welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج 3*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج 3

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الأدلة الأجتهادية والأُصول العمليّة

الجزء الثالث

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر

مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

التقديم:

أحمده سبحانه على سوابغ نعمه، وعواطف كرمه حمداً كثيراً، لا يعادله شيء. واُصلّي واُسلّم على أشرف رسله وخاتم أنبيائهِ ـ محمدٌ ـ نبي الرحمة وقائد الأُمّة، رسوله إلى الخلق بكتاب فيه حلاله وحرامه، ورخصه وعزائمه، وعلى عترته الذين بهم حفظت السنّة عن الضياع، وصين الدين عن التحريف والاندراس، صلاة دائمة باقية.

أمّا بعد: فإنّ استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية منية كل طالب ديني، ولا يصل إليه إلاّ ببذل الجهود، ولا ينال تلك الخلعة الإلهية إلاّ بالعمل الدؤوب، والنضال المتواصل في مجال المطالعة والدراسة.

وإذا كانت ملكة الاجتهاد بمنزلة الجبل الأشم الّذي لا يتسلقه إلاّ الأمثل فالأمثل من الأبطال، فإنّ علم اُصول الفقه بمنزلة السُلّم للصعود إلى قمّة هذا


(4)

الطود الشامخ. والتعرّف على مسئلة من مسائله، بمنزلة ارتقاء درجة من درجاته. ونعم ما قاله شيخنا الأنصاري معرباً عن مكانة الاجتهاد وصعوبته «رزقنا الله الاجتهاد فانّه أشد من طول الجهاد»(1).

وممن بذل جهوداً مضنية في تحصيل هذا العلم، وركوب مصاعبه، وتذليل مشاكله العلاّمة الجليل حجّة الإسلام فضيلة السيد محمود الجلالي المازندراني ـ دامت إفاضاته ـ فقد عكف على بحوثي الأُصولية، دورة بعد دورة، ودوّن محاضراتي في المباحث اللفظية والعقلية، حتّى جمع نكات الدورتين الثانية والثالثة الأُصولية. وها هو يقدم لطلاب العلم، وبغاة الفضيلة المباحثَ العقلية من ذلك العلم في جزئين. وقد قرأت ما كتب وأمعنت النظر فيما حرّر بتصحيح يسير، فوجدته وافياً بما ألقيت، وكافلاً لما حققت. فجزاه الله فيه خير الجزاء بما أسدى إلى عشاق هذا العلم من خدمة علمية، وأرجو منه سبحانه أن يجعله في المستقبل من أصحاب الفتيا ومن المراجع في الأحكام... والسلام عليه وعلى كل ساع في طريق العلم المقرون بالعمل، ومجاهد في سبيل المعرفة.

في غرة شهر رمضان 1414 هـ

جعفر السبحاني

عفي عنه


1-الفرائد: مبحث الانسداد: 148 طبعة رحمة الله .


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على سيد رسله، وخاتم أنبيائه محمّد وآله، الذين هم معادن العلم وينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، وعصم الأُمم، ما أنار نجم ساطع، وخوى نجم طالع.

أمّا بعد: فإنّ شرف كلّ علم بشرف غايته، والغرض الأسمى الّذي يُترقّب من تحصيله. والعلم بالأحكام الشرعية عن مصادرها الأصلية، يُعدّ من أشرف العلوم وأثمنها وأغلاها، إذ في ظلّه يقف الإنسان على تكاليفه أمام الله سبحانه أوّلاً، وأما خلقه ثانياً، ويكتسب سعادة الدارين ثالثاً.

ومن المعلوم أنّ تحصيل ذلك العلم ليس منهلاً لكلّ وارد، وإنّما تقوم به الطبقة العليا من رجال الدين والشريعة الذين كرّسوا حياتهم في فهم الكتاب والسنّة، واستحصلوا ما يتوقّف عليه فهم الحكم من المصدرين المذكورين.

وممّا يتوقف عليه فهم الأحكام من مصاردها، بل يدور عليه رحى الاستنباط هو التعرّف على القواعد الأُصولية الّتي تعدّ كبريات للاستنباط، فهي بالنسبة إلى الفقه كالشجرة إلى الثمرة، والأساس إلى البناء.

ولأجل ذلك التأثير الهام لها، عكف علماء الإسلام على تدوينها من العصور


(6)

الماضية إلى عصرنا هذا (1). وقد كانت يوم ظهورها مجموعة من القواعد معدودة ولكنها ازدادت وتكاملت في ظلّ الدراسة كسائر العلوم إلى أن أصبحت علماً متكامل الأطراف، منتشر الأغصان، ناضج الثمار.

وممن بذل جهوده في تحقيق مسائلها، وتذليل مصاعبها، وتبيين معضلاتها، هو الشيخ الأجل، علم العلم الخفاق، وبدر سماء التحقيق، الأُستاذ الكبير آية الله الشيخ جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ ، فقد ألقى محاضرات في ذلك العلم دورة بعد دورة، وربّى أجيالاً كثيرةً من أهل العلم والفضل، فشكر الله مساعيه الجليلة في تربية الطلاب، ونشر آثار الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .

وقد كنت ممّن أدلى دلوه بين الدلاء، وحضرت بحوثه الأُصولية والفقهية سنين متمادية، وجمعتُ في هذه الأوراق ما ألقاه سماحته في الدورة الثانية، ثم أضفت إليها ما بدا له من المباني والآراء في الدورة الثالثة، وعرضته على شيخنا المحاضر، فقرأه بالامعان والدّقة، فصحح ما طغى فيه القلم، أو زاغ عنه البصر.

