welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : المحصول في علم الأُصول / ج 3*
نویسنده :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج 3

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الأدلة الأجتهادية والأُصول العمليّة

الجزء الثالث

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر

مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

التقديم:

أحمده سبحانه على سوابغ نعمه، وعواطف كرمه حمداً كثيراً، لا يعادله شيء. واُصلّي واُسلّم على أشرف رسله وخاتم أنبيائهِ ـ محمدٌ ـ نبي الرحمة وقائد الأُمّة، رسوله إلى الخلق بكتاب فيه حلاله وحرامه، ورخصه وعزائمه، وعلى عترته الذين بهم حفظت السنّة عن الضياع، وصين الدين عن التحريف والاندراس، صلاة دائمة باقية.

أمّا بعد: فإنّ استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية منية كل طالب ديني، ولا يصل إليه إلاّ ببذل الجهود، ولا ينال تلك الخلعة الإلهية إلاّ بالعمل الدؤوب، والنضال المتواصل في مجال المطالعة والدراسة.

وإذا كانت ملكة الاجتهاد بمنزلة الجبل الأشم الّذي لا يتسلقه إلاّ الأمثل فالأمثل من الأبطال، فإنّ علم اُصول الفقه بمنزلة السُلّم للصعود إلى قمّة هذا


(4)

الطود الشامخ. والتعرّف على مسئلة من مسائله، بمنزلة ارتقاء درجة من درجاته. ونعم ما قاله شيخنا الأنصاري معرباً عن مكانة الاجتهاد وصعوبته «رزقنا الله الاجتهاد فانّه أشد من طول الجهاد»(1).

وممن بذل جهوداً مضنية في تحصيل هذا العلم، وركوب مصاعبه، وتذليل مشاكله العلاّمة الجليل حجّة الإسلام فضيلة السيد محمود الجلالي المازندراني ـ دامت إفاضاته ـ فقد عكف على بحوثي الأُصولية، دورة بعد دورة، ودوّن محاضراتي في المباحث اللفظية والعقلية، حتّى جمع نكات الدورتين الثانية والثالثة الأُصولية. وها هو يقدم لطلاب العلم، وبغاة الفضيلة المباحثَ العقلية من ذلك العلم في جزئين. وقد قرأت ما كتب وأمعنت النظر فيما حرّر بتصحيح يسير، فوجدته وافياً بما ألقيت، وكافلاً لما حققت. فجزاه الله فيه خير الجزاء بما أسدى إلى عشاق هذا العلم من خدمة علمية، وأرجو منه سبحانه أن يجعله في المستقبل من أصحاب الفتيا ومن المراجع في الأحكام... والسلام عليه وعلى كل ساع في طريق العلم المقرون بالعمل، ومجاهد في سبيل المعرفة.

في غرة شهر رمضان 1414 هـ

جعفر السبحاني

عفي عنه


1-الفرائد: مبحث الانسداد: 148 طبعة رحمة الله .


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على سيد رسله، وخاتم أنبيائه محمّد وآله، الذين هم معادن العلم وينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، وعصم الأُمم، ما أنار نجم ساطع، وخوى نجم طالع.

أمّا بعد: فإنّ شرف كلّ علم بشرف غايته، والغرض الأسمى الّذي يُترقّب من تحصيله. والعلم بالأحكام الشرعية عن مصادرها الأصلية، يُعدّ من أشرف العلوم وأثمنها وأغلاها، إذ في ظلّه يقف الإنسان على تكاليفه أمام الله سبحانه أوّلاً، وأما خلقه ثانياً، ويكتسب سعادة الدارين ثالثاً.

ومن المعلوم أنّ تحصيل ذلك العلم ليس منهلاً لكلّ وارد، وإنّما تقوم به الطبقة العليا من رجال الدين والشريعة الذين كرّسوا حياتهم في فهم الكتاب والسنّة، واستحصلوا ما يتوقّف عليه فهم الحكم من المصدرين المذكورين.

وممّا يتوقف عليه فهم الأحكام من مصاردها، بل يدور عليه رحى الاستنباط هو التعرّف على القواعد الأُصولية الّتي تعدّ كبريات للاستنباط، فهي بالنسبة إلى الفقه كالشجرة إلى الثمرة، والأساس إلى البناء.

ولأجل ذلك التأثير الهام لها، عكف علماء الإسلام على تدوينها من العصور


(6)

الماضية إلى عصرنا هذا (1). وقد كانت يوم ظهورها مجموعة من القواعد معدودة ولكنها ازدادت وتكاملت في ظلّ الدراسة كسائر العلوم إلى أن أصبحت علماً متكامل الأطراف، منتشر الأغصان، ناضج الثمار.

وممن بذل جهوده في تحقيق مسائلها، وتذليل مصاعبها، وتبيين معضلاتها، هو الشيخ الأجل، علم العلم الخفاق، وبدر سماء التحقيق، الأُستاذ الكبير آية الله الشيخ جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ ، فقد ألقى محاضرات في ذلك العلم دورة بعد دورة، وربّى أجيالاً كثيرةً من أهل العلم والفضل، فشكر الله مساعيه الجليلة في تربية الطلاب، ونشر آثار الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .

وقد كنت ممّن أدلى دلوه بين الدلاء، وحضرت بحوثه الأُصولية والفقهية سنين متمادية، وجمعتُ في هذه الأوراق ما ألقاه سماحته في الدورة الثانية، ثم أضفت إليها ما بدا له من المباني والآراء في الدورة الثالثة، وعرضته على شيخنا المحاضر، فقرأه بالامعان والدّقة، فصحح ما طغى فيه القلم، أو زاغ عنه البصر.

وها أنا اُقدّم لبغاة الفضيلة بحوثاً مشرقة بعبارات واضحة من دون تعقيد واطناب، وسمّيته «المحصول في علم الأُصول»، وقدّمت المباحث العقلية على المباحث اللفظية لعظم فائدتها، وكثرة الحاجة إليها، والمرجوّ منه سبحانه أن يجعله نبراساً للعلم وأهله أنّه على كلّ شيء قدير وبالاجابة جدير.

السيد محمود الجلالي المازندراني

22 رمضان 1414 هـ


1-قال شيخنا الأُستاذ ـ مد ظلّه ـ : إنّ أوّل رسالة ظهرت للشيعة في علم الأُصول هي رسالة الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) الّتي أدرجها الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد، وتوإلى التأليف بعده على يد السيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) فألّف الذريعة، والشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) فألّف العدة. وهكذا...


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقصد السادس
في بيان
الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً

قال الشيخ الأعظم: إعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشك، فإن حصل له الشك، فالمرجع هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمّى بالأُصول العملية.

إنّ الشيخ الأعظم لاحظ حال المكلّف بالنسبة إلى الحكم الشرعي لحاظاً طبيعياً وجعل القسمة ثلاثية، فإنّه إمّا أن يكون بالنسبة إلى الحكم الشرعي قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً، وليست هذه القسمة مختصة بهذا المورد، بل هي تقسيم سار في عامّة الموارد، فإنّ الإنسان إذا تصوّر شيئاً ما ـ كائناً ما كان ـ فإمّا أن يكون قاطعاً به أو ظانّاً أو شاكّاً.


(8)

ثمّ إنّ أساس هذا التثليث هو جعل متعلّق الحالات النفسانية، أعني القطع والظنّ والشكّ، الحكم الواقعي، وإلاّ فلو كان متعلّقها الأعمّ من الحكم الواقعي والظاهري، يصبح التقسيم ثنائياً كما يتّضح ذلك عند بيان التقسيم الثنائي للمحقق الخراساني، فتحصّل من ذلك أنّ التقسيم الثلاثي تقسيم طبيعي لحال الإنسان في عامّة الموارد إذا لاحظ شيئاً ، وأنّ مصحّح هذا التقسيم في المقام هو كون المتعلّق هو الحكم الواقعي، لا الأعم من الواقعي والظاهري.

واُورد عليه إيرادات نشير إليها:

الأوّل: أنّ هذه الحالات لا تحصل لمطلق المكلّف وإنّما تحصل لخصوص المجتهد، فهو الذي يكون قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً بالحكم، لا العامّي، فلا وجه لأخذ مطلق المكلّف موضوعاً للتقسيم، بل لابدّ من تخصيصه بالمجتهد. نعم، النتيجة عامّة لكلّ مكلّف، وذلك لأنّ الحكم المستنبط بفضل هذه العناوين حكم إلهي عام، وليس خاصّاً بالمجتهد ، وإن شئت قلت: إنّ هذه العناوين واسطة في الإثبات، حتّى يصل المستنبط إلى الحكم الإلهي الكلّـي، الشامل لجميع أفراد الأُمّة.

ولك أن تقول: إنّ المتيقن والشاك في مورد الاستصحاب ـ مثلاً ـ وإن كان هو المجتهد، لكنّ المستصحَب هو حكم اللّه العام المتعلّق بجميع أفراد العباد، ولأجل ذلك تكون النتيجة عامّة لجميع المكلّفين، ومثله الظانّ في مورد الأمارات فإنّ هذا العنوان وإن كان خاصّاً بالمجتهد، لكنّ المظنون هو الحكم الإلهي العام، ومثله القاطع، وإلى ذلك يرجع ما اشتهر من أنّ المجتهد نائب عن المقلّد وأنّه ينزّل نفسه منزلة المقلّد.

الثاني: وجود التداخل في تقسيم الشيخ، فإنّ الظنّ إن قام عليه الدليل فيلحق بالقسم الأوّل، لأنّه يقطع بالحكم الشرعي وإن كان ظاهرياً، وإلاّ فيلحق بالشك، فيكون مجرى للأُصول، فليس الظنّ أمراً ثالثاً، بل هو ـ من حيث


(9)

النتيجة ـ إمّا داخل تحت القطع، أو داخل تحت الشك.

فلا محيص في حفظ التقسيم الثلاثي عن تبديل الظنّ بلفظ الدليل المعتبر، حتى يكون شيئاً مستقلاّ ً في مقابل القطع بالحكم الواقعي، وفي مقابل الشك فيه، كما ذكره المحقق الخراساني، حيث قال: «وإن أبيت إلاّ عن التقسيم الثلاثي فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا.

وجه عدم التداخل في تقسيم المحقق الخراساني مع اشتراك عبارته مع عبارة الشيخ في أنّ متعلّق القطع هو الحكم الواقعي فقط لا الأعمّ منه ومن الظاهري، هو أنّ المحقق الخراساني، جعل الملاك في القسم الثاني قيام الدليل المعتبر، وهو بما أنّه لا يفيد القطع بالحكم الواقعي، لا يدخل تحت القسم الأوّل، وبما أنّه شيء معتبر، لا يلحق بالشك أي القسم الثالث، وهذا بخلاف ما إذا جعل المقياس الظنّ، فبما أنّه أعمّ من المعتبر وغيره، يلحق بالقطع تارة وبالشكّ أُخرى.

نعم لو فرض كون متعلّق القطع حتّى في هذا التقسيم هو الأعمّ من الواقعي والظاهري، يدخل الدليل المعتبر تحت القطع لإفادته القطع بالحكم الظاهري فلاحظ.

الثالث: أنّ الشيخ الأعظم أطلق لفظ الحكم فشمل الحكم الواقعي والظاهري والفعلي والإنشائي، مع أنّه كان اللازم تخصيصه بالفعلي لعدم ترتّب شيء من أحكام القطع ولا الظنّ ولا الشكّ على الحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية.

أقول: المراد من الحكم الإنشائي هو الحكم المخزون عند صاحب الأمر، فلو وقف رجل على حكم من هذه المقولة بالقطع لما وجب عليه ترتيب الأثر، لأنّ الحكم الذي قام النبي أو الوصي بإبلاغه، ولكنّه لم يصل إلى يد الأُمّة أو بعضهم


(10)

فهو فعلي غير منجّز، لكون الجهل عذراً.

واُورد على هذا الإشكال: بأنّه لو كان المراد من الحكم الإنشائي هو الإنشاء لابداعي البعث والزجر، بل بداعي التهديد، كما في قوله: «إعْمَلُوا ما شِئْتُم» فهو ليس بحكم، وإن كان المراد الحكم الكلّـي المنشأ بداعي البعث، ولكن لم يتحقق موضوعه كوجوب الحجّ على المستطيع، وإن لم يكن المستطيع موجوداً، أو وجوب قطع اليد، وإن لم تتحقق السرقة، فنمنع عدم ترتب أثر على مثل هذا الحكم الإنشائي، إذ وظيفة المجتهد هو الإفتاء، سواء أكان هناك موضوع في الخارج أم لا(1).

يلاحظ عليه: أنّ القسم الثاني، من الأحكام الفعلية، إذ ليس المراد منها إلاّ ما بلغت إلى حدّ الإعلام والإبلاغ، سواء أكانت هناك قدرة أم لا، و سواء أكان هناك موضوع أم لا، وإنّما يكفي في تسويغ الإعلام، وجود القدرة أو الموضوع بين عدّة من الناس في طول الزمان وطيلة الأيّام، ومراد المحقق الخراساني من الحكم الإنشائي ما ذكرناه، فهو الذي لا يترتب عليه شيء.

إلى هنا تمّ تحقيق التقسيم الثلاثي بالنسبة إلى حالات المكلّف في كلام الشيخ الأعظم وإليك التقسيم الثنائي في كلام المحقق الخراساني.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني:

إنّ المحقّق الخراساني جاء بتقسيم ثنائي وحاصله: أنّ المجتهد إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا .


1-مصباح الأُصول (تقرير لبحث السيد المحقق الخوئي، بقلم تلميذه السيد محمّد سرور البهسودي) ج2ص 12.


(11)

وعلى الثاني لابدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، وقد تمّت مقدمات الإنسداد على تقدير الحكومة.

وإلاّ فالرجوع إلى الأُصول العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير.

وأساس هذا التقسيم هو جعل متعلّق القطع، الحكم الأعمّ من الظاهري والباطني، فعندئذ يدخل في هذا القسم القطع بالحكم، أو قيام الطريق على الحكم، أو جريان أصل في مورد عدم الطريق إلى الحكم، بشرط أن يتضمّن حكماً شرعياً، كالبراءة الشرعية والتخيير الشرعي والاستصحاب، وعلى ضوء ذلك فالأُمور الثلاثة من القطع بالحكم، أو قيام الطريق به، أو جريان أصل متضمّن لحكم شرعي عند الشك، كلّها داخل في القطع بالحكم الشرعي الأعمّ من الظاهري والواقعي.

هذا هو القسم الأوّل، وإذا فقد المكلّف القطع بالحكم على الوجه المزبور تصل نوبة العمل بالمعذِّرات، ومجموعها قسم واحد، وإن كان في مقام العمل ترتيب، وهو لزوم العمل بالظنّ عند إنسداد باب العلم والعلمي على القول بالحكومة، بمعنى أنّ العقل يحكم في ذلك الظرف بلزوم العمل بالظنّ وأنّ العمل به معذِّر عند الخلاف، ومنجّز عند الوفاق.

وعند عدمه تصل النوبة إلى الأُصول العقليّة من قبيل قبح العقاب بلا بيان أو لزوم البراءة عند الاشتغال القطعي، والفرق بين الأُصول الشرعية والعقليّة واضح، فإنّ مفاد الاُولى حكم شرعي رفعاً أو وضعاً، بخلاف الثانية فإنّها معذِّارت ومؤمِّنات من دون وجود حكم في مجاريها.

القضاء بين العلمين:

لا يخفى أنّ التقسيم الثنائي للمحقّق الخراساني أقرب إلى التحقيق حيث إنّه نزيه عن إشكال التداخل، فإنّه جعل متعلّق القطع، الأعمّ من الظاهري


(12)

والواقعي، فأدخل تحته القطع الوجداني والأمارات، والأُصول الشرعية، ولم يعبّـر بالظن ولم يعتمد عليه حتى يدخل قسم منه تحت القطع بالحكم الظاهري وقسم آخر، أعني غير الحجّة، تحت الشك.

هذا هو رجحان التقسيم الثنائي، ومع ذلك فهو غير خال عن الإشكال، لأنّ إدخال الأمارات تحت القطع بالحكم الظاهري فرع القول بأنّ المجعول فيها هو الحكم الشرعي، وأنّ للشارع حكمين: واقعي وظاهري، فمفادها عند الموافقة هي الحكم الواقعي وعند المخالفة حكم مجعول ظاهراً لمصلحة فيه.

ولكن المبنى ضعيف، إذ ليس في مورد الأمارات أيّ جعل تأسيسي، وإنّما الصادر عن الشارع هو الإمضاء لما في يد العقلاء وهم يعملون بها بما هي طريق إلى الواقع، فلو صادف الواقع يكون منجّزاً وإلاّ يكون معذِّراً، وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، وانّ القول بجعل الحكم الشرعي في مورد الأمارات، لا يخلو عن إشكال أو إشكالات.

وأمّا التقسيم الثلاثي للشيخ، فمع غضّ النظر عن إشكال التداخل فلا يخلو من محسّنات:

1ـ إنّ التقسيم تقسيم طبيعي بل هذا شأن الإنسان مقابل أيّ موضوع فكّر فيه.

2ـ إنّ هذا التقسيم كديباجة للرسائل الثلاثة التي يشتمل عليها الكتاب، حيث إنّه ألّف رسالة في القطع ورسالة في الظنّ، ورسالة في الشكّ، وأدخل تحتها جميع مباحث الأُصول العملية وجعل التعادل والترجيح خاتمة الكتاب.

3ـ إنّ التقسيم الثلاثي هو المناسب لحال المبتدئ، وأمّا الثنائي، فإنّما يناسب المنتهى حيث إنّه يقف على كيفية إدخال جميع الطرق والأُصول تحت القطع بالحكم.


(13)

حصر الأُصول العملية في الأربعة:

إنّ حصر الأُصول العملية الجارية في جميع أبواب الفقه في الأربعة استقرائي لا عقلي كما صرّح به الشيخ، وإلاّ فمن الممكن أن يكون الأصل العملي خمسة، وأمّا أصالة الطهارة والحلّية وغيرهما، فبما أنّهما تختصان ببعض أبواب الفقه، فلا تعدّ من الأُصول العملية العامّة.

هذا بالنظر إلى ضمّ الاستصحاب إليها، وأمّا مع تجريده عنها فالأقسام ثلاثة ويمكن أن يكون الحصر فيها عقلياً، لأنّ الأصل إمّا أن لا يراعى فيه التكليف أبداً أو يراعى بوجه، أو يراعى بكلّ وجه، فالأوّل هو البراءة، والثاني هو التخيير، والثالث هو الاحتياط.

في بيان مجاري الأُصول:

المعروف أنّ مجاري الأُصول العملية أربعة وانحصارها فيها عقلي دائر بين الإثبات والنفي كما سيوافيك، وقد اضطربت كلمة الشيخ في بيان مجاريها فالموجود في الفرائد عبارتان مختلفتان فاليك كلتيهما:

العبارة الاُولى:

«الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط أو لا، وعلى الأوّل، إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني مجرى التخيير، والثالث مجرى البراءة، والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

وهذه العبارة نفس ما ذكره الشيخ في رسالة الشك عند البحث عن البراءة(1) والذي يلفت النظر في هذا التقسيم هو إخراج مجرى التخيير عن الشك


1-لاحظ صفحة 192 ، طبعة رحمة اللّه ، باختلاف يسير.


(14)

في التكليف والمكلّف به معاً وجعله قسماً في مقابلهما، وستوافيك عبارته الثانية التي جعل فيها التخيير من أقسام الشك في المكلّف به.

هذا هو الإشكال المهمّ، وأمّا سائر ما اُورد عليه، فليس بمهمّ جدّاً.

منها أنّه جعل مجرى الاستصحاب لحاظ الحالة السابقة، مع أنّه يختص بالشك في الرافع عنده فلا يعمّ المقتضى.

منها أنّه لم يقيد جريان الأُصول بالفحص واليأس عن الدليل.

منها أنّه لم يخرج الأُمور المهمّة كالأعراض والنفوس والأموال عن مجرى البراءة ولا يخفى سقوط هذه الإشكالات، لأنّ الشيخ ليس في مقام بيان كلّ ما هو دخيل في جريان هذه الأُصول، أضف إلى ذلك: أنّ لحاظ الحالة السابقة يغني عن ذكر الشك في الرافع، فإنّه لا يلاحظ إلاّ فيه.

العبارة الثانية:

« الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى البراءة والثاني إمّاأن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى الاحتياط والثاني مجرى التخيير».

وفي هذه العبارة عدّ مجرى التخيير من موارد الشك في المكلّف به، فغاية الأمر أنّه يجري فيما لا يمكن الاحتياط كما أنّ الاشتغال يجري فيما يمكن فيه الاحتياط.

إشكال مشترك بين العبارتين:

إنّ هنا إشكالاً مشتركاً بين التعبيرين، وهو أنّ الشيخ الأعظم جعل الشك


(15)

في التكليف في كلتا العبارتين مجرى للبراءة مع أنّه ليس كذلك مطلقاً، فربّما يكون الشك في التكليف ولكن يجب الاحتياط، كما إذا علم إجمالاً، بأنّ هذا الفعل واجب أو ذاك الفعل حرام، فيجب عليه الجمع بين فعل هذا وترك الآخر، أو إذا وقف على أنّه إمّا أحد الفعلين واجب أو أحد الفعلين الآخرين حرام، فيجب فعلهما وترك الآخرين، مع أنّه من قبيل الشك في التكليف وذلك لأنّ المراد منه هو نوع التكليف وهو مجهول، والعلم بالإلزام يعني أنّ هناك إلزاماً من الشارع إمّا متعلّق بالفعل أو بالترك ليس علماً بالتكليف بل علماً بجنسه المنتزع من العلم بتعلّق واحد من الوجوب والحرمة بفعله، وهو ليس علماً به.

وقد وقف المحقّق النائيني على هذا الإشكال، فأضاف في عبارته لفظة«بجنسه» وقال: إمّا أن لا يعلم بالتكليف أصلاً ولو بجنسه، وإمّا أن يعلم... (1).

كما أنّ المحقّق الخراساني صان بيانه عن توجّه هذا الإشكال، فعبّـر عن مجرى البراءة في تعليقته على الفرائد بقوله: «أن لا يكون حجّة ناهضة على التكليف في البين عقلاً أو نقلاً» وبذلك جعل التعريف مطرداً، وذلك لأنّه قامت في مورد النقض حجّة عقلية على لزوم الاحتياط، وهو العلم الإجمالي باللزوم، وهو يكفي في الاشتغال.

وإن شئت قلت: إنّ مجرى البراءة هو الشك في التكليف لكن إذا لم يكن هناك دليل على لزوم رعاية غرض المولى المعلوم إجمالاً، فإنّ المكلّف واقف عليأنّهنا غرضاً قطعياً للشارع يجب تحصيله وهو إمّا قائم بفعل هذا أو ترك هذا.


1-فوائد الأُصول: ج3، ص 4.


(16)

ما هو المختار في مجرى الأُصول:

ويمكن أن يقرر مجاري الأُصول بشكل آخر، هو أقرب إلى الواقع وهو أنّ الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا ، والأوّل هو مجرى الاستصحاب، وعلى الثاني إمّا أن يكون الشك في التكليف أو يكون الشك في المكلّف به، وعلى كلّ تقدير، فإمّا أن يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما أو لا يمكن. وأمّا التخيير، فليس له مجرى خاص وراء مجرى البراءة والاشتغال، بل الشكّ في التكليف والشكّ في المكلف به كليهما مجرى له إذا لم يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما، مثلاً إذا كان الشك في التكليف ولم يمكن الاحتياط فهو مجرى التخيير كدوران الأمر بين حرمة شيء ووجوبه بناء على أنّ الملاك في العلم بالتكليف هو العلم بالنوع لا الجنس، والمفروض أنّ النوع مجهول، وإذا كان الشك في المكلّف به، فلو أمكن الاحتياط، يكون مجرى الاشتغال، كالعلم بوجوب صلاة مردّدة بين الجمعة والظهر، وإذا لم يكن فهو مجرى التخيير، كما إذا وقف على أنّه يجب عليه البيتوتة في ليلة معينة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فبما أنّ النوع معلوم وهو الوجوب فهو من قبيل الشك في المكلّف به، وبما أنّه غير ممكن الاحتياط فهو مجرى التخيير، وعلى ضوء ذلك فأصالة التخيير أصل يلتجئ إليه العقل عند عدم إمكان الجمع سواء كان الشك في التكليف أو الشك في المكلّف به.

وهذا البيان يغاير البيانين السابقين من الشيخ الأعظم ومن سائر الأعلام، فإنّهم بين جاعل مجرى التخيير مقابل الشك في التكليف والشك في المكلّف به كما في العبارة الأُولى للشيخ الأعظم، أو من أقسام الشك في المكلّف به كما في العبارة الثانية له، وأمّا على هذا البيان فمجراه أعمّ من الشك في التكليف والشك في المكلّف به، وملاكه عدم إمكان الجمع.

وأمّا النقض المتوجّه على التعبيرين، أعني: العلم الإجمالي بوجوب فعل وترك


(17)

فعل آخر، فغير وارد، لأنّه إن جعل من أقسام الشكّ في التكليف بحجّة أنّ النوع مجهول فلزوم الاحتياط لأجل العلم بالغرض، وإن جعل من الشك في المكلّف به بحجّة أنّه مردّد بين الفعل والترك فوجوب الاحتياط موافق للقاعدة.

إذا وقفت على ذلك فنقول: يقع الكلام في أُمور:


(18)

الأمر الأوّل:

في طريقية القطع وحجيّته

قال الشيخ الأعظم: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجوداً لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.

وقال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً.

أقول: الكلام في القطع الطريقي لا في القطع الموضوعي، والمراد من الأوّل ما إذا كان القطع طريقاً إلى الواقع غير ملتفت إليه، بل كان الإلتفات إلى الواقع بما هو هو، كما إذا رأى الإنسان السبع، فهو لا يرى إلاّ السبع، ولا يلتفت إلى قطعه حتى يجب عليه تبعيّة القطع.

وعلى ذلك فما ذكره الشيخ من وجوب متابعة القطع غير تامّ، لأنّ وجوب متابعة القطع فرع الإلتفات إليه، والمفروض عدمه، وإن أُريد من القطع، المقطوع أي الأحكام الشرعية المولوية، فهو وإن كان صحيحاً، لكن وجوب المتابعة من أحكام نفس الأوامر والنواهي المولويّة الواصلة إلى العبد. حيث إنّ العقل مستقلّ بلزوم إطاعة المولى وقبح مخالفته، نعم نفس الواقع بما هو هو ما لم يصل إلى حدّ المعلومية، لا يكون موضوعاً لوجوب الإطاعة فكان للقطع نحو مدخلية في


(19)

وجوب متابعة الواقع، لكن المدخلية غير مختصة بالقطع، بل إذا قامت الحجة الشرعية على حكم شرعي تجب متابعة الواقع.

ثمّ إنّه اشتهر في الألسن، من أنّ طريقية القطع وحجّيته من ذاتياته أو من لوازمه، وعلى ذلك فليست طريقيته ولا حجيّته بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء ولوازمه، بل يكفي في تحقق اللازم جعل الملزوم بسيطاً، فعندئد يكون اللازم مجعولاً عرضاً.

أقول: يقع البحث تارة في الطريقيّة وأُخرى في الحجّية.

أمّا الطريقية، فتوضيح الحال فيها يتوقف على بيان حقيقة الجعل ومناطه وأقسامه، فنقول: الجعل إمّا جعل بسيط بمعنى إيجاد الشيء تكويناً، وإمّا جعل مركّب وهو جعل شيء شيئاً، كجعل الجسم أبيض، وكلّ ينقسم إلى قسمين:

فإنّ جعل البسيط إمّا حقيقي كجعل الوجود، وإمّا عرضي كجعل الماهية،خصوصاً على منهج العرفاء، حيث قالوا: إنّ الأعيان الثابتة لم تشمّ رائحة الوجود.

ثمّ الجعل التأليفي إمّا حقيقي كجعل الجسم أبيض، أو مجازي وعرضي كجعل الأربعة زوجاً، ووجه تسمية الأوّل بالحقيقي والثاني بالمجازي، هو أنّ ملاك الحاجة إلى الجعل هو الفقر والحاجة، فإذا لم يكن الموضوع واجداً للمحمول، كان مناط الحاجة موجوداً حقيقة وكان الجعل حقيقياً كما في جعل الجسم أبيض، وأمّا إذا كان الموضوع واجداً له، بأن يكون فرض الموضوع ووجوده كافياً في اتّصافه بالمحمول، فمناط الحاجة مفقود فلا يحتاج بعد جعل الموضوع بسيطاً إلى جعل آخر بينه وبين محموله، كما في جعل الأربعة زوجاً، فإنّ إيجاد الأربعة نحو إيجاد للزوجية بلا حاجة إلى جعل آخر بل الجعل الأوّل يكفي لجعلهما معاً، ومع ذلك يصحّ لنا أن نقول: إنّ الجاعل جعل الأربعة زوجاً جعلاً مجازياً وعرضياً بحكم أنّ جعل الأربعة جعل للازمها أي الزوجية.


(20)

الطريقية ليست ذاتية للقطع:

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحليل الطريقية فهل هي من ذاتيات القطع أو من لوازم وجوده، أو لا هذا ولا ذاك؟ فالظاهر عدم صحّة الأوّلين. أمّا عدم كونها من ذاتياته، فلأنّ الذاتي، إمّا أن يراد منه ذاتي باب الايساغوجي، أعني النوع والجنس، والفصل، أو ذاتي باب البرهان، أعني ما يكون وضع الموضوع فيه كافياً في وضع المحمول، ومن المعلوم أنّ الطريقية ليست جنساً للقطع ولا فصلاً ولا نوعاً، لأنّ حقيقة القطع ترجع إلى كونه من الحالات النفسانية قائمة بها كسائر الصفات النفسانيّة، غاية الأمر له خصوصية وهي كونه وسيلة الإنسان للإتصالبالخارج على سبيل الاقتضاء لا العلّة التامّة، وهو غير كون الطريقية ذاته أو ذاتياته، والعجب أنّ المحقق الاصفهاني زعم أنّها ذات القطع فقال: إنّ ذاته نفس الانكشاف وانتزاع الكاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه، ولا معنى للطريقية إلاّ وصول الشيء بعين حضوره للنفس فالطريقية عين ذاته لا من ذاتياته(1).

يلاحظ عليه: أنّ القطع كسائر الصفات النفسانية، كالحسد والبخل والظن والشك فهي بسائط من حيث الوجود، غاية الأمر أنّ لبعضها إمكان الكشف عن الواقع دون البعض الآخر لا أنّ الكشف نفس ذاته.

وأمّا عدم كونها من لوازم وجوده إذ لو كان كذلك لما انفكّت عنه، مع أنّ تخلف القطع عن الواقع غير عزيز، فلو صحّ لنا جعلها من لوازم وجوده يجب أن تعدّ من لوازم وجود قسم من القطع، أعني ما إذا كان مطابقاً للواقع.


1-نهاية الدراية: ج2 ص 4.


(21)

الطريقية لا تنالها يد الجعل:

بعد ما عرفت أنّ الطريقية ليست ذاته ولا ذاتياته ولا من لوازم وجوده فمع ذلك لاتنالها يد الجعل، لأنّ الجعل التشريعي لا يتعلّق إلاّ بالأُمور الاعتبارية لاالطريقية التي هي أمر تكويني، وبذلك يظهر أنّ القول بأنّ المجعول في باب حجّيّة خبر الواحد هو الطريقيّة، ليس بتام، لأنّ الطريقية أمر حقيقي خارج عن مجال الجعل، فالجعل إنّما يتعلّق بالأُمور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر كالرئاسة والمرؤوسية، والجزئية والشرطية في الواجبات الشرعية، وكالوجوب والحرمة في الأحكام التكليفية، ومثله القول بأنّ المجعول في باب حجّية خبر الواحد هو تتميم الكشف كما كان عليه السيد الأُستاذ الحجّة الكوه كمرى (1) ـ قدّس سرّه ـ فإنّ الكشف أمر تكويني، فكيف يمكن تتميمه اعتباراً؟ وستوافيك حقيقة الحال في باب حجّية خبر الواحد.

هذا كلّه حول الطريقية .

وأمّا الحجّية، فتارة يراد منها الحجّية بالمعنى اللغوي، وأُخرى بالمعنى المنطقي، وثالثة الحجّية بالمعنى الأُصولي، أمّا الأوّل: فهو كل ما يصلح أن يحتجّ به من غير فرق بين إحتجاج المولى على العبد أو العبد على المولى، أو إحتجاج إنسان على إنسان مثله، فلا شكّ أنّ القطع من أوضح ما يصحّ أن يحتجّ به، إذ لا يصحّ الاحتجاج بنفس الأمر والنهي في الواقع مع عدم اطّلاع المكلّف عليه، وإنّما يحتجّ بالتكليف إذا وصل إليه حقيقة كما في القطع، أو تعبّداً كما إذا وصل إليه بطريق إكتفى به المولى في الوصول، وعلى كل تقدير. فإذا وقف العقل على حكم المولى وقطع به، يحصل في قرارة ذهنه أمران: إدراك وبعث، يدرك قبح مخالفة المولى


1-العلاّمة السيد محمّد الحجّة (1310ـ 1372 هـ . ق) فقد حضر شيخنا الأُستاذ أبحاثه في الفقه والأُصول سنين، وكان ـ قدّس اللّه سرّه ـ آية في الحفظ والإحاطة.


(22)

ويراها ظلماً عليه، ثم يبعث على الطاعة ويزجر عن المخالفة ومجموع هذا ما يحتجّ به المولى على العبد.

فما عن المحقّق الاصفهاني (1) وتبعه المحقق الخوئي (2) من أنّه لا بعث من القوة العاقلة بل شأنها إدراك الأشياء فلا بعث ولا تحريك فكأنّه غير تامّ، لأنّ للقوة العاقلة وراء درك الحسن والقبح بعث إلى ما فيه صلاح الإنسان عاجلاً وآجلاً، من غير فرق بين إدارك الجزئيات، كمشاهدة السبع أمامه، فيبعث فوراً على الدفاع، أو إدراك الكلّيات، كتكاليف المولى فيبعث إلى إمتثالها ويزجر عن عصيانها.

الحجّية اللغوية من أحكام القطع عند العقل:

إذا عرفت ذلك تقف على أنّ الحجّية بالمعنى اللغوي من الأحكام العقليّة الصادرة من العقل في مورد القطع بحكم المولى، ومثل ذلك لا يكون مجعولاً شرعياً لاستغنائها عن الجعل بعد استقلاله بصحّة الاحتجاج، والحجّية بهذا المعنى، وإن لم تكن ذات القطع ولا ذاتياته ولا من لوازم وجوده، ولكنّها غير مجعولة شرعاً لسبق العقل على صحّة الاحتجاج.

فإن قلت: لماذا لا تكون الحجّية من قبيل ذاتي باب البرهان كالإمكان بالنسبة إلى الماهية والزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فلتكن الحجّية بالنسبة إلى القطع كذلك.

قلت: قد أوضحنا حال ذلك في أبحاثنا حول الحسن والقبح، وقلنا: إنّ هناك فرقاً بين حكم العقل بحسن الشيء وقبحه وإداركه إمكان الماهية وزوجيّة الأربعة، فإنّ الامكان وصف واقعي للماهية، سواء لاحظه الإنسان أملا. وكذلك


1-نهاية الدراية: ج2 ص 3.
2-مصباح الأُصول: ج2 ص 16.


(23)

الزوجية وصف واقعي للأربعة، كان هناك مدرك أولا،فدور العقلهنا دور الإدراك لشيء واقعي كان هناك مدرك أو لا، ولذلك يكون قوله:الإنسان ممكن، والأربعة زوج، إخباراً عن واقعية لا إنشاء حكم من العقل.

وهذا بخلاف حسن العدل وقبح الظلم، فإنّ اتّصافهما بالحسن والقبح فرع إدراك الملائمة للفطرة الإنسانية في الأوّل، والمنافرة في الثاني، فعند ذلك يستقلّ العقل بحسن واحد وقبح الآخر، وأنّه حسن مطلقاً، أو قبيح كذلك، ولولا حديث التطبيق، وإدارك الملائمة والمنافرة لما كان هناك أيّ توصيف بهما. ولأجل ذلك يكون قوله: «العدل حسن» إنشاءً من العقل وحكماً منه عليه، لا إخباراً عن واقعية، نعم الواقعية الموجودة في جانبي العدل والظلم، كون كلّ على وجه لو عرضه الإنسان على فطرته، وعلى الجانب العلوي من الإنسانية لأحسّ منه، كمال الملائمة، أو كمال المنافرة، ولكنّه لولا العرض والتطبيق، لما كان هناك أيّ إحساس ملائمة أو منافرة وبالتالي لم يكن هناك أيّ حكم بالحسن والقبح. ولولا وجود الإنسان ودركه المنافرة والملائمة لما اتّصف العدل بالحسن والظلم بالقبح، نعم لهما شأنية خاصة كلّما أدركها العقل يحكم لهما بواحد من الحكمين، وهذا وإن كان ثقيلاً على طائفة، ولكنّه واضح لمن له قدم راسخ في هذه الأبحاث.

وهذا لا يعني كون الحسن والقبح أمراً اعتبارياً، وأنّ زمامهما بيد المعتبر فيمكن أن يصف العدل بالقبح والظلم بالحسن، نظير الرئاسة والمرؤوسيّة حيث يمكن إعتبار المرؤوس رئيساً والرئيس مرؤوساً، بل وللعدل والظلم واقعيّتهما الخاصة كلّما لاحظها الإنسان بفطرته العالية، يجد الأوّل ملائماً والثاني منافياً، فلهما هذه الشأنية دائماً ولا تزول عنهما،ومثل ذلك لا يكون من الأُمور الاعتبارية التي يصحّ فيها التقلّب والتصرّف كيفما شاء المعتبر، ولأجل هذه الصلاحية، كلّما لاحظها العقل، يحكم عليها بأحد الحكمين على وجه الدوام والاستمرار.

ومثله الحجّيّة ، فصحّة الاحتجاج حكم عقلي صادر منه في شأن القطع،


(24)

وله القابلية الخاصة التي كلّما لاحظها العقل يحكم بأنّه ممّا يحتجّ به على مرّ الزمان وعبر الدهور.

القطع ليس حجّة منطقيّة:

وأمّا الحجّة بالمعنى المنطقي، فحاصل الكلام فيه أنّ الحجّة المنطقية عبارة عن الوسط الذي تكون بينه وبين الأكبر الذي يراد إثباته للأصغر، علقة العلّية والمعلولية، وهذا كتعفّن الاخلاط والحمّى، فبينهما علاقة العلّية والمعلولية، فتارة يكون الأوّل حدّ الوسط، وأُخرى يكون الثاني هو الحدّ الوسط، فعلى الأوّل يكون البرهان لمّيّاً، وعلى الثاني إنّيّاً.

ومن المعلوم أنّ القطع الطريقي لا يتّصف بالحجّيّة بهذا المعنى، لأنّ المفروض أنّ الحكم مترتّب على الموضوع بما هو هو، لا بما أنّه مقطوع، فلايصحّ أن يقال: هذا مقطوع الخمريّة وكل مقطوع الخمريّة حرام، فهذا حرام،لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كل مقطوع الخمرية حرام بل الخمر حرام، وبعبارة أُخرى: ليست هنا علاقة علّية بين القطع بالخمرية وثبوت الحرمة لها واقعاً.

وبذلك يظهر عدم صحّة التفريق بين القطع وسائر الحجج، كالظنّ والبيّنةوفتوى المفتي فإنّ الكبرى في الجميع باطلة، فلو قلنا: هذا مظنون الخمريّةوكل مظنون الخمرية حرام، لا يصحّ وذلك لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كلّ مظنون الخمرية حراماً، فما ذكره الشيخ الأنصاري من التفريق بين القطعوسائر الحجج من عدم صحة جعل القطع وسطاً بخلاف غيره فكأنّه في غير محلّه.

نعم القطع الموضوعي يمكن أن يقع وسطاً للحكم، فإنّ الحرام فيه ليس نفس الخمر بل ما قطع أنّه خمر فهناك ملازمة بين القطع بالخمرية وحرمتها، وهذا بخلاف ما إذا كا القطع طريقياً.


(25)

القطع ليس حجّة أُصولية:

وأمّا الحجّة الأُصولية، فهي عبارة عن الأدلّة الشرعية التي إعتبرها الشارع حجّة لإثبات متعلّقاتها، من دون أن تكون هناك ملازمة بينها وبين متعلّقاتها، وهذا كالظن والبيّنة وفتوى المفتي، والحجّية بهذا المعنى من خصائص الأمارات والحجج الشرعية التي أضفى لها الشرع هذا الوصف لا القطع، وذلك لأنّ كاشفيّة الأمارات والحجج الشرعية كاشفيّة ناقصة، لا يصحّ الاعتماد عليها إلاّ إذا اعترف المولى بحجّيتها وهذا بخلاف القطع فإنّ كاشفيته تامّة عند القاطع، فلا يحتاج إلى إمضاء أو تصديق من المولى فإنّ إفاضة الحجّية عليه إمّا بالقطع أو بالظنّ والثاني يستلزم أن يكون القطع أسوأ حالاً من الظنّ، وأمّا الأوّل فينقل الكلام إلى القطع الثاني، فإن كانت حجّية الثاني بنفس الأوّل فيدور، أو بقطع ثالث فيتسلسل.

في امتناع المنع عن العمل بالقطع:

إنّ من أحكام القطع هو إمتناع المنع عن العمل به، وذلك: لحكم العقل على وجوب العمل بالقطع أوّلاً واستلزامه اجتماع إرادتين مختلفتين على مراد واحد ثانياً، إذ لو كان القطع مصيباً، فبما أنّ الحكم رتّب على الواقع فهناك إرداة تشريعية تبعث على العمل به، فلو نهى عنه والحال كذلك يلزم وجود إرادة تشريعية مخالفة للإرادة الأُولى.

هذا كلّه في القطع الطريقي، وأمّا القطع الموضوعي، فللمولى البعث على العمل على قطع خاص، والنهي عن العمل بقطع آخر، لأنّ الموضوع خصوصياته وسعته وضيقه في القطع الموضوعي بيد المولى، فله أن يتّخذ قسماً خاصّاً منه في الموضوع لا مطلق القطع وسيوافيك تفصيله في الأبحاث الآتية.


(26)

الأمر الثاني:

في التجرّي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: التجرّي من الجرأة ومقوّمه إرادة مخالفة المولى سواء أكانت هناك مخالفة أم لا، كما أنّ مقوّم الإنقياد هو إرادة الموافقة سواء أكانت هناك موافقة أم لا، ولكن الاصطلاح جرى فيهما على غير ما يتبادر منه في اللغة، فالتجرّي هو مخالفة الحجّة الشرعية أو العقليّة حسب الاعتقاد ولم تكن في الواقع مخالفة، كما أنّ الانقياد إرادة إطاعة المولى حسب الاعتقاد ولكن لم تكن في الواقع أيّة إطاعة، وذلك كما إذا قطع بخمرية مائع أو قامت الحجّة عليها فشربه فكان خلاّ، أو أذعن بوجوب شيء أو قامت الحجّة عليه فأتى به ولم يكن في الواقع واجباً. وبالجملة: فمخالفة الحجّة بالمعنى اللغوي هو التجرّي إذا لم تصادف الواقع، وموافقة الحجّة بهذا المعنى هو الانقياد إذا لم يكن في الواقع كذلك.

وبذلك تبيّـن أنّ التجرّي لا يختص بمخالفة القطع، بل يعمّ مخالفة البينة أو الحجّة الشرعية، مثل الاستصحاب إذا قام على خمرية شيء أو غصبيته فخالف فبان أنّه لم يكن كذلك، بل يعمّ ما إذا خالف التكليف المنجّز عقلاً ـ ولكنّه خالف ـ إحتمالاً كما إذا ارتكب أحد أطراف العلم الإجمالي فالجامع هو


(27)

مخالفة الحجة أعم من العقلية والشرعية مخالفة قطعية حسب الاعتقاد أو احتمالية كذلك.

ثمّ إنّ الشيخ ذكر للتجرّي أقساماً ستة في الفرائد يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها، فمن أراد فليرجع إليه.

الثاني: انّ التجرّي بالمعنى المصطلح إنّما يتصوّر فيما إذا كان للواقع مدخلية في ثبوت الحرمة، كما إذا كان القطع طريقاً إلى الواقع أو موضوعاً ولكن جزء له، وأمّا إذا كان القطع تمام الموضوع من دون مدخلية الواقع، فمخالفته معصية وموافقته طاعة وليست تجرّياً ولا إنقياداً، هذا كما إذا كان الموضوع للحرمة صرف القطع بالخمرية، وإن لم يكن في الواقع خمراً، ومثل هذا القسم غير موجود في الشريعة.

الثالث: انّ البحث تارة يقع في حكم عنوان التجرّي المنتزع من ارتكاب مقطوع الحرمة مع عدم كونه كذلك من جهة أنّه يوجب استحقاق العقاب أو لا؟

واُخرى في الفعل الذي يتحقّق به التجرّي كشرب مقطوع الخمرية، فيقع الكلام في حرمته وقبحه وعدمهما والبحثان غير متداخلين في كلام المحقّق الخراساني بخلاف الشيخ الأعظم فهما متداخلان في فرائده، إذا عرفت هذه الأُمور فنبحث في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّ التجرّي موجب لاستحقاق العقاب أو لا؟

إنّ عنوان المسألة وإن كان هو التجرّي لكنّه طريق إلى الموضوع الحقيقي له وهو: هل مخالفة الحجّة الأعمّ من العقليّة والشرعية موجبة لاستحقاق العقاب أولا؟ فهذا هو الموضوع الحقيقي وإنّما أُخذ عنوان التجرّي طريقاً إليه وسيتّضح وجه هذه النكتة، فإنّه لو كان موضوع البحث هو التجرّي بما هو تجرّ لكان لاحتمال استحقاق العقاب مجال، وأمّا إذا قلنا بأنّ موضوع البحث هو مخالفة


(28)

الحجّة عن عمد، فربّما لا ينطبق عليه بعض العناوين التي تستلزم ثبوت العقاب وسيجيئ توضيح ذلك.

وقد استدلّ على استحقاق العقاب بوجوه:

1ـ ما ذكره المحقق الخراساني من شهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته وذمّه على تجرّيه، وهتك حرمته لمولاه وخروجه عن رسم عبوديّته، وكونه بصدد الطغيان، وعزمه على العصيان كما يشهد على صحّة مثوبته ومدحه على إقامته بما هو قضيّة عبوديته من العزم على موافقته والبناء على إطاعته (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ موضوع البحث كما عرفت هو مخالفة الحجّة الأعمّ من العقليّة والشرعية وإذا عبّـر عنها بالتجرّي فهو عنوان مشير إليها، وعلى ذلك فصدق ما ذكره من العناوين من التجرّي وهتك الحرمة وكونه بصدد الطغيان، لا ينطبق على جميع أقسام مخالفة الحجّة، لأنّه لو أقدم على ارتكاب مقطوع الحرمة، مستخّفاً بأمره، أو جاحداً لمولويته، أو رافعاً علم الطغيان، لكان لما ذكر من انطباق هذه العناوين وجه، ولكنّه ربّما تكون العلّة للارتكاب هو ضعف التمالك النفساني وغلبة الشقاء على الإنسان مع استيلاء الخوف عليه عند الارتكاب، وعروض الارتعاش حين العمل، وعندئد لا يصدق عليه الهتك، ولا الظلم على المولى، ولا الجرأة عليه، وإنّما يصدق أنّه خالف الحجّة لغلبة الشقوة عليه، مع كونه على خوف ووجل من عقابه سبحانه، ولعلّ ما في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي تعلّمه من الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ إشارة إلى ذلك حيث قال: «... إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخفّ، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت، وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ...».

وعلى ذلك فالاستدلال على العقوبة بما في عبارة المحقق الخراساني استدلال


1-الكفاية: ج2 ص 8.


(29)

خطابي، وإلاّ فمن خالف الحجّة راجياً مغفرته تعالى، وشفاعة أوليائه عن وجل، لا يصدق عليه أنّه هتك ستر المولى وتمرّد عليه وطغى، وإنّما هو ينطبق على المخالفة التي ربّما تقترن بأُمور توجب صدق التمرّد والطغيان والهتك والظلم، ومثل هذا خارج عن موضوع البحث، وإنّما الموضوع هو مخالفة الحجّة بما هي هي مع قطع النظر عن سائر العناوين التي يمكن أن تنضمّ إليها.

وثانياً: أنّه لا شكّ أنّ مخالفة المولى بما هي مخالفة له مجرّدة عن العذر ومجرّدة عن سائر العناوين، موجبة لصحّة العقاب، ولو لم يكن هناك هتك ولا تمرّد ولا طغيان، فالعقل يحكم بصحّة عقوبة ذلك الشخص لأجل المخالفة الواقعيّة بما هي هي، فلو كانت العناوين الأُخرى المشتركة بين التجرّي والمعصية مصحّحة للعقاب، يجب القول بتعدّده في المخالفة الواقعية، لتعدّد الملاك، الأوّل الجرأة والهتك والتمرّد والطغيان وغيرها ممّا يجتمع مع المخالفة الواقعية وعدمها، والثاني ذات المخالفة الواقعية بلا عذر ، مع أنّ المعروف هو وحدة العقاب في المعصية، ولأجل ذلك التجأ صاحب الفصول القائل بالعقاب في المقام إلى القول بالتداخل في المعصية الواقعية، وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّه إن أُريد من التداخل وحدة العقاب فهذا ترجيح بلا مرجّح، وإن أُريد كثرته فليس هذا تداخلاً.

والحق أنّ مجرّد مخالفة الحجّة بلا عذر إذا لم تكن مخالفة واقعية ولم ينطبق عليها التمرّد والطغيان والهتك و الظلم، لا تكون موجبة لاستحقاق العقاب، بل تكون موجبة لصحّة اللوم والذّم، لأنّه بلغت حاله إلى حدّ لا يملك نفسه في مقابل أمره ونهيه سبحانه.

2ـ لو كان ملاك العقاب هو المخالفة الواقعية، يلزم صحّة العقاب إذا كانت المخالفة مع العذر، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الملاك: التجرّي، والهتك، فهو مشترك بين المعصية والمخالفة الاعتقادية، ولا يعمّ المخالفة عن عذر وجهل.

وإن شئت قلت: إنّ العقاب على المعصية الواقعية ليس لأجل ذات


(30)

المخالفة مع الأمر والنهي، ولا لأجل تفويت غرض المولى بما هو مخالفة، ولا لكونه ارتكاباً لمبغوض المولى، لوجود الكلّ في صورة المخالفة عن جهل، بل الملاك كونه هتكاً لحرمة المولى وجرأة عليه وإقداماً على ما أحرز أنّه مبغوض المولى، وهذا مشترك بين التجرّي والمخالفة الواقعية عن عمد فيقعان تحت جامع واحد، وهوأنّ عمله هذا على خلاف مقتضى العبودية، وأنّه مناف لزي الرقيّة وظلم عليه(1).

يلاحظ عليه: أنّ الملاك لصحة العقوبة ليس المخالفة الواقعية بما هي هي حتى يقال: إنّها مشتركة بين المعصية والمخالفة مع الجهل والعذر مع أنّه لا عقاب في الثاني، ولا المخالفة الاعتقادية سواء أوافق الواقع أم لا، حتى يكون مشتركاً بين التجرّي والمعصية، بل الملاك شيء ثالث يختص بالمعصية، ولا يوجد لا في المخالفة عن عذر ولا في التجرّي، وهو عبارة عن المخالفة الواقعية عن عمد بلاعذر، وهو يختص بالمعصية، ففي المخالفة عن جهل وعذر وإن كانت المخالفة الواقعية موجودة لكنّها ليست عن عمد أو ليست بلا عذر بل معه، وأمّا التجرّي فليس فيه أيّة مخالفة واقعيّة، وجعل هذا هو الملاك لأجل أنّ ما هوالقبيح بالذات عبارة عن الظلم وهو ينطبق على المخالفة الواقعية عن عمدبلاعذر لا غير، ولا ينطبق على المخالفة معه، ولا على المخالفة الاعتقادية.

3ـ لولا القول بعقاب المتجرّي يلزم كون العقاب منوطاً بأمر خارج عن الاختيار، وقد أوضحه الشيخ بمثال خاص وأورد في كلامه، وأجاب عنه: أنّ القول بعدم عقاب المتجرّي يستلزم كون عدم العقاب منوطاً بشيء خارج عن الاختيار، ولا محذور فيه، وإنّما المحذور في كون العقاب منوطاً به، وكم فرق بين الأمرين.

4ـ انّ العقل يستقلّ بقبح التجرّي أي إرادة المعصية وهو يلازم حرمته، الملازمة للعقاب.


1-نهاية الدراية: ج2 ص 8.


(31)

يلاحظ عليه أوّلاً: نمنع الصغرى وأنّه لا يكون قبيحاً على وجه الإطلاق حتى ينطبق عليه عنوان قبيح من الظلم والتمرد والطغيان، وغيرها كما عرفت، فكيف يكون قبيحاً مطلقاً.

وثانياً: ليس ارتكاب كلّ قبيح مستلزماً للعقاب. أما ترى أنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، وكذلك الأفعال الحاكية عن الخسّة والدناءة، وانحلال الشخصية قبيحة، ومع ذلك لا يستلزم ارتكابهما العقاب، ولأجل ذلك يجب أن يقيّد بارتكاب ما هو قبيح في دائرة العبودية والمولوية فما لم يقبح فيها لا يكون مستلزماً للعقاب.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الملازمة بين القبح والحرمة وأنّه كلّما حكم بقبحه العقل حكم بحرمته الشرع إنّما يصحّ إذا كان القبيح واقعاً في سلسلة علل الأحكام، كالحكم بقبح الظلم وحسن العدل، فيستكشف عن تعلّق الحرمة بالأوّل والوجوب بالثاني، لا ما إذا وقع في سلسلة معاليل الأحكام كحكمه بحسن الطاعة وقبح العصيان، أو قبح مخالفة القاطع لقطعه، أو إرادة المعصية أو مخالفة الحجّة أو ما يقاربها.

توضيحه: أنّه إذا كان القبيح واقعاً في سلسلة علل الأحكام كقبح الخيانة بالأمانةونقض العهد وإساءة الأدب إلى المنعم، يستكشف بفضل القاعدة كونها حراماً شرعاً وموجباً للعقاب عند المخالفة، وأمّا إذا كان القبيح أو الحسن واقعاً في سلسلة معاليل الأحكام كحسن طاعة المولى وقبح مخالفته ومثلهما إرادة المعصية والطاعة وموافقة الحجّة ومخالفتها، فلا تجري فيه القاعدة، وإلاّ يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ، ولزوم تسلسل العقوبات في معصية واحدة، ونوضحه في مورد استقلال العقل على حسن الطاعة ومنه يظهر حال سائر العناوين التي أشرنا إليها فنقول: إنّ استقلال العقل بحسن الطاعة وقبح العصيان يتوقّف على سبق أمر أو نهي من الشارع حتى يتحقق موضوع الحسن والقبح ويقال حسن طاعة


(32)

الأمر وقبح عصيانه، فلو قلنا بأنّ حكمه بحسن هذا وقبح ذاك يكشف عن حكم شرعي مولوي ثان بوجوب طاعته وحرمة معصيته يلزم أن يستقلّ العقل بحسن طاعة ذلك الحكم الثاني وقبح مخالفته، فلو كشف ذلك الاستقلال عن حكم شرعي ثالث ـ بناءً على جريان قاعدة الملازمة ـ يستقلّ العقل أيضاً بحسن طاعته وقبح معصيته، فلو كشف ذلك الاستقلال أيضاً عن حكم شرعي رابع يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ ولا المعصية في معصية واحدة، بل يلزم أن يكون لحكم واحد معاصي كثيرة.

ولأجل ذلك ذهبوا إلى عدم جريان القاعدة في المسببات، وحملوا الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة حول إطاعته سبحانه وإطاعة رسوله على الإرشاد لا المولويّة، وإلاّ يلزم المحذور أيضاً، أي عدم انتهاء الوجوب عند حدّ وعدم انتهاء العقوبة لدى حدّ.

وحال إرادة المعصية كحال نفس المعصية لا يتعلّق بهما النهي، ومثله إرادة الطاعة ونفس الطاعة فالكلّ خارج عن حريم الملازمة.

وبما أنّ استقلال العقل بقبح مخالفة القاطع بالحرمة واقع في سلسلة المعاليل، فلا تجري فيه القاعدة لما سلف.

فاتّضح من ذلك أنّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة لو فرضنا كونه قبيحاً لايستلزم الحرمة وبالتالي لا يستلزم العقاب.

هذه دراسة الأدلّة الأربعة التي تهدف إلى إثبات استحقاق العقاب على المتجرّي وقد علمت عدم كفايتها، فأقصى ما يمكن أن يقال: استحقاقه اللوم والذم لا العقاب.

هذا كلّه حول المقام الأوّل، وإليك البحث عن المقام الثاني.

***


(33)

المقام الثاني: في حكم نفس الفعل المتجرّى به:

إذا كان التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة غير مستلزم لاستحقاق العقوبة، فما هو حكم الفعل المتجرّى به؟ فقد وقع الكلام في قبحه أوّلاً وحرمته ثانياً، واستلزامه العقاب ثالثاً، وإليك البحث عن كلّ واحد:

أ : قبح الفعل المتجرّى به:

استدلّ المحقّق الخراساني على بقاء الفعل المتجرّى به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن والقبح بوجهين:

الأوّل: أنّ القطع بالحسن أو القبح، لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلاً، ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً ضرورة عدم تغيّـر الفعل عمّـا هو عليه من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له.

الثاني: أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون إختيارياً فإنّ القاطع لا يقصد إلاّ بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآليّ (1).

وأضاف في تعليقته على الفرائد وجهاً ثالثاً، قائلاً، بأنّ المتجرّى قد لا يصدر عنه فعل اختياري أصلاً، فمن شرب الماء باعتقاد الخمريّة لم يصدر منه ما قصده، وما صدر عنه لم يقصده بل ولم يخطر بباله(2).

يلاحظ على الأوّل: أنّ الجهة المحسّنة أو المقبّحة ليست هي القطع بالحسن أو القبح حتى يقال: إنّها ليست من الوجوه والاعتبارات التي بها يتّصف الفعل


1-الكفاية ج 2 ص 13.
2-تعليقة المحقق الخراساني: ص 13.


(34)

بالحسن والقبح ضرورة أنّ القطع بالمصلحة أو بالمفسدة لا يغيّـر الفعل عمّـا هو عليه، بل العنوان المقبّح في المقام ـ لدى القائل به ـ هو الجرأة والتمرّد والطغيان أو الهتك والظلم، فلا شكّ أنّها من العناوين المقبّحة.

وبذلك يظهر عدم تمامية الوجه الثاني، فإنّه مبنيّ على كون القطع بالقبح من العناوين المقبّحة، فأورد عليه بأنّ القطع ليس مورداً للالتفات، وقد عرفت أنّ المحسّن أو المقبّح شيء آخر ـ مضافاً إلى منع عدم كون القطع مورداً للالتفات لا إجمالاً ولا تفصيلاً، فإنّ الالتفات الإجمالي شيء لا ينكر.

وأمّا الثالث: فهو من الغرائب، إذ ليس الفعل الاختياري إلاّ كونه صادراً عن الإنسان بالعلم والإرادة، فلو قتل ابن المولى بعنوان أنّه عدوّه فقد صدر منه القتل عن علم، وفي مثال شرب الماء بنيّة الخمر، صدر منه شرب المائع عن إختيار وليس الملاك في اختيارية الشيء تحقق العنوان الأصلي، أعني شرب الخمر، بل يكفي صدور الجامع عن علم وإرادة، ولأجل ذلك يبطل صومه فيما لو شرب الماء بنيّة الخمر.

هذا كلّه في دلائل المحقق الخراساني، وقد علمت عدم تماميتها، ومع ذلك فما ذهب إليه صحيح لكن بدليل آخر، وهو أنّ العناوين المقبّحة المتوهّمة في المقام لا تتجاوز عن خمسة، ثلاثة منها قائمة بالجنان كالجرأة والعزم على المعصية والطغيان، وإثنان منها قائمان بالفعل المتجرّى به، أعني هتك الحرمة والظلم على المولى.

أمّا الثلاثة الأُولى: فهي وإن كانت موجبة للقبح لكنّها قائمة بالجنان والقلب، والفعل المتجرّى به كاشف عنها، وقبح المكشوف لا يسري إلى الكاشف، فلو دلّ فعل المكروه على تواجد الجرأة وروح الطغيان في قلب الانسان، لا يكون الكاشف موصوفاً بالقبح.

وأمّا الاثنان الباقيان: فهما من خصائص المعصية، إذ فيها يتعدّى عن حريم


(35)

المولى فيصدق أنّّه ظلم وهتك لحرمته بنقض القانون، لا ما إذا لم يفعل شيئاً ولو عن غير اختيار، ولعلّ هتك الحرمة من خصائص بعض المعاصي أيضاً لاكلّها.

ب ـ حرمة الفعل المتجرّى به:

قد عرفت أنّ الكلام في الفعل المتجرّى به تارة يقع في قبحه، وقد مرّ الكلام فيه، وأُخرى في حرمته وصحة مؤاخذته، وإليك الكلام في الحرمة، ثمّ في صحّة المؤاخذة.

أمّا الأوّل، فقد قرر بوجهين:

الأوّل: أنّ متعلّق الحرمة هو الجامع بين العصيان والتجرّي:

حاصله: أنّ متعلّق التكاليف التحريمية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل المتعلّق هو القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع ومخالفته له، بأن يقال: إنّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز أنّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة، ومخالفاً للخطاب النفس الأمري.

هذا هو المدّعى وأمّا الدليل، فهو أنّه يجب أن يكون متعلّق التكليف مقدوراً للمكلف لعدم صحّة التكليف بغير المقدور كما هو واضح، وليست المصادفة والمخالفة واقعتين تحت الاختيار حتى يتعلّق التكليف بالمصادف دون المخالف، فيجب أن يكون متعلّقه إرادة ما أحرز أنّه من مصاديق الموضوع، سواء أكان مطابقاً للواقع أم مخالفاً إذ هو الفعل الاختياري للمكلّف، فيكون نسبة العصيان إلى المطابق والمخالف على حدّ سواء (1).

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين كون العلم شرطاً للتنجّز وبين كونه جزءاً لموضوع التكليف، إذ لا شكّ أنّ العلم شرط التنجّز، فلولاه لما كان الحكم موجباً للعقاب،


1-راجع الفوائد للكاظمي: ج3 ص 39 (الطبعة الحديثة).


(36)

قال سبحانه: (وما كُنّا مُعَذِّبينَ حتّى نَبْعَثَ رَسُولا) (الإسراء/15).

وأمّا مدخليّته في متعلّق التكليف فلا، لأنّ التكليف ـ على مذهب العدلية ـ يدور مدار المصالح والمفاسد وهما قائمتان بنفس الفعل، لا المعلوم منه، نعم تنجّز التكليف مشروط بالعلم وهو غير كونه جزءاً للموضوع.

وأمّا الإصابة، فلا شكّ أنّها داخلة تحت الاختيار، فكيف لا تكون اختيارية مع أنّ مبادئها اختيارية، وأمّا عدم الاصابة والخطأ في الوصول إلى المقصود فهو خارج عن الاختيار فلا يضرّ عدم اختياريته باختيارية الأُولى، كما لا يضرّ عدم ترتب العقاب في صورة الخطأ بترتّب العقاب في صورة الإصابة.

وبالجملة: إذا لاحظت أُموراً ثلاثة تقف على ضعف البرهان.

1ـ الأحكام تابعة لملاكاتها الواقعية، فالموضوع هو الخمر الواقعي لا الأعم منه والمتخيّل خمراً.

2ـ إنّ تنجّز التكليف فرع العلم به وهو يضيّق التكليف في مجال التنجّز ولايقيّد الموضوع به، فالجاهل محكوم بالحرمة، مثل العالم، لكن الحكم في حقّه غير منجّز.

3ـ إنّ الإصابة أمر اختياري بشهادة الوجدان على أنّ قاتل حمزة قتله اختياراً، وما هذا إلاّ لكون مبادؤها اختيارية. نعم عدم الإصابة في صورة الخطاء خارج عنه، ولكنّه لا يكون دليلاً على خروج الآخر عن إطار الاختيار، ولأجل ذلك يعاقب المصيب دون المخطئ، أمّا الأوّل فلأنّه تعدّى حدود اللّه عن اختيار ، وأمّا الثاني فلأنّه لم يتعدّ، ولو عن غير اختيار.

وهذا مثل ما إذا قصد شخصان قتل إنسان فأصاب سهم أحدهما قلب المقتول دون الآخر.


(37)

الثاني: ادّعاء حرمته بالعناوين الثانويّة:

حاصله: أنّ حرمة الفعل المتجرّى به ليست لأجل انطباق العنوان الأوّلي، بل لأجل انطباق عناوين ثانوية عليه كالجرأة والطغيان والتمرّد، والظلم على المولى والهتك.

يلاحظ عليه: أنّ الثلاثة الأُولى من العناوين، أُمور قلبية غير قائمة بالفعل، فلا تكون موجبة لقبحه، فأكثر ما توجبه هو القبح الفاعلي لا القبح الفعلي، وأمّا الإثنان الأخيران فإنّما يتحقّقان في المعصية لا في التجرّي، لأنّ الظلم هو التعدّي على المولى والمفروض عدمه ولو عن غير اختيار، وأمّا هتك الحرمة فإنّما هو أمر إثباتي يتوقف على التظاهر بالمعصية بين الناس، وأمّا هتك الحرمة بينه وبين ربّه فالمفروض أنّه لم يقع.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ التجرّي لا يوجب سوى القبح الفاعلي وهو يستلزم اللوم والذم دون العقاب.

إنّ هنا أسئلة تجب الإجابة عنها:

السؤال الأوّل:

إنّ التجرّي والانقياد يرتضعان من ثدي واحد، وقد اتّفقوا على حسن الانقياد المستلزم لحسن المنقاد به، فلازمه قبح التجرّي المستلزم لقبح الفعل المتجرّى به، فما هو الفرق؟

قلت: لا فرق، فإنّ الانقياد بما هو هو حسن، والجرأة (1) بما هي هي قبيحة، وأمّا الفعل المنقاد به، أو المتجرّى به فهما باقيان على ما كانا عليه، فلو جامع امرأة


1-وقد عرفت أنّ الجرأة غير موجودة في جميع أقسام التجرّي، بل ربّما يكون بعضها مقروناً بالخوف والوجل.


(38)

أجنبية بزعم أنّها زوجته قضاءً لحقّها يعدّ الفاعل صالحاً، ولا يتصف الفعل بالحسن.

وأمّا ترتب الثواب على الانقياد، فإنّما هو لدليل خارجي، وليس هو موجوداً في التجرّي وسيوافيك دليل ترتّب الثواب على الانقياد.

السؤال الثاني:

اتّفقوا على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى، وإن انكشف بقاء الوقت، فإذا كان الظنّ كذلك فالقطع أولى، واتّفقوا على أنّ سلوك الطريق المخطور ظنّاً أو قطعاً معصية يجب إتمام الصلاة فيه، ولو بعد خروج الوقت.

الجواب: أنّ البحث في المقام: في مورد يكون القطع أو الظنّ، طريقين إلى الواقع والموضوع وكان الحكم مترتّباً على نفس الواقع، لا ما إذا كان موضوعاً للحكم، فمخالفة مثل ذلك معصية وليست بتجرّ، ومثله الظانّ بالضرر عند استعمال الماء فيحرم عليه الوضوء أو الغسل وإن لم يكن هناك ضرر.

السؤال الثالث:

إنّ هناك آيات وروايات تدلّ على ترتّب العقاب على نيّة العصيان، أمّا الآيات فهي:

قوله سبحانه: (وإن تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ أوْ تُخفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعذِّبُ مَنْ يَشاءُ) (البقرة/284).

وقوله تعالى: (تِلكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الأرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلُمُتَّقينَ) (القصص/83) .

وقوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشيعَ الفاحِشَةُ في الَّذينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ في الدُّنيا والآخِرَةِ واللّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعلَمُونَ) (النور/19).


(39)

يلاحظ على الاستدلال بهذه الآيات، أمّا الآية الأُولى: فظاهر السياق أنّها راجعة إلى كتمان الشهادة وإظهارها، بشهادة قوله في الآية المتقدمة: (ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإنّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة/283).

أضف إلى ذلك: أنّ من المحتمل أن يكون المراد من قوله: (ما في أنفسكم) ما هو الثابت والمستقرّ في النفس وهذا كالملكات النفسانية من الكفر والنفاق والعداء وأحوالها، وأمّا الخطورات والهواجس النفسانية، وإرادة المعصية غير المستقرة، فلا تشمله الآية.

وأمّا الآية الثانية، فقد وردت في ذيل قصة قارون، والمفهوم من إرادة العلوّ والفساد ليس هو العلوّ القلبي فقط بل إرادة العلوّ المستتبعة للتعالي عملاً، وإيجاد الفساد، ومثل ذلك حرام قطعاً، وبالجملة: ليس مفهوم الآية أنّ من أراد التعالي في الأرض والفساد وإن لم يقترف شيئاً، بل المراد هو إرادتهما مثل إرادة قارون، فيكون المقصود الإرادة المستتبعة بالعمل.

وأمّا الآية الثالثة أعني قوله: حبّ شيوع الفاحشة ، فليست من مصاديق التجرّي بل هي من أقسام المعصية، لأنّ المراد من الفاحشة في الآية هي الزنا، والمقصود من إشاعته هو قذف الأبرياء بها، ومثل هذا معصية، ولأجل ذلك قال سبحانه: (لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ مَا اكتَسَبَ مِنَ الإثمِ والَّذِي تَولَّـى كِبِـرَهُ مِنهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيم) (النور/11) .

هذه دراسة الآيات، وإليك دراسة الروايات:

دراسة الروايات:

الروايات، على طائفتين: منها ما هي ظاهرة في ترتّب العقاب على نيّة المعصية بأقسامها، ومنها ما يدلّ على خلافه، فإليك الطائفتين:

1ـ ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : نيّة


(40)

المؤمن خير من عمله ونيّة الكافر شرّ من عمله، وكل عامل يعمل على نيّته (1). وقد ورد في سند الرواية: النوفلي والسكوني وقد قبل الأصحاب روايتهما. إنّما الكلام في دلالتها، وقد فسّـرت في بعض الروايات بقولهم: «إنّ المؤمن ينوي من الخير ما لا يدركه، والكافر ينوي الشر ويأمل من الشرّ ما لا (2)يدركه» .

ولو صحّ التفسير فملاك التفضيل هو الكمية، فنيّة المؤمن أوسع من عمله كما أنّ نيّة الكافر كذلك، غير أنّ المؤمن ينوي الخير والكافر ينوي الشرّ، ولو أغمضنا عن ذلك التفسير لضعف سنده، فالمظنون لا يوافق الأُصول، إذ كيف تكون النيّة خيراً من العمل، فإنّ العمل القليل أفضل من النيّة المجرّدة وإن كانت أوسع.

2ـ ما رواه الحسين بن أحمد المنقري عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم (المدني) قال: قال أبوعبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو خُلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبداً، وإنّما خُلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبداً، فبالنيات خلّد هؤلاء وهؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يعملُ على شاكِلَتِه) قال: على نيّته(3).

ولكن الاحتجاج برواية المنقري غير صحيح، لأنّ النجاشي ضعّفه وقال: وكان ضعيفاً (4) . وأمّا أحمد بن يونس فلم يُعَنْوَن في كتب الرجال، ومثله أبو هاشم، والظاهر أنّه أبو هاشم بن يحيى المدني وهو كالسابق.

3ـ ما روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: أيّها الناس إنّما يجمع الناس


1-الوسائل: ج1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 3.
2-المصدر نفسه: الحديث 17.
3-المصدر نفسه: الحديث 4.
4-النجاشي: الرجال، برقم 117.


(41)

الرضا والسخط، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرضى، فقال سبحانه: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِين) (1) (الشعراء/157).

4ـ ما روي عنهم: الراّضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضا به (2).

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الروايتين وما على شاكلتهما أجنبية عن بحث التجرّي، فإنّ المراد منه ما إذا نوى الفاعل المعصية سواء أتى بمقدماتها أم لا، وهو مقهور غرائزه، من دون حبّ لشيوع الفاحشة والمعصية بين الناس، والرضا بمعصية الغير من قبيل حبّ شيوع الفاحشة بين الناس، ومثل ذلك حرام لا صلة لها بالتجرّي، وبالجملة: فرق بين من غلبت عليه شقوته، فنوى المعصية، وذهب وراءها، ولكنّه رجع بحرمان وخيبة، وهو يلوم نفسه، وبين من رضي بشيوع المعاصي والفساد وتحقق الموبقات بين الناس، فالأوّل تجرّ والثاني معصية.

هذا كلّه حول الطائفة الأُولى وإليك بعض ما ورد في مجال الطائفة الثانية ونذكر منها ما استفاض نقله:

روى زرارة عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ ، قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل لآدم في ذرّيته أنّ من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة ، ومن همَّ بحسنة وعملها كتبت له عشراً، ومن همَّ بسيّئة لم تكتب عليه، ومن همَّ بها وعملها، كتبت عليه سّيئة (3). والسابر في الباب السادس والسابع من روايات أبواب مقدّمة العبادات من الوسائل يقف على هذا المضمون وإنّما الكلام في الجمع بين الطائفتين، وقد حاول الشيخ الأعظم الجمع بينهما بوجهين:


1-نهج البلاغة: الخطبة 221.
2-المصدر نفسه: قسم الحكم، الرقم 154.
3-الوسائل: ج1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 6، وبهذا المضمون الأحاديث التالية: 7،8،20،21.


(42)

أ ـ حمل الطائفة الأُولى على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل، لا باختياره، والثانية على من ارتدع عن قصده بنفسه، واستشهد على هذا الجمع بالنبوي: «إذا التقى المسلمان بسيفهماعلى غير سنّة، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتله» (1).

يلاحظ على هذا الجمع أوّلاً: أنّه لا يلائم ظهور الطائفة الثانية، فإنّها ظاهرة أو صريحة في عدم الإثم إلى أن يعمل المعصية، روى الصدوق في توحيده: «ومن همَّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها» وهو ظاهر في عدم الفرق بين أن يرتدع بنفسه أو يطرأه العجز.

وثانياً: أنّ الحديث ضعيف فقد ورد في سنده الحسين بن علوان، وهو عامي لم يوثق (2) وعمرو بن خالد وهو زيدي بتري من رؤساء الزيدية (3) ومثل هذا لا يصحّ أن يقع شاهداً.

ب ـ حمل الأُولى على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات والثانية على من اكتفى بمجرّد القصد، ويرد على هذا الجمع: ما أوردناه على الجمع الأوّل من أنّ ظاهر الطائفة الثانية عدم الكتابة حتى يصدر عنه الفعل.

روى عبد اللّه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «ولا يؤاخذ أهل الفسق حتى يفعلوا» (4).

وهناك جمع ثالث اختاره المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ حيث حمل الروايات الدالة على ترتّب العقاب بأنّها ناظرة إلى قصد ارتكاب الحرام الواقعي، فلا صلة لها بقصد الحرام الخيالي وما يعتقده المكلّف حراماً، مع عدم كونه حراماً في الواقع


1- الوسائل: ج11، الباب 67 من أبواب جهاد العدو، برقم 1 وفي المصدر: «أراد قتلاً».
2-النجاشي: برقم 115.
3-رجال الشيخ: برقم 69.
4-الوسائل: ج1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 21.


(43)

كما في التجرّي (1).

يلاحظ عليه: أنّ المتجرّي والعاصي يقصدان الحرام الواقعي لا الخيالي، غير أنّ الأوّل في مقام التطبيق خاطئ دون الثاني، وهذا المقدار من التفاوت لا يخرج المتجرّي عن حريم الروايات.

والظاهر أنّ الجمع بين الطائفتين بعيد ولا مناص من الطرح، فيؤخذ بالطائفة الثانية لاستفاضتها ومطابقتها لأُصول المذهب، دون الأُولى فتطرح.

السؤال الرابع:

إذا لم يكن للتجرّي ولا الفعل المتجرّى به عقاب، فكيف يفسّـر ما دلّ على ترتّب العقاب على مقدّمات بعض المحرّمات كالنميمة حيث ورد فيها: «ومن مشى في نميمة بين اثنين، سلّط اللّه عليه في قبره ناراً تحرقه إلى يوم القيامة» (2).

والجواب: أنّ هذا القسم من الروايات مختص بالمقدّمة الموصلة، والمترتّب عليها هو نفس عقاب ذيها، وهذا غير التجرّي.

السؤال الخامس:

هل يصحّ ما في الفصول من أنّ قبح التجرّي لمّا كان بالوجوه والاعتبار لا بالذات، فإذا كان الفعل المتجرّى به واجباً في الواقع يقع التزاحم بين ملاك الوجوب وملاك قبح التجرّي، فربّما يكون ملاك الوجوب أقوى فيتقدم؟

والجواب: أنّه لو سلمت المقدمة (قبح التجرّي بالوجوه والاعتبارات) ولكنّها إنّما تفيد إذا كانت الوجوه ملتفتة إليها والمفروض أنّها مغفولة عنها، فمن قطع بأنّ من وقف أمامه عدوّ للمولى ولم يقتله فبان أنّه إبنه، فلا يصير التحفّظ


1-مصباح الأُصول: 2 / 29.
2-الوسائل: ج8، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6.


(44)

على إبنه أمراً حسناً مزيلاً لقبح التجرّي لعدم إلتفات المتجرّي إلى أنّه إبنه.

السؤال السادس:

هل البحث عن أحكام التجرّي والمتجرّى به كلامي أو أُصولي أو فقهي؟

أقول: يمكن عدّ البحث كلامياً إذا كان البحث عن استحقاق العقاب وعدمه، كما يمكن أن يكون فقهياً إذا كان البحث عن حرمة التجرّي أو عن حرمة قصد المعصية أو عن حرمة الفعل المتجرّى به، كما يمكن عقدها أُصولياً فيما إذا كانت جهة البحث عمومية الخطابات الأوّلية لصورة مصادفة القطع للواقع ومخالفته له.

نعم جعلها مسألة أُصولية بهذا التفسير (1) غير وجيه، لأنّ البحث عن شمول الإطلاق وعدمه بحث عن وجود الدليل عن مسألة فقهية، وإنّما تكون مسألة أُصولية إذا كان الإطلاق محرزاً وكان البحث عن حجّيته ، كما هو الحال في الخبر الواحد.

وفي خاتمة المطاف نقول: إنّ البحث عن استحقاق المتجرّي أو الفعل المتجرّى به للعقاب وعدمه، لا صلة له بمسألة القرب من ساحته تعالى، وبعده عنها، إذ لا شك أنّ التجرّي يوجب بعد الانسان عن حظيرة القدس ومرافق الأولياء .


1-فوائد الأُصول: 3 /50 حيث قال: إنّ البحث عن الجهة الأُولى (عمومية الخطابات الأولية لصورتي مصادفة القطع للواقع ومخالفته) أُصولي.


(45)

الأمر الثالث:

في أقسام القطع

اشتهر من زمان الشيخ الأعظم تقسيم القطع إلى أقسام خمسة:

1ـ القطع الطريقي المحض.

2ـ القطع الموضوعي الطريقي.

3ـ القطع الموضوعي الوصفي.

وكلّ من الأخيرين على قسمين: إمّا أن يكون القطع تمام الموضوع، أو يكون جزأه فيكون المجموع خمسة.

والمراد من الطريقي المحض هو أن يكون الحكم مترتّباً على نفس الموضوع بما هو هو من دون أن يكون للقطع أيّة مدخلية في ثبوت الحكم إلاّ في تنجّزه على المكلّف كما هو الغالب في الأحكام المترتّبة على الموضوعات الخارجية كحرمة الخمر والقمار والغناء وغير ذلك. فهذه الموضوعات بما هي هي محرّمات، غير أنّ العلم بالكبرى لا يكون منجّزاً وباعثاً إلاّ إذا انضمّ إليه العلم بالصغرى أعني كون ذاك المائع خمراً، أو هذا الصوت المسموع غناء، وهكذا، فللعلم دخل في التنجّز لا في أصل الحكم حتى لو قيل: كلّ معلوم الخمرية حرام، تصبح الكبرى كذبةً وباطلةً.


(46)

وأمّا القطع الموضوعي فقد عرّف بما إذا أخذ القطع في لسان الدليل موضوعاً للحكم أو جزء موضوع، والأولى أن يعرّف بما إذا كان للقطع دخل في ثبوت الحكم بحيث لولاه لما كان الحكم متحقّقاً، وذلك لأنّ الأخذ في الموضوع قد يكون على وجه يستفاد منه عرفاً الطريقيّة المحضة ففي مثل قوله سبحانه: (وَكُلُوا وَاشْـرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّـنَ لَكُمُ الْـخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ)(البقرة/187) وإن كان القطع مأخوذاً في موضوع الحكم أعني قوله: (كُلُوا) و (اشربوا) لكنّه عنوان يشير إلى طلوع الفجر، فلو كان في الهواء غيمٌ أو كان الانسان محبوساً ولا يتبيّـن له الخيطان فمع العلم بطلوع الفجر، يجب عليه الإمساك ويبطل صومه لو أكل أو شرب.

