welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 3*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 3

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 5
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الثالث
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الجزء: الثالث
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1427 هـ . ق / 1385 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 7
الفصل الرابع عشر
القول في تروك الإحرام
والمحرّمات

صفحه 8

صفحه 9

القول في تروك الإحرام وال محرّمات

وفيه أُمور:*
* لمّا كان كتاب «العروة الوثقى» غير مشتمل على بيان مناسك الحجّ حتّى تروك الإحرام ومحرّماته، آثرنا في عنوان ما بقي من المسائل كتاب «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ (رحمه الله) حتّى يكون ما أُلقيه من المحاضرات كالشرح له، كيف وهو في وجازته جامع لأكثر المسائل الّتي يُبتلى بها.
وقد ذكر تروك الإحرام أوّلاً وقال: «القول في تروك الإحرام» ليعمّ المحرّم والمكروه، فيكون قوله:«والمحرّمات وفيه أُمور»، من باب عطف الخاص على العامّ، ولم يذكر ـ قدّس اللّه سرّه ـ عددها في المقام، مع أنّه ذكر في آخر الفصل أنّ المحرّم عنده أربعة وعشرون شيئاً.
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في عددها:
فقد ذكر المحقّق في «الشرائع» عشرين منها، وقال: وهي محرمات

صفحه 10
ومكروهات، فالمحرمات عشرون شيئاً1، ولكنّه أنزلها في «المختصر النافع» إلى أربعة عشر شيئاً.2
وقد سلكه أيضاً العلاّمة الحلّي في كتابي«القواعد» و«التبصرة» فقد أنهاها في القواعد3إلى عشرين، وفي التبصرة4 إلى أربعة عشر.
وقال في«المنتهى»: إذا عقد الإحرام بالتلبية وما يقوم مقامها حرم عليه عشرون شيئاً: الصيد، والنساء، والطيب، ولبس المخيط للرجال، والاكتحال بالسّواد، وبما فيه طيب، والنّظر في المرآة، ولبس الخفين، وما يستر ظهر القدم، والفسوق وهو الكذب، والجدال وهو قول: لا واللّه وبلى واللّه، وقتل هوامّ الجسد، ولُبْس الخاتم للزينة، وتحلّي المرأة للزّينة، واستعمال الأدهان، وإزالة الشعر، وتغطية الرأس، وإخراج الدّم، وقص الأظفار، وقطع الشجر والحشيش، وتغسيل المحرم الميّت بالكافور، ولبس السّلاح، على ما يأتي تفصيل ذلك كلّه وذكر الخلاف فيه إن شاء اللّه.5
وقـد قـال الشهيـد في «الدروس»: يجب على المحرم ترك ثلاثة وعشرين.6
ونقل في «الجواهر» عن «الإرشاد» أنّها ثمانية عشر.7

1 . الشرائع:1/183.
2 . المختصر النافع:84، ط مصر.
3 . القواعد:1/421.
4 . التبصرة:86.
5 . المنتهى:2/765.
6 . الدروس:1/351، الدرس92.
7 . الجواهر:18/286.

صفحه 11
وقد عقد ابن رشد باباً في القول في التروك وفسّره بقوله:»وهو ما يمنع الإحرام من الأُمور المباحة للحلال. ثمّ ذكر المحرمات من دون أن يذكر عددها.1
وقد أنهاها في «الشرح الكبير» المطبوع في ذيل «المغني» إلى تسعة وقال فيه: محظورات الإحرام وهي تسعة.2
وعلى كلّ تقدير فالمتّبع هو الدليل، ولعلّ وجه الاختلاف إمكان إدغام بعضها في بعض وعدمه، مثلاً قد ذكروا أنّ من المحرّمات هو صيد البرّ، وعطفوا عليه: الأكل والإشارة والدلالة والإغلاق، مع أنّ الأربعة الأخيرة ليست من الصيد، ومع ذلك فالجميع محرّم على المحرم، ويمكن عدّها مستقلة كما يمكن إدغامها في الصيد.
وعلى كلّ تقدير فمحظورات الإحرام على أقسام ثلاثة، لأنّها إمّا يشترك فيها الرجل والمرأة ـ وهو على ما قيل أحد عشر أمراً ـ أو تختصّ بالرجل، أو المرأة، وقد ذكرها المصنّف متوالية دون أن يقسِّمها إلى أقسام ثلاثة وإن كان الاشتراك أو الاختصاص معلومين في ثنايا البحث.
وقبل الخوض في المقصود ندرس الآيات المتعلّقة بالصيد في حالتي الإحرام والإحلال والواردة في الذكر الحكيم:

1 . بداية المجتهد:1/326.
2 . الشرح الكبير المطبوع في ذيل المغني:2/262.

صفحه 12

الآية الأُولى:

قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُريدُ).1
والآية تتضمن أحكاماً هي:
1. إيجاب الوفاء بالعقد قال: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ).
2. أحلّ اللّه سبحانه بهيمة الأنعام كلّها، وقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعام)رداً على سنن العرب في الأنعام من تحريم: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والّتي حرمتها العرب وأحلّها الذكر الحكيم. والبهيمة تطلق لذي أربع، سمّيت بذلك لإبهامها من جهة نقص فمها ونطقها.
3. ( إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ ) تضمّنت الجملة استثناءً مبهماً من حلّية بهيمة الأنعام، والمستثنى هو الوارد في الآية التالية من هذه السورة، قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخُنْزِيرِ).2
4. (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)استثناء بعد استثناء حيث استثنى من حلّية البهيمة ما يصطاد في حالة الإحرام، والمعنى غير مستحلّين اصطياد البهيمة في حال الإحرام، وإطلاق الآية يدلّ على حرمة اصطياد البرّي والبحري منها في حال الإحرام، وسيوافيك تخصيصها بصيد البر دون البحر.

1 . المائدة:1.
2 . المائدة:3.

