welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 1
   
    أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء
أحكام القصاص
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
السياسة الإسلاميّة
         2
أحكام القصاص
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
 
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
1433 هـ

صفحه 4
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ
      أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1433 ق . = 1391 .
672ص. (السياسة الإسلامية، 2)    ISBN: 978-964-357-505-2 (Vol)
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . قصاص (فقه) 2. فقه جعفري ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان.
3الف 2س7/ 195 BP    375 / 297
1391
اسم الكتاب:   … أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   … 1391 هـ . ش / 1433 هـ . ق / 2012 م
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 672 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر:726                  تسلسل الطبعة الأُولى:391
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5
   

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته وخاتم رسله وأكرم أنبيائه محمد، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد; فلمّا فرغنا عن دراسة الحدود الشرعية، اقتضت الحال دراسة أحكام القصاص، لكثرة الابتلاء بها بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران، حيث تبنّى الدستور فيها تطبيق الشريعة الإسلامية في الجانب الاجتماعي، وقد اتّخذنا «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ دام ظله1 منهجاً لدراسة أحكام القصاص على خلاف ما سبق منّا في دراسة أحكام الحدود، فقد كان رائدنا فيها «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي (قدس سره)، ولكلّ كتاب مزيّة، فقد كان السيد الأُستاذ ـ دام ظله ـ يوصي حضّار درسه الشريف باتّخاذ أُمّهات الكتب في الفقه محوراً للدراسة حتى يرجع الطلاب إليها وإلى شروحها، لكنّا عدلنا عنه في دراسة أحكام القصاص إلى ما في «تحرير الوسيلة» ; لاشتماله على مسائل مستحدثة خلت عنها الكتب الأُمّ.

1 . أُلقيت هذه المحاضرات في عام 1401هـ .

صفحه 8
ويشتمل كتابنا ـ القصاص ـ على مقدّمة وقسمين:
   1. في قصاص النفس، وفيه أربعة فصول:
الأوّل: في موجبات القصاص.
الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص.
الثالث: ما يثبت به القود.
الرابع: كيفية الاستيفاء.
   2. في قصاص ما دون النفس، وفيه مسائل.
وعلى كلّ تقدير فالرجاء من الهادي الحكيم عزّ وجلّ أن يعرّفنا الحق فنتّبعه، ويعرّفنا الباطل فنجتنبه إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
***
جعفر السبحاني

صفحه 9
   
كتاب القصاص
القصاص لغة واصطلاحاً
القصاص في الكتاب العزيز
في أقسام القصاص
   القسم الأوّل: في قصاص النفس، وفيه فصول
      الفصل الأوّل: في موجبات القصاص
      الفصل الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص
      الفصل الثالث: ما يثبت به القود
      الفصل الرابع: كيفية الاستيفاء
   القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس

صفحه 10

صفحه 11

كتاب القصاص*

وهو إمّا في النفس، وإمّا فيما دونها.

القسم الأوّل:

في قصاص النفس

والنظر فيه في الموجب، والشرائط المعتبرة فيه، وما يثبت به، وكيفية الاستيفاء

* القصاص لغةً واصطلاحاً

القصاص: على وزن فعال، مصدر قصّ، قال في اللسان: يقال: قصصت الشيء، إذا تتبّعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه قوله تعالى: (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ)1 أي: اتّبعي أثره، وكأنّ وليّ الدم يتبع أثر الجاني فيفعل به مثل فعله.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من القصّ بمعنى القطع، قال في اللسان: وأصل القصّ، القطع، يقال: قصصت ما بينهما أي قطعت، ثم نقل عن   2

1 . القصص: 11 .

صفحه 12
Eأبي منصور أنّه قال: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا، إذا اقتصّ منه له بجرحه مثل جرحه إيّاه أو قتله به.1
وعلى كلّ تقدير فالمراد به هنا القَوَد.

القصاص في الكتاب العزيز

ثمّ إنّ القصاص ورد في العديد من الآيات الكريمة، نظير قوله تعالى:
1. قال سبحانه:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2)، وذيل الآية تعليل لتشريع القصاص، فإنّه يسبّب المنع من التوغّل في الدماء حيث يرى أنّ القصاص وراء عمله. فمعنى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): أي لعلّكم تحترزون عمّا يوجب القصاص.
فعلى هذا ففي القصاص حياة المجتمع، فهو في الظاهر إماتة ولكّنه في الواقع إحياء للجماعة.
وكانت العرب قبل الإسلام يقولون: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت هذه الآية مكان قولهم هذا، ولكن بأفصح الجمل وأبلغ المعاني، كما هو مذكور في محلّه.
2. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى   2

1 . لسان العرب: 7 / 73، مادة «قصّ».   2 . البقرة:179.