وها أنا اُقدّم لبغاة الفضيلة بحوثاً مشرقة بعبارات واضحة من دون تعقيد واطناب، وسمّيته «المحصول في علم الأُصول»، وقدّمت المباحث العقلية على المباحث اللفظية لعظم فائدتها، وكثرة الحاجة إليها، والمرجوّ منه سبحانه أن يجعله نبراساً للعلم وأهله أنّه على كلّ شيء قدير وبالاجابة جدير.

السيد محمود الجلالي المازندراني

22 رمضان 1414 هـ


1-قال شيخنا الأُستاذ ـ مد ظلّه ـ : إنّ أوّل رسالة ظهرت للشيعة في علم الأُصول هي رسالة الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) الّتي أدرجها الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد، وتوإلى التأليف بعده على يد السيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) فألّف الذريعة، والشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) فألّف العدة. وهكذا...


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقصد السادس
في بيان
الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً

قال الشيخ الأعظم: إعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشك، فإن حصل له الشك، فالمرجع هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمّى بالأُصول العملية.

إنّ الشيخ الأعظم لاحظ حال المكلّف بالنسبة إلى الحكم الشرعي لحاظاً طبيعياً وجعل القسمة ثلاثية، فإنّه إمّا أن يكون بالنسبة إلى الحكم الشرعي قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً، وليست هذه القسمة مختصة بهذا المورد، بل هي تقسيم سار في عامّة الموارد، فإنّ الإنسان إذا تصوّر شيئاً ما ـ كائناً ما كان ـ فإمّا أن يكون قاطعاً به أو ظانّاً أو شاكّاً.


(8)

ثمّ إنّ أساس هذا التثليث هو جعل متعلّق الحالات النفسانية، أعني القطع والظنّ والشكّ، الحكم الواقعي، وإلاّ فلو كان متعلّقها الأعمّ من الحكم الواقعي والظاهري، يصبح التقسيم ثنائياً كما يتّضح ذلك عند بيان التقسيم الثنائي للمحقق الخراساني، فتحصّل من ذلك أنّ التقسيم الثلاثي تقسيم طبيعي لحال الإنسان في عامّة الموارد إذا لاحظ شيئاً ، وأنّ مصحّح هذا التقسيم في المقام هو كون المتعلّق هو الحكم الواقعي، لا الأعم من الواقعي والظاهري.

واُورد عليه إيرادات نشير إليها:

الأوّل: أنّ هذه الحالات لا تحصل لمطلق المكلّف وإنّما تحصل لخصوص المجتهد، فهو الذي يكون قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً بالحكم، لا العامّي، فلا وجه لأخذ مطلق المكلّف موضوعاً للتقسيم، بل لابدّ من تخصيصه بالمجتهد. نعم، النتيجة عامّة لكلّ مكلّف، وذلك لأنّ الحكم المستنبط بفضل هذه العناوين حكم إلهي عام، وليس خاصّاً بالمجتهد ، وإن شئت قلت: إنّ هذه العناوين واسطة في الإثبات، حتّى يصل المستنبط إلى الحكم الإلهي الكلّـي، الشامل لجميع أفراد الأُمّة.

ولك أن تقول: إنّ المتيقن والشاك في مورد الاستصحاب ـ مثلاً ـ وإن كان هو المجتهد، لكنّ المستصحَب هو حكم اللّه العام المتعلّق بجميع أفراد العباد، ولأجل ذلك تكون النتيجة عامّة لجميع المكلّفين، ومثله الظانّ في مورد الأمارات فإنّ هذا العنوان وإن كان خاصّاً بالمجتهد، لكنّ المظنون هو الحكم الإلهي العام، ومثله القاطع، وإلى ذلك يرجع ما اشتهر من أنّ المجتهد نائب عن المقلّد وأنّه ينزّل نفسه منزلة المقلّد.

الثاني: وجود التداخل في تقسيم الشيخ، فإنّ الظنّ إن قام عليه الدليل فيلحق بالقسم الأوّل، لأنّه يقطع بالحكم الشرعي وإن كان ظاهرياً، وإلاّ فيلحق بالشك، فيكون مجرى للأُصول، فليس الظنّ أمراً ثالثاً، بل هو ـ من حيث


(9)

النتيجة ـ إمّا داخل تحت القطع، أو داخل تحت الشك.

فلا محيص في حفظ التقسيم الثلاثي عن تبديل الظنّ بلفظ الدليل المعتبر، حتى يكون شيئاً مستقلاّ ً في مقابل القطع بالحكم الواقعي، وفي مقابل الشك فيه، كما ذكره المحقق الخراساني، حيث قال: «وإن أبيت إلاّ عن التقسيم الثلاثي فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا.

وجه عدم التداخل في تقسيم المحقق الخراساني مع اشتراك عبارته مع عبارة الشيخ في أنّ متعلّق القطع هو الحكم الواقعي فقط لا الأعمّ منه ومن الظاهري، هو أنّ المحقق الخراساني، جعل الملاك في القسم الثاني قيام الدليل المعتبر، وهو بما أنّه لا يفيد القطع بالحكم الواقعي، لا يدخل تحت القسم الأوّل، وبما أنّه شيء معتبر، لا يلحق بالشك أي القسم الثالث، وهذا بخلاف ما إذا جعل المقياس الظنّ، فبما أنّه أعمّ من المعتبر وغيره، يلحق بالقطع تارة وبالشكّ أُخرى.

