welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 2*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 2

صفحه 1
    أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج2
   

صفحه 2

صفحه 3
أحكام البيع
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4

صفحه 5
أحكام البيع
 
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
 
الجزء الثاني
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
منشورات مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم - إيران

صفحه 6
سبحاني التبريزى، جعفر، 1347ق. ـ
أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1430 ق = 1388
كتابنامه به صورت زيرنويس
(ج.1)8 ـ 318ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(ج.2)5 ـ 319ـ357 ـ964ـ978ISBN:
(دوره)1 ـ 317ـ357 ـ964ـ978ISBN:
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا
1. فقه شيعه . الف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. عنوان.
5 و 2س/8/159/BP   312/297
اسم الكتاب:    أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 2
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الجزء:    الثاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التاريخ:    1388/1430ق
الكمية:    2000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وخاتم رسله، وعلى آله الذين هم عيبة علمه وحفظة سنته وأحد الثقلين الذين أنيطت بهما السعادة في الدنيا والآخرة.
أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء» نقدّمه إلى القرّاء الكرام راجين منهم التنبيه لما فيه من الخلل، والإرشاد إلى مواضع الزلل، فإنّ العصمة للّه سبحانه ولمن عصمه اللّه.
وقد جعلنا محور البحث في هـذا الجزء ـ كالجـزء السابق ـ متـاجر الشيـخ الأنصـاري ـ قـدّس اللّه سرّه ـ وقد أشرنـا إلى آرائه وأفكاره وبذلنا الجهد في تبيين أغـراضه ومقـاصده، كما أشـرنا إلـى مـا جـادت بـه أذهان المتأخّرين المعلّقين عليها مـن الأساتذة العظام. كلّ ذلك ببيان خال عن الإيجاز المخل، والإطناب المملّ.
نسأل اللّه سبحانه أن يقبله بوجهه الكريم وكرمه العميم، وأن يجعله مصباحاً للدرب، ومشكاة لروّاد الفقه وطلاّبه، إنّه قريب مجيب.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)ـ قم المقدسة
14 ذي القعدة الحرام1429هـ.

صفحه 8

ثمرات القول بالنقل أو الكشف

ذكر الفقهاء ثمرات على القولين ندرسها واحدة بعد الأُخرى وفقاً لما ذكره الشيخ.

الأُولى: ثمرة النماء

لو أجاز المالك وقلنا بأنّ الإجازة ناقلة يكون النماء المتخلّل بين العقد والإجازة، الحاصل من المبيع كالصوف واللبن والثمار للمالك، ولو قلنا بأنّها كاشفة فهو للمشتري. وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
ثمّ إنّ الشهيد الثاني ذكر نفس الثمرة بالعبارة التالية قال: «وتظهر الفائدة في النماء. فإن جعلناها كاشفة، فالنماء المنفصل المتخلّل بين العقد والإجازة الحاصل من المبيع، للمشتري، ونماء الثمن المعيّن للبائع، ولو جعلناها ناقلة فهما للمالك المجيز».1
والإشكال فـي قولـه: «ولـو جعلنـاها ناقلة فهما للمالك المجيز»، وذلك لأنّ نمـاء المبيع للمالك المجيز، وأمّا نماء الثمن المعيّن فهو للمشتري، فكيف يقـول: «فهما للمالك المجيز»، وقد وجّهـه جمال الدين في حاشية الروضة بما إذا كان العقد فضولياً من الطرفين، فالمالك المجيز لا يختص بالبائع، بل يعم المشتري، فيراد من المالك المجيز: البائع والمشتري المجيزان، فنماء المبيع

1. الروضة البهية:3/229ـ 230.

صفحه 9
للأوّل ونماء الثمن للثاني.
وحاصل التوجيه: أنّ المراد بالمالك المجيز هو جنس المجيز الّذي ينطبق على كلّ من البائع والمشتري إذا كانا فضوليين.

الثمرة الثانية: فسخ الأصيل

إذا قلنا بأنّ الإجازة ناقلة يجوز للأصيل فسخ إنشائه قبل إجازة المالك، وذلك لأنّ فسخ الأصيل حينئذ كفسخ الموجب قبل قبول القابل في كونه ملغياً لإنشائه السابق.
والظاهر من الفقهاء أنّهم تسالموا على جواز إبطال أحد المتعاقدين لإنشائه قبل إنشاء صاحبه، بل قيل إنّه يجوز قبل تحقّق شرط صحّة العقد كالقبض في الهبة والوقف والصدقة.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الإجازة كاشفة فالعقد تام من طرف الأصيل، غاية الأمر تسلّط الآخر (المالك) على فسخه.1
وربّما يعترض على جواز إبطال الإنشاء من الأصيل على القول بالنقل بأنّ ترتّب الأثر على جزء السبب بعد انضمام الجزء الآخر من أحكام الوضع لا مدخل لاختيار المشتري فيه.
وأجاب عنه الشيخ بأنّ عدم تخلّل الفسخ بين جزئي السبب شرط فانضمام الجزء الآخر من دون تحقّق الشرط غير مجد في وجود المسبب، اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم الاشتراط ورفع احتماله بإطلاقات صحة العقود ولزومها.2
يلاحظ على الثمرة بأنّ ما ذكره إنّما يتمّ على القول بالكشف الحقيقي بالمعنى المشهور الّذي يكون دور الإجازة فيه دور المعرّف، لا العلّة المؤثرة ولا

1. الأولى أن يقول: على عدم تنفيذه.
2. المتاجر:134، بتحرير وتنظيم منّا.

صفحه 10
جزء السبب كما يُعرب عنه قوله:«إنّ العقد تام من طرف الأصيل غاية الأمر تسلّط الآخر على فسخه» ومعنى هذا عدم مدخلية الإجازة في حصول النقل شرطاً أو شطراً أو سبباً تامّاً.
وأمّا على القول بمدخليتها على النحو المذكور في التقريب الخامس فالنقل والكشف في هذه الثمرة سواء، إذ على كلا القولين أنّ للإجازة مدخلية في حصول نقل المبيع إلى المشتري، أمّا على القول بكونها ناقلة فواضح، لأنّ العقد بعد غير تام وانّ إجازة المالك بمنزلة الإيجاب وقد تقدّم عليه قبول المشتري فكيف يكون القبول عقداً تامّاً من دون ضم إيجاب.
وأمّا على القول بالكشف فقد عرفت أنّ الإيجاب والقبول قبل الإجازة، ليس بيعاً «أحلّه اللّه»، ولا عقداً داخل تحت قوله: (أَوفوا بالعقود)، إذ غاية ما تقوم به الإجازة هو أنّه يجعل العقد السابق مؤثراً من زمان صدوره إلى زمان الإجازة ومابعدها، والمفروض أنّ فسخ الأصيل صدر قبل الإجازة، وعندئذ ليس هناك قبل صدورها عقد فعلي داخل تحت العمومات والإطلاقات، فللأصيل فسخ إنشائه لعدم كونه موضوعاً للحكم.
بل يجري ما ذكرنا حرفاً بحرف إذا قلنا بمدخلية نفس الإجازة على نحو الشرط المتأخّر في أن يكون العقد السابق بنفسه مؤثّراً بشرط وجود الإجازة في محلها، لأنّ المفروض أنّ مؤثرية العقد بنفسه وكونه سبباً تامّاً متوقّف على وجود الإجازة اللاحقة، والمفروض عدمها.
وقد أشار إلى ما ذكرنا المحقّق النائيني حيث قال: هذه الثمرة تصحّ في غير الشرط المتأخّر، فإنّ العقد تامّ من طرف الأصيل لو كان مقارناً للرضا التقديري، أو مقارناً لوصف التعقب، أو كان هذا النوع من العقد تاماً في علم اللّه. وأمّا لو كانت الإجازة شرطاً متأخّراً فالعقد ليس من طرفه أيضاً تامّاً.
أقول: إجماله أن يكون لها دور في النقل ولا تكون معرّفة محضة.

صفحه 11

الثمرة الثالثة: تصرف الأصيل فيما انتقل عنه

إنّ الأصيل يجوز له التصرف في ما انتقل عنه ـ على القول بالنقل دون الكشف ـ بدعوى أنّ الإجازة على النقل شرط أو شطر، فما لم تتحقّق لا يجب الوفاء على أحد المتعاقدين، وأمّا على الكشف فيجب الوفاء بالعقد بموجب عموم (أوفوا بالعقود)على الأصيل ويحرم عليه نقضه، ووجوب الوفاء عليه ليس مراعىً بإجازة المالك، بل مقتضى العموم وجوبه حتّى مع العلم بعدم الإجازة.1
أقول: يقع الكلام تارة على النقل، وأُخرى على الكشف.
أمّا الأوّل:فلأنّ جواز تصرف الأصيل في ما انتقل عنه وجواز فسخه قبل الإجازة متلازمان على القول بالنقل، فلو جاز التصرف جاز الفسخ بطريق أولى، والعجب من الشيخ حيث إنّه فرّق بينهما وقال: يجوز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النقل وإن قلنا بأنّ فسخه غير مبطل لإنشائه... إلى أن قال: إنّ الفسخ القولي وإن قلنا إنّه غير مبطل لإنشاء الأصيل، ألاّ أنّ له فعلَ ما ينافي انتقال المال عنه على وجه يفوّت محل الإجازة فينفسخ العقد بنفسه بذلك.2
يلاحظ عليه: بأنّ التفكيك بين الفسخ القولي والعمل المنافي لانتقال المال منه على القول بالنقل عجيب جدّاً، فإنّ الفسخ القولي أخف من العمل المنافي لانتقال المال فلو باع جارية من فضولي فجاز وطؤها واستيلادها جاز فسخ الالتزام من ناحيته.
وبعبارة أُخرى: إذا كان وجوب الوفاء يمنع من صحّة الفسخ وتأثيره، فهكذا يمنع عن التصرفات المنافية .
وإن شئت قلت: كيف لا يمنع من التصرفات وفي الوقت نفسه يمنع عن

1.المتاجر:134.
2.المتاجر:134.

صفحه 12
الفسخ. فظهر من ذلك أنّه لو قيل بعدم نفوذ فسخه بدليل وجوب الوفاء لابدّ أن يقال بعدم جواز التصرف مطلقاً للأولوية. فالتفكيك بينهما غير تام.
هذا على القول بالنقل فقد عرفت أنّ الأقوى جواز كلا الأمرين; الفسخ القولي كما مرّ في الثمرة الثانية، والفسخ الفعلي بالتصرف المنافي لانتقال المبيع.
أمّا الثاني: أي على القول بالكشف فقد ذهب الشيخ ـ كما مرّ نقله ـ إلى أنّه لا يجوز للأصيل التصرف فيه; مستدلاً بقوله: إنّ مقتضى عموم وجوب الوفاء، وجوبه على الأصيل ولزوم العقد وحرمة نقضه من جانبه، ووجوب الوفاء عليه ليس مراعى بإجازة المالك، بل مقتضى العموم وجوبه حتّى مع العلم بعدم إجازة المالك، وعلى هذا لا فائدة في أصالة عدم الإجازة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من وجوب الوفاء بالعقد حتّى مع العلم بعدم إجازة المالك لا ينسجم مع القول بالكشف حتّى بالمعنى الّذي اختاره الشيخ، وهو أنّ وجود الإجازة في محلّها شرط متأخر لكون العقد السابق بنفسه مؤثراً تامّاً، وجهه: أنّه إذا عُلم عدم وجود الشرط فكيف يكون العقد مؤثراً في وجوب الوفاء.
وبعبارة أُخرى: إنّ معنى شرطية الإجازة ولو بصورة الشرط المتأخّر هو أنّ العقد بنفسه لا يكون تامّاً ـ إذا وجد الشرط في ظرفه ـ فالقول بوجوب الوفاء وعدم جواز التصرف فيما انتقل عنه حتّى مع العلم بعدم الإجازة معناه عدم مدخلية الشرط (الإجازة) في جعل العقد مؤثراً بلفظه، وهل هذا إلاّ التناقض.
فلابدّ أن يكون مصبّ البحث فيما إذا احتمل وجود الإجازة، فهل يجوز التصرف فيما انتقل عنه أولا ؟
والظاهر وجود الثمرة بين النقل والكشف بالمعنى المشهور ـ لا بالمعنى المختار عندنا ولا بالمختار عند الشيخ ـ لأنّه على النقل لم تتحقّق الملكية للمنقول إليه فيجوز للناقل التصرف، بخلاف الكشف فلا يجوز له التصرف فيما

صفحه 13
انتقل عنه لحصول الملكية بعد العقد وخروج الملك عن ملك الأصيل ودخوله في ملك الآخر.
هذا كلّه لو قلنا بالكشف بالمعنى المشهور، وأمّا على التقريب الخامس فيجوز التصرف لأنّ العقد تضمّن نقلاً إنشائياً لا نقلاً فعلياً وإنّما يحصل له هذا الوصف (النقل الفعلي) بالإجازة الّتي تضفي على العقد تلك المقدرة، وعليه يجوز له التصرف فيما انتقل عنه، وذلك لما عرفت من أنّ بيع الفضولي قبل البيع ليس بيعاً ممّا أحلّه اللّه أو عقداً يجب الوفاء به. فإذا كان كذلك فالأصيل ليس محكوماً بحكم يغاير مالكيته ويزاحم سلطنته.
ويجري ما ذكرنا على مختار الشيخ أيضاً من أنّ العقد سبب تامّ وبنفسه يؤثر في النقل، إذا كان الشرط موجوداً في الظرف المتأخّر، كما مرّ.
وبذلك يظهر الفرق بين الكشف المختار والكشف بالمعنى المشهور فيما إذا تصرّف الأصيل فيما انتقل عنه معتمداً على أصالة عدم الإجازة أو على العلم بعدم الإجازة لكن أجاز الطرف الآخر، فعلى الكشف بالمعنى المشهور يكون تصرف الأصيل فيما انتقل عنه فضولياً فيتوقّف على إجازة الطرف الّذي كان العقد فضولياً من قبله فيبطل التصرف من قبل الأصيل ويكون الأمر راجعاً إلى المالك المجيز، وأمّا على المختار فتبطل الإجازة لخروج المبيع عن صلاحية الإجازة. فإنّ التصرّف مفوّت لانتقال المبيع عن المالك إلى غيره.
وبكلمة واضحة: إنّ وجوب الوفاء راجع إلى العقد بين المالكين لا بين المالك والفضولي، فما لم تصدر الإجازة من المالك فالربط إنّما هو بين المالك والفضولي وهو ليس موضوعاً لوجوب الوفاء، فإذا تصرّف فقد تصرّف في ملكه، ولو أجاز المالك فقد أجاز في مورد ليس له موضوع.

صفحه 14

الثمرة الرابعة: تصرّف الأصيل فيما انتقل إليه

هل يجوز للأصيل التصرّف فيما انتقل إليه؟ والظاهر من الجميع عدم الجواز، أمّا على النقل فواضح لعدم حصول النقل إليه، وأمّا على الكشف فلا يجوز التصرّف فيما انتقل إليه. وأوضحه الشيخ بقوله: إنّ الثابت من وجوب وفاء العاقد بما التزم على نفسه من المبادلة: حرمة نقضه والتخطّي عنه، وهذا لا يدلّ إلاّ على حرمة التصرف في ماله، حيث التزم بخروجه عن ملكه ولو بالبدل، وأمّا دخول البدل في ملكه فليس ممّا التزمه على نفسه، بل ممّا جعله لنفسه، ومقتضى الوفاء بالعقد حرمة رفع اليد كما التزم على نفسه. وأمّا قيد «كونه بإزاء مال» فهو خارج عن الالتزام على نفسه، وإن كان داخلاً في مفهوم المبادلة، فلو لم يتصرف في مال صاحبه لم يكن ذلك نقضاً للمبادلة، فالمرجع في هذا التصرف فعلاً أو تركاً إلى ما يقتضيه الأصل، وهي أصالة عدم الانتقال.1
والحقّ ما مرّ من أنّه يجوز له التصرف فيما انتقل عنه خلافاً للشيخ، ولا يجوز له التصرف فيما انتقل إليه، لأنّ العقد بعد عقد إنشائي، والنقل والتمليك مثله، وما هذا شأنه لا يؤثر لا فيما انتقل عنه ولا فيما انتقل إليه. فما انتقل عنه باق في ملك الأصيل، وما انتقل إليه باق في ملك المالك.
فتبين من ذلك أنّ الموقف الصحيح من الثمرات على الكشف هو:
1. النماء للمشتري، وهذا أمر متفق عليه.
2. إنّه يجوز للأصيل فسخ التزامه على القول بالكشف عندنا وعند الشيخ الأنصاري.
3. يجوز له التصرف المنافي فيما انتقل عنه كذلك.
4. لا يجوز التصرف فيما انتقل إليه كذلك.
هذه هي الفروع الّتي ذكرها الشيخ وهناك ثمرات ذكرها بعض المتأخّرين،

1. المتاجر:134.

صفحه 15
نذكرها تبعاً لشيخنا الأنصاري(قدس سره).
***

الثمرات الأُخرى للقول بالنقل والكشف

نقل الشيخ الأنصاري عن بعض متأخّري المتأخّرين1 ثمرات أربع ندرسها واحدة بعد الأُخرى.
1. لو انسلخت قابلية الملك عن أحد المتبايعين بموته قبل إجازة الآخر.
2. لو انسلخت قابلية الملك عن أحد المتبايعين بعروض كفر بارتداد فطري أو غيره مع كون المبيع مسلماً أو مصحفاً.
فيصحّ حينئذ في الصورتين على الكشف لوجود القابلية عند العقد دون النقل. لعدمها حينه.
3. لو تجددت القابلية قبل الإجازة بعد انعدامها حال العقد كما لو باع ثمرة النخيل قبل بدوّ صلاحها ثم تجددت الثمرة وبدا صلاحها بعد العقد وقبل الإجازة.
4. إذا قارن العقد فقد الشروط ثم حصلت.
ففيهما يبطل على الكشف لفقدان القابليّة عند العقد ويصحّ على النقل، لوجودها حين الإجازة.
أمّا الأُوليان: من الثمرات فقد أورد عليهما صاحب الجواهر بأنّ التفصيل بين الكشف والنقل مبني على عدم شرطية استمرار القابلية في المتبايعين إلى حين الإجازة، ولو ادّعي ظهور الأدلة في بقاء قابلية التملّك في المتبايعين إلى حين الإجازة لصحّة البيع فلا يصحّ على الكشف أيضاً لانسلاخ الأصيل عن

1. هو كاشف الغطاء في شرحه على القواعد وهو مخطوط لم ير النور.

صفحه 16
القابلية إمّا بموته أو بارتداده.1
واعترض عليه الشيخ الأنصاري بعدم اعتبار استمرار القابلية ولا استمرار التملّك المكشوف عنه بالإجازة إلى حينها. واعتمد في ذلك على الوجوه التالية:
1. لو وقعت بيوع متعددة على مال; فإنّهم صرّحوا بأنّ إجازة الأوّل توجب صحّة الجميع، مع عدم بقاء مالكية الأوّل مستمراً على القول بالكشف كما هو أساس الثمرة حيث إنّ المبيع انتقل إلى آخر وآخر فلم يبق المالك مستمراً على مالكيته قبل الإجازة لفرض انتقاله إلى الآخرين قبلها.
2. إنّ ظاهر بعض أخبار المسألة عدم اعتبار حياة المتعاقدين حال الإجازة (كرواية ابن أُشيم). حيث تنازع مولى المأذون ومولى الأب، وورثة الدافع، وادّعى كلّ منهم أنّه اشتراه ـ أي العبد ـ بماله، فمولى المأذون ، و مولى الأب وإن كانا موجودين لكن دافع الثمن(مولى الورثة) توفّي وقام مكانه ورثته يدّعون أنّه اشتري بمالهم، فيدلّ على عدم شرطية بقاء المتعاقد إلى وقت إجازة الورثة.
3. فحوى خبر تزويج الصغيرين إذا أدرك الزوج ورضي ثم مات ثم أدركت الزوجة فلو رضيت بالعقد وحلفت بأنّ إجازتها لأجل رضاها بنفس العقد لا للميراث ورثت. فأثّرت إجازتها عند موت الزوج.
4. إطلاق خبر عروة حيث لم يستفصل النبي(صلى الله عليه وآله) عن موت الشاة وذبحها وإتلافها.2
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في صحّة القاعدة التي ادّعاها صاحب الجواهر وحال النقوض التي أوردها الشيخ على القاعدة.
الثاني: دراسة الثمرات التي ذكرها كاشف الغطاء .

1.الجواهر:22/290.
2. المتاجر:135.

صفحه 17
المقام الأوّل: فالظاهر إتقان القاعدة، لأنّ البيع من الأُمور العقلائية وليس للشارع فيها دور سوى إضافة شرط أو قيد أو تنبيه على فساد بعض أقسامه. ومن المعلوم أنّ العقد تعهد والتزام بين المتبايعين، ولازم ذلك بقائهما على القابلية. وأمّا إذا مات فلا تعهد له ولا التزام حتّى تتعلق به الإجازة، ومثله إذا ما انقطعت صلته به بالارتداد.
وأمّا النقوض التي أوردها الشيخ على القاعدة فغير صالحة لنقضها.
أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ البيع الفضولي مهما تصاعد ليس بيعاً أحلّه اللّه ولا انتقالَ فيه إلاّ انشاءً، وإنّما تحصل الملكية الفعلية بإجازة المالك، فتكون القابلية (مالكية المجيز) مستمرة إلى زمان الإجازة، نعم لو قلنا بالكشف بالمعنى المشهور من تحقّق الملكية قبل الإجازة وأنّ الإجازة بمنزلة المعرّف لا السبب المؤثّر يتوجه النقض. حيث انسلخت المالكية عن المجيز بتوارد البيوع على ملكه قبل الإجازة.
وأجاب عنه السيد الطباطبائي بوجه آخر قائلاً بوجود الفرق الواضح بينه وبين ما نحن فيه (موت أحد المتبايعين) فإنّ في هذا الفرض (توارد البيوع) الاستمرار متحقّق إلى حين الإجازة مع قطع النظر عنها، وإنّما يستكشف عدم الملكية من جهة الإجازة، وهذا لا مانع منه، وإنّما الممنوع عدم بقاء الملكية إلى حين الإجازة مع قطع النظر عنها وعن مقتضاها.1
وأمّا الثاني: فلأنّ الحديث ـ كما مرّ ـ لا صلة له بالفضولي، لأنّ العبد كان مأذوناً من الموالي الثلاثة وكلّ يدّعي أنّه اشترى بمالهم.
وأمّا الثالث: فهو تعبّد محض لأنّ اعتبار الزوجية بين الميت والحي لا يساعده العرف فلا يمكن التجاوز إلى غيرها. وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه يصحّ اعتبارها لغاية الإرث فقط لا لآثار أُخرى.

1. تعليقة السيد الطباطبائي:154.

صفحه 18
وأمّا الرابع: فغير واضح لاحتمال علم النبي(صلى الله عليه وآله) ببقاء الشاة، لقصر الزمان. مضافاً إلى أنّ مقتضى استصحاب بقاؤها إلى زمان الإجازة.
فتلخص: أنّ اعتبار استمرار القابلية إلى حين الإجازة يوافق اعتبار العقلاء ولا ينافيه شيء من الفتاوى مضافاً إلى ظهور الأدلّة في الاعتبار.
إنّما الكلام في المقام الثاني، أعني: وجود الثمرة بين القولين عند انسلاخ القابلية عن أحد المتعاقدين بالموت أو بالارتداد إذا كان المبيع في الثاني المصحف أو العبد المسلم. والظاهر صحّة الإجازة على كلا القولين. ولا تختص الصحة بصورة القول بالكشف.
أمّا الصورة الأُولى: أعني إذا انسلخت القابلية بالموت فالإجازة نافذة سواء أقلنا بالكشف أم بالنقل. وجهه: هو ما قدّمنا في صدر الكتاب من أنّ البيع عبارة عن ربط بين المالين وعلقة بينهما، ولا علاقة له بخصوصية المالك ولا التعرّف عليه، ويجوز للمالك إجازة بيع ماله وإن لم يعرف المشتري.
نعم لازم المبادلة هو تبدّل طرفي الإضافة فإنّ ملكية المبيع عبارة عن وجود الإضافة بين البائع والمبيع فبعد البيع يَحلُّ المشتري محل البائع، وهكذا الأمر في ملكية الثمن فإنّها إضافة بينه وبين المشتري، وبعد البيع يحل البائع محل المشتري.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا فرضنا أنّ المشتري كان أصيلاً والبائع كان فضولياً وفرضنا موت الأصيل فإنّ الثمن بموته قبل الإجازة ينتقل إلى الوارث، فإذا أجاز المالك فقد أجاز نفس المبادلة من دون علاقة لخصوصية المالك وأنّه كان هو المورث في فترة والوارث في فترة أُخرى، ومع ذلك فالقابلية محفوظة في جانب الأصيل، من زمان العقد إلى حين الإجازة إذ مادام حيّاً تتمثّل القابلية فيه وبعد موته تتمثل في وارثه، فتكون الإجازة مؤثرة على النقل أيضاً، لما عرفت من استمرار القابلية من زمان العقد إلى زمان الإجازة وبعدها بقيام الوارث مقام

صفحه 19
المورث.
والتفريق بين الكشف والنقل كان مبنياً على عدم قيام الوارث مقام المورّث، وأمّا على القول بقيام الوارث مكان الأصيل فالقابلية مستمرة إلى وقت الإجازة وبعدها، غير أنّها تتمثل تارة في المورِّث وأُخرى في الوارث. فعلى الكشف فالقابلية قائمة بالمورّث، وعلى النقل بالوارث.
نعم هنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّ المورث وإن كان أصيلاً في الشراء، ولكن الوارث ليس كذلك فتنفيذ العقد كما يتوقّف على إجازة مالك المبيع فهكذا يتوقّف على إجازة الوارث أيضاً على القول بالنقل.
وأمّا الصورة الثانية: أعني: إذا انسلخت القابلية لا بموت الأصيل، بل بارتداده وخروجه عن الدين فارتداده يكون بمنزلة الموت فتنتقل أمواله إلى ورثته وتعتدّ زوجته إلى غير ذلك من الأحكام، وعند ذلك إذا أجاز المجيز فإنّما يُجيز نفس العقد من دون علاقة له بمالك الثمن، غاية الأمر لو لم يكن الأصيل مرتدّاً لانتقل المبيع إليه، ولكنّه ينتقل إلى وارثه فالقابلية مستمرة متجسّدة تارة بالموّرث وبعد ارتداده بالوارث، فتصح الإجازة على النقل أيضاً.
نعم لما كان الوارث غير أصيل بالنسبة إلى الشراء وإن كان المورث أصيلاً فتتوقّف صحة البيع على إجازته مضافاً إلى إجازة المالك المجيز كما مرّ.
هذا كلّه في الثمرتين الأُوليين، وعلمت أنّه لا فرق في صحّة الإجازة بين القولين، وأنّ قيام الوارث مقام المورّث يرفع إشكال عدم القابلية في كلتا الصورتين.
وأمّا الصورة الثالثة: أعني: إذا تجدّدت القابلية قبل الإجازة بعد انعدامها حال العقد كما لو باع ثمرة النخيل قبل بدوّ صلاحها ثم بدا صلاحها بعد العقد وقبل الإجازة.
وأمّا الصورة الرابعة: أعني: إذا قارن العقدُ فقد الشروط ثم حصلت ، كما إذا

صفحه 20
كان أحد المتعاقدين صبّياً حين العقد فصار بالغاً حين الإجازة، فقد قال كاشف الغطاء: يصح على النقل دون الكشف. كما مرّ، لكن الشيخ قال : إذا تجدّدت القابلية بعد العقد حال الإجارة فلا يصلح ثمرةً للمسألة لبطلان العقد ظاهراً على القولين، وكذا فيما لو قارن العقد فقدَ الشرط، وبالجملة فباب المناقشة وإن كان واسعاً إلاّ أنّ الأرجح في النظر ما ذكرنا.1
والظاهر التفصيل بين الشرط الراجع إلى العقد والراجع إلى أثر العقد وهو الملكية، فمثل كون الطرفين بالغين عاقلين والعوضين معلومين، أو مثل بدوّ الصلاح فالجميع من القسم الأوّل، فالعقد صدر باطلاً وما كان كذلك لا يصير صحيحاً بالإجازة لا على القول بالكشف ولا على القول بالنقل; وأمّا شرطية اسلام المشتري إذا كان المبيع عبداً مسلماً أو مصحفاً والمشتري حين العقد كافراً فهو من قبيل القسم الثاني، فتؤثّر الإجازة على النقل لعدم المحذور فيه لفرض أنّ المشتري صار مسلماً، دون الكشف لأنّ الإجازة على فرض الكشف تحدث الملكية من زمان العقد والمفروض عدم صحّة تملّكه للمبيع من زمان العقد.

ثمرات أُخرى للنقل والكشف

ثمّ إنّ الشيخ(رحمه الله) ذكر للقول بالنقل والكشف ثمرات أُخرى فهي كالتالي:
1. تعلّق الخيارات.
2. حق الشفعة.
3. احتساب مبدأ الخيارات.
4. معرفة مجلس الصرف والسلم.
5. الأيمان والنذور المتعلّقة بمال البائع أو المشتري.
6. العقود المترتّبة على الثمن والمثمن.

1. المتاجر:135.

صفحه 21
أمّا الأمر الأوّل: كما إذا اختلف المبيع في الصحة والعيب حسب زمان العقد والإجازة بأن كان صحيحاً فصار معيباً أو بالعكس، فتختلف الحال في ثبوت الخيار بناءً على الكشف والنقل، فلو كان صحيحاً عند العقد فلا خيار على الكشف، دون النقل. ولو عكس يكون له الخيار على الكشف دون النقل.
ومثله إذا اختلفت القيمة حسب الزمانين فيكون مغبوناً في زمان العقد دون زمان الإجازة فله الخيار على الكشف دون النقل.
وأمّا الأمر الثاني: أعني: حق الشفعة; فإن قلنا بالكشف يكون ثبوت حق الشفعة من حين العقد، وإن قلنا بالنقل فمن حين الإجازة.
فلو كانت الدار مشتركة بين اثنين فباع فضولي حصة أحدهما من آخر ثمّ باع الآخر حصته فأجاز المالك، فعلى الكشف يكون حق الشفعة للمشتري من الفضولي لأنّه صار شريكاً للبائع الثاني قبل بيعه، وعلى النقل يكون للمشتري من الثاني لأنّه صار شريكاً للمالك المجيز قبل تماميّة بيع حصته، وإذا تمّت الإجازة فله أن يأخذ بالشفعة بالنسبة إلى هذا البيع الّذي قد تمّ من حينها.
وأمّا الأمر الثالث: كما في خيار الحيوان، فإنّ مبدأ الثلاثة من حين العقد على الكشف ومن حين الإجازة على النقل.
وأمّا الأمر الرابع: فلأنّ المجلس الّذي يعتبر القبض فيه هو مجلس العقد على الكشف ومجلس الإجازة على النقل.
وأمّا الأمر الخامس: فكما إذا نذر التصدّق بدرهم إذا كان يوم الجمعة مالكاً لكذا، أو نذر التصدّق بجميع ما يملكه فيه، وهكذا إذا حلف بالتصدّق إذا ملك يوم الجمعة، فاشترى شيئاً فضوليّاً يوم الجمعة وأجاز المالك يوم السبت فعلى الكشف يجب التصدق دون النقل لافتراض أنّه ملكه يوم السبت.
وأمّا الأمر السادس: فسيأتي الكلام فيه مفصلاً عند تعرض المصنّف له.1
وينبغي التنبيه على أُمور:

1. لاحظ تعليقة السيد الطباطبائي: 157.

صفحه 22

التنبيه الأوّل:

حكم الإجازة على خلاف معطيات العقد

أو

على خلاف مقتضى الكشف والنقل

التنبيه الأوّل: حكم الإجازة على خلاف معطيات العقد   
إذ قلنا بأنّ مقتضى الأدلة كون الإجازة كاشفة، ولكن قصد المجيز الإمضاء من حين الإجازة، أو قلنا بأنّ مقتضاها هو النقل، وقصد المجيز الإمضاء من حين العقد، فهل يصحّ العقد والإجازة، أو لا يصحّان، أو يصح العقد وفق مقتضى الأدلة ويبطل الشرط(تقييد الاجازة على خلاف القاعدة)، أو يصحّ العقد ويحتاج إلى إجازة ثانية غير مخالفة لما هو المختار؟ الأقوى هو الأخير.
بيانه: أنّه إذا قلنا بأنّ العقد سبب تام للنقل، والإجازة تكشف عن وجود الشرط عند العقد وإن خفي علينا(كما إذا قلنا بأنّ السبب هو العقد المتعقّب بالإجازة مثلاً) فحينئذ لا يصحّ تقييد تأثير الإجازة من زمانها فقط، لأنّ التقييد مخالف لمقتضى العقد.
كما أنّه لو قلنا بأنّ العقد بوجوده البقائي جزء السبب والجزء الآخر هو الإجازة فلابدّ من لحوقها به حتّى يكتمل السبب ويحصل الانتقال فلا يصحّ عندئذ تقييد تأثير الإجازة بأوّل زمان العقد، لأنّ معناه وجود المسبب الاعتباري

صفحه 23
قبل اكتمال سببه، وهو خلف في عالَم الاعتبار.
وبكلمة قصيرة: إنّ تقييد الإجازة على خلاف معطيات العقد يرجع إلى التناقض في الاعتبار والخلف فيه، وعلى ضوء ذلك فتبطل الإجازة، إنّما الكلام في بطلان العقد، فالظاهر عدم البطلان وبقاء العقد على صحّته التأهلية والقابلية العقلائية، فيجب على كلا القولين صدور إجازة ثانية، مثلاً لو كان مقتضى القاعدة هو تأثر العقد من زمان إنشائه ولكنّه أجاز على نحو تأثيره من زمان الإجازة، فالشرط المكمّل للعقد غير موجود، لأنّ الشرط حين العقد ليس هو التعقّب بمطلق الإجازة، بل التعقّب بالإجازة المتعلّقة بالعقد من زمان الإنشاء والمفروض عدمه.
هذا على القول بالكشف ونظيره القول بالنقل، فإنّ العقد جزء السبب والجزء الآخر هو الإجازة الملتحقة به فلو أجاز على نحو أن يكون العقد سبباً تاماً للانتقال لم يكتمل بهذه الإجازة ما هو سببه.
فتلخّص من ذلك: أنّ العقد باق على قابليته وصحّته التأهلية، والإجازة لمّا كانت غير مطابقة لمقتضى العقد تصبح لغواً وتحتاج في إخراج القابلية إلى الفعلية إلى إجازة ثانية على وفق مقتضى القاعدة.
ثمّ إنّ أُستاذنا المحقّق الكوهكمري(قدس سره) فصّل بين كون مضمون الإجازة على خلاف المختار، شرطاً لها كما إذا قال: أجزت العقد بشرط أن تكون الملكية حاصلة من حين الإجازة، مع كون المختار هو الكشف، وبين كون مضمون الإجازة قيداً للإجازة.
أمّا الأوّل فبما أنّ الإجازة مطلوبة والشرط مطلوب آخر تكون الإجازة نافذة على وفق المختار ويلغى الشرط(من دون حاجة إلى إجازة ثانية).
وأمّا الثاني أي إذا كان المضمون قيداً للإجازة، كما إذا قال: أجزت إجازة مملّكة من حين الإجازة مع كون المختار الكشف، فبما أنّ القيد والمقيّد

صفحه 24
موجودان بوجود واحد لا ينفك أحدهما عن الآخر فلا يمكن الأخذ بالمقيّد دون القيد فتبطل الإجازة (فيحتاج إلى إجازة ثانية).
أقول: إنّ التفريق بين الشرط والقيد وإن كان أمراً صحيحاً لكنّه دقة فلسفية لا يلتفت إليها العرف العام، بل يتلقّاه أمراً واحداً كالقيد والمقيّد، وعندئذ نحتاج إلى إجازة أُخرى تكون على وفق المختار.
التنبيه الثاني: اعتبار الإنشاء في الإجازة   

صفحه 25

التنبيه الثاني:

اعتبار الإنشاء في الإجازة

إنّ البيع كما عرفت عبارة عن إنشاء المبادلة والربط بين المالين; فهذا هو الموضوع للأحكام الشرعية والعقلائية. وقد عرفت أنّ الإنشاء تارة يكون باللفظ، سواء أكان بنحو الحقيقة أم بنحو المجاز أم الكناية إذا كان ظاهراً في الإنشاء، وأُخرى بالفعل إذا كان ظاهراً فيه أيضاً.
هذا كلّه في نفس العقد، وأمّا الإجازة ففيها احتمالات:
الأوّل: لزوم إنشاء القبول باللفظ الصريح فيه.
الثاني: كفاية إنشاء القبول بالصريح وبالكناية.
الثالث: كفاية الإنشاء بالسبب الفعلي كالسبب القولي.
الرابع: إلغاء الإنشاء قولاً وفعلاً والاكتفاء بالفعل الكاشف عن الرضا الباطني في طرف الإجازة، وهذا هو الظاهر من الشيخ الأنصاري(قدس سره).
أقول: أمّا اعتبار اللفظ فلا دليل عليه فضلاً عن اعتبار الصراحة، فإنّ السبب الفعلي يقوم مقام السبب القولي. فكلّ شيء من اللفظ والفعل وفي اللفظ أعمّ من الصريح والكناية، إذا عدّ إنشاءً في القبول يكفي في إنشاء الإجازة، إنّما الكلام في كفاية مجردّ الرضا الباطني إذا كشف بشيء.
والظاهر عدم كفايته، وذلك لأنّا لو قلنا بأنّ العقد الفضولي سبب تام ينقصه مجرد الرضا الباطني صحّ ما اختاره الشيخ.
وأمّا لو قلنا بأنّه ليس بيعاً أحلّه الشارع ولا عقداً يجب الوفاء به وإنّما هو إنشاء مبادلة مال بمال من دون استناد إلى المالك فتنقصه روح العقد وهو

صفحه 26
الاستناد. ومن المعلوم أنّ المراد من الاستناد ليس هو القسم التكويني بل القسم الاعتباري وهو رهن إنشائه بسبب من الأسباب كسائر الأُمور الاعتبارية. ومجرّد الرضا الباطني لا يحقّق الاستناد.
وممّا يدلّ على عدم كفاية الرضا الباطني أنّه لو كان كافياً يلزم أن تكون الكراهة الباطنية أيضاً كافية في بطلان العقد المكره مع أنّه ليس كذلك لإمكان تصحيحه بالإجازة المتأخّرة.
ثمّ إنّ الشيخ استدلّ على مختاره (كفاية الفعل الكاشف عن الرضا) بطائفتين من الروايات:
الأُولى: ما دلّ على كفاية الفعل الكاشف عن الرضا بالتزويج أو البيع، نظير:
1. صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: في امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها من رجل في سُكْرها ثم أفاقت وأنكرت ذلك ثم ظنت أنّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها أم التزويج فاسد ، لمكان السكر؟ فقال(عليه السلام):«إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضاً منها».1
وجه الاستدلال: أنّ الظاهر هو عدم مباشرة الزوجة للعقد في حال سكرها إذ لا اعتبار بعقد السكران، بل الظاهر توكيل الغير في حال سكرها، فإذا أفاقت وأقامت معه فهو يكشف عن رضاها به.
يلاحظ عليه: أنّ إقامتها معه إنشاء إجازة فعلية لعقد الوكيل وفي الوقت نفسه كاشف عن رضاها.
2. ما رواه علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري حدثاً قبل ثلاثة أيام فذلك رضاً منه فلا شرط، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبّل أو نظر منها

1. الوسائل:14، الباب14 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث1.

صفحه 27
إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء...الحديث.1
يلاحظ عليه: بأنّ إحداث الحدث من اللمس والتقبيل إنشاء فعلي لإسقاط الخيار فإنّ من يكون بصدد إعمال الخيار يجتنب عن مثل تلك الأفعال.
الثانية: ما وردت في تزويج العبد، منها:
1. سكوت المولى بعد علمه بتزويج عبده، إقرار منه له عليه.2
2. ما دلّ على أنّ قول المولى ـ لعبده المتزوّج بغير إذنه ـ «طلّق» يدلّ على الرضا بالنكاح، فيصير إجازة.3
3. ما دلّ على أنّ المانع من لزوم نكاح العبد من دون إذن مولاه معصية المولى الّتي ترتفع بالرضا.4
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام وما ورد في الأخبار فإنّ العقد في المقام لم يصدر ممّن له أهلية العقد فلذلك لم يكن محيص في إصلاح العقد من إنشاء يُسنِدُ العقد إلى من له أهلية العقد حتّى يكون العقد عقده بالاعتبار، بخلاف مورد هذه الأخبار فإنّ العقد صدر ممّن له أهلية العقد، فإنّ الزوج هو المباشر للعقد غاية الأمر تعلّق به حق الغير، فإذا رضي تمّ السبب، نظير بيع الراهن العين المرهونة الّتي تعلق بها حق المرتهن فإذا رضي تمّ العقد.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ(قدس سره) اقتفى أثر الشيخ وقال: لا يعتبر في نفوذ العقد الفضولي إلاّ الرضا، وقال بعدم اعتبار إنشاء الإجازة والإنفاذ، واستدلّ على ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ اعتبار إنشاء الإجازة لأحد وجهين:
إمّا لأجل عدم صدق العناوين، ففيه: أنّه متحقّق ضرورة صدق العناوين

1. الوسائل:12، الباب4 من أبواب الخيار، الحديث1.
2. الوسائل:14، الباب26 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1
3. الوسائل: 14، الباب27 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
4. الوسائل: 14 ، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.

صفحه 28
عليه، أجازه، أو ردّه، أو لا، فإنّ البيع مثلاً ليس إلاّ تمليك العين بالعوض. وبيع الفضولي وغيره في صدق العناوين سواء.
وإمّا لأجل أنّ المعتبر في الفضولي صيرورته عقداً وبيعاً للأصيل فإنّ قوله تعالى: (أَوفُوا بالْعُقُودِ) بمعنى عقودكم، فإنّ الوفاء لا يجب إلاّ على من كان العقد عقده، ففيه: أنّه لو كان المعتبر صيرورة العقد عقده فلا شبهة في أنّ الإجازة بأي وجه أخذت لا توجب ذلك.1
يلاحظ عليه: أنّ المراد هو الثاني لا الأوّل، ولكن الاستناد قسم منه تكويني وقسم منه اعتباري، فالذي لا يحصل بالإجازة هو الأوّل، وأمّا الثاني أي الاعتباري فيكفي فيه أن يقول: انفذت العقد الّذي أجراه الفضولي على مالي; وبالجملة فالإجازة المتأخّرة لا تقصر في تصحيح النسبة عن التوكيل، فكما أنّه يصحّ نسبة فعل الوكيل إلى الموكل فهكذا في المقام.
الثاني: أنّ كفاية الرضا مقتضى صحيحة أبي عبيدة الحذاء الّتي قد مرّت بتفصيلها وفيها: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي»، قلت: فإن كان الرجل الّذي أدرك قبل الجارية ورضي بها ثم مات قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: «نعم، يعزل ميراثها منه، حتّى تدرك وتحلف باللّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج».2
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ حلفها على النحو المذكور يعدّ إجازة للعقد بالكفاية، أضف إلى ذلك أنّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الرواية هو أنّ مجرد الرضا يكفي في الإرث، وأمّا كفايته في سائر الموارد كالبيع والإجازة فموضع تأمّل.
التنبيه الثالث: عدم سبق الردّ للإجازة   

1. البيع:3/274.
2. الوسائل:17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث1.

صفحه 29

التنبيه الثالث:

عدم سبق الردّ للإجازة

ذكر الشيخ أنّ من شروط الإجازة أن لا يسبقها الردّ; واستدلّ على ذلك بوجوه:
الأوّل: الإجماع، والتصريح به في كلام بعض المشايخ.1
الثاني: أنّ الإجازة إنّما تجعل المجيز أحد طرفي العقد وإلاّ لم يكن مكلّفاً بالوفاء بالعقد لما عرفت من أنّ وجوب الوفاء إنّما هو في حقّ العاقدين أو من قام مقامهما، وقد تقرر أنّ من شروط الصيغة ألاّ يحصل بين طرفي العقد ما يسقط الطرفين عن صدق العقد الّذي هو بمعنى المعاهدة. وكأنّ الردّ يسقطه عن هذا المعنى.
الثالث: أنّ مقتضى سلطنة الناس على أموالهم تأثير الردّ في قطع علاقة الطرف الآخر عن ملكه فلا يبقى ما تلحقه الإجازة.2
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّ ادّعاء الإجماع في مثل هذه المسألة الفرعية بعيد جدّاً، أو على فرض ثبوته لا يكشف عن وجود دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا.
وعلى الثاني: بأنّه إنّما يصحّ في الرد المتوسط بين الإيجاب والقبول، فردّ الموجب إيجابه بمعنى نقض تعهده ولا يبقى تعهد حتّى ينضم إليه القبول، وأمّا المقام فصورة العقد إيجاباً وقبولاً قد تمّت من جانب الفضولي، فالمفروض أنّ

1. الجواهر:22/278.
2. المتاجر:136.

صفحه 30
الطرف الأصيل باق على تعهّده ولم يرجع عنه، فردّ المالك لا يؤثر لا في العقد لأنّه قائم بالفضولي كما هو واضح، ولا في تعهد الطرف الأصيل لأنّه باق على تعهده، فردّه وعدمه سيّان. فلو ندم ـ بعد الردّ ـ وقبل فيؤثر في عقد الفضولي حيث يجعله مؤثراً من حين الصدور ويتم العقد بضم التعهدين الواحد إلى الآخر.
وعلى الثالث: فإنّ بيع الفضولي ليس تصرّفاً في مال الغير حتّى يقال: إنّ للمالك قطع العلاقة، ولو كان مجرّد إجراء العقد تصرفاً في مال الغير كان قبيحاً منذ صدوره.
ويمكن تأييد المختار بروايتين:
الأُولى: ما ورد في صحيحة محمد بن قيس من أنّ المالك قال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال الإمام: «خذ وليدتك وابنها»1، فإنّ أخذ الوليدة ومن ولدت كان ردّاً لبيع ولده الفضولي. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ أخذه الوليدة كان بأمر الإمام (عليه السلام)لغاية من الغايات وليس ظاهراً في رد البيع، فتأمل.
الثانية: صحيحة ابن بزيع الّتي مرّت في امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوّجت نفسها رجلاً في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك ثم ظنت أنّه يلزمها، ففزعت منه، فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج.2
فقوله:«أنكرت» نوع ردّ للعقد الّذي أجراه وكيلها الّذي وكلته في حال سكرها، مع أنّ الإمام(عليه السلام) قال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضاً منها.
وعلى ضوء ما ذكرنا فعدم اشتراط الإجازة بعدم مسبوقيتها بالرد هو مقتضى القواعد والروايتين.
التنبيه الرابع: الإجازة لا تورّث   

1. الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.
2. الوسائل:14، الباب14 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث1.

صفحه 31

التنبيه الرابع:

الإجازة لا تورّث

لا شك أنّ الإجازة والرد من الأحكام الشرعية التابعة للملك، فللمالك أن يجيز وله أن يرد. نعم إذا ورّث الوارث الملك وصار ملكاً للوارث، له أن يجيز وله أن يرد، لا بملاك أنّه ورّث الإجازة بل بما أنّه إذا انتقل الملك إلى شخص وصار مالكاً له فمن أحكامه إجازة العقد الّذي جرى على ماله. ولذلك يقول الشيخ: فرق واضح بين إرث الإجازة وإرث المال.
و يظهر الفرق في موضعين:
1. لو قلنا بإرث المال فلا ترث الزوجة الإجازة إذا كان المبيع ممّا تحرم منه كالعقار، بخلاف ما لو قلنا بإرث حق الإجازة فإنّها ترثه.
2. لـو قلنـا بإرث المـال فـلا يملك الإجـازة إلاّ الـوارث الّـذي وقـع المبيع في سهمه دون بقية الورثة، بخلاف القول بإرث الإجازة فإنّه يمكن أن يقال: يرث كلّ واحد منهم إجازة تمام المبيع وردّه، والتفصيل موكول إلى مبحث الخيارات.

صفحه 32
التنبيه الخامس: إجازة بيع الفضولي، وحكم قبضه الثمن وإقباض المثمن   

التنبيه الخامس:

إجازة بيع الفضولي ،

وحكم قبضه الثمن وإقباض المثمن

إذا باع الفضولي، وقبض الثمنَ للمالك، واقبض المثمن للمشتري، ثم أجاز المالك البيع، يقع الكلام في الأمرين التاليين:
هل إجازة بيع الفضولي بمعنى إجازة قبض الثمن للمالك؟
وهل إجازة بيع الفضولي بمعنى إجازة إقباض المثمن للمشتري؟
هنا وجوه:
1. الملازمة بين إجازة البيع وإجازة القبض والإقباض.
2. عدم الملازمة بينهما.
3. التفصيل بين بيع الصرف والسلم وغيرهما، فإنّ إجازة العقد في الأوّلين بدون القبض لغو فتكون إجازة العقد، إجازة للقبض والإقباض صوناً للإجازة عن اللغوية بشرط أن يكون المالك عالماً بالحكم الشرعي.
4. التفصيل بين الثمن والمثمن الجزئيين المعينين، والمثمن الكلّي، أمّا إذا كانا جزئيين فلأجل أنّ إجازة البيع تلازم إجازة قبض الثمن للمالك وإقباض المثمن للمشتري لتعيّن الثمن والمثمن وتشخصهما بلا حاجة إلى إجازة أُخرى، بخلاف ما إذا كان المبيع كلياً في ذمة المالك فتشخّصه بما أقبضه

صفحه 33
الفضولي يحتاج إلى دليل معمِّم لحكم عقد الفضولي لمثل هذا الإقباض.1
وتظهر الثمرة ـ في الثمن ـ في إسقاط ضمانه عن عهدة المشتري، فإذا كان بين الإجازتين ملازمة فلا يكون المشتري مسؤولاً أمام البائع بالنسبة إلى الثمن الّذي أخذه الفضولي.
وفي المثمن فيما لو تلف، فلو قلنا بالملازمة بين الإجازتين فلو تلف يكون التلف من المشتري لخروجه عن قوله: كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.2 لأنّ التلف بعده، بخلاف ما لو قلنا بعدم الملازمة فلو تلف يكون من مال المالك لافتراض أنّ قبض المشتري كلا قبض، فالمبيع المقبوض ملك للمالك فيكون التلف قبل القبض ومن المالك.
هذا هو المستفاد من كلمات القوم.
أقول: هل للقبض والإقباض ـ بعنوانهما ـ مدخلية في الأحكام الشرعية، أو أنّ الأثر مترتب على وصول الثمن إلى البائع والمثمن إلى المشتري.
وبعبارة أُخرى: المعتبر حصول العوضين عندهما بأي نحو كان ولو بواسطة إطارة الريح أو حيوان أو غير ذلك، حتّى أنّ الأداء في قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» ليس له دور بمفهومه، بل الميزان في رفع الضمان حصوله عند المالك وإن لم تكن هناك تأدية. كما إذا رضي المالك ببقائه لدى الغاصب أو وضعه في مكان آخر.
إذا عرفت ما ذكرنا فلنفترض أنّ الثمن والمثمن معينان فنقول: إنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: إجازة البيع، منضمة إلى رضا المالك بفعل الفضولي من القبض

1. المتاجر:136.
2. عوالي اللآلي:3/212; مستدرك الوسائل:13/303، كتاب التجارة، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث1.

صفحه 34
والإقباض; والظاهر عدم الحاجة إلى إجازة ثانية فيما إذا كان الثمن والمثمن معينين.
أمّا قبض الثمن فلما عرفت من أنّه ليس للقبض والإقباض ـ بعنوانيهما ـ دور في الأحكام الشرعية، وإنّما الموضوع كون الثمن تحت يد البائع والمفروض أنّه وقع تحت يده بإظهار الرضا ببقاء الثمن في يد المشتري.
وأمّا في ناحية المثمن فكذلك فإنّ الأثر مترتّب على تلف المبيع عند المشتري والمفروض أنّه تلف عنده بعد إجازة البائع ودخول المبيع في ملكه من دون حاجة إلى إجازة ثانية بالنسبة إلى بقاء المثمن لدى المشتري.
فتلخّص أنّه إذا أجاز المالك البيع فقط ورضي بما عمله الفضولي فلا يحتاج إلى إجازة ثانية متعلّقة بالقبض والإقباض. وإجازة البيع نفسه كافية في ترتّب الأثر المطلوب من سقوط الضمان عن المشتري بالنسبة إلى الثمن وكون المبيع تالفاً لدى المشتري.
الثانية: إذا أجاز البيع ولكن لم يرض بما قام به الفضولي من القبض والإقباض، أمّا بالنسبة للثمن فيترتّب عليه عدم سقوط الضمان عن المشتري بالنسبة للثمن إذا لم يرض أن تكون يد الفضولي يده.
وأمّا بالنسبة للمبيع فلا يترتّب على رضاه وعدم رضاه أثر شرعي، لأنّ المبيع صار ملكاً للمشتري بالإجازة وقد سقط عن المالك وجوب الإقباض لكونه حاصلاً بفعل الفضولي ويكون التلف من مال المشتري لا المالك.
هذا كلّه إذا كان الثمن والمثمن معينين.
***
وأمّا إذا كان خصوص المبيع كليّاً وقام الفضولي بتعيين الكلّي في ضمن فرد، فلو رضي به المالك، يتعيّن ولا يحتاج إلى دليل معمّم لحكم الفضولي إلى مثل القبض والإقباض كما زعمه الشيخ، لأنّ العرف يتلقّاه كالكيل في تعيين

صفحه 35
الكلّي في ضمن الفرد، وإن لم يرض فيكون المبيع كلياً، وما استولى عليه المشتري ليس ملكاً له فلو تلف فلا يصدق أنّه تلف عنده لأنّه لم يتملّكه بعد.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ لرضا المالك بعمل الفضولي دوراً في سقوط ضمان الثمن عن عهدة المشتري، ولولا رضاه بعمله يبقى الضمان على عهدته.
وأمّا المبيع فلو كان معيناً فليس لرضا المالك بالإقباض دور سواء أرضي بالإقباض أم لا بعد إجازة المبيع.
وأمّا إذا كان كلياً فلا يملكه المشتري بإجازة البيع دون الرضا بعمل الفضولي، وبالتالي لا يُحسب على المشتري إذا تلف عنده.

صفحه 36
التنبيه السابع: في مطابقة الإجازة للعقد عموماً وخصوصاً   

التنبيه السادس:

فوريّة الإجازة وعدمها

إذا باع الفضولي وتم العقد ولم يبقَ إلاّ إجازة المالك فهل هي على الفور أو لا ؟
استظهر الشيخ(قدس سره) عدمها من صحيحة محمد بن قيس وأكثر المؤيدات المذكورة بعدها، نظير إجازة الزوجة المدركة بعد موت الزوج لأجل الإرث. ثم افترض أنّه إذا لم يجز المالك ولم يردّ حتّى لزم تضرّر المالك الأصيل بعدم جواز تصرفه فيماانتقل عنه وإليه ـ على القول بالكشف ـ بأنّ ضرره يتدارك بالخيار أو برفع الأمر إلى الحاكم حتّى يجبره بأحد الأمرين.1
أقول: إنّ البحث في احتمال الفورية وعدمها إنّما يتم في مثل خيار الغبن والشفعة ونحوها من الموارد الّتي تم فيها العقد بين المالكين، فيقع الكلام في كون الخيار على الفور وعدمه، وأمّا المقام الّذي لم يتحقّق فيه إلاّ صورة العقد وإنشاؤه، لا واقعه وحقيقته ولم يكن البيع «ممّا أحلّ اللّه» ولا العقد «ممّا وجب الوفاء به»، فاحتمال الفورية ممّا لا وجه لها، فما دام العقد الصوري باقياً لدى العرف، يصحّ تعلّق الإجازة به.
وأمّا تضرر الأصيل عند عدم الرد والإجازة، فيدفع بما مرّ من أنّه يجوز له التصرف فيما انتقل عنه، ومعه ينتفي العقد، ولا يبقى موضوع للرد والإجازة.

1. المتاجر:136.

صفحه 37

التنبيه السابع:

في مطابقة الإجازة للعقد عموماً وخصوصاً

هل تعتبر في صحّة الإجازة مطابقتها للعقد عموماً أو خصوصاً أو لا ؟ وجهان:
قال الشيخ: الأقوى: التفصيل فيما لو أوقع العقد على صفقة وكانت بين مالكين فأجاز المالك أحدهما، لأنّهما أشبه ببيعين في صفقة واحدة، وضرر التبعض على المشتري يُجبر بالخيار; ولو أوقع العقد على شرط فأجازه المالك مجرّداً عن الشرط فالأقوى عدم الجواز بناءً على عدم قابلية العقد للتبعيض من حيث الشرط وإن كان قابلاً من حيث الجزء.1
ظاهر عبارة الشيخ أنّ النزاع كبروي وأنّه هل تشترط المطابقة بين العقد والإجازة أو لا؟ وتبعه المحقّق النائيني قائلاً بأنّ ما اختاره الشيخ من عدم اعتبار مطابقة الإجازة للعقد الواقع عموماً أو خصوصاً حسب الأجزاء هو الحقّ حسب القواعد، لأنّ حكم الإجازة حكم البيع ابتداءً، فكما يجوز للمالك بيع بعض ماله ابتداءً كذلك يجوز له إجازة بعضه.2
أقول: ما ذكره من أنّ إجازة البائع بيع ابتدائي، خلاف الفرض، لأنّ المفروض أنّ الإجازة تنفيذ لبيع الفضولي. لا إنشاء بيع جديد.
وعلى أيّ حال فلو كان النزاع كبروياً، فهو كاشتراط المطابقة بين الإيجاب والقبول الّذي مرّ عن المحقّق النائيني: أنّه من قبيل القضايا الّتي قياساتها معها.

1. المتاجر:136.
2. منية الطالب:2/101.

صفحه 38
ويمكن أن يكون النزاع صغروياً وهو أن تنفيذ المشروط بلا شرط أو تنفيذ المطلق بإضافة شرط عليه هل يضر بالمطابقة أو لا، نظير تنفيذ بعض الصفقة دون بعض إذا كانت الصفقة لمالكين.
وعلى كلّ تقدير فالظاهر لزوم المطابقة، سواء أقلنا بأنّ الإجازة كالقبول المتأخّر فلزوم المطابقة واضح ـ كما مرّ ـ ، أو قلنا بأنّه من قبل تنفيذ العقد الصادر وجعله مستنداً إلى المالك فتنفيذ بعض دون بعض ليس إجازة لما أنشأ، إذ عندئذ يصبح المنشأ غير مجاز، والمجاز غير منشأ.
نعم ربّما لا يعد التبعيض، تخلّفاً، كما إذا انحلّ البيع إلى بيعين نظير ما إذا باع صفقة واحدة، لمالكين بثمنين، أو بثمن واحد، بالمناصفة فإنّ التبعيض في مثله لا يعد تخلّفاً في المطابقة.
وأمّا تنفيذ العقد بلا شرط فهو على وجهين:
1. ما يكون الشرط التزاماً من المشتري على نفسه لصالح المالك فأجاز المالك العقد مجرّداً.
2. ما يكون الشرط التزاماً من المالك على نفسه لصالح المشتري فأجازه بلا شرط.
أمّا الأوّل فلا شك في صحته، لأنّ للمالك أن لا يطلب حقه.
وأمّا الثاني فلو قلنا بأنّ العقد مع شرطه التزام واحد، غير قابل للتفكيك، فلا تصحّ إجازة العقد مجرداً عن الشرط إذ يصبح المنشأ غير مجاز، وإن قلنا: إنّه التزام في التزام قابل للتفكيك فالظاهر صحّة الإجازة عند التجريد غاية الأمر يكون للمشتري خيار تخلّف الشرط. والثاني أشبه، ولذلك قالوا: إنّ الشرط الفاسد ليس بمفسد للعقد.

صفحه 39

في المجيز

ويقع الكلام فيه في مسائل ثلاث:

المسألة الأُولى:

اعتبار كون المجيز جائز التصرف حال الإجازة

قال الشيخ: يشترط أن يكون المجيز حين الإجازة جائز التصرف بالبلوغ والعقل والرشد; ولو أجاز المريض بُني نفوذها على نفوذ منجزات المريض.1
وجهه: أنّك قد عرفت أنّ بيع الفضولي ليس بيعاً عرفاً، ولا ممّا أحلّه اللّه ولا عقداً يجب الوفاء به وإنّما هو صورة بيع وأشبه بالاتفاقية المكتوبة قبل التوقيع فلا قيمة لها قبل إمضاء المالك، والّذي يضفي الاعتبار له هو إجازة المالك حيث يجعله مؤثراً حين صدورها أو من حين العقد. وعلى ذلك فكون المجيز حال الإجازة جامعاً للشرائط من القضايا الّتي قياساتها معها.
ولو باع الفضولي مال الغير وهو مصحّ لكن أجاز في حال المرض، وكانت قيمة المبيع فوق الثلث وقلنا بعدم مضي منجزاته في أزيد من الثلث، لم يكن مؤثراً.
فإن قلت: إنّما يتمّ هذا على القول بالنقل، وأمّا على القول بالكشف فتمضي

1. المتاجر:136.

صفحه 40
إجازة المريض لأنّها ليست تصرفاً بل هي شرط لنفوذ التصرفات.
قلت: هذا ما احتمله السيد الطباطبائي حيث قال: في المسألة السابقة: يمكن أن يقال: بناء على الكشف تمضي إجازته من غير توقّف على إجازة الورثة إذا كان البيع في حال صحّته بدعوى أنّه محجور من التصرفات في ماله حال المرض بما زاد على الثلث والإجازة ليست منها، بل هي شرط لنفوذ التصرفات (في حال الصحة) فهي نظير القبض الموقوف عليه صحّة المعاملة كالوقف والصرف والسلم، ولا يبعد عدم الحجر بالنسبة إليه فإذا وقف في حال الصحة ثم أقبضه في حال المرض أمكن أن يقال بعدم توقّفه على الإجازة من الوارث، فتأمّل.1
أقـول: ولقـد أجاد بالأمر بالتأمّل حيث إنّ ما ذكره يتم على مسلك من يقول بتمامية العقد وعدم وجود دور للإجازة سوى الكشف المحـض، لكفاية الرضا التقديري، على فرض وجوده حين العقد، أو عنوان التعقّب الموجود حينه وإن لم يكن معلوماً لنا، وأمّا على سـائر المسالك فللإجازة دور واضح في النقل، بل النقل قائم به تماماً«وكلّ الصيد في جوف الفراء».

1. تعليقة السيد الطباطبائي:161.

صفحه 41

المسألة الثانية

وجود مجيز حال العقد

عبّر الشيخ عن المسألة الثانية بقوله:«هل يشترط في صحّة عقد الفضولي وجود مجيز حين العقد فلا يجوز بيع مال اليتيم لغير مصلحة ولا تنفعه إجازته إذا بلغ أو أجازه وليه إذا حدثت المصلحة بعد البيع أم لا يشترط ؟
فإذا كان المراد منها هو هذا فالأولى التعبير عنه بأحد الوجهين التاليين:
1. هل يشترط وجود مجيز فعلي حين العقد أو لا؟
2. هل يشترط إمكان فعلية الإجازة من المجيز أو لا؟
ولعل التعبير الثاني أولى، وأظهر في المراد.
وبـذلك نستغنـي عما أطنب به الشيـخ من نقل البيضاوي ونقده.
والظاهر عدم اشتراطه لوجهين:
1. ما عرفت من أنّ عقد الفضولي قبل الإجازة ليس موضوعاً لحكم شرعي ولا عرفي وإنّما هو أشبه بالاتفاقية الّتي يكتبها مثلاً مسؤول مكتب العقار(الدلاّل) ليقدّمها إلى المالك حتّى ينفذّها فالالتزام بوجود المجيز في هذه الحالة لا ملزم له.
2. ما عرفت من أنّ تمام ماهية البيع هو المبادلة بين المالين وليست هي موقوفة على وجود مجيز متمكن في نفس الحال.

صفحه 42
ظاهر العلاّمة في القواعد شرطية وجود المجيز في صحّة عقد الفضولي1واستدلّ على شرطيته بوجهين:
1. إنّ صحّة العقد والحال هذه ممتنعة، فإذا امتنع في زمان امتنع دائماً.
2. لزوم الضرر على المشتري; لامتناع تصرّفه في العين، لإمكان عدم الإجازة; ولا في الثمن، لإمكان تحقّق الإجازة، فيكون قد خرج عن ملكه.
يلاحظ على الأوّل: بمنع القاعدة، إذ عدم الامتناع في زمان لم يكن هناك مجيز متمكن، لا يكون دليلاً على الامتناع إذا كان مجيزٌ متمكن من الإجازة.
وبعبارة أُخرى:الامتناع لفقد الشرط لا يكون دليلاً على امتناعه عند وجوده.
وجود مجيز حال العقد   
يلاحظ على الثاني: مـا مرّ مراراً من أنّ المشتري يجوز له التصرّف فيما انتقل عنه، من دون حاجة إلى جعل خيار له.
وعلى كلّ تقدير، فالظاهر عدم اعتبار هذا الشرط، لما عرفت من أنّ بيع الفضولي قبل لحوق الإجازة به ليس بيعاً عرفياً ولا ممّا أحلّه اللّه، أو عقداً يجب الوفاء به، بل هو أشبه بتنظيم اتفاقية من قبل (الدلال) ليقدمها إلى المالك ليوقّع عليها; والّذي يُضفي عليه الاعتبار بين العقلاء إنّما هو إمضاء المالك وختمه وتوقيعه، فعلى هذا يكفي وجود المجيز حين الإجازة وإن لم يكن موجوداً على نحو الفعلية حين العقد.

1. القواعد:2/19.

صفحه 43

المسألة الثالثة:

كون المجيز حال الإجازة صالح التصرف حين العقد

أنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: ما إذا كان المقتضي موجوداً وكان المانع أيضاً موجوداً.
الثانية: أن لا يكون المقتضي أيضاً موجوداً حين العقد وإن وجد بعده.
أمّا الصورة الأُولى: فكما إذا باع الراهنُ العينَ المرهونة ثم فكّها، أو باع المحجورُ بعض أمواله ثم أجاز الغرماء بيعه، فلا شك في صحّته بل الصحة هنا أظهر من بيع الأجنبي إذا أجازه المالك، وذلك لصدور العقد في المقام من المالك الّذي له أهلية العقد، غاية الأمر أنّ المقتضي مقرون بالمانع فإذا أُزيل، أثّر المقتضي من دون حاجة للإجازة لأنّها لأحد أمرين:
إمّا لتحصيل استناد العقد إلى المالك أو لكشف رضاه. والمفروض أنّ العقد صدر من المالك والرضا كان مقروناً به، وإنّما التوقف لأجل كون الملك ممّا تعلّق به حق الغير، فإذا أُزيل المانع لا وجه للتوقّف.
وهل الفك هنا ناقل، بمعنى ترتيب الأثر من حين الفك؟أو كاشف من حين العقد؟
ربما يقال بعدم إمكان الكشف في المقام، لأنّ لازم الكشف حصول النقل من الأوّل وهو حال تعلّق حق الرهن، ومع حفظه1 لا يعقل تأثير العقد والفرض

1. حفظ حق الرهن.

صفحه 44
أنّ الفك من حينه لا من أوّل العقد.1
يلاحظ عليه: ما ذكره إنّما يمنع عن الكشف الحقيقي، إذ عندئذ لا تجتمع ملكية المشتري مع تعلّق حق الغير به.
لو باع لنفسه ثم ملكه وأجاز   
وبعبارة أُخرى: انّ الرهن لا يجتمع مع البيع كما هو واضح.
وأمّا الكشف الحكمي وهو ترتيب آثار الملكية من زمان العقد لا من زمان الفك فهو أمر ممكن، كما أنّه يمكن على المختار في معنى الكشف وهو إيجاد التأثير بعد الإجازة من زمان العقد إلى زمان الإجازة.2
أمّا الصورة الثانية: فكما لو باع(الفضولي) شيئاً ثم ملكه فقد ذكر الشيخ الأنصاري أنّ له أقساماً، وذلك لأنّ غير المالك إمّا أن يبيع لنفسه أو للمالك، والملك إمّا أن ينتقل إليه باختياره كالشراء أو بغير اختياره كالإرث. ثمّ البائع الّذي يشتري الملك إمّا أن يجيز العقد الأوّل وإمّا أن لا يجيزه . ثمّ قال الشيخ: إنّ المهم هنا التعرف على مسألتين:
الأُولى: ما لو باع لنفسه ثم اشتراه من المالك وأجاز.
الثانية: لو باع لنفسه واشترى ولم يجز.
ويعلم حكم غيرهما منهما.

1. تعليقة السيد الإصفهاني:165.
2. وسيوافيك الكلام فيه في فصل شرائط العوضين التي منها كون الملك طلقاً بلا مانع، فخرجت العين المرهونة.

صفحه 45

المسألة الأُولى: لو باع لنفسه ثم ملكه وأجاز

إذا باع مال الغير لنفسه ثم ملكه وأجاز فقد ذكر الشيخ أقوال الفقهاء منهم الشيخ الطوسي والمحقق وغيرهما.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة، والمسألة الّتي مرّت عند تقسيم بيع الفضولي إلى أقسام منها: إذا باع الفضولي لنفسه وأجاز المالك لنفسه لا له؟
قلت: الفرق بينهما واضح فإنّهما مشتركان في أنّ الفضولي يبيع مال المالك لنفسه في كلا الموردين، ويفترقان في أنّ المالك هناك يجيز العقد لنفسه من دون أن ينتقل المبيع إلى الفضولي، بخلاف المقام فانّ المبيع ينتقل إلى الفضولي بالبيع أو بالإرث دون أن يصدر من المالك الإجازة، فلا تتوهم وحدة المسألتين حتّى يكون البحث مكرراً.
إذا عرفت ذلك: فالمشهور هو صحة المسألة وانّه إذا باع لنفسه ثم ملكه وأجاز البيع السابق يقع البيع أخذاً بالعمومات.
وقد اختار الشيخ الأعظم الصحة متمسّكاً بالأصل والعمومات.1
أمّا العموم فواضح بعد دفع الإشكالات الّتي أثارها المحقّق التستري صاحب مقابس الأنوار.
وأمّا الأصل فالظاهر هو الاستصحاب أي أصالة عدم اشتراط كون المجيز هو المالك حال العقد. ويحتمل أن يكون المراد بالأصل هو أصل البراءة لدفع احتمال شرطية المشكوك وهو كون المجيز هو المالك حين العقد.
إنّما الكلام في الإشكالات الستة الّتي أثارها صاحب المقابس ونقلها الشيخ ثم أجاب عنها، كما أورد هو إشكالاً سابعاً وهو التمسّك بالروايات الناهية عن

1. المتاجر:137.

صفحه 46
بيع ما ليس عند البائع.
ونحـن نذكر الإشكالات الستة أوّلاً ثمّ نعرج على الإشكال السابع، أعني: الروايات الواردة في المنع عن بيع ما ليس عنده، وإن كان قد مرّ الكلام فيـه إجمـالاً عند البحث في المعاطاة، في تفسير قوله(صلى الله عليه وآله): «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام».

الإشكال الأوّل: كيف باع عن نفسه جداً وهو غير مالك؟

إذا باع عن نفسه وهو يعلم أنّه غير مالك، وقد مرّ الإشكال فيه(عدم قصد البيع جدّاً) فيما إذا باعه لنفسه وأجاز المالك لنفسه وربما يسلم هنا عن بعض الإشكالات الجارية هناك مثل مخالفة الإجازة لما قصده المتعاقدان. هذا ما ذكره الشيخ.1
فقدان الشرائط اللازمة   
أقول: و المراد من قوله: «وقد مرّ الإشكال فيه» الإشكال العقلي، أعني: أنّه كيف يتمشّى منه الجدّ بأن يبيع مال الغير لنفسه؟ وهذا الإشكال مشترك بين هذا المقام الّذي يبيع مال الغير لنفسه ثم يشتريه ثم يجيز، والمقام الماضي الّذي يبيع مال الغير لنفسه ثم يجيز المالك المعاملة لنفسه لا للفضولي.
وأجاب الشيخ عن هذا الإشكال: بأنّ قصد المعاوضة الحقيقية مبني على جعل الغاصب نفسه مالكاً حقيقياً نظير المجاز الادّعائي. وهنا أيضاً جعل نفسه مالكاً ادّعائياً فباع لنفسه.
ونحن أيضاً أجبنا عن الإشكال بوجه آخر فلاحظ.2
والمراد عن «بعض الإشكالات الجارية هناك دون المقام» هو ما ذكره من مشكلة مخالفة الإجازة لما قصده المتعاقدان فهو خاص بالمسألة السابقة حيث

1. المتاجر:137، طبعة تبريز.
2. انظر: أحكام البيع في الإسلامية الغراء:1/505.

صفحه 47
إنّ المالك هناك يجيز لنفسه مع أنّ الفضولي باعه لنفسه لا للمالك بخلاف المقام فإنّ الفضولي باع لنفسه واشترى وأجاز هو أيضاً لنفسه.

الإشكال الثاني: فقدان الشرائط اللازمة

إنّا حيث جوزنا بيع غير المملوك مع انتفاء الشرائط الثلاثة:
1. الملك.
2. رضا المالك.
3. القدرة على التسليم.
وقلنا بكفاية حصول ذلك للمالك المجيز عند إجراء العقد، لأنّه البائع حقيقة والمفرض هنا عدم إجازة المالك المجيز وعدم وقوع البيع عنه.
يلاحظ عليه: بأنّ الشروط المعتبرة في البيع على قسمين.
ما يرجع إلى نفس العقد، وتُعدّ مقومة له.
وقسم يرجع إلى صحة العقد بمعنى تأثيره في الخارج.
أمّا القسم الأوّل فقد قلنا بأنّ البيع ربط بين المالين ومبادلة بينهما.
فكون المبيع والثمن أمراً مالياً من الشروط المقومة للبيع ولو خرج أحدهما فضلاً عن كليهما عن المالية يبطل البيع بينهما.
وأمّا القسم الثاني فهو الشرط الخارج عن ماهية البيع لكنّه شرط راجع إلى صحّة العقد وتأثيره في الخارج، نظير كون العاقدين مالكين، أو اعتبار الرضا والقدرة على التسليم فيهما.
وهذا النوع من الشروط يعتبر وجوده عند تأثير العقد لا عند إجرائه والمفروض اجتماعهما آنذاك، فإذا اشترى الفضولي وأجاز البيع فالعاقد المجيز حائز للشروط الثلاثة: مالك وراض وقادر على التسليم.
نعم استثنى الشيخ الأنصاري القدرة على التسليم وجعلها من الشروط حين

صفحه 48
العقد وقال: وأمّا القدرة على التسليم فلا نضايق من اعتبارها في المالك حين العقد ولا يكتفى في حصولها فيمن هو مالك حين الإجازة.1
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الشرط خارجاً عن ماهية العقد فلا وجه لاعتبار وجوده حين العقد، بل يكفي كالرضا، وجوده حين الإجازة والتأثير.

