welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الشيعة ووسائل الإعلام*
نویسنده :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الشيعة ووسائل الإعلام

صفحه 1
    الشيعة ووسائل الإعلام
   
الشيعة
و
وسائل الإعلام

صفحه 2

صفحه 3
الحلقة الأُولى
الشيعة
و
وسائل الإعلام
رسالة تتضمن ما تبثّه وسائل الإعلام من كذب وافتراء حول عقائد الشيعة وأُصولهم
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر ، 1308 ـ
الشيعة ووسائل الاعلام / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1394.
144 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 562 - 5
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
1. شيعه اماميه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها . 2. شيعه ـ ـ عقائد . الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
9ش 2س/5/ 212 Bp   4172/297
1394
اسم الكتاب:   الشيعة ووسائل الاعلام
المؤلــف:   الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعــة:   الأُولى ـ 1437 هـ
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
      تسلسل النشر: 895               تسلسل الطبعة الأُولى: 436
مركز التوزيع
قم، ساحة الشهداء، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تلفن: 37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لا يخفى أنّ لوسائل الإعلام فوائد جمّة من نشر العلم والثقافة والأخلاق والمثل السامية، والدعوة إلى التعايش السلمي والتعاون بين الشعوب والتعاضد على حلّ المشاكل.
ولكن في مقابل ذلك يتّخذ أصحاب الأغراض السقيمة من الإعلام وسيلة لبثّ الفتن، ونشر الأفكار المسمومة في المجتمع، والدعوة إلى الخصام والنزاع. ولاشكّ في أنّ المصلح يتّبع الأمر الأوّل، بينما يتّبع غيره الثاني.
وها نحن نشاهد أنّ أشباه المثقّفين وأنصاف المتعلّمين الّذين ظهروا على الساحة الإسلامية في الآونة الأخيرة يصبّون جهودهم لأجل التفريق وإيجاد الفوضى بين أفراد المجتمع الإسلامي عن هذا الطريق، وكأنّه ليس لهم همّ إلاّ ذلك الأمر البغيض، ومنهم على سبيل المثال الشيخ عثمان الخميس ومَن سلك معه هذا الطريق المظلم من الكتّاب المعاصرين الّذين رفعوا

صفحه 8
راية التفريق حتّى يفكّكوا الأُمة الواحدة إلى أُمة مسلمة وأُخرى كافرة!
ولمّا رأينا أنّ ترك هذه الساحة لهم، يسرحون فيها ويمرحون كما شاءُوا، يُعتبر تقوية لهم، وإخفاء للحقّ، ونشراً للباطل، أطعنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه» ولذلك قمنا بنقد محاضراتهم الّتي تبث عن طريق الفضائيات، ومقالاتهم الّتي يدوّنونها على صفحات الانترنيت نقداً موضوعياً نزيهاً بعيداً كلّ البُعد عن كيل التهم الباطلة والافتراءات الواهية ـ كما هم يفعلون ـ .
وها نحن نقدّم الحلقة الأُولى من هذه الردود وفيها مناقشة لخمس من هذه المحاضرات والمقالات، عسى أن تكون نافعة للمسلمين الواعين، ودامغة للباطل ومظهرة للحقّ والحقيقة.
والله من وراء القصد
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
4 محرّم الحرام 1436 هـ

صفحه 9
حكم الصلاة في مساجد الشيعة   
1
حكم الصلاة
في
مساجد الشيعة

صفحه 10

صفحه 11
الحمد لله رب العالمين ; والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد وآله الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وعلى صحبه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان.
أمّا بعد; فإنّ الاجتهاد عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل الحصيف الّذي به عرفنا الله سبحانه .
وليس الاجتهاد مشرعاً لكلّ وارد وشارد، وإنّما يرِده مَن اتّسم بمواهب فكرية وكفاءات علمية في مختلف العلوم والفنون، وقد أنهاها بعضهم إلى ما يتجاوز العشرة، ولأجل صعوبة الارتقاء إلى درجة الاجتهاد نرى أنّ أعاظم الفقهاء يسألون الله أن يرزقهم الاجتهاد قائلين بأنّه أشدّ من طول الجهاد.1
هذا وقد ظهر في عصرنا الحاضر مَن يبرم وينقض، ويجلس في منصة الفتيا، وهو لم يحظ بالمواهب اللازمة لذلك، فصار يخبط خبطاً بعد خبط، ويعثر عثرة بعد عثرة.