صفحه 13
Eبَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)1.
ومعنى الآية: فرض عليكم القصاص في القتلى، أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول، فيقتل الحر بالحر، والعبدُ بالعبد، والأُنثى بالأُنثى. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ) المراد من الموصول هو القاتل، والضمير في «له» يرجع إليه، والمعنى: إن ترك أخوه ـ أعني: ولي الدم ـ القصاص ورضي بالدية، فالواجب على ذلك الأخ العافي هو طلب الدية بلا عنف كما يقول (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، أي لا يلحّ في الطلب، وينظره إن كان معسراً، ولا يطالبه بالزيادة على حقّه; وأمّا وظيفة المعفوّ له فقد أشار إليها بقوله: (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان)، أي الدفع إليه عند الإمكان من غير مَطْل.
ثمّ إنّ تشريع القصاص والدية لأجل أنّ ذلك(تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ)بشرط رعاية العدل(وَرَحْمَةٌ)فلم يوجب القصاص فقط، بل جوّز تبديله بالدية. (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ): أي تجاوز الحدّ بعد ما بُيّن له الحكم الإلهي (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.2
وقد تجلّت في الآية عظمة التشريع الإسلامي حيث يصف ولي الدم، أخاً للقاتل، مشعراً بأنّ القتل لم يقطع صلة الأُخوة بينهما; ثم إنّه يوصي العافي باتّباع المعروف والمعفو له بأداء إليه بإحسان، وينهاهما عن الاعتداء.
3. قال سبحانه: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ   2

1 . البقرة:178.
2 . مجمع البيان:1/265.

صفحه 14
Eفَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).1
المراد من الشهر الحرام ما يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة الحرام، وذوالحجّة الحرام، ومحرم الحرام، ورجب المرجّب.
والحرمات: جمع حُرمة، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه، وإنّما جمع الحرمات ; لأنّه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام، بل كلّ الحرمات .
وقوله في ذيل الآية: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ): أي ظلمكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، أي جازوه بمثله، وسمّاه اعتداءً من باب المشاكلة.
إلى هنا تبيّنت معاني مفردات الآية، بقي الكلام في المراد من الجملتين التاليتين:
أ. (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ).
ب. (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ).
أمّا الأُولى فالمراد بها: أنّ مَن استحلّ دمكم أيّها المسلمون في هذا الشهر، فاستحلّوا دمه فيه.
وأمّا الثانية فالمراد بها: أنّ مَن ينتهك حرمات الله يقتص منه   2

1 . البقرة:194.

صفحه 15
Eويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع عذر كل مَن ينتهك الحرمات، وعلى هذا فيمكن أن يراد من الحرمات أعم ممّا ذكرنا، كما مرّ، فتشمل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.1
4. قال تعالى:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).2
أي فرضنا على اليهود في التوراة أنّ النفس بالنفس، أي إذا قتلت نفس نفساً أُخرى فإنّه يستحق عليها القَوَد.
وأمّا قوله: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ)قال العلماء: كلّ شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأُذن والسنّ، وجميع الأطراف، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف.
وقوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)هذا عام في كلّ ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين واليدين والرجلين، وتقتص الجراحات بمثلها; وخرج عن تحت القاعدة «المأمومة» و «الجائفة» فإنّه لا قصاص فيهما، والأُولى هي التي تبلغ أُمّ الرأس، والثانية هي التي تبلغ الجوف في البدن(3) ; لأنّ في القصاص فيهما تغرير بالنفس، وكلّ جراحة يخاف منها التلف ففيها أُروش مقدّرة.   2

1 . لاحظ: مجمع البيان:2/286; تفسير الكاشف، لمغنية:1/301.
2 . المائدة:45.   3 . مجمع البيان:3/199.

صفحه 16
E(فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ): أي مَن تصدّق بالقصاص الّذي وجب له بالعفو، فهو كفّارة للمتصدّق الّذي هو المجروح أو ولي الدم ; وفي الوقت الّذي يجوّز القصاص وأخذ الدية، يحثّ على ترك المجازاة، وأنّ ذلك عند الله كفّارة للذنوب.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)كاليهود (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
هذه هي الآيات التي ورد فيها القصاص بلفظه، وهناك آيات تدلّ على القصاص بمعناه، نظير:
1. قال سبحانه: (وَ لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).1
2. قال سبحانه: (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ). (2)
3. قال سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).2
وقوله تعالى: (سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) من باب المشاكلة وإلاّ فالقصاص ليس سيئة.
4. قال سبحانه: (وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).3
بقيت هنا أُمور، هي:   2

1 . الأنعام:151.   2 . الإسراء:33.
2 . الشورى:40.
3 . النحل: 126 .

