welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 3

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الثالث
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الجزء: الثالث
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1427 هـ . ق / 1385 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 7
الفصل الرابع عشر
القول في تروك الإحرام
والمحرّمات

صفحه 8

صفحه 9

القول في تروك الإحرام وال محرّمات

وفيه أُمور:*
* لمّا كان كتاب «العروة الوثقى» غير مشتمل على بيان مناسك الحجّ حتّى تروك الإحرام ومحرّماته، آثرنا في عنوان ما بقي من المسائل كتاب «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ (رحمه الله) حتّى يكون ما أُلقيه من المحاضرات كالشرح له، كيف وهو في وجازته جامع لأكثر المسائل الّتي يُبتلى بها.
وقد ذكر تروك الإحرام أوّلاً وقال: «القول في تروك الإحرام» ليعمّ المحرّم والمكروه، فيكون قوله:«والمحرّمات وفيه أُمور»، من باب عطف الخاص على العامّ، ولم يذكر ـ قدّس اللّه سرّه ـ عددها في المقام، مع أنّه ذكر في آخر الفصل أنّ المحرّم عنده أربعة وعشرون شيئاً.
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في عددها:
فقد ذكر المحقّق في «الشرائع» عشرين منها، وقال: وهي محرمات

صفحه 10
ومكروهات، فالمحرمات عشرون شيئاً1، ولكنّه أنزلها في «المختصر النافع» إلى أربعة عشر شيئاً.2
وقد سلكه أيضاً العلاّمة الحلّي في كتابي«القواعد» و«التبصرة» فقد أنهاها في القواعد3إلى عشرين، وفي التبصرة4 إلى أربعة عشر.
وقال في«المنتهى»: إذا عقد الإحرام بالتلبية وما يقوم مقامها حرم عليه عشرون شيئاً: الصيد، والنساء، والطيب، ولبس المخيط للرجال، والاكتحال بالسّواد، وبما فيه طيب، والنّظر في المرآة، ولبس الخفين، وما يستر ظهر القدم، والفسوق وهو الكذب، والجدال وهو قول: لا واللّه وبلى واللّه، وقتل هوامّ الجسد، ولُبْس الخاتم للزينة، وتحلّي المرأة للزّينة، واستعمال الأدهان، وإزالة الشعر، وتغطية الرأس، وإخراج الدّم، وقص الأظفار، وقطع الشجر والحشيش، وتغسيل المحرم الميّت بالكافور، ولبس السّلاح، على ما يأتي تفصيل ذلك كلّه وذكر الخلاف فيه إن شاء اللّه.5
وقـد قـال الشهيـد في «الدروس»: يجب على المحرم ترك ثلاثة وعشرين.6
ونقل في «الجواهر» عن «الإرشاد» أنّها ثمانية عشر.7

1 . الشرائع:1/183.
2 . المختصر النافع:84، ط مصر.
3 . القواعد:1/421.
4 . التبصرة:86.
5 . المنتهى:2/765.
6 . الدروس:1/351، الدرس92.
7 . الجواهر:18/286.

صفحه 11
وقد عقد ابن رشد باباً في القول في التروك وفسّره بقوله:»وهو ما يمنع الإحرام من الأُمور المباحة للحلال. ثمّ ذكر المحرمات من دون أن يذكر عددها.1
وقد أنهاها في «الشرح الكبير» المطبوع في ذيل «المغني» إلى تسعة وقال فيه: محظورات الإحرام وهي تسعة.2
وعلى كلّ تقدير فالمتّبع هو الدليل، ولعلّ وجه الاختلاف إمكان إدغام بعضها في بعض وعدمه، مثلاً قد ذكروا أنّ من المحرّمات هو صيد البرّ، وعطفوا عليه: الأكل والإشارة والدلالة والإغلاق، مع أنّ الأربعة الأخيرة ليست من الصيد، ومع ذلك فالجميع محرّم على المحرم، ويمكن عدّها مستقلة كما يمكن إدغامها في الصيد.
وعلى كلّ تقدير فمحظورات الإحرام على أقسام ثلاثة، لأنّها إمّا يشترك فيها الرجل والمرأة ـ وهو على ما قيل أحد عشر أمراً ـ أو تختصّ بالرجل، أو المرأة، وقد ذكرها المصنّف متوالية دون أن يقسِّمها إلى أقسام ثلاثة وإن كان الاشتراك أو الاختصاص معلومين في ثنايا البحث.
وقبل الخوض في المقصود ندرس الآيات المتعلّقة بالصيد في حالتي الإحرام والإحلال والواردة في الذكر الحكيم:

1 . بداية المجتهد:1/326.
2 . الشرح الكبير المطبوع في ذيل المغني:2/262.

صفحه 12

الآية الأُولى:

قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُريدُ).1
والآية تتضمن أحكاماً هي:
1. إيجاب الوفاء بالعقد قال: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ).
2. أحلّ اللّه سبحانه بهيمة الأنعام كلّها، وقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعام)رداً على سنن العرب في الأنعام من تحريم: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والّتي حرمتها العرب وأحلّها الذكر الحكيم. والبهيمة تطلق لذي أربع، سمّيت بذلك لإبهامها من جهة نقص فمها ونطقها.
3. ( إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ ) تضمّنت الجملة استثناءً مبهماً من حلّية بهيمة الأنعام، والمستثنى هو الوارد في الآية التالية من هذه السورة، قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخُنْزِيرِ).2
4. (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)استثناء بعد استثناء حيث استثنى من حلّية البهيمة ما يصطاد في حالة الإحرام، والمعنى غير مستحلّين اصطياد البهيمة في حال الإحرام، وإطلاق الآية يدلّ على حرمة اصطياد البرّي والبحري منها في حال الإحرام، وسيوافيك تخصيصها بصيد البر دون البحر.

1 . المائدة:1.
2 . المائدة:3.

صفحه 13

الآية الثانية:

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ ولاَ الشَّهْرَ الْحَرامِ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَ آنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلاَ تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).1
والآية تتضمن أحكاماً نشير إليها على وجه الإيجاز:
1. (لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ ). الشعائر جمع الشعيرة، وهي من شعَرَ: إذا علم، والمراد هنا الآية والعلامة، ومعنى الآية: لا تحلّوا معالم حدود اللّه ولا تتعدوا حدود اللّه.
2. (ولاَ الشَّهْرَ الْحَرام) بمعنى لا تستحلّوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين.
3. (وَلاَ الْهَدْي) أي لا تستحلّوا الهدي، وهو ما يهديه الإنسان من بعير أو بقرة أو شاة إلى بيت اللّه تقرباً إليه وطلباً لثوابه، فالمقصود لا تستحلّوا ذلك فتغضبوا أهله.
4.(وَلاَ الْقَلائِد) يريد بها الهدي المقلّد، لأنّ الهدي على قسمين بين مقلّد وغير مقلّد.

1 . المائدة:2.

صفحه 14
5.(وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) جمع آمّ، وهو اسم فاعل من أمّ إذا قصد، والمراد ألاّ تتعرضوا القاصدين لزيارة البيت الحرام في حال أنّهم (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً).
6. (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فالجملة تدلّ على حرمة الصيد حال الإحرام وإنّما يرتفع الحظر بعد الإحلال. وبما أنّ الأمر (فاصطادوا) ورد بعد النهي فلا يفيد إلاّ مجرّد رفع الحظر لا وجوب الصيد.
والآية بمفهومها تدلّ على حرمة الاصطياد في حال الإحرام، من غير فرق بين الصيد البرّي والبحري كالآية التالية.

الآية الثالثة:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).1
لقد حرّم اللّه تعالى على المحرم الصيد من غير فرق بين البري والبحري، والمراد من القتل كلّ فعل يُفيت الروح، فيعم النحر والذبح والخنق والرضخ، فحرّم اللّه على المحرم في الصيد كلّ فعل يكون مفيتاً للروح، وإطلاق هذه الآية كالآية السابقة يحرّم الصيد مطلقاً برياً أو بحرياً.

الآية الرابعة:

قـال تعـالى: (أُحِـلَّ لَكُمْ صَيْـدُ الْبَحْـرِ وَطَعـامُـهُ مَتَـاعـاً لَكُـمْ وَلِلسَّيَّـارَةِ وَحُـرِّمَ عَلَيْكُـمْ صَيْـدُ الْبَـرِّ مَـا دُمْتُـمْ حُـرُماً وَاتَّقُـوا اللّهَ الّـذِي إِلَيْـهِ

1 . المائدة:95.

صفحه 15
تُحْشَـرُونَ).1
الآية تفصّل بين صيد البحر فتحكم بتحليله، وهو كلّ ما صيد من حيتانه، والمراد من الصيد هنا هو (المصيد) وذلك لوجهين:
1. عطف قوله: (وطعامه) أي طعام البحر، فيكون قرينة على أنّ المراد بصيد البحر، مصيده.
2. قوله:(مَتاعاً لَكُمْ وللسّيّارةِ) فإنّ الظاهر أنّه منصوب لأجل كونه حالاً من كلا الأمرين: صيد البحر وطعامه، متمتعين من مصيد البحر وطعامه. نعم تلك الحرمة تعلّقت بالأعيان لأجل تحريم منافعها كما في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)2. فأُضيف الصيد إلى البحر لكون مكانه فيه. فتكون الآية مخصّصة، لما سبق من الآيتين الظاهرتين في تحريم الصيد مطلقاً، بريّاً كان أو بحريّاً.
وأمّا قوله: (وطعامه) أي طعام البحر ففيه احتمالات:
1. طعام البحر : ما لفظه البحر إلى الساحل وطفا عليه.
2. هو السمك المملوح الصالح للأكل.
3. طعامه: ملحه الّذي ينعقد في مائه.3 والأوّل ميتة لا يناسب أُصول الإمامية، والثالث بعيد، فتعيّن الثاني.
فصار كالمقتات من الأغذية فيكون المراد بصيد البحر الطري وبطعامه

1 . المائدة:96.
2 . المائدة:3.
3 . مجمع البيان:2/296بتلخيص.

صفحه 16
المملوح.
وأمّا قوله: (مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة) أي منفعة للمقيم والمسافر.
وأمّا قوله: (وحرّم عليكم صيد البَرّ)فالظاهر أنّ المراد هو المصيد بقرينة صدر الآية، فالآية دليل على حرمة الأكل لا على حرمة الاصطياد.

الآية الخامسة:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيء مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ).1
وفي الآية تفصيل أيضاً لما أُجمل في أوّل السورة في قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ...)، وقد فصلها في هذه الآية وقال: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيء مِنَ الصَّيْدِ )، أي يحرم صيد البر من غير فرق بين ما تناله أيديكم، نظير فراخ الطير وصغار الوحش والبيض، والّذي تناله الرماح الكبار من الصيد.
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد رفعه في قول اللّه تبارك وتعالى: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُم) قال: ما تنال الأيدي البيض والفراخ، وما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي.
ويؤكد ذلك ما ورد في لزوم الكفّارة في كسر بيض النعّام أو القطاة.2

1 . المائدة:94.
2 . راجع الوسائل:9، الباب24 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث4.

صفحه 17
الأوّل: صيد البر، اصطياداً وأكلاً ـ ولو صاده مُحلٌّ ـ و إشارة ودلالة وإغلاقاً وذبحاً وفرخاً وبيضة. *
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة المتن، وفيه فروع.

* الفرع الأوّل: حرمة الصيد

أقول: الصيد كلّ الوحش أُكل أو لم يؤكل، وهو قول أهل العراق واستدلّوا بما ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام):
صَيـدُ الملوك إرانبُ وثعـالبُ *** فإذا ركبْتُ فصيدي الأبطالُ1
وهو مذهب الإمامية، وخصّهُ الشافعي بكلّ ما يحرم، وعلى كلّ تقدير يحرم الصيد على المحرم، سواء كان مأكولاً أو لا، كالسباع وسيوافيك الكلام في حرمة صيد السباع في آخر الفصل.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الظاهر في المتن كسائر المتون الفقهية أنّه تحرم الأُمور الستة التالية، أعني: الاصطياد، والذبح، والأكل، والإشارة، والدلالة، والإغلاق.
أمّا الثلاثة الأُولى فتكفي في حرمتها، الآيات الماضية: أعني قوله سبحانه:
1. (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).2 وهو دليل على حرمة أكل الصيد كما مرّ.

1 . مجمع البيان:2/248.
2 . المائدة:96.

صفحه 18
2. وقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فيدلّ مفهومه على حرمة الاصطياد مادام محرماً.
3. وقوله تعالى: (لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، والذبح من أنواع القتل.
4. وقوله عزّ وجلّ:(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ) والصيد فيه بمعنى «المصيد»، أي يحلّ أكل المصيد البحري ومملوحه، بخلاف البري فيحرم أكله مطلقاً.
هذا من غير فرق بين ما صاده بنفسه أو غيره، لإطلاق الآية وهو المروي عن علي(عليه السلام)ولفيف من الصحابة.

حرمة الإشارة والدلالة والإغلاق

إلى هنا تبيّنت حرمة الاصطياد وذبح المصيد وأكله، غير أنّ الظاهر من كلمات الفقهاء ـ و منهم المصنّف ـ أنّ الممنوع أعمّ من الأُمور الثلاثة حيث تحرم الإشارة والدلالة والإغلاق.
قال العلاّمة في «التذكرة»: وصيد البر حرام على المحرم، اصطياداً وإعلاماً وقتلاً وإشارة ودلالة وإغلاقاً، وبإجماع العلماء للنصّ والإجماع.1
فيحرم على المحرم الإشارة والدلالة والإغلاق، للصيد، سواء كان الصائد محلاً أو محرماً.
وتدلّ عليه وراء الإجماع المحكي، روايات:
1. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:»لا تستحلنّ شيئاً من الصيد

1 . التذكرة:7/264.

صفحه 19
وأنت حرام، ولا وأنت حلال في الحرم، ولا تدلنّ عليه مُحِلاً ولا مُحرماً فيصطاده، ولا تُشِر إليه فيستحلَّ من أجلك، فإنّ فيه فداء لمن تعمّده».1
المهم في المقام، تحديد دلالة الرواية فنقول: إنّ لفظة «الصيد» من قوله: «لا تستحلن شيئاً من الصيد» ـ بعد تقييده بالبرّي ـ يحتمل وجهين:
1. أن يراد به المعنى المصدري أي عملية الصيد، فتكون دليلاً على حرمة أنواع الصيد وأنحائه، أعني: الصيد والدلالة والإشارة والإغلاق والذبح. وعلى هذا لابدّ من القول بالاستخدام في ضمير قوله: «لا تدلنّ عليه محرماً» فإنّ الضمير يرجع إلى المصيد لا إلى الاصطياد.
2. أن يراد به المعنى المفعولي أي الحيوان المصيد، ويكون المقصود تحريم عامّة أجزائه من اللحم والشحم والقدر المتيقن هو الأكل، ويكون الضمير في قوله «لا تدلنّ عليه» راجعاً إليه من دون حاجة إلى الاستخدام. فتكون دليلاً على حرمة أكله، بل مطلق الانتفاع به.
وتدل على حرمة الدلالة، والإشارة، بالمنطوق لقوله: «ولا تدلّنّ» و«لا تشر». نعم لا تدلّ على حرمة الإغلاق الّذي هو من أنحاء عملية الصيد. ويمكن أن يقال: إذا حرمت الدلالة والإشارة فيكون الإغلاق أولى بالحرمة، لأنّ مقدّميته للاصطياد أقوى منهما، وسيوافيك بيانه.
ولعلّ الفرق بين الدلالة والإشارة هو غيبة المصيد في الأُولى وحضوره في الثانية.
ولأجل ابتعاد الدالّ عن المصيد نسب الاصطياد فيه إلى الصائد وقال:

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 20
«فيصطـاده» بخـلاف الإشارة فإنّ حضـور المحرم قريباً من المصيـد صار لئن يعدّ المشير سبباً لاستحلال الصائد كما قال: «ولا تشر إليه فيستحلّ من أجلك».
نعم ذكر صاحب المدارك فرقاً آخر قال: الدلالة أعمّ من الإشارة لتحقّقها بالإشارة بشيء من أجزاء البدن والكتابة والقول، واختصاص الإشارة بأجزاء البدن.1
وعلى ما ذكره يكون من قبيل ذكر الخاص بعد العام، ولعلّ ما ذكرناه أظهر.
وأمّا تخصيص الدلالة والإشارة بالذكر، لأنّهما من المقدّمات الخفيّة للصيد، فإذا حرمتا، تحرم المقدّمات الواضحة، كإعطاء السلاح، وتنظيمه وغيرهما ممّا يتوقّف عليه الصيد.
ولعلّ الأفعال فيها يثبت حرمة أيّة إعانة للصيد وإن كان الصائد محلاً.
2. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال في قوله عزّ وجلّ:(لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْء مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)2. قال: »حُشرتْ لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في عمرة الحديبية الوحوشُ حتّى نالتها أيديهم ورماحهم».3
فلو أُريد من «الصيد» عملية الصيد، يلزم ارتكاب الاستخدام في ضمير

1 . المدارك:7/305.
2 . المائدة:94.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 21
«تناله» فإنّه يرجع إلى المصيد، وإن أُريد به «المعنى المفعولي أي المصيد» يلزم المجاز في «الصيد الذي بمعنى الصيد» حيث أُريد به ما من شأنه أن يصاد، لا أنّه مصيد بالفعل بقرينة قوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)، فهو دليل على أنّه بعدُ لَم يُصد.
3. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«المحرم لا يدلّ على الصيد».1ويحتمل أن يراد من الصيد، المعنى المصدري، أو المفعولي. وعلى كلّ تقدير تحرم الدلالة والإرشاد إليه مطلقاً، سواء ترتّب عليه الاصطياد أو لا، بل تكفي الشأنية.
4. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «واجتنب في إحرامك صيد البرّ كلّه، ولا تأكل ممّا صاده غيرك، ولا تشر إليه فيصيده».2 وأُريد من الصيد، المعنى المفعولي بقرينة قوله: «صيد البرّ»، لأنّه بهذا المعنى ينقسم إلى البري والبحري، لا بالمعنى المصدري، والحديث يدلّ على حرمة أكله والإشارة إليه.
ووصفنا الرواية بالخبر، لوقوع محمد بن عمر بن يزيد في طريقه، إذ لم يوثّق، وإن كان الأب موثّقاً.
5. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «إذا فرض على نفسه الحجّ ثمّ أتمّ بالتلبية فقد حرم عليه الصيد وغيره ووجب عليه في فعله، ما يجب على المحرم».3 والحديث يدلّ على حرمة الصيد بالمعنى

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.

صفحه 22
المصدري.
6. صحيحه الثاني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا تأكل شيئاً من الصيد وأنت محرم وإن صاده حلال».1
7. صحيحه الثالث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا تأكل من الصيد وأنت حرام وإن كان أصابه محل».2
دلّ الصحيحان على حرمة أكل المصيد وإن صاده غيره وكان محلاً فضلاً عن كونه محرماً.
8. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «المحرم لا يُدلُّ على الصيد، فإن دلّ عليه فقتل فعليه الفداء».3
هذه الروايات تدلّ بمضامينها المطابقية تارة على حرمة الصيد بالمعنى المصدري وأُخرى على حرمة أكل المصيد مطلقاً ـ صاده هو أو غيره ـ و على حرمة الدلالة والإشارة.
بقي الكلام في حرمة الإغلاق، وإعارة السلاح، وإعانته في الصيد، فالجميع حرام بوجه أولى، فإنّه إذا كانت الإشارة حراماً، فإغلاق الباب على الصيد، ليصيده هو أو غيره وإعارة السلاح وإعانته في الصيد يكون حراماً بطريق أولى. وقد تقدّم الكلام في ذلك عند دراسة صحيح الحلبي، فلاحظ.

1 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2و3.
2 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2و3.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 23

حرمة ذبحه

وأمّا الذبح، فيدلّ على حرمته ما سيوافيك من أنّه لو ذبحه المحرم يكون ميتة، فالعمل الموجب لكون الحيوان ميتة حرام ـ مضافاً ـ إلى الأولوية، لأنّه إذا كانت الإشارة حراماً فالذبح أولى أن يكون حراماً.

حرمة الفرخ والبيضة

كما يحرم صيد البرّ، يحرم فرخه وبيضه.
قال المحقّق: وكذا يحرم فرخه وبيضه.1
وقال النراقي: كما يحرم الصيد، يحرم فرخه وبيضه، بلا خلاف يعلم كما في «الذخيرة»، بل عن «التذكرة» و في «شرح المفاتيح» الإجماع عليه، وتدلّ عليه الروايات المتضمّنة لثبوت الكفّارة فيه.2
وقال في «الجواهر»: بعد قول المحقّق «وكذا يحرم فرخه وبيضه»: أكلاً، وإتلافاً، مباشرة، ودلالة، وإعانة، بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، بل في «المنتهى» أنّه قول كلّ من يحفظ عنه العلم.3
وعلى أي تقدير فهما حراماً، سواء أصدق على أخذهما والاستيلاء عليهما الصيد، أو لا.
ويمكن الاستدلال بأمرين:

1 . الشرائع:1/249.
2 . المستند:11/341.
3 . الجواهر:18/293.

صفحه 24
فلو ذبحه كان ميتة على المشهور، وهو أحوط*
1. مرفوعة أحمد بن محمد في قول اللّه تبارك وتعالى: (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) قال: «ما تناله الأيدي: البيض والفراخ» .1
2. الروايات المستفيضة على وجوب الفدية في الفرخ والبيضة.
روى عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«... وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم».2

* الفرع الثاني: ذبح المحرم المصيد في الحلّ:

واعلم أنّه لو ذبح المحرم، الصيد في الحل، يترتّب عليه حكمان:
1. حرمة أكله على المحرم والمحل.
2. صيرورته ميتة.
ولأجل إيضاح المقام نبحث عن كلّ مستقلاً، خلافاً لكلمات الأصحاب.

1. حرمة أكله على المحرم والمحلّ

الموضوع لكلا الحكمين (حرمة أكله، وكونه ميتة) هو الذبح لا مطلق القتل، ولو بالرمي أو إغراء الكلب، ولذلك خصّ المصنّف «الذبح» بالذكر دون سائر أدوات القتل، كالرمي أو إغراء الكلب وغيرهما، لأنّه هو الموضوع في كلمات الأصحاب، لا غيره، وإليك نزراً منها:

1 . الوسائل:9، الباب1 من تروك الإحرام، الحديث4.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث1، ولاحظ الحديث4و 7.

صفحه 25
1. قال الشيخ: ولا يجوز لإنسان، الصيد، ولا الإشارة إليه، ولا أكل ما صاده غيره ولا يجوز له أن يذبح شيئاً من الصيد، فإن ذبحه كان ميتاً ولم يجز لأحد أكله.1
جاء في كلامه كلا الحكمين معاً، وقدّم الثاني على الأوّل.
2. وقال القاضي: والصيد والذبح بشيء منه والدلالة عليه والإشارة إليه وأكل لحم الصيد وإن كان من صيد غيره.2
3. وقال ابن إدريس: ولا يجوز له أن يذبح شيئاً من الصيد فإن ذبحه كان حكمه، حكم الميتة، لا يجوز لأحد أكله.3
وكلامه نظير كلام الشيخ في التصريح بكلا الحكمين.
والغرض من نقل الكلمات هو إلفات النظر إلى خصوص حرمة أكله، وأمّا صيرورته ميتة فسيوافيك الكلام فيها كما يأتي أيضاً كلام العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» عند التكلّم في الحكم الثاني، أعني: كونه ميتة.
وقال في «الجواهر»: إنّه المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينقل الخلاف فيه بعضُ من عادته نقله وإن ضعف.4
ثمّ إنّ الموضوع هو ذبح المحرم الصيدَ في الحلّ، فهل هو حرام على المحرم والمحلّ، سواء كان الذابح هو الصائد، أو كان الصائد غيره، وسواء كان الغير محرماً أو محلاً.

1 . النهاية:220.
2 . المهذب:1/220.
3 . السرائر:1/546.
4 . الجواهر:18/288.

صفحه 26
وأمّا المذبوح في الحرم، فهو خارج عن محط البحث، إذ لا كلام أنّه حرام على المحرم والمحلّ.
قد استدلّ على كونه حراماً بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الاستدلال بالروايات

قد استدلّ على كونه حراماً للمحرم وغيره بروايات نذكرها:
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (صاحب نوادر الحكمة)، عن أبي جعفر أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (الثقة)، عن أبيه (الثقة)، عن وهب بن وهب (الضعيف)، عن جعفر، عن أبيه، عن علي قال:«إذا ذبح المحرمُ الصيدَ لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة، وإذا ذُبح الصيدُ في الحرم فهو ميتة، حلال ذبحه أم حرام».1
والاحتجاج بالرواية رهن تمامية السند والدلالة.
أمّا الأوّل فضعفه ظاهر، لأجل وهب بن وهب البختري.
وأمّا الدلالة فهي جيدة، فإنّ تقييد الشقّ الثاني بقوله«في الحرم» قرينة على أنّ الذبح في الشق الأوّل وقع في الحلّ، فتدلّ بالإطلاق على أنّ المذبوح، لا يحل، لا على المحرم، ولا على المحل، سواء كان الصائد هو نفسه، أو كان الصائد غيره، سواء كان الغير محرماً، أو محلاً.
وخصّ الذابح في الشق الأوّل بالمحرم وعمّمه في الثاني لنكتة سيوافيك بيانها في الرواية الثانية.

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 27
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب(الّذي قال النجاشي في حقّه: «من وجوه أصحابنا، مشهور كثير العلم والحديث» وحسّنه في الوجيزة)، عن إسحاق بن عمّار (الفطحي الثقة، فتصبح الرواية كالموثّقة) عن جعفر(عليه السلام): أنّ علياً كان يقول: «إذا ذبحَ المحرمُ الصيدَ في غير الحرم فهو ميتة، لا يأكله محلّ ولا محرم; وإذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة، لا يأكله محل ولا محرم».1
والرواية موثّقة لوقوع إسحاق بن عمّار في السند، ودلالته على حرمة أكله على المحل والمحرم لفظية، ودلالته على الأعم من كون المحرم هو الصائد أو الصائد غيره، وسواء كان الغير محرماً أو محلاً، بالإطلاق، وأمّا الذيل فهو خارج عن محط البحث وإنّما خصّ ذبح المحلّ بالذكر، لأجل أنّه إذا كان ذبح المحلّ حراماً، فذبح المُحرِم بوجه أولى.
3. ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى(الثقة)، عن أبي أحمد ـ ابن أبي عمير ـ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه، أيطعمه أو يطرحه؟ قال:«إذاً يكون عليه فداء آخر»، قلت: فما يصنع به؟ قال: «يدفنه».2 والسند لا بأس به لاعتبار مراسيل ابن أبي عمير، كما حقّقناه في محلّه.
وأمّا الدلالة فتختلف الرواية عمّا سبق من الروايتين بوجوه:
أ. الموضوع فيها هو إصابة الصيد، لا خصوص ذبحه فيعمّ، إذا كان

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 28
بالرمي أو إغراء الكلاب المعلّمة الكلب. ولكن تحمل على خصوص «الذبح» حملَ المطلق على المقيّد، ولكونه القدر المتيقّن من الروايات وكلمات الأصحاب.
ب. إطلاق الرواية يعمّ المذبوح في الحل والحرم معاً، وإن كان الأوّل هو المطروح.
ج. الظاهر أنّ قوله: «فيطعمـه» بصيغة المعلوم، مثل قوله: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْـهُ فَإِنَّهُ مِنّي)1، فيكون دليلاً على حرمة أكل المحرم لا المحـل، يحتمل أن يكـون من باب الأفعال، أي يُطعـم الغيـر، ويشهـد عليه أمـره بالدفـن لئلاّ يكون سبباً لأكل الغير.
وبعبارة أُخرى: إذا حرم جعله في متناول الغير، يدلّ بالملازمة على حرمة أكله له.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالروايات، وهي الدليل الوحيد في المقام دون ما يأتي الآن.

الثاني: التسمية لا تجتمع مع ما حرّم اللّه

استدلّ على أنّ مذبوح المحرم حرام أكله بدليل آخر، وهو أنّ التذكية إنّما تتحقّق بذكر اللّه على ذبحه، ولا معنى لذكره سبحانه على ما حرّمه، فتكون التسمية لغواً فتدخل حكماً في قوله سبحانه: (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).2

1 . البقرة: 249.
2 . الأنعام:121.

صفحه 29
فإن قلت: لازم ذلك أنّه إذا ذبحه السارق أو الغاصب يكون ميتة.
قلت: إنّ القياس باطل، لأنّ التحريم فيهما لأجل حقّ الناس، دون المقام لأنّه حق اللّه سبحانه.1
يلاحظ عليه: أنّ الذبح ليس أمراً عبادياً حتّى لا يتمشّى من الذابح المحرم، وليس ذكر التسمية أمراً عبادياً حتّى لا يتحقّق مع العلم بالحرمة.

الثالث: ترجيح الميتة على الصيد

يستفاد من بعض الروايات أنّه إذا دار الأمر بدفع الاضطرار بين الميتة وصيد المحرم تقدّم الأُولى.
روى إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام) أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول:«إذا اضطر المحرم إلى الصيد أو إلى الميتة، فليأكل الميتة الّتي أحل اللّه له ».2
يلاحظ عليه: أنّ هذه الروايات تعارض ما دلّ على العكس، أي تقديم الصيد على الميتة.
ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يضطرّ فيجد الميتة والصيد أيّهما يأكل؟ قال: «يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله».
قلت: بلى؟ قال: «إنّما عليه الفداء فليأكل وليفده».3

1 . التذكرة:7/273.
2 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 11. ولاحظ الحديث 8و 12.
3 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث1. ولاحظ الحديث2و 3و 4و ....

صفحه 30
إلى هنا تبيّن أنّ الدليل الوحيد على أنّ المذبوح في الحلّ بيد المحرم يحرم له ولغيره، هو الروايات من غير فرق بين أن يكون هو الصائد أو يكون الصائد غيره، ومن غير فرق بين أن يكون محلاً أو محرماً.

ما يدلّ على كونه حلالاً للمحلّ

ثمّ إنّ هنا روايات تعارض بظاهرها ما دلّ على حلّيته بخصوص المحل، وقد أفتى به الصدوق في «المقنع»، وإليك دراستها، مع توضيح نسبة كلّ واحدة، مع ما دلّ على الحرمة.
1. صحيح منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل أصاب من صيد أصابه محرم وهو حلال؟ قال: «فليأكل منه الحلال، وليس عليه شيء، إنّما الفداء على المحرم».1
أمّا فقه الحديث: فيحتمل أن يكون «من» في قوله: «أصاب من صيد» زائدة، كما يحتمل أن تكون تبعيضية، ولكن الإصابة أعمّ من الذبح والقتل بالآلة أو بإرسال الجوارح والاستيلاء عليه، وتمكين المحلّ من ذبحه.
والرواية بإطلاقها تدلّ على حليّة المصيد في هذه الصور للحلال، فتكون النسبة بين إطلاقها الشامل للأقسام الأربعة للإصابة، وما دلّ على الحرمة في صورة الذبح هو نسبة العموم والخصوص المطلق، فيقيد إطلاقها بما دلّ على التحريم.
2. صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا أصاب المحرم

1 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 31
الصيد في الحرم وهو محرم، فإنّه ينبغي له أن يدفنه ولا يأكله أحد; وإذا أصاب في الحل، فإنّ الحلال يأكله وعليه هو الفداء».1
إنّ الذبح في الحرم الّذي يتضمّنه الصدر خارج عن موضوع البحث، وإنّمـا الكـلام في المـذبوح في الحـل، وهـو يـدلّ بـإطلاقـه على حلّيتـه للمحـل في عامّـة الصـور ذبحـاً أو قتلـاً بالآلـة أو بالجـوارح، أو استيـلاء عليه ودفعه إلى الغير، ويخصّص إطلاقها بما دلّ على الحرمة في صورة الذبح.
3. خبر منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل أصاب صيداً وهو محرم آكل منه وأنا حلال؟ قال: «أنا كنت فاعلاً» قلت له: فرجل أصاب مالاً حراماً؟ فقال: «ليس هذا مثل هذا ـ يرحمك اللّه ـ أنّ ذلك عليه».2
والكلام في هذه الرواية إطلاقاً وتقييداً كالكلام في الحديثين السابقين، ثمّ إنّ الإمام دفع وهم الراوي حيث تعجب عن تحليل أكله وتصور أنّه كأكل المغصوب، ففرّق الإمام بينهما.
4. صحيح حريز قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم أصاب صيداً أيأكل منه المحلّ؟ فقال: «ليس على المحل شيء، إنّما الفداء على المحرم».3
5. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل أصاب

1 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
3 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 32
صيداً وهو محرم أيأكل منه الحلال؟ فقال: «لا بأس إنّما الفداء على المحرم».1
والجمع بين هذه الرواية وما دلّ على الحرمة نفس الجمع كما سبق.
6. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم أصاب صيداً وأهدى إليّ منه؟ قال: «لا، إنّه صيد في الحرم».2
وتعليـل الحرمة بأنّه صيد في الحرم، يدلّ على أنّه لو قتل في خارجه يكـون حلالاً، ولـو كان الصيد فـي الحـل والحرم متحـدي الحكم لكان التعليل غير واضح; والجمع بينها،وبين ما يدلّ على الحرمة هو نفس الجمع السابق.
7. صحيح الحلبي قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، ويتصدّق بالصيد على مسكين.3
ومحل الاستدلال قوله: «ويتصدّق بالصيد على مسكين» فالظاهر أنّ (الصيد) بمعنى المصيد، فلو كان أكله حراماً على الغير فما معنى تصدّقه للغير؟!
يلاحظ عليه بوجهين:
1. انّه غير مسند ولا مضمر ولا مرسل، إذ القائل في قوله: «قال» مجهول.
2. يمكن الجمع بأنّ عنوان القتل غير عنوان الذبح، فالأوّل يعمّ الرمي

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب10من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.

صفحه 33
وإرسال الكلب، والذبح، فلا محيص من تقييد إطلاقه بما سبق، فيقيد إطلاقه بما سبق.
فإن قلت: ورد في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) لفظ الإصابة وحكم الإمام في صورة الإصابة التي بها أقسام أربعة بدفنه الملازم لحرمته على الغير حيث قال: قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه أيطعمه أم يطرحه؟ قال: «إذاً يكون عليه فداء آخر»، قلت: فما يصنع به؟ قال: «يدفنه».1 فلو أخذنا بظهور الحديث يكون الموضوع أعمّ من الذبح.
قلت: لا محيص في مقام الجمع بحمل الإصابة فيه على الذبح.
إلى هنا تبيّـن أنّه لا تعارض بين الطائفتين، وانّ الحرام على الحلال، هو المذبوح بيد المحرم، وأمّا الحلال هو ما أصاب به المحرم، والإصابة أعمّ من الأقسام الأربعة، فيقيد إطلاقها بما دلّ على حرمة المذبوح بيد المحرم عليه وعلى المحل.
وما ذكرنا من الجمع هو الذي نقله صاحب الجواهر عن الشيخ وقال: بل عن الشيخ احتمال التفصيل بين الذبح والتذكية بالرمي، فالأوّل ميتة بخلاف الثاني الذي يمكن حمل النصوص (الدالّة على حلّيته للمحل) عليه. بل قيل: إنّه ظاهر اختيار المفيد في «المقنعة».2
ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى جمع آخر وحاصله: حمل الروايات المحرّمة على ما إذا كان القتل والذبح بيد المحرم، والروايات المحلّة على ما إذا كان القتل والذبح بيد المحلّ وإنّما قام المحرم بالأخذ والدفع إلى المحل. قال: لاحتمال إرادة غير القتل

1 . الوسائل:9، الباب10من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الجواهر:18/291.

صفحه 34
من الإصابة فيكون المحل هو المذكّي له و إن كان رماه المحرم.1
يلاحظ على الجمع الثاني أنّه على خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر فيها أنّ المحرم قام بعامّة العمليات ثمّ أهداه إلى الغير أو غير ذلك.
ولو قلنا بأنّ المقام من مصاديق الجمع فالأوّل هو المتعيّن.
هذا إذا قلنا بالجمع الدلالي بين الطائفتين، وأمّا إذا لم نقل به فتصل النوبة إلى المرجّحات، ومن المعلوم أنّ الترجيح بالشهرة من أقوى المرجّحات، وقد عملت الطائفة بالروايات الأُولى في خصوص مورد الذبح، وقد قلنا في صدر المسألة: إنّ مصب البحث هو الذبح لا الرمي ولا إرسال الكلاب ولا الاستيلاء ودفعه إلى المحلّ.
إلى هنا ثبت حرمة المذبوح في الحل بيد المحرم للمحرم والمحل. وإليك الكلام في كونه ميتة.

2. صيرورة المذبوح ميتة

هذا هو الأثر الثاني لمذبوح المحرم، ولنذكر بعض الكلمات:
قال المحقّق: ولو ذبحه (المحرم) كان ميتة حراماً على المحلّ والمحرم.2
وقال العلاّمة في«التذكرة»: لو ذبح المحرم الصيد، كان حراماً لا يحلُّ أكله للمحلّ ولا للمحرم، ويصير ميتة، يحرم أكله على جميع الناس. ذهب إليه علماؤنا أجمع. وبه قال: الحسن البصري وسالم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي; لأنّه حيوان حَرُم عليه ذبحه لحرمة الإحرام وحقّ اللّه

1 . الجواهر:18/291.
2 . الشرائع:1/249.

صفحه 35
تعالى، فلا يُحلّ بذبحه، كالمجوسي، ثمّ نقل عن الشافعي قولين: قول قديم يحل لغيره الأكل منه.1
وقال في «المنتهى»: ولو ذبحه المحرم كان حراماً لا يحلّ أكله للمحرم ولا للمحلّ فيصير ميتة ويحرم أكله على جميع الناس ذهب إليه علماؤنا أجمع ، إلى آخر ما ذكره في «التذكرة» ثمّ إنّه نقل فيهما استدلال القائل بالخلاف على كونه حلالاً للمحل بأنّ الذبح حرام أمّا الأكل فلا، فكان بمنزلة السارق، إذا ذبح. ثمّ أجاب بالفرق بينه و بين ذبح السارق بأنّ التحريم هنا لحقّ اللّه تعالى فكان كالميتة بخلاف السارق.
وقد نقل2 في «الجواهر» كونه ميتة عن الشيخ والحلّي والقاضي ويحيى بن سعيد وأضاف أنّه المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينقل الخلاف فيه بعض من عادته نقله وإن ضعف.3
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على كونه ميتة بروايات ثلاث مرت عند الكلام في الأثر الأوّل نأتي بها على وجه الإيجاز:
1. ففي موثّقة إسحاق بن عمّار (الفطحي) عن جعفر(عليه السلام): أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحل ولا مُحرم، وإذا ذبح المُحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحل ولا مُحرم».4
2. وفي خبر وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال:«إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة، وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام».5

1 . التذكرة: 7/272.
2 . المنتهى:2/803.
3 . الجواهر:18/288.
4 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5و 4.
5 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5و 4.

صفحه 36
والفقرة الأُولى بقرينة الرواية الأُولى وبحكم مقابلتها مع الفقرة الثانية، محمولة على ما إذا ذبحه المحل في غير الحرم: ولعلّ التفريق بين الذبح في غير الحرم فهو كالميتة والذبح في الحرم فهو ميتة، لأجل تغليظ الحرمة في الثانية وإلاّ فهو ميتة في كلا الموردين.
3. ما ورد في الأمر بالدفن في مرسل ابن أبي عمير1، وقد تقدّم نقله ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّ وصفه بالميتة حقيقي أو تنزيلي؟

هل هو ميتة حقيقة أو ميتة تنزيلاً؟

إنّ الميتة الحقيقية التي وردت في الذكر الحكيم هي ما مات حتف أنفه، وقد وردت في مقابل سائر المحرمات، مثل ذبح على النصب (مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ).2
وإطلاق الميتة على غيره إنّما هو بنوع من المجاز والمناسبة.
وعلى ضوء ما ذكر فمصيد المُحرِم ليست ميتة لغوية، بل هي ميتة تنزيلية، وعندئذ يقع الكلام في وجه التنزيل، فهل هو عامّة آثار الميتة في حرمة أكلها وبيعها، والانتفاع بها، ونجاستها وخروجها عن المالية والملكية إلى غير ذلك من الأحكام، أو أظهر آثارها المطلوبة في المقام وهو الأكل؟ وجهان.
والظاهر هو الثاني لوجوه:
1. ما ورد في رواية إسحاق بعد قوله: «فهو ميتة» قوله: «لا يأكله محل ولا محرم».

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
2 . الأنعام:121. ولاحظ البقرة:173، والمائدة:3، والنحل:115.

صفحه 37
وعلى ذلك فيحلّ شعره ووبره وجلده وكلّ ما لا يتعلّق بالأكل.
2. ما أوردناه من الروايات فيما إذا دار أمر المضطر على سد الجوع بالمصيد أو الميتة، وانّه يقدم الصيد على الميتة.1 وهذا دليل على أنّه ليس ميتة ولا كالميتة في جميع الآثار.
3. انّ الروايات2 تركّز على خصوص الأكل منعاً وجوازاً، ربّما يكون هذا قرينة على أنّ الحكم بكونه ميتة، تنزيلي في أظهر الخواص لا في عامّة الخواص، وبذلك يظهر وجه احتياط المصنّف، حيث قال: «فلو ذبحه كان ميتة على المشهور وهو أحوط» والظاهر أنّ الاحتياط يرجع إلى وصفه بالميتة لا في تحريم أكله على المحرم والمحل.
4. ما ورد في الروايات التي تصرّح بتقديم صيد المحرم على الميتة من أنّه مال الصائد، فلو كان ميتة حقيقة أو في عامة الآثار لما خرج عن الملكية.
ففي موثّقة يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه عن المضطرّ إلى الميتة وهو يجد الصيد؟ قال: «يأكل الصيد» . قلت: «إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أحلّ له الميتة إذا اضطرّ إليها ولم يحلّ له الصيد؟ قال: »تأكل من مالك أحبّ إليك أو ميتة؟« قلت: من مالي. قال: »هو مالك، لأنّ عليك فداؤه».3
فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ المذبوح في الحلّ يحرم على المحرم والمحل، لكن المصيد بغير الذبح كالرمي وإرسال الكلب المعلّم يحرم على المحرم دون المحل، وإن كان الأحوط هو الاجتناب مطلقاً.

1 . لاحظ الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 1و 2 و 3و 4 و....
2 . لاحظ الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 2، 3، 4، 5.
3 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2. ولاحظ أيضاً الحديث 5 و 6 و 9.

صفحه 38
الثالث: والطيور حتّى الجراد بحكم الصيد البرّي.*
وأمّا الاحتياط في كلام المصنّف (قدس سره)فهو راجع إلى تنزيل المذبوح بيد المحرم منزلة الميتة في جميع الآثار، وأمّا بعضها كحرمة الأكل فليس بموضع تردّد.

* الفرع الثالث: الطيور والجراد بحكم الصيد البرّي

لا يؤثر الإحرام ولا الحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي وإن توحّش، كالإبل والبقر والغنم على المحرم، وعلى ذلك يجوز ذبح الدجاج الأهلي للمحل والمحرم، وأكلهما في الحل والحرم، وعلى ذلك فالمراد من الطيور في العبارة هي الوحشية كالغراب والحَدأة التي هي طائر من الجوارح.
وأمّا الجراد فلا إشكال في حرمة صيد الجراد وحرمة أكل لحمه، إنّما الكلام في أنّه من مقولة صيد البرّ فتكون الحرمة صيداً وأكلاً موافقاً للقاعدة، لقوله سبحانه: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)1; أو هو من مقولة صيد البحر، فتكون حرمته على خلاف القاعدة الّتي نُصّ بها في الذكر الحكيم حيث قال: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ)2، والمستفاد ممّا روي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّ الميزان في كون الصيد بحرياً عيشه تحت الماء كالسمك، وأمّا عيشه فوق الماء كما هو الحال في الجراد وبعض الطيور الأهلية ـ كالبط ـ فلا يسبّب كونه حيواناً بحريّاً، وعلى هذا، فحرمة الجراد صيداً وأكلاً موافقة للقاعدة، ولنذكر كلمات الفقهاء:
قال الشيخ في «الخلاف»: الجراد مضمون بالجزاء، فإذا قتله المحرم لزمه

1 . المائدة:96.
2 . المائدة:96.

صفحه 39
جزاؤه. وبه قال عمر، وابن عباس، وهو مذهب الشافعي.
وروي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: الجراد من صيد البحر، لا يجب به الجزاء.1
وقال العلاّمة في «التذكرة»: الجراد عندنا من صيد البرّ، يحرم قتله ويضمنه المحرم في الحل; والمحلّ في الحرم عند علمائنا، وبه قال علي(عليه السلام) وابن عباس وعمر وأكثر أهل العلم.
وقال أبو سعيد الخدري: هو من صيد البحر، وللشافعي قول غريب إنّه من صيد البحر، لأنّه يتولّد من روث السمك; وعن أحمد روايتان لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه من صيد البحر. قال أبو داود: الظاهر إنّه من صيد البرّ فوهم الراوي ـ الّذي نقل عن النبي ـ أنّه من صيد البحر.2
ويظهر من الشيخ أنّ الجراد على قسمين: بري وبحري.
قال: ويجوز للمحرم أن يأكل الجراد البحري إلاّ أنّه يلزمه الفداء.3
ولكن تجويز الأكل مع إلزام الفداء غير متلائم.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ على القول المشهور روايات تدلّ على حرمة صيده تارة من خلال حرمة أكله، وأُخرى من لزوم تنكّب الطريق إذا غطّه الجراد، وثالثة من جهة ثبوت الكفّارة، ولنذكر لكلّ رواية.
1. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام): أنّه قال: »مرّ علي ـ صلوات اللّه عليه ـ على قوم يأكلون جراداً، فقال: سبحان اللّه وأنتم محرمون!!

1 . الخلاف:2/414.
2 . التذكرة:7/281.
3 . تهذيب الأحكام:5/363.

صفحه 40
فقالوا: إنّما هو من صيد البحر فقال لهم: أرمسوه في الماء إذاً».1
فقد أفحمهم الإمام بأنّه لو صحّ ما زعمتم، فارمسوه في الماء حتّى يعيش فيه، فالرواية تدلّ على حرمة أكله بالمطابقة وحرمة صيده بالالتزام.
2. صحيح زرارة عن أحدهما(عليهما السلام)قال: «المحرم يتنكّب الجراد إذا كان على الطريق، فإن لم يجد بداً فقتل فلا شيء عليه».2 فإيجاب الكفّارة على القتل دليل على حرمته.
3. صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في محرم قتل جرادة، قال: «يطعم تمرة، وتمرة خير من جرادة».3 ولاحظ بقية روايات الباب فهي بين ما يدلّ على حرمة قتله، أو أكله أو كلاهما.4
فإن قلت: إذا كانت الضابطة لكون الصيد بحرياً، هو عيشه تحت الماء، فما معنى قوله (عليه السلام) في صحيح معاوية قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):«الجراد من البحر». وقال:«كلّ شيء أصله في البحر ويكون في البرّ والبحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله، فإن قتله فعليه الجزاء كما قال اللّه تعالى».5
قلت: المراد انّ المنشأ هو البحر كما يدلّ عليه لفظة «من البحر»، ولكنّه «يكوّن» أي يعيش في البرّ والبحر، لكن فوقه لا تحته.

1 . الوسائل: 9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب37 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4ـ5.
5 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 41
والأحوط ترك قتل الزنبور، والنحل، إن لم يقصدا إيذاءه.*

* الفرع الرابع: قتل الزنبور والنحل

لا يخفى موضوع البحث هو الصيد، وقتل الزنبور ليس داخلاً فيه موضوعاً، ولأجل ذلك صار البحث فيه استدراكياً.
قال الشيخ في «المبسوط»: ويجوز قتل صغار السباع وإن لم تكن محذورة، وقتل الزنابير والبراغيث والقمل.1
وفي «التذكرة»: روى أصحابنا أنّ الزنبور إن قتله خطأ لا شيء عليه، وإن قتله عمداً كان عليه أن يتصدّق بشيء من الطعام.2
روى معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق(عليه السلام): وسألته عن مُحرم قتل زنبوراً؟ قال: «إن كان خطأ فليس عليه شيء» قلت: لا بل متعمداً، قال: «يطعم شيئاً من الطعام» قلت: إنّه أرادني، قال: «إن أرادك فاقتله».3
وعلى ضوء هذه الرواية وغيرها الواردة في باب واحد يفرّق في الحكم التكليفي، بين قصد إيذاء الإنسان وعدمه فيجوز قتله في الأوّل دون الثاني.
كما أنّه يفرّق في الحكم الوضعي بين العمد ففيه الكفّارة والخطأ فليس عليه شيء.
ومن الأُمور المسلّمة في باب الحجّ أنّ في الصيد ـ عمده وخطئه ـ كفّارة، وأمّا المقام فقد علمت أنّه ليس من باب الصيد، فلذلك اختلف حكم الصورتين.
وقد ذكر المصنّف الحكم التكليفي دون الإشارة إلى الوضعي، أي الكفّارة

1 . المبسوط:1/338.
2 . التذكرة:7/280.
3 . الوسائل: 9، الباب8 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث1.

صفحه 42
في صورة العمد، لأنّه لم يكن بصدد بيانه.
بقي في المقام أمران:
الأوّل: حكم قتل السباع
الثاني: ما هي الضابطة لتمييز الصيد البرّي عن البحري أو بالعكس.
وإليك الكلام فيهما، معتذراً إلى القراء حيث طال كلامنا في المقام.

1. في قتل السباع واصطيادها

أجمل المصنّف الكلام في صيد البرّ لقلّة الابتلاء به، وكان عليه الإشارة إلى عموم الحكم للمأكول والمحرّم، أو اختصاصه بالأوّل، فنقول على وجه الإيجاز:
لا شكّ أنّه لا كفّارة في قتل السباع إلاّ على رواية في الأسد، سواء أرادت الإنسان أم لم ترده.
قال المحقّق: ولا كفّارة في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة، إلاّ الأسد فإنّ على قاتله كبشاً إذا لم يرده، على رواية فيها ضعف.1
وقال العلاّمة: وما ليس بمأكول أقسامه ثلاثة:
1. ما لا جزاء فيه إجماعاً، كالحية والعقرب وشبهها.
2. وما يجب الجزاء فيه عند العامّة ولا نصّ لأصحابنا فيه، كالمتولّد بين الحمار الوحشي والأهلي.
3. ومختلف كجوارح الطير وسباع البهائم، ولا يجب فيه الجزاء عندنا.2
أمّا الكلام في جواز قتلها، ذهب العلاّمة وصاحب الرياض من المتأخّرين

1 . الشرائع:1/283.
2 . التذكرة:8/280.

صفحه 43
إلى جواز قتلها.
قال الأوّل: ويجوز قتل صغار السباع وإن لم تكن محذورة.1 فإذا جاز قتل الصغار فالكبار أولى به.
وقال في «المنتهى»: والذي قلنا في جواز قتل السباع كلّها من سباع البهائم وجوارح الطير ذهب إليه أحمد ومالك والشافعي، ثمّ نقل روايات عن الجمهور وعن طرقنا.2
وتبعه من المتأخّرين صاحب الرياض واستدلّ بوجوه نذكر منها ما يلي:
أ. اختصاص الصيد المحرم في الكتاب والسنّة بالمحلل.
ب. الملازمة بين عدم الكفّارة وجواز القتل، وثبوت إباحة القتل وبالعكس.3
يلاحظ على الوجه الأوّل كما في «الجواهر» بمنع اختصاص الصيد بالمحلل، لأنّ الغاية من الصيد لا تختصّ بالأكل، بل للصيد غايات أُخرى، فإنّ أصحاب الهوى والتنزّه لا يصيدون للأكل، على أنّك عرفت أنّ الصيد عبارة عن كلّ حيوان ممتنع، وإن شئت قلت: الوحوش، من غير فرق بين كونه مأكول اللحم أو غيره. وقد نقل صاحب الرياض اعتراض البعض على تعريف المحقّق في تعريف الصيد بأنّه الحيوان المحلّل الممتنع وقال: بأنّ التقييد بالمحلل يفيد عدم تحريم المحرم عليه، وهو خلاف ما ذكره(المحقّق) من تحريم نحو الثعلب والأرنب والضب، بل ما قاله غيره، فإنّ الحلبي حرم قتل جميع الحيوان ما لم يكن حيّة أو عقرباً أو فأرة أو غراباً.

1 . التذكرة:8/280.
2 . المنتهى:2/801.
3 . رياض المسائل:7/245ـ 246.

صفحه 44
وقد سبق منّا تعريف الصيد في مبحث حرمة الصيد1، وذكر قول الإمام علي(عليه السلام):
صيد الملوك أرانب وثعـالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال
وأمّا الآيات فممّا يصلح للاستدلال به قوله سبحانه:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)2، فالآية بمفهومها تدلّ على حرمة الاصطياد بقول مطلق مادام الإنسان محرماً.
نعم لا يصحّ الاستدلال بقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)3، لما ذكرنا من أنّ الصيد في كلا الموردين بمعنى المصيد، بشهادة قوله: (مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَة)فإنّ الجملة حال من صيد البحر وطعامه، ومن المعلوم أنّ المتاع هو المصيد دون الصيد.
ويلاحظ على الثاني: أنّ حمل الروايات على الكراهة لا وجه له.
1. ففي صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كلّ ما يخاف المحرم على نفسه من السباع والحيّات وغيرها فليقتله، وإن لم يردك فلا ترده».4
2. وفي صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «ثمّ اتقّ قتل الدواب كلّها، إلاّ الأفعى والعقرب والفأرة».5
3. وفي صحيح عبد الرحمن العرزمي، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال:«يقتل المحرم كلّما خشيه على نفسه».6
إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ ـ بتعليق قتلها على إيذاء الإنسان ـ

1 . راجع ص 18 من هذا الجزء.
2 . المائدة:2.
3 . المائدة:96.
4 . الوسائل:9، الباب81 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1و 2و 7.
5 . الوسائل:9، الباب81 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1و 2و 7.
6 . الوسائل:9، الباب81 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1و 2و 7.

صفحه 45
على أنّه لا يجوز القتل ما لم يكن هناك خشية.
ولعلّ هذا المقدار من البحث كاف في المقام، والبحث المشبع يتوقّف على البحث عن المحرمات والكفّارات في مقام واحد. ولكنّ القوم فرّقوا بين بيان المحظورات وما يترتب عليه الجزاء، وقد فصّلوا بين البابين بمسائل ومباحث مختلفة.

ما هي الضابطة لتمييز صيد البرّ عن صيد البحر؟

يحرم أكل جميع الحيوانات البحرية إلاّ نوعاً خاصاً من السمك الّذي له فلس، ومع ذلك يجوز صيد الجميع لأغراض خاصّة غير الأكل، هذا هو حكم المحل; وأمّا المحرم فهو يشارك المحل في حرمة أكل جميع الحيوانات، إلاّ النوع الخاص من السمك.
وأمّا الصيد فإن كان للأكل فهو جائز للمحرم، وأمّا جواز الصيد لأغراض خاصة فبيان حكمه موكول إلى مقام آخر.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه دلّ الدليل على حرمة صيد البرّ، كما دلّ على حلّيّة صيد البحر، فيقع الكلام في بيان الضابطة لتمييز مصاديق كلّ عن الآخر.
أقول: لا إشكال في أنّ السمك والتمساح من صيد البحر، كما أنّ السباع والغراب من صيد البر، لكن ربّما يشتبه الأمر فيما يعيش في البر والبحر، ولذلك ورد النص لتمييز تلك الموارد.
قال المحقّق في «الشرائع»: «إنّ صيد البحر هو ما يبيض ويُفرِّخ في الماء».
وأضاف صاحب الجواهر بعد قول المحقّق: وإن كان في البر.1

1 . الجواهر:18/295.

صفحه 46
ولو كان هذا هو الميزان لصيد البحر للزم خروج السمك عنه، لأنّه يبيض في الماء ولا يُفرّخ، لأنّ التفريخ من شؤون الطيور لا الإسماك.
لكن الظاهر أنّ المعيار ليس لصيد البحر مطلقاً، بل لقسم الطيور، كما عليه صاحب المدارك; أو لما يعيش في البر والبحر معاً، كما في عبارة المستند.
قال الأوّل: ويستفاد من هذه الرواية (رواية حريز كما سيوافيك) انّ ما كان من الطيور يعيش في البر والبحر يعتبر بالبيض، فإن كان ممّا يبيض في البر فهو صيد البر وإن كان ملازماً للماء ونحوه، وإن كان ممّا يبيض في البحر فهو صيد البحر.1
وقال النراقي: أمّا ما يعيش في البر والبحر معاً فالفصل المميز فيه إنّما هو اعتبار البيض و الفرخ، فما يبيض ويُفرّخ في الماء فهو بحري وإن كان يعيش في البر، وما يبيض ويُفرّخ في البر فهو بري وإن كان يعيش في الماء باتّفاق الأصحاب.2
فالضابطة الواردة في الشرائع مأخوذة من الرواية ولكن الموضوع فيها هو الطيور التي تعيش في الآجام كما سيوافيك.
ثمّ إنّ الضابطة التي أشار إليها المحقّق وردت ـ حسب نقل الوسائل ـ في روايتين:
ألف. مرسل حريز.
ب. صحيح معاوية بن عمّار.

1 . المدارك:7/309ـ 310.
2 . المستند:11/351.

صفحه 47

1. مرسل حريز

روى في الوسائل عن «الكافي» بسند صحيح عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:»لا بأس بأن يصيد المحرم السمك، ويأكل مالحه وطريّه ويتزوّد، وقال: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ)قال: «مالحه الذي يأكلون».
«وفصل ما بينهما كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البر ويُفرّخ في البر فهو من صيد البر، وما كان من صيد البر يكون في البر ويبيض في البحر فهو من صيد البحر».1
وفي «الكافي» بعد قوله:«يبيض في البحر» قوله:«ويفرّخ في البحر».2
ترى أنّ صدر الرواية وإن ورد في السمك لكنّ القسم الثاني منها ناظر إلى الطير لا إلى مطلق صيد البحر، فالسمك غير ملحوظ في هذه الضابطة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالمراد من البحر الأنهار الكبيرة والأهوار والمستنقعات بقرينة ذكر الآجام، قال في المجمع في تفسير قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ).3عنى بالبحر جميع المياه، والعرب تسمّي النهر بحراً.4
على ما ذكرنا يتوجّه الإشكال على عبارة «الشرائع»، لما عرفت من أنّ الضابطة إنّما هي للطيور العائشة في الآجام والمستنقعات وفي ضفاف البحار، لا لمطلق الحيوان

1 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الكافي:4/392، الحديث1.
3 . المائدة:96.
4 . مجمع البيان:4/245.

صفحه 48
البحري، مع أنّه طرح الضابطة على نحو يشمل مطلق الحيوان البحري، حتّى السمك والتمساح، مع أنّهما يبيضان لا يفرّخان.
ثمّ إنّ مرسل حريز حسب نقل «الكافي» اشترط في كون الصيد بحرياً أمرين، وقال:
وما كان من صيد البر يكون في البر.
1. ويبيض في البحر.
2. ويفرخ في البحر.
فهو من صيد البحر.1
ونقله في «الوسائل» بحذف الجملة الثانية وقال: وما كان من صيد البرّ.
يكون في البرّ.
ويبيض في البحر.
فهو من صيد البحر.2
فحذف قوله: «ويفرخ في البحر» ولكنّ الظاهر أنّ ما في «الكافي» هو الصحيح.
أمّا الشيخ فقد عكس فرواه في «التهذيب» بحذف الجملة الأُولى واكتفى بالثانية وقال: وما يكون من الطير يكون في البحر ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر.3 كما أنّه بدّل لفظة «في البر» إلى «في البحر».
نعم ما يفرّخ في البحر يلازم أن يبيض فيه أيضاً، فحديث حريز ـ مضافاً إلى أنّه مرسل ـ منقول في «الكافي» بصورة وفي «الوسائل» بصورة أُخرى وفي

1 . الكافي:4/392، الحديث1.
2 . الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
3 . التهذيب:5/206، الحديث1270، وفي الطبعة الحجرية:1/409.

صفحه 49
«التهذيب» بصورة ثالثة.
فهل يمكن الاعتماد على مثل هذا الحديث؟
هذه جولتنا حول سند الحديث ومتنه، إنّما الكلام في مضمونه والضابطة الّتي وردت فيه. فهناك سؤالان:
1. هل العنوانان: صيد البرّ، وصيد البحر يوم نزل القرآن في موردهما كانا من المفاهيم المجملة، حتّى يحتاجا إلى التحديد والتوضيح؟ أو الجميع من المفاهيم العرفية الواضحة الغنية عن التحديد، لوضوح أنّ ما يتولّد في البحر ويتّخذ لحياته من الأملاح الموجودة فيه فهو بحري، وصيده صيد البحر، وما ينشأ في البرّ ويستمد لبقائه من المواد الموجودة في البر فهو بري، وعلى ذلك فالطيور المائية من صيد البرّ، لأنّها تبيض وتفرخ حوالي الماء لا فيه ، وتعيش في البر أكثر من البحر.
2. هل هناك حيوان يبيض ويفرخ في الماء؟ قال صاحب الجواهر: إنّه لا يعرف ما يبيض ويفرّخ في نفس الماء، ثمّ احتمل الاكتفاء في عدة الحيوان بحرياً بالبيض والفرخ حوالي الماء أو في الآجام التي فيه.1
وعلى ما ذكره يلزم أن يكون البط من صيد البحر، لا البرّ، وهو كما ترى فالحديث بسنده ومتنه ومفاده مشوش لا يعتمد عليه، فلو كان هنا حاجة إلى تحديدهما فالأولى ما في صحيح محمد بن مسلم الآتي عن قرب.

2. صحيح معاوية بن عمّار

روى في «الوسائل» عن الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن معاوية بن

1 . الجواهر:18/297.

صفحه 50
عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:»والسمك لا بأس بأكله، طريّه ومالحه ويتزّود، قال اللّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ) قال: فليختر الذين يأكلون، وقال: فصل ما بينهما كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البر ويفرخ في البر فهو من صيد البر، وما كان من الطير يكون في البحر ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر.1
ولكن الموجود في «التهذيب»2 خال عن الضابطة، بل ينتهي الحديث عند قوله: (وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُم) من المحتمل أن يكون الحديث ممزوجاً مع كلام المفيد في المقنعة، لأنّ التهذيب شرحاً لها. والضابطة في كلام المفيد وليس جزءاً للحديث.
وعلى ضوء ذلك فلم تثبت الضابطة من المعصوم حتّى نبحث في كونها جامعة مانعة.
نعم رواه الصدوق في «الفقيه» و قال: وقال الصادق(عليه السلام): »هو(وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُم) هو مليحه الّذي تأكلون«، وقال:» فصل ما بينهما: كل طير يكون في الآجام يبيض في البر ويفرخ في البر فهو من صيد البر، وما كان من طير يكون في البر ويبيض في البحر ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر».3
وبما أنّه حكى الحديث بقوله: وقال الصادق(عليه السلام)، فهو يحكي عن جزمه بصحّة الحديث حتّى نسبه إليه، فقد كان المصنّف(رحمه الله) في بحوثه الفقهية يعتمد على هذا النوع من المراسيل.

1 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . التهذيب:5/206، الحديث1270.
3 . الفقيه:2/374رقم الحديث 2739.