نعم لو فرض كون متعلّق القطع حتّى في هذا التقسيم هو الأعمّ من الواقعي والظاهري، يدخل الدليل المعتبر تحت القطع لإفادته القطع بالحكم الظاهري فلاحظ.

الثالث: أنّ الشيخ الأعظم أطلق لفظ الحكم فشمل الحكم الواقعي والظاهري والفعلي والإنشائي، مع أنّه كان اللازم تخصيصه بالفعلي لعدم ترتّب شيء من أحكام القطع ولا الظنّ ولا الشكّ على الحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية.

أقول: المراد من الحكم الإنشائي هو الحكم المخزون عند صاحب الأمر، فلو وقف رجل على حكم من هذه المقولة بالقطع لما وجب عليه ترتيب الأثر، لأنّ الحكم الذي قام النبي أو الوصي بإبلاغه، ولكنّه لم يصل إلى يد الأُمّة أو بعضهم


(10)

فهو فعلي غير منجّز، لكون الجهل عذراً.

واُورد على هذا الإشكال: بأنّه لو كان المراد من الحكم الإنشائي هو الإنشاء لابداعي البعث والزجر، بل بداعي التهديد، كما في قوله: «إعْمَلُوا ما شِئْتُم» فهو ليس بحكم، وإن كان المراد الحكم الكلّـي المنشأ بداعي البعث، ولكن لم يتحقق موضوعه كوجوب الحجّ على المستطيع، وإن لم يكن المستطيع موجوداً، أو وجوب قطع اليد، وإن لم تتحقق السرقة، فنمنع عدم ترتب أثر على مثل هذا الحكم الإنشائي، إذ وظيفة المجتهد هو الإفتاء، سواء أكان هناك موضوع في الخارج أم لا(1).

يلاحظ عليه: أنّ القسم الثاني، من الأحكام الفعلية، إذ ليس المراد منها إلاّ ما بلغت إلى حدّ الإعلام والإبلاغ، سواء أكانت هناك قدرة أم لا، و سواء أكان هناك موضوع أم لا، وإنّما يكفي في تسويغ الإعلام، وجود القدرة أو الموضوع بين عدّة من الناس في طول الزمان وطيلة الأيّام، ومراد المحقق الخراساني من الحكم الإنشائي ما ذكرناه، فهو الذي لا يترتب عليه شيء.

إلى هنا تمّ تحقيق التقسيم الثلاثي بالنسبة إلى حالات المكلّف في كلام الشيخ الأعظم وإليك التقسيم الثنائي في كلام المحقق الخراساني.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني:

إنّ المحقّق الخراساني جاء بتقسيم ثنائي وحاصله: أنّ المجتهد إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا .


1-مصباح الأُصول (تقرير لبحث السيد المحقق الخوئي، بقلم تلميذه السيد محمّد سرور البهسودي) ج2ص 12.


(11)

وعلى الثاني لابدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، وقد تمّت مقدمات الإنسداد على تقدير الحكومة.

وإلاّ فالرجوع إلى الأُصول العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير.

وأساس هذا التقسيم هو جعل متعلّق القطع، الحكم الأعمّ من الظاهري والباطني، فعندئذ يدخل في هذا القسم القطع بالحكم، أو قيام الطريق على الحكم، أو جريان أصل في مورد عدم الطريق إلى الحكم، بشرط أن يتضمّن حكماً شرعياً، كالبراءة الشرعية والتخيير الشرعي والاستصحاب، وعلى ضوء ذلك فالأُمور الثلاثة من القطع بالحكم، أو قيام الطريق به، أو جريان أصل متضمّن لحكم شرعي عند الشك، كلّها داخل في القطع بالحكم الشرعي الأعمّ من الظاهري والواقعي.

هذا هو القسم الأوّل، وإذا فقد المكلّف القطع بالحكم على الوجه المزبور تصل نوبة العمل بالمعذِّرات، ومجموعها قسم واحد، وإن كان في مقام العمل ترتيب، وهو لزوم العمل بالظنّ عند إنسداد باب العلم والعلمي على القول بالحكومة، بمعنى أنّ العقل يحكم في ذلك الظرف بلزوم العمل بالظنّ وأنّ العمل به معذِّر عند الخلاف، ومنجّز عند الوفاق.

وعند عدمه تصل النوبة إلى الأُصول العقليّة من قبيل قبح العقاب بلا بيان أو لزوم البراءة عند الاشتغال القطعي، والفرق بين الأُصول الشرعية والعقليّة واضح، فإنّ مفاد الاُولى حكم شرعي رفعاً أو وضعاً، بخلاف الثانية فإنّها معذِّارت ومؤمِّنات من دون وجود حكم في مجاريها.

القضاء بين العلمين:

لا يخفى أنّ التقسيم الثنائي للمحقّق الخراساني أقرب إلى التحقيق حيث إنّه نزيه عن إشكال التداخل، فإنّه جعل متعلّق القطع، الأعمّ من الظاهري


(12)

والواقعي، فأدخل تحته القطع الوجداني والأمارات، والأُصول الشرعية، ولم يعبّـر بالظن ولم يعتمد عليه حتى يدخل قسم منه تحت القطع بالحكم الظاهري وقسم آخر، أعني غير الحجّة، تحت الشك.