صفحه 17
Eالأوّل: خلود قاتل المؤمن في النار
يستفاد من بعض الآيات أنّ من قتل مؤمناً متعمّداً يُخلّد في النار، قال سبحانه:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما).1
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن(... وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لاَ يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا).(2)
وقد عقد صاحب الوسائل باباً في كتاب القصاص باسم: باب تحريم القتل ظلماً، وروى فيه عشرين رواية يستفاد من بعضها خلود قاتل المؤمن في النار.
ومقتضى إطلاق الآيات والروايات أنّ قاتل المؤمن يخلّد في النار، سواء كان القاتل كافراً، أو مؤمناً، مات غير تائب أو تائباً ودافعاً للدية، أو لا مع أنّ الخلود في القسم الأخير مشكل.
أمّا الجواب فبوجهين:
1. اختصاص الخلود الوارد في الآية بالقاتل الكافر أو المؤمن الّذي مات بلا توبة ودفع الدية، وأمّا إذا تاب ودفع الدية إلى ورثة المقتول فهو خارج عن مدلول الآية ; لقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).(3) وتوهّم أنّ الآية ناظرة إلى حقوق الله ولا تعم حقوق الناس   2

1 . النساء:93.   2 . الفرقان:68ـ 69.   3 . النساء:48 و 116.

صفحه 18
Eخلاف إطلاقها.
2. اختصاص الخلود بمن قتل المؤمن لإيمانه .
ويشهد على ذلك تعليق الحكم بالمؤمن (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا)وأنّ قتله لأجل إيمانه، ومثل هذا يخلد في النار. ويشهد على ذلك الروايات الدالّة على أنّ التخليد لمن قتله لإيمانه:
1. صحيحة عبد الله بن سنان وابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً، هل له توبة؟ فقال(عليه السلام): «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه».1
2. موثّقة سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزّ وجل (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)؟ قال: «من قتل مؤمناً على دينه فذاك المتعمّد الذي قال الله عزّ وجل:(وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما)»2.
الثاني: لزوم المعادلة بين الجرم والعقاب
من السنن العقلية المقرّرة رعاية المعادلة بين الجرم والعقوبة، وهذه المعادلة منتفية في العذاب المخلّد، فإنّ الذنب كان مؤقّتاً منقطعاً، فكيف يكون العذاب دائماً باقياً؟
   
مَن قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعاً   
والجواب: أنّ الإشكال يتوجّه لو كان الجزاء الأُخروي من قبيل العقوبات الدنيوية حيث لا صلة بين الجرم والعقوبة إلاّ الاعتبار   2

1 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث1.
2 . الوسائل:19، الباب9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث2.

صفحه 19
Eوالجعل التشريعي، فعندئذ تجب الموازنة بين الأمرين، وأمّا إذا كانت العقوبة الأُخروية أمراً تكوينياً ملازماً لوجود الجرم وكان الجزاء تجسيماً للذنب المختلق أو الجرم المرتكب، فعندئذ تنتفي الموازنة المذكورة ; لأنّ الجرم يورث في نفس المجرم هيئة لا تفارقه أبداً، وتكون العقوبة نتيجة تلك الظلمة، فبما أنّ الظلمة دائمة في النفس تكون نتيجتها كذلك.
الثالث: قتل نفس واحدة بمنزلة قتل الناس جميعاً
يدلّ بعض الآيات على أنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً، يقول سبحانه: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).1
وحول هذه الآية يثار سؤال وهو: كيف يمكن أن يجعل قتل إنسان واحد، مكان قتل الناس جميعاً، وإحيائه إحياء للجميع؟
والجواب: هو أنّ قتل نفس بغير نفس أو بغير فساد في الأرض يعدّ عدواناً على الإنسانية التي تتمثّل بهذا الفرد، كما أنّ الإحسان إليه إحسان إلى الناس جميعاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هذا الفرد الذي يقتل نفساً بلا سبب هو عدو الإنسانية، ولذلك قيّد الله سبحانه عملَه: (بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ)، ولذلك لو استطاع أن يقتل الناس عامّة لقام بذلك; لأنّه قتل نفساً بلا جُرم ولا سبب، وهذا الملاك موجود في سائر الناس، فيكون قتل الفرد بمنزلة   2

1 . المائدة:32.