صفحه 13

الآية الثانية:

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ ولاَ الشَّهْرَ الْحَرامِ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَ آنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلاَ تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).1
والآية تتضمن أحكاماً نشير إليها على وجه الإيجاز:
1. (لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ ). الشعائر جمع الشعيرة، وهي من شعَرَ: إذا علم، والمراد هنا الآية والعلامة، ومعنى الآية: لا تحلّوا معالم حدود اللّه ولا تتعدوا حدود اللّه.
2. (ولاَ الشَّهْرَ الْحَرام) بمعنى لا تستحلّوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين.
3. (وَلاَ الْهَدْي) أي لا تستحلّوا الهدي، وهو ما يهديه الإنسان من بعير أو بقرة أو شاة إلى بيت اللّه تقرباً إليه وطلباً لثوابه، فالمقصود لا تستحلّوا ذلك فتغضبوا أهله.
4.(وَلاَ الْقَلائِد) يريد بها الهدي المقلّد، لأنّ الهدي على قسمين بين مقلّد وغير مقلّد.

1 . المائدة:2.

صفحه 14
5.(وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) جمع آمّ، وهو اسم فاعل من أمّ إذا قصد، والمراد ألاّ تتعرضوا القاصدين لزيارة البيت الحرام في حال أنّهم (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً).
6. (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فالجملة تدلّ على حرمة الصيد حال الإحرام وإنّما يرتفع الحظر بعد الإحلال. وبما أنّ الأمر (فاصطادوا) ورد بعد النهي فلا يفيد إلاّ مجرّد رفع الحظر لا وجوب الصيد.
والآية بمفهومها تدلّ على حرمة الاصطياد في حال الإحرام، من غير فرق بين الصيد البرّي والبحري كالآية التالية.

الآية الثالثة:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).1
لقد حرّم اللّه تعالى على المحرم الصيد من غير فرق بين البري والبحري، والمراد من القتل كلّ فعل يُفيت الروح، فيعم النحر والذبح والخنق والرضخ، فحرّم اللّه على المحرم في الصيد كلّ فعل يكون مفيتاً للروح، وإطلاق هذه الآية كالآية السابقة يحرّم الصيد مطلقاً برياً أو بحرياً.

الآية الرابعة:

قـال تعـالى: (أُحِـلَّ لَكُمْ صَيْـدُ الْبَحْـرِ وَطَعـامُـهُ مَتَـاعـاً لَكُـمْ وَلِلسَّيَّـارَةِ وَحُـرِّمَ عَلَيْكُـمْ صَيْـدُ الْبَـرِّ مَـا دُمْتُـمْ حُـرُماً وَاتَّقُـوا اللّهَ الّـذِي إِلَيْـهِ

1 . المائدة:95.

صفحه 15
تُحْشَـرُونَ).1
الآية تفصّل بين صيد البحر فتحكم بتحليله، وهو كلّ ما صيد من حيتانه، والمراد من الصيد هنا هو (المصيد) وذلك لوجهين:
1. عطف قوله: (وطعامه) أي طعام البحر، فيكون قرينة على أنّ المراد بصيد البحر، مصيده.
2. قوله:(مَتاعاً لَكُمْ وللسّيّارةِ) فإنّ الظاهر أنّه منصوب لأجل كونه حالاً من كلا الأمرين: صيد البحر وطعامه، متمتعين من مصيد البحر وطعامه. نعم تلك الحرمة تعلّقت بالأعيان لأجل تحريم منافعها كما في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)2. فأُضيف الصيد إلى البحر لكون مكانه فيه. فتكون الآية مخصّصة، لما سبق من الآيتين الظاهرتين في تحريم الصيد مطلقاً، بريّاً كان أو بحريّاً.
وأمّا قوله: (وطعامه) أي طعام البحر ففيه احتمالات:
1. طعام البحر : ما لفظه البحر إلى الساحل وطفا عليه.
2. هو السمك المملوح الصالح للأكل.
3. طعامه: ملحه الّذي ينعقد في مائه.3 والأوّل ميتة لا يناسب أُصول الإمامية، والثالث بعيد، فتعيّن الثاني.
فصار كالمقتات من الأغذية فيكون المراد بصيد البحر الطري وبطعامه

1 . المائدة:96.
2 . المائدة:3.
3 . مجمع البيان:2/296بتلخيص.

صفحه 16
المملوح.
وأمّا قوله: (مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة) أي منفعة للمقيم والمسافر.
وأمّا قوله: (وحرّم عليكم صيد البَرّ)فالظاهر أنّ المراد هو المصيد بقرينة صدر الآية، فالآية دليل على حرمة الأكل لا على حرمة الاصطياد.

الآية الخامسة:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيء مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ).1
وفي الآية تفصيل أيضاً لما أُجمل في أوّل السورة في قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلاّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ...)، وقد فصلها في هذه الآية وقال: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيء مِنَ الصَّيْدِ )، أي يحرم صيد البر من غير فرق بين ما تناله أيديكم، نظير فراخ الطير وصغار الوحش والبيض، والّذي تناله الرماح الكبار من الصيد.
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد رفعه في قول اللّه تبارك وتعالى: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُم) قال: ما تنال الأيدي البيض والفراخ، وما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي.
ويؤكد ذلك ما ورد في لزوم الكفّارة في كسر بيض النعّام أو القطاة.2

1 . المائدة:94.
2 . راجع الوسائل:9، الباب24 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث4.

صفحه 17
الأوّل: صيد البر، اصطياداً وأكلاً ـ ولو صاده مُحلٌّ ـ و إشارة ودلالة وإغلاقاً وذبحاً وفرخاً وبيضة. *
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة المتن، وفيه فروع.

* الفرع الأوّل: حرمة الصيد

أقول: الصيد كلّ الوحش أُكل أو لم يؤكل، وهو قول أهل العراق واستدلّوا بما ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام):
صَيـدُ الملوك إرانبُ وثعـالبُ *** فإذا ركبْتُ فصيدي الأبطالُ1
وهو مذهب الإمامية، وخصّهُ الشافعي بكلّ ما يحرم، وعلى كلّ تقدير يحرم الصيد على المحرم، سواء كان مأكولاً أو لا، كالسباع وسيوافيك الكلام في حرمة صيد السباع في آخر الفصل.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الظاهر في المتن كسائر المتون الفقهية أنّه تحرم الأُمور الستة التالية، أعني: الاصطياد، والذبح، والأكل، والإشارة، والدلالة، والإغلاق.
أمّا الثلاثة الأُولى فتكفي في حرمتها، الآيات الماضية: أعني قوله سبحانه:
1. (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).2 وهو دليل على حرمة أكل الصيد كما مرّ.

