welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : *
نویسنده :*


صفحه 121
الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ورجمنا، والّذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنّا قد قرأناها.1
وفي صحيح البخاري، قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتّى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله.2
أو هل يكفّر مَن قال: إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: ألاّ ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إنّ كفّراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم.3
أو هل يكفّر مَن قال لأُبيّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدناه من كتاب الله؟ فقال أُبيّ: بلى.4 والقائل في هذه المواضع الثلاثة هو عمر بن الخطاب.
أو هل يكفّر مَن قال: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول الله

1 . فتح الباري: 12 / 127 .
2 . صحيح البخاري: 1712، برقم 6829، باب الاعتراف بالزنا، كتاب الحدود.
3 . صحيح البخاري: 1713، في ذيل الحديث 6830، باب رجم الحبلى من الزنا إذا احصنت.
4 . تفسير الدر المنثور: 1 / 106 .

صفحه 122
وهنّ فيما يقرأ من القرآن.1 والقائل هي عائشة أُم المؤمنين.
اللّهم إنا نشهد إنَّ هذه الآيات أُلصقت بالقرآن الكريم، وليست هي منه، ومَن نظر في صميم جملها وصياغتها، يقف على أنّها من كلام البشر ولا صلة لها بالكتاب العزيز، ولذلك قلنا في صدر هذا المقال: إن جمهور المسلمين متّفقون على عدم التحريف، فلو ذهب شُذّاذٌ من الفريقين، فهو محمول على التفسير، أو مطروح لمخالفته الذكر الحكيم واتّفاق المسلمين.
(فَبِأَي حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)2
جعفر السبحاني

1 . صحيح مسلم: 4 / 167، باب التحريم بخمس رضعات.
2 . المرسلات: 50 .

صفحه 123
البداء حقيقة قرآنية   
5
البداء
حقيقة قرآنية

صفحه 124

صفحه 125
 
نُشر في موقع البرهان مقالٌ حول البداء عند الإمامية، وممّا جاء في مقدّمة هذا المقال، قوله:
] تحتّل مسألة البداء مكانة رفيعة في عقيدة الإمامية الإثني عشرية، حتى لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب عقائدهم، وجاءت الروايات الكثيرة في كتبهم الحديثية بتعظيم هذه العقيدة.
وفي المقابل فقد لقيت هذه العقيدة هجوماً عنيفاً ونقداً كبيراً من معظم فرق المسلمين، وشنّعوا بها على الإمامية.
ولما نرى أيّها القارئ من خطورة هذا التناقض في هذه العقيدة وكون الفريقين فيها على طرفي نقيض، كان من الأهمية بمكان أن نستجلي الحقيقة فيها، وذلك أنّ مسلك النظر الحيادي في كلا القولين والإنصاف المستلزم لترك التعصب، هو المسلك الحق والطريق المرضي [.
***
ربّما يتصوّر القارئ أنّ لكلام كاتب المقال مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، وأنّه درس الموضوع مجانباً التعصّب والتقليد، ولكنّه في الحقيقة كتب مقالاً صفراً من الإنصاف، بشهادة أنّه لم

صفحه 126
يبيّن حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية، وإنّما عطف النظر إلى المسائل الجانبية، ولو أنّه نظر إلى ما ذكره أعلام الشيعة أو إلى ما ذكرناه في كتابنا: «البداء في ضوء الكتاب والسنّة» لأذعن ـ كما أذعن بعض أهل السنّة ـ أنّ البداء بالمعنى الذي تعتقده الإمامية، حقيقة قرآنية وعقيدة نصّ عليها النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واحد من أقواله الشريفة.
ويا للأسف أنّ الرادّين على عقيدة البداء ركّزوا على لفظه الذي هو بمعنى الظهور بعد الخفاء الممتنع على الله سبحانه، وغفلوا عن حقيقته وواقعه، وأنّ إطلاق البداء هنا ليس بمعناه الحقيقي وإنّما استعمل بعناية خاصّة، تبعاً لما جاء في أقوال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي استعمل عبارة «بدا لله» في حديث الأبرص والأقرع والأعمى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «بدا لله في أبرص وأقرع وأعمى» وقد رواه البخاري في صحيحه، وسنذكر فيما بعد نصّ الحديث.1
ونحن نركّز في هذا المقال على أمرين، ونترك المسائل الجانبية التي ذكرها صاحب المقال إلى مجال آخر، وقد أجبنا عنها جميعاً في رسالتنا المعنونة: «البداء في الكتاب والسنّة» 2.