وعلى ذلك فلو كان الموضوع بقيد كونه محرزاً ومقطوعاً موضوعاً للحكم الشرعي لبّاً، فالقطع هناك موضوعي وإلاّ فهو طريقي وإن كان مأخوذاً في لسان الدليل، والمثال المعروف لذلك هو أنّ الحكم بالصّحة في الثنائية والثلاثية من الصلوات والأوليين من الرباعية، متوقّف عل العلم بإتيانهما في الرباعية وإحراز عدد الركعات في الثنائية والثلاثية بحيث لولا الإحراز، لكانت باطلة وإن كان في الواقع محرزاً، فلو أتمّ الصلاة شاكّاً ثمّ تبيّـن كونها كاملة، بطلت.

وهناك أمثلة أُخرى نذكرها:

1ـ الحكم بوجوب إتمام الصلاة متفرّع على إحراز كون سلوك الطريق مخطوراً، إحرازاً قطعياً.

2ـ الحكم بوجوب التيمّم وتبدل التكليف من الغسل والوضوء إليه متفرّع على إحراز كون إستعمال الماء مضرّاً إحرازاً قطعياً.

3ـ الحكم بلزوم التعجيل بالصلاة وحرمة تأخيره متفرّع على إحراز ضيق الوقت إحرازاً قطعياً(1). إلى غير ذلك من الأمثلة التي أخذ العلم أو الإحراز في


1-وربّما يكتفى في هذه الموارد بالظن، وهو أيضاً مأخوذ على النحو الموضوعي فتدبّر.


(47)

موضوع الحكم لبّاً سواء أكان موضوعاً في لسانه أم لا؟ بحيث لو كشف الخلاف وعلم عدم محظور سلوك الطريق أو عدم ضرر إستعمال الماء، لما ضرّ بما أتى من العمل لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع، لا إلى الحكم الشرعي وإنّما هو بالنسبة إليه من قبيل تبدّل الموضوع.

هذا هو معنى كون القطع موضوعياً أي دخيلاً في ترتّب الحكم، ولأجل ذلك لو سلك الطريق المخطور بلا علم وقصّـر الصلاة أو استعمل الماء بلا إحراز ضرره، وصلّـى، كان عمله صحيحاً لعدم تمامية الموضوع بالنسبة إلى الإتمام أو التبدّل من الوضوء إلى التيمّم.

ثمّ إنّ المعروف أنّ القطع الموضوعي بهذا المعنى على قسمين: طريقي ووصفيّ، وكلّ على قسمين تمام الموضوع أو جزئه.

وتوضيحه: أنّ القطع من الحالات النفسانية ذات الإضافة فله إضافة إلى النفس المدرك، وإضافة إلى الصورة المعلومة التي تسمّى المعلوم بالذات. فتارة يلاحظ بما أنّه نور وطريق إلى متعلّقه ومن أدوات الكشف والمعرفة وأنّه لولاه لانقطعت صلة الإنسان بالخارج، قال سبحانه: (واللّهُ أَخرَجَكُمْ مِنْ بُطونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعلَمُونَ شَيئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(النحل/78) فالسمع والأبصار والأفئدة من أدوات المعرفة وهي الوسيلة للعلوم التي تحصل للإنسان.

وأُخرى أنّه حالة نفسانية تعرض لها كسائر الصفات النفسانية من الحسد والبخل والحبّ والغضب.

فلو أخذ في موضوع الحكم بما له وصف الطريقية والكاشفية يقال له القطع الموضوعي الطريقي. ولو أخذ فيه بما أنّه وصف من الأوصاف النفسانية يطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، فالتسمية دائرة مدار لحاظه بأيّة حيثية من حيثياته.


(48)

وهذا كالمنظار والمرآة تلاحظان تارة بما أنّهما من أدوات الكشف والرؤية، وأُخرى بأنّهما من الأجسام الصقيلة (1) الشفافة.

وإن شئت قلت: إنّ القطع من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، فله إضافة إلى العالم، وإضافة إلى المعلوم.

فلو أخذ في الموضوع بما أنّه وصف من الصفات النفسانية وله تحقّق فيها، يكون موضوعياً وصفياً. ولو أخذ فيه بما أنّ له إضافة إلى المعلوم يكون موضوعياً طريقياً. فكلّ من قيدي الصفات الحقيقية وذات الإضافة يوجب انقسام القطع إلى قسمين، فلاحظ.

والفرق بين الطريقي المحض والموضوعي الطريقي واضح جدّاً، لأنّ القطع في الأوّل غير ملتفت إليه تفصيلاً وغير دخيل في الحكم بخلافه في الثاني فهو ملحوظ بإحدى الطريقين.

ثمّ إنّ كلاّ ً منهما على قسمين: تارة يكون تمام الموضوع بلا دخل للواقع، بل الحكم دائر مدار وجوده، وأُخرى يكون جزأه بحيث يكون لكلّ من القطع والواقع دخل فلا يترتّب الحكم إلاّ إذا تحقّق الأمران.

ثمّ إنّ المحقق النائيني استشكل في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية قائلاً: بأنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه، وأخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الطريقوذي الصورة، ويكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم(2).

واختاره تلميذه قائلاً: بأنّ معنى كونه تمام الموضوع، أنّه لا دخل للواقع في


1-الصيقل: مبالغة «صاقل» والصقيل: المصقول وهو المراد هنا.
2-فوائد الأُصول: ج3 ص 11.


(49)

الحكم أصلاً، بل الحكم مترتب على نفس القطع ولو كان مخالفاً للواقع ومعنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية، أنّ للواقع دخلاً في الحكم وأُخذ القطع طريقاً إليه. وهذا جمع بين المتناقضين (1).

يلاحظ على كلامهما: أنّه ليس معنى أخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقية هو لحاظ الواقع أو دخله، حتى يستلزم أخذه كذلك تمام الموضوع الجمع بين النقيضين، بل معناه ملاحظة القطع بما أنّ له وصف الطريقية والمرآتية لا بما أنّه من الأوصاف النفسانية، وقد عرفت أنّ الشارع يمكن أن يلاحظ القطع بما أنّه وصف قائم بالمكلّف وبما أنّه طريق إلى الواقع في ذهنه، وليس للقطع الوصفي ولا الطريقي معنى سوى ذلك.

نعم يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر: وهو أنّ أخذه القطع في الموضوع يدلّ على كونه ملحوظاً استقلالاً، وأخذه طريقاً إلى الواقع يدلّ على عدم كونه ملحوظاً إلاّ آليّاً. فيلزم الجمع بين اللحاظين المتنافيين.

والجواب: أنّه إنّما يلزم لو أخذ الشارع القطع القائم في ذهنه، وأمّا إذا أخذ القطع القائم في ذهن المكلّف الذي هو طريق إلى متعلّقه، فلا يلزم أبداً، فالشارع يأخذ القطع الطريقي في ذهن المكلّف في موضوع حكمه، لا أنّه يأخذ القطع الطريقي القائم بنفسه في الموضوع فلاحظ.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني بحث عن أقسام القطع الموضوعي صحيحها وباطلها في أمر خاص، فنحن أيضاً نقتفيه ونشرح قوله هنا: «وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه لا يماثله، أو لا يضادّه» في ذاك البحث فانتظر وإن كان الأولى البحث عن أقسام القطع في موضع واحد.


1-مصباح الأُصول: ج2، ص 33 والفرق بين التعبيرين هو: أنّ الأُستاذ استخدم لفظة «لحاظ الواقع ـ إذا كان القطع مأخوذاً ـ على نحو الطريقية» والتلميذ استخدم لفظ دخل الواقع.


(50)

في قيام الأمارات مقام القطع وعدمه (1) :

المراد من قيامها مقام القطع: هو ترتيب ما للقطع من الآثار كالحجّية عليها في الطريقي المحض ودخلها في الموضوع كدخله في الموضوعي. كما أنّ المرادمن القيام، هو القيام بنفس أدلّتها بأن يقوم خبر الواحد بنفس آية النبأ، أوالنفر أوسيرة العقلاء مكان القطع، لا القيام بدليل خاص، إذ لا كلام في القيام معه.

ثمّ إنّه لا إشكال في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض في الحجّية والتنجيز بنفس أدلّتها،إذ لا معنى لحجّية الأمارة إلاّ إثبات متعلّقها في الموضوع والحكم، فلو قامت الأمارة على كون هذا خمراً أو كونه حراماً يثبت به المتعلّق مثل ما إذا تعلّق به القطع، غاية الأمر اعتبر الشارع تعدد المخبر في الموضوع فجعل كلّ واحد جزءاً للأمارة.

كما أنّه لا إشكال في عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الوصفي، لأنّ اعتبار القطع في الموضوع بما أنّه وصف نفساني لا أنّه كاشف عن الشيء أمر، واعتبار الأمارة بما أنّها كاشفة وطريقة إلى المتعلّق أمر آخر، لا مشاركة بينهما. فلايفي دليل التنزيل بذاك القيام.

وعلى الجملة: إذا اعتبر القطع بما هو وصف نفساني كالحسد والبخل في الموضوع، لا بما هو طريق وكاشف، لا تعدّ الأمارة التي اعتبرت بما هي طريقة وكاشفة، عديلة وقرينة له إذ يجب أن يكون بين المنزّل والمنزّل عليه جهة اشتراك في


1-قيام الامارات مقام القطع وعدمه هو الثمرة لتقسيم القطع إلى الأقسام المزبورة وإن كانت الثمرة لا تختصّ به، لظهورها في باب الإجزاء أيضاً إذ أنّه لا يجزي عن الواقع ـ عند كشف الخلاف ـ فيما إذا كان القطع طريقاً صرفاً أو جزء الموضوع، بخلاف ما إذا كان تمامه فلا يضرّ كشف الخلاف لأنّه بالنسبة إلى متعلّقه، لا إلى الحكم الشرعي.


(51)

موضع القيام، والمفروض عدمها وكون القطع طريقاً بالذات، لوحظ أم لا، لايصحّح القيام لأنّ المفروض أنّ الشارع اعتبر القطع في الموضوع لا من ذاك اللحاظ بل بلحاظ أنّه وصف نفساني لا بلحاظ أنّه طريق.

وإن شئت قلت: إنّ قضية الحجّية والاعتبار ترتيب ما للقطع من الآثار بما هو حجّة لا بما هو صفة وموضوع.

قيام الأمارات مكان القطع الموضوعي الطريقي:

وإنّما الكلام في قيام الأمارة مكان القطع الموضوعي الطريقي، فذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ القيام بنفس الأدلّة والمحقق الخراساني إلى عدمه، وتحقيق الحقّ يتوقّف على البحث في مقامين: الثبوت وأنّه هل هو ممكن أو لا ؟ والاثبات ومدى دلالة الأدلّة.

أمّا الأوّل: فذهب المحقق الخراساني إلى عدم الإمكان قائلاً:

إنّ القطع المأخوذ بهذا النحو (الطريقية) في الموضوع شرعاً كسائر ماله دخل في الموضوع (كالعقل والبلوغ والقدرة) فلا يقوم مقامه شيء بمجرد حجّيتهأو قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله ودخله في الموضوع كدخله (1).

فإن قلت: إذا كان لدليل الحجّية إطلاقاً يثبت أنّ الأمارة كالقطع في كلاالأمرين الطريقية والمدخلية في الموضوع يؤخذ به، ويرتفع الإشكال.

قلت: إنّ الدليل الدال على الغاء الاحتمال، لا يكاد يكفي إلاّ بأحد


1-توضيحه: أنّ دليل حجية الأمارة، أعني: قوله: «العمري وابنه ثقتان، ما أديّا عني فعنّي يؤدّيان» ناظر إلى طريقيتها فتكون النتيجة هو قيام الأمارة مكان القطع في الحجّية، أعني: التنجيز في المصادفة والتعذير في المخالفة، وأمّا كونها مثله في دخله في موضوع الحكم كسائر ماله دخل، فلا يدل عليه دليل الاعتبار لأنّه يحتاج إلى عناية أُخرى وتنزيل آخر.
راجع الكفاية ج2 ص20.


(52)

التنزيلين، حيث لابدّ في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل والمنزّل عليه، ولحاظهما في أحدهما آلي، وفي الآخر إستقلالي، بداهة أنّ النظر في تنزيلها منزلة القطع من جهة الطريقية إلى الواقع ومؤدّى الطريق آلي، كما أنّ النظر في كونها بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما فيكون استقلالياً ولا يكاد يمكن الجمع بينهما، نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلاً على التنزيلين والمفروض عدمه فلا يكون دليلاً على التنزيل، إلاّ بذاك اللحاظ الآلي، فتكون حجة موجبة لتنجّز متعلّقها وصحّة العقوبة على مخالفتها في صورتي إصابتها وخطائها بناءً على استحقاق المتجرّي، أو بذاك اللحاظ الآخر الاستقلالي فتكون مثله في الدخل في الموضوع وترتيب ما للقطع من الأثر الشرعي على الأمارة (1).

تحليل دليل المانع:

هذا مرامه ومقالته وهو لا يهدف إلاّ إلى أمر واحد وهو: أنّ وجه الشبه وجهة التنزيل إمّا الطريقية، أو الدخل في الموضوع. والأوّل يستلزم النظر إلى المؤدّى والواقع استقلالاً وإلى القطع والأمارة آلياً، والثاني: يستلزم كون التوجّه إلى القطع والأمارة استقلالياً وهما غير مجتمعين.

وعلى أيّ تقدير: فالجواب عن هذا الدليل واضح، فإنّ النظر في كلا التنزيلين إلى القطع والأمارة استقلالي، لأنّه إنّما يكون النظر إليهما آلياً إذا كان المنزّل عليه، قطع نفس المولى، أمّا إذا كان قطع المكلّف الذي يعدّ طريقاً إلى الواقع، فلا يلزم أن يكون القطع والأمارة منظوراً إليهما آلياً، بل الكل منظور إليه بالنظر الاستقلالي في كلا التنزيلين سواء كان وجه الشبه هو الحجّية والطريقية أو المدخلية والتأثير. غاية الأمر أنّ القطع والأمارة يلاحظان في التنزيل الأوّل لأجل الطريقية والحجّية، وفي التنزيل الثاني من أجل التأثير والمدخلية، وكون وجه الشبه


1-الكفاية: ج2 ص 23، (غيّـرت عبارة الكفاية لسهولة الفهم).


(53)

في الأوّل طريقيتهما لا يستلزم كونهما منظورين بلحاظ آلي، وذاك كملاحظة المرآة في زمان واحد لأجل مرآتيتها وفي الوقت نفسه لأجل شكلها وتحدّبها وتقعّرها، ففي الكلّ تكون المرآة ملحوظة استقلالاً لا آلياً، وإن كان وجه الشبه هو الطريقية في الأوّل، والصفات الهندسية في الثاني، فتبيّـن أنّه لم يقم دليل على امتناع التنزيلين في زمان واحد وبعبارة واحدة.

نعم الكلام في وجود تنزيل له إطلاق مثل ما يدّعيه الشيخ الأعظم، وهذا هو الذي نبحث في المقام الآتي.

الكلام في مقام الإثبات:

بقي الكلام في الإثبات وقيام الدليل فنقول:

التصديق بأحد الطرفين يتوقّف على إحراز لسان دليل حجيّة الأمارة، وأنّ ما صدر عن الشارع ما هو؟

فمن قائل: إنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية. ومن قائل آخر: بأنّ المجعول تتميم الكشف، ومن ثالث: بأنّ المجعول جعل المؤدّى مكان الواقع، ومن رابع: انّ المجعول هو المنجّزية عند الإصابة والمعذّرية عند الخطاء، إلى غير ذلك من المحتملات، ولكن الكلّ مخدوش.

أمّا الأوّل و الثاني فلأنّ الطريقيّة والكاشفية أو التتميم كلّها من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل ولا تقع في أُفق الإنشاء، فكيف يمكن جعل الأدلّة ناظرة إليها ؟

وأمّا الثالث: فلأنّه أشبه شيء بالتصويب ولابدّ من إخراجه عنه إليتمحّلات وتصرّفات كما سيوافيك بيانه عند الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.


(54)

وأمّا الرابع: فهو وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه خلاف ظاهر الأدلّة كما سيوافيك بيانه.

وعلى أيّ تقدير: فليس المجعول في باب الامارات واحد من المحتملات بل ليس هنا جعل سوى إمضاء ما بيد العقلاء، ولأجله لا تجد دليلاً لفظياً يتعرّض لكبرى القضية، بأنّ قول الثقة حجّة، بل الجلّ لولا الكلّ راجع إلى بيان الصغرى كقوله ـ عليه السَّلام ـ : إنّ العمري وابنه ثقتان. أو يونس بن عبد الرحمان ثقة أو غير ذلك مما سيوافيك بيانه في حجيّة خبر الواحد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ العمل بخبر الواحد في مورد القطع الطريقي ليس لأجل كونه قائماً مقامه، بل هو حجة في نفسه وطريق عند العقلاء كالقطع وإ ن كان بعض الطرق مقدّماً على بعض.

وأمّا الموضوعي منه، فلابدّ من ملاحظة لسان الدليل فإن أخذ فيه بما أنّه إحدى الكواشف فيقوم مقامه، لأنّه كالقطع في الكشف. وإن أخذ فيه بما أنّه كاشف تامّ فلا يقوم كما لا يقوم مقام القطع الوصفي لفقدان الملاك.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب مصباح الأُصول من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي مطلقاً، قائلاً: بأنّ ترتيب آثار المقطوع على مؤدّى الأمارة إنّما هو لتنزيل الأمارة منزلة القطع، فترتيب أثر نفس القطع لأجل هذا التنزيل بطريق أولى (1).

لأنّ الملاك في ترتيب آثار المقطوع على المؤدّى هو وجود كاشف في البين سواء كان تامّاً أو ناقصاً. فيترتب أثر المقطوع على المؤدّى بعد جعله حجّة، وأمّا الملاك في ترتيب أثر نفس القطع فلو أخذ في الموضوع بما أنّه كاشف لصحّ الترتّب، وأمّا إذا أخذ فيه بما أنّه كاشف تام، فليس الملاك موجوداً في الأمارة، فالأولوية المدعاة ساقطة عندئذ، فالحقّ هو التفصيل.


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 37.


(55)

في قيام الأُصول مقام القطع:

إنّ الأُصول العمليّة بين محرزة وغير محرزة، والمراد من الأُولى ما يكون ناظرة إلى الواقع، ويكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشك بناء على أنّه الواقع والغاء الطرف الآخر، كالاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ على قول. وقاعدة عدم اعتبار شكّ الإمام أو المأموم مع حفظ الآخر. وعدم اعتبار شكّ من كثر شكّه، كما أنّ المراد من الثاني هي المقررة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلاً.

أقول: أمّا الأُصول غير المحرزة: فلا يصحّ إقامتها مكان القطع وذلك ببيانين:

الأوّل: أنّ وجه التنزيل بين القطع الطريقي إلى الواقع والأُصول المقررة بعنوان الوظيفة للجاهل في مقام العمل شرعاً وعقلاً غير موجود، فأين ما يؤخذ به لأجل كونه طريقاً إلى الواقع، ممّا يؤخذ به لأجل كونه مبيّناً للوظيفة الفعلية، سواء أكان مطابقاً للواقع أم لا.

وبعبارة أُخرى: أنّ الأُصول غير المحرزة مبيّنة لوظيفة من انقطعت حيلته من كل شيء يوصله إلى الواقع، فعندئذ لا معنى للتنزيل، لا تنزيل الأصل مكان القطع، ولا تنزيل المؤدّى مكان المقطوع ومعه لا وجه للقيام.

الثاني: يجب أن يكون في التنزيل أُمور ثلاثة: المنزّل، والمنزّل عليه، ووجه التنزيل، كما في تنزيل الامارة منزلة القطع، في التنجّز أو الدخل، لكن ليس في الأُصول غير المحرزة إلاّ أمران:

الأوّل: المنزّل عليه وهو القطع.

الثاني: جهة التنزيل وهو أثر القطع، أعني: المنجّزية والمعذّرية.

وأمّا المنزّل فليس شيئاً وراء جهة التنزيل وأثر القطع، فالاحتياط العقلي


(56)

ليس إلاّ نفس حكم العقل بتنجّز الواقع الذي هو أثر القطع ووجه التنزيل، كما أنّ الاحتياط الشرعي في الأُمور المهمّة في الشبهات البدويّة ليس إلاّ نفس حكم الشرع بتنجّز الواقع على فرض وجوده.

والحاصل: أنّ الاحتياط عقلياً وشرعياً ليس إلاّ نفس حكم العقل والشرع بتنجّز الواقع، وهو نفس جهة التنزيل، فلا شيء هنا باسم المنزّل حتى ينزّل مكان القطع.

وما يظهر من المحقق الخراساني من الفصل بين الاحتياطين من جعل الاحتياط العقلي نفس تنجّز الواقع والاحتياط الشرعي شيئاً وراءه وهو إلزام الشارع به لأجل تنجّز الواقع، ليس بتامّ، فانّ إلزام الشارع عبارة أُخرى عن حكمه بتنجّز الواقع على فرض وجوده، وإلاّ ففي الاحتياط العقلي أيضاً إلزام.

ومنه يظهر حال البراءة العقلية والشرعية فالأولى عبارة عن حكم العقل بعدم العقاب لعدم تنجّز الواقع، لأجل عدم وصول البيان، والبراءة الشرعية عبارة عن رفع الحكم وعدم تنجّزة لأجل عدم العلم.

وبالجملة: فما نسمّيه بالاحتياط والبراءة عبارة عن حكم العقل والشرع بتنجّز الواقع، وعدم تنجّزه، وهو نفس أثر القطع المنزّل عليه، فليس هنا شيء ثالث حتى يكون هو المنزّل، كما لا يخفى.

وأمّا الأُصول المحرزة، فالمراد منها ما يكون المجعول فيها البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنّه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر، فيقع الكلام في مقامي الثبوت والإثبات.

الكلام في مقام الثبوت:

فقد اختار المحقق الخراساني التفصيل بين القطع الطريقي المحض وبين القطع الموضوعي الطريقي بالقيام في الأوّل وعدمه في الثاني.


(57)

أمّا الأوّل: فلأنّ الأثر مترتّب على نفس الواقع، ولإحرازه طرق، منها القطع والاستصحاب وسائر الأُصول.

وأمّا الثاني: فلاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في ملحوظ واحد.

توضيحه: أنّ تنزيل الشك المسبوق باليقين منزلة القطع، إن كان بلحاظ الطريقية يكون النظر إلى المتيقن والمشكوك في الموردين استقلالياً وإلى القطع والاستصحاب (الشك بعد اليقين) آليّاً. وإن كان التنزيل بلحاظ المدخلية في الموضوع يكون النظر إليهما استقلالياً، وإلى المتيقّن والمشكوك آلياً.

وإن شئت قلت: إنّ النظر إلى القطع والشك المسبوق باليقين ـ في تنزيل الاستصحاب منزلة القطع الطريقي ـ آلي، لأنّ الأثر مترتب على الواقع المنكشف بالقطع، لا على نفس القطع. فيكون النظر إلى الواقع والمشكوك استقلالياً، وإلى القطع والاستصحاب آلياً.

ولكن النظر في تنزيله منزلة القطع الموضوعي الطريقي، استقلالي، باعتبار مدخليتهما في الحكم، وأنّ الحكم مترتب على الواقع الذي تعلّق به القطع، ولا يمكن الجمع بين اللحاظين في لحاظ واحد.

يلاحظ عليه: ما عرفته عند البحث في تنزيل الأمارة مكان القطع الموضوعي الطريقي. وحاصله: أنّ المنزَّل عليه (بالفتح) لو كان هو نفس قطع المنزِّل (بالكسر) والأصل القائمين عنده لكان لما ذكر وجه. ولكن المنزَّل عليه (بالفتح) عبارة عن القطع والأصل الموجودين عند المكلّف، فالشارع الحكيم أو المبيّـن لحكمه، ينظر إلى القطع الموجود في ذهن المكلّف على وجه الطريقية، وهكذا الشك بعد اليقين، فيلاحظهما استقلالياً ، لا آلياً (وإن كان كذلك في ذهن المكلّف) فينزّل الشك بعد اليقين، مكان القطع الوجداني، في الطريقية والمدخلية، فيقال هذا مثله طريقاً ودخيلاً.


(58)

هذا كلّه إذا قمنا بكلا التنزيلين دفعة واحدة، وفي عرض واحد، وقد عرفت أنّ المحقّق الخراساني أحاله، لاستلزامه الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد. وقد عرفت جوابه.

ثمّ إنّ له تقريباً في حاشية الفرائد لإثبات صحّة كلا التنزيلين. لكن لا بالدلالة المطابقية، بأن يكون التنزيلان في عرض واحد. بل بالدلالة الالتزامية بأن يكون أحد التنزيلين في طول الآخر. والدليل اللفظي يتكفّل بإثبات أحد التنزيلين، أعني: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالدلالة المطابقية، وأمّا التنزيل الآخر، أعني: تنزيل الأصل مكان القطع فإنّما يفهم بالدلالة الالتزامية والملازمة العرفية، فعندئذ لا يلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد وإليك توضيحه في ضمن مثال.

إذا شككنا في مائية مائع مع كرّيته، فاستصحاب مائيّته لا يغني عن استصحاب كريّته، كما أنّ استصحاب كريّته لا يغني عن استصحاب مائيّته إلاّ إذا أحرز الجزء الثاني بالتعبّد في عرضه أو بالوجدان، أو يكون هناك ملازمة عرفية بين الإحرازين، كما في المقام فإنّ الجزء الثاني في المقام غير محرز لا بالتعبّد في عرضه لاستلزامه الجمع بين اللحاظين المتباينين، ولا بالوجدان بل بالثالث، فإذا فرضنا أنّ إحراز أحدهما يلازم عرفاً إحراز الثاني فيكفي أحد التنزيلين عن الآخر، والمقام من هذا القبيل، قال في تعليقته: بأنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لما كان أمراً متيقناً، ولا يبعد دلالة دليل الأمارة (أو الأصل) على التنزيل الثاني بالملازمة بدعوى الملازمة العرفية بينه (القطع التعبّدي مكان القطع الوجداني) وبين تنزيل المؤدّى(1).

والحاصل: أنّه يتولّد من تنزيل مشكوك الخمرية منزلة الخمر الواقعي المدلول عليه بالدلالة المطابقية، القطع بالخمر التعبّدي وهو من نتائج التنزيل


1-تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد: ص 9.


(59)

الأوّل، وهذا ملازم عرفاً مع تنزيل القطع بالخمر التعبّدي منزلة القطع بالخمر الواقعي فيكشف بالدلالة الالتزامية المستند إلى الملازمة العرفية وجود هذا التنزيل.

والحاصل: أنّ تنزيل المستصحب والمؤدّى منزلة الواقع بالمطابقة ويتولّد من هذا التنزيل، كون الاستصحاب قطعاً تعبّدياً بالواقع، وحيث إنّ ذاك التنزيل لا يترتب عليه الأثر لكون الأثر هنا مترتباً على الواقع والقطع، فلابدّ من القول بأنّ الشارع نزّل القطع التنزيلي التعبّدي منزلة القطع الواقعي بالملازمة.

ولكنّه ـ قدّس سرّه ـ لم يرتض هذا الجواب، ووصفه في الكفاية بالتكلّف أوّلاً، وبالتعسّف ثانياً.

أمّا الأوّل: فلعدم الملازمة العرفية، وأمّا الثاني فلاستلزامه الدور.

أمّا ادّعاء عدم الملازمة العرفية، فلأنّ التنزيل الثاني ليس من قبيل اللازم البيّـن ولا من قبيل اللازم غير البيّـن وإنّما هو نتيجة صون فعل الحكيم عن اللغوية وهو فرع شمول دليل الاستصحاب للمورد، بل هو أوّل الكلام لاحتمال اختصاصه بما إذا كان القطع طريقاً محضاً كما هو مورد الروايات.

وأمّا استلزامه الدور، فتوضيحه ـ وإن كانت عبارته في الكفاية مغلقةـ: أنّه إذا كان الأثر مترتّباً على المركّب كالماء الكر ، لا يصحّ تنزيل أحد الجزأين إلاّ إذا كان الجزء الآخر محرزاً بالوجدان كما إذا أحرز المائية وشكّ في الكريّة، أو محرزاً في عرض هذا التنزيل كما إذا كانت المائيّة والكريّة مشكوكتين فيُستصحب كلّ في عرض الآخر، لعدم المانع من شمول الدليل للجزأين في عرض واحد، وأمّا إذا كان شمول الدليل للجزأين محالاً كما في المقام لاستلزامه الجمع بين اللحاظين، بل كان التنزيل الثاني، منكشفاً بالدلالة العرفية من التنزيل الأوّل، فلا يصح لاستلزامه الدور وذلك:

لأنّ تنزيل المشكوك منزلة الواقع، موقوف على ترتّب الأثر على ذاك الجزء


(60)

المحرَز، وترتّب الأثر على ذلك الجزء موقوف على تنزيل الجزء الآخر، أعني: تنزيل القطع التعبّدي، منزلة القطع بالواقع الحقيقي، وذلك التنزيل موقوف على دلالة الدليل عليه وهو موقوف على التنزيل على الأوّل.

وإن شئت قلت: إنّ تنزيل المستصحب منزلة الواقع يتوقف على تنزيل القطع التعبّدي، منزلة العلم بالواقع، لكون الأثر مترتباً على المركّب من الواقع والعلم به، والمفروض أنّ تنزيل القطع التعبّدي منزلة العلم بالواقع يتوقف على تنزيل المستصحب منزلة الواقع فيكون أحد التنزيلين موقوفاً على الآخر.

وما قرّرنا به كلام المحقق الخراساني أكثر انطباقاً لعبارته وأوضح ممّا أفاده المحقق النائيني فلاحظ الفوائد (1) لتلميذه الكاظمي ـ أعلى اللّه مقامهما ـ.

وأجاب عنه سيدنا الأُستاذ بأنّ الدّور إنّما يلزم إذا كانت الغاية من التنزيل الأثر الفعلي، لا الأثر التعليقي، أعني: ما إذا انضمّ إليه الجزء الآخر لترتّب عليه الأثر، والمفروض أنّ هذا التنزيل يستلزم عرفاً في الرتبة المتأخّرة تنزيل العلم بالمستصحب، منزلة العلم بالواقع، وبه يتمّ ما هو تمام الموضوع للأثر(2).

ولا يخفى أنّه وإن ارتفع الدور بهذا البيان لكنّه تبطل به الملازمة. لأنّ التنزيل الثاني، وملازمته مع التنزيل الأوّل لأجل الملازمة ولصون فعل الحكيم عناللغوية، فإذا ارتفعت اللغوية بالأثر التعليقي، فلا وجه للملازمة بين التنزيلين.

وبالجملة: ما ذكره وإن أثبت الأثر للتنزيل الأوّل، لكنّه نفى أساس الملازمة، فإنّ أساسها هو صون فعل الحكيم عن اللغوية، وهو يحصل بالأثر التعليقي ولا يتوقف على الأثر الفعلي الذي يترتب على كلا التنزيلين فلاحظ.

وأجاب عنه مقرّر المحقّق الخوئي في تعليقته على «مصباح الأُصول»


1-الفوائد: ج3 ص 28.
2-تهذيب الأُصول: ج2 ص 35 الطبعة الحديثة.


(61)

بالتفصيل بين ما إذا كان لتنزيل نفس المؤدّى أثر مستقل، وما إذا لم يكن له أثر إلاّ إذا انضمّ إليه العلم، ففي الصورة الأُولى يصحّ التنزيل الأوّل ويدلّ بالملازمة على التنزيل الثاني. وذلك كما إذا فرضنا أنّ الخمر بما هو هو، له أثر شرعي، وهو وجوب الاجتناب وهو مع ذلك جزء موضوع لوجوب التصدّق، إذا تعلّق به العلم وقيل: إذا قطعت بخمريّة شيء تصدّق، فإذا كان مقتضى الأصل خمريّة شيء كان مقتضى دليل حجيّة الأصل بالمطابقة، تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيجب الاجتناب عنه. وهذا التنزيل مضمون الدلالة المطابقية. لكنّه يدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه نزّل العلم التعبدّي منزلة العلم الواقعي، إذ لولا كون الانكشاف بالأصل، مثل الانكشاف بالعلم، لما ترتّب عليه الاجتناب فحينئذ يترتب على قيام الأصل بالمؤدّى، أثر نفس العلم بالواقع وهو وجوب التصدّق.

نعم لو لم يكن لمتعلّق الأصل أثر لما كان للتنزيل الأوّل أثر، إلاّ مع التنزيل الثاني فيتوقف التنزيلان على أنفسهما (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره المقرّر متوقف على صحّة ما نقله عن أُستاذه سابقاً في باب قيام الأمارة من أنّ ترتيب آثار الواقع على المؤدّى إنّما هو لتنزيل الأمارة منزلة القطع فيترتّب عليه أثر نفس القطع(2).

وقد عرفت فيما سبق، أنّ إثبات المؤدّى بالامارة وترتّب أثر الواقع عليه لايستلزم صحّة ترتّب أثر القطع نفسه على الأمارة، إلاّ إذا علم أنّ القطع أخذ في الموضوع بما أنّه أحد الكواشف، وإلاّ فلو فرض أنّ الأثر مترتّب على القطع بالواقع بما هو كاشف تام، فلا يدل بالملازمة على التنزيل إذ ليست الأمارة ولا الأصل من هذا السنخ.

والأولى أن يجاب: أنّ الدور انّما يلزم لو كان أحد التنزيلين في طول الآخر.


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 43ـ 44.
2-المصدر نفسه: ص 37.


(62)

كما عليه في الحاشية، وأمّا إذا كانا في عرض واحد فلا يلزم أبداً. وأمّا اشكال الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، ببيان أنّ التنزيل بلحاظ الطريقية يستلزم لحاظ القطع والأصل باللحاظ الآلي. والتنزيل بلحاظ المدخليّة والموضوعية يستلزم لحاظهما باللحاظ الاستقلالي، فقد عرفت الجواب وأنّ المنزِّل لا يلاحظ قطعه الموجود في نفسه، أو المؤدّى الموجود في ذهنه ، حتى يكون النظر عندئذ إلى القطع والأصل آليين، بل يُنزّل الأصل الموجود في ذهن المكلّف، مكان القطع الموجود أيضاً في ذهنه والمكلَّف (بالفتح) وإن كان ينظر إليهما باللحاظ الآلي، لكن المنزِّل ينظر إليهما باللحاظ الاستقلالي في كلا التنزيلين كما لا يخفى.

الكلام في مقام الإثبات

هذا كلّه راجع إلى الثبوت، وأمّا الإثبات فالظاهر الفرق بين الأُصول التي ظاهرها هو التعبّد ببقاء اليقين كالاستصحاب، وما ظاهرها هو التعبّد بوجود نفس الواقع، فيقوم في الأوّل مكان القطع الطريقي مطلقاً، طريقياً محضاً، أو موضوعياً طريقياً، ولا يقوم في الثاني.

أمّا الأوّل، أعني: ما إذا كان مفاد الدليل هو التعبّد ببقاء اليقين، أو أنّه غير منقوض بعد، أو لا ينبغي له نقض اليقين بالشك، فيترتّب عليه كلّ ما يترتّب على نفس اليقين الحقيقي، من تنجّز الواقع في الطريقي المحض، والمدخليّة في الموضوع في الموضوعي الطريقي.

وبعبارة أُخرى إذا قيل: إذا قطعت بخمرية شيء فتصدّق، فالظاهر منه هو اليقين الحقيقي، وإذا قيل في دليل الاستصحاب: «وهو على يقين من وضوئه وليس ينبغي له نقضه بالشك» يستفاد منه أنّ اليقين حسب حكم الشرع بحاله، فيكون حاكماً على الدليل الأوّل، بتوسيع موضوعه وأنّه أعم من الحقيقي والتشريعي كما في قوله: «التراب أحد الطهورين» بالنسبة إلى قوله: «لا صلاة إلاّ


(63)

مع طهور» أو قوله: «الطواف على البيت صلاة» وإن كان بين الحكومتين فرق آخر غير فارق في المقام.

نعم لا يقوم اليقين التعبّدي، مكان القطع الوصفّي لقصور أدلّته عن الإقامة لأنّ الظاهر من أدلّته هو التعبّد ببقاء اليقين بما هو مرآة وطريق لا بما هو وصف.

وأمّا الثاني: كقاعدة التجاوز، فليس مفادها إلاّ التعبّد بوجود ما مضي عنه، لا التعبّد ببقاء اليقين، ففي رواية حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال: امض (1). وهو تعبّد بوجود الشيء وليس تعبّداً باليقين وبقائه. فلو ترتّب أثر على نفس وجود الشيء، كسقوط القضاء والإعادة، يثبت به كما يثبت بالقطع الطريقي المحض، وليس هنا من القيام عين ولا أثر. وأمّا إذا ترتّب الأثر على العلم بالواقع فلا يثبت بها، لعدم العناية بوجود اليقين حتى ينزّل اليقين التعبّدي ، مكان اليقين الواقعي.

ومنه يظهر حال قاعدة أصالة الصحّة في فعل الغير وقاعدة اليد على القول بكونها أصلاً، فإنّ العناية فيهما ليس إلاّ على التعبّد بوجود الشيء واقعاً فيثبت بهما كلّ ما يثبت بالقطع الطريقي المحض دون ما إذا كان الأثر مترتّباً على اليقين بالواقع، إذ ليست العناية في هذه الأُصول على وجود اليقين فلاحظ.


1-الوسائل: ج4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1.


(64)

الأمر الرابع :

في أقسام القطع الموضوعي

إنّ القطع بالحكم، قد يؤخذ في نفس ذلك الحكم كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر تحرم عليك بنفس تلك الحرمة، وأُخرى في موضوع حكم يضادّ ذلك الحكم كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر يجب عليك شربها، وثالثة في موضوع حكم يماثله كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر تحرم عليك الخمر بحرمة ثانية، ورابعاً في موضوع مخالفه، كما إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر يجب عليك التصدّق.

وهذه أربعة أقسام، ثمّ القطع إمّا يكون موضوعياً طريقياً أو موضوعياً وصفياً، ويصير المجموع ثمانية، وعلى كلّ تقدير فتارة يكون القطع تمام الموضوع أو جزءه فيصير ستة عشر قسماً، ومثله الظنّ في جميع الأقسام، غير أنّ الجلّ لولا الكلّ صرف فروض لا واقعية له، حتى أنّ صاحب الكفاية خصّ القطع بالحكم بالبحث وترك البحث عن أحكام القطع بموضوع ذي أثر وذكر للأوّل أقساماً ثلاثة، أعني: المأخوذ في موضوع نفس الحكم أو مماثله أو مضادّه وترك المخالف وربّما يكون وجه الترك ذكره في الأمر الثالث عند تقسيم القطع.

فنحن نذكر القطع بالحكم بأقسامه الأربعة الأصلية ونترك الباقي (القطع بموضوع ذي أثر) للقارئ الكريم.


(65)

1ـ إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك تلك الصلاة بنفس هذا الوجوب، وذكر أنّه ممتنع باستلزامه الدور. لأنّ القطع بالوجوب فرع وجوده، ولو توقف وجوده على تعلّقه به، لزم الدور.

ولا يخفى عدم تماميته: لأنّ الحكم بوجوده الواقعي وإن توقّف على تعلّق القطع بالحكم حسب توقف الحكم على الموضوع، لكن القطع بالحكم لا يتوقف على وجوده الواقعي، بل يكفي تخيّل وجوده ذهناً كما هو في الجهل المركب وإلاّ فلو توقف على وجوده الواقعي، لزم أن لا يوجد هناك جهل أصلاً.

وبذلك يظهر أنّه يجب التفصيل في جواز أخذ القطع بالحكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم، بين كونه تمام الموضوع سواء أكان هناك حكم أم لا ، فيجوز ، وكونه جزء الموضوع ويكون الموضوع مركباً من القطع ونفس الحكم الواقعي فلا يجوز.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الحكم يتوقف على القطع بالحكم وأمّا القطع بالحكم فهو غير متوقّف على وجود الحكم واقعاً بل يكفي تخيّله.

وأمّا الثاني: فلأجل أنّ الحكم أي المحمول بوجوده الواقعي، متفرّع على القطع بالحكم بوجوده الواقعي حسب تفرّع المحمول على الموضوع، والمفروض أنّ الموضوع ليس نفس القطع بل بما أنّه متعلّق بالحكم بوجوده الواقعي (أي المجهول) فيلزم توقف الموضوع (القطع بالحكم بوجوده الواقعي) على ذات الحكم الواقعي أي المحمول وهذا هو الدور.

2ـ إذا كان القطع بحكم موضوعاً، لحكم مخالفه كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب شيء فتصدّق ولا إشكال فيه.

3ـ إذا كان القطع بالحكم موضوعاً، لحكم يعدّ ضداً للحكم المقطوع به كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة، فأحاله المحقق


(66)

الخراساني لاستلزامه إجتماع الضدّين. وجوّزه بعضهم قائلاً بتعدّد الموضوع فالصلاة بما هي هي واجبة وإن كانت بما هي مقطوعة الوجوب محرّمة، نعم لا يمكن امتثالهما ويعدّ التكليف لغواً.

أقول : إنّ ما أُجيب به لا ينسجم مع مباني القوم في تفسير الإطلاق (1) من تسرية الحكم إلى جميع الحالات، وعلى ذلك لقائل أن يقول: إنّ المقيّد وإن لم يكن في رتبة المطلق، لكن المطلق موجود في رتبة الآخر، فإذا تعلّق الوجوب بذات الصلاة يشمل إطلاقه لجميع حالاتها ومنها كونها مقطوعة الوجوب، فلو فرض حرمتها في هذه الحالة يجب أن تكون واجبة بحكم إطلاق الدليل الأوّل ومحرّمة بحكم نص الدليل الثاني.

فإن قلت: فعلى هذا لا يجوز أن يقول: اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة لوجود المطلق في رتبة المقيد وإن لم يكن العكس كذلك.

قلت: فرق واضح بين المقام والمطلق والمقيد، فإنّ المطلق في المقام يبقى على إطلاقه، بخلاف الثاني فإنّ المطلق فيه يحمل على المقيّد فيكون هناك حكم واحد متعلّق بموضوع واحد.

والأولى أن يجاب بما أوضحناه في باب الاجتماع من أنّ التضاد عبارة عن أمرين وجوديين يتعاقبان على موضوع واحد، بينهما غاية الخلاف. والأحكام كلّها حتى الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية وليس من الأُمور الخارجية العارضة لنفس الصلاة والصوم أو السرقة والخيانة ، حتى يلزم اجتماع ضدين حقيقيين في شيء واحد.

وأمّا مشكلة الملاكات، أعني: المصلحة والمفسدة، أو المبادئ كالارادة والكراهة، فهي مرتفعة جدّاً لعدم استحالة كون الشيء مثل الصلاة حسب ذاته


1-إنّ الإطلاق عند القوم لحاظيّ وهو إسراء الحكم لجميع حالات الموضوع لكنّه عندنا غير مرضيّ وقد عرفت تفصيل الكلام عند البحث عن المطلق والمقيد، فلاحظ.


(67)

ذات مصلحة، فيتعلّق بها الوجوب، وبما هي مقطوعة الوجوب ذات مفسدة.

ومثلها الإرادة والكراهة، فلا مانع من أن تتعلق الارادة بذات الشيء بما هو هو، والكراهة به بما هو مقطوع الوجوب.

فليس هنا محذور في مقام التشريع، لا في ملاكاتهما كالمصلحة والمفسدة، ولا في مبادئهما كالارادة والكراهة ولا في نفس الحكمين.

ولكنّ الكلام كلّه في مقام الامتثال، فإنّه أشبه شيء بالأمر بالمحال، فإنّ الأمر بالمحال كما يتحقق إذا كان نفس المتعلّق أمراً محالاً ذاتاً كالجمع بين الوجود والعدم، أو عادةً كالطيران إلى السماء بلا وسيلة. كذلك يتحقق إذا كان متعلّق كلّ واحد ممكناً. ويكون الجمع بينهما محالاً، كما في المقام فعندما قطع بالوجوب يكون امتثال كلا الأمرين محالاً كما لا يخفى.

4ـ إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لحكم مماثل كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة تجب عليك تلك الصلاة بوجوب آخر.

فالمحذورات المتصورة في القسم الثالث، غير جارية فيه إلاّ اجتماع المثلين في شيء واحد وهو محال كاجتماع الضدّين.

وقد عرفت جوابه وأنّه لا تضادّ بين الأحكام كما لا تماثل لاعتباريتها.

وأمّا اجتماع الإرادتين في شيء واحد فهو وإن كان محالاً، لأن تشخّص الإرادة بالمراد ، ولا يصحّ تشخّص شيئين تكوينيين بشيء واحد، ولكن المتعلّق متعدّد، حيث إنّ الأُولى متعلّقة بالوجوب والثانية بوصف كونه مقطوعاً.

فلم يبق من المحذورات إلاّ اللغوية وهو مندفع باختلاف الناس في الانبعاث فربّما لا ينبعث بعض الأفراد إلاّ بأمرين وبعضهم بأمر واحد، وهذا الاختلاف يصحّح تشريع الأمرين كما لا يخفى.

هذه أحكام الأقسام الأربعة الأُولى، وأمّا الأحكام الأربعة الثانية، أعني:


(68)

كون القطع بموضوع ذي حكم موضوعاً لنفس ذاك الحكم أو مخالفه أو ضدّه أو مثله، فنترك إستخراج أحكامها إلى القارئ الكريم.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني استثنى من عدم جواز أخذ الحكم في الموضوع نفسه أو ضدّه أو مثله، جواز أخذ القطع بمرتبة من الحكم، في مرتبة أُخرى منه أو مثله أو ضدّه فيقال: إذا قطعت بوجوب الصلاة انشاء تجب أو تحرم عليك فعلا، أو تجب بوجوب آخر فعلي، لعدم المحذور.

مراتب الحكم الأربعة:

توضيحه: إنّ للحكم عنده مراتب أربع، قال ـ قدّس سرّه ـ في تعلقيته على الفرائد (1) (عند البحث عن إمكان التعبّد بالظن): إنّ للحكم مراتب في الوجود;

أوّلها: أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل موجوداً أصلاً، وذلك كمصالح الأحكام ومفاسدها ويسمّى بمرتبة الاقتضاء.

ثانيها: أن يكون له وجود إنشاء من دون أن يكون له بعثاً وزجراً، وترخيصاً فعلاً، وذلك ككتابة الحكم والتلفظ به أو الإشارة إليه.

ثالثها: أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلاً، كما أمر رسله بابلاغه ونشره غير أنّ المكلّف لم يقف عليه أو وقف وكان عاجزاً عن الإتيان به فلا يكون منجّزاً حيث يعاقب عليه ويسمّى بمرتبة الفعلية.

رابعها: أن يكون له ذلك كالسابقة مع تنجّزه فعلاً بحيث يستحق المثوبة والعقوبة لأجل الموافقة والمخالفة.

إذا عرفت ذلك، لا بأس بأخذ القطع بالحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية، موضوعاً لكون نفس ذاك الحكم إذا صار فعلياً، لوضوح إمكان كون


1-لاحظ ص 34.


(69)

العلم بالحكم الإنشائي سبباً لفعلية الحكم إذا فرض أنّ المولى اكتفى في الإعلام بعلم المكلّف لا بإبلاغه.

كما أنّه لا مانع من أخذ العلم بالحكم الوجوبي الإنشائي، موضوعاً لكونه محرّماً، أو واجباً بوجوب أمر فعلي. أمّا الأوّل: فلعدم التضاد إلاّ في مرحلتي الفعلية والإنشائية، والمفروض أنّ الأوّل إنشائي والآخر فعلي. وأمّا الثاني: فلعدم صدق التماثل، لكون أحدهما إنشائياً والآخر فعلياً كما لا يخفى.

وما ذكره لا غبار عليه غير أنّ مرتبة الاقتضاء من مقدّمات التكليف لا من مراتبه، كما أنّ مرتبة التنجّز، لا صلة له به بل هو حكم العقل على من اجتمعت لديه الشرائط.

وقد عرفت عدم الحاجة إلى هذه المحاولة وأنّه يجوز أخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّه ومثله ومخالفه، لعدم التضاد في الأُمور الاعتبارية، نعم والاشكال في أخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّه إنّما هو في مقام الامتثال دون الجعل الذي هو محطّ البحث.

ثمّ إنّ صاحب مصباح الأُصول ناقش المحقق الخراساني في ذلك قائلاً: بأنّه ليس للحكم إلاّ مرتبتان:

الأُولى: مرتبة الجعل والإنشاء، بداعي البعث والتحريك بنحو القضية الحقيقية كقوله سبحانه: (وَللّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلاً) (آل عمران/ 97).

الثانية: مرتبة الفعلية والخروج عن التعليق والتقدير بتحقق موضوعه خارجاً كما إذا صار المكلف مستطيعاً، وعلى ذلك فلا يمكن أخذ القطع بمرتبة الجعل من حكم في موضوع المرتبة الفعلية منه، إذ ليس المراد من القطع بالحكم المأخوذ في الموضوع، هو القطع بالحكم الثابت لغير القاطع، بل المراد هو القطع بالحكم الثابت لنفس القاطع، وحينئذ لا يمكن الأخذ ، إذ ثبوت الحكم لشخص القاطع


(70)

جعلا ملازم لفعليته فلا محالة يتعلّق القطع بالحكم الفعلي، وحيث إنّ المفروض أنّ للقطع دخلاً في فعلية الحكم لزم الدور (1).

يلاحظ عليه: أنّ الحكم الإنشائيـحسب مصطلحه ـ هو الحكم الشرطي الثابت على الشرطية في حقّ آحاد الناس فالقطع به ربّما لا يكون ملازماً لفعليته، إذا فرضنا عدم استطاعته، فلا مانع من أخذ الحكم الشرطي الإنشائي، موضوعاً لفعليته وعلى ذلك فالقطع بالحكم المتوجّه إلى المكلّف لا يتوقّف على فعليته حتى يلزم الدور.

في أقسام الظن المأخوذ في الموضوع:

قد عرفت أنّ الظن مثل القطع في الانقسام إلى ستة عشر قسماً غير أنّه يزاد عليه كون الظن معتبراً وغير معتبر. فتتجاوز الأقسام إلى اثنين وثلاثين قسماً.

فنقول: لا شك في عدم جواز أخذ الظن بالحكم في موضوع نفس ذاك الحكم لاستلزامه الدور مطلقاً كما عليه المشهور، أو فيما إذا كان الظن جزء الموضوع والواقع جزءه الآخر كما أوضحناه.

كما أنّه لا شك في جواز أخذه موضوعاً للحكم المخالف كما إذا قال: إذا ظننت بوجوب شيء فتصدق إلاّ أنّ البحث عن الأقسام الأُخر، أعني: أخذه في موضوع ذي حكم ضدّه أو مثله بأن يكون الحكم المترتب على الظن بالحكم، ضد ذاك الحكم أو مثله، فقد جوّزه المحقق الخراساني قائلاً: بأنّه لما كان مرتبة الحكم الظاهري محفوظة جاز ذلك الأخذ.

ثمّ أورد على نفسه: بأنّه يمكن أن يكون متعلّق الظن حكماً فعلياً إذا كان الحكم المترتب على الظن بالحكم أيضاً فعلياً يلزم محذور اجتماع المثلين أو الضدين.


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 46.


(71)

فأجاب عنه: بأنّ الحكم الذي تعلّق به الظن على قسمين: قسم يكون منجّزاً مطلقاً سواء تعلّق به القطع أو الظن المعتبر، وفي مثله لا يمكن جعل حكم مماثل أو مضادّ على الظنّ به. وقسم لا يكون منجّزاً وحتمياً إلاّ من طريق خاص وهو تعلق القطع به، وعندئد لما كان الحكمان مختلفين من حيث الحتمية وعدمها جاز جعل المماثل والمضاد، والمفروض أنّ المصالح اقتضت عدم وجوب دفع عذر المكلّف برفع جهله أو جعل الاحتياط، بل أوجبت جعل أصل، أو أمارة مؤدّية إلى مثله تارة و إلى ضدّه أُخرى (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خارج عن محطّ البحث إذ لو كان الحكم الأوّل مقيداً لبّاً بما إذا تعلّق به القطع لتنجّز، يكون جعل الحكم المضادّ فضلاً عن المماثل فيما إذا لم يكن هناك قطع، بمكان من الإمكان ولا يشكّ أحد في جوازه.

وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن تنجّز الواقع مشروطاً بشيء، سوى وصوله إلى المكلّف بطريق من الطرق فهل يجوز جعل المماثل أو المضادّ أو لا ؟ فنقول: إنّ الظنّ على قسمين: معتبر وغير معتبر، أمّا الأوّل، أعني: إذا كان الظنّ معتبراً، فإنّه يكون حكمه حكم القطع في الجواز وعدمه، فعلى مختار المحقق الخراساني لا يمكن أن يؤخذ في موضوع نفس الحكم، ولا في موضوع الحكم المماثل، ولا المضادّ، وذلك لأنّ الظنّ لمّا كان معتبراً شرعاً، يكون حكمه حكم القطع، فهو منجّز عندما أصاب، ومعذّر عندما أخطأ فيترتّب عليه من القول ما يترتب على أخذ القطع في المقامات الثلاثة من الدور، واجتماع الضدين، والمثلين وحديث: محفوظية مرتبة الحكم الواقعي إنّما يصحّ في الظنّ غير المعتبر حيث يكون الحكم الواقعي غير منجّز وغير فعلي لعدم قيام الدليل عليه، وأمّا المعتبر منه فالظن بالحرمة، إذا كان حجّة في مجال إثبات متعلّقه، فلو كان مطابقاً ومصيباً كيف يصحّ أن يكون موضوعاً لوجوب المثل أو مضادّه، وما هذا إلاّ اجتماع الضدين أو


1-الكفاية: ج2 ص 26ـ 27.


(72)

المتماثلين، نعم على المختار، لا يجوز أن يؤخذ الظن بالحكم المعتبر، في موضوع نفسه، إذا كان جزء الموضوع لا تمامه، ويجوز في المتماثلين دون المتضادين، على البيان السابق.

وأمّا إذا كان الظنّ غير معتبر، فعند ذلك يأتي حديث حفظ مرتبة الحكم الواقعي مع الحكم الظاهري عند من يصحّح إجتماع الحكمين المتنافيين من هذا الطريق، فيكون أحد الحكمين واقعياً والآخر ظاهرياً أحدهما غير منجّز والآخر منجّز.


(73)

الأمر الخامس:

الموافقة الالتزامية

قبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

1ـ لا شكّ أنّه يجب الإيمان بما جاء به النبي في مجال الأُصول والفروع، لأنّ ذلك لازم الإيمان بنبوّته ورسالته التي نعبّـر عنها في الشهادة الثانية في الأذان والإقامة.

والإيمان بهذا المعنى غير العلم بصدق كلامه إذا لم يكن هناك خضوعٌ قلباً، وانقيادٌ جناناً، فهناك مطلوب وراء العلم بالصدق وهو الانقياد للنّبي في كلّ ما جاء به في مجالي العقيدة والشريعة، والخضوع أمام تشريعه قلباً، ولا يكفي مجرّد العلم بالشريعة من دون تسليم وانقياد، في نجاة الانسان من العذاب الأُخروي، وإلاّ فانّ المنافقين كانوا عالمين بصدق النّبي، وكان يجرون شريعته، ولكنّهم لم يكونوا خاضعين له جناناً ولا مسلمين قلباً، فلذلك كانوا مسلمين ولم يكونوا مؤمنين.

والذي يدلّ على ذلك قوله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيما) (النساء/65).


(74)

ترى أنّه سبحانه ينفي عنهم الإيمان إذ لم يكونوا مسلمين لقضاء النبي، وكانوا غير منقادين في أنفسهم من قضائه ونقضه وإبرامه، فخرجوا بذلك عن عداد المؤمنين إلاّ إذا اتّصفوا بوصف التسليم، وهذا هو الحقّ القراح الذي يدور عليه فلك الإيمان وتؤيّده الآيات.

يقول سبحانه: (قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُمْ) (الحجرات/14) فهؤلاء أسلموا لساناً لا قلباً، انقادوا ظاهراً لا باطنا.

وبذلك يتبين أنّ هناك فرقاً بين الإسلام الذي تُحقن به الدماء، وتجري عليه المواريث، وتنكح عليه النساء في المجتمع الإسلامي، وبين الإيمان الواقعي بالشريعة وحاملها بما له من خصوصيات.

ففي الأوّل، يكفي أقل القليل وهو الشهادة اللفظية بالتوحيد والرسالة، وإن ترك العمل، فضلاً عن الخضوع والتسليم قلباً وجنانا.

وأمّا الثاني، فيجب وراء إظهار الشهادتين، الخضوع والانقياد القلبي لحامل الشريعة في أُصولها وفروعها على وجه الإجمال.

قال عليّ ـ عليه السَّلام ـ : «لأنسبنَّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحدٌ من قبلي، ألا وانّ الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق» (1) والمراد من الإسلام في كلام عليّ ـ عليه السَّلام ـ كما يشعر به ذيل كلامه، هو الإسلام المنقذ، الملازم للاعتقاد والعمل.

2ـ لا شكّ أنّ الواجبات القربية تفترق عن التوصلية بعد إشتراكهما في لزوم الإتيان بهما عملاً. فإنّ امتثال الأُولى رهن الإتيان بها لوجه اللّه، بخلاف الثانية، إذ يكفي فيها مجرّد العمل، وإن كان العامل غير قاصد، فضلاً عمّـا إذا كان قاصداً،


1-نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 125.


(75)

ولكن أتى بالعمل لأغراض دنيوية، ولكن الاكتفاء بمجرد العمل في هذا القسم لا يُعنى عدم وجوب التسليم والانقياد للّه سبحانه في مجاله، بل يُعنى أنّه لا يجب وراء ذلك شيء (التسليم) ـ على وجه الإجمال ـ في مقام العمل، سوى نفس الإيجاد، وأنّه يكفي أن يكون الباعث الأغراض الدنيوية، بخلاف القربيات، فيجب فيها وراء الانقياد القلبي الإجمالي، ووراء نفس الإيجاد ، الإتيان به بباعث إلهي.

3ـ إنّ عقد القلب على الوجوب والحرمة رهن حصول مبادئ ومقدمات تورث ذلك العقد، ولولاها لما أمكن لمتشرّع أن يعتقد بوجوب شيءأو حرمته. فعقد القلب بوجوب شيء، وإن كان أمراً اختيارياً، لأجل اختيارية مبادئه، لكنّه ليس قابلاً للأمر والنهي، قبل حصول مبادئه أو بعدها. أمّا قبل حصولها فالامتناع واضح، وأمّا بعد تحقق المبادئ يكون قهري الحصول، فلو فرض ورود أمربه، فمعناه تحصيل ما يورث ذلك من الحجج والبراهين التي تورث اليقين،وبعبارة أُخرى: المقصود من الأمر بالمسبب (عقد القلب) هو تحصيل سببه.

ولأجل ذلك لو لم يكن هناك علم تفصيلي بالحكم سواء كان هناك علم إجمالي أو لا ولم يتمكّن المكلف من كشف الواقع، لا يصحّ بعث المكلّف إلى عقد القلب بالحكم الإلهي لعدم حصول مقدّماته.

وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه: (فَلَمّـا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبصِـرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ * وَجَحَدُوا بها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ)(النمل/13ـ14).

والآية تفيد أمرين:

أ: أنّ قيام الحجج والبراهين الواضحة يورث العلم بالواقع سواء أراده الإنسان أم لم يرده كما يقول: (واستيقنتها أنفسهم) .


(76)

نعم، قيام الحجج يورث العلم والاستيقان، وهذا غير الخضوع والتسليم القلبي، بل يجد كثير منهم في قرارة أنفسهم رفضاً وطرداً لمضمونها ومعالمها.

ب ـ أنّ الإنسان المعاند يمكن له التظاهر بخلاف معتقده، وإنكار ماأيقن به وإليه يشير قوله سبحانه: (وَجَحَدوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أنْفُسَهُمْ ظلماً وَعُلُوّا) .

4ـ ماذا يراد من وجوب الموافقة الالتزامية في الواجبات بل مطلق الأحكام؟ فإنّ ذلك ممّا لم يحرّر في كلامهم، وكان اللائق بالأُصوليين تحرير محل النزاع، وإن كان اللائح من بعض كلماتهم هو عقد القلب. ولأجل ذلك نطرح جميع الاحتمالات الممكنة:

الأوّل: التسليم لما جاء به النبي :

إذا كان المراد من الموافقة الالتزامية هو التسليم القلبي والانقياد الجناني بكل ما جاء به النبي في مجالي العقيدة والشريعة، فلا شك أنّه محقّق الايمان ومن أركانه، ولا أظنّ أن يكون هذا محطّ البحث للأُصولي خصوصاً في مبحث القطع والعلم الإجمالي.

الثاني: قصد القربة:

لا شكّ أنّه يشترط في إمتثال الواجبات القربية الإتيان بها بدافع إلهي، بخلاف الواجبات التوصلية، إذ يكفي فيها صرف الموافقة الخارجية، وهذا لا يعني عدم لزوم الانقياد والتسليم لكلّ ما جاء به النبي في مجالي القربي والتوصلي، بل المراد أنّ المطلوب من القربي هو الإتيان لباعث إلهي دون التوصلي، إذ يكفي فيه أيّ داع في الإتيان مع تسليم أنّ الكلّ من جانبه سبحانه ولو على وجه الإجمال. وعلى كلّ تقدير هذا أيضاً خارج عن محطّ البحث.


(77)

الثالث: عقد القلب على حكم الشيء:

الذي يمكن أن يكون محطّ البحث، هو وجود عقد القلب على حكم الشيء عند قيام الدليل، فإذا قام الدليل على وجوب الشيء أو حرمته سواء كان توصلياً أو قربياً يجب وراء العمل، عقد القلب على حكمه والاتيان به، فلو كان هذا هو محطّ البحث فقد عرفت أنّه قهري الحصول عند قيام الدليل وممتنع الحصول عند عدم قيام الدليل على الحكم.

نعم يصحّ الأمر بعقد القلب على الحكم، بمعنى تحصيل سببه ومقدمته، وهو العلم بالحجج الشرعية التي تورث ذلك ـ ولكن ـ ليس ما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على وجوب عقد القلب بالأحكام أوّلاً، والأمر بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية وإن كان موجوداً، لكن الغاية منه هو تحصيل العلم لأجل العمل لا عقد القلب ثانياً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّـر وجوب الموافقة الالتزامية بقوله: موافقة الحكم التزاماً والتسليم له اعتقاداً وانقياداً، وما ذكره إنّما ينطبق على المعنى الأوّل، وقد عرفت خروجه عن محطّ البحث إلاّ أن يريد من قوله «موافقته التزاماً» هو عقد القلب، ويظهر ذلك أيضاً من كلام تلميذه المحقق الاصفهاني حيث وجه وجوب الموافقة الالتزامية بقوله:

«الانسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب لكنّه لاينقاد له قلباً ولا يُقرّ به باطناً وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته، خوفاً من سوطه وسطوته، وهكذا حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيقته كما نطق به القرآن، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً، ولا مقرّين له باطناً، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة»(1) .


1-نهاية الدراية: ج2 ص 26.


(78)

ولكن الظاهر أنّ هذا التفسير بعيد عن مساق كلمات القوم.

ثمرة البحث:

رتّبوا على البحث ثمرتين:

الأُولى: عدم جريان الأصل فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، لأنّه مخالف للالتزام بالحكم الواقعي إذ تلزم من إجراء الأصل فيه المخالفة الالتزامية بالنسبة إلى الحكم الواقعي.

الثانية: عدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا كانت الأطراف محكومة بحكم إلزامي، مثلاً إذا كان الإناءان نجسين، ثمّ وقفنا على تطهير أحدهما، فاستصحاب النجاسة فيهما مخالف لوجوب الالتزام بالحكم الواقعي وهذا المحذور غير سائر المحذورات التي تترتّب على إجراء الأصل في أطراف العلم.

وقد أجاب الشيخ عن الثمرتين، بما هذا توضيحه:

إن أُريد من وجوب الموافقة الاعتقاد بالحكم الواقعي على ما هو عليه، فذلك لا يعارضه جريان الأصل في الظاهر والحكم بإباحة الشيء المردد بين الوجوب والحرمة، وذلك لأنّ الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي فالمرأة المرددة بين محلوفتي الفعل والترك، محكومة بحكمها الواقعي، وفي الظاهر محكومة بالإباحة، والموضوع للحكم الواقعي هي المرأة بما هي هي، وللحكم الظاهري المرأة المشكوكة الحكم، واختلاف المرتبة يصحح جعل حكمين مختلفين، وبذلك يظهر صحّة استصحاب النجاسة في كلا الإناءين، فكلّ واحد بما هو هو محكوم بحكمه الواقعي من النجاسة أو الطهارة ومن حيث كونهما مستصحبي النجاسة محكومين بالنجاسة، فلا معارضة بين جريان الأصل ووجوب الموافقة الالتزامية بهذا المعنى.


(79)

وإن أُريد منه الالتزام بالحكم مشخّصاً ومعيّناً، فهذا رهن العلم التفصيلي والمفروض عدمه.

وإن أُريد منه الالتزام بأحد الحكمين تخييراً، فلا دليل عليه لأنّ التخيير ورد في الخبرين المتعارضين لا في أطراف العلم الإجمالي.

وإن أُريد منه عدم جواز الالتزام في الظاهر بحكم خلاف الواقع، فهو ادّعاء محض لا دليل عليه، وقد عرفت الموانع المتوهمة لذلك.

وفي الختام نضيف كلمة، وهو أنّك قد عرفت أنّ الالتزام القلبي بالوجوب أمر قهري الحصول بعد قيام الحجّة فلا يمكن للإنسان الواقف بالحال عقد القلب على خلافه، فالتشريع بهذا المعنى أمر غير ممكن، وأمّا الممكن من التشريع هو الإفتاء بغير ما أنزل اللّه، ودعوة الناس إلى العمل به التي نصفها بالبدعة، وللتفصيل مجال آخر.


(80)

الأمر السادس:

في قطع القطّاع

نسب إلى الشيخ الأكبر كاشف الغطاء عدم الاعتناء بقطع القطّاع، وتوضيح الكلام فيه: أنّ المراد من القطّاع في المقام: من يحصل له القطع من أسباب لا يحصل لنوع الناس منها، وأمّا من يحصل له اليقين الكثير من الأسباب التي يحصل منها لنوع الناس فلا يعدّ مثله قطّاعاً في المقام.

ثمّ إنّ القطّاعية حالة تعرض النفس، فإن كان المبدأ له هو طروء خلل على عقليّة الإنسان، يجزم فوراً ممّا لا يورث للغير الظن. وهذا هو الذي وقع موضع البحث للشيخ وغيره، وأمّا إذا كان المبدأ له التفرّس والذكاء حيث ينتقل من المراد إلى المبادئ ومنها إلى المراد بسرعة، فهذا خارج عن موضع الكلام، فالأوّل عيب وشين والثاني زين وكمال، كما أنّه لو حصل لهذا القطّاع قطع من السبب العادي فهو خارج أيضاً عن محطّ البحث.

ومنه يظهر حال الظنّان، فإنّ عدم الاعتناء به إذا كان المبدأ للظن أمراً غير متعارف لا ما إذا كان متعارفاً.

وأمّا كثير الشك، فلو كان كثير الشك في فعل ومتعارفه في فعل آخر لا يعتني في الأوّل ويعتني به في الثاني.


(81)

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ القطّاع قد يحصل له القطع في مورد يكون القطع فيه طريقياً، وأُخرى في مورد يكون فيه موضوعياً.

أمّا الأوّل، فإن أُريد من عدم الاعتناء وعدم الحجّية ، الحكم التكليفي وأنّه يجب عليه ترك الاعتناء بالقطع فهذا ما لا يتصوّر في حقّه، إذ هو حسب عقيدته يرى نفسه مصيباً للواقع، فكيف يمكن نهيه عن العمل به، إذ هو مساو عنده للنهي عن العمل بالواقع، وهل هذا إلاّ التناقض في نظر القاطع؟ نعم يمكن التصرّف في مقدمات علمه ومصادر قطعه بالتشكيك فيها حتى يزول يقينه، وهو غير القول بإيجاب ترك العمل على القطع.

وإن أُريد منه عدم كفايته في الحكم بصحّة العمل على قطعه عند إنكشاف الخلاف ولزوم إعادة المأمور به وقضائه فهو حقّ، لكن لا فرق بين القطّاع وغيره لما عرفت من أنّ القطع بشيء لا يستلزم الاجزاء عند كشف الخلاف.

وأمّا الثاني، أعني القطع الموضوعي ، فيقع الكلام أيضاً في التكليفي تارة والوضعي أُخرى، أمّا الأوّل فالنهي عن العمل به بمكان من الإمكان، لأنّ القطع ـ في المورد الذي يحصل له القطع ـ إمّا تمام الموضوع أو جزؤه وللشارع أن يتصرّف في موضوعه بأخذ قطع خاصّ فيه، وهو القطع الحاصل من الأسباب التي يحصل منها القطع لنوع الناس دون القطع الذي يحصل من أسباب لا تكون سبباً له عنده، وأمّا الثاني، فقد عرفت أنّ الحركة على طبق القطع لا يستلزم الإجزاء وإن كان المكلّف يعدّ معذوراً.

هذا كلّه بالنسبة إلى نفس القاطع، وهل يمكن إلغاؤه بالنسبة إلى الغير؟ الظاهر ذلك، من غير فرق بين كونه طريقياً محضاً أو موضوعياً، وذلك لأنّ قطع القطّاع بالنسبة إلى الغير يكون من قبيل القطع الموضوعي، وقد عرفت أنّ للشارع أن يتصرّف في موضوعه كيف ما شاء، وعلى ضوء ذلك يصحّ منع العامي عن الرجوع إلى القطّاع سواء كان مجتهداً أو قاضياً أو شاهداً، وإن كانت شهادته


(82)

مستندة إلى الحس.

ثمّ إنّه لو وقف الإنسان على خطأ القاطع ـ قطّاعاً أو غيره ـ في الأحكام والموضوعات، فهل يجب على الغير إرشاده؟ أمّا الأحكام، فهو غير بعيد بالنظر إلى لزوم إرشاد الجاهل، من غير فرق بين البسيط والمركب. وأمّا الموضوعات، فلا شك في وجوبه في مهامّ الأُمور أعني الدماء والأعراض والأموال. وأمّا غيرها فلا دليل على وجوب الردع والارشاد، نعم لا يجوز أن يكون سبباً لإيقاعه في الخطأ كاعطاء الماء النجس إلى الغير ليشرب.

هذا كلّه في القطّاع، وأمّا الظنّان فيمكن نهيه عن العمل بظنّه تكليفاً ووضعاً، طريقياً كان أم موضوعياً، وذلك لأنّ حجّيته حجّية عرضية، تابعة لسعة جعلها وضيقه فمن الممكن أن يخصّص الجاعل الحجّية بالمتعارف من الظن فحينئذ يكون حكمه حكم الشك، فكلّ مورد لا يجب الاعتناء فيه بالشك، يكون الظن مثله، كما إذا شكّ في الإتيان بالجزء بعد الخروج عن محلّه، فلو ظنّ عدم الإتيان لا يعتنى به، لكونه كالشك، بعد المحلّ الذي لا يُعتنى به، كما أنّ كلّ مورد يجب الاعتناء فيه بالشك يكون حكمه حكم الشك كما في الشك في الإتيان قبل الخروج عن المحل، فلو ظن الظنّان بالإتيان به فلا يكفي بل يجب الإتيان به لأنّ ظنّه كالشك.

وأمّا شك الشكّاك، ففي كلّ مورد لا يعتنى بالشك المتعارف فيه لا يعتنى بشك الشكّاك فيه أيضاً بطريق أولى كما في الشك بعد الخروج عن المحل، وأمّا المورد الذي يُعتنى فيه بالشك العادي، فشك الشكّاك لا يعتنى فيه، كما في الشك قبل الخروج عن المحلّ لأنّ المقصود من قوله «لا شكّ لكثير الشك» رفع التكاليف المترتبة على الشك العادي، فلو اعتني به أيضاً لا يبقى فرق بين شكّ الشكّاك وغيره.


(83)

الأمر السابع:

في القطع الحاصل من الدليل العقلي

وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، وربّما يعرّف بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري، والتعريف الأوّل أوفق بالمقام، وقد قسّم الأحكام العقلية إلى مستقلّة وغير مستقلّة، أمّا الأُولى فهي ما إذا كان مجموع أجزاء القياس مأخوذاً من العقل، كما في الحكم بأنّ خيانة الأمانة ظلم والظلم قبيح، فهذا القياس يقع ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي أعني حرمتها.

وأمّا إذا كانت الصغرى مأخوذة من الشرع والكبرى من العقل فهو حكم عقلي غير مستقل، وذلك مثل أبواب الملازمات من وجوب المقدمة وحرمة الضد وغيرهما، فالشرع يحكم بمقدّمية الوضوء، والعقل يحكم بالملازمة بين الإرادتين: إرادة المقدمة وإرادة ذيها.

الثاني: هل النزاع في المقام كبرويّ بمعنى أنّه في حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، أو صغرويّ بمعنى أنّ القطع لا يحصل من غيرهما؟ جنح إلى الأوّل شيخنا الأعظم في الفرائد، وإلى الثاني المحقّق الخراساني، ويؤيّد قول الشيخ


(84)

أمران:

1ـ ما ذكره المحدّث الجزائري، حيث قال: فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الأُصول والفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أمّا البديهيات فهي له وحده وهو الحاكم فيها، وأمّا النظريات فإن وافقه النقل وحكم بحكمه قدّم حكمه على النقل ...

فإنّ عطف النظريات على البديهيات يعرب عن كونهما من سنخ واحد لا أنّ الأُولى قطعية والأُخرى ظنيّة.

2ـ ما ذكره المحدّث البحراني حيث قال: إنّ الدليل العقلي القطعي المتعلّق بذلك إذا كان بديهياً فلا ريب في صحّة العمل به، وإلاّ فإن لم يعارضه دليل عقلي ولا نقلي فكذلك (1). فإنّ الظاهر من قوله: «وإلاّ» هو أنّه إذا لم يكن بديهياً ولكن كان قطعياً.

نعم يشهد على صحّة استظهار المحقق الخراساني، ما نقل عن السيد الصدر من إنكار الملازمة بين حكم العقل بالحسن والقبح وحكم الشرع بالوجوب والحرمة، فانّ معناه عدم حصول القطع، وأوضح منه عبارة المحدث الاستر آبادي حيث قال: «كل مسلك غير التمسّك بكلامهم إنّما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم اللّه، ولا دليل على حجّية الظن بحكم اللّه».

وعلى كل تقدير فكلا الاحتمالين جديران بالبحث ونقدّم الكلام في أنّ النزاع صغروي على أنّه كبروي، فنقول:

الأدلّة العقليّة التي يمكن أن تكون مفيدةً للقطع للأُصولي عبارة عن الأُمور التالية:


1- الحدائق: ج1 ص 132.


(85)

الأوّل ـ العثور على ملاكات الأحكام:

اتّفقت العدلية على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، خلافاً للأشاعرة فإذا وقف العقل على أنّ الصدق في مقام ضارٌّ لاستلزامه هلاك إنسان وأنّ الكذب نافع لاستلزامه نجاته، يستكشف من حديث التبعية حرمة الأوّل ووجوب الثاني، وربّما يردّ هذا الوجه تارة بإنكار الضابطة المسلّمة عند العدلية وأُخرى بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ولو في نفس الأمر والنهي، ولكنّ الأوّل ضئيل جدّاً لاستلزامه كون إرادته سبحانه إرادة جزافية والثاني لا يضرّ بالمقام، لأنّه إذا كان وجود المصلحة والمفسدة في نفس الأمر والنهي كافياً في تشريع الحرمة والوجوب، فكونهما في المتعلّق يكفي بطريق أولى.

نعم الذي يردّ هذا الوجه هو عدم إحاطة العقل بالمصالح والمفاسد والمزاحمات والموانع، لقصوره عن الإحاطة. ويشهد على ذلك: أنّ المندوبين الخبراء يضعون قوانين في مجلس الشورى ثمّ يظهر بعد فترة من الزمان أنّ المصلحة كانت في خلافه، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قصور الإنسان عن الإحاطة بالمصالح والمفاسد، وإلى ذلك ينظر قول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال» أو : «إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس»(1).

نعم يصح للخبراء وضع قوانين حكومية مؤقتة تلو الوقوف على مصالح ومفاسد، لا أحكاماً دائمية غير قابلة للنسخ حتى لو تبيّـن الخلاف.

الثاني: أن يستكشف الحكم الشرعي من استقلال العقل بالحسن والقبح، فإذا استقلّ العقل بحسن حفظ النظام وقبح تكليف غير المميز أو المعدوم أو من


1-الكافي: ج1، كتاب فضل العلم، باب البدع، الحديث 7.
والوسائل: ج18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18.


(86)

لم يبلغه البيان، يستكشف بحكم الملازمة الحكم الشرعي المناسب للمقام.

وهذا الوجه غير الوجه السابق، فإنّ الأساس في الوجه السابق هو إدراك العقل ملاكات الأحكام فيما يعود إلى حياة الانسان في عاجله وآجله، ولكنالأساس لهذا الدليل هو استقلال العقل بحسن شيء أو قبحه وأنّ هذاالفعل حسن مطلقاً في الدنيا والآخرة، سواء كان الفاعل واجباً أو ممكناً،كانت هناك مصلحة أم لا، مثلاً الخيانة للأمانة وردّ الإحسان بالإساءة ممّا يستقلّ العقل بقبحهما على الإطلاق، فيستكشف أنّ الحكم عند الشرع أيضاً كذلك.

وقد شغلت هذه المسألة بال الأشاعرة من السنّة والأخباريين من الشيعة، أمّا الطائفة الأُولى فقد أنكروا إدراك العقل حسن الفعل وقبحه، وخرجوا بهذه النتيجة:

لا يمكن للعقل أن يقف على حسن الفعل وقبحه، وحسبوا أنّ العقل عاجز في ذلك المجال، وأمّا الطائفة الثانية فقد صدّقوا استطاعة العقل بدرك الحسن والقبح، ولكنّهم أنكروا إمكان استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بحجّة أنّ الحكم الشرعي يمكن أن يكون مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود، فلا يمكن لنا استكشاف الحكم الشرعي الفعلي منه.

يلاحظ على قول الأشاعرة: ما حقّقه أكابر العدلية من أنّ إنكار استطاعة العقل واستقلاله على إدراك حسن الأفعال وقبحها، مكابرة محضة، يقوله القائل بلسانه وينكره في قلبه، وأمّا الثاني أي إنكار الملازمة فإنّما يرجع إلى إنكار استقلال العقل بحسن الشيء على وجه الإطلاق وقبحه كذلك، فإنّ المفروض أنّ العقل حينما يلاحظ العدل مجرّداً عن كلّ شيء، يستقلّ بحسنه، فكيف يمكن أن يكون الحكم الشرعي مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود؟ فاحتمال اشتراط الحكم الشرعي على النحو الذي ذكره، رجوع عن الحكم باستقلال العقل


(87)

في ذلك المجال (1).

الثالث: أن يدرك العقل حكماً بديهياً أو نظرياً منتهياً إلى البديهي، فيجعل كبرى لصغرى شرعية وذلك مثل باب الملازمات، فإنّ العقل يرى الملازمة بين إرادة الشيء وإرادة مقدمته، وإرادة عدم ضدّه كما يرى الملازمة بين الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء في باب المفاهيم (على القول بها) والملازمة بين النهي عن الشيء وفساده، أو الملازمة بين الاشتغال القطعي ولزوم الفراغ عنه يقيناً، إلى غير ذلك من أقسام الملازمات العقلية.

فالاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي، نظير الاستدلال بالعلّة على وجود المعلول، فبما أنّه يحكم بالملازمة بين الإرادتين، يستكشف منها، أنّ الشارع أيضاً أراد الإتيان بالمقدمة ولم يرد الإتيان بضدّه عند الإتيان بالمأمور به، ويعبّـر عن ذلك بإيجاب المقدّمة وحرّمة الضد.

ويظهر ممّا تقدم حكم مفهوم الخطاب ولحنه، أعني: المفهوم المخالف والموافق فإنّ الاستدلال فيهما عن طريق الملازمة. غاية الأمر أنّ اللازم في الأوّل هو ارتفاع الحكم عند الارتفاع، وفي الثاني ثبوت الحكم على وجه الاُولوية كما لايخفى.

والحق أنّ الاستدلال على الحكم عن طريق الملازمات استدلال متين، والمنع عن الاستكشاف يرجع إلى نفي الملازمة وهو خلف.

الرابع: الأخذ بالمناط بعد تنقيحه وهو على قسمين لأنّ المناط إمّا مذكور وإمّا مستنبط، فالأوّل يدخل في الدلالة الشرعية والثاني يدخل في الدلالة العقلية، فلو ساعد العرف على استنباط المناط وإلغاء الخصوصية فهو وإلاّ فهو من أخطر المواقف للفقيه لأنّه أشبه شيء بالقياس.


1-لاحظ: مطارح الأنظار ، ص 224.


(88)

ولأجل ذلك يقول الشيخ الأعظم: «الإنصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بادراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيراً في نفس الأمر وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك» (1).

هذه هي الأدلّة العقلية التي يمكن أن يركن إليها المجتهد الإمامي وقد عرفت أنّ أيّاً منها يصلح للركون.

هذا كلّه إذا كان النزاع صغرويّاً.