1 . هذه العبارة مقتبسة من كلام للإمام علي (عليه السلام)، وهو: «تخليص من الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد». لاحظ : الكافي: 8 / 24.

صفحه 12
وسوف تطمئنّ إلى كلامنا هذا إذا قرأت فتوى الشيخ عثمان الخميس حول الصلاة في مساجد الشيعة، وأنّه كيف تجرّأ وأفتى بأنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد إلى غير ذلك من الأحكام المقيتة.
ولأجل إيضاح المقام قمنا بنقد كلامه حسب ما سمح به الوقت، والله الهادي والموفّق.
جعفر السبحاني

صفحه 13

حكم الصلاة في مساجد الشيعة

من خلال برنامج «لقاء الجمعة» الّذي بثّته قناة «البرهان» سُئل الشيخ عثمان الخميس عن الصلاة في مساجد الشيعة؟ فأجاب: لا يجوز للمسلم أن يدخل هذه المساجد ليصلّي فيها ; لأنّها لا تخلو من أُمور تمنع المسلم من الصلاة فيها، وهذه الأُمور كما يلي:
1. إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.
2. إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد، فيذكر غير الله ويستغاث بغير الله، ويدعون غير الله، ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.
3. أفتى بأنّه لو دخل إنسان وصلّى في هذه المساجد حتّى مع علمه بعدم الجواز فصلاته (صحيحة)، لكن الأمر الأوّل ـ أعني عدم جواز دخول هذه المساجد ـ باق على حاله.
هذا ما ذكره عثمان الخميس في برنامج لقاء الجمعة، وهو مبني على أصل مسلّم عنده، وهو حرمة بناء المساجد على قبور الأولياء، وعلى هذا بنى ما ذكره في الفصول الثلاثة ; ولذا علينا

صفحه 14
دراسة مبنى كلامه، قبل مناقشة فقرات جوابه، ولذلك فقد بسطنا الكلام في تبيين المبنى وما هو الحقّ فيه.
وقبل دراسة الموضوع ـ أي حكم بناء المساجد على القبور ـ نقدّم شيئاً وهو أنّ الشيخ عثمان الخميس قال: (إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور، أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها)، ونحن نسأله عن مصدر هذا الخبر؟ وهل أنّه شاهد ذلك الأمر في عامّة المساجد للشيعة الّتي تُعدّ بعشرات الآلاف في مختلف البلدان؟! لا أظنّ أنّه قد قام بذلك العمل.
ومع ذلك فكيف أصدر هذا الحكم العام؟!
أقول: كلّ ما ذكره الشيخ في هذا الصدد كذب واضح وافتراء صريح، نابع من أصل مسلّم عند القوم، وهو أنّه لكلّ شيء دليل إلاّ الافتراء على الشيعة، بل لكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة، وكأنّه سبحانه فرض عليهم الكذب مكان الصدق، والافتراء مكان طرح الحقيقة!!
ولنفرض جدلاً صحّة قوله، فلندرس حكم هذه المسألة، أعني: بناء المساجد على القبور، على ضوء الكتاب المجيد والسنّة الشريفة.

صفحه 15

حكم بناء المساجد على قبور الأولياء

ما أنكره الشيخ من بناء المسجد على قبور الموتى فقد نطق الذكر الحكيم به وعلى جواز قسم منه، وهو إذا كان الموتى من الأولياء، فلا مانع من بناء المسجد على قبورهم تبرّكاً بهم، قال سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)1.
إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا من أنّ بناء المسجد فوق قبور الأولياء كان سنّة متّبعة عند الأُمم والشرائع السابقة، والقرآن الكريم يشير إلى تلك السنّة من دون أي ردّ
ونقد .
إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية تقديرهم واحترامهم وتكريمهم، وانقسموا إلى قسمين:
1. قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).
وهذا التعبير أي ( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)يكشف عن أنّ القائل أو القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث استصغروا أمرهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم بأحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.
2. وقسم آخر كسب الموقف في النهاية، حيث دعا إلى بناء

1 . الكهف: 21.

صفحه 16
مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكى عنهم الذكر الحكيم بقوله: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)فالضمير في قوله سبحانه: (غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)، وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء أبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم، هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه .1
وقال الرازي: وقال آخرون: بل الأَولى أن يبنى على باب الكهف مسجد، وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله، معترفين بالعبادة والصلاة. (2)
وقال الزمخشري: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم(لَنَتَّخِذَنَّ)على باب الكهف(مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.2

1 . تفسير الطبري:15/149.   2 . تفسير الرازي: 21/105.
2 . تفسير الكشّاف: 2 / 334 .