1 . مجمع البيان:2/248.
2 . المائدة:96.

صفحه 18
2. وقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، فيدلّ مفهومه على حرمة الاصطياد مادام محرماً.
3. وقوله تعالى: (لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، والذبح من أنواع القتل.
4. وقوله عزّ وجلّ:(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ) والصيد فيه بمعنى «المصيد»، أي يحلّ أكل المصيد البحري ومملوحه، بخلاف البري فيحرم أكله مطلقاً.
هذا من غير فرق بين ما صاده بنفسه أو غيره، لإطلاق الآية وهو المروي عن علي(عليه السلام)ولفيف من الصحابة.

حرمة الإشارة والدلالة والإغلاق

إلى هنا تبيّنت حرمة الاصطياد وذبح المصيد وأكله، غير أنّ الظاهر من كلمات الفقهاء ـ و منهم المصنّف ـ أنّ الممنوع أعمّ من الأُمور الثلاثة حيث تحرم الإشارة والدلالة والإغلاق.
قال العلاّمة في «التذكرة»: وصيد البر حرام على المحرم، اصطياداً وإعلاماً وقتلاً وإشارة ودلالة وإغلاقاً، وبإجماع العلماء للنصّ والإجماع.1
فيحرم على المحرم الإشارة والدلالة والإغلاق، للصيد، سواء كان الصائد محلاً أو محرماً.
وتدلّ عليه وراء الإجماع المحكي، روايات:
1. صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:»لا تستحلنّ شيئاً من الصيد

1 . التذكرة:7/264.

صفحه 19
وأنت حرام، ولا وأنت حلال في الحرم، ولا تدلنّ عليه مُحِلاً ولا مُحرماً فيصطاده، ولا تُشِر إليه فيستحلَّ من أجلك، فإنّ فيه فداء لمن تعمّده».1
المهم في المقام، تحديد دلالة الرواية فنقول: إنّ لفظة «الصيد» من قوله: «لا تستحلن شيئاً من الصيد» ـ بعد تقييده بالبرّي ـ يحتمل وجهين:
1. أن يراد به المعنى المصدري أي عملية الصيد، فتكون دليلاً على حرمة أنواع الصيد وأنحائه، أعني: الصيد والدلالة والإشارة والإغلاق والذبح. وعلى هذا لابدّ من القول بالاستخدام في ضمير قوله: «لا تدلنّ عليه محرماً» فإنّ الضمير يرجع إلى المصيد لا إلى الاصطياد.
2. أن يراد به المعنى المفعولي أي الحيوان المصيد، ويكون المقصود تحريم عامّة أجزائه من اللحم والشحم والقدر المتيقن هو الأكل، ويكون الضمير في قوله «لا تدلنّ عليه» راجعاً إليه من دون حاجة إلى الاستخدام. فتكون دليلاً على حرمة أكله، بل مطلق الانتفاع به.
وتدل على حرمة الدلالة، والإشارة، بالمنطوق لقوله: «ولا تدلّنّ» و«لا تشر». نعم لا تدلّ على حرمة الإغلاق الّذي هو من أنحاء عملية الصيد. ويمكن أن يقال: إذا حرمت الدلالة والإشارة فيكون الإغلاق أولى بالحرمة، لأنّ مقدّميته للاصطياد أقوى منهما، وسيوافيك بيانه.
ولعلّ الفرق بين الدلالة والإشارة هو غيبة المصيد في الأُولى وحضوره في الثانية.
ولأجل ابتعاد الدالّ عن المصيد نسب الاصطياد فيه إلى الصائد وقال:

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 20
«فيصطـاده» بخـلاف الإشارة فإنّ حضـور المحرم قريباً من المصيـد صار لئن يعدّ المشير سبباً لاستحلال الصائد كما قال: «ولا تشر إليه فيستحلّ من أجلك».
نعم ذكر صاحب المدارك فرقاً آخر قال: الدلالة أعمّ من الإشارة لتحقّقها بالإشارة بشيء من أجزاء البدن والكتابة والقول، واختصاص الإشارة بأجزاء البدن.1
وعلى ما ذكره يكون من قبيل ذكر الخاص بعد العام، ولعلّ ما ذكرناه أظهر.
وأمّا تخصيص الدلالة والإشارة بالذكر، لأنّهما من المقدّمات الخفيّة للصيد، فإذا حرمتا، تحرم المقدّمات الواضحة، كإعطاء السلاح، وتنظيمه وغيرهما ممّا يتوقّف عليه الصيد.
ولعلّ الأفعال فيها يثبت حرمة أيّة إعانة للصيد وإن كان الصائد محلاً.
2. صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال في قوله عزّ وجلّ:(لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْء مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)2. قال: »حُشرتْ لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في عمرة الحديبية الوحوشُ حتّى نالتها أيديهم ورماحهم».3
فلو أُريد من «الصيد» عملية الصيد، يلزم ارتكاب الاستخدام في ضمير

1 . المدارك:7/305.
2 . المائدة:94.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

صفحه 21
«تناله» فإنّه يرجع إلى المصيد، وإن أُريد به «المعنى المفعولي أي المصيد» يلزم المجاز في «الصيد الذي بمعنى الصيد» حيث أُريد به ما من شأنه أن يصاد، لا أنّه مصيد بالفعل بقرينة قوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ)، فهو دليل على أنّه بعدُ لَم يُصد.
3. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«المحرم لا يدلّ على الصيد».1ويحتمل أن يراد من الصيد، المعنى المصدري، أو المفعولي. وعلى كلّ تقدير تحرم الدلالة والإرشاد إليه مطلقاً، سواء ترتّب عليه الاصطياد أو لا، بل تكفي الشأنية.
4. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «واجتنب في إحرامك صيد البرّ كلّه، ولا تأكل ممّا صاده غيرك، ولا تشر إليه فيصيده».2 وأُريد من الصيد، المعنى المفعولي بقرينة قوله: «صيد البرّ»، لأنّه بهذا المعنى ينقسم إلى البري والبحري، لا بالمعنى المصدري، والحديث يدلّ على حرمة أكله والإشارة إليه.
ووصفنا الرواية بالخبر، لوقوع محمد بن عمر بن يزيد في طريقه، إذ لم يوثّق، وإن كان الأب موثّقاً.
5. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «إذا فرض على نفسه الحجّ ثمّ أتمّ بالتلبية فقد حرم عليه الصيد وغيره ووجب عليه في فعله، ما يجب على المحرم».3 والحديث يدلّ على حرمة الصيد بالمعنى

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.