1. لاحظ : صحيح البخاري: 852 برقم 3464، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع من بني إسرائيل.
2 . المطبوعة عام 1430 هـ ، ضمن سلسلة: نحو قراءة جديدة للعقائد.

صفحه 127

1. حقيقة البداء

حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية كلمة واحدة وهي إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو بالأعمال الطالحة، وأنّه ليس للإنسان تقدير واحد محتّم لا يتغيّر ; بل بيده إبدال تقدير مكان تقدير آخر لكن على ضوء الأعمال التي يقوم بها، سواء أكان صالحاً أم طالحاً.
هذه هي حقيقة البداء، دون زيادة أو نقيصة، فمن يريد أن يؤيّد تلك العقيدة أو يردّ عليها، فليجعل هذا التعريف منطلقاً له في التأييد أو الرد ولا يخرج منه.
والدليل على أنّ الإنسان قادر على تغيير مصيره، الآيات القرآنية الكثيرة التي تجاهل ذكرها صاحب المقال، ومنها:
1. قوله سبحانه:(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).1
2. وقوله سبحانه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).2

1 . الأعراف: 96.
2 . نوح: 10 ـ 12.

صفحه 128
3. وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).1
4. وقوله سبحانه:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...).(2)
5. وقوله سبحانه:(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ).(3)
6. قوله سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).2
7. وقوله سبحانه:(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).(5)
8. وقوله سبحانه:(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أنِّي مَسَّني الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ).(6)
9. وقوله سبحانه: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين).(7)
إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثرة في مصير الإنسان، وأنّه يستطيع بعمله الصالح تغيير التقدير وتبديل

1 . الرعد: 11.      2. الأنفال: 53.    3 . الطلاق:2ـ3.
2. إبراهيم:7.    5. الأنبياء:76.      6. الأنبياء:83 ـ 84 .   7 . الصافات:143 ـ 146.

صفحه 129
القضاء ـ غير المبرم ـ لأنّه ليس في أفعال الإنسان الاختيارية مقدّر محتوم حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.
ما ذكرناه حقيقة قرآنية، ونرى مثلها في السنّة النبوية فهي تؤيّد أنّ للإنسان إبدال تقدير مكان تقدير آخر بالأعمال الصالحة، ونقتصر بذكر القليل من الكثير.
1. أخرج الحاكم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينفع الحذر عن القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر».1
2. أخرج ابن سعد وابن حزم وابن مردويه عن الكلبي في الآية (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)(2) قال: «يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه»، فقيل له: مَن حدّثك بهذا؟ قال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ (عليه السلام) أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذه الآية فقال له: «لأقرّنّ عينيك بتفسيرها، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبرّ الوالدين واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء».2

1 . تفسير الدر المنثور:13/660، طبعة دار الفكر، بيروت، 1403هـ .   2 . الرعد:39.
2 . تفسير الدر المنثور: 13 / 661 .

صفحه 130
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في كتب التفسير والحديث خصوصاً في آثار الدعاء والإنابة.
هذه هي حقيقة البداء كتاباً وسنّة، وهذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في البداء، فهل يمكن لمسلم مؤمن بالقرآن والسنّة أن ينكر هذه الحقيقة ويعتقد خلاف ذلك، حتى يقع في عداد اليهود الذين أنكروا البداء بهذا المعنى وقالوا: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) فردّ عليهم سبحانه بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ).1

الأثر البنّاء للبداء

إنّ الاعتقاد بالبداء له آثار تربوية، فإنّ الإنسان إذا اعتقد بأنّه إذا عصى وحُكم عليه بدخول النار لا يهتمّ بإصلاح حاله في مستقبل أيام عمره، وذلك لاعتقاده بأنّ التقدير الأوّل ينفذ في حقّه، سواء أعمل صالحاً أم طالحاً، وهذا يوجب توغّله في المعاصي طول حياته; وأمّا إذا اعتقد أنّ الله سبحانه هو الرؤوف الرحيم، فلو أصلح حاله في المستقبل فسوف يصلح الله له تقديره ويغيّره بنحو يتناسب مع عمله الصالح.
ولذلك ينادي الله سبحانه عباده بقوله: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).(2)

1 . المائدة:64.   2 . الزمر:53.