الإشكال الثالث: خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه

إنّ الإجازة حيث صحت كاشفة ـ على الأصحّ ـ مطلقاً لعموم الدليل الدالّ عليه يلزم حينئذ خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه.2
توضيحه: انّ الاجازة إذا تعلّقت بالعقد الواقع على مال المالك قبل اشترائه، وفرضنا أنّ الإجازة كاشفة، يكون معناها دخول المبيع في ملك المشتري في زمان حدوث العقد، ولازم ذلك تملّكه المبيع قبل تملّك البائع الفضولي المبيع، إذ المفروض أنّ الفضولي تملّكه من حين الاشتراء من المالك مع أنّ المشتري تملّكه من زمان العقد، وهذا معنى قوله: يلزم حينئذ، خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه.
كون العين ملكاً للمالك والمشتري   
والجواب: أنّ ما اشتهر في الكتب حول تفسير الكشف بأنّه عبارة عن تأثير العقد من حينه، محمول على الغالب حيث يكون المجيز هو المالك حين العقد فيؤثّر العقد من زمان حدوثه، وذلك لوجود القابلية في تأثير العقد من ذلك الزمان، حيث إنّ المجيز مالك في زمان حدوث العقد.
وأمّا إذا كان المجيز في زمان العقد غير مالك كما في مسألتنا ـ وإنّما ملك بعد فترة منه بالإرث أو بالهبة أو بالاشتراء منه، فلا يؤثر العقد إلاّ من حين دخول المبيع في ملكه لا قبله لما عرفت من أنّ الإجازة في البيع الفضولي هو الأمر

1. المتاجر:137; مقابس الأنوار:134.
2. المتاجر:137; مقابس الأنوار:134.

صفحه 49
الوحيد وبيت القصيد، فلا يعقل تأثير الإجازة في زمان لم يدخل المبيع في ملك البائع الفضولي.
وإن شئت قلت: إنّ تأثير الإجازة على نحو الكشف تابع لمقدار وجود القابلية في تأثير العقد إذا لحقته الإجازة، وعليه لا يصحّ قول المستشكل: «لازم القول بالكشف في المقام، دخول المبيع في ملك المشتري قبل أن يدخل في ملك الفضولي» إذ معنى ذلك تأثير الإجازة في العقد وإن لم تكن فيه قابلية للنقل.
وحصيلة الكلام: إنّه إذا كانت في المحل قابلية لانتقال المبيع إلى المشتري، كشفت الإجازة عن فعلية تلك القابلية، كما إذا كان المجيز هو المالك. وأمّا إذا فقدت هذه القابلية ـ كما إذا كان المجيز غير مالك حال العقد ـ فلا يؤثّر العقد في النقل إلاّ إذا تجددت القابلية فيه وهو الآن الّذي اشترى المبيع من المالك، فمن ذلك الآن ينتقل المبيع من الفضولي إلى المشتري لا قبله.
وسيوافيك أنّ هذا الإشكال هو الأساس للإشكالين الآتيين: (الرابع والخامس) ، فلو أحطت خُبْراً بهذا الجواب يمكن لك دفع الإشكال الرابع والخامس أيضاً.

الإشكال الرابع: كون العين ملكاً للمالك والمشتري

إنّ العقد الأوّل إنّما يصحّ ويترتّب عليه أثره، بإجازة الفضولي، ولكن إجازة العقد الأوّل متوقّفة على صحّة العقد الثاني المتوقفة على بقاء العين في ملك مالكه الأصلي، فتكون صحّة الأوّل مستلزمة لكون المال المعيّن ملكاً للمالك والمشتري معاً في زمان واحد، وهو محال لتضادهما، فوجود الثاني(كونه ملكاً للمشتري) يقتضي عدم الأوّل(كونه ملكاً للمالك)، وهو(الأوّل) موجب لعدم الثاني أيضاً، فيلزم وجوده وعدمه في آن واحد وهو محال.1

1. المتاجر:137; مقابس الأنوار:134.

صفحه 50
توضيحه: أنّه إذا باع مال الغير لنفسه ثم ملكه بالاشتراء مثلاً من مالكه يلزم أن يكون الشيء الواحد ملكاً للمالك الأوّل والمشتري معاً، وذلك لأنّ لازم صحة العقد الأوّل ـ على نحو الكشف ـ كون المبيع ملكاً للمشتري، ولازم العقد الثاني ـ أي شراء الفضولي من المالك كون المبيع ملكاً للمالك. فيلزم اجتماع مالكين لمملوك واحد في زمان واحد على نحو الاستقلال.
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال نشأ من تفسير كاشفية الإجازة في عامة الموارد بتأثير العقد من حين حدوثه لا من حين دخول المبيع في ملك المجيز، وإلاّ فلا يلزم اجتماع مالكين على مملوك واحد، فإذا كان تأثير العقد محدّداً بزمان دخول المبيع في ملك المجيز يكون المشتري مالكاً للمبيع بعد هذا الدخول لا قبله، وإنّما يكون المبيع قبل الإجازة ملكاً للمالك وانتقل منه إلى البائع الفضولي ومنه إلى المشتري.
لزوم الدور والتوالي الفاسدة الأُخرى   
وعلى ما ذكرنا فصحّة العقد الأوّل أي بيع الفضولي مال الغير من المشتري لنفسه متوقّف على العقد الثاني أي بيع المالك المبيع لنفسه من الفضولي، وكونه ملكاً للمالك فقط، لا له وللمشتري كما جاء في الإشكال، لما عرفت من أنّ المبيع باق على ملك المالك قبل الشراء.
وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: فتوقف إجازة العقد الأوّل على صحة العقد الثاني مسلم وتوقف صحّة العقد الثاني على بقاء الملك على مالكه الأصلي إلى زمان العقد مسلم أيضاً فقوله: «صحة الأوّل تستلزم كون المال ملكاً للمالك والمشتري في زمان» ممنوع.
نعم في المقام إشكال آخر وهو يجري في مطلق الفضولي حتّى فيما لو كان المجيز نفس المالك، وهو كون الملك حال الإجازة للمجيز والمشتري معاً، أمّا كونه للمجيز فلكونه مالكاً، وأمّا المشتري فلأجل الكشف.
وقد مرّ الجواب عنه لأنّه مبني على القول بالكشف بمعنى تمامية العقد بلا

صفحه 51
حاجة إلى شيء آخر، لكفاية الرضا التقديري أو وجود عنوان التعقّب وإنّما الإجازة من قبيل المعرفات والكواشف.
ولكنّه ممنوع، وذلك لأنّ الكشف حكمي بمعنى ترتيب آثار الملكية لا نفسها، أو بالمعنى الّذي اخترناه من اعتبار كون المبيع ملكاً للمشتري حين حدوث الإجارة إلى زمان العقد.
وقد مرّ أنّ اختلاف اعتبار الملكية من حيث الزمان يرفع المحذور.

الإشكال الخامس: لزوم الدور والتوالي الفاسدة الأُخرى

إنّ الإجازة المتأخّرة لمّا كشفت عن صحّة العقد الأوّل وعن كون المبيع ملكاً للمشتري الأوّل فقد وقع العقد الثاني على ماله فلابدّ من إجازته، وعندئذ تلزم أُمور:
1. توقّف إجازة كلّ من الشخصين على إجازة الآخر، وهو الدور الصريح.
2. توقّف صحّة كلّ من العقدين على إجازة المشتري الأصيل.
3. عدم تملّك المالك الأصيل شيئاً من الثمن والمثمن.
4. تملّك المشتري الأوّل المبيع بلا عوض إن اتّحد الثمنان مقداراً.
5. تملّكه المبيع مع العوض الأقل إذا كان الثمن الأوّل أزيد.
6. تملّكه المبيع مع العوض الأكثر إذا كان الثمن الأوّل أنقص، لانكشاف وقوعه في ملكه فالثمن له وقد كان المبيع له أيضاً بما بذله من الثمن.
وإليك توضيح الجميع:
أمّا الأوّل: إذا كانت الإجازة المتأخّرة كاشفة عن صحّة العقد الأوّل فيكون المال ملكاً للمشتري الأوّل من زمان العقد، وحينئذ إذا وقع عليه العقد الثاني (شراء العاقد من المالك) يكون واقعاً على ملك المشتري فيكون فضولياً يتوقّف على إجازة المشتري الأوّل، فيلزم توقّف إجازة المشتري الأوّل على

صفحه 52
إجازة العاقد (الإجازة المتأخّرة) مع أنّ إجازته موقوفة على كونه مالكاً حتى يجيز، ولا يكون مالكاً إلاّ بإجازة المشتري الأوّل لما مرّ من كون العقد الثاني واقعاً على ملكه فتكون النتيجة توقّف إجازة كلّ شخص على إجازة الآخر.
وبذلك اتّضح الثاني، أي توقّف صحّة كلّ من العقدين على إجازة المشتري الأوّل.
وإن شئت قلت: أمّا العقد الثاني فلأنّه وقع على ملكه فواضح; وأمّا الأوّل: أي توقّف صحّة العقد الأوّل على اجازة المشتري، فلأجل أنّ الفضولي لا يتمكّن من إجازة ذلك العقد إلاّ أن يتملّك العين بالعقد الثاني، وقد فرض أنّه لا يتملّكها إلاّ بإجازة المشتري الأصيل فصارت النتيجة أنّ صحّة كلّ من العقدين صارت متوقّفة على إجازة المشتري الأصيل.
أمّا الثالث: أي عدم تملّك المالك شيئاً من الثمن والمثمن، فلأنّ العقد الثاني وقع في ملك المشتري، لا المالك فلا يملك المالك شيئاً من المبيع والثمن.
وأمّا الرابع: أي تملّك المشتري المبيع بلا عوض، فقد علم ممّا سبق حيث إنّ العقد الثاني وقع على ملكه، فهو يملك الثمن المعادل للثمن الذي دفعه عند الاشتراء من الفضولي فيكون المبيع له بلا عوض.
وأمّا الخامس: أي تملّك المشتري دون تمام الثمن الأوّل، فهو فيما إذا كان الثمن الثاني أنقص كما هو المعقول.
وأمّا السادس: أي تملّك المشتري الثمن مع شيء زائد، فهو فيما إذا كان الثمن الثاني أزيد ممّا دفعه إلى الفضولي.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أصل غير أصيل، وهو الّذي أشار إليه في بدء كلامه: «إنّ الإجازة المتأخّرة لمّا كشفت عن صحّة العقد الأوّل وعن كون المال ملك المشتري الأوّل» أي من زمان العقد، فبما أنّه غير صحيح بطل ما رتّب عليه بقوله:«فقد وقع العقد الثاني على مال المشتري فلابدّ من إجازة المشتري

صفحه 53
له»، بل لم يقع العقد الثاني إلاّ على ملك المالك الأصيل لا على ملك المشتري الّذي باع الفضولي المبيع منه، فعلى ما ذكرنا يبطل ما رتّب عليه من قوله:
يلزم توقّف كلّ من الشخصين على الآخر، لما عرفت من أنّ التوقّف من جانب واحد وهو توقّف العقد الأوّل على الثاني دون العكس، كما بطل ما رتّب عليه بقوله: «وتوقّف كلّ من العقدين على إجازة المشتري غير الفضولي» لما عرفت من أنّ التوقّف من جانب واحد، وهو بيع المبيع للمشتري غير الفضولي، فهو متوقّف على العقد الثاني لا العكس. وبذلك يظهر ضعف ما رتّب عليه من المستحيلات.
فعلى ضوء ما ذكرنا فالإشكالات الثلاثة ; الثالث والرابع والخامس هي إشكال واحد استعرضه بصور مختلفة، وللجميع أصل غير أصيل، فإذا بطل الأصل إنهار الفرع.
***

الإشكال السادس:

إنّ بيع المالك الأصلي فسخ للمعاملة الفضولية، فلا تجدي الإجازة المتأخّرة بعد الفسخ، فعقد الفضولي قبل الإجازة كسائر العقود الجائزة. بل أولى منها، فكما أنّ التصرّف المنافي مبطل لها، كذلك للعقد الفضولي.1
يلاحظ عليه: وجود الفرق بين الفسخ والتفويت فلو قام بإنشاء الفسخ وردّه فيطلق عليه الردّ والفسخ، وأمّا إذا قام بفعل لا ينسجم مع بيع الفضولي أو عقده فهو مفوّت.
نظير تزويج المعقودة فضولاً نفسها من آخر، وبيع المالك ماله المبيع فضولاً من آخر، فيُعد هذا مفوتاً للعقد والبيع الفضوليين. لا فسخاً ورداً.

1. مقابس الأنوار:135; المتاجر:138.

صفحه 54
ثمّ إنّ التفويت على قسمين: تارة يخرج العقد عن قابلية الإجازة، إمّا مطلقاً كما في مثال التزويج، أو يخرج عن القابلية نسبياً، كما في المقام، فإنّ محل الإجازة إنّما فات بالنسبة إلى المالك الأوّل حيث باع مبيعه من الفضولي، وأمّا بالنسبة إلى نفس الفضولي إذا ملك فلا، فله أن يجيز بعدما ملك.
اللّهمّ إلاّ إذا كان قصد المالك من البيع للفضولي إبطال العقد السابق فيمكن أن يكون فسخاً فعلياً كالفسخ القولي، وهذا بعيد جداً.
نعم فرق بين البيع من الغير وبين تصرف ذي الخيار في ما انتقل عنه فإنّ التصرف المنافي لملكية الغير متوقف على فسخ العقد وإلاّ وقع في ملك الغير، بخلاف المقام فإنّ بيع المبيع من الفضولي لا يتوقّف على فسخ البيع السابق الّذي صدر من غير المالك، إذ ليس هو يضادّ ملكية المالك العاقد.
***

الإشكال السابع: النهي عن بيع ما ليس عنده

قد استدلّ على بطلان بيع مال الغير لنفسه وإن اشترى بعده وأجاز، بما ورد من النهي عن مثل هذا البيع، وقد رواه المحدّثون من السنّة والشيعة. ونذكر ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) من قِبَلِ الفريقين أوّلاً ثم نردفه بما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ثانياً.
الروايات ناظرة إلى بيع الآجال   

ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله)

1. روى البيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):«لا يحلّ سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يُضْمن، ولا بيع ما ليس عندك».1

1. سنن البيهقي:5/267; سنن النسائي:7/288.

صفحه 55
2. روى البيهقي عن حكيم بن حزام قال: نهاني النبي(صلى الله عليه وآله)أن أبيع ما ليس عندي، أو أبيع سلعة ليست عندي.1
3. روى البيهقي عن حكيم بن حزام قلت: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)الرجل يطلب مني البيع وليس عندي، أفابيعه له؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): «لا تبع ما ليس عندك».2
4. وروى النسائي عن حكيم بن حزام قال: سألت النبي(صلى الله عليه وآله)فقلت: يا رسول اللّه يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق؟ قال(صلى الله عليه وآله): لا تبع ما ليس عندك.3
5. وأمّا من طرقنا عن النبي(صلى الله عليه وآله) فقد روي عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «لا بيع إلاّ فيما تملك».4
6. وفي التوقيع المنسوب إلى العسكري(عليه السلام):«لا يجوز بيع ما ليس يَملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك».5

الروايات ناظرة إلى بيع الآجال

إنّ هذه الروايات لا مساس لها ببيع ما لا يملك بالمعنى المعروف، كي يستدل بها على المقام، بل هي راجعة إلى البيوع الّتي تعرف ببيوع الآجال وهي معنونة في كتب الفريقين، قال القرطبي في «بداية المجتهد»: وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها بثمن آخر نقداً، وهذا عند جمهور أهل المدينة عموماً ومالك خصوصاً لا يجوز.

1. سنن البيهقي:5/267.
2. سنن البيهقي:5/267.
3. سنن النسائي:7/288، باب بيع ما ليس عند البائع.
4. مستدرك الوسائل:13/230، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث3.
5. مستدرك الوسائل:13/230، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث4.

صفحه 56
وقال الشافعي وداود وأبو ثور: يجوز، فمن منعه لأجل كونه ذريعة إلى الربا، حيث يبيعه المتاع بأكثر ويشتري منه نقداً بأقل، فصار ذلك كأنّه قال: اسلفني عشرة دنانير إلى شهر، وأزدك عشرين ديناراً بعد ستة أشهر.1
وأمّا موقف أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فهو التفصيل بين اشتراط شرائه ثانياً في البيع الأوّل، وعدمه، فلو كان المشتري مختاراً في بيعه له ثانياً وعدم بيعه، وكان البائع أيضاً مختاراً في قبوله وعدمه، فيصح وإلاّ فلا، وقد عقد صاحب الوسائل باباً في الوسائل لهذا الموضوع نقتبس منه ما يلي:
1. ما رواه علي بن جعفر عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد ، قال: «إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس».2
2. ما رواه حسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إيّاه، ثم اشتريه منه مكاني. قال: «إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر، فلا بأس»، فقلت: إنّ أهل المسجد يزعمون أنّ هذا فاسد ويقولون إن جاء به بعد أشهر صلح؟ قال: «إنّما هذا تقديم وتأخير فلا بأس به».3
   
يلاحظ عليه: بأنّ حمل قوله(صلى الله عليه وآله):«لا تبع ما ليس عندك» على بيع الآجال، يتوقّف على كون الخطاب للمشتري، حيث يتّفق مع البائع على أن يشتري منه المبيع الذي يريد شراءَه منه نسيئة، بأقل ممّا اشتراه منه نقداً، وهو خلاف الظاهر، لأنّ الخطاب إنّما هو للبائع، والمفروض في بيع الآجال كون المبيع موجوداً

1. بداية المجتهد:2/139، طبع القاهرة بتلخيص.
2. الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.
3. الوسائل:12، الباب5 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.

صفحه 57
عنده فكيف يكون بيع ما ليس عنده؟!

النبويات ناظرة إلى بيع الكلّي حالاً

إنّ هذه الروايات لا صلة له بالمقام، وهي ناظرة إلى بيع الكلّي، بشهادة الأمرين التاليين:
1. أنّ بيـع المـال المعيّن للغيـر، مـن ثالث على وجه البتّ والقطع لغـاية أن يشتريـه من ذلك الغير قليل جدّاً، فمن البعيد ورود هذه الروايات للنهي عنه.
2. أنّ ما جاء عن حكيم بن حازم رواية واحدة رويت بصور ثلاث، اثنتان منها ذكرهما البيهقي، والثالثة ذكرها النسائي وهي تفسر الصورتين السابقتين وتدلّ على أنّ مورد السؤال والجواب بينه وبين النبي(صلى الله عليه وآله) هو بيع الكلّي حيث جاء في رواية النسائي:«فقلت يا رسول اللّه يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» فإنّ الابتياع من السوق آية كون المبيع كلّياً لا عيناً شخصيةً. وهذه الروايات أو الرواية الواحدة محمولة على بيع الكلّي حالاً، وظاهر النهي الإرشاد إلى الفساد.
وعلى ذلك يحمل ما ورد من طرقنا عنه(صلى الله عليه وآله):«لا بيع إلاّ فيما تملك» أو «لا بيع إلاّ فيما تملكه».
نعم استظهر سيدنا الأُستاذ(قدس سره) بأنّ المراد هو النهي عن بيع الأعيان، لأنّ الظاهر أنّ ما تعلّق به النهي هو بيع ما لم يكن عنده، وفي بيع الكليات يتعلّق البيع بالكلّي ولا يوصف ذلك بكونه عنده أو ليس عنده.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره دقّة عقلية وإلاّ فإنّ الإنسان إذا باع كرّاً من حنطة ولم يكن موجوداً عنده يقال: باع ما ليس عنده أو باع ما لا يملك، فمصب هذه الروايات هو بيع الكلّي.

1. البيع:2/636.

صفحه 58
وأحسن المحامل هو حملها على بيع الكلّي حالاًّ لا مؤجّلاً، لاتّفاق الأصحاب على صحّة الثاني،ومن الممكن أن يكون هناك فرق بين الحالّ والمؤجل كما يظهر من رواية عبد الرحمن بن الحجاج الآتية.
نعم ما رواه عمرو بن شعيب ربّما يأبى عن الحمل على بيع الكلّي، لقوله«لا يحلّ سلف ولا بيع ما ليس عندك» فإنّ الفقرة الأُولى ناظرة إلى بيع الكلّي فتكون الفقرة الثانية ناظرة إلى بيع الأعيان الشخصية، ومع ذلك يحتمل أن يكون الفقرة الثانية ناظرة إلى بيع الكلّي حالاًّ، والأولى إلى بيعه مؤجّلاً. وهو عند فقهاء السنة أيضاً باطل لأجل النهي، ويحتمل حمل النهي في الموردين على الكراهة.
فظهر أنّ الاستدلال بالنبويات، على فساد العقد فيما إذا باع المال المعيّن للغير، غير تام.

ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في المسألة

إنّ ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) على طائفتين:

الطائفة الأُولى: الروايات الظاهرة في بيع الكلّي:

1. روى منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً فيشتريه منه، قال: «لا بأس بذلك إنّما البيع بعد ما يشتريه».1
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أتاه رجل فقال:ابتع لي متاعاً لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله. قال(عليه السلام): «ليس به بأس، إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه».2
3. ما رواه معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يجيئني الرجل

1. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث6.
2. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث8.

صفحه 59
فيطلب بيع الحرير وليس عندي منه شيء فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتّى نجتمع على شيء، ثم اذهب فاشتري له الحرير فأدعوه إليه؟ فقال: «أرأيت إن وجد بيعاً هو أحب إليه ممّا عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك، أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟» قلت: نعم، قال: «لا بأس».1
4. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يجيئني يطلب المتاع فأُقاوله على الربح، ثم أشتريه فأبيعه منه، فقال: «أليس إن شاء أخذ، وإن شاء ترك؟»
قلت: بلى، قال: «فلا بأس به».
قلت: فإنّ من عندنا من يفسده، قال: «ولِمَ؟»، قلت: قد باع ما ليس عنده؟ قال: «فما يقول في السلم، قد باع صاحبه ما ليس عنده»، قلت: بلى، قال: «فإنّما صلح من أجل أنّهم يسمّونه سلماً، إنّ أبي كان يقول: لا بأس ببيع كلّ متاع كنت تجده في الوقت الّذي بعته فيه».2
والرواية شاهدة على أنّ مورد الروايات هو بيع الكلّي حالاًّ، لا مؤجّلاً ولذا نقض الإمام كلام القائل بعدم الجواز، بالبيع سلماً مؤجّلاً.
3. ما روي عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طلب من رجل ثوباً بعينة، قال: ليس عندي،]و[ هذه دراهم فخذها فاشتر بها]لي[، فأخذها واشترى بها ثوباً كما يريد ثمّ جاء به، أيشتريه منه؟ فقال: «أليس إن ذهب الثوب فمن مال الّذي أعطاه الدراهم؟» قلت: بلى، فقال: «إن شاء اشترى وإن شاء لم يشتر؟» قلت: نعم، قال: «لا بأس به».3

1. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث7.
2. الوسائل:12، الباب7 من أبواب أحكام العقود، الحديث3.
3. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث12. العِينَة: بيع الشيء إلى أجل بزيادة على ثمنه مقابلة انتظار الثمن.

صفحه 60
قوله:«ليس عندي هذه دراهم» يريد أنّ البائع لما لم يكن عنده العينة، فدفع دراهم إلى المشتري ليشتري ما يريده وكالة عن البائع، ثم هو يشتري ما اشتراه من البائع بثمن أكثر.
4. ما رواه ابن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يأتيني يريد مني طعاماً أو بيعاً نسيئاً وليس عندي، أيصلح أن أبيعه إيّاه واقطع له سعره ثم اشتريه من مكان آخر فأدفعه إليه؟ قال: «لا بأس».1
وهذه الرواية وما بمضمونها محمولة على صورة كون المبيع كلّياً حالاً والمشتري مختاراً إن شاء قَبِلَ وإن شاء ترك. ولكن الّذي يظهر من العلاّمة أنّ بيع الكلّي بكلا صورتيه جائز قال: أمّا لو اشترى موصوفاً في الذمة سواء أكان حالاًّ أو مؤجلاً، فإنّه جائز2، فلابدّ من حمل هذه الروايات على الكراهة.
هذا بعض ما ورد في مورد بيع الكلّي. ولا صلة لهذه الروايات بما نحن فيه. لأنّ البحث في بيع الأعيان الشخصية، وبما أنّ بيع الكلّي مؤجّلاً جائز عندنا بالاتفاق فتحمل على بيعه حالاًّ، كما مرّ في تفسير النبويّات.

الطائفة الثانية: الروايات الظاهرة في بيع الأعيان الشخصية:

1. روى يحيى بن الحجاج، عن خالد بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب، وأربحك كذا وكذا، قال: «أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟» قلت: بلى، قال: «لا بأس به، إنّما يحلّ الكلام، ويحرم الكلام».3
ولعلّ الرجل كان سمساراً تودع عنده الأمتعة للبيع، ومثله ما يتلوه.

1. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث2. وقد مر الكلام في سند الحديثين في الجزء الأوّل من كتابنا هذا، لاحظ ص125 و 126.
2. تذكرة الفقهاء:10/16.
3. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث4.

صفحه 61
2. وروى يحيى بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أُربحك فيها كذا وكذا; قال: «لا بأس بذلك، اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها».1
هذا ولم نعثر على رواية ظاهرة في بيع الأعيان الشخصية إلاّ هاتين الروايتين.

نظرية الشيخ الأنصاري في المقام

إنّ للشيخ الأنصاري كلاماً مبسوطاً حول ما هو ظاهر في بيع الأعيان الشخصيّة وحاصله ـ بعد جمع أطرافه ـ عبارة عن الأُمور التالية:
1. أنّ غاية ما يستفاد منهما هو عدم ترتّب الأثر المقصود من النقل والانتقال على مثل هذا البيع، لا أنّه لغو وباطل من رأس حتّى لا يصحّ مع الإجازة.
2. ثم أورد على نفسه وقال: إنّ مقتضى التعليل الوارد في رواية خالد بن الحجاج«إن شاء المشتري أخذ وإن شاء ترك» ثبوت البأس بمجرد لزومه على الأصيل (المشتري) وهذا محقّق فيما نحن فيه، بناءً على أنّه ليس للأصيل ردّ العقد قبل إجازة المالك.
3. ثمّ أجاب عمّا أورد على نفسه بأنّ المراد منه أنّ اللزوم من الطرفين ممنوع لا من الطرف الواحد.
4. ثمّ رجع عن هذا البيان وقال: إنّ إطلاق النهي عن مثل هذا البيع دليل على فساده مطلقاً، سواء كان اللزوم من الطرفين أم من طرف واحد.
5. ثم عدل عنه قائلاً: بأنّ كثيراً من هذه الأخبار وردت في البيع الكلّي مع أنّ المذهب جواز الكلّي سلفاً وحالاً فيقوى في النفس حملها، وكذا حمل ما هو ظاهر في البيع الشخصي على الكراهة أو على التقية، نظراً إلى أنّ المنع عن بيع

1. الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث13.

صفحه 62
الكلّي حالاً مع عدم وجوده عنده مذهب جماعة من العامة، مستندين في ذلك إلى عمومات النهي عن بيع ما ليس عنده.
6. ثم استقر رأيه أخيراً على أنّ الاعتماد على هذا المقدار من الوهن في رفع اليد عن الروايتين في البيع الشخصي خلاف الإنصاف.1
ولعلّ ما استقر عليه رأيه أخيراً هو الأقوى، إذ لا وجه لرفع اليد عن هاتين الروايتين في مورد البيع الشخصي بلا موجب.

لا صلة للحديثين بالفضولي على المختار

لو باع لنفسه ثم ملكه ولم يجز   
لو قلنا بأنّ الفضولي بيع أحلّه اللّه وعقد يجب الوفاء به، وأنّ العقد جامع للشرائط وإن خفي علينا، فالحديثان، يدلاّن على عدم صحّته، لأنّ المفروض أنّه وجب البيع على الأصيل.
وأمّا لو قلنا بالمختار، أنّ بيع الفضولي عندنا لا يتجاوز كونه مجرد اتفاقية يكتبها السمسار لصاحب المال ليقدّمها له ليمضيها.
فإذا كان هذا هو موقف الفضولي فلا يكون مخالفاً لمضمون الروايتين، لما عرفت من أنّها صورة بيع، وأمّا الأصيل، فقد عرفت أنّه أيضاً مختار قبل اشتراء الفضولي لنفسه وإجازته. فلا تكون الروايات دليلاً على بطلان المسألة على المذهب المختار.
ثمّ إنّ الشيخ أيّد عدم الصحّة بصحيحة معاوية بن وهب قال: جاء رجل إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام) فقال:إنّي كنت مملوكاً لقوم وإنّي تزوجت امرأة حرّة بغير إذن مواليّ، ثم أعتقوني بعد ذلك فأُجدّد نكاحي إيّاها حين أعتقت؟ فقال له: «أكانوا علموا أنّك تزوّجت امرأة وأنت مملوك لهم؟» فقال: نعم وسكتوا عني ولم يغيّروا عليّ، ]قال:[ فقال: «سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم أثبت على

1. المتاجر:139.

صفحه 63
نكاحك الأوّل».1
وجه الدلالة: أنّ انعتاقه في المورد بمنزلة تملّك البائع الفضولي المبيع، فلو كانت صيرورته حرّاً مالكاً لنفسه مسوّغة للبقاء لم يحتج إلى الاستفصال عن أنّ المولى سكت أو لا، للزوم العقد حينئذ.
فالسؤال عن علم المولى بتزويج العبد دليل على أنّ مجرّد كون الإنسان مالكاً لأمر نفسه في مورد الرواية ـ أو للمبيع كما في المقام ـ غير كاف.

إخراج موارد أربعة عن مصب الروايات

ثمّ إنّ الشيخ أخرج موارد أربع عن مصب الروايات الناهية:
1. لو باع البائع لنفسه واشترى المشتري مترقّباً لإجازة المالك.
2. تلك الحال ولكنّه كان مترقّباً لإجازة البائع إذا صار مالكاً.
3. لو تبايعا على أن يكون العقد موقوفاً على الإجازة، فاتّفقت الإجازة من المالك أو من البائع بعد تملّكه.
4. لو باع عن المالك فاتفق انتقاله إلى العاقد فأجازه.
هذه هي الموارد الّتي ادّعى الشيخ خروجها عن روايات النهي عن بيع ما لا يملك.
***

المسألة الثانية: لو باع لنفسه ثم ملكه ولم يجز

قد عرفت أنّ البيع الفضولي على المذهب المختار لا ينافي مدلول الروايتين، وعندئذ يقع الكلام في أنّه هل يكفي انتقال المبيع إلى البائع الفضولي في لزوم العقد أو يتوقّف على إجازته ثانياً؟ فلو لم يجز البائع بعد تملّكه يصير

1. الوسائل:14، الباب26 من أبواب نكاح العبيد والاماء، الحديث1.

صفحه 64
العقد باطلاً وجهان:
أ. البطلان، للدليلين التاليين:
1. دخول المورد تحت أخبار المنع.
2. تسلّط الناس على أموالهم وعدم صيرورتها مالاً من دون طيب النفس، فإنّ المفروض أنّ البائع بعد ما صار مالكاً لم تطب نفسه بكون ماله للمشتري الأوّل، والتزامه قبل تملّكه لكون هذا المال المعيّن للمشتري ليس إلاّ التزاماً بكون مال غيره له.
ب. الصحة، وذلك لأنّ مقتضى عموم وجوب الوفاء بالعقود، والشروط على كلّ عاقد وشارط، هو اللزوم على البائع بمجرد انتقال المال إليه، وإن كان قبل ذلك أجنبياً لا حكم لوفائه ونقضه، وقد حكي ذلك القول عن فخر الدين في الإيضاح والشهيد الثاني في مسالكه.1
والظاهر هو الوجه الأوّل، وذلك لفحوى ما ورد في نكاح العبد وأنّ مجرّد كونه مالكاً لأمر نفسه غير كاف. فإنّ تملّك البائع المبيع بمنزلة صيرورة العبد مالكاً لأمر نفسه، فإذا لم يكف الأوّل لم يكف الثاني، بل يحتاج إلى الإجازة من البائع كما احتاج إلى إجازة المولى في نكاح العبد، أضف إلى ذلك: اشتراط طيب النفس في المعاملة، فإمّا أن ينشئ إنشاء جديداً ، أو يمضى الإنشاء السابق.
هذا كلّه إذا باع الفضولي لنفسه، أمّا لو باع فضولاً للمالك أو لثالث ثم ملك هو، فالتوقّف على الإجازة أوضح من السابق.

إذا باع بزعم أنّه غير جائز التصرف فبان خلافه

   
اعلم أنّ الشيخ الأنصاري عنون في القول في المجيز مسألتين يجمعهما كون العاقد غير جائز التصرف حال العقد وصار جائز التصرّف بعد العقد، وذكر

1. إيضاح الفوائد:1/419; مسالك الأفهام:6/49.

صفحه 65
فيه مسألتين:
إحداهما: بيع الراهن العين المرتهنة.
الثانية: إذا باع مال الغير لنفسه ثم ملك.
وكلتا المسألتين من شقوق الجامع، أعني: كون البائع غير جائز التصرف حال العقد وصار جائزه بعده.
ولكنّه(قدس سره) بعد إنهاء الكلام في هاتين المسألتين قال:
المسألة الثالثة: وهي ما لو باع معتقداً لكونه غير جائز التصرف فبان كونه جائزه، ومن المعلوم أنّ هذه المسألة ليست من صغريات الجامع السابق، لأنّ المفروض في المقام أنّه كان جائز التصرف قبل العقد وبعده غير أنّه كان غير واقف عليه.
فتكون هذه المسألة أجنبية من الجامع ومن المسألتين السابقتين. فكان عليه أن لا يعدّها عدلاً لما سبق، بل يحذف وصف «الثالثة» ويقول«مسألة».
وعلى كلّ تقدير فقد ذكر الشيخ الأنصاري للمسألة صوراً أربع، وذلك لأنّ عدم جواز التصرف المنكشف خلافه، إمّا لعدم الولاية فانكشف كونه ولياً على البيع وإمّا لعدم الملك فانكشف كونه مالكاً وعلى كلا الوجهين إمّا أن يبيع عن المالك أو يبيع لنفسه، وإليك الصور بشكل واضح:
1. أن يبيع للمالك فانكشف كونه ولياً على البيع.
2. أن يبيع لنفسه فانكشف كونه ولياً على البيع.
3. أن يبيع للمالك فانكشف كونه مالكاً.
4. أن يبيع لنفسه فانكشف كونه مالكاً.

الصورة الأُولى: أن يبيع للمالك(اليتيم) فانكشف كونه وليّاً

إذا باع للمالك فانكشف كونه ولياً على البيع كما إذا باع مال اليتيم أو

صفحه 66
المحجور، من دون أن يعلم بولايته، ومثله ما إذا باع مال موكّله من دون أن يعلم بوكالته، فالظاهر الصحّة من غير توقّف على إجازته وفاقاً للشيخ حيث قال: لا ينبغي الإشكال في اللزوم، حتّى على القول ببطلان الفضولي.1 وذلك لوجود المقتضي وعدم المانع، أمّا المقتضي فلثبوت الولاية الشرعية للبائع وكان في البيع مصلحة للمولّي عليه وقد قام بوظيفته، وأمّا عدم المانع، فإنّ المانع المتوهّم هو عدم الجزم، حيث يتصور أنّه غير وليّ، ولو تم هذا المانع لزم بطلان الفضولي مطلقاً، حتّى إذا باع عن مالكه.
أضف إلى ذلك: أنّ المراد من الجزم هو إرادة إنشاء البيع والمفروض حصوله، وأمّا عدم الجزم بترتّب الآثار فهو لا يضرّ بالجزم بالإنشاء، بشهادة أنّ الغاصب مع علمه بعدم ترتّب الأثر الشرعي، يبيع المغصوب عن جدّ.

الصورة الثانية: أن يبيع لنفسه فينكشف كونه وليّاً

إذا باع مال اليتيم لنفسه مع كونه ولياً له وكان البيع مشتملاً للمصلحة للمولّى عليه.
فقد ذكر الشيخ الأنصاري أنّ الظاهر صحّة العقد، لما عرفت من أنّ قصد بيع مال الغير لنفسه لا ينفع ولا يقدح، وفي توقّفه على إجازته للمولّى عليه وجه، لأنّ قصد كونه لنفسه يوجب عدم وقوع البيع على الوجه المأذون، ثمّ أمر بالتأمّل.2
والظاهر صحّته وعدم توقّفه على الإجازة، لما عرفت من أنّ البيع علقة بين المالين ومبادلة بينهما فيدخل الثمن في ملك ممّن خرج المثمن عن ملكه، وبالتالي يلغو قصد البيع لنفسه.

1. المتاجر:141، طبعة تبريز.
2. المتاجر:141، طبعة تبريز.

صفحه 67
نعم الصحّة في الصورة الأُولى وعدم الحاجة إلى الإجازة فيها أوضح من هذه الصورة لكون عمله فيها موافقاً للواقع مائة بالمائة بخلاف الثانية.
فتلخّص أنّ المشكل في الصورة الأُولى، هو شبهة عدم الجزم، وفي الثانية شبهة عدم وقوع البيع على الوجه المأذون، وكلتا الشبهتين ليستا بشيء كما عرفت.

الصورة الثالثة: أن يبيع للمالك ثم ينكشف كونه مالكاً

كما إذا باع مال أبيه بظن حياته فبان ميتاً; والمشهور الصحّة. ومشكل هذه الصورة، عدم وقوع البيع عمن قصد وقوعه له، ووقوعه لمن لم يقصد ولكنّه ليس بشيء.
وجهه ما عرفت من أنّ البيع علقة بين المالين من دون مدخلية البيع عن مالكه في تحقّق هذه العلقة، فيكون الثمن لمالك المثمن، والمفروض أنّ مالك المثمن هو البائع.
وإن شئت قلت: إنّه وإن نقل الملك عن الأب لكن نقله عنه باعتقاد أنّه مالك، ففي الحقيقة أنّه قصد النقل عن المالك بما هو مالك واخطأ في التطبيق.
ومن أمثلته ما لو باع ما ملّكه أبوه في حال صغره وهو لا يعلم فتخيل أنّه باق على ملك أبيه فباعه ـ بعد بلوغه ـ عنه.
وأيضاً لو باع ما انتقل إليه بشراء وكيله له مع جهله بالحال. وستأتي في الصورة الرابعة مشكلة ثانية بهذه الصورة أيضاً.

الصورة الرابعة: أن يبيع لنفسه ـ باعتقاد أنّه لغيره ـ ثم ينكشف أنّه له

قال الشيخ: والأقوى هنا ـ أيضاً ـ الصحة.
وجهه: وجود المقتضي للصحة وعدم المانع.
أمّا الأوّل فلأنّ البائع مالك في الواقع، وأمّا الثاني (عدم المانع) فلأنّ اعتقاده

صفحه 68
بكونه لغيره لا يضر بصحّة البيع، لما عرفت من أنّ البيع علقة بين المالين مع تحقّق سائر الشرائط، والمفروض أنّها متحقّقة. ومشكل هذه الصورة هو نفس ما للصورة الأُولى من عدم الجزم ، والجواب نفس الجواب.
نعم توجد في الصورتين الأخيرتين مشكلة طيب النفس، وهي ما أشار إليه الشيخ من أنّ أدلة اعتبار التراضي وطيب النفس يدلّ على اعتبار رضا المالك بنقل خصوص ماله بعنوان أنّه ماله، لا بنقل مال معين يتّفق كونه ملكاً له في الواقع، فإنّ حكم طيب النفس والرضا لا يترتّب على ذلك. ثم استشهد بأمثلة:
1. لو أذن في التصرف في مال معتقداً أنّه لغيره لكن المأذون يعلم أنّه له، لم يجز له التصرف بذلك الإذن.
2. لو أعتق عبداً بظن أنّه لغيره فبان أنّه له، لم ينعتق.
3. لو طلّق امرأة وكالة عن غيره فبانت زوجته. لأنّ القصد المقارن إلى طلاق زوجته وعتق مملوكه معتبر فيهما فلا تنفع الإجازة.1
أقول: لو تم ما ذكره الشيخ في الصورتين الأخيرتين لاقتضى توقّف صحّة العقد في الأوّلين أيضاً، وذلك لأنّ العقد وإن صدر عمّن كان نافذ التصرف لكن المفروض عدم علمه بالولاية فلعلّه لو كان عالماً بالولاية لم يرض بهذا البيع الخاص، وربّما يختار الفرد الآخر من البيع بداع من الدواعي.
ومع ذلك فالقول باعتبار هذه الدرجة من طيب النفس يحتاج إلى دليل.

1. المتاجر:141، طبعة تبريز.

صفحه 69

في العقد المجاز

إنّ صحّة بيع الفضولي لمّا كانت متوقّفة على الإجازة وعدم سبق الردّ، صارت سبباً للبحث في أُمور أربعة:
1. الكلام في نفس الإجازة من حيث كونها كاشفة أو ناقلة، وغير ذلك من الأُمور الراجع إليها.
2. الكلام في المجيز.
3. الكلام في العقد المجاز.
4. في حكم الردّ.
وقد مرّ البحث في الأمرين الأُولين، وحان الكلام في الأمر الثالث وهو العقد المجاز. وفيه المسائل التالية:
1.شرطية كون العقد المجاز جامعاً للشرائط عدا رضا المالك.
2. شرطية كون العقد المجاز معلوماً بالتفصيل للمجيز.
3. المجاز تارة يكون العقد الواقع على المبيع وأُخرى على عوضه.
فلو تتابعت العقود وأجاز العقد الواقع على المبيع صح هو وما بعده، ولو تتابعت العقود على الثمن صحّ هو وما قبله; وإليك دراسة هذه المسائل:

الأُولى: اشتراط كون المجاز جامعاً للشروط

العقد الفضولي: عبارة عن العقد الّذي حاز عامة الشروط إلاّ شرطاً واحداً وهو رضا المالك أو استناده إليه، فإذاً يجب أن يكون جامعاً لعامة الشروط، أعني:

صفحه 70
1. شرائط العقد كالماضوية وتقدّم الإيجاب على القبول والتنجيز وغير ذلك على القول بها.
2. شرائط المتعاقدين كصدوره من البائع البالغ القاصد فلا يصحّ عقد المجنون ولا السكران.
3. شرائط العوضين من كونهما معلومين، متمولين (خرج ما ليس بمال كالحشرات)، مملوكين خرج ما يشترك فيه الناس كالكلأ والماء كما خرج الخمر والخنزير والكلب إلى غير ذلك.
أمّا الأُولى: أي شرائط العقد، فاللازم اجتماع شرائطه في زمان العقد، ولا يتصور فيه التبعيض بوجود بعضها حين العقد والبعض الآخر في زمان الاجازة، لأنّ المفروض أنّه شرط لايجاب الموجب، وقبول القابل فاللازم تواجد شروطهما حين وجودهما، كالماضوية وتقدّم الإيجاب والتنجيز.
وأمّا الثانية والثالثة: أعني: شرائط المتعاقدين والعوضين فتارة يقع الكلام في لزوم اجتماعها في زمان العقد، وأُخرى في بقائهما إلى زمان الإجازة.
وقد أفاض الشيخ الكلام فيهما في مقامين.
أمّا اجتماعها في زمان العقد فقال بأنّه يشترط فيه كونه جامعاً لجميع الشروط المعتبرة في تأثيره عدا رضا المالك، معللاً بأنّ العقد إمّا سبب تام أو جزء من السبب التام والجزء الآخر هو الإجازة.
أمّا على الأوّل: فيجب وجود الشرائط عند السبب التام.
وأمّا على الثاني ـ أعني: ما إذا كان العقد جزء السبب والإجازة الجزء الآخر ـ فكذلك أيضاً يجب اجتماع الشروط عند تحقّق أحد جزئي السبب، أعني: العقد. أمّا على الكشف فواضح، لأنّ كشف الإجازة عن حصول الملكية حين العقد فرع وجود العلّة التامة عنده. وهي عبارة أُخرى عن اجتماع الشرائط لديها.
وأمّا على النقل فلأنّ المعتبر في شروط السبب المركب من جزأين،

صفحه 71
وجودها عند تحقّق الجزء الأوّل، ولهذا لا يجوز الإيجاب مع جهل القابل بالعوضين عند الإيجاب، وإن ارتفع الجهل عند القبول.
بل لو قلنا بجواز اجتماع الشروط عند تحقّق الجزء الثاني ـ كما في مورد القبول ـ لا نقول به في المقام، لأنّ الإجازة ليست جزءاً بل أشبه بالشرط، لتأثير العقد.
ولو سلم كونها جزءاً فهو جزء للمؤثر (العقد المؤثر في الانتقال) لا لنفس العقد، والكلام في شروط العقد لا في شروط العقد المؤثر، فلا يكفي اجتماع الشروط عند جزء المؤثر، بل يلزم اجتماعها عند تحقّق العقد سواء أكان مؤثراً أو لا ؟ فيكون جميع ما دلّ من النص والإجماع على اعتبار الشروط في البيع ظاهرة في اعتبارها في انشاء النقل والانتقال بالعقد. نعم لو دلّ دليل على اعتبار شرط في ترتب الأثر الشرعي على العقد من غير ظهور في اعتباره في أصل الإنشاء أمكن القول بكفاية وجوده حين الإجازة، ولعلّ من هذا القبيل القدرة على التسليم واسلام مشتري المصحف والعبد المسلم.
فتلخّص من ذلك لزوم اجتماع شروط العوضين مطلقاً عند العقد. إلاّ الشروط المعتبرة في تأثير العقد عند الإجازة، كالقدرة على التسليم أو كون المشتري مسلماً عند شراء المصحف فيكفي وجودها عند الإجازة.
***
وأمّا لزوم بقاء الشروط من زمان العقد إلى زمان الإجازة، فقال بالتفصيل التالي:
أ. عدم اشتراط البقاء في شروط المتعاقدين مطلقاً فيكفي كون العاقد والأصيل عاقلين بالغين قاصدين حين العقد.
ب. اعتبار بقاء شروط العوضين إلى زمان الإجازة بناءً على النقل، بل مطلقاً حتّى بناءً على القول بالكشف.

صفحه 72
هذا خلاصة مرامه مع التعقيد الموجود في عبارته، وإليك إيضاح بعض جمله في الهامش.1

ما هو المختار عندنا

أقول: أمّا شروط المتعاقدين فقد قال الشيخ بعدم اشتراط بقاء المتعاقدين على شروطهما. ولكن الظاهر التفصيل بين العاقد الفضولي والأصيل، فيكفي كون العاقد الفضولي جامعاً للشرائط حين العقد وإن فقدت بعد العقد كما إذا مات أو جنّ، وأمّا الأصيل فالظاهر عدم كفاية الاجتماع حين العقد، فلو مات الأصيل قبل الإجازة وانتقل المال إلى الورثة، وقلنا بلزوم العقد على الأصيل حال حياته، فلا دليل على لزومه على الورثة. فالعقد يكون ـ عند ذاك فضوليّاً من كلا الجانبين.
وأمّا شرائط العوضين فقد ذهب الشيخ إلى لزوم وجودها حين العقد وبقائها إلى حين الإجازة. ولكن الظاهر كفاية وجودها حينها، وذلك لما عرفت من أنّ

1. قال(رحمه الله) : «فلا يكفي اتّصاف المتعاقدين بصحّة الإنشاء»، أي لا يكفي إحراز سائر الشروط المعتبرة في صحّة العقد مع اتّصاف المتعاقدين بصحّة الإنشاء بالنسبة إلى خصوص الأصيل دون الفضولي، بل لابدّ من إحرازه بالنسبة إلى الفضولي.
ثمّ قال(قدس سره) :«ولا إحراز سائر الشروط بالنسبة إلى الأصيل على الكشف للزومه عليه». فقوله:«للزومه عليه» الضمير المجرور في «للزومه» يرجع إلى العقد والضمير في «عليه» يرجع إلى الأصيل، وهي علة للمنفي، أي علّة للإحراز، وجهه: أنّ لزوم العقد على الأصيل صار سبباً لوجوب إحراز الشرائط في جانب الأصيل حين العقد.
وأمّا قوله:«بل مطلقاً» أي حتّى مع النقل.
وقوله: «لتوقّف تأثيره الثابت» علّة لقوله «لا يكفي».
وقوله: «وذلك لأنّ العقد» علّة للتوقّف الماضي في كلامه.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الكتاب وإن بلغ الغاية في التحقيق ولكنّه بحاجة إلى إجراء إصلاحات في عباراته، حتّى أنّ بعض المحقّقين قد اشتبه عليه المراد في تفسير عباراته في المقام.(لاحظ; تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:170، وتعليقة الشهيدي:303)،قدّس اللّه أسرارهما.

صفحه 73
بيع الفضولي ليس بيعاً أحلّه اللّه، ولا عقداً يجب الوفاء به قبل الإجازة، وإنّما يحكم عليه بهذه الأحكام إذا لحقته الإجازة، وفي الحقيقة يكون البيع الفضولي أشبه باتفاقية تبرم بين الدلال والمشتري، ومن الواضح أنّه ليس لها قيمة ولا اعتبار، ولا وجه لاعتبار وجود الشرائط حين العقد، بل يكفي حينما يكون البيع بيعاً رسمياً مشمولاً للإطلاقات والعمومات.
وعلى ضوء ذلك يتّضح حكم الأمثلة التالية:
1. لو باع خمراً حين العقد وصار خلاً حين الإجازة، صحّ البيع.
2. إذا باع كلباً لا يُملك ولا يباع ولكنّه صار كلب الدار والبستان والماشية عند الإجازة، صحّ البيع أيضاً.
3. إذا كان العوضان ربويين ـ أي ممّا يكال و يوزن ـ وكانت المعاوضة مشتملة على الفائض ولكن صار العوضان عند الإجازة عدويين أو مزروعين، صحّت المعاملة.
فتكون النتيجة كالتالي:
أ. لزوم اجتماع شروط العقد حينه.
ب. كفاية كون المتعاقدين واجدين للشروط حين العقد إلاّ إذا مات الأصيل فلا تكفي حياته حين العقد في لزوم العقد.
ج. كفاية اجتماع شروط العوضين عند الإجازة فقط ولا يلزم وجودها حين العقد واستمراره إلى حين الإجازة.

الثانية: اعتبار كون المجاز معلوماً بالتفصيل للمجيز

هل يشترط في المجاز كونه معلوماً بالتفصيل للمجيز، كتعيين نوع العقد من كونه بيعاً أو صلحاً، فضلاً عن جنسه من كونه نكاحاً لجاريته أو بيعاً لها؟ أو يكفي العلم الإجمالي بوقوع عقد قابل للإجازة؟!

صفحه 74
وهل يعتبر العلم بوقوع العقد، ولا يكفي مجرد احتماله أو لا يعتبر، فيجيزه على تقدير وقوعه إذا انكشف وقوعه؟ وجهان:
الأوّل: أنّه يعتبر، لأنّ الإجازة أحد ركني العقد، والمعاهدة الحقيقيـة إنّمـا تحصـل بين المالكين بعد الإجازة فيشبه القبول مع عدم تعيين الإيجاب عند القابل.
الثاني: لا يعتبر، لأنّ الإجازة كالإذن السابق فيجوز تعلّقه بغير المعيّن إلاّ إذا بلغ حدّاً لا يجوز معه التوكيل، وعلى ذلك يكفي مجرد احتمال العقد ولا يعتبر العلم بالعقد.
والحقّ هو القول الأوّل، لأنّ الإجازة ليست كالإذن السابق ولا من مقولة التوكيل حتّى يكفي اجتماع الشرائط عند الوكيل، لما عرفت من أنّ قوام العقد وصيرورته بيعاً حقيقة وعقداً يجب الوفاء به إنّما هو بالإجازة فيُشبه أن يكون أحد الركنين فلا يصحّ من دون العلم باجتماع الشرائط ولا احتمال العقد، ومن البعيد استثناء الفضولي عن الأدلّة الدالة على لزوم رعاية الشروط.

الثالثة: حكم العقود المتعدّدة

إنّ العقود المتعدّدة تارة تكون عرضية وأُخرى طولية.
والمراد بالأُولى هي ما إذا باع مال الغير من أشخاص متعدّدين، مثلاً لو باع مال الغير من عمرو ثم باعه من بكر ثم باعه من خالد، فالعقود عرضية باعتبار أنّ صحّة كلّ في عرض الآخر وإن كان بعضهم واقعاً في طول الآخر من حيث الزمان.
ومثله ما إذا كان البائع متعدّداً، كما لو باع ثلاثة أشخاص مال الغير من أشخاص ثلاثة في زمان واحد أو أزمنة مختلفة، وذلك لأنّ صحة كلّ في عرض الآخر.

صفحه 75
وأمّا حكمها فربما يتصور أنّ البيع المتأخّر فسخ للبيع الّذي يسبقه.
ولكنّه ليس بصحيح، لأنّ الفسخ شأن من يملك المال، وهذا غير متوفر في الفضولي فليس له فسخ ما فعله قبله، وقد عرفت موقع بيع الفضولي من الإطلاقات والعمومات.
وأمّا المالك فإذا أجاز أحد البيوع فقد أبطل بذلك إمكان تعلّق الإجازة بغير المجاز.
هذا كلّه في العقود العرضيّة فليس لها إلاّ حكم واحد، وهو أنّ إجازة أي واحد منها يوجب إبطال إمكان تعلّق الإجازة بغيره.
وأمّا الثانية ـ أعني: الطولية ـ فيأتي حكمها فيما يلي.

حكم العقود الطولية على المعوض

إنّ العقود تارة تنصبُّ على المعوض، وأُخرى على العوض، فلنأخذ كلّ واحد بالدراسة.
أمّا حكم العقود على المعوض، كما إذا باع مال الغير من عمرو بثمن، فباعه عمرو من بكر، فباعه بكر من خالد. فقالوا: إذا أجاز مبدأ السلسلة صحّ هو وما بعده، وإذا أجاز الوسط صحّ هو ومابعده وهكذا.
وجهه: وجود الرابطة بين صحّة المجاز ومابعده، وعدمها بينه وما قبله، فإذا باع مال الغير من عمرو وأجازه المالك يكون عمرو مالكاً للمال، والمفروض أنّه باعه من بكر، فكأنّه قد باع ما ملكه من بكر، فإذا باع بكر من خالد فقد باع ما ملكه من خالد، وهذا معنى قولهم: «صحّ المجاز وما بعده» كما يظهر معنى الطوليّة، حيث إنّ صحّة البيع الثاني في طول صحة الأوّل وهكذا، هذا إذا أجاز مبدأ السلسلة.
وأمّا لو أجاز البيع الوسط كما إذا أجاز بيع عمرو من بكر، فقد باع المالك مال

صفحه 76
نفسه من بكر، فيكون البيع الأوّل، أعني: بيع ماله من عمرو، أجنبياً من مالك المال. وفي الوقت نفسه تترتّب عليه صحة بيع بكر من خالد لوجود الرابطة بينهما.
ثمّ إنّ قولهم: يصحّ المجاز ومابعده، إنّما يتمّ إذا قلنا بالكشف الحقيقي، إذ على هذا الفرض يصير البائع بين الحدين (المجاز وما بعده) مالكاً قبل صدور الإجازة فيكون كلّ بيع، مقارناً مع مالكية البائع الفضولي.
وأمّا على القول بالنقل فصحّة الضابطة المذكورة (يصح المجاز ومابعده) مبني على أمرين:
1. عدم اعتبار ملكية البائع حال العقد، لأنّ كلاً من البائعين لم يكونا مالكين حينه وإنّما صارا كذلك بعد الإجازة.
2. البيوع الواقعة بعد المجاز، من مصاديق قولهم: إذا باع شيئاً ثم ملكه، ولو قلنا بعدم الحاجة إلى تنفيذ ما باعه قبل تملّكه بالإجازة، يصحّ قولهم: صحّ المجاز وما بعده، وأمّا على القول بلزوم الإجازة فلا يصحّ إلاّ بإجازة جديدة، وإلاّ فغير البيع المجاز، يصير بيوعاً فضولية.
وكذلك نفس الحكم لو قلنا بالكشف الحكمي، أو بالكشف بالمعنى المختار، من أنّ الإجازة، تنشئُ ملكية من حين العقد إلى زمان الإجازة، لأنّ المفروض أنّ البائعين لم يكونا ـ حين العقد واقعاً ـ مالكين وإنّما اعتبرت مالكيتهم في زمن صدور الإجازة.

حكم العقود الطوليّة على العوض

إذا كانت العقود المترتبة منصبة على العوض، كما إذا باع الفضولي مال الغير بفرس، ثمّ باع الفرس بالحمار، فباع الحمار بالبغل، فباع البغل بالجمل، فقالوا: يصحّ المجاز وما قبله، على خلاف ما ذكروه في المعوض حيث يصحّ هناك

صفحه 77
المجاز وما بعده، وأمّا المقام فيصحّ فيه المجاز وما قبله فقط.
وجهه: أنّ المالك إنّما كان مالكاً للمبيع ولم يكن مالكاً للثمن ـ أعني: الفرس ـ ولذلك تكون العقود المترتبة على العوض خارجة عن حوزة مالكيته، فلو أجاز العقد الأوّل من العقود المنصبّة على الثمن ـ أعني: بيع الفرس بالحمار ـ فهو إنّما يملك الحمار إذا ملك قبله الفرس، فدخول الحمار في ملكه فرع كونه مالكاً للفرس حتّى يخرج عن ملكه، ولا يملك الفرس إلاّ إذا صحت مبادلة ماله به، فقبول كون الفرس في مقابل الحمار يلازم قبول كون الفرس في مقابل ماله، وهذا هو معنى قولهم: يصحّ المجاز وما قبله، وهكذا سائر العقود كبيع الحمار بالبغل، فلا يملك البغل إلاّ إذا كان قد ملك الحمار، ولا يملكه إلاّ إذا ملك الفرس قبله.
وعلى هذا فليس المراد من الثمن، الثمن الأوّل بل المراد الثمن الكلّي بصورة ترامي الأثمان كما مرّ في المثال، وقد صرح به الشيخ في ذيل البحث وقال: وأمّا العقود المترتّبة على الثمن فليس المراد أن يعقد على الثمن الشخصي مراراً، لأنّ حكم ذلك حكم العقود المترتبة على المبيع، بل المراد ترامي الأثمان في العقود المترتبة.1

إشكال الأعلام في صحة البيع بالإجازة والعقود المترتبة

إنّ الشيخ نقل في المقام إشكالاً عن الأعلام الأربعة: أعني: العلاّمة الحلي، وتلميذه قطب الدين الرازي في شرحه على قواعد أُستاذه، وعن المجاز منه أعني الشهيد في حواشيه، والمحقّق الثاني في شرح المقاصد; ولكن كلماتهم لا تصب مصبّاً واحداً، ولتوضيح المقام نقول:
أمّا منشأ الإشكال فهو ذهاب المشهور إلى أنّ الثمن إذا تلف عند البائع

1. المتاجر:143.

صفحه 78
الغاصب بتلف سماوي، لا يجوز للمشتري ـ مع علمه بالغصب ـ مطالبته بالمثل أو القيمة ـ و سيوافيك وجهه في فصل الردّ، عند الكلام في المسألة الثانية ـ وحاصل دليلهم: أنّ الضمان لو قيل به هنا ضمان معاوضي كما هو الحال في عامة البيوع بأن يكون الثمن عوضاً عن المثمن، وهو إنّما يتحقّق إذا كان المثمن ملكاً للغاصب، والمفروض أنّه للمالك، فلا يكون الضمان المعاوضي متحقّقاً فيكون التسليط ـ في الواقع ـ مجانياً فيدخل تحت القاعدة المعروفة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده »، و سيوافيك تفصيل الكلام فيه في المحل المشار إليه.
إذا علمـت هـذا فاعلم أنّـه نشـأ من هذا المعنى إشكال أشار إليه الأعلام المذكورون، أمّا العلاّمة الحلي فلم ينقل الشيخ كلامه، بل اقتصر على نقل كلمات الأعلام الثلاثة.
فالظاهر من القطب أنّه يركز على أنّه ليس للمالك إجازة بيع الغاصب، لأنّه لم يُجعل بازاء المبيع ثمن، إذ المفروض تسلّط الغاصب على الثمن بتسليط المشتري إيّاه عليه فيصبح البيع بلا ثمن وهو باطل; وإليك كلامه.
قال:ولو بقى]الثمن[ ففيه الوجهان فلا ينفذ فيه إجازة الغير بعد تلفه بفعل المسلِّط بدفعه ثمناً عن مبيع اشتراه، ومن أنّ الثمن عوض عن العين المملوكة ولم يمنع من نفوذ الملك فيه إلاّ عدم صدوره عن المالك، فإذا أجاز جرى مجرى الصادر عنه.1
أقول: إنّ القدر المتيقّن من التسليط أنّ الثمن للبائع الغاصب إذا لم يجز المالك لا ما إذا أجاز، فلو أجازه لا يكون المبيع بلا ثمن.
وأمّا الشهيد فهو يركز على أمرين:
أ. نفس ما ركز عليه القطب من أنّ الثمن لا يدخل في ملك المجيز لتملّك

1. مفتاح الكرامة:4/192 نقلاً عن شرح القطب الرازي لقواعد العلاّمة.

صفحه 79
البائع الغاصب إيّاه بالتسليط.
ب. عدم نفوذ الإجازة في ناحية الثمن كما إذا اشترى بالفرس (في المثال السابق) حماراً فلا يجوز له إجازة العقد الثاني حتى يتملّك الحمار، وذلك لأنّ الثمن دخل في ملك الغاصب بالتسليط.
فصار الإشكال في موضعين: في صحة البيع (وقوع البيع للمالك)، وفي ترتّب العقود (إجازة المالك العقد الواقع على الثمن).
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن من تملّك البائع الغاصب الثمن هو ما إذا لم يجز المالك، فإذا أجاز فهو ملك للمالك، فيصح البيع والترتّب.
وأمّا صاحب الإيضاح فهو يركّز على الأمر الثاني (تتبع العقود للمالك مع علم المشتري) ويخصّ الإشكال بما إذا كانت الإجازة ناقلة فيتقدّم تملّك البائع الغاصب الثمن، على تملّك المالك، دون ما إذا كانت كاشفة، فيكون الأمر على العكس، وإليك موضع الحاجة من كلامه.
قال: لأنّه بالتسليم إلى الغاصب ليس للمشتري استعادته من الغاصب بنص الأصحاب، والمالك قبل الإجازة لم يملك الثمن، لأنّ الحقّ أنّ الإجازة شرط أو سبب فلو لم يكن للغاصب فيكون الملك بغير مالك وهو محال، فيكون قد سبق ملك الغاصب للثمن على سبب ملك المالك له (الإجازة)، فإذا نقل الغاصب الثمن عن ملك لم يكن للمالك إبطاله...]نعم[ على القول بأنّ الإجازة كاشفة فإذا أجاز العقد كان له.1
أقول : الظاهر عدم الفرق بين القول بالكشف والقول بالنقل لما عرفت من أنّ القدر المتيقن من تسليط المشتري الغاصب على الثمن هو ما إذا لم يجز مالك المبيع فلو أجازه كان الثمن له، نعم لو ردّ يكون للغاصب لو اتّفقا عليه .
واعلم أنّ محل البحث يتميز عمّا يأتي في المسألة الثانية من فصل الردّ

1. الإيضاح:1/417.

صفحه 80
بأمرين:
1. إنّ الكلام في المقام مركّز على صورة بقاء الثمن بخلاف ما يأتي في المستقبل فالكلام مركّز على صورة التلف.
2. إنّ محور البحث في المقام هو ما إذا أجاز المالك المبيع، وأمّا إذا ردّ، سواء أكان الثمن موجوداً أو تالفاً فسيأتي البحث فيه في فصل الردّ في المسألة الثانية فلاحظ.
تمّ الكلام في الأُمور الثلاثة: الإجازة والمجيز والمجاز
بقي الكلام في الردّ

صفحه 81

في أحكام الردّ

البحث في أحكام الرد الّذي أسهب الكلام فيه الشيخ، مبني على أصل غير أصيل، وهو أنّ رد المالك هادم لبيع الفضولي وفسخ له، وقد مرّ الكلام فيه في التنبيه الثالث من تنبيهات الإجازة وثبت بوضوح أنّ رد المالك لا يؤثر في العقد الصادر من الفضولي بل هو باق على الصحة الشأنيّة، ردّه المالك أم لا، غاية الأمر أنّ للمالك أن يعمل عملاً ما يفوّت على الفضولي إمكان تعلّق الإجازة به، وإليك الصور الّتي بحث الشيخ عنها:
1. الرد القولي الصريح.
2. الرد الفعلي الصريح.
3. التصرف غير المخرج عن الملك، كإجارة الدار والرهن.
4. التصرف غير المنافي لملك المشتري، من حيث العقد، كتعريض المبيع للبيع والبيع الفاسد.
5. التصرف المخرج عن الملك كالعتق والبيع والوقف.
فبما أنّه لم يثبت عندنا أنّ للرد ـ قولياً كان أو فعلياً ـ دوراً في إبطال بيع الفضولي فلنركز على الصور الثلاث الأخيرة، فنقول:

الصورة الثالثة

إذا تصرف تصرفاً غير مخرج عن الملك كما إذا أجّر الدار الّتي باعها الفضولي، أو رهنها، فهناك وجهان:

صفحه 82
الأوّل: أنّ هذه التصرفات وإن لم تخرج الملك عن قابلية وقوع الإجازة عليه إلاّ أنّها مخرجة له عن قابلية وقوع الإجازة من زمان العقد، لأنّ صحّة الإجازة على هذا النحو توجب وقوعها باطلة، فإذا فرض وقوعها صحيحة، منعت عن وقوع الإجازة.
وإن شئت قلت: كلّما يكون باطلاً بعد لحوق الإجازة المؤثرة من حين العقد، فوقوعه صحيحاً قبل الإجازة يمنع من لحوق الإجازة، لامتناع اجتماع المتنافيين.
الثاني: أنّ هذه التصرفات لا تمنع من لحوق الإجازة، إذ غاية ما يترتّب عليه أنّ الملك ينتقل إلى المشتري مسلوب المنفعة، فإن كان المشتري عالماً فليس له الخيار، وإن كان جاهلاً له فسخ البيع أو الصبر إلى موعد انقضاء الإجارة.
ومثله ما إذا كانت العين مرهونة فقد انتقلت العين المرهونة إلى المشتري وهي متعلّقة بحق الغير، فعلى المالك فكّها عن الرهن وإلاّ فللمشتري الخيار.
في أحكام الرد   

الصورة الرابعة

إذا تصرف تصرفاً غير مناف لملك المشتري من حين العقد كتعريض المبيع للبيع، والبيع الفاسد، وقد قسّمه الشيخ إلى قسمين، لأنّه إمّا أن يقع في حال التفات المالك إلى وقوع العقد من الفضولي على ماله، أو أن يقع في حال عدم الالتفات. أمّا الأوّل فجعله من أقسام الرد الفعلي، وأمّا الثاني فقال بأنّ الظاهر عدم تحقّق الفسخ به لعدم دلالته على إنشاء الرد.
أقول: هذه الصورة تعود إلى الصورة الثانية ـ أعني: الردّ الفعلي ـ وقد قلنا بأنّ الرد مطلقاً ـ قولياً كان أو فعلياً ـ لا دور له في إبطال البيع الفضولي، فهذه الصورة ملحقة بالصورة الثانية.

صفحه 83

الصورة الخامسة

إذا تصرف تصرّفاً مخرجاً عن الملك كالبيع والعتق، فقال الشيخ: إنّه فسخ للعقد السابق، وذلك من باب تحقّق قصد الفسخ قبل التصرفات.
أقول: التصرف المخرج عن الملك مفوّت لموضوع الإجازة لا أنّه فسخ، لما عرفت من أنّه ليس للمالك فسخ ما عقده الآخر، الّذي هو ليس بموجب ولا قابل، فالبيع والعتق والوقف مفوّت لإمكان تعلّق الإجازة به.
***
تمّ الكلام في مهمات مسألة بيع الفضولي وبقيت في المقام مسائل طرحها الشيخ في المقام والتي تناسب كتاب الغصب كما اعترف به(قدس سره) في ثنايا البحث. وإنّما طرحها في ذيل فصل الردّ، لوجوده فيها، كما لا يخفى.
وإليك فهرست هذه المسائل:
1. حكم المالك مع المشتري إذا أخذ المبيع.
2. حكم المشتري مع الفضولي إذا أخذ الثمن.
3. إذا اغترم المشتري للمالك غير الثمن فهل يرجع إلى البائع؟
4. لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه.
5. لو باع من له نصف الدار، نصفها.
6. لو باع ما يُملك كالغنم مع ما لا يُملك كالخمر والخنزير.
وبدراسة هذه المسائل ينتهى البحث عن بيع الفضولي، ويأتي البحث عن ولاية الأب والجدّ والفقيه وعدول المؤمنين وباءنهاء البحث فيها ينتهي البحث عن شرائط المتعاقدين وتصل النوبة إلى البحث عن شرائط العوضين، فانتظر.
وإليك دراسة هذه المسائل الستّ:

صفحه 84

المسألة الأُولى: في حكم المالك مع المشتري إذا أخذ المبيع

لو لم يُجز المالك بيع الفضولي، فإن كان المبيع تحت يده فهو، وإلاّ فهو أحقّ بماله ينتزعه ممن وجده في يده مع بقائه.
وأمّا المنافع المستوفاة أو غيرها فقد مرّ حكمها في الفصل الثالث عند البحث في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد في الأمر الثالث المنعقد لبيان هذا الموضوع، فراجع.
ولو تلف المبيع فيرجع إلى من تلف بيده بقيمة يوم الأداء، كما مرّت دراسته عند البحث في صحيحة أبي ولاّد.
ولو كان قبل ذلك في ضمان شخص آخر، وفرضت زيادة القيمة عنده ثم نقصت عند الأخير الّذي تلفت عنده، فعن جماعة اختُصّ السابق بالرجوع بالزيادة عليه، وهو موضع تأمل لما مرّ منّا في الفصل الثالث عند دراسة صحيحة أبي ولاّد، عدم ضمان زيادة القيمة مطلقاً، بل يكفي أداء قيمة العين يوم الأداء.
نعم لو انخفضت القيمة إلى حدّ يلحق الشيء بما لا قيمة له، فقد مرّ حكمه في نفس الفصل.

المسألة الثانية: حكم المشتري مع الفضولي إذا أخذ الثمن

إذا دفع المشتري الثمن إلى البائع الفضولي فإمّا أن يكون جاهلاً بكون البائع فضولياً وغير مالك، أو يكون عالماً به، فهنا صورتان:
الصورة الأُولى: إذا كان المشتري جاهلاً بكون البائع فضولياً
فهي على أقسام:
   
الأوّل: إذا دفع الثمن إليه مستنداً إلى يده على العين، فبان أنّه غير مالك، فيرجع إليه بالثمن ولا يضرُّ به اعترافه بمالكية البائع، وذلك لأنّ اعترافه مبني على ظاهر يده، فإذا بان فساد المستند فالرجوع إليه بالثمن لا يتنافى مع اعترافه

صفحه 85
بأنّه مالك، اعتماداً على يده التي ظهر بطلانها.
الثاني: إذا اعترف بأنّه دفع إليه الثمن لعلمه بأنّه مالك بعد قيام البينة على أنّ العين لغيره ـ فقد حكم الشيخ بأنّه لا يرجع إليه بشيء، لأنّ الرجوع يتنافى مع إقراره واعترافه بأنّه مالك. ـ بعد قيام البينة بأنّها لغيره ـ فيكون قرينة على عدم استناده إلى ظاهر اليد، إذ لو كان مستنداً إلى اليد لعدل عن اعترافه بعد قيام البينة الشرعية على أنّه لغير البائع فيؤخذ بإقراره بأنّه للبائع.
الثالث: إذا دفع إليه الثمن ولم يعلم وجه الدفع وتردد بين كون مستنده هو اليد أو علمه الوجداني فقد ذكر الشيخ أنّ فيه وجهين:
1. الأخذ بظاهر الحال من استناده إلى اليد.
2. الأخذ بظاهر لفظ الإقرار من دلالته على الواقع.1
الظاهر التفصيل بين ثباته على إقراره على أنّه ماله وبين الرجوع عن إقراره والاعتراف باشتباهه.فلا يرجع إلى البائع في الأوّل ويرجع إليه في الثاني.
وعلى ذلك فلا غرو في عروض الاشتباه على المشتري والاعتراف بالمالكية ثم الرجوع عنه. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ المورد من مصاديق القاعدة المعروفة: «لا إنكار بعد الإقرار» فلاحظ.

الصورة الثانية: إذا كان المشتري عالماً بكون البائع فضولياً

إذا دفع الثمن إلى البائع مع العلم بكونه غير مالك ولا مأذون، فتارة يكون الثمن باقياً وأُخرى تالفاً.
فيقع الكلام تارة فيما لو كان الثمن باقياً، وأُخرى فيما لو كان الثمن تالفاً. فلنقدم البحث فيما لو كان باقياً، وبعد استيفاء البحث فيه، نبحث عن صورة التلف.

1. المتاجر:145.

