشتغال ذمّته بالدية فلا صلة له بالإيقاع.
وثانياً: أنّ مقتضى صحيحة عبدالله بن سنان هو اللزوم فقد جاء فيها: «وإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية» 2.
3. ولو عفا بشرط الدية صحّ على نحو التعليق أي علّق عفوه على الدية.
والفرق بين هذا الفرع وما تقدّم هو أنّ الشرط فيما سبق شرط فقهي بمعنى طلب الفعل، وفي المقام شرط أُصولي بمعنى تعليق إنشاء العفو على الدية في الذمة فالمشهور أنّ التعليق مبطل، قال في «الجواهر»: لا ريب في بطلانه للتعليق وإن رضي الجاني بذلك.3 ولكن المصنّف قال بالصحة لعدم شمول الإجماع على مثل هذا التعليق، ثم الظاهر أنّ قوله: «ولو كان» في المتن زائد والأولى أن يقول: صحّ بنحو التعليق; لأنّ حكم غير التعليق قد تقدّم   2

1 . جواهر الكلام: 42 / 281 .
2 . الوسائل: 19، الباب 19 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3 .
3 . جواهر الكلام :42/281.

صفحه 396
Eفي الفرع الثاني فتدبّر. وقد أوضحنا حال التعليق في العقود في كتابنا «البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء».
4. ولو عفا بشرط إعطاء الدية، لا يسقط القود ولا يحصل الانقلاب إلاّ بإعطائها، والفرق بين هذا الفرع وما تقدّمه واضح; لأنّ العوض في الأوّلين هو اشتغال ذمّته بالدية، وقد حصل سواء وفى أم لم يف، فللولي مطالبة الجاني للخروج عن الذمة، بخلاف هذا الفرع فإنّ العوض هو الاعطاء الخارجي فما لم يتحقّق الإعطاء لا تتحقّق المبادلة، فكأنّ العوض في الفرع السابق أشبه بالكلّي في الذمّة، وفي الثاني العين الخارجية.
5. هل يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه (إذا رضي الولي بها) أو لا يجب؟
قيل: يجب لوجوب حفظ النفس، وإذا دار الأمر بين دفع مال أو تلف النفس، فالأوّل هو المتعيّن.
وقيل: لا يجب وهو الأقوى; لأنّ الشارع أمر بالبذل فقال: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). مضافاً إلى صحيحة عبد الله بن سنان حيث إنّها تخيّر الجاني بين الأمرين حيث قال: «وإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل، فالدية »1.
وصريحه أنّ دفع الدية أمر غير ملزم وإنّما هو باختيار الجاني .
   

1 . الوسائل: 19، الباب 19 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

صفحه 397
المسألة2. يجوز التصالح على الدية أو الزائد عليها أو الناقص، فلو لم يرض الولي إلاّ بأضعاف الدية جاز، وللجاني القبول، فإذا قبل صحّ، ويجب عليه الوفاء.*
المسألة 3. لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص ما لم يثبت أنّ التلف كان بالجناية، فإن اشتبه عنده ولم يقم بيّنة على ذلك، ولم يثبت بإقرار الجاني اقتصر على القصاص أو الأرش في الجناية لا النفس، فإذا قطع يد شخص ولم يعلم ـ ولو بالبيّنة أو الإقرار ـ أنّ القتل حصل بالجناية لا يجوز القتل.**

* في جواز المصالحة على الدية والزائد عليها

إذا لم يرض الولي بالدية جازت المفاداة بالزيادة.1 وذلك لأنّ حق القصاص للولي وهو لا يرضى بإسقاط القود إلاّ بشيء زائد على الدية، فلا مانع إذا كان برضاً من الطرفين، فيدخل تحت عمومات الصلح فتشمل الموارد بإطلاقها .

** عدم جواز القضاء بالقصاص ما لم يثبت التلف بالجناية

لا شكّ أنّه إذا جنى بقطع يد شخص مثلاً، فسرت الجناية إلى أن مات المجنيّ عليه بسبب السراية، فيحكم على الجاني بالقصاص; إنّما الكلام إذا مات ولم يتيقّن أنّ التلف حصل بالجناية بتصديق أهل الخبرة أو إقرار   2

1 . شرائع الإسلام :4/228.