صفحه 20
Eقتل الجميع بمعنى أنّه لو قدر على ذلك لقتلهم .
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية كناية عن كون الناس جميعاً ذوي حقيقة واحدة إنسانية متّحدة فيها، الواحد منهم والجميع فيها سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع. مثلاً إذا وزّع الماء بين أواني كثيرة، فمن شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء، وقد قصد الماء من حيث إنّه ماء ـ وما في جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنّه ماء ـ فكأنّه شرب الجميع.1
وإن شئت قلت: إنّ الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي على جملة هذه المعاني الشريفة، فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعاً لفعل.2
ثمّ إنّ المفسّرين أجابوا عن الإشكال بأجوبة مختلفة، فقد أجاب الشيخ في «التبيان» بستة أجوبة، وفي «مجمع البيان» بخمسة، وفي «كنز العرفان» للفاضل المقداد بأربعة أجوبة، ولكن ما ذكرناه لعلّه أفضل ما يجاب به عن الإشكال.(3)

1 . الميزان:5/317، طبعة بيروت.
2 . التحرير والتنوير: 5 / 89 ـ 90.   3 . راجع: التبيان: 3 / 502 ; مجمع البيان: 3 / 322 .

صفحه 21
الفصل الأوّل:
في موجبات القصاص
القول في الموجب
تعريف القتل العمد
القتل شبه العمد
القتل الخطأ المحض
القتل العمد بالمباشرة والتسبيب
في أقسام التسبيب
1. في التسبيب المتلف الذي انفرد به الجاني
2. انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني
3. انضمام مباشرة حيوان إلى المتلف
4. الجناية بانضمام شخص آخر

صفحه 22

صفحه 23

القول في الموجب

وهو إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية.
المسألة1. يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً، وبقصد فعل يُقتل به غالباً، وإن لم يقصد القتل به. وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الديات.*
* قال المحقّق في تعريف الموجب: وهو إزهاق النفس المعصومة المكافئة، عمداً عدواناً.1
فخرج بالمعصومة; غيرها وهي كالكافر الحربي، وكلّ مَن أباح الشارع قتله، فلا قصاص فيه.
وخرج بالمكافئة: ما لو قتل غير المكافئ، كالمسلم يقتل الذمّي، والحر يقتل العبد، والأب يقتل الابن، وبالجملة ما يكون القاتل أعلى بالنسبة للمقتول.
وخرج بالعمد: القتلُ خطأ، وما عمده خطأ كالصبي والمجنون.
وخرج بالعدوان: ما لو قتل وليُّ الدم القاتل قصاصاً، أو قتل الدافع عن نفسه من هاجمه، فإنّ قتله ليس عدواناً. ويمكن الاستغناء عنه بالمعصومة،   2

1 . شرائع الإسلام:4/195.

صفحه 24
   
Eفإنّ نفسه ليست محترمة بالنسبة إلى القاتل وإن كانت محترمة بالنسبة إلى غيره، ولعلّه لذلك استغنى المصنّف عن ذكره، والأمر سهل.
ثم إنّ المراد بالمعصومة هو المعصومة بالنسبة إلى القاتل لا مطلقاً، ولذلك لو قتل الزاني المحصن، يقتل ; لأنّ نفسه معصومة بالنسبة إلى غير الحاكم.

تعريف القتل العمدي

ينقسم القتل إلى: قتل عمدي، وشبه العمد، والخطأ المحض; ولكلّ حكم خاص، فيجب على الفقيه التعرّف عليها، بشكل يستطيع أن يميّز كلّ واحد عن الآخر.
عرّف المحقّق القتل عمداً بقوله: ويتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل، بما يقتل غالباً.
وظاهر التعريف اختصاص العمد بما إذا قصد القتل، فخرج ما إذا قصد الضرب وإن اتّفق القتل وكانت الآلة ممّا يقتل بها.
ولكن الظاهر أنّه لا يختصّ بما إذا قصد القتل، بل يكفي بما لو قصد الفعل وكانت الآلة قاتلة ; كما لو رفع قضيباً حديدياً وهوى به على رأس شخص لغاية ضربه دون قتله، فهو يُعدّ قتلاً عمدياً.
فلو قال المحقّق بدل قوله: «إلى القتل» قال: «إلى الضرب» لدخل القسمان في تعريفه.   2