صفحه 86
فنقول: أمّا إذا كان الثمن باقياً فلا يخلو من حالتين:
أ. أن يُجيز المالك البيع.
ب. أن يرد المالك البيع.
أمّا الأوّل فقد مضى البحث فيه عند دراسة إشكالات الأعلام الأربعة وقلنا: إنّ القدر المتيقن من تسليط المشتري الأجنبي على الثمن هو ما إذا رد المالك ولم يجزه، وأمّا إذا أجازه فلا.
وأمّا الثاني فهو الذي نطرحه في المقام، فنقول:
الحق أنّ للمشتري أن يرجع إلى الثمن الموجود إذا ردّ المالك، واستدلّ عليه الشيخ بوجهين:
أ. لم يحصل من المشتري ما يوجب انتقاله عنه شرعاً، ومجرد تسليطه عليه لو كان موجباً لانتقاله عليه لزم الانتقال في البيع الفاسد(كما إذا كان المبيع كلباً، أو كان البيع ربوياً) لتسليط كلّ من المتبايعين صاحبه على ماله.
ب. أنّ الحكم بصحة البيع ـ لو أجاز المالك كما هو المشهور، يستلزم تملّك المالك للثمن، فإن تملّكه البائع قبله يلزم فوات محل الإجازة، لأنّ الثمن إنّما ملكه الغير، فيمتنع تحقّق الإجازة، فتأمل.1
يلاحظ عليه: بأنّ الدليل الأوّل لا غبار عليه وما أحسن قوله:(لم يحصل منه ما يوجب انتقاله عنه شرعاً)، وأمّا الدليل الثاني فغير تام، للفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من التسليط ما إذا لم يُجز المالك، وأمّا إذا أجاز فليس هناك تسليط، وهذا بخلاف صورة الرد الذي نحن بصدد الكلام عنه، ولعله لذلك أمر بالتأمّل .

1. المتاجر:145.

صفحه 87

إذا كان الثمن تالفاً

إذا كان الثمن تالفاً عند الغاصب فالمفروض بين الأصحاب عدم رجوع المشتري، بل حكى الشيخ عن العلاّمة وولده والمحقّق والشهيد الثاني وغيرهم الاتفاق عليه. وأمّا ما هو الوجه في اتّفاقهم على عدم ضمان البائع الغاصب فليس إلاّ أمر واحد، وهو أنّ الضمان لا يخلو عن أحد أمرين:
أ. قاعدة على اليد، أي يد البائع على الثمن.
ب. قاعدة الإقدام، أي إقدام البائع على ضمان الثمن.
أمّا الأُولى: فلا تشتمل المقام، وذلك بقرينة خروج يد المستأمن عن تحت هذه القاعدة، سواء دفعه للحفظ كما في الوديعة، أم للانتفاع كما في العارية، أم استيفاء المنفعة كما في الإجازة، فإذا كان الدفع في هذه الموارد لا يوجب الضمان على تصرفه واستيفاء منافعه فلا يوجب ذلك في المقام الضمان بطريق أولى.
أمّا الثانية: فلأنّ البائع الغاصب أقدم على الضمان على حد القدرة والطاقة فلو فرّط في حفظ الثمن يجب عليه الخروج عن تعهده، وأمّا إذا لم يكن هناك تفريط وكان التلف سماوياً، أو بلاء بشرياً، كهجوم العدو الغاشم على البلد والقرية والإغارة عليها على نحو لو كان الثمن تحت يد المشتري لأصابه ما أصاب البائع الغاصب، فلا وجه لضمانه لعدم إقدامه على ضمان الثمن في هذه الصورة التي صارت خارجة عن قدرته.1
ولعلّ هذا هو السبب لذهاب المشهور إلى عدم ضمان الثمن في المقام.

1. ولعلّ ما ذكرناه أوضح ممّا ذكره الشيخ من عدم شمول قاعدة الاقدام للمقام، لأجل أنّ البائع لم يقدم على ضمان الثمن إلاّ بما علم المشتري أنّه ليس ملكاً له، وسيوافيك تفصيله.

صفحه 88

الاستدلال على عدم الضمان بقاعدة التسليط

وربّما يستدلّ على عدم الضمان بأنّ المشتري لعلمه بأنّ المبيع للغير، سلّط الغاصب على ماله، مجاناً وبلا عوض فيشبه الهبة الفاسدة التي لا يضمنها الموهوب له إذا تلفت.
ثمّ إنّ الشيخ أورد على الاستدلال إشكالاً وأجاب عنه وبما أنّه قد أسهب في بيان الإشكال والجواب وربما يعسر جمع أطراف كلماته، نأتي بخلاصتهما تالياً ليسهل على القارئ فهمه وضبطه.

الإشكال على الاستدلال

قد بنى المتعاقدان على كون المثمن ملكاً للبائع الغاصب وأنّه مالك ادّعاءً، وعلى هذا الأساس يتحقّق أمران:
1. المعاوضة الحقيقية بين المثمن والثمن.
2. تضمين البائع للثمن، بشيء من ماله ولو ادّعاءً كما في المثمن.
وعلى ضوء هذا لا يكون التسليط بالمجان، بل في مقابل شيء من ماله، وإن كان الشيء مالاً له ادّعاء.
والذي يشهد على أنّ التسليط ليس مجاناً، أمران:
أ. لو ظهر المثمن المعين ملكاً للغير وكان المشتري جاهلاً فإنّ المشتري يرجع إلى البائع بالثمن مع التلف، وجهل المشتري غير مؤثر في الضمان ولا علمه في عدمه، لأنّه في كلتا الصورتين ضمنه بإزاء هذا الشيء الذي هو مال الغير.
ب. لو كان البيع فاسداً كما إذا كان ربوياً أو مجهولاً مع علم المشتري بذلك، فلا ينتقل المبيع إلى الثمن ولو تلف الثمن عند البائع لضمن.
هذا هو الإشكال الذي أورده الشيخ على الاستدلال، ثم إنّه أجاب عنه بالنحو

صفحه 89
التالي:

الجواب عن الإشكال

الضمان عبارة عن كون الشيء في عهدة الضامن وخسارته عليه، فلو كان المضمون به ملكاً للضامن، يصدق عليه الضمان، لأنّ الخسارة في ماله، وأمّا لو كان المضمون به ملكاً للغير، فلا يتحقّق الضمان الحقيقي مع علمهما بهما.
وبناء المتعاقدين على كون الغاصب مالكاً، يصحّح وقوع المعاوضة وعقد التمليك والتملّك منهما ادّعاء، ولا يصحح الضمان، لأنّه عندئذ ليست الخسارة على ماله بل على مال الغير، الذي استولى عليه غصباً.
والوجهان اللّذان استشهد بهما ليسا بشيء.
أمّا الأوّل: أي إذا بان كون المبيع مستحقاً للغير مع جهل المشتري أو المتبايعين بذلك، فوجه الضمان مع أنّه ضمنه بمال الغير في كلا المقامين، هو عدم طيب نفسه على تصرف البائع فيه من دون ضمان في ماله الواقعي وإن كان ما ضمنه به، غير مملوك له.
وأمّا الثاني: أي البيع مع علم المشتري بالفساد فمندفع، لأنّ المضمون به مال للضامن حقيقة، غاية الأمر أنّ فساد العقد مانع عن مضي هذا الضمان، فإذا لم يمض الضمان الخاص، صار أصل إقدام الشخص على الضمان الحقيقي، موجباً لضمانه.
نعم لو كان فساد العقد لعدم قبول المعوض للملك كالخمر والخنزير والحرّ لا يبعد عدم ضمان عوضها المملوك مع علم المالك بالحال.
إلى هنا خرج الشيخ بالنتيجة التالية وهي:
عدم ضمان الغاصب الثمن عند التلف.

صفحه 90

ميل الشيخ إلى الضمان

ثمّ إنّ الشيخ في آخر كلامه مال إلى ضمان البائع للثمن التالف مستدلاً بكون المقام من صغريات قولهم: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فإنّ البيع يضمن بصحيحه، فيضمن بفاسده أيضاً.
لكنّه أجاب عنه بوجهين رد أولهما وذكر الثاني ولكنّه أمر بالتأمل في آخره، وهذا يعرب عن أنّه(قدس سره) لم يرتض قول المشهور من عدم ضمان الثمن بل أيّده بالوجوه التالية:
1. لم يصرح أحد بعدم الضمان في: «بعتك بلا ثمن».
2. صرح بعضهم بضمان المرتشي مع تلف الرشوة، التي هي من قبيل الثمن فيما نحن فيه.
3. دلّت الأخبار على كون ثمن الكلب أو ثمن الخمر سحتٌ، بناء على أنّ المراد أنّه حرام تكليفاً ووضعاً.

خروج موارد عن عدم الضمان

لو فرضنا عدم ضمان الغاصب ، فلا شك أنّه ضامن في الموارد التالية:
1. إذا باع البائع الفضولي عن المالك ودفع المشتري الثمن إليه لإيصاله إلى المالك فتلف في يده، إذ لم يسلّطه عليه.
2. لو أخذ البائع الثمن من دون إذن المشتري، بل أخذه بناء على العقد الواقع بينهما فإنّه لم يحصل من المشتري تسليط.
3. لو اشترط على البائع الرجوع بالثمن لو أخذ المالك العين .
هذا خلاصة ما أفاد، ولكن الحق أنّ المسألة (عدم ضمان الغاصب) غنية عن هذا الاطناب، بل يكفي الاعتماد على نفي أسباب الضمان، وهي:
قاعدة اليد، وقاعدة الإقدام، والإتلاف، والجميع منتف كما مرّ.

صفحه 91

المسألة الثالثة: فيما يغترمه المشتري للمالك

كان الموضوع في المسألة الثانية، حكم الثمن إذا دفعه إلى البائع كان باقياً أو تالفاً، وأمّا الموضوع هنا فهو ما يغترمه المشتري للمالك عند تلف العين عنده وهو على أقسام:
الأوّل: ما يغترمه في مقابل العين أو جزئه أو وصفه، كزيادة القيمة على الثمن.
الثاني: ما يغترمه في مقابل ما استوفاه، كسكنى الدار واللبن والصوف والثمر.
الثالث: ما اغترمه في عمارة الأرض والدار وفي غرس الأشجار والأزهار ولم ينتفع به بعد ردّ المالك البيع .
ثمّ إنّ محل البحث في رجوع المشتري إلى البائع في الموارد الثلاثة ما إذا كان المشتري جاهلاً بكون البائع غير مالك، إذ لو كان عالماً فلا رجوع في شيء من هذه الموارد، إذ لا وجه لضمان البائع بعد علم المشتري بكون المبيع مال الغير، إذ ليس هناك إغرار ولا خدعة.
وها نحن نأخذ الموارد الثلاثة بالدراسة على الترتيب المذكور، خلافاً للشيخ حيث قدّم الثالث على الأوّلين وقدّم الثاني على الأوّل، وبذلك أوجد تعقيداً في المقام.
***
القسم الأوّل: إذا كانت قيمة العين في زمن العقد عشرين ديناراً فباعه البائع للمشتري الجاهل بعشرة دنانير ثم تلفت العين بيد المشتري فاغترم للمالك بعشرين، لأنّ ضمان القيمي بقيمته عند التلف أو عند الأداء والمفروض أنّه عشرون فهل يرجع إلى البائع أو لا ؟ وجوه ثلاثة:
1. عدم الرجوع، لأنّ المشتري إنّما أقدم على ضمان العين وكون تلفها منه

صفحه 92
كما هو شأن فاسد كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. إنّ له الرجوع، لأنّ هذه الغرامة إنّما جاءت بسبب تغريره.
3. التفصيل بين العشرة الأُولى فلا يرجع عليه وبين العشرة الزائدة فيرجع عليه.
والأخير، مختار الشيخ، فذهب إلى أنّه يتحمل ضرر العشرة الأُولى ويدفعها إلى المالك دون أن يرجع إلى البائع، وهذا بخلاف العشرة الزائدة فلو دفعها إلى المالك يرجع على البائع، لأنّه مغرور من جانب البائع.1
ويعلم وجهه من دراسة تأثير كذب البائع في الغرامة، أمّا العشرة الأُولى فلا تأثير لكذبه في توجه الضرر إلى المشتري، لأنّه لو كان صادقاً أيضاً وتلف المبيع في يد المشتري لكان عليه الضمان، وهذا بخلاف العشرة الزائدة فإنّ الضرر جاء من جانبه، لأنّه غرّ المشتري وقال له: هذه العين الّتي تسوي عشرين أعطيها لك بعشرة، فبان الخلاف. فالبائع يؤاخذ بمقدار تأثير كذبه، وهو العشرة الثانية فقط.
وبذلك تبيّن ضعف القولين الأوّلين، أمّا القول الأوّل ـ أعني: عدم الرجوع ـ فإنّه اعتمد على قاعدة الإقدام، ـ إقدام المشتري على الضمان ـ دون أن يلاحظ أنّ إغرار البائع مانع عن تأثير الإقدام في العشرة الزائدة.
كما أنّ القول الثاني ـ أي الرجوع في الجميع على البائع ـ اعتمد على قاعدة الغرور، دون أن يلاحظ أنّه ليس لإغراره دور في العشرة الأُولى، إذ هي مفروضة عليه في كلتا الحالتين سواء أكان البائع صادقاً أم كاذباً، وأمّا الشيخ فقد جمع بين القاعدتين: الإقدام والغرر، فخصّ الإقدام بالعشرة الأُولى وجعل مصبَّ قاعدة الغرر فوق العشرة الأُولى.
هذا كلّه حكم ما يغرمه في مقابل العين ذات الأجزاء.
أمّا إذا اغترم في مقابل بعض الأجزاء التالفة فحكم الجزء، حكم المجموع

1. المتاجر:147.

صفحه 93
في أنّه يرجع في الزائد على الثمن المقابل لهذا الجزء لا الثمن المقابل لنفس الجزء. وبعبارة أُخرى: لا يرجع على البائع في قيمة الجزء الّذي اتّفق عليها مع البائع، لأنّ حكمه حكم نفس العين، نعم يرجع إليه فيما يخص الجزء من زيادة القيمة.
وأمّا الأوصاف فهي على قسمين:
أ. وصف الصحة ، ككون المبيع سالماً سويّاً إذا صار معيباً عند المشتري.
ب. وصف الكمال، ككون العبد كاتباً إذا نسي الكتابة عند المشتري.
فالظاهر من الشيخ أنّ الثمن يقسط على وصف الصحّة دون وصف الكمال، والظاهر من السيد الطباطبائي في تعليقته على أنّه لا يقسط الثمن على الوصف سواء أكان وصف الصحة أم وصف الكمال، فقال: إنّ الوصف منشأ لزيادة قيمة العين الموجبة لزيادة جعل الثمن لكن في مقابل العين، ولهذا اشتهر «إنّ الأوصاف لا تقابل بالأعواض»، بل ذهب أيضاً إلى أنّ الشروط أيضاً لا يُقسّط عليها الثمن وإنّما هي منشأ لزيادة الثمن، واستدلّ على ذلك بأنّه لو كان الثمن مقسطاً على وصف الصحة يجب عند التخلّف رد ما يقابله من الثمن إلى البائع مع أنّ المشهور ذهب إلى أنّه مخيّر بين الرد والأرش، فثبوت الأرش دليل على عدم المقابلة، وإلاّ لوجب رد ما يقابل وصف الصحة من الثمن.1
وتظهر الثمرة بين القولين (قول الشيخ وقول السيد) أنّه لو قلنا بتقسيط الثمن على الأوصاف يكون حكمها حكم الاجزاء، فلا يرجع عليه فيما يخص الأوصاف من القيمة لقاعدة الإقدام، ويرجع إليه فيما يخصه من القيمة الزائدة لقاعدة الغرور.
وبما أنّ الشيخ اختار التفصيل بتقسيط الثمن على وصف الصحّة دون وصف الكمال فقال بالرجوع إلى البائع ـ بما يغرمه للمالك في أوصاف الكمال

1. تعليقة السيد الطباطبائي:183.

صفحه 94
مطلقاً، فذلك لأنّه لم يُقدم بشيء من الثمن في مورده فيكون المورد ممحضاً في قاعدة «المغرور يرجع إلى من غره» فهي على ذمّة البائع بقيت أم تلفت، بخلاف أوصاف الصحة فحكمها، حكم الأجزاء.
والظاهر أنّ قولهم:«إنّ الأوصاف لا تقابل بالأعواض» لا يوافق قضاء العرف، إذ ربما يكون أكثر الثمن في مقابل وصف الكمال كشراء الأمة المغنيّة أو الحسناء، ومعه كيف يمكن أن يقال: إنّ الثمن لا يقسط على الأوصاف الكمالية كما عليه الشيخ، أو مطلقاً كما عليه السيد الطباطبائي(قدس سره)؟!
وأمّا ما استدلّ به السيد على عدم التقسيط من أنّ المشتري عند التخلّف مخيّر بين الردّ والأرض، لا بين رد العين، أو مطالبة ما يقابل الوصف، منظور فيه; إذ لقائل أن يقول: إنّه مخير بين الأخيرين وليس هنا إجماع كاشف عن الحكم الشرعي حتى لا تجوز مخالفته.
إلى هنا تمّ الكلام في القسم الأوّل بقي الكلام في القسمين الآخرين:
***
القسم الثاني: أعني ما يغترمه في مقابل ما استوفاه من المنافع الواصلة إليه، كالسكنى والنماء، فهل يرجع على البائع أو لا؟ وجهان.
قال الشيخ: أقواهما الرجوع وفاقاً للمحكي عن المبسوط والمحقّق والعلاّمة والشهيدين والمحقّق الثاني وغيرهم.
قاعدة الغرور، قاعدة لا ضرر   
وهناك قول آخر هو عدم الرجوع; وهو المحكي عن الخلاف وموضع من المبسوط والسرائر وكشف الرموز، وهو الظاهر من الرياض، ومال إليه في الجواهر في باب الغصب.1
استدلّ الشيخ على الضمان بوجوه خمسة نذكرها تباعاً:

1. تعليقة السيد الطباطبائي:180.

صفحه 95

الأوّل: قاعدة الغرور

اتّفق العلماء على أنّ قاعدة الغرور ظاهرة فيمن قدّم مال الغير إلى غيره الجاهل فأكله فالضمان على الغارّ. 1
أقول: إنّ قاعدة الغرور من القواعد المسلّمة بينهم التي يمكن دعوى الإجماع عليها، وفي النبوي: «المغرور يرجع إلى من غرّه»، وضعف السند يجبر بالشهرة والقاعدة متداولة في ألسنة الفقهاء مضافاً إلى أنّها قاعدة عقلائية اتّفقوا عليها. والتشكيك في القاعدة، ليس بشيء.

الثاني: قاعدة لا ضرر

إنّ المشتري يتضرر بدفع قيمة المنافع المستوفاة إلى المالك، وربّما يقال: إنّ القاعدة قاعدة نفي، لا قاعدة إثبات فلا يثبت بها ضمان البائع للمنافع المستوفاة. ولكن الإشكال غير تام، فإنّ القاعدة قاعدة نفي كما هي قاعدة إثبات أيضاً بشهادة أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) خاطب سمرة بقوله:«استأذن يا سمرة»، وكأنّ أمره بالاستئذان كان نابعاً من قوله(صلى الله عليه وآله): لا ضرر.
نعم يرد على الاستدلال بأنّ المشتري لا يتضرر بدفع قيمة المنافع المستوفاة بشهادة أنّه استوفى منافع العين فيكون ما يدفعه إلى المالك في مقابل ما انتفع، ولا يُعدّ مثل هذا ضرراً. أضف إلى ذلك: أنّ ضرر المشتري معارض بضرر البائع ولا وجه لتقديم جبر ضرر المشتري على ضرر البائع مع قطع النظر عن أنّ البائع غارّ والآخر مغرور. وأمّا معه فينحصر سبب الرجوع به لا إلى قاعدة «لا ضرر».

1. المتاجر:147.

صفحه 96

الثالث: قوة السبب على المباشر

إذا شارك السبب والمباشر في فعل فيلاحظ أقواهما تأثيراً، فلو كانت القوة للسبب فيكون هو الضامن دون المباشر كما إذا أُكره الرجل على حدّ الإلجاء بإتلاف مال، فيكون السبب هو الضامن، وأمّا لو كانت القوة للمباشر كما لو أمر الرجل شخصاً بالإتلاف فقام ذلك الشخص بهذا العمل فالضمان على المباشر.
إنّما الكلام في المقام في تطبيق الضابطة ـ أعني: قوة السبب على المباشر ـ فهل البائع أقوى تأثيراً في المقام أو المباشر الّذي انتفع بالثمار وفُرِض عليه بدلها؟ والظاهر أنّ المباشر هو الأقوى. وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ ويقول: وأمّا قوة السبب على المباشر فليست بنفسها دليلاً على رجوع المغرور إلاّ إذا كان السبب بحيث يُستند عرفاً إليه، كما في المكره وكما في الريح العاصف الموجبة للإحراق، والشمس الموجبة لإذابة الدهن وإراقته، والمتجه في مثل ذلك عـدم الـرجـوع إلى المباشر (أي المكرَه لكونه بمنزلة الآلة، بل يرجع إلى السبب كالمكرِه الذي الجأ الطرف إلى الفعل، أو إلى مـن جعل المادة المحترقة في مهب الريح العاصف والدهن مقابل الشمس) أصلاً، كما نُسب إلى ظاهر الأصحاب لكون المباشر بمنزلة الآلة.1
وأمّا فـي غيـر ذلك (إذا لم يكن المباشر بمنزلة الآلة ـ كما في المقام ـ حيث استوفى المنافع بإرادة واختيار) فالضمان أو قرار الضمان في السبب يحتاج إلى دليل مفقود في المقام.
   

الرابع: الإجماع على الضمان

حكى الشيخ الإجماع عن الإيضاح2 على تقديم السبب إذا كان أقوى.

1. المتاجر:146، بتصرف في العبارة.
2. إيضاح الفوائد:2/191.

صفحه 97
يلاحظ عليه: أنّه ليس إجماعاً على الحكم الشرعي في المقام، بل ادّعاء إجماع على الضمان مستنبطاً من القاعدة وهي تقديم السبب إذا كان أقوى، ثم تطبيق القاعدة على المورد.

الخامس: الأخبار

ربّما يستدلّ بالأخبار الواردة في الموارد المتفرقة، أو في كون الغار سبباً في تغريم المغرور.
أمّا الأُولى فهو ما رواه جميل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولّدها ثم يجيء مستحق الجارية، قال: «يأخذ الجارية المستحقُ ويدفع إليه المبتاعُ قيمةَ الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الّتي أُخذت منه».1
وجه الاستدلال: أنّ حرية الولد يُعد نفعاً عائداً إلى المشتري فيكون دليلاً على ضمان المنفعة المستوفاة على البائع.
نعم لو قلنا بعدم كونه منفعة للمشتري، يكون دليلاً على الضمان في القسم الثالث الّذي سيوافيك.
وأمّا الثانية فالمقصود ما ورد في شهادة الزور، فقد روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الّذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف والثلث.2
وسيوافيك في القسم الثالث بعض ما له صلة بالمقام كرواية زرارة وزريق، فانتظر.

1. الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث5.
2. الوسائل: 18، الباب11 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث1. ولاحظ بقية الروايات في هذا الباب والباب14. ولا يخفى أنّ شاهد الزور لا صلة له بقاعدة الغرور. نعم له مدخلية في تضرر المشهود عليه، ولعلّ الشيخ احتج به لأجل وجود القدر المشترك بينهما.

صفحه 98
إلى هنا تمّ توضيح ما ذكره الشيخ.
أقول: إنّ ما ذكره الشيخ من قاعدة الغرور وصدقها على المورد فهو، وإلاّ فتضمين البائع بالنسبة إلى المنافع الّتي لم تدخل تحت يده أمر منظور فيه فإنّ منافع العين على قسمين:
تارة تقع تحت يد البائع والمشتري فيكون كلاهما ضامنين ويستقر الضمان على البائع، وهذا كسكنى الدار وركوب الدابة فإنّ العين رمز لهذه المنافع فالاستيلاء عليها استيلاء على تلك المنافع القائمه بالعين.
وأمّا المنافع المستجدة الّتي لم تدخل تحت يد البائع كالثمار والأشجار واللبن ونحوها ممّا تجدد تحت يد المشتري، فتضمين البائع بقاعدة اليد أمر مشكل.
نعم لو قلنا بقاعدة الغرور وانّ التمسّك به غير مشروط بدخول المنافع تحت يد البائع فالقول بالضمان يكون صحيحاً.
إلى هنا تمّ حكم القسم الثاني.

القسم الثالث:الاغترام فيما إذا لم يحصل له نفع

إذا بذل المشتري مالاً في تهيئة العين للانتفاع بها ولكنّه لم ينتفع بعد فهل يرجع إلى البائع أو لا ؟
حكى الشيخ أنّ المعروف من مذهب الأصحاب ـ كما في الرياض، و عن الكفاية ـ رجوع المشتري الجاهل بها على البائع.1
قال المحقّق في (الشرائع): ما يغرمه المشتري ممّا لم يحصل له في مقابلته نفع كالنفقة والعمارة فله الرجوع به على البائع، ولو أولدها المشتري كان حرّاً فيلزم قيمة الولد ويرجع بها على البائع، وقيل في هذه: له مطالبته أيّهما شاء لكن

1. المتاجر:146.

صفحه 99
لو طالب المشتري رجع على البائع، ولو طالب البائع لم يرجع على المشتري وفيه احتمال آخر.1
وقد استدلّ على الضمان بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الغرور

إنّ البائع خدع المشتري بتمليك العين له وأنّه سينتفع بما يُجري في الملك من عمارة وغرس شجر ودفع النوائب، فلمّا تبيّن الخلاف، ذهبت هذه الأعمال سدى، أدراج الرياح، إذ لم ينتفع المشتري مثلاً بتنقية سواقي الماء ولا بتهيئة الأرض إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا ينتفع بها إلاّ المالك.

الثاني: قاعدة نفي الضرر

لا شك أنّ المشتري يتضرر بهذه الأعمال ضرراً هائلاً.

الثالث: رواية جميل المذكورة في القسم الثاني

فإنّ أمر الولد يدور بين كونه منفعة مستوفاة فيدلّ بالفحوى على الضمان في غير المستوفاة، وكونه منفعة غير مستوفاة فيدلّ بالمنطوق على الضمان في المورد، وإلى ذلك يشير الشيخ بقوله وعلى التقديرين يثبت المطلوب.2
فإن قلت: إنّ الرواية وردت في باب النكاح، في مورد الولد فكيف يستدل بها على سائر الموارد؟
قلت: وجه الاستدلال وجود ما يُشعر بالعلّة حيث ورد فيه: قيمة الولد«الّتي أخذت منه» فيه إشعار بعلّية الحكم فيطرد في سائر ما أُخذت منه.
فإن قلت: إنّ رواية جميل وإن دلّت على رجوع المشتري إلى البائع في قيمة

1. شرائع الإسلام:4/246، كتاب الغصب.
2. المتاجر:146.

صفحه 100
الولد غير أنّ بعض الروايات ساكتة عن رجوع المشتري إلى البائع، كما في روايتين أحدهما لزرارة بن أعين والأُخرى لزريق بن الزبير الّذي روى عنه جعفر بن بشير وهو لا يروي إلاّ عن ثقة. وإليك ما رواه زرارة:
في رجل اشترى من سوق المسلمين جارية فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً، ثمّ أتاها من يزعم أنّها له وأقام على ذلك بينة، قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية، ويعوّضه من قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها. 1
وقد اعتذر عنه الشيخ بأنّ الرواية في مقام رجوع البائع إلى المشتري، وأمّا رجوعه إلى البائع فليس في مقام بيانه.
واعتذر أيضاً بهذا الجواب عن رواية زريق الّتي هي رواية مفصلة فقد صرح الإمام (عليه السلام)فيها بوجوب ردّ المشتري إلى المالك قيمة ما كان فيها غرس أو بناء فقلع ـ المشتري ـ الغرسَ وهدم البناء. ولم يذكر فيه شيئاً من رجوع المشتري إلى البائع في هذه الموارد حيث قال:«أرأيت إن كان فيها غرس أو بناء ـ قبل الاشتراء ـ فقُلع الغرس وهدم البناء فقال: يردّ ذلك إلى ما كان أو يغرم (المشتري) القيمة لصاحب الأرض». فقد أجاب عنه بوجوه:
1. أنّ الرواية بصدد بيان حكم المشتري مع المالك لا حكمه مع المانع.
2. أنّ السكوت في مقام البيان لا يعارض الدليل.
3. أنّ البائع في الرواية هو القاضي، فإن كان قضاؤه صحيحاً لم يتوجه إليه غرم، لأنّ الحاكم من قبل الشارع ليس غارّاً من جهة حكمه على طبق البينة المأمور بالعمل بها، وإن كان قضاؤه باطلاً كما هو الظاهر، فالظاهر علم المشتري ببطلان قضائه، فهو عالم بفساد البيع فلا رجوع له.2 والرواية مفصّلة،

1. الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث4.
2. المتاجر:147.

صفحه 101
فلاحظ.1
فإن قلت: إنّ الرواية مشتملة على خلاف ما هو المشهور من رجوع المشتري على البائع فيما إذا لم ينتفع بما صرف فيه من المال. وجه المخالفة:أنّ الإمام(عليه السلام)أوجب في ذيل الرواية على المالك أن يرد على المشتري كلّ ما صرف فيه من مال في اصلاح المعيشة حيث قال:«كذلك يجب على صاحب الأرض أن يردّ عليه كل ما خرج عنه في إصلاح المعيشة من قيمة غرس أو بناء أو نفقة في مصلحة المعيشة ودفع النوائب عنها، كلّ ذلك فهو مردود إليه».
قلت: لو كان المشتري عالماً بالغصب لم يكن لعمله وماله قيمة لقوله(صلى الله عليه وآله):«وليس لعرق ظالم حق» ولكنّه بحكم صدر الرواية كان جاهلاً ثم اطّلع على كونه مال الغير بعد ما بنى في الأرض ما بنى وصرف مالاً في دفع النوائب عنها. فالرجوع إلى المالك لا يكون مخالفاً للقاعدة. وحاصل الرواية: أنّ التصرفات التي تضرر بها المالك، فيرجع هو إلى المشتري، وقد سكت الإمام عن رجوعه إلى البائع، وأمّا التصرفات التي انتفع بها المالك، فيرجع المشتري فيها إلى المالك.
***

لو كان البيع فاسداً من جهة أُخرى أيضاً

رجوع المشتري إلى البائع فيما يغرم ـ عند تلف العين بأقسامه الأربعة أو عند المنافع المستوفاة وعدمها ـ ، إنّما هو في مورد يكون فساد البيع مستنداً إلى خصوص التغرير، وأمّا إذا كان في المورد سبب آخر ـ أيضاً ـ للفساد كما لو كان ربوياً، فحكم هذا البيع كسائر البيوع فالضمان على المشتري فقط ولا يرجع في كلّ ما يغرم للمالك على البائع، إذ لو فرضنا أنّ البائع كان صادقاً في دعواه لم تزل

1. الوسائل:12، الباب3 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 102
الغرامة على المشتري، فحكم ما يغرمه للمالك حكم الثمن في التزام المشتري به على تقدير صدق البائع وكذبه. وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله:«لأنّ الغرامة لم تجئ من تغرير البائع في دعوى الملكية وإنّما جاءت من جهة فساد البيع، فلو فرضنا البائع صادقاً في دعواه لم تزل الغرامة، غاية الأمر يكون المغروم له هو البائع على تقدير الصدق، والمالك على تقدير كذبه فحكمه حكم نفس الثمن في التزام المشتري، على تقدير صدق البائع وكذبه.1

رجوع السابق على اللاحق إذا تلف عند اللاحق

قال الشيخ: إنّ كلّ ما يرجع المشتري به على البائع، ـ لو فرض ـ أنّ المالك رجع مباشرة على البائع فلا يرجع هو إلى المشتري، وأمّا ما لا يرجع المشتري به على البائع ـ كمساوي الثمن من القيمة، أو إذا لم يكن البائع غارّاً كما فرضه الشيخ في أثناء كلامه، فلو رجع إلى البائع، يرجع هو إلى المشتري، والوجه في ذلك حصول التلف عنده وقد أوجد الحكم الأخير إشكالاً وهو: إنّ كلاً من البائع والمشتري يتساويان فـي حصـول العين فـي يدهم العادية الّتي هي سبب للضمان، وحصول التلف في يد المشتري فلا دليل على كونه سبباً لرجوع البائع عليه، نعم لو تلفت بفعله رجـع لكـونه سبباً لتنجـز الضمان على السـابق فيرجع إلى المشتري لأجل عمله هذا.2
ثمّ إنّ القوم أجابوا عن الإشكال بوجوه:

1. إجابة صاحب الجواهر عن الإشكال

ذكر صاحب الجواهر جواباً عن الإشكال فقال: إنّ ذمة من تلف بيده

1. المتاجر: 148.
2. المتاجر:147.

صفحه 103
مشغولة للمالك بالبدل وإن جاز للمالك إلزام غيره(السابق) باعتباره الغصب بأداء ما اشتغلت ذمته به فيملك حينئذ من أدّى (السابق) بأدائه، ما للمالك في ذمة من تلفت العين بيده، بالمعاوضة الشرعية القهرية. وقال: وبذلك اتّضح الفرق بين من تلف المال في يده وبين غيره(السابق) الّذي خطابه بالأداء شرعي لا ذمّي، إذ لا دليل على شغل ذمم متعددة بمال واحد، فحينئذ يُرجع عليه ولا يرجع هو.1
وحاصل جوابه يتلخّص في كلمتين:
1. أنّ الخطاب المتوجه إلى السابق حكم تكليفي لا يورث ضماناً وإن جاز الرجوع عليه، وهذا كإيجاب النفقة على غير الزوجة فلو خالف لم يكن مديوناً، وأمّا خطاب من تلفت العين تحت يده فهو خطاب ذمّي بمعنى أنّه وضعي يورث الضمان. كإيجاب النفقة على الزوجة فلو تخلّف تبقى في ذمة الزوج.
2. أنّ السابق بالخروج عن عهدة التكليف يملك ما في ذمة اللاحق معاوضة قهرية فلذلك يرجع إلى اللاحق.
وأورد عليه الشيخ بوجوه أربعة:
1. لا وجه للفرق بين خطاب من تلف بيده وخطاب غيره بأنّ خطابه ذمي وخطاب غيره شرعي، وذلك لأنّ دلالة «على اليد ما أخذت» بالنسبة إليهما على السواء، والمفروض أنّه لا خطاب بالنسبة إليهما غيره.
2. لا يكاد يفهـم الفـرق بين ما ذكره من الخطاب بالأداء والخطاب الذمي:
يلاحظ عليه: بأنّ الفرق واضح ـ على فرض القبول ـ فالأوّل تكليفي والآخر وضعي كالفرق بين إيجاب النفقة على الزوجة وإيجابها على الآخرين كالأبوين.
3. لا يعرف خلاف من أحد في كون كلّ من ذوي الأيدي مشغول الذمة بالمال فعلاً ما لم يسقط بأداء أحدهم أو إبراء المالك، نظير الاشتغال بغيره من

1. الجواهر:37/34 بتصرف في أوّل العبارة.

صفحه 104
الديون.
4. أنّ تملك غير من تلف المال بيده، لما في ذمة من تلف المال بيده بمجرد دفع البدل، لا يعلم له سبب اختياري ولا قهري.1
والعمدة في نقد كلام صاحب الجواهر هو ما ذكره الشيخ في الوجه الأوّل من أنّ خطاب كلّ وضعي، لا أنّ أحدهما تكليفي والآخر وضعي، وعلى فرض القبول لا دليل على المعاوضة الشرعية القهرية.

2. جواب السيد الطباطبائي

ذكر السيد الطباطبائي جواباً عن الإشكال فقال: يمكن الجواب بعدم الفرق بين التلف والإتلاف في صدق السببية، فاللاحق صار بإثبات يده على العين وعدم دفعها إلى المالك أو إلى من أخذ منه سبباً لضمان السابق، لأنّه لو دفعها إليه أو إلى المالك كان السابق فارغاً من الضمان، فضمانه بمعنى استقرار العوض في ذمته مستند إلى اللاحق من جهة حيلولته بينه و بين العين.2
يلاحظ عليه: بأنّ اللاحق لو دفعها إلى السابق ربّما يحتفظ هو بالعين ولا يردها إلى صاحبها فليس الدفع إلى السابق ملازماً لخلو ذمّته عن العوض فلا يكون عدم الدفع ملازماً لاشتغال ذمة السابق بالعين.
فظهر أنّ الجوابين غير ناجعين في دفع الإشكال.

3. جواب الشيخ الأنصاري عن الإشكال3

وحاصله:أنّ في المقام إشكالين:
1. ضمان شخص واحد(المشتري) لشخصين المالك والبائع.

1. المتاجر:149.
2. تعليقة السيد الطباطبائي:183.
3. أخرنا جواب الشيخ، لأنّ في جوابه إسهاباً.

صفحه 105
2. ضمان شخصين: البائع والمشتري، لشخص واحد، أعني: المالك.
وقد حاول الشيخ حلّ الإشكال الأوّل بطرح الإشكال الثاني وحلّه.
توضيحه: أنّه لما كان القول بجواز رجوع السابق على اللاحق ـ إذا أدّى الغرامة للمالك ملازماً لاشتغال ذمة شخص واحد لشخصين: المالك والسابق معاً في شيء واحد(الإشكال الأوّل)،وهذا أمر غريب، حاول الشيخ حل تلك العقدة ببيان كيفية اشتغال ذمة كلّ من الشخصين اللّذين جرت يدهما على العين للمالك بدل التالف وصيرورته في عهدة كلّ منهما(الإشكال الثاني)، مع أنّ الشيء الواحد لا يقبل الاستقرار إلاّ في ذمة واحدة، حتّى يستعين بذلك على حل الإشكال السابق.
والفرق بين الإشكالين واضح، فالمشكلة في الأوّل هي اشتغال ذمة شخص واحد، أعني: اللاحق لشخصين (المالك والسابق)، ولكن المشكلة في الثاني اشتغال ذمة شخصين (السابق واللاحق) لشخص واحد(المالك). فلو كان هناك تصور صحيح عن الثاني ينحل به الإشكال في الأوّل.
وإليك ما ذكره في بيان كيفية اشتغال ذمة شخصين لشخص واحد في شيء واحد(الإشكال الثاني). حتّى ينتقل إلى حل الإشكال الأوّل.
وحاصله: هو أنّ العين السابقة في ذمة كلّ منهما على وجه البدل، فكلّ منهما مسؤول أمام المالك عن العين التالفة وأنّ للمالك مطالبة كليهما بالخروج عن العهدة عند تلف العين فيملك ما في ذمة كلّ على البدل، بمعنى أنّه لو استوفى حقه من أحدهما سقط الآخر، لأنّ «المتدارك لا يتدارك»، و يمكن تقريب هذا النوع من الضمان غير المعهود في فقه الإمامية1بالبيان التالي:
1. أنّ الضمان عند أهل السنة هو من قبيل ضم ذمّة إلى ذمّة أُخرى، بمعنى أنّ للمضمون له أن يرجع إلى كلّ واحد منهما، فإذا رجع إلى أحدهما لا يرجع إلى

1. لأنّ الضمان في فقه الإمامية هو نقل ذمة إلى ذمة، لا ضم ذمة إلى أُخرى كما في المقام.

صفحه 106
الآخر، بخلاف الضمان عند الإمامية فهو نقل ذمة إلى ذمة، فالمقام أشبه بالضمان عند أهل السنّة.
2. أنّ كلاًّ من البائع والمشتري ربما يخاف من أن يكون مال كلّ منهما مستحقاً للغير فيطلب كلّ ضامناً آخر فيكون لكلّ منهما ضامنان: الأوّل البائع بالنسبة للمشتري، والثاني الشخص الثالث ومثله في جانب البائع، وهذا ما يسمّى بضمان الدرَك ، وإلى هذا يشير الشيخ بقوله:وضمان عهدة العوضين لكلّ من البائع والمشتري.
3. ضمان الأعيان المضمونة ويراد به ضمان شخص عهدة الأعيان التي ضمنها شخص آخر قبله كما في ضمان شخص في العارية المضمونة . فإنّ صاحب العارية له الرجوع إلى كلّ من الضامنين على وجه البدل.
4. ضمان الاثنين لواحد وقد صوّبه ابن حمزة وحكي في الدروس عن العلاّمة أنّه نفى المنع من ضمان الاثنين على وجه الاستقلال.
5. أنّ المقام أشبه بالواجب الكفائي في العبادات، والغاصب من الغاصب في المعاملات، فالواجب أحد الخصال على البدل، كما أنّ للمالك أن يرجع إلى كلّ منهما كذلك.
إلى هنا تبيّنت كيفية اشتغال ذمة كلّ من اليدين ببدل التالف وصيرورته في عهدة كلّ منهما ومسؤولاً أمام المالك.
إذا عرفت ذلك وبالتأمل فيما ذكرنا حول الإشكال الأوّل يرتفع الإشكال في رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس وكون اللاحق ضامناً لشخصين: المالك إذا أدّاه إليه، والسابق إذا أدّاه إليه، وإليك البيان:
فإنّ السابق لمّا استولى على العين قبل وقوعه تحت يد اللاحق فقد اشتغلت ذمّته ـ عند التلف ـ بدفع البدل، فإذا وقعت العين تحت يد اللاحق فقد ضمن عيناً له بدل فصار مأموراً أمّا بدفع العين أو البدل على وجه التخيير ، فما يدفعه

صفحه 107
من البدل فإنّما هو تدارك لما استقرّ تداركه في ذمة السابق.
وبعبارة أُخرى: اشتغلت ذمة السابق بأمر واحد وهو ضمان العين وتداركه إمّا بردها أو بردّ بدلها من المثل أو القيمة، وامّا اللاحق فقد اشتغلت ذمته بالعين التي لها بدل فكأنّه ضمن شيئين: العين وبدلها التي في ذمة السابق، فلو ردّ البدل لم يكن له الرجوع لما قلنا من اشتغال ذمته بها على وجه البدل.
وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: إنّ السابق اشتغلت ذمته بالبدل قبل اللاحق فإذا حصل المال في يد اللاحق فقد ضمن شيئاً له بدل فهذا الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل، إذ لا يعقل ضمان المبدل معيناً من دون البدل، وإلاّ خرج بدله عن كونه بدلاً، فما يدفعه الثاني فإنّما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الأوّل بخلاف ما يدفعه الأوّل فإنّه تدارك نفس العين معيناً، إذ لم يحدث له تدارك آخر بعد.
وعلى ضوء ما ذكره فإنّ من تلف المال بيده ضامن لأحد الشخصين على البدل: المالك، والسابق، إمّا بتدارك العين أو بتدارك ما تداركها، بخلاف السابق فهو ضامن للمالك بدفع البدل فقط، وبالتالي يكون حال اللاحق حال اشتغال شخص واحد بشيئين (العين إن كانت موجودة والبدل إن كانت تالفة) لشخصين على البدل.

نقد السيد لإجابة الشيخ

لا يخفى ما في إجابة الشيخ من التكلّف حيث جعل السابق مسؤولاً عن العين أمام المالك فقط وجعل اللاحق مسؤولاً أمام شخصين (المالك والسابق) ومشغولة ذمته بأحد شيئين(العين والبدل)، وهذا النوع من التصور دقة فلسفية لا تتحملها حتى العقول الدقيقة من العرف، ولذلك أورد عليه السيد بوجوه سبعة نختار منها وجهين:

صفحه 108
1. أنّ السابق أيضاً يصدق عليه أنّه ضامن شيئاً له بدل، لأنّه وإن كان حين الحصول في يده لم يكن له بدل، لأنّ ضمان اللاحق لم يتحقق في ذلك الحين، إلاّ أنّ استقرار الضمان بالنسبة إلى الكلّ إنّما هو بعد التلف، فحينئذ يصدق أنّ كلاً منهما ضامن لما له بدلٌ، لأنّ المناط ليس حدوث سبب الضمان بل حال فعليته، بمعنى اشتغال الذمة فعلاً بالعوض وهو إنّما يكون بعد التلف.
2. لو سلمنا ذلك كان مقتضاه ضمانه للمالك وهو مالك العين لا لمن عليه البدل، فإنّ البدل الّذي في ذمة السابق إنّما هو لمالك العين، فبدله(بدل البدل) وهو ما في ذمة اللاحق أيضاً يكون للمالك وهو من له البدل، ولا وجه لكونه لمن عليه البدل وهو الضامن السابق.

مختارنا في المسألة

والذي يمكن أن يقال في تصحيح فتوى المشهور من ضمانه للمالك والبائع هو أنّ ضمانه للمالك لأجل استيلائه على ماله أي العين التي وقعت تحت يده، وأمّا ضمانه للبائع، فلأجل الاتفاقية التي تمّت بينهما، بالتزامه دفع عشرة دراهم في مقابل العين التي لا يؤثر صدق البائع وكذبه فيه، ومع ذلك كلّه لو تم ما نقل عن المشهور من رجوع السابق إلى اللاحق على نحو كادت المسألة أن تكون إجماعية فهو، وإلاّ فالحق أن يقال:إنّ للمالك أن يرجع إلى كلّ من المتبايعين مستقلاً، ولكن الخسارة توزع عليهم لاشتراكهما في الضمان.
وبعبارة أُخرى: فرق بين الإتلاف والتلف، فمن أتلف من أصحاب الأيدي فالضمان يستقر عليه، وأمّا التلف فلو كان اللاحق مقصراً أو مفرطاً في حفظه فهو، وأمّا إذا لم يكن له أي دور في التلف كما إذا كان الحيوان مريضاً يموت أينما كان، أو حصل التلف بسبب انهدام الحائط ـ بسبب الزلزال مثلاً ـ على نحو لو كان أيضاً في يد السابق لتلف، ففي هذه الموارد يكون استقرار الضمان على

صفحه 109
اللاحق تماماً أمراً مخالفاً للعدل والإنصاف، ومقتضى تلك القاعدة توزيع الخسارة عليهما. نعم يجوز للمالك مطالبة كلّ منهما لاستقلالهما في الغصب.

لو كان المبيع باقياً مع تعاقب الأيدي

إذا تعاقبت الأيدي على عين مغصوبة يجوز للمالك الرجوع على من في يده أو على من جرت يده عليها. فلو رجع إلى من جرت يده عليها ولم يتمكن من انتزاع العين ممن العين تحت يده، غرم هو للمالك بدل الحيلولة.
ولو تمكّن من جرت يده عليها من استردادها فيجب عليه تحصيل العين وإن توقّف ذلك على المؤونة.
وهل للمالك أخذ مؤونة الاسترداد ليباشر بنفسه؟ مع تمكّن الغاصب أيضاً من استردادها؟ وجهان.
ولو لم يقدر على استردادها إلاّ المالك وطلب من الأوّل عوضاً عن الاسترداد فهنا احتمالات:
1. بذل العوض.
2. تنزيله منزلة التعذر فيغرم بدل الحيلولة.
3. يفرق بين الأُجرة المتعارفة والأُجرة المجحفة.
إلى غير ذلك من المسائل الّتي محلها كتاب الغصب، وقد أشار إليها الشيخ في هذا المقام اغتناماً للفرصة.
***

المسألة الرابعة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه

لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم البيع بالنسبة إلى ماله من حيث الصحة والفساد.
الثاني: معرفة حصة ما يملك من الثمن في القيمي.

صفحه 110
وإليك الكلام في الموضعين:
الموضع الأوّل: إذا باع مال غيره مع مال نفسه فالكلام مركّز في صحة بيع مال نفسه وعدمها، وأمّا بيع مال غيره فهو فضولي قد فرغنا عن حكمه. نعم لو قلنا بصحّة الفضولي وأجاز المالك فهو، وإن ردّ أو قلنا ببطلانه يتوجه إليه إشكالان: 1. مجهولية القيمة بالنسبة إلى ما يملك، 2. عدم تبعّض العقد بالنسبة إليه، كما سيوافيك. وبذلك أنّ البحث مركّز على صورة الردّ أو ما إذا قلنا ببطلان الفضولي وإن لم يرد المالك.
أمّا موقف المشهور من المسألة فالظاهر اتفاقهم على الصحة، ولم يخالف إلاّ المحقق الأردبيلي، قال في الجواهر: لم نعرفه (البطلان) لأحد من أصحابنا سواه، نعم هو للشافعي.1
وقال العلاّمة في التذكرة، قال: إذا باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة، صحّ البيع في عبده ولا يقع البيع باطلاً فيه، ويقف العقد في عقد الغير، فإن أجاز البيع فيه لزم وإن ردّ بطل، ويتخيّر المشتري حينئذ بين فسخ البيع في الجميع وبين أخذ عبده بقسطه من الثمن، ذهب إليه علماؤنا وهو أحد قولي الشافعي وبه قال مالك وأبو حنيفة.2
واستدل العلاّمة بالأمرين التاليين وراء الصحيحة الّتي ستوافيك:
1. أنّ هذا حكم كلّ واحد بانفراده، فإذا جمع بينهما كان لكلّ حكمه لوجود علة الحكم بعينها.
2. أنّ المعاملة اشتملت على صحيح وفاسد، فانعقد صحيحاً في الصحيح وباطلاً في الفاسد، نظير ما إذا شهد عادل وفاسق على شيء واحد، لا يقضي برد الشهادتين ولا بقبولهما، بل تلك مقبولة وهذه مردودة، ولو أخبر بصدق وكذب

1. الجواهر:22/309.
2. تذكرة الفقهاء:12/6.

صفحه 111
في خبر واحد، لا يقضي بصدقهما ولا بكذبهما.1
ولا يخفى أنّ مرجع الوجهين إلى شيء واحد وهو ادّعاء الانحلال في العقد لكن ببيانين ولعله(قدس سره) أجاب بهذا عن استدلال الشافعي واتباعه على البطلان حيث استدلوا بقولهم: لأنّ اللفظة واحدة لا يتأتى تبعضها فإمّا أن يغلب حكم الحرام على الحلال أو بالعكس. والأوّل أولى، لأنّ تصحيح العقد في الحرام ممتنع وإبطاله في الحلال غير ممتنع، ولو باع درهماً بدرهمين أو تزوج بأُختين حكم بالفساد تغليباً للحرمة على الحلّ.2
يلاحظ على استدلال الشافعي:
أوّلاً: بأنّ العقد وإن كان واحداً لكن متعلّقه مركب فهو باعتبار تعلقه لكلّ جزء جزء في قوة عقد مستقل فلا مانع من التبعيض من حيث المتعلق، نظير ذلك ما ذكره الأُصوليون من أنّ الأمر بالمركب ينحل إلى أوامر ضمنية بالنسبة إلى كلّ جزء فإذا قال: أدِّ دينك وكان دينه عشرة دراهم يكون كلّ درهم واجباً بالوجوب الضمني، له امتثال وعصيان فلو أدّى خمسة دراهم فقد أفرغ ذمته بخمسة وبقيت خمسة أُخرى.
وعلى ضوء ما ذكرنا فليس الأمر دائراً بين أمرين; تغليب الصحيح على الفاسد أو بالعكس بل هناك طريق ثالث وهو التبعيض باعتبار المتعلق وإعطاء كلّ ، حقه.
ثانياً: أنّ ما استدل به على البطلان، أعني: قياس المقام على ما إذا باع درهماً بدرهمين أو تزوج بأُختين حيث يحكم بالبطلان فيهما لاستلزام الأوّل الربا، والثاني الجمع بين الأُختين، فيلاحظ عليه أنّ عدم التبعيض في الأوّل لأجل عدم الترجيح لأحد الدرهمين أو لإحدى الأُختين، ولذا لو جمع بين الأُختين في عقد

1. تذكرة الفقهاء:12/6.
2. تذكرة الفقهاء:12/7.

صفحه 112
واحد وكان لإحداهما مرجّح كأن تكون الأُخرى بنت زوجته فالعقد يكون صحيحاً في غيرها.1
هذا كلّه حسب القواعد وأمّا من حيث الروايات فيدلّ عليه ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفار أنّه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة والقرية على مراحل من منزله ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، وعرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: إشهدوا أنّي قد بعت فلاناً ـ يعني: المشتري ـ جميع القرية الّتي حدّ منها كذا، والثاني والثالث والرابع وإنّما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك وإنّما له بعض هذه القرية وقد أقرّ له بكلّها؟ فوقع(عليه السلام): لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك.2
وظاهـر الحديث أنّه بـاع جميع القرية مـع أنّه لم يكـن لـه إلاّ قطاع، فكتب بعدم مضي بيع ما لا يملك ومضي ما يملك، فالفعلان في الحـديث بصيغة المعلوم على خلاف صيغة المجهول الّتي هي بمعنى ما لا يُملك شرعاً كالكلب والخنزير.
وبملاحظة شهرة الحكم وقلة المخالف والرواية الصحيحة فلا كلام في صحة بيع ما يملك وإن بطل فيما لا يملك إمّا لبطلان الفضولي أو لصحته ولكن لرد المالك البيع.

دليل القول بالبطلان

يمكن الاحتجاج للقول بالبطلان ـ مضافاً إلى ما ذكره الشافعي سابقاً ـ

1. لاحظ تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر:187.
2. الوسائل: الباب2 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 113
بوجهين:
1. جهالة الثمن قبل التقسيط.
2. أنّ التراضي وقع على المجموع فكيف يصحّ جزء المجموع؟
يلاحظ على الأوّل: بأنّ الدليل على مانعية الجهالة دليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن وهو ما إذا كان الثمن مجهولاً بتاتاً، وأمّا إذا كان بالنسبة إلى المجموع معلوماً وإن كان مقدار حصة كل من الأجزاء مجهولاً، فلا. وستبين حصة كلّ من القيمة بالتقسيط. نعم لو بقي على الجهالة كان لما ذكره وجه، ولذلك يصحّ على فرض الإجازة مع أنّ حصة كلّ من المالكين غير معلومة حين العقد.
وأمّا الثاني فإنّ الرضا بالمجموع حاصل بالنسبة إلى الجزء وليس الرضا بكلّ جزء مقيداً بوجود الرضا بالجزء الآخر، ولذلك لا يبطل البيع بتخلّف الشرط والوصف، غاية الأمر أنّ للمشتري خيار تبعّض الصفقة. وبعبارة: المقام من قبيل تعدد المطلوب لا وحدته.
نعم صحّة البيع فيما يملك وبطلانه في ما لا يملك إذا ردّ، إنّما يتم إذا لم يتولد من عدم الإجازة مانع شرعي، ومثل له الشيخ بمثالين:
1. لزوم الربا.
2. بيع عبد آبق من دون ضميمة.
أمّا الأوّل: كما إذا باع درهماً وديناراً، بثلاثة دنانير، وكان الدرهم لغيره فإنّه لو أجاز ذلك الغير يصحّ البيع، وأمّا لو لم يُجز فيكون البيع باطلاً إذ كأنّه وقع العقد من الأوّل على الدينار وفي مقابله ديناران بل أزيد فيكون من الربا.
وأمّا الثاني: فواضح كما إذا باع العبد الآبق بضميمة منديل بعشرة دنانير وكان المنديل لغيره فردّه، فلو قلنا بالصحة فيما يملك يكون الثمن في مقابل العبد الآبق بلا ضميمة.

صفحه 114

الموضع الثاني: معرفة حصة ما يملك من الثمن في القيمي

إذا باع مال نفسه مع مال غيره وردّ الغير يقع الكلام في معرفة حصة ما يملك من الثمن فللأصحاب هنا طرق ثلاثة نقتصر بذكر طريقين:
الطريق الأوّل: ما عليه المحقّق في الشرائع والشهيد في اللمعة وهو أنّه لو باع ما يملك وما لا يملك، قال: مضى بيعه في ما يملك، وكان في ما لا يملك موقوفاً على الإجازة، وأمّا كيفية التقسيط، فيقسّط الثمن بأن يقوّما جميعاً ثم يقوّم أحدهما ويرجع إلى البائع بحصة من الثمن.1
توضيحه: أنّ الطريق لمعرفة حصة ما يملك من الثمن أنّه لو باع ثوباً وسجادة معاً بألف(1000) ثمّ ظهر أنّ السجادة لغير البائع، فيجري العمليات التالية:
1. يقوّم الثوب والسجادة معاً جميعاً، ولنفرض أنّ قيمة المجموع صارت 800دينار.
2. يقوّم الثوب وحده وصارت قيمته 200دينار.
3. ثم تنسب قيمة الثوب وحده إلى قيمة المجموع معاً، ففي المثال المذكور تكون النسبة هي الربع.
4. فيعلم من ذلك أنّ سهم الثوب من الثمن هو الربع وسهم السجادة من الثمن ثلاثة أرباع، فلا يملك البائع إلاّ سهم الثوب أعني ربع الثمن (250) ديناراً فيسترجع المشتري من البائع ـ برد السجادة ـ ثلاثة أرباع (750) ديناراً.
أقول: الحاجة إلى هذه العملية إنّما هي فيما إذا لم تُعلم حصة الجزء من القيمة، وإلاّ فلو عينت قيمة كلّ جزء من البيع فلا حاجة إلى هذا التقسيط، كما إذا ساومه على أن يكون هذا العبد الّذي يملكه بخمسة وهذا الّذي لا يملكه بعشرة، فقال: بعتك العبدين بخمسة عشر، فإنّ في هذه الصورة لا حاجة إلى التقويم،

1. شرائع الإسلام:2/268.

صفحه 115
لأنّ حصة كلّ منهما معيّنة، إنّما الحاجة إليها فيما لو لم تُعلم حصة كلّ جزء بالنسبة إلى الكل.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ هذا الطريق الّذي عليه المحقّق والشهيد وغيرهما إنّما يتم إذا لم يكن للهيئة الاجتماعية تأثير في قيمة كلّ جزء، كمصراعي الباب فإنّ قيمة كلّ منهما منضماً إلى الآخر تختلف عن قيمة كلّ منهما بمفرده.
وبعبارة أُخرى: بين تقويم الكل معاً، وتقويم أحدهما وحده اختلاف واضح، فعلى الأوّل يقوم كلّ مصراع بهيئتهما الاجتماعية حيث يقوّم المجموع من حيث المجموع، وعلى الثاني يقوّم كل مصراع مجرداً عنها، والتجريد له دور في نزول القيمة فلا تكون القاعدة مطردة في عامة الموارد. نعم هي تامة في المورد الّتي ليس للهيئة الاجتماعية دور في تزايد القيمة.
يقول الشيخ: لا يستقيم ذلك فيما إذا كان لاجتماع الملكين دخل في زيادة القيمة، كما في مصراعي باب و زوج خفّ، إذا فرض تقويم المجموع بعشرة، وتقويم أحدهما بدرهمين، وكان الثمن خمسة (فعندئذ نسبة الدرهمين إلى العشرة هي «الخمس») فإنّه إذا رجع المشتري بجزء من الثمن نسبته إليه كنسبة الاثنين إلى العشرة، استحق من البائع واحداً من الخمسة، فيبقى للبائع أربعة في مقابل المصراع الواحد الّذي كان يملك مع أنّه لم يستحق من الثمن إلاّ مقداراً من الثمن مساوياً لما يقابل المصراع الآخر، أعني: درهمين ونصفاً.1
الطريق الثاني: لمّا كان الطريق الأوّل مختصّاً بما إذا لم يكن للهيئة الاجتماعية دور في زيادة القيمة وغير شامل لما كان لها دور، عدل جماعة عن الطريق المذكور إلى طريق آخر بإجراء العمليات التالية:
1. أن يقوّم كلّ منهما منفرداً.
2. ثم تجمع القيمتان.

1. المتاجر:3/516، نشر المؤتمر العالمي للشيخ الأنصاري، قم ـ 1420هـ. .

صفحه 116
3. فتنسب قيمة الجزء إلى قيمة الكلّ.
4. يؤخذ لكل واحد جزءاً من الثمن، نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين.
وهذه الطريقة هي طريقة ابن إدريس في السرائر قال: مثاله لو باع شاة وخنزيراً بثلاثة دنانير، فإنّ الثمن يتقسّط على قدر قيمة الشاة وقيمة الخنزير عند مستحلّيه. فيقال: كم قيمة الشاة؟ فيقال: قيراطان، ويقال كم قيمة الخنزير؟ فيقال قيراط.
ثمّ تجمع القيمتان (وتكون قيمة الشاة بالنسبة إلى المجموع هي الثلثان، وقيمة الخنزير هي الثلث) فيرجع المشتري بثلث الثمن وهو دينار في مقابل الخنزير الّذي لا يُملك، وبالعكس من ذلك قيمة الشاة قيراط وقيمة الخنزير عند مستحلّيه قيراطان(فتجمع القيمتان فتكون النسبة بين قيمة الشاة إلى المجموع هي الثلث) فيرجع المشتري بثلثي الثمن وهو ديناران.1
وهذا هو الطريق الّذي اختاره الشيخ الأنصاري(رحمه الله) وهو يجري في ما إذا كان للهيئة الاجتماعية دور في القيمة، كما هو الحال في مثال مصراعي الباب. فمثلاً لو باع مصراعي الباب بخمسة وكانت قيمة أحد المصراعين هو اثنان فتجمع القيمتان فيكون أربعاً. فنسبة قيمة كلّ مصراع إلى مجموع القيمتين هو النصف فيقابل كلّ مصراع بـ(5/2) بخلاف الطريق السابق، وهناك يقابل أحد المصراعين بواحد والآخر بأربعة.
والإشكال الموجود في الطريقة السابقة منتف في المقام، لأنّ مجموع القيمتين هنا هو نتيجة جمع كلّ واحد واحد، لا قيمة المجموع من حيث هوهو.
ثمّ إنّ هنا طريقاً ثالثاً أشار إليه السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر

1. السرائر:2/276.

صفحه 117
فلاحظ.1

ثبوت الخيار للمشتري

إنّ ظاهر قوله:«وقد وجب الشراء فيما يملك» هو لزوم المعاملة بالنسبة إلى البائع، ولا ينافي وجود الخيار بالنسبة إلى المشتري الجاهل.

معرفة حصة ما يملك في الثمن في المثلي

إذا كان المبيع مثلياً كصبرة من حنطة، وكان الثلث للبائع والثلثان لغيره فباع الجميع بثمن واحد. وربما يقال: يقسّط الثمن على نفس المبيع فيقابل كلٌّ من حصتي البائع والأجنبي ما يخصّه، وبعبارة أُخرى: أنّ الثمن يقسّط على نحو الكسر المشاع الموجود في نفس العين، فيكون ثلث الثمن للبائع، لأنّ ثلث الحنطة له، والثلثان للمشتري لأنّ ثلثيها له.
يلاحظ عليه: أنّه ربما يكون للقلة والكثرة دورٌ واضح في قلة الرغبات وكثرتها، وبالتالي دور في ارتفاع السعر وانخفاضه، فلا تكون قيمة ثلث الصبرة مساوية مع قيمة كل الصبرة، مع حفظ النسبة، مثلاً لو كانت قيمة الصبرة ثلاثين ديناراً ربّما لا يكون قيمة ثلثها عشرة دنانير، بل تزيد تارة وتنقص أُخرى.
وعلى ما ذكرنا يجب إجراء نفس العمليات الّتي مضت في القيمي.
***

المسألة الخامسة:من له نصف الدار، لو باع نصفها

إذا باع من له نصف الدار، نصفها فله صور أربع:
1. أن يبيع النصف المختص به.

1. تعليقة السيد الطباطبائي:189.

صفحه 118
2. أن يبيع النصف المختص بالغير.
3. أن يبيع النصف المشاع بينه و بين الغير.
4. أن يبيع نصف الدار وأراد مفهومه فقط، ولم يُرد في مقام الإنشاء شيئاً من هذه الخصوصيات.
إنّ أحكام الصور الثلاث الأُول واضحة، فالأوّل بيع حقيقي، والثاني فضولي، والثالث مؤلَّف منهما.
ومحطّ البحث في نظر الشيخ هو الصورة الرابعة، والفقيه يحاول بتحكيم بعض الظهورات على بعض، كشف مراده الجدي الذي خفي على البائع عند الإنشاء، فيرجع النزاع إلى مقام الثبوت.
ولكن الظاهر من السيد الطباطبائي رجوع النزاع إلى مقام الإثبات، بمعنى أنّ البائع أراد ـ حين الإنشاء ـ إحدى الخصوصيات الثلاث فنحاول بتحكيم بعض الظهورات على بعض، كشف ما نواه.
قال(قدس سره): حمل الشيخ وصاحب الجواهر محل كلام العلماء على مقام الثبوت وهو بعيد في الغاية، إذ عليه لا يبقى محل للتمسك بظهور المقام أو غيره في مقابل ظهور النصف في الإشاعة، إذ الرجوع إلى الظهورات إنّما هو لتشخيص المرادات والمفروض أنّ المتكلّم لم يقصد خصوصية ملكه أو ملك غيره وإنّما قصد مفهوم النصف الّذي مقتضاه ليس إلاّ الإشاعة.1
يلاحظ عليه: بأنّه يمكن أن يريد البائع شيئاً من الخصوصيات في صميم ذهنه ولكن خفيت عليه في مقام الإنشاء فيحاول، لاستكشاف ما كان في حاق ذاته، ببعض الظهورات. وبعبارة أُخرى: البائع وإن لم يرد شيئاً من الخصوصيات تفصيلاً لكنّه أراد شيئاً منها إجمالاً، وبالتأمّل والدقة نستكشف مراده الإجمالي فيقال: ظاهر الفعل إذ صدر عن بيع مال نفسه لا غيره، لحاجته إلى البيان إلى غير

1. تعليقة السيد الطباطبائي:190.

صفحه 119
ذلك من الأُمور الّتي تكشف المراد الإجمالي ولعلّه ـ لأجل ذلك جعل المحقّق النائيني محط البحث أعم من الثبوت، ولنقدم أمرين:
1. لا شك أنّ لفظ «النصف» لو خلي و طبعه ظاهر في الإشاعة الّتي مرجعها إلى أنّ كلّ جزء من أجزاء المبيع وإن كان صغيراً فهو ملك مشترك ومشاع بين الشريكين، وكذلك كلّ كسر من الكسور كالثلث والربع وغيرهما ظاهرة في الإشاعة في أبواب الفرائض والإقرار والمعاملات، فلا يعدل عنها إلاّ بدليل أظهر منه، حاكم على ظهور النصف في الإشاعة.
2. عبّر الفقهاء عن القولين بالنحو التالي: النصف المختص أو النصف المشاع، والأولى التعبير عن الثاني بنصف المجموع من النصيبين أو السهمين، ونحن نجري في دراسة القولين على نهج التعبير المعروف وإن كان غير صحيح كما سيوافيك.

اختلاف الفقهاء في تفسير الكسور

اختلفت كلمتهم فيما إذا وقع أحد الكسور مورد البيع أو الإقرار، كما إذا باع من له نصف الدار، نصفها فربّما أخذوا بظاهر النصف في المشاع وأُخرى عدلوا عنها وحملوها على السهم المختص، وهذا هو الّذي حاول الشيخ الأنصاري عرض كلماتهم في هذا المقام، واستظهر أنّ بعضها يتنافى مع البعض الآخر، وقد أسهب الكلام فيه مع تعقيد في البيان، وربما يواجه قراء «المتاجر» صعوبة في فهم مراد الشيخ، فنحن نسير على ضوء كلامه بإيضاح منّا، وإن كانت المسألة غير جديرة بهذا الإسهاب لعدم الابتلاء بها في باب البيع، نعم ربّما يُبتلى بها في الإقرارات والمواريث، وقد طرح الشيخ في المقام ستة فروع، يجمعها ورود الكسر فيها وانّه هل يُحمل على النصف المختص أو النصف المشاع، ونحو النصف، غيره من الكسور كالثلث.

صفحه 120
وإليك فهرس الفروع الستة:
1. إذا باع من له نصف الدار، نصفها.
2. لو كان مالك النصف وكيلاً عن الشريك أيضاً وباع النصف.
3. لو وهبت المرأة نصف صداقها قبل الدخول لغير الزوج ثم طُلّقت قبل الدخول.
4. لو أقر من بيده المال لأحد المدعيين بالنصف وصالحه المقرّ له بهذا النصف.
5. لو أقر أحد الشريكين على ثلث العين لرجل، فهل يحمل على الثلث في سهمه المختص أو على السهم المشاع أي في مجموع المال؟
6. لو أقر أحد الأخوين بأنّ الثالث أخ لهما، فهل يحمل على ثلث ما في يده أو على ثلث السهم المشاع أي ثلث مجموع المال فلو حمل على الأوّل يكون سهم المقر له أقل، بخلاف ما لو حمل على الثاني يكون سهمه مثل سهم المقِّر كما سيوافيك؟
فقد درس الشيخ(رحمه الله) هذه الفروع الستة لأجل حمل الكسر على السهم المختص أو المشاع، واستظهر وجود التنافي بين الكلمات وستعرف أنّ حمل الكسر على السهم المختص في الفروع الثلاثة الأُولى مطابق للقاعدة.
وأمّا الفروع الثلاثة الباقية غير السادسة فيحمل على السهم المشاع لعلّة خاصة في نفس الفروع، وسيتبيّن وجه التفريق في محلها. وأمّا الفرع السادس فليس فيه أي منافاة لما ذكر في الفروع الأُول، فلندرس الفرع الأوّل:

1. إذا باع من له نصفُ الدار نصفها

قد عرفت أنّ النصف كسائر الكسور ظاهر في الإشاعة، لكن يعارضه ظهوران آخران:

صفحه 121
1. ظهور مقام التصرف في أنّ للمتصرّف حق التصرف في المتصرَّف فيه.
2. ظهور التمليك في الأصالة لا عن جانب الغير، وعلى ذلك فيقع التعارض بين ظهور النصف في الإشاعة، وظهور هذين الأمرين في النصيب المختص، فربّما يقدم الظهوران على الظهور الأوّل، فتكون النتيجة حمل التعبير على النصف المختصّ فقد باع النصف الّذي هو سهمه ويكون البيع كلّه حقيقياً لا حقيقياً ربعه و فضولياً ربعه.
وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: منشأ الاحتمالين تعارض ظاهر النصف في الحصة المشاعة في مجموع النصفين، مع ظهور انصرافه في مثل المقام إلى نصفه المختص وظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه، لأنّ بيع مال الغير لابدّ فيه من نية الغير أو ادّعاء المالكية للنفس والكل خلاف المطلوب.
ثمّ إنّ صاحب الإيضاح أيد هذا القول ـ أعني: حمل النصف على النصف المختص ـ بمثال ناقش فيه الشيخ، أمّا المثال فهو أنّه إذا قال: بعت غانماً، وكانت لفظة«غانم» مشتركة بين عبد نفسه وعبد الغير، فيحمل على عبد النفس، ومثله من باع نصف الدار.
وقد ناقش الشيخ هذا التأييد، مع الاعتراف بصحة المدّعى بأنّ لفظ «غانم» مشترك لفظيّ بين عبد البائع وعبد الغير فليس له ظهور في عبد الغير حتّى يكون محكوماً بظهور آخر مقتض للحمل بعبد الشخص، وهذا بخلاف المقام فإنّ للنصف ظهوراً في النصف المشاع فتحصل المعارضة بينه و بين الظهورين المقتضيين للحمل على النصف المختص.
فتبيّن أنّه لو قال: بعت نصف الدار فيحمل النصف على السهم المختص تحكيماً للظهورين على ظهور النصف في الإشاعة.
أقول: إنّ ما زعمه الشيخ من كون ظهور «النصف» في الإشاعة، يعارض الظهورين المقتضيين للحمل علي النصف المختصّ، لا وجه له، وذلك لأنّ

صفحه 122
النصف على كلّ تقدير مشاع، سواء حمل على المختص، أو على نصف مجموع النصيبين والمفروض أنّ المبيع بعد غير مفروز، فلو باع النصف بأي نحو كان، فلا يخرج عن كونه مشاعاً، والفرق في أنّه على الأوّل باع تمام سهمه وعلى الثاني نصفه، وذلك لا يؤثر في كون النصف على كلا الوجهين مشاعاً، ولذلك قلنا في صدر البحث أنّ التعبير عن القول الثاني بالإشاعة دون الأوّل غير صحيح، فلاحظ.

2. لو كان مالك النصف وكيلاً عن الشريك وباع

لو كان البائع مع كونه مالكاً للنصف، وكيلاً عن مالك النصف الآخر في بيع نصفه أو وليّاً عليه، فهل هو كالبائع الأجنبي غير المأذون في بيعه أو لا ؟
اختار الشيخ بادئ النظر هنا عكس ما اختاره في الصورة الأُولى، فحمل النصف على الإشاعة. وإن احتمل أخيراً حمله على النصف المختصّ، وحاصل بيانه: أنّ القرينة الأُولى الّتي سبّبت حمل النصف على السهم المختص منتفية هنا، وذلك لأنّه بما هو وكيل أو ولي، له حق التصرف فيما يتصرف، سواء كان المتصرف فيه سهمه أم سهم شريكه، وليس مثل المثال السابق الّذي كان له حق التصرف في ماله، لا في مال شريكه.
وأمّا الظهور الثاني، أعني: ظهور البيع في كونه أصالة لا مؤلفاً من الأصالة والوكالة، فهذا الظهور محكوم بظهور النصف في الإشاعة، وذلك لأنّه إذا قال: بعت نصف الدار فظهور «بعت» في انّ البيع وقع أصالة لا نيابة بالإطلاق.
وأمّا ظهور النصف في السهم المشاع ـ وإن كان بالإطلاق1 أيضاً ـ لكن ظهور القيد(النصف) وارد على ظهور المطلق، أعني: بعت، تحكيماً للقيد على

1. لعلّه يريد بالإطلاق، الانصراف إلى الإشاعة، وإلاّ فاللفظ بالنسبة إلى كلا القيدين: الإشاعة والمختص سواء.