صفحه 398
Eالجاني، فعندئذ يقتصر على أحد الأمرين:
أ. القصاص بمقدار الجناية ; لأنّ الزائد عليهما ـ أعني: القصاص في النفس ـ بعدُ لم يثبت ـ أعني: كون التلف لأجل السراية ـ .
ب. أخذ الدية أو الأرش إذا رضيا بهما.

صفحه 399
المسألة4. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة، فإنّهما لا يستحقان قصاصاً، ومنهم من قال: لا يرث القصاص الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها. وقيل: ليس للنساء قود ولا عفو وإن تقرّبن بالأب، والأوّل أشبه.*

* يرث القصاص مَن يرث المال عدا الزوج والزوجة

نقل المحقّق في المقام أقوالاً ثلاثة:
1. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة ولكن لهما نصيبهما من الدية في عمد أو خطأ.
2. قيل: لا يرث القصاص إلاّ العصبة دون الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها، وهو الأظهر.
3. وقيل: ليس للنساء (وإن تقرّبن بالأب) عفو ولا قود على الأشبه 1.
والفرق بين القول الثاني والثالث واضح ; لأنّ المراد من العصبة كلّ مَن يتقرّب للمقتول من جانب الأب، فعندئذ يعمّ الأخوات من الأب; وأمّا على القول الثالث فالنساء محرومات من العفو والقود مطلقاً حتى الأخوات من الأب . ولأجل هذا الفرق ذكر صاحب الجواهر عند القول الثالث ما جعلناه بين القوسين، أعني: (وإن تقربن بالأب).
إذا علمت ذلك فلندرس الأقوال:   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 228 .

صفحه 400
Eأمّا القول الأوّل ـ أعني: يرث القصاص كلّ من يرث المال ـ : فهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: أمّا الكلام في القصاص فهو إذا قتل عمداً محضاً فإنّه كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من يرث الدية والمال معاً، وهذا مذهب الأكثر. وأمّا الزوج والزوجة فلا خلاف بين أصحابنا أنّه لا حظ لهما في القصاص ـ بمعنى لا ترث الزوجة حقّ القصاص إذا قتل زوجها وبالعكس ـ ولهما نصيبهما من الميراث من الدية. واختاره ابن إدريس .1
ونسب صاحب الجواهر هذا القول إلى: السرائر والتحرير والمختلف والإرشاد والإيضاح واللمعة والمسالك والروض والروضة، بل يظهر من رواية ابن فضّال الآتية أنّه مورد إجماع،(2) حيث وصف اختصاص القصاص بالعصبة بأنّه خلاف ما عليه أصحابنا فيكون عدم الاختصاص مورد الاتّفاق.
فلا فرق بين الذكور والإناث، والمتقرّب بالأب أو بالأُم أو بكليهما فكلّ من يرث المال يرث القصاص، إلاّ الزوجين فهما يرثان المال ولا يرثان القصاص، وفي الوقت نفسه يرثان نصيبهما من الدية، فكأنّ حرمانهما من القصاص، مورد إجماع.
في اختصاص القصاص بالعصبة   
ويدلّ على هذا القول عموم قوله: (وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ )2. فإنّه جمع مضاف يعمّ كلّ الأرحام الأقرب فالأقرب إلاّ   2

1 . المبسوط: 7 / 54 ; السرائر: 3 / 328.   2 . جواهر الكلام: 42 / 283.
2 . الأنفال: 75.

صفحه 401
Eما خرج بالدليل ـ أعني: الزوج والزوجة ـ مضافاً إلى عموم: إنّ كلّ ما تركه الميّت من مال أو حق فهو لوارثه. 1
لكن يرد على هذا القول: إنّه ما الفرق بين القصاص والدية فإنّ الإخوة والأخوات من الأُم (الكلالة) ـ على هذا القول ـ يرثون القصاص إذا كانوا وارثين للمال، مع انّهم لا يرثون الدية كما يأتي في المسألة التالية، فيلزم التفكيك بين الأصل والفرع. وسيوافيك السؤال مع جوابه في المسألة الثانية فانتظر.
وأمّا القول الثاني ـ أعني: اختصاص القصاص بالعصبة، والمراد بهم كلّ من يتقرب بالأب وإن كان أُنثى ـ : فتعمّ الأولاد والأخوة والأخوات من الأب .
نعم لا تصل النوبة إلى كلّ من ينتمي إلى المقتول من جهة الأب إلاّ إذا انتفى المتقدّم عليه .
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا القول قد وصفه المحقّق بالأظهرية، وأشار إليه الشيخ في «المبسوط».2
واستدلّ عليه بما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال(3)، عن العباس بن عامر3، عن داود بن الحصين(5) عن أبي العباس فضل البقباق   2