الكلام فيما إذا كان النزاع كبرويّاً:

وأمّا إذا كان النزاع كبرويّاً أي في حجّية القطع الحاصل وعدمها، فيقع الكلام في مقامي الثبوت والإثبات أي في إمكان النهي عن العمل به وعدمه، وعلى فرض الإمكان هل ورد النهي عنه شرعاً أو لا؟

أمّا المقام الأوّل: فقد أحاله الشيخ: لو أُريد منه عدم جواز الركون بعد حصول القطع، لاستلزامه اجتماع النقيضين عند القاطع مطلقاً، وفي الواقع عند الإصابة وجوّزه على وجه لو أُريد به عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط والاشتباه فيها.

والحقّ جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل عن غير الكتاب والسنّة، وذلك لأنّ القاطع وإن وصل إلى الواقع المحض ووقف على الحكم الشرعي، والنهي عن العمل به يعدّ في نظره تناقضاً، لكن للشارع التصرّف في موضوع إطاعته وامتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام التي وصل إليها المكلف عن طريق الكتاب والسنّة، فإنّ لزوم الإطاعة وإن كان عقلياً لكن تحديد موضوعها سعة وضيقاً بيد الشارع فله أن يحدّد الموضوع ويخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما، لا من الطرق الأُخرى.


1-الفرائد، ص 12 (طبعة رحمة اللّه).


(89)

والإذعان به وإن كان في التوصليات لا يخلو من إشكال لأنّ المطلوب فيه، هو نفس العمل، والمفروض أنّ القاطع يقوم به لكنّه في التعبّديات والقربيات، التي يعتبر فيها قصد الأمر، أو كون الإتيان بها لوجه اللّه بمكان من الإمكان، فلايقبل امتثال أمر أو نهي قربي إلاّ إذا وصل إليه المكلف من الطرق المسوّغة لاالممنوعة.

ثمّ إنّ المحقق النائيني ذهب إلى جواز التقييد بوجه آخر، وحاصل ما أفاده: أنّ العلم بالحكم لما كان من الإنقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه التقييد لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.

ومن جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل والعلم فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكن محفوظاً في حالة العلم فقط فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلاً لبيان ذلك، فلابدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد وهو المصطلح عليه بـ : متمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الإطلاق والتقييد يكون من دليل آخر، وقد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام في حقّ العالم والجاهل وأنّ الحكم مطلق في حق العالم والجاهل ولكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص وقد خصّصت في غير مورد كما في مورد الجهر والإخفات والقصر والإتمام (1).

وبذلك يمكن أن توجّه مقالة الاخباريين بأنّ يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد إذا أدّى إليها الكتاب والسنّة.


1-فوائد الأُصول: ج3 ص 12.


(90)

ويرد عليه أوّلاً: أنّ تقابل الإطلاق والتقييد اللحاظيين تقابل الضدّين، لفرض قيامهما بلحاظ السعة والضيق، ومعه كيف يكون تقابلهما تقابل العدم والملكة؟!

وثانياً: سلمنا أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، ولكن لا يصحّ ما رتّب عليه من أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به، يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم والجاهل به، وذلك لأنّ امتناع التقييد ليس لأجل عدم القابلية كعدم قابلية الجدار لتقييده بالعمى، بل لأجل استلزامه الدور، وبما أنّ الدور مختص بصورة التقييد بالعلم فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين فلايلزم من امتناع التقييد، امتناع الإطلاق.

وثالثاً: أنّ الإطلاق في المقام ذاتي ويكفي في ذلك كون الطبيعة متعلّقة للحكم، وذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم وهو متحقّق في كلتا الحالتين، كان هناك علم بالحكم أو لم يكن، فالمحذور المتصوّر في باب التقييد اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا معنى لعدّهما من باب واحد.

ورابعاً: أنّ الاكتفاء بما أتى في موارد القصر والإتمام أو الجهر والإخفات، ليسا لأجل اختصاص الحكم بالعالم، بل يمكن أن يقال: بأنّ الشارع تقبّل المأتي به مكان المأمور به.

هذا كلّه في مقام الثبوت، وقد عرفت إمكانه، كما عرفت نظرية الشيخ، وأنّه غير ممكن عنده.

وأمّا مقام الإثبات، فالروايات الواردة لا تدلّ على نظرية الاخباري وهي على طوائف نشير إليها:

الطائفة الأُولى: ما دلّ على بطلان القياس، وهو أكثر ما ورد في هذا المقام لابتلاء الصادقين ـ عليهما السَّلام ـ بأهله. روى عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن


(91)

موسى ـ عليه السَّلام ـ عن القياس؟ فقال: فما لكم وللقياس؟ إنّ اللّه لا يُسأل كيف أحلّ وكيف حرّم (1).

وروى أبو شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس (2).

وهذه الطائفة لا مساس لها بالمقام لأنّ القياس من الظنون الممنوعة والبحث في القطعيات العقلية التي لم يتعلّق بها النهي.

الطائفة الثانية: ما دلّ على ردّ الاعتماد على الاعتبارات الظنّية من الاستحسان وغيره. روى غياث بن إبراهيم عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه عن أمير المؤمنين ـعليهمالسلامـ ، أنّه قال في كلام له: الإسلام هو التسليم ـ إلى أن قال: ـ إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه (3).

وروى ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وأنّكم أخذتم بأمر له أصل (4).

والجواب عن هذه الطائفة نفس الجواب عن الطائفة السابقة.

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّ العلم الصحيح عبارة عمّـا صدر عن أهل البيت. روى أبو مريم: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً صحيحاً خرج من عندنا أهل البيت (5).


1-الوسائل: ج18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15، و18 وبهذا المضمون روايات أُخرى في الباب وغيره.
2-الوسائل: ج18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15، و18 وبهذا المضمون روايات أُخرى في الباب وغيره.
3- المصدر نفسه: الحديث 21 و 31 ولاحظ أيضاً الحديث 34.
4- المصدر نفسه: الحديث 21 و 31 ولاحظ أيضاً الحديث 34.
5-المصدر نفسه: الحديث 16، وبهذا المضمون روايات أُخرى.


(92)

والحصر في الرواية ونظائرها إضافي وهو نفي ما يرويه المخالفون من غثّ وسمين، وليس للرواية نظر إلى نفي الملازمات العقليّة البتّة التي لا يتردّد فيها العقل السليم الذي به عرف اللّه سبحانه وبه صدّقت كلماته وأنبياؤه.

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على أنّ الولاية شرط قبول الأعمال. روى حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل في الإمامة وأحوال الإمام، قال:

«أما لو أنّ رجلاً صام نهاره وقام ليله وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب، ولا كان من أهل الإيمان» (1).

يلاحظ عليه: لا شك أنّ قبول العمل رهن الولاية حسب النصوص ولا يخالف فيه أحد إنّما الكلام في معنى قوله: «ليكون جميع أعماله بدلالته» فلا شكّ أنّ في فقدان الولاية فقدان الهداية وفي فقدانها خسارة كبيرة، أمّا دخل دلالته في كل صغير وكبير، حتى فيما وصل إليه بالحجّة الباطنية، فلا تظهر مدخليته.

أضف إلى ذلك: أنّ العمل بما يحكم به العقل أيضاً بدلالة ولي اللّه، حيث استفاضت الروايات على أنّ العقل من حجج اللّه تبارك وتعالى، فلاحظ رواية هشام بن الحكم عن أبي الحسن الأوّل في الكافي(2) المعروف بحديث جنود العقل والجهل.

الطائفة الخامسة: ما يدل على مدخلية تبليغ الحجة في التديّن بحكم. روى جابر عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: من دان اللّه بغير سماع من صادق، ألزمه اللّه التيه يوم القيامة (3).


1-الوسائل: ج18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2-الكافي: ج1، كتاب العقل والجهل.
3-الوسائل: ج18، الباب7، من أبواب صفات القاضي، الحديث37وبهذا المضمون روايات أُخرى.


(93)

وهذه الرواية وأضرابها ممّا احتجّ به الأخباري، ولكنّه لا صلة له بالمجتهدين الكبار الذين لم يعرضوا عن العترة وأخذوا الأُصول والفروع منهم، وإنّما هي راجعة إلى المعرضين عن أبوابهم. وأمّا من استضاء بنورهم، وتمسّك بالعقل فيما لم يرد فيه حكم شرعي وكان المجال مجاله فهو خارج عن مدلول الرواية.

ثمّ إنّ المحدث الاسترآبادي ذكر في كلامه: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه، ومن المعلوم أنّ العصمة من الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلا.

يلاحظ عليه: أنّه مغالطة محضة، فإنّ المسلم الواعي لا يعوّض كلامهم بشيء، إذ لا يعادله شيء لكن الكلام في أنّه إذا لم يوجد عنهم نص صحيح، ولاظاهر قويم، فهل هنا مرجع غير الشرع؟ فالأُصولي يجيب بالإثبات لكن فيما إذا كان الموضوع ممّا يصحّ أن يرجع إليه، والأخباري يجيب بالنفي.


(94)

الأمر الثامن:

هل المعلوم إجمالاً كالمعلوم تفصيلاً أو لا ؟

وقبل الخوض في المقصود لابدّ من تقديم أمرين:

الأوّل: أنّ العلم بنفسه لا يقبل الإجمال والتفصيل لأنّه من مقولة الانكشاف وأمره دائر بين الوجود والعدم، لا الإجمال والتفصيل، فلو كان هناك علم كان هناك انكشاف بلا إجمال وإلاّ فلا، وكما لا يقبل العلم الإجمال كذلك لايقبله متعلّقه، لأنّ تشخّص العلم بالمعلوم، كتشخّص الإرادة بالمراد، فلو كان هناك إجمال لسرى إلى نفس العلم وقد عرفت أنّه لا يقبله، وعلى ضوء ذلك فليس هنا إجمال لا في العلم ولا في المعلوم بالذات، ولو كان إجمال فإنّما هو في مصداق المعلوم بالذات، وانّ المعلوم بالذات كالنجس مثلاً هل هو في هذا الإناء أو ذاك؟

وإن شئت قلت: إنّ الإجمال إنّما يعرض على العلم أو يوصف العلم به على وجه المجاز من ضمّ جهل إلى علم وهو عدم العلم بمصداق المعلوم بالذات.

الثاني: يرى القارئ في الكتب الأُصولية المؤلّفة من عصر الشيخ الأعظم إلى زماننا هذا ، أنّهم يكرّرون البحث عن العلم الإجمالي فيبحثون عنه تارة في مباحث القطع وأُخرى في مباحث الاشتغال، فما هو الوجه لهذا التكرار؟ هناك وجوه في كلمات القوم:


(95)

1ـ ما ذكره الشيخ الأعظم، وهو أنّ لاعتبار العلم الإجمالي مرتبتين: مرتبة اعتباره من حيث حرمة المخالفة القطعية، ومرتبة اعتباره لأجل وجوب الموافقة القطعية، والمتكفل لبيان الأُولى هو مبحث القطع، والمتكفّل لبيان الثانية هو مبحث الاشتغال.

2ـ ما ذكره المحقق الخراساني، وهو أنّ تعدد البحث لأجل تعدّد الجهة المبحوث عنها، فتارة يبحث عنه لغاية التعرّف على أنّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامة لإثبات التكليف وتنجّزه بحيث لا يمكن المنع عنه وجعل الترخيص لأحد أطرافه، أو هو مقتضى للتنجّز وقابل لجعل الترخيص؟ فإذا ثبت كونه علّة تامة لما بقي مجال للبحث عنه في مبحث الاشتغال، وأمّا إذا ثبت الثاني فيبحث عن وجود الترخيص لبعض الأطراف وعدمه، والمتكفّل له هو مبحث الاشتغال.

3ـ ما ذكره سيدنا الأُستاذ، وهو أنّ العلم بالتكليف قد يطلق ويراد منه تارة العلم الوجداني بالتكليف الذي لا يرضى المولى بتركه أبداً، وأُخرى العلم بقيام الحجّة الشرعية على التكليف، كما إذا قامت الأمارة على حرمة العصير العنبي إذا غلى، فتردّد المغلي بين إنائين، فليس في صورة العلم الإجمالي علماً بالحكم بل علماً بإطلاق الدليل الشامل للمغلي بكلتا حالتيه: المعلوم تفصيلاً والمعلوم إجمالاً.

ففي مورد العلم الوجداني القطعي بالحكم فالعلم الإجمالي كالعلم التفصيلي علّة تامة للتنجّز فيجب موافقته القطعية كما تحرم مخالفته كذلك، وهذا ما يبحث عنه في مبحث القطع، وأمّا إذا كان هناك علم بالحجّة الشرعية، فيقع الكلام فيه أنّ مقتضى إطلاق الدليل وجوب الاجتناب عن المغلي علم تفصيلاً أو لا، ومع ذلك فهل هنا دليل مقيّد للإطلاق ومحدّد له بحالة العلم التفصيلي أو لا؟ وهذا ما يبحث عنه في مبحث الاشتغال.

وبذلك يظهر أنّ البحث عن كون العلم الإجمالي علّة تامة لحرمة المخالفة القطعية أو وجوب الموافقة كذلك، أو كونه مقتضياً لكلتيهما، أو علّة تامة بالنسبة


(96)

إلى حرمة المخالفة ومقتضياً بالنسبة إلى الموافقة، راجع إلى القسم الثاني أي العلم بقيام الحجّة التي لها إطلاق لا بالنسبة إلى العلم الوجداني بالتكليف.

إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي ومنجّزيته.

الثاني: في سقوط التكليف بالامتثال الإجمالي.

أمّا الأوّل، فلا شك أنّ العلم الإجمالي بوجود التكليف الذي لا يرضى المولى بتركه، علّة تامة لوجوب الموافقة القطعية فضلاً عن الموافقة الاحتمالية، وفي مثله لا يمكن الترخيص فإنّ الترخيص في الطرفين يستلزم العلم بإرادة المتناقضين، وفي أحدهما يستلزم إحتمال إرادة المتناقضين وكلاهما محال.

فإن قلت: كيف يكون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامة لوجوب الامتثال مع أنّ البيان بعد لم يتمّ، إذ ليس هنا إلاّ علم بالكبرى وهو لا يكفي في مقام التنجّز؟

وإن شئت قلت: إنّ القبيح هو عصيان المولى ولا يتحقق إلاّ مع العلم بالمخالفة حين الفعل، والمفروض أنّه لا علم بها عند ارتكاب كلّ واحد، غاية الأمر يحصل له العلم بعد الارتكاب، ومثل هذا ليس بحرام.

قلت: كلا البيانين ضعيفان: أمّا الأوّل فلأنّ اللازم على المولى هو بيان الكبرى وأمّا تحصيل الصغرى فإنّما هو على عاتق العبد وقد أعطى أدوات المعرفة لأجل هذا الغرض، وأمّا الثاني فلأنّه لا فرق في نظر العقل بين المخالفة الدفعية أو المخالفة التدريجية.

فإن قلت: إنّ التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف وكانت مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته إحتمالاً (كما في جعل الترخيص لبعض الأطراف) وقطعاً كما في جعله للجميع، ومحذور مناقضته


(97)

للمقطوع إجمالاً هو محذور مناقضة الحكم الظاهري للواقعي في الشبهة غير المحصورة أو البدوية.

قلت: إنّ القياس مع الفارق، فإن جعل الحكم الظاهري في الموردين يلازم رفع اليد عن الحكم الواقعي، وإلاّ فمع الإصرار على حفظ الواقع وعدم الرضا بتركه لا يصحّ الترخيص حتى في مورد الشبهة البدوية، وهذا بخلاف المقام، فإنّ المفروض هو العلم الإجمالي بالتكليف الذي لا يرضى بتركه. فكما لا يجوز الترخيص مع العلم التفصيلي فكذلك لا يجوز مع العلم الإجمالي، بل قد عرفت أنّه لا يجوز الترخيص حتى في موارد الشبهة غير المحصورة أو البدوية، لأنّ جعل الترخيص يساوق إحتمال جعل المتناقضين وإرادتهما، وحديث تأخّر مرتبة الحكم الظاهري عن مرتبة الحكم الواقعي إنّما يفيد إذا لم يكن مقترناً بهذا العلم.

نعم لو قامت الحجّة على التكليف، كما إذا دلّ الصحيح من الروايات على حرمة العصير العنبي إذا غلى وتردّد المغلّي بين إنائين واقتضى إطلاق التكليف حرمته، حتى في صورة العلم الإجمالي يجوز للشارع تقييد ذلك الإطلاق بأن يرخّص ارتكاب أحد المحتملين، أو يرخّص كليهما فيخصّص دليل الأمارة بصورة العلم التفصيلي، والفرق بين الصورتين واضح، فإنّ العلم الإجمالي بالتكليف غير المرضي بتركه غير موجود في المقام، إذ ليس هناك إلاّ إطلاق الدليل، ومن المعلوم أنّه يمكن تقييد الإطلاق، فلا يلزم هناك محال.

ومن هنا يعلم أنّ الأقوال المختلفة في اعتبار العلم الإجمالي في مجالي الموافقة والمخالفة إنّما هي راجعة إلى الصورة الثانية دون الأُولى، واللائق بالأُولى كونه علّة تامة في جميع المراحل والمراتب.

وبذلك يظهر وجود الخلط في كلمات القوم، حيث إنّهم ضربوا القسمين بسهم واحد، وجعلوا الترخيص مطلقاً حتى فيما إذا كان هناك علم بالحجّة مستلزماً للتنافي في المبدأ والمنتهى.


(98)

أمّا المبدأ فلأنّه يستلزم اجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة، واجتماع المفسدة والمصلحة في المتعلّق بلا كسر وانكسار وهو من باب اجتماع الضدين، وكذا الحال في اجتماع الوجوب والترخيص، أو اجتماع الحرمة والترخيص وهو يستلزم وجود المصلحة الملزمة وعدم وجودها في شيء واحد، أو وجود المفسدة الملزمة وعدم وجودها وهو من باب اجتماع النقيضين المحال.

وأمّا المنتهى وهو مقام الامتثال فلعدم تمكّن المكلّف من امتثال كلا الحكمين كما هو ظاهر فيقع التنافي في حكم العقل بلزوم الامتثال (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الكلام مركّز على جعل الترخيص في أطراف العلم الإجمالي سواء كان المعلوم بالإجمال واجباً أو محرّماً، وعلى ذلك كان عليه الاكتفاء بقوله: «وكذا الحال في اجتماع الوجوب والترخيص أو اجتماع الحرمة والترخيص» وحذف ما تقدم عليه: «أنّه يستلزم اجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة واجتماع المفسدة والمصلحة».

وثانياً: أنّ حديث اجتماع المصلحة والمفسدة ليس أمراً مهمّـاً في كلتا الصورتين سواء كان هناك علم بالتكليف أو علم بالحجّة، إذ ليستا من العوارض القائمة بنفس المحرّم كالسواد والبياض، حتى لا يصحّ اجتماعهما في محرّم كالخمر بل المصالح والمفاسد في الأحكام غالباً لجهات اجتماعية.

وعلى ذلك فلا مانع من كون الشيء ذات مفسدة بحال المجتمع ولكن كانت (في إلزام الناس على تركه فيما إذا كان معلوماً بالإجمال) مفسدة أشد من الأُولى فعند ذلك لا مانع من الترخيص، وإنّما المهمّ البحث عن إمكان جعل الحرمة أوّلاً، وجعل الترخيص ثانياً، والحقّ فيه التفصيل بين العلم بالحكم وبين قيام الحجّة على التكليف وإطلاقه الشامل للمعلوم بالتفصيل والإجمال.


1-مصباح الأُصول: ج2، ص 72.


(99)

فلا يجوز جعل الترخيص في الأوّل لفرض وجود الحكم الجدّي القطعي، بخلاف الثاني إذ لا مانع من رفع اليد عن الحكم الواقعي على فرض وجوده، وذلك لأنّه ليس عند المكلّف إلاّ العلم بالحجّة وإلاّ العلم باطلاقها الشامل لصورة المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالإجمال، وليس تقييد الإطلاق أمراً ممتنعاً إذ لا مانع من تقييد قوله: «العصير العنبي إذا غلى يحرم» بصورة معلومية المغليّ تفصيلاً كما لا يخفى.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده في الفرق بين الشبهة البدوية والعلم الإجمالي بإمكانه في الأوّل دون الثاني، وبعدم وصول الحكم الواقعي في الأوّل، فلا يجب إمتثاله ووصوله في الثاني، ولا فرق في حكم العقل في لزوم الامتثال بين وصول الحكم بالعلم التفصيلي والإجمالي.

لأنّ ما ذكره إنّما ينطبق على العلم الوجداني بالتكليف لا ما إذا قامت الحجّة على التكليف وكان له إطلاق يعمّ صورة العلم الإجمالي، ولكنّه قابل للتقييد بالعلم التفصيلي، والحاصل: أنّ القوم خلطوا العلم الوجداني بالعلم بالحجّة التي لها إطلاق يعمّ صورتي المعلوم، بالإجمال والتفصيل، وعلى ذلك فالحقّ أن يقال بالتفصيل بين العلم الوجداني القطعي بالحكم الشرعي على وجه لا يرضى المولى بتركه، فلا يجوز جعل الترخيص فيه، والعلم بالحجّة التي لها الإطلاق الشامل لصورتي المعلوم بالإجمال والمعلوم بالتفصيل فإنّه يجوز تقييد الإطلاق بصورة العلم التفصيلي، ويجوز الترخيص لكلا الطرفين أو لبعض الأطراف.

هذا كلّه في مقام الثبوت، وأمّا الكلام في مقام الإثبات وهو أنّه هل هنا دليل من الشارع يرخّص ارتكاب كلا الطرفين، أو بعضهما فيما يجوز فيه الترخيص أولا؟ فموكول إلى بحث البراءة والاشتغال فجدير بنا البحث في المقام الثاني التالي:


(100)

كفاية الامتثال الإجمالي عن التفصيلي:

هل يجوز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي أو لا؟ والكلام يقع تارة في المتمكّن من الامتثال التفصيلي، وأُخرى في غير المتمكّن ولا شك في الجواز في غير المتمكّن من غير فرق بين القربيّات والتوصليّات، استلزم التكرار أو لا؟ كانت الشبهة موضوعية أو حكمية. إنّما الكلام في المتمكّن من الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد، فيقع الكلام تارة في التوصليات وأُخرى في القربيات.

أمّا الأوّل فلا شكّ في كفايته لأنّ الواجب هو تحقق المأمور به في الخارج كغسل الثوب، سواء غسله بماء طاهر أو بمائعين طاهرين يعلم أنّ أحدهما ماء.

ويظهر من الشيخ الأعظم الإشكال في باب العقود كما إذا تردّد في أنّ إنشاء النكاح هل يقع بلفظ النكاح أو بلفظ الزواج، مع التمكّن من الاجتهاد أو التقليد للوقوف على العقد الصحيح، قائلاً: بأنّه قام الإجماع على بطلان العقد المعلّق لأجل منافاته الجزم المعتبر في الإنشاء.

يلاحظ عليه: أنّ بطلان المعلّق إنّما هو لأجل الإجماع عليه، فلولا الإجماع كما هو الحقّ لا إشكال في الإنشاء المعلّق إلاّ ما دلّ التعبّد على بطلانه، وأمّا الجزم في الإنشاء فلا شك أنّ العاقد بصدد إنشاء النكاح قطعاً، وأمّا العلم بأنّ الانشاء يتحقق بهذا اللفظ معيّناً ،فلم يدلّ عليه دليل بل يكفي قصده الجدّي على إنشاء النكاح وهو الباعث على الجمع بين أطراف العلم.

وأمّا الثاني أي القربيات، فلا شك في جوازه فيما لا يجب الاحتياط فيه كالشبهات البدوية الحكمية والموضوعية لأنّه يكشف عن ملكة الانقياد، إنّما الكلام فيما يجب فيه الاحتياط كصورة العلم الإجمالي، فتارة يقع الكلام فيما إذا استلزم الامتثال الإجمالي التكرار ، وأُخرى فيما لا يستلزم، أمّا الأوّل فقد أشكل عليه بوجهين:


(101)

1ـ أنّ التكرار لعب بأمر المولى، وما يعدّ لعباً لا يمكن التقرّب به، وأُجيب بأنّ اللعب في كيفية الإطاعة لا في أصل الطاعة، ولا يخفى ضعفه لأنّ اللعب في الكيفية ربّما يسري إلى أصل الطاعة في نظر العرف والعقلاء.

والأولى أن يجاب بأنّه: ربّما يكون هناك داع عقلائي للامتثال الإجمالي مكان التفصيلي، كما إذا كان في تحصيل الاجتهاد أو الأخذ بفتوى الغير مشاكل فردية أو اجتماعية فيجمع بين الصلاتين: الظهر والجمعة مع ترك التقليد والاجتهاد.

2ـ ما أفاده المحقق النائيني من أنّ حقيقة الطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون الداعي والمحرِّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به وانطباق المأمور به عليه، وهذا المعنى في الامتثال الإجمالي لا يتحقّق، فإنّ الداعي له نحو العمل بكلّ واحد من فردي الترديد، ليس إلاّ احتمال تعلّق الأمر به، فإنّه لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الانبعاث في عامّة الموراد ليس من أمر المولى، بل عمّـا يترتّب على الأمر من المثوبة والعقوبة إلاّ المخلصين الذين ينبعثون من معرفة المعبود ويجدونه أهلاً للعبادة.

ثانياً: أنّ الداعي إلى الإتيان بكلّ واحد من الطرفين هو بعث المولى المقطوع به ولولا بعثه لما قام بالإتيان بواحد من الطرفين. نعم لا يعلم أنّ هذا الفرد هل هو واجب أو ذاك الفرد، وذلك لا يضرّ بكون الباعث هو الأمر القطعي، ولو سألت المحتاط عن سبب الاحتياط لأجابك بأنّ أمر المولى المردّد بين الطرفين حمله على الاحتياط.

الامتثال الإجمالي فيما إذا لم يستلزم التكرار:

إنّ التكليف المحتمل الذي لا يتوقف الاحتياط فيه على التكرار، تارة


1-الفوائد للكاظمي: ج3 ص 73.


(102)

يكون تكليفاً استقلالياً وأُخرى تكليفاً ضمنياً، ثمّ القسم الأوّل تارة يدور الأمر فيهبينالوجوب والاستحباب وأُخرى بين الوجوب والإباحة، وإليك بيان أحكامها:

1ـ إذا كان التكليف المحتمل تكليفاً مستقلاً ودار الأمر بين الوجوب والاستحباب كغسل الجمعة، فالحقّ كفاية الامتثال الإجمالي وجواز ترك الاجتهاد والتقليد وإن لم يتبيّـن وجه العمل وأنّه واجب أو مستحب، وذلك لأنّ مقوّم الإطاعة في القربيات قصد الأمر المتوجّه إليه والمفروض أنّ الفاعل قاصد إليه وإن لم يعلم خصوصية الأمر، والذي يفوت من المحتاط هو قصد الغاية كقولنا: «اغتسل لوجوبه» ، أو التوصيف كقولنا: «اغتسل غسل الجمعة الواجب». وسيوافيك عدم وجوبهما غاية وتوصيفاً.

2ـ إذا كان التكليف المحتمل تكليفاً استقلالياً ودار الأمر بين الوجوب والإباحة، فيجري فيه نفس ما قلناه في القسم الأوّل غير أنّه يقصد فيه الأمر القطعي وفي المقام يقصد الأمر المحتمل، والفائت هو قصد الغاية والتوصيف وسيأتي البحث عنه.

نعم يظهر من المحقق النائيني المنع من الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي في المقام، وذلك بنفس الدليل المذكور في الاحتياط المستلزم للتكرار، وقال: الانبعاث عن احتمال البعث وإن كان أيضاً نحواً من الطاعة عند العقل، إلاّ أنّ رتبته متأخرة عن الامتثال التفصيلي (1).

يلاحظ عليه: أنّ الحاكم في باب الطاعة هو العقل وهو مستقلّ بتحقق الطاعة إذا أتى بالفعل بقصد الأمر القطعي أو الاحتمالي وإن لم يعلم حين الاتيان أنّ ما يأتي به هل هو واجب أو لا ، فادّعاء دخل العلم التفصيلي بكونه واجباً في تحقّق الطاعة، لم يدلّ عليه دليل.


1-الفوائد: ج3 ص 73.


(103)

3ـ إذا كان التكليف ضمنياً ودار أمره بين الوجوب والاستحباب كقراءة السورة في الصلاة، فكفاية الامتثال الإجمالي فيه أوضح لما قرّر في محلّه من أنّ الأجزاء الاستحبابية ليست بمعنى كون الواجب ظرفاً لها، بل معناها أنّ تحقق الطبيعة لا يتوقف على تلك الأجزاء، ولكنّه لو أتاها في ضمن سائر الأجزاء لكانت جزء للمأمور به ومن مشخّصاته فيتعلّق بها الوجوب بنفس تعلّقه بسائر الأجزاء، وعلى ضوء ذلك فيمكن للمكلّف المحتاط أن يقصد امتثال الأمر الوجوبي إذا صلّـى مع السورة. نعم الذي يفوته هو تمييز الأجزاء المستحبّة بالذات من غيرها ولم يدلّ دليل على وجوبه.

هذا كلّه حسب القواعد الأُصولية.

وأمّا حسب القواعد الفقهية فنقول: لم يدلّ دليل على اعتبار قصد الوجه من الوجوب والاستحباب غاية أو توصيفاً، كما لم يدلّ دليل على لزوم تمييز الأجزاء المستحبة عن الواجبة، وذلك بالبيان التالي.

إنّ قصد الوجه والتمييز من الانقسامات اللاحقة للتكليف، فإمّا أن نقول بإمكان أخذها في المتعلّق، أو نقول بعدمه.

فعلى الأوّل: يتمسّك بإطلاق متعلّق التكاليف حيث لم يرد قصد الوجه ولا تمييز الأجزاء جزءاً للواجب أو شرطاً له.

وأمّا على الثاني: فالتمسّك بالإطلاق اللفظي وإن كان غير ممكن لفرض عدم إمكان ذكره جزءاً للمتعلّق، ولكن التمسّك بالإطلاق المقامي أمر ممكن، وهو لا يختص بقيد دون قيد، بل يعمّ كل قيد عقلي لا تلتفت إليه العامة، فعندئذ يجب على الشارع إلفات النظر إليه. والتفات الخاصة إليه مع غفلة العامة عنه غير كاف، وهذا كقصد الوجه وتمييز الأجزاء فلو كانا واجبين ودخيلين في الأغراض الشرعية كان على الشارع التنبيه عليهما، ومجرد وصول عقول الخاصة إليهما لا يغني عن التنبيه.


(104)

نعم استدلّ على وجوبهما بأمرين:

1ـ الإجماع المذكور في كلام صاحب السرائر وهو كما ترى.

2ـ ما ربّما يقال: إنّ حسن الأفعال وقبحها إنّما يكون بالعناوين القصديّة كضرب اليتيم المتّصف بالحسن إذا كان الضرب بقصد التأديب، والقبح إذا كان بقصد الإيذاء، وفي المقام نحتمل أن يكون حسن الفعل منوطاً بهذا القصد، أي قصد الوجه وتمييز الأجزاء الواجبة عن المستحبة فمع التمكّن منهما يجب الإتيان بهما حتى يتحقّق القصد المحقّق لحسن الفعل.

يلاحظ عليه أولاً: أنّ الواجب علينا هو الإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب ولا يجب علينا إحراز أيّ عنوان ينطبق عليه من الحسن وغيره حتى يحكم بوجوب القصد لإحراز هذا العنوان، وتكون النتيجة هو تقدّم الامتثال التفصيلي على الإجمالي.

وثانياً: أنّ هذا يتمّ إذا كان المأمور به غير معنون بالحسن الذاتي كضرب اليتيم، وأمّا إذا كان معنوناً به كالعبادة، فلا يتوقف حسنه على قصد العناوين الطارئة.

فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي في جميع المراحل إلاّ إذا عدّ التكرار لعباً بأمر المولى.

الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال الظني التفصيلي:

قد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الامتثال العلمي التفصيلي غير مقدّم رتبة على الامتثال العلمي الإجمالي، وبهذا تبيّـن عدم تقدّم الامتثال الظنّي التفصيلي على العلمي الإجمالي، فإنّ الظنّ الخاص الذي ثبتت حجّيته بدليل خاص مهما تصعّد أو تصوّب، لا يكون أرقى من العلم التفصيلي وقد عرفت عدم تقدّمه على الامتثال العلمي الإجمالي فكيف يكون الظنّ الخاص مقدّماً على العلم الإجمالي، وإن شئت


(105)

قلت: ليس الانبعاث من الأمر القطعي متقدماً على الانبعاث من الأمر الاحتمالي، بل كلاهما إطاعة غاية الأمر تكون الإطاعة، في الأوّل إطاعة للأمر القطعي وفي الآخر إطاعة للأمر الاحتمالي.

وأمّا الظنّ المطلق الذي ثبتت حجّيته بدليل الانسداد، فإن كان المأخوذ في مقدّماته حرمة العمل بالاحتياط لكونه غير مرضي عند الشارع أو مفوّتاً لقصد الوجه المعتبر في العبادات، فلا شك، في تقدّم الامتثال التفصيلي الظنّي على الامتثال الإجمالي.

وأمّا لو كان المأخوذ في إحدى مقدماته عدم لزوم الاحتياط، فلا مانع من الاحتياط والاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكّن من الظنّ المطلق.

ثمّ إنّ اختلاف القوم في كون نتيجة الانسداد، هو الكشف أو الحكومة ، مبنيّ على ذاك الأّمر وأنّ المأخوذ فيها، هو بطلان الاحتياط، فيكشف العقل عن أنّ الشارع جعل لنا حجّة من الظن أو الوهم أو الشك وحيث إنّ الظنّ أقرب يتعيّـن هو.

وأمّا لو كان المأخوذ فيها هو عدم وجوب الاحتياط، فتصير النتيجة هو حكم العقل بالعمل بالظن من دون أن يستكشف جعل الحجية للظنّ من جانب الشارع، لاحتمال إكتفاء الشارع في طريق امتثال أوامره بالاحتياط غير الباطل بالفرض، وعلى الجملة على القول بجواز الاحتياط، لا يستكشف أنّ الشارع جعل لنا الظنّ حجّة في مقام الانسداد.

هذا خلاصة الكلام في باب القطع وبقيت أبحاث طفيفة ضربنا عنها صفحا.


(106)

الكلام في حجّية الأمارات

قد عرفت أنّ الهدف الأسنى في المقصد السادس، هو بيان ما هو الحجّة عقلاً أو شرعاً من الأمارات، وكان البحث عن أحكام القطع بحثاً استطراديّاً، وبما أنّ الأمارات التي نبحث عن حجيتها ظنون، فلابدّ من إثبات إمكان التعبّد بها، قبل البحث عن وقوعه، كيف وقد أحاله ابن قبّة (1) وخالفه الآخرون.

لا شكّ أنّ الظنّ ليس كالقطع فإنّه لا يحتاج في حجّيته إلى جعل الشارع بل العقل يبعث القاطع إلى العمل به. وهذا بخلاف الظنّ فإنّه لا يقتضي بنفسه العمل به، ولا ينقدح في نفس الظانّ باعث ومحرّك عقلي إلى تطبيق العمل طبق ما ظنَّ به.

وهذا هو الذي دعا المحققين إلى البحث عن أمرين:

1ـ إمكان التعبّد به.

2ـ وقوعه بعد ثبوت إمكانه.


1-هو محمد بن عبد الرحمان بن قبّة الرازي المتكلّم الكبير المعاصر لأبي القاسم البلخي المتوفّـى عام317 وقد توفّـي قبله وله كتاب «الانصاف» في الإمامة، لاحظ ترجمته في رجال النجاشي برقم1024. وقد نقل عن أبي الحسن السوسنجرديّ أنّه قال: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ ـ بعد زيارة الرضا ـ عليه السَّلام ـ بطوس ـ سلّمت عليه وكان عارفاً بي ومعي كتاب أبي جعفر بن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف فوقف عليه ونقضه بالمسترشد في الإمامة فعدت إلى الريّ، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بالمستثبت في الإمامة فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بنقض المستثبت، فعدت إلى الريّ فوجدت أبا جعفر قد مات ـ رحمه اللّه ـ.


(107)

وإليك الكلام في كلا الأمرين:

الأوّل: في إمكان التعبّد بالظن:

إنّ البحث عن إمكان التعبّد يتوقف على البحث عن مفاد الإمكان وهو يحتمل أحد أُمور ثلاثة:

1ـ الإمكان الذاتي في مقابل الاستحالة الذاتية الذي هو من صفات الماهيّة كإمكان الإنسان وامتناع اجتماع النقيضين أو الضدين.

2ـ الإمكان الوقوعي، أعني: ما لا يترتب على وقوعه مفسدة، بعد إمكانه ذاتاً في مقابل خلافه كصدور القبيح من اللّه الحكيم، أو ما يوجب الخرق والالتئام في الأفلاك الممكنين ذاتاً لا وقوعاً حسب زعم عدّة من الحكماء.

3ـ الإمكان الاحتمالي وهو عدم الجزم بامتناع الشيء بمجرّد سماعه، وهو الذي أشار إليه الشيخ الرئيس في كلامه: كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذرك عنه، واضح البرهان.

والفرق بين المعاني الثلاثة للإمكان، هو أنّ المراد من الأوّل ملاحظة نفس ماهيّة الشيء وسلب الضرورة من الطرفين، وأنّه ممّا لا يجب ولا يمتنع وجوده في مقابل الواجب أو اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو اجتماع الضدين أو ما يستلزم وجوده اجتماعهما أو ارتفاعهما، فكلّ ذلك يعدّ من الممتنعات الذاتيّة.

والمراد من الثاني ما لا يترتب على وقوعه مفسدة، في مقابل ما يعدّ في حدّ ذاته ممكناً، غير أنّ هناك أمراً يمنع صدوره عن العلّة، كإدخال المطيعين في النار فإنّه في حدّ ذاته ممكن، غير أنّ صدوره لمّا كان مخالفاً لحكمته وعدله ـ لا قدرته ـ فيعدّ محالاً وقوعاً لا ذاتاً.

والمراد من الثالث هو احتمال الإمكان والامتناع، فالإمكان هناك بمعنى نفس الاحتمال أي احتمال وجوده واحتمال امتناعه وعدم القضاء بشيء حتى


(108)

تتجلّـى الحال.

وأمّا الحكم بالإمكان بالمعنيين الأوّلين فيحتاج إلى الدليل، لأنّه حكم على الماهية بأنّها كذا وكذا، أو حكم على وجود الشيء بأنّه لا يترتب عليه محذور في عالم التكوين، ولا يصحّ الحكم إلاّ بالدليل بخلاف المعنى الثالث، فإنّه ليس إلاّ الاجتناب عن الحكم، وهو لا يحتاج إلى الدليل بل هو مستمرّ إلى أن يدلّ دليل على أحد الأمرين.

ما هو محل النزاع من معاني الإمكان:

لا شكّ أنّه ليس الإمكان بالمعنى الثالث، محلاّ ً للنزاع لما عرفت من أنّه ليس أزيد من عدم القضاء بشيء من الطرفين حتى يتبيّـن الحال ومثل ذلك لا يليق أن يقع مورداً للجدال.

كما أنّ الإمكان بالمعنى الأوّل أي عدم اقتضاء الذات لواحد من جانبي الوجود والعدم، ليس بأمر خفي حتّى يقع فيه النزاع بداهة قابلية الظن للأمر بالاتباع، وليس كاجتماع الضدين أو النقيضين الذين يقتضيان بالذات الامتناع بشهادة تسليم الخصم إمكانه عند انسداد باب العلم.

أضف إلى ذلك: أنّ البحث عن الإمكان الماهوي من شؤون الفلاسفة الباحثين عن ضرورة الوجود وإمكانه و امتناعه.

فتعيّـن كون النزاع في الإمكان الوقوعي الذي يحرز بالبرهان كسائر المسائل الفلسفية والعلميّة.

دليل القائل بإمكان التعبّد:

ثمّ إنّه ربّما يستدل على إمكان التعبّد بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من وقوعه محال ذاتي أو عرضي.


(109)

وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل بالجهات المحسّنة والمقبّحة وعلمه بانتفائها وهو غير حاصل فيما نحن فيه.

ثمّ استدلّ هو ـ قدّس سرّه ـ على الإمكان بأنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان.

يلاحظ عليه: أنّ ما نسبه إلى العقلاء ثابت في مورد الإمكان الاحتمالي وقد عرفت أنّه خارج عن مورد البحث، وما هو مطروح في المقام هو الامكان بالمعنى الثاني وليس هنا أصل عقلائي متّبع في المقام.

والحاصل: أنّ المدّعى هو إثبات الإمكان بالمعنى الثاني وما ذكره يثبت الإمكان بالمعنى الثالث، ولا يثبت ما فيه الحكم، بما ليس فيه حكم، مضافاً إلى ما أورد عليه صاحب الكفاية من الإشكالات.

فتلخّص أنّ النزاع في الإمكان بالمعنى الثاني وهو لا يثبت إلاّ بالبرهان، لا بالأصل العقلائي.

ثمّ إنّ المحقق النائيني: حمل الإمكان الوارد في كلامهم على معنى رابع وهو الإمكان التشريعي قائلاً: بأنّ النزاع في أنّه هل يلزم من التعبّد بالأمارات محذور في عالم التشريع من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة و اجتماع الحكمين المتضادين أو لا؟ وليس المراد من الإمكان، الإمكان التكويني بحيث يلزم من التعبّد بالظن محذور في عالم التكوين (1).

يلاحظ عليه: أنّ الإمكان التشريعي بهذا المعنى قسم من الإمكان التكوينيوليس قسيماً له، فإنّ التوالي المتوهمّة تعدّ أُُموراً ممتنعة في صفحة الوجودوالتكوين،وكون مورد الإمكان تشريع التعبّد بالظنّ، لا يوجب عدّه قسماً مستقلا.


1-فوائد الأُصول: ج 3 ص 88.


(110)

دليل القائل بامتناع التعبّد:

استدل القائل بالامتناع بما نقل عن ابن قبّة، وقرّره المتأخرون بوجه علمي دقيق. وحاصله: «أنّ تجويز التعبّد بالظن لا يخلو من محذور راجع إمّا إلى ملاكات الأحكام أو إلى خطاباتها».

توضيحه على وجه يندرج الكلّ تحت هذين الأمرين:

أمّا المحذور الملاكي، فإنّ الأحكام الشرعية واقعية كانت أو ظاهرية، مشتملة على مصالح ومفاسد داعية إلى جعلها وانشائها، فإذا قام الدليل على عدم وجوب ما هو واجب في الواقع أو على عدم حرمة ما هو حرام كذلك، يلزم منه تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة (الصورة الأُولى).

كما أنّه إذا قام الظن على وجوب ما هو حرام، أو حرمة ما هو واجب، يلزم منه اجتماع المصلحة والمفسدة وتدافع ملاكات الأحكام (الصورة الثانية) . فالمراد من المحذور الملاكي ما يرجع المحذور إليه سواء كان بصورة تفويت الملاك أو تدافع الملاكين.

وأمّا المحذور الخطابي أو التكليفي، فالمراد منه توجّه المحذور إلى نفس الخطاب والتكليف أو مبادئه، أعني: الإرادة والكراهة والحبّ والبغض، مثلاً لو كانت الامارة موافقة للواقع يلزم إجتماع الحكمين المتماثلين والإرادتين، وإن كانت مخالفة يلزم اجتماع الحكمين المتضادّين. كما يلزم إجتماع الإرادة والكراهة والحبّ والبغض في بعض الصور كما إذا قامت الأمارة على تحريم الواجب أو وجوب الحرام.

وعلى ذلك فالأولى هو جعل الإشكالات تحت عنوانين: الملاكي والخطابي. لكن بالبيان الذي عرفت، فما يرجع إلى الملاك له صورتان: إمّا تفويت الملاك الواقعي، أو اجتماع الملاكين المتضادين، وما يرجع إلى الخطاب له أيضاً صورتان:


(111)

الخلف إمّا في نفس الخطاب، أو في مبادئه.

فما صنعه المحقق النائيني ـ قدّس سرّه ـ أضبط ممّا صنعه سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ (1).

فنقول: أمّا المحذور الملاكي، فقد عرفت أنّ له صورتين:

الصورة الأُولى: ما إذا كان إيجاب التعبّد بالظنّ مفوّتاً للمصلحة أو ملقياً في المفسدة كما إذا قام الدليل على عدم وجوب الواجب أو عدم حرمة الحرام. فلاشكّ أنّه يفوت الملاك عند العمل بالامارة وهو قبيح. والجواب أنّه تامّ لو لم تكن هناك مصلحة أقوى مسوّغة لذلك.

توضيحه: أنّ طلب الخير الكثير وإن كان فيه شرّ قليل، مطلوب عند العقل والعقلاء وعليه سلوكهم في معاشهم، تراهم أنّهم يكتفون في أخذ القوانين بالطرق المألوفة من وسائل الإعلام مع أنّها لا تخلو عن خطأ واشتباه، لأنّ الالتزام بتحصيل العلم موجب للعسر والحرج، وفي الرجوع إلى تلك الوسائل، اليُسر الذي هو الخير الكثير (وإن اشتمل على الشر القليل، وهو الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة أحياناً). وقد أمضاه الشارع فاكتفى بخبر الثقة أو سائر الأمارات لما فيه من اليسر والسهولة والرغبة إلى الدين كما كان في الإلزام بتحصيل العلم حتّى في زمن التمكّن منه، العسر والحرج وبالتالي عدم إقبال الناس إلى الدين أو خروجهم منه فقدّم هذا الخير الكثير على الشر الطفيف، أعني: المخالفة في موارد محدودة من غير فرق بين زمن الحضور والغيبة، وفرض إمكان تحصيل العلم وعدمه، فأمر بالأخذ بقول الثقة تفصّياً من المحذور المتولّد عن إلزام الناس بالعلم.

فإن قلت: إنّ هذا إنّما يتمّ إذا أمر الناس بتحصيل العلم أو الاحتياط مطلقاً، وأمّا إذا أمر بهما إلى درجة لا يستلزم العسر وإخلال النظام فلا.


1-فوائد الأُصول: ج3 ص 88.


(112)

قلت: إنّ إيجاب تحصيل العلم أو العمل بالاحتياط إلى درجة لا يلزم العسر، لا يدخل تحت ضابطة معينة بل يصير نفس هذا التكليف أمراً موجباً للعسر، فاكتفى من أوّل الأمر بالأمارات التي لا تقصر في الإتقان والإصابة عن العلوم القطعية التي يُحصِّلها المكلّف في بعض الأحايين، إذ ليس كلّ قطع مطابقاً للواقع، كما أنّه ليس كلّ ظنّ مخالفاً له، نعم ردع الشارع بعض الظنون (القياس) التي لا تلائم روح الشريعة الإسلامية المبنيّة على جمع المختلفات ورفض المجتمعات.

ثمّ إنّ هذا الجواب مبنيّ على حجّية الأمارات من باب الطريقية، وأنّه لا مصلحة في العمل بالأمارة سوى مصلحة الواقع، وأمّا على القول بالسببيّة، وأنّ قيام الأمارة تحدث مصلحة في المؤدّى ، فالإشكال ساقط من رأس لانجبار المصلحة المفوّتة أو المفسدة الملقاة فيها بالمصالح المستحدثة في مؤدّى الأمارة.

غير أنّ القول بالسبييّة (حدوث المصلحة في المؤدّى عند قيام الأمارة) لمّا كان ساقطاً عند الإمامية، التجأ الشيخ إلى المصلحة السلوكية وأسماه المحقّق النائيني بالتصويب الإمامي (1).

وما ذكره الشيخ من المصلحة السلوكية يكفي في رفع الإحالة التي ادّعاها ابن قبّة من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، ولكن الشيخ لم يفسّـر المصلحة السلوكية فهي تحتمل أحد أمرين:

1ـ الاكتفاء بالأمارة في مقام الامتثال، آية المرونة والسهولة، وهما يلازمان، لإقبال الناس إلى الدين وعدم خروجهم عنه كما أوعزنا إليه.

2ـ أنّ العمل بالأمارة يوجب ترويج العلم ونقل الأحاديث وتكريم الرواة


1-قسّم المحقق النائيني القول بحدوث المصلحة في المؤدّى إلى: التصويب الأشعري والتصويب المعتزلي، ولم يذكر لقوله مصدراً من كتب الأشاعرة والمعتزلة، مع أنّ المعروف من الأشاعرة عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.


(113)

العدول، إلى غير ذلك مما يمكن أن تفسّـر بها المصلحة السلوكية.

هذا كلّه في الصورة الأُولى من المحاذير الملاكية، وأمّا الصورة الثانية من ذاك القسم، أعني: تدافع الملاكين واجتماع المصلحة والمفسدة فيما إذا قامت الأمارة على إيجاب الحرام أو تحريم الواجب، فإليك بيانه:

الصورة الثانية: أعني بها محذور تدافع ملاكات الأحكام وحاصلها: أنّه إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر ، يلزم هنا وجود مفسدة حسب الواقع ووجود مصلحة حسب حكم الأمارة، هذا إذا لم نقل بالكسر والانكسار قلنا ببقاء الملاكين بحالهما وإلاّ يلزم أن لا يكون سوى مؤدّيات الأمارات أحكام.

والجواب: أنّا نختار كلا الشقين ونجيب:

أمّا على الشقّ الأوّل: فلأنّ متعلّق المفسدة إنّما هو متعلّق الحكم، أعني: الخمر، وأمّا المصلحة فليست قائمة في متعلّقه، وإنّما هي في سلوك الأمارة والعمل بها من إيجاد الرغبة إلى الدين وترويج العلم، وهذه هي المصلحة التي أفضت إلى تصويب العمل بالأمارة والأمر به، وليس هناك تدافع بين هذين الملاكين حتى يحصل الكسر والانكسار، نعم على القول بأنّ قيام الأمارة يوجب حدوث مصلحة في المؤدّى يأتي حديث التدافع لكنّه منسوب إلى الأشاعرة والمعتزلة (1) لا الإمامية، فهم بين قائل بحجيّتها على الطريقية، وقائل بالسببية السلوكية، وقد عرفت أنّها تجتمع مع الطريقية أيضاً.

وإن شئت قلت: إنّ الأمارة إن كانت موافقة للواقع بأن قامت على وجوب ما هو واجب أو حرمة ما هو حرام، فلا مصلحة فيها سوى مصلحة نفس الواقع


1-للفرق بين تصويبي الأشاعرة والمعتزلة لاحظ: تقريرات الكاظمي للمحقق النائيني، ج3 طبعة جماعة المدرسين ص 95 والفرائد للشيخ الأعظم ص 27 طبعة رحمة اللّه.


(114)

وليس لها دور سوى صيانة نفس تلك المصلحة، وإن كانت مخالفة للواقع بأن قامت على وجوب ما هو حرام أو بالعكس، فلا مانع من أن يكون متعلّق الحكم مشتملاً على المفسدة. و يكون نفس تشريع العمل بالأمارة والعمل بها مشتملاً على مصلحة التسهيل التي لولاها كان تحصيل العلم أو الاحتياط واجباً وموجباً للعسر والحرج، وليس مثل هذا أمراً محالاً، لاختلاف متعلّقي المفسدة والمصلحة.

وأمّا على الشق الثاني: أعني ما إذا كان هناك كسر وانكسار وكان إحراز المصلحة السلوكية مقدّمة على المفسدة الموجودة في المتعلّق، أعني: الخمر في مقام الامتثال، فلا يلزم أن لا يكون سوى مؤدّيات الامارات أحكام، إذ المراد من الكسر والانكسار ليس انفعال مفسدة الواقع عن المصلحة الظاهرية، بل مفسدة الواقع باقية على حالها لأنّ الخمر مُفسدة للعقل وضارّة للمجتمع سواء أقامت الأمارة على حلّيتها أم على حرمتها، لكن المصالح الاجتماعية أوجبت تقدّم إحراز تلك المصلحة على تلك المفسدة فشرع العمل بها، ولم يجب تحصيل العلم أو الاحتياط.

والحاصل: أنّ المرادمن الكسر والانكسار هو تقدّم ملاك تشريع العمل بالأمارة على مفسدة الواقع. ولأجله أُجيز العمل بها مع تلك المفسدة.

نعم لازم ذلك عدم تنجّز الأحكام الواقعية في حقّ من قامت الأمارة على خلافها، وهو غير التصويب، لأنّه عبارة عن نفي الأحكام المشتركة بين العالم والجاهل إنشاءً أو فعليّة، والمفروض في المقام خلافه، فإنّ الحكم الفعلي الذي تمّ بيانه من جانب المولى وإن لم يصل إلى يد المكلّف، مشترك بين الجميع. غير أنّه لما اقتضت المصالح تشريع العمل بالامارة، صار ذلك موجباً لعدم تنجّز الأحكام في مورد المخالفة، والمراد منه عدم صحّة العقاب على الجاهل بالواقع إذا كان في جهله معذوراً.

إلى هنا تمت المحاذير الملاكية بكلتا صورتيه وبقي الكلام في المحاذير الخطابية أو التكليفية.


(115)

المحاذير الخطابية:

قد عرفت أنّ المحاذير الخطابية إمّا في نفس الخطاب، أعني: اجتماع المثلين وذلك عند موافقة الأمارة للواقع، أو اجتماع الضدين وذلك عند مخالفتها له، وإمّا في مبادئه كاجتماع الارادة والكراهة أو الحبّ والبغض عند مخالفة الامارة للواقع، فالبحث في موردين:

المورد الأوّل: محذور اجتماع المثلين أو الضدّين:

إذا كانت الأمارة موافقة للواقع يلزم ـ على زعم المستدل ـ اجتماع المثلين، وإن كانت مخالفة يلزم اجتماع الضدين.

والجواب: أنّ التضاد والتماثل من الأعراض الخارجية التي تتّصف بها الأُمور الحقيقية. وأمّا الأُمور الاعتبارية كالأحكام الخمسة، فلا تتّصف بالتضاد والتماثل إلاّ من باب التشبيه والمجاز.

توضيح ذلك: أنّ التقابل ينقسم إلى التضاد والتضائف، والسلب والإيجاب، والعدم والملكة. وقد عرّف المتضادان بأنّهما أمران وجوديان، غير نسبيين، يتعاقبان على موضوع واحد بينهما غاية الخلاف.

فخرج بالقيد الأوّل: تقابل السلب والإيجاب والعدم والملكة، وبالثاني: المتضائفان كالابوّة والبنوّة، وبالقيد الثالث: الاعراض التي لا يتعاقبان بل قد يجتمعان كالحلاوة والسواد، وبالقيد الرابع: ما لا يجتمعان ولكن ليس بينهما غاية الخلاف كالبياض والصفرة، وربّما زيد على التعريف قيد آخر وهو: ما يدخلان تحت جنس قريب.

وعلى أيّ حال فمقولة التضاد مثل مقولة التماثل من الأُمور الحقيقية، ولا يتصف بهما الأُمور الاعتبارية إلاّ بالاعتبار والتشبيه.

وقد عرفت أنّ الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية يقومان في عالم


(116)

الاعتبار مقام البعث والزجر التكوينيين فإنّ الإنسان إذا أراد بعث ولده يحرّكه نحو العمل بيده، أو أراد زجره يمنعه بها، فهذا هو البعث والزجر التكوينيان.

ولمّا كان هذا أمراً غير ممكن في كلّ الأحايين، خصوصاً فيما إذا أراد بعث جماعة أو زجرهم ليسوا بحضرته، حاول العقلاء أداء ذينك الأمرين التكوينيّين بوضع لفظ افعل ولا تفعل على الحكاية عنهما في عالم الاعتبار، فكلّ من هذين اللفظين مصداق تكويني للّفظ والصوت، ومصداق اعتباري للبعث والزجر التكوينيين فناب اللفظ حسب الاعتبار مكان الأمر التكويني.

ولمّا كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار كان البعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى بأن يكونا اعتباريين، فلا يتّصفان بالتضاد إلاّ بالتشبيه والتمثيل.

وإن شئت قلت: إنّ كلاّ ً من البعث والزجر المنشأين باللفظ ليس بعثاً حقيقياً وزجراً كذلك، بل وجود اعتباري لهما، والتضاد من صفات القسم الأوّل دون الثاني.

وأوضح دليل على كونهما أو كون الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية، أنّه إذا أمر الآمر بشيء، أو نهى عنه، لا يتحقق أثر خارجي في ناحية المتعلّق، بل هو على ما هو عليه قبل التعلق.

فإن قلت: إذا كان البعث والزجر أو الوجوب والحرمة، من الأُمور الاعتبارية، فلماذا لا يجوز الأمر والنهي بشيء واحد في زمان واحد ويعدّ من التكليف المحال أو التكليف بالمحال.

قلت: إنّ الموصوف بالامتناع حقيقة، في هذا المورد، إنّما هو اجتماع مبادئ الأمر والنهي في زمان واحد بالإضافة إلى شيء واحد، لا نفس التكليف الاعتباري مع قطع النظر عن المبادئ إذ هو ليس محالاً، غاية الأمر يكون لغواً.

أضف إلى ذلك ما سيوافيك في المستقبل من أنّه ليس في مورد الأمارات


(117)

والأُصول المحرزة حكم وراء الحكم الواقعي.

فإن قلت: إنّ البعث والزجر الإنشائيين وإن كانا من الأُمور الاعتبارية ولا يجري فيهما حديث التضاد المختص بالتكوين، لكنّهما كاشفان عن الإرادة والكراهة النفسانيتين، وهما لا يجتمعان، فعاد التضاد في مبادئ الحكمين لا في أنفسهما.

قلت: هذا هو المورد الثاني للمحذور الخطابي والكلام في المورد الأوّل.

وما ذكرناه من الجواب هنا مع الغض عمّـا سيوافيك، فيه الكفاية. نعم لا إشكال في وجود حكم ظاهري في مورد الأُصول غير المحرزة مثل أصالتي البراءة والحلّية، ومضمونهما قد يخالف الواقع وقد يوافق ولا يتوجّه محذور من هذه الناحية، لأنّ التضادّ والتماثل من صفات الأُمور الحقيقية لا الاعتبارية فلاحظ.

أجوبة أُخرى عن المحذور الخطابي:

هذا هو الحقّ القراح في الجواب، غير أنّ القوم الذين يعاملون مع الاعتباريات معاملة الأُمور الحقيقية مالوا يميناً وشمالاً في رفع غائلة التضاد والتماثل فجاءوا بأجوبة غير تامّة نذكرها مع ما فيها من الإشكال:

الأوّل: ما أجاب به الشيخ الأعظم في صدر رسالة التعادل والترجيح، وحاصله: أنّ الأحكام الواقعية تختلف عن الأحكام الظاهرية موضوعاً، فإنّ موضوع الأُولى هي الأشياء بعناوينها الأوليّة، وموضوع الثانية هي الأشياء بعناوينها الثانوية، أي بما هو مشكوك الحكم ومجهوله، فلا تضادّ إذا اختلف الموضوع (1).


1-الفرائد: قسم التعادل والترجيح ص 431، طبعة رحمة اللّه، وهذا الجواب يختلف عن الثاني جوهراً لأنّ الحكمين عليه فعليان، بخلافهما على الجواب الثاني بأنّ الحكم الواقعي ليس بفعلي عند مخالفة الأمارة.


(118)

وما نقله في الكفاية (1) عن السيد الفشاركي يرجع إلى هذا الجواب وليس بشيء جديد، قال: إنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين ضرورة تأخّر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.

والجواب موهون بما في الكفاية وهذا توضيحه: وهو أنّ الإهمال غير متصوّر في عالم الثبوت، والحكم الواقعي إمّا أن يختص بالعالم به، فيلزم التصويب وانتفاء الحكم الواقعي المشترك بين جميع المكلفين، وإمّا أن يعمّ جميع الحالات، أعني: الشاك والظانّ بالحكم، وعندئذ يكون الحكم الواقعي بحكم إطلاقه موجوداً في مرتبة الحكم الظاهري وإن كان الظاهري غير موجود في جميع مراتبه. فعندئذ يلزم اجتماع الضدين في مرحلة الشك أيضاً.

الثاني: ما أجاب به الشيخ الأعظم أيضاً في الفرائد (2): انّ المراد بالحكم الواقعي الذي يلزم بقاؤه هو الحكم المتعيّـن المتعلّق بالعباد، الذي تحكى عنه الامارة، ويتعلق به العلم والظن واُمر السفراء بتبليغه وإن لم يلزم امتثاله فعلاً في حقّ من قامت عنده الامارة على خلافه، إلاّ أنّه يكفي في كونه الحكم الواقعي، أنّه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلاً مقصراً والرّخصة في تركه عقلاً كما في الجاهل القاصر أو شرعاً كمن قامت عنده أمارة معتبرة على خلافه، والحاصل أنّ المراد بالحكم الواقعي هو مدلولات الخطابات الواقعية غير المقيّدة بعلم المكلفين ولا بعدم قيام الأمارة على خلافها ـ إلى أن قال:ـ نعم ليست هذه الأحكام فعلية بمجرّد وجودها الواقعي.

وقد أوضحه المحقق الخراساني في تعليقته على الفرائد (3) بما لا مزيد عليه وقال ما هذا حاصله: ولنمهّد لذلك مقدمة: إنّ للحكم مراتب في الوجوب أولّها:


1-الكفاية: ج2 ص 53.
2-لاحظ الفرائد: ص 30، من طبعة رحمة اللّه.
3-تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد: ص 34.


(119)

أن يكون له شأنه من دون أن يكون بالفعل موجوداً، وثانيها: أن يكون له وجود وإنشاء من دون أن يكون له بعث وزجر وترخيص فعلاً ، ثالثها: أن يكون له ذلك مع كونه كذلك فعلاً من دون أن يكون منجّزاً بحيث يعاقب عليه، رابعها: أن يكون له ذلك كالسابقة مع تنجّزه فعلاً.

ثمّ أوضح أنّه ربّما يكون هناك مقتضى للإنشاء ويكون هناك مانع عنه، كما لا يبعد أن يكون كذلك قبل بعثته، أو تكون العلة التامة للإنشاء موجودة ويكون هناك مانع من أن ينقدح في نفسه البعث والزجر لعدم استعداد الأنام كما في صدر الإسلام بالنسبة إلى غالب الأحكام.

وقال: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ تضادّ الأحكام فيما إذا وصلت إلى المرتبة الثالثة ولا تضادّ بينهما في المرتبة الأُولى والثانية فلا يزاحم إنشاء الإيجاب لاحقاً، إنشاء التحريم سابقاً أو في زمان واحد بسببين كالكتابة واللفظ، وإنّما التزاحم في المرتبة الثالثة وهو غير لازم، أمّا فيما إذا أصابت الأمارة، فإن أُريد اجتماع البعثين فهو غير لازم. بل يوجب إصابتها أن يصير إنشاء الايجاب والتحريم بعثاً وزجراً فعليين.

وأمّا إذا أخطأت الامارة فالحكم الفعلي ليس إلاّ ما أدّت إليه الأمارة لا ما أخطأت عنه من الحكم الواقعي ولا تضادّ إلاّ بين البعث والزجر الفعليين.

وأورد عليه صاحب مصباح الأُصول: أنّ المراد من الحكم الإنشائي إن كانالإنشاء المجرّد عن داعي البعث والزجر كما إذا كان بداعي الامتحان أوالاستهزاء فلا يسمى هذا حكماً، بل يكون مصداقاً لواحد منهما ويترتب عليهأُمور من لزوم التصويب أوّلاً، وعدم وجوب موافقته وحرمة مخالفته ثانياً،وإنأراد الإنشاء بداعي البعث والزجر فهذا هو الحكم الفعلي من قبل المولى (1).


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 102ـ 103.


(120)

يلاحظ عليه: أنّ المختار هو الشق الثاني لكنّه يتمّ إذا قام المولى بالبيان، وكانت الظروف صالحة له، دون ما إذا لم تكن كذلك، والنموذج الواضح لهذا النوع من الأحكام الإنشائية هو الأحكام المخزونة عند صاحب الأمر ـ عليه السَّلام ـ فهي إنشائية لأنّها خرجت عن الشأنية (عالم الاقتضاء) إلى عالم الإنشاء، وليست فعلية، لعدم بيانها للناس.

نعم يرد على هذا الجواب:

أنّه لو كانت الأحكام الواقعيّة إنشائية، لما يتنجّز عند العلم بها، ولا عند قيام الأمارة عليها كما هو صريح كلامه، فإنّ العلم بالإنشائية علم بأحكام لم تصل إلى مقام الفعلية، والبعث الجدّي، وما هذا شأنه ووصفه لا يكون منشئاً للأثر ولو تعلّق به العلم.

فإن قلت: إذا كانت الأحكام قبل قيام الأمارة إنشائية تصير بقيامها فعلية.

قلت: قد أجاب عنه في الكفاية، بما حاصله: أنّ قيام الأمارة لا ينتج أكثر من الوصول إلى حكم إنشائي، و مفاد حجيّة الأمارة، هو تنزيله منزلة العلم وتكون النتيجة هو العلم التنزيلي بالحكم الإنشائي، كالعلم الحقيقي، وكلا العلمين لا تؤثران في فعلية الحكم، فقد مرّ.

ولأجل ذلك التجأ صاحب الكفاية إلى أنّ الأحكام الواقعية أحكام فعلية لو علم به المكلف لتنجّز عليه كسائر التكاليف التي تتنجّز بسبب القطع بها.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخراساني في كفايته: وهو غير الجواب الذي ذكره الشيخ الأعظم في مقدمة رسالة الظن وأوضحه هو في تعليقته عليها وإن خلط المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ بين الجوابين، وحاصله: أنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية وهي غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية حسب ما أدّى إليه الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف إذا أصاب الواقع وصحة الاعتذار به إذا أخطأ.


(121)

ولو قلنا: بأنّ جعل الحجية للأمارات مستتبعة لأحكام تكليفية أي جعل حكم على طبق مفاد الأمارة أو بأنّه لا معنى لجعلها إلاّ جعل تلك الأحكام وتكون الحجية منتزعة من نفس تلك الأحكام، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم إلاّ أنّهما ليسا بمثلين أو ضدّين لأنّ أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه، موجبة لانشائه، الموجب للتنجّز، أو لصحة الاعتذار بمجرّده، من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلّقة بمتعلّقه، والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه موجبة لإرادته أو كراهته، فغاية ما يلزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثاً وزجراً، وإنشاء حكم آخر طريقي ولا مضادّة بين الإنشائين فيما إذا اختلفا ولا يكون من إجتماع المثلين إذا اتّفقا (1).

وهذا لب جوابه بحذف ما لا دخالة فيه من حقيقة الإرادة والكراهة في المبدأ الأعلى وفي المبادئ العالية فإنّها أبحاث كلامية خارجة عن محطّ البحث.

وهذا الجواب يفارق الجواب السابق جوهراً فإنّ الأساس في السابق هو إعطاء الأهميّة لمفاد الأمارات، أعني: الأحكام الظاهرية لا الواقعية، على عكس ما في هذا الجواب من توصيف الأحكام الواقعية بالحقيقية، وأمّا الأحكام الظاهرية، فإمّا ينكر وجودها كما على القول بأنّ المجعول هو الحجّية وهي لا تستتبع أحكاماً، أو توصف بالطريقية والحكم الطريقي تابع للمصلحة في السلوك أو في الجعل، والحكم الواقعي تابع للمصلحة في المتعلّق.

وأمّا المتعلّق فهو ليس بمراد في الأحكام الظاهرية لا إستقلالاً ولا آلياً، بل المراد نفس الحكم بخلافه في الواقعية فإنّها مرادة إستقلالاً.

ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ قد حسم بجوابه هذا سائر المحاذير الموجودة في المقام، من إجتماع المصلحة والمفسدة أو الإرادة والكراهة، وقد عقدنا لكل محذور بحثاً وهو بحث عنها جملة واحدة فلاحظ.


1-الكفاية: ج2 ص 44.


(122)

ولبّ الجواب عن المحذور الذي نبحث عنه: أنّ التضاد والتماثل في الحكمين الفعليين الحتميين إنّما هو فيما إذا كانا نفسيين، وإلاّ فلو فرض الاختلاف بالطريقية والنفسية فلا تضادّ ولا مماثلة فيمكن أن يجعل حكم طريقي فعلي مخالفاً لحكم واقعي فعلي نفسيّ، كما يمكن جعل حكم طريقي فعليّ، من سنخ الواقعي الفعلي وذلك لعدم البعث والزجر فيه.

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّ القول بأنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية، خال عن الشاهد، فإنّ الباحث لا يجد أثراً من هذا الجعل فيها، بل الموجود فيها هو إمضاء ما عليه العقلاء من العمل بقول الثقة بالسكوت، وإخراج الفاسق، وإبقاء العادل بحكم آية النبأ وليس إمضاء السيرة بالسكوت جعلاً للحجّية.

وما ورد في الروايات من الإشارة إلى ثقات الرواة مثل قول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ للفيض بن المختار: « إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس» (1) وأشار إلى زرارة. وقول أبي محمّد ـ عليه السَّلام ـ : «العمري وابنه ثقتان» (2) فالكلّ ناظر إلى بيان الصغرى (الثقة) مع كون الكبرى مسلمة عندهم، ومع ذلك فكيف يدعى أن المجعول هو الحجّية.

وأمّا ما ورد في الناحية المقدسة من التوقيع الرفيع: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه» (3) فليس بصدد إنشاء الحجّية، بل إخبار عن كونهم حجج اللّه كما يخبر عن نفسه بأنّه حجّة من اللّه، ويكفي في التوصيف بأنّهم حجج، إمضاء عمل العقلاء.

وثانياً: أنّ القول بوجود حكمين في مورد خطأ الأمارة أحدهما نفسي والآخر طريقي، قول بلا دليل ، فإنّ المجعول هو الحكم الواقعي النفسي، ولا دليل على جعل حكم طريقي في مقابل الواقع، بل أقصى ما هناك امضاء أو أمر بالعمل بالطرق لتوصل المكلّف إلى الواقع، فإن أوصلته إليه فهو وإلاّ فتكون اُكذوبة


1- الوسائل: ج18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.
2- الوسائل: ج18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.
3- الوسائل: ج18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 و 4 و 9.


(123)

نسبت إلى الإمام، وإن صدرت عن تقية تكون كذباً عن مصلحة أو تورية كذلك، على الاختلاف في الأخبار الواردة تقية.

وبالجملة : حكم نقلة الأحاديث والروايات عن اللّه سبحانه بواسطة أنبيائه وأئمته، حكم المراسلين في الأجهزة الإعلامية إذا اعترفت بهم الدولة، فلو أصابت الواقع يكون المؤدّى نفس الواقع، وإن أخطأت تكون أحكاماً مكذوبة على لسان الدولة.

ومن لاحظ نظام التشريع في الإسلام، يجد أنّ الأمر بالعمل بقول الرواة لأجل التحفّظ على الواقع بأيسر طرقه، وأسهل مناهجه، فلو أصاب المحكي فهو الواقع، وإن أخطأ فيكون معذّراً.

ولقد أحسن المحقق النائيني في كلمته من أنّ حال الامارة المخالفة حال العلم المخالف فلا يكون في البين إلاّ الحكم الواقعي، أصابت الواقع أو أخطأت فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق، وعند الخطأ تكون معذِّرة كالعلم المخالف من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول.

وبذلك تظهر الحال في الأُصول المحرزة سواء أكانت جارية في خصوص الشبهات الموضوعية كما هو الحال في قاعدة اليد والفراغ، أم الأعمّ منها كالاستصحاب فتجويز العمل بها كتجويز العمل بالأمارات خصوصاً على اعتبارها عند العقلاء أيضاً، والملاك هو التحفّظ على الواقع، فلو أصابت الواقع يكون نفس الواقع ولو خالفت تكون معذِّرة، فليس في موردها تشريع حكم من الشارع إلاّ الأمر بالعمل بها، لأجل الحفاظ على الواقعيات بأيسر الطرق وأسهل المناهج (1).


1-ولقد أحسن المحقق النائيني حيث يقول: المجعول هو الجري العملي على طبق تلك الأُصول من دون أن يكون هناك حكم شرعي على طبق المؤدّى.


(124)

حكم الأُصول غير المحرزة:

نعم: تختلف عنها الأُصول غير المحرزة، فانّ للشارع هناك أحكاماً في ظرف الشك كالعلّية والبراءة والاحتياط، ولا يمكن لأحد إنكار وجود ذاك التشريع الذي يخالف الواقع تارة ويوافقه أُخرى.

وبالجملة: فرق واضح بين الأمر بالعمل بالامارات والمحرزة من الأُصول، ففيها أمر بالعمل. فلو خالفت تكون المخالفة مستندة إلى الراوي لا الإمام.

وهذا بخلاف الأُصول غير المحرزة، فلو ثبت صدور مداليل هذه الأُصول من الإمام كما هو المفروض فلو وافقت فهو من الإمام، وإن خالفت فهو أيضاً منه، ولا يكفي ما ذكرنا من إنكار حكم ظاهري وراء الواقع.

نعم، الجواب عنه، ما مرّ في أوّل البحث من أنّ التضاد والتماثل من أعراض الأُمور الحقيقية التكوينية، والأحكام من الأُمور الاعتبارية، فلا معنى للتحدث عنها في الأُمور الاعتبارية.

فقد خرجنا إلى هنا بهذه النتيجة وهي أنّه ليس في مورد الأمارات والأُصول المحرزة أيّ حكم ظاهري وراء الحكم الواقعي، وأنّ الأمر بالعمل بها لأجل حيازة الواقع بأسهل طرقه وأيسر مناهجه. فلا موضوع للتضاد والتماثل، وفي مورد الأُصول غير المحرزة، وإن كان هناك جعل من الشارع بالحلّية والبراءة فهو حكم في ظرف الشك لرفع الحيرة وبيان الوظيفة ولكن التضاد من أحكام الأُمور التكوينية لا الاعتبارية.

المورد الثاني : اجتماع الإرادة والكراهة:

لا شكّ أنّ الأمر والنهي مسبوقان بمبادئهما من الإرادة والكراهة، والحب والبغض، فالبعث الجدّي يحكي عن الأُولى، والزجر الحقيقي يحكي عن الثانية،


(125)

فعندما خالفت الأمارة، يلزم إجتماع الإرادة والكراهة والحبّ والبغض، وإن وافقت يلزم اجتماع الإرادتين أو الحبّين، وليست هذه الأُمور من الأُمور الاعتبارية حتّى يجوز إجتماعهما، بل من الأُمور الحقيقية.

وإن شئت قلت: إنّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالأحكام الواقعية، فلو تعلّقت أيضاً بالأحكام الظاهرية سواء أوافقت الواقع أم خالفت، لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين، أو المتضادّتين في النفس في آن واحد، ومثلهما الحبّ والبغض حرفاً بحرف.

فالجواب: أمّا في موارد الأمارات والأُصول المحرزة التي قد عرفت أنّه ليس فيها حكم ظاهري مجعول حتّى تتعلّق بها الإرادة والكراهة ، ولو كانت هناك إرادة أو كراهة فإنّما هما متعلّقتان للحكم الواقعي، فهو ما عرفته عند رفع المحذور الأوّل من المحاذير الملاكية من أنّ إيجاب تحصيل العلم بالأحكام الواقعية من طريق السؤال عن المعصوم ـ عليه السَّلام ـ أو بالاحتياط كان مستلزماً للعسر والحرج ورغبة الناس عن الدين، وصار ذلك سبباً للأمر بالعمل بالطرق والأمارات والأُصول العملية، فعندما وافقت تكون الإرادة واحدة وليست وراء الإرادة المتعلّقة بالواقع، إرادة أُخرى، وإن خالفت فلا مفرّ عن رفع اليد عن الإرادة أو الكراهة المتعلّقتين بالأحكام الواقعية، في حقّ الجاهل والشاك الفاحص عنها بقدر الكفاية، وليس ذلك لقصور مقتضيات الأحكام وملاكاتها، بل من باب مزاحمة الأهم والمهمّ وهو ليس أمراً غريباً بين العقلاء.

وإن شت قلت: إنّ الحكم الواقعي لعدم وصوله إلى المكلّف غير منجّز، ومثل هذا الحكم لا يحكم العقل بلزوم إمتثاله، ولا باستحقاق العقاب على مخالفته، وإنّما يحكم بلزوم إمتثال ما أدّت إليه الامارة أو الأصل المحرز منه، ففي مورد الموافقة تتعلّق الإرادة القطعية بالواقع لوصوله، وأمّا في مورد المخالفة فليست هنا إرادة جدّية قطعية به، لعدم تمكّن المكلّف من الامتثال وهذا هو معنى رفع


(126)

اليد عن الأحكام لأجل الضرورة، والمفروض عدم حكم ظاهري مجعول حتّى يطلب لنفسه الإرادة أو الكراهة، فلا موضوع للتضادّ والتماثل.

وأمّا الأُصولغير المحرزة فحال الحكم الواقعي فيها حال حكم الأُصول المحرزة، كما عرفت من عدم إرادة أو كراهة جديّة، بل الشارع يرفع اليد عن مطلوبه لأجل مسائل.

وأمّا الحكم الظاهري المجعول في أصل الإباحة ونظائره فليست هنا إلاّ إرادة واحدة لا إرادتين ولا إرادة وكراهة.

هذا كلّه في الأمارات والأُصول المحرزة، وسيوافيك أنّ الأُصول المحرزة تشبه الأمارات من جهة وإن لم تكن أمارة حيث إنّ مفادها هو العمل على مقتضى الأصل بناءً على أنّه الواقع كما هو الحال في الاستصحاب وقاعدة اليد، وأصالة الصحة في فعل النفس وفي فعل الغير، ففي هذه الموارد ليس إلاّ حكم واقعي تعلّقت به الإرادة أو الكراهة، غير أنّها إنّما تكون باعثة وزاجرة إذا لم يكن هناك عذر للمكلّف، وأمّا في موارد العذر كما إذا أخطأت الأمارة أو الأُصول المحرزة، فالإرادة الفعلية والكراهة وإن كانت متعلّقتين بالمؤدّى لكنهما ليستا على وجه جدّي مثلما إذا لم يكن للمكلّف عذر.

وأمّا الأُصول غير المحرزة كما هو الحال في أصالة الحلّية فالإرادة متعلّقة بالحكم الظاهري لأنّ المفروض أنّ الحكم المجعول في حقّ الجاهل هو هذا، وأمّا الواقع فالحال فيه كما في الصورة السابقة فليست هناك إرادة جديّة كما لا يخفى.


(127)

الثاني: في وقوع التعبّد بالظن:

قد عرفت إمكان العمل بالظن، بقي الكلام في وقوعه فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: ما هو مقتضى الأصل الأوّلي في العمل بالظن؟

هل الأصل عدم الجواز إلاّ ما خرج بالدليل، أو الأصل الجواز إلاّ ما قام دليل على عدم جواز العمل به كالقياس.

وليس المراد من الأصل هو الأصل العمليّ لعدم كون المسألة فرعية بل مقتضى القواعد الاجتهادية.

فنقول: فقد قرّره المحقّق الخراساني بأنّ الشكّ في جواز التعبّد به يوجب القطع بعدم حجّيته، وعدم ترتب شيء من الآثار عليه.

وما ذكره في بادئ النظر أمر عجيب حيث يتولّد من الشك في التعبّد بالظن، القطع بعدمها، وكيف يكون الشك مبدأً للقطع.

ولكن تظهر صحته بتقديم أمر: وهو أنّ الحجّية قد تطلق ويراد منها الوسطيّة في الإثبات بأن يكون الحدّ الأوسط علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً كالحمّى فهو علّة للتعفّن وهو معلول له.

وأُخرى ما يحتجّ به المولى على العبد ويكون قاطعاً للعذر وهذا هو المرادفي باب الأمارات، فإنّ الظن إذا كان حجّة في جانبه، يحتجّ به المولى على عبده.


(128)

ثمّ إنّ الأثر المترتب على الشيء قد يترتب على وجوده الواقعي بما هو هو، كالحرمة المترتّبة على واقع الخمر.

وقد يترتب على واقع الشيء ومشكوكه، كما في الطهارة المترتبة على واقع الأشياء ومشكوكها من حيث الطهارة والنجاسة.

وقد يترتب، على العلم بالشيء فقط، وينتفي عند عدمه قهراً.

وإن شئت قلت: يكون الشيء بوجوده العلمي موضوعاً للأثر ويترتب عليه قهراً عدم ترتّبه إذا لم يكن كذلك.

إذا عرفت ذلك: فللحجّية آثاراً أربعة: التنجيز، والتعذير، والتجرّي، والانقياد. وكلّها آثار لما علم كونه حجّة بالفعل وإلاّ فلو كان حجّة في الواقع ولم يقف المكلف على كونه كذلك، لا يترتب عليه شيء من هذه الآثار لحكومة العقل بقبح العقاب بلا بيان.

فعند ذلك فلو شككنا في حُجيّة شيء فهو ملازم للقطع بعدم الحجّية العقليّة، لما عرفت من أنّ الحجّة العقليّة عبارة عمّـا وقف المكلّفعليكونه حجّة ومع عدم الوقوف عليها، يقطع بعدم ترتب أثر من الآثار الأربعة.

وهذا معنى عبارة المحقّق الخراساني من أنّه مع الشك في التعبّد يقطع بعدم حجّيته.

وبذلك يستغنى عن كثير ممّا أُفيد في المقام في تقرير الأصل الأُولي.

ثمّ إنّ الشيخ قد سلك هذا المسلك أيضاً غير أنّه ذهب إلى أنّ أثر الحجّية أمران:

1ـ صحّة الاستناد إليها في مقام العمل.


(129)

2ـ صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع حيث قال (1): إنّ حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في مقام العمل والالتزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه. وهذان الأثران لا يترتّبان مع الشك في الحجّية، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل، وكذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عمليّ وقوليّ، دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة.فإذاحرم الاستناد والإسناد وعلم ارتفاعهما في حالة الشك، يعلم عدم الحجّية للظن إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره، وهذا معنى قوله: إنّ الشكّ في الحجّية يكفي في القطع بعدمها.