هذا هو رجحان التقسيم الثنائي، ومع ذلك فهو غير خال عن الإشكال، لأنّ إدخال الأمارات تحت القطع بالحكم الظاهري فرع القول بأنّ المجعول فيها هو الحكم الشرعي، وأنّ للشارع حكمين: واقعي وظاهري، فمفادها عند الموافقة هي الحكم الواقعي وعند المخالفة حكم مجعول ظاهراً لمصلحة فيه.

ولكن المبنى ضعيف، إذ ليس في مورد الأمارات أيّ جعل تأسيسي، وإنّما الصادر عن الشارع هو الإمضاء لما في يد العقلاء وهم يعملون بها بما هي طريق إلى الواقع، فلو صادف الواقع يكون منجّزاً وإلاّ يكون معذِّراً، وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، وانّ القول بجعل الحكم الشرعي في مورد الأمارات، لا يخلو عن إشكال أو إشكالات.

وأمّا التقسيم الثلاثي للشيخ، فمع غضّ النظر عن إشكال التداخل فلا يخلو من محسّنات:

1ـ إنّ التقسيم تقسيم طبيعي بل هذا شأن الإنسان مقابل أيّ موضوع فكّر فيه.

2ـ إنّ هذا التقسيم كديباجة للرسائل الثلاثة التي يشتمل عليها الكتاب، حيث إنّه ألّف رسالة في القطع ورسالة في الظنّ، ورسالة في الشكّ، وأدخل تحتها جميع مباحث الأُصول العملية وجعل التعادل والترجيح خاتمة الكتاب.

3ـ إنّ التقسيم الثلاثي هو المناسب لحال المبتدئ، وأمّا الثنائي، فإنّما يناسب المنتهى حيث إنّه يقف على كيفية إدخال جميع الطرق والأُصول تحت القطع بالحكم.


(13)

حصر الأُصول العملية في الأربعة:

إنّ حصر الأُصول العملية الجارية في جميع أبواب الفقه في الأربعة استقرائي لا عقلي كما صرّح به الشيخ، وإلاّ فمن الممكن أن يكون الأصل العملي خمسة، وأمّا أصالة الطهارة والحلّية وغيرهما، فبما أنّهما تختصان ببعض أبواب الفقه، فلا تعدّ من الأُصول العملية العامّة.

هذا بالنظر إلى ضمّ الاستصحاب إليها، وأمّا مع تجريده عنها فالأقسام ثلاثة ويمكن أن يكون الحصر فيها عقلياً، لأنّ الأصل إمّا أن لا يراعى فيه التكليف أبداً أو يراعى بوجه، أو يراعى بكلّ وجه، فالأوّل هو البراءة، والثاني هو التخيير، والثالث هو الاحتياط.

في بيان مجاري الأُصول:

المعروف أنّ مجاري الأُصول العملية أربعة وانحصارها فيها عقلي دائر بين الإثبات والنفي كما سيوافيك، وقد اضطربت كلمة الشيخ في بيان مجاريها فالموجود في الفرائد عبارتان مختلفتان فاليك كلتيهما:

العبارة الاُولى:

«الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط أو لا، وعلى الأوّل، إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى التخيير، والثالث مجرى البراءة، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

وهذه العبارة نفس ما ذكره الشيخ في رسالة الشك عند البحث عن البراءة(1) والذي يلفت النظر في هذا التقسيم هو إخراج مجرى التخيير عن الشك


1-لاحظ صفحة 192 ، طبعة رحمة اللّه ، باختلاف يسير.


(14)

في التكليف والمكلّف به معاً وجعله قسماً في مقابلهما، وستوافيك عبارته الثانية التي جعل فيها التخيير من أقسام الشك في المكلّف به.

هذا هو الإشكال المهمّ، وأمّا سائر ما اُورد عليه، فليس بمهمّ جدّاً.

منها أنّه جعل مجرى الاستصحاب لحاظ الحالة السابقة، مع أنّه يختص بالشك في الرافع عنده فلا يعمّ المقتضى.

منها أنّه لم يقيد جريان الأُصول بالفحص واليأس عن الدليل.

منها أنّه لم يخرج الأُمور المهمّة كالأعراض والنفوس والأموال عن مجرى البراءة ولا يخفى سقوط هذه الإشكالات، لأنّ الشيخ ليس في مقام بيان كلّ ما هو دخيل في جريان هذه الأُصول، أضف إلى ذلك: أنّ لحاظ الحالة السابقة يغني عن ذكر الشك في الرافع، فإنّه لا يلاحظ إلاّ فيه.

العبارة الثانية:

« الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى البراءة والثاني إمّاأن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى الاحتياط والثاني مجرى التخيير».

وفي هذه العبارة عدّ مجرى التخيير من موارد الشك في المكلّف به، فغاية الأمر أنّه يجري فيما لا يمكن الاحتياط كما أنّ الاشتغال يجري فيما يمكن فيه الاحتياط.

إشكال مشترك بين العبارتين:

إنّ هنا إشكالاً مشتركاً بين التعبيرين، وهو أنّ الشيخ الأعظم جعل الشك


(15)

في التكليف في كلتا العبارتين مجرى للبراءة مع أنّه ليس كذلك مطلقاً، فربّما يكون الشك في التكليف ولكن يجب الاحتياط، كما إذا علم إجمالاً، بأنّ هذا الفعل واجب أو ذاك الفعل حرام، فيجب عليه الجمع بين فعل هذا وترك الآخر، أو إذا وقف على أنّه إمّا أحد الفعلين واجب أو أحد الفعلين الآخرين حرام، فيجب فعلهما وترك الآخرين، مع أنّه من قبيل الشك في التكليف وذلك لأنّ المراد منه هو نوع التكليف وهو مجهول، والعلم بالإلزام يعني أنّ هناك إلزاماً من الشارع إمّا متعلّق بالفعل أو بالترك ليس علماً بالتكليف بل علماً بجنسه المنتزع من العلم بتعلّق واحد من الوجوب والحرمة بفعله، وهو ليس علماً به.