صفحه 17
وقال النيسابوري: (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)المسلمون وملكهم المسلم; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم، وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضنّاً بها.1
إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على «باب الكهف» أو «عند الكهف»، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع من قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي، أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.
إنّ هذا تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين،

1 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان (تفسير النيشابوري): 7 / 283، طبعة المكتبة القيّمة، القاهرة .

صفحه 18
ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.
إنّ مَن قرأ القرآن الكريم بتدبّر ووعي يعرف أنّ ما ينقله عن المشركين لو كان أمراً بيّن البطلان ربّما يمرّ عليه من دون ردّ، وأمّا إذا كان غير واضح البطلان فسيكون له موقف آخر منه، مثلاً عندما أحدق الخطر بفرعون وتيقّن أنّه سوف يغرق قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)1 .
فالقرآن لم يتركه على حاله إذ ربّما يتوهّم الجاهل أنّه ربّما يكفي هذا النوع من الإيمان، فلذلك ردّ عليه بقوله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)2 .
إنّ الغاية من ذكر قصص السابقين هي اتّخاذ العبر والمواعظ والتدبّر في مضامينها ومعانيها.
إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً أو تاريخياً تُسرد فيه حياة الغابرين، وإنّما نزل كدستور حياة للبشر، وكلّ واحد يستنبط من القصص ما ينفعه. فالمتكلّم يستنبط من قصة أصحاب الكهف إمكان المعاد وتجديد الحياة بعد قرون، ولكن الفقيه يستنبط

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91.

صفحه 19
من هذه القصة أنّه يجوز بناء المساجد على قبور الأولياء للتبرّك بهم.

زلّة لا تستقال

إنّ الشيخ الألباني (عفا الله عنّا وعنه) لمّا وقف على هذا الاستدلال الباهر المتين، حاول أن يناقش في الاستدلال لغاية حفظ موقفه المسبق في المسألة، فقال:
الاستدلال باطل من وجهين:
الأوّل: أنّه لا يصحّ أن يعتبر عدم الردّ عليهم إقراراً لهم إلاّ إذا ثبت أنّهم كانوا مسلمين وصالحين، ومتمسّكين بشريعة نبيّهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنّهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنّهم كانوا كفّاراً أو فجّاراً، فعدم الردّ عليهم لا يعدّ إقراراً بل إنكاراً، لأنّ حكاية القول عن الكفّار والفجّار يكفي في ردّه عزوه إليهم، فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في الآية إشارة إلى أنّ القول الأوّل قول غير الموحّدين الّذين لم يكونوا متفاعلين مع أصحاب الكهف، والقول الثاني قول الموحّدين الذين كانت لهم صلة روحية بهم، والشاهد على ذلك أنّ الاقتراح الأوّل ذكر بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 81 ـ 82 .

صفحه 20
بُنْيَانًا)ثم أعقبوا اقتراحهم بقولهم: (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي لا نعرفهم ولا نقول عنهم شيئاً وربّهم أعرف بهم، وهذا كلام مَن لا يعرف أصحاب الكهف وعملهم، أو لا يحبّ أن يوصفوا بشيء من الصلاح والفلاح ولذا يفوّض مصيرهم إلى الله.
وأمّا الاقتراح الثاني فهو نابع عن قلب عارف بأصحاب الكهف، حيث قالوا: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)عرفوهم بجد (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)وهل يمكن أن يكون هذا الاقتراح ياترى يصدر عن الكافر الفاجر؟!
وعلى هذا كيف يقول الشيخ: يحتمل أنّهم كانوا (المقترحون) فجّاراً كفّاراً؟!!
وثانياً: أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على كون الاقتراح من المسلمين والموحّدين، بل مبني ـ كما تقدّم ـ على رؤية قرآنية وهي أنّه لا يذكر شيئاً عن غيره إذا كان أمراً مشتبهاً إلاّ مع نقده وردّه، والمقام من هذا القبيل، فلو كان في هذا الاقتراح رائحة شرك كما يزعمه من يمنع بناء تلك المساجد، لما سكت عنه القرآن الكريم .
الوجه الثاني: قال: إنّ الاستدلال المذكور إنّما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون

صفحه 21
بالقرآن فقط ديناً ولا يقيمون للسنّة النبوية وزناً.1
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ بالآية هو الشيخ أبو الفيض الصدّيق الغماري في كتابه المسمّى: «إحياء المقبور من أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور» وهو شيخ الحديث في المغرب وله مدارس وتلاميذ وهو محيي السنّة في منطقته، فكيف يتّهمه بأنّه من أهل الأهواء المعرضين عن السنّة المكتفين بالقرآن؟!
ولقائل أن يعكس الأمر ويقابله بأنّ كلام المانعين من اتّخاذ قبور الأولياء مساجد، كلام المعرضين عن القرآن، المكتفين بالسنّة، ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!
والعجب أنّه في بعض كلامه ينسب الاقتراح الأوّل للمؤمنين، ويقول: ولقائل أن يقول: إنّ الطائفة الأُولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتّخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسدّه وكفّ التعرّض لأصحابه، فلم يقبل الأُمراء منهم وغاضهم ذلك حتّى أقسموا على اتّخاذ المسجد.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره على خلاف قول المفسّرين الذين وقفت على كلماتهم، وهذا هو الإمام الأثري الشيخ الطبري: ينسب القول الأوّل إلى الكافرين والاقتراح الثاني للمؤمنين، وقد مرّت كلمته وكلمات غيره من غير استقصاء.

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 82 .
2 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 .

صفحه 22

تأويل مردود للألباني

لمّا أذعن الألباني بأنّ ما ذكره من الردود لا يقابل نصّ القرآن الكريم، حاول أن يؤوّل الآية، قال: وإن أبيت إلاّ حسن الظنّ بالطائفة الثانية، فلك أن تقول: إنّ اتّخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتّخاذ المساجد على القبور، المنهي عنه، وإنّما هو اتّخاذ مسجد (عندهم) وقريباً من كهفهم ومثل هذا ليس محذوراً .1
يلاحظ عليه: أنّ الموقف المسبق للشيخ الألباني المقلّد لمنهج ابن تيمية وأشباهه، جرّه إلى تأويل القرآن، فليس في الآية القرآنية لفظة (عند) بل الموجود لفظة (على) حيث قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على قبورهم وعلى كهفهم، بحيث تكون القبور داخل المسجد لا خارجه.

عود إلى كلام عثمان الخميس

لمّا استشعر عثمان الخميس أنّ نهيه عن إقامة الصلاة في مسجد فيه قبر، لا يجتمع مع الصلاة في مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فالمسلمون عبر قرون يصلّون فيه وفيه قبر النبيّ والشيخين، فحاول الإجابة عن عمل المسلمين بقوله: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان حيّاً لمّا بُني المسجد، ولمّا دفن لم يدفن في المسجد بل في بيته، ولمّا

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 ـ 77 .

صفحه 23
وسّع المسجد صار قبره الشريف داخل المسجد، وهنا يختلف الحكم فالمسجد بُني على تقوى فتصحّ الصلاة فيه بلا إشكال، أمّا أن يبنى مسجد على قبر أو يدفن ميّت داخل مسجد، فإنّه لم يبن على التقوى ولا تجوز الصلاة فيه.
أقول: إنّ كلامه هذا يعبّر عن تصويبه عمل إدخال قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، بالبيان الّذي ذكره، ولكنّه يخالف ما ذكره الشيخ الألباني حيث لم يرض بعمل السلف بإدخال قبر النبيّ في المسجد وقال: وقد وقع مع الأسف الشديد بإدخال القبر في المسجد، إذ لا فارق بين أن يكونوا دفنوه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مات في المسجد، وحاشاهم عن ذلك، وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه، فالمحذور حاصل على كلّ حال.1

الإهانة لأهل البيت(عليهم السلام) والتابعين

إنّ الشيخ الألباني أنكر عمل التابعين في إدخال قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، وقال: إنّ عمر بن عبدالعزيز لمّا كان نائباً للوليد على المدينة في سنة 91 هـ ، هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 89 .

صفحه 24
حجرات أزواج النبيّ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه ; ثم اعترض عليه بقوله: إنّ إدخال القبر الشريف في المسجد النبوي وضع حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأنّ ذلك كان على خلاف غرضهم، فلا يجوز لمسلم أن يحتجّ بما وقع بعد الصحابة .1
أقول: من أين علم أنّه لم يكن حين ذاك أحد من الصحابة في المدينة؟!
أليس هذا رجماً بالغيب؟! فلقد صحب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مائة ألف صحابي، ولقد سجّل التاريخ أسماء قرابة خمسة عشر ألف غير أنّ تاريخ وفاة أكثرهم غير مسجّلة .
ثم إنّ كلامه هذا مأخوذ من كلام مؤسّس مذهبه ابن تيمية حيث اعتذر بهذا وقال: إنّما أُدخلت الحجرة في المسجد بعد انقراض الصحابة. لاحظ كتابه «الجواب الباهر في زوّار المقابر» فقد طبع في المطبعة السلفية في القاهرة كما يحكيه نفس الألباني.
نفترض أنّه لم يكن في المدينة أحد من الصحابة ولكن كان منهم مَن عاش إلى سنة ثلاث وتسعين، أعني: أنس بن مالك (راوية الحديث النبوي بعد أبي هريرة) فهذا هو الذهبي يقول في ترجمته: وقال عدّة وهو الأصحّ أنّه مات سنة ثلاث وتسعين; قاله:

1 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 93.

صفحه 25
ابن عدي وسعيد بن عامر والمدائني وأبو النعيم والفلاس والقعنب.1
فلا محال وقف عليه أنس بن مالك، سواء أكان في المدينة أم غيرها، ولكن مع ذلك لم ينبس فيه ببنت شفة، ولم ينقل عنه أنّه اعترض أو أنكر هذا العمل.
وهذا هو أبو الطفيل آخر مَن مات من الصحابة فقد مات كما يقول الذهبي سنة مائة وقيل: مات بعد تلك السنة وأقام بمكة.2
أفيمكن أن لا يطّلع عليه ذلك الصحابي والمدنيون يحجّون كلّ سنة وينقلون أخبارها، ومع ذلك لم ينقل عنه أي إنكار؟!
نفترض أنّه لم يكن يوم أُدخل قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أي صحابي ولكن كان في المدينة فقهاء وأصحاب الفتيا وعلى رأسهم الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)الّذي أطبق المؤرّخون والمحدّثون على علمه وزهده، وقد أخذ عنه جمع غفير من الفقهاء وأصحاب الفتيا، كما أنّه أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين ممّن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.
فقد حدّث عنه: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم

1 . سير أعلام النبلاء: 3 / 406 برقم 62.
2 . سير أعلام النبلاء: 3 / 470 برقم 97 .

صفحه 26
ابن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أُمّ الطويل، وعمر بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعد الأنصاري، وطائفة .
روي عن الزهري، أنّه قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه.1 فلو كان إدخال قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أمراً غير صحيح لما سكت الإمام عنه، ولما سكت عنه ولده الإمام الباقر ومن بعده ولده الصادق(عليهم السلام).
هذا وقد صلّى المسلمون يوم أُدخل القبر في المسجد عبر قرون ولم يُسمع من أي ابن أُنثى أنّه أنكر ذلك العمل، بل المسلمون كلّهم يصلّون في المسجد ويتبرّكون بقبره الشريف إلى أن ولد الدهر ابن تيمية ومن لفّ لفّه فأظهروا نكيرهم لهذا العمل!!
أليس اتّفاق المسلمين أو الفقهاء وأهل الفتيا في قرن واحد على عمل دليلاً على حلّية العمل وجوازه؟ فإنّ الإجماع عند القوم من مصادر التشريع كالكتاب والسنّة، فلماذا لم نجعل هذا الاتّفاق دليلاً على الجواز بل الاستحباب؟!
وهذه هي المدن الإسلاميّة في الشامات كلّها تحتضن قبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)وفيها مساجد جنب القبور، وما هذا إلاّ ليتبرّك المصلّي بقبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)الذين كرّسوا حياتهم في نشر

1 . لاحظ : سير أعلام النبلاء: 4 / 389 ; تاريخ مدينة دمشق: 41 / 371 .

صفحه 27
التوحيد ومكافحة الوثنية، ومن الظلم الواضح عدّ الصلاة عند قبورهم تبرّكاً بهم، شركاً أو ما يفوح منه رائحة الشرك! ومن يوم سيطرت الوهابية على قسم من تلك البلاد أخذوا يفصلون المساجد عن قبورهم ومشاهدهم بشيء من الستر.
ومن عجيب الأمر أنّ القوم حسب ما رووا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ خير أُمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .1 جعلوا هذه القرون الثلاثة من أفضل القرون، وصار المقياس بين تمييز السنّة عن البدعة هو ما ظهر في هذه القرون من أمر جديد وما ظهر بعدها.
فعلى هذا فلماذا نقضوا غزلهم فلقد حدث هذا الأمر في خير القرون بيد التابعين؟! فلماذا صار أمراً غير مرضي يا ترى؟!!
نعم يقع قبر النبيّ يونس (عليه السلام)في الموصل في داخل المسجد وكذلك قبر نبي الله شيث (عليه السلام).