صفحه 22
المصدري.
6. صحيحه الثاني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا تأكل شيئاً من الصيد وأنت محرم وإن صاده حلال».1
7. صحيحه الثالث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لا تأكل من الصيد وأنت حرام وإن كان أصابه محل».2
دلّ الصحيحان على حرمة أكل المصيد وإن صاده غيره وكان محلاً فضلاً عن كونه محرماً.
8. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «المحرم لا يُدلُّ على الصيد، فإن دلّ عليه فقتل فعليه الفداء».3
هذه الروايات تدلّ بمضامينها المطابقية تارة على حرمة الصيد بالمعنى المصدري وأُخرى على حرمة أكل المصيد مطلقاً ـ صاده هو أو غيره ـ و على حرمة الدلالة والإشارة.
بقي الكلام في حرمة الإغلاق، وإعارة السلاح، وإعانته في الصيد، فالجميع حرام بوجه أولى، فإنّه إذا كانت الإشارة حراماً، فإغلاق الباب على الصيد، ليصيده هو أو غيره وإعارة السلاح وإعانته في الصيد يكون حراماً بطريق أولى. وقد تقدّم الكلام في ذلك عند دراسة صحيح الحلبي، فلاحظ.

1 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2و3.
2 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2و3.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 23

حرمة ذبحه

وأمّا الذبح، فيدلّ على حرمته ما سيوافيك من أنّه لو ذبحه المحرم يكون ميتة، فالعمل الموجب لكون الحيوان ميتة حرام ـ مضافاً ـ إلى الأولوية، لأنّه إذا كانت الإشارة حراماً فالذبح أولى أن يكون حراماً.

حرمة الفرخ والبيضة

كما يحرم صيد البرّ، يحرم فرخه وبيضه.
قال المحقّق: وكذا يحرم فرخه وبيضه.1
وقال النراقي: كما يحرم الصيد، يحرم فرخه وبيضه، بلا خلاف يعلم كما في «الذخيرة»، بل عن «التذكرة» و في «شرح المفاتيح» الإجماع عليه، وتدلّ عليه الروايات المتضمّنة لثبوت الكفّارة فيه.2
وقال في «الجواهر»: بعد قول المحقّق «وكذا يحرم فرخه وبيضه»: أكلاً، وإتلافاً، مباشرة، ودلالة، وإعانة، بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، بل في «المنتهى» أنّه قول كلّ من يحفظ عنه العلم.3
وعلى أي تقدير فهما حراماً، سواء أصدق على أخذهما والاستيلاء عليهما الصيد، أو لا.
ويمكن الاستدلال بأمرين:

1 . الشرائع:1/249.
2 . المستند:11/341.
3 . الجواهر:18/293.

صفحه 24
فلو ذبحه كان ميتة على المشهور، وهو أحوط*
1. مرفوعة أحمد بن محمد في قول اللّه تبارك وتعالى: (تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) قال: «ما تناله الأيدي: البيض والفراخ» .1
2. الروايات المستفيضة على وجوب الفدية في الفرخ والبيضة.
روى عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«... وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم».2

* الفرع الثاني: ذبح المحرم المصيد في الحلّ:

واعلم أنّه لو ذبح المحرم، الصيد في الحل، يترتّب عليه حكمان:
1. حرمة أكله على المحرم والمحل.
2. صيرورته ميتة.
ولأجل إيضاح المقام نبحث عن كلّ مستقلاً، خلافاً لكلمات الأصحاب.

1. حرمة أكله على المحرم والمحلّ

الموضوع لكلا الحكمين (حرمة أكله، وكونه ميتة) هو الذبح لا مطلق القتل، ولو بالرمي أو إغراء الكلب، ولذلك خصّ المصنّف «الذبح» بالذكر دون سائر أدوات القتل، كالرمي أو إغراء الكلب وغيرهما، لأنّه هو الموضوع في كلمات الأصحاب، لا غيره، وإليك نزراً منها:

1 . الوسائل:9، الباب1 من تروك الإحرام، الحديث4.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث1، ولاحظ الحديث4و 7.

صفحه 25
1. قال الشيخ: ولا يجوز لإنسان، الصيد، ولا الإشارة إليه، ولا أكل ما صاده غيره ولا يجوز له أن يذبح شيئاً من الصيد، فإن ذبحه كان ميتاً ولم يجز لأحد أكله.1
جاء في كلامه كلا الحكمين معاً، وقدّم الثاني على الأوّل.
2. وقال القاضي: والصيد والذبح بشيء منه والدلالة عليه والإشارة إليه وأكل لحم الصيد وإن كان من صيد غيره.2
3. وقال ابن إدريس: ولا يجوز له أن يذبح شيئاً من الصيد فإن ذبحه كان حكمه، حكم الميتة، لا يجوز لأحد أكله.3
وكلامه نظير كلام الشيخ في التصريح بكلا الحكمين.
والغرض من نقل الكلمات هو إلفات النظر إلى خصوص حرمة أكله، وأمّا صيرورته ميتة فسيوافيك الكلام فيها كما يأتي أيضاً كلام العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» عند التكلّم في الحكم الثاني، أعني: كونه ميتة.
وقال في «الجواهر»: إنّه المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينقل الخلاف فيه بعضُ من عادته نقله وإن ضعف.4
ثمّ إنّ الموضوع هو ذبح المحرم الصيدَ في الحلّ، فهل هو حرام على المحرم والمحلّ، سواء كان الذابح هو الصائد، أو كان الصائد غيره، وسواء كان الغير محرماً أو محلاً.

1 . النهاية:220.
2 . المهذب:1/220.
3 . السرائر:1/546.
4 . الجواهر:18/288.