وقد وقف المحقّق النائيني على هذا الإشكال، فأضاف في عبارته لفظة«بجنسه» وقال: إمّا أن لا يعلم بالتكليف أصلاً ولو بجنسه، وإمّا أن يعلم... (1).

كما أنّ المحقّق الخراساني صان بيانه عن توجّه هذا الإشكال، فعبّـر عن مجرى البراءة في تعليقته على الفرائد بقوله: «أن لا يكون حجّة ناهضة على التكليف في البين عقلاً أو نقلاً» وبذلك جعل التعريف مطرداً، وذلك لأنّه قامت في مورد النقض حجّة عقلية على لزوم الاحتياط، وهو العلم الإجمالي باللزوم، وهو يكفي في الاشتغال.

وإن شئت قلت: إنّ مجرى البراءة هو الشك في التكليف لكن إذا لم يكن هناك دليل على لزوم رعاية غرض المولى المعلوم إجمالاً، فإنّ المكلّف واقف عليأنّهنا غرضاً قطعياً للشارع يجب تحصيله وهو إمّا قائم بفعل هذا أو ترك هذا.


1-فوائد الأُصول: ج3، ص 4.


(16)

ما هو المختار في مجرى الأُصول:

ويمكن أن يقرر مجاري الأُصول بشكل آخر، هو أقرب إلى الواقع وهو أنّ الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا ، والأوّل هو مجرى الاستصحاب، وعلى الثاني إمّا أن يكون الشك في التكليف أو يكون الشك في المكلّف به، وعلى كلّ تقدير، فإمّا أن يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما أو لا يمكن. وأمّا التخيير، فليس له مجرى خاص وراء مجرى البراءة والاشتغال، بل الشكّ في التكليف والشكّ في المكلف به كليهما مجرى له إذا لم يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما، مثلاً إذا كان الشك في التكليف ولم يمكن الاحتياط فهو مجرى التخيير كدوران الأمر بين حرمة شيء ووجوبه بناء على أنّ الملاك في العلم بالتكليف هو العلم بالنوع لا الجنس، والمفروض أنّ النوع مجهول، وإذا كان الشك في المكلّف به، فلو أمكن الاحتياط، يكون مجرى الاشتغال، كالعلم بوجوب صلاة مردّدة بين الجمعة والظهر، وإذا لم يكن فهو مجرى التخيير، كما إذا وقف على أنّه يجب عليه البيتوتة في ليلة معينة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فبما أنّ النوع معلوم وهو الوجوب فهو من قبيل الشك في المكلّف به، وبما أنّه غير ممكن الاحتياط فهو مجرى التخيير، وعلى ضوء ذلك فأصالة التخيير أصل يلتجئ إليه العقل عند عدم إمكان الجمع سواء كان الشك في التكليف أو الشك في المكلّف به.

وهذا البيان يغاير البيانين السابقين من الشيخ الأعظم ومن سائر الأعلام، فإنّهم بين جاعل مجرى التخيير مقابل الشك في التكليف والشك في المكلّف به كما في العبارة الأُولى للشيخ الأعظم، أو من أقسام الشك في المكلّف به كما في العبارة الثانية له، وأمّا على هذا البيان فمجراه أعمّ من الشك في التكليف والشك في المكلّف به، وملاكه عدم إمكان الجمع.

وأمّا النقض المتوجّه على التعبيرين، أعني: العلم الإجمالي بوجوب فعل وترك


(17)

فعل آخر، فغير وارد، لأنّه إن جعل من أقسام الشكّ في التكليف بحجّة أنّ النوع مجهول فلزوم الاحتياط لأجل العلم بالغرض، وإن جعل من الشك في المكلّف به بحجّة أنّه مردّد بين الفعل والترك فوجوب الاحتياط موافق للقاعدة.

إذا وقفت على ذلك فنقول: يقع الكلام في أُمور:


(18)

الأمر الأوّل:

في طريقية القطع وحجيّته

قال الشيخ الأعظم: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجوداً لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.

وقال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً.

أقول: الكلام في القطع الطريقي لا في القطع الموضوعي، والمراد من الأوّل ما إذا كان القطع طريقاً إلى الواقع غير ملتفت إليه، بل كان الإلتفات إلى الواقع بما هو هو، كما إذا رأى الإنسان السبع، فهو لا يرى إلاّ السبع، ولا يلتفت إلى قطعه حتى يجب عليه تبعيّة القطع.

وعلى ذلك فما ذكره الشيخ من وجوب متابعة القطع غير تامّ، لأنّ وجوب متابعة القطع فرع الإلتفات إليه، والمفروض عدمه، وإن أُريد من القطع، المقطوع أي الأحكام الشرعية المولوية، فهو وإن كان صحيحاً، لكن وجوب المتابعة من أحكام نفس الأوامر والنواهي المولويّة الواصلة إلى العبد. حيث إنّ العقل مستقلّ بلزوم إطاعة المولى وقبح مخالفته، نعم نفس الواقع بما هو هو ما لم يصل إلى حدّ المعلومية، لا يكون موضوعاً لوجوب الإطاعة فكان للقطع نحو مدخلية في


(19)

وجوب متابعة الواقع، لكن المدخلية غير مختصة بالقطع، بل إذا قامت الحجة الشرعية على حكم شرعي تجب متابعة الواقع.