وأورد عليه المحقق الخراساني في كفايته بوجهين:

الأوّل: إنّ بين الحجّية وهذين الأثرين عموماً مطلقاً فإنّ الظن على القول بكون نتيجة الانسداد هو الحكومة حجّة عقلاً، مع أنّه لا يصح فيه الاستناد والإسناد بخلاف ما إذا كانت النتيجة هو الكشف إذ يصح فيه الاستناد والإسناد.

توضيحه: أنّه إذا قلنا بأنّ الاحتياط غير مرضيّ عند الشارع وأنّه أمر باطل للإجماع أو مناف للجزم، يستكشف العقل من أنّ الشارع جعل هنا على العبد حجّة، لأنّه إذا سدّ هذا الباب فلا محالة فتح باباً آخر، ثمّ هو بالسبر والتقسيم يستقل بأنّ تلك الحجّة هو الظن دون الشك والوهم، فيكون الظن حجّة شرعية يصحّ نسبة مؤدّاه إلى الشارع.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّه غير مرضي لأجل كونه مستلزماً للحرج، فعندئذ لا يستكشف العقل حجّية الظن شرعاً لعدم سدّ طريق الاحتياط، غاية الأمر يحكم بتضييق دائرة الاحتياط، حتى لا يلزم الحرج والعسر، وهو حاصل بالعمل بالمظنون دون المشكوك والموهوم. فالظن حجّة في هذه الحال مع أنّ مضمونه لا يصح إسناده إلى الشارع ولا يمكن الاستناد إليه.


1-فرائد الأُصول: ص 33، طبعة رحمة اللّه.


(130)

وأضاف إليه تلميذه المحقق العراقي ـ قدّس سرّه ـ مورداً آخر: وهو أنّ الشك في الشبهات البدوية قبل الفحص حجّة على الحكم بالاباحة والبراءة مع أنّه لا يصحّ الاستناد والإسناد.

والثاني: لو فرض صحّة الاسناد والاستناد مع الشك في التعبّد به (1) لما كان يجدي في الحجّية شيئاً ما لم تترتب عليه الآثار الأربعة، ومع ترتبها لما ضرّ عدم صحّة الاستناد والاسناد.

هذا غاية توضيح لكلامه ولا يخفى عدم تماميتهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ الحجّة في الصورة الأُولى هو العلم الاجمالي بالأحكام، وهو الذي صار سبباً للانتهاء في مقام الامتثال بالاكتفاء بالظن دون الوهم والشك، فالعمل بالظن على الحكومة ليس لأجل كونه حجّة في هذه الحال، بل هو طريق عقلي لامتثال ما قامت عليه الحجّة، أعني: العلم الإجمالي، وأمّا الاسناد والانتساب فيجوز على النحو الذي قامت عليه الحجّة، فبما أنّ الحجة قامت على التكاليف اجمالاً فيصح الاسناد كذلك بأن يقال: إنّ بين مجموع الأطراف مظنونها أو الأعم منها ومن غيرها، واجبات ومحرّمات أو في خصوص المظنونات تكاليف كذلك.

وإن شئت قلت: إنّ نتيجة الانسداد على الحكومة ليست حجّية الظن، بل نتيجتها هو التبعيض في الاحتياط بالأخذ بالمظنونات دون غيرها.

وأمّا ما أضافه تلميذه، فالحجّة في الشبهات البدوية ليست هي الشك، كما تصوّره بل العلم الاجمالي بوجود التكاليف في الكتب، وهو حجّة، ويصح الاستناد حسب ما قامت عليه الحجّة على ما عرفت في المورد الأوّل.


1-وعلى فرض صحة هذا الإشكال تنقلب النسبة بين الحجية وصحتها إلى العموم من وجه ولكنّه مجرّد فرض لا واقع له.


(131)

وأمّا الثاني: فلأنّ ما ذكره من أنّه يمكن أن يصح في مورده الإسناد والاستناد، ولا يكون حجّة فهو مجرد فرض. ولو صحّ الإسناد والاستناد لكان حجّة بلا اشكال.

أدلّة حرمة العمل بالظن:

ثمّ إنّ الشيخ استدل على حرمة العمل بالظن بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزق فَجَعَلتُمْ مِنهُ حَراماً وحلالاً قُلْ ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون) (يونس/59). قائلاً: بأنّه دل على أنّ ما ليس باذن من اللّه، في إسناد الحكم إلى اللّه فهو افتراء، فالآية خطاب لمشركي مكّة حيث قسّموا ما أحلّه اللّه إلى قسمين: حرام كالبحيرة والسائبة، وحلال كغيرهما. ولفظة «ما» في قوله: (ما أنزل) موضع نصب مفعول للفعل المتقدم.

وأورد عليه سيدنا الأُستاذ: بأنّه دلّ على أنّ ما ليس بإذن واقعي من اللّه في مورد إسناد الحكم إلى اللّه فهو افتراء، وعلى ذلك لا يكون الظن المشكوك الحجّية شبهة مصداقية للافتراء، لاحتمال وجود إذن في الواقع غير واصل إلينا.

نعم، لو كان معنى الآية كلّ ما ليس بإذن واصل من اللّه بإسناد الحكم إلى اللّه افتراء، يكون للاستدلال وجه، لكنّه خلاف ظاهر الآية (1).

ثم قال: الأولى الاستدلال بقوله تعالى: (وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا واللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ على اللّهِ ما لا تَعلَمُون) (الأعراف/28) والملاك فيه هو التقوّل بما لا يعلم كونه من اللّه، سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا.


1-تهذيب الأُصول: ج 2 ص 88.


(132)

ويمكن الذبّ عنه بأنّ الافتراء إن كان مساوياً للكذب فيكون المظنون لأجل عدم العلم بصدور إذن من الشارع واقعاً وعدمه، شبهة مصداقية للكذب، لكنّ الظاهر أنّ المراد منه في الآية ونظائرها هو التقوّل بغير علم كقوله سبحانه: (فَمَنْ أظلَمُ مِمَّن افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيرِ عِلْم إنَّ اللّهَ لا يَهدِي القومَ الظّالِمينَ) (الأنعام/144). ففرع على الافتراء قوله: (بغير علم)فيعلم منه أنّ التقوّل بغير علم افتراء ما لم يحرز الإذن، سواء كان هناك إذن أم لا .

نعم يرد على الشيخ أنّ مجموع ما ورد من الآيات في هذا المضمار إرشاد إلى حكم العقل الفطري القاضي بعدم جواز التكلّم بلا دليل ولا برهان، وما ورد من الآيات ليست في مقام جعل التحريم للتقوّل بغير علم مولوياً وإنّما هي إرشاد إلى ذاك الحكم الفطري الوارد في غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى : (وقَالُوا لَنْ يَدخُلَ الجَنَّةَ إلاّ مَنْ كَانَ هُوداً أو نَصَارَى تِلكَ أَمَانِيُّهُم قُل هَاتُوا بُرهانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صادقِين) (البقرة/111) وقوله سبحانه: (لَولا يَأتُونَ عَلَيهِم بِسُلْطان بَيِّـن)(الكهف/15) وقوله عزّ اسمه: (إنْ عندَكُمْ مِنْ سُلطان بِهذا أتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمون)(يونس/68) وبذلك يتّضح أنّ ما استدل به سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ أيضاً راجع إلى ما ذكرنا من الإرشاد.

الثاني: الإجماع: ولكنّه معلوم السند فإنّ سنده حكم العقل والآيات المتقدمة ولا يعدّ دليلاً مستقلاّ ً.

الثالث: العقل: وهو متين جداً.

الرابع: السنّة: فقد وردت روايات متضافرة وجمعها الشيخ الحر العاملي في الباب الرابع من أبواب صفات القاضي نظير ما رواه بسند صحيح عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه (1).


1-الوسائل: ج18، ص 9، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(133)

الخامس: إنّ التعبّد بالظن ربّما استلزم طرح الأصل الموجود في مورد كما إذا ظنّ بالوجوب واقتضى الأصل حرمته. ولا يخفى ما فيه: فإنّ طرح الأصل ليس بما هو هو حراماً وإنّما يحرم إذا استلزم المخالفة الواقعية ومع عدمها لا يكون إلاّ تجرّؤاً.

كل ذلك حول ما أفاده العلمان: المحقق الخراساني والشيخ الأعظم.

الأُصول التي يتمسّك بها في المقام:

بقي الكلام في بعض الأُصول التي تمسك به البعض:

فنقول: منها: أنّ الأصل عدم الحجية، وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّ حرمة العمل يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبّد من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبّد به ليحتاج في ذلك إلى الاستصحاب.

وإن شئت قلت: لو كان الأثر مترتباً على عدم الحجّية الواقعية لكان الحاجة إلى إحرازها بالأصل محرزة، وأمّا لو كان الأثر مترتباً على نفس الشك فيها وإن لم يحرز الواقع، لكفت القاعدة من دون حاجة إلى الاستصحاب، وذلك مثل الشك في الإتيان بالصلاة مع بقاء الوقت، فنفس الشك يكفي في قضاء العقل بالإتيان من دون حاجة إلى إحراز عدم الإتيان حتى نتمسّك بالأصل (1).

ثم إنّه أشكل على كلام الشيخ بوجوه:

1ـ ما يترتب على حكم العقل هو عدم الحجّية الفعلية، وما يحرز بالاستصحاب هو عدم إنشاء الحجّية وعدم جعلها، فما هو حاصل بالوجدان غير ما هو حاصل بالتعبّد (2).


1-وقد ناقش المحقق الخراساني كلام الشيخ في تعليقته بوجهين: وردّه المحقق النائيني في تقريراته، ج3 ص 127.
2-مصباح الأُصول: ج2 ص 117.


(134)

يلاحظ عليه: أنّه لا يترتب على إحراز عدم إنشاء الحجّية شيء وراء عدم صحّة الاستناد والإسناد وهما حاصلان بنفس الشك في الحجّية، فلا وجه لإتعاب النفس إلى إحراز عدم إنشاء الحجّية، وأمّا عدم التنجيز والتعذير فهما أيضاً حاصلان بنفس الشك.

2ـ ما ذكره سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ: إنّ هنا عنوانين: الأوّل: التقوّل على اللّه بغير علم ويكفي فيه صرف الشك وعدم العلم. الثاني: التشريع وهو إدخال ما ليس من الدين في الدين، وإحراز ذاك الموضوع يتوقف على إحراز أنّه ليس من الدين ولا يحرز إلاّ بالاستصحاب (1).

يلاحظ عليه: أنّ الهدف لو كان إثبات أُمور وراء الحرمة ككونه تشريعاً وبدعة، لكان للتمسّك بالاستصحاب وجه، وأمّا إذا كان الهدف هو إثبات الحرمة كما هو اللائح من الشيخ فلا وجه للاستصحاب لحصولها بنفس الشك.

أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الملاك في التشريع ما ذكره لكانت للحاجة إلى الأصل وجه . وأمّا لو كان ملاكه هو إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه لكفى صرف الشك في كونه من الدين ولا يحتاج إلى إحراز أنّه ليس من الدين.

3ـ ما ذكره هو ـ دام ظله ـ أيضاً: أنّ الاستصحاب حاكم على القاعدة المضروبة للشك، لأنّ القاعدة لا تثبت أزيد من كونه تقوّلاً بلا علم، والاستصحاب وإحراز عدم إنشاء الحجّية يثبت كونه تقوّلاً مع العلم بالعدم فينطبق عليه أنّه فرية وكذب (2).

يلاحظ عليه أيضاً: ما عرفت في تحليل الوجه الأوّل من أنّ الشيخ الأعظم إنّما اكتفى بالقاعدة لكون الغاية إثبات الحرمة، لا إثبات أُمور أُخرى من كونه فرية وكذباً أو بدعة وتشريعاً فلا حاجة للتمسك بالأصل.


1-تهذيب الأُصول: ج2 ص 85 الطبعة الحديثة.
2-تهذيب الأُصول: ج2 ص 85 الطبعة الحديثة.


(135)

منها: أنّ الأمر دائر في المقام بين تحصيل مطلق الاعتقاد بالأحكام المعلومة بالإجمال وبين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي، فيكون المقام دائراً بين الأقل والأكثر والمعروف فيه البراءة، فيكون الأصل هو الاكتفاء بالظن.

يلاحظ عليه: أنّ الشك ليس في متعلّق التكليف حتى يكون من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر بل الشك في كيفية امتثال التكليف القطعي، وأنّه هل يكفي الخروج الظني بالبراءة أو يجب الخروج القطعي؟ ولا شك أنّ العقل يحكم بتحصيل البراءة القطعية. والمقام من قبيل الشك في السقوط ونظيره الشك في المحصِّل.

وما ذكرناه أوضح ممّا ذكره الشيخ في المقام، فلاحظ.

ثمّ إنّ الشيخ ذكر أُصولاً أُخرى لا وجه لذكرها لوضوح ضعفها.

ما هو حقيقة التشريع والبدعة:

وهل التشريع هو التقوّل بغير علم وأنّه ليس له حقيقة سوى إسناد الشيء إلى الشارع، مع عدم العلم بتشريعه سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ، وسواء كان في الواقع ممّا شرّعه اللّه أو لم يكن كما يظهر من المحقّق النائيني (1) أو أنّه عبارة عن إسناد شيء إليه مع عدم كونه من الدين في الواقع، أو أنّه عبارة عن الالتزام القلبي بحكم، يعلم أنّه ليس من الدين أو يشكّ فيه.

وعلى الوجه الأوّل: ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف ويمكن أن لا يصيبه بل واقع التشريع قائم بنفس الإسناد فهو أشبه شيء بالإنشاء الذي يدور أمره بين الوجود والعدم، لا بين كونه صادقاً أو كاذباً، حتى ولو كان الشارع شرّعه يكون أيضاً تشريعاً.


1-الفوائد: ج 3 ص 44.


(136)

وعلى الوجه الثاني: يكون للتشريع واقع وراء الاسناد، فلو نسبه مع الشك يتوقّف الحكم بالتشريع، على انكشاف الواقع، فلو كان شرعه الشارع لا يتجاوز الأمر عن كونه تجرّياً.

وعلى الثالث يكون التشريع أمراً قلبياً لا عملاً جارحياً بل عملاً جانحياً.

والوجه الأخير، لا طائل تحته لما عرفت سابقاً من أنّه لا سلطان لنا على الأفعال القلبية إلاّ إذا تمّت مبادئها فلو فقدت لا يحصل العمل القلبي وإن أصرّ الانسان عليه. وعلى هذا فالالتزام الحقيقي مع العلم بالعدم أو عدم العلم به، ممتنع الحصول وإن كان التظاهر به أمراً ممكناً لكنّه ليس إلاّ تظاهراً لا إلتزاماً.

وأمّا الثاني: فإن كان المراد من الإسناد هو الالتزام القلبي، فيرد عليه ما أوردناه على الثالث، وإن كان المراد هو الانشاء اللفظي فيكون التشريع من أقسام الكذب، إذا كان المنسوب ممّا لم يشرعه الشارع، وإلاّ يكون تجريّاً مع أنّ الظاهر أنّ التشريع غيره عنواناً وحكماً ، فلا مناص عن تفسيره بوجه يغاير كونه كذباً.

فبقي أن يكون المراد هو الوجه الأوّل الذي هو الإسناد بلا علم بكونه من الدين. لكن لا بما هو هو بل إذا انضمّ إليه دعوة الناس إليه بقول ولفظ أو عمل وفعل. فيكون مساوقاً للافتراء الذي قلنا هو التقوّل بغير علم، لكن الفرق بينه وبين التشريع هو أنّ صرف الإسناد ليس تشريعاً بل التشريع عبارة عن دعوة الناس إلى الشريعة المحرّمة بأحد الأسباب المعروفة من اللفظ والكتابة والفعل، أو غير ذلك من أجهزة الإعلام والتعليم.

هذا ولكن العنوان الوارد في الاخبار، هو المبدع لا التشريع وله أحكام في جواز غيبته والبراءة عنه، بل سبّه لئلاّ ينخدع المسلمون بأفعالهم وأقوالهم.

وقد روى الشيخ الحر ـ قدّس سرّه ـ روايات في حقّ المبدع وأهل البدعة (1).


1-الوسائل: ج11، الباب 39 من أبواب الأمر بالمعروف، 508.


(137)

ثمّ إذا كانت حقيقته قائمة بالالتزام القلبي أو بالإسناد اللفظي، فلا وجه لسراية قبحه إلى العمل الخارجي، فإذا كان العمل أمراً حسناً واقعاً، فلا يصير قبيحاً ولا يعتريه قبح التشريع، لأنّ المفروض أنّ مصبّه هو القلب أو اللسان.

نعم لو كانت حقيقته على ما صوّرناه من دعوة الناس إلى الشريعة المحرّمة وكان الفعل أحد عوامل الدعوة لسرى قبحه إليه لاتحادهما خارجاً فتسري المبغوضية إليه، كما أوضحناه في مبحث «اجتماع الأمر والنهي».

***

المقام الثاني: في ما خرج عن الأصل:

قد عرفت أنّ الأصل هو عدم الحجّية في الظنون، فهذا مُحكَّم ما لم يدلّ دليل على الخلاف، فقد خرج عن ذلك الأصل موارد نبحث عنها:

الأوّل: الظواهر

إنّ استنباط الحكم الشرعي من الكلام أو إسناد شيء إلى المتكلّم يتوقّف على ثبوت أُمور:

1ـ ثبوت صدوره من المتكلّم، وهو إمّا بالتواتر أو الاستفاضة المفيدة للعلم أو بخبر الواحد إذا ثبتت حجّيته.

2ـ ثبوت جهة صدوره وأنّه لم يصدر لاغيّاً أو تقيّة، ويدفع احتمال اللغوية بكونها خلاف مقتضى الحكمة، والمفروض أنّ المتكلم حكيم لا يرتكب خلافها.

كما أنّه يدفع احتمال التقّية، بأنّ الأصل هو كون المتكلّم في مقام بيان صميم المراد وهو الداعي للمتكلّم لا غيره.


(138)

3ـ ثبوت ظهور لمفرداته ومركّبه، والمتكفّل لبيان هذا هو علائم الوضع من التبادر، وصحة الحمل، والسلب، والاطراد على القول به وقول اللغوي على القول بحجّيته.

4ـ حجيّة ظهور كلامه وكونه متّبعاً في كشف مراده، وهو الذي انعقد له هذا البحث، وكان الأولى البحث في هذه الأُمور على الوضع الذي فهرسناه لكن الشيخ ومن بعده لم يسلكوا على هذا النمط ولعل ظهور هذه المقدمات أغناهم عن طرحها على بساط البحث، ونحن نقتفي أثرهم.

فنقول: أمّا حجّية الظواهر: فلا شكّ في حجيّتها وكونها السبب الغالب لإستكشاف المراد، ولأجلها يؤخذ باقرار الانسان وإعترافاته في المحاكم، وينفذ وصاياه، وتؤخذ رسائله وكتاباته، إلى الإخوان والأصدقاء سنداً إلى غير ذلك من الأُمور.

لكن الكلام في أنّ الظواهر ظنون خرجت عن الأصل بالدليل أو أنّها مفيدة للقطع بين العقلاء في محاوراتهم أي القطع بالمراد الاستعمالي، سكوناً لا يخالجه الشك، فالظاهر هو الثاني، وإليك بيانه.

الظواهر قطعية الدلالة:

إنّ الكلام في الظواهر أي فيما انعقد للكلام ظهور حسب التفاهم العرفي، فخرج ما كان مجملاً في معناه أو متشابهاً في مؤدّاه، فإنّ المجمل ما ليس له ظاهر، بل مردّد بين معان مختلفة كالمشترك اللفظي، أو مفهوم غير مبيّـن ولا يعرف تفصيله إلاّ بالدليل، كالصلاة والزكاة، وأمّا المتشابه وهو ما تشابه فيه المراد بغير المراد، والحقّ بالباطل، ومثل هذا لا يعدّ ظاهراً، فالكلام في غيرهما.

وأمّا كونه قطعيّ الدلالة فتشهد عليه محاوراتنا في مجال التعليم والتعلّم، فإنّ ما يلقيه الأُستاذ من الدروس لا يُتلقّى أمراً ظنّياً بل أمراً قطعياً، وما يدور بين


(139)

البائع والمشتري لا يوصف بكونه ظنّياً، وما يتفوّه به الطبيب، يتلقّاه المريض مفهوماً واضحاً لا تردّد فيه، وما يتلقّاه السائل من الجواب عن الخبير يطمئن به ويسكن إليه بلا تردّد، فإذا كان هذا حال محاوراتنا في حياتنا، فليكن كذلك حال المحاورات الدائرة بين الإمام والسائل والنبي الأكرم والصحابة الحضور، فلماذا نصفها بأنّها ظنّية الدلالة ومحاوراتنا قطعيتها.

فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فلماذا عدّ العلماء الظواهر من الظنون؟ فلم نزل نسمع من الأُصوليين حديثهم وقديمهم أنّ الظواهر ظنون دل الدليل على حجيّتها.

قلت: الذي دفع الأعاظم إلى هذه الفكرة أمران:

1ـ إحتمال كون المتكلّم هازلاً في كلامه، أو مورّياً في مقاله، أو جائياً به على وجه التقية، أو ملقياً للعموم والمطلقات ومريداً منها الخاص والمقيّد، فصار هذا سبباً لتوصيف دلالة الظواهر على المقاصد، ظنية، وليس لأحد منّا أن ينكر وجود تلك الاحتمالات، فما دامت هي موجودة توصف الظواهر بكونها مفيدة للظن بالمراد لا القطع به.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ محل النزاع في كون الظواهر ظنّية أو قطعية إنّما هو المداليل الاستعمالية دون المداليل الجدّية، ودلالة اللفظ على معناه، والهيئة التركيبية على مضمونها، قطعية لا ظنّية، وأمّا كون هذه المداليل، مرادة جدّية فليس هو على عاتق الكلام، وإنّما هو على عاتق الأُصول العقلائية، أعني: كون المتكلّم قاصداً لا هازلاً، مريداً لما يدلّ عليه اللفظ بظاهره لامورّياً، ملقياً للكلام بما أنّ مدلوله مقصود له عن صميم الذات لا على وجه التقية، ونحوه العام والمطلق، فالأصل فيها تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية، فلو أراد العام أو المطلق استعمالاً، فالأصل أنّه كذلك حسب الإرادة الجدّية، فما هو على عاتق الكلام، إنّما هو إحضار المراد الاستعمالي في ذهن المخاطب وهو يحضره على وجه القطع


(140)

والبتّ، بلا تردّد وشكّ، وأمّا كونه مراداً جدّاً فليس هو مسؤولاً عنه حتى تتّصف دلالتها لأجل ذلك بالظنّية، فالقوم يطلبون من الظواهر ما ليس وظيفتها وشأنها.

وثانياً: أنّ الاحتمالات الثلاثة الأُول، غير منقدحة في ذهن العرف، ولا يختلج في ذهن واحد منهم، أنّ المتكلّم، تكلّم هازلاً، أو مورّياً، أو تقيّة (إذا لم يكن هناك قرينة) حتى يصحّح بذلك كون المقاصد الجدّية ظنّية.

نعم الاحتمالان الأخيران ينقدحان في محيط التقنين والتشريع، فلا بأس بتوصيف المداليل الجدّية بالظنّية في هذا المجال، ولكنّه غير كون الظواهر ظنّية مطلقاً بالنسبة إلى المداليل الاستعمالية، والمقاصد الجدّية.

2ـ إنّا نحتمل أنّ المتكلم أراد المعنى المجازي بلا نصب قرينة، أو نصب قرينة ولم يلتفت إليها المخاطب الناقل لكلام غيره، أو كانت القرائن حالية خارجة عن حريم الألفاظ، ولم تبلغ إلى السامع الناقل أو كانت القرينة لفظية وسقطت ولم تنقل إلى المخاطب الثاني والثالث، فلأجل احتمال طروء هذه الأُمور تتّصف الظواهر بأنّها ظنّية الدلالة.

يلاحظ عليه بوجهين:

أ ـ أنّ هذه الاحتمالات مشتركة بين النصوص والظواهر فلا وجه لتخصيصها بالظواهر.

ب ـ أنّ هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن المخاطب في المحاورات العرفية، ولا في الكتب المؤلّفة ولا في الرسائل الدارجة بين الإخوان حتى تدفع بأصالة الحقيقة عند إحتمال إرادة المجاز، أو بأصالة عدم القرينة الحالية، أو المقالية، أو عدم سقوطهما على فرض وجودهما حتّى يضرّ بالقطع، وإنّما هي أُصول إخترعها الأُصوليون لدفع إحتمالات لا توجد إلاّ في ذهن النقّادين من العلماء وليس عند العرف منها عين ولا أثر.


(141)

نعم لو كان الأثر منقولاً معنعناً، فلربّما يصح لنا احتمال سقط قرينة في الحديث لغفلة المخاطب في مقام التحمّل ففي مثل ذلك يصح لنا توصيف المداليل الجدية (لا الاستعمالية) بالظنّية، وأين هو من توصيف الظواهر بأنّها ظنّية الدلالة مطلقاً ، بلا تعيين وتحديد.

وبالجملة: أنّ الأساتذة زعموا أنّ هذه الأُمور تنقدح في ذهن المخاطب، فيحاول علاجها بالتمسّك بهذه الأُصول، ولأجل ذلك صوّروا الظواهر ظنوناً معتبرة ولكن الحقّ أنّها غير منقدحة في ذهن العاديين من المخاطبين حتّى يحتاجوا إلى العلاج بهذه الأُصول.

وأظنّ أنّ أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة أو أصالة الظهور ـ على فرض تصوّر معنى للثالث ـ راجعة إلى بعض المقامات وبعض الكلمات التي تتطرّق إليها هذه الاحتمالات، وإلاّ فالمحاورات العرفية، رفيعة عن هذه الإحتمالات حتى تدفع بتلك الأُصول.

ولو فرضنا كون الظواهر ظنّية، فالقول بها في ظواهر القرآن مشكل وسيوافيك بيانه في فصل خاصّ.

ثمّ إنّه لو فرضنا أنّه يجب الإعتماد في حجّية الظواهر على أصالة الحقيقة أوعدم القرينة، فليعتمد في كلّ مورد بأصل خاص من الأُصول العقلائية في دفع الشكوك عن حريم الظواهر.

فلو شككنا في أنّ المتكلّم في مقام التفهيم أو لا، كالممارسة والتمرين، فالأصل كونه في ذاك المقام، أعني: التفهيم دون الآخر.

وإن كان الشك في استعماله فيما وضع له أو في غيره، من غير مصحّح، فالأصل العقلائي على خلافه.

وإن كان الشك في استعماله في غيره مع المصحّح، فالمتّبع هو أصالة الحقيقة.


(142)

وإن كان الشك في إخراج بعض الأفراد فالأصل هو الإطلاق والعموم وتطابق الإرادتين.

وإذا كان الكلام منقولاً من متكلّم إلى مخاطب آخر، فشك في حذف القرينة عن عمد فهو مدفوع بوثاقة الناقل، أو شك في سقوطها من الكلام عن غفلة من الناقل أو المنقول إليه، فالأصل هو عدم الغفلة.

غير أنّي أظن أنّ أكثر هذه الأُصول ممّا لا يحتاج إليها إلاّ أصل واحد، وهو أصالة الإطلاق والعموم وهو مخصوص بمحيط التقنين، لا المفاهمة العرفية التي بنيت على ذكر تمام الخصوصيات والمقيّدات والمخصّصات في مورد واحد.

وعلى تقديره لا إشكال في حجّية الظواهر، إنّما الكلام في بعض الصور:

1ـ هل الظواهر حجّة مطلقاً، أو حجيتها مشروطة بالظنّ بالوفاق، أو بعدم الظنّ بالخلاف؟

2ـ هل الظواهر حجّة بالنسبة إلى من قصد إفهامه ومن لم يقصد، أو مختص بالأوّل؟ اختار الثاني المحقق القمي.

3ـ هل ظواهر الكتاب حجّة أو لا؟ والمخالف الأخباريون فنعوذ باللّه من تسويل النفس.

وهذه البحوث ساقطة على ما قرّرناه من كون دلالة الظواهر قطعية وإن كان لها وجه بالنسبة إلى مختار القوم.

وإليك البحث فيها:

1ـ في حجّية الظواهر مطلقاً:

الحق حجّية الظواهر مطلقاً فيما إذا كان تكليفاً من المولى بالنسبة إلى العبد، ومن الرئيس إلى المرؤوس، فالظاهر هو المتّبع حتّى يقوم دليل على الخلاف، ولا يقبل منه العذر بالظنّ بالخلاف أو عدم الظنّ بالوفاق.


(143)

وإن شئت قلت: إنّ المتوخّى من هذه الخطابات هو الخروج عن الوظيفة لا تحصيل الواقع، فيعمل به حتّى يدلّ دليل على الخلاف، نعم إذا كان للمورد أهمّية خاصة فربّما يتوقّفون عن العمل حتى يحصل اليقين بالمراد.

2ـ لا فرق في الحجيّة بين من قصد وغيره:

لا فرق عند العقلاء في حجّية الظواهر بين من قصد إفهامه وبين من لم يقصد، فالرسائل المتبادلة بين الأصدقاء، حجّة حتّى على من لم يقصد إفهامه بل حجّة على من يُحترز عن اطّلاعه كالخصم المحارب.

هذا وفي الأنظمة الحكومية رقابة خاصة على الرسائل المتبادلة بين أفراد الشعب فيتجسّسون المكاتيب والرسائل ويقفون على مقاصد الكاتب، وربّما يعتقل الكاتب لأجل رسالته وكتابه إلى صديقه إذا كان فيه مؤامرة على النظام أو ما يضرّ به أو يشوّه سمعته.

ولولا أنّ الظواهر حجّة حتّى بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه، لما كان لذلك وجه.

ومثله الوصايا والأقارير المكتوبة لشخص خاص، فلو مات الوصي قبل العمل بالوصايا لا تبطل الوصية بل يعمل بها.

نعم فصّل المحقّق القمي بين من قصد إفهامه بالكلام، فالظواهر حجّة بالنسبة إليه من باب الظنّ الخاص، سواء أكان مخاطباً كما في الخطابات الشفاهية أم لا كما في الناظر في الكتب المصنّفة لرجوع كل من ينظر إليها، وبين من لم يقصد إفهامه بالخطاب كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الأئمة الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين، وبالنسبة إلى الكتاب العزيز بناءً على عدم كون خطاباتهموجّهة إلينا وعدم كونه من باب التأليف للمصنفين، فالظهور اللفظي ليس حجّة حينئذ لنا إلاّ من باب الظنّ المطلق الثابت حجّيته عند انسداد باب


(144)

العلم (1).

وفسّـره الشيخ الأعظم بالفرق بين الخطابين (الخطابات العامّة والخطابات الموجّهة لشخص خاص) فإنّ الوقوع في خلاف المقصود في الثاني مستند إلى أحد أمرين إمّا غفلة المتكلّم عن إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد أو غفلة المخاطب من الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام، وكلاهما منتفيان، وأمّا إذا لم يكن الشخص مقصوداً بالخطاب كان لوقوعه في الخلاف منشأ ثالث وهو أنّ المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت عليه وليس يجب على المتكلّم إلاّ نصب القرينة لمن يقصد إفهامه، ولو سلّمنا حصول الظنّ وانتفاء القرائن المتّصلة، لكن القرائن الحالية وما اعتمد عليه المتكلّم من الأُمور العقليّة أو النقلية الكلّية أو الجزئية المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام، ليست ممّا يحصل الظن بانتفائها بعد البحث والفحص، ولو فرض حصول الظنّ في الخارج بإرادة الظاهر لم يكن ذلك ظنّاً مستنداً إلى الكلام (2).

أضف إلى ذلك (وإن شئت فاجعله توجيهاً ثانياً): أنّ الأخبار الصادرة عن الأئمة لم تصل إلينا إلاّ مقطّعة بحيث كانت الأُصول الأوّلية التي اعتمد عليها أرباب الكتب الأربعة، على غير هذا النحو من التبويب والتقطيع، فمن المحتمل وجود قرينة قد اختفت بواسطة بث رواية واحدة على أبواب متشتتة حسب الأسئلة المختلفة.

وكلا الوجهين ضعيفان.

أمّا الأوّل: فلأنّ القرائن المختفية لا تخلو من أن تكون قرائن منفصلة أو متصلة، والثانية إمّا مقالية أو حالية واحتمال الاعتماد على أيّ منها غير مضرّ بحجّية الظواهر.


1-المحقق القمي: القوانين .
2-الشيخ الأنصاري: الفرائد: ص 41، طبعة رحمة اللّه.


(145)

أمّا الاُولى: فلأنّ احتمال الاعتماد يوجب الفحص عنها في الأحكام العقليّة والشرعية، ولا يوجب التوقف، وليست تلك القرائن في إنحصار من قصد بالخطاب بل هو وغيره بالنسبة إليها سواسية.

وأمّا الثانية: فلأنّ الناقل إذا كان عارفاً بأُسلوب الكلام وثقة وأميناً في النقل فلا يخلّ بذكرها لأنّ لحذف القرائن اللفظية المتّصلة سببين: كونه غير عارف بكيفية نقل الكلام، أو كونه غير ديّن وثقة، والكل مدفوع.

وأمّا الثالثة: أي اعتماد المتكلّم على قرائن حالية غير قابلة للنقل، فإنّ نفس القرائن وإن كانت غير قابلة للنقل، لكنّها إذا كانت مؤثرة في دلالة الكلام يجب للمتكلّم التنبيه عليها ـ إذا لم يكن المخاطب متوجّها إليهاـ ويجب للناقل الاشارة إليها.

وبذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني فإنّ الغاية من التقطيع هو إرجاع الأجوبة إلى أبوابها المناسبة حتى يسهل العثور عليها حيث كانت الأسئلة المختلفة مع أجوبتها موجودة في الأُصول في مكان واحد فعمد أرباب الكتب الأربعة إلى تقطيع الروايات وإرجاع كلّ سؤال وجواب إلى الباب المناسب. ولو كان التقطيع مضرّاً بالظهور لما ارتكبه العلماء العارفون بالأسئلة والأجوبة والقرائن الحافّة.

وربّما يجاب بأنّ الأجوبة الصادرة عن الأئمّة ليس إلاّ كالكتب المؤلّفة التي قال القمي بحجّيتها بالنسبة إلى الكلّ، وذلك لأنّ الأحكام لمّا كانت مشتركة بين الأُمّة يجري الخطاب الخاص مجرى الخطاب العام في أنّ الغرض نفس الكلام من غير دخل افهام مخاطب خاص (1).

يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم مشتركاً والنتيجة عامة غير كون الخطاب عاماً، وكون الحكم متوجّهاً إلى الكلّ غير كون الخطاب متوجّهاً إليهم. ولا شكّ أنّها


1-تهذيب الأُصول: ج2 ص 95.


(146)

خطابات شخصية يأتي فيها ما احتمله المحقّق القمي من الاعتماد على القرائن المنفصلة والمتصلة غير المنقولة، أو الحالية غير القابلة للنقل.

والجواب : ما ذكرناه. نعم لصاحب المصباح هنا بيان آخرأوضح به كون الكل مقصودين بالخطاب، فلو كان الراوي الأوّل مقصوداً بالخطاب للإمام، والراوي الثاني مقصوداً بالخطاب للراوي الأوّل. وهكذا إلى أن يصل إلى أصحاب الجوامع، فالمقصود بالافهام هو كلّ من نظر فيها فلا يترتب على ذلك التفصيل ثمرة عملية (1).

في حجّية ظواهر الكتاب:

قد نقل عن بعض أصحابنا الأخباريين عدم حجّية ظواهر الكتاب العزيز، وهذه الدعوى ممّا تقشعر منها الجلود، وترتعد منها الفرائص، ويتعجّب منها الإنسان المهتّم بالثقلين، إذ كيف يصفون حجّة اللّه الكبرى والثقل الأعظم، بعدم الحجّية تارة، وكونه لغزاً غير مفهوم أُخرى إلى غير ذلك من الكلمات التي يعزّ على المسلم الغيور سماعها، ولأجل قلع الشبهة نقدم أُموراً:

الأوّل: ليس المراد من حُجّيّة ظواهر القرآن، هو إستكشاف مراده سبحانه من صميم القرآن من دون مراجعة إلى ما يحكم به العقل في مورده، ومن دون مراجعة إلى الآيات الأُخرى التي تصلح لأن تكون قرينة على المراد أو من دون المراجعة إلى الأحاديث النبوية وروايات العترة الطاهرة، في مجملاته وعموماته ومطلقاته فالاستبداد في فهم القرآن بنفسه والغمض عمّـا ورد حوله من سائر الحجج ضلال لا شك فيه.

كيف لا يكون كذلك مع أنّه قال سبحانه: (وأَنزَلْنا إليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّـنَ


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 122.


(147)

لِلناسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِم وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (النحل/44) فجعل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مبيّناً للقرآن، وأمر الناس بالتفكّر فللرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سهم في إفهام القرآن كما أنّ لتفكر الناس سهماً آخر، فبهذين الجناحين يُحلّق الانسان في سماء معارفه، ويستفيد من حكمه وقوانينه.

الثاني: إنّ الاستفادة من القرآن ربّما لا تتوقف على إجراء أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة، فإنّ لدلالته سعة لا توجد نظيرتها في الكتب الأُخرى سماوية كانت أو أرضية ولا يعرف تلك السعة من الدلالة إلاّ الغوّاص في بحار مفاهيمه ومعارفه، ولنذكر مثالين:

1ـ إنّ الأُصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلاً لإثبات كون الأمر موضوعاً للوجوب ومجازاً في الندب، فإذا ورد الأمر في الكتاب احتاجوا في استفادة الوجوب منه إلى نفي المدلول المجازي، بإجراء الأصلين المذكورين.

ولكن هذا النمط جار في المحاورات العرفية والقرآن في غنى عنها في غالب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفادة الوجوب أو الندب في الأوامر الواردة في القرآن طريقاً آخر، وهو الايعاد بالعذاب أو النار كما نجد في كثير من الواجبات مثل الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال سبحانه: (ما سَلَكَكُمْ في سَقَر * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين) (المدثر/ 42ـ43) وقال سبحانه: (وسَـيُجَنَّبُها الأتْقَى* الَّذي يُؤْتِـى مَالَهُ يَتَزَكّى) (الليل/ 17ـ 18) بل كل ما أوعد على فعله أو تركه يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.

2ـ اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة في التداين بدين والاستشهاد بشاهدين الواردين في قوله سبحانه: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ) (واسْتَشهِدُوا شَـهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم)(البقرة/282). فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصالة الحقيقة، وقائل باستحبابه مستدلاً بالاجماع، ومعتذراً عن الأصل المذكور بكثرة استعمال صيغة الأمر في الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية وما ورد حولها


(148)

من الحكمة يعطي بوضوح أنّ الأمرين لا للوجوب ولا للندب، بل الأمران إرشاديّان لئلاّ يقع الاختلاف بين المتداينين فيسدّ باب النزاع والجدال. قال سبحانه: (ذلِكُمْ أقسَطُ عِندَ اللّهِ وأقْوَمُ للشَّهادَةِ وأدْنَى ألاّ تَرْتَابُوا إلاّ أن تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُم) (البقرة /282).

والأليف بالقرآن بالقراءة المقترنة بالتدبّر والحفظ المقارن بالإمعان، يقف على آفاق سعة الدلالة فيه على مقاصده ولا يرى نفسه محتاجاً إلى اجراء هذه الأُصول التي تستفاد في المحاورات العرفية وهو من خصائص ذلك الكتاب ولأجله يقول سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَليكَ الكِتابََ تِبياناً لِكُلِّ شيء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْـرى لِلْمُسْلِمِين) (النحل/89) فإذا كان تبياناً لكل شيء فهو تبيان لنفسه أيضاً.

ويعرف سعة دلالة القرآن بأُمور نذكر منها أمرين:

أ: أن يجمع الآيات الواردة حول موضوع في محل واحد ويستشهد بآية على أختها، ويرفع إبهام واحدة بالأُخرى.

ب: الرجوع إلى الروايات التي استشهد بها الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ على مقاصدها لا استشهاداً تعبّدياً، بل تعليمياً بحيث يقنع كل من نظر إلى الآية مجرداً عن الغرض وإن لم يكن معتقداً بإمامتهم (1).

الثالث: إنّ ظواهر الكتاب لا تختلف عن سائر الظواهر وقد أثبتنا أنّ دلالة غيرها قطعية، وأنّ ما يتطرق به من الشك في المراد مشترك بين الظاهر والنص، وأنّ المراد قطعية دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي دون الجدّي، وكون المقصود


1-وقد اشتدّ من شيخنا الأُستاذ الحثّ على حضّار بحثه في الدورة السابقة على قيامهم بجمع هذه الروايات التي يعلم من الوقوف بها كيفية الاستفادة من الآيات والبرهنة بها على الأحكام، فقاموا بذلك فاجتمعت بذلك مذكّرات كثيرة فسلّمها إلى أحد الفضلاء ، وهو قد رتبها وصارت كتاباً مستقلاً أسماه بـ «الكتاب عند النبي والآل». وهو بعد غير مطبوع.


(149)

الجدّي من حيث السعة والضيق مظنوناً لا يضرّ بقطعية دلالتها.

ثمّ إنّه لو لم نقل بها في الظواهر المطلقة فالقول به متعيّـن في الكتاب العزيز وذلك بالبيان التالي: لا شك أنّ القرآن هو المعجزة الكبرى للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد تحدّى به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . ولكن التحدّي والغلبة على جميع الناس يتوقّف على فهم المتحدّى عليهم مفاهيم الكتاب ودركه أوّلاً ثمّ مقايسته بالكتب الأُخرى ثانياً، ثمّ القضاء بأنّه فوق كلام البشر ثالثاً، فكلّ ذلك يتوقف على العلم بمدلول الآيات لا على الظنّ به وإن كان حجّة، لأنّ حجّيته لا يخرجه عن حدّ الظن.

وبالجملة: الوقوف على إعجاز القرآن والإذعان بكونه فوق كلام البشر يتوقف على الوقوف على ألفاظ القرآن ومعانيها وقوفاً قطعياً حتّى يحصل الإذعان بكونه معجزاً ولو كان الوقوف على مفاده ظنّياً لا يمكن الإذعان القطعي بكونه معجزاً.

فما يلهج به الأخباري من أنّ الوقوف على مفاد القرآن يتوقف على تصديق الرسول وتفسيره وبيانه ولولاه لما كان القرآن أمراً مفهوماً غير تامّ، لاستلزامه الدور، فإنّ حجيّة تفسيره يتوقف على ثبوت رسالته، وهو يتوقف على ثبوت إعجاز القرآن، المتوقف على فهمه وقياسه بسائر الكتب والقضاء بأنّه فوق كلام البشر، فلو توقّف الفهم وما بعده على تفسيره، المتوقّف على حجّية قوله، وثبوت رسالته يلزم الدور.

كيف وقد فهم الوليد بصفاء ذهنه وصميم عربيّته أنّ بلاغة القرآن خارج عن طوق القدرة البشرية وقال لما سمع آيات من سورة فصّلت من الرسول الأعظم: لقد سمعت من محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كلاماً لا يشبه كلام الإنس ولا كلام الجنّ وأنّ له لحلاوة وأنّ عليه لطلاوة وأنّ أسفله لمغدق وأنّ أعلاه لمثمر، وهو يعلو ولا يعلى عليه (1).


1-مجمع البيان: ج5 ص 387 ، ط صيدا.


(150)

فإن قلت: إنّما يصح ذلك إذا فرض القرآن كلّه ظنّي الدلالة، وأمّا إذا كان بعضه قطعياً فيكفي في ظهور إعجازه وسطوع برهانه.

قلت: هذا إنّما يصحّ لو لم يتحدَّ القرآن بالكلّ مع أنّه تحدّى بكلّ الآيات والسور، قال سبحانه: (وَإنْ كُنتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلْنَا على عَبدِنا فَأْتُوا بِسُورة مِنْ مِثلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إنْ كُنتُمْ صادِقِين) (البقرة/23) والآية تصدق بكلّ سورة من سوره، فيلزم التحدّي بكل سورة والسورة مؤلّفة من آيات كثيرة وقليلة، فيلزم أن تكون الآيات واضحة الدلالة على المعنى، حتّى يصحّ التحدّي ولو صحّ كونه ظنّي الدلالة فإنّما هو في مجال المراد الجديّ من المطلقات والعمومات، لا الاستعمالي، ومثلهما المجملات ولا يتوقف فهم الإعجاز والإذعانبه على الوقوف على المراد الجدّي منها، وأنّ دائرتها خاص أو عام، مقيّد أو مطلق.

فإن قلت: يكفي في ثبوت رسالته سائر معاجزه التي وصلت إلينا متواترة، فإذا ثبتت نبوّته بها يكون قوله حجّة في تفسير كتابه وصحيفته.

قلت: إنّ لازم ذلك عدم صحّة التحدّي بالكتاب أصلاً، وهو مردود بنص الكتاب العزيز كيف وقد وصفه اللّه بقوله: (ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه) أي لايحومه شك في شأن من شؤونه في كونه منزَّلاً من اللّه، وفي معانيه ومفاهيمه،قالالطبرسي: «إنّ الأسباب التي توجب الشك في الكلام من التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوى العارية من البرهان، كلّها منتفية في كتاب اللّه تعالى» .

(1)نعم: لا يحيط بكلّ ما للقرآن من الشؤون والحقائق غير المعصوم، لكن الإحاطة به من جميع الجهات شيء، ودرك علوّه وسموّه الذي يتوقف عليه الإعجاز أمر آخر. والذي يختص بالمعصوم هو الأوّل دون الثاني.


1-مجمع البيان: ج1 ص 36، ط صيدا.


(151)

أدلّة الأخباريين على عدم حجّية ظواهر الكتاب:

إذا وقفت على ما ذكرنا فاعلم أنّ الأخباريين استدلوا على عدم حجّية القرآن بوجوه:

الأوّل: انّ الظاهر من مذاكرة الإمام ـ عليه السَّلام ـ مع أبي حنيفة وقتادة، هو أنّ القرآن ليس من قبيل المحاورات العرفية ولم يكن مقصود المتكلّم تفهيم مطالبه بنفس هذا الكلام بل بضميمة أهل الذكر:

قال لأبي حنيفة: أنت فقيه العراق؟ قال: نعم. قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه وسنّة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ويلك ما جعل اللّه ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلاّ عند الخاص من ذرّية نبيّنا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وما ورّثك اللّه من كتابه حرفاً(1).

وقال الباقر ـ عليه السَّلام ـ لقتادة: بلغني أنّك تفسّـر القرآن.

فقال له قتادة: نعم. فقال له أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت فسّـرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت (2).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ قصد المتكلّم لم يكن تفهيم مطالبه بنفس ذاك الكلام باطل جدّاً يردّه نصوص القرآن والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة.


1-الوسائل: الجزء 18 ص 30، الباب 6 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 27.
2- المصدر نفسه: ص 136، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.


(152)

أمّا الأوّل: فقوله سبحانه: (وَلَقَدْ يَسَّـرْنَا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر) (القمر/ 17و 22 و32) وقال عزّ شأنه: (أفلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُها) (محمّد/ 24) فحثّ المشركين على التدبّر فيه فلو كان الغرض تفهيم مطالبه بغيره لما كان للحث معنى، فإذا كان المشرك قادراً على الاستهداء فكيف بمن صرف عمره في فهم القرآن الكريم؟

إنّ القرآن يصف نفسه بأنّه هدى للناس ويقول: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدىً لِلنّاسِ)(البقرة/ 185). إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في شأنه، أفيمكن الهداية بلا فهم المعنى؟

فإن قلت: إنّ الاستدلال بهذه الآيات على ردّ الأخباري مستلزم للدور، إذ هو لا يقول بحجّية الكتاب حتّى في نفس الآيات، فاثبات حجّية القرآن بنفس هذه الآيات فرع كون ظواهر خصوص هذه الآيات حجّة، وهي متوقفة على حجّية ظواهر القرآن كلّها وهذا دور واضح.

قلت: إنّ إنكار حجّية مثل هذه الآيات مكابرة واضحة لا ينكرها إلاّ الغبي والجاهل بتاريخ الإسلام والقرآن والسيرة النبوية، فكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقرأ هذه الآيات على المشركين وهم يسمعونها ويفهمون مفاهيمها وهم بين محبّ للإسلام ومعاند، ومحارب. ولولا فهم معاني الآيات لما كان معنى لحبّهم وعنادهم ومحاربتهم.

وأمّا السنّة: فيكفي في ذلك حديث الثقلين، حيث جعل كلّ واحد منهما حجّة مستقلة لا يفترقان، يؤكّد كلّ واحد مضمون الآخر.

وأمّا أحاديث العترة الطاهرة فقد جعلت القرآن المرجع الأصيل لتشخيص الحديث الصحيح من الزائف، وصرّحوا لأصحابهم أنّهم لا يقولون خلاف قول ربّهم (1).


1-الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1و 10 و 11 وهكذا.


(153)

وثانياً: أنّ الإمعان في كيفية احتجاج أبي حنيفة وقتادة بظواهر القرآن، يبيّـن موقف هذه الروايات من حجّية ظواهره، فإنّهما ونظائرهما كانوا يحتجّون بها من دون الرجوع إلى باب علم النبي وأولاده المعصومين الذين ورثوا علم الكتاب وعرفوا منسوخه عن ناسخه، ومخصّصه ومقيّده، وأين ذلك من عمل علمائنا فهم لا يحتجّون بها إلاّ بعد الرجوع إلى ما ورد حول الآية من الروايات، آخذين بقوله سبحانه : (ثُمَّ أوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عبادِنا) (فاطر/32).

أضف إلى ذلك: أنّ الإمام يزجرهما لتفسيرهما القرآن بالرأي وليس العمل بالظواهر تفسيراً له، كما سيوافيك توضيحه.

الثاني: اشتمال القرآن على معان شامخة لا يصل إليها إلاّ الأوحدي من الناس.

يلاحظ عليه: أنّ اشتماله على ذلك غير منكر، وقد ورد في الحديث عن علي ابن الحسين ـ عليهم السَّلام ـ : إنّ اللّه عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى: (قُلْ هُوَ اللّهُ أحد)والآيات من سورة الحديد، إلى قوله: (عَليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك (1).

لكن ذلك لا يكون مانعاً عن فهم ما ورد حول القصص والأحكام والأخلاق، والأوحدي وغيره في مقابل قوله سبحانه: (وأنْ لَيسَ لِلإنسْانِ إلاّ ما سَـعَى * وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى)(النجم/39ـ40) سواسية، ومثله قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَير) (آلعمران/ 104).

الثالث: العلم الإجمالي بوجود مخصّصات ومقيدات لمطلقاته وعموماته، ومعه كيف يصحّ العمل بها.

والجواب: أنّ العلم الإجمالي بهما ينحل بالظفر بهما في الأخبار ولا علم لنا بوجودهما في غير الأخبار الواصلة إلينا.


1-نور الثقلين: ج5 ص 231 تفسير سورة الحديد.


(154)

الرابع: اشتمال القرآن على المتشابه كما هو صريح قوله تعالى: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ واُخَرُ مُتَشابِهات) (آل عمران/ 7) والمتشابه بما هو متشابه ممنوع الاتباع كما هو صريح قوله سبحانه: (فَأَمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْه) (آل عمران/7).

والجواب: أنّ الظاهر غير المتشابه، وبينهما بون بعيد، إذ الأقوال في بيان ما هو المتشابه وإن كان كثيراً إلاّ أنّ العبرة بقولين من بينها:

1ـ ما تشابه المراد بغير المراد ولم يظهر مفاد الآية لبّاً وجدّاً، كما في قوله سبحانه: (وجَاءَ رَبُّكَ) فهل المراد هو بعينه أو مجيئ أمره وحكمه أو غير ذلك، وقوله: (الرَّحمنُ عَلَى العَرشِ اسْـتَوى) فهل المراد إستقراره على العرش أو استيلاؤه عليه.

2ـ المراد منه مالا يعلم كنهه في هذه الدار كحقيقة البرزخ والمعاد والجنّ والملك وغير ذلك. كقوله سبحانه: (إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشَّياطِين)(الصافات/64ـ65) إلى غير ذلك من الأُمور المجهولة الكنه.

وعلى كلا الاحتمالين فالظواهر ليست من المتشابهات إذ ليس المراد الاستعمالي في الظواهر بمتشابه أبداً، وأقصى ما يحتمل فيها أن يكون منسوخاً أو مخصّصاً أو مقيّداً. والمفروض الرجوع إلى مظانّها وليس الظاهر إلاّ محتملاً لمعنى واحد. والمحتملات الأُخرى في غاية المرجوحيّة.

على أنّ المتشابه يرجع إلى المحكمات وقد عرّفها سبحانه بأنّها أُمّ الكتاب وأصله وأساسه فبالأصل يعرف الفرع ويتبيّـن المراد منه.

كما أنّ الظواهر ليست من الأُمور المجهولة من حيث الكنه والحقيقة.

الخامس: قد وردت روايات متواترة على النهي عن التفسير بالرأي، فيشمل حمل الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى.


(155)

والجواب: أنّ حمل الظاهر على شيء بناءً على أنّه المراد ليس بتفسير أوّلاً، فإنّ التفسير مشتق بالاشتقاق الكبير من «سفر» وهو رفع القناع عن وجه المراد، كرفع القناع عن الرأس والوجه، ولا قناع للظاهر، وإنّما القناع في المجمل والمتشابه وأيّ قناع لقوله سبحانه: (والمُطَلَّقات يَتَرَبَّصْـنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) (البقرة/228).

وعلى فرض كونه تفسيراً فليس تفسيراً بالرأي، فإنّ التفسير بالرأي عبارة عن أخذ الموقف الخاص في المسألة، ثم التفحّص عن دليله ومدركه، وعندئذ يعود المفسّـر يطبّق القرآن على رأيه المسبق فيكون هدفه تطبيق القرآن على المعتقد السابق وأين هو من حمل الآيات على معانيها الظاهرة فيها لدى العرف.

السادس: دعوى التحريف في القرآن الكريم حسب ما ورد في الروايات من الفريقين وبما أنّ هذه شبهة تخالج أذهان الفضلاء فضلاً عن الطلاّب، وبما أنّها اتّخذها أعداء الأسلام أوّلاً، وأعداء التشيّع ثانياً، ذريعة للوقيعة في القرآن ومذهب الشيعة، نبحث عنه حسب ما يسمح لنا الوقت فنقول:

إنّ التحريف يستعمل في موارد لابدّ من الإشارة إليها ثم ننظر في أنّ أيّاً منها هو المقصود في المقام.

1ـ حمل كلامه سبحانه على خلاف مقصوده ومراده ويشهد على ذاك الاستعمال قوله سبحانه حاكياً عن عمل اليهود: (مِنَ الّذين هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مواضِعِهِ) (النساء/46) وقد كانت أحبار اليهود متسالمين مع أهل القدرة والثروة فيحرّمون ما أحلّ اللّه، ويحلّون ما حرّمه، ويؤوّلون كلامه سبحانه لإرضائهم أصحاب السلطة والمال.

والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن، ولا يمسّ أبداً بكرامته بل هو محفوظ في صدور الذين آمنوا يتلونه كلّ يوم وليلة، وإن فسّـره أهل الأهواء برأيهم وعقيدتهم الفاسدة، ومن أوضح مصاديق هذا النوع من التحريف تفسير الباطنية


(156)

حيث قالوا: للقرآن ظاهر، وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره، المعلوم من اللغة ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللّب إلى القشر، وأنّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره، فالغسل عندهم عبارة عن تجديد العهد ممّن أفشى سّراً من أسرار الباطنية من غير قصد، والاحتلام عبارة عن إفشائه، والزكاة هي تزكية النفس، والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول لقوله سبحانه: (إنّ الصلاة تَنْهَى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَر) (1).

2ـ النقص والزيادة في الحركات والحروف مع حفظ القرآن وصيانته وإن لم يتميّز في الخارج أنّ أيّاً منها هو القرآن، مثاله: قراءة (يطهرن) على الوجهين وغيرها، فلو قلنا بتواتر القراءات السبع كلّها من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قرأ على وجوه سبعة لعدّ الجميع من صميم القرآن ووحيه، وإن لم نقل بذلك وقلنا بأنّ القرآن نزّل برواية واحدة فهي القرآن وأمّا الستة الأخرى فكلّها تحريف إخترعتها عقول القرّاء وزيّنوا قراءتهم بالحجج التي ذكرها علماء القراءة في كتبهم، ونقلها الطبرسي في مجمعه، وللقارئ الواعي أن يقول: إنّ إقامة هؤلاء الحجج على قراءتهم أوضح دليل على أنّ هذه القراءات ليست لها أصالة سوى إجتهادات القرّاء، ولو كانت مروية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما احتاجوا إلى إقامة الحجج والدلائل (2).

3ـ النقص والزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفّظ على نفس القرآن المنزّل، أو تبديل كلمة مكان كلمة أُخرى يتّحد معه في المعنى: مثل أمضوا وأسرعوا (3) وقد كان بعض المصاحف كمصحف عبد اللّه بن مسعود وغيره مشتملاً على تلك الأُمور، ولأجل سدّ هذا النوع من التحريف قام الخليفة الثالث لسدّ تطرق هذا


1-المواقف: ج8 ص 390.
2-روى في الكافي ج2 ص 630، الحديث 12 عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيئ من قبل الرواة».
3-في قوله سبحانه: (ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون) الحجر /65.


(157)

النوع من التحريف بتوحيد المصاحف وغسل غير ما جمعه، وأمر ولاته بغسل كل قرآن غيره، ولم يكن هو القائم بالجمع وحده بل استعان في ذلك من حفظة القرآن وكتّاب الوحي والقرّاء (1) فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المزبور.

4ـ اشتمال القرآن على آيات وسور لم تكن منزّلة من اللّه سبحانه والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين وإلاّ لبطل إعجازه، فإنّ آي القرآن على نسق تتميز عن ما سواها إذ هو من حيث الجزالة والفصاحة والبلاغة على نمط لا يمكن مباراته ومناضلته، ولا يمكن للبشر القيام بإتيان سورة منه، ولو كان بعض الآي والسور منه مجعولاً وداخلاً في القرآن ولم يتميّز ذاك من غيره، فهو ينتج أنّ البشر قادر على الإتيان بمثله. فيبطل كونه معجزة ويلزم تكذيب قوله سبحانه: (وإنْ كُنتُمْ في رَيب مِمّا نَزَّلْنا عَلَى عَبدِنا فَأْتُوا بِسُورة مِنْ مِثلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) (البقرة/23).

5ـ نقصان القرآن عن بعض ما أنزل اللّه سبحانه على قلب سيد المرسلين. وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف بين المسلمين والمشهور بين علماء الإسلام سنّيهم وشيعيهم هو عدم وقوع التحريف فيه، وأنّ ما أنزل اللّه سبحانه هو نفس ما بين الدفتين، ولا يمكن لنا الإتيان في هذه العجالة بأسماء نفاة التحريف من رؤساء الشيعة، بل نذكر نصّ المتقدّمين في نفي التحريف ونترك نصوص متأخري المتأخرين روماً للاختصار:

1ـ الشيخ الأجل الأقدم: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري المتوفّـى عام 260هـ فقد ذكر في جملة نقده على العامة قولهم بذهاب قسم من القرآن فقد


1-لاحظ تاريح القرآن للزنجاني ص 43 : يظهر منه أنّ الداعي لجمع القرآن هو اختلاف المسلمين في التلفظ ببعض الكلمات أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيير في المعنى، مثل: امض، عجّل، اسرع، وتوحيد اللهجات مثل سعى أو سعي بالياء، أو الاشتمال على زيادة كلمة أو كلمات على احتمال كما هو المقول في حقّ قرآن عبد اللّه بن مسعود.


(158)

ذكر شواهد على قولهم بذلك وقال: إنّ عمر بن الخطاب قال: لولا إنّي أخاف أن يقال: زاد عمر في القرآن، أثبتّ هذه الآية فإنّا كنّا نقرأها على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من الشهوة، نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم (1).

وهذا يعرب على أنّ المسلّم بين الإمامية هو عدم التحريف وإلاّ لما صحّ له الانتقاد عل المخالف بما هو مبتلى به.

2ـ أبو جعفر الصدوق (م 381هـ) قال: اعتقادنا في القرآن أنّه كلام اللّه ووحيه تنزيلاً وقوله وكتابه وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم. وانّه القصص الحقّ وانّه لحقّ فصل وما هو بالهزل وانّ اللّه تبارك وتعالى محدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلم به(2).

3ـ قال الشيخ المفيد: «وقد قال جماعة من أهل الإمامة: إنّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام اللّه تعالى الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّـى تأويل القرآن قرآناً...».

قال: «وعندي أنّ هذا القول أشبه [بالحق] من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل».

قال: «وأمّا الزيادة فيه فمقطوع على فسادها إن أُريد بالزيادة زيادة سورة على حد يلتبس على الفصحاء فإنّه متناف مع تحدّي القرآن بذلك.

وإن أُريد زيادة كلمة أو كلمتين أو حرف أو حرفين، ولست أقطع على كون


1-الايضاح: 217ـ 219 وروى البخاري آية الرجم في صحيحه ج 8 ص 208ـ211 باب رجم الحبلى، مسند أحمد: ج1 ص 23، و ج5 ص 132.
2-الاعتقادات: ص 93.


(159)

ذلك، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه قال: ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد ـ عليهما السَّلام ـ » (1).

وقال في أجوبة المسائل السروية: «فإن قال قائل: كيف يصحّ القول بأنّ الذي بين الدفتين هو كلام اللّه تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ أنّهم قرأوا: «كنتم خير أئمة أُخرجت للناس» «وكذلك جعلناكم أئمة وسطاً» وقرأوا «يسألونك الأنفال» وهذا بخلاف المصحف الذي بأيدي الناس: قيل له: قد مضى الجواب عن هذا وهو، أنّ الأخبار التي جاءت بذلك ، أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحتها فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّـا في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيّناه مع أنّه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلين أحدهما ما تضمّنه القرآن والثاني ما جاء به الخبر، كما يعترف به مخالفونا من نزول القرآن على وجوه شتّى» (2).

4ـ السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلـوي (436هـ) قـال: إنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود، وأُبي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عدة ختمات وكل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث (3).

5ـ أبو جعفر محمّد بن الحسين الطوسي المعروف بشيخ الطائفة (م460هـ) قال: وأمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصه فممّـا لا يليق به أيضاً لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الرواية، قيل: إنّه رويت روايات كثيرة من جهة الشيعة وأهل السنّة بنقصان كثير من آي


1-أوائل المقالات: 53ـ 56.
2-مجموعة الرسائل للشيخ المفيد: 266، البحار: 89 : 75.
3-مجمع البيان: ج1 ص 10 نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسيات للسيد.


(160)

القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها (1).

6ـ أبو علي الطبرسي، صاحب تفسير «مجمع البيان» يقول: الكلام في زيادة القرآن ونقصانه أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه (2).

7ـ السيد علي بن طاووس الحلي (م 664 هـ) قال: إنّ رأي الإماميـة هو عدم التحريف(3).

8ـ جمال الدين العلاّمة الحلّي (م 726 هـ) في أجوبـــة المسائل المهناوية، عندما سأله السيد المهنا بقوله: «ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنّه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غُيّـر ترتيبه أم لم يصح عندهم شيء من ذلك؟» فأجاب: الحقّ أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم وأنّه لم يزد ولم ينقص ونعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر (4).

9ـ القاضي السيد نور اللّه التستري صاحب كتاب إحقاق الحق (م1019هـ) يقول: ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية إنّما قال به شرذمة قليلة منهم، لا اعتداد لهم فيما بينهم(5).


1-التبيان: ج1 ص 3 الطبعة الثانية.
2-مجمع البيان: ج1 ص 10.
3-سعد السعود: ص 144.
4-أجوبة المسائل المهناوية، المسألة: 13/121.
5-آلاء الرحمن: ج1 ص 25.


(161)

10ـ الشيخ البهائي: نابغة عصره ونادرة دهره محمد بن حسين المعروف ببهاء الدين العاملي (م1030هـ) قال: الصحيح إنّ القرآن العظيم محفوظ من التحريف زيادة كانت أو نقصاناً بنص آية الحفظ من الذكر الحكيم، وما اشتهر بين العلماء من إسقاط إسم أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في بعض المواضع فهو غير معتبر عند العلماء، والمتتبع للتاريخ والأخبار والآثار يعلم بأنّ القرآن ثابت بغاية التواتر وبنقل الآلاف من الصحابة وأنّ القرآن الكريم كان مجموعاً في عهد الرسول (1).

11ـ المحدّث الأكبر الفيض الكاشاني صاحب كتاب الوافي الذي يعدّ من الجوامع الحديثية المؤخرة (م 1091هـ) قال بعد نقل روايات توهم وقوع التحريف: وعلى هذا لم يبق لنا اعتماد بالنص الموجود وقد قال اللّه تعالى: (وإنَّهُ لكتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ ) وقال: (إنّا نَحنُ نَزَّلْنا الذِّكرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) وأيضاً يتنافى مع روايات العرض على القرآن، وكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ... مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب اللّه وتكذيب له فيجب ردّه والحكم بفساده وتأويله (2).

12ـ الشيخ الحر العاملي (م 1104 هـ) يقول في كتابه: «وأنّ من تتبَّع أحاديث أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وتصفّح التاريخ والآثار علم علماً يقينيّاً، أنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر، فقد حفظه الأُلوف من الصحابة ونقلته الأُلوف ، وكان منذ عهده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مجموعاً مؤلفاً(3).

هذه هي الشخصيات الكبيرة من الإمامية الذين عرفت تنصيصهم على عدم طروء تحريف على الذكر الحكيم وقد جئنا بأسماء القائلين بعدم التحريف إلى


1- آلاء الرحمن: ج1 ص 26.
2-تفسير الصافي: ج1 ص 51 المقدمة السادسة.
3-إظهار الحق: 89 كما في الفصول المهمّة للسيد شرف الدين: 166.


(162)

نهاية القرن الحادي عشر، وأمّا الذين نصّوا على عدم التحريف في القرون الأخيرة فحدّث عنهم ولا حرج، كيف وقد ألّفوا رسائل كبيرة وصغيرة حول الموضوع ونختم البحث بكلام قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني ـ دام ظله ـ ونأتي بنصّ كلامه في هذا الموضع، وهذا ما جاء في محاضراته التي أُلقيت قبل بضع وثلاثين سنة:

«إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة، يقف على بطلان تلك المزعمة ـ التحريف ـ وأنّه لا ينبغي أن يركن إليها ذو مسكة، وما وردت فيه من الأخبار، بين ضعيف لا يستدل به، إلى مجعول، تلوح عليه أمارات الجعل، إلى غريب يقضي بالعجب، إلى صحيح يدلّ على أنّ مضمونه تأويل الكتاب وتفسيره، إلى غير ذلك من الأقسام التي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب حافل، ولولا خوف الخروج عن طور البحث لأرخينا عنان البيان إلى تشريح تاريخ القرآن والمراحل التي قضاها طيلة القرون ، وأوضحنا لك أنّ الكتاب هو عين ما بين الدفّتين حتى أنّ الاختلاف بين القرّاء ليس إلاّ أمراً حديثاً لا ربط له بما نزّل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين»(1).

***

دلائل الصيانة:

الدليل الأوّل: إنّ تطرق التحريف إلى القرآن لابدّ أن يستند إلى قدرة قاهرة حتّى يتلاعب بالقرآن بالحذف والنقص، ولم يكن للأمويين ولا العباسيين تلك القدرة القاهرة لأنّ انتشار القرآن بين الحفّاظ والقرّاء، ونسخه وتفاسيره وشروحه على صعيد هائل، قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحالات، وإنّما يتصوّر


1-تهذيب الأُصول: تقريرات أبحاث الإمام الخميني ج2 ص 96 بقلم شيخنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ.


(163)

ذلك بعض التصوّر في عصر الخلفاء الثلاثة.

أمّا الأوّلان فاحتمال تحريفهما للقرآن لا يخلو إمّا أن يقع في الآيات التي لا تمس زعامتهما فهو بعيد غايته، إذ لا داعي لهما في هذا وكانت زعامتهما حسب الظاهر على الاهتمام بالدين وسننه وطقوسه وفرائضه وعزائمه.

وأمّا الآيات التي تمس كرامتهما فهي أيضاً مثلها لأنّ آيات الولاية كآية البلاغ والإكمال وغيرهما من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، أو أنّ الأمير من أعطى الزكاة وهو راكع، موجودة في القرآن فيتلى كل يوم وليلة.

مع أنّه لو صدر هذا التحريف منهما لما سكت أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الغيارى على الإسلام والقرآن نظراء أبي ذر وعمّـار والمقداد وفي مقدمتهم أمير المؤمنين وضجيعته الطاهرة، كيف وقد اعترض على خلافتهم إثنا عشر صحابياً في مسجد رسول اللّه واعترض الإمام وبنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على غصب فدك، وغير ذلك من البدع ولا تبلغ فدك معشار ما للقرآن من العظمة والأهمية.

وأمّا وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد، لانتشار الإسلام والحفّاظ والقرّاء والمصاحف في أرجاء الدنيا والعواصم الإسلامية، ولا يقدر على ذلك إلاّ أن يضع السيف على رقاب المسلمين على أن يحذف آيات أو سور من القرآن.

أضف إلى ذلك: أنّه كان على الإمام ـ عليه السَّلام ـ وحوارييه من أبي ذر وعمّـار وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق ذوي الغيرة والحماس، المعارضة بلغ ما بلغ.

ويرشدك على صدق المقال: أنّه قد اختلف أُبي بن كعب والخليفة في قراءة قوله سبحانه: (وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ) (التوبة /34) فأصرّ أُبيّ على أنّه سمعه عن النبي بالواو وكان نظر الخليفة إلى أنّه خال منها. فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد، وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبي وقال: لابدّ وأن تكتب الآية بالواو، وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي (1).


1-الدر المنثور 2: 232.


(164)

ترى أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ قام بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال وقال: «واللّه لو وجدته قد تزوّجت به النساء وملكت به الإماء لرددته ومن كان العدل عليه ضيقاً فالجور عليه أضيق» (1) فردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالها أوجب وألزم.

نرى أنّه ـ عليه السَّلام ـ بعد أن تقلّد الخلافة الظاهرية، اعترض على إقامة صلاة التراويح بالجماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرّية (2) إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها وشدّد النكير عليها بحماس فلو صدر من عثمان شيء من ذلك لقام بواجبه وردّ ما حذف من الكتاب العزيز إليه، بلا واهمة. لأنّه ـ عليه السَّلام ـ ممن لا تأخذه في اللّه لومة لائم.

ثمّ إنّه سبحانه توخياً لصيانة القرآن عن التحريف ترك التصريح بأسماء أوليائه، وإنّما بيّنه على نحو ينطبق عليهم، ويقف عليه كلّ من أراد الحقيقة، كما أنّه ترك التصريح بأسماء المنافقين وأعداء الإسلام، لأنّهم لا يرضون بفضيحتهم فيتمسكون بكلّ رطب ويابس لإزالة أسمائهم أو أسماء أوليائه سبحانه، وهذا أحد الأسباب لصيانة القرآن عن التحريف بإماتة الدواعي وإبادتها بالنسبة إليه.

الدليل الثاني: قوله سبحانه: (وَقَالُوا يا أَيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ* لَو ما تَأْتِينَا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنتَ مِنَ الصادِقِينَ* ما نُنَزِّلُ الملائكةَ إلاّ بالحَقِّ وَمَا كانُوا إذاً مُنظَرِينَ *إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُون) (الحجر/6ـ9).

تقريب الاستدلال: أنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن بقرينة (نزّل) و(نزّلنا)والضمير في (له) يرجع إلى القرآن. والمشركون الألدّاء لما لم يجدوا ذريعة لرّد دعوة الرسول اتّهموه بالجنون أوّلاً حتّى يصحّ تقوّلهم بأنّه ليست له قدرة لتلّقي القرآن ونقله على ما هو عليه، لأنّه مجنون، ونسبوا إنزال القرآن إلى


1-نهج البلاغة الخطبة 14.
2-لاحظ خطبة الإمام حول البدع المحدثة: الكافي: الروضة 105 و107 طبعة المكتبة الإسلامية.


(165)

فاعل مجهول ثانياً، كما يشهد قوله: (نُزِّل) ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل اعترضوا عليه بأنّه لماذا لا يجيئ بالملائكة ثالثاً، فنزل الوحي بنقد أقوالهم .

فأجاب عن الثالث: بأنّ نزول الملائكة موجب لإهلاكهم وإبادتهم وهو يخالف هدف البعثة إذ الهدف هو الهداية لا الإبادة وأمّا وجه الملازمة بين رؤية الملائكة وإبادتهم فقد فصّلناه في محله .

وعن الثاني: بالتصريح بأنّ المنزّل هو اللّه سبحانه قال: (إنَّا نحنُ نزَّلنا الذِّكْرَ) لا شخص مجهول كما يحكيه عنه قولهم: (نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) .

وعن الأوّل: بأنّه سبحانه هو الحافظ لذكره عن تطرق أيّ بطلان وزوال عليه، وهو لا يُغلب في إرادته، ثمّ إنّ الاستهزاء بالنبيّ الأكرم باتّهامه بالجنون أمر جرى عليه أعداء الدعوة الإلهية خلفاً عن سلف كما قال سبحانه: (كَذلِكَ ما أَتَى الذِينَ مِن قبلِهِم مِن رسُول إلاّ قَالُوا ساحِرٌ أو مَجْنون)(الذاريات/52).

إلى هنا ظهر مفاد الآيات وأهدافها كما ظهر من دلالة الآية على أنّه سبحانه تعهّد على حفظه من الخلط والزوال.

وبذلك يظهر عدم تمامية عدّة احتمالات:

1ـ حفظه من قدح القادحين.

2ـ حفظه في اللوح المحفوظ.

3ـ حفظه في صدر النبي والإمام بعده.

فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تكون نافية له، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر المعصوم لا ترتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراض المشركين كان مبنياً على إتّهام النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط، فأجاب سبحانه: بأنّه هو الحافظ أوّلاً. وأنّ إتّهام النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالجنون ليس بأمر جديد، بل المشركون كانوا مستهزئين في طوال القرون السابقة متهمين الأنبياء والرسل بهذه التهم.


(166)

فالحقّ الذي لا ريب فيه، أنّ اللّه سبحانه يخبر عن تعهده لحفظ القرآن بين من أُنزل إليهم حتّى يستضيئ به كمصباح ينور أطرافه، فالقول بالنقصان يضادّ مع تعهده سبحانه.

الدليل الثالث: قوله سبحانه: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِِ لَمّا جَاءَهُمْ وإنَّهُ لكِتابٌ عَزِيزٌ* لايَأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْـنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) (فصّلت: 41ـ42).

والمراد من الذكر هو القرآن، وتوصيفه بالعزّة إمّا لأجل كونه عديم النظير، أو المقتدر الذي لا يُغلب. والثاني هو المناسب لقوله: (لا يأتيه الباطل) والمراد من البطلان هو نقيض الحقّ الثابت، فهو حقّ ثابت لا يغلب ولا يتطرق إليه البطلان ولاإلى أحكامه وسننه حتى لا تنطبق على الحياة الانسانية، ولا على أخباره الغيبية حتّى تصبح كذباً، ولا على معارفه حتّى تصبح غير حقّة، ولا على ذاته وأجزائهوسوره وآياته حتّى تفتقد ويكون معدوماً بين المجتمع الانساني، والبطلان بأي معنى تصوره لا سبيل له على مادة القرآن ولا على صورته ولا على معناه ولا على لفظه. والمقصود نفس الموجود بين المسلمين، فلا يعدّ نقضاً لتطرق البطلان للقرآن المكتوب بحرق أو غرق، إذ لا يعدّ ذلك تطرقاً للبطلان إلى القرآن بماهوهو.

الدليل الرابع: حديث الثقلين الذي تواتر بين المسلمين وحفظه الصغير والكبير وأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال في مواقف مختلفة: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا» والترك بالقرآن فرع وجوده كما هو فرع حجية ظواهره.

الدليل الخامس: أخبار العرض (1) التي تأمر بعرض الأخبار المتعارضة المختلفة على كتاب اللّه.


1-الوسائل: ج 18، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.


(167)

فلولا كون الكتاب حجّة لما كان القرآن مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، نعم الأخبار لا تدلّ على عدم التحريف لكن تدلّ على أنّ التحريف على فرض وجوده لا يضر بحجيته.

هذا وأنّ الغور في الروايات يوقف الإنسان على موقف القرآن عند أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فلاحظ كلمات الإمام: واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ـ إلى أن قال:ـ ليس لأحد بعد القرآن من فاقة، ولا قبل القرآن من غنى، فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلّوه على ربّكم ... إلى آخره(1) .

***

شبهات التحريف:

قد وقفت على أدلّة نفاة التحريف، بقي الكلام حول شبهات دعاة التحريف وهي شبهات ضئيلة غير لائقة بالبحث والنقد المبسوط فنكتفي بالإجمال:

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعليّ ـ عليه السَّلام ـ .

روى ابن النديم في الفهرست بسند عن علي أنّه رأى بين الناس طيرة عند وفاة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأقسم أن لا يضع رداءه حتّى يجمع القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن (2).

وروى اليعقوبي في تاريخه (3) : روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ


1-نهج البلاغة: الخطبة 171 ج2 ص 109، ط الاستقامة مصر ترجمة محمد عبده.
2-فهرست ابن النديم، كما نقله الزنجاني في تاريخ القرآن ص 76.
3-تاريخ اليعقوبي: 2 /125ـ 126.


(168)

كان جمعه ـ يعني القرآن ـ لمّا قبض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن جمعته وكان قد جزّأه سبعة أجزاء.

(فالجزء الأوّل) البقرة، وسورة يوسف، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وحم السجدة، والذاريات، وهل أتى على الإنسان ، وآلم تنزيل السجدة، والنازعات، وإذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت، وسبّح اسم ربّك الأعلى، ولم يكن، فذلك جزء البقرة ثمانمائة وست وثمانون آية وهو ست عشرة سورة.

(الجزء الثاني) آل عمران، وهود، والحج، والحجر، والأحزاب، والدخان، والرحمن، والحاقة، وسأل سائل، وعبس، والشمس وضحاها، وإنّا أنزلناه، وإذا زلزلت، و ويل لكل همزة لمزة، وألم تر، ولإيلاف، فذلك جزء آل عمران ثمانمائة وست وثمانون آية وهو خمس عشرة سورة.

(الجزء الثالث) النساء، والنحل، والمؤمنون، ويس، وحمعسق، والواقعة، وتبارك الملك، ويا أيّها المدّثر، وأرأيت، وتبّت، وقل هو اللّه أحد، والعصر، والقارعة، والسماء ذات البروج، والتين والزيتون، وطس النمل، فذلك جزء النساء ثمانمائة وست وثمانون آية وهو سبع عشرة سورة.

(الجزء الرابع) المائدة، ويونس، ومريم، وطسم الشعراء، والزخرف، والحجرات، وق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة، والممتحنة، والسماء والطارق، ولا أقسم بهذا البلد، وألم نشرح لك، والعاديات، وإنّا أعطيناك الكوثر، وقل يا أيّهاالكافرون، فذلك جزء المائدة ثمانمائة وست وثمانون آية وهو خمس عشرة سورة.

(الجزء الخامس) الأنعام، وسبحان، واقترب، والفرقان، وموسى وفرعون، وحم، والمؤمن، والمجادلة، والحشر، والجمعة، والمنافقون، ون والقلم، وإنّا أرسلنا


(169)

نوحاً، وقل أوحى إليّ، والمرسلات، والضحى، وألهاكم. فذلك جزء الأنعام ثمانمائة وست وثمانون آية، وهو ست عشرة سورة.

(الجزء السادس) الأعراف، وإبراهيم، والكهف، والنور، وص، والزمر، والجاثية، والذين كفروا، والحديد، والمزمل، ولا أقسم بيوم القيامة، وعمّ يتساءلون، والغاشية، والفجر، والليل إذا يغشى، وإذا جاء نصر اللّه، فذلك جزء الأعراف ثمانمائة وست وثمانون آية وهو ست عشرة سورة.

(الجزء السابع) الأنفال، وبراءة، وطه، والملائكة، والصافات، والأحقاف، والفتح، والطور، والنجم، والصف، والتغابن، والطلاق، والمطفّفين، والمعوذتين، فذلك جزء الأنفال ثمانمائة وست وثمانون آية وهو ست عشرة سورة (1).

وهذا كما ترى لا يختلف مع المصحف الموجود إلاّ من حيث ترتيب السور.

وهذا يعطي أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة والجامعين بخلاف وضع الآيات وترتيبها فإنّه كان بإشارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وقد ذكر تفصيل بعض هذه المصاحف السيد علي بن طاووس في سعد السعود، ونقله منه الزنجاني في تاريخ القرآن، ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.

وما ذكره ابن النديم يعطي أنّ الإمام كان قد كتب القرآن في أيّام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كل سورة على حدة، وكان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الإمام في سبعة أجزاء. وهذا لو دلّ لدلّ على جمع القرآن في زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ولم يكن جمع الإمام منحصراً بنصّ الكتاب، بل كان مشتملاً على التأويل والتنزيل، كما نقل الفيض في تفسير الصافي (2).