صفحه 123
الإطلاق.
وبعبارة أُخرى: فقوله:«بعت» ، ظاهر في البيع أصالة ولكن قوله«نصف الدار» الّذي وقع «مفعولاً» للفعل (بعت) ظاهر في الإشاعة وظهور القيد مقدّم على ظهور الإطلاق.
ومرجع ذلك إلى أنّ ظهور متعلّق الفعل مقدّم على إطلاق نفس الفعل. فتكون النتيجة بيع النصف من مجموع السهمين فيكون الربع بيعاً حقيقياً والربع الآخر فضولياً.
وإلى هذا يُشير الشيخ ـ بعبارة موجزة ومخلّة ـ و يقول:إنّ ظهور التمليك في الأصالة من باب الإطلاق، وظهور النصف في المشاع وإن كان كذلك أيضاً إلاّ أنّ ظهور القيد (المفعول) وارد على ظهور المطلق(بعت)، وعلى هذا فإذا صدرت هذه الجملة من مالك النصف والوكيل عن النصف الآخر تحمل على النصف المشاع، أي النصف من مجموع السهمين.
أقول: ما استظهره الشيخ من تقديم ظهور القيد في المشاع على ظهور الفعل في الأصالة دقة أُصولية غير مطروحة للعرف، بل الظاهر تقديم ظهور الفعل في الأصالة على ظهور القيد. ولأجل ذلك قدّم الشيخ ظهور «لا تنقض» الظاهر في الشك في الرافع على إطلاق «اليقين» الظاهر في كلا القسمين: الشك في المقتضي أو الشك في الرافع.
ويأتي من الشيخ في ذيل البحث تقديم الظهور في الأصالة على الظهور في الإشاعة.
فإن قلت: إذا كان بائع النصف مالكاً ووكيلاً عن الأجنبي فهناك مرجح آخر لحمله على النصف المختص، لأنّه لو كان المبيع، النصفَ من مجموع السهمين يجب أن لا يكون البائع قاصداً إلى مدلول اللفظ لما ذكره الشهيد الثاني من أنّ الفضولي ليس بقاصد. وبما أنّ عدم القصد خلاف الظاهر فيحمل على السهم

صفحه 124
المختص، فيكون الموردان على وزان واحد، وهو الحمل على السهم المختص.
قلت: إنّ المفروض في المورد الثاني، أعني كونه وكيلاً أو ولياً عليه، وما ذكره الشهيد الثاني ـ لو صحّ ـ فإنّما يرجع إلى ما إذا لم يكن وكيلاً كما في الفضولي نظير المورد الأوّل، ولذلك قلنا فيه بالحمل على السهم المختص.
***
ثمّ إنّ الشيخ احتمل في المورد الثاني أيضاً الحمل على النصف المختص حتّى يكون الموردان على وزان واحد، وحاصل هذا الاحتمال: أنّه يحمل النصف المشاع في مجموع الدار لا مجموع السهمين والحقين.
قد عرفت أنّ النصف سواء أحمل على السهم المختص أم السهم المشترك، نصف إشاعي على كلّ تقدير، لأنّ الأرض غير مفروزة، ولكن تارة يراد من النصف، نصفُ مجموع الدار فيوافق السهم المختص، وأُخرى نصف مجموع النصيبين والسهمين يعني الربع من البائع والربع من الشريك، واللفظ ظاهر في الإشاعة بالمعنى الأوّل لا الإشاعة بالمعنى الثاني، لما مرّ من المؤيد الثاني من أنّ الظاهر أنّ العقد أصاليّ لا نيابي ،وبما أنّ البائع كان مالكاً لنصف الأرض بصورة كلية فباعه بهذا الوصف فيتملكه المشتري كذلك حتّى يتعين مصداقه عند الإفراز.
وهذا نظير ما إذا كان مأذوناً في أن يبيع سلفاً عن شخص ومع ذلك أسلف، فيحمل على الإسلاف عن نفسه لا عن المأذون منه. فلو صحّ هذا الاحتمال صار الموردان: أي باع نصفاً ولم يكن وكيلاً أو باع وقد كان وكيلاً، على وزان واحد فيحمل النصف على السهم المختصّ.

صفحه 125

3. لو وهبت المرأة نصف صداقها قبل الدخول

لو أصدق الزوج المرأة عيناً، فوهبت نصفها لشخص (غير الزوج) وطلّقها الزوج قبل الدخول، فقد حمل الفقهاء النصف على النصف المختص لا النصف المشاع بينها وبين الزوج، بشهادة أنّهم قالوا: استحق الزوج بالطلاق النصف «الباقي» ولو كان الموهوب هو النصف المشاع يلزم أن يستحق الزوج ربع الباقي وقيمة ربع العين الموهوبة، لأنّ المفروض أنّ المرأة وهبته للغير وصارت ضامنة له، لإتلافها على الزوج وكان الربع الآخر للزوجة.
فقولهم:«بأنّ الزوج يستحق النصف الباقي»، خير شاهد على أنّ النصف الموهوب محمول على السهم المختص.
ثمّ إنّ الشيخ عدل عن هذا التأييد بما حاصله:
إنّ الواجب أوّلاً وبالذات على الزوجة هو تسليم ربع العين وقيمة الربع الموهوب. ولكن لما كان الربع المملوك لها، نظير الربع التالف الّذي أتلفته الزوجة جاز لها تسليم ربعها المملوك للزوج في مقابل الربع التالف، وهذا نظير ما لو استقرض شخص مبلغاً فإذا جاء الأجل دفع نفس المبلغ، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: «بأنّه لما كان الربع الباقي للمرأة من الموجود مِثلاً للربع التالف من الزوج ومساوياً له من جميع الجهات، بل لا تغاير بينهما إلاّ بالاعتبار فلا وجه لاعتبار القيمة نظير ما لو دفع المقترض نفس العين المقترضة مع كونها قيمية.
ثمّ إنّه ردّ هذا الوجه بأنّه لا ينسجم مع قولهم: «استحق الزوج النصف الباقي» الظاهر في بقاء حقّه لا بقاء ما يمكن أن يقوم مقام حقّه، فالاحتمال المتقدّم ينافي هذا التعليل وإلى هذا يشير بقوله: فلا يخلو (هذا الوجه والاحتمال) عن منافاة للتعليل.
ووجه المنافاة واضح، لأنّ مفاد الاحتمال هو الحمل على النصف من مجموع السهمين وظاهر التعليل الحمل على السهم المختص الّذي ملكته

صفحه 126
بالعقد.
إلى هنا تبيّن أنّ النصف في الموارد الثلاثة يحمل على النصف المختص غير المفروز لا النصف من مجموع الحقّين، فليس هنا اختلاف بين الكلمات.

4. إذا أقرّ من بيده المال لأحد المدعيين بالنصف

إذا كان المال بيد رجل وكان هناك شخصان يدّعيان أنّ المال لهما بسبب موجب للشركة كالإرث أو غيره، وأقرّ من بيده المال أنّ نصفه ملك لأحد المدّعيين.
ثمّ صالح المقرّ له (مع المقرّ) على ذلك النصف، فقال الفقهاء: كان النصف مشاعاً في نصيبهما، فلو أجاز شريكه نفذ في المجموع (النصف) وإلاّ نفذ في الربع.
فحملوا النصف على النصف المشاع لا السهم المختص بالمقرّ بسبب إقرار من بيده المال بشهادة تعليق الصحة في ربع النصف على إجازة الشريك1، فظهرت المنافاة بينه وبين الفروع الثلاثة الأُول حيث حمل الكسر هناك على السهم المختص.
وقد أشار الشيخ إلى هذه المنافاة بقوله: فإنّ مقتضى ما ذكروه هنا (بيع نصف الدار الفرع الأوّل) اختصاص المُصالَح بنصف المقر له(نصف العين)، لأنّه إن أوقع الصلح على نصفه الّذي أُقرّ له به، فهو كما لو صالح نصفه قبل الإقرار مع غير المقر أو معه انصرف إلى حقيقة. وإن أوقعه على مطلق النصف المشاع انصرف أيضاً إلى حصته ولا وجه لإشراكه بينه و بين شريكه، مع أنّ الفقهاء حملوه على النصف المشاع، فاختار(في الصور الثلاثة الأُول) خلاف مقتضى ما

1. تظهر الثمرة فقط في كون البيع حقيقياً كله أو مركباً منه ومن الفضولي، فلو حمل على النصف المختص يكون تمام النصف للمقرّ بسبب المصالحة فيكون البيع كلّه حقيقياً، بخلاف ما لو حمل على النصف المشاع فيكون ربعه بيعاً حقيقياً والربع الآخر فضوليّاً.

صفحه 127
ذكروه في المقام.
ثمّ إنّ الشيخ نقل عن صاحب المسالك أنّ للفرع صوراً ثلاث وأنّه يحمل ـ على الصورتين الأُوليين ـ على السهم المختص، وفي الصورة الثالثة على النصف المشاع.1
أقول: إنّ هذا الفرع يفارق الفروع الثلاثة ولأجله حمل على النصف المشاع، وهو أنّ المفروض أنّ المال بيد الغير وهو مستول على الجميع غير أنّ هنا يوجد شخصان يدّعيان مالكية العين لأجل الإرث، فعندئذ لو اعترف ذو اليد بأنّ نصف العين للمقر له فالعين حسب الظاهر نصفها له والنصف الآخر لذي اليد، ولم تثبت ملكية المدّعي الآخر بعد، ولكن بما أنّ المقر له يعترف بأنّ المدعي الآخر شريك معه في المال يكون النصف المعترف به مشتركاً بينهما، وأمّا النصف الآخر فهو لذي اليد، وعندئذ فلو صالح المقر له مع المقرّ فلا يمكن أن يصالح إلاّ بما أُقرّ به وهو النصف، وبما أنّ المقرّ له يعترف بالشركة فلا يملك المقر له إلاّ الربع، ولذلك يكون بيعه بالنسبة إليه حقيقياً وإلى الربع الآخر فضولياً. فلو أجاز شريكه نفذ في النصف كلّه وإلاّ نفذ في الربع.
وعلى ما ذكرنا ليس هناك نصفان نصف مختص به ونصف مشترك، حتّى يتردد الأمر بينهما، بل هنا نصف واحد مشترك بين المدعيين، فلاحظ.
فظهر الفرق بين المقام والثلاثة الأُولى في حمل النصف فيه على النصف المشاع وحمله فيها على النصف المختص.

5. إذا أقر أحد الشريكين على ثلث العين لرجل

لو أقر أحد الشريكين اللّذين يد كلّ منهما على نصف العين، بأنّ ثلث العين لفلان فقد حملوا الثلث على الثلث المشاع في النصيبين لا الثلث من النصف

1. المتاجر:151.

صفحه 128
المختص بالمقرّ. وعندئذ تقع المنافاة بينه وبين الفروع الثلاثة الأُول حيث حُمل الكسر على السهم المختص بخلاف المقام.
توضيحه: أنّه لو حمل الثلث على الثلث المشاع في النصيبين يجب أن يدفع المقرُّ إلى المقرِّ له نصفَ ما بيده، لأنّ نصف المال قد أخذه المنكر، فبقي هذا النصف في يده، فبما أنّ المال مشاع بين الثلاثة فالباقي في يد المقر أيضاً مشاع بينهم فكلّ منهم ـ حسب إقراره ـ مالك ثلث المال فيجب أن يدفع نصف ما بيده(وهو ربع المال). بخلاف ما لو حمل على الثلث من النصف المختص فيجب أن يدفع عليه مازاد على سهمه وهو سدس العين والسدس الآخر الذي هو للمقرّ له، إنّما هو بيد الشريك المنكر.1
فقد حملوا المورد هنا على الثلث من النصف المشاع، فخالفوا الموارد المتقدمة.
وأمّا الدليل على الحمل على الثلث من المشاع فقد أشار إليه الشيخ بقوله: لو أقر أحد الشريكين الثابت يد كلّ منهما على نصف العين، بأنّ ثلث العين لفلان، حُمل على الثلث المشاع في النصيبين، فلو كذبه الشريك الآخر، دفع المقر إلى المقرّ له نصف ما في يده، لأنّ المنكر بزعم المقر ظالم للسدس(الّذي هو للمقر له حسب إقرار المقر) بتصرفه في النصف، لأنّه (المنكر) باعتقاد المقر إنّما يستحقّ الثلث(لا النصف) فالسدس الفاضل في يد المنكر نسبته إلى المقر والمقرّ له على حد سواء، فلو قُدّر تالف من العين المشتركة يوزّع حسب الاستحقاق.2
وهذا بخلاف ما لو حمل الثلث على النصف المختص فيجب أن يدفع له

1. وحصيلة الكلام: أنّ المدفوع على السهم المشاع هو الربع وعلى السهم المختص هو السدس، وهذه هي الثمرة.
2. المتاجر:151.

صفحه 129
ثلث ما بيده، وهو سدس المال، وهو أقل ممّا ذكرنا في الحمل على المشاع. أعني ربع المال.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا حمل الثلث في كلام المقر على ثلث مجموع العين يكون المقر له كأحد الاخوة ويستحق ثلث المال، ويجب أن يدفع المقرّ نصف ما في يده.
وأمّا لو حمل على الثلث من السهم المختص بالمقر ـ فقط ـ فبما أنّ سهمه المختص عبارة عن نصف المال فيستحق المقرّ منه ثلث النصف، وهو سدس أصل المال.
مثلاً لو كان المال ستة أسهم ففي الحمل الأوّل(ثلث مجموع المال) تكون حصة المقرّ له سهمين، ولو حمل على ثلث السهم المختص فيستحق ثلثه وهو سهم واحد.
ثمّ إنّ الشيخ بعد ما قوّى الحمل على ثلث السهم المشاع اعترض على هذا، وأجاب، فنورده على الوجه التالي.
فإن قلت: إنّ مورد الكلام فيما إذا كانت العين غير مفروزة والمال في يد كلّ منهما واستيلاؤهما عليها، فإذا أقر بأنّ ثلث هذا المال للثالث، فكأنّه أقر بأنّ (سدس)61 ما بيده و (سدس)61 ما بيد الآخر للغير، فلا يكون مكلفاً إلاّ بدفع ثلث ما في يده. نظير ما لو صرح بذلك وقال: إنّ للثالث في يد كلّ منا سُدساً. وبما أنّ إقراره بما في يد الغير غير مسموع فلا يجب عليه إلاّ أن يدفع ثلث ما في يده وهو السدس المقر به، وقد تلف السدس الآخر بإنكار الآخر.
قلت: ما ذكرته مبني على أنّ تقسيم العين بين المدعيين بالمناصفة تقسيم صحيح، فالمنكر ملك نصف المال في الواقع. فعندئذ لا يسمع إقرار المقر في المال الّذي في يد المنكر نظير ما لو أقر شخص بنصف كلّ من داره ودار غيره، فلا يسمع إقراره في دار الغير بل يسمع في نصف داره. وعليه فالمقر له وإن كان

صفحه 130
يملك الثلث كسائر الإخوة إلاّ أنّ سدسه بيد المنكر والسدس الآخر بيد المقرّ.
ولكن المبنى ليس بصحيح، إذ ليس ما في يد المنكر عين ماله والتقسيم باطل في نظر المقر فما في يد المنكر مال مشترك بينه و بين المقر له بزعم المقر، فيبقى ما في يد المقر مشتركاً بينه و بين المقر له فيجب عليه أن يدفع نصف ما بيده، إذ لا معنى لحساب الخسارة على المقر له وحده.
فظهرت المنافاة بين المقام حيث حمل الكسر فيه على السهام المشاع، وبين الفروع الثلاثة الأوّل حيث حمل الكسر على السهم المختص.
أقول: الحق التفريق بين تقسيم الشريكين العين بينهما من دون إذن الحاكم، فعندئذ يكون التقسيم باطلاً والمال باقياً على الإشاعة حسب نظر المقر، فعندئذ يكون ما بيد المقر ملكاً له والمقر له بالمناصفة.
وأمّا لو كان التقسيم بحكم الشارع وإذن القاضي فالتقسيم صحيح نافذ. فما أخذه الشريك المنكر زائداً على حقّه فإنّما أخذه من سهم المقر له لا من سهم المقر، نعم ما في يد المقر من الحق الزائد، أعني: ثلث ما في يده لا ثلث مجموع المال يرده إليه، وبذلك تبيّن وجه الفرق بين هذا الفرع والفروع الثلاثة الأُولى. وأنّ مصبَ الفرع فيما إذا كان التقسيم بإذن الحاكم الشرعي.

6. لو أقرّ أحد الأخوين بالنسب وأنّ الثالث أخ لهما

ذكر المشهور أنّه لو أقر أحد الاخوين لثالث بالنسب: أنّ المقر يدفع إليه الزائد عما يستحقه باعتقاده، وهو ثلث ما في يده ولا يدفع إليه نصف ما في يده. فلو صحت نسبة هذه الفتوى إلى المشهور فالإقرار بالنسب كالإخوة أشبه بالإقرار بأنّ ثلث المال له، فحملوا الثلث على الثلث من السهم المختص بشهادة ورود الخسارة بمقدار السدس على المقرّ له.
ثمّ إنّ الشيخ ضعّف هذا القول بأنّ إقرار المقر طريقي لا موضوعي، فكما لو

صفحه 131
فرض صدق إقرار المقر يكون ما بيده بالمناصفة بينه و بين المقر له فهكذا أقر.
والظاهر أنّ الاكتفاء بدفع ثلث ما في يده مع أنّ مقتضى القاعدة دفع نصف المال لأجل بعض الروايات الّتي وردت في المقام، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو تقسيم المال بالمناصفة، كما في الصورة المتقدمة.
1. روى أبو البختري (وهب بن وهب) عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل مات وترك ورثة فأقر أحد الورثة بدين على أبيه، أنّه يلزم ذلك في حصته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كله، وإن أقر اثنان من الورثة وكانا عدلين أجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين ألزما في حصتهما بقدر ما ورثا، وكذلك إن أقر أحد الورثة بأخ أو أُخت إنّما يلزمه ذلك في حصته.
وروي أيضاً عن علي(عليه السلام): من أقر لأخيه فهو شريك في المال ولا يثبت نسبه، فإن أقر اثنان فكذلك إلاّ أن يكونا عدلين فيثبته ويضرب في الميراث معهم.1
إلى هنا تم بحث الفروع الستة الّتي طرحها الشيخ للمناسبة الموجودة بينها وبين الفرع الأوّل، أعني: من يملك نصف الدار فباع نصفها. وأمّا المسألة السادسة فهي جزء من المسائل الست الّتي ذيّل بها الشيخ مبحث بيع الفضولي فتدبر.

المسألة السادسة: لو باع ما يقبل التمليك وما لا يقبله

لو باع ما يملك كالغنم والبقر مع ما لا يملك كالخمر والخنزير معاً في صفقة واحدة بثمن واحد، فهل يصحّ في ما يقبل التملك ويبطل فيما لا يقبل؟
فيقع الكلام في مقامين:

1. الوسائل:13، الباب26 من أبواب الوصايا، الحديث5 و 6.

صفحه 132
الأوّل: صحة البيع فيما يملك وبطلانه فيما لا يملك.
الثاني: كيفية تقسيط الثمن على ما يملك.
أمّا الأوّل فقد استدل عليه بوجوه:
1. التمسك بعموم: (أَوفوا بالعقود).
2. صحيحة الصفار الماضية أي قوله(عليه السلام): لا يجوز بيع ما ليس يملك وقد وجب الشراء فيما يملك.
3. الإجماع على الصحة، حكاه صاحب جامع المقاصد والغنية.
والظاهر ضعف الأخيرين أمّا الصحيحة فالاستدلال بها يتوقف على وجود ما لا يملك في القرية كالأرض الموقوفة والموات مع أنّ الظاهر أنّ القرية كانت معمورة، وأمّا الإجماع فلا يكشف عن وجود دليل وصل إلى المجمعين دوننا وليس في الفقه المنصوص كالمقنع والهداية والنهاية أثر منه، فتعيّن الأوّل أعني إطلاق قوله:(أَوفوا بالعقود) لكن بالبيان التالي وهو: أنّ العقد الواقع على ما يملك وما لا يملك وإن كان عقداً واحداً ولكنّه ينحل حسب كثرة المتعلق فهو في الظاهر عقد واحد وفي الواقع عهود.
وإن شئت قلت: إنّ المقام من قبيل تعدد المطلوب.
ويمكن الاستئناس بما ورد فيما يملك وما لا يملك، أي إذا باع ماله مع مال الغير فالانحلال في الجميع من باب واحد.
نعم أُورد على الصحة بأُمور أُجيب عنها في المسألة السابقة، أعني:
1. العقود تابعة للقصود وقد تخلّفت هنا.
2. لازم الصحة في المملوك، الجهل بالعوض.
3. عدم جواز التفكيك في الإنشاء.
وقد مرّ الجواب عن الجميع أمّا الأوّلان فإنّ القصد يتعدّد حسب انحلال العقد، وانّه يكفي العلم بثمن المجموع وإن لم يكن له علم بثمن المملوك.

صفحه 133
قال الشيخ: إنّ اللازم هو العلم بثمن المجموع الّذي قصد إلى نقله عرفاً وإن علم الناقل بعدم إمضاء الشارع له، فإنّ هذا العلم غير مناف لقصد النقل حقيقة. فبيع الغرر المتعلّق بنهي الشارع هو ما كان غرراً في نفسه مع قطع النظر عمّا يحكم عليه من الشارع.1
وبكلمة واضحة يجب أن يكون الثمن معلوماً لدى المتبايعين وهو موجود، وإن سرى عليه الجهل بعد إبطال الشارع صحة أحد الجزأين.
وأمّا الثالث فإنّ التفكيك إنّما هو في المنشأ، لا في الإنشاء.
ثمّ الظاهر عدم الفرق بين جهل المشتري بحكم الشرع أو علمه وإن حكي البطلان في صورة العلم عن العلاّمة في «التذكرة» ولعلّه لطروء الجهالة على الثمن، وقد عرفت منعه.
المقام الثاني: كيفية تقسيط الثمن على المملوك وغيره.
إنّ تقسيط الثمن على المملوك وغيره يعلم ممّا سبق، وذلك بالنحو التالي:
1. يقوّم كلّ من المملوك وغير المملوك بحياله.
2. تجمع القيمتان.
3. تنسب قيمة المملوك إلى مجموع القيمتين.
4. فيكون للمملوك من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين، فيرجع بالباقي على البائع.
بقي الكلام في كيفية العلم بقيمة الخنزير والخمر، ويرجع في التقييم إلى قيمتهما عند مستحلّيهما عقيدة، (كالكفّار) وعملاً (كعصاة المسلمين).
فإن قلت: كيف يعتمد على قول الفسّاق أو الكفّار؟
قلت: يدعم قول الفاسق والكافر بالقرائن المفيدة للعلم، فيكون الاعتماد على العلم لا على قولهما، ولو اختلفوا في قيمة غير المملوك فيؤخذ بالأقل.

1. المتاجر:151.

صفحه 134
نعم الميزان والمدار في قيمتهما مكان البيع لا بلاد الكفر.
قال السيد الطباطبائي(رحمه الله): لا يخفى أنّ ما ذكروه من تقويم الخمر والخنزير عند مستحليهما صحيح إلاّ أنّ المدار على قيمتهما في مكان البيع لا في بلاد الكفر، وحينئذ قد لا يكون لهما في بلاد الإسلام ـ الّتي هي مكان البيع ـ قيمة أصلاً لعدم وجود كافر أو فاسق راغب فيهما فيلحق بما ذكرنا في الأمر الأوّل، ويكون البيع باطلاً في الكل، لعدم تعيين ما بإزاء البعض المملوك.1 وما ذكره(قدس سره)راجع إلى عصره، وأمّا اليوم فما أكثر الكفّار والفسّاق في بلاد الإسلام.

1. تعليقة السيد الطباطبائي:198.

صفحه 135

شرائط المتعاقدين

   8 . الولاية

1. ولاية الأب والجد

قد مرّ أنّ الأُمور التالية من شرائط المتعاقدين:
1. البلوغ. 2. العقل.
3. الرشد. 4. القصد.
5. الاختيار أو طيب النفس أو التراضي.
6. إذن السيد بالنسبة إلى بيع العبد.
7. كون البائع مالكاً أو مأذوناً من المالك كالوكيل.
8. أو من الشرع كالولي المأذون منه في التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف فيه، وهي تتمثل في الأب والجد والفقيه الجامع للشرائط وعدول المؤمنين، وأمّا الوصي فولايته مكتسبة من ولاية الأب والجدّ. وقد مرّ الكلام في الأُمور السبعة وبقي الكلام في الأمر الثامن.
وكأنّ الشيخ الأنصاري يُتم بذلك مبحث شرائط المتعاقدين، ويَبتدئ بشرائط العوضين، فلنأخذ الأب والجد بالبحث أوّلاً، ثم ولاية الفقيه وولاية عدول المؤمنين.
والمسائل الرئيسية في الأوّلين هي عبارة عن:
1. ولاية الأب والجد على الأولاد.

صفحه 136
2. اشتراط العدالة وعدمه.
3. اشتراط المصلحة في تصرف الأب والجد وعدمها.
4. مشاركة الجد مع الأب وإن علا.
ولاية الأب والجد   
5. لو فقد الأب وبقي الجد.
وإليك دراسة هذه المسائل واحدة بعد الأُخرى.

صفحه 137

المسألة الأُولى:

ولاية الأب والجد

يجوز للأب والجد أن يتصرفا في مال الطفل بالبيع والشراء، وجواز تصرفهما من الأحكام الواضحة في الفقه الإسلامي، وتدلّ عليه الروايات المتضافرة بعد الإجماع.
قال في «مفتاح الكرامة»: لا خلاف ولا نزاع في جواز البيع والشراء وسائر التصرفات للأطفال والمجانين المتصل جنونهم وسفههم بالبلوغ من الأب والجد.1
والظاهر أنّ المسألة اتفاقية بين المسلمين وغيرهم، إذ جرت سيرة العقلاء على ثبوت الولاية للأب والجد للطفل وأنّ وجودهما يغني عن تدخّل غيرهما. ومع أنّ المسألة اتفاقية فأكثر الروايات الواردة في المقام تدل على ولايتهما بالدلالة الالتزامية لا المطابقية، ولمّا كانت المسألة أمراً اتفاقياً بين العقلاء قلّ الاهتمام بالسؤال والجواب.
وأمّا الروايات فهي موزعة في أبواب مختلفة، ونقتصر على ما يلي:
1. ما رواه أبو الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم، وهو وصيّه أيصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما.

1. مفتاح الكرامة:4/184.

صفحه 138
قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا، إذا كان ناظراً.1
وجه دلالته على ولاية الأب هو أنّه إذا كان للناظر في أموال اليتيم ولاية فالأب والجد أولى بها. وقد مرّ منّا معنى النظارة عند البحث في الفصل الثالث، فلاحظ.2
2. ما رواه ابن رئاب قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولاداً صغاراً، وترك مماليك غلماناً وجواري ولم يوص، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أُمّ ولد، وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: «إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجوراً فيهم».
قلت: فما ترى فيمن يشتري الجارية فيتخذها أُمّ ولد؟
فقال:«لا بأس بذلك، إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم».3
الظاهر أنّ المراد من القيّم من نصبه الأب للنظارة على أموال أولاده لصيانتها من الضياع، وليس المراد من نصبه قاضي الجور، إذ لا أثر له عند الإمام(عليه السلام).
فإذا كان للمنصوب من جانب الأب ولاية، فللأب بوجه أولى، لأنّ ولاية الناظر مقتبسة من ولاية الأب.
فإن قلت: إنّ ظاهر قوله:«وترك مماليك وغلماناً وجواري ولم يوص» هو عدم الوصية بشيء فكيف يكون القيم منصوباً من جانب الأب؟
قلت: الظاهر عدم الوصية بالنسبة إلى الغلمان والجواري، لا عدم الوصية مطلقاً.
3. صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن

1. الوسائل:7، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث6.
2. لاحظ الجزء الأول من هذا الكتاب، ص 478 و 481.
3. الوسائل:12، الباب15 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 139
الصبيّة يزوّجها أبوها ثمّ يموت وهي صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها، يجوز عليها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: «يجوز عليها تزويج أبيها».1
4. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الصبي يزوّج الصبية؟ قال: «إن كان أبوهما اللّذان زوجاهما فنعم جائز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا فإن رضيا بعد ذلك فإنّ المهر على الأب».2
5. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام): إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ولأنّه أيضاً أن يزوجها فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فقال: الجدّ أولى بنكاحها.3
6. ما رواه فضل بن عبدالملك عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّ الجدّ إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز»، قلنا : فإن هوى أبو الجارية هوى وهوى الجد هوى، وهما سواء في العدل والرضاء، قال: «أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجد».4
7. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى]الأب[ أن يزوج أحدهما وهوى أبوه (الجد) الآخر، أيّهما أحق أن ينكح؟
قال: «الذي هوى الجد أحقّ بالجارية لأنّها وأباها للجد».5
والروايات الثلاث الأخيرة واردة في ولاية الجد والأب في تزويج الأولاد، وإطلاق الرواية يعم البالغة وغيرها، نعم موردها هو النكاح. ولعلّها تدلّ بالفحوى على ثبوتها في الأموال.

1. الوسائل:14، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث1.
2. الوسائل:14 ، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث8.
3. الوسائل:14 ، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث1.
4. الوسائل:14 ، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث4.
5. الوسائل:14، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث8.

صفحه 140
8. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه؟ قال: «يأكل منه ما شاء من غير سرف».1
9. ما رواه علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: «لا، إلاّ أن يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف، ولا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذن والده».2
وجه الدلالة : أنّ المتبادر من الرواية أنّ الأموال تحت يد الأب بالولاية الشرعية غير أنّه أُجيز له سد حاجته بالمقدار اللازم.
10. ما رواه الفريقان عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لولد يستعدي أباه:«أنت ومالك لأبيك» نظير:
ما رواه عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «إنّي لذات يوم عند زياد بن عبد اللّه، إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح اللّه الأمير، إنّ أبي زوّج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاح باطل، قال: ثمّ أقبل عليّ فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّه، فلمّا سألني أقبلت على الذين أجابوه، فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أنّ رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): أنت ومالك لأبيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه؟ قال: فأخذ بقولهم، وترك قولي».3
وجه الدلالة: أنّ قوله: «أنت ومالك لأبيك» لا يمكن حمله على المعنى الحقيقي بمعنى أن يكون الابن رقاً للأب وماله سلعة له، فلابدّ أن يحمل على المعنى الكنائي بمعنى أنّه يجوز للأب التصرف في مال الابن تصرفاً محدوداً،

1. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
2. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
3. الوسائل:14، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث5.

صفحه 141
كما مرّ في الروايات السابقة.
وربما يقال: إنّ هذه الجملة صيغت لبيان حكم أخلاقي لا لحكم شرعي، وهو موضع تأمّل، لأنّ الإمام(عليه السلام)جعلها دليلاً على حكم شرعي، وهو نفوذ زواج الأب لابنته بدون إذنها، وهذا يدلّ على أنّه حكم شرعي لكن بهذا المعنى.
نعم ربما يستشم من بعض الروايات كونه حكماً أخلاقياً; وهو نظير ما رواه الحسن بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: «قوته بغير سرف إذا اضطر إليه»، قال: فقلت له: فقول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)للرجل الّذي أتاه فقدّم أباه فقال له: أنت ومالك لأبيك؟ فقال: «إنّما جاء بأبيه إلى النبي(صلى الله عليه وآله)فقال: يا رسول اللّه هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أُمّي، فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، وقال: أنت ومالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شيء; أو كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)يحبس الأب للابن؟!».1
إنّ قوله:«أو كان رسول اللّه يحبس الأب للابن؟!» وإن كان يستشم منه كون الحكم أخلاقياً، لكن يمكن أن يقال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أراد بهذه الجملة إقناع الابن بالحكم الشرعي وهو جواز تصرفه. وبما أنّ هذا المضمون ورد متضافراً في روايات الفريقين، لا يصحّ ردّه بضعف السند في البعض، لاحظ مسند أحمد2، واللازم حمل العبارة على المعنى الكنائي، أعني: جواز التصرف بقدر الحاجة .
ولعلّ هذا المقدار من الروايات كاف في إثبات المطلوب.
وليعلم أنّه لم يرد نص صريح على ولاية الأب والجد إلاّ في باب النكاح، وأمّا غيره فالدلالة أشبه بالدلالة الالتزامية، وعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هو الوجه في عدم التصريح بولايتهما؟ وقد عرفت النصوص.

1. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.
2. مسند أحمد:2/179 و 214; الوسائل:8، الباب36 من أبواب وجوب الحج، الحديث1.

صفحه 142
ولعل الوجه كما قلنا في صدر البحث هو وجود السيرة العالمية بين الأُمم مع اختلاف شرائعهم ومذاهبهم فهذا أغنى الشريعة الإسلامية عن التصريح بذلك في مورد أموال الصبي وحقوقه.
وأمّا قوله سبحانه: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح)1، فهو بصدد محجورية الطفل عن التصرف في الأموال لا لبيان ولاية الأب والجد، ومثله سائر الروايات.
   
وأمّا وجه التصريح بولاية الأب والجد في باب النكاح فالغرض منه هو حصر الولاية بهما وردّ ولاية الأخ والجد الأُمي خلافاً لفقهاء أهل السنة، ولعلّ الغرض من التصريح تفسير قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):«لا نكاح إلاّ بولي»، بأنّ المقصود هو الأب والجد فقط.

المسألة الثانية: اشتراط العدالة وعدمه

اعلم أنّ الكلام في اعتبار «العدالة» لا الوثاقة، إذ لا شك في اعتبارها، حكي عن الوسيلة والإيضاح القول باعتبار العدالة مستدلّين بدليل عقلي وغيره; ولكن المشهور عدم اعتبارها، واستدل عليه بوجوه:
الأوّل: الإطلاقات الواردة في الروايات السابقة ـ وإن كان مورد أكثرها النكاح ـ إذ لم يرد فيها هذا الشرط مع أنّ مقتضى كثرة الابتلاء بالموضوع وروده في واحدة من الروايات السابقة.
الثاني: أنّ المسألة كثيرة الابتلاء، فلو كانت العدالة شرطاً لنبّه عليه ولو بدليل منفصل.
الثالث: سيرة العقلاء والمسلمين جرت على قبول ولاية الآباء لأموال الأولاد، ولم يسمع من أحد منع الولاية لكون الأب فاسقاً غير عادل.

1. النساء:6.

صفحه 143
الرابع: الأصل، والمراد به أصالة عدم الشرطية. لكن الاستدلال بالأصل فرع عدم الإطلاق اللفظي. وقد أتعب السيد الأُستاذ(رحمه الله) 1 نفسه الشريفة في تقرير هذا الأصل مع عدم الحاجة إليه بعد وجود الدليل الاجتهاديّ، إنّما المهم دراسة أدلّة القائل باشتراط العدالة.

دليل القائل بشرطية العدالة

استدلّ القائل بشرطية العدالة بوجهين:
الأوّل: الاعتبار العقلي، وأوضحه في الإيضاح بقوله: إنّ ولاية الأب والجد ولاية على من لا يدفع عن نفسه ولا يعرب عن حاله2، ويستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أميناً تقبل إقراراته وإخباراته عن غيره.3
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ هذا الاعتبار العقلي لا يزاحم الإطلاق في عامة الروايات أو أكثرها، ولو فرض بعضها وارداً في غير مقام البيان لكنَّ قسماً منها ورد في مقام البيان فلو كان شرطاً لنبّه بذلك.
ثانياً: أنّ العاطفة الأبوية تمنع الأب من التطاول على أموال الولد إذا كان له مال أو تمنع الجد عنه للحب الموجود في نفسه، ولعل الشارع اكتفى بهذه العاطفة الرادعة عن التطاول عن اشتراط العدالة.
ثالثاً: لو كانت العدالة شرطاً، يجب على الحاكم الشرعي عزل الأب والجد عن الولاية عند فقدان الشرط وتسليم أموال اليتيم إلى العادل، وهو يوجب العداء والشقاق بين العوائل.
رابعاً: يكفي في حصول الغرض كون الولي ثقة أميناً لا يخون بمال اليتيم وإن لم يكن عادلاً.

1. البيع:2/595ـ596.
2. كذا في المصدر، وفي المنقول عنه:«ولا يصرف عن ماله».
3. إيضاح الفوائد:2/628.

صفحه 144
الثاني: ما أشار إليه في الإيضاح بقوله: «مع نص القرآن على خلافه»، واختلفت كلمة المتأخّرين في مراده من هذا النص ويحتمل احتمالات هي:
1. أن يكون مراده حرمة الركون إلى الظالم، كما يقول سبحانه:(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَولياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون).1
وكيفية الاستدلال: أنّ إعطاء الولاية للظالم ركون إليه، وكلّ ركون إلى الظالم قبيح فإعطاء الولاية إلى الظالم قبيح، وهو لا يصدر من اللّه الحكيم.
يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى الذين ذكرت قصتهم في الآيات المتقدمة من الأُمم الهالكة، كقوم نوح وثمود و قوم لوط وفرعون ، فقوله سبحانه:(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، مثل قوله:(وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)2وقوله:(وَأَخَذَتِ الَّذينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)3 وقوله:(وَتِلْك عَادٌ جَحَدُوا بآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)4، ومن المعلوم أنّه لا يشمل من كان مؤمناً باللّه ورسوله ولكنّه صدر منه فسق كالكذب والنميمة والاغتياب، ولا يعد تولية هؤلاء لأفلاذ كبدهم ركوناً إلى الظالم، ولذلك يقول سبحانه في ذيل الآية:( فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَولياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون)وهذه الفقرة تشهد بأنّ المراد (النهي عن) الركون إلى طوائف ثلاث: 1. المشركون، 2. أهل الكتاب،3. من اتّسم بالظلم من المسلمين والركون إليهم في أُمور الدين والدنيا. لا من يعصي في عقر داره أو يكذب من دون أن يتّسم بالظلم.
وأين هذا من الأب والجد المطيعين للّه سبحانه إلاّ في موارد خاصة، ولذلك أفتى الفقهاء بجواز العشرة مع الفاسق والمعاملة معهم من بيع وشراء فإنّ

1. هود:113.
2. المؤمنون:27.
3. هود:94.
4. هود:59.

صفحه 145
جميع ذلك ليس ركوناً إلى الظالم.
2. أن يكون مراده آية النبأ حيث يقول سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)1، فإذا أراد الولي الفاسق بيع مال اليتيم وادّعى أنّ في ذلك غبطة الصبي ومصلحة له، فلا يقبل منه.
يلاحظ عليه: أنّ النبأ غير الخبر، والنبأ هو الخبر العظيم، ولذلك يطلق على من يخبر عن اللّه سبحانه: النبي، لكونه مخبراً بالأخبار العظيمة، فأين هو من قول الولي عند بيع ثوب للصبي أو سجادة له: أنّ فيه غبطة، أو عدم المفسدة؟!
3. أن يكون المراد قوله سبحانه: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَموالَكُمُ الّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً).2
ولعلّ وجه الاستدلال: أنّ من خرج عن طاعة اللّه فهو فاسق، وبالتالي هو سفيه ليس بعاقل.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من السفيه هنا من يفقد الرشد في التصرف في أمواله لجنون أو لقصور في الفكر، ولذلك يذكر سبحانه في الآية التالية (مسألة الصبي) ويقول:(وَابْتَلُوا الْيَتَامى حَتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكاحَ)3، وأين هذا من عاقل رشيد في التصرف غير أنّه يعصي في بعض الأُمور كأن يغتاب المؤمن وما أشبه ذلك؟!
4. أن يكون المراد قوله:(يا أَبَتِ استأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرتَ الْقَوِيُّ الأَمين)4، فإذا كانت الأمانة شرطاً في الأجير فأولى أن تكون شرطاً في الولي.
يلاحظ عليه: أنّ كون الرجل أميناً، غير كونه عادلاً، فالأولى أعم من الثاني، ونحن نقول بشرطية الأمانة والوثاقة في الولي.
وحصيلة الكلام: أنّه لم يقم دليل ولا شبه دليل على اعتبار العدالة. نعم لو

1. الحجرات:6.
2. النساء:5.
3. النساء:6.
4. القصص:26.

صفحه 146
وقف الحاكم الشرعي وثبت عنده بالدليل المفيد للاطمئنان أنّ فلاناً الولي يقامر بأموال اليتيم ويصرفها في شهواته فله أن يعزله عن الولاية أو يضم إليه أميناً، وقلّما يتفق ذلك العلم بعامة خصوصياته.

المسألة الثالثة: اشتراط الغبطة والمصلحة في التصرف بمال اليتيم

هل يشترط في جواز التصرف في مال اليتيم كون التصرف يتسّم بالغبطة والمصلحة في حال اليتم، أو يكفي عدم المفسدة بعد الاتفاق على عدم جواز التصرف بما يضرّ اليتيم؟ قولان:
الأوّل: إناطة جواز تصرف الولي بالمصلحة، وهو الظاهر من الشيخ والحلّي وغيرهما.
قال الشيخ في المبسوط: ومن يلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الأب والجد، ووصي الأب والجد، والحاكم ومن يأمره،... ثم قال: وكل هؤلاء الخمسة لا يصحّ تصرفهم إلاّ على وجه الاحتياط والحظ للصغير، لأنّهم إنّما نصبوا لذلك، فإذا تصرف فيه على وجه لا حظّ فيه كان باطلاً، لأنّه خلاف ما نصب له.1
وقال الحلّي في السرائر: لا يجوز للولي التصرف في مال اليتيم إلاّ بما يكون فيه صلاح المال ويعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف، وهذا هو الّذي تقتضيه أُصول المذهب.2
وقد اختاره المحقق والعلاّمة والشهيدان والمحقّق الثاني وغيرهم.
وحكى الشيخ الأنصاري عن شرح الروضة للفاضل الهندي أنّ المتقدمين عمّموا الحكم باعتبار المصلحة من غير استثناء. 3
ولكن الشيخ اختار كفاية عدم المفسدة، وفاقاً لأكثر المتأخّرين الذين

1. المبسوط:2/20.
2. السرائر:1/441.
3. المتاجر:152.

صفحه 147
عاصرهم الشيخ.
أقول: الظاهر أنّ القول الأوّل هو مقتضى ظاهر الذكر الحكيم، قال سبحانه:(وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ).1
إنّ النهي عن القرب، أبلغ من النهي عن التصرف في أموال الأيتام، فإذا نهى عن القرب فيكون النهي عن التصرف أولى منه، والآية تحرّم جميع وجوه التصرف إلاّ إذا كان التصرف بوجه أحسن، والغرض التشدد في شأن أموال القاصرين، يتيماً كان أو مجنوناً أو سفيهاً أو غائباً أو صغيراً يتولى أبوه شؤونه المالية، وانّ على الأولياء أن يحافظوا على أموال القاصرين ويدبروها لمصلحتهم لا لمصلحة الأولياء، وكأنّ الآية تقول: لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بطريقة أحسن ولا يتحقق إلاّ بأمرين:
1. حفظه له إلى أن يكبر فيسلم إليه.
2. استثماره بالتجارة فينتفع اليتيم، أمّا التصرف بماله على وجه يضره أو على وجه لا يضره ولا ينفعه فلا يوصف بانّه أحسن. فالآية تمنع عن التصرف بالوجهين الأخيرين (الإضرار، أو عدمه وعدم النفع) ويحصره في الصورتين الأُوليين.
وقد أجاب الشيخ عن الاستدلال بقوله: بأنّه لو سلّم دلالة الآية على جواز انحصار التصرف بالأحسن، فهي مخصّصة بما دلّ على ولاية الجد وسلطنته الظاهرة في أنّ له أن يتصرف في مال طفله بما ليس فيه مفسدة له.2
يلاحظ عليه: أنّ الآية آبية عن التخصيص فلا يصحّ أن يقال: لا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ في الموارد الّتي لا تنفع لحال اليتيم ولا تضر، فإنّ مقتضى ضعف المولّى عليه وعجزه عن الاعتراض والنظارة أوجب النهي عن

1. الأنعام:152.
2. المتاجر:152.

صفحه 148
الاقتراب من ماله إلاّ بطريقة أحسن وأفضل، ومثل هذا المضمون لا يقبل التخصيص، فالقول بشرطية المصلحة أقوى بالنظر إلى الآية.
ومع ذلك يمكن أن يقال:إنّ صيغة افعل في المقام خالية عن مفهوم التفضيل، والأحسن بمعنى الحسن، وقد تستعمل صيغة افعل مجردةً عن التفضيل في لغة العرب حتّى في القرآن الكريم قال سبحانه حاكياً عن يوسف(عليه السلام):(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).1
وعلى ذلك فالمراد من القرب الحسن التحرز عمّا جاء في بعض من أكل مال اليتيم أو تبديل ماله الطيب بالخبيث، أو عدم القيام في حقّهم بالقسط إلى غير ذلك من الأُمور، قال سبحانه:(إِنَّ الّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً)2، وقال سبحانه:(وَآتُوا الْيَتَامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبيثَ بِالطَّيِّبِ)3 وقال سبحانه:(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامَى بِالْقِسْطِ)4، ولذلك لا يبعد كفاية عدم المفسدة. ومع ذلك ففي النفس منه شيء لاستلزامه إخلاء «افعل» عن التفضيل، وهو خلاف الظاهر كما سيوافيك.
ويدل على ذلك الحمل ما ورد من الروايات من التصرف في أموال اليتيم دون أن ينتفع هو بها، نظير:

1. الاستقراض من مال اليتيم

روى منصور الصيقل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: فقال: «إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا

1. يوسف:33.
2. النساء:10.
3. النساء:2.
4. النساء:127.

صفحه 149
مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال».1
فإنّ اختصاص الربح به دليل على الاستقراض، وإنّما يجوز له الاستقراض إذا كان ملّياً على نحو لو تلف رأس المال يكون له في مال المضارب بدل.

2. الأكل من ماله من غير سرف

روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه؟ قال: «يأكل منه ما شاء من غير سرف».2

3. الوقوع على جارية ابنه

جاء في كتاب علي(عليه السلام):«انّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها».3
فقوله: «ما شاء» يحمل على قدر الحاجة بقرينة سائر الروايات. ولأي مصلحة في أن يتخذ جارية ابنه لنفسه.
والذي يمكن أن يقال هو التفصيل بين تصرف الولي في أموال المولّى عليه لرفع حاجته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وبين تصرفه في أموال اليتيم لأجل نفسه.
أمّا الأوّل: فالقدر المتيقّن من الروايات بل تصريح بعضها، بأنّه «يأكل منه ما شاء من غير سرف».4
روى أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال لرجل: أنت

1. الوسائل:7، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث7.
2. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
3. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، ذيل الحديث الأوّل.
4. الوسائل:12 ، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 150
ومالك لأبيك، قال أبو جعفر(عليه السلام): «ما أُحب أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه إنّ الله لا يحب الفساد».1
فإنّ الاستشهاد بالآية على انّ التوسع من الفساد، دليل على حرمة التوسّع.
وروى علي بن جعفر عن أبي إبراهيم قال: سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: «لا، إلاّ أن يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف».2
وعلى ذلك يحمل ما يستشم منه السعة، مثل قوله(صلى الله عليه وآله): «أنت ومالك لأبيك»، فقد مرّ أنّه كناية عن جواز التصرف.
وهل يجوز للوالد الغني أخذ الأُجرة إذا اتّجر بماله؟ الظاهر لا، وقد ورد النهي عنه في مورد الوصي إذا كان غنياً، قال سبحانه:(ومن كان غنياً فليستعفف)، فالأب والجد أولى بالنهي من الوصي.
وأمّا الثاني الذي هو محط البحث ـ أعني: إذا كان التصرف لأجل اليتيم ـ فقد ورد النهي عنه إذا كان ضاراً في مورد النكاح; روى عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر; قال: «الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضاراً، إن لم يكن الأب زوجها قبله».3
ويمكن أن يقال: إنّ الشرط هو عدم المفسدة والضرر لا اعتبار المصلحة.
أضف إلى ذلك: أنّ إغلاق يد الولي في مورد التصرف بلا مصلحة ولا مفسدة يصير مال اليتيم في نفس الولي وبالاً عليه، بخلاف ما إذا كان مجازاً في التصرّف ولو لصالح الولي، وهو يورث شدة المودة ويوطّد الحب، ويقوّي

1. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
2. الوسائل:12، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
3. الوسائل:14، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث2.

صفحه 151
العلاقة بين الولي واليتيم.

المسألة الرابعة: مشاركة الجد مع الأب وإن علا

قال الشيخ:لا خلاف ظاهراً ـ كما ادعي ـ بأنّ الجدّ وإن علا يشارك الأب في الحكم، ويدلّ عليه أمران:
أ. ما دلّ على أنّ الشخص وماله ـ الّذي منه مال ابنه ـ لأبيه.
ب. ما دلّ على أنّ الولد ووالده لجدّه.
ويريد بالأوّل قوله(صلى الله عليه وآله): «أنت ومالك لأبيك».
فإذا كان مال الابن للأب فهو أيضاً مال الجد، لأنّ المفروض أنّ ملك الولد ملك للوالد، فيكون ملك الولد للجد أيضاً.
ويريد بالثاني ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام) قال:سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى أن يزوّج أحدهما وهوى أبوه الآخر، أيّهما أحق أن ينكح؟ قال: «الّذي هوى الجد (أحق بالجارية) لأنّها وأباها للجدّ».1
والاستدلال بهاتين الروايتين مبني على أنّ قوله(صلى الله عليه وآله):«أنت ومالك لأبيك» كناية عن جواز التصرف، لا أنّ الولد ملك حقيقي للوالد، إذ ليس الابن سلعة للأب وكذا أمواله.
لكن مقتضى قوله سبحانه:(وَأُولُوا الأَرْحام بَعْضهُمْ أَولى بِبَعْض)، كون القريب أولى من البعيد، خرج منه الجد الأول مع الأب، وبقي الباقي تحت الآية، وعلى ما ذكرنا يختص الولاية للأب ولا تشمل الجدّ الثاني، والعجب أنّ الشيخ تنبّه على ذلك في الفرع الثاني ـ أعني: فيما فقد الأب وبقي الجدّان ـ فأفتى ـ كما سيأتي ـ باختصاص الولاية للجد الأوّل مع أنّ لازم ما ذكره هناك اختصاصها في المقام بالأب دون الجد الثاني.

1. الوسائل:14، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث8.

صفحه 152

المسألة الخامسة: لو فقد الأب وبقي الجد

لو فقد الأب وبقي الجد فهل أبوه (أبو الجد) وجدّه يقوم مقامه في المشاركة أو يخص الجد بالولاية؟
ذكر الشيخ أنّ فيه قولين:
1. مقتضى ما ورد من أنّ الولد والوالد لجده هو المشاركة، لأنّ الجدّ وما في يده لأبيه، فكيف لا يكون مشاركاً؟
مناسب الفقيه وولايته   
2. مقتضى قوله تعالى:(وَأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْض)1 هو الثاني، لأنّه نفي ولاية البعيد، خرج منه الجد مع الأب وبقي الباقي، والمراد من الأولوية كون الأقرب أحق بالأمر من الأبعد، فيكون الجد أحقّ بالأمر من أبيه في الولاية.

1. الأنفال:75.

صفحه 153

شروط المتعاقدين

   8 .الولاية

2. مناصب الفقيه وولايته

قد سبق منّا أنّه يشترط في جواز البيع ومضيّه كون البائع مالكاً، أو مأذوناً من المالك كالوكيل، أو من الشارع كالأب والجد، فلهم الولاية على أموال الذرية. ومن هذا القسم الفقيه الجامع للشرائط فله الولاية من الشارع على حراسة أموال القصّر والغيّب وتثميرها، فهذا هو البحث المناسب في كتاب البيع.
ولكن الشيخ وسّع إطار البحث فطرح ولاية الفقيه على صعيد أوسع امتثالاً ـ حسب تعبيره ـ لأمر أكثر حضّار مجلس المذاكرة، ولعله(قدس سره) أوّل من درس الموضوع بإسهاب مقروناً بالدقة بعد شيخه «النراقي» في كتاب «العوائد».
ولمّا قامت الثورة الإسلامية في إيران وتأسست دولة كريمة على ضوء ولاية الفقيه، كثر البحث والنقاش في أصل الولاية وفروعها وسعتها وأدلتها، وتوالى فيها التأليف من قبل المحقّقين وأصحاب الرأي فصدرت كتب ورسائل باللغتين: العربية والفارسية. وربما صدرت بغير هاتين اللغتين أيضاً ولم اطّلع عليه.
ولا بأس من الإشارة إلى حادثة وقعت في أوائل عمر الثورة الإسلامية، وهي أنّه دخل على مكتبي شاب لبناني يدرس الحقوق في فرنسا، فبدأ بالكلام وقال: إنّه مبعوث من قِبل جامعة «السوربون» للبحث في موضوع ولاية الفقيه وكتابة

صفحه 154
رسالة فيها ليقدّمها لأساتذة الجامعة، لأنّهم فوجئوا بهذا العنصر الجديد في الفقه الإسلامي ولم يكن لهم اطّلاع عليه قبل هذا الوقت.
فشرحت له مفهوم ولاية الفقيه وأدلتها وسعتها والمصادر الّتي عليه أن يرجع إليها في تحرير أُطروحته.1
ولمّا كانت ولاية الفقيه مقتبسة من ولاية النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة المعصومين(عليهم السلام)، لذا نبحث عن ولايتهم أوّلاً على وجه الإيجاز، ثم نعرّج إلى ولاية الفقيه ثانياً، وسنشير إلى أدلتها وما له صلة بذلك، بإذن اللّه سبحانه.
إنّ للنّبي الأكرم وأهل بيته المعصومين(عليهم السلام) ولاية تكوينية وولاية تشريعية، سندرسهما على ضوء الكتاب والسنة.

1. الولاية التكوينية

الولاية التكوينية تفسر بوجوه:
أ. كونهم(عليهم السلام) واقعين في إطار العلل الفاعلية لخلق العالم وتدبيره.
والولاية بهذا المعنى غلو باطل لا يقول به من له إلمام بالكتاب والسنّة، فاللّه سبحانه هو الخالق المدبّر الرازق، المحيي والمميت، وكلّ ما في الكون من جليل وحقير كله مستند إليه سبحانه لا إلى النبي(صلى الله عليه وآله) ولا لأحد من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بل هم مخلوقون مربوبون كسائر الخلائق الأرضية والفلكية، المادية والمجردة، وكفى قوله سبحانه:(هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ)2، وقوله سبحانه:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ)3 في غير واحد من الآيات.
إنّ لعلي بن موسى الرضا ـ عالم آل محمد ـ صلوات اللّه عليه، دعاءً يبيّن موقف آل البيت في هذا المجال، ويقول: «اللهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك، لا

1. للقصة صلة أحجمت عن بيانها.
2. فاطر:3.
3. يونس:3.

صفحه 155
نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولاموتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم(عليه السلام) من النصارى، اللّهم إنّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون، ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً، إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً.1
ب. كونهم عليهم الصلاة والسلام بمنزلة العلل الغائية حيث إنّ العالم خلق للإنسان الكامل، وهو أكمل الناس وأفضلهم وأطيبهم. وهذا هو الصحيح دون الأوّل.
فما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة ممّا يستشم منه كونهم(عليهم السلام) واقعين في إطار العلل الفاعلية للعالم وحوادثه كقوله:«وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض» محمول على العلة الغائية وكأنّه يقول: ولأجلكم يُمسك السماء أن تقع على الأرض، وما عن بعض المشايخ السادة رحمهم اللّه في تبيين ما ذكرناه من التفريق بين التعبيرين:«منه الوجود» و «به الوجود» وأنّهم(عليهم السلام) متسمّون بأنّهم «بهم الوجود»، كلام مجمل لا يقف على مغزاه إلاّ الأوحدي في الفلسفة الإسلامية، وما ذكرناه أوضح.
ج. كونهم أصحاب المعجزات والكرامات فتصدر منهم(عليهم السلام) لغاية إثبات النبوة والإمامة أو ما يشبههما، وقد أثبتنا في محله أنّ المعجزة لها صلة بإرادة المعجز وملكاته النفسانيّة، أعني: النبي والإمام، وإن كان الجميع يقع بإذن اللّه سبحانه، وكفاك في تأثير إرادة النبي في تحقّق خارق العادة، خطابه سبحانه للمسيح بن مريم بقوله:(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْني فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْني وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْني وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتى بِإِذْني).2 حيث

1. بحارالأنوار:25/343.
2.المائدة:110.

صفحه 156
ينسب الفعل إلى نفس المسيح.
ومن هذا الباب استجابة دعائهم في صلاة الاستسقاء وغيره فإنّ لدعائهم تأثيراً في الأوضاع الجوية وعصف الرياح ونزول المطر، كلّ ذلك في إطار محدود في زمن خاص، وهذا النوع من التصرف في التكوين غير القول بكونهم من العلل الفاعلية لخلق العالم وإحداثه، وخرابه وإبادته.

2. الولاية التشريعية

لا شك أنّ المجتمع البشري بحاجة ماسة إلى التقنين إمّا بشري وإمّا إلهي، وبما أنّ التقنين البشريّ عاجز عن تحقيق السعادة لعامة المجتمع، لا محيص إلاّ من اللجوء إلى تقنين منزّه عن الهوى وحبّ الذات أوّلاً، ومعرفة كاملة بحاجات الإنسان ثانياً، وليس هو إلاّ اللّه سبحانه، كما قال سبحانه:(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ)1، ولذلك صار التوحيد في التقنين والتشريع من مراتب التوحيد وأنّه لا مشرّع ولا مقنّن إلاّ اللّه سبحانه، ولذلك يقول:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيّاهُ)2، والمقصود من الآية حصر الحاكمية التشريعية باللّه سبحانه، ولذا أردفه بقوله:(أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)، حيث إنّ إيجاب العبادة للّه تشريع من اللّه عزّ اسمه، وهذا قرينة على أنّ المراد من الحكم في الآية هو الحكم التشريعي، لا الحكم التكويني بمعنى حصر تدبير العالم باللّه سبحانه، وفي موضع آخر يخاطب النبي(صلى الله عليه وآله)، و يقول:(ثُمَّ جَعَلْناك عَلى شَريعَة مِنَ الأَمْرِ فاتَّبِعْهَا).3
كلّ ذلك يعرب عن أنّه ليس للرسول إلاّ اتباع الشريعة الّتي أوحى اللّه إليه.
وليس هذا الأمر يختص بالشريعة الإسلامية، بل عامة الشرائع منتهية إلى اللّه

1. الملك:14.
2. يوسف:40.
3. الجاثية:18.

صفحه 157
سبحانه، وليس للنبي الموحى إليه إلاّ اتّباعها، قال سبحانه:(لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)1، وعلى ضوء ذلك فمن اعتقد أنّ هناك شارعاً غير اللّه سبحانه فقد غلا غلوّاً واضحاً، وما ربّما يطلق لفظ الشارع على النبي(صلى الله عليه وآله)فإنّما هو من باب التساهل والمجاز، وإلاّ فالشارع هو اللّه سبحانه. وبذلك عُلم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)لم يكن يمتلك زمام التشريع وكذا الأئمّة(عليهم السلام)، بل إنّ زمام التشريع بيد اللّه سبحانه، والنبي والأئمة مراجع بيان الأحكام وتوضيحها وتفسير مجملاتها وبيان قيود مطلقاتها.كلّ ذلك بتعليم منه سبحانه تعليماً غيبياً خارجاً عن إطار التعليم العادي، كما يقول سبحانه (وَعَلّمناهُ مِنْ لَدُّنا عِلْماً).2

سؤال وإجابة

إذا ثبت أنّ زمام التشريع بيده سبحانه دون سواه فكيف يفسّر ما ورد في الأحاديث التالية؟
1. أنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.
2. أنّ اللّه فرض في السنة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)صوم شعبان وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. أنّ اللّه حرّم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)المسكر من كلّ شراب.
4. أنّ اللّه فرض الفرائض في الإرث ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)أطعمه السدس.3
أمّا الإجابة فنقول: إنّ اللّه سبحانه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، وعلّمه مصالح الأحكام ومفاسدها وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الأحكام

1. المائدة:48.
2. الكهف:65.
3. أُصول الكافي:1/266، الحديث4.

صفحه 158
تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها، وكان النبي بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها، كان له أن ينص على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها، وليس الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها ، أقلّ منزلة من الطرق الأُخر التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه، وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)بقوله:
«عقلوا الدينَ عقلَ وعاية ورعاية لا عقلَ سماع ورواية، فإنّ رواةَ العلم كثير ورعاته قليل».1
غير أنّ اهتداءه(صلى الله عليه وآله) إلى الأحكام وتنصيصه بها من هذا الطريق قليل جدّاً لا يتجاوز ما ذكرناه، وبذلك يعلم حال الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) في هذا المورد.
وقد يجاب عنه أنّ عمل الرسول لم يكن في هاتيك الموارد سوى مجرّد طلب من اللّه سبحانه وقد نفذ اللّه طلبه، لا أنّه قام بنفسه بتشريع وتقنين، ويشير إلى ذلك قوله(عليه السلام): في هذه الموارد الأربعة «فأجاز اللّه عزّ وجلّ له ذلك».
ولو أنّ النبي كان يمتلك زمام التشريع وكان قد فوّض إليه أمر التقنين ـ على نحو ما تفيده كلمة التفويض2 ـ إذن لما احتاج إلى إذنه وإجازته المجدّدة، ولما كان للجملة المذكورة أي معنى.
   
نعم للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) ولاية تشريعية بغير هذا المعنى نشير إليها تالياً:

1. تفويض بيان الشريعة إلى النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام)

فالنبي والأئمة من أهل بيته قد فوّض إليهم بيان الأحكام وكونهم وسائط بين اللّه سبحانه والناس في بيان الفرائض والمحرمات والمستحبات

1. نهج البلاغة، الخطبة 234، طبعة محمد عبده.
2. أي أنّ اللّه فوض حق التشريع إلى رسول اللّه واعتزل كما ينبئ عنه لفظ «التفويض».

صفحه 159
والمكروهات، وانّه يجب على الناس الرجوع إليهم في كلّ ما يمت للشريعة بصلة من غير فرق بين كون الحكم جزئياً أو كلّياً.
أمّا النبيّ (صلى الله عليه وآله) فلا شك أنّه مصدر التشريع بهذا المعنى ولا يشك فيه مسلم، وأمّا أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فيكفي في إثبات ذلك لهم حديث الثقلين، وحديث السفينة.
أمّا الأوّل فقوله(صلى الله عليه وآله):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».
وأمّا الثاني قوله(صلى الله عليه وآله):«مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق». والحديثان متضافران مشهوران رواهما الفريقان.

2. نفوذ قضائهم

إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو القاضي الأوّل في الإسلام ينفذ قضاؤه ويحرم ردّه، قال سبحانه:(يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).1
وفي آية أُخرى يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)2، وفي آية ثالثة يعدُّ التسليم أمام قضاء النبي من علائم الإيمان، ويقول:(فَلاَ وَرَبِّك لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوك فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).3
وبما أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) بنص الحديثين المتقدمين وغيرهما، فيثبت لهم هذا المنصب الّذي كان للنبي(صلى الله عليه وآله).

1. النساء:59.
2. الأحزاب:36.
3. النساء:65.

صفحه 160

3. حق التصرف في الأموال والأنفس

إنّه سبحانه تبارك وتعالى أعطى النبي ولاية التصرف في الأموال والأنفس والمصالح، لا لرغبة شخصية، بل لمصالح عامة، بها قوام المجتمع وسيادة الهدوء فيه، ونشر الإسلام وتقدّمه، يقول سبحـانه:(النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).1
والمراد من الأولوية، الأولوية في التصرف في الأموال والنفوس، أمّا الأموال كإيجاب الضرائب لأجل تعبئة الجيش للجهاد في سبيل اللّه، وأمّا النفوس فكالأمر بالمشاركة في الجهاد الّذي لا يخلو عن التضحية والشهادة.
إنّه تعالى أعطى ذلك المنصب لرسوله لا لإشباع غرائزه الفردية وتلبية رغباته، بل تحقيقاً لمصالح المسلمين وحفظ النظام الاجتماعي إلى غير ذلك من الأهداف السامية المتوقفة على تدخل النبي في ذلك. نعم هذه الأولوية من شؤون كونه حاكماً سائساً للمسلمين، إذ الحكومة على المجتمع لا تنفك عن هذا النوع من التصرف وإنّما ذكرناه مستقلاً لوروده في الآية المباركة. ثم إنّ الشيخ قال: إنّ ولاية النبي أو الإمام على الأنفس والأموال يتصور على وجهين:
1. استقلال الولي المعصوم بالتصرف مع قطع النظر عن كون تصرف غيره منوطاً بإذنه أو غير منوط، ومرجع إلى كونه سبباً في جواز التصرف كتصرفه في أموال القصّر والغُيّب.
2. تصرف الغير منوطاً بإذنه وإن لم يكن الولي مستقلاً بالتصرف، ومرجع هذا إلى كون نظره سبباً في جواز تصرفه.
ثم ذكر انّ إذنه المعتبر في تصرف الغير على وجوه ثلاثة على وجه الاستنابة، أو التفويض والتولية، أو على وجه الرضا فلاحظ.
وإنّما ذكر هذا هنا ليكون مقدّمة لولاية الفقيه، وأنّها من أي قسم من هذين

1. الأحزاب:6.

صفحه 161
القسمين، وسيوافيك بيانه في المستقبل.

4. حاكماً سائساً

وفي ظل المنصب الثالث ـ أعني: حق التصرف في الأموال والأنفس ـ صار حاكماً نافذ القول في الأُمّة، وهذا ما نلاحظه في سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)بعدما هاجر إلى المدينة، وسيرته أفضل دليل على أنّ من مناصبه كونه حاكماً ورئيساً ونافذ الكلمة بين المسلمين حيث إنّه كان يباشر أُموراً من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، والّتي نشير إلى بعضها في ما يلي:
1. عقد بين أصحابه وبين القبائل المتواجدة في المدينة ـ كاليهود وغيرهم ـ اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.1
2. جهّز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لإرهاب الخصوم.
3. راسل الملوك والأُمراء يدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية. وقد جمعت تلك الرسائل في كتاب «مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله)».
4. بعث السفراء والمندوبين إلى الملوك والزعماء.
5. نصب القضاة وعيّن الولاة وأوصاهم بما أوصاهم به.
6. عيّن الضرائب في أموال المسلمين وتجاراتهم ضريبة دون أن يخسر بها أصحاب الأموال، وفي الوقت نفسه بها قوام الحكومة.
إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا يقوم بها إلاّ الإنسان السائس الحاكم ويحقّقها بتشكيل دولة عليّة يقدر معها على إنجاز خططه ومشاريعه.
إلى هنا تمّ ذكر ما للنبي(صلى الله عليه وآله) ـ وبالتالي لخلفائه المعصومين ـ من المناصب

1. راجع السيرة النبوية:1/431.

صفحه 162
الاجتماعية الّتي نحن بصدد دراسة ثبوتها للفقيه الجامع للشرائط.
وأمّا المناصب المعنوية لهم(عليهم السلام) فحدث عنها ولا حرج، فهي خارجة عن إطار البحث.

مناصب الفقيه وولايته

قد وقفت على مناصب النبي(صلى الله عليه وآله) وخلفائه المعصومين(عليهم السلام)على وجه الإيجاز، وحان الوقت للبحث عن مناصب الفقيه وولايته.
إنّ الشريعة الإسلامية اعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة:
1. الإفتاء وإرشاد الناس إلى وظائفهم الفردية والاجتماعية أمام اللّه وأمام الناس.
2. القضاء وفصل الخصومات الّتي لا ينفك عنها أي مجتمع كان.
3. الحكومة والجهاز التنفيذي الّذي في ظله يسود البلادَ الأمنُ وتؤمّن الطرق وتجبى الزكوات وتحرس الحدود من العصاة، وتسد حاجات الناس في المأكل والملبس، وتغزى بها البلاد الكافرة لترفرف راية التوحيد على كافة ربوع الأرض، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا يستغني عنها أي مجتمع إنساني متحضّر.
فيقع البحث في دور الفقيه في تحقيق هذه المناصب الثلاثة، وإليك دراستها:

1. الفقيه ومنصب الافتاء

إنّ ثبوت هذا المنصب ـ لو قلنا بأنّ الإفتاء منصب ـ للفقيه الجامع للشرائط من ضروريات الفقه الإسلامي، وهو غني عن البرهنة، ولم يخالفه إلاّ شرذمة قليلة قضى عليهم الزمن، فقد حرموا الإفتاء وتقليد العامي للمجتهد، يقول الشيخ الأنصاري: للفقيه ا لجامع للشرائط مناصب ثلاثة:

صفحه 163
أحدها: الإفتاء فيما يحتاج إليه العامي في عمله، ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية، من حيث ترتّب حكم فرعي عليها، ولا إشكال ولا خلاف في ثبوت هذا المنصب للفقيه إلاّ ممّن لا يرى جواز التقليد للعامي.1
والمراد من الموضوعات الاستنباطية هي الماهيات المخترعة كالصلاة والصوم والحج، وأجزاؤها وشروطها وموانعها، إذ ليس في وسع العامي التعرف عليها من الكتاب والسنة، بل ربما يحتاج إلى الفقيه في تطبيق بعض الموضوعات العرفية على مصاديقها، مثلاً دلت الروايات على وجوب القصر في ثمانية فراسخ، فلا شك أنّه يشمل المسافة الطولية فهل هي تعم الدورية أيضاً؟! مثلاً إذا سافر حول البلد ثمانية فراسخ بعيداً عن حدّ الترخص، فحاجة العامي في تطبيق المسافة (8فراسخ) على الحركة الدورية رهن الرجوع إلى المجتهد.
والدليل على ثبوت هذا المنصب للفقيه هو السيرة العقلائية في رجوع الجاهل إلى العالم، وأمّا قوله سبحانه:(فَاسْألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)2فهو إرشاد إلى هذه السيرة الّتي هي تعبير عن الفطرة الإنسانية، والإنسان جُبل على كشف المجاهيل والأسرار بواسطة العلماء والخبراء، فكلّ ما ورد في الروايات الشريفة من إرجاع الشيعة إلى العلماء فهي بصدد بيان الصغرى لا لبيان الكبرى، فإنّ رجوع الجاهل إلى العالم أمر بيّن لا يحتاج إلى بيان، وإن شككت فانظر إلى الرواية التالية:
قال علي بن موسى الهمداني للإمام الرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممن آخذ معالم ديني؟ قال الرضا(عليه السلام):«من زكريا بن آدم

1. المتاجر:153.
2. الأنبياء:7.

صفحه 164
القمي المأمون على الدين والدنيا».1
والرواية واضحة في أنّ الإمام بصدد بيان الصغرى(التعرّف على الفقيه)، وأمّا الكبرى (لزوم الرجوع إليه) فقد كانت مسلمة بين السائل والمجيب(عليه السلام).
ثمّ إنّ رجوع العامي إلى العالم ليس بمعنى رجوعه إليه عشوائياً وبلا ملاك، كتقليد المشركين لآبائهم في عبادة الأوثان، بل الرجوع هنا يتم في ظل دليل عقلي قطعي يلزمه الرجوع إليه وهو لزوم تقليد الجاهل للعالم، فقد جرت السيرة بين العقلاء على الرجوع إلى المتخصصين في عامة الأُمور، فهذا الطبيب يرجع إلى المهندس في بناء البيت، كما أنّ المهندس يرجع إليه في علاج مرضه.
وبما أنّ المسألة مسلمة لا نطيل الكلام فيها، وقد بسطنا الكلام فيها في كتابنا«الرسائل الأربع».2

2. الفقيه ومنصب القضاء

إنّ القضاء بين الناس لا يفارق التصرف في الأموال والأنفس وليس لأحد ولاية على أحد ، فالتلبس به رهن ولاية إلهية يمارس في ظلها ذلك التصرف وليست إلاّ للّه سبحانه ولمن نصّ به، وقد نصّت الآيات على ثبوت الولاية للنبي(صلى الله عليه وآله)كما مرّ، وتضافرت الروايات على ثبوت هذا المنصب للفقيه الجامع للشرائط، وكفى في ذلك مقبولة عمر بن حنظلة المروية بسند صحيح إلى داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة.3
وليست مقبولة عمر بن حنظلة وحيدة في مضمونها، بل هي مؤكّدة بروايتين لأبي خديجة (سالم بن مكرم الّذي يقول النجاشي بحقه: ثقة ثقة)، وسيوافيك نص الحديثين عند البحث عن ولاية الفقيه ومنصب الحكومة.

1. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث27.
2. راجع الرسائل الأربع تقريراً لبحوثنا في الاجتهاد والتقليد: الرسالة الثانية:16ـ 24.
3. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 165

3. الفقيه ومنصب الحكومة والتصرف في الأموال والنفوس

هذا هو المنصب الثالث الّذي لم يزل مثاراً للبحث والنقاش منذ عصر قديم إلى يومنا هذا، وليس المراد من الحكومة، القضاء بين الناس، بل ما يقوله الشيخ الأنصاري(رحمه الله): الثالث ولاية التصرف في الأموال والأنفس، وهو المقصود بالتفصيل هنا ولنذكر بعض الكلمات:1
وقبل الخوض في أدلة الولاية ننقل شيئاً من كلمات فقهائنا في ذلك المضمار.

ولاية الفقيه في الكتب الفقهية

مَنْ سبر الكتب الفقهية للمشايخ الأعاظم عبر القرون يجد أنّهم لم يولوا هذا البحث أهمية بارزة فأكثر الكتب الفقهية خال عن عنوان له، وإنّما بحثوا عن مسألة التولي من قبل الجائر وقسّموه إلى أحكام خمسة، ولعل السر في ذلك أنّه لم يكن المناخ متاحاً لطرح هذا البحث فقد كانت السلطة بيد الظالمين من بني أُمية وبني العباس، وبعد انحلال الدولة العباسية انقسمت إلى دويلات ومماليك، ولم يكن للشيعة في هذه القرون قدرة لتشكيل الدولة حتّى يطرح الفقهاء ولاية الفقية وسلطته على النفوس والأموال، ولذلك نرى الشيخ المحقّق الكركي عند ما تصدى لمنصب «شيخ الإسلام» في أوائل القرن العاشر طرح ولاية الفقيه بحماس وقوة، ونقتبس من كلامه ما يلي:
1. قال(رحمه الله) في رسالة صلاة الجمعة: اتّفق أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) على أنّ الفقيـه العـدل الإمامي الجامـع لشرائط الفتوى، المعبـّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى (صلوات الله وسلامه عليهم) في حال الغَيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحابُ القتلَ

1. المتاجر:153.

صفحه 166
والحدود مطلقاً.
فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغُيّاب والأطفال والسفهاء والمفلسين، ويتصرّف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).
والأصل فيه ما رواه الشيخ في (التهذيب) باسناده إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام) أنّه قال:«انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ والرادّ علينا رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».
وفي معناه أحاديث كثيرة.
والمقصود من هذا الحديث هنا: أنّ الفقيه الموصوف بالأوصاف المعيّنة، منصوب من قبل أئمتنا(عليهم السلام)، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله:«فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، وهذه استنابة على وجه كلّي.
ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادق(عليه السلام); لأنّ حكمهم وأمرهم(عليهم السلام) واحد، كما دلّت عليه أخبار أُخرى.
1. قال في جامع المقاصد: الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء. لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والإفتاء، والصلاة أمر خارج عنهما.
لأنّا نقول: هذا في غاية السقوط; لأنّ الفقيه منصوب من قبلهم(عليهم السلام) حاكماً كما نطقت به الأخبار، وقريباً من هذا أجاب المصنّف وغيره.1
وله كلام مبسوط في الرسالة الخراجية حيث قال:

1. صلاة الجمعة المطبوع ضمن رسائله:4/263ـ 264.