صفحه 131

الحوادث الّتي بدا لله تعالى فيها

ربّما أخبر أنبياءُ الله(عليهم السلام) عن وقوع حادثة في المستقبل ولكنّها لم تقع،وذلك كالقضايا التالية التي نرى إخبار الأولياء وعدم وقوعها تالياً، وما ذلك إلاّ لأنّ المورد غيّر تقديره بالعمل الصالح ولولاه لوقع ما أخبر به النبيّ. وسنشير إلى موارد منها:

1. رفع العذاب عن قوم نبي الله يونس(عليه السلام)

أخبر يونس قومه بنزول العذاب ثم ترك القوم وكان في وعده صادقاً معتمداً على مقتضي العذاب الذي اطّلع عليه، لكن نزول العذاب كان مشروطاً بعدم المانع، أعني: التوبة والتضرّع، إذ مع المانع لا تجتمع العلّة التامّة للعذاب، قال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين).1

2. الإعراض عن ذبح إسماعيل

ذكر القرآن الكريم أنّ إبراهيم(عليه السلام) رأى في منامه أنّه يذبح ابنه إسماعيل، وأعلمه بذلك، ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه على طاعة الله وطاعة أبيه، وقال كما عبّر القرآن الكريم:

1.يونس:98، ولاحظ ما ذكر حول قصة يونس(عليه السلام) في تفسير الدر المنثور:7/121، 122.

صفحه 132
(إنِّي أَذْبَحُكَ)وهذا القول يحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مسلّمة.
إلاّ أنّ ذلك الأمر لم يتحقّق ونسخ نسخاً تشريعياً، كما لم يتحقّق ذبح إبراهيم إسماعيل في الخارج فكان نسخاً تكوينياً.وهذا هو الذي ورد في سورة الصافات.1

3. إكمال ميقات موسى(عليه السلام)

ذكر المفسّرون أنّه سبحانه واعد في الميقات موسى ثلاثين ليلة لأخذ التوراة، فصامها موسى(عليه السلام)وطواها، فلمّا تمّ الميقات أمره الله تعالى أن يُكملها بعشر، قال سبحانه:(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).(2)
ففي هذه القصة إخباران:
إنّه يمكث في الميقات ثلاثين ليلة، ثم نسخه بخبر آخر بأنّه يمكث أربعين ليلة، وكان موسى(عليه السلام) صادقاً في كلا الإخبارين، حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات تقتضي إقامة ثلاثين ليلة، لولا طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون الوقوف أزيد من ثلاثين.2
هذه جملة من الحوادث التي تنبّأ أنبياء الله بوقوعها، وجاء خبرها في الذكر الحكيم إلاّ أنّها لم تقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا لله

1. لاحظ : سورة الصافات: الآيات 101ـ 111.   2 . الأعراف:142.
2. لاحظ : تفسير الدر المنثور:3/335.

صفحه 133
فيها، وسيوافيك وجه استعمال هذه الصيغة في المقام، فانتظر.
هذا ما في القرآن العزيز، وأمّا ما ورد في الروايات الصحيحة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإليك شيئاً منها.
1. مرّ يهوديّ بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السام عليك، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)له:«وعليك» فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «وكذلك رددت» ثمّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: «إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله»، فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف.
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا يهوديّ ما عملت اليوم» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بها دفع الله عنه»، وقال:«إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».1
2. مرّ المسيح(عليه السلام) بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلتها هذه، فقال: يُجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها،

1. بحارالأنوار:4/121.

صفحه 134
ليس بها شيء، فقالوا: يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة، فننيله ما يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّي عن مجلسك; فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، قال(عليه السلام): «بما صنعت صُرف عنك هذا».1
هذا كلّه حول الأمر الأوّل الذي يتضمّن بيان حقيقة البداء الذي تعتقده الشيعة والمسلمون عامّة بشرط أن يقفوا على هذا المعنى، وما ذكرناه من المعنى للبداء قد نصّ عليه علماء الشيعة منذ عصر الصدوق حتى يومنا هذا.2

2 . ما هو معنى: «بدا لله» في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

هذا هو الأمر الثاني الّذي أردنا دراسته وهو سبب التعبير بالبداء عن هذه الحقيقة القرآنية الناصعة.
لا شكّ أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بمعنى الظهور بعد

1 . بحارالأنوار:4/94.
2. لاحظ: عقائد الإمامية للصدوق المطبوع في ذيل الباب الحادي عشر:73، وأوائل المقالات للشيخ المفيد:53، ورسائل الشريف المرتضى: 117، المسألة الرازية، المسألة 5، وعدّة الأُصول للشيخ الطوسي:2/29، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 263، ونبراس الضياء للسيد المحقق الداماد:56، وأجوبة مسائل جار الله للسيد عبدالحسين شرف الدين:101ـ 103.