1-تاريخ القرآن: للزنجاني 48 ـ 49، وذكره اليعقوبي في تاريخه: 2/125 طبع النجف الأشرف.
2-الصافي: 1/42، طبع الأعلمي.


(170)

الشبهة الثانية: الحديث النبوي:

روى الفريقان عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: والذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من قبلكم حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقذة لا تخطئون طريقهم (1).

وقد حرفت اليهود والنصارى كتبهم فيلزم وقوع مثله في الأُمة الإسلامية.

الجواب: أنّ الحديث ممّا لا ينكر وقد رواه الفريقان غير أنّ المماثلة في بعض الجهات لا في كلّها للعلم الضروري على عدم المماثلة في الجميع، وذلك لعدم وقوع عبادة العجل، والتحيّـر في التيه وما حدث في ملك سليمان من الحوادث.

إنّ وجه التشبيه لا ينحصر بالتحريف، بل هناك وجوه له:

1ـ كتحريف الكتاب بمعناه.

2ـ تخصيص العقوبات بالفقراء دون الأغنياء.

3ـ رجوعهم كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض، كما ورد عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض (2).

4ـ ارتداد بعض أصحابه، كارتداد بعض أصحاب المسيح، كما ورد عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الحوض الذي رواه البخاري: يقول النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ عندما يساقون إلى النارـ: ربّ هؤلاء أصحابي، فيجاب: إنّهم ليسوا من أصحابك إنّك لا تدري ماأحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (3).

إلى غير ذلك من وجوه التشبيه، كتفرقهم إلى فرق مختلفة والكلّ يستمدّ من القرآن ويستدل به، وليس ذلك إلاّ لأجل تحريف القرآن وحمله على غير المراد الحقيقي.


1-صحيح مسلم: ج 8 ، باب اتباع سنن اليهود والنصارى 57 . و صحيح البخاري: ج9، كتاب الاعتصام،102 . وصحيح الترمذي: ج 5، كتاب الإيمان، 26.
2-مسند أحمد: 1/402.
3-جامع الأُصول: ج11 ص 119ـ 121.


(171)

الشبهة الثالثة: وجود الروايات المتواترة على تحريف القرآن:

وقد جمعها المحدث النوري في كتابه فصل الخطاب في تحريف الكتاب، والاستدلال بهذه الروايات موهون عن جهات:

الأُولى: أنّها ليست متواترة وليست الكثرة آية التواتر إلاّ إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من المطابقة، والتضمن، والالتزام، وهذه الروايات فاقدة لهذه الجهة ولا تهدف إلى جهة خاصة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، وأُخرى إلى بيان تأويلها، وثالثة إلى بيان قراءتها، ورابعة إلى تفسيرها، وهذا هو الكثير، فحسب البعض انّه جزء من الآية، مثلاً قال سبحانه: (وإِن تَلْوُوا أَو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرا) (النساء/ 135). رواه في الكافي أنّه قال: وإن تلوا (الأمر) أو تعرضوا (عمّـا أُمرتم به).

روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: وقرأت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : (كُنْتُمْ خَيْـرَ أُمّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) فقال: أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : خير أُمّة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني علي ـ عليهم السَّلام ـ ، فقال القارئ: جعلت فداك كيف؟ قال: نزلت «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» ألا ترى مدح اللّه لهم (تَأْمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللّه).

والاستدلال يعطي على أنّ المراد ليس كلّ الأُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه: (وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَيَنهَوْنَ عَن المُنكَر) (آل عمران/104) وأراد الإمام تنبيه القارئ على أن لا يغترّ بإطلاق الآية، بل يتدبّر ويقف على مصاديقها الواقعية، وأنّ خير الأُمّة هم الأئمة وهم الأُسوة، وأولياء الدين، والمخلصون من العلماء الاتقياء، لا كلّ الأُمّة بشهادة أنّ كثيراً منهم ارتكبوا أعمالاً إجرامية مشهودة.

ويقرب من ذلك قوله سبحانه: (وكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَـى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدا) (البقرة/143) فإنّ ظاهر


(172)

الآية ، أنّ كل الأُمّة: هم الأُمّة الوسطى، والشعب الأمثل، مع أنّا نجد بين الأُمّة من لا تقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تقبل شهادته في الآخرة على سائر الأُمم، وهذا يهدينا إلى أن نتأمّل في الآية، ونقف على أنّ الاسناد إلى الكل مجاز بعلاقة كونها راجعة إلى أصفياء الأُمّة وكامليها.

يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في هذا الشأن: فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة الأُمم الماضية؟ كلاّ: لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه (1).

وأنت إذا تدبّرت كتاب «فصل الخطاب» الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الأكثر فالأكثر من قبيل التفسير.

مثلاً روى العباس في تفسير عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: نزل جبرئيل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمّد إنّ اللّه يقرؤك السلام ويقول لك: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيَنُكْم) ـ بولاية علي بن أبي طالب ـ (وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِينا) (2) فلا شك أنّه بيان لسبب إكمال الدين وإتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.

مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة المنقولة إمّا من الأئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجّيه فيها أوّلاً ولا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفة من جميع البيان وهو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، وكلّها مراسيل أوّلاً، والاختلاف في القراءة، غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، موصولة إلى النبيّ، وعلى فرض، لا صلة لها


1-تفسر العياشي: 1/63 ويؤيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل: (وجعلكم ملوكاً) (المائدة/20) مع أنّ بعضهم ملوكاً لا كلّهم.
2- المصدر نفسه: 1/293 برقم 21.


(173)

بالقرآن.

وهناك روايات ناظرة إلى تأويلها وبيان مصاديقها الواقعية وهي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك وبعد إخراج هذه الأقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم ولا العمل.

الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي تبلغ عددها 1122 حديثاً منقول من كتب ثلاثة:

1ـ كتاب القراءات لأحمد بن محمد السياري المتوفّى عام 286هـ، الذي اتفق الرجاليون على فساد مذهبه.

قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب كان من كتّاب آل طاهر، ضعيف الحديث ، فاسد المذهب مجفو الرواية، كثير المراسيل (1).

2ـ كتاب علي بن أحمد الكوفي المتوفّي عام 352 هـ الذي نص الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.

قال النجاشي: «رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره، وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثم يقول: هذا الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة (2).

3ـ كتاب تفسير القمي الذي أوضحناه، وقلنا انّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، وقسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمّه إليها تلميذه (3) و هو من المجاهيل، لأنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّ الراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: حدثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، وأسوأ حالاً منهما


1-فهرست الشيخ: ص 47 برقم 70، رجال النجاشي: ج1 ص 211 برقم 190 .
2-رجال النجاشي: ج1/96 برقم 689.
3-لاحظ كتاب «كليات في علم الرجال» بقلم شيخنا الأُستاذ ـ مُدّ ظلّه ـ حول تقييم تفسير القمي.


(174)

أبو الجارود المعروف بـ «زياد المنذر» فهو زيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي (1)أفيمكن الاعتماد على روايات هذا الكتاب؟!

وقس على ذلك، سائر مصادره ومنابعه التي لا يعبأ ولا يعتمد عليه.

الثالثة: إنّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها وأوضح منها من حديث الثقلين وأخبار العرض، وما عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار (2).

وما في النهج (3) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلاّ من سيد البشر أو وصيه، وعند التعارض يؤخذ بالموافق لكتابه والمطابق للذكر الحكيم وهو الطائفة الثانية.

الشبهة الرابعة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل:

هذه الشبهة أبدعها الملاحدة في القرآن الكريم واتّخذها القائلون بالتحريف ذريعة لمقاصدهم وقد كتب «سايل الانكليزي» كتاباً في ذاك المجال ونقله إلى العربية هاشم العربي وردّ عليه المحقق البلاغي بكتاب أسماه: «الهدى إلى دين المصطفى» وهو مطبوع.

ولنذكر نماذج:

1ـ قوله سبحانه: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْم) (البقرة/255) فإنّ الصحيح تقديم النوم على السنة، فانّ الراجح في هذه الموارد، التدرّج من العالي إلى الداني،


1-رجال الكشي: 199.
2-الكافي: 2/599.
3-نهج البلاغة: الخطبة 81 و 110 و 147.


(175)

ويقول الانسان: لا يأخذني النوم في الدرس بل السنة.

والجواب: إنّ الأخذ متضمن معنى الغلبة، والقرآن بعد توصيفه سبحانه: بـ(الحيُّ القيُّوم) يصفه بأنّه لا يصير مغلوباً للدرجة الناقصة من النوم، أعني: السنة، بل لا يصير للدرجة القوية منها، وهذا كما إذا قيل: لا يغلبني ذاك البطل، بل أُستاذه ومربيه.

2ـ قوله سبحانه: (وإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فَانكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثنَى وثُلاثَ وَرُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعدِلُوا فواحِدَة) (النساء/3) فزعموا أنّه لا صلة بين الشرط والجزاء.

والجواب: أنّ القرآن يعتمد في إفهام مقاصده على القرائن الحالية أو الحافّة بالكلام فيختار الإيجاز غير المخلّ للفصاحة، وقد بحث في الآية المتقدّمة الكلام حول الأيتام وقال: (وآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِب) (النساء/2). فحثّ على حفظ أموال الأيتام هذا من جانب.

ومن جانب آخر: كانت العرب تتزوج البنات الأيتام ذوات الأموال والثروة فيأكلون أموالهن ثم يطلّقوهن، وقد أوعد القرآن على ذاك العمل بالنار وقال: (إنَّ الَّذِينَ يأكُلُونَ أَمْوَالَ اليتَامَى ظُلْماً إنّما يَأكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً) (النساء/10).

فلأجل ذا وذاك حثّ القرآن على المؤمنين بأنّهم إن خافوا ألاّ يقسطوا في أموال اليتامى إذا تزوجوهنّ فذروهنّ وأنكحوا النساء الأُخر التي ليست فيهنّ تلك المظنّة.

أو المراد أنّكم إذا خفتم ألاّ تقسطوا إذا تزوّجتم نساءً ومعهنّ أولاد أيتام ولهم أموال، فذروا تلك النساء وتزوّجوا غيرهنّ ويشهد لذاك التفسير قوله سبحانه في تلك السورة: (وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفتِيكُمْ فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ في الكِتابِ في يَتَامَى النِّساءِ اللاّتي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ والمُستَضْعَفِين مِنَ الوِلْدَانِ وأَن تَقُومُوا ِلليَتامَى بالقِسْطِ)(النساء/127).


(176)

3ـ قوله سبحانه: (اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِيناً)(المائدة/3). فقد وقعت الآية في أثناء البحث عن أحكام اللحوم، فصدر الآية وذيلها في بيانها، وقد توسط قوله: (اليوم) في ثنايها.

4ـ قوله سبحانه: (إنّما يُرِيدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) فقد وقع بين قوله: (وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ) وقوله: (وَاذْكُرنَ ما يُتلَـى في بُيُوتِكُنَّ) (لاحظ سورة الأحزاب الآية: 33ـ 34).

والجواب: انّ إحدى الدواعي لصيانة القرآن عن التحريف عدم التعرض لأسماء أوليائه وإلاّ لأصرّ الأعداء على حذف أسمائهم فيتطرق التحريف إليه من هذا الجانب.

وعلى ذلك الأساس جعل الآيات المربوطة بهم في ثنايا مطالب أُخر، حتى لا يورث حساسية في الأغيار فجعل آية الولاية ضمن الآيات الباحثة عن أحكام اللحوم مع التصريح في السنّة بأنّ المقصود من (اليوم) المذكور هو يوم الغدير الذي نصب فيه وصيه للإمامة، كما جعل آية التطهير في ثنايا الآيات الباحثة في زوجات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونسائه مع نصب أمارات كتذكير الضمائر، والقاء العباء على رؤوس خمسة من أهل بيته، لئلاّ يغترّ القارئ بالسياق ويندفع إلى الحقّ فأصاب الغرض مع عدم التحريف (1).

وحصيلة البحث في حجّية ظواهر الكتاب أنّه إن كان المراد عدم إمكان فهم مقاصد الكتاب أصلاً من دون المراجعة إلى أهل الذكر، فهذا مخالف للضرورة، وإن كان المراد عدم الاشتغال به ولزوم الرجوع إليهم والأخذ بما ورد عنهم ثمّ الاحتجاج به، فهذا أمر اتفق عليه المسلمون، كيف وعندهم المخصص والمقيد وتعيين الناسخ والمنسوخ.


1-هذه إلمامة عابرة حول صيانة الكتاب عن التحريف حسب ما يناسب المقام، والبحث أوسع نطاقاً ممّا ذكره الأُستاذ ـ مد ظلّهـ، ولعلّ التوفيق يرافقه في المستقبل لإفراده بالبحث بإذنه سبحانه.


(177)

ولعلّ مراد الأخباريين هو ذلك وإن كان عباراتهم في موارد لا تفي بذلك، ولكن توجد فيها إشارة إلى القول الثاني، فهذا هو محمد الأمين الأخباري، يحتجّ على انحصار الدليل على السماع عن الصادقين بقوله: «لا سبيل إلى فهم مراد اللّه إلاّ من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه ومنسوخه والباقي على إطلاقه والمؤوّل وغير ذلك » (1).

ويقول الحر العاملي: «ظواهر الكتاب المحتملة للنسخ والتخصيص والتقييد والتأويل وغيرها» (2).

وقد نقل البحراني كلام شيخ الطائفة في مقدمات الحدائق وعدّه القول الفصل والمذهب الجزل، وقد جعل الشيخ معاني القرآن على أربعة أقسام:

1ـ ما اختصّ اللّه تعالى بالعلم به.

2ـ ما يكون ظاهره مطابقاً لمعناه فكلّ من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه مثل قوله تعالى: (ولا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إلاّ بِالحَقّ) (الأنعام/151).

3ـ ما هو مجمل لا يبين ظاهره عن المراد به مفصلاً، مثل قوله: (أقِيمُوا الصَّلاة) فهذا وأمثاله لا يمكن استخراج تفاصيلها إلاّ ببيان النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

4ـ ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد واللفظ يحتملها، فلا ينبغي أن يقدم أحد فيقول إنّ مراد اللّه بعض ما يحتمل إلاّ بقول نبي أو إمام معصوم (3).

وعلى ضوء هذا يصبح النزاع لفظياً والنقاش صوريّا وأوّل من أثبت ذلك شيخنا «محمد هادي معرفت» في كتابه «التمهيد» حيّاه اللّه وبيّاه.


1-الفوائدالمدنية: 48 و 128.
2-الفوائد الطوسية: 186.
3-التبيان: 1/5، ولاحظـ الحدائق الناظرة: 1/32.


(178)

الثاني (1) : قول اللغوي:

كان البحث السابق حول الكبرى وأنّ الظاهر حجة أو لا؟ وقد عرفت أنّه إمّا من الأُمور المفيدة للقطع بالمقصود الاستعمالي على المختار، أو خارج عن تحت الأصل لأجل بناء العقلاء.

وحان البحث عن تشخيص الظواهر وأنّ هذه الكلمة هل هي ظاهرة في ذاك المعنى أو لا؟ وقد ذكروا لتشخيصه أُموراً وأمارات فرغنا عن أكثرها من التبادر وصحّة الحمل والسلب، والاطراد، وأصالة الحقيقة، وأصالة عدم القرينة، ومن تلك الأمارات : قول اللغوي، فهل هو حجة بالخصوص أو لا؟

توضيحه: أنّه لو قلنا: إنّ تشخيص المعاني الحقيقية عن المجازية من الأُمور الحسّية، واللغوي يشهد بأنّه موضوع لكذا، يدخل في باب الشهادة فيعتبر فيه التعدد، والعدالة والإحساس.

وأمّا إن قلنا: بأنّ التشخيص المزبور من الأُمور الحدسية التي تحتاج إلى إعمال النظر والرأي ، وقلنا: بأنّ اللغوي خبير هذا الأمر، تكون حجّية قوله من باب حجّية قول أهل الخبرة كالمقوّم والطبيب، ولا يعتبر فيه العدالة والتعدد واعتبار العدالة في الفقيه لدليل.

أمّا القول الأوّل: فقد اختاره المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ قائلاً: بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأُمور الحسّية التي لا دخل للنظر والرأي فيها، لأنّ اللغوي ينقلها على ما وجده في الاستعمالات والمحاورات ليس له إعمال النظر والرأي فيكون داخلاً في باب الشهادة المعتبرة فيها العدالة والتعدد على قول المشهور (2).


1-أي المورد الثاني ممّا خرج عن الأصل الأولي وكان الأوّل هو الظواهر.
2-مصباح الأُصول: 2/ 131.


(179)

يلاحظ عليه: أنّ إخباره عن موارد الاستعمال، فضلاً عن إخباره عن المعنى الحقيقي في مقابل المعنى المجازي، ليس مجرّداً عن إعمال النظر والاجتهاد، بل مزيّج بالحدس ويكفي في إثبات ذلك استشهاد أصحاب المعاجم، بالآيات والأحاديث النبويّة وأشعار الشعراء حيث إنّهم يعيّنون موارد الاستعمال ببركة الإمعان فيها، لا أنّهم رأوا بأُمّ أعينهم أو سمعوا باذنهم أنّ العرب استعملت الكلمة في المعنى الخاص، حتّى يكون إخبارهم شهادة على الاستعمال، فسواء أكان إخبارهم عن المعنى الأصلي أم مورد الاستعمال فالكل مزيج بالاجتهاد كما هو لائح لمن سبر كتب اللغة، هذا كلّه حول القول بحجّية قوله من باب الشهادة وقد عرفت حاله.

وأمّا القول الثاني: أي حجيّة قوله من باب أنّهم أهل الخبرة، فقد أورد عليه سيّدنا الأُستاذ بعدم حجية هذه السيرة، لعدم وجودها في زمن المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ فإنّ الرجوع إلى كتب اللغويين أمر حادث بعدهم (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا كان الرجوع إلى أهل الخبرة أمراً أطبق عليه العقلاء في زمان المعصومين كفى ذلك في تصحيح الرجوع إلى كتب اللغة ـ بعد قبول كونهم الخبراء فيما يرجع إليهم ـ.

وثانياً: أنّ كتاب العين، تأليف الخليل بن أحمد الفراهيدي من الكتب المؤلفة في عصر الصادق ـ عليه السَّلام ـ والكاظم ـ عليه السَّلام ـ حيث إنّه توفّي عام 170ـ أو ـ 175 وعاش 74 سنة ولم يؤلّفه إلاّ ليرجع إليه الناس.

وكان الأصمعي المتوفّى 207هـ المرجع في اللغة والأدب وكان الناس يسألونه عن معاني الألفاظ، وقد سئل يوماً عن الألمعيّ فقال:

الألمعيّ الذي يظن بك * الظن كأن رأى وقد سمعا

وكان ابن عباس المرجع الكبير في تفسير لغات القرآن، وكان يقول: الشعر


1-تهذيب الأُصول: 2/97.


(180)

ديوان العرب فإذا خفى علينا الحرف من القرآن ـ الذي أنزله بلغة العرب ـ رجعنا إلى ديوانه فالتمسنا معرفة ذلك منه ـ ثم قال:ـ إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإنّ الشعر ديوان العرب.

وكان يُسأل عن القرآن فينشد فيه بالشعر، وقد سأله نافع بن الأزرق عن لغات القرآن ما يربو على مائة وسبعين سؤالاً فأجابه مستشهداً بشعر العرب، ومن أراد فليرجع إليه وهو يعرب عن احاطة ابن عباس بشعر العرب وموارد استعماله وقد نقلها السيوطي في الاتقان (1).

ربّما يورد على الاستدلال: بأنّ المطلوب من الرجوع إلى قول اللغوي، هو الوقوف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المعنى المجازي ليحمل النص عند التجرّد عن القرينة، على الحقيقي، ولكن اللغوي ليس شأنه إلاّ بيان موارد الاستعمال وهو أعم من الحقيقة كما بيّـن في محله، فلا فائدة في الرجوع إذ لا يترتب عليه أثر وهو الوقوف على المعنى الحقيقي ليحمل عليه النص.

يلاحظ عليه: أنّ بعض المعاجم ألّف في هذا الشأن، كالمقاييس لأحمد بن فارس بن زكريا المتوفّـى عام 395هـ، فقد قام ببراءة خاصة باراءة أُصول المعاني وجذورها ثم مشتقاتها وفروعها، ترى أنّه يذكر لبعض الألفاظ «أصلاً ومعنى واحد» وفي الوقت نفسه يذكر لها غيره معاني متعددة، وما هذا إلاّ أنّ غيره لم يميّز بين الأصل وفرعه ولكنه عيّـن الأصل، وما اشتق منه، ويقرب من ذلك كتاب العين، للخليل بن أحمد.

أضف إلى ذلك أنّ المأنوس بالمعاجم الموجودة، يستطيع أن يصل إلى مقصده ويقف على ضالّته بالتدبر والامعان، ويميّـز المعنى الأصلي عن المعاني المشتقة منه بمناسبة، ولكنّه يتوقف على قريحة أدبية وأنس باللغة والأدب.

وربّما يستدل على حجّية قول اللغوي بوجود الانسداد في خصوص باب


1-الاتقان: ج1/382 ـ 416.


(181)

اللغة، سواء انسد باب العلم بالأحكام أو لا، فإنّ معاني الألفاظ مجهولة غالباً، أو لا أقلّ سعتها وإطلاقها.

واعترض عليه الشيخ الأعظم: بأنّه لو كان باب العلم بالأحكام مفتوحاً لما ضرّ انسداد باب العلم باللغة، لعدم الحاجة شرعاً إلى فهم معاني اللغات، ومع انسداده يكون الظنّ بالحكم، الحاصل من قول اللغوي، حجة وإن كان باب العلم مفتوحاً في باب اللغة.

ومع ذلك كلّه ليس للفقيه غنى من الرجوع إلى المعاجم في ذلك، وذلك لأنّ هناك ألفاظاً فقهية معلومة إجمالاً، لكنّها مجهولة من حيث الشروط والقيود فلا تفهم إلاّ بالرجوع إلى المعاجم المعتبرة لاستظهار الحقيقة منها بالامعان والدقّة.

لا أقول: إنّ قول اللغوي الواحد حجّة، بل أقول: إنّ الرجوع إلى المعاجم المختلفة المعتبرة والدقّة في كلماتهم وضرب بعضها على بعض يورث الاطمئنان ويرفع الشك عن وجه الواقع، مثلاً: اختلف الفقهاء في معنى القمار والمقامرة وانّه هل يعتبر فيهما العوض أو لا، وهل يعتبر فيه الآلة المتعارفة أو لا؟ ولا يعلم ذلك إلاّ بعد مراجعة اللغات الأصلية حتّى يحصل الاطمئنان بواحد من الطرفين.

مع أنّ نفي الحاجة إلى قول اللغوي لا يصدر من فقيه واع، محيط بأبواب الفقه ومسائله، إذ ربّما يكون المعنى معلوماً إجمالاً، يتعلّق الشك بدخول بعض الأفراد أو خروجها، فلا تحل العقدة إلاّ بالرجوع إلى قول اللغوي كالوطن والمفازة، والكنز والمعدن والغوص.

والعجب أنّ هؤلاء الأعاظم مع إتفاقهم على عدم حجّية قول اللغوي في هذا الباب تراهم يعملون على خلاف ذلك في الكتب الفقهية وما أصدق قول القائل: كأنّهم نسوا في الفقه ما ذكروه في الأُصول وما ذكره الشيخ إستدراكاً على كلامه في حاشية الفرائد، كلام متين فلاحظ.

***


(182)

الثالث: الإجماع المنقول:

إذا نقل إجماع العلماء على أمر بخبر الواحد، فهل هو حجّة على القول بحجّية الخبر الواحد أو لا؟ ولا يخفى أنّ طبع البحث يقتضي ثبوت أمرين:

الأوّل: حجية الإجماع المحصَّل لنفس الناقل، حتى يُبحث أنّ نقله إلى الغير هل هو حجّة أو لا؟

الثاني: حجية خبر الواحد في نقل الحجج الشرعية.

فما لم يثبت الأمرين قبلاً، لا وجه للبحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

أمّا الثاني: فقد أخّره الشيخ الأعظم وتبعه غيره، وكان الأولى عليه، تقديم البحث عن حجّية خبر الواحد، على المقام، فنحن نقتفي أثرهم.

وأمّا الأوّل: فنبحث عنه هنا ثم نعقّبه بالبحث عن حجّية الإجماع المنقول، فنقول:

الإجماع المحصَّل:

إنّ الإجماع بما هو إجماع أحد الأدلّة عند أهل السنّة وقد بنوا على ذلك خلافة المشايخ وكثيراً من الأُمور التي اتفق عليها المسلمون على زعمهم. واستندوا في حجّية الإجماع على أُمور نذكر بعضها بعد نقل الأقوال:

قال المرتضى في الذريعة: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أكثر المتكلّمين وجميع الفقهاء: إنّ إجماع أُمّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حجّة وأنّهم لا يجوز أن يجمعواعلى باطل. وخالف النظّام ومن تابعه في ذلك ونفى كون الإجماع حجّة، وحكي عن قوم من الخوارج مثل ذلك. وحكي أيضاً عن بعضهم أنّه أحال كونالإجماع حجّة، لأنّه لا يجوز في جماعة يجوز الخطاء على كلّ واحد منها، أن ينتفي عن جماعتها. وآخرون نفوا كونه حجّة بأن قالوا: إن أجمعـوا على الشيء


(183)

تبخيتاً (1) فذلك لا يجوز إتباعه، وإن كان توقيفاً عن نص فيجب ظهور الحجّة بذلك ويغني عن الإجماع، وإن كان عن قياس فلن يجوز ـ مع إختلاف الهمم وتباين الآراء واختلاف وجوه الناسـ أن يتفقوا على ذلك، وفي الناس من نفى الاجماع لتعذّر العلم باتفاق الأُمّة.

ثمّ قال: والصحيح الذي نذهب إليه أنّ قولنا «إجماع» إمّا أن يكون واقعاً على جميع الأُمّة أو على المؤمنين منهم أو على العلماء فيما يراعى فيه إجماعهم، وعلى كلّ الأقسام لابد من أن يكون قول الإمام المعصوم داخلاً فيه، لأنّه من الأُمّة ومن أجلّ المؤمنين وأفضل العلماء، فالاسم مشتمل عليه وما يقول به المعصوم يكون حجّة (2).

هذه هي الأقوال في حجّية الإجماع المحصل. ومتكلّموا العامة وفقهاؤهم هم الذين اصطلحوا هذا المصطلح. وليس الإجماع بما هو إجماع حجّة لدى الشيعة خصوصاً في المسائل الاعتقادية، وبالأخص فيما يجب تحصيلها قبل الإجماع، ولكن لكي لا يشاهروا سيف المخالفة على وجه الشيعة احتالوا في ذلك فقالوا: نحن أيضاً نقول إنّ الإجماع حجّة لكن لا بنفسه، بل بما أنّه يتضمّن قول المعصوم الحجّة ـ عليه السَّلام ـ .

قال المرتضى: فلسنا نحن المبتدئين بالقول بأنّ الإجماع حجّة، لكنّا إذا سُئلنا به وقيل لنا: ما تقولون في إجماع المسلمين على أمر من الأُمور؟ فلابدّ أن نقول: إنّه حقّ وحجّة لأنّ قول الإمام المعصوم ـ عليه السَّلام ـ الذي لا يخلو كلّ زمان منه، لابد من أن يكون داخلاً في هذا الإجماع(3).

وعلى كل تقدير فلابدّ من التعرّض لأدلّة من يرى نفس الاجماع حجة:


1-الظاهر أنّه مأخوذ من البخت، كلمة فارسية بمعنى الحظّ، والمراد هناك الصدفة.
2-الذريعة: ج2 ص603ـ 605.
3-المصدر نفسه: ص 623.


(184)

فاستدلوا بآيات:

الاُولى: قوله سبحانه: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّـنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْـرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّـى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) (النساء/115) فتوعّد المعرض عن سبيلهم، وأوجب إتّباع سبيلهم، فلولا أنّ الإجماع حجّة لم يوجب إتّباعهم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية لا تدلّ على حجّية إجماع الأُمّة بعد عصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وذلك لأنّ إيجاب التبعية لسبيل المؤمنين في عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأجل أنّ سبيلهم في ذلك العصر، هو سبيل نفس الرسول فكان الرسول والمؤمنون في جانب، والمنافقون والمشركون في جانب آخر، ومن المعلوم أنّ تبعية غير ذلك السبيل، ضلال ووبال،وتبعية مقابله هداية وسعادة، وأين ذلك عن كون نفس سبيل المؤمنين منفكّاً عن الرسول، حجّة. والآية ناظرة إلى عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومفادها قضية خارجية لاحقيقية.

والآية نظير قوله سبحانه: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتلَى عَلَيكُمْ آياتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِـراط مُسْتَقِيم) (آل عمران/101).

الثانية: قوله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْـرَ أُمّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتابِ لَكَانَ خَيْـراً لَهُم مِنْهُمُ المؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ) (آل عمران/110).

وهذه صفات لا تليق إلاّ لمن كان قوله حجّة.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ليست في مقام الإخبار وإلاّ لزم الكذب في كثير من أفراد الأُمّة، بل هو إخبار لقصد الإنشاء وأنّهم يجب أن يكونوا كذا وكذا. وعندئذ لا يدلّ على شيء، لأنّ الإنشاء لا يدلّ على إتّصافهم لهذه الصفات. ويحتمل أن


(185)

تكون النسبة إلى الكلّ، باعتبار كون البعض كذلك كما ورد في الروايات (1).

أضف إلى ذلك أنّ الآية تدل على حجّية قول مجموع الأُمّة المحمّدية لا حجّية أهل كل عصر على انفراد.

الثالثة: قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة/143).

وجه الدلالة أنّه سبحانه جعل الأُمّة شهداء على النّاس، وجعل الرسول شهيداً على الأُمّة، فلولا كون قولهم مثل قوله، حجّة، لما صحّ عدّهم شهداء في الآخرة على سائر الأُمم.

يلاحظ عليه: أنّ الأُمّة بجميع أفرادها ليست وسطاً سواء كان بمعنى العدل، أو الفضل والفضيلة (2)والمراد جمع منهم ونُسب الحكم إلى الكلّ لكون البعض فيهم، مثل توصيف بني إسرائيل بجعلهم ملوكاً مع أنّه لم يجعل كلّ واحد منهم ملكاً. وإنّما المجعول عدّة قليلة لا يتجاوز عدد الاصابع قال سبحانه: (اذْكُروا نِعْمَةِ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (المائدة/20).

وبذلك يتبيّـن أنّ الشهادة أيضاً ليست عامّة لجميع الناس بل لقسم خاص، وإنّما نسب إلى الجميع مجازاً.

ولأجله يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في تفسير الآية: فإن ظـننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، تطلب شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية (3).


1-لاحظ ص 172 من بحث نفي التحريف.
2-مثل قوله سبحانه: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون) (القلم/28).
3-تفسير البرهان: ج1 ص 160.


(186)

الرابعة: قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرسُولَ وَأُولِـي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإن تَنازَعْتُمْ في شَـيء فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ والرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْـرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء/59).

استدل به الرازي على كون قول أهل الحلّ والعقد حجّة وقال: اعلم أنّ قوله: (وأُولي الأمرِ منكم)يدلّ عندنا على أنّ إجماع الأُمّة حجّة، والدليل على ذلك أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة : (أولي الأمر) على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطاء، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطاء كان بتقدير إقدامه على الخطاء، يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً لفعل ذلك الخطاء، والخطاء لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وأنّه محال . فثبت أنّ كل من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً. ثمّ نقول: ذلك المعصوم إمّا مجموع الأُمّة أو بعضها، والثاني غير جائز لأنّ إيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم، والاستفادة منهم، ونحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذي أمر اللّه المؤمنين بطاعته، ليس بعضاً من أبعاض هذه الأُمّة ولا طائفة من طوائفهم، ولمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة، وذلك يوجب القطع أنّ اجماع الأُمّة حجّة (1).

يلاحظ عليه: أنّ الرازي قد أصاب الحقّ في الجملة وكان عليه أن يتعرّف على أُولي الأمر بأعيانهم، لكنّه زلّ قدمه ففسّـرها بأهل الحلّ والعقد.

ففيه أوّلاً: أنه لو رجع إلى السنّة لعرف أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد عرّف ذلك الجمع


1-مفاتيح الغيب: ج3 ص 250 ط مصر عام 1308 هـ والجمع بين أهل الحل والعقد، واجماع الأُمّة مع أنّ الأوّل جزء منهم، لأجل كونهم وكلاء الأُمّة.


(187)

المعصوم (1) وقد كان المسلمون يعرفونهم طيلة 260 عاماً، غير أنّ عناد الحاقدين على الأئمّة المعصومين أوجب إختفاءهم على الرازي وأمثاله.

وثانياً: أنّ مراده من أهل الحلّ والعقد، وهم العلماء العارفون بالأحكام الشرعية، ومثل هؤلاء لا طاعة لهم، إنّما لهم الإرشاد والهداية، وأمّا الطاعة فإنّما هي لمصادر الحكم وأصحاب الأمر والنهي، وهم غير العلماء بما هم علماء، ولا مناص عندئذ إلاّ تفسير الآية بالزعماء والحكّام الذين لهم حقّ البعث والزجر، ويؤيّده ذيل الآية حيث يقول: (فإن تنازَعتُمْ في شيء فَرُدُّوه إلى اللّهِ وَالرَّسُول)وليس المراد التنازع في حكم من الأحكام الشرعية، إذ هو ليس قابلاً للتنازع بل يجب على الكلّ السؤال، وأمّا ما هو مظنّة التنازع، فإنّما هي الموضوعات السياسية الاجتماعية التي للآراء فيها دخل ونصيب، وليس حلّ تلك العقدة بيد العلماء، بل بيد الحكّام الخبراء بالمصالح والآثار.

والحاصل أنّ الآية تعتمد على أُولي الأمر، أي أصحاب الأمر والنهي، لاعلى أُولى العلم، أي أصحاب الذكر والفكر والعلماء بما هم علماء من مصاديق أُولي العلم، لا من مصاديق أصحاب الأمر والنهي، وبينهما بون بعيد، فلا مناص من تطبيق الآية على القادة الذين لهم أمر ونهي، وأين ذلك من المفتي والفقيه المتمحض في استنباط الأحكام فقط، اللّهمّ إلاّ إذا كان من القادة فيكون أمره مطاعاً بما هو قائد لا بما هو فقيه.

ويؤيد ذلك قوله: (وَإِذا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسولِ وَإِلى أُولي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم) (النساء/83). فإنّ الصدر شاهد على أنّ مورد الرد إليهم، ما يورث الأمن أو الخوف ومثل ذلك كما يشهد عليه سياق الآية، أُمور عسكرية أو سياسية يجب إخفائها، وليس ذلك إلاّ شأن الحكّام أو الأُمراء، لا العلماء بما هم علماء. وعندئذ يجب على الرازي


1-ويكفي في ذلك حديث الثقلين، والسفينة وما رواه مسلم في الصحيح.


(188)

التعرّف على الحكّام الذين تجب طاعتهم على وجه الإطلاق، ولس ذلك إلاّ أئمّة الشيعة للاتفاق على عدم عصمة غيرهم.

الخامس: ما ورد عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قوله: لا تجتمع أُمّتي على خطاء (1).

يلاحظ عليه: أنّه خبر واحد لا يمكن الاحتجاج به على مسألة أُصولية. أضف إليه: إن أُريد منه جميع الأُمّة بحيث لا يشذ منهم أحد. فعدم اجتماعهم على الخطأ لأجل المعصوم في كلّ عصر بينهم. أضف إليه أنّه لا يتحقّق إجماع كذلك في غير الضروريات.

وجه حجّية الإجماع عند الشيعة:

إذا وقفت على عدم تمامية أدلّتهم، فلنعطف عنان البيان إلى توضيح حال الإجماع عند الشيعة.

واعلم: أنّ الإجماع بما هو إجماع، ليس أحد الأدلّة عند الشيعة إلاّ إذا كان مقارناً بقول المعصوم ـ عليه السَّلام ـ بدخوله فيهم، أو كشفه عن قوله بقاعدة اللطف، أو بالحدس، أو عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، أو نحو ذلك، وإلاّ فلا قيمة لنفس الإجماع بما هو هو.

وبذلك يعلم أنّه لو اتفق المسلمون على شيء يخالف ما اتفقوا عليه في سالف الزمان، يكون الكلّ حكم اللّه على قول المخالفين. وأمّا على قول الشيعة، فأحد الإجماعين خطأ غير كاشف عن الحجّة.

ثمّ إنّ الشيعة اتّفقوا على حجّية الإجماع بوجوه ـ وقد ذكر المحقّق التستري في رسالة المواسعة والمضايقة إثنا عشر وجهاً في حجّية الإجماع المحصَّل، ونقلها بعينها المحقق الاشتياني في «بحر الفوائد» (2) .


1-رواه ابن ماجة في سننه: 2/1203 وروي أيضاً قريباً منه.
2-راجع: ص 123ـ 125.


(189)

وقد أوضح تلك الوجوه في كتاب «كشف القناع لمؤلفه المحقق التستري» وبيّنها بوجه مبسوط والكتاب من نفائس الكتب في موضوعه طالعه واعرف قدره ـ:

الوجه الأوّل:

أنّ المعصوم ـ عليه السَّلام ـ جزء الأُمّة وأفضلهم واتفاقهم على شيء يلازم لاتفاقه ـ عليه السَّلام ـ معهم فيكون كاشفاً عن موافقته، وهذا هو الإجماع المسمّى بالإجماع الدخولي، وهو غير متحقّق إلاّ في زمن الحضور لا الغيبة، ومع ذلك لم نجد مورداً له حتّى في زمن الحضور، فإنّ المتفقات لها دليل واضح من الكتاب والسنّة.

الوجه الثاني:

ما اعتمد عليه المرتضى وتلميذه الشيخ من قاعدة اللطف، قال المرتضى: إنّ العقل قد دلّ على أنّه لابدّ في كلّ زمان من إمام معصوم ليكون ذلك لطفاً في التكليف العقلي(1).

قال المحقّق التستري في كشف القناع: الثالث: من وجوه الإجماع أنّ يستكشف عقلاً رأي الإمام ـ عليه السَّلام ـ من إتفاق من عداه من العلماء على حكم، وعدم ردّهم عنه، نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة المتصف بالعلم والعصمة. فإنّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ وتمييزه من الباطل كي لا يضيع بخفائه ويرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، وتلقينهم طريقاً يتمكّن العلماء وغيرهم من الوصول به إليه ومنعهم وتثبيطهم عن الباطل أوّلاً، أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه (2).


1-الذريعة: ج2ص 606 وهو ظاهر أنّ نصب الإمام لطف من اللّه.
2-كشف القناع: ص 114.


(190)

ويظهر من الشيخ في العدة وفي كتاب الغيبة له وغيرهما، أنّ الذي ارتضاه المرتضى أوّلاً، رجع عنه، ويظهر في رسالة الطرابلسيات أنّه مذهب أصحابنا قديماً وهذا مذهب جماعة من قدماء الأصحاب ومتأخّريهم.

قال: وذكر المرتضى أخيراً أنّه يجوز أن يكون الحقّ فيما عند الإمام والأقوال الأُخر تكون كلّها باطلة، ولا يجب عليه الظهور لأنّه إذا كنّا نحن السبب في إستتاره فكلّ ما يفوتنا من الانتفاع به وبتصرّفه وما معه من الأحكام، نكون قد أتينا من قبل نفوسنا فيه، ولو أزلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وأدّى إلينا الحقّ الذي عنده.

وقال الشيخ: وهذا عندي غير صحيح لأنّه ليؤدّي إلى أن لا يصحّ الاحتجاج بإجماع الطائفة أصلاً، لأنّا لا نعلم دخول الإمام فيهم إلاّ بالاعتبار الذي بيّناه، فمتى جوّزنا إنفراده بالقول ولا يجب ظهوره، منع ذلك من الاحتجاج بالإجماع.

وقال المرتضى في رسالة الطرابلسيات: والذي يقوى الآن في نفسي أنّه غير ممتنع أن يكون عند إمام الزمان ـ غائباً كان أو حاضراًـ من الحقّ في بعض الأحكام الشرعية ما ليس عندنا(1).

وممّن ذهب إلى اعتبار الإجماع من هذه الجهة، الشيخ الكراجكي قال: كثيراً يقول المخالفون: إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم تحتاجونه من الفتاوى المحفوظة عن الأئمّة المتقدمين، فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان. فأجاب إلى فائدة وجوده أيضاً بأنّه يكون من وراء العلماء وشاهداً لأحوالهم عالماً بأخبارهم، إن غلطوا هداهم، أو نسوا ذكّرهم (2).

وممّن أيّد هذه القاعدة المحقّق الداماد، قال: ومن ضروب الانتفاعات أن


1-رسائل المرتضى ج1: رسالة المسائل الطرابلسيات الثالثة: 311.
2-كشف القناع: ص 145.


(191)

يكون حافظاً لأحكامهم الدينية على وجه الأرض عند تشعّب آرائهم، واختلاف أهوائهم، ومستنداً لحجّية إجماع أهل الحلّ والعقد، فإنّه عجّل اللّه لا يتفرد بقول، بل من الرحمة أن يكون من المجتهدين من يوافق رأيه رأي إمام عصره وصاحب أمره، يطابق قولُه قولَه.

وقد نقل من شريف العلماء أنّه قال: فإنّ وجود الإمام في زمن الغيبة لطف قطعاً، ومن ذلك حفظ الشريعة وردّ المجمعين على الباطل وإرشادهم إلى الحقّ(1).

هذا وقد نقل المحقّق التستري كلمات كثير من العلماء القدامى والمتأخّرين، واستظهر من عباراتهم أنّها تنبطق على الاعتماد على قاعدة اللطف، ومع ذلك فهي غير تامة لوجوه:

الأوّل: إنّ اللطف الواجب على اللّه ينقسم إلى قسمين: محصِّل لغرض التكليف ، ومقرِّب للعبد من اللّه سبحانه:

أمّا الأوّل: فهو عبارة عن القيام بالمبادئ والمقدّمات التي يتوقّف عليها تحقّق غرض الخلقة، وصونها عن العبث واللغو، بحيث لولا القيام بها لصار فعله فارغاً عن الغاية وناقضاً حكمته التي تستلزم التحرّز عن العبث.

ومن هذا الباب بعث الرسل وتبيين طريق العبادة، وإعطاء القدرة للعبد على امتثال التكاليف التي قام ببيانها الرسل.

وأمّا الثاني: فهو عبارة عن القيام بما يكون محصِّلاً لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل الغرض منه، وذلك كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب التي تستتبع رغبة العبد إلى العمل، وبعده عن المعصية، وهذا النوع من اللطف ليس دخيلاً في تمكين العبد من الطاعة بل هو قادر على الطاعة و المخالفة سواء أكان


1-كشف القناع: ص 148.


(192)

هناك وعد أم لا، فإنّ القدرة على الامتثال رهن التعرّف على التكليف عن طريق الأنبياء ، مضافاً إلى إعطاء الطاقات المادّية.

والمفروض حصول هذه المبادئ والمقدّمات، غير أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرّد الوقوف على التكليف ما لم يكن هناك وعد ووعيد وترغيب وترهيب، فهذا النوع من اللطف قد وقع موقع النقاش بين المتكلّمين.

والحقّ هو القول بوجوب اللطف إذا كان غرض التكليف (لا غرض الخلقة) موقوفاً عليه عند الأكثرية الساحقة من المكلّفين.

مثلاً: لو فرضنا أنّ غالب المكلّفين لا يقومون بتكاليفهم بمجرّد سماعها من الرسل ـ وإن كانوا قادرين عليها ـ إلاّ إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. وجب على المكلّف القيام بذلك صوناً للتكليف عن اللغوية. ولو أهملها المكلّف، ترتّب عليه بطلان غرضه من التكليف، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة.

وفي الكتاب والسنّة إشارات إلى هذا النوع من اللطف، يقول سبحانه: (وَبَلَوْناهُم بِالحسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف/168).

والمراد من الحسنات والسيئات: نعماء الدنيا وضرّاؤها، وكان الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحقّ والطاعة.

ويقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنا في قَرْية مِن نَّبِىّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَهَا بالبَأساءِ والضرّاءِ لعَلَّهُمْ يَضَّـرَّعُونَ)(الأعراف/94). وفي الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللطف.

ومفاد الآية: أنّ اللّه تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه تعالى إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال (اللطف المحصل) غير أنّ الرفاه والرخاء والتوغّل في النعم المادية، ربّما يسبب الطغيان وغفلة الانسان عن هدف الخلقة وإجابة دعوة


(193)

الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضّـرّعون ويبتهلون إلى اللّه تعالى(1).

ولأجل ذلك نشهد أنّ الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجّة والبرهان، والإتيان بالمعاجز، بل كانوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ مبشّـرين ومنذرين. وكان الترغيب والترهيب من شؤون رسالتهم، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّـرِينَ وَ مُنْذِرِينَ) (النساء/165) والإنذار والتبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة وابتعادهم عن المعصية.

وفي كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ إشارة إلى هذا، قال ـ عليه السَّلام ـ :

«أيّها الناس، إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلاّ بأن يعرّفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلاّ بالأمر والنهي (2) والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلاّ بالترغيب، والوعيد لا يكون إلاّ بالترهيب، والترغيب لا يكون إلاّ بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، والترهيب لا يكون إلاّ بضدّ ذلك ... إلخ» . (3)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد» إشارة إلى أنّ امتثال الأمر والنهي ونفوذهما في نفوس الناس، يتوقّف على الثواب والعقاب، فلولاهما لما كانت هناك حركة إيجابية نحو التكليف إلاّ من العارفين الذين يعبدون اللّه تعالى لا رغبة ولا رهبة، بل لكونه مستحقاً للعبادة.

فتحصل من ذلك: أنّ ما هو دخيل في تحقّق الرغبة بالطاعة، والابتعاد عن


1-لاحظ الالهيات لشيخنا الأُستاذ: ج1، بحث البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً، ص 283ـ 286.
2-هذا اشارة إلى اللطف المحصل.
3-بحار الأنوار: ج5، كتاب العدل والمعاد، الباب 15، الحديث 13 ص 316.


(194)

المعصية، في نفس الأكثرية الساحقة من البشر، يجب على اللّه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو، وبالتالي صوناً للخلقة عن العبث.

نعم إذا كانت هذه المبادئ كافية في تحريك الأكثرية نحو الطاعة ولكن القليل منهم لا يمتثلون إلاّ في ظروف خاصة، كاليسر في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على اللّه سبحانه؟

الظاهر لا، إلاّ من باب الجود والتفضّل.

وبذلك يعلم أنّ اللطف المقرّب إذا كان مؤثّراً في رغبة الأكثرية بالطاعة وترك المعصية يجب من باب الحكمة.

وأمّا اللطف في دائرة أوسع من ذلك أي في غير المحصل والقرب، فلا دليلعلى وجوبه، ولا يعدّ تركه منافياً للحكمة ولا ظلماً في حقّ العباد ولنذكر موردين:

1ـ إذا كان اللطف مؤثّراً في آحادهم المعدودين، فالقيام به من باب الفضل والكرم لا من باب الحكمة كما إذا كان الغنى دخيلاً في رغبة بعض الناس إلى الطاعة، أو كان فقره مانعاً من قربه إلى المعصية، فلا دليل على وجوب إغناء الأوّل وإفقار الثاني إلاّ من باب الفضل والكرم لا من باب الحكمة، وما يجب عليه سبحانه من ذلك الباب، هو إيجاد الرغبة إلى الطاعة، والابتعاد عن المعصية على النحو المؤثّر في الكلّ أو الأكثرية الساحقة لئلاّ يبطل غرض التكليف. وأمّا تهيئة عوامل القرب من الطاعة والابتعاد عن المعصية حسب طبيعة آحاد الناس، فليس يلازم ولا يعدّ التخلّف ظلماً، إذ يكفي الترغيب والترهيب العموميان في تحصّل غرض التكليف.

2ـ إذا اجتمعت الأُمّة في عصر على حكم خاطئ ممّا يتعلّق بالأحكام العملية فلا يجب عليه سبحانه اللطف، بمعنى دفع اجتماعهم عليه، إذ لا تبطل بالاجتماع على الخطاء، غاية الخلقة ولا غاية التكليف. وأقصى ما يمكن أن يقال:


(195)

إنّه يجب عليه سبحانه، رفع التكليف الواقعي عنهم وصيرورته غير فعلي، أو غير منجّز لكونهم معذورين في خطئهم واشتباههم.

والعجب أنّ المتمسّكين (1) باللطف يكتفون في تحقّقه في المقام بإظهار الخلاف، ولو بلسان واحد من علماء العصر أو رجل مجهول النسب، وهو كما ترى، إذ أية فائدة في هداية واحد وترك الجميع في الضلالة، ولو وجب اللطف، وجب هداية الكلّ، لا النادر الشاذ، نعم يترتّب على مخالفة الفرد، أنّه لا يتلقى الجيل الآتي اجتماعهم حجّة لمخالفة واحد منهم، خصوصاً إذا كان مجهول النسب، وعندئذ يكون لطفاً نسبياً في حقّ الأجيال الآتية، لا لطفاً مطلقاً عاماً يشمل عصر المجمعين والجيل العائش فيه.

هذا تحليل لأصل القاعدة ومقدار دلالتها وهناك نكات لابدّ من التنبيه عليها:

1ـ إنّ حال الغيبة لا تفترق عن حال الحضور، فكما أنّه يجوز له كتمان بعض الحقائق لخوف أو تقية أو غير ذلك من المصالح وليس له داع أن يلقي نفسه في التهلكة إذا لم يُمكنه اللّه سبحانه، فهكذا حال الغيبة، ولا سيّما في المسائل التي لاتمسّ الحاجة إليها إلاّ نادراً.

وإلى ذلك أشار المرتضى في كتابه الشافي: إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كان منذ قبض اللّه نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حال تقية ومداراة ومرافقة، وأنّه لمّا أُفضي إليه الأمر لم تفارقه التقية وكان يقول لقضاته وقد سألوه بماذا نحكم؟

فقال: احكموا بما كنتم تحكمون حتى يكون الناس على جماعة (2).

2ـ إنّ المصالح التي اقتضت غيبة الإمام وأوجبت حرمان الناس من كثير من الفيوض المعنوية، هي التي اقتضت رفع إيجاب إظهار الحق، والردع عن


1-كالمحقق الداماد في كلامه السابق.
2-كشف القناع: ص 149 نقلاً عن الشافي.


(196)

الباطل، فليس الحرمان من التعرّف على حكم أعلى من التعرف على الإمام والاستضاءة بنوره ـ عليه السَّلام ـ .

ولا يتوهم من ذلك أنّه ليس لوجوده في زمان الغيبة أي فائدة، فإنّ لوجوده ـ عليه السَّلام ـ فوائد مذكورة في محلّه ويظهر منه الشيء بعد الشيء، والأمر بعد الأمر بالطرق الظاهرة أو الخفية حسب مااقتضاه الحكم والمصالح.

ولا تقتصر فائدة وجوده عن فائدة وجود مصاحب موسى، حيث كان له تصرفات لصالح الفقراء والمساكين ومع ذلك ما كان يعرفه الخواص مثل موسى فضلاً عن العوام، وكانت تصرّفاته بمرأى ومسمع من الناس وهم لا يرون بعض تصرّفاته كخرق السفينة وقتل الغلام وإلاّ لمنعوه عن الفعل.

وليس المقام مناسباً لتفصيل فوائد وجوده ـ عليه السَّلام ـ وقد ذكره شيخنا الأُستاذ في كتاب الأسئلة والأجوبة فراجع.

الوجه الثالث:

حدس قول المعصوم من اتفاق الأُمّة أو العلماء بأنّ فتوى كلّ فقيه وإن كان يفيد الظن ولو بأدنى مرتبة، إلاّ أنّه يتقوّى بفتوى فقيه ثان فثالث إلى أن يحصل للانسان اليقين بكون فتوى الجميع موافقاً لقول الإمام ـ عليه السَّلام ـ إذ من البعيد أن يتطرّق الخلاف إلى فتوى هؤلاء (1).

وهذه النظرية كانت معروفة في العصور المتقدمة، لكن بشكل آخر وهو استكشاف كونه موافقاً للواقع وقد نقل عن المرتضى: أنّه أَورد عليها بأنّه لا يجوز في جماعة يجوز الخطاء على كلّ واحد منها، أن ينتفي عن جماعتها (2).


1-وعلى هذا يكون الاجماع من الأدلّة القطعية بخلاف الوجه الآتي، فلاحظ. ويسمّى هذا النوع من الاجماع بالاجماع الحدسيّ.
2-فاعل «لا يجوز».


(197)

وقرّره المحقّق الاشتياني وقال: إنّ خطأ الانظار في المسائل العلمية النظرية، وإن توافقت وتراكمت، لا تحيله عادة، غاية ما هناك حصول الظن أو القويّمنه(1).

وأوضحه صاحب مصباح الأُصول: بأنّه فرق بين الإخبار عن حس والإخبار عن حدس، فاخبار الجماعة في الأُولى يفيد القطع، لأنّ احتمال مخالفة الخبر للواقع في الأوّل ناش عن تعمّد الكذب أو الخطاء في الحس، وكلا الاحتمالينيضعف بكثرة المخبرين، وهذا بخلاف الإخبار الحدسي المبنيّ على البرهان، فإنّ نسبة الخطاء إلى الجميع كنسبته إلى الواحد، إذ احتمال كون البرهانمخالفاً للواقع لايفرق فيه بين أن يكون الاستناد إليه من شخص واحد أو أكثر (2).

أقول: هذا الوجه هو الوجه السادس من إثني عشر وجهاً لحجّية الإجماع المحصَّل حسب ما أنهاه المحقّق التستري ويلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: أنّ احتمال الاشتباه في العقليّات ممّا لا ينبغي إنكاره وكم فرق بين الإدراك ببصيرة العقل وبين الإدارك بالبصر، ومع ذلك يختلف الحال حسب اختلاف أصحاب النظر في الذكاء والدقة، وفي الألمعية والفطنة، وفي اختلافهم في كثرة الممارسة وقلّتها، واختلاف جوهر المسائل من حيث كونها عقليّة محضة ككيفية علمه سبحانه، أو قربها من المسائل العقليّة الواضحة أو المحسوسة، ولأجل هذه الاختلافات ربّما يكون احتمال خطأ المجمعين ماثلاً أمام بصيرتنا، وربّما يكون على العكس ويصل احتمال الخطأ إلى درجة الصفر، ويتضاءل احتمال خطأ البرهان إلى درجة لا تلتفت إليه النفس ويحصل اليقين. فلا يمكن القضاء في المسائل العقلية بنحو واحد. ولا يرمى الجميع بسهم فارد.


1-بحر الفوائد: ص 126.
2-مصباح الأُصول: ج2 ص 139.


(198)

الثاني: ـ وهو المهمّ في المقام ـ: أنّ هذا الوجه إنّما يفيد إذا كان المجمعون أو معظمهم مقتصرين في معرفة الأحكام بالأدلّة القطعية من كلّ وجه ،وأمّا إذا لم يكن كذلك بل من المحتمل إستناد كثير منهم إلى الدليل الظنّي، غير الموجب للقطع واليقين، فلا يحصل القطع بكون مفاد الإجماع مطابقاً للواقع أو لقول المعصوم.

ولأجل ذلك لو أخبرنا مائة رجل بظنّهم عدالة شخص لم يحصل القطع بعدالته، أو أخبروا عن ظن برؤية الهلال، أو عن المرئي عن بُعد، المتردّد بين الانسان والحيوان بأنّه إنسان، لم يحصل اليقين.

والعلماء ـ رضوان اللّه عليهم ـ لم يكونوا مكتفين بالدليل القطعي، بل الأكثرلولا الكلّ كانوا عاملين على الظنون التي ثبت حجّيتها وإذا كان الظن منشأفتياهؤلاء فكيف يحصل القطع بأنّ مفادها نفس الواقع وقول الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

الوجه الرابع:

أن يستكشف من إجماع المجمعين وجود الدليل المعتبر الذي لو وقفنا عليه كما وقفوا لحكمنا بما حكموا به ولم نتخطه، فيكون الإجماع بهذا الاعتبار من الأدلّة المعتبرة غير المفيدة للعلم، وهذا هو الوجه السابع من اثني عشر وجهاً في كلام المحقّق التستري، لحجّية الإجماع المحصَّل، وعند ذلك يحصل القطع من الإجماع على وجود الدليل المعتبر.

وهذا الوجه هو المعتمد، خصوصاً إذا وقفنا على أحوال الفقهاء في العصور الماضية حيث إنّهم صرفوا أعمارهم في حلّ مشكلاته وكشف معضلاته والتزموا بالإفتاء بالسماع عن المعصومين، وبالجملة: ملاحظة إحتياطهم في الافتاء وعدم العمل إلاّ بالنصوص دون المقاييس، تورث القطع بوجود حجّة في البين وصلت


(199)

إليهم ولم تصل إلينا.

لا أقول: إنّ إجماعهم يكشف عن مطابقة رأيهم لنفس الواقع ونظر المعصوم. بل أنّ إجماعهم مع تورّعهم في الفتيا، يكشف عن وجود حجّة معتبرة في البين فإجماعهم كاشف عن الحجّة على الحكم الواقعي لا عن حكم واقعي.

ويجري ذلك في الخبر المجمع عليه وإن كان ضعيفاً إذا وقع مورداً للاستناد، إذ يكشف عن وجود قرينة مقتضية عن جواز الاعتماد عليه، لا العلم بصدقه ـ وسيوافيك تحقيقه في مبحث الشهرة ـ كما هو الحال في إجماعات المخالفين، إذ يكشف عن وجود دليل معتبر عندهم وإن لم يكن معتبراً عندنا.

فإن قلت: إذا كان إفتاؤهم حاكياً عن وجود دليل معتبر، فيجب أن نعثر عليه في الكتب الأربعة ونظائرها التي أُلّفت لجمع ما في الأُصول والمصنّفات للقدامى من أصحابنا.

قلت: لم يثبت أن مؤلّفي الكتب الأربعة أحاطوا بجميع أخبار أئمّتنا الطاهرين المبثوثة في أُصول أصحابهم ومصنّفاتهم (1) والشاهد على ذلك: استدراك صاحب الوسائل عليها بالروايات الكثيرة التي نقلها عن سبعين كتاباً، ولمّا كان عمله غير مستوعب، استدرك عليه، المحدّث النوري بتأليف مستدرك الوسائل. وكان سيّدنا الأُستاذ آية اللّه الحجّة الكوهكمري بصدد تأليف مستدرك آخر، وقد هيأ أسبابه واشتغل، لكن حالت المنية بينه وبين أمله فلبّى دعوة ربّه (2) قبل إنجاز «أُمنيته».


1-قد بُيِّـن الفرق بين الأُصول والمصنّفات في كتاب «كلّيات في علم الرجال» لشيخنا الأُستاذ فراجـع.
2-عام 1372 هـ . ق وكان معاصروه يناقشونه ويقولون: المستدرك على المستدرك مستدرك.


(200)

وكان السيد المحقّق البروجردي يقول: إنّ في فقه المشهور، تسعين مسألة قد أفتى فيها الأصحاب بحكم وليس هناك أيّ دليل على الحكم سوى الإجماع، وهذا يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إليهم، ولم يصل إلينا. ومن المؤسف عليه أنّه لم يسمّ تلك المواضع ولم يوفّق أحد من تلاميذه بضبط هذه الموارد.

وما عن المحقق الخوئي من أنّه يحتمل أن يعتمدوا على قاعدة باطلة، أوأصـل مـردود، غير تـام، بالنـظر إلى اتـفاقهـم على الإفتاء حيث لا يصدرون إلاّ بسماع(1).

توضيحه: أنّ اتفاق العلماء إنّما يكشف عن وجود دليل معتبر إذا ثبت، أمران:

1ـ أن يستكشف من حال المجمعين عدم اعتمادهم في الإفتاء إلاّ على النصوص والروايات، لا على القواعد والأُصول مطلقاً أو في كتاب خاص، كما هو الحال في الكتب المؤلّفة في الأُصول المتلقّاة من الأئمّة، مثل رسالة علي بن بابويه إلى ولده، وكتابي المقنع والهداية للصدوق، والمقنعة للشيخ المفيد، والنهاية للشيخ، وأضرابها (2). ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على انتصار المرتضى وناصرياته، لاعتماده فيهما في الإفتاء (3) على القواعد والأُصول.

2ـ أن تكون المسألة من المسائل المعنونة في عصر الأئمّة قطعاً أو ظنّاً، لا


1-سيوافيك تفصيله عند البحث عن حجيّة الشهرة الفتوائية وأنّه ليس كل إجماع أو شهرة كاشفين عن النص الصادر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ .
2-ومن هذا القبيل كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» للحسن بن علي بن عقيل ، يقول النجاشي: ما ورد الحاج من خراسان إلاّ وطلب واشترى منه نسخاً وكان المؤلّف معاصراً للكليني وشيخاً لابن قولويه (368) وكان موجوداً لدى العلاّمة ينقل عنه في «مختلف الشيعة» ولعلّ من هذا القبيل «الأحمدي للفقه المحمدي» لابن الجنيد المتوفّـى 381هـ، وهو غير كتابه «تهذيب الشيعة» في عدّة أجزاء ، وقد لعب الزمان بهذه الآثار.
3-بل في حكاية الاجماع أيضاً كما سيوافيك بيانه في الفصل الآتي.


(201)

من المسائل التفرعية التي استنبط العلماء حكمها من الأُصول والقواعد، ويعلم ذلك من التعرّف على الكتب المؤلّفة في تلك العصور، فمنها ما أُلّف في هذا المضمار، ومنها ما ألّف في التفريع كالمبسوط وغيره، والإفتاء لا يكشف عن النص إذا ورد في القسم الثاني.

فإذا اجتمع الشرطان، يكون احتمال اعتمادهم على أصل باطل أو قاعدة غير صحيحة، احتمالاً ضئيلاً لا يُعتنى به ويكون نفس الإجماع كاشفاً عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا.

والحاصل: أنّ هذا الوجه من بين الوجوه الخمسة التي ذكرت لإثبات حجية الإجماع المحصَّل، هو الوجه الأمثل القابل للاعتماد، لكن المهمّ هو تحقق الملازمة بين الاتفاق على الحكم، ووجود الدليل المعتبر، وهي لا تتحقق إلاّ في الفقه المنصوص، لا في الفقه المستنبط، ومواضع الأوّل هي الكتب التي ألمعنا إلى أسمائها.

الوجه الخامس:

أن يحصل لبعض الأولياء سماع قوله ـ عليه السَّلام ـ بعينه فيبرزه في مقام الاستدلال بصورة الإجماع خوفاً من التكذيب والإذاعة، وربّما يكون مستند كثير من الزيارات والأعمال المعروفة التي لا يوجد لها مستنداً ظاهراً هو التشرف وسماع كلامه.

أقول: ذلك الوجه يناسب لبيان حجّية الإجماع المنقول، والكلام بعد في المحصَّل منه، وهذا ما يقال بالإجماع التشرّفي، ولا يكفي صرف التشرّف إلاّ أنّ احتمال تحقق ذلك في حقّ المدّعين للإجماع بعيد جدّاً.

***


(202)

الاستدلال على حجيّة الإجماع المنقول بخبر الواحد:

إنّ البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، يتركّز في شمول دليل حجّية الخبر الواحد، للإجماع المنقول به وعدمه، ويعود البحث عن سعة دلالة أدلّة حجيته وضيقها فنقول:

إنّ الدليل الوحيد على حجّية الخبر الواحد هو بناء العقلاء وهو مختصّ بما إذا كان المخبر به أمراً حسّياً أو كانت مقدماته القريبة أُموراً حسّية، كالإخبار بالعدالة النفسانية إذا شاهد منه التورّع عن المعاصي والإخبار بالشجاعة إذا شاهد قتاله مع الأبطال في ساحة القتال. وأمّا إذا كان المخبر به أمراً حدسياً محضاً لا حسّياً ولم تكن له مقدمات قريبة حسّية كما في المقام، فليس هناك بناء للعقلاء للأخذ بخبره، وتوضيح ذلك يتمّ ببيان أمرين:

الأوّل: أنّ احتمال مخالفة الخبر الواحد للواقع ينشأ من أحد الأمرين: إمّا تعمّد المخبر للكذب وهو مدفوع بالعدالة والوثاقة، أو لاحتمال خطائه وسهوه، وهو مدفوع بالأصل الذي تطابق عليه العقلاء من أصالة عدم الخطاء والسهوو....

لكن هذا الأصل إنّما يجري فيما إذا كان إخباره عن حس، وأمّا إذا كان عن حدس فلا أصل عقلائي يدفعه، ولأجل ذلك لا يشمل دليل حجّيته وهو بناء العقلاء لذاك المورد.

نعم لا يشترط في جريان الأصل المذكور أن يكون نفس المخبر به حسّياً، بل يكفي أن تكون مقدماته القريبة حسّية وإن كان نفس المخبر به حدسياً، كما في الأمثلة المذكورة.

الثاني: أنّ الإخبار عن حدس إذا كان مستنداً إلى الحس الملازم للمخبر به


(203)

عند الناقل والمنقول إليه كما في رؤية الرعد والبرق الملازمين للمطر، أو مشاهدة ضرب الأبطال في الميدان، الملازم للشجاعة، أو التورّع من الشبهات والمحرّمات الملازم للعدالة، ففي هذه الموارد، يكون الإخبار حجّة إلى المنقول إليه، وأمّا إذا لم تكن هناك ملازمة بين المقدّمات، والمخبر به الحدسي عند المنقول إليه، فلا تشمله أدلّة حجيّته، لأنّ احتمال التعمّد في الكذب وإن كان مرتفعاً، لكن أصالة عدم الخطأ في الحدس والاستنباط غير جارية، فلا يكون ذلك النقل حجّة بالنسبة إلى المسبب.

وذلك كالإجماعات الدارجة في ألسن السيد المرتضى والشيخ وابن زهرة وأضرابهم. فإنّ الأوّل يدّعي الإجماع على الحكم لكونه مصداقاً للقاعدة أو الأصل المتفق عليهما، فادّعى الاجماع على إزالة النجاسة بالماء المضاف إعتماداً على الأصل المتفق عليه، وهو أنّ الأصل الجواز ما لم يثبت الناقل عنه وليس في الشرع ما يمنع من الإزالة بالماء المضاف.

والإجماع الذي يبتنى على ذاك الأصل الباطل، لا يكون له وزن ومن هنا يقرب الشك إلى أكثر ما نقله من الإجماع في الانتصار.

وأمّا الشيخ فيدّعي الإجماع لوجود الخبر، قال في الخلاف: إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل بعد القتل، فيسقط القود وتكون الدية من بيت المال، دليلنا: إجماع الفرقة فإنّهم رووا: « أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين».

وإذا كان هذا هو الحال في كثير من الإجماعات الدارجة في ألسن الفقهاء القدامى فلا يصحّ الاعتماد عليها، فلا تكون هناك ملازمة عندنا بين السبب (الإجماع) والمسبب، أعني: قول الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

وقد كان السيّد المحقّق البروجردي معتقداً بأنّ الاستدلال بالإجماع كان لأجل إفحام الخصم المخالف، ودفعاً لما ربّما يعترض على الشيعة بأنّكم لماذا


(204)

أخذتم بهذا الرأي دون الآخر، يقولون: هذا الحكم إجماعي عندنا.

فإن قلت: إنّ الملاك ـ حسب ما مرّ ـ لحجّية الإجماع المحصَّل، هو كشفه عن الدليل المعتبر، فهل يمكن تصحيح الإجماعات المنقولة عن هذا الطريق فإنّهم وإن كانوا ينقلون قول الإمام عن حدس ولكن ينقلون «الاتّفاق» عن حسّ وهو كاشف عن الخبر المعتبر.

قلت: هذا هو ما نبحث عنه في البحث التالي:

حجّية الإجماع المنقول في نقل السبب:

نعم إنّ الاجماع المنقول حجّة في نقل السبب والكاشف وإن لم يكن حجّة في نقل المنكشف، فيؤخذ منه ما يدلّ عليه لفظه من الاتفاق. لأنّ ظاهر الحكاية محمول على الوجدان إلاّ إذا قام هناك صارف، وعلى ذلك يجب ملاحظة أُمور:

1ـ ملاحظة حال الناقل لأنّ نقلة الإجمـاع مختلفـون، فربّ ناقل يكتفي بالكتب الموجودة عنده حال التأليف فيدّعي الاجماع في المسائل الخلافية، ومنهم من يتوسّع كصاحب مفتاح الكرامة.

2ـ ملاحظة الكتاب، فربّ كتاب وضع على التتبع والدقة وربّ كتاب لم يوضع على ذلك.

3ـ ملاحظة لفظ الناقل، فربّما يدّعي الإجماع والاتفاق وربّما يقول: بلا خلاف أجده ... إلى غير ذلك من الألفاظ التي تختلف دلالتها على مقدار الاتفاق.

4ـ ملاحظة نفس المسألة، فهل هي من المسائل المعنونة من لدن تدوين الفقه، أو من الأُصول المتفرّّعة بين المتأخّرين؟ فإنّ عنوان المسألة بين القدماء


(205)

يكشف عن وجود النص دون الأخير.

5ـ ملاحظة حال الناقل حين النقل والتأليف ومقدرته العلمية، فهل ألّفهفي زمان شبابه وأوان اشتغاله بالاستنباط، أو في أُخريات عمره أو بعد خوضهفي عباب الفقه أعماراً طويلة؟ فإنّ كل ذلك مؤثّر في مقدار استكشاف الاتفاق.

6ـ لا ينبغي أن يكتفي بذلك، بل يجب عليه تحصيل أمارات أُخر من أقوال سائر العلماء الذين لم يقف عليهم الناقل، إذ يحتمل عدم وقوفه على كلماتهم ليحصل من مجموع ما نقل وما حصل، القطع بقول الإمام ـ عليه السَّلام ـ أو القطع بوجود الدليل المعتبر وإن خفي على المتأخّرين.

ولكن تحصيل ذاك المقدار من الاتفاق من الإجماعات الدارجة في كتب السيد والشيخ وابن زهرة ومن والاهم مشكل جدّاً، إذ لم تؤلّف هذه الكتب على أساس تحصيل الاتفاق عند ادّعاء الاجماع، حتّى يكون النقل حجّة في نقل السبب وعليه أن يستفرغ الوسع في تحصيل الإجماع حتّى في المقدار الذي ينقله الناقل ليكون على طمأنينة من الاتفاق، ثم يلاحظ هل هو يلازم قول المعصوم ـ عليه السَّلام ـ أو يلازم: وجود الحجّة المعتبرة أو لا.

ولم نجد فيما مارسنا من الفقه فائدة في الإجماعات المنقولة نفسها فعلى الفقيه أن يتلقّى المنقول محرّكاً للتتبع حول المسألة.

***


(206)

الرابع: الشهرة الفتوائية:

إنّ الشهرة على أقسام ثلاثة:

1ـ الروائية. 2ـ العملية. 3ـ الفتوائية.

أمّا الأُولى: فهي ما اشتهرت روايته بين الأعصار بمعنى كثرة رواته، ويقابله النادر: بمعنى قلّة رواته، فلو كان مورد الخبر يرجع إلى المعارف والعقائد أو إلى الفضائل والمناقب، يؤخذ بلا كلام، كالأحاديث الواردة في نفي التجسيم والتشبيه، ونفي الجبر والتفويض، أو حول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ أو سائر الأئمّة، كحديث الغدير والمنزلة، والثقلين والسفينة، فلا تعادل تلك الأحاديث المنقولة في كل عصر وزمان بما يخالفها، فإنّ الاطمئنان الحاصل من الكثرة ربّما يورث اليقين والاذعان، والشذوذ والندرة يوجب الشك وسوء الظن.

وأمّا إذا كان مورد الخبر حكماً شرعياً فإنّما تفيد الشهرة الاطمئنان وتورث الطمأنينة إذا كانت النقَلَة عاملين له، وأمّا إذا رووا ولكن أفتوا على خلافه فهو يورث الظن بالخلاف، وأيّ وهن أوضح من عدم عمل الناقل لما يرويه مع كونه ثقة في دينه ويتّضح ذلك في القسم الآتي.

أمّا الثانية: أعني: الرواية المشهورة التي تضافر نقلها والافتاء بمضمونها عن نقلة الآثار وأصحاب الفتيا، فلا شك أنّ مثل هذه الشهرة تورث الاطمئنان وتسكن إليه النفس، وهي التي يقول الإمام في حقّها في مقبولة عمر بن حنظلة: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه... وإنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّـن رشده فيتبع، وأمر


(207)

بيّـن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه ورسوله» (1).

وتوضيح الدلالة يتوقّف على بيان أُمور:

1ـ إنّ المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتفق الكلّ على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور، ويوضح ذلك قول الإمام ـ عليه السَّلام ـ : «ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك».

2ـ إنّ المراد من اجماع الأصحاب واشتهارها بينهم هو نقل الرواية مع الافتاء بمضمونه إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقاً لما لا ريب فيه. وإلاّ فيكون ممّا فيه الريب كلّه والشك أجمعه. وما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ المراد من الموصول في قوله: «ينظر إلى ما كان» هو الرواية لا ما يعمّ الفتوى، وإن كان صحيحاً لكن ليس المقصود مجرّد الرواية، بل المقترنة بالافتاء، وأمّا حجّية مجرّد الافتاء، فسيوافيك الكلام فيه في القسم الثالث.

3ـ إنّ المراد من قوله: «ممّا لا ريب فيه» هو نفي الريب على وجه الإطلاق لأنّ النكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالرواية المشهورة إذا أفتى على مضمونها الأصحاب تكون مصداقاً لما ليس فيه أي ريب وشك، وما ربّما يتصوّر من أنّ المراد من قوله: «لا ريب فيه» هو نفي الريب النسبي بالاضافة إلى الريب الموجود في مقابلها خلاف الظاهر وخلاف القاعدة المسلّمة بين الأُدباء في مدخول «لا» النافية حيث اتفقوا على أنّها تفيد العموم والاستغراق: مثل قوله: «لا رجل في الدار».

وعلى هذا فالخبر المشهور المفتى به داخل في القسم الأوّل من التثليث الوارد في كلامه ـ عليه السَّلام ـ ، كما أنّ الخبر الشاذ داخل في القسم الثاني منه، أخذاً بحكم


1-الوسائل: ج 18، البا ب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. وقد رواها المشايخ الثلاثة في جوامعهم وتلقّاها الأصحاب بالقبول، بل هي المدار في باب القضاء ويظهر بالمراجعة إلى كتبه مضافاً إلى إتقان الرواية وعلوّ مضمونها والشك والترديد في صحّتها أشبه شيء بالوسوسة.


(208)

المقابلة، لأنّه إذا تبيّـن صحّة طرف واحد وصار ممّا لا ريب في صحّته، يصير الطرف المقابل، ممّا لا ريب في بطلانه، لا ممّا «فيه ريب ما وشك إجمالاًّ»، لأنّه إذا صحّ كون زيد عادلاً على وجه لا ريب في صحّته، يكون نقيضه ممّا لا ريب في بطلانه، لا ممّا فيه ريب إجمالاً بحيث يحتمل صحّته وبطلانه. فوزان الشهرة العمليةوزان بيّـن الرشد، ووزان الرواية الشاذة وزان بيّـن الغي، وانّ الامام ـ عليه السَّلام ـ لم يذكر التثليث في كلامه إلاّ لتبيين تلك الجهة.

ثمّ إنّه تترتّب على هذه المقدمات أُمور نشير إليها:

الأوّل: انّ الشهرة العملية من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة وليست من المرجحات، فإنّ المراد من المرجّح هو ما يوجب تقديم إحدى الحجّتين على الأُخرى، مع كون المتعارضين حجّتين في أنفسهما، ككون إحدى الروايتين مخالفة للعامة. وقد عرفت أنّ نسبة المشهور إلى الشاذ نسبة بيّـن الرشد إلى بيّـن الغي، ومثل ذلك لا يعدّ من تعارض الحجّة مع الحجّة، بل من قبيل مقابلة ما لا ريب في صحّته، مع مالا ريب في بطلانه.

الثاني: أنّ إعراض المشهور عن الرواية مسقط لها عن الحجّية، وإن كان السند صحيحاً سواء كان لها معارض أو لا ، لكونها مصداقاً للشاذ النادر الذي لا ريب في بطلانه، وهذا هو خيرة سيد المحققين السيد البروجردي، وتبعه الأُستاذ الأكبر الإمام الخميني وهو الذي اخترناه بعد تشييد أساسه.

نعم خالف في ذلك بعض المحقّقين وإليك كلامه:

«إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق مورداً لقيام السيرة ومشمولاً لإطلاق الأدلّة اللفظية، فلا وجه لرفع اليد عنه لإعراض المشهور عنه. نعم: إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل العلم أو الاطمئنان بسبب ذلك بأنّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم ـ عليه السَّلام ـ أو صدر عن تقيّة، فيسقط الخبر المذكور عن الحجّية.


(209)

وأمّا إذا اختلف العلماء على قولين وذهب المشهور منهم إلى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق وأعرضوا عنه، واختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخبر المذكور، فلا وجه لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجّة في نفسه لمجرّد إعراض المشهور عنه» (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه ليس لنا دليل لفظيّ على حجّية الخبر الواحد، وإنّما الدليل هو السيرة العقلائية وهو دليل لبّي لا إطلاق لها حتّى تعمّ المورد، بل العقلاء يتوقفون في مثل المقام كما لا يخفى.

وثانياً: أنّ القائل، بكون الإعراض موهناً ومسقطاً للحجّية، إنّما يستند على قوله ـ عليه السَّلام ـ في مقبولة عمر بن حنظلة: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» ولا ينطبق ذلك إلاّ على ما إذا بلغت الشهرة إلى حدّ جعلت الخبر المشهور ممّا لا ريب في صحّته، والخبر الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، ولا ينطبق ذلك إلاّ على القسم الأوّل المذكور في كلامه لا القسم الثاني.

الثالث: أنّ عمل المشهور بالرواية جابر لضعفها وهذه من القضايا المشهورة بين العلماء، وخالف فيها السيّد المحقّق الخوئي وله في ذلك بيان ضاف سيوافيك فيما بعد، فنقول:

إنّ عمل المشهور بالرواية، جابر لضعف سندها سواء كان لها معارض أم لا، والمقبولة وإن كانت لا تدلّ عليه بالدلالة اللفظية، وذلك لأنّ المفروض فيها هو المشهور والشاذ وكون الراوي فيهما ثقة وجامعاً للشرائط لقوله...«فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر...» ـومع ذلك تصحيح استظهار ذلك منها بوجه آخر و هو:

«انّ ما هو الحجّة في باب خبر الواحد، هو الخبر الموثوق صدوره، وحجّية قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره في الأنام، ولا شك أنّ عمل أكابر


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 203.


(210)

الأصحاب بالرواية من عصر الغيبة يورث الوثوق الشخصي بالصدور وهذا كاف في دخوله تحت دليل حجّية خبر الواحد.

نعم ليس المراد من عمل الأصحاب، عمل المتأخّرين منهم عليها، بل عمل قدماء الأصحاب الذين كانوا متقاربي العصر، لزمان صدور الروايات، وعارفين بخصوصياتها، فإنّ عمل والد الصدوق، وولده، والمفيد وتلميذيه (المرتضى والشيخ) والحلبي وسلاّر والقاضي، يورث طمأنينة بصدور الرواية، فتشمله أدلّة حجّية الخبر.

نعم لا عبرة بعمل المتأخّرين وشهرة المسألة بين المتأخّرين، إذ لا يتميّزون عنّا بشيء، ونحن وإيّاهم أمام الأدلّة سواء.

هذا هو الذي ساقنا إلى القول بكون الشهرة العملية بالرواية جابر لضعف السند، بل ضعف الدلالة لاحتمال إحتفاف الرواية بقرينة حالية، هداهم إلى الافتاء بمضمونها.

ثمّ إنّه خالف في الموضوع أيضاً المحقق الخوئي، فكما رأى أنّ الإعراض غير موهن، رأى أنّ الشهرة العملية أيضاً غير جابرة، وأفاد في ذلك بأنّ الصغرى (عمل الأصحاب بالرواية) والكبرى (كونه جابراً) مشكل، فقال:

إذا كان الخبر الضعيف غير حجّة في نفسه على الفرض، وكذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجّة، إلى غير الحجّة فلا يوجب الحجّية، فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلاّ العدم.

ودعوى أنّ عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر به، فيثبت به كونه ثقة، فيدخل في موضوع الحجّية ، مدفوعة بأنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه، فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر ومطابقته للواقع، بحسب نظرهم واجتهادهم، لا لكون المخبر ثقة عندهم، فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به ولا سيما أنّهم لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر.


(211)

هذا كلّه من حيث الكبرى، وأمّا الصغرى وهي استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل والفتوى، فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى، لأنّ مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم ـ عليه السَّلام ـ . والقدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم إستنادهم إلى الخبر الضعيف، وإنّما المذكور في كتبهم مجرّد الفتوى، والمتعرّض للاستدلال إنّما هو الشيخ الطوسي دون من تقدّمه، فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف؟ ومجرد المطابقة لا يدلّ على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر، إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره، فانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرى وكبرى (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ أساس منع الكبرى هو تصوّر أنّ قول الثقة بما هو هو حجّة، فرتّب عليه أنّ عمل المشهور لا يثبت وثاقة الراوي مع أنّ ما هو الحجّة من الخبر الواحد ـ حسب بناء العقلاء ـ الذي هو الدليل الوحيد في المقام، هو الخبر الموثوق بصدوره أو الموثوق بصدقه، وحجّية قول الثقة لأجل كون وثاقته أمارة على صدوره من الإمام وصدقه في كلامه، وعلى ذلك فلو كان عمل الأصحاب مورثاً للوثوق الشخصي أو النوعي بالصدور، وإن لم يكن مورثاً لوثاقة المخبر كفى في كون الخبر حجة، اللّهمّ إلاّ أن يمنع من كونه مورثاً للاطمئنان به و هو كما ترى.