صفحه 25
Eإلى هنا تبيّن أنّ العمد يتحقّق في الصورتين التاليتين:
1. إذا قصد القتل بما يقتل غالباً.
2. إذا قصد فعل ما يقتل غالباً.
وهنا صورة ثالثة وهي ما إذا قصد القتل بما لا يقتل ، وهي عكس الصورة الثانية حيث قصد هناك الضرب ـ دون القتل ـ بما يقتل ، وأمّا المقام فقد قصد القتل بما لا يقتل، وإليه أشار في المتن «بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً» ولو قال: بقصد القتل بما لا يقتل غالباً، لكان أوضح. وعلى كلّ تقدير فالقتل هنا من أقسام العمد لكفاية قصد القتل وتحقّقه بما لا يقتل، ويصحّ أن يعد من أفعاله الاختيارية.
ويمكن استفادة حكم الجميع من صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد».1
فقوله: «اعتمد شيئاً» أي : قصد شيئاً من القتل والضرب بما يقتل كالحديدة والحجر، فتدخل فيه الصورتان الأُوليان.
وفي قوله: «أو بوكزة» تدخل الصورة الثالثة، فإنّ الوكزة غير قاتلة غالباً، وانّما يتّفق القتل نادراً، كما هو الحال في قصة موسى(عليه السلام)، قال سبحانه: (فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ   2

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3.

صفحه 26
Eقَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)،1 لكن إذا قصد القتل يُحسب عمداً.

القتل شبه العمد

إذا قصد الضرب دون القتل ولم تكن الآلة قاتلة، لكن ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف، قال المحقّق: فيه روايتان أشهرهما أنّه ليس بعمد.
فلندرس الموضوع على ضوء القاعدة والرواية. أمّا الأُولى فاحتمل صاحب الجواهر :
أوّلاً: عدم صدق العمد، فإنّه مع عدم القصد إليه، ولا إلى فعل ما يحصل به القتل غالباً، لا يصدق العمد عليه، بل لا يقال قتله متعمّداً أي إلى قتله، ثم عدل عن ذلك، وقال:
المتّجه فيه القصاص، لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً، إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل ولا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على مَنْ ضرب رجلاً عادياً غير قاصد للقتل، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في أنّ القتل فعل اختياري له أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ الفعل الاختياري هو الصادر عن الإنسان عن وعي وشعور وإرادة، والمفروض أنّه لم يُرد سوى الضرب لكن ترتّب عليه القتل قهراً    2

1 . القصص:15.   2 . جواهر الكلام: 42 / 17 ـ 18 .

صفحه 27
Eواضطراراً، فهو بالنسبة إلى الضرب فاعل قاصد، وأمّا بالنسبة إلى القتل فهو فاعل غير قاصد .
وإن شئت قلت: إنّ كلا الأمرين: (الضرب والقتل) فعلان له، لكن أحدهما موصوف بالاختيار دون الآخر، والعمد فرع الاختيار. وما أفاد من الضابطة من صدق القتل عمداً بمجرّد كونه قاصداً إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل مجرّد ادّعاء، فلو دخل بستان الغير عدواناً للانتفاع بثماره واغتمّ صاحبه ومات، لا يقال انّه قتله عمداً.
وقد مرّ أنّ المحقّق قال فيه روايتان، أي طائفتان، فلندرسهما.

الأُولى: ما يدلّ على أنّه ليس بعمد:

1. صحيحة أبي العباس، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها.1فإنّ الرمي بما لا يقتل يلازم عدم قصد القتل.
2. رواية يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل ; وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله، فهو عمد يقتل به; وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».2   2

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث5.

صفحه 28
Eفإنّ قوله: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» يدلّ على أنّه قصد القتل وإن بلغ ما بلغ، بخلاف ما قبله وما بعده، فإنّ مقتضى التقابل عدم كونه قاصداً للقتل .
الثانية: ما يدلّ على أنّه عمد:
1. رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»1.
2. رواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام)، قال: «قتل العمد كلّ ما عُمد به الضرب فعليه القود».2
ولا يخفى وجود الضعف فيما دلّ على القصاص ; لأنّ في سند الأُولى علي بن أبي حمزة، وفي سند الثانية إرسال.
ولعلّ من هذه الطائفة ما مرّ من صحيحة الحلبي حيث عبّر: «بوكزة». والترجيح مع الطائفة الثانية لأنّها أشهر وأوفق بالاحتياط.

القتل الخطأ المحض

   
وهو عبارة عمّا إذا قصد شيئاً فأصاب غيره، ففي صحيح أبي العباس، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلاً؟ قال: «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه».3
إلى هنا تمّت دراسة تعريف الأقسام الثلاثة للقتل العمد وشبه العمد والخطأ. وقد اقتصر الأُستاذ الكلام حيث لم يُعّرف شبه العمد ولا الخطأ المحض لعدم تعلّق القصاص بهما، وأحال ذلك إلى كتاب الديات.