صفحه 51
وفي الصيد أحكام كثيرة تركناها لعدم الابتلاء بها.*

الضابطة الأُخرى

إنّ الضابطة الّتي يمكن الاعتماد عليها هي ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم التي مرّت في الجراد وهي انّ كلّ حيوان يعيش تحت الماء فهو بحري وإلاّ هو برّي، حيث قال الإمام ـ رداً لزعم المحرمين المتناولين للجراد الزاعمين انّ الجراد من صيد البحر: «أرمسوه في الماء». 1 وعلى هذا فالميزان هو العيش تحت الماء لا فوق الماء، وعلى ضوء ذلك فالطيور الّتي تتراوح بين الماء والبرّ كالبط وغيره كلّها برية لعدم عيشها تحت الماء.
* اعلم أنّ عمل الصيد قليل الابتلاء فالبحث عنه وعن أحكامه الكثيرة، يأخذ الوقت منّا، ولأجل ذلك ترك سيدنا الأُستاذ كثيراً من أحكامه. كما صرّح بذلك.
قال الشيخ محمد جواد مغنية: وقد أطال فقهاء المذاهب الكلام في الصيد وكفّاراته، وابتدأوا من صيد النعامة الّتي تشبه الناقة إلى صيد الجرادة، وفرعوا فروعاً، وافترضوا صوراً شتى...ونحن نكتفي بما ذكرناه لعدم الجدوى من التطويل والتمثيل، لأنّ الّذي يذهب إلى الحرمين الشريفين يذهب ناسكاً زاهداً، لا متنزّهاً صائداً... كما أنّنا تركنا بعض ما تعرضوا له من التروك، كحمل السلاح للدفاع عن النفس، والاحتشاش لعلف الناقة، وما إليه ممّا لم يبق مجال للحديث عنه، لانتفاء الموضوع، أو لندرة الوقوع.2

1 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الفقه على المذاهب الخمسة:227.

صفحه 52
الثاني: النساء وطءاً .*
* إنّ حرمة مباشرة النساء بشهوة بأيّ قسم من أقسامها، أمر اتّفق عليه الفقهاء من الفريقين، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في إفساد بعضها الحجّ وعدمه لا في حرمته، وقد حكى أبو ثور عن أبي حنيفة: أنّ اللواط والوطء في الدبر لا يفسد الحجّ، لأنّه لا يثبت به الإحصان فلم يفسد الحجّ.1
فلنأخذ بدراسة ما ذكره المصنّف بالترتيب.

1. حرمة الوطء

اتّفق الفقهاء على أنّ الوطء حرام على المحرم، لقوله سبحانه:(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدالَ فِي الحَجِّ).2
والرفث هو الجماع، أو الأعمّ منه ومن التقبيل والمغازلة. قال في «اللسان»: الرفث، الجماع وغيره ممّا يكون بين الرجل وامرأته، يعني: التقبيل والمغازلة ونحوهما ممّا يكون في حالة الجماع.3
وفي «المجمع» من بعضهم: الرفث بالفرج هو الجماع، وما باللسان المواعدة للجماع، وبالعين الغمز للجماع.4 فيكون الجماع بالفرج هو القدر المتيقن.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلَى

1 . المغني:3/317.
2 . البقرة:197.
3 . اللسان:5/263، مادة «رفث».
4 . مجمع البيان:1/293.

صفحه 53
نِسَائِكُمْ)1، والمراد به هو الجماع باتّفاق المفسّرين.
كما أنّه فسّـر به في الروايات:
1. صحيحة معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا أحرمت فعليك بتقوى اللّه ـ إلى أن قال: ـ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، فالرفث: الجماع».2
2. صحيح علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى(عليه السلام) عن الرفث والفسوق والجدال، ما هو؟ وما على مَنْ فعله؟ فقال: «الرفث: جماع النساء».3
فإن قلت: كيف ينفي سبحانه وتعالى الرفث والفسوق والجدال ويخبر عن عدمهما مع أنّ المجتمع مليء بها؟
قلت: إذا كانت الآية بصدد الإخبار فقط يلزم ما ذكر، وأمّا إذا كان الإخبار كناية عن النهي عنها، فلا يلزم الكذب، بل هو من وجوه البلاغة، فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا رهبانية في الإسلام»، أو «لا رضاع بعد فطام»، من هذا القبيل فالإخبار إنّما هو لغاية النهي عن ارتكابهما، وقد أوضحنا ذلك في بحوثنا الأُصولية عند البحث في «قاعدة لا ضرر ولا ضرار».
بقي هنا أُمور لابدّ من التنبيه عليها:

الأوّل: اختصاص الآية بالحج

إنّ قوله سبحانه:( فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) دالّ على أنّ

1 . البقرة:187.
2 . الوسائل: 9، الباب32 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1. ولاحظ أيضاً الأحاديث4، 8، 9 من هذا الباب.
3 . الوسائل:9، الباب32 من أبواب الإحرام، الحديث4.

صفحه 54
حرمة هذه الأُمور الثلاثة مختصّة بالحجّ، وقد مرّ كراراً بأنّ الحجّ يطلق ويراد به مجموع العمرة والحجّ من غير فرق بين التمتع والإفراد والقران.
فالرفث حرام في إحرام الحجّ كما هو حرام في إحرام العُمرة.
نعم صدر الآية يردّ، أعني: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيِهنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ...)، يخصص تحريم الرفث بما لا يصحّ الإتيان به إلاّ في أشهر الحجّ، وأمّا ما يصحّ طول السنة فالآية غير شاملة له كالعمرة المفردة، ومع ذلك دلّت السنّة على وجوب الكفّارة في الجماع في العمرة المفردة، وقد عقد صاحب الوسائل باباً مستقلاً للجماع في العمرة.1

الثاني: عدم اختصاص الحرمة بالقبل

إذا كان الموضوع للحرمة هو جماع النساء كما في صحيح علي بن جعفر حيث قال: «الرفث جماع النساء»، فلا فرق بين القبل والدبر، فإنّه يصدق في كلا الموردين، ولذلك يقول صاحب الجواهر بعد قول المحقّق «والنساء وطءاً»: قُبلاً أو دبراً.2
ولو افترضنا اختصاص الرفث بالقبل، لكن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء الخصوصية، فإنّ الغاية من التحريم هو تهذيب النفس من الشهوات واللذائذ النفسانية ما دام محرماً.

الثالث: عموم الحكم للأجنبية وعدمه

هل الحرمة الإحرامية تختصّ بالجماع مع الزوجة والأمة اللتين هما محلّلتان

1 . الوسائل:9، الباب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع.
2 . الجواهر:18/297.

صفحه 55
بالذات وتحرمان بالعرض، أو تعمّ الجماع المحرم بالذات مع قطع النظر عن الإحرام؟
ربّما يتصوّر اختصاص الحكم بالمحلّلات ذاتاً والمحرمات عرضاً قائلاً بأنّ قوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ)ناظر إلى حرمة ما لم يكن محرماً قبل الإحرام، وهو مجامعته امرأته لا إلى ما هو حرام قبل الإحرام. وبعبارة أُخرى: الغاية إيجاد الضيق على الزائر من جانب الإحرام، والمحرّم بالذات مضيق قبل الإحرام.
أقول: ما ذُكر ـ مضافاً إلى أنّه لايتجاوز عن كونه استحساناً فقهياً ـ منقوض بالفسوق الّذي فسّر بالكذب، فهو حرام مطلقاً، محرماً كان الكاذب أو غير محرم، ومحظور في حالة الإحرام خاصّة، وعلى أي تقدير فالمتّبع هو إطلاق الدليل والوارد في الروايات هو تفسير الرفث بالجماع كما في صحيح معاوية بن عمّار.1 أو جماع النساء كما في رواية علي بن جعفر.2 وهو يصدق على الزوجة والأجنبية.
نعم الوارد في الروايات هو المرأة المنصرف إلى الزوجة، ولا يدلّ على اختصاص الحكم به لوروده مورد الغالب.
نعم هناك إشكال آخر ذكره المحقّق الشاهرودي في محاضراته وحاصله: أنّ ما يكون محرماً في حدّ نفسه كحرمة الرفث بالأجنبية لا يمكن أن يصير محرماً أيضاً بالحرمة الإحرامية، لكون الحكم وهو الحرمة منتزعاً عن إنشاء النسبة الّذي لا يكون قابلاً للشدة والضعف حتّى يقال وأشدّية الحرمة في مجامعته مع الأجنبية في حال الإحرام من الحرمة المترتّبة عليها في غير حال الإحرام.3
يلاحظ عليه: بأنّ الغاية من شمول الآية للأجنبية ليس هو تأكيد الحرمة

1 . الوسائل:9 ، الباب32 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1و 4.
2 . الوسائل:9 ، الباب32 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1و 4.
3 . كتاب الحج:3/58.

صفحه 56
حتّى يقال بأنّ الحرمة منتزعة من النسبة وهي غير قابلة للتأكيد والشدّة، بل الغاية أنّ هناك حكمين:
أ. الحكم المتعلّق بالزنا، قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً).1
ب. الحرمة المتعلّقة بالرفث ـ الجماع ـ في حال الإحرام.
والحكمان مختلفان كما أنّ الموضوعين كذلك. ويكفي في ذلك كون النسبة بين المتعلقين عموماً وخصوصاً من وجه، فالزنا أخصّ لاختصاصه بالمحرم بالذات وأعمّ، لأنّه حرام في حالتي الإحرام وعدمه، كما أنّ الرفث في حال الإحرام أخصّ، لاختصاصه بذلك الحال، وأعمّ لكونه أعمّ من المحلّل بالذات وغيره.
وليس الغرض تأكيد أحدهما للآخر وتولد حكم ثالث مؤكّد، بل الحكمان باقيان على عنوانهما، وتعدّد المتعلّق كاف في تعدّد الحكم.
نعم العمل الخارجي أي الزنا في حال الإحرام مصداق للمتعلّقين، لا موضوع للحكمين.
نظير ذلك ما إذا نذر الفرائض أو نذر النوافل، ففي الأوّل وجوبان متعلّقان بموضوعين، أحدهما الظهر والآخر الوفاء بالنذر، كما أنّ في الثاني أيضاً كذلك استحباب متعلّق بنافلة الليل ووجوب متعلّق بالوفاء بالنذر، قال تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)2، فهناك حكمان كما أنّ هناك موضوعين، ولكلّ موضوع حكم، وأمّا الفعل الخارجي فليس متعلّقاً للحكم، بل هو مصداق للمتعلّق.
ولذلك قلنا في تعاليقنا على العروة الوثقى عند عدّ السيد(قدس سره) الملتزم بنذر أو عهد أو يمين من الفرائض أنّه غير تام، فإنّ النوافل تبقى على حالها مهما تعلّق بها

1 . الإسراء:32.
2 . الحجّ:29.

صفحه 57
النذر والعهد، لأنّ متعلّق الوجوب هو الوفاء لا الصلاة.

الرابع: اختصاص الكفّارة بالعالم

كفّارة الرفث تختصّ بالعالم بالحرمة، ولا تعمّ الجاهل والناسي اتّفاقاً من الفقهاء، ونصّاً من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ففي صحيح زرارة قال: سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة؟ فقال: «إن كانا جاهلين استغفرا ربهما، ومضيا على حجّهما، وليس عليهما شيء».1
الخامس: اختصاص الحرمة الوضعية بالجماع وعدمه
هل يختص الحكم بوطء النساء كما هو المأخوذ موضوعاً في عبارتي المحقّق والمتن؟ أو أنّ ذكر النساء من باب المثال، والحكم يعمّ مساحقة النساء بعضهنّ لبعض ووطء البهائم؟ وجهان.
من جانب أنّ الرفث فسّر بالجماع أو جماع النساء، والعدول عنه إلى المساحقة ووطء البهائم يحتاج إلى دليل.
ومن جانب آخر أنّ لفظة «النساء» وردت من باب المثال أو الغالب، فلا يفهم منه القيدية، والظاهر هو الأوّل، لأنّ تسرية الحكم من الرفث وجماع النساء إلى مساحقة النساء ووطء البهائم، يحتاج إلى دليل. واللّه العالم.
ثمّ الوطء تارة يتحقق في إحرام العمرة المفردة وأُخرى في إحرام عمرة التمتع، وثالثة في إحرام الحجّ بأقسامه، وسيوافيك أحكامه في المسائل الآتية ـ بعد الفراغ عن حكم التقبيل والمس والنظر ـ بإذن اللّه تعالى.

1 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث 1. ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 58
وتقبيلاً.*

*2. حرمة التقبيل

يقع الكلام في التقبيل تارة من حيث الحكم التكليفي(الحرمة)، وأُخرى من حيث الحكم الوضعي(الكفّارة)، وثالثة في تبيين الموضع من حيث السعة والضيق، فهل الموضوع هو مطلق التقبيل أو التقبيل بشهوة؟
وعلى أي تقدير، فهل يختص التحريم بالنساء؟ أو يعمّ غيرهنّ من الرجال شباباً وكهولاً؟ ثمّ هل يحرم التقبيل مطلقاً ولو بالنسبة للطفل الصغير أو المرأة المسنّة المتقاعدة، الّتي لا يحرك تقبيلها أي مقبل؟ فاستخراج جميع هذه الأحكام موقوف على دراسة الروايات، فهنا جهات من البحث:

الجهة الأُولى: في موضوع الحرمة التكليفية

إنّ كلمات الفقهاء من حيث التعميم والتخصيص مختلفة، فمنهم من قيّد بالشهوة، ومنهم من أطلق، ومنهم من أجمل.
فمن الطائفة الأُولى قول العلاّمة في «المنتهى» يقول: وكذا يحرم على المحرم تقبيل النساء بشهوة.1
ومن الطائفة الثانية ابن إدريس قال: والنساء: نظراً ولمساً وتقبيلاً ووطءاً وعقداً له ولغيره.2
ومن الطائفة الثالثة المحقّق الذي قال: النساء وطءاً ولمساً وتقبيلاً ونظراً

1 . المنتهى:2/810.
2 . السرائر:1/542.

صفحه 59
بشهوة.1حيث يحتمل أن يكون قيد (بشهوة) راجعاً إلى النظر فقط كما يحتمل أن يكون راجعاً إلى الجميع. ورجّح في «الجواهر» أن يرجع إلى الجميع.2
ويمكن القول بأنّ الحرام تكليفاً هو التقبيل بشهوة، ويدلّ على ذلك خبر حسين بن حمّاد قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يقبّل أُمّه؟ قال: «لا بأس بها هذه قبلة رحمة، وإنّما تُكره قبلة الشهوة».3
فالمراد من قوله:«تكره» هو الحرمة بشهادة أنّه في مقابل الرحمة،والتعليل ـ أعني: هذه قبلة رحمة ـ يؤدّي ضابطة كلّيّة في نطاق الحكم التكليفي، وهي أنّ الحرام الّذي يورث العذاب هو قبلة الشهوة، لا غيرها.
وعلى ذلك فلو قبّل بلا شهوة فليس بحرام تكليفاً، ولكن الحلّية التكليفية لا تنفي الحرمة الوضعية، كما هو الحال في إفطار الشيخ والشيخة، حيث يجوز لهما الإفطار مع تعلّق الكفّارة بهما.

الجهة الثانية: الحكم الوضعي

المراد بالحكم الوضعي هو تعلّق الكفّارة، فهل تتعلّق بمطلق التقبيل أو بالتقبيل المقيّد بالشهوة؟
والروايات في بدء النظر على طائفتين:

الأُولى: ما يظهر منه ضيق الموضوع

1. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قبّل

1 . الشرائع: 1/249.
2 . الجواهر:18/304.
3 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.

صفحه 60
امرأته وهو محرم؟ قال(عليه السلام): «عليه بدنة وإن لم ينزل».1
والذيل قرينة على كون الموضوع هو التقبيل بشهوة، فإنّ التقبيل بشهوة هو المقسَّم للإنزال وعدمه.
يلاحظ عليه: أنّه لا ينفي وجوب كفّارة أُخرى غير البدنة إذا قبّل بلا شهوة.
2. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته؟ قال: «نعم، يصلح عليها خمارها ويصلح عليها ثوبها ومحملها»، قلت: أفيمسها وهي محرمة؟ قال: «نعم»، قلت: المحرم يضع يده بشهوة، قال:«يهريق دم شاة»، قلت:فإن قبّل؟ قال:«إنّ هذا أشـدّ، ينحـر بدنة».2
فإنّ الظاهر أنّ المراد هو التقبيل بشهوة، ولذلك قال الإمام: هذا أشدّ.
يلاحظ عليه: أنّ الرواية غير صالحة لرد كفّارة أُخرى إذا قبّل بلا شهوة.
فإن قلت: إذا لم تجب الكفّارة في مسّها بلا شهوة كما هو مفاد الحديث فأولى أن يكون التقبيل كذلك.
قلت: إنّ التقبيل مثار تحريك الشهوة دون المسّ، فالالتذاذ بالتقبيل، وإن لم يكن بشهوة، فوق الالتذاذ بالمسّ، جاز أن يفترق حكمهما.

الثانية: ما يظهر منه سعة الموضوع

قد عرفت ضعف دلالة روايات الطائفة الأُولى على التقييد، وانّ نفي كفّارة خاصة، أعني: البدنة لا يكون دليلاً على عدم وجوب كفّارة أُخرى، وإليك ما

1 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.
2 . الوسائل:9، الباب 17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2; والباب18 منه، الحديث1.

صفحه 61
يدلّ على وجوب الكفّارة مطلقاً، إمّا بالتصريح أو بالإطلاق.
3. معتبرة مسمع أبي سيار قال: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا أبا سيّار إنّ حال المحرم ضيقة، فمن قبّل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة، ومن قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور، ويستغفر ربّه».1
والسند معتبر، والأمر في سهل، سهل.
وأمّا مسمع فقال النجاشي في حقّه: شيخ بكر بن وائل بالبصرة ووجهها وسيد المسامعة، وكان أوجه من أخيه عامر بن عبد الملك.
ترى أنّ الرواية تثبت الكفّارة (دم شاة) إذا قبّل بغير شهوة، وهذه الرواية تذكر ما سكتت عنه الروايتان السابقتان، ولذلك قلنا بأن لو دلّ دليل على وجود الكفّارة في التقبيل بلا شهوة لا تعارضه الروايتان المتقدّمتان.
4. خبر العلاء بن فضيل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل وامرأة تمتّعا جميعاً فقصّـرت امرأته ولم يقصّـر فقبّلها؟ قال: «يهريق دماً، وإن كانا لم يقصرا جميعاً فعلى كلّ واحد منهما أن يهريق دماً».2
والرواية ناظرة إلى التقبيل بلا شهوة، لأنّ قوله: «يهريق دماً منصرف إلى دم شاة»، وقد مرّ في رواية مسمع أن من قبّل على غير شهوة فعليه دم شاة ومن قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور، ولأجلها تحمل الرواية هذه على صورة التقبيل بلا شهوة.
5. صحيح معاوية بن عمّار في حديث عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن

1 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.

صفحه 62
رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي؟ قال: «عليه دم يهريقه من عنده».1
والرواية محمولة على ما إذا لم تمكّن المرأة نفسها من زوجها، ولذلك تعلّقت الكفّارة بالزوج دون الزوجة، و«الدم» فيها ينصرف إلى دم شاة، فيكون موردها ما إذا قبّل بلا شهوة، وإلاّ كان الواجب هو الجزور أو البدنة.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الحرمة التكليفية تتعلق بالتقبيل بالشهوة، وأمّا الوضعية فلا فرق بين التقبيلين،غاية الأمر يجب في التقبيل بلا شهوة إهراق دم شاة، وبالتقبيل معها الجزور أو البدنة.

الجهة الثالثة: هل تختص الحرمة الوضعية بالنساء؟

هل تختص الحرمة بالزوجة، أو تعمّ مطلق النساء من غير فرق بين المحارم وغيرها؟ ثمّ هل الحرمة بالنساء، أو تعمّ غيرهنّ كالرجال؟
الظاهر هو التفصيل بين الحرمة التكليفية والوضعية، فكلّ قبلة نابعة من شهوة حرام بالحرمة الإحرامية، سواء كانت حراماً بالذات أيضاً أو لا، وما ليست كذلك فهو حلال، كلّ ذلك للأخذ بعموم العلّة في قوله: «إنّما تكره قبلة الشهوة».
وأمّا الحكم الوضعي ففيه إشكال ، لأنّ الموضوع في عامّة روايات الباب هو المرأة المراد بها الزوجة، وأمّا إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى الأجنبية فضلاً عن الرجال ـ شباباً و كهولاً ـ ففيه تردد، بل منع.

1 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 63

الجهة الرابعة: إذا قبّل من لا يثير

إذا وقع التقبيل على صبي لا يثير الشهوة، بل يقبّله حناناً له، كتقبيل الأُم المحرمة ولدها، أو كتقبيل الزوج الزوجة العجوزة، فالروايات منصرفة عنه، وهو حلال تكليفاً ووضعاً. واللّه العالم.

صفحه 64
ولمساً.*

*3. في حرمة المسّ بشهوة

قد تقدّم أنّ من محرّمات الإحرام «مباشرة النساء» ولها صور:
أ. وطءاً. ب. تقبيلاً. ج. لمساً. د. نظراً بشهوة.
ترى أنّ المحظورات تتدرّج من الأقوى إلى الأضعف; فالوطء، ثمّ التقبيل، ثمّ اللمس، ثمّ النظر.
ولذلك تختلف الكفّارة أيضاً حسب مراتب الشدّة والضعف، وقد تقدّم أنّ التقبيل حرام مع الشهوة وحلال بغيرها وسمّي قبلة الرحمة، ومع ذلك يترتّب على كلّ من القسمين الكفّارة; فعليه دم شاة إذا كان بلا شهوة، وجزور معها.
وأمّا اللمس فبما أنّه أضعف من التقبيل، فهو يشارك الثاني في الحكم التكليفي، فيجوز اللمس بلا شهوة ويحرم معها، كالتقبيل.
وأمّا الكفّارة فإنّما تجب إذا كانت بالشهوة لا بدونها خلافاً للتقبيل، وما ذلك إلاّ لأنّ التقبيل ليس من ضروريات الحياة في السفر، فلو قبّل فلا مانع من وجوب الكفّارة في كلتا الصورتين.
وأمّا اللمس فهو لا يفارق الضروريات من الحياة في السفر، لأنّ الزوج يريد العيش معها مادام محرماً، فعليه أن يحملها على المحمل وينزّلها عنه، إلى غير ذلك من الأُمور الضرورية المتوقّفة على اللمس، فلذا حرم في صورة واحدة وهي اللمس بشهوة لا معها،واختصّت الكفّارة بها أيضاً، وهذا يكشف عن دقّة الفقه الإسلامي وموضوعيّته.

صفحه 65
إذا علمت ذلك فلندرس الروايات في نطاق الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي فهو خارج عن نطاق البحث، ومع ذلك فأكثر الروايات ناظرة إلى الحكم الوضعي وقليل منها يعود إلى الحكم التكليفي.
1. روى الصدوق بسند موثّق عن سعيد الأعرج(الثقة) أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يُنزّل المرأة من المحمل فيضُمّها إليه وهو محرم؟ فقال: «لا بأس إلاّ أن يتعمّد، وهو أحقّ أن ينزّلها من غيره».1 فيكون الحرام هو المسّ بشهوة.
والرواية ظاهرة في الحكم التكليفي، والمراد من التعمّد، في قوله: «إلاّ أن يتعمّد» هو أن يتعمد الضم من دون أن يكون الإنزال موقوفاً عليه، فيكون من مصاديق المسّ بشهوة.
ويشهد ذيلها على أنّ الرواية بصدد الحكم التكليفي، أعني: «وهو أحقّ أن ينزّلها من غيره».
2. معتبر مسمع أبي سيار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيه: «ومن مسّ امرأته بيده وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة،... ومن مسّ امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شيء عليه».2
والرواية ناظرة إلى الحكم الوضعي وأنّه تجب الكفّارة في صورة اللمس بشهوة.
3. صحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) المحرم يضع يده على امرأته؟ قال: «لا بأس»،

1 . الوسائل:9، الباب13 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب 17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 66
قلت: فينزّلها من المحمل ويضمّها إليه؟ قال:«لا بأس»، قلت: فإنّه أراد أن ينزلها من المحمل فلمّا ضمّها إليه أدركته الشهوة؟ قال: «ليس عليه شيء، إلاّ أن يكون طلب ذلك».1
وصدر الحديث ظاهر في الحكم التكليفي ولكن الذيل ناظر إلى الحكم الوضعي، والرواية تذكر للمسّ صوراً:
1. وضع اليد على المرأة.
2. تنزيلها من المحمل وضمّها إليه.
3. أدركته الشهوة بلا اختيار حين الضم.
4. طلب ذلك بالضم.
فالكفّارة إنّما تجب في الصورة الرابعة دون الصور الأُخرى، وأمّا ما هي الكفّارة، فيعلم ممّا ورد في ذيل الرواية الّتي نقلها صاحب الوسائل في الباب الثامن عشر: المحرم يضع يده بشهوة، قال: «يهريق دم شاة».2
والظاهر وحدة الروايتين لاتّحاد السائل (الحلبي) والمسؤول(أبو عبد اللّه(عليه السلام)) وإن فرّقهما في «الوسائل» في البابين مضافاً إلى ما مرّ من رواية مسمع وفيها «دم شاة».
4. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حمل امرأته وهو محرم فأمنى أو أمذى؟ قال: «إن كان حملها أو مسّها بشيء من الشهوة ـ فأمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ ـ فعليه دم يهريقه، وإن حملها أو مسّها لغير شهوة ـ فأمنى أو أمذى ـ فليس عليه شيء».3

1 . الوسائل:9، الباب 17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.
2 . الوسائل:9، الباب 18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب 17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.

صفحه 67
والرواية ناظرة إلى الحكم الوضعي دون التكليفي ومنصرف الدم هو دم شاة، والموضوع لوجوبه وعدمه هو المسّ بشهوة أو بغير شهوة، ولا مدخلية للإمناء والإمذاء، في وجوب الكفّارة وعدمه فالمسّ بشهوة كاف في وجوبها وإن لم يمن، كما أنّ المسّ بدون الشهوة كاف في عدم وجوبها، وإن أمنى.
5. صحيح معاوية بن عمّار في حديث: وإن حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى وهو محرم فلا شيء عليه، وإن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم.1 ومنصرف الدم ـ كما مرّ ـ دم شاة.
فإن قلت: إنّ الموضوع للكفّارة حسب صحيح محمد بن مسلم وغيره هو المسّ بشيء من الشهوة من غير مدخلية للإمناء والإمذاء حيث قال: «بشيء من الشهوة فأمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ» ; ولكن الموضوع في ظاهر صحيحة معاوية بن عمّار الحمل أو المسّ بشهوة بقيد الإمناء أو الإمذاء، حيث قال: «وإن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم».
قلت: الظاهر انّه لا مدخلية للإمناء في ثبوت الحكم لوجهين:
1. ذكر الإمذاء عند الإمناء الذي لا دخالة له في الحكم.
2. أنّ الإمناء والإمذاء ذكرا في الشقّ الأوّل أي الشقّ المقابل وهو (حملها من غير شهوة مع الإمناء والإمذاء) ومن المعلوم أنّه لا مدخلية للإمناء في عدم وجوب الكفّارة، وإلاّ تجب الكفّارة فيما إذا حملها من غير شهوة بلا إمناء، وهو غير معقول.ولعلّ ذكره ـ مع عدم مدخليته ـ لبيان مرتبة الشهوة وانّها استبقت أحدهما.
فإن قلت: إذا كان الموضوع في الروايات السابقة، هو مطلق المسّ بشهوة،

1 . نفس المصدر والباب، الحديث1.

صفحه 68
من دون تقييد بالإمناء، وكان الموضوع في صحيحة معاوية بن عمّار مقيداً بالإمناء، فمقتضى القاعدة هو حمل المطلق على المقيد ويكون الموضوع عندئذ مركباً من أمرين: المسّ بشهوة والإمناء.
قلت: إذا كان المطلق والمقيد مثبتين، فالقاعدة هو الأخذ بهما، لا تقييد أحدهما بالآخر، لعدم المنافاة بينهما، بل يحمل المقيد على بيان الفرد الأفضل أو الأشدّ مثل: اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة، والمقام من هذا القبيل; أضف إلى ذلك: أنّ صحيح محمد بن مسلم صريح في عدم مدخلية الإمناء حيث قال: «فأمنى أو لم يمن» فمثل ذلك لا يوصف بالإطلاق، بل يعدّ معارضاً لما ظاهره مدخلية الإمناء، فلاحظ.
فإن قلت: تضافرت الروايات على أنّ الواجب عند المسّ بشهوة هو إهراق دم أو دم شاة، والدم منصرف إلى دم شاة، ولكن الوارد في ذيل صحيحة معاوية ابن عمّار قال: «في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتّى ينزل، عليه بدنة» ومن المعلوم أنّ إنزال المرأة بشهوة يلازم المسّ.
قلت: ما ذكر من الذيل مذكور في «الكافي» 1 دون «التهذيب» و«الاستبصار»، وفي الوقت نفسه محمول على الفرد الأفضل بمعنى جواز الاكتفاء بدم شاة وانّ الأفضل البدنة.
فإن قلت: يمكن الجمع بينهما بوجه آخر، وهو أنّ المسّ بشهوة على قسمين:
1. المسّ بشهوة بلا إمناء.
2. المسّ بشهوة مع الإمناء.

1 . الكافي:4/375، الحديث 1.

صفحه 69
فما دلّ على وجوب دم شاة كرواية مسمع، يُحمل على الأوّل، وما دلّ على وجوب البدنة يحمل على الثاني.
قلت: ما ذكر من الجمع غير صحيح لوجهين:
1. قد ورد في نفس الصحيحة أنّه إذا حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم، فأوجب الدم، مع القيدين. فكيف يمكن التفكيك بينهما؟
2. قد ورد في صحيحة محمد بن مسلم أنّه: «إن كان حملها أو مسّها بشيء من الشهوة فأمنى أو لم يمن فعليه دم»، فأوجب الدم مع القيدين، فكيف تكون الفدية هي البدنة؟ اللّهم إلاّ أن يحمل الدم في كلا الموردين على البدنة، وهو خلاف الظاهر لمن راجع روايات أبواب الكفّارات.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ أكثر الروايات ناظرة إلى بيان الحكم الوضعي، وأمّا الحكم التكليفي فيكفي فيه رواية سعيد الأعرج وصدر رواية الحلبي، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث وهو أنّه لا يمكن أن يكون المسّ حراماً بإطلاقه، لأنّ السفر مع الزوجة في حال الإحرام يقتضي ذلك.
ثمّ إنّ ظاهر الروايات هو أنّ الموضوع للحرمة هو مسّ الزوجة بشهوة، لأنّ العناوين الواردة في عامّة الروايات هي حمل امرأته، أو مسّها أو وضع يده عليها، فلا يمكن إلحاق الأجنبية بها، ومسّ الأجنبية وإن كان حراماً مطلقاً، إلاّ أنّ الكلام في كونه حراماً لأجل الإحرام، وادّعاء الأولوية ممنوع لعدم العلم بالملاك، كما أنّ الموضوع هو مسّ المحرم المرأة، ولا يعم مسّ المرأة المحرمة زوجها والتسوية في الحكم رهن الدليل وليس بموجود.

صفحه 70
ونظراً بشهوة.*

*4. في حرمة النظر بشهوة

يقع الكلام في النظر مثله في التقبيل، فتارة يبحث عن الحكم التكليفي، وأُخرى عن الوضعي. وعلى كلّ تقدير فتارة ينظر إلى زوجته ومحارمه، وأُخرى إلى الأجنبية; وينظر تارة بلا شهوة، وأُخرى معها.
وبما أنّ الفصل منعقد لبيان الحرمة التكليفية دون الوضعية فتبيين نطاق الحكم التكليفي رهن دراسة الكلمات والروايات الواردة في الموضوع وإن كانت (الروايات) متعرضة للحكم الوضعي، وإليك بعض الكلمات:
قال العلاّمة: ولو نظر إلى أهله متجرّداً عن الشهوة لم يكن عليه شيء، سواء أمنى أم لم يمن، وإن نظر بشهوة فأمنى كان عليه بدنة، ذهب إليه علماؤنا; وأمّا الجمهور فلم يفصّلوا بين الأجنبية والزوجة.1
وقال في «الحدائق»: ولو كان النظر إلى أهله فأمنى فلا شيء عليه، إلاّ أن يقترن بالشهوة فبدنة.2
وقال في «الجواهر»: وكذا يحرمنّ عليه نظراً بشهوة، كما صرح به غير واحد; وإن قيل خلا كتب الشيخ والأكثر عن تحريمه مطلقاً لما سمعته من كون المستفاد حرمة الالتذاذ بالنساء من النصوص.3

1 . المنتهى:2/842.
2 . الحدائق:15/401.
3 . الجواهر:18/305.

صفحه 71
وقال السيد الحكيم: المنسوب إلى الأكثر حرمة النظر بشهوة.1
هذا وقد حكي عن الصدوق جواز النظر إلى امرأته بشهوة، وأيّده في «كشف اللثام»2، مستدلاً بالأصل وموثّق إسحاق بن عمّار. هذه هي الأقوال ولندرس الروايات. فيدلّ عليه ما يلي:
1. صحيح معاوية بن عمار قال: سألته عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم؟ قال: «لا شيء عليه، ولكن ليغتسل ويستغفر ربه» إلى أن قال: في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزّلها بشهوة حتّى يُنزل قال: «عليه بدنة».3
ولنذكر أُموراً:
1. انّ قوله: «لا شيء عليه» في الصدر ينفي الكفّارة، لا الحكم التكليفي، والظاهر كون نظره في تلك الحالة حراماً، بشهادة قوله:«ويستغفر ربه» ولولا الحرمة لا وجه لإيجاب الاستغفار، واستغفار النبي وآله في بعض الأحيان وعدم ملازمته مع الذنب خرج بالدليل، وإلاّ فالأصل في الأمر بطلب الغفران، هو وجود الذنب.
2 . انّ الموضوع للكفّارة هو النظر الشهوي المستعقب للإمناء فخرج النظر الخالي عنها، أو معها، لكن بلا إنزال، فالثاني حرام، وإن لم تجب فيه كفّارة.
3. ثمّ إنّ الصدر محمول على النظر بلا شهوة، بقرينة الذيل حيث قيّد النظر بالشهوة، وعندئذ يكون الصدر مخالفاً لما هو المشهور بين الأصحاب، حيث إنّ المعروف منهم هو الحرمة في صورة خاصّة، وهو النظر بشهوة لا مطلقاً، مع أن

1 . دليل الناسك:145.
2 . كشف اللثام:5/335.
3 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 72
المفهوم من صدر الصحيح هو الحرمة مطلقاً، بقرينة قوله: «يستغفر اللّه».
ويمكن أن يقال: إنّ النظر بلا شهوة على قسمين:
ألف. ما يكون الناظر من أمر الشبق على استعداد خاص بحيث يكون النظر مظنّة عند العقلاء للإمناء والإمذاء.
ب. ما يكون الناظر غير مستعد لأحد الأمرين.
والنظر الجائز هو الصورة الثانية، وأمّا الصورة الأُولى فتلحق بالحرام، فلا يكون الصحيح مخالفاً لما هو المشهور.
2. معتبر مسمع في حديث: من نظر إلى امرأته نظرة شهوة فأمنى فعليه جزور.1
والرواية ناظرة إلى الحكم الوضعي فقط، بخلاف الصحيحة السابقة، فإنّ الصدر كان بصدد بيان الحكم التكليفي.
فموضوع الكفّارة هو النظر بشهوة، المستتبع للإمناء، ولو خلا عن الإمناء فلا تجب فيه الكفّارة، وإن كان النظر بشهوة.
فإن قلت: إذا كان النظر أخف من المسّ في الاستمتاع، فلماذا وجب في الأخف الجزور، وفي الثاني الأشد، دم شاة مطلقاً وإن أمنى؟
قلت: الموضوع في المسّ، أعم وأوسع، فالمسّ بشهوة موضوع لوجوب الكفّارة مطلقاًوإن لم يمن وهو أكثر ابتلاءً، بخلاف النظر فالموضوع مضيق، لأنّه مقيّد بالإمناء وهو أقل ابتلاءً فوجب فيه البدنة، فسعة الموضوع في المسّ وكثرة الابتلاء به صار سبباً للتخفيف، وضيق الموضوع في النظر وقلّة الابتلاء به سبب

1 . الوسائل: 9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 73
خلافه، فافهم.
3. صحيح علي بن يقطين، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قال لامرأته أو لجاريته بعدما حلق ولم يطف ولم يسع بين الصفا والمروة: اطرحي ثوبك ونظر إلى فرجها؟ قال: «لا شيء عليه إذا لم يكن غير النظر».1 والرواية بصدد بيان الحكم الوضعي وهو عدم وجوب الكفّارة إذا كان النظر بشهوة، لكن بلا جماع ومسّ ولا إمناء.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر2 استدلّ على حرمة النظر بفحوى ما دلّ من النصوص على حرمة المسّ والحمل إذا كان بشهوة، كما في صحيح محمد بن مسلم.3
يلاحظ عليه: أنّ حرمة المسّ بشهوة لا يكون دليلاً على حرمة النظر بشهوة، لأنّ الاستمتاع في المسّ أقوى من النظر، وثبوت الحرمة فيه لا يكون دليلاً على ثبوتها في الضعف.
كما استدلّ أيضاً بنصوص الدعاء عند الإحرام المشتملة على تحريم الاستمتاع عليه بالنساء وفي صحيح معاوية بن عمار: أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب.4
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ليست في مقام بيان الخصوصيات حتّى يتمسّك بإطلاقها.
***

1 . الوسائل: 9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.
2 . الجواهر:18/305.
3 . الوسائل: 9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.
4 . الوسائل:9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث1.

صفحه 74

دليل القول بالجواز

قد تقدّم أنّ الصدوق قال بجواز النظر بشهوة قال في «المقنع»: إذا نظر المحرم إلى المرأة نظر شهوة فليس عليه شيء.1
واستدلّ له بموثّق إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى، قال: «ليس عليه شيء».2
وجه الاستدلال: انّه لو جاز النظر مع الإمناء، لجاز بدونه بوجه أولى.
يلاحظ عليه: أنّها رواية شاذة، لأنّها بصدد نفي الكفّارة مع اجتماع القيدين: النظر بشهوة والإمناء، فلا تعادل ما سبق من الروايات الدالّة على وجوب الكفّارة عند النظر المستعقب للإمناء، كصحيحة معاوية بن عمّار ومعتبرة مسمع، فلا يمكن الاعتماد.
ثمّ إنّ الفاضل الاصفهاني أيّد مقالة الصدوق بصحيح علي بن يقطين الماضي، حيث إنّ الإمام قال في جواب سؤاله:«ونظر إلى فرجها» لا شيء عليه إذا لم يكن غير النظر.3
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو كان الصحيح بصدد بيان الحكم التكليفي، بل الظاهر منه أنّه بصدد بيان عدم الكفّارة عليه. ومن الممكن جداً أن يحرم ولا تتعلّق به الكفّارة. فما أفاده في ذيل كلامه حيث قال ـ استدراكاً ـ «وإن جاز أن يحرم ولا يكون عليه شيء» هو المتعيّن.
بقي الكلام في موردين:

1 . المقنع:76.
2 . الوسائل: 9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.
3 . كشف اللثام:5/335.

صفحه 75
بل كلّ لذّة وتمتّع منها.*
1. هل الحكم يختصّ بالزوجة أو يعمّ الأجنبية؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ الموضوع في الروايات هو النظر إلى امرأته، فإسراء الحكم إلى غيرها يحتاج إلى دليل، وقد تقدّم عن العلاّمة أنّ الجمهور لم يفرّقوا بينهما.
ومن أصحابنا من ساوى بينهما في الموارد التي يجوز النظر فيها إلى الأجنبية.
قال الشهيد الثاني: لا فرق في ذلك بين الزوجة والأجنبية بالنسبة إلى النظرة الأُولى ـ إن جوّزناها ـ والنظر إلى المخطوبة، واإلاّ فالحكم مخصوص بالزوجة.1
وقال سبطه في «المدارك»: وكأنّ وجه الاختصاص عموم تحريم النظر إلى الأجنبية على هذا التقدير، وعدم اختصاصه بحالة الشهوة، وهو جيد، إلاّ أنّ ذلك لا ينافي اختصاص التحريم الإحرامي بما كان بالشهوة، كما أطلقه المصنّف (رحمه الله).2
2. نظر الزوجة إلى الزوج بشهوة، فهل هو حرام أو لا؟ وجهان. والأقوى عدمه، لعدم الدليل، واختصاص الأدلّة بالزوج.

*5. حرمة كلّ تمتّع

ويمكن استظهار ذلك بأمرين:
1. ما سبق من صاحب اللسان: حيث فسّر الرفث كلّ ما يكون بين الرجل وامرأته حتّى التقبيل والمغازلة ونحوهما.
2. انتزاع ضابطة كلّية ممّا سبق حيث إنّ تحريم الجماع والتقبيل والمسّ والنظر بشهوة، دليل على أنّ المطلوب في الحجّ وفي طريق الوفود إلى اللّه، هو انقطاع الإنسان عن الشهوة الجنسيّة ومظاهرها.

1 . المسالك:2/249.
2 . المدارك:7/313ـ 314.

صفحه 76
المسألة1: لو جامع في إحرام عمرة التمتّع ـ قبلاً أو دبراً بالأُنثى أو الذكر ـ عن علم وعمد فالظاهر عدم بطلان عمرته، وعليه الكفّارة، لكن الأحوط إتمام العمل واستئنافه لو وقع ذلك قبل السعي، ولو ضاق الوقت حج إفراداً وأتى بعده بعمرة مفردة، وأحوط من ذلك إعادة الحجّ من قابل ولو ارتكبه بعد السعي فعليه الكفّارة فقط، وهي على الأحوط بدنة، من غير فرق بين الغني والفقير.*

1

*الوقاع في إحرام العمرة المفردة

موضوع المسألة في المتن هو الجماع في إحرام العمرة المتمتّع بها، حذراً من الجماع في إحرام العمرة المفردة، فإنّه يفسد إجماعاً، وأمّا الجماع في إحرام الحج، فسيوافيك حكمه في المسألة الثالثة. وعلى ذلك فهنا مسائل:
1. الجماع في إحرام العمرة المفردة الّتي ربّما يعبّر عنها بالمبتولة.
2. الجماع في إحرام عمرة التمتّع.
3. الجماع في إحرام الحجّ.
فكان اللازم عقد مسائل ثلاث لإيضاح الحال، لكنّه(قدس سره) اكتفى بالأخيرتين، مع أنّ تحقيق القسم الثاني، رهن تحقيق الأُولى منها، ولذلك نقدّم الكلام فيها، ثمّ نرجع إلى المسألة الثانية.
واعلم أنّ البحث في كلّ من المسائل الثلاث يقع في موضعين:

صفحه 77
إمّا العمرة المفردة أو عمرة التمتع، فيقع الكلام في الوقاع قبل السعي، وأُخرى بعده.
وفي إحرام الحجّ تارة يقع الكلام في الوقاع قبل الوقوف بعرفات أو المشعر، وأُخرى بعده.
وعلى كلّ تقدير ربّما يركّز على البحث في فساد العمل، وأُخرى في وجوب الكفّارة.
فعلى الفقيه ـ في المسائل الثلاث ـ النظر إلى الحالتين: قبل السعي وبعده، أو قبل عرفات وبعده، وفي كلّ حالة إلى البحث عن الفساد، و عن وجوب الكفّارة ذكرت ذلك ليكون القارئ على بصيرة ممّا يأتي إليه من البحوث.
***

1. الوقاع في العمرة المفردة قبل السعي فساداً وكفّارة

فنقول: عنون الفقهاء المسألة في كفّارات الاستمتاع، وهم بين مَن عبّر بالجماع قبل الفراغ من المناسك أو بعده، ومن عبّر بالجماع قبل السعي وبعده. وإليك بعض الكلمات المشيرة إلى كلتا الاتجاهين:
1. قال الشيخ في «النهاية»: ومن جامع امرأته وهو محرم بعمرة مبتولة قبل أن يفرغ من مناسكها، فقد بطلت عمرته وكان عليه بدنة.1
2. وقال في «المبسوط»: ومتى جامع وهو محرم بعمرة مبتولة قبل أن يفرغ من مناسكها، بطلت عمرته وعليه بدنة.2

1 . النهاية:231.
2 . المبسوط:1/337.

صفحه 78
3. قال ابن البراج: أو يجامع وهو محرم بعمرة مبتولة، قبل الفراغ من مناسكها، وعليه مع ذلك (البدنة) المُقام بمكّة إلى الشهر الداخل ليعيد العمرة.1
ترى أنّ هذه الكلمات مفصِّلة بين ما قبل الفراغ وبعده.
نعم فصل ابن سعيد في «الجامع» والمحقّق في «الشرائع» بين ما قبل السعي وبعده تبعاً للنصوص.
4. قال الأوّل: فإذا جامع في عُمرة مبتولة قبل الطواف أو السعي فعليه بدنة، وإتمامها والعمرة في الشهر الداخل.2
5. وقال المحقّق: ومن جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته، وعليه بدنة وقضاؤها، والأفضل أن يكون في الشهر الداخل.3
ترى أنّ الموضوع في كلامهما قبل السعي دون بعده وأنّه حكم عليه بأُمور ثلاثة أو أربعة:
ألف. الفساد ويعلم ذلك من الأمر بالقضاء.
ب. البدنة.
ج. الإتمام كما هو صريح الجامع.
د. العمرة في الشهر الداخل.
فقوله القضاء في الشهر الداخل قرينة على أنّ المراد من إحرام العمرة ـ في عبارة المحقّق ـ هو العمرة المفردة بشهادة اشتراط فصل شهر بين العمرتين

1 . المهذب:1/222.
2 . الجامع:188.
3 . الشرائع:1/295.

صفحه 79
المبتولتين لا إحرام عمرة التمتع.
6. وقال صاحب «المسالك»: بعد نقل عبارة «الشرائع» الماضية: هذا مع علمه ويلحق بها الأجنبية والغلام، ويجب عليه إتمامها أيضاً.1
7. وقال في «المدارك» بعد نقل عبارة «الشرائع»: هذا مذهب الأصحاب، بل ظاهر عبارة «المنتهى» أنّه موضع وفاق.2
هذا ونقل العلاّمة في «المختلف»، عن ابن أبي عقيل، بأنّه تصحّ عمرته إذا جامع بعد الطواف والسعي، قبل التقصير وانّ عليه بدنة، وأمّا إذا جامع قبل الطواف والسعي فتوقف فيه، لأنّه لم يجد فيه نصاً.3
وهذا يكشف عن أنّ شيخ الشيعة في عمان كان يعيش بعيداً عن قسم من المصادر والروايات، وإلاّ فالروايات متوفّرة في الجماع قبل السعي كما ستوافيك.
وأمّا السنّة فقد نقل العلاّمة في «المنتهى»، أقوال الأئمّة الثلاثة وقال:
1. لو وطأ في العمرة قبل السعي فسدت عمرته، ووجب عليه بدنة وقضاؤها . وبه قال الشافعي.
2. وقال أبو حنيفة : إذا وطأ قبل أن يطوف أربعة أشواط فسدت عمرته، ووجب عليه القضاء وشاة.
3. وقال أحمد : يجب بالوطء القضاء وشاة إذا وجد في الإحرام.4
ثمّ إنّ المهم هو إثبات ما هو المشهور في الحكم عليه بالفساد والكفّارة.
وإليك دراسة الروايات:

1 . المسالك: 2/481.
2 . المدارك:8/422.
3 . المختلف:4/155.
4 . المنتهى:2/841.

صفحه 80
1. صحيح بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه؟ قال: «عليه بدنة لفساد عُمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة».1
فالموضوع في هذه الصحيحة غشيان الأهل قبل الطواف والسعي، فحكم عليه بأُمور ثلاثة:
1. عليه بدنة.
2. فساد عمرته.
3. قضاؤها في الشهر الآخر.
وسكت عن الإتمام.
أمّا الفساد فيحتمل أن يكون المراد هو فوات الكمال كما هو المراد في من أفسد حجّه بالجماع، وأنّ الفريضة هي الأوّل والثاني العقوبة، ولو أُريد به الفساد بالمعنى الحقيقي بمعنى فرضه معدوماً لما وجب الفصل بين العمرتين بشهر، لأنّ الفصل إنّما هو بين العمرتين الصحيحتين لا العمرة الفاسدة والعمرة الصحيحة، ولو أُريد من الفساد ما ذكرنا فيكون دليلاً على الإتمام أيضاً، لأنّ المحرم لا يخرج عن إحرامه إلاّ بالتقصير إلاّ إذا صد وحصر فإنّ لهما أحكاماً غير ذلك.
2. صحيح مَسْمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يعتمر عمرة مفردة ثمّ يطوف بالبيت طواف الفريضة ثمّ يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، قال: »قد أفسد عمرته، وعليه بدنة، وعليه أن يقيم بمكة حتّى يخرج الشهر الّذي اعتمر فيه، ثمّ يخرج إلى الوقت الّذي وقّته رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فيحرم

1 . الوسائل: 9، الباب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 81
منه ويعتمر».1
الظاهر أنّ خروجه إلى المواقيت الخمسة الّتي وقتها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)محمول على الفضل، إذ يكفي في صحّة إحرام العمرة المفردة، الإحرام من أدنى الحل، ولذلك عبّر في صحيح بريد الماضي وخبر أحمد بن علي الآتي بأنّه يخرج إلى بعض المواقيت الشامل لأدنى الحلّ.
وقد اعتمرت عائشة بأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من التنعيم كمامرّ، وبذلك يحتمل أن يراد بـ»ما وقّت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)» أدنى الحلّ أيضاً.
وهذا الحديث كالسابق مضموناً فليس الإفساد بالمعنى الحقيقي، بل بمعنى فوات الكمال، وبذلك يكون دليلاً على وجوب الإتمام.
3. خبر أحمد بن أبي علي2، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل اعتمر عمرة مفردة ووطئ أهله وهو محرم قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه، قال:«عليه بدنة لفساد عمرته، وعليه أن يقيم بمكّة حتّى يدخل شهر آخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم منه ثمّ يعتمر».3
وهذه الرواية كالسابقتين فالفساد فيها نسبي لا حقيقي، وربّما يكون دليلاً على وجوب الإتمام، لأنّ العمرة الصحيحة يجب إتمامها، لأنّ المحرم لا يخرج عن الإحرام، إلاّ بإتمامها.

التفريق بين الزوجين

إلى هنا ثبت أنّه إذا جامع قبل السعي، يحكم عليه بأُمور أربعة: فساد

1 . الوسائل: 9، الباب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . شيخ ابن أبي عمير، فهو ثقة، والتعبير ـ بخبر ـ تبعاً للقوم.
3 . نفس المصدر والباب، الحديث 4.

صفحه 82
العمرة، إتمامها، قضاؤها، والبدنة.
بقي هنا أمر آخر وهو أنّه إذا جامع المحرم في إحرام الحج يحكم عليهما بالتفريق، وهل يحكم في العمرة المفردة بالتفريق أيضاً؟
يمكن القول بوجوب التفريق إلى أن يحلاّ.
وقد استدلّ بعضهم عليه بروايات:
1 . صحيح معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: «إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فإنّ عليه أن يسوق بدنة، ويفرّق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحجّ من قابل».1
وجه الاستدلال على وجوب التفريق هو أنّ الموضوع«رجل وقع على أهله» وهو يشمل العمرة المفردة.
يلاحظ عليه: أنّ في الرواية شاهدين على أنّها راجعة إلى الوقاع في إحرام الحجّ، لا إحرام العمرة المفردة:
1. قوله: «حتى يقضيا المناسك» وهو ظاهر في مناسك الحج، وهو ظاهر في أنّ مصبَّ الإصابة هو إحرام الحجّ.
2. قوله: «وعليه الحج من قابل» والعمرة المفردة، سواء أكانت فاسدة أم صحيحة، لا تستعقب الحجّ من قابل.
2. مرفوعة أبان بن عثمان رفعها إلى أبي جعفر(عليه السلام) وأبي عبد اللّه(عليه السلام)قالا:المحرم إذا وقع على أهله يفرّق بينهما، يعني بذلك لا يخلوان وأن يكون معهما

1 . الوسائل: 9، الباب3من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 83
ثالث.1
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّها مرفوعة لا مسندة ـ: أنّ الراوي سأل الإمامين(عليهما السلام) عن معنى جملة مقطوعة من الصدر والذيل وهي «المحرم إذا وقع على أهله يفرّق بينهما» والإمام أيضاً فسّرها بقوله:«لا يخلوان وأن يكون معهما ثالث»، فإذاً فالجملة المقطوعة غير واضحة المقصود والمعنى، فهل هي راجعة إلى العمرة المفردة، أو عمرة التمتّع، أو عمرة الحجّ؟
3. صحيح سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل باشر امرأته وهما مُحرمان ما عليهما؟ فقال: «إن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعاً، ويفرّق بينهما حتى يفرغا من المناسك، وحتى يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها صاحبها، فليس عليها شيء».2
يلاحظ عليه: أنّ هذه الصحيحة وإن كانت خالية من قوله:«وعليه الحجّ من قابل» كما كان في الصحيح الأوّل، لكنّها تحدّد التفريق بالفراغ من المناسك، وهو ظاهر في مناسك الحجّ، وأنّ مصبّ الإصابة هو إحرامه.
4. ومنه يظهر مفاد صحيح معاوية بن عمّار و فيه: يفرق بينهما ـ إلى أن قال: ـ حتّى يبلغ الهدي محلّه.3 لأنّ الغاية دليل على أنّ مصب الإصابة هو إحرام الحجّ.
إلى هنا تمّ أنّ من جامع في إحرام العمرة المفردة تترتّب عليه الأُمور التالية:

1 . الوسائل: 9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.
2 . الوسائل: 9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل: 9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.

صفحه 84
1. فساد العمرة بالمعنى الّذي عرفت.
2. لزوم قضائها.
3. عليه البدنة.
4. والإتمام ـ لأجل صحّة العمرة ـ .
فالكفّارة مختصرة بالبدنة لعدم ورود العِدل في الروايات ، ولا دليل على التدرّج بالبدنة، فالبقرة، فالشاة حسب إمكانات المكفّر، كما هو الحال في الجماع في إحرام الحجّ، من غير فرق بين الموسر والمعسر، بخلاف الجماع في حجّ التمتع، كما سيوافيك.

2. الجماع في العمرة المفردة بعد السعي فساداً وكفّارة

قد عرفت وجود القيد (قبل السعي) في كلام الجامع والشرائع، وقد ورد أيضاً في الروايات; ويقع الكلام في الجماع بعد السعي: تارة في فسادها وما يستعقبه الفساد، وأُخرى في وجوب الدم.

أمّا الأوّل أي فساد العمرة

فالظاهر صحّة عمرته لاختصاص النصوص السابقة، بالجماع قبل السعي، لأنّ الموضوع فيها عبارة عن العناوين التالية:
1. غشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه.
2. يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا والمروة.
إلى غير ذلك من العناوين.
ولو افترضنا أنّه جامع في أثناء السعي فهل يحكم عليه بالأحكام الأربعة أو لا؟

صفحه 85
الظاهر: لا، لأنّ الموضوع في رواية مسمع:«قبل أن يسعى بين الصفا والمروة» أي قبل أن يشرع. والمفروض أنّه جامع بعد أن شرع في السعي.
فإن قلت: إنّ صحيحة بريد العجلي1 تعمّ الجماع في أثناء السعي، لأنّ الموضوع فيها «قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه» والمفروض أنّه لم يفرغ من السعي.
قلت: الأمر دائر بين أحد الأمرين: إمّا الأخذ بظهور رواية «مسمع»2 وجعل الميزان هو عدم الشروع بالسعي وعدمه والتصرّف في حديث العجلي وحمله على أنّه لم يشرع في الطواف والسعي منه والمفروض أنّه شرع فيه.
وعلى هذا لا يحكم عليه بالأحكام الماضية.
أو العكس والأخذ بظهور رواية «العجلي» في أنّ الميزان في وجوب الفدية عدم الفراغ والمفروض أنّه لم يفرغ، والتصرف في رواية «مسمع» بحمل قوله قبل أن يسعى، أي قبل أن يتم السعي.
ولعلّ حديث مسمع أظهر من العجلي فيقدّم عليه، ولو تعارضا فمقتضى القاعدة هو استصحاب الصحّة، وعدم كونه محكوماً بالأحكام السابقة.
وعلى كلّ تقدير فلم يرد دليل على فساد العمرة المفردة بالجماع بعد السعي وقبل التقصير.

أمّا الثاني أي وجوب الدم

فربّما يستدلّ على وجوب الدم عند الجماع في العمرة المفردة بعد السعي بروايات:

1 . الوسائل: 9، الباب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل: 9، الباب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 86
1. صحيح جميل بن درّاج1(وفي السند أبو الحسن النخعي و هو أيوب بن نوح الثقة). قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل وقع على أهله؟ قال: «عليه بدنة». قال: فقال له زرارة: قد سألته عن الّذي سألته عنه؟ فقال لي: «عليه بدنة» قلت: عليه شيء غير هذا؟ قال:«عليه الحجّ من قابل».2
وجه الاستدلال: انّ هناك روايتين مستقلتين: يروي إحداهما جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ويروي الأُخرى زرارة، والموضوع في الأُولى مطلق «المحرم الّذي وقع على أهله» وهو يعمّ المحرم بالعمرة المفردة وإحرام التمتّع وإحرام الحجّ، ولكن الموضوع في الثانية مختصّ بالإحرام الّذي بعده حج، حيث قال: عليه الحجّ من قابل.
فهنا وجهان:
أ. يمكن أن يقال: انّ المسؤول عنه في كلتا الروايتين واحد، وبما أنّه في حديث زرارة عبارة عن الوقاع في الإحرام الّذي بعده، فيكون قرينة على أن ّالمسؤول عنه في صحيح جميل بن درّاج ذلك.
ب. يمكن أن يقال: انّ الخصوصية الموجودة في رواية زرارة بسبب انفصالها عن رواية جميل لا تسري إلى روايته، فيؤخذ بإطلاقها.
والظاهر هو الأوّل، لأنّ المقام من قبيل الشك في قرينية الموجود، ومعه لا ينعقد الإطلاق لرواية جميل.
2. صحيح سليمان بن خالد الماضي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل باشر امرأته وهما مُحرمان ما عليهما؟ فأجاب الإمام: »إن كانت المرأة أعانت

1 . السند هكذا: عن موسى بن قاسم، عن أبي الحسن النخعي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج.
2 . الوسائل: 9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 87
بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعاً، ...وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها صاحبها فليس عليها شيء».1
يلاحظ عليه: أنّ الرواية مشتملة على قوله:«ويفرق بينهما حتى يفرغا من المناسك»، وهو قرينة على أنّ الوقاع كان في إحرام الحج إمّا عمرته أو حجّه.
إلى هنا تبيّن أنّه لم نجد شيئاً صالحاً يدلّ على وجوب الكفّارة إلاّ صحيح أبي بصير الذي سنتلوه عليك.
3. عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل أحلّ من إحرامه ولم تحل امرأته فوقع عليها، قال:«عليها بدنة يغرمها زوجها».2
وإطلاقه يعمّ إحرام العمرة المفردة.
والاستدلال بها يتوقّف على وجود إطلاقين:
أ. الإطلاق من حيث الإحرام، سواء أكان الإحرام لعمرة مفردة أو لغيرها.
ب. تحقّق الوقاع قبل السعي أو بعده.
ولو صحّ الاستدلال بمثل صحيح أبي بصير لصحّ الاستدلال بما دلّ على لزوم البدنة على من أتى أهله قبل طواف النساء، نظير ما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: «عليه جزور سمينة».3
وبفضل هاتين الروايتين الأخيرتين تجب عليه البدنة فتسقط عند العجز، ولا دليل على التدرّج الموجود في كفّارة عمرة التمتّع من الترتّب بين البدنة والبقرة والشاة حسب الغني والمتوسط والفقير، إلاّ بإلغاء الخصوصية.

1 . الوسائل: 9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل: 9، الباب5 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل: 9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 88

2

الجماع في إحرام عمرة التمتع

قد تقدّم المتن في المسألة السابقة ولا حاجة للتكرار.
الكلام في الوقاع في إحرام عمرة التمتع فتارة يواقع قبل السعي، وأُخرى بعده. فاختار المصنّف بأنّه لا فرق بين الجماع قبله أو بعده في عدم بطلان عمرته ولكن تتعلّق الكفّارة بالوقاع في كلتا الصورتين.
نعم احتاط فيما إذا كان الوقاع قبل السعي بالنحو التالي:
إتمام العمل أوّلاً واستئنافه ثانياً.
ولو ضاق الوقت عدل إلى حجّ الإفراد، ثمّ يعيد الحجّ من قابل.
كلّ ذلك من باب الاحتياط وإلاّ فالفتوى هي صحّة عمرته في كلتا الصورتين ووجوب الكفّارة كذلك.
هذا ما لدى المصنّف، وأمّا غيره فقد قال قليل من الفقهاء بالفساد، منهم:
1. أبو الصلاح فقال بفساد المتعة بالجماع قبل طوافها وسعيها وانّ عليه بدنة. وإليك نصّه: وفي الوطء في إحرام المتعة قبل طوافها أو سعيها، فساد المتعة (وكفّارته).1
2. العلاّمة فقد سوّى الجماع في العمرة المفردة وعمرة التمتّع وقال: إن جامع قبل السعي في العمرة فسدت عمرته، سواء أكان عمرة التمتع أم العمرة

1 . الكافي:203.

صفحه 89
المفردة وعليه بدنة والإتيان بها.1
ولكنّه عدل في «القواعد» في التسوية بينهما واستشكل فيها وقال:
ولو جامع في إحرام العمرة المفردة أو المتمتع بها ـ على إشكال ـ قبل السعي عامداً عالماً بالتحريم بطلت عمرته، ووجب إكمالها وقضاؤها وبدنة. ويستحبّ أن يكون القضاء في الشهر الداخل.2
قوله: «على إشكال» يرجع إلى العمرة المتمتع بها لا العمرة المفردة.
وقال في «المدارك»: وإطلاق العبارة 3 يقتضي عدم الفرق بين العمرة المفردة والمتمتّع بها، وبهذا التعميم صرّح العلاّمة في «المختلف» وغيره. وخصّ الشيخ في «التهذيب» الحكم بالمفردة إلى أن قال: ومورد الروايتين (رواية بريد بن معاوية العجلي ورواية مسمع بن عبد الملك)4 العمرة المفردة إلاّ أنّ ظاهر الأكثر وصريح البعض عدم الفرق بينها و بين عمرة التمتّع.5
وقال في «الجواهر»: لم نجد دليلاً في المسألة ومقتضى الأُصول عدم الفساد في عمرة التمتع بالجماع فيها بعد ما عرفت من اختصاص تلك النصوص في المفردة ودعوى التنقيح ـ بعد عدم إجماع ونحوه ـ غير مسموعة.6
وقال في موضع آخر بعد ما فرغ من البحث في الجماع في العمرة المفردة: نعم

1 . المختلف:4/155.
2 . القواعد:1/469.
3 . عبارة المحقّق هكذا: «ومن جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته وعليه بدنة وقضاؤها». و قد مرّت في المسألة الأُولى وقلنا بأنّها تهدف العمرة المفردة، فلاحظ.
4 . تقدّمت الروايتان ، ص 80 من هذا الجزء.
5 . المدارك:8/423.
6 . الجواهر:20/383.

صفحه 90
لم أعثر على نص في المتمتع بها كما اعترف به غير واحد، ثمّ نقل كلمة العلاّمة في «القواعد» من الإشكال في التسوية.1
هذه هي كلمات القوم، فلابدّ من الفحص في الروايات، حتّى نصل إلى الرأي الحاسم، ويقع الكلام تارة في الوقاع قبل السعي، وأُخرى بعده، وعلى الأوّل تارة يبحث عن فساد المتعة، وأُخرى عن وجوب البدنة. وإليك البحث عن الجميع واحداً تلو الآخر.