صفحه 26
وأمّا المذبوح في الحرم، فهو خارج عن محط البحث، إذ لا كلام أنّه حرام على المحرم والمحلّ.
قد استدلّ على كونه حراماً بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الاستدلال بالروايات

قد استدلّ على كونه حراماً للمحرم وغيره بروايات نذكرها:
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (صاحب نوادر الحكمة)، عن أبي جعفر أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (الثقة)، عن أبيه (الثقة)، عن وهب بن وهب (الضعيف)، عن جعفر، عن أبيه، عن علي قال:«إذا ذبح المحرمُ الصيدَ لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة، وإذا ذُبح الصيدُ في الحرم فهو ميتة، حلال ذبحه أم حرام».1
والاحتجاج بالرواية رهن تمامية السند والدلالة.
أمّا الأوّل فضعفه ظاهر، لأجل وهب بن وهب البختري.
وأمّا الدلالة فهي جيدة، فإنّ تقييد الشقّ الثاني بقوله«في الحرم» قرينة على أنّ الذبح في الشق الأوّل وقع في الحلّ، فتدلّ بالإطلاق على أنّ المذبوح، لا يحل، لا على المحرم، ولا على المحل، سواء كان الصائد هو نفسه، أو كان الصائد غيره، سواء كان الغير محرماً، أو محلاً.
وخصّ الذابح في الشق الأوّل بالمحرم وعمّمه في الثاني لنكتة سيوافيك بيانها في الرواية الثانية.

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 27
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب(الّذي قال النجاشي في حقّه: «من وجوه أصحابنا، مشهور كثير العلم والحديث» وحسّنه في الوجيزة)، عن إسحاق بن عمّار (الفطحي الثقة، فتصبح الرواية كالموثّقة) عن جعفر(عليه السلام): أنّ علياً كان يقول: «إذا ذبحَ المحرمُ الصيدَ في غير الحرم فهو ميتة، لا يأكله محلّ ولا محرم; وإذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة، لا يأكله محل ولا محرم».1
والرواية موثّقة لوقوع إسحاق بن عمّار في السند، ودلالته على حرمة أكله على المحل والمحرم لفظية، ودلالته على الأعم من كون المحرم هو الصائد أو الصائد غيره، وسواء كان الغير محرماً أو محلاً، بالإطلاق، وأمّا الذيل فهو خارج عن محط البحث وإنّما خصّ ذبح المحلّ بالذكر، لأجل أنّه إذا كان ذبح المحلّ حراماً، فذبح المُحرِم بوجه أولى.
3. ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى(الثقة)، عن أبي أحمد ـ ابن أبي عمير ـ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه، أيطعمه أو يطرحه؟ قال:«إذاً يكون عليه فداء آخر»، قلت: فما يصنع به؟ قال: «يدفنه».2 والسند لا بأس به لاعتبار مراسيل ابن أبي عمير، كما حقّقناه في محلّه.
وأمّا الدلالة فتختلف الرواية عمّا سبق من الروايتين بوجوه:
أ. الموضوع فيها هو إصابة الصيد، لا خصوص ذبحه فيعمّ، إذا كان

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.
2 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.

صفحه 28
بالرمي أو إغراء الكلاب المعلّمة الكلب. ولكن تحمل على خصوص «الذبح» حملَ المطلق على المقيّد، ولكونه القدر المتيقّن من الروايات وكلمات الأصحاب.
ب. إطلاق الرواية يعمّ المذبوح في الحل والحرم معاً، وإن كان الأوّل هو المطروح.
ج. الظاهر أنّ قوله: «فيطعمـه» بصيغة المعلوم، مثل قوله: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْـهُ فَإِنَّهُ مِنّي)1، فيكون دليلاً على حرمة أكل المحرم لا المحـل، يحتمل أن يكـون من باب الأفعال، أي يُطعـم الغيـر، ويشهـد عليه أمـره بالدفـن لئلاّ يكون سبباً لأكل الغير.
وبعبارة أُخرى: إذا حرم جعله في متناول الغير، يدلّ بالملازمة على حرمة أكله له.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالروايات، وهي الدليل الوحيد في المقام دون ما يأتي الآن.

الثاني: التسمية لا تجتمع مع ما حرّم اللّه

استدلّ على أنّ مذبوح المحرم حرام أكله بدليل آخر، وهو أنّ التذكية إنّما تتحقّق بذكر اللّه على ذبحه، ولا معنى لذكره سبحانه على ما حرّمه، فتكون التسمية لغواً فتدخل حكماً في قوله سبحانه: (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).2

1 . البقرة: 249.
2 . الأنعام:121.

صفحه 29
فإن قلت: لازم ذلك أنّه إذا ذبحه السارق أو الغاصب يكون ميتة.
قلت: إنّ القياس باطل، لأنّ التحريم فيهما لأجل حقّ الناس، دون المقام لأنّه حق اللّه سبحانه.1
يلاحظ عليه: أنّ الذبح ليس أمراً عبادياً حتّى لا يتمشّى من الذابح المحرم، وليس ذكر التسمية أمراً عبادياً حتّى لا يتحقّق مع العلم بالحرمة.

الثالث: ترجيح الميتة على الصيد

يستفاد من بعض الروايات أنّه إذا دار الأمر بدفع الاضطرار بين الميتة وصيد المحرم تقدّم الأُولى.
روى إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه(عليهما السلام) أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول:«إذا اضطر المحرم إلى الصيد أو إلى الميتة، فليأكل الميتة الّتي أحل اللّه له ».2
يلاحظ عليه: أنّ هذه الروايات تعارض ما دلّ على العكس، أي تقديم الصيد على الميتة.
ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يضطرّ فيجد الميتة والصيد أيّهما يأكل؟ قال: «يأكل من الصيد، أما يحب أن يأكل من ماله».
قلت: بلى؟ قال: «إنّما عليه الفداء فليأكل وليفده».3

1 . التذكرة:7/273.
2 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 11. ولاحظ الحديث 8و 12.
3 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث1. ولاحظ الحديث2و 3و 4و ....

صفحه 30
إلى هنا تبيّن أنّ الدليل الوحيد على أنّ المذبوح في الحلّ بيد المحرم يحرم له ولغيره، هو الروايات من غير فرق بين أن يكون هو الصائد أو يكون الصائد غيره، ومن غير فرق بين أن يكون محلاً أو محرماً.