1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث8.
2 . الوسائل: 19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث6.
3 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث7.

صفحه 29
المسألة2. العمد قد يكون مباشرة، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود. وقد يكون بالتسبيب بنحو، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية.*

* القتل العمد بالمباشرة والتسبيب

قد عرفت أنّ الموضوع للقصاص هو القتل عن عمد، قال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما)1.
فإن قلت: لا صلة للآية بالقصاص فإنّ مفادها، ترتّب العقاب.
قلت: القتل عن عمد يساوق القتل مظلوماً، فقد دلّ قوله: (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)2 على القصاص. فالقتل عن عمد بفضل الآية الثانية موضوع للقصاص، مضافاً إلى رواية جميل الّتي تقدّمت.
فلابدّ من ثبوت كون فعله معنوناً بهذا العنوان بأحد الطرق الثلاثة:
1. إمّا أن يباشر القتل بنفسه بلا استعانة بالأسباب، كالذبح والخنق وسقي السم القاتل .
2. أن يقوم به بتسبيب من الأسباب، كما لو رماه بسهم مسموم.   2

1 . النساء: 93 .
2 . الإسراء: 33 .

صفحه 30
E3. أن يوجد شرطاً للقتل، كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر .
ثم إنّ الفرق بين القتل بالمباشرة والقتل بالتسبيب يحتاج إلى دقّة، وقد عدّ المصنّف الضرب بالسيف من أقسام المباشرة، وفي الوقت نفسه عدّ في المسألة الثالثة الرمي بالسهم أو بالبندقية من التسبيب، مع أنّ التفريق بينهما مشكل. ويمكن التفريق بوجهين:
1. لا يتوسّط في الأوّل بين فعله والتأثير في المقتول زمان، بخلاف الرمي بالسهم أو بالبندقية، خصوصاً إذا وصفنا السهم بالسمّ، وأمّا البندقية فتوجد جرحاً موجباً للسراية المولّدة للموت، فأقرب العلل إلى الزهوق هو القتل بالمباشرة، وغيره هو القتل بالتسبيب .
2. أنّ القاتل في الضرب بالسيف يباشر بيده في إماتة الرجل، بخلاف الأخيرين فإنّه يرسل السهم ويتخلّى عن الأمر والسهم يعمل عمله بلا مباشرة الرامي .
ثم إنّ تقسيم العمد إلى مباشري وتسبيبي أمر لا طائل تحته، إذ لم يرد في السنّة هذان العنوانان، وإنّما الموجود هو القتل عن عمد، فالميزان هو صدق القتل عمداً، سواء أكان مباشرياً أم تسبيبياً أو مستنداً إليه بنحو ضعيف كإيجاد الشرط، كحفر البئر الّذي وقع فيها الغير بدفع ثالث، وأمّا إذا حفر في طريقه أو استطرقه إلى ذلك فهو داخل في التسبيب .   2
   

صفحه 31

E في أقسام التسبيب

ثم إنّ المصنّف ذكر للتسبيب أقساماً:

الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف

وقد بدأ ببيانه من المسألة الثالثة إلى المسألة الخامسة عشرة.

الثاني: أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه كما لو قدّم طعاماً مسموماً

وبدأ ببيانه من المسألة السادسة عشرة إلى المسألة الثالثة والعشرين .

الثالث: أن ينضم إليه مباشرة حيوان كما لو ألقاه في البحر فالتقمه حوت

وقد بدأ ببيانه من المسألة الرابعة والعشرين إلى المسألة الحادية والثلاثين.

الرابع: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر

وبدأ ببيانه من المسألة الثانية والثلاثين إلى آخر الفصل.
وهذه المراتب الأربع للتسبيب، ولكل مرتبة أمثلة.
ولكنّك عرفت أنّ المهم هو إثبات عنوان العمد، ولا تأثير لكون الفعل صادراً عنه بالمباشرة أو بالتسبيب.
أمّا القتل المباشري فقد مثل له المصنّف بالذبح والخنق باليد   2

صفحه 32
Eوسقي السم القاتل والضرب بالسكين والسيف، والحجر الغامز.1
والجرح في المقتل 2، كالفؤاد والخاصرة والصدر وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة ونقرة النحر، فكلّ ذلك ممّا يقتل غالباً.
وقد حكم المصنّف على الجميع بأنّها من مقولة القتل عن عمد، وذلك لما عرفت من الضابطة، وهي: أنّ الفعل ممّا يقتل غالباً فالقتل موصوف بالعمد، سواء قصد القتل أو لا. والأمثلة المذكورة من هذه المقولة.
   