الموضع الأوّل: فساد العمرة بالوقاع قبل السعي

قد تقدّم وجود القول بالفساد من العلاّمة، واستدلّ عليه بروايات تعلّق السؤال فيها بـ«محرم وقع على أهله»، ومن المعلوم أنّه يصدق على كلا المحرمين: المحرم لعمرة مفردة أو متعة والمحرم للحجّ، والجواب في الجميع هو وجوب الحجّ من قابل، وفي هذا دلالة على فساد الحجّ، إمّا لفساد نفسه أو لفساد عمرته، لأنّ عمرة الحجّ، مع مناسكه، كأنّهما عمل واحد، وإن كان يحلّ في الأُولى بعد التقصير عامّة المحرمات. وإليك الروايات:
1. عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: «إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فإنّ عليه أن يسوق بدنة، ويفرق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحجّ من قابل».2
وجه الاستدلال: انّ قول السائل:«عن رجل محرم وقع على أهله» يعمّ إحرام

1 . الجواهر:20/380.
2 . الوسائل:9 الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 91
العمرة وإحرام الحجّ، لكن ذيله: «وعليه الحجّ من قابل» خصّ الموضوع بالإحرام الّذي يكون معه حجّ فخرجت العمرة المفردة في غير أشهر الحجّ، والعمرة المفردة بعد الحجّ، كحجّ الإفراد والقران، أمّا الأوّل فليس فيها حجّ، وأمّا الثانية ففساد العمرة لا يسري إلى الحجّ، وبقي إحرام عمرة التمتع، وإحرام الحجّ تحته.
يلاحظ عليه: أنّ في الرواية شاهدين على أنّ المراد، هو الجماع في إحرام الحجّ، لا إحرام عمرة المتعة، وذلك:
1. انّ ظاهر الحديث هو أنّ قوله: «عليه أن يسوق بدنة ويفرّق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا» يرجع إلى الحجّ الأوّل.
كما أنّ قوله «عليه الحجّ من قابل» ظاهر في الحجّ القضائي، وعلى هذا يجب عليهما التفريق بعد قضاء المناسك إلى نهاية الوصول إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا.
وهذا ينسجم مع الوقاع في إحرام الحجّ، لا إحرام العمرة، لأنّ الزوجين يَحلاّن بعد التقصير ولو كان راجعاً إلى إحرام العمرة يلزم استمرار التحريم إلى الغاية الواردة في الصحيحة، ومعنى ذلك انّ الرجل المحرم يحل له تزويج الأجنبية بعد التقصير، ولا يحل له وطء زوجته، وهذا ما لا يلتزم به فقيه.
2. لو أصاب في عمرة التمتّع وقلنا بفسادها، لكن فسادها لا يسري إلى الحجّ، لأنّه إن اتّسع الوقت يستأنف العمرة، وإن ضاق الوقت عدل إلى حجّ الإفراد.
وهذه ضابطة كلّية في فساد عمرة المتعة وأنّها إذا فسدت، يُستأنف إذا كان الوقت متّسعاً. ويدلّ عليه ما رواه ضريس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل

صفحه 92
أمر جاريته أن تحرم من الوقت، فأحرمت ولم يكن هو أحرم فغشيها بعد ما أحرمت؟ قال: «يأمرها فتغتسل ثمّ تُحرم ولا شيء عليه».1
ترى أنّها لمّا أفسدت عمرتها بالوقاع، تُجدد الإحرام في سعة الوقت.
2. صحيحة ثانية لمعاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل وقع على امرأته وهو محرم قال: «إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فعليه سوق بدنة وعليه الحجّ من قابل، فإذا انتهى إلى المكان الّذي وقع بها فُرّق محملاهما، فلم يجتمعا في خباء واحد إلاّ أن يكون معهما غيرهما حتّى يبلغ الهدي محله».2
وجه الاستدلال فيها وفيما تقدّم واحد، وهو إطلاق قوله: «عن رجل وقع على أهله وهو محرم» والحكم بفساد الحجّ وإعادته إمّا لأنّ الإصابة كانت في إحرامه، أو كانت في عمرته، وصار ذلك سبباً لوجوب إعادة الحجّ.
يلاحظ عليه: بنفس الوجهين السابقين:
1. بأن لو كان فساد الحجّ لأجل كونه محلاً للإصابة فهو، وإلاّ فلو كان فساده لأجل فساد عمرته فقد عرفت أنّ فسادها لا يسبّب فساد الحجّ، بل يجب عليه الاستئناف إذا اتسع الوقت أو العدول إلى حجّ الإفراد كما عرفت.
ثمّ إنّ قوله: «عليه الحجّ من قابل فإذا انتهى إلى المكان الّذي وقع بها فرق محملهما» راجع إلى الحجّ الثاني.
فإن قلت: إنّ قوله: «فإذا انتهى إلى المكان الّذي وقع بها فرق محملهما الخ» دليل على أنّه أصاب في عمرة التمتع، وذلك لأنّه أمر بالتفريق المجدّد في السفر

1 . الوسائل: 9، الباب8 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3، ولاحظ الحديث1.
2 . الوسائل: 9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث12.

صفحه 93
الثاني، إذا انتهى إلى النقطة الّتي أصاب فيه، فيفرق محملاهما إلى أن يبلغ الهدي محله، وهذا أنسب بإحرام عمرة التمتّع.
قلت: كما يتصوّر ذلك في عمرة المتعة، يتصوّر في حجّهما، كما إذا أصاب في أحد المواقف، وعندئذ يفرق بينهما في الحجّ الأوّل إلى قضاء المناسك، كذلك يفرق بينهما في الحجّ الثاني إذا انتهيا إلى المكان الذي أصاب فيه.
3. صحيحة ثالثة لابن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن متمتّع وقع على امرأته ولم يقصّـر؟ قال: «ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».1
وجه الاستدلال: هو أنّ الخوف من تطرق الفساد إلى الحجّ بالوقاع بعد السعي وقبل التقصير، ربّما اقتضى تحقّق الفساد بوقوع ذلك قبل السعي.2
إنّ الاستدلال بالفحوى إنّما يصحّ لو كان الحكم مسلّماً في الأصل، أعني: الوقاع بعد السعي وقبل التقصير، أنّه لا يوجب الفساد، وإنّما هو مظنّة الخوف، فليكن كذلك في الفرع لا الفساد القطعي.
هذا على فرض كون النسخة«ولم يقصّر» كما في «الفقيه» الظاهر في إحرام العمرة، وأمّا على نسخة «الكافي» و «التهذيب» أي «ولِم يزر»، على ما حكاه محقّق الوسائل وفيه قوله:«ولم يزر»، وربّما يشهد ذيل الحديث على اختصاص السؤال بإحرام الحجّ. فلاحظ
4. صحيح جميل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم وقع على أهله؟قال: «عليه بدنة»، قال: فقال له زرارة: قد سألته عن الّذي سألت عنه، فقال لي:

1 . الوسائل:9، الباب13 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث4.
2 . الجواهر:18/318.

صفحه 94
«عليه بدنة» قلت: عليه شيء غير ذلك؟ قال: «عليه الحجّ من قابل».
وكيفية الاستدلال واحدة، فقد حكم الإمام بحكمين:
1. وجوب البدنة.
2. الحجّ من قابل.
ويرد عليه الإشكال الثاني، من أنّ فساد العمرة لا يسبّب فساد الحجّ، بل يوجب أحد الأمرين: إمّا الاستئناف أو العدول إلى حجّ الإفراد كما مرّ. فإيجاب الحجّ شاهد على مصب الفساد هو الحجّ لا العمرة.
5. صحيحة زرارة قال: سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة؟ قال: «جاهلين أو عالمين؟» قلت: أجبني في الوجهين جميعاً، قال: «إن كانا جاهلين استغفرا ربهما، ومضيا على حجّهما، وليس عليهما شيء; وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه وعليهما بُدنة، وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا» قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: «الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة».1
وجه الاستدلال: هو إطلاق قوله: «عن محرم غشي امرأته وهي محرمة». فهو يعم إحرام المتعة والحج.
يلاحظ عليه: بما تقدّم في الروايات السابقة، فإنّ الأمر بإعادة الحجّ من قابل شاهد على أنّ الإصابة في إحرام الحجّ لا في إحرام العمرة، وإلاّ لما فسد الحجّ بفساد إحرام المتعة، لما عرفت من أنّ فساده ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا الاستئناف إذا بقي الوقت، أو العدول إلى حج الإفراد إذا ضاق الوقت.

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث9.

صفحه 95
فإن قلت: إنّ قوله: «عليهما الحجّ من قابل، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه، فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا» ظاهر في وقوع الإصابة في إحرام المتعة.
قلت: يمكن تصوير ذلك بوجهين:
الأوّل: إذا أحرما لحج الإفراد من دويرة أهلهما، فأصابا في الطريق قبل الوصول إلى مكّة، فيحكم عليهما بالتفريق في الحج الثاني أيضاً إذا وصلا إلى ذلك المكان إلى أن يقضيا المناسك ويرجعا إلى ذلك المكان إن أرادا الرجوع من نفس الطريق الذي جاءا منه، وإلاّ فينتهي التفريق بقضاء المناسك.
ففي صحيح محمد بن مسلم فقلت: أرأيت إن أرادا أن يرجعا في غير ذلك الطريق؟ قال: «فليجتمعا إذا قضيا المناسك».1
الثاني: إذا أحرما للحج من مكّة المكرّمة قاصدين المواقف من عرفات إلى المشعر إلى منى فأصاب في أحد هذه المواقف، فيحكم عليه في الحجّ الثاني بالتفريق من هذا المكان لو اتّبع هذا الطريق.
إلى هنا تبيّن عدم نهوض دليل على فساد العمرة. ومن هنا يعلم أنّ ما احتاط المصنّف بوجوه مختلفة بعضها غير تام.
1. إتمام العمل واستئنافه.
2. العدول إلى حجّ الإفراد إذا ضاق الوقت والإتيان بعمرة مفردة.
3. إعادة الحجّ من قابل.
فإنّ الأوّل والثالث لا مانع منهما، وأمّا الثاني وهو العدول فهو على خلاف الاحتياط، لأنّ المفروض عدم فساد عمرته، فالأحوط هو الاستمرار في العمل

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث15.

صفحه 96
وعدم العدول إلى حج الإفراد.
تمّ الكلام في الموضع الأوّل، أعني: صحّة إحرام المتعة أو عدمها، فلندرس الحكم الثاني، أعني: وجوب البدنة.

الموضع الثاني: وجوب الكفّارة بالوقاع قبل السعي

قد عرفت صحّة إحرام المتعة انّما الكلام في وجوب البدنة.
يقع الكلام في الدليل على وجوب الكفّارة، وأُخرى في جنسها.
وأمّا الأقوال فقد عرفت عن العلاّمة أنّ الواجب للوقاع قبل السعي في عمرة التمتّع هو البدنة.
كما عرفت عن «المدارك» أنّ الأكثر لم يفرّق بين العمرة المفردة وعمرة التمتع وأنّ الواجب هو البدنة.
وأمّا المصنّف فقد اختار البدنة من غير تفصيل بين الغني والفقير.
هذا حول الأقوال والمهم وجود الدليل على الكفّارة فلم نعثر على دليل في الموضوع إلاّ ما ورد في وجوب الكفّارة قبل التقصير بتقريب صدق ذلك على الوقاع قبل السعي، وإليك ما ورد في ذلك وهي حسب ما نقله صاحب الوسائل روايات خمسة ولكنّها في الحقيقة ثلاثة:
1. صحيح الحلبي: عن متمتّع طاف بالبيت وبين الصفا والمروة وقبّل امرأته قبل أن يقصّر من رأسه؟ قال: «عليه دم يهريقه، وإن كان الجماع فعليه جزور أو بقرة».1وظاهره هو التخيير بين البدنة والبقرة.
2. صحيح معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه عن متمتّع وقع على

1 . الوسائل:9، الباب13 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث1. وهو متحد مع الحديث رقم 5.

صفحه 97
امرأته قبل أن يقصر؟ قال:« ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».1 وظاهره تعيّن البدنة.
الظاهر ـ كما مرّ ـ أنّ مورد الحديث هو الوقاع في إحرام الحج، وذلك للوجوه التالية:
1. صاحب الوسائل رواه في الباب الثالث عشر على النحو المذكور الظاهر في أنّ الوقاع كان في عمرة التمتّع تبعاً لنسخة الفقيه.
ولكنّه رواه في الباب التاسع ، ـ وفقاً لنسخة الكافي والتهذيب ـ «ولم يزر» الظاهر في طواف الزيارة.
2. انّ الخوف من ورود الثلمة على الحجّ شاهد على كونه مصب الوقاع.
3. انّ ذيل الحديث في الباب التاسع شاهد على أنّه راجع إلى إحرام الحجّ، حيث قال: وسألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: «عليه جزور سمينة».2 والظاهر انّه طرح السؤالين في مجلس واحد.
وعلى ضوء هذا فلا يوجد دليل صالح لتعيين الجزور فقط.
3. خبـر ابـن مسكان، قـال: متمتّع وقـع على امرأته قبـل أن يقصّـر؟ فقال(عليه السلام):«عليه دم شاة».3 وظاهره كفاية الشاة مقابل ما دلّ على التخير أو التعيّن.
وجه الاستدلال: في الجميع أنّ الوقاع قبل التقصير على وجهين: تارة يكون بعد السعي وقبل التقصير، وأُخرى يكون قبل السعي، وبطبيعة الحال فهو قبل

1 . الوسائل:9، الباب13 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث2، وهو متّحد مع الحديث رقم4.
2 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب13 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 98
التقصير.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الحديث هو وقوع الوقاع بعد السعي، وكأنّ قوله:«قبل التقصير» للتأكيد على أنّه بعد السعي فلا يمكن إلحاق «قبل السعي» به منطوقاً، نعم لا مانع من القول به بمفهوم الأولوية.
وبذلك ظهر انّه لا فرق في وجوب الكفّارة بين قبل السعي وبعده، وانّ مورد الروايات هو الثاني، وإنّما يستفاد حكم الأوّل بالأولويّة.
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ بعضها ظاهر في تعيين الجزور على القول بصحّة نسخة الفقيه، لكن لا يمكن الاعتماد عليها، والبعض الآخر في التخيير بينه و بين البقرة، والبعض الثالث في كفاية الشاة، فما هو العلاج؟
1. الحمل على مراتب الفضل، الأفضل هو الجزور، فالأفضل بعده البقرة وكفاية الشاة.
2. الحمل على مراتب اليسر والتمكّن، فالجزور للغنيّ، والبقرة للمتوسط، والشاة للفقير، بمعنى الكفاية لا التعيّن.
ولذلك يكون الوسط مخيّراً بين الجزور والغنم، والفقير مخيّراً بين الثلاثة.
ومن ذلك نعلم أنّ احتياط المصنّف بتعين خصوص البدنة مبني على صحّة نسخة الفقيه، وإلاّ فلا وجه لتعيّنه.
الموضع الثالث والرابع: الوقاع في عمرة التمتّع بعد السعي فساداً وكفّارة
إذا أصاب أهله في عمرة المتعة بعد السعي وقبل التقصير، لم تبطل عمرته إجماعاً لتضافر النصوص وفتاوى الأصحاب على تقييد الفساد، بما إذا أصاب قبل السعي.

صفحه 99
فتكون الإصابة بعده محكومة بالصحّة لمكان تقييد الفساد بـ«قبله»، ولو قلنا بخلوه عن المفهوم، يحكم عليه بالصحّة بالاستصحاب.
وأمّا الكفّارة فقد مضت روايات المقام في الجماع قبل السعي. فلاحظ.

صفحه 100
المسألة2: لو ارتكب ذلك في إحرام الحجّ عالماً عامداً بطل حجّه إن كان قبل وقوف عرفات بلا إشكال، وإن كان بعده وقبل الوقوف بالمشعر فكذلك على الأقوى، فيجب عليه في الصورتين إتمام العمل والحجّ من قابل، وعليه الكفّارة، وهي بدنة. ولو كان ذلك بعد الوقوف بالمشعر، فإن كان قبل تجاوز النصف من طواف النساء صحّ حجّه وعليه الكفّارة، وإن كان بعد تجاوزه عنه صحّ ولا كفّارة على الأصحّ.*

3

*الوقاع في إحرام الحجّ

ذكر المصنّف للوقوع في إحرام الحجّ صوراً ثلاثاً:

الأُولى: الوقوع قبل الوقوف بالمشعر.

الثانية: الوقوع بعد الوقوف بالمشعر وقبل تجاوز النصف من طواف النساء.
الثالثة: الوقوع في إحرام الحجّ بعد تجاوز النصف من طواف النساء.
وإليك دراسة الصور:
الأُولى: الوقاع قبل الوقوف بالمشعر
من وطأ في إحرام الحجّ عالماً عامداً قبل الوقوف بالمشعر يترتّب عليه أحكامٌ أربعة، وهي:
1. بطلان الحجّ.
2. إتمام العمل.

صفحه 101
3. الحجّ من قابل.
4. وجوب البدنة.
وهناك حكم خامس لم يذكره وهو:
5. التفريق.
وقبل دراسة الأحكام يلزم دراسة تحديد الموضوع في كلامه بقيدين:
1. كونه عالماً عامداً.
2. كون الوطء قبل الوقوف بالمشعر.
ثمّ ندرس بقية الأحكام.

1. التفصيل بين العالم والجاهل

1. قال في «المبسوط»: إن جامع المرأة في الفرج قبلاً كان أو دبراً قبل الوقوف بالمشعر عامداً، سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده، فسد حجّه ووجب عليه المضي فيه والحجّ من قابل وبدنة.1
2. وقال المحقّق: من جامع زوجته محرماً في الفرج قبلاً أو دبراً عامداً عالماً بالتحريم، فسد حجّه وعليه إتمامه وبدنة والحجّ من قابل، سواء أكان حجّته الّتي أفسدها فرضاً أو نفلاً.2
3. قال العلاّمة الحلّي في «المنتهى»: من وطأ امرأته وهو محرم عالماً بالتحريم عامداً قبل الوقوف بالموقفين، فسد حجّه، وهو قول كلّ من يحفظ عنه العلم.3

1 . المبسوط:1/336.
2 . الشرائع:1/294.
3 . المنتهى:2/835.

صفحه 102
4. وقال في«التذكرة»: من وطأ امرأته وهو محرم عالماً بالتحريم عامداً قبل الوقوف بالموقفين، فسد حجّه بإجماع العلماء كافّة.1
5. وقال في «الجواهر» بعد نقل كلام المحقّق: بلا خلاف أجده فيه في الجملة، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالمنصوص.2
أقول: العبرة بالروايات والإجماع مدركي.
فلنذكر من الروايات ما يدلّ على التفصيل بين صورتي العلم والجهل.
1. صحيحة زرارة قال: سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة؟ فقال(عليه السلام):«جاهلين أو عالمين؟» فقلت: أجبني في الوجهين جميعاً، قال: «إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ومضيا على حجهما وليس عليهما شيء، وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه، وعليهما بدنة، وعليهما الحجّ من قابل، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا».
قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: «الأُولى الّتي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة».3
فخرج الجاهل بالجهل المركب، وأمّا البسيط، المحتمل لخطئه فخروجه محلّ تأمّل، ولا بُعد أن يلحق بالعالم.
2. موثّقة زرارة4 قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجل وقع على أهله وهو

1 . التذكرة:8/28.
2 . الجواهر:20/349.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.
4 . لوقوع الحسن بن علي بن فضّال في السند، وفي صدر السند الحسين بن محمد، والمراد به الحسين بن محمد الأشعري شيخ الكليني، وأمّا معلى بن محمد الواقع في السند فهو أيضاً ثقة على التحقيق.

صفحه 103
محرم؟ قال: «أجاهل أو عالم؟» قال: قلت: جاهل، قال:«يستغفر اللّه ولا يعود ولا شيء عليه».1
فقوله:«أهله» يشمل الزوجة والمملوكة ولا يشمل الأجنبية، وفي الزوج يعمّ الدائمة والمنقطعة.
3. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال:»إن كان جاهلاً فليس عليه شيء.
وإن لم يكن جاهلاً فإنّ عليه أن يسوق بدنة، ويفرّق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا».2

2. الوقاع قبل الوقوف

اختلفت كلمة الفقهاء في حدّ الموضوع على قولين:
1. التحديد بكون الوقاع قبل الوقوف بعرفة، وهو خيرة قليل منهم. نظير:
أ. المفيد قال: فإذا جامع بعد وقوفه بعرفة، فكفّارته بدنة وعليه الحجّ من قابل وليستغفر اللّه عزّ وجلّ، وإن جامع بعد وقوفه الموقف فعليه بدنة وليس عليه الحجّ من قابل.3
ب. وقال أبو الصلاح الحلبي: وفي الوطء في إحرام الحجّ قبل العرفة بدنة، فإن كان في الفرج فسد الحجّ، ولزمه استئنافه، وبعد عرفة بدنة.4
ج. وقال سلاّر: فما يُفسد الحجّ فهو أن يجامع المحرم قبل الوقوف بعرفة في

1 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
3 . المقنعة:433.
4 . الكافي:202.

صفحه 104
الفرج فعليه بدنة والحجّ من قابل ويتمّ المناسك.1
2. التحديد بكون الوقاع قبل الوقوف بالمشعر، وهذا هو المشهور.
قال الشيخ : إذا جامع المحرم امرأته متعمداً قبل الوقوف بالمزدلفة.2
وقال في «المبسوط»: إذا جامع المرأة في الفرج قبلاً أو دبراً قبل الوقوف بالمشعر عامداً.3
وقال ابن زهرة: وحكم الوطء في الفرج بعد عرفة وقبل الوقوف بالمشعر عندنا حكم الوطء قبل عرفة.4
وقال العلاّمة في «المنتهى»: من وطأ امرأته محرماً عالماً بالتحريم عامداً قبل الوقوف بالموقفين.5
ونسبه أي «تعلّق الحكم بمن جامع قبل المشعر» في «الجواهر» إلى الصدوقين وأبناء الجنيد والبراج وحمزة وإدريس وزهرة والمحقّق في النافع والفاضل.6
استدلّ القائل بالتحديد الأوّل بما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله الحج عرفة7: من وقف بعرفة فقد تمّ حجّه.8
وأجاب عنه ابن زهرة بقوله: إنّ المراد بالأوّل معظم الحجّ عرفة، كما أنّ المراد

1 . المراسم:118.
2 . النهاية:230.
3 . المبسوط:1/336.
4 . الغنية، قسم الفقه: 165.
5 . المنتهى:2/835.
6 . الجواهر:20/353.
7 . جامع الأُصول، لابن الأثير:3/68.
8 . جامع الأُصول:3/69 و70; وسنن البيهقي:5/116.

صفحه 105
من قوله: «فقد تمّ حجّه» انّه قارب التمام، كما في قوله(عليه السلام): «إذا رفع الإمام رأسه من السجدة الأخيرة فقد تمّت صلاته».1
أضف إلى ذلك: أنّه لم يثبت صحّة اسنادهما.
استدلّ القائل بأنّ الحدّ هو المشعر بروايات ولكن اختلفوا في أنّ مفهومها هو قبل الإتيان بالمشعر أو قبل الوقوف بالمشعر، فلابدّ من دراسة الروايات:
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة، فعليه الحجّ من قابل».2
والظاهر أنّ لفظ «دون» بمعنى (عند) الشامل للقريب والبعيد، وقوله: «قبل أن يأتي مزدلفة» مختص بالقريب، فيكون الموضوع من لم يدخل المزدلفة ولا يشمل من دخلها، وعلى ذلك فلو جامع بعد ما دخل مزدلفة فليس عليه شيء....
2. ما رواه الكليني عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا واقع المحرم امرأته قبل أن يأتي المزدلفة، فعليه الحجّ من قابل».3
والرواية صريحة في التحديد بقبل إتيان المزدلفة.
3. مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام):«إن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر فعليك بدنة، و الحجّ من قابل».4
والحديث وإن كان مرسلاً لكن الصدوق جازم بصحّته حيث يقول: قال الصادق(عليه السلام)، فقوله«قبل أن تقف» يحتمل أُموراً ثلاثة:
1. المراد هو الوقوف اللغويّ أي الورود.

1 . الفقيه:1/166.
2 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث10.
4 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 106
2. المراد هو الوقوف الركني.
3. المراد هو الوقوف الواجب من الفجر إلى طلوع الشمس.
وعندئذ تختلف الأحكام، حسب اختلاف المراد.
فعلى الأوّلين لو جامع بعد الورود، أو بعد الوقوف، لا يكون محكوماً، بالأحكام الأربعة وإن كان في المشعر; وأمّا على الثالث فهو محكوم بها ما لم تطلع الشمس، فعند ذلك لا يكون محكوماً بها وإن كان به.
والشبهة في المقام شبهة مفهوميّة يوجب إجمال الرواية، ويمكن رفع إبهامها بصحيح ابن عمّار، ويؤخذ بالاحتمال الأوّل، ويكون المراد تحديد الأحكام الأربعة أو الخمسة بما قبل الورود بمزدلفة أي قبل طلوع الفجر.
وبذلك ظهر أنّه لا فرق بين الصورتين: قبل عرفة وقبل المشعر، وأنّهما في جميع الأحكام سواسية.
وربّما يأتي بعض الكلام أيضاً في الصورة الثانية.
إذا تبيّن حدّ الموضوع فلندرس الأحكام الأربعة أو الخمسة.

الأحكام المترتّبة على الوقاع قبل الوقوفين

رتّب المصنّف على الوقاع قبل الوقوفين الأحكام التالية:
1. بطلان حجّه.
2. إتمام العمل.
3. الحجّ من قابل.
4. عليه الكفّارة وهي بدنة.
5. التفريق بينهما.
فلنأخذ كلّ واحد من هذه الأحكام بالبحث والدراسة:

صفحه 107

1. بطلان الحجّ

قد عبّـر المصنّف ببطلان الحجّ، والفقهاء بفساده، وقد ذهب إليه عدّة من الفقهاء، منهم:
قال المحقّق:فمن جامع زوجته في الفرج قبلاً أو دبراً عامداً عالماً بالتحريم، فسد حجّه وعليه إتمامه وبدنة والحجّ من قابل، سواء كانت حجّته التي أفسدها فرضاً أو نفلاً.1
وقد مرّت كلماتهم عند البحث في اختصاص الأحكام بالعالم وأنّها لا تعمّ الجاهل.
وقال في «الجواهر» بعد نقل تلك العبارة: بلا خلاف أجده في الجملة، بل الإجماع بقسميه عليه.2
وقد استدلّ للفساد بالروايات التالية:
1. صحيحة سليمان بن خالد: في الجدال شاة، وفي السباب والفسوق بقرة، والرفث فساد الحجّ.3
والوطء قبل الموقفين هو القدر المتيقن.
2. رواية عبيد وفيها: فإن كان طاف بالبيت طواف الفريضة، فطاف أربعة أشواط ثمّ غمزه بطنه، فخرج فقضى حاجته فغشي أهله؟ فقال: «أفسد حجّه وعليه بدنة».4

1 . الشرائع:1/293ـ 294.
2 . الجواهر:20/349.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث8، و1 من الباب1 من أبواب بقية كفّارات الإحرام.
4 . الوسائل:9، الباب11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 108
يلاحظ عليه: أنّ الحديث راجع إلى الوطء بعد الموقفين إذ عندئذ يكون وزانه وزان صحيح حمران الآتي الذي اتفق الفقهاء على كون الحجّ في مورده صحيحاً.
3. الرضوي: والّذي يفسد الحجّ ويوجب الحجّ من قابل الجماع للمحرم في الحرم، وفيما سوى ذلك ففيه الكفّارة.1
أقول: لا محيص من حمل الفساد في هذه الروايات ـ لو تمت دلالتها ـ على نفي الكمال، وذلك بالوجوه الأربعة:
الأوّل: ما يركّز على أنّ الحجّة الأُولى هي حجة الإسلام والحجة الثانية عقوبة، كما في الروايتين التاليتين:
أ. في صحيح زرارة: فأي الحجّتين لهما؟ قال:«الأُولى الّتي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى تكون عليهما عقوبة».2
ب. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطي رجل دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحج، ثمّ أعطى الدراهم غيره؟ فقال:«إن مات في الطريق أو بمكّة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن الأوّل».
قلت: فإن ابتلى بشيء يفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الأوّل؟ قال:«نعم».3
الظاهر أنّ السؤال الثاني لا صلة له بالأجير الأوّل، بل يرجع إلى الأجير

1 . فقه الرضا:214; مستدرك الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.ولاحظ الجزء8، الباب15من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.
3 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب النيابة، الحديث1.

صفحه 109
الثاني الّذي أتى بالحجّ وأفسد في الأثناء.
ثمّ إنّ الضمير في قوله: «أيجزي» يرجع إلى الحجّ الأوّل، لا الحجّ من قابل، كما هو واضح، فلو كان فاسداً فكيف يجزي.
الثاني: قد استعمل الإفساد في مورد اتّفق الفقهاء على عدم كونه فاسداً بالمعنى المصطلح، كما في صحيحة حمران بن أعين وفيها: وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشي، فقد أفسد حجّه وعليه بدنة، ويغتسل، ثمّ يعود فيطوف أُسبوعاً.1
ومن المعلوم أنّ الغشيان بعد الموقفين لا يفسد باتّفاق الفقهاء، وهذا دليل على أنّ الفساد بمعنى نفي الكمال.
الثالث: انّ إيجاب الإتمام دليل على أنّ الحجّ ليس باطلاً بمعنى كونه كالمعدوم، إذ لا معنى لإتمام عمل فاقد للأثر.
كلّ ذلك يبعثنا على تفسير الفساد بمعنى العمل غير الكامل، المجبر نقصه، بالحجّ من قابل، وانّ الحجّ ثانياً ليس قضاءً للحجّ الفائت، بل متمماً لكماله.
الرابع: ما يدلّ على أنّ الحجّ صحيح بعد أداء الكفّارة; ففي موثّقة أبي بصير عن رجل واقع امرأته وهو محرم؟ قال:»عليه جزور كوماء2« فقال: لا يقدر؟ فقال:»ينبغي لأصحابه أن يجمعوا له ولا يفسدوا حجه».3 والرواية ظاهرة في عدم فساد الحجّ بعد أداء الكفّارة.

1 . الوسائل:9، الباب11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . سمينة.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث13.

صفحه 110
قال في «المستند»: والحكم وإن كان كذلك لو لم يؤدّها أيضاً، إذ الفساد وعدمه لا يتفاوت بأدائها وعدمه، إلاّ أنّه يدلّ على انجبار النقصان أيضاً بالكفّارة.1
فإن قلت: إنّ أصحاب كلّ من القولين: (بطلان الحجّ، وصحّته) يقولون بوجوب الحجّ من قابل، فلا يترتّب على هذا النزاع أثر شرعي.
قلت: يظهر الأثر في موارد، نبّه عليها صاحب الجواهر وقال:
1. تظهر الفائدة في النيّة فينوي على الأوّل في الإحرام مثلاً حجّة الإسلام، وعلى الثاني ما وجب عليه بالإفساد.
2. تظهر الثمرة في الأجير في الحجّ في سنته، فعلى القول بكون الفرض هو الأوّل ينوي في الثاني ما وجب عليه بالإفساد.2
3. لو كان أجيراً في الحجّ وجامع زوجته قبل الوقوفين، فلو قلنا بفساد الحجّ لم يستحق الأُجرة، ولو قلنا بصحّته يستحق وإن كان عليه الحجّ من قابل، عقوبةً.
ومن هنا يعلم: أنّ تعبير القوم بالفساد أفضل من تعبير المتن، حيث إنّ بطلان الحجّ ليس له إلاّ تفسير واحد، بخلاف الفساد فإنّه قابل للحمل على فقد الكمال.
وبذلك تبيّن عدم الدليل على بطلان حجّه أو فساد الحجّ المساوق للبطلان، وإنّما دلّ الدليل على عدم كماله، فيجبر بالحجّ من قابل.

2. وجوب الإتمام

قال في «المستند»: أمّا وجوب إتمام الحجّ فلم أظفر على تصريح به في خبر،

1 . المستند:13/239.
2 . الجواهر:20/355.

صفحه 111
ولكن الظاهر انعقاد الإجماع عليه فهو الحجّة فيه.
ثمّ إنّه وجّه لزوم الإتمام فيما لو كان حجّة الإسلام بأنّ وجوبها فوري فيجب الإتمام على القول بعدم الفساد.1
ويمكن أن يستدلّ لوجوب الإتمام بوجوه ثلاثة سوى ما ذكره ابن زهرة، وهي:
1. انّ المحرم لا يتحلّل إلاّ بالتقصير في إحرام العمرة، وقضاء المناسك من إحرام الحجّ، إلاّ في مورد الإحصار، فإنّه يتحلّل ببلوغ الهدي محله، فلو لم يجب الإتمام يلزم أن يكون الجماع أحد المحلّلات، وهو كما ترى.
2. انّ الحكم بالتفريق بين الزوجين، دليل على وجوب الإتمام، وإلاّ يكون التفريق، أمراً لغواً.
3. سيوافيك أنّ الفريضة هي الحجة الأُولى، فكيف لا تكون واجبة الإتمام.

3و4. الحجّ من قابل والتكفير ببدنة

يدلّ على الحجّ من قابل ووجوب التكفير ببدنة روايات متضافرة نقتصر بذكر بعضها، ونشير إلى مواضع الروايات الأُخرى:
1. صحيح جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن مُحرم وقع على أهله؟ قال: «عليه بدنة».
قال: فقال له زرارة: قد سألته عن الذي سألته عنه، فقال لي: «عليه بدنة»، قلت: عليه شيء غير هذا؟ قال:«عليه الحجّ من قابل».2

1 . المستند:13/229.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 112
2. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: «إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فإنّ عليه أن يسوق بدنة، ويفرق بينهما حتى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحجّ من قابل».1
ثمّ إنّ ظاهر المصنّف اختصـاص الكفّـارة بالبدنة فتسقط مع العجز عنها.
وصرح ابن حمزة بعدم وجود بدل للبدنة فقال: وإذا طاوعته المرأة وهي محرمة لزمها ما يلزم الرجل، ولا بدل للبدنة إلاّ فيما يلزم بصيد النعامة.2
أقول: يظهر من بعض الروايات وجود البدل لها:
1. ففي «قرب الإسناد» عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام)قال:سألته عن الرفث والفسوق والجدال ما هو؟ وما على من فعله؟ قال:«الرفث: جماع النساء ـ إلى أن قال: ـ فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، فإن لم يجد فشاة».3
2. قال الكليني ـ بعد رواية علي بن أبي حمزة، الّتي جاء فيها «وعليها بدنة»ـ: وفي رواية أُخرى: فإن لم يقدر على بدنة فإطعام ستين مسكيناً، لكلّ مسكين مُدّ، فإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوماً، وعليها أيضاً كمثله إن لم يكن استكرهها. ورواه الشيخ مرسلاً أيضاً.4

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2. ولاحظ الروايات في نفس الباب برقم 9و 12 وفي الباب4 ، الحديث2.
2 . الوسيلة:166.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث16.
4 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 113

5. وجوب التفريق وعدمه

قد ورد الأمر بالتفريق بينهما في الروايات وكلمات الأصحاب، لكن اختلفوا في الأُمور التالية:
1. هل التفريق واجب أو مستحب؟
2. هل التفريق يختصّ بصورة مطاوعة المرأة، أو يعمّ صورتي الكراهة أيضاً؟
3. هل التفريق يختص بالحجّ الأوّل، أو يعمّ الحجّ الثاني؟
4. هل الغاية للتفريق هي العود إلى المكان الّذي أحدثا فيه ما أحدثا أو أداء المناسك كلّها، أو يكفي بلوغ الهدي محلّه؟
وإليك الكلام في الجميع على وجه الإيجاز:

أ. حكم التفريق من حيث الوجوب أو الاستحباب

يظهر من الشيخ استحباب التفريق حيث عبر بقوله«وينبغي» قال:وينبغي أن يفترقا إذا انتهيا إلى المكان الّذي أحدثا فيه ما أحدثا إلى أن يقضيا المناسك، وحدّ الافتراق أن لا يخلوا بأنفسهما إلاّ ومعهما ثالث.1
وقال في «المبسوط»: وينبغي إذا بلغا إلى المكان الّذي فعلا فيه ما فعلا أن يقضيا المناسك.(إلى آخر ما ذكره في النهاية).2
ونقل العلاّمة في «المختلف» عن علي بن بابويه وجوب التفريق في حجّة القضاء.3
وظاهر «الشرائع» الوجوب قال: وعليهما أن يفترقا إذا بلغا ذلك المكان

1 . النهاية:230.
2 . المبسوط:1/336.
3 . المختلف:4/150.

صفحه 114
حتّى يقضيا المناسك.1
وظاهر الروايات هو الوجوب ففي صحيح زرارة: وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه وعليهما بدنة و عليهما الحجّ من قابل، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا.2
وفي رواية علي بن أبي حمزة: وعليهما الحجّ من قابل لابدّ منه.
قال: قلت: فإذا انتهيا إلى مكة فهي امرأته كما كانت؟
فقال: نعم هي امرأته كما هي. فإذا انتهيا إلى المكان الّذي كان منهما ما كان، افترقا حتّى يُحلاّ، فإذا أحلاّ فقد انقضى عنهما.3
إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في الوجوب، وقد ثبت في محلّه أنّ الجملة الخبرية في إفادة الوجوب أشدّ من الأمر به.
ثمّ إنّ الموضوع في صحيح زرارة هو «التفريق» حيث قال:«فُرق بينهما»، ولكنّه في خبر علي بن أبي حمزة هو الافتراق حيث قال: «افترقا حتى يُحلاّ». أمّا الثاني فواضح، لأنّه تكليف متوجّه إلى الزوجين; وأمّا الأوّل فلأجل انّ التفريق ربّما يتوقّف على عدم اجتماعهما في خباء كما في رواية معاوية بن عمّار4، أو في محمل واحد كما في رواية أُخرى له5، فيتوجّه التكليف على الجمّال إذا اطّلع على الأمر، أن يفرق بينهما ابتداءً، أو يستيجب لطلبهما.

1 . الشرائع:1/294.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.
3 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.
5 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث12.

صفحه 115

ب. اختصاص التفريق بصورة المطاوعة وعدمها

هل يختص التفريق بصورة مطاوعة الزوجة أو يعمّ غيرها أيضاً؟
ظاهر «الشرائع» اختصاصه بالمطاوعة قال المحقّق: ولو كانت امرأته محرمة مطاوعة لزمها مثل ذلك (فساد الحجّ وإتمامه ووجوب البدنة والحجّ من قابل) وعليهما أن يفترقا إذا بلغا ذلك المكان.1 وذلك على القول بأنّ الضمير في «عليهما» يرجع إلى المحرمة المطاوعة.
قال في «الرياض»: إطلاق الروايات كالفتاوى يشمل صورة الإكراه والمطاوعة، وربّما يوجد في بعض الفتاوى تقييده بالمطاوعة، ولا وجه له.2
ويمكن الاستدلال على وجوب التفريق مطلقاً بإطلاق بعض الروايات:
1. صحيح معاوية بن عمّار وفيه: ويفرق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا.3
2. وفي رواية أُخرى عن ابن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في المحرم يقع على أهله، قال فقال:« يفرق بينهما ولا يجتمعان في خباء».4
3. وفي رواية ثالثة عنه: وإن لم يكن جاهلاً فعليه سوق بدنة وعليه الحجّ من قابل، فإذا انتهى إلى المكان الّذي وقع بها فُرّق محملاهما فلم يجتمعا في خباء واحد.5

1 . الشرائع:1/294.
2 . رياض المسائل:7/370.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
4 . المصدر والباب نفسه: الحديث5.
5 . المصدر والباب نفسه: الحديث12.

صفحه 116
4. ومع ذلك كلّه ففي رواية الحلبي كفاية للعموم وفيها: «وإن كان استكرهها وليس بهوى منها، فليس عليها شيء، ويفرّق بينهما حتّى ينفر الناس ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا».1
ترى أنّه يذكر التفريق بعد صورة الاستكراه، اللّهم إلاّ أن يقال بأنّ قوله:«أصابا فيه ما أصابا» منصرف إلى صورة المطاوعة.
5. خبر علي بن أبي حمزة فإنّه بعدما ذكر صورة المطاوعة والاستكراه، قال: ويفترقان من المكان الذي كان فيه ما كان.2
ويمكن المناقشة في إطلاق هذه الروايات بوجهين:
1. قوله:«أصابا فيه ما أصابا» في الرواية الثانية والرابعة ظاهر في عنوان الإصابة كان بطوع ورغبة.
2. لو كانت هذه الروايات بصدد الإطلاق، كان الواجب أن تذكر بأنّ الكفّارة في صورة الكراهة من الزوجة على الزوج، وسكوتها عن ذكره دليل على عدم كونها في تمام البيان من حيث المطاوعة والاستكراه.
ولكن الحقّ ضعف المناقشتين.
أمّا الأوّل: فلأنّه لا يخرج عن حدّ الإشعار.
وأمّا الثاني: فقد ورد حكمه في رواية الحلبي حيث قال: فليس عليها شيء. والقول بعمومية التفريق أقوى، وفي الوقت نفسه أحوط.
وربّما يستدلّ على اختصاص التفريق بصورة المطاوعة ببعض الوجوه:

1 . المصدر والباب نفسه: الحديث14.
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 117
1. ما ذكره صاحب «الجواهر» قائلاً: قد يدلّ مفهوم مضمر زرارة على عدم الافتراق بينهما إذا لم يكونا عالمين، سواء كانا جاهلين كما في صدر الرواية، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلاً، والمكره بحكم الجاهل.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره قياس لا نقول به، ولم يثبت كون الإكراه أشدّ من الجهل، فلا يعتدّ بهذا القياس في مقابل الإطلاق.
2. ما في رواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سألته عن رجل باشر امرأته وهما محرمان ما عليهما؟ فقال:«إن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعاً، ويفرّق بينهما حتّى يفرغا من المناسك، وحتّى يرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا، وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها صاحبها فليس عليها شيء».2
والدلالة من وجهين:
أ. انّ صدر الرواية يدلّ بمفهومه على انتفاء ما ذكر من الأحكام عند عدم الإعانة، ومن الأحكام هو التفريق.
ب. دلالة الذيل، أعني: قوله في صورة عدم الإعانة فليس عليها شيء، أي ليس عليها جميع ما ذكر ومنها التفريق.
يلاحظ على الأوّل: أنّ مفهوم الصدر هو انتفاء مجموع ما ذكر، ويكفي فيه انتفاء أحدها كالبدنة لا انتفاء كلّ شيء.
ويلاحظ على الثاني: أنّ المراد من قوله:«ليس عليها» أي ما يتوجّه على خصوص الزوجة وهو البدنة لا يعمّ التفريق، لأنّ التفريق قائم بشخصين.

1 . الجواهر:20/361.
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 118
فدلالة الرواية لا تخرج عن حدّ الإشعار، بخلاف الإطلاقات خصوصاً أنّ التفريق عقوبة بالنسبة إلى الزوج.
ثمّ إنّه لو فرض العكس بأن أكرهت الزوجة زوجها على الجماع، فهل يحكم بالتفريق أو لا؟
فنقول: التعدّي رهن إلغاء الخصوصية.

ج. هل التفريق يختص بالحجّ الأوّل أو الثاني أو يشملهما؟

هل يختص حكم التفريق بالحجّ الأوّل، أو يختصّ بالحجّ الثاني، أو يعمّهما كليهما؟
خصّ الشيخ التفريق بحج القضاء مدة بقائهما على النسك، فإذا قضيا المناسك سقط هذا الحكم.1
ونقل صاحب «المختلف» عن علي بن بابويه أنّه أوجب التفريق في الحجتين معاً.2
واختاره صاحب الرياض قال: والأصحّ وفاقاً لجماعة، ومنهم ابن زهرة مدّعياً عليه الإجماع.3
أقول: إنّ الروايات على طوائف ثلاث أكثرها راجع إلى التفريق في الحجّ الأوّل. وإليك بيانها:

1 . المبسوط:1/336.
2 . المختلف:4/150.
3 . رياض المسائل:7/372.

صفحه 119

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على وجوب التفريق في الحج الأوّل

1. صحيح معاوية بن عمّـار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيه: «ويفرق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحجّ من قابل».1 ترى أنّه يذكر الحجّ من قابل بعد التفريق.
2. وفي صحيح آخر له يقول: في المحرم يقع على أهله، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يفرق بينهما، ولا يجتمعان في خباء إلاّ أن يكون معهما غيرهما، حتّى يبلغ الهدي محله».2
ترى أنّه يذكر التفريق بعد الوقاع فيرجع إلى الحجّ الأوّل، نعم لمعاوية بن عمّار رواية ثالثة ـ ستوافيك عن قريب ـ جاء فيها التفريق في خصوص الحج الثاني. فلو قلنا بأنّ الجميع رواية واحدة نقلت بصور مختلفة، لا يمكن الاعتماد عليها في كلا الموردين لوجود الاضطراب، اللّهمّ إلاّ أن يرجح الأوّل بأنّه نقل عن طريقين واصلين إلى ابن عمار بخلاف الثاني فإنّه نقل عن طريق واحد.
أمّا الأوّل فقد نقل تارة عن طريق موسى بن القاسم عن صفوان عن ابن عمّار، وأُخرى عن طريق العباس بن معروف عن صفوان عن ابن عمّار.
وأمّا الثاني فقد نقل عن طريق ابن أبي عمير عن ابن عمار.
3. مرفوع أبان بن عثمان: «المحرم إذا وقع على أهله يفرق بينهما».3
ترى أنّه يذكر التفريق بعد الوقاع.
4. صحيح الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام): »ويفرق بينهما حتّى ينفر الناس،

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . نفس المصدر والباب: الحديث5.
3 . نفس المصدر: الحديث6.

صفحه 120
ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا«. قلت: أرأيت إن أخذا في غير ذلك الطريق إلى أرض أُخرى، أيجتمعان؟ قال:»نعم».1 والمراد من النفر، هو نفر اليوم الثاني عشر.
5. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت من ابتلي بالرفث... ـ إلى أن قال ـ :«يسوق الهدي ويفرّق بينه و بين أهله حتّى يقضيا المناسك، وحتّى يعودا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا». ثمّ طرح السؤال الوارد في صحيح الحلبي، وهو الرجوع من غير ذلك الطريق.2
6. صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) فيما إذا أعانت المرأة:«فعليهما الهدي جميعاً، ويفرّق بينهما حتى يفرغا من المناسك، وحتى يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا».3
وهذه الروايات الستّ تدلّ على أنّ محل التفريق هو الحجّ الأوّل، والعجب من الشيخ حيث أوجب التفريق في الحجّ الثاني دون الأوّل.

د. ما هي الغاية للافتراق؟

نعم اختلف لسان الروايات المتقدّمة في غاية التفريق على أقسام:
أ. قضاء المناسك والعود إلى مكان الخطيئة.4
ب. نفر الناس(في اليوم الثاني عشر) والعود إلى مكان الخطيئة.5

1 . المصدر نفسه: الحديث14.
2 . نفس المصدر: الحديث15.
3 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2و 15; والباب14، الحديث1.
5 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث14.

صفحه 121
ج. دخول مكّة كما في خبر علي بن أبي حمزة.1
د. بلوغ الهدي محله، كما في صحيح معاوية بن عمّار.2
فيقع الكلام في كيفية الجمع بينهما. ويمكن الجمع بوجهين:
1. حمل الاختلاف على بيان الفضل، فأدناها هو بلوغ الهدي محلّه، وأعلاها هو العودة إلى محلّ الخطيئة بشرط أن يقدّم طواف الحجّ والسعي وطواف النساء على نفر اليوم الثاني عشر.
وبهذا جمع صاحب الرياض بين الروايات3، تبعاً لصاحب الحدائق.4
2. ما اختاره صاحب الجواهر فجمع بينها بوجه آخر، قال: والّذي يقتضيه النظر في النصوص بعد تقييد المفهوم في بعضها بالمنطوق في آخر ـ إن لم يكن إجماع ـ كون الغاية العليا في الأداء والقضاء، وهي محلّ الخطيئة.5
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يكون محل الخطيئة الغاية العليا. إذا رجع عن ذلك الطريق مثلاً إذا واقع بعد إحرام الحجّ في طريقه إلى منى ومنها إلى عرفات وبات فيها ليلتين وأخّر طواف الحجّ والسعي، فلو رجع عن ذلك الطريق ووصل إلى المكان المتوسط بين مكّة و«منى»6 لا يكون محل الخطيئة، الغاية العليا، بل يكون

1 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.
3 . رياض المسائل:7/374.
4 . الحدائق:15/371.
5 . الجواهر:20/359. وقد مرّ بأنّه لا يكون محل الخطيئة الغاية العليا، إذا أخّرا مناسك الحجّ إلى بعد النفر، نعم لو قدّما يكون الغاية العليا.
6 . واعلم أنّ العود إلى محل الخطيئة يتصوّر ـ غالباً ـ فيما إذا أصابا في طريقهما من مكّة إلى منى فعرفات كما هو الرائج بين أهل السنّة حيث يبيتون ليلة عرفة في منى، وأمّا لو أصابا في طريقهما من مكّة إلى عرفات فالمشعر فلا تتحقّق العودة غالباً، لأنّ الحاج لا يعود إليهما بعد الورود إلى منى.

صفحه 122
قضاء المناسك كلّها هي الغاية العليا.
وثانياً: أنّ مصبّ التعارض هو منطوق كلّ مع الآخر، إذ منه ما يحدّ الافتراق بالأدنى وهو بلوغ الهدي محله، ومنه ما يحدّده بالوسط، وهو قضاء المناسك، ومنه ما يحدّده بالأعلى وهو الوصول إلى محل الخطيئة، فمقتضى القاعدة تقييد منطوق كلّ مع منطوق الآخر، ويكون الحدّ هو الأعلى.
فإن قيل: إنّ مفهوم ما دلّ على كون الغاية، بلوغ الهدي محلّه، هو انّه إذا بلغ الهدي محلّه، لا يجب الافتراق ومقتضى إطلاق المفهوم انّه لا فرق بين صورة قضاء المناسك بأجمعها وعدمه، فيقيد إطلاق المفهوم بمنطوق ما دلّ على أنّ الغاية قضاء المناسك.
قلنا: إنّه ليس لصورة بلوغ الهدي محله إلاّ صورة واحدة وهو عدم قضاء المناسك، لتقدّم الهدي ـ على القول المشهور ـ على المناسك من طواف الحج وصلاته والسعي. فيكون مطلقاً ملازماً لعدم قضاء المناسك، فتكون النسبة بين المفهوم ومنطوق الآخر، هو التعارض، لا الإطلاق والتقييد.
والأولى أن يقال: التعارض بين المنطوقين، لأنّ الحدود، ليست في عرض واحد، بل كلّ في طول الآخر.
وبذلك يفترق عن المثال المعروف: إذا خفي الأذان فقصّر، وإذا خفيت الجدران فقصّـر، فبما أنّ الخفائين في عرض واحد غالباً، يقع التعارض بين مفهوم كلّ ومنطوق الآخر أحياناً، فيقيّد إطلاق مفهوم كلّ بمنطوق الآخر على القول بصحّة هذا الجمع والتفصيل في محلّه.
والظاهر أنّ الجمع الأوّل أوضح وأوفق في نظر العرف، وإن كان الثاني أحوط.

صفحه 123
وهناك جمع ثالث أشار إليه بعض المشايخ وهو: أنّ الغاية هو قضاء المناسك إذا أرادا العود عن غير ذاك الطريق، بخلاف ما إذا أرادا العودة عن نفس الطريق، فالغاية هو موضع الخطيئة.
إلى هنا تمّ الكلام في وجوب التفريق في الحجّ الأوّل مع بيان غايته.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على لزوم التفريق في الحجّ الثاني أيضاً، وهي:

1. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيه: «وعليه الحجّ من قابل، فإذا انتهى إلى المكان الّذي وقع بها فرّق محملاهما فلم يجتمعا في خباء واحد، إلاّ أن يكون معهما غيرهما حتّى يبلغ الهدي محله».1
ترى أنّه ذكر التفريق بعد قوله: وعليه الحجّ من قابل. فيكون دليلاً على وجوب التفريق في خصوص الحج الثاني، وقد عرفت وجود الاضطراب في نقلها.
2. خبر علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن(عليه السلام) وفيه: «وعليهما الحجّ من قابل لابدّ منه ـ إلى أن قال: ـ فإذا انتهيا إلى المكان الّذي كان منهما ما كان افترقا حتّى يحلا».2
ترى أنّه ذكر الافتراق بعد الحجّ من قابل، وقد مرّ أنّه جعل الغاية في الحجّ الأوّل دخول مكّة.

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على لزوم التفريق في كلا الحجّتين، وهي:

1. صحيح زرارة وفيه: »وإن كانا عالمين، فرّق بينهما من المكان الّذي

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث12.
2 . الوسائل:9، الباب4من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.

صفحه 124
أحدثا فيه وعليهما بدنة، وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الّذي أحدثا فيه فرق بينهما حتّى يقضيا نسكهما، ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا».1
أمّا تحديد الغاية في الحجّ الثاني فقد اختلفت الروايات فيه:
أ. بلوغ الهدي محلّه، وهو الغاية في حديث معاوية بن عمّار.
ب. الرجوع إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا كما في صحيح زرارة.
ج. الإحلال، كما في خبر علي بن أبي حمزة، المردّد بين الإحلال النسبيّ المنطبق على بلوغ الهدي محلّه، والإحلال المطلق الحاصل بعد طواف النساء....
ويعالج التعارض بما ذكرناه في الطائفة الأُولى، وهو الأخذ بالأقل وهو بلوغ الهدي محلّه وحمل الأكثر، أعني:« الإحلال» على الأفضل، ويكون التفريق واجباً في كلتا الحجّتين، وتكون الغاية فيهما واحدة حسب المراتب، كما مرّ من الوجوه في الحجّ الأوّل.
بقي هنا ذكر أُمور:
1. انّ الموضوع للأحكام الماضية هو الرفث الجماع والوقوع على الأهل، سواء أكان معه إنزال أم لا.
2. انّ الموضوع في الروايات هو الوقوع على الأهل وامرأة الرجل، فلا تعمّ الوقوع على الأجنبية، وكون الحرمة فيها آكد وأشدّ لا يكون دليلاً على ترتّب هذه الأحكام عليها مع عدم الموضوع لخصوص التفريق في الأجنبية، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ قوله سبحانه: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)2، يشمل

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.
2 . البقرة:197.

صفحه 125
الحلال والحرام، وتخصيص الرفث بالحلال، خلاف مقتضى «لا» النافية للجنس.
3. لا فرق في ترتّب هذه الأحكام بين الرجل والمرأة فالموضوع هو المحرم، لا خصوص الرجل وقد ورد التصريح بالتسوية في صحيح زرارة.1
4. ليس المراد من التفريق، ما يتبادر منه بادئ النظر، أي أن لا يجمعهما مجلس واحد. بل المراد أحد الأمرين اللّذين يرجعان إلى معنى واحد:
أ. أن لا يخلوان إلاّ معهما ثالث. كما في مرفوعة أبان بن عثمان.2
ب. أن لا يجتمعان في خباء إلاّ أن يكون معهما غيرهما، كما في صحيحة معاوية بن عمّار.3
5. لا يجب سلوك الطريق الأوّل عند العود من منى، في الحجّ الأدائي فيحلاّن إذا قضيا المناسك; كما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: أرأيت إن أرادا أن يرجعا في غير ذلك الطريق؟ قال: «فليجتمعا إذا قضيا المناسك».4
ومنه يظهر حال حجّ القضاء حيث يجب الافتراق عنه إذا بلغا إلى مكان الخطيئة، كما في صحيح زرارة; أو إذا انتهيا إليه كما في خبر علي بن أبي حمزة، ومن الواضح أنّه لا يجب تحصيل الشرط، فلو سلكا نفس الطريق الأوّل ورجعا عن غيره، تكون الغاية هي بلوغ الهدي محله، أو قضاء المناسك على الأحوط.
إلى هنا تمّ الكلام في الصورة الأُولى، وإليك الكلام في الصورتين الباقيتين.

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث11.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث12.
4 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث15.

صفحه 126

الثانية

الوقاع بعد الوقوف بالمشعر

و قبل تجاوز النصف من طواف النساء

لو جامع بعد الوقوف بالمشعر، وقبل تجاوز النصف من طواف النساء ليس عليه إلاّ البدنة.
هذه هي الصورة الثانية الّتي اتّفق الأصحاب فيها على صحّة الحجّ ووجوب إتمامه، ولكن عليه الكفّارة وهي بدنة.
قال ابن زهرة: وفي الوطء بعد الوقوف بالمشعر وقبل التحليل بدنة ولا يفسد الحجّ بدليل الإجماع المشار إليه، وأيضاً فإفساد الحجّ يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدلّ عليه.1
وقال المحقّق: ولو جامع بعد الوقوف بالمشعر ولو قبل أن يطوف طواف النساء أو طاف منه ثلاثة أشواط فما دونه(أي قبل تجاوز النصف) كان حجّه صحيحاً وعليه بدنة.2
وقال العلاّمة :ولو جامع بعد الوقوف بالموقفين صحّ حجّه ولم يفسد وكان عليه بدنة لا غير. ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا فرق بين الجماع قبل الوقوف وبعده في الإفساد.3

1 . غنية النزوع:1/166.
2 . شرائع الإسلام:1/294.
3 . المنتهى:2/835.

صفحه 127
وقال سيد المدارك: من جامع بعد الوقوف بالمشعر قبل طواف النساء كان حجّه صحيحاً وعليه بدنة، وهو مجمع عليه بين الأصحاب.1
وقال صاحب الرياض: ولو كان ذلك، أي الجماع عامداً عالماً منهما أو من أحدهما، بعد الوقوف بالمشعر لم يفسد به الحجّ، فلا يلزمه الحجّ من قابل ولكن جبره ببدنة، بلا خلاف، بل على الحكمين الإجماع في «الغنية» و «المنتهى».2
وقال في «الجواهر» بعدعنوان المسألة: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى أصل الصحّة.
وتحقيق المسألة يتوقّف على البحث في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة الأوّلية.
الثاني: ما هو مقتضى الأدلّة الثانوية المخصصة للقاعدة؟
أمّا الأوّل: فإنّ مقتضى القاعدة الأُولى في كلّ محرم وقع على أهله هو ثبوت الأحكام الثلاثة:
1. سوق البدنة
2. الحج من قابل.
3. التفريق بينهما.
اقتصرنا على الثلاثة ولم نذكر الفساد، لما عرفت من أنّه ليس أمراً مستقلاً، بل مرجعه إلى الحجّ من قابل، فينبغي فيه ذكر الأخير، ولم نذكر وجوب الإتمام لوضوحه، لما عرفت من أنّه من لوازم صحّة العمل أوّلاً، وحاجة المحرم في التحلّل

1 . مدارك الأحكام:8/413.
2 . رياض المسائل:7/374.

صفحه 128
إلى محلّل وليس الجماع منها ثانياً.
ويدلّ على ثبوت الأحكام الثلاثة لمطلق مَن واقع في إحرام الحجّ ـ من غير تقييد بصورة دون صورة ـ الروايات التالية:
1. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل محرم وقع على أهله... فقال: «فإنّ عليه أن يسوق بدنة، ويفرّق بينهما حتّى يقضيا المناسك ويرجعا إلى المكان الّذي أصابا فيه ما أصابا، وعليه الحجّ من قابل».1
2. صحيح جميل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم وقع على أهله؟ قال: «عليه بدنة». فقال له زرارة: قد سألته عن الّذي سألته عنه، فقال لي: «عليه بدنة» قلت: عليه شيء غير هذا؟ قال: «عليه الحجّ من قابل».2
فالرواية الأُولى أثبتت أُموراً ثلاثة، والرواية الثانية أثبتت أمرين، والموضوع هو (محرم وقع على أهله) والروايتان بإطلاقهما يشملان الوقاع قبل المشعر وبعده، فما دلّ على التخصيص نأخذ به، وإلاّ فالمتّبع هو إطلاقهما.
وإليك ما يدلّ على التخصيص، وهو مقتضى القاعدة الثانية.

وأمّا الثاني: وهو مقتضى القاعدة الثانية

فيستفاد من مفهوم أو منطوق بعض الروايات عدم وجوب الحجّ من قابل:
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة، فعليه الحجّ من قابل».3

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
3 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 129
2. صحيحه الثاني: «إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي المزدلفة، فعليه الحجّ من قابل».1
فدلّت الروايتان بمفهومهما على عدم وجوب الحجّ من قابل، وهو يلازم صحّة الحجّ وإتمامه. نعم هما ساكتتان عن وجوب البدنة ويستفاد وجوبها من المرسلة التالية وغيرها.
3. مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام):«إن جامعت وأنت محرم قبل أن تقف بالمشعر، فعليك بدنة والحجّ من قابل; وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل».2والرواية تدلّ على وجوب البدنة، وفي الوقت نفسه تدلّ على عدم الحجّ من قابل.
ثمّ إنّ الروايات الدالّة على وجوب البدنة كثيرة، نظير:
4. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن متمتّع وقع على أهله ولم يزر؟ قال:«ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».3
وقد مرّ سابقاً أنّ الصحيح هو ورود الرواية في الجماع في إحرام الحجّ لا إحرام العمرة المفردة، ولا في إحرام متعة الحجّ، لقوله:«وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه»، لأنّ الجماع في العمرة المفردة وعمرة التمتّع لا يضرّ بالحجّ، فكيف يكون مبدأ للخشية من انثلام الحجّ؟
5. صحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل واقع

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 130
أهله حين ضحّى قبل أن يزور البيت؟ قال: «يهريق دماً».1
6. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال:«عليه جزور سمينة».2
7. خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال:»سألت أبي جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمّداً ما عليه؟! قال: يطوف وعليه بدنة».3
لقد تجلّت الحقيقة، وهي صحّة الحج ولزوم إتمامه وعدم وجوب الحجّ من قابل ووجوب البدنة، وبقي الكلام في الحكم الخامس أي التفريق، الذي لم يذكره المصنّف.

حكم التفريق في الصورة الثانية

لم يذكر المصنّف حكم التفريق تبعاً لصاحب الشرائع وكلامهما ظاهر في عدم وجوبه.
وأمّا الروايات الواردة فما دلّ على وجوب التفريق في الحجّ الثاني فلا صلة له بالمقام لافتراض عدم وجوبه.
يبقى الكلام في الروايات الّتي دلّت على وجوب التفريق في الحجّ الأوّل، فهل لها إطلاق يعمّ المقام أو لا؟
يمكن أن يقال: إنّ الروايات الوارد ذكرها في هذا الصدد مطلقة تشمل الجماع قبل الوقوف بالمشعر وبعده، نذكر منها ما يلي:

1 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
3 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.

صفحه 131
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في المحرم يقع على أهله، فقال:«يفرّق بينهما، ولا يجتمعان في خباء إلاّ أن يكون معهما غيرهما، حتّى يبلغ الهدي محله».1
2. مرفوعة أبان بن عثمان إلى أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام) قالا: المحرم إذا وقع على أهله يفرق بينهما، يعني بذلك لا يخلوان وأن يكون معهما ثالث.2
فإطلاق هذه الروايات يشمل المقام. ومع ذلك نرى أنّ الأصحاب ذهبوا إلى خلافه.
والّذي يمكن أن يقال: أنّ في المقام أحاديث سيقت في مقام البيان سكتت عن وجوب التفريق، ومن البعيد أن يكون التفريق واجباً ولا يأتي منه ذكر في هذه الروايات المستفيضة، فعند ذلك يكون السكوت كالنطق بعدم الوجوب، وإليك ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الصدد:
1. مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام):«وإن جامعت بعد وقوفك بالمشعر، فعليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل».3
2. صحيح معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن متمتع وقع على أهله ولم يزر؟ قال: «ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».4
3. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل وقع على امرأته قبل

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.
2 . نفس المصدر والباب، الحديث6.
3 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 132
أن يطوف طواف النساء، قال:«عليه جزور سمينة...».1
4. خبر أحمد بن محمد قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل أتى امرأته متعمداً ولم يطف طواف النساء؟ قال: «عليه بدنة وهي تجزي عنهما».2
فهذه الروايات وغيرها3 الساكتة عن وجوب التفريق مع كونها في مقام البيان، كافية في تخصيص الإطلاق.
تمّ الكلام في الصورة الثانية. وبقي الكلام في الصورة الثالثة.