صفحه 167
«فإن قلت:» فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك، أعني: الفقيه الجامع للشرائط؟
قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً، ولكن مَن جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود، وغير ذلك من توابع منصب الإمامة، ينبغي تجويزه لهذا (الخراج) بالطريق الأولى; لأنّ هذا أقل منه خطراً، لا سيما والمستحقون لذلك موجودون في كلّ عصر، إذ ليس هذا الحق مقصوراً على الغزاة والمجاهدين كما يأتي.
ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيّد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدّمين والمتأخّرين نصير الحقّ والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر وغيرهم رضوان اللّه عليهم، نظر متأمّل منصف لم يعترضه الشك في أنّهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويبيحون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما يعتقدون صحّته.1
و ما زلنا نسمع خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين، ما هو من جملة الشواهد على ما ندّعيه، والدلائل الدالة على حقيقة ما ننتحيه2.
ومتى خفي شيء، فلا يخفى حال أُستاذ العلماء والمحقّقين، والسابق في الفضل على المتقدّمين والمتأخّرين، العلاّمة نصير الملّة والحقّ والدين، محمّد ابن محمّد بن الحسن الطوسي ـ قدّس اللّه نفسه وطهّر رمسه ـ وأنّه كان المتولّي لأحوال الملك والقائم بأعباء السلطنة، وهذا وأمثاله إنّما يصدر عن أوامره ونواهيه.

1. جامع المقاصد:2/374.
2. أي: نذهب إليه.

صفحه 168
ثم انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن المطهّر(قدس سره)، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.
ولو شئتُ أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً1.2
وبهذا ترى أنّ المحقّق الكركي يقول بولاية الفقيه بعامة مراتبها من دون أن يخص ولايته ببعض دون بعض، لأنّه أعتلى منصة الحكم ولمس الحاجة عن كثب.
3. قال المحقّق النراقي: كلّ فعل متعلّق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم لابدّ من الإتيان به، ولا مفرّ منه إمّا عقلاً، أو عادة من جهة توقّف أُمور المعاد، أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أُمور الدين أو الدنيا، أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم، أو دليل آخر أو ورد الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعيّن واحد أو جماعة ولا لغير معيّن أي واحد لا بعينه، بل علم لابدية الإتيان به أو الإذن فيه ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه والإتيان به.3
ويستفاد من كلامه أمران:
1. كلّ فعل عيّن الشارع القائم به وسمّاه، نظير: النفقة على الأولاد والزوجة والأبوين فقد جعل تلك الفرائض على الأب والجد فلا يتدخل فيها أحد.

1. آثار المحقّق الكركي:4/489ـ 490، قسم الرسائل.
2. انظر: آثار المحقّق الكركي:4/489ـ 490 و 503ـ 504، قسم الرسائل.
3. عوائد الأيام:187.

صفحه 169
2. أنّ كلّ فعل متعلّق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابدّ من تحقّقه إمّا عقلاً أو عادة أو شرعاً أو لأجل الإجماع أو غير، ولم يشخّص في الشرع من يقوم به فهو على عاتق الفقيه الجامع للشرائط، وبتعبير أدبي كلّ فعل اجتماعي لازم التحقّق لم يسم فاعله فهو على عاتق الفقيه، إذ هو القدر المتيقّن من بين أفراد المجتمع لا غيره.
4. قال صاحب الجواهر عند البحث في جواز إقامة الحدود للفقيه ـ و إن تأمّل فيه بعضهم ـ : فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمل المراد من قولهم:«إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة» ونحو ذلك ممّا يُراد منه نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته في «المراسم» بتفويضهم(عليهم السلام) لهم في ذلك.
ثمّ قال: نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأُمور الّتي يعلمون عدم حاجتهم إليهما كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأُمراء ونحو ذلك، ممّا يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه، وإلاّ لظهرت دولة الحقّ كما أومأ إليه الصادق(عليه السلام)بقوله:«لو أنّ لي عدد هذه الشويهات ـ و كانت أربعين ـ لخرجت».
ثم قال: وبالجملة فالمسألة من الواضحات الّتي لا تحتاج إلى أدلة.1
5. وقال الشيخ الأنصاري، ما هذا حاصله:
الأول: أن يكون الفقيه مستقلاً في التصرف فيما يرجع إلى حوزة الشريعة نظير ذلك:
1. طلب الفقيه الخمس والزكاة من المكلّف فيجب دفعه إلى الفقيه بعد المطالبة.

1. جواهر الكلام:41/397.

صفحه 170
2. طلب الأموال لأجل حفظ الثغور أو رفع المجاعة.
3. أخذ الأموال من الناس لحفظ دمائهم وأموالهم من الأعداء.
4. استخدام المواصلات بلا رضا أصحابها في الحالات الضرورية.
5. قتل المسلمين إذا تترس بهم الكفّار.
6. فرض الضرائب على الأموال.
7.وبكلمة جامعة، تأسيس الحكومة والقيام بلوازمها التي لا تنفك عن التصرف في الأموال والنفوس.
إلى غير ذلك من الأُمور التي تصب في صالح المسلمين، وقد استدلّ له بروايات، نظير:
1. إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا أحاديث، فمن أخذ بشيء منها أخذ بحظ وافر.1
2. إنّ العلماء أُمناء الرسل، وفي الكافي: الفقهاء أُمناء الرسل.2
وأمثال هذه الروايات، فقال في شأنها: الإنصاف بعد ملاحظة سياقها وصدرها وذيلها يقتضي الجزم بأنّها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية، لا كونهم كالنبي والأئمة في كونهم أولى بالناس في أموالهم.ولو فرض العموم فيما ذكر من الأخبار وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة من وظيفته من حيث كونه رسولاً مبلغاً وإلاّ لزم تخصيص أكثر أفراد العام لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلاّ في موارد قليلة (كالتصرف في أموال الغُيَّب والقُصَّر) فإقامة الدليل على وجوب اطاعة الفقيه كالإمام(عليه السلام) إلاّ ما خرج بالدليل، دونه خرط القتاد.
الثاني: توقّف تصرف الغير على إذنه فيما كان متوقّفاً على إذن الإمام، بأن

1. الوسائل:18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث2.
2. الكافي:1/33، الحديث5.

صفحه 171
يقوم إذن الفقيه مقام إذن الإمام.
ثمّ إنّه ذكر هنا ضابطة وهي: أنّ كل معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج إن علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء، أو كلّ من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف، فلا إشكال في شيء من ذلك; وإن لم يعلم ذلك واحتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه، وجب الرجوع فيه إليه.
فخرج بقوله:«علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج» ما لم تعلم إرادة وجوده في عصر الغيبة كالجهاد الابتدائي. وعلى ضوء ذلك فقد خصّ دائرة الولاية بما علمت إرادة الشارع وجوده في الخارج لا ما شك، وبذلك يفترق عن القول بالولاية المطلقة للفقيه، فهو على أقسام:
أ. علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالافتاء والقضاء اللّذين هما وظيفة المجتهد والقاضي، أو علم كونه وظيفة كل من يقدر على القيام به من المسلمين كالأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل، فلا شك أنّ هذه الموارد ليست مشروطة بنظر الفقيه.
ب. علم أنّه مشروط بنظر الفقيه إمّا في وجوبه أو صحّته فيجب الرجوع إلى الفقيه في عصر الغيبة، كالتصرف في أموال القصّر والغيّب، وهذا القسم لم يذكره الشيخ ولكن يفهم من سياق كلامه.
ج. لم يعلم شيء من الطرفين واحتمل كونه مشروطاً في وجوده (كالقصاص) أو وجوبه (كالأمر بالمعروف إذا انجر إلى ضرب التارك وجرحه) إلى نظر الفقيه فيجب الرجوع إليه.
ثمّ إنّ الفقيه إن علم من الأدلّة جواز تولّيه، لعدم إناطته بنظر خصوص الإمام أو نائبه الخاص، تولاّه الفقيه مباشرة أو استنابة; وإن لم يعلم الفقيه جواز تولّيه، عطّله ولم يقم به.

صفحه 172
ومحصل كلامه: أنّ ولاية الفقيه مركّزة في الأُمور التي «علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج»، وأمّا الأُمور التي لم يعلم إرادة وجوده في الخارج، فهو خارج عن حدود ولايته.
فإن قلت: إذا كان الشيء معروفاً كيف يكون منوطاً بنظر الإمام المعصوم(عليه السلام).
قلت: كونه معروفاً لا ينافي إناطته بنظر الإمام والحرمان منه عند فقده كسائر البركات التي حرمناها بفقده.
ومرجع هذا إلى الشك في كون المطلوب مطلق وجوده أو وجوده من موجد خاص.
ثم استدل على وجوب الرجوع في القسم الثالث بمقبولة عمر بن حنظلة والتوقيع المروي في «إكمال الدين» أعني:«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه».1
فإنّ المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأُمور التي لابد من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، كالنظر في أموال القاصرين لغيبة أو موت أو صغر أو سفه.
6. قال السيد المحقّق البروجردي: كون الفقيه العادل منصوباً من قبل الأئمّة(عليهم السلام)لمثل تلك الأُمور العامة المهمة الّتي يبتلى بها العامّة ممّا لا إشكال فيه إجمالاً بعد ما بيّناه، ولا يحتاج في إثباته إلى مقبولة عمر بن حنظلة، غاية الأمر كونها ـ أيضاً ـ من الشواهد.
هذه بعض كلمات فقهائنا المتأخّرين اكتفينا بذلك، فإنّ الاستيعاب لا يسعه المجال.
وأعلم أنّ لتصحيح ممارسة الفقيه الجامع للشرائط طريقان:
الأوّل: الرجوع إلى الروايات الّتي استدل بها على ولاية الفقيه. وهذا هو

1. إكمال الدين:484، الباب45، الحديث 4 .

صفحه 173
الذي سلكه الأعاظم منذ عصر المحقّق الثاني إلى يومنا هذا، وبسط الكلام فيه سيدنا الأُستاذ (قدس سره).
الثاني: استكشاف ضرورة وجود القوة التنفيذية من خلال دراسة الأحكام الّتي يتوقّف تحقيقهـا في الخارج على وجود سلطة وجهاز ينفذها في المجتمع، وقد عبّر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) عن هذه السلطة بالإمام أو الـوالي أو السلطان. والقائم بهذه الأُمور يتردد بين كونه فقيهاً بصيراً عالماً بالأحكام الإسلامية قادراً على التنفيذ، وأعم منه ومن غير الفقيـه وإن كان له بصيرة في إدارة المجتمع ولباقة في السياسة، والقدر المتيقّن هو الأوّل، كما هو الحال فيما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير. والفرق بين الطريقين أنّ الفقيه على الوجه الأوّل يمارس الأُمور ولاية، وأمّا الوجه الثاني فإنّما يمارسها حسبة، كما سيتضح في محله.
وها نحن ندرس الموضوع صحّة ممارسة الفقيه من كلا الطريقين.

صفحه 174
ولاية الفقيه وأدلّتها الروائية   

ولاية الفقيه وأدلّتها الروائية

استدلّ القائلون بولاية الفقيه بروايات عديدة ندرسها تباعاً:

ما دلّ على جعل الفقيه قاضياً وحاكماً

دلّت الروايات الثلاث ـ الّتي سنتلوها عليك على منع الشيعة من الرجوع إلى القضاة المنصوبين من قِبَلِ الحاكم الجائر، وأوجبت عليهم الرجوع في قضاياهم إلى الفقيه الإمامي العارف بالأحكام، وإليك ما يدلّ على ذلك.

1. مقبولة عمر بن حنظلة

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحُصَين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: «مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت،وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى:(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)1»، قلت: كيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في

1. النساء:60.

صفحه 175
حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا راد على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».1
والسند لا غبار عليه ورواته كلّهم ثقات أجلاّء، وليس في السند مَن يُتكلم فيه إلاّ عمر بن حنظلة وهو ثقة على الأقوى، ولو لم تثبت وثاقته فالرواية قد تلقّاها العلماء بالقبول، ولذلك سُمّيت مقبولة، وهي المدار في كتاب القضاء مضافاً إلى أنّ إتقان الرواية كاشف عن صدورها عن الإمام والرواية وإن قطّعها صاحب الوسائل في أبواب مختلفة لكن رواها الكليني في موضع واحد.2
هذا هو السند وأمّا الدلالة فإنّ الدقة في الصفات التي عُرّف بها القاضي لا تنطبق إلاّ على الفقيه المجتهد حيث قال: «من كان منكم ممّن روى حديثنا ونظر في حرامنا وحلالنا وعرف أحكامنا» فالمراد معرفة الأحكام الواقعية لا الظاهرية ولا يتحقّق ذلك إلاّ بملكة راسخة يميّز الفقيه بها الحاكم عن المحكوم، والوارد عن المورد، ويجمع بين المطلق والمقيّد، والعام عن الخاص، ويميّز ما صدر عن تقية عن غيره، إلى غير ذلك من الخصوصيات الّتي تؤثر في تمييز الحكم الواقعي عن غيره.

2. مشهورة أبي خديجة الأُولى

روى الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه(عليه السلام) إلى أصحابنا، فقال: «قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى (بينكم) في شيء من الأخذ والعطاء، أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق،

1. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
2. الكافي:1/54 و 7/412.

صفحه 176
اجعلوا بينكم رجلاً، قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».1
وسند الشيخ في التهذيبين إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح، والسند لا غبار عليه، والرواة كلّهم ثقات، وأمّا أبو الجهم فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق(عليه السلام)ولمّا بلغه خبر موته قال الصادق(عليه السلام) في حقّه:«أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه وأمير المؤمنين».2
نعم يبقى الكلام في نقل الحسين بن سعيد الأهوازي عن أبي الجهم بلا واسطة; فإنّ الأوّل من أصحاب الرضا والجواد والهادي، وتوفّي الإمام الرضا (عليه السلام)عام 203هـ والإمام الجواد(عليه السلام)عام 220هـ والإمام الهادي(عليه السلام) عام 254هـ، فكيف تصح روايته عمّن توفّي(بكير بن أعين) في عصر الإمام الصادق الّذي توفّي عام (148هـ)؟! ففي السند سقط.
فسقطت الواسطة بين الحسين بن سعيد و أبي الجهم، ولكن يمكن استظهار الواسطة الساقطة من سائر الروايات الّتي نقلها الحسين بن سعيد عن بكير بن أعين بوسائط، فبملاحظتها يُعلم أنّ الواسطة الساقطة هي أحد هؤلاء الأعلام، وإليك أسماء الوسائط بين الحسين بن سعيد وبكير بن أعين:
أ. حريز بن عبد اللّه عن بكير.3
ب. ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن بكير.4
ج. حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن بكير.5

1. الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث6.
2. رجال الكشي:160، برقم 72.
3. التهذيب:2/255، برقم 1012.
4. الاستبصار:1/61، برقم 182.
5. نفس المصدر:1/248، برقم 892.

صفحه 177
د. صفوان عن عبد اللّه بن بكير عن أبيه بكير بن أعين.1
هـ . حمّاد بن عيسى عن عمر بن أُذينة عن بكير.2
و. هؤلاء كلّهم إمّا إمامي ثقة أو فطحي موثّق كعبد اللّه بن بكير.
وسيوافيك الكلام في أبي خديجة.

3. المشهورة الأُخرى لأبي خديجة

روى الصدوق في الفقيه باسناده عن أحمد بن عائذ بن حبيب الأحمسي البجليّ الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام):«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».3
وسند الصدوق في الفقيه إلى أحمد بن عائذ صحيح، وأمّا أحمد بن عائذ فقد وصفه النجاشي بقوله: مولى، ثقة، كان قد صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه، وعدّه الشيخ من أصحاب الباقر والصادق(عليهما السلام).4
غير أنّ فيما ذكره الشيخ نظراً واضحاً، لأنّه لم ينقل عن الباقر والصادق(عليهما السلام)شيئاً وإنّما نقل عن أبي الحسن(عليه السلام)، وهو مردد بين الكاظم والرضا(عليهما السلام) ولذلك يروي عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر المتوفّى عام (221هـ) وغيره من الأعلام المتأخّرين، وبذلك يُعلم دفع ما أُثير5 من شبهة حول المشهورة، وهي أنّ أبا

1. نفس المصدر:1/430، برقم 1660.
2. نفس المصدر:2/270،برقم 960.
3. الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
4. معجم رجال الحديث:2/برقم 607.
5. يقول المحقّق النائيني: إنّ له حالة اعوجاج عن طريق الحق وهي زمان متابعته للخطابية، وحالة استقامة، ولم يعلم أنّه رواهما في أي حالة من الحالات. منية الطالب:1/236.

صفحه 178
خديجة كان خطابياً ثم تاب، ومن المحتمل أنّ أحمد بن عائذ أخذ الحديث عنه عندما كان خطابياً.
وقد تبيّن اندافعها، وذلك لأنّه تاب عن الخطابية في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)كما سيوافيك، وقد علمت أنّ أحمد بن عائذ روى عنه في عصر متأخّر.
ذكر الكشي وقال: كان سالم من أصحاب أبي الخطاب وكان في المسجد يومَ بعثَ عيسى بن موسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس وكان عامل المنصور على الكوفة إلى أبي الخطاب لما بلغه أنّهم قد أظهروا الإباحات ودعوا الناس إلى نبوة أبي الخطاب، فبعث إليهم رجلاً فقتلهم جميعاً، فلم يُفْلِت منهم إلاّ رجلٌ واحد وأصابته جراحات فسقط بين القتلى يُعدّ فيهم، فلمّا جنّه الليل خرج من بينهم فتخلّص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمّال الملقب بأبي خديجة، فذكر بعد ذلك: أنّه تاب، وكان ممّن يروي الحديث.1
أضف إلى ذلك: أنّه من البعيد جدّاً أن يروي أحمد بن عائذ عن رجل خطابي يرى النبوة لأبي الخطاب، وبه يندفع الإشكال ذاته عن المشهورة الأُولى حيث إنّ أبا الجهم ـ أعني: بكير بن أعين ـ أعلى وأفضل من أن يروي عن خطابي بقي على ضلاله وإنّما نقل عنه بعد أن تاب.
حتّى أنّ الكشي قال: كما مرّ (أنّه تاب وكان ممّن يروي الحديث) فظاهره أنّه يروى الحديث بعد توبته.
   
وأمّا الاختلاف بين الروايتين الأُوليين والثالثة حيث إنّهما ظاهرتان في المجتهد المطلق إذ ورد فيهما: «عرف أحكامنا»، وفي الثالثة ورد:«يعلم شيئاً من قضايانا» فليس بمضر، إذ من المحتمل جواز قضاء المتجزئ أيضاً كما هو ليس ببعيد. وعلى فرض عدم الجواز، يؤخذ بالقدر المتيقن.

1. رجال الكشّي:352.

صفحه 179

في كيفية ممارسة الفقيه أمر القضاء

يقع الكلام في كيفية ممارسة الفقيه أمر القضاء، فهنا احتمالات:
1. أن تكون الولاية للإمام، والفقيه وكيلاً عنه في القضاء.
2. أن تكون الولاية للفقيه أيضاً مادام الإمام حيّاً، وتكون ولايته في القضاء في طول ولاية الإمام.
3. أن يكون الولاية له من غير تقيّد بحياته فيكون قاضياً بعد وفاته، نظير نصب القيّم للأطفال حيث لا تبطل القيمومة بفوت الناصب.
4. أن يكون الفقيه منصوباً للقضاء من قبل اللّه سبحانه، نظير ولاية الأب والجد حيث إنّهما منصوبان من قبل اللّه بلا واسطة.
وتختلف الآثار حسب اختلاف الفروض.
فعلى الأوّل تبطل وكالته بموت الإمام شأن كلّ وكالة إذا مات الموكّل.
وعلى الثاني تنتهي مدة القضاء بموت الإمام.
وعلى الثالث يبقى على منصبه وإن مات الإمام، ولا يعد ذلك من مقولة تصرف الإمام المتوفّى في أُمور الإمام الحيّ، لأنّ النصب كان متقدّماً على إمامة الإمام الحيّ والتصرف من آثار النصب.
وعلى الرابع تستمر ولايته نظير ولاية الأب والجد.
والمتبادر من الأدلة كونها من القسم الثالث وإن كان الرابع محتملاً.
فإن قلت: إنّ إعطاء المنصب يتوقّف على وجود الموضوع، فالجعل لا يشمل سوى الموجودين في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
قلت: ما ذكرته مبني على أنّ المجعول من قبيل القضايا الخارجية الّتي لا تشمل سوى الموجودين كقولنا: قتل من في العسكر ونهب ما في الدار، ولكن المجعول من قبيل القضايا الحقيقية الّتي تعم الموجود والمعدوم، الموجود في ظرفه، نظير الوقف على البطون اللاحقة، فإنّ كلّ بطن لاحق يتلقّى الملك من

صفحه 180
نفس الواقف لا من البطن السابق.
أضف إلى ذلك أنّ الإمام بصدد رفع حاجة الشيعة فيما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة، والحاجة أمر مستمر عبر القرون، فلازم ذلك بقاء الجعل مادام الملاك موجوداً.
إلى هنا تمّت دراسة السند والمضمون إجمالاً، بقي الكلام في دلالة الروايات على ولاية الفقيه في إطار أوسع، وإلاّ فولاية القضاء ليست أمراً مختلفاً فيه فنقول:

دلالة الروايات على سعة الولاية

إنّ الإمام(عليه السلام) وإن حرّم الرجوع إلى قضاة الجور، لكنّه وضع بدلاً لذلك وهو الفقيه الجامع للشرائط وأمر شيعته بالرجوع إليه في كافة الأُمور الّتي كان الناس يرجعون فيها إلى القضاة، فالإمام(عليه السلام) وإن خطّأهم في الرجوع إلى القاضي المنصوب من قبل الحاكم الجائر ولكنّه لم يخطّئ في نوعية الرجوع وإنّما خطّأ في المصداق، وعلى ذلك فلو عرفنا الأُمور الّتي كان الناس آنذاك يرجعون إلى القضاة فيها فعلى الشيعة أن يرجعوا فيها إلى الفقيه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام أعطى منصباً رسمياً للفقيه في ذات الأُمور الّتي كان القضاة مرجعاً فيها في ذلك الزمن، فلو عرفنا عناوين هذه القضايا عن طريق رواياتنا نجزم بثبوت ولاية الفقيه فيها، وبذلك نستطيع أن نعرف حدود ولايته.
وربّما يتبادر إلى الذهن أنّ قوله(عليه السلام):«فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» ظاهر في أنّ المجعول أوسع من منصب القضاء، فالفقيه قاض وفي الوقت نفسه حاكم أيضاً فلابدّ من الرجوع إليه في الأُمور الّتي كان الحكام آنذاك مراجع لها.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام أعطى للفقيه منصبي القضاء والحكم.
لكن الاستظهار غير صحيح، لأنّ إطلاق «الحاكم» على خصوص الوالي أو

صفحه 181
السلطان من مصطلحات المتأخّرين، والظاهر أنّ المراد هو القاضي بشهادة استعماله في الكتاب والسنّة فيه، قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكّامِ)1، والمراد هو إعطاء الرشوة إلى القضاة، وأمّا استعمال الحاكم في الروايات في القاضي فكثير.2
ولنذكر هذه الأُمور الّتي كان القضاة يومذاك مرجعاً فيها:

1. لوازم القضاء وتبعاته

لا شك أنّ القضاء وفصل الخصومات يتوقّف في عامة العصور على أُمور كإحضار المدّعى عليه، وحبسه إلى حين إصدار الحكم، وبيع مال المنكر إذا امتنع عن الأداء، أو غيرها من الأُمور الّتي يتوقّف عليها القضاء وفصل الخصومات.
ولا غرو في أنّ لوازم القضاء تتّسع يوماً بعد آخر، فللفقيه الولاية على القيام بها حتّى يتبيّن الحق، ويعود إلى أصحابه، كلّ ذلك بحجة أنّ الإمام(عليه السلام) قد خطّأهم في المصداق، لا في عناوين القضايا وخصوصياتها، فمهما اتّسعت دائرة القضاء وتوقّف القضاء على تحقيق أُمور، فللفقيه أن يقوم بها بصفة أنّه قاض منصوب من قِبل الشرع.

2. التصدّي لأُمور الصغار المختلفة

دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الناس في عصر الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يرجعون في أُمور الصغار إلى قضاة البلد، فلو ثبت هذا بطريق صحيح فللفقيه التصدي لأُمور الصغار بما أنّه عُيّن قاضياً شرعياً من قبل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

1. البقرة:188.
2. لاحظ كتاب القضاء وغيره في الوسائل.

صفحه 182
1. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد، القيّم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي، لأنّهن فروج.
قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر(عليه السلام) وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا، ولا يوصي إلى أحد، ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلاً منّا فبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لأنّهن فروج، فما ترى في ذلك؟
قال: فقال: «إذا كان القيّم به مثلك، ومثل عبد الحميد فلا بأس».1
والرواية دالة على أنّ الناس كانوا راجعين في أُمور الصغار ومتاعهم وجواريهم إلى القضاة. وأنّ القاضي يعيّن القيم لهم إذا لم يوص الأب بأحد.
2. روى الشيخ عن إسماعيل بن سعد قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن رجل مات بغير وصية وترك أولاداً ذكراناً وغلماناً صغاراً وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: «نعم».
وعن الرجل يصحب الرجل في سفر فيحدث به حدث الموت، ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار، أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه إلى ولده الأكابر أو إلى القاضي، وإن كان في بلدة ليس فيها قاض كيف يصنع؟ وإن كان دفع المتاع إلى الأكابر ولم يعلم فذهب فلم يقدر على ردّه كيف يصنع؟ قال: «إذا أدرك الصغار وطلبوا لم يجد بدّاً من إخراجه إلاّ أن يكون بأمر السلطان».2
والرواية تشهد على أنّ دفع الأموال إلى القاضي في الظروف الواردة فيها

1. الوسائل:12، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث2.
2. الوسائل:13، الباب89 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث3.

صفحه 183
الرواية كان أمراً رائجاً لكن تردد الراوي لأجل عدم إحراز صلاحية القاضي المنصوب أو فقدانه.
3. روى عبد الرحمن بن الحجّاج، عن خالد الطويل قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة، فقال: يا بُني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان، فقدّمتني أُمّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إنّ هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصتُ عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثم أشهد عليّ ابن أبي ليلى أنا حركته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقصصت عليه قصتي، ثمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان».1
والرواية تشهد بأنّ الناس يرجعون في أُمور أموال الصغار إلى القضاة، ويشهد له قول ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه (أي لا أنفذه)، إلى غير ذلك من الروايات الّتي يقف عليها المتتبع.
ومن المعلوم أنّ الأُمور المرتبطة بالصبي الفاقد للولي تتنوّع حسب تقدّم الزمان واختلاف البيئات فيقوم القيّم ببيع ماله والشراء له وإعمال الخيار والأخذ بالشفعة، الّتي تجمعها الولاية على الأموال.

3. التصدي لأُمور الغائب

لا شكّ أنّ الناس في العهود السابقة وفي عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يرجعون في أُمور الغائب إلى القاضي والسيرة المستمرة تكشف عن وجودها في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد ورد في المرأة المفقود زوجها رفع أمرها إلى الحاكم، ففي صحيحة بُريد بن معاوية قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المفقود كيف تصنع

1. الوسائل:13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.

صفحه 184
امرأته؟ فقال: «ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها، وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجّلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الّذي فقد فيه فليُسأل عنه، فإن خُبّر عنه بحياة صبرتْ، وإن لم يُخبر عنه بحياة حتّى تمضي الأربع سنين دعا ولي الزوج المفقود، فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان للمفقود مال أنفق عليها، حتّى تُعلم حياته من موته. وإن لم يكن له مال قيل للوليّ: أنفق عليها، فإن فعل فلا سبيل لها إلى أن تتزوج ما أنفق عليها، وإن أبى أن ينفق عليها، أجبره الوالي على أن يطلّق تطليقة في استقبال العدّة وهي طاهر، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدّتها من يوم طلّقها الوليُّ، فبدا له أن يراجعها فهي امرأته، وهي عنده على تطليقتين، وإن انقضت العدّة قبل أن يجيء، ويراجع، فقد حلّت للأزواج، ولا سبيل للأوّل عليها».1
والظاهر أنّ المراد من الوالي هو القاضي أو من يجمع بين المنصبين، لأنّ المرجع في الأُمور العائلية هو القاضي فهو الّذي يأمر بالإنفاق ويكتب إلى الآفاق. ويأمر الوليّ بالطلاق ويهدده. ويؤيد الثاني ورود «السلطان» في بعض الروايات.2
روى جميل بن دراج، عن جماعة من أصحابنا، عنهما(عليهما السلام) قالا: «الغائب يُقضى عليه إذا قامت عليه البيّنة ويباع ماله، ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلاّ بكفلاء».3
ولصاحب الجواهر كلام في المقام معناه عدم لزوم الجمود على القضاء وأنّ الإمام بيّن ما به تنتظم أُمور الشيعة وحوّله إلى الفقيه، قال: ولا تأمل المراد من

1. الوسائل:13، الباب23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث1.
2. الوسائل:13، الباب23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث35.
3. الوسائل:18، الباب26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.

صفحه 185
قولهم: «إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة» ونحو ذلك، ممّا يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته]صاحب[ المراسم بتفويضهم(عليهم السلام) لهم في ذلك.1
وبعبارة واضحة: لو كان الإمام مبسوط اليد كان على الشيعة الرجوع إلى الإمام، وفي زمان الغيبة لم يتركهم الإمام بلا مرجع فعيّن لهم المرجع. ومن هنا يُعلم حكم السفهاء والمجانين فسيرة المسلمين في جميع الأعصار الرجوع في أُمورهم إلى القاضي.

4. ولايته في إجراء الحدود الشرعية والتعزيرات

كانت القضاة في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يقومون باجراء الحدود الشرعية، فإذا نُزّل الفقيـه الجامـع للشرائط منزلة القاضي يكون له إجراء الحدود والتعزيرات.
هذا هو مجمل الكلام، وإليك التفصيل في ضمن أُمور:
الأوّل: غير خفي أنّ لإجراء الحدود مصالح واقعية يسود به الأمن في المجتمع وتصان به الأموال وتحفظ الأعراض والدماء.
وقد أشار إلى ذلك النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث قال: «إقامة حد خير من مطر أربعين صباحاً».2
الثاني: أنّ المشهور بين فقهاء الإمامية أنّ إجراء الحدود ليس من خصائص الإمام المعصوم، بل هو من خصائص الإمام العادل كالفقيه الجامع للشرائط، فقد ذهب المشاهير من فقهاء الإمامية إلى أنّه يجوز للفقهاء العارفين بالأحكام الشرعية إقامة الحدود في حال غيبة الإمام(عليه السلام) كما يجب لهم الحكم بين الناس

1. جواهر الكلام:21/397.
2. الوسائل:18، الباب1 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث4.

صفحه 186
ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك، ولم ينقل الخلاف إلاّ عن ثلاثة; ابن زهرة وابن إدريس وسلاّر، وفي الجواهر أنّه لم يتحقّق خلافهم1، وهذا كلامه وقريب منه كلام غيره.
الثالث: وردت روايات تدلّ على أنّ إجراء الحدود كان بيد القضاة في أعصارهم(عليهم السلام)، ومن هذه الروايات ما يلي:
1. روى الصدوق عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): من يقيم الحدود؟ السلطان، أو القاضي؟ فقال: «إقامة الحدود إلى مَن إليه الحكم».2والمراد من الحكم، هو القضاء.
2. ما رواه أصبغ بن نباتة، عن علي(عليه السلام) قال: وقضى أمير المؤمنين: أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين.3
3. ما رواه علي بن عقبة، عن أبيه عقبة بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): لو رأيت غيلان بن جامع، واستأذن علىّ فأذنت له ـ وقد بلغني أنّه كان يدخل إلى بني هاشم ـ فلمّا جلس قال: أصلحك الله أنا غيلان بن جامع المحاربي قاضي ابن هبيرة قال: قلت: يا غيلان ما أظن ابن هيبرة وضع على قضائه إلاّ فقيهاً قال: أجل، قلت: يا غيلان تجمع بين المرء وزوجه؟ قال: نعم، قلت: وتفرق بين المرء وزوجه؟ قال: نعم، قلت: وتقتل؟ قال: نعم، قلت: وتضرب الحدود؟ قال: نعم، قلت: وتحكم في أموال اليتامى؟ قال: نعم، قلت: وبقضاء مَن تقضي؟ قال: بقضاء عمر وبقضاء ابن مسعود وبقضاء ابن عباس وأقضي من قضاء أمير المؤمنين بالشيء ، وللحديث صلة.4 فلاحظ.
4. روى الشيخ عن داود بن فرقد قال: حدثني رجل عن سعيد بن أبي

1. جواهر الكلام:21/394.
2. الوسائل:18، الباب27 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث1.
3. الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
4. الكافي:7/429، الحديث13.

صفحه 187
الخضيب البجلي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزاملة حتّى جئنا إلى المدينة، فبينما نحن في مسجد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) إذ دخل جعفر بن محمد(عليهما السلام) فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه؟ قال: وما نصنع عنده؟ فقلت: نسائله ونحدّثه، فقال: قم، فقمنا إليه، فسألني عن نفسي وأهلي ثم قال: من هذا معك؟ فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.
فقال: «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟» فقال: نعم. فقال: «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه ولا تخاف في ذلك أحداً؟» قال: نعم.1
5. روى الشيخ عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليه السلام) أنّه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حدّ ولا غيره حتّى ولّيت بنو أُمية فأجازوا بالبينات.2
وهذه الأحاديث برمتها تدلّ على أنّ إجراء الحدود كان بيد القضاة يوم صدور هذه الروايات، فإذا نزّل الفقيه منزلة القاضي فمقتضاه ممارسته لكلّ ما كان القضاة يمارسونه.
أضف إلى ذلك نكتة أُخرى وهي: أنّ إجراء الحدود لا ينفك عن القضاء، سواء أكان في حق اللّه أم في حقوق الناس، إذ المرجع في هذه المسائل هو القاضي خصوصاً فيما يرجع إلى السرقة والخيانة وغيرهما.
نعم ربّما يتصور اختصاص إجراء الحدود بالإمام المعصوم من بعض الروايات نظير ما رواه الكليني عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا يعفى عن الحدود الّتي للّه دون الإمام، فأمّا ما كان من حقوق الناس في حدّ فلا

1. تهذيب الأحكام:6/221، برقم 521، وللحديث صلة جديرة بالمطالعة.
2. الوسائل:18، الباب28 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.

صفحه 188
بأس بأن يعفى عنه دون الإمام».1
أقول: والظاهر أنّ المراد من الإمام هو القاضي العادل لا الإمام المعصوم، وقد أطلق الإمام في بعض الروايات على مَن بيده زمام الأُمور.
قال علي(عليه السلام): «على الإمام أن يعلّم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان».2
وقال الإمام الصادق(عليه السلام):«إنّ الإمام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلا مهور النساء».3
وقال الإمام الرضا(عليه السلام): «المغرم إذا تديّن أو استدان في حق أُجّل سنة، فإن اتّسع وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال».4
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تدلّ بوضوح على أنّ المراد من الإمام من بيده الأمر معصوماً كان أو غير معصوم. إذ لو أُريد من الإمام، المعصوم يلزم خلو النقاط الكثيرة عن القيام بهذه الأُمور، بخلاف ما لو أُريد الإمام العادل فيعمّ عامة النقاط.
روي أنّه لمّا حج إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين ومائة (وكان أمير الحاج) فسقط أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام) عن بغلته فوقف عليه إسماعيل (أي توقّف) فقال له الصادق(عليه السلام): «سر فإنّ الإمام لا يقف».5
وبذلك يظهر مفاد قسم من الروايات الّتي ورد فيها لفظ الإمام، فهو محمـول على الإمام العادل، إلاّ إذا وجدت قرينة على أنّ المراد هو الإمام المعصوم.

1. الوسائل:18، الباب20 من أبواب حدّ القذف، الحديث1.
2. عيون الحكم والمواعظ:328.
3. الوسائل: 13، الباب9 من أبواب الدين والقرض، الحديث4.
4. الكافي:1/407.
5. الوسائل: 8، الباب26 من أبواب آداب السفر، الحديث1.

صفحه 189

5. ولايته في رؤية الهلال

ويستفاد من بعض الروايات أنّ حكم الخليفة في رؤية الهلال كان نافذاً بين الناس. روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم إذا كان شهدا قبل زوال الشمس.1
يستفاد ممّا رواه العلاّمة المجلسي في البحار أنّ أمر الهلال كان بيد الخليفة ومن نصبه، فقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه دخل على المنصور الدوانيقي، وقال: ذلك إلى الإمام إن صام صمناً وإن أفطر أفطرنا.2
ومن المعلوم أنّ الخليفة كان يحكم بالمدينة، وأمّا سائر البلاد فقد كان أمر الهلال بيد المنصوبين من قبله من الولاة والقضاة، وبما أنّ الإمام نزل الفقيه منزلة القاضي فيدلّ على حجّية حكمه في أمر الهلال.

6. ولايته في مورد المعاملات

إنّ ولاية الفقيه المستمدة من كونه قاضياً لها سعة توجب إعمال الولاية في كثير من الأبواب التي كان المرجع فيها في عصر الأئمة هو القضاة، نظير:
أ. باب الإجارة عند وجود الترافع بين الموجر والمستأجر بأنواعه.
ب. باب الوصية إذا لم يكن له موص ولكن أوصى ببيع الدار وصرف ثمنها في مصرف خاص، أو ثبتت خيانة الوصي.
ج. باب العارية والوديعة في موضع الترافع.
د. باب الشفعة وأخذ المال للصبي بالشفعة.
هـ. باب النكاح في تزويج الصغيرة وبذل المهر على القول بهما.

1. الوسائل:7، الباب6 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
2. مستدرك سفينة البحار:6/411.

صفحه 190
و. باب الطلاق في الزوجة الغائب عنها زوجها.
ح. باب البيع في مورد أموال الصغار، وبيع مال المحتكر عام المجاعة.
ط. باب في الأوقاف العامة إذا ثبتت خيانة المتولي.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يقف عليها المتتبع، فإنّ ما ذكرنا وما لم نذكره من الموارد كان الناس يرجعون فيها إلى القاضي، وقد قلنا: إنّ الإمام(عليه السلام) خطأ المصداق ولكنّه أمضى أصل الرجوع.

7. ولايته في أخذ الزكوات والأخماس

إذا ثبت بالدليل أنّ أمر الزكوات والأخماس كان بيد القضاة، فيكون دليلاً على ولاية الفقيه الجامع للشرائط عليهما، بل وعلى سائر الأُمور المالية وإلاّ فتكون مرجعية الفقيه بالنسبة إليهما، من باب الحسبة، وهي الطريق الثاني لإثبات مشروعية تصرف الفقيه في هذه الأُمور. وسيوافيك تفصيله عند دراسة الطريق الثاني، فانتظر.
إلى هنا تمّت دراسة الروايات الثلاث، فلندرس سائر ما استدلّ به على ولاية الفقيه من الروايات.

الرابعة: العلماء ورثة الأنبياء

روى الكليني بسند صحيح عن القداح، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه:«مَن سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّه به طريقاً إلى الجنة... ـ إلى أن قال: ـ وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر».1

1. الكافي:1/34.

صفحه 191
وقريب منه رواية أبي البختري مع اختلاف في التعبير.1
وقد استدلّ به بالنحو التالي: أنّ مقتضى كون الفقهاء ورثة الأنبياء ـ ومنهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وسائر المرسلين الذين لهم الولاية العامة على الخلق ـ انتقال كلّ ما كان لهم إليهم، إلاّ ما ثبت أنّه غير ممكن الانتقال، ولا شبهة في أنّ الولاية قابلة للانتقال، كالسلطنة الّتي كانت عند أهل الجور موروثة خلفاً عن سلف.2
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على عموم المنزلة في التنزيل، ولكن الذيل حاك عن أنّ جهة التنزيل هو تعليم الدين وأنّهم خزّان علم اللّه سبحانه. أو أنّهم مراجع لتمييز الحق عن الباطل كما هو الحال في الأنبياء، فقد ورد في ذيل حديث أبي البختري قوله(عليه السلام): «فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».3
وبعبارة أُخرى: لو كان المنزل عليهم هو نظير داود وسليمان أو غيرهما من الأنبياء الذين أقاموا صرح الإمامة وجلسوا على منصّة الحكم والولاية كان لما ذكر من التعميم وجه، غير أنّ المنزل عليهم مطلق الأنبياء، ومن المعلوم أنّه لم يكن لجميعهم المراتب العليا من الولاية، فإنّ بعض الأنبياء كان مبعوثاً إلى أهل بيته وبعض آخر إلى نفسه.
وبعبارة ثالثة: أنّ هناك فرقاً بين تنزيل شخص منزلة شخص ـ كقوله(صلى الله عليه وآله):«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ففي هذه الصورة يثبت كلّ ما للمنزل عليه من المناصب للمنزل إلاّ ما خرج بالدليل كالنبوّة ـ وبين تنزيل طائفة منزلة طائفة أُخرى يختلف أفرادها في المناصب والمقامات، فعندئذ يؤخذ بالقدر المتيقّن، وقد علمت أنّ القدر المتيقّن هو كونهم مصادر الأحكام ومنابع

1. الوسائل:18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث2.
2. البيع للإمام الخميني:2/646.
3. الوسائل:18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث2.

صفحه 192
العلم، أو كون أقوالهم وأفعالهم معايير لتمييز الحق عن الباطل فيؤخذ منهم العلم ويسترشد بعلومهم.
فإن قلت: كيف يصح قوله: «لم يورثوا درهماً ولا ديناراً» مع القول بأنّ أولاد الأنبياء يرثون آباءهم، قال سبحانه:(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاودَ)1؟!
قلت: المراد من قوله: لم يورّثوا أي ليس من شأنهم إيراث الدرهم والدنانير بأن يكونوا خزان المال فيتركوا أموالاً طائلة لأُمّتهم أو لأولادهم، لأنّهم لم يبعثوا لتلك الغاية، بل بعثوا لمكافحة الجهل والأُمّية فورّثوا العلم والمعرفة، وهذا لا ينافي ما إذا كان للنبي شيء من الأموال يرثه الوارث منهم من بعده شأن سائر الورّاث.
نعم وربّما يجاب بأنّ المراد من العلماء هم الأئمّة(عليهم السلام)، لكنّه حمل بلا قرينة.

الخامسة: مرسلة الفقيه

روى الشيخ الصدوق في «الفقيه» قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):«اللهم ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّه:ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي، يروون عنّي حديثي وسنتي».2
إنّ كثرة أسانيد الحديث كما هو واضح لمن درس ورودها ـ يورث الاطمئنان بالصدور، وقد نقله بعض محدّثي السنة، ففي كنز العمال قال رسول اللّه: «رحمة اللّه على خلفائي»، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول اللّه؟ قال: «الذين يحيون سنّتي ويعلمونها الناس».3
وأمّا كيفية الاستدلال فمبني على أمرين:
1. أنّ قوله:«الّذين يأتون...» عنوان مشير ومعرّف لمن يخلفه(صلى الله عليه وآله) وليس

1. النمل:16.
2.الفقيه:4/302، برقم 915; الوسائل:18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث50.
3. كنز العمال:1/229.

صفحه 193
بصدد بيان(ما يُخلف فيه).
2. إطلاق الخلافة في الحديث يشمل جميع مناصب النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد كان له منصب تبليغ آيات اللّه، والقضاء، والولاية فهذه الشؤون الثلاثة تكون للعلماء من بعده، بل قد يقال بظهورها في الأمر الأخير، فإنّ الخلافة أمر معهود من أوّل الإسلام ليس فيه إبهام، فلو لم تكن ظاهرة في الولاية والحكومة فلا أقلّ من أنّها القدر المتيقن منها.
يلاحظ عليه: بأنّ العبارة ليست صريحة ولا ظاهرة في أنّ رواية الحديث بصدد التعريف لهم، بل يحتمل أن يكون بصدد بيان وجه الخلافة.
سلّمنا أنّ الرواية بصدد التعريف لكنّها ليست صريحة ولا ظاهـرة في أنّ وجه الخلافة هو الخلافة في الحكم والتصرف في الأموال والأنفس ، بل يكفي في وجه الخلافة هو كونهم خلفاء النبي(صلى الله عليه وآله) في تعليم الناس وإرشادهم بالأحاديث الّتي تلقّوها عن النبي، سواء أكانوا رواة أم كانوا فقهاء; والقول بأنّ لقوله: «خلفائي» إطلاقاً كما ترى.
أضف إلى ذلك: أنّ الرواية نبويّة، فلو كان المقصود، جعل الخلافة والولاية للفقهاء، يلزم من ذلك ثبوت الولاية لهم في عرض ولايـة أئمّة أهل البيت، وتخصيـص ولايتهم بزمان الغيبة ـ مع كون الرواية صادرة عن النبي ـ كما ترى.

السادسة: التوقيع الرفيع

روى الصدوق(رحمه الله) في «كمال الدين»عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني(رحمه الله)، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(عليه السلام):«أما ما سألت عنه ـ أرشدك اللّه وثبّتك ـ من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنّه ليس بين اللّه عزّ وجلّ

صفحه 194
وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح(عليه السلام); أمّا سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف(عليه السلام).
أمّا الفقّاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب، وأمّا أموالكم فلا نقبلها إلاّ لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، فما آتاني اللّه خير ممّا آتاكم.
وأمّا ظهور الفرج فإنّه إلى اللّه تعالى ذكره، وكذبَ الوقّاتون.
وأمّا قول من زعم أنّ الحسين(عليه السلام) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال.
وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم».1
أمّا السند فمحمد بن محمد بن عصام من مشايخ الصدوق في «العيون» و «التوحيد» و «الفقيه» و قد ترضّى عليه هنا وفي نسخة الفقيه، وأمّا الكليني فهو أعرف من أن يعرّف، وأمّا إسحاق بن يعقوب فقد ذكر شيخنا المجيز التستري في «قاموس الرجال» أنّه أخو الكليني، فما في تعليق «كمال الدين» من أنّه مجهول الحال لم يوجد في الرجال ولا الكتب إلاّ في نظير هذا الباب، فمنظور فيه، وقد ورد في أوّل التوقيع دعاء الإمام له، وفي آخر التوقيع ورد: «السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى، وبما أنّ الراوي نفس إسحاق بن يعقوب فلا يمكن الاعتماد على قول الراوي في الكلام الّذي ينقله عن الإمام في حقّ نفسه، إلاّ أنّ الراوي لمّا كان أخاً للشيخ الكليني فهو أعرف بحاله، فلا ينقل عنه هذا التوقيع بتفصيله، على أنّ مضمون الرواية يوافق بعض الروايات الأُخرى.
وأمّا الدلالة فقد استدل بفقرتين:

1. كمال الدين وإتمام النعمة:2/484، الباب45. ورواه الشيخ في «الغيبة» في الفصل الرابع، الحديث4; والطبرسي في الاحتجاج:2/283; والوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث9.

صفحه 195
الفقرة الأُولى: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» فالظاهر منها إرجاع نفس الحادثة إلى الرواة ليباشروا أمرها مباشرة أو استنابة ـ لا إرجاع حكمها ـ وهو ينطبق على الحوادث الّتي ربما تواجه الشيعة، نظير ما إذا مات الرجل وترك صغاراً بلا قيّم، أو غاب وترك زوجة ولا خبر منه، فيثبت للفقيه نظير هذا المنصب. والقدر المتيقن; الحوادث الّتي تواجهها الشيعة وتقع بلا اختيار فالمرجع فيها هو الفقيه، وأمّا ما يوجده الفقيه من الحوادث لاغراض دينية كتأسيس الحكومة، والتصرف في الأموال والأنفس لهذا الغرض، فلا يشملها التوقيع، لأنّها ليست من الحوادث الواقعة.
ومع ذلك كلّه فهناك احتمال آخر وهو الرجوع إليهم في حكم الموضوعات المستجدّة الّتي لم يوجد لها حل في الكتاب والسنة، ولا ينافي ذلك بأنّ المرجوع هو نفس الحوادث لا أحكامها، إذ ربّما يطلق إرجاع الحوادث ويراد إرجاع حكمها.
وربّما يقال في ردّ الاحتمال الثاني من أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء ما لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب حتّى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة إلى رأي أحد ونظره فإنّه يحتمل أن يكون الإمام(عليه السلام) قد وكله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان.1
يلاحظ عليه: بأنّ البديهي هو الرجوع إلى العلماء في الموضوعات الّتي ورد حكمها في الكتاب والسنة، وأمّا الموضوعات المستجدة فليس الرجوع فيها إليهم أمراً بديهياً غير قابل للسؤال.
الفقرة الثانية: قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه عليهم».
وجه الاستدلال هو: أنّ هذا التعبير إنّما يناسب الأُمور الّتي يكون المرجع

1. المتاجر:154.

صفحه 196
فيها هو الرأي والنظر، فكانّ هذا ـ كونهم حججاً ـ منصب أعطاه الإمام(عليه السلام) للفقيه مِن قِبَل نفسه لا واجب من قبل اللّه سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول: إنّهم حجج اللّه عليكم كما وصفهم في مقام آخر بـ«أنّهم أُمناء اللّه على الحلال والحرام».
أقول: ما ذكره لا يخرج عن حدّ الإشعار وإلاّ فلا مانع من أن يكون الفقيه حجة من جانب الإمام وفي الوقت نفسه حجة من جانب اللّه سبحانه، باعتبار انتهاء الحجّية الذاتية إلى اللّه سبحانه، نظير قول النبي(صلى الله عليه وآله) في حديث الدار(في بدء الدعوة) مخاطباً لوجوه بني هاشم: «فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت(أي الإمام علي(عليه السلام)): أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوه».1
فإنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) حين كان خليفة الرسول(صلى الله عليه وآله) كان منصوباً من جانب اللّه سبحانه للخلافة أيضاً، وإن أبيت إلاّ عن دلالتها على ثبوت المنصب لرواة الأحاديث لكن حدود المنصب مجمل، فهل الثابت هو منصب الفتوى أو أعم منه ومنصب القضاء، أو عامة المناصب حتّى التصرف بالأموال والنفوس، واللازم الأخذ بالقدر المتيقّن، إذ ليس الحديث من هذا الجانب في مقام البيان.

السابعة: حديث مجاري الأُمور

روي في «تحف العقول» من كلام الحسين بن علي(عليهما السلام) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويروى ـ أيضاً ـ عن أمير المؤمنين(عليه السلام):«اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول:(لَوْلاَ يَنْهاهُمُ

1. تاريخ الطبري:2/63ـ 64.

صفحه 197
الرَّبّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ)1... ـ إلى أن قال:ـ ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه، الأُمناء على حلاله وحرامه».2
كيفية الاستدلال: أنّ مجاري جمع مجرى وهو مصدر ميمي، وليس اسم مكان وزمان، فيكون المراد به أنّ إجراء الأُمور بيد العلماء.
ولكن التأمّل في صدر الحديث وذيله يدلّ على أنّ المراد من العلماء هم الأئمّة، والشاهد عليه في قوله(مندداً بالمخاطبين) فاستخففتم بحق الأئمة وأمّا حق الفقراء فقد ضيعتم... الخ.
وقوله ـ بعد تلك الفقرة ـ: «فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات اللّه كانت أُمور اللّه عليكم ترد، وعنكم تصدر وإليكم ترجع ولكنّكم مكنّتم الظلمة من منزلتكم وأسلمتم أُمور اللّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون بالشهوات...ـ إلى أن قال: ـ اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام».

الثامنة: السلطان ولي من لا ولي له

قال الشيخ: قد اشتهر في الألسن وتداول في بعض الكتب رواية: «إنّ السلطان ولي من لا ولي له».
أقول: قد ورد هذا الحديث في مسند أحمد بالشكل التالي: عن عائشة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ثلاثاً ولها مهرها عمّا أصاب منها، فإن اشتجروا فإنّ السلطان ولي من لا ولي له».3
وغاية ما يستفاد منه أنّ من له السلطة المطلقة في أُمور من لا ولي له كالمثال

1. المائدة:63.
2. بحار الأنوار:100/79ـ 80، الباب1 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث37.
3. مسند أحمد:6/166.

صفحه 198
المذكور في الحديث ونظائره كالصغير إذا مات أبوه وليس له قيّم، أو زوجة غاب عنها زوجها عدة سنين، ففي مثل هذه الموارد، المرجع والقدرة هي بيد السلطان الذي يتمكن من نصب الولي وإلزام الآخرين على إطاعته، وأين ذلك من الولي الفقيه إذا لم تكن له سلطة، ولو صار ذا سلطة فالعبرة بسلطته لا بكونه فقيهاً.
وإسراء ما للسلطة من الأحكام إلى الفقيه يحتاج إلى تنزيل الفقيه منزلة السلطان وليس بموجود، بخلاف تنزيل الفقيه منزلة القاضي فالتنزيل فيه بصورة عموم المنزلة كما عرفت.

التاسعة: الفقهاء حصون الإسلام

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام)يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض الّتي كان يعبد اللّه عليها، وأبواب السماء الّتي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها».1
والحديث صحيح إلى علي بن أبي حمزة، وهو وإن رُمي بالوقف أو كان واقفياً ولكن الأصحاب تلقّوا رواياته بالقبول، خصوصاً ما رواه قبل الوقف.
ورواه الكليني في موضع آخر بلا لفظ «الفقهاء».2
والسند صحيح، والظاهر سقوط لفظ الفقهاء، وإذا دار الأمر بين النقص والزيادة فالنقص هو المتعيّن، إذ كثيراً ما يسقط من قلم الإنسان ما يجب أن يكتب، وأمّا أن يزيد الإنسان شيئاً في النص من غير وعي فقليل.
إنّما الكلام في دلالة الرواية فقد استقرب دلالتها سيدنا الأُستاذ (قدس سره) باللفظ

1. الكافي:1/38، باب فقد العلماء، الحديث3.
2. الكافي:3/254، الحديث13.

صفحه 199
التالي: إنّ الفقيه لا يكون حصناً للإسلام كسور البلد له إلاّ أن يكون حافظاً لجميع الشؤون من بسط العدالة وإجراء الحدود وسد الثغور وأخذ الأخاريج والضرائب وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة في الأصقاع، وإلاّ فصرف (بيان) الأحكام ليس بإسلام.1
والظاهر أنّ تشبيه الفقهاء بحصون المدنية هو أنّ منزلة العالم منزلة سورها، فكما أنّ السور يمنع من دخول العدو إلى داخل المدينة، فهكذا المؤمن الفقيه يمنع عن حياض الإسلام، البدعَ والشُّبه الّتي يحاول العدو إدخالها إلى صفوف المجتمع الإسلامي، وبهذا تُعلم مهمة الفقيه ومسؤوليته، ولو لم يكن ما ذكرنا متعيّناً فهو أحد الاحتمالين، وعلى ما ذكره السيد الأُستاذ يلزم أن لا يوجد لهذا المؤمن الفقيه مصداق إلاّ في فترات قليلة، إذ قلّما يتوفق فقيه مؤمن لتشكيل الحكومة وتأسيسها والقيام بعامة وظائفها. أو عضواً فيها قائماً بمهمة من مهمّاتها.

العاشرة: الفقهاء أُمناء الرسل

روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): «الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»، قيل يا رسول اللّه: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتّباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم».2
والسند معتبر، وأمّا وجه الدلالة فقد ذكر سيدنا الأُستاذ بأنّه يفيد كونهم أُمناء لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله) في جميع الشؤون المتعلقة برسالته وأوضحها زعامة الأُمّة وبسط العدالة الاجتماعية وما لها من المقدّمات والأسباب واللوازم، فأمين الرسول أمين

1. المتاجر:2/632.
2. الكافي:1/46، كتاب فضل العلم.

صفحه 200
في جميع شؤونه، وليس شأن رسول اللّه ذكر الأحكام فقط حتّى يكون الفقيه أميناً فيه، بل المهم إجراء الأحكام.1
يلاحظ عليه: بأنّه فرق بين كون الفقيه أمين الرسول وبين كونه خليفته فالمعنى الّذي ذكره يناسب كونهم خلفاء الرسول لا أُمناءه.
هذه الروايات هي العمدة ممّا استدل به على ولاية الفقيه، وقد عرفت أنّ المهم منها هو الثلاثة الأُولى، وهي كافية لإثبات الولاية للفقيه في المجالات الّتي قدمنا ذكرها.

1. البيع:2/634.

صفحه 201

الطريق الثاني

ممارسة الفقيه حسبة

قد عرفت فيما سبق أنّ لإثبات تصحيح تصرفات الفقيه الجامع للشرائط طريقين:
الأوّل: الرجوع إلى الروايات ونتيجته إثبات الولاية للفقيه.
الثاني: استكشاف ضرورة وجود القوة التنفيذية من خلال دراسة الأحكام التي يتوقّف تحقيقها في الخارج على وجود سلطة وجهاز تنفيذي.
أمّا الطريق الأوّل فقد مضى بيانه ودلائله ونتائجه ولم تكن النتيجة إلاّ ثبوت الولاية له.
وأمّا الطريق الثاني فها هو الذي نخوض فيه، ونتيجة ذلك تصحيح ممارسة الفقيه للأُمور الاجتماعية والسياسية لأجل استكشاف صحّتها عن طريق الأدلة من دون أن يكون له ولاية، بل يقوم بذلك من باب الحسبة، وسيوافيك الفرق بين القيام بالأُمور ولاية والقيام بها حسبة.
ونوضح ذلك بإمعان النظر في موردين:

الأوّل: تطبيق الأحكام على صعيد الحياة

إنّ تطبيق الأحكام اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية رهن تشكيل حكومة قادرة على إجراء الأمرين الماضيين فلا يعقل الأمر بتطبيق الأحكام على صعيد الحياة إلاّ بعد وجود فرض قوة قاهرة، فلو وجب الأول نستكشف وجوب إيجاد

صفحه 202
الثاني أيضاً من باب الحسبة لا من باب أنّ منصب الحكومة وتشكيلها داخل في جوهر الإسلام وليست خارجة عنه، بل هو أُسّ الإسلام وأساسُه ولا يتحقّق الإسلام بكافة أركانه إلاّ بحكومة عادلة إذ ليس الإسلام مجردَ طقوس وأوراد وأذكار يردّدها المسلم على لسانه في وقت ومكان معيّن، بل هو نظام كامل سماوي يتكفّل ببيان كلّ ما يمتّ إلى حياة الإنسان في المجالات المختلفة، ولا يمكن الوصول إلى هذا الهدف إلاّ بتشكيل الحكومة.
انظر إلى ما جاء في الكتاب والسنّة في مجال الحدود والديات أو في مورد الجهاد والدفاع، والصلح والجزية أو في مورد العقود والإيقاع من الآيات والروايات التي يضيق المجال بنقلها، فهل يمكن تحقيق تلك الأحكام بدون قوة قاهرة وحكومة عادلة لا تأخذها في اللّه لومة لائم؟ كلا لا ثم كلاّ لا.
ولنقتصر من الكثير بالأقل من الآيات.
فإذا قال سبحانه تبارك وتعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)1، أو قال سبحانه: (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)2، أو قال: (الزَّانِيَةُ والزّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُما مائَةَ جَلْدَة)3، أو قال:(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)4، فهل يمكن تحقيق مضامين هذه الآيات بلا حكم وحكومة؟
وهل يمكن الجهاد وإصدار الأمر به إلاّ من خلال الحاكم؟
وهل يمكن الصلح والمهادنة وعقد الذمة والعهود إلاّ من قبل الدولة؟
وهل يمكن قطع يد السارق وجلد الزاني إلاّ بالحكومة؟
كلّ ذلك يدلّ على أنّ قوام الإسلام وإجراء الأحكام رهن حكومة عادلة

1. المائدة:45.
2. المائدة:37.
3. النور:2.
4. البقرة:179.

صفحه 203
قوية لا يأخذها في إجراء الأحكام لومةُ لائم.
وما أضعف قول من يقول: لعل هذه الأحكام مختصة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله)أو بحياة الإمام المعصوم(عليه السلام) وبسط يده، وعليه فنحن نشك في شرعية إجراء هذه الأحكام في عصر الغيبة؟
وذلك لأنّ معنى هذا هو حصر تطبيق الإسلام الّذي هو الشريعة الخاتمة في زمان قصير ولي فيه الرسول والوصي أمر الحكومة، مع تضافر الروايات على أنّ حلاله وحرامه حلال وحرام إلى يوم القيامة الذي هو كناية عن فعلية أحكامه واستمرارها إلى يوم البعث.
أضف إلى ذلك: أنّ هذا التوهم بمعنى ردّ أكثر ما صدر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من الأحكام الجزائية والسياسية والاقتصادية.
كلّ ذلك يبعثنا إلى أنّ تشكيل الحكومة أمر ضروري حافظ للإسلام ومحقّق لأهدافه فيجب على المؤمنين حسبة القيام بها، ولكن القدر المتيقّن من بين من يجب عليهم ذلك هو الفقيه العادل العارف بالإسلام الّذي لا تأخذه في الحق لومة لائم.
وعلى ذلك فلو نهض الفقيه لتشكيل الحكومة يجب على الآخرين إطاعته والانقياد له على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة.
وإن قامت فئة مؤمنة من المسلمين على تحقيق ذلك فعلى الفقيه دعمها والاعتراف بها لو كانت موافقة للضوابط الشرعية.

الثاني: جباية الحقوق المالية وصرفها في مجالها

لا شك أنّ الإسلام دعا إلى جباية الفرائض المالية وحدّد صرفها، وهذا ما لا يتحقق إلاّ بوجود قوة قاهرة تقوم بذلك، ولإيضاح ذلك نقدم أُموراً:
1. الزكاة والخمس فريضتان ماليتان لكلّ واحد منهما مصرف خاص، قال الصادق(عليه السلام): «إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم

صفحه 204
أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم».1
وفي الوقت نفسه فقد حرّم الشرع الزكاةَ على الهاشميين، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):«إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وإنّ اللّه قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وإنّ الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب».2
وبدلاً عن ذلك أباح لفقرائهم نصف الخمس، فعن العبد الصالح(عليه السلام) في تفسير قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ)3 قال: «يقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم اللّه، وسهم لرسول اللّه، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. فسهم اللّه وسهم رسول اللّه لأُولي الأمر من بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له من اللّه، وله نصف الخمس كمُلاً; ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة».4
2. يظهر من رواية أبي علي بن راشد أنّ الخمس ليس ملكاً للإمام بشخصه، بل هو ملك لمقام الإمامة المعط له من اللّه سبحانه، فلو ترك أبوه شيئاً فتركته الشخصية تُقسم بين الورثة، وأمّا ما كان عنده من الأخماس ونظائرها فهو للإمام بعده. قال أبوعلي بن راشد: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّما نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام) عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنة نبيه».5
3. انّ تعطيل ما يرجع إلى شؤون الإمامة يؤدي إلى محق الدين وذهاب

1. الوسائل:7، الباب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث2.
2. الوسائل:7، الباب29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث2.
3. الأنفال:41.
4. الوسائل:7، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث8.
5. الوسائل:7، الباب2 من أبواب الأنفال، الحديث6.

صفحه 205
الشريعة، فإنّ الإمام وإن غاب لكن وظائف الإمامة ليست منقطعة عن الأُمّة، ففرض التعليم والتعلّم ونشر الدين ومكافحة البدع وإرشاد الناشئة إلى الحق المبين وحفظهم بعيداً عن التيارات الإلحادية، كلّ ذلك من وظائف الإمامة المستمرة والّتي قوامها بذل المال في سبيل تحقّق هذه الأهداف.
كما أنّ حاجة الفقراء مستمرة، وحاجة ذوي القربى ليست منقطعة، هذا يبعثنا إلى أنّ القيام بالإنفاق عليهم مستمر، سواء أكان الإمام حاضراً أم غائباً، فلابدّ من وجود من يتكفّل بهذه المهمة.
4. انّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام مؤكّد، قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه»، فلا يجوز التصرف في مال المسلم فضلاً عن الإمام وإن غاب إلاّ بإذنه.
إذا علمت هذه الأُمور فاعلم أنّ مقتضى الجمع بين وجوب أداء حقوق المستحقين من السادة وغيرهم من جانب، وعدم جواز تعطيل وظائف الإمامة من جانب آخر، وحرمة التصرف في مال الإمام من جانب ثالث، يحصل بصرف الأخماس في ما نقطع برضاه فيه، كصرفه في تأمين حاجة المستحقين من السادة وغيرهم، ونشر الدين الإسلامي ومواجهة الكفر، وتعليم النشئ الجديد الأُصول والفروع الإسلامية، ونشر أحاديث الرسول وأهل بيته الطاهرين، وإعداد المبلغين وإرسالهم إلى أقطار العالم ونشر ما دثر وغبر من مؤلفات علماء الإسلام، إلى غير ذلك من الأعمال.
وعلى ضوء ما ذكرنا لو ثبت بالتاريخ القطعي أنّ أمر الزكوات والأخماس فيما يجب الخمس عندهم كان بيد القضاة المنصوبين، فعندئذ تثبت ولاية الفقيه على الزكوات والأخماس، وهذا هو الذي سلكناه في الطريق الأوّل، وأمّا لو لم تثبت أو لم نعثر على ما يدلّ عليه فهو أولى بالممارسة من الغير، لأنّ قيام كلّ شخص بانفراده بدفع هذه الفرائض وصرفها في مصارفها يوجب حرمان كثير من الفقراء من الزكاة، وإهمال كثير من الموضوعات الّتي لا يقف على أهميتها

صفحه 206
ولزومها إلاّ الفقيه. وبالتالي تتعطل كثير من وظائف الإمامة في حفظ الدين ونشره.
فالقيام بصرف هذين الفريضتين الماليتين في مجاريهما ومصارفهما وإن كان لازماً على جميع المسلمين من باب الحسبة ـ وقد علمت أنّ ملاك الحسبة هو الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه وهذان الأمران من صغريات هذه الكبرى ـ غير أنّ القدر المتيقّن ممّن يوجه إليه هذا الخطاب هو الفقيه الجامع للشرائط العارف بالأحكام والواقف على الأهم والمهم ومصارفهما.
فتلخّص من ذلك: أنّ لإثبات تصدّي الفقيه بالنسبة إلى تينك الفريضتين طريقين:
لو ثبت أنّ التصرف فيهما من شؤون القضاة في عصر صدور الرواية (رواية ابن حنظلة) فيثبت لهم ذلك المنصب بوضوح، وإن لم يثبت الرجوع إليهم فيثبت لزوم تصدي الفقيه بالنسبة إليهما من باب الحسبة، وأنّه القدر المتيقّن بالخطاب للقيام بهذين الأمرين.

الفوارق بين القول بالمنصب والقول بالحسبة

ثمّ إنّ قيام الفقيه بهذه الأُمور بما أنّه قاض وحاكم يختلف أثره إذا قام بعنوان الحِسْبة ومن الفقهاء من يريد أن يجعل تصرّف الفقيه من باب الحسبة، لا من باب كونه ذا ولاية وصاحب منصب، ولإيضاح الفرق بين النظرتين نقول:
يظهر الفرق بين القيامين في الأمثلة التالية:
1. إذا انطلق الفقيه في إصلاح ما يرجع إلى الصبي عن منصِب شرعي يكفي في تبرير عمله وجود المصلحة، وإن لم تصل إلى حد الضرورة، بخلاف ما لو انطلق من باب الحسبة فإنّ موضوعها الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه فيجب على الجميع تلبية أمر الشارع فقيهاً كان أو غير فقيه، وإن كان الفقيه هو القدر المتيقّن ممّن عليه التكليف، ففي هذا الوقت لا يكفي وجود المصلحة ـ غير

صفحه 207
الملزمة ـ بل يجب أن ينتهي الأمر إلى حد الضرورة الّتي لا يرضى الشارع بتركها عندئذ.
2. إذا عيّن الفقيه وصيّاً للميّت وقيّماً على الصغار فلو انطلق في هذا العمل عن منصب شرعي يكون الوصي أو القيّم أيضاً ذا منصب وولاية في طول ولاية الفقيه على وجه لا تبطل ولايته بموت الفقيه ولا يجوز له عزل إلاّ إذا خانا، كما أنّه لا يجوز للفقيه عزل وصي الميّت ـ إذا عيّنه الوصي ـ لأنّه صار ذا منصب شرعي من قبله، وليس الوصي وكيلاً من قبل الموصي حتّى تبطل وكالته بموت الموصي. بل صاحب ولاية من قِبَله.
وأمّا إذا انطلق الفقيه في هذا العمل من باب الحسبة فليس له نصب الوصيّ أو القيّم، بل يجب عليه التصرف في أُموره مباشرة أو غيره تسبيباً بنحو الوكالة وله أن يعزل الوكيل ـ متى شاء ـ وتبطل وكالته بموت الفقيه، بل تبطل مع عدم استمرار إذنه.
3. أنّ تصرف الفقيه في أموال الصبي رخصة على القول بالمنصب وعزيمة على القول بالحسبة، وذلك لأنّه يكفي في التصرف في أموال الصبي على القول بالمنصب عدم المفسدة أو وجود المصلحة غير الملزمة فيكون التصرف رخصة، إلاّ إذا كان التصرف ضرورياً فيكون واجباً.
وهذا بخلاف القول بالحسبة فإنّ موضوعها الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه، وفي مثله يكون التصرف عزيمة لا غير.
وبما أنّ الروايات ظاهرة في إعطاء المنصب للفقيه فتكون أعماله على وفق مقتضى القيام عن منصب.
هذه هي بعض الفوارق بين القول بأنّ تصرف الفقيه من باب المنصب وكون تصرفه من باب الحسبة.

صفحه 208
شبهات حول ولاية الفقيه   

شبهات حول ولاية الفقيه

أُثيرت حول ولاية الفقيه أسئلة وشبهات نابعة عن عدم وجود تصوّر صحيح لها، وإليك تلك الأسئلة أو الشبهات والاجابة عنها:

1. ولاية الفقيه استصغار للأُمّة

إنّ القول بولاية الفقيه على الأُمّة آية أنّ الأُمّة قاصرة وعاجزة عن إدارة أمرها فلابدّ لها من ولي يتولّى أُمورها.
والجواب عن ذلك: أنّ هذا التوهّم ناشئ من عدم وضوح مبدأ ولاية الفقيه وضوحاً لا يُبقي شبهة ولا يترك غموضاً، فليس مبدأ ولاية الفقيه مساوياً لجعل الأُمّة الرشيدة قاصرة عن إدارة أُمورها، وذلك لأنّ وزان الفقيه في الحكومة الإسلامية وزان كلّ الرؤوساء في الحكومات الشعبية، فهل يُعدّ وجود الرأس في قمة الحكومة دليلاً على قصور الأُمّة واستصغارها، أو أنّ القوى الثلاث غير غنية عن الرئيس، والفرق بين الاثنين أنّ الرئيس في الحكومات الشعبية غير فقيه أو لا تشترط فيه الفقاهة. وأمّا في الحكومة الإسلامية فبما أنّها حكومة ملتزمة بالمبادئ الإلهية فيجب أن يكون رئيسها خريج هذه المدرسة ومن أفاضلها وأعلامها.
والاختلاف بين الحكومتين هو عدم التزام الحكومات الشعبية بالقيم والشروط الخاصة في الرئيس في النظام الإسلامي، خلاف ما عليه الحكومة الإسلامية فهي ملتزمة بكون الرئيس فقيهاً عارفاً بالأحكام الشرعية خائفاً من اللّه لا تأخذه في إجراء الأحكام لومة لائم.

صفحه 209

2. ولاية الفقيه والاستبداد

ربّما يقال: إنّ القول بولاية الفقيه يعادل القول باستبداد الفرد بالإدارة والحكم ورفض الرأي العام، وهو أمر يتنافى مع روح المبادئ الإسلامية، حيث إنّ الإسلام يعترف بأنّ للرأي العام دوراً بارزاً في تشكيل الحكومة، فكيف يمكن للفقيه بصفته الفردية أن ينقض ويبرم مع أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) كتب إلى معاوية قبل نشوب الحرب بينهما: «إنّ علياً لمّا مضى لسبيله ولاّني المسلمون الأمر من بعده... فادخل فيما دخل فيه الناس».1
كما أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قد ذم من يجبر الناس على حكمه بالسوط والسيف، ممّا يعني أنّ الشارع المقدس لا يرضى بالحاكم الّذي يحمل نفسه على رقاب الناس قهراً ويحكمهم دون رضاهم، وذلك عندما قال له رجل: إنّه ربّما تكون بين الرجلين من أصحابنا منازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا؟ (أي هل فيه بأس؟) فقال الإمام(عليه السلام): «هذا ليس من ذاك... إنّما ذاك الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».2
وهذه التعابير وأمثالها الواردة في كلمات أهل البيت(عليهم السلام) تكشف عن أنّ الاستبداد بالحكم أمر مذموم، وأنّ للرأي العام دوراً واضحاً في الحكومة ومع ذلك فكيف يكون للفقيه ولاية عامة دون أن يكون للشعب فيها دور؟!
والجواب عن ذلك: أنّ ولاية الفقيه لا تؤثر إلاّ في استقرار الحكومة الإسلامية الصالحة، ولا يتغير بولايته أي شيء من الأركان والقوى الثلاث، ولا تتعارض مع حرية الأُمّة واختيارها، وذلك لأنّ للمقام حالتين:
الأُولى: إذا شكّلت الأُمّة حكومة من قبلها وكانت تتمع بالشروط الّتي عيّنها الإسلام لنظام الحكم، وجب عليه إمضاؤها وإقرارها وليس للفقيه أن يردّها، غير

1. شرح نهج البلاغة:4/12.
2. المستدرك:3/187، نقلاً عن دعائم الإسلام.