ثمّ إنّه اشتهر في الألسن، من أنّ طريقية القطع وحجّيته من ذاتياته أو من لوازمه، وعلى ذلك فليست طريقيته ولا حجيّته بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء ولوازمه، بل يكفي في تحقق اللازم جعل الملزوم بسيطاً، فعندئد يكون اللازم مجعولاً عرضاً.

أقول: يقع البحث تارة في الطريقيّة وأُخرى في الحجّية.

أمّا الطريقية، فتوضيح الحال فيها يتوقف على بيان حقيقة الجعل ومناطه وأقسامه، فنقول: الجعل إمّا جعل بسيط بمعنى إيجاد الشيء تكويناً، وإمّا جعل مركّب وهو جعل شيء شيئاً، كجعل الجسم أبيض، وكلّ ينقسم إلى قسمين:

فإنّ جعل البسيط إمّا حقيقي كجعل الوجود، وإمّا عرضي كجعل الماهية،خصوصاً على منهج العرفاء، حيث قالوا: إنّ الأعيان الثابتة لم تشمّ رائحة الوجود.

ثمّ الجعل التأليفي إمّا حقيقي كجعل الجسم أبيض، أو مجازي وعرضي كجعل الأربعة زوجاً، ووجه تسمية الأوّل بالحقيقي والثاني بالمجازي، هو أنّ ملاك الحاجة إلى الجعل هو الفقر والحاجة، فإذا لم يكن الموضوع واجداً للمحمول، كان مناط الحاجة موجوداً حقيقة وكان الجعل حقيقياً كما في جعل الجسم أبيض، وأمّا إذا كان الموضوع واجداً له، بأن يكون فرض الموضوع ووجوده كافياً في اتّصافه بالمحمول، فمناط الحاجة مفقود فلا يحتاج بعد جعل الموضوع بسيطاً إلى جعل آخر بينه وبين محموله، كما في جعل الأربعة زوجاً، فإنّ إيجاد الأربعة نحو إيجاد للزوجية بلا حاجة إلى جعل آخر بل الجعل الأوّل يكفي لجعلهما معاً، ومع ذلك يصحّ لنا أن نقول: إنّ الجاعل جعل الأربعة زوجاً جعلاً مجازياً وعرضياً بحكم أنّ جعل الأربعة جعل للازمها أي الزوجية.


(20)

الطريقية ليست ذاتية للقطع:

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحليل الطريقية فهل هي من ذاتيات القطع أو من لوازم وجوده، أو لا هذا ولا ذاك؟ فالظاهر عدم صحّة الأوّلين. أمّا عدم كونها من ذاتياته، فلأنّ الذاتي، إمّا أن يراد منه ذاتي باب الايساغوجي، أعني النوع والجنس، والفصل، أو ذاتي باب البرهان، أعني ما يكون وضع الموضوع فيه كافياً في وضع المحمول، ومن المعلوم أنّ الطريقية ليست جنساً للقطع ولا فصلاً ولا نوعاً، لأنّ حقيقة القطع ترجع إلى كونه من الحالات النفسانية قائمة بها كسائر الصفات النفسانيّة، غاية الأمر له خصوصية وهي كونه وسيلة الإنسان للإتصالبالخارج على سبيل الاقتضاء لا العلّة التامّة، وهو غير كون الطريقية ذاته أو ذاتياته، والعجب أنّ المحقق الاصفهاني زعم أنّها ذات القطع فقال: إنّ ذاته نفس الانكشاف وانتزاع الكاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه، ولا معنى للطريقية إلاّ وصول الشيء بعين حضوره للنفس فالطريقية عين ذاته لا من ذاتياته(1).

يلاحظ عليه: أنّ القطع كسائر الصفات النفسانية، كالحسد والبخل والظن والشك فهي بسائط من حيث الوجود، غاية الأمر أنّ لبعضها إمكان الكشف عن الواقع دون البعض الآخر لا أنّ الكشف نفس ذاته.

وأمّا عدم كونها من لوازم وجوده إذ لو كان كذلك لما انفكّت عنه، مع أنّ تخلف القطع عن الواقع غير عزيز، فلو صحّ لنا جعلها من لوازم وجوده يجب أن تعدّ من لوازم وجود قسم من القطع، أعني ما إذا كان مطابقاً للواقع.


1-نهاية الدراية: ج2 ص 4.


(21)

الطريقية لا تنالها يد الجعل:

بعد ما عرفت أنّ الطريقية ليست ذاته ولا ذاتياته ولا من لوازم وجوده فمع ذلك لاتنالها يد الجعل، لأنّ الجعل التشريعي لا يتعلّق إلاّ بالأُمور الاعتبارية لاالطريقية التي هي أمر تكويني، وبذلك يظهر أنّ القول بأنّ المجعول في باب حجّيّة خبر الواحد هو الطريقيّة، ليس بتام، لأنّ الطريقية أمر حقيقي خارج عن مجال الجعل، فالجعل إنّما يتعلّق بالأُمور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر كالرئاسة والمرؤوسية، والجزئية والشرطية في الواجبات الشرعية، وكالوجوب والحرمة في الأحكام التكليفية، ومثله القول بأنّ المجعول في باب حجّية خبر الواحد هو تتميم الكشف كما كان عليه السيد الأُستاذ الحجّة الكوه كمرى (1) ـ قدّس سرّه ـ فإنّ الكشف أمر تكويني، فكيف يمكن تتميمه اعتباراً؟ وستوافيك حقيقة الحال في باب حجّية خبر الواحد.