وبذلك يظهر عدم تمامية قوله: إنّ الخبر الضعيف ليس بحجّة، ومثله فتوى المشهور وضمّ العدم إلى العدم لا ينتهي إلى الوجود، وذلك لأنّ كلّ واحد وإن كان غير حجّة ، لكن يحصل من الجميع وثوق بصدور الخبر وصدقه وهذا كاف في الحجّية.

وثانياً: أنّ ما ذكره من منع الصغرى قائلاً بأنّ إثبات استناد المشهور إلى الخبر الضعيف أمر أشكل من إثبات الكبرى، غير تام لما عرفت من أنّ للقدماء


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 202.


(212)

من الفقهاء لونين من التأليف: أحدهما بصورة الفقه المنصوص، والآخر بصورة الفقه المستنبط، وكان أساس الأوّل هو تجريد الأسانيد والأخذ بنفس المتون (لا المضامين) فإذا تضافرت فتاوى تلك الطبقة في مسألة، على عبارة موجودة في الخبر الضعيف يستكشف إعتمادهم في مقام الإفتاء على ذاك الحديث، واحتمال كون الدليل عندهم غيره مع وحدة التعابير ، ومع العلم بعدم خروجهم في مقام التأليف عن إطار النصوص، كما ترى.

الثالثة: الشهرة الفتوائية المجرّدة عن الرواية:

الشهرة الفتوائية في مسألة مجرّدة من الرواية، هي التي طرحها الأُصوليون عند البحث عن حجّية الظنون ولكنّهم ـ مع الأسف ـ لم يعطوا غالباً للبحث حقّه(1). فنقول:

إنّ المسائل التي تتحقق فيها الشهرة على قسمين:

1ـ المسائل التفريعية، أو الفقه المستنبط، وهي المسائل التي لم يرد فيها نص، وإنّما استنبط حكمها الفقهاء من القواعد والضوابط، كالشهرة المتحققة في جواز الصلاة في اللباس المشكوك، فإنّ المسألة من الفقه المستنبط، والشهرة حصلت من إفتاء السيد المجدد الشيرازي (2) بعد ما كان عدم الجواز مشهوراً، والشهرة وعدمها في هذه المسائل سيّان، وليس على الفقيه إلاّ ملاحظة نفس الدليل سواء أكانت هناك شهرة أم لا.

2ـ المسائل المتلقاة عن الأئمة التي يعبر عنها «بالفقه المنصوص» ويتضح


1-إلاّ السيد الأُستاذ آية اللّه البروجردي 1294ـ1380 وبعده الأُستاذ الأكبر الإمام الخميني ـ دام ظله ـ فقد أدّيا حقّ المقال فيها فراجع ما كتبه شيخنا الأُستاذ عن دروس الإمام ـ دام ظله ـ في هذا المضمار، في «تهذيب الأُصول» الجزء الثاني: 100ـ 102 .
2-السيد محمد حسن المعروف بالميرزا الشيرازي 1224ـ1312.


(213)

ذلك إذا وقفنا على أنّه ظهر في أوائل القرن الرابع لون جديد من كتابة الفقه والفتياوهو الإفتاء بمضمون الرواية مع حذف أسنادها، وقد تعرّفت على الذين كتبوا على هذا النمط، وأنّ الصدوقين وشيخ الأُمة المفيد، وتلميذه الأكبر شيخ الطائفة الطوسي يعدّون من تلك الطبقة الفاضلة، فأفردوا كتباً في ذلك المجال بتجريد الروايات من الأسانيد والإفتاء بمتونها.

فإذا رأينا إتفاق كلمة تلك الطبقة على مسألة من المسائل، كشفنا عن وجود نص صريح وصل إليهم وأفتوا بمضمونه، وأنّ النص كان بمرحلة من التمامية من حيث السند والدلالة حتى دعاهم إلى الإفتاء بمضمونه قاطبة.

وعندئذ تدخل الشهرة الفتوائية المجردة في القسم الثاني من أقسام الشهرة، أعني: الشهرة العملية، لأنّها إذا كانت العملية عبارة عن شهرة الرواية مع العمل والإفتاء بمضمونها، تكون الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة عن الأئمّة نظيرة لها، فإنّ إفتاء تلك الطبقة بشيء قاطبة تلازم كلا الأمرين: وجود الرواية الواصلة إليهم وإن لم تصل إلينا، والإفتاء بمضمونها.

فعنذ ذلك تشملها المقبولة بلفظها أو بمناطها.

نعم ربّما يقال: إنّ اتفاقهم على الإفتاء بمضمون الرواية يكشف عن كمالها من حيث السند والدلالة عندهم لا عندنا، إذ من المحتمل أنّه لو كانت وصلت الرواية إلينا لم تكن تامّة عندنا من كلتا الجهتين، ولكنّه احتمال ضعيف فإنّ مكانتهم العلمية وقرب عهدهم بزمن المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ وتعرّفهم على رجال الحديث، يورث الاطمئنان بصدور الحديث أوّلاً، وتمامية دلالته ثانياً ، ولا يكون الاطمئنان الحاصل في ذاك المورد بأقّل من الحاصل من خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره أو بصدقه.

ولو أسلمنا ذاك الاحتمال ولكن الشهرة على هذا النمط، يصد الفقيه المتورّع عن الإفتاء على خلاف الشهرة المحققة عند القدماء على البيان الذي عرفته.


(214)

تسعون مسألة ليس لها دليل سوى الشهرة:

كان سيدنا آية اللّه البروجردي ـ أعلى اللّه مقامه ـ يقيم وزناً كبيراً للشهرة الفتوائية ويرى مخالفتها أمراً خاطئاً غير جائز، وكان يقول: إنّ في الفقه الإمامي فتاوى مسلّمة تلقاها الأصحاب قديماً وحديثاً بالقبول، يبلغ عددها تسعين مسألة ليس لها دليل إلاّ الشهرة الفتوائية، بحيث لو حذفنا الشهرة عن عداد الأدلة لأصبحت تلك المسائل فتاوى فارغة مجردة عن الدليل.

ومن المؤسف جداً أنّه ـ رضوان اللّه عيه ـ لم يعيّـن موارد هذه الفتاوى ولم يُسمِّها، غير أنّ المظنون أنّ قسماً وافراً منها يرجع إلى باب المواريث والفرائض، ففي ذاك الباب فتاوى ليس لها دليل إلاّ الشهرة.

الشهرة الفتوائية وأصحاب الأئمّة:

وممّا يؤيد المقصود، ما يستفاد من بعض الروايات من أنّ بعض أصحابهم ـ عليهم السَّلام ـ كان يرجّح ويقدّم الفتوى المشهورة عند أصحاب الأئمّة الذين كانوا بطانة علومهم وخزانة أسرارهم على نفس النص الذي كان سمعه من نفس الإمام، وقد أقرّه الإمام على ذلك التقديم بعدما اطّلع عليه من دون اعتراض، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الفتوى المشهورة بين خيار صحابتهم (الذين استأمنهم الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ على غامض أسرارهم وأخذهم خزنة لعلومهم) كانت حجّة بلا كلام أوّلاً، ومقدّمة على النص الذي ألقوه على السائل ثانياً، وما هذا إلاّ لتعرّفهم على الحكم الواقعي الأوّلي وتمييزه عن الحكم الثانوي، وإن شئت قلت: كانوا يعرفون جهات الصدور، والحكم الجدّي الصادر لبيان الواقع، عن الحكم الصادر لغيره.

وعندئذ يمكن تسرية الحكم من خيار صحابتهم إلى الطبقة التي تليهم من مقاربي عصرهم وعهدهم، ولأجل أن يقف القارئ على متون هذه النصوص نأتي ببعضها:


(215)

1ـ روى سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ رجلاً مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: اعطها النصف، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك، إنّما المال لها، قال: فَدَخَلتُ عليه بعدُ، فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال: لا واللّه ما اتّقيتك ولكنّي اتّقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا ، قال: فاعطها ما بقي (1).

ترى أنّ الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر والمنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقف حتى رجع إلى الإمام ثانياً، بل كانوا لا يتوقفون ويقدّمون الفتوى المشهورة على المسموع من نفس الإمام شخصياً.

2ـ روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانص قال: أوصى إليّ رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك إبنة، وقال: لي عصبة بالشّام، فسألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن ذلك فقال: أعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر ، فلمّـا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر. ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: أحسنت إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك(2).

وعلى ضوء هذه الأحاديث تعرف مكانة الشهرة الفتوائية، عند أصحاب الأئمة، ومعه لا يصحّ لفقيه الإعراض عن الشهرة للأصل أو الرواية الشاذّة.

فتبيّـن أنّ الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة (وإن شئت سمّه الفقه المنصوص) في مفاد المقبولة أو مناطها وأنّ سيرة أصحاب الأئمّة جرت على الاعتناء بها، فمثل هذه الشهرة إن لم تكن صالحة للافتاء على طبقها، لكنّها صالحة للاحتياط وعدم الافتاء بشيء، أو الافتاء بالاحتياط.

***


1-الوسائل: ج 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3.
2-المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4.


(216)

الخامس: الخبر الواحد:

والبحث عن حجّية الخبر الواحد من أهم المسائل الأُصولية التي يدور عليها مدار الاجتهاد والاستنباط في هذه الأعصار، وإنكار حجّيتها مساوق لفتح باب العمل بالظن المطلق الذي يستدل على حجّيته بالانسداد وغيره.

أمّا كونها مسألة أُصولية فلأنّ نتيجة البحث على فرض الثبوت، تقع كبرى الاستنباط للحكم الشرعي. فيقال: حرمة العصير العنبي قبل التثليث ممّا قام عليه خبر الواحد، وكلّما قام عليه الخبر، يجب العمل بمفاده، فينتج: أنّ هذا يجب العمل بمفاده (أي يجب الاجتناب عنه، المساوي للحرمة).

وقد أوضحنا ما هو الملاك في كون الشيء مسألة أُصولية ، عند البحث عن موضوع علم الأُصول في الجزء الأوّل.

ثمّ إنّ القدماء الأُصوليين جعلوا البحث في مقامات ثلاث:

1ـ هل يمكن أن يفيد خبر الواحد بمجرّده ـ لا بالنظر إلى جهات أُخرى ـ العلم؟ ذهب إليه النظّام وخالفه الباقون. وهو الحقّ إلاّ إذا كان محتفّاً بالقرائن أو كان المتكلم إنساناً معصوماً، أو كان السامع سريع القبول. إلى غير ذلك من الضمائم التي هي خارجة عن موضوع البحث.

2ـ هل يجوز التعبّد بالخبر الواحد عقلاً أو لا ؟ قال المرتضى في الذريعة: إنّ في المتكلمين من يذهب إلى أنّ خبر الواحد لا يجوز من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به. ثم قال: والصحيح أنّ ذلك جائز عقلا (1).

وهذا البحث قد فرغنا عنه عند البحث عن إمكان التعبّد بالظن، وفنَّدنا دلائل المخالف فلا حاجة إلى التكرار.

3ـ هل ورد التعبّد به شرعاً؟ قال المرتضى: ذهب الفقهاء، وأكثر المتكلّمين إلى أنّ العبادة قد وردت بالعمل بخبر الواحد في الشريعة، وكان أبو علي الجبّائي


1-الذريعة: ج2 ص 519.


(217)

لا يعمل بخبر الواحد في الشريعة. ويعمل بخبر الاثنين فصاعداً ويجريه مجرى الشهادة.

واختار المرتضى أنّ العبادة ما وردت بذلك (1) ونقل هذا القول عن كثير من القدماء كالقاضي والطبرسي وابن إدريس.

وأمّا الشيخ الطوسي فقد اختلفت كلماته في سعة حجّية الخبر الواحد وضيقه بعد قوله بالحجّية إجمالاً، فتارة يظهر منها أنّه يقول بحجّية قول الثقة: فإنّه في ضمن الاستدلال على الحجّية بالسيرة يقول: «إنّ واحداً من الفرقة المحقّة إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكان راويه ثقة لا يُنكر حديثه، سكتوا وسلّموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله. هذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن بعده من الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ (2).

وقريب منه في موضع بعد هذا الكلام.

وأُخرى بحجّية قول غير المطعون منهم فيعمّ الثقة والممدوح والمهمل حيث قال: وكذلك فيما يرويه المتهّمون والمضعّفون، فإن كان هناك ما يعضد روايتهم ويدّل على صحّتها، وجب العمل به. وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة، وجب التوقف في اخبارهم (3).

وفي مقام ثالث صرّح بحجّية قول الفاسق بأفعال الجوارح إذا كان ثقة في روايته متحرزاً فيها (عن الكذب) قائلاً بأنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره وكون العمل به غير جائز، لأنّ العدالة المعتبرة في الرواية حاصلة فيه وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع عن قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره (4).


1-الذريعة: ج2 ص 529.
2-عدة الأُصول: ج1 ص 338 من الطبعة الحديثة المحققة.
3-عدة الأُصول: ج1 ص 382 وجه الدلالة: انّه توقف في المتهم والمضعف فقط، ومعناه عدم التوقف في غيرهما.
4-عدة الأُصول: ج1 ص 382.


(218)

أدلّة القائلين بعدم حجّية خبر الواحد:

استدل المخالف بوجوه:

الأوّل: الكتاب:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: (وَلا تَقْفُ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمعَ وَالبَصرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسؤُولا) (الإسراء/ 36).

الآية جزء من الحكم والكلمات الغر التي أوحى اللّه بها إلى نبيّه وابتدأ بها بقوله: (وَقَضى رَبُّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ) (الإسراء/23) وختمها بقوله: (ذلِكَ مِمّا أَوْحَى إليكَ ربُّكَ مِنَ الحِكمَةِ)(الإسراء/39) فقد جاءت في طيّاتها حكم وعظات بالغة في العقيدة والأخلاق والاجتماع يليق كلّ واحد منها بالبحث، ويبلغعدد المجموع إلى ثمانية عشر حكماً، ويعدّ المجموع من جوامع الكلم الجامعة.

والاستدلال مبنيّ على أنّ العمل بالخبر الموثوق الصدور، أو بقول الثقة، اقتفاء لغير العلم ولكنّه ممنوع، لأنّ المخاطبين في عصر الرسالة كانوا يعملون بقول الثقات ويصدرون عن رأيهم ولا يرون عملهم مخالفاً للآية، فقد كانوا يأخذون برأي أهل الخبرة في المعيشة، ونظر الطبيب في المعالجة وكان المسلمون يأخذون بأقوال الصحابة والتابعين ثم بآراء الفقهاء ولا يرون أنفسهم أنّهم يقتفون أثر غير العلم.

مضافاً انّ الآية إرشاد إلى حكم الفطرة وأنّ من يتّبع غير العلم فقد خرج عن الفطرة الانسانية، غير أنّ اقتفاء العلم على قسمين:

الأوّل: ما يتجلّـى الواقع فيه لدى الإنسان بإحدى الأدوات الحسّية، أو


(219)

العقليّة، فعبّـر عنه بالنظر الجازم المطابق للواقع، وهذا هو المطلوب في باب العقائد والأُصول.

الثاني: ما يقوم فيه الدليل الشرعي، أو العقلي، على لزوم الأخذ بقول هذا الطبيب وذاك الخبير، أو ذلك المفتي والراوي وإن لم ينكشف الواقع لدى الآخذ، فمثل هذا الأخذ بعد قيام البرهان والدليل عليه لا يعدّ عملاً بغير العلم، بل عملاً بالعلم أي البرهان والدليل الشرعي.

وإن شئت قلت: المراد من الاقتفاء لغير العلم هو أن يصدر عقيدته وعمله، عن شيء ليس بحجّة بينه وبين ربّه، وإلاّ لا يكون اقتفاء لغير العلم.

وإذا قام الدليل القطعي على حجّية قول الثقة أو حجّية الأخبار الموثوق بها، صار الاستناد إليهما استناداً للعلم والدليل القطعي كما لا يخفى، فيكون أخذ قول الثقة خارجاً عن الآية، تخصّصاً، لا تخصيصاً ولا حكومة (1) كما لا يخفى.

وبالجملة: اتّباع ما قام الدليل عليه، اتّباع للعلم لا لما ليس به علم، فلو قام على حجّية الخبر الواحد دليل قطعي، خرج عنها موضوعاً.

وقد اُجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه غير تامّة:

1ـ تخصيص مفاد الآية بالأُصول الاعتقادية، مع أنّه تخصيص بلا دليل.

2ـ تخصيص عموم الآية بالأدلة الدالة على حجّية خبر الواحد، ولكن لسان الآية آب عن التخصيص لأنّه إرشاد إلى الحكم الفطري له (2).

3ـ إنّ الاستدلال بالآية اتّباع لغير العلم ومصداق له، لأنّ دلالة الآية على الردع من غير العلم ظنيّة لا قطعيّة فيلزم في الأخذ بمدلولها، عدم جواز اتّباعها لكون دلالتها بالفرض ظنّية(3).


1-سيوافيك حكاية القولين عن بعض الأعلام.
2-الكفاية: ج2 ص 80.
3-تهذيب الأُصول: ج2 ص 102.


(220)

يلاحظ عليه ـ بما عرفتـ: أنّ دلالة الآيات بل الظواهر مطلقاً على المعاني الاستعمالية، قطعيّة لا يعتريه شك، فليست دلالتها على الزجر عن الاقتفاء بمظنون بل مقطوع.

كيف وقد وصفه القرآن بقوله: (ذلك ممّا أوحى إليكَ ربُّكَ مِنَ الحِكْمَة) والمراد منها هو الكلام المحكم الذي لا يقبل التزلزل والتزعزع ولا البطلان ولاالخلاف، وما هذا شأنه لا يمكن أن يعدّ من المداليل الظنية. وبذلك يظهر ضعف ما أفاده الرازي في تفسيره حيث قال: لو دلّت على أنّ التمسك بالظن غير جائز لدلّت على أنّ التمسك بها غير جائز، فالقول بحجيّتها يقتضي نفيها وهو غير جائز (1).

وهناك أجوبة أُخرى غير تامة فمن أراد فليراجع إلى محالها، وأمّا وجه الصلة بين صدر الآية وذيلها، أعني: قوله: (إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسؤولا) فبوجهين:

1ـ لا يصح لمؤمن أن يقفو أثر غير العلم، ويتّبع الظن، فيدّعي السماع والرؤية، مع أنّه لم يسمع ولم ير، وإنّما ظنّ بهما إذ يوم القيامة يسئل عن هذه الأدوات، فعندئذ تشهد على خلاف شهادته، ورميه، قال سبحانه: (وما كُنتُمْ تَستَتِرُونَ أنْ يَشهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أنّ اللّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعمَلُون) (فصّلت/22).

نعم شهادة الأعضاء لا تنحصر في هذا الفرع بل دائرتها أوسع من ذلك.

2ـ ما كان لمؤمن أن يتّبع غير العلم فيتمسك بأُمور واهية لا أساس لها، مع أنّه سبحانه جهّزه بأدوات توصله إلى الواقع، وتريه محيى الحقّ، فعليه إعمالها حتى يقضي في المبصرات بالبصر، والمسموعات بالسمع، والعقليات بالفؤاد لا بالأوهام


1-مفاتيح الغيب: 20/210.


(221)

والحدسيات، قال سبحانه: (وَاللّهُ أَخرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُُمَّهاتِكُمْ لا تَعلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ والأفْئِدةَ لَعلَّكُمْ تَشْكُرُون)(النحل/78) أي لعلّكم تصرفونها في محالها وبذلك تؤدّى حقها.

الآية الثانية: قوله سبحانه: (إنّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الملائكةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى* وما لَـهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إن يَتَّبِعونَ إلاّ الظَّنَّ وإنّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئا) (النجم/27ـ28).

والآية صريحة في عدم حجّية الظن في القول والعمل.

والجواب: أنّ الظن يطلق على معان:

1ـ الاعتقاد، كقوله سبحانه: (واستَعِينُوا بِالصَّبْـرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكبِيرَةٌ إلاّ عَلَـى الخاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنّونَ أنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأنَّهُمْ إليهِ راجِعُون) (البقرة/ 45ـ46).

فالظنّ بقرينة كونه صفة للخاشعين وبقرينة كون متعلّقه هو لقاء اللّه بمعنى الاعتقاد الجازم.

2ـ وقد يطلق ويراد منه الاطمئنان الذي يحصل للإنسان من القرائن كما في قوله: (وَظَنَّوا أن لا ملجَأَ مِنَ اللّهِ إلاّ إليهِ) (التوبة/ 118) فالآية واردة حول الثلاثة الذين تخلّفوا وضاقت عليهم أنفسهم، لأجل الحصر الاقتصادي الذي ضربوا به من جانب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فاطمئنوا بعد فترة أنّه لا حيلة إلاّ الرجوع إلى اللّه، وأنّه لا يمكن العيش في المجتمع الإسلامي إلاّ مع تطبيق العمل على أُصوله.

3ـ وقد يطلق ويراد أدنى ترجيح لأحد الطرفين من غير دليل رصين، بل استناداً إلى الخرص والتخمين، مثل قوله سبحانه: (إن يَتَّبِعُونَ إلاّ الظنَّ وإنْ هُمْ إلاّ يَخْرُصُون) (الأنعام/116).

ومنه المقام، بشهادة ما تقدّمه من تسمية الملائكة أُنثى ومالهم به من علم


(222)

وإنّما يرجحون أحد الطرفين بأمارات ظنّية، وتخمينات وخرصيات باطلة.

فالآية تدلّ على النهي بمعنى القسم الأخير الذي لا يستند العامل لا إلى حس ولا إلى عقل. وأين هذا من قول الثقة، أو الخبر الموثوق بصدوره الذي تدور عليه رحى الحياة، ويوجب الاطمئنان والثبات.

وهذا حقّ الجواب، وبه يظهر الجواب أيضاً ما في سورة الحجرات: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعضَ الظَّنِّ إثمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بعَضاً)(الحجرات/12).

فإنّ الآية تحث على اجتناب الظنّ الذي يدعو إلى التجسّس، والمنتهي إلى الغيبة، والظنّ الداعي إلى الثاني، هو الظنون الواهية في حقّ الأخ المؤمن ولأجل كونه واهياً يقوم بالفحص والتجسس ولا يراه قابلاً للاعتماد، وهذا أوضح دليل على أنّ المراد هو القسم الثالث، من المعاني الثلاثة.

وقد أجاب المحقق الخوئي عن الاستدلال بالآيات بوجهين:

الأوّل: أنّ أدلّة حجّية خبر الثقة حاكمة على تلك الآيات إذا قلنا بأنّ مفادها جعل الخبر طريقاً بتتميم الكشف ، فيكون خبر الثقة علماً بالتعبّد الشرعي(1).

الثاني: أنّ أدلّة حجية خبر الثقة مخصصة للآيات الناهية عن العمل بغير العلم (2).

ولا يخفى عدم تمامية الجوابين.

أمّا الأوّل ففيه أوّلاً: أنّه ليس للشارع أيّ تصرف في حجّية قول الثقة إلاّ إمضاء السيرة العقلائية ومعه لا وجه لجعل الطريقية وتتميم الكشف، وثانياً: أنّ


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 152.
2- المصدر نفسه: ص 151.


(223)

الطريقية أمر تكويني غير قابل للجعل. وثالثاً: أنّ الحكومة أمر قائم بلسان الدليل، والسيرة العملية لا لسان لها.

وأمّا الثاني: فعلى فرض عمومية الآية لقول الثقة ، فهي آبية عن التخصيص إذ كيف يمكن تخصيص قوله: (إنَّ الظنَّ لا يغني من الحقِّ شيئاً) والحقّ في الجواب ما ذكرناه.

الثاني: السنّة:

استدل النافون لحجّية الخبر الواحد بروايات ادّعوا تضافرها لفظاً أو معناً وهي على أقسام:

القسم الأوّل: ما يدلّ على عدم جواز الأخذ بالخبر إلاّ إذا وافق كتاب اللّه. وفي بعضها إضافة «سنّة رسوله» وإليك ما ورد فيه:

عن أيّوب بن راشد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن، فهو زخرف (1).

عن أيّوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف (2).

عن جابر عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : في حديث قال: انظروا أمرنا، وما جاءكم عنّا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه...(3).


1-الوسائل: ج18 ص 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 12.
2-المصدر نفسه: ص 79، الحديث 14.
3- المصدر نفسه: ص 86، الحديث 37.


(224)

ومثل ما عن سدير قال: قال أبو جعفر وأبو عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ : لا تُصدِّق علينا إلاّ ما وافق كتاب اللّه وسنّة نبيه (1).

روى الصدوق في عيون الأخبار عن الميثمي عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ : فما ورد عليكم من خبرين مختلفين، فاعرضوهما على كتاب اللّه. فما كان في كتاب اللّه موجوداً حلالاً أو حراماً، فاتّبعوا ما وافق الكتاب. وما لم يكن في الكتاب، فأعرضوه على سنن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فما كان في السنّة موجوداً منهياً عنه نهي حرام ومأموراً به عن رسول اللّه أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمره (2).

وعلى هذا القسم من الروايات يجب إحراز الموافقة، ولا يكفي عدم المخالفة.

القسم الثاني: ما يدلّ على أنّه لا يُصدّق الخبر إلاّ إذا وُجد له شاهد من الكتاب:

مثل ما رواه الحسين بن أبي العلا: أنّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن إختلاف الحديث يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به(3).

ومثل ما رواه عبد اللّه بن بكير عن رجل عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً، أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده... (4).


1-الوسائل: ج18ص 89، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 47.
2-المصدر نفسه: ص 81ـ 82، الحديث 21.
3-المصدر نفسه: ص 78، الحديث 11.
4-المصدر نفسه: ص 80، الحديث 18.


(225)

القسم الثالث: ما يدلّ على كفاية الشباهة لا الموافقة.

مثل ما رواه الحسن بن الجهم عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللّه عزّ وجلّ وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، وإن لم يكن يشبههما فليس منّا (1).

ومثل ما رواه الحسن بن الجهم عن العبد الصالح ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب اللّه وأحاديثنا، فإن أشبهها فهو حق وإن لم يشبهها فهو باطل (2).

وهذه الأقسام الثلاثة، بإطلاقها تفيد عدم حجية الخبر الواحد في نفسه إلاّ إذا وجد في الكتاب والسنّة شيء يوافقه أو يشهد بصدقه الكتاب والسنّة أو يشبههما.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الروايات الثلاثة المنقولة عن الميثمي أو الحسن بن الجهم يقيّد الإطلاق. وبعبارة صحيحة، يفسر موردها وأنّها وردت في الحديثين المختلفين لا في مطلق الخبر، سواء أكان له معارض أم لا. وفي مثل هذه الصورة جعلت الموافقة أو الشهادة أو الشباهة دليلاً على تمييز الحجّة عن اللاّحجة، كما سيوافيك من أنّ موافقة الكتاب كالشهرة العملية ليست من المرجّحات، بل من المعيّنات، لأنّ لسان قوله: «وإن لم يكن يشبههما فليس منّا» ليس لسان الترجيح بل لسان التعيين.

وعلى الجملة: ليست هذه الروايات ناظرة إلى مطلق الخبر،حتى تكون النتيجة عدم حجّية الخبر بتاتاً، بل ناظرة إلى الحديثين المختلفين ففيهما تكون الموافقة من المعينات.


1-الوسائل: ج18ص 87، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 40.
2-المصدر نفسه: ص 89، الحديث 48.


(226)

وثانياً: لو كانت هذه الروايات ناظرة إلى مطلق الخبر سواء أكان له معارض أم لا، تلزم لغوية الخبر وعدم حجيّته مطلقا. والتعبير عنهما بهذه العبارات مستهجن، إذ في وسع الإمام أن يقول: كل ما لم يعلم صدوره منّا فليس لكم أن تعملوا به.

وثالثاً: لا يمكن الأخذ بإطلاقها، للقطع بصدور ما ليس له شاهد من كتاب اللّه من الأئمّة كيف وهم أعدال الكتاب وقرناؤه، وحفّاظ السنة ومصادرها، فلو كانت حجّية أخبارهم مشروطة بموافقة الكتاب والسنّة الرائجة بين الناس لما كان هنا وجه لعدّهم أعدال الكتاب وحفظة السنّة. فلا مناص عن حمل هذا الاشتراط على ما إذا كان هناك حديثان مخالفان، فالأخذ بواحد منهما مشروط بالموافقة أو بالشهادة والشباهة.

القسم الرابع: ما يدلّ على طرح المخالف للكتاب، وأنّ المراد من الموافقة هو عدم المخالفة لا الموافقة والأوّل أعم من الثاني بلا ريب، وذلك:

مثل ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه (1).

ومثل ما رواه هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: خطب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله (2).

ومثل ما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما


1-الوسائل: ج 18 ص 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.
2-المصدر نفسه: ص 79، الحديث15.


(227)

خالف كتاب اللّه فردّوه (1).

ومثل ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى... إلخ . وهو يتّحد مع رواية السكوني (2).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مصبَّ هذه الروايات أيضاً بشهادة رواية عبد الرحمان ابن أبي عبد اللّه هو الروايات المتعارضة، ففي مثل ذلك يطرح المخالف، ولا دلالة فيها على عدم حجيّة خبر الواحد.

ثم إنّ المراد من المخالف في هذه الروايات ليس المخالفة على نحو العام والخاص المطلق، أو من وجه، بل المراد، ما يعد متباينا في نظر العقلاء وفي محيط التقنين وظرف التشريع، وهو ما يكون متبايناً كليّاً. وذلك للقطع بورود المخالف على نحو القسمين الأوّلين من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ فكيف يصح لنا القول بعمومية الروايات حتى تشمل القسمين.

إن قلت: إنّ هذه العناية لا تناسب التباين لقلّة وجوده، ولأنّ الوضّاع لا يضعون حديثاً يرفضه الناس ولا تقبله العامة إذ عندئذ يكذب ولا يصدق، وإنّما يضعون حديثاً مشابهاً لأحاديثهم حتى يغترّ به الناس وليس هو إلاّ العام والخاص المطلق أو من وجه.

قلت: الداعي للوضع كان أحد الأمرين:

1ـ تشويه سمعة الأئمة المعصومين حتى ينفض الناس من حولهم، بحجّة أنّهم يقولون خلاف القرآن والسنّة النبوية.

2ـ الاستئكال بالأحاديث وذلك بوضع روايات حول مقامات الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ترفع شأنهم على وجه الغلو حتى يغترّ عوام الشيعة بها ويصل الواضع إلى هدفه المادّي ودنياه.


1-الوسائل: ج 18 ص 84، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.
2-المصدر نفسه: ص 86، الحديث 35.


(228)

روى الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحمّـاني في كتابه المؤلَّف في إثبات إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : قلت لشريك: إنّ أقواماً يزعمون أنّ جعفر بن محمّد ضعيف الحديث؟ فقال: أُخبرك القصّة: كان جعفر بن محمّد رجلاً صالحاً مسلماًورعا، فاكتنفه قوم جهّال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدّثنا جعفر بن محمد. ويحدّثون بأحاديث كلّها منكرات كذب موضوعة على جعفر، ليستأكلون الناس بذلك ويأخذون منهم الدّراهم، كانوا يأتون من ذلك بكلّ منكر فسمعت العوام بذلك منهم فمنهم من هلك ومنهم من أنكر(1).

وعامّة تلك المنكرات كانت حول الأُصول والعقائد ومقامات الأئمّة وصفاتهم، لا في الفروع، وكانت النسبة بين المرويات والأُصول القرآنية هو التباين.

ومن أراد أن يقف على مقالات الغلاة في حقّ الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ فعليه أن يرجع إلى الجزء 25 من البحار، فقد أدّى العلاّمة المجلسي حق المقال في ذلك الباب.

إنّ علمائنا الأبرار قد بذلوا جهوداً جبارة في تهذيب روايات الشيعة من الموضوعات، يقف على ذلك من قرأ تاريخ حديث الشيعة، وما بقي من الروايات ممّا هي ظاهرة في الغلو في حقّ الأنبياء والأولياء من آثار فتنة الغلاة في عصر الأئمّة ومن بعدهم، فتلك الروايات ناظرة إلى هذه الأحاديث، وقلّ ما يتفق وجود رواية مخالفة للكتاب على وجه التباين في الفروع والأحكام.

روى الكشي عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس(2).


1-البحار: ج25 ص 302 ، الحديث 67 الطبعة الحديثة.
2-لاحظ الخبر في البحار: ج 25 ص 263 باب نفي الغلو ، الحديث 1.


(229)

وفي الختام نقول: إنّ كلّ واحد من هذه الروايات أخبار آحاد لا يمكن الاستدلال بها على زعم الخصم لأنّها آحاد، والقدر المتيقن منها الذي يمكن ادّعاء التواتر المعنوي عليه، هو ما خالف صريح الكتاب والسنّة النبوية القطعية على وجه التباين لا المخالف على وجه التخصيص بالعموم المطلق، بل العموم من وجه، كما لا يخفى.

الثالث: الإجماع:

استدلّ المخالف بالإجماع الوارد في كلام المرتضى المدعي على إنعقاده على عدم حجّية الخبر الواحد والاستدلال به باطل من وجوه:

الأوّل: أنّه خبر واحد ليس بحجّة على زعم الخصم، لأنّه إخبار فرد عن قول الإمام عن حدس، وهو ليس بحجّة قطعاً كما مرّ بيانه.

الثاني: أنّ خبر الواحد قد يطلق ويراد منه ما يقابل المتواتر والمحفوف بالقرينة، وقد يطلق بما يقابل الخبر الموثوق الصدور، فمعقد الإجماع الخبر الذي لم يؤيّد بدليل من خارج وداخل كوثاقة الراوي، لا مطلق الخبر.

وبالجملة: أنّ المقصود من قولهم: خبر الواحد، لا يفيد علماً ولا عملاً هو الخبر الواحد بما هو هو، ومن المعلوم أنّه بما هو كذلك لا يعتمد عليه، وأمّا أنّه لا يعتمد عليه فيما إذا كان المخبر ثقة أو كان الخبر موثوق الصدور ، فلا.

الثالث: أنّ المتتبع في تاريخ محدّثي الشيعة وفقهائهم، يقف وقوفاً تاماً على أنّ السيرة كانت جارية على العمل بخبر الثقة أو الخبر الموثوق الصدور، وليس هذا شيء ينكر، وسيوافيك توضيحه.


(230)

أدلّة القائلين بالحجّية:

استدل المثبتون بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بآيات من الكتاب:

الآية الأُولى: آية النبأ:

قال تعالى: (يا أيُّـها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نَادِمِين) (الحجرات/ 6).

قال الطبرسي: نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقّونه فرحاً به ـ وكانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ـ فظنّ أنّهم همّوا بقتله، فرجع إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: إنّهم منعوا صدقاتهم ـ وكان الأمر بخلافه ـ فغضب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (1) وهمّ أن يغزوهم فنزلت الآية(2) وقيل في شأن نزولها غير ما ذكرناه.

والاستدلال تارة بمفهوم الوصف وأُخرى بمفهوم الشرط وإليك كلا التقريرين:

الاستدلال بمفهوم الوصف في الآية:

قد استدل بمفهوم الوصف بوجهين:

1ـ أنّ الفاسق وصف غير معتمد على موصوفه، فتقدير الآية إن جاءكم مخبر


1-الموافقة مع هذا الجزء من القصة مشكل، ولو كان النبي قاصداً لكان توجّه الخطاب إليه أولى، مع أنّ الآية تخاطب المؤمنين دون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلاحظ.
2-مجمع البيان: ج5 ص 132 وغيره من التفاسير.


(231)

فاسق، فيكون مفهومه انتفاء التبيّـن عند انتفاء الوصف وكون المخبر عادلاً، كما هو الحال في كل وصف لا ثالث له. مثل قوله: «في سائمة الغنم زكاة» فمفهومه عدمها في معلوفتها.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على كون الوصف المأخوذ في الموضوع علّة تامّة منحصرة، وإثبات العلّية التامة فضلاً عن الانحصار، محتاج إلى الدليل، فإنّ غاية ما يستفاد من أخذ الوصف في الموضوع هو مدخليته. وأمّا انحصارها فيه وأنّه لا يقوم مقامه شيء آخر، فإثباته في غاية الإشكال. وقد قلنا في بحث المفاهيم: إنّ غاية ما يدل عليه الوصف هو ما يدور بين الألسن من أنّ الأصل في القيود أن يكون احترازياً ومآله إلى أنّ ثبوت الحكم عند ارتفاع القيد أمر محتمل يحتاج إلى الدليل. وأمّا دلالته على الارتفاع جزماً فلا، لاحتمال قيام قيد مكان هذا القيد، كما هو في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُم) (البقرة/282) حيث يقوم اليمين مقام العدل الواحد.

فإن قلت: إنّ هذا فيما إذا لم يكن القيد من القيود التي لا ثالث لها، كما في المقام، فإنّ المخبر إمّا فاسق أو عادل، والغنم إمّا سائمة أو معلوفة، فإنّ ذكر القيد مع عدم مدخليته ومع ثبوت الحكم للجميع، يكون لغواً لعدم تصور النيابة في المقام.

قلت: ما ذكرته صحيح لولا احتمال أنّ ذكر القيد لأجل التعرّض لحال الراوي ليبقى في جبين الدهر، كما هو الحال في ذكر اسم أبي لهب وأنّه مع صلته بالنبي كان من ألدّ أعدائه. ومثل المقام قوله : «في الغنم السائمة زكاة» فإنّ الغنم وإن كانت غير خارجة عن كونها سائمة ومعلوفة، فالتخصيص بالسائمة مع اشتراك الحكم، غير وجيه لولا احتمال أنّ ذكر القيد لكونه وارداً في سؤال السائل، أو غير ذلك.

2ـ ما ذكره الشيخ في الفرائد، وحاصله: أنّ لخبر الفاسق حيثيتين: إحداهما


(232)

ذاتية وهي كونه خبر الواحد، والأُخرى عرضية، وهي كونه خبر الفاسق، وقد علّق وجوب التبيّـن على العنوان العرضي، فيستفاد منه أنّه العلّة لوجوب التبيّـن دون العنوان الذاتي المشترك بين خبري العادل والفاسق، وإلاّ كان العدول من الذاتي إلى العرضي قبيحاً وخارجاً عن أدب المحاورة، والمراد من الذاتي ما كان وصفاً لنفس الخبر، والعرضي ما كان وصفاً للمخبر، وما يكون وصفاً له بما هو هو يقع في الدرجة الأُولى دون ما يقع وصفاً له باعتبار المخبر.

يلاحظ عليه: أنّه متين لولا أنّه يمكن أن يكون وجه العدول هو التصريح بفسق الراوي ليعرفه المسلمون طول حياته، والأسف أنّه مع ذلك قد كان عاملاً لعثمان أيّام خلافته، وقد شرب الخمر في الكوفة وصلّـى صلاة الصبح في مسجدها جماعة أربع ركعات، وهو سكران حتى أنّ المصلّين أخرجوا خاتمه من يده وأرسلوه إلى عثمان واشتكوا منه، فكان الخليفة متردّداً في إقامة الحدّ عليه حتى اضطرّ إلى إجرائه بضغط من الصحابة والتابعين وفي مقدمتهم أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ (1).

هذا كلّه راجع إلى التمسّك بمفهوم الوصف.

الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية:

وقبل الخوض في تقرير مفهوم الشرط نشير إلى ضابطة تقدر بها على تمييز ما يكون الشرط محققاً للموضوع عمّـا يكون من حالاته وأوصافه، وحاصله: أنّ القضايا الشرطية مثل قولك: «زيد إن سلّم أكرمه» يشتمل على موضوع وهو «زيد» وشرط وهو «التسليم» وجزاء وهو قولك «أكرمه». ثمّ إنّ الموضوع لو كان باقياً مع وجود الشرط وعدمه، فالشرط يعدّ من حالاته وأوصافه، مثل التسليم بالنسبة إلى زيد، فمثل هذه القضية تعدّ من القضايا ذات المفهوم عند من يقول بدلالتها عليه.


1-راجع الغدير: ج8 ص 120 الطبعة الثانية.


(233)

وأمّا إذا كان الموضوع غير باق لدى ارتفاع الشرط كما في قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، فإنّ رزق الولد ليس شيئاً وراء وجود الولد، ولأجل ذلك ينعدم الولد بانعدامه، فالشرط يعدّ محقّقاً للموضوع، ويكون المفهوم أشبه بالقضية السالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ عدم الاختتان عند ارتفاع رزق الولد لأجل عدم وجوده:

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ دلالة الآية على حجّية خبر العادل عن طريق مفهوم الشرط تقرّر بوجوه.

الأوّل: ما هو المشهور ، وحاصله: أنّ الموضوع هو نبأ الفاسق، والشرط هو مجيئه به، والجزاء هو وجوب التبيّـن عنه، فيكون منطوقه وجوب التبيّـن عن خبر الفاسق عند مجيئه، ومفهومه عدم وجوب التبيّـن عنه عند عدم مجيئه لكن عدم مجيئه به يتحقق تارة في ضمن عدم مجيئ الفاسق والعادل معاً به، فيكون عدم التبيّـن من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وأُخرى في مجيئ العادل به فيكون عدم وجوب التبيّـن من قبيل السالبة بانتفاء المحمول.

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم عبارة عن إثبات الحكم ونفيه عن موضوع واحد مذكور في القضية، فما هو الموضوع الذي هو نبأ الفاسق، يجب أن يرجع التبيّـن وعدم التبيّـن إليه لا إلى غيره كخبر العادل، والموضوع (نبأ الفاسق) إن تحقق شرطه أي جاء به الفاسق، يجب التبيّـن عنه، وإن لم يتحقق شرطه أي لم يجئ به الفاسق، فلا يجب التبيّـن لعدم الموضوع فإنّ انتفاء الشرط هنا مساوق لانتفاء الموضوع، فمجيئ الفاسق في المقام كرزق الولد محقق لنبأ الفاسق وليس شيئاً زائداً عليه، فقولك: «نبأ الفاسق ـ إن جاء به ـ يجب التبيّـن عنه» بمنزلة قولك: نبأ الفاسق ـ إن تحقق ـ ... وأمّا خبر العادل، فليس موضوعاً للمنطوق ولم يحكم عليه بشيء من التبيّـن حتّى يرتفع عنه الحكم. فليس لعدم مجيئ الفاسق بالنبأ في المقام إلاّ مصداق واحد هو السالبة بانتفاء الموضوع.

الثاني: ما قرّره المحقّق الخراساني بقوله: إنّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّـن عن


(234)

النبأ الذي جيئ به على كون الجائي به الفاسق، يقتضي انتفاءه عند انتفائه (1).

توضيحه: أنّ الموضوع هو النبأ المفروض وجوده، وقد أشار إليه في كلامه بقوله: «النبأ الذي جيئ به» والشرط مجيئ الفاسق به، والجزاء وجوب التبيّـن، فيكون معنى هذا الفرض، أنّ النبأ المفروض وجوده، والمفروغ تحققه، إن جاء به الفاسق فتبيّـن عنه، وإن لم يجئ به الفاسق فلا تتبيّـن عنه، وفي مثل ذلك يكون مجيئ الفاسق من حالات النبأ الذي فرغنا عن وجوده، وإن شئت قلت: أُخذ النبأ موضوعاً على وجه القضية الحقيقية التي يفرض فيها الموضوع محققاً طول الزمان، ومفروغاً وجوده في الظروف المختلفة، فهذا النبأ الذي سلمنا وجوده في الخارج إن اتّصف بكون الجائي به فاسقاً يتبيّـن عنه، وإن لم يتصف بذلك، لا يجب التبيّـن عنه وعدم الاتصاف بكون الجائي فاسقاً ملازم لكون الجائي به عادلاً، لأنّ المفروض أنّ الخبر محقق الوجود، مفروغ التحقق وإن حمله مخبر قطعاً، ولا يخلو من كونه من إحدى الطائفتين، فإذا وجب التبيّـن في طائفة لم يجب في طائفة أُخرى.

هذا غاية توضيح كلام المحقق الخراساني.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المتبادر من الآية، فإنّ الظاهر أنّ الموضوع نبأ الفاسق بشهادة قوله: (إن جاءكم فاسق بنبأ و...) أي فاسق يحمل نبأ، وفي مثله يكون المجيئ محققاً للموضوع، فإنّ نبأ الفاسق لا يتحقّق في الخارج إلاّ بإتيانهبه.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ، وحاصله: أنّ الشرط تارة يكون بسيطاً ويكون الجزاء في نفسه متوقّفاً على الشرط عقلاً كما في قولك: إن رزقت ولداً فاختنه. وأُخرى يكون مركّباً، ويكون الجزاء متوقّفاً عقلاً على كليهما كماإذا قال: إذا رزقت ولداً وكان ذكراً فاختنه. وثالثة: يكون متوقّفاً على أحدهماعقلاً دون الآخر كما إذا قال: إن ركب الأمير وكان يوم الجمعة فخذ ركابه.


1-الكفاية: ج2 ص 83.


(235)

فإنّ أخذ الركاب متوقف على الركوب عقلاً ولا يتوقف على كون ركوبه يوم الجمعة.

ومثله المقام فإنّ التبيّـن متوقّف على النبأ ولا يتوقف عقلاً على الجزء الآخر، أعني: كون الآتي به فاسقاً، ومفاده عدم وجوب التبيّـن عن النبأ عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً (1).

وما ذكره توضيح لما ذكره المحقق الخراساني، ويرد عليه نفس ما أوردناه عليه، من منع كون الموضوع نفس النبأ، المنقسم إلى أنّ الجائي به تارة يكون ، الفاسق، وأُخرى العادل، فإنّ الظاهر أنّ النفي والإثبات يرجع إلى موضوع ضيق وهو نبأ الفاسق، لا مطلق النبأ، المفروض وجوده في الخارج.

ثمّ إنّه ربما يقرّر دلالتها على حجّية قول العادل بوجه آخر غير مفهوم الشرط وإليك البيان:

أوّلاً: ما أفاده المحقّق الخراساني بعد تسليم أنّ الموضوع هو نبأ الفاسق بقوله: إنّه يمكن أن يقال: إنّ القضية ولو كانت مسوقة لذلك، إلاّ أنّها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبيّـن في النبأ الذي جاء به الفاسق فيقتضي انتفاء وجوب التبيّـن عند انتفائه ووجود موضوع آخر.

ولعلّ المقصود أنّ الآية بصدد بيان الضابطة الكلّية لما يجب عنه التبين وما لم يجب، فذكر الفاسق دون العادل يعرب عن انحصار موضوعه في النبأ الذي جاء به الفاسق.

ثانياً: ما أشار إليه المحقق العراقي حيث قال: إنّ المناسبة بين الحكم والموضوع تقتضي حجّية خبر العادل، لأنّ وجوب التبيّـن وعدم القبول بدونه، يناسب جهة فسق المخبر لعدم تحرّزه عن المعاصي التي منها تعمّد كذبه، فوجب التبيّـن عن حال خبره لئلاّ يقع المكلّف في خلاف الواقع فتحصل له الندامة،


1-مصباح الأُصول: ج2 ص 159.


(236)

وهذا بخلاف خبر العادل فإنّه من جهة توّرعه عن محارم اللّه لا يقدم على التعمّد بالكذب، فاحتمال تعمّد كذبه في خبره منفي بعدالته، ولازمه حجية خبره ووجوب العمل على طبقه بدون التبيّـن (1).

هذه هي التقريبات التي ذكرها الأعلام وهي بين مقبول ومرفوض والمقبول هو الوجهان الأخيران، ولكن لا صلة لهما بمفهوم الشرط.

ثمّ إنّ الإشكالات المتوجّهة إلى الاستدلال بالآية، تتوجّه تارة إلى إنكار الاقتضاء وأنّه لا دلالة للآية على حجّية قول الثقة، وأُخرى إلى إبداء موانع بعدتسليم الاقتضاء، أمّا الأُولى: فقد تقدّمت وإليك بيان القسم الثاني، وهو أُمـور:

الأوّل: عموم التعليل مانع عن تمامية دلالة الآية:

إنّ المفهوم على تقدير ثبوته معارض لعموم التعليل، أعني: قوله سبحانه: (أن تُصيبوا قَوماً بِجَهالة)والجهالة بمعنى عدم العلم، مشترك بين خبري العادل والفاسق، والتعليل أقوى ويقدّم على المفهوم، ولسانه آب عن التخصيص بأي شيء سواء كان المخصّص هو المفهوم أو غيره.

وأُجيب عن الإشكال بوجوه:

1ـ ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل، لأنّ أقصى ما يدل عليه التعليل، عدم جواز العمل بما وراء العلم، والمفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف وجعل الخبر العادل محرزاً للواقع وعلْماً في مقام التشريع فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم ولو كان ظهوره أقوى (2).


1-نهاية الأفكار: ج3 / 107 للشيخ محمد تقي البروجردي ، تقرير لبحث المحقق العراقي.
2-فوائد الأُصول: ج3 ص 172.


(237)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل بحيث لو أمعن النظر لعرف لسان الحاكم والمحكوم وجَعَل الأوّل مفسّـراً وحاكماً على الثاني، كما إذا قال: لا ربا بين الزوج والزوجة، ولا ربا بين الوالد والولد، فيجعل مفسّـراً لقوله: (ياأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وذَرُوا ما بقيَ مِنَ الرِّبوا إن كُنتُم مُؤمِنين) (البقرة/278) أو قوله: (وأحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/275) . وهذا إنّما يتصوّر إذا كان هناك دليلان منفصلان ينعقد لكلّ منهما ظهور مستقر، كما في الأمثلة المتقدّمة، لا ما إذا كانا متصلين إذ عند ذاك إمّا يكون الكلام مجملاً أو يكون عموم التعليل قرينة على عدم المفهوم، فإنّ الأخذ بالمفهوم لأجل إحراز كون الشرط علّة منحصرة، فإذا صرّح المتكلّم بالعلّة الحقيقية، وكانت موجودة بين موردالشرط وعدمه، علم أنّ الشرط ليس علّة منحصرة، بل يحرز أنّه ليس علّة حقيقية.

وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ مقتضى المفهوم إلغاء احتمال الخلاف وكون خبر العادل محرزاً للواقع وعلماً في مقام التشريع، ممّا لا يستفاد من المفهوم. بل أقصاه عدم لزوم التبيّـن وجواز العمل به فقط، وأين هذا ممّا ذكره من تحليلات ذهنية ومناسبات ليس في اللفظ عنه عين ولا أثر.

وثالثاً: أنّ ما ذكره من الحكومة يستلزم الدور. لأنّ ظهور القضية في المفهوم يتوقّف على كون المفهوم حاكماً للتعليل المانع عن اشتمال القضية على المفهوم، وكونه حاكماً يتوقّف على وجود المفهوم وهذا هو الدور الصريح.

2ـ ما أجاب به الشيخ الأعظم، وحاصله: أنّ الجهالة بمعنى السفاهة، أعني: ما لا يركن إليه العقلاء، وليس العمل بقول الثقة عملاً سفهائياً كيف وعليه تدور رحى الحياة.

فإن قلت: لو كان العمل بقول الفاسق عملاً سفهائياً لما أقدم عليه أصحاب النبي وهم عقلاء.


(238)

قلت: إنّ إقدامهم على العمل كان لأجل عدم وقوفهم على حال الوليد، وإلاّ لما ركنوا على قوله، وربّما يحمل على هذا قوله سبحانه: (إنَّما التوْبَةُ على اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ)(النساء/17).

وقوله سبحانه: (أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفورٌ رَحِيم)(الأنعام/54).

وقوله سبحانه: (ثمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعدِ ذَلِكَ وَأصلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعدِها لغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل/119).

وليست الجهالة في هذه الآيات بمعنى عدم العلم، وإنّما هي بمعنى السفاهة أي العمل الذي لا يرغب فيه العاقل.

أقول: ليس في المعاجم ما يشير إلى تفسير الجهالة بالسفاهة إلاّ في كلام الراغب، قال في لسان العرب: الجهالة: أن تفعل فعلاً بغير علم. وقال الراغب في مفرداته: إنَّ الجهل على ثلاثة أضرب: الثالث فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل. ثم استشهد بقوله: (أن تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة) وقال في القاموس: جهله جهلاً وجهالة ضد علمه. وقال في أقرب الموارد: الجهالة ضدّ العلم والمعرفة.

ولكن فيما ذكرنا من الآيات غنى وكفاية فإنّ المراد أنّ الذين يرتكبون السوء ويعدّ عملهم عملاً ضد العلم والعقل فإذا تابوا، على اللّه أن يقبل توبتهم.

ويظهر من الأدب العربي في صدر الإسلام وما قبله، أنّ لفظ الجهل ربّما يستعمل في عمل يضاد الحكمة والحلم. وإليك نماذج من ذلك.

قال عمرو بن كلثوم التغلبي أحد الشعراء الجاهليين صاحب المعلّقة:

ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا (1)


1-المعلّقات السبع، معلّقة عمرو بن كلثوم ص 1.


(239)

وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في ديوانه:

فإن كنت محتاجاً إلى الحلم انني * إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج (1)

وأنشد عبد اللّه بن جعفر الطيار :

أظن الحلم دلّ على قومي * وقد يتجهّل الرجل الحليم (2)

ومع ذلك كلّّه فالجهالة في الآية ليست بمعنى السفاهة، بقرينة ترتب قوله: (فتبينوا) عليه من غير فرق بين كونه بمعنى الاطمئنان أو المعرفة القطعية. وعلى كلّ فلا يصحّ تفسيرها إلاّ بالجهل مقابل العلم، لا الجهالة ضد الحكمة.

3ـ ما أجاب به الشيخ الأعظم أيضاً وهو يبتني على تفسير «التبيّـن» بمعنى الاطمئنان العرفي وحصول السكينة التي عليها تدور رحى الحياة.

غير أنّ تفسير «التبيّـن» بهذا المعنى لا يوافقه القرآن، فإنّه فيه بمعنى العلم والمعرفة القطعية كما في غير واحدة من الآيات :

1ـ قال سبحانه: (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إليكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا) (النساء/94) ومورد الآية هو إراقة الدماء، و لا يكتفى فيها بالوثوق، بل لابدّ من العلم أو البيّنة تنزيلاً لها منزلته.

2ـ وقال سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آياتِنَا في الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّـنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ)(فصّلت/53) أي يتبيّـن أنّ القرآن هو الحقّ بأجلى مظاهره.

3ـ وقال تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّـنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ)(البقرة/187).


1-ديوان الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .
2-شرح ابن أبي الحديد.


(240)

إلى غير ذلك من الآيات التي استعملت فيها الكلمة بمعنى الظهور الحقيقي وهو العلم.

الآية لا صلة لها بحجّية خبر العادل وعدم حجّية خبر الفاسق:

والإمعان في الآية يعطي أنّ الآية ليست في مقام إضفاء الحجّية على خبر العادل وسلبها عن الفاسق، بل هي في شأن آخر يقع ذانك الأمران في حاشيته وجنبه وربّما لا يكونان مورد النظر.

والذي عندي في تفسير الآية: هو أنّ الآية لا تبحث عن الأخبار المطلقة حتى نأخذ بالمفهوم ونناقش في ثبوته ومزاحمه، بل يبحث عن النبأ الذي يجب على الإنسان الحزم والاحتياط وتحصيل التبيّـن واليقين، وترك الإقدام بالجهل وعدم المعرفة، من غير فرق بين خبر العادل والفاسق. وتخصيص الفاسق بالذكر لأجل التصريح بفسق الوليد.

توضيح ذلك: هو أنّه فرق بين «الخبر» و «النبأ» والثاني لا يطلق إلاّ على الخبر الخطير. وإنّما أُطلق «النبي» على رسول اللّه، لكونه جائياً بخبر خطير وبنقل أخبار السماء إلى الأرض ومثله سائر الرسل.

وقد استعمل القرآن لفظ النبأ في خمسة عشر مورداً وأُريد من الكلّ: الخبر العظيم، قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبأَ اِبْنَـي آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْباناً) (المائدة/27). وقوله سبحانه: (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نبَأي المرسَلِيْـن) (الأنعام/34) . وقوله سبحانه: (وَجِئتُكَ مِنْ سَبأ بِنَبأ يَقِين)(النمل/22) وتوصيفه بالعظيم في موارد لا ينافيه لأنّه يفيد التأكيد، قال سبحانه: (عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَبّأِ العَظِيمْ)(النبأ/1).

وعلى ذلك فالنبأ بمعنى الخبر الخطير، والآية تفيد أنّه يجب في الأخبار الخطيرة والأنباء العظيمة تحصيل العلم والقطع، من غير فرق بين خبر العادل


(241)

والفاسق، وكان حديث بني المصطلق من الأخبار الخطيرة إذ الوليد كان مخبراً عن ارتدادهم ومروقهم عن الدين الذي لازمه إراقة دمائهم، وأي خبر أخطر من هذا.

وممّا يؤيد أنّ الجهالة بمعنى عدم العلم: هو قوله (فتبيَّنوا)، فإنّه في مقابل قوله (بجهالة)ومترتب عليها (1).

وعلى ذلك فليست الآية في مقام بيان أنّ خبر الفاسق لا يعتنى به ولا يركن إليه، بل في مقام بيان أنّ الأخبار الخطيرة والأنباء العظيمة يجب التبيّـن وتحصيل العلم، ولا يصحّ ركوبها مع الجهالة وعدم العلم، لا سيما إذا كان المخبر فاسقاً، لأنّه عندئذ يزيد في الطين بلّة. وعلى ذلك لا فرق بين العادل والفاسق في لزوم تحصيل العلم والمعرفة في تلك المواضع، وأمّا غيرها فليست الآية في مقام بيان حكمها. ولعلّ الغالب على كلمة النبأ مفرداً، هو الموضوعات وإن كان مفاد النبي مشتقّاً هو الأعم من الموضوع والحكم.

الثاني: خروج المورد على القول بالمفهوم:

لو كان مفهوم الآية هو حجّية قول الثقة، يلزم خروج المورد عنه، لأنّ المورد هو الإخبار عن إرتداد قوم، وخبر الثقة ليس بحجّة في مطلق الموضوعات خصوصاً في مورد الدماء والأعراض، وإخراج المورد مستهجن.

وأجاب عنه المحقق النائيني: بأنّ المورد (ارتداد بني المصطلق) داخل في منطوق الآية، وهو غير مخصص لعدم حجّية قول الفاسق لا في الأحكام، ولا في الموضوعات. وأمّا المفهوم، فلم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود والتحقق لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل بالارتداد، بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات الابتدائية التي لم ترد في مورد خاص قابل للتخصيص بأي


1-وقد مرّ انفا أنّ المراد من «التبيّـن» في القرآن هو تحصيل العلم والمعرفة وسيأتي أيضاً أنّ معناه ذلك فتربص.


(242)

مخصص، فلا مانع من تخصيص عموم المفهوم، بما عدا الخبر الواحد، القائم على الموضوعات الخارجية (1).

يلاحظ عليه: أنّه فرق بين العام الابتدائي غير الوارد في الموضوع والمفهوم، فإنّ الارتداد إذا كان مورداً للمنطوق يكون مورداً للمفهوم أيضاً، لأنّهما في مقام بيان حكم موضوع واحد في حالتين مختلفتين، وإن كان المفهوم في الرتبة متأخراً عن المنطوق، فإذا قيل: لا تَقْبل قول الفاسق في الارتداد، وقلنا: إنّ مفهومه: تقبل قول العادل، يكون معناه: تقبل قول العادل في المورد الذي لم يتقبل فيه قول الفاسق فالإجابة: بأنّ الارتداد ليس مورداً للمفهوم كما ترى.

وأجاب عنه الشيخ بقوله: وجعل أصل خبر الارتداد مورداً للحكم بوجوب التبيّـن إذا كان المخبر به فاسقاً، ولعدمه إذا كان المخبر به، عادلاً، لا يلزم منه إلاّتقييد الحكم في جانب المفهوم وإخراج بعض أفراده وهو ليس من إخراج المورد(2).

توضيحه: أنّ منطوق الآية يدلّ على رفض قول الفاسق وطلب التبيّـن في مورد الارتداد، ومفهومه يدلّ على عدم رفضه وعدم طلب التبيّـن، وهذا لا ينافي لأن يكون العمل به مشروطاً بشرط أو شرائط من ضمّ عادل آخر إليه، وكون العادل ضابطاً متعارفاً في الإدراك بالحواس.

فإن قلت: إنّ مفاد الآية على القول بالمفهوم: أنّه لولا فسقه لما توجّه لوم ولا اعتراض، مع أنّ الأمر على خلافه إذ لو كان الوليد عادلاً لتوجّه اللوم أيضاً على العاملين بقوله في المورد.

قلت: نلتزم أنّه لو كان المخبر في المورد عادلاً لما توجّه اللوم، لكن عدم توجهه لا ينافي لزوم وجود شرط آخر من ضمّ عادل آخر إليه.


1-فوائد الأُصول: ج3 ص 174.
2-الفرائد: ص 76ـ77.


(243)

وإن شئت قلت: إنّ عدم اللوم أمر نسبيّ فاللوم الذي يتوجّه على العمل بقول الفاسق، لا يترتب على العمل بقول العادل، وذلك لا ينافي لزوم وجود شرائط أُخر في المورد من لزوم وجود العادل الآخر، وكون كلّ واحد من العدلين ضابطاً متعارفاً من حيث إعمال أدوات المعرفة.

وقد يجاب بالالتزام بحجّية قول العادل في الأحكام والموضوعات، إلاّ فصل الخصومات، فإنّه يتوقّف على البيّنة، دون غيره وعلى هذا لا يلزم إخراج المورد أيضاً، وما في رواية مسعدة بن صدقة: «من أنّ الأشياء على هذا حتى تستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة» فالمراد منه هو الظهور العرفي مقابل الاستبانة التي هي العلم الحقيقي.

ولا يخفى أنّ الجواب غير تام، لأنّ المورد من قبيل فصل الخصومات لا من قبيل إحراز كرّية الماء أو قّلته، والمفروض عدم حجّية خبر العادل الأوّل.

الثالث: ما هو المراد من التبيّـن؟

إن أُريد من التبيّـن خصوص العلم، يكون معناه إلغاء العمل بخبر الفاسق، والعمل بالعلم الوجداني، وحيث إنّ العمل بالعلم الوجداني، واجب عقلاً كان الأمر به في الآية الشريفة إرشاداً إليه، و لا يستفاد من الأمر الإرشادي المفهوم قطعاً.

وإن أُريد من التبيّـن مجرد الوثوق، يقع التنافي بين المفهوم والمنطوق، إذ مقتضى المنطوق حجّية خبر الفاسق، عند حصول الوثوق بقوله، ومقتضى المفهوم حجّية خبر العادل مطلقاً سواء أفاد الوثوق أم لا، فالجمع بين العمل بخبر الفاسق الموثوق به بمقتضى المنطوق، والعمل بخبر العادل وإن لم يوجب الوثوق إحداث لقول ثالث.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشق الثاني، لكن إخبار العادل ملازم للوثوق


(244)

الشخصي أو النوعي، وبما أنّ قول الفاسق لا يفيد الوثوق، يجب التبيّـن حتى تحصل الغاية. وأمّا خبر الثقة، فالغاية موجودة فيه لإفادته الوثوق النوعي مطلقاً، بل الشخصي فيما إذا لم يكن معرضاً عنه، أو لم يكتنف بشيء يثير سوء الظن، فالعمل بقول الثقة ليس إحداثاً لقول ثالث، بل العمل به لأجل كونه مقترناً بالوثوق.

ثم إنّ القوم ساقوا إشكالات أُخر لا تختص بآية النبأ، مثل أنّ الآية على القول باشتمالها على المفهوم تشمل قول السيد المخبر عن الإجماع على عدم حجّية الاخبار، أو عدم شمول الآية على الاخبار بالواسطة أو غير ذلك. والأولى تأخير البحث عنها إلى الفراغ عن أدلّة حجّية خبر الواحد.

الآية الثانية: آية النفر:

قال سبحانه: (وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً وَلا يَقطَعُونَ وادِياً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحسَنَ ما كانُوا يَعمَلُون) (التوبة/121).

(وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةَ فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرقَة مِنْهُمْ طائِفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إذا رَجَعُوا إليهِم لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ) (التوبة/122).

(يا أيُّها الَّذِينَ امَنُوا قاتِلوا الَّذِينَ يَلُونَـكُمْ مِنَ الكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ مَعَ المُتَّقِينَ)(التوبة/123).

والآية واقعة في سياق آيات الجهاد والسير إلى القتال مع العدو. فالاستدلال بها على حجّية قول العادل في الأحكام لا يناسب السياق، ولنرجع إلى بيان محتملات الآية مع حفظ السياق وعدمه وهي أربع:

الأوّل: أنّ الآية حسب حكم السياق نزلت في موضوع الدعوة إلى النفر إلى الجهاد، غير أنّه لمّا كان نفر الجميع أمراً غير ممكن لاستلزامه تعطيل وسائل الحياة


(245)

أمر سبحانه:

أوّلاً: بنفر طائفة من كل فرقة وقبيلة.

ثانياً: إنذار النافرين قومهم الباقين بعد الرجوع إليهم.

ثالثاً: طلب منهم الحذر عند الإنذار بشهادة كلمة لعلّ، وهو دليل المحبوبية والمطلوبية .

والغاية من النفر هو التفقّه في الدين ضمن القتال والمصارعة مع الأبطال إذ يرى المؤمن بأُمّ عينيه كيف نصر اللّه دينه وخذل أعداءه، ثم يرجع وينذر قومه الباقين، بما شاهد حتّى يكونوا على حذر من أن ينزل بهم من بأس اللّه بما نزل على من شاهدوه من الكفار.

قال الطبرسي: إنّ التفقّه والإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة وحثّها اللّه تعالى لترجع إلى المتخلّفة فتحذرها، ومعنى (ليتفقّهوا في الدين) : ليتبصّـروا ويتيقّنوا بما يريهم اللّه من الظهور على المشركين ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفّار إذا رجعوا إليهم فيخبروهم بنصر اللّه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمؤمنين لعلّهم يحذرون أن يقاتلوا النبي فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار (1).

وهذا المعنى أوفق بسياق الآية من وجهين:

1ـ إنّ الآية واردة في سياق آيات الجهاد والقتال، وقد فسّـرت بما يطابق ذاك السياق.

2ـ إنّ الظاهر أنّ الضمائر المتصلة الثلاثة في قوله:

(ليتفقّهوا في الدين) و (لينذروا) و (إذا رجعوا) راجعة إلى الطائفة النافرين، وقد احتفظت وحدة مرجع الضمائر في هذا التفسير.

غير أنّه يرد على هذا التفسير أُمور:


1-مجمع البيان: ج3 ص 83.


(246)

أ : أنّ التفقّه، هو التفهّم، أي فهم الدين عن عمق وبصيرة، ولا يجوز أن يكون الإنسان من الذين يقولون (إنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّة وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُون) (الزخرف/23) ورؤية النصر في الحروب والظفر على أعداء اللّه يوجب ثقة بأنّ اللّه ينصر رسوله والمؤمنين كما قال: (إنّا لَنَنْصُـرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ يَقُومُ الأشهاد) (غافر/51). ولا يُسمّى مثل هذا تفقّهاً في الدين، أي فهماً لمعارفه وأُصوله وأحكامه وفروعه ولم يستعمل ذلك اللفظ لا في اللغة ولا في القرآن ولا في الحديث في ذلك المعنى.

ب: أنّ النصر لم يكن مطّرداً في كلّ الحروب فربّما كان الانتصار للمسلمين كما في غزوة «بدر» وأُخرى للكافرين كما في غزوة «أُحد» و «حنين» فلا يمكن أن يعدّ مثل ذاك الأمر الذي قد يكون وقد لا يكون غاية للنفر.

ج: يلزم على هذا أن يكون النافرون إلى الجهاد أفقه في الدين ـ من حيث الإيمان والبصيرة ـ من الذين بَقُوا في المدينة وتعلّموا من النبيّ كلّ يوم آية وحديثاً، اللّهمّ إلاّ أن يكون النبيّ مع النافرين لا مع المتخلّفين الباقين.

وما ربّما يقال من أنّ المراد إنذارهم قومهم الكافرين حتّى لا يقاتلوا النبيّ، إنّما يصح إذا كان الخطاب متوجّهاً لمؤمني سائر البلاد وهو خلاف الفرض، كما سيتضح.

الثاني: أنّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد، والمراد من النفر هو النفر إلى المدينة وعاصمة العلم والدّين للتعلّم والتفقّه، وأنّه يجب أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى حضرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيتفقّهوا عنده في الدين ويرجعوا إلى أوطانهم وأقوامهم وينذرونهم لعلّهم يحذرون.

قال الطبرسي: إنّ التفقّه راجع إلى النافرة، والتقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويخلوا ديارهم، ولكن لتنفر إليه من كلّ ناحية طائفة لتسمع كلامه وتتعلّم الدّين منه، ثم ترجع إلى قومها فتبيّـن لهم ذلك وتنذرهم، والمراد من


(247)

النفر، هو الخروج لطلب العلم (1).

وهذا الوجه ـ يتمايز عن الوجه الأوّل ـ في أنّ الخطاب على هذا لمؤمني سائر البلاد، وفيه لمؤمني المدينة المنورة، وفي هذا الوجه أيضاً يكون النافرون إلى المدينة أفقه من المتخلّفين في سائر البلاد سواء أكان المتخلّفون مؤمنين أم كافرين، ولأجل ذلك قلنا: إنّ ما احتمل من كون المراد إنذارهم قومهم الكافرين إنّما يصح على هذا الوجه دون الوجه الأوّل لأنّ المراد من القوم فيه هو صحابة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نعم يشترك الوجهان في عدم لزوم التفكيك في الضمائر الثلاثة، فالكلّ يرجع إلى النافرين.

ويؤيد هذا الوجه كثير من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت وإليك بعضها:

1ـ روى الصدوق في عيون الأخبار عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ـعند بيان علل الحجـ: أنّ منها التفقّه ونقل أخبار الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ إلى كلّ صقع وناحية، كما قال اللّه عزّ وجلّ: (فَلَولا نفَرَ مِنْ كلِّ فرقة طائفة...) (2).

2ـ وروي عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في تفسير قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «اختلاف أُمّتي رحمة» : أنّ المراد اختلافهم إلى البلدان وأنّ الرسول أراد من قوله: «اختلاف أُمّتي رحمة» ، قول اللّه عزّ وجلّ : (فلولا نفر من كلّ فرقة...) (3).

وهذا الوجه أتقن الوجوه، وهو دليل على لزوم تأسيس الحوزات العلمية في البلدان لينتقل إليها طلاّب العلم وبغاة الفضيلة حتى يتفقّهوا فيها ويرجعوا إلى بلدانهم للإنذار.


1-مجمع البيان: ج3 ص 84.
2-نور الثقلين: ج2 ص 283، الحديث 407 والحديث منقول عن الفضل بن شاذان، انّه سمعه عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ .
3-المصدر نفسه: الحديث 408.


(248)

ولكن يرد عليه: أنّه على خلاف سياق الآية، فالآية واردة في ضمن آيات الجهاد، فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى؟

نعم يمكن الذب عن هذا الإشكال إمّا بالالتزام بنزول هذه الآية مرّتين: مرّة في ثنايا آيات الجهاد ومرّة اُخرى مستقلّة ومنفصلة عن آياته، وليس ذلك بعزيز، فقد نزلت بعض الآيات مرّتين، مثل قوله سبحانه: (ولَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (الضحى/5).

كما يمكن الذب عنه بوجه آخر وهو أنّ للآية بُعدين يتعلّق واحد منهما بأمر الجهاد والآخر بتحصيل العلم والتفقّه، والأوّل منهما معلوم من سياق الكلام، والآخر بعد مجهول يعلم من تفسير الأئمّة وتبيينهم، ولا مانع من أن يكون لبعض الآيات بعدان أحدهما معلوم والآخر مجهول يحتاج إلى التنبيه.

ثم إنّ العلاّمة الطباطبائي فسّـر الآية بوجه يتّحد مع هذا الوجه، ولكن لا ترد عليه مشكلة عدم إنطباقه على سياق الآيات، وإليك بيانه وإن شئت فاجعله ثالث الوجوه.

الثالث: أنّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول، أن ينفروا إلى الجهاد كافّة بل يحضّهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للتفقّه في الدين، وينفر غيرهم إلى الجهاد، ومعنى الآية أنّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلاّ نفر وخرج إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتعلّموا الفقه ويفهموا الدين فيعملوا به، ولينذروا ـبنشر معارف الدينـ قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون (1).

وعلى ذلك، فتنفر طائفة للتفقّه في الوقت الذي تنفر طائفة اُخرى للجهاد، فعندما قضيا حاجتهما يتلاقيان في موطنهما للإنذار والحذر. فتكون للآية صلة بالجهاد، وصلة بالتفقّه.


1-الميزان: ج2 ص 428 بتصرف يسير.


(249)

ولا يخفى أنّ ظاهر الآية أنّ هنا نفراً واحداً تقوم به طائفة واحدة لغاية واحدة، لا نفرين تقوم بهما طائفتان لغايتين مختلفتين، كما هو صريح كلامه، أضف إليه: أنّ ظاهر كلامه أنّ الضمير في (إذا رجعوا) يعود إلى النافرين للجهاد وهو مستلزم للتفكيك في الضمائر.

الرابع: ما رواه الطبري في تفسيره عن أبي زيد: أنّ معنى الآية: فلولا نفر من كلّ قوم وقبيلة طائفة ليتفقهوا في الدّين، أي ليتفقّه المتخلّفون في الدين ولينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون.

وقد نقل عن ابن عباس: إذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآن تعلّمه القاعدون من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قالوا: إنّ اللّه قد أنزل على نبيّكم بعدكم قرآناً وقد تعلّمناه، فتمكث السرايا يتعلّمون ما أنزل اللّه على نبيّه بعدهم ويبعث سرايا أُخر.

ونقله عن قتادة والضحاك (1).

قال الطبرسي: إنّ معناه فهلاّ خرج إلى الغزو من كلّ قبيلة جماعة ويبقى مع النبي جماعة ليتفقّهوا في الدّين، يعني الفرقة القاعدين، يتعلّمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن، وتعلّمه القاعدون، قالوا لهم إذا رجعوا إليهم: إنّ اللّه أنزل بعدكم على نبيّكم قرآناً وقد تعلّمناه فتتعلّمه السرايا، ونقل من الباقر ـ عليه السَّلام ـ : كان هذا حين كثر الناس أمرهم أن تنفر منهم طائفة وتقيم طائفة للتفقّه وأن يكون الغزو نوباً (2).

يلاحظ عليه: أنّه يستلزم التفكيك بين الضمائر من حيث المرجع فإنّ الظاهر أنّ الضمائر الثلاثة ترجع إلى النافرين، وعلى هذا القول فالضمير في (ليتفقّهوا) و (لينذروا) راجعان إلى القاعدين، والضمير في (رجعوا) راجع إلى النافرين وهو خلاف الظاهر.


1-تفسير الطبري: ج11 ص 49.
2-مجمع البيان: ج3 ص 83 وقد نقل في ذلك شأن نزول الآية فلاحظ.


(250)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستدلال يتمّ بثبوت أُمور:

الأوّل: أنّ قوله سبحانه: (ولينذروا) يدلّ على وجوب الإنذار. ومقتضى الإطلاق كفاية الإنذار مطلقاً سواء أكان على وجه الانفراد أم كان على وجه الاجتماع.

وإن شئت قلت: أفاد إنذارهم العلم أم لم يفد، كانوا عند الإنذار منفردين أو مجتمعين، بل يمكن أن يقال بانصرافه إلى صورة الإنذار منفرداً لأنّ طبع الحال يقتضي أن يرجع كلّ نافر إلى وطنه وقبيلته، لا اجتماعهم في محلّ وإنذارهم مجتمعين.

وبعبارة أُخرى: «المراد إنذار كلّ واحد من النافرين بعضاً من قومهم، لا إنذار مجموع القوم، ليقال: إنّ إخبار المجموع وإنذارهم يفيد العلم بالواقع، فيخرج عن محل الكلام في بحث حجّية الخبر، وهذا الأمر ثابت لأنّ تقابل الجمع بالجمع ظاهر في التوزيع كما في قوله تعالى: (فاغسلُوا وجُوهَكُمْ وأيْديَكُمْ إلى المرافِقِ) (المائدة/6) فإنّ المراد منه: أن يغسل كل واحد وجهه ويده لا أن يغسل المجموع وجه المجموع، كما أنّ طبع الحال هو ذلك، لأنّ الطائفة النافرة للتفقّه في الدين، إذا رجعوا إلى أوطانهم، لا يجتمعون ـحسب العادةـ في محل واحد ليرشدوا القوم مجتمعين، بل يذهب كلّ واحد إلى ما يخصّه في المحل» (1).

الثاني: إنّ المراد من الحذر، ليس هو الحذر النفساني مجرداً عن العمل، بل المراد الحذر العملي وتحصيل المأمن والعمل بقول المنذر.

الثالث: إنّ الحذر وإن ورد بصورة المرجوّ بشهادة كلمة (لعلّ) لكن الرجاء من اللّه لما كان ممتنعاً لاستلزامه الجهل عليه، يتعيّـن حمله على الرجاء الإنشائي، بداعي كونه محبوباً له عند الإنذار، ومحبوبيته لا تنفك عن وجوبه إذ لو


1-مصباح الأُصول: 2/183.


(251)

كان المقتضي موجوداً يحسن الحذر ويجب، ولو لم يكن موجوداً لما حسن ولما وجب.

والحاصل: أنّ مسألة «الحذر» عند الإنذار يدور أمره بين الحسن والقبح، فبما أنّه يكشف عن حسنه، يكشف عن وجوبه، إذ لا معنى لاستحبابه بعد ثبوت مقتضيه.

وعلى ضوء هذه المقدمات: دلّت الآية على لزوم الإنذار على المنذر منفرداً كان أو لا، بحكم المقدمة الأُولى، والمطلوب من الإنذار هو الحذر العملي وتطبيق العمل على قوله، لا الحذر النفساني بحكم المقدمة الثانية، والحذر بهذا المعنى واجب بحكم المقدمة الثالثة، فينتج حجّية قول المنذر غير أنّ الأدلّة دلّت على شرطية الوثاقة.

أقول: إنّ المهم من هذه المقدمات هي المقدمة الأُولى ولكنّها غير ثابتة جدّاً. لأنّ الآية ـ عند الإمعان ـ إرشاد إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد، إذ لولا ذلك لاختلّ النظام، فتقوم عدة للبناء والعمران، وأُخرى للخياطة، وثالثة للفلاحة والزراعة إلى غير ذلك، و لا تشذّ عن ذلك مسألة الإنذار والتعليم وتعلّم العباد فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافّة، لاستلزامه اختلال النظام، ولكن لماذا لا ينفر من كلّ فرقة طائفة وتسدّ ذلك الفراغ الهائل الحاصل من الجهل بالدين.

هذا هو هدف الآية ويدلّ على ذلك أمران:

الأوّل: العناية بلفظة «كافّة» في الجملة الأُولى وأنّه لا يمكن نفر الكافة ولكن في وسعهم نفر البعض، وهذا يعرب عن أنّ الآية مركّزة على مسألة تقسيم العمل، لا على كيفية الإنذار.

الثاني: أنّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني الوثاقة أو العدالة، فكيف توصف بكونها في مقام البيان مع تركها الشرط اللازم، وما أتعب به المحقق الخوئي ـ دام ظله ـ من قياس الآية بقوله سبحانه: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى


(252)

المرافق) غير مفيد لأنّه فرع كون الآية في مقام بيان تلك الحيثية حتى يستفاد منها لزوم إنذار كلّ واحد من النافرين بعضاً من قومهم. وعلى ذلك تكون الغايات المذكورة في الآية من الأُمور الجانبية، لم يتعلّق بها الغرض الأصلي في المقام وإن كانت في نفسها أهمّ الأغراض.

ثم إنّ صاحب مصباح الأُصول أجاب عن الإشكال بوجوه:

1ـ من أنّ الأصل كون المتكلّم في مقام البيان.

يلاحظ عليه: أنّما يصحّ هذا في مقام الشك، لا ما إذا دلّت القرينة على أنّه ليس في مقامه، والدليل عليه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا من الأمرين ـ: لحاظ سياق الآيات فقد ابتدأ كلامه بقوله:

(وما كان المؤمنون لينفروا كافة).

فإذا كان كذلك:

«فلولا نفر من كل فرقة طائفة للتفقه والإنذار والحذر عند الإنذار»

وعلى ذلك فالكلام مركَّز على أنّ نفر الكلّ غير ممكن بخلاف نفر البعض، فإذا كان كذلك فلماذا لا تنفر من كلّ فرقة طائفة، ففي مثل ذاك المورد لا يصحّ القول بأنّه في مقام بيان كيفية الإنذار.

2ـ إنّ إطلاقها كما يقتضي وجوب الإنذار سواء أفاد العلم للمستمع أم لم يفد، كذلك يجب الحذر له مطلقاً سواء أعلم أم لم يعلم.