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.
3 . لاحظ الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7و 13.

صفحه 133

الثالثة

إذا جامع بعد تجاوز

النصف من طواف النساء

إذا جامع أثناء طواف النساء فقد اتّفق أكثر الفقهاء على أنّه ليس عليه شيء.
ولكن اختلفوا في الحدّ على أقوال ثلاثة:
1. إذا واقع بعد خمسة أشواط.
2. إذا واقع بعد تجاوز النصف.
3. إذا واقع بعد إتمام طواف النساء.
والأوّل: خيرة الشيخ في «النهاية»، وتبعه العلاّمة في «المنتهى» و«التذكرة».
والثاني: خيرة المحقّق.
والثالث: خيرة الحلّي في «السرائر». وكان القول الأخير أشبه بالاستثناء المنقطع، لخروجه بإتمام الطواف عن الإحرام وعندئذ تحلّ النساء عليه، وربّما يؤيّده ذيل رواية ابن عمّار، كما سيوافيك. وإليك كلماتهم:
قال الشيخ: ومتى جامع الرجلُ بعد قضاء مناسكه قبل طواف النساء كان عليه بدنة. فإن كان قد طاف من طواف النساء شيئاً، فإن كان أكثر من النصف بنى عليه بعد الغُسل، ولم تلزمه الكفّارة، وإن كان قد طاف أقلّ من النصف كان

صفحه 134
عليه الكفّارة وإعادة الطواف.1
قال المحقّق: إذا طاف المحرم من طواف النساء خمسة أشواط، ثمّ واقع، لم يلزمه الكفّارة، وبنى على طوافه، وقيل: يكفي في ذلك مجاوزة النصف والأوّل مرويّ.2
قال العلاّمة: ولو جامع بعد أن طاف من طواف النساء شيئاً، قال الشيخ (رحمه الله): إن كان أكثر من النصف بنى عليه بعد الغسل ولا شيء عليه، وإن كان أقلّ من النصف لزمه الكفّارة وأعاد الطواف، لموافقته الأصل وهو براءة الذمة، ولأنّ معظم الشيء يُعطى حكم ذلك الشيء غالباً.3
وقال ابن إدريس: متى طاف الإنسان من طواف الزيارة شيئاً ثمّ واقع أهله قبل أن يتمّه كان عليه بدنة وإعادة الطواف.4
أقول: يقع الكلام في مقتضى القاعدة الأُولى ثمّ في ما ورد من التخصيص.
إنّ مقتضى القاعدة الأُولى هو وجوب البدنة، وذلك لأنّ الموضوع لوجوبها هو المواقعة في حال الإحرام; ففي صحيح جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن محرم وقع على أهله، قال:«عليه بدنة».5
إلى غير ذلك من الروايات الّتي مرت في الصورة الثانية.
فلو دلّت الأدلّة على عدم وجوبها نأخذ بما دلّ، وإلاّ فالمرجع هو القاعدة

1 . النهاية:231.
2 . الشرائع:1/294.
3 . التذكرة:8/44 ولاحظ المنتهى:2/840.
4 . السرائر:1/550.
5 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 135
الأُولى، هذا من غير فرق بين كون طواف النساء من الحجّ، أو أمراً خارجاً عنه. وذلك لاتّفاق القولين على أنّ الرجل محرم بالنسبة إلى النساء وإن خرج عن الإحرام بالنسبة إلى سائر المحظورات.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القاعدة الأُولى قد خصّصت بروايتين:
1. حُمران بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط، ثمّ غمزهُ بطنه، فخاف أن يبدره، فخرج إلى منزله فنقض (فنفض) ثمّ غشي جاريته، قال:«يغتسل، ثمّ يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان قد بقي عليه من طوافه، ويستغفر اللّه ولا يعود، وإن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشي فقد أفسد حجّه وعليه بدنة ويغتسل، ثمّ يعود فيطوف أُسبوعاً».1
أمّا السند ففيه: سهيل بن زياد الآدمي، والأمر فيه سهل، مضافاً إلى أنّ عدّة الكليني تروي الرواية عنه وعن أحمد بن محمد، المردّد بين ابن عيسى أو ابن خالد، وكلاهما ثقتان.
وحمران أخو زرارة من أكبر مشايخ الشيعة كما وصفه أبو غالب الزراريّ، وقد وردت روايات معتبرة في جلالته، فالسند لا بأس به والمهم مضمونها، فنقول:
أمّا فقه الحديث فهو كالتالي:
أ. دلّت الرواية على أنّ من واقع بعد خمسة أشواط ليس عليه بدنة.
ب. دلّت الرواية على أنّ المواقعة في الحالة المذكورة أمر حرام لقوله: ثمّ

1 . الوسائل:9، الباب11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 136
يستغفر اللّه ولا يعود. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عدم تعلّق الكفّارة لا يكون دليلاً على حليّة العمل.
ج. انّ التحديد بخمسة أشواط إنّما جاء في كلام الراوي فلا يكون دليلاً على التحديد الحقيقي، وإنّما يدلّ على أنّ من واقع بعد خمسة أشواط لا تجب عليه بدنة، وأمّا وجوبها عندما طاف الأقل فلا يدلّ عليه، لما عرفت من أنّ التحديد ورد في كلام الراوي.
د. دلّت الرواية على أنّ الغاية لوجوب البدنة أو أنّ المبدأ ـ لعدم البدنة ـ هو إتمام الثالثة والشروع في الرابعة من الأشواط. وعلى هذا فمن واقع بعد ما طاف أزيد من ثلاثة أشواط ـ ولو شيئاً يسيراً ـ من طواف النساء أو الأقلّ من ثلاثة لا تجب البدنة.
والفرق بين الخمسة، وبعد الثلاثة في عدم اتّخاذ الأوّل حدّاً دون الثاني، هو أنّ الأوّل ورد في كلام السائل، بخلاف الثاني فإنّه ورد في كلام الإمام، وعلى هذا يكون المعيار، هو التجاوز عن ثلاثة أشواط وإن لم يصل إلى النصف فضلاً عن تجاوزه أو بلوغه الخمس.
ولكن الّذي يصدّنا عن الأخذ بمفهوم الرواية في جانب الحد الثاني كونه شاذاً معرضاً عنه، فلا محيص عن رفع المفهوم المستفاد من قوله: «وإن طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط»، فإنّ مقتضى مفهومه عدم وجوب البدنة عندما زاد على الثلاثة ولو بشيء يسير. وقد عرفت اتّفاق الأصحاب على خلافه.
2. ما رواه علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء، قال: »إذا زاد على النصف وخرج ناسياً أمر من يطوف عنه، وله أن

صفحه 137
يقرب النساء إذا زاد عن النصف».1 فقد أناط القرب بالزيادة عن النصف. وهو موافق لكلام الشيخ في «النهاية» كما مرّ.
أقول: إنّ قوله: «أمر من يطوف عنه وله أن يقرب النساء» يحتمل وجهين:
الأوّل: انّه إذا استناب من يطوف عنه الأشواط الباقية يجوز له مقاربة النساء وإن لم يطف النائب بعد، بل هو في الطريق إلى مكّة.
وهذا الوجه لا يمكن الالتزام به، لأنّ معنى ذلك تجويز المواقعة قبل إتمام طواف النساء، ولم يقل به أحد.
وقد عرفت وجوب الاستغفار في رواية حمران، أعني: فيما إذا واقع بعد خمسة أشواط، فكيف يمكن للإمام أن يرخّص الحرام بمجرد الاستنابة؟!
الثاني: انّ المراد هو جواز قرب النساء بعد ما قام النائب بطواف ما بقي عليه، ويرد عليه أمران:
1. أنّه خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر هو جواز القرب بعد الاستنابة.
2. انّ تجويز المواقعة بعد قيام النائب بعمل النيابة يكون خارجاً عن المفروض، لصيرورة المواقعة عندئذ بعد الطواف الكامل، وهو خارج عن البحث.
فتخرج الرواية عن صلاحية التمسّك بها مع ضعف في الاسناد، فيبقى الدليل الوحيد هو رواية حمران بن أعين، والموضوع فيها التجاوز عن ثلاثة أشواط، ولو بكسر من الكسور، فإن تمّ الإجماع على خلافه ـ كما قلناه ـ فهو، وإلاّ فالمحكّم هو الرواية.
وعلى ضوء ما ذكرنا لم نجد دليلاً على ما ذكره المحقّق في «الشرائع»: »من

1 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث10.

صفحه 138
كون الميزان طواف خمسة أشواط» إلاّ وروده في كلام الراوي.
وحصيلة الكلام: انّ الحدّ الوارد في رواية حمران عبارة عن تجاوز ثلاثة أشواط ولو يسيراً، وليس فيه ما يدلّ على شرطية تجاوز النصف، ولكنّه غير معمول به.
والوارد في خبر ابن حمزة، هو تجاوز النصف، وينطبق على قول الشيخ، لكنّ في الرواية إشكالاً أو إشكالين يصدّنا عن العمل بها.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: تجاوز النصف موضوع بعض الأحكام في باب الطواف، والسعي كما إذا حاضت بعد أشواط أربعة، أو حدث له عذر كالمرض والحدث، فإنّه يبني عليه بعد رفع العذر، ـ كما سيوافيك الكلام فيه ـ وهذا ما يبعثنا على الأخذ بقول الشيخ ـ أي تجاوز النصف ـ .
بقي الكلام في رواية معاوية بن عمّار:... وسألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال:«عليه جزور سمينة، وإن كان جاهلاً فليس عليه شيء».1
إنّ قوله: «قبل أن يطوف طواف النساء» يحتمل أمرين:
1. المراد قبل أن يشرع به، وعندئذ يكون منطوق الحديث راجعاً إلى الصورة الثانية، وأمّا مفهومه فهو مطلق، يدلّ على ارتفاع الحكم بالشروع، ولكنّه معرض عنه، فلابدّ من تقييده بما دلّ على بقاء الحكم إلى تجاوز النصف أو إتمام الشوط الخامس إذا كان لهما دليل.
2. المراد قبل أن يكمله، فيكون دليلاً على قول ابن إدريس، ولكن الظاهر هو الأوّل.

1 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 139
المسألة3: لو قبّل امرأة بشهوة فكفّارته بدنة، وإن كان بغير شهوة فشاة وإن كان الأحوط بدنة.
ولو نظر إلى أهله بشهوة فأمنى فكفّارته بدنة على المشهور، وإن لم يكن بشهوة فلا شيء عليه.
ولو نظر إلى غير أهله فأمنى فالأحوط أن يكفّر ببدنة مع الإمكان ، وإلاّ فببقرة، وإلاّ فبشاة.
و لو لامسها بشهوة فأمنى فعليه الكفّارة، والأحوط بدنة وكفاية الشاة لا تخلو من قوة، وإن لم يمن فكفّارته شاة.*
* في المسألة فروع:
قد قلنا ـ غير مرّة ـ : إنّ الإحاطة بصور المقال نصف الاستنباط، وصور المسألة في المتن كالتالي:
محور البحث أُمور ثلاثة:
ألف. التقبيل.
ب. النظر.
ج. اللمس.
وبما أنّ التقبيل ليس من لوازم الحياة مع الزوجة طول الإحرام قسّمه إلى قسمين تاليين:
1. التقبيل بشهوة.
2. التقبيل بلا شهوة.
والملاك فيه هو الشهوة وعدمها، لا الإمناء وعدمه.

صفحه 140
ولمّا كان النظر واللمس من لوازم الحياة فيها، لم يذكر في النظر واللمس صورة «بلا شهوة». وقيّدها بالشهوة.
لكن قسم النظر مع الشهوة إلى قسمين بملاك أنّ المنظور إليها تارة تكون أهله، وأُخرى غير أهله.
3. النظر بشهوة ـ مع الإمناء ـ إلى الأهل.
4. النظر بشهوة ـ مع الإمناء ـ إلى غير الأهل.
كما أنّه قسّم اللمس مع الشهوة إلى قسمين بملاك الإمناء وعدمه.
5. لمس الزوجة مع الشهوة مع الإمناء.
6. لمس الزوجة مع الشهوة بدون إمناء.
فالصور الأُم ثلاث ومع التفريع ست. وإليك دراستها ضمن فروع ثلاثة بشقوقها الستة.

الفرع الأوّل: تقبيل الزوجة بشهوة وبغيرها

المشهور أنّه «لو قبّل امرأته بشهوة عليه جزور، وإن قبّل بغيرها كان عليه شاة»، والموضوع في «النهاية» و «الشرائع» و «الدروس»، تبعاً للنصوص هو تقبيل امرأته، خلافاً للمتن فاتّخذ الموضوع تقبيل مطلق المرأة مقابل الرجل.
قال في «النهاية»: ومن قبّل امرأته من غير شهوة، كان عليه دم شاة، فإن قبّلها بشهوة كان عليه جزور.1
وقال في «الشرائع»: ولو قبّل امرأته ]بغير شهوة[ كان عليه شاة، ولو كان بشهوة كان عليه جزور.2

1 . النهاية:232.
2 . الشرائع:1/294، ط دار الأضواء.

صفحه 141
وقال في «الدروس»:لو قبّل امرأته بشهوة فجزور أنزل أو لا، ولو طاوعته فعليها مثله، ولو قبّلها بغير شهوة فشاة.1
وهذا هو المشهور وفي الفرع قولان آخران:
تقسيم التقبيل بشهوة إلى قسمين، مع الإنزال وعدمه، ففرّق ابن إدريس بينهما فقال:
في القبلة بشهوة إذا أنزل جزور، ومعها بغير إنزال شاة، مثل ما قبّلها بغير شهوة.2
ب. البدنة مطلقاً، سواء قبّل بشهوة أو لا. وهو الظاهر من الصدوق قال: فإن قبّلها فعليه بدنة.
وروى أنّ عليه دم شاة.3 وهذا خيرته في «الفقيه».4
وإليك دراسة الفرع بكلا شقيّه:
أمّا الشق الأوّل: وهو التقبيل بشهوة، فيمكن الاستدلال عليه بالأحاديث التالية:
1. صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يضع يده بشهوة؟ قال: «يهريق دم شاة» قلت: فإن قبّل، قال: «هذا أشد، ينحر بدنة».5 فإنّ المتبادر ـ حسب السياق ـ هو أنّ التقبيل كالوضع كان بشهوة. وهي مطلقة من جهة الإمناء وعدمه، فقد تعرّض لحكم صورة التقبيل مع الشهوة وسكت عنه

1 . الدروس:1/371.
2 . السرائر:1/552.
3 . المقنع:243.
4 . الفقيه:2/332برقم 2589.
5 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 142
بلا شهوة.
2. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قبّل امرأته وهو محرم؟ قال: «عليه بدنة وإن لم ينزل».1
وهو محمول على التقبيل بشهوة، بقرينة قوله:«وإن لم ينزل»، لأنّه ظاهر في وجود أرضية للإنزال ولكنّه لم يُنزل، وهي لا تنفك عن التقبيل مطلقاً بشهوة.
وهذه الرواية كالسابقة تعرّضت لحكم صورة التقبيل مع الشهوة، وسكتت عنه بلا شهوة.
3. صحيح مَسْمَع أبي سيار2: قال: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): »يا أبا سيار: إنّ حال المحرم ضيّقة، فمن قبّل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة، ومن قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور ويستغفر ربه».3
والرواية على خلاف ما تقدّم تعرضت لحكم كلتا الصورتين.
وموضع الاستدلال هو الشق الثاني، أعني قوله: «ومن قبّل امرأته على شهوة...». وقوله:«فأمنى» ظاهر في تقيّد الحكم به، كما عليه ابن إدريس ـ على ما مرّ ـ فتكون النتيجة : انّ في التقبيل بشهوة مع الإمناء بدنة.
ومقتضى القاعدة هو تقييد إطلاق صحيحة الحلبي، برواية مَسْمَع ، فيكون الموضوع هو التقبيل بشهوة وإنزال، لكن صريح خبر علي بن أبي حمزة هو عدم اعتبار الإنزال فيقدّم النص على الظاهر4; وقد تقدّم منّا أنّ روايات ابن أبي حمزة

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.
2 . وثّقه الكشي ومدحه النجاشي.
3 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
4 . فتكون «الفاء» في قوله:«فأمنى» فاء النتيجة، أي انتهى الأمر إليه وتكون كاللام للعاقبة، نظير قوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً)(القصص:8).

صفحه 143
إذا كان الراوي عنه ثقةً جليلاً حجةٌ، ودليل على أنّه أخذ الحديث أيّام استقامته،والراوي عنه في المقام هو أحمد بن محمد بن عيسى أو خالد، وكلاهما جليلان.
فتلخّص ممّا ذكرنا أُمور:
1. انّ صحيحة الحلبي دلّت على أنّ في التقبيل بشهوة بدنة، وسكتت عن حكم التقبيل بلا شهوة.
2. ومثلها خبر علي بن أبي حمزة، فإنّه دلّ على وجوب البدنة عند التقبيل بشهوة، وصرّح بعدم مدخلية الإنزال وسكتت عن حكم التقبيل بلا شهوة.
3. انّ صحيح مسمع فصّل بين التقبيل بشهوة فأمنى ففيه جزور، وبين ما إذا قبّل بلا شهوة ففيه دم شاة.
غير أنّ تصريح خبر ابن أبي حمزة على عدم مدخلية الإنزال، صار سبباً لتقدّمه على صحيح مسمع.
وأمّا الشقّ الثاني: أي التقبيل بغير شهوة، فيدلّ على وجوب الكفّارة فيه، روايات ثلاث:
1. صدر حديث مسمع الماضي، من قبّل امرأته على غير شهوة وهو محرم فعليه دم شاة. وهو صريح في وجوب الشاة. وفي الوقت نفسه لا ينفي الأكمل.
2. خبر العلاء بن فضيل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل وامرأة تمتعا جميعاً فقصّـرت امرأته ولم يقصّـر فقبّلها؟ قال:«يهريق دماً، وإن كانا لم يقصّرا جميعاً فعلى كلّ واحد منهما أن يهريق دماً».1

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.

صفحه 144
فلو حمل الحديث على مورد الغالب في مورد الزوجة من كون التقبيل عن شهوة، فتحمل إراقة الدم على البدنة، وإن حمل على غير الغالب، فتحمل على الشاة جمعاً بينه و بين ما سبق من الروايات الثلاث.
ولو حمل على مطلق التقبيل من غير تقييد بشهوة ولا عدمها، فلابدّ فيه من التفصيل بين القسمين لأجل ما ذكرنا.
ولأجل احتمال إطلاق الرواية وكون المراد من الإراقة هي البدنة، احتاط في المتن، بالبدنة مطلقاً، وإن لم يكن عن شهوة.
3. معتبر زرارة ـ في حديث ـ سأل أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي؟ قال: «عليه دم يهريقه من عنده».1
وإيجاب الكفّارة على الزوج مع كونه محلاً من باب التحمل، أي تحمّل ما على الزوجة من الكفّارة، وقد مرّ في حديث العلاء أنّه لو كانا محرمين تجب الكفّارة على كلّ واحد.
وقد تبيّـن ممّا ذكرناه أنّ ما هو المشهور أقرب إلى مفاد الروايات من القولين الآخرين، فلاحظ.
فإذا كان هذا حال الزوجة، فالأجنبية أولى أن تكون كذلك، لو ساعد العرف على إلغاء الخصوصيّة، ولعلّه لذلك عدل في المتن عن امرأته إلى «امرأة»، فلاحظ.

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.

صفحه 145

الفرع الثاني: النظر إلى الأهل وغيره مع الإمناء بشهوة

قد تقدّم أنّ النظر بلا شهوة ليس موضوعاً للحكم، بل الموضوع هو النظر بشهوة وله شقّان: النظر إلى الأهل، والنظر إلى غير الأهل، وإليك دراسة الشقّين:

الشقّ الأوّل: النظر إلى الأهل مع الإمناء فعليه بدنة

وإليك بعض الكلمات:
قال في «النهاية»: وإذا نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى لم يكن عليه شيء، إلاّ أن يكون نظره إليها بشهوة فأمنى، فإنّه تلزمه الكفّارة، وهي بدنة.1
وقال المحقّق: ولو نظر إلى امرأته، لم يكن عليه شيء ولو أمنى، ولو كان بشهوة فأمنى، كان عليه بدنة.2
وقال في «المنتهى»: ولو نظر إليها في غير شهوة فأمنى ليس عليه شيء، وإن كان بشهوة ]فأمنى[ كان عليه جزور.3
وقال في «المدارك»4: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، ويدلّ على حكم كلا الشقين الروايتان التاليتان:
1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى أو أمذى وهو محرم؟ قال: «لا شيء عليه، ولكن ليغتسل ويستغفر ربه» ـ إلى أن قال: ـ و في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزّلها بشهوة حتى

1 . النهاية:232.
2 . الشرائع:1/295.
3 . المنتهى:2/810.
4 . المدارك:8/426.

صفحه 146
يُنزل، قال:«عليه بدنة».1
إنّ إطلاق الصدر يقتضي جواز النظر مطلقاً، سواء كان بشهوة أو لا; وأمّا الدليل ـ أعني: «ينظر إلى امرأته أو ينزّلها بشهوة حتى يُنزل» ـ فالظاهر أنّ قوله «بشهوة» قيد لكلا الفعلين: «ينظر و ينزّل» فيكون الذيل مُقيّداً للصدر، لو ثبت له (الإطلاق) ويحمل على النظر بلا شهوة، وإن استعقب الإمناء والإمذاء من حيث لا يقصد.
أمّا لو رجع إلى خصوص قوله: «أو ينزلها » فيلزم التعارض بين الصدر المقتضي لعدم وجوب الكفّارة مطلقاً، سواء أكان النظر بشهوة أو لا، وبين الذيل الدالّ على وجوب البدنة مطلقاً كذلك، فلا محيص عن إرجاع القيد إلى الفعلين والقول بالتفصيل في وجوب الكفّارة بين النظر المجرد، والنظر الشهوي.
2. معتبرة مَسْمَع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ومن نظر إلى امرأته نظر بشهوة فأمنى، فعليه جزور; ومن مسّ امرأته أو لازمها عن غير شهوة، فلا شيء عليه».2
فالرواية بمنطوقها تدلّ على أنّ في النظر مع الشهوة، بدنة، وبمفهومها على عدم وجوبها في النظر بلا شهوة، وأمّا عدم وجوب شيء آخر عليه كالشاة فلا يستفاد منها. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ عدم وجوب الكفّارة في المس بلا شهوة ـ كما يدلّ عليه ذيل المعتبرة ـ يلازم عدم وجوبها في النظر بلا شهوة، لكون المسّ أقوى في الالتذاذ من النظر.
نعم يعارضه موثّق إسحاق بن عمّار، عن الصادق(عليه السلام) في محرم نظر إلى

1 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 147
امرأته بشهوة فأمنى، قال(عليه السلام):«ليس عليه شيء».1
وقد حمله الشيخ في «التهذيب» على السهو دون العمد2، والمراد نسيان كونه محرماً. وكفّارات الحج كلّها تجب على العامد، دون الناسي، إلاّ كفّارة الصيد.

الشق الثاني: النظر إلى غير الأهل مع الإمناء

لو نظر إلى غير أهله بشهوة فأمنى، فالمشهور أنّه على الموسر بدنة، وعلى المتوسط بقرة، وعلى المعسر شاة. وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ: وإن نظر إلى غير أهله فأمنى، كان عليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة.3
وقال في «المبسوط»: وإن نظر إلى غير أهله فأمنى فعليه بدنة، وإن لم يجد فبقرة، وإن لم يجد فشاة.4 و هو خيرة «الشرائع»5، وابن البراج في «المهذب»6، وابن إدريس في «السرائر»7، إلى غير ذلك من الأعاظم. والكلمات المذكورة وإن كانت خالية عن التقييد بشهوة لكن منصرفها إلى النظر بشهوة، خصوصاً ترتّب الإمناء عليه، وبذلك يظهر أنّ خلو الروايات الآتية عن التقييد بشهوة لا يضرّ، لأنّ منصرفها إلى النظر بها، خصوصاً بقرينة ترتّب الإمناء عليه.

1 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.
2 . التهذيب:5/327.
3 . النهاية:232.
4 . المبسوط:1/337.
5 . الشرائع:1/295.
6 . المهذب:1/223.
7 . السرائر:1/552.

صفحه 148
واعلم أنّ هنا أمرين:
أ. الموضوع في بعض النصوص وكلمات الفقهاء هو النظر إلى غير الأهل، والنظر إلى الأجنبية من مصاديقه، فهل يشمل المحارم، كالخالة والعمّة والأُخت أو لا؟ فلابدّ من ملاحظة النصوص، فانتظر.
ب. الكلام تارة يقع في وجوب الدم، وأُخرى في ما هو الواجب.
أمّا الأوّل (وجوب الدم) فموضع وفاق، والمهم هو الثاني. والاختلاف فيه في موارد ثلاث:
1. رعاية الترتيب في الكفّارة بين الجزور فالبقرة فالشاة، خلافاً للصدوق حيث جعل الأوّلين في وصف واحد.
2. هل الغاية النهائية هو الشاة، كما عليه الأكثر; أو أنّه إذا عجز عنها، يتعيّن عليه صوم ثلاثة أيّام، كما عليه المفيد وسلاّر وابن زهرة؟
3. كفاية الشاة مطلقاً، غنياً كان أو فقيراً، وجد الجزور أو البقرة أو لا. حكاه في «الجواهر» عن بعض الناس1، فهذه نقاط ثلاث نبحث عنها على الترتيب.
وتحقيق كلّ ذلك رهن دراسة النصوص:

1. ما يدلّ على رعاية الترتيب

موثّق أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى، فقال(عليه السلام):«إن كان موسراً فعليه بدنة، وإن كان وسطاً فعليه بقرة، وإن كان فقيراً فعليه شاة». ثمّ قال(عليه السلام): »أما إنّي لم أجعل عليه هذا، لأنّه أمنى، إنّما

1 . الجواهر:20/386.

صفحه 149
جعلته عليه لأنّه نظر إلى ما لا يحل لـه».1 فالاستدلال رهـن صحة السند والدلالة.
أمّا الأوّل ففي السند عبد اللّه بن جبلة، قال النجاشي: إنّه واقفي.2 وإسحاق بن عمّار وهو فطحي. ومع ذلك فقد عمل به لفيف من الأصحاب، وهو كاف في جبر الضعف.
وأمّا الثاني فالموضوع هو النظر إلى «ساق امرأة»، وهو وإن كان يشمل الزوجة، لكنّ التعليل ـ «لأنّه نظر إلى ما لا يحلّ له» ـ قرينة على خروجها عنها، وفي الوقت نفسه يعمّ المحارم إذا نظر إلى مواضع من أبدانهن ممّا لا يحلّ النظر إليها.
كما أنّ التعليل، دالّ على أنّ الكفّارة لصرف النظر إلى ما لا يحلّ، ولا مدخلية للإمناء، وأنّ الإمناء المأخوذ في السؤال غير مؤثّر في إيجاب الكفّارة، فالموضوع هو النظر بشهوة، سواء أمنى أو لا فيكون بظاهره مخالفاً لما هو المشهور من تقييد الموضوع بشهوة فأمنى. نعم يظهر من رواية ابن عمّار الآتية ، مدخلية الإنزال في وجوب الكفّارة، وسيوافيك الجمع بينهما عند ذكر دليل القول بكفاية الشاة مطلقاً.
وعلى كلّ تقدير فالرواية وافية لإثبات ما عليه المشهور من الترتيب في الكفّارة حسب اختلاف حالات المكفّر.

1 . الوسائل:9، الباب16 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . رجال النجاشي برقم 150.

صفحه 150

2. ما يدلّ على التخيير بين الجزور والبقرة

صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل محرم نظر إلى غير أهله فأنزل؟ قال (عليه السلام):«عليه جزور أو بقرة ، فإن لم يجد فشاة».1 وقد أفتى على وفقه الصدوق في «المقنع».2
والموضوع في الرواية هو النظر إلى غير أهله كما في المتن، وهو يشمل المحارم، والإنزال مأخوذ في الموضوع من جانب السائل لا من جانب الإمام فللموثّقة الماضية حكومة عليها، لأنّها دلّت على عدم مدخلية الإمناء، وانّ الموضوع هو النظر إلى ما لا يحل.
لكنّها تخالف موثّق أبي بصير من جهتين:
الأُولى: على ضوء الصحيح أنّه مخيّر بين الجزور والبقرة مع وجدان كليهما، خلافاً للموثّقة.
ويمكن تقييد الصحيح بما في الموثّقة من أنّ وجوب البقر عند عدم التمكّن عرفاً من الجزور.
الثانية: أنّ ملاك الترتيب بينهما وبين الشاة، هو عدم وجدانهما، لا الفقر، ويمكن حمله على عدم وجدان ما يشتري به أحد الحيوانين.
قد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ الموضوع هو النظرة بشهوة ولا مدخلية للإمناء حسب دلالة الموثّقة، وانّ الأخذ بالترتيب هو الأقوى.

1 . الوسائل:9، الباب16 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . المقنع:342.

صفحه 151

3. دليل القائل بكفاية الشاة

حكى في «الجواهر» عن بعض الناس قوة احتمال الاكتفاء بشاة مطلقاً، لحسن معاوية بن عمّار: في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل، قال: »عليه دم، لأنّه نظر إلى غير ما يحل له.
وإن لم يكن أنزل فليتقّ اللّه ولا يعد، وليس عليه شيء».1 وإطلاق الدم يعمّ الشاة، بل هو منصرف إليها.
إنّ هذه الرواية أيضاً تنافي رواية أبي بصير وزرارة من جهتين:
الأُولى: كفاية الدم مطلقاً، وعليه يجوز الاختصار بالشاة من دون حاجة إلى الجزور والبقرة.
ويمكن رفع المنافاة بالنحو التالي:
إن أُريد من الدم، مطلق الحيوان الشامل للأنعام الثلاثة، فيقيّد بما دلّت عليه الروايتان من لزوم رعاية الترتيب.
وإن أُريد خصوص الشاة فينزل على الفقير أو غير الواحد، لما سبق من أنّ الواجب هو الجزور عند اليسار، والبقرة عند الوسط، والشاة عند عدم التمكّن من الأوّلين.
الثانية: انّ مقتضى رواية أبي بصير انّ الكفّارة لأجل النظر بشهوة إلى ما لا يحلّ له من دون مدخلية للإمناء في ثبوت الكفّارة، بخلاف هذه الرواية فقد تضمّنت مدخليته، ويمكن رفع المنافاة بوجهين، ويجمع بينهما بوجهين:
1. الأخذ برواية ابن عمّار وحمل رواية أبي بصير على الفضل والاستحباب.

1 . الوسائل:9، الباب16 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.

صفحه 152
وهذا هو الظاهر في كلّ من قيّد النظر بالإمناء، ومعنى هذا الوجه الالتزام بكفاية النظر عن شهوة في لزوم الكفّارة، وهو ممّا لم يقل به أحد. والأولى هو الوجه الأوّل.
2. الأخذ برواية أبي بصير، لأنّ رواية ابن عمّار شاذّة لم يعمل بها إلاّ ما حكاه في «الجواهر» من بعض الناس.

ما هي الغاية النهائية؟

المشهور أنّ الغاية النهائية هي الشاة، فإن لم يجد أو لم يتمكّن تسقط الكفّارة، وهو الظاهر من الموثّقة والصحيحة حيث اقتصرتا على الثلاثة.
خلافاً للمفيد1 و سلاّر2 و ابن زهرة 3 حيث ذهبوا إلى أنّه إن عجز عن الشاة صام ثلاثة أيّام، لكن ليس له دليل ظاهر. نعم ورد في كفّارة الصيد أنّه لو عجز عن إطعام عشرة مساكين صام ثلاثة أيّام....
***

الفرع الثالث: لو لامس امرأته بشهوة مع الإمناء وعدمه

قد تقدّم أنّ المقياس لتقسيم التقبيل إلى قسمين كونه بشهوة وعدمها، كما أنّ المقياس لتقسيم النظر إلى قسمين، كون المنظور إليها أهلاً وغيره مع قيد الإمناء في القسمين.
ولكن المقياس لتقسيم اللمس إلى قسمين، كون المسّ بشهوة مع الإمناء، وكونه بشهوة مع عدمه.

1 . المقنعة:433.
2 . المراسم:119.
3 . الغنية:1/165.

صفحه 153
وترك المصنّف قسماً سابعاً ذكره المحقّق وهو لمسها بغير شهوة، وسيأتي حكمه بعد الفراغ عن القسمين . وإليك الكلام في كلا الشقين.

الشق الأوّل: إذا مسّها بشهوة فأمنى، ففيه أقوال:

1. إنّ عليه شاة في كلا الشقّين. نسبه في «الجواهر» إلى الأكثر، بل المشهور.
2. مطلق الدم. وهو خيرة ابن حمزة فجعله من قسم ما فيه الدم المطلق الّذي جعله قسيماً لما فيه: بدنة، أو بقرة، أو شاة، أو حمل، أو جدي.1
3. التفصيل بين ما إذا أمنى ففيه البدنة، وما لم يمن ففيه الشاة. وهو خيرة ابن إدريس قائلاً بأنّه أفحش من النظر الّذي فيه البدنة إذا أمنى.2
وأمّا المصنّف فقد وافق المشهور بالقول بكفاية الشاة في الصورتين: أمنى أم لم يمن، لكن احتاط استحباباً بإيجاب البدنة إذا أمنى، فوافق ابن إدريس وفاقاً نسبيّاً.
وإليك دراسة الروايات والإمعان في جمعها.
واعلم أنّ مضامين الروايات في مَن مسّ امرأته بشهوة على طائفتين:

ألف. وجوب الدم مع المسّ بشهوة أمنى أم لم يمن

يستفاد من الروايتين التاليتين ـ بعد الإمناء ـ وجوب الدم عند المسّ بشهوة.
1. صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): وإن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو أمذى، فعليه دم.3

1 . الوسيلة:168.
2 . السرائر:1/552.
3 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 154
وظاهر الرواية وإن كان يدلّ على مدخليّة الإمناء، لكن إردافه بالإمذاء دليل على عدم مدخليّته، ولعلّ ذكرهما لبيان حدّ الشهوة واشتدادها على حدّ أعقبت الإمناء والإمذاء، فيكون الموضوع هو المسّ بشهوة فقط، والواجب عندئذ مطلقاً هو الدم، فلو قلنا بانصرافه إلى الشاة فينطبق على فتوى المشهور، وإلاّ فيكون مخيّراً بين الأنعام الثلاثة.
2. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن كان حملها أو مسّها بشيء من الشهوة فأمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه».
ورواه الصدوق في «المقنع» وفيه: وعليه شاة.1 فلو قلنا بانصراف الدم إلى الشاة فهو، وإلاّ يكون نقل «المقنع» موضحاً لإبهامها، بل لإبهام صحيحة ابن عمّـار، وبما سبق أنّه لا مدخلية للإمناء في صحيحة معاوية بن عمّار، تكون الصحيحتان واردتين في موضوع واحد، وتكونان دليلين على كلا الشقّين:
الأوّل: من مسّ امرأته بشهوة فأمنى فعليه شاة.
الثاني: من مسّ امرأته ولم يمن فعليه شاة.

ب. دم شاة مع المسّ بشهوة

يدلّ بعض الروايات على: أنّ مَن مسّ امرأته بشهوة دم شاة مطلقاً من دون تقييد بالإمناء وعدمه.
ويدلّ عليه روايتان:
ألف. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): وفيها قلت: المحرم يضع يده بشهوة، قال:«يهريق دم شاة». قلت: فإن قبّل؟ قال:«هذا أشدّ ينحر بدنة».2

1 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 155
معتبر مَسْمع وفيه:«ومن مسّ امرأته بيده وهو محرم على شهوة، فعليه دم شاة، ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور».1
والموضوع فيها هو المسّ بشهوة فهي مطلقة بالنسبة إلى الإمناء، ويشهد على إطلاقها، وانّ الموضوع غير مقيد بالإمناء، تقييد النظر بشهوة بالإمناء في الفقرة اللاحقة، وقال:«ومن نظر إلى امرأته نظرة شهوة فأمنى فعليه جزور»، وهذا دليل على إطلاق الفقرة المتقدّمة، وتصلح الرواية أن تكون بياناً للدم في صحيحة معاوية بن عمّار وصحيحة محمد بن مسلم وتكون النتيجة المسّ مع الشهوة يوجب الشاة، سواء أمنى أو لم يمنِ، فيكون دليلاً على قول المشهور.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الحديث الثالث والرابع يصلح أن يكونا بياناً للحديثين السابقين، فتكون النتيجة: أنّ مطلق المسّ بشهوة من غير فرق بين الإمناء وغيره يوجب دم شاة، ولأجل ذلك أفتى المصنّف بكفاية الشاة في كلتا الصورتين.
نعم احتاط المصنّف في صورة المسّ بشهوة عند الإمناء، بإيجاب البدنة، وذلك بوجهين:
1. ما في الشق الثاني من صحيحة معاوية بن عمّار حيث جاء فيها: في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزّلها بشهوة حتى يُنزل؟ قال:«عليه بدنة»، وذلك بحمل قوله:«حتى يُنزل» على أنّ التنزيل من المحمل صار مقارناً للإنزال، لا أنّه أنزلها لغاية الإنزال ـ كما قلناه ـ.
يلاحظ عليه: أنّ المراد، هو طلب الإنزال، ويدلّ على ذلك وجود الاختلاف في التعبير بين الشقين، فقال في الشقّ الأوّل: «أو مسّها بشهوة فأمنى»، أي جاء

1 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.

صفحه 156
المني بلا طلب، وفي الشق الثاني: «ينزلها بشهوة حتى يُنزل» أي طلباً للإنزال.
2. ما تمسّك به صاحب السرائر من أنّ المسّ بشهوة أشدّ من النظر بشهوة مع الإمناء، فإذا وجب فيه الإمناء فالمسّ أولى بأن يكون كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره قياس لا نقول به، والاحتياط في صورة الإمناء غير واجب، لما عرفت من التصريح في معتبر مسمع بكفاية الشاة مطلقاً.
الشق الثاني: إذا مسّ امرأته بشهوة بلا إمناء، فقد تبيّن حاله ممّا ذكرنا، لأنّ الروايات الأربع بينما ذكر فيه الإمناء وقد دلّ الدليل على عدم مدخليته كصحيحة معاوية بن عمّار، أو مطلقة تعمّ ما لم يمن كرواية الحلبي ومَسْمَع، أو مصرّحة بعدم الفرق بين الإمناء وعدمه كصحيحة محمد بن مسلم; فتكون النتيجة: التسوية بين الحالتين، وهو وجوب الشاة مطلقاً، فلاحظ.

إكمال : إذا مسّها بلا شهوة

إذا مسّها بلا شهوة، فقد ذكر المحقّق1 أنّه لا شيء عليه، وإطلاق كلامه يعمّ صورة الإمناء والإمذاء وعدمهما.
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق «لم يكن عليه شيء»: وإن أمنى إذا لم يكن معتاد الإمناء ولا قاصده، بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به بعضهم نصّاً وفتوى.2
ويدلّ عليه أُمور:
1. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: »وإن حملها من غير

1 . الشرائع:1/259.
2 . الجواهر:20/388.

صفحه 157
شهوة فأمنى أو أمذى وهو محرم، فلا شيء عليه».1 فإنّ الحمل لا يخلو عن المسّ غالباً.
2. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته؟ قال:«نعم يصلح عليها خمارها، ويصلح عليها ثوبها ومحملها». قلت: أفيمسّها وهي محرمة؟ قال(عليه السلام):«نعم».2
وإطلاق الصحيح يشمل ما لو أمنى وما لم يمن، بشرط أن لا يكون معتاد الإمناء، وإلاّ فيدخل في قاصده. ويدخل في باب الاستمناء.
3. معتبر مسمَع أبي سيّار وفيه: «ومن مسّ امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شيء عليه».3
4. صحيح الحلبي: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المحرم يضع يده على امرأته، قال:«لا بأس»، قلت: فينزّلها من المحمل ويضمّها إليه؟ قال:«لا بأس» ، قلت: فإن أراد أن ينزلها من المحمل فلمّا ضمّها إليه أدركته الشهوة، قال:«ليس عليه شيء، إلاّ أن يكون طلب ذلك».4 وأمّا ما هو الواجب عليه إذا طلب ذلك، فسيوافيك بيانه في الفرعين: الرابع والخامس.
5. خبر محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيه: «فإن حملها أو مسّها لغير شهوة فأمنى أو أمذى، فليس عليه شيء».5

1 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
4 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5.
5 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث6.

صفحه 158
المسألة4: لو جامع امرأته المحرمة، فإن أكرهها فلا شيء عليها، وعليه كفّارتان، وإن طاوعته فعليها كفّارة وعليه كفّارة.*
* في المسألة فروع:
1. صحّة حجّ المكرهة على الجماع.
2. على المكره بدنتان.
3. عند المطاوعة لكلّ بدنة.
وإليك دراستها.
الأوّل: إذا أُكرهت المحرمة كان حجّها صحيحاً، وهو مورد اتّفاق بين الفقهاء.
قال المحقّق: ولو أكرهها كان حجّها ماضياً، وكان عليه كفّارتان، ولا يتحمّل عنها شيئاً سوى الكفّارة.1
قال في «الجواهر» بعد نقل عبارة «الشرائع»: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.2
قد مرّ أنّ الجماع في صورة المطاوعة لا يُبطل الحجّ بمعنى فرضه كالعدم، وإنّما يفسده بمعنى قلّة ثوابه وعدم كماله، فيجبر ذلك بالحجّ من قابل. فكيف في صورة الإكراه فحجّ المرأة عنده صحيحاً حقيقة، وليس بفاسد حتّى نسبيّة، ولذلك لا يجب عليها الحجّ من قابل.
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:

1 . الشرائع:1/294.
2 . الجواهر:20/365.

صفحه 159
أ. القواعد الكلّية كحديث الرفع من قوله: «رفع...ما استكرهوا عليه» فالجماع عن إكراه مرفوع لا يترتّب عليه الأثر.
نعم الإكراه في المقام أوسع ممّا ورد في الحديث النبوي، قصده الإكراه فيه رهن الإبعاد والإخافة بإيقاع الضرر على النفس والعرض والمال; بخلاف المقام، إذ يكفي في تحقّقه، عدم إعانتها، ولا كونه بهوى منها كما سيوافيك في روايات الباب.
ب. الاستدلال بالنصوص الواردة في خصوص إكراه الزوج على الجماع، فقد تعرّضت لأمر واحد، وهو تحمّل الزوج كفّارة الزوجة، وسكتت عن فساد حجّها وإتيانه من قابل، وإليك هذه الروايات ودلالة الكلّ على صحّة حجّها بالسكوت:
1. صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل باشر امرأته وهما محرمان ما عليهما؟ قال(عليه السلام): «إن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعاً ـ إلى أن قال ـ وإن كانت المرأة لم تعن بشهوة واستكرهها صاحبها فليس عليها شيء».1
إنّ قوله:«فليس عليها شيء»، وإن وقع فيه النكرة في سياق النفي، وهو يفيد العموم، لكن تقدّم وجوب الهدي عليهما عند المطاوعة قرينة على أنّ المنفي، هو الهدي، وعند ذلك لا يستفاد منه بالدلالة المنطوقية عدم وجوب الحجّ من قابل، لكن سكوت الإمام عنه كاف في عدم وجوبه، لأنّه في مقام بيان الوظيفة.
2. خبر عبيد اللّه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:قلت أرأيت من ابتلى بالجماع ما عليه؟ قال:»عليه بدنة. وإن كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما بدنتان ينحرانهما، وإن كان استكرهها وليس بهوى منها فليس

1 . وسائل الشيعة:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث 1.

صفحه 160
عليها شيء».1
فإنّ قوله:«فليس عليها شيء» نظير قوله في رواية سليمان بن خالد ناظر إلى صدر الحديث وهو نفي البدنة، وليس ناظراً إلى عدم وجوب الحجّ عليها من قابل، لكن سكوت الإمام وهو في مقام البيان يكشف عن عدم وجوبه.
3. خبر علي بن أبي حمزة، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن محرم واقع أهله؟ فقال(عليه السلام): «استكرهها أو لم يستكرهها؟» قلت: أفتني فيهما جميعاً، قال(عليه السلام):«إن كان استكرهها فعليه بدنتان، وإن لم يكن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة».2
فإنّ الرواية وإن كانت خالية عمّا ورد في الروايتين السابقتين، أعني قوله: «وليس عليها شيء»، لكن سكوت الإمام كاشف عن عدم وجوبه.
4. صحيح معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله فيما دون الفرج؟ قال:»عليه بدنة وليس عليه الحجّ من قابل.
وإن كانت المرأة تابعته على الجماع، فعليها مثل ما عليه، وإن كان استكرهها فعليه بدنتان وعليه الحجّ».3 بناء على إفراد الضمير، كما عليه نسخة «الوسائل» و سيأتي الكلام في إيضاح مفاده.
أمّا الفرع الثاني: أعني: وجوب كفّارتين إذا استكرهها; فيكفي في ذلك ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي، عن القاسم بن محمد الجوهري(الواقفي الّذي روى عنه ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى اللّذان لا يرويان إلاّ عن ثقة) عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن محرم واقع أهله ـ إلى أن قال: ـ »إن

1 . وسائل الشيعة:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث14.
2 . وسائل الشيعة:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
3 . وسائل الشيعة:9، الباب7 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 161
كـان استكرههـا فعليـه بدنتان، وإن لم يكـن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة».1
نعم في صحيحة سليمان بن خالد،وصحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي ـ عند الإكراه ـ قوله:«فليس عليها شيء» دون أن يتعرض لتعدّد الكفّارة، ولذلك صار ذلك سبباً لتردّد صاحب المدارك في الحكم وقال: وربّما ظهر من هذه الرواية (سليمان بن خالد مع أنّ رواية الحلبي أيضاً مثله في عدم التعرض) عدم تعدّد الكفّارة على الزوج مع الإكراه.2لكنّه ليس في حكمه، لأنّ عدم الذكر لا يكون دليلاً على عدم وجوبه، ويكفي في ذلك رواية البطائني الّتي دلّت القرائن على صحّتها.
الفرع الثالث: وجوب الكفّارة لكلّ منهما عند المطاوعة، ويكفي في ذلك ما رواه البطائني: «وإن لم يكن استكرهها فعليه بدنة وعليها بدنة». وفي رواية سليمان بن خالد:«فعليهما الهدي جميعاً». وفي صحيحة عبيد اللّه الحلبي: «فعليهما بدنتان ينحرانهما».
تمّ الكلام في الفروع الثلاثة المستفادة من المتن، بقي الكلام في بيان مفاد صحيح معاوية بن عمّار:
قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)
1. عن رجل محرم وقع على أهله فيما دون الفرج؟ قال:»عليه بدنة وليس الحجّ من قابل.
2. وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه.

1 . وسائل الشيعة:9، الباب4 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . المدارك:8/413.

صفحه 162
3. وإن كان استكرهها فعليه بدنتان، وعليه الحجّ من قابل».1
أمّا الأوّل: فلا غبار عليه، وأمّا وجوب البدنة، فلأنّه مسّها بشهوة مع الإمناء ولا ينافي ما مرّ من كفاية الشاة في المسّ بشهوة مع الإمناء، و ذلك فيما إذا لم يكن قاصداً للإمناء بخلاف المقام فإنّه من مقولة الاستمناء; وأمّا عدم الحجّ من قابل، فلأنّ المفسد للحجّ هو الرفث والجماع، دون المسّ بشهوة ولو مع الإمناء.
وأمّاالثاني والثالث: أعني قوله:«وإن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، وإن كان استكرهها فعليه بدنتان وعليه الحجّ من قابل» فهنا احتمالان:
ألف. حفظ السياق وحمل الجماع على الوقوع فيما دون الفرج، فعندئذ يكون ما رُتِّب عليه ممّا أعرض عنه الأصحاب أي:
1. وجوب البدنة على المرأة عند الإطاعة.
2. وجوب البدنتين على الزوج عند الإكراه.
3. وجوب الحجّ من قابل على الزوج.
إذ لم يقل أحد بهذه الأحكام من الفقهاء. قال في «الجواهر»: إذا كان المراد حكم هذا الجماع الّذي هو التفخيذ، أمّا ما فيه من وجوب البدنة عليها مع المطاوعة وتحمّله عنها مع الإكراه، لم أجد مصرّحاً به هنا.2
ب. ترك حفظ السياق وحمل الجماع على الفرد الحقيقي، كما هو الظاهر بملاحظة الحديث الثاني عن معاوية في نفس الباب. وعندئذ يكون الحكم الأوّل (وجوب البدنة على الزوجة عند المطاوعة) والثاني(البدنتين على الزوج عند

1 . وسائل الشيعة:9، الباب7 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الجواهر:20/365ـ 366.

صفحه 163
المسألة5: كلّ ما يوجب الكفّارة لو وقع عن جهل بالحكم أو غفلة أو نسيان لا يبطل به حجّه وعمرته ولا شيء عليه.*
الإكراه) موافقاً للقاعدة.
وأمّا الحكم الثالث انّ وجوب الحجّ عليه من قابل، فإن رجع إلى صورة الإكراه، يكون صحيحاً; وإن رجع إلى صورة المطاوعة، يجب الحجّ عليهما، لا عليه فقط.
وقد اختلفت النسخ، ففي نسخة «التهذيب»: «عليهما»1، وتبعه في «الجواهر»2، وفي نسخة «الوسائل»: «عليه» ولكلّ وجه.

إكمال:

هل يقتصر في ذلك على محل النص والفتوى وهو إكراه الزوج لأهله ولا يعم العكس فضلاً عن إكراه الأجنبي، فلا شيء على المكره إلاّ الإثم كما عليه الشهيد الثاني في «المسالك»3 وتبعه في «الجواهر»4; أو يعمّ الحكم صورة إكراه الزوجة وانّه لا خصوصية لإكراه الزوج وإن ورد في النصوص لأجل الغلبة فتكون محكومة بحكم الأصل؟ فيه وجهان، الأحوط هو الثاني، والأقوى هو الأوّل، لعدم العلم بمناط الحكم.
* ما ذكره من الكبرى الكلية ممّا لا غبار عليها، وخرج عنها جزاء الصيد

1 . التهذيب:5/319 برقم1098.
2 . الجواهر:20/365.
3 . المسالك:2/475.
4 . الجواهر:20/363.

صفحه 164
وكفّارته، فإنّه يعمّ الناسي والعامد كما سيوافيك.
قال الشيخ: إذا وطئ المحرم ناسياً لا يفسد حجّه، وقال أبو حنيفة: يفسد حجّه مثل العمد، وهو أحد قولي الشافعي، والثاني لا يفسد وهو أصحّ القولين.1 ثمّ استدلّ بحديث الرفع.
قال في «الحدائق»: لو وطئ ناسياً أو جاهلاً فقد صرّحت الأخبار المتقدّمة بأنّه لا شيء عليه. والظاهر أنّه لا خلاف فيه عندنا. ونقل الخلاف فيه في «المنتهى» عن مالك وأبي حنفية وأحمد والشافعي في القديم، فإنّهم أفسدوا به الحجّ وأوجبوا البدنة.2
وقال في «المستند»: ما مرّ من الأحكام المذكورة كان حكم العامد العالم بالحكم وبالإحرام المختار، وأمّا غيره فلا شيء عليه، بل يتمّ حجّه ويمضي ويجزئه بلا خلاف، بل بالإجماع. كما صرّح به بعضهم. للأصل، والأخبار المتقدّمة المصرّحة بذلك في الجاهل، الشامل لغةً للناسي والساهي والجاهل بفرديه، وفي المرأة المكرهة المتعدّي حكمها إلى رجل بالإجماع المركب.
وبالتصريح في صحيحة زرارة بكون القضاء عقوبة ولا عقوبة على المكره، بل ولا على الساهي والناسي والجاهل ولو بالحكم، سيّما إذا لم يكن مقصّراً.3
يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في صحّة حجّ الجاهل والناسي والساهي وعدم وجوب الحجّ من قابل وعدم ترتّب الكفّارة عليه.

1 . الخلاف:2/369، المسألة280.
2 . الحدائق:15/373.
3 . مستند الشيعة:13/243.

صفحه 165
الثاني: كون الجاهل عاصياً ومستحقّاً للعقوبة وعدمه.
وما مرّ عليك من كلمات الفقهاء، ناظر إلى الأمر الأوّل، كما أنّ الغرض الأصلي للروايات الواردة في المقام، هو التأكّد من صحّة الحجّ، وعدم الكفّارة عليه، فقولهم فيها: «وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه» ناظر إلى القلق الموجود في ذهن الحاج، وهو الخوف من ثلمة حجّه وفساده ولزوم الحجّ عليه من قابل وجبره بالكفّارة، وأمّا كونه عاصياً أو مستحقاً للعقاب، فإنّه وإن كان حائزاً للأهمية، لكنّه لا يشغل ذهن الزائر الّذي يتحمّل جهوداً للوفود إلى زيارة بيت اللّه الحرام.
ولذلك فلنأخذ كلا المقامين بالبحث:

1. صحّة حجّه وعدم الكفّارة عليه

يدلّ لفيف من الروايات على صحّة حجّ الجاهل وعدم الكفّارة على عمله، نظير:
1. صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن متمتع وقع على أهله ولم يزر؟ قال (عليه السلام):«ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».1
فقوله:«فلا شيء عليه» ناظر إلى ما ذكرنا، لا إلى عدم عصيانه واستحقاقه للعقوبة.
2. خبر سلمة بن محرز قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل وقع على أهله قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: «ليس عليه شيء» فخرجت إلى أصحابنا فأخبرتهم فقالوا: اتّقاك، هذا ميسّر قد سأله عن مثل ما سألت فقال له: »عليك

1 . وسائل الشيعة:9، الباب9 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 166
بدنة« قال: فدخلت عليه فقلت: جعلت فداك إنّي أخبرت أصحابنا بما أجبتني فقالوا: اتّقاك، هذا ميسّر قد سأله عمّا سألت فقال له: عليك بدنة، فقال:»إنّ ذلك كان بلغه، فهل بلغك؟« قلت: لا، قال: »ليس عليك شيء».1
فقوله:«ليس عليك شيء» ناظر إلى البدنة الّتي أفتى بها الإمام لميسّر، دون سلمة. فالنفي نسبي لا حقيقي.
3. مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام) في حديث:«إن جامعت وأنت محرم ـ إلى أن قال : ـ وإن كنت ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شيء عليك».2
4. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في المحرم يأتي أهله ناسياً، قال:« لا شيء عليه، إنّما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان وهو ناس».3
إلى غير ذلك من الروايات كما سيوافيك في المقام الثاني.

2. عصيانه واستحقاقه العقوبة

إنّ عصيانه واستحقاقه للعقوبة تابع لفعلية الأحكام في حقّ الجاهل، وهو كذلك، إذا كان مقصّراً دون ما إذا كان قاصراً، وما ورد في صحيحتي زرارة من الأمر بالاستغفار، والنهي عن العودة إلى نظيره ـ كما سيوافيك ـ كاشف عن ذلك، وقد أطبق العلماء على استحقاق الجاهل للعقوبة وإن اختلفوا في وجهه، فهل هو لترك التعلم، أو لمخالفة الواقع؟ وإن كان الحق هو الثاني. وأمّا تصحيح العقاب عليه مع جهله، فهو موكول إلى محلّه. وقد أشبعنا الكلام في ذلك في بحوثنا

1 . وسائل الشيعة:9، الباب10 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . وسائل الشيعة:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث5. والتقطيع يرجع إلى صاحب الوسائل. لاحظ تعليقة المحقّق في الهامش.
3 . وسائل الشيعة:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.

صفحه 167
الثالث: إيقاع العقد لنفسه أو لغيره ولو كان محلاً.*
الأُصولية في خاتمة الاشتغال.1
1. روى زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجل وقع على أهله وهو مُحرم، قال:«أجاهل أو عالم؟» قال: قلت: جاهل، قال:«يستغفر اللّه ولا يعود ولا شيء عليه».2
2. صحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة الرابعة حيث قال(عليه السلام):«إن كانا جاهلين استغفرا ربّهما ومضيا على حجّهما وليس عليهما شيء، وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه وعليهما بدنة...».3
إنّ الأمر بالاستغفار دليل على عصيانه واستحقاق العقوبة. إلاّ إذا دلّت القرينة على خلافه، كما في مورد الأنبياء والأولياء، حكى سبحانه عن داود أنّه قال: (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ).4
* في هذا الأمر فروع:
1. يحرم على المحرم إيقاع العقد لنفسه أو لغيره، سواء كان الغير محلاً أو محرماً.
2. حرمة شهادة العقد وإقامتها وإن تحمّلها محلاً.
3. النكاح في حال الإحرام يوجب الحرمة الأبدية مع العلم بالحكم.
4. لو جهل بالحكم فالعقد باطل، لكن لا تحرم عليه أبداً.

1 . المحصول في علم الأُصول:3/619.
2 . وسائل الشيعة:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
3 . وسائل الشيعة:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.
4 . ص:24.

صفحه 168
وإليك دراسة الفروع. واعلم أنّ الكلام سيق لأجل بيان الحرمة التكليفية وإنّ عقد المحرم لنفسه أو لغيره محظور، وأمّا حكمه من الصحّة والبطلان فمذكور في كلمات الأصحاب تبعاً، لأنّ الغرض بيان محرّمات الإحرام.

الفرع الأوّل: عقد المحرم

إنّ لعقد المحرم صوراً:
لأنّ التزويج تارة يكون لنفسه، وأُخرى لغيره. أمّا إذا كان لنفسه، فتارة يتزوّج المحرمة، وأُخرى المحلّة.
وأمّا إذا كان لغيره، فتارة يكون الزوجان محرمين، وأُخرى محلّين، وثالثة يكون الزوج محرماً، والزوجة محلّة، ورابعة على العكس.
فللعقد لنفسه صورتان، ولغيره صور أربع، فأشار(قدس سره) إلى الجميع بقوله: إيقاع العقد لنفسه أو لغيره ولو كان محلاً.
يظهر من غير واحد من الكلمات أنّ تزويج المحرم لنفسه وتزويجه للغير حرام بالإجماع على نحو يصفه صاحب الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض إن لم يكن متواتراً كالنصوص.1
وقال في «النهاية»: ولا يجوز للمحرم أن يتزوّج أو يزوّج، فإن فعل كان العقد باطلاً.2
وقال العلاّمة في «التذكرة»: يحرم على المحرم أن يتزوّج أو يزوّج فيكون وكيلاً

1 . جواهر الكلام:18/298.
2 . النهاية:221.

صفحه 169
لغيره أو ولياً، سواء كان رجلاً أو امرأة. ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال: علي(عليه السلام) وعمر وعبد اللّه بن عمر وزيد بن ثابت، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وسليمان بن اليسار والزهري، وبه قال من الفقهاء: مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل، لما رواه العامّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:لا يَنكح المحرم ولا يُنكِحُ ولا يخطب.1
وقال المحقّق: والنساء وطءاً ولمساً وعقداً لنفسه ولغيره.2
ولعلّ هذا المقدار من الكلمات كاف في إثبات موقف العلماء من المسألة.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ البحث يقع في صورتين:

الأُولى: إذا عقد لنفسه

اتّفق فقهاء الإسلام على حرمة عقده لنفسه أوّلاً وبطلانه ثانياً، والمقصود الأصلي في المقام هو الحرمة التكليفية، وأمّا الحرمة الوضعية فإنّما يبحث عنها بالتبع، ويدلّ على الحرمة التكليفية الروايات التالية:
1. ما رواه أبو الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم يتزوّج؟ قال: «نكاحه باطل».3
2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إنّ رجلاً من الأنصار تزوّج وهو محرم، فأبطل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)نكاحه».4
3. ما رواه أبو بصير: المحرم يطلّق ولا يتزوّج.
4. وفي صحيح ابن سنان الّذي رواه الشيخ والصدوق:»ليس للمحرم أن

1 . التذكرة:7/382.
2 . الشرائع:1/249.
3 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
4 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 170
يتزوّج...».
5. ومرسلة الحسن بن علي ]بن فضّال الثقة[: «المحرم لا يَنْكِح».
6. وفي صحيح معاوية بن عمّار: «المحرم لا يزوّج ولا يتزوّج».
7. وفي «المغني» لابن قدامة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ينكح المحرم».1
وإطلاق هذه الروايات يشمل مَن زوّج المحرمة أو المحلّة، فالصورتان للعقد لنفسه داخل تحت الإطلاقات.

الثانية: إذا عقد لغيره

إذا عقد لغيره فله صور أربع، لأنّ الغير : إمّا محرمان، أو محلاّن، أو الزوج محرم والزوجة محلّة، أو بالعكس.
ويدلّ على حرمة الجميع، الروايات التالية الّتي ألمعنا إلى بعضها في الصورة الأُولى، وإليك نقل ما يمكن أن يستفاد منه أحكام الجميع:
1. صحيحة عبد اللّه بن سنان على ما رواه الشيخ ـ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ: «ليس للمحرم أن يتزوّج،ولا أن يزوّج، فإن تزوّج أو زوّج محلاً فتزويجه باطل».
ورواه في «الوسائل» على نحو ما ذكرنا غير أنّه جاء فيه: «وإن تزوّج» مكان: «فإن تزوّج».2
فعلى نسخة «التهذيب» الفاء للتفريع، وعلى نسخة «الوسائل» الواو للاستئناف; والأوّل أنسب، وأوفق لسائر الروايات حيث جاء مضمون الجملة

1 . سيوافيك مصادر هذه الروايات الأربع الأخيرة عند البحث عن العقد للغير.
2 . التهذيب:5/365، باب الكفّارة عن خطأ المحرم، رقم الحديث 1128; الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 171
الثانية فيها بحرف الفاء كما سيوافيك.
فتكون الفقرة الأُولى متضمّنة للحكم التكليفي و الأُخرى للحكم الوضعي، فيكون البطلان متفرعاً على الحرمة.
وعلى كلّ تقدير فيستفاد من الفقرتين حكم العقد للغير تكليفاً ووضعاً.
ورواه الشيخ في موضع آخر عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن ـ بن أبي عبد اللّه البصري الثقة ـ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ليس ينبغي للمحرم أن يتزوج ولا أن يزوّج محلاً».1
وقوله:ولا ـ ينبغي ـ محمول على التحريم، وهذا من الموارد الّتي قُصد به التحريم.
ورواه الصدوق في «الفقيه»، وقال : عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«ليس للمحرم أن يتزوّج ولا أن يزوّج محلاً، فإن تزوّج أو زوّج فتزويجه باطل».2
والرواية تدلّ على حرمة العقد للغير في حال الإحرام وأمّا قوله:«ولا يزوّج محلاً» لبيان الفرد الخفي، فإذا كان العقد للمحل حراماً، فالعقد للمحرم أولى أن يكون كذلك، وذلك من وجهين:
1. حرمة العقد للغير، وذلك يرجع إلى المحرم العاقد.
2. حرمة التزوّج، لأنّ المحرم يصدق عليه أنّه تزوّج ولو بالتسبيب، من غير فرق بين المعقود، والمعقودة إذا كانا محرمين كما هو المفروض.
2. ما رواه سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»لا ينبغي للرجل

1 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.
2 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2. وأخذنا الحديث من الفقيه:2/230 رقم 1096، وما في الوسائل من أن نقل الصدوق كنقل الشيخ لا يخلو من تسامح، فلاحظ.