ما يدلّ على كونه حلالاً للمحلّ

ثمّ إنّ هنا روايات تعارض بظاهرها ما دلّ على حلّيته بخصوص المحل، وقد أفتى به الصدوق في «المقنع»، وإليك دراستها، مع توضيح نسبة كلّ واحدة، مع ما دلّ على الحرمة.
1. صحيح منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل أصاب من صيد أصابه محرم وهو حلال؟ قال: «فليأكل منه الحلال، وليس عليه شيء، إنّما الفداء على المحرم».1
أمّا فقه الحديث: فيحتمل أن يكون «من» في قوله: «أصاب من صيد» زائدة، كما يحتمل أن تكون تبعيضية، ولكن الإصابة أعمّ من الذبح والقتل بالآلة أو بإرسال الجوارح والاستيلاء عليه، وتمكين المحلّ من ذبحه.
والرواية بإطلاقها تدلّ على حليّة المصيد في هذه الصور للحلال، فتكون النسبة بين إطلاقها الشامل للأقسام الأربعة للإصابة، وما دلّ على الحرمة في صورة الذبح هو نسبة العموم والخصوص المطلق، فيقيد إطلاقها بما دلّ على التحريم.
2. صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إذا أصاب المحرم

1 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.

صفحه 31
الصيد في الحرم وهو محرم، فإنّه ينبغي له أن يدفنه ولا يأكله أحد; وإذا أصاب في الحل، فإنّ الحلال يأكله وعليه هو الفداء».1
إنّ الذبح في الحرم الّذي يتضمّنه الصدر خارج عن موضوع البحث، وإنّمـا الكـلام في المـذبوح في الحـل، وهـو يـدلّ بـإطلاقـه على حلّيتـه للمحـل في عامّـة الصـور ذبحـاً أو قتلـاً بالآلـة أو بالجـوارح، أو استيـلاء عليه ودفعه إلى الغير، ويخصّص إطلاقها بما دلّ على الحرمة في صورة الذبح.
3. خبر منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل أصاب صيداً وهو محرم آكل منه وأنا حلال؟ قال: «أنا كنت فاعلاً» قلت له: فرجل أصاب مالاً حراماً؟ فقال: «ليس هذا مثل هذا ـ يرحمك اللّه ـ أنّ ذلك عليه».2
والكلام في هذه الرواية إطلاقاً وتقييداً كالكلام في الحديثين السابقين، ثمّ إنّ الإمام دفع وهم الراوي حيث تعجب عن تحليل أكله وتصور أنّه كأكل المغصوب، ففرّق الإمام بينهما.
4. صحيح حريز قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم أصاب صيداً أيأكل منه المحلّ؟ فقال: «ليس على المحل شيء، إنّما الفداء على المحرم».3
5. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل أصاب

1 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
3 . الوسائل:9، الباب3من أبواب تروك الإحرام، الحديث4.

صفحه 32
صيداً وهو محرم أيأكل منه الحلال؟ فقال: «لا بأس إنّما الفداء على المحرم».1
والجمع بين هذه الرواية وما دلّ على الحرمة نفس الجمع كما سبق.
6. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن محرم أصاب صيداً وأهدى إليّ منه؟ قال: «لا، إنّه صيد في الحرم».2
وتعليـل الحرمة بأنّه صيد في الحرم، يدلّ على أنّه لو قتل في خارجه يكـون حلالاً، ولـو كان الصيد فـي الحـل والحرم متحـدي الحكم لكان التعليل غير واضح; والجمع بينها،وبين ما يدلّ على الحرمة هو نفس الجمع السابق.
7. صحيح الحلبي قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، ويتصدّق بالصيد على مسكين.3
ومحل الاستدلال قوله: «ويتصدّق بالصيد على مسكين» فالظاهر أنّ (الصيد) بمعنى المصيد، فلو كان أكله حراماً على الغير فما معنى تصدّقه للغير؟!
يلاحظ عليه بوجهين:
1. انّه غير مسند ولا مضمر ولا مرسل، إذ القائل في قوله: «قال» مجهول.
2. يمكن الجمع بأنّ عنوان القتل غير عنوان الذبح، فالأوّل يعمّ الرمي

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5
2 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب10من أبواب تروك الإحرام، الحديث6.

صفحه 33
وإرسال الكلب، والذبح، فلا محيص من تقييد إطلاقه بما سبق، فيقيد إطلاقه بما سبق.
فإن قلت: ورد في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) لفظ الإصابة وحكم الإمام في صورة الإصابة التي بها أقسام أربعة بدفنه الملازم لحرمته على الغير حيث قال: قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه أيطعمه أم يطرحه؟ قال: «إذاً يكون عليه فداء آخر»، قلت: فما يصنع به؟ قال: «يدفنه».1 فلو أخذنا بظهور الحديث يكون الموضوع أعمّ من الذبح.
قلت: لا محيص في مقام الجمع بحمل الإصابة فيه على الذبح.
إلى هنا تبيّـن أنّه لا تعارض بين الطائفتين، وانّ الحرام على الحلال، هو المذبوح بيد المحرم، وأمّا الحلال هو ما أصاب به المحرم، والإصابة أعمّ من الأقسام الأربعة، فيقيد إطلاقها بما دلّ على حرمة المذبوح بيد المحرم عليه وعلى المحل.
وما ذكرنا من الجمع هو الذي نقله صاحب الجواهر عن الشيخ وقال: بل عن الشيخ احتمال التفصيل بين الذبح والتذكية بالرمي، فالأوّل ميتة بخلاف الثاني الذي يمكن حمل النصوص (الدالّة على حلّيته للمحل) عليه. بل قيل: إنّه ظاهر اختيار المفيد في «المقنعة».2
ثمّ إنّه(قدس سره) أشار إلى جمع آخر وحاصله: حمل الروايات المحرّمة على ما إذا كان القتل والذبح بيد المحرم، والروايات المحلّة على ما إذا كان القتل والذبح بيد المحلّ وإنّما قام المحرم بالأخذ والدفع إلى المحل. قال: لاحتمال إرادة غير القتل

1 . الوسائل:9، الباب10من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.
2 . الجواهر:18/291.