يلاحظ عليه: أنّ الإطلاق المدّعى في جانب الإنذار أوّل الكلام، فكيف يستدل بوجود الإطلاق فيه، على وجود الإطلاق في جانب الحذر.

3ـ إنّ ظاهر الآية أنّ الإنذار موضوع للحذر، وتخصيص وجوب الحذر بما إذا أفاد العلم بالواقع، موجب لإلغاء عنوان الإنذار.

يلاحظ عليه: أنّ القول بشرطية التعدّد في الناذر لا يستلزم إلغاء عنوان


(253)

الإنذار. بخلاف ما إذا قيل بشرطية إفادته العلم، على أنّ القول باللغوية مع اشتراط إفادته العلم لا يخلو من نظر، يظهر بالتأمّل.

وقد أورد على الاستدلال بها بأُمور واضحة الدفع نشير إليها:

1ـ إنّ الإنذار والتخويف من شأن المرشد والواعظ بالنسبة إلى المسترشد والمتّعظ، ومثله المفتي فإنّه بإفتائه بأنّ هذا واجب وذاك حرام، ينذر مقلّديه بالدلالة الالتزامية فتعمّه الآية كالواعظ، وأمّا ناقل الرواية، فليس فيه إنذار بل هو ناقل لفظ الحديث بلا زيادة ونقيصة من دون إنذار وإيعاد.

يلاحظ عليه: أنّ ناقل الحديث بنقله لفظ المعصوم يكون نذيراً كالواعظ والمفتي، فإذا قال: سمعت الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقول: «أصحاب الكبائر إذا أُقيم عليهم الحدّ قتلوا في الثالثة» يكون منذراً قطعاً، ومثله إذا روى الواجبات والمحرّمات، وبعدم الفرق بين أقوال الراوي يكون قوله حجّة مطلقاً وإن لم يكن مشتملاً على الإنذار، مثل قوله: «الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء» وإن كان يمكن القول باشتماله على الإنذار أيضاً بالدقة والإمعان.

2ـ ما أفاده السيد المحقق البروجردي في درسه من أنّ لفظة (ليتفقّهوا) ظاهر في الافتاء دون مجرّد نقل الخبر.

يلاحظ عليه: أنّ الفقه بمعنى الفهم، والتفقّه ـ بحكم كثرة المباني تدل على كثرة المعانيـ هو التعمّق في فهم الدين وهو لا يستلزم سوى كون المنذر فاهماً للدين، لا مفتياً ومستنبطاً للحكم. قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (1).

وقال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا (2) فالفقه والفقيه والمتفقّه، لا يراد منها إلاّ الفهم، والفهيم أي من يتكلّم عن دقّة وإمعان لا


1-الوسائل: ج18 الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 43.
2-المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.


(254)

فيمن يستنبط الأحكام عن أدلّتها.

3ـ إنّ الآية لا تدلّ إلاّ على حجّية قول من يخبر عن تفقّه وتفهّم وعلم بصحّة ما ذكره، وهذا غير القول بحجّية قول الثقة سواء أكان عالماً بصحّة ما يخبره أم لا.

يلاحظ عليه: أنّ لفظ «التفقّه» لا يدلّ إلاّ على كونه فهيماً ومدركاً لما يقول، لا ما إذا كان عالماً بصحّة ما ينقل.

فإنّ الرواة على قسمين: قسم ناقل نفس الألفاظ من دون توجّه إلى نكات الرواية وخصوصياتها، وقسم فهيم وذو إمعان لما ينقل، وهو غير العلم بصحّة ما يقول.

الآية الثالثة: آية الكتمان:

قال عزّ من قائل: (إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِنْ بَعدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعنَهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنونَ * إلاّ الَّذِينَ تابُواوَأصلَحُوا وَبيَّنوا فَأُولئِكَ أتُوبُ عَلَيهِمْ وَأنْا التَّوّابُ الرَّحيمُ) (البقرة/159ـ160).

تقريب الاستدلال: أنّ وجوب الإظهار وتحريم الكتمان يستلزم وجوب القبول وإلاّ لغى وجوب الإظهار. نظير قوله سبحانه: (ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكتُمنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أرحامهِنَّ) (البقرة/228) فإنّ حرمة كتمانهنَّ لما في أرحامهنَّ من الجنين، يقتضي قبول قولهنّ وإلاّ لغى التحريم.

يلاحظ عليه: أنّ الآية في مقام إيجاب البيان على علماء أهل الكتاب لما أنزل اللّه سبحانه من البيّنات والهدى، ومن المعلوم أنّ إيجاب البيان بلا قبول أصلاً، يستلزم كونه لغواً. أمّا إذا كان القبول مشروطاً بالتعدّد، أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي، فلا تلزم اللغوية، وليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية


(255)

كآية النفر حتى يتمسّك بإطلاقها .

والحاصل: أنّ وزان الآية وزان قوله سبحانه: (وَلا تُلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وَتَكْتُموا الحَقَّ وَأنتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة/42) وقوله سبحانه: (وَإنّ فَريقاً مِنهُمْ لَيَكتُمونَ الحَقَّ وَهُم يَعلَمُون)(البقرة/146).

كما أنّ وزانها في الروايات قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إذا ظهرت البدع فللعالم أن يظهر علمه»، وروى طلحة بن زيد عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : أنّه قال: قرأت في كتاب علي ـ عليه السَّلام ـ إنّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال» (1).

وهدف الآية إيجاب البيان لكلّ واحد حتّى يتهيّأ ظهور الحقّ وطلوعه بأجلى مظاهره، فلا يجوز لكلّ واحد منهم التقاعس عن بيان الحقّ بحجّة أنّ قوله لا يفيد العلم، بل عليه أنّ يبيّـن، وللآخر أيضاً أن يبيّـن حتّى يحصل العلم ويتجلّـى الحقّ أو يحصل الشرط اللازم بقبول القول، ويكفي هذا في دفع اللغوية وهذا بخلاف قول النساء فيما يتعلّق بأرحامهنّ، إذ ليس له إلاّ صورة واحدة وأمرها يدور بين القبول والردّ، ولو ردت لزمت اللغوية.

الآية الرابعة: آية السؤال:

قال سبحانه: (وَما أرْسَلَنا مِنْ قَبْلِكَ إلاّ رِجالاً نُوحي إليهمْ فَسْئلُوا أهلَ الذِّكرِ إنْ كُنتُمْ لا تَعلَمُون)(النحل/43).

وقال عزّ من قائل: (وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلاّ رِجالاً نُوحي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أهلَ الذِّكرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون * وَما جَعَلناهُمْ جَسَداً لا يَأكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدينَ) (الأنبياء/7ـ8).


1-الكافي: ج1 ص 41 باب بذل العلم، الحديث 1.


(256)

وكيفية الاستدلال على نحو ما مضى في آية الكتمان حيث إنّ إيجاب السؤال يلازم لزوم القبول وإلاّ يلزم اللغوية.

والجواب على النحو المتقدم في الآية السابقة، من أنّه إنّما تلزم اللغوية إذا لم يقبل قولهم مطلقاً، وأمّا على القول بقبول قولهم عند تعددهم أو حصول العلم من قولهم، فلا تلزم، وليست الآية في مقام البيان من هذه الناحية حتّى يتمسّك بإطلاقها، بل الآية ناظرة إلى قاعدة عقلائية مطردة وهو رجوع الجاهل إلى العالم، سواء أفسّـر أهل الذكر بعلماء أهل الكتاب كما هو مقتضى حفظ السياق في الموردين حيث أمر سبحانه المشركين بالسؤال عن أهل الذكر حتّى يقفوا على أنّه سبحانه يبعث رجالاً ويوحي إليهم، وليس إرسال الرسل والإيحاء إليهم أمراً بدعاً، أم فسّـر بالأئمّة، كما هو مقتضى عدّة من الروايات التي نقلها الشيخ الكليني في كافيه (1).

فإنّ الآية إشارة إلى تلك القاعدة المطّردة بين العقلاء، غاية الأمر: أنّ أهل الذكر عند المشركين، هو علماء اليهود والنصارى، وعند المسلمين هو النبيّ والأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، وفي زمان الغيبة الرواة والعلماء، فعندئذ لا يكون مضمون الآية أمراً تعبّدياً بل إرشاد إلى ما هو رائج بين العقلاء من رجوع الجاهل إلى العالم.

ولا إشكال في أن تشير الآية في مورد إلى علماء أهل الكتاب، وفي آخر إلى النبيّ والأئمّة، وفي ثالث إلى العلماء والرواة فإنّ القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يجيئ بعد، يجري كما تجري الشمس والقمر(2). وقال ـ صلوات اللّه عليه ـ : إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب؟! ولكنّه حي يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى .(3)


1-الكافي: ج1 ص 210 باب انّ أهل الذكر ...
2-مرآة الأنوار : ص 4.
3-نور الثقلين: ج2 ص 483، الحديث 22.


(257)

إنّ القرآن يحكي عن سنّة إلهية سائدة على المجتمع البشري ويقول: (إنَّما أنتَ مُنذرٌ ولِكُلِّ قوم هاد)(الرعد/7) والنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «أنا المنذر وعلي الهادي إلى أمري» (1).

الآية الخامسة: آية الاذن:

قوله سبحانه: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبيَّ ويَقولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُل اُذُنُ خَيْـر لَكُمْ يُؤمِنُ بِاللّهِ وَيُؤمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أليم)(التوبة/61).

وجه الاستدلال: أنّ اللّه يمدح النبي بتصديقه للمؤمنين، ولو لم يكن حسناً لما صحّ المدح.

يلاحظ عليه: أنّ تصديقه إنّما هو على حدّ قول المنافقين «اذن» وهو لا يتجاوز التصديق الصوري، ويدلّ على ذلك أُمور:

1ـ إنّ ظاهر الآية أنّ النبي يصدّق كلّ المؤمنين الذين ينقلون أخباراً متناقضة، ومن المعلوم التصديق الجدّي لكلّ من النقيضين غير ممكن.

2ـ إختلاف التعبير في إيمانه باللّه وإيمانه للمؤمنين حيث استعمل في الأوّل بالباء وفي الثاني باللام.

3ـ إنّه سبحانه يقول: (اذن خير لكم) فإنّ المخاطب فيه هو المنافق أو من يقع في الدرجة التالية بعده، ولا يصح للنبيّ تصديقهم جدّاً.

وبذلك يتبيّـن أنّ المراد من المؤمنين، هو كلّ من أظهر الإيمان سواء كان مؤمناً حقيقياً أو مؤمناً صورياً.

هذا وأنّ السياسة الحكمية تقتضي أن لا يُهتك الستر والحجاب بين الرئيس


1-نور الثقلين: ج2 ص 485، الحديث 29.


(258)

والمرؤوس، فلو ارتكب المرؤوس شيئاً قبيحاً وعندما سئل عنه أنكر ، فالمصلحة الكلّية، توجب الإغماض عنه وقبول إنكاره.

ونفس هذا السؤال والإحضار موجب في تأديبه، كما لا يخفى.

4ـ ويدلّ على أنّ التصديق هنا صوري، ما روي في تفسير الآية عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ في مورد ولده «إسماعيل» حيث يذمّه في دفعه بضاعته لمن يتّهمه الناس بشرب الخمر قال: يقول الناس في حقّه: إنّه يشرب الخمر فقال: يا بنيّ لا تفعل إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه: (يؤمن باللّهِ ويؤمن للمؤمنين)يقول: يصدق باللّه ويصدق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم ولا تأتمن شارب الخمر (1).

وليس المراد من التصديق هو ترتيب جميع آثار شرب الخمر عليه، بل قبول قولهم على حدّ الحذر والاحتياط كما أنّه لو تبرّأ عن النسبة لصدّقه أيضاً مثل ما صدّق المؤمنين.

5ـ ويؤيد ذلك: قوله في رواية أُخرى: صدّق سمعك وبصرك عن أخيك المؤمن ولو شهد عندك خمسون قسامة إنّه قال قولاً، وقال: لم أقل، فصدّقه وكذّبهم(2).

فلو كان المراد هو التصديق الجدّي لكان تكذيب الخمسين من المؤمنين وتصديق واحد منهم ترجيحاً للمرجوح على الراجح وهو أقبح من الترجيح بلامرجح، فالمراد عدم تكذيب ذاك القائل.

والآية مشيرة إلى قاعدة التساهل والتسامح في الآية مع أخذ الحذر والاحتياط.


1-تفسير البرهان: ج2 ص 138 ـ 139 الحديث 1.
2-تفسير نور الثقلين: ج3 ص 582 وثواب الأعمال ص 295 والبحار ج5 ص 255.


(259)

الإشكالات العامة:

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات وحان حين البحث عن الإشكالات العامّة التي لا تختص بدليل دون دليل وإليك البيان:

الأوّل: قول السيد أيضاً خبر الواحد العادل:

لو كان خبر الواحد حجّة لزم منه عدم حجّيته، إذ من جملة الخبر، نقل السيد، الإجماع على عدم حجّية الخبر فلو كان حجة لزم من حجيّته عدم حجّية الخبر الواحد.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه ذكرها الشيخ الأعظم وغيره ونشير إلى البعض:

1ـ إنّ الآيات لا تدلّ إلاّ على حجّية المخبر عن حسّ، والسيد لا يخبر عن قول المعصوم إلاّ عن حدس وقد مرّ تفصيله.

2ـ إنّ ما ادّعاه من الإجماع معارض بادّعاء إجماع الشيخ على الحجّية.

3ـ إنّ الأمر دائر بين دخول أخبار الآحاد، وخروج قول السيد، وبالعكس، ولا شك أنّ الأوّل متعيّـن لانتهاء الثاني إلى تخصيص الأكثر المستهجن.

4ـ لو كان لهذه الأدلة إطلاق بالنسبة إلى قول السيد، يكون مآلها التعبير عن عدم حجّية خبر الواحد بنقيضه، وذلك بإدخال قول السيد المنتهي إلى عدم حجّية تمام أخبار الآحاد، وهذا ليس من دأب العقلاء، فضلاً عن الوحي الإلـهي، إذ هو أشبه باللغز.

5ـ إنّ قول السيد يعدّ عرفاً مناقضاً لما تدلّ عليه الآيات، ولا يُعدّ مصداقاً لها، فالآيات تنادي بحجّية خبر الواحد، وهو يدّعي العكس، فكيف يمكن أن


(260)

يعدّ قول السيد مصداقاً لها في نظر العرف.

6ـ لو كان قول السيد من مصاديق الآية لزم من حجّية قوله، عدم حجّيته، لأنّ إخباره بعدم حجّية خبر الواحد يشمل قول نفسه، بتنقيح المناط، أوبكونكلامه قضية طبيعية شاملة لنفسه وما يلزم من وجوده عدمه باطل بالضرورة.

هذه هي الوجوه التي ذكرت في نقده، وهي كافية في عدم دخوله.

غير أنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري نقل عن المحقق الخراساني أنّه قال:إنّ من الجائز أن يكون خبر العادل حجّة في زمان صدور الآية، إلى زمنصدورهذا الخبر من السيد، وبعده يكون هذا الخبر حجّة فقط، فيكونشمول العام لخبر السيد مفيداً لانتهاء الحكم في هذا الزمان وليس بمستهجن.

أقول: إنّ قول السيد إمّا أن يكون حاكياً عن الحكم الإلـهي من زمن عصر الرسالة إلى زمانه أولا، بل يكون حاكياً عن انتهاء أمد الحكم الأوّل أعني الحجّية، فعلى الأوّل يعود محذور تخصيص الأكثر المستهجن، وصيرورة الكلام أشبه بالأحاجي والألغاز، وإن أراد الثاني كما هو ظاهر كلامه، فالمحذوران وإن كانا مندفعين إلاّ أنّ لازمه حدوث النسخ في الأحكام الشرعية بعد رحلة النبيّ بعد مضي أربعة قرون، ولزوم كون بعض أحكام الإسلام مؤقتة وهذا ممّا لا يقول به فقيه نبيه.

هذا كلّه لو قلنا بأنّ سند حجّية خبر الواحد هو الآيات، وأمّا لو قلنا بما هو المختار من عدم وجود دليل لفظي على الحجّية سوى سيرة العقلاء الممضاة، فقول السيد يعارض ما دلّ على الإمضاء، فلابدّ من معاملة المتعارضين مع ما يدلّ على إمضاء السيرة.


(261)

الثاني: إشكالات الأخبار مع الواسطة:

إنّ هناك إشكالاً متوجّهاً على أخبار الآحاد المنقولة بوسائط، دون المنقول بواسطة واحدة، وهذا الإشكال الواحد يقرر بوجوه خمسة، وقد ذكر منها المحقق الخراساني وجهين، واضطرب نسخ الرسائل فاشتمل بعضها على ثلاث وبعضها على أربع وقليل منها على خمس، وقلّما يتفق لمدرّس الفرائد أن يهتدي إلى ما هو المقصود في المقام، وذلك لوجود الاضطراب والخلل في نسخ الرسائل، ونحن نقرّرها على وجه ينطبق على جميع النسخ.

1ـ إنصراف الأدلّة عن الأخبار بالواسطة:

إنّ جملة «صدّق العادل» التي هي عصارة الآيات الماضية، منصرفة إلى خبر الواحد الناقل عن الإمام بلا واسطة، ولا تشمل المنقول بواسطتين أو وسائط.

والجواب: أنّ الانصراف معلول أنس الذهن بفرد دون فرد وهو إمّا نتيجة كثرة وجود فرد وندرة الآخر، أو كثرة استعمال الكلام، أو الكلمة فيه دون الآخر، أو أكمليته بالنسبة إلى غيره، والوجه الأوّل منتف لغلبة الأخبار مع الواسطة على ما مقابلها، وأمّا الثاني فهو مفقود أيضاً، لأنّ قولنا «صدّق العادل» كلام منتزع من الآيات، وليس فيها كثرة استعمال بالنسبة إلى فرد دون فرد، وأمّا الأكملية، فلا يكون سبباً للانصراف إلاّ إذا كان على وجه يكون التفاوت بين الفردين كثيراً، نعم لو بلغت الوسائط إلى حدّ صار سبباً لضعف الخبر وعدم اعتباره عند العقلاء كان للانصراف وجه.

2ـ لزوم كون المخبر به ذا أثر شرعي:

إنّ التعبّد بتصديق خبر العادل من الشارع لا يصحّ إلاّ إذا ترتّب عليه الأثر الشرعي، وهو فرع كون المخبر به، ذا أثر شرعي وإلاّ فلو كان المخبر به خالياً عن الأثر لما وجب تصديقه، فلو أخبر عادل أنّ منائر الصحن الشريف ترتفع عن


(262)

الأرض سبعة وثلاثين متراً، لا يجب علينا تصديقه لعدم ترتب أثر شرعي عليه، وعلى ضوء هذا إذا قال الصفّار: كتب إليّ الإمام العسكري بكذا، يشمله وجوب التصديق لأنّ المخبر به كلام الإمام، وأمّا إذا كان المخبر به، إخباراً عن عادل، فبما أن لا أثر لحكاية قول العادل، فلا يشمله الدليل.

مثلاً إذا قال الشيخ: حدثني المفيد، قال: حدثني الصدوق قال: حدثني ابن الوليد، قال: حدثني الصفّار، قال: كتبت إلى الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ ، فالذي يترتّب عليه الأثر، إنّما هو خبر الصفّار إذ هو الذي جاء بقول الإمام ـ عليه السَّلام ـ وأمّا خبر الشيخ فلا، لأنّه يخبر عن إخبار المفيد بأنّ الصدوق أخبره، وأيّ أثر شرعي لإخبار المفيد عن الصدوق.

يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة التعبّد وإلزام التصديق، كون الموضوع (خبر المفيد) سبباً وجزء علّة لثبوت قول الصفّار وخبره الذي يترتّب عليه الأثر، وبعبارة أُخرى يكفي في كونه واقعاً في طريق ثبوت موضوع ذي أثر.

وإن شئت قلت: إنّ الإلزام بالتصديق، يتوقّف على عدم كونه لغواً فلو لم يصل السند إلى موضوع يترتّب عليه الأثر الشرعي كان الإلزام لغواً، وأمّا إذا وصل إلى موضوع حامل للحكم الشرعي كما في المقام فيكفي في إلزام التصديق، إذ لولا تصديق الشيخ بأنّ المفيد أخبره، لما ثبت قول الصفّار الحامل للحكم الشرعي.

3ـ إثبات الحكم لموضوعه:

إنّه لو عمّت الأدلّة للأخبار مع الواسطة لزم إثبات الموضوع بالحكم، مع أنّه متوقّف عليه.

توضيحه: لا شكّ أنّ كلاّ ً من إخبار الشيخ، والمفيد، والصدوق، موضوعات لقوله «صدّق العادل» والمحرز لنا وجداناً، إنّما هو قول الشيخ فيعمّه وجوب التصديق، وأمّا إخبار المفيد، أو إخبار الصدوق، فليس ثابتاً لنا بالوجدان، وإنّما يثبت بعد تصديق الشيخ. وعلى ذلك يلزم أن يكون الحكم، أي وجوب


(263)

التصديق مثبتاً لموضوعه، أي قول المفيد بأنّ الصدوق أخبره.

وهذا هو الإشكال الثاني في الكفاية، أشار إليه بقوله: لا مجال للإشكال في خصوص الوسائط من الاخبار كخبر الصفّار (الصحيح الصدوق) المحكى بخبر المفيد مثلاً، فإنّه لا يكاد يكون خبراً تعبّداً إلاّ بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد، فكيف يكون هذا الحكم المحقّق لخبر الصفّار تعبّداً حكماًله.

ثم أجاب عنه بوجوه ثلاثة:

أ: لأنّه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية، وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية.

ب: أو لشمول الحكم فيها له مناطاً وإن لم يشمله لفظاً.

ج: أو لعدم القول بالفصل (1).

والأجوبة واضحة سوى الأوّل توضيحه: أنّ قوله «صدق العادل» قضية طبيعية أو قضية حقيقية يشمل كل خبر قام بنقله العادل في الأزمنة حتّى الخبر الذي (مثل خبر المفيد عن الصدوق) يثبت بنفس هذا التصديق أي التصديق المترتّب على قول الشيخ.

وعلى الجملة: هنا وجوب تصديق واحد، لكنّه ليس قضية خارجية، بل إمّا قضية طبيعية أو قضية حقيقية، يعمّ كلّ خبر عادل حتى الخبر الذي (كخبر المفيد عن الصدوق) يثبت بنفس هذا التصديق، نظير شمول قولنا: «كل خبري صادق» لنفسه فهو يعمّ بحكم كونه طبيعية لكلّ خبر حتى الخبر الذي صار خبراً بنفس هذا الحكم.

وكان المحقق الخراساني تصوّر أنّ هنا حكماً واحداً ووجوباً فارداً، فتمسّك


1-الكفاية: ج2 ص 89 ـ 92.


(264)

بذيل القضية الطبيعية، ولكن يمكن أن يقال: إنّ الممتنع إثبات الحكم لموضوع نفسه، لا إثباته، موضوع حكم آخر، فإنّ قولنا «صدق العادل» ينحلّ حسب إخبار العادل إلى قضايا كثيرة، فبما أنّ خبر الشيخ محرز لنا وجداناً يتعلّق به الحكم الشرعي بتصديقه، وبتصديقه ينكشف لنا موضوع آخر، وهو خبر المفيد، ويتعلّق به تصديق آخر، وهكذا فالحكم الثابت لموضوع متقدّم، يثبت موضوعاً لحكم آخر متأخّر .

وهذا كالإقرار بالإقرار، فإنّه يحكم بنفوذ إقراره الفعلي بمقتضى قاعدة: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز وبشمولها للإقرار الثابت بالوجدان يثبت الإقرار المتقدّم عليه.

ومثله إقامة البيّنة على البيّنة، فإنّ البينة الفعلية يجب تصديقها، وبتصديقها تثبت البيّنة الأُولى ويجب تصديقها.

4ـ اتّحاد الغاية مع ذيها، أو اتّحاد الحكم مع جزء الموضوع:

توضيحه: أنّ تصديق الأمارة القائمة على الموضوع، فرع كون الموضوع ذا أثر شرعيّ قبله، حتّى يكون وجوب التصديق بلحاظه، فلو أخبر العادل عن عدالة زيد الحيّ، يصحّ التعبّد بتصديقه، لما يترتّب على المخبر به من الآثار من الصلاة خلفه، والطلاق عنده، وهذا الشرط موجود في الأخبار بلا واسطة، لأنّ للمخبر به (قول الإمام) أثراً وراء وجوب التصديق. وأمّا غيرها، فليس للمخبر به هناك أثر وراء وجوب التصديق، فإذا أخبر الشيخ عن المفيد، فليس المخبر به أعني إخبار المفيد له، أثر شرعي سوى نفس وجوب التصديق، فيلزم أن يكون الأثر الذي وجب لأجله التصديق هو نفس وجوب التصديق مع أنّه يجب أن يكون التصديق لأجل أثر غيره حتى لا تتّحد الغاية مع ذيها.

وإن شئت قلت: يلزم اتحاد الحكم مع جزء الموضوع لأنّ وجوب التصديق حكم شرعي مترتّب على خبر العادل الذي له أثر شرعي. فالموضوع مركب من أُمور ثلاثة: 1ـ الخبر 2ـ كون المخبر عادلاً 3ـ كون المخبر به إمّا أثراً شرعياً أو


(265)

موضوعاً ذا أثر شرعي، فإذا كان المخبر به قول الإمام تتحقق الشرائط الثلاثة، وأمّا إذا كان المخبر به، خبر المفيد فليس للمخبر به وهو إخبار المفيد، أثر شرعي سوى نفس وجوب التصديق، فيلزم اتّحاد الحكم وبعض أجزاء الموضوع، اللّهمّ إلاّ إذا انشأ وجوب التصديق بإنشائين فيكون بأحد اللحاظين حكماً وباللحاظ الآخر موضوعاً أو جزء موضوع، وهو خلاف المفروض.

والفرق بينه وبين الإشكال الثاني، هو أنّ ما تقدّم مبنيّ على إنكار أيّ أثر للمخبر به أي إخبار المفيد، ولكن هذا الإشكال مبنيّ على تسليم وجود أثر للمخبر به، أي إخبار المفيد، ولكنّه ليس أثراً مغايراً لنفس وجوب التصديق فيلزم أن يكون وجوب التصديق لنفس وجوبه، واتّحاد الحكم والموضوع.

وإلى ذلك أشار المحقق الخراساني في الكفاية: بأنّه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلاّ بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعي، بلحاظ نفس هذا الوجوب، فيما إذا كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر لأنّه وإن كان أثراً شرعياً له إلاّ أنّه بنفس الحكم في الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض، نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانياً فلا بأس في أن يكون بلحاظه أيضاً حيث إنّه صار أثراً بجعل آخر فلا يلزم إتحاد الحكم والموضوع.

ثمّ أجاب عنه: بأنّه إنّما يلزم إذا لم تكن القضية طبيعية والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده، وإلاّ فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعية إلى أفراده بلا محذور (1).

وحاصله: أنّ الملحوظ في ناحية الموضوع لو كان خصوصيات الأثر، ومنها وجوب التصديق للزم المحذور المتقدم، وأمّا إن كان الملحوظ هو طبيعة الأثر فلا محذور، فحينئذ يسري حكم الطبيعة إلى كلّ أثر، ولو كان نفس وجوب التصديق ولو فرض في مورد عدم الأثر للمخبر به غير وجوب التصديق لوجب ترتيبه بحكم الأدلّة.


1-الكفاية: ج2 ص 86 ـ 89


(266)

وبعبارة أُخرى: إنّ ما هو الحكم المترتب على قول الشيخ هو ترتيب مطلق الأثر من غير نظر إلى أثر خاص، بل الأعم من وجوب التصديق أو غيره من الحلّية والحرمة كما هو في تصديق الصفّار، وأمّا ما هو جزء الموضوع فإنّما هو خصوص وجوب التصديق والتفاوت بينهما هو تفاوت الكلي والفرد.

ولا يخفى أنّ الإشكال باق بحاله لما ذكرنا كراراً من أنّ الإبهام في عالم الثبوت غير معقول. فإذا قال بحكم الآيات الواردة في مورد خبر العادل «صدّق العادل» ورتّب عليه الأثر، فإمّا أن يكون الأثر مهملاً أو مطلقاً، فعلى الأوّل يختلّ نظام الاستدلال فيكون خبر الواحد حجّة على وجه الإجمال. وعلى الثاني يكون ناظراً إلى نوع الأثر وإن لم يكن ناظراً إلى أفراده الكثيرة، وليس له إلاّ نوع واحد وهو إمّا وجوب التصديق، أو الحرمة والوجوب، فعندئذ يعود الإشكالان من كون وجوب التصديق لأجل نفسه، ومن اتّحاد الحكم والموضوع.

والأولى أن يجاب عن الإشكال الرابع بأنّ الالتزام بلزوم وجود الأثر في كلّ خبر العدل من أوّل السلسلة إلى آخرها إلتزام بلا مُلزم، بل ويكفي في رفع اللغوية، إنتهاء السلسلة إلى قول من يحكي الأثر الشرعي، أعني الصفّار. فلا يلزم الإشكالان أبداً. لأنّه إذا سئل السائل لماذا يصدق الشيخ، أو المفيد، فهل هو لأجل أنّه ذو أثر شرعي (وهو وجوب تصديقه حتى يتوجه إليه: أنّ لازمه كون التصديق لأجل نفسه أو اتّحاد الحكم والموضوع) أو أنّه لأجل كونه واقعاً في سلسلة إثبات الأثر الشرعي الذي يكفي في إعمال التعبّد؟ فسوف يجيبك بأنّه في طريق ما هو المطلوب الأسنى الذي هو قول الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

ويمكن أن يجاب: أنّه ليس هنا إخبارات وموضوعات حسب تعدد المخبر حتّى يطلب كلّ موضوع أثراً خاصّاً، بل موضوع واحد وإخبار فارد يحكي قول الإمام وهو كاف في إثبات التعبّد، ولو كان هناك موضوعات، يوجب إثباته بالبيّنة لا بخبر الواحد.


(267)

5ـ كون الدليل حاكماً على نفسه:

لو عمّ دليل الاعتبار للخبر مع الواسطة، يلزم أن يكون الدليل حاكماً على نفسه، ويتّحد الحاكم والمحكوم.

توضيحه: أنّ الدليل المتكفّل لبيان موضوع الحكم، حاكم عليه. فإذا قال: زيد عالم، ثم قال: أكرم العالم، فيكون الدليل الأوّل حاكماً على الحكم الكلّـي. والحكومة قد تكون بإدخال فرد كما في المقام، وقد تكون بإخراجه كما إذا قال: لا شك لكثير الشك، فهو حاكم لقوله: إذا شككت فابن على الأكثر.

فإذا كان وجوب التصديق المترتّب على قول الشيخ مثبتاً لقول المفيد الحاكي لخبر الصدوق، يلزم كونه حاكماً على نفسه، لأنّه حكم كلّـي في الدرجة الأُولى، ومثبت لموضوعه ثانياً، فهو بما هو مثبت لموضوعه، حاكم، وبما هو متضمّن لبيان الحكم الكلّـي، محكوم. وربّما يتوهم نظير ذلك في الأصل السببي والمسببي لكن بنحو الإخراج، فهو بما أنّه مخرج أحد أفراد الاستصحاب عن القاعدة، حاكم. وبما أنّه متضمّن لبيان حكم كلّـي، محكوم.

والجواب: أنّ هذا الإشكال عبارة عن الإشكال الثالث وهو اثبات الحكم لموضوعه، والجواب واحد وليس الإشكالان متغايرين جوهراً وذاتاً، بل متّحدان لبّاً ومختلفان لفظاً (1).

وعليك بالتأمّل التام في المقام، فإنّ كثيراً ممّا حرّر أو قرّر في المقام غير نقي، وقد اضطربت كلمات الشيخ في المقام، وقد شطب في كثير من النسخ على الإشكال الخامس، وقد قرّره المحقق النائيني بوجه آخر، والأوضح ما ذكرناه.


1-والعجب انّ المحقّق النائيني جعل الإشكال بياناً للإشكال الرابع بل هو بيان للإشكال الثالث على ما عرفت. وعلى كلّ تقدير فالإشكالات مبنيّة على الدقائق العلمية، المغفولة للعرف الذي هو المرجع في فهم مفاد الآيات الواردة حول حجّية خبر العدل.


(268)

الثاني: الاستدلال بالروايات:

استدلّ القائلون بحجّية الخبر الواحد بروايات تدلّ على حجّيته على وجه الإجمال وهي على طوائف حسب ما ذكرها الشيخ الأعظم:

الأُولى: ما ورد حول الخبرين المتعارضين من الأخبار العلاجية، بحيث يعلم أنّ العمل بالخبر الواحد كان أمراً مفروغاً عنه، وإنّما توقّف السائل لأجل الاختلاف، ولا يصح أن يقال: إنّ موردها هو الأخبار القطعية، لمنافاة ذلك الاحتمال مع إطلاقها ولسان كثير منها (1).

الثانية: الأخبار الإرجاعية إلى آحاد الرواة من أصحابهم الثقات، بحيث يظهر من تلك الطائفة أنّ العمل بخبر الثقة كان مفروغاً عنه، وإنّما الهدف من السؤال والجواب: تعيين الصغرى، وقد رواها الحرّ العاملي في الوسائل في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي وإليك بيان بعضها:

1ـ روى أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته وقلت: مَنْ أُعامِل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: العُمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقـة المأمـون(2).

2ـ ما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن المتعة فقال: ألق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإنّ عنده منها علماً(3).


1-وقد جمعها الحرّ العاملي في كتاب القضاء في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي فقد روى فيه 48 حديثاً يرجع القسم الوافر إلى علاج الخبرين المتعارضين، بالمخالفة للعامّة والموافقة للكتاب وغيرهما وسيوافيك بيانها في باب التعادل والتراجيح.
2-الوسائل: ج18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4 ص 99ـ 100.
3- المصدر نفسه: الحديث 5، وبما أنّ عبد الملك كان من علماء العامّة فيحتمل أن يكون الإرجاع إليه من باب الجدل، والاحتجاج بقول الخصم حتّى تتم الحجّة على نحو أتم فتخرج الرواية من الصلاحية للاستدلال.


(269)

3ـ روى الصدوق عن أبان بن عثمان أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له: إنّ أبان بن تغلب قد روى عنّي رواية كثيرة، فما رواه لك عنّي فاروه عنّي (1).

4ـ عن جميل بن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: بشّـر المخبتين بالجنّة: بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمّد بن مسلم وزرارة (2).

5ـ عن أبي بصير، أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له في حديث: لولا زرارة ونظراؤه لظننت أنّ أحاديث أبي ـ عليه السَّلام ـ ستذهب (3).

6ـ عن يونس بن عمّـار، أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال له في حديث: أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ فلا يجوز لك أن تردّه (4).

7ـ عن المفضل بن عمر، أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال للفيض بن المختار في حديث: فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومى إلى رجل من أصحابه فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين (5).

وهنا روايات في هذا المضمار يطول بنا المقام بذكرها فلاحظ الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي (6).

وهذه الروايات تدلّ بصراحة على أنّ حجّية قول الثقة كان أمراً مفروغاً عنه، غير أنّ الإمام كان إمّا في مقام بيان الموضوع أو في مقام مدح بعضهم بأنّهم أدّوا الرسالة الملقاة على عاتقهم، فإنّ مدح كثير من الرواة في هذه الروايات ليس إلاّ


1-الوسائل: ج18، ص 101، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2-المصدر نفسه: ص 103، الحديث 14.
3-المصدر نفسه: الحديث 16.
4-المصدر نفسه: الحديث 17.
5-المصدر نفسه: الحديث 19.
6-المصدر نفسه: الأحاديث 21و 22 و 23و 24و 25و 26 و 27و 30 و 31و 33 و34 و35 و36.


(270)

لأنّهم أنجزوا رسالتهم، ولو لم يكن حديثـهم حجّة، لما كان لإنجـاز الرسـالة معنى.

الثالثة: الأخبار الإرجاعية إلى ثقاة الرواة على النحو الكلّـي، وهي أقل من الطائفة الثانية، وإليك ما ورد في الباب الحادي عشر من أبواب صفات القاضي:

1ـ روى عمر بن حنظلة في حديث طويل قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا (1).

فإنّه وإن ورد في القاضي. لكن لما كان فتواه مستنداً إلى أخبار الآحاد، يستلزم حجّية تلك الروايات بطريق أولى.

2ـ وبهذا المضمون رواية أبي خديجة المشهورة (2).

3ـ التوقيع المعروف: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة اللّه (3).

4ـ التوقيع الشريف: روى القاسم بن العلاء: فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا (4).

5ـ رواية علي بن سويد السابي (5) إلى غير ذلك من الأحاديث التي تقول: اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا (6).

الطائفة الرابعة: ما يحثُّ على كتابة الحديث ونقله، وبثّه ونشره بين الناس ويأمر بالرجوع إلى كتب ابن فضال.


1- الوسائل: ج18 ص 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2-المصدر نفسه: ص 100، الحديث 6.
3-المصدر نفسه: ص 101، الحديث 9.
4-المصدر نفسه: ص 108، الحديث 40.
5-المصدر نفسه: ص 109 ، الحديث 42.
6-المصدر نفسه: ص 108، الحديث 37.


(271)

أمّا الأخير، فقد روى الحسين بن روح عن أبي محمد الحسن بن علي ـ عليهما السَّلام ـ : أنّه سئل عن كتب بني فضال فقال: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا (1).

وأمّا الحث على الكتابة ونشره، فلاحظ الباب الثامن من أبواب صفات القاضي، تراهم ـ عليهم السَّلام ـ مؤكّدين عليه (2).

غير أنّ المهم هو الوقوف على أنّ هناك عدة كتب لأصحاب أئمّتنا قد عرضت عليهم فاستحسنوها أو نقدوها، كلّ ذلك يحكي عن حجّية الخبر الواحد، شفاهاً وكتاباً ولم تكن الأخبار المودعة فيها أخباراً متواترة.

وأمّا الكتب المعروضة فهي عبارة عن:

1ـ كتاب ظريف بن ناصح، فقد عرض على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ وعلى الرضا ـ عليه السَّلام ـ (3).

2ـ بعض كتب أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السَّلام ـ فقد عرضها يونس بن عبد الرحمان على الرضا ـ عليه السَّلام ـ فأنكر منها أحاديث (4).

3ـ كتاب «يوم وليلة» فقد رآه أبو جعفر عند أحمد بن أبي خلف فجعل يتصفّحه ورقة ورقة من أوّله إلى آخره وجعل يقول: رحم اللّه يونس، ثلاث مرات(5).

4ـ وعرض ذلك الكتاب على الحسن العسكري مرتين فاستحسنه. الحديث(6).


1-الوسائل: ج 18، ص 103، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2-المصدر نفسه: ص 52ـ75، الباب 8 من أبواب صفات القاضي.
3-المصدر نفسه: ص 60، الحديث 32.
4-المصدر نفسه: ص 71، الحديث 73.
5-المصدر نفسه: ص 71، الحديث 74.
6-المصدر نفسه: الحديث 75 ـ 76.


(272)

5ـ كتاب الفضل بن شاذان، فقد رآه أبو محمد ـ عليه السَّلام ـ فترحّم عليه وقال: أغبط أهل خراسان (1).

6ـ كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي، فقد عرض على الصادق ـ عليه السَّلام ـ فصحّحه واستحسنه (2).

إلى غير ذلك من الكتب المعروضة.

هذه هي الطوائف الأربعة من الروايات حول الأخبار المروية عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وهي تعطي قبل كلّ شيء أنّ حجّية قول الثقة أو الخبر الموثوق الصدور كان أمراً مسلّماً عند الإمام ـ عليه السَّلام ـ والسائل، وكان محور البحث هو التعرّف على الثقة والثقات حتى أنّ الطائفة الثالثة التي تُرجع الشيعة إلى ثقات الرواة مؤكدة على لزوم الجري على السيرة المألوفة بين العقلاء، حيث قال: فإنّه لاعذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا ونحمّلهم إيّاه إليهم (3).

وأمّا روايتا عمر بن حنظلة وأبي خديجة، فهما بصدد إفاضة الحجّية لقول الفقيه في القضاء وهي غير كونهما بصدد إعطاء الحجّية لقول الراوي الثقة. نعم تدلّ بالدلالة الالتزامية على حجّية قوله، إذ لولاها لما كان قضاؤه مستنداً إلى دليل وحجّة.

وأمّا قوله: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا (4) فليس في مقام إعطاء الحجّية لأخبار بني الفضال بل في مقام بيان أنّ بطلان رأيهم في الإمامة واعتقادهم بإمامة عبداللّه الأفطح، ليس مانعاً عن الأخذ برواياتهم.


1- الوسائل: ج18، ص 72، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 77.
2-المصدر نفسه: ص 73، الحديث 81.
3-المصدر نفسه: ص 108 ـ 109، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.
4-المصدر نفسه: ص 103 ، الحديث 13.


(273)

وبالجملة، فالملاحظ يجد ما ذكرناه في عامة الروايات على وجه الصراحة أوالإشارة حتى التوقيع المبارك، أعني: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيهاإليرواة حديثنا» فإنّ كلامه ـ عليه السَّلام ـ في مقام الإجابة عن سؤال السائل،إرشاد إلى الأصل المسلّم بين العلماء تبعاً للعقلاء وأنّه لاملجأ في الغيبة غيرهم.

الروايات المتواترة إجمالاً:

إنّ الاستدلال بهذه الروايات يتوقّف على تواترها لفظاً أو معنى أو إجمالاً، وقبل الخوض في كيفية الاستدلال بها نذكر تعريف كلّ واحد منها، وإن كان التعرّف عليها على عاتق علم الدراية.

1ـ التواتر اللفظي: وهو ما إذا اتّحدت ألفاظ المخبرين في خبرهم، كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّما الأعمال بالنيّات ـ على القول بتواتره ـ وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّـي تارك فيكم الثقلين.

2ـ التواتر المعنوي: وهو ما إذا تعدّدت ألفاظ المخبرين ولكن اشتمل كلّ منها على معنى مشترك بينها بالتضمّن أو الالتزام، وحصل العلم بذلك القدر المشترك بسبب كثرة الأخبار، وذلك مثل الأخبار الواردة في حروب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ فإنّ كلّ واحد وإن كان خبراً واحداً لكن الجميع يدلّ على شيء بالدلالة الالتزامية، وهو كونه رجلاً شجاعاً وبطلاً مغواراً.

3ـ التواتر الإجمالي: وهو ما إذا وردت أخبار متوفرة في موضوع واحد تختلف دلالتها سعة وضيقاً لكن يوجد بينها قدر مشترك يتفق الجميع عليه، فيؤخذ به، وذلك مثل الأخبار الواردة في المقام فقد اختلفت مضامينها من حيث كثرة الشرائط، حيث إنّ ظاهر بعض، حجّية خبر العادل، وظاهر بعض آخر، حجّية خبر الثقة، إلى ثالث حجّية خبر الإمامي الثقة وهكذا، فكلّ واحد منها وإن كان


(274)

مشكوكاً بشخصه في مقابل التواتر التفصيلي، ولكن بالنظر إلى المجموع نقطع بصدور بعضها فضلاً عن واحد منها كما في أطراف العلم الإجمالي، فعندئذ لامناص من الأخذ بالقدر المتيقّن الذي اتّفق الكلّ عليه، مع إختلافه في السعة والضيق، وهو عبارة عن خبر الإمامي العادل الضابط غير المخالف للكتاب والسنّة.

نعم استظهر سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ أنّ القدر المتيقّن وراء الصفات الأربع، كونه فقيهاً مثل زرارة ومحمد بن مسلم، وراوياً عن الإمام بلا واسطة، ولو كان هذا هو القدر المتيقن لكان الاستدلال عقيماً، لأنّ جميع الروايات التي بأيدينا منقولة مع الواسطة.

والذي يسهل الخطب أنّ احتمال مدخلية هذين الوصفين ضعيف جداً، والعرف المخاطب بهذه الروايات لا ينتقل من سماعها إلى شرطيّتهما لأنّ الفقاهة أساس الإفتاء، والكلام في نقل الحديث بما هو هو ، نعم الفقيه يكون أفهم للحديث من غيره، ولكن الشأن في نقل الحديث إلى الغير لا في فهمه وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فيكفي في ذلك كونه ضابطاً عارفاً بمواقع الألفاظ والكلم، كما أنّ مدخلية الرواية بلا واسطة عن الإمام غير تام جدّاً لتوفر الروايات المروية عن النبيّ والأمير في عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والجميع كانت مروية مع الواسطة، وبالجملة لا ينقدح في ذهن المخاطب مدخلية هذين الوصفين، وإنّما المنقدح هو الصفات الأربع، ومع ذلك تكون النتيجة عليهذا قليلة طفيفة لأنّ الروايات التي يرويها الإمامي العدل الضابط قليلة بالنسبة إلى غيرها في الكتب الأربعة فضلاً عن غيرها، فلا يُسدّ بذلك، الفراغ الهائل من ترك العمل بخبر الواحد، فلابدّ هنا من محاولة أُخرى لتكون النتيجة أعم.


(275)

محاولة المحقق الخراساني لتوسيع نطاق الحجّية:

وقد قام المحقق الخراساني بتلك المحاولة، وهو العثور على رواية من بين تلك الروايات تجتمع فيها الصفات الأربع، بأن يكون الراوي لها في كلّ طبقة عدلاً إمامياً ضابطاً ويكون مضمونها غير مخالف للكتاب والسنّة ، فمع ذلك يكون مضمونها أوسع من حجّية خبر العدل الإمامي، بل دلّ على حجّية مطلق خبر الثقة، من غير فرق بين كونه ذا ملكة العدالة التي تصدّه عن ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، أو كونه ثقة في اللسان الذي يعبّـر عنه في كتب الرجال بأنّه ثقة في الحديث.

وهذه المحاولة هي التي أشار إليها المحقق الخراساني بقوله: «وقضيته وإن كان حجّية خبر دل على حجيّته أخصّها مضموناً إلاّ أنّه يتعدّى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية، وقد دلّ على حجّية ما كان أعم (1).

ويمكن إراءة نموذجين من هذا النوع من الخبر:

1ـ ما رواه الكشي عن محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن عبدالعزيزبن المهتدي، والحسن بن علي بن يقطين، جميعاً عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت: لاأكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني،أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم (2).


1-الكفاية: ج2 ص97.
2-الوسائل: ج18 ص 107، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33 و 34، رجال السيد:
أ: محمد بن نصير: من أهل «كش» يروي عنه الكشي، ثقة جليل القدر كثير العلم كما ذكره الشيخ في رجاله.
ب: محمّد بن عيسى بن عبيد: وثّقه النجاشي ولكن ضعّفه الشيخ.
ج: عبد العزيز بن المهتدي: وثّقه النجاشي.
د: الحسن بن علي بن يقطين: وثّقه الشيخ في رجاله.


(276)

2ـ ما رواه الكليني في باب تسمية من رآه [القائم] عن محمّد بن عبداللّهالحميري ومحمد بن يحيى جميعاً، عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن أحمدبنإسحاق، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته وقلت: من أُعامل؟ وعمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمون... إلخ (1).

والعبرة بعموم التعليل، أعني: «فإنّه الثقة المأمون» واحتمال كون الراوي مثل يونس بن عبد الرحمان في الرواية الأُولى ضعيف، وعلى فرض تسليمه فهو منتف في الثانية لعموم الملاك الوارد في آخرها.

***


1-الوسائل: ج18 ص 99ـ 100، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
والرواية صحيحة على مصطلح المتأخرين:
أ: محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري: ثقة وجه. كما في فهرست النجاشي.
ب: محمد بن يحيى العطار القمي: ثقة . كما في فهرست النجاشي.
ج: عبد اللّه بن جعفر الحميري: ثقة كما في رجال الشيخ.
د: أحمد بن إسحاق: ثقة. وأحمد بن إسحاق سواء كان أشعرياً أو رازيّاً ثقة وثقّهما الشيخ في رجاله.
والرواية وردت بسند عال، رواته كلّهم ثقات عدول. دلّت على حجّية قول الثقة بوجه واضح إمامياً كان أو لا. وهذا طريق متين.


(277)

الثالث: الاستدلال بالسيرة العقلائية:

إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان والأدوار وفي تمام الأقطار والأمصار، ويتّضح ذلك بملاحظة أمرين:

الأوّل: أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب، خصوصاً بالنسبة إلى من يسكن البوادي والقرى مع قلّة المواصلات والوسائل الإعلامية.

الثاني: أنّ القلب يسكن إلى قول الثقة ويطمئن به ويخرج عن التزلزل، ولأجل ذلك يعدّ عند العرف علماً لا ظنّاً، خصوصاً إذا كان عدلاً، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب.

ولو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع، كان عليه الردع عن ذلك كما ردع عن العمل بقول الفاسق.

مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بخبر الواحد، خصوصاً بين أهل القرى والبوادي التي لا يتوفر فيها الأخبار المتواترة ولا المحفوفة بالقرائن، وأنّ عمل المسلمين بخبر الثقة لم يكن إلاّ استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.

والحاصل: أنّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً، لكان هناك الردع القارع والطرد الصارم حتّى ينتبه الغافل ويفهم الجاهل.

ولأجل ذلك نرى أنّه وردت الروايات المتضافرة حول ردّ القياس، والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبّل الولاية من الجائر لما جرت عليه سيرة العامة من العمل به والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبّل الولاية من الجائرين، وهي أقل ابتلاء ـ بمراتب ـ


(278)

عن العمل بخبر الواحد، وعلى ضوء هذا، فهذه السيرة العقلائية حجّة ما لم يردع عنها.

مفاد الآيات الناهية عن العمل بالظن:

ربّما يتصوّر أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن رادعة عن السيرة على العمل بالخبر الواحد لأنّه من أقسام الظنون وليس مفيداً للعلم، ولكن قد عرفت الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات، وأنّ قول الثقة في نظر العرف مفيد للاطمئنان وموجب لسكون النفس، ومثل ذلك ليس من مصاديق الظن، أو قوله تعالى: (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء/36) وإن كان مصداقاً لهما عند العقل، إلاّ أنّ الآية لا تعمّه إلاّ إذا كان مصداقاً للآية عند العرف المخاطب، وهذا نظير قوله: اجتنب عن الدم، فلا يشمل لونها، وإن كان من مصاديقها عند أهل الاختبار أوالفلسفة.

جواب المحقق الخراساني عن الآيات:

ثمّ إنّ المحقق الخراساني قد أجاب عن الاستدلال بالآيات بوجوه ثلاثة:

1ـ أنّ الآيات راجعة إلى أُصول الدين، فالظنّ ليس حجّة فيها.

2ـ أنّها راجعة إلى الظن الذي لم يقم على إعتباره حجّة، والمفروض في خبر الواحد خلافه.

3ـ أنّ رادعية الآيات تستلزم الدور، لأنّ الردع هنا يتوقف على عدم تخصيص عمومها أو عدم تقييد إطلاقها بالسيرة على إعتبار خبر الثقة، وهو يتوقف على الردع عنها، وإلاّ لكانت السيرة مخصّصة أو مقيدة، كما لا يخفى (1).

توضيح الدور: انّ الرادعية عن السيرة موقوف على:

حجّية الآيات بوصف كونها عامّة، إذ لولا حجيّتها بهذا الوصف، لا تكون


1-الكفاية: ج2 ص 99.


(279)

رادعة، والحجّية بهذا المعنى موقوف على: عدم تخصيصها بالسيرة، لأنّ حجّية كلّ عام يتوقف على عدم مخصص له، وعدم تخصيصها بها موقوف على:

الردع إذ لو لم تكن الآيات رادعة، تكون السيرة مخصصة لكونها دليلاً خاصاً مقدماً على العام فيلزم توقف الردع على الردع.

ولا يخفى ضعف الأجوبة:

أمّا الأوّل: فلأنّ تخصيص الآيات بأُصول الدين خلاف إطلاقها.

وأمّا الثاني: فلأنّ لسانها آبية عن التخصيص، فكيف يمكن تخصيصها بالظنون التي لم يقم دليل على حجيّتها.

وأمّا الثالث: فإنّ العام حجة قطعية والسيرة حجّة مشكوكة، فكيف يمكن أن يعارض المشكوك مع القطعي، وهذا من الغرائب أن تتعارض الحجّة القطعية مع الحجّة المشكوكة. وإن شئت قلت: العام حجّة حتّى يثبت التخصيص وهو حاصل بالفعل ولا يتوقف على ثبوت عدم تخصيصه بالسيرة، بل يكفي عدم ثبوت تخصيصه بها. وعلى ذلك، فالدور مرتفع لأنّ الرادعية موقوف على:

حجّية الآيات بوصف العموم، وحجيّتها بهذا الوصف موقوف على:

عدم ثبوت تخصيصه بالسيرة وهو حاصل بالفعل وليس موقوفاً على شيء حتّى على:

عدم كون السيرة مخصصة أو مقيدة لها واقعاً.

وبالجملة: فكم فرق بين القول بحجّية العموم حتّى يثبت التخصيص، والقول بأنّ حجيّة العموم موقوف على ثبوت عدم تخصيصه بالسيرة.

فلا دور على الأوّل، لثبوته بالفعل، ويكفي في ثبوته الشك في حجّية السيرة بخلاف الثاني فإنّه متوقف على إحراز كونها رادعة للسيرة التي يحتمل كونها مخصصة. والحق في الإجابة عن الاستدلال بالآيات، ما ذكرنا من حديث التخصص وأنّها غير شاملة لأمثال قول الثقة.


(280)

مقدار ما هو الحجّة من الخبر الواحد:

إذا كانت السيرة هي الدليل الوحيد في المقام ـ حسب ماعرفت من مناقشة كلّ ما استدل به حتّى الاجماع الذي سيوافيكـ تقف على أنّ العمل بخبر الثقة، لأجل كون الوثاقة مفيدة للاطمئنان، بصدق الخبر وكونه مطابقاً للواقع وليست للوثاقة موضوعية في المقام، حتّى يجب التوقف عن العمل، عند عدم إحراز وثاقة الراوي، مع حصول الوثوق بصدور الرواية بل هي مأخوذة في الراوي من باب الطريقية إلى تحصيل الاطمئنان بصدق الخبر.

بل يمكن أن يقال: إنّ مناط الحجّية عند العقلاء، هو الخبر الموثوق بصحته وصدوره، لا خصوص كون الراوي ثقة فلو كان المخبر ثقة، ودلّت القرائن على عدم صدق الخبر، لما عملوا به.

وعلى ذلك يكون موضوع الحجّية هو الخبر الموثوق بصدوره، فيشمل الخبر الصحيح والموثوق والممدوح إذا كان بمرحلة مورثة للاطمئنان، بل يشمل الضعيف إذا دلّت الشواهد والقرائن على صدقه في خصوص المورد.

فإن قلت: إذا كان الخبر الضعيف محفوفاً بالشواهد المورّثة للاطمئنان، يكون ملاك العمل هو القرائن، لا الخبر الضعيف.

قلت: المفروض فيما إذا كان للخبر تأثير في حصول مرتبة ضعيفة من الاطمئنان، مثل ما إذا كان الراوي مهملاً معنوناً في الرجال لكن لم يرد في حقّه مدح ولاذم فيوصف خبره بالضعف، ولكن مثل هذا الضعف ليس مانعاً من قبوله إذا كان محفوفاً بالقرائن لاما إذا كان مجهولاً لا يعرف منه شيء، أو كان مجروحاً بالكذب والدّس والوضع، أو مطعوناً بالخلط، فإنّه ليس لروايته أيّ تأثير إيجابي في حصول الاطمئنان (1).


1-إلاّ على القول بحجّية مطلق الوثوق والاطمئنان بمضمون الخبر وإن لم يكن مستنداً إليه.


(281)

وبذلك نخرج عن البحث بهذه النتيجة وهي حجّية الأقسام الثلاثة من الروايات بضميمة بعض أقسام الضعاف كالمهمل إذا اقترنت بأُمور تورث الاطمئنان.

ولا تنحصر الحجّية بالصحيح دون الموثّق والممدوح، فضلاً عن اشتراط كون الحديث صحيحاً أعلائياً، معدّلاً رواته بعدلين من أهل الرجال، فإنّ ذلك تفريط في المقام.

ولأجل ذلك قال الشيخ الأعظم بعد الفراغ من بيان الأدلّة العقليّة التي أُقيمت على حجّية خبر الواحد: «والانصاف أنّ الدالّ منها لم يدلّ إلاّ على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه وهو الذي فسّـر به الصحيح في مصطلح القدماء، والمعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيداً بحيث لا يعتني به العقلاء، ولا يكون عندهم موجباً للتحيّـر والتردّد» (1).

الرابع: الاستدلال بالإجماع:

ويمكن تقريره بوجوه:

الأوّل: الإجماع المنقول من الشيخ الطوسي على حجّية خبر الواحد الوارد في عدّته.

الثاني: الاجماع القولي من جميع العلماء عدا السيد وأتباعه.

الثالث: الاجماع العملي من العلماء على العمل بأخبار الآحاد، وهذه الوجوه غير مفيدة.

أمّا الأوّل: فلأنّ الكلام في حجّية خبر الواحد، فكيف يمكن إثبات حجيّته به فإنّ قول الشيخ لا يعدو أنّه خبر واحد.


1-الفرائد ص 106، طبعة رحمة اللّه.


(282)

وأمّا الثاني: فلأنّ مستند دعوى الأكثر هو الآيات والروايات وغيرهما، ومع معلومية السند لا يصحّ الاستناد إلى الاجماع.

وأمّا السيرة العملية من علماء الفريقين فهي صحيحة، لكن عملهم بها لم يكن بما هم متشرّعة، بل بما هم عقلاء وحيث استقرت سيرتهم على العمل بقول الثقة، يرجع ذلك إلى الدليل الثالث. وعلى كلا الفرضين لا يكون الاجماع دليلاً مستقلاً.

الخامس: الاستدلال بالعقل ويقرّر بوجوه:

الأوّل: ما قرّره الشيخ في الفرائد، وتبعه المحقق النائيني على اختلاف في كيفية التقرير، ولبّ ما أفاده هو إجراء الانسداد الصغير في مورد الأخبار، في مقابل الانسداد الكبير في الأحكام والوظائف، وحاصل الفرق بين الانسدادين هو أنّ مقدمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام لتستنتج منها حجّية مطلق الظنّ فيها، وأمّا مقدمات انسداد الصغير فهي إنّما تجري في بعض ما يتوقف عليه استنباط الحكم من الرواية كالعلم بالصدور أو العلم بكون الخبر ظاهراً في المعنى المنطبق، ولو قلنا بانسداد باب العلم فيهما تكون نتيجة إجراء الانسداد فيهما هي الاكتفاء في إحراز الصدور بالظن، وفي إحراز الظهور به أيضاً، فتكون نتيجة إجرائه في الأوّل هو حجّية كلّ ما ظن صدوره، ومنها قول الثقة أو كلّ ظن يثبت الظهور ومنها قول اللغوي.

إذا عرفت ذلك فنقول: فيمكن تقرير الانسداد في المقام بالبيان التالي:

أنّا نعلم إجمالاً بصدور كثير من الأخبار المودعة فيما بأيدينا من الكتب ولا سبيل إلى منع العلم بذلك، وعلى ذلك فنحن مكلّفون بما تضمّنه هذه الأخبار من الأحكام، هذا من جانب.


(283)

ومن جانب آخر: لا يجب الاحتياط فيها لعدم إمكانه أو تعسّـره ولا يجوز الرجوع إلى الأُصول العملية لمنافاته للعلم الإجمالي، فحينئذ يجب الأخذ بمظنون الصدور فقط، لأنّ الأخذ بمشكوكه أو موهومه دون المظنون يوجب ترجيح المرجوح على الراجح.

وأورد عليه الشيخ بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ العلم الاجمالي بالأحكام ليس مختصّاً بهذه الأخبار بل الأمارات الظنّية كالشهرة والإجماع المنقول والأخبار النبوية المنقولة في كتب المخالفين من أطراف العلم الاجمالي فلازم عدم وجوب الاحتياط، الرجوع إلى كلّ ما أفاد الظن بصدور الحكم الشرعي عن الحجّة سواء كان المفيد للظن، خبراً أو شهرة أو غيرهما، فهذا الدليل لا يفيد حجّية خصوص الخبر، بل يفيد حجّية كل ما ظنّ منه بصدور الحكم من الحجّة وإن لم يكن خبراً (1).

وحاصله: أنّ العمل بالخبر المظنون الصدور لكونه موصلاً إلى الظن بصدور الحكم الشرعي، فيجب أن تكون كلّ أمارة لها هذا الوصف حجّة، أي كلّ أمارة تفيد الظن بصدور الحكم من الحجّة فملاك الحجّية هو الظن بصدور الحكم الشرعي التكليفي من الحجّة، وعندئذ فالخبر وغيره في المقام سواسية، وبالإمعان فيما ذكرنا تقف على الفرق بين الإشكالين: الأوّل والثاني.

وأجاب عنه المحقق الخراساني بانحلال العلم الإجمالي بين مطلق الأمارات بما علم بين الأخبار بالخصوص ولو بالإجمال.

توضيحه: أنّ الميزان في إنحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الاجمالي الصغير أن لا يزيد عدد المعلوم إجمالاً في الأوّل، على عدد المعلوم إجمالاً في الثاني، فهو عندئذ ينحلّ دون ما إذا زاد الأوّل على الثاني، وإليك توضيحه بمثال:

إذا علمنا أنّ في هذا القطيع عشر شياه محرّمة، وهذا هو العلم الإجمالي


1-الفرائد: ص 103ـ 104، طبعة رحمة اللّه.


(284)

الكبير، لسعة أطرافه وشموله للبيض منها والسود، وعلمنا أنّ في السود منها أيضاً عشر شياه محرّمة، وهذا هو العلم الاجمالي الصغير، لضيق أطرافه وعدم شموله إلاّ للسود، ونحتمل أن يكون الحرام الموجود بين السود، نفس الحرام الموجود في القطيع، وبما أنّ عدد المعلوم في كلا العلمين، لا يزيد على الآخر، ينحلّ العلم الاجمالي الأوّل بالعلم الإجمالي الثاني، والشاهد على ذلك أنّه لو أفرزنا الشياه السود بأجمعها، لا تكون الشياه البيض طرف العلم بل طرف الشك والاحتمال، وينحلّ العلم الإجمالي إلى علم قطعي وشك بدوي، وقد عرفت أنّه يكفي في تحقق الإنحلال، إحتمال الانطباق ولا يلزم لزوم العلم به.

وهذا بخلاف ما إذا علمنا أنّ في الشياه السود، خمسة محرّمة بحيث يكون عدد المعلوم في الثاني أقلّ من الأوّل فلا ينحلّ العلم، ولو أفرزنا الشياه السود بأجمعها، لبقي العلم الإجمالي بوجود شياه محرّمة مرددة بين البيض والسود بحاله، ومثله ما إذا علمنا أنّ المعلوم، الحادث لا صلة له بالمعلوم السابق، وارتفع إحتمال الانطباق.

وعلى ذلك فنقول: إنّ في المقام ثلاثة علوم إجمالية:

الأوّل: العلم الإجمالي الكبير وأطرافه تمام الشبهات، ومنشأه العلم بالتكاليف وأنّ الشرع لم يترك الانسان سدى.

الثاني: العلم الإجمالي الصغير وأطرافه الأخبار وسائر الأمارات، ونعلم قطعاً بموافقة قسم كبير منها للواقع.

الثالث: العلم الإجمالي الأصغر وأطرافه خصوص الأخبار إذ نعلم بصدور قسم كبير منها من المعصوم ـ عليه السَّلام ـ .

ولا شك أنّ العلم الأوّل ينحلّ بالعلم الثاني بحيث لو أفرزنا موارد قيام الأمارات مطلقاً عن أطراف الشبهات لزال العلم عن الموارد التي ليست فيها أية أمارة ويكون طرف الشبهة والاحتمال لا طرف العلم.


(285)

إنّما الكلام في إنحلال العلم الثاني بالثالث، فلو أفرزنا الأخبار المعتبرة من مطلق الأمارات من كلّ باب من أبواب الفقه فهل يبقى لنا علم إجمالي بوجود التكاليف في غير المعتبرة من الأمارات، أو يكون وجود التكاليف فيه مجرد إحتمال؟ والشيخ يدّعي أنّ المقام من قبيل الأوّل، والمحقّق الخراساني يدّعي كونه من قبيل الثاني.

ولعلّ (1) الحقّ مع المحقّق لأنّ الأخبار المعتبرة في كلّ باب بمقدار كبير، لا يبقى مع إفرازها، علم بوجود تكاليف في سائر الأمارات ولو مع ضميمة الأخبار المعتبرة، وإلى ذلك الجواب أشار المحقق الخراساني بقوله: ... إنّه يعلم إجمالاً بصدور كثير ممّا بأيدينا من الأخبار من الأئمّة الأطهار، بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علمنا تفصيلاً ذلك المقدار لانحلّ علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الأمارات إلى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلاً، والشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الأمارات غير المعتبرة (2).

الثاني: أنّ النسبة بين الحجّية، والخبر المظنون الصدور، هو الأعم من وجه . لا التساوي فلو حصل الظنّ بحكم اللّه من غير الخبر، يكون حجة وإن لم يكن هناك، الخبر المظنون الصدور، وأمّا لو كان هناك خبر مظنون الصدور، ولكن لم يحصل منه الظن بالمطابقة كما إذا احتملنا صدوره تقية، لا تكون حجة، وذلك لأنّ الأخذ بمظنون الصدور ليس بما هو هو، بل لأجل تضمّنه أحكاماً واقعية، فإذا كان المناط لأخذ مظنون الصدور، كونه متضمّناً للأحكام الواقعية، فيجب الأخذ بكل أمارة ظن مضمونها حكم اللّه الواقعي، سواء حصل من الخبر أو من غيره


1-وجه الترديد ما ذكرناه سابقاً من أنّ في الفقه مسائل كثيرة ليس لها دليل سوى الشهرة الفتوائية ومعه كيف يمكن القول بالانحلال القطعي.
2-الكفاية: ج2 ص 100.


(286)

كالشهرة والإجماع المنقول اللذين ليس فيهما إلاّ الظن بمطابقة مضمونهما، حكم الواقعي فقط، كما إذا لم يحصل من الظن بالصدور الظن بكون مضمونه حكم اللّه لم يجب العمل به وإن كان مظنون الصدور. وإلى ما ذكرنا أشار الشيخ الأعظم بقوله:إنّ اللازم من ذلك العلم الإجمالي هو العمل بالظن في مضمون تلك الأخبار لما عرفت من أنّ العمل بالخبر الصادر إنّما هو باعتبار كون مضمونه حكم اللّه الذي يجب العمل به، فكلّما ظنّ بمضمون خبر منها ولو من جهة الشهرة يؤخذبه... (1).

الثالث: أنّه فرق بين العمل بخبر الواحد بما هو حجة الذي هو المطلوب في المقام، والعمل به من باب الاحتياط كما في هذا التقرير، ولا يترتب على الثاني مايترتب على الأوّل، إذ كون خبر الواحد حجّة يترتب عليه أُمور ثلاثة:

أ : حجيّته في مثبتاته ولوازمه، وما يترتب على اللازم من الآثار الشرعية، بخلاف الأُصول وبالأخص أصالة الاحتياط، إذ لا تترتّب عليه لوازم مضمونه ولا الأحكام التي تترتّب عليها.

ب: صحّة نسبة مضمونه إلى اللّه سبحانه، أخذاً بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما أديّا عنّي فعنّي يؤدّيان» وكيف وقد جعله سبحانه حجّة شرعية، وهذا بخلاف العمل بالخبر من باب الاحتياط، فلا تصحّ نسبة مضمونه إليه سبحانه أو إلى أحد المعصومين.

ج: كونه وارداً على الأُصول العملية ورافعاً لموضوعها وحاكماً على الأُصول


1-والفرق بين الاشكالين واضح، فالأوّل: يركز على أنّ ملاك الحجّية هو الظن بصدور الحكم من الحجة فيعود المستشكل ويقول: وعندئذ: الخبر وسائر الأمارات في الملاك سواسية إذا أفاد الظن بصدور الحكم، وأمّا الثاني: فهو يركز على أنّ الملاك ليس هو الظن بصدور الحكم من الحجة، بل كون المظنون مطابقاً للواقع إذ ربّما لا يكون مظنون الصدور مطابقاً للواقع ـكما في مورد التقيةـ وعليه فالملاك هو الظنّ بالمطابقة للواقع وتكون النسبة بينه وبين الحجّية عموماً من وجه.


(287)

اللفظية من إطلاق أو عموم، و على أيّ تقدير لا يعمل بها، إذا كان في مقابلها دليل اجتهادي.

وهذا بخلاف ما إذا أخذنا بخبر الواحد من باب الاحتياط فهناك تفصيل.

أمّا الأُصول العملية:

فهي بين كونها مثبتة للتكليف أو نافية كالبراءة.

فلو كان الأصل مثبتاً للتكليف كالاشتغال، فمقتضى الاحتياط، هو العمل بالأصل، لا بالخبر النافي للتكليف، لأنّ موضوع الأصل بعد باق بحاله، فالمورد من مجاريه، لأنّ المفروض أنّ الخبر ليس حجة، وإنّما يؤخذ به من باب الاحتياط،وليس الأخذ بالخبر موافقاً للاحتياط كما أنّه إذا كان الخبر أيضاً مثبتاً لتكليف آخر،فمقتضى الاحتياط هو العمل بالأصل شرعاً، وبالخبر احتياطاً ورجاءً، وأمّا إذا كان الأصل نافياً للتكليف فيجب العمل بالخبر لموافقته للاحتياط.

هذا كلّه في غير الاستصحاب، وأمّا فيه فلو كان الاستصحاب مثبتاً للتكليف كاستصحاب حرمة مس الحائض بعد حصول النقاء، وقبل الاغتسال مع دلالة الخبر على الجواز إذا غسل الموضع، فبما أنّه يعلم انتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد ويحتمل كون المورد منه، فصحة الاستصحاب مبني عليجواز العمل بالأصل مع العلم بمخالفته للواقع في بعض الأطرافكاستصحاب نجاسة كل من الإنائين إذا علم بطهارة واحد لا بعينه، فلو قلنا بجواز الاستصحاب في المثال، قلنا به في المقام، لأنّ العلم بانتقاض الحالة السابقة في موارد عديدة، مثل العلم بطهارة أحد الإنائين. ولو قلنا بعدم جوازه،كما عليه الشيخ والمحقق النائيني يسقط العمل بالأصل ويجوز العمل بالخبر.


(288)

وإلى ما ذكر يشير صاحب الكفاية بقوله: «أو الاستصحاب بناءً على جريانه» (1) في أطراف ما علم إجمالاً بانتقاض الحالة السابقة في بعضها أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه، وإلاّ لاختصّ عدم جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال (2).

وأمّا إذا كان الاستصحاب نافياً والخبر مثبتاً، فلا شكّ في العمل به لعدم منافاته له.

وأمّا الأُصول اللفظية:

فالظاهر من الشيخ والمحقق الخراساني عدم قيامه لتقييد المطلقات وتخصيص العمومات مطلقاً، لعدم كونه حجّة شرعية بل العمل به من باب الاحتياط، قال في الكفاية: إنّه لا يكاد ينهض على حجّية الخبر بحيث يقدّم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره من عموم أو إطلاق.

ويمكن أن يقال: إنّ الوظيفة هي رعاية الاحتياط، فإنّ العموم والإطلاق وإن كانا حجّتين، لكنّهما حجّتان بالقوة وإنّما يصيران حجّة إذا تفحّص المجتهد ولم يعثر على المخصص أو المقيّد وخرجاعن مظنّة التخصيص أو التقييد، فيكونان حجّة بالقوّة.

وإن شئت قلت: إنّ العام حجة ما لم يثبت المخصص ولكن عدم الثبوت فرع الفحص وعدم الوقوف على المخصّص، وهو فرع التمكّن عن العثور عليه إذاتفحّص، والمفروض في المقام عدمه، لأنّ المخصصات والمقيّدات وإن صدرت


1-والوجهان مبنيان على أنّ المانع من جريان الاستصحاب، هل هو المخالفة العملية فيجري فيما إذا علم بانتقاض الحالة، إذا لم يستلزم المخالفة العملية، كما علم بطهارة أحد الإنائين أو المانع هو محذور التناقض بين الصدر والذيل في قوله: «ولا تنقض اليقين بالشك، ولكن تنقضه بيقين آخر» إذ العلم في الذيل هو الأعم من اليقين التفصيلي أو الإجمالي، فلا يجري، لأنّ لازم جريانه كون الإنائين محكوماً بالنجاسة حسب الصدر وبالطهارة حسب الذيل.
2-الكفاية: ج2 ص 104.


(289)

عن الأئمّة لكن اختلط معلوم الصدور بغيره، فلا يعثر عليه المجتهد إذا تفحّصفيكون حجّة بالقوّة، ومقتضياً للاحتجاج، لا علّة تامّة له، هذا من جانب.

ومن جانب آخر العقل يحكم بلزوم العمل بالأخبار، للعلم بصدور كثير منها، إلزاماً تامّاً من باب الاحتياط، ونعلم أنّ فيها ما يصادم العموم والإطلاق،وعلى ذلك يجب المشي على وجه يوافق الجمع بين الحقّين والعمل بالاحتياطين.

فلو كان مفاد العموم الزامياً ومفاد الخبر غير الزامي، كما إذا قال: وحرّم الربا، وقال: لا ربا بين الوالد والولد، فمقتضى الاحتياط هو العمل بالعام. ولو انعكس كان مقتضاه هو العمل بالخبر، كما إذا قال: أحلّ اللّه البيع، وقال: نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن الغرر. لأنّ الثاني وإن لم يكن حجّة، ولكنّه يجب الأخذ به ، كالأخذ بالعموم وإن كانا مختلفين في الكيفية.

وإن كانا كلاهما إلزاميين، كما إذا ورد متواتراً وجوب إكرام العلماء، وورد في الاخبار الآحاد، حرمة الفاسق منهم، فلا مناص من التخيير، لأنّ العام وإن كان حجّة لكن المفروض أنّ الأخذ بالأخبار أيضاً واجب من باب الاحتياط مع العلم بصدور كثيرها من المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ ويحتمل أن يكون المقام منه.

هذا كلّه حول الوجه الأوّل الذي أفاده الشيخ وكان معتمداً عليه في سالف الزمان.

الوجه الثاني: ما نقله الشيخ عن صاحب الوافية للفاضل التوني: واحتجّ على حجّية الخبر الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة، كالكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر بأنّا نقطع ببقاء التكليف بالصلاة والزكاة وغيرهما، مع أنّ جلّ أجزائها لا يعلم إلاّ بخبر الواحد، فلو تركنا العمل بالخبر، لزم ترك الضروريات.


(290)

والتقريب تمسك بدليل الانسداد بتخصيص مجراه الأجزاء والشرائط فلابد من إجراء جميع مقدماته أضف إليه أنّه يشترك مع الوجه الأوّل في إيجاب الأخذ بالخبرالواحد من باب الاحتياط، لا بما هو حجّة، فيشترك مع ما سبق نقضاً وإبراماً.

وأورد عليه الشيخ بوجهين:

الأوّل: نفس ما أورده على الوجه الأوّل من أنّ العلم الإجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط بين جميع الأخبار لا خصوص أخبار الكتب المعتبرة، فاللازم إمّا الاحتياط والعمل بكلّ خبر دل على جزئية شيء أو شرطيته، وإمّا العمل بكلّ خبر ظن صدوره ممّا دلّ على الجزئية والشرطية، سواء كان جامعاً لما ذكره من الشرائط من كونه في الكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر ، أو لا.

ويندفع بأنّ الروايات المعلومة الصدور، إذا ضمّت إلى معلومة الاعتبار يبلغ إلى حدّ ينحل معهما العلم الإجمالي بالأجزاء والشرائط بين مطلق الأخبار فليس لازم هذا التقريب، الاحتياط المطلق بين جميع الأخبار.

الثاني: أنّ ماهو المطلوب هو حجّية الخبر الواحد بماله من الآثار الثلاثة، ونتيجة هذا التقريب كون العمل به من باب الاحتياط وبينهما فرق واضح كما قرّر عند تحليل الوجه الأوّل، فلا نعيد.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق صاحب الحاشية حيث قال: السادس: أنّه قد دلّت الأخبار القطعية والاجماع المعلوم من الشيعة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنّة، بل ذلك ممّا اتّفقت عليه الأُمّة، وحينئذ إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرجوع إليهما في الغالب، تعيّـن الرجوع على الوجه المذكور، وإن لم يحصل ذلك وكان هناك طريق في كيفية الرجوع إليهما (أي الظن الخاص) تعيّـن الأخذ به، وكان بمنزلة الوجه الأوّل، وإن انسد سبيل العلم به أيضاً، وكان هناك طريق ظنّي في كيفية الرجوع إليهما، لزم الانتقال إليه والأخذ بمقتضاه (وإن


(291)

لم يفد الظن بالواقع) تنزّلاً من العلم إلى الظن مع عدم المناص عن العلم، وإلاّ لزم الأخذ بهما والرجوع إليهما على وجه يظن منهما بالحكم على أي وجه كان لما عرفت من وجوب الرجوع إليهما وحينئذ فيتنزّل إلى الظن، وحيث لا يظهر ترجيح لبعض الظنون المتعلّقة بذلك على بعض، يكون مطلق الظن المتعلّق بهما حجّة، فيكون المتّبع حينئذ هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظن منهما (1).

وأورد عليه الشيخ ما هذا خلاصته:

1ـ أمّا أن يكون المراد من السنّة هو نفس قول الحجّة وتقريره وفعله، فالمراد هو الرجوع إلى مدلول السنّة لا إلى لفظها، فإذا كان الواجب هو الرجوع إلى المدلول، فلا يختص الرجوع إلى الخبر، بل يعمّ كلّ أمارة مؤدية إلى مدلول السنّة من الشهرة والإجماع، ويكون مفاده حجّية مطلق الظن بحكم اللّه الملازم بالظن بمدلول الكتاب والسنّة.

2ـ وإن كان المراد من السنّة الحواكي والأخبار الواردة في الكتب الأربعة، فيرد عليه أُمور:

أ ـ أنّ السنّة بهذا المعنى على خلاف المصطلح.

ب ـ لم يقم الإجماع والضرورة على وجوب الرجوع إلى السنّة بهذا المعنى، وإنّما قاما على السنّة بمعنى قول المعصوم وتقريره وفعله،لا الحواكي.

ج ـ أنّ الرجوع إليها إن كان بملاك دعوى العلم بصدور أكثرها إجمالاً فهذا يرجع إلى الوجه الأوّل.

د ـ وإن كان بملاك العلم بتكاليف واقعية، وأنّ العقل يحكم بذلك بعد عدم إمكان الوصول إليها بالقطع فهذا يرجع إلى دليل الانسداد (2).

وأورد المحقق الخراساني على ما أفاده الشيخ في الشق الثاني بأنّ ارجاعه إلى


1-هداية المسترشدين، والمطبوع غير مرقم.
2-الفرائد: ص 105.


(292)

أحد الوجهين: الانسداد أو الوجه الأوّل، مبنيّ على كون الرجوع إلى السنّة لكونها طريقاً إلى الواقع، ولكن ظاهر كلامه أو محتمله أنّ الرجوع إلى الأخبار بحكم حديث الثقلين له موضوعية، وعند ذلك يسقط كلا الشقّين، وعندئذ فالرجوع إلى السنّة الحاكية، لا لأجل العلم الإجمالي بتكاليف واقعية ليرجع إلى دليل الانسداد، ولا لأجل العلم بصدور أكثر الأخبار فيرجع إلى الوجه الأوّل، بل لأجل الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنّة في حديث الثقلين ولا يعد وغيرهما.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالرجوع إلى السنّة لابدّ أن يكون له ملاك، وهو أحد الأمرين: إمّا لأنّ الطريق المنحصر إلى التكاليف الواقعية في هذه الأزمنة هو الحواكي، فلولا الرجوع يلزم الخروج عن الدين فيرجع إلى دليل الانسداد، أو لأجل العلم بصدور أكثرها فيرجع إلى الوجه الأوّل، وإلاّ فيلزم أن يكون إيجاب العمل بها بلا ملاك.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني أورد على صاحب الحاشية وجهاً آخر. حاصله: أنّ لازم ذلك هو التدرّج في الحجّية بمعنى أنّ مقتضاه هو الرجوع إلى الأخبار المتيقّن الاعتبار فإن وفى بمعظم الفقه، وإلاّ أُضيف إليه ما هو المتيقّن اعتباره بالاضافة لو كان، وإلاّ فالاحتياط بالعمل بالجميع لا الرجوع إلى ما ظنّ اعتباره (1).

وفيه: أنّ صاحب الحاشية بصدد بيان الحجّية للخبر على وجه الإجمال وليس في مقام بيان كميتّه وسعته وضيقه، وأمّا المقدار والكميّة، فهو تابع بمقدار وفاء ما أخذ على معظم الفقه.

هذا كلّه حول حجّية خبر الواحد. وقد عرفت مقدار الحجّية ودليلها.

بقي الكلام حول الوجوه التي أقاموها قديماً وحديثاً على حجّية الظن وهي البحث التالي:


1-الكفاية: ج2 ص 107.


(293)

في حجّية مطلق الظن:

قد استدلّ على حجّية مطلق الظن بوجوه أربعة:

الأوّل: ما ذكره قدماء الأُصوليين وهو أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنّة للضرر، ودفع الضرر المظنون واجب.