صفحه 172
الحلال أن يُزوج محرماً، وهو يعلم أنّه لا يحلّ له».1
فالموضوع في رواية ابن سنان عقد المحرم للمحلّ، والموضوع في الرواية الثانية عقد المحلّ للمحرم.
3. مرسلة الحسن بن علي ]بن فضال[ ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«المحرم لا يَنكح ولا يُنكَح ولا يشهد، فإن نكح فنكاحه باطل».2
4. صحيح معاوية بن عمّـار قال:«المحرم لا يتزوّج ولا يُزوّج ، فإن فعل فنكاحه باطل».3
5. وفي «المغني» لابن قدامة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يَنكِحُ المحرم، ولا يُنكِحُ ولا يخطب».4
فإطلاق هذه الروايات تعمّ الصور الأربع للعقد للغير، أي سواء كان الغير محلاً أم محرماً أم مختلفين.

في إذن الولي ـ وهو محرم ـ تزويج المولّى عليه

إنّ العناوين الواردة في الروايات في العقد للغير لا يتجاوز عن عنوانين:
1. لا يُزوّج.
2. لا يُنكح.
بخلاف العنوان الوارد في بعض الكلمات كالشرائع: عقداً لنفسه ولغيره5، والمصنّف: إيقاع العقد لنفسه، ومن المعلوم أنّه لا يَصدق «العقد للغير» على إذن

1 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث10.
2 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.
3 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث9.
4 . المغني:3/311.
5 . الشرائع:1/249.

صفحه 173
الوليّ المحرم لنكاح المولّى عليه، بخلاف الإنكاح والتزويج.
فعلى ضوء ذلك فيجب استخراج حكم فرع ذكره الشيخ في«الخلاف» والعلاّمة في «القواعد»، وهو إذن الوليّ المحرم في تزويج الصغيرة والكبيرة.
قال في «الخلاف»: إذا كان الوليّ أو وكيله أو الزوج أو وكيله في القبول أو المرأة محرمين، أو واحد منهم محرماً، فالنكاح باطل، ثمّ نقله عن عدّة من الصحابة والتابعين والفقهاء.1
ومع ذلك فيظهر من العلاّمة تجويز نكاح الوليّ للمولّى عليه.
قال في «القواعد» بعد قوله«و عقداً له ولغيره»: والأقرب جواز توكيل الجدّ المحرم محلاً.2 فعبّر بـ«توكيل الجد المحرم» مكان «إذنه». وسيوافيك اختلاف حكمهما.
إنّ لتوكيل الجد المحرم محلاً صورتين:
إحداهما: أن يوكّله في حال الإحرام وأوقع الوكيل العقد بعد إحلال الوليّ.
ثانيتهما: أن يوكّله في حال الإحرام وأوقع الوكيل العقد في حال إحرام الوليّ.
لا شكّ في صحّة الصورة الأُولى إنّما الكلام في صحّة الصورة الثانية.
واستشكل صاحب الجواهر في الصورة الثانية وقال بعد عبارة العلاّمة قوله: بل مقتضاه الصحّة وإن أوقعه الوكيل والوليّ محرم، ولعلّه لأنّه والمولّى عليه محلاّن، والتوكيل ليس من التزويج المحرّم بالنص والإجماع.
ثمّ أورد عليه في خصوص الصورة الثانية وقال: وفيه ما لا يخفى عليك فيما لو أوقعه الوكيل حال الإحرام (إحرام الولي)، إذ الوكيل نائب الموكل، ولا نيابة في

1 . الخلاف:2/315، المسألة 111.
2 . القواعد:1/422.

صفحه 174
ما ليس له فعله من التزويج المنهيّ عنه في النصوص الّذي يشمل التوكيل، ولذا قطعوا بحرمة توكيل المحرم على التزويج لنفسه وبطلان العقد.1
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: أنّه لا يشترط في صحّة الوكالة صحّة صدور الفعل من الموكّل على وجه لولاه، لما جاز له التوكيل، بل الشرط كون الفعل قابلاً للنيابة، سواء أصحّ من المنوب عنه أو لا، ولذلك يجوز للحائض تأجير الغير لكنس المسجد، كما يجوز للجاهل باللغة العربية أن يوكّل الغير لإجراء العقد، فلا يصحّ قوله:«ولا نيابة في ما ليس له فعله من التزويج...».
وثانياً: أنّ قياس المقام وهو توكيل المولى المحرم الغير للعقد على المولّى عليه غير المحرم على توكيل المحرم الغير للعقد له قياس مع الفارق، ففي المقيس عليه يكون المحرم متزوّجاً بالحقيقة، وعليه الصداق في مقابل ما تملّكه من البضع، وهذا بخلاف المقيس فإنّ الوليّ لا يتملّك شيئاً، وإنّما المتملّك والمتزوّج حقيقة هو الزوج.
ومع ذلك فالحقّ التفصيل بين صورتين:
1. إذا كان المولّى عليه بالغاً كالبنت البكر البالغة، إذ هي تملك نفسها، غير أنّه يشترط فيه إذن الأب أو الجد.
ففي هذه الصورة، لا معنى لتوكيل الولي المحرم، بل ليس له إلاّ الإذن، وأمّا العقد فإجراؤه مباشرة أو بالتسبيب بيد البنت وزوجها، فلو أذن الوليّ المحرم بنكاح بنته البالغة فلا يصدق عليه أنّه أنكحها أو زوّجها، بل غاية الأمر أنّه وافق على نكاحها.

1 . الجواهر:18/300.

صفحه 175
وشهادة العقد وإقامتها عليه على الأحوط، وإن تحمّلها محلاً، وإن لا يبعد جوازها.*
2. إذا كان المولّى عليه صغيرة، فعندئذ لا يكفي إذنها لصغرها، بل يجب إمّا أن يقوم الولي بالعقد مباشرة أو تسبيباً بأن يوكل الغير في إجراء العقد، فيصدق على المولى المحرم أنّه زوّجها، فتكون هذه الصورة داخلة في الروايات، لأنّه هو الّذي أنكحها وزوّجها.

* الفرع الثاني: حرمة شهادة العقد وإقامتها

قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
1. الكلام في المقام في الحرمة التكليفية وانّ حضور المحرم في مجلس العقد بعنوان الشاهد حرام تكليفاً، كما أنّ أداء الشهادة ـ الّتي تحمّلها في حالة الإحرام أو في حالة الحلّ على قول ـ حرام أيضاً تكليفاً.
وبعبارة أُخرى: يحرم على المحرم أن يحضر مجلس العقد ليكون شاهداً على إجرائه، كما يحرم على المحرم أداء الشهادة في حال الإحرام، من غير فرق بين أن يتحمّلها في حالة الإحرام أيضاً أو في حالة الحل.
2. اختلفت كلمة الفقهاء في وجوب حضور الشاهد في عقد النكاح، فالشيعة على الاستحباب والسنّة على الوجوب، والحرمة التكليفية في المقام تنسجم مع كلا القولين.
3. لا فرق في الحرمة التكليفية ـ تحمّلاً وأداءً ـ بين كون العاقد محرماً أو محلاً، وبين كون النكاح بين محرمين أو محلّين أو مختلفين.
4. انّ لفظة «شهد» تستعمل تارة مجردةً عن لفظة «على» ويقال: شهد

صفحه 176
الواقعة، وأُخرى مع حرف الجر على، فيقال: شهد على فلان. فيراد من الأوّل حضور الشاهد الواقعة، كما يراد من الثاني أداؤها وإبلاغها إلى الغير.
وهذا هو الّذي يشهد به الذكر الحكيم، فعندما يريد نفس الحضور يستعمله مجرداً ويقول:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)1، وقال: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنينَ).2
وعندما يريد أداء الشهادة وإراءة ما رآه أو سمعه إلى الغير يقول: (حَتّى إِذَا مَا جاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وجُلُودُهُمْ).3
هذه هي الضابطة الكلّية لاستعمال مادة «شهد» ولم نجد استعمالاً على خلافه.
وأمّا قوله: (فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ).4
فالشهيد هنا بمعنى المطّلع.
وقال تعالى: (وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنينَ شُهُودٌ)5 فالمراد من «شهود» هو أنّهم متفرّجون.
5. اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن الفرعين: تحمل الشهادة وأداؤها، فقسم منهم اتّبع الضابطة في هذه اللفظة، وقسم منهم لم يراع الضابطة فأطلقوا الشهادة على العقد بمعنى التحمّل. وعلى كلّ تقدير فإليك كلماتهم في كلا

1 . البقرة:185.
2 . النور:2.
3 . فصّلت:20.
4 . المائدة:117.
5 . البروج:7.

صفحه 177
الفرعين:
قال الشيخ في «المبسوط»: ولا يجوز له أن يشهد أيضاً على عقد، فإن شهد لم يفسد بذلك العقد، لأنّ العقد ليس من شرطه الشهادة عندنا. فإن أقام الشهادة بذلك لم يثبت بشهادته النكاح إذا تحمّلها وهو محرم.1
وقال في «الخلاف»: لا يجوز للمحرم أن يشهد على النكاح، وقال الشافعي: لا بأس به، وقال أبو سعد الاصطخري من أصحابه مثلما قلناه. دليلنا: إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا يَنكِحُ المحرم ولا يُنكِحُ ولا يشهد.2
وأراد الشيخ من قوله: «ولا يشهد على النكاح» في الخلاف خصوص تحمّل الشهادة بقرينة استشهاده بالنبويّ.
وعلى هذا كان الصحيح أن يقول: «ولا يشهد النكاح»، لأنّ الشهادة إذا استعملت مع «على» أُريد فيه الأداء ـ كما سيوافيك ـ.
نعم ذكر في «المبسوط» كلا الشقين فيعبر عن التحمّل بمثل ما عبّر به في الخلاف، وعن الثاني بقوله فإن أقام.
وقال القاضي: ولا يشهد عقداً، والمقام على عقد امرأة عقد عليها.3
وقال ابن زهرة: أو يشهد عقداً، فإن عقد فالعقد فاسد بدليل الإجماع المشار إليه.4
وقال ابن إدريس: ولا يجوز له (للمحرم) أيضاً أن يشهد العقد ولا أن

1 . المبسوط:1/317.
2 . الخلاف:2/317.
3 . المهذب:1/220.
4 . غنية النزوع:1/158.

صفحه 178
يشهد على عقد النكاح مادام محرماً.1
وقال المحقّق: وشهادة على العقد وإقامة ـ ولو تحمّلها محلاً ـ . 2
وقال ابن سعيد في فصل محرّمات الإحرام: «وحضور عقد النكاح».3
وقال في «المدارك» ـ بعد الاعتراف بقصور الروايتين من حيث السند ـ : إنّ الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.4
وقال في «الحدائق»: الشهادة على النكاح وإقامتها والحكم في الموضعين ممّا ظاهرهم الاتّفاق عليه.5
ولا يخفى ما في تعبير المحقّق والبحراني من الإشكال، لما مرّ من أنّ اللازم أن يقولا: وشهادة العقد، أو النكاح مجرداً عن لفظة «على».
ومع ذلك لم يذكر هذا المحظور بكلا شقّيه الصدوق في «المقنع»، ولا المفيد في «المقنعة»، ولا الحلبي في «الكافي»، ولا سلاّر في «المراسم»، ولا ابن حمزة في «الوسيلة» حسب ما لاحظناه، وعلى ضوء ذلك فادّعاء الإجماع غير خال من الإغراق، نعم أفتى به جمع من القدماء واشتهر بين المتأخّرين.
وعلى كلّ تقدير فهناك موضعان:

الأوّل: في حرمة شهادة عقد النكاح

ويدلّ عليه الروايتان التاليتان وكلتاهما ضعيفتان بالإرسال:
1. ما رواه الكليني والشيخ عن حسن بن علي بن فضّال في الموثّق، عن

1 . السرائر:1/547.
2 . الشرائع:1/249.
3 . الجامع للشرائع:184.
4 . المدارك:7/311.
5 . الحدائق:15/347.

صفحه 179
بعض أصحابنا: المحرم لا يَنكِحُ، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب، ولا يشهد النكاح، وإن نكح فنكاحه باطل.
ولكن ليس في«التهذيب» قوله: ولا يخطب، ولا لفظة النكاح في قوله:«ولا يشهد النكاح»، والظاهر سقوط الكلمتين في التهذيب.1
والرواية ظاهرة في حرمة تحمّل الشهادة لا أدائها وإلاّ كان عليه أن يقول: «ولا يشهد على النكاح».
2. ما نسبه الصدوق في «الفقيه» إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام) جازماً وقال: وقال (عليه السلام) في المحرم يشهد نكاح محلين؟ قال(عليه السلام): «لا يشهد» ثمّ قال: «يجوز للمحرم أن يشير بصيد على محلّ».2
والرواية على هذا النقل، تدلّ على ما تدلّ عليه الرواية الأُولى، أي حرمة شهادة النكاح وتحمّلها، التي ذهب الجمهور إلى لزوم حضور الشاهدين في صحّة النكاح.
والرواية وإن كانت مرسلة، لكن الصدوق نسبها إلى الإمام جازماً.
ولكن رواها في « التهذيب» عن عثمان بن عيسى ـ الّذي يعدّ من أصحاب الإجماع ـ عن ابن أبي شجرة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المحرم يشهد على نكاح محلّين، قال:«لا يشهد».3 وتبعه في «الوسائل»4 وقال: رواه الصدوق مرسلاً، ولم يشر إلى موضع الاختلاف بين النقلين، حيث إنّ الشهادة في رواية

1 . الكافي:4/372; التهذيب:5/330، ط النجف و367 ط الغفاري; الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.
2 . الفقيه:2/230برقم 1095.
3 . التهذيب:5/352برقم 1087.
4 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.

صفحه 180
«الفقيه» استعمل مجرّداً عن لفظة «على» على خلاف «التهذيب».
وحاصل الكلام: أنّ الرواية الثانية حسب نقل «الفقيه» راجعة إلى الفرع الأوّل، وحسب نقل صاحب التهذيب راجعة إلى الفرع الثاني، والترجيح مع«الفقيه»، لأنّه أتقن، فتحصل أنّه يحرم على المحرم الحضور في مجلس العقد لتحمل الشهادة بهاتين الروايتين.
فإن قلت: إذا كانت الروايتان ضعيفتين فكيف تفتي بالحرمة؟
قلت: إنّ الشهرة العملية تجبر ضعف الروايات، وقد أفتى المشهور على الحرمة في الفرع الأوّل.
أضف إلى ذلك: أنّ الصدوق نقل الرواية الثانية بصورة الجزم، وهو يعرب عن اطمئنانه أو جزمه بصدور الرواية.
فإن قلت: إنّ الحديث الثاني نقل على وجهين كما تقدّم.
قلت: نقل الصدوق هو المتعيّن، ولا يعتد بنقل الشيخ أمامه.
ثمّ إنّ المحرّم حضور العقد لأجل الشهادة، ولو اتّفق الحضور لا لأجلها لم يكن محرّماً.
وأمّا ما هو المراد من الذيل، أعني: «يجوز للمحرم أن يشير بالصيد على محلّ».1 فقد حمله الصدوق والشيخ على الاستنكار، قال الشيخ: إنكار وتنبيه على أنّه إذا لم يجز ذلك فكذلك.
وأمّا ما هو وجه الشبه بين الأمرين ، هو أنّ الحضور لاستماع العقد، محقّق بصحة العقد ثبوتاً عند أهل السنّة وسبب لثبوته عند الترافع عند الشيعة، كما أنّ

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث8. ولاحظ الفقيه والتهذيب وقد تقدم بيان الجزء والصفحة.

صفحه 181
الإشارة إلى الصيد سبب لاستيلاء الصائد عليه.

الثاني: أداء الشهادة

قد تعرّفت على القائلين بحرمة أداء الشهادة للمحرم، وقد استشكل فيه بعضهم.
منهم العلاّمة قال: وشهادة عليه وإقامة على إشكال1، بناء على رجوع الإشكال على الأخير.
ومنهم النراقي في «المستند» وسيوافيك كلامه في آخر المبحث، ثمّ إنّ القول في الحرمة في الفرع الثاني قول بلا دليل، لما عرفت من أنّ الروايتين الماضيتين ناظرتان إلى تحمّل الشهادة لا أدائها، وليست الشهرة في هذه المسألة على نحو تكشف عن وجود النص الّذي وصل إلى يد القائلين وقصرت أيدينا عنه. اللّهمّ إلاّ أن تصحّ نسخة «التهذيب» الّتي ورد فيها:
يشهد على نكاح محلّين؟ قال: «لا يشهد»، والنسخة غير ثابتة.
فالقول بجواز أداء الشهادة هو الأقوى، وإن كان الأحوط الترك.
ثمّ إنّ القائلين بالحرمة اختلفوا في أمرين:
1. لو تحمّلها محلاً و أدّاها محرماً.
2. إذا كان العاقد محلاً.
وقد أشار العلاّمة إلى الاختلافين في «التذكرة»، وقال مشيراً إلى الاختلاف الأوّل بقوله: وكما تحرم عليه الشهادة بالعقد حال إحرامه، تحرم عليه إقامتها في تلك الحال، ولو تحمّلها محلاً. وإلى هذا الفرد الخفي أشار المصنّف في المتن

1 . القواعد:1/422.

صفحه 182
بقوله: «وإن تحمّلها محلاً» وفي الوقت نفسه لم يستبعد جوازه، لكون القدر المتيقّن من مصب الفتاوى والنص هو ما إذا أدّى ما تحمّلها محرماً، وأداؤها كذلك لا ما تحمّلها محلاً.
وأشار العلاّمة أيضاً إلى الاختلاف الثاني بقوله: ولو قيل إنّ التحريم مخصوص بالعقد الّذي أوقعه المحرم كان وجهاً.1
وذهب في «الحدائق» إلى عموم التحريم في الصورة الأُولى فقال: يحرم أداؤها لما تحمّلها محلاً أو محرماً ونسب إلى الشيخ اختصاص الحرمة بما إذا تحمّلها محرماً.
ولكن عبارة الشيخ في «المبسوط» ظاهرة في عدم اعتبار الشهادة إذا تحمّلها محرماً لا في اختصاص الحرمة بهذه الصورة، حيث قال: فإن أقام الشهادة بذلك لم يثبت بشهادة النكاح ـ إذا كان تحمّلها وهو محرم ـ .2
وعلى كلّ تقدير، فأصل الحكم ـ أي حرمة أداء الشهادة ـ موضع تردّد، فكيف بتعميمها في ما إذا تحمّلها محلاً.
وعلى ضوء ما مرّ فالأقوى جواز أداء الشهادة محرماً تحمّلها أو محلاً.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر بعد ما نقل الاتّفاق عن صاحب الحدائق حاول إثبات حرمة إقامة الشهادة بالوجهين التاليين:
1. الشهادة على العقد داخلة في شهادة النكاح الّذي ورد المنع عنه في الروايات السابقة حيث قال: «ولا يشهد النكاح».
لكن منعه واضح للفرق بين الشهادتين.

1 . تذكرة الفقهاء:7/387.
2 . المبسوط:1/317.

صفحه 183
2. فحوى الإنكار في مرسلة ابن فضال:«المحرم لا يَنكِحُ، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب، ولا يشهد النكاح».1
وفيه: أنّ إقامة الشهادة ليس أولى بالتحريم من الخطبة في المرسلة.
وذهب صاحب المستند إلى عدم تحريم إقامة الشهادة على العقد للمحرم مطلقاً، كما هو ظاهر النافع، واستدلّ بوجوه:
1. للأصل.
2. وعدم الدليل.
3. وعموم أدلّة النهي عن الكتمان.
4. وعدم شمول ما ذكر في الروايات بصورة الإقامة.2
وما نسبه إلى «النافع» غير صحيح، إلاّ أن يريد أنّه لم يذكر الأداء في عداد المحرمات، ولا يخفى ما في بعضها من الضعف.
وربّما يقال: لا تسمع شهادته على النكاح لخروجه بالتحمّل عن العدالة، فلا يثبت بشهادته النكاح.
وقد أجاب عنه في «الجواهر» ما هذا لفظه:و فيه أنّه ممنوع:
1. لجواز الجهل والغفلة والتوبة.
2. سماع العقد اتّفاقاً.
3. بل يمكن القول بقولها لو أدّاها محرماً لغفلة، ونحوها.3
ثمّ إنّ صاحب المدارك خصّ تحريم الأداء بما إذا لم يترتّب على تركها محرم،

1 . الجواهر:18/302.
2 . المستند:11/363.
3 . الجواهر:18/301ـ302.

صفحه 184
ولو عقد لنفسه في حال الإحرام حرمت عليه دائماً مع علمه بالحكم، ولو جهله فالعقد باطل، لكن لا تحرم عليه دائماً، والأحوط ذلك سيّما مع المقاربة.*
فلو خاف به وقوع الزنا المحرم، وجب عليه تنبيه الحاكم على أنّ عنده شهادة، ليوقف الحكم إلى إحلاله، ولو لم يندفع إلاّ بالشهادة وجب إقامتها قطعاً.1

* الفرع الثالث: الحرمة الأبديّة

هذا هو الفرع الثالث الّذي أُشير إليه في المتن، وهو حكم وضعي ذكر استطراداً، وإلاّ فالفصل منعقد لبيان المحظورات لا الكفّارات ولا ما يترتّب عليها من الأحكام الوضعيّة. والقول بالحرمة الأبدية من خصائص الفقه الإمامي.
وأمّا الأقوال فنشير إليها على وجه الإيجاز:

1. بطلان العقد فقط

يظهر من الصدوق في «مقنعه» بطلان العقد فقط دون أن تكون محرّمة عليه أبداً. قال: «وليس للمحرم أن يتزوّج ولا أن يزوّج محلاً، فإن زوّج أو تزوّج فتزويجه باطل. فإن ملك رجل بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحلّ فعليه أن يخلّي سبيلها وليس نكاحه بشيء، فإذا أحلّ خطبها إن شاء، فإن شاء أهلها زوّجوه وإن شاءُوا لم يزوّجوه». وهذا صريح في نفي التحريم المؤبّد.2

1 . المدارك:7/312.
2 . المقنع:75.

صفحه 185

2. التفصيل بين العلم بالحرمة والجهل بها

يظهر من الشيخ في «النهاية» التفصيل بين العلم بالحرمة فيحرم أبداً، سواء دخل بها أو لا; والجهل بها فلا يحرم مطلقاً، دخل أم لم يدخل.
قال: وإذا عقد المحرم على امرأة وهو عالم فرّق بينهما، ولم تحلّ له أبداً، فإن لم يكن عالماً بذلك فرّق بينهما، فإذا أحلاّ وأرادا أن يستأنفا العقد، فعلا وليس عليهما شيء.1
وقال ابن البرّاج: وإذا عقد المحرم على امرأة وهو عالم بتحريم ذلك فرّق بينهما، ولم تحلّ له أبداً; وإن لم يكن عالماً بهذا التحريم، فرّق بينهما وجاز له العقد عليها بعد الإحلال.2
وقال ابن إدريس: ومن تزوّج امرأة وهو محرم فرّق بينهما، ولم تحلّ له أبداً، سواء دخل بها أو لم يدخل إذا كان عالماً بتحريم ذلك عليه، وإن لم يكن عالماً به جاز له أن يعقد عليها بعد الإحلال.3
وقال المحقّق: إذا عقد على امرأة عالماً بالتحريم حرمت عليه أبداً، ولو كان جاهلاً فسد عقده ولم تحرم.4
وقال العلاّمة: لو عقد المحرم حال إحرامه على امرأة، فإن كان عالماً بتحريم ذلك فرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً، وإن لم يكن عالماً فرّق بينهما، فإذا أحلاّ أو أحلّ إن لم تكن هي محرمة جاز له العقد عليها. ذهب إليه علماؤنا.5

1 . النهاية:453.
2 . المهذب:2/183.
3 . السرائر:1/553.
4 . الشرائع:2/292.
5 . المنتهى:2/809.

صفحه 186

3. التحريم مع العلم مطلقاً ومع الجهل بشرط الدخول

ذهب بعض الأصحاب إلى التفصيل بين العلم والجهل، فيحرم في الأوّل مطلقاً دخل أم لم يدخل، وفي الثاني بشرط الدخول.
قال الشيخ: وإذا عقد المحرم لنفسه عالماً بتحريم ذلك، أو دخل بها وإن لم يكن عالماً، فرّق بينهما، ولا تحلّ له أبداً، ولم يوافقنا عليه أحدٌ من الفقهاء.1
وقال الحلبي: والمعقود عليها في إحرام معلوم والمدخول بها على كلّ حال.2
وقال ابن حمزة: المعقود عليها في حال الإحرام من الرجل وهو عالم بتحريمه دخل بها أو لم يدخل...، والمعقود عليها في حال الإحرام جاهلاً بالتحريم، ولم يدخل بها، فإذا علم بذلك فرّق بينهما، فإذا خرج من الإحرام عقد عليها إن شاء.3
وقال ابن سعيد: وللعاقد على المرأة في عدّة أو إحرام ولم يدخل بها غير عالم بعدّتها، وتحريمها لإحرام ، العقد عليها بعد العدّة والإحلال.4
وهو يدلّ على ما ذكرناه في العنوان بمفهوم القيود المأخوذة في عبارته.

4. التحريم المؤبّد مطلقاً عالماً كان أو جاهلاً

ذهب سلاّر إلى التحريم المطلق عالماً وجاهلاً، في حال الدخول وعدمه.

1 . الخلاف:2/317، المسألة 114.
2 . الكافي:267.
3 . الوسيلة:292ـ 293.
4 . الجامع للشرائع:429.

صفحه 187
قال: وأن لا يكون عقد عليها في إحرامه، فإنّه لا يصحّ وتحرم عليه أبداً.1
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الأقوال أربعة:
1. بطلان العقد وعدم الحرمة الأبدية، وهو الظاهر من الصدوق في «المقنع».
2. التفصيل بين العلم بالحرمة والجهل بها، فيحرم في الأوّل مطلقاً دون الثاني كذلك.
3. التحريم مع العلم مطلقاً ومع الجهل بشرط الدخول.
4. التحريم المؤبّد مطلقاً من غير فرق بين صورتي العلم والجهل والدخول وعدمه.
ثمّ إنّ اختلاف الأقوال مبنيّ على اختلاف الروايات في بدء النظر، وإليك ما ورد فيها وهي أصناف:

1. ما يستظهر منه بطلان العقد دون الحرمة

أ. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«ليس للمحرم أن يتزوّج ولا أن يزوّج، فإن تزوّج أو زوّج محلاً فتزويجه باطل».2
يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان الحكم التكليفي للمحرم وأنّه ليس له التزويج، فإن خالف وعصى فعقده باطل، وأمّا أنّه تحرم عليه أبداً أو لا فليست بصدد بيانه.

1 . المراسم العلوية:150.
2 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1. وهي رواية واحدة ذكرها صاحب الوسائل بصورة روايات ثلاث . لاحظ رقم 1، 2 و 6 من نفس الباب.

صفحه 188
ب. صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:»قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحلّ، فقضى أن يخلّي سبيلها، ولم يجعل نكاحه شيئاً حتّى يحلّ، فإذا أحلّ خطبها إن شاء، وإن شاء أهلها زوّجوه، وإن شاءُوا لم يزوّجوه».1 ودلالتها أوضح من صحيحة ابن سنان، فإنّ دلالة الثانية بالسكوت، ودلالتها بالتصريح بالجواز.
ولعلّه ربّما يستفاد من الحديث إطلاق الجواز، علم أو لم يعلم، دخل أم لم يدخل.
يلاحظ عليه: أنّ أبا جعفر (عليه السلام)لا ينقل قضاء الإمام علي(عليه السلام) اعتباطاً دون سبق سؤال أو وقوع حادثة، فلعل مورد السؤال أو الحادثة كان مقروناً بجهل العاقد أو بعلمه، مع عدم الدخول، فنقل الإمام قضاء جده ليكون جواباً له، ومعه لا يصحّ التمسّك بإطلاق كلامه، نعم لو كان الإمام ناقلاً للقضاء بلا مقدمة، يكون ترك القيد دليلاً على إطلاق الحكم.

2. ما يستدلّ به على التحريم المؤبّد مطلقاً

وقد مرّ أنّ القائل به سلاّر في مراسمه.
أ. خبر عبد اللّه بن بكير، عن إبراهيم بن الحسن، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إنّ المحرم إذا تزوّج وهو محرم، فرّق بينهما ثمّ لا يتعاودان أبداً».2
ب. خبر عبد اللّه بن بكير، عن أُديم بن الحرّ الخزاعي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

1 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 189
قال:«إنّ المحرم إذا تزوّج وهو محرم فرّق بينهما، ولا يتعاودان أبداً».1
أمّا أديم بن الحرّ فهو كوفي ثقة له أصل، وله روايات في الكافي والتهذيبين.
وأمّا إبراهيم بن الحسن الّذي روى عنه أيضاً ابن بكير فهو مجهول، ويحتمل اتّحاد الروايتين وتطرق التصحيف إلى إبراهيم بن الحسن، فـ«إبراهيم» مصحّف «أُدِيم»، و«الحر» مصحّف «الحسن».
وعلى كلّ تقدير فالرواية على فرض صحّة الاحتجاج بها تدلّ على الحرمة المطلقة، ولعلّه إليها استند سلاّر الديلمي في مراسمه، وعلى فرض صحّة الاحتجاج فالإطلاق قابل للتقييد.
هذا مبني على ما نقله صاحب الوسائل في المقام، ولكنّ الحديث نقل في المصادر بصورة أُخرى، ونقله صاحب الوسائل في كتاب النكاح وفق ما في المصادر.
توضيحه: إنّ الكليني والشيخ أخرجا الحديث في كتاب النكاح بالصورة التالية:
«... والمحرم إذا تزوج ـ وهو يعلم أنّه حرام عليه ـ لم تحلّ له أبداً...».2
وقد أخرجاه بسند ينتهي إلى عبد اللّه بن بكير، عن أديم بيّاع الهرويّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال:«الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحلّ له أبداً، والّذي يتزوج المرأة في عدتها ـ إلى أن قال: ـ و المحرم إذا تزوّج...».
وعلى هذا فالروايتان السابقتان، متّحدتان مع هذه الرواية، وإن كان بينهما

1 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الكافي:5/426، الحديث1; التهذيب:7/305 برقم 1272; الوسائل:14، الباب31 من أبواب المصاهرة، الحديث1.

صفحه 190
اختلاف في بعض الألفاظ، لاتّحاد الراوي، أعني عبد اللّه بن بكير، والمرويّ عنه أعني: «أُديم»، غير أنّه وصف أُدِيم في السابق بالحرّ الخزاعي، وهنا ببيّاع الهرويّ، والعجب أنّ صاحب الوسائل نقله في كتاب الحجّ بلا قيد العلم ـ كما عرفت ـ ولكن نقله فيها في كتاب النكاح، بالقيد المذكور.1
وعلى ضوء ما ذكرنا يصبح الحديث من أدلّة التفصيل بين العالم والجاهل، لا من أدلّة القول بالتحريم مطلقاً.
وممّا يدلّ على إتقان الحديث أنّ العَلَمَيْن أخرجاه أيضاً بسند آخر ينتهي إلى زرارة بن أعين وداود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«في الملاعنة...».2
ج. مرسلة الصدوق قال: قال(عليه السلام): «من تزوّج امرأة في إحرامه، فرّق بينهما ولم تحلّ له».3
وفي «الفقيه»:«لم تحل له أبداً».4
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ الاحتجاج بمراسيل الصدوق فيما إذا أسند الحديث إلى الإمام، جاز أن يقيد إطلاقه بما دلّ من التفصيل بين العلم والجهل.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالمعتمد ما رواه الكليني والشيخ عن بيّاع الهروي من التفصيل بين العلم والجهل، سواء دخل بها أو لا، كانت الزوجة عالمة بالموضوع والحكم أو جاهلة بهما أو بأحدهما.
وأمّا إسراء الحرمة إلى صورة الجهل بشرط الدخول، فليس له دليل صالح إلاّ

1 . الوسائل:14، الباب31 من أبواب المصاهرة، الحديث1.
2 . الكافي:5/426; التهذيب:7/305.
3 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.
4 . الفقيه:2/231، برقم 1098.

صفحه 191
عطف تزويج المحرم على تزويج ذات العدة في رواية أُدِيم بيّاع الهرويّ. وهو كما ترى، لأنّ العطف انّما يتمّ إذا كانت صورة الجهل مع الدخول مذكورة في الرواية، لا ما إذا علم حكمه من الخارج كما هو الحال في تزويج ذات العدة حيث إنّها تحرم في صورة الجهل عند الدخول.
وبذلك تتجلّى قوة القول الثاني، وإليه ذهب السيّد الإصفهاني في وسيلته حيث قال: وممّا يوجب الحرمة الأبديّة، التزويج حال الإحرام دواماً وانقطاعاً، سواء كانت المرأة محرمة أو محلّة، وسواء كان إيقاع التزويج له بمباشرته أو بتوكيل الغير، محرماً كان الوكيل أو محلاً، كان التوكيل قبل الإحرام أو حاله. هذا مع العلم بالحرمة، وأمّا مع جهله بها وإن بطل النكاح في جميع الصور المذكورة، لكن لا يوجب الحرمة الأبدية.1
ثمّ إنّه لا فرق بين وقوع العقد في أثناء الإحرام الصحيح أو بعد إفساده، وذلك لأنّه يعامل مع الإحرام الفاسد، معاملة الصحيح في باب الحجّ.2
فاتّضح ممّا ذكرنا انحصار الحرمة بصورة واحدة وهي إذا عقد المحرم لنفسه وهو يعلم بتحريم النكاح في حال الإحرام فقط. وبذلك تستغني عن إعمال النظر في الجمع بين الروايات، فإنّه مبنيّ على وجود طوائف ثلاث:
1. ما يدلّ على الجواز مطلقاً.
2. ما يدلّ على المنع مطلقاً.
3. ما يدلّ على التفصيل، فيقيّد إطلاق الروايتين بالثالثة، كما سلكناه في كتاب النكاح.3

1 . وسيلة النجاة، فصل القول في الكفر، المسألة12.
2 . نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1/405ـ 406.
3 . نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1/405.

صفحه 192
لما عرفت من أنّ رواية عبد اللّه بن سنان وصحيح محمد بن قيس لا تدلاّن على الجواز إمّا مطلقاً، كما في الأُولى، أو في صورة العلم بالحكم كما في الثانية.
كما أنّ ما استدلّ به على التحريم المؤبد مطلقاً، إنّما يدلّ على التفصيل، كما هو الحال في رواية أُديم بن الحر الخزاعي أو بيّاع الهرويّ وانّما حصل الاشتباه بما رواه صاحب الوسائل في كتاب الحجّ.
نعم مرسلة الصدوق تدلّ على الحرمة الأبدية، وهي قابلة للتقييد، بما دلّ على التفصيل.
نعم انّ القدر المتيقّن من الروايات هو العقد الّذي لولا الإحرام كان مؤثراً، وإلاّ فلو عقد على مَن لا يصحّ نكاحه مطلقاً وإن لم يكن محرماً، فهو خارج عن محطّ البحث، كالعقد على الربيبة الّتي دخل بأُمّها. خلافاً للعلاّمة في نكاح ذات العدة حيث قال:
والظاهر أنّ مراد علمائنا بالعقد في حال الإحرام، والعقد في ذات العدة، إنّما هو العقد الصحيح الّذي لولا المانع ترتّب عليه أثره، أمّا العقد الفاسد، فإن كان العاقد يعلم فساده، فلا اعتبار به، وإن لم يعلم فساده، كمن اعتقد تسويغ نكاح الشغار لشبهة، ففي الاعتداد به إشكال، أقربه أنّه كالصحيح.1
هذا من غير فرق بين كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيح أو الأعمّ، فإنّ كونه أسماء للثاني، إنّما يؤثر في سعة الحرمة، إذا لم يكن انصراف في المقام، كما هو كذلك. ولذلك قال في الرياض: فلا عبرة بالفاسد للأصل، وانصراف إطلاق

1 . تحرير الأحكام الشرعية:3/471 . ونكاح الشغار، تزويج كلّ بنته أو أُخته من صاحبه، ليكون بضع كلّ صداق الآخر.

صفحه 193
المسألة6: تجوز الخطبة في حال الإحرام، والأحوط تركها، ويجوز الرجوع في الطلاق الرجعي.*
الأدلّة إلى الأوّل. 1 إلى الصحّة.
ثمّ إنّه إذا كان الموضوع: المحرم المتزوّج، تعمّ الحرمة الأبدية في صورة العلم، المتزوجَ بالمباشرة أو بالتسبيب، لصدق انّه تزوّج وهو محرم. نعم لو كان العاقد محرماً دون الزوجين فالعقد باطل، ولكن لا تحرم أبداً.

* في المسألة فرعان:

1. جواز الخطبة في حال الإحرام.
2. جواز الرجوع في الطلاق الرجعي محرماً.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر:

الفرع الأوّل: جواز الخطبة

المشهور بين الأصحاب كراهة الخطبة. قال الشيخ في «المبسوط»: ويكره للمحرم أن يخطب امرأة للعقد، وكذلك إن كانت هي محرمة وهو محلّ.2
وقال العلاّمة في «القواعد»: ويكره للمحرم الخطبة، ولو كانت المرأة محرمة والرجل محلاً فالحكم كما تقدّم.3
وقال في «المنتهى»: يكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن

1 . رياض المسائل: 10/213.
2 . المبسوط:1/318.
3 . القواعد:1/422.

صفحه 194
يخطب للمحلّين، لأنّه تسبّب إلى الحرام، فكان مكروهاً، كالصرف.1
والفرق بين الخطبة في المقام والخطبة في العدّة هو أنّ الثانية حرّمت لأنّها تكون داعية للمرأة إلى أن تخبر بانقضاء عدّتها قبل الانقضاء، رغبة في النكاح فكان حراماً، بخلاف المقام فإنّه ليس كذلك.
ولذلك لم تنقل الحرمة إلاّ عن أبي عليّ، ثمّ إنّه استدلّ على الحرمة بروايتين:
1. ما رواه البيهقي في سننه:«لا يَنكِحُ، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب».2
2. ما رواه الكليني عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«المحرم لا يَنكِحُ، ولا يُنكِحُ، ولا يخطب، ولا يشهد النكاح، وإن نكح فنكاحه باطل».3
ورواه الشيخ في «التهذيب» وليس فيه قوله:«لا يخطب».4
ومن المعلوم أنّ «الكافي» أتقن من «التهذيب»، لأنّ الكليني ذو فنّ واحد والشيخ ذو فنون، وقد وقع له في «التهذيب» ما استدركه غيره بعده.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية أولى، يعرف ذلك كلّ من أنس بالكتابة والاستنساخ، فإنّ الناسخ قلّما يزيد من جانبه شيئاً بلا وعي ولكن كثيراً ما يغفل عن الكتابة وينقص، وليس هذا أمراً استحسانياً.
ومع ذلك كلّه، فالرواية غير صالحة للاحتجاج، أمّا النبويّ فحاله معلوم،

1 . المنتهى:2/809.
2 . سنن البيهقي:5/65.
3 . الكافي:4/372; وسائل الشيعة:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.
4 . التهذيب:5/330، رقم الحديث1136.

صفحه 195
وأمّا الثاني فهو مرسل.
نعم يكفي في الكراهة إفتاء جمع من الأصحاب بها اعتماداً على هاتين الروايتين.

الفرع الثاني: الرجوع في الطلاق الرجعي

هل يجوز الرجوع في الطلاق الرجعي في حال الإحرام أو الطلاق الخلعي إذا رجعت المرأة عمّا بذلت على نحو يصحّ للزوج الرجوع في الطلاق أو لا؟
قال الشيخ: للمحرم أن يراجع زوجته، سواء طلّقها حلالاً ثمّ أحرم، أو طلّقها وهو محرم، وبه قال الشافعي، وقال أحمد: لا يجوز ذلك.1
والظاهر وفاقاً للشيخ هو الجواز، لأنّ الممنوع هو التزويج والتزوّج، أو النكاح والإنكاح، ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان:«ليس للمحرم أن يتزوّج ولا يزوّج».2
فالنهي تعلّق بالتزويج في حال الإحرام، والرجوع ليس تزويجاً، لأنّ المطلّقة رجعيّة في حكم الزوجة، والرجوع ليس إحداثاً للزوجيّة، بل هو رجوع إلى الملك السابق واستعادة لما ملكه سابقاً، وهكذا الحال في الطلاق الخلعي، إذ لا فرق بينه و بين الرجعي إلاّ بالجواز في الثاني دون الأوّل، فإذا رجعت المرأة عمّا بذلت، عادت الحال إلى الرجعي، فيجوز للزوج إعادة الزوجية السابقة أو إيجاد المانع لئلاّ تنقضي الزوجية بانقضاء العدّة.
وبعبارة أُخرى: أنّ للزوج حقّ الرجوع في مطلق الطلاق، أمّا الرجعي فله

1 . الخلاف:2/318، المسألة 117.
2 . وسائل الشيعة:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 196
المسألة 7: لو عقد محلاً على امرأة محرمة فالأحوط ترك الوقاع ونحوه ومفارقتها بطلاق، ولو كان عالماً بالحكم طلّقها ولا ينكحها أبداً.*
حق الرجوع فعلاً مادامت في العدة في كلّ زمان أراد، وأمّا الخُلعي فله حقّ الرجوع مشروطاً برجوع الزوجة عمّا بذلت، فإذا رجعت صار الحكم في حقّه فعلياً أيضاً.
* تقدّم في ثالث المحظورات أنّه يحرم على المحرم أُمورٌ ثلاثة:
1. إيقاع العقد لنفسه أو لغيره ولو كان محلاً.
2. شهادة العقد وإقامتها عليه.
3. لو عقد لنفسه حرمت عليه دائماً مع العلم، وأمّا مع الجهل فالعقد باطل ولكن لا تحرم عليه أبداً.
وعندئذ يقع الكلام في أنّ الموضوع لهذه الأحكام الثلاثة هو خصوص الرجل المحرم أو جنسه، رجلاً كان أو امرأة، والقولان مبنيّان على استظهار أحد الأمرين من النصوص.
أقول: إنّ محظورات الإحرام بين ما يختص بالرجل كالتظليل، أو بالمرأة كستر الوجه، أو يكون مشتركاً بينهما كأكثر المحظورات; وعلى ضوء ذلك فالمتبادر من الروايات الماضية أنّ الموضوع هو جنس المحرم، وأنّ التعبير بصيغة المذكر كسائر التعبيرات الواردة في الكتاب والسنّة المشتركة بين الجنسين، ففي صحيح عبد اللّه ابن سنان:«ليس للمحرم أن يتزوّج، ولا يزوّج، وإن تزوّج أو زوّج محلاً فتزويجه باطل».1وهكذا سائر ما ورد في هذا المضمار.

1 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 197
فالمتبادر أنّ الموضوع هو جنس المحرم، وعلى هذا فلا فرق بين عقد المحرم محلاً أو محرماً أو عقد المحل على امرأة محرمة، فالآثار كلّها مترتبة فالعقد باطل وضعاً بدون حاجة إلى الطلاق، كما أنّ الحرمة الأبدية سائدة.
وما ذكرناه هو خيرة الشيخ في «الخلاف» فقد قال: إذا تزوّج المحرم ، فنكاحه باطل، وكذلك إن كان مُحلاً وهي محرمة، أو كانا محلّين والوليّ محرماً، فالنكاح باطل.
ثمّ استدلّ بإجماع الفرقة وأخبارهم.1
وما استظهره الشيخ من إطلاق الأخبار هو المعتمد، نعم الظاهر من صاحب الرياض عدم الارتضاء بالإطلاق وقال: ولو انعكس فرض المسألة فتزوّج المحل المحرمة، فالأصل الإباحة، ولا معارض لها من الأدلّة، وهو المشهور بين الطائفة. وربّما يحكى القول بالحرمة عن الخلاف، مدّعياً فيه الوفاق، مستدلاً به وبالاحتياط والأخبار. ولم نقف عليها، ودعوى الوفاق غير واضحة، والاحتياط ليس بحجّة.2
ولكن الظاهر من صاحب الجواهر هو موافقة الشيخ حيث قال ـ بعد بيان أنّ الحرمة مقتضى قاعدة الاشتراك في الأحكام بين الرجل والمرأة، فمقتضى إرادة الجنس من اللام ـ : ومن ذلك كلّه يقوى اتّحاد المحرمة والمحرم في الحكم المزبور، نحو التزويج في العدّة ونكاح ذات البعل، بل والزنا فيها كما عرفته سابقاً، بل لا إشكال عندهم في الأوّلين في عدم الفرق في الحرمة أبداً بين نكاح الرجل ذات

1 . الخلاف:4/345.
2 . رياض المسائل:10/213.

صفحه 198
العدّة وبين نكاحها هي.1
وما ذكرناه هو الّذي استظهره بعض مشايخنا في تعليقته على العروة. وإليك المتن والتعليقة.
أمّا المتن فقال: ولو كان الزوج محلاً وكانت الزوجة محرمة فلا إشكال في بطلان العقد، ولكن هل يوجب الحرمة الأبدية؟ فيه قولان، الأحوط الحرمة، بل لا يخلو عن قوة.
أمّا التعليقة فقال: الظاهر أنّ مناط الحكم في المسألتين واحد، لأنّ المذكور في الروايات ليس إلاّ المحرم، فإن كان محمولاً على الجنس يحمل عليه في كلا الحكمين، وذكر الرجل في بعض الأخبار يحمل على كونه من باب المثال، وإن أخذ بالمتيقّن من المحرم وهو الرجل فالمتيقّن بطلان عقد المحرم دون المحرمة، والأقوى ما في المتن كما صرّح به في الخلاف مستدلاً بالأخبار والإجماع منه.2
وحاصله: أنّه لا فرق بين الحكم الوضعي وهو بطلان العقد، وبين الحكم التكليفي، حيث أفتى في الأوّل، واحتاط في الثاني.
وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما ذكره صاحب الرياض من قوله: ولم نقف على الأخبار الّتي ادّعاها الشيخ في «الخلاف».
أقول: المراد من الأخبار هو قوله: «ليس للمحرم أن يتزوّج ولا يزوّج».
أضف إلى ذلك: أنّ التزويج إضافة مقولية قائمة بين الزوجين، فكما يصدق على الرجل أنّه تزوّج، أي أخذ زوجاً، يصدق على المرأة أيضاً إذا أخذت زوجاً، فالنهي عن التزويج يعمّ كلتا الطائفتين.

1 . الجواهر:29/452.
2 . هامش الصفحة 636 من متن العروة الوثقى، كتاب النكاح.

صفحه 199
المسألة8: لو عُقِدَ لمحرم فدخل بها فمع علمهم بالحكم فعلى كلّ واحد منهم كفّارة، وهي بدنة; ولو لم يدخل بها فلا كفّارة على واحد منهم، ولا فرق فيما ذكر بين كون العاقد والمرأة محلّين أو محرمين، ولو علم بعضهم الحكم دون بعض يكفّر العالم عن نفسه دون الجاهل.*
نعم في خصوص مرسلة الصدوق: مَن تزوّج امرأة في إحرامه فرّق بينهما ولم تحلّ له.1
وبذلك يظهر الضعف في مختار المتن، حيث إنّه (قدس سره)عكس فاحتاط في الحكم الوضعي، أي بطلان العقد بترك الوقاع والمفارقة بالطلاق، دون الحكم التكليفي، فأفتى بالحرمة الأبدية حيث قال: ولا ينكحها أبداً خلافاً للعروة فأفتى بالبطلان، واحتاط جانب الحرمة الأبدية.
وعلى كلّ تقدير فإنّ الروايات بالنسبة إلى كلا الحكمين كما مرّ: إمّا أن نقول بصحّة العقد وعدم الحرمة الأبدية إذا أخذنا بالمتيقّن لاختصاص الحكم بالرجل المحرم، أو نقول بالبطلان والحرمة الأبدية، بضرس قاطع في كلا الموردين، دون الاحتياط في حكم والاحتياط في حكم آخر.
وهو(قدس سره) اقتصر في كتاب النكاح بما في نفس الوسيلة، قال: لو كانت المرأة محرمة عالمة بالتحريم وكان الزوج محلاً، فهل يوجب الحرمة الأبدية؟ قولان: أحدهما ذلك، بل لا يخلو من قوة.2 ولم يذكر عن بطلان العقد شيئاً.
* حاصل كلامه:»أنّه إذا عقد عاقد ـ محلاً كان أو محرماً ـ لمحرم فله صور

1 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.
2 . تحرير الوسيلة:2/257، المسألة 25.

صفحه 200
ثلاث:
1. إن دخل المعقود له بالمرأة ـ سواء أكانت محرمة أو محلّة ـ وكانوا عالمين بالحكم، فعلى كلّ واحد منهم كفّارة، وهي بدنة.
2. ولو لم يدخل، فلا كفّارة على واحد منهم.
3. ولو علم بعضهم دون بعض ـ و الحال هذه ـ فعلى العالم البدنة دون الجاهل».
أقول: إنّه (قدس سره) كالآخرين بصدد بيان الحكم الوضعي فقط لا الحكم التكليفي ـ أعني: حرمة العقد من المحل للمحرم ـ وإن كان مصدر الفتوى ـ أعني موثقة سماعة ـ يتضمّن حكمين، كما سيوافيك.
ولأجل إيضاح المقصود نأتي بعبارات الفقهاء في هذا الصدد:
قال المحقّق: وإذا عقد المحرم لمحرم على امرأة ودخل بها المحرم، فعلى كلّ منهما كفّارة، وكذا لو كان العاقد محلاً على رواية سماعة.1
والمحقّق أيضاً بصدد بيان الحكم الوضعي ـ أعني: الكفّارة ـ لا الحكم التكليفي ـ أعني: حرمة العقد للمحرم ـ سواء كان العاقد محلاً أو محرماً.
ثمّ إنّ قوله على رواية سماعة قيد للفرع الأخير، أي عقد المحل للمحرم، الّذي هو مورد رواية سماعة، وليس قيداً للفرع الأوّل أيضاً، أعني: عقد المحرم للمحرم، إذ لم يرد ذلك فيها، وسيوافيك دليل الفرع الأوّل.
وقال العلاّمة في «القواعد»: ولو عقد المحرم لمثله على امرأة فدخل، فعلى كلّ منهما كفّارة، وكذا لو كان العاقد محلاً على رأي.2

1 . الشرائع:1/295.
2 . القواعد:1/470.

صفحه 201
وقد نسب العلاّمة التسوية بين كون العاقد محرماً أو محلاً، إلى رأي. وقوله: «على رأي» إشارة قيد للفرع الآخر، أعني: لو كان العاقد محلاً، وإشارة إلى قول من عمل برواية سماعة الآتية.
وقال في «المنتهى»: قد بيّنا أنّه لا يجوز للمحرم أن يعقد لمحرم على امرأة، ولو دخل المحرم وجب على العاقد كفّارة كما يجب على الواطئ، وكذا لو كان العاقد محلاً، ثمّ ذكر رواية سماعة وقال بعدها، وفي سماعة قول، وعندي في هذه الرواية توقّف.1فالغاية من هذه العبارات هو بيان مساواة العاقد المحلّ بالعاقد المحرم في وجوب الكفّارة عليهما، وذلك أخذاً برواية سماعة الّتي جاء فيها وجوب الكفّارة على العاقد المحل.
ثمّ إنّ عبارة الشرائع ذكرت وجوب الكفّارة على العاقد والمعقود له، ولم يذكر وجوب الكفّارة على المرأة، وذلك لأنّ الضمير في قوله:(منهما) يرجع على العاقد المحرم والمعقود له بقرينة قوله: «وكذا لو كان العاقد محلاً» فتكون العبارة ظاهرة في وجوب الكفّارة عليهما دون المرأة، بخلاف المتن فقد صرّح بوجوبها على الثلاثة، وهذه مزية في عبارة المتن.
وهناك فرق آخر وهو أنّ وجوب الكفّارة مشروط بالعلم كما في عبارة المتن، بخلاف عبارة «الشرائع» فليس هناك ذكر من العلم.
وأمّا عبارة «القواعد» فقد صرّحت بوجوب الكفّارة على المرأة، نعم لم يذكر اشتراط الوجوب بالعلم.
إنّ منصرف العبارات إلى الدخول في ظرف الإحرام، غير أنّ صاحب

1 . المنتهى:2/842.

صفحه 202
الجواهر استظهر إطلاق عبارة الشرائع وأنّها تعمّ الدخول حال الإحرام أو بعده، وهو كما ترى.
وخصّ ابن زهرة الكلام بالعاقد المحرم وقال: ومن عقد وهو محرم على امرأة نكاحاً لمحرم فدخل بها كان على العاقد بدنة.1
وعلى كلّ تقدير فالمهم دراسة الرواية وما يستفاد منها:
روى الكليني بسند صحيح عن سماعة بن مهران الحضرمي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:
»لا ينبغي للرجل الحلال أن يزوّج محرماً وهو يعلم أنّه لا يحلّ له ]التزويج لكونه محرماً[».
قلت: فإن فعل فدخل بها المحرم؟
قال:»إن كانا عالمين2، فإنّ على كلّ واحد منهما بدنة، وعلى المرأة إن كانت محرمة بدنة، وإن لم تكن محرمة فلا شيء عليها، إلاّ أن تكون قدعلمت أنّ الّذي تزوّجها محرم3، فإن كانت علمت ثمّ تزوّجته فعليها بدنة».4

1 . غنية النزوع:168.
2 . أي عالمين بالكبرى الواردة في كلام الإمام قبل سؤال سماعة، أعني: «وهو يعلم أنّه لا يحلّ له التزويج لكونه محرماً» ولا يشترط العلم بالصغرى وأنّ الزوجة محلّة أو محرمة، وهكذا في جانب الزوجة المحرمة فيكفي العلم بالكبرى، وهو انّه لا يحلّ لها التزويج لإحرامها، من دون لزوم إحراز حال الزوج.
3 . أي عالمة بالصغرى، وهي أنّ الزوج محرم وليس ناظرة إلى العلم بالكبرى، وإن كان العلم بها أيضاً شرطاً، ويظهر وجه ذلك في دراسة فقه الحديث، فلاحظ.
4 . الوسائل:9، الباب21 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 203

دراسة الرواية سنداً ودلالة

أمّا السند: فرجاله كلّهم ثقات، وسماعة أيضاً ثقة ولكن رُميَ بالوقف، ولكن نقاد علم الرجال ـ أعني النجاشي ـ وصفه بأنّه «ثقة ثقة»1، فلو كان واقفياً لأشار إلى ذلك.
ولعلّه لذلك تردّد في «الجواهر» بين وصفه بالموثّقة أو الصحيحة، والفقهاء عملوا برواية سماعة على كلّ تقدير.

تحليل مضمون الرواية

1. انّ الموضوع في الرواية عقد المحلّ للمحرم، وهو ثابت في عامّة الحالات.
نعم تختلف حالاتهما من حيث العلم بالحكم الشرعي، وهو أنّه لا يحلّ للمحرم التزويج والجهل به.
كما أنّ المرأة المعقودة ، تختلف حالاتها من حيث كونها محلّة أو محرمة، وعلى فرض كونها محلّة، جاهلة أو عالمة.
2. الظاهر من الرواية أنّ الإمام ابتدأ بالكلام قبل سؤال سماعة فتبيّن الحكم التكليفي الشرعي، وهو أنّه يحرم للعاقد المحلّ، أن يزوّج محرماً إذا علم أنّه لا يحلّ له، ولكن فعلية الحرمة أو تنجّزها مشروط بعلم العاقد، وعلم المعقود له بالحكم الشرعي الكلّي، وهو حرمة تزويج المحرم، وإطلاق الصدر دالّ على عدم اشتراط الحرمة التكليفية بالدخول، بخلاف لزوم الكفّارة. وعلى ضوء ما ذكرنا

1 . رجال ا لنجاشي: برقم 515.

صفحه 204
يكون المراد من قوله:«عالمين» في الفقرة الثانية علم العاقد والمحرم بالحكم الشرعي الكلّي.
3. لمّا وقف سماعة على أنّه لا يجوز للمحلّ أن يعقد للمحرم، افترض وقوع ذلك وسأل عمّا يترتّب على ذلك العمل إذا دخل المحرم، بالمرأة، فأجاب الإمام بوجوب الكفّارة، أي البدنة إذا كانا عالمين وعدمه إذا كانا جاهلين.
والظاهر أنّ الشرط، علم كلّ بالحكم الشرعي، لا علم كليهما معاً، وعلى هذا فلو كان أحدهما عالماً دون الآخر، وجب على العالم دون الجاهل.
4. انّ الدخول مفروض في سؤال الراوي، وليس مأخوذاً في إجابة الإمام، فلا يكون دليلاً على مدخليته في وجوب الكفّارة، ومع ذلك يكون مانعاً عن انعقاد الإطلاق في كلام الإمام، فلا يمكن الاحتجاج به على صورة عدمه وليس الدخول من القيود الّتي يساعد العرف على إلغائها، فتكون النتيجة أنّه(عليه السلام)سكت عن حكم عمّا إذا لم يكن فيه دخول.
5. كان المترقّب أن يذكر الإمام التفريق بينهما والحج من قابل كما مرّا في مَن جامع زوجته قبل المشعر، أو بعده قبل أن يتجاوز النصف من طواف النساء. ولكن لم يذكر الأوّل، لأنّه من خصائص وطء الزوجة في الإحرام، والزوجية منتفية في المقام، غاية الأمر الوطء يشبه العقد الصحيح. وهو ليس موضوعاً للافتراق. ولم يذكر الثاني أيضاً، لأنّه بصدد بيان ما للعاقد والمحرم من الحكم المشترك وليس قضاء الحج منه، لأنّه يختصّ بالمحرم دون العاقد المحلّ.
6. ثمّ إنّ الإمام افترض موضوعاً لم يذكره السائل في كلامه، وهو حكم المرأة المزوّجة، وذكر الإمام له صوراً ثلاثاً:
ألف: أن تكون محرمة وقال: «وعلى المرأة إن كانت محرمة، بدنة».

صفحه 205
وكلامه(عليه السلام) وإن كان مطلقاً من حيث علمه بالحكم الشرعي الكلّي وعدمه، لكن لمّا كانت الزوجية إضافة مقولية قائمة بالمحرم والمحرمة، فإذا كان وجوب البدنة على المحرم مشروطاً بعلمه بالحكم الشرعي، يتبادر عرفاً أنّ وجوبها على المحرمة أيضاً مشروط بهذا العلم، فحكم المرأة المحرمة، كحكم الرجل المحرم، تجب البدنة عليهما عند العلم بالحكم الشرعي، وهو أنّه لا يحلّ لكلّ، التزويج.
وبما أنّ تزويج المحرمة موضوع مستقل للحرمة، سواء أكان زوجها محرماً أو محلاً، فيكفي فيه العلم بالحكم الشرعي الكلّي، وهو انّه يحرم عليها التزويج ولا يشترط فيه العلم بحال الزوج، من حيث كونه محرماً أو لا، إذ لا مدخلية لها في حرمة التزويج عليها، فوزان المحرمة، كوزان المحرم، فكما لا يشترط في وجوب الكفّارة عليه سوى علمه بأنّه لا يحلّ له التزويج، فهكذا لا يشترط وجوب الكفّارة عليها، سوى علمها بأنّها لا يحلّ لها التزويج من دون لزوم إحراز حال الزوج. كلّ ذلك، لأنّ تزويج المحرم أو المحرمة موضوع مستقل لوجوب الكفّارة.
ب. أن تكون محلّة جاهلة بالحكم الشرعي فلا شيء عليها، كما قال: «وإن لم تكن محرمة فلا شيء عليها».
ج. أن تكون محلّة عالمة، فعليها البدنة، بشرطين:
1. العلم بالحكم الشرعي الكلّي الّذي مضى الحديث عنه في صدر الرواية.
2. العلم بالموضوع وانّ الّذي يزوّجه محرم، وهذا هو الّذي صرّح به الإمام في ذيل كلامه وقال: إلاّ أن يكون قد علمت أنّ الّذي تزوّجها محرم».
وبهذا تفترق المرأة المحرمة المزوّجة عن المرأة المحلّة المزوّجة في أنّ وجوب البدنة على الأُولى مشروط بالعلم بالحكم الشرعي، لما عرفت من أنّ علم المحرمة بالحكم الشرعي موضوع مستقل لوجوب الكفّارة، بخلاف المحلّة، فإنّ علمها به

صفحه 206
غير كاف في وجوبها عليه، إلاّ أن يضم إلى علمه بالحكم الشرعي، العلم بالموضوع، وقد صرّح الإمام بهذا الشرط في ذيل كلامه وقال: «إلاّ أن تكون قدعلمت أنّ الذي تزوّجها محرم».
ثمّ إنّ الرواية صريحة في تقسيم الزوجة إلى محرمة ومحلّة، ووجوب الكفّارة على الزوجة المحلّة أيضاً إذا كانت عالمة، ومع ذلك شرط الشهيد الثاني الإحرام في وجوب الكفّارة على المرأة وقال:والضابط أنّ الزوجين لا يجب عليهما إلاّ مع إحرامهما والدخول والعلم....1
والضابط كما ترى أخصّ من الحديث، ولذلك قال في «الجواهر» بعد نقل الضابط: «ولا يخلو من النظر»، ولعلّ وجه نظره ما ذكرناه.
إلى هنا تمّ تحليل مضمون الرواية.
وإليك دراسة الفروع الواردة في المتن.
1. لو عقد عاقد لرجل محرم فدخل الزوج بالزوجة، فمع علم الثلاثة (العاقد والزوجين) بالحكم فعلى كلّ واحد منهم بدنة. ولا فرق بين كون العاقد والمرأة محلّين أو محرمين.
2. ولو لم يدخل بها لا كفّارة على واحد منهم.
3. لو علم بعضهم الحكم دون بعض يكفّر العالم عن نفسه دون الجاهل.
وإليك أدلّة الفروع الثلاثة:
أمّا الفرع الأوّل: فقد جمع المصنّف (رحمه الله) حكم العاقد والزوج والزوجة العالمة في كلام واحد وقال(رحمه الله): »لو عقد لمحرم فدخل بها فمع علمهم بالحكم فعلى كلّ

1 . المسالك:2/481.