صفحه 34
من الإصابة فيكون المحل هو المذكّي له و إن كان رماه المحرم.1
يلاحظ على الجمع الثاني أنّه على خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر فيها أنّ المحرم قام بعامّة العمليات ثمّ أهداه إلى الغير أو غير ذلك.
ولو قلنا بأنّ المقام من مصاديق الجمع فالأوّل هو المتعيّن.
هذا إذا قلنا بالجمع الدلالي بين الطائفتين، وأمّا إذا لم نقل به فتصل النوبة إلى المرجّحات، ومن المعلوم أنّ الترجيح بالشهرة من أقوى المرجّحات، وقد عملت الطائفة بالروايات الأُولى في خصوص مورد الذبح، وقد قلنا في صدر المسألة: إنّ مصب البحث هو الذبح لا الرمي ولا إرسال الكلاب ولا الاستيلاء ودفعه إلى المحلّ.
إلى هنا ثبت حرمة المذبوح في الحل بيد المحرم للمحرم والمحل. وإليك الكلام في كونه ميتة.

2. صيرورة المذبوح ميتة

هذا هو الأثر الثاني لمذبوح المحرم، ولنذكر بعض الكلمات:
قال المحقّق: ولو ذبحه (المحرم) كان ميتة حراماً على المحلّ والمحرم.2
وقال العلاّمة في«التذكرة»: لو ذبح المحرم الصيد، كان حراماً لا يحلُّ أكله للمحلّ ولا للمحرم، ويصير ميتة، يحرم أكله على جميع الناس. ذهب إليه علماؤنا أجمع. وبه قال: الحسن البصري وسالم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي; لأنّه حيوان حَرُم عليه ذبحه لحرمة الإحرام وحقّ اللّه

1 . الجواهر:18/291.
2 . الشرائع:1/249.

صفحه 35
تعالى، فلا يُحلّ بذبحه، كالمجوسي، ثمّ نقل عن الشافعي قولين: قول قديم يحل لغيره الأكل منه.1
وقال في «المنتهى»: ولو ذبحه المحرم كان حراماً لا يحلّ أكله للمحرم ولا للمحلّ فيصير ميتة ويحرم أكله على جميع الناس ذهب إليه علماؤنا أجمع ، إلى آخر ما ذكره في «التذكرة» ثمّ إنّه نقل فيهما استدلال القائل بالخلاف على كونه حلالاً للمحل بأنّ الذبح حرام أمّا الأكل فلا، فكان بمنزلة السارق، إذا ذبح. ثمّ أجاب بالفرق بينه و بين ذبح السارق بأنّ التحريم هنا لحقّ اللّه تعالى فكان كالميتة بخلاف السارق.
وقد نقل2 في «الجواهر» كونه ميتة عن الشيخ والحلّي والقاضي ويحيى بن سعيد وأضاف أنّه المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينقل الخلاف فيه بعض من عادته نقله وإن ضعف.3
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على كونه ميتة بروايات ثلاث مرت عند الكلام في الأثر الأوّل نأتي بها على وجه الإيجاز:
1. ففي موثّقة إسحاق بن عمّار (الفطحي) عن جعفر(عليه السلام): أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحل ولا مُحرم، وإذا ذبح المُحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله مُحل ولا مُحرم».4
2. وفي خبر وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال:«إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال والحرام وهو كالميتة، وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام».5

1 . التذكرة: 7/272.
2 . المنتهى:2/803.
3 . الجواهر:18/288.
4 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5و 4.
5 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5و 4.

صفحه 36
والفقرة الأُولى بقرينة الرواية الأُولى وبحكم مقابلتها مع الفقرة الثانية، محمولة على ما إذا ذبحه المحل في غير الحرم: ولعلّ التفريق بين الذبح في غير الحرم فهو كالميتة والذبح في الحرم فهو ميتة، لأجل تغليظ الحرمة في الثانية وإلاّ فهو ميتة في كلا الموردين.
3. ما ورد في الأمر بالدفن في مرسل ابن أبي عمير1، وقد تقدّم نقله ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّ وصفه بالميتة حقيقي أو تنزيلي؟

هل هو ميتة حقيقة أو ميتة تنزيلاً؟

إنّ الميتة الحقيقية التي وردت في الذكر الحكيم هي ما مات حتف أنفه، وقد وردت في مقابل سائر المحرمات، مثل ذبح على النصب (مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ).2
وإطلاق الميتة على غيره إنّما هو بنوع من المجاز والمناسبة.
وعلى ضوء ما ذكر فمصيد المُحرِم ليست ميتة لغوية، بل هي ميتة تنزيلية، وعندئذ يقع الكلام في وجه التنزيل، فهل هو عامّة آثار الميتة في حرمة أكلها وبيعها، والانتفاع بها، ونجاستها وخروجها عن المالية والملكية إلى غير ذلك من الأحكام، أو أظهر آثارها المطلوبة في المقام وهو الأكل؟ وجهان.
والظاهر هو الثاني لوجوه:
1. ما ورد في رواية إسحاق بعد قوله: «فهو ميتة» قوله: «لا يأكله محل ولا محرم».

1 . الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
2 . الأنعام:121. ولاحظ البقرة:173، والمائدة:3، والنحل:115.

صفحه 37
وعلى ذلك فيحلّ شعره ووبره وجلده وكلّ ما لا يتعلّق بالأكل.
2. ما أوردناه من الروايات فيما إذا دار أمر المضطر على سد الجوع بالمصيد أو الميتة، وانّه يقدم الصيد على الميتة.1 وهذا دليل على أنّه ليس ميتة ولا كالميتة في جميع الآثار.
3. انّ الروايات2 تركّز على خصوص الأكل منعاً وجوازاً، ربّما يكون هذا قرينة على أنّ الحكم بكونه ميتة، تنزيلي في أظهر الخواص لا في عامّة الخواص، وبذلك يظهر وجه احتياط المصنّف، حيث قال: «فلو ذبحه كان ميتة على المشهور وهو أحوط» والظاهر أنّ الاحتياط يرجع إلى وصفه بالميتة لا في تحريم أكله على المحرم والمحل.
4. ما ورد في الروايات التي تصرّح بتقديم صيد المحرم على الميتة من أنّه مال الصائد، فلو كان ميتة حقيقة أو في عامة الآثار لما خرج عن الملكية.
ففي موثّقة يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه عن المضطرّ إلى الميتة وهو يجد الصيد؟ قال: «يأكل الصيد» . قلت: «إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أحلّ له الميتة إذا اضطرّ إليها ولم يحلّ له الصيد؟ قال: »تأكل من مالك أحبّ إليك أو ميتة؟« قلت: من مالي. قال: »هو مالك، لأنّ عليك فداؤه».3
فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ المذبوح في الحلّ يحرم على المحرم والمحل، لكن المصيد بغير الذبح كالرمي وإرسال الكلب المعلّم يحرم على المحرم دون المحل، وإن كان الأحوط هو الاجتناب مطلقاً.