أمّا الصغرى فلأنّ الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالضرر في ترك الأوّل وارتكاب الثاني لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، وأمّا الكبرى فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون.

والجواب: أنّه إن أُريد من الضرر، العقاب الأُخروي، فالكبرى مسلّمة، لأنّ احتمال العقاب واجب الدفع عند العقل فكيف مظنونه، إلاّ أنّ الصغرى (الظنّ بالتكليف ملازم للظنّ بالعقاب) ممنوعة إذ لا ملازمة بين التكليف والعقاب، لأنّ التكليف بما هو هو ما لم يصل إلى درجة التنجّز، لا يوجب العقاب، وإن شئت قلت: إنّما الملازمة بين المخالفة عن علم واستحقاق العقاب، لا مطلق المخالفة واستحقاقه، وإن كان الحكم غير منجّز، والمفروض في المقام أنّ الحكم بعدُ غير منجّز لأنّه لم يصل إلى العبد عن علم ولا عن طريق قطعي الاعتبار، فكيف يكون منجّزاً مع استقلال العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

والحاصل: أنّ التكليف إذا كان منجّزاً فالعقاب القطعي أو الظنّي أو الاحتمالي واجب الدفع، ولأجل ذلك قالوا بوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي فإنّ في ارتكاب واحد من الطرفين ، ظنّ بالعقاب، كما أنّ في ارتكاب واحد من الأطراف الكثيرة احتماله، إنّما الكلام فيما إذا لم يكن منجّزاً فالعقاب قطعي العدم.

والعجب من المحقق الخراساني حيث احتمل أنّ العقل وإن لم يستقلّ بتنجّزه بمجرده، بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، إلاّ أنّه لا يستقل


(294)

أيضاً بعدم إستحقاقها ومعه فتحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة، وجه العجب، أنّه لو صحّ ما ذكر لزم عدم استقلال العقل في حكمه وهو خلاف التحقيق،ولزمبطلان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مع أنّه معترف بصحتها في باب البراءة.

وإن أُريد من الضرر الملازم للظن بالتكليف، الضرر الدنيوي، فتارة تكون الصغرى ممنوعة، وأُخرى تكون الكبرى كذلك.

أمّا الأوّل فلأنّ ما هو الثابت على أُصول العدلية هو كون الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد نوعية لا شخصية، ففي مورد الظن بالوجوب أو بالحرمة، ظن بمصلحة ومفسدة نوعية لا شخصية، وأين هو من الضرر الشخصي المتوجّه إلى شخص الظان، وليس ترك كلّ ما فيه مصلحة نوعية ولا فعل كل ما فيه مفسدة نوعية ضرراً شخصياً، بل ربّما يكون النفع الشخصي، في جانب الترك في الأوّل وفي جانب الفعل في الثاني كظنّ التكليف بالإنفاق، أو الظن بحرمة الربا والغيبة، فإنّ في الإنفاق مصلحة نوعية، كما أنّ في الأخيرين مفسدة نوعية، ولكنّ ليس في ترك الأوّل وفعل الأخيرين أيّ ضرر شخصي على الفاعل، فتلخّص أنّ الظن بالضرر في هذا المورد ممنوع، وهذا هو المراد من أنّ الصغرى ممنوعة.

وأمّا الثاني: أعني: منع الكبرى، وهي لزوم الدفع، فهذا في الأحكام التي تكون تابعة لمصالح ومفاسد شخصيّة (ولا ينافي أن تكون فيها أيضاً مصالح ومفاسد نوعيّة) كما في تحريم شرب السمّ وإلقاء النفس في التهلكة، ففي هذا القسم وإن كانت الصغرى محرزة لأنّ الظنّ بالتكليف يكون ملازماً للظن بالضرر الشخصي، غاية الأمر الضرر في مظنون الوجوب، موجود في تركه، وفي مظنون الحرمة في فعله، ولكنّ الكبرى أي وجوب دفع الضرر الدنيوي ممنوع، وإلاّ لوجب الاحتياط في الشبهات الموضوعية، مع أنّ قاطبة العقلاء على خلافه، اللّهمّ إلاّ إذا كانت هناك أهميّة في المظنون والمحتمل. وإن كان الظن والاحتمال ضعيفين، كما


(295)

إذا كان راجعاً إلى النفس والنفيس فظنّ ظنّاً ضعيفاً بكون مائع سمّـاً، أو أنّ هذا العمل يؤجّج النار في المخزن، ففي هذا المورد يكون الدفع واجباً لأهمّيّة في المحتمل، وهذا غير القول بلزوم الاحتياط في كلّ مظنون التكليف ومحتمله.

الوجه الثاني: أنّه لو لم يؤخذ بالظن، لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو قبيح.

يلاحظ عليه: أنّ لزوم الأخذ إمّا في مقام الإفتاء أو في مقام العمل.

أمّا الأوّل: فيمكن أن يتوقّف عن الإفتاء، لا بالمظنون ولا بالموهوم، بل يجب التوقف عليه لحرمة الافتاء بما لا يعلم سواء كان مظنوناً أو محتملاً.

وأمّا الثاني: فلأنّ لزوم الأخذ بالظن، فرع ثبوت مقدمات قبله، وإلاّ لم تصل النوبة إليه، أعني: العلم الإجمالي بالتكاليف، وانسداد باب العلم والعلمي بالأحكام بمقدار يكفي في انحلاله، وبطلان الاحتياط وعدم جواز الرجوع إليالبراءة والتقليد، فينحصر الطريق بالأخذ بواحد من الظن والوهم. فلا ريبفي لزوم الأخذ بالأوّل. فيرجع الدليل إلى دليل الانسداد ولا يكون دليلاً مستقلاّ ً.

الوجه الثالث: أنّه لا ريب في وجود واجبات ومحرّمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك الاحتياط التام حتّى في الموهومات، وبما أنّ الاحتياط التام مستلزم للحرج، فمقتضى الجمع بين القاعدتين هو الاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات، لأنّ عكسه باطل بالإجماع.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره بعض مقدمات دليل الانسداد ولا ينتج إلاّ بانضمام الجميع.


(296)

الوجه الرابع: دليل الانسداد، وهو مؤلّف من مقدمات يستقل العقل مع ثبوتها، بكفاية الإطاعة الظنيّة، حكومة أو كشفاً، وهي خمسة وجعلها الشيخ أربعة بحذف المقدمة الأُولى وإليك بيانها:

الأُولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف كثيرة فعلية.

الثانية: انسداد باب العلم والعلمي.

الثالثة: لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرّض لها.

الرابعة: لا يجوز أو لا يجب الاحتياط، كما لا يجوز الرجوع إلى الأُصول من استصحاب وبراءة ولا تقليد.

الخامسة: لابدّ في مقام الإطاعة إمّا من الاكتفاء بالإطاعة الوهمية أو الشكيّة أو الظنّية فعلى الأوّلين يلزم ترجيح المرجوح على الراجح فيتعين الثالث: أعني: الاكتفاء بالإطاعة الظنية.

هذا هو لبّ دليل الانسداد، وتسميته بالدليل العقلي مع كون بعض مقدماته شرعية، أعني: عدم وجوب الاحتياط لقيام الاجماع عليه، أو لدلالة قوله تعالى: (وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج)(الحج/78) لأجل انّ الدليل بصورة قياس استثنائي مركب من قضية منفصلة حقيقية ذات أطراف كثيرة وهي: إمّا أن يكون علم إجمالي بالتكاليف، أو لا يكون، وعلى الأوّل إمّا أن ينسدّ باب العلم والعلمي إلى كثير منها أو لا. وعلى الأوّل إمّا أن يجوز الإهمال أو لا، وعلى الثاني فالتعرّض إمّا بالاحتياط أو بالأُصول العمليّة أو بالتقليد أو بالرجوع إلى القرعة أو بالإطاعة الوهمية والشكيّة أو الظنّية. والكلّ باطل غير الأخير، فتعيّـن الأخير.

ويمكن أن يقال: باغناء المقدمة الأُولى من الثالثة، لأنّ لازم العلم الإجمالي بوجود تكاليف فعلية، هو لزوم التعرّض وعدم الإهمال، فلا حاجة إليها.


(297)

الكلام في دليل الانسداد يقع في مقامات:

وقد بحث عن تلك المقامات شيخنا الأعظم في فرائده والمحقق الخراساني في كفايته، وبما أنّ المهم هو البحث عن صحّة هذه المقدمات وعدمها فنكتفي في البحث عن ما هو المهم وهو:

البحث عن تمامية هذه المقدمات وعدمها، وإليك دراسة هذه المقدمات واحدة بعد الأُخرى:

أمّا المقدمة الأُولى: فلا كلام فيها، لأنّ الانسان ليس كالبهائم، وقد خلقه سبحانه لغاية لا تحصل إلاّ بالاتباع لتشريعه المبيّـن بأنبيائه ورسله، فكيف يمكن أن يترك سدى، على أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب أوضح دليل على ذاك العلم الإجمالي، ومعه كيف يمكن انكاره.

غير أنّ الكلام في بقاء ذاك العلم حتّى بعد الرجوع إلى الكتاب والسنّة القطعيين والأخبار الواردة في الكتب المعتبرة وغيرها، وقد تقدم أنّ هنا علوماً ثلاثة:

1ـ علم إجمالي كبير، وهو العلم بوجود الأحكام بين مطلق المشتبهات ومنشئوه العلم بالتكاليف وأنّ الشرع لم يترك الانسان سدى.

2ـ علم إجمالي صغير، وهو العلم بوجود جميع التكاليف بين الأمارات والأخبار الموجودة بين أيدينا، وهو منحل بالعلم الإجمالي الأصغر، أعني الأخبار الموجودة بين أيدينا أعم من المعتبر وغيره، فلو تمّ (1) هذا الدليل ، لاقتضى وجوب الاحتياط في خصوص الأخبار، وليس الاحتياط فيه موجباً للعسر والحرج، وقد عمل الأخباريون من أصحابنا بكلّ خبر، ولم يوجب ذلك أيّ عسر ولا حرج.

إلى هنا تبيّـن أنّ مقتضى المقدمة الأُولى ليس إلاّ وجود العلم الإجمالي بوجود الأحكام الإلزامية بين الأخبار الموجودة، واللازم الاحتياط فيها، وهو غير


1-إشارة إلى ما سيوافيك من إمكان القول بانحلال العلم الإجمالي الثالث، بالرجوع إلى الكتب المعتبرة من الأخبار، بحيث يكون التكليف في غيرها شكاً في نفس التكليف المصحّح للبراءة.


(298)

حجّية مطلق الظن وسيوافيك إنحلال هذا العلم الثالث بعلم رابع.

أمّا المقدمة الثانية: أعني: انسداد باب العلم والعلمي، فالأوّل مسلّم خصوصاً بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط والكيفيات، بأنّ العلم الضروري وإن كان موجوداً بالنسبة إلى أصل التكاليف لكنّه غير موجود بالنسبة إلى الخصوصيات. وأمّا الثاني، أعني: انسداد العلمي: فهو مبني على عدم حجّية قول الثقة، إمّا لعدم ثبوت وثاقة الرواة، أو لعدم ثبوت حجّية أخبارهم، أو لعدم حجّية ظواهر كلامهم، وقد أوضحنا حال الكلّ، وأثبتنا أنّ الواقع خلافه حيث قلنا بحجّية كلّ خبر موثوق الصدور وراء حجّية قول الثقة، أو حجّية خبر يوثق بصدقه، ومع الأخذ بهذا القسم من الأخبار لا يبقى أي علم في القسم الآخر من الأخبار، وعندئذ لا يبقى مانع من الرجوع في المسائل الخالية عن الظنون الخاصة إلى ما يقتضيه الأصل من البراءة والاستصحاب والاحتياط والتخيير، وهذه المقدمة هي العمدة في قبول ذاك الدليل العقلي وعدمه، فلو كان ما ثبت حجيّته وافياً بمعظم الفقه، وموجباً لانحلال العلم الإجمالي الثالث، لسهّل الرجوع في غير مورد الظنون، إلى الأُصول وإلاّ فلا، وليس دليل الانسداد في كلام صاحبي المعالم والوافية إلاّ هذه المقدمة وأمّا المقدمات الأُخرى، فقد أضافها بعض المتأخّرين.

وأمّا المقدمة الثالثة: وهي أنّه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرّض لامتثالها، فهي أمر قطعي. وقد استدل الشيخ الأعظم عليها بوجوه ثلاثة، والظاهر عدم الحاجة إلى الاستدلال لوضوح المطلب.

فإن قلت: إذا جاز الاقتحام أو وجب بقدر ما يرتفع العسر أو الحرج، فلا يجب الاحتياط في الأطراف لارتفاع العلم عندئذ. ويكون الباقي من المشتبهات البدئية التي تجري فيها البراءة لا من أطراف العلم.

قلت: الجواب بوجوه:

1ـ انّ الاضطرار إنّما يزيل العلم وأثره إذا كان إلى طرف معيّـن ـ على كلام


(299)

فيه يأتي في محلّه ـ لا ما إذا كان إلى واحد لا بعينه، كما عليه الشيخ الأعظم.

2ـ ما ذكره المحقق الخراساني من أنّ الرجوع إلى البراءة في ما لا يلزم فيه العسر والحرج ، إنّما يجوز فيما إذا كان الإهمال أمراً غير مرغوب عنه، فإنّا نعلم أنّ إهمال الجميع سواء كان البعض لأجل العسر والحرج، والبعض الآخر لأجل عدم العلم الإجمالي شيء مبغوض ومرغوب عنه.

3ـ الفرق بين الاضطرار المقدّم على العلم الإجمالي، حيث يوجب عدم انعقاد العلم الإجمالي مؤثّراً، لأنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه مؤثّراً على كلّ تقدير، وهذا إنّما يتصوّر إذا لم يتقدّم الاضطرار على العلم إذ عندئذ (فرض التقدّم) يكون مؤثّراً على فرض وغير مؤثر على فرض. ومثل هذا ينافي العلم بتنجّز التكليف على كلّ تقدير، وبين الاضطرار الحادث بعد العلم، وإن كان رافعاً للعلم، لكنّه ليس برافع أثره، لأنّ العقل يحكم بوجوب الاجتناب لأجل العلم السابق المرتفع فعلاً، وأنّ الضروريات تتقدّر بقدرها، وهو الطرف الرافع للاضطرار، لا غيره. و سوف يوافيك تفصيله.

أمّا المقدمة الرابعة: وهي إبطال الرجوع إلى عدة أُمور: فهي عبارة عن الرجوع إلى قول الغير أوّلاً، وإلى القرعة ثانياً، وإلى الاحتياط ثالثاً، وإلى الأصل المثبت للتكليف مثل الاشتغال أو الاستصحاب المثبت رابعاً، وإلى الأُصول النافية للتكليف كالبراءة خامساً، فيبقى بعد إبطالها، أحد الأُمور الثلاثة: الإطاعة الظنية أو الشكيّة أو الوهمية، فالأخذ بالجميع مستلزم للمحذور والأخذ بالأخيرين مستلزم لترجيح المرجوح على الراجح، فتعيّـن الأوّل كما هو مفاد المقدمة الخامسة.

فنقول: أمّا الرجوع إلى الغير فهو لا يجوز لأنّ مدّعي الانسداد من المجتهدين ويرى القائل بالانفتاح خاطئاً فكيف يرجع من يعد نفسه مصيباً إلى من يعدّه خاطئاً؟

وأمّا دليل القرعة: فسيوافيك بيانه في محلّها أنّه لا إطلاق لأدلتها، وأنّها


(300)

تختص بفصل الخصومات ورفع الاختلاف ولها مصدر قرآني وحديثي، ولم يرد عليها أيّ تخصيص فضلاً عن التخصيص الأكثر حتّى يجعلها موهونةً ولا يعمل بها، إلاّ إذا عمل بها الأصحاب كما هو المشهور(1).

وأمّا الرجوع إلى الاحتياط في موارد الشبهات، فهو على قسمين: قسم يلزم منه الاختلال بالنظام، وقسم يلزم منه العسر والحرج.

أمّا الأوّل: فلا شك في بطلانه، لأنّه قبيح عقلاً، ويستلزم ترك واجبات قطعية فلا يعد احتياطاً.

وأمّا الثاني: أعني: ما إذا كان موجباً للعسر والحرج، فعدم وجوبه، متوقف على حكومة أدلة العسر والحرج على وجوب الاحتياط الذي يحكم به العقل، فهل هي حاكمة على ذاك الوجوب أو لا؟ خلاف منشأ الاختلاف في تعيين ما هو الموصوف بالحرج والضرر في قوله سبحانه: (وما جَعَلَ عَليكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ولا ضرر ولا ضرار.

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الحرج وإن كان وصفاً للفعل، إذ الفعل قد يكون حرجيّاً وقد لا يكون كذلك، لكنّه استعمل ذاك اللفظ في الآية في الحكم مجازاً، أو حذف الحكم وقام الوصف مكانه، والمراد منه الحكم الحرجي حتّى يصح جعله وصفاً، والمراد على كلا التقديرين نفي الحكم الحرجي، وإن شئت قلت: نفي الحكم الذي ينشأ من قِبَلِه الحرج والضرر، ولو باعتبار بقائه في حال الاشتباه.

وذهب المحقق الخراساني: إلى أنّ الحرج والضرر وصف للفعل، فلا يجريان إلاّ إذا كان نفس الفعل حرجياً وضررياً في حدّ نفسه، لا باعتبار حكمه، وتكون الغاية عندما كان نفس الفعل حرجياً، هو نفي حكمه الشرعي، وادّعى أنّ ما ذكره هو القاعدة المطردة في قوله: «لا شك لكثير الشك» ، و «لا ربا بين الولد والوالد». والمراد من نفي الموضوع هو نفي حكمه بعد تحقّقه (الشك والربا)


1-نعم وردت رواية شاذة في قطيع غنم فيها غنم موطوئة، انّها تخرج بالقرعة وهذه الرواية غير معمولة كما سيوافيك في محله.


(301)

واتّصاف عمل المكلّف بالحرج.

وتظهر الثمرة بين القولين في موارد نشير إلى بعضها.

منها: استدلال المشهور على إثبات خيار الغبن بحديث لا ضرر، فإنّه يصح على مسلك الشيخ، دون المحقق الخراساني لأنّ الحكم بلزوم العقد، ضرريّ يجب نفيه، بمقدار يرتفع معه الضرر، وهو نفي اللزوم وإثبات جواز العقد. وأمّا على مسلك المحقق الخراساني، فبما أنّ الفعل ـ أعني: العقد ـ ليس بضرري وإن كان حكمه هنا ضرريّاً، فلا يعمّه دليله، إذ لا ضرر في فعل المكلّف حتّى يرتفع، ويرتفع معه حكمه.

منها: إذا فرضنا عملاً ندبياً حرجياً، فعلى مسلك الشيخ لا تعمّه أدلّة الحرج، لأنّ الحكم الندبي بما أنّه غير إلزامي، لا حرج فيه، فلا تشمله أدلته، وعلى مسلك المحقق الخراساني بما أنّ نفس الفعل والعمل، أمر حرجي وإن لم يكن حكمه حرجياً، تعمّه أدلّة الحرج.

ومنها : المقام: فإنّ أدلة الحرج تعمّ المقام على مسلك الشيخ دون المحقق، لأنّ نفس أحكام المشتبهات ولو باعتبار بقائها، موجب للحرج، فيعمّه دليله، فإنّ نفس الحكم حدوثاً وإن لم يكن مستلزماً للحرج، ولكنّه بقاء في هذه الظروف، موجب للحرج، لأنّ امتثاله يستلزم الاحتياط الموجب للعسر والحرج، وإن كان مستنداً في الظاهر إلى نفس الاحتياط، لكن الاحتياط لما كان معلول نفس الحكم وبقائه، فالحرج مستند في الحقيقة إلى نفس الحكم. وبعبارة أُخرى: «إنّ العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة فتكون منفية بنفيه».

وأمّا على مسلك المحقق الخراساني، فلمّـا كان كل واحد من الواجبات والمحرّمات، غير حرجي، ولا ضرري لعدم العسر في متعلّق التكليف وإنّما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً، لا يصدق أنّ هنا فعلاً حرجيّاً ولا ضرريّاً، والحرج والضرر معلول الجمع بين المحتملات، وهذا الفعل، أي الجمع وإن كان حرجياً،


(302)

لكنّه ليس بواجب شرعاً، وإنّما هو واجب عقلاً، والقاعدة حاكمة على الأحكام الشرعية لا العقليّة، وعلى ذلك لا يكون المقام مورداً للقاعدة لعدم وجود فعل حرجي واجب شرعاً، وإن كان هناك فعل حرجي واجب عقلاً.

ولكن الحقّ مع الشيخ الأعظم بوجهين:

أمّا أوّلاً: فلأنّه لو صحّ ما ذكره فإنّما يصح في قوله: «لا ضرر» بناءً على أنّ الضرر صفة الفعل، وأنّ المرفوع خصوص الفعل الضرري ـ لا الحكم الضرري ـ لكن لغاية رفع حكمه، وأمّا القاعدة الأُخرى، فالدليل الواضح فيها قوله سبحانه: (وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج) فهو ظاهر في نفي الحكم الحرجي بقرينة قوله: (ما جعل) فإنّ الجعل التشريعي يتعلّق بالحكم، لا بالموضوع، والمقصود كما هو الظاهر من رواية «عبد الأعلى مولى آل سام» أعني قوله: «إنّ هذا وأشباهه يعرف من كتاب اللّه» هو الإخبار عن عدم جعل وجوب المسح على البشرة برفع ما عليها، فكيف يقاس هذا بهذا.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره غير تام حتّى في نفس «لا ضرر» لأنّه إذا كان المراد نفي الفعل الضرري بلحاظ نفي حكمه، يلزم ارتفاع حرمة الفعل الضرري وجواز الاضرار بالغير وهو خلاف المقصود قطعاً، إذ لو كان وزان «لا ضرر» هو وزان «لا ربا بين الولد والوالد» يكون المقصود ارتفاع حرمة الضرر ، كارتفاع حرمة الربا بينهما، وهو غير صحيح بالضرورة. فتعيّـن أنّ المقصود إمّا ما اختاره الشيخ أو ما ذهب إليه شيخ الشريعة من كون النفي بمعنى النهي، مثل قوله سبحانه: (فَلاَ رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ في الحَجّ) (البقرة/197). أو ما اختاره سيدنا الأُستاذ من كون النهي حكماً سلطانياً وحكومياً، لا حكماً شرعياً وفرعياً. وسيوافيك تحقيق الحال في محله فانتظر (1).


1-غير أنّ القول بحكومة دليل الحرج على قاعدة الاحتياط، يقتضي عدم جواز أو وجوب الاحتياط المستلزم للحرج، وأمّا غير المستلزم منه فغير مرفوع. ولأجل ذلك تكون نتيجة دليل الانسداد هو التبعيض في الاحتياط على حدّ لا يستلزم المحذور، لا حجّية الظن. فلاحظ.


(303)

الأُصول المثبتة للتكليف:

وهذا هو الأمر الرابع في كلامه بعد إبطال الرجوع إلى قول الغير، والقرعة وإيجاب الاحتياط، فنقول: إنّ الأصل المثبت إمّا هو أصالة الاشتغال أوالاستصحاب، والأوّل أصل غير محرز، بخلاف الثاني، فنبحث عن كلّ مستقـلاً:

أمّا أصل الاشتغال: فلا مانع من الأخذ به إذا لم يكن مستلزماً للمحذور من اختلال النظام أو الحرج.

وأمّا الاستصحاب: فيجري في المقام على مبنى المحقق الخراساني، ولا يجري على مذهب الشيخ وإليك التفصيل:

فلو قلنا بما ذهب إليه المحقق الخراساني من أنّ المانع منه هو لزوم المخالفة العملية الاحتمالية أو القطعية، كما في الإنائين الطاهرين، إذا علم بوقوع نجاسة في أحدهما، فإنّ استصحاب الطهارة في أحدهما أو كليهما يستلزم إحدى المخالفتين،فلو كان الوجه في عدم الجريان هو ذاك، فلا مانع إذا لم يستلزم المخالفة العملية كما إذا كان الإناءان نجسين فعلم بطهارة أحدهما، فإنّ استصحاب النجاسة فيهما، لا يستلزم شيئاً من المخالفة لأنّ الأصلين موافقان للاحتياط.

والمقام من قبيل القسم الثاني، لأنّ جريان استصحاب الاشتغال ـ مع العلم بارتفاعه في بعض الأطراف ـ لا يستلزم المخالفة العملية، بل هو موافق للاحتياط.

ولو قلنا بما ذهب إليه الشيخ الأعظم من أنّ المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي، هو لزوم التناقض في مدلول الدليل، بداهة أنّ حرمة


(304)

النقض في كلّ منهما بمقتضى الاستصحاب، ينافي لوجوب النقض في البعض كما هو مقتضى العلم الإجمالي، وإن شئت قلت: يلزم التناقض بين الصدر والذيل فإنّ لازم قوله «لا تنقض» هو الحكم ببقاء الحالة السابقة، ولكن مقتضى قوله: «ولكن تنقضه بيقين آخر» هو عدم الحكم به بناءً على أنّ المراد من الذيل هو الأعم من الإجمال والتفصيل.

فلو قلنا بأنّ المانع ذاك، فلا يجري الأصل المثبت من الاحتياط والاستصحاب حول المشتبهات، حتّى ما إذا كان موافقاً للاحتياط لأنّ نفس العلم إجمالاً بأنّ الحالة السابقة ارتفعت في بعض الأطراف مانع، وإن لم تكن هناك مخالفة عملية.

ثمّ إنّ المحقق الخراساني حاول تصحيح جريان الاستصحاب حتّى على مبنى الشيخ، قائلاً بأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعلياً، وأمّا إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك موجوداً بالفعل إلاّ في بعض أطرافه، وكان بعض أطرافه الأُخر غير ملتفت إليه أصلاً، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام، فلا يكاد يلزم ذلك، فإنّ قضية لا تنقض ليست حينئذ إلاّ حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك وليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له.

يلاحظ عليه: أنّ العلم بالانتقاض وإن لم يكـن حاصـلاً عند الاستنباط، غير أنّه موجود بعد الفراغ من استنباط معظم الأحكام، فإنّه عندئذ يقف على انتقاض الحالة السابقة في كثير من الاستصحابات فلا يصحّ له أن يفتي بمضمونها.

فالحق أنّه على مسلك الشيخ لا يجري الاستصحاب المثبت للتكليف.


(305)

أمّا الأُصول النافية:

لا شك أنّ وزان الأُصول النافية وزان الاستصحاب غير المثبت للتكليف، لأنّ العمل بها مستلزمة للمخالفة العملية دون الأُصول المثبتة، فلأجل ذلك إنّما تجري إذا لم تستلزم المخالفة القطعية، وذلك يتحقق بانحلال العلم الإجمالي، بأن يكون ما علم تفصيلاً وما نهض عليه دليل علمي. بضميمة الأُصول المثبتة للتكليف، بمقدار ينحل به العلم الإجمالي ولا يكون معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. وعند ذلك لا موجب للاحتياط عقلاً ولا شرعاً.

وأمّا إذا لم ينحلّ العلم بهذه الأُمور الثلاثة كان خصوص موارد الأُصولالنافية في مورد المظنونات والمشكوكات والموهومات محلاّ ً للاحتياط، ويرفع اليد عن الاحتياط بمقدار رفع الاختلال أو العسر والحرج. وتكون النتيجة لزوم الاحتياط في خصوص موارد الأُصول النافية إلى حدّ لا يلزم منه الأمران.

وأمّا المقدمة الخامسة: فهي مقدمة بيّنة، لا غبار فيها، فإنّه إذا انسدّت جميعطرق الإطاعة، كما هو المفروض يجب التنزّل إلى الإطاعة الظنية، لأنّ تقديمالإطاعة الشكيّة أو الوهمية عليها، كتقديم المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلاً.

لكن الاستنتاج المزبور يتوقف على تسليم المقدمات المتقدمة وإلاّ يكون القياس عقيماً. وقد عرفت منع بعض المقدمات، والمهمّ تحليل المقدمتين: الأُولى والرابعة والخروج عن البحث بنتيجة قطعية . فنقول:

أمّا الأُولى: فقد عرفت أنّ هنا علوماً ثلاثة، ينحل الكبير منه بالصغير، والعلم بوجود التكاليف بين مطلق المشتبهات ينحل بالعلم بوجودها بين


(306)

الأمارات والأخبار، وهذا العلم منحل بوجود التكاليف في الأخبار. ولو قلنا بأنّ العلم والعلمي من الأخبار يوجب انحلال ذاك العلم الإجمالي الثالث، فلا ملزم للعمل بالظن، لعدم العلم الإجمالي وصحّة إجراء البراءة بعد ذلك، ولو لم نقل بذاك الانحلال فغاية ما يقتضيه العلم الإجمالي بوجود تكاليف في مطلق الأخبار، هو لزوم الاحتياط في الأخبار مطلقاً معتبرة كانت أو لا. ولا يلزم منه أيّ محذور بشهادة أنّ أصحابنا الأخباريين قد عملوا بمطلق الروايات ولم يترتب على ذلك، محذور العسر والحرج فضلاً عن اختلال النظام.

وأمّا الرابعة: فإنّها ممنوعة إذ لو كان العلم والعلمي والأُصول المثبتة للتكليف من الاشتغال والاستصحاب كافياً في انحلال العلم الإجمالي، فلا مانع من إجراء البراءة في مورد الأُصول النافية، كما أوضحنا فلا يكون الظن أيضاً حجّة.

ولو قلنا بعدم انحلال العلم فأقصى ما يقتضيه الدليل هو أن يكون خصوص مورد الأُصول النافية مورداً لحكومة العقل (الاحتياط) لكن لمّا كان الاحتياط التام، في موردها يستلزم العسر والحرج، يكتفي به في مورد مظنوناتالتكاليف، وإلغائه في مورد الموهومات والمشكوكات، إلاّ في موارد علم عناية الشرع فيها كالدماء والأعراض والأموال فيحتاط حتّى في مشكوكها وموهومها.

وعلى كلّ تقدير لم يلزم منه حجّية الظن حكومة أو كشفاً وإنّما اللازم أحد أُمور:

1ـ لزوم الاحتياط في مطلق الأخبار حسب المقدمة الأُولى.

2ـ لزوم الاحتياط في مظنون التكاليف في مورد الأُصول النافية بضميمة الاحتياط فيما علم اهتمام الشارع به من قبيل الدماء والأعراض والأموال، وأين


(307)

ذلك من حجّية الظن مطلقاً، وبعبارة أُخرى: فالنتيجة هو التبعيض في الاحتياط بإحدى الصورتين، لا حجّية الظن مطلقاً.

وعندئذ يسقط جلّ المباحث المترتبة على القول بأنّ نتيجته هو حجّية الظن،لما عرفت من أنّ نتيجته على فرض التسليم هو التبعيض في الاحتـياط كما لايخفى.

ولكن المتأخّرين قد فصّلوا الكلام في نتائج الانسداد بعد إبطال مقدماتها وهي أُمور:

الأوّل: هل نتيجة ذاك الدليل، هو الكشف أو الحكومة؟

الثاني: هل النتيجة مطلقة أو مهملة؟

الثالث: كون نتيجته هو حجّية الظن بالواقع أو الظن بالطريق أو الأعم منهما، والأوّل كما إذا ظنّ من الشهرة على نجاسة العصير العنبي، والثاني كما إذا ظنّ بحجّية القرعة.

الرابع: في أحكام الظن المانع والممنوع كما إذا ظن على حكم من الأحكاموقام ظنّ آخر على عدم حجّية ذلك الظنّ، فهل يقدّم الأوّل أوالثاني؟

الخامس: في كيفية خروج الظنون المنهية، كالقياس والاستحسان وغيرهما.

السادس: هل نتيجة ذاك هو حجّية الطريق الواصل بنفسه، أو الطريق الواصل بطريقه، أو الطريق ولو لم يصل أصلاً إلى غير ذلك من الأبحاث؟

وبما أنّ الدليل صار عقيماً، كان البحث عن نتائجه أمراً غير لازم لو لم يكن ضياعاً للوقت الثمين.

وقد قلنا في صدر البحث أنّ في دليل الانسداد مقامات أشبع الأعلام الكلام فيها، وبما أنّ الأصل صار باطلاً فالبحث عن الفروع صار أمراً غير صحيح.


(308)

خاتمة
هل الظن حجة في العقائد أو لا؟

اختلفت كلمتهم في حجّية الظن في الأُصول على أقوال:

1ـ اعتبار العلم الحاصل من النظر والاستدلال وهو المعروف من الأكثر وادّعى عليه العلاّمة في الباب الحادي عشر إجماع العلماء (1).

2ـ اعتبار العلم وإن حصل من التقليد سواء حصل من قول الفرد أو قول الجماعة.

3ـ كفاية الظن مطلقاً.

4ـ كفاية الظن المستفاد من النظر.

5ـ كفاية الظن المستفاد من الخبر (2).

إذا عرفت ما ذكرناه من الأقوال. فاعلم أنّ البحث يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: أنّ المسائل الاعتقادية تنقسم إلى قسمين:

1ـ ما يجب على المكلّف الاعتقاد والتديّن به غير مشروط بحصول العلم كمعرفة اللّه سبحانه وتوحيده، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق.


1-الباب الحادي عشر : ص 4.
2-نقلها الشيخ في الفرائد: ص 169، ط رحمة اللّه، فلاحظ.


(309)

2ـ ما يجب التديّن به إن حصل العلم، فيكون تحصيل العلم من مقدمات الواجب المشروط.

الأمر الثاني: لا يجوز العمل بالظنّ الانسدادي ولا بالظنّ الخاص في القسم الثاني، أعني: ما يجب فيه عقد القلب إن حصل العلم، أمّا الانسدادي فلعدم جريان مقدماته الخمس في هذا القسم، لأنّ الواجب في هذا القسم هو التديّن بالواقع على تقدير حصول العلم وهو غير حاصل.

وعلى الجملة: إنّ الاحتياط في المقام ممكن بلا محذور، وهذا بخلاف الفروع العملية فإنّ الاحتياط فيها لا يخلو عن أحد المحاذير.

أضف إلى ذلك من لزوم التشريع من التعبّد بالظن الانسدادي، لأنّ المطلوب في الأُمور الجوانحية هو التديّن، والعمل بالظنّ الانسدادي فيها مخالفة قطعية، بالنسبة إلى حرمة التشريع، وموافقة احتمالية بالنسبة إلى وجوب التديّن بالعقيدة الحقّة، والعقل لا يجوّز المخالفة القطعية لأجل الموافقة الاحتمالية ، وهذا بخلاف الفروع فإنّ المطلوب فيها هو العمل دون التديّن.

وأمّا الظن الخاص، فالظاهر من الشيخ جوازه حيث قال: فلا مانع من وجوبه في مورد الخبر الواحد، بناءً على أنّ هذا نوع عمل بالخبر الواحد، فإنّ ما دل على وجوب تصديق العادل لا يأبى عن ذلك (1).

ويظهر أيضاً من صاحب مصباح الأُصول حيث قال: إنّه لا مانع من الالتزام بمتعلّقه وعقد القلب عليه لأنّه ثابت بالتعبّد الشرعي (2).

ولكن الاعتماد على خبر الواحد في أُصول الفقه، فضلاً عن أُصول العقائد، فرع وجود إطلاق في أدلّة حجّية خبر الواحد التي عمدتها أو وحيدها هو السيرة


1-الفرائد: ص 170، ط رحمة اللّه.
2-مصباح الأُصول: ج2 ص 238.


(310)

العقلائية، والقدر المتيقن منها هو ما يرجع إلى غير هذا القسم، على أنّه لم يعهد من أعاظم الأصحاب كالمفيد والمحقق العمل بأخبار الآحاد في الأُصول، فالتوقف في هذا القسم وعقد القلب بما هو الواقع هو الأولى.

الأمر الثالث: إنّ تميّز ما يجب تحصيل العلم به مطلقاً عما لا يجب. وبعبارة أُخرى: تميّـز ما يجب التديّن به مطلقاً عمّـا لا يجب التديّن به، إلاّ إذا حصل العلم، مشكل. وقد ذكر العلاّمة في الباب الحادي عشر فيما تجب معرفته على كلّ مكلّف، تفاصيل التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد، مدّعياً أنّ الجاهل بها عن نظر واستدلال خارج عن ربقة الإسلام، مستحق للعذاب الدائم.

ولكنّه غير تام: فإنّ معرفة الصانع ببعض صفاته الثبوتية، مثل كونه عالماً، قادراً، حيّاً سميعاً، بصيراً. وصفاته السلبية، مثل كونه غير جسم، ولا مرئي، ولا في مكان وزمان خاص، أو معرفة نبيّه، وإمامه، ويوم ميعاده، ممّا يمكن ادّعاء لزوم معرفته عقلاً، وأنّه يجب تحصيل العلم فيها، وليست تلك الأُمور ممّا يجب التديّن به إن حصل العلم به، لأنّ الآثار المتوخاة من التديّن بها ليست حاصلة إلاّ بعد المعرفة، ولا يكفي فيها عقد القلب بالواقع، وإن لم يعرفه مشخّصاً، وأمّا ما وراء ذلك فلزوم تحصيل العلم به وعدم كفاية عقد القلب ممّا يحتاج إلى الدليل السمعي.

وقد ادّعى الشيخ الأنصاري وجود بعض الإطلاقات في الأدلّة الشرعية الحاكمة بلزوم تحصيل العلم في الأُمور الاعتقادية.

1ـ مثل قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعْبُدُون) (الذاريات/56) أي ليعرفون.

2ـ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس (1)


1-جامع أحاديث الشيعة: ج 4 ص 3 الأحاديث: 1ـ 4.


(311)

بناءً على أنّ الأفضلية من الواجب خصوصاً مثل الصلاة تستلزم الوجوب.

3ـ عمومات وجوب التفقّه في الدين الشامل للمعارف بقرينة إستشهاد (1) الإمام ـ عليه السَّلام ـ بها لوجوب النفر لمعرفة الإمام بعد موت الإمام السابق.

4ـ عمومات طلب العلم (2).

فنتيجة هذه الإطلاقات هو لزوم معرفة ما جاء به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على كلّ قادر يتمكّن من تحصيل العلم، فيجب الفحص حتّى يحصل اليأس فإن حصل العلم بشيء من هذه التفاصيل اعتقد، وإلاّ توقّف ولم يتديّن بالظن لو حصل (3).

ولا يخفى أنّ ما ذكره من الإطلاقات غير تامّ، لعدم ورودها في بيان ما يجب التديّن والاعتقاد به حتّى يؤخذ بإطلاقها.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ المراد منه هو معرفة اللّه سبحانه لا كلّ ما جاء به النبيّ في مجال المعارف، بدليل أنّ اللام للغاية، والنون للوقاية والمعنى: أي بعبادتي وعرفاني لا مطلق ما يجب معرفته.


1-نور الثقلين: ج2/282، الحديث 406 وجاء فيه: أفيسع الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا ـ يعني المدينةـ، وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وما كان المؤمنون لينفروا كافّة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين...).
2- بحار الأنوار: ج1 ص 162 ـ 221.
3-الفرائد: ص 171، طبعة رحمة اللّه.


(312)

وأمّا الثاني: فالحديث في مقام بيان أهمية الصلوات الخمس، لا في مقام بيان ما يجب معرفته حتّى يؤخذ بإطلاق قوله بعد المعرفة.

وأمّا الثالث: فبمثل ما أجبنا عن الثاني فالآية في مقام الحث على النفر، وكيفيته، لا في مقام بيان ما يجب أن يتفقّه فيه، وقد تمسّك الإمام بالآية لإثبات كيفية التعرّف على الإمام بعد تسليم لزوم معرفته.

وأمّا الرابع: فهو في مقام بيان لزوم تحصيل العلم لا في بيان ما يجب تعلّمه.

هذا كلّه فيما يجب المعرفة مستقلاً، وقد عرفت أنّه لا دليل على وجوب معرفة ما ادّعى العلاّمة لزوم معرفتها، إلاّ معرفة الصانع وتوحيده، وبعض صفاته ومعرفة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمامه ويوم ميعاده.

وهناك روايات تشير إلى الحدّ الواجب في باب المعرفة، روى سماعة: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الإسلام والإيمان، أهما مختلفان؟ فقال: إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس (1).

وفي رواية سفيان بن السمّط عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ... وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان، فهذا الإسلام، وقال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا (2).

كلّ هذه الروايات وما في معناها يحدّد الواجب من المعرفة بالشهادتين، وأنّه يكفي في الإسلام و يزيد في تحقّق الإيمان معرفة الولاية، وما وراء ذلك لا تجب معرفته ولو حصل العلم يجب الاعتقاد به.

ولو فرضنا وجوب معرفة ما وراء ذلك، فهل هي معتبرة في الإسلام والإيمان أو لا؟ سيوافيك الكلام فيه في مختتم البحث وقد طرحه الشيخ الأعظم في المقام، فلاحظ (3).


1-أُصول الكافي: ج2 ص 25، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1.
2-المصدر نفسه: ص 24، باب أنّ الإسلام يحقن الدم، الحديث 4.
3-الفرائد: ص171 ط رحمة اللّه، قال: هذا كلّه حال وجوب المعرفة مستقلاً، وأمّا اعتبار ذلك في الإسلام والإيمان ...


(313)

الأمر الرابع: قد عرفت حكم القسم الثاني من الأُصول الاعتقادية وأنّه لا يجوز العمل بالظن فيها، إنّما الكلام في القسم الأوّل، أي فيما يجب معرفته عقلاً، أو شرعاً، كالاعتقاد بالمعاد الجسماني، فهل يجوز العمل بالظن فيه أو لا؟ يقع الكلام في موردين:

الأوّل: في المتمكّن من العلم.

الثاني: في العاجز.

أمّا المورد الأوّل: فلا يكفي قطعاً، لأنّ المعرفة الظنّية ليست بمعرفة، والظانّ بعد غارق في لجج الجهل ولم يخرج من سجن الظلمة إلى فسيح النور، فلا إشكال في لزوم معرفته إذا أمكن. وكما لا يكفي الظن، لا يكفي اتباع قول الغير، لأنّه لا يسمّى معرفة وعرفاناً، وأدلّة جواز التقليد، راجع إلى ما يكون المطلوب فيه العمل، لا العقيدة والعرفان، وهذا هو القدر المتيقّن من الآيات الذامّة للتقليد والاقتداء بطريق الآباء والأجداد، مثل قوله: (إنّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمّة وإنّا على آثارِهِمْ مُقْتَدُون)(الزخرف/23).

نعم يكفي نفس اليقين والعلم سواء حصل عن استدلال أو لا، لأنّ المطلوب فيها هو العلم واليقين من دون نظر إلى أسبابه، وليس الاستدلال والنظر واجباً نفسياً وإنّما هو طريق لحصول العلم.

وأمّا المورد الثاني: أعني: غير المتمكّن من العلم وهو من كان جهله عن قصور وغفلة، كما هو المشاهد في كثير من النسوان والرجال، فهو غير مكلّف بتحصيله، لاستقلال العقل بقبح التكليف بغير المقدور، وهذا ما يعبّـر عنه بالجاهل القاصر، فالقصور مستند إمّا إلى قلّة الاستعداد وغموض المطالب، أو وجود الغفلة وعدم احتمال خلل في معتقده.

نعم إنّما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحقّ إذا لم يكن يعانده، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله.


(314)

الأمر الخامس: الكلام في الجاهل القاصر:

والكلام فيه يقع في الأُمور التالية:

1ـ في وجود الجاهل القاصر وعدمه في مجال العقائد والمعارف.

2ـ هل الجاهل القاصر ـ على فرض إمكانه ـ كافر أو لا؟

3ـ هل تجري عليه الأحكام الوضعية من نجاسته وحرمة تزويجه وذبيحته أولا؟

4ـ هل يعاقب في الآخرة أو لا؟

5ـ المستضعف وأقسامه.

وإليك الكلام في هذه الأُمور واحداً بعد آخر:

أ: في وجود الجاهل القاصر:

ربّما يتصور عدم وجود الجاهل القاصر في العقائد بوجوه:

1ـ الاجماع على أنّ المخطئ في العقائد غير معذور وصحّة الإطلاق يتوقّف على عدم وجود القاصر، وإلاّ لبطل مع كون القاصر معذوراً.

يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الإجماع هو المقصّـر لا القاصر، ولا يمكن الأخذ بإطلاقه حتّى ينفي وجود القاصر.

2ـ أنّ المعرفة غاية الخلقة لقوله سبحانه: (وما خَلَقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّلِيَعبُدون) فكيف يمكن حينئذ وجود القاصر لاستلزامه عدم تحقّق الغاية فيها.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى النقض بالمجانين والأطفال إذا ماتوا: أنّ الغاية، غاية للنوع، لا لكلّ واحد واحد، بداهة وجود القُصَّـر من الناس.


(315)

3ـ قوله سبحانه: (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإِنّ اللّهَ لَمَعَ المُحْسِنِين)(العنكبوت/69) حيث جعل الملازمة بين المجاهدة والهداية التي هي المعرفة، فلو لم يكن الطرفان ممكنين لم تصح الملازمة.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى من يتمكّن من الجهاد، فالملازمة بينه وبين الهداية مسلمة، وأمّا غير المتمكّن كالقاصر، فهو خارج عن الآية، وأساسه اثنان، فقد الاستعداد مع غموض المطلب، أو وجوده مقروناً بالمانع من الوصول. ويصدق على الكلّ القاصر.

وما أجاب به المحقق الخراساني من حمل المجاهدة على المجاهدة مع النفس، خلاف الإطلاق، وظاهرها الأعم من المجاهدة مع العدو الداخلي أو الخارجي، أو المجاهدة في طريق معرفة الرب وما تجب معرفته.

وهذه الآية بضميمة ما قبلها تقسّم الناس على أقسام:

1ـ المفتري على اللّه أو المكذّب بالحق.

2ـ المجاهد في سبيله.

3ـ المحسن.

أمّا الأوّل: فوصفه سبحانه بقوله: (ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَو كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جَاءَهُ أَلَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلكافِرين) (العنكبوت/68) وهذه الطائفة خارجة عن طريق الحقّ لا ترجى هدايتهم ووصولهم إلى الحق، بل كلّما ازدادوا سيراً ازدادوا بعداً وجهلاً.

والثاني: يهديهم ربّهم إلى سبله لقوله سبحانه: (لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا) فَمَن أخطأ فلتقصير منه، إمّا لعدم إخلاصه في السعي، أو لتقصيره فيه.

والثالث: وصلت إلى قمّة الكمال وصاروا مع اللّه سبحانه لقوله: (وإنّ اللّهَ


(316)

لَمَعَ المُحْسِنين).

ومع ذلك فكيف يمكن قصر مفاد الآية بالجهاد مع النفس مع ظهور إطلاقها.

4ـ قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللّهِ ذلكَ الدِّينُ القَيّمُ ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون) (الروم/30) فإنّ قوله: (فِطرت اللّه)عطف بيان أو بدل من الدين نصب بفعل مقدّر، مثل أعني أو أخص، وإلاّ لكان الواجب أن يكون مجروراً بحكم البدلية، ولازم ذلك أن تكون معرفته سبحانه أمراً فطرياً وخلقياً، لا يقبل القصور كسائر الأحاسيس والأُمور الوجدانية.

والظاهر أنّ الآية أوضح ما في الباب وهي تدلّ على عدم وجود القاصر في معرفة الربّ وأنّ للعالم خالقاً وصانعاً، وأنّه واحد لا شريك له في ذاته، وهو أمر لايقبل القصور، إلاّ إذا عاند الإنسان فطرته وأنكر وجدانه لغايات مادّية، كالانحلال من القيود الشرعية وغير ذلك، ولأجل ذلك لا يبعد ادّعاء عدم وجود القاصر في أصل وجوده وتوحيده، وأمّا غير ذلك، فلا شك في وجوده خصوصاً بالنسبة إلى النبوّة والإمامة بين الرجال والنساء، لا سيما إذا كانوا عائشين في بلد تعم النصرانية واليهودية أو غير ذلك. أضف إلى ذلك: أنّ كلمة (حنيفا) في الآية أصدق شاهد على أنّ المراد من الدين هو توحيده سبحانه في مقام الإشراك به، والحنيف جمعه الحنفاء هم الموحّدون في مقابل المشركين.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الكبريات الورادة في الدين في مجال الفروع أيضاً فطرية، كالدعوة إلى التزويج، وإكرام الوالدين، وردّ الأمانة، وحرمة الخيانة عليها، وغيرها من القوانين الجزائية والاقتصادية وغيرهما. ولكن القول به لا يوجبأن لا يوجد في أديم الأرض جاهل قاصر لأنّ البحث في الأُصول لا في الفروع.


(317)

استدلال آخر على نفي الجاهل القاصر:

ربّما يستدل على عدم تحقق الجاهل القاصر بضمّ العمومات إلى ما يحكم به العقل، وبيّنه الشيخ الأعظم في فرائده وقال ما هذا حاصله:

1ـ دلّت العمومات على حصر الناس في المؤمن والكافر.

2ـ دلّت الآيات على خلود الكافرين بأجمعهم في النار.

3ـ دل الدليل العقلي بقبح عقاب الجاهل القاصر.

فإذا ضمّ الدليل العقلي إلى العمومات المتقدمة ينتج أنّ من نراه عاجزاً قاصراً عن تحصيل العلم، قد يتمكّن من تحصيل العلم بالحقّ، ولو في زمان ما، وإن صار عاجزاً قبل ذلك أو بعده، والعقل لا يقبح عقاب مثل ذلك.

يلاحظ عليه: أنّ المقام أشبه شيء بإحراز وضع المصداق، بأصالة العموم كما إذا ورد اللّهمّ العن بني أُمية قاطبة، وشككنا في أنّ فلان الأموي مؤمن أو لا ؟ فيحكم بالعموم على حاله وأنّه غير مؤمن، وعلى كلّ تقدير الاستدلال باطل من وجهين:

الأوّل: أنّ حصر الناس في المؤمن والكافر حصر غير حاصر فانّ الظاهر من الروايات، وجود الواسطة بينهما وهم القاصرون بوجه من الوجوه، وستوافيك رواياته في الأمر الثاني.

الثاني: أنّ الكبرى الثانية ناظرة إلى المتمكّن من المعرفة، لأنّ عقاب العاجز القاصر قبيح فضلاً عن خلوده في النار، فإذا بطلت الكبريتان فالقياس يكون عقيماً.

إلى هنا تم الكلام في الأمر الأوّل وحان البحث عن الأُمور الأُخرى وإليك البيان:


(318)

ب : هل الجاهل القاصر كافر أو لا؟

لا شك أنّ الجاهل القاصر ليس بمؤمن إنّما الكلام هل هو كافر أو لا؟ والمعروف بين المتكلّمين أنّه لا واسطة بين الإيمان والكفر، لأنّهما من قبيل العدم والملكة، مثلاً الإنسان إمّا بصير أو أعمى ولا ثالث لهما، هذا وإن كان صحيحاً من حيث الأبحاث الكلامية، إنّما الكلام في إطلاق لفظة الكافر في اصطلاح القرآن والسنّة عليه إذ من الممكن أن يكون للكافر اصطلاح خاص فيهما، فيختص بالجاحد أو الشاك مع التمكّن من المعرفة، ولا يعمّ غير المتمكّن أصلاً.

وبعبارة أُخرى: ليس الكلام في الثبوت ، حتّى يقال: إنّه لا واسطة بينهما، إنّما الكلام في الإطلاق والاصطلاح. حيث يظهر في العديد من الروايات وجود الواسطة بينهما. وإليك نقلها:

1ـ عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في تفسير قوله سبحانه: (إلاّ المستضعفين ... لا يستطيعون حيلة)فيدخلوا في الكفر (ولا يهتدون) فيدخلوا في الايمان، فليس هم من الكفر والايمان في شيء(1).

2ـ عن سماعة: وهم ليسوا بالمؤمنين ولا الكفّار. (2) وعن زرارة قال: قلت: لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أتزوّج المرجئة أو الحرورية أو القدرية؟ قال: لا عليك بالبله من النساء. قال زرارة: فقلت: ما هو إلاّ مؤمنة أو كافرة. فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : فأين استثناء اللّه، قول اللّه أصدق من قولك (إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء) (3).


1-البحار: ج69 ص 162 باب المستضعفين، الحديث 16.
2-المصدر نفسه: ص 163 ، الحديث 21.
3-المصدر نفسه: ص 164 باب المستضعفين، الحديث 24، ونظيره الحديث 26 وفيه مناظرة زرارة مع أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ الذي أشار إليه الشيخ في الفرائد.


(319)

3ـ قال حمران: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن المستضعفين، قال: إنّهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين وهم المرجون لأمر اللّه (1).

ولاحظ الروايات الأُخر المذكورة في ذلك الباب ولا نطيل الكلام بذكرها(2).

وقد أخرج سليم بن قيس حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ يدلّ على وجود المستضعف في مسائل الإمامة والولاية، فلاحظ (3).

فإن قلت: إنّ هناك روايات تدلّ على أنّ الشاك والجاحد كافر، والجاهل القاصر في مجال المعارف بين شاك وجاحد، وربّما يكون غافلاً. روى عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: من شك في اللّه ورسوله فهو كافر (4).

وروى منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فيمن شك في رسول اللّه. قال: كافر(5).

وروى زرارة عن أبي عبد للّه ـ عليه السَّلام ـ : لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا(6).

قلت: إنّ هذه الروايات ناظرة إلى المتمكّن، فإنّ الشك أو الجحد إذا استمرّا يكون آية التسامح في التحقيق، والتقصير في طلب الحقيقة.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: «إنّ القاصر في مجال المعرفة لا مؤمن ولا كافر، إلاّ فيما كان العقل والفطرة كافيين في التعرف على الحقّ وتمييزه عن الباطل كأصل المعرفة باللّه وبعض صفاته، ويكون الكفر عندئذ عن تقصير ولا يكون الإنسان


1-البحار: ج 69 ص 165، الحديث 29. قال سبحانه: (وآخرون مرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم واللّه عليم حكيم) (التوبة/106).
2-لاحظ الأحاديث في نفس الباب، الحديث 30 و 34.
3-المصدر نفسه: ص 170ـ171 ، الحديث 36.
4-الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.
5-الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.
6-الكافي: ج2 ص 386 باب الكفر، الحديث 11، 19.


(320)

جاحداً لخالقه وبارئه إلاّ لعامل روحي أو مادي يدفعانه إلى الانكار والجحد، أو الشك والترديد، وأمّا ما وراء ذلك فالجاهل القاصر متصوّر ومحقق فهو ليس بمؤمن ولا كافر على المعنى الذي عرفت.

ج: الجاهل القاصر والحكم الوضعي:

هل الجاهل القاصر محكوم بالأحكام الوضعية الثابتة في حقّ الكافر كنجاسته وحرمة ذبيحته وتزويجه على التفصيل المحرّر في كتاب النكاح أو لا؟

إنّ التصديق الفقهي يتوقّف على معرفة لسان الأدلّة في هذه الموارد، وأنّ الحكم هل هو مترتّب على عنوان غير المسلم؟ كأن يقول: ذبيحة غير المسلم نجس لا تؤكل، أو هو مترتّب على عنوان الكافر، أو على عنوان من لم يؤمن باللّه ورسوله ... إلى غير ذلك من العناوين، ومن المعلوم أنّ الجاهل القاصر غير مسلم فيحكم بما يترتّب عليه، وأمّا الحكم المترتّب على الكافر فهو فرع القول بأنّه كافر، وقد عرفت أنّ الروايات حاكمة على كونه غير مؤمن ولا كافر وأمّا العنوان الثالث، فالجاهل القاصر غير مؤمن باللّه ورسوله وما جاء به من الأحكام الضرورية التي يرجع انكارها إلى انكار الرسالة، وبالجملة تجب ملاحظة العنوان وأنّه هل هو منطبق على الجاهل القاصر أولا؟ وليس المقام مناسباً للتصديق الفقهي، فإحراز العناوين موكول إلى محلّها.

د : هل الجاهل القاصر معاقب؟

قد ظهر ممّا ذكرنا حكم العقاب، فإنّه بحكم العقل مختص بالمقصّـر، والمتمكّن من المعرفة، وأمّا غير المتمكّن فعقابه قبيح عقلاً ومرفوع شرعاً، كما سيوافيك دليله في باب البراءة، والعجب من المحقق الخراساني، حيث التزم في هامش الكفاية باستحقاقه العقاب، وهو كما ترى إلاّ أن يكون العقاب من لوازم


(321)

الابتعاد عن الحق، وارتكاب الأعمال المحرّمة بالذات، وبما أنّ حدود هذه القضية (كون الجزاء تمثّلاً للعقيدة والعمل وتجسّماً لهما) غير معلومة لنا، فلا يمكن الحكم بالعقوبة حتّى على هذا الأصل، لاحتمال أن تكون الملازمة بين عقائد المتمكّن السخيفة، والجزاء والعذاب الأليم، وبعبارة أُخرى: أن تكون الملازمة بين العصيان والعقاب لا المخالفة والعقاب، والمخالفة أعم من العصيان.

هـ : المستضعف والجاهل القاصر:

إنّ الجاهل القاصر من أقسام المستضعف ومن أوضح مصاديقه، والمراد منه هنا هو المستضعف الديني لا السياسي، ولا المستضعف من ناحية الاقتصاد وأدوات الحياة، فلأجل توضيح هذه الأقسام الثلاثة نأتي بمجمل الكلام ونحيل التبسيط إلى محل آخر:

1ـ الاستضعاف الديني:

المستضعف الديني عبارة عمّن لا يتمكّن من معرفة الحق في مجال العقائد أو من القيام بالوظيفة في مجال الأحكام، وفي الآيات اشارة إلى هذا الصنف من الاستضعاف قال سبحانه: (إنَّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِـمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فيها فَأُولئِكَ مَأواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً * إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ وَالنِساءِ وَالوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً * فَأُولئِكَ عَسَـى اللّهُ أن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) (النساء/97ـ 99).

إنّ الآية تقسّم من يموت على الكفر إلى قسمين:


(322)

1ـ من ملك القدرة المالية والبدنية بالخروج عن أرض الشرك والكفر، والذهاب إلى دار الإيمان والإسلام، ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه، وحان أجله فهؤلاء لو ماتوا على الكفر والشرك كانوا معذّبين، ولم يقبل لهم العذر بأنّهم كانوا مستضعفين في الأرض، إذ يجاب عليهم بأنّ أرض اللّه واسعة وكانوا متمكّنين من الخروج عن حومة الكفر بالمهاجرة، فهم لم يكونوا بمستضعفين حقيقة للتمكّن من كسر قيد الاستضعاف وإنّما اختاروا هذا الحال بسوء اختيارهم.

وقسم ليست له مقدرة مالية أو بدنية ولا يهتدي سبيلاً، فهذا هو المستضعف الديني لو مات على الكفر، فأُولئك عسى اللّه أن يعفو عنهم وكان اللّه عَفوّاً غفوراً.

وهم الذين أشار إليهم الذكر الحكيم في آية أُخرى بقوله: (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأِمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ) (التوبة/ 106).

والوارد في الآية الكريمة من الاستضعاف الديني هو غير المتمكّنين من الخروج من أرض الشرك إلى أرض التوحيد، ولكن الملاك إذا كان هو عدم التمكّن فالأقسام التالية كلّها من الاستضعاف الديني:

أ: من يتوطّن في بلد لا يتمكّن من تعلّم المعارف لخلوّه عن العالم العارف.

ب : من لا يتمكّن ـ والحال هذه ـ من العمل بالوظائف لخلوّ قطره عن الفقيه والعارف بالأحكام، ويشترك القسمان في أنّهما غير متمكّنين من الخروج إلى بلد آخر ـ يتوفر فيه العارف والعالم.

ج: من لا يتردّد في عقائده ودينه ويراه أُصولاً رصينة كأنّها أفرغت من حديد أو رصاص كأكثر البوذيين في المناطق الشرقية وأمثالها.

د: من كان ضعيف العقل والاستعداد لا يهتدي لشيء لضعف عقله وتفكيره. وهذا هو الاستضعاف الفكري الذي هو أيضاً قسم من أقسام


(323)

الاستضعاف الديني.

كلّ ذلك من أقسام الاستضعاف الديني.

الاستضعاف السياسي:

هناك قسم من الاستضعاف أولى بأن يسمّى الاستضعاف السياسي، وهم المؤمنون حقّاً القائمون بالوظائف بالخوف وتحت غطاء التقية غير أنّ قوى الكفر والشرك والعدوان قد وضعت في طريقهم عراقيل وقهرتهم، وهم الذين دعا القرآن الكريم المسلمين الأحرار إلى الجهاد ضد عدوّهم لتحريرهم من الاضطهاد، قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ وَالْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظالِـمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنا مِن لَدُنكَ وليّاً وََاجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء/75).

وفي هذه الآية يدعو القرآن المسلمين الغيارى إلى التفدية والتضحية لتحرير إخوانهم المسلمين المكبّلين بالقيود، فما أحسن الحياة إذا كانت في طريق الجهاد، وما أحسن التضحية إذا تمّت لتحرير الاخوان.

الاستضعاف الاقتصادي:

وهناك نوع من الاستضعاف وهو سلطة الأغنياء على الفقراء واستنزاف دمائهم، ونهب ثرواتهم، واستغلال طاقاتهم بنحو من الأنحاء، وإليه الاشارة في قوله سبحانه: (وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِين) (القصص/5) وما ورد حول الواجبات المالية من الزكاة والصدقات والأخماس يشير إلى هذا النوع من الاستضعاف.

وهذه عبرة عاجلة بمسألة الاستضعاف والتفصيل يطلب من محاله.


(324)

خاتمة في الظنون الجابرة والموهنة:

الظنّ الذي لم يقم الدليل على حجّيته، هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة أو لا؟ وهل يوهن به السند أو الدلالة أو لا؟ وهل يرجح به أحد المتعارضين على الآخر أو لا؟ وعلى كلّ تقدير فالظن الذي لم يقم على حجّيّته دليل، إمّا أن لايكون من الظنون المنهيّة أو يكون ممّا نهي عن إعماله واستعماله، فالقسم الأخير خارج عن محطّ البحث فلا يكون جابراً ولا موهناً ولا مرجحاً للمنع عن استعماله مطلقاً، والقول بالجبر والإهانة والترجيح به نحو إعمال له.

وأمّا القسم الأوّل فيقع الكلام فيه في مقامين:

1ـ في كون الظن جابراً للسند والدلالة:

احتمل الشيخ الأعظم أن يكون الظن جابراً لضعف السند قائلاً بأنّ الأمارة غير المعتبرة إذا أفاد الظن بصدور ذلك الخبر، يجبر قصور سنده به، ثمّ عدل عنه بقوله: إلاّ أن يدعى أنّ الظاهر اشتراط كون الخبر مفيداً للظن بالصدور لا مجرد كونه مظنون الصدور، ولو حصل الظن بصدوره من غير سنده.

وأمّا كونه جابراً لضعف الدلالة فلا، لأنّ المعتبر في باب الدلالات هو ظهور الألفاظ نوعاً فيها، لا مجرد الظن بمراد الشارع من أمارة خارجية غير معتبرة، إذ التعويل حينئذ على ذلك الظن من غير مدخلية للكلام (1).

واختار المحقق الخراساني تفصيل الشيخ الأعظم ـ قدّس سرّه ـ بين جبر السند والدلالة قائلاً: بأنّه لا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه، ودخوله بذلك تحت ما دل على حجّية ما يوثق به، وعدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد، لاختصاص دليل الحجيّة بحجّية الظهور في تعيين المراد، والظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر. إلاّ فيما


1-الفرائد: ص 179.


(325)

أوجب القطع ولو إجمالاً باحتفافه بما كان موجباً لظهوره فيه، لولا عروض انتفائه(1).

أقول: إن أُريد من الأمارة غير المعتبرة، الشهرة بأقسامها، فقد تقدّم الكلام منها، وقلنا: إنّها من مميزات الحجّة عن اللاحجّة، فلا نعيد الكلام فيها.

وإن أُريد غيرها، فلو كان مفيداً للوثوق بالصدور فيدخل تحت أدلّة الحجّية لما عرفت من أنّ الدليل الوحيد هو بناء العقلاء، وأنّهم يعملون بالخبر الموثوق الصدور، وإن حصل الوثوق من قرينة خارجية كما لا يخفى. نعم ليس كلّ ظن مفيداً للوثوق، فلابدّ من وصوله إلى حدّ الوثوق والاطمئنان.

وأمّا ضعف الدلالة فالحقّ عدم الجبر، لأنّ الحجّة عبارة عن الظهور والأمارة غير المعتبرة لا تثبت الظهور. فلو لم يكن اللفظ بنفسه ظاهراً، ولكن دلّت القرينة الخارجية على أنّ المراد منه ذلك، فهي لا تثبت الظهور.

نعم لو أفاد الاطمئنان الشخصي والوثوق المؤكد بالمراد الذي يعدّ علماً عرفياً، لزم الأخذ به، لبناء العقلاء على حجّية مثل ذلك الوثوق، ولا يعدّ عملاً بالظهور، بل عملاً بالوثوق الخارجي الحاصل من الظهور وغيره من سائر القرائن.

هذا كلّه في الجبر.

2ـ في كون الظن غير المعتبر موهناً للسند والدلالة:

فإن بلغت الأمارة غير المعتبرة إلى حدّ، سلبت الوثوق بالنسبة إلى الرواية، بحيث لا يعمل بمثلها العقلاء فهي موهنة قطعاً،بل توجب خروجها عن مورد أدلّة الحجّية، دون ما إذا لم تبلغ بهذه المرتبة.

وأمّا بالنسبة إلى الدلالة، فلا. لأنّ حجّية الظواهر ليست مقيدة بعدم حصول الظن الخارجي على خلافه، اللّهمّ إلاّ إذا بلغت من القوّة بمرحلة سلب الاطمئنان بالظاهر في نظر العقلاء.

***


1-الكفاية: ج2 ص161.


(326)


(327)

المقصد السابع
في الا ُصول العملية

وقبل الخوض في المطلب نقدم أُموراً:

الأوّل: المقصود من الأُصول العملية، هو الوظائف المقرّرة للشاك الذي ليس له طريق معتبر إلى الواقع.

وإن شئت قلت: ما ينتهى إليه المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي. وسميَّت بالأُصول، لأنّه بمعنى ما يبتنى عليه الشيء، والأحكام الظاهرية في ظرف الشك مبتنية عليها. ولا منافاة لكون الأمارة أصلاً أيضاً بهذا المعنى، إذ لا يعتبر في وجه التسمية الإطراد والانعكاس.

ويمكن أن يقال: إنّ الإطلاق من باب التشبيه بالأُصول الأوّلية التي يبتنى


(328)

عليها الأحكام الأوّلية كالطهارة الذاتية والحلّية (1) فإنَّ الأصل الأوّلي في الأشياء هو الطهارة، والحلّية ـ في غير اللحوم ـ فأطلق الأصل أيضاً على الحكم المضروب في حالة الشك لشباهته بالحكم المضروب لها بما هي هي. لاشتراكهما في أنّهما المرجع عند فقدان الدليل الحاكم على خلافهما.

الثاني: إنّ انحصار مجاري الأُصول العملية في الأربعة، عقلي تقدّم الكلام فيه على وجه التفصيل عند البحث عن حجيّة القطع، وأمّا انحصارها في الأربعة فاستقرائي لإمكان تصوير أُصول أُخر. كما إذا قال: إذا شككت بين الوجوب والإباحة، فابن على الاستحباب، أو إذا شككت بين الحرمة والإباحة فابن على الكراهة، ولكنّ الاستقراء أثبت عدم أصل سواها.

فإن قلت: إنّ هنا أصلين آخرين جاريين في الشبهات الحكمية، أعني: أصالة الحلّ عند الشك في الحرمة، وأصالة الطهارة عند الشك في النجاسة من حيث الحكم كالشك في طهارة حيوان متولّد من طاهر ونجس، وفي نجاسة الكتابي وطهارته وغيرهما.

قلت: إنّ عدّهما من المسائل الأُصولية غير صحيح وذلك لما تقدم (2) من أنّ الضابطة في المسائل الأُصولية كونها ممهدة لتشخيص الأحكام الإلهية أو الوظائف العملية من دون أن تشمل المسألة على حكم شرعي، كالملازمات العقلية وأبواب البحث عن الحجج وغيرها. وهذا بخلاف القواعد الفقهية فإنّها تتضمّن أحكام عامة فقهية جارية في أبواب مختلفة كقاعدتي «لا تعاد» وقاعدة «ما يضمن بصحيحه» وغيرهما.


1- والفرق بينهما وبين المجعول في ظرف الشك، أنّ الموضوع في الأوّلين ذات الشيء بما هو هو، بخلافه في الأخيرين فإنّ الموضوع هو الشيء بما أنّه مشكوك الحكم من حيث الطهارة والنجاسة والحلية والحرمة وكون الأوّلين مرجعاً في ظرف الشك أيضاً غير كونهما مجعولين في هذا الظرف بخلاف الأخيرين فإنّهما مجعولان لهذا الظرف فقط.
2-لاحظ الجزء الأوّل، الأمر الأوّل من مقدمة الكتاب.


(329)

وعلى ذلك فالقاعدتان بما أنّهما متضمّنتان لأحكام شرعية عامة، قواعد فقهية، لا أُصولية، وهذا بخلاف الأُصول الأربعة.

وقد ذكر في الكفاية وجهاً آخر لعدم عدّهما من المسائل الأُصولية وهو:

عدم جريانهما في جميع الأبواب.

يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على هذا الشرط بل الدليل على خلافه، فإنّ بعض المسائل الأُصولية تختص ببعض الأبواب، كدلالة النهي على الفساد في العبادات والمعاملات، فلا يعمّ أبواب المرافعات والسياسات كما لا يخفى.

فإن قلت: لو صحّت تلك الضابطة فما معنى تقسيم الأُصول إلى شرعية وعقلية، إذ ليس معنى ذلك إلاّ أنّ الأصل المتضمّن للحكم الشرعي، شرعي، وغيره عقلي.

قلت: إنّ ذلك التقسيم باعتبار مصدر الأصل وأنَّ مدركه هل هو الدليل الشرعي من الكتاب والسنَّة، أو غيره من الدلائل العقلية، لا باعتبار المضمون كما لا يخفى.

الثالث: إنّ الأُصول العملية الشرعية الدالّة على الوظائف في ظرف الشك، تسمّى أدلّة فقاهية، كما أنّ الأدلّة الدالّة على الحكم الشرعي في نفس الأمر تسمّى أدلّة اجتهادية، وليس الاصطلاحان، أمرين إرتجاليين، بل لمناسبة موجودة في تعريفي الفقه والاجتهاد، تفطّن بها المحقّق البهبهاني.

فقد عرَّفوا الفقه بأنّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية، وليس المراد من الأحكام هي الأحكام الواقعية، لعدم تعلّق العلم بها دائماً، فتعيّـنأن يكون المراد منها هي الظاهرية الموجودة في مواضع الأُصول العملية، فناسبأن يسمّى ما دلّ على الأحكام الظاهرية التي يتعلّق بها العلم، بالأدلّة الفقاهية.

وعرَّفوا الاجتهاد باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي، ومن


(330)

المعلوم أن ليس المراد منه، هو الحكم الظاهري وإلاّ يكون معلوماً لا مظنوناً بل المراد، هو الحكم الواقعي الذي يتعلّق به الظن، فناسب ذلك أن يسمّى ما دلّ على ذاك الحكم الواقعي الذي يتعلّق به الظن، دليلاً اجتهادياً، ولا مناقشة ولا مشاحة في الاصطلاح.

الرابع: إنّ الأُصول العقلية، ليست في طول الأُصول الشرعية، بل الجميع في عرض واحد، ففي الظرف الذي يحكم العقل، بقبح العقاب بلا بيان، يحكم الشرع برفع الحكم عن الجاهل. وهكذا.

نعم; يظهر من صاحب مصباح الأُصول ـ دام ظلّه ـ ، كون الأُصول العقلية في طول الشرعية، حيث قال: إنّ المكلّف إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي وعجز عن معرفة الحكم الظاهري، تعيّـن الرجوع إلى ما يستقلّ به العقل من البراءة والاحتياط والتخيير على اختلاف الموارد (1).

ولازم ذلك أن لا تصل النوبة إلى الأُصول العقلية إذ ما من مورد إلاّ وفيه أصل شرعي، كالبراءة الشرعية وغيرها.

بل الحقّ أنّ الجميع في عرض واحد، وأنّ الاختلاف في التسمية لأجل الاختلاف في المصدر والدليل.

الخامس: إنّ الشيخ الأعظم جعل الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة اثني عشرة مسألة باعتبار أنّ الشبهة إمّا أن تكون تحريمية أو وجوبية أو مشتبهة بينهما، ومنشأ الشك في الجميع إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصين أو الأُمور الخارجية (2).

فما أفاده صاحب مصباح الأُصول ـ دام ظله ـ من أنّ الشيـخ قسّم الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة على أقسام ثمانية غير موافق لنصّ


1-مصباح الأُصول ج2 ص 248.
2-لاحظ الفرائد ص 192 طبعة رحمة اللّه.


(331)

الشيخ فلاحظ (1).

ثم إنّ الشيخ بسط الكلام في كل واحد من الأقسام بحثاً مفصّلاً وذلك لأمرين:

الأوّل: بما أنّ الخلاف مخصوص بالشبهة التحريمية دون الوجوبية ودون الشبهات الموضوعية، بسط الكلام في كل مسألة مستقلاّ ً.

الثاني: إنّ بعض الأدلة لا يعمّ جميع الأقسام، كدليل أصالة الحلّية في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي». فهو مختص بالشبهة التحريمية ولا يعمّ الوجوبية، فعنون كل مسألة مستقلّة، بالاشارة إلى دليلها الخاص.

وأمّا المحقّق الخراساني، فبحث عن المسائل تحت عنوان واحد وهو من لم يقم عنده حجّة على واحد من الوجوب والحرمة وكان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النص، أو إجماله، أو خلط الأمور الخارجية. وجعل الجميع مجرى للبراءة.

وأمّا تعارض النصّين فإن قلنا بتمامية أدلّة العلاج ترجيحاً أو تخييراً فهو خارج عن المبحث لقيام الحجّة المعيّنة ـ على الترجيح ـ أو التخيير.

يلاحظ عليه: أنّ ما دلّ على الترجيح أو التخيير، إنّما يخرج المتعارضين عن موضوع البحث إذا كانا من جنس الخبر، لا ما إذا كانا من جنس القطعيين كالكتاب العزيز، ففي الثاني، لا يصحّ معه معاملة أحكام الخبرين المتعارضين من الترجيح أو التخيير، وإن كان مثل ذلك المورد قليلاً، مثل ما ورد في عدّة الوفاة فقد ورد فيه قوله تعالى:(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لأِزواجِهِم مَتاعاً إلى الحَولِ غَيْـرَ إخراج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنْاحَ عَلَيْكُمْ في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ...)(البقرة/240) وورد أيضاً قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرْونَ أَزْواجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشهُر وَعَشْراً) (البقرة / 234) فيدخل فيما لا حجّة فيه،


1-وبحث عن خصوص دوران الأمر بين المحذورين من أقسام الشك في التكليف في المطلب الثالث جاعلاً له أيضاً مثل المطلبين المتقدمين أربع مسائل فلاحظ ص 235ـ 236 من تلك الطبعة.


(332)

فيرجع إلى الأصل.

وكما لا يصحّ أيضاً إذا كان التعارض بين الخبرين عموماً وخصوصاً من وجه، فإنّ المجمع محكوم بأحد الحكمين، ولا يعلم بعد، ولا يرجع في مثله إلى الأخبار العلاجية، كما بيّـن في محلّه ولا إلى أخبار التخيير، بل يدخل فيما ليس فيه حجّة ويسقط كلا الخبرين ويرجع إلى عام فوقه ومع عدمه إلى الأصل العملي.

السادس: النزاع بين الأُصولي والأخباري صغروي وليس كبروياً، فانكار الأخباري، البراءة عند الشك في التكليف ليس بمعنى انكاره حكم العقل الواضح من قبح العقاب بلا بيان، وأنّ المكلّف يستحق العقاب بمجرّد التكليف في الواقع، وإن لم يصل إليه، بل إنّما ينكر تحقق الموضوع بمعنى عدم البيان، إمّا لادّعاء ورود البيان من الشارع في المقام من الروايات الواردة حول المشتبهات، وإمّا لوجود العلم الإجمالي بالتكاليف المقتضي بنفسه الاحتياط، وعلى ذلك فالبحث في الكبرى أمر غير لازم لكونها أمراً مسلّماً بين الطرفين إلاّ لأجل التوضيح.

السابع: إنّ المعروف حكومة الأمارات على الأُصول العملية والمراد منها أن يرجع مفاد أحد الدليلين إلى نحو تصرف في عالم التشريع في عقد وضع الآخر، أو عقد الحمل، كما إذا قال أكرم العالم، ثم قال: النحوي ليس بعالم، نظير ذلك قوله: إذا شككت فابن على الأكثر، ثم قال: لا شك لكثير الشك، أو لا شك للإمام مع حفظ المأموم.

ونظير ذلك إذا كان مرجع مفاد أحد الدليلين إلى التصرّف في عقد الحمل لا في عقد الوضع كأدلّة نفي الضرر والعسر والحرج فانّها حاكمة على الأحكام الأوّلية، بلا تصرّف في موضوعات الأحكام بل يرجع إلى التصرّف في نفس الأحكام قائلاً بأنّ الحكم الضرري والحرجي غير مجعول وإن أوهم الإطلاق كونه مجعولاً. وعلى الجملة إذا كان الدليل وارداً بلسان التصرف في عقدي الوضع أو الحمل


(333)

بايجاد السعة والضيق فهو حكومة.

فإن قلت: ما الفرق بين التخصيص والحكومة مع اشتراكهما في إيجاد الضيق في شمول الحكم كما إذا قال: اكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم النحوي منهم، فأي فرق بينه وبين أن يقول: النحوي ليس بعالم.

قلت: أمّا الفرق فيما إذا كان مفاد أحد الدليلين هو التصرّف في الموضوع فواضح، فإنّها تصرّف في الموضوع رفعاً في عالم التشريع ويتبعه سلب الحكم عن الموضوع لانتفاء الموضوع حسب الفرض، وهذا بخلاف التخصيص فهو عبارة عن سلب الحكم عن بعض أفراد الموضوع مع التحفّظ عليه، بلا تصرّف فيه فالتخصيص يشارك الحكومة في كون التصرّف في كل منهما إنّما يكون في الحكم الشرعي، إلاّ أنّ التصرّف في الحكومة بتوسّط التصرّف في الموضوع، وفي التخصيص بالتصرّف في الحكم ابتداء.

وأمّا إذا كان بنحو التصرّف في عقد الحمل كأحكام الموضوعات الثانوية بالنسبة إلى الأوّلية مثل الضرر والحرج، فهو يشترك مع التخصيص في سلب الحكم عن بعض أفراد العام، كالوضوء الضرري والحرجي بالنسبة إلى قوله تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ) (المائدة / 5) لكن فرق بين رفع الحكم عن بعض الأفراد لا بلسان النظارة والرقابة كما في التخصيص، ورفعه عن بعض الحالات بلسان النظارة والتفسير كما في أدلّة الضرر والحرج، فإنّ قوله سبحانه: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَج) (الحج/ 77) ناظر إلى تشريع سابق باسم الدين ويريـد بقوله: (ما جَعَلَ) تضييق دائرة الحكم وتفسيره.

وبالجملة: إنّ تقديم التخصيص على العام، لأجل حكم العقلاء والرسم الدارج بين المقنّنين من الفصل بين العام وخاصه فيجمع بالتخصيص، ولولا ذاك الرسم لما كان وجه للتقديم.


(334)

وهذا بخلاف الدليل الحاكم، فإنّه ينادي بأعلى صوته بأنّه ورد لتحديد المحكوم وتفسيره وتبيين مفاده فأين هذا من ذاك.

ثمّ إنّه إذا كان هذا معنى الحكومة، فيشك في حكومة الأمارات على الأُصول العملية، إذ ليس لسان قوله ـ عليه السَّلام ـ : «العصير العنبي إذا غلى يحرم» لسان التصرّف في قوله ـ عليه السَّلام ـ : كل شيء هو حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه.

ويمكن الإجابة عنه: أنّ الاشكال إنّما يتوجّه لو قلنا بحكومة نفس الأمارة على نفس دليل الأصل، وأمّا لو قلنا بحكومة أدلّة حجّية الأمارات على أدلّة الأُصول، فالحكومة بهذا المعنى واضحة جدّاً، لأنّ لسان أدلّة حجّية الأمارات على القول بأنّ للشارع فيها تصرّفاً وتأسيساً، هو كون الأمارة علماً عرفياً، وأنّ السماع عن الراوي كالسماع عن المعصوم مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ : ما أدّيا عنّي، فعنّي يؤدّيان، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في خبر الفاسق: (حتّى يَتَبَيَّنُوا) فكان خبر العادل متبيَّـن في نفسه، فإذا قيس مثل ذلك إلى قوله: «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون» يستفاد منه حكومة دليل الأمارة على دليل الأُصول، لأنّها تحكم في ظرف الشك والجهل، ودليل الأمارة يصف ظرفه بأنّه ظرف العلم والتبيَّـن، فلا معنى للتردّد والشك.

وسيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث عن التعادل والترجيح.

أدلّة القائلين بالبراءة:

قد عرفت أنّ النزاع بين الطرفين صغروي وليس كبروياً، وأنّ التعذيب قبل البيان أمر قبيح عند الجميع فلا حاجة للبحث عنه ثم إنّ ما ا