صفحه 210
أنّه يقع في قمة الحكومة للإشراف عليها حتّى لا تزلّ ولاتنحرف عن إطار الشروط الإسلامية المقررة لنظام الحكم، فكأنّ ولاية الفقيه صمّام أمان لا بقاء الحكم على الصبغة الإسلامية.
الثانية: فيما لو لم تساعد الظروف على قيام الشعب بتشكيل حكومة له، فعلى الفقيه العارف بشروط الزمان والمكان تأسيس حكومة إسلامية بمشاركة الخبراء والأخصائيين في كلّ فن وموضوع، فعندئذ فالفقيه لا يمارس الحكومة بمفرده ويستبد بها وإنّما يمارس ولايته من خلال الخبراء وأصحاب الاختصاصات، ويتبع في ذلك مصالح الأُمّة والإسلام في كلّ الظروف والبيئات.
إنّ جوهر الحكومة الإسلامية ثابت لا يتغير، وأمّا شكله وكيفية تطبيقه على صعيد الحياة فيتبع الشروط المقتضية لها، فبما أنّ الظروف الحالية تتبنّى إنشاء ثلاث قوى تقوم بإدارة المجتمع وهي القوة المقنّنة والقضائية والتنفيذية، فليس للفقيه إلاّ ممارسة ولايته عن طريق هذه القوى الثلاث والإشراف عليها.
وبذلك يُعلم أنّ الحكومة الإسلامية عند حضور الإمام المنصوص عليه من جانب الله سبحانه، حكومة إلهية، وأمّا عند عدم إمكان التوصّل إليه فهي مزيجة من الحاكمية الإلهية والسيادة الشعبية فهي إلهية، لأنّ على الأُمّة الإسلامية أن تراعي جميع الشروط والضوابط في القوى الثلاث، ويجب على الحاكم المسلم أن يلتزم بتنفيذ الشريعة الإسلامية حرفاً بحرف. وهي في نفس الوقت حكومة شعبية، لأنّ انتخاب الحاكم الأعلى وسائر الأجهزة العليا موكول إلى الناس ومشروط برضاهم.
وبذلك يعلم أنّ ولاية الفقيه لا تؤثر إلاّ في استقرار الحكومة الإسلامية وعدم خروج النظام عن الخطوط الّتي رسمها الإسلام في مجال الحكم ولا يراد بها حكومة الفرد واستبداده على الأُمّة.
كيف يمكن للفقيه أن يستبد بالحكم ويغض النظر عن رأي الشعب والرأي

صفحه 211
العام ـ إذا لم يكن مخالفاً للإسلام ـ مع أنّ الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام)كتب إلى أهل الكوفة في جواب رسالتهم ما يعبر عن موقف الإسلام من ذلك: وإليك نص الكتابين:
أ. رسالة أهل الكوفة إلى الإمام الحسين(عليه السلام):
بسم اللّه الرحمن الرحيم. سلام عليك فإنّا نحمد إليك اللّه الّذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد فالحمد للّه الّذي قصم عدوك الجبار العنيد الّذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وت آمر عليها بغير رضا منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها.
ب . ولأجل ذلك كتب(عليه السلام) إليهم قائلاً:«فإن كتب إليّ]يعني: مسلم بن عقيل [قد اجتمع رأي ملئكم ذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكاً إن شاء اللّه».1

3. ولاية الفقيه ومشكلة التزاحم

إذا كان كل فقيه يستمد ولايته من اللّه سبحانه فكلّ من بلغ درجة الاجتهاد وكان جامعاً لشرائط القيادة فله الولاية، وربّما يوجد أفراد كثيرون يتوفر فيهم هذا الملاك، وهذا يعني تعدد الولاة في حكومة واحدة؟
والجواب عن ذلك هو أنّ تصدّي الفقيه لأمر الحكومة يتوقّف على أمرين:
1. الولاية الشرعية والّتي يستمدها من اللّه سبحانه.
2. قبول الناس وخضوعهم له والّتي يعبّر عنه بالمقبولية (في مقابل الأوّل الّذي يعبر عنه بالمشروعية)، وهذا ما لا يتحقق إلاّ بإقبال الناس عليه.
وعلى ضوء ذلك فالفقيه إذا بلغ من المقبولية درجة سامية يخضع الشعب لولايته ويقدّمه على الآخرين تقديماً بارزاً لا يشك فيه أحد ولا يرتاب فيه

1.الكامل للجزري:3/266 ـ 267.

صفحه 212
مرتاب، فهذا يصبح متعيّناً ولا ينافسه غيره.
وأمّا إذا كان الفقهاء من حيث المقبولية لدى الشعب على درجة واحدة وفي عرض واحد فإن اجتمعوا هم على تنصيب واحد منهم للتصدي للولاية فهو يتعين بلا شك، وإلاّ فيكون حق الانتخاب للشعب عن طريق مجلس للخبراء الفقهاء.
ولاية عدول المؤمنين   
هذا هو مجمل القول في ولاية الفقيه بما يناسب المقام.

صفحه 213

شروط المتعاقدين

   8 . الولاية

3.ولاية عدول المؤمنين

لا خلاف بين الأصحاب في أنّه يجوز لعدول المؤمنين التصدّي في بعض الأُمور الّتي كان الأولياء كالأب والجد، يتصدّيان لها، ولم يخالف فيه إلاّ ابن إدريس.وتردّد فيه المحقّق، ولنذكر كلماتهم في المقام:
1. قال الشيخ: إذا مات إنسان من غير وصية، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم له ناظراً ينظر في مصلحة الورثة، ويبيع لهم ويشتري، ويكون ذلك جائزاً فإن لم يكن السلطان الّذي يتولى ذلك أو يأمر به جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة ويؤدّيها من غير إضرار بالورثة، ويكون ما يفعله صحيحاً ماضياً.1
2. وقال المحقّق: وكذا لو مات إنسان ولا وصيّ له كان للحاكم النظر في تركته ولو لم يكن حاكم جاز أن يتولاّه من المؤمنين من يوثق به، وفي هذا تردّد.2
3. وقال الشهيد الثاني: فإن فُقد الجميع فهل يجوز أن يتولّى النظر في تركة الميت من المؤمنين من يوثق به؟ قولان: أحدهما: المنع، ذهب إليه ابن إدريس.

1. النهاية:608.
2. شرائع الإسلام:2/484، كتاب الوصية.

صفحه 214
والثاني ـ وهو مختار الأكثر تبعاً للشيخ ـ: الجواز لما فيه من المعاونة على البر والتقوى المأمور بها.
ولقوله تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولِياءُ بَعْض)1. خرج منه ما أجمع على عدم ولايتهم فيه فيبقى الباقي داخلاً في العموم.2
4. وقال في الحدائق: لا خلاف بين الأصحاب في أنّه لو مات ولم يوص إلى أحد وكان له تركة وأموال وأطفال، فإنّ النظر في تركته للحاكم الشرعي، وإنّما الخلاف في أنّه لو لم يكن ثمة حاكم فهل لعدول المؤمنين تولّي ذلك، أو لا؟ الّذي صرح به الشيخ وتبعه الأكثر الأوّل، وقال ابن إدريس بالثاني.3
وقال ابن إدريس الّذي تفرد بالمنع: والذي يقتضيه المذهب أنّه إذا لم يكن سلطان يتولّى ذلك فالأمر فيه إلى فقهاء شيعته(عليه السلام) من ذوي الرأي والصلاح فإنّهم(عليهم السلام)قد ولوهم هذه الأُمور، فلا يجوز لمن ليس بفقيه تولّي ذلك بحال، فإن تولاه فإنّه لا يمضي شيء ممّا يفعله.4ولعل كلامه فيما إذا لم يكن الإرجاع إلى الفقيه متعذّراً وعليه فلا مخالف في المسألة.
ولأجل تحديد حدود الولاية نقوم بدراسة المسائل التالية:
1. هل تصدي المؤمن العادل لبعض الأُمور المطلوبة من باب الحسبة والتكليف الشرعي، أو من باب الولاية أو النيابة من حاكم الشرع؟
2. شرطية العدالة أو كفاية الوثاقة.
   
3. هل تشترط المصلحة والغبطة في مورد التصرف؟
4. هل يشترط انتخاب الأصلح مضافاً إلى شرطية المصلحة؟
وإليك دراسة المسائل واحدة بعد الأُخرى.

1. التوبة:71.
2. مسالك الأفهام:6/265، كتاب الوصايا.
3. الحدائق الناضرة:22/589.
4. السرائر:3/194.

صفحه 215

المسألة الأُولى: في منشأ التصدّي الحسبة أو الولاية أو النيابة

يظهر من الشيخ الأنصاري والمحقّق النائيني (قدس سره) ما أنّ التصدي من باب الحسبة، والتكليف الشرعي فيختص بما إذا تعذر الوصول إلى الإمام والفقيه إذ مع وجودهما لا يتوجه عليه التكليف وقد حرّرا دائرة التصرف بالتقرير التالي:
قال الشيخ: ما كان مطلوب الوجود للشارع غير مضاف إلى شخص، وكان الفقيه متعذر الوصول، يجب على المؤمن، التصرف في هذا الأمر المطلوب.
نعم لو احتمل كونه مختصاً بالفقيه أو الإمام فالمرجع أصالة عدم المشروعية، والدليل على جواز التصرف قوله سبحانه:(وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى)1 وقوله(عليه السلام):«واللّه تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».2
وقوله(صلى الله عليه وآله) :«وكلّ معروف صدقة».3
وبعبارة أُخرى: لو فرض المعروف على وجه يستقل العقل بحسنه مطلقاً كحفظ اليتيم من الهلاك الّذي يُعلم رجحانه على مفسدة التصرف في مال الغير بغير إذنه، أو فرض على وجه يفهم من دليله جواز تصديه لكلّ أحد كتجهيز الميت فتصح المباشرة للمؤمن العادل على نحو تندفع به الضرورة.
وأمّا التمسّك بإطلاق الروايات الماضية، أعني مثلاً: «كلّ معروف صدقة»، فلا يفيد إلاّ إذا استقل العقل بجواز التصرف، أو دل الدليل على جواز تصدّيه لكلّ أحد، وإلاّ فمجرد كون التصرف معروفاً لا ينهض في تقييد ما دلّ على عدم ولاية أحد على مال أحد أو نفسه. فلذلك لا يصحّ له التدخل في قطع الدعاوي وإقامة الحدود والتجارة بمال الصغير، لأنّها مشروطة بوجود الفقيه أو بالأب والجد كما أنّه لا يجوز له أخذ الزكوات والأخماس من الممتنع وتفريقها بين أربابها، وما

1.المائدة:2.
2. الوسائل:11، الباب29 من أبواب فعل المعروف، الحديث2، وفيه: عون المؤمن مكان عون العبد.
3. الوسائل:11، الباب1 من أبواب فعل المعروف، الحديث5.

صفحه 216
هذا إلاّ لأنّ هذه الأُمور بين ما ثبت أنّها من وظائف الإمام أو الفقيه وبين ما يُحتمل كونها كذلك.
ثم قال: إذا ثبت جواز تصرف المؤمنين فالظاهر أنّه على وجه التكليف الوجوبي أو الندبي(الحسبة) لا على وجه النيابة من حاكم الشرع فضلاً عن كونه على وجه النصب من الإمام(الولاية).1 هذا خلاصة ما ذكره الشيخ في المتاجر.2
وقال المحقّق النائيني: لا يخفى أنّه لو ثبتت الولاية العامة للفقيه مطلقاً فإذا تعذر الرجوع إليه في الأُمور الّتي يتوقف حفظ النظام عليها فلا شبهة في سقوط اعتبار مباشرته أو إذنه لاستقلال العقل بلزوم القيام بما يحفظ به النظام.
وأمّا الأُمور الّتي لا يتوقف حفظ النظام الكلّي عليها ولكنّها من المعروف، فتارة يُعلم من مناسبة الحكم والموضوع أنّ الولاية لأجل النظر والاجتهاد وأُخرى يُعلم بأنّ الاجتهاد ليس دخيلاً أصلاً، ففي الأوّل إذا فُقد الفقيه ليس لغيره التصدي له وهذا كالإفتاء والقضاء، وفي الثاني يقوم عدول المؤمنين به من باب كون العادل هو المتيقّن أو مطلق من يوصف به.
وبالجملة الأُمور الّتي يُعلم من الشرع مطلوبيتها في جميع الأزمان ولم يؤخذ في دليلها صدورها من شخص خاص فمع وجود الفقيه هو المتيقّن بين المسلمين.
ومع تعذّره يقوم به سائر المسلمين، ولمّا كان العدل أولى بالحفظ فهو المتيقّن، نعم مع فقده فمطلق الثقة ومع عدمه فكلّ من كان صالحاً.3 فالتصدّي حسبة يختص بمورد لم يكن هناك إمام معصوم ولا فقيه منصوب وإلاّ لم يتوجه

1. المتاجر:156.
2. المتاجر:155.
3. منية الطالب:1/329.

صفحه 217
عليه التكليف الشرعي.

نظرية التصدي من باب الولاية

وهناك نظرية أُخرى وهي خيرة سيدنا المحقّق الكوهكمري(قدس سره)، وهي أن يكون تصدّيه من باب الولاية لا الحسبة وإن كان في موارد خاصة، لكن ولايته في عرض ولاية الفقيه ولا يشترط بتعذر الوصول إليه كما لا يشترط كون التصرف أمراً ضرورياً، بل يكفي وجود المصلحة، ويمكن استظهار ذلك من بعض الروايات الواردة:
1. صحيحة إسماعيل بن سعد، قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن رجل مات بغير وصية وترك أولاداً صغاراً ذكراناً وغلماناً صغاراً، وترك جواري ومماليك هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: «نعم».
وعن رجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار أيحلّ شراء شيء من خدَمِه ومتاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك، فإن تولاّه قاض قد تراضوا به، ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: «إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك».1

وجه الدلالة من وجهين:

الأوّل: انّ البيع فيما ترك لم يكن أمراً ضرورياً حتّى يكون من باب الحسبة وإن كان فيه المصلحة، فبإمكانهم أن يصبروا في بيع الجواري والمماليك إلى زمان التمكّن من مباشرة الفقيه وإذنه في البيع والشراء.
الثاني: المفروض في السؤال وإن كان عدم الأب والجد والوصي، وأمّا سائر الأولياء كالإمام والحاكم فلم يفرض عدمهم، بل المفروض واقعاً هو التمكن من

1. الوسائل:12، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.

صفحه 218
إذن الإمام، أو الفقيه، فإنّ العراق كان معقل الشيعة وإسماعيل بن سعد الأحوص الأشعري القمي من رجال الرضا(عليه السلام)، وكانت قم آنذاك مركزاً للفقه والحديث متغلغلاً بالفقهاء نظير زكريّا بن آدم وغيره، فهذان الأمران يدلاّن على أنّ تصرفه كان بالولاية، وإلاّ لكان اللازم اشتراط التصدي بكون المتصدى به أمراً ضرورياً لا محيص عنه، أو بعدم التمكن من إذن الإمام أو الفقيه.
2. معتمد علي بن رئاب1 قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك غلماناً وجواري، ولم يوص، فماترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أُمّ ولد، وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: «إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجوراً فيهم».
قلت: فماترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أُمّ ولد؟ فقال: «لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر في ما يصلحهم فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم الناظر فيما يصلحهم».2
ومفروض الرواية أنّ الرجل مات ولم يوص لأحد، فيحتمل أن يكون المراد من الولي أو القيم هو من نصبه القاضي كما يحتمل أن يكون المراد هو الجد.
والاحتمالان بعيدان، إذ لو كان الولي منصوباً من جانب القاضي أو كان ولياً شرعياً كالجد لم يُترك ذكرهما في الرواية، فتعيّن أنّ المراد بالولي من تدخل في أمرهم وكانت له صلة بهم من رحم وغيره.
3. موثقة سماعة قال: سألته(عليه السلام) عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد3 كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: «إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس».4

1. لأنّ في السند سهل بن زياد. وإلاّ فالسند صحيح.
2. الوسائل:12، الباب15 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.
3. جمع عقدة وهي الضيعة والمكان الكثير الشجر.
4. الوسائل:13، الباب88 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.

صفحه 219
وكيفية الدلالة نفس الكيفية في الروايتين السابقتين حيث إنّ الرواية فرضت عدم الوصي وليس فيها ما يدلّ على عدم التمكّن من إذن الإمام أو الفقيه، كما أنّه ليس فيها دلالة على كون القسمة أمراً ضروريّاً.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ قيام الرجل الثقة من باب الولاية لا من باب الحسبة.
وعلى ما ذكره فتصدّي الثقة في الموارد الّتي لم يدل دليل على كون التصدي مشروطاً بوجود الإمام أو إذنه أو كون المتصدّي صاحب نظر واجتهاد، من باب الولاية من غير فرق بين تعذر الوصول إلى الإمام أو الفقيه وعدمه.
إنّ الاستدلال بهذه الروايات فرع كونها في مقام البيان من كون البيع ضرورياً وعدمه أو وجود الحاكم وعدمه، وسيأتي الكلام فيه عند الكلام من كون التصدي من باب النيابة.

التصدي من باب النيابة عن الحاكم الشرعي

وهنا احتمال ثالث أوعز إليه الشيخ الأنصاري في كلامه السابق، وهو أنّ تصدّي عدول المؤمنين لا من باب التكليف الشرعي ـ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ولا من باب الولاية على اليتيم والغائب كولاية الفقيه عليهما، بل من باب النيابة عن الفقيه الّذي فُوّض إليه أُمور الناس عند عدم التمكّن من الإمام المعصوم، سواء أكان الإمام حاضراً متعذّر الوصول لبعد الدار، أم غائباً.
والّذي يؤيد ذلك هو أنّ الأصل عدم ولاية أحد على أحد ولا التصرف في أمواله بغير إذنه خرج منه الفقيه الجامع للشرائط فقد فوض إليه الإمام الشؤون الاجتماعية الّتي لا محيص عن تحقيقها، ومع ذلك فلا وجه لإعطاء المنصب لعدول المؤمنين الفارغين عن الفقه والفقاهة.
نعم عندما يتعذر التمكّن من الفقيه جعل عدول المؤمنين بشرط العدل أو الوثاقة نائباً عنه.

صفحه 220
فكما أنّ تصرف الفقيه منوط بوجود المصلحة لا بوصول الأمر إلى حد الضرورة، فهكذا نائبه ـ أعني: المؤمن العدل ـ ولذلك جاز التصرف للمؤمن العادل في الروايات السابقة مع عدم وصول الأمر إلى حد الضرورة.
وأمّا إطلاق الروايات حيث لم يقيّد بالتعذر عن الوصول إلى الفقيه فلعلّها وردت من غير نظر إلى هذه الجهة أو أنّ الحكم محمول على الغالب في تلك الأعصار، فإنّ الوصول إلى الفقيه الجامع للشرائط وإن كان ممكناً في بعض الحواضر الإسلامية كالمدينة والكوفة ولكن لم تكن كلّ منطقة كذلك، فافهم. وسيوافيك نتيجة النظريات الثلاث عند البحث عن التزاحم بين عدول المؤمنين. فانتظر

المسألة الثانية:شرطية العدالة أو كفاية الوثاقة

هل يشترط في تولي المؤمن كونه عادلاً أو يكفي كونه ثقة؟
أمّا مقتضى الأصل فمعلوم، وهو عدم جواز تولّي أحد على أحد إلاّ ما خرج بالدليل إنّما الكلام في حدود ما خرج فإنّ لسان الأدلة يختلف فالظاهر من صحيح إسماعيل بن سعد اشتراط العدالة حيث قال: فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك.1
ولكن الظاهر من موثقة سماعة كفاية الوثاقة حيث قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس.2
فلابدّ من حمل أحد الدليلين على الآخر.
ويمكن تعيين أحد الحملين بدراسة صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، والّتي جاء فيها قوله(عليه السلام):«إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس».

1. الوسائل:12، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.
2. الوسائل:113، الباب88 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.

صفحه 221
وإليك نص الصحيحة:
قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنّهن فروج.
قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر(عليه السلام) وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا، ولا يوصي إلى أحد، ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلاً منّا فيبعيهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنّهن فروج، فماترى في ذلك؟ قال: فقال: «إذا كان القيّم به مثلك، ومثل عبد الحميد فلا بأس».1
وجه الدلالة يَكْمُن في توضيح المراد من المثلية في قوله: «إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد» فقد احتمل الشيخ فيه احتمالات أربعة:
1. المماثلة في التشيّع.
2. المماثلة في الفقاهة حيث إنّ عبد الحميد بن سالم العطار كان ثقة من أصحابنا الكوفيين من أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام).
3. المماثلة في العدالة.
4. المماثلة في الوثاقة وملاحظة مصلحة اليتيم وإن لم يكن شيعياً.
أمّا احتمال المماثلة في التشيّع فهو منتف لافتراض الراوي أن القيّم من الشيعة، كما قال: «فيقيم القاضي رجلاً منّا»، وظاهر قوله(عليه السلام):«إذا كان القيم به مثلك» اعتبار خصوصية زائدة وراء الوصف المفروض.
كما أنّ الاحتمالين: الثاني والثالث منتفيان أيضاً، لأنّ مقتضى ذلك وجود البأس إذا لم يكن القيّم عادلاً أو فقيهاً مع أنّه لا ريب في جواز تصرف من كان ثقة في العمل عند عدم العادل والفقيه.

1. الوسائل:12، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث2.

صفحه 222
ولذا تعيّن أن يكون المراد من يوثّق في عمله وإن لم يكن عدلاً في دينه.

تولّي الفاسق

إذا لم يكن هناك حاكم شرعي ولا عادل، فهل يتولّى الفاسق الأُمور الّتي كان العادل يتولاّها، أو لا؟
وقد فصّل الشيخ في المقام بين ما يرجع إلى نفس الفاسق وبين ما يكون فعله موضوعاً للغير فقال: لو كان في المقام دليل خاص على الولاية اتُّبع ذلك النص عموماً وخصوصاً فقد يشمل الفاسق وقد لا يشمل، وأمّا ما ورد فيه العموم: «كلّ معروف صدقة» فالكلام فيه قد يقع في جواز مباشرة الفاسق وتكليفه بالنسبة إلى نفسه، وقد يكون بالنسبة إلى ما يتعلّق بفعله وفعل غيره.
أمّا الأوّل: فالظاهر جواز تصدّيه بينه وبين اللّه، وأنّ العدالة ليست معتبرة في منصب المباشرة لعموم أدلة فعل ذلك المعروف، ولو مثل قوله(عليه السلام):«عون الضعيف من أفضل الصدقة»، وعموم قوله تعالى:(وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)1 حتّى ولو ترتّب حكم الغير على صدور الفعل الصحيح منه، كما إذا صلّى فاسق على ميّت لا ولي له، فالظاهر سقوطه بشرط أن يُعلم صدور الفعل منه ويشك في الصحة والفساد. نعم لو شُك في أصل صدور الفعل ففي قبول قوله إشكال.
وأمّا الثاني: فالظاهر اشتراط العدالة فيه فلا يجوز الشراء منه وإن ادّعى كون البيع مصلحة، بل يجب أخذ المال من يده.
وأمّا عموم أدلة القيام بذلك المعروف فلا يوجب رفع اليد عنها بمجرد تصرّف الفاسق فإنّ وجوب إصلاح مال الميت ومراعاة غبطته لا ترتفع عن الغير بمجرد تصرف الفاسق... إلى آخر ما أفاده.2

1. الأنعام:152.
2. المتاجر:156.

صفحه 223
وقد أتى الشيخ ـ رضوان اللّه عليه ـ بمثل ذلك في كتاب الفرائد في مبحث أصالة الصحة في فعل الغير، وبما أنّه ربّما يخفى وجه التفريق بين الأمرين على بعض نشرحه بالوجه التالي:
إنّ الفاسق لو صلّى على الميت يحمل على الصحة ويكون فعله موضوعاً لسقوط التكليف عن الآخرين، وأمّا لو تصرف الفاسق في مال الصغير الّذي ليس له ولي كالأب والجدّ ونحن نشك في أنّ بيعه مقرون بالمصلحة أو لا؟ فأفتى الشيخ بعدم جوازه.
ووجهه واضح، لأنّ الموضوع لسقوط التكليف عن الغير في صلاة الميت هو صدور الفعل من مسلم لا من مسلم عادل، والمفروض أنّه صدر منه الفعل غير أنّا نشك في صحته وفساده، فيحمل على الصحة انطلاقاً من قوله(عليه السلام):«ضع أمر أخيك على أحسنه».1
وأمّا إذا قام ببيع مال اليتيم، فالموضوع فيه هو وجود الغبطة والمصلحة في البيع وهو أمر غير ثابت فكيف يمكن للآخر شراؤه منه مع الشك في الموضوع، ولا يمكن التمسّك بأصالة الصحة مع الشك في الموضوع.
وحصيلة الكلام: أنّه فرق بين الموردين وهو إحراز الموضوع في الصلاة على الميت بالمشاهدة، وأمّا شراء مال اليتيم من الفاسق فالموضوع فيه بيع مال اليتيم عن غبطة ومصلحة وهو غير ثابت.
وهناك تقريب آخر لما فصّله الشيخ وهو وجود الفرق بين صلاة الفاسق على الميت فيسقط التكليف عن الغير وبين تصرفه في مال الغير فلا يصحّ بيعه، وذلك لأنّ الأصل في الأموال الاحترام ولا ترفع اليد عن هذا الأصل إلاّ بالدليل، وقد عرفت ضيق الدليل واختصاصه بالثقة، والكلام في الفاسق الذي لم تحرز وثاقته، ولذلك لو باع غير المتولّي الوقف فلا يجوز الشراء منه باحتمال وجود

1. الوسائل:8، الباب161 من أبواب أحكام العشرة، الحديث3.

صفحه 224
الغبطة والمصلحة فيه، وذلك لأنّ الأصل في الأموال الحرمة ولا يخرج منه إلاّ إذا ثبت كون المورد من مستثنيات الوقف.

مزاحمة فقيه لفقيه آخر

ربّما يتعجب القارئ من عنوان المسألة حيث إنّ الكلام في ولاية عدول المؤمنين فيجب أن يكون البحث حول مزاحمة مؤمن لمؤمن آخر، مع أنّا جعلنا عنوان البحث(مزاحمة فقيه لفقيه آخر)، وما ذلك إلاّ لأنّ استنباط حكم الفرع الثاني ربّما يبتني على تنقيح الفرع الأوّل، فلأجل ذلك قدّمناه.
فلو نصب الفقيه المتولّي للوقف أو القيّم على الصغار فهل لفقيه آخر ضمُ آخر إلى المنصوب أو عزل ما نصبه الأوّل ونصب غيره مكانه، ونظيره ما لو أخذ فقيه، الأخماسَ والزكوات، فهل للآخر التصرف فيها بلا إذن الأوّل وبسطها في محالها، إلى غير ذلك من صور المزاحمة.
وقد فصّل الشيخ بين كون الدليل على ولاية الفقيه كونهم حجج اللّه أو كون الدليل هو عموم النيابة، وكأنّ فعل الفقيه فعل الإمام ونظره كنظره.
فعلى الأوّل يجوز له مباشرته وإن كان الآخر دخل فيه ووضع يده عليه وما ذلك إلاّ لأنّ كلاً منهما حجة من الإمام على وجه الاستقلال.
وأمّا على الثاني ـ أي الاستناد إلى عمومات النيابة كقوله(عليه السلام):«العلماء أُمناء الرسل»، أو قوله(عليه السلام):«اللهم ارحم خلفائي» إلى غير ذلك فيكون نظره كنظر الإمام من حيث وجوب إرجاع الأُمور الحادثة إليه، وعندئذ فالظاهر عدم جواز مزاحمة الفقيه الّذي دخل في أمر، لأنّ دخوله فيه كدخول الإمام، فدخول الثاني فيه مزاحمة له فهو كمزاحمة الإمام.1
يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّ تنزيل الفقيه بمنزلة الإمام تنزيل حيثي، بمعنى

1. المتاجر:157.

صفحه 225
وجوب اتّباع نظره دون أن يكون التنزيل مطلقاً بأن يكون الفقيه نظير الإمام في عامة الشؤون حتّى في المقام، اللّهم إلاّ أن يُدّعى عموم المنزلة.
ومع ذلك فالقول الثاني هو الراجح، لأنّ الفقيه ولي من لا ولي له، ولذلك لا يجوز للفقيه أن يزاحم تصرف الأب أو الجد في أُمور الأيتام والغائبين، وما ذلك إلاّ لعدم الموضوع.
فهكذا لا يجوز لفقيه أن يزاحم الفقيه الآخر، لأنّ المورد بتدخل الفقيه الأوّل فيه خرج عن كونه «لا ولي له» فلا يبقى موضوع لولاية الفقيه الثاني.
يقول المحقّق النائيني: إنّ الفقيه لو وضع يده على مال اليتيم أو الغائب يخرج المولّى عليه عمّن لا وليّ له وليس لفقيه آخر مزاحمته.1
أضف إلى ذلك: أنّ إعطاء الولاية للفقيه هو لغاية تنظيم الأُمور وإخراجها عن الفوضى، ففتح الباب لفقيه آخر لأن يتدخل في شؤون الفقيه الأوّل يورث الفوضى والتشتّت في الأُمور.

مزاحمة العادل لعادل آخر

إذا تولّى العدلُ أمرَ الغائبِ والقاصرِ اللذين ليس لهما أب ولا جد، وقام بإجراء بعض الأُمور بما يتفق مع مصلحتهما، فهل يجوز لعدل آخر التدخل أو لا؟
وقد ذكر الشيخ: أنّ مجرد وضع يده على مال يتيم لا يوجب منع الآخر ومزاحمته بالبيع ونحوه. ولو نقله بعقد جائز فوجد الآخر المصلحة في استرداده جاز الفسخ إذا كان الخيار ثابتاً بأصل الشرع أو بجعله للصغير أو مطلق وليه من غير تخصيص بالعاقد.
ولو أراد بيعه من شخص وعرضه لذلك جاز لغيره بيعه من آخر مع

1. منية الطالب:1/330، ط النجف الأشرف.

صفحه 226
المصلحة وإن كان في يد الأوّل.
ثمّ إنّ الشيخ نزّل حال العدلين منزلة الأب والجدّ في أنّ النافذ هو تصرف السابق ولا عبرة بدخول الآخر في مقدّمات ذلك وبنائه على ما يغاير تصرف الآخر، كما يجوز لأحد الحاكمين أن يتصدّى للمرافعة قبل حكم الآخر وإن حضر المترافعان عنده وأحضر الشهود وبنى على الحكم.1
وتبعه المحقّق النائيني ففرق بين ولاية الفقيه، وولاية العدل، قائلاً: بأنّ ثبوت الولاية له بمعنى أنّ له أن يفعل في مال المولّى عليه ما يراه صلاحاً، فما لم يفعل ولم يتصرف في المال يجوز تصرف العدل الآخر.2
أقول: الظاهر عدم جواز التدخل فيما تدخل فيه العدل الأوّل، لأنّه مبنيّ على أنّ جواز تصرفه من باب التكليف الشرعي وكلّ من العدلين مكلّف بالتدخل مادام الموضوع باقياً لا من باب النيابة عن الفقيه، والأوّل بعيد جداً لأنّ المتصرف في مال الغير يجب أن يكون مالكاً أو وكيلاً عنه أو ولياً، فكيف يجوز التصرف بمجرد التكليف مع عدم كونه واجداً لأحد هذه العناوين وأمّا على القول بالنيابة كما قوّيناه فيكون حكمه حكم المنوب عنه، فإذا وضع العدل يده على مال اليتيم فكأنّه وضع الفقيه يده عليه فليس للعدل الآخر مزاحمته. كما هو الحال في مزاحمة فقيه لفقيه آخر.
أضف إلى ذلك وجود الفرق بين الأب والجد والمقام، فإنّ الأب والجد يعيشان في بيئة واحدة، وللجد سيادة على الأب، ولذلك سوّغ للجد التدخل في الأمر الّذي تدخل فيه الأب مادام الموضوع باقياً، وهذا بخلاف العدلين المتساويين في الرتبة والدرجة، فإنّ فتح هذا الباب يورث الفوضى وينبت العداء ويفصم عرى النظام.

1. المتاجر:157.
2. منية الطالب:1/330.

صفحه 227

المسألة الثالثة:اشتراط المصلحة والغبطة في التصرف

الظاهر من كلمات الأصحاب اشتراط المصلحة.
قال العلاّمة: الضابط في تصرف المتولّي لأموال اليتامى والمجانين اعتبار الغبطة، وكون التصرف على وجه النظر والمصلحة... إلى أن قال: سواء أكان الولي أباً أو جدّاً له أو وصياً أو حاكماً أو أمين حاكم... إلى أن قال: ولا نعلم فيه خلافاً إلاّ ما روي عن الحسن البصري.1
وقال العلاّمة في القواعد ونهاية الأحكام: والوكيل يمضي تصرفه مادام الموكل حيّاً... إلى أن قال: وإنّما يصحّ بيع من له الولاية مع المصلحة للمولّى عليه.2
وقال في الحدائق بعد ذكر الأخبار: ويستفاد من هذه الأخبار الشريفة جملة من الأحكام المنفية منها:أنّ التصرف في أموالهم يتوقّف على نوع مصلحة لهم في ذلك.3
إذا عرفت ذلك فلنذكر ما يدلّ على اشتراط وجود المصلحة والغبطة في التصرف.
استدلّ على لزوم وجود المصلحة في تصرف الولي فضلاً عن غيره بقوله سبحانه:(وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)، وقد وردت هذه الفقرة في ضمن الوصايا العشر الّتي وردت في سورة الأنعام ضمن آيات ثلاث (151ـ 153) وجاء بعد الفقرة المذكورة قوله سبحانه:(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَو كانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).4

1. تذكرة الفقهاء:14/245.
2. قواعد الأحكام:2/21; نهاية الأحكام:2/480.
3.الحدائق الناضرة:18/348.
4. الأنعام:152.

صفحه 228
ويقع الكلام في الآية في أُمور:

1. هل النهي تكليفي أو وضعي؟

إنّ الفقرات المتقدمة عليها والمتأخّرة عنها تشهد على أنّ النهي تكليفي لا وضعي ولا تدل على فساد التصرف إذا كان القرب بغير الوجه الأحسن .

2. ما هو المراد من القرب ؟

إنّ النهي عن القرب أبلغ من النهي عن التصرّف في مال اليتيم، فإذا كان القرب حراماً فكيف التصرف وهو كناية عن الأُمور الثلاثة:
1. التصرّفات الاعتبارية كالبيع والإجارة.
2. التصرّفات الخارجية كالأكل والشرب من طعامه وشرابه والانتفاع بخادمه.
3. ترك ماله بحاله إذا كان مضراً بحال المولّى عليه، وهذا كالأوراق النقدية فانّ بقائها على حالها (مع انخفاض قيمتها وقوتها الشرائية) يوجب الضرر، وبالتالي لا يكون «القرب» بالنحو الحسن، فضلاً عن الأحسن.

3. ما هو المراد من «أحسن»؟

وأمّا المراد من قوله تعالى: (بالّتي هِيَ أَحْسَنُ) ففيه وجوه:
1. اختيار الأحسن من كل ألوان التصرّفات.
2. التصرف الحسن الّذي فيه نفع لحال اليتيم.
3. مالا مفسدة فيه وإن لم يكن نافعاً.
الظاهر هو الأوّل حفظاً لظهور صيغة «أفعل» في التفضيل، فلو دار الأمر بين التصرف الأحسن والحسن، فالأوّل هو المتعيّن، نعم لو تمكّن من التصرّف الحسن، ومع ذلك كان التصرّف الأحسن محتملاً، لا يجب الفحص عنه إلاّ إذا

صفحه 229
كان أمراً ميسوراً أخذاً بالسيرة بين المتشرعة. فالتصرف الأحسن حسب الظروف السائدة على الولي واليتيم والمال هو المتعيّن، وإن كان يحتمل أن يكون في الواقع ما هو أحسن وأنفع منه.
وأمّا الثالث فهو على خلاف ظاهر الآية. وسيوافيك بعض ما ورد في المقام من الروايات.
وأمّا قوله سبحانه: (وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْيَتامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)1، فالاستدلال به مبني على أنّ المراد من الاصلاح في قوله:(قُلْ إِصلاحٌ لَهُمْ خَيرٌ) إصلاح أموالهم، لا إصلاح نفس اليتامى بالقيام على تربيتهم، تربية دينية، تؤمّن سعادتهم في الدنيا والآخرة.
ويمكن أن يكون المراد: الإصلاح في كلا المجالين: مجالي التربية وإدارة أموالهم. والشاهد على ذلك قوله:(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) فكأنّه إذن من اللّه لمن يتولى أمر اليتيم أن يشركه مع عياله في المأكل والمشرب ويستوفي من مال اليتيم بقدر ما أنفق. فيكون الميزان في التصرف كونه لصالح اليتيم. ويؤيده قوله: (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، فالمفسد هو الّذي يتولّى مال اليتيم ليستغل أمواله، والمصلح من يليها لمصلحة اليتيم بالذات.
فالمتعيّن هو التصرف الأحسن إذا دار الأمر بينه و بين الحسن، وأمّا إذا تمكن من تصرف واحد وكان الفحص عن التصرف الآخر الأحسن أمراً ميسوراً فهو، وإلاّ فهو جائز ونافذ.
فتلخص من دراسة الآيتين أنّ التصرف في مال اليتيم بل المولّى عليه على وجه الإطلاق كالقُصّر والغُيّب يجب أن يكون حسناً ينتفع به لا مضراً ولا نافعاً، وأمّا الروايات الواردة في هذا المجال فندرسها تالياً.

1. البقرة:220.

صفحه 230
1. ما رواه الكاهلي قال: قيل لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم فماترى في ذلك؟
فقال: «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، وإن كان فيه ضرر فلا».1 فلو لم يترتّب عليه نفع ولا ضرر، فالظاهر عدم الجواز عملاً بظاهر الآية من لزوم كون التصرّف مقروناً بالحسن أوّلاً، وتحكيماً لصدر الحديث (الّذي يشترط وجود النفع) على ذيله( الّذي ينهى فيه عن خصوص ترتب الضرر على المال).
2. ما رواه العياشي عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) قال: قلت: يكون لليتيم عندي الشيء وهو في حجري أنفق عليه منه، وربّما أُصيب ممّا يكون له من الطعام، وما يكون مني إليه أكثر؟ قال: «لا بأس».2
فالقيد له «أكثر» وارد في كلام الراوي، فلا يكون حجّة على عدم الجواز عند التساوي، فيكون المرجع لدى الشك هو ظهور الآية في لزوم كون التصرّف على الوجه الأحسن.
3. ما رواه علي بن عفيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ لي ابنة أخ يتيمة ربّما أُهدي لها الشيء فآكل منه ثم أُطعمها بعد ذلك الشيء من مالي، فأقول يا رب هذا بهذا؟ فقال: «لا بأس». 3
ولعلّ ترك الاستفصال دليل على الجواز عند المساواة، ومع ذلك فهو لا يخرج عن حد الإشعار، فالمرجع عند الشك، لزوم كون التصرف مقروناً موصوفاً بالأحسن.

1. الوسائل:12، الباب71 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
2. الوسائل:12، الباب73 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
3. الوسائل:12، الباب71 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 231
وأجاب المحقّق النائيني قال: الغالب في الهدايا للأيتام انّ تبديلها بالثمن صلاح لهم.1 وما ذكره لا يوافق مضمون الرواية، إذ ليس فيها عن التبديل بالثمن أثر، والظاهر هو الإطعام من ماله.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري(قدس سره) ذيّل الكلام في شروط المتعاقدين بالبحث عن فرعين:
1. بيع العبد المسلم من الكافر.
2. بيع المصحف من الكافر.
والأوّل لا موضوع له في زماننا، والثاني قد طرحه الشيخ في خاتمة المكاسب المحرمة، وقد اقتفيناه وأشبعنا الكلام فيه.
تمّ الكلام في شروط المتعاقدين
صبيحة يوم الجمعة
ثالث ربيع الأوّل من شهور عام 1429هـ.

1. منية الطالب:1/330.

صفحه 232
    أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج2
   

في شرائط العوضين

تقدّم أنّ أركان البيع ثلاثة: العقد، المتعاقدان، والعوضان.
وقد فرغنا من البحث في شرائط العقد والمتعاقدين، بقي الكلام في شرائط العوضين .
والشروط الرئيسية عبارة عمّا يلي:
1. أن يكونا مملوكين.
2. أن يكونا متموّلين.
3. أن يكونا ملكاً طلقاً.
4. القدرة على التسليم.
5. العلم بقدر المثمن والثمن.
هذه هي رؤوس المسائل الّتي تتفرع عليها فروع كثيرة ستوافيك أثناء البحث.

صفحه 233

شرائط العوضين

   1، 2

أن يكونا مملوكين ومتموّلين

المعروف أنّه يجب أن يكون العوضان مملوكين أوّلاً، ومتموّلين ثانياً، وقد جعل الفقهاء الملكية والمالية من شرائط العوضين; وكأنَّ البيع يتحقّق، وإن لم يكن العوضان ملكاً أو مالاً، ولكن الأولى جعلها من مقوّمات البيع ومحقّقاته، الداخلة في ماهيته الاعتبارية لا من الأُمور الخارجة عن حقيقته .
ونظير ذلك قصد البيع الّذي فرغنا منه، فالجميع من مقوّمات الموضوع.
ثم إنّ الشيخ قدّم البحث عن المالية على البحث عن الملكية، والأنسب هو العكس، فلذلك قدّمنا البحث عن الملكية على البحث عن المالية. ولنذكر حاصل ما أفاده الشيخ في المقام.

1. شرطية الملكية

قال الشيخ: احترزوا باعتبار الملكية في العوضين عن أمرين:
1. بيع ما يشترك فيه الناس كالماء والكلأ والسموك والوحوش قبل اصطيادها لكون هذه كلّها غير مملوكة بالفعل.
2. الأراضي المفتوحة عنوة ـ وجه الاعتراض ـ أنّها غير مملوكة لملاكها على سائر الأملاك بحيث يكون لكلّ مسلم جزء معيّن من عين الأرض وإن قلّ ولذا لا يورث.

صفحه 234
فجمع الشيخ هنا بين القول بملكية الأراضي المفتوحة عنوة وفي الوقت نفسه عدم ملكيتها بلا تعارض، أمّا أنّها ملك فلأنّها ملك للمسلمين، وقد ادعى عليه الإجماع ودلّ عليه النصّ كمرسلة حماد وغيرها وأمّا أنّها ليست بملك أي ليست كسائر الأملاك على نحو يكون كل جزء لشخص. ثم إنّ الشيخ قرر وجه الفرق بين الأراضي المفتوحة عنوة وبين ما يشبهه من الأُمور الثلاثة: الوقف الخاص، الوقف العام، تملّك الفقراء للزكاة والسادة للخمس بالبيان التالي:
أن يكونا مملوكين ومتموّلين   
أمّا الأوّل: أي الوقف الخاص، فالموقوف عليه لا يملك العين ولكن يملك المنافع مشاعاً بالفعل، لكونها وقفاً لجماعة محدودة معيّنة.
وأمّا الثاني: أي الوقف العام، فالموقوف عليه لا يملك العين ولا يملك المنافع بالفعل، وإنّما يملك المنافع بالقبض.
وأمّا الثالث: أعني تملّك الفقراء للزكاة والسادة للخمس، فالأشخاص من الفقراء والسادة لا يملكون العين بالفعل ولكن يملكونها بعد التقسيم والقبض.
فظهر أنّ مالكية المسلمين للأراضي المفتوحة عنوة لا يشابه واحداً من هذه الأُمور الثلاثة، فالمسلمون لا يملكون المنافع بالفعل على خلاف الوقف الخاص، ولا يملكون منافع الأراضي حتّى بعد القبض خلافاً للوقف العام، كما أنّهم لا يملكون الأعيان حتّى بعد القبض خلافاً للفقراء والسادة الذين يملكون العين بعد القبض .1
هذه خلاصة ما أفاده الشيخ.
ويشير الشيخ بقوله: «وقد دلّ عليه الدليل» إلى مرسلة حمّاد و ما رواه الحلبي قال: سُئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق

1 . المتاجر: 161 .

صفحه 235
بعد».1
أقول: إنّ الشيخ الأنصاري قد بيّن كيفية المنافع في الأوقات الخاصة والعامة كما بيّن كيفية تملك الفقير والسيّد الزكاة والخمس ولكنّه أهمل بيان شيء آخر وهو تعيين مالك الأعيان في الأوقاف والأراضي المفتوحة عنوة، ويمكن توضيح ذلك بالنحو التالي:
إنّ المالك تارة يكون هو الفرد الخارجي المعبر عنه بالفرد الجزئي، كما هو الحال في مالكية زيد لداره وأمواله; وأُخرى يكون المالك هو العنوان المنطبق على الأفراد عبر الزمان، وهذا كمالكية عنوان الموقوف عليه، ومع ذلك تختلف آثار هذا النوع من الملكية مع القسم الأوّل.
مثلاً لمّا كان الغرض من الوقف حبس العين، فالعنوان الكلّي من الموقوف عليه مالك للعين بالفعل لغاية تملّك من ينطبق عليه العنوان، المنافع، وأمّا الفرد الخارجي الّذي ينطبق عليه العنوان عبر الزمان يملك الثمرة لا العين، لأنّ ملكيته للعين تنافي غرض الواقف.
وبذلك يظهر أنّ المالك في الأراضي المفتوحة عنوة هو عنوان المسلمين بما هم مسلمون، أو الدولة الإسلامية التي تكون حامية لمصالح المسلمين، كما يحتمل أن يكون المالك مقام الإمامة والرئاسة العامة التي تحمي مصالحهم. وأمّا الزكاة والخمس فيملكها عنوان الفقير أو السيد أو مقام الإمامة بالفعل، وأمّا المصاديق فلا يملكون إلاّ بعد القبض كما في الزكاة، أو بعد التقسيم والقبض كما في الخمس.
فإن قلت: أي فرق بين منافع الوقف الخاص حيث يملكها الموقوف عليه بالفعل بصورة الإشاعة، بخلاف العام فإنّ الملكية للموقوف عليه بعد القبض.
قلت: الفرق الفارق هو قلّة الأفراد في الأوّل وكثرتهم في الثاني، فإن القلّة

1 . الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4 .ولاحظ الحديث 5و 9.

صفحه 236
تصحّح كون منافع البستان لعدة محدودة على الوجه المشاع، بخلاف الوقف العام كالفقراء فإنّ كثرة عددهم التي تناهز الملايين تمنع عن كون المنافع القليلة ملكاً لأشخاص غير متناهية عرفاً فلذلك علقت الملكية للمنافع بالقبض.
   

الشرط الواقعي هو القدرة على التسليم لا الملكيّة

ثم إنّ ما ذكرناه من التحليل إنّما يتفق مع مسلك القوم، ولكن التحقيق يقتضي شيئاً آخر وهو يخالف مسلك القوم في بعض الموارد، حيث يمكن أن يقال بأنّ الشرط الواقعي في البيع هو السلطنة الشرعية والقانونية1 على التسليم والقدرة عليه، سواء أكانت السلطنة على البيع نابعة عن مالكية الشخص للشيء كما هو الحال في البيوع العادية، أم كانت السلطنة على البيع نابعة من إجازة الشرع، كما في الصور التالية :
1. بيع الوقف: فإنّ المتولّي ربّما يبيعه في شرائط خاصة، وهو ليس بمالك.
2. بيع الزكاة إذا كانت المصلحة في تسليم الثمن للفقراء لا في تسليم العين، فالبائع يبيع بإجازة من الشرع دون أن يكون مالكاً .
3. بيع مال الصغير فإنّ الولي يبيع هذا المال ويتّجر به دون أن يكون مالكاً ولا وكيلاً.
فإن قلت: إنّ الفقهاء احترزوا باعتبار الملكية في العوضين من بيع ما يشترك فيه الناس كالماء والكلاء والسموك والوحوش قبل اصطيادها، باعتبار أنّها غير مملوكة بالفعل .2 فعلى القول بعدم اعتبار الملكية فما هو المخرج ؟
قلت: على القول بعدم شرطيتها وكفاية السلطنة، فهو أيضاً خارج عن محط البحث، إذ المراد السلطنة الخاصة للبائع دون المشتري، والسلطنة الموجودة في

1 . خرجت السلطة التكوينيّة على التسليم، فهي غير كافية لوجودها في الغاصب والسارق نعم سيوافيك أنّها من احدى الشرائط فانتظر.
2 . المتاجر: 161 .

صفحه 237
المباحات ليست خاصّة بالبائع، بل البائع والمشتري فيها سواء.
4. بيع الكلّي في الذمّة، لأنّه ليس ملكاً لأحد أصلاً وإنّما تكفي قدرة البائع على تسليم المبيع الكلي في الوقت المحدد، نعم يملكه المشتري بعد الشراء ويكون ما في ذمّته ملكاً له.
فإن قلت: فما معنى ما روي عنهم من أنّه لا بيع إلاّ في ملك؟1
قلت: إمّا أنّه ناظر إلى بيع الأعيان الشخصية كما يشير إليه أيضاً قولهم: «لا تبع ما ليس عندك»، 2 وعلى ما ذكرنا يكون منافياً لما ذكرنا من كفاية السلطنة الشرعية على التسليم أو بمعنى ما ذكرناه وهوالقدرة على التسليم والسلطنة على الإقباض، فلذلك يعمّ بيع الولي والوكيل والمأذون من قبل البائع.
ثم إنّه ربّما يتخلّص في إخراج هذه الموارد من جواز البيع، أعني: الوقف والزكاة والخمس والمفتوح عنوة، بأنّه يشترط أن يكون الملك طلقاً (الحلال المطلق في مقابل الحلال المقيّد) فإنّ الأعيان المذكورة ملك وحلال لكنّها ليست ملكاً طلقاً ولا حلالاً كذلك.3 فتأمل.

2. شرطية المالية

يشترط في العوضين، كونهما متموّلين، لأنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال فالمالية تشكل جوهر البيع.
واستدلّ الشيخ على شرطية المالية بالنبوي: «لا بيع إلاّ في ملك».4 وهو بظاهره بعيد، لأنّ الكلام في المالية لا الملكية، لكن يمكن توجيهه بأنّه مبني على ثبوت الملازمة بين المالية والملكية.

1 . عوالي اللآلي: 2 / 247، الحديث 16 .
2 . الوسائل: 12، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 12 .
3 . مصباح الفقاهة: 3 / 220 .
4 . مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب عقد التجارة، الحديث 3 و 4 .

صفحه 238
وتظهر الملازمة ممّا ذكره الشيخ في أوّل البيع حيث قال: وأمّا عمل الحر فإن قلنا:إنّه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال، وإلاّ ففيه إشكال من حيث احتمال كون العوضين في البيع مالاً قبل المعاوضة، كما يدل عليه ما تقدّم عن المصباح .1
فإنّ ظاهر العبارة أنّه شاك في صدق المالية على عمل الحر، مع أنّه لا إشكال في ماليته بشهادة أنّه يصح جعله صداقاً وعوضاً في الإجارة; وإنّما الإشكال فيها من جهة الملكية، بتصوّر أنّ الإنسان لا يملك عمله. فاطلق المالية وأراد الملكية لوجود الملازمة بينهما.
فظهر أنّ الملكية والمالية في نظر الشيخ متلازمان، ولذلك استدلّ على شرطيتها بالنبوي المذكور. نعم احتمل سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بأنّ ذلك من اشتباه الناسخ والصحيح: «إذ لا بيع إلاّ في مال»2.
ولكن الحق أنّ بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، إذ يصدق المال دون الملك على المباحات، حيث إنّه يبذل بإزائها المال فيما إذا قدر المبذول له على التسليم بدون قصد الحيازة، كالحطب في الفلاة والسمك في البحر مع أنّها ليست ملكاً لأحد.
كما أنّ الحبة من الحنطة ملك وكذا كف من التراب ـ وليس لأحد أن يتيمّم عليه بلا إذن مالكه ـ بحجة أنّهما ليسا بمالين ـ وأمّا صدقهما فواضح.
ويظهر من سيدنا الأُستاذ (قدس سره)عدم اعتبار المالية في البيع، ومثّل له مثالاً وقال: «كما لو فرض وجود حيوانات مضرّة بالزرع كالفأرة، أو بالإنسان كالعقرب وأراد صاحب الزرع جمعها وإفناءها فأعلن أنّه يشتري كل فأرة أو عقرب بكذا لغاية عقلائية، فيصدق البيع ولو لم يكن للمبيع مالية».

1 . المتاجر: 79.
2 . البيع: 3 / 11 .

صفحه 239
يلاحظ عليه: أنّ الموارد الشاذة لا تعد نقضاً للقاعدة، وذلك لأنّ الكلام هو البيع الّذي يعد عماد الحياة وسنادها الّتي تدور عليه رحى الحياة الاقتصادية ومثل هذا لا ينفك عن كون المبيع مالاً.
أضف إلى ذلك تسمية هذه الموارد بيعاً من باب المشاكلة، والظاهر أنّه من باب الجعالة في دائرة محدودة .
وربّما ينقض أيضاً بأنّه ربما يشتري الإنسان مكتوبة جدّه بقيمة نفيسة عالية للحفظ رغم عدم كونها قابلة للمعاوضة.1 ويندفع بما ذكرناه.
نعم لا يعتبر أن يكون مالاً عند عامّة العقلاء، بل يكفي أن يكون مالاً في صقع، دون صقع إذ رب شيء يعد من ضروريات الحياة عند طائفة ولا يعدّ منها ولا من كمالياتها عند طائفة أُخرى.
ثم إنّ المالية تختلف حسب اختلاف الاعتبار فربما يعدُّ شيء مالاً عند العرف ولا يُعد مالاً عند الشرع كالخمر والخنزير، ولا عكس، فكل ما هو مال عند الشرع فهو مال عند العرف.

الشك في مالية أحد العوضين

ثم إنّه إذا أُحرز كون الشيء مالاً عند العرف تصح المعاوضة عليه، وأمّا إذا شُك في المالية فلا يمكن التمسّك في إثباتها بعمومات البيع والتجارة، وذلك لأنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
خلافاً للشيخ فقد أخرج صورتين وأبقى الباقي تحت العمومات وقال: ما تحقّق أنّه ليس بمال عرفاً أو لم يتحقّق فيه ذلك ولكن كان أكل المال في مقابله أكلاً بالباطل عرفاً، ففي هذين الموردين يُحكم بفساد المعاملة، وأمّا في غيرهما فإن ثبت دليل من نص أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو، وإلاّ يجب الرجوع

1 . مصباح الفقاهة: 3 / 317 .

صفحه 240
إلى عمومات صحّة البيع.1
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كانت المالية مقومّة لماهيّة البيع والتجارة حيث عُرّف الأوّل بـ «مبادلة مال بمال» وفسّرت الثانية في اللغة بـ «البيع والشراء» يكون الشك في المالية، شكاً في صدق الموضوع ومعه لا يمكن التمسك بالحكم، أعني: الحلية وجواز التصرف.
فإن قلت: ما ذكرته يصح في عنواني «البيع» و «التجارة» دون قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)2 فإنّ الموضوع لوجوب الوفاء، هو العقد والالتزام، وهو صادق عند الشك في المالية .3
قلت: هذا ما ذكره المحقق الخراساني في تعليقته وتبعه المحقق الخوئي(قدس سره)في مصباح الفقاهة في إنّ العقد في كلّ مورد يضاف إلى موضوعه ويتبعه الحكم، ففي مورد البيع يجب الوفاء بعقد البيع، وفي مورد الإجارة يجب الوفاء بعقدها، وعنده يرجع الشك في المالية إلى الشك في الموضوع أيضاً بالبيان الماضي.
وبعبارة أُخرى: إذا باع الرجل فلا يقوم بعملين مختلفين: عَقَدَ، وباعَ حتّى يصح تفكيك أحدهما عن الآخر، بل قام بأمر واحد وهو «عقد البيع» والمفروض أنّ المالية داخلة في حقيقة البيع والشك فيها شك في صدق البيع .
وأمّا المروي في «تحف العقول»: «وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فكل ذلك حلال بيعه» 4 فهو بصدد بيان تمييز ما يجوز بيعه

1 . المتاجر: 161 .
2 . المائدة: 1 .
3 . تعليقة المحقّق الخراساني: 103. ولاحظ: مصباح الفقاهة: 3 / 318 حيث قال: فغاية الأمر يمنع ذلك عن التمسّك بعمومات ما دلّ على صحة البيع بالخصوص، وأمّا ما دلّ على صحة مطلق العقود والتجارة عن تراض فلا، إذ لا شك في صدق التجارة عن تراض والعقد على المعاملة الجارية على ما ليس بمال.
4 . الوسائل: 12، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 .

صفحه 241
عمّا لا يجوز، لا في بيان ما هو مال عمّا ليس بمال فلا يتمسّك به لإثبات المالية، إلاّ أن يكون وجود الصلاح ملازماً عند العرف للمالية.

صفحه 242

في أحكام الأرضين

إنّ شرطية الملكية والمالية في العوضين سببت البحث عن أقسام الأرضين وأحكامها فنقول: إنّ الأرض إمّا عامرة، أو خربة; وكلّ منهما إمّا أن يكون كذلك بالأصالة، أو بالعرض.
فلنأخذ كل واحد بالدراسة مستقلاً.

1. الأرض الموات بالأصالة

ويقع الكلام فيه في الجهات التالية:
1. الأرض الموات من الأنفال.
2. ما هوالمقصود من مالكيته تعالى ورسوله للأنفال؟
3. وجوب الخراج لمن أحيا الأرض الموات.
4. تملّك الأرض بالإحياء.
5. شمول الحكم (التملّك) لعامة الناس.
وإليك دراستها واحدة بعد أُخرى.
***

الأُولى: الأرض الموات بالأصالة من الأنفال

اتّفق الفقهاء على أنّ الأرضين الموات من الأنفال للإمام، قال الشيخ في الخلاف: الأرضون الموات للإمام خاصة لا يملكها أحد بالإحياء إلاّ أن يأذن له الإمام، وقال الشافعي: من أحياها ملكها (سواء) أذن له الإمام أو لم يأذن، وقال

صفحه 243
أبو حنيفة: لا يملك إلاّ بإذن وهو قول مالك...، إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وهي كثيرة وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله)أنّه قال: ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه، وإنّما تطيب نفسه إذا أذن فيه ».1
ويدلّ عليه من الروايات ما رواه الكليني بسند صحيح عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح (عليه السلام)في حديث قال: «وللإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال...ـ إلى أن قال: ـ والأنفال كلّ أرض خربة قد باد أهلها... ـ إلى أن قال: ـ وكلّ أرض ميتة لا رب لها».2
وروى القمي في تفسيره عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الأنفال؟ فقال: «هي القرى الّتي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول ...»، إلى أن قال: «وكل أرض لا ربّ لها». ومحل الاستدلال في كلتا الروايتين، هو قوله: «وكلّ أرض لا ربّ لها»، وأمّا القرى التي انجلى أهلها فهي داخلة في الموات بالعرض .3
ولعلّ الحديثين مع اتّفاق الفقهاء كافيان في كونها من الأنفال .
قال الشيخ الأنصاري: وعليه يحمل ما في النبويين :
1. «موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم منّي أيّها المسلمون».4 ولكن الموجود في المستدرك نقلاً عن عوالي اللآلي هو بالنحو التالي: «موتان الأرض لله ورسوله، فمن أحيا منها شيئاً فهو له».5
ولعلّ الشيخ أخذه من الكتب الفقهية كالتذكرة للعلاّمة الحلي.

1 . الخلاف: 2 / 525، المسألة 3، كتاب إحياء الموات.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 20 .
4 . المغني لابن قدامة: 6 / 105 .
5 . مستدرك الوسائل: 17 / 111، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

صفحه 244
2. قوله (صلى الله عليه وآله): «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم منّي»1.
والروايتان منافيتان لأُصولنا وهي أنّ الأنفال بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام. والظاهر أنّهما منقولتان على غير وجههما .

الثانية: ما هو المقصود من مالكية الله ورسوله للأنفال ؟

إنّ الأرض الموات من الأنفال كما مرّ ـ حسب الآية ـ لله ولرسوله قال سبحانه: (يَسْأَلُونَك عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَ الرَّسُولِ)2 واللام فيها للملكية، وعندئذ يقع الكلام في معنى مالكيتهما لها. فهنا احتمالات :
1. الملكية التكوينية: أنّه سبحانه مالك لها ملكية تكوينية نابعة من خالقيته لها.
يلاحظ عليه: بأنّها لا تختص بالأنفال فالله سبحانه ـ بحكم كونه خالق كل شيء مالك الملك والملكوت لا خصوص الأنفال، بل كل ما في السماوات والأرض وما بينهما ملك له كذلك.
أضف إلى ذلك: أنّها لا تحتمل في مورد الرسول الّذي عطف في الآية على الله فليس الرسول مالكاً تكوينياً لكونه مخلوقاً لا خالقاً .
2. الملكية الاعتبارية: الّتي يعبّر عنها بالملكية القانونية القائمة باعتبار العقلاء.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه أعلى وأنبل من أن يوصف بالمالكيّة الاعتباريّة، إذ ليس في عرض المعتِبر حتّى يحكم عليه بحكمه، مضافاً إلى أنّه يعتبر فيها ترتّب الأثر على ذلك الاعتبار. وهو في المقام مفقود لما عرفت من أنّه سبحانه ليس في عرض المعتبر.

1 . مستدرك الوسائل: 17 / 112، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 5 .
2 . الأنفال: 1 .

صفحه 245
3. ولاية التصرف في الأنفال: بمعنى أنّ أمرها مفوّض إليهما.
ويلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك عدم مالكيتهما، وهوخلاف ظاهر الآية.
ثم إنّ الموصوف بالولاية ليس ذاته سبحانه أو نفس الرسول، بل بما هو خالق، أو رسول من الله سبحانه أو إمام منه1. ولعلّه يرجع إلى ما نذكره.
4. مالكية الدولة الإسلامية: أنّ مالكيته سبحانه والرسول كناية عن مالكية الدولة الإسلامية ، المتمثّلة بالرسول أصالة ونيابة عن الله سبحانه فتكون مالكة للأراضي مواتها. وقد ورد في كلام الإمام الهادي(عليه السلام) ما يؤيد ذلك :
عن أبي علي بن راشد قال: قلت: لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال:«ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه» .2
فقد فصّل الإمام بين المالين فما كان لوالده (عليه السلام)بسبب الإمامة، فهو لا يورث، لأنّ المالك هو الجهة وهي قائمة بالإمام بعده، وأمّا ما كان له بشخصه فهو مال يورث بين الورّاث.

الثالثة: وجوب الخراج فيها

إذا أحيا أرضاً مواتاً بالزراعة فلا شك أنّه يجب فيها أن يخرج منها الزكاة إذا بلغ حد النصاب، إنّما الكلام في وجوب غير ذلك .
ظاهر بعض الروايات هو ذلك، نظير:
1. صحيحة الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): (إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )3، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتقون والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من

1 . وهذا خيرة سيدنا الأُستاذ. لاحظ كتاب البيع: 3 / 24 .
2 . الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
3 . الأعراف: 128.

صفحه 246
المسلمين فليعمرها وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها... . حتّى يظهر القائم (عليه السلام)من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنعها إلاّ ما كان في أيدي شيعتنا، فإنّه يقاطعهم على ما في ايديهم ويترك الأرض في أيديهم».1
وظاهر الصحيحة اشتراك الفريقين في وجوب الخراج عليهم، وإنّما الاختلاف في أخذ الأرض عن غير الشيعة وتركها في أيديهم.
2. مصحّحة عمر بن يزيد، حيث جاء فيها قوله: وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها2يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه».3
وحملهما الشيخ على بيان الاستحقاق ووجوب إيجاب الطسق إذا طلبه الإمام.4
وفي متني الحديثين ما لا يوافق أُصولنا حيث إنّ ظاهرهما أنّ المحيي لا يملك وإنّما له إباحة التصرف، ولأجل ذلك تؤخذ منه عند ظهور القائم(عليه السلام). وسيوافيك في الجهة الرابعة أنّه مخالف لما عليه الإماميّة، ولكن يظهر من بعض الروايات عدم وجوب شيء في الأراضي المحياة غير الزكاة، نظير :
1. ما رواه الصدوق باسناده عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سُئل وأنا حاضر عن رجل أحيا أرضاً مواتاً فكرى 5 فيها نهراً وبنى بيوتاً وغرس نخلاً وشجراً، فقال (عليه السلام): «هي له وله أجر بيوتها، وعليه فيها العشر فيما سقت

1 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2 .
2 . الطسق: هو خراج الأرض المقررة عليها. مجمع البحرين .
3 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 13 .
4 . المتاجر: 161 .
5 . حفر.

صفحه 247
السماء أو سيل واد أو عين، وعليه فيما سقت الدوالي والغرب1 نصف العشر ».2
2. روى الكليني عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمّرها فإنّ عليه فيها الصدقة».3
فلو كان فيها غير الصدقة (الزكاة) لذكره الإمام .
وعندئذ يقع التعارض بين الطائفتين، ويمكن الجمع بأحد وجهين:
1. التصرف في الطائفة الأُولى بحمل الخراج في رواية الكابلي على الخمس، بقرينة قوله: «وله ما أكل منها»، ضرورة أنّ إخراج المؤونة إنّما هو في الخمس. وأمّا الخراج المصطلح فإنّه يخرج قبل الأكل والتصرف.
ويحمل الطسق في رواية عمر بن يزيد على الخمس أيضاً جمعاً بين الروايتين.
ولا إشكال في الجمع بين الزكاة ـ الّتي لا يشترط فيها الزيادة عن المؤونة ـ والخمس فيما إذا زاد على المؤونة.
2. التصرّف فيها بالحمل على الاستحباب.
ولعل الثاني أظهر، لأنّ إيجاب الخراج في الأراضي المحياة له وجه واضح، لأنّ الدولة الإسلامية تضع في متناول الرجل أرضاً ذات حياة وأمّا إيجابه في الموات بالذات الّذي يحييها الإنسان بجهوده، وراء الخمس والعشرة، رهن دليل قاطع، والأصل البراءة.
وربّما يحمل ما دلّ على الوجوب على غير الشيعة بشهادة أنّ الإمام قال في

1 . الغَرْب: الدلو العظيمة.
2 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 8 .
3 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

صفحه 248
ذيل مصحّحة عمر بن يزيد: «فإذا ظهر الإمام فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه ».1
ولكنّه غير ظاهر، لأنّ الإمام قال في ذيل صحيحة الكابلي: «إلاّ ما كان في أيدي شيعتنا فإنّه يقاطعهم على ما في أيديهم وترك الأرض في أيديهم» فإنّ ظاهره أنّ الفرق بين الشيعة وغيرهم هو ترك الأرض لهم وأخذها من غيرهم، وأمّا الخراج الّذي كانوا يدفعونه فيبقى بحاله كما هو ظاهر قوله. «فإنّه يقاطعهم».

الرابعة: تملّك الأرض بالإحياء

إنّ كانت الحيازة إحدى المملكات بل أُمّها، لكنّها لا تكفي في الموات بالذات، بل يجب أن يقوم بإحيائها وعليه سيرة العقلاء، إذ فرق بين حيازة السمك التي لا يتوقف الانتفاع به على شيء ومثله اجتناء الثمرة من أشجار الغابات، وبين حيازة الأرض بالتحجير وغيره. فالأوّل يكفي فيه نفس الحيازة دون الثاني حيث يتوقف التملّك، وراء التحجير على الإحياء، وعليه السيرة المستمرة المتصلة إلى عصر الرسول (صلى الله عليه وآله)والمتقدّمة عليه.
ويشهد على التملّك ما تضافر عنهم(عليهم السلام):«من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» كما في رواية الفضلاء.
وأمّا قولهم «فهم أحق بها» في صحيحة ابن مسلم: «أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمّروها فهم أحق بها وهي لهم»، فالمراد من الأحقّية الأعم الشامل للملكية، وكأنّ قوله: «وهي لهم» دفع توهّم عدم حصول الملك بالإحياء.
ويؤيد ما ذكرنا موثّقة السكوني حيث قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من غرس شجراً أو حفر وادياً بديّاً لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضاً ميتة فهي له قضاء من

1 . مصباح الفقاهة: 3 / 332 .

صفحه 249
الله ورسوله».1 فإنّ قوله :«فهي له» جزاء للجميع، أي غرس الشجر وإحياء الوادي وإحياء الأرض، فكما أنّ الغارس يملك الشجر فهكذا المحيي يملك الأرض، وبالجملة فالناظر إلى الروايات يذعن بأنّ المضمون هو حصول الملكية.
نعم ينافي ما ذكرنا روايتان:
1. ما رواه الكابلي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «وجدنا فى كتاب علي (عليه السلام): (إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )2 أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتّقون والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرّها وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي... إلى أن قال: وله ما أكل منها حتّى يظهر القائم». 3 والظاهر منها عدم مالكية المحيي وإنّما يجوز له الانتفاع بالأرض إلى زمان القائم .
2. ما رواه عمر بن يزيد قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمرها وكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً؟ قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه» .4
وجه الدلالة: هو ما سبق في الرواية الأُولى.
وبما أنّ مضمون الروايتين على خلاف ما هو المشهور بين المسلمين، فإنّ من ملك أرضاً من طريق شرعي فهي له، فيترك العمل بهما ويؤخذ بالروايات المتضافرة على أنّ المحيي يملك ما أحياه .

1 . الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب إحياء الموات، الحديث1.
2 . الأعراف: 128 .
3 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 13 .

صفحه 250
على أنّ الروايتين ناظرتان إلى القسم الثالث الذي هو الأرض المحياة بالعرض، ولذلك نقتصر الكلام فيه هناك لما ذكرنا في المقام تفصيلاً.

الخامسة: جواز الإحياء لعامة الناس

هل الحكم (التملّك بالإحياء) يختصّ بالمؤمن أو يعمّ المخالف مسلماً كان أو كافراً؟ فيه وجهان :
اختار المحقّق النائيني شمول الحكم للمسلم والكافر وقال: فالحقّ فيه هو العموم وإن كان ظاهر بعض الأخبار هو الاختصاص، واستدلّ على العموم بما يلي:
1. النبويان السابقان أعني قوله(صلى الله عليه وآله): «موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم منّي أيّها المسلمون»، وقوله (صلى الله عليه وآله): «عادي الأرض لله ولرسوله هي لكم منّي».1
2. صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته (عليه السلام)عن الشراء من أرض اليهود والنصارى؟ فقال: «ليس به بأس، قد ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض في أيديهم يعملون بها ويعمرونها وما بها بأس ولو اشتريت شيئاً منها... وأيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم».2
وجه الدلالة: أنّ الذيل ظاهر في أنّ اليهود والنصارى، يملكون الأرض من باب إعمارها. فلو لم يكن الحكم عامّاً لا يحصل الغرض، فإنّ الأرض الّتي لم تحيها الشيعة لو لم تكن ملكاً لمحييها، لما جاز للشيعة التصرّف في غلاّتها ومنافعها، فإنّ جواز التصرّف فيها يتوقّف على الإحياء والمفروض عدم إحياء

1 . موَتان على زنة «حَيَوان»: كلّ أرض لم يجر فيها إحياء بعد.
2 . الوسائل: 11، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2 وأورده أيضاً في 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1. وأورد الذيل مجرداً عن الصدر في نفس الباب، الحديث 3 و 4.

صفحه 251
الشيعة لها، هذا ما قاله المحقق النائيني حسب ما في تقريراته.1
يلاحظ عليه: أنّ مقرّر بحث المحقق النائيني لم ينقل الرواية بأكملها، فإنّه ترك نقل قوله (عليه السلام): «وقد ظهر رسول الله على أهل خيبر...»إلى قوله:«منها شيئاً»، وهنا يشهد على أنّ مورد الشراء هو الأراضي المفتوحة عنوة التي يعبّر عنها بالأراضي الخراجية، وقد مرّ أنّها ملك لعامّة المسلمين، لا يملكها شخص خاص إلاّ تبعاً للآثار الّتي أحدث فيها، فيكون المقصود في الرواية هو شراء الآثار الّتي أحدثها اليهود أو النصارى أو شراء حق الأولوية، فتكون الرواية أجنبية عمّا نحن فيه: وهو شراء الأرض الموات المحياة من قبل أهل الذمّة.
ويعرب عمّا ذكرنا من أنّ مورد الرواية هو الأراضي الخراجية ما رواه محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن ذلك؟ فقال: «لا بأس بشرائها فإنّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم تؤدّي عنها كما يؤدّي عنها».2
فإنّ الظاهر أنّ المشتراة هو الأراضي الخراجية والرواي في كلا الحديثين هو نفسه (محمد بن مسلم).
ومع ذلك فالحق مع المحقّق النائيني لوجوه:
أوّلاً: أنّ خصوصية المورد، لا توجب خصوصية الوارد، وعمومية التعليل (وأيّما قوم...) في الذيل أقوى من خصوصية المورد. أضف إلى ذلك: أنّه لا ثمرة عملية بين القولين أي كونهم مالكين، أو ترتيب آثار الملكية، إذ على كلّ تقدير لا يجوز الاستيلاء عليها إلاّ برضاهم.
وثانياً: أنّ محمد بن مسلم روى التعليل ـ أيضاً ـ مستقلاً ومجرداً عن الصدر.3 وهذا يدلّ على سعة مدلوله، وإلاّ لما رواه مجرّداً عن الصدر. أو عندئذ

1 . منية الطالب: 1 / 341، بتوضيح منا.
2 . الوسائل: 11، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3; وقريب منه الحديث 2.
3 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3 و4. ورواه الصدوق مرسلاً، الحديث 7 .

صفحه 252
يكون مخلاًّ بالمقصود.
روى الشيخ في «التهذيب» عن جميل بن درّاج، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:«أيّما قوم أحيُوا شيئاً من الأرض أو عمروها فهم أحق بها».1
وروى أيضاً عن محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم» .
ثالثاً: رواية الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» .2
فإنّ وزان قوله (صلى الله عليه وآله):«من أحيا أرضاً فهي له» وزان قوله: «من اشترى شيئاً فهو له... فهو يفيد الملكية أوّلاً، والعموم في ناحية المحيي ثانياً.
رابعاً: ما رواه الكليني عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من غرس شجراً أو حفر وادياً بديّاً لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضاً ميتة فهي له قضاء من الله ورسوله(صلى الله عليه وآله)».3
فإنّ إنكار العموم، أو احتمال كون المتكلّم ليس في مقام البيان بالنسبة إلى الاستئذان، كما ترى بل هو إذن عام لعامّة الناس لغاية إعمار الأرض.
خامساً: ما رواه النعماني بإسناده عن علي(عليه السلام) في حديث عدد معايش الخلق ـ قال:«وأمّا وجه العمارة فقوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)4 فأعلمنا سبحانه: أنّه قد يكون أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سبباً لمعايشهم بما يخرج من الأرض: من الحب والثمرات وما شاكل ذلك ممّا جعل

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 4.
2 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 17، الباب 2 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .
4 . هود: 61 .