دراسة أدلّة المانعين

تمسّك الوهابيون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، ونحن ندرس المهم منها، وهي ليس إلاّ حديثين.

1 . فتح الباري: 7 / 3.

صفحه 28

الحديث الأوّل:

روى البخاري: لمّا مات الحسن بن الحسن بن عليّ، ضربت امرأته القُبّة على قبره سنة، ثمّ رفعتْ، فسمِعوا صائحاً يُقول: ألا هل وَجَدوا ما فَقَدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.1
أقول: هذا الحديث الّذي رواه البخاري ـ وهو أصحّ الكتب عند القوم ـ دليل على جواز أمرين تنكرهما الوهابية:
1. نصب المظلّة والقبّة على القبر، لأنّ امرأة الحسن ضربت القبّة على قبر زوجها بمرأى ومسمع من التابعين وبينهم الفقهاء وأصحاب الفتيا وأهل الحديث، ولم يعرف من أحد منهم استنكار ذلك، وهذا أوضح دليل على جواز نصب القبّة على القبور، وكان ذلك في أفضل القرون الّذي هو الفاصل بين البدعة والسنّة، كما يقول القوم.
2. أنّه تجوز الصلاة عند قبور الأولياء وقد ضربت زوجته القبّة لإقامة الصلاة عند قبره وتلاوة القرآن الكريم. والحسن بن الحسن المعروف بالمثنّى، من أسباط النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكفى في فضله أنّه كان وصيّ أبيه وولي صدقة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في عصره، وقد

1 . صحيح البخاري: 314، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، قبل الرقم 1330، طبعة دار الفكر، بيروت، 1424 هـ ، تخريج وتنسيق: صدقي جميل العطار.

صفحه 29
روى عن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)وابن عمه عبدالله ابن جعفر بن أبي طالب إلى غير ذلك. وقد هدّده الحجّاج يوم كان أمير المدينة بالقبض عليه لو لم يدخل شخصاً غير صالح في صدقة عليٍّ، فقام في وجهه وقال: لا أُغيّر شرط عليٍّ، ولا أُدخل فيها من لم يُدخل.1
وأمّا قول الراوي: فسمعوا صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.
ففيه أوّلاً: أنّه أشبه بقول قائل غير صالح ; لأنّ كلامه هذا نوع من الشماتة لأهل المصيبة فكان عليه أن يعزّيها بشيء لأجل موت زوجها كما هو السنّة، فصار يَشمُت بأهل المصيبة بلغة لاذعة وهي ليست من أخلاق الصالحين. ومثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر.
وثانياً: أنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة حتّى يقال إنّها يئست، بل كان لغايات قدسية أشرنا إليها. فقول ذلك الصائح وجواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ لم يعتمدوا على كتاب الله ولا على سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أبرزوا أحقادهم وضغائنهم يوم ابتليت المرأة الصالحة بموت زوجها .

1 . تهذيب الكمال: 6 / 92 .

صفحه 30

الحديث الثاني:

روى البخاري عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.1
إنّ هذا الحديث مهما صحّ سنده لا يمكن قبول ظاهره، بل لابدّ من تبيين المراد منه بشيء وذلك للأسباب التالية :
أوّلاً: أنّ تاريخ اليهود لا يتّفق مع مضمون هذا الحديث، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا الّتي كانوا يصبّونها على أنبيائهم، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)2 .
وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(3).
وقوله سبحانه: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)(4).

1 . صحيح البخاري:314، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، برقم 1330.
2 . آل عمران: 181 .      3 . آل عمران: 183 .   4 . النساء: 155.

صفحه 31
وثانياً: أنّ هناك قرائن شاهدة على أنّ النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم، تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، فأين هذا من الصلاة في مسجد النبيّ أو مسجد فيه قبر أحد أولياء الله سبحانه متوجّهاً إلى الكعبة، مصلّياً لله سبحانه تالياً آيات الله، متبرّكاً بالأرض المقدّسة؟!
والّذي يدلّ على ذلك أُمور:
1. ما روي أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ».1
2. والهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها أو على قبورهم، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو يكونا كالصنم المنصوب يُعبدان ويُسجد لهما.
ويشهد على ذلك أنّ أحمد بن حنبل في «مسنده» ومالك بن أنس في «الموطأ» رويا تتمة لهذا الحديث وهي:أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ : «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَناً يُعْبَد».2
إنّ هذا يدلّ على أنّ أُولئك كانوا يتّخذون القبر والصورة

1 . صحيح مسلم: 2 / 66، كتاب المساجد ; ولاحظ: سنن النسائي: 2 / 41.
2 . مسند أحمد:3/248; الموطأ: 1 / 172، برقم 85 .