1 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث 14 . ونقله أحمد في مسنده: 4 / 133 بالنحو التالي: ما ترك مالاً فلوارثه; والقاضي النعمان في الدعائم: 2 / 395: إنّ ما ترك الميت من شيء فلورثته; والقمّي في جامع الشتات: 231: ما ترك الميت من مال أو حقٍّ فهو لوارثه.
2 . المبسوط: 7 / 54 .   3 . ذكره الشيخ في أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام).
3 . الثقفي الثقة.                         5 . الأسدي الثقة.

صفحه 402
Eعن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت هل للنساء قود أو عفو؟ قال: «لا، وذلك للعصبة» .1
ثم إنّ الشيخ بعدما روى هذه الرواية قال: قال علي بن الحسن (بن فضّال): هذا خلاف ما عليه أصحابنا، ولأجل ذلك حمله صاحب الوسائل على التقية.
والاستدلال بالحديث رهن دراسة سنده ودلالته .
أمّا السند فقد استشكل الشهيد الثاني على الرواية وقال: وفي الطريق (طريق الشيخ إلى ابن فضّال) ضعف، ولم يذكر وجه الضعف، إلاّ أن يكون الضعف في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال الّذي أخذ الشيخ الحديث من كتابه، ففي طريقه إليه أحمد بن عبدون وعلي بن محمد بن الزبير، هكذا في الفهرست.
أمّا الأوّل فهو ثقة لأنّه من مشايخ النجاشي وهو لا يروي إلاّ عن ثقة وعرّفه في كتابه بقوله: أبو عبدالله شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب وكان قويّاً في الأدب .
في اختصاص القصاص بالعصبة   
وأمّا علي بن محمد بن الزبير فهو وإن لم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكنّه من مشايخ الإجازة يروي عنه الشيخ أكثر الأُصول بواسطة أحمد بن عبدون، ولعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد على الرواية.   2

1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 6 .

صفحه 403
Eوإن أبيت إلاّ عن وجود الضعف في الطريق نقول: إنّ للشيخ طريقاً آخر إلى عليِّ بن الحسن بن فضّال وهو طريق صحيح ذكره الأردبيلي 1.
ثم إنّ السيد الخوئي صحّح الرواية بوجه آخر، وقال: إنّ الكتب الّتي كانت عند الشيخ هي بعينها الكتب الّتي كانت عند النجاشي، وبما أنّ للنجاشي إلى تلك الكتب طريقاً آخر معتبر، فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضاً معتبرة2.
وأمّا طريق النجاشي إلى علي بن الحسن بن فضّال فكالتالي: قال: أخبرنا محمد بن جعفر3 في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد4 عن علي بن الحسن بكتبه5، فلاحظ.
هذا كلّه حول السند، وأمّا الدلالة فلا تخلو من إشكال لوجود التنافي بين الصدر والذيل، أمّا الصدر، فظاهر قول السائل: هل للنساء قود أو عفو؟ وجواب الإمام بقوله: «لا»، هو حرمان النساء مطلقاً من القصاص، حتّى وإن تقربن بالأب، وظاهر قوله: «وذلك للعصبة» هو إرث كلّ مَن يتقرّب بالأب إلى المقتول، فيشمل الأخوات من الأب.
على أنّ راوي الرواية ـ أعني: علي بن الحسن ـ يقول: «وهذا خلاف   2

1 . جامع الرواة: 2 / 505، ولاحظ التهذيب: 1 / 26، برقم 6 .
2 . مباني تكملة المنهاج: 2 / 128 .
3 . النحوي التميمي شيخ النجاشي.
4 . ابن عقدة المتوفى 333 هـ .
5 . رجال النجاشي برقم 674.