صفحه 207
واحد منهم كفّارة وهي بدنة« فالضمير في »علمهم» يرجع إلى العاقد والزوج والزوجة.
أمّا وجوب الكفّارة على العاقد والزوج العالمين فيدلّ عليه قوله (عليه السلام): «إن كانا عالمين»، وأمّا الزوجة فيدلّ عليه آخر الرواية في قوله(عليه السلام): «إلاّ أن تكون قد علمت أنّ الّذي تزوّجها محرم، فإن كانت علمت أنّ الّذي تزوّجها محرم فعليها بدنة». فجمع المصنّف بين صدر الرواية وذيلها في كلام واحد، فقال: فمع علمهم بالحكم.
وأمّا الفرع الثاني: أعني لو لم يدخل بها فلا كفّارة على واحد منهم، لما علمت من أنّ موضوع وجوب البدنة في الرواية هو الزوجة المدخول بها، فلو لم تكن مدخولاً بها لا دليل على وجوب البدنة على الثلاثة.
وأمّا الفرع الثالث: وهو أنّ العالم يكفّر دون الجاهل، فيدلّ عليه أنّ الحكم استغراقي لا مجموعي فقوله(عليه السلام): «فإن كانا عالمين» بمعنى أنّ علم كلّ واحد موضوع خاص غير مشروط بعلم الآخر.
هذا ويرد على ما في المتن انّه جعل الشرط في لزوم البدنة على الزوجة المحرمة أو المحلّة أمراً واحداً، وهو العلم بالحكم الشرعي، مع أنّك عرفت الفرق بين المحرمة والمحلّة، وأنّه يكفي في لزوم البدنة على المحرمة، علمها بالحكم الشرعي من دون حاجة إلى العلم بحال الزوج أنّه محرم أو لا، لأنّ عقد المحرم بما هوهو حرام، من غير فرق بين الرجل والمرأة; وأمّا لزومها على المحلّة، فيشترط العلم بالحكم والعلم بحال الزوج أنّه محرم.
ثمّ إنّ دلالة الرواية على وجوب الكفّارة على العاقد المحلّ بالمنطوق، وأمّا دلالتها على وجوبها على العاقد المحرم فبالأولوية، لأنّه إذا وجبت البدنة على

صفحه 208
العاقد المحل فعلى المحرم أولى.
ثمّ إنّ في المقام فروعاً يمكن استخراج أحكامها بالتدبّر في الرواية منطوقاً ومفهوماً، وإليك سردها:
1. إذا عقد المحرم العالم بالحكم، لمحرم عالم به، على امرأة ودخل بها المحرم فعلى كلّ واحد منهما كفّارة البدنة، والدليل هو الفحوى، لأنّه إذا وجبت البدنة على العاقد غير المحرم لوجبت على المحرم بطريق أولى. وأمّا المرأة فلو كانت محرمة تجب الكفّارة عليها إذا كانت عالمة بالحكم، ولو كانت محلّة تجب عند العلم بالحكم والموضوع.
2. إذا عقد المحرمُ العالم بالحكم، لمحرم جاهل بالحكم على امرأة ودخل بها، فعلى العاقد العالم البدنة، دون الزوج الجاهل، لما عرفت من أنّ الحكم أشبه بالعام الاستغراقي.1 وأمّا الزوجة فلو كانت محرمة كفى العلم بالحكم الشرعي، ولو كانت محلّة لزم ـ وراء العلم بالحكم الشرعي ـ العلم بأنّ الزوج محرم.
3. إذا عقد المحرم الجاهل بالحكم، لمحرم عالم به على امرأة، ودخل بها الزوج وجبت البدنة عليه لعلمه بالحكم دون العاقد لجهله به، وقد عرفت أنّ الحكم أشبه بالعام الاستغراقي. وأمّا المرأة فلو كانت محرمة يكفي العلم الواحد، ولو كانت محلّة فيشترط فيه علمان.
ثمّ إنّ الموضوع في الرواية، أعني: العقد للرجل المحرم، محفوظ في هذه الفروع الثلاثة; وأمّا إذا تبدّل الموضوع فعقد المحلُّ المرأة المحرمة لرجل فهل يمكن إلحاقه، بما ورد في الرواية في الحكمين; التكليفي والوضعي، أو لا؟ أو يفصّل بين

1 . الفرق بين الفرعين في علم الزوج المحرم في الأوّل وعدمه في الثاني، فلاحظ.

صفحه 209
المسألة9: الظاهر عدم الفرق فيما ذكر من الأحكام بين العقد الدائم والمنقطع.*
التكليفي والوضعي، لأنّ تزويج المحرمة كالمحرم حرام، سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبيب، وأمّا الكفّارة فهي على خلاف القاعدة، لأنّ تعلّقها بالعاقد المحل، لا دليل له إلاّ الرواية. وموردها مختصّة بما إذا زوّج المحرم، ولا يعمّ المحرمة.
ونظيره ما لو عقد المحرم، للرجل المحل المرأة المحلّة، فهل يجب الكفّارة على العاقد المحرم بعد تسليم كون العقد حراماً تكليفاً؟
*ما ذكر من الأحكام من حرمة العقد للنفس أو للغير، والشهادة وإقامتها، هل يختص بالعقد الدائم أو يعم المنقطع؟ وجهان:
قال في «الجواهر»: والظاهر إلحاق المنقطع بالدائم هنا مع احتمال العدم.1 وظاهره الترديد.
وللمسألة نظائر حيث اتّفق الأصحاب والأخبار في أنّ الجماع بالفرج عالماً عامداً موجب للبدنة وإعادة الحجّ إذا كان قبل المشعر، واختلفوا في عموم الحكم للزوجة الدائمة والمتمتّع بها.
وعلى كلّ تقدير ففي المسألة وجهان: انصراف الروايات عن المنقطع إلى الدائم، ومن أنّ المنقطعة زوجة حقيقية داخلة في قوله سبحانه: (إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).2
فيشمله قوله(عليه السلام): «المحرم لا ينكح، ولا ينكح، ولا يخطب».

1 . الجواهر:18/300.
2 . المؤمنون:6.

صفحه 210
الرابع: الاستمناء بيده أو غيرها بأيّ وسيلة فإن أمنى فعليه بدنة، والأحوط بطلان ما يوجب الجماع بطلانه على نحو ما مرّ.*
وكان على المصنّف أن يعطف على ذلك الفرع فرعاً آخر، وهو أنّه لا فرق في ترتّب الأحكام بين كون العقد واقعاً في إحرام الحجّ الواجب أو المندوب، أو في إحرام العمرة الواجبة أو المندوبة.
كلّ ذلك للإطلاقات الواردة في المقام.
* في المسألة فروع:
الأوّل: الاستمناء بما هوهو، حرام تكليفاً.
الثاني: إذا أمنى فعليه بدنة.
الثالث: استلزام الاستمناء بطلان الحجّ في كلّ موضع يبطله الجماع.
وقبل الخوض في دراسة الفروع نقدّم أُموراً:
أ. الغرض الأصلي هنا بيان الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي كالكفّارة فهو مذكور تبعاً; ومثله الحكم ببطلان الحج وإعادته من قابل، في الفرع الثالث.
ب. حكم الاستمناء حال الإحرام يفارق حكمه في غير تلك الحالة. فإنّ الاستمناء بالتفخيذ في غير حال الإحرام جائز، ولكنّه في حال الإحرام حرام مطلقاً، أو إذا انتهى إلى الإنزال ـ كما في النصوص ـ، فالبحث هنا مركز على بيان حكم الاستمناء في حال الإحرام مع قطع النظر في حكمه في غير تلك الحالة.
ج. انّ إيجاب الكفّارة دليل على الحرمة، خصوصاً إذا كان بلفظ الكفّارة، كما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الآتية، وهذه الملازمة عرفية يقف عليها من تتبّع النصوص، نعم خرج ما إذا أذن الشارع بنفس الفعل ثمّ أذن بالتكفير،

صفحه 211
كما هو الحال في الشيخ والشيخة حيث أذن الشارع بالإفطار وعيّن الفدية.
د. انّ ظاهر المتن انّ الاستمناء بما هوهو حرام، سواء أدّى إلى الإمناء أو لا، وأمّا الكفّارة فهي تترتّب على الإمناء.
هـ. انّ الاستمناء وقع موضعاً للحكم في كلمات الفقهاء ولم يرد العنوان في النصوص وإن كان المحتوى موجوداً.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الفرع الأوّل، وهو حرمة الاستمناء بما هوهو.

الفرع الأوّل: حرمة الاستمناء

يظهر من «الشرائع» وغيره أنّ الاستمناء بما هوهو حرام تكليفاً في حال الإحرام، سواء أمنى أو لا، قال المحقّق في تعداد محرمات الإحرام: وتقبيلاً ونظراً بشهوة، وكذا الاستمناء.1
وقال في «المدارك»: عند قول المحقّق:«وكذا الاستمناء»: وهو استدعاء المني، ولا ريب في تحريمه للأخبار الكثيرة الدالّة عليه.2
وقال في «الرياض» : ومنها الاستمناء باليد أو التخيّل أو الملاعبة، بلا خلاف على الظاهر المصرّح به في بعض العبائر.3
وقال في «المستند»: يحرم الاستمناء باليد أو التخيّل أو الملاعبة بلا ريب.4

1 . الشرائع:1/294.
2 . المدارك:7/314.
3 . رياض المسائل:6/297.
4 . مستند الشيعة:11/363.

صفحه 212
وظاهر التعابير وإن كان حرمة الاستمناء بما هوهو، سواء أمنى أو لا، ولكنّهم استدلّوا بروايتين تاليتين، الاستمناء فيهما مقرون بالإنزال.
أقول: وردت هنا روايتان: إحداهما صحيحة، والأُخرى موثقة.
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن الرجل(المحرم) يعبث بأهله وهو محرم حتى يمني من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال:«عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الّذي يجامع».1
والرواية صحيحة كما قلنا إنّما الكلام في دلالتها على حرمة الاستمناء بما هوهو في حال الإحرام. فإنّ استكشاف حرمة الاستمناء منحصر بإيجاب الكفّارة عليهما، ولكن المورد مقرون بالإمناء حيث قال: «يعبث بأهله وهو محرم حتى يمني» فلا يمكن منه الاستدلال على حرمة الاستمناء ولو بقصد الإنزال إذا لم ينزل.
وسنرجع إلى دراسة الرواية في الفرع الثاني.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال: «أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم; بدنة، والحجّ من قابل».2
ورد في السند عمر بن عثمان الخزاز، هو كوفي ثقة; كما ورد فيه «صبّاح»، والمراد به صبّاح بن صبيح الحذّاء إمام مسجد دار اللؤلؤ بالكوفة، ثقة عين، كما ذكره النجاشي. والسند قابل للاحتجاج به.

1 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 213
إنّما الكلام في الدلالة حيث إنّ الاستدلال بالكفّارة على الحرمة وإن كان صحيحاً لكن المورد مقرون بالإمناء، وليس الإمناء من القيود الّتي يساعد العرف على إلغائها وحملها على الفرد الغالب.
وعلى ضوء ما ذكرنا فلم نجد دليلاً على ما عليه ظاهر المتن من حرمة الاستمناء بما هوهو ولو لم يمن.

الفرع الثاني: في وجوب الكفّارة عند الإمناء

هذا هو الفرع الثاني ولا غبار في دلالة الصحيحة والموثّقة على وجوب الكفّارة إنّما الكلام في تحديد الموضوع.
وقد اتّفق الفقهاء على وجوب الكفّارة في هذه الحالة:
قال أبو الصلاح: في الاستمناء بدنة.1
وقال ابن إدريس: ومتى عبث بذكره حتى أمنى، فإنّ الواجب عليه الكفّارة وهي بدنة فحسب، ولا يفسد حجّه.2
وقال المحقّق: وفي الاستمناء بدنة.3
فإن قلت: قد مرّ أنّ الرجل إذا لامس امرأته بشهوة فأمنى فعليه بدنة ـ وعلى قول، شاة ـ وإلاّ فعليه شاة، وعندئذ يقع الكلام في الفرق بين المسألتين أوّلاً، وفي دلالة الصحيحة ثانياً، وهل هي ناظرة إلى الأُولى منهما أو إلى الثانية؟؟!

1 . الكافي في الفقه:203. ولعل مراده الاستمناء المقرون بالإمناء.
2 . السرائر:1/552.
3 . الشرائع:1/294. وهو (قدس سره) جعل الاستمناء موضوعاً للحرمة كما مرّت عبارته، وجعله نفسه موضوعاً للكفّارة، ولابدّ من حمل عبارته على ما حملنا عليه عبارة الكافي. فلاحظ.

صفحه 214
قلت: الفرق بينهما انّ اللمس بشهوة في المسألة السابقة لم يكن لغاية الإمناء وإنّما استعقبه بلا إرادة، بخلاف المقام، فإنّ العبث بالأهل كان لتلك الغاية.
ثمّ الظاهر من الصحيحة، انّها ناظرة إلى المسألة الثانية لقوله: «يعبث بأهله حتّى يمني».
وبذلك تبين أنّه لا تجب عليه الكفّارتان، لأنّ الأُولى منهما كانت مشروطة بعدم قصد الإمناء، والمفروض في المقام خلافه، فلو قلنا بكفاية الشاة في الأُولى، لم يجب عليه في المقام شاة وبدنة، ولو قلنا بوجوب البدنة هناك لا تجب في المقام عليه بدنتان.
وبذلك يظهر الحال في موثّقة إسحاق بن عمّار الّتي جاء فيها: «ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟» فإنّها ظاهرة أو محمولة على العبث بالذكر بقصد الإنزال خصوصاً إذا كان معتاداً له.
فالروايتان خاصّتان في مورد يكون العمل فيه مقترناً بالقصد ومنتهياً إلى الإمناء.
نعم الموضوع أعمّ من العبث بالأهل أو الذكر، ويعمّ كلّ عامل موجب للإنزال بشرط أن تكون ممارسته مقرونة بقصد الإمناء، كالتخيّل واستماع صوت الأجنبية وغير ذلك.
قال السيد المرتضى: بل الظاهر عدم الفرق بين أسبابه من الملاعبة والتخيّل والخضخصة، كما صرّح به غير واحد حتى السيد في الجمل حيث قال: على المحرم اجتناب الرفث وهو الجماع، وكلّ ما يؤدي إلى نزول المني من قبلة، أو ملامسة أو نظر بشهوة.1

1 . شرح جمل العلم والعمل:214.

صفحه 215
وقال القاضي في شرحه: فأمّا الواجب فهو لا يجامع، ولا يمني على أي وجه كان من ملامسة أو نظر بشهوة أو غير ذلك.1
فما ذكـره في «المـدارك» من احتمال مدخلية الفعل المخصوص لا مسوغ له.
وممّا ذكرنا من أنّ مصبّ الروايات هو ممارسة العمل بقصد الإنزال والإمناء يظهر وجه الجمع بين هذه الروايات وما يدلّ على عدم الكفّارة. وهي:
1. موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المحرم تنعت له المرأة الجميلة الخلقة فيُمني، قال:«ليس عليه شيء».2
2. مرسلة أبي نصر، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى، قال:«ليس عليه شيء».3
3. موثّقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تسمّع كلام امرأة من خلف حائط وهو محرم فتشاها حتى أنزل؟ قال:«ليس عليه شيء».4
4. موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى، قال:«ليس عليه شيء».5
لا شكّ أنّ المراد من لفظة «شيء» في الروايات هو الكفّارة. فمصب الروايات هو أنّ الإنزال كان بلا قصد بشهادة أنّ هذه الأسباب لا تؤدّي إلى

1 . نفس المصدر:215.
2 . الوسائل:9، الباب20 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب20 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب20 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث3.
5 . الوسائل:9، الباب20 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.

صفحه 216
الإمناء غالباً، بل ربّما يتّفق. بخلاف العبث بالأهل أو الذكر فإنّهما من الأُمور المؤدية إلى الإمناء، خاصة إذا كان المحرم شاباً، فعند ذلك يجمع بين هذه الروايات النافية للكفّارة وما تقدّم من الروايتين الدالّتين على وجوبها.
ولا يذهب عليه أنّ عـدم وجوب الكفّارة في مـورد هذه الـروايات، لا ينافي وجوبها في مورد اللمس بشهـوة لا بقصد الإمنـاء وإن انتهى إليـه، لاختـلاف الموردين في الموضوع، فإنّ سبب الإمناء فيها هو الاستمتاع، بخلاف المسألة السابقة فالموضوع هو اللمس بشهوة، ويجمع الجميع، عدم كون الإمناء مقصوداً.

الفرع الثالث

وهو بطلان الحجّ والعودة إليه من قابل، وهو خيرة الشيخ في «النهاية» و«المبسوط» قال: ومن عبث بذكره حتى أمنى كان حكمه حكم من جامع، على السواء في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر فإنّه يلزمه الحجّ من قابل، وإن كان بعد ذلك لم يكن عليه غير الكفّارة شيء.1 وبه قال ابن البراج2، وابن حمزة.3
وخالفهم ابن إدريس قال:ولا يفسد حجّه، قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في نهايته: حكمه، حكم من جامع على السواء، وقد رجع عن هذا في استبصاره وخلافه; وهو الصحيح، لأنّ الأصل البراءة(من الإعادة)، والكفّارة مجمع عليها، وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل شرعي.4

1 . المبسوط:1/337; النهاية:231.
2 . المهذب:222.
3 . الوسيلة:166.
4 . السرائر:1/552.

صفحه 217
وهو خيرة المحقّق قال: وهل يفسد به الحجّ ويجب القضاء؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وهو الأشبه.1

حجّة القائل بوجوب القضاء

استدلّ القائل بوجوب القضاء بوجهين:
1. صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الماضية والّتي جاء فيها: عليهما جميعاً الكفّارة مثل ما على الّذي يجامع.2
وجه الدلالة: أنّ الإمام نزّل من عبث بأهله فأمنى بمن جامع، وقد عرفت أنّ من يجامع عليه البدنة والقضاء من قابل.
فإن قلت: إنّ التعبير الوارد في الرواية هو «عليهما جميعاً الكفّارة»، ولا تطلق الكفّارة إلاّ على البدنة وأمثالها لا الحجّ من قابل.
قلت: التعبير عن الحجّ بالكفّارة ـ مع أنّها عبارة عن البدنة ـ من باب المشاكلة الّتي هي إحدى المحسّنات البديعة، وهي عبارة: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، نظير قول الشاعر
قالوا اقترح شيئاً نجـد لك طبخـه *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا3

1 . الشرائع:2/294.
2 . الوسائل:9، الباب14 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
3 . راجع الغدير:4/111ـ 114. وقائل البيت هو أبو حامد بن محمد الأنطاكي نزيل مصر أيام الدولة الفاطمية المعروف بأبي الرقعمق، أخذ الشعراء المشاهير المتصرفين في فنون الشعر، وله شوطه البعيد في أساليب البيان غير أنّه ربّما خلط الجد بالهزل، نشأ ثمّ رجل إلى مصر وأخذ فيها شهرة طائلة ومكانة من الأدب عظيمة، توفّي سنة 399هـ.

صفحه 218
فذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة طبخ الطعام.
والحاصل: أنّ تشبيه المقام بمن يجامع أهله لا يراد منه إلاّ عموم المنزلة في ترتّب الكفّارة والقضاء على عمله كترتّبها على المجامعة، ولو كان المراد خصوص الكفّارة لم يكن هناك أي ملزم بتشبيهه بمن جامع أهله، فما أكثر الموارد الّتي تجب فيها البدنة من النظر واللمس والتقبيل بشروطها الماضية.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار وفيها: «الحجّ من قابل» وقد عمل الأصحاب بروايات الفطحيّين.
نعم حملها صاحب المدارك على الاستحباب، لأنّه لا يعمل برواية الفطحيّين.1

دليل من قال بعدم القضاء

ثمّ إنّك عرفت أنّ ابن إدريس والمحقّق قالا بعدم وجوب القضاء حتى وصفه المحقّق بكونه أشبه بأُصول المذهب وقواعده، ولعلّ المراد من الأُصول ـ كما في الجواهر ـ هو أصل البراءة.
وقد استدلّ بما في صحيحي ابن عمّار: في مَن وقع على أهله فيما دون الفرج. وإليك نصهما:
1. عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله فيما دون الفرج؟ قال: «عليه بدنة، وليس عليه الحجّ من قابل».2
2. وعنه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في المحرم يقع على أهله، قال:»إن كان أفضى إليها فعليه بدنة والحجّ من قابل، وإن لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة وليس

1 . المدارك:7/314.
2 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.

صفحه 219
الخامس: الطيب بأنواعه حتى الكافور.*
عليه الحجّ من قابل».1
قال في «الجواهر»: إنّ الجماع فيما دون الفرج هو أغلظ من الاستمناء أو هو فرد منه، بل ربّما كان شاملاً لما إذا أراد الاستمناء بوضع الحشفة بالفرج من غير إدخال.2
يلاحظ على الاستدلال: أنّ التفخيذ مع الإمناء وإن كان أغلظ من الاستمناء لكن مورد الروايات هو التفخيذ بلا استمناء وهو أهون من الاستمناء المقرون بالإمناء، فعدم وجوب القضاء في الأوّل كما هو مورد الصحيحتين لا يكون دليلاً على عدم وجوبه في المقام . فما أفاده في المتن من قوله:«والأحوط بطلان ما يوجب الجماع بطلانه على نحو ما مرّ» لو لم يكن أقوى فهو أحوط.
* في المسألة فرعان:
1. الطيب بأنواعه حرام، ولا يختصّ بعدد خاص.
2. يحرم استعمال الطيب بأنواع الاستعمال: شمّاً، وصبغاً، وإطلاءً، وأكلاً، وبخوراً على بدنه ولباسه، أو يختصّ بالشم.
وحاصل الفرعين:
1. هل الطيب حرام بعمومه، أو هو محصور في عدد خاص كالستة أو الأربعة؟
2. هل المحرم بعد تحديد الموضوع هو الاستشمام فقط، أو يعمّ سائر

1 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الجواهر:20/368.

صفحه 220
الاستعمالات كالتدهين والصبغ والأكل والشرب؟
وهذان الأمران هما المهمّان في المقام، وما ذكره(قدس سره) بعد ذلك من عدم جواز لبس ما فيه رائحة الطيب أو أكل ما فيه الطيب من نتائج الفرع الثاني.
وأمّا حرمة الزنجبيل أو الدارصيني فهي ترجع إلى الفرع الأوّل وانّ الحرام منحصر في الأربعة أو الستة، أو يعمّ غيرهما.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الفرق بين المسألتين

الموضوع في هذه المسألة هو استعمال الطيب بصوره المختلفة شمّاً، إطلاءً، أكلاً، وغير ذلك.
وأمّا الموضوع في الأمر الخامس عشر هو التدهين، وهو على قسمين: تارة يكون فيه طيب، وتارة يكون مجرداً عن ذلك; فتكون النسبة بين المسألتين عموم وخصوص من وجه، فربّما يكون طيب دون تدهين كشمّه، وأُخرى يكون تدهين بلا طيب كما إذا كان الدهن مجرداً عن الطيب، وثالثة يجتمعان.
نعم يحتمل أن يكون الموضوع في المسألة الثانية هو التدهين المجرد عن الطيب، وأمّا التدهين بالدهن المخلوط بالطيب فهو داخل في هذه المسألة، فتكون النسبة بين المسألتين هي التباين.

الثاني: ما هو الطيب؟

ربّما يتبادر إلى الأذهان أنّ المتبادر من الطيب أنّه العطر ولكنّه أخصّ من الطيب، لشمول الطيب الكافور والعود والعنبر، وأين هي من العطر؟ سواء أكان طبيعياً أم صناعياً، وقد عُرّف بتعاريف نذكر منها ما يلي:

صفحه 221
الطيب]بأنّه[ ما تطيّب رائحته ويتّخذ للشم، كالمسك والعنبر والكافور والزعفران وماء الورد1، والأدهان الطيبة كدهن البنفسج والورس، والمعتبر أن يكون معظم الغرض منه التطيّب أو يظهر فيه هذا الغرض.2
وعرّفه في «المسالك» بقوله: الطيب: جسم ذو ريح طيبة متّخذ للشم غالباً غير الرياحين كالمسك.3
وبذلك يتّضح انّ العطر ليس معادلاً للطيب، والظاهر أنّ الأوّل جسم سيّال يوضع في قارورة خاصّة يستفاد منه بالتقطير.
وأمّا الطيب فربّما يكون أمراً جامداً كالعود والعنبر.
فلو أردنا أن نفسّر الطيب فنقول: هو عبارة عن الجسم الّذي له رائحة طيبة ويستخدم في التطيب، فالتعبير عنه بالفارسية (خوش بو كننده) أفضل. وكأنّه خلق لهذا أو هو أظهر خصائصه.

الثالث: اتّحاد بعض الروايات

نقل الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثامن من أبواب تروك الإحرام حوالي 19 حديثاً، ولكنّه في الواقع أقلّ من ذلك، فقد جاءت رواية معاوية بن عمّار تحت

1 . الورد نور الشجر، والمراد به في المقام هو شجر شائك معروف له زهر تختلف ألوانه، وله رائحة عطرة، الواحدة وردة(وهو المسمّى المحمدي).
2 . التذكرة:7/304.
3 . المسالك:2/252. ويكون المسك على هيئة سائل في غدة من غدد غزال الذكر، وهوحيوان يعيش في المناطق الجبلية الوسطى والشمالية الشرقية من قارة آسيا، وتقع الغدة تحت جلد بطن الغزال وعندما تنتزع الغدة وتجفّف يأخذ المسك بشكل حبيبات، ويتم استخلاص الحبيبات باستخدام الكحول ليستخرج منها المسك.

صفحه 222
رقم 5 و 8و 9 والمجموع رواية واحدة وإن كانت تختلف من حيث القلّة والكثرة، كما أنّ لحريز روايتين تحت رقم 6 و 11 وهما رواية واحدة، كما أنّ لعبد اللّه بن سنان روايتين تحت رقم 3و 10 وهما رواية واحدة، فبلغ عدّدها الحقيقي 15رواية.
إنّ للحسن بن زياد في الباب الرابع من بقية كفّارات الإحرام روايتين برقم 4و 8 جاء في أحدهما: ولم أعلم«بدستشان»، و هو مصحّف «الأشنان» الذي جاء في روايته الأُخرى.

الرابع: عنوان الباب لا يوافق المضمون

لقد عنون الحر العاملي الباب الثامن عشر الّذي وردت فيه روايات الطيب على وجه يدلّ على أنّ المحرم هو الأنواع الست من الطيب وصرّح بكراهة الباقي، مع أنّك تقف على أنّ المستفاد من هذا الباب والباب الرابع من أبواب بقية كفّارات الإحرام هو حرمة كلّ طيب على الإطلاق، ورحم اللّه السيد المحقّق البروجردي فقد كان يوصي تلاميذه أن لا يغتروا بالعناوين الّتي وضعها مؤلف الوسائل على الأبواب.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى دراسة الفرعين:

الأوّل: ما هو المحرّم من الطيب؟

اتّفق الفقهاء على حرمة الطيب على المحرم.
قال العلاّمة في «المنتهى»: أجمع علماء الأمصار كافّة على أنّ المحرم إذا تطيّب عامداً وجب عليه الدم.1

1 . المنتهى:2/813.

صفحه 223
وإنّما اختلفوا في ما هو المحرم من الطيب عموماً أو خصوصاً، اختار المصنّف العموم تبعاً للمحقّق حيث قال: ويحرم الطيب على العموم.1
وإليك الأقوال:

1. تحريم الطيب بأنواعه

وهو خيرة المفيد2، والمرتضى3، وابن بابويه4، والشيخ في موضع من «المبسوط»5، وابن إدريس6، والمحقّق 7 إلى تحريم الطيب بأنواعه.
ونسبه ابن إدريس إلى كونه الأظهر بين الطائفة وقال: والأظهر بين الطائفة تحريم الطيب على اختلاف أجناسه، لأنّ الأخبار عامّة في تحريم الطيب على المحرم، فمن خصّه بطيب دون طيب يحتاج إلى دليل.

2. حرمة الأنواع الأربعة

ذهب إليه الصدوق في «المقنع»، والشيخ في «التهذيب».
قال في الأوّل: وإنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك، والعنبر، والورس، والزعفران.8

1 . الشرائع:1/295.
2 . المقنعة:67.
3 . جمل العلم والعمل:107.
4 . المقنع:72.
5 . المبسوط:1/319.
6 . السرائر:1/545.
7 . الشرائع:1/295.
8 . المقنع:231. ويظهر من المنجد أنّ الورس نبات كالسمسم، يصبغ به.

صفحه 224
قال الشيخ في «التهذيب»: إنّما يحرم: المسك، والعنبر، والزعفران، والورس.1

3. حرمة الأنواع الستة

ذهب الشيخ إلى حرمة الأنواع الستة منها الأربعة المذكورة، وأضاف إليها في كتابي«النهاية» و «الخلاف»: العود والكافور.
قال في «النهاية»: والطيب الّذي يحرم مسّه وشمّه وأكل طعام يكون فيه: المسك، والعنبر، والزعفران، والورس، والعود، والكافور، فأمّا ما عدا هذا من الطيب والرياحين فمكروه يستحب اجتنابه.2
وقال في «الخلاف»: ماعدا المسك، والعنبر، والكافور، والزعفران، والورس، والعود عندنا لا يتعلّق به الكفّارة إذا استعمله المحرم.3
وبذلك ظهر أنّ للشيخ الطوسي أقوالاً ثلاثة: العموم كما في «المبسوط»، وخصوص الأربعة كما في «التهذيب»، وخصوص الستة كما في «النهاية» و«الخلاف».
هذه هي الأقوال .
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الروايات الواردة في المقام على أصناف ثلاثة، هي:

1 . التهذيب:5/299.
2 . النهاية:219.
3 . الخلاف:2/302، المسألة 88.

صفحه 225

ما يدلّ على حرمة الطيب مطلقاً

الأوّل: ما يدلّ على حرمة مطلق الطيب مسّاً وشمّاً و أكلاً، من غير فرق بين الأنواع الأربعة والستة أو غيرهما، وهي روايات كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. ما رواه حنان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ما تقول في الملح فيه زعفران للمُحرم؟ قال: «لا ينبغي للمُحرم أن يأكل شيئاً فيه زعفران، ولا شيئاً من الطيب».1
وقد حكى محقّق الوسائل في الهامش بأنّه في نسخة:«ولا يطعم شيئاً».
ولفظة: «لا ينبغي» وإن كانت مشتركة بين الحرمة والكراهة في لسان الأئمة، لكنّ المراد بها في المقام هو الحرمة بقرينة صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث نهى عن الزعفران وقال:لا تمسّ ريحاناً وأنت محرم، ولا شيئاً فيه زعفران، ولا تَطْعم طعاماً فيه زعفران».2
2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا تمسّ شيئاً من الطيب ولا من الدهن في إحرامك، واتقّ الطيب في طعامك، وامسك على أنفك من الرائحة الطيبة، ولا تمسك عليه من الرائحة المنتنة، فانّه لا ينبغي للمحرم أن يتلذّذ بريح طيبة».3
3. خبر معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): »اتّق قتل الدوابّ كلّها، ولا تمسّ شيئاً من الطيب، ولا من الدهن في إحرامك، واتقّ الطيب في زادك، وامسك

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3. وهو متّحد مع ما في الرقم 10 من نفس الباب غير أنّ الراوي في الأوّل عن عبد اللّه هو صفوان، وفي الثاني هو عبد الرحمان.
3 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.

صفحه 226
على أنفك من الريح الطيبة، ولا تمسك من الريح المنتنة، فإنّه لا ينبغي لك أن تتلذّذ بريح طيّبة».1
وفي السند إبراهيم النخعي عن معاوية بن عمّار، وهو مجهول وليس المراد منه، إبراهيم النخعي التابعي المعروف الكوفي(المتوفّى سنة 96هـ)، لأنّه كان معاصراً للإمام السجاد والباقر(عليهما السلام)، ولا تصحّ روايته عن الإمام الصادق(عليه السلام)(83ـ 148هـ)، بواسطة عمّار.
والمراد من لفظة : «لا ينبغي» هو الحرمة، لاتّفاق الفريقين على حرمة الطيب للمحرم، وهذا دليل على أنّ اللفظ ـ كما عليه صاحب الحدائق في مواضع من كتابه ـ أعمّ من الكراهة، ولعلّ الحديثين متّحدان. والراوي عن ابن عمّار في الأوّل هو صفوان وابن أبي عمير، وفي الثاني إبراهيم النخعي وألفاظهما متقاربة. وهما أيضاً متّحدان مع ما في رقم 8 على تأمل لوجود الحصر فيه دون السابقين.
4. صحيح حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان، ولا يتلذّذ به، ولا بريح طيبة، فمن ابتلي بذلك فليتصدّق بقدر ما صنع قدر سعته».2
5. صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان، ولا يتلذّذ به، فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه، يعني من الطعام».3
وهو متّحد مع ما سبقه، لولا أنّ في الأوّل إرسالاً دون الثاني; وفي الرواية الأُولى (قدر سعته) وفي الثانية(بقدر شبعه)، وأحدهما مصحّف للآخر لقربهما في

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث9.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6و11.
3 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6و11.

صفحه 227
الكتابة.
6. خبر النضر بن سويد، عن أبي الحسن(عليه السلام) في حديث:«انّ المرأة المحرمة لا تمسّ طيباً».1 ووصفناه بالخبر، لوقوع منصور بن العباس في السند وهو لم يوثّق، وإذا حرم مطلق الطيب على المرأة الّتي هي ممّن ينشأ في الحلية ـ كما في قوله سبحانه: (أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِين)2 ـ فالرجل بطريق أولى.
7. ما ورد في دعاء الإحرام الّذي علمه أبو عبد اللّه لمعاوية بن عمّار وفيه:«أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من:النساء، والثياب، والطيب».3
8. ما رواه الصدوق باسناده عن حمران، عن أبي جعفر في قول اللّه عزّ وجلّ:(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: «التفث: حفوف الرجل من الطيب، فإذا قضى نسكه حلّ له الطيب».4
والمراد من الحفوف: بُعد عهده بالدهن، يقال: حفّ رأسه يحف ـ بالكسر ـ حفوفاً إذا بعد عهده بالدهن.5
9. مرسلة الصدوق قال: كان علي بن الحسين إذا تجهّز إلى مكة قال لأهله:»إيّاكم أن تجعلوا في زادنا شيئاً من الطيب ولا الزعفران نأكله أو

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.
2 . الزخرف:18.
3 . الوسائل:9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث1.
4 . الوسائل:19، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث17.
5 . مجمع البحرين:1/54، «مادة حفف».

صفحه 228
نطعمه».1
وجعل الزعفران في مقابل الطيب مع أنّه من أقسامه، لغرض أنّ الأوّل للشم والمسّ وهذا للأكل.
10. ما رواه الصدوق باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب، فعليه دم».2
11. ما رواه أيضاً باسناده عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسّ الطيب ناسياً وهو محرم؟ قال: «يغسل يده ويلبّي»، قال الصدوق: وفي خبر آخر: ويستغفر ربه.3
والسؤال حاك عن كون حرمة الطيب مسلّمة عند الراوي.
12. ما رواه «الفقيه» أيضاً باسناده عن الحسن بن زياد قال: قلت لأبي عبد اللّه وضّأني الغلام ولم أعلم بدستشان فيه طيب، فغسلت يدي وأنا محرم، فقال:«تصدق بشيء لذلك».4
13. خبر إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سألته عن المحرم يمسّ الطيب وهو نائم لا يعلم؟ قال:«يغسله وليس عليه شيء».5
14. معتبر الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: الأشنان فيه الطيب أغسل به يدي وأنا محرم؟ فقال: »إذا أردتم الإحرام فانظروا مزاودكم

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث18.
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
3 . نفس المصدر و الباب: الحديث2.
4 . نفس المصدر والباب: الحديث4.
5 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث7.

صفحه 229
فاعزلوا الّذي لا تحتاجون إليه، وقال: تصدّق بشيء كفّارة للأشنان الّذي غسلت به يدك».1
هذه أربع عشرة رواية ولعلّ المتتبّع في غضون الأبواب يقف على أزيد من ذلك، والعناوين الواردة في هذه الروايات تعرب عن أنّ الطيب أمر محظور على المحرم ولا يشكّ من لاحظ العناوين التالية في كون الطيب محرماً على وجه الإطلاق.
1. لا ينبغي للمحرم أن يأكل شيئاً فيه زعفران ولا يَطْعم شيئاً من الطيب.
2. لا تمسّ شيئاً من الطيب.
3. لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب.
4. انّ المرأة المحرمة لا تمسّ طيباً.
5. أحرم لك شعري... من الطيب.
6. فإذا قضى نسكه حلّ له الطيب.
7. لا تجعلوا في زادنا شيئاً من الطيب.
8. من أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم.
9. رجلاً مسّ الطيب ناسياً وهو محرم.
10. سألته عن المحرم يمسّ الطيب وهو نائم.
إلى غير ذلك من العناوين الّتي تعرب عن حرمة الطيب مطلقاً، إمّا بطرح الضابطة الكلّيّة من جانب الإمام كما في قوله:«لا تمسّ شيئاً من الطيب»، أو كون حرمة الطيب أمراً مسلماً بين الرواة فسألوا عن الخصوصيات.

1 . نفس المصدر و الباب، الحديث8.

صفحه 230
وهذه الإطلاقات المتضافرة المتعاضدة يُشكل تخصيصها بالأنواع الأربعة أو الستة إلاّ بدليل قاطع.

اختصاص الحرمة بالأنواع الأربعة

ذهب الشيخ في «التهذيب» إلى اختصاص الحرمة بالأنواع الأربعة، أعني: المسك، والعنبر، والورس، والزعفران.
وجاء في بعض الروايات«العود» مكان «الورس» كما سيوافيك، وإليك ما يدلّ على ذلك:
1. رواية معاوية بن عمّار وقد رويت بسندين أحدهما صحيح دون الآخر.
أمّا الصحيح فهو ما رواه عن الحسين بن سعيد، عن فضالة وصفوان، عن معاوية بن عمّار في حديث: «وإنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران».1
وأمّا الضعيف فهو ما أخرجه عن موسى بن القاسم، عن إبراهيم النخعي، عن معاوية بن عمّار في حديث عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران».2
2. صحيح ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«الطيب: المسك والعنبر و الزعفران والعود».3

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث8.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث14.
3 . المصدر نفسه: الحديث15 وفي السند «سيف» والمراد منه: سيف بن عميرة الثقة، وفيه أيضاً منصور ولعلّ المراد هو منصور بن حازم.

صفحه 231
3. موثّقة عبد الغفّار قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:«الطيب: المسك والعنبر والزعفران والورس».1
فقد عدّ الورس منها في روايات ثلاث، وجاء في رواية واحدة العود مكان الورس.
وعلى كلّ تقدير فالعدّ ثابت، وإنّما الاختلاف في المعدود، وأنّه هل هو الورس أو العود؟
وأمّا الورس فهو صبغ يتّخذ منه الحمرة للوجه، وهو نبات كالسمسم لا يوجد إلاّ باليمن، وفي القانون: الورس شيء أحمر قان يشبه سحيق الزعفران.2

اختصاص الحرمة بالأنواع الستة

ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى اختصاص الحرمة بأنواع ستة; أعني : المسك والعنبر والكافور والزعفران والورس والعود.3
أمّا العود: فقد سبق وروده في صحيح ابن أبي يعفور4، وأمّا الكافور فلفحوى ما دلّ على منع الميت المحرم منه5، والحي أولى بالحرمة.
وأمّا عدم ذكر الكافور في النصوص باعتبار قلّة استعمال الأحياء له. وأمّا ترك ذكر العود في غالب الروايات فلاختصاصه غالباً بالتجمير، فالمحرم هو الأنواع الستة، والظاهر من صاحب الوسائل هو اختيار هذا القول حيث عنون الباب بتحريم الستة وكراهية بقية الطيب.

1 . نفس المصدر و الباب: الحديث16.
2 . مجمع البحرين: مادة «ورس».
3 . الخلاف:2/302، المسألة 88.
4 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث15.
5 . الوسائل:2، الباب13 من أبواب غسل الميت.

صفحه 232
إلى هنا وقفنا على أدلّة الأقوال الثلاثة، وإنّما الكلام في كيفية الجمع.

علاج التعارض بين الأصناف الثلاثة

أمّا رفع التعارض بين الأربعة والستة فقد اتّضح ممّا ذكرنا حيث إنّ ترك ذكر الكافور والعود من نصوص الأربعة فلقلّة استعمال الكافور في الأحياء إلاّ عند التداوي، واختصاص العود غالباً بالتجمير ليطيبوا به الدار والخيام والألبسة.
وأمّا رفع التعارض بين الستة وما دلّ على حرمة الطيب بوجه الإطلاق، فهنا وجهان:
1. تخصيص أو تقييد ما دلّ على حرمة الطيب بغير الستة.
2. الأخذ بالعموم وحمل الأنواع المذكورة على الأغلظ تحريماً أو المختصّ بالكفّارة . وهذا الّذي اختاره الشيخ في «المبسوط» قال:ويحرم عليه الطيب على اختلاف أجناسه، وأغلظها خمسة أجناس: المسك والعنبر والزعفران والعود وقد أُلحق به الورس.1
وهذان الوجهان ذكرهما صاحب الجواهر2 إنّما الكلام في ترجيح أحد الوجهين على الآخر. ورجّح هو(قدس سره) الجمع الثاني، وقال في وجه الترجيح ما هذا توضيحه:
المشهور إنّه إذا دار الأمر بين المجاز والتخصيص، يقدّم التخصيص عليه، إمّا لعدم استلزام التخصيص المجاز، كما عليه المحقّقون من المتأخّرين من أنّ العام يستعمل في معناه اللغوي بالإرادة الاستعمالية، وإنّما يرد التخصيص، على

1 . المبسوط:1/319.
2 . الجواهر:18/326.

صفحه 233
الإرادة الجدّية، أو لكثرته حتى قيل، ما من عامّ إلاّ وقد خُصّ.
لكن تلك الضابطة فيما إذا دار الأمر بين أحد الأمرين، وأمّا إذا كان ارتكاب المجاز أمراً لا محيص عنه على كلا التقديرين، ودار الأمر بين مجاز ثان والتخصيص، فلا دليل على تقديم الثاني على الأوّل نظير المقام:
حيث إنّه لابدّ من صرف ما دلّ على حرمة الأربعة عن ظاهرها بالنسبة إلى الكافور والعود، لما عرفت من الدليل على حرمتهما، فيجب القول بالمجاز في الحصر المستفاد من لفظة «إنّما» من قوله:«إنّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء».1 بالحمل على الأغلظية الشديدة كي تنسجم مع الستة.
فعندئذ يدور الأمر ـ بعد ارتكابه ـ بين ارتكاب مجاز آخر فيها، بحملها على الأغلظية أو المختص بالكفّارة، وبالتالي الأخذ بعموم حرمة الطيب، أو الأخذ بحصر الحرمة على الستة وتخصيص عموم ما دلّ على حرمة الطيب بعامّة أنواعه، ففي مثله، لا دليل على تقديم التخصيص على المجاز، بل لابدّ من رفع التعارض باختيار فرد من المجاز، أعني: الحمل على الأغلظية، في الأربعة حتّى لا يتنافى مع حرمة الكافور والعود ولا سائر الأنواع، ويجامع العموم، بلا ورود تخصيص عليه.2
يلاحظ عليه: أنّ المتّبع هو الظهور العرفي، وما ذكره القائل بتقديم التخصيص على المجاز، أو ما ذكره صاحب الجواهر من تقديم المجاز الّذي لا ينثلم معه عموم العام، وجوه استحسانية، لا تثبت الظهور العرفي، ـ كما حقّق في محلّه ـ ، والأولى أن يعتمد في ترجيح ما دلّ على حرمة عموم الأنواع، وحمل الستة

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث8.
2 . الجواهر:18/326.

صفحه 234
على الأغلظية على الأُمور الّتي أشرنا إليها، وإليك فهرسها:
1. تضافر العمومات الدالّة على حرمة مطلق الطيب.
2. ورود التعليل في غير واحد من الروايات بأنّه لا ينبغي للمحرم التلذّذ بريح طيبة.
3. والأمر بإمساك الأنف عند مواجهة الريح الطيبة مطلقاً.
4. عمل المشهور بالروايات الدالّة على حرمة مطلق الطيب.
5. لزوم كثرة التخصيص المستهجن، مع كثرة النباتات والورود الّتي يتّخذ منها الطيب.
6. لزوم تحليل العطور الصناعية المجلوبة من الغرب إذا لم تتخذ من الأربعة.
7. وفي المقام روايات ـ ستوافيك في المسألة العاشرة ـ تدلّ على أنّ الملاك للمنع والجواز، هو كونه من الطيب وعدمه. نظير:
ألف. في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في مورد الحناء: «وما هو بطيب».1
ب. في رواية عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في مورد الأُترج: «طعام ليس هو من الطيب».2
ج. وفي رواية عبد اللّه بن هلال عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في مورد العصفر: «ليس العصفر من الطيب».3

1 . الوسائل:9، الباب23 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب26 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب40 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 235
صبغاً، وإطلاءً ، وبخوراً على بدنه أو لباسه، ولا يجوز لبس ما فيه رائحة، ولا أكل ما فيه الطيب كالزعفران.*
وهذه التعليلات تكشف عن أنّ المعيار هو كونه من الطيب وعدمه، ومن البعيد جداً حمل تلك الضابطة على الأربعة المعهودة.
فالقول بحرمة مطلق الطيب كما عليه المصنّف والمحقّق هو الأقوى.
* ما أفاده في المتن ناظر إلى كيفية الاستعمال، إذ بعد تحديد الموضوع، وانّه هل هو الأنواع الأربعة، أو الستة، أو عامّة أنواع الطيب؟ يقع الكلام في أنحاء استعمالات الطيب وهل المحرم خصوص الاستشمام، أو يعمّ أكل ما فيه طيب، ولُبس ومسّ ما فيه رائحته؟
1. الصبغ: الصبغ ـ بكسر الصاد ـ ما يصبغ به من الأدام ويغمز فيه الخبز ويؤكل، ويختصّ بكلّ إدام مايع كالخل ونحوه، والجمع: أصباغ، قال سبحانه:(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغ لِلآكِلينَ).1
أمّا الصبغ ـ بالفتح والسكون ـ فهو بمعنى التلوين، يقال: صبغ الثوب: لوّنه، والثوب الصبيغ: المصبوغ، فلو أُريد الأوّل يدخل في الأكل، ولو أُريد الثاني ففي مورد اللباس يدخل في الشم، وقد مرّ أنّ الورس ممّا يُصبغ به، وهو مورد المأكول كخلط الأرز بالزعفران، يدخل في الأكل والاستشمام.
2. الإطلاء: التلطيخ، ويقال: طليته بالدهن وغيره، وهو نوع تدهين.
3. البخور: كالفطور والسحور: دخان الطيب المحترق على بدنه ولباسه، وعلى ذلك لا يجوز لبس ما فيه رائحته.

1 . المؤمنون:20.

صفحه 236
والكلمة الجامعة لعامة الأقسام: انّه يحرم شمّاً وأكلاً ومسّاً.
لا شكّ أنّه إذا تعلّق الحكم بالأعيان، يراد به تحريم عامّة منافعه، إلاّ إذا دلّت القرينة على أنّ المراد به، نوع خاصّ منها، كما في قوله سبحانه:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ)1، فالمحرّم هو النكاح، لا النظر ولا المسّ بلا شهوة. وقوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)2، فالمحرم أكلها وبيعها وشراؤها. ونظيره المقام فإنّ النهي تعلّق في بعض الروايات بالذوات: كالمسك والعنبر، والزعفران والورس، لكن الموضوع الواقعي هو الطيب، فيكون الطيب واسطة في الثبوت، أي ثبوت الأحكام لهذه الموضوعات فتكون محرمة بما أنّها طيب، وهذا يُوجِد في الموضوع ضيقاً، بمعنى أنّ المحرم ما يقوم في طريق الانتفاع به بالتطيّب، من غير فرق بين الشم والأكل والشرب والمسّ بشرط وقوعها في هذا الطريق، وأمّا إذا كان خارجاً عن ذلك، كالبيع والشراء أو إذا علِقَ الطيب بباطن القدم دون أن يظهر أثره للإنسان أو مسّ الطيب بيديه، مع إمساك الأنف، فهو ليس بحرام.
وبذلك يظهر عدم تمامية ما ذكره العلاّمة في «التذكرة» من أنّه لو داس بنعله طيباً فَعَلِقَ بنعله، فإن تعمّد ذلك وجبت الفدية، وإن لم يتعمّد لم يكن عليه شيء.3
فإن قلت: قد ورد النهي عن مسّ الطيب في غير واحدة من الروايات، ففي صحيحة معاوية بن عمّار: «لا تمسّ شيئاً من الطيب» وهكذا غيرها.4 ومقتضى

1 . النساء:23.
2 . المائدة:13.
3 . التذكرة:7/312.
4 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 5 . ولاحظ الأحاديث 6 و 7و 8 من نفس الباب.

صفحه 237
والأقوى عدم حرمة الزنجبيل والدارصيني، والأحوط الاجتناب.*
ذلك حرمة المسّ مطلقاً، سواء أكان منتهياً إلى الاستشمام أو لا.
قلت: في نفس الروايات قرينة على أنّ المراد هو المسّ الّذي يقع في طريق الاستشمام، ففي صحيح معاوية بن عمّار بعد النهي عن مسّ الطيب:«وامسك على أنفك من الرائحة الطيبة»، وفي خبر حريز بعد النهي عن مسّه:«ولا الريحان ولا يتلذّذ به ولا بريح طيبة»، وهكذا غيرهما من الأحاديث الناهية عن مسّ الطيب، وهذا قرينة على أنّ المنهي عنه ـ كما مرّ ـ ما يكون منتهياً إلى الانتفاع بطيبه وريحه.
وهذا هو العلاّمة يعرف الطيب ما يكون معظم الغرض منها التطيّب، قال: الطيب ما تُطيّب برائحته، ويتّخذ للشم، كالمسك والعنبر والكافور والزعفران وماء الورد، والأدهان الطيبة كدهن البنفسج والورس، والمعتبر أن يكون معظم الغرض منه التطيّب أو يظهر فيه هذا الغرض.1
فإنّ هذا هو المفهوم من الطيب، فلو وقع مصباً للنهي، يتضيّق الموضوع حسب ضيق المفهوم.
* لعدم كونهما من الطيب لما عرفت من أنّ الطيب عبارة عمّا يكون معظم الغرض منه هو التطيّب أو ما يظهر فيه هذا الغرض، وهما ليسا كذلك، لأنّ الغاية من استعمالهما، هي الأغراض الصحّية.

1 . التذكرة:7/304. عدّ دهن البنفسج من الأدهان الطيّبة، يخالف ما ورد في حديث الأحمسي. فلاحظ الوسائل:9، الباب31 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 238
المسألة 10: يجب الاجتناب عن الرياحين، أي كلّ نبات فيه رائحة طيبة، إلاّ بعض أقسامها البرية كالخزامي، وهو نبت زهره من أطيب الأزهار على ما قيل، والقيصوم والشيح والإذخر.*

* الكلام في الرياحين ومستثنياتها

لمّا فرغ عن بيان حكم الطيب، شرع ببيان حكم الرياحين، وهو موضوع مستقل لا صلة له بالطيب وإن كانت تشاركه في أنّ لها رائحة طيبة.
إنّ الرياحين جمع، مفردها الريحان، وهو كلّ نبات طيّب الرائحة، سواء كانت بريّة، أو غيرها، وأمّا الريحانة فيراد بها «طاقة الريحان».
ويدلّ على أنّ الرياحين موضوع مستقل غير الطيب، هو تعريف الثاني بقولهم: إنّه الجسم ذو الريح الطيبة يؤخذ للشم غالباً غير الرياحين.1
وبذلك علم أنّ الريحان العربي، غير الريحان الفارسي، فالأوّل أعمّ يطلق لكلّ نبات فيه رائحة طيبة، بخلاف الثاني فإنّه نوع من الخضروات ذو رائحة طيبة نظير النعناع.
يقول الشاعر:
وريحان النبات يعيش يوماً *** وليس كذاك ريحان المقـال
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ للشيخ الطوسي في «المبسوط» والعلاّمة في «التذكرة» والشهيد الثاني في «المسالك» كلاماً في أقسام النباتات، يلقي ضوءاً على البحث.2

1 . المسالك:2/252.
2 . المبسوط:1/352; التذكرة:7/304; المسالك:2/252.

صفحه 239
ونحن ننقله هنا من «التذكرة»; قال: النبات الطيب أقسامه ثلاثة:
الأوّل: ما لا ينبت للطيب ولا يتّخذ منه، كنبات الصحراء من الشيح والقيصوم، والخزامى والإذخر والدارصيني والمصطكي و الزنجبيل والفواكه; كالتفاح والسفرجل والنارنج و الاترج، وهذا كلّه ليس بمحرم فلا تتعلّق به كفّارة; وكذا ما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب، كالحناء والعصفر.
الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتّخذ منه طيب، كالريحان الفارسي والمرزجوش والنرجس والبَرَم، قال الشيخ: فهذا لا تتعلّق به كفّارة ويكره استعماله.
الثالث: ما يقصد شمّه ويتّخذ منه الطيب، كالياسمين والورد والنيلوفر، والظاهر أنّ هذا يحرم شمّه وتجب منه الفدية.
وحاصل كلامه: انّ النبات على أقسام ثلاثة:
1. ما لا يقصد منه الطيب ولا يتّخذ منه، سواء أكان طبيعياً (البري) أو ما يزرعه الإنسان.
2. ما ينبته الآدميون للشم ولا يتّخذ منه طيب، كالريحان الفارسي.
3. ما ينبته الآدميون للشم ويتّخذ منه الطيب.
والمراد في المقام هو الأقسام الثلاثة، بدليل أنّ المصنّف استثنى الرياحين البرية.
كما أنّ القسم الثالث الّذي يتّخذ منه الطيب بنفسه ليس طيباً، سواء كان رطباً أو يابساً إنّما الطيب هو ما يحصل من عصارته وعلاجه بشكل من الأشكال، ولذلك وقع الكلام في المقام في حرمة الاستفادة من هذه النباتات قبل أن يتّخذ منها الطيب.

صفحه 240
ثمّ إنّه اختلفت كلمات الفقهاء في حرمة شمّ الرياحين للمحرم.
قال الشهيد: وفي الرياحين قولان أقربهما التحريم، إلاّ الشيح والخزامى والإذخر.1
ثمّ إنّ المصنّف فصّل في الرياحين بين الطبيعي(البري) وما ينبته الآدمي، فقال بجواز الأوّل لورود النصّ فيه وبوجوب الاجتناب عن الثاني.
ففي صحيحة معاوية بن عمّـار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):»لا بأس أن تشمّ الإذخر والقيصوم والخزامى والشيح2 وأشباهه وأنت محرم».3
استدلّ للتحريم بروايتين:
1. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«لا تمسّ ريحاناً وأنت محرم، ولا شيئاً فيه زعفران، ولا تطعم طعاماً فيه زعفران».4
والنهي ظاهر في الحرمة خصوصاً بقرينة عطف الزعفران عليه، فإنّ استعماله ممنوع شمّاً و أكلاً.
2. ما رواه حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)بلا واسطة تارة، وأُخرى بالواسطة. أمّا الأُولى: فعنه (عليه السلام) قال: »لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذّذ به،

1 . الدروس:1/343.
2 . الإذخر: حشيش طيب الريح أطول من الثيل ينبت على نبتة الكولمان، واحدتها إذخرة.
القيصوم: نبات طيب الرائحة من رياحين البر، ورقه هدب وله نورة صفراء، وهي تنهض على ساق وتطول.
الخزامى: عشبة طيبة الرائحة، طويلة العيدان صغيرة الورق، حمراء الزهرة وهي من أطيب الأزهار.
الشيح: نبات سهلي له رائحة طيبة وطعم مرّ.
إنّما الكلام في حرمة الأنواع الباقية سواء أكان برياً أم غيره.
3 . الوسائل:9، الباب25 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 241
فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدّق بقدر ما صنع بقدر شبعه ـ يعني من الطعامـ ».1
وأمّا الرواية الثانية فهي ما رواه أيضاً عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان، ولا يتلذّذ به، ولا بريح طيبة، فمن ابتلى بذلك فليتصدّق بقدر ما صنع قدر سعته».2
أقول: يلاحظ على رواية حريز بوجهين:
1.الظاهر سقوط «عمّن أخبره» عن السند الأوّل ضرورة انّه إذا سمع الرواية من نفس المعصوم، لا حاجة إلى نقلها عمّن سمعها.
2. انّ كفّارة استعمال الطيب هو دم شاة ـ كما سيوافيك ـ لا التصدّق بقدر شبعه كما في النقل الأوّل، أو «قدر سعته» كما في النقل الثاني، والظاهر تطرّق التصحيف إلى الرواية، لوجود الشباهة بين اللفظين «شبعه» «سعته» عند الكتابة والرواية معرض عنها.
نعم صحيحة عبد اللّه بن سنان صالحة في الاحتجاج، وهي ظاهرة في الحرمة لا يمكن رفع اليد عنها بحملها على الكراهة إلاّ بدليل.

دليل القائل بالجواز

يمكن تقريب جواز استشمام الرياحين بالروايات التالية:
1. ما ورد في صحيح معاوية بن عمّار من قوله:»لا بأس بأن تشمّ الأذخر

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث11.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.

صفحه 242
والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه».1 فإنّ المراد من الأشباه هو الرياحين.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ وجه الشبه هو كونه نباتاً برياً ينبت طبيعياً لا بفعل الآدمي، وإلاّ لو كان المراد هو الرياحين الّتي تنبت بفعل الآدمي، فالأولى التصريح به، لأنّه الأولى بالذكر من البري لممارسة الإنسان له أكثر ممّا ورد في الرواية.
2. قد ورد السؤال في غير واحد من الروايات عن أُمور كالحناء و الأترج والعصفر، فأجاب الإمام بالجواز، مستدلاً بأنّه ليس من الطيب، وهذا يدلّ على أنّ موضوع الحرمة هو الطيب وليس هو مع الرياحين، مضافاً إلى مشاركة هذه الأشياء الثلاثة مع الرياحين في كونها ذوات روائح طيّبة، فتجويزها دون الرياحين رهن دليل قويّ. وإليك بعض هذه الروايات:
1. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الحِنّاء؟ فقال: «إنّ المحرم ليمسّه ويداوي به بعيره، وما هو بطيب، وما به بأس».2
2. موثّقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يأكل الأُترج؟ قال:«نعم» قلت: له رائحة طيبة، قال: «الأترج طعام ليس هو من الطيب».3
3. خبر عبد اللّه بن هلال قال: سُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن الثوب يكون مصبوغاً بالعصفر ثم يُغسل ألبسه وأنا محرم؟ قال:«نعم ليس العصفر من الطيب، ولكن أكره أن تلبس ما يشهرك به الناس».4

1 . الوسائل:9، الباب25 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب23 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب26 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب40 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 243
وجه الاستدلال بهذه الروايات:
أوّلاً: أنّ الإمام استدلّ على جواز استعمال هذه الأُمور بأنّ الحنّاء أو الاترج ليس من الطيب، وهذا يدلّ على أنّ المحور هو في ذوات الروائح الطيبة، هو كونه طيباً، فلو كان هناك عنوان آخر للحرمة وهو كون الشيء من الرياحين، لوجب أن يقول: ليس من الطيب ولا من الرياحين.
وثانياً: أنّ استعمال الحنّاء وأكل الأترج، ولبس الثوب المعصفر يلازم شمّ الريح الطيبة، أفلا يدلّ ذلك على أنّ شمّ الروائح الطيبة حلال، ريحاناً كان، أو غيره، كما في الحنّاء والأترج والثوب المعصفر، لا أقول إنّ هذه الأشياء الثلاثة من الرياحين، بل أقول: وجود الجامع بينها و بين هذه الأشياء، وإنّ الجميع من مصاديق ذوات الروائح الطيبة، فتجويز الثانية دون الأُولى أمر غريب، يحتاج إلى إعمال التعبّد.
فإن قلت: قد ورد في صحيحة ابن عمّار قوله:«فإنّه لا ينبغي لك (للمحرم) أن تتلذّذ بريح طيّبة».1
قلت: يحمل على الاستحباب لأجل هذه الروايات.

دعم الجواز بما دلّ على التدهين قبل الإحرام

ويمكن دعم جواز شمّ الرياحين بما دلّ على جواز التدهين بالإدهان الّتي ليس فيها طيب، والّتي ربّما تبقى رائحته الطيبة بعد الإحرام.
1. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:»لا تدهن حين تريد أن تُحرم

1 . الوسائل:9، الباب18من أبواب تروك الإحرام، الحديث9.

صفحه 244
بدهن فيه مسك ولا عنبر من أجل أنّ رائحته تبقى في رأسك بعد ما تُحرم، وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحلّ».1
أمّا حرمة التدهين بعد الإحرام فهو أحد المحظورات، من غير فرق بين دهن فيه مسك أو عطر أو غيرها ممّا فيه رائحة طيبة وإن لم يكن من الطيب، إنّما الكلام في التدهين قبل الإحرام فقد منع عن القسم الّذي فيه مسك أو عنبر (أي الطيب وإنّما ذكرهما من باب المثال) دون القسم الّذي ليس فيه الطيب، والدهن الخالي عن الطيب ربّما يتضمّن ريحاً طيبة تبقى بعد التدهين إلى حالة الإحرام ويشمّها المحرم، وعندئذ يطرح هذا السؤال: أي فرق بين الإدهان والرياحين.
2. ما دلّ على جواز التدهين بعد الغسل وقبل الإحرام بالسليخة الّتي هي دهن ثمر شجرة «البان»، روى الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل المحرم يدهن بعد الغسل؟ قال:«نعم» فادهنّا عنده(عليه السلام) بسليخة بان. وذكر أنّ أباه كان يدهن بعد ما يغتسل للإحرام، وأنّه يدهن بالدهن ما لم يكن فيه غالية2، أو دهناً فيه مسك أو عنبر.3
كلّ ذلك يدعم أنّ المحرّم هو الطيب بعامّة أنواعه دون الرياحين، وما ذكرنا من الوجوه المؤيدة للجواز لم تكن كافية في الأثناء بجواز شمّ الرياحين، فلا أقلّ أنّه يصد الفقيه عن الإفتاء بحرمته، وأقصى ما يمكن أن يقال:وجوب الاجتناب احتياطاً عن الرياحين الّتي ينبتها الآدميّون لاتّخاذ الطيب منها، كما مرّ في كلام

1 . الوسائل:9، الباب29 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الغالية: أخلاط من الطيب.
3 . الوسائل:9، الباب30 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 245
ويستثنى من الطيب خلوق الكعبة وهو مجهول عندنا، فالأحوط الاجتناب من الطيب المستعمل فيها.*
العلاّمة في «التذكرة» كالياسمين والورد والنيلوفر. وأمّا غيرها فالأقوى عدم وجوبه.
* المستثنيات
ثمّ إنّه استثنى من حرمة الطيب الأُمور التالية:
1. خلوق الكعبة.
2. ريح العطّارين بين الصفا والمروة.
3. الطيب المستهلك لوناً وريحاً.
4. الاضطرار إلى استعمال الطيب.
5. جواز النظر إلى الطيب مع الاحتراز عن اشتمامه.
وقد استثنى المصنّف خلوق الكعبة في ذيل المسألة، ويأتي الكلام في سائرها في المسائل التالية:
البحث عن خلوق الكعبة ماهيّةً وحكماً قليل الفائدة، لأنّ تطييب الكعبة به أصبح متروكاً، ـ و إن كان يباع في أسواق قليلة باسم «خلوق الكعبة» على ما سمعنا من بعض الثقات ـ وقد حلّ مكانه تطييبها بماء الورد المجلوب من قمصر كاشان ـ على ما سمعنا ـ، فلو ترتّب للبحث عنه أثر فإنّما يعـود إلى إمكان إلغـاء الخصوصية بالنسبة إلى ما تغسل به الكعبة اليوم بماء الورد أو سائر العطـور أو ما تُطيّب به من جانب الوافدين من أقطار العالم. والمصنّف وصفه

صفحه 246
بكونه مجهولاً ومع ذلك احتاط بالاجتناب عن الطيب المستعمل فيه.

ما هو الخلوق؟

هل الخلوق طيب مستقلّ، أو مركب من عدة أنواع من الطيب، أو من عدّة أشياء منها الزعفران؟ وعلى كلّ تقدير كانت الكعبة تطيّب به وتنظّف من الأوساخ العالقة على جدرانها أو أستارها، لأجل استلام الحجاج الوافدين من بلاد مختلفة ومن ثقافات متنوّعة والذين يتفاوتون في النظافة.
ولعلّ استثناءه لأجل أنّ الاجتناب عنه لمساً أو شمّاً يتلقّى إهانة للبيت الحرام أو يورث عسراً وحرجاً، لكن وصفه في الروايات ـ كما سيوافيك ـ بكونه طهوراً، وبالتالي مظهراً لقوله سبحانه خطاباً لنبيّه إبراهيم وابنه إسماعيل: (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)1، دليل على أنّ الاستثناء على وفق القاعدة لا لأجل الاضطرار.
وقد وصف غير واحد، الخلوق بالإجمال والتفصيل.
أمّا الأوّل فنظير ما ذكره ابن الأثير في «النهاية» قال: الخلوق: طيب معروف يتّخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وربّما تطيّب به الكعبة.2
وأمّا الثاني فنظير ما نقله في «الجواهر» عن ابن جزلة المتطبّب: انّ صفته: زعفران ثلاثة دراهم، قصب الذريرة خمسة دراهم، «أشنه» درهمان، «قرنفل» و«قرفد» من كلّ واحد درهم، يدقّ ناعماً، ويُنخل ويعجن بماء ورد، ودهن ورد،

1 . البقرة:125.
2 . النهاية: 2/71، مادة «خلق».