صفحه 32
الّتي عليه قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبد ، من دون اللّه
سبحانه.
2. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تقول: «لولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً». أي جعلوا حاجزاً.
ونتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أيّ شيء؟!
من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه وأن يتّخذ وثناً يُعبد، وعلى الأقل لا يكون قبلة يُتوجّه إليها.
أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها بشهادة أنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّهم كانوا يتوجّهون إلى الكعبة ويعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.
وحصيلة الكلام : إنّ تتمة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، ومرادها من اتّخاذ مدفنه مسجداً أي قبلة يُصلّى إليه كما سيأتي التصريح من شرّاح الحديث، ولهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف.

صفحه 33
فالحاجز يمنع من شيئين:
1. من أن يتحوّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.
2. من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.
وأمّا الصلاة في المسجد الّذي دفن فيه فلم يمنع عنه بالبداهة، وهذا دليل على أنّ قلق الرسول ـ على فرض صحّة الحديث ـ من مدفنه، اتّخاذ قبره صنماً يُعبد أو يسجد عليه .
فإن قال قائل: إنّ اتخاذ القبر قبلة لا يتوقّف على الرؤية بشهادة أنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.
فالجواب: لا تصحّ المقارنة والمقايسة بين الكعبة والقبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، وليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة والدفن وما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، ولا علاقة للرؤية فيها بأيّ وجه.
أمّا اتّخاذ قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلة، فإنّما يمكن للّذين يتواجدون في مسجده ويقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر مانعاً عن ذلك.

صفحه 34
وثالثاً: من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري ومسلم فسّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، وفهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلاً:
يقول القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ :
إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويُعظّمونها، فحذَّر النبيّ عن مثل ذلك.
إلى أن يقول:
قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.1
وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

1 . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2/437، باب بناء المساجد على القبور. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.

صفحه 35
«اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يُصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يُصلّون فيها. ولعلّوجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.1
ويقول أيضاً:
يُحذّر (النبيّ) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.2
ويقول النووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ :
قال العلماء: إنّما نهى النبيّ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخاليـة، ولمّا احتاجت الصحـابـة والتابعون إلـى الـزيادة فـي مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبيه، بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّـي إليه العوام...

1 . سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي: 4 / 96، طبع دار احياء التراث العربي بيروت.
2 . نفس المصدر السابق.

صفحه 36
ولهذا قالت «عائشة» في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.1
أقول: مع هذه القرائن ومع ما فهمه شُرّاح الحديث لابدّ من القول به، ولا يمكن استنتاج غير ذلك أو الإفتاء بغيره.

وجود المساجد في المشاهد المشرّفة لا صلة له بهذه الأحاديث

إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد ـ في كلّ المشاهد ـ ما عدا مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.
وبعبارة أُخرى: هناك حرم وهناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة والتوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الوليّ الصالح، والمسجد ـ بجواره ـ للصلاة والعبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ خارجة عن مفاد الحديث ومعناه ـ على فرض أن يكون مفاده ما يدّعيه الوهّابيّون ـ .
وبذلك يظهر مفاد الأحاديث الّتي جمعها الشيخ الألباني في صدر كتابه «تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد»، الّذي بلغ عددها أربعة عشر حديثاً، فالجلّ ـ لولم نقل الكلّ ـ ناظر إلى عمل

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ 14.

صفحه 37
النصارى من اتّخاذ القبور قبلة أو السجود عليها، وأمّا مجرد الإتيان بالصلاة تبرّكاً بالموضع الّذي فيه قبر نبيّ التوحيد (صلى الله عليه وآله وسلم)فخارج عن مفاد هذه الروايات.
إلى هنا تمّ ما أردناه من تبيين حكم بناء المساجد على قبور الأولياء، الّذي هو الأساس لنقد كلام عثمان الخميس.

مقاطع ثلاثة في كلام عثمان الخميس

إذا تبيّن ذلك فلنرجع إلى مقاطع ثلاثة في كلامه.