هذا كلّه حول الطريقية .

وأمّا الحجّية، فتارة يراد منها الحجّية بالمعنى اللغوي، وأُخرى بالمعنى المنطقي، وثالثة الحجّية بالمعنى الأُصولي، أمّا الأوّل: فهو كل ما يصلح أن يحتجّ به من غير فرق بين إحتجاج المولى على العبد أو العبد على المولى، أو إحتجاج إنسان على إنسان مثله، فلا شكّ أنّ القطع من أوضح ما يصحّ أن يحتجّ به، إذ لا يصحّ الاحتجاج بنفس الأمر والنهي في الواقع مع عدم اطّلاع المكلّف عليه، وإنّما يحتجّ بالتكليف إذا وصل إليه حقيقة كما في القطع، أو تعبّداً كما إذا وصل إليه بطريق إكتفى به المولى في الوصول، وعلى كل تقدير. فإذا وقف العقل على حكم المولى وقطع به، يحصل في قرارة ذهنه أمران: إدراك وبعث، يدرك قبح مخالفة المولى


1-العلاّمة السيد محمّد الحجّة (1310ـ 1372 هـ . ق) فقد حضر شيخنا الأُستاذ أبحاثه في الفقه والأُصول سنين، وكان ـ قدّس اللّه سرّه ـ آية في الحفظ والإحاطة.


(22)

ويراها ظلماً عليه، ثم يبعث على الطاعة ويزجر عن المخالفة ومجموع هذا ما يحتجّ به المولى على العبد.

فما عن المحقّق الاصفهاني (1) وتبعه المحقق الخوئي (2) من أنّه لا بعث من القوة العاقلة بل شأنها إدراك الأشياء فلا بعث ولا تحريك فكأنّه غير تامّ، لأنّ للقوة العاقلة وراء درك الحسن والقبح بعث إلى ما فيه صلاح الإنسان عاجلاً وآجلاً، من غير فرق بين إدارك الجزئيات، كمشاهدة السبع أمامه، فيبعث فوراً على الدفاع، أو إدراك الكلّيات، كتكاليف المولى فيبعث إلى إمتثالها ويزجر عن عصيانها.

الحجّية اللغوية من أحكام القطع عند العقل:

إذا عرفت ذلك تقف على أنّ الحجّية بالمعنى اللغوي من الأحكام العقليّة الصادرة من العقل في مورد القطع بحكم المولى، ومثل ذلك لا يكون مجعولاً شرعياً لاستغنائها عن الجعل بعد استقلاله بصحّة الاحتجاج، والحجّية بهذا المعنى، وإن لم تكن ذات القطع ولا ذاتياته ولا من لوازم وجوده، ولكنّها غير مجعولة شرعاً لسبق العقل على صحّة الاحتجاج.

فإن قلت: لماذا لا تكون الحجّية من قبيل ذاتي باب البرهان كالإمكان بالنسبة إلى الماهية والزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فلتكن الحجّية بالنسبة إلى القطع كذلك.

قلت: قد أوضحنا حال ذلك في أبحاثنا حول الحسن والقبح، وقلنا: إنّ هناك فرقاً بين حكم العقل بحسن الشيء وقبحه وإداركه إمكان الماهية وزوجيّة الأربعة، فإنّ الامكان وصف واقعي للماهية، سواء لاحظه الإنسان أملا. وكذلك


1-نهاية الدراية: ج2 ص 3.
2-مصباح الأُصول: ج2 ص 16.


(23)

الزوجية وصف واقعي للأربعة، كان هناك مدرك أولا،فدور العقلهنا دور الإدراك لشيء واقعي كان هناك مدرك أو لا، ولذلك يكون قوله:الإنسان ممكن، والأربعة زوج، إخباراً عن واقعية لا إنشاء حكم من العقل.

وهذا بخلاف حسن العدل وقبح الظلم، فإنّ اتّصافهما بالحسن والقبح فرع إدراك الملائمة للفطرة الإنسانية في الأوّل، والمنافرة في الثاني، فعند ذلك يستقلّ العقل بحسن واحد وقبح الآخر، وأنّه حسن مطلقاً، أو قبيح كذلك، ولولا حديث التطبيق، وإدارك الملائمة والمنافرة لما كان هناك أيّ توصيف بهما. ولأجل ذلك يكون قوله: «العدل حسن» إنشاءً من العقل وحكماً منه عليه، لا إخباراً عن واقعية، نعم الواقعية الموجودة في جانبي العدل والظلم، كون كلّ على وجه لو عرضه الإنسان على فطرته، وعلى الجانب العلوي من الإنسانية لأحسّ منه، كمال الملائمة، أو كمال المنافرة، ولكنّه لولا العرض والتطبيق، لما كان هناك أيّ إحساس ملائمة أو منافرة وبالتالي لم يكن هناك أيّ حكم بالحسن والقبح. ولولا وجود الإنسان ودركه المنافرة والملائمة لما اتّصف العدل بالحسن والظلم بالقبح، نعم لهما شأنية خاصة كلّما أدركها العقل يحكم لهما بواحد من الحكمين، وهذا وإن كان ثقيلاً على طائفة، ولكنّه واضح لمن له قدم راسخ في هذه الأبحاث.