صفحه 135
الخفاء أمر باطل لا يستعمله إلاّ الجاهل، لأنّ الله سبحانه عالم بكلّ شيء قبل أن يخلق ومع الخلق وبعده، ويستحيل أن يوصف أنّه بدا لله أي ظهر له بعد الخفاء.
وأمّا وجه التعبير عن هذه الحقيقة بهذا اللفظ الذي يمتنع وصفه سبحانه به بالمعنى الحقيقي فلأجل أمرين:
1. أنّ الشيعة الإمامية قد اقتفت أثر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نسبة البداء إلى الله سبحانه حيث أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: أنّه سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرصَ، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك الله لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذرني الناس ; قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إليّ

صفحه 136
بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذّرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله، ثمّ بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.1

1. صحيح البخاري: 852 ، برقم 3464، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل.

صفحه 137
هذا هو تعبير الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون جميعاً مأمورون بالاقتداء به وبأقواله، قال الله تعالى:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا).1
2. أنّ إطلاق هذا اللفظ يأتي من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه في مجالات خاصّة يعبّر عن فعله بما يعبّر به الناس عن أفعالهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية، وهذا ما نقرأه في الآيات التالية:
أ. قال سبحانه:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ).2
ب. وقال سبحانه: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).3
ج. وقال سبحانه: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).4
إذ لا شكّ أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّ هذا

1. الأحزاب:21.
2. النساء:142.
3. آل عمران:54.
4. الجاثية:34.

صفحه 138
من صفات الإنسان الضعيف، إلاّ أنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الناس من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه وبالتالي عن جنته ونعيمها.
3. إنّ اللام في قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«بدا لله» هي بمعنى «من» أي بدا من الله للناس، يقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح، أو بدا له كلام فصيح، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام مقام «من»، فقولهم: بدا لله، أي بدا من الله سبحانه للناس.
فعلى ضوء هذه الجهات يصحّ إطلاق «البداء» على الله سبحانه ووصفه به، حتّى لو قلنا بتوقيفية الأسماء والصفات، وما ينسب إليه تعالى من الأفعال، لوروده في الحديث النبويّ كما عرفت.
***
هذه هي حقيقة البداء وأثره البنّاء في تربية الإنسان على النهج الإسلامي الصحيح، واتّضح للقارئ الكريم وجه استعمال هذا اللفظ لبيان هذه الحقيقة.
وكما قلنا فمن أراد الردّ أو تأييد هذه الحقيقة فليبحث في هذا الإطار ويترك الأُمور الجانبية المتعلّقة بالموضوع، والتي صعب على المستشكل فهمها لو صحّ سندها ومنها:
1. ما نُسب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«ما بدا لله بداءٌ كما بدا

صفحه 139
له في إسماعيل».
2. ما نسب إلى أمير المؤمنين علي(عليه السلام) حيث أخبر بحصول الرخاء بعد سبعين عاماً، ولم يقع.
وقد درسنا هذه الأحاديث سنداً ودلالة في محاضراتنا حول «البداء» التي دوّنها العلاّمة الحجّة الشيخ جعفر الهادي، فللكاتب أن يرجع إلى تلك الرسالة حتى لا يطول مقامنا مع القرّاء.
***

الناس أعداء ما جهلوا

ومن أعجب ما رأيت حول البداء مقال آخر كتبه الشيخ إبراهيم الجنادي حيث قال: البداء عند الشيعة فكرة يهودية مستوردة.
والحق أن يقال: إنّ الناس أعداء ما جهلوا، والمسكين غير عارف بأنّ الإيمان بالبداء على طرف النقيض من عقيدة اليهود حيث إنّهم أنكروا النسخ بتاتاً، ومن المعلوم أنّ البداء في التكوين كالنسخ في التشريع، فهم ينكرونهما جميعاً، فلو أراد الكاتب التفصيل فليرجع إلى تفسير قوله سبحانه:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ
كَيْفَ يَشاء وَلَيَزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إَلْيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَداوةَ وَالْبَغْضاءَ إلى يَوْمِ الْقِيامةِ كُلَّما أوقَدُوا ناراً

صفحه 140
لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ وَيَسْعَونَ فِي الأرْضِ فَساداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدينَ).1
والعجب أنّ الكاتب عنون مقاله بقوله:«فهل للعقول أن تتحرّر» فنقول: نعم عقول الشيعة تحرّرت منذ عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، وأخذوا بما في الكتاب العزيز والسنّة النبوية، وأمّا غيرهم ممّن لم يقرأ شيئاً من عقائد الشيعة ولا سائر الطوائف فهو من رماة القول على عواهنه، فأخذ ينسب القول بالبداء إلى اليهود، وهم على جانب النقيض من تلك العقيدة.

1.المائدة:64.
Website Security Test