صفحه 253
الله معايش الخلق» .1
فظهر ممّا ذكر، عمومية الإذن لكلّ من أحيا أرضاً من دون فرق بين الشيعة وغيرهم. وأنّ القول بتملّك مطلق الناس لا يخلو عن قوة. وكأنّه إذن عام من ذوي الحق لكلّ من يعمر من غير فرق بين المسلم وغيره، وما ذلك إلاّ لأنّ إعمار الأرض أمر مطلوب، قال سبحانه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )2، وصاحب الأنفال كما أباح للشيعة الغنائم لتطيب ولادتهم، فقد أباح لكلّ مسلم ومن يعيش تحت حماية المسلمين، إعمار الأراضي وإخراج قدراتها وكري أنهارها.
وأمّا الروايات الظاهرة في اختصاص الإذن للشيعة فهي بين ضعيفة السند أو ضعيفة الدلالة، وعلى فرض صحّة الاستدلال بها فلا يعادل ما دل على الضابطة الكلية المتضافرة .3

1 . الوسائل: 13، الباب 3 من أحكام المزارعة والمساقاة، الحديث 1 .
2 . هود: 61 .
3 . لاحظ: الوسائل:7، الباب 4 من أبواب الأنفال، الأحاديث رقم 10، 13، 14، 17، ولاحظ أيضاً الجزء 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3 .

صفحه 254
هل العامرة بلا عامر من الأنفال؟   

القسم الثاني: الأرض المحياة بالأصالة

هذا هو القسم الثاني من أقسام الأراضي الأربعة ويقابل القسم الأوّل، حيث كان مواتاً بالأصالة وهذا عامر كذلك، ومحط البحث هو العامر بالأصالة ولا ربّ لها، وإلاّ فلو كان لها رب فهي له، ومن هذا القبيل أطراف الشطوط وسواحل البحار والآجام (المراد أرضها) والغابات نظير الأهوار والجزائر في وسط البحار. وبالجملة كل أرض عامرة، بلا عامر.
ويقع الكلام في الأُمور التالية:
1. هل العامرة بلا عامر من الأنفال؟
2. هل يتملّك بالحيازة؟
3. هل يجب الخراج أو لا؟
وإليك البحث فيها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: العامرة بلا عامر من الأنفال

هل الأراضي العامرة بلا عامر من الأنفال حتى تحتاج إلى الاستئذان، أو من المباحات الأصلية كالماء والكلاء والأسماك والوحوش قبل اصطيادها؟
المشهور بل كاد أن يكون مجمعاً عليه هو الأوّل قال في «مفتاح الكرامة» بعد قول العلاّمة في القواعد: وكل أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهي للإمام، ما هذا لفظه: كما طفحت بذلك عباراتهم بلا خلاف من أحد، وفي التذكرة الإجماع عليه.1

1 . مفتاح الكرامة: 7 / 9 .

صفحه 255
وفي «الجواهر» بعد نفس العبارة الّتي هي للمحقّق أيضاً: بلا خلاف أجده. ثم ذكر عبارة مفتاح الكرامة وأضاف: نعم في التحرير وعن غيره:فرضه في موات أرض الإسلام .1 يعني تخصّص العبارة بالأرض الموات، دون تعميمها للعامرة، بالأصالة.
ومع ذلك فقد اختار صاحب الجواهر في كتاب الخمس :اختصاص الأنفال بالموات، وما كان عليه يد الكفّار ثم استولى عليه من دون أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
أمّا غير الموات الّذي لم يكن لأحد يد عليه ومنه ما نحن فيه (سيف البحار وسواحلها)، فلا دليل في كلامهم على اندارجه في الأنفال، بل ظاهره العدم فيكون من المباحات الأصلية حينئذ وأضاف:فتأمل فإنّ المسألة غير محررة في كلام الأصحاب.2
ويدلّ على كونه من الأنفال عموم ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الأنفال؟ فقال: «هي القرى الّتي قد خربت وانجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها».3
وعموم ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا جعفر يقول:«لنا الأنفال»، قلت: وما الأنفال؟ قال: «منها المعادن والآجام، وكلّ أرض لا رب لها».4
فإن قلت: قد ورد في مرسلة حمّاد بن عيسى: «وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام، وكل أرض ميّتة لا رب لها». 5 فيدلّ على أنّ ما هو من الأنفال،

1 . الجواهر: 38 / 19 .
2 . الجواهر: 16 / 120 .
3 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 20 .
4 . تفسير العياشي: 1 / 48 .
5 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4. ولاحظ تفسير القمي: 1 / 254 .

صفحه 256
الأرض الميتة، لا العامرة.
قلت: قد أُجيب عنه بوجوه :
1. إنّ القيد (الميتة) وارد مورد الغالب، لأنّ الغالب في الأرض الّتي لا مالك لها كونها مواتاً، ولا أظن أنّه يوجد على أديم الأرض أرض عامرة لا رب لها، لا في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر.1
3. إنّما يحمل المطلق على المقيد، إذا كان بينهما تناف، كما إذا قال: اعتق رقبة مؤمنة ولا تعتق رقبة كافرة، وأمّا إذا لم يكن بينهما تناف كما إذا كانا مثبتين، فلا يحمل، مثل قوله: كل مسكر حرام، والخمر حرام والعام من هذا القبيل. 2
4. إنّ الموضوع لمالكية الإمام هو «كون الشيء بلا رب» وإن لم يكن أرضاً كإرث من لا وارث له ويدخل فيه الأرض العامرة بلا عامر، فالجميع ملك للوالي بما له الولاية على مصالح الشعب، أو ملك الدولة بما أنّها المسؤولة عن إدارة المجتمع. وليس هذا أمراً بديعاً في الإسلام، بل جرت عليه السيرة في الأُمم جميعاً، فما لا رب له، يعد من الأُمور الّتي يتولاّها الوالي، لأجل صرفها في مصالح الناس، ولا يترك بحالها حتّى تكون مطمعاً للانتهازيين من الناس حتّى تصير مبدأً للنزاع والشجار ـ ولا سمح الله ـ ربّما للقتال وسفك الدماء، بل تتملكها الدولة بقوة قاهرة ثم تضع الجميع في المصالح العامة.

التملّك بالحيازة

قد مرّ أنّ الأرض الموات يتملّكها المحيي بالإحياء، فيقع الكلام في تملّك العامرة بالأصالة بالحيازة وعدمه .
ربّما يقال: إنّه ملك للإمام فلا يتملّكه الغير.

1 . المتاجر: 1 / 161 .
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 334 .

صفحه 257
يلاحظ عليه: أنّ مالكية الإمام ليس كمالكية سائر الملاّك، حتّى لا يتملّكها الغير بالحيازة لما عرفت من أنّ كون الأرض للإمام، بمعنى كونها ملكاً لمقام الإمامة والولاية، والإمام هو الوالي المدير لها، يضعها حيث تقتضي المصلحة، وعلى هذا لو اقتضت المصلحة، تملّك الحائر بإذنه، لأذِن.
ويدلّ على ما ذكرنا النبوي «من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به».1
وقد عرفت معنى «الأحقّية»، وأنّه عبارة أُخرى عن قوله: «فهو له» .
ولذلك جاء قوله: «وهي له» بعد قوله فهو «أحق بها» في روايات الإحياء المتقدّمة. وضعف السند منجبر بعمل الأصحاب.
يمكن أن يقال: إنّ صيغة «افعل» (أحق) جردت عن معنى التفاضل، فقوله: «فهو أحقّ بها» أنّه ذو الحق فيكون مثل قوله سبحانه: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)2.
فإن قلت: بأنّ السبق إلى ملك الغير خارج عن مدلول الحديث، ولو كان ذلك للزم جواز السبق إلى سائر أملاكه(عليه السلام)،3 والمفروض أنّه ملك للإمام.
قلت: فرق بين الأنفال الّتي هي ملك للإمام وبين الأملاك الشخصية فإنّ الأُولى لا تورث، بخلاف الثانية، فإنّ كيفية الملكية بين الأمرين تمنع من جواز السبق إلى الملك الشخصي، فإنّ ملكيته للأنفال لصالح الأُمّة، بخلاف مالكيته لداره الّتي يسكن فيها.4
ويؤيد ذلك ما رواه السكوني عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام)

1 . مستدرك الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 4. وفي السنن الكبرى: من سبق إلى مالم يسبقه أحد فهوأولى به. السنن الكبرى: 6/142 .
2 . الأنعام: 81 .
3 . تعليقة الاصفهاني: 1 / 242; ومصباح الفقاهة: 3 / 336 وقد بيّنه بتفصيل .
4 . تعليقة الاصفهاني: 1 / 242 .

صفحه 258
أنّه سأله عن رجل أبصر طيراً فتبعه حتّى وقع على شجرة، فجاء رجل آخر فأخذه قال: «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».1 فإنّ قوله (عليه السلام): «لليد ما أخذت» أنّ ما حازه الإنسان مَلكه فمفاد ذلك نظير «من حاز ملك» ـ يدلّ على أنّ المحيز يملك كما حازه .2
وحصيلة الكلام: أنّ حكمها حكم الأراضي الموات، و «أنّ أئمة أهل البيت أحلّوا للشيعة تملّكهم بالحيازة لمصالح وردت في الروايات .
ثمّ إنّه لو قلنا بجواز شراء الشيعة الأرض العامرة بالذات من الآخرين فهو يلازم جواز تملّكهم . فإنّ لملكية الأرض أحد الأسباب التالية:
1. الإحياء والمفروض أنّها محياة بالذات.
2. الحيازة والمفروض سبق الغير إليها.
3. الشراء وهو فرع مالكية البائع.
وعلى ضوء ذلك فتجويز شراء الشيعة يلازم مالكية غيرهم.

القسم الثالث: المحياة بالعرض

الموات بالعرض   
قد ظهر حكم هذا القسم ممّا بيّناه في القسم الأوّل من أنّ الأرض الموات بالذات يملكها المحيي بالإحياء، والفرق بين القسمين هو أنّ البحث في الأوّل مركز على بيان حكم الموات فقط، والبحث في المقام مركز على احيائها، ومن المعلوم أنّ المحيى يملكها، ولا يزول ملكه إلاّ بناقل أو بالإعراض من غير فرق بين الموافق والمخالف والمسلم وغيره فلاحظ.

1 . الوسائل:16، الباب38 من أبواب كتاب الصيد والذباحة، الحديث17.
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 338 .

صفحه 259
نعم قال العلاّمة في القواعد: وإن لم يكن لها مالك معيّن فهي للإمام ولا يجوز إحياؤها إلاّ بإذنه، فإن بادر وأحياها بغير إذنه لم يملكها، فإن كان غائباً كان أحق بها ما دام قائماً بعمارتها، فإن تركها فبادت آثارها فأحياها غيره كان الثاني أحق، وللإمام بعد ظهوره، رفع يده .1
وما ذكره في ذيل كلامه، حكم شاذّ.

القسم الرابع: الموات بالعرض

إذا صارت مواتاً بالعرض إما باستيلاء الماء عليها بأن أغرقها أو بانقطاع الماء عنها، أو باستجمامها بما لا ينتفع به أو نحو ذلك ممّا تُعد ميتة، فهو على قسمين:
1. ما كانت عامرة بالأصل وقبل أن يتملّكها أحد عرض لها الموت، فلا إشكال أنّها للإمام لأنّها كانت له حين كونها حيّة ولم يتملّكها أحد فتبقى على ملكه.
2. ما كانت عامرة بالأصل وتملّكها أحد ثم عرض لها الموت.
3. ما كانت مواتاً ثم عمرها عامر فماتت، فهنا أقوال ذكر منها الشيخ قولين:
أ. بقاؤها على ملك عامرها.
ب. خروجها وصيرورتها ملكاً لمن يعمر ثانياً.
ج. التفصيل بين ما ملكها بالشراء أو العطية ونحوهما فحينئذ تبقى على ملكه أيضاً، وبين ما ملكها بالإحياء ثم تركها حتّى عادت مواتاً، فتُتملك بالإحياء، وهذا القول ذكره العلاّمة في التذكرة إذ قال: فإما أن ينتقل إليه بالشراء أو العطية وشبهها أو بالإحياء، فإن ملكها بالشراء وشبهه لم تملك بالإحياء، بلا خلاف، قال ابن عبدالبر: أجمع الفقهاء على أنّ ما عُرف بملك مالك غير منقطع أنّه لا يجوز

1 . مفتاح الكرامة (قسم المتن): 7 / 11 ـ 12 .

صفحه 260
إحياؤه لأحد غير أربابه. 1
أقول: هذا التفصيل لا يرجع إلى شيء إذ لا خصوصية بين التملّك بالشراء والتملّك بالإحياء، فالجامع بينهما أنّه مالك، فإن كان الموت مزيلاً لعلقة المالكية فلا فرق بين الصورتين وإلاّ تبقى علقة المالك وورثته بالنسبة إلى الأرض .
د. التفصيل بين ما إذا أعرض المحيي الأوّل عنها، فتدخل في ملك الإمام ثم لمن يعمرها وبين غيره فتبقى على ملكه ولا يجوز التصرف فيها إلاّ بإذنه ويجب تسليمها إلى مالكها الأوّل، غاية الأمر أنّ للثاني أُجرة المثل لما عمل.
وهذا التفصيل أوفق بالقاعدة، وسيوافيك أنّه وجه الجمع بين الطائفتين من الروايات.
استدلّ للقول الأوّل بوجوه ضعيفة، نظير:
1. عموم قوله (صلى الله عليه وآله): «من أحيا أرضاً ميتة فهي له».2 فعمومه يشمل العامر الأوّل أيضاً .
يلاحظ عليه: بأنّ ظهوره في المحيي الثاني أظهر، فإنّ المفروض أنّ الأرض صارت مواتاً ثمّ أحياها العامر الثاني، فشموله للثاني أقرب من الأوّل. وإن شئت قلت: المتبادر أنّ ملاك مالكيته هو جعل الأرض محياة، حدوثاً وبقاءً ولا يكفي كونها كذلك حدوثاً فقط. وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي من أنّ الرواية دلّت على أنّ من أحيا أرضاً فهي له من غير تقييد بكونها للمحيي ما دام الحياة أو مطلقاً ولو بعد الخراب، وعلى هذا فهي تدل على كون الأوّل أحق بها من الثاني .3
يلاحظ عليه: أنّ منصرف الرواية إلى أنّ ملاك الأولوية هو صيرورة محياة

1 . التذكرة: 2 / 401 .
2 . سنن البيهقي: 6 / 124 .
3 . مصباح الفقاهة: 3 / 341 .

صفحه 261
بفضل جهوده، فإذا تركها وصارت كالحالة السابقة، فالرواية منصرفة عنه.
2. قوله (صلى الله عليه وآله): «ليس لعرق ظالم حق» .1
وفُسّر بإتيان الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها.2
يلاحظ عليه: بأنّه لا دليل لهذا التفسير، بل الظاهر هو غرس الشجر في أرض الغير المملوكة كالعامرة .
3. استصحاب بقاء الملك على ما كان عليه.
يلاحظ عليه: أنّ الأصل حجّة إذا لم يكن هناك دليل على خلافه، وسيوافيك ما ينافيه.
إذا تبيّن ضعف هذه الوجوه فالأولى الاستدلال بما ورد في خصوص المورد من الروايات وهي أربعة:
اثنتان منها ظاهرتان في أنّها للعامر الأوّل، وهما روايتا سليمان بن خالد وصحيحة الحلبي.
واثنتان منها ظاهرتان في كونها للعامر الثاني. وإليك نقل مجموعها حتّى يتأمل في كيفية الجمع .
ما دلّ على كونها للعامر الأوّل، وهما:
1. رواية سليمان بن خالد أنّه سأل الصادق (عليه السلام)عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها فماذا عليه؟ قال: «الصدقة»، قلت: فإن كان يعرف صاحبها، قال: «فليؤدّ إليه حقّه» .3 ولعلّ المراد من الصدقة، هو الزكاة عند بلوغ النصاب، وإلاّ فهو على خلاف المشهور.
2. صحيحة الحلبي المنقولة عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى قال:

1 . سنن البيهقي: 6 / 142 .
2 . المجازات النبوية: 255، برقم 201 .
3 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3 .

صفحه 262
سألته عن أرض خربة، عمر رجل وكسح أنهارها، هل عليه صدقة.
قال: «إن كان يعرف صاحبها فليؤدّ إليه حقّه» .1
ما دلّ على أنّها للعامر الثاني، وهما :
1. ما رواه معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «أيّما رجل أتى خربة بائرة فاستخرجها، وكرى أنهارها وعمرها، فإنّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرض لرجل قبله، فغاب عنها وتركها فأخربها، ثم جاء بعد يطلبها، فإنَّ الأرض لله ولمن عمرها» .2
والصدقة محمولة على الزكاة عند بلوغ النصاب.
2. ما رواه أبو خالد الكابلي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): (إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )3. أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتّقون، والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها، فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها، فهو أحقّ بها من الّذي تركها، فليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتّى يظهر القائم (عج)».4
ويمكن الجمع بينهما، بحمل الأُوليين على ما إذا لم يعرض عن الأرض بقرينة قوله: «فإن كان يعرف صاحبها» الحاكي عن أنّ الرجل كان يعيش في نفس المنطقة دون أن يغادرها ويتركها. وحمل الأخيرتين على ما إذا أعرض عنها بقرينة قوله: «فغاب عنها وتركها» في الأُولى منهما، وقوله: «فهو أحق بها من

1 . مستدرك الوسائل: 17، الباب2 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .
3 . الأعراف: 128 .
4 . الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2. وقد مرّ وجود الشذوذ في ذيل الرواية، فلاحظ.

صفحه 263
الّذي تركها» في الثانية منهما.
وهذا الجمع أوضح ممّا ذكره الآخرون من حمل الطائفة الأُولى بما إذا تملّكها بالشراء أو العطية، وحمل الثانية إذا تملّكها بالإحياء وقد مرّ هذا التفصيل عند نقل الأقوال عن العلاّمة في التذكرة .
ولا يخفى أنّ ما ذكره جمع بلا شاهد، ويؤيّد ما ذكرنا من الجمع أنّ الموات بالعرض من مصاديق: «كل أرض خربة فهي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)وللإمام» يملكها من أحياها.
ففي صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «وكلّ أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله (صلى الله عليه وآله)وللإمام من بعده يضعه حيث يشاء». 1
وفي صحيح محمد بن مسلم: «وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهو كلّه من الفيء، فهذا لله ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث يشاء، وهو للإمام بعد الرسول» .2
إلى غير ذلك ممّا يدلّ على كل أرض قد باد أهلها أو انجلى أهلها، فهو من الأنفال، وقد مرّ أنّ معنى كونها للرسول والإمام أنّها للدولة الإسلامية القائمة بالرسول والإمام، فهي أشبه بالأراضي المؤمّمة، يملكها من إحياها فهي لها، ومن هذه الأراضي الموات بالعرض.

1 . الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 12 .

صفحه 264
حكم الأراضي المفتوحة عنوة   

حكم الأراضي المفتوحة عنوة

لمّا فرغ الشيخ عن حكم الأراضي غير الخراجية بأقسامها الأربعة بدأ بالكلام في الأراضي الخراجية الّتي يعبر عنها بالمفتوحة عنوة.
وقبل الخوض في أحكام الأراضي المفتوحة عنوة نذكر أقسام الأراضي المملوكة للكفّار، وهي:
1. أن تكون باقية على ملكهم كما هوالحال في الأراضي الخارجة عن حوزة الإسلام. ولا كلام لنا فيها.
2. أو يسلم عليها أهلها طوعاً فتبقى على ملكهم كسائر أملاكهم.
3. أو أُخذت من الكفّار صلحاً لكن بلا إجراء خيل ولا ركاب، كأرض فدك وهذا من الأنفال. وهذه على قسمين:
تارة يُصالح على أن تبقى الأرض على ملكهم ويضرب الجزية على نفوسهم، وتسمى بالخراج.
وأُخرى يصالح على أن تكون الأرض للمسلمين ويعملوا فيها على أن تكون الجزية على الأرض وتسمّى بالمقاسمة.
4. إذا انجلوا أو تخلُّوا عنها وتركوها للمسلمين .
5. أو ماتوا أو لم يكن لهم وارث. والأخيران أيضاً من الأنفال.
6. إذا أخذت بالقهر والعنوة. وهذا هو الموضوع للدراسة. ويقع الكلام فيها في جهات:
1. في كونها ملكاً للمسلمين.
ظاهر الفتاوى أنّها ملك للمسلمين .

صفحه 265
2. في جواز بيعها.
3. وجوب الخراج على من كانت الأرض تحت يده.
وإليك دراسة الجميع.

الأُولى: كونها ملكاً للمسلمين

ولنذكر بعض الكلمات :
قال الشيخ: قسم منها أرض الخراج وهي كل أرض أُخذت عنوة بالسيف والقتال، فهي أرض للمسلمين قاطبة .1
وقال المحقّق: والأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة .2
وقال في كتاب الجهاد: كلّ أرض فتحت عنوة وكانت محياة فهي للمسلمين قاطبة، والغانمين في الجملة، والنظر فيها إلى الإمام ولا يملكها المتصرّف على الخصوص .

ما هو المقصود من كونها ملكاً للمسلمين؟

قد عرفت كلمات الأصحاب في أنّ الأراضي المفتوحة عنوة، ملك للمسلمين. ويدلّ عليه ظاهر صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ قال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد» .3
وظاهر الرواية ـ في بدء النظر ـ أنّها ملك فعلاً لجميع المسلمين الموجودين والمعدومين. ومن المعلوم أنّ اعتبار الملكية لعامّتهم حتّى المعدومين أمر غير ممكن أو لا أقل بعيد عن الاعتبار ضرورة عدم صحّة اعتبار

1 . النهاية: 418 .
2 . شرائع الإسلام: 3 / 272 .
3 . الوسائل: 17، الباب 21 من أبواب إحياء الموات، الحديث 4.

صفحه 266
ملكية المعدوم في حال عدمه، لأنّها إضافة اعتبارية قائمة بين الملك والمالك، والمفروض عدم وجوده فمثل هذا ـ إذا أمكن عقلاً ـ 1 (وربّما لا يمكن لأنّ اعتبار الملكية، نوع إشارة إلى المالك، والمعدوم المطلق لا يمكن الإشارة إليه) غير مقبول عند العقلاء.
فلا محيص من القول بأنّ المالك هو عنوان المسلمين، كالوقف للجهات العامة فيكون المالك هو عنوان المسلمين، ومصالح الأفراد، مصرف لها. وعلى ما ذكرنا فالمفتوحة عنوة مملوكة بالفعل والمالك عنوان المسلمين، والمتولّي لإدارتها، حكومتهم.
وهنا وجه آخر ابتكره سيدنا الأُستاذ (قدس سره)وهو أنّ المعروف أنّ اللام وضعت للملكية، لكنّها استعملت في غير هذا المعنى بكثرة في الكتاب العزيز، قال سبحـانـه: (لَهُ الْمُلْك وَ لَـهُ الْحَمْـدُ)2، (لَـهُ الأَسْمَـاءُ الْحُسْنـى)3، (لَـهُ مَـا فِـي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)4. وعلى ضـوء ذلك يمكن أن يقال: إنّ اللام في قوله: «هو لجميع المسلمين» ليس للملكية بأن يتملّك كل فرد من المسلمين شيئاً منها، بل بمعنى أنّها متروكة وموقوفة لمصالح المسلمين حال الفتح وبعده فيكون مالاً بلا مالك تتولاّه الدولة الإسلامية لصرف منافعها في مصالح العامة كالجهاد، وتعمير الطرق ومد الجسور، إلى غير ذلك ممّا تستفيد منها، عامة الناس في كلّ عصر.
   
وإن شئت قلت: إنّها من الأموال المؤمّمة، الّتي تتولاّها الدولة في كلّ صقع ومكان وفي كلّ عصر وزمان نظير الأراضي الميتة الّتي لا مالك لها.
ويؤيد ذلك، التعبير عن ذلك المعنى «بأنّه فيء للمسلمين».. كما في رواية

1 . منية الطالب: 1 / 24.
2 . التغابن: 1 .
3 . طه: 8 .
4 . النحل: 52 .

صفحه 267
أبي الربيع الشامي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا تشتروا من أرض السواد شيئاً إلاّ من كانت له ذمة، فإنّما هو فيء للمسلمين» .1
وفي مرسلة «حماد»: والأرض الّتي أُخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها .2
فقوله «فيء للمسلمين» في الرواية الأُولى، و «كونها موقوفة متروكة» في الرواية الثانية ظاهر في أنّها مال غير مملوك لشخص، بل خرجت عن ملك الكفّار وصارت أشبه بالموقوفة، فيتعامل معها معاملتها، ينتفع بها المسلمون في الجهات والمصالح العامّة .3
وعلى ما ذكرنا فالأراضي أموال مملوكة والمالك هوالجهة، وعلى ما ذكره(قدس سره)أموال غير مملوكة، تتولاّها الدولة الإسلامية كسائر الأموال غير المملوكة في مصالح المسلمين، وعلى كل من القولين لا محيص من تولّي الدولة. ففي صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام): «وما أخذ بالسيف فذاك إلى الإمام يُقبّله بالذي يرى». 4
***

الجهة الثانية: في بيع الأراضي الخراجية

قد عرفت أنّ الأراضي الخراجية فيء للمسلمين متروكة في أيديهم، لا تباع

1 . الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 10، الباب 41 من أبواب الجهاد، الحديث 2.
3 . كتاب البيع: 3 / 64 ـ 66 .
4 . الوسائل: 10، الباب 73 من أبواب جهاد الإسلام، الحديث 4 .

صفحه 268
ولا تشترى إنّما الكلام في بيعها تبعاً للآثار، سواء أكانت حول الأرض كالجدران والبيوت للفلاّحين، أو على نفس الأرض كتسوية الأرض وبناء الجداول والتسميد1، الّتي لا تنفك عنها الأراضي المعمورة.
هنا قولان:
1. يجوز بيع الرقبة تبعاً للآثار.
2. لا يجوز بيعها، وإنّما يباع حق الاختصاص الّذي هو عبارة أُخرى عن بيع الآثار.
أمّا الأوّل فعليه صاحب المسالك قال في شرح قول المحقّق: «ولا يجوز بيعها ولا هبتها ولا وقفها»: إنّ المراد: لا يصحّ ذلك في رقبة الأرض مستقلّة، أمّا فعل ذلك بها تبعاً لآثار التصرّف ـ من بناء وغرس وزرع ونحوها ـ فجائز على الأقوى.
قال: فإذا باعها بائع مع شيء من هذه الآثار، دخلت في المبيع على سبيل التبع، وكذا الوقف وغيره، ويستمرّ كذلك ما دام شيء من الآثار باقياً، فإذا ذهبت أجمع انقطع حق المشتري والموقوف عليه وغيرهما عنها، هكذا ذكره جمع، وعليه العمل. انتهى.2
وأمّا الثاني فعليه الشيخ الأنصاري فقد ذهب إلى أنّ المتيقّن ثبوت حق الاختصاص للمتصرف ما دام شيء من الآثار موجوداً... فيكون المبيع حق الاختصاص الّذي هو عبارة أُخرى عن بيع الآثار فقط. ويدلّ على هذا القول ما يلي:
1. ما رواه أبو بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟

1 . اصلاح الأرض.
2 . مسالك الأفهام:3 / 56 .

صفحه 269
قال: ومن يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين.
قال: قلت: يبيعها الّذي في يده.
قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟
ثم قال: لا بأس، يَشتَري حقّه منها، ويُحوَّلُ حقَ المسلمين عليه، ولعلّه يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه.1
ويظهر من الرواية أنّ المانع من الشراء أمران:
1. كونها أرض المسلمين.
2. أنّ شراءها يوجب بطلان خراج المسلمين.
فإذا تحمل المشتري ذلك يرتفع المانع الثاني ويبقى الأوّل بحاله، فلا يجوز بيع الرقبة مطلقاً مستقلة أو تابعة للآثار .
نعم يمكن له أن يشتري حقّه من الأرض لا نفس الرقبة .
وهذا يوافق نظرية الشيخ أي شراء حق الاختصاص. وبعبارة أُخرى: فكم فرق بين أن يقول: إنّ له أن يشتري الرقبة أو الأرض، وبين أن يقول: إنّ له أن يشتري حقّه من الأرض.
2. صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟
فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يُخلق بعدُ».
فقلت: الشراء من الدهاقين؟
قال: «لا يصلح إلاّ أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين، فإذا شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها».
قلت: فإن أخذها منه؟

1 . الوسائل: 11، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 .

صفحه 270
قال: «يردّ إليه رأس ماله، وله ما أكل من غلّتها بما عمل» .1
أمّا كيفية الاستدلال فبأن يقال: إنّه بعد قوله (عليه السلام): «هو لجميع المسلمين» لا يبقى مجال لسؤال مثل الحلبيّ عن جواز شراء نفس الأرض من الدهاقين; ضرورة وضوح الحكم، فلا يبعد أن يكون السؤال عمّا هو متعارف بين الفلاّحين ; من بيع الآثار الملازم لبيع حق الاختصاص ، كما تقدّم.2

ما يدلّ على جواز بيع الرقبة

ويظهر من بعض الروايات جواز بيع نفس الرقبة، وسيوافيك أنّ موردها إنّما هو شراء أرض أهل الذمة، لا المفتوحة عنوة:
1. ما رواه محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن ذلك؟ فقال: لا بأس بشرائها، فإنّها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم تؤدي عنها كما يؤدّي عنها .3
2. عن محمد بن مسلم قال: سألته عن شراء أرضهم؟ فقال: «لا بأس أن نشتريها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدّي فيها كما يؤدون فيها» 4، والضمير في أرضهم يعود إلى أرض أهل الذمة، بشهادة روايته الثالثة.
3. قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن شراء أرض أهل الذمة؟ فقال: «لا بأس بها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدّي عنها كما يؤدّون». 5 والظاهر وحدة الروايات الثلاث مضموناً، غير أنّ الأُولى مروية عن أبي عبدالله(عليه السلام)، والثانية مضمرة، والثالثة عن أبي جعفر(عليهما السلام).

1 . الوسائل:12، الباب21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث4.
2 . كتاب البيع: 3 / 72 .
3 . الوسائل: 11، الباب 71 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 3 .
4 . الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 7 .
5 . الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8 .

صفحه 271
4. مـا رواه إبـراهيـم بـن أبي زيـاد قـال: سـألت أبـا عبـدالله (عليه السلام)عـن الشـراء مـن أرض الجـزية؟ فقال: «اشترها فإنّ لك من الحق ما هو أكثر من ذلك».1
والأخيرتان صريحتان في كون الأرض المشتراة، هي أراضي الصلح، وعليهما يحمل الأُوليان فيكون الجميع راجعاً إلى أرض أهل الجزية، وهي الأراضي الّتي صالح أهلها على أن تكون الأرض فيئاً كما قال سبحانه:(وما أفاء اللهُ على رسولِهِ منهم فما أوجفتم عليه مِنْ خيل ولا ركاب)2، وأعطيت لهم ليعطوا الجزية عليها أو بقيت على ملكهم وضربت الجزية على نفوسهم، وأين هو من الأراضي الخراجية المفتوحة عنوة الّتي هي ملك للمسلمين، والعجب أنّ صاحب الوسائل عقد باباً واحداً لكلا المقامين فقال:...وحكم بيع الأرض المفتوحة عنوة، والشراء من أرض أهل الذمّة. 3
وعلى كلّ تقدير فتظهر الثمرة بين القولين فيما لو أراد المشتري وقفها للمسجد. فعلى الأوّل يصح شراؤها ووقفها للمسجد. وأمّا على الثاني، أي ليس للبائع إلاّ حق الاختصاص ولا يملك الرقبة ولو مؤقتاً، فلا يصح اشتراؤها للمسجد حتّى تترتب عليه أحكامه ولو مؤقتاً ما دامت الآثار موجودة.
فإن قلت: على القول بجواز بيع الرقبة تبعاً للآثار وتملك المشتري لها يلزم كون الأرض ملكاً مؤقتاً ما دامت الآثار، فإذا محيت خرجت الرقبة عن الملكية، وهذا فرع تصوير الملكية المؤقتة.
قلت: لا مانع من ذلك وليس أمراً بديعاً، فإنّ الموقوف عليهم في كل بطن يملكون الرقبة مؤقتاً ـ على قول ـ فإذا مات ترجع الرقبة إلى الواقف وعنه تتلقّى

1 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الجهاد، الحديث 4.
2 . الحشر:6.
3 . الوسائل: 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه.

صفحه 272
الملك الطبقة الثانية، عند بعض.

الجهة الثالثة: وجوب الخراج على مَن كانت الأرض تحت يده

ويدلّ على ذلك بعض ما مرّ منها:
ما رواه أبو بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)كيف ترى في شراء أرض الخراج ؟
قال: «ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟».
ثم قال(عليه السلام): لا بأس يشتري حقّه منها ويحول حق المسلمين عليه ولعلّه يكون أقوى عليها وأعلى بخراجهم عنه .1
ودلالته على لزوم الخراج واضحة حيث إنّ الراوي بما أنّه يطلق عليها أرض الخراج يدلّ على كون الخراج أمراً مسلّماً. ثم إنّ الإمام (عليه السلام)يطرح خراج المسلمين ثم يعود إلى ذكر الجواب عن السؤال الذي طرحه.
وبمـا أنّ وجـوب الخـراج فـي هـذه الأراضي أمـر مسلّم فلا نطيـل الكلام فيه .

حكم الشك في كون الأرض خراجيّاً

قد تبيّن ممّا ذكرنا: أنّه لا يجوز بيع المفتوحة عنوة، إنّما الكلام في تحديدها أوّلاً، وتعيين مصاديقها في أيّام الرسالة وعصر الخلافة ثانياً، وحكم الشك في كون الأرض مفتوحة عنوة وعدمها ثالثاً.
أمّا الأوّل: فقد حدّد الموضوع بقيود ثلاثة:

1 . الوسائل: 11، الباب 71 من أبواب جهاد العدود، الحديث 1 .

صفحه 273
1. كلّ أرض فتحت بالقهر والغلبة.
2. كانت محياة حال الفتح.
3. كان الغزو بإذن الإمام .
وأمّا الثاني: أعني تعيين المصاديق فهي عبارة عن الموارد التالية:
1. مكة المكرمة حيث فتحت في السنة الثامنة من الهجرة.
2. خراسان الّتي فتح قسم منها أيّام خلافة الإمام علي (عليه السلام).
3. أرض السواد ـ أعني :العراق ـ الّتي فتحت في عهد خلافة الثاني.
4. بلاد الشام ونواحيه وإن فتح قسم منها بالصلح كحلب وحمص وطرابلس.
وأمّا الثالث ـ أعني: حكم الشك في كون الأرض مفتوحة عنوة أو لا ـ فالظاهر عدم الاعتداد به، وذلك لوجوه:
الأوّل: أنّ السيرة المستمرة جرت على البيع والشراء في عامة هذه البلاد، ولا يمكن تفسيرها بعدم مبالاة البائع والمشتري، كما ربّما يقال وذلك لأنّ احتماله في كافة الناس ومنهم العلماء والصلحاء أمر بعيد.
الثاني: وجود اليد أمارة الملكية، ولا يمكن العدول عنه إلاّ بدليل.
الثالث: أنّ وجود العلم الإجمالي بأنّ في هذه البلاد أراضي ممنوعة من البيع والشراء غير منجز لعدم الابتلاء بعامة الأطراف، لأنّا وإن نعلم بوجود الأراضي المفتوحة عنوة بين أراضي العراق أو غيرها ولكن لا نعلم خصوص هذه الأرض التي نتعامل عليها أنّها فتحت بالقهر أوّلاً، وكانت محياة حال الفتح ثانياً. وكان العرف باذن الإمام، ثالثاً.
فالعلم بوجود الأراضي المفتوحة في البلاد المذكورة كالعلم بوجود الوقف في أكثر هذه البلاد، فكما أنّه غير منجز فهكذا ذاك، فمتى ما أُحرز كون أرض معيّنة من الأراضي المفتوحة عنوة وكانت عامرة حال الفتح فلا تباع ولا تشترى

صفحه 274
إلاّ الآثار وحق الاختصاص، وأمّا المشكوك منها فأصل البراءة هوالأصل المحكّم.
نعم بسط صاحب الجواهر الكلام في المقام وتبعه السيد الأُستاذ، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.1
كون المبيع طلقاً   
ولذلك نطوي الكلام فيها، ونعطف عنان البحث إلى الشرط الثاني من شروط المبيع، أعني: كونه ملكاً طلقاً.

1 . الجواهر: 21 / 163 ـ 166 .

صفحه 275

شرائط العوضين

   3

كون المبيع طلقاً

يشترط على مذهب المشهور في المبيع كونه ملكاً طلقاً، أي غير مقيّد; والغاية إخراج الأُمور التالية:
1. الوقف، فإنّه ـ على قول ـ ملك للموقوف عليهم لكن ليس طلقاً، ولا يصح بيعه إذ في ذلك إبطال لحق الواقف والبطون اللاحقة.
2. العين المرتهنة، فإنّها ملك للراهن لكن تعلّق بها حق الغير، أعني: المرتهن.
3. أُم الولد، لأنّها تنعتق بعد موت السيد بإرث الولد.
وإنّما يصح الاشتراط إذا قلنا بأنّ الملكية شرط في المبيع فيأتي بعدها شرط آخر وهو كون العين ملكاً طلقاً، وأمّا إذا قلنا بأنّ الشرط هو كون البائع مسلّطاً على المبيع من حيث النقل والانتقال شرعاً، فلا حاجة إلى الشرط الزائد لعدم تسلّطه على المبيع في الموارد المذكورة.
أمّا الأوّل، فلأنّ بيع الوقف على خلاف ما هو المقصود منه حيث إنّ الغاية بقاء العين وتسبيل المنفعة.

صفحه 276
وأمّا الثاني، فلأنّ تعلّق حق الغير بالعين يمنع عن التسلّط على المبيع لاستلزامه بطلان حقّه .
وأمّا الثالث، فلتعبد من الشرع .
فإن قلت: لا يشترط في صحّة البيع، السلطنة التامة، بشهادة أنّه يجوز بيع العين المستأجرة ـ مسلوبة المنفعة ـ مع عدم السلطنة التامة على المبيع حيث إنّ المنافع لغير المالك.
قلت: ليس المراد من السلطنة التامة، السلطنة على العين والمنافع حتّى يرد النقض، بل المراد السلطة التامة على نقل العين وانتقاله، وهي موجودة في بيع العين المستأجرة.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ اشتراط «الطلقية» أمر زائد، بعد كون شرط البيع، هو السلطنة التامة على النقل والانتقال.
نعم لو قلنا بأنّ الشرط وجود السلطنة على وجه الإجمال يدخل فيه الوقف والعين المرتهنة وأمّ الولد، فيجب أن يضاف إليها، كونها طلقاً، غير مقيد بشيء، حتى تخرج الموارد المذكورة.
وعلى ما ذكرنا فليس في المقام إلاّ شرط واحد وهوالسلطنة التامة على البيع، ولعلّ قولهم: «ملكاً طلقاً» يشير إلى ما ذكرنا فتأمّل .
وما ذكرنا هو الظاهر من المحقّق النائيني حيث فسّر الطلقية بعدم قصور السلطنة وعدم كونه محجوراً عن التصرف. ثم قسّم قصور السلطنة إلى قصور في المقتضي، كما إذا كان ملكه محدوداً كالوقف الخاص، أو لوجود المانع

صفحه 277
كالرهانة وجناية العبد، والاستيلاد. 1
ولو أرجع الجميع إلى القصور في المقتضي ـ على اختلاف درجات القصور ـ يكون أفضل.
وأمّا المحقّق الخوئي فقد نفى أن يكون قولهم: «ملكاً طلقاً» بصدد تأسيس شرط، بل الشرط واقعاً انتفاء تلك الحقوق الخاصة كالنذر والرهن. وهذا العنوان، منتزع من انتفاء تلك الحقوق .2
يلاحظ عليه: أنّ قولهم: «طلقاً» كما يمكن أن يكون مشيراً إلى انتفاء تلك الحقوق والموانع، يمكن أن يكون شرطاً تأسيسيّاً لإخراج ما يكون مقارناً بها، ولا دليل على خصوص الأوّل.

1 . منية الطالب: 1 / 344 .
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 355 .

صفحه 278

الكلام في بيع الوقف

إذا عرفت ما ذكر فتحقيق المطلب في مورد الوقف رهن أُمور:
الأوّل: في تعريف الوقف.
الثاني: هل الموقوف هو المالية أو هي مع الشخصية؟
الثالث: هل يبطل الوقف بنفس البيع أو بجوازه ؟
الرابع: هل الوقف ملك للواقف أو يخرج عن ملكه؟ وعلى فرض خروجه عن ملكه، فمن هو المالك ؟
الخامس: تقسيم الوقف إلى مؤبد ومنقطع، ووقف عام ووقف خاصّ.
السادس: في عدم جواز بيع الوقف .
السابع: في مسوّغات بيع الوقف.
خاتمة: في وقف الحلى والأثمان .
وإليك دراسة هذه الأُمور واحداً تلو الآخر:

الأوّل: تعريف الوقف

   
عرف الوقف ببعض خواصه تبعاً للحديث الوارد عنه (صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «حبّس الأصل وسبّل الثمرة».1 ولذلك عرّفه الشيخ الطوسي بقوله: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة .2

1 . سنن البيهقي: 6 / 162 ; مستدرك الوسائل: 2 / 511 .
2 . المبسوط: 3 / 287 .

صفحه 279
وقال المحقّق: الوقف عقد، ثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة .1
وقال ابن سعيد: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة .2
إلى غير ذلك من التعاريف الّتي تختلف لفظاً وتتّحد معنى.
والمراد من حبس الأصل جعله بشكل لا يُتصرف فيه شرعاً فلا يُباع ولا يُوهَب .
توضيح ذلك: أنّ الصدقة على قسمين: قسم يُباع ويوهب كالزكاة، وقسم لا يُباع ولا يوهب وهذا هو الوقف، ولذلك ورد في الروايات في صيغ الوقف: صدقة لا تباع ولا توهب .
وإن شئت قلت: إنّ الصدقة بالمعنى الأعم ـ أي ما ينتفع به الناس ـ على صنفين: صنف ينتفع بعينه ومنفعته، وصنف ينتفع بمنفعته دون عينه، بل تبقى العين باقية لا توهب ولا تباع ولا تورث إلى أن يرث الله سبحانه السماوات والأرض. وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده السيد الأُستاذ في تعريف الوقف: «إيقاف الشيء على جهة أو شخص أو غيرها لتدرّ المنافع عنه عليها». 3 ولعلّ هذا المقدار كاف في تعريفه.

الثاني: هل الموقوف هو المالية أو هي مع الشخصية؟

إذا وقف داره لسكنى الفقراء فللدار المالية الّتي لأجلها يرغب الناس إليها، وخصوصية قائمة بها، تميّزها عن سائر الأعيان; فعندئذ يقع الكلام في الموقوف، فهل مالية الموقوف بما هو هو مع قطع النظر عن تخصّصها بخصوصية، وحينئذ يكفي حفظ الماليّة وإن تبدّلت الخصوصية; أو أنّ الموقوف المالية مع المشخّصات الفردية؟ وجهان:

1 . شرائع الإسلام: 2 / 442 .
2 . الجامع للشرائع:369.
3 . كتاب البيع: 3 / 125 .

صفحه 280
1. ربّما يتعلّق الغرض بحفظ مالية الموقوف وإن كان متخصّصاً بخصوصية ولكن لا رغبة للواقف إليها، وإنّما يطلب بقاء المالية بأي خصوصية تحقّقت، مثلاً إذا وقف داره لإعمار المسجد فالغرض هو رفع حاجات المسجد، سواء أكان ذلك ببقائها داراً وتأجيرها أو جعلها محلاً تجارياً ليصرف دخله في إعمار المسجد، فيكفي في ذلك حفظ المالية وإن لم تحفظ الخصوصيات الفرديّة.
2. ربّما يتعلّق غرض الواقف بحفظ الخصوصية، كما إذا بنى مدرسة للتعليم فالغرض هنا هو الدراسة والتربية فالموقوف هي المالية المتخصّصة بخصوصية خاصة.
ونظيرها ما ربّما يتعلّق الغرض بحفظ الشخص، كما لو وقف كتاباً بخط والده أو جدّه مريداً بقاء الكتاب بعنوانه وشخصه.
ولأجل تعدّد الأغراض لا يمكن بيان ضابطة لأحد الوجهين حيث إنّ غرض الواقف يختلف، فتارة يتعلّق غرضه بحفظ المالية، وأُخرى بحفظ الشخصية أيضاً.
وتظهر الثمرة فيما يلي :
1. لو كان الموقوف هو المالية دون الخصوصية وإن كانت المالية لا تنفك عن خصوصية ما وفرضنا جواز بيع الموقوف، بأحد الوجوه الآتية فالثمن يكون وقفاً بلا حاجة إلى إجراء صيغة الوقف، لأنّه محفوظ بحاله لم يطرأ عليه شيء، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الموقوف هو المالية المتخصصة بالخصوصية فإذا بيع بطل الوقف ولا يصير بدله وقفاً إلاّ بإجراء الصيغة من قبل الحاكم وغيره.
2. لو كان الموقوف هو المالية صحّ اشتراط الواقف بيعه وجعل بدله وقفاً، لأنّ البدل يصير وقفاً بمجرد التبديل بخلاف ما لو كان متعلّق الوقف هو المالية المتخصصة بالصفات الفردية فإنّ شرط البيع يناقض مضمون العقد فإنّ مضمونه حبس العين بخصوصياتها ومضمون الشرط على خلافه.

صفحه 281
نعم ليس القول بوقف المالية فقط أمراً بديعاً، فإنّ له نظائر في الفقه وإن لم تكن من باب الوقف، كما يلي:
1. إرث الزوجة من أعيان العقار، فإنّها ترث ماليتها لا أعيانها ويجوز للوارث دفع قيمتها إلى الزوجة دون أعيانها، بل ربّما لا يمكن دفع الأعيان لاستلزامه تخريب البيت وهدمه فغرض الشارع هو حفظ إرث الزوجة من الأعيان لكن بنحو لا تتضرر الورثة بدخول الأجنبي عليهم فيما لو تزوجت الزوجة المتوفّى عنها زوجها برجل، فلو كان الموروث نفس الأعيان ربّما ضاق العيش على الوارث فجمع بين مصلحتين هما; مصلحة الزوجة من جهة الإرث، ومصلحة الورثة حتّى لا يدخل الأجنبي في حياتهم.
فيكفي في المقام دفع القيمة.
2. الخمس والزكاة فإنّ غرض الشارع رفع حاجة السادة والفقراء وهو حاصل بتعلّقهما بمالية الأعيان، فللمالك أن يؤدِّي الفريضة من نفس الأعيان أو بقيمتها .
وما ذكرناه في الفرائض الماليّة من تعلّق حقّهم بمالية الأعيان، لا بأنفسها هو المختار عندنا وله آثار فقهيّة ظاهرة للمتفطّن.
نعم الغرض الغالب في الأوقاف هو حفظ الشخصية إلاّ إذا دلّ الدليل على الاقتصار على المالية مع غض النظر عن الشخصية .
والشخصية الحقوقية (في الأُمور الخيرية والمبرات) الّتي هي أمر رائج، يرجع واقعها إلى وقف المالية دون الخصوصية.
ثم إنّ سيّدنا الأُستاذ (قدس سره)أنكر «وقف المالية» إذا جرّدت عن وقف الخصوصية الخارجية بوجهين:
1. من شرائط الوقف تعلّقه بالأعيان الّتي لها منفعة محلّلة حتّى تدرّ على الموقوف عليهم، والمالية ليست من الأعيان ولا تكون لها منفعة وثمرة، والمنافع

صفحه 282
كلّها إنّما هي للأعيان.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ المقصود من وقف المالية، هي وقفها بما هي مجردّة عن التشخّص في ضمن فرد من الأفراد، ومن المعلوم أنّ المالية بهذا المعنى، لا تضرّ ولا تنفع، بل المقصود منها، المالية المتمثّلة في ضمن فرد ما، من دون أن يكون للخصوصية مدخلية في الوقف، على نحو لو أمكن تمثّل الماليّة بنفسها ومجرّدة عن الخصوصية لصحّ وقفها. ولذلك يكفي في الوقف وجود خصوصية ما .
2. لو فرض التعلّق بالمالية لا تنبغي الشبهة في البطلان بالبيع أيضاً، لأنّ نقل العين، نقل بماليتها ولا يعقل حفظ مالية العين مع بيعها. 2
يلاحظ عليه : بأنّه مبني على أنّ الموقوف، هي المالية المتمثّلة بالمبيع المشخّص فإذا بيعت العين، تبطل الوقف إذ لا يعقل حفظ المالية مع البيع; ولكن الموقوف هي المالية السيّالة، غير المقيدة بخصوصية دون خصوصية فإذا بودلت العينان، تخلف العين الثانية مكان الأُولى وليس هذا أمراً بديعاً، فإنّ في بيع الأعيان الزكوية أو ما تعلّق به الخمس، ينتقل الفرض إلى بدله ومن بدله إلى بدله، وما هذا إلاّ لأنّ الواجب أداء مال يبذل بإزائه الثمن إلى الفقير والسيد، وهذا محقّق في البدل الثاني والثالث.
أضف إلى ذلك: أنّ المسألة عرفية، وليست عقلية. والعرف العام، يوافق هذا النوع من الوقف كما هو الحال في الشركات الخيرية والمبرّات العامة الّتي تديرها أُمناؤها فلم تزل أعيان الشركة في حال التبديل، ولكن الجهة المشتركة، أعني: المالية السيّالة المحفوظة مع تبدّل الخصوصيات، لا تبطل وتبقى مدى

1 . كتاب البيع: 3 / 175 .
2 . كتاب البيع: 3 / 175 .

صفحه 283
الدهور والأيّام.1

الثالث: بطلان الوقف بنفس البيع أو جوازه

هل الوقف يبطل بنفس البيع ـ إذا كان هناك مسوِّغ له ـ أو بجوازه، وإن لم يتحقّق البيع، قولان:
الأوّل: للشيخ الأنصاري. والثاني: لصاحب الجواهر. تبعاً لشيخه كاشف الغطاء على ما قيل .
وجه الأوّل: هو أنّ معنى جواز البيع ـ عند وجود المسوِّغ له ـ هو أنّ الشارع جعل للبطن الموجود حقَّ إبطال الوقف ببيعه لأنفسهم، إذا اقتضت المصلحة بيعه وتقسيم ثمنه بين الموجودين من الموقوف عليهم، فإذا لم يبيعوا لم يبطل الوقف. وكم فرق بين حق الإبطال، ونفس الإبطال فالمجعول هو الأوّل.
ويؤيد ذلك أنّه لو فُرض اندفاع الضرورة بعد الحكم بجواز البيع ولكن لم يُبَع، كان الوقف باقياً على حاله. على كلا القولين.
فإن قلت: إذا كان قوله(عليه السلام): «لا تباع ولا تُوهَبُ» ـ بمعنى لا يجوز بيعه وهبته ـ وصفاً لنوع الصدقة ولم يكن شرطاً خارجياً مأخوذاً في الشخص ـ كما مرّ ـ فكيف يبقى الموضوع بحاله مع الحكم بجواز البيع، إذ لازمه تفكيك النوع عن الفصل؟
قلت: لو كان عدم جواز البيع فصلاً منوّعاً للوقف مثلاً بأن يقال: الصدقة على نوعين:
1. صدقة تباع وتوهب.
2. صدقة لا تباع ولا توهب.
ـ فعندئذ ـ كان لما ذُكر وجه، إذ بانتفاء الفصل ينتفي النوع.

1 . وللبحث صلة ستوافيك في الخاتمة عند دراسة صحة وقف الحلي والأثمان، فانتظر.

صفحه 284
وأمّا إذا كان من آثاره وأحكامه فلا إشكال في رفعه بالعناوين الثانوية مع بقاء الموضوع، إذ ليس الموضوع علّة تكوينية بالنسبة إلى الحكم حتّى لا يتعلّق برفعه يد التشريع، فلا مانع من حفظ الموضوع مع رفع بعض الآثار في ظروف خاصة.
ووجه الثاني: ما أفاده صاحب الجواهر حيث قال: والّذي يقوى في النظر بعد إمعانه أنّ الوقف ما دام وقفاً لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفاً من المتضادات، نعم إذا بطل الوقف اتّجه حينئذ جواز البيع .1
وربّما يقال: إنّه تبع في هذا الرأي شيخه كاشف الغطاء في شرحه على القواعد، حيث قال: إنّ البيع وأضرابه ينافي حقيقة الوقف لأخذ الدوام فيه وأنّ نفي المعاوضات مأخوذ فيه ابتداءً .2
أقول: لم يظهر من كلام كاشف الغطاء ما رامه صاحب الجواهر بل الظاهر من كلامه أنّ البيع والمعاوضة الخارجية يبطلان الوقف، لا جوازهما، فيكون نظره نفس نظر الشيخ.
وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر فقد أورد عليه الشيخ ما هذا خلاصته: إن أُريد من بطلان الوقف انتفاء بعض آثاره وهو جواز البيع المسبب عن سقوط حق الموقوف عليهم عن شخص العين أو عنها وعن بدلها، فهذا لا يلازم بطلان الوقف (لأنّ رفع بعض الآثار ليس بمعنى رفع الموضوع تشريعاً).
وإن أراد به انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل المنع من البيع من مقومات مفهوم الوقف، فقد عرفت أنّه ليس فصلاً منوعّاً وإنّما هو من أحكامه ولوازمه القابلة للرفع التشريعي.3

1 . جواهر الكلام: 22 / 358 .
2 . نقله الشيخ عن كاشف الغطاء، لاحظ : المتاجر: 164.
3 . المتاجر: 164، بتصرف.

صفحه 285
ويشهد على ذلك جواز الرجوع في الهبة، مع أنّه لا يوجب البطلان .
يلاحظ عليه: بأنّ جواز الرجوع فيها لا ينافي واقع الهبة، بخلاف الوقف فالقياس مع الفارق .
هذا ما لدى القوم من الكلمات ومع ذلك فكلام صاحب الجواهر حسب الظاهر لا يخلو من قوة; ويمكن تقريبه بالبيان التالىّ:
أنّ الممنوعية من البيع والهبة ،بل كل نقل، مقوِّم للوقف، فإذا جاز بيعه شرعاً كشف عن بطلان الوقف تحكيماً لحكم الشرع على إنشاء الواقف .
وبعبارة أُخرى: أنّ الوقف يتقوّم بممنوعية التصرف وهي تنافي جواز البيع فلا يجتمعان، فلو ثبت الثاني كشف عن ارتفاع الأُولى.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ أجاب عن الأشكال بأنّ المنع المالكي لايضاد الجواز الشرعي بوجه، فالتحبيس من الواقف لا من الشارع فالتضاد لو كان إنّما هو بين أمر شخص بشيء مع نهي شخص آخر، فالممنوعية المالكية لا تضاد الجواز الشرعي.1
يلاحظ عليه: بأنّ للوقف معنى واحداً لدى العرف والشرع، فإذا كان معنى الوقف هو الممنوعية من البيع فهذا نفسه معنى الوقف شرعاً، وإذا وقف الواقف العين الخارجية وأراد هذا المعنى فقد أمضاه الشارع بنفس هذا المعنى أيضاً، فلو جاز شرعاً بيعه لزم التضاد بين الممضى والحكم الشرعي فيكون الحكمان صادرين من شخص واحد.
والّذي يمكن أن يقال في دفع الاشكال: إنّ الجواز المتعقّب بالبيع يضاد حقيقة الوقف، وأمّا مجرد جواز البيع من دون تعقّب البيع فلا ينافي ماهيّة الوقف كما لا يخفى. فتأمّل.
وعلى كل تقدير لا ثمرة لهذا البحث بعد التسالم على حرمة البيع قبل

1 . كتاب البيع: 3 / 168 .

صفحه 286
عروض المجوّز وعلى جواز البيع بعد عروضه، ثم دوامه بدوام المجوز، وارتفاعه بارتفاع المجوز ـ كما أفاده المحقّق الإيرواني .1
وبذلك يظهر أنّه لا وجه للفرع التالي:
«إذا طرأ على الوقف جواز البيع ولم يُبع في الخارج إلى أن زال المانع فهل يزول الجواز أو يبقى على حاله.2
لما عرفت من التسالم على ارتفاع الجواز بارتفاع المجوز .
وعلى فرض صحّة الفرع فالمرجع هو فيما إذا جاز بيعه ولم يُبع عموم العام الدال على عدم جواز البيع، لا حكم المخصص، أعني: جواز البيع كما عليه المحقّق الإيراوني.3
لما مرّ غير مرة من أنّ الأُمور التي طبعها المنع والحرمة كالنظر إلى الأجنبية وبيع الصغير يقتصر في تحقيقها بالموارد المعلومة، وأمّا المشكوكة منها، فيرجع إلى الحكم الذاتي للموضوع.
نعم ذكر المحقّق الخوئي وجهاً آخر للتمسّك بالعام دون حكم المخصّص فلاحظ .4
***

الرابع: خروج الوقف عن ملك الواقف

المشهور خروج الوقف عن ملك الواقف، قال المحقّق: الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه.5

1 . تعليقة الإيرواني: 171 .
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 364 .
3 . التعليقة: 171 .
4 . مصباح الفقاهة: 3 / 364 .
5 . الشرائع: 2 / 450 .

صفحه 287
وخالف أبو الصلاح من علمائنا 1، وجماعة من أهل السنّة2 ، فقالوا ببقائه على ملك الواقف.
ويد على قول المشهور: إنّ خروج الموقوف عن ملك الواقف ضروري عند المتشرّعة يعرفه العوام فضلاً عن الخواص.
والّذي يُرشدك إلى هذا هو أنّ الملكيّة أمر اعتباريّ تطلب لنفسها الأثر العقلائي أو الشرعي، إذ لولا الأثر، صار الاعتبار لغواً وأمراً غير عقلائي، وأي أثر يترتّب على اعتبار ملكية الواقف بعد كونه ممنوع التصرف مؤبّداً بيعاً وهبة وميراثاً بالنسبة إلى الأصل والفرع.
نعم بقاء الوقف على ملك الواقف في الوقف المنقطع كالوقف على من ينقرض غالباً ليس ببعيد، ولكن هذا في الحقيقة حبس وإن كان حسب الصورة وقفاً.
استدل من قال ببقائه على ملك الواقف بالأمور التالية:

1. ملك للواقف

استدلّ القائل ببقائه على ملك الواقف بوجوه:
أ. قول النبي (صلى الله عليه وآله): «حبّس الأصل وسبّل الثمرة». 3 والمقصود من حبس الأصل إبقاؤه على ملك الواقف.
ب. إنّ الحبس على الآدمي لا يخرج عن الملك.
ج. إذا وقف على أولاده الأصاغر جاز له أن يشرك معهم من يتجدّد له من الأولاد وإن لم يشترط.4

1 . الكافي: 325.
2 . المغني: 6 / 187 فنقل عن أحمد: لا يزول ملكه وقال: هو قول مالك وحُكي قولاً للشافعي.
3 . سنن البيهقي: 6 / 162 .
4 . شرائع الإسلام: 2 / 449 .

صفحه 288
يلاحظ على الأوّل: أنّ المراد بتحبيس الأصل هو عدم جواز بيعه وهبته حيّاً وميّتاً، وهذا لا يلازم كونه على ملك الواقف، بل يجتمع مع كونه ملكاً للموقوف عليه .
وأمّا الثاني: فإنّ قياس الوقف على الحبس قياس مع الفارق، لأنّ الأوّل وقف مؤقت بخلاف الثاني فإنّه وقف مؤبد، وقياس أحدهما بالآخر قياس غير صحيح حتّى على القول بحجية القياس.
وأمّا الثالث: فهو محل نظر، قال المحقّق: (وليس بمعتمد)، فكيف يستدل بأمر غير ثابت.

2. ملك لأشخاص الموقوف عليهم

إذا تبيّن خروج الوقف عن ملك الواقف، يقع الكلام في النظرية المعروفة من كونه ملكاً للموقوف عليه.
قال المحقّق: الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه. 1 ولم يفصّل بين الوقف على المعيّن وغيره، قال الشهيد الثاني: أطلق المصنّف الحكم بانتقاله إلى الموقوف عليهم. 2
واستدلّ القائلون بذلك بوجوه:
الأوّل: الملازمة بين ملكية المنافع وملكية العين، فلمّا كانت المنافع للموقوف عليهم فتكون العين ملكاً لهم.
ويدلّ على الملازمة ما ورد في غير واحد من الروايات من الاستدلال بأنّ ملكية المنافع تلازم ملكية العين، نظير ما رواه معاوية بن ميسرة أنّه قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين

1 . شرائع الإسلام: 2 / 450 .
2 . مسالك الأفهام: 5 / 377 .

صفحه 289
الرجل الّذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه» .
قال أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: هو «ماله».
وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري» .1
حيث إنّ الإمام (عليه السلام)استدلّ على ملكية العين بملكية المنافع. حيث قال: «هو ماله» أي فالمنافع الّتي أصابها له أيضاً .
ويدلّ عليه أيضاً ما ورد في أنّ زكاة النقدين على المقترض مستدلاًّ بأنّ له نفعه وعليه زكاته .2
فالروايتان تدلاّن على الملازمة بين مالكية المنفعة ومالكية العين .
أقول: لا شك في وجود الملازمة بين المال والمنفعة لكن الملازمة غالبية وليست دائمية بشهادة أنّ المستأجر يملك منفعة الدار ولا يملك الرقبة، وهكذا التحبيس فإنّ المحبوس له يملك المنافع ولا يملك العين. وإذا بطلت كلية الكبرى، بطل الاستدلال بها على صورة الشكل الأوّل بأن يقال: الموقوف عليه يملك المنافع، وكل مَن يملك المنافع يملك العين. فالموقوف عليه يملك العين.
الثاني: الملازمة بين الضمان والملكية فإذا أتلف تالف، العينَ الموقوفة فإنّما يضمن للموقوف عليهم، وهذا يكشف عن ملكيتهم. وبعبارة أُخرى لو شمل قوله: من أتلف مال الغير فهو له ضامن، للمورد فهو يكشف عن ملكية الغير وهو هنا الموقوف عليهم .

1 . الوسائل: 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

صفحه 290
يلاحظ عليه: بأنّ الملاك في الضمان كون المال محترماً، سواء أكان له مالك شخصي أم لا، في مقابل المال غير المحترم كمال الكافر الحربي، فإذا كان محترماً لأنّ الواقف لم يُهدر كرامة ماله يكون مضموناً فيجب على المتلِف الخروجُ من الضمان بالمثل والقيمة، فعندئذ يكون الفرع (المثل والقيمة) كالأصل وقفاً من دون لزوم ملاحظة الغير (الموقوف عليه) في المقام.
وحصيلة الكلام: أنّ الملاك في الضمان كون المال المتلَف محترماً، لم تُهدَر كرامتُه، لا كونه ملكاً لشخص، وعلى هذا فالأوقاف العامة كالقناطر والخاصة كالدار والأوقاف على الحيوانات أو الأعمال الخيرية كالاحجاج، إذا أتلفها متلف يضمن بالمثل أو القيمة من دون نظر إلى أنّ لها مالكاً.
الثالث: ما يظهر من صاحب الجواهر أنّ الموقوف ـ على الإطلاق ـ مال يُضمن بالتلف وليس في الشرع مال بلا مالك فلابدّ من مالكيته. 1
والفرق بينه وبين الوجه الثاني: أنّ مبدأ البرهان فيما تقدّم هو وجود الملازمة بين الضمان والملكية فإذا صار المتلف ضامناً للموقوف عليه فيكشف عن كونه مالكاً، وأمّا هذا الوجه فمبدأ البرهان هو الملازمة بين الماليّة والملكية أمّا كونه مالاً فلأجل كونه مضموناً عند التلف، فإذا ثبت كونه مالاً، فليس عند الشرع مال بلا مالك.
وأورد عليه سيدنا الأُستاذ بالنقض بالكنوز والمعادن، فإنّها ـ قبل الاستخراج ـ أموال لا مالك لها. 2
يلاحظ عليه: أنّ المفهوم من كلام الأُستاذ في سائر الموارد، أنّ المالك هو الدولة الإسلامية، لأنّها من الأنفال، وهي ملك للرسول (صلى الله عليه وآله)بما أنّه سائس ورئيس، فيكون المالك في الحقيقة هو الجهة الّتي هي عبارة أُخرى عن الدولة.

1 . الجواهر: 28 / 90 .
2 . كتاب البيع: 3 / 131 .

صفحه 291
والأَولى في الجواب أن يقال: إنّه لا ملازمة بين الدليل ـ ليس في الشرع أموال بلا مالك والمدّعى ـ المالك هو الموقوف عليه ـ بل يمكن أن يقال بأنّ المالك هوالجهة الّتي تنطبق على الموقوف عليه عبر الزمان فيما إذا كان له مصاديق طولية .
الرابع: ما يظهر أيضاً من كلامه في أنّ الوقف قسم من الصدقات، لما جاء في وصية الإمام الكاظم (عليه السلام):«تصدّق موسى بن جعفر بصدقته هذه وهو صحيح صدقة حبساً...»1 فلابدّ أن يكون تملّكاً 2 وليس هنا مالك سوى الموقوف عليه .
يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّه لا ملازمة بين الدليل والمدّعى ضرورة أنّ مالك الصدقة لا ينحصر بالموقوف عليه، لاحتمال كون المالك عنوان الوقف الّتي تستمر عبر الزمان وإن كانت المصاديق متغيّرة.
الخامس: ما ذكره سيدنا الأُستاذ ـ وإن لم يرتضه ـ وحاصله: أنّه لا إشكال في جواز بيع الوقف في بعض الصور الآتية فيستكشف من نفس الجواز والصحة، ملكيته (الوقف) فإنّ البيع مبادلة مال بمال في الملكية، ولا يعقل تبادل الملكية إلاّ مع كون الموقوف ملكاً فلا محالة يكون له مالك. ولا يكون أحد صالحاً للمالكية إلاّ الموقوف عليه ضرورة أنّ الواقف زال ملكه إجماعاً ولا مالك آخر فلابدّ وأن يكون الموقوف عليه .3
ويؤيد ذلك أنّ المتصدّي للبيع هو الموقوف عليه. والثمن بعد البيع في بعض الصور له، فيكشف بذاك الأمران عن كونه مالكاً .
أقول: إنّ أكثر ما ذكره قابل للنقاش، ويرد عليه ما أوردناه على الوجهين

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 4.
2 . الجواهر: 28 / 88 .
3 . كتاب البيع: 3 / 135 .

صفحه 292
المتقدّمين من أنّه لا يدلّ على أنّ المالك هو شخص الموقوف عليه، بل يصلح أن يكون المالك هو الجهة المنطبقة عليه وعلى غيره عبر الزمان وكون الثمن له، لأجل أنّه مصداق للمالك لا نفسه، وهذا هو خيرة المحقّق النائيني في الوقف على العلماء والطلاّب والمدارس والزّوار.1 وسيوافيك نظر مالكية الجهة عن قريب.

3. التفصيل بين المعيّن وغيره

يظهر من العلاّمة (رحمه الله) في قواعده أنّه اختار تفصيلاً بين المعيّن وغيره، فإن وقف على معيّن، كما إذا وقف على شخص معيّن فاستقرب أنّ الموقوف ينتقل إليه، وإلاّ فإن كان مسجداً فهو فك ملك كالتحرير(عتق الرقبة)، وإن كان على جهة عامّة فاستقرب أنّ الملك لله تعالى2، وحاصله: أنّه لو وقف داره على أولاده فهم يتملّكونها، ولو وقفها على جهة عامّة كالفقراء والمساكين فيملكه الله سبحانه، وإن وقف داره مسجداً فهو ليس بتمليك بل فك ملك وتحرير.
ويترتّب على هذا جواز البيع وعدمه، فلو قلنا بالتحرير وفك الملك أو أنّه سبحانه يملكه فلا يجوز بيعه وإن انهدم المسجد أو خرب، لأنّ البيع فرع الملك، والمفروض أنّه إمّا ليس بملك كالمسجد، أو ملك لله وهو خارج عن اختيارنا، كما في الوقف على الجهة العامة.

1 . منية الطالب:1/348، و ذهب في الوقف على الخاص كالوقف على الذرية إلى أنّه ملك لأشخاصهم.
2 . القواعد: 2 / 394، الفصل الثاني في الأحكام.

صفحه 293

4. مالكية الجهة مطلقاً

إذا وقف على شخص معيّن أو على أشخاص معيّنين فالمتبادر دخول الوقف في ملكهم، وأمّا ما وراء ذلك فالظاهر أنّ الجميع من قبيل التمليك للجهة وليس تحريراً وفك ملك وإبطالاً للمالية ولا تمليكاً لله سبحانه. بيان ذلك:
الوقف عمل صالح يقوم به رجال صالحون لأغراض علمية أو اجتماعية أو دينيّة، وبذلك تختلف غايات الوقف، حسب اختلاف الدواعي المحرّكة لهذا العمل المثالي.
ولما كان الواقف عالماً بأنّه لو كان الموقوف باقياً في ملكه أو ملك شخص آخر ـ بتمليكه إيّاه ـ لانتفى غرضه وذهب سدى، لأنّ الأشخاص في معرض الموت والفناء، إذ لم يُكتب البقاء لفرد حتّى الأنبياء العظام، فيبتكر في تأمين غرضه طريقاً وهو تمليك الموقوف لعنوان أو جهة يكون له استمرار وبقاء ما دام الوقوف موجوداً، وإن تطرق الموت إلى مصاديقه وجزئياته، لكن العنوان باق، لا يتطرق إليه الفناء، ومن هذه العناوين الّتي يمكن أن تكون هي الموقوف عليه :
1. الموحّدون. 2. حجاج بيت الله الحرام. 3. المسلمون. 4. العلماء. 5. الأطباء. 6. المحقّقون في قسم من العلوم. 7. الفقراء. 8. المساكين. 9. المرضى على وجه الإطلاق أو القسم الخاص بهم. 10. الدولة. 11. الدولة الإسلامية . 12. محبو أهل البيت(عليهم السلام).
إلى غير ذلك من العناوين المتوفرة حسب توفر الدواعي للوقف .
وهذا البيان يبعثنا إلى القول بأنّ الوقف ليس تمليكاً لله سبحانه، وهو سبحانه أجلّ من أن يتملّك شيئاً بملكية اعتبارية; ولا فك ملك حتّى تنقطع صلته بالواقف وسائر الناس ويكون أشبه بالناقة السائبة1 المرسلة إلى الصحاري، الراعية بلا راع; دون أن يكون ملكاً لشخص، من مصاديق العناوين المذكورة،

1 . لاحظ تفسير قوله سبحانه:(ما جعلَ اللهُ مِنْ بَحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام)(المائدة:103).

صفحه 294
المصاديق الّتي تأتي واحداً بعد آخر، بل تمليك للعناوين بما لها مصاديق عبر الزمان، فالمالك هو العنوان، وأمّا الفرد فإنّما يتمتع بالوقف بما أنّه من مصاديق المالك لا نفسه، وبذلك تندرج العامة الأوقاف ـ لا غيرها كما إذا كان الموقوف عليه، شخصاً أو أشخاصاً معينين ـ تحت ضابطة واحدة، وهو تمليك الجهة والوقف لها بما أنّ لها مصاديق عبر الزمان ينتفعون بمنافع الوقف ويستدرّون بها، مادام الوقف موجوداً من غير فرق بين وقف دون وقف .

5. نظرية المحقّق الخوئي في الوقف

قسّم المحقّق الخوئي الوقف إلى أقسام:
الأوّل: ما يكون تحريراً كالمساجد فإنّ المتيقّن من التحرير هو المسجد، والظاهر أنّه لا يجوز بيعه، فإنّ حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين الشيئين في جهة الإضافة إلى المالك، ومن البديهي أنّ المساجد غير مضافة إلى أحد بالإضافة الحقيقية أو بالإضافة الملكية، ومع انتفاء الإضافة كيف يسوغ البيع والتجارة.
الثاني: مايكون وقفاً للذرية كما إذا وقف أرضاً لتكون منفعتها لهم طبقة بعد طبقة، فلا شبهة أنّ هذا القسم من الوقف تحبيس وتمليك.
أمّا كونه تحبيساً، فلأنّ الوقف على ما فسّروا: «تحبيس لأصل وتسبيل الثمرة» وقد جعل الواقف ذلك الوقف كذلك.
وأمّا كونه تمليكاً لهم، فلأنّه لا يشك أحدٌ في أنّه لوغصبه غاصب لوجب عليه ردّه إلى الذرية أو أتلف شيئاً من منافعه يجب عليه تداركه.
الثالث: أن يكون وقفاً عاماً كوقف الحمّامات والدكاكين والأملاك على العلماء والسادات وطلاب المدارس والفقراء. وهذا القسم من الوقف تمليك لعين ما تقدّم في القسم الثاني وأنّه لو غصبه غاصب يحكم بضمانه، والسيرة

صفحه 295
العقلائية تقتضي أن يتعامل مع مثل تلك الأوقاف معاملة الملكية، غاية الأمر ملكاً للجهة (عنوان العلماء والسادات).
الرابع: أن يكون وقفاً على الجهة العامة من دون أن يكون الموقوف عليهم مالكين للمنفعة، بل مالكين للانتفاع.
وإن شئت قلت: إنّهم مالكون لمنفعة خاصة، أي السكن. وهذا كالمدارس والربط والخانات; والظاهر أنّ هذا أيضاً تمليك للجهة غير أنّ الفرق بين الثالث والرابع هو أنّهم يملكون المنفعة في الثالث والانتفاع في الرابع.1
الخامس: وهو الوقف على الوقف، نظير الأوقاف على المساجد والمشاهد; والظاهر أنّها تمليك عليها وإن كانت نفس المساجد غير مملوكة.
وعلى هذا فآلات المسجد وأثاثه قابلة للبيع بخلاف نفس المسجد.2
وحاصل ما ذكره: أنّ الوقف إمّا تمليك للأشخاص كالوقف على الذريّة، أو تمليك للعنوان كالوقف على العلماء، أو تمليك للجهة العامة كما في وقف المدارس والجسور والخانات .
إلاّ أنّه يستثني قسماً واحداً وهو المسجد. وهو أنّه من مقولة التحرير وليس بملك للمسلمين، لأنّ المسجد يكون لله سبحانه فكيف يكون ملكاً للمسلمين وإلاّ أصبحت المساجد كالحسينيات ملكاً لهم؟! ولكن يمكن التفريق بينهما بأنّ الحسينيات تمليك للمسلمين للانتفاع بها على شتى الوجوه ولكن المسجد تمليك للمسلمين ليعبد الله فيها فقط. وأنّ معنى قوله: (وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ) أي المساجد مختصة لعبادة الله سبحانه فقط لا غيره، لذلك يقول تعالى: (فَلاَ تَدْعُوا

1 . ولعل الفرق بين الثالث والرابع عنده يكمن في أنّ الثالث تمليك للعنوان (العلماء والطلاب) وهذا تمليك للجهة العامة كالسكنى في المدارس، والرباط والخانات ولأجل ذلك يعبر في الأوّل بالعنوان وفي الثاني بالجهة، ومن هذه المقولة: الوقف لإقامة مجلس عزاء سيد الشهداء(عليه السلام).
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 369 ـ 374 .