صفحه 247
حتى يصير كالرهشي في قوامه، و«الرهشي» هو السمسم المطحون قبل أن يعصر ويستخرج دهنه.1
وعلى قول هذا المتطبّب فالزعفران أحد أجزائه وليس الركن الركين، إذ فيه من الطيب ماء الورد ودهن الورد.

ما هو حكمه؟

اتّفق الأصحاب على أنّه مستثنى من الطيب; قال الشيخ: إذا مسّ خلوق الكعبة لا فدية عليه، عالماً كان أو جاهلاً. قال الشافعي: إن جهل إنّه طيب فبان طيباً رطباً، فإن غسله في الحال، وإلاّ فعليه الفدية، وإن علمها طيباً فوضع يده عليه يعتقد يابساً فبان رطباً ففيها قولان.2
وقال في «التذكرة»: ولا بأس بخلوق الكعبة وشمّ رائحته، سواء كان عالماً أو جاهلاً، عامداً أو ناسياً.3
إلى غير ذلك من الكلمات، ومستند الجواز الروايات الواردة في هذا الباب.
1. صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم؟ قال: «لا بأس ولا يغسله فإنّه طهور».4
والمراد من كونه طهوراً هو ما ذكرنا من تنظيف البيت وتطييبه. فإطلاق »لا

1 . الجواهر:18/321، نقله عن كتاب المنهاج له. والأشنة: نباتات من مستورات الزهر، تظهر في الأمكنة الرطبة على الأشجار والصخور والمياه، ويعرف بالطُّحْلُب.(المنجد).
والقرنفل: ثمر شجرة كالياسمين.
2 . الخلاف:2/307، المسألة 95.
3 . التذكرة:7/308.
4 . الوسائل: 9، الباب21 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 248
بأس» يعمّ المسّ والشمّ، وإلاّ لأمر الإمام بإمساك الأنف عن شمّه، على أنّ الإمساك يُعدّ إهانة بالنسبة إلى الكعبة المشرّفة.
2. صحيحة يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة، قال: «لا يضره ولا يغسله».1
والظاهر أنّ الزعفران الّذي أصاب ثوب المحرم هو زعفران خلوق الكعبة، لما عرفت من أنّه مركّب من أخلاط منها الزعفران، إذ من البعيد أن يكون على جدران البيت مادة زعفرانية مجردة عن كلّ شيء.
ومعنى أنّه «لا يضره» أنّه لا تتعلّق عليه الفدية بالمسّ والشمّ.
3. ما رواه الصدوق باسناد صحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن خلوق الكعبة وخلوق القبر يكون في ثوب الإحرام؟ قال:«لا بأس بهما هما طهوران».2
ودلالته على جواز المسّ والشم مثل ما تقدّم. والمراد من خلوق القبر قبور الأنبياء والأولياء الذين كان المحرم يزورها وفي مقدّمتها قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة، ولعلّ ضريحه كان يُطيَّب بالخلوق.
وهناك فرق بين هذه الرواية وما تقدّمهما. إذ الأوليان بصدد بيان نفي البأس إذا أصاب خلوق الكعبة ثوب المحرم بعد إحرامه، وأمّا هذه الرواية فهي بصدد نفي البأس عن الإحرام بالثوب الّذي تطيّب بخلوق القبر، وتكون النتيجة أنّ الخلوق غير مانع عن صحّة الإحرام بقاءً كما في الحديثين، وحدوثاً كما في هذا الحديث.

1 . نفس المصدر، الحديث2.
2 . نفس المصدر، الحديث3.

صفحه 249
4. ما رواه الصدوق عن سماعة بن مهران بإسناد موثّق ـ لوجود عثمان بن عيسى الواقفي في طريقه ـ أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة وهو محرم؟ فقال:«لا بأس به وهو طهور، فلا تتقه أن يصيبك».1
والمراد من الزعفران هو زعفران الخلوق، فيدلّ على عدم وجوب الاجتناب ـ لمساً وشمّاً ـ عن الزعفران الّذي تطيّبت به الكعبة.
5. مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سُئل عن خلوق الكعبة للمحرم أيُغسل منه الثوب؟ قال:«لا، هو طهور ـ ثمّ قال: ـ إنّ بثوبي منه لطخاً».2
ودلالتها على جواز اللمسّ والشم واضحة.
فتحصّل من هذه الروايات استثناء الخلوق أوّلاً، وخصوص الزعفران ثانياً.
ثمّ إنّ المصنّف لمّا حكم بكون خلوق الكعبة مجهولاً عنده، احتاط بالاجتناب عن الطيب المستعمل فيه، وذلك: لتردّد الطيب الخارجي بين كونه مصداقاً للمخصص، أعني: «لا بأس بخلوق الكعبة»، فجوز شمّه ولمسه وخارجاً عن العامّ، وما ليس مصداقاً له باقياً تحت العامّ فيحرم شمّه ولمسه، فكون المقام من قبيل المتباينين اللّذين نعلم بحرمة أحدهما، وجواز الآخر، فيحكم العقل بوجوب اجتنابهما للعلم بملاك الحرمة في أحدهما دون الآخر، تحصيلاً للبراءة.
ثمّ إنّ عدم صحّة الاحتجاج بالعام في المقام، ليس لفقد المقتضي، بل لوجود المانع وهو العلم بخروج فرد وبقاء فرد آخر، مع عدم المعرفة بالخارج

1 . نفس المصدر، الحديث4.
2 . نفس المصدر، الحديث5.

صفحه 250
والباقي، وهذا نظير قوله سبحانه: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)1، فإذا ورد »الرضاع لحمة كلحمة النسب»، فتردد الرضيعة بين امرأتين، يعلم بخروج إحداهما عن العام، وبقاء الآخر تحت العام، فيجب الاجتناب عن كلتيهما، للعلم بوجود ملاك الحرمة من إحداهما وإن لم يكن في الأُخرى.

هل الجواز يختص بالخلوق أو يعمّ غيره؟

مقتضى الجمود على ظواهر الحديث هو استثناء الخلوق على أجماله والزعفران الملصق بالبيت، وأمّا إلغاء الخصوصية وتجويز كلّ ما يتطيّب به البيت من العطور وماء الورد خصوصاً بالنسبة إلى السنّة الجارية بين الوافدين من الهنود وغيرهم الذين يأتون بالعطور ويطيّبون بها الكعبة خاصة المستجار، ويتطيّب لباس الإحرام والطائف به، فهل هو محكوم بحكم الخلوق أو لا؟
وفي «المسالك» بعد ما فسّر الخلوق بأنّه أخلاط خاصّة من الطيب منها الزعفران قال: فعلى هذا لو كان طيبُ الكعبة غيرها حرم، كما لو جمّرت الكعبة لكن لا يحرم عليه الجلوس فيها وعندها حينئذ، وإنّما يحرم الشم; ولا كذلك الجلوس في سوق العطّارين، وعند المتطيّب فإنّه مُحرّم.2
يلاحظ عليه: أنّه إذا جاز له الجلوس كيف يحرم عليه الشم، لأنّه عُسر وحرج أوّلاً، وإهانة بالنسبة إلى الكعبة ثانياً، فأمّا أن لا يجوز الجلوس، أو إذا جاز فيتبعه ما هو من لوازمه.
والظاهر إلغاء الخصوصية بوجهين:

1 . النساء:3.
2 . مسالك الأفهام:2/254.

صفحه 251
المسألة11: لا يجب الاجتناب عن الفواكه الطيبة الريح كالتفاح والأترج أكلاً واستشماماً، وإن كان الأحوط ترك استشمامه.*
1. التعليل الوارد في صحيحة عبد اللّه بن سنان وموثّقة سماعة ومرسلة ابن أبي عمير «من أنّه طهور»، فكلّ ما يصدق عليه أنّه طهور وتنظيف للكعبة يجوز لمسه وشمّه.
2. انّه سيوافيك في المسألة الثانية عشرة أنّه يجوز استشمام العطر في سوق العطّارين بين الصفا والمروة، إذا كان مجتازاً، فليكن المقام من هذا القبيل إذا كان جالساً لا لغرض الاستشمام، بل للدعاء والصلاة وغيرهما.
* قد عرفت أنّ المحرّم هو الطيب شمّاً ومسّاً وأكلاً، وما ذكر من الأمثلة يعدّ من الفواكه وليست من الطيب، ثمّ إنّ الكلام في الفواكه الطيبة الريح يقع في موضعين:
1. شمّها حين الأكل.
2. شمّها مجرّداً عن الأكل.
أمّا الأوّل فالظاهر جوازه للنصّ التالي:
موثّقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يأكل الأترج؟ قال:«نعم»، قلت: له رائحة طيبة، قال:«الأترج طعام ليس هو من الطيب».1
فإذا جاز الأكل جاز الشم للملازمة بينهما، فما عن الشيخ من حمل الرواية على من أمسك على أنفه فغير ظاهر، إذ لو كان كذلك لنبّه الإمام عليه.

1 . الوسائل:9، الباب26 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 252
نعم ورد الأمر بالإمساك في مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التفاح والأترج والنبق1 وما طاب ريحه؟ فقال:»يمسك على شمّه ويأكله».2 وقوله:«ويأكله» جملة حالية، أي لا يشمّه حين يأكله، ويحتمل بعيداً أن يكون الواو عاطفة، والمعنى لا يشمّه مستقلاً ـ مجرّداً عن الأكل ـ ولكن يأكله، وعندئذ يكون ناظراً للموضع الثاني.
وما في هذه الرواية هو الّذي أفتى به ابن أبي عمير عند ما سأله علي بن مهزيار قال: سألتُ ابن أبي عمير عن التفاح والأترج والنبق وما طاب ريحه؟ قال:تمسك عن شمّه وتأكله.3
ولو صحّ الاحتجاج بمرسلته ـ كما هو غير بعيد ـ لما أثبتنا في محلّه من أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة، فهو محمول على الكراهة، لأجل رواية عمّار بن موسى.
وهنا وجه آخر وهو انّ الموثّقة صريحة في جوا زالأكل ودالّة على جواز الشم بالملازمة العرفية بخلاف المرسلة، فإنّها تدلّ بالدلالة اللفظية على عدم جواز الشم، وهي أقوى من الدلالة الالتزامية، إلاّ أنّ المرسلة مهما صحّت لا تقاوم المسندة، هذا كلّه حول الموضع الأوّل.
وأمّا الموضع الثاني: أعني: شمّ الفواكه الطيبة الريح، فيمكن القول بحرمته اعتماداً على ما قد ورد في غير واحد من الروايات لزوم إمساك الأنف من الريح الطيبة.
1. ففي صحيحة معاوية بن عمّار: لا تمسّ شيئاً من الطيب ولا من الدهن،

1 . ثمرة شجرة السدر.
2 . نفس المصدر، الحديث3.
3 . نفس المصدر، الحديث1.

صفحه 253
في إحرامك، واتّق الطيب في طعامك، وامسك على أنفك من الريح الطيبة ولا تمسك عليه من الريح المنتنة، فإنّه لا ينبغي للمحرم أن يتلذّذ بريح طيّبة.1
2. ما رواه أيضاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)وفيه: «وامسك على أنفك من الريح الطيبة ولا تمسك من الريح المنتنة، فإنّه لا ينبغي لك أن تتلذّذ بريح طيبة».2
3. صحيحة محمد بن مسلم: المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفه من الريح الخبيثة.3
قلت: إنّ للأمر بالإمساك عن الروائح الطيبة في مقابل الروائح المنتنة احتمالات:
1. أن يكون المراد روائح الطيب بأنواعه ويكون الأمر بالإمساك عن الروائح الطيبة تأكيداً للنهي الوارد في صدر الحديث، أعني:«لا تمسّ شيئاً من الطيب».
2. رائحة ما ينبته الإنسان للشم ولا يُتّخذ منه طيب كالريحان الفارسي والنرجس.
3. رائحة ما يقصد شمّه ويتّخذ منه الطيب كالياسمين والورد والنيلوفر.
4. الأعم ممّا ذكر وما له رائحة طيبة وإن كان معظم منافعه هو الأكل دون الشم.
فلو دلّ الحديث على تحريم استشمام الرائحة الطيبة فإنّما يدلّ على حرمة روائح الأقسام الثلاثة لا القسم الرابع.

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
2 . نفس المصدر، الحديث9. ولاحظ ما برقم 14. ولعلّ الأحاديث الثلاثة 5، 9 و 14 حديث واحد.
3 . الوسائل:9، الباب24 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 254
المسألة12: يستثنى ما يستشم من العطر في سوق العطارين بين الصفا والمروة فيجوز ذلك.*
بل القدر المتيقّن ما ينبته الإنسان للطيب ويؤخذ منه الطيب كما مثلناه، وأين هذا من التفاح والسفرجل؟
ثمّ إنّ القول بجواز استشمام الروائح الطيبة ومنعها غير مبنيّ على حرمة حصر الطيب بالأنواع الأربعة أو القول بسعتها لعامّة الأنواع، فإنّ هذا البحث غير دخيل في جواز استشمام الروائح الطيبة وعدمه، فهنا موضوعان مختلفان وبحثان متنوعان:
* الداعي إلى عنوان المسألة هو ورود الترخيص بذلك، في صحيحة هشام ابن الحكم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سمعته يقول:«لا بأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين، ولا يمسك على أنفه».1
ورواه المشايخ الثلاثة بلفظ واحد.
كانت جوانب المسعى في زمن صدور هذه الرواية سوقاً للعطارين، وقد شاهدت بعيني محلاتهم في السنة الّتي تشرفت بها للحجّ في عام 1375هـ ولكنّها كانت مقفلة، وقد أُزيلت محلاّتهم الآن وأصبح لا يرى لها أثر، وعلى ذلك فعنوان المسألة فاقد للموضوع. فأصبحت المسألة كالبحث عن خلوق الكعبة على قول.
ولكن يمكن أن تطرح مسألة أُخرى مكان هذه المسألة، وهي عبور المحرم في الأسواق الّتي يوجد فيها العطارون في غير المسعى، ونستنتج حكمها ممّا ورد في

1 . الوسائل:9، الباب20 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 255
المسألة13: لو اضطر إلى لُبْس ما فيه الطيب أو أكله أو شربه يجب إمساك أنفه، ولا يجوز إمساك أنفه من الرائحة الخبيثة، نعم يجوز الفرار منها والتنحّي عنها.*
النصّ الماضي.
الظاهر أنّ تجويز الاستشمام من العطر الصاعد في سوق العطارين بين الصفا والمروة، لأجل أنّ إمساك الأنف في حال السعي أمر حرجيّ للساعين، والقدر المسلّم من التجويز الوارد في الرواية، ما إذا لم تكن الغاية من الحضور في السوق أو الجلوس فيه هي استشمام العطور، وانّما مسّت الحاجة للحضور فيه لأجل السعي أو الاجتياز منه إلى المسجد الحرام أو غير ذلك. فعلى ضوء ذلك يمكن أن يقال بجواز الاجتياز من خلال تلك الأسواق إذا كانت هناك ضرورة، كما إذا كان مثلاً طريقه إلى الفندق، أو إذا أراد شراء شيء من السوق الّذي تنتشر فيه الروائح الطيبة، من غير فرق بين أن تكون الروائح الطيبة المتصاعدة، من العطور المعدّة للبيع أو من مناولة يد العطار وتقليبها لأجل الشراء، أو يكون بائع العطور متنقلاً في السوق الّذي يمرّ المحرم من خلاله. وعلى كلّ تقدير فالحكمة رفع الحرج والعسر في المنع من العبور أو في تجويزه مع إمساك الأنف.
نعم القدر المتيقّن ـ كما مرّ ـ إذا لم تكن الغاية من الاجتياز هو الاستشمام، وإلاّ إذا كان الغرض هو ذلك فالاحتياط هو إمساك الأنف.
* في المسألة فرعان:
1. لو اضطر إلى استعمال ما فيه الطيب يجوز له الاستعمال مع إمساك الأنف.

صفحه 256
2. لا يجوز إمساك الأنف من الروائح الخبيثة مع جواز الفرار منها.
وإليك دراسة الفرعين:
أمّا الأوّل: فيبحث فيه من جهتين:
الأُولى: هل يجوز استعمال الطيب في رفع الحرج مطلقاً، أو يختص بما إذا لم يكن له بدل من غير الطيب؟
الثانية: إذا جاز الاستعمال لأجل الأكل مثلاً فهل يجب عليه إمساك الأنف أو لا؟
فلندرس كلتا الجهتين:
أمّا الجهة الأُولى: فالروايات فيها على طائفتين:
1. ما يدلّ على جواز الاستعمال على وجه الإطلاق، سواء أكان له بدل أو لا.
وهذه كصحيحة إسماعيل بن جابر الّتي نقلها عنه تارة صفوان بن يحيى، وأُخرى جعفر بن بشير ـ الّذي لا يروي إلاّ عن ثقـة ـ وثالثـة الصدوق باسناده إليه. وظاهر «الوسائل» أنّها روايـات ثلاث مع أنّها رواية واحدة. والسـؤال يتعلّق باستعمال السعوط في رفع العلّة فـي الوجـه. والجواب في الجميع واحد «أسعط به» أو «استعط به»، وإن كانت ألفاظ الراوي تختلف فيها. وإليك نصّ الحديث:
روى صفـوان بـن يحيـى، عـن إسمـاعيـل بن جـابر ـ و كانت قد عـرضـت له (إسماعيل) ريح فـي وجهه من علّة أصابته وهو محرم ـ قـال: فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):إنّ الطبيب الّذي يعالجني وصف لي سعوطاً فيه مسك، فقال:

صفحه 257
«استعط به».1
وقيد الاضطرار والتداوي وإن ورد في كلام الراوي دون الإمام، ومثل ذلك لا يكون دليلاً على دخله في الحكم، لكنّه يكون مانعاً عن انعقاد الإطلاق في جواب الإمام، أعني: قوله «استعط به»، وهذه الرواية مطلقة، سواء أكان له بدل أو لا.
نعم السؤال والجواب يركّز على تجويز السعوط لكنّه ذكر بعنوان المثال، أي استعمال ما فيه طيب وإن لم يكن سعوطاً، كالتدهين بالطيب أو التجمّر بالعود.
2. ما يمنع عن التداوي بالطيب ويرشد إلى التداوي بالأكل وغيره. ومن المعلوم أنّ هذه الروايات ناظرة إلى ما إذا كان للطيب بدل، دون ما إذا لم يكن. وإليك هذه الروايات:
1. ما رواه أبو الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا اشتكى المحرم فليتداو بما يأكل وهو محرم».2
2. مرسلة أبان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سُئل عن رجل تشقّقت يداه ورجلاه وهو محرم أيتداوى؟ قال:«نعم بالسمن والزيت». وقال:»إذا اشتكى المحرم فليتداو بما يحلّ له أن يأكله وهو محرم».3
وظاهر الروايتين اختصاص التداوي بما ليس فيه الطيب دون ما فيه طيب. نعم القدر المسلّم من المنع إذا كان له بدل.

1 . الوسائل:9، الباب19 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1. وانظر الحديث 2و3. والسعوط: الدواء يصبُّ في الأنف.
2 . الوسائل:9، الباب69 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب69 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 258
3. صحيحة عمران الحلبي1 قال: سُئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يكون به الجرح ويتداوى بدواء فيه زعفران؟ قال:«إن كان الغالب على الدواء فلا، وإن كانت الأدوية الغالبة عليه فلا بأس».2
ترى أنّ الإمام لا يرخّص إلاّ إذا كان سائر الأدوية هي الغالبة والزعفران هو المغلوب والمستهلك على نحو لا يبقى فيها إلاّ لونه.
إلى غير ذلك من الروايات3 الظاهرة في المنع عن استعمال الطيب، إذا وجد لرفع الاضطرار بدل.
والجمع بين الطائفتين هو تقييد إطلاق الطائفة الأُولى بالثانية فتكون النتيجة هي الترخيص في استعمال الطيب إذا كان رفع الاضطرار منحصراً به.

الجهة الثانية

وهي وجوب إمساك الفم عند استعمال الطيب لأجل الضرورة. وهذا هو المعروف بين الفقهاء.
قال في «السرائر»: فإن اضطرّ إلى أكل طعام فيه طيب أكله غير أنّه يقبض على أنفه.4
وقال المحقّق: ولو اضطر إلى أكل ما فيه طيب أو لمس الطيب قبض على أنفه،5 عملاً بالنصوص.

1 . وهو عمران بن علي بن أبي شعبة وثّقه النجاشي والمفيد.
2 . الوسائل:9، الباب69 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
3 . الوسائل:9، الباب69 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4و5.
4 . السرائر:1/545.
5 . الشرائع:1/249.

صفحه 259
وقال في «المستند» قالوا: إذا اضطر المحرم إلى مسّ الطيب، لدواء أو نحوه أو إلى أكله، قبض على أنفه وجوباً مؤذناً بدعوى الإجماع.1
ويدلّ عليه أمران:
الأوّل: القاعدة المسلّمة في باب الاضطرار وانّ الضرورات تتقدّر بقدرها، وقد مرّ في الجهة الأُولى أنّه إذا كان للتداوي بالطيب بدل لا يعدل عنه إلى الطيب، وما هذا إلاّ لتلك الضابطة الكلّية. فلو اضطرّ إلى الأكل لا يجوز له الشم، لأنّ الترخيص يدور مدار الاضطرار والمفروض أنّ الشم غير مضطر إليه.
الثاني: إطلاق صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيّبة».2

الفرع الثاني: عدم جواز إمساك الأنف على الرائحة الخبيثة

وقد ورد النهي عنه في غير واحد من الروايات ففي صحيحة محمد بن مسلم: المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفه من الريح الخبيثة.3
وفي صحيحة معاوية بن عمّار: وامسك على أنفك من الرائحة الطيبة ولا تمسك على الأنف من الرائحة المنتنة.4
وفي صحيحة ابن سنان: المحرم إذا مرّ على جيفة فلا يمسك على أنفه.5

1 . المستند:11/376، وقد ادّعى العلاّمة الإجماع في التذكرة:7/313.
2 . الوسائل:9، الباب24 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1.
3 . الوسائل:9، الباب24 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب24 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
5 . الوسائل:9، الباب24 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 260
المسألة 14: لا بأس ببيع الطيب وشرائه والنظر إليه، لكن يجب الاحتراز عن استشمامه.*
واعلم أنّه قد ورد في الصحيحتين جملتان:
أوّلهما أمر: المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة، وامسك على أنفك من الرائحة الطيبة.
وثانيهما نهي: ولا يمسك على أنفه من الريح الخبيثة، ولا تمسك على الأنف من الرائحة المنتنة.
والأوّل ظاهر في الوجوب والثاني في الحرمة، من غير فرق بين القول بوجوب الإمساك عن عامّة الروائح الطيبة، أو القول باختصاصها ببعض أنواعها، وذلك لأنّ اختصاص الأوّل بالبعض، ـ عند القائل به ـ لا يوجب استعمال الأمر ـ على نحو العموم ـ في الاستحباب حتى تنثلم وحدة السياق ويوجب سقوط ظهور الجملة الثانية في الحرمة، لأنّ التخصيص، تخصيص في الإرادة الجدية، لا الاستعمالية، فالإمساك عن الرائحة الطيبة واجب على نحو العموم بالإرادة الاستعمالية، وإن كان الجد على خلافها.
وإن شئت قلت: إنّ التخصيص لا يزاحم ظهور العامّ عن العموم وإنّما يزاحم حجّيته فيه، كما بيّن في محلّه.

* بيع الطيب للمحرم

قد تقدّم أنّ النهي المتعلّق بالأعيان ينصرف إلى أظهر آثارها، وذكرنا أمثلة لذلك، فالنهي عن الطيب ينصرف إلى شمّه أو استشمامه أو أكله وشربه ـ

صفحه 261
المسألة15: كفّارة استعمال الطيب شاة على الأحوط، ولو تكرّر منه الاستعمال فإن تخلّل بين الاستعمالين الكفّارة تخلّلت، وإلاّ فإن تكرر في أوقات مختلفة فالأحوط الكفّارة، وإن تكرر في وقت واحد لا يبعد كفاية الكفّارة الواحدة.*
فيما يؤكل ـ وأمّا البيع والشراء، فليس من أظهر آثاره فيجوز.
قال الشيخ في «المبسوط»: وإذا اجتاز في موضع يباع فيه الطيب لم يكن عليه شيء، فإن باشره بنفسه أمسك على أنفه منه.1
وقال ابن إدريس: ومتى اجتاز المحرم في موضع يباع فيه الطيب لم يكن عليه شيء، فإن باشره بنفسه أمسك على أنفه منه.2
وعلى كلّ تقدير يجوز البيع كما يجب الإمساك عند البيع والشراء، لأنّ المنهيّ عنه هو الطيب واستعماله، وليس البيع منه، وتشير إلى ذلك صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) كشف بين يديه طيب لينظر إليه وهو محرم، فأمسك بيده على أنفه بثوبه من ريحه.3 ولعلّ الإمام كان بصدد الشراء.

* في المسألة فروع:

1. الكفّارة في عامّة استعمال الطيب أكلاً وغيره.
2. إذا تكرّر الاستعمال وتخلّلت الكفّارة بين الاستعمالين.
3. إذا تكرّر الاستعمال ولم يتخلّل بينهما كفّارة.

1 . المبسوط:1/319.
2 . السرائر:1/545.
3 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 262
4. إذا تكرّر الاستعمال في وقت واحد.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الكفّارة في استعمال الطيب

البحث في المقام مركّز على أمرين:
1. ما هو موضوع الكفّارة هل هو أكل الطيب أو مطلق استعماله؟
2. إذا حُدِّد الموضوع خصوصاً أو عموماً فهل الكفّارة هي الدم، أو شيء آخر كالتصدّق بالتمر بمقدار الدرهم أو غير ذلك؟
وإليك الكلام في الأمر الأوّل.
هل يختّص وجوب الكفّارة باستعمال الطيب في الأكل، أو يعمّ كافّة الاستعمالات؟
يظهر من المحقّق تعلّق الكفّارة بعامّة الاستعمالات، قال: فمن تطيّب كان عليه دم شاة، استعمله صبغاً أو طلاءً ـ ابتداءً واستدامة ـ أو بخوراً، أو في الطعام.1
وتبعه المصنّف وقال: «كفّارة استعمال الطيب شاة» دون أن يخصّصه بقسم من الأقسام.
ثمّ إنّه يحتمل أن يكون مراده من قوله صِبغاً ـ بالكسر ـ ما يصطبغ به من الآدام، أي ما يغمس فيه اللقمة من مرق وغيره.2 كما مرّ قوله سبحانه: (وَصِبْغ

1 . الشرائع:1/295.
2 . مسالك الأفهام:2/483.

صفحه 263
لِلآكِلينَ).1
ويحتمل أيضاً أن يكون المراد به هو الصبغ بفتح الصاد بمعنى التلوين، ولعلّه المراد بقرينة ذكر استعماله في الطعام في آخر كلامه.
وقوله: «طلاءً» ناظر إلى استعمال نظير الحناء والنورة.
وقوله: «استدامة» كما إذا استعمله قبل الإحرام.
وقوله: «ابتداء» كما إذا استعمله بعد الإحرام.
ويظهر من المفيد في «المقنعة» اختصاص الكفّارة بالطعام المطيّب.2
وهذا هو الظاهر من الروايات بعد التأمّل فيها، إذ لم نجد ما يدلّ على وجوب الكفّارة لاستعمال الطيب مطلقاً في غير الأكل. وإليك دراسة الروايات في هذا الفرع، وهي على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على وجوب الدم في الطعام المطيب خصوصاً أو عموماً.
الثانية: ما يدلّ على وجوب الدم في سائر الاستعمالات.
وإليك دراستها واحدة بعد الأُخرى.

الأُولى: ما يدلّ على وجوب الدم في الطعام المطيّب

استدلّ على وجوب الدم في الطعام المطيّب تارة بما يدلّ عليه خصوصاً، وأُخرى بما يدلّ عليه عموماً، أمّا ما يدلّ عليه بالخصوص فهو رواية واحدة، أعني:
1. ما رواه الصدوق بسند صحيح إلى زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»مَن

1 . المؤمنون:20.
2 . المقنعة:438.

صفحه 264
أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم، فإن كان ناسياً فلا شيء عليه ويستغفر اللّه ويتوب إليه».1
لا شكّ أنّ مورد الرواية هو المحرم وإن لم يرد لفظه فيه، لوضوح عدم الكفّارة في أكل الزعفران والطعام المطيب; والرواية تخصّ الأكل بالذكر دون الاستعمالات الأُخرى، فلابدّ لوجوبها فيها من دليل آخر; وكونها محرّمة لا يلازم الكفّارة، بشهادة أنّ قسماً من محظورات الإحرام لا تترتّب الكفّارة على استعماله. والظاهر أنّ الواجب هو مطلق الدم لا خصوص الشاة كما هو ظاهر المحقّق والمصنّف. ولعلّه لانصراف الدم إلى الشاة في الروايات.
هذا ما يدلّ على وجوب الدم في الطعام الطيب بالخصوص، وما يدلّ عليه بنحو العموم وهو أيضاً رواية واحدة.
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:«من نتف إبطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لُبسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم، ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة».2 والرواية ممّا استدلّ بها على وجوب الدم في الطعام المطيب بالعموم (لأنّه يعمّ المصيد والمطيّب).
وموضع الاستشهاد هو قوله: «أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله» فالطعام المطيّب من مصاديق هذه الضابطة.
يلاحظ عليه: بأنّ المراد هو الطعام الّذي لا ينبغي للمحرم أكله بما هوهو، لا لأجل عروض عنوان طارئ عليه، وعلى هذا تكون الرواية ناظرة إلى أكل الصيد

1 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

صفحه 265
الّذي لا ينبغي أكله بما هوهو، لا الطعام المطيّب الّذي لا ينبغي أكله لأجل طروء عنوان الطيب عليه.
فإن قلت: إنّ عنوان الصيد أيضاً أمر طارئ على اللحم فأي فرق بين الصيد والطيب؟
قلت: الفرق بينهما واضح، لأنّ الطيب طارئ ملموس على اللحم، بخلاف كونه مصيداً، فإنّه يرجع إلى كيفية ذبح الحيوان وهو ليس عنواناً طارئاً على اللحم المطبوخ.
ومنه تظهر الحال في الجملة الأُولى الّتي ربّما يستدلّ بها على وجوب الكفّارة في مطلق استعمالات الطيب كاللُبس، وذلك لأنّ الجملة ناظرة إلى ما لا ينبغي لبسه بما هوهو لا لأجل عروض عنوان عليه فينطبق على المخيط دون الثوب المطيّب.

الثانية: ما يستدلّ به على وجوب الدم في غير الأكل

ربّما يتوهّم وجوب الكفّارة في الاستعمالات الأُخرى للطيب، واستدلّ بالروايات التالية:
1. ما رواه عبد اللّه بن جعفر في «قرب الاسناد» عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام)قال:«لكلّ شيء جرحت من حجّك فعليك فيه دم تهريقه حيث شئت».1
يلاحظ على الاستدلال ـ بعد غض النظر عن السند أوّلاً، وعن اضطراب

1 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث5.

صفحه 266
المتن حيث إنّه رواه صاحب الوسائل بقوله: «خرجت» ولكنّه في المصدر «جرحت» الّذي هو بمعنى نقصت ثانياً ـ أنّ الرواية معرض عنها، لأنّها تدلّ على وجوب الكفّارة لكلّ شيء جارح للحج، وهو ما لم يعمل به أحد، إذ انّ قسماً من المحظورات لا يجب فيها دم شاة.
4. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، قال: «إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وإن كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه».1
ومحل الاستشهاد قوله: «فداواها بدهن بنفسج» حيث إنّ دهنه من الطيب.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ هنا محظورين:
1. التطيّب.
2. التدهين.
والرواية ناظرة إلى أنّ الكفّارة لأجل التدهين بالبنفسج لا لاستعمال الطيب، هذا وأنّ مضمون الرواية لا يخلو من تأمّل:
أوّلاً: ما يدلّ على وجوب الكفّارة عند الجهل، مع أنّه معرض عنه، لأنّ محظورات الحجّ لا يترتّب عليها الكفّارة إلاّ إذا ارتكبها المحرم عالماً لا جاهلاً، وقد تقدّم قوله(عليه السلام): أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه.2
ثانياً: ما يدلّ على جواز التدهين بدهن البنفسج في حال الإحرام، عند الحاجة، ومن البعيد أن تترتّب عليه الكفّارة مع كونه أمراً جائزاً، نظير:
ما رواه أبو الحسن الأحمسي قال: سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) سعيد بن يسار عن

1 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث5.
2 . الوسائل:9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 267
المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمّل؟ فقال: «اجعل عليه البنفسج وأشباهه ممّا ليس فيه الريح الطيبة».1
وثالثاً: أنّ الرواية لا مسندة، ولا مضمرة والظاهر أنّها رأي رآه معاوية بن عمّار نفسه.
ومع هذه المناقشات في المضمون يشكل الاستدلال بهذه الرواية على وجوب الدم في مطلق الاستعمال.
إلى هنا تمت دراسة الطائفتين ـ أي ما استدل به على وجوب الدم في الطعام المطيب، وعلى وجوبه في سائر الاستعمالات ـ فخرجنا بالنتيجة التالية: الكفّارة في أكل الطعام المطيب هو دم شاة، بقي الكلام فيما يدلّ على أنّ الكفّارة فيه غير ذلك.
بقي الكلام في المعارضات، وتأتي في الطائفتين التاليتين:

1. التصدّق بالتمر بمقدار الدرهم

ما رواه الحسن بن هارون، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: أكلت خبيصاً فيه زعفران حتى شبعت، قال:«إذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكّة فاشتر بدرهم تمراً، ثمّ تصدّق به يكون كفّارة لما أكلت ولما دخل في إحرامك ممّا لا تعلم».2
وخبصَ في اللغة بمعنى خلط، والخبيصة: الحلواء المخلوطة.
والرواية ظاهرة في السهو لقوله: «حتى شبعت» أي التفت إلى الموضوع بعد

1 . الوسائل:9، الباب31 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

صفحه 268
الشبع، ولقوله في ذيل الحديث:«ولما دخل عليك في إحرامك ممّا لا تعلم». والكفّارة فيه تكون مستحبةً، لاتّفاقهم على عدمها في السهو في المحظورات إلاّ الصيد.

2. التكفير بأمر مبهم

وهنا روايات تدلّ على وجوب أمر مبهم في استعمال الطيب:
1. مرسل حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذّذ به ولا بريح طيبة، فإن ابتلي بشيء من ذلك فليتصدّق بقدر ما صنع قدر سعته».1
يلاحظ عليه: أنّ الرواية مرسلة وقد ذكرناها، وقد نقله«الكافي» مرسلاً، ولكن الظاهر من الشيخ أنّ حريزاً قد رواه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) بلا إرسال، وقال: عن حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا يمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذّذ به، فمن ابتلي بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه ـ يعني من الطعام ـ ».2
والرواية لا تصلح للاحتجاج لوجهين:
أ. أنّ الكافي أصحّ من «التهذيب» فالرواية مرسلة وقد سقط من قلم الشيخ قوله: «عمّن أخبره».
ب. أنّ تحديد الكفّارة بأمر مبهم دليل على عدم وجوبها، ففي نسخة «الكافي»: «فليتصدّق بقدر ما صنع»، وفي نسخة «التهذيب»: »بقدر شبعه من

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث11.

صفحه 269
الطعام».
وهنا وجه ثالث: وهو كون مورده الجهل والنسيان بشهادة لفظة «ابتلى» في هذا الحديث، والحديث الآتي.
2. صحيح معاوية بن عمّـار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيه: «ولا تمسّ شيئاً من الطيب ولا من الدهن في إحرامك واتقّ الطيب في زادك وامسك على أنفك من الريح الطيبة ـ إلى أن قال ـ: فمن ابتلي بشيء من ذلك فليعد غُسله وليتصدق بقدر ما صنع».1
وهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج لما قلنا من أنّ إيجاب الكفّارة بصورة أمر مبهم «بقدر ما صنع» آية الاستحباب، وإلاّ فلو كان واجباً لزم التحديد بصورة واضحة، ولعلّه ظاهر في غير العمد بقرينة قوله: فمن ابتلي، وبه يظهر الجواب عن الحديث التالي.
3. ما رواه الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: الأشنان فيه الطيب، اغسل به يدي وأنا محرم...؟ فقال:«إذا أردتم الإحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الّذي لا تحتاجون إليه. وقال: تصدق بشيء كفّارة للأشنان الّذي غسلت به يدك».2
يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم في الحديثين الماضيين، فإنّ إيجاب شيء بعنوان التكفير، على وجه الإبهام يدلّ على كونه أمراً مستحباً، وإلاّ فهو كما يصدق على الدينار، يصدق على حبوب من الزبيب.
ويظهر من المفيد عدم وجوب الكفّارة مطلقاً، دماً كان أو غيره في غير

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث9. وهو متحد مع الحديث8.
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفارات الإحرام، الحديث8.

صفحه 270
الأكل سوى الاستغفار; قال في «المقنعة»: قال(عليه السلام):«كفّارة مسّ الطيب للمحرم أن يستغفر اللّه».1 وهو لا ينافي مع وجوب شيء آخر وراء الاستغفار.
وحاصل الكلام في المعارضات:
إنّ ما دلّ على أنّ الكفّارة، هي التصدّق بالتمر بمقدار الدرهم وارد في مورد النسيان والكفّارة فيه مستحبة بالاتّفاق.
وأمّا غيره كرواية حريز ومعاوية بن عمّار فالتعبير فيهما كالتالي:
ألف. بقدر ما صنع قدر سعته.
ب. بقدر ما صنع بقدر شبعه.
ج. بقدر ما صنع.
فالرواية مضطربة، ولعلّها ناظرة إلى صورة الجهل بقرينة لفظة «ابتلى» كما أنّ إبهام الكفّارة دليل على استحبابه.
وأمّا رواية الحسن بن زياد فالإبهام دليل على الاستحباب.
فتلخّص من هذه الدراسة أنّ وجوب الدم يختصّ بالأكل وعليه دليل واضح، وأمّا وجوبها في عامّة الاستعمالات فليس عليه دليل، وبذلك يظهر النظر في عبارة المصنّف حيث قال: كفّارة استعمال الطيب شاة على الأحوط، فالأولى أن يقول: كفّارة أكل الطيب شاة، وأمّا في غير الأكل فالأحوط الشاة.

الفرع الثاني: إذا تكرر الاستعمال وتخلّلت الكفّارة بينهما

إذا تكرر الاستعمال وتخلّل التكفير بين الاستعمالين، تكررت الكفّارة، ويظهر من «الجواهر» أنّه أمر مقطوع به، حيث قال في ردّ القول بأنّ الميزان لوحدة

1 . المصدر نفسه: الحديث5.

صفحه 271
الكفّارة وتعدّدها، وحدة المجلس وعدمه، قال: بل يمكن القطع بعدم اعتباره مع فرض سبق التكفير.1
وهو الظاهر أيضاً من صاحب المدارك حيث قال عند البحث عن «المحرم الّذي لبس صنوفاً من اللباس فهل تتعدّد الكفّارة؟»: وانّما يحصل التردّد (في وحدة الكفّارة وكثرتها) مع اتّحاد الصنف قبل التكفير.2
وما ذكرناه هو مقتضى القاعدة إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه، وذلك أنّ كلاً من الاستعمالين سبب للكفّارة لإطلاق قوله:«من أكل زعفراناً متعمّداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم»، وليست سببية الفرد الثاني مشروطة بشيء، أو يكون التكفير المتوسط بين الفرد كفّارة للسابق واللاحق.

الفرع الثالث: لو تعدّد الاستعمال دون التخلّل بالتكفير

هذا الفرع هو الفرع المهم في هذا المقام ولا يختصّ باستعمال الطيب، بل يعمّ عامّة المحظورات القابلة للتكرار كاللبس وتقليم الأظفار وغيرها.
وقد اختلفت كلمة الأصحاب في ما هو الميزان لوحدة الاستعمال وتعدّده.

1. الاعتبار بوحدة الوقت وتعدّده

الظاهر من الشيخ في بعض كتبه أنّ الميزان هو وحدة الوقت وتعدّده.
قال في «المبسوط»: الاستمتاع باللباس والطيب والقبلة، فإن فعل ذلك دفعة واحدة لزمته كفّارة واحدة، وإن فعل في أوقات متفرقة لزمته عن كلّ دفعة،

1 . الجواهر:20/436.
2 . المدارك:8/454.

صفحه 272
كفارة، سواء أكفّر عن الأوّل أو لم يكفّر.1
وقال في «الخلاف»: إذا لبس المحرم ثمّ صبر ساعة ثم لبس شيئاً آخر ثمّ لبس بعد ساعة، فعليه عن كلّ لبسة كفّارة، سواء كفّر عن الأُولى أو لم يكفّر، وكذلك الحكم في الطيب.2

2. الاعتبار بوحدة المجلس وتعدّده

يظهر من الشيخ في «النهاية» أنّ الميزان هو وحدة المجلس فلا تتكرر، ولو تعدّد فتتكرّر، قال: وإذا لبس المحرم قميصاً كان عليه دم شاة، فإن لبس ثياباً جماعة في موضع واحد كان عليه أيضاً دم واحد، فإن لبسها في مواضع متفرقة كان عليه لكلّ ثوب منها فداء.3
وهذا هو خيرة المحقّق قال: ولو تكرر منه اللبس أو الطيب فإن اتّحد المجلس لم يتكرر، وإن اختلف تكرر.4
ويظهر من «المسالك» أنّ مرجع هذا القول إلى القول الأوّل حيث قال بعد نقل كلام «الشرائع»: كذا أطلق الأصحاب.5 ولا يخفى عدم صحّته وأنّهما قولان مختلفان.
وقد نبّه على تعدّد القولين سبطه في «المدارك» قال: ما اختاره المصنّف (رحمه الله) من عدم تكرّر الكفّارة بتكرّر اللبس والطيب مع اتّحاد المجلس وتكرّرها مع

1 . المبسوط:1/351.
2 . الخلاف:2/299، المسألة 83.
3 . النهاية:234.
4 . الشرائع:1/298.
5 . المسالك:2/490.

صفحه 273
اختلافه أحد الأقوال في المسألة، واعتبر الشيخ وجمع من الأصحاب في التكرر اختلاف الوقت بمعنى تراخي زمان الفعل عادة.1

3. الاعتبار بوحدة الصنف واختلافه

ذهب العلاّمة في «المنتهى» إلى أنّ الميزان هو اختلاف صنف الملبوس كالقميص والسراويل وإن اتّحد الوقت.
قال: لو لبس قميصاً وعمامة وخفّين وسراويل وجب عليه لكلّ واحد فدية، لأنّ الأصل عدم التداخل، خلافاً لأحمد.2
ويظهر من «الجواهر» تعدّد الكفّارة حتّى فيما إذا لبسها دفعة واحدة; واستدلّ على مختاره بصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال: «عليه لكلّ صنف منها فداء».3
قال في «الجواهر» بعد نقل الحديث: ولا محيص عن العمل به بعد أن كان جامعاً لشرائط الحجّية، وهو يعمّ لبسها دفعة ودفعات.4
ما ذكره(قدس سره) من عموم الرواية لِلُبْس الصنوف المختلفة دفعة أو دفعات بعيد جداً، فإنّ الألبسة خصوصاً إذا كانت من صنوف مختلفة تلبس واحداً بعد الآخر، وعلى هذا نقول بمثله في الطيب إذا استعمل الأنواع المختلفة دفعة بعد دفعة

1 . المدارك:8/453.
2 . المنتهى:2/812.
3 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
4 . الجواهر:20/436.

صفحه 274
تتكرّر الكفّارة دونما إذا استعملها دفعة واحدة، نعم الاحتجاج بالحديث مشروط بإلغاء الخصوصية عن جانب اللبس وتسرية الحكم إلى جانب الطيب أيضاً.
إذا عرفت ذلك فلنركّز الكلام على استعمال صنف واحد، فهل الميزان هو تعدّد الوقت أو تعدّد المجلس؟
والكلام الحاسم رهن ملاحظة الروايات الواردة. والظاهر اعتبار وحدة الوقت وتعدّده، ويدلّ عليه:
1.صحيحة زرارة انّ الميزان وحدة الوقت فقد جاء فيها: من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم.1
وجه الاستدلال: انّ أكل الطعام مطلق يعمّ اللقمة واللقمات إلى حد الشبع فقد وجبت في الجمع كفّارة لوحدة الوقت، ويمكن أن يستدلّ به على وحدة الكفّارة فيما إذا اختلف الصنف. فإنّ أكل الطيب يلازم شمّه فقد اجتمع فيه جزءان من صنف واحد، ولكن الكفّارة واحدة. نعم هذا يتم على مختار القوم من أنّ في الشم كفّارة مثل الأكل لا على مختارنا، فلاحظ.
2. موثّقة الحسن بن هارون الماضية حيث أكل خبيصاً فيه زعفران حتى شبع، فأمر الإمام بكفّارة واحدة وهي التصدّق بدرهم تمراً.2 ومن المعلوم أنّ الأكل إلى حدّ الشبع رهن أكل لقمات متعدّدة، لكن الوحدة العرفية التابعة إلى وحدة الزمان جعله فرداً واحداً للمحظور.
نعم موردها هو النسيان والكفّارة الواردة فيها على وجه الاستحباب، لكن ذلك لا يمنع من الاستشهاد بها على المقصود.

1 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

صفحه 275
السادس: لبس المخيط للرجال كالقميص والسراويل والقباء وأشباهها بل لا يجوز لبس ما يشبه بالمخيط كالقميص المنسوج والمصنوع من اللبد.*
ربّما يُستظهر من صحيحة أبي بصير أنّ الميزان وحدة المجلس، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قصّ ظفراً من أظافيره وهو محرم؟ قال:«عليه في كلّ ظفر قيمة مُدّ من طعام حتّى يبلغ عشرة، فإن قلّم أصابع يديه كلّها فعليه دم شاة»]قلت: [فإن قلّم أظافير يديه ورجليه جميعاً؟ فقال:«إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، وإن كان فعله متفرقاً في مجلسين فعليه دمان».1
يلاحظ عليه: أنّ وحدة المجلس هنا تلازم وحدة الوقت عرفاً، فلعلّ الظاهر أنّ تعدّد الفعل ووحدته تابع لوحدة الوقت وتعدّده.
* يظهر من غير واحد من الأصحاب أنّ الموضوع هو لبس المخيط، وإليك بعض الكلمات:
1. قال المحقّق: ولبس المخيط للرجال وفي النساء خلاف، والأظهر الجواز اضطراراً واختياراً.2
2. وقال العلاّمة في «التحرير»: يحرم على المحرم لبس المخيط من الثياب إن كان رجلاً بلا خلاف.3

1 . الوسائل:9، الباب12 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
2 . الشرائع:1/249.
3 . التحرير:2/29.

صفحه 276
3. قال الشهيد في «الدروس»:ولم أقف إلى الآن على رواية بتحريم لُبس المخيط وإنّما نهي عن القميص والقباء والسراويل; ففي صحيح معاوية: قال(عليه السلام):»لا تلبس ثوباً تزره ولا ]ثوباً[ تَدرّعه1، ولا تلبس سراويل».2
4. وقال في «المدارك» بعد نقل كلام الشهيد: ومن هنا يعلم أنّ ما اشتهر بين المتأخّرين في المنع عن مسمّى الخياطة وإن قلّت غير واضح، ونقل عن ابن الجنيد أنّه قال: المحرّم هو المخيطَ الضامِّ للبدن، ومقتضاه عدم تحريم التوشّح به3، ويدلّ عليه مضافاً إلى الأصل قوله(عليه السلام) في رواية معاوية بن عمّار:«لا تلبس ثوباً له أزرار وأنت محرم إلاّ أن تنكسه»، ولا ريب أنّ اجتناب مطلق المخيط كما ذكره المتأخّرون أحوط.4
5. قال في «الجواهر»: ما سمعته من معاقد الإجماعات كاف في جعل العنوان لبس المخيط، وإن لم أجده في شيء ممّا وصل إلينا من النصوص الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها كما اعترف به غير واحد.5
إنّ للشيخ الحرّ العاملي هنا كلمة حاصلها:
أ. يفهم من بعض الأحاديث السابقة والآتية، الإذن في لبس جملة من أقسام المخيط، كالسراويل مع عدم الإزرار، والخفّين مع عدم النعلين، ولبس القباء مقلوباً، وكذا الطيلسان مع عدم الأمر بالكفّارة.

1 . أي تتدرّعه بحذف التاء الأُولى بمعنى تدخل يديك في يدي الثوب أو كُمّه.
2 . الدروس:1/485، الدرس 121.
3 . يقال توشّح بسيفه أي تقلّد به، أو توشّح بثوبه ألقاه على منكبه.
4 . مدارك الأحكام:7/329.
5 . الجواهر:18/335.

صفحه 277
ب. قد ورد الإذن في لُبس المحرم، الرداء والإزار، بل الأمر بهما من غير تقييد بكونهما غير مخيطين، وتخصيص العام بغير مخصص، وتقييد المطلق بغير مقيد لا يجوز، فإنّهما كثيراً ما يكونان مخيطين في الوسط أو في الأطراف مرفويّن أو مرقوعين، ولم يرد النهي عن ذلك.
ج. وكأنّ الحكم بتحريم لُبس المخيط من استنباطات العامّة فإنّهم كثيراً ما يستنبطون القواعد الكلّية من الصور الجزئية عملاً بالقياس.1
هذا والظاهر من ابن رشد في بدايته أنّ حرمة لُبْس المخيط مورد اتّفاق عندهم، قال في الفصل الّذي عقده تحت عنوان «ما يمنع الإحرام من الأُمور المباحة»: والأصل في هذا الباب ما ثبت من حديث مالك عن نافع عن عبد اللّه بن عمر إنّ رجلاً سأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يَلْبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تلبس القُمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلاّ أحدٌ لا يجد نعلين فيلبس خفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه الزعفران ولا الورس» فاتّفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في هذا الحديث واختلفوا في بعضها، فما اتّفقوا عليه أنّه لا يلبس المحرم قميصاً ولا شيئاً ممّا ذكر في هذا الحديث ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب، وهذا مخصّص بالرجال.2
وذيل كلامه شاهد على اتّفاقهم على حرمة المخيط على المحرم، وقد نسب العلاّمة الحلي حرمة لُبْس المخيط إلى الجمهور قال: يحرم على المحرم الرجل لبس الثياب المخيطة عند علماء الأمصار، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ

1 . الوسائل:9، الباب35 من أبواب تروك الإحرام، ذيل الحديث2 في الهامش.
2 . بداية المجتهد:1/326.

صفحه 278
المحرم ممنوع من لبس القميص والعمامة والسراويل والخف والبرنس.1
لما روى العامّة أنّ رجلاً سأل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يلبس المحرم من الثياب...إلى آخر ما نقلناه عن ابن رشد.2
وقال في «المنتهى»: يحرم على المحرم لبس المخيط من الثياب إن كان رجلاً، ولا نعلم فيه خلافاً . روى الجمهور عن ابن عمر قال: نادى رجلٌ فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى آخر ما نقلناه عن ابن رشد باختلاف يسير.3
وعلى كلّ تقدير فالمهم دراسة الروايات واستخراج ما هو الموضوع للحرمة.

هل المانع هو الإدراع والزرّ، أو كونه مخيطاً؟

تحقيق المقام: انّ البحث يدور على هذين المحورين، وهو أنّ المحرّم، هل هو لبس ثوب يتدرّعه، أو يزرّه من غير فرق بين كونه مخيطاً أو منسوجاً، أو المحرّم كونه مخيطاً؟فعلى الثاني القميص المنسوج غير المخيط ومثله السراويل، خارجان عن مصب النصوص إلاّ أن يلحقا بالمخيط منهما بنحو من القياس.
ولمّا كان المختار عند العلاّمة كون الملبوس مخيطاً، التجأ في تحريم ما ليس بمخيط، إلى القول بالإلحاق فقال: فيحرم لبس الثياب المخيطة وغيرها إذا شابهها، كالدرع المنسوج والمعقود كجبة اللَّبَد والملصق بعضه ببعض حملاً على المخيط

1 . البرنس: قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. لاحظ الصحاح:3/908، مادة «برنس».
2 . التذكرة:7/296.
3 . المنتهى:2/781. يقال: تلبّد الثوب ونحوه تداخلت أجزاؤه ولصقت بعضها ببعض.

صفحه 279
لمشابهته إيّاه في المعنى من الترفه والتنعم.1
وأمّا إذا كان الميزان، هو الدرع والإزرار، فالجميع داخل تحت النصوص من دون حاجة إلى الإلحاق عن طريق القياس لأجل المشابهة.
والّذي يدلّ على أنّ المانع هو الإدراع والزرّ، لا المخيط، هو جواز الأُمور التالية الّتي تستفاد من نصوص الباب:
1. جواز لُبس القباء مقلوباً من غير إدخال اليدين في الكُمّين اختياراً.
2. جواز لبس القباء منكوساً من دون ضرورة.
3. جواز لبس الطيلسان بشرط نزع إزاره أو عدم عقدها. وسيوافيك ما هو المراد من الطيلسان.
4. عدم مانعية الخياطة القليلة في الإزار والرداء إذا أُلصق بعضه ببعض بالخياطة حتّى ادّعى صاحب الجواهر: انّ إطلاق الإزار والرداء يشتمل على المخيطين وغيرهما.2
5. حصر الحرمة بالثياب المعنية: القميص، والقباء، والسروال، والثوب المزرور والدارع، فلو كان الممنوع هو مطلق المخيط، لما صحّ الحصر.
كلّ ذلك يكشف عن أنّ المحور للمنع هو الإدراع والإزرار لا كونه مخيطاً، وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو نهى عن القميص والسراويل لأجل أنّ لبسهما من مقولة الإدراع، كما أنّ النهي عن لُبْس العمامة والبرنس، لأجل سترهما الرأس. وإليك دراسة النصوص، حتّى يتّضح ما هو المحور.

1 . التذكرة:7/297.
2 . الجواهر:18/337.

صفحه 280

ألف: استثناء الدارع والمزرور

1. صحيحة زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عمّا يُكره للمحرم أن يلبسه؟ فقال: «يلبس كلّ ثوب إلاّ ثوباً يتدرّعه».1
والمراد من التدرّع الّذي في قوله: «يتدرّعه» هو إدخال اليدين في الثوب وإخراجهما من الأكمام كما هو الحال في القميص على نحو يتدرّع البدن به; قال في المنجد: كلّ ما أدخلته في جوف الشيء فقد أدرعته. حتى يقال لقميص المرأة: درعها.
2. ما رواه الشيخ2 عن معاوية بن عمّار، قال: لا تلبس وأنت تريد الإحرام ثوباً تزرّه ولا تدرّعه3، ولا تلبس سراويل إلاّ أن لا يكون لك إزار، ولا خفين إلاّ أن لا يكون لك نعلان.4
ترى أنّ الإمام ينهى عن لبس الثوب الّذي يزرّه اللابس أي يعقد أزراره. أو يتدرّعه ويجعله قميصاً.
فالنهي عنهما وعن السراويل والخفّين كلّ ذلك بملاك واحد، وهو أنّ

1 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
2 . سند الشيخ إلى معاوية بن عمّار صحيح في الفهرست.
3 . يقال: درّع المرأة: ألبسها الدرع أي القميص، ودِرْع المرأة: قميصها، قوله: «ولا تدرّعه» بحذف إحدى التائين ـ أي تتدرّعه ـ وذلك بأن تلبسه بإدخال يديك في يدي الثوب.
والمدرع والمدرعة واحد، يطلق على ثوب من صوف يتدرّع به، فعن الإمام علي(عليه السلام):«رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها». مجمع البحرين مادة «رقع» ولاحظ نهج البلاغة، الخطبة 160. والظاهر أنّها ثوب يلبس فوق القميص وفوق الثياب وله كم قد يدخل اللابس يده، ولعلّه القباء المتعارف.
4 . الوسائل:9، الباب35 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 281
المحرم يتدرّع بها بدنه كلّ البدن أو قسماً منه.
3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «لا تلبس وأنت تريدالإحرام ثوباً تزرّه...».1
4. ما رواه يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يلبس الطيلسان2المزرور؟ فقال: »نعم، ففي كتاب علي(عليه السلام):لا تلبس طيلساناً حتّى ينزع أزراره، وحدّثني أبي أنّه كره ذلك مخافة أن يزرّه الجاهل عليه».3
5. وفي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: في المحرم يلبس الطيلسان المزرور فقال: »نعم وفي كتاب علي(عليه السلام) لا يلبس طيلساناً حتّى ينزع أزراره».
وقال: إنّما كره ذلك مخافة أن يزرّه الجاهل، وأمّا الفقيه فلا بأس أن يلبسه».4
6. عن أبي بصير في حديث قال: وإن لبس الطيلسان فلا يزرّه عليه.5
قال الشهيد الثاني: هو ثوب منسوج محيط بالبدن، وفي كتاب «مطالع الأنوار»: الطيلسان شبه الأردية يوضع على الرأس والكتفين والظهر.
وقال ابن الأثير: «الرداء» الثوب الذي يطرح على الاكتاف أو يلقى فوق الثياب، وهو مثل الطيلسان إلاّ أنّ الطيلسان يكون على الرأس والأكتاف وربّما

1 . الوسائل:9، الباب35 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الطيلسان: كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ والعلماء، وهو من لباس العجم. المنجد:469.
3 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
4 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
5 . المصدر نفسه: الحديث4.

صفحه 282
ترك في بعض الأوقات على الرأس وسمّي الرداء كما يسمّى الرداء طيلسان.1 والذي يستنتج من هذه الأقوال، أنّه كان أشبه بالرداء لا يدرع البدن، إلاّ إذا زرّه عقد إزراره.
7. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا تلبس ثوباً له أزرار، وأنت محرم إلاّ أن تنكّسه، ولا ثوباً تدرّعه...».2 والرواية واردة في حال المختار لا المضطر فتمنع عن لُبْس ثوبين:
1. ماله أزرار.
2. إذا كان لُبسه درعاً له.
وهذا يدلّ على أنّ ملاك المنع هذان الأمران، لا كونه مخيطاً.
ولعلّ الإمعان في هذه الروايات يثبت أنّ الممنوع هو الإدراع بالثوب، سواء أكان التدرّع كثيراً أو قليلاً كالخفّين; وأنّ ملاك المنع هو ما ذكرنا، سواء أكان منسوجاً أو مخيطاً; نعم الغالب على الثياب هو الخياطة.
وهذا يدلّ على أنّ المانع لأجل أنّ عقد الزر يورث التدرّع لا أنّ المانع هو وجود الخياطة في الأزرار حيث تخاط على الثوب، وإلاّ فلا يكون فرق بين عقدها وعدم عقدها، ومورد الجميع هو المختار لا المضطرّ فلاحظ.

ب. تجويز لبس القباء منكوساً أو مقلوباً عند الضرورة

وقد وردت روايات تدلّ على جواز لبس القباء تارة منكوساً وأُخرى مقلوباً، عند الضرورة. وإليك ما يدلّ على كلتا الحالتين:

1 . مرآة العقول:17/280. ويرادفه في لغتنا «شبل».
2 . الوسائل:9، الباب35 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 283
8. رواية عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«يلبس المحرم الخفّين إن لم يجد نعلين وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه، أو قباءَه بعد أن ينكسه».1
9. ما رواه مثنى الحنّاط، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: مَن اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس معه إلاّ قباء، فلينكسه وليجعل أعلاه أسفله ويلبسه».2
ترى أنّ هذه الروايات تصرّح بلبس القباء بشرط أن تكون منكوسة، إذ عندئذ لا تكون ضامّة للبدن ولا مدرعة له. وستوافيك كيفية الاستدلال بها.
10. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً ولا يدخل يديه في يدي القباء».3
11. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»إن اضطر المحرم أن يلبس قباءً من بُرْد4، ولا يجد ثوباً غيره لبسه مقلوباً ولا يدخل يديه في يدي القباء».5
وجه الدلالة: لو كان المانع هو كون الثوب مخيطاً، والضرورة مبيحة للمحظور، جاز له لبس القباء على الوجه العادي لا منكوساً ولا مقلوباً، ولكن الرواية ترخّص لبسه على الوجهين لئلاّ يكون دارعاً، أو مزروراً، وهذا يدلّ على أنّ

1 . الوسائل:9، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3. وانظر الرقم 8 من نفس الباب (صحيحة البزنطي).
3 . الوسائل:9، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
4 . البُرْد ـ بالضم فالسكون ـ ثوب مخطط وقد يقال لغير المخطط ، جمعه: برود وأبراد، ومنه الحديث: «الكفن يكون برداً، فإن لم يكن برداً فاجعله كلّه قطناً». مجمع البحرين مادة «برد».
5 . نفس المصدر: الحديث6.

صفحه 284
المحظور هو هذان الأمران، لا كونه مخيطاً.
فإن قلت: إذا كان له رداء هل يجوز له ترك لُبْسه، ولُبس القباء منكوساً أو مقلوباً؟
قلت: لا يجوز، وذلك لا لكونه ثوباً ممنوعاً، بل لأجل أنّ الواجب على المحرم، أوّلاً وبالذات، هو الرداء والإزار، وإنّما ينوب مكان الرداء، عند الاضطرار القباء المقلوب والمنكوس.
وحصيلة هذه الأحاديث: أنّ الممنوع هو الثوب الّذي يستر عرض البدن جُلّه أو بعضه، ويكون بالنسبة إليه كالدرع للمرأة، فالقميص والسراويل حتّى الخفّين ممنوعة لهذا الملاك، سواء أكانت منسوجة أو مخيطة، وعلى هذا فالتركيز على المخيط لا وجه له.
كما أنّه وردت روايات تدلّ على أنّ الممنوع وجود الأزرار في الثوب كما مرّ في صحيحة معاوية بن عمّار برقم 7. وروايات أُخرى تشير إلى أنّ الممنوع هو زرّ الأزرار لا وجودها، وأنّ النهي عن لبس الثوب الّذي له أزرار، للحذر من أن تعقد الأزرار لا نفس وجودها. كما مرّ تحت رقم 4و5.

ما يستظهر منه أنّ المناط هو المخيط

قد تعرفت على ما هو المهم في المقام وأنّ الممنوع هو الثوب دون المخيط، إلاّ أنّه توجد روايات تصرّح بممنوعية المخيط أو تشير إليه عند الدقّة.
1. نقل المحدّث النوري عن «دعائم الإسلام»: رُوينا عن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي بن الحسين وجعفر بن محمد(عليهم السلام) أنّ المحرم ممنوع من الصيد

صفحه 285
والجماع ولبس الثياب المخيطة.1
2. وروِي أيضاً عن جعفر بن محمد أنّه نهى أن يتطيّب من أراد الإحرام، وأن يمسّ المحرم طيباً، أو يلبس قميصاً أو سراويل أو عمامة أو قلنسوة أو خفّاً أو جورباً أوقفّازاً أو برقعاً أو ثوباً مخيطاً ما كان.2
نعم السند ضعيف. ولكن الدلالة واضحة.
3. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا لبست قميصاً وأنت محرم فشقّه وأخرجه من تحت قدميك».3
وجه الدلالة : أنّه لو كان الملاك في المنع عنوان الدرع لم ينحصر الطريق بالشق والإخراج من تحت القدم، لإمكان خرق أحد جانبيه وإخراجه من عنوان الدرع مع بقائه في البدن.
يلاحظ عليه: أنّ الخروج عن المحظور كان منحصراً بالشقّ والإخراج ولا يكفي شقّ أحد الجانبين، إذ عندئذ تبقى اليدان في الأكمام، ومع شقِّها، يخرج القميص عن الانتفاع به.
4. ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال: «عليه لكلّ صنف منها فداء».4
وجه الدلالة: إطلاق الرواية حيث يعمّ الثياب الّتي لا ينطبق عليها عنوان الدرع. فيدلّ على أنّ الملاك ليس ذاك بل كونها مخيطة.