1 . لاحظ الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 1و 2 و 3و 4 و....
2 . لاحظ الوسائل:9، الباب10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 2، 3، 4، 5.
3 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2. ولاحظ أيضاً الحديث 5 و 6 و 9.

صفحه 38
الثالث: والطيور حتّى الجراد بحكم الصيد البرّي.*
وأمّا الاحتياط في كلام المصنّف (قدس سره)فهو راجع إلى تنزيل المذبوح بيد المحرم منزلة الميتة في جميع الآثار، وأمّا بعضها كحرمة الأكل فليس بموضع تردّد.

* الفرع الثالث: الطيور والجراد بحكم الصيد البرّي

لا يؤثر الإحرام ولا الحرم في تحريم شيء من الحيوان الأهلي وإن توحّش، كالإبل والبقر والغنم على المحرم، وعلى ذلك يجوز ذبح الدجاج الأهلي للمحل والمحرم، وأكلهما في الحل والحرم، وعلى ذلك فالمراد من الطيور في العبارة هي الوحشية كالغراب والحَدأة التي هي طائر من الجوارح.
وأمّا الجراد فلا إشكال في حرمة صيد الجراد وحرمة أكل لحمه، إنّما الكلام في أنّه من مقولة صيد البرّ فتكون الحرمة صيداً وأكلاً موافقاً للقاعدة، لقوله سبحانه: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)1; أو هو من مقولة صيد البحر، فتكون حرمته على خلاف القاعدة الّتي نُصّ بها في الذكر الحكيم حيث قال: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ)2، والمستفاد ممّا روي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّ الميزان في كون الصيد بحرياً عيشه تحت الماء كالسمك، وأمّا عيشه فوق الماء كما هو الحال في الجراد وبعض الطيور الأهلية ـ كالبط ـ فلا يسبّب كونه حيواناً بحريّاً، وعلى هذا، فحرمة الجراد صيداً وأكلاً موافقة للقاعدة، ولنذكر كلمات الفقهاء:
قال الشيخ في «الخلاف»: الجراد مضمون بالجزاء، فإذا قتله المحرم لزمه

1 . المائدة:96.
2 . المائدة:96.

صفحه 39
جزاؤه. وبه قال عمر، وابن عباس، وهو مذهب الشافعي.
وروي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: الجراد من صيد البحر، لا يجب به الجزاء.1
وقال العلاّمة في «التذكرة»: الجراد عندنا من صيد البرّ، يحرم قتله ويضمنه المحرم في الحل; والمحلّ في الحرم عند علمائنا، وبه قال علي(عليه السلام) وابن عباس وعمر وأكثر أهل العلم.
وقال أبو سعيد الخدري: هو من صيد البحر، وللشافعي قول غريب إنّه من صيد البحر، لأنّه يتولّد من روث السمك; وعن أحمد روايتان لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه من صيد البحر. قال أبو داود: الظاهر إنّه من صيد البرّ فوهم الراوي ـ الّذي نقل عن النبي ـ أنّه من صيد البحر.2
ويظهر من الشيخ أنّ الجراد على قسمين: بري وبحري.
قال: ويجوز للمحرم أن يأكل الجراد البحري إلاّ أنّه يلزمه الفداء.3
ولكن تجويز الأكل مع إلزام الفداء غير متلائم.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ على القول المشهور روايات تدلّ على حرمة صيده تارة من خلال حرمة أكله، وأُخرى من لزوم تنكّب الطريق إذا غطّه الجراد، وثالثة من جهة ثبوت الكفّارة، ولنذكر لكلّ رواية.
1. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام): أنّه قال: »مرّ علي ـ صلوات اللّه عليه ـ على قوم يأكلون جراداً، فقال: سبحان اللّه وأنتم محرمون!!

1 . الخلاف:2/414.
2 . التذكرة:7/281.
3 . تهذيب الأحكام:5/363.

صفحه 40
فقالوا: إنّما هو من صيد البحر فقال لهم: أرمسوه في الماء إذاً».1
فقد أفحمهم الإمام بأنّه لو صحّ ما زعمتم، فارمسوه في الماء حتّى يعيش فيه، فالرواية تدلّ على حرمة أكله بالمطابقة وحرمة صيده بالالتزام.
2. صحيح زرارة عن أحدهما(عليهما السلام)قال: «المحرم يتنكّب الجراد إذا كان على الطريق، فإن لم يجد بداً فقتل فلا شيء عليه».2 فإيجاب الكفّارة على القتل دليل على حرمته.
3. صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في محرم قتل جرادة، قال: «يطعم تمرة، وتمرة خير من جرادة».3 ولاحظ بقية روايات الباب فهي بين ما يدلّ على حرمة قتله، أو أكله أو كلاهما.4
فإن قلت: إذا كانت الضابطة لكون الصيد بحرياً، هو عيشه تحت الماء، فما معنى قوله (عليه السلام) في صحيح معاوية قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):«الجراد من البحر». وقال:«كلّ شيء أصله في البحر ويكون في البرّ والبحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله، فإن قتله فعليه الجزاء كما قال اللّه تعالى».5
قلت: المراد انّ المنشأ هو البحر كما يدلّ عليه لفظة «من البحر»، ولكنّه «يكوّن» أي يعيش في البرّ والبحر، لكن فوقه لا تحته.

1 . الوسائل: 9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب37 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث2.
4 . الوسائل:9، الباب7 من أبواب تروك الإحرام، الحديث4ـ5.
5 . الوسائل:9، الباب6 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.
Website Security Test