1 . أي الكابس على البدن لثقله.
2 . أي الجرح في المكان الّذي يقتل ولو بغرز الإبرة.

صفحه 33
المسألة 3. لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.*

1

في التسبيب المتلف الّذي انفرد به الجاني

* بدأ المصنّف بذكر التسبيب الّذي ينفرد به المتلف ضمن مسائل تنتهي إلى المسألة الخامسة عشرة .
فذكر في هذه المسألة من أقسام القتل بالتسبيب صوراً:
أ. إذا رمى بسهم أو بغيره واتّخذ المقتل غرضاً ففيه القصاص .
ب. إذا رمى بسهم من دون أن يتخذ المقتل غرضاً للرمي، بل رمى على وجه الإطلاق فأصاب المقتل، فالقتل عمدي; لأنّ الآلة قاتلة غالباً والمفروض أنّه رماه على وجه الإطلاق غير مجتنب عن المقتل، فإذا أصابه يكفي كون الفعل قاتلاً.
ج. لو رماه ملتزماً بالاجتناب عن الوصول إلى المقتل ولكنّه   2

صفحه 34
Eأصابه، فالقتل يوصف بالخطأ أو شبه العمد.
هذا ما يرجع إلى الأُوليين ـ أعني: الرمي بالسهم أو بالبندقية ـ وأمّا الثلاثة الأخيرة، أعني:
1. الخَنَق بالحبل ولم يُرخه عنه، حتى مات.
2. الغمس في الماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات.
3. جعل رأسه في جراب النورة حتى مات.
فوجهه: أنّ الفعل، وإن شئت قلت: الآلة ممّا يقتل غالباً فهو عمد، سواء قصد القتل أم لا .
وحصيلة الكلام: أنّ الأسباب الأخيرة لها صورة واحدة، ولهذا حكم فيها بالقود، بخلاف الأُوليين فلهما صور في بعضها القَوَد كما مرّ.
لو خنقه وتركه منقطع النفس أو متردّد النفس    

صفحه 35
المسألة 4. في مثل الخنق ومابعده لو أخرجه منقطع النفس، أو غير منقطع لكن متردّد النفس، فمات من أثر ما فُعل به، فهو عمد عليه القود.*
المسألة5. لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله ثم أرسله فمات بسببه، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص، وإلاّ فالدية; وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوة فمات.**

* لو خنقه وتركه منقطع النفس أو متردّد النفس

الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم، هو أنّ القاتل لم يرسل المقتول، حتّى مات بخنقه أو تحت الماء، ولكنّه في هذه الصورة، أرسله وله نفس منقطع أو متردّد لكنّه مات إثر ما فعل به، فهو أيضاً قتل عمد ; لأنّ الفعل أو الآلة ممّا يقتل، وإرساله أو إخراجه من الماء بعد تأثير الفعل القاتل لا يخرجه من وصف العمد.
** الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم من الصورتين أنّ الفعل في الأُوليين ممّا يقتل، غير أنّه لم يطلقه حتّى مات تحت الخنق ، كما في الصورة الأُولى، أو أرسله وأخرجه من الماء بعد ما لم ينفعه، فعدّ من القتل عمداً كما في الصورة الثانية.
وأمّا الأخيرة فقد خنقه أو غمس رأسه تحت الماء ولكن لم يكن ممّا   2

صفحه 36
Eيقتل به غالباً، كما إذا كانت المدة قليلة، فقد قال المحقّق: ففي القصاص تردّد، والأشبه القصاص إذا قصد القتل، والدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد.1وهو أيضاً مختار المصنّف.
وجهه: أنّ ما جاء من الأمثلة ليس ممّا يقتل غالباً كما هو المفروض، فعلى هذا لا يوصف بالعمد إلاّ إذا قصد القتل، ولذلك فصّل بين قصد القتل فالقصاص، وعدمه فالدية.
وعلى هذا يجب أن يحمل قوله: «أو عصر خصيته فمات أو أرسله منقطع القوة فمات»، على ما لا يقتل به غالباً دون ما يقتل، بقرينة أنّه قيّد دوس البطن به.
لو فعل به بمقدار لا يقتل مثله غالباً لكن كان الطرف مريضاً أو كبيراً   

1 . شرائع الإسلام :4/196.