وهذا لا يعني كون الحسن والقبح أمراً اعتبارياً، وأنّ زمامهما بيد المعتبر فيمكن أن يصف العدل بالقبح والظلم بالحسن، نظير الرئاسة والمرؤوسيّة حيث يمكن إعتبار المرؤوس رئيساً والرئيس مرؤوساً، بل وللعدل والظلم واقعيّتهما الخاصة كلّما لاحظها الإنسان بفطرته العالية، يجد الأوّل ملائماً والثاني منافياً، فلهما هذه الشأنية دائماً ولا تزول عنهما،ومثل ذلك لا يكون من الأُمور الاعتبارية التي يصحّ فيها التقلّب والتصرّف كيفما شاء المعتبر، ولأجل هذه الصلاحية، كلّما لاحظها العقل، يحكم عليها بأحد الحكمين على وجه الدوام والاستمرار.

ومثله الحجّيّة ، فصحّة الاحتجاج حكم عقلي صادر منه في شأن القطع،


(24)

وله القابلية الخاصة التي كلّما لاحظها العقل يحكم بأنّه ممّا يحتجّ به على مرّ الزمان وعبر الدهور.

القطع ليس حجّة منطقيّة:

وأمّا الحجّة بالمعنى المنطقي، فحاصل الكلام فيه أنّ الحجّة المنطقية عبارة عن الوسط الذي تكون بينه وبين الأكبر الذي يراد إثباته للأصغر، علقة العلّية والمعلولية، وهذا كتعفّن الاخلاط والحمّى، فبينهما علاقة العلّية والمعلولية، فتارة يكون الأوّل حدّ الوسط، وأُخرى يكون الثاني هو الحدّ الوسط، فعلى الأوّل يكون البرهان لمّيّاً، وعلى الثاني إنّيّاً.

ومن المعلوم أنّ القطع الطريقي لا يتّصف بالحجّيّة بهذا المعنى، لأنّ المفروض أنّ الحكم مترتّب على الموضوع بما هو هو، لا بما أنّه مقطوع، فلايصحّ أن يقال: هذا مقطوع الخمريّة وكل مقطوع الخمريّة حرام، فهذا حرام،لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كل مقطوع الخمرية حرام بل الخمر حرام، وبعبارة أُخرى: ليست هنا علاقة علّية بين القطع بالخمرية وثبوت الحرمة لها واقعاً.

وبذلك يظهر عدم صحّة التفريق بين القطع وسائر الحجج، كالظنّ والبيّنةوفتوى المفتي فإنّ الكبرى في الجميع باطلة، فلو قلنا: هذا مظنون الخمريّةوكل مظنون الخمرية حرام، لا يصحّ وذلك لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كلّ مظنون الخمرية حراماً، فما ذكره الشيخ الأنصاري من التفريق بين القطعوسائر الحجج من عدم صحة جعل القطع وسطاً بخلاف غيره فكأنّه في غير محلّه.

نعم القطع الموضوعي يمكن أن يقع وسطاً للحكم، فإنّ الحرام فيه ليس نفس الخمر بل ما قطع أنّه خمر فهناك ملازمة بين القطع بالخمرية وحرمتها، وهذا بخلاف ما إذا كا القطع طريقياً.


(25)

القطع ليس حجّة أُصولية:

وأمّا الحجّة الأُصولية، فهي عبارة عن الأدلّة الشرعية التي إعتبرها الشارع حجّة لإثبات متعلّقاتها، من دون أن تكون هناك ملازمة بينها وبين متعلّقاتها، وهذا كالظن والبيّنة وفتوى المفتي، والحجّية بهذا المعنى من خصائص الأمارات والحجج الشرعية التي أضفى لها الشرع هذا الوصف لا القطع، وذلك لأنّ كاشفيّة الأمارات والحجج الشرعية كاشفيّة ناقصة، لا يصحّ الاعتماد عليها إلاّ إذا اعترف المولى بحجّيتها وهذا بخلاف القطع فإنّ كاشفيته تامّة عند القاطع، فلا يحتاج إلى إمضاء أو تصديق من المولى فإنّ إفاضة الحجّية عليه إمّا بالقطع أو بالظنّ والثاني يستلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظنّ، وأمّا الأوّل فينقل الكلام إلى القطع الثاني، فإن كانت حجّية الثاني بنفس الأوّل فيدور، أو بقطع ثالث فيتسلسل.

في امتناع المنع عن العمل بالقطع:

إنّ من أحكام القطع هو إمتناع المنع عن العمل به، وذلك: لحكم العقل على وجوب العمل بالقطع أوّلاً واستلزامه اجتماع إرادتين مختلفتين على مراد واحد ثانياً، إذ لو كان القطع مصيباً، فبما أنّ الحكم رتّب على الواقع فهناك إرداة تشريعية تبعث على العمل به، فلو نهى عنه والحال كذلك يلزم وجود إرادة تشريعية مخالفة للإرادة الأُولى.

هذا كلّه في القطع الطريقي، وأمّا القطع الموضوعي، فللمولى البعث على العمل على قطع خاص، والنهي عن العمل بقطع آخر، لأنّ الموضوع خصوصياته وسعته وضيقه في القطع الموضوعي بيد المولى، فله أن يتّخذ قسماً خاصّاً منه في الموضوع لا مطلق القطع وسيوافيك تفصيله في الأبحاث الآتية.

Website Security Test