مناقشة المقطع الأوّل

منع عثمان الخميس من الصلاة في مساجد الشيعة لأمرين:
1. لأنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.
ولنا مع الشيخ في كلامه هذا بعض الأسئلة:
أوّلاً: أنّ الشيخ أفتى في كلامه بأنّه لا يجوز للمسلم أن يدخل مساجد الشيعة ويصلّي فيها لأنّها تشتمل على القبور .
نسأله أنّ الإفتاء بالقضية الكلّية رهن مشاهدة الشيخ أكثر مساجد الشيعة المنتشرة في العالم أو كلّها، حتّى يستطيع الحكم بالقضية الكلّية. أفهل قام الشيخ بهذا العمل، وشاهد المساجد

صفحه 38
الشيعية كلّها بعينه حتّى يحكم بهذا الحكم؟!
إنّ للشيعة مساجد تعدّ بعشرات الآلاف في إيران والعراق ولبنان وباكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلاد الإسلاميّة والغربية، فلا يصحّ للشيخ أن يفتي بقضية كلّية دون أن يشاهد هذه المساجد ويرى بأُمّ عينه دفن الموتى فيها .
وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سُئل عن الشهادة؟ فقال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» .1 ولا أظنّ أنّ الشيخ ولا أترابه الذين يجترّون ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب قاموا بهذا العمل ولو بنسبة ضئيلة. وقد مرّ التذكير بذلك في صدر المقال .
ثانياً: كيف يتّهم الشيعة بأنّهم يدفنون الموتى في مساجدهم مع أنّ فقهاء الشيعة صرّحوا في الكتب الفقهية بتحريم ذلك، هذا هو السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» عقد فصلاً في بعض أحكام المسجد وقال: لا يجوز دفن الميّت في المسجد2، لمنافاة الدفن جهة الوقف، فمن خصّ أرضاً بالمسجد فقد فكّ ملكه عن نفسه وجعله لله سبحانه، ومع ذلك كيف يتصرّف في ملك الله، فهل قرأ الشيخ صفحة من فقه الشيعة، وصدر في هذه الفتيا عن

1 . كنز العمال: 7 / 23 برقم 17782 .
2 . العروة الوثقى: 2 / 407، فصل في بعض أحكام المسجد.

صفحه 39
علم وبصيرة؟! نعم الحرام دفن الموتى بعد بناء المساجد، وأمّا بناء المساجد على قبورهم لا صلة له بما ذكرنا من الحرمة. وبذلك يظهر أنّ الصلاة في حرم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الّتي تضمّنت أجسادهم الطاهرة، لا صلة له بمسألة دفن الموتى في المساجد، بل بنيت مشاهدهم بعد دفنهم، كما أنّ هذه المشاهد لا تُعدّ مساجد عند الشيعة.
نعم ربّما يوجد في بعض الأمكنة بصورة نادرة أنّ الواقف يجعل لنفسه غرفة خاصّة خارج المسجد متّصلة به ليدفن فيها، لأجل أن يستغفر له المصلّون ويقرأوا الفاتحة ويُهدوا ثوابها إليه ، ولا يوجد مثل هذا أيضاً إلاّ نادراً.
ثالثاً: أنّ المانع عند أُستاذه هو القبر الظاهر وأمّا القبر غير الظاهر فيجوز فيها الصلاة، هذا هو الألباني يقول: إنّ العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأمّا ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط بها حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم لأنّا نعلم بالضرورة والمشاهدة أنّ الأرض كلّها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)1.(2) فالقبور في مساجد الشيعة على فرض غير صحيح ليست ظاهرة، فكيف يفتي بعدم جواز الصلاة فيها؟!

1 . المرسلات: 25 ـ 26 .   2 . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 113 .

صفحه 40

مناقشة المقطع الثاني

أمّا السبب الثاني للمنع فيوضّحه بقوله: إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد .
1. فيذكر غير الله .
2. ويستغاث بغير الله.
3. ويدعون غير الله .
4. ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.
فقد ذكر في كلامه هذا أُموراً أربعة:
الأوّل: يذكر غير الله
فنسأله: هل ذكر غير الله في المسجد عبادة للغير؟! ولو صار ذلك ملاكاً للتوحيد والشرك فلا يوجد على أديم الأرض أيُّ موحّد، فالخطباء يذكرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورواة الحديث وأسماء العلماء وغير ذلك، وربّما يذكر الواعظ أسماء الصالحين والطالحين وقصصهم وأحوالهم.
الثاني: ويستغاث بغير الله
وهذا هو المهم في كلام الشيخ، فنقول: هل الاستغاثة بغير الله أمر حرام، فهذا القرآن يذكر قصة الرجل الّذي استغاث بموسى (عليه السلام)وهو من شيعته لينصره على عدوه القبطي، واستجاب له موسى (عليه السلام)