صفحه 37
المسألة6. لو كان الطرف ضعيفاً، لمرض أو كبر ونحوها، ففعل به ما ذُكر في المسألة السابقة، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، وإلاّ ففيه التفصيل المتقدم.*
المسألة7. لو ضربه بعصا ـ مثلاً ـ فلم يقلع عنه حتى مات، أو ضربه مكرراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قوياً، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة ـ مثلاً ـ فمات، فهو عمد.**

* لو فعل به بمقدار لا يقتل مثله وكان الطرف ضعيفاً

إذا كان الطرف ضعيفاً ففعل به أحد المذكورات في المسألة السابقة بمقدار لا يقتل مثله، غالباً لمثله، كما إذا خنقه ثم أرسله، ولكن كان الطرف ضعيفاً لم يتحمّله، فهنا تفصيل:
1. إن علم أنّ فيه ضعفاً لا يتحمّله ففيه القصاص ; لأنّه قصد الفعل المنتهي إلى القتل، سواءً قصد قتله أم لم يقصد، لكفاية كون الفعل قاتلاً.
2. إذا لم يعلم أنّ فيه ضعفاً لكن قصد القتل، فيوصف بالعمد لما مرّ من أنّ الفعل إذا لم يكن ممّا يقتل ولكن قُصد به القتل، يوصف بالعمد.
3. تلك الصورة لكن لم يقصد القتل، فيكون شبه العمد وفيه الدية.
** كان الكلام في المسألة السابقة ملاحظة حال المضروب فقط ; ولكنّه هنا أعم من ملاحظة حال المضروب من كونه ضعيفاً أو صغيراً، وحال الضارب من كونه قوياً أو غير قوي، وحال زمان الفعل من كونه في هواء   2

صفحه 38
Eبارد أو لا. إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ هنا فرعين:

الأوّل: لو ضربه فلم يقلع عنه حتّى مات

لو ضربه بعصا مثلاً فلم يقلع عنه حتّى مات، ففيه القصاص، فإنّ الفعل قاتل، سواء أقصد قتله أم لا، حيث إنّ الضرب بالعصا على مخّه مثلاً قاتل، إذ قد يؤدّي نزف الدم داخل الدماغ إلى الموت.
والمتبادر من عبارة المتن أنّه ضربه ضربة واحدة فمات بقرينة تقابله مع قوله: لو ضربه مكرراً .
ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الصباح الكناني والحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف» 1.
والمتبادر من الرواية أنّ الضارب لم يكن يقصد القتل، وإلاّ لما كان هنا وجه للسؤال، إذ عندئذ يكون الضارب قاصداً للقتل والآلة قاتلة، ولذلك قلنا: إنّه يقاد قصد أم لم يقصد.
لو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله   
فإن قلت: يظهر من مرسلة يونس أنّه من مقولة شبه العمد; إذ روى عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2 .

صفحه 39
Eوإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله، فهو عمد يقتل به .
وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم، فهو شبه العمد»1 .
والشاهد في الفقرة الأُولى ـ أعني: «ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة» ـ لعلّه نفس الفرع الوارد في روايتي الكناني والحلبي.
قلت: الفرق في أنّ الآلة في الأوّل قاتلة دون الثاني، مع أنّ الفقرتين تشتركان في كون القتل مستنداً إلى ضربة واحدة، وكون الضارب غير قاصد للقتل، فحكم في الأُولى بالقود دون الثانية .
وأمّا الفقرة الثانية فقد حكم فيها بالقود لكون الفعل قاتلاً، قال: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» فإنّ الإلحاح بمعنى كثرة الضرب الذي يلازم القتل.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي نفس الفقرة الأُولى، غير أنّه مات في الفقرة الأُولى فوراً بخلاف الثالثة حيث مات بعد أكثر من يوم.

الفرع الثاني: لو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله

إذا ضربه مكرّراً على نحو لا تكون الضربة الواحدة كافية في القتل وإنّما قتله تعدّد الضربات، فمع كون الفعل قاتلاً فهو داخل في الفقرة الثانية في رواية يونس.   2

1 . الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5 .

صفحه 40
Eثمّ إنّ عدم التحمّل يكون لأحد الوجوه التالية:
1. إمّا لأنّ الضرب خفيف ولكن المضروب لأجل ضعفه وصغره لا يتحمّله.
2. أو كون الضارب قوياً، وإن لم يكن المضروب ضعيفاً أو صغيراً.
3. أو كون الزمان مؤثراً في القتل، كفصل البرودة الشديدة.
ففي الجميع يحكم بالعمد; وذلك لأنّه قصد القتل، وكان ـ بملاحظة الظروف المحدقة به ـ قتّالاً.
لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه    
Website Security Test