صفحه 404
Eما عليه أصحابنا» وهو يحكي أنّ الشهرة الفتوائية في عصر علي بن الحسن بن فضّال هي على خلاف هذه الرواية، فكيف يمكن الأخذ بها؟
والعجب أنّ المحقّق يصفه بالأظهرية .
أمّا القول الثالث ـ أعني: ما نقله المحقّق وهو حرمان النساء مطلقاً من القصاص ووصفه بالأشبهية ـ فلا دليل له إلاّ الحديث السابق.
وبذلك ظهر أنّ القول الأوّل الذي هو خيرة الماتن هو الأقوى، وأنّ كلّ من يرث المال بمعنى أن يكون في مرتبة قريبة من الميّت ولا يكون أقرب منه، يرث القصاص أيضاً إلاّ ما خرج بالدليل، أعني: الزوج والزوجة.
وهنا قول رابع اختاره الشيخ في موضع من «الخلاف» وهو: يمنع المتقرّب بالأُم وحدها والمتقرّبة بالأب وحده، فيختصّ للمتقرّب بهما أو المتقرّب بالأب وحده ، قال: الدية يرثها الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، للذكر مثل حظ الأُنثيين، وكذلك الوالدان، ولا يرث الإخوة والأخوات من قِبَل الأُم منها شيئاً، ولا الأخوات من قبل الأب. وإنّما يرثها بعد الوالدين والأولاد الإخوة من الأب والأم، أو الأب أو العمومة، فإن لم يكن واحد منهم وكان هناك مولى كانت الدية له، فإن لم يكن هناك مولى كان ميراثه للإمام. والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص إلاّ الزوج والزوجة، فإنّه ليس لهما من القصاص شيء على حال.1
   
وقد استدلّ عليه الشيخ بالإجماع، وهو معلوم الحال.

1 . الخلاف: 5 / 178، المسألة 41 .

صفحه 405
المسألة 5: يرث الدية من يرث المال حتّى الزوج والزوجة، نعم لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُم، بل مطلق مَن يتقرّب بها على الأقوى، لكن الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.*
* كان الكلام في المسألة السابقة في إرث القصاص، وأمّا في هذه المسألة فالكلام في إرث الدية، وفي المسألة فرعان:

الأوّل: يرث الدية من يرث المال

قد مرّ في المسألة السابقة أنّ الزوج والزوجة لا يرثان القصاص ومع ذلك يرثان الدية.
قال الشيخ: والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص، إلاّ الزوج والزوجة فإنّه ليس لهما من القصاص شيءٌ على أي حال.1
ويدلّ عليه من الروايات:
1. ما رواه الصدوق باسناده عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «للمرأة من دية زوجها، وللرجل من دية امرأته ما لم يقتل أحدهما صاحبه».2
2. ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «وإن قُتلتْ ورث من ديتها، وإن قُتل ورثت هي من ديته، ما   2

1 . الخلاف:5/178، المسألة 41.
2 . الوسائل:17، الباب11 من أبواب موانع الإرث، الحديث1.

صفحه 406
Eلم يقتل أحدهما صاحبه».1
3. ما رواه الشيخ أيضاً بسنده عن محمد بن مسلم في حديث:«فإن قُتل أو قُتلت وهي في عدّتها ورث كلّ واحد منهما من دية صاحبه».2
وأمّا ما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام) قال : «إنّ علياً(عليه السلام) كان لا يورّث المرأة من دية زوجها شيئاً، ولا يورّث الرجل من دية امرأته شيئاً، ولا الإخوة من الأُمّ من الدية شيئاً»3; فهو محمول على التقية، أو ما إذا قتل أحدهما صاحبه، ولعلّ الأوّل أظهر.
قال الشيخ: قال الشافعي: الدية يرثها جميع ورثته، وكلّ من ورث تركته من المال يرث الدية الذكور والإناث، وسواء كان الميراث بنسب أو سبب هو الزوجية.4

الفرع الثاني: الإخوة والأخوات من الأُم لا يرثون من الدية

قد عرفت أنّ المصنّف قد ذكر في إرث القصاص أقوالاً واختار من بينها القول بأنّ كلّ من يرث المال يرث القصاص، وبما أنّ الإخوة والأخوات من الأُم يرثون المال عند عدم وجود الأقرب، فلازم ذلك أنّهم يرثون الدية أيضاً، ولك