1 . المستدرك:9، الباب26 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . المستدرك:9، الباب26 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب بقية الكفّارات، الحديث1.

صفحه 286
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ليست بصدد بيان كيفية الثياب وأقسامها حتّى يؤخذ بإطلاقها وشمولها للدرع وغيره. والمراد من كلّ صنف، هو الصنف الممنوع، أي الدارع والمزرور.
5. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:»كان أبي يقول: يشد]المحرم [على بطنه المنطقة الّتي فيها نفقته يستوثق منها فإنّها من تمام حجّه».1
وجه الدلالة: أنّ سؤال السائل عن جواز شدّ المنطقة، وهو ارتكاز ممنوعية المخيط بما هو مخيط في ذهنه إجمالاً. إذ لا وجه للسؤال عن ذلك عند عدم ارتكاز المنع عن المخيط.
يلاحظ عليه: بما سيوافيك من احتمال أنّ وجه السؤال وجود التماثيل في الدراهم والدنانير الموجودة فيها.
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّ الممنوع هو الثوب الّذي يتدرّع به اللابس قليلاً أو كثيراً، من غير فرق بين المخيط وغيره.

حصر المنع في العناوين المخصوصة

إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره) جعل المناط صدق أحد العناوين الواردة في الروايات، أعني: القميص والقباء والثوب المزرور والدرع، فقال بحرمة لبس الجبّة لصدق القباء عليها، والتُبّان ـ بالضم ـ و هو الّذي يلبسه الملاحون، سروال صغير يستر بين السرة والركبة، فإذا لم يصدق أحد هذه العناوين على الثوب لا بأس بلبسه وإن كان مخيطاً، كما إذا لبس ثوباً خاصاً تحت ثيابه لأجل جذب العرق ولو كان مخيطاً.

1 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 287
وأمّا غير المخيط فإن صدق عليه أحد هذه العناوين فلا يجوز لبسه أيضاً كالملبّد، أو كالمنسوج الّذي لا خياطة فيه، فإذا لم يصدق عليه أحد هذه العناوين المذكورة فلا مانع من لبسه.1
وقد أصاب(قدس سره) في جعله الموضوع أعمّ من المخيط، فأدخل الملبّد و المنسوج فيما يحرم، إلاّ أنّ حصر المحرّم بالعناوين الواردة في الروايات حتى اضطرَ إلى إدخال الجبة في القباء، والتُّبّان في السراويل. مع وجود التفاوت بينهما، غير تام; وكان عليه أن ينتقل إلى الموضوع حقيقة، الجامع بين هذا الشتات، وهو ما ورد في قوله (عليه السلام):«إنّ المحرم يلبس كلّ ثوب إلاّ ثوباً يتدرّعه».2
وكلّ ثوب يستر عرض البدن على نحو يتدرّع به الإنسان، ويتّخذه درعاً يدفع به الحرّ والبرد، لاصقاً بالبدن، ضامّاً له، فهو حرام، فيدخل فيه كلّ العناوين الواردة في الروايات، حتى الثوب الّذي لبسه لجذب العرق الّذي أفتى بحلّيته.
وقد مرّت الإشارة إلى أنّ المحرّم هو المزرور بالفعل، لا ماله أزرار ولو لم يَشدّه وإلاّ لا يكون ساتراً للبدن ودرعاً له، ويترتّب على ذلك جواز لبس الطيلسان إذا لم يشدّ أزراره.
وبذلك تستطيع تفسير الروايات الدالّة على جواز لبس الطيلسان إذا لم يزره، فإنّ هذه الروايات موافقة للقاعدة حسب ما قلناه، وأمّا على القول بأنّ المانع هو المخيط فيتوجّه عليه النقض بلبس الطيلسان، وقد بذل القوم جهدهم في تفسير هذا الاستثناء.

1 . المعتمد:4/413.
2 . الوسائل:9، الباب36 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.

صفحه 288
والأحوط الاجتناب من المخيط ولو كان قليلاً كالقلنسوة والتكّة.*
نعم يستثنى من المخيط شدّ الهميان المخيط الّذي فيه النقود.**
* لمّا كان الملاك عند المصنّف، هو الخياطة، لا الإدراع، حتّى ألحق به ما ليس بمخيط وما يشبهه كالقميص المنسوج والمصنوع من اللبد، احتاط في المخيط القليل كالقلنسوة والتكة.
أمّا الأُولى: فهي نوع من ملابس الرأس، وهي على هيئات متعدّدة، فلا شكّ أنّها تحرم لأجل كونها ساترة للرأس، إنّما الكلام في حرمتها لأجل كونها مخيطة وتظهر الثمرة في تعدّد الكفّارة على القول لشمول المخيط لها، ولا وجه للتردّد في الشمول، سواء كان الميزان هو المخيط، أو كان الميزان هو ستر عرض البدن جزءاً أو كلاً، فيحرم لبسها مطلقاً بكلا الملاكين: الخياطة، وستر عرض البدن.1
وأمّا التكّة ـ و هي رباط السراويل، والجمع: تكك. والمِتَك آلة تُدخل بها التكّة ـ ففي شمول الروايات لها تأمّل، بل منع. أمّا على ما اخترناه من أنّ الملاك الإدراع فواضح، لأنّه لا يستر عرض البدن إلاّ قليلاً، بحيث لا يطلق عليه عرفاً أنّه أدرعه; وأمّا على القول بأنّ المناط المخيط، فلانصرافه إلى مثل القميص والقباء والسراويل، ولذلك قلنا: إنّه لا يشمل الخياطة القليلة في الإزار والرداء.
** شدّ الهميان المخيط
واعلم أنّ الهميان كيس تجعل فيه النفقة ويشدّ على الوسط. والمنطقة ما

1 . الوسائل:9، الباب55 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.وصدره: المحرمة لا تتنقّب، لأنّ إحرام المرأة في وجهها.

صفحه 289
يشدّ به الوسط، وهما أمران متغايران، وربّما تصنع المنطقة على وجه تكون كيساً للنقود أيضاً، كما هو الرائج حالياً.
إذا علمت ذلك فاعلم لمّا كان الموضوع عند المصنف لُبْس المخيط، استثنى منه ـ تبعاً للنصوص ـ شدّ الهميان المخيط. وهو خيرة غير واحد من الأصحاب، كأبي حمزة في «الوسيلة»، وابن سعيد في «الجامع» فقالا بجواز لبس المنطقة والهميان.
قال في الأوّل: ويجوز... ولبُس المنطقة والهميان.1
وقال يحيى بن سعيد في «الجامع»: وشدّ الهميان والعمامة على وسطه.2
وقال العلاّمة في «المنتهى»: قال ابن عبد البرّ: أجمع فقهاء الأمصار على أنّ للمحرم أن يلبس الهميان، متقدّموهم ومتأخّروهم.3
أقول: هذا يرجع إلى الأزمنة السابقة، إذ الهميان كان من القماش، وأمّا اليوم فالهميان شيء صناعي فاقد للخياطة، والبحث فاقد للموضوع.
وأمّا الروايات: فهي كالتالي:
1. ما يظهر منه أنّ وجه السؤال، وجود التماثيل في الدراهم وحملها في حال الإحرام، نظير:
1. معتبر يعقوب بن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): تكون معي الدراهم فيها التماثيل وأنا محرم واجعلها في همياني وأشدّه في وسطي؟ فقال(عليه السلام): «لا بأس، أو ليس هي نفقتك وعليها اعتمادك بعد اللّه عزّ وجلّ».4

1 . الوسيلة:163.
2 . الجامع للشرائع:189.
3 . المنتهى:3/78.
4 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 290
2. صحيح يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يصرّ الدراهم في ثوبه؟ قال:«نعم ويلبس المنطقة والهميان».1
وهل السؤال عن حمل التماثيل، أو عنه وعن لبس المنطقة والهميان؟ وعلى كلّ تقدير فهل الأخيران شيئان أو هما شيء واحد؟ يظهر من صحيح أبي بصير أنّهما أمر واحد.
3. روى الصدوق بإسناده عن أبي بصير: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، في المحرم يَشدُّ على بطنه العمامة قال:«لا» ثمّ قال:«كان أبي يقول: يشدّ على بطنه المنطقة الّتي فيها نفقته يستوثق منها فإنّها من تمام حجّه».2
وهذا شاهد على أنّ المنطقة هي نفس الهميان لا شيء آخر فيجوز مطلقاً، سواء أكان مخيطاً، أو غير مخيط للنصوص.
بقي في المقام فروع ثلاثة لم يتعرّض لهما المصنّف، وهي:

1. في عقد الإزار

هل يجوز عقد الإزار بنحو من الأنحاء أو لا؟
قال العلاّمة: ويجوز أن يعقد إزاره عليه، لأنّه يحتاج إليه لستر العورة فيباح كاللباس للمرأة.3
وقال المحقّق الخوئي: والأحوط أن لا يعقد الإزار في عنقه، بل لا يعقده

1 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.والظاهر انّه نفس ما في رقم6 من هذا الباب.
3 . التذكرة:7/311.

صفحه 291
مطلقاً، ولو بعضه ببعض ولا يغرزه بإبرة ونحوها.1 فمنع عن الأُمور الثلاثة.
والمنصوص هو الأوّل، أي العقد في العنق، وذلك فيما إذا كان كبيراً، وقد ورد النهي عنه في روايتين:
1. صحيحة سعيد الأعرج أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يعقد إزاره في عنقه؟ قال:«لا».2 والنهي ظاهر في الحرمة.
2. صحيح علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام): قال:«المحرم لا يصلح له أن يعقد إزاره على رقبته، ولكن يُثنيه على عنقه ولا يعقده».3 أي يعطفه على عنقه ويطويه.
ونفي الصلاح يشير إلى الحرمة، إذ لو كان جائزاً، لما صحّ نفي الصلاح.

2. عقد الرداء

هل يجوز عقد الرداء بنحو من الأنحاء، فقد ذهب العلاّمة إلى المنع فقال: ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره ـ إلاّ الإزار والهميان ـ و ليس له أن يجعل لذلك زرّاً ولا عروة.4
والعجب أنّه اختار الجواز فيما ورد النهي فيه (كالإزار) وفي مقابله اختار المنع فيما لم يرد فيه نصّ بالمنع، ولذلك احتاط المحقّق الخوئي وقال: والأحوط أن لا يعقد الرداء أيضاً ولا بأس بغرزه بالإبرة ونحوها.5

1 . المعتمد:4/416.
2 . الوسائل:9، الباب53 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب53 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
4 . التذكرة:7/300.
5 . المعتمد:4/416. والغرز عبارة عن إدخال الإبرة في الشيء يقال: غرز الإبرة في الشيء: أي أدخلها فيه.

صفحه 292
المسألة 16: لو احتاج إلى شدّ فتقه بالمخيط جاز، لكن الأحوط الكفّارة. ولو اضطر إلى لبس المخيط كالقباء ونحوه جاز وعليه الكفّارة.*
والأولى أن يقيّد الغرز بالإبرة، بنحو لا يكون كالزّر. كلّ ذلك على سبيل الاحتياط، وإلاّ فالممنوع حسب النص هو عقد الإزار في العنق فقط. وأمّا غيره فهو كما قلناه من باب الاحتياط.

3. شدّ العمامة على الوسط

وممّا لم يذكره المصنّف شدُّ العمامة على الوسط، فيظهر من رواية أبي بصير عدم جواز شدّها على البطن قال: سألت أبا عبد اللّه عن المحرم يشدّ على بطنه العمامة؟ قال:«لا».1
والظاهر من صحيحة الحلبي، هو جوازه بشرط عدم رفعها إلى الصدر روى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«المحرم يشدّ على بطنه العمامة، وإن شاء يعصبها على مواضع الإزار ولا يرفعها إلى صدره».2 فتكون الصحيحة مقيّدة لرواية أبي بصير، أو مبيّنة لما هو المقصود من منع شدّ العمامة.
* في المسألة فرعان:
1. شدّ فتق المحرم بالمخيط.
2. لبس المخيط اضطراراً.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ استثناءه منقطع وليس هناك حاجة له، لأنّ الحرام ما

1 . الوسائل:9، الباب72 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب72 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 293
صدق عليه الثوب المخيط، أو مطلق الثوب، وشدّ الفتق محاولة لكفّ نزول الريح في الأُنثيين، ليس داخلاً في المستثنى منه حتى يُستثنى. ومنه يظهر عدم وجوب الكفّارة.
نعم لو كان الموضوع للحرمة لبس المخيط على الإطلاق، فلو قلنا بوجوب الكفّارة على من استعمل المخيط اضطراراً كما يأتي في الفرع الثاني تجب الكفّارة في المقام، وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: نعم قد يُشك في اندراج ما يستعمل لكفّ نزول الريح في الانثيين في المخيط المسمّى بالفارسية بـ«بند فتق» من حيث عدم كونه من اللباس المعتاد المخيط الّذي هو نحو الأشياء المزبورة، بل إلحاقه بالهميان المشدود على الوسط والمنطقة وعصابة القروح أولى من إلحاقه بالخفّين، والأقوى جوازه اختياراً، والأحوط تركه.1
بل يمكن استفادة جوازه ممّا ورد من شدّ الهميان المخيط حيث علّل الإمام(عليه السلام) الجواز بقوله:«فإنّها من تمام حجّه».2
وفي رواية أُخرى: «يستوثق منها فإنّها تمام حجّه».3
فإنّ تمام الحج كما يتوقّف على حفظ النقود، يتوقّف على حفظ الصحّة، وعلى هذا فهو جائز تكليفاً ووضعاً ولا تترتّب على فعله الكفّارة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فما أفاده(قدس سره) في المتن من الاحتياط في ترتّب الكفّارة في المقام يكون على وجه الاستحباب. وأمّا وجه الاحتياط (الحاجة إلى شدّ الفتق) والقول به في صورة الاضطرار قاطعاً مع كون الأوّل من مصاديق الثاني، هو قلّة

1 . الجواهر:18/337.
2 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب47 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.

صفحه 294
الخياطة في الأوّل دون الثاني، فصار ذلك سبباً للتردد في شمول الدليل عليه لا عدمه.

الفرع الثاني:

أعنى لبس المخيط اضطراراً، فيقع الكلام تارة في الحكم التكليفي، وأُخرى في الحكم الوضعي.
أمّا الأوّل فيجوز قطعاً، لأجل الاضطرار «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّه له».1 نعم إنّما يجوز لبس القباء إذا لم يتمكّن من لبسه مقلوباً فيما كان هذا النوع ـ المقلوب ـ من اللبس رافعاً للاضطرار; ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوباً غيره فيلبسه مقلوباً، ولا يُدخل يديه في يدي القباء».2
إنّ وجوب الكفّارة في حالة الاضطرار هو المشهور بين الأصحاب. قال المحقّق: ولو اضطر إلى لبس ثوب يتّقي به الحر أو البرد، جاز وعليه شاة.3
وقال العلاّمة في «القواعد»: في لبس المخيط دم شاة وإن كان مضطراً لكن ينتفي التحريم في حقّه خاصة، وكذا لو لبس الخفّين أو الشمشك مضطراً.4
ويظهر من «الجواهر» كون الوجوب إجماعياً، قال بعد كلام المحقّق«لو اضطر إلى لبس ثوب...»: بلا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه وهو الحجّة

1 . الوسائل:11، الباب25 من أبواب وجوب التقية في كلّ ضرورة بقدرها، الحديث 2. ومورد الرواية وإن كان التقية، لكن الموضوع هو الاضطرار والتقية من مصاديقها.
2 . الوسائل:9، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الشرائع:1/296.
4 . قواعد الأحكام:1/470.

صفحه 295
بعد النصوص أيضاً.1
وقال أيضاً بعد نقل كلام العلاّمة في «القواعد»: «وكذا لو لبس الخفّين أو الشمشك مضطراً»: ولعلّه لما قيل من أنّ الأصل في تروك الإحرام الفداء إلى أن يظهر المسقط، ولا دليل على سقوطه هنا.2
وقد استدلّ على وجوب الكفّارة بوجهين:
الأوّل: قوله سبحانه: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك).3
بتقدير كون المراد منه من كان مريضاً فلبس أو تطيّب أو حلق فعليه الفدية.
يلاحظ عليه: أنّ مورد الاضطرار هو حلق الرأس لا اللبس والتطيّب، لتفرع قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً)على قوله: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ)فيكون متعلّق الاضطرار هو حلق الرأس عن اضطرار لا اللبس.
ويرشدك إلى ما ذكرنا أنّه لو كان لبس المخيط داخلاً في الآية يجب أن تكون الفدية مخيّرة، ولم يقل به أحد.
الثاني: ما ورد من الروايات في المقام.
1. صحيحة زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:»من نتف إبطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم، ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، ومن فعله

1 . الجواهر:20/404.
2 . الجواهر:20/405.
3 . البقرة:196.

صفحه 296
متعمّداً فعليه دم شاة».1
والظاهر أنّ هذه الرواية متّحدة مع ما رواه في «الوسائل» برقم 4 من نفس الباب; إذ فيها عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:من لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، ومن فعله متعمداً فعليه دم».2
وجه الاستدلال: انّه(عليه السلام) استثنى الناسي والجاهل دون المضطر، وهو داخل في قوله: «ومن فعله متعمداً فعليه دم».
يلاحظ عليه: أنّ منصرف التعمّد غير المضطر ولا أقلّ من الشك فيه. قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا).3
وقوله سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ).4
وربّما يجاب بأنّ إطلاق الذيل: «ومن فعله متعمّداً فعليه دم شاة»، محكوم بحديث الرفع، وكلّ ما دلّ على أنّ الاضطرار رافع للحكم.
وعلى ما ذكرنا فالخروج موضوعي، وعلى ما ذكره فخروج المضطر حكمي.
2. خبر سليمان بن العيص قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يلبس القميص متعمداً؟ قال: «عليه دم».5
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في السابق، من انصراف التعمّد عن المضطرّ،

1 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث4.
3 . النساء:93.
4 . المائدة:95.
5 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث2.

صفحه 297
المسألة17: يجوز للنساء لبس المخيط بأي نحو كان، نعم لا يجوز لهن لبس القفازين.*
وربّما يجاب بأنّه على فرض إطلاقه فأدلّة العناوين الثانوية حاكمة عليه.
فلم يبق ما يصلح للاستدلال على وجوب الكفّارة إلاّ الصحيحة التالية:
3. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال:«عليه لكلّ صنف منها فداء».1
والاستدلال مبني على شمول الحاجة للاضطرار أو كونها نفسه، ولا يبعد الثاني، لأنّ الحاجة غير الواصلة إلى حدّ الاضطرار لا يجوز معها اللّبس، ولأجل هذه المناقشات يشكل الإفتاء بوجوب الكفّارة. نعم لا بأس بالاحتياط.
وبذلك يظهر ما في المتن من الجزم بالكفّارة حيث قال: وعليه الكفّارة، ولعلّه اعتمد على الإجماع المحكي في «الجواهر» معتضداً بالروايات المذكورة.
* في المسألة فرعان:
1. جواز لبس المخيط للنساء.
2. عدم جواز لبس القفازين لهن.
وإليك دراسة كلا الفرعين:

الفرع الأوّل:

إنّ هذا الفرع ، كالفرع السابق نختلف نحن والمشهور في طرحه، فالمشهور

1 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

صفحه 298
يركّز على المخيط، ونحن نركّز على الثوب الضام للبدن، الدارع من غير فرق بين المخيط و المنسوج والملبّد، فتذكّر. وعلى هذا نقوم بتحليل الفرع على قول المشهور.
المشهور بين الأصحاب جواز لبس المخيط للمرأة المحرمة، ويظهر من الشيخ في «النهاية» عدم الجواز مع أنّه أفتى في «المبسوط» على خلافه. وإليك بعض الكلمات في هذا الصدد:
قال المحقّق: ولبس المخيط للرجال، وفي النساء خلاف، والأظهر الجواز اضطراراً و اختياراً.1
وقال العلاّمة: يجوز للمرأة لبس المخيط إجماعاً، لأنّها عورة وليست كالرجل، ولا نعلم فيه خلافاً، إلاّ قول شاذ للشيخ لا اعتداد به.2
وقال في «المستند»: ويختصّ المنع عمّـا ذُكر بالرجال، وأمّا النساء فيجوز لهن جميع ما ذكر وفاقاً للأكثر، بل غير الشاذ النادر، بل للمجمع عليه كما عن «السرائر» و«المنتهى» و «التذكرة» و «التنقيح» للأصل واختصاص الأدلّة المانعة فتوى ورواية بالرجل.3
وأمّا الشيخ فقد قال في «النهاية»: ويحرم على المرأة في حال الإحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل، ويحلّ لها ما يحلّ له.4
وفي الوقت نفسه أفتى في «المبسوط» بالجواز، قال: ويحرم على المرأة في حال الإحرام جميع ما يحرم على الرجل ويحلّ لها ما يحل له، وقد رُخّص لها في القميص

1 . الشرائع:1/249.
2 . المنتهى:2/783.
3 . مستند الشيعة:12/11.
4 . النهاية:218.

صفحه 299
والسراويل.1
وقد ادّعى صاحب الرياض وجود الاغتشاش في نسخ «النهاية»، وعدم وضوح عبارته في الكتاب في المنع على بعض النسخ.2
وإليك ما يدلّ على الجواز من الروايات، وهي على صنفين:
الأوّل: ما ينصّ على جواز لبس نوع من المخيط كالقميص والسروال والغلالة (وهي ثوب رقيق يلبس تحت الثياب) نظير:
1. صحيحة يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المرأة تلبس القميص تزرّه عليها وتلبس الحرير والخز والديباج، فقال:«نعم لا بأس به وتلبس الخلخالين والمسك».3
والرواية وإن لم يرد فيها كون المرأة محرمة، ولكن المتبادر أنّ السائل يسأل عن حكم المحرمة، لوضوح أنّ هذه الألبسة ليست بحرام على المرأة في غير حالة الإحرام.
وبعبارة أُخرى: ليس السؤال مركّزاً على أحكام المرأة النفسية، وإنّما هو مركّز على مانعية اللبس في حال الإحرام.
2. صحيح محمد بن علي الحلبي: انّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المرأة إذا أحرمت أتلبس السراويل؟ قال: «نعم إنّما تريد بذلك الستر».4 فلو كان قوله:

1 . المبسوط:1/320.
2 . الرياض:6/303.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث1; السرائر:1/544، وفيه: قال محمد بن إدريس: المَسَك ـ بفتح الميم، والسين غير المعجمة المفتوحة، والكاف ـ أسورة من ذبل أو عاج.
4 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 300
«إنّما تريد بذلك الستر» علّة للحكم ـ كما هو الظاهر ـ يدلّ على لبس كلّ ثوب مخيط وغير مخيط يستر بدنها عند الركوب والنزول وعند هبوب الرياح، فلو حرم عليها لبس المخيط من الثياب لزم كشف قسم من بدنها.
3. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«تلبس المحرمة الحائض تحت ثيابها غلالة».1
والغلالة هي الثوب الرقيق تلبسه المرأة تحت الثياب.
هذا هو الصنف الأوّل ممّا ينص على جواز لبس نوع من الثوب المخيط.
الثاني: ما يدلّ على جواز لبس كلّ ثوب إلاّ القفازين، نظير:
4. خبر2 النضر بن سويد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن المحرمة أي شيء تلبس من الثياب؟ قال: «تلبس الثياب كلّها إلاّ المصبوغة بالزعفران والورس ولا تلبس القفّازين».3
فالرواية تدلّ على جواز لبس عامّة الثياب الّتي لا يخلو أكثرها من الخياطة، إذ قلّما يتّفق أن يكون بعضها منسوجاً.
5. خبر4 أبي عيينة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته ما يحلّ للمرأة أن تلبس وهي محرمة؟ فقال: «الثياب كلّها ما خلا القفازين والبرقع والحرير»، قلت: أتلبس الخز؟ قال: «نعم» ، قلت: فإن سداه إبريسم وهو حرير؟
فقال: «ما لم يكن حريراً خالصاً فلا بأس».5

1 . الوسائل:9، الباب52 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . لوقوع منصور بن العباس في السند، وهو لم يوثّق.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث2.
4 . قلنا خبر لتردّد الراوي في السند بين أحمد بن محمد أو غيره.
5 . نفس المصدر: الحديث3.

صفحه 301
6. صحيح العيص بن القاسم قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين».1
والرواية وإن كانت بصدد بيان عدم التفريق بين أجناس الثياب إلاّ أنّ الغالب على الثياب هو الخياطة، فتدلّ بالملازمة على جواز المخيط.
والظاهر أنّ المسألة واضحة.

الفرع الثاني:

استُثْني من لبس المخيط أو الثياب، القُفّازان وفسّره ابن إدريس بقوله: والقفّازان في الأصل وعند العرب شيء تتخذه النساء باليدين تحشى بقطن ويكون له أزرار تُزر على الساعدين من البرد تلبسه النساء.2
إنّما الكلام في أنّه هل كانت المرأة تلبسهما لاجتناب البرد، أو تلبسهما للحلية أو الزينة؟ ومن المعلوم أنّما يلبس للثانية غير ما يلبس للأُولى، وقد راج في أعصارنا هذه لبس القفازين بين النساء لغاية الزينة.
وإليك ما ورد من الروايات حتى يتعيّن أحد المعنيين:
أ. ففي رواية النضر بن سويد عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «تلبس الثياب كلّها إلاّ المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين، ولا حليّاً تتزين به لزوجها، ولا تكتحل إلاّ من علّة».3

1 . نفس المصدر، الحديث9.
2 . السرائر:1/544، ونقله أيضاً صاحب التذكرة:7/302.
3 . الكافي:4/344، الحديث2; التهذيب:5/74، الحديث 245; الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث2.

صفحه 302
ب. وفي رواية أبي عيينة قال: الثياب كلّها ما خلا القفّازين والبرقع والحرير.1
ج. وفي رواية يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) أنّه كره للمحرمة البرقع والقفّازين.2
د. صحيح العيص بن القاسم: المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفّازين.3
الظاهر من رواية النضر بن سويد كونه من مقولة الثياب لا زينة لليد للوجوه التالية:
أ. عدّه في مقابل الحلية وقال:«ولا تلبس القفّازين، ولا حلياً تتزين به لزوجها». ولو كان من أقسام الزينة كان عليه أن يذكره بعد العام، لشيوع ذكر الخاص بعد العامّ لا العكس.
ب. عدّه في مقابل البرقع في رواية يحيى بن أبي العلاء:«انّه كره للمرأة المحرمة البُرقع والقفازين».
ج. ماعرفته من كلام ابن إدريس من أنّ اللبس لغاية الاجتناب عن البرد.
ويمكن أن يقال: إذا حرم بما أنّه ثوب مصون عن البرد، يحرم أيضاً إذا كان لغاية الزينة كما هو رائج في زماننا لدخوله في رواية النضر بن سويد«ولا حُليّاً تتزّين به لزوجها».

1 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث6.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب الإحرام، الحديث9.

صفحه 303
المسألة 18: كفّارة لبس المخيط شاة، فلو لبس المتعدّد ففي كلّ واحد شاة، ولو جعل بعض الألبسة في بعض ولبس الجميع دفعة واحدة، فالأحوط الكفّارة لكلّ واحد منها، ولو اضطر إلى لبس المتعدّد جاز ولم تسقط الكفّارة.*
* في المسألة فروع:
1. كفّارة لبس المخيط شاة.
2. تعدّد الكفّارة بلبس الثوب المتعدّد ] من نوعين[.
3. لو لبس عدّة ثياب دفعة واحدة.
4. لو اضطر إلى لبس المتعدّد.
وإليك دراسة هذه الفروع:

الفرع الأوّل:

أعني: كفّارة لبس المخيط شاة، وهو المشهور عند الأصحاب.
قال الشيخ:ومن لبس ثوباً لا يحلّ لُبسه له وهو محرم... كان عليه دم شاة.1
وقال المحقّق: المخيط حرام على المحرم، فلو لبس كان عليه دم شاة.2
وقال في «الجواهر» بعد عبارة «الشرائع» هذه: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافاً إلى النصوص.3

1 . النهاية:234.
2 . الشرائع:1/296.
3 . الجواهر:20/404.

صفحه 304
وقال في «التذكرة»: من لبس ثوباً لا يحلّ له لبسه وجب عليه دم شاة، وهو قول العلماء... إلى أن قال: ولا فرق في وجوب الدم بين قليل اللبس وكثرته عند علمائنا أجمع.1
إلى غير ذلك من الكلمات.
ويدلّ عليه النصوص الّتي مرّ نقلها في مسألة تعلّق الكفّارة عند الاضطرار إلى لبس المخيط، نظير:
1. صحيحة زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:»من نتف إبطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله وهو محرم، ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، من فعله متعمداً فعليه دم شاة.2 وقد مرّ لفظة «لا ينبغي» محمولة على الحرمة.
2. معتبرة سليمان بن العيص3 قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يلبس القميص متعمداً؟ قال: «عليه دم».4

الفرع الثاني:

الفرع الثاني عبارة عن لُبْس متعدّدين لكن من «نوعين»، وهذا هو المراد من قوله«لبس المتعدّد»، وإلاّ فالمتعدد من نوع واحد يأتي حكمه في المسألة الثالثة

1 . التذكرة:8/5.
2 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث1. وهي متّحدة مع ما في رقم4.
3 . سليمان بن العيص مجهول غير معنون في الرجال، ولكن الراوي عنه ابن أبي عمير، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة، ولذا وصفناها بالمعتبرة.
4 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث2.

صفحه 305
عشرة حيث قال: ولو لبس المتعدّد من نوع واحد، فلاحظ.
وعلى أي حال إذا لبس النوعين من الثياب، فلكلّ واحد شاة، وله صورتان:
1. إذا لبس نوعاً من الثياب وكفّر، ثمّ لبس نوعاً آخر فلا شكّ في تعدّد الكفّارة، ولم يذكرها المصنّف لوضوحها، ولما يأتي منه في المسألة التاسعة عشرة فيما إذا تخلّل التكفير في لبس القميص، فإذا وجب تكرر الكفّارة عند تكرر اللبس من نوع واحد، ففي لبس نوعين بطريق أولى.
2. إذ لم يتخلّل بين لبس نوعين من الثياب، كفّارة فقد مرّ في استعمال الطيب (المسألة15) انّ الميزان هو وحدة الوقت أو المجلس أو كثرتهما لا تعدد اللّبس. ولكنّه (قدس سره)مع الإفتاء بذلك الملاك في الطيب لم يعتدّ بذاك التفصيل في المقام، لما ورد في صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال(عليه السلام): «عليه لكلّ صنف منها فداء».1 وإطلاق الحديث يعمّ اللبس في وقتين أو في وقت واحد.

الفرع الثالث: لبس عدّة ثياب دفعة واحدة

إذا جعل بعض الألبسة في بعض ولبس الجميع دفعة واحدة، فقال المصنّف: الأحوط الكفّارة لكلّ واحد منها; ويدلّ عليه صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن المحرم إذا احتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال (عليه السلام):«عليه لكلّ صنف منها فداء».2 لكن منصرف الرواية، هو تحقق اللّبس واحداً بعد الآخر، والمفروض ـ في كلام المصنّف ـ تعدّد الملبوس مع وحدة اللُّبس،

1 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب9 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث1.

صفحه 306
المسألة19: لو لبس المخيط كالقميص مثلاً، وكفّر، ثمّ تجرّد عنه ولبسه ثانياً أو لبس قميصاً آخر فعليه الكفّارة ثانياً، ولو لبس المتعدّد من نوع واحد كالقميص أو القباء، فالأحوط تعدّد الكفّارة وإن كان في مجلس واحد.*
ولأجل الاختلاف بين المفروض ومورد الرواية احتاط المصنّف، بخلاف الفرع المتقدّم فقد أفتى بالتعدّد.

الفرع الرابع: الاضطرار إلى لبس المتعدّد

إذا اضطر، لأجل البرد وغيره إلى لبس المتعدّد، تجب عليه الكفّارة، مثل ما إذا اضطر إلى لبس اللباس الواحد، وقد مرّ الكلام في وجوب الكفّارة على المضطر في المسألة 16 فلا نعيده.

* في المسألة فرعان:

1. إذا تخلّلت الكفّارة بين اللبسين، سواء كان الملبوس ثانياً، نفس الملبوس أوّلاً أو غيره.
2. إذا لبس المتعدّد من نوع واحد.
أمّا الفرع الأوّل، فقد علم حكمه ممّا مرّ في المسألة 15، وما ذكرناه آنفاً في المسألة18، فلا حاجة إلى التكرار.
وأمّا الفرع الثاني، أعني: إذا لبس المتعدّد من نوع واحد كالقميص أو القباء، فيمكن الاستئناس لتعدّد وجوب الكفّارة بما مرّ في صحيحة محمد بن مسلم حيث قال: عليه لكلّ صنف فداء، بحجة أنّ تعدّد الكفّارة في الأصناف المتعدّدة بملاك استلزامها تعدّد اللبس، وعندئذ لا فرق بين أن يكون الملبوس من صنف واحد أو

صفحه 307
السابع: الاكتحال بالسواد إن كان فيه الزينة وإن لم يقصدها، ولا يترك الاحتياط بالاجتناب عن مطلق الكحل الّذي فيه الزينة، ولو كان فيه الطيب فالأقوى حرمته.*
من صنفين، ولعلّه ـ لهذا ـ احتاط المصنّف في الحكم بتعدّد الكفّارة، لاحتمال أنّ تعدّدها من الأصناف بملاك استلزامها بالعدد اللّبس، فيكون هذا هو الميزان. وقد مرّ أنّ عدم الاعتداد لوحدة الوقت أو المجلس في المقام لأجل النص.
* اعلم أنّ الاكتحال على صور:
إمّا أن يكون عن علّة وأُخرى بلا علّة.
فأمّا الأُولى فسيأتي بيانها في المسألة 22، وإنّما المهم هو بيان أقسامها إذا كان لا لعلّة. وهي على أقسام خمسة وقد ذكر المصنّف في الاكتحال أقساماً أربعة:
1. الاكتحال بالكحل الأسود مع قصد الزينة.
2. الاكتحال بالكحل الأسود مع عدم قصد الزينة.
3. الاكتحال بغير الأسود، كالأزرق مع قصد الزينة.
4. الاكتحال بغير الأسود مع عدم قصدها. ولم يذكره المصنّف.
5. الاكتحال بما فيه طيب من غير تقييد بالأسود والأزرق.
هذه صور الاكتحال بلا علة، ولا شكّ في حرمة الأوّل والخامس إنّما الكلام في حرمة الأقسام الباقية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القول الحاسم رهن دراسة أُمور:
1. دراسة كلمات الأصحاب في المسألة.
2. دراسة الروايات وتصنيفها وبيان طوائفها.

صفحه 308
3. الجمع بين أصناف الروايات.
4. عرض الفروع المذكورة في المتن عليها.
وإليك بيان الكل:

1. كلمات الفقهاء في المسألة

أمّا كلمات الفقهاء فقد اضطربت في المقام، فمنهم من أفتى بالكراهة كالشيخ الطوسي في «الخلاف»، خلافاً لما ذكره في «المبسوط»، ولكن المشهور عند الأصحاب هو الحرمة، ثمّ اختلفوا في موضوع الحرمة.
وإليك بعض كلماتهم:
قال الشيخ: الاكتحال بالإثمد مكروه للنساء والرجال، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلنا، والآخر أنّه لا بأس به، هذا إذا لم يكن فيه طيب، فإن كان فيه طيب فلا يجوز ومن استعمله فعليه الفداء.1
وقال في »المبسوط: و]لا[2 يجوز للرجل والمرأة إذا كانا محرمين أن يكتحلا بالسواد إلاّ عند الضرورة.
ويجوز لهما الاكتحال بغير السواد إلاّ إذا كان فيه طيب، فإنّه لا يجوز على حال.3
وقال ابن حمزة: يجوز الاكتحال بغير السواد وبما لا طيب فيه.4

1 . الخلاف:2/313، المسألة 160. والإثمِد حجر يكتحل به.
2 . الإضافة منا لدلالة السياق على سقوطها في الطبع.
3 . المبسوط:1/321.
4 . الوسيلة:163.

صفحه 309
وقال المحقّق: والاكتحال بالسواد على قول وبما فيه طيب ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.1
وقال يحيى بن سعيد: حرم... الكحل كذلك.2
وقال العلاّمة في «القواعد»: والاكتحال بالسواد على رأي والاكتحال بما فيه طيب.3إلى غير ذلك من الكلمات.

2. تصنيف الروايات

ثمّ إنّ الروايات الواردة في المقام على كثرتها وتشتّتها على طوائف:
الأُولى: ما يدلّ على حرمة الاكتحال للمرأة إلاّ من علّة، ومنها:
1. ما رواه النضر بن سويد، عن أبي الحسن(عليه السلام) في حديث قال:«إنّ المرأة المحرمة لا تكتحل إلاّ من علّة».4
الثانية: ما يدلّ على حرمة الاكتحال بالأسود مطلقاً إلاّ من علّة:
2. صحيح معاوية بن عمّـار: لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود إلاّ من علّة.5
3. صحيح حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:سألته عن الكحل للمحرم؟ فقال:»أمّا بالسواد فلا، ولكن بالصبر والحضض6».7

1 . الشرائع:1/250.
2 . الجامع للشرائع:185.
3 . قواعد الأحكام:1/423.
4 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث11. وقريب منه ما ورد في رقم 14 فلاحظ.
5 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
6 . الصبر: عصارة شجر مرّ. الحضض: عصارة شجر منه مكي ومنه هندي.
7 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.

صفحه 310
الثالثة: ما يدلّ على حرمة الاكتحال بالأسود إذا كان للزينة.
4. ما رواه زرارة عنه(عليه السلام)قال:«تكتحل المرأة بالكحل كله إلاّ الكحل الأسود للزينة».1
5. ما رواه حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، إنّ السواد زينة».2
6. ما رواه أبو بصير في حديث: وتكتحل المرأة المحرمة بالكحل كله، إلاّ كحل أسود لزينة.3
7. ما رواه الحلبي سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تكتحل وهي محرمة؟ قال:«لا تكتحل». قلت: بسواد ليس فيه طيب؟ فكرهه من أجل أنّه زينة.4
الرابعة: ما يدلّ على حرمة مطلق الاكتحال للزينة.
8. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس أن يكتحل وهو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فأمّا للزينة فلا».5
9. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« المحرم لا يكتحل إلاّ من وجع ، وقال: لا بأس بأن تكتحل وأنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فأمّا للزينة فلا».6
الخامسة: حرمة الاكتحال بما فيه طيب، ومنها:

1 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث13.
4 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث14.
5 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
6 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث8.

صفحه 311
10. ما رواه هارون بن حمزة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا يكتحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران».1
11. ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«يكتحل المحرم ان هو رمد بكحل ليس فيه زعفران».2
فإذا كان الاكتحال بالزعفران مع الرمد غير جائز ففي غير تلك الحالة يكون أولى بعدم الجواز.
12. مرسل أبان، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا اشتكى المحرم عينيه فليكتحل بكحل ليس فيه مسك ولا طيب».3

3. الجمع بين الطوائف الخمس

ثمّ إنّ مقتضى القواعد تقييد الطائفة الأُولى الدالّة على حرمة مطلق الاكتحال للمرأة بالطائفة الثانية الدالّة على اختصاص الحرمة بالاكتحال بالأسود، وفي الوقت نفسه تقيد الطائفة الثانية بالثالثة، أعني: ما إذا كان الاكتحال بالأسود لغاية الزينة، لا للعلاج، ولا لتقوية الباصرة. والكحل الّذي فيه الزينة على قسمين: تارة يقصدها المحرم، وهذا هو الفرع الأوّل في كلام المصنّف، وأُخرى لا يقصدها ولكن يعدّ زينة، وهذا هو الفرع الثاني في كلامه، ويمكن القول بتحريم كلا القسمين، لأنّ قوله في رواية حريز: «انّ السواد زينة» إشارة إلى أنّ طبع الاكتحال بالأسود يعدّ زينة قصدها المحرم أم لم يقصدها.

1 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.
2 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث9. ولاحظ أيضاً الحديث12.

صفحه 312
ويمكن الجمع بوجه آخر، وهو حمل مطلق الاكتحال، أو الاكتحال بالأسود، ولو لم يكن للزينة على الكراهة باختلاف مراتبها،وتخصيص الحرمة بالقسم الثالث، أعني: الاكتحال بالأسود، لخصوص الزينة.
وأمّا الطائفة الخامسة أعني: ما دلّ على حرمة الاكتحال بما فيه طيب، فالظاهر أنّها بصدد بيان حرمة ما فيه طيب، أو ما كان فيه رائحته، وأمّا جواز ما عداه فليس بصدد بيانه، فيرجع فيه ما هو المحصل من الطوائف الثلاث الأُولى.
وأمّا الطائفة الرابعة، أعني: ما يدلّ على حرمة مطلق الاكتحال للزينة، فإن قلنا بانصراف الاكتحال إلى الاكتحال بالسواد، فترجع إلى الطائفة الثالثة; أو قلنا بأنّه ليس في مقام البيان من هذه الجهة، فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو أيضاً الاكتحال بالأسود، وإلاّ فيؤخذ بإطلاقه وهو كل اكتحال ولو لم يكن بالأسود يُعدّ زينة فهو حرام. وسيوافيك أنّ التزيّن من محظورات الإحرام.
وبهذا يظهر أنّ تسويد العين بالأدوات الصناعية الرائجة في أعصارنا حيث حلّت محلّ الاكتحال بالكحل حرام، لكونه من مصاديق الزينة.
إلى هنا تمّت دراسة الروايات ولنأخذ دراسة الأحكام المذكورة في المتن، وهي:

4. عرض الفروع على الروايات

اعلم أنّ الاكتحال المذكور في المتن على أقسام أربعة:
1. الاكتحال بالأسود الّذي فيه زينة مع قصد الزينة.
2. الاكتحال بالأسود الّذي فيه زينة مع عدم قصدها.
3. الاكتحال بمطلق الكحل. (كالأزرق) مع قصد الزينة.

صفحه 313
4. الاكتحال بمطلق الكحل الّذي فيه طيب.
الفرع الأوّل: أعني الاكتحال بالأسود الّذي فيه زينة مع قصدها، فيدلّ على حرمته، ما ورد في الطائفة الثالثة، وهذا الفرع هو القدر المتيقن، ففي صحيحة زرارة الماضية: قال تكتحل المرأة بالكحل كلّه إلاّ الكحل الأسود للزينة. وعدم تقييدها بالمحرمة، لأجل وضوحها، إذ لا تحتمل الحرمة النفسية بالأسود للزينة، واللام في «الزينة» للغاية والقصد.
الفرع الثاني: أعني: الاكتحال بالكحل الّذي فيه زينة ولم يقصدها فيحرم، وقد مرّ وجهه وهو ما رواه حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، انّ السواد زينة» فالملاك كونه زينة، سواء أقصدتها المحرمة أم لم تقصدها، فظاهره أنّ الزينة لا تفارق الاكتحال بالأسود حتّى لو اكتحلت بالليل لبقاء أثره إلى النهار.
الفرع الثالث: الاكتحال بمطلق الكحل الّذي فيه زينة، والمراد به هو الاكتحال بغير الأسود، لأنّ الأسود منه داخل في الفرع الأوّل، فيمكن الاستدلال عليه بنفس عموم التعليل في رواية حريز (انّ السواد زينة) حيث إنّ المتبادر منه أنّ الحرام الواقعي هو الزينة ولو حرم الاكتحال بالكحل الأسود فإنّما هو لأجل كونه زينة فيحرم الاكتحال بكلّ ما يعدّ زينة وإن لم يكن أسود، واحتاط المصنّف، ويحتمل أن يكون وجهه، تخصيص الحرمة في صحيح زرارة بالكحل الأسود.1
الفرع الرابع: أعني الاكتحال بمطلق الكحل الّذي فيه طيب، وتدلّ عليه الطائفة الخامسة من الروايات.

1 . لاحظ الحديث رقم3.

صفحه 314
المسألة20: لا تختص حرمة الاكتحال بالنساء فيحرم على الرجال أيضاً.*
المسألة21: ليس في الاكتحال كفّارة، لكن لو كان فيه الطيب فالأحوط التكفير.**
بقي هنا فرعان:
1. الاكتحال الأسود مع عدم قصد الزينة وخلوّه من الطيب، فلا إشكال في جوازه، لماعرفت من لزوم تقييد ما دلّ على حرمة مطلق الاكتحال بالطائفتين الأُولتين.
2. الاكتحال بمطلق الكحل للعلاج والعلّة، فيجوز مطلقاً سواء انحصر العلاج أو لم ينحصر فيه، وسيوافيك الكلام فيه في المسألة 22 من المتن، فانتظر.
* إنّ الاكتحال في النساء أكثر من الرجال وقد وقعت موضوعاً للحرمة في قسم من الروايات ومع ذلك تعم الحرمة لهن ولغيرهن للتصريح بالاستواء في صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود إلاّ من علّة».1 أضف إلى ذلك وجود لفظ المحرم في غير واحد من الروايات، ربما تُناهز الستة، لاحظ الهامش.2
** في المسألة فرعان:
1. عدم وجوب الكفّارة في الاكتحال.
2. الأحوط التكفير في الاكتحال لو كان فيه الطيب.

1 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . لاحظ الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3، 5، 7، 8، 9، 12.

صفحه 315
أمّا الفرع الأوّل فلعدم الدليل على وجوبه، وربّما يستدلّ على الوجوب بما رواه عبد اللّه بن جعفر، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال:«لكلّ شيء خرجت من حجّك فعليه دم تهريقه حيث شئت».1 هكذا في الوسائل وفي المصدر:«جرحت» بدل «خرجت».
فلو كان الصحيح خرجتَ يكون المعنى: إذا خرجت من حجّك وأكملت الأعمال وكان عليك دم يجوز لك أن تذبحه وتهريقه في أيّ مكان شئت، ولا يجب عليك أن تذبحه في مكة أو منى خلافاً لكفّارات الصيد فإنّها تذبح في مكّة أو منى وأمّا بقيّة الكفّارات فيذبحها أين شاء، فالرواية ناظرة إلى مكان ذبح الفدية.2وعلى هذا لا صلة للرواية بالمقام.
ولو كان الصحيح «جرحت» فمعناه أنّ كلّ محظور ارتكبته في الحج فكفّارته «دم شاة»، والظاهر صحّة الأوّل دون الثاني لاستلزامه التخصيص الأكثر، لأنّ بعض المحظورات كفّارته بعير، أو بقرة وقسم منه مخيّر بين الخصال الثلاث كما في الحق، وقسم منها كفّارته غير الشاة كما يمرّ عليك.
أمّا الفرع الثاني أي وجوب الكفّارة بما فيه طيب، فقد تقدّم أنّ استعمال الطيب حرام على المحرم بعامّة أنواعه، شمّاً، ومسّاً، وطلياً، وأكلاً ولكن بشرط بقاء الرائحة كما في صحيح ابن عمّار حيث قال بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه.3 ولا يكفي وجوده بلا رائحة; للصحيحة المذكورة، ولما في«الجواهر»: من منع صدق اسم الطيب مع ذهاب الرائحة.4

1 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب بقية كفّارات الإحرام، الحديث5.
2 . المعتمد:4/127.
3 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث8.
4 . الجواهر:18/348.

صفحه 316
المسألة22: لو اضطرّ إلى الاكتحال، جاز.*
الثامن: النظر في المرآة من غير فرق بين الرجل والمرأة، وليس فيه الكفّارة لكن يستحب بعد النظر أن يلبّي، والأحوط الاجتناب عن النظر في المرآة ولو لم يكن للتزيين.**
وأمّا الكفّارة فقد عرفت باختصاصها بأكل الطيب لا مسّها وشمّها فما في المتن من الاحتياط مبني على القول بتعلّقها بعامة الاستعمالات حتى المسّ والشم، وقد أطلق(قدس سره)في ما سبق على ما شرحنا عبارته وقال بتعلّقها بمطلق الاستعمال، وعلى ذلك كان عليه الإفتاء بالحرمة.
* لوجوه:
1. استثناء «من علة» في روايتين أعني: روايتي معاوية بن عمّار والنضر بن سويد.1
2. قوله: إذا اضطرت إليه فلتكتحل.2
أضف إلى ذلك أنّ الاضطرار مبيح في عامّة المحظور، فمقتضى القاعدة دخول المورد تحت القاعدة.
أمّا الكلام في جواز الاكتحال للاضطرار مطلقاً أو فيما إذا انحصر به. ففيه وجهان أقواهما الأوّل وأحوطهما الثاني.
** هنا فروع:
1. حرمة النظر في المرآة من غير فرق بين الرجل والمرأة.

1 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2و11.
2 . الوسائل:9، الباب33 من أبواب تروك الإحرام، الحديث14.

صفحه 317
2. ليس فيه الكفّارة ويستحب التلبية.
3. الأحوط ترك النظر فيها لغير التزيين. وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: النظر في المرآة أحد المحظورات للمحرم إمّا مطلقاً أو للزينة، وهو خيرة الشيخ المفيد في «المقنعة»1، وأبي الصلاح الحلبي في «الكافي»2، والشيخ في «النهاية»3، وابن إدريس في «السرائر»4; وكرهه قليل منهم، كالشيخ في «الخلاف»5، وابن حمزة في «الوسيلة»6، والمحقّق في «المختصر النافع».7
قال العلاّمة : اختلف علماؤنا في تحريم النظر في المرآة على المحرم، فقال بعضهم بالتحريم، وبعضهم بالكراهة.8
وقال في «الجواهر»: بل نسب الحرمة غير واحد إلى الأكثر.9
ويدلّ على الحرمة، النهي المتضافر الوارد في عدّة صحاح:
1. صحيح حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا تنظر في المرآة وأنت محرم فإنّه من الزينة».10
2. صحيح حريز: لا تنظر في المرآة وأنت محرم، لأنّه من الزينة.11
والضمير في الحديثين يعود إلى النظر الّذي يدلّ عليه الفعل، أعني: »لا

1 . المقنعة:398.
2 . الكافي في الفقه:203.
3 . النهاية:220.
4 . السرائر:1/546.
5 . الخلاف:2/319، المسألة 119.
6 . الوسيلة:164.
7 . المختصر النافع:85.
8 . التذكرة:7/327.
9 . الجواهر:18/348.
10 . الوسائل:9، الباب34 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
11 . الوسائل:9، الباب34 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 318
تنظر» فالتعليل مجمل، إذ لا مفهوم واضح لقوله فإنّ النظر من الزينة.
ولكن الحديثين التاليين يوضحان ما هو المقصود من التعليل وحاصله: انّ النظر في المرآة لا ينفك عن كونه لغاية التزيين لا لغاية أُخرى كالعلم بما في الوجه من الدم وغيره فإنّه نادر، وإليك الحديثين:
3. صحيح معاوية بن عمّـار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة.1
4. صحيح معاوية بن عمّار: لا ينظر المحرم في المرآة لزينة، فإن نظر فليلبّ.2
فهما يوضحان المقصود من التعليل في الحديثين السابقين وانّ النظر في المرآة لا ينفك عن الزينة.
وعلى كلّ تقدير فالنظر فيها حرام، إذ لا وجه لحمل النهي على الكراهة بعد ظهوره في المولوية التحريمية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الظاهر، اختصاص الحكم بالنظر إليها للزينة، كما هو صريح قوله في صحيح معاوية بن عمّار:«لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة» على نقل أو «لزينة» على نقل آخر، وقد مرّ أنّ المراد من قوله:«فإنّه من الزينة»، أو «لأنّه من الزينة»، انّ النظر في المرآة يكون لغاية الزينة، ولا ينفك عنها فتكون الروايات الأربع، متّحدة، منطوقاً وغرضاً، غاية الأمر تارة تكون الزينة تعليلاً وأُخرى قيداً. فليس هنا مطلق ومقيد حتى يحمل الأوّل على الثاني كما

1 . الوسائل:9، الباب34 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب34 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4. والظاهر اتّحادهما لوحدة الراوي والإمام المروي عنه.

صفحه 319
المسألة23: لا بأس بالنظر إلى الأجسام الصقيلة والماء الصافي ممّا يرى فيه الأشياء، ولا بأس بالمنظرة إن لم تكن زينة وإلاّ فلا تجوز.*
حكاه صاحب الجواهر عن صاحب الذخيرة.1
وقد ظهر ممّا ذكرنا:
1. اختصاص الحرمة بما إذا كانت الغاية من النظر الزينة، وجوازه لا لتلك الغاية، كما إذا نظر إليها للعلم بوجود الدم في وجهه وعدمه أو للعمل بما خلفه من السيارات، بل يمكن القول بخروج المثال الثاني موضوعاً.
نعم احتاط المصنّف في النظر فيها لا لغاية التزيين، احتياطاً وجوبياً، والظاهر خلافه.
2. عمومية الحرمة للرجال والنساء، لورود لفظ المحرم في غير واحد من الروايات كرواية حماد بن عثمان، وحريز فلاحظ.
الفرع الثاني: عدم وجوب الكفّارة، لعدم دليل عليها سوى ما مرّ بيانه من رواية عبد اللّه بن الحسن، وقد مرّ المقصود منه.
نعم انّ ظاهر قوله(عليه السلام):«فإن نظر فليلبِّ» هو وجوب التلبية، ولا وجه للعدول عن الظاهر إلاّ أن يقوم الإجماع على عدم وجوبها. والظاهر أنّها كفّارة للنظر فيها فيكون وزانه كوزان سائر الكفّارات في باب محظورات الحج. فلا تعمّ الجاهل والناسي، بل تختص بالعامد. ولعلّ قوله: «فإن نظر» ظاهر في العمد.
الفرع الثالث: ترك النظر فيها إذ لم يكن للزينة، وقد تبيّن حاله ممّا سبق.
* في المسألة فروع:

1 . الجواهر:18/349.

صفحه 320
1. النظر إلى الأجسام الصقيلة.
2. النظر إلى الماء الصافي الحاكي.
3. لبس النظارات.
أمّا الأوّلان فقد قال في «الجواهر »:ولا بأس بما يحاكي الوجه مثلاً من ماء وغيره من الأجسام الصقيلة.1
لكن مقتضى التعليل الوارد في صحيح معاوية بن عمّار ـ من أنّ النظر فيها للزينة ـ هو حرمة النظر في كلّ ما يحكي إذا كان لغاية التزيين. والأقوى حرمة النظر فيها للزينة. والمقام أشبه بالقياس المنصوصة علّته، وهو في الحقيقة عمل بالنّص وليس قياساً.
ثمّ قال في «الجواهر»: لا بأس بالنظر في المرآة في غير المعتاد فعله للزينة.2 وكأنّ هذا الفرع خارج عن مورد الروايات فإنّ موردها هو النظر في المرآة لمشاهدة نفسه أو ما يتعلّق به، فأين هو من النظر في المرآة لغرض آخر، كنظر السائق في مرآة سيارته ليرى ما خلفها وما يحيط بها.
وأمّا الفرع الثالث: فإنّ الغاية من لبس النظارات هو مشاهدة البعيد لا حكاية الناظر، اللّهم إلاّ أن يعد نفس لبسها زينة كما هو غير بعيد في بعض أقسامها فيدخل في حرمة التزيين.

1 . الجواهر:18/349.
2 . الجواهر:18/349.

صفحه 321
التاسع: لُبْس ما يستر جميع ظهر القدم كالخف والجورب وغيرهما، ويختص ذلك بالرجال ولا يحرم على النساء، وليس في لبس ما ذكر كفّارة، ولو احتاج إلى لبسه فالأحوط شقّ ظهره.*
* في المسألة فروع:
1. لُبس ما يستر ظهر القدم.
2. اختصاص ذلك بالرجال.
3. وجوب الكفّارة في اللبس وعدمه.
4. لو احتاج إلى لبس الخف يشقّ ظهره.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: هل الموضوع للحرمة عنوان خاص كالخفّ والجورب، أو يعمّهما وغيرهما ككلّ ما يستر ظهر القدم؟ فقد اختلفت كلماتهم في ذلك. فذكروا في تحديد الموضوع عناوين أربعة تختلف في السعة والضيق.
أ. يحرم لبس ]خصوص[ الخفّين، كما هو ظاهر «السرائر».1
ب. يحرم لبس الخفّين والجوربين. وهو الظاهر من الصدوق في «المقنع»2، والشيخ في «التهذيب»3، وسبط الشهيد في «المدارك».4
ج. يحرم لبسها مع الشُّمِشك.5 وهذا القول هو الظاهر من الشيخ في

1 . السرائر:1/543.
2 . المقنع:72.
3 . التهذيب:5/384.
4 . المدارك:7/337.
5 . بضم الشين وكسر الميم، وهو حذاء يستر ظاهر القدم وباطنه فقط وليس له ساق.

صفحه 322
«المبسوط»1 و في «الخلاف»2 وابن سعيد في «الجامع».3
د. يحرم لبس الخفين وما يستر ظهر القدم. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع»4، والعلاّمة في «التذكرة».5
والميزان عند المتأخّرين ستر ظهر القدمين باللبس كما عليه المصنّف في المتن قال:«ولبس ما يستر ظهر القدمين» فخرج سترهما باللحاف عند المنام أو بالإزار الطويل عند الجلوس. هذا ما لدى الخاصة وأمّا أهل السنّة فالظاهر أنّ الموضوع عندهم هو الخفّ، وقد جاء ذكر الخف في عداد القميص والسراويل في حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال ابن رشد: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلاّ أحدٌ لا يجد نعلين فيلبس خفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين».6
أقول: إنّ القول الحاسم في تحديد الموضوع رهن دراسة الروايات.
فإذا كانت كلمات الأصحاب تدور على عناوين أربعة، فالروايات تارة تخصّ الخفّين بالذكر، وأُخرى تذكر الجوربين مع الخفّين.
أمّا الأوّل فهو الأكثر، نظير:
1. صحيح حمران، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:»المحرم يلبس السراويل إذا لم

1 . المبسوط:1/320.
2 . الخلاف:2/296.
3 . الجامع للشرائع:184.
4 . الشرائع:1/250.
5 . التذكرة:7/298.
6 . بداية المجتهد:262.

صفحه 323
يكن معه إزار، ويلبس الخفّين إذا لم يكن معه نعل».1
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال:«ولا تلبس سراويل إلاّ أن لا يكون لك إزار، ولا خفّين إلاّ أن لا يكون لك نعلان».2
فهل قوله: «إلاّ أن لا يكون لك نعلان كناية» عن عدم وجودهما، وإن كان متمكّناً من تحصيلهما، أو كناية عن عدم التمكّن منهما، واضطراره إلى اللبس؟ الظاهر هو الثاني.
3. ما رواه علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين قال:«له أن يلبس الخفّين إن اضطر إلى ذلك وليشقّه عن ظهر القدم».3
وفي هذه الرواية إضافة وهي الأمر بشقّ الخفّين عن ظهر القدم.
4. ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) في المحرم يلبس الخفّ إذا لم يكن له نعل؟ قال:«نعم لكن يشقّ ظهر القدم».4
وأمّا الثاني: أي ما عطف عليه الجوربين فهو كالتالي:
5. ما رواه الشيخ بسند صحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)

1 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1. ونقله في الباب 35 من هذه الأبواب بصورة روايتين مع أنّهما رواية واحدة.
3 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
4 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5. وللحديث ذيل لم يشر إليه صاحب الوسائل نقله في الباب44، الحديث7. وسيوافيك الاستشهاد بذيله على اختصاص الحرمة بالرجال. فلاحظ.

صفحه 324
قال:«وأي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفّين إذا اضطر إلى ذلك، والجوربين يلبسهما إذا اضطر إلى لبسهما».1
6. ما رواه رفاعة بن موسى أنّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المحرم يلبس الجوربين؟ قال:«نعم، والخفّين إذا اضطرّ إليهما».2
هذا هو مجموع ما ورد عن طريقنا في الموضوع، إنّما الكلام في تحديد الموضوع وهو: هل للخفّين والجوربين موضوعية كالسراويل والقميص أو انّهما ذكرا مثالاً لكلّ ما يستر ظهر القدم؟
والمشهور عند المتأخّرين هو الثاني.
قال المحقّق: ولبس الخفّين وما يستر ظهر القدم فإن اضطر جاز،وقيل: يشقّهما وهو متروك.3
وقال العلاّمة: يحرم عليه لبس الخفّين وما يستر ظهر القدم اختياراً ويجوز في حال الضرورة.4
ويرجّح القول باختصاص الحكم بالخفّ والجورب بوجهين:
الأوّل: ما رواه ابن ميمون، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام):«المحرمة لا تتنقب، لأنّ إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه».5
وهذه الرواية ظاهرة في أنّ إحرام الرجل بكشف رأسه والمرأة في كشف

1 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.
3 . الشرائع:1/250.
4 . التذكرة:7/298.
5 . الوسائل:9، الباب55 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 325
وجهها، فلو وجب كشف ظهر القدم على الرجل يكون إحرامه في موضعين كشف الرأس وكشف ظهر القدم.
وعلى هذا فالتعدّي عن الخفّ والجورب إلى غيرهما مشكل.
الثاني: أنّ وجه تحريم لبس الخفّين والجوربين يحتمل أحد وجوه ثلاثة:
1. انّ الخفّ والجورب من الألبسة المتعارفة الّتي يلبسها غير المحرم فنُهي عن لبسهما لأجل هذا الملاك، ويشهد على ذلك ورودهما في عداد النهي عن القميص والسراويل، كما أنّ الأمر بشقّهما عند الاضطرار لأجل إخراجهما عن الهيئة المتعارفة كلبس القباء منكوساً أو مقلوباً.
2. انّ النهي عنهما لكونهما مخيطين.
3. انّ النهي عنهما لأجل كونهما ساترين لظهر القدم، حيث إنّ الجامع بينهما هو ستر ظهر القدمين، والتعميم مبني على كون الملاك هو الثالث دون الأوّلين. وهو بعد مظنون، لا معلوم.
فإن قلت: إنّه ليس كلّ من الخفّ والجوربين، موضوعاً مستقلاً للتحريم، بحيث يكون في المقام حكمان تحريميان لموضوعين، بل حكم واحد وتحريم فارد، تعلّق بالجامع العرفي بينهما، وليس هو إلاّ كونهما ساترين لظاهر القدمين; فيكون الموضوع في الحقيقة كلَّ ما يستر ظهر القدمين.
قلت: الإشكال مبني على فصل العنوانين عن سائر ما يحرم على المحرم من القميص والقباء والسروال، فعندئذ يتوجّه ما ذكر، وأمّا على القول بأنّ استثناءهما لأجل كونهما من الألبسة المتعارفة الّتي يجب للمحرم أن يجتنبهما، أو من مقولة المخيط، فالعنوانان داخلان تحت حكم تحريمي عام يعمّهما وغيرهما.
ويؤيّد هذا الاحتمال صحيح معاوية بن عمّار من حديث:»لا تلبس

صفحه 326
سراويل إلاّ أن لا يكون لك إزار، ولا خفّين إلاّ أن لا يكون لك نعلان».1
ولأجل ذلك فالإفتاء بحرمة ستر القدمين بغير الخف والجورب أمر مشكل، نعم الأحوط ما عليه المشهور. وذلك لاحتمال أنّ النهي عنه لأجل التدرع حيث يستران قسماً من عرض البدن، أي دون الركب