صفحه 296
مَعَ اللهِ أَحَدًا).1
هذا كلّه في الوقوف الّتي قام بها الإنسان في برهة من الزمان، وأمّا الخارجة عن حيطته نظير: عرفات، والمشعر، ومنى والمسعى وهكذا المسجد الحرام والأقصى والمشاهد المشرّفة فليست من مقولة الوقف، إذ لم يسبق لها تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بل هي حرمات الله تبارك وتعالى ليس لأحد أن يملكها أو يتصرف فيها بما ينافي الأهداف المطلوبة منها، فلا وجه لعطف هذه الأماكن على الوقف .

الخامس: تقسيم الوقف إلى مؤبّد ومنقطع

ينقسم الوقف إلى: مؤبد ومنقطع.
فالأوّل عبارة عن الّذي جُعل المصرف فيه لمن لا انقراض له، انتهاءً كالوقف على الفقراء والمساكين ، أو على من ينقرض ثم يردّه إلى من لا ينقرض كما لو وقف على ولده ثم على الفقراء والمساكين، أو على رجل ثم على عقبه ثم على الفقراء والمساكين، أو وقف على المساجد والرُّبط والمدارس والمشاهد والقناطر لعدم انقراضها.
والثاني ـ أعني المنقطع ـ يقابله، فهو عبارة عن الوقف على مَن ينقرض ولا يبقى منه شيء، كما إذا قال: وقف على زيد وسكت. أو وقف على صنف خاص في البلد ربّما ينقرض حسب تحول الأوضاع والظروف، وأمّا إذا وقف على شخص أو صنف محدداً بزمان خاص كعشرين عاماً فهو من مقولة الحبس لا الوقف .
ثم إنّ هذا النوع من الوقف (المنقطع) صحيح عندنا. وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد، خلافاً للشافعي حيث أبطله بأنّ شرط الوقف التأبيد فإذا لم يردّه

1 . الجن: 18 .

صفحه 297
إلى ما يدوم لم يؤبّد.
ولا يخفى ما في كلامه من المصادرة حيث إنّ الدليل نفس المدّعى، والدليل على صحّته أنّ الوقف نوع صدقة فيقع في اختيار المالك بالتخصيص في الأزمان كما يقع في التخصيص بالأعيان.
تقسيم آخر: ربّما يقسم الوقف أيضاً إلى: وقف عام كالفقراء والعلماء، ووقف خاص كالوقف على زيد وأولاده، أو الوقف على ذرية الواقف.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو بصير ـ المرادي ـ قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «ألا أُحدثك بوصيّة فاطمة (عليها السلام)؟» قلت: بلى، فأخرج حقّاً أو سفطاً، فأخرج منه كتاباً فقرأه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، أوصتَ بحوائطها السبعة، بالعواف والدلال والبرقة والمبيت (الميثب خ ل)والحسنى والصافية ومال أُم إبراهيم إلى علي بن أبي طالب، فإن مضى علي فإلى الحسن، فإن مضى الحسن فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي، تُشهد الله على ذلك، والمقداد بن الأسود، والزبير بن العوام، وكتب علي بن أبي طالب (عليه السلام)».1

السادس: في عدم جواز بيع الوقف

عُرِّف الوقف ببعض خواصه تبعاً للحديث الوارد عنه (صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «حبّس الأصل وسبّل الثمرة».2 وعلى ضوء هذا الحديث عرّفه الفقهاء بقولهم: الوقف: عقد ثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة.3
والمراد بتحبيس الأصل، المنع من التصرف فيه تصرفاً ناقلاً لملكه، والمراد

1 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1. ولا صلة لهذه الحوائط السبعة بفدك وقد أوصت بوقفها الصديقة الطاهرة في حال حياتها سلام الله عليها.
2 . سنن البيهقي: 6 / 162 ; مستدرك الوسائل:14، الباب2 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
3 . شرائع الإسلام: 2 / 442 .

صفحه 298
بتسبيل الثمرة إباحتها للجهة الموقوف عليها بحيث يتصرف فيها كيف شاء كغيرها من الأملاك.
والإمعان في الحديث والتعريف يدلّنا على لزوم بقاء الأصل وعدم نقله إلى شخص أو جهة أُخرى.
ولذلك اتّفق الأصحاب على عدم صحّة بيع الوقف، قال المحقّق الثاني: أن يكون طلقاً فلا يصح بيع الوقف.1
وقد أرسله الفقهاء إرسال المسلّمات وركّزوا البحث في مستثنياته.2ووصف في بعض الروايات بالصدقة المبتولة. أي المقطوعة عن المالك. روى الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وصدقة مبتولة لا تُورث، أو سنّة هدى يُعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له ».3
ومع ذلك فقد استدلّ الشيخ الأنصاري بوجوه ندرسها تالياً:

1. الإجماع على عدم الجواز

لا يجوز بيع الوقف إجماعاً محقّقاً في الجملة ومحكياً، نقله السيد 4 وابن إدريس 5 والشهيد الثاني 6، ولعلّ الإجماع مستند إلى ارتكاز المتشرعية والسيرة المثمرة، وما ورد في المقام من الروايات الّتي تمرّ عليك.

1 . شرائع الإسلام: 2 / 270 .
2 . جواهر الكلام: 22 / 357 .
3 . الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 2 .
4 . الانتصار: 226 .
5 . السرائر: 3 / 153 .
6 . مسالك الأفهام: 5 / 399 .

صفحه 299

2. الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها

استدلّ الشيخ بهذه الرواية ولم يذكر كيفية الدلالة على عدم جواز البيع، وهي بظاهرها لا تَدل على المطلوب لو لم تدلّ على الخلاف، لأنّه إذا كان الوقوف تابعاً لما يوقفها أهلها، فربّما يوقفها الواقف على نحو لو احتاج إليها، لباعها وصرفها في حوائجه .
وأقصى ما تدلّ عليه هو إمضاء ما يعتبره الواقف حين الإنشاء من الكيفيات والشروط وتعيين الجهات في الموقوف عليه إلى غير ذلك من الخصوصيات .
وإن شئت قلت: إنّ الحديث بصدد بيان ما يعرض الموضوع من الحالات والكيفيات والشروط وأنّها بيد الواقف، لا ما يرجع إلى صميم الذات. وبذلك يظهر أنّ ما أفاده المحقّق الخوئي من «دلالة هذه الرواية على المقصود ممّا لا شبهة فيه حيث إنّ الرواية تدلّ على أنّ الوقف لابدّ أن يلاحظ فيه غرض الواقف »1. غير تام لما عرفت من أنّه يمكن أن يكون غرض الواقف بيعه عند الحاجة.
هذا إذا نظرنا إلى المكاتبة مع قطع النظر عمّا ورد في أُخرى من تفسيرها، وإليك كلتا المكاتبتين:

المكاتبة الأُولى

عن الصفار أنّه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام)في الوقف وما روى فيه عن أبائه(عليهم السلام). فوقّع: «الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله».2 وما ذكره ضابطة في الوقف وتوضّحها مكاتبته الأُخرى .

1 . مصباح الفقاهة: 3 / 357 .
2 . الوسائل: 13، الباب 2 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1.

صفحه 300

المكاتبة الثانية

كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام) أسأله عن الوقف الّذي يصحّ كيف هو، فقد روي: «أنّ الوقف إذا كان غير مؤقّت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان مؤقّتاً1 فهو صحيح ممضىً».
قال قوم: إنّ المؤقّت هو الّذي يذكر فيه: «أنّه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».2
وقال آخرون: هذا مؤقّت إذا ذكر: «أنّه لفلان وعقبه ما بقوا» ولم يذكر في آخره: «للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها» والّذي هو غير مؤقّت أن يقول: «هذا وقف» ولم يذكر أحداً.
فما الّذي يصحّ من ذلك، وما الّذي يبطل ؟
فوقّع (عليه السلام): «الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله» .3
وظاهر الرواية أنّ للمؤقّت على القول الأوّل قسماً واحداً وعلى الثاني قسمين:
1. إذا وقف على فلان وعقبه ـ وأضاف ـ فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
2. إذا وقف لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر حكم الوقف بعد انقراضهم.
ولغير المؤقّت قسم واحد وهو أن يقول:
هذا وقف ولم يذكر أحداً.
وإنّ الإمام قال بصحّة القسمين الأوّلين دون الأخير.
وهذا التفسير مبني على أنّ المراد من «المؤقّت» هو ذكر الموقوف عليه كما

1 . سيوافيك أنّ المراد من المؤقت هو ذكر الموقوف عليه ويقابله غير المؤقت.
2 . ويقابله غير المؤقت وهو ما إذا اقتصر على قوله على فلان وعقبه، كما يفهم من قوله:«وقال قوم هذا مؤقت».
3 . الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 2 .

صفحه 301
حمله الشيخ الطوسي عليه، ولعلّ الإمعان في الرواية يثبت أنّ لفظ المؤقّت وغير المؤقّت، يستعمل في ذكر الموقوف عليه وتركه، فلو ذكر فهو مؤقّت وإن لم يذكر غير مؤقّت.
وأمّا صحيحة علي بن مهزيار: قال: قلت: روى بعض مواليك عن آبائك(عليهم السلام): «إنّ كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى غير وقت ]معلوم [ جهل، مجهول، فهو باطل مردود على الورثة». 1
فلو فسّر الوقت بذكر الموقوف عليه وعدمه فيتحد مع مضمونا مكاتبة الصفار.
وأمّا لو أخذنا بظاهر اللفظ وأنّ المراد من الوقت هو المدة فالرواية تفصّل بين كون الوقف واضح المدة وبين كونه مهملها، فيندرج تحت الشق الأوّل، الأقسام الثلاثة:
1. إذا قال: وقفت على الفقراء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
2. إذا قال: وقفت للذرية ما عاشوا.
3. إذا قال: وقفت لعالم المسجد عشر سنين.
كما يندرج تحت الشق الثاني ما إذا قال: وقفت لوقت ما.
ومع ذلك فالشقوق الثلاثة تتحد مصداقاً مع ذكر الموقوف عليه الذي هو الملاك للصحة في المكاتبة فالصحيحة تتحد مع المكاتبة إمّا مضموناً إذا أريد من الوقف ذكر الموقوف عليه أو مصداقاً إذا الزمان المعلوم لا يلازم ذكر الموقوف عليه كما مرّ وسيأتي الكلام فيهما عند البحث عن الوقف المنقطع فتربص.
وعلى كل تقدير فقوله: «الوقوف حسب ما يوقفها أهلها» لا يدلّ على عدم جواز البيع.

1 . الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 7 .

صفحه 302

3. معتبرة أبي علي بن راشد

روى أبو علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفّرتُ المال خُبِّرت أنّ الأرض وقف؟ فقال: «لا يجوز شراء الوقوف، ولا تدخل الغلة في ملكك، ادفعها إلى من أُوقفتْ عليه». قلت: لا أعرف لها رباً؟ قال: «تصدّق بغلّتها» .1 فإنّ قوله: «لا يجوز شراء الوقوف» حكم عام لمطلق الوقوف، فإذا حرم الشراء حرم البيع أيضاً، والمراد من الجواز هو الجواز الوضعي. وأمّا قوله: «ولا تدخل الغلة في ملكك» لايراد به غلة الزراعة، فإنّ الزرع للزارع وإن كان غاصباً فضلاً عن كونه جاهلاً، بل المراد به هو ما ينبت في الأرض بذاته كالأعلاف والكلأ وبعض الأشجار التي تنبت حسب طبع الأرض.

4. الروايات الحاكية لوقف الأئمة

وقد وردت روايات أربع تحكي تارة وقفَ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأُخرى كتابتَه (عليه السلام)، وثالثة إملاءَ أبي عبدالله، ورابعة صدقةَ أبي الحسن الكاظم (عليه السلام).
أمّا الأُولى: ففي صحيحة أيوب بن عطيّة في كيفية وقف عين ينبع: «صدقة بتّاً، بتلاً، في حجيج بيت الله وعابري سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». 2
قوله: «بتّاً» أي قطعاً بدون رجعة ولا عود، يقال: بيع باتّ، أي لاخيار ولا عود فيه. وقوله «بتلاً»، يقال: بتل الشيء قطعه وأبانه عن غيره، يقال: عطاء بتل أي منقطع ولا يعطى بعده عطاء.
وأمّا الثانية: ففي صحيحة ربعي بن عبدالله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «تصدّق

1 . الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 2 .

صفحه 303
أميرالمؤمنين (عليه السلام)بدار له في المدينة في بني زُريق فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدّق به علي بن أبي طالب وهو حي سويّ، تصدّق بداره الّتي في بني زريق صدقة لا تباع ولا توهب حتّى يرثها الله الّذي يرث السماوات والأرض، وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهي لذي الحاجة من المسلمين» .1
وأمّا الثالثة فهي: ما رواه عجلان بن صالح قال: أملى أبو عبدالله (عليه السلام): «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدّق به فلان بن فلان وهو حيّ سويّ بداره الّتي في بني فلان بحدودها صدقة لاتباع ولا توهب حتّى يرثها وارث السماوات والأرض، وأنّه قد أسكن صدقته هذه فلاناً وعقبه، فإذا انقرضوا فهي على ذي الحاجة من المسلمين» .2
وأمّا الرابعة: فهي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وفيها:«تصدّق موسى بن جعفر بصدقته وهو حي صحيح صدقة حبساً، بتّاً بتلاً مبتوتة لا رجعة فيها ولا ردّ ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، لا يحل لمؤمن أن يبيعها أو يبتاعها ولا يهبها ولا ينحلها ولا يغير شيئاً بها وصفته عليها حتّى يرث الله الأرض ومن عليها» .3
استدلّ الشيخ الأنصاري بهذه الروايات وعلى انّ القيد داخل في نوع الوقف وقال ما هذا حاصله:
1. أنّ الظاهر من الوصف (عدم جواز البيع) أنّها صفة لنوع الصدقة لا لشخصها ويبعد كونه شرطاً خارجاً مأخوذاً في الشخص.
2. ولو كان شرطاً، كان الأنسب تأخير ذكره عن الموقوف عليه الّذي هو ركن العقد.

1 . الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 13، الباب 10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 5.

صفحه 304
3. ولو جاز البيع في بعض الأحيان كما هو المفروض ـ على ما سيأتي ـ كان اشتراط عدمه على الإطلاق فاسداً، بل مفسداً لمخالفته للمشروع من جواز بيعه في بعض الموارد كدفع الفساد بين الموقوف عليهم أو رفعه أو طرؤ الحاجة أو صيرورته مما لا ينتفع به أصلاً.1
أمّا الوجه الأوّل: فلا شك في صحته إذ هو الظاهر من قوله «صدقة لا تباع ولا توهب» أي من هذا النوع، مثل قوله: «جلس جلسة الأمير» أي من نوعه. فالإمام بصدد تطبيق الضابطة على ما وقفه لا أنّه بصدد بيان خصوص المورد الّذي وقفه. وبعبارة أُخرى: قيد لنوع الصدقة، لا لشخصها الذي قام به الإمام.
وأمّا الوجه الثاني فيلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الموقوف عليه في صحيحة أيوب بن عطية ذكر قبل الشرط حيث قال: «في حجيج بيت الله وعابري سبيله، لاتباع»، وتأخّر ذكره عن الشرط في صحيحة ربعي بن عبدالله، ورواية عجلان، وترك ذكره أصلاً في صحيحة ابن الحجاج ربّما يستشّمُ منه أنّه ليس ركناً، وإلاّ لما ترك الإمام ذكره .
وثانياً: أنّ قوله: «لا تباع» جاء بعد تمامية الوقف حيث قال في صحيحة ربعي: «هذا ما تصدّق به علي بن أبي طالب وهو حيّ سويّ، تصدّق بداره الّتي في بني زريق صدقة لا تباع» وهو ظاهر في كونه شرطاً خارجاً عن حقيقة الوقف، كما أفاده السيد الأُستاذ (قدس سره)2 .
وأمّا الوجه الثالث: فنقول في توضيحه ـ وإن كانت عبارة الشيخ غير وافية لما سنذكره ـ :
إنّ هنا فرقاً بين جعل الوصف، وصفاً لنوع الوقف وبين جعله وصفاً للوقف المعيّن (كوقف ينبع)، فعلى الأوّل يكون المتكلّم في مقام بيان الحكم الذاتي

1 . المتاجر: 164 .
2 . كتاب البيع: 3 / 146 .

صفحه 305
للوقف أي الوقف بما هوهو مع قطع النظر عن العوارض والطوارئ فلا ينافي عندئذ جواز بيعه عند طروئها في بعض الأحوال.
وعلى الثاني يكون محط نظر الشارع، الوقف المعين بما هو موجود خارجي عبر الزمان وطول بقائه في عموده، وعندئذ يكون الموضوع لكلا الحكمين المتضادين شيئاً واحداً وهو الوقف المعيّن فيأتي حديث التنافي.
وبعبارة أُخرى: لو كان الوصف (عدم جواز بيعه) نابعاً من حقيقة الوقف وذاته يكون مصبه هو الوقف بما هوهو فلا ينافي جواز بيعه في بعض الأحوال بخلاف ما لو كان الوصف أمراً خارجاً عن حقيقة الوقف ومحمولاً عليه بما هو حكم خارجي يكون الموضوع هو الشخص المعيّن فكيف يحمل حكمين متنافيين؟ فعلى ذلك لو قلنا بأنّ القيد وصف لنوع الحكم، فمعنى ذلك أنّ الشرط نابع من حقيقة الوقف فيتحمل حكمين متضادين لتعدّد الموضوع.
ولو قلنا: إنّه شرط محمول عليه، يكون الموضوع هو الوقف الخارجي فلا يتحمل حكمين متنافيين.
***
ثم إنّ الشيخ (رحمه الله) عدل عن الوجه الثالث بوجوه ثلاثة:
1. أنّ هذا الإطلاق نظير الإطلاق المتقدّم في رواية ابن راشد في انصرافه إلى البيع لا لعذر.
بعبارة أُخرى: أنّه لو كان الإطلاق ناظراً إلى جميع الحالات، لزم من كونه وصفاً للشخص، عدم جواز بيعه، وأمّا لو كان منصرفاً عن الطوارئ والعوارض، فلا تكون ملازمة بين الإطلاق وعدم جواز بيعه، لأجل الانصراف.
2. أنّ الاشكال(لماذا أطلق الإمام ولم يقيده بغير صورة العذر) مشترك بين النظرين، سواء أقلنا إنّه وصف للنوع أو شرط خارجي للموقوف الجزئي المشخص، إذ على كلّ تقدير يلزم تقييد الحكم بغير صورة العذر.

صفحه 306
3. بل يمكن أن يقال بأنّه لو كان شرطاً خارجياً لجاز للإمام أن يترك القيد دونما إذا كان وصفاً للنوع، وذلك لاحتمال علم الإمام بعدم طروء هذه الأُمور المبيحة، فعندئذ يصح أن يستغني بذلك عن التقييد على تقدير كون الصفة شرطاً للمورد، بخلاف ما لو جعل وصفاً للنوع فإنّ العلم بعدم طروء مسوّغات البيع في الشخص لا يغني عن تقييد إطلاق الوصف بالنوع .1
يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّ التقييد لازم على القول برجوع القيد إلى الشخص دون القول برجوعه إلى النوع، لما عرفت من أنّ الإطلاق على الوجه الثاني ناظر إلى الحكم الذاتي للوقف وليس ناظراً إلى الحالات الطارئة حتّى يحتاج إلى التقييد، بخلاف ما لو كان الإطلاق ناظراً إلى الوقف الشخصي فيكشف عن أنّ المتكلم لاحظ الموضوع في إطار ما يعرض له من الأحوال فعندئذ يقع التنافي بين وصفه بعدم البيع والهبة وتجويز بيعه في بعض الأحيان .
وبعبارة واضحة: فرق بين كون عدم البيع نابعاً من صميم ذات الوقف ـ كما هو الحال إذا كان وصفاً للنوع، فيمكن أن يقال بعدم جواز البيع ذاتاً وجوازه عرضاً، وهذا بخلاف ما إذا جعلناه شرطاً خارجاً عن واقع الوقف وأمراً عارضاً له، فيقع التنافي بينه ـ في هذه المرحلة ـ و بين جوازه في نفس تلك المرحلة.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثالث لما عرفت من أنّ الإطلاق إذا كان راجعاً إلى نوع الوقف لا يحتاج إلى التقييد أصلاً كما لا يخفى.
نعم يمكن أنّ هذه خصيصة قسم من الوقف الّذي يقصد به التقرّب إلى الله سبحانه، لا كلّ وقف إذ لا يشترط فيه قصد القربة.

1 . المتاجر: 65 .

صفحه 307

5. بيع الوقف إبطال لحقوق ثلاثة

ثم إنّ الشيخ استدلّ على عدم جواز البيع فإنّ فيه إبطالا لحقوق ثلاثة :
1. حق الله سبحانه حيث إنّ الوقف متعلّق بحق الله حيث يعتبر فيه التقرّب ويكون لله تعالى عمله، وعليه عوضه.
2. حق الواقف حيث جعلها بمقتضى صيغة الوقف صدقة جارية ينتفع بها .
3. حق البطون المتأخّرة عن بطن البائع السابق .1
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّه يختصّ بقسم خاص من الوقف وهو الصدقة، حيث يعتبر فيه قصد القربة ولا يعم سائر أقسامه.
أضف إلى ذلك: أنّه يتم في مثل المساجد الّتي يعبد الله سبحانه فيها فإنّ في بيعها إبطال للعبادة فيها فيكون إبطالاً لحقّه سبحانه، لا في غيره كانتفاع الفقراء والمساكين بالدار والبستان فليس في بيعهما إبطال لحقّه تعالى. وإن أبيت فيختصّ بما قصد به وجه الله والتقرّب إليه فقط ولا يعم غيره .
وأمّا حق الواقف فالظاهر صحّته، لأنّه وقف لينتفع به في الدنيا والآخرة ما دام الموقوف موجوداً، فبيعه إبطال لحقّه ومقصده. وليس المراد كون العين متعلّقة بحق الواقف حتّى يقال: إنّ العين تخرج عن ملكه بالوقف، فلا موضوع للحق. 2 بل المراد، الغرض الداعي له إلى الوقف وهو الانتفاع مادامت العين باقية.
وأمّا حق البطون اللاحقة ففي كون البيع إبطالاً لحقوقهم تأمّل، إذ المفروض أنّهم غير موجودين فكيف يقال بأنّهم ذووا حقوق فعليه حتّى ولو كان الوقف بصورة القضايا الحقيقية، لأنّ المصداق ما لم يكن موجوداً، لا يشمله الدليل فعلاً.

1 . المتاجر: 164 .
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 360.

صفحه 308
إلاّ أن يقال: ما ذكرته مناقشة علمية له والعرف يتلقّى بيع الوقف إبطالاً لحقوق عامة البطون اللاحقة وكفى ذلك في المنع. كما يتلقّى التصرف في الثروات العامة كالمعادن وغيرها على وجه غير صحيح خيانة للشعب على وجه الإطلاق موجوداً كان أو غيره .
***

السابع: في آراء الفقهاء في بيع الوقف

اختلفت كلمة الفقهاء في جواز بيع الوقف ومسوّغاته، وقد تتبّع شيخنا الأنصاري كلماتهم تتبّعاً رائعاً، ونحن نذكر ملخّص آرائهم وفق ما نقل الشيخ عنهم مع ذكر المصادر.

الأوّل: المنع عن بيع الوقف

يظهر من الحليّ في «السرائر» أنّه لا يجوز بيع الوقف، قال: والّذي يقتضيه مذهبنا أنّه بعد وقفه وتقبيضه لا يجوز الرجوع فيه ولا تغييره عن وجوهه وسبله ولا بيعه، سواء كان بيعه أدر عليهم أم لا، وسواء خرب الوقف أو لا.1
وحُكي هذا القول عن الإسكافي 2، وفخر الإسلام 3.

1 . السرائر: 3 / 153 .
2 . المختلف: 6 / 287 .
3 . مقابس الأنوار: 140 .

صفحه 309

الثاني: جواز البيع في المنقطع

قد مرّ أن الوقف على قسمين: مؤبّد ومنقطع، فذهب بعض الفقهاء إلى التفصيل بين المؤبّد والمنقطع، فقال بجواز البيع في الثاني في الجملة. وهو خيرة القاضي ابن البراج قال: إذا كان الشيء وقفاً على قوم ومن بعدهم على غيرهم وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غير ذلك إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومَن عليها، لم يجز بيعه على وجه من الوجوه; فإن كان وقفاً على قوم مخصوصين وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم ـ عند انقراضهم ـ وحصل الخوف من هلاكه أو فساده أو كان لأربابه حاجة ضرورية يكون بيعه أصلح لهم من بقائه عليهم أو يخاف من وقوع خلف بينهم يؤدي إلى فساده، فإنّه حينئذ يجوز بيعه وصرف ثمنه في مصالحهم حسب استحقاقهم .1
وحُكي هذا التفصيل عن الصدوق والحلبي في كافيه، ولكنّ العبارة المحكية في «المتاجر» 2 عنهما لا توافق هذه النسبة.

الثالث: جواز البيع في المؤبّد

ذهب الشيخ في «النهاية» وسلاّر في «مراسمه» 3 إلى جواز بيعه ـ عند وجود المسوّغ ـ في المؤبّد، وأمّا المنقطع فلم يذكرا فيه شيئاً.
قال الشيخ: ولا يجوز بيع الوقف ولا هبته ولا الصدقة به إلاّ أن يُخاف على الوقف هلاكه أو فساده، أو كان بأرباب الوقف حاجة ضرورية كان معها بيع الوقف أصلح لهم وأدرَّ (أردّ) عليهم أو يخاف وقوع خلاف بينهم فيؤدّي ذلك إلى وقوع فساد بينهم، فحينئذ يجوز بيعه وصرف ثمنه فيهم على ما يستحقونه

1 . المهذب: 2 / 92 .
2 . المتاجر: 165 .
3 . المراسم: 197 .

صفحه 310
من الوقف، ولا يجوز بيع الوقف مع عدم شيء من ذلك .1

الرابع: التفصيل بين فك الملك وتمليكه

قسّم الشيخ الأنصاري الوقف المؤبّد على قسمين:
الأوّل: ما يكون ملكاً للموقوف عليهم فيملكون منفعته فلهم استئجاره وأخذ أُجرته ممّن انتفع به.
الثاني: ما لا يكون ملكاً لأحد، بل يكون فك ملك نظير التحرير كما في المساجد والمدارس والربط، بناءً على القول بعدم دخولها في ملك المسلمين، فإنّ الموقوف عليهم إنّما يملكون الانتفاع دون المنفعة، فلو سكنه أحد بغير حق فالظاهر أنّه ليس عليه أُجرة المثل. فكلامهم هنا فيما كان ملكاً غير طلق(في القسم الأوّل) لا فيما لم يكن ملكاً، وحينئذ فلو خرب المسجد وخربت القرية وانقطعت المارة عن الطريق الّذي فيه المسجد لم يجز بيعه وصرف ثمنه في إحداث مسجد آخر أو تعميره.
وحاصل كلام الشيخ: أنّ الغاية من الوقف إذا كانت هي الانتفاع لا تملّك المنفعة، فهذا لا يجوز بيعه لعدم وجود المالك للوقف، وهذا كالمساجد والمشاهد المشرفة والمقابر والخانات والمدارس والقناطر الموقوفة على الطريقة المعروفة والكتب الموقوفة على المشتغلين والأشجار الموقوفة لانتفاع المارة والبواري الموضوعة لصلاة المصلين وغير ذلك، ممّا قُصد بوقفه الانتفاع العام لجميع الناس أو للمسلمين ونحوهم من غير المحصورين لا لتحصيل المنافع بالإجارة ونحوها وصرفها في مصارفها كما في الحمامات والدكاكين ونحوها، وذلك لأنّ جميع ذلك صار بالوقف كالمباحات بالأصل اللازم إبقاؤها

1 . النهاية: 599 ـ 600 .

صفحه 311
على الإباحة كالطرق العامّة والأسواق.1
ثم إنّ المحقّق النائيني (قدس سره)وافق الشيخ الأنصاري وذكر أنّ موضوع البحث هو الوقف الخاص (ويظهر وجه تخصيصه البحث بالوقف الخاص من تقسيمه الآتي) وقسم الوقف إلى أقسام خمسة، ومنع البيع في القسمين الأوّلين لكون الوقف فيهما ; إمّا تحرير وفك ملك كما في المسجد أو أنّ الموقوف عليهم يملكون الانتفاع لا المنفعة، وجوّز البيع في الأقسام الثلاثة الباقية، وإليك نص كلامه:
الأوّل: وقف المشاعر كالمسجد والمشهد ولا يبعد إلحاق الحسينية بهما، وهذا هو الّذي يقال له تحرير وفك ملك، أي إبطال للملكية وليس تمليكاً للمسلمين فهو بمنزلة عتق العبد.
الثاني: ما يلحق بالأوّل، كوقف الخانات والقناطر وما يشبه ذلك ممّا يوقف لانتفاع كلّ من سبق إليه، فإنّه أيضاً تحرير.
الثالث: ما كان وقفاً على الجهة2 كالوقف على العلماء وطلاب المدارس والزوّار، وهذا وإن لم يكن تحريراً أو إدخالاً له في المباحات، بل تمليك للجهة فلو غصبه غاصب يحكم بضمانه دون الأوّلين.
الرابع: ما كان وقفاً خاصاً كالوقف على الذرية، في مقابل القسم الثالث الّذي يطلق عليه الوقف العام أيضاً .
الخامس: الوقف على الموقوفات كالحصير على المسجد، أو الفرش على المدارس. والفرق بينه وبين القسم الثالث أنّه في القسم الثالث يملك الموقوف عليه المنفعة، وأمّا في هذا فمجرد إباحة الانتفاع .
ثم قال: إنّ مقتضى الأصل عدم جواز بيع القسم الأوّل والثاني لخروجهما

1 . المتاجر: 165 .
2 . الأولى أن يقول: «على العنوان»، لأنّ ما ذكره في القسم الثاني وقف للجهة كالسكنى في الخانات.

صفحه 312
عن الملكية، وتلف ماليتهما شرعاً، وجواز البيع في القسم الثالث لأنّه تمليك للجهة، والقسم الرابع لأنّه تمليك لأشخاص خاصّة، فإذا توقّف انتفاع الجهة أو الأشخاص على تبديله فلا مانع منه فيكون ثمنه وقفاً بعد بيعه، وإذا اشترى به شيئاً صار وقفاً من دون توقف على إجراء صيغة الوقف .
وأمّا القسم الخامس فقد قال بجواز البيع فيه إذا لم يمكن الانتفاع به، لأنّ الواقف وإن أوقف عين الرقبات ولكن حيث إنّها ممّا تزول خصوصياتها الشخصية فكأنّه وقفها بمراتبها وتعلّق نظره أوّلاً بشخصيتها ثم بماليتها، فإذا لم يمكـن الانتفـاع بشخصيتهـا الخاصـة فيتعلّـق بماليتها، فللحاكم أو المتولي تبديلها ويصير بدلها وقفاً. كما تقدّم نظيـر ذلك في باب اليـد فإنّ العين المضمونة ما دامت موجودة يجب ردّها بشخصها وإذا تلفت أو حيل بينها وبين مالكها تُرد ماليتها .1
يلاحظ على مجموع ما ذكره الشيخ والمحقّق النائيني:
أوّلاً: نفترض أنّ المساجد والمشاهد والحسينيات وكذا الخانات والقناطر من مقولة التحرير وفك الملك، لكنّها في حدّ ذاتها أموال يُبذل بإزائها الثمن، والبيع رابطة بين المالين لا بين المالكين، فلماذا لا يجوز بيعها لتحقيق غرض الواقف من استمرار الثمرة واستدامتها، إذا توقّف الغرض عليه والتفكيك بين الملكية والمالية فيها ليس أمراً بديعاً إذ له نظائر في الفقه، كما في بيع الكلي في الذمّة فإنّه مال باعتبار إضافته إلى الذمة وليس بملك وبيع الزكاة إذا كانت مصلحة في بيعها وأداء ثمنها إلى أصحابها فإنّها أموال ولا مالك شخصي لها.
ثانياً: أنّ المسجد والخان من العناوين الدينية والاجتماعية لهما صلاحية تملّك الرقبة كصلاحيتهما لتملّك ما يتعلّق بهما من أثاث ووسائل، وعندئذ يضرب الكل بسهم واحد فالمالك في الأقسام الخمسة هو الجهة والعنوان حتّى

1 . منية الطالب: 1 / 348 .

صفحه 313
ما كان وقفاً على العلماء وطلاب المدارس، أو الوقف على الذرية والوقف على الموقوف كالحصير على المسجد.
ثالثاً: أنّ الصيغة الواحدة ـ أعني: قول الواقف: وقفت لله ـ له معنى واحد ومضمون فارد، فكيف تكون نتيجته تحريراً وفك ملك مرة، وتمليكاً للجهة مرة أُخرى.
وبذلك يُعلم أنّه لا فرق بين الحصير الّذي يشتريه الرجل ويضعه في المسجد والثوب الّذي تلبس به الكعبة، فإنّ الجميع وقف للجهة والعنوان، وعلى كل تقدير فالجميع من مقولة التمليك.
رابعاً: أنّه لا فرق بين تملّك الانتفاع كما في القسمين الأوّلين، وتملّك المنفعة كما في القسمين الثالث والرابع، فلو كان تملّك المنفعة مسوغاً للبيع فهكذا تملّك الانتفاع أيضاً يكون مسوغاً له إذا وصل الموقوف إلى حدّ لا يمكن الانتفاع به إلاّ ببيعه وتبديله.
خامساً: لا فرق بين الوقف الخاص والوقف العام، فلا وجه لتخصيص النزاع بالأوّل دون الثاني، إذا وجد مسوّغ للبيع، فإنّ إبقاء الغرض والغاية من الوقف هو إبقاء المالية بعد امتناع إبقاء الشخصية، فلا فرق بين الوقف العام والخاص في حفظ غرض الواقف.
وحصيلة الكلام: أنّي لا أرى فرقاً بين جميع الأقسام في جواز البيع عند وجود المسوّغ إذا توقّف حفظ الغرض على التبديل.
إذا عرفت هذا فلندخل في بيان المسوّغات، فقد ذكروا لها صوراً.

صفحه 314

مسوّغات بيع الوقف

الصورة الأُولى: فيما لو خرب الوقف بحيث لا ينتفع به

إذا خرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع أصلاً به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير الخلق. خلافاً للصورتين الآتيتين من صور طروء الخراب على العين حيث لا تخرج العين فيهما عن الانتفاع لكنّه إمّا لا يعتدّ به ـ كما في الصورة الثانية ـ أو تقل منفعته ـ كما في الثالثة ـ ثم المراد من بيعه، هو تبديله بعين آخر ينتفع به البطن الحاضر واللاحق، لا بيعه وتقسيم ثمنه بين الحاضرين .
إذا علمت هذا فاعلم أنّ الشيخ استدلّ على جواز البيع بما يلي: الأقوى جواز بيعه وفاقاً لمن عرفت ممّن تقدّم نقل كلماتهم . لعدم جريان أدلّة المنع.
أمّا الإجماع فواضح، وأمّا قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملك» 1، فلانصرافه إلى غير هذه الحالة (بشهادة وجود الغلة)، وأمّا قوله (عليه السلام): «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها» 2 فلا يدل على المنع ، لأنّه مسوق لبيان وجوب مراعاة الكيفية في إنشاء الوقوف وليس منها عدم بيعها... إلى أن قال: والحاصل أنّ الأمر دائر بين تعطيله حتّى يتلف بنفسه وبين انتفاع البطن الموجود به بالإتلاف، وبين تبديله بما يبقى وينتفع به الكل.
والأوّل تضييع مناف لحق الله وحق الواقف وحق الموقوف عليه، وبه يندفع

1 . الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 2 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1 و 2 .

صفحه 315
استصحاب المنع.
وأمّا الثاني فمع منافاته لحق سائر البطون، يستلزم جواز بيع البطن الأوّل، إذ لا فرق بين إتلافه ونقله.
والثالث هو المطلوب .1
أقول: إنّ دليل الشيخ على الجواز مؤلّف من أمرين:
1. عدم المانع من جواز البيع.
2. وجود المقتضي له .
ثمّ إنّه(قدس سره): أشار إلى أنّ المانع المتصوّر في المقام أحد أُمور:
أ. الإجماع.
ب. عدم جواز شراء الوقف .
ج. قولهم: الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها.
والأوّل، أعني:الإجماع ليس بمانع، لأنّه دليل لبّي فاقد للإطلاق ولا يشمل مورد عدم الانتفاع بالوقف، والثاني منصرف إلى الحالة الّتي ينتفع فيها بالوقف، والثالث ناظر إلى وجوب مراعاة الكيفية في إنشاء الوقف، وليس البيع من الكيفيات.
هذا كلّه حول عدم المانع، وبما أنّ عدم المانع لا يثبت جواز البيع، حاول الشيخ أن يبيّن المقتضي لجواز البيع فأشار إليه بقوله: إنّ الأمر دائر بين تعطيله الخ.2
فإن قلت: إنّ الوقف كان ممنوع البيع والأصل بقاؤه على ما كان عليه .
قلت: إنّ منع البيع كان في ضمن الانتفاع بالعين الموقوفة وهو مرتفع والشك في بقاء المنع في ضمن فرد آخر، وهو إذا كان مسلوب الفائدة، ومن

1 . المتاجر: 168 .
2 . المتاجر: 168 .

صفحه 316
المعلوم أنّه لا يجري الاستصحاب فيه، لأنّه أشبه باستصحاب الكلّي على نحو القسم الثالث المقرر في محلّه.

تقريب ثان لجواز البيع

إنّ حقيقة الوقف هي تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، فكأنّ وجود الثمرة هي العلّة لبقاء الأصل وحبسه، فإذا امتنع التسبيل والانتفاع لعدم الثمرة، فلايكون لبقاء الأصل سبب. فيدور إبقاء الأصل وعدمه مدار إمكان تسبيل الثمرة وعدمه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الأحكام تتضيّق أو تتّسع بضيق غاياتها وسعتها، فهي وان كانت متأخّرة وجوداً ولكنّها متقدّمة تصوراً فإذا كان الداعي لإنشاء حبس العين، هو تثميرها ودرّها، فالحكم ببقاء المنشأ، أعني: حبس العين، مع عدم الغاية، يكون أمراً جزافياً، وهذا ما يطلق عليه اليوم في ألسن الأُصولين بمقاصد الشريعة وأهدافها، وفي المقام مقاصد الواقف وأهدافه.
وإن شئت فعبّر عن هذا بتعدد المطلوب .
فإن قلت: ما ذكرته يثبت جواز البيع وانّ تحبيس العين أمر غير لازم، إلاّ أنّ الكلام في وجوب البيع .
قلت: إذا كانت الغاية هي تسبيل الثمرة وفرص إمكان تحقّقه بالتبديل والتعويض، يكون البيع لازماً، لا مباحاً إبقاءً للانتفاع الواجب من غير فرق بين الأصل والبدل .

تقريب ثالث للمحقّق الاصفهاني

وما ذكرناه من التقريب أظهر من التقريب الثالث الّذي أفاده المحقّق الاصفهاني ولخّصه السيد الأُستاذ (قدس سره)في كتابه قال: إنّ الوقف يتضمّن حبس العين وتسبيل المنفعة، والثاني موسّع لدائرة الموقوفة: بمعنى أنّ العين بشخصها، محبوسة ما دام إلى الانتفاع بها سبيل، وبما هي مال، محبوسة إذا لم

صفحه 317
يمكن الانتفاع بها مع بقائها بشخصها.
فالعين وإن سقطت عن الوقفيّة بنفسها وبشخصها، لكنّها بما هي مال، محبوسة، والانتفاع بها بما هي مال، يتوقّف على تبديلها، وحفظ الماليّة الموقوفة في ضمن البدل.1
وحاصله: أنّ الساقط عن الوقفيّة،هو العين، وأمّا المالية، فهي غير ساقطة بل باقية عليهما ولو في ضمن عين أُخرى.
أقول: ما ذكره (قدس سره)إن رجع إلى ما ذكرناه ـ كما يظهر من قوله:والثاني (التسبيل) موسع لدائرة الموقوفة، ومن ذيل كلامه الّذي تركنا نقله ـ فهو، وإلاّ فيشكل ما ذكره، وذلك لأنّ هنا انشاءً واحداً متعلّقاً بالعين الشخصية بما لها مالية: فإذا صارت العين، غير مثمرة، وامتنع التسبيل بطلت وقفية العين.
والقول ببقاء ماليّتها على الوقفية وانتقالها إلى البدل عند تعذر تسبيل العين يحتاج إلى إنشاء جديد لم يصدر من المالك.
ومن ذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده المحقّق الخراساني أيضاً حيث قال: وذلك لأنّه وإن أخذ في حقيقة الوقف بقاء العين الموقوفة إلاّ أنّه فيما إذا لم يؤد إلى انعدامها أصلاً وأمّا فيما يؤدّي إليه فإن كان البقاء ممّا لابدّ منه في الوقف فلا محيص عن أن يكون بماليتها لا بنفسها كما لا يخفى غاية الأمر لابدّ من بقائها بنفسها ما دام يمكن ولا يؤدي إلى التلف، و]ومن بقائها[بماليتها وبدلها فيما يؤدي.2
لما عرفت من أنّ هنا إنشاءً واحداً تعلّق بأمر واحد وصيرورة المالية وقفاً، يحتاج إلى إنشاء جديد مفروض عدمه. والأَولى الاستدلال بما ذكرنا.

1 . كتاب البيع: 3 / 187 ـ 188 .
2 . تعليقة المحقّق الخراساني: 61، الطبعة الأُولى.

صفحه 318

تقريب رابع:

إنّ العبارة المقترنة بكلمة الواقف «حتّى يرث الله الأرض ومن فيها»، مع كون العين الموقوفة ممّا لا بقاء لها إلى الأبد قطعاً، تدلّ على أنّ الخصوصية غير دخيلة في العين الموقوفة وانّ الملحوظ فيها إنّما هو طبيعي المالية في ضمن أي شخص كان فما دام يمكن الانتفاع بعينها فبها، وإلاّ فيُبدّل بعين أُخرى من جنسها أو من غير جنسها فينتفع بها، فلو وقف ما لا دوام فيه حتّى يرث الله الأرض ومَن عليها، فلابد وأن يكون نظر الواقف إلى طبيعي المال، وإلاّ فلا معنى لتذييل كلامه بهذه العبارة .1
يلاحظ عليه: بأنّه يصح لو كان لفظ الواقف مقروناً بهذه الجملة، وإلاّ فلا يمكن التعدّي إلى غير المقترن. والأولى من هذه الوجوه ما ذكرناه.
***

فروع عشرة

إنّ الشيخ الأنصاري تعرض لفروع عشرة ذيّل بها الصورة الأُولى من صور جواز بيع الوقف ونحن نقتفيه:

1. عدم اختصاص الثمن بالبطن الموجود

إذا باع الموقوف بثمن فحكم الثمن حكم المبدل فلا يختصّ بالبطن الموجود، وإلى ذلك يشير الشيخ بقوله: فإنّ المبيع إذا كان ملكاً للموجودين بالفعل وللمعدومين بالقوة كان الثمن كذلك. فكما أنّ الموجود مالك له فعلاً ما دام موجوداً بتمليك الواقف، فكذلك المعدوم مالك له شأناً بمقتضى تمليك الواقف، وعدم تعقل الملك للمعدوم إنّما هو في الملك الفعلي لا الشأني.

1 . مصباح الفقاهة: 3 / 384 .

صفحه 319
يلاحظ عليه: أنّ الملكية علقة اعتبارية بين المالك والمملوك، واعتبار العلقة بين المعدوم والموجود، أمر غير معقول، لا يحوم حوله العقلاء .
وقد مرّ أنّ ملاك شمول الوقف للبطن المتأخّر، كون المالك هو العنوان المنطبق على الموجود فعلاً و الموجود عبر الزمان لا أنّ المعدوم مالك بالقوة، كما هو ظاهر كلام الشيخ.
والأَولى أن يقال: إنّ السبب لتبديل العين، بعين أُخرى هو تحقيق غرض الواقف ومقصده، وهذا بنفسه يقتضي عدم اختصاص العين بالبطن الموجود وشموله للبطون التالية على النحو المذكور.

2. عدم الحاجة إلى إجراء صيغة الوقف في البدل

قال الشهيد الثاني في «المسالك»: وهل يصير وقفاً بمجرد الشراء، أو يفتقر إلى الصيغة؟ كل محتمل، لأنّه بالشراء يصير بدلاً عن العين كالرهن، وعلى الثاني يباشره مَنْ يباشر الشراء .1
وعلّله الشهيد في «غاية المراد» بقوله: لأنّه صار مملوكاً على حد الملك الأوّل، إذ يستحيل أن يملك لا على حدّه .2
وإن شئت قلت: إنّ البدل يخلف مكان المبدل في عامة الشؤون وبما أنّ المبدل وقف، يصير البدل وقفاً بلا حاجة إلى إجراء الصيغة.
وإن شئت قلت: إنّه لو لم يكن وقفاً فإمّا أن يرجع إلى ملك الواقف، أو إلى ملك الموقوف عليهم ولا ملزم لجعله وقفاً ثانياً، مع أنّهم يقولون بأنّه وقف مطلقاً.
نعم لو قلنا بمقالة صاحب الجواهر من أنّ مجرد جواز البيع، يخرج العين

1 . مسالك الأفهام: 5 / 386 .
2 . غاية المراد: 143 .

صفحه 320
عن الوقف. 1 لما صار وقفاً بمجرد الشراء، لأن المخلوف عنه زال عنه وصف الوقفية، بمجرد جواز بيعه، فكيف يتلوّن الخلف بلونه؟!
وأمّا لو قلنا بأنّ الوقف يبطل بالبيع، لا بجوازه فهل يصير بالشراء بدلا، أو لا؟ والأقوى هو الأوّل، لما عرفت من أنّه يخلف مكان المبدل في عامة الشؤون، لكن ظاهر سيدنا الأُستاذ هو الثاني وقال: فالظاهر عدم كون البدلية مقتضية لصيرورة البدل وقفاً، فإنّ المبدل على ذلك هو العين المنفكّة عنها الوقفية فالمبدل نفس العين لا العين الموقوفة، ومقتضي البدلية هوانتقال العوض بلا وقف .2
يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّ البدلية متأخّرة عن البيع وأنّه يتم البيع ثم يأتي حديث البدلية، ولذا قال: «فالمبدل هو العين المنفكّة عنها الوقفية...» والظاهر تحقّقهما معاً، لأنّ البيع مبادلة مال بمال فما لم يتم العقد، فالمبيع على وصف الوقفية، ولا تنفك عن العين وإنّما يزول عنه ذلك الوصف إذا تم العقد، وإلاّ فالعين على ما هي عليه من الوقفية، وإذا تم العقد، تحقّق البيع والبدلية معاً .
نعم الأحوط إجراء صيغة الوقف على البدل أيضاً .

3. جواز التصرف في البدل لعذر أو لمصلحة

هل يجوز للمتولّي أو الناظر أو الحاكم أن يتصرف في البدل حسَب مصلحة جميع البطون ولو بالإبدال بعين أُخرى، أصلح لهم ؟
الظاهر من الشيخ هو الجواز، بل ربّما قد يجب إذا كان تركه يُعدّ تضييعاً للحقوق، وليس مثل الأصل ممنوعاً عن بيعه إلاّ لعذر، لأنّ ذلك من أحكام الوقف الابتدائي وبدل الوقف إنّما هو بدل له في كونه ملكاً للبطون لا في جميع

1 . الجواهر: 22 / 358 .
2 . كتاب البيع: 3 / 210 .

صفحه 321
الأحكام.1
أقول: يقع الكلام في موضعين :
1. إذا باعَ الوقف بالنقد سواء كان الثمن درهما أو ديناراً، أو كان عملة رائجة، بما أن الموقوف عليه لا ينتفع بها إلاّ قليلاً كالزينة للنساء فهذا ما لا شك في جواز تبديله. وأمّا وجوب تبديله إلى المماثل وعدمه فسيوافيك في الأمر الرابع.
2. إذا تم البيع لا بالنقد، بل بالأعيان واقتضت المصلحة تبديل البدل إلى بدل ثالث.
لأنّ البدلية تقتضي أن يكون البدل مثل المبدل في عامة الشؤون لا في بعضها، فما لم يكن هناك مسوّغ لبيع البدل لا يجوز بيعه. وتخصيص المنع بالوقف الابتدائي مورد تأمّل.
والعجب ممّا أفاده المحقّق الخوئي حيث قال: لو رأى المتولّي مصلحة في البيع فيجوز له بيعه أي البدل تم تبديله بفرد آخر وإن لم يعرضه المسوّغ فإنّه بدل لما يجوز بيعه، فلو لم يجز بيع البدل لزم كون الفرع زائد على الأصل.2والحاصل: أنّ في البدل خصوصية لا يحتاج فيها إلى عروض المجوّز.3
يلاحظ عليه: أنّه بدل لما يجوز بيعه عند الضرورة والسقوط عن الانتفاع فيكون العدل أيضاً محكوماً بحكم المبدل فلا يجوز بيعه عند المصلحة وبالتالي لاتلزم زيادة الفرع على الأصل، بل هو مطابق للأصل تماماً. أضف إلى ذلك: أنّه اختار أنّ البدل يصير وقفاً بلا حاجة إلى إنشاء الصيغة الجديدة، ولازم ذلك أن يكون البدل كالمبدل في كل الأحكام فلا يجوز بيعه إلاّ لعذر وضرورة مثل المبدَلْ، ولكنّه(قدس سره)يقول بإنّ البدلَ مثل المبدل في كل الأحكام فلا يجوز إعدامه

1 . المتاجر: 168ـ169 .
2 . مصباح الفقاهة:3/389.
3 . مصباح الفقاهة:3/390.

صفحه 322
ولا هبته ولا جعله مهراً للزوجة إلاّ في جواز البيع مطلقاً.1 فما وجه هذا الاستثناء؟

4. وجوب شراء المماثل للموقوف وعدمه

هل يجب شراء المماثل للموقوف أو لا؟
ذهب الشيخ إلى عدم وجوبه وفاقاً لجمع من الفقهاء، خلافاً لجماعة حيث أوجبوا المماثلة مع الإمكان لكون المثل أقرب إلى مقصود الواقف.
أقول: استدلّ القائل على وجوب حفظ المماثلة بأنّ للعين حالات ثلاثة:
1. العين بخصوصياتها الشخصية.
2. العين بخصوصياتها النوعية.
3. العين بخصوصياتها المالية.
فإذا انتفت الحالة الأُولى تبقى الحالتان الأُخريان.
واستدلّ الشيخ على عدم وجوب شراء المماثل بعدم انضباط غرض الواقف، إذ قد يتعلّق غرضه بكون الموقوف عيناً خاصّة، وقد يتعلّق بكون منفعة الوقف مقداراً معيّناً من دون تعلّق غرض بالعين، وقد يكون الغرض خصوص الانتفاع بثمرته كما لو وقف بُستاناً لينتفعوا بثمرته فبيع فدار الأمر بين أن يُشترى بثمنه بُستان في موضع لا يصل إليهم إلاّ قيمة الثمرة وبين أن يُشترى ملك آخر يصل إليهم أجرة منفعته، فإنّ الأوّل وإن كان مماثلاً إلاّ أنّه ليس أقرب إلى غرض الواقف.2
أقول: هل الميزان ملاحظة الأصلح والأنفع لحال الموقوف عليهم، أو اللازم ملاحظة الأوفق إلى مقصود الواقف؟ الظاهر هو مراعاة الثاني. فإذاً يدور الأمر

1 . مصباح الفقاهة:3/389.
2 . المتاجر: 169،ولكلامه صلة فلاحظ.

صفحه 323
في الجواز وعدمه مدار تحقّق مقصود الواقف.
فلو فرضنا أنّه وقف المدرسة للدارسة والسكن ليستغني الطلاب عن إجارة المنازل للدراسة والسكن، وافترضنا أنّه خربت هذه المدرسة على وجه صارت معطلة لا يستفاد منها، فبيعت العرصة أو الجذوع وغيرها فاللازم شراء مركز دراسيّ وسكني لتحقيق مقاصد الواقف. ولو افترضنا أنّ المتولّي اشترى فندقاً أكثر نفعاً بالنسبة إلى حال الموقوف عليهم فقد أخلّ بمقاصد الواقف، والمفروض أنّ المنشأ هو مقاصد الواقف حيث قال: وقفت هذه المدرسة للدراسة والسكنى.
نعم لو كان غرض الواقف هو إعانة الموقوف عليهم بما تدرّ عليهم العين من دون نظر إلى نوع المنفعة فلا يجب فيه حفظ المماثلة، لأنّ الغرض تقديم إمكانيات للموقوف عليهم حتّى يعيشوا بها، والمفروض أنّ غير المماثل أكثر نفعاً من الأصل.
ولعلّ هذا هو مقصود الشيخ.
والضابطة هي إن كان الوقف وقف منفعة مطلقة بلا قيد، فيُشترى ما هو أنفع بحال الموقوف عليهم، سواء أكان البدل مماثلاً للأصل أم لا، فإنّ الغرض تعلّق بدرّ المنفعة، من دون خصوصية للسبب.
وأمّا إن كان الوقف وقف الانتفاع بالموقوف ـ كالسكن في المدرسة ـ فلابد من اشتراء ما يؤمّن تلك الغاية، فإنّ غرض الواقف هو سكن الطلاب أو الزوّار في المدرسة أو الدار، فلا يصح تبديلها بمحل تجاري أكثر درّاً على الطلاب والزوّار.

صفحه 324

5. مَن هو المتولي للبيع؟

إذا افترضنا أنّه وجد المسوغ لبيع الموقوف، يقع الكلام في المتصدي لذلك.
فهناك احتمالات:
أ. المتولّي للبيع هو البطن الموجود بضميمة الحاكم القيّم من قبل سائر البطون.
ب. أن يكون المتصدّي هو الناظر للوقف، لأنّه هو المنصوب لمعظم الأُمور الراجعة إلى الوقف.
ج. أنّه من الأُمور الحسبية الّتي لم يُعيّن في الشرع القائم بها فيتصدّى لها الحاكم الشرعي، أو وكيله أو نائبه .
أقول: يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في الأوقاف العامّة.
الثاني: في الأوقاف الخاصة.
أمّا الأُولى فله صور:
1. إذا عيّن الواقف متولّي البيع عند وجود المسوّغ فعلى المتولي القيام بذلك، فلاشك أنّ المتولّي هو المتصدّي لذلك، وذلك لأنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، وقد وقفها الواقف على هذا النحو.
2. إذا لم يتعرض الواقف لمتولّي البيع عند وجود المسوغ، فهل المتصدي لذلك هو المتولي أو الحاكم الشرعي؟
والثاني خيرة سيدنا الأُستاذ، قال: إنّ الأوقاف العامة من المصالح العامة للمسلمين أو لطائفة منهم، وحفظ مصالحهم من وظائف الوالي، فكما أنّه لو لم يكن لها متول تكون ولاية حفظها وحفظ منافعها وصرفها في المصالح من وظائفه كذلك حفظها عند الخراب بتبديلها وشراء بدلها وإيصاله عيناً أو منفعة

صفحه 325
إلى الموقوف عليهم من وظائفه، لأنّ ذلك من أوضح شؤون الوالي والحاكم.1
أقول: المتيقّن من أدلّة ولاية الفقيه أنّه يتولّى فعل ما لم يكن له مسؤول خاص به، بل كان فعلاً يجب القيام به ولكن ليس في الشرع ولا في العرف إشارة إلى من يقوم بذلك.
وأمّا إذا كان هناك مسؤول شرعي أو عرفي فلا يصل الدور إلى ولاية الفقيه، ومنه المقام فإنّ الغاية من تعيين المتولي هو حفظ الوقف وصيانته من الضياع وإبقاؤه، مهما أمكن، فإذا كان الغرض من نصب المتولي هو هذا فله مسؤول معيّن عرفاً وشرعاً.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ أشكل على اختيار الواقف بجعل هذه المسؤولية على عاتق المتولي حيث قال: المقتضي قاصر واختيار الواقف محدود بحد ما وقف عند جعله .2
أقول: لم يظهر لي وجه قصور المقتضي بعد كون الناس مسلطون على أموالهم، وبعد قوله: الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، وبعد هذين الأمرين فكيف يكون المقتضي قاصراً؟
وليس الوقف من الأُمور العبادية التوقيفية، بل هو من الأُمور العرفية فللواقف أن يعيّن من بدء الأمر مَن يتصدى لحماية الوقف وصيانته من الضياع، اللّهم إلاّإذا كانت وثيقة الوقف قاصرة الدلالة على ثبوت تلك المسؤولية للمتولي، أو لم يكن هناك متول للوقف فعندئذ يتصدى له الحاكم، كما سيوافيك تالياً.
3. إذا لم يكن للوقف متول ولا ناظر واحتاج إلى البيع فهل يكون أمر الوقف بيد الموقوف عليهم، أو بيد الحاكم؟ الظاهر الثاني، لأنّه ولي الأجيال الآتية، ومع

1 . كتاب البيع: 3 / 216 .
2 . كتاب البيع: 3 / 216 .

صفحه 326
ذلك الأولى الجمع بين حق الموجودين والأجيال الآتية. بصدور الحاكم عن رضى الموجودين.

تقريب آخر لكون المتصدّي هو الحاكم

نقل المحقّق الاصفهاني وجهاً آخر على أنّ المتصدي للبيع هو الحاكم من غير فرق بين الأوقاف العامة أو الخاصة.
أمّا الأُولى فلأنّ ما لله ـ كالوقف ـ فهو لنبيه أو لوليه وفي غيبته لنائبه، أعني: الفقهاء. وأمّا الثانية فلولايته على المعدومين.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ ما لله فهو لنبيّه أو وليه راجع إلى سهم الله سبحانه من الخمس فقد ورد فيه «فالذي لله فلرسول الله»1 ولا صلة لهذا الحديث بباب الوقف.
وثانياً: أنّ الوقف ليس ملكاً لله بالملكية الاعتبارية، بل هو إمّا ملك للعنوان كما هو المختار، أو ملك للموقوف عليه كما عليه الآخرون، أو تحرير كما هو الحال في المسجد عند بعضهم، وليس هناك شيء من الوقف ملك لله سبحانه حتى ينتقل إلى نبيّه ومنه إلى نائبه. وقوله:«وقف لله» لا يعني أنّه ملك لله سبحانه، بل يعني أنّ الوقف لأجله سبحانه وبنية التقرب إليه. هذا كلّه في الأوقاف العامّة.
وأمّا الأوقاف الخاصة فالكلام فيها نفس الكلام في الأوقاف العامة، فلا حاجة للتفصيل فيها.
وممّا ذكرنا في الأمر الثاني من عدم الحاجة في وقفية البدل إلى إجراء صيغة جديدة يظهر أنّ البدل بعد البيع يصير وقفاً، ولو قلنا بحاجته للصيغة ولجعله وقفاً فالواقف هو المتولي في الصورتين الأُوليين والحاكم في الصورة الثالثة.
وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره الشيخ حيث قال: ثم إنّ المتولّي للبيع هو

1 . الوسائل:7، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث9.

صفحه 327
البطن الموجود بضميمة الحاكم القيّم من قبل سائر البطون، ثم قال: ويحتمل أن يكون هذا إلى الناظر، إن كان، لأنّه المنصوب لمعظم الأُمور الراجعة إلى الوقف.1
والظاهر أنّ ما ذكره من الوجه الثاني هو الصحيح، نعم لو لم يكن هناك ناظر في الوقف ومتول لأُموره فالحاكم منضماً إلى الموجود من الموقوف عليهم هو المتعيّن.

6. لو لم يمكن شراء البدل

إذا لم يمكن شراء بدله ولم يكن الثمن ممّا ينتفع به مع بقاء عينه ـ كالنقدين ـ فهل يجوز دفعه إلى البطن الموجود؟ أو لا يجوز؟ لأنّه كالأصل مشترك بين جميع البطون، فيوضع عند أمين حتّى يتمكن من شراء ما ينتفع به .2
والثاني هو المتعيّن، لأنّ المالية مشتركة بين عامة البطون فيجب حفظها مهما أمكن، اللّهم إلاّ إذا لم يكن هناك رجاء لشراء البدل فيدفع إلى الموجودين وينحل الوقف .
ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الإيرواني عدم جواز بيع الوقف بالدرهم والدينار، لأنّ الانتفاع به إنّما هو بإعدام موضوعه، فكيف يكون وقفاً.3
أقول: إنّ الغرض من الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، والمفروض أنّه لا يتحقّق إلاّ ببيعه بأحد النقدين، أو بالعملة الورقية ثم اشتراء البدل بها فإنّ بيع الوقف بعين أُخرى نادر جداً، وعلى ذلك فالثمن (سواء كان نقداً أو ورقاً) عندئذ ليس وقفاً، بل مقدّمة لتحصيل الوقف على أنّ لنا كلاماً في عدم صحة وقف النقدين سيوافيك في المستقبل.

1 . المتاجر: 169 .
2 . المتاجر: 169 .
3 . تعليقة الإيرواني على المتاجر:175.

صفحه 328

7. الاتّجار بالبدل

إنّما الكلام في جواز الاتّجار به وكانت المصلحة في الاتّجار به.
ذكر الشيخ بأنّه لو رضي الموجود بالاتّجار وكانت المصلحة في التجارة، جاز مع المصلحة إلى أن يوجد البدل، والربح تابع للأصل، ولا يملكه الموجودون، لأنّه جزء من المبيع وليس كالنماء الحقيقي.
أقول: الظاهر التفصيل بين ما كان الغرض هو وقف المنفعة، وإعانة الموقوف عليهم بالمال أو وقف الانتفاع. فعلى الأوّل يجوز الاتّجار، بل ربّما يجب لصيانة الوقف عن انخفاض قيمته إذا كان نقداً، كما هو المفروض.
وأمّا إذا كان الغرض هو وقف الانتفاع لا الإعانة للموقوف عليهم كالسكن في المدارس وغير ذلك فلا يجوز الاتّجار إلاّ إذا دعت الضرورة لذلك بحيث لولم يتّجر به لانخفضت قيمة الوقف عن القيمة الواقعية.

8. حكم الربح الحاصل من التجارة

هذا كلّه حول الاتّجار، وأمّا الربح فقد عرفت أنّ الشيخ ذهب إلى أنّه جزء من الوقف، وعلّله أنّه غير الثمرة، فإذن الثمرة عبارة عمّا يتولد من العين مع بقائها كثمرة البستان وأجرة الدار، وأمّا الربح الحاصل من الاتّجار فهو وإن كان ثمرة عند العرف البسيط لكنّه ينصرف عنه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حبّس الأصل وسبل الثمرة».
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الوقف وقف المنفعة وإعانة الموقوف عليهم بالمال مع حفظ الأصل، فالظاهر أنّ المنافع التجارية تعد عرفاً ثمرة لرأس المال فالظاهر صرفه في حق الموجودين. نعم لو كان الوقف وقف الانتفاع كالسكن في المدارس ومدّ الجسور لتمكين الشخص من العبور فلا تُعد المنفعة ثمرة، فإنّ الاتّجار، بالوقف لا يجوز إلاّ لأجل حفظ المالية عند الاضطرار.

صفحه 329
ومنه يظهر ما إذا وجد في ظرف التفحّص من يبيع الدار ـ مثلاً ـ ببيع خياري يفي ثمن الوقف بشرائه، كما إذا كانت هناك دار تساوي ألف دينار، فيبيعها المالك بالبيع الخياري بخمسمائة دينار وكان ثمن الوقف أيضاً كذلك، فهل يجوز شراؤه حيث ينتفع الموقوف عليه بإيجار الدار في ظرف الخيار وإن كان المالك يفسخ البيع بردّ الثمن.
والأقوى فيه نفس التفصيل بمطلق الاتّجار بالفرق بين كون الغرض تحصيل المنفعة للموقوف عليهم، أو انتفاعهم بصورة خاصّة فيجوز في الأوّل دون الثاني إلاّ إذا كان مؤمّناً لذلك الغرض كالسكن في البيت.
نعم لو توقّف إصلاح الوقف ـ بحيث لا يخرج عن قابلية انتفاع البطون اللاحقة ـ، على صرف المنفعة الحاضرة التي يستحقها البطن الموجود، فقيل إنّه لا يجوز صرفها بدون إذنهم، لأنّ مالكية البطن الموجود لها، تامّة لا ناقصة، بخلافها بالنسبة إلى العين، ويحتمل الجواز، وجهان والأقوى هو الثاني.

9. عروض الخراب على بعض الوقف

إذا عرض الخراب على بعض الوقف فيباع البعض المخروب لإحداث وقف آخر مثل عروض الخراب على الكلّ، بشرط أن يكون الثمن وافياً لإحداث الوقف، غاية الأمر أنّه لو كان الوقف وقف المنفعة، فيشتري به ما يدر على الموقوف عليهم، سواء أكان المُشترى مماثلاً للأصل أو لا، بخلاف ما إذا كان الوقف وقف الانتفاع فيجب أن يُشترى به ما يكون مماثلاً للأصل لتحقيق غرض الواقف.

صفحه 330

10 . صرف ثمن الجزء في الباقي

إذا خرب الجزء فبيع ولم يكن الثمن كافياً لإحداث وقف آخر، وكان باقي الموقوف محتاجاً إلى الإعمار، وجب صرفه فيه، لأنّ البدل عند صرفه في الباقي يُضم إلى المبدل فيرتفع المبدل فيكون مشتركاً بين جميع البطون مع عدم الإخلال بالغرض، لأنّ المفروض أنّ الموقوف من جنس واحد فلو بيع الجزء وصرف ثمنه في الباقي فلا يكون هناك خُلف في الغرض، لأنّ الباقي يكون أكثر وأقوى ثمرة.
وبعبارة أُخرى: أنّ الغرض من الوقف هو تسبيل الثمرة، وقد قلنا بأنّ الغاية تُوسّع ذا الغاية أو تضيقه. فإذا كان صرف الجزء في الإعمار مؤثراً في تسبيل الثمرة الكثيرة فهو مقدّم على كلّ شيء.
واختار المحقّق الخوئي عدم جواز الصرف قائلاً بأنّه ملك للبطن الموجود فلهم تبديله بشيء آخر لينتفعوا به فعلاً، وأمّا حفظ الوقف للبطون اللاحقة لينتفعوا به هؤلاء أيضاً فليس بواجب.1
يلاحظ عليه: بالفرق بين ملك المنفعة وملك العين فما ذكره يتم في الأُولى كما سبق دون الثانية، لأنّ ملكيتهم للعين ليست تامة ليمنعوا من صرفه في عمارة الباقي، بل الغاية من اعتبار المالكية لهم تملك منافع العين فقط، لا أن يمنعوا من صرفه في الباقي أخذاً بغرض الواقف وهو تسبيل المنفعة ولو بصرف البعض في البعض.

11. جواز صرفه في وقف آخر

إذا خرب البعض فبيع وكان الثمن غير كاف في إحداث وقف جديد ولم يكن الأصل بحاجة إلى العمارة فدار الأمر بين أحد الأمرين التاليين:

1 . مصباح الفقاهة: 3 / 402 .

صفحه 331
أ. صرفه في الموجودين من البطن الأوّل.
ب. صرفه في إعمار وقف آخر يتعلّق بهم.
يظهر من الشيخ اختيار الثاني حيث قال: ومنه يُعلم جواز صرفه في وقف آخر عليهم على نحو هذا الوقف فيجوز صرف ثمن ملك مخروب في إعمار وقف آخر عليهم.1
يلاحظ عليه: بأنّ الشيخ جوّز صرفه في مطلق الوقف عليهم، سواء أكان الوقف الثاني مماثلاً للوقف الأوّل أو لا، ولكن الحق التفصيل بين كون الوقف وقف المنفعة فيجوز صرفه في وقف آخر، سواء أكان مماثلاً أو لا، لأنّ الغرض هو جلب المنفعة للموقوف عليهم وهو حاصل في كلتا الحالتين.
وأمّا لو كان الوقف وقف انتفاع ـ كالسكن في المدرسة ـ فيجب صرفه في وقف آخر مماثل .
كلّ هذه الصور فيما إذا كان الواقف واحداً لا ما إذا كان متعدّداً.

12. لو خرب بعض الوقف ولم يكن مصرف لما بيع

لو خرب بعض الوقف وبيع المخروب ولم يكن الثمن كافياً لإحداث وقف آخر، وما كان الباقي محتاجاً إلى إعمار، ولم يكن للموقوف عليهم وقف آخر حتّى يصرف فيه، أو كان ولم يكن مماثلاً، فيتعيّن حينئذ صرف الثمن بين الموجودين، إذ لا مصرف أقرب له منهم.
تمّ الكلام في الصورة الأُولى
من الصور التي يجوز
فيها بيع الوقف

1 . المتاجر: 169 .

صفحه 332
 
إذا سقط عن الانتفاع المعتدّ به   

الصورة الثانية: إذا سقط عن الانتفاع المعتدّ به

إذا خرب الوقفُ بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به ويصدق عرفاً أنّه لا منفعة فيه كدار انهدمت فصارت عرصة، فتؤجر للانتفاع بها بأُجرة نازلة، وهو على قسمين:
تارة تكون منفعة البدل المشترى لا تزيد على منفعة الأصل، فلا مسوّغ للبيع.
وأُخرى تكون منفعته أكثر من منفعة العرصة، قال الشيخ: ففي جواز البيع وجهان:
الأوّل: عدم الجواز، وهو ظاهر المشهور حيث قيّدوا الخراب المسوّغ للبيع بكونه لا يجدي نفعاً.
الثاني: أنّ النفع المنفيّ في كلام المشهور محمول على النفع المعتدّ به، بحسب حال العين. فإذا خربت الدار ذات الطوابق انحصرت منفعتها بإيجار العرصة، وأين أُجرتها من غلة الدار ودخلها؟ وقد استظهر الشيخ الأنصاري دخول هذه الصورة في إطلاق كلام كل مَنْ سوّغ البيع عند خرابه بحيث لا يجدي نفعاً.1
والحق التفصيل بين الصورتين(وقف المنفعة ووقف الانتفاع) فلو كان الغرض من إبقاء الأصل هو تسبيل الثمرة وإيصال المنفعة إلى الموقوف عليهم

1 . المتاجر: 169 .

صفحه 333
حسب حال العين الموقوفة، وإذا كانت الثمرة غير لائقة بحفظ العين، يخرج عن مورد الإنشاء. وما وقع تحت الإنشاء عبارة عن تحبيس الأصل لغاية تسبيل المنفعة اللائقة بحال الوقف لا ما هو الخارج عن شأنه.
وبما أنّ العرصة أيضاً لا يجوز تركها بحالها ولا بيعها وتقسيم ثمنها بين الموقوف عليهم، لكونهما على خلاف غرض الواقف، فلا محيص ـ لغاية تحقيق غرض الواقف ـ من تبديلها إلى ما يكون أكثر منفعة من منفعة العرصة أو قريبة من منفعة الدار التي انهدمت.
هذا فيما إذا كان الوقف، وقف المنفعة; وأمّا لو كان الوقف، وقف الانتفاع فقد تعلّق غرض الواقف بحفظ العنوان، كما إذا وقف الدار لسكن الطلاب والزوّار، فتبديلها ـ بعد الانهدام ـ إلى محل تجاري لا يؤمّن غرض الواقف، فيكون خارجاً عن إنشاء الوقف، فلو أمكن تبديلها إلى ما يؤمّن غرض الواقف ولو بنسبة نازلة كاشتراء دار للسكنى فهو، وإلاّ فالقول ببطلان الوقف   كما هو خيرة الجواهر هو الأقرب، وقد نقله الشيخ عنه وقال: قد يقال بالبطلان أيضاً في انعدام عنوان الوقف فيما لو وقف بستاناً أيضاً ملاحظاً في عنوان وقفه البستانية فخربت حتّى خرجت عن قابلية ذلك، فإنّه وإن لم تَبْطُلْ منفعتها أصلاً لإمكان الانتفاع بها ـ داراً مثلاً ـ لكن ليس من عنوان الوقف.. إلى أن قال: وربّما يؤيد ذلك في الجملة بما ذكروه في باب الوصية من أنّه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصي بطلت الوصية لانتفاء موضوعها. نعم لولم تكن الدارية والبستانية ـ مثلاً ـ عنواناً للوقف وإن قارنتَ وقفَه بل كان المراد الانتفاع به في كل وقت على حسب ما يقبله لم يبطل الوقف بتغيّر أحواله .1
وأورد عليه الشيخ: أنّه إن أُريد بالعنوان ما جُعل مفعولاً في قوله: